######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009219 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الغزالي #META# 010.AuthorNAME :: أبو حامد الغزالي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 505 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الاقتصاد في الاعتقاد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب العقائد والملل :: مواضيع عقدية #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الاقتصاد في الاعتقاد #META# 030.LibURI :: JK_009219 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ومكتبة الهلال #META# 044.EdPLACE :: لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1993م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | خطبة الكتاب # أحمد لله الذي اجتبى من صفوة عباده عصابة الحق وأهل السنة ، وخصهم من بين ~~سائر الفرق بمزايا اللطف والمنة ، وأفاض عليهم من نور هدايته ما كشف به عن ~~حقائق الدين ، وأنطق ألسنتهم بحجته التي قمع بها ضلال الملحدين ، وصفى ~~سرائرهم من وساوس الشياطين ، وطهر ضمائرهم عن نزغات الزائغين ، وعمر ~~أفئدتهم بأنوار اليقين حتى اهتدوا بها إلى أسرار ما أنزله على لسان نبيه ~~وصفيه محمد صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين ، واطلعوا على طريق التلفيق ~~بين مقتضيات الشرائع وموجبات العقول ؛ وتحققوا أن لا معاندة بين الشرع ~~المنقول والحق المعقول . وعرفوا أن من ظن من الحشوية وجوب الجمود على ~~التقليد ، واتباع الظواهر ما أتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر . وإن ~~من تغلغل من الفلاسفة وغلاة المعتزلة PageV01P027 في تصرف العقل حتى صادموا ~~به قواطع الشرع ، ما أتوا به إلا من خبث الضمائر . فميل أولئك إلى التفريط ~~وميل هؤلاء إلى الافراط ، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط . بل الواجب ~~المحتوم في قواعد الإعتقاد ملازمة الاقتصاد والاعتماد على الصراط المستقيم ~~؛ فكلا طرفي قصد الأمور ذميم . وأنى يستتب الرشاد لمن يقنع بتقليد الأثر ~~والخبر ، وينكر مناهج البحث والنظر ، أو لا يعلم انه لا مستند للشرع إلا ~~قول سيد البشر صلى الله عليه وسلم ، وبرهان العقل هو الذي عرف به صدقه فيما ~~أخبر ، وكيف يهتدي للصواب من اقتفى محض العقل واقتصر ، وما استضاء بنور ~~الشرع ولا استبصر ؟ فليت شعري كيف يفزع إلى العقل من حيث يعتريه العي ~~والحصر ؟ أو لا يعلم ان العقل قاصر وأن مجاله ضيق منحصر ؟ هيهات قد خاب على ~~القطع والبتات وتعثر بأذيال الضلالات من لم يجمع بتأليف الشرع والعقل هذا ~~الشتات . فمثال العقل البصر السليم عن الآفات والاذاء . ومثال القرآن الشمس ~~المنتشرة الضياء . فاخلق بأن يكون طالب الاهتداء . المستغني إذا استغني ~~بأحدهما عن الآخر في غمار الأغبياء ، فالمعرض عن العقل مكتفيا بنور القرآن ~~، مثاله المتعرض لنور الشمس مغمضا للأجفان ، فلا PageV01P028 فرق بينه وبين ~~العميان . فالعقل مع الشرع نور على نور ms001 ، والملاحظ بالعين العور لأحدهما ~~على الخصوص متدل بحبل غرور . وسيتضح لك أيها المشوق إلى الاطلاع على قواعد ~~عقائد أهل السنة ، المقترح تحقيقها بقواطع الأدلة ، أنه لم يستأثر بالتوفيق ~~للجمع بين الشرع والتحقيق فريق سوى هذا الفريق . فاشكر الله تعالى على ~~إقتفائك لآثارهم وانخراطك في سلك نظامهم وعيارهم واختلاطك بفرقتهم ؛ فعساك ~~أن تحشر يوم القيامة في زمرتهم . نسأل الله تعالى أن يصفي أسرارنا عن ~~كدورات الضلال ، ويغمرها بنور الحقيقة ، وأن يخرس ألسنتنا عن النطق بالباطل ~~، وينطقها بالحق والحكمة إنه الكريم الفائض المنة الواسع الرحمة . ~~PageV01P029 صفحة فارغة PageV01P030 # | فاتحة الكتاب # ولنفتح الكلام ببيان اسم الكتاب ، وتقسيم المقدمات والفصول والأبواب . ~~أما اسم الكتاب فهو الاقتصاد في الإعتقاد . وأما ترتيبه فهو مشتمل على أربع ~~تمهيدات تجري مجرى التوطئة والمقدمات ، وعلى أربع أقطاب تجري مجرى المقاصد ~~والغايات . # التمهيد الأول : في بيان أن هذا العلم من المهمات في الدين . # التمهيد الثاني : في بيان أنه ليس مهما لجميع المسلمين بل لطائفة منهم ~~مخصوصين . # التمهيد الثالث : في بيان أنه من فروض الكفايات لا من فروض الأعيان . # التمهيد الرابع : في تفصيل مناهج الأدلة التي أوردتها في هذا الكتاب . ~~PageV01P031 # وأما الأقطاب المقصودة فأربعة وجملتها مقصورة على النظر في الله تعالى . ~~فإنا إذا نظرنا في العالم لم ننظر فيه من حيث أنه عالم وجسم وسماء وأرض ، ~~بل من حيث أنه صنع الله سبحانه . وإن نظرنا في النبي عليه السلام لم ننظر ~~فيه من حيث أنه انسان وشريف وعالم وفاضل ؛ بل من حيث أنه رسول الله . وان ~~نظرنا في أقواله لم ننظر من حيث أنها أقوال ومخاطبات وتفهيمات ؛ بل من حيث ~~أنها تعريفات بواسطته من الله تعالى ، فلا نظر إلا في الله ولا مطلوب سوى ~~الله وجميع أطراف هذا العلم يحصرها النظر في ذات الله تعالى وفي صفاته ~~سبحانه وفي أفعاله عز وجل وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاءنا على ~~لسانه من تعريف الله تعالى . فهي إذن أربعة أقطاب : القطب الأول : النظر في ~~ذات الله تعالى . فنبين فيه وجوده وانه ms002 قديم وأنه باق وأنه ليس بجوهر ولا ~~جسم ولا عرض ولا محدود بحد ولا هو مخصوص بجهة ، وأنه مرئي كما أنه معلوم ~~وأنه واحد ؛ فهذه عشرة دعاوى نبينها في هذا القطب . # القطب الثاني : في صفات الله تعالى . ونبين فيه أنه حي عالم قادر مريد ~~سميع بصير متكلم وأن له حياة وعلما وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا وكلاما ، ~~ونذكر أحكام هذه الصفات ولوازمها وما يفترق فيها وما PageV01P032 يجتمع ~~فيها من الأحكام ، وأن هذه الصفات زائدة على الذات وقديمة وقائمة بالذات ~~ولا يجوز أن يكون شيء من الصفات حادثا . # القطب الثالث : في أفعال الله تعالى . وفيه سبعة دعاوى وهو انه لا يجب ~~على الله تعالى التكليف ولا الخلق ولا الثواب على التكليف ولا رعاية صلاح ~~العباد ولا يستحيل منه تكليف ما لا يطاق ولا يجب عليه العقاب على المعاصي ~~ولا يستحيل منه بعثه الأنبياء عليهم السلام ؛ بل يجوز ذلك . وفي مقدمة هذا ~~القطب بيان معنى الواجب والحسن والقبيح . # القطب الرابع : في رسل الله ، وما جاء على لسان رسولنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم من الحشر والنشر والجنة والنار والشفاعة وعذاب القبر والميزان ~~والصراط ، وفيه أربعة أبواب : الباب الأول : في إثبات نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم . # الباب الثاني : فيما ورد على لسانه من أمور الآخرة . # الباب الثالث : في الإمامة وشروطها . # الباب الرابع : في بيان القانون في تكفير الفرق المبتدعة . PageV01P033 ~~صفحة فارغة PageV01P034 # | تمهيدات الكتاب # # | التمهيد الأول في بيان أن الخوض في هذا العلم مهم في الدين # اعلم أن صرف الهمة إلى ما ليس بمهم ، وتضييع الزمان بما عنه بد هو غاية ~~الضلال ونهاية الخسران سواء كان المنصرف إليه بالهمة من العلوم أو من ~~الأعمال ، فنعوذ بالله من علم لا ينفع . وأهم الأمور لكافة الخلق نيل ~~السعادة الأبدية واجتناب الشقاوة الدائمة ، وقد ورد الأنبياء وأخبروا الخلق ~~بأن لله تعالى على عباده حقوقا ووظائف في أفعالهم وأقوالهم وعقائدهم . وأن ~~من لم ينطق بالصدق لسانه ولم ينطو على الحق ضميره ولم تتزين بالعدل جوارحه ~~فمصيره إلى النار ms003 وعاقبته للبوار . ثم لم يقتصروا على مجرد الإخبار بل ~~استشهدوا على صدقهم بأمور غريبة وأفعال عجيبة خارقة للعادات خارجة عن ~~مقدورات البشر ، فمن شاهدها PageV01P035 أو سمع أحوالها بالأخبار المتواترة ~~سبق إلى عقله إمكان صدقهم ، بل غلب على ظنه ذلك بأول السماع قبل أن يمعن ~~النظر في تمييز المعجزات عن عجائب الصناعات . وهذا الظن البديهي أو التجويز ~~الضروري ينزع الطمأنينة عن القلب ويحشوه بالاستشعار والخوف ويهيجه للبحث ~~والافتكار ويسلب عنه الدعة والقرار ويحذره مغبة التساهل والإهمال ويقرر ~~عنده أن الموت آت لا محالة وأن ما بعد الموت منطو عن أبصار الخلق وأن ما ~~أخبر به هؤلاء غير خارج عن حيز الإمكان . فالحزم ترك التواني في الكشف عن ~~حقيقة هذا الأمر . فما هؤلاء مع العجائب التي أظهروها في إمكان صدقهم قبل ~~البحث عن تحقيق قولهم بأقل من شخص واحد يخبرنا عن خروجنا من دارنا ومحل ~~استقرارنا بأن سبعا من السباع قد دخل الدار فخذ حذرك واحترز منه لنفسك جهدك ~~، فإنا بمجرد السماع إذا رأينا ما أخبرنا عنه في محل الامكان والجواز لم ~~نقدم على الدخول وبالغنا في الاحتراز فالموت هو المستقر والوطن قطعا ، فكيف ~~لا يكون الاحتراز لما بعده مهما ؟ فإذن أهم الممات أن نبحث عن قوله الذي ~~قضى الذهن في بادئ الرأي وسابق النظر بامكانه أهو محال في نفسه على التحقيق ~~أو هو حق لا شك فيه ؟ فمن قوله ان PageV01P036 لكم ربا كلفكم حقوقا وهو ~~يعاقبكم على تركها ويثيبكم على فعلها وقد بعثني رسولا إليكم لأبين ذلك لكم ~~، فيلزمنا لا محالة أن نعرف أن لنا ربا أم لا . وإن كان فهل يمكن أن يكون ~~حيا متكلما حتى يأمر وينهى ويكلف ويبعث الرسل ، وإن كان متكلما فهل هو قادر ~~على أن يعاقب ويثيب إذا عصيناه أو أطعناه ، وإن كان قادرا فهل هذا الشخص ~~بعينه صادق في قوله أنا الرسول إليكم . فإن اتضح لنا ذلك لزمنا لا محالة ، ~~إن كنا عقلاء ، أن نأخذ حذرنا وننظر لأنفسنا ونستحقر هذه الدنيا المنقرضة ~~بالاضافة إلى الآخرة ms004 الباقية فالعاقل من ينظر لعاقبته ولا يغتر بعاجلته . ~~ومقصود هذا العلم إقامة البرهان على وجود الرب تعالى وصفاته وأفعاله وصدق ~~الرسل كما فصلناه في الفهرست . وكل ذلك مهم لا محيص عنه لعاقل . فإن قلت ~~اني لست منكرا هذا الانبعاث للطلب من نفسي ولكني لست أدري أنه ثمرة الجبلة ~~والطبع وهو مقتضى العقل أو هو موجب الشرع إذ للناس كلام في مدارك الوجوب ؛ ~~فهذا انما تعرفه في آخر الكتاب عند تعرضنا لمدارك الوجوب . والاشتغال به ~~الآن فضول بل لا سبيل بعد وقوع الانبعاث إلى الانتهاض لطلب الخلاص . فمثال ~~الملتفت إلى ذلك مثال رجل لدغته PageV01P037 حية أو عقرب وهي معاودة اللدغ ~~والرجل قادر على الفرار ولكنه متوقف ليعرف ان الحية جاءته من جانب اليمين ~~أو من جانب اليسار ، وذلك من أفعال الأغبياء الجهال نعوذ بالله من الاشتغال ~~بالفضول مع تضييع المهمات والأصول . # | التمهيد الثاني في بيان أهمية هذا العلم لطائفة من المسلمين # إعلم أن الأدلة التي نحررها في هذا العلم تجري مجرى الأدوية التي يعالج ~~بها مرض القلوب . والطبيب المستعمل لها إن لم يكن حاذقا ثاقب العقل رصين ~~الرأي كان ما يفسده بدوائه أكثر مما يصلحه . فليعلم المحصل لمضمون هذا ~~الكتاب والمستفيد لهذه العلوم أن الناس أربع فرق : الفرقة الأولى : آمنت ~~بالله وصدقت رسوله واعتقدت الحق وأضمرته واشتغلت إما بعبادة وإما بصناعة ؛ ~~فهؤلاء ينبغي أن يتركوا وما هم عليه ولا تحرك عقائدهم بالاستحثاث على تعلم ~~هذا العلم ، فإن صاحب الشرع صلوات الله عليه لم يطالب العرب في مخاطبته ~~إياهم بأكثر من التصديق ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد تقليدي أو ~~بيقين برهاني . وهذا مما علم ضرورة PageV01P038 من مجاري أحواله في تزكيته ~~إيمان من سبق من أجلاف العرب إلى تصديقه ببحث وبرهان ؛ بل بمجرد قرينة ~~ومخيلة سبقت إلى قلوبهم فقادتها إلى الإذعان للحق والانقياد للصدق فهؤلاء ~~مؤمنون حقا فلا ينبغي أن تشوش عليهم عقائدهم ، فإنه إذا تليت عليهم هذه ~~البراهين وما عليها من الاشكالات وحلها لم يؤمن أن تعلق بأفهامهم مشكلة ms005 من ~~المشكلات وتستولي عليها ولا تمحى عنها بما يذكر من طرق الحل . ولهذا لم ~~ينقل عن الصحابة الخوض في هذا الفن لا بمباحثة ولا بتدريس ولا تصنيف ، بل ~~كان شغلهم بالعبادة والدعوة إليها وحمل الخلق على مراشدهم ومصالحهم في ~~أحوالهم وأعمالهم ومعاشهم فقط . # الفرقة الثانية : طائفة مالت عن اعتقاد الحق كالكفرة والمبتدعة . فالجافي ~~الغليظ منهم الضعيف العقل الجامد على التقليد الممتري على الباطل من مبتدأ ~~النشوء إلى كبر السن لا ينفع معه إلا السوط والسيف . فأكثر الكفرة أسلموا ~~تحت ظلال السيوف إذ يفعل الله بالسيف والسنان ما لا يفعل بالبرهان واللسان ~~. وعن هذا إذا استقرأت تواريخ الأخبار لم تصادف ملحمة بين المسلمين والكفار ~~إلا انكشفت عن جماعة من أهل الضلال مالوا إلى الانقياد ، ولم تصادف مجمع ~~مناظرة PageV01P039 ومجادلة انكشفت إلا عن زيادة إصرار وعناد . ولا تظنن أن ~~هذا الذي ذكرناه غض من منصب العقل وبرهانه ولكن نور العقل كرامة لا يخص ~~الله بها إلا الآحاد من أوليائه ، والغالب على الخلق القصور والاهمال ، فهم ~~لقصورهم لا يدركون براهين العقول كما لا تدرك نور الشمس أبصار الخفافيش . ~~فهؤلاء تضر بهم العلوم كما تضر رياح الورد بالجعل . وفي مثل هؤلاء قال ~~الامام الشافعي رحمه الله : # فمن منح الجهال علما أضاعه . . . ومن منع المستوجبين فقد ظلم # الفرقة الثالثة : طائفة اعتقدوا الحق تقليدا وسماعا ولكن خصوا في الفطرة ~~بذكاء وفطنة فتنبهوا من أنفسهم لإشكالات تشككهم في عقائدهم وزلزلت عليهم ~~طمأنينتهم ، أو قرع سمعهم شبهة من الشبهات وحاكت في صدورهم . فهؤلاء يجب ~~التلطف بهم في معالجتهم باعادة طمأنينتهم وإماطة شكوكهم بما أمكن من الكلام ~~المقنع المقبول عندهم ولو بمجرد إستبعاد وتقبيح أو تلاوة آية أو رواية حديث ~~أو نقل كلام من شخص مشهور عندهم بالفضل . فإذا زال شكه بذلك القدر فلا ~~ينبغي أن يشافه بالأدلة المحررة على مراسم الجدال ، فإن ذلك ربما يفتح عليه ~~أبوابا أخر PageV01P040 من الإشكالات . فإن كان ذكيا فطنا لم يقنعه إلا ~~كلام يسير على محك التحقيق . فعند ذلك يجوز أن يشافه بالدليل ms006 الحقيقي وذلك ~~على حسب الحاجة وفي موضع الاشكال على الخصوص . الفرقة الرابعة : طائفة من ~~أهل الضلال يتفرس فيهم مخائل الذكاء والفطنة ويتوقع منهم قبول الحق بما ~~اعتراهم في عقائدهم من الريبة أو بما يلين قلوبهم لقبول التشكيك بالجبلة ~~والفطرة . فهؤلاء يجب التلطف بهم في استمالتهم إلى الحق وإرشادهم إلى ~~الإعتقاد الصحيح لا في معرض المحاجة والتعصب ، فإن ذلك يزيد في دواعي ~~الضلال ويهيج بواعث التمادي والإصرار . وأكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب ~~العوام بتعصب جماعة من جهال أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحري والادلاء ~~، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والإزراء . فثارت من بواطنهم دواعي ~~المعاندة والمخالفة ورسخت في نفوسهم الاعتقادات الباطلة وعسر على العلماء ~~المتلطفين محوها مع ظهور فسادها ، حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا ~~أن الحروف التي نظروا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة . ~~ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء لما وجد مثل هذا ~~الاعتقاد PageV01P041 مستقرا في قلب مجنون فضلا عمن له قلب عاقل . ~~والمجادلة والمعاندة داء محض لا دواء له ، فليتحرز المتدين منه جهده وليترك ~~الحقد والضغينة وينظر إلى كافة خلق الله بعين الرحمة ، وليستعن بالرفق ~~واللطف في ارشاد من ضل من هذه الأمة ، وليتحفظ من النكد الذي يحرك داعية ~~الضلال ، وليتحقق أن مهيج داعية الاصرار بالعناد والتعصب معين على الاصرار ~~على البدعة ومطالب بعهده اعانته في القيامة . # | التمهيد الثالث في بيان الاشتغال بهذا العلم من فروض الكفايات # إعلم أن التبحر في هذا العلم والاشتغال بمجامعه ليس من فروض الأعيان وهو ~~من فروض الكفايات . فأما أنه ليس من فروض الأعيان فقد إتضح لك برهانه في ~~التمهيد الثاني . إذ تبين أنه ليس يجب على كافة الخلق إلا التصديق الجزم ~~وتطهير القلب عن الريب والشك في الإيمان . وإنما تصير إزالة الشك فرض عين ~~في حق من اعتراه الشك . # فإن قلت فلم صار من فروض الكفايات وقد ذكرت أن أكثر الفرق يضرهم ذلك ولا ~~ينفعهم ؟ فاعلم أنه قد PageV01P042 سبق أن ازالة الشكوك في أصول ms007 العقائد ~~واجبة ، واعتوار الشك غير مستحيل وإن كان لا يقع إلا في الأقل ، ثم الدعوة ~~إلى الحق بالبرهان مهمة في الدين . ثم لا يبعد أن يثور مبتدع ويتصدى لإغواء ~~أهل الحق بإفاضة الشبهة فيهم فلا بد ممن يقاوم شبهته بالكشف ويعارض إغواءه ~~بالتقبيح ، ولا يمكن ذلك إلا بهذا العلم . ولا تنفك البلاد عن أمثال هذه ~~الوقائع ، فوجب أن يكون في كل قطر من الأقطار وصقع من الأصقاع قائم بالحق ~~مشتغل بهذا العلم يقاوم دعاة المبتدعة ويستميل المائلين عن الحق ويصفي قلوب ~~أهل السنة عن عوارض الشبهة . فلو خلا عنه القطر خرج به أهل القطر كافة ، ~~كما لو خلا عن الطبيب والفقيه . نعم من أنس من نفسه تعلم الفقه أو الكلام ~~وخلا الصقع عن القائم بهما ولم يتسع زمانه للجمع بينهما واستفتي في تعيين ~~ما يشتغل به منهما ؛ أوجبنا عليه الاشتغال بالفقه فإن الحاجة إليه أعم ~~والوقائع فيه أكثر فلا يستغني أحد في ليله ونهاره عن الاستعانة بالفقه . ~~واعتوار الشكوك المحوجة إلى علم الكلام باد بالإضافة إليه كما أنه لو خلا ~~البلد عن الطبيب والفقيه كان التشاغل بالفقه أهم ؛ لأنه يشترك في الحاجة ~~إليه الجماهير والدهماء . فأما الطب فلا يحتاج إليه الأصحاء ، PageV01P043 ~~والمرضى أقل عددا بالإضافة إليهم . ثم المريض لا يستغني عن الفقه كما لا ~~يستغني عن الطب وحاجته إلى الطب لحياته الفانية وإلى الفقه لحياته الباقية ~~وشتان بين الحالتين . فإذا نسبت ثمرة الطب إلى ثمرة الفقه علمت ما بين ~~الثمرتين . ويدلك على أن الفقه أهم العلوم اشتغال الصحابة رضي الله عنهم ~~بالبحث عنه في مشاورتهم ومفاوضاتهم . ولا يغرنك ما يهول به من يعظم صناعة ~~الكلام من أنه الأصل والفقه فرع له فإنها كلمة حق ولكنها غير نافعة في هذا ~~المقام ، فإن الأصل هو الإعتقاد الصحيح والتصديق الجزم وذلك حاصل بالتقليد ~~والحاجة إلى البرهان ودقائق الجدل نادرة . والطبيب أيضا قد يلبس فيقول ~~وجودك ثم وجودك ثم وجود بدنك موقوف على صناعتي وحياتك منوطة بي فالحياة ~~والصحة أولا ثم الاشتغال بالدين ثانيا ms008 . ولكن لا يخفى ما تحت هذا الكلام من ~~التمويه وقد نبهنا عليه . # | التمهيد الرابع في بيان مناهج الأدلة التي انتهجناها في هذا الكتاب # إعلم أن مناهج الأدلة متشعبة وقد أوردنا بعضها في كتاب محك النظر وأشبعنا ~~القول فيها في كتاب معيار PageV01P044 العلم . ولكنا في هذا الكتاب نحترز ~~عن الطرق المتغلقة والمسالك الغامضة قصدا للايضاح وميلا إلى الإيجاز ~~واجتنابا للتطويل . ونقتصر على ثلاثة مناهج : المنهج الأول : السبر ~~والتقسيم وهو ان نحصر الأمر في قسمين ثم يبطل أحدهما فيلزم منه ثبوت الثاني ~~. كقولنا : العالم إما حادث وإما قديم ، ومحال أن يكون قديما فيلزم منه لا ~~محالة أن يكون حادثا أنه حادث وهذا اللازم هو مطلوبنا وهو علم مقصود ~~إستفدناه من علمين آخرين أحدهما قولنا : العالم إما قديم أو حادث فإن الحكم ~~بهذا الانحصار علم . # والثاني : قولنا ومحال أن يكون قديما فإن هذا علم آخر . # والثالث : هو اللازم منهما وهو المطلوب بأنه حادث . وكل علم مطلوب ، فلا ~~يمكن أن يستفاد الا من علمين هما أصلان ولا كل أصلين ، بل إذا وقع بينهما ~~إزدواج على وجه مخصوص وشرط مخصوص ، فإذا وقع الازدواج على شرطه أفاد علما ~~ثالثا وهو المطلوب ، وهذا الثالث قد نسميه دعوى إذا كان لنا خصم ، ونسميه ~~مطلوبا إذا كان لم يكن لنا خصم ، لأنه مطلب الناظر ونسميه فائدة وفرعا ~~بالاضافة إلى الأصلين فإنه مستفاد منهما . ومهما أقر الخصم بالأصلين يلزمه ~~لا محالة الاقرار بالفرع المستفاد منهما وهو صحة الدعوى . PageV01P045 # المنهج الثاني : أن نرتب أصلين على وجه آخر مثل قولنا : كل ما لا يخلو عن ~~الحوادث فهو حادث وهو أصل ، والعالم لا يخلو عن الحوادث فهو أصل آخر ، ~~فيلزم منهما صحة دعوانا وهو أن العالم حادث وهو المطلوب فتأمل . هل يتصور ~~أن يقر الخصم بالأصلين ثم يمكنه إنكار صحة الدعوى فتعلم قطعا أن ذلك محال . # المنهج الثالث : أن لا نتعرض لثبوت دعوانا ، بل ندعي إستحالة دعوى الخصم ~~بأن نبين أنه مفض إلى المحال وما يفضي إلى المحال فهو محال لا محالة . ~~مثاله ms009 : قولنا إن صح قول الخصم أن دورات الفلك لا نهاية لها لزم منه صحة ~~قول القائل أن ما لا نهاية له قد انقضى وفرغ منه ، ومعلوم أن هذا اللازم ~~محال فيعلم منه لا محالة أن المفضي إليه محال وهو مذهب الخصم . فههنا أصلان ~~: أحدهما قولنا إن كانت دورات الفلك لا نهاية لها فقد انقضى ما لا نهاية له ~~، فإن الحكم بلزوم إنقضاء ما لا نهاية له - على القول بنفي النهاية عن ~~دورات الفلك - علم ندعيه ونحكم به . ولكن يتصور فيه من الخصم إقرارا وإنكار ~~بأن يقول : لا أسلم أنه يلزم ذلك . والثاني قولنا إن هذا اللازم محال فإنه ~~أيضا أصل يتصور فيه إنكار بأن يقول : سلمت PageV01P046 الأصل الأول ولكن لا ~~أسلم هذا الثاني وهو إستحالة إنقضاء ما لا نهاية له ، ولكن لو أقر بالأصلين ~~كان الاقرار بالمعلوم الثالث اللازم منهما واجبا بالضرورة ؛ وهو الاقرار ~~باستحالة مذهبه المفضي إلى هذا المحال . فهذه ثلاث مناهج في الاستدلال جلية ~~لا يتصور إنكار حصول العلم منها ، والعلم الحاصل هو المطلوب والمدلول ، ~~وازدواج الأصلين الملتزمين لهذا العلم هو الدليل . والعلم بوجه لزوم هذا ~~المطلوب من ازدواج الأصلين علم بوجه دلالة الدليل ، وفكرك الذي هو عبارة عن ~~إحضارك الأصلين في الذهن وطلبك التفطن لوجه لزوم العلم الثالث من العلمين ~~الأصلين هو النظر ؛ فإذن عليك في درك العلم المطلوب وظيفتان ؛ إحداهما : ~~إحضار الأصلين في الذهن وهذا يسمى فكرا ، والآخر : تشوقك إلى التفطن لوجه ~~لزوم المطلوب من ازدواج الأصلين وهذا يسمى طلبا . فلذلك قال من جرد التفاته ~~إلى الوظيفة الأولى حيث أراد حد النظر أنه الفكر . وقال من جرد التفاته إلى ~~الوظيفة الثانية في حد النظر أنه طلب علم أو غلبة ظن . وقال من التفت إلى ~~الأمرين جميعا أنه الفكر الذي يطلب به من قام به علما أو غلبة ظن . فهكذا ~~ينبغي أن تفهم الدليل والمدلول ووجه الدلالة وحقيقة PageV01P047 النظر ودع ~~عنك ما سودت به أوراق كثيرة من تطويلات وترديد عبارات لا تشفي غليل طالب ~~ولا تسكن نهمة ms010 متعطش ولن يعرف قدر هذه الكلمات الوجيزة إلا من انصرف خائبا ~~عن مقصده بعد مطالعة تصانيف كثيرة . فإن رجعت الآن في طلب الصحيح إلى ما ~~قيل في حد النظر دل ذلك على انك تخص من هذا الكلام بطائل ولن ترجع منه إلى ~~حاصل ، فإنك إذا عرفت أنه ليس ههنا إلا علوم ثلاثة : علمان هما أصلان ~~يترتبان ترتبا مخصوصا ، وعلم ثالث يلزم منهما وليس عليك فيه الا وظيفتان : ~~إحداهما إحضار العلمين في ذهنك ، والثانية التفطن لوجه العلم الثالث منهما ~~. والخيرة بعد ذلك اليك في اطلاق لفظ النظر في ان تعبر به عن الفكر الذي هو ~~احضار العلمين ، أو عن التشوف الذي هو طلب التفطن لوجه لزوم العلم الثالث ، ~~أو عن الأمرين جميعا ، فإن العبارات مباحة والاصطلاحات لا مشاحة فيها . # فان قلت غرضي أن أعرف اصطلاح المتكلمين وأنهم عبروا بالنظر عماذا ، فاعلم ~~أنك إذا سمعت واحدا يجد النظر بالفكر ، وآخر بالطلب ، وآخر بالفكر الذي هو ~~يطلب به ، لم تسترب في اختلاف اصطلاحاتهم على ثلاثة أوجه . والعجب ممن لا ~~يتفطن هذا ويفرض الكلام في حد النظر . PageV01P048 # | مدارك العقول # مسألة خلافية : ويستدل بصحة واحد من الحدود وليس يدري أن حظ المعنى ~~المعقول من هذه الأمور لا خلاف فيه وأن الأصطلاح لا معنى للخلاف فيه . وإذا ~~أنت امعنت النظر واهتديت السبيل عرفت قطعا أن أكثر الأغاليط نشأت من ضلال ~~من طلب المعاني من الألفاظ ، ولقد كان من حقه أن يقدر المعاني أولا ثم ينظر ~~في الألفاظ ثانيا ، ويعلم أنها اصطلاحات لا تتغير بها المعقولات . ولكن من ~~حرم التوفيق استدبر الطريق ، ونكل عن التحقيق . # فإن قلت : إني لا استريب في لزوم صحة الدعوى من هذين الأصلين إذا أقر ~~الخصم بهما على هذا الوجه ، ولكن من أين يجب على الخصم الاقرار بهما ومن ~~أين تقتضي هذه الأحوال المسلمة الواجبة التسليم ؟ فاعلم أن لها مدارك شتى ~~ولكن الذي نستعمله في هذا الكتاب نجتهد أن لا يعد ستة : الأول منها : ~~الحسيات ، أعني المدرك بالمشاهدة الظاهرة والباطنة ، مثاله أنا إذا ms011 قلنا ~~مثلا كل حادث فله سبب ، وفي العالم حوادث فلا بد لها من سبب . فقولنا : في ~~العالم حوادث ، أصل واحد يجب الإقرار به ، فإنه يدرك بالمشاهدة الظاهرة ~~حدوث أشخاص الحيوانات والنباتات والغيوم والامطار ومن الأعراض PageV01P049 ~~الأصوات والألوان . وان تخيل أنها منتقلة ، فالانتقال حادث ونحن لم ندع إلا ~~حادثا ولم نعين أن ذلك الحادث جوهر أو عرض أو انتقال أو غيره . وكذلك يعلم ~~بالمشاهدة الباطنة حدوث الآلام والافراح والغموم في قلبه فلا يمكنه انكاره ~~. # الثاني : العقل المحض ، فإنا إذا قلنا : العالم أما قديم مؤخر ، وإما ~~حادث مقدم ، وليس وراء القسمين قسم ثالث ، وجب الاعتراف به على كل عاقل . ~~مثاله أن تقول : كل ما لا يسبق الحوادث فهو حادث ، والعالم لا يسبق الحوادث ~~فهو حادث ، فأحد الأصلين قولنا أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث . # ويجب على الخصم الإقرار به ، لأن ما لا يسبق الحادث إما أن يكون مع ~~الحادث أو بعده ولا يمكن قسم ثالث ، فإن ادعى قسما ثالثا كان منكرا لما هو ~~بديهي في العقل ، وإن انكر أن ما هو مع الحادث أو بعده ليس بحادث فهو أيضا ~~منكر للبديهة . الثالث : التواتر ، مثاله أنا نقول محمد صلوات الله وسلامه ~~عليه صادق لأن كل من جاء بالمعجزة فهو صادق ، وقد جاء هو بالمعجزة فهو إذا ~~صادق ، فإن قيل أنا لا نسلم أنه جاء بالمعجزة فنقول : قد جاءنا بالقرآن ~~والقرآن معجزة ، فإذا قد جاء بالمعجزة . فإن سلم الخصم أحد الأصلين وهو أن ~~PageV01P050 القرآن معجزة ، أما بالطوع أو بالدليل ، وأراد إنكار الأصل ~~الثاني وهو أنه قد جاء بالقرآن ، وقال لا أسلم أن القرآن مما جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم تسليما ، لم يمكنه ذلك لأن التواتر يحصل العلم به كما ~~حصل لنا العلم بوجوده وبدعواه النبوة وبوجود مكة ووجود موسى وعيسى وسائر ~~الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين . # الرابع : أن يكون الأصل مثبتا بقياس آخر يستند بدرجة واحدة أو درجات ~~كثيرة إما إلى الحسيات أو العقليات أو المتواترات ، فإن ما هو فرع الأصلين ms012 ~~يمكن أن يجعل أصلا في قياس آخر . مثاله أنا بعد أن نفرغ من الدليل على حدوث ~~العالم يمكننا أن نجعل حدوث العالم أصلا في نظم قياس ، مثلا أن نقول كل ~~حادث فله سبب والعالم حادث فإذا له سبب ، فلا يمكنهم انكار كون العالم ~~حادثا بعد أن اثبتنا بالدليل حدوثه . # الخامس : السمعيات ، مثاله انا ندعي مثلا ان المعاصي بمشيئة الله تعالى ، ~~ونقول كل كائن فهو بمشيئة الله تعالى والمعاصي كائنة فهي إذا بمشيئة الله ~~تعالى ؛ فأما قولنا هي كائنة فمعلوم وجودها بالحس ، وكونها معصية بالشرع ، ~~وأما قولنا كل كائن بمشيئة الله تعالى فإذا أنكر الخصم ذلك منعه الشرع مهما ~~كان مقرا PageV01P051 بالشرع أو كان قد أثبت عليه بالدليل فإنا نثبت هذا ~~الأصل بإجماع الأمة على صدق قول القائل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ~~فيكون السمع مانعا من الانكار . # السادس : أن يكون الأصل مأخوذا من معتقدات الخصم ومسلماته . فإنه وإن لم ~~يقم لنا عليه دليل أو لم يكن حسيا ولا عقليا ، انتفعنا باتخاذه إياه أصلا ~~في قياسنا وامتنع عليه الإنكار الهادم لمذهبه . وأمثلة هذا مما تكثر فلا ~~حاجة إلى تعيينه . فإن قلت : فهل من فرق بين هذه المدارك في الانتفاع بها ~~في المقاييس النظرية ؟ فاعلم أنها متفاوتة في عموم الفائدة ، فإن المدارك ~~العقلية والحسية عامة مع كافة الخلق إلا من لا عقل له ولا حس له وكان الأصل ~~معلوما فالحس الذي فقده كالأصل المعلوم بحاسة البصر إذا استعمل مع الأكمه ~~فإنه لا ينفع ، والأكمه إذا كان هو الناظر لم يمكنه أن يتخذ ذلك أصلا ، ~~وكذلك المسموع في حق الأصم . وأما المتواتر فإنه نافع ولكن في حق من تواتر ~~إليه ، فأما من لم يتواتر إليه ممن وصل إلينا في الحال من مان بعيد لم ~~تبلغه الدعوة فأردنا أن نبين له بالتواتر أن نبينا وسيدنا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم تسليما وعلى آله وصحبه تحدى بالقرآن ، لم يقدر عليه ما لم يمهله ~~مدة من يتواتر عنده ، ورب شيء يتواتر عند ms013 قوم دون قوم ، فقول الشافعي رحمه ~~الله تعالى في مسألة قتل المسلم PageV01P052 بالذمي متواتر عند الفقهاء من ~~أصحابه دون العوام من المقلدين وكم من مذهب له في أحاد المسائل لم يتواتر ~~عند أكثر الفقهاء وأما الأصل المستفاد من قياس آخر فلا ينفع إلا مع من قدر ~~معه ذلك القياس . # وأما مسلمات المذاهب فلا تنفع الناظر وإنما تنفع المناظر مع من يعتقد ذلك ~~المذهب . وأما السمعيات فلا تنفع إلا من يثبت السمع عنه ، فهذه مدارك علوم ~~هذه الأصول المفيدة بترتيبها ونظمها العلم بالأمور المجهولة المطلوبة وقد ~~فرغنا من التمهيدات فلنشتغل بالأقطاب التي هي مقاصد الكتاب . PageV01P053 ~~صفحة فارغة PageV01P054 # | أقطاب الكتاب أو مقاصده # PageV01P055 صفحة فارغة PageV01P056 # | القطب الأول في النظر في ذات الله تعالى وفيه عشر دعاوى # الدعوى الأولى : وجوده تعالى وتقدس ، برهانه أنا نقول كل حادث فلحدوثه ~~سبب ، والعالم حادث فيلزم منه إن له سببا ، ونعني بالعالم كل موجود سوى ~~الله تعالى . ونعني بكل موجود سوى الله تعالى الأجسام كلها وأعراضها ، وشرح ~~ذلك بالتفصيل أنا لا نشك في أصل الوجود ، ثم نعلم أن كل موجود اما متحيزا ~~أو غير متحيز ، وأن كل متحيز إن لم يكن فيه ائتلاف فنسميه جوهرا فردا ، وإن ~~ائتلف إلى غيره سميناه جسما ، وإن غير المتحيز أما أن يستدعي وجوده جسما ~~يقوم به ونسميه الأعراض ، أو لا يستدعيه وهو الله سبحانه وتعالى ، فأما ~~ثبوت الأجسام وأعراضها ، PageV01P057 فمعلوم بالمشاهدة ، ولا يلتفت إلى من ~~ينازع في الأعراض وإن طال فيها صياحه وأخذ يلتمس منك دليلا عليه ، فإن شغبه ~~ونزاعه والتماسه وصياحه ، وإن لم يكن موجودا فكيف نشتغل بالجواب عنه ~~والإصغاء إليه ، وإن كان موجودا فهو لا محالة غير جسم المنازع إذ كان جسما ~~موجودا من قبل ، ولم يكن التنازع موجودا فقد عرفت أن الجسم والعرض مدركان ~~بالمشاهدة . فإما موجود ليس بجسم ولا جوهر متحيز ولا عرض فيه فلا يدرك ~~بالحس ونحن ندعي وجوده وندعي أن العالم موجود به ، وبقدرته ، وهذا يدرك ~~بالدليل لا بالحس ، والدليل ما ذكرناه ، فلنرجع إلى تحقيقه . فقد ms014 جمعنا فيه ~~أصلين فلعل الخصم ينكرهما ، فنقول له : في أي الأصلين تنازع ؟ فإن قال إنما ~~أنازع في قولك إن كل حادث فله سبب فمن أين عرفت هذا ، فنقول : إن هذا الأصل ~~يجب الاقرار به ، فإنه أولي ضروري في العقل ، ومن يتوقف فيه فإنما يتوقف ~~لأنه ربما لا ينكشف له ما نريده بلفظ الحادث ، ولفظ السبب ، وإذا فهمهما ~~صدق عقله بالضرورة بأن لكل حادث سببا ، فانا نعني بالحادث ما كان معدوما ثم ~~صار موجودا فنقول وجوده قبل أن وجد كان محالا أو ممكنا ، وباطل أن يكون ~~محالا لأن المحال لا يوجد قط ، وإن كان ممكنا PageV01P058 فلسنا نعني ~~بالممكن إلا ما يجوز أن يوجد ويجوز أن لا يوجد ولكن لم يكن موجودا لأنه ليس ~~يجب وجوده لذاته إذ لو وجد وجوده لذاته لكان واجبا لا ممكنا ، بل قد افتقر ~~وجوده إلى مرجح لوجوده على العدم حتى يتبدل العدم بالوجود . فإذا كان ~~استمرار عدمه من حيث أنه لا مرجح للوجود على العدم ، فمن لم يوجد المرجح لا ~~يوجد الوجود ، ونحن لا نريد بالسبب إلا المرجح : والحاصل أن المعدوم ~~المستمر العدم لا يتبدل عدمه بالوجود ما لم يتحقق أمر من الأمور يرجح جانب ~~الوجود على استمرار العدم ، وهذا إذا حصل في الذهن معنى لفظه كان العقل ~~مضطرا إلى التصديق به . فهذا بيان اثبات هذا الأصل وهو على التحقيق شرح ~~للفظ الحادث والسبب لاقامة دليل عليه . # فإن قيل لم تنكرون على من ينازع في الأصل الثاني ، وهو قولكم أن العالم ~~حادث ، فنقول : إن هذا الأصل ليس بأولي في العقل ، بل نثبته ببرهان منظوم ~~من أصلين آخرين هو أنا نقول إذ قلنا أن العالم حادث أردنا بالعالم الآن ، ~~الأجسام والجواهر فقط ، فنقول كل جسم فلا يخلو عن الحوادث وكل ما لا يخلو ~~عن الحوادث فهو حادث ، فيلزم منه أن كل جسم فهو حادث ففي أي الأصلين النزاع ~~؟ فإن قيل لم قيل أن كل جسم أو متحيز فلا يخلو عن الحوادث ؟ قلنا : لأنه لا ~~يخلو عن الحركة ms015 والسكون وهما حادثان ، فإن قيل : ادعيتم وجودهما ثم حدوثهما ~~، PageV01P059 فلا نسلم الوجود ولا الحدوث ، قلنا هذا سؤال قد طال الجواب ~~عنه في تصانيف الكلام ، وليس يستحق هذا التطويل فإنه لا يصدر قط من مسترشد ~~إذ لا يستريب عاقل قط في ثبوت الأعراض في ذاته من الآلام والأسقام والجوع ~~والعطش وسائر الأحوال ، ولا في حدوثها . وكذلك إذا نظرنا إلى أجسام العالم ~~لم نسترب في تبدل الأحوال عليها ، وإن تلك التبديلات حادثة ، وإن صدر من ~~خصم معاند فلا معنى للاشتغال به ، وإن فرض فيه خصم معتقد لما نقوله فهو فرض ~~محال إن كان الخصم عاقلا ، بل الخصم في حدوث العالم الفلاسفة وهم مصرحون ~~بأن أجسام العالم تنقسم إلى السموات ، وهي متحركة على الدوام ، وآحاد ~~حركاتها حادثة ولكنها دائمة متلاحقة على الاتصال أزلا وأبدا وإلى العناصر ~~الأربعة التي يحويها مقعر فلك القمر ، وهي مشتركة في مادة حاملة لصورها ~~وأعراضها وتلك المادة قديمة والصور والأعراض حادثة متعاقبة عليها أزلا ~~وأبدا وإن الماء ينقلب بالحرارة هواء ، والهواء يستحيل بالحرارة نارا ، ~~وهكذا بقية العناصر ، وإنها تمتزج امتزاجات حادثة فتتكون منهما المعادن ~~والنبات والحيوان ، فلا تنفك العناصر عن هذه الصور الحادثة ولا تنفك ~~السموات عن الحركات الحادثة أبدا ، PageV01P060 وإنما ينازعون في قولنا أن ~~ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ، فلا معنى للإطناب في هذا الأصل ، ولكنا ~~لإقامة الرسم نقول : الجوهر بالضرورة لا يخلو عن الحركة والسكون ، وهما ~~حادثان . أما الحركة فحدوثها محسوس وإن فرض جوهر ساكن كالأرض ، ففرض حركته ~~ليس بمحال بل نعلم جوازه بالضرورة ، وإذا وقع ذلك الجائز كان حادثا وكان ~~معدما للسكون ، فيكون السكون أيضا قبله حادثا لأن القديم لا ينعدم كما ~~سنذكره في إقامة الدليل على بقاء الله تعالى ، وإن أردنا سياق دليل على ~~وجود الحركة زائدة على الجسم ، قلنا : إنا إذا قلنا هذا الجوهر متحرك ~~أثبتنا شيئا سوى الجوهر متحرك أثبتنا شيئا سوى الجوهر بدليل أنا إذا قلنا ~~هذا الجوهر ليس بمتحرك ، صدق قولنا وإن كان الجوهر باقيا ساكنا ، فلو كان ~~المفهوم ms016 من الحركة عين الجوهر لكان نفيها نفي عين الجوهر . وهكذا يطرد ~~الدليل في إثبات السكون ونفيه ، وعلى الجملة . فتكلف الدليل على الواضحات ~~يزيدها غموضا ولا يفيدها وضوحا . # فإن قيل : فبم عرفتم أنها حادثة فلعلها كانت كامنة فظهرت ، قلنا : لو كنا ~~نشتغل في هذا الكتاب بالفضول الخارج عن المقصود لأبطلنا القول بالكمون ~~والظهور في الأعراض رأسا ، ولكن ما لا يبطل مقصودنا فلا PageV01P061 ~~مقصودنا فلا نشتغل به ، بل نقول : الجوهر لا يخلو عن كمون الحركة فيه أو ~~ظهورها ، وهما حادثان فقد ثبت أنه لا يخلو عن الحوادث . # فإن قيل : فلعلها انتقلت إليه من موضع آخر ، فبم يعرف بطلان القول ، ~~بانتقال الأعراض ؟ قلنا : قد ذكر في إبطال ذلك أدلة ضعيفة لا نطول الكتاب ~~بنقلها ونقضها ، ولكن الصحيح في الكشف عن بطلانه أن نبين أن تجويز ذلك لا ~~يتسع له عقل من لم يذهل عن فهم حقيقة العرض وحقيقة الانتقال ، ومن فهم ~~حقيقة العرض تحقق استحالة الانتقال فيه . وبيانه أن الانتقال عبارة أخذت من ~~انتقال الجوهر من حيز إلى حيز ، وذلك يثبت في العقل بأن فهم الجوهر وفهم ~~الحيز وفهم اختصاص الجوهر بالحيز زائد على ذات الجوهر ، ثم علم أن العرض لا ~~بد له من محل كما لا بد للجوهر من حيز ، فتتخيل أن إضافة العرض إلى المحل ~~كإضافة الجوهر إلى الحيز فيسبق منه إلى الوهم إمكان الانتقال عنه ، كما في ~~الجوهر ، ولو كانت هذه المقايسة صحيحة لكان اختصاص العرض بالمحل كونا زائدا ~~على ذات العرض والمحل كما كان اختصاص الجوهر بالحيز كونا زائدا على ذات ~~الجوهر والحيز ، ولصار يقوم بالعرض عرض ، ثم يفتقر قيام العرض بالعرض إلى ~~PageV01P062 إختصاص آخر يزيد على القائم والمقوم به ، وهكذا يتسلل ويؤدي ~~إلى أن لا يوجد عرض واحد ما لم توجد أعراض لا نهاية لها ، فلنبحث عن السبب ~~الذي لأجله فرق بين اختصاص العرض بالمحل وبين اختصاص الجوهر بالحيز في كون ~~أحد الاختصاصيين زائدا على ذات المختص ودون الآخر ، فمنه يتبين الغلط في ~~توهم الانتقال . والسر فيه ، أن ms017 المحل وإن كان لازما للعرض كما أن الحيز ~~لازم للجوهر ، ولكن بين اللازمين فرق : إذ رب لازم ذاتي للشيء ، ورب لازم ~~ليس بذاتي للشيء ، وأعني بالذاتي ما يجب ببطلانه بطلان الشيء ، فإن بطل ~~الوجود بطل به وجود الشيء ، وإن بطل في العقل بطل وجود العلم به في العقل ، ~~والحيز ليس ذاتيا للجوهر فإنا نعلم الجسم والجوهر أولا ثم ننظر بعد ذلك في ~~الحيز ، أهو أمر ثابت أم هو أمر موهوم ونتوصل إلى تحقيق ذلك بدليل وندرك ~~الجسم بالحس في المشاهدة من غير دليل . فلذلك لم يكن الحيز المعين مثلا ~~لجسم زيد ذاتيا لزيد ، ولم يلزم من فقد ذلك الحيز وتبدله بطلان جسم زيد ، ~~وليس كذلك طول زيد مثلا لأنه عرض في زيد لا نعقله في نفسه دون زيد بل نعقل ~~زيدا الطويل ، فطول زيد يعلم تابعا لوجود زيد ويلزم من تقدير عدم زيد بطلان ~~طول PageV01P063 زيد ، فليس لطول زيد قوام في الوجود وفي العقل دون زيد . ~~فاختصاصه بزيد ذاتي له ، أي هو لذاته لا لمعنى زائد عليه هو اختصاص ، فإن ~~بطل ذلك الاختصاص بطلت ذاته والانتقال يبطل الاختصاص فتبطل ذاته ، إذ ليس ~~اختصاصه بزيد زائدا على ذاته ، أعني ذات العرض ، بخلاف اختصاص الجوهر ~~بالحيز فإنه زائد عليه فليس في بطلانه ، بالانتقال ما يبطل ذاته ، ورجع ~~الكلام إلى أن الانتقال يبطل الاختصاص بالمحل ، فإن كان الاختصاص زائدا على ~~الذات لم تبطل به الذات ، وإن لم يكن معنى زائدا بطلت ببطلانه الذات ، فقد ~~انكشف هذا وآل النظر إلى أن اختصاص العرض بمحله لم يكن زائدا على ذات العرض ~~كاختصاص الجوهر بحيزه ، وأما العرض فإنه عقل بالجوهر لا بنفسه فذات العرض ~~وكونه للجوهر المعين وليس له ذات سواه . فإذا قدرنا مفارقته لذلك الجوهر ~~المعين فقد قدرنا عدم ذاته ، وإنما فرضنا الكلام في الطول لتفهيم المقصود ~~فإنه وإن لم يكن عرضا ولكنه ، عبارة عن كثرة الأجسام في جهة واحدة ، ولكنه ~~مقرب لغرضنا إلى الفهم ، فإذا فهم فلننقل البيان إلى الأعراض . وهذا ~~التوفيق والتحقيق وإن ms018 لم PageV01P064 يكن لائقا بهذا الإيجاز ولكن افتقر ~~إليه لأن ما ذكر فيه غير مقنع ولا شاف . فقد فرغنا من إثبات أحد الأصلين ، ~~وهو أن العالم لا يخلو عن الحوادث ، فإنه لا يخلو عن الحركة والسكون وهما ~~حادثات وليسا بمنتقلين ، مع أن الإطناب ليس في مقابلة خصم معتقد ، إذ أجمع ~~الفلاسفة على أن أجسام العالم لا تخلو عن الحوادث ، وهم المنكرون لحدوث ~~العالم ، فإن قيل : فقد بقي الأصل الثاني وهو قولكم إن ما لا يخلو عن ~~الحوادث فهو حادث فما الدليل عليه ؟ قلنا : لأن العالم لو كان قديما مع أنه ~~لا يخلو عن الحوادث ، لثبتت حوادث لا أول لها وللزم أن تكون دورات الفلك ~~غير متناهية الاعداد ، وذلك محال لأن كل ما يفضي إلى المحال فهو محال ، ~~ونحن نبين أنه يلزم عيه ثلاثة محالات : الأول - أن ذلك لو ثبت لكان قد ~~انقضى ما لا نهاية له ، ووقع الفراغ منه وانتهى ، ولا فرق بين قولنا انقضى ~~ولا بين قولنا انتهى ولا بين قولنا تناهى ، فيلزم أن يقال قد تناهى ما لا ~~يتناهى ، ومن المحال البين أن يتناهى ما لا يتناهى وأن ينتهي وينقضي ما لا ~~يتناهى . # الثاني - أن دورات الفلك إن لم تكن متناهية فهي إما شفع وإما وتر ، وإما ~~لا شفع ولا وتر ، وإما شفع ووتر معا . وهذه الأقسام الأربعة محال ؛ فالمفضي ~~إليها محال إذ يستحيل عدد لا شفع ولا وتر ، أو شفع ووتر ، PageV01P065 فإن ~~الشفع هو الذي ينقسم إلى متساويين كالعشرة مثلا ، والوتر هو أحد الذي لا ~~ينقسم إلى متساويين كالتسعة ، وكل عدد مركب من آحاد إما أن ينقسم بمتساويين ~~، أو لا ينقسم بمتساويين ، وأما أن يتصف بالانقسام وعدم الانقسام ، أو ينفك ~~عنهما جميعا فهو محال ، وباطل أن يكون شفعا لأن الشفع إنما لا يكون وترا ~~لأنه يعوزه واحد ، فإذا انضاف إليه واحد صار وترا ، فكيف أعوز الذي لا ~~يتناهى واحد ؟ ومحال أن يكون وترا . لأن الوتر يصير شفعا بواحد ، فيبقى ~~وترا لأنه يعوزه ذلك الواحد ، فكيف أعوز الذي لا ms019 يتناهى واحد ؟ الثالث - ~~أنه يلزم عليه أن يكون عددان ، كل واحد منهما لا يتناهى ، ثم أن أحدهما أقل ~~من الآخر ، ومحال أن يكون ما لا يتناهى أقل مما لا يتناهى لأن الأقل هو ~~الذي يعوزه شيء لو أضيف إليه لصار متساويا ، وما لا يتناهى كيف يعوزه شيء ؟ ~~وبيانه أن زحل عندهم يدور في كل ثلاثين سنة دورة واحدة ، والشمس في كل سنة ~~دورة واحدة ، فيكون عدد دورات زحل مثل ثلث عشر دورات الشمس ، إذ الشمس تدور ~~في ثلاثين سنة ثلاثين دورة ، وزحل يدور دورة واحدة ، والواحد من الثلاثين ~~ثلث عشر . ثم دورات زحل لا نهاية لها وهي أقل من دورات الشمس ، إذ يعلم ~~ضرورة أن ثلث PageV01P066 عشر الشيء أقل من الشيء ، والقمر يدور في السنة ~~اثنتي عشرة مرة ، فيكون عدد دورات الشمس مثلا نصف سدس دورات القمر ، وكل ~~واحد لا نهاية له وبعضه أقل من بعض ، فذلك من المحال البين . فإن قيل : ~~مقدورات الباري تعالى عندكم لا نهاية لها وكذا معلوماته ، والمعلومات أكثر ~~من المقدورات إذ ذات القديم تعالى وصفاته معلومة له وكذا الموجود المستمر ~~الوجود ، وليس شيء من ذلك مقدورا . قلنا نحن : إذا قلنا لا نهاية لمقدوراته ~~، لم نرد به ما نريد بقولنا لا نهاية لمعلوماته بل نريد به أن لله تعالى ~~صفة يعبر عنها بالقدرة ، يتأتى بها الايجاد ، وهذا الثاني لا ينعدم قط . # وليس تحت قولنا - هذا الثأني لا ينعدم - إثبات أشياء فضلا من أن توصف ~~بأنها متناهية أو غير متناهية ، وإنما يقع هذا الغلط لمن ينظر في المعاني ~~من الألفاظ فيرى توازن لفظ المعلومات والمقدورات من حيث التصريف في اللغة ، ~~فيظن أن المراد بهما واحد . هيهات لا مناسبة بينهما البتة . ثم تحت قولنا ~~المعلومات لا نهاية لها أيضا سر يخالف السابق منه إلى الفهم ، إذ السابق ~~منه إلى الفهم إثبات أشياء تسمى معلومات لا نهاية لها ، وهو محال ، بل ~~الأشياء هي الموجودات ، وهي متناهية ، ولكن بيان ذلك يستدعي تطويلا . # وقد اندفع الإشكال بالكشف عن معنى نفي النهاية ms020 PageV01P067 عن المقدورات ~~، فالنظر في الطرف الثاني وهو المعلومات مستغنى عنه في دفع الالزام ، فقد ~~بانت صحة هذا الأصل بالمنهج الثالث من مناهج الأدلة المذكورة في التمهيد ~~الرابع من الكتاب وعند هذا يعلم وجود الصانع إذ بان القياس الذي ذكرناه ، ~~وهو قولنا أن العالم حادث وكل حادث فله سبب فالعالم له سبب . فقد ثبتت هذه ~~الدعوى بهذا المنهج ، ولكن بعد لم يظهر لنا إلا موجود السبب ، فأما كونه ~~حادثا أو قديما وصفا له فلم يظهر بعد فلنشتغل به . # | الدعوى الثانية : قدم الله # : ندعي أن السبب الذي أثبتناه لوجود العالم قديم فإنه لو كان حادثا ~~لافتقر إلى سبب آخر ، وكذلك السبب الآخر ويتسلسل إما إلى غير نهاية وهو ~~محال ، وإما أن ينتهي إلى قديم لا محالة يقف عنده وهو الذي نطلبه ونسميه ~~صانع العالم . ولا بد من الاعتراف به بالضرورة ولا نعني بقولنا قديم إلا أن ~~وجوده غير مسبوق بعدم ، فليس تحت لفظ القديم إلا إثبات موجود ونفي عدم سابق ~~. فلا تظنن أن القدم معنى زائد على ذات القديم ، PageV01P068 فيلزمك أن ~~تقول ذلك المعنى أيضا قديم بقدم زائد عليه ، ويتسلسل القوم إلى غير نهاية . # | الدعوى الثالثة أبدية الله # : ندعي أن صانع العالم مع كونه موجودا لم يزل فهو باق لا يزال لأن ما ثبت ~~قدمه استحال عدمه . وإنما قلنا ذلك لأنه لو العدم لافتقر عدمه إلى سبب فإنه ~~طارئ بعد استمرار الوجود في القدم . وقد ذكرنا ان كل طارئ فلا بد له من سبب ~~من حيث انه طارئ لا من حيث أنه موجود ، وكما افتقر تبدل العدم بالوجود إلى ~~مرجح للوجود على العدم ، فكذلك يفتقر تبدل الوجود بالعدم إلى مرجح للعدم ~~على الوجود ، وذلك المرجح إما فاعل بعدم القدرة ، أو ضد انقطاع شرط من شروط ~~الوجود . ومحال أن يحال على القدرة ؛ إذ لوجود شيء ثابت يجوز أن يصدر عن ~~القدرة ، فيكون القادر باستعماله فعل شيئا والعدم ليس بشيء ، فيستحيل أن ~~يكون فعلا واقعا بأثر القدرة . فإنا نقول : فاعل العدم هل فعل شيئا ms021 ؟ فإن ~~قيل نعم ، كان محالا ، لأن النفي ليس بشيء . # وإن قال المعتزلي أن المعدوم شيء وذات ، فليس PageV01P069 تلك الذات من ~~أثر القدرة ، فلا يتصف أن يقول الفعل الواقع بالقدرة فعل ذلك الذات فإنها ~~أزلية ، وإنما فعله نفي وجود الذات ، ونفي وجود الذات ليس شيئا ، فاذا ما ~~فعل شيئا . # وإذا صدق قولنا ما فعل شيئا صدق قولنا أنه لم يستعمل القدرة في أثر البتة ~~، فبقي كما كان ولم يفعل شيئا . وباطل أن يقال أنه يعدمه ضده لأن الضد إن ~~فرض حادثا اندفع وجوده بمضادة القديم ، وكان ذلك أولى من أن ينقطع به وجود ~~القديم . # ومحال أن يكون له ضد قديم كان موجودا معه في القدم ولم يعدمه وقد أعدمه ~~الآن ، وباطل أن يقال انعدم لانعدام شرط وجوده ، فإن الشرط إن كان حادثا ~~استحال أن يكون وجود القديم مشروطا بحادث ، وإن كان قديما فالكلام في ~~استحالة عدم الشرط كالكلام في استحالة عدم المشروط فلا يتصور عدمه . # فإن قيل فبما إذا تفنى عندكم الجواهر والأعراض ؟ قلنا : أما الأعراض ~~فبأنفسها ، ونعني بقولنا بأنفسها أن ذواتها لا يتصور لها بقاء . ويفهم ~~المذهب فيه بأن يفرض في الحركة ، فإن الأكوان المتعاقبة في أحيان متواصلة ~~لا توصف بأنها حركات إلا بتلاحقها على سبيل دوام التجدد ودوام الانعدام ، ~~PageV01P070 فإنها إن فرض بقاؤها كانت سكونا لا حركة ، ولا تعقل ذات الحركة ~~ما لم يعقل معها العدم عقيب الوجود . وهذا يفهم في الحركة بغير برهان . # وأما الألوان وسائر الأعراض ، فإنما تفهم بما ذكرناه من أنه لو بقي ~~لاستحال عدمه بالقدرة وبالضد كما سبق في القديم ، ومثل هذا العدم محال في ~~حق الله تعالى فإنا بينا قدمه أولا واستمرار وجوده فيما لم يزل ، فلم يكن ~~من ضرورة وجوده حقيقة فناؤه عقيبه ، كما كان من ضرورة وجود الحركة حقيقة أن ~~تفنى عقيب الوجود . وأما الجواهر فانعدامها بان لا تخلق فيها الحركة ~~والسكون فينقطع شرط وجودها فلا يعقل بقاؤها . # # | الدعوى الرابعة عدم تحيز الله # : ندعي أن صانع العالم ليس بجوهر متحيز لأنه قد ms022 ثبت قدمه ، ولو كان ~~متحيزا لكان لا يخلو عن الحركة في حيزه أو السكون فيه ، وما لا يخلو عن ~~الحوادث ، فهو حادث كما سبق . # فإن قيل : بم تنكرون على من يسميه جوهرا ، ولا يعتقده متحيزا ؟ قلنا ~~العقل عندنا لا يوجب الامتناع من اطلاق الألفاظ وإنما يمنع عنه إما لحق ~~اللغة وإما لحق الشرع . أما حق اللغة فذلك إذا ادعى أنه موافق لوضع اللسان ~~فيبحث عنه ، فإن ادعى واضعه له أنه PageV01P071 اسمه على الحقيقة ، أي واضع ~~اللغة وضعه له ، فهو كاذب على اللسان وإن زعم أنه استعاره نظرا إلى المعنى ~~الذي به شارك المستعار منه ، فإن صلح للاستعارة لم ينكر عليه بحق اللغة وإن ~~لم يصلح قيل له أخطأت على اللغة ولا يستعظم ذلك إلا بقدر استعظام صنيع من ~~يبعد في الاستعارة ، والنظر في ذلك لا يليق بمباحث العقول . # وأما حق الشرع وجواز ذلك وتحريمه ، فهو بحث فقهي يجب طلبه على الفقهاء إذ ~~لا فرق بين البحث عن جواز اطلاق الألفاظ من غير إرادة معنى فاسد وبين البحث ~~عن جواز الأفعال . وفيه رأيان : أحدهما ، أن يقال : لا يطلق اسم في حق الله ~~تعالى إلا بالاذن ، وهذا لم يرد فيه إذن فيحرم . وأما أن يقال لا يحرم إلا ~~بالنهي وهذا لم يرد فيه نهي فينظر : فإن كان يوهم خطأ فيجب الاحتراز منه ~~لأن إيهام الخطأ في صفات الله تعالى حرام . وإن لم يوهم خطأ يحكم بتحريمه ، ~~فكلا الطريقين محتمل . ثم الايهام يختلف باللغات وعادات الاستعمال فرب لفظ ~~يوهم عند قوم ولا يوهم عند غيرهم . # # | الدعوى الخامسة لاجسمانية الله # : ندعي أن صانع العالم ليس بجسم ، لأن كل جسم فهو متألف من جوهرين ~~متحيزين ، وإذا استحال أن PageV01P072 يكون جوهرا استحال أن يكون جسما ، ~~ونحن لا نعني بالجسم إلا هذا . # فإن سماه جسما ولم يرد هذا المعنى كانت المضايقة معه بحق اللغة أو بحق ~~الشرع لا بحق العقل فإن العقل لا يحكم في اطلاق الألفاظ ونظم الحروف ~~والأصوات التي هي اصطلاحات ، ولأنه لو كان جسما ms023 لكان مقدارا بمقدار مخصوص ~~ويجوز أن يكون أصغر منه أو أكبر ، ولا يترجح أحد الجائزين عن الآخر إلا ~~بمخصص ومرجح ، كما سبق ، فيفتقر إلى مخصص يتصرف فيه فيقدره بمقدار مخصوص ، ~~فيكون مصنوعا لا صانعا ومخلوقا لا خالقا . # # | الدعوى السادسة لاعرضية الله # : ندعي أن صانع العالم ليس بعرض ، لأنا نعني بالعرض ما يستدعي وجوده ذاتا ~~تقوم به ، وذلك الذات جسم أو جوهر ، ومهما كان الجسم واجب الحدوث كان الحال ~~فيه أيضا حادثا لا محالة ، إذ يبطل انتقال الأعراض ، وقد بينا أن صانع ~~العالم قديم فلا يمكن أن يكون عرضا ، وإن فهم من العرض ما هو صفة لشيء من ~~غير أن يكون ذلك الشيء متحيزا ، فنحن لا ننكر وجود هذا فانا نستدل على صفات ~~الله PageV01P073 تعالى نعم يرجع النزاع إلى إطلاق اسم الصانع والفاعل ، ~~فإن إطلاقه على الذات الموصوفة بالصفات أولى من إطلاقه على الصفات . فإذا ~~قلنا الصانع ليس بصفة ، عنينا به أن الصنع مضاف إلى الذات التي تقوم بها ~~الصفات لا إلى الصفات ، كما أنا إذا قلنا النجار ليس بعرض ولا صفة ، عنينا ~~به أن صنعة النجارة غير مضافة إلى الصفات بل إلى الذات الواجب وصفها بجملة ~~من الصفات حتى يكون صانعا . فكذا القول في صانع العالم ، وإن أراد المنازع ~~بالعرض أمرا غير الحال في الجسم وغير الصفة القائمة بالذات كان الحق في ~~منعه للغة أو الشرع لا للعقل . # # | الدعوى السابعة : لاجهوية الله # : ندعي أنه ليس في جهة مخصوصة من الجهات الست ، ومن عرف معنى لفظ الجهة ~~ومعنى لفظ الاختصاص فهم قطعا استحالة الجهات على غير الجواهر والأعراض ، إذ ~~الحيز معقول وهو الذي يختص الجوهر به ، ولكن الحيز إنما يصير جهة إذا أضيف ~~إلى شيء آخر متحيز . # فالجهات ست فوق وأسفل وقدام وخلف ويمين وشمال . فمعنى كون الشيء فوقنا هو ~~أنه في حيز يلي PageV01P074 جانب الرأس . ومعنى كونه تحتا أنه في حيز يلي ~~جانب الرجل . وكذا سائر الجهات ؛ فكل ما قيل قيه أنه في جهة فقد قيل أنه في ~~حيز مع ms024 زيادة إضافة . # وقولنا الشيء في حيز ، يعقل بوجهين أحدهما : أنه يختص به بحيث يمنع مثله ~~من أن يوجد بحيث هو ، وهذا هو الجوهر ، والآخر أن يكون حالا في الجوهر فإنه ~~قد يقال إنه بجهة ، ولكن بطريق البتيعة للجوهر ، فليس كون العرض في جهة ~~ككون الجوهر ، بل الجهة للجوهر أولى ، وللعرض بطريق التبعية للجوهر ، فهذان ~~وجهان معقولان في الاختصاص بالجهة . فإن أراد الخصم أحدهما دل على بطلانه ~~ما دل على بطلان كونه جوهرا أو عرضا . # وإن أراد أمرا غير هذا فهو غير مفهوم فيكون الحق في إطلاق لفظه لم ينفك ~~عن معنى غير مفهوم للغة والشرع لا العقل ، فإن قال الخصم إنما أريد بكونه ~~بجهة معنى سوى هذا فلم ننكره ، ونقول له : أما لفظك فإنما ننكره من حيث أنه ~~يوهم المفهوم الظاهر منه وهو ما يعقل الجوهر والعرض وذلك كذب على الله ~~تعالى . وأما مرادك منه فلست أنكره فإن ما لا أفهمه كيف أنكره ! وعساك تريد ~~به علمه وقدرته وأنا لا أنكر كونه بجهة على معنى أنه عالم وقادر ، فإنك إذا ~~فتحت هذا الباب ، وهو أن تريد باللفظ غير ما وضع اللفظ له PageV01P075 ويدل ~~عليه في التفاهم لم يكن لما تريد به حصر فلا أنكره ما لم تعرب عن مرادك بما ~~أفهمه من أمر يدل على الحدوث ، فإن كان ما يدل على الحدوث فهو في ذاته محال ~~ويدل أيضا على بطلان القول بالجهة ، لأن ذلك يطرق الجواز إليه ويحوجه إلى ~~مخصص يخصصه بأحد وجوه الجواز وذلك من وجهين ، أحدهما : أن الجهة التي تختص ~~به لا تختص به لذاته ، فإن سائر الجهات متساوية بالاضافة إلى المقابل للجهة ~~، فاختصاصه ببعض الجهات المعينة ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلى ~~مخصص يخصصه ، ويكون الاختصاص فيه معنى زائدا على ذاته وما يتطرق الجواز ~~إليه استحال قدمه بل القديم عبارة عما هو واجب الوجود من جميع الجهات . فإن ~~قيل اختص بجهة فوق لأنه أشرف الجهات ، قلنا أي إنما صارت الجهة جهة فوق ~~بخلقه العالم في ms025 هذا الحيز الذي خلقه فيه . فقيل خلق العالم لم يكن فوق ولا ~~تحت أصلا . إذ هما مشتقان من الرأس والرجل ولم يكن إذ ذاك حيوان فتسمى ~~الجهة التي تلي رأسه فوق والمقابل له تحت . # والوجه الثاني أنه لو كان بجهة لكان محاذيا لجسم العالم ، وكل محاذ فإما ~~أصغر منه وإما أكبر وإما مساو ، وكل ذلك يوجب التقدير بمقدار ، وذلك ~~PageV01P076 المقدار يجوز في العقل أن يفرض أصغر منه أو أكبر فيحتاج إلى ~~مقدار ومخصص . # فإن قيل : لو كان الاختصاص بالجهة يوجب التقدير لكان العرض مقدرا ، قلنا ~~: العرض ليس في جهة بنفسه ، بل بتبعيته للجوهر فلا جرم هو أيضا مقدر ~~بالتبعية . فإنا نعلم أنه لا توجد عشرة أعراض إلا في عشرة جواهر ، ولا ~~يتصور أن يكون في عشرين ، فتقدير الأعراض عشرة لازم بطريق التبعية لتقدير ~~الجواهر ، كما لزم كونه بجهة بطريق التبعية . فإن قيل : فإن لم يكن مخصوصا ~~بجهة فوق ، فما بال الوجوه والأيدي ترفع إلى السماء في الأدعية شرعا وطبعا ~~، وما باله صلى الله عليه وسلم قال للجارية التي قصد إعتاقها فأراد أن ~~يستيقن إيمانها أين الله فأشارت إلى السماء فقال إنها مؤمنة ؟ فالجواب عن ~~الأول أن هذا يضاهي قول القائل : إن لم يكن الله تعالى في الكعبة وهو بيته ~~فما بالنا نحجه ونزوره ، وما بالنا نستقبله في الصلاة ؟ وإن لم يكن في ~~الأرض ، فما بالنا نتذلل بوضع وجوهنا على الأرض في السجود ؟ وهذا هذيان . ~~بل يقال : قصد الشرع من تعبد الخلق بالكعبة في الصلاة ملازمة الثبوت في جهة ~~واحدة ، فإن ذلك لا محالة أقرب إلى الخشوع وحضور القلب من PageV01P077 ~~التردد على الجهات ، ثم لما كانت الجهات متساوية من حيث إمكان الاستقبال ~~خصص الله بقعة مخصوصة بالتشريف والتعظيم وشرفها بالإضافة إلى نفسه واستمال ~~القلوب إليها بتشريفه ليثيب على استقبالها ، فكذلك السماء قبلة الدعاء ، ~~كما أن البيت قبلة الصلاة ، والمعبود بالصلاة والمقصود بالدعاء منزه عن ~~الحلول في البيت والسماء ثم في الاشارة بالدعاء إلى السماء سر لطيف يعز من ~~يتنبه لأمثاله ، وهو ms026 أن نجاة العبد وفوزه في الآخرة ، بأن يتواضع لله تعالى ~~ويعتقد التعظيم لربه ، والتواضع والتعظيم عمل القلب ، وآلته العقل . ~~والجوارح إنما استعملت لتطهير القلب وتزكيته ، فإن القلب خلق خلقه يتأثر ~~بالمواظبة على أعمال الجوارح ، كما خلقت الجوارح متأثرة لمعتقدات القلوب ، ~~ولما كان المقصود أن يتواضع في نفسه بعقله وقلبه ، بأن يعرف قدره ليعرف ~~بخسة رتبته في الوجود لجلال الله تعالى وعلوه ، وكان من أعظم الأدلة على ~~خسته الموجبة لتواضعه أنه مخلوق من تراب ، كلف أن يضع على التراب ، الذي هو ~~أذل الأشياء ، وجهه الذي هو أعز الأعضاء ، ليستشعر قلبه التواضع بفعل ~~الجبهة في مماستها الأرض ، فيكون البدن متواضعا في جسمه وشخصه وصورته ~~بالوجه الممكن فيه وهو معانقة التراب PageV01P078 الوضيع الخسيس ويكون ~~العقل متواضعا لربه بما يليق به ، وهو معرفة الضعة وسقوط الرتبة وخسة ~~المنزلة عند الالتفات إلى ما خلق منه . # فكذلك التعظيم لله تعالى وضيعة على القلب فيها نجاته ، وذلك أيضا ينبغي ~~أن تشترك فيه الجوارح ، وبالقدر الذي يمكنه أن تحمل الجوارح ، وتعظيم القلب ~~بالإشارة إلى علو الرتبة على طريق المعرفة والاعتقاد وتعظيم الجوارح ~~بالإشارة إلى جهة العلو الذي هو أعلى الجهات وأرفعها في الاعتقادات ؛ فإن ~~غاية تعظيم الجارحة استعمالها في الجهات ، حتى أن من المعتاد المفهوم في ~~المحاورات أن يفصح الإنسان عن علو رتبة غيره وعظيم ولايته فيقول : أمره في ~~السماء السابعة ، وهو إنما ينبه على علو الرتبة ولكن يستعير له علو المكان ~~، وقد يشير برأسه إلى السماء في تعظيم من يريد تعظيم أمره ، أي أمره في ~~السماء ، أي في العلو وتكون السماء عبارة عن العلو ، فانظر كيف تلطف الشرع ~~بقلوب الخلق وجوارحهم في سياقهم إلى تعظيم الله وكيف جهل من قلت بصيرته ولم ~~يلتفت إلا إلى ظواهر الجوارح والأجسام وغفل عن أسرار القلوب واستغنائها في ~~التعظيم عن تقدير الجهات ، وظن أن الأصل ما يشار إليه بالجوارح ولم يعرف أن ~~المظنة الأولى PageV01P079 لتعظيم القلب وأن تعظيمه باعتقاد علو الرتبة لا ~~باعتقاد علو المكان ، وأن الجوارح في ذلك خدم وأتباع ms027 يخدمون القلب على ~~الموافقة في التعظيم بقدر الممكن فيها ، ولا يمكن في الجوارح إلا الإشارة ~~إلى الجهات ، فهذا هو السر في رفع الوجوه إلى السماء عند قصد التعظيم ، ~~ويضاف إليه عند الدعاء أمر آخر وهو أن الدعاء لا ينفك عن سؤال نعمة من نعم ~~الله تعالى ، وخزائن نعمه السموات ، وخزان أرزاقه الملائكة ومقرهم ملكوت ~~السموات وهم الموكلون بالأرزاق . وقد قال الله تعالى : ' وفي السماء رزقكم ~~وما توعدون ' . والطبع يتقاضى الإقبال بالوجه على الخزانة التي هي مقر ~~الرزق المطلوب ، فطلاب الأرزاق من الملوك إذا أخبروا بتفرقة الأرزاق على ~~باب الخزانة مالت وجوههم وقلوبهم إلى جهة الخزانة ، وإن لم يعتقدوا أن ~~الملك في الخزانة فهذا هو محرك وجوه أرباب الدين إلى جهة السماء طبعا وشرعا ~~. # فأما العوام فقد يعتقدون أن معبودهم في السماء ، فيكون ذلك أحد أسباب ~~إشاراتهم ، تعالى رب الأرباب عما اعتقد الزائغون علوا كبير . وأما حكمه ~~صلوات الله عليه بالإيمان للجارية لما أشارت إلى السماء ، فقد انكشف به ~~أيضا إذ ظهر أن لا PageV01P080 سبيل للأخرس إلى تفهم علو المرتبة إلا ~~بالإشارة إلى جهة العلو ، فقد كانت خرساء كما حكي ، وقد كان يظن بها أنها ~~من عبدة الأوثان ، ومن يعتقد اله في بيت الأصنام فاستنطقت عن معتقدها فعرفت ~~بالإشارة إلى السماء أن معبودها ليس في بيوت الأصنام كما يعتقدوه أولئك . # فإن قيل فنفي الجهة يؤدي إلى المحال ، وهو إثبات موجود تخلو عنه الجهات ~~الست ويكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ، ولا منفصلا عنه ، وذلك ~~محال ، قلنا : مسلم أن كل موجود يقبل الاتصال فوجوده لا متصلا ولا منفصلا ~~محال ، وإن كان موجود يقبل الاختصاص بالجهة فوجوده مع خلو الجهات الست عنه ~~محال ، فإما موجود لا يقبل الاتصال ، ولا الاختصاص بالجهة فخلو عن طرفي ~~النقيض غير محال ، وهو كقول القائل يستحيل موجود لا يكون عاجزا ولا قادرا ~~ولا عالما ولا جاهلا فإن أحد المتضادين لا يخلو الشيء عنه ، فيقال له إن ~~كان ذلك الشيء قابلا للمتضادين فيستحيل خلوه عنهما وأما ms028 الجماد الذي لا ~~يقبل واحدا منهما لأنه فقد شرطهما وهو الحياة ، فخلوه عنهما ليس بمحال . ~~فكذلك شرط الاتصال PageV01P081 والاختصاص بالجهات التحيز والقيام بالمتحيز ~~. فإذا فقد هذا لم يستحل الخلق عن متضادته فرجع النظر إذا إلى أن موجودا ~~ليس بمتحيز ، ولا هو في متحيز ، بل هو فاقد شرط الاتصال ، والاختصاص هل هو ~~محال أم لا ؟ فإن زعم الخصم أن ذلك محال وجوده فقد دللنا عليه بأنه مهما ~~بان ، أن كل متحيز حادث وأن كل حادث يفتقر إلى فاعل ليس بحادث فقد لزم ~~بالضرورة من هاتين المقدمتين ثبوت موجود ليس بمتحيز . أما الأصلان فقد ~~أتبتناهما وأما الدعوى اللازمة منهما فلا سبيل إلى جحدها مع الإقرار ~~بالأصلين . # فإن قال الخصم إن مثل هذا الموجود الذي ساق دليلكم إلى إثباته غير مفهوم ~~، فيقال له ما الذي أردت بقولك غير مفهوم فإن أردت به أنه غير متخيل ولا ~~متصور ولا داخل في الوهم فقد صدقت ، فإنه لا يدخل في الوهم والتصور والخيال ~~إلا جسم له لون وقدر ، فالمنفك عن اللون والقدر لا يتصوره الخيال ، فإن ~~الخيال قد أنس بالمبصرات فلا يتوهم الشيء إلا على وفق مرآه ولا يستطيع أن ~~يتوهم ما لا يوافقه . # وإن أراد الخصم أنه ليس بمعقول ، أي ليس بمعلوم بدليل العقل فهو محاذ إذا ~~قدمنا الدليل على ثبوته ولا معنى للمعقول إلا ما اضطر العقل إلى الأذعان ~~PageV01P082 للتصديق به بموجب الدليل الذي لا يمكن مخالفته . وقد تحقق هذا ~~، فإن قال الخصم فما لا يتصور في الخيال لا وجود له ، فلنحكم بأن الخيال لا ~~وجود له في نفسه ، فإن الخيال نفسه لا يدخل في الخيال والرؤية لا تدخل في ~~الخيال وكذلك العلم والقدرة ، وكذلك الصوت والرائحة ولو كلف الوهم أن يتحقق ~~ذاتا للصوت لقدر له لونا ومقدارا وتصوره كذلك . وهكذا جميع أحوال النفس ، ~~من الخجل والوجل والفسق والغضب والفرح والحزن والعجب ، فمن يدرك بالضرورة ~~هذه الأحوال من نفسه ويسوم خياله أن يتحقق ذات هذه الأحوال فنجده يقصر عنه ~~إلا بتقدير خطأ ثم ينكر ms029 بعد ذلك وجود موجود لا يدخل في خياله فهذا سبيل كشف ~~الغطاء عن المسألة . وقد جاوزنا حد الاختصار ولكن المعتقدات المختصرة في ~~هذا الفن أراها مشتملة على الاطناب في الواضحات والشروع في الزيادات ~~الخارجة عن المهمات مع التساهل في مضايق الاشكالات فرأيت نقل الاطناب من ~~مكان الوضوح ، إلى مواقع الغموض أهم وأولى . # | الدعوى الثامنة الله والعرش # : ندعي أن الله تعالى منزه عن أن يوصف بالاستقرار PageV01P083 على العرش ~~، فإن كل متمكن على جسم ومستقر عليه مقدر لا محالة فإنه أما أن يكون أكبر ~~منه أو أصغر أو مساويا وكل ذلك لا يخلو عن التقدير ، وأنه لو جاز أن يماسه ~~جسم من هذه الجهة لجاز أن يماسه من سائر الجهات فيصير محاطا به والخصم لا ~~يعتقد ذلك بحال وهو لازم على مذهبه بالضرورة ، وعلى الجملة يستقر على الجسم ~~إلا جسم ولا يحل فيه إلا عرض وقد بان أنه تعالى ليس بجسم ولا عرض ، فلا ~~يحتاج إلى إقران هذه الدعوى بإقامة البرهان . فإن قيل فما معنى قوله تعالى ~~: ' الرحمن على العرش استوى ' ؟ وما معنى قوله عليه السلام : ' ينزل الله ~~كل ليلة إلى السماء الدنيا ' قلنا الكلام على الظواهر الواردة في هذا الباب ~~طويل ولكن نذكر منهجا في هذين الظاهرين يرشد إلى ما عداه وهو أنا نقول : ~~الناس في هذا فريقان عوام وعلماء ، والذي نراه اللائق بعوام الخلق أن لا ~~يخاض بهم في هذه التأويلات بل ننزع عن عقائدهم كل ما يوجب التشبيه ويدل على ~~الحدوث ونحقق عندهم أنه موجود ليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير ، وإذا ~~سألوا عن معاني هذه الآيات زجروا عنها ، وقيل ليس هذا بعشكم فادرجوا فلكل ~~علم رجال . ويجاب بما أجاب به مالك بن أنس رضي الله عنه ، PageV01P084 بعض ~~السلف حيث سئل عن الاستواء ، فقال : الاستواء معلوم والكيفية مجهولة ، ~~والسؤال عنه بدعة ، والايمان به واجب ، وهذا لأن عقول العوام لا تتسع لقبول ~~المعقولات ولا إحاطتهم باللغات ولا تتسع لفهم توسيعات العرب في الاستعارات ~~. # وأما العلماء فاللائق بهم تعريف ذلك وتفهمه ms030 ، ولست أقول أن ذلك فرض عين ~~إذ لم يرد به تكليف بل التكليف التنزيه عن كل ما تشبهه بغيره . فأما معاني ~~القرآن ، فلم يكلف الأعيان فهم جميعها أصلا ولكن لسنا نرتضي قول من يقول ، ~~أن ذلك من المتشابهات كحروف أوائل السور ، فإن حروف أوائل السور ليست ~~موضوعة باصطلاح سابق للعرب للدلالة على المعاني ، ومن نطق بحروف وهن كلمات ~~لم يصطلح عليها ، فواجب أن يكون معناه مجهولا إلا أن يعرف ما أردته ، فإذا ~~ذكره صارت تلك الحروف كاللغة المخترعة من جهته . وأما قوله صلى الله عليه ~~وسلم : ' ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا ' ، فلفظ مفهوم ذكر للتفهم ~~وعلم أنه يسبق إلى الإفهام منه المعنى الذي وضع له أو المعنى الذي يستعار ، ~~فكيف يقال إنه متشابه بل هو مخيل معنى خطأ عند الجاهل ومفهم معنى صحيحا عند ~~العالم ، وهو كقوله تعالى : ' وهو PageV01P085 معكم أينما كنتم ' . فإنه ~~يخيل عند الجاهل اجتماعا مناقصا لكونه على العرش ، وعند العالم يفهم أنه مع ~~الكل بالاحاطة والعلم ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : ' قلب المؤمن بين ~~أصبعين من أصابع الرحمن ' ، فإنه عند الجاهل يخيل عضوين مركبين من اللحم ~~والعظم والعصب مشتملين على الأنامل والأظفار ، نابتين من الكف ، وعند ~~العالم يدل على المعنى المستعار له دون الموضوع له وهو ما كان الاصبع له ، ~~وكان سر الاصبع وروحه وحقيقته وهو القدرة على التقليب كما يشاء ، كما دلت ~~المعية عليه في قوله وهو معكم على ما تراد المعية له وهو العلم والاحاطة ~~ولكن من شائع عبارات العرب العبارة بالسبب عن المسبب ، واستعارة السبب ~~للمستعار منه وكقوله تعالى : ' من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ومن ~~أتاني بمشي أتيته بهرولة ' فإن الهرولة عند الجاهل تدل على نقل الأقدام ~~وشدة العدو وكذا الاتيان يدل على القرب في المسافة . ؟ وعند العاقل يدل على ~~المعنى المطلوب من قرب المسافة بين الناس وهو قرب الكرامة والانعام وإن ~~معناه أن رحمتي ونعمتي أشد انصبابا إلى عبادي من طاعتهم إلي وهو كما قال : ~~' لقد طال شوق الأبرار إلى ms031 لقائي وأنا إلى لقائهم لأشد شوقا ' تعالى الله ~~PageV01P086 عما يفهم من معنى لفظ الشوق بالوضع الذي هو نوع ألم وحاجة إلى ~~استراحة ، وهو عين النقص ولكن الشوق سبب لقبول المشتاق إليه والإقبال عليه ~~وإفاضة النعمة لديه فعبر به عن المسبب ، وكما عبر بالغضب والرضى عن إرادة ~~الثواب والعقاب الذين هما ثمرتا الغضب والرضى ومسبباه في العادة . وكذا لما ~~قال في الحجر الأسود إنه يمين الله في الأرض يظن الجاهل انه أراد به اليمين ~~المقابل للشمال التي هي عضو مركب من لحم ودم وعظم منقسم بخمسة أصابع ، ثم ~~إنه إن فتح بصيرته علم أنه كان على العرش ولا يكون يمينه في الكعبة ثم لا ~~يكون حجرا أسود فيدرك بأدنى مسكة أنه استعير للمصافحة ، فإنه يؤمر باستلام ~~الحجر وتقبيله كما يؤمر بتقبيل يمين الملك ، فاستعير اللفظ لذلك . والكامل ~~العقل البصير لا تعظم عنده هذه الأمور ، بل يفهم معانيها على البديهة ، ~~فلنرجع إلى معنى الاستواء والنزول ؛ أما الاستواء فهو نسبه للعرش لا محالة ~~، ولا يمكن أن يكون للعرش إليه نسبة إلا بكونه معلوما ، أو مرادا ، أو ~~مقدورا عليه ، أو محلا مثل محل العرض ، أو مكانا مثل مستقر الجسم . ولكن ~~بعض هذه النسبة تستحيل عقلا وبعضها لا يصلح اللفظ للاستعارة به له ، فإن ~~كان في جملة هذه النسبة ، مع أنه لا نسبة سواها ، نسبة لا يخيلها العقل ولا ~~ينبو عنها اللفظ ، فليعلم أنها المراد إما PageV01P087 كونه مكانا أو محلا ~~، كما كان للجوهر والعرض ، إذا اللفظ يصلح له ولكن العقل يخيله كما سبق ، ~~وإما كونه معلوما ومرادا فالعقل لا يخيله ، ولكن اللفظ لا يصلح له ، وإما ~~كونه مقدورا عليه وواقعا في قبضة القدرة ومسخرا له مع أنه أعظم المقدورات ~~ويصلح الاستيلاء عليه لأن يمتدح به وينبه به على غيره الذي هو دونه في ~~العظم ، فهذا مما لا يخيله العقل ويصلح له اللفظ ، فأخلق بأن يكون هو ~~المراد قطعا ، أما صلاح اللفظ له فظاهر عند الخبير بلسان العرب ، وإنما ~~ينبو عن فهم مثل هذا أفهام المتطفلين ms032 على لغة العرب الناظرين إليها من بعد ~~الملتفتين إليها التفات العرب إلى لسان الترك حيث لم يتعلموا منها إلا ~~أوائلها ، فمن المستحسن في اللغة أن يقال استوى الأمير على مملكته ، حتى ~~قال الشاعر : # قد استوى بشير على العراق . . . من غير سيف ودم مهراق # ولذلك قال بعض السلف رضي الله عنهم : يفهم من قوله تعالى ' الرحمن على ~~العرش استوى ' ما فهم من قوله تعالى ' ثم استوى إلى السماء وهي دخان ' . ~~وأما قوله صلى الله عليه وسلم ' ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا ' ~~فللتأويل فيه مجال من وجهين : أحدهما ، في اضافة النزول إليه وأنه مجاز ، ~~PageV01P088 وبالحقيقة هو مضاف إلى ملك من الملائكة كما قال تعالى ' واسأل ~~القرية ' والمسؤول بالحقيقة أهل القرية . وهذا أيضا من المتداول في الألسنة ~~، أعني إضافة أحوال التابع إلى المتبوع ، فيقال : ترك الملك على باب البلد ~~، ويراد عسكره ، فإن المخبر بنزول الملك على باب البلد قد يقال له هلا خرجت ~~لزيارته فيقول لا ، لأنه عرج في طريقه على الصيد ولم ينزل بعد ، فلا يقال ~~له فلم نزل الملك والآن تقول لم ينزل بعد ؟ فيكون المفهوم من نزول الملك ~~نزول العسكر ، وهذا جلي واضح . # والثاني ، أن لفظ النزول قد يستعمل للتلطف والتواضع في حق الخلق كما ~~يستعمل الارتفاع للتكبر ، يقال فلان رفع رأسه إلى عنان السماء ، أي تكبر ، ~~ويقال ارتفع إلى أعلى عليين ، أي تعظم ؛ وإن علا أمره يقال : أمره في ~~السماء السابعة ؛ وفي معارضته إذا سقطت رتبته يقال : قد هوى به إلى أسفل ~~السافلين ؛ وإذا تواضع وتلطف له تطامن إلى الأرض ونزل إلى أدنى الدرجات . ~~فإذا فهم هذا وعلم أن النزول عن الرتبة بتركها أو سقوطها وفي النزول عن ~~الرتبة بطريق التلطف وترك العقل الذي يقتضيه علو الرتبة وكمال الاستغناء ، ~~فبالنظر إلى هذه المعاني الثلاثة التي يتردد اللفظ بينها ما الذي يجوزه ~~العقل ؟ أما النزول بطريق الانتقال فقد أحاله العقل كما سبق ، فإن ذلك لا ~~يمكن إلا في متحيز ، وأما سقوط الرتبة فهو محال لأنه سبحانه قديم بصفاته ~~وجلاله ms033 ولا يمكن PageV01P089 زوال علوه ، وأما النزول بمعنى اللطف والرحمة ~~وترك الفعل اللائق بالاستغناء وعدم المبالاة فهو ممكن ، فيتعين التنزيل ~~عليه ، وقيل إنه لما نزل قوله تعالى : ' رفيع الدرجات ذو العرش ' استشعر ~~الصحابة رضوان الله عليهم من مهابة عظيمة واستبعدوا الانبساط في السؤال ~~والدعاء مع ذلك الجلال ، فأخبروا أن الله سبحانه وتعالى مع عظمة جلاله وعلو ~~شأنه متلطف بعباده رحيم بهم مستجيب لهم مع الاستغناء إذا دعوه ، وكانت ~~استجابة الدعوة نزولا بالاضافة إلى ما يقتضيه ذلك الجلال من الاستغناء وعدم ~~المبالاة ، فعبر عن ذلك بالنزول تشجيعا لقلوب العباد على المباسطة بالأدعية ~~بل على الركوع والسجود ، فإن من يستشعر بقدر طاقته مبادئ جلال الله تعالى ~~استبعد سجوده وركوعه ، فإن تقرب العباد كلهم بالاضافة إلى جلال الله سبحانه ~~أحس من تحريك العبد أصبعا من أصابعه على قصد التقرب إلى ملك من ملوك الأرض ~~، ولو عظم به ملكا من الملوك لاستحق به التوبيخ ، بل من عادة الملوك زجر ~~الأرزال عن الخدمة والسجود بين أيديهم والتقبيل لعتبة دورهم استحقارا لهم ~~عن الاستخدام وتعاظما عن استخدام غير الأمراء والأكابر ، كما جرت به عادة ~~بعض الخلفاء . فلولا النزول عن مقتضى الجلال باللطف والرحمة والاستجابة ~~لاقتضى ذلك الجلال أن يبهت القلوب عن الفكر ، ويخرس الألسنة عن الذكر ، ~~ويخمد الجوارح عن الحركة ، فمن لاحظ ذلك الجلال PageV01P090 وهذا اللطف ~~استبان له على القطع أن عبارة النزول مطابقة للجلال ومطلقة في موضوعها لا ~~على ما فهمه الجهال ؛ فإن قيل فلم خصص السماء الدنيا ؟ قلنا : هو عبارة عن ~~الدرجة الأخيرة التي لا درجة بعدها ، كما يقال سقط إلى الثرى وارتفع إلى ~~الثريا ، على تقدير أن الثريا أعلى الكواكب والثرى أسفل المواضع . فإن قيل ~~: فلم خصص بالليالي ، فقال ينزل كل ليلة ؟ قلنا : لأن الخلوات مظنة الدعوات ~~والليالي أعدت لذلك ، حيث يسكن الخلق وينمحي عن القلوب ذكرهم ، ويصفوا لذكر ~~الله تعالى قلب الداعي ، فمثل هذا الدعاء هو المرجو الاستجابة لا ما يصدر ~~عن غفلة القلوب عند تزاحم الاشتغال . # | الدعوى التاسعة رؤية الله # : ندعي أن ms034 الله سبحانه وتعالى مرئي ، خلافا للمعتزلة ، وإنما أوردنا هذه ~~المسألة في القطب الموسوم بالنظر في ذات الله سبحانه وتعالى لأمرين : ~~أحدهما أن ننفي الرؤية عما يلزم على نفي الجهة ، فأردنا أن نبين كيف يجمع ~~بين نفي الجهة وإثبات الرؤية . والثاني أنه سبحانه وتعالى عندنا مرئي ~~لوجوده ووجود ذاته ، فليس ذلك إلا لذاته ، فإنه ليس لفعله ولا لصفة من ~~الصفات ، بل كل موجود ذات فواجب أن يكون مرئيا ، كما أنه واجب أن يكون ~~معلوما ، ولست أعني به أنه واجب أن يكون معلوما ومرئيا بالفعل بل بالقوة ، ~~أي PageV01P091 هو من حيث ذاته له ، فإن امتنع وجود الرؤية فلأمر آخر خارج ~~عن ذاته ، كما نقول : الماء الذي في النهر مرو ، والخمر الذي في الدن مسكر ~~، وليس كذلك لأنه يسكر ويروي عند الشرب ولكن معناه أن ذاته مستعدة لذلك ~~فإذا فهم المراد منه فالنظر في طرفين : أحدهما في الجواز العقلي ، والثاني ~~في الوقوع الذي لا سبيل إلى دركه إلا بالشرع ، ومهما دل الشرع على وقوعه ~~فقد دل أيضا لا محالة على جوازه ولكنا ندل بمسلكين واقعين عقليين على جوازه ~~. # المسلك الأول ، هو أنا نقول أن الباري سبحانه موجود وذات ، وله ثبوت ~~وحقيقة ، وإنما يخالف سائر الموجودات في استحالة كونه حادثا أو موصوفا بما ~~يدل على الحدوث ، أو موصوفا بصفة تناقض صفات الالهية من العلم والقدرة ~~وغيرهما . فكل ما يصح لموجود فهو يصح في حقه تعالى إن لم يدل على الحدوث ~~ولم يناقض صفة من صفاته . والدليل عليه تعلق العلم به ؛ فإنه لما لم يؤد ~~إلى تغير في ذاته ولا إلى مناقضة صفاته ولا إلى الدلالة على الحدوث ، سوى ~~بينه وبين الأجسام والأعراض في جواز تعلق العلم بذاته وصفاته . والرؤية نوع ~~علم لا يوجب تعلقه بالمرئي تغير صفة ولا يدل PageV01P092 على حدوث ، فوجب ~~الحكم بها على كل موجود ، فإن قيل : فكونه مرئيا يوجب كونه بجهة وكونه بجهة ~~يوجب كونه عرضا أو جوهرا وهو محال ، ونظم القياس أنه إن كان مرئيا فهو بجهة ~~من الرأي وهذا ms035 اللازم محال فالمفضي إلى الرؤية محال . # قلنا : أحد الأصلين من هذا القياس مسلم لكم ، وهو أن هذا اللازم محال ، ~~ولكن الأصل الأول وهو ادعاء هذا اللازم على اعتقاد الرؤية ممنوع . فنقول لم ~~قلتم إنه إن كان مرئيا فهو بجهة من الرأي ، أعلمتم ذلك بضرورة ، أم بنظر ؟ ~~ولا سبيل إلى دعوى الضرورة ، وأما النظر فلا بد من بيانه ، ومنتهاهم أنهم ~~لم يروا إلى الآن شيئا إلا وكان بجهة من الرأي مخصوصة ، فيقال : وما لم ير ~~فلا يحكم باستحالته ، ولو جاز هذا لجاز للمجسم أن يقول إنه تعالى جسم ، ~~لأنه فاعل ، فإننا لم نر إلى الآن فاعلا إلا جسما . أو يقول إن كان فاعلا ~~وموجودا فهو إما داخل العالم وإما خارجه ، وإما متصل وإما منفصل ، ولا تخلو ~~عنه الجهات الست ، فإنه لم يعلم موجود إلا وهو كذلك فلا فضل بينكم وبين ~~هؤلاء . وحاصله يرجع إلى الحكم بأن ما شوهد وعلم ينبغي أن لا يعلم غيره إلا ~~على وفقه ، وهو كمن يعلم الجسم وينكر العرض ويقول : لو كان موجودا لكان ~~PageV01P093 يختص بحيز ويمنع غيره من الوجود بحيث هو كالجسم . ومنشأ هذا ~~إحالة موجودات اختلاف الموجودات في حقائق الخواص مع الاشتراك في أمور عامة ~~. وذلك بحكم لا أصل له ، على أن هؤلاء لا يغفل عن معارضتهم بأن الله يرى ~~نفسه ويرى العالم وهو ليس بجهة من نفسه ولا من العالم ، فإذا جاز ذلك فقد ~~بطل هذا الخيال . وهذا مما يعترف به أكثر المعتزلة ولا نخرج عنه لمن اعترف ~~به ومن أنكر منهم فلا يقدر على انكار رؤية الانسان نفسه في المرآة ، ومعلوم ~~أنه ليس في مقابلة نفسه فإن زعموا أنه لا يرى نفسه وإنما يرى صورة محاكية ~~لصورته منطبعة في المرآة انطباع النفس في الحائط ، فيقال إن هذا ظاهر ~~الاستحالة : فإن من تباعد عن مرآة منصوبة في حائط بقدر ذراعين يرى صورته ~~بعيدة عن جرم المرآة بذراعين ، وإن تباعد بثلاثة أذرع فكذلك . فالبعيد عن ~~المرآة بذراعين كيف يكون منطبعا في المرآة وسمك المرآة ربما ms036 لا يزيد على ~~سمك شعيرة ؟ فإن كانت الصورة في شيء وراء المرآة فهو محال ، إذ ليس وراء ~~المرآة إلا جدار أو هواء أو شخص آخر هو محجوب عنه ، وهو لا يراه . وكذا عن ~~يمين المرآة ويسارها وفوقها وتحتها وجهات المرآة الست ، وهو يرى صورة بعيدة ~~عن المرآة بذراعين ، فلنطلب هذه الصورة من جوانب المرآة : PageV01P094 فحيث ~~وجدت فهو المرئي ولا وجود لمثل هذه الصورة المرئية في الأجسام المحيطة ~~بالمرآة إلا في جسم والناظر ، فهو المرئي إذا بالضرورة . وقد تطلب المقابلة ~~والجهة ولا ينبغي أن تستحقر هذا الإلزام فإنه لا مخرج للمعتزلة عنه ، ونحن ~~نعلم بالضرورة أن الانسان لو لم يبصر نفسه قط ولا عرف المرآة وقيل له أن ~~يمكن أن تبصر نفسك في مرآة الحكم بأنه محال ، وقال لا يخلو إما أن أرى نفسي ~~وأنا في المرآة فهو محال ، أو أرى مثل صورتي في جرم المرآة وهو محال ، أو ~~في جرم وراء المرآة وهو محال ، أو المرآة في نفسها صورة وللأجسام المحيطة ~~بها جسم صور ، ولا تجتمع صورتان في جسم واحد إذ محال أن يكون في جسم واحد ~~صورة إنسان وديد وحائط وإن رأيت نفسي حيث أنا فهو محال ، إذ لست في مقابلة ~~نفسي فكيف أرى نفسي ، ولا بد بين المقابلة بين الرائي والمرئي وهذا التقسيم ~~صحيح عند المعتزلي ومعلوم أنه باطل ، وبطلانه عندنا لقوله إني لست في ~~مقابلة نفسي فلا أراها وإلا فسائر أقسام كلامه صحيحة ، فبهذا يستبين ضيق ~~حوصلة هؤلاء عن التصديق بما لم يألفوه ولم تأنس به حواسهم . المسلك الثاني ~~، وهو الكشف البالغ أن تقول إنما أنكر الخصم الرؤية لأنه لم يفهم ما تريده ~~بالرؤية ولم يحصل معناها على التحقيق ، وظن أنا نريد بها حالة PageV01P095 ~~تساوي الحالة التي يدركها الرأي عند النظر إلى الأجسام والألوان وهيهات ! ~~فنحن نعترف باستحالة ذلك في حق الله سبحانه ، ولكن ينبغي أن نحصل معنى هذا ~~اللفظ في الموضع المتفق ، ونسبكه ثم نحذف منه ما يستحيل في حق الله سبحانه ~~وتعالى ، فإن نفي من ms037 معانيه معنى لم يستحل في حق الله سبحانه وتعالى وأمكن ~~أن يسمى ذلك المعنى رؤية حقيقة ، أثبتناه في حق الله سبحانه وقضينا بأنه ~~مرئي حقيقة ، وإن لم يكى إطلاق اسم الرؤية عليه إلا بالمجاز أطلقنا اللفظ ~~عليه بإذن الشرع واعتقدنا المعنى كما دل عليه العقل . وتحصيله ، أن الرؤية ~~تدل على معنى له محل وهو العين ، وله متعلق وهو اللون والقدر والجسم وسائر ~~المرئيات ، فلننظر إلى حقيقة معناه ومحله ، وإلى متعلقه ولنتأمل أن الركن ~~من جملتها في إطلاق هذا الاسم ما هو ، فنقول : أما المحل فليس بركن في صحة ~~هذه التسمية ، فإن الحالة التي ندركها بالعين من المرئي لو أدركناها بالقلب ~~أو بالجبهة مثلا لكنا نقول قد رأينا الشيء وأبصرناه وصدق كلامنا ، فإن ~~العين محل وآلة لا تراد لعينها بل لتحل فيه هذه الحالة ، فحيث حلت الحالة ~~تمت الحقيقة وصح الاسم . # ولنا أن نقول علمنا بقلبنا أو بدماغنا إن أدركنا الشيء بالقلب ، أو ~~بالدماغ إن أدركنا الشيء بالدماغ ، وكذلك إن أبصرنا بالقلب أو بالجبهة أو ~~بالعين . PageV01P096 # وأما المتعلق بعينه فليس ركنا في إطلاق هذا الاسم وثبوت هذه الحقيقة . ~~فإن الرؤية لو كانت رؤية لتعلقها بالسواد لما كان المتعلق بالبياض رؤية ، ~~ولو كان لتعلقها باللون لما كان المتعلق بالحركة رؤية ، ولو كان لتعلقها ~~بالعرض لما كان المتعلق بالجسم رؤية ، فدل أن خصوص صفات المتعلق ليس ركنا ~~لوجود هذه الحقيقة ، وإطلاق هذا الاسم ، بل الركن فيه من حيث أنه صفة ~~متعلقة أن يكون لها متعلق موجود ؛ أي موجود كان وأي ذات كان . فإذا الركن ~~الذي الاسم مطلق عليه هو الأمر الثالث وهو حقيقة المعنى من غير التفات إلى ~~محله ومتعلقه ، فلنبحث عن الحقيقة ما هي ، ولا حقيقة لها إلا أنها نوع ~~إدراك هو كمال ومزيد كشف بالاضافة إلى التخيل ، فإنا نرى الصديق مثلا ثم ~~نغمض العين فتكون صورة الصديق حاضرة في دماغنا على سبيل التخيل والتصور ، ~~ولكنا لو فتحنا البصر أدركنا تفرقته ولا ترجع تلك التفرقة إلى إدراك صورة ~~أخرى مخالفة لما كانت ms038 في الخيال بل الصورة المبصرة مطابقة للمتخيلة من غير ~~فرق وليس بينهما افتراق ، إلا أن هذه الحالة الثانية كالاستكمال لحالة ~~التخيل ، وكالكشف لها ، فتحدث فيها صورة الصديق عند فتح البصر حدوثا أوضح ~~وأتم وأكمل من الصورة الجارية في الخيال . PageV01P097 والحادثة في البصر ~~بعينها تطابق بيان الصورة الحادثة في الخيال ، فإذا التخيل نوع إدراك على ~~رتبة ، ووراءه رتبة أخرى هي أتم منه في الوضوح والكشف ، بل هي كالتكميل له ~~، فنسمي هذا الاستكمال بالاضافة إلى الخيال رؤية وإبصارا ، وكذا من الأشياء ~~ما نعلمه ولا نتخيله وهو ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته ، وكل ما لا صورة ~~له ، أي لا لون له ولا قدر مثل القدرة والعلم والعشق والإبصار والخيال ؛ ~~فإن هذه أمور نعلمها ولا نتخيلها والعلم بها نوع إدراك فلننظر هل يحيل ~~العقل أن يكون لهذا الادراك مزيد استكمال نسبته إليه نسبة الإبصار إلى ~~التخيل ؛ فإن كان ذلك ممكنا سمينا ذلك الكشف والاستكمال بالاضافة إلى العلم ~~رؤية ، كما سميناه بالاضافة إلى التخيل رؤية . ومعلوم أن تقدير هذا ~~الاستكمال في الاستيضاح والاستكشاف غير محال في الموجودات المعلومة التي ~~ليست متخيلة كالعلم والقدرة وغيرهما ، وكذا في ذات الله سبحانه وصفاته ، بل ~~نكاد ندرك ضرورة من الطبع أنه يتقاضى طلب مزيد استيضاح في ذات الله وصفاته ~~وفي ذوات هذه المعاني المعلومة كلها . فنن نقول إن ذلك غير محال فإنه لا ~~محيل له بل العقل دليل على إمكانه بل على استدعاء الطبع له . إلا أن هذا ~~الكمال في الكشف غير مبذول في هذا العالم ، PageV01P098 والنفس في شغل ~~البدن وكدورة صفائه ، فهو مجوب عنه . وكما لا يبعد أن يكون الجفن أو الستر ~~أو سواد ما في العين سببا بحكم اطراد العادة لامتناع الإبصار للمتخيلات فلا ~~يبعد أن تكون كدورة النفس وتراكم حجب الاشغال بحكم اطراد العادة مانعا من ~~إبصار المعلومات . فإذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور ، وزكيت ~~القلوب بالشراب الطهور ، وصفيت بأنوع التصفية والتنقية ، لم يمتنع أن تشتغل ~~بسببها لمزيد استكمال واستيضاح في ذات الله ms039 سبحانه أو في سائر المعلومات ، ~~يكون ارتفاع درجته عن العلم المعهود كارتفاع درجة الإبصار عن التخيل ، يعبر ~~عن ذلك بلقاء الله تعالى ومشاهدته أو رؤيته أو إبصاره أو ما شئت من ~~العبارات . فلا مشاحة فيها وبعد إيضاح المعاني . وإذا كان ذلك ممكنا بأن ~~خلقت هذه الحالة في العين ، كان اسم الرؤية بحكم وضع اللغة عليه أصدق وخلقه ~~في العين غير مستحيل . كما أن خلقها في القلب غير مستحيل فإذا فهم المراد ~~بما أطلقه أهل الحق من الرؤية ، علم أن العقل لا يحيله بل يوجبه ، وأن ~~الشرع قد شهد له فلا يبقى للمنازعة وجه إلا على سبيل العناد أو المشاحنة في ~~إطلاق عبارة الرؤية أو القصور عن درك هذه المعاني الدقيقة التي ذكرناها . ~~ولنقتصر في هذا الموجز على هذا القدر . PageV01P099 # الطرف الثاني في وقوعه شرعا . وقد دل الشرع على وقوعه ومداركه كثيرة ، ~~ولكثرتها يمكن دعوى الإجماع على الأولين في ابتهالهم إلى الله سبحانه في ~~طلب لذة النظر إلى وجهه الكريم . ونعلم قطعا من عقائدهم أنهم كانوا ينتظرون ~~ذلك وأنهم كانوا قد فهموا جواز انتظار ذلك وسؤاله من الله سبحانه ، بقرائن ~~أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجملة من ألفاظه الصريحة التي لا تدخل ~~في الحضر ، بالاجماع الذي يدل على خروج المدارك عن الحصر . ومن أقوى ما يدل ~~عليه سؤال موسى صلى الله عليه وسلم أرني أنظر إليك فإنه يستحيل أن يخفى عن ~~نبي من أنبياء الله تعالى انتهى منصبه إلى أن يكلمه الله سبحانه شفاها أن ~~يجهل من صفات ذاته تعالى ما عرفه المعتزلة . وهذا معلوم على الضرورة ، فإن ~~الجهل بكونه ممتنع الرؤية عند الخصم يوجب التفكير أو التضليل وهو جهل بصفة ~~ذاته لأن استحالتها عندهم لذاته ولأنه ليس بجهة فكيف لم يعرف موسى عليه ~~أفضل الصلاة أنه ليس بجهة ، أو كيف عرف أنه ليس بجهة ولم يعرف أن رؤية ما ~~ليس بجهة محال ؟ فليت شعري ماذا يضمر الخصم ويقدره من ذهول موسى صلى الله ~~عليه وسلم ، أيقدره معتقدا أنه ms040 جسم في جهة ذو لون ، واتهام الأنبياء صلوات ~~الله سبحانه وتعالى عليهم وسلامه كفر صراح ، فإنه تكفير للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ، فإن القائل بأن الله سبحانه جسم وعابد الوثن والشمس ~~PageV01P100 يقول بأنه واحد ! أو يقول علم استحالة كونه بجهة ، ولكنه لم ~~يعلم أن ما ليس بجهة فلا يرى ، وهذا تجهيل للنبي عليه أفضل السلام لأن ~~الخصم يعتقد أن ذلك من الجليات لا من النظريات . فأنت الآن أيها المسترشد ~~مخير من أن تميل إلى تجهيل النبي صلى الله عليه وسلم تسليما ، أو إلى تجهيل ~~المعتزلي ، فاختر لنفسك ما أليق بك والسلام . # فإن قيل : إن دل هذا لكم فقد دل عليكم ، لسؤاله الرؤية في الدنيا ودل ~~عليكم قوله تعالى ' لن تراني ' ودل قوله سبحانه ' لا تدركه الأبصار ' . # قلنا : أما سؤاله الرؤية في الدنيا فهو دليل على عدم معرفته بوقوع وقت ما ~~هو جائز في نفسه ، والأنبياء كلهم عليهم أفضل السلام لا يعرفون من الغيب ~~إلا ما عرفوا ، وهو القليل ، فمن أين يبعد أن يدعو النبي عليه أفضل السلام ~~كشف غمة وإزالة بلية وهو يرتجي الإجابة في وقت لم تسبق في علم الله تعالى ~~الإجابة فيه . وهذا من ذلك الفن . # وأما قوله سبحانه ' لن تراني ' فهو دفع لما التمسه ، وإنما التمس في ~~الآخرة ، فلو قال أرني انظر إليك في الآخرة ، فقال لن تراني ، لكان ذلك ~~دليلا على نفي الرؤية ، ولكن في حق موسى صلوات الله سبحانه وسلامه عليه في ~~الخصوص لا على العموم . وما كان أيضا دليلا على PageV01P101 الاستحالة ، ~~فكيف وهو جواب عن السؤال في الحال ؟ وأما قوله لا تدركه الأبصار أي لا تحيط ~~به ولا تكتنفه من جوانبه كما تحيط الرؤية بالأجسام ، وذلك حق ، أو هو عام ~~فأريد بة في الدنيا ، وذلك أيضا حق ، وهو ما أراده بقوله سبحانه ' لن تراني ~~' في الدنيا . ولنقتصر على هذا القدر في مسألة الرؤية ، ولينظر المنصف كيف ~~افترقت الفرق وتحزبت إلى مفرط ومفرط . # أما الحشوية فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود إلا في جهة ، فأثبتوا ms041 الجهة ~~حتى ألزمتهم بالضرورة الجسمية والتقدير والاختصاص بصفات الحدوث . # وأما المعتزلة وفانهم نفوا الجهة ولم يتمكنوا من إثبات الرؤية دونها ، ~~وخالفوا به قواطع الشرع ، وظنوا أن في إثباتها إثبات الجهة ، فهؤلاء ~~تغلغلوا في التنزيه محترزين من التشبيه ، فأفرطوا . والحشوية أثبتوا الجهة ~~احترازا من التعطيل فشبهوا ، فوقف الله سبحانه أهل السنة للقيام بالحق ، ~~فتفطنوا للمسلك القصد وعرفوا أن الجهة منقية لأنها للجسمية تابعة وتتمة ، ~~وأن الرؤية ثابتة لأنها رديف العلم وفريقه ، وهي تكملة له ؛ فانتفاء ~~الجسمية أوجب انتفاء الجهة التي من لوازمها . وثبوت العلم أوجب ثبوت الرؤية ~~التي هي من روادفه وتكملاته ومشاركة له في خاصيته ، وهي أنها لا توجب ~~تغييرا في ذات المرئي ، بل تتعلق به على ما هو عليه كالعلم . ولا يخفى عن ~~عاقل أن هذا هو الاقتصاد في الإعتقاد . PageV01P102 # # | الدعوى العاشرة وحدانية الله # : ندعي أنه سبحانه واحد . فإن كونه واحدا يرجع إلى ثبوت ذاته ونفي غيره ، ~~فليس هو نظر في صفة زائدة على الذات ، فوجب ذكره في هذا القطب . # فنقول : الواحد قد يطلب ويراد به أنه لا يقبل القسمة ، أي لا كمية له ولا ~~جزء ولا مقدار ، والباري تعالى واحد بمعنى سلب الكمية المصححة للقسمة عنه ؛ ~~فإنه غير قابل للانقسام . إذ الانقسام لما له كمية ، والتقسيم تصرف في كمية ~~بالتفريق والتصغير ، وما لا كمية له لا بتصور انقسامه . وقد يطلق ويراد أنه ~~لا نظير له في رتبته كما تقول الشمس واحدة ، والباري تعالى أيضا بهذا ~~المعنى واحد ؛ فإنه لا ند له . فأما انه لا ضد له فظاهرا ، إذ المفهوم من ~~الضد هو الذي يتعاقب مع الشيء على محل واحد ولا تجامع وما لا محل له فلا ضد ~~له ، والباري سبحانه لا محل له فلا ضد له . # وأما قولنا لا ند له ، نعني به أن ما سواه هو خالقه لا غير ، وبرهانه أنه ~~لو قدر له شريك لكان مثله في كل الوجوه أو أرفع منه أو كان دونه . وكل ذلك ~~محال . فالمفضي إليه محال ، ووجه استحالة كونه مثله من ms042 كل وجه أن كل اثنين ~~هما متغايران ، فإن لم يكن تغاير لم تكن الإثنينية معقولة ، فإنا لا نعقل ~~سوادين إلا في PageV01P103 محلين ، أو في محل واحد في وقتين ، فيكون أحدهما ~~مفارقا للآخر ومباينا له ومغايرا إما في المحل وإما في الوقت ، والشيئان ~~تارة يتغايران بتغاير الحد والحقيقة ، كتغاير الحركة واللون فإنهما وإن ~~اجتمعا في محل واحد في وقت واحد فهما اثنان ، إذ أحدهما مغاير للآخر ~~بحقيقته ، فإن استوى اثنان في الحقيقة والحد كالسوادين ، فيكون الفرق ~~بينهما إما في المحل أو في الزمان ؛ فإن فرض سوادان مثلا في جوهر واحد في ~~حالة واحدة كان محالا إذ لم تعرف الاثنينية . ولو جاز أن يقال هما اثنان ~~ولا مغايرة ، لجاز أن يشار إلى إنسان واحد ويقال أنه انسانان بل عشرة وكلها ~~متساوية متماثلة في الصفة والمكان وجميع العوارض واللوازم ، من غير فرقان ، ~~وذلك محال بالضرورة ، فإن كان ند الله سبحانه متساويا له في الحقيقة ~~والصفات استحال وجوده ، إذ ليس مغايره بالمكان إذ لا مكان ولا زمان فإنهما ~~قديمان ، فإذا لا فرقان ، وإذا ارتفع كل فرق ارتفع العدد بالضرورة ، ولزمت ~~الوحدة . ومحال أن يقال يخالفه بكونه أرفع منه . فإن الأرفع هو الإله ~~والإله عبارة عن أجل الموجودات وأرفعها ، والآخر المقدر ناقص ليس بالإله . ~~ونحن إنما نمنع العدد في الإله ، والإله هو الذي يقال فيه بالقول المطلق ~~أنه أرفع الموجودات وأجلها . وإن كان أدنى منه PageV01P104 كان محالا ، ~~لأنه ناقص ونحن نعبر بالاله عن أجل الموجودات فلا يكون الأجل إلا واحدا ، ~~وهو الإله ولا يتصور اثنان متساويان في صفات الجلال ، إذ يرتفع عند ذلك ~~الافتراق ويبطل العدد كما سبق . فإن قيل : بم تنكرون على من لا ينازعكم في ~~إيجاد من يطلق عليه اسم الإله ، مهما كان الإله ، عبارة عن أجل الموجودات ، ~~ولكنه يقول العالم كله بجملته ليس بمخلوق خالق واحد ، بل هو مخلوق خالقين ، ~~أحدهما مثلا خالق السماء والآخر خالق الأرض ، أو أحدهما خالق الجمادات ~~والآخر خالق الحيوانات وخالق النبات : فما المحيل لهذا ؟ فإن لم يكن ms043 على ~~استحالة هذا دليل ، فمن أين ينفعكم قولكم أن اسم الإله لا يطلق على هؤلاء ؟ ~~فإن هذا القائل يعبر بالإله عن الخالق ، أو يقول أحدهما خالق الخير والآخر ~~خالق الشر ، أو أحدهما خالق الجواهر والآخر خالق الأعراض ، فلا بد من دليل ~~على استحالة ذلك . # فنقول : يدل على استحالة ذلك أن هذه التوزيعات للمخلوقات على الخالقين في ~~تقدير هذا السائل لا تعدو قسمين : إما أن تقتضي تقسيم الجواهر والأعراض ~~جميعا حتى خلق أحدهما بعض الأجسام والأعراض PageV01P105 دون البعض ، أو ~~يقال كل الأجسام من واحد وكل الأعراض من واحد ، وباطل أن يقال إن بعض ~~الأجسام بخلقها واحد كالسماء مثلا دون الأرض ؛ فإنا نقول خالق السماء هل هو ~~قادر على خلق الأرض أم لا ، فإن كان قادرا كقدرته ، لم يتميز أحدهما في ~~القدرة عن الآخر ، فلا يتميز في المقدور عن الآخر فيكون المقدور بين قادرين ~~ولا تكون نسبته إلى أحدهما بأولى من الآخر ، وترجع الاستحالة إلى ما ذكرناه ~~من تقدير تزاحم متماثلين من غير فرق ، وهو محال . وإن لم يكن قادرا عليه ~~فهو محال لأن الجواهر متماثلة وأكوانها التي هي اختصاصات بالأحياز متماثلة ~~، والقادر على الشيء قادر على مثله إذ كانت قدرته قديمة بحيث يجوز أن يتعلق ~~بمقدورين وقدرة كل واحد منهما تتعلق بعدة من الأجسام والجواهر ، فلم تتقيد ~~بمقدور واحد . وإذا جاوز المقدور الواحد على خلاف القدرة الحادثة ، لم يكن ~~بعض الأعداد بأولى من بعض ، بل يجب الحكم بنفي النهاية عن مقدوراته ويدخل ~~كل جوهر ممكن وجوده في قدرته . # والقاسم الثاني أن يقال : أحدهما يقدر على الجوهر والآخر على الأعراض ~~وهما مختلفان ، فلا تجب من القدرة على أحدهما القدرة على الآخر ، وهذا محال ~~، لأن العرض لا PageV01P106 يستغني عن الجوهر ، والجوهر لا يستغني عن العرض ~~، فيكون فعل كل واحد منهما موقوفا على الآخر ، فكيف يخلقه وربما لا يساعده ~~خالق الجوهر على خلق الجوهر عند إرادته لخلق العرض ، فيبقى عاجزا متحيرا ~~والعاجز لا يكون قادرا . وكذلك خالق الجوهر إن أراد خلق الجوهر بما خالفه ms044 ~~خالق العرض فيمتنع على الآخر خلق الجوهر فيؤدي ذلك إلى التمانع . # فإن قيل : مهما أراد واحد منهما خلق جوهر ساعده الآخر على العرض وكذا ~~بالعكس . قلنا : هذه المساعدة هل هي واجبة لا يتصور في العقل خلافها فإن ~~أوجبتموها فهو تحكم ، بل هو أيضا مبطل للقدرة ، فإن خلق الجوهر من واحد ~~كأنه يضطر الآخر إلى خلق العرض ، وكذا بالعكس ؛ فلا تكون له قدرة على الترك ~~ولا تتحقق القدرة مع هذا . وعلى الجملة فترك المساعدة إن كان ممكنا فقد ~~تعذر العقل وبطل معنى المقدرة والمساعدة إن كانت واجبة صار الذي لا بد له ~~من مساعدة مضطرا لا قدرة له . # فإن قيل . فيكون أحدهما خالق الشر والآخر خالق الخير ، قلنا : هذا هوس ، ~~لأن الشر ليس شرا لذاته ، بل هو من حيث ذاته مساو للخير ومماثل له ، ~~والقدرة على الشيء قدرة على مثله ، فإن إحراق بدن المسلم PageV01P107 ~~بالنار شر ، وإحراق بدن الكافر خير ودفع شر ، والشخص الواحد إذا تكلم بكلمة ~~الإسلام انقلب الإحراق في حقه شرا ، فالقادر على إحراق لحمه بالنار عند ~~سكوته عن كلمة الإيمان لا بد أن يقدر على إحراقه عند النطق بها ، لأن نطقه ~~بها صوت ينقضي لا يغير ذات اللحم ، ولا ذات النار ، ولا ذات الاحتراق ، ولا ~~يغلب جنسا فتكون الاحتراقات متماثلة ، فيجب تعلق القدرة بالكل ويقتضي ذلك ~~تمانعا وتزاحما . وعلى الجملة : كيفما فرض الأمر تولد منه اضطراب وفساد وهو ~~الذي أراد الله سبحانه بقوله ' لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ' فلا ~~مزيد على بيان القرآن . ولنختم هذا القطب بالدعوى العاشرة فلم يبق مما يليق ~~بهذا الفن إلا بيان استحالة كونه سبحانه محلا للحوادث ، وسنشير إليه في ~~أثناء الكلام في الصفات ردا على من قال بحدوث العلم والإرادة وغيرهما . ~~PageV01P108 # | القطب الثاني في الصفات الإلهية # وفيه سبعة دعاوى إذ ندعى أنه سبحانه قادر عالم حي مريد سميع بصير متكلم ، ~~فهذه سبعة صفات . ويتشعب عنها نظر في أمرين أحدهما ما به تخص آحاد الصفات ، ~~والثاني ما تشترك فيه جميع الصفات . فلنفتح ms045 البداية بالقسم الأول وهو اثآت ~~أصل الصفات وشرح خصوص أحكامها . # | القسم الأول أصل الصفات # # | الصفة الأولى القدرة # ندعي أن محدث العالم قادر ، لأن العالم فعل محكم مرتب متقن منظوم مشتمل ~~على أنواع من العجائب PageV01P109 والآيات ، وذلك يدل على القدرة . ونرتب ~~القياس فنقول : كل فعل محكم فهو صادر من فاعل قادر ، والعالم فعل محكم فهو ~~إذا صادر من فاعل قادر ، ففي أي الأصلين النزاع ؟ فإن قيل فلم قلتم أن ~~العالم فعل محكم ، قلنا : عنينا بكونه محكما ترتبه ونظامه وتناسبه ، فمن ~~نظر في أعضاء نفسه الظاهرة والباطنة ظهر له من عجائب الاتقان ما يطول حصره ~~، فهذا أصل تدرك معرفته بالحس والمشاهدة فلا يسع جحده . فإن قيل : فبم ~~عرفتم الأصل الآخر وهو أن كل فعل مرتب محكم ففاعله قادر ؟ قلنا : هذا مدركه ~~ضرورة العقل ؛ فالعقل يصدق به بغير دليل ولا يقدر العاقل على جحده ، ولكنا ~~مع هذا نجرد دليلا يقطع دابر الجحود والعناد ، فنقول : نعني بكونه قادرا أن ~~الفعل الصادر منه لا يخلو إما أن يصدر عنه لذاته أو لزائد عليه ، وباطل أن ~~يقال صدر عنه لذاته ، إذ لو كان كذلك لكان قديما مع الذات فدل أنه صدر ~~لزائد على ذاته ، والصفة الزائدة التي بها تهيأ للفعل الموجود نسميها قدرة ~~، إذ القدرة في وضع اللسان عبارة عن الصفة التي يتهيأ الفعل للفاعل وبها ~~يقع الفعل ، فإن قيل ينقلب عليكم هذا في القدرة فإنها قديمة والفعل ليس ~~بقديم ، قلنا سيأتي جوابه في أحكام PageV01P110 الإرادة فيما يقع الفعل به ~~، وهذا الوصف مما دل عليه التقسيم القاطع الذي ذكرناه . ولسنا نعني بالقدرة ~~إلا هذه الصفة ، وقد أثبتناها فلنذكر أحكامها . ومن حكمها أنها متعلقة ~~بجميع المقدورات ، وأعني بالمقدورات الممكنات كلها التي لا نهاية لها . ولا ~~يخفى أن الممكنات لا نهاية لها فلا نهاية إذا للمقدورات ، ونعني بقولنا لا ~~نهاية للممكنات أن خلق الحوادث بعد الحوادث لا ينتهي إلى حد يستحيل في ~~العقل حدوث حادث بعده ، فالإمكان مستمر أبدا والقدرة واسعة لجميع ذلك ، ~~وبرهان هذه الدعوى وهي عموم ms046 تعلق القدرة أنه قد ظهر أن صانع كل العالم واحد ~~، فإما أن يكون له بإزاء كل مقدور قدرة والمقدورات لا نهاية لها فتثبت قدرة ~~متعددة لا نهاية لها وهو محال كما سبق في إبطال دورات لا نهاية لها ، وإما ~~أن تكون القدرة واحدة كما سبق في إبطال دورات لا نهاية لها ، وإما أن تكون ~~القدرة واحدة فيكون تعلقها مع اتحادها بما يتعلق به من الجواهر والأعراض مع ~~اختلافها لأمر تشترك فيه ولا يشترك في أمر سوى الامكان ، فيلزم منه أن كل ~~ممكن فهو مقدور لا محالة وواقع بالقدرة . # وبالجملة ، إذا صدرت منه الجواهر والأعراض استحال أن لا يصدر منه أمثالها ~~، فإن القدرة على الشيء قدرة على مثله إذ لم يمتنع التعدد في المقدور ~~لنسبته إلى PageV01P111 الحركات كلها والألوان كلها على وتيرة واحدة فتصلح ~~لخلو حركة بعد حركة على الدوام ، وكذا لون بعد لون وجوهر بعد جوهر وهكذا . ~~. وهو الذي عنيناه بقولنا إن قدرته تعالى متعلقة بكل ممكن فإن الإمكان لا ~~ينحصر في عدد . ومناسبة ذات القدرة لا تختص بعدد دون عدد ولا يمكن أن يشار ~~إلى حركة فيقال أنها خارجة عن إمكان تعلق القدرة بها ، مع أنها تعلقت ~~بمثلها إذ بالضرورة تعلم أن ما وجب للشيء وجب لمثله ويتشعب عن هذا ثلاثة ~~فروع . # الفرع الأول : إن قال قائل هل تقولون أن خلاف المعلوم مقدور ؟ قلنا : هذا ~~مما اختلف فيه ، ولا يتصور الخلاف فيه إذا حقق وأزيل تعقيد الألفاظ وبيانه ~~أنه قد ثبت أن كل ممكن مقدور وأن المحال ليس بمقدور . فانظر أن خلاف ~~المعلوم محال أو ممكن ولا تعرف ذلك إلا إذا عرفت معنى المحال والممكن وحصلت ~~حقيقتهما وإلا فإن تساهلت في النظر ، ربما صدق على خلاف المعلوم أنه محال ~~وأنه ممكن وأنه ليس بمحال ، فإذا صدق أنه محال وأنه ليس بمحال والنقيضان لا ~~يصدفان معا . فاعلم أن تحت اللفظ اجمالا وإنما ينكشف لك ذلك بما أقوله وهو ~~أن العالم مثلا يصدق عليه أنه واجب وأنه محال وأنه ممكن . أما ms047 كونه واجبا ~~فمن حيث أنه إذا PageV01P112 فرضت إرادة القديم موجودة وجودا واجبا كان ~~المراد أيضا واجبا بالضرورة لا جائزا ، إذ يستحيل عدم المراد مع تحقق ~~الإرادة القديمة وأما كونه محالا فهو أنه لو قدر عدم تعلق الارادة بايجاده ~~فيكون لا محالة حدوثه محالا إذ يؤدي إلى حدوث حادث بلا سبب وقد عرف أنه ~~محال . وأما كونه ممكنا فهو أن تنظر إلى ذاته فقط ، ولا تعتبر معه لا وجود ~~الإرادة ولا عدمها ، فيكون له وصف الإمكان ، فإذا الاعتبارات ثلاثة : الأول ~~أن يشترط فيه وجود الإرادة وتعلقها فهو بهذا الاعتبار واجب . # الثاني أن يعتبر فقد الإرادة فهو بهذا الاعتبار محال . # الثالث أن نقطع الالتفات عن الإرادة والسبب فلا نعتبر وجوده ولا عدمه ~~ونجرد النظر إلى ذات العالم فيبقى له بهذا الاعتبار الأمر الثالث وهو ~~الإمكان . ونعني به أنه ممكن لذاته ، أي إذا لم نشترط غير ذاته كان ممكنا ~~فظهر منه أنه يجوز أن يكون الشيء الواحد ممكنا محالا ، ولكن ممكنا باعتبار ~~ذاته محالا باعتبار غيره ، ولا يجوز أن يكون ممكنا لذاته محالا لذاته ، ~~فهما متناقضان فنرجع إلى خلاف المعلوم فنقول : إذا PageV01P113 سبق في علم ~~الله تعالى إماتة زيد صبيحة يوم السبت مثلا فنقول : خلق الحياة لزيد صبيحة ~~يوم السبت ممكن أم ليس بممكن ؟ فالحق فيه أنه ممكن ومحال ؛ أي هو ممكن ~~باعتبار ذاته إن قطع الالتفات إلى غيره ، ومحال لغيره لا لذاته وذلك إذا ~~اعتبر معه الالتفات إلى تعلق ذاتها وهو ذات العلم ، إذ ينقلب جهلا ، ومحال ~~أن ينقلب جهلا فبان أنه ممكن لذاته محال للزوم استحالة في غيره . فإذا قلنا ~~حياة زيد في هذا الوقت مقدورة ، لم نرد به إلا أن الحياة من حيث أنها حياة ~~ليس بمحال ، كالجمع بين السواد والبياض . وقدرة الله تعالى من حيث أنها ~~قدرة لا تنبو عن التعلق بخلق الحياة ولا تتقاصر عنه لفتور ولا ضعف ولا سبب ~~في ذات القدرة ، وهذان أمران يستحيل إنكارهما ، أعني نفي القصور عن ذات ~~القدرة وثبوت الإمكان لذات الحياة من ms048 حيث أنها حياة فقط من غير التفات إلى ~~غيرها ، والخصم إذا قال غير مقدور على معنى أن وجوده يؤدي إلى استحالة فهو ~~صادق في هذا المعنى ، فإنا لسنا ننكره ويبقى النظر في اللفظ هل هو صواب من ~~حيث اللغة إطلاق هذا الاسم عليه أو سلبه ، ولا يخفى أن الصواب إطلاق اللفظ ~~فإن الناس يقولون فلان قادر على الحركة والسكون ، إن شاء تحرك وإن شاء سكن ~~، ويقولون إن له في كل وقت قدرة على الضدين ويعلمون أن الجاري في علم الله ~~تعالى وقوع أحدهما ، فالاطلاقات شاهدة لما ذكرناه وحظ المعنى فيه ضروري لا ~~سبيل إلى جحده . PageV01P114 # الفرع الثاني : إن قال قائل إذا ادعيتم عموم القدرة في تعلقها بالممكنات ~~، فما قولكم في مقدورات الحيوان وسائر الأحياء من المخلوقات ، أهي مقدورة ~~لله تعالى أم لا ؟ فإن قلتم ليست مقدورة ، فقد نقضتم قولكم إن تعلق القدرة ~~عام ، وإن قلتم إنها مقدورة له لزمكم إثبات مقدور بين قادرين وهو محال ، ~~وإنكار كون الإنسان وسائر الحيوان قادرا فهو مناكرة للضرورة ومجاحدة ~~لمطالبات الشريعة ، إذ تستحيل المطالبة بما لا قدرة عليه ويستحيل أن يقول ~~الله لعبده ينبغي أن تتعاطى ما هو مقدور لي وأنا مستأثر بالقدرة عليه ولا ~~قدرة لك عليه . # فنقول : في الانفصال قد تحزب الناس في هذا أحزابا ؛ فذهبت المجبرة إلى ~~انكار قدرة العبد فلزمها إنكار ضرورة التفرقة بين حركة الرعدة والحركة ~~الاختيارية ، ولزمها أيضا استحالة تكاليف الشرع ، وذهبت المعتزلة إلى انكار ~~تعلق قدرة الله تعالى بأفعال العباد من الحيوانات والملائكة والجن والإنس ~~والشياطين وزعمت أن جميع ما يصدر منها من خلق العباد واختراعهم لا قدرة لله ~~تعالى عليها بنفي ولا إيجاب فلزمتها شناعتان عظيمتان : إحداهما انكار ما ~~أطبق عليه السلف رضي الله عنهم من أنه لا خالق إلا الله ولا مخترع سواه ، ~~والثانية نسبة PageV01P115 الاختراع والخلق إلى قدرة من لا يعلم ما خلقه من ~~الحركات ، فإن الحركات التي تصدر من الإنسان وسائر الحيوان لو سئل عن عددها ~~وتفاصيلها ومقاديرها لم يكن عنده خبر منها ms049 ، بل الصبي كما ينفصل من المهد ~~يدب إلى الثدي باختياره ويمتص ، والهرة كما ولدت تدب إلى ثدي أمها وهي ~~مغمضة عينها ، والعنكبوت تنسج من البيوت أشكالا غريبة يتحير المهندس في ~~استدارتها وتوازي أضلاعها وتناسب ترتيبها وبالضرورة تعلم انفكاكها عن العلم ~~بما تعجز المهندسون عن معرفته ، والنحل تشكل بيوتها على شكل التسديس فلا ~~يكون فهيا مربع ولا مدور ولا مسبع ولا شكل آخر وذلك لتميز شكل المسدس ~~بخاصية دلت عليها البراهين الهندسية لا توجد في غيرها ، وهو مبني على اصول ~~أحدها ، أن أحوى الأشكال وأوسعها الشكل المستدير المنفك عن الزوايا الخارجة ~~عن الاستقامة ، والثاني ، أن الأشكال المستديرة إذا وضعت متراصة بقيت بينها ~~فرج معطلة لا محالة ، والثالث ، أن أقرب الأشكال القليلة الأضلاع إلى ~~المستديرة في الاحتواء هو شكل المسدس ، والرابع أن كل الأشكال القريبة من ~~المستديرة كالمسبع والمثمن والمخمس إذا وضعت جملة متراصة PageV01P116 ~~متجاورة بقيت بينها فرج معطلة ولم تكن متلاصقة ، وأما المربعة فإنها ~~متلاصقة ولكنها بعيدة عن احتواء الدوائر لتباعد زواياها عن أوساطها ، ولما ~~كان النحل محتاجا إلى شكل قريب من الدوائر ليكون حاويا لشخصه فإنه قريب من ~~الاستدارة ، وكان محتاجا لضيق مكانه وكثرة عدده إلى أن لا يضيع موضعا بفرج ~~تتخلل بين البيوت ولا تتسع لأشخاصها ولم يكن في الأشكال مع خروجها عن ~~النهاية شكل يقرب من الاستدارة وله هذه الخاصية وهو التراص والخلو عن بقاء ~~الفرج بين أعدادها إلا المسدس ، فسخرها الله تعالى لاختيار الشكل المسدس في ~~صناعة بيتها ؛ فليت شعري أعرف النحل هذه الدقائق التي يقصر عن دركها أكثر ~~عقلاء الإنس أم سخره لنيل ما هو مضطر إليه الخالق المنفرد بالجبروت وهو في ~~الوسط مجري فتقدير الله تعالى يجري عليه وفيه ، وهو لا يدريه ولا قدرة له ~~على الامتناع عنه ، وإن في صناعات الحيوانات من هذا الجنس عجائب لو أوردت ~~منها طرفا لامتلأت الصدور من عظمة الله تعالى وجلاله ، فتعسا للزائغين عن ~~سبيل الله المغترين بقدرتهم القاصرة ومكنتهم الضعيفة الظانين أنهم مساهمون ~~الله تعالى في الخلق والاختراع ms050 وإبداع مثل هذه العجائب والآيات . هيهات ~~هيهات ! ذلت المخلوقات وتفرد بالملك والملكوت جبار PageV01P117 الأرض ~~والسموات فهذه أنواع الشناعات اللازمة على مذهب المعتزلة فانظر الآن إلى ~~أهل السنة كيف وفقوا للسداد ورشحوا للاقتصاد في الإعتقاد . فقالوا : القول ~~بالجبر محال باطل ، والقول بالاختراع اقتحام هائل ، وإنما الحق إثبات ~~القدرتين على فعل واحد . والقول بمقدور منسوب إلى قادرين فلا يبقى إلا ~~استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد وهذا إنما يبعد إذا كان تعلق القدرتين ~~على وجه واحد ، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلقهما فتوارد التعلقين ~~على شيء واحد غير محال كما سنبينه . # فإن قيل فما الذي حملكم على اثبات مقدور بين قادرين ؟ قلنا : البرهان ~~القاطع على أن الحركة الاختيارية مفارقة للرعدة ، وإن فرضت الرعدة مراد ~~للمرتعد ومطلوبة له أيضا ولا مفارقة إلا بالقدرة ، ثم البرهان القاطع على ~~أن كل ممكن تتعلق به قدرة الله تعالى وكل حادث ممكن وفعل العبد حادث فهو ~~إذا ممكن فإن لم تتعلق به قدرة الله تعالى فهو محال ، فإنا نقول : الحركة ~~الاختيارية من حيث أنها حركة حادثة ممكنة مماثلة لحركة الرعدة فيستحيل أن ~~تتعلق قدرة الله تعالى بإحداهما وتقصر عن الأخرى وهي مثلها ، بل يلزم ~~PageV01P118 عليه محال آخر وهو أن الله تعالى لو أراد تسكين يد العبد إذا ~~أراد العبد تحريكها فلا يخلو إما أن توجد الحركة والسكون جميعا أو كلاهما ~~لا يوجد فيؤدي إلى اجتماع الحركة والسكون أو إلى الخلو عنهما ، والخلو ~~عنهما مع التناقض يوجب بطلان القدرتين ، إذ القدرة ما يحصل بها المقدور عند ~~تحقق الإرادة وقبول المحل ، فإن ظن الخصم أن مقدور الله تعالى يترجح لأن ~~قدرته أقوى فهو محال ، لأن تعلق القدرة بحركة واحدة لا تفضل تعلق القدرة ~~الأخرى بها ، إذ كانت فائدة القدرتين الاختراع وإنما قوته باقتداره على ~~غيره واقتداره على غيره غير مرجح في الحركة التي فيها الكلام ، إذ حظ ~~الحركة من كل واحدة من القدرتين أن تصير مخترعة بها والاختراع يتساوى فليس ~~فيه أشد ولا أضعف حتى يكون فيه ترجيح ، فإذا ms051 الدليل القاطع على إثبات ~~القدرتين ساقنا إلى إثبات مقدور بين قادرين . # فإن قيل : الدليل لا يسوق إلى محال لا يفهم وما ذكرتموه غير مفهوم . # قلنا : علينا تفهيمه وهو أنا نقول اختراع الله سبحانه للحركة في العبد ~~معقول دون أن تكون الحركة مقدورة للعبد ، فمهما خلق الحركة وخلق معها قدرة ~~عليها كان هو المستبد بالاختراع للقدرة والمقدور جميعا ، PageV01P119 فخرج ~~منه أنه منفرد بالاختراع وأن الحركة موجودة وأن المتحرك عليها قادر وبسبب ~~كونه قادرا فارق حاله حال المرتعد فاندفعت الإشكالات كلها . وحاصله أن ~~القادر الواسع القدرة هو قادر على الاختراع للقدرة والمقدور معا ، ولما كان ~~اسم الخالق والمخترع مطلقا على من أوجد الشيء بقدرته وكانت القدرة والمقدور ~~جميعا بقدرة الله تعالى ، سمي خالقا ومخترعا . ولم يكن المقدور مخترعا ~~بقدرة العبد وإن كان معه فلم يسم خالقا ولا مخترعا ووجب أن يطلب لهذا النمط ~~من النسبة اسم آخر مخالف فطلب له اسم الكسب تيمنا بكتاب الله تعالى ، فإنه ~~وجد إطلاق ذلك على أعمال العباد في القرآن وأما اسم الفعل فتردد في إطلاقه ~~ولا مشاحة في الأسامي بعد فهم المعاني . # فإن قيل : الشأن في فهم المعنى وما ذكرتموه غير مفهوم ، فإن القدرة ~~المخلوقة الحادثة إن لم يكن لها تعلق بالمقدور لم تفهم ؛ إذ قدرة لا مقدور ~~لها محال ، كعلم لا معلوم له . وإن تعلقت به فلا يعقل تعلق القدرة بالمقدور ~~إلا من حيث التأثير والايجاد وحصول المقدور به . فالنسبة بين المقدور ~~والقدرة نسبة المسبب إلى السبب وهو كونه به ، فإذا لم يكن به لم تكن علاقة ~~فلم تكن PageV01P120 قدرة ، إذ كل ما لا تعلق له فليس بقدرة إذ القدرة من ~~الصفات المتعلقة . # قلنا : هي متعلقة ، وقولكم أن التعلق مقصور على الوقوع به يبطل بتعلق ~~الارادة والعلم ، وإن قلتم أن تعلق القدرة مقصور على الوقوع بها فقط فهو ~~أيضا باطل ، فإن القدرة عندكم تبقى إذا فرضت قبل الفعل ، فهل هي متعلقة أم ~~لا ؟ فإن قلتم لا فهو محال ، وإن قلتم نعم فليس المعني بها وقوع ms052 المقدور ~~بها ، إذ المقدور بعد لم يقع فلا بد من إثبات نوع آخر من التعلق سوى ~~الموقوع بها ، إذ التعلق عند الحدوث يعبر عنه بالوقوع به والتعلق قبل ذلك ~~مخالف له فهو نوع آخر من التعلق ، فقولكم إن تعلق القدرة به نمط واحد خطأ ~~وكذلك القادرية القديمة عندهم فإنها متعلقة بالعلم في الأزل وقبل خلق ~~العالم ، فقولنا أنها متعلقة صادق وقولنا أن العالم واقع بها كاذب ، لأنه ~~لم يقع بعد فلو كانا عبارتين عن معنى واحد لصدق أحدهما حيث يصدق الآخر . # فإن قيل : معنى تعلق القدرة قبل وقوع المقدور أن المقدور إذا وقع بها . # قلنا : فليس هذا تعلقا في الحال بل هو انتظار تعلق ، فينبغي أن يقال ~~القدرة موجودة وهي صفة لا تعلق لها PageV01P121 ولكن ينتظر لها تعلق إذا ~~وقع وقع المقدور بها ، وكذا القادرية ويلزم عليه محال ، وهو أن الصفة التي ~~لم تكن من المتعلقات صارت من المتعلقات وهو محال . # فإن قيل : معناه أنها متهيئة لوقوع المقدور بها . قلنا : ولا معنى للتهيؤ ~~إلا انتظار الوقوع بها ، وذلك لا يوجب تعلقا في الحال . فكما عقل عندكم ~~قدرة موجودة متعلقة بالمقدور والمقدور غير واقع بها عقل عندنا أيضا قدرة ~~كذلك والمقدور غير واقع بها ولكنه واقع بقدرة الله تعالى ، فلم يخالف ~~مذهبنا ههنا مذهبكم إلا في قولنا أنها وقعت بقدرة الله تعالى ، فإذا لم يكن ~~من ضرورة وجود القدرة ولا تعلقها بالمقدور وجود المقدور بها ؛ فمن أين ~~يستدعي عدم وقوعها بقدرة الله تعالى ووجوده بقدرة الله تعالى لا فضل له على ~~عدمه من حيث انقطاع النسبة عن القدرة الحادثة إذ النسبة ، إذا لم تمتنع ~~بعدم المقدور ، فكيف تمتنع بوجود المقدور ؟ وكيف ما فرض المقدور موجودا أو ~~معدوما فلا بد من قدرة متعلقة لا مقدور لها في الحال . # فإن قيل : فقدرة لا يقع بها مقدور ، والعجز ، بمثابة واحدة ، قلنا : إن ~~عنيتم به أن الحالة التي يدركها الإنسان عند وجودها مثل ما يدركها عند ~~العجز في الرعدة فهو PageV01P122 مناكرة للضرورة وإن عنيتم أنها ms053 بمثابة ~~العجز في أن المقدور لم يقع بها فهو صدق ولكن تسميته عجزا خطأ وإن كان من ~~حيث القصور إذا نسبت إلى قدرة الله تعالى ظن أنه مثل العجز ، وهذا كما أنه ~~لو قيل القدرة قبل الفعل ، على أصلهم ، مساوية للعجز من حيث أن المقدور غير ~~واقع بها لكان اللفظ منكرا من حيث أنها حالة مدركة يفارق إدراكها في النفس ~~إدراك العجز ، فكذلك هذا ، ولا فرق وعلى الجملة فلا بد من إثبات قدرتين ~~متفاوتتين ، إحداهما أعلى والأخرى بالعجز أشبه مهما أضيفت إلى الأعلى ، ~~وأنت بالخيار بين أن تثبت للعبد قدرة توهم نسبة العجز للعبد من وجه ، وبين ~~أن تثبت لله سبحانه ذلك تعالى الله عما يقول الزائغون . ولا تستريب إن كنت ~~منصفا في أن نسبة القصور والعجز بالمخلوقات أولى بل لا يقال أولى لاستحالة ~~ذلك في حق الله تعالى فهذا غاية ما يحتمله هذا المختصر من هذه المسألة . # الفرع الثالث : فإن قال قائل : كيف تدعون عموم تعلق القدرة بجملة الحوادث ~~وأكثر ما في العالم من الحركات وغيرها متولدات يتولد بعضها من بعض بالضرورة ~~، فإن حركة اليد مثلا بالضرورة تولد حركة الخاتم ، وحركة اليد في الماء ~~تولد حركة الماء ، وهو مشاهد ، PageV01P123 والعقل أيضا يدل عليه إذ لو ~~كانت حركة الماء والخاتم بخلق الله تعالى لجاز أن يخلق حركة اليد دون ~~الخاتم وحركة اليد دون الماء ، وهو محال ، وكذا في المتولدات مع انشعابها . # فنقول : ما لا يفهم لا يمكن التصرف فيه بالرد والقبول ، فإن كون المذهب ~~مردودا أو مقبولا بعد كونه معقولا . والمعلوم عندنا من عبارة التولد أن ~~يخرج جسم من جوف جسم كما يخرج الجنين من بطن الأم والنبات من بطن الأرض ، ~~وهذا محال في الأعراض ؛ إذ ليس لحركة اليد جوف حتى تخرج منه حركة الخاتم ~~ولا هو شيء حاو لأشياء حتى يرشح منه بعض ما فيه ، فحركة الخاتم إذا لم تكن ~~كامنة في ذات حركة اليد فما معنى تولدها منها ؟ فلا بد من تفهيمه ، وإذا لم ~~يكن هذا مفهوما فقولكم ms054 إنه مشاهد حماقة ، إذ كونها حادثة معها مشاهد لا غير ~~، فأما كونها متولد منها فغير مشاهد ، وقولكم إنه لو كان بخلق الله تعالى ~~لقدر على أن يخلق حركة اليد دون الخاتم وحركة اليد دون الماء فهذا هوس ~~يضاهي قول القائل لو لم يكن العلم متولدا من الإرادة لقدر على أن يخلق ~~الارادة دون العلم أو العلم دون الحياة ، ولكن نقول : المحال غير مقدور ~~ووجود المشروط دون الشرط غير معقول ، والارادة PageV01P124 شرطها العلم ~~والعلم شرطه الحياة وكذلك شرط شغل الجوهر لحيز فراغ ذلك الحيز ، فإذا حرك ~~الله تعالى اليد فلا بد أن يشغل بها حيزا في جوار الحيز الذي كانت فيه ، ~~فما لم يفرغه كيف يشغله به ؟ ففراغه شرط اشتغاله باليد ، إذ لو تحرك ولم ~~يفرغ الحيز من الماء بعدم الماء أو حركته لاجتمع جسمان في حيز واحد وهو ~~محال ، فكان خلو أحدهما شرطا للآخر فتلازما فظن أن أحدهما متولد من الآخر ~~وهو خطأ فأما اللازمات التي ليست شرطا فعندنا يجوز أن تنفك عن الاقتران بما ~~هو لازم لها ، بل لزومه بحكم طرد العادة كاحتراق القطن عند مجاورة النار ~~وحصول البرودة في اليد عند مماسة الثلج ، فإن كل ذلك مستمر بجريان سنة الله ~~تعالى ، وإلا فالقدرة من حيث ذاتها غير قاصرة عن خلق البرودة في الثلج ~~والمماسة في اليد مع خلق الحرارة في اليد بدلا عن البرودة . فإذا ما يراه ~~الخصم متولدا قسمان : أحدهما شرط فلا يتصور فيه إلا الاقتران ، والثاني ليس ~~بشرط فيتصور فيه غير الاقتران إذ خرقت العادات . # فإن قال قائل لم تدلوا على بطلان التولد ولكن أنكرتم فهمه وهو مفهوم ، ~~فإنا لا نريد به ترشح الحركة من الحركة بخروجها من جوفها ولا تولد برودة من ~~برودة الثلج بخروج البرودة من الثلج وانتقالها أو PageV01P125 بخروجها من ~~ذات البرودة ، بل نعني به وجود موجود عقيب موجود وكونه موجودا وحادثا به ~~فالحادث نسميه متولدا والذي به الحدوث نسميه مولدا وهذه التسمية مفهومة فما ~~الذي يدل على بطلانه ؟ قلنا : إذا أقررتم بذلك ms055 دل على بطلانه ما دل على ~~بطلان كون القدرة الحادثة موجودة فإنا إذا أحلنا أن نقول حصل مقدور بقدرة ~~حادثة فكيف لا يخيل الحصول بما ليس بقدرة واستحالته راجعة إلى عموم تعلق ~~القدرة ، وإن خروجه عن القدرة مبطل لعموم تعلقها وهو محال ثم هو موجب للعجز ~~والتمانع كما سبق . # نعم ، وعلى المعتزلة القائلين بالتولد مناقضات في تفصيل التولد لا تحصى ، ~~كقولهم إن النظر يولد العلم ، وتذكره لا يولده إلى غير ذلك مما لا نطول ~~بذكره ، فلا معنى للإطناب فيما هو مستغنى عنه ، وقد عرفت من جملة هذا أن ~~الحادثات كلها ، جواهرها وأعراضها الحادثة منها في ذات الأحياء والجمادات ، ~~واقعة بقدرة الله تعالى ، وهو المستبد باختراعها ، وليس تقع بعض المخلوقات ~~ببعض بل الكل يقع بالقدرة وذلك ما أردنا أن نبين من إثبات صفة القدرة لله ~~تعالى وعموم حكمها وما اتصل بها من الفروع واللوازم . PageV01P126 # | الصفة الثانية العلم # ندعي أن الله تعالى عالم بجميع المعلومات الموجودات والمعدومات ؛ فإن ~~الموجودات منقسمة إلى قديم وحادث ، والقديم ذاته وصفاته ومن علم غيره فهو ~~بذاته وصفاته أعلم ، فيجب ضرورة أن يكون بذاته عالما وصفاته إن ثبت أنه ~~عالم بغيره . ومعلوم أنه عالم بغيره لأن ما ينطلق عليه اسم الغير فهو صنعه ~~المتقن وفعله المحكم المرتب وذلك يدل على قدرته على ما سبق ؛ فإن من رأى ~~خطوطا منظومة تصدر على الاتساق من كاتب ثم استراب في كونه عالما بصنعة ~~الكتابة كان سفيها في استرابته ، فإذا قد ثبت أنه عالم بذاته وبغيره . # فإن قيل فهل لمعلوماته نهاية ؟ قلنا : لا ؛ فإن الموجودات في الحال وإن ~~كانت متناهية فالممكنات في الاستقبال غير متناهية ، ونعلم أن الممكنات التي ~~ليست بموجودة أنه سيوجدها أولا يوجدها ، فيعلم إذا ما لا نهاية له بل لو ~~أردنا أن نكثر على شيء واحد وجوها من النسب والتقديرات لخرج عن النهاية ~~والله تعالى عالم بجميعها . # فإنا نقول مثلا ضعف الاثنين أربعة ، وضعف الأربعة ثمانية ، وضعف الثمانية ~~ستة عشر ، وهكذا نضعف ضعف الإثنين PageV01P127 وضعف الضعف ولا يتناهى ، ~~والإنسان ms056 لا يعلم من مراتبها إلا ما يقدره بذهنه ، وسينقطع عمره ويبقى من ~~التضعيفات ما لا يتناهى . فإذا معرفة أضعاف أضعاف الإثنين ، وهو عدد واحد ، ~~يخرج عن الحصر وكذلك كل عدد ، فكيف غير ذلك من النسب والتقديرات ، وهذا ~~العلم مع تعلقه بمعلومات لا نهاية لها واحد كما سيأتي بيانه من بعد مع سائر ~~الصفات . # | الصفة الثالثة الحياة # ندعي أنه تعالى حي وهو معلوم بالضرورة ، ولم ينكره أحد ممن اعترف بكونه ~~تعالى عالما قادرا . فإن كون العالم القادر حيا ضروري إذ لا يعني بالحي إلا ~~ما يشعر بنفسه ويعلم ذاته وغيره ، والعالم بجميع المعلومات والقادر على ~~جميع المقدورات كيف لا يكون حيا ، وهذا واضح والنظر في صفة الحياة لا يطول ~~. # | الصفة الرابعة الإرادة # ندعي أن الله تعالى مريد لأفعاله وبرهانه أن الفعل الصادر منه مختص بضروب ~~من الجواز لا يتميز بعضها من البعض إلا بمرجح ، ولا تكفي ذاته للترجيح ، ~~لأن نسبة الذات إلى الضدين واحدة فما الذي خصص أحد الضدين بالوقوع في حال ~~دون حال ؟ وكذلك PageV01P128 القدرة لا تكفي فيه ، إذ نسبة القدرة إلى ~~الضدين واحدة ، وكذلك العلم لا يكفي خلافا للكعبي حيث اكتفى بالعلم عن ~~الإرادة لأن العلم يتبع المعلوم ويتعلق به على ما هو عليه ولا يؤثر فيه ولا ~~يغيره . فإن كان الشيء ممكنا في نفسه مساويا للممكن الآخر الذي في مقابلته ~~فالعلم يتعلق به على ما هو عليه ولا يجعل أحد الممكنين مرجحا على الآخر ، ~~بل نعقل الممكنين ويعقل تساويهما ، والله سبحانه وتعالى يعلم أن وجود ~~العالم في الوقت الذي وجد فيه كان ممكنا ، وأن وجوده بعد ذلك وقبل ذلك كان ~~مساويا له في الإمكان لأن هذه الامكانات متساوية ، فحق العلم أن يتعلق بها ~~كما هو عليه فإن اقتضت صفة الإرادة وقوعه في وقت معين تعلق العلم بتعيين ~~وجوده في ذلك الوقت لعلة تعلق الارادة به فتكون الإرادة للتعيين علة ويكون ~~العلم متعلقا به تابعا له غير مؤثر فيه ، ولو جاز أن يكتفى بالعلم عن ~~الارادة لاكتفي به عن ms057 القدرة ، بل كان ذلك يكفي في وجود أفعالنا حتى لا ~~نحتاج إلى الإرادة ، إذ يترجح أحد الجانبين بتعلق علم الله تعالى به وكل ~~ذلك محال . # فإن قيل : وهذا ينقلب عليكم في نفس الارادة ، فإن القدرة كما لا تناسب ~~أحد الضدين فالارادة القديمة PageV01P129 أيضا لا تتعين لأحد الضدين ، ~~فاختصاصها بأحد الضدين ينبغي أن يكون بمخصص ويتسلسل ذلك إلى غير نهاية ، إذ ~~يقال الذات لا تكفي للحدوث ، إذ لو حدث من الذات لكان مع الذات غير متأخر ~~فلا بد من القدرة والقدرة لا تكفي إذ لو كان للقدرة لما اختص بهذا الوقت ~~وما قبله وما بعده في النسبة إلى جواز تعلق القدرة بها على وتيرة ، فما ~~الذي خصص هذا الوقت فيحتاج إلى الارادة ؟ فيقال : والارادة لا تكفي ، فإن ~~الإرادة القديمة عامة التعلق كالقدرة ، فنسبتها إلى الأوقات واحدة ونسبتها ~~إلى الضدين واحدة ، فإن وقع الحركة مثلا بدلا عن السكون لأن الارادة تعلقت ~~بالحركة لا بالسكون . # فيقال : وهل كان يمكن أن يتعلق بالسكون ؟ فإن قيل : لا ، فهو محال ؛ وإن ~~قيل : نعم ، فهما متساويان ؛ أعني الحركة والسكون في مناسبة الإرادة ~~القديمة فما الذي أوجب تخصيص الإرادة القديمة بالحركة دون السكون فيحتاج ~~إلى مخصص ثم يلزم السؤال في مخصص المخصص ويتسلسل إلى غير نهاية . . # قلنا : هذا سؤال غير معقول حير عقول الفرق ولم يوفق للحق إلا أهل السنة ~~فالناس فيه أربع فرق : PageV01P130 قائل يقول إن العالم وجد لذات الله ~~سبحانه وتعالى وإنه ليس للذات صفة زائدة البتة ، ولما كان الذات قديمة كان ~~العالم قديما وكانت نسبة العالم إليه كنسبة المعلول إلى العلة ، ونسبة ~~النور إلى الشمس ، والظل إلى الشخص ؛ وهؤلاء هم الفلاسفة . # وقائل يقول إن العالم حادث ولكن حدث في الوقت الذي حدث فيه لا قبله ولا ~~بعده لإرادة حادثة حدثت له لا في محل فاقتضت حدوث العالم ، وهؤلاء هم ~~المعتزلة . # وقائل يقول حدث بإرادة حادثة حدثت في ذاته ، وهؤلاء هم القائلون بكونه ~~محلا للحوادث . وقائل يقول حدث العالم في الوقت الذي تعلقت الارادة القديمة ~~بحدوثه ms058 في ذلك الوقت ، من غير حدوث إرادة ومن غير تغير صفة القديم ، فانظر ~~إلى الفرق وانسب مقام كل واحد إلى الآخر ، فإنه لا ينفك فريق عن إشكال لا ~~يمكن حله إلا إشكال أهل السنة فإنه سريع الانحلال . # أما الفلاسفة فقد قالوا بقدم العالم ، وهو محال ، لأن الفعل يستحيل أن ~~يكون قديما ؛ إذ معنى كونه فعلا أنه لم يكن ثم كان ، فإن كان موجودا مع ~~الله أبدا فكيف يكون فعلا ؟ بل يلزم من ذلك دورات لا نهاية لها على ما سبق ~~، وهو محال من وجوه ، ثم إنهم مع اقتحام هذا PageV01P131 الإشكال لم ~~يتخلصوا من أصل السؤال وهو أن الإرادة لم تعلقت بالحدوث في وقت مخصوص لا ~~قبله ولا بعده ، مع تساوي نسب الأوقات إلى الإرادة ، فإنهم إن تخلصوا عن ~~خصوص الوقت لم يتخلصوا عن خصوص الصفات ، إذ العالم مخصوص بمقدار مخصوص ووضع ~~مخصوص ، وكانت نقايضها ممكنة في العقل ، والذات القديمة لا تناسب بعض ~~الممكنات دون بعض ، ومن أعظم ما يلزمهم فيه ، ولا عذر لهم عنه أمران ~~أوردناهما في كتاب تهافت الفلاسفة ولا محيص لهم عنهما البتة : أحدهما ، أن ~~حركات الأفلاك بعضها مشرقية أي من المشرق إلى المغرب ، وبعضها مغربية أي من ~~مغرب الشمس إلى المشرق ، وكان عكس ذلك في الإمكان مساويا له ، إذ الجهات في ~~الحركات متساوية ، فكيف لزم من الذات القديمة أو من دورات الأفلاك وهي ~~قديمة عندهم أن تتعين جهة عن جهة تقابلها وتساويها من كل وجه ؟ وهذا لا ~~جواب عنه . الثاني ، أن الفلك الأقصى الذي هو الفلك التاسع عندهم المحرك ~~لجميع السماوات بطريق القهر في اليوم والليلة مرة واحدة يتحرك على قطبين ~~شمالي وجنوبي ، والقطب عبارة عن النقطتين المتقابلتين على الكرة ~~PageV01P132 الثابتتين عند حركة الكرة على نفسها ، والمنطقة عبارة عن دائرة ~~عظيمة على وسط الكرة بعدها من النقطتين واحد . # فنقول : جرم الفلك الأقصى متشابه ، وما من نقطة إلا ويتصور أن تكون قطبا ~~. فما الذي أوجب تعيين نقطتين من بين سائر النقط التي لا نهاية لها عندهم ، ~~فلا بد ms059 من وصف زائد على الذات من شأنه تخصيص الشيء عن مثله وليس ذلك إلا ~~الإرادة . وقد استوفينا تحقيق الالتزامين في كتاب التهافت . وأما المعتزلة ~~فقد اقتحموا أمرين شنيعين باطلين : أحدهما ، كون الباري تعالى مريدا بإرادة ~~حادثة لا في محل ، وإذا لم تكن الإرادة قائمة به فقول القائل إنه مريدها ~~هجر من الكلام ، كقوله إنه مريد بإرادة قائمة بغيره . # والثاني ، أن الإرادة لم حدثت في هذا الوقت على الخصوص ، فإن كانت بإرادة ~~أخرى فالسؤال في الإرادة الأخرى لازم ، ويتسلسل إلى غير نهاية ، وإن كان ~~ليس بإرادة فليحدث العالم في هذا الوقت على الخصوص لا بارادة ، فإن افتقار ~~الحادث إلى الارادة لجوازه لا لكونه جسما أو اسما أو إرادة أو علما . ~~والحادثات في هذا متساوية ، ثم لم يتخلصوا من الإشكال إذ يقال لهم لم حدثت ~~الإرادة في هذا الوقت على الخصوص ولم حدثت إرادة الحركة دون PageV01P133 ~~إرادة السكون ، فإن عندهم يحدث لكل حادث إرادة حادثة متعلقة بذلك الحادث ~~فلم لم تحدث إرادة تتعلق بضده ؟ وأما الذين ذهبوا إلى حدوث الإرادة في ذاته ~~تعالى لا متعلقة بذلك الحادث فقد دفعوا أحد الإشكالين وهو كونه مريدا ~~بإرادة في غير ذاته ولكن زادوا إشكالا آخر وهو كونه محلا للحوادث ، وذلك ~~يوجب حدوثه . ثم قد بقيت عليهم بقية الإشكال ولم يتخلصوا من السؤال . # وأما أهل الحق فإنهم قالوا إن الحادثات تحدث بإرادة قديمة تعلقت بها ~~فميزتها عن أضدادها المماثلة لها ، وقول القائل إنه لم تعلقت بها وأضدادها ~~مثلها في الامكان ، هذا سؤال خطأ فإن الإرادة ليست إلا عبارة عن صفة شأنها ~~تمييز الشيء على مثله . # فقول القائل لم ميزت الإرادة الشيء عن مثله ، كقول القائل لم أوجب العلم ~~انكشاف المعلوم ، فيقال : لا معنى للعلم إلا ما أوجب انكشاف المعلوم ، فقول ~~القائل لم أوجب الانكشاف كقوله لم كان العلم علما ، ولم كان الممكن ممكنا ، ~~والواجب واجبا ، وهذا محال ؛ لأن العلم علم لذاته وكذا الممكن والواجب ~~وسائر الذوات ، فكذلك الإرادة وحقيقتها تمييز الشيء عن مثله . # فقول القائل لم ms060 ميزت الشيء عن مثله كقوله لم PageV01P134 كانت الإرادة ~~إرادة والقدرة قدرة ، وهو محال ، وكل فريق مضطر إلى اثبات صفة شأنها تمييز ~~الشيء عن مثله وليس ذلك إلا الإرادة ، فكان أقوم الفرق قيلا وأهداهم سبيلا ~~من أثبت هذه الصفة ولم يجعلها حادثة ، بل قال هي قديمة متعلقة بالأحداث في ~~وقت مخصوص ، فكان الحدوث في ذلك الوقت لذلك ، وهذا ما لا يستغني عنه فريق ~~من الفرق وبه ينقطع التسلسل في لزوم هذا السؤال . # والآن فكما تمهد القول في أصل الإرادة فاعلم انها متعلقة بجميع الحادثات ~~عندنا من حيث أنه ظهر أن كل حادث فمخترع بقدرته ، وكل مخترع بالقدرة محتاج ~~إلى ارادة تصرف القدرة إلى المقدور وتخصصها به ، فكل مقدور مراد ، وكل حادث ~~مقدور ، فكل حادث مراد والشر والكفر والمعصية حوادث ، فهي إذا لا محالة ~~مرادة . فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، فهذا مذهب السلف الصالحين ~~ومعتقد أهل السنة أجمعين وقد قامت عليه البراهين . # وأما المعتزلة فإنهم يقولون إن المعاصي كلها والشرور حادثة بغير إرادته ، ~~بل هو كاره لها . ومعلوم أن أكثر ما يجري في العالم المعاصي فإذا ما يكرهه ~~أكثر مما يريده فهو إلى العجز والقصور أقرب بزعمهم ، تعالى رب العالمين عن ~~قول الظالمين . # فإن قيل : فكيف يأمر بما لا يريد ؟ وكيف يريد شيئا PageV01P135 وينهى عنه ~~؟ وكيف يريد الفجور والمعاصي والظلم والقبيح ومريد القبيح سفيه ؟ قلنا : ~~إذا كشفنا عن حقيقة الأمر وبينا أنه مباين للإرادة وكشفنا عن القبيح والحسن ~~وبينا أن ذلك يرجع إلى موافقة الأعراض ومخالفتها ، وهو سبحانه منزه عن ~~الأعراض فاندفعت هذه الإشكالات وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى . # | الصفة الخامسة والسادسة في السمع والبصر # ندعي ان صانع العالم سميع بصير ، ويدل عليه الشرع والعقل . أما الشرع ~~فيدل عليه آيات من القرآن كثيرة كقوله ' وهو السميع البصير ' وكقول إبراهيم ~~عليه السلام لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يعني عنك شيئا ونعلم أن ~~الدليل غير منقلب عليه في معبوده وأنه كان يعبد سميعا بصيرا ms061 ولا يشاركه في ~~الإلزام . # فإن قيل : إنما أريد به العلم . # قلنا : إنما تصرف ألفاظ الشارع عن موضوعاتها المفهومة السابقة إلى ~~الأفهام إذا كان يستحيل تقديرها على الموضوع ، ولا استحالة في كونه سميعا ~~بصيرا ، بل يجب أن يكون كذلك ، فلا معنى للتحكم بإنكار ما فهمه أهل الإجماع ~~من القرآن . PageV01P136 # فإن قيل : وجه استالته إنه إن كان سمعه وبصره حادثين كان محلا للحوادث ، ~~وهو محال ، وإن كانا قديمين فكيف يسمع صوتا معدوما وكيف يرى العالم في ~~الأزل والعالم معدوم والمعدوم لا يرى ؟ قلنا : هذا السوال يصدر عن معتزلي ~~أو فلسفي . أما المعتزلي فدفعه هين ، فإنه سلم أنه يعلم الحادثات ، فنقول : ~~يعلم الله الآن إن العالم كان موجودا قبل هذا فكيف علم في الأزل أنه يكون ~~موجودا وهو بعد لم يكن موجودا ؟ فإن جز إثبات صفة تكون عند وجود العالم ~~علما بأنه كائن ، وفعله بأنه سيكون وبعده بأنه كان وقبله بأنه سيكون ، وهو ~~لا يتغير عبر عنه بالعلم بالعالم والعلمية ، جاز ذلك في السمع والسمعية ~~والبصر والبصرية . وإن صدر من فلسفي فهو منكر لكونه عالما بالحادثات ~~المعينة الداخلة في الماضي والحال والمستقبل ، فسبيلنا أن ننقل الكلام إلى ~~العلم ونثبت عليه جواز علم قديم متعلق بالحادثات كما سنذكره ، ثم إذا ثبت ~~ذلك في العلم قسنا عليه السمع والبصر . # وأما المسلك العقلي ، فهو أن نقول : معلوم أن الخالق أكمل من المخلوق ، ~~ومعلوم أن البصير أكمل ممن لا يبصر ، والسميع أكمل ممن لا يسمع ، فيستحيل ~~أن يثبت وصف الكمال للمخلوق ولا نثبته للخالق . وهذان أصلان يوجبان الإقرار ~~بصحة دعوانا ففي أيهما النزاع ؟ PageV01P137 فإن قيل : النزاع في قولكم ~~واجب أن يكون الخالق أكمل من المخلوق . # قلنا : هذا مما يجب الاعتراف به شرعا وعقلا ، والأمة والعقلاء مجمعون ~~عليه ، فلا يصدر هذا السؤال من معتقد . ومن اتسع عقله لقبول قادر يقدر على ~~اختراع ما هو أعلى وأشرف منه فقد انخلع عن غريزة البشرية ونطق لسانه بما ~~ينبو عن قبوله قلبه إن كان يفهم ما يقوله ، ولهذا لا نرى عاقلا ms062 يعتقد هذا ~~الإعتقاد . # فإن قيل : النزاع في الأصل الثاني ، وقو قولكم إن البصير أكمل وإن السمع ~~والبصر كمال . # قلنا : هذا أيضا مدرك ببديهة العقل ، فإن العلم كمال والسمع والبصر كمال ~~ثان للعلم ، فإنا بينا أنه استكمال للعلم والتخيل ، ومن علم شيئا ولم يره ~~ثم رآه استفاد مزيد كشف وكمال فكيف يقال إن ذلك حاصل للمخلوق وليس بحاصل ~~للخالق أو يقال إن ذلك ليس بكمال ، فإن لم يكن كمالا فهو نقص أو لا هو نقص ~~ولا هو كمال ، وجميع هذه الأقسام محال ، فظهر ان الحق ما ذكرناه . # فإن قيل : هذا يلزمكم في الإدراك الحاصل بالشم والذوق واللمس لأن فقدها ~~نقصان ووجودها كمال في الإدراك ، فليس كمال علم من علم الرائحة ككمال علم ~~PageV01P138 من أدرك بالشم ، وكذلك بالذوق فأين العلم بالطعوم من إدراكها ~~بالذوق . # والجواب إن المحققين من أهل الحق صرحوا بإثبات أنواع الإدراكات مع السمع ~~والبصر والعلم الذي هو كمال في الإدراك دون الأسباب التي هي مقترنة بها في ~~العادة من المماسة والملاقاة ، فإن ذلك محال على الله تعالى . كما جوزوا ~~ادراك البصر من غير مقابلة بينه وبين المبصر ، وفي طرد هذا القياس دفع هذا ~~السؤال ولا مانع منه ولكن لما لم يرد الشرع إلا بلفظ العلم والسمع والبصر ~~فلم يمكن لنا إطلاق غيره . وأما ما هو نقصان في الإدراك فلا يجوز في حقه ~~تعالى البتة ، فإن قيل يجر هذا إلى إثبات التلذذ والتألم ، فالخدر الذي لا ~~يتألم بالضرب ناقص ، والعنين الذي لا يتلذذ بالجماع ناقص ، وكذا فساد ~~الشهوة نقصان ، فينبغي أن نثبت في حقه شهوة ، قلنا هذه الأمور تدل على ~~الحدوث وهي في أنفسها إذا بحث عنها نقصانات ، وهي محوجة إلى أمور توجب ~~الحدوث ، فالألم نقصان ، ثم هو محوج إلى سبب هو ضرب ، والضرب مماسة تجري ~~بين الأجسام ، واللذة ترجع إلى زوال الألم إذا حققت أو ترجع إلى درك ما هو ~~محتاج إليه PageV01P139 ومشتاق إليه ، والشوق والحاجة نقصان ، فالموقوف على ~~النقصان ناقص ، ومعنى الشهوة طلب الشيء الملائم ولا طلب إلا ms063 عند فقد ~~المطلوب ولا لذة إلا عند نيل ما ليس بموجود ، وكل ما هو ممكن وجوده لله فهو ~~موجود فليس يفوته شيء حتى يكون بطلبه مشتهيا وبنيله ملتذا ، فلم تتصور هذه ~~الأمور في حقه تعالى وإذا قيل إن فقد التألم والإحساس بالضرب نقصان في حق ~~الخدر ، وإن إدراكه كمال وإن سقوط الشهوة من معدته نقصان ، وثبوتها كمال ~~أريد به أنه كمال بالإضافة إلى ضده الذي هو مهلك في حقه ، فصار كمالا ~~بالإضافة إلى الهلاك لأن النقصان خير من الهلاك فهو إذا ليس كمالا في ذاته ~~بخلاف العلم وهذه الادراكات . # | الصفة السابعة الكلام # ندعي أن صانع العالم متكلم كما أجمع عليه المسلمون ، واعلم أن من أراد ~~إثبات الكلام بأن العقل يقضي بجواز كون الخلق مرددين تحت الأمر والنهي وكل ~~صفة جائزة في المخلوقات تستند إلى صفة واجبة في الخالق ، فهو في شطط ، إذ ~~يقال له : إن أردت جواز كونهم مأمورين من جهة الخلق الذين يتصور منهم ~~PageV01P140 الكلام ، فمسلم ، وإن أردت جوازه على العموم من الخلق والخالق ~~فقد أخذت محل النزاع مسلما في نفس الدليل وهو غير مسلم ، ومن أراد إثبات ~~الكلام بالإجماع أو بقول الرسول فقد سام نفسه خطة خسف لأن الإجماع يستند ~~إلى قول الرسول عليه السلام ومن أنكر كون الباري متكلما فبالضرورة ينكر ~~تصور الرسول ، إذ معنى الرسول المبلغ لرسالة المرسل ، فإن لم يكن للكلام ~~متصور في حق من ادعى أنه مرسل كيف يتصور الرسول ؟ ومن قال أنا رسول الأرض ~~أو رسول الجبل إليكم فلا يصغى إليه لاعتقادنا استحالة الكلام والرسالة من ~~الجبل والأرض ، ولله المثل الأعلى ، ولكن من يعتقد استحالة الكلام في حق ~~الله تعالى استحال منه أن يصدق الرسول إذ المكذب بالكلام لا بد أن يكذب ~~بتبليغ الكلام ، والرسالة عبارة عن تبليغ الكلام ، والرسول عبارة عن المبلغ ~~، فلعل الأقوم منهج ثالث وهو الذي سلكناه في اثبات السمع والبصر في أن ~~الكلام للحي أما أن يقال هو كمال أو يقال هو نقص ، أو يقال لا هو نقص ولا ms064 ~~هو كمال ، وباطل أن يقال هو نقص أو هو لا نقص ولا كمال فثبت بالضرورة أنه ~~كمال ، وكل كمال وجد للمخلوق فهو واجب الوجود للخالق بطريق الأولى كما سبق ~~. PageV01P141 # فإن قيل : الكلام الذي جعلتموه منشأ نظركم هو كلام الخلق ، وذلك إما أن ~~يراد به الأصوات والحروف أو يراد به القدرة على ايجاد الأصوات والحروف في ~~نفس القادر أو يراد به معنى ثالث سواهما ، فإن أريد به الأصوات والحروف فهي ~~حوادث ومن الحوادث ما هي كمالات في حقنا ولكن لا يتصور قيامها في ذات الله ~~سبحانه وتعالى ، وإن قام بغيره لم يكن هو متكلما به بل كان المتكلم به ~~المحل الذي قام به ؛ وإن أريد به القدرة على خلق الأصوات فهو كمال ولكن ~~المتكلم ليس متكلما باعتبار قدرته على خلق الأصوات فقط بل باعتبار خلقه ~~للكلام في نفسه ، والله تعالى قادر على خلق الأصوات فله كمال القدرة ولكن ~~لا يكون متكلما به إلا إذا خلق الصوت في نفسه ، وهو محال إذ يصير به محلا ~~للحوادث فاستحال أن يكون متكلما ؛ وإن أريد بالكلام أمر ثالث فليس بمفهوم ~~وإثبات ما لا يفهم محال . قلنا : هذا التقسيم صحيح والسؤال في جميع أقسامه ~~معترف به إلا في إنكار القسم الثالث ، فإنا معترفون باستحالة قيام الأصوات ~~بذاته وباستحالة كونه متكلما بهذا الاعتبار . ولكنا نقول الإنسان يسمى ~~متكلما باعتبارين أحدهما بالصوت والحرف والآخر بكلام PageV01P142 النفس ~~الذي ليس بصوت وحرف ، وذلك كمال وهو في حق الله تعالى غير محال ، ولا هو ~~دال على الحدوث . ونحن لا نثبت في حق الله تعالى إلا كلام النفس ، وكلام ~~النفس لا سبيل إلى إنكاره في حق الإنسان زائدا على القدرة والصوت حتى يقول ~~الانسان زورت البارحة في نفسي كلاما ويقال في نفس فلان كلام وهو يريد أن ~~ينطق به ويقول الشاعر : # لا يعجبنك من أثير خطه . . . حتى يكون مع الكلام أصيلا # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما . . . جعل اللسان على الفؤاد دليلا # وما ينطق به الشعراء يدل على أنه من الجليات التي يشترك ms065 كافة الخلق في ~~دركها فكيف ينكر . # فإن قيل : كلام النفس بهذا التأويل معترف به ولكنه ليس خارجا عن العلوم ~~الإدراكات وليس جنسا برأسه البتة ، ولكن ما يسميه الناس كلام النفس وحديث ~~النفس هو العلم بنظم الألفاظ والعبارات وتأليف المعاني المعلومة على وجه ~~مخصوص فليس في القلب إلا معاني معلومة وهي العلوم وألفاظ مسموعة هي معلومة ~~بالسماع ، وهو أيضا علم معلوم PageV01P143 اللفظ . وينضاف إليه تأليف ~~المعاني والألفاظ على ترتيب . وذلك فعل يسمى فكرا وتسميه القدرة التي عنها ~~يصدر الفعل قوة مفكرة . فإن أثبتم في النفس شيئا سوى نفس الفكر الذي هو ~~ترتيب الألفاظ والمعاني وتأليفها ، وسوى القوة المفكرة التي هي قدرة عليا ~~وسوى العلم بالمعاني مفترقها ومجموعها ، وسوى العلم بالألفاظ المرتبة من ~~الحروف مفترقها ومجموعها فقد أثبتم أمرا منكرا لا نعرفه . وإيضاحه أن ~~الكلام إما أمر أو نهي أو خبر أو استخبار . # أما الخبر فلفظ يدل على علم في نفس المخبر ، فمن علم الشيء وعلم اللفظ ~~الموضوع للدلالة على ذلك الشيء كالضرب مثلا فإنه معنى معلوم يدرك بالحس ، ~~ولفظ الضرب الذي هو مؤلف من الضاد والراء والباء الذي وضعته العرب للدلالة ~~على المعنى المحسوس وهي معرفة أخرى ، فكان له قدرة على اكتساب هذه الأصوات ~~بلسانه ، وكانت له إرادة للدلالة وإرادة لاكتساب اللفظ ثم منه قوله ضرب ولم ~~يفتقر إلى أمر زائد على هذه الأمور . فكل أمر قدرتموه سوى هذا فنحن نقدر ~~نفيه ، ويتم مع ذلك قولك ضرب ويكون خبرا وكلاما ، وأما الاستخبار فهو دلالة ~~على أن في النفس طلب معرفة ، PageV01P144 وأما الأمر فهو دلالة على أن في ~~النفس طلب فعل المأمور وعلى هذا يقاس النهي وسائر الأقسام من الكلام ولا ~~يعقل أمر آخر خارج عن هذا وهذه الجملة ، فبعضها محال عليه كالأصوات وبعضها ~~موجود لله كالارادة والعلم والقدرة ، وأما ما عدا هذا فغير مفهوم . # والجواب أن الكلام الذي نريده معنى زائد على هذه الجملة ولنذكره في قسم ~~واحد من أقسام الكلام وهو الأمر حتى لا يطول الكلام . # فنقول : قول السيد لغلامه ms066 قم ، لفظ يدل على معنى ، والمعنى المدلول عليه ~~في نفسه هو كلام ، وليس ذلك شيئا مما ذكرتموه ، ولا حاجة إلى الإطناب في ~~التقسيمات وإنما بتوهم رده ما أراد إلى الأمر أو إلى إرادة الدلالة ومحال ~~أن يقال إنه إرادة الدلالة ، لأن الدلالة تستدعي مدلولا والمدلول غير ~~الدليل وغير إرادة الدلالة ، ومحال أن يقال إنه إرادة الآمر . . لأنه قد ~~يأمر وهو لا يريد الامتثال بل يكرهه ، كالذي يعتذر عند السلطان الهام بقتله ~~توبيخا له على ضرب غلامه ، بأنه إنما ضربه لعصيانه ، وآيته أنه يأمره بين ~~يدي الملك فيعصيه ، فإذا أراد الاحتجاج به وقال للغلام بين يدي الملك قم ~~فإني عازم عليك بأمر جزم لا عذر لك فيه ولا يريد أن تقوم فهو في هذا الوقت ~~آمر بالقيام قطعا ، وهو غير مريد PageV01P145 للقيام قطعا ، فالطلب الذي ~~قام بنفسه الذي دل لفظ الأمر عليه هو الكلام وهو غير إرادة القيام وهذا ~~واضح عند المصنف . فإن قيل هذا الشخص ليس بآمر على الحقيقة ولكنه موهم أنه ~~أمر ، قلنا : هذا باطل من وجهين : أحدهما ، أنه لو لم يكن آمرا لما تمهد ~~عذره عند الملك ولقيل له أنت في هذا الوقت لا يتصور منك الأمر لأن الأمر هو ~~طلب الامتثال ويستحيل أن تريد الآن الامتثال وهو سبب هلاكك ، فكيف تطمع في ~~أن تحتج بمعصيتك لأمرك وأنت عاجز عن أمره إذ أنت عاجز عن إرادة ما فيه ~~هلاكك وفي امتثاله هلاكك ؟ ولا شك في أنه قادر على الاحتجاج وأن حجته قائمة ~~وممهدة لعذره ، وحجته بمعصية الأمر ، فلو تصور الأمر مع تحقق كراهة ~~الامتثال لما تصور احتجاج السيد بذلك البتة ، وهذا قاطع في نفسه لمن تأمله ~~. والثاني ، هو أن هذا الرجل لو حكى الواقعة للمفتيين وحلف بالطلاق الثلاث ~~إني أمرت العبد بالقيام بين يدي الملك بعد جريان عقاب الملك فعصى ، لأفتى ~~كل مسلم بأن طلاقه غير واقع وليس للمفتي أن يقول أنا أعلم أن يستحيل أن ~~تريد في مثل هذا الوقت امتثال الغلام وهو سبب هلاكك ، والأمر هو ms067 إرادة ~~الامتثال PageV01P146 فإذا ما أمرت هذا لو قاله المفتي فهو باطل بالاتفاق ، ~~فقد انكشف الغطاء ولاح وجود معنى هو مدلول اللفظ زائدا على ما عداه من ~~المعاني ، ونحن نسمي ذلك كلاما وهو جنس مخالف للعلوم والإرادات والاعتقادات ~~، وذلك لا يستحيل ثبوته لله تعالى بل يجب ثبوته فإنه نوع كلام فإذا هو ~~المعني بالكلام القديم . # وأما الحروف فهي حادثة وهي دلالات على الكلام والدليل غير المدلول ولا ~~يتصف بصفة المدلول ، وإن كانت دلالته ذاتية كالعالم فإنه حادث ويدل على ~~صانع قديم فمن أين يبعد أن تدل حروف حادثة على صفة قديمة مع أن هذه دلالة ~~بالاصطلاح ؟ ولما كان كل كلام النفس دقيقا زل عى ذهن أكثر الضعفاء فلم ~~يثبتوا إلا حروفا وأصواتا ويتوجه لهم على هذا المذهب أسئلة واستبعادات نشير ~~إلى بعضها ليستدل بها على طريق الدفع في غيرها . # الاستبعاد الأول : قول القائل كيف سمع موسى كلام الله تعالى ؛ أسمع صوتا ~~وحرفا ؟ فإن قلتم ذلك فإذا لم يسمع كلام الله فإن كلام الله ليس بحرف ، وإن ~~لم يسمع حرفا ولا صوتا فكيف يسمع ما ليس بحرف ولا صوت ؟ قلنا : سمع كلام ~~الله تعالى وهو صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى ليس بحرف ولا صوت ، فقولكم ~~كيف سمع كلام الله تعالى كلام من لا يفهم المطلوب من PageV01P147 سؤال كيف ~~، وإنه ماذا يطلب به وبماذا يمكن جوابه فلتفهم ذلك حتى تعرف استحالة السؤال ~~. فنقول : السمع نوع إدراك ، فقول القائل كيف سمع كقول القائل كيف أدركت ~~بحاسة الذوق حلاوة السكر ، وهذا السؤال لا سبيل إلى شفائه إلا بوجهين ~~أحدهما أن نسلم سكرا إلى هذا السائل حتى يذوقه ويدرك طعمه وحلاوته ، فنقول ~~أدركت أنا كما أدركته أنت الآن وهذا هو الجواب الشافي والتعريف التام . ~~والثاني أن يتعذر ذلك إما لفقد السكر أو لعدم الذوق في السائل للسكر ، ~~فنقول : أدركت طعمه كما أدركت أنت حلاوة العسل فيكون هذا جوابا صوابا من ~~وجه وخطأ من وجه . أما وجه كونه صوابا فإنه تعريف بشيء يشبه المسؤول عنه من ms068 ~~وجه ، وإن كان لا يشبهه من كل الوجوه وهو أصل الحلاوة ، فإن طعم العسل ~~يخالف طعم السكر وإن قاربه من بعض الوجوه وهو أصل الحلاوة ، وهذا غاية ~~الممكن . فإن لم يكن السائل قد ذاق حلاوة شيء أصلا تعذر جوابه وتفهيم ما ~~سأل عنه وكان كالعنين يسأل عن لذه الجماع وقط ما أدركه فيمتنع تفهيمه ، إلا ~~أن نشبهه له الحالة التي يدركها المجامع بلذة الأكل فيكون خطأ من وجه إذ ~~لذة الجماع والحالة التي يدركها المجامع لا تساوي الحالة التي يدركها الآكل ~~إلا من حيث أن عموم اللذة قد PageV01P148 شملها فإن لم يكن قد التذ بشيء قط ~~تعذر أصل الجواب . وكذلك من قال كيف سمع كلام الله تعالى فلا يمكن شفاؤه في ~~السؤال إلا بأن نسمعه كلام الله تعالى القديم وهو متعذر ، فإن ذلك من خصائص ~~الكليم عليه السلام ، فنحن لا نقدر على إسماعه أو تشبيه ذلك بشيء من ~~مسموعاته وليس في مسموعاته ما يشبه كلام الله تعالى ، فإن كل مسموعاته التي ~~ألفها أصوات والأصوات لا تشبه ما ليس بأصوات فيتعذر تفهيمه ، بل الأصم لو ~~سأل وقال كيف تسمعون أنتم الأصوات وهو ما سمع قط صوتا لم نقدر على جوابه ، ~~فإنا إن قلنا كما تدرك أنت المبصرات فهو إدراك في الاذن كإدراك البصر في ~~العين كان هذا خطأ ، فإن إدراك الأصوات لا يشبه إبصار الألوان ، فدل أن هذا ~~السؤال محال بل لو قال القائل كيف يرى رب الأرباب في الآخرة ، كان جوابه ~~محالا لا محالة لأنه يسأل عن كيفية ما لا كيفية له ، إذ معنى قول القائل ~~كيف هو أي مثل أي شيء هو مما عرفناه ، فإن كان ما يسأل عنه غير مماثل لشيء ~~مما عرفه ، كان الجواب محالا ولم يدل ذلك على عدم ذات الله تعالى ، فكذلك ~~تعذر هذا لا يدل على عدم كلام الله تعالى بل ينبغي أن يعتقد أن كلامه ~~سبحانه صفة قديمة ليس كمثلها PageV01P149 شي ، كما أن ذاته ذات قديمة ليس ~~كمثلها شيء ، وكما ترى ذاته رؤية ms069 تخالف رؤية الأجسام والأعراض ولا تشبهها ~~فيسمع كلامه سماعا يخالف الحروف والأصوات ولا يشبهها . # الاستبعاد الثاني : أن يقال كلام الله سبحانه حال في المصاحف أم لا ، فإن ~~كان حالا فكيف حمل القديم في الحادث ؟ فإن قلتم لا ، فهو خلاف الإجماع ، إذ ~~احترام المصحف مجمع عليه حتى حرم على المحدث مسه وليس ذلك إلا لأن فيه كلام ~~الله تعالى . # فنقول : كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب مقروء ~~بالألسنة ، وأما الكاغد والحبر والكتابة والحروف والأصوات كلها حادثة لأنها ~~أجسام وأعراض في أجسام فكل ذلك حادث . وإن قلنا إنه مكتوب في المصحف ، أعني ~~صفة تعالى القديم ، لم يلزم أن تكون ذات القديم في المصحف ، كما أنا إذا ~~قلنا النار مكتوبة في الكتاب لم يلزم منه أن تكون ذات النار حالة فيه ، إذ ~~لو حلت فيه لاحترق المصحف ، ومن تكلم بالنار فلو كانت ذات النار بلسانه ~~لاحترق لسانه ، فالنار جسم حار وعليه دلالة هي الأصوات المقطعة تقطيعا يحصل ~~منه النون والألف والراء ، فالحار المحرق ذات المدلول عليه لا نفس الدلالة ~~، فكذلك الكلام القديم القائم بذات الله تعالى هو المدلول لا ذات الدليل ~~والحروف أدلة وللأدلة حرمة إذ جعل الشرع لها PageV01P150 حرمة فلذلك وجب ~~احترام المصحف لأن فيه دلالة على صفة الله تعالى . الاستبعاد الثالث : إن ~~القرآن كلام الله تعالى أم لا ؟ فإن قلتم لا فقد خرقتم الإجماع ، وإن قلتم ~~نعم فما هو سوى الحروف والأصوات ، ومعلوم أن قراءة القارئ هي الحروف ~~والأصوات . فنقول : ها هنا ثلاثة ألفاظ : قراءة ، ومقروء ، وقرآن . أما ~~المقروء فهو كلام الله تعالى ، أعني صفته القديمة القائمة بذاته ، وأما ~~القراءة : فهي في اللسان عبارة عن فعل القارئ الذي كان ابتدأه بعد أن كان ~~تاركا له ، ولا معنى للحادث إلا أنه ابتدأ بعد أن لم يكن ، فإن كان الخصم ~~لا يفهم هذا من الحادث فلنترك لفظ الحادث والمخلوق ، ولكن نقول : القراءة ~~فعل ابتدأه القارئ بعد أن لم يكن يفعله وهو محسوس . وأما القرآن ، فقد يطلق ~~ويراد به المقروء فإن ms070 أريد به ذلك فهو قديم غير مخلوق وهو الذي أراده السلف ~~رضوان الله عليهم بقولهم القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ، أي المقروء ~~بالألسنة ، وإن أريد به القراءة التي هي فعل القارئ ففعل القارئ لا يسبق ~~وجود القارئ وما لا يسبق وجود الحادث فهو حادث . وعلى الجملة : من يقول ما ~~أحدثته باختياري من الصوت وتقطيعه وكنت ساكتا عنه قبله فهو قديم ، فلا ~~ينبغي أن يخاطب ويكلف بل ينبغي أن يعلم المسكين أنه ليس يدري ما يقوله ، ~~ولا هو يفهم معنى الحرف ، ولا هو يعلم معنى PageV01P151 الحادث ، ولو ~~علمهما لعلم أنه في نفسه إذا كان مخلوقا كان ما يصدر عنه مخلوقا ، وعلم أن ~~القديم لا ينتقل إلى ذات حادثة . فلنترك التطويل في الجليات فإن قول القائل ~~بسم الله إن لم تكن السين فيه بعد الباء لم يكن قرآنا بل كان خطأ ، وإذا ~~كان بعد غيره ومتأخرا عنه فكيف يكون قديما ونحن نريد بالقديم ما لا يتأخر ~~عن غيره أصلا . # الاستبعاد الرابع : قولهم : أجمعت الأمة على أن القرآن معجزة للرسول عليه ~~السلام وأنه كلام الله تعالى ، فإنه سور وآيات ولها مقاطع ومفاتح ؟ وكيف ~~يكون للقديم مقاطع ومفاتح ؟ وكيف ينقسم بالسور والآيات ؟ وكيف يكون القديم ~~معجزة للرسول عليه السلام والمعجزة هي فعل خارق للعادة ؟ وكل فعل فهو مخلوق ~~فكيف يكون كلام الله تعالى قديما ؟ قلنا : أتنكرون أن لفظ القرآن مشترك بين ~~القراءة والمقروء أم لا ؟ فإن اعترفتم به فكل ما أورده المسلمون من وصف ~~القرآن بما هو قديم ، كقولهم القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ، أرادوا به ~~المقروء وكل ما وصفوه به مما لا يحتمله القديم ، ككونه سورا وآيات ولها ~~مقاطع ومفاتح ، أرادوا به العبارات الدالة على الصفة القديمة التي هي قراءة ~~، وإذا صار الاسم مشتركا امتنع التناقض ، فالاجماع منعقد على أن لا قديم ~~إلا الله تعالى ، PageV01P152 والله تعالى يقول حتى عاد كالعرجون القديم . ~~ولكن نقول : اسم القديم مشترك بين معنيين ، فإذا ثبت من وجه لم يستحل نفيه ~~من وجه آخر ، فكذا يسمى ms071 القرآن وهو جواب عن كل ما يوردونه من الإطلاقات ~~المتناقضة فإن أنكروا كونه مشتركا ، فنقول : أما إطلاقه لإرادة المقروء دل ~~عليه كلام السلف رضي الله عنهم إن القرآن كلام الله سبحانه غير مخلوق ، مع ~~علمهم بأنهم وأصواتهم وقراءاتهم وأفعالهم مخلوقة وأما إطلاقه لإرادة ~~القراءة فقد قال الشاعر : # ضحوا بأشمط عنوان السجود به . . . يقطع الليل تسبيحا وقرآنا # يعني القراءة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أذن الله لشيء ~~كأذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن والترنم يكون بالقراءة . وقال كافة السلف : ~~القرآن كلام الله غير مخلوق . وقالوا : القرآن معجزة ، وهي فعل الله تعالى ~~إذ علموا أن القديم لا يكون معجزا فبان أنه اسم مشترك . ومن لم يفهم اشتراك ~~اللفظ ظن تناقضا في هذه الاطلاقات . الاستبعاد الخامس : أن يقال : معلوم ~~أنه لا مسموع الآن إلا الأصوات ، وكلام الله مسموع الآن بالإجماع ~~PageV01P153 وبدليل قوله تعالى ' وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى ~~يسمع كلام الله ' فنقول : إن كان الصوت المسموع للمشرك عند الإجارة هو كلام ~~الله تعالى القديم القائم بذاته فأي فضل لموسى عليه السلام في اختصاصه ~~بكونه كليما لله على المشركين وهم يسمعون ؟ ولا يتصور عن هذا جواب إلا أن ~~نقول : مسموع موسى عليه السلام صفة قديمة قائمة بالله تعالى ، ومسموع ~~المشرك أصوات دالة على تلك الصفة . وتبين به على القطع الاشتراك إما في اسم ~~الكلام وهو تسمية الدلالات باسم المدلولات ، فإن الكلام هو كلام النفس ~~تحقيقا ، ولكن الألفاظ لدلالتها عليه أيضا تسمى كلاما كما تسمى علما ؛ إذ ~~يقال سمعت علم فلان وإنما نسمع كلامه الدال على علمه . وأما في اسم المسموع ~~فإن المفهوم المعلوم بسماع غيره قد يسمى مسموعا ، كما يقال : سمعت كلام ~~الأمير على لسان رسوله ومعلوم أن كلام الأمير لا يقوم بلسان رسوله بل ~~المسموع كلام الرسول الدال على كلام الأمير . فهذا ما أردنا أن نذكره في ~~إيضاح مذهب أهل السنة في كلام النفس المعدود من الغوامض ، وبقية أحكام ~~الكلام نذكرها عند التعرض لأحكام الصفات . PageV01P154 # | القسم الثاني علاقة ms072 الصفات بالذات # في أحكام الصفات عامة ما يشترك فيها أو يفترق وهي أربعة أحكام # # | الحكم الأول : الصفات ليست الذات # إن الصفات السبعة التي دللنا عليها ليست هي الذات بل هي زائدة على الذات ~~، فصانع العالم تعالى عندنا عالم بعلم وحي بحياة وقادر بقدرة ، هكذا في ~~جميع الصفات ، وذهبت المعتزلة والفلاسفة إلى إنكار ذلك . وقالوا : القديم ~~ذات واحدة قديمة ولا يجوز إثبات ذوات قديمة متعددة ، وإنما الدليل يدل على ~~كونه عالما قادرا حيا لا على العلم والقدرة والحياة . ولنعين العلم من ~~الصفات حتى لا نحتاج إلى تكرير جميع الصفات ، وزعموا أن العلمية حال للذات ~~وليست بصفة ، لكن المعتزلة ناقضوا في صفتين إذ قالوا إنه مريد بإرادة زائدة ~~على الذات ومتكلم بكلام هو زائد على الذات ، إلا أن الإرادة يخلقها في غير ~~محل والكلام يخلقه في جسم جماد ويكون هو المتكلم به . والفلاسفة طردوا ~~قياسهم في الإرادة . وأما الكلام فإنهم قالوا إنه متكلم بمعنى أنه ~~PageV01P155 يخلق في ذات النبي عليه السلام سماع أصوات منظومة ، إما في ~~النوم وإما في اليقظة ، ولا يكون لتلك الأصوات وجود من خارج البتة ، بل في ~~سمع النبي ، كما يرى النائم أشخاصا لا وجود لها ، ولكن تحدث صورها في دماغه ~~، وكذلك يسمع أصواتا لا وجود لها حتى أن الحاضر عند النائم لا يسمع ، ~~والنائم قد يسمع ، ويهوله الصوت الهائل ويزعجه وينتبه خائفا مذعورا . ~~وزعموا أن النبي إذا كان عالي الرتبة في النبوة ينتهي صفاء نفسه إلى أن يرى ~~في اليقظة صورا عجيبة ويسمع منها أصواتا منظومة فيحفظها ، ومن حواليه لا ~~يرون ولا يسمعون . وهذا المعني عندهم برؤيه الملائكة وسماع القرآن منهم ، ~~ومن ليس في الدرجة العالية في النبوة فلا يرى ذلك إلا في المنام . فهذا ~~تفصيل مذاهب الضلال ، والغرض إثبات الصفات والبرهان القاطع هو أن من ساعد ~~على أنه تعالى عالم فقد ساعد على أن له علما ، فإن المفهوم من قولنا عالم ~~ومن له علم واحد ، فإن العاقل يعقل ذاتا ويعقلها على حالة وصفة بعد ذلك ، ~~فيكون قد ms073 عقل صفة وموصوفا والصفة علم مثلا . وله عبارتان : إحداهما طويلة ~~وهي أن نقول هذه الذات قد قام بها علم والأخرى وجيزة أوجزت بالتصريف ~~والاشتقاق . وهي أن الذات عالمة كما نشاهد الانسان شخصا PageV01P156 ونشاهد ~~نعلا ونشاهد دخول رجله في النعل ، فله عبارة طويلة وهو أن نقول هذا الشخص ~~رجله داخلة في نعله أو نقول هو منتعل ولا معنى لكونه منتعلا إلا أنه ذو نعل ~~وما يظن من أن قيام العلم بالذات يوجب للذات حالة تسمى عالمية ، هوس محض ، ~~بل العلم هي الحالة ، فلا معنى لكونه عالما إلا كون الذات على صفة وحال تلك ~~الصفة الحال وهي العلم فقط ، ولكن من يأخذ المعاني من الألفاظ فلا بد أن ~~يغلط . فإذا تكررت الألفاظ بالاشتقاقات فاشتقاق صفة العالم من لفظ العلم ~~أورث هذا الغلط ، فلا ينبغي أن يغتر به . وبهذا يبطل جميع ما قيل وطول من ~~العلة والمعلول وبطلان ذلك جلي بأول العقل لمن لم يتكرر على سمعه ترديد تلك ~~الألفاظ ، ومن علق ذلك بفهمه فلا يمكن نزعه منه إلا بكلام طويل لا يحتمله ~~هذا المختصر . والحاصل هو أنا نقول للفلاسفة والمعتزلة : هل المفهوم من ~~قولنا عالم عين المفهوم من قولنا موجودا وفيه إشارة إلى وجود وزيادة . فإن ~~قالوا لا ، فإذا كل من قال هو موجود عالم ، كأنه قال هو موجود وهذا ظاهر ~~الاستحالة ، وإذا كان في مفهومه زيادة فتلك الزيادة هل هي مختصة بذات ~~الموجود أم لا ؟ فإن قالوا لا فهو محال إذ يخرج به عن أن يكون وصفا له وإن ~~كان PageV01P157 مختصا بذاته فنحن لا نعني بالعلم إلا ذلك وهي الزيادة ~~المختصة بالذات الموجودة الزائدة على الوجود التي يحسن أن يشتق للموجود ~~بسببه منه اسم العالم ، فقد ساعدتم على المعنى وعاد النزاع إلى اللفظ ، وإن ~~أردت إيراده على الفلاسفة قلت : مفهوم قولنا قادر مفهوم قولنا عالم أم غيره ~~؟ فإن كان هو ذلك بعينه فكأنا قلنا قادر قادر ، فإنه تكرار محض ، وإن كان ~~غيره فإذا هو المراد فقد أثبتم مفهومين أحدهما يعبر عنه ms074 بالقدرة والآخر ~~بالعلم ورجع الإنكار إلى اللفظ . # فإن قيل : قولكم أمر مفهومه عين المفهوم من قولكم آمر وناه ومخبر أو غيره ~~، فإن كان عينه فهو تكرار محض ، وإن كان غيره فليكن له كلام هو أمر وآخر هو ~~نهي وآخر هو خبر . وليكن خطاب كل شيء مفارقا لخطاب غيره . وكذلك مفهوم ~~قولكم إنه عالم بالأعراض أهو عين مفهوم قولكم إنه عالم بالجواهر أو غيره ؟ ~~فإن كان عينه فليكن الإنسان العالم بالجوهر عالما بالعرض بعين ذلك العلم ، ~~حتى يتعلق علم واحد بمتعلقات مختلفة لا نهاية لها ، وإن كان غيره فليكن لله ~~علوم مختلفة لا نهاية لها وكذلك الكلام والقدرة والإرادة وكل صفة لا نهاية ~~لمتعلقاتها ينبغي أن لا يكون لأعداد تلك الصفة PageV01P158 نهاية ، وهذا ~~محال ، فإن جاز أن تكون صفة واحدة تكون هي الأمر وهي النهي وهي الخبر وتنوب ~~عن هذه المختلفات جاز أن تكون صفة واحدة تنوب عن العلم والقدرة والحياة ~~وسائر الصفات . ثم إذا جاز ذلك جاز أن تكون الذات بنفسها كافية ويكون فيها ~~معنى القدرة والعلم وسائر الصفات من غير زيادة وعند ذلك يلزم مذهب المعتزلة ~~والفلاسفة . # والجواب أن نقول : هذا السؤال يحرك قطبا عظيما من اشكالات الصفات ولا ~~يليق حلها بالمختصرات . ولكن إذا سبق القلم إلى إيراده فلنرمز إلى مبدأ ~~الطريق في حله ، وقد كع عنه أكثر المحصلين وعدلوا إلى التمسك بالكتاب ~~والإجماع ، وقالوا هذه الصفات قد ورد الشرع بها ، إذ دل الشرع على العلم ~~وفهم منه الواحد لا محالة والزائد على الواحد لم يرد فلا يعتقده . وهذا لا ~~يكاد يشفي فإنه قد ورد بالأمر والنهي والخبر والتوراة والإنجيل والقرآن فما ~~المانع من أن يقال : الأمر غير النهي والقرآن غير التوراة وقد ورد بأنه ~~تعالى يعلم السر والعلانية والظاهر والباطن والرطب واليابس وهلم جرا إلى ما ~~يشتمل القرآن عليه . . فلعل الجواب ما نشير إلى مطلع تحقيقه وهو أن كل فريق ~~من العقلاء مضطر إلى أن يعترف بأن الدليل قد PageV01P159 دل على أمر زائد ~~على وجود ذات الصانع سبحانه ms075 ، وهو الذي يعبر عنه بأنه عالم وقادر وغيره . ~~والاحتمالات فيه ثلاثة : طرفان وواسطة ، والاقتصاد أقرب إلى السداد . أما ~~الطرفان فأحدهما في التفريط وهو الاقتصار على ذات واحدة تؤدي جميع هذه ~~المعاني وتنوب عنها كما قالت الفلاسفة . والثاني طرف الإفراط وهو إثبات صفة ~~لا نهاية لآحادها من العلوم والكلام والقدرة ، وذلك بحسب عدد متعلقات هذه ~~الصفات ؛ وهذا إسراف لا صائر إليه إلا بعض المعتزلة وبعض الكرامية . والرأي ~~الثالث هو القصد والوسط . وهو أن يقال : المختلفات لاختلافها درجات في ~~التقارب والتباعد ؛ فرب شيين مختلفين بذاتيهما كاختلاف الحركة والسكون ~~واختلاف القدرة والعلم الجوهر والعرض ، ورب شيئين يدخلان تحت حد وحقيقة ~~واحدة ولا يختلفان لذاتيهما وإنما يكون الاختلاف فيهما من جهة تغاير التعلق ~~؛ فليس الاختلاف بين القدرة والعلم كالاختلاف بين العلم بسواد والعلم بسواد ~~آخر أو بياض آخر ، ولذلك إذ حددت العلم تجد دخل فيه العلم بالمعلومات كلها ~~، فنقول : الاقتصاد في الإعتقاد أن يقال : كل اختلاف يرجع إلى تباين الذوات ~~بأنفسها فلا يمكن أن يكفي PageV01P160 الواحد منها ، وينوب عن المختلفات . ~~فوجب أن يكون العلم غير القدرة وكذلك الحياة وكذا الصفات السبعة ، وأن تكون ~~الصفات غير الذات من حيث أن المباينة بين الذات الموصوفة وبين الصفة أشد من ~~المباينة بين الصفتين . # وأما العلم بالشيء فلا يخالف العلم بغيره إلا من جهة تعلقه بالمتعلق ، ~~فلا يبعد أن تتميز الصفة القديمة بهذه الخاصية وهو أن لا يوجب تباين ~~المتعلقات فيها تباينا وتعددا . فإن قيل فليس في هذا قع دابر الإشكال ، ~~لأنك إذ اعترفت باختلاف ما بسبب اختلاف المتعلق ، فالإشكال قائم ، فما لك ~~وللنظر في سبب الاختلاف بعد وجود الاختلاف . . # فأقول : غاية الناصر لمذهب معين أن يظهر على القطع ترجيح اعتقاده على ~~اعتقاد غيره ، وقد حصل هذا على القطع ، إذ لا طريق إلا واحد من هذه الثلاث ~~، أو اختراع رابع لا يعقل . وهذا الواحد إذا قوبل بطرفيه المتقابلين له علم ~~على القطع رجحانه ، وإذ لم يكن بد من اعتقاد ولا معتقد إلا هذه الثلاث ، ~~وهذا أقرب الثلاث ، فيجب ms076 اعتقاده وإن بقي ما يحبك في الصدر من اشكال يلزم ~~على هذا . واللازم على غيره أعظم منه PageV01P161 وتعليل الإشكال ممكن إما ~~قطعه بالكلية والمنظور فيه هي الصفات القديمة المتعالية عن افهام الخلق فهو ~~أمر ممتنع إلا بتطويل لا يحتمله الكتاب ، هذا هو الكلام العام . # وأما المعتزلة فإنا نخصهم بالاستفراق بين القدرة والإرادة . ونقول لو جاز ~~أن يكون قادرا بغير قدرة جاز أن يكون مريدا بغير إرادة ولا فرقان بينهما . # فإن قيل : هو قادر لنفسه فلذلك كان قادرا على جميع المقدورات ولو كان ~~مريدا لنفسه لكان مريدا لجملة المرادات ، وهو محال ، لأن المتضادات يمكن ~~إرادتها على البدل لا على الجمع ، وأما القدرة فيجوز أن تتعلق بالضدين . # والجواب أن نقول : قولوا إنه مريد لنفسه ثم يختص ببعض الحادثات المرادات ~~كما قلتم قادر لنفسه ولا تتعلق قدرته إلا ببعض الحادثات ، فإن جملة أفعال ~~الحيوانات والمتولدات خارجة عن قدرته وإرادته جميعا عندكم ، فإذا جاز ذلك ~~في القدرة جاز في الإرادة أيضا . # وأما الفلاسفة فإنهم ناقضوا في الكلام وهو باطل من وجهين . أحدهما قولهم ~~إن الله تعالى متكلم مع انهم لا يثبتون كلام النفس ولا يثبتون الأصوات في ~~PageV01P162 الوجود ، وإنما يثبتون سماع الصوت بالحلق في اذن النبي من غير ~~صوت من خارج . ولو جاز أن يكون ذلك بما يحدث في دماغ غيره موصوفا بأنه ~~متكلم لجاز أن يكون موصوفا بأنه مصوت ومتحرك لوجود الصوت والحركة في غيره ، ~~وذلك محال ، والثاني أن ما ذكروه رد للشرع كله ؛ فإن ما يدركه النائم خيال ~~لا حقيقة له ، فإذا رددت معرفة النبي لكلام الله تعالى إلى التخيل الذي ~~يشبه اضغاث أحلام فلا يثق به النبي ولا يكون ذلك علما . وبالجملة هؤلاء لا ~~يعتقدون الدين والاسلام وإنما يتجملون بإطلاق عبارات احتراز من السيف ~~والكلام معهم في أصل الفعل ، وحدث العالم والقدرة فلا تشتغل معهم بهذه ~~التفصيلات . فإن قيل أفتقولون إن صفات الله تعالى غير الله تعالى ؟ قلنا : ~~هذا خطأ فإنا إذا قلنا الله تعالى ، فقد دللنا به على الذات مع ms077 الصفات لا ~~على الذات بمجردها ، إذ اسم الله تعالى لا يصدق على ذات قد أخلوها عن صفات ~~الالهية ، كما لا يقال الفقه غير الفقيه ويد زيد غير زيد ويد النجار غير ~~النجار ، لأن بعض الداخل في الاسم لا يكون عين الداخل في الاسم ، فيد ~~PageV01P163 زيد ليس هو زيد ولا هو غير زيد بل كلا اللفظين محال ، وهكذا كل ~~بعض فليس غير الكل ولا هو بعينه الكل ، فلو قيل الفقه غير الانسان فهو تجوز ~~ولا يجوز أن يقال غير الفقيه ، فإن الانسان لا يدل على صفة الفقه ، فلا جرم ~~يجوز أن يقال الصفة غير الذات التي تقوم بها الصفة ، كما يقال العرض القائم ~~بالجوهر هو غير الجوهر على معنى ان مفهوم اسمه غير مفهوم اسم الآخر ، وهذا ~~حصر جائز بشرطين : أحدهما ، أن لا يمنع الشرع من اطلاقه ، وهذا مختص بالله ~~تعالى ، والثاني ، أن لا يفهم من الغير ما يجوز وجوده دون الذي هو غيره ~~بالإضافات إليه ، فإنه إن فهم ذلك لم يمكن أن يقال سواد زيد غير زيد ، لأنه ~~لا يوجد دون زيد ، قد انكشف بهذا ما هو حظ المعنى وما هو حظ اللفظ فلا معنى ~~للتطويل في الجليات . # # | الحكم الثاني : الصفات قائمة بالذات # ندعي أن هذه الصفات كلها قائمة بذاته لا يجوز أن يقوم شيء منها بغير ذاته ~~، سواء كان في محل أو لم يكن في محل . وأما المعتزلة فإنهم حكموا بأن ~~الإرادة لا تقوم بذاته تعالى ، فإنها حادثة وليس هو محلا للحوادث ، ولا ~~يقوم بمحل آخر لأنه يؤدي إلى أن يكون ذلك المحل هو المريد به ، فهي توجد لا ~~في محل ، PageV01P164 وزعموا أن الكلام لا يقوم بذاته لأنه حادث ولكن يقوم ~~بجسم هو جماد حتى لا يكون هو المتكلم به ، بل المتكلم به هو الله سبحانه ، ~~أما البرهان على أن الصفات ينبغي أن تقوم بالذات فهو عند من فهم ما قدمناه ~~مستغنى عنه ، فإن الدليل لما دل على وجود الصانع سبحانه دل بعده على أن ~~الصانع تعالى بصفة كذا ms078 ولا نعني بأنه تعالى على صفة كذا ، إلا أنه تعالى ~~على تلك الصفة ، ولا فرق بين كونه على تلك الصفة وبين قيام الصفة بذاته . ~~وقد بينا أن مفهوم قولنا عالم واحد وبذاته تعالى علم واحد ، كمفهوم قولنا ~~مريد ، وقامت بذاته تعالى إرادة واحدة ، ومفهوم قولنا لم تقم بذاته إرادة ~~وليس بمريد واحد . فتسميته الذات مريدة بإرادة لم تقم به كتسميته متحركا ~~بحركة لم تقم به . وإذا لم تقم الارادة بة فسواء كانت موجودة أو معدومة ~~فقول القائل إنه مريد لفظ خطأ ، لا معنى له ، وهكذا المتكلم ، فإنه متكلم ~~باعتبار كونه محلا للكلام ، إذ لا فرق بين قولنا هو متكلم وبين قولنا قام ~~الكلام به ، ولا فرق بين قولنا ليس بمتكلم وقولنا لم يقم بذاته كلام ، كما ~~في كونه مصوتا ومتحركا . فإن صدق على الله تعالى قولنا لم يقم بذاته كلام ~~صدق قولنا ليس بمتكلم لأنهما عبارتان عن معنى واحد . والعجب من قولهم إن ~~الإرادة توجد لا في محل ، فإن جاز PageV01P165 وجود صفة من الصفات لا في ~~محل فليجز وجود العلم والقدرة والسواد والحركة ، بل الكلام فلم قالوا يخلق ~~الأصوات في محل فلتخلق في غير محل . وإن لم يعقل الصوت إلا في محل لأنه عرض ~~وصفة فكذا الارادة . ولو عكس هذا لقيل إنه خلق كلاما لا في محل وخلق إرادة ~~في محل لكان العكس كالطرد . ولكن لما كان أول المخلوقات يحتاج إلى الإرادة ~~، والمحل مخلوق ، لم يمكنهم تقدير محل الارادة موجودا قبل الإرادة ؛ فإنه ~~لا محل قبل الإرادة إلا ذات الله تعالى ولم يجعلوه محلا للحوادث . ومن جعله ~~محلا للحوادث أقرب حال منهم فإن استحالة وجود إرادة في غير محل ، واستحالة ~~كونه مريدا بإرادة لا تقوم به ، واستحالة حدوث إرادة حادثة به بلا إرادة ~~تدرك ببديهة العقل أو نظره الجلي فهذه ثلاثة استحالات جلية . واما استحالة ~~كونه محلا للحوادث فلا يدرك إلا بنظر دقيق كما سنذكر . # # | الحكم الثالث الصفات القديمة # إن الصفات كلها قديمة ، فإنها إن كانت حادثة كان القديم سبحانه ms079 محلا ~~للحوادث ، وهو محال . أو كان يتصف بصفة لا تقوم به وذلك أظهر استحالة ، كما ~~سبق ، ولم يذهب أحد إلى حدوث الحياة والقدرة وإنما اعتقدوا PageV01P166 ذلك ~~في العلم بالحوادث وفي الإرادة وفي الكلام ونحن نستدل على استحالة كونه ~~محلا للحوادث من ثلاثة أوجه : الدليل الأول : إن كل حادث فهو جائز الوجود ، ~~والقديم الأزلي واجب الوجود ، ولو تطرق الجواز إلى صفاته لكان ذلك مناقضا ~~لوجوب وجوده فإن الجواز والوجوب يتناقضان . فكل ما هو واجب الذات فمن ~~المحال أن يكون جائز الصفات وهذا واضح بنفسه . # الدليل الثاني : وهو الأقوى ، أنه لو قدر حلول حادث بذاته لكان لا يخلو ~~إما أن يرتقي الوهم إلى حادث يستحيل قبله حادث ، أو لا يرتقي إليه ، بل كان ~~حادث ، فيجوز أن يكون قبله حادث ، فإن لم يرتق الوهم إليه لزم جواز اتصافه ~~بالحوادث أبدا ، ولزم منه حوادث لا أول لها . وقد قام الدليل على استحالته ~~. وهذا القسم ما ذهب إليه أحد من العقلاء وإن ارتقى الوهم إلى حادث استحال ~~قبله حدوث حادث فتلك الاستحالة لقبول الحادث في ذاته ، لا تخلو إما أن تكون ~~لذاته أو لزائد عليه . وباطل أن يكون لزائد عليه ، فإن كل زائد يفرض ممكن ~~تقدير عدمه ، فيلزم منه تواصل الحوادث أبدا وهو محال ، فلم يبق إلا أن ~~استحالته من حيث أن واجب الوجود يكون على صفة يستحيل معها قبول PageV01P167 ~~الحوادث لذاته . فإذا كان ذلك مستحيلا في ذاته أزلا . فإن ذلك يبقى فيما لا ~~يزال لأنه لذاته لا يقبل اللون باتفاق العقلاء . ولم يجز أن تتغير تلك ~~الاستحالة إلى الجواز فكذلك سائر الحوادث . فإن قيل : هذا يبطل يحدث العالم ~~، فإنه كان ممكنا قبل حدوثه ولم يكن الوهم يرتقي إلى وقت يستحيل حدوثه قبله ~~ومع ذلك يستحيل حدوثه أزلا ولم يستحل على الجملة حدوثه . # قلنا هذا الإلزام فاسد ؛ فإنا لم نحل إثبات ذات تنبو عن قبول حادث لكونها ~~واجبة الوجود ، ثم تتقلب إلى جواز قبول الحوادث . والعالم ليس له ذات قبل ~~الحدوث موصوفة بأنها قابلة للحدوث ms080 أو غير قابلة حتى ينقلب إلى قبول جواز ~~الحدوث ، فيلزم ذلك على مساق دليلنا ، نعم ، يلزم ذلك المعتزلة حيث قالوا ~~للعالم ذات في العدم قديمة ، قابلة للحدوث ، يطرأ عليها الحدوث بعد أن لم ~~يكن ، فأما على أصلنا فغير لازم ، وإنما الذي نقوله في العالم أنه فعل وقدم ~~الفعل محال ، لأن القديم لا يكون فعلا . # الدليل الثالث : هو أنا نقول : إذا قدرنا قيام حادث بذاته فهو قبل ذلك ~~إما أن يتصف بضد ذلك الحادث أو بالانفكاك عن ذلك الحادث . وذلك الضد أو ذلك ~~PageV01P168 الانفكاك إن كان قديما استحال بطلانه وزواله لأن القديم لا ~~يعدم وإن كان حادثا كان قبله حادث لا محالة ، وكذا قبل ذلك الحادث حادث ~~يؤدي إلى حوادث لا أول لها وهو محال ، ويتضح ذلك بأن تفرض في صفة معينة ~~كالكلام مثلا ، فإن الكرامية قالوا إنه في الأزل متكلم ، على معنى أنه قادر ~~على خلق الكلام في ذاته . ومهما أحدث شيئا في غير ذاته أحدث في ذاته قوله ~~كن ولا بد أن يكون قبل إحداث هذا القول ساكتا ، ويكون سكوته قديما . وإذا ~~قال جهم أنه يحدث في ذاته علما فلا بد أن يكون قبله غافلا وتكون غفلته ~~قديمة . فنقول : السكوت القديم والغفلة القديمة يستحيل بطلانهما لما سبق من ~~الدليل على استحالة عدم القديم . فإن قيل السكوت ليس بشيء إنما يرجع إلى ~~عدم الكلام ، والغفلة ترجع إلى عدم العلم والجهل وأضداده ، فإذا وجد الكلام ~~لم يبطل شيء إذ لم يكن شيء إلا الذات القديمة ، وهي باقية ، ولكن انضاف ~~إليها موجود آخر وهو الكلام والعلم . فأما أن يقال : انعدم شيء فلان ويتنزل ~~ذلك منزلة وجود العالم ، فإنه يبطل العدم القديم ولكن العدم ليس بشيء حتى ~~يوصف بالقدم ويقدر بطلانه . والواجب من وجهين أحدهما أن قول القائل السكوت ~~هو عدم الكلام PageV01P169 وليس بصفة والغفلة عدم العلم وليست بصفة ، كقوله ~~البياض هو عدم السواد وسائر الألوان وليس بلون . والسكون هو عدم الحركة ~~وليس بعرض ، وذلك محال . والدليل الذي دل على استحالته بعينه يدل ms081 على ~~استحالة هذا ، والخصوم في هذه المسألة معترفون بأن السكون وصف زائد على عدم ~~الحركة ، فإن كل من يدعي أن السكون هو عدم الحركة لا يقدر على اثبات حدوث ~~العالم . فظهور الحركة بعد السكون إذا دل على حدوث المتحرك ، فكذلك ظهور ~~الكلام بعد السكوت يدل على حدوث المتكلم ، من غير فرق . إذ المسلك الذي به ~~يعرف كون السكون معنى هو مضاد للحركة بعينه يعرف به كون السكوت معنى يضاد ~~الكلام ، وكون الغفلة معنى يضاد العلم ، وهو أنا إذا أدركنا تفرقة بين ~~حالتي الذات الساكنة والمتحركة فإن الذات مدركة على الحالتين . والتفرقة ~~مدركة بين الحالتين ولا نرجع التفرقة إلى زوال أمر وحدوث أمر فإن الشيء لا ~~يفارق نفسه ، فدل ذلك على أن كل قابل للشيء فلا يخلو عنه ، أو عن ضده وهذا ~~مطرد في الكلام ، وفي العلم . ولا يلزم على هذا الفرق بين وجود العلم وعدمه ~~، فإن ذلك لا يوجب ذاتين . فإنه لم تدرك في الحالتين ذات واحدة يطرأ عليها ~~الوجود بل لا ذات للعالم قبل الحدوث ، والقديم ذات قبل PageV01P170 حدوث ~~الكلام ، علم على وجه مخالف للوجه الذي علم عليه بعد حدوث الكلام ، يعبر عن ~~ذلك الوجه بالسكوت وعن هذا بالكلام ، فهما وجهان مختلفان أدركت عليهما ذات ~~مستمرة الوجود في الحالتين وللذات هيئة وصفة وحالة بكونه ساكتا ، كما أن له ~~هيئة بكونه متكلما ، وكما له هيئة بكونه ساكتا ومتحركا وأبيض وأسود وهذه ~~الموازنة مطابقة لا مخرج منها . الوجه الثاني في الانفصال هو أن يسلم أيضا ~~أن السكوت ليس بمعنى ، وإنما يرجع ذلك إلى ذات منفكة عن الكلام ، فالانفكاك ~~عن الكلام حال للمنفك لا محالة ينعدم بطريان الكلام ، فحال الانفكاك تسمى ~~عدما أو وجودا أو صفة أو هيئة ، فقد انتفى الكلام والمنتفي قديم . وقد ~~ذكرنا أن القديم لا ينتفي سواء كان ذاتا أو حالا أو صفة ، وليست الاستحالة ~~لكونه ذاتا فقط بل لكونه قديما ، ولا يلزم عدم العالم ، فإنه انتفى مع ~~القديم لأن عدم العالم ليس بذات ولا حصل منه حال لذات ms082 حتى يقدر تغيرها ~~وتبدلها على الذات والفرق بينهما ظاهر . فإن قيل الأعراض كثيرة والخصم لا ~~يدعي كون الباري محل حدوث شيء منها كالألوان والآلام واللذات وغيرها ، ~~وإنما الكلام في الصفات السبعة التي ذكرتموها ولا نزاع من جملتها في الحياة ~~والقدرة ، وإنما النزاع PageV01P171 في ثلاثة : في القدرة والإرادة والعلم ~~، وفي معنى العلم السمع والبصر عند من يثبتهما . وهذه الصفات الثلاثة لا بد ~~أن تكون حادثة ، ثم يستحيل أن تقوم بغيره ، لأنه لا يكون متصفا بها فيجب أن ~~تقوم بذاته فيلزم منه كونه محلا للحوادث . # أما العلم بالحوادث فقد ذهب جهم إلى أنها علوم حادثة وذلك لأن الله تعالى ~~الآن عالم بأن العالم كان قد وجد قبل هذا ، وهو في الأزل إن كان عالما بأنه ~~كان قد وجد كان هذا جهلا لا علما ، وإذا لم يكن عالما بأنه قد وجد كان جهلا ~~لا علما ، وإذا لم يكن عالما وهو الآن عالم فقد ظهر حدوث العلم بأن العالم ~~كان قد وجد قبل هذا . وهكذا القول في كل حادث . وأما الإرادة فلا بد من ~~حدوثها فإنها لو كانت قديمة لكان المراد معها . فإن القدرة والارادة مهما ~~تمتا وارتفعت العوائق منها وجب حصول المراد ، فكيف يتأخر المراد عن الإرادة ~~والقدرة من غير عائق ؟ فلهذا قالت المعتزلة بحدوث إرادة في غير محل وقالت ~~الكرامية بحدوثها في ذاته وربما عبروا عنه بأنه يخلق ايجادا في ذاته عند ~~وجود كل موجود وهذا راجع إلى الارادة . وأما الكلام فكيف يكون قديما وفيه ~~إخبار عما مضى ، فكيف قال في الأزل ' إنا أرسلنا نوحا إلى قومه ' ولم يكن ~~PageV01P172 قد خلق نوحا بعد ، وكيف قال في الأزل لموسى ' فاخلع نعليك ' ~~ولم يخلق بعد موسى ، فكيف أمر ونهى من غير مأمور ولا منهي . وإذا كان ذلك ~~محالا ثم علم بالضرورة أنه آمر وناه ، واستحال ذلك في القدم ، علم قطعا أنه ~~صار آمرا ناهيا بعد أن لم يكن ، فلا معنى لكونه محلا للحوادث إلا هذا . ~~والجواب أنا نقول : مهما حللنا الشبهة في هذه الصفات ms083 الثلاثة انتهض منه ~~دليل مستقل على إبطال كونه محلا للحوادث ، إذ لم يذهب إليه ذاهب إلا بسبب ~~هذه الشبهة ، وإذا انكشف كان القول بها باطلا كالقول بأنه محل للألوان ~~وغيرها مما لا يدل دليل على الاتصاف بها . فنقول : الباري تعالى في الأزل ~~علم بوجود العالم في وقت وجوده وهذا العلم صفة واحدة مقتضاها في الأزل ~~العلم بأن العالم يكون من بعد ، وعند الوجود العلم بأنه كائن وبعده العلم ~~بأنه كان ، وهذه الأحوال تتعاقب على العالم ويكون مكشوفا لله تعالى تلك ~~الصفة وهي لم تتغير . وإنما المتغير أحوال العالم ، وإيضاحه بمثال وهو أنا ~~إذا فرضنا للواحد منا علما بقدوم زيد عند طلوع الشمس وحصل له هذا العلم قبل ~~طلوع الشمس ولم ينعدم بل بقي ولم يخلق له علم آخر عند طلوع الشمس فما حال ~~هذا الشخص عند الطلوع ، . أيكون عالما بقدوم زيد أو غير PageV01P173 عالم ؟ ~~ومحال أن يكون غير عالم لأنه قدر بقاء العلم بالقدوم عند الطلوع ، وقد علم ~~الآن الطلوع فيلزمه بالضرورة أن يكون عالما بالقدوم ، فلو دام عند انقضاء ~~الطلوع فلا بد أن يكون عالما بأن كان قد قدم والعلم الواحد أفاد الاحاطة ~~بأنه سيكون وإنه كائن وأنه قد كان فهكذا ينبغي أن يفهم علم الله القديم ~~الموجب بالاحاطة بالحوادث ، وعلى هذا ينبغي أن يقال السمع والبصر ، فإن كل ~~واحد منهما صفة يتصف بها المرئي والمسموع عند الوجود من غير حدوث تلك الصفة ~~ولا حدوث أمر فيها ، وإنما الحادث المسموع والمرئي . والدليل القاطع على ~~هذا هو أن الاختلاف بين الأحوال شيء واحد في انقسامه إلى الذي كان ويكون ~~وهو كائن لا يزيد على الاختلاف بين الذوات المختلفة . ومعلوم أن العلم لا ~~يتعدد بتعدد الذوات فكيف يتعدد بتعدد أحوال ذات واحدة . وإذا كان علم واحد ~~يفيد الإحاطة بذوات مختلفة متباينة فمن أين يستحيل أن يكون علم واحد يفيد ~~إحاطة بأحوال ذات واحدة بالاضافة إلى الماضي والمستقبل ، ولا شك أن جهما ~~ينفي النهاية عن معلومات الله تعالى ثم لا يثبت علوما ms084 لا نهاية لها فيلزمه ~~أن يعترف بعلم واحد يتعلق بمعلومات مختلفة فكيف يستبعد ذلك في أحوال معلوم ~~واحد يحققه أنه لو حدث له علم بكل حادث لكان PageV01P174 ذلك العلم لا يخلو ~~إما أن يكون معلوما أو غير معلوم ، فإن لم يكن معلوما فهو محال ، لأنه حادث ~~، وإن جاز حادث لا يعلمه مع أنه في ذاته أولى بأن يكون متضحا له فبان يجوز ~~ألا يعلم الحوادث المباينة لذاته أولى ، وإن كان معلوما فإما أن يفتقر إلى ~~علم آخر وكذلك العلم يفتقر إلى علوم أخر لا نهاية لها ، وذلك محال . وإما ~~أن يعلم الحادث والعلم بالحادث نفس ذلك العلم فتكون ذات العلم واحدة ولها ~~معلومان : أحدهما ذات ، والآخر ذات الحادث ، فيلزم منه لا محالة تجويز علم ~~واحد يتعلق بمعلومين مختلفين فكيف لا يجوز علم واحد يتعلق بأحوال معلوم ~~واحد مع اتحاد العلم وتنزهه عن التغير ، وهذا لا مخرج منه ؛ فأما الإرادة ~~فقد ذكرنا أن حدوثها بغير إرادة أخرى محال ، وحدوثها بإرادة بتسلسل إلى غير ~~نهاية ، وإن تعلق الإرادة القديمة بالأحداث غير محال . ويستحيل أن تتعلق ~~الإرادة بالقديم فلم يكن العالم قديما لأن الإرادة تعلقت باحداثه لا بوجوده ~~في القدم . وقد سبق إيضاح ذلك . وكذلك الكرامي إذا قال يحدث في ذاته إيجادا ~~في حال حدوث العالم بذلك يحصل حدوث العالم في ذلك الوقت ، فيحتاج إلى مخصص ~~آخر فيلزمهم في الإيجاد ما لزم المعتزلة في الإرادة الحادثة ، ومن قال منهم ~~إن ذلك الإيجاد هو قوله كن ، وهو صوت ، فهو محال من ثلاثة أوجه ، أحدها : ~~PageV01P175 استحالة قيام الصوت بذاته ، والآخر : أن قوله كن حادث أيضا ، ~~فإن حدث من غير أن يقول له كن فليحدث العالم من غير أن يقال له كن ، فإن ~~افتقر قوله كن في أن يكون ، إلى قول آخر ، افتقر القول الآخر إلى ثالث ، ~~والثالث إلى رابع ، ويتسلسل إلى غير نهاية . ثم لا ينبغي أن يناظر من انتهى ~~عقله إلى أن يقول يحدث في ذاته بعدد كل حادث في كل وقت ، قوله كن ms085 فيجتمع ~~آلاف آلاف أصوات في كل لحظة . ومعلوم أن النون والكاف لا يمكن النطق بهما ~~في وقت واحد بل ينبغي أن تكون النون بعد الكاف لأن الجمع بين الحرفين محال ~~وإن جمع ولم يرتب لم يكن قولا مفهوما ولا كلاما ، وكما يستحيل الجمع بين ~~حرفين مختلفين فكذلك بين حرفين متماثلين ، ولا يعقل في أوان ألف ألف كاف ~~كما لا يعقل الكاف والنون فهؤلاء حقهم أن يسترزقوا الله عقلا وهو أهم لهم ~~من الاشتغال بالنظر . والثالث : أن قوله كن خطاب مع العالم في حالة العدم ~~أو في حالة الوجود ، فإن كان في حالة العدم فالمعدوم لا يفهم الخطاب ، فكيف ~~يمتثل بأن يتكون بقوله كن ؟ وإن كان في حالة الوجود فالكائن كيف يقال له كن ~~؟ فانظر ماذا يفعل الله تعالى بمن ضل عن سبيله فقد انتهى ركاكة عقله إلى أن ~~لا يفهم المعني بقوله تعالى ' إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ' وأنه كناية ~~عن نفاذ القدرة وكمالها حتى انجر بهم إلى هذه PageV01P176 المخازي ، نعوذ ~~بالله من الخزي والفضيحة يوم الفزع الأكبر يوم تكشف الضمائر وتبلى السرائر ~~فيكشف إذ ذاك ستر الله عن خبائث الجهال ، ويقال للجاهل الذي اعتقد في الله ~~تعالى وفي صفاته غير الرأي السديد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك ~~فبصرك اليوم حديد . انتهى عقله إلى أن يقول يحدث في ذاته بعدد كل حادث في ~~كل وقت ، قوله كن فيجتمع آلاف آلاف أصوات في كل لحظة . ومعلوم أن النون ~~والكاف لا يمكن النطق بهما في وقت واحد بل ينبغي أن تكون النون بعد الكاف ~~لأن الجمع بين الحرفين محال وإن جمع ولم يرتب لم يكن قولا مفهوما ولا كلاما ~~، وكما يستحيل الجمع بين حرفين مختلفين فكذلك بين حرفين متماثلين ، ولا ~~يعقل في أوان ألف ألف كاف كما لا يعقل الكاف والنون فهؤلاء حقهم أن ~~يسترزقوا الله عقلا وهو أهم لهم من الاشتغال بالنظر . والثالث : أن قوله كن ~~خطاب مع العالم في حالة العدم أو في حالة ms086 الوجود ، فإن كان في حالة العدم ~~فالمعدوم لا يفهم الخطاب ، فكيف يمتثل بأن يتكون بقوله كن ؟ وإن كان في ~~حالة الوجود فالكائن كيف يقال له كن ؟ فانظر ماذا يفعل الله تعالى بمن ضل ~~عن سبيله فقد انتهى ركاكة عقله إلى أن لا يفهم المعني بقوله تعالى ' إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون ' وأنه كناية عن نفاذ القدرة وكمالها حتى انجر ~~بهم إلى هذه المخازي ، نعوذ بالله من الخزي والفضيحة يوم الفزع الأكبر يوم ~~تكشف الضمائر وتبلى السرائر فيكشف إذ ذاك ستر الله عن خبائث الجهال ، ويقال ~~للجاهل الذي اعتقد في الله تعالى وفي صفاته غير الرأي السديد لقد كنت في ~~غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد . وأما الكلام فهو قديم ، ~~وما استبعدوه من قوله تعالى ' فاخلع نعليك ' ومن قوله تعالى ' إنا أرسلنا ~~نوحا ' استبعاد مستنده تقديرهم الكلام صوتا وهو محال فيه ، وليس بمحال إذ ~~فهم كلام النفس . فإنا نقول يقوم بذات الله تعالى خبر عن إرسال نوح العبارة ~~عنه قبل إرساله : إنا نرسله ، وبعد إرساله : إنا أرسلنا ، واللفظ يختلف ~~باختلاف الأحوال والمعنى القائم بذاته تعالى لا يختلف ، فإن حقيقته أنه خبر ~~متعلق بمخبر ذلك الخبر هو إرسال نوح في الوقت المعلوم وذلك لا يختلف ~~باختلاف الأحوال كما سبق في العلم ، وكذلك قوله اخلع نعليك لفظة تدل على ~~الأمر والأمر اقتضاء وطلب يقوم بذات الأمر وليس شرط قيامه به أن يكون ~~المأمور موجودا ولكن يجوز أن يقوم بذاته قبل وجود المأمور ، فإذا وجد ~~المأمور كان مأمورا بذلك الاقتضاء بعينه من غير تحدد اقتضاء آخر . وكم من ~~شخص ليس له ولد ويقوم بذاته اقتضاء طلب العلم PageV01P177 منه على تقدير ~~وجوده ، إذ يقدر في نفسه أن يقول لولده اطلب العلم وهذا الاقتضاء يتنجز في ~~نفسه على تقدير الوجود ، فلو وجد الولد وخلق له عقل وخلق له علم بما في نفس ~~الأب من غير تقدير صياغة لفظ مسموع ، وقدر بقاء ذلك الاقتضاء على وجوده ~~لعلم الابن أنه مأمور من جهة ms087 الأب بطلب العلم في غير استئناف اقتضاء متجدد ~~في النفس ، بل يبقى ذلك الاقتضاء نعم العادة جارية بأن الابن لا يحدث له ~~علم إلا بلفظ يدل على الاقتضاء الباطن ، فيكون قوله بلسانه أطلب العلم ، ~~دلالة على الاقتضاء الذي في ذاته سواء حدث في الوقت أو كان قديما بذاته قبل ~~وجود ولده . فهكذا ينبغي أن يفهم قيام الأمر بذات الله تعالى فتكون الألفاظ ~~الدالة عليه حادثة والمدلول قديما ووجود ذلك المدلول لا يستدعي وجود ~~المأمور بل تصور وجوده مهما كان المأمور مقدر الوجود ، فإن كان مستحيل ~~الوجود ربما لا يتصور وجود الاقتضاء ممن يعلم استحالة وجوده . فلذلك لا ~~نقول إن الله تعالى يقوم بذاته اقتضاء فعل ممن يستحيل وجوده ، بل ممن علم ~~وجوده ، وذلك غير محال . فإن قيل أفتقولون إن الله تعالى في الأزل آمر وناه ~~، فإن قلتم أنه آمر فكيف يكون آمر لا مأمور له ؟ وإن قلتم لا فقد صار آمرا ~~بعد أن لم يكن . PageV01P178 # قلنا : واختلف الأصحاب في جواب هذا ، والمختار أن تقول هذا نظر يتعلق أحد ~~طرفيه بالمعنى والآخر بإطلاق الاسم من حيث اللغة . فأما حظ المعنى فقد ~~انكشف وهو أن الاقتضاء القديم معقول وإن كان سابقا على وجود المأمور كما في ~~حق الولد ينبغي أن يقال اسم الأمر ينطلق عليه بعد فهم المأمور ووجوده أم ~~ينطلق عليه قبله ؟ وهذا أمر لفظي لا ينبغي للناظر أن يشتغل بأمثاله ، ولكن ~~الحق أنه يجوز اطلاقه عليه كما جوزوا تسمية الله تعالى قادرا قبل وجود ~~المقدور ، ولم يستبعدوا قادرا ليس له مقدور موجود بل قالوا القادر يستدعي ~~مقدورا معلوما لا موجودا فكذلك الآمر يستدعي مأمورا معلوما موجودا والمعدوم ~~معلوم الوجود قبل الوجود ، بل يستدعي الأمر مأمورا به كما يستدعي مأمورا ~~ويستدعي آمرا أيضا والمأمور به يكون معدوما ولا يقال إنه كيف يكون آمر من ~~غير مأمور به ، بل يقال له مأمور به هو معلوم وليس يشترط كونه موجودا ، بل ~~يشترط كونه معدوما بل من أمر ولده على سبيل الوصية بأمر ثم ms088 توفي فأتى الولد ~~بما أوصي به يقال امتثل أمر والده والأمر معدوم والأمر في نفسه معدوم ونحن ~~مع هذا نطلق اسم امتثال الأمر ، فإذا لم يستبعد كون المأمور ممتثلا للأمر ~~ولا وجود للأمر ولا للآمر ولم PageV01P179 يستبعد كون الأمر أمرا قبل وجود ~~المأمور به ، فمن أين يستدعي وجود المأمور ؟ فقد انكشف من هذا حظ اللفظ ~~والمعنى جميعا ولا نظر إلا فيهما . فهذا ما أردنا أن نذكره في استحالة كونه ~~محلا للحوادث إجمالا وتفصيلا . # | الحكم الرابع سرمدية أسماء الله # إن الأسامي المشتقة لله تعالى من هذه الصفات السبعة صادقة عليه أزلا ~~وأبدا ، فهو في القدم كان حيا قادرا عالما سميعا بصيرا متكلما ، وأما ما ~~يشتق له من الأفعال كالرازق والخالق والمعز والمذل فقد اختلف في أنه يصدق ~~في الأزل أم لا . وهذا إذا كشف الغطاء عنه تبين استحالة الخلاف فيه . # والقول الجامع أن الأسامي التي يسمى بها الله تعالى أربعة : الأول : أن ~~لا يدل إلا على ذاته كالموجود ، وهذا صادق أزلا وأبدا . الثاني : ما يدل ~~على الذات مع زيادة سلب كالقديم ، فإنه يدل على وجود غير مسبوق بعدم أزلا ، ~~والباقي فإنه يدل على الوجود وسلب العدم عنه آخرا وكالواحد فإنه يدل على ~~الوجود وسلب الشريك ، PageV01P180 وكالغنى فإنه يدل على الوجود وسلب الحاجة ~~فهذا أيضا يصدق أزلا وأبدا لأن ما يسلب عنه يسلب لذاته فيلازم الذات على ~~الدوام . # الثالث : ما يدل على الوجود وصفة زائدة من صفات المعنى كالحي والقادر ~~والمتكلم والمريد والسميع والبصير والعالم وما يرجع إلى هذه الصفات السبعة ~~كالآمر والناهي والخبير ونظائره ، فذلك أيضا يصدق عليه أزلا وأبدا عند من ~~يعتقد قدم جميع الصفات . # الرابع : ما يدل على الوجود مع إضافة إلى فعل من أفعاله كالجواد والرزاق ~~والخالق والمعز والمذل وأمثاله ، وهذا مختلف فيه ، فقال قوم هو صادق أزلا ~~إذ لو لم يصدق لكان اتصافه به موجبا للتغير وقال قوم لا يصدق إذ لا خلق في ~~الأزل فكيف خالقا . والكاشف للغطاء عن هذا أن السيف في الغمد يسمى صارما ms089 ~~وعند حصول القطع به وفي تلك الحالة على الاقتران يسمى صارما ، وهما بمعنيين ~~مختلفين ، فهو في الغمد صارم بالقوة وعند حصول القطع صارم بالفعل وكذلك ~~الماء في الكوز يسمى مرويا وعند الشرب يسمى مرويا وهما إطلاقان مختلفان ~~فمعنى تسمية السيف في الغمد صارما أن الصفة التي يحصل بها القطع في الحال ~~لقصور في ذات السيف وحدته واستعداده بل لأمر آخر PageV01P181 وراء ذاته . ~~فبالمعنى الذي يسمى السيف في الغمد صارما يصدق اسم الخالق على الله تعالى ~~في الأزل فإن الخلق إذ أجري بالفعل لم يكن لتجدد أمر في الذات لم يكن ، بل ~~كل ما يشترط لتحقيق الفعل موجود في الأزل . وبالمعنى الذي يطلق حالة مباشرة ~~القطع للسيف اسم الصارم لا يصدق في الأزل فهذا حظ المعنى . فقد ظهر أن من ~~قال إنه لا يصدق في الأزل هذا الاسم فهو محق وأراد به المعنى الثاني ، ومن ~~قال يصدق في الأزل فهو محق وأراد به المعنى الأول . وإذا كشف الغطاء على ~~هذا الوجه ارتفع الخلاف . فهذا تمام ما أردنا ذكره في قطب الصفات وقد اشتمل ~~على سبعة دعاو ، وتفرع عن صفة القدرة ثلاثة فروع ، وعن صفة الكلام خمسة ~~استبعادات ، واجتمع من الأحكام المشتركة بين الصفات أربعة أحكام ، فكان ~~المجموع قريبا من عشرين دعوى هي أصول الدعاوى وإن كان تنبني كل دعوى على ~~دعاوى بها يتوصل إلى اثباتها فلنشتغل بالقطب الثالث من الكتاب إن شاء الله ~~تعالى . PageV01P182 # | القطب الثالث في أفعال الله تعالى # وجملة أفعال جائزة لا يوصف شيء منها بالوجوب وندعي في هذا القطب سبعة ~~أمور : ندعي أنه يجوز لله تعالى أن لا يكلف عباده ، وأنه يجوز أن يكلفهم ما ~~لا يطاق ، وأنه يجوز منه إيلام العباد بغير عوض وجناية ؛ وأنه لا يجب رعاية ~~الأصلح لهم ، وأنه لا يجب عليه ثواب الطاعة وعقاب المعصية ، وأن العبد لا ~~يجب عليه شيء بالعقل بل بالشرع ، وأنه لا يجب على الله بعثه الرسل ، وأنه ~~لو بعث لم يكن قبيحا ولا محالا بل أمكن اظهار صدقهم بالمعجزة ms090 ، وجملة هذه ~~الدعاوى تنبني على البحث عن معنى الواجب والحسن والقبيح ، ولقد خاض ~~الخائضون فيه وطولوا القول في أن العقل هل يحسن ويقبح وهل يوجب . وإنما كثر ~~الخبط PageV01P183 لأنهم لم يحصلوا معنى هذه الألفاظ واختلافات الاصطلاحات ~~فيها وكيف تخاطب خصمان في أن العقل واجب وهما بعد لم يفهما معنى الواجب ، ~~فهما محصلا متفقا عليه بينهما ، فلنقدم البحث عن الاصطلاحات ولا بد من ~~الوقوف على معنى ستة ألفاظ وهي : الواجب ، والحسن ، والقبيح ، والعبث ، ~~والسفه ، والحكمة ؛ فإن هذه الألفاظ مشتركة ومثار الأغاليط إجمالها ، ~~والوجه في أمثال هذه المباحث أن نطرح الألفاظ ونحصل المعاني في العقل ~~بعبارات أخرى ثم نلتفت إلى الألفاظ المبحوث عنها وننظر إلى تفاوت ~~الاصطلاحات فيها ، فنقول : أما # | الواجب # الواجب فإنه يطلق على فعل لا محالة ، ويطلق على القديم إنه واجب ، وعلى ~~الشمس إذا غربت إنها واجبة ، وليس من غرضنا . وليس يخفى أن الفعل الذي لا ~~يترجح فعله على تركه ولا يكون صدوره من صاحبه أولى من تركه لا يسمى واجبا ~~وإن ترجح وكان أولا لا يسميه أيضا بكل ترجيح بل لا بد من خصوص ترجيح . ~~ومعلوم أن الفعل قد يكون بحيث يعلم أنه يعلم أنه نستعقب تركه ضررا ، أو ~~يتوهم ، وذلك الضرر إما PageV01P184 عاجل في الدنيا وإما آجل في العاقبة ، ~~وهو إما قريب محتمل وإما عظيم لا يطاق مثله . فانقسام الفعل ووجوه ترجحه ~~لهذه الأقسام ثابت في العقل من غير لفظ فلنرجع إلى اللفظ فنقول : معلوم أن ~~ما فيه ضرر قريب محتمل لا يسمى واجبا ؛ إذ العطشان إذا لم يبادر إلى شرب ~~الماء تضرر تضررا قريبا ولا يقال إن الشرب عليه واجب . ومعلوم أن ما لا ضرر ~~فيه أصلا ولكن في فعله فائدة لا يسمى واجبا ، فإن التجارة واكتساب المال ~~والنوافل فيه فائدة ولا يسمى واجبا ، بل المخصوص باسم الواجب ما في تركه ~~ضرر ظاهر فإن كان ذلك في العاقبة أعني الآخرة ، وعرف بالشرع فنحن نسميه ~~واجبا ، وإن كان ذلك في الدنيا وعرف بالعقل فقد يسمى أيضا ذلك واجبا ms091 ، فإن ~~من لا يعتقد الشرع قد يقول واجب على الجائع الذي يموت من الجوع أن يأكل إذا ~~وجد الخبز ونعني بوجوب الأكل ترجح فعله على تركه بما يتعلق من الضرر بتركه ~~، ولسنا نحرم هذا الاصطلاح بالشرع فإن الاصطلاحات مباحة لا حجر فيها للشرع ~~ولا للعقل ، وإنما تمنع منه اللغة إذا لم يكن على وفق الموضوع المعروف فقد ~~تحصلنا على معنيين للواجب ورجع كلاهما إلى التعرض للضرر وكان أحدهما أعم لا ~~يختص بالآخرة ، والآخر PageV01P185 أخص وهو اصطلاحنا ، وقد يطلق الواجب ~~بمعنى ثالث وهو الذي يؤدي عدم وقوعه إلى أمر محال ، كما يقال : ما علم ~~وقوعه فوقوعه واجب ، ومعناه أنه إن لم يقع يؤدي إلى أن ينقلب العلم جهلا ~~وذلك محال ، فيكون معنى وجوبه أن ضده محال ، فليسم هذا المعنى الثالث # | الحسن والقبيح والعبث والسفه والحكمة # . وأما الحسن فحظ المعنى منه أن الفعل في حق الفاعل ينقسم إلى ثلاثة ~~أقسام أحدها أن توافقه أي تلائم غرضه ، والثاني أن ينافر غرضه ، والثالث أن ~~لا يكون له في فعله ولا في تركه غرض . وهذا الانقسام ثابت في العقل ؛ فالذي ~~يوافق الفاعل يسمى حسنا في حقه ولا معنى لحسنه إلا موافقته لغرضه ، والذي ~~ينافي غرضه يسمى قبيحا ولا معنى لقبحه إلا منافاته لغرضه ، والذي لا ينافي ~~ولا يوافق يسمى عبثا أي لا فائدة فيه أصلا ، وفاعل العبث يسمى عابثا وربما ~~يسمى سفيها ، وفاعل القبيح أعني الفعل الذي ينضر به يسمى سفيها واسم السفيه ~~أصدق منه على العابث ، PageV01P186 وهذا كله إذا لم يلتفت إلى غير الفاعل ~~أو لم يرتبط الفعل بغرض غير الفاعل ، فإن ارتبط بغير الفاعل وكان موافقا ~~لغرضه سمي حسنا في حق من وافقه وإن كان منافيا سمي قبيحا ، وإن كان موافقا ~~لشخص دون شخص سمي في حق أحدهما حسنا وفي حق الآخر قبيحا إذ اسم القبيح ~~والحسن بأن الموافقة والمخالفة ، وهما أمران إضافيان ، مختلفان بالأشخاص ~~ويختلف في حق شخص واحد بالأحوال ويختلف في حال واحد بالأعراض ؛ فرب فعل ~~يوافق الشخص من وجه ويخالفه ms092 من وجه فيكون حسنا من وجه قبيحا من وجه ، فمن ~~لا ديانة له يستحسن الزنا بزوجة الغير ويعد الظفر بها نعمة ويستقبح فعل ~~الذي يكشف عررته ويسميه غمازا قبيح الفعل والمتدين يسميه محتسبا حسن الفعل ~~، وكل بحسب غرضه يطلق اسم الحسن والقبح بل يقتل ملك من الملوك فيستحسن فعل ~~القاتل جميع أعدائه ويستقبحه جميع أوليائه ، بل هذا القاتل في الحسن ~~المخصوص جار ، ففي الطباع ما خلق مايلا من الألوان الحسان إلى السمرة ، ~~فصاحبه يستحسن الأسمر ويعشقه ، والذي خلق مايلا إلى البياض المشرب بالحمرة ~~يستقبحه ويستكرهه ويسفه عقل المستحسن المستهتر به ؛ فبهذا يتبين على ~~PageV01P187 القطع أن الحسن والقبيح عبارتان عن الخلق كلهم عن أمرين ~~إضافيين يختلفان بالإضافات عن صفات الذوات التي لا تختلف بالإضافة . فلا ~~جرم جاز أن يكون الشيء حسنا في حق زيد قبيحا في حق عمرو ولا يجوز أن يكون ~~الشيء أسود في حق زيد أبيض في حق عمرو لما لم تكن الألوان من الأوصاف ~~الإضافية ؛ فإذا فهمت المعنى فافهم أن الاصطلاح في لفظ الحسن أيضا ثلاثة : ~~فقائل يطلقه على كل ما يوافق الغرض عاجلا كان أو آجلا ؛ وقائل يخصص بما ~~يوافق الغرض في الآخر وهو الذي حسنه الشرع أي حث عليه ووعد بالثواب عليه ~~وهو اصطلاح أصحابنا ، والقبيح عند كل فريق ما يقابل الحسن ، فالأول أعم ~~وهذا أخص ، وبهذا الاصطلاح قد يسمي بعض من لا يتحاشى فعل الله تعالى قبيحا ~~إذ كان لا يوافق غرضهم ، ولذلك تراهم يسبون الفلك والدهر ويقولون خرف الفلك ~~وما أقبح أفعاله ويعلمون إن الفاعل خالق الفلك ؛ ولذلك قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : لا تسبوا الدهر ، فإن الله هو الدهر ؛ وفيه اصطلاح ثالث ~~إذ قد يقال فعل الله تعالى حسن كيف كان مع إنه لا غرض في حقه ؛ ويكون معناه ~~أنه لا تبعة عليه فيه ولا لائمة وأنه فاعل في ملكه الذي لا يساهم فيه ما ~~يشاء . PageV01P188 وأما الحكمة فتطلق على معنيين : أحدهما الاحاطة المجردة ~~بنظم الأمور ومعانيها الدقيقة والجليلة والحكم عليها ms093 بأنها كيف ينبغي أن ~~تكون حتى تتم منها الغاية المطلوبة بها ، والثاني أن تنضاف إليه القدرة على ~~إيجاد الترتيب والنظام واتقانه وإحكامه فيقال حكيم من الحكمة ، وهو نوع من ~~العلم ، ويقال حكيم من الأحكام وهو نوع من الفعل ، فقد اتضح لك معنى هذه ~~الألفاظ في الأصل ولكن ههنا ثلاث غلطات للوهم يستفاد من الوقوف عليها ~~الخلاص من إشكالات تغتر بها طوائف كثيرة : # | اشكالات حول معاني الحسن والقبيح # الأول : أن الإنسان قد يطلق اسم القبيح على ما يخالف غرضه وإن كان يوافق ~~غرض غيره ، ولكنه لا يلتفت إلى الغير ، فكل طبع مشغوف بنفسه ومستحقر ما ~~عداه ولذلك يحكم على الفعل مطلقا بأنه قبيح وقد يقول أنه قبيح في عينه ، ~~وسببه أنه قبيح في حقه بمعنى أنه مخالف لغرضه ، ولكن أغراضه كأنه كل العالم ~~في حقه فيتوهم أن المخالف لحقه مخالف في نفسه ، فيضيف القبح إلى ذات الشيء ~~ويحكم بالاطلاق ؛ فهو PageV01P189 مصيب في أصل الاسقباح ولكنه مخطيء في ~~حكمه بالقبح على الاطلاق ؛ وفي إضافة القبح إلى ذات الشيء ومنشؤه غفلته عن ~~الالتفات إلى غيره ، بل عن الالتفات إلى بعض أحوال نفسه ، فإنه قد يستحسن ~~في بعض أحواله غير ما يستقبحه مهما انقلب موافقا لغرضه . الغلطة الثانية ~~فيه : أن ما هو مخالف للأغراض في جميع الأحوال إلا في حالة نادرة ، فقد ~~يحكم الإنسان عليه مطلقا بأنه قبيح لذهوله عن الحالة النادرة ورسوخ غالب ~~الأحوال في نفسه واستيلائه على ذكره ، فيقضي مثلا على الكذب بأنه قبيح ~~مطلقا في كل حال وأن قبحه لأنه كذب لذاته فقط لا لمعنى زائد ، وسبب ذلك ~~غفلته عن ارتباط مصالح كثيرة بالكذب في بعض الأحوال ، ولكن لو وقعت تلك ~~الحالة ربما نفر طبعه عن استحسان الكذب لكثرة إلفه باستقباحه ، وذلك لأن ~~الطبع ينفر عنه من أول الصبا بطريق التأديب والاستصلاح ، ويلقي إليه أن ~~الكذب قبيح في نفسه وأنه لا ينبغي أن يكذب قط ، فهو قبيح ولكن بشرط يلازمه ~~في أكثر الأوقات وإنما يقع نادرا ، فلذلك لا ينبه على ذلك ms094 الشرط ويغرس في ~~طبعه قبحه والتنفير عنه مطلقا . PageV01P190 الغلطة الثالثة : سبق الوهم ~~إلى العكس ، فإن ما رئي مقرونا بالشيء يظن أن الشيء أيضا لا محالة يكون ~~مقرونا به مطلقا ولا يدري أن الأخص أبدا يكون مقرونا بالأعم ، وأما الأعم ~~فلا يلزم أن يكون مقرونا بالأخص . ومثاله ما يقال من أن السليم ، أعني الذي ~~نهشته الحية ، يخاف من الحبل المبرقش اللون ، وهو كما قيل ، وسببه أنه أدرك ~~المؤذي وهو متصور بصورة حبل مبرقش ، فإذا أدرك الحبل سبق الوهم إلى العكس ~~وحكم بأنه مؤذ فينفر الطبع تابعا للوهم والخيال وإن كان العقل مكذبا به ، ~~بل الانسان قد ينفر عن أكل الخبيض الأصفر لشبهه بالعذرة ، فيكاد يتقيأ عند ~~قول القائل إنه عذرة ، يتعذر عليه تناوله مع كون العقل مكذبا به ، وذلك ~~لسبق الوهم إلى العكس فإنه أدرك المستقذر رطبا أضفر فإذا رأى الرطب الأصفر ~~حكم بأنه مستقذر ، بل في الطبع ما هو أعظم من هذا فإن الأسامي التي تطلق ~~عليها الهنود والزنوج لما كان يقترن قبح المسمى به يؤثر في الطبع ويبلغ إلى ~~حد لو سمى به أجمل الأتراك والروم لنفر الطبع عنه ، لأنه أدرك الوهم القبيح ~~مقرونا بهذا الاسم فيحكم بالعكس ، فإذا أدرك الأسم حكم بالقبح على المسمى ~~ونفر الطبع . وهذا مع وضوحه للعقل فلا ينبغي أن يغفل عنه لأن إقدام الخلق ~~PageV01P191 وإحجامهم في أقوالهم وعقائدهم وأفعالهم تابع لمثل هذه الأوهام ~~. وأما اتباع العقل الصرف فلا يقوى عليه إلا أولياء الله تعالى الذين أراهم ~~الله الحق حقا وقواهم على اتباعه ، وإن أردت أن تجرب هذا في الاعتقادات ~~فأورد على فهم العامي المعتزلي مسألة معقولة جلية فيسارع إلى قبولها ، فلو ~~قلت له إنه مذهب الأشعري رضي الله عنه لنفر وامتنع عن القبول وانقلب مكذبا ~~بعين ما صدق به مهما كان سيء الظن بالأشعري ، إذ كان قبح ذلك في نفسه منذ ~~الصبا . وكذلك تقرر أمرا معقولا عند العامي الأشعري ثم تقول له إن هذا قول ~~المعتزلي فينفر عن قبوله بعد التصديق ويعود لي التكذيب ms095 . ولست أقول هذا طبع ~~العوام بل طبع أكثر من رأيته من المتوسمين باسم العلم ؛ فإنهم لم يفارقوا ~~العوام في أصل التقليد بل أضافوا إلى تقليد المذهب تقليد الدليل فهم في ~~نظرهم لا يطلبون الحق بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما اعتقدوه حقا ~~بالسماع والتقليد ، فإن صادفوا في نظرهم ما يؤكد عقائدهم قالوا قد ظفرنا ~~بالدليل ، وإن ظهر لهم ما يضعف مذهبهم قالوا قد عرضت لنا شبهة ، فيضعون ~~الإعتقاد المتلقف بالتقليد أصلا وينبزون بالشبهة كل ما يخالفه ، وبالدليل ~~كلى ما يوافقه ، وإنما الحق ضده ؛ وهو أن لا يعتقد شيئا أصلا وينظر إلى ~~PageV01P192 الدليل ويسمي مقتضاه حقا ونقيضه باطلا وكل ذلك منشؤه الاستحسان ~~والاستقباح بتقديم الإلفه والتخلق بأخلاق منذ الصبا . فإذا وقفت على هذه ~~المثارات سهل عليك دفع الاشكالات . فإن قيل : فقد رجع كلامكم إلى أن الحسن ~~والقبيح يرجعان إلى الموافقة والمخالفة للأغراض ، ونحن نرى العاقل يستحسن ~~ما لا فائدة له فيه ويستقبح ما له فيه فائدة . أما الاستحسان فمن رأى ~~إنسانا أو حيوانا مشرفا على الهلاك استحسن إنقاذه ولو بشربة ماء معأنه ربما ~~لا يعتقد الشرع ولا يتوقع منه غرضا في الدنيا ولا هو بمرآى من الناس حتى ~~ينتظر عليه ثناء بل يمكن أن يقدر انتفاء كل غرض ومع ذلك يرجح جهة الانقاذ ~~على جهة الاهمال بتحسين هذا وتقبيح ذلك . وأما الذي يستقبح مع الأغراض ، ~~كالذي يحمل على كلمة الكفر بالسيف والشرع قد رخص له في اطلاقها ، فإنه قد ~~يستحسن منه الصبر على السيف وترك النطق به . أو الذي لا يعتقد الشرع وحمل ~~بالسيف على نقض عهد ، ولا ضرر عليه في نقضه وفي الوفاء به هلاكه ، فإنه ~~يستحسن الوفاء بالعهد والامتناع من النقض . فبان أن الحسن والقبح معنى سوى ~~ما ذكرتموه . والجواب أن في الوقوف على الغلطات المذكورة ما يشفي هذا ~~الغليل . أما ترجيح الانقاذ على الاهمال في PageV01P193 حق من لا يعتقد ~~الشرع فهو دفع للأذى الذي يلحق الانسان في رقة الجنسية ، وهو طبع يستحيل ~~الانفكاك عنه . ولأن الانسان يقدر ms096 نفسه في تلك البلية ويقدر غيره قادرا على ~~انقاذه مع الإعراض عنه ، ويجد من نفسه استقباح ذلك فيعود عليه ويقدر ذلك من ~~المشرف على الهلاك في حق نفسه فينفره طبعه عما يعتقده من أن المشرف على ~~الهلاك في حقه ، فيندفع ذلك عن نفسه بالانقاذ ، فإن فرض ذلك في بهيمة لا ~~يتوهم استقباحها أو فرض في شخص لا رقة فيه ولا رحمة فهذا مجال تصوره ، إذ ~~الانسان لا ينفك عنه فإن فرض على الاستحالة فيبقى أمر آخر وهو الثناء بحسن ~~الخلق والشفقة على الخلق ، فإن فرض حيث لا يعلمه أحد فهو ممكن أن يعلمه ، ~~فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم فيبقى أيضا ترجيح في نفسه وميل يضاهي نفرة ~~طبع السليم عن الخبل ، وذلك أنه رأى الثناء مقرونا بمثل هذا الفعل على ~~الاطراد ، وهو يميل إلى الثناء فيميل إلى المقرون به . وإن علم بعقله عدم ~~الثناء . كما إنه لما رأى الأذى مقرونا بصورة الخبل . وطبعه ينفر عن الأذى ~~فينفر عن المقرون به ، وإن علم بعقله عدم الأذى بل الطبع إذا PageV01P194 ~~رأى من يعشقه في موضع وطال معه أنسه فيه فإنه يحس من نفسه تفرقة بين ذلك ~~الموضع وحيطانه وبين سائر المواضع ولذلك قال الشاعر : تصوره ، إذ الانسان ~~لا ينفك عنه فإن فرض على الاستحالة فيبقى أمر آخر وهو الثناء بحسن الخلق ~~والشفقة على الخلق ، فإن فرض حيث لا يعلمه أحد فهو ممكن أن يعلمه ، فإن فرض ~~في موضع يستحيل أن يعلم فيبقى أيضا ترجيح في نفسه وميل يضاهي نفرة طبع ~~السليم عن الخبل ، وذلك أنه رأى الثناء مقرونا بمثل هذا الفعل على الاطراد ~~، وهو يميل إلى الثناء فيميل إلى المقرون به . وإن علم بعقله عدم الثناء . ~~كما إنه لما رأى الأذى مقرونا بصورة الخبل . وطبعه ينفر عن الأذى فينفر عن ~~المقرون به ، وإن علم بعقله عدم الأذى بل الطبع إذا رأى من يعشقه في موضع ~~وطال معه أنسه فيه فإنه يحس من نفسه تفرقة بين ذلك الموضع وحيطانه وبين ~~سائر المواضع ms097 ولذلك قال الشاعر : # أمر على جدار ديار ليلى . . . أقبل ذا الجدار وذا الجدارا # وما تلك الديار شغفن قلبي . . . ولكن حب من سكن الديارا # وقال ابن الرومي منبها على سبب حب الناس الأوطان ونعم ما قال : # وحبب أوطان الرجال إليهم . . . مآرب قضاها الشباب هنالكا # إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم . . . عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا # وإذا تتبع الانسان الأخلاق والعادات رأى شواهد هذا خارجة عن الحصر ، فهذا ~~هو السبب الذي هو غلط المغترين بظاهر الأمور ، الذاهلين عن أسرار أخلاق ~~النفوس ، الجاهلين بأن هذا الميل وأمثاله يرجع إلى طاعة النفس بحكم الفطرة ~~والطبع بمجرد الوهم . والخيال الذي هو غلط يحكم العقل ولكن خلقت قوى ~~PageV01P195 النفس مطيعة للأوهام والتخيلات بحكم اجراء العادات ، حتى إذا ~~تخيل الإنسان طعاما طيبا بالتذكر أو بالرؤية سال في الحال لعابه وتحلبت ~~أشداقه ، وذلك بطاعة القوة التي سخرها الله تعالى لإفاضة اللعاب المعين على ~~المضغ للتخيل والوهم ، فإن شأنها أن تنبعث بحسب التخيل وإن كان الشخص عالما ~~بأنه ليس يريد الإقدام على الأكل بصوم أو بسبب آخر وكذلك يتخيل الصورة ~~الجميلة التي يشتهي مجامعتها ، فكما ثبت ذلك في الخيال انبعثت القوة ~~الناشرة لآلة الفعل وساقت الرياح إلى تجاويف الأعصاب وملأتها ، وثارت القوة ~~المأمورة بصب المذي الرطب المعين على الوقاع ، وذلك كله مع التحقيق بحكم ~~العقل للامتناع عن الفعل في ذلك الوقت . ولكن الله تعالى خلق هذه القوى ~~بحكم طرد العادة مطيعة مسخرة تحت حكم الخيال ، والوهم ساعد العقل الوهم أو ~~لم يساعده ، فهذا وأمثاله منشأ الغلط في سبب ترجيح أحد جانبي الفعل على ~~الآخر . وكل ذلك راجع إلى الأغراض ، فأما النطق بكلمة الكفر وإن كان كذلك ~~فلا يستقبحه العاقل تحت السيف البتة بل ربما يستقبح الاصرار ، فإن استحسن ~~الاصرار فله سببان : أحدهما ، اعتقاده أن الثواب على الصبر والاستسلام أكثر ~~، والآخر ، ما ينتظر PageV01P196 من الثناء عليه بصلابته في الدين ، فكم من ~~شجاع يمتطي متن الخطر ويتهجم على عدد يعلم أنه لا يطيقهم ويستحقر ما يناله ~~بما يعتاضه عنه من لذة الثناء والحمد ms098 بعد موته وكذلك الامتناع عن نقض العهد ~~بسببه ثناء الخلق على من يفي بالعهد ، وتواصيهم به على مر الأوقات لما فيها ~~من مصالح الناس . فإن قدر حيث لا ينتظر ثناء فسببه حكم الوهم من حيث أنه لم ~~يزل مقرونا بالثناء الذي هو لذيذ ، والمقرون باللذيذ لذيذ ، كما أن المقرون ~~بالمكروه مكروه كما سبق في الأمثلة ، فهذا ما يحتمله هذا المختصر من بث ~~أسرار هذا الفصل ، وإنما يعرف قدره من طال في المعقولات نظره ، وقد استفدنا ~~بهذه المقدمة إيجاز الكلام في الدعاوى فلنرجع إليها . # # | الدعوى الأولى التكليف غير واجب على الله # : ندعي أنه يجوز لله تعالى أن لا يخلق الخلق ، وإذا خلق فلم يكن ذلك ~~واجبا عليه ، وإذا خلقهم فله أن لا يكلفهم ، وإذا كلفهم فلم يكن ذلك واجبا ~~عليه . وقالت طائفة من المعتزلة يجب عليه الخلق والتكليف واجب ، غير مفهوم ~~؛ فإنا بينا أن المفهوم PageV01P197 عندنا من لفظ الواجب ما ينال تاركه ضرر ~~، إما عاجلا وإما آجلا ، أو ما يكون نقيضه محال ، والضرر محال في حق الله ~~تعالى . وليس في ترك التكليف وترك الخلق لزوم محال ، إلا أن يقال كان يؤدي ~~ذلك إلى خلاف ما سبق به العلم في الأزل وما سبقت به المشيئة في الأزل ، ~~فهذا حق وهو بهذا التأويل واجب ، فإن الإرادة إذا فرضت موجودة ، أو العلم ~~إذا فرض متعلقا بالشيء ، كان حصول المراد والمعلوم واجبا لا محالة . فإن ~~قيل : إنما يجب عليه ذلك لفائدة الخلق لا لفائدة ترجع إلى الخالق سبحانه ~~وتعالى ، قلنا : الكلام في قولكم لفائدة الخلق للتعليل ، والحكم المعلل هو ~~الوجوب ، ونحن نطالبكم بتفهيم الحكم فلا يعنيكم ذكر العلة ؛ فما معنى قولكم ~~إنه يجب لفائدة الخلق وما معنى الوجوب ونحن لا نفهم من الوجوب إلا المعاني ~~الثلاثة ، وهي منعدمة ، فإن أردتم معنى رابعا ففسروه أولا ثم اذكروا علته ، ~~فإنا ربما لا ننكر أن للخلق في الخلق فائدة ، وكذا في التكليف ، ولكن ما ~~فيه فائدة غيره لم يجب عليه إذا لم يكن له فائدة في فائدة غيره ms099 . وهذا لا ~~مخرج عنه أبدا ، على أنا نقول إنما يستقيم هذا الكلام في الخلق لا في ~~التكليف ، ولا يستقيم في هذا الخلق PageV01P198 الموجود بل في أن يخلقهم في ~~الجنة متنعمين ، من غير هم وضرر وغم وألم ، وأما هذا الخلق الموجود ~~فالعقلاء كلهم قد تمنوا العدم ، وقال بعضهم : ليتني كنت نسيا منسيا ، وقال ~~آخر ليتني لم أك شيئا ، وقال آخر ليتني كنت تبنة رفعها من الأرض ، قال آخر ~~يشير إلى طائر ليتني كنت ذلك الطائر . وهذا قول الأنبياء والأولياء وهم ~~العقلاء ، فبعضهم يتمنى عدم الخلق وبعضهم يتمنى عدم التكليف بأن يكون جمادا ~~أو طائرا ، فليت شعري كيف يستجيز العاقل في أن يقول : للخلق في التكليف ~~فائدة وإنما معنى الفائدة نفي الكلفة ، والتكليف في عينه إلزام كلفة وهو ~~ألم ، وإن نظر إلى الثواب فهو الفائدة ، وكان قادرا على إيصاله إليهم بغير ~~تكليف ، فإن قيل : الثواب إذا كان باستحقاق كان ألذ وأوقع من أن يكون ~~بالامتنان والابتداء ، والجواب : أن الاستعاذة بالله تعالى من عقل ينتهي ~~إلى التكبر على الله عز وجل والترفع من احتمال منته وتقدير اللذة في الخروج ~~من نعمته أولى من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ؛ وليت شعري كيف يعد ~~من العقلاء من يخطر بباله مثل هذه الوساوس ، ومن يستثقل المقام أبد الآباد ~~في الجنة من غير تقدم تعب وتكليف أخس من أن يناظر أو يخاطب . هذا لو سلم أن ~~الثواب بعد التكليف يكون مستحقا ، وسنبين نقيضه . ثم ليت شعري الطاعة التي ~~بها يستحق PageV01P199 الثواب من أين وجدها العبد ؟ وهل لها سبب سوى وجوده ~~وقدرته وإرادته وصحة أعضائه وحضور أسبابه ؟ وهل لكل ذلك مصدر إلا فضل الله ~~ونعمته ؛ فنعوذ بالله من الانخلاع عن غريزة العقل بالكلية ، فإن هذا الكلام ~~من هذا النمط ، فينبغي أن يسترزق الله تعالى عقلا لصاحبه ولا يشتغل ~~بمناظرته . # الدعوى الثانية : إن لله تعالى أن يكلف العباد ما يطيقونه وما لا يطيقونه ~~، وذهب المعتزلة إلى انكار ذلك ، ومعتقد أهل السنة أن التكليف له حقيقة في ~~نفسه وهو أنه ms100 كلام وله مصدر وهو المكلف ، ولا شرط فيه إلا كونه متكلما ، ~~وله مورد وهو المكلف وشرطه أن يكون فاهما للكلام فلا يسمى الكلام مع الجماد ~~والمجنون خطابا ولا تكليفا ، والتكليف نوع خطاب وله متعلق وهو المكلف به ~~وشرطه أن يكون مفهوما فقط ، وأما كونه ممكنا فليس بشرط لتحقيق الكلام فإن ~~التكليف كلام ، فإذا صدر ممن يفهم مع من يفهم فيما يفهم وكان المخاطب دون ~~المخاطب سمي تكليفا ، وإن كان مثله سمي التماسا ، وإن كان فوقه سمي دعاء ~~وسؤالا ، فالاقتضاء في ذاته واحد وهذه الأسامي تختلف عليه باختلاف النسبة ، ~~وبرهان جواز ذلك أن استحالته لا تخلو إما أن تكون لامتناع تصور ذاته ، ~~كاجتماع السواد PageV01P200 والبياض ، و كان لأجل الاستقباح ، وباطل أن ~~يكون امتناعه لذاته ، فإن السواد والبياض لا يمكن أن يفرض مجتمعا ، وفرض ~~هذا ممكن إذ التكليف لا يخلو إما أن يكون لفظا وهو مذهب الخصم وليس بمستحيل ~~أن يقول الرجل لعبده الزمن قم ، فهو على مذهبهم أظهر وأما نحن فإنا نعتقد ~~أنه اقتضاء يقوم بالنفس . وكما يتصور أن يقوم اقتضاء القيام بالنفس من قادر ~~فيتصور ذلك من عاجز بل ربما يقوم ذلك بنفسه من قادر ثم يبقى ذلك الاقتضاء ~~ونظر الزمانة والسيد لا يدري . ويكون الاقتضاء قائما بذاته وهو اقتضاء قائم ~~من عاجز في علم الله تعالى ، وإن لم يكن معلوما عند المقتضي فإن علمه لا ~~يحيل بقاء الاقتضاء مع العلم بالعجز عن الوفاء وباطل أن يقال بطلان ذلك من ~~جهة الاستحسان ، فإن كلامنا في حق الله تعالى ، وذلك باطل في حقه لتنزهه عن ~~الأغراض ورجوع ذلك إلى الأغراض . أما الانسان العاقل المضبوط بغالب الأمر ~~فقد يستقبح ذلك وليس ما يستقبح من العبد يستقبح من الله تعالى . فإن قيل : ~~فهو مما لا فائدة فيه وما لا فائدة فيه فهو عبث والعبث على الله تعالى محال ~~. قلنا : هذه ثلاث دعاوى : الأولى : إنه لا فائدة فيه ، ولا نسلم ، فلعل ~~فيه فائدة لعباد اطلع الله عليها . وليست PageV01P201 الفائدة هي الامتثال ~~والثواب عليه بل ms101 ربما يكون في إظهار الأمر وما يتبعه من اعتقاد التكليف ~~فائدة ، فقد ينسخ الأمر قبل الامتثال كما أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ~~ولده ثم نسخه قبل الامتثال ، وأمر أبا جهل بالايمان وأخبر أنه لا يؤمن ~~وخلاف خبره محال . # الدعوى الثانية : إن ما لا فائدة فيه فهو عبث ، فهذا تكرير عبارة ؛ فإنا ~~بينا أنه لا يراد بالعبث إلا ما لا فائدة فيه فإن أريد به غيره فهو غير ~~مفهوم . # | الدعوى الثاثنة العبث محال على الله # : إن العبث على الله تعالى محال ، وهذا فيه تلبيس ، لأن لأن العبث عبارة ~~عن فعل لا فائدة فيه ممن يتعرض للفوائد ، فمن لا يتعرض لها فتسميته عابثا ~~مجاز محض لا حقيقة له يضاهي قول القائل الريح عابثة بتحيكها الأشجار إذ لا ~~فائدة لها فيه ، ويضاهي قول القائل الجدار غافل أي هو خال عن العلم والجهل ~~وهذا باطل لأن الغافل يطلق على القابل للجهل والعلم إذا خلا عنهما ، ~~فاطلاقهما على الذي لا يقبل العلم مجاز لا أصل له ، وكذلك اطلاق اسم العابث ~~على الله تعالى واطلاق العبث على أفعاله سبحانه PageV01P202 وتعالى ، ~~والدليل الثاني في المسألة ، ولا محيص لأحد عنه ، أن الله تعالى كلف أبا ~~جهل أن يؤمن وعلم أنه لا يؤمن ، وأخبر عنه بأنه لا يؤمن ، فكأنه أمر بأن ~~يؤمن بأنه لا يؤمن ، إذ كان من قول الرسول صلى الله عليه وسلم إنه لا يؤمن ~~وكان هو مأمورا بتصديقه ، فقد قيل له صدق بأنك لا تصدق ، وهذا محال . ~~وتحقيقه أن خلاف المعلوم محال وقوعه ولكن ليس محالا لذاته ، بل هو محال ~~لغيره ، والمحال لغيره في امتناع الوقوع كالمحال لذاته ، ومن قال إن الكفار ~~الذين لم يؤمنوا ما كانوا مأمورين بالايمان فقد جحد الشرع ، ومن قال كان ~~الايمان منهم متصورا مع علم الله سبحانه وتعالى بأنه لا يقع ، فقد اضطر كل ~~فريق إلى القول بتصور الأمر بما لا يتصور امتثاله ، ولا يغني عن هذا قول ~~القائل إنه كان مقدورا عليه وكان للكافر عليه قدرة ، أما على مثلنا فلا ms102 ~~قدرة قبل الفعل ولم تكن لهم قدرة إلا على الكفر الذي صدر منهم ، وأما عند ~~المعتزلة فلا يمتنع وجود القدرة ولكن القدرة غير كافية لوقوع المقدور بل له ~~شرط كالارادة وغيرها ، ومن شروطه أن لا ينقلب علم الله تعالى جهلا . ~~والقدرة لا تراد لعينها بل لتيسيير الفعل بها ، فكيف يتيسر فعل يؤدي إلى ~~انقلاب العلم جهلا ؟ فاستبان أن هذا واقع في ثبوت التكليف بما هو محال ~~لغيره ، فكذا يقاس عليه PageV01P203 ما هو محال لذاته إذ لا فرق بينهما في ~~إمكان التلفظ ولا في تصور الاقتضاء ولا في الاستقباح والاستحسان . # # | الدعوى الثالثة إيلام الحيوان # : # ندعي أن الله تعالى قادر على إيلام الحيوان البريء عن الجنايات ولا يلزم ~~عليه ثواب . وقالت المعتزلة إن ذلك محال لأنه قبيح ، ولذلك لزمهم المصير ~~إلى أن كل بقة وبرغوث أو ذي بعرة أو صدمة فإن الله عز وجل يجب عليه أن ~~يحشره ويثيبه عليه بثواب ، وذهب ذاهبون إلى أن أرواحها تعود بالتناسخ إلى ~~أبدان أخر وينالها من اللذة ما يقابل تعبها ؛ وهذا مذهب لا يخفى فساده ، ~~ولكنا نقول : أما إيلام البريء عن الجناية من الحيوان والأطفال والمجانين ~~فمقدور بما هو مشاهد محسوس ، فيبقى قول الخصم إن ذلك يوجب عليه الحشر ~~والثواب بعد ذلك فيعود إلى معنى الواجب ، وقد بان استحالته في حق الله ~~تعالى ، وإن فسروه بمعنى رابع فهو غير مفهوم ، وإن زعموا أن تركه يناقض ~~كونه حكيما فنقول : إن الحكمة إن اريد بها العلم بنظام الأمور والقدرة على ~~ترتيبها كما سبق فليس في هذا ما يناقضه ، وإن أريد بها أمرا آخر فليس يجب ~~له عندنا من الحكم إلا ما ذكرناه ، وما وراء ذلك لفظ لا معنى له . ~~PageV01P204 # فإن قيل فيؤدي إلى أن يكون ظالما وقد قال : ' وما ربك بظلام للعبيد ' ~~قلنا : الظلم منفي عنه بطريق السلب المحض كما تسلب الغفلة عن الجدار والعبث ~~عن الريح ، فإن الظلم إنما يتصور ممن يمكن أن يصادف فعله ملك غيره ، ولا ~~يتصور ذلك في حق الله تعالى أو يمكن ms103 أن يكون عليه أمر فيخالف فعله أمر غيره ~~، ولا يتصور من الانسان أن يكون ظالما لما في ملك نفسه بكل ما يفعله إلا ~~إذا خالف أمر الشرع فيكون ظالما بهذا المعنى ، فمن لا يتصور منه أن يتصرف ~~في ملك غيره ولا يتصور منه أن يكون تحت أمر غيره كان الظلم مسلوبا عنه لفقد ~~شرطه المصحح له لا لفقده في نفسه ، فلتفهم هذه الدقيقة فإنها مزلة القدم ، ~~فإن فسر الظلم بمعنى سوى ذلك فهو غير مفهوم ولا يتكلم فيه بنفي ولا إثبات . # # | الدعوى الرابعة رعاية الأصلح # : ندعي أنه لا يجب عليه رعاية PageV01P205 الأصلح لعباده ، بل له أن يفعل ~~ما يشاء ويحكم بما يريد ، خلافا للمعتزلة فإنهم حجروا على الله تعالى في ~~أفعاله وأوجبوا عليه رعاية الأصلح . ويدل على بطلان ذلك ما دل على نفي ~~الوجوب على الله تعالى كما سبق وتدل عليه المشاهدة والوجود ، فإنا نريهم من ~~أفعال الله تعالى ما يلزمهم الاعتراف به بأنه لا صلاح للعبيد فيه ، فإنا ~~نفرض ثلاثة أطفال مات أحدهم وهو مسلم في الصبا ، وبلغ الآخر وأسلم ومات ~~مسلما بالغا ، وبلغ الثالث كافرا ومات على الكفر ، فإن العدل عندهم أن يخلد ~~الكافر البالغ في النار ، وأن يكون للبالغ المسلم في الجنة رتبة فوق رتبة ~~الصبي المسلم ، فإذا قال الصبي المسلم : يا رب لم حططت رتبتي عن رتبته ؟ ~~فيقول : لأنه بلغ فأطاعني وأنت لم تطعني بالعبادات بعد البلوغ ، فيقول : يا ~~رب لأنك أمتني قبل البلوغ فكان صلاحي في أن تمدني بالحياة حتى أبلغ فأطيع ~~فأنال رتبته فلم حرمتني هذه الرتبة أبد الآبدين وكنت قادرا على أن توصلني ~~لها ؟ فلا يكون له جواب إلا أن يقول : علمت أنك لو بلغت لعصيت وما أطعت ~~وتعرضت لعقابي وسخطي فرأيت هذه الرتبة النازلة أولى بك وأصلح لك من العقوبة ~~، فينادي الكافر البالغ من الهاوية ويقول : يا رب أو ما علمت أني إذا بلغت ~~كفرت فلو أمتني في الصبا وأنزلتني في تلك المنزلة النازلة لكان أحب إلي من ~~تخليد النار وأصلح لي ms104 ، فلم أحييتني وكان الموت خيرا لي ؟ PageV01P206 فلا ~~يبقى له جواب البتة ، ومعلوم أن هذه الأقسام الثلاثة موجودة ، وبه يظهر على ~~القطع أن الأصلح للعباد كلهم ليس بواجب ولا هو موجود . # # | الدعوى الخامسة : الثواب والعقاب # ندعي أن الله تعالى إذا كلف العباد فأطاعوه لم يجب عليه الثواب ، بل إن ~~شاء أثابهم وإن شاء عاقبهم وإن شاء أعدمهم ولم يحشرهم ، ولا يبالي لو غفر ~~لجميع الكافرين وعاقب جميع المؤمنين ، ولا يستحيل ذلك في نفسه ولا يناقض ~~صفة من صفات الإلهية ، وهذا لأن التكليف تصرف في عبيده ومماليكه ، أما ~~الثواب ففعل آخر على سبيل الابتداء ، وكونه واجبا بالمعاني الثلاثة غير ~~مفهوم ولا معنى للحسن والقبيح ، وإن أريد له معنى آخر فليس بمفهوم إلا أن ~~يقال إنه يصير وعده كذبا وهو محال ، ونحن نعتقد الوجوب بهذا المعنى ولا ~~ننكره . فإن قيل : التكليف مع القدرة على الثواب وترك الثواب قبيح ، قلنا : ~~إن عنيتم بالقبح أنه مخالف غرض المكلف فقد تعالى المكلف وتقدس عن الأغراض ، ~~وإن عنيتم به أنه مخالف غرض المكلف مسلم لكن ما هو قبيح عند المكلف لم ~~يمتنع عليه فعله إذا كان القبيح والحسن PageV01P207 عنده وفي حقه بمثابة ~~واحدة . على أنا لو نزلنا على فاسد معتقدهم فلا نسلم أن من يستخدم عبده يجب ~~عليه في العادة ثواب ، لأن الثواب يكون عوضا عن العمل فتبطل فائدة الرق وحق ~~على العبد أن يخدم مولاه لأنه عبده ، فإن كان لأجل عوض فليس ذلك خدمة ، ومن ~~العجائب قولهم : إنه يجب الشكر على العباد لأنهم عباد ، قضاء لحق نعمته ، ~~ثم يجب عليه الثواب على الشكر وهذا محال ؛ لأن المستحق إذا وفى لم يلزمه ~~فيه عوض ، ولو جاز ذلك للزم على الثواب شكر مجدد وعلى هذا الشكر ثواب مجدد ~~ويتسلسل إلى غير نهاية ، ولم يزل العبد والرب كل واحد منهما أبدا مقيدا بحق ~~الآخر ، وهو محال . وأفحش من هذا قولهم : إن كل من كفر فيجب على الله تعالى ~~أن يعاقبه أبدا ويخلده في النار ، بل كل من قارف كبيرة ms105 ومات قبل التوبة ~~يخلد في النار ، وهذا جهل بالكرم والمروءة والعقل والعادة والشرع وجميع ~~الأمور ، فإنا نقول : العبادة قاضية والعقول مشيرة إلى أن التجاوز والصفح ~~أحسن من العقوبة ، والانتقام وثناء الناس على العافي أكثر من ثنائهم ~~للمنتقم ، واستحسانهم للعفو أشد ، فكيف يستقبح العفو والإنعام ويستحسن طول ~~الانتقام ! ثم هذا في حق من أذته الجناية وغضت من قدره المعصية ، والله ~~تعالى يستوي في حقه الكفر والايمان والطاعات والعصيان PageV01P208 فهما في ~~حق إلاهيته وجلاله سيان ، ثم كيف يستحسن أن سلك طريق المجازاة واستحسن ذلك ~~تأييد العقاب خالدا مخلدا في مقابلته العصيان بكلمة واحدة في لحظة . ومن ~~انتهى عقله في الاستحسان إلى هذا الحد كانت دار المرضى أليق به من مجامع ~~العلماء . على أنا نقول : لو سلك سالك ضد هذا الطريق بعينه كان أقوم قيلا ~~وأجرى على قانون الاستحسان والاستقباح الذي تقضي به الأوهام والخيالات كما ~~سبق ، وهو أن نقول : الانسان يقبح منه أن يعاقب على جناية سبقت وجناية ~~تداركها إلا لوجهين : أحدهما ، أن يكون في العقوبة زجر ورعاية مصلحة في ~~المستقبل فيحسن ذلك خيفة من فوات غرض في المستقبل ، فإن لم يكن فيه مصلحة ~~في المستقبل أصلا فالعقوبة بمجرد المجازاة على ما سبق قبيح لأنه لا فائدة ~~فيه للمعاقب ولا لأحد سواه ، والجاني متأذ به ودفع الأذى عنه أحسن ، وإنما ~~يحسن الأذى لفائدة ولا فائدة ، وما مضى فلا تدارك له فهو في غاية القبح . # والوجه الثاني ، أن نقول : إنه إذا تأذى المجني عليه واشتد غيظه فذلك ~~الغيظ مؤلم وشفاء الغيظ مريح من الألم ، والألم بالجاني أليق ، ومهما عاقب ~~الجاني زال منه ألم الغيظ واختص بالجاني فهو أولى ، فهذا أيضا له وجه ما ~~وإن كان دليلا على نقصان العقل وغلبة الغضب عليه . فأما إيجاب العقاب حيث ~~لا يتعلق بمصلحة في PageV01P209 المستقبل لأحد في عالم الله تعالى ولا فيه ~~دفع أذى عن المجني عليه ففي غاية القبح ، فهذا أقوم من قول من يقول إن ترك ~~العقاب في غاية القبح ، والكل باطل واتباع الموجب الأوهام ms106 التي وقعت بتوهم ~~الأغراض ، والله تعالى متقدس عنها ولكنا أردنا معارضة الفاسد ليتبين به ~~بطلان خيالهم . # # | الدعوى السادسة : معرفة الله # ندعي أنه لو لم يرد الشرع لما كان يجب على العباد معرفة الله تعالى وشكر ~~نعمته ، خلافا للمعتزلة ، حيث قالوا إن العقل بمجرده موجب ، وبرهانه أن ~~نقول : العقل يوجب النظر وطلب المعرفة لفائدة مرتبة عليه أو مع الاعتراف ~~بأن وجوده وعدمه في حق الفوائد عاجلا وآجلا بمثابة واحدة ، فإن قلتم : ~~يقتضي بالوجوب مع الاعتراف بأنه لا فائدة فيه قطعا عاجلا وآجلا فهذا حكم ~~الجهل لا حكم العقل ، فإن العقل لا يأمل بالعبث ، وكلما هو خال عن الفوائد ~~كلها فهو عبث ، وإن كان لفائدة فلا يخلو إما أن ترجع إلى المعبود تعالى ~~وتقدس عن الفوائد ، وإن رجعت إلى العبد فلا يخلو أن يكون في الحال أو في ~~المآل ، أما في الحال فهو PageV01P210 تعب لا فائدة فيه وأما في المآل ~~فالمتوقع الثواب . ومن أين علمتم أنه يثاب على فعله بل ربما يعاقب على فعله ~~، فالحكم عليه بالثواب حماقة لا أصل لها . . فإن قيل : يخطر بباله أن له ~~ربا إن شكره أثابه وأنعم عليه وإن كفر أنعمه عاقبه عليه ، ولا يخطر بباله ~~البتة جواز العقوبة على الشكر والاحتزاز عن الضرر الموهوم في قضية العقل ~~كالاحتراز عن العلوم . قلنا : نحن لا ننكر أن العاقل يستحثه طبعه عن ~~الاحتراز من الضرر موهوما ومعلوما ، فلا يمنع من إطلاق اسم الايجاب على هذا ~~الاستحثاث فإن الاصطلاحات لا مشاحة فيها ، ولكن الكلام في ترجيح جهة الفعل ~~على جهة الترك في تقرير الثواب بالعقاب مع العلم بأن الشكر وتركه في حق ~~الله تعالى سيان لا كالواحد منا فإنه يرتاح بالشكر والثناء ويهتز له ~~ويستلذه ويتآلم بالكفران ويتأذى به ، فإذا ظهر استواء الأمرين في حق الله ~~تعالى فالترجيح لأحد الجانبين محال ، بل ربما يخطر بباله نقيضه وهو أنه ~~يعاقب على الشكر لوجهين : أحدهما ، أن اشتغاله به تصرف في فكره وقلبه ~~باتعابه صرفه عن الملاذ والشهوات وهو عبد مربوب خلق له ms107 شهوة ومكن من ~~الشهوات ، فلعل المقصود أن يشتغل بلذات نفسه واستيفاء نعم الله تعالى ~~PageV01P211 وأن لا يتعب نفسه فيما لا فائدة لله فيه فهذا الاحتمال أظهر . ~~الثاني ، أن يقيس نفسه على من يشكر ملكا من الملوك بأن يبحث عن صفاته ~~وأخلاقه ومكانه وموضع نومه مع أهله وجميع أسراره الباطنة مجازاة على إنعامه ~~عليه ، فيقال له أنت بهذا الشكر مستحق لحز الرقبة ، فما لك ولهذا الفضول ~~ومن أنت حتى تبحث عن أسرار الملوك وصفاتهم وأفعالهم وأخلاقهم ، ولماذا لا ~~تشتغل بما يهمك ، فالذي يطلب معرفة معرفة الله تعالى كأنه إن تعرف دقائق ~~صفات الله تعالى وأفعاله وحكمته وأسراره في أفعاله وكل ذلك مما لا يؤهل له ~~إلا من له منصب فمن أين عرف العبد أنه مستحق لهذا المنصب ؟ فاستبان أن ما ~~أخذهم أنهام رسخت منهم من العادات ، تعارضها أمثالها ولا محيص عنها . فإن ~~قيل : فإن لم يكن مدركا لوجوب مقتضى العقول أدى ذلك إلى إفحام الرسول ، ~~فإنه إذا جاء بالمعجزة وقال انظروا فيها ، فللمخاطب أن يقول إن لم يكن ~~النظر واجبا فلا اقدم عليه وإن كان واجبا فيستحيل أن يكون مدركه العقل ، ~~والعقل لا يوجب ، ويستحيل أن يكون مدركه الشرع ، والشرع لا يثبت إلا بالنظر ~~في المعجزة ولا يجب النظر قبل ثبوت الشرع فيؤدي إلى أن لا يظهر صحة النبوة ~~أصلا . والجواب أن هذا السؤال مصدره الجهل بحقيقة الوجوب ، وقد بينا أن ~~معنى الوجوب ترجيح PageV01P212 جانب الفعل على الترك بدفع ضرر موهوم في ~~الترك أو معلوم ، وإذا كان هذا هو الوجوب فالموجب هو المرجح وهو الله تعالى ~~، فإنه إذا ناط العقاب بترك النظر ترجح فعله على تركه ، ومعنى قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنه واجب مرجح بترجح الله تعالى في ربطه العقاب بأحدهما ~~. وأما المدرك فعبارة عن جهة معرفة الوجوب لا عن نفس الوجوب ، وليس شرط ~~الواجب أن يكون وجوبه معلوما ، بل أن يكون علمه متمكنا لمن أراده . فيقول ~~النبي إن الكفر سم مهلك والإيمان شفاء مسعد بأن جعل الله تعالى ms108 أحدهما ~~مسعدا والآخر مهلكا ، ولست أوجب عليك شيئا ، فزن الايجاب هو الترجيح ~~والمرجح هو الله تعالى وإنما أنا مخبر عن كونه سم ومرشد لك إلى طريق تعرف ~~به صدقي وهو النظر في المعجزة ، فإن سلكت الطريق عرفت ونجوت ؛ وإن تركت ~~هلكت . ومثاله مثال طبيب انتهى إلى مريض وهو متردد بين دوائين موضوعين بين ~~يديه ، فقال له أما هذا فلا تتناوله فإنه لهلك للحيوان وأنت قادر على ~~معرفته بأن تطعمه هذا السنور فيموت على الفور فيظهر لك ما قلته . وأما هذا ~~ففيه شفاؤك وأنت قادر على معرفته بالتجربات وهو إن تشربه فتشفى فلا فرق في ~~حقي ولا في حق أستاذي بين أن يهلك أو يشفى فإن أستاذي غني عن بقائك وأنا ~~أيضا كذلك ، فعند هذا لو قال المريض هذا يجب علي بالعقل أو بقولك وما لم ~~يظهر لي هذا لم أشتغل بالتجربة كان مهلكا نفسه PageV01P213 ولم يكن عليه ~~ضرر ، فكذلك النبي قد أخبره الله تعالى بأن الطاعة شفاء والمعصية داء وأن ~~الإيمان مسعد والكفر مهلك وأخبره بأنه غني عن العالمين سعدوا أم شقوا فإنما ~~شأن الرسول أن يبلغ ويرشد إلى طريقة المعرفة وينصرف ، فمن نظر فلنفسه ومن ~~قصر فعليها ، وهذا واضح . فإن قيل : فقد رجع الأمر إلى أن العقل هو الموجب ~~من حيث أنه بسماع كلامه ودعواه يتوقع عقابا فيحمله العقل على الحذر ولا ~~يحصل إلا بالنظر فيوجب عليه النظر ، قلنا : الحق الذي يكشف الغطاء في هذا ~~من غير اتباع وهم وتقليد أمر هو أن الوجوب كما بأن عبارة عن نوع رجحان في ~~الفعل ، والموجب هو الله تعالى لأنه هو المرجح ، والرسول مخبر عن الترجيح ، ~~والمعجزة دليل على صدقه في الخبر ، والنظر سبب في معرفة الصدق ، والعقل آلة ~~النظر والفهم معنى الخبر ، والطبع مستحث على الحذر بعد فهم المحذور بالعقل ~~، فلا بد من طبع يخالفه العقوبة للدعوة ويوافقه الثواب الموعود ليكون ~~مستحثا ، ولكن لا يستحث ما لم يفهم المحذور ولم يقدره ظنا أو علما ، ولا ~~يفهم إلا بالعقل والعقل لا يفهم ms109 الترجيح بنفسه بل بسماعه من الرسول ، ~~والرسول لا يرجح الفعل على الترك بنفسه بل الله هو المرجح والرسول مخبر ، ~~وصدق الرسول لا PageV01P214 يظهر بنفسه بل بالمعجزة ، والمعجزة لا تدل ما ~~لم ينظر فيها ، والنظر بالعقل ، فإذا قد انكشفت المعاني ، والصحيح في ~~الألفاظ أن يقال : الوجوب هو الرجحان والموجب هو الله تعالى ، والمخبر هو ~~الرسول ، المعرف للمحذور وصدق الرسول هو العقل ، والمستحث على سلوك سبب ~~الخلاص وهو الطبع ، وكذلك ينبغي أن يفهم الحق في هذه المسألة ولا يلتفت إلى ~~الكلام المعتاد الذي لا يشفي الغليل ولا يزيل الغموض . # | الدعوى السابعة : بعثة الأنبياء # ندعي أن بعثة الأنبياء جائز ، وليس بمحال ولا واجب ، وقالت المعتزلة إنه ~~واجب ، وقد سبق وجه الرد عليهم . وقالت البراهمة إنه محال ، وبرهان الجواز ~~أنه مهما قام الدليل على أن الله تعالى متكلم وقام الدليل على أنه قادر لا ~~يعجز على أن يدل على كلام النفس بخلق ألفاظ وأصوات ورقوم أو غيرها من ~~الدلالات ، وقد قام دليل على جواز إرسال الرسل ، فإنا لسنا نعني به إلا أن ~~يقوم بذات الله تعالى خبر عن الأمر النافع في الآخرة والأمر الضار بحكم ~~إجراء العادة ، ويصدر منه فعل هو دلالة الشخص على ذلك الخبر وعلى أمره ~~PageV01P215 بتبليغ الخبر ، ويصدر منه فعل خارق للعادة مقرونا بدعوى ذلك ~~الشخص الرسالة ، فليس شيء من ذلك محالا لذاته ، فإنه يرجع إلى كلام النفس ~~وإلى اختراع ما هو دلالة على الكلام وما هو مصدق للرسول وإن حكم باستحالة ~~ذلك من حيث الاستقباح والاستحسان ، فقد استأصلنا هذا الأصل في حق الله ~~تعالى ثم لا يمكن أن يدعي قبح إرسال الرسول على قانون الاستقباح ، ~~فالمعتزلة مع المصير إلى ذلك لم يستقبحوا هذا فليس إدراك قبحه ولا إدراك ~~امتناعه في ذاته ضروريا فلا بد من ذكر سببه . وغاية ما هو به ثلاثة شبه : ~~الأولى : قولهم : إنه لو بعث النبي بما تقتضيه العقول ففي العقول غنية عنه ~~وبعثة الرسول عبث ، وذلك وعلى الله محال ، وإن بعث بما يخالف العقول استحال ~~التصديق ms110 والقبول . # الثانية : إنه يستحيل العبث لأنه يستحيل تعريف صدقه ، لأن الله تعالى لو ~~شافه الخلق بتصديقه وكلمهم جهارا فلا حاجة إلى رسول ، وإن لم يشافه به ~~فغايته الدلالة على صدقه بفعل خارق للعادة ، ولا يتميز ذلك عن السحر ~~والطلسمات وعجائب الخواص وهي خارقة للعادات عند من لا يعرفها ، وإذا استويا ~~في خرق العادة لم يؤمن ذلك فلا يحصل العلم بالتصديق . # الثالثة : إنه إن عرف تمييزها PageV01P216 عن السحر والطلسمات والتخيلات ~~فمن أين يعرف الصدق ؟ ولعل الله تعالى أراد إضلالنا وإغواءنا بتصديقه ولعل ~~كل ما قال النبي إنه مسعد فهو مشقي ، وكلما قال مشقي فهو مسعد ، ولكن الله ~~أراد أن يسوقنا إلى الهلاك ويغوينا بقول الرسول ، فإن الإضلال والإغواء غير ~~محال على الله تعالى عندكم ، إذ العقل لا يحسن ولا يقبح ؛ وهذه أقوى شبهة ~~ينبغي أن يجادل بها المعتزلي عند رومه إلزام القول بتقبيح العقل ، إذ يقول ~~: إن لم يكن الاغواء قبيحا فلا يعرف صدق الرسل قط ولا يعلم أنه ليس باضلال ~~. والجواب أن نقول : أما الشبهة الأولى فضعيفة ؛ فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يرد مخبرا بما لا تشتغل العقول بمعرفته ، ولكن تستقل بفهمه إذا عرف ، ~~فإن العقل لا يرشد إلى النافع والضار من الأعمال والأقوال والأخلاق ~~والعقائد ، ولا يفرق بين المشقى والمسعد ، كما لا يستقل بدرك خواص الأدوية ~~والعقاقير ، ولكنه إذا عرف فهم وصدق وانتفع بالسماع فيجتنب الهلاك ويقصد ~~المسعد ، كما ينتفع بقول الطبيب في معرفة الداء والدواء ، ثم كما يعرف صدق ~~الطبيب بقرائن الأحوال وأمور أخر ، فكذلك يستدل على صدق الرسول عليه السلام ~~بمعجزات وقرائن وحالات فلا فرق . # فأما الشبهة الثانية ، وهو عدم تمييز المعجزة عن السحر والتخيل ، ~~PageV01P217 فليس كذلك . فإن أحدا من العقلاء لم يجوز انتهاء السحر إلى ~~إحياء الموتى ، وقلب العصا ثعبانا ، وفلق القمر ، وشق البحر ، وإبراء ~~الأكمه والأبرص ، وأمثال ذلك . والقول الوجيز إن هذا القائل إن ادعى أن كل ~~مقدور لله تعالى فهو ممكن تحصيله بالسحر فهو قول معلوم الاستحالة بالضرورة ~~، وإن فرق بين فعل قوم ms111 وفعل قوم فقد تصور تصديق الرسول بما يعلم أنه ليس من ~~السحر ويبقى النظر بعده في أعيان الرسل عليهم السلام وآحاد المعجزات وأن ما ~~أظهروه من جنس ما يمكن تحصيله بالسحر أم لا ، ومهما وقع الشك فيه لم يحصل ~~التصديق به ما لم يتحد به النبي على ملأ من أكابر السحرة ولم يمهلهم مدة ~~المعارضة ولم يعجزوا عنه ، وليس الآن من غرضنا آحاد المعجزات . وأما الشبهة ~~الثالثة ، وهو تصور الإغواء من الله تعالى والتشكيك لسبب ذلك ، فنقول : ~~مهما علم وجه دلالة المعجزة على صدق النبي ، علم أن ذلك مأمون عليه ، وذلك ~~بأن يعرف الرسالة ومعناها ويعرف وجه الدلالة فنقول : لو تحدى إنسان بين يدي ~~ملك على جنده أنه رسول الملك إليهم وأن الملك أوجب طاعته عليهم في قسمة ~~الأرزاق والاقطاعات ، فطالبوه بالبرهان والملك ساكت ، فقال : أيها الملك إن ~~كنت صادقا في ما ادعيته فصدقني بأن تقوم على سريرك ثلاث PageV01P218 مرات ~~على التوالي وتقعد على خلاف عادتك ؛ فقام الملك عقيب التماسه على التوالي ~~ثلاث مرات ثم قعد ، حصل للحاضرين على ضروري بأنه رسول الملك قبل أن يخطر ~~ببالهم أن هذا الملك من عادته الإغواء أم يستحيل في حقه ذلك . بل لو قال ~~الملك صدقت وقد جعلت رسولا ووكيلا لعلم أنه وكيل ورسول ، فإذا خالف العادة ~~بفعله كان ذلك كقوله أنت رسولي ، وهذا ابتداء نصب وتولية وتفويض ، ولا ~~يتصور الكذب في التفويض وإنما يتصور في الإخبار ، والعلم يكون هذا تصديقا ~~وتفويضا ضروريا ، ولذلك لم ينكر أحد صدق الأنبياء من هذه الجهة ، بل أنكروا ~~كون ما جاء به الأنبياء خارقا للعادة وحملوه على السحر والتلبيس أو أنكروا ~~وجود رب متكلم آمر ناه مصدق مرسل ، فأما من اعترف بجميع ذلك واعترف بكون ~~المعجزة فعل الله تعالى حصل له العلم الضروري بالتصديق . فإن قيل : فهب ~~أنهم رأوا الله تعالى بأعينهم وسمعوه بآذانهم وهو يقول هذا رسولي ليخبركم ~~بطريق سعادتكم وشقاوتكم ، فما الذي يؤمنكم أنه أغوى الرسول والمرسل إليه ~~وأخبر عن المشقى بأنه مسعد وعن المسعد ms112 بأنه مشقى فإن ذلك غير محال إذا لم ~~تقولوا بتقبيح العقول ؟ بل لو قدر عدم الرسول ولكن قال الله تعالى شفاها ~~وعيانا PageV01P219 ومشاهدة : نجاتكم في الصوم والصلاة والزكاة وهلاككم في ~~تركها ، فبم نعلم صدقه ؟ فلعله يلبس علينا ليغوينا ويهلكنا ، فإن الكذب ~~عندكم ليس قبيحا لعينه وإن كان قبيحا فلا يمتنع على الله تعالى ما هو قبيح ~~وظلم ، وما فيه فيه هلاك الخلق أجمعين . والجواب : إن الكذب مأمون عليه ، ~~فإنه إنما يكون في الكلام وكلام الله تعالى ليس بصوت ولا حرف حتى يتطرق ~~إليه التلبيس بل هو معنى قائم بنفسه سبحانه ، فكل ما يعلمه الإنسان يقوم ~~بذاته خبر عن معلومه على وفق علمه ولا يتصور الكذب فيه ، وكذلك في حق الله ~~تعالى . وعلى الجملة : الكذب في كلام النفس محال وفي ذلك الأمن عما قالوه . ~~وقد اتضح بهذا أن الفعل مهما علم أنه فعل الله تعالى وأنه خارج عن مقدور ~~البشر واقترن بدعوى النبوة حصل العلم الضروري بالصدق وكان الشك من حيث الشك ~~في أنه مقدور البشر أم لا ، فأما بعد معرفته كونه من فعل الله تعالى لا ~~يبقى للشك مجال أصلا البتة . فإن قيل فهل تجوزون الكرامات ؟ قلنا : اختلف ~~الناس فيه ، والحق ذلك جائز فإنه يرجع إلى خرق الله تعالى العادة بدعاء ~~إنسان أو عند حاجته وذلك مما لا يستحيل في نفسه لأنه ممكن ، ولا يؤدي إلى ~~محال آخر ، PageV01P220 فإنه لا يؤدي إلى بطلان المعجزة لأن الكرامة عبارة ~~عما يظهر من غير اقتران التحدي به ، فإن كان مع التحدي فإنا نسميه معجزة ~~ويدل بالضرورة على صدق المتحدي ؛ وإن لم تكن دعوى فقد يجوز ظهور ذلك على يد ~~فاسق لأنه مقدور في نفسه ؛ فإن قيل : فهل من المقدور إظهار معجزة على يد ~~كاذب ؟ قلنا : المعجزة مقرونة بالتحدي منه سبحانه نازلة منزلة قوله صدقت ~~وأنت رسول ، وتصديق الكاذب محال لذاته وكل من قال له أنت رسولي صار رسولا ~~وخرج عن كونه كاذبا ، فالجمع بين كونه كاذبا وبين ما ينزل منزلة قوله أنت ~~رسولي ms113 محال لأن معنى كونه كاذبا أنه ما قيل له أنت رسولي ، ومعنى المعجزة ~~أنه قيل له أنت رسولي ؛ فإن فعل الملك على ما ضربنا من المثال كقوله أنت ~~رسولي بالضرورة ، فاستبان أن هذا غير مقدور لأنه محال والمحال لا قدرة عليه ~~. فهذا تمام هذا القطب ولنشرع في إثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~وإثبات ما اخبر هو عنه والله أعلم . PageV01P221 صفحة فارغة PageV01P222 # # | القطب الرابع في النبوة والإمامة والمعاد والتكفير # الباب الأول : في اثبات نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم . # الباب الثاني : في بيان إن ما جاء به من الحشر والنشر والصراط والميزان ~~وعذاب القبر حق ، وفيه مقدمة وفصلان . # الباب الثالث : فيه نظر في ثلاثة أطراف . الباب الرابع : في بيان من يجب ~~تكفيره من الفرق ومن لا يجب ، والاشارة إلى القوانين التي ينبغي أن يعول ~~عليها في التكفير ، وبه اختتام الكتاب . # | الباب الأول في اثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم # وإنما نفتقر إلى إثبات نبوته ، على الخصوص ، وعلى ثلاثة فرق : ~~PageV01P223 الفرقة الأولى ، العيسوية : حيث ذهبوا إلى أنه رسول إلى العرب ~~فقط لا إلى غيرهم ، وهذا ظاهر البطلان فإنهم اعترفوا بكونه رسولا حقا ، ~~ومعلوم أن الرسول لا يكذب ، وقد ادعى هو أنه رسول مبعوث إلى الثقلين ، وبعث ~~رسوله إلى كسرى وقيصر وسائر ملوك العجم وتواتر ذلك منه فما قالوه محال ~~متناقض . # الفرقة الثانية ، اليهود : فإنهم انكروا صدقه لا بخصوص نظر فيه وفي ~~معجزاته ، بل زعموا أنه لا نبي بعد موسى عليه السلام ، فأنكروا نبوة محمد ~~وعيسى عليهما السلام . فينبغي أن تثبت عليهم نبوة عيسى لأنه ربما يقصر ~~فهمهم عن درك إعجاز القرآن ولا يقصرون عن درك إعجاز إحياء الموتى وإبراء ~~الأكمه والأبرص فيقال لهم ما الذي حملكم على التفريق بين من يستدل على صدقه ~~بإحياء الموتى وبين من يستدل بقلب العصا ثعبانا ؟ ولا يجدون إليه سبيلا ~~البتة ، إلا أنهم ضلوا بشبهتين : إحداهما ، قولهم : النسخ محال في نفسه ~~لأنه يدل على البدء والتغيير وذلك محال على الله تعالى ، والثانية ms114 لفهم بعض ~~الملحدة أن يقولوا : قد قال موسى عليه السلام : عليكم بديني ما دامت ~~السموات والأرض ، وإنه قال إني خاتم الأنبياء . # أما الشبهة الأولى فبطلانها بفهم النسخ ، وهو عبارة عن الخطاب الدال ~~PageV01P224 على ارتفاع الحكم الثابت المشروط استمراره بعد لحقوق خطاب ~~يرفعه ، وليس من المحال أن يقول السيد لعبده قم مطلقا ، ولا يبين له مدة ~~القيام ، وهو يعلم أن القيام مقتضى منه إلى وقت بقاء مصلحته في القيام ، ~~ويعلم مدة مصلحته ولكن لا ينبه عليها ، ويفهم العبد أنه مأمور بالقيام ~~مطلقا وأن الواجب الاستمرار عليه أبدا إلا أن يخاطبه السيد بالقعود ؛ فإذا ~~خاطبه بالقعود قعد ولم يتوهم بالسيد أنه بدا له أو ظهرت له مصلحة كان لا ~~يعرفها ، والآن قد عرفها ، بل يجوز أن يكون قد عرف مدة مصلحة القيام وعرف ~~أن الصلاح في أن لا ينبه العبد عليها ويطلق الأمر له إطلاقا حتى يستمر على ~~الامتثال ، ثم إذا تغيرت مصلحته أمره بالقعود ، فهكذا ينبغي أن يفهم اختلاف ~~أحكام الشرائع . فإن ورود النبي ليس بناسخ لشرع من قبله بمجرد بعثته ، ولا ~~في معظم الأحكام ، ولكن في بعض الأحكام كتغير قبلة وتحليل محرم وغير ذلك ، ~~وهذه المصالح تختلف بالأعصار والأحوال فليس فيه ما يدل على التغير ولا على ~~الاستبانة بعد الجهل ولا على التناقض . ثم هذا إنما يستمر لليهود إذ لو ~~اعتقدوا أنه لم يكن شريعة من لدن آدم إلى زمن موسى لم ينكروا وجود نوح ~~وإبراهيم وشرعهما ، ولا يتميزون فيه عمن ينكر نبوة موسى وشرعه وكل ذلك ~~إنكار ما علم على القطع بالتواتر . # وأما PageV01P225 الشبهة الثانية فسخيفة من وجهين . أحدهما ، أنه لو صح ~~ما قالوه عن موسى لما ظهرت المعجزات على يد عيسى ، فإن ذلك تصديق بالضرورة ~~، فكيف يصدق الله بالمعجزة من يكذب موسى وهو أيضا مصدق له ، أفتنكرون معجزة ~~عيسى وجودا أو تنكرون إحياء الموتى دليلا على صدق المتحدي ؟ فإن أنكروا ~~شيئا منهم لزمهم في شرع موسى لزوما لا يجدون عنه محيصا ، وإذا اعترفوا به ~~لزمهم تكذيب من نقل ms115 إليهم من موسى عليه السلام قوله إني خاتم الأنبياء . ~~والثاني : أن هذه الشبهة إنما لقنوها بعد بعثة نبينا محمد عليه السلام وبعد ~~وفاته ، ولو كانت صحيحة لاحتج اليهود بها وقد حملوا بالسيف على الاسلام ، ~~وكان رسولنا عليه السلام مصدقا بموسى عليه السلام وحاكما على اليهود ~~بالتوراة في حكم الرجم وغيره ، فلا عرض عليه من التوارة ذلك ، وما الذي ~~صرفهم عنه ومعلوم قطعا أن اليهود لم يحتجوا به لأن ذلك لو كان لكان مفحما ~~لا جواب عنه ولتواتر نقله ، ومعلوم أنهم لم يتركوه مع القدرة عليه ولقد ~~كانوا يحرصون على الطعن في شرعه بكل ممكن حماية لدمائهم وأموالهم ونسائهم ، ~~فإذا ثبت عليهم نبوة عيسى أثبتنا نبوة نبينا عليه السلام بما نثبتها على ~~النصارى . # الفرقة الثالثة ، وهم يجوزون النسخ ولكنهم ينكرون نبوة نبينا من حيث أنهم ~~ينكرون معجزته في القرآن . وفي PageV01P226 إثبات نبوته بالمعجزة طريقتان : ~~الطريقة الأولى ، التمسك بالقرآن ، فإنا نقول : لا معنى للمعجزة إلا ما ~~يقترن بتحدي النبي عند استشهاده على صدقه على وجه يعجز الخلق عن معارضته ، ~~وتحديه على العرب مع شغفهم بالفصاحة وإغراقهم فيها متواتر ، وعدم المعارضة ~~معلوم ، إذ لو كان لظهر ، فإن أرذل الشعراء لما تحدوا بشعرهم وعورضوا ظهرت ~~المعارضات والمناقضات الجارية بينهم ، فإذا لا يمكن إنكار تحديه بالقرآن ~~ولا يمكن إنكار اقتدار العرب على طريق الفصاحة ولا يمكن انكار حرصهم على ~~دفع نبوته بكل ممكن حماية لدينهم ودمهم ومالهم وتخلصا من سطوة المسلمين ~~وقهرهم ، ولا يمكن إنكار عجزهم لأنهم لو قدروا لفعلوا ، فإن العادة قاضية ~~بالضرورة بأن القادر على دفع الهلاك عن نفسه يشتغل بدفعه ، ولو فعلوا لظهر ~~ذلك ونقل . فهذه مقدمات بعضها بالتواتر وبعضها بجاري العادات وكل ذلك مما ~~يورث اليقين فلا حاجة إلى التطويل . وبمثل هذا الطريق تثبت نبوة عيسى ولا ~~يقدر النصراني على إنكار شيء من ذلك ؛ فإنه يمكن أن يقابل بعيسى فينكر ~~تحديه بالنبوة أو استشهاده باحياء الموتى أو وجود إحياء الموتى أو عدم ~~المعارضة أو يقال عورض ولم يظهر ، وكل ذلك PageV01P227 مجاحدات ms116 لا يقدر ~~عليها المعترف بأصل النبوات ، فإن قيل : ما وجه إعجاز القرآن ؟ قلنا ~~الجزالة والفصاحة مع النظم العجيب والمنهاج الخارج عن مناهج كلام العرب في ~~خطبهم وأشعارهم وسائر صنوف كلامهم ، والجمع بين هذا النظم وهذه الجزالة ~~معجز خارج عن مقدور البشر ، نعم ربما يرى للعرب أشعار وخطب حكم فيها ~~بالجزالة ، وربما ينقل عن بعض من قصد المعارضة مراعاة هذا النظم بعد تعلمه ~~من القرآن ، ولكن من غير جزالة بل مع ركاكة كما يحكى عن ترهات مسيلمة ~~الكذاب حيث قال : الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب وثيل وخرطوم طويل . فهذا ~~وأمثاله ربما يقدر عليه مع ركاكة يستغثها الفصحاء ويستهزؤون بها ، وأما ~~جزالة القرآن فقد قضى كافة العرب منها العجب ولم ينقل عن واحد منهم تشبث ~~بطعن في فصاحته ، فهذا إذا معجز وخارج عن مقدور البشر من هذين الوجهين ، ~~أعني من اجتماع هذين الوجهين ، فإن قيل : لعل العرب اشتغلت بالمحاربة ~~والقتال فلم تعرج على معارضة القرآن ولو قصدت لقدرت عليه ، أو منعتها ~~العوائق عن الاشتغال به ، والجواب أن ما ذكروه هوس ، فإن دفع تحدي المتحدي ~~بنظم كلام أهون من الدفع بالسيف مع ما جرى على العرب من المسلمين بالأسر ~~والقتل والسبي وشن الغارات ، ثم ما ذكروه غير دافع PageV01P228 غرضنا ، فإن ~~انصرافهم عن المعارضة لم يكن إلا بصرف من الله تعالى ، والصرف عن المقدور ~~المعتاد من أعظم المعجزات ، فلو قال نبي آية صدقي أني في هذا اليوم أحرك ~~أصبعي ولا يقدر أحد من البشر على معارضتي ، فلم يعارضه أحد في ذلك اليوم ، ~~ثبت صدقه ، وكان فقد قدرتهم على الحركة مع سلامة الأعضاء من أعظم المعجزات ~~. وإن فرض وجود القدرة ففقد داعيتهم وصرفهم عن المعارضة من أعظم المعجزات ، ~~مهما كانت حاجتهم ماسة إلى الدفع باستيلاء النبي على رقابهم وأموالهم ، ~~وذلك كله معلوم على الضرورة . فهذا طريق تقدير نبوته على النصارى ، ومهما ~~تشبثوا بانكار شيء من هذه الأمور الجليلة فلا تشتغل إلا بمعارضتهم بمثله في ~~معجزات عيسى عليه السلام . الطريقة الثانية : أن تثبت نبوته ms117 بجملة من ~~الأفعال الخارقة للعادات التي ظهرت عليه ، كانشقاق القمر ، ونطق العجماء ، ~~وتفجر الماء من بين أصابعه ، وتسبيح الحصى في كفه ، وتكثير الطعام القليل ، ~~وغيره من خوارق العادات ، وكل ذلك دليل على صدقه . فإن قيل : آحاد هذه ~~الوقائع لم يبلغ نقلها مبلغ التواتر . قلنا : ذلك أيضا إن سلم فلا يقدح في ~~العرض مهما كان المجموع بالغا مبلغ التواتر ، وهذا كما أن شجاعة علي ~~PageV01P229 رضوان الله عليه وسخاوة حاتم معلومان بالضرورة على القطع ~~تواترا ، وآحاد تلك الوقائع لم تثبت تواترا ، ولكن يعلم من مجموع الآحاد ~~على القطع ثبوت صفة الشجاعة والسخاوة ، فكذلك هذه الأحوال العجيبة بالغة ~~جملتها مبلغ التواتر ، لا يستريب فيها مسلم أصلا . فإن قال قائل من النصارى ~~: هذه الأمور لم تتواتر عندي لا جملتها ولا آحادها . فيقال : ولو انحاز ~~يهودي إلى قطر من الأقطار ولم يخالط النصارى وزعم أنه لم تتواتر عنده ~~معجزات عيسى ، وإن تواترت فعلى لسان النصارى وهم مهتمون به ، فبماذا ~~ينفصلون عنه ؟ ولا انفصال عنه إلا أن يقال : ينبغي أن يخالط القوم الذين ~~تواتر ذلك بينهم حتى يتواتر ذلك إليك ، فإن الأصم لا تتواتر عنده الأخبار ، ~~وكذا المتصامم ، فهذا أيضا عذرنا عند إنكار واحد منهم التواتر على هذا ~~الوجه . # | الباب الثاني في بيان وجوب التصديق بأمور ورد بها الشرع وقضى بجوازها ~~العقل وفيه مقدمة وفصلان # ، أما المقدمة : فهو أن ما لا يعلم بالضرورة ينقسم PageV01P230 إلى ما ~~يعلم بدليل العقل دون الشرع ، وإلى ما يعلم بالشرع دون العقل ، وإلى ما ~~يعلم بهما . أما المعلوم بدليل العقل دون الشرع فهو حدث العالم ووجود ~~المحدث وقدرته وعلمه وارادته ، فإن كل ذلك ما لم يثبت لم يثبت الشرع ، إذ ~~الشرع يبنى على الكلام فإن لم يثبت كلام النفس لم يثبت الشرع . فكل ما ~~يتقدم في الرتبة على كلام النفس يستحيل إثباته بكلام النفس وما يستند إليه ~~ونفس الكلام أيضا فيما اخترناه لا يمكن اثباته بالشرع . ومن المحققين من ~~تكلف ذلك وادعاه كما سبقت الاشارة إليه . # وأما المعلوم بمجرد السمع فتخصيص ms118 أحد الجائزين بالوقوع فإن ذلك من موافق ~~العقول ، وإنما يعرف من الله تعالى بوحي والهام ونحن نعلم من الوحي إليه ~~بسماع كالحشر والنشر والثواب والعقاب وأمثالهما ، وأما المعلوم بهما فكل ما ~~هو واقع في مجال العقل ومتأخر في الرتبة عن إثبات كلام الله تعالى كمسألة ~~الرؤية وانفراد الله تعالى بخلق الحركات والأغراض كلها وما يجري هذا المجرى ~~، ثم كلما ورد السمع به ينظر ، فإن كان العقل مجوزا له وجب التصديق به قطعا ~~إن كانت الأدلة السمعية قاطعة في متنها ومستندها لا يتطرق إليها احتمال ، ~~وجب التصديق بها ظنا إن كانت ظنية ، PageV01P231 فإن وجوب التصديق باللسان ~~والقلب عمل يبنى على الأدلة الظنية كسائر الأعمال فنحن نعلم قطعا إنكار ~~الصحابة على من يدعي كون العبد خالقا لشيء من الأشياء وعرض من الأعراض ، ~~وكانوا ينكرون ذلك بمجرد قوله تعالى ' خالق كل شيء ' ومعلوم أنه عام قابل ~~للتخصيص فلا يكون عمومه إلا مظنونا ، إنما صارت المسألة قطعية بالبحث على ~~الطرق العقلية التي ذكرناها ، ونعلم أنهم كانوا ينكرون ذلك قبل البحث عن ~~الطرق العقلية ولا ينبغي أن يعتقد بهم أنهم لم يلتفتوا إلى المدارك الظنية ~~إلا في الفقهيات بل اعتبروها أيضا في التصديقات الاعتقادية والقولية . # وأما ما قضى العقل باستحالته فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به ولا يتصور ~~أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول ، وظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير ~~صحيحة ، والصحيح منها ليس بقاطع بل هو قابل للتأويل ، فإن توقف العقل في ~~شيء من ذلك فلم يقض فيه باستحالة ولا جواز وجب التصديق أيضا لأدلة السمع ~~فيكفي في وجوب التصديق انفكاك العقل عن القضاء بالإحالة ، وليس يشترط ~~اشتماله على القضاء لتجويز ، وبين الرتبتين فرق ربما يزل ذهن البليد حتى لا ~~يدرك الفرق بين قول القائل : اعلم أن الأمر PageV01P232 جائز ، وبين قوله : ~~لا أدري إنه محال أم جائز ، وبينهما ما بين السماء والأرض ، إذ الأول جائز ~~على الله تعالى والثاني غير جائز ، فإن الأول معرفة بالجواز والثاني عدم ~~معرفة بالاحالة ، ووجوب التصديق جائز في ms119 القسمين جميعا فهذه هي المقدمة . # | الفصل الأول : الحشر # أما الفصل الأول ففي # بيان قضاء العقل بما جاء الشرع به من الحشر والنشر وعذاب القبر والصراط ~~والميزان أما الحشر فيعنى به إعادة الخلق وقد دلت عليه القواطع الشرعية ، ~~وهو ممكن بدليل الابتداء . فإن الاعادة خلق ثان ولا فرق بينه وبين الابتداء ~~وإنما يسمى إعادة بالاضافة إلى الابتداء السابق ، والقادر على الانشاء ~~والابتداء قادر على الاعادة وهو المعني بقوله : قل يحييها الذي أنشأها أول ~~مرة فإن قيل فماذا تقولون : أتعدم الجواهر والأعراض ثم يعادان جميعا ، أو ~~تعدم الأعراض دون الجواهر وإنما تعاد الأعراض ؟ قلنا : كل ذلك ممكن وليس في ~~الشرع دليل قاطع على تعيين أحد هذه الممكنات . وأحد الوجهين أن تنعدم ~~الأعراض ويبقى جسم الانسان متصورا بصورة التراب مثلا ، PageV01P233 فتكون ~~قد زالت منه الحياة واللون والرطوبة والتركيب والهيئة وجملة من الأعراض ، ~~ويكون معنى إعادتها أن تعاد إليها تلك الأعراض بعينها وتعاد إليها أمثالها ~~، فإن العرض عندنا لا يبقى والحياة عرض والموجود عندنا في كل ساعة عرض آخر ~~، والانسان هو ذلك الانسان باعتبار جسمه فإنه واحد لا باعتبار أعراضه ، فإن ~~كل عرض يتجدد هو غير الآخر ، فليس من شرط الإعادة فرض إعادة الأعراض ، ~~وإنما ذكرنا هذا لمصير بعض الأصحاب إلى استحالة إعادة الأعراض ، وذلك باطل ~~، ولكن القول في إبطاله يطول ولا حاجة إليه في غرضنا هذا . والوجه الآخر أن ~~تعدم الأجسام أيضا ثم تعاد الأجسام بأن تخترع . مرة ثانية ، فإن قيل : فيم ~~يتميز المعاد عن مثل الأول ؟ وما معنى قولكم أن المعاد هو عين الأول ولم ~~يبق للمعدوم عين حتى تعاد ؟ قلنا : المعدوم منقسم في علم الله إلى ما سبق ~~له وجود وإلى ما لم يسبق له وجود ، كما أن العدم في الأزل ينقسم إلى ما ~~سيكون له وجود وإلى ما علم الله تعالى أنه لا يوجد ؛ فهذا الانقسام في علم ~~الله لا سبيل إلى انكاره ، والعلم شامل والقدرة واسعة ، فمعنى الإعادة أن ~~نبذل بالوجود العدم الذي سبق له الوجود ، ومعنى المثل أن ms120 يخترع الوجود لعدم ~~لم يسبق له وجود ، فهذا معنى PageV01P234 الإعادة ، ومهما قدر الجسم باقيا ~~ورد الأمر إلى تجديد أعراض تماثل الأول حصل تصديق الشرع ووقع الخلاص عن ~~إشكال الإعادة وتمييز المعاد عن المثل ، وقد أطنبنا في هذه المسألة في كتاب ~~التهافت ، وسلكنا في إبطال مذهبهم تقرير بقاء النفس التي هي غير متحيز ~~عندهم وتقدير عود تدبيرها إلى البدن سواء كان ذلك البدن هو عين جسم الانسان ~~أو غيره ، وذلك إلزام لا يوافق ما نعتقده ؛ فإن ذلك الكتاب مصنف لابطال ~~مذهبهم لا لاثبات المذهب الحق ، ولكنهم لما قدروا أن الانسان هو ما هو ~~باعتبار نفسه وأن اشتغاله بتدبير كالعارض له والبدن آلة لهم ، ألزمناهم بعد ~~اعتقادهم بقاء النفس وجوب التصديق بالاعادة وذلك برجوع النفس إلى تدبير بدن ~~من الأبدان ، والنظر الآن في تحقيق هذا الفصل ينجر إلى البحث عن الروح ~~والنفس والحياة وحقائقها ، ولا تحتمل المعتقدات التغلغل إلى هذه الغايات في ~~المعقولات ، فما ذكرناه كاف في بيان الاقتصاد في الإعتقاد للتصديق بما جاء ~~به الشرع ، # | عذاب القبر # وأما عذاب القبر فقد دلت عليه قواطع الشرع PageV01P235 إذ تواتر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم بالاستعاذة منه في الأدعية ~~واشتهر قوله عند المرور بقبرين : إنهما ليعذبان ودل عليه قوله تعالى ' وحاق ~~بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ' الآية ، وهو ممكن ، ~~فيجب التصديق به . ووجه إمكانه ظاهر ، وإنما تنكره المعتزلة من حيث يقولون ~~إنا نرى شخص الميت مشاهدة وهو غير معذب وإن الميت ربما تفترسه السباع ~~وتأكله ، وهذا هوس ؛ أما مشاهدة الشخص فهو مشاهدة لظواهر الجسم والمدرك ~~للعقاب جزء من القلب أو من الباطن كيف كان وليس من ضرورة العذاب ظهور حركة ~~في ظاهر البدن ، بل الناظر إلى ظاهر النائم لا يشاهد ما يدركه النائم من ~~اللذة عند الاحتلام ومن الألم عند تخيل الضرب وغيره ، ولو انتبه النائم ~~وأخبر عن مشاهداته وآلامه ولذاته من لم يجر له عهد بالنوم لبادر إلى ~~الانكار اغترارا بسكون ظاهر جسمه ms121 ، كمشاهدة إنكار المعتزلة لعذاب القبر ~~وأما الذي تأكله السباع فغاية ما في الباب أن يكون بطن السبع قبرا ، فاعادة ~~الحياة إلى جزء يدرك العذاب ممكن ، فما كل متألم يدرك الألم من جميع بدنه ، ~~وأما سؤال منكر ونكير فحق ، والتصديق به واجب لورود الشرع به وامكانه ، فإن ~~ذلك لا يستدعي PageV01P236 منهما إلا تفهيما بصوت أو بغير صوت ، ولا يستدعي ~~منه إلا فهما ، ولا يستدعي الفهم إلا حياة ، والإنسان لا يفهم بجميع بدنه ~~بل بجزء من باطن قلبه ، واحياء جزء يفهم السؤال ويجيب ممكن مقدور عليه ، ~~فيبقى قول القائل إنا نرى الميت ولا نشاهد منكرا ونكيرا ولا نسمع صوتهما في ~~السؤال ولا صوت الميت في الجواب ، فهذا يلزمه منه أن ينكر مشاهدة النبي صلى ~~الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام وسماعه كلامه وسماع جبريل جوابه ولا ~~يستطيع مصدق الشرع أن ينكر ذلك ، إذ ليس فيه إلا أن الله تعالى خلق له ~~سماعا لذلك الصوت ومشاهدة لذلك الشخص ، ولم يخلق للحاضرين عنده ولا لعائشة ~~رضي الله تعالى عنها وقد كانت تكون عنده حاضرة في وقت ظهور بركات الوحي ، ~~فانكار هذا مصدره الإلحاد وإنكار سعة القدرة ، وقد فرغنا عن إبطاله ويلزم ~~منه أيضا إنكار ما يشاهده النائم ويسمعه من الأصوات الهائلة المزعجة ، ~~ولولا التجربة لبادر إلى الانكار كل من سمع من النائم حكاية أحواله ، فتعسا ~~لمن ضاقت حوصلته عن تقدير اتساع القدرة لهذه الأمور المستحقرة بالاضافة إلى ~~خلق السموات والأرض وما بينهما ، مع ما فيهما من العجائب . والسبب الذي ~~ينفر طباع أهل الضلال عن التصديق بهذه PageV01P237 الأمور بعينه منفر عن ~~التصديق بخلق الانسان من نطفة قذرة مع ما فيه من العجائب والآيات أولا أن ~~المشاهدة تضطره إلى التصديق فإذا ما لا برهان على إحالته لا ينبغي أن ينكر ~~بمجرد الاستبعاد . # | الميزان # وأما الميزان فهو أيضا حق وقد دلت عليه قواطع السمع ، وهو ممكن فوجب ~~التصديق به . فإن قيل : كيف توزن الأعمال وهي أعراض وقد انعدمت ، والمعدوم ~~لا يوزن ؟ وإن قدرت إعادتها وخلقها في جسم ms122 الميزان كان محالا لاستحالة ~~إعادة الأعراض . ثم كيف تخلق حركة يد الانسان وهي طاعته في جسم الميزان ؟ ~~أيتحرك بها الميزان فيكون ذلك حركة الميزان لا حركة يد الانسان أم لا تتحرك ~~فتكون الحركة قد فاتت بجسم ليس هو متحركا بها ، وهو محال ؟ ثم إن تحرك ~~فيتفاوت من الميزان بقدر طول الحركات وكثرتها لا بقدر مراتب الأجور ، فرب ~~حركة بجرء من البدن يزيد إثمها على حركة جميع البدن فراسخ فهذا محال . ~~فنقول : قد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا فقال : ' توزن صحائف ~~الأعمال فإن الكرام الكاتبين يكتبون الأعمال في صحائف هي أجسام ، ~~PageV01P238 فإذا وضعت في الميزان خلق الله تعالى في كفتها ميلا بقدر رتبة ~~الطاعات وهو على ما يشاء قدير ' . فإن قيل : فأي فائدة في هذا ؟ وما معنى ~~المحاسبة ؟ قلنا : لا نطلب لفعل الله تعالى فائدة : ' لا يسأل عما يفعل وهو ~~يسألون ' . تم قد دللنا على هذا . ثم أي بعد في أن تكون الفائدة فيه أن ~~يشاهد العبد مقدار أعماله ويعلم أنه مجزي بها بالعدل أو يتجاوز عنه باللطف ~~، ومن يعزم على معاقبة وكيله بجنايته في أمواله أو يعزم على الإبراء فمن ~~أين يبعد أن يعرفه مقدار جنايته بأوضح الطرق ليعلم أنه في عقوبته عادل وفي ~~التجاوز عنه متفضل . هذا إن طلبت الفائدة لأفعال الله تعالى ، وقد سبق ~~بطلان ذلك . # | الصراط # وأما الصراط فهو أيضا حق ، والتصديق به واجب ، لأنه ممكن . فإنه عبارة عن ~~جسر ممدود على متن جهنم يرده الخلق كافة ، فإذا توافوا عليه قيل للملائكة ' ~~وقفوهم إنهم مسؤولون ' فإن قيل : كيف يمكن ذلك وفيما روى أدق من الشعر وأحد ~~من السيف ، فكيف يمكن المرور عليه ؟ قلنا هذا إن صدر ممن ينكر PageV01P239 ~~قدرة الله تعالى ، فالكلام معه في إثبات عموم قدرته وقد فرغنا عنها . وإن ~~صدر من معترف بالقدرة فليس المشي على هذا بأعجب من المشي في الهواء ، والرب ~~تعالى قادر على خلق قدرة عليه ، ومعناه أن يخلق له قدرة المشي على الهواء ~~ولا يخلق في ذاته هويا ms123 إلى أسفل ، ولا في الهواء انحراف ، فإذا أمكن هذا في ~~الهواء فالصراط أثبت من الهواء بكل حال . # | الفصل الثاني : المسائل العقلية واللفظية والفقهية # في الاعتذار عن الإخلال بفصول # شحنت بها المعتقدات فرأيت الإعراض عن ذكرها أولى لأن المعتقدات المختصرة ~~حقها أن لا تشتمل إلا على المهم الذي لا بد منه في صحة الإعتقاد . # أما الأمور التي لا حاجة إلى إخطارها بالبال ، وإن خطرت بالبال فلا معصية ~~في عدم معرفتها وعدم العلم بأحكامها ، فالخوض فيها بحث عن حقائق الأمور وهي ~~غير لائقة بما يراد منه تهذيب الإعتقاد ، وذلك الفن تحصره ثلاثة فنون : ~~عقلي ، ولفظي ، وفقهي . أما العقلي ، فالبحث عن القدرة الحادثة أنها تتعلق ~~بالضدين PageV01P240 أم لا ، وتتعلق بالمختلفات أم لا ، وهل يجوز قدرة ~~حادثة تتعلق بفعل مباين لمحل القدرة وأمثال له . وأما اللفظي فكالبحث عن ~~المسمى باسم الرزق ما هو ، ولفظ التوفيق والخذلان والايمان ما حدودها ~~ومسبباتها . وأما الفقهي فكالبحث عن الأمر بالمعروف متى يجب ، وعن التوبة ~~ما حكمها ، إلى نظائر ذلك . وكل ذلك ليس بمهم في الدين ، بل المهم أن ينفي ~~الانسان الشك عن نفسه في ذات الله تعالى ، على القدر الذي حقق في القطب ~~الأول ، وفي صفاته وأحكامها كما حقق في القطب الثاني ، وفي أفعاله بأن ~~يعتقد فيها الجواز دون الوجوب كما في القطب الثالث ، وفي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأن يعرف صدقه ويصدقه في كل ما جاء به كما ذكرناه في القطب ~~الرابع ، وما خرج عن هذا فغير مهم . ونحن نورد من كل فن مما أهملناه مسألة ~~ليعرف بها نظائرها ويحقق خروجها عن المهمات المقصودات في المعتقدات . # | 1 - المسائل العقلية # أما المسألة الأولى العقلية : فكاختلاف الناس في أن من قتل هل يقال إنه ~~مات بأجله ؟ ولو قدر عدم قتله هل PageV01P241 كان يجب موته أم لا ؟ وهذا فن ~~من العلم لا يضر تركه ، ولكنا نشير إلى طريق الكشف فيه . فنقول : كل شيئين ~~لا ارتباط لأحدهما بالآخر ، ثم اقترنا في الوجود ، فليس يلزم من تقدير نفي ~~أحدهما انتفاء ms124 الآخر . فلو مات زيد وعمرو معا ثم قدرنا عدم موت زيد لم يلزم ~~منه لا عدم موت عمرو ولا وجود موته ، وكذلك إذا مات زيد عند كسوف القمر ~~مثلا ، فلو قدرنا عدم الموت لم يلزم عدم الكسوف بالضرورة ، ولو قدرنا عدم ~~الكسوف لم يلزم عدم الموت إذ لا ارتباط لأحدهما بالآخر ، فأما الشيئان ~~اللذان بينهما علاقة وارتباط فهما ثلاثة أقسام : أحدها : أن تكون العلاقة ~~متكافئة كالعلاقة بين اليمين والشمال والفوق والتحت ، فهذا مما يلزم فقد ~~أحدهما عند تقدير فقد الآخر لأنهما من المتضايفان التي لا يتقوم حقيقة ~~أحدهما إلا مع الآخر . # الثاني : أن لا يكون على التكافؤ ، لكن لأحدهما رتبة التقدم كالشرط مع ~~المشروط . ومعلوم أنه يلزم عدم الشرط ، فإذا رأينا علم الشخص مع حياته ~~وإرادته مع علمه فيلزم لا محالة من تقدير انتفاء الحياة انتفاء العلم ، ومن ~~تقدير انتفاء العلم انتفاء الارادة ، ويعبر عن هذا بالشرط وهو الذي لا بد ~~منه لوجود الشيء ولكن ليس وجود الشيء به بل عنه ومعه . الثالث : العلاقة ~~PageV01P242 التي بين العلة والمعلول . ويلزم من تقدير عدم العلة عدم ~~المعلول إن لم يكن للمعلول إلا علة واحدة ، وإن تصور أن تكون له علة أخرى ~~فيلزم من تقدير نفي كل العلل نفي المعلول ، ولا يلزم من تقدير نفي علة ~~بعينها نفي المعلول مطلقا ، بل يلزم نفي معلول تلك العلة على الخصوص . فإذا ~~تمهد هذا المعنى رجعنا إلى القتل والموت ؛ فالقتل عبارة عن حز الرقبة وهو ~~راجع إلى أعراض هي حركات في يد الضارب والسيف وأعراض هي افتراقات في أجزاء ~~رقبة المضروب ، وقد اقترن بها عرض آخر وهو الموت ، فإن لم يكن بين الحز ~~والموت ارتباط لم يلزم من تقدير نفي الحز نفي الموت فإنهما شيئان مخلوقان ~~معا على الاقتران بحكم إجراء العادة لا ارتباط لأحدهما بآخر ، فهو ~~كالمقترنين اللذين لم تجر العادة باقترانهما وإن كان الحز علة الموت ومولده ~~، وإن لم تكن علة سواه لزم من انتفائه انتفاء الموت ، ولكن لا خلاف في أن ~~للموت عللا ms125 من أمراض وأسباب باطنة سوى الحز عند القائلين بالعلل ، فلا يلزم ~~من نفي الحز نفي الموت مطلقا ما لم يقدر مع ذلك إنتفاء سائر العلل ، فنرجع ~~إلى غرضنا فنقول : من اعتقد من أهل السنة أن الله مستبد بالاختراع بلا تولد ~~، ولا يكون مخلوق علة مخلوق ، فنقول : الموت أمر استبد الرب تعالى باختراعه ~~مع الحز ، فلا يجب من تقدير عدم الحز عدم الموت وهو الحق ؛ ومن اعتقد كونه ~~علة وانضاف إليه مشاهدته صحة الجسم وعدم مهلك من خارج اعتقد PageV01P243 ~~أنه لو اختلف الحز وليس ثم علة أخرى وجب انتفاء المعلول لانتفاء جميع العلل ~~، وهذا الإعتقاد صحيح لو صح اعتقاد التعليل وحصر العلل فيما عرف انتفاؤه ~~فإذا هذه المسألة يطول النزاع فيها ، ولم يشعر أكثر الخائضين فيها بمثارها ~~فينبغي أن نطلب هذا من القانون الذي ذكرناه في عموم قدرة الله تعالى وإبطال ~~التولد . ويبنى على هذا أن منق تل ينبغي أن يقال إنه مات بأجله لأن الأجل ~~عبارة عن الوقت الذي خلق الله تعالى فيه موته سواء كان معه حز رقبة أو كسوف ~~قمر أو نزول مطر أو لم يكن ، لأن كل هذه عندنا مقترنات وليست مؤثرات ولكن ~~اقتران بعضها يتكرر بالعادة ، وبعضها لا يتكرر ، فأما من جعل الموت سببا ~~طبيعيا من الفطرة وزعم أن كل مزاج فله رتبة معلومة في القوة إذا خليت ~~ونفسها تمادت إلى منتها مدتها ، ولو فسدت على سبيل الاحترام كان ذلك ~~استعجالا ، بالإضافة إلى مقتضى طباعها ، والأجل عبارة عن المدة الطبيعية ، ~~كما يقال الحائط مثلا يبقى مائة سنة بقدر إحكام بنائه ، ويمكن أن يهدم ~~بالفأس في الحال ، والأجل يعبر به عن مدته التي له بذاته وقوته ، فيلزم من ~~ذلك أن يقال إذا هدم بالفأس لم ينهدم بأجله وإن لم يتعرض PageV01P244 له من ~~خارج حتى انحطت أجزاؤه فيقال انهدم بأجله ، فهذا اللفظ ينبيء على ذلك الأصل ~~. # | 2 - المسائل اللفظية # المسألة الثانية وهي اللفظية : فكاختلافهم في أن الايمان هل يزيد وينقص ~~أم هو على رتبة واحدة . وهذا الاختلاف منشؤه ms126 الجهل بكون الاسم مشتركا ، ~~أعني اسم الايمان ، وإذا فصل مسميات هذا اللفظ ارتفع الخلاف . وهو مشترك ~~بين ثلاثة معان : إذ قد يعبر به عن التصديق اليقين البرهاني ، وقد يعبر به ~~عن الإعتقاد التقليدي إذا كان جزما ، وقد يعبر به عن تصديق معه العمل بموجب ~~التصديق ودليل PageV01P245 اطلاقه على الأول أن من عرف الله تعالى بالدليل ~~ومات عقيب معرفته فإنا نحكم بأنه مات مؤمنا . ودليل اطلاقه على التصديق ~~التقليدي أن جماهير العرب كانوا يصدقون رسول الله تعالى صلى الله عليه وسلم ~~بمجرد إحسانه إليهم وتلطفه بهم ونظرهم في قوانين أحواله من غير نظر في أدلة ~~الواحدانية ووجه دلالة المعجزة ، وكان يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بإيمانهم وقد قال تعالى ' وما أنت بمؤمن لنا ' أي بمصدق ، ولم يفرق بين ~~تصديق وتصديق ، ودليل إطلاقه على الفعل ، قوله عليه السلام : لا يزني ~~الزاني وهو مؤمن حين يزني وقوله عليه السلام : الايمان بضعة وسبعون بابا ~~أدناها إماطة الأذى عن الطريق فنرجع إلى المقصود ونقول : إن أطلق الإيمان ~~بمعنى التصديق البرهاني لم يتصور زيادته ولا نقصانه ، بل اليقين إن حصل ~~بكماله فلا مزيد عليه . وإن لم يحصل بكماله فليس بيقين ، وهي خطة واحدة ولا ~~يتصور فيها زيادة ونقصان إلا أن يراد به زيادة وضوح أي زيادة طمأنينة النفس ~~إليه بأن النفس تطمئن إلى اليقينيات النظرية في الابتداء إلى حل ما ، فإذا ~~تواردت الأدلة على شيء واحد أفاد بظاهر الأدلة زيادة طمأنينة . وكل من مارس ~~العلوم أدرك تفاوتا في طمأنينية نفسه إلى العلم الضروري ، وهو العلم بأن ~~الاثنين أكثر من الواحد وإلى العلم يحدث العالم وإن محدثه واحد ، ثم يدرك ~~أيضا تفرقة بين آحاد المسائل بكثرة أدلتها وقلتها . فالتفاوت في طمأنينية ~~النفس مشاهد لكل ناظر من باطنه ، فإذا فسرت الزيادة به لم يمنعه أيضا في ~~هذا التصديق . # أما إذا أطلق بمعنى التصديق التقليدي فذلك لا سبيل إلى جحد التفاوت فيه ؛ ~~فإنا ندرك بالمشاهدة من حال اليهودي في تصميمه على عقده ومن حال النصراني ~~والمسلم تفاوتا ms127 ، حتى أن الواحد منهم PageV01P246 لا يؤثر في نفسه وحل عقد ~~لمبه التهويلات والتخويفات ولا التحقيقات العلمية ولا التخيلات الإقناعية ، ~~والواحد منهم مع كونه جازما في اعتقاده تكون نفسه أطوع لقبول اليقين ، وذلك ~~لأن الإعتقاد على القلب مثل عقدة ليس فيها انشراح وبرد يقين . والعقدة ~~تختلف في شدتها وضعفها فلا ينكر هذا التفاوت منصف وإنما ينكره الذين سمعوا ~~من العلوم والاعتقادات أساميها ولم يدركوا من أنفسهم ذوقها ، ولم يلاحظوا ~~اختلاف أحوالهم وأحوال غيرهم فيها . وأما إذا أطلق بالمعنى الثالث وهو ~~العمل مع التصديق ، فلا يخفى بطرق التفاوت إلى نفس العمل ، وهل يتطرق بسبب ~~المواظبة على العمل تفاوت إلى نفس التصديق ، هذا فيه نظر ، وترك المداهنة ~~في مثل هذا المقام أولى والحق أحق ما قيل . فأقول : إن المواظبة على ~~الطاعات لها تأثير في تأكيد طمأنينة النفس إلى الإعتقاد التقليدي ورسوخه في ~~النفس ، وهذا أمر لا يعرفه إلا من سبر أحوال نفسه وراقبها في وقت المواظبة ~~على الطاعة وفي وقت الفترة ولاحظ تفاوت الحال في باطنه ، فإنه يزداد بسبب ~~المواظبة على العمل أنسة لمعتقداته ، ويتأكد به طمأنينته ، حتى أن المعتقد ~~الذي طالت منه المواظبة على العمل بموجب اعتقاده أعصا نفسا على المحاول ~~تغييره وتشكيكه ممن لم تطل مواظبته ، بل العادات PageV01P247 تقضي بها ، ~~فإن من يعتقد الرحمة في قلبه على يتيم فإن أقدم على مسح رأسه وتفقد أمره ~~صادف في قلبه عند ممارسة العمل بموجب الرحمة زيادة تأكيد في الرحمة ، ومن ~~يتواضع بقلبه لغيره فإذا عمل بموجبه ساجدا له أو مقبلا يده ازداد التعظيم ~~والتواضع في قلبه ولذلك تعبدنا بالمواظبة على أفعال هي مقتضى تعظيم القلب ~~من الركوع والسجود ليزداد بسببها تعظيم القلوب ، فهذه أمور يجحدها ~~المتحذلقون في الكلام الذين أدركوا ترتيب العلم بسماع الألفاظ ولم يدركوها ~~بذوق النظر . فهذه حقيقة المسألة ، ومن هذا الخبر اختلافهم في معنى الرزق . ~~وقول المعتزلة : إن ذلك مخصوص بما يملكه الإنسان حتى ألزموا أنه لا رزق لله ~~تعال على البهائم ، فربما قالوا هو مما لم يحرم تناوله ، فقيل ms128 لهم فالظلمة ~~ماتوا وقد عاشوا عمرهم لم يرزقوا ، وقد قال أصحابنا إنه عبارة عن المنتفع ~~به كيف كان ، ثم هو منقسم إلى حلال وحرام ، ثم طولوا في حد الرزق وحد ~~النعمة وتضييع الوقت بهذا وأمثاله دأب من لا يميز بين المهم وغيره ولا يعرف ~~قدر بقية عمره ، وإنه لا قيمة له فينبغي أن يضيع العمر إلا بالمهم وبين يدي ~~PageV01P248 النظار أمور مشكلة البحث عنها أهم من البحث عن موجب الألفاظ ~~ومقتضى الإطلاقات ، فنسأل الله أن يوفقنا للاشتغال لما يعنينا . # | 3 - المسائل الفقهية # المسألة الثالثة الفقهية : فمثل اختلافهم في أن الفاسق هل له أن يحتسب ؟ ~~وهذا نظر فقهي ، فمن أين يليق بالكلام ثم بالمختصرات . ولكنا نقول الحق أن ~~له أن يحتسب وسبيله التدرج في التصوير ؛ وهو أن نقول : هل يشترط في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر كون الآمر والناهي معصوما عن الصغائر والكبائر ~~جميعا ؟ فإن شرط ذلك كان خرقا للاجماع ، فإن عصمة الأنبياء عن الكبائر إنما ~~عرفت شرعا ، وعن الصغائر مختلف فيها ، فمتى يوجد في الدنيا معصوم ؟ وإن ~~قلتم إن ذلك لا يشترط حتى يجوز للابس الحرير مثلا وهو عاص به أن يمنع من ~~الزنى وشرب الخمر ، فنقول : وهل لشارب الخمر أن يحتسب على الكافر ويمنعه من ~~الكفر ويقاتله عليه ؟ فإن قالوا لا ، خرقوا الاجماع إذ جنود المسلمين لم ~~تزل مشتملة على العصاة والمطيعين ولم يمنعوا من الغزو لا في عصر النبي صلى ~~الله عليه وسلم PageV01P249 ولا في عصر الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ، ~~فإن قالوا نعم ، فنقول : شارب الخمر هل له أن يمنع من القتل أم لا ؟ فإن ~~قيل لا ، قلنا : فما الفرق بين هذا وبين لابس الحرير إذا منع من الخمر ~~والزاني إذا منع من الكفر ؟ وكما أن الكبيرة فوق الصغيرة فالكبائر أيضا ~~متفاوتة ، فإن قالوا نعم ، وضبطوا ذلك بأن المقدم على شيء لا يمنع من مثله ~~ولا فيما دونه وله أن يمنع مما فوقه ، فهذا الحكم لا مستند له إذ الزنى فوق ~~الشرب ولا يبعد أن يزني ويمنع ms129 من الشراب ويمنع منه ، ربما يشرب ويمنع ~~غلمانه وأصحابه من الشرب ، ويقول : ترك ذلك واجب عليكم وعلي والأمر بترك ~~المحرم واجب علي مع الترك فلي أن أتقرب بأحد الواجبين ، ولم يلزمني مع ترك ~~أحدهما ترك الآخر ، فإذن كما يجوز أن يترك الآمر بترك الشرب وهو بتركه يجوز ~~أن يشرب ويأمر بالترك فهما واجبان فلا يلزم بترك أحدهما ترك الآخر . فإن ~~قيل : فيلزم على هذا أمور شنيعة وهو أن يزني الرجل بامرأة مكرها إياها على ~~التمكين ، فإن قال لها في أثناء الزنى عند كشفها وجهها باختيارها لا تكشفي ~~وجهك فاني لست محرما لك ، والكشف لغير المحرم حرام ، وأنت مكرهة على الزنى ~~مختارة في كشف الوجه فأمنعك من هذا ، فلا شك من أن هذه حسبة باردة شنيعة لا ~~يصير إليها عاقل ؛ PageV01P250 وكذلك قوله إن الواجب علي شيئان العمل ~~والأمر للغير ، وأنا أتعاطى أحدهما وإن تركت الثاني كقوله : إن الواجب علي ~~الوضوء دون الصلاة وأنا أصلي وإن تركت الوضوء ، والمسنون في حقي الصوم ~~والتسحر وأنا أتسحر وإن تركت الصوم ، وذلك محال ، لأن السحور للصوم والوضوء ~~للصلاة ، وكل واحد شرط الآخر وهو متقدم في الرتبة على المشروط ، فكذلك نفس ~~المرء مقدمة على غيره ، فليهذب نفسه أولا ثم غيره أما إذا أهمل نفسه واشتغل ~~بغيره كان ذلك عكس الترتيب الواجب ، بخلاف ما إذا هذب نفسه وترك الحسبة ~~وتهذيب غيره ، فإن ذلك معصية ولكنه لا تناقض فيه . وكذلك الكافر ليس له ~~ولاية الدعوة إلى الاسلام ما لم يسلم هو بنفسه ، فلو قال الواجب علي شيئان ~~ولي أن أترك أحدهما دون الثاني لم يكن منه ، والجواب أن حسبة الزاني ~~بالمرأة عليها ومنعها من كشفها وجهها جائزة عندنا ، وقولكم إن هذه حسبة ~~باردة شنيعة فليس الكلام في أنها حارة أو باردة مستلذة أو مستبشعة ، بل ~~الكلام في أنها حق أو باطل وكم من حق مستبرد مستثقل وكم من باطل مستحلى ~~مستعذب ، فالحق غير اللذيذ والباطل غير الشنيع ، والبرهان القاطع فيه هو ~~أنا نقول : قوله لها لا تكشفي وجهك ms130 فإنه حرام ، ومنعه PageV01P251 إياها ~~بالعمل قول وفعل ، وهذا القول والفعل إما أن يقال هو حرام أو يقال واجب أو ~~يقال هو مباح ، فإن قلتم إنه واجب فهو المقصود ، وإن قلتم إنه مباح فله أن ~~يفعل ما هو مباح ، وإن قلتم إنه حرام فما مستند تحريمه ؟ وقد كان هذا واجبا ~~قبل اشتغاله بالزنى فمن أين يصير الواجب حراما باقتحامه محرما ، وليس في ~~قوله الأخير صدق عن الشرع بأنه حرام ، وليس في فعله إلا المنع من اتحاد ما ~~هو حرام ، والقول بتحريم واحد منهما محال . ولسنا نعني بقولنا للفاسق ولاية ~~الحسبة إلا أن قوله حق وفعله ليس بحرام ، وليس هذا كالصلاة والوضوء فإن ~~الصلاة هي المأمور بها وشرطها الوضوء ، فهي بغير وضوء معصية وليست بصلاة ، ~~بل تخرج عن كونها صلاة وهذا القول لم يخرج عن كونه حقا ولا الفعل خرج عن ~~كونه منعا من الحرام ، وكذلك السحور عبارة عن الاستعانة على الصوم بتقديم ~~الطعام ولا تعقل الاستعانة من غير العزم على ايجاد المستعان عليه . وأما ~~قولكم أن تهذيبه نفسه أيضا شرط لتهذيبه غيره ، فهذا محل النزاع . فمن أين ~~عرفتم ذلك ؟ ولو قال قائل : تهذيب نفسه عن المعاصي شرط للغير ومنع الكفار ، ~~وتهذيبه نفسه عن الصغائر شرط للمنع عن الكبائر كان قوله مثل قولكم ، وهو ~~خرق للاجماع . وأما الكافر فإن حمل كافرا آخر بالسيف على الإسلام فلا يمنعه ~~منه ، ويقول عليه أن يقول لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن يأمر ~~غيره به ولم يثبت أن قوله PageV01P252 شرط لأمره ، فله أن يقول وأن يأمر ~~وإن لم ينطق . فهذا غور هذه المسألة ، وإنما أردنا إيرادها لتعلم أن أمثال ~~هذه المسائل لا تليق بفن الكلام ولا سيما بالمعتقدات المختصرة والله أعلم ~~بالصواب . # | الباب الثالث في الامامة # # | ضرورة الإمامة # النظر في الإمامة أيضا ليس من المهمات ، وليس أيضا من فن المعقولات فيها ~~من الفقهيات ، ثم إنها مثار للتعصبات والمعرض عن الخوض فيها أسلم من الخائض ~~بل وإن أصاب ، فكيف إذا أخطأ ! ولكن إذا جرى ms131 الرسم باختتام المعتقدات به ~~أردنا أن نسلك المنهج المعتاد فإن القلوب عن المنهج المخالف للمألوف شديدة ~~النفار ، ولكنا نوجز القول فيه ونقول : النظر فيه يدور على ثلاثة أطراف : ~~الطرف الأول : في بيان وجوب نصب الإمام . # ولا ينبغي أن تظن أن وجوب ذلك مأخوذ من العقل ، فإنا بينا أن الوجوب يؤخذ ~~من الشرع إلا أن يفسر الواجب بالفعل الذي فيه فائدة وفي تركه أدنى مضرة ، ~~وعند ذلك لا ينكر PageV01P253 وجوب نصب الإمام لما فيه من الفوائد ودفع ~~المضار في الدنيا ، ولكنا نقيم البرهان القطعي الشرعي على وجوبه ولسنا ~~نكتفي بما فيه من إجماع الأمة ، بل ننبه على مستند الإجماع ونقول : نظام ~~أمر الدين مقصود لصاحب الشرع عليه السلام قطعا ، وهذه مقدمة قطعية لا يتصور ~~النزاع فيها ، ونضيف إليها مقدمة أخرى وهو أنه لا يحصل نظام الدين إلا ~~بإمام مطاع فيحصل من المقدمتين صحة الدعوى وهو وجوب نصب الإمام . # فإن قيل : المقدمة الأخيرة غير مسلمة وهو أن نظام الدين لا يحصل إلا ~~بإمام مطاع ، فدلوا عليها . # فنقول : البرهان عيه أن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا ، ونظام ~~الدنيا لا يحصل إلا بإمام مطاع ، فهاتان مقدمتان ففي أيهما النزاع ؟ فإن ~~قيل لم قلتم إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا ، بل لا يحصل إلا ~~بخراب الدنيا ، فإن الدين والدنيا ضدان والاشتغال بعمارة أحدهما خراب الآخر ~~، قلنا : هذا كلام من لا يفهم ما نريده بالدنيا الآن ، فإنه لفظ مشترك قد ~~يطلق على فضول التنعم والتلذذ والزيادة على الحاجة والضرورة ، وقد يطلق على ~~جميع ما هو محتاج إليه قبل الموت . وأحدهما ضد الدين والآخر شرطه ، وهكذا ~~PageV01P254 يغلط من لا يميز بين معاني الألفاظ المشتركة . فنقول : نظام ~~الدين بالمعرفة والعبادة لا يتوصل إليهما إلا بصحة البدن وبقاء الحياة ~~وسلامة قدر الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات ، والأمن هو آخر الآفات ، ~~ولعمري من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما حيزت له ~~الدنيا بحذافيرها ، وليس يأمن الإنسان على روحه وبدنه وماله ومسكنه ms132 وقوته ~~في جميع الأحوال بل في بعضها ، فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه ~~المهمات الضرورية ، وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف ~~الظلمة وطلب قوته من وجوه الغلبة ، متى يتفرغ للعلم والعمل وهما وسيلتاه ~~إلى سعادة الآخرة ، فإذن بان نظام الدنيا ، أعني مقادير الحاجة شرط لنظام ~~الدين . وأما المقدمة الثانية وهو أن الدنيا والأمن على الأنفس والأموال لا ~~ينتظم إلا بسلطان مطاع فتشهد له مشاهدة أوقات الفتن بموت السلاطين والأئمة ~~، وإن ذلك لو دام ولم يتدارك بنصب سلطان آخر مطاع دام الهرج وعم السيف وشمل ~~القحط وهلكت المواشي وبطلت الصناعات ، وكان كل غلب سلب ولم يتفرغ أحد ~~للعبادة والعلم إن بقي حيا ، والأكثرون يهلكون تحت ظلال السيوف ، ولهذا قيل ~~: الدين والسلطان PageV01P255 توأمان ، ولهذا قيل : الدين أس والسلطان حارس ~~وما لا أس له فمهدوم وما لا حارس له فضائع . وعلى الجملة لا يتمارى العاقل ~~في أن الخلق على اختلاف طبقاتهم وما هم عليه من تشتت الأهواء وتباين الآراء ~~لو خلوا وراءهم ولمي كن رأي مطاع يجمع شتاتهم لهلكوا من عند آخرهم ، وهذا ~~داء لا علاج له إلا بسلطان قاهر مطاع يجمع شتات الآراء ، فبان أن السلطان ~~ضروري في نظام الدنيا ، ونام الدنيا ضروري في نظام الدين ، ونظام الدين ~~ضروري في الفوز بسعادة الآخرة وهو مقصود الأنبياء قطعا ، فكان وجوب نصب ~~الإمام من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه فاعلم ذلك . # | صفات الإمامة # الطرف الثاني : في بيان من يتعين من سائر الخلق لأن ينصب إماما . فنقول : ~~ليس يخفى أن التنصيص على واحد نجعله إماما بالتشهي غير ممكن ، فلا بد له من ~~تميز بخاصية يفارق سائر الخلق بهذا ، فتلك خاصية في نفسه وخاصية من جهة ~~غيره . أما من نفسه فأن يكون أهلا لتدبير الخلق وحملهم على مراشدهم . وذلك ~~بالكفاية والعلم والورع ، وبالجملة خصائص القضاة PageV01P256 تشترط فيه مع ~~زيادة نسب قريش ؛ وعلم هذا الشرط الرابع بالسمع حيث قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : الأئمة من قريش فهذا تميزه ms133 عن أكثر الخلق ولكن ربما يجتمع في ~~قريش جماعة موصوفون بهذه الصفة فلا بد من خاصية أخرى تميزه ، وليس ذلك إلا ~~التولية أو التفويض من غيره ، # | تولية الإمام # فإنما يتعين للإمامة مهما وجدت التولية في حقه على الخصوص من دون غيره ، ~~فيبقى الآن النظر في صفة المولى فإن ذلك لا يسلم لكل أحد بل لا بد فيه من ~~خاصية وذلك لا يصدر إلا من أحد ثلاثة : إما التنصيص من جهة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وإما التنصيص من جهة إمام العصر بأن يعين لولاية العهد شخصا ~~معينا من أولاده أو سائر قريش ، وإما التفويض من رجل ذي شوكة يقتضي انقياده ~~وتفويضه متابعة الآخرين ومبادرتهم إلى المبايعة ، وذلك قد يسلم في بعض ~~الأعصار لشخص واحد مرموق في نفسه مرزوق بالمتابعة مسؤول على الكافة ، ففي ~~بيعته وتفويضه كفاية عن تفويض غيره لأن المقصود أن يجتمع PageV01P257 شتات ~~الآراء لشخص مطاع وقد صار الإمام بمبايعة هذا المطاع مطاعا ، وقد لا يتفق ~~ذلك لشخص واحد بل لشخصين أو ثلاثة أو جماعة فلا بد من اجتماعهم وبيعتهم ~~واتفاقهم على التفويض حتى تتم الطاعة . بل أقول : لو لم يكن بعد وفاة ~~الإمام الاقرشي واحد مطاع متبع فنهض بالإمامة وتولاها بنفسه ونشأ بشوكته ~~وتشاغل بها واستتبع كافة الخلق بشوكته وكفايته وكان موصوفا بصفات الأئمة ~~فقد انعقدت إمامته ووجبت طاعته ، فإنه تعين بحكم شوكته وكفايته ، وفي ~~منازعته إثارة الفتن إلا أن من هذا حاله فلا يعجز أيضا عن أخذ البيعة من ~~أكابر الزمان وأهل الحل والعقد ، وذلك أبعد من الشبهة فلذلك لا يتفق مثل ~~هذا في العادة إلا عن بيعة وتفويض . فإن قيل : فإن كان المقصود حصول ذي رأي ~~مطاع يجمع شتات الآراء ويمنع الخلق من المحاربة والقتال ويحملهم على مصالح ~~المعاش والمعاد ، فلو انتهض لهذا الأمر من فيه الشروط كلها سوى شروط القضاء ~~ولكنه مع ذلك يراجع العلماء ويعمل بقولهم فماذا ترون فيه ، أيجب خلعه ~~ومخالفته أم تجب طاعته ؟ قلنا : الذي نراه ونقطع أنه يجب خلعه إن قدر ms134 على ~~أن يستبدل عنه من هو موصوف بجميع الشروط من غير إثارة فتنة وتهييج ~~PageV01P258 قتال ، وإن لم يكن ذلك إلا بتحريك قتال وجبت طاعته وحكم ~~بإمامته لأن ما يفوتنا من المصارفة بين كونه عالما بنفسه أو مستفتيا من ~~غيره دون ما يفوتنا بتقليد غيره إذا افتقرنا إلى تهييج فتنة لا ندري ~~عاقبتها . وربما يؤدي ذلك إلى هلاك النفوس والأموال ، وزيادة صفة العلم ~~إنما تراعى مزية وتتمة للمصالح فلا يجوز أن يعطل أصل المصالح في التشوق إلى ~~مزاياها وتكملاتها ، وهذه مسائل فقهية فيلون المستعبد لمخالفته المشهود على ~~نفسه استبعاده ولينزل من غلوائه فالأمر أهون مما يظنه ، وقد استقضينا تحقيق ~~هذا المعنى في الكتاب الملقب بالمستظهري المصنف في الرد على الباطنية ، فإن ~~قيل فإن تسامحتم بخصلة العلم لزمكم التسامح بخصلة العدالة وغير ذلك من ~~الخصال ، قلنا : ليست هذه مسامحة عن الاختيار ولكن الضرورات تبيح المحظوارت ~~، فنحن نعلم أن تناول الميتة محظور ولكن الموت أشد منه ، فليت شعري من لا ~~يساعد على هذا ويقضي ببطلان الإمامة في عصرنا لفوات شروطها وهو عاجز عن ~~الاستبدال بالمتصدي لها بل هو فاقد للمتصف بشروطها ، فأي أحواله أحسن : أن ~~يقول القضاة معزولون والولايات باطلة والأنكحة غير منعقدة وجميع تصرفات ~~الولاة في أقطار العالم غير نافذة ، وإنما الخلق كلهم مقدمون على الحرام ، ~~أو أن يقول PageV01P259 الإمامة منعقدة والتصرفات والولايات نافذة بحكم ~~الحال والاضطرار ، فهو بين ثلاثة أمور إما أن يمنع الناس من الأنكحة ~~والتصرفات المنوطة بالقضاة وهو مستحيل ومؤدي إلى تعطيل المعايش كلها ويفضي ~~إلى تشتيت الآراء ومهلك للجماهير والدهماء أو يقول إنهم يقدمون على الأنكحة ~~والتصرفات ولكنهم مقدمون على الحرام ، إلا أنه لا يحكم بفسقهم ومعصيتهم ~~لضرورة الحال ، وإما أن نقول يحكم بانعقاد الإمامة مع فوات شروطها لضرورة ~~الحال ومعلوم أن البعيد مع الأبعد قريب ، وأهون الشرين خير بالاضافة ، ويجب ~~على العاقل اختياره ، فهذا تحقيق هذا الفصل وفيه غنية عند البصير عن ~~التطويل ولكن من لم يفهم حقيقة الشيء وعلته وإنما يثبت بطول الألفة في سمعه ~~فلا ms135 تزال النفرة عن نقيضه في طبعه إذ فطام الضعفاء عن المألوف شديد عجز عنه ~~الأنبياء فكيف غيرهم . أبعد قريب ، وأهون الشرين خير بالاضافة ، ويجب على ~~العاقل اختياره ، فهذا تحقيق هذا الفصل وفيه غنية عند البصير عن التطويل ~~ولكن من لم يفهم حقيقة الشيء وعلته وإنما يثبت بطول الألفة في سمعه فلا ~~تزال النفرة عن نقيضه في طبعه إذ فطام الضعفاء عن المألوف شديد عجز عنه ~~الأنبياء فكيف غيرهم . # فإن قيل : فهلا قلتم إن التنصيص واجب من النبي والخليفة كي يقطع ذلك دابر ~~الاختلاف كما قالت بعض الإمامية إذ ادعوا أنه واجب ، قلنا : لأنه لو كان ~~واجبا لنص عليه الرسول عليه السلام ، ولم ينص هو ولم ينص عمر أيضا بل ثبتت ~~إمامة أبو بكر وإمامة عثمان وإمامة علي رضي الله عنهم بالتفويض ، فلا تلتفت ~~إلى تجاهل من يدعي أنه صلى الله عليه وسلم نص على علي لقطع PageV01P260 ~~النزاع ولكن الصحابة كابروا النص وكتموه ، فأمثال ذلك يعارض بمثله ويقال : ~~بم تنكرون على من قال إنه نص على أبي بكر فأجمع الصحابة على موافقته النص ~~ومتابعته ، وهو أقرب من تقدير مكابرتهم النص وكتمانه ، ثم إنما يتخيل وجوب ~~ذلك لتعذر قطع الاختلاف وليس ذلك بمعتذر ، فإن البيعة تقطع مادة الاختلاف ~~والدليل عليه عدم الاختلاف في زمان أبي بكر وعثمان رضي الله عنهم ، وقد ~~توليا البيعة ، وكثرته في زمان علي رضي الله عنه ومعتقد الإمامية أنه تولى ~~بالنص . # | عقيدة اهل السنة في الخلفاء # الطرف الثالث : في شرح عقيدة أهل السنة في الصحابة والخلفاء الراشدين رضي ~~الله عنهم . اعلم أن للناس في الصحابة والخلفاء إسراف في أطراف ؛ فمن مبالغ ~~في الثناء حتى يدعي العصمة للأئمة ، ومنهم متهجم على الطعن بطلق اللسان بذم ~~الصحابة . فلا تكونن من الفريقين واسلك طريق الاقتصاد في الإعتقاد . واعلم ~~أن كتاب الله مشتمل على الثناء على المهاجرين والأنصار وتواترت الأخبار ~~بتزكية PageV01P261 النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بألفاظ مختلفة ، كقوله ~~أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وكقوله : خير الناس قرني ثم الذين ~~يلونهم ms136 وما من واحد إلا وورد عليه ثناء خاص في حقه يطول نقله ، فينبغي أن ~~تستصحب هذا الإعتقاد في حقهم ولا تسيء الظن بهم كما يحكى عن أحوال تخالف ~~مقتضى حسن الظن ، فأكثر ما ينقل مخترع بالتعصب في حقهم ولا أصل له وما ثبت ~~نقله فالتأويل متطرق إليه ولم يجز ما لا يتسع العقل لتجويز الخطأ والسهو ~~فيه ، وحمل أفعالهم على قصد الخير وإن لم يصيبوه . والمشهور من قتال معاوية ~~مع علي ومسير عائشه رضي الله عنهم إلى البصرة والظن بعائشة أنها كانت تطلب ~~تطفئة الفتنة ولكن خرج الأمر من الضبط ، فأواخر الأمور لا تبقى على وفق طلب ~~أوائلها ، بل تنسل عن الضبط ، والظن بمعاوية أنه كان على تأويل وظن فيما ~~كان يتعاطاه وما يحكى سوى هذا من روايات الآحاد فالصحيح منه مختلط بالباطل ~~والاختلاف أكثره اختراعات الروافض والخوارج وأرباب الفضول الخائضون في هذه ~~الفنون . فينبغي أن تلازم الإنكار في كل ما لم يثبت ، وما ثبت فيستنبط له ~~تأويلا . فما تعذر عليك فقل : لعل له تأويلا وعذرا لم أطلع عليه . واعلم ~~أنك في هذا المقام بين أن تسيء PageV01P262 الظن بمسلم وتطعن عليه وتكون ~~كاذبا أو تحسن الظن به وتكف لسانك عن الطعن وأنت مخطئ مثلا ، والخطأ في حسن ~~الظن بالمسلم أسلم من الصواب بالطعن فيهم ، فلو سكت إنسان مثلا عن لعن ~~ابليس أو لعن أبي جهل أو أبي لهب أو من شئت من الأشرار طول عمره لم يضره ~~السكوت ، ولو هفا هفوة بالطعن في مسلم بما هو بريء عند الله تعالى منه فقد ~~تعرض للهلاك ، بل أكثر ما يعلم في الناس لا يحل النطق به لتعظيم الشرع ~~الزجر عن الغيبة ، مع أنه إخبار عما هو متحقق في المغتاب . فمن يلاحظ هذه ~~الفصول ولم يكن في طبعه ميل إلى الفضول آثر ملازمته السكوت وحسن الظن بكافة ~~المسلمين وإطلاق اللسان بالثناء على جميع السلف الصالحين . هذا حكم الصحابة ~~عامة . فأما الخلفاء الراشدون فهم أفضل من غيرهم ، وترتيبهم في الفضل عند ~~أهل السنة كترتيبهم ms137 في الإمامة ، وهذا لمكان أن قولنا فلان أفضل من فلان أن ~~معناه إن محله عند الله تعالى في الآخرة أرفع ، وهذا غيب لا يطلع عليه إلا ~~الله ورسوله إن أطلعه عليه ، ولا يمكن أن يدعي نصوص قاطعة من صاحب الشرع ~~متواترة مقتضية للفضيلة على هذا الترتيب ، بل المنقول الثناء على جميعهم . ~~واستنباط حكم الترجيحات في الفضل من دقائق ثنائه عليهم رمي في عماية ~~واقتحام أمر آخر PageV01P263 أغنانا الله عنه ، ويعرف الفضل عند الله تعالى ~~بالأعمال مشكل أيضا وغايته رجم ظن ، فكم من شخص متحرم الظاهر وهو عند الله ~~بمكان ليس في قلبه وخلق خفي في باطنه ، وكم من مزين بالعبادات الظاهرة وهو ~~في سخط الله لخبث مستكن في باطنه فلا مطلع على السرائر إلا الله تعالى . ~~ولكن إذا ثبت أنه لا يعرف الفضل إلا بالوحي ولا يعرف من النبي إلا بالسماع ~~وأولى الناس بالسماع ما يدل على تفاوت الفضائل الصحابة الملازمون لأحوال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم قد أجمعوا على تقديم أبي بكر ، ثم نص أبو ~~بكر على عمر ، ثم أجمعوا بعده على عثمان ، ثم على علي رضي الله عنهم . وليس ~~يظن منهم الخيانة في دين الله تعالى لغرض من الأغراض ، وكان إجماعهم على ~~ذلك من أحسن ما يستدل به على مراتبهم في الفضل ، ومن هذا اعتقد أهل السنة ~~هذا الترتيب في الفضل ثم بحثوا عن الأخبار فوجدوا فيها ما عرف به مستند ~~الصحابة وأهل الإجماع في هذا الترتيب . فهذا ما أردنا أن نقتصر عليه من ~~أحكام الإمامة والله أعلم وأحكم . # | الباب الرابع بيان من يجب تكفيره من الفرق # اعلم أن للفرق في هذا مبالغات وتعصبات ، فربما انتهى بعض الطوائف إلى ~~تكفير كل فرقة سوى PageV01P264 الفرقة التي يعزى إليها ، فإذا أردت أن تعرف ~~سبيل الحق فيه فاعلم قبل كل شيء أن هذه مسألة فقهية ، أعني الحكم بتكفير من ~~قال قولا وتعاطى فعلا ، فإنها تارة تكون معلومة بأدلة سمعية وتارة تكون ~~مظنونة بالاجتهاد ، ولا مجال لدليل العقل فيها البتة ، ولا ms138 يمكن تفهيم هذا ~~إلا بعد تفهيم قولنا : إن هذا الشخص كافر والكشف عن معناه ، وذلك يرجع إلى ~~الإخبار عن مستقره في الدار الآخرة وأنه في النار على التأبيد ، وعن حكمه ~~في الدنيا وأنه لا يجب القصاص بقتله ولا يمكن من نكاح مسلمة ولا عصمة لدمه ~~وماله ، إلى غير ذلك من الأحكام ، وفيه أيضا إخبار عن قول صادر منه وهو كذب ~~، أو اعتقاد وهو جهل ، ويجوز أن يعرف بأدلة العقل كون القول كذبا وكون ~~الإعتقاد جهلا ، ولكن كون هذا الكذب والجهل موجبا للتكفير أمر آخر ، ومعناه ~~كونه مسلطا على سفك دمه وأخذ أمواله ، ومعنى كونه مسلطا على سفك دمه وأخذ ~~أمواله ومبيحا لإطلاق القول بأنه مخلد في النار ؛ وهذه الأمور شرعية ويجوز ~~عندنا أن يرد الشرع بأن الكذاب أو الجاهل أو المكذب مخلد في الجنة وغير ~~مكترث بكفره ، وإن ماله ودمه معصوم ويجوز أن يرد بالعكس أيضا نعم ليس يجور ~~أن يرد بأن الكذب صدق وأن الجهل PageV01P265 علم ، وذلك ليس هو المطلوب ~~بهذه المسألة بل المطلوب أن هذا الجهل والكذب هل جعله الشرع سببا لإبطال ~~عصمته والحكم بأنه مخلد في النار ؟ وهو كنظرنا في أن الصبي إذا تكلم بكلمتي ~~الشهادة فهو كافر بعد أو مسلم ؟ أي هذا اللفظ الذي صدر منه وهو صدق ، ~~والاعتقاد الذي وجد في قلبه وهو حق ، هل جعله الشرع سببا لعصمة دمه وماله ~~أم لا ؟ وهذا إلى الشرع . فأما وصف قوله بأنه كذب أو اعتقاده بأنه جهل ، ~~فليس إلى الشرع ، فإذا معرفة الكذب والجهل يجوز أن يكون عقليا وأما معرفة ~~كونه كافر أو مسلما فليس إلا شرعيا ، بل هو كنظرنا في الفقه في أن هذا ~~الشخص رقيق أو حر ، ومعناه أن السبب الذي جرى هل نصبه الشرع مبطلا لشهادته ~~وولايته ومزيلا لأملاكه ومسقطا للقصاص عن سيده المستولي عليه ، إذا قتله ، ~~فيكون كل ذلك طلبا لأحكام شرعية لا يطلب دليلها إلا من الشرع . ويجوز ~~الفتوى في ذلك بالقطع مرة وبالظن والاجتهاد أخرى ، فإذا تقرر هذا الأصل فقد ~~قررنا ms139 في أصول الفقه وفروعه أن كل حكم شرعي يدعيه مدع فإما أن يعرفه بأصل ~~من أصول الشرع من إجماع أو نقل أو بقياس على أصل ، وكذلك كون الشخص كافرا ~~إما أن يدرك بأصل أو بقياس على ذلك الأصل ، والأصل المقطوع به أن كل من كذب ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فهو كافر أي مخلد في النار بعد الموت ، ~~PageV01P266 ومستباح الدم والمال في الحياة ، إلى جملة الأحكام . إلا أن ~~التكذيب على مراتب . # | تكفير اليهود والنصارى # الرتبة الأولى : تكذيب اليهود والنصارى وأهل الملل كلهم من المجوس وعبدة ~~الأوثان وغيرهم ، فتكفيرهم منصوص عليه في الكتاب ومجمع عليه بين الأمة ، ~~وهو الأصل وما عداه كالملحق به . # | تكفير البراهمة # الرتبة الثانية : تكذيب البراهمة المنكرين لأصل النبوات ، والدهرية ~~المنكرين لصانع العالم . وهذا ملحق بالمنصوص بطريق الأولى ، لأن هؤلاء ~~كذبوه وكذبوا غيره من الأنبياء ، أعني البراهمة ، فكانوا بالتكفير أولى من ~~النصارى واليهود ، والدهرية أولى بالتكفير من البراهمة لأنهم أضافوا إلى ~~تكذيب الأنبياء إنكار المرسل ومن ضرورة إنكار النبوة ، ويلتحق بهذه الرتبة ~~كل من قال قولا لا تثبت النبوة في أصلها أو نبوة نبينا محمد على الخصوص إلا ~~بعد بطلان قوله . PageV01P267 # | تكفير الفلاسفة # الرتبة الثالثة : الذين يصدقون بالصانع والنبوة ويصدقون النبي ، ولكن ~~يعتقدون أمورا تخالف نصوص الشرع ولكن يقولون أن النبي محق ، وما قصد بما ~~ذكره إلا صلاح الخلق ولكن لم يقدر على التصريح بالحق لكلال أفهام الخلق عن ~~دركه ، وهؤلاء هم الفلاسفة . ويجب القطع بتكفيرهم في ثلاثة مسائل وهي : ~~إنكارهم لحشر الأجساد والتعذيب بالنار ، والتنعيم في الجنة بالحور بالعين ~~والمأكول والمشروب والملبوس . والأخرى : قولهم إن الله لا يعلم الجزئيات ~~وتفصيل الحوادث وإنما يعلم الكليات ، وإنما الجزئيات تعلمها الملائكة ~~السماوية . والثالثة : قولهم إن العالم قديم وإن الله تعالى متقدم على ~~العالم بالرتبة مثل تقدم العلة على المعلول ، وإلا فلم تر في الوجود إلا ~~متساويين . وهؤلاء إذا أوردوا عليهم آيات القرآن زعموا أن اللذات العقلية ~~تقصر الأفهام عن دركها ، فمثل لهم ذلك باللذات الحسية وهذا كفر صريح ، ~~والقول به ms140 إبطال لفائدة الشرائع وسد لباب الاهتداء بنور القرآن واستبعاد ~~للرشد من قول الرسل ، فإنه إذا جاز عليهم الكذب PageV01P268 لأجل المصالح ~~بطلت الثقة بأقوالهم فما من قول يصدر عنهم إلا ويتصور أن يكون كذبا ، وإنما ~~قالوا ذلك لمصلحة . فإن قيل : فلم قلتم مع ذلك بأنهم كفرة ؟ قلنا لأنه عرف ~~قطعا من الشرع أن من كذب رسول الله فهو كافر وهؤلاء مكذبون ثم معالمون ~~للكذب بمعاذير فاسدة وذلك لا يخرج الكلام عن كونه كذبا . # | الفرق الكلامية # الرتبة الرابعة : المعتزلة والمشبهة والفرق كلها سوى الفلاسفة ، وهم ~~الذين يصدقون ولا يجوزون الكذب لمصلحة وغير مصلحة ، ولا يشتغلون بالتعليل ~~لمصلحة الكذب بل بالتأويل ولكنهم مخطئون في التأويل ، فهؤلاء أمرهم في محل ~~الاجتهاد . والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد ~~إليه سبيلا . فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين ~~بقول لا إله إلا الله محمد PageV01P269 رسول الله خطأ ، والخطأ في ترك ألف ~~كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم . وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله ، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها . وهذه الفرق ~~منقسمون إلى مسرفين وغلاة ، وإلى مقتصدين بالإضافة إليهم ، ثم المجتهد يرى ~~تكفيرهم وقد يكون ظنه في بعض المسائل وعلى بعض الفرق أظهر . وتفصيل آحاد ~~تلك المسائل يطول ثم يثير الفتن والأحقاد ، فإن أكثر الخائضين في هذا إنما ~~يحركهم التعصب واتباع تكفير المكذب للرسول ، وهؤلاء ليسوا مكذبين أصلا ولم ~~يثبت لنا أن الخطأ في التأويل موجب للتكفير ، فلا بد من دليل عليه ، وثبت ~~أن العصمة مستفادة من قول لا إله إلا الله قطعا ، فلا يدفع ذلك إلا بقاطع . ~~وهذا القدر كاف في التنبيه على أن إسراف من بالغ في التكفير ليس عن برهان ~~فإن البرهان إما أصل أو قياس على أصل ، والأصل هو التكذيب الصريح ومن ليس ~~بمكذب فليس في معنى الكذب أصلا فيبقى تحت عموم العصمة ms141 بكلمة الشهادة . # | من ينكر أصلا من أصول الدين # الرتبة الخامسة : من ترك التكذيب الصريح ولكن PageV01P270 ينكر أصلا من ~~أصول الشرعيات المعلومة بالتواتر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كقول ~~القائل : الصلوات الخمس غير واجبة ، فإذا قرئ عليه القرآن والأخبار قال : ~~لست أعلم صدر هذا من رسول الله ، فلعله غلط وتحريف . وكمن يقول : أنا معترف ~~بوجوب الحج ولكن لا أدري أين مكة وأين الكعبة ، ولا أدري أن البلد الذي ~~تستقبله الناس ويحجونه هل هي البلد التي حجها النبي عليه السلام ووصفها ~~القرآن . فهذا أيضا ينبغي أن يحكم بكفره لأنه مكذب ولكنه محترز عن التصريح ~~، وإلا فالمتواترات تشترك في دركها العوام والخواص وليس بطلان ما يقوله ~~كبطلان مذهب المعتزلة فإن ذلك يختص لدركه اؤلوا البصائر من النظار إلا أن ~~يكون هذا الشخص قريب العهد بالاسلام ولم يتواتر عنده بعد هذه الأمور فيمهله ~~إلى أن يتواتر عنده ، ولسنا نكفره لأنه أنكر أمرا معلوما بالتواتر ، وإنه ~~لو أنكر غزوة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم المتواترة أو أنكر نكاحه ~~حفصة بنت عمر ، أو أنكر وجود أبي بكر وخلافته لم يلزم تكفيره لأنه ليس ~~تكذيبا في أصل من أصول الدين مما يجب التصديق به بخلاف الحج والصلاة وأركان ~~الإسلام ، ولسنا نكفره بمخالفة الاجماع ، فإن لنا نظرة في تكفير النظام ~~المنكر لأصل الاجماع ، لأن الشبه كثيرة في كون الاجماع حجة قاطعة وإنما ~~الاجماع عبارة عن التطابق على رأي نظري وهذا PageV01P271 الذي نحن فيه ~~تطابق على الأخبار غير محسوس ، وتطابق العدد الكبير على الأخبار غير محسوس ~~على سبيل التواتر الموجب للعلم الضروري ، وتطابق أهل الحق والعقد على رأي ~~واحد نظري لا يوجب العلم إلا من جهة الشرع ولذلك لا يجوز أن يستدل على حدوث ~~العالم بتواتر الأخبار من النظار الذين حكموا به ، بل لا تواتر إلا في ~~المحسوسات # | . من ينكر الإجماع # الرتبة السادسة : أن لا يصرح بالتكذيب ولا يكذب أيضا أمرا معلوما على ~~القطع بالتواتر من أصول الدين ولكن منكر ما علم صحته إلا الاجماع ms142 ، فأما ~~التواتر فلا يشهد له كالنظام مثلا ، إذ أنكر كون الاجماع حجة قاطعة في أصله ~~. وقال : ليس يدل على استحالة الخطأ على أهل الاجماع دليل عقلي قطعي ولا ~~شرعي متواتر لا يحتمل التأويل ، فكلما تستشهد به من الأخبار والآيات له ~~تأويل بزعمه ، وهو في قوله خارق لإجماع التابعين ؛ فإنا نعلم إجماعهم على ~~أن ما أجمع عليه الصحابة حق مقطوع به لا يمكن خلافه فقد أنكر الإجماع وخرق ~~الإجماع وهذا في محل الاجتهاد ، ولي فيه نظر ، إذ الاشكالات كثيرة في وجه ~~كون الاجماع حجة PageV01P272 فيكاد يكون ذلك الممهد للعذر ولكن لو فتح هذا ~~الباب انجر إلى أمور شنيعة وهو أن قائلا لو قال : يجوز أن يبعث رسول بعد ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فيبعد التوقف في تكفيره ومستند استحالة ~~ذلك عند البحث تستمد من الاجماع لا محالة فإن العقل لا يحيله وما نقل فيه ~~من قوله : لا نبي بعدي ومن قوله تعالى : خاتم النبيين فلا يعجز هذا القائل ~~عن تأويله فيقول : خاتم النبيين أراد به أولي العزم من الرسل ، فإن قالوا ~~النبيين عام ، فلا يبعد تخصيص العام . وقوله لا نبي بعدي لم يرد به الرسول ~~، وفرق بين النبي والرسول والنبي أعلى رتبة من الرسول إلى غير ذلك من أنواع ~~الهذيان . فهذا وأمثاله لا يمكن أن ندعي استحالته من حيث مجرد اللفظ فإنا ~~في تأويل ظواهر التشبيه قضينا باحتمالات أبعد من هذه ولم يكن ذلك مبطلا ~~للنصوص ، ولكن الرد على هذا القائل أن الأمة فهمت بالإجماع من هذا اللفظ ~~ومن قرائن أحواله أنه أفهم عدم نبي بعده أبدا وعدم رسول الله أبدا وأنه ليس ~~فيه تأويل ولا تخصيص فمنكر هذا لا يكون إلا منكر الإجماع ، وعند هذا يتفرع ~~مسائل متقاربة مشتبكة يفتقر كل واحد منها إلى نظر ، والمجتهد في جميع ذلك ~~يحكم بموجب ظنه يقينا وإثباتا والغرض الآن تحرير معاقد الأصول التي ياتي ~~PageV01P273 عليها التكفير وقد نرجع إلى هذه المراتب السلتة ولا يعترض فرع ~~إلا ويندرج تحت رتبة من هذه الرتب ms143 ، فالمقصود التأصيل دون التفصيل . فإن ~~قيل : السجود بين يدي الصنم كفر ، وهو فعل مجرد لا يدخل تحت هذه الروابط ، ~~فهل هو أصل آخر ؟ قلنا : لا ، فإن الكفر في اعتقاده تعظيم الصنم ، وذلك ~~تكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ولكن يعرف اعتقاده تعظيم ~~الصنم تارة بتصريح لفظه ، وتارة بالإشارة إن كان أخرسا ، وتارة بفعل يدل ~~عليه دلالة قاطعة كالسجود حيث لا يحتمل أن يكون السجود لله وإنما الصنم بين ~~يديه كالحائط وهو غافل عنه أو غير معتقد تعظيمه ، وذلك يعرف بالقرائن . ~~وهذا كنظرنا أن الكافر إذا صلى بجماعتنا هل يحكم باسلامه ، أي هل يستدل على ~~اعتقاد التصديق ؟ فليس هذا إذن نظرا خارجا عما ذكرناه . ولنقتصر على هذا ~~القدر في تعريف مدارك التكفير وإنما أوردناه من حيث أن الفقهاء لم يتعرضوا ~~له والمتكلمون لم ينظروا فيه نظرا فقهيا ، إذ لم يكن ذلك من فنهم ، ولم ~~ينبه بعضهم بها لقرب المسألة من الفقهيات ، لأن النظر في الأسباب الموجبة ~~للتكفير من حيث أنها أكاذيب وجهالات نظر عقلي ، ولكن النظر من حيث أن تلك ~~الجهالات مقتضية بطلان العصمة وإنما الخلود في النار نظر فقهي وهو المطلوب ~~. PageV01P274 # ونختم الكتاب بهذا ، فقد أظهرنا الاقتصاد في الإعتقاد وحذفنا الحشو ~~والفضول المستغنى عنه ، الخارج من أمهات العقائد ، وقواعدها ، واقتصرنا من ~~أدلة ما أوردناه على الجلي الواضح الذي لا تقصر أكثر الأفهام عن دركه ، ~~فنسأل الله تعالى ألا يجعله وبالا علينا ، وأن يضعه في ميزان الصالحات إذا ~~ردت إلينا أعمالنا ، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم ~~النبيين وعلى آله وسلم تسليما كثيرا آمين . | PageV01P275 ms144