######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009298 #META# 000.BookURI :: #0386.AbuTalibMakki.QutQulub #META# 010.AuthorAKA :: أبو طالب المكي #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن علي بن عطية الحارثي المشهور بأبي طالب المكي #META# 011.AuthorBORN :: - #META# 011.AuthorDIED :: 286 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التصوف :: كتب الأخلاق والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: قوت القلوب #META# 030.LibURI :: JK_009298 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د.عاصم إبراهيم الكيالي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت/لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1426هـ -2005 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة الحمد لله الأول الأزلي قبل الكون ~~والمكان ، من غير أول ولا بداية ، الآخر الأبدي بعد فناء المكنونات ~~والأزمان بغير آخر ولا غاية ، الظاهر في علوه بقهره عن غير بعد ، والباطن ~~في دنوه بقربه من دون مس ، الذي أحسن بلطفه كل شيء بدأه وأتقن صنع كل شيء ~~أنشأه ، ودبرت الأحكام حكمته وصرفت المحكومات مشيئته ، فأظهر في الغيب ~~والشهادة لطيف قدرته وعم في العاجل والآجل خلقه بنعمته ، ونشر على من أحب ~~منهم فضله ، وبسط لجميعهم عدله ، وأنعم عليهم بتعريفهم إياه ، سبحانه ~~وتعالى ، به عز وجل ، وأحسن إليهم باجتبائه إياهم إليه ، وأفضل عليهم ~~بتيسير كلامه لهم ، ومن عليهم ببعثه رسولا من أنفسهم إليهم ، فنسأله الصلاة ~~على النبي وآله ، وأن يوزعنا بفضله وشكر نعمه ، ويعرفنا خفي قدره ، وصلى ~~الله تبارك وتعالى على سيد الأولين والآخرين ، رسوله المفضل بالشفاعة ~~والحوض المورود ، المخصوص بالوسيلة والمقام المحمود ، وعلى إخوانه السالفين ~~في الأزمان ، وأنصاره التابعين بإحسان . وبعد فهذا كتاب قوت القلوب في ~~معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد ، تصنيف الشيخ أبي طالب ~~محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي رضي الله عنه يشتمل على ثمانية وأربعين ~~فصلا هذا ذكرها : الفصل الأول : في ذكر الآي التي فيها المعاملات . الفصل ~~الثاني : في الآي التي فيها ذكر أوراد الليل والنهار . الفصل الثالث : في ~~ذكر عمل المريد في اليوم والليلة . الفصل الرابع : في ذكر ما يستحب من ~~الذكر وقراءة الآي المندوب إليها بعد التسليم من صلاة الصبح . الفصل الخامس ~~: في ذكر الأدعية المختارة بعد صلاة الصبح . الفصل السادس : في ذكر عمل ~~المريد بعد صلاة الصبح . الفصل السابع : في ذكر أوراد النهار وهي سبعة ~~أوراد . الفصل الثامن : في ذكر أوراد الليل وهي خمسة أوراد . PageV01P007 ~~الفصل التاسع : في ذكر وقت الفجر . الفصل العاشر : فيه كتاب معرفة الزوال ~~وزيادة الظل ونقصانه بالأقدام . الفصل الحادي عشر : فيه كتاب فضل الصلاة في ~~الأيام والليالي . الفصل الثاني عشر : في ذكر الوتر وفضل الصلاة في الليل . ~~الفصل الثالث عشر : فيه كتاب جامع ms0001 ما يستحب أن يقول العبد إذا استيقظ من ~~نومه وفي يقظته عند الصباح . الفصل الرابع عشر : في تقسيم قيام الليل ووصف ~~القائمين . الفصل الخامس عشر : في ذكر ورد العبد من التسبيح والذكر والصلاة ~~في اليوم والليلة وفضل صلاة الجماعة وذكر فضل الأوقات المرجو فيها الإجابة ~~وذكر صلاة التسبيح . الفصل السادس عشر : في ذكر معاملة العبد في التلاوة ~~ووصف التالين حق تلاوته بقيام الشهادة . الفصل السابع عشر : فيه كتاب ذكر ~~نوع من المفصل والموصل من الكلم ومدح العاملين به وذم الغافلين عنه وهو من ~~تفسير غريب القرآن . الفصل الثامن عشر : فيه كتاب ذكر الوصف المكروه من نعت ~~الغافلين . الفصل التاسع عشر : فيه كتاب ذكر الجهر بالقرآن وما في ذلك من ~~النيات وتفصيل حكم الجهر والإخفات . الفصل العشرون : في ذكر الليالي المرجو ~~فيها الفضل المستحب إحياؤها وذكر مواصلة الأوراد في الأيام الفاضلة . الفصل ~~الحادي والعشرون : في كتاب الجمعة وهيئة آدابها وذكر المزيد في يوم الجمعة ~~وليلتها . الفصل الثاني والعشرون : فيه كتاب الصوم وترتيبه ووصف الصائمين . ~~الفصل الثالث والعشرون : في ذكر محاسبة النفس ومراعاة الوقت . الفصل الرابع ~~والعشرون : في ذكر ماهية الورد للمريد ووصف حال العارف بالمزيد . الفصل ~~الخامس والعشرون : في كتاب تعريف النفس وتصريف مواجيد العارفين . الفصل ~~السادس والعشرون : فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة . الفصل السابع و ~~العشرون : فيه كتاب أساس المريدين . الفصل الثامن والعشرون : فيه كتاب ~~مراقبة المقربين . الفصل التاسع والعشرون : فيه ذكر أهل المقامات من ~~المقربين وتمييزهم ونعت حال المتعبدين الموقنين وتمييز حال أهل الغفلة ~~المبعدين . PageV01P008 الفصل الثلاثون : فيه كتاب ذكر خواطر القلب لأهل ~~معاملات القلوب . الفصل الحادي والثلاثون : فيه كتاب العلم وتفضيله وأوصاف ~~العلماء ، وذكر فضل علم المعرفة على سائر العلوم ، وكشف طريق العلماء من ~~السلف الصالح ، وذكر بيان فضل علم الباطن على علم الظاهر ، والفرق بين ~~علماء الدنيا وعلماء الآخرة ، وذكر علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا ، ~~وذكر وصف العلم وطريق السلف ، وما أحدث المتأخرون من القصص والكلام ، وباب ~~ذكر ما أحدث الناس من القول والفعل فيما بينهم ms0002 مما لم يكن عليه السلف ، ~~وباب من تفضيل علم الإيمان واليقين على سائر العلوم والتحذير من الزلل فيه ~~وبيان ما ذكرناه ، وباب تفصيل الأخبار وبيان طريق الآثار . الفصل الثاني ~~والثلاثون : في شرح مقامات اليقين وأحكام الموقنين وأصل مقامات اليقين التي ~~ترد إليها فروع أحوال اليقين وهي تسعة : أولها التوبة ثم الصبر ثم الشكر ثم ~~الرجاء ثم الخوف ثم الزهد ثم التوكل ثم الرضا ثم المحبة . الفصل الثالث ~~والثلاثون : فيه شرح مباني الإسلام وهي خمسة : فالأول فرض شهادة التوحيد ~~للمؤمنين ووصف فضائلها وهي شهادة المقربين وذكر شهادة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وفضلها للموقنين ، والثاني شرح الصلاة فأولها فرض الاستنجاء وسننه ~~وفرائض الوضوء وسننه وفضائله وفرائض الصلاة وسننها وأحكام المصلي في فوت ~~الصلاة ودركها وما يتعلق بها وهيئة الصلاة وآداب المصلي فيها ، والثالث شرح ~~الزكاة ووقت أدائها وذكر فضائل الصدقة وآداب العطاء ووصف أحوال الفقراء ، ~~والرابع شرح صوم شهر رمضان ، والخامس شرح كتاب الحج الذي به كمال الشريعة ~~وتمام الملة . الفصل الرابع والثلاثون : فيه كتاب تفصيل الإسلام والإيمان ~~وعقود السنة واعتقاد القلوب ، وشرح معاملة الناس من العلم الظاهر ، وذكر ~~دعائم الإسلام وأركان الإيمان ، واتصال الإيمان بالإسلام واقتران القلوب ~~بالعمل وذكر بيان التفرقة بين الإيمان والإسلام ، والاستثناء في الإيمان ~~والإشفاق من النفاق وطريقة السلف في ذلك . الفصل الخامس والثلاثون : فيه ~~كتاب السنة وشرح فضائلها وجمل من آداب الشريعة وذكر عقود القلوب من علم ~~الظاهر وهي ست عشرة خصلة : أولها أن تعتقد أن الإيمان قول وعمل ، وأن ~~القرآن كلام الله تبارك وتعالى غير مخلوق ، وأن تسلم أخبار الصفات ، وأن ~~تعتقد وتعلم تفضيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تقدم من قدمه ~~الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن تعتقد أن الإمامة في قريش عامة ~~إلى أن تقوم الساعة ، وأن لاتكفر أحدا من أهل القبلة ، وأن تصدق بجميع ~~أقدار الله عز وجل خيرها وشرها ، وأن مساءلة منكر ونكير حق ، وأن عذاب ~~القبر حق ، وأن تؤمن بالميزان ، وأن تعتقد أن الصراط ms0003 حق ، وأن تؤمن بالحوض ~~المورود حوض محمد صلى الله عليه وسلم وأن تؤمن بالنظر إلى الله سبحانه ~~وتعالى ، وأن تعتقد إخراج الموحدين من النار ، وأن تؤمن بوقوع الحساب وفيه ~~فصل مستنبط من PageV01P009 معنى الإجماع بذكر أهل البدع وإخراجهم من ~~الجماعة ، وذكر فضائل السنة ووصف طرائق السلف التابعين بإحسان . الفصل ~~السادس والثلاثون : فيه ذكر جمل الشريعة وعز الإيمان ، وذكر شرط المسلم ~~الذي يكون به مسلما ، وذكر حسن إسلام المرء وعلامة محبة الله عز وجل له ~~وذكر حق المسلم على المسلم وهو وجوب حرمة الإسلام على المسلمين ، وذكر سنن ~~الجسد وذكر ما في اللحية من المعاصي والبدع ، وذكر ما جاء في فضل بعض ذلك ~~واستحسانه ، وكتاب ما ذكر من نوافل الركوع وما يكره من النقصان منه . الفصل ~~السابع والثلاثون : فيه كتاب شرح الكبائر وتفصيلها ومسألة في محاسبة الكفار ~~. الفصل الثامن والثلاثون : فيه كتاب الإخلاص وشرح البيان والأمر بتحسينها ~~في تصرف الأحوال والتحذير من دخول الآفات عليها في الأفعال . الفصل التاسع ~~والثلاثون : فيه كتاب ترتيب الأقوات بالنقصان منها أو بزيادة الأقوات . ~~الفصل الأربعون : فيه كتاب الأطعمة وما يجمع الأكل من السنن والآداب وما ~~يشتمل على الطعام من الكراهية والاستحباب . الفصل الحادي والأربعون : فيه ~~كتاب فرائض الفقر وفضائله ونعت عموم الفقراء وخصوصهم وتفصيل قبول العطاء ~~ورده وطريق السلف فيه . الفصل الثاني والأربعون : فيه كتاب حكم المسافر ~~والمقاصد في الأسفار . الفصل الثالث والأربعون : فيه كتاب حكم الإمام ووصف ~~الإمامة والمأموم . الفصل الرابع والأربعون : فيه كتاب الأخوة في الله عز ~~وجل والصحبة ومحبة الإخوان فيه تبارك وتعالى وأحكام المؤاخاة وأوصاف ~~المحبين . الفصل الخامس والأربعون : فيه كتاب ذكر التزويج في فعله وتركه ~~أيهما أفضل ومختصر أحكام النساء في ذلك . الفصل السادس والأربعون : فيه ~~كتاب ذكر دخول الحمام . الفصل السابع والأربعون : فيه كتاب الصنائع ~~والمعايش والبيع والشراء وما يجب على التاجر والصانع من شروط العلم في ~~أحكام التصرف . الفصل الثامن والأربعون : فيه كتاب تفصيل الحلال والحرام ~~وما بينهما من الشبهات وفضل الحلال وذم الشبهة وتمثيل ذلك بصور الألوان ms0004 . ~~PageV01P010 # | الفصل الأول في ذكر الآي التي فيها ذكر المعاملة # قال الله تعالى : ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان ~~سعيهم مشكورا ) الإسراء : 19 ، وقال عز وجل : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد ~~له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ( ~~الشورى : 20 ، وقال سبحانه وتعالى : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه ~~سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى ( النجم : 39 و 04 و 41 ، وقال جلت قدرته : ~~( كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ) الحاقة : 24 ، وقال ~~عز من قائل : ( ولكل درجات مما عملوا ) الأنعام : 132 ، وقال تبارك وتعالى ~~: ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل ~~صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ) سبأ : 37 ، وقال سبحانه وتعالى : ~~( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) الأعراف : 43 ، وقال ~~سبحانه وتعالى : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا ~~يعملون ) السجدة : 17 ، وقال سبحانه وتعالى : ( نعم أجر العاملين الذين ~~صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) العنكبوت : 58 - 59 ، وقال سبحانه : ( لهم دار ~~السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ) الأنعام : PageV01P011 # | الفصل الثاني في ذكر الآي التي فيها أوراد الليل والنهار # قال الله تعالى : ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو ~~أراد شكورا ) الفرقان : 62 ، وقال جل ثناؤه : ( إن لك في النهار سبحا طويلا ~~واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا ) المزمل : 7 - 8 ، وقال سبحانه : ( واذكر ~~اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ) الدهر : 25 - ~~26 ، وقال تعالى : ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل ~~فسبحه وأدبار السجود ) ق : 39 - 40 ، وقال تعالى : ( وسبح بحمد ربك حين ~~تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ) الطور : 48 - 49 ، وقال تعالى : ( إن ~~ناشئة الليل هي أشد وطأ و أقوم قيلا ) المزمل : 6 ، وقال تعالى : ( ومن ~~آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ms0005 ) طه : 130 ، وقال تعالى : ( أمن ~~هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي ~~الذين يعلمون و الذين لا يعلمون ) الزمر : 9 ، وقال تعالى : ( تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ) السجدة : 61 ، وقال عز اسمه : ( ~~والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ) الفرقان : 64 ، وقال سبحانه وتعالى : ( ~~كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون ) الذاريات : 17 - ~~18 ، وقال تعالى : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن ~~قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك ) الإسراء : 78 - 79 ، ~~وقال : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ~~ذلك ذكرى للذاكرين ) هود : 114 ، وقال سبحانه وتعالى : ( فسبحان الله حين ~~تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات و الأرض وعشيا وحين تظهرون ) الروم ~~: 17 - 18 . PageV01P012 # | الفصل الثالث في ذكر عمل المريد في اليوم والليلة من فرائض الأوامر ~~وفضائل النوادب # فمن ذلك يستحب عند طلوع الفجر ، وهو البياض المشتق من سواد الليل المعترض ~~في قطر السماء الشرقي عند إدبار النجوم وإدبارها افتراقها وذهاب ضوئها ~~لغلبة ضوء الفجر عليها ، وهو الوقت الذي أمر الله تعالى فيه بذكره إذ يقول ~~تعالى : ( ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ) الطور : 49 ، فليصل العبد ركعتي ~~الفجر ، يقرأ فيهما : ( قل يا أيها الكافرون ) الكافرون : 1 و ( قل هو الله ~~أحد ) الإخلاص : 1 ، فهو أكثر ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ~~فيهما ، فإن شاء خافت وإن شاء جهر . فقد روي حديثان أحدهما يدل على ~~المخافتة ؛ وهو حديث عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يخفف ركعتي الفجر حتى أقول قرأ فيهما بفاتحة الكتاب أم لا ، ~~والآخر يدل على الجهر ، وهو حديث ابن عمر : رمقت النبي صلى الله عليه وسلم ~~عشرين يوما فسمعته يقرأ في ركعتي الفجر ( قل يا أيها الكافرون ) الكافرون : ~~1 و ( قل هو الله أحد ) الإخلاص : 1 ، وفي حديث أبي هريرة وابن عباس أنه ~~قرأ في الركعة ms0006 الأولى الآية التي في سورة البقرة ( قولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم و إسماعيل ) البقرة : 631 ، إلى آخرها ، ~~وفي الركعة الثانية ( ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع ~~الشاهدين ) آل عمران : 53 ، فليقرأ بذلك أحيانا ، ثم يستغفر الله تعالى ~~سبعين مرة يقول في كل مرة : أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي ~~القيوم وأسأله التوبة ثم يسبح الله ويهلله مائة مرة بالكلمات الأربع ~~الجامعات المختصرات التي في القرآن وليست PageV01P013 بقرآن : سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وأستغفر الله وتبارك الله مرة ~~واحدة ، وليدع بهذا الدعاء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو به ~~بعد ركعتي الفجر . روينا عن ابن أبي ليلى عن داود عن علي عن أبيه عن ابن ~~عباس قال : بعثني العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله فأتيته ~~ممسيا وهو في بيت خالتي ميمونة فقام يصلي من الليل فلما صلى الركعتين قبل ~~صلاة الفجر قال : اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي ، وتجمع بها ~~شملي ، وتلم بها شعثي ، وترد بها ألفتي ، وتصلح بها علانيتي ، وتقضي بها ~~ديني ، وتحفظ بها غائبي ، وترفع بها شاهدي ، وتزكي بها عملي ، وتبيض بها ~~وجهي ، وتلقني بها رشدي ، وتعصمني بها من كل سوء ، اللهم أعطني إيمانا ~~صادقا ، ويقينا ليس بعده كفر ، ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا ~~والآخرة ، اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء ومنازل الشهداء وعيش السعداء ~~ومرافقة الأنبياء والنصر على الأعداء ، اللهم إني أنزل بك حاجتي وإن قصر ~~رأيي ، وضعف عملي ، وافتقرت إلى رحمتك فأسألك يا قاضي الأمور ويا شافي ~~الصدور كما تجير بين البحور أن تجيرني من عذاب السعير ، ومن دعوة الثبور ~~ومن فتنة القبور ، اللهم ما قصر عنه رأيي ، وضعف عنه عملي ، ولم تبلغه نيتي ~~، ومنيتي من خير وعدته أحدا من خلقك أو خير أنت معطيه أحدا من عبادك ، فإني ~~أرغب إليك فيه وأسألك يا رب العالمين اللهم اجعلنا هادين مهديين ms0007 غير ضالين ~~، ولا مضلين ، حربا لأعدائك ، وسلما لأوليائك ، نحب بحبك الناس ونعادي ~~بعداوتك من خالفك من خلقك ، اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة ، وهذا الجهد ~~وعليك التكلان ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، لا حول ولا قوة إلا بالله ذي ~~الحبل الشديد ، والأمر الرشيد ، أسألك الأمن يوم الوعيد و الجنة يوم الخلود ~~، مع المقربين الشهود ، والركع السجود ، والموفين بالعهود ، إنك رحيم ودود ~~، أنت تفعل ما تريد ، سبحان الذي تعطف بالعز وقال به ، سبحان الذي لبس ~~المجد وتكرم به ، سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له ، سبحان ذي الفضل ~~والنعم ، سبحان ذي القدرة والكرم ، سبحان الذي أحصى كل شيء بعلمه ، اللهم ~~اجعل لي نورا في قلبي ، ونورا في قبري ، ونورا في سمعي ، ونورا في بصري ، ~~ونورا في شعري ، ونورا في بشري ، ونورا في لحمي ، ونورا في دمي ، ونورا في ~~عظامي ، ونورا من بين يدي ، ونورا من خلفي ، ونورا عن يميني ، ونورا عن ~~شمالي ، ونورا من فوقي ، ونورا من تحتي ، اللهم زدني نورا ، وأعطني نورا ، ~~واجعل لي نورا هذه الأنوار التي سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ~~آله في كل جزء من أجزائه ، إنما هو دوام النظر من نور النور يشاهد القيومية ~~في كل سكون وحركة ، منه يكلؤه بنظره ، ويتولاه بحيطته ، فينظر إليه بدوام ~~نظره ليستقيم له بتولي حفظه فلا يزيغ بصره ولا يطغى ولا PageV01P014 ~~تستهويه النفس بهوى ، فليدع العبد بهذا الدعاء بعد ركعتي الفجر ، لكن يقدم ~~على دعائه المسألة لله تبارك وتعالى في الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم ~~وعلى آله فيستجيب سبحانه وتعالى دعوته ولا يرده ، لقول الرسول صلى الله ~~عليه وسلم إذا سألتم الله تعالى حاجة فابدؤوا بالصلاة علي فإن الله تعالى ~~أكرم من أن يسأل في حاجتين فيعطي إحداهما ويرد الأخرى ، ثم ليصل العبد صلاة ~~الغداة في جماعة ليكون في ذمة الله وجواره ، وفي الحديث صلاة الغداة في ~~جماعة أفضل من قيام ليلة وصلاة العشاء الآخرة في جماعة أفضل من قيام نصف ~~ليلة وليكن قائما في صلاته ms0008 بإلقاء سمع ، وشهود قلب ، وحضور عقل ، وجمع هم ، ~~وصحة تيقظ ، وحسن إقبال ، وتدبر للكلام ، وترتيل وتفهم بالتماس غرائب ~~التنزيل . فإذا سلم من صلاته قال ما يستحب من الذكر . PageV01P015 # | الفصل الرابع في ذكر ما يستحب من الذكر وقراءة الآي المندوب إليها بعد ~~التسليم من صلاة الصبح استخرجناها من الآثار # ، اللهم صل على محمد وآله ، اللهم أنت السلام ، ومنك السلام ، وإليك يعود ~~السلام ، فحينا ربنا بالسلام ، وأدخلنا دار السلام ، تباركت يا ذا الجلال ~~والإكرام ، ثم ليقل سبحان الله العظيم ويحمده ثلاثا ، ثم يستغفر الله ثلاثا ~~، ثم يقول : اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد ~~منك الجد ، ثم ليقل وهو ثان رجله من قبل أن يتكلم هذه الكلمات عشر مرات : ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت وهو حي ~~لا يموت ، بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير ، ثم ليقرأ وهو كذلك : قل هو ~~الله أحد عشرا ، ويقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، رب ~~أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون عشر مرات ، وليقل : ( ~~سبحان ربك رب العزة عما يصفون الصافات : 180 إلى آخر السورة ثلاث مرات ، ~~وليقل : ( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ) الروم : 71 إلى آخر الثلاث ~~آيات ثلاث مرات ، ثم يسبح ثلاثا وثلاثين ويحمد كذلك ، ويكبر أربعا وثلاثين ~~، فتلك مائة مرة وإن أحب جعلها خمسا وعشرين زاد فيها التهليل ، وإن قال : ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمسا وعشرين مرة استوعب ~~ذلك مائة تسبيحة وكان أيسر عليه لأجل المداومة ، ثم يقرأ سورة الحمد وآية ~~الكرسي وخاتمة البقرة من قوله : ( آمن الرسول ) البقرة : 285 ، و ( شهد ~~الله ) آل عمران : 18 الآية ، و ( قل اللهم مالك الملك ) آل عمران : 62 ، ~~الآيتين ثم يقرأ : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) التوبة : 128 إلى آخرها ، ~~ثم يقرأ : ( وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ) الإسراء : 111 الآية ، ثم ~~يقرأ : ( لقد صدق الله ms0009 رسوله الرؤيا ) الفتح : 27 إلى آخر السورة ، ثم يقرأ ~~خمسا من أول سورة الحديد وثلاثا من آخر سورة الحشر ، ثم ليقل : اللهم إني ~~أسألك بكرم وجهك الصلاة على محمد وآله ؛ وأسألك الجنة وأعوذ بك من النار ~~سبع مرات ، PageV01P016 وقال قبيصة بن مخارق للنبي صلى الله عليه وسلم : ~~علمني كلمات ينفعني الله بها وأوجز فقد كبر سني وعجزت عن أشياء كنت أعملها ~~، فقال : أما لدنياك فإذا صليت الغداة فقل ثلاث مرات سبحان الله وبحمده ~~سبحان الله العظيم وبحمده لا حول ولا قوة لا بالله فإنك إذا قلتهن أمنت من ~~عمى وجذام وبرص وفالج ، أما لآخرتك فقل : اللهم صل على محمد وآل محمد ~~واهدني من عندك وأفض علي من فضلك وانشر علي من رحمتك وأنزل علي من بركاتك ، ~~ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أنه إذا وافى بهن يوم القيامة ~~لم يدعهن فتح له أربعة أبواب من الجنة يدخل من أيها شاء وإن قال المسبعات ~~العشر التي أهداها الخضر عليه السلام إلى إبراهيم التيمي ووصاه أن يقولها ~~غدوة وعشية وقال له الخضر : أعطانيها محمد صلى الله عليه وسلم وذكر من ~~فضلها وعظم شأنها ما يجل عن الوصف وإنه لا يداوم على ذلك إلا عبد سعيد قد ~~سبقت له من الله عز وجل الحسنى وحذفنا ذكر فضائلها اختصارا ، فإن قال ذلك ~~فقد استكمل الفضل والمداومة عليهن تجمع له جميع ما فرقناه من الأدعية ، روى ~~ذلك سعيد بن سعيد عن أبي طيبة عن كرز بن وبرة قال : وكان من الأبدال ، قال ~~: أتاني أخ لي من الشام فأهدى لي هدية ، وقال : يا كرز اقبل مني هذه الهدية ~~فإنها نعم الهدية ، فقلت : يا أخي من أهدى لك هذه الهدية ؟ قال : أعطانيها ~~إبراهيم التيمي ، قلت : أفلم تسأل إبراهيم من أعطاه ؟ قال : بلى ، قال : ~~كنت جالسا في فناء الكعبة ، وأنا في التهليل والتسبيح والتحميد فجاءني رجل ~~فسلم علي وجلس عن يميني فلم أر في زماني أحسن منه وجها ولا أحسن منه ثيابا ~~ولا أشد بياضا ms0010 ولا أطيب ريحا ، فقلت : يا عبد الله من أنت ومن أين جئت ؟ ~~فقال : أنا الخضر ، فقلت : في أي شيء جئتني ؟ قال : جئتك للسلام عليك ، ~~وحبا لك في الله عز وجل ، وعندي هدية أريد أن أهديها إليك ، فقلت : ما هي ؟ ~~قال : هي أن تقرأ قبل طلوع الشمس وتبسط على الأرض ، وقبل أن تغرب سورة ~~الحمد سبع مرات ، وقل أعوذ برب الناس سبع مرات ، وقل أعوذ برب الفلق سبع ~~مرات ، وقل هو الله أحد سبع مرات ، وقل أيها الكافرون سبع مرات ، وآية ~~الكرسي سبع مرات ، وتقول سبحان الله والحمد لله ولا إليه إلا الله و الله ~~أكبر سبع مرات وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم سبع مرات ، وتستغفر ~~لنفسك ولوالديك وما توالدا ولأهلك وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم ~~والأموات سبع مرات ، وتقول اللهم يا رب افعل بي وبهم عاجلا وآجلا في الدين ~~والدنيا والآخرة ما أنت له أهل ولا تفعل بنا يا مولاي ما نحن له أهل ، إنك ~~غفور حليم ، جواد كريم رؤوف ، رحيم سبع مرات ، وانظر أن لا تدع ذلك غدوة ~~وعشية ، فقلت : أحب أن تخبرني من أعطاك هذه العطية ، فقال : أعطانيها محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، فقلت : أخبرني PageV01P017 بثواب ذلك ، فقال لي : إذا ~~لقيت محمدا صلى الله عليه وسلم فسله عن ثوابه فإنه سيخبرك ، فذكر إبراهيم ~~التيمي رحمه الله أنه رأى ذات ليلة في منامه أن الملائكة جاءته فاحتملته ~~حتى أدخلوه الجنة فرأى ما فيها ، ووصف وصفا عظيما مما رأى في صفة الجنة ، ~~قال : فسألت الملائكة فقلت : لمن هذا كله ؟ فقالوا : للذي عمل مثل عملك ~~وذكر أنه أكل من ثمرها وسقوه من شرابها فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومعه سبعون نبيا وسبعون صفا من الملائكة ، كل صف مثل ما بين المشرق والمغرب ~~فسلم علي وأخذ بيدي ، فقلت : يا رسول الله إن الخضر أخبرني أنه سمع منك هذا ~~الحديث ، فقال : صدق الخضر وكل ما يحكيه فهو حق وهو عالم أهل الأرض وهو ~~رئيس الأبدال وهو من جنود الله عز وجل ms0011 في الأرض ، فقلت : يا رسول الله فمن ~~فعل هذا ولم ير مثل الذي رأيت في منامي ، هل يعطى مما أعطيته ؟ قال : والذي ~~بعثني بالحق إنه ليعطي العامل بهذا وإن لم يرني ولم ير الجنة إنه ليغفر له ~~جميع الكبائر التي عملها ويرفع الله عز وجل عنه غضبه ومقته ويؤمر صاحب ~~الشمال أن لا يكتب عليه شيئا من السيئات إلى سنة والذي بعثني بالحق نبيا ما ~~يعمل بهذا إلا من خلقه الله تعالى سعيدا ولا يتركه إلا من خلقه شقيا ، وقد ~~كان إبراهيم التيمي رحمه الله مكث أربعة أشهر لم يطعم طعاما ولم يشرب شرابا ~~فلعله بعد الرؤيا والله تعالى أعلم ذكره الأعمش عنه فهذا من جمل ما أتى مما ~~يستحب أن يقرأ ويقال بعد صلاة الغداة ، ولذلك فضائل جمة وردت بها الأخبار ~~حذفنا ذكرها للاختصار . | PageV01P018 # | الفصل الخامس في ذكر الأدعية المختارة بعد صلاة الصبح الجامعة المختصرة ~~المأثورة في الأخبار المتفرقة # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح دعاء افتتحه بقوله سبحان ~~ربي العلي الأعلى الوهاب ، وأنه كان يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت وهو حي لا يموت ، بيده الخير وهو على كل ~~شيء قدير ، لا إله إلا الله أهل النعمة والفضل والثناء الحسن لا إله إلا ~~الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، وروينا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها : عليك بالجوامع الكوامل ~~، قولي : اللهم إني أسألك الصلاة على محمد وآله ، وأسألك من الخير كله ~~عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم ، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ~~ما علمت منه وما لم أعلم ، وأسألك الجنة ، وما قرب إليها من قول وعمل ، ~~وأعوذ بك من النار ، وما قرب إليها من قول وعمل ، وأسألك من الخير ما سألك ~~به عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم وأستعيذك مما استعاذك منه عبدك ~~ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم ms0012 وأسألك ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته ~~رشدا برحمتك يا أرحم الراحمين . وعن أنس بن مالك قال ، قال : رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : يا فاطمة ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به أن تقولي يا حي ~~يا قيوم برحمتك أستغيث فأغثني ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني ~~كله ، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه هذا ~~الدعاء فقال : قل اللهم إني أسألك بمحمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى نجيك ~~وكليمك وعيسى روحك وكلمتك وبكلام موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد ~~صلى الله عليه وسلم وكل وحي أوحيته أو قضاء قضيته أو سائل أعطيته أو غني ~~أقنيته أو فقير أغنيته أو ضال هديته وأسألك باسمك PageV01P019 الذي أنزلته ~~على موسى وأسألك باسمك الذي ثبت به أرزاق العباد وأسألك باسمك الذي وضعته ~~على الأرض فاستقرت وأسألك باسمك الذي وضعته على السموات فاستقلت وأسألك ~~باسمك الذي وضعته على الجبال فأرست وأسألك باسمك الذي استقل به عرشك وأسألك ~~باسمك الطهر الطاهر الأحد الصمد الوتر المنزل في كتابك من لدنك من النور ~~المبين وأسألك باسمك الذي وضعته على النهار فاستنار وعلى الليل فأظلم ~~وبعظمتك وكبريائك وبنور وجهك أن تصلي على محمد نبيك وعلى آله وأن ترزقني ~~القرآن والعم وتخلطه بلحمي ودمي وسمعي وبصري وتستعمل به جسدي بحولك وقوتك ~~فإنه لا حول لي ولا قوة إلا بك يا أرحم الراحمين . وروينا عن ابن عمر أن ~~جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فعلمه هذا الدعاء : يا نور ~~السموات والأرض يا جمال السموات والأرض يا عماد السموات والأرض يا بديع ~~السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا صريخ المستصرخين يا غوث ~~المستغيثين يا منتهى رغبة الراغبين والمفرج عن المكروبين والمروح عن ~~المغمومين ومجيب دعوة المضطرين وكاشف السوء وأرحم الراحمين وإله العالمين ~~منزول بك كل حاجة يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين . وعن ابن عمر رضي ~~الله عنهما قال : لم يكن النبي صلى الله عليه ms0013 وسلم يدع أن يدعو بهؤلاء ~~الكلمات حين يصبح ، وحين يمسي : اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة ~~، وأسألك العفو والعافية في ديني ودنياي ، وفي أهلي ومالي ، اللهم استر ~~عورتي وآمن روعاتي ، وأقلني عثراتي ، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن ~~يميني وعن شمالي ومن فوقي ، وأعوذ بك أن أغتال من تحتي . وقال بريد الأسلمي ~~: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بريد ألا أعلمك كلمات من أراد ~~الله عز وجل به خيرا علمهن إياه ثم لم ينسهن إياه أبدا ، قال : قلت بلى يا ~~رسول الله صلى الله عليك ، قال : قل اللهم إني ضعيف فقو في رضاك ضعفي ، وخذ ~~إلى الخير بناصيتي ، واجعل الإسلام منتهى رضاي ، اللهم إني ضعيف فقوني وإني ~~ذليل فأعزني وإني فقير فأغنني برحمتك يا أرحم الراحمين . وروينا عن أبي ~~مالك الأشجعي قال : حدثني أبي قال كنا نغدو إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيجيء الرجل أو تجيء المرأة فيقول كيف أقول يا سول الله إذا أصبحت ؟ قال : ~~تقول اللهم صل على محمد وآله واغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني ~~وأجبرني فقد جمعن لك خير دنياك وآخرتك . وروينا عن أبي زرعة قال : كتب إلي ~~أبو هريرة فيما أكاتبه وشافهني به فيما ألقاه أن الشيطان لا يطيف بإنسان ~~يقول حين يصبح وحين يمسي اللهم إني أعوذ باسمك وكلمتك التامة من شر السامة ~~والهامة وأعوذ باسمك وكلمتك التامة من شر عذابك وشر عبادك وأعوذ باسمك ~~وكلمتك التامة من شر الشيطان الرجيم ، اللهم إني أسألك بأسمائك وكلمتك ~~التامة أن تصلي على نبيك محمد وآله وأسألك من خير ما تعطي وما تسأل ومن خير ~~ما تخفي وخير ما تبدي ، اللهم إني أعوذ باسمك وكلمتك التامة من شر ما يجري ~~به PageV01P020 النهار إن ربي الله الذي لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب ~~العرش العظيم وإن كان مساء قال ومن شر ما جاء به الليل يقول ذلك ثلاثا . ~~وروينا عن عمر بن عبد العزيز عن محمد بن عبيد الله ms0014 قال : أتى أبو الدرداء ~~فقيل له احترقت دارك ، فقال : ما كان الله عز وجل ليفعل ، ثم أتاه آت فقال ~~: يا أبا الدرداء إن النار حيث دنت من دارك طفئت ، فقال : قد علمت ، فقيل ~~له : ما ندري أي قوليك أعجب ، قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول من قال هؤلاء الكلمات في ليل أو نهار لم يضره شيء وقد قلتهن ، وهي ~~اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم لا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم ما شاء الله عز وجل ربي كان وما لم يشأ لم يكن ~~أعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ، اللهم إني ~~أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط ~~مستقيم . وقد روينا عن أبي الدرداء أنه قال : من قال في كل يوم سبع مرات ~~فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ~~كفاه الله عز وجل ما يهمه من أمر آخرته صادقا كان أو كاذبا ، وروينا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما أصاب أحدا هم ولا حزن ، فقال : ~~اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك ~~أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا ~~من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تصلي على نبيك وحبيبك محمد ~~وآله وأن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي ، إلا ~~أذهب الله عز وجل همه ، وحزنه وأبدله مكانه فرحا ، قال : قيل يا رسول الله ~~ألا تتعلمها ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : بل ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها ، ~~وروينا في الأخبار أن إبراهيم الخليل كان يقول إذا أصبح : اللهم هذا خلق ~~جديد فافتحه علي بطاعتك واختمه لي بمغفرتك ورضوانك وارزقني فيه حسنة تقبلها ~~مني ms0015 وزكها وضعفها لي وما عملت فيه من سيئة فاغفرها لي إنك غفور رحيم ودود ~~كريم ، قال : ومن دعا بهذا الدعاء إذا أصبح فقد أدى شكر يومه وكذلك إذا ~~أمسى ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال إذا أصبح وإذا ~~أمسى ثلاث مرات رضيت بالله عز وجل ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه ~~وسلم نبيا كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة ، وروينا عن معمر عن جعفر ~~بن برقان أن عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم كان يقول : اللهم إني أصبحت ~~لا أستطيع دفع ما أكره ولا أملك نفع ما أرجو وأصبح الأمر بيدك لا بيد غيرك ~~وأصبحت مرتهنا بعملي فلا فقير أفقر مني ، اللهم لا تشمت بي عدوي ولا تسيء ~~بي صديقي ولا تجعل مصيبتي في ديني ولا تجعل الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي ~~ولا غاية أملي ولا تسلط علي من لا يرحمني . وروينا عن عطاء عن ابن عباس قال ~~: يلتقي الخضر وإلياس في كل موسم فيفترقان PageV01P021 عن هذه الكلمات : ~~بسم الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله ما شاء الله كل نعمة من ~~الله ما شاء الله الخير كله بيد الله عز وجل ما شاء الله لا يصرف السوء إلا ~~الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله ، فمن قالها إذا أصبح ثلاث مرات ~~أمن الحرق والغرق والسرق ، ويقال : إن هذا من استغفار الخضر عليه السلام : ~~اللهم إني أستغفرك من كل ذنب تبت إليك منه ثم عدت فيه اللهم إني أستغفرك من ~~كل عقبد عقدته لك ثم لم أف لك به اللهم إني أستغفرك من كل نعمة أنعمت بها ~~علي فقويت بها على معصيتك اللهم إني أستغفرك من كل عمل عملته لوجهك خالطه ~~ما ليس لك . وحكى سعيد بن أبي الروحاء الجمال وكان من أهل الخير أنه توحد ~~ذات ليلة في أرض قفرة فاستوحش وفزع فظهر له شخص قال : فاشتد جزعي منه حتى ~~سمعته يقرأ القرآن ثم ms0016 قال : ألا أدلك على شيء إذا أنت قلته أنست إذا ~~استوحشت واهتديت إذا ضللت ونمت إذا أرقت ، قلت : علمني رحمك الله قال ، قل ~~: ' بسم الله ذي الشأن عظيم البرهان شديد السلطان كل يوم هو في شأن لا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ' . وحدثونا عن يعقوب بن عبد الرحمن الدعاء ~~قال : سمعت محمد بن حسان يقول : قال لي معروف الكرخي رحمه الله ألا أعلمك ~~عشر كلمات خمسة للدنيا وخمسة للآخرة من دعا الله عز وجل بهن وجد الله ~~سبحانه وتعالى عندهن قلت : اكتبها ، قال : لا ولكن أرددها عليك كما رددها ~~علي بكر بن حبيش : حسبي الله تبارك وتعالى لديني ، حسبي الله عز وجل لدنياي ~~، حسبي الله الكريم لما أهمني ، حسبي الله الحكيم القوي لمن بغى علي ، حسبي ~~الله الشديد لمن كادني بسوء ، حسبي الله الرحيم عند الموت ، حسبي الله ~~الرؤوف عند المسألة في القبر ، حسبي الله الكريم عند الحساب ، حسبي الله ~~اللطيف عند الميزان ، حسبي الله القدير عند الصراط ، حسبي الله لا إله إلا ~~هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ، وادع بهؤلاء الكلمات : اللهم يا هادي ~~المضلين وراحم المذنبين ومقيل عثرات العاثرين ارحم عبدك ذا الخطر العظيم ~~المسلمين كلهم أجمعين واجعلنا من الأحياء المرزوقين الذي أنعمت عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين يا رب العالمين ، يقال إن عتبة ~~الغلام رئي في المنام فقال : دخلت الجنة بهذه الدعوات ، وليقل بعد ذلك هذا ~~الدعاء : اللهم عالم الخفيات رفيع الدرجات ذا العرش تلقي الروح من أمرك على ~~من تشاء من عبادك غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذا الطول لا إله إلا ~~أنت إليك المصير ، رئي إبراهيم الصائغ في النوم فقيل له : بأي شيء نجوت ؟ ~~فقال : بهذه الدعوات وليقل هذا الدعاء : يا من لا يشغله سمع عن سمع ولا ~~تشتبه عليه الأصوات يا من لا تغلطه المسائل ولا تختلف عليه اللغات يا من لا ~~يتبرم بإلحاح الملحين أذقني برد عفوك وحلاوة رحمتك ، يقال إن الخضر عليه ~~السلام علم علي بن ms0017 أبي طالب عليه السلام هذا الدعاء وليسبح تسبيحات أبي ~~المعتمر وهو سليمان التيمي فقد روى من فضلها PageV01P022 أن يونس بن عبيد ~~رأى رجلا كان قد قتل شهيدا ببلاد الروم فقال له : ما أفضل ما رأيت ثم من ~~الأعمال قال : رأيت تسبيحات أبي المعتمر من الله سبحانه وتعالى بمكان . ~~وقال المعتمر بن سليمان : رأيت عبد الملك بن خالد بعد موته فقلت : ما صنعت ~~؟ قال : خيرا ، قلت : نرجو للخاطئ شيئا ، قال : يلتمس تسبيحات أبي المعتمر ~~فإنها نعم الشيء ، وهذه هي التسبيحات : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله عدد ما خلق الله وعدد ما هو ~~خالق وزنة ما خلق وزنة ما هو خالق وملء ما خلق وملء ما هو خالق وملء سمواته ~~وملء أرضه ومثل ذلك وأضعاف ذلك وعدد خلقه وزنة عرشه ومنتهى رحمته ومداد ~~كلماته ومبلغ علمه ورضاه وحتى يرضى وإذا رضي وعدد ما ذكره به خلقه في جميع ~~ما مضى وعدد ما هم ذاكروه فيما بقي في كل سنة وشهر وجمعة ويوم وليلة وساعة ~~من الساعات ونسمة وشم ونفس ولمحة وطرفة من الأبد إلى الأبد أبد الدنيا وأبد ~~الآخرة وأكثر من ذلك لا ينقطع أولاه ولا ينفد أخراه وليدع بهذا الدعاء فإنه ~~دعاء التوبة مرجو فيه الإجابة . روينا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ~~رضي الله عنها قالت : لما أراد الله عز وجل أن يتوب على آدم طاف سبعا ~~بالبيت وهو يومئذ ليس بمبنى ربوة حمراء ثم قام فصلى ركعتين ثم قال : اللهم ~~إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي ، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي ، وتعلم ما ~~في نفسي فاغفر لي ذنوبي ، اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ويقينا صادقا ~~حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي والرضا بما قسمت لي يا ذا الجلال ~~والإكرام فأوحى الله عز وجل إليه إني قد غفرت لك ولن يأتيني أحد من ذريتك ~~فيدعوني بمثل الذي دعوتني به إلا غفرت له وكشفت غمومه ms0018 وهمومه ونزعت الفقر ~~من بين عينيه وأتجرت له من وراء كل تاجر وجاءته الدنيا وهي راغمة وإن كان ~~لا يريدها وليقل هذه الكلمات المنثورة فإنها مما روى في اسم الله سبحانه ~~وتعالى الأعظم بأخبار في ذلك مأثورة : اللهم إني أسألك بأن الحمد لك لا إله ~~إلا أنت الحنان المنان بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام أنت الأحد ~~الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد يا حي يا قيوم ياحي حين لا ~~حي في ديمومية ملكه وبقائه يا حي محيي الموتى يا حي مميت الأحياء وارث أهل ~~الأرض والسماء اللهم إني أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم وباسمك الذي ~~لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم اللهم إني أسألك باسمك ~~الأعظم الأجل الأعز الأكرم الذي إذا دعيت به أجبت ، وإذا سئلت به أعطيت يا ~~نور النور يا مدبر الأمور يا عالم ما في الصدور يا سميع يا قريب يا مجيب ~~الدعاء يا لطيفا لما يشاء يا رؤوف يا رحيم يا كبير يا عظيم يا الله يارحمن ~~يا ذا الجلال والإكرام الله لا إله إلا هو الحي القيوم وعنت الوجوه للحي ~~القيوم يا إلهي وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ، PageV01P023 اللهم ~~إني أسألك باسمك الله الله الله الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم ~~فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم أنت الأول الآخر ~~الظاهر الباطن وسعت كل شيء رحمة وعلما كهيعص حمعسق الر حم ن يا واحد ، يا ~~قهار ، يا عزيز ، يا جبار ، يا أحد ، يا صمد ، يا ودود ، يا غفور ، هو الله ~~الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ، هو الرحمن الرحيم لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين اللهم إني أدعوك باسمك المكنون المخزون المنزل ~~السلام ، الطهر الطاهر ، القدس المقدس ، يا دهر ، يا ديهور ، يا ديهار ، يا ~~أبد يا أزل ، يا من لم يزل ، ولا يزول ، هو يا هو ms0019 ، لا إله إلا هو ، يا من ~~لا هو إلا هو ، يا من لا يعلم ما هو إلا هو ، يا كان يا كينان يا روح يا ~~كائن قبل كل كون يا كائن بعد كل كون يا مكنون لكل كون اهيا شر اهيا أدناي ~~أصباؤت يا مجلي عظائم الأمور فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وهو رب العرش العظيم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير اللهم صل على ~~محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد ~~وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، وليقل ~~هذه الأدعية المأثورة اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد ~~وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك اللهم يا رب قلبا سليما ولسانا صادقا ~~وعملا متقبلا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما ~~تعلم فإنك تعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ~~واغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أعلنت وما أسررت فإنك أنت المقدم وأنت ~~المؤخر وأنت على كل شيء قدير وعلى كل غيب شهيد اللهم إني أسألك إيمانا لا ~~يرتد ونعيما لا ينفد وقرة عين الأبد ومرافقة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ~~في أعلى جنة الخلد اللهم إني أسألك الطيبات وفعل الخيرات وترك المنكرات وحب ~~المساكين أسألك اللهم يا رب الصلاة على محمد وعلى آله أجمعين وأسألك حبك ~~وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك وأن تتوب علي وتغفر لي وترحمني ، وإذا ~~أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون يا أرحم الراحمين اللهم بعلمك الغيب ~~وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة ~~خيرا لي أسألك اللهم يا رب خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة العدل في الرضا ~~والغضب والقصد في الغنى والفقر ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك وأعوذ ~~بك من ضراء مضرة وفتنة مضلة اللهم يا رب ms0020 زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة ~~مهتدين اللهم صل على محمد وعلى آل محمد واقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا ~~وبين معصيتك ومن طاعتك ما تدخلنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا ~~مصائب الدنيا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارزقنا حزن خوف الوعيد وسرور ~~رجاء الموعود حتى نجد لذة ما نطلب وغم ما منه نهرب اللهم صل على محمد وعلى ~~آل PageV01P024 محمد سيد الأولين والآخرين وصل على محمد وعلى آله أجمعين ~~وألبس وجوهنا منك الحياء واملأ قلوبنا بك فرحا ، وأسكن في نفوسنا من عظمتك ~~، وذلل جوارحنا لخدمتك واجعلك أحب إلينا مما سواك واجعلنا أخشى لك مما سواك ~~اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد وأسألك تمام النعمة بتمام التوبة ودوام العافية ~~بدوام العصمة وأداء الشكر بحسن العبادة اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ~~وأعوذ بك من فتنة الغنى وفتنة الفقر وأعوذ بك من ضيق الصدر وشتات الأمر ~~وعذاب القبر وأعوذ بك من غنى مطغي ومن فقر منسي ومن هوى مردي وقرين مغوي ~~اللهم إني أسألك الصلاة على محمد وعلى آله وأسألك الهدى والتقى والعفاف ~~والغنى اللهم صل على محمد نبيك وصفيك ولا تقدمني لعذاب ولا تؤخرني لسيء ~~الفتن أعوذ بك يا الله من الفتن ما ظهر منها وما بطن وأعوذ بك من المحن ما ~~خفي منها وما علن . وفتنة مضلة اللهم يا رب زينا بزينة الإيمان واجعلنا ~~هداة مهتدين اللهم صل على محمد وعلى آل محمد واقسم لنا من خشيتك ما يحول ~~بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تدخلنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به ~~علينا مصائب الدنيا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارزقنا حزن خوف الوعيد ~~وسرور رجاء الموعود حتى نجد لذة ما نطلب وغم ما منه نهرب اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد سيد الأولين والآخرين وصل على محمد وعلى آله أجمعين وألبس ~~وجوهنا منك الحياء ms0021 واملأ قلوبنا بك فرحا ، وأسكن في نفوسنا من عظمتك ، وذلل ~~جوارحنا لخدمتك واجعلك أحب إلينا مما سواك واجعلنا أخشى لك مما سواك اللهم ~~صل على محمد وعلى آل محمد وأعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم صل على ~~محمد وعلى آل محمد وأسألك تمام النعمة بتمام التوبة ودوام العافية بدوام ~~العصمة وأداء الشكر بحسن العبادة اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأعوذ بك ~~من فتنة الغنى وفتنة الفقر وأعوذ بك من ضيق الصدر وشتات الأمر وعذاب القبر ~~وأعوذ بك من غنى مطغي ومن فقر منسي ومن هوى مردي وقرين مغوي اللهم إني ~~أسألك الصلاة على محمد وعلى آله وأسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى اللهم ~~صل على محمد نبيك وصفيك ولا تقدمني لعذاب ولا تؤخرني لسيء الفتن أعوذ بك يا ~~الله من الفتن ما ظهر منها وما بطن وأعوذ بك من المحن ما خفي منها وما علن ~~. اللهم إني أسألك الصلاة على نبيك محمد وعلى آله وأسألك خير هذا اليوم ~~وخير ما فيه وأعوذ بك من شره وشر ما فيه أعوذ بك اللهم يا رب من شر طوارق ~~الليل والنهار ومن بغتات الأمور وفجأة الأقدار ومن شر كل طارق يطرق إلا ~~طارقا يطرق منك بخير يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما اللهم صل على محمد ~~وعلى آله واجعل يومنا هذا أوله صلاحا وأوسطه فلاحا وآخره نجاحا اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد واجعل أوله رحمة وأوسطه نعمة وآخرة تكرمة اللهم صل ~~على محمد نبيك وعلى آله وأعوذ بك أن أزل أو أزل أو أضل أو أضل أو أظلم أو ~~أظلم أو أجهل أو يجهل علي عز جارك وجل ثناؤك وتبارك أسماؤك ولا إله غيرك ~~اللهم صل على محمد وعلى آله وأعوذ بك من عذاب جهنم وعذاب القبر ومن فتنة ~~المحيا والممات ومن فتنة المسيح والدجال وإذا أردت بقوم سوءا أو فتنة ~~فاقبضني إليك غير مبدل ولا مفتون اللهم صل على محمد وعلى آله اللهم أحيني ~~ما كانت الحياة خيرا لي ms0022 وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي وأسألك خير الحياة ~~وبركة الحياة وأعوذ بك من شر الوفاة ، وأسألك خير ما بينهما وخير ما بعد ~~ذلك أحيني حياة السعداء حياة من تحب بقاءه وتوفني وفاة الشهداء وفاة من تحب ~~لقاءه يا خير الرازقين ، ويا أحسن التوابين ويا أحكم الحاكمين ويا أرحم ~~الراحمين ويا رب العالمين ، أعوذ بك من شر ما يلج في الأرض وما يخرج منها ~~ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ، الحمد لله الذي تواضع كل شيء ~~لعظمته وذل كل شيء لعزته وخضع كل شيء لملكه واستسلم كل شيء لقدرته ، والحمد ~~لله الذي سكن كل شيء لهيبته والحمد لله الذي أظهر كل شيء بحكمته وتصاغر كل ~~شيء لكبريائه اللهم صل على نبيك محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته ~~PageV01P025 في العالمين إنك حميد مجيد كريم ، اللهم صل على محمد عبدك ~~ونبيك ورسولك النبي الأمي الرسول الأمين وأعطه المقام المحمود يوم الدين ، ~~اللهم إني أعوذ بك من حدة الحرص وشدة الطمع وسورة الغضب وسنة الغفلة وتعاطي ~~الذلة ، أعوذ بك من مباهاة المكثرين والإزراء على المقلين وأن أنصر ظالما ~~أو أخذل مظلوما وأن أقول في العلم بغير العلم وأعمل في الدين بغير يقين ، ~~اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم ، اللهم إني ~~أعوذ بك من اتباع خطوات الشيطان وشركه في المال والأهل وقبول أمره في السوء ~~والفحشاء ، اللهم إني أسألك الصلاة على نبيك محمد ، وعلى آله وأسألك حسن ~~الاختيار وصحة الاعتبار وصدق الافتقار ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، ~~وافتح بخير واختم بخير وأنت الفتاح العليم ، اللهم صل على نبيك محمد وعلى ~~آل محمد ، وارحم ما خلقت واغفر ما قدرت وطيب مارزقت وتمم ما أنعمت وتقبل ما ~~استعملت واحفظ ما استحفظت ولا تهتك ما سترت فإنه لا إله لنا إلا أنت ، ~~أستغفرك من كل لذة بغير ذكرك ومن كل راحة بغير خدمتك ومن كل سرور بغير قربك ~~ومن كل فرح بغير مجالستك ومن كل ms0023 شغل بغير معاملتك ، اللهم صل على محمد وعلى ~~آل محمد ، واجعلنا من أوليائك المتقين وحزبك المفلحين وعبادك الصالحين ، ~~اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، واستعملنا بمرضاتك عنا ووفقنا لمحابك منا ~~وصرفنا بحسن اختيارك لنا ، اللهم صل على نبيك محمد وعلى آله ، ونسألك جوامع ~~الخير وفواتحه وخواتمه ونعوذ بك من جوامع الشر وفواتحه وخواتمه ، اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد ، واحفظنا فيما أمرتنا واحفظنا عما نهيتنا واحفظ لنا ~~ما أعطيتنا يا حافظ الحافظين ويا ذاكر الذاكرين ويا شاكر الشاكرين ، بحفظك ~~حفظوا وبذكرك ذكروا وبفضلك شكروا ، يا غوث يا مغيث يا مستغاث يا غياث ~~المستغيثين لا تكلني إلى نفسي يا رب طرفة عين فأهلك ولا تكلني إلى الخلق ~~فأضيع اكلأني كلاءة الوليد ولا تخل عني وتولني بما تتولى به عبادك الصالحين ~~، اللهم صل على نبيك محمد وعلى آله وبقدرتك علي تب علي إنك أنت التواب ~~الرحيم ، وبحلمك عني اعف عني إنك أنت الغفار وبعلمك بي ارفق بي إنك أنت ~~الرحمن الرحيم وبملكك لي ملكني نفسي ولا تسلطها علي إنك أنت الملك الجبار ~~سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت ، عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي إنك ~~أنت ربي لا إله إلا أنت ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد ، وألهمني رشدي وقني شر نفسي ، اللهم صل على محمد ، وعلى آل ~~محمد وارزقني حلالا لا تعاقبني عليه وقنعني بما رزقتني واستعملني به صالحا ~~تقبله مني ، اللهم إني أسألك أن تصلي على نبيك محمد وعلى آل محمد ، وأسألك ~~العفو والعافية وحسن اليقين والمعافاة في الدنيا والآخرة ، PageV01P026 ~~اللهم صل على نبيك محمد وعلى آل محمد وأعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من ~~سخطك وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك أبوء بنعمتك ~~إليك وأبوء بذنوبي إليك ، هذه يداي بما كسبت أنا عبدك ابن عبدك ناصيتي بيدك ~~، جار في حكمك نافذ في قضاؤك ، عدل في مشيئتك إن تعذب فأهل ذلك أنا ، وإن ~~ترحم ms0024 فأهل ذلك أنت فافعل . حمد ، وعلى آل محمد وارزقني حلالا لا تعاقبني ~~عليه وقنعني بما رزقتني واستعملني به صالحا تقبله مني ، اللهم إني أسألك أن ~~تصلي على نبيك محمد وعلى آل محمد ، وأسألك العفو والعافية وحسن اليقين ~~والمعافاة في الدنيا والآخرة ، اللهم صل على نبيك محمد وعلى آل محمد وأعوذ ~~بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليك أنت ~~كما أثنيت على نفسك أبوء بنعمتك إليك وأبوء بذنوبي إليك ، هذه يداي بما ~~كسبت أنا عبدك ابن عبدك ناصيتي بيدك ، جار في حكمك نافذ في قضاؤك ، عدل في ~~مشيئتك إن تعذب فأهل ذلك أنا ، وإن ترحم فأهل ذلك أنت فافعل . اللهم يا ~~مولاي يا الله يارب ، افعل بي ما أنت له أهل ، ولا تفعل اللهم يا رب يا ~~الله بي ما أنا له أهل ، فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة ، يا من لا تضره ~~الذنوب ولا تنقصه المغفرة هب لي اللهم يا رب ما لا يضرك وأعطني ما لا ينقصك ~~، أفرغ اللهم علينا يا رب صبرا وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين أنت ولينا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة إنا هدنا إليك ، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ، ~~ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ، ~~ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين ، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا ، ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، اللهم إني أسألك أن تصلي ~~على نبيك محمد وعلى آل محمد ، وأسألك الصيانة والعون على الطاعة والعصمة من ~~المعصية وإفراغ الصبر في الخدمة وإيزاع الشكر على النعمة ، وأسألك يا مولاي ~~يا الله يا رب الصلاة على نبيك محمد وعلى آل محمد وحسن الخاتمة اللهم إني ~~أسألك أن تصلي على نبيك محمد وعلى آل محمد ، وأسألك اليقين وحسن المعرفة بك ~~وأسألك المحبة وحسن ms0025 التوكل عليك وأسألك الرضا وحسن المنقلب إليك ، ربنا ~~إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ، ربنا وآتنا ما وعدتنا على ~~رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ، ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ~~إلى آخرها . اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وطهر قلوبنا في قلوب الأبرار ، ~~وزك أعمالنا في عمل الأخيار وصل على أرواحنا في أرواح الشهداء يا أكرم ~~الأكرمين ويا أجود الأجودين ويا أرحم الراحمين ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة ~~وعلما وزهدا وعبادة وأمنا ورزقا من حلال وفي الآخرة حسنة رضوانك والجنة ، ~~وقنا برحمتك عذاب النار وعذاب القبر ، وقنا سخطك وغضبك وعذابك وأهواله ~~عاجلا وآجلا في الدين والدنيا والآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين ، وإن تمجد ~~الله تعالى غدوة وعشية بما مجد به نفسه عز وجل ، فقد روي من ثواب ذلك ما هو ~~غاية الطالبين ، روينا عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: إن الله تبارك وتعالى يمجد نفسه في كل يوم ، يقول سبحانه وتعالى : إني ~~أنا الله رب العالمين ، إني أنا الله لا إله إلا أنا الحي PageV01P027 ~~القيوم ، إني أنا الله لا إله إلا أنا العلي العظيم ، إني أنا الله لا إله ~~إلا أنا العفو الغفور ، إني أنا الله لا إله إلا أنا مبدئ كل شيء وإلي يعود ~~، إني أنا الله لا إله إلا أنا لم ألد ولم أولد ، إني أنا الله لا إله إلا ~~أنا العزيز الحكيم ، إني أنا الله لا إله إلا أنا مالك يوم الدين ، إني أنا ~~الله لا إله إلا أنا الرحمن الرحيم ، إني أنا الله لا إله إلا أنا خالق ~~الخير والشر ، إني أنا الله لا إله إلا أنا خالق الجنة والنار ، إني أنا ~~الله الذي لا إله إلا أنا الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ~~ولدا ، إني أنا الله ms0026 لا إله إلا أنا الفرد الوتر ، إني أنا الله لا إله إلا ~~أنا عالم الغيب والشهادة ، إني أنا الله لا إله إلا أنا الملك القدوس ، إني ~~أنا الله لا إله إلا أنا السلام المؤمن المهيمن ، إني أنا الله لا إله إلا ~~أنا العزيز الجبار المتكبر ، إني أنا الله لا إله إلا أنا الخالق البارئ ، ~~إني أنا الله لا إله إلا أنا الأحد المصور ، إني أنا الله لا إله إلا أنا ~~الكبير المتعال ، إني أنا الله لا إله إلا أنا المقتدر القهار ، إني أنا ~~الله لا إله إلا أنا الحكيم الكبير ، إني أنا الله لا إله إلا أنا القادر ~~الرزاق ، إني أنا الله لا إله إلا أنا أهل الثناء والمجد ، إني أنا الله لا ~~إله إلا أنا أعلم السر وأخفى ، إني أنا الله لا إله إلا أنا فوق الخلق ~~والخليقة ، إني أنا الله لا إله إلا أنا الجبار المتكبر ، فيختم ويقول ~~فسبحان الله رب العرش العظيم ، فمن دعا بهذه الكلمات فليقل أنت الله كذا ~~وأنت الله كذا ، ومن دعا بهذه الأسماء كتب من الشاكرين الساجدين المخبتين ~~الذين يجاورون محمدا صلى الله عليه وسلم وإبراهيم وموسى وعيسى والنبيين ~~صلوات الله عليهم أجمعين في دار الجلال وله ثواب العابدين في السموات ~~والأرضين ، وليقل اللهم صل على محمد وآل محمد صلاة تكون لك رضاء ولحقه أداء ~~، وأعطه الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته وأجزه عنا ما ~~هو أهله وأجزه أفضل ما جازيت نبيا عن أمته وأعطه الشرف والشفاعة يوم الدين ~~، اللهم صل على محمد نبي الرحمة وسيد الأمة وعلى جميع إخوانه النبيين وصل ~~على أبينا آدم وأمنا حواء ومن ولدا بينهما من الصالحين والمسلمين ، وصل على ~~ملائكتك أجمعين من أهل السموات والأرضين ، وصل علينا معهم برحمتك يا أرحم ~~الراحمين ، واغفر لي ولوالدي وما توالدا ، وارحمهما كما ربياني صغيرا واغفر ~~للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات ، رب اغفر ~~وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم وأنت خير الراحمين وخير الغافرين ~~، وإنا لله وإنا ms0027 إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل ، وحسبنا الله وحده لا شريك له ، فهذا جامع ما جاء ~~من فضائل ما يقال من الدعاء عن المصطفى صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة وعن ~~أئمة الهدى ، وحذفنا ذكر فضائل ذلك وما جاء فيه من الروايات إيجازا ، يقول ~~هذا الدعاء بعد صلاة الغداة وقبل غروب الشمس في كل يوم ، فإن قاله بعد صلاة ~~مكتوبة فقد استكمل الفضل بفضل الله عز وجل ورحمته . PageV01P028 # | الفصل السادس في ذكر عمل المريد بعد صلاة الغداة # وهو أنه يأخذ في تلاوة القرآن وفي أنواع الذكر من التسبيح والحمد والثناء ~~وفي التفكر في عظمة الله سبحانه وتعالى وآلائه وفي تواتر إحسانه ونعمائه ، ~~من حيث يحتسب العبد ومن حيث لا يحتسب وفيما يعلم العبد وفيما لا يعلم ، ~~ويتفكر في تقصيره عن الشكر في ظواهر النعم وبواطنها وعجزه عن القيام بما ~~أمره به من حسن الطاعة ودوام الشكر على النعمة ، أو يتفكر فيما عليه من ~~الأوامر والنوادب فيما يستقبل ، أو يتفكر في كثيف ستر الله تبارك وتعالى ~~عليه ولطيف صنعه به وخفي لطفه له وفيما اقترف وفرط فيه من الزلل وفي فوت ~~الأوقات الخالية من صالح العمل ، أو يتفكر في حكم الله تعالى في الملك ~~وقدرته في الملكوت وآياته وآلائه فيهما ، أو يتفكر في عقوبات الله عز وجل ~~وبلائه الظاهرة والباطنة فيهما ومن ذلك قوله عز وجل : ( وذكرهم بأيام الله ~~) إبراهيم : 5 ، قيل بنعمه وقيل بعقوباته ومنه قوله عز وجل : ( فاذكروا ~~آلاء الله لعلكم تفلحون ) الأعراف : 69 ، ومثله ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ~~الرحمن : 25 أي بأي نعمة تكذبان يا معشر الجن والإنس إن استطعتم وهما ~~الثقلان ، ففي أي نوع من هذه المعاني أخذ فيه فهو ذكر ، والذكر عبادة ، وهو ~~يخرج إلى الفكر والفكر يدخل في الخوف ، والذكر إذا قوي صار مشاهدة ، كما ~~قال عز وجل : ( يذكرون الله قياما ) آل عمران : 191 ، ثم قال : ( ويتفكرون ~~في خلق السموات والأرض ) آل عمران : 191 ثم قال : ( سبحانك ms0028 فقنا عذاب النار ~~) آل عمران : 191 ولا يكون مشاهدة إلا عن يقين واليقين روح الإيمان ومزيده ~~وفن المؤمن ، وقال بعض العلماء في تفسير الخبر تفكر ساعة خير من عبادة سنة ~~، وهو التفكر الذي ينقل أي من المكاره إلى المحاب ومن الرغبة والحرص إلى ~~القناعة والزهد ، وقيل هو التفكر الذي يظهر مشاهدة وتقوى ويحدث ذكرا وهدى ، ~~كقوله تعالى : ( واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) البقرة : 63 ، ولقوله تعالى ~~: ( لعلهم يتقون ) الزمر : 28 ، أو يحدث لهم ذكرا ومثله : ( يبين الله لكم ~~الآيات لعلكم تتفكرون ) البقرة : 219 في الدنيا والآخرة أي يفعلون لما يبقى ~~ويرغبون فيما يدوم ويزهدون فيما يفنى وقد جعل الله عز وجل البيان ~~PageV01P029 يعلمنا اقتضاء الشكر عليه فقال : ( يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تشكرون ) المائدة : 89 وكما قال تعالى : ( واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) ~~البقرة : 63 وقد وصف أعداءه بعد ذلك فقال : ( الذين كانت أعينهم في غطاء عن ~~ذكرى ) الكهف : 101 ، وقالت أم الدرداء كانت أكثر عبادة أبي الدرداء التفكر ~~، وقد كان يقول : ما يسرني أن أريح في كل يوم ثلاثمائة دينار أنفقها في ~~سبيل الله عز وجل ، قيل : ولم ذلك ؟ قال : يشغلني ذلك عن التفكر ، أو يعتقد ~~حسن النيات وينوي جميل الطويات فيما بينه وبين الخالق تعالى وفيما بينه ~~وبين الخلق أو يستغفر الله تعالى ، ويجدد التوبة لما مضى من عمره ولما ~~يأتنف من مستقبله ، أو يخلص الدعاء بتمسكن وتضرع وتملق وتخشع ووجل وإخبات ~~إلى أن يعصمه من جميع المنهى ، وأن يوفقه لصالح الأعمال ويتفضل عليه برغائب ~~الأفضال وهو في ذلك فارغ القلب مجرد الهم موقن بالإجابة راض بالقسم ، أو ~~يتكلم بمعروف وخير ويدعو به إلى الله تعالى وينفع به أخاه ، ويعلم من هو ~~دونه في العلم ، فهذه كانت أذكار المتقدمين وأفكار السالفين ، وقد كان ~~الذكر والفكر من أفضل عبادة العابدين وهو طريق مختصر إلى رب العالمين ففي ~~أي هذه المعاني أخذ فهو ذاكر لله عز وجل ، فلا يزال كذلك وهو في جميع ذلك ~~مستقبل القبلة في مصلاه ، ولا يستحب ms0029 له أن يتكلم أو يعمل غير ما ذكرناه من ~~الأذكار ، وقد كانوا يكرهون الكلام بغير معروف وتقوى من طلوع الفجر إلى ~~طلوع الشمس ، ومنهم من شدد في ذم الكلام من الفجر إلى صلاة الغداة بغير ذكر ~~وبر ، وهذه سنة قد خملت فمن عمل بها فقد ذكرها . PageV01P030 # | الفصل السابع في ذكر أوراد النهار # وهي سبعة أوراد ، وهذا هو الورد الأول من النهار ، وفي النهار سبعة أوراد ~~أولها من طلوع الفجر ، الثاني إلى طلوع الشمس وهو كما ذكرناه من الأذكار ~~وهو الذي أقسم الله عز وجل به فقال : ( والصبح إذا تنفس ) التكوير : 18 ، ~~فتنفسه من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وهو الظل الذي أمده الله تعالى لعباده ~~ثم قبضه إليه ببسطه الشمس عليه وأظهر من آياته وجعل الشمس كشفا له ودليلا ~~عليه فقال سبحانه : ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ) الفرقان : 45 ، يعني ~~بسطه ولو شاء لجعله ساكنا يعني مقيما على حاله لا يتجول ، ( ثم جعلنا الشمس ~~عليه دليلا ) الفرقان : 45 يقول كشفناه بها ففيه أن الدليل هو الذي يكشف ~~المشكل ويرفع المشتبه ( ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا ) الفرقان : 46 يعني أن ~~الظل من تحت الشمس قبض قبضا يسيرا أي خفيفا لا يفطن له ولا يرى فاندرج الظل ~~في الشمس بقدرته اندراج الظلمة في النور إذا دخل عليها بحكمته وهو الإصباح ~~والفلق الذي يمدح الله عز وجل بخلقه وأمرنا بالتنزيه له عنده والاستعاذة من ~~شر ما خلق فيه فقال عز وجل : ( فالق الإصباح ) الأنعام : 96 وقال : ( ~~فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ) الروم : 17 ، أي فسبحوه بالصلاة ~~عندهما وقال : ( قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ) الفلق : 1 - 2 يعني فلق ~~الصبح فإذا أمن العبد الفتنة والكلام فيما لا يعنيه والاستماع إلى شبهة من ~~القول وأمن النظر إلى ما يكره أو يشغله عن الذكر أو يذكره الدنيا أمن من ~~دخول الآفة عليه من التزين والتصنع للناس ورزق الشغل بمولاه والإخلاص له ~~بالإعراض عمن سواه فقال ما ذكرناه من الذكر في ms0030 مصلاه في مسجد الجماعة فهو ~~أفضل ، فلذلك أمر الله برفع المساجد في قوله عز وجل : ( في بيوت أذن الله ~~أن ترفع ويذكر فيها اسمه ) النور : 36 ، وإن لم يأمن الفتنة وخشي دخول ~~الآفة عليه من لقاء من يكره ، ومن يلجئه إلى تقية ومداراة أو خاف الكلام ~~فيما لا يعنيه أو الاستماع إلى ما لا يندب إليه انصرف إذا صلى الغداة إلى ~~منزله أو إلى موضع خلوة بعد أن يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له ~~الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء ~~قدير ، عشر مرات في مصلاه ، وهو ثان رجله قبل أن يقوم ، ويقرأ بعدها ( قل ~~هو الله أحد ) الإخلاص : 1 PageV01P031 عشرا قبل أن يتكلم ، فقد اشترط ترك ~~الكلام في هذين الحديثين اللذين وردا فيهما ، ثم أتى ببقية ورده في بيته أو ~~في خلوته ، وهو في ذلك مستقبل القبلة وهذا حينئذ أفضل له وأجمع لقلبه ، ولا ~~يقدم على التسبيح لله عز وجل والذكر له بعد صلاة الغداة ، وقبل طلوع الشمس ~~إلا أحد معنيين معاونة على بر وتقوى فرض عليه أو ندب إليه ما يختص به لنفسه ~~أو يعود نفعه على غيره ، ويكون ذلك أيضا مما يخاف فوته بفوت وقته ، والمعنى ~~الآخر يكون إلى تعلم علم أو استماعه مما يقربه إلى الله تعالى في دينه ~~وآخرته ويزهده في الدنيا ، والهوي من العلماء بالله عز وجل الموثوق بعلمهم ~~وهم علماء الآخرة أولو اليقين والهدى ، الزاهدون في فضول الدنيا ، ويكون في ~~طريقه ذاكرا لله عز وجل أو متفكرا في أفكار العقلاء عن الله عز وجل فإن ~~اتفق له هذان فالغدو إليهما أفضل من جلوسه في مصلاه لأنهما ذكر الله عز وجل ~~وعمل له ، وطريق إليه على وصف مخصوص مندوب إليه ، قال الله عز وجل : ( ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه ) الأنعام : 52 ، وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : من غدا من بيته في طلب العلم فهو في سبيل ms0031 الله ~~حتى يرجع . وقال ابن مسعود : اغد عالما أو متعلما أو مستمعا ولا تكن الرابع ~~فتهلك والغدو والغداة تكون قبل طلوع الشمس ، وفي الخبر من خرج من بيته في ~~طلب العلم فهو في سبيل الله عز وجل حتى يرجع ، ومن خرج من منزله يلتمس علما ~~وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما صنع ، واستغفر له دواب الأرض وملائكة ~~السماء وطير الهواء وحيتان الماء ، وفي حديث أبي ذر الغفاري رحمه الله حضور ~~مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة وأفضل من شهود ألف جنازة ومن عيادة ألف ~~مريض ، قيل : ومن قراءة القرآن ؟ فقال : وهل تنفع قراءة القرآن إلا بعلم ، ~~فإن لم يتفق له أحد هذه المعنيين فقعوده في مصلاه أو في مسجد جماعته أو في ~~بيته أو في خلوته ذاكرا الله عز وجل بأنواع الأذكار أو متفكرا فيما فتح له ~~بمشاهدة هذه الأفكار في مثل هذه الساعة أفضل له مما سواها ، روينا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : لأن أقعد في مسجد أذكر الله عز وجل فيه من صلاة ~~الغداة إلى طلوع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب ، وروينا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا صلى الغداة قعد في مصلاه حتى تطلع الشمس ، وفي ~~بعضها ، ويصلي ركعتين ، وقد ندب إلى ذلك في غير حديث ، وجاء من فضل الجلوس ~~بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس وفي صلاة ركعتين بعد ذلك ما يجل وصفه ، ~~اختصرناه . روينا عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر من رحمة ~~ربه أنه قال يا ابن آدم اذكرني من بعد صلاة الفجر ساعة وبعد صلاة العصر ~~ساعة أكفك ما بينهما ، فإذا ارتفعت الشمس وابيضت صلى الضحى ثماني ركعات ~~وهذا الوقت هو الذي ذكره الله عز وجل في قوله ( يسبحن بالعشي و الإشراق ) ص ~~: 18 ثم ينظر ، فإن علم مريضا عاده ، وإن حضرت جنازة شيعها ، وإن كانت ~~معونة على بر وتقوى سعى فيها ، وإن كانت حاجة لأخ من إخوانه PageV01P032 ~~قضاها ، وإن كانت فرضا ms0032 يلزمه القيام به سارع إليه ، وإن لاح له فضل ندب ~~إليه انتهزه قبل فوته ، فهذا أفضل شيء يعمله بعد الأذكار والأفكار من بعد ~~طلوع الشمس . فإذا فرغ من ذلك ولم يتفق له ما ذكرناه من القربات أخذ في ~~الصلاة أو تلاوة القرآن أو صنوف الأذكار مما أمر به أو ندب إليه أو ~~المحاسبة لنفسه فيما سلف أو المطالبة لها والاستخراج منها فيما يأتنف أو ~~المراقبة لربه في كل حال إلى أن تنبسط الشمس وترمض الفصال ويرتفع النهار ، ~~هذا هو الورد الثاني من النهار وهو الضحى الأعلى الذي أقسم الله تعالى به ~~فقال : ( والضحى ) الضحى : 1 ، أي إذا أضحت الأقدام بحر الشمس ، وإذا كان ~~العبد على ذلك فقد اتبع ما أنزل إليه ربه عز وجل ، وقد سمع قوله عز وجل : ( ~~اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) الأعراف : 3 ، لأنه قال : ( إنما أمرت أن ~~أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ) النمل : 91 ، ثم قال : ( وأن أتلوا القرآن ~~) النمل : 92 ، كما قال تعالى : ( أتل ما أوحي إليك من الكتاب و أقم الصلاة ~~إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر ولذكر الله أكبر ) العنكبوت : 45 وصلاة ~~الضحى في هذا الوقت أفضل وهو حقيقة وقتها وجود اسمها ، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلاة الضحى إذا رمضت الفصال ، وخرج على أصحابه عليه الصلاة ~~والسلام يوما وهم يصلون عند الإشراق فنادى بأعلى صوته ألا إن صلاة الأوابين ~~إذا رمضت الفصال ، وقوله الأوابين يعني التوابين إلى الله عز وجل في كل وقت ~~، ثم ليأخذ العبد بعد ذلك فيما ندب إليه وأبيح له من التصرف في معاش إن كان ~~من تجارة بصدق أو صناعة بنصح إن أحوج إلى ذلك وليكتف إن كفى ، وأدنى أحواله ~~الصمت والنوم ففيهما سلامة من الآثام ومخالطة الأنام فقد جاء في العلم يأتي ~~على الناس زمان يكون أفضل علمهم الصمت وأفضل أعمالهم النوم ، ومن الناس من ~~يكون أحسن أحواله النوم وليت العبد يكون في اليقظة كالنوم إذ في نومه سلامة ~~والسلامة متعذرة في يقظته ms0033 وإنما الفضائل للأفاضل الذين زادوا على السلامة ~~والعدل بالإحسان والفضل ، هذا لدخول المشكلات في الكلام ووجود الآفات في ~~الأحوال وخروج الإخلاص من الأعمال . وكان سفيان الثوري يقول : كان يعجبهم ~~إذا تفرغوا أن يناموا طلبا للسلامة ، فمن الناس من يكون أحسن أحواله النوم ~~وليت العبد يكون يقظته كالنوم إذ في نومه السلامة وأفضل أعماله في هذا ~~الوقت السلامة ، وإنما الفضائل لأهل الأفضال الذين زادوا على السلامة ~~والعدل بالإحسان ، والفضل ، فإن نام في هذا الوقت فهو حينئذ نوم القائلة ~~وما تسبب فيه من المعايش يصنعه في هذا الوقت من الضحى الأعلى إلى زوال ~~الشمس ، وهذا هو الورد الثالث من النهار ، ثم يتوضأ للصلاة قبل دخول وقتها ~~وكذلك ويستحب وهو من المحافظة عليها والإقامة لها فإن حصلت كفايته في يومه ~~وقوته في وقت من النهار ترك السوق ودخل بيته أو قعد في PageV01P033 بيت ~~مولاه تعالى واشتغل بخدمته متزودا لعاقبته ، وقد كان الصالحون كذلك يفعلون ~~، كان يقال لا يوجد المؤمن إلا في ثلاث مواطن : مسجد يعمره ، أو بيت يستره ~~، أو حاجة لا بد له منها ، فإذا زالت الشمس فإن أبواب السماء تفتح للمصلين ~~والذاكرين ويستجاب الدعاء للمؤمنين ، فهذا هو الورد الرابع من النهار ، ~~فليصل بعد الزوال أربع ركعات يقرأ فيهن بمقدار سورة البقرة أو سورتين من ~~المائتين أو أربع من المثاني يطيلهن ويحسنهن ولا يفصل بينهن بتسليم هذه ~~الصلاة وحدها من بين صلاة النهار أربع ركعات بتسليمة واحدة ، وهذا الورد هو ~~الإظهار الذي ذكر الله عز وجل الحمد فيه فقال : ( وله الحمد في السموات ~~والأرض وعشيا وحين تظهرون ) الروم : 18 ، وليتق العبد الصلاة عند استواء ~~الشمس في كبد السماء وهو قبل زوالها عند تقلص الظل وقيام ظل كل شيء تحته ، ~~فإذا زال الظل فقد زالت وقد خفي استواؤها في الشتاء لقصر النهار ولعدول ~~الشمس في سيرها عن وسط الفلك فتقطع عرضا فيكون أقرب لغروبها فليقدر ذلك ~~تقريبا ومقدار استوائها قبل الزوال نحو أربع ركعات بجزء من القرآن أو قدر ~~جزء وهو آخر الورد الثالث ms0034 ، وإنما فيه ورد القراءة والتسبيح والتفكر وهو ~~أحد الأوقات الخمسة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيهن ~~والأربعة الأخر عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمحين في عين الناظر وعند ~~تدليها للغروب حتى تحتجب وبعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر وأحب له الإحياء ~~ما بين الأذان والإقامة بالركوع ، لأنها ساعة مستجاب فيها الدعاء وتفتح ~~فيها أبواب السماء وتزكو فيها الأعمال ، وأفضل أوقات النهار أوقات الفرائض ~~فإن لم يقرأ بين الأذانين من درسه فاستحب له أن يقرأ في تنفله الآي التي ~~فيها الدعاء مثل آخر سورة آل عمران ومن تضاعيف السور الاثنين والثلاث مثل ~~قوله تعالى : ( أنت ولينا فاغفرلنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ) الأعراف : ~~155 ، ومثل قوله : ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ) آل عمران : 8 ، ~~وقوله : ( ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ) الممتحنة : 4 ، وإن ~~قرأ الآي التي فيها التعظيم والتسبيح والأسماء الحسنى فحسن ، مثل أول سورة ~~الحديد وآخر سورة الحشر ومثل آية الكرسي وقل هو الله أحد ليكون بذلك جامعا ~~بين التلاوة والدعاء وبين الصلاة والتعظيم والمدح بالأسماء ، ثم ليصل الظهر ~~في جماعة ولا يدع أن يصلي قبلها أربعا وبعدها أربعا بعد ركعتين ، وهذا آخر ~~الورد الرابع من النهار وهو أقصر الأوراد وأفضلها ، فإن كان قد رقد قبل ~~الزوال فلا يرقد في هذا الورد فإنه يكره له نومتان في يوم كما يكره له نوم ~~النهار من غير سهر بالليل . وروينا عن بعض العلماء ، ثلاث يمقت الله عليها ~~: الضحك من غير عجب ، والأكل من غير جوع ، ونوم النهار من غير سهر بالليل ، ~~وإن لم يكن قد رقد فأحب أن ينام بين PageV01P034 الظهر والعصر ليتقوى بذلك ~~على قيام الليل فلينم ، فإن نومه بعد الظهر لليلة المستقبلة ونومه قبل ~~الظهر لليلة الماضية ، فإن دام سهره بالليل واتصلت أوراده بالنهار حسن أن ~~ينام قبل الظهر لما سلف من ليله ، وينام بعد الظهر لما غبر من الأخرى ، إلا ~~أنه لا يستحب له أن يزيد في اليوم والليلة أكثر من ms0035 نوم ثمان ساعات ، ومن ~~الناس من يقول إنه إن نقص من نوم هذا المقدار في اليوم والليلة اضطرب بدنه ~~لأن النوم قوت الجسم وراحته ، قال الله تعالى : ( وجعلنا نومكم سباتا ) ~~النبأ : 9 ، أي راحة كما قال : ( وجعلنا النهار معاشا ) النبأ : 11 ، إلا ~~أن يكون السهر عادة فإن العادة قد تعمل عمل الطبع وتنقل عن العرف فلا يقال ~~عليها ، وإحياء ما بين الظهر والعصر وهو صلاة الغفلة وهو يشبه بقيام الليل ~~، ويستحب العكوف في المسجد بين الأولى والعصر للصلاة والذكر ليجمع بين ~~الاعتكاف والانتظار للصلاة فقد كان ذلك من سنة السلف ، قال : كان الداخل ~~يدخل المسجد بين الظهر والعصر فيسمع للمصلين دويا كدوي النحل من التلاوة ~~إلا أن يكون بيته أسلم لدينه وأجمع لقلبه فالأسلم هو الأفضل ، ، كذلك إحياء ~~الورد الثالث الذي هو بين الضحى الأعلى إلى زوال الشمس فوق هذا الفضل يدرك ~~به العبد فوت قيام الليل لأن الناس في هذين الوقتين مشغولون بطلب الدنيا ~~وخدمة الهوى والقلب المتيقظ لربه عز وجل يفرغ في هذين الوقتين ويسكن ، ويجد ~~العامل للعمل حلاوة وللإقبال والتفرغ لذة ويكون لفراغه من الخلق وشغله ~~بالخالق تعالى مزيد وبركة ، وهذا أحد الوجهين في قوله تعالى : ( وهو الذي ~~جعل الليل و النهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) الفرقان : 62 أي ~~جعلهما خلفتين يتعاقبان في الفضل فيخلف أحدهما الآخر ، فمن فاته شيء من ~~الليل قضاه في هذين الوردين من النهار ، أحدهما من الضحى الأعلى إلى الزوال ~~، والثاني ما بين الأولى والعصر ، والوجه الثاني أن النهار كله خلفة من ~~الليل فمن فاته شيء من عمل الليل قضاه بالنهار فكان منه بدلا ، ومن فاته ~~شيء من أوراد النهار كان الليل خلفا إذ لكل واحد منهما خلف من صاحبه ، ففيه ~~درك ما فات ، وخلف ما سلف من الذكر والشكر ، والذكر اسم جامع لأعمال القلوب ~~كلها من مقامات اليقين ، ومشاهدة العلوم من الغيب ، والشكر أيضا يستعمل على ~~جمل أعمال الجوارح من شرائع الإسلام ، وهذان جملة عمل العبد وكنه خدمته ms0036 ، ~~وهذان المعنيان اللذان هما ذكرهما الكليم للجليل في قوله تعالى : ( كي ~~نسبحك كثيرا ) ( ونذكرك كثيرا ) طه : 33 - 34 ، انتظم التسبيح والذكر في ~~جمل تصرف الجسم وتصرف القلب ، وهذا الورد الخامس الذي هو ما بين العصرين من ~~أطول الأوراد وأمتعها للعبادة وهو يضاهي الورد الثالث في الطول وهو أصيل ~~النهار وأحد الآصال التي ذكر الله عز وجل فيه سجود كل شيء ، وقرنه بالغدو ~~فقال : ( ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو ~~والأصال ) الرعد : 15 ، فما أقبح أن تكون الأشياء الموات لربها PageV01P035 ~~ساجدات ذاكرات والمؤمن الحي عن ربه معرض ذو غفلات ، ثم ليصل قبل صلاة العصر ~~أربعا ويغتنم الصلاة بين الأذان والإقامة كما ذكرنا آنفا فإنها ساعة مرجوة ~~فيها الإجابة فإذا دخل وقت العصر دخل العبد في الورد السادس من النهار وقد ~~أقسم الله عز وجل به في قوله : ( والعصر ) العصر : 1 ، وهذا أحد المعنيين ~~في الآية وهو أحد الوجهين من الوقت في الآصال الذي ذكره الله عز وجل ، وهو ~~العشي الذي ذكر الله عز وجل التسبيح فيه والتنزيه والحمد له فقال : ( وعشيا ~~وحين تظهرون ) الروم : 18 ، وقال بالعشي والإشراق وليس في هذا الورد صلاة ~~إلا ما كان بين الأذانين ثم ينتقل بعد العصر فيما شاء من ذكر أو فكر من ~~أعمال القلوب والجوارح فيما فرض عليه أو ندب إليه ، وأفضل ذلك تلاوة القرآن ~~بتدبر وترتيل وتفهم وحسن تأويل ، فإذا اصفرت الشمس ومات حرها وارتفعت إلى ~~أطراف الجدر ورؤوس الشجر فكانت مثلها حين تطلع دخل في الورد السابع من ~~النهار ، فهذا للتسبيح والذكر والتلاوة والاستغفار إلى غروب الشمس ، ومن ~~أفضل ما قيل في هذا الوقت وفي مثله من أول النهار أن يقال : أستغفر الله ~~لذنبي وسبحان الله بحمد ربي ، لجمعه بين الاستغفار والتسبيح في الكلام بلفظ ~~الأمر بهما في القرآن لقوله تعالى : ( واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والإبكار ) غافر : 55 ، وإن قال أستغفر الله الحي القيوم وأسأله التوبة ~~سبحان الله العظيم وبحمده ، فقد جاء فضل ذلك في الأثر ms0037 والأفضل الاستغفار ~~على الأسماء كما في القرآن مثل أن يقول أستغفر الله إنه كان غفارا أستغفر ~~الله إنه كان توابا أستغفر الله إن الله غفور ، أستغفر الله التواب الرحيم ~~رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين ، فاغفر لنا وارحمنا ، وأنت خير الغافرين ~~، وهذا الورد في الفضل مثل الورد الأول من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وهو ~~المساء الذي ذكر الله تعالى التنزيه فيه فقال : ( فسبحان الله حين تمسون ~~وحين تصبحون ) الروم : 71 ، أي سبحوا الله عز وجل ، فأقام الاسم مقام الفعل ~~وهو الطرف الثاني من النهار الذي أمر الله عز وجل فيه بالتسبيح بقوله عز ~~وجل : ( فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ) طه : 130 ، ويستحب أن يقرأ قبل ~~غروب الشمس ( و الشمس وضحاها ) الشمس : 1 ( والليل إذا يغشى ) الليل : 1 ~~والمعوذتين وأن تغرب الشمس عليه وهو في الاستغفار فذلك مما أمر به في هذا ~~الوقت من الأذكار ، وكل ما يستحب من التسبيح والحمد والدعاء والذكر في أول ~~النهار قبل طلوع الشمس فإنه يستحب في هذا الورد قبل غروب الشمس لأن الله ~~تعالى قرنهما في الذكر فقال تعالى : ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها ) طه : 031 ، وقال تعالى : ( وأطراف النهار لعلك ترضى ) طه : 031 ، ~~وقال تعالى : ( بالعشي والإبكار ) غافر : 55 ، وقال تعالى : ( قل أعوذ برب ~~الفلق ) ، ( من شر ما خلق ) ( ومن شر غاسق إذا وقب ) الفلق : 1 - 2 - 3 ، ~~PageV01P036 أي من شر الليل إذا دخل ، فليعد العبد ما ذكرناه في الورد ~~الأول من الأدعية والتسبيح وليقل عند أذان المغرب : اللهم هذا إقبال ليلك ~~وإدبار نهارك وأصوات دعاتك وحضور صلاتك وشهود ملائكتك ، صل على محمد وعلى ~~آله وأعطه الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته ، ثم ليقل : ~~رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ؛ ثلاثا ، ~~ففي هذا أثر وفضل ، وكذلك فليقل مثله إذا سمع أذان الفجر إلا أنه يقول : ~~عند إدبار ليلك وإقبال نهارك والنص بهذا في صلاة المغرب ، وكان الحسن ~~البصري يقول : كانوا أشد تعظيما للعشي منهم ms0038 لأول النهار ، وقال بعض السلف : ~~كانوا يجعلون أول النهار للدنيا وآخره للآخرة ، فإذا توارت بالحجاب انقضت ~~أوراد النهار السبعة ، فانظر أيها المسكين ماذا انقضى لك معها وماذا انقضى ~~منك عندها وماذا قضى عليك فيها ، فقد قطعت من عمرك مرحلة ونقصت من أيامك ~~يوما ، فماذا قطعت في سفرك بقطع مرحلتك وماذا ازددت في غدك بما نقصت من ~~يومك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : الناس غاديان : فغاد لنفسه فمعتقها ~~أو راهن نفسه فموبقها ، وقد قال الله عز وجل في تصديق قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ( إن سعيكم لشتى ) الليل : 4 ، وقال في معناه : ( كل نفس ~~بماكسبت رهينة ) ( إلا أصحاب اليمين ) المدثر : 83 - 93 ، وجاء في الخبر : ~~لا بورك لي في يوم لا أزداد فيه خيرا ، وجاء في الأثر : من استوى يوماه فهو ~~مغبون ومن كان يومه شرا من أمسه فهو محروم ، ثم دخلت أوراد الليل الخمس ~~فتدارك الآن رحمك الله تعالى فيما يستقبل من الليل ما فات فيما مضى من ~~النهار ، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ~~أن الله عز وجل يبغض كل جعظري جواظ أي سمين كثير الأكل سخاب بالأسواق جيفة ~~بالليل حمار بالنهار عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة . | PageV01P037 # | الفصل الثامن في ذكر أوراد الليل الخمسة # وفي الليل خمسة أوراد أولها أن يصلي بعد المغرب ست ركعات ، ويستحب ذلك ~~قبل أن يكلم أحدا ، يقرأ في الأوليين : ( قل يا أيها الكافرون ) الكافرون : ~~1 ( قل هو الله أحد ) الإخلاص : 1 وليسرع بهما بعد صلاة المغرب من قبل أن ~~يتكلم ويشتغل بشيء ، وفي الخبر : أسرعوا بركعتين بعد المغرب فإنهما يرفعان ~~معها : فإن كان منزله قريبا من مسجده فلا بأس أن يركعهما في بيته وليطل ~~الأربعة الأخر ، وكان أحمد بن حنبل رحمه الله يستحب أن يصليهما الرجل في ~~بيته ، وكذلك كان يفعل ويقول : هو سنة ، لأنه روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يصليهما في بيته ، ولكن بيت رسول الله صلى الله عليه ms0039 وسلم كان في ~~مؤخر المسجد ، وقد صلاهما في المسجد ، ثم ليصل بين العشاءين ما تيسر إلى أن ~~يغيب الشفق الثاني وهو البياض الذي يكون بعد ذهاب الحمرة وبعد غسق الليل ~~وظلمته لأنه آخر مابقي من شعاع الشمس في القطر الغربي إذا قطعت الأرض ~~العليا ودارت من وراء جبل قاف مصعدة تطلب المشرق فهذا هو الوقت المستحب ~~لصلاة العشاء الآخرة ، وهذا آخر الورد الأول من أوراد الليل ، والصلاة فيه ~~ناشئة الليل أي ساعاته لأنه أول نشوء ساعاته ، وهو آن من الآناء التي ذكرها ~~الله عز وجل في قوله : ( ومن آناء الليل فسبح ) طه : 031 ، فالآناء جمع آن ~~أي وقت منه فصل وقيل ناشئة الليل قيام الليل ، هذا وافق لسان الحبشة تقول ~~نشا إذا قام ، وقد أقسم الله تعالى به فقال : ( فلا أقسم بالشفق ) الانشقاق ~~: 61 والشفق ما بين العشاءين ، وهي صلاة الأوابين ويقال أيضا صلاة الغفلة ، ~~قال يونس بن عبيد عن الحسن في قوله عز وجل : ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع ) ~~السجدة : 61 ، قال الصلاة بين العشاءين ، حتى قال أنس بن مالك رضي الله عنه ~~وقد سئل عمن نام بين المغرب والعشاء ، فقال لاتفعل فإنها هي الساعة التي ~~وصف الله عز وجل المؤمنين بالقيام فيها فقال عز وجل : ( تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع ) السجدة : 61 ، يعني الصلاة بين المغرب والعشاء وقد أسند ابن أبي ~~الدنيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية ( تتجافى جنوبهم ~~عن المضاجع ) السجدة : 61 ، قال الصلاة فيما بين العشاءين ، ثم قال عليكم ~~بالصلاة فيما بين العشاءين PageV01P038 فإنها تذهب بملاغاة أول النهار ~~وتهذب آخره ، قوله الملاغاة : جمع ملغاة من اللغو أي تسقط اللغو أي تطرح ~~المطرح عن العبد من الباطل واللهو وتهذب له آخره أي تصفيه وتجوده ، ويستحب ~~العكوف في المسجد بين العشاءين للصلاة وتلاوة القرآن ، فقد روي فضل ذلك لا ~~أن يكون بيته أسلم له لدخول آفة عليه فما سلم فيه فضل به ، ثم ليصل قبل ~~العشاء الآخرة أربعا وبعدها ركعتين ثم أربعا ويقال إن ms0040 الأربع بعد صلاة ~~العشاء في بيته يعدلن مثلهن من ليلة القدر ، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يصليهن في بيته أول ما يدخل قبل أن يجلس ، وكان ابن مسعود يكره أن ~~يصلي بعد كل صلاة مثلها وكانوا يستحبون أن يصلي بعد المكتوبة ركعتين ثم ~~أربعا ، وإن قرأ في الأربع في الأولى آية الكرسي والآيتين اللتين بعدها وفي ~~الثانية ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ) البقرة : 582 ، والآية قبلها ~~وفي الثالثة أول الحديد إلى قوله عز وجل : ( وهو عليم بذات الصدور ) الحديد ~~: 6 ، وفي الرابعة آخر الحشر من قوله تعالى : ( هو الله لا إله إلا هو عالم ~~الغيب والشهادة ) الحشر : 22 ، فقد أحسن وأصاب ، فإن صلى بعد الأربع ثلاث ~~عشرة ركعة آخرهن الوتر إن أحب ، فإن هذا العدد أكثر ما روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صلى به من الليل إلا في خبر مقطوع وهو سبعة عشر ركعة ، ~~والمشهور أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة وثلاث عشرة ركعة وربما حسبوا فيها ~~ركعتي الفجر واستحب له أنه يقرأ في ركوعه هذا ثلاثمائة آية فصاعدا فإذا فعل ~~ذلك لم يكتب من الغافلين ودخل في أحوال العابدين ، فقد قيل إن الأكياس ~~يأخذون أوقاتهم من أول الليل والأقوياء يأخذون أورادهم من آخر الليل ، فإن ~~قرأ في ركوعه هذا سورة الفرقان وسورة الشعراء ففيهما ثلاثمائة آية فإن لم ~~يحسنهما قرأ خمسا من المفصل فيهن ثلاثمائة آية سورة الواقعة ، وسورة نون ، ~~وسورة الحاقة ، وسورة المدثر ، وسورة سأل سائل ، فإن لم يحسنهن قرأ من سورة ~~الطارق إلى آخر القرآن ثلاثمائة آية ، ولا يستحب للعبد أن ينام حتى يقرأ ~~هذا المقدار من الآي في هذا العدد من الركوع بعد صلاة العشاء الآخرة ، فإن ~~قرأ في هذا الورد الثاني أعني بعد صلاة العشاء الآخرة وقبل أن ينام ألف آية ~~فقد استكمل الفضل وكتب له قنطار من الأجر وكتب من القانتين ، وأفضل الآي ~~أطولها لكثرة الحروف وإن اقتصر على قصار الآي عند فتوره أدرك الفضل لحصول ~~العدد ، ومن ms0041 سورة الملك إلى آخر القرآن ألف آية فإن لم يحسن قرأ : ( قل هو ~~الله أحد ) الإخلاص : 1 مائتي وخمسين مرة في ثلاث عشرة ركعة فإن فيها ألف ~~آية فهذا فضل عظيم وفي الخبر من قرأها عشر مرات بنى الله عز وجل له قصرا في ~~الجنة . ئة آية ، ولا يستحب للعبد أن ينام حتى يقرأ هذا المقدار من الآي في ~~هذا العدد من الركوع بعد صلاة العشاء الآخرة ، فإن قرأ في هذا الورد الثاني ~~أعني بعد صلاة العشاء الآخرة وقبل أن ينام ألف آية فقد استكمل الفضل وكتب ~~له قنطار من الأجر وكتب من القانتين ، وأفضل الآي أطولها لكثرة الحروف وإن ~~اقتصر على قصار الآي عند فتوره أدرك الفضل لحصول العدد ، ومن سورة الملك ~~إلى آخر القرآن ألف آية فإن لم يحسن قرأ : ( قل هو الله أحد ) الإخلاص : 1 ~~مائتي وخمسين مرة في ثلاث عشرة ركعة فإن فيها ألف آية فهذا فضل عظيم وفي ~~الخبر من قرأها عشر مرات بنى الله عز وجل له قصرا في الجنة . وروينا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في السور التي لم يكن يدعها في كل ليلة ثلاثة ~~أحاديث أشهرها أنه لم يكن ينام حتى يقرأ سورة السجدة ، وتبارك الملك والذي ~~بعده أنه كان يقرأ في كل PageV01P039 ليلة بني إسرائيل والزمر ، والقريب ~~منها أنه كان يقرأ المسبحات في كل ليلة ويقول فيها إنه أفضل من ألف آية ، ~~قال : وكان العلماء يجعلونها ستا ويزيدون فيها ( سبح اسم ربك الأعلى ) ~~الأعلى : 1 وفي الخبر : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب ( سبح اسم ~~ربك الأعلى ) الأعلى : 1 فهذا يدل على أنه كان يكثر قراءتها ولا يدع أن ~~يقرأ هذه الأربع سور في كل ليلة سورة يس ، وسورة لقمان ، وسورة الدخان ، ~~وتبارك الملك فإن ضم إليها سورة الواقعة ، وسورة الصف ، والحاقة ، والزمر ، ~~فقد أكثر وأحسن فإن لم يكن من عبادته القيام من الليل قدم الوتر بنية الخبر ~~المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أوصاني رسول ms0042 الله صلى الله عليه ~~وسلم أن لا أنام إلا على وتر ، وإن كان معتادا لصلاة الليل فالأفضل تأخير ~~الوتر إلى آخر صلاته من تهجده أو إلى السحر على حديث ابن عمر رضي الله عنه ~~: صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة ، وفي حديث عائشة رضي ~~الله عنها : أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الليل ومن أوسطه ومن ~~آخره وانتهى وتره إلى السحر ، فإن نام على وتر ورزق القيام لم يوتر بعده ~~وكفاه وتره الأول على الخبر الذي جاء : لا وتران في ليلة ، وقد قال بعض ~~العلماء : يصلي ركعة واحدة يشفع بها وتره من أول الليل ثم يصلي صلاته من ~~الليل ويوتر آخر صلاته ، وقد روي في هذا أثر عن عثمان وعلي رضي الله عنهما ~~، وإن كان قد صلى ركعتين من جلوس بعد وتره الأول ثم استيقظ للصلاة شفعتا ~~وتره الركعة الواحدة لأنهما بمنزلة ركعة واحدة يشفع بها ركعة الوتر التي ~~صلاها قبلها ، ثم ليصل من الليل مستأنفا ما بدا له ثم يوتره بركعة واحدة في ~~آخر صلاته فيكون له في ذلك ثلاثة أعمال : قصر الأمل ، وتحصيل الوتر ، ~~والوتر من آخر الليل ، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين ~~جالسا بعد وتره والله تعالى أعلم ، فليقرأ فيهما جالسا بسورة الزلزلة وسورة ~~ألهاكم التكاثر فقد جاء ذلك في حديثين : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يقرأ فيهما بذلك لما في الزلزلة والتكاثر من التخويف والوعظ ، وفي رواية قل ~~يا أيها الكافرون لما في سورة الكافرون من التنزيه من عبادة سوى المعبود ~~وإفراد العبادة لله سبحانه فيها بالتوحيد ، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ بها عند النوم وأوصى رجلا بقراءتها عند منامه وتقديم الوتر مستحب ~~لمن لم يكن عادته قيام الليل ولمن كان الأغلب عليه النوم وتأخير الوتر يكون ~~لمن أخر صلاته قبل طلوع الفجر أفضل وليقل بعد التسليم من الوتر : سبحان ~~الملك القدوس رب الملائكة والروح جللت السموات والأرض بالعظمة والجبروت ms0043 ~~وتعززت بالقدرة وقهرت العباد بالموت ، يقول هذا ثلاث مرات وهذا هو الورد ~~الثاني من الليل أعني الصلاة بعد العشاء الآخرة إلى حد نومة الناس فقد أقسم ~~الله عز وجل في قوله : ( والليل وما وسق ) الانشقاق : 71 ، أي وما جمع من ~~ظلمته وذكره الله عز وجل في قوله : ( إلى غسق الليل ) الإسراء : 87 ، فهناك ~~يغسق الليل وتستوسق ظلمته ثم ينام إن أحب وهو على طهارة وعن ذكر ، ~~PageV01P040 وقد كان الصالحون لاينامون إلا عن غلبة ويكرهون التعمد للنوم ~~وهو التهيؤ للعادة وقد كان منهم من يمهد لنفسه بالنوم ليتقوى بذلك على صلاة ~~أوسط الليل وآخره للفضل في ذلك ومن غلبه النوم حتى شغله عن الصلاة والذكر ~~فإن السنة أن ينام حتى يعقل ما يقول وينشط في خدمته ، وقد كان ابن عباس ~~يكره النوم قاعدا ، وفي الخبر لا تكابدوا الليل ، وقيل لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : إن فلانة تصلي من الليل فإذا غلبها النوم تعلقت بحبل فنهى عن ~~ذلك وقال ليصل أحدكم من الليل ما تيسر فإذا غلبه النوم فليرقد ، وقال : ~~اكفلوا من العمل ما تطيقون فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا ، وقيل له : إن ~~فلانا يصلي الليل لاينام ويصوم الدهر لا يفطر ، فقال صلى الله عليه وسلم : ~~خير هذا الدين أيسره ، ثم قال : لكني أنا أصلي وأنام وأصوم وأفطر فهذه سنتي ~~، فمن رغب عن سنتي ، فليس مني ، وقال صلى الله عليه وسلم : لا تشادوا هذا ~~الدين فإنه متين فمن يشاده يغلبه ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله عز وجل ، ~~والورد الثالث يكون بعد نومة الناس وهو التهجد الذي ذكره الله في قوله : ( ~~ومن الليل فتهجد به نافلة لك ) الإسراء : 97 ولا يكون التهجد إلا بعد النوم ~~وتلك النومة هي الهجوع الذي قال الله عز وجل من القائمين آناء الليل فقال ~~تعالى : ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) الذاريات : 71 ، فالهجوع النوم ~~والتهجد القيام وقد يقال الهجود أيضا وهذا يكون نصف الليل ، فهذا أوسط ~~الأوراد وهو يشبه الورد الأوسط من النهار ms0044 في أفضل أوراده وهو أفضل الأوراد ~~وأمتعها للعبادة ، وقد أقسم الله عز وجل به في قوله تعالى : ( والليل إذا ~~سجى ) الضحى : 2 ، قيل إذا سكن وسكونه هدوه وسنة كل عين فيه وغفلتها إلا ~~عين الله تبارك وتعالى فإنه الحي الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ، وقيل إذا سجى ~~إذا امتد وطال ويقال إذا أظلم وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي ~~الليل أسمع فقال : جوف الليل الغابر . ض إلى نفسك عبادة الله عز وجل ، ~~والورد الثالث يكون بعد نومة الناس وهو التهجد الذي ذكره الله في قوله : ( ~~ومن الليل فتهجد به نافلة لك ) الإسراء : 97 ولا يكون التهجد إلا بعد النوم ~~وتلك النومة هي الهجوع الذي قال الله عز وجل من القائمين آناء الليل فقال ~~تعالى : ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) الذاريات : 71 ، فالهجوع النوم ~~والتهجد القيام وقد يقال الهجود أيضا وهذا يكون نصف الليل ، فهذا أوسط ~~الأوراد وهو يشبه الورد الأوسط من النهار في أفضل أوراده وهو أفضل الأوراد ~~وأمتعها للعبادة ، وقد أقسم الله عز وجل به في قوله تعالى : ( والليل إذا ~~سجى ) الضحى : 2 ، قيل إذا سكن وسكونه هدوه وسنة كل عين فيه وغفلتها إلا ~~عين الله تبارك وتعالى فإنه الحي الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ، وقيل إذا سجى ~~إذا امتد وطال ويقال إذا أظلم وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي ~~الليل أسمع فقال : جوف الليل الغابر . وروينا في أخبار داود عليه السلام : ~~إلهي إني أحب أن أتعبد لك فأي وقت تقبل ؟ فأوحى الله عز وجل إليه : ياداود ~~لا تقم أول الليل ولا آخره ، فإنه من نام أوله نام آخره ومن قام آخره لم ~~يقم أوله ولكن قم وسط الليل حتى تخلو بي وأخلو بك وارفع إلي حوائجك ، ~~والورد الرابع يكون بين الفجرين أحدهما الفجر الأول وهو بدو سلطان شعاع ~~الشمس إذا ظهرت من وراء الأرض الخامسة وسطع ضوءها في وسط السماء حتى يقطعها ~~بمقدار طلوع الفجر الأول ثم تغرب في الفلك الأسفل ms0045 المتجانف وتحجبها الأرض ~~السادسة فيذهب الضوء ويعود سواد الليل كما كان لغيبة الشمس وهو الثلث ~~الأخير وفيه وردت الأخبار باهتزاز العرش وانتشار الرياح من جنات عدن ومن ~~نزول الجبار إلى سماء الدنيا وفيه الخبر الذي جاء أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سئل أي الليل أفضل ؟ فقال : نصف الليل الغابر يعني الباقي وهذا هو ~~الورد الرابع من نصف الليل إلى وقت السحر الأول ، ثم يدخل الورد الخامس وهو ~~السحر الأخير وفيه يستحب السحور ، فمن لم يتسحر في أوله بغته الفجر وهو قبل ~~طلوع الفجر الثاني بمقدار قراءة جزء من القرآن ، PageV01P041 في هذا الورد ~~الخامس الاستغفار وقراءة القرآن وقد ذكره الله عز وجل في قوله : ( وقرآن ~~الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) الإسراء : 87 ، قيل تشهده ملائكة الليل ~~وملائكة النهار لتوسط هذا الورد بينهما ، ومن ذلك ذهب أهل الحجاز إلى أن ~~الصلاة الوسطى التي نص الله تعالى على المحافظة عليها هي صلاة الفجر تعظيما ~~لهذا الوقت وتشريفا له لتوسطه بين آخر الليل وأول النهار ، فهذا الورد هو ~~أقصر الأوراد ومن أفضلها وهو من السحر الأول إلى طلوع الفجر الثاني إلا ما ~~كان من صلاة نصف الليل فذلك هو أفضل شيء من الليل ، وهو أوسط الأوراد لأنه ~~هو الورد الثالث ، ويصلح في هذا الورد الخامس من السحر الأخير الصلاة لمن ~~استيقظ من ساعته أو لمن تمم به صلاته ، فالصلاة فيه لها فضل وشرف وهو ~~بمنزلة الصلاة في أول الليل بين العشاءين ، ولأن معنى قوله عز وجل عند بعض ~~المفسرين : ( وبالأسحار هم يستغفرون ) الذاريات : 81 ، أي يصلون وكذلك قوله ~~عز وجل : ( وقرآن الفجر ) الإسراء : 87 يعني به الصلاة فكنى بذلك القرآن ~~والاستغفار عن الصلاة لأنهما وصفان منها ، كما قيل للصلاة تسبيح وسبحة لأن ~~فيها التسبيح ، وكذلك يقال للصلاة استغفار لأنه يطلب بها المغفرة وتكون هذه ~~الصلاة في السحر بدلا من السحور إلى طلوع الفجر الثاني وقد أمر بها سلمان ~~أخاه أبا الدرداء ليلة زاره في حديث طويل قال في آخره : فلما كان الليل ms0046 ذهب ~~أبو الدرداء ليقوم فقال له سلمان : نم ، فنام ثم ذهب ليقوم فقال له : نم ، ~~فنام فلما كان عند الصبح قال له سلمان : قم الآن فقاما ، فصليا ، فقال : إن ~~لنفسك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا وإن لربك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا ~~فأعط كل ذي حق حقه ، وذلك أن امرأة أبي الدرداء أخبرت سلمان أنه لاينام ~~الليل ، قال : فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال : صدق ~~سلمان ، وهذا الورد الخامس يشبه الورد السابع من النهار قبل الغروب في فضل ~~وقتيهما وهذا قبل الفجر الثاني ، والفجر الثاني هو انشقاق شفق الشمس وهو ~~بدو بياضها الذي تحته الحمرة وهو الشفق الثاني على ضد غروبها ، لأن شفقها ~~الأول من العشاء وهو الحمرة بعد الغروب وبعد الحمرة البياض وهو الشفق ~~الثاني من أول الليل وهو آخر سلطان الشمس ، وبعد البياض سواد الليل وغسقه ، ~~ثم ينقلب ذلك إلى الضد فيكون بدو طلوعها الشفق الأول وهو البياض وبعده ~~الحمرة وهو شفقها الثاني وهو أول سلطانها من آخر الليل وبعده طلوع قرص ~~الشمس ، والفجر هو انفجار شعاع الشمس من الفلك الأسفل إذا ظهرت على وجه ~~الأرض الدنيا يستر عينها الجبال والبحار والأقاليم المسروقة العالية ويظهر ~~شعاعها منتشرا إلى وسط السماء عرضا مستطيرا فهذا آخر الورد الخامس وعنده ~~يكون الوتر فإذا طلع الفجر فقد انقضت أوراد الليل الخمسة ودخلت أوراد ~~النهار ، فانظر هل دخلت في دخوله عليك في جملة العابدين أم خرج عنك وأنت ~~فيه من الغافلين وتفكر أي لبسة ألبسك فإن الليل جعل لباسا هل ألبست فيه حلة ~~النور بتيقظك فتربح تجارة لن PageV01P042 تبور أم ألبسك الليل ثوب ظلمته ~~فتكون ممن مات قلبه بموت جسده بغفلتك ، ثم يقوم العبد حينئذ فيصلي ركعتي ~~الفجر وهما معنى قوله تعالى : ( ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ) الطور : ~~94 ، قيل ركعتي الفجر ثم يقرأ : نعوذ بالله من سخطه وبعده شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو إلى آخرها ويقول : أنا أشهد بما شهد الله به لنفسه وشهدت ms0047 به ~~ملائكته وأولو العلم من خلقه ، وأستودع الله العظيم هذه الشهادة وهي لي عند ~~الله وديعة حتى يؤديها وأسأله حفظها حتى يتوفاني الله عليها ، اللم احطط ~~بها عني وزرا ، واجعل لي بها عندك ذخرا ، واحفظني بها واحفظها علي ، وتوفني ~~عليها حتى ألقاك بها غير مبدل تبديلا ، وأفضل ما عمل العبد في ورد من أوراد ~~الليل والنهار بعد القيام بفرض يلزمه أو قضاء حاجة لأخيه المؤمن يعينه ~~الصلاة بتدبر الخطاب ، ومشاهدة المخاطب ، فإن ذلك يجمع العبادة كلها ثم بعد ~~ذلك التلاوة بتيقظ عقل وفراغ هم ثم أي عمل فتح له فيه من فكر أو ذكر برقة ~~قلب وخشوع جوارح ومشاهدة غيب فإن ذلك أفضل أعماله في وقته . | . ~~PageV01P043 # | الفصل التاسع فيه ذكر وقت الفجر وحكم ركعتيه الأداء والقضاء وحكم الوتر ~~ووقت القضاء له والأداء # ، وفي الشهر ليلتان يعتبر بهما وقت الفجر : إحداهما يطلع القمر فيها عند ~~طلوع الفجر الأول وهي ليلة ست وعشرين ، والأخرى يغيب القمر فيها عند طلوع ~~الفجر وهي ليلة اثنتي عشرة من الشهر ، ومن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس مقدار ~~ثلثي سبع تلك الليلة ، وهذ يكون في الصيف ، ويكون في الشتاء أقل من ذلك ، ~~لأنه يكون نصف سدس تلك الليلة ، وهذا الورد الأول من النهار ووقت الأداء ~~للوتر من بعد صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر الثاني ، فإذا طلع الفجر ~~الثاني فقد ذهب وقت الأداء وهو وقت القضاء للوتر فليصل الوتر حينئذ من لم ~~يكن أداه إلى قبل صلاة الصبح ، فإذا صلى الصبح ذهب وقت قضاء الوتر أيضا ~~ووقت الأداء لركعتي الفجر إذا طلع الفجر الثاني ، فالمستحب له أن يصليهما ~~في منزله وقبل صلاة الغداة والسنة أن يخففهما فإذا صلى الصبح ولم يكن ~~صلاهما فقد ذهب وقت الأداء وبقي له وقت القضاء ، فليمهل حتى تطلع الشمس ~~وتحل الصلاة فليقدمها على سبحة الضحى ، وهذا وقت القضاء لركعتي الفجر إلى ~~صلاة الظهر ، فإذا صلى الظهر ولم يكن صلاهما فقد ذهب وقت قضائهما أيضا ، ~~ومن فاته ورد من الأوراد فاستحب له فعل ms0048 مثله في وقته أو قبله إذا ذكره لا ~~على وجه القضاء ، فإنه لا يقضي إلا الفرائض ولكن على وجه التدارك ورياضة ~~النفس بذلك ليأخذ بالعزائم كيلا يعتاد التراخي والترخص ، ولأجل الخبر ~~المأثور أحب الأعمال إلى الله عز وجل أدومها وإن قل كيف ، وفي حديث عائشة ~~رضي الله عنها الوعيد على ترك العادة في العبادة روت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من عبد الله تعالى عبادة ثم تركها ملالة مقته الله تعالى وقالت : ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غلبه النوم أو عاقه مرض فلم يقم في ~~تلك الليلة صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة ، ومن دخل المسجد لصلاة الصبح ~~ولم يكن صلى ركعتي الفجر في منزله صلاهما PageV01P044 وأجزأتا عنه تحية ~~المسجد ، ومن كان قد صلاهما في بيته نظر ، فإن كان دخوله المسجد بغلس عند ~~طلوع الفجر واشتباك النجوم صلى ركعتين تحية المسجد ، وإن كان دخوله عند ~~انمحاق النجوم ومسفرا عند الإقامة قعد ولم يصل ركعتين لئلا يكون جامعا بين ~~صلاة الصبح وبين صلاة قبلها ، ولا يصلي بعد طلوع الفجر الثاني شيئا إلا ~~ركعتي الفجر فقط ، ومن دخل المسجد ولم يكن صلى ركعتي الفجر ، فإن كان قبل ~~الإقامة صلاهما وإن دخل وقت الإقامة وقد افتتح الإمام الصلاة فلا يصليهما ~~وليدخل في الصلاة المكتوبة فإنه أفضل والنهي فيه . روينا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة وليقل من قعد في ~~المسجد من غير صلاة ركعتين تحية المسجد : سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر هذه الأربع كلمات يقولها أربع مرات فإنها عدل ركعتين ~~في الفضل وكذلك من دخله وكان على غير وضوء أو مر في المسجد عابر طريق ومن ~~دخل مسجدا فلا يقعد حتى يصلي ركعتين وأكره له دخول المسجد والقعود فيه على ~~غير وضوء . PageV01P045 # | الفصل العاشر كتاب معرفة الزوال وزيادة الظل ونقصانه بالأقدام واختلاف ~~ذلك في الصيف والشتاء # ، قال الله جلت قدرته : ( ألم تر إلى ربك كيف مد ms0049 الظل ولو شاء لجعله ~~ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ) الفرقان : 45 وقال تعالى : ( وجعلنا ~~الليل و النهار آيتين ) الإسراء : 12 ، الآية إلى قوله عدد السنين والحساب ~~، وقال سبحانه : ( الشمس و القمر بحسبان ) الرحمن : 5 ، وفي حديث أبي ~~الدرداء وكعب الأحبار في صفة هذه الأمة يراعون الظلال لإقامة الصلاة وأحب ~~عباد الله إلى الله عز وجل الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله عز ~~وجل ، وقال بعض العلماء بالحساب والأثر من أهل الحديث : إن الليل والنهار ~~أربع وعشرون ساعة وإن الساعة ثلاثون شعيرة يأخذ كل واحد منهما من صاحبه في ~~كل يوم شعيرة حتى تستكمل الساعة في الشهر ، وبين أول الشهر وآخره ثلاثون ~~درجة ، الشمس كل يوم في درجة ، قال : وتفسير ذلك أنه إذا مضى من أيلول سبعة ~~عشر يوما استوى الليل والنهار ، ثم يأخذ الليل من النهار من ذلك اليوم في ~~كل يوم شعيرة حتى يستكمل ثلاثين يوما فيزيد ساعة حتى يصير سبعة عشر يوما من ~~كانون الأول فينتهي طول الليل وقصر النهار وكانت تلك الليلة أطول ليلة في ~~السنة وهي خمس عشرة ساعة وكان ذلك اليوم أقصر يوم في السنة وهو تسع ساعات ، ~~ثم يأخذ النهار من الليل كل يوم شعيرة حتى إذا مضى سبع عشرة ليلة من آذار ~~استوى الليل والنهار وكان كل واحد منهما اثنتي عشرة ساعة ثم يأخذ النهار من ~~الليل كل يوم شعيرة حتى إذا مضى سبعة عشر يوما من حزيران كان نهاية طول ~~النهار وقصر الليل فيكون النهار يومئذ خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات ثم ~~ينقص من النهار كل يوم شعيرة حتى إذا مضى سبع عشرة ليلة من أيلول استوى ~~الليل والنهار ثم يعود الحساب على ذلك ، قال : فمواقيت الصلاة من ذلك أن ~~الشمس إذا وقفت فهو قبل الزوال فإذا زالت بأقل القليل فذلك أول وقت الظهر ، ~~فإذا زادت على سبعة أقدام بعد الزوال فذلك أول وقت العصر ؛ وهو آخر وقت ~~الظهر ، قال : والذي جاء في الحديث أن الشمس إذا زالت بمقدار ms0050 شراك فذلك وقت ~~الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله فذلك آخر وقت الظهر PageV01P046 وأول وقت ~~العصر ، وهكذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول يوم ثم صلى من الغد ~~الظهر حين صار ظل كل شيء مثله فذلك آخر وقت الظهر وأول وقت العصر ، ثم صلى ~~العصر حين صار ظل كل شيء مثليه ، وقال ما بين هذين وقت فإذا أردت أن تقيس ~~الظل حتى تعرف ذلك فانصب عودا أو قم قائما في موضع من الأرض مستو ثم اعرف ~~موضع الظل ومنتهاه فخط على موضع الظل خطا ثم انظر أينقص الظل أم يزيد فإن ~~كان الظل ينقص فإن الشمس لم تزل بعد ما دام الظل ينقص فإذا قام الظل فذلك ~~نصف النهار ولا يجوز في هذا الوقت الصلاة فإذا زاد الظل فذلك زوال الشمس ~~إلى طول ذلك الشيء الذي قست به طول الظل وذلك آخر وقت الظهر فإذا زاد الظل ~~بعد ذلك قدما فقد دخل وقت العصر حتى يزيد الظل طول ذلك الشيء مرة أخرى فذلك ~~وقت العصر الثاني فإذا قمت قائما تريد أن تقيس الظل بطولك فإن طولك سبعة ~~أقدام بقدمك سوى قدمك التي تقوم عليها فإذا قام الظل فاستقبل الشمس بوجهك ~~ثم مر إنسانا يعلم طرف ذلك بعلامة ثم قس من عقبك إلى تلك العلامة فإن كان ~~بينهما أقل من سبعة أقدام سوى ما زالت عليه الشمس من الظل فإنك في وقت ~~الظهر ولم يدخل وقت العصر حتى يزيد الظل على سبعة أقدام سوى ما تزول الشمس ~~عليه من الظل فذلك وقت العصر ثم إن الأقدام تختلف في الشتاء والصيف فيزيد ~~الظل وينقص في الأيام ، فمعرفة ذلك أن استواء الليل والنهار في سبعة عشر ~~يوما من آذار فإن الشمس تزول يومئذ وظل الإنسان ثلاثة أقدام وكذلك ظل كل ~~شيء تنصبه ، فإن الشمس تزول يومئذ وظل كل شيء ثلاثة أسباعه ثم ينقص الظل ~~وكلما أمضى ستة وثلاثون يوما نقص الظل قدما حتى ينتهي طول النهار وقصر ~~الليل ms0051 في سبعة عشر يوما من حزيران فتزول الشمس يومئذ وظل الإنسان نصف قدم ~~وذلك أقل ما تزول عليه الشمس ثم يزيد الظل فكلما مضت ستة وثلاثون يوما زاد ~~الظل قدما حتى يستوي الليل والنهار في سبعة عشر يوما من أيلول فتزول الشمس ~~يومئذ ، والظل على ثلاثة أقدام ثم يزيد الظل وكلما مضى أربعة عشر يوما زاد ~~الظل قدما حتى ينتهي طول الليل وقصر النهار في سبعة عشر يوما من كانون ~~الأول فتزول الشمس يومئذ على تسعة أقدام ونصف قدم وذلك أكثر ما تزول الشمس ~~يومئذ عليه ثم كلما مضى أربعة عشر يوما زاد الظل قدما حتى ينتهي إلى سبعة ~~عشر يوما من آذار فذلك استواء الليل والنهار ، وتزول الشمس على ثلاثة أقدام ~~وذلك دخول الصيف وزيادة الظل ونقصانه الذي ذكرناه في كل ستة وثلاثين يوما ~~قدم في الصيف والقيظ وزيادته في كل أربعة عشر يوما قدم في الربيع والشتاء ، ~~وهذا ذكره بعض علماء المتأخرين من أهل العلم بالنجوم وقد ذكر غيره من ~~القدماء قريبا من هذا وذكر زوال الشمس بالأقدام في شهر تشرين وخالف هذا في ~~حدين من نهاية الطول والقصر قدمين فذكر أن أقل ما تزول عليه الشمس في ~~حزيران على قدمين وأن أكثر PageV01P047 ما تزول عليه الشمس في كانون ثمانية ~~أقدام فكان الأول هو أدق تحديدا وأقوم تحريرا وذكر أن الشمس تزول في أيلول ~~على خمسة أقدام وفي تشرين الأول على ستة وفي تشرين الأخير على سبعة وفي ~~كانون على ثمانية قال : وذلك منتهى قصر النهار وطول الليل وهو أكثر ما تزول ~~عليه الشمس ، قال : ثم ينقص الظل ويزيد النهار فتزول الشمس في كانون الأخير ~~على سبعة أقدام وتزول في شباط على ستة أقدام وفي آذار على خمسة وذلك استواء ~~الليل والنهار وتزول في نيسان على أربعة أقدام وتزول في أيار على ثلاثة ~~أقدام وتزول في حزيران على قدمين فذلك منتهى طول النهار وقصر الليل وهو أقل ~~ما تزول الشمس عليه فيكون النهار حينئذ خمس عشرة ساعة والليل ms0052 تسع ساعات ~~وتزول الشمس في تموز على ثلاثة أقدام وفي آب على أربعة أقدام وفي أيلول على ~~خمسة أقدام وفيه يستوي الليل والنهار . ر في سبعة عشر يوما من كانون الأول ~~فتزول الشمس يومئذ على تسعة أقدام ونصف قدم وذلك أكثر ما تزول الشمس يومئذ ~~عليه ثم كلما مضى أربعة عشر يوما زاد الظل قدما حتى ينتهي إلى سبعة عشر ~~يوما من آذار فذلك استواء الليل والنهار ، وتزول الشمس على ثلاثة أقدام ~~وذلك دخول الصيف وزيادة الظل ونقصانه الذي ذكرناه في كل ستة وثلاثين يوما ~~قدم في الصيف والقيظ وزيادته في كل أربعة عشر يوما قدم في الربيع والشتاء ، ~~وهذا ذكره بعض علماء المتأخرين من أهل العلم بالنجوم وقد ذكر غيره من ~~القدماء قريبا من هذا وذكر زوال الشمس بالأقدام في شهر تشرين وخالف هذا في ~~حدين من نهاية الطول والقصر قدمين فذكر أن أقل ما تزول عليه الشمس في ~~حزيران على قدمين وأن أكثر ما تزول عليه الشمس في كانون ثمانية أقدام فكان ~~الأول هو أدق تحديدا وأقوم تحريرا وذكر أن الشمس تزول في أيلول على خمسة ~~أقدام وفي تشرين الأول على ستة وفي تشرين الأخير على سبعة وفي كانون على ~~ثمانية قال : وذلك منتهى قصر النهار وطول الليل وهو أكثر ما تزول عليه ~~الشمس ، قال : ثم ينقص الظل ويزيد النهار فتزول الشمس في كانون الأخير على ~~سبعة أقدام وتزول في شباط على ستة أقدام وفي آذار على خمسة وذلك استواء ~~الليل والنهار وتزول في نيسان على أربعة أقدام وتزول في أيار على ثلاثة ~~أقدام وتزول في حزيران على قدمين فذلك منتهى طول النهار وقصر الليل وهو أقل ~~ما تزول الشمس عليه فيكون النهار حينئذ خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات ~~وتزول الشمس في تموز على ثلاثة أقدام وفي آب على أربعة أقدام وفي أيلول على ~~خمسة أقدام وفيه يستوي الليل والنهار . وقد روينا عن سفيان الثوري رحمه ~~الله أكثر ما تزول عليه الشمس تسعة أقدام وأقل ما تزول ms0053 عليه قدم وهذا أقرب ~~إلى القول الأول في التحديد ، وقد جاء في ذكر الأقدام لوقت الصلاة أثر من ~~سنة فلذلك ذكرنا منها ما شرحه من عرفه ، روينا عن أبي مالك سعد بن طارق ~~الأشعري عن الأسود بن زيد عن ابن مسعود قال : كان قدر صلاة الظهر مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام وفي الشتاء ~~خمسة أقدام إلى ستة أقدام وفصل الخطاب أن معرفة الزوال بهذا التحديد ليس ~~بفرض ولكن صلاة الظهر بعد تيقن زوال الشمس فرض متى زالت الشمس مبلغ علمك ~~ويقين قلبك ومنظر عينك فكانت الشمس على حاجبك الأيمن في الصيف إذا استقبلت ~~القبلة فقد زالت لا شك فيه فصل إلى أن يكون ظل كل شيء مثله فهذا آخر وقت ~~الظهر وأول وقت العصر ثم صل العصر إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه ، فهذا آخر ~~وقت العصر المستحب ثم إلى أن تصفر الشمس وتدلى للغروب ، فهذا وقت الضرورات ~~وهو مكروه إلا لمريض أو معذور ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أدرك ~~من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن أدرك من الصبح ركعة ~~قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح فإذا كانت الشمس على حاجبك الأيسر وأنت ~~مستقبل القبلة في الصيف فإن الشمس لم تزل مبلغ علمك ومنظر عينك ، فإذا كانت ~~بين عينيك فهو استواؤها في كبد السماء نظر عينك ويصلح أن تكون قد زالت لقصر ~~النهار وفي أول الشتاء وقد لا تكون زالت إذا طال النهار وتوسط الصيف فإذا ~~صارت إلى حاجبك الأيمن فقد زالت في أي وقت كان ، ثم إن هذا يختلف في الشتاء ~~فإذا كانت على حاجبك الأيسر في الشتاء وأنت مستقبل القبلة فيصلح أن تكون ~~زالت لقصر النهار في أول الشتاء وقد لا تكون زالت إذا امتد النهار وفي أول ~~الصيف فإذا كانت الشمس بين عينيك في الشتاء فقد زالت لا شك فيه PageV01P048 ~~فصل الظهر فإذا صارت إلى حاجبك الأيمن فهذا ms0054 آخر وقت الظهر في الشتاء وهو ~~أول وقت الظهر في الصيف وهذا التقدير إنما هو لأهل إقليم العراق وخراسان ~~لأنهم يصلون إلى الحجر الأسود وتلقاء الباب من وجهة الكعبة فأما إقليم أهل ~~الحجاز واليمن فإن تقديرهم على ضد ذلك وقبلتهم إلى الركن اليماني وإلى مؤخر ~~الكعبة فلذلك اختلف التقدير وتضادد الاختلاف للتوجه إلى شطر البيت وتفاوت ~~الأمصار في الأقاليم المستديرة حوله فهذا كان تقدير المتقدمين وما سوى ذلك ~~من التدقيق والتحرير فمحدث إلا أنه علم لأهله ، ومن أشكل عليه الوقت لجهل ~~بالأدلة أو لغيم اعترض فليتحر بقلبه ويجتهد بعلمه ولا يصل صلاة إلا بعد ~~تيقن دخول وقتها وإن تأخر ذلك فهذا أفضل حينئذ ولكن قد جاء في الخبر ثلاث ~~من مناقب الإيمان : الصيام في الصيف ، وإسباغ الوضوء في الشتاء ، وتعجيل ~~الصلاة في يوم دجن ، ومن أمثال العرب يوم الدجن يضرب فيه عبد السوء هذا لأن ~~الوقت في الغيم كأنه يقصر لغيبة الشمس فيغفل الإنسان عن مراعاة الوقت أو ~~يتشاغل عنه لأن الفرائض لا تقبل إلا عن يقين فأداؤها بعد دخول الوقت على ~~اليقين أفضل من أدائها في الوقت على الشك ، ألم تسمع إلى قوله صلى الله ~~عليه وسلم فإن غم عليكم فأكملوا عدد شعبان ثلاثين ، فترك الاحتياط لليقين ، ~~ومن صلى وهو يرى أنه الوقت أو توجه إلى القبلة فيما يعلم ثم تبين له بعد ~~أنه صلى قبل الوقت أو صلى لغير القبلة نظر فإن كان في الوقت أو بعده قليلا ~~أعاد الصلاة احتياطا وإن كان للوقت قد خرج فلا شيء عليه وهو معفو الخطأ ~~وأحب أن يعيد تلك الصلاة متى ذكرها . وقال بعض العلماء : للشمس سبعة أزولة ~~، ثلاثة منها لا يعلم بها البشر : الزوال الأول نزوله عن قطب الفلك الأعلى ~~لا يشهده ولا يعلمه إلا الله عز وجل ، والزوال الثاني عن وسط الفلك لا ~~يعلمه من خلق الله تعالى إلا خزان الشمس الموكلون بها الذين يرمونها بجبال ~~الثلج ليسكن حرها ويحتبسوا شعاعها عن العالمين ويسوقونها على العجلة ~~المركبة في الفلك ms0055 ، والزوال الثالث يعلمه ملائكة الأرض ، ثم إن الزوال ~~الرابع يكون على ثلاث دقائق وهو ربع شعيرة ، والشعيرة جزء من اثني عشر جزءا ~~من ساعة ، فهذا الزوال تعرفه الفلاسفة من المنجمين أهل العلم بمساحة الفلك ~~وتركيب الأفلاك فيه وتقدير سير الشمس في الشتاء والصيف في فلكها منه ~~فيقومون ذلك بالنظر في المرتجلات الطالعة على التقويم ، فإذا زالت الشمس ~~الزوال الخامس نصف شعيرة وهي ست دقائق عرف زوالها أهل الحساب والتقاويم ~~بالإسطرلاب الطالع فإذا زالت شعيرة وهو الزوال السادس المشترك وهو جزء من ~~اثني عشر جزءا من ساعة عرف زوالها علماء المؤذنين وأصحاب مراعاة الأوقات ~~فإذا زالت ثلاث شعيرات فهو الزوال السابع ، وهو ربع ساعة عرف الناس كلهم ~~PageV01P049 زوالها ، وعند هذا الوقت صلاة الكافة وهو أوسط الوقت وأوسعه ، ~~وذلك واسع برخصة الله سبحانه وتعالى ورحمته ، وهذا كله لبعد منصب السماء ~~ولاستواء تقويم صنعتها في الأفق الأعلى ولإتقان صنعتها في الجو المتخرق ~~علوا وفي الأقطار المتسعة المستديرة استواء ومتناسبا ، وقد يروى في الخبر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه السلام فقال : هل زالت الشمس ؟ ~~فقال : لا نعم ، فقال : كيف هذا فقال بين قولي لك لا نعم قطعت في الفلك ~~خمسين ألف فرسخ فكان النبي صلى الله عليه وسلم سأله عن زوالها على علم الله ~~سبحانه وتعالى به ، وقد قال بعض الفلاسفة إن السماء تدور كما تدور الرحى ~~فتدير الأفلاك بدورانها على القطب ولكن لا يرى ذلك منها لبعدها وعلوها ~~وتقويم استدارتها ، وقد ذكره بعض العلماء من السلف فتبارك الله أحسن ~~الخالقين وذكر بعض العارفين أعجب من هذا وألطف من قدرة الله عز وجل وخفي ~~صنعه ذكر أن الليل والنهار أربعة وعشرون ساعة وإن الساعة اثنتا عشرة دقيقة ~~كل دقيقة اثنتا عشرة شعيرة وكل شعيرة أربعة وعشرون نفسا فتظهر الأنفاس من ~~خزانة الجسم فتنشئ الشعائر وتنشأ الشعائر فتظهر الدقائق فتنتج الساعات ~~وتتحرك الساعات فتدير الأفلاك وتدور الأفلاك فتنشر الليل والنهار في الجو ~~والأقطار وينشر الليل والنهار فتدير السماء في الآفاق وينعقد ms0056 الحسبان ~~بالتفصيل فإذا خفي الإحساس انقطعت الأنفاس فانفكت الأفلاك فعندها تنتشر ~~النجوم وتنشق السماء وتخرب الديار وتظهر دار القرار فسبحان الله ألطف ~~الصانعين وأقهر القادرين وقد قال سبحانه وتعالى : ( إذا الشمس كورت وإذا ~~النجوم انكدرت ) التكوير : 1 - 2 ، وقال سبحانه وتعالى : ( يوم تمور السماء ~~مورا ) الطور : 9 ، يعني تدور دورا فسبحان اللطيف الحكيم أدار تلك الأفلاك ~~الكثاف بهذه الأنفاس اللطاف كما حجب الفلك الكثيف بستر الفضاء اللطيف ، ~~فالفلك العظيم لا يحجب السماء والفضاء الرقيق يحجب الفلك ، لأنه أراد ~~سبحانه وتعالى أن يرينا السماء وأحب أن يخفي عنا الفلك فلم نر إلا ما أرانا ~~، فالعبد هو سبب لذلك ومحرك لذلك ولا يشعر بذلك فمداره أنفاسه وأنفاسه ~~ساعاته وساعاته عمره وعمره أجله وأجله آخرته وهو في غفلة بدنياه وفي لعب ~~بما يهواه ، فإن نظرت إلى السماء رأيتها تنشئ الأنفاس وإن نظرت إلى الأنفاس ~~، رأيتها تدير الأفلاك ، وإن نظرت إلى فوق الفوق عميت عما سواه ، فلا إله ~~إلا هو رب العرش العظيم ( صنع الله الذي أتقن كل شيء ) النمل : 88 إن ربي ~~لطيف لما يشاء ، ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) فصلت : 35 ، ( وفي ~~الأرض آيات للموقنين ) الذاريات : 02 ، ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) ~~الذاريات : 12 ، ( فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ) الحاقة : 83 ، ( ~~سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى ) الأعلى : 01 فأما صلاة المغرب فأفضل ما ~~صليت فيه إذا تدلى حاجب الشمس الأعلى وهو غيبتها عن الأبصار ، روي عن عمر ~~رضي الله عنه أنه أخر صلاة المغرب ليلة حتى طلع نجم فأعتق رقبة . ~~PageV01P050 وروينا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أخر المغرب حتى طلع ~~كوكبان فأعتق رقبتين ، وأفضل ما صليت فيه عشاء الآخرة إذا غاب البياض ~~الغربي وأظلم مكانه وهو الشفق الثاني إلى ما بعد ذلك فتأخيرها أفضل إلى ربع ~~الليل ما لم تنم والنوم قبلها مكروه شديد ووقت حسن في سنة أن تصلي بمقدار ~~غيبة القمر ليلة ثلاث من الشهر وهذا يكون بعد سبع ونصف من الليل لأنا روينا ~~أن رسول ms0057 الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العشاء الآخرة لسقوط القمر ليلة ~~ثلاث ، وأفضل ما صليت فيه صلاة الصبح إذا طلع الفجر الثاني وهي الصلاة ~~الوسطى التي أفرد الله تبارك وتعالى محافظتها لأنها تختص بمعان ثلاث من ~~التوسط لا توجد في سائر الصلوات ، منها أنها بين الليل والنهار ، والثاني ~~أنها بين صلاتين من صلاة الليل وصلاتين من صلاة النهار ، والثالث أنها ~~متوسطة بين صلاتي جهر وصلاتي مخافتة ، وأيضا فإنها أقصر الصلاة عددا لا ~~ثلاثا ولا أربعا ، فلما اختصت بتوسط هذه المعاني دون غيرها كانت هي الوسطى ~~، وأيضا فإن الله تعالى نص على ذكر الفجر في قوله عز وجل : ( وقرآن الفجر ~~إن قرآن الفجر كان مشهودا ) الإسراء : 78 ، وقيل في تفسير ذلك تشهده ملائكة ~~الليل والنهار فكان هذا ذكرا لها بوصف آخر توكيدا للمحافظة عليها فإن صح ~~الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ~~بطل ما قلناه وثبت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه هو الحق وبه نقول ~~ولا أحسب الخبر إلا ثابتا فقد جاء بأشد اليقين أخبرنا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سئل عنها فقال : هي التي شغل عنها أخي سليمان حتى توارت بالحجاب ~~، والسنة أن تقرأ في صلاة الصبح بسورة من المثاني أو بطوال المفصل لأنها ~~قصرت وعوض عنها طول القيام فإن كان أجمع للمصلين وأكثر لعددهم إذا توسط ~~الوقت فحسن قبل أن تمحق النجوم فأما أن يسفر حتى ينتشر البياض تحت الحمرة ~~وذلك هو شيء من شعاع الشمس فلا ، وإن كثروا فصلاتها بغلس في القليل أفضل ، ~~والمحافظة على أوائل الأوقات من كل صلاة من أفضل الأعمال إلا ما ذكرناه من ~~تأخير صلاة العشاء الآخرة للأثر فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل ~~الصلاة في أول الوقت على الصلاة في آخر الوقت كفضل الآخرة على الدنيا وفي ~~الخبر أن العبد ليصلي الصلاة في آخر وقتها ولما فاته من الوقت الأول خير له ~~من الدنيا وما فيها ، والخبر ms0058 المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي ~~الأعمال أفضل ؟ فقال : الصلاة لوقتها ، وقد جاء في الأثر الوقت الأول رضوان ~~الله عز وجل والوقت الأخير عفو الله تبارك وتعالى ، قيل : فرضوان الله عز ~~وجل يكون للمحسنين وعفو الله سبحانه وتعالى يكون عن المقصرين ، والوقت ~~الأول من كل صلاة من عزيمة الدين وطريقة المقيمين للصلاة المحافظين ، ~~والوقت الثاني رخصة في الدين وسعة من الله عز وجل ورحمة للغافلين . ~~PageV01P051 # | الفصل الحادي عشر كتاب فضل الصلاة في الأيام والليالي ذكر ما جاء في ~~صلاة النهار من الفضائل # روينا عن أبي سلمة وعن أبي هريرة قالا : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين يمنعانك مخرج السوء وإذا دخلت إلى منزلك ~~فصل ركعتين يمنعانك مدخل السوء ، عن سعيد بن أبي سعيد الطويل سمع أنس بن ~~مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في صلاة الصبح : من توضأ ثم ~~توجه إلى مسجد يصلي فيه الصلاة كان له بكل خطوة حسنة ومحا عنه سيئة ، ~~والحسنة بعشر أمثالها ، فإذا صلى ثم انصرف عند طلوع الشمس كتب له بكل شعرة ~~في جسده حسنة وانقلب بحجة مبرورة فإن جلس حتى يركع كتب الله له بكل جلسة ~~ألف ألف حسنة ، ومن صلى العتمة فله مثل ذلك وانقلب بحجة وعمرة مبرورة ، عن ~~عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من صلى أربع ~~ركعات بعد زوال الشمس يحسن قراءتهن وركوعهن وسجودهن صلى معه سبعون ألف ملك ~~يستغفرون له حتى الليل ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع أربعا بعد ~~الزوال يطيلهن ويقول إن أبواب السماء تفتح في هذه الساعة وأحب أن يرفع لي ~~فيها عمل ، قيل : يا رسول الله فيهن سلام فاصل ، قال : لا ، وروي عنه صلى ~~الله عليه وسلم رحم الله عبدا صلى أربعا قبل العصر . # | ذكر صلاة يوم الأحد # وروي عن سعيد بن جبير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ms0059 : من صلى ~~يوم الأحد أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وآمن الرسول مرة كتب ~~الله عز وجل له بعدد كل نصراني ونصرانية حسنات وأعطاه ثواب نبي وكتب له حجة ~~وعمرة وكتب له بكل ركعة ألف صلاة وأعطاه الله عز وجل في الجنة بكل حرف ~~مدينة من مسك أذفر ، وروينا عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : وحدوا الله تبارك وتعالى بكثرة الصلاة في يوم الأحد فإنه سبحانه ~~وتعالى واحد أحد لا شريك له ، فمن صلى يوم الأحد بعد صلاة الظهر ~~PageV01P052 أربع ركعات بعد الفريضة والسنة قرأ في الركعة الأولى فاتحة ~~اللكتاب وتنزيل السجدة وفي الثانية فاتحة الكتاب وتبارك الملك ، ثم تشهد ~~وسلم ، ثم قام فصلى ركعتين أخريين قرأ فيهما فاتحة الكتاب وسورة الجمعة ~~وسأل الله تبارك وتعالى حاجته كان حقا على الله سبحانه وتعالى أن يقضي ~~حاجته ويبرئه مما كانت النصارى عليه . # | ذكر صلاة يوم الاثنين # روينا عن أبي الزبير عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~صلى يوم الاثنين عند ارتفاع النهار ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب ~~مرة وآية الكرسي مرة وقل هو الله أحد مرة ، والمعوذتين مرة فإذا سلم استغفر ~~الله عز وجل عشر مرات وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم عشر مرات غفر الله ~~عز وجل له ذنوبه كلها . ثابت البناني عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من صلى يوم الاثنين اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة ~~فاتحة الكتاب وآية الكرسي مرة فإذا فرغ من صلاته قرأ اثنتي عشرة مرة قل هو ~~الله أحد واستغفر الله اثنتي عشرة مرة ينادي به يوم القيامة أين فلان بن ~~فلان ليقم فيأخذ ثوابه من الله عز وجل فأول ما يعطي من الثواب ألف حلة ، ~~ويتوج ويقال له ادخل الجنة ، فيستقبله مائة ألف ملك مع كل ملك هدية يسعون ~~به حتى يدور على ألف قصر من نور يتلألأ . # | ذكر صلاة يوم ms0060 الثلاثاء # يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~صلى يوم الثلاثاء عشر ركعات عند انتصاف النهار يقرأ في كل ركعة فاتحة ~~الكتاب وآية الكرسي مرة وقل هو الله أحد ثلاث مرات لم يكتب عليه خطيئة إلى ~~سبعين يوما فإن مات إلى سبعين يوما مات شهيدا وغفر له ذنوبه سبعين سنة . # | ذكر صلاة يوم الأربعاء # أبو إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من صلى يوم الأربعاء اثنتي عشرة ركعة عند ارتفاع النهار يقرأ فاتحة الكتاب ~~وقل هو الله أحد ثلاث مرات والمعوذتين ثلاث مرات نادى به ملك عند العرض يا ~~عبد الله استأنف العمل فقد غفر لك ما تقدم من ذنبك ودفع الله عز وجل عنه ~~عذاب القبر وضيقه وظلمته ودفع عنه شدائد القيامة ورفع له من يومه عمل نبي ، ~~PageV01P053 # | ذكر صلاة يوم الخميس # روينا عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~صلى يوم الخميس ما بين الظهر والعصر ركعتين يقرأ في الركعة الأولى فاتحة ~~الكتاب مرة ومائة مرة آية الكرسي وفي الركعة الثانية فاتحة الكتاب مرة ~~ومائة مرة قل هو الله أحد ويصلي على النبي مائة مرة أعطاه الله عز وجل ثواب ~~من صام رجب وشعبان ورمضان وكان له من الثواب مثل حاج البيت وكتب له بعدد كل ~~من آمن بالله عز وجل وتوكل عليه . # | ذكر صلاة يوم الجمعة # روينا عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن أبيه عن جده ~~قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الجمعة صلاة كله ما من ~~عبد مؤمن قام إذا استقلت الشمس وارتفعت قيد رمح أو أكثر من ذلك فتوضأ ثم ~~أسبغ الوضوء فصلى تسبيحة الضحى ركعتين إيمانا واحتسابا كتب الله له مائتي ~~حسنة ومحا عنه مائتي سيئة ومن صلى أربع ركعات رفع الله تبارك وتعالى له في ~~الجنة أربعمائة درجة ومن ms0061 صلى ثماني ركعات رفع الله له في الجنة ثمانمائة ~~درجة وغفر الله له ذنوبه كلها ومن صلى اثنتي عشرة ركعة كتب الله عز وجل له ~~ألفا ومائتي حسنة ومحا عنه ألفا ومائتي سيئة ورفع له في الجنة ألفا ومائتي ~~درجة . أبو صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ~~صلى الصبح يوم الجمعة في جماعة ثم جلس في المسجد يذكر الله سبحانه وتعالى ~~حتى تطلع الشمس كان له في الفردوس الأعلى سبعون درجة بعد ما بين الدرجتين ~~حضر الجواد المضمر سبعين سنة ، ومن صلى صلاة الجمعة في جماعة كان له في ~~الفردوس خمسون درجة حضر الجواد خمسين سنة ، ومن صلى العصر في جماعة فكأنما ~~أعتق ثمانية من ولد إسماعيل كلهم رب بيت ، ومن صلى المغرب في جماعة فكأنما ~~حج حجة مبرورة وعمرة متقبلة . نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : من دخل الجامع يوم الجمعة فصلى أربع ركعات قبل صلاة ~~الجمعة قرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل هو الله أحد خمسين مرة فإنه لم يمت ~~حتى يرى مقعده في الجنة أو يرى له . PageV01P054 # | ذكر صلاة يوم السبت # سعيد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى يوم ~~السبت أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وقل يا أيها الكافرون ~~ثلاث مرات ، فإذا فرغ وسلم قرأ آية الكرسي ، كتب الله له بكل حرف حجة وعمرة ~~ورفع له بكل حرف أجر سنة صيام نهارها وقيام ليلها وأعطاه الله عز وجل بكل ~~حرف ثواب شهيد وكان تحت ظل عرشه مع النبيين والشهداء . # | فضل صلاة الجماعة # أبو كامل عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من صلى أربعين ~~يوما في جماعة لا تفوته التكبيرة الأولى مع الإمام كتب الله عز وجل له ~~براءتين : براءة من النار وبراءة من النفاق . # | ذكر ما جاء في صلوات الليل وما دخل فيه من الصلاة بين العشائين # # | صلاة ms0062 ليلة الأحد # عن مختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول : من صلى ليلة الأحد عشرين ركعة قرأ في كل ركعة الحمد لله مرة ~~وقل هو الله أحد خمسين مرة والمعوذتين مرة ثم استغفر الله عز وجل مائة مرة ~~واستغفر لنفسه ولوالديه مائة مرة وصلى على النبي وتبرأ من حوله وقوته ~~والتجأ إلى حول الله عز وجل وقوته وقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن ~~آدم صفوة الله تبارك وتعالى وفطرته وإبراهيم خليل الله وموسى كليم الله ~~وعيسى روح الله ومحمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله تبارك وتعالى ، كان له ~~من الثواب بعدد من دعا لله عز وجل ولدا ومن لم يدع لله عز وجل ولدا وبعثه ~~الله تبارك وتعالى يوم القيامة مع الآمنين وكان حقا على الله سبحانه وتعالى ~~يوم القيامة أن يدخله الجنة مع النبيين ، # | فصل صلاة ليلة الاثنين # روينا عن الأعمش عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى ~~ليلة الاثنين أربع ركعات قرأ في الركعة الأولى الحمد لله وقل هو الله أحد ~~عشر مرات ، وفي الركعة الثانية الحمد لله وقل هو الله أحد عشرين مرة ، وفي ~~الركعة الثالثة الحمد مرة وقل هو الله أحد PageV01P055 ثلاثين مرة ، وفي ~~الركعة الرابعة الحمد مرة وقل هو الله أحد أربعين مرة ، ثم تشهد وسلم ، ~~وقرأ قل هو الله أحد خمسا وسبعين مرة واستغفر الله لنفسه ولوالديه خمسا ~~وسبعين مرة وصلى على محمد خمسا وسبعين مرة ثم سأل الله سبحانه وتعالى حاجته ~~كان حقا على الله عز وجل أن يؤتيه سؤله ما سأل وهي تسمى صلاة الحاجة . ~~القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: من صلى ليلة الاثنين ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله ~~أحد خمس عشرة مرة وقل أعوذ برب الفلق خمس عشرة مرة وقل أعوذ برب الناس خمس ~~عشرة مرة ويقرأ بعد ms0063 التسليم خمس عشرة مرة آية الكرسي ويستغفر الله سبحانه ~~وتعالى خمس عشرة مرة ، جعل الله عز وجل اسمه في أصحاب الجنة وإن كان من ~~أصحاب النار ، وغفر له ذنوب السر وذنوب العلانية ، وكتب له بكل آية قرأها ~~حجة وعمرة ، وإن مات ما بين الاثنين إلى الاثنين مات شهيدا . # | ذكر صلاة ليلة الثلاثاء # في الخبر من صلى ليلة الثلاثاء اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة ~~الكتاب مرة وإذا جاء نصر الله خمس عشرة مرة بنى الله له بيتا في الجنة عرضه ~~وطوله وسع الدنيا سبع مرات . # | صلاة ليلة الأربعاء # في الخبر : من صلى ليلة الأربعاء ركعتين يقرأ في أول ركعة فاتحة الكتاب ~~مرة وقل أعوذ برب الفلق عشرة مرات ، وفي الركعة الثانية فاتحة الكتاب مرة ~~وقل أعوذ برب الناس عشر مرات ، نزل من كل سماء سبعون ألف ملك يكتبون ثوابه ~~إلى يوم القيامة ، # | فضل صلاة ليلة الخميس # أبو صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى ~~ليلة الخميس ما بين المغرب والعشاء ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب ~~وأية الكرسي خمس مرات وقل هو الله أحد خمس مرات والمعوذتين خمس مرات فإذا ~~فرغ من صلاته استغفر الله تبارك وتعالى خمس عشرة مرة وجعل ثوابه لوالديه ~~فقد أدى حقهما وإن كان عاقا لهما وأعطاه الله تعالى ما يعطي الصديقين ~~والشهداء . # | فضل صلاة ليلة الجمعة # أبو جعفر محمد بن علي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من صلى ~~ليلة الجمعة PageV01P056 بين المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ~~ركعة فاتحة الكتاب مرة وقل هو الله إحدى عشرة مرة فكأنما عبد الله سبحانه ~~وتعالى اثنتي عشرة سنة صيام نهارها وقيام ليلها ، وروينا عن كثير بن سليم ~~عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى ليلة ~~الجمعة العشاء الآخرة في جماعة وصلى ركعتي السنة ثم صلى بعدهما عشر ركعات ~~قرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل ms0064 هو الله أحد مرة والمعوذتين مرة ثم أوتر ~~بثلاث ركعات ونام على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة فكأنما أحيا ليلة القدر ~~، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : أكثروا علي من الصلاة في الليلة الغراء ~~والىوم الأزهر يعني ليلة الجمعة ويوم الجمعة . # | فضل صلاة ليلة السبت # عن كثير بن شنظير عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من ~~صلى ليلة السبت بين المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرا في ~~الجنة وكأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة وتبرأ من الىهودية وكان حقا على الله ~~عز وجل أن يغفر له . # | ذكر فضل الصلاة بين العشاءين وما يختص به ذلك الوقت في كل ليلة # روينا عن سليمان التيمي أن رجلا حدثه قال : قيل لعبيد مولى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالصلاة غير ~~المكتوبة ؟ قال : ما بين المغرب والعشاء . أبو صخر سمع محمد بن المنكدر ~~يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من صلى ما بين المغرب والعشاء ~~فإنها من صلاة الأوابين . عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال : ما أتيت عبد ~~الله بن مسعود في تلك الساعة إلا وجدته يصلي فقلت له في ذلك فقال نعم ساعة ~~الغفلة يعني بين المغرب والعشاء ، وسئل مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أي شيء كان يصنع النبي لله بين المغرب والعشاء إذا دخل منزله ؟ قال : يصلي ~~. ثابت البناني قال : كان أنس بن مالك يصلي بين المغرب والعشاء ويقول هي ~~ناشئة الليل حدثنا عن فضيل بن عياض عن أبان بن أبي عياش قال : سألت امرأة ~~أنس بن مالك فقالت إني أرقد قبل العشاء فنهاها وقال : نزلت هذه الآية فيما ~~بينهما ( تتجافى PageV01P057 جنوبهم عن المضاجع ) السجدة : 16 . حدثنا أحمد ~~بن أبي الحواري قال : قلت لأبي سليمان الداراني : أصوم النهار وأقعد تعشى ~~بين المغرب والعشاء أحب إليك أو أفطر النهار وأحيي ما بينهما ؟ فقال : إن ~~جمعتهما فهو أفضل ، قلت : فإن لم ms0065 يتيسر لي ، قال : فافطر بالنهار وصل بين ~~المغرب والعشاء . هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : إن أفضل الصوات عند الله عز وجل صلاة المغرب لم يحطها عن ~~مسافر ولا مقيم فتح بها صلاة الليل وختم بها صلاة النهار ، فمن صلى المغرب ~~وصلى بعدها ركعتين بنى الله له قصرين في الجنة - لا أدري من ذهب أو فضة - ~~ومن صلى بعدها أربع ركعات غفر الله له ذنوب عشرين سنة أو قال أربعين سنة . ~~أبو سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى ست ~~ركعات بعد المغرب عدلت له عبادة سنة أو كأنه أحيا ليلة القدر . سعيد بن ~~جبير عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من عكف نفسه ما ~~بين المغرب والعشاء في مسجد جماعة لم يتكلم إلا بصلاة أو قرآن كان حقا على ~~الله سبحانه وتعالى أن يبني له قصرين في الجنة مسيرة كل قصر منهما مائة عام ~~ويغرس له بينهما غراسا لو طافه أهل الدنيا لوسعهم . محمد بن الحجاج سمع عبد ~~الكريم بن الحرث يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من ركع عشر ~~ركعات ما بين المغرب والعشاء بني له قصر في الجنة ، فقال عمر : إذا تكثر ~~قصورنا يا رسول الله ، قال : الله أكبر وأفضل أو قال وأطيب . أبو عائشة ~~السعدي وأبو حفص العوفي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : من صلى المغرب في جماعة ثم صلى بعدها ركعتين ولم يتكلم بشيء فيما ~~بين ذلك من أمر الدنيا يقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وعشر آيات من ~~أول البقرة وآيتين من وسطها وهي : ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن ~~الرحيم ) البقرة : 163 ، إلى آخر الآيتين ( قل هو الله أحد ) الإخلاص : 1 ، ~~خمس عشرة مرة ثم يركع ويسجد فإذا قام إلى الركعة الثانية قرأ بفاتحة الكتاب ~~وآية الكرسي وآيتين بعدها إلى قوله ms0066 تعالى : ( أولئك PageV01P058 أصحاب ~~النار هم فيها خالدون ) البقرة : 257 ، وثلاث آيات من آخر البقرة من قوله ~~عز وجل : ( ما في السموات ) البقرة : 284 ، إلى آخرها ( وقل هو الله أحد ) ~~الإخلاص : 1 ، خمس عشرة مرة بني له في جنات عدن ألف مدينة من الدر والىاقوت ~~في كل مدينة ألف قصر في كل قصر ألف دار في كل دار ألف حجرة في كل حجرة ألف ~~صفة في كل صفة منها ألف خيمة في كل خيمة ألف سرير من أصناف الجواهر على كل ~~سرير ألف فراش بطائنها من إستبرق وظواهرها من نور منضد وألف مرفقة من هذا ~~الطرف من السرير وألف مرفقة من الطرف الآخر فوق تلك الفرش زوجة من الحور ~~العين لا توصف بشيء إلا زادت عليه جمالا وكمالا لا يراها ملك مقرب ولا نبي ~~مرسل إلا افتتن بحسنها قد ملأ مأكمتاها مابين طرفي السرير على كل زوجة منهن ~~ألف حلة لا تواري حلة حلة ولا تواري الحلل كلها الجلد يرى بعضها من تحت بعض ~~كما يرى السلك من الىاقوتة وكما يرى الشراب الأحمر من الزجاجة البيضاء لكل ~~زوجة منهن مائة ألف وصيف ومائة ألف جارية ومائة ألف قهرمان على قصورها ~~وضياعها هذا لها خاصة سوى خدم زوجها في كل خيمة منهن نهر من التسنيم ونهر ~~من الكوثر وعين من الكافور وعين من الزنجبيل وعين من السلسبيل وغصن من شجرة ~~طوبى وغصن من سدرة المنتهى في كل خيمة ألف مائدة من الدر والىاقوت أدنى ~~مائدة منها مثل استدارة الدنيا مرتين على كل مائدة منها ألف صحفة صحاف من ~~ذهب مكللة بالدر والجوهر في كل صحفة منها مائة ألف لون من طعام مختلف طعمه ~~ولونه وريحه يعطي الله سبحانه وتعالى وليه المؤمن من القوة ما يأتي على تلك ~~الأطعمة ومثلها من الأشربة ويأتي على أولئك الأزواج كلهن في مقدار يوم من ~~أيام الدنيا فسبحان الملك الوهاب القادر على مايشاء رب العالمين . عبد ~~الرحمن بن منصور عن سعد بن سعيد عن كرز بن وبرة ms0067 قال : وكان وبرة من الأبدال ~~قال : قلت للخضر عليه السلام : علمني شيئا أعمله في ليلي ، فقال : إذا صليت ~~المغرب فقم إلى صلاة العشاء الآخرة مصليا من غير أن تكلم أحدا وأقبل على ~~صلاتك التي أنت فيها وسلم في كل ركعتين واقرأ في ركعة بفاتحة الكتاب مرة ~~وقل هو الله أحد سبع مرات ، فإذا فرغت في صلاتك انصرف إلى منزلك ولا تكلم ~~أحدا وصل ركعتين واقرأ بفاتحة الكتاب مرة وقل هو الله أحد سبع مرات في كل ~~ركعة ثم اسجد بعد تسليمك واستغفر الله سبحانه وتعالى سبع مرات وصل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم سبع مرات وقل سبحان الله والحمد ولا إله إلا الله ~~والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم سبع مرات ثم ارفع رأسك ~~من السجود واستو جالسا وارفع يديك وقل : يا حي ، يا قيوم ، يا ذا الجلال ~~والإكرام ، يا إله الأولين والآخرين ، يا رحمن الدنيا والآخرة ، ورحيمهما ، ~~PageV01P059 يا رب ، يا رب ، يا رب ، يا الله ، يا الله ، ياالله ، ثم قم ~~وأنت رافع يديك وادع بهذا الدعاء ثم نم حيث شئت مستقبل القبلة على يمينك ~~وصل على النبي صلى الله عليه وسلم وأدم الصلاة عليه حتى يذهب بك النوم ، ~~فقلت له : أحب أن تعلمني ممن سمعت هذا الدعاء ، فقال : إني حضرت محمدا صلى ~~الله عليه وسلم حيث علم هذا الدعاء وأوحي إليه وكنت عنده وكان ذلك بمحضر ~~مني فتعلمته ممن علمه إياه ويقال إن هذه الصلاة وهذا الدعاء من داوم عليه ~~بحسن يقين وصدق نية رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه قبل أن يخرج ~~من الدنيا وقد فعل ذلك بعض الناس فرأى أنه دخل الجنة ورأى فيها الأنبياء ~~ورأى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه وعلمه ولهذا فضائل كثيرة ~~اختصرناها للإيجاز . PageV01P060 # | الفصل الثاني عشر في ذكر الوتر وفضل الصلاة بالليل # عن مبارك بن عوف الأحمسي عن عمر بن الخطاب قال : إن الأكياس الذين يوترون ~~أول الليل وإن الأقوياء يوترون آخر ms0068 الليل ، وهو أفضل ، وقد يروى في خبر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أبا بكر رضي الله عنه متى توتر ؟ فقال : ~~من أول الليل قبل أن أنام ، وقال لعمر رضي الله عنه متى توتر ؟ فقال : من ~~آخر الليل ، فقال لأبي بكر حذر هذا وقال لعمر قوي هذا ، وفي بعض الأخبار ~~أنه قال لأبي بكر مثلك كالذي قال أحرزت نهبي وابتغي النوافلا وقال لعمر إنك ~~لقوي مكين . وروينا عن عثمان رضي الله عنه أنه قال : أما أنا فأوتر أول ~~الليل فإذا استيقظت صليت ركعة شفعت بها وتري فما شبهتهما إلا كالغربية من ~~الإبل ضممتها إلى أخواتها ثم أوترت من آخر صلاتي والمشهورة عنه من فعله أنه ~~كان يحيي الليل كله بركعة واحدة يختم فيها القرآن وهي وتره . وروينا عن علي ~~عليه السلام أنه قال : الوتر على ثلاثة أنحاء إن شئت أوترت أول الليل ثم ~~صليت ركعتين ، ركعتين ، وإن شئت أو ترت بركعة ، فإذا استيقظت شفعت إليها ~~أخرى ، ثم أو ترت من آخر الليل ، وأن شئت أخرت الوتر حتى يكون آخر صلاتك ، ~~وفي حديث ابن عمر صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة ، وهذا ~~أحب الوجوه إلي ، وقال مجاهد قال عبد الله بن عمر : من صلى أربعا بعد ~~العشاء كن كعدلهن من ليلة القدر ، وقال حصين : فذكرت ذلك لإبراهيم ، فقال : ~~كان عبد الله بن مسعود يكره أن تتبع كل صلاة بمثلها ، وكانوا يصلون العشاء ~~ثم يصلون ركعتين ثم أربعا ، فمن بدا له أن يوتر أوتر ومن أراد أن ينام نام ~~، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوتروا يا أهل القرآن من كل الليل ، ~~وقالت عائشة رضي الله عنها : قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوله ~~وأوسطه وانتهى وتره إلى السحر ، وفي الخبر كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوتر عند الأذان ويصلي ركعتين عند الإقامة PageV01P061 وسأل رجل عليا ~~عليه السلام عن وقت الوتر فسكت عنه ثم خرج إلىهم عند الأذان لصلاة الفجر ~~فقال ms0069 أين السائل عن الوتر هذا وقت وتر حسن . أبو أمامة عن عمرو بن عنبسة ~~قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أقرب ما يكون الرب عز ~~وجل من العبد جوف الليل الأخير فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله سبحانه ~~وتعالى في تلك الساعة فكن . أبو ذر الغفاري قال : قلت يا رسول الله أي ~~الليل الصلاة فيه أفضل ؟ قال : نصف الليل الغابر يعني الباقي ، وسأل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام أي الليل أسمع ؟ فقال : إن ~~العرش يهتز من السحر ، وقد روي في الخبر أن في الليل ساعة لا يوافقها عبد ~~مسلم يسأل الله خيرا إلا أعطاه ، وروي في خبر آخر يصلي أو يدعو إلا استجاب ~~له وهي في كل ليلة ، ويقال إن في الليل وقتا لا بد أن ينام فيه أو تغفل كل ~~ذي عين إلا الحي الذي لا يموت فلعلها هذه الساعة ، وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا مضى نصف الليل ، وفي لفظ آخر إذا بقي ثلث الليل الأخير نزل ~~الجبار سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا فقال لا يسأل عن عبادي غيري هل من ~~تائب فأتوب عليه ، هل من مستغفر فأغفر له ، هل من داع فأستجيب له ، هل من ~~سائل فأعطيه ، كذلك حتى يطلع الفجر ، وفي حديث عمرو بن عنبسة عليك بصلاة ~~آخر الليل فإنها مشهودة محضورة يعني يحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار . ~~PageV01P062 # | الفصل الثالث عشر كتاب جامع ما يستحب أن يقول العبد إذا استيقظ من نومه ~~للتهجد وفي يقظته عند الصباح # ليقل إذا استيقظ من منامه بكرة أصبحنا وأصبح : الملك لله ، والعظمة لله ، ~~والسلطان لله ، والبهاء لله ، والقدرة لله ، والعزة لله ، والتسبيح لله ، ~~أصبحنا على فطرة الإسلام ، وكلمة الإخلاص ، وعلى دين نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم : وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفا ، وما كان من المشركين ، الحمد ~~لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا ، وإليه النشور ، اللهم إنا نسألك أن تبعثنا ~~في يومنا هذا إلى كل خير ، ونعوذ بك أن ms0070 نجترح فيه سوءا أو نجره إلى مسلم ، ~~فإنك قلت : وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ~~ليقضى أجل مسمى ، اللهم فالق الإصباح ، وجاعل الليل سكنا ، والشمس والقمر ~~حسبانا ، أسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه ، وأعوذ بك من شره وشر ما فيه ، ~~بسم الله ، ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله ، ما شاء الله ، كل نعمة من ~~الله ، ما شاء الله ، الخير كله بيد الله ، بسم الله ، لا يصرف السوء إلا ~~الله ، رضيت بالله عز وجل ، ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، ربنا ~~عليك توكلنا وإليك أنبنا ، وإليك المصير ، وليقرأ المعوذتين فإذا أمسى قال ~~مثل ذلك كله إلا أنه يقول : أمسينا ، وأمسى الملك لله ، عز وجل ، أسألك خير ~~هذه الليلة ، ولا يدع أن يقول في كل ليلة : بسم الله الذي لا يضر مع اسمه ~~شيء في الأرض ولا في السماء ، وهو السميع العليم ، أعوذ بكلمات الله ~~التامات ، وأسمائه كلها من شر ما ذرأ وبرأ ، ومن شر كل ذي شر ، ومن شر كل ~~دابة ، أنت آخذ بناصيتها ، إن ربي على صراط مستقيم وإن يقل دخوله من الخلاء ~~عند وقت السحر كان أفضل ، كيلا يشغله عن الذكر ، يجعل ذلك في آخر النهار أو ~~من أول الليل فقد فعل ذلك كثير من الصالحين ، وهو حسن ، إلا أن دخول الخلاء ~~عند الصباح أصلح للجسد من جهة الطب وأنظف للطهارة ، سيما لمن يأكل بالنهار ~~. # | ذكر ما يستحب من القول إذا أخذ العبد مضجعه # إذا أخذ العبد مضجعه للنوم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه ، ~~اللهم PageV01P063 إن أمسكت نفسي فاغفر لها وارحمها وإن أرسلتها فاعصمها ~~واحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين . وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~البراء بن عازب أن يقول إذا أخذ مضجعه ليلا : اللهم إني وجهت وجهي إليك ~~وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رهبة ورغبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك ~~إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت . وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms0071 أنه كان يقول عند النوم : اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك ~~وأنه أمر أن يقال الحمد لله الذي علا فقهر ، الحمد لله الذي بطن فجبر ، ~~الحمد لله الذي ملك فقدر ، الحمد لله الذي هو يحيي الموتى ، وهو على كل شيء ~~قدير ، وليقل بعد ذلك : اللهم إني أسألك الراحة بعد الموت ، والعفوعند ~~الحساب ، اللهم إني أعوذ بك من غضبك وسوء عقابك وشر عبادك وشر الشياطين ~~وشركهم ، وليقرأ خمسا من أول سورة البقرة وثلاثا من آخرها وآية الكرسي ~~والآيتين اللتين بعدها ، وليقرأ قوله عز وجل : ( وإلهكم إله واحد لا إله ~~إلا هو الرحمن الرحيم ) البقرة : 163 ، والآية التي بعدها إلى قوله تعالى : ~~( لقوم يعقلون ) البقرة : 164 ، ويقال من قرأ هذه الآية عند منامه حفظ عليه ~~القرآن فلم ينسه ولا يدع أن يقرأ آخر بني إسرائيل الآيتين : ( قل ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمن ) الإسراء : 110 ، وهذه الآية من سورة الأعراف : ( إن ~~ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ) الأعراف : 54 ، فإنه يدخل ~~في شعاره ملك يوكل بحفظه ويستغفر له وليقرأ الخمس الآيات من أول سورة ~~الحديد والثلاث من آخر سورة الحشر ، وقل : يا أيها الكافرون وقل : هو الله ~~أحد والمعوذتين ، وينفث بهن في يديه ويمسح بهما وجهه وسائر جسده . كذلك روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله وليقرأ عشرا من أول الكهف وعشرا ~~من آخرها وهذه الآي لقيام الليل وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءة ~~: قل يا أيها الكافرون عند النوم ، وكان عليه السلام يقول : ما أرى أن رجلا ~~مستكمل عقله ينام قبل أن يقرأ الآيتين من سورة البقرة آمن الرسول ، وليقل : ~~اللهم أيقظني في أحب الساعات إليك واستعملني بأحب الأعمال لديك التي تقربني ~~إليك زلفى وتبعدني من سخطك بعدا أسألك فتعطيني وأستغفرك فتغفر لي وأدعوك ~~فتستجيب لي ، اللهم لا تؤمنني مكرك ولا تولني غيرك ولا ترفع عني سترك ولا ~~تنسني ذكرك ولا تجعلني من الغافلين ، يقال : من قال هذه الكلمات عند نومه ~~أهبط الله سبحانه ms0072 وتعالى ثلاثة أملاك يوقظونه للصلاة فإن صلى ودعا أمنوا ~~على دعائه وإن لم يقم تعبدت الأملاك في الهواء وكتب له ثواب عبادتهم ، ثم ~~ليسبح ثلاثا وثلاثين مرة ، وليحمد ثلاثا وثلاثين مرة ، وليكبر ثلاثا ~~وثلاثين مرة ، وإن أحب ربعها خمسا وعشرين مرة ، فقال : سبحان الله ، والحمد ~~لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر خمسا وعشرين مرة ، فهن يجمعن له مائة ~~كلمة وهو أخف عليه للمداومة . PageV01P064 وروينا عن مطرف عن الشعبي عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر ما يقول ~~حين ينام وهو واضع خده على يده الىمنى وهو يرى أنه مقبوض في تلك الليلة : ~~اللهم رب السموات السبع ، ورب العرش العظيم ، ربنا ورب كل شيء ، منزل ~~التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، والفرقان ، فالق الحب والنوى ، أعوذ بك من ~~شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها ، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر ~~فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، ~~اقض عني الدين وأغنني من الفقر ، وليسبح ثلاثا وثلاثين مرة وليحمد ثلاثا ~~وثلاثين مرة وليكبر أربعا وثلاثين مرة وإن شاعر بها خمسا وعشرين مرة وزاد ~~فيها التهليل فهن يجمعن له مائة كلمة وهو أخف عليه للمداومة ، وقد أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بذلك وندب إليه في إدبار الصلوات الخمس وعند النوم ~~فهذا جامع ما يستحب من قراءة الآي والدعاء عند النوم . # | ذكر هيئة العبد عند النوم وأهبته للمضجع # ومعنى الإعتبار بذلك لذوي الأبصار يستحب للعبد أن ينام على طهارة سابعة ، ~~وإلا مسح أعضاءه بالماء مسحا ، وقد كانوا يستحبون السواك عند النوم ، فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ، وكان بعض السلف يجعل عند رأسه سواكه ~~وطهوره ، فإذا انتبه من الليل استاك ومسح أعضاءه بالماء مسحا ، وكانوا ~~يذكرون الله عز وجل بالتلاوة والتسبيح في تقلبهم ويعدون هذا يعدل قيام ~~الليل ، وقد روي هذا الخبر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن غيره ، ~~وروينا عن رسول الله صلى الله ms0073 عليه وسلم نحوه وأنه كان يستاك في ليلة مرارا ~~عند كل قومة من نومه فليعد العبد طهوره وسواكه عند رأسه وينوي قيام الليل ~~فأي وقت استيقظ توضأ وصلى أو قعد فقرأ أو دعا وذكر الله عز وجل واستغفره أو ~~تفكر في آلائه وعظمته ومعاني قدرته ففي أي وجه أخذ من هذه المعاني فهو ذكر ~~، وقد استعمل بذلك وفيه قربة إلى الله عز وجل ، وهو فضل من الله تعالى ~~ورحمته عليه ، ولا ينبغي للعبد أن يبيت وله شيء يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة ~~عنده فإنه لا يأمن القبض بالوفاة ، وقد ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى ذلك في قوله : لا ينبغي لعبد أن ينام ليلتين وله شيء يوصي فيه إلا ~~ووصيته مكتوبة عنده ، ويقال : من مات عن غير وصية لم يؤذن في الكلام في ~~البرزخ إلى يوم القيامة ، تتزاور الأموات ويتحدثون وهو لا يتكلم فيما بينهم ~~إلى يوم القيامة فيقول بعضهم لبعض : هذا المسكين مات عن غير وصية فيكون ذلك ~~حسرة عليه بينهم ، وموت الفجأة تخفيف ومستحب للمؤمن الفقير للثواب الذي حلب ~~لا مال له ولا دين عليه فأما المثقل بالدين والمخلط في الدين ومن له مال أو ~~هو مصر على مطل فإن موت الفجأة لهؤلاء عقوبة ومكروه ، ولا ينبغي للعبد أن ~~يبيت إلا تائبا من كل ذنب ، سليم القلب لجميع المسلمين ، لا يحدث نفسه بظلم ~~أحد ، ولا يعقد على الخطيئة إن استيقظ ، وقد جاء في الخبر : من أوى إلى ~~فراشه لا ينوي ظلم أحد و لا يحقد على أحد غفر له ما اجترم PageV01P065 ~~وليستقبل في نومه القبلة واستقبال القبلة ، على ضربين إن كان مستلقيا ~~فاستقباله القبلة أن يكون وجهه إليها مع أخمص قدميه كحال الميت المسجى وإن ~~كان نائما على جنب فاستقبال القبلة أن يكون وجهه إليها مع شقه الأيمن كهيئة ~~الملحد في قبره فسيصير إليه عن قريب وليذكر بنومه على هذين الحالين عند ~~موته وحين اضطجاعه في قبره ، وقد قال الله عز وجل : ( ألم نجعل الأرض كفاتا ms0074 ~~) ( أحياء وأمواتا ) المرسلات : 25 - 26 ، في أحد الوجهين وهو مذهب أهل ~~التفسير أي يكفتهم ويجمعهم أحياء على ظهرها وأمواتا في بطنها ، وقد جعل ~~الله سبحانه وتعالى النوم من آياته الدالة عليه لأهل السمع منه وهو سمع ~~اليقين وقرنه بالابتغاء من فضله فقال عز وجل : ( ومن آياته منامكم بالليل ~~والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ) الروم : 23 ، ~~وكان فقراء أهل الصفة وبعض زهاد التابعين إذا رقدوا لا يجعلون بينهم وبين ~~الأرض شيئا ، كان أحدهم يباشر التراب بجلده ويطرح ثوبه فوقه ويقول : منها ~~خلقناكم وفيها نعيدكم ، كأنهم كرهوا الترفع عليها والوقاية منها يجدون ذلك ~~أرق لقلوبهم وأبلغ في تواضعهم ، ومثل النوم عند أهل الاعتبار مثل البرزخ هو ~~بين الدنيا والآخرة كذلك النوم بين الحياة والموت فإذا كشف حجاب النوم ظهرت ~~الدنيا بالحكمة وكذلك إذا كشف الغطاء ظهرت الآخرة بالقدرة فصارت الدنيا ~~كلاأحلام في النوم وقد قال الله عز وجل : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ~~ماجرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ) الانعام : 60 وكان بعضهم يقول عجبا لمن ~~يعصي الله عز وجل ثم ينام بعد ذلك . وذكر بعض العلماء عن الله عز وجل : إن ~~كنتم تعصوني فاخرجوا من بساطي ولا تناموا في قبضتي ، وقال لقمان لابنه : يا ~~بني إن كنت تشك في الموت فلا تنم ، فكما أنك تنام فكذلك تموت ، وإن كنت تشك ~~في البعث فإذا نمت فلا تنتبه ، فكما أنك تنتبه بعد نومك فكذلك تبعث بعد ~~موتك ، فيلتذكر العبد عند نومه حين موته وليعلم أن الله تعالى يكون له يعد ~~موته كما كان العبد له قبل نومه فلينظر على أي حال نام وعلى أي هم توفاه ~~الله عليه وليتذكر بانتباهه البعث فإن العبد يبعث على ما مات عليه في ~~الدنيا فيبعث بهمه ويحشر مع محبوبه كما ينتبه النائم عن همه إلى محبوبه ~~الذي نام عنه ، وفي الخبر أن المرء مع من أحب وله ما احتسب ، وروي عنه صلى ~~الله عليه وسلم : من مات على مرتبة من المراتب بعث عليها ms0075 يوم القيامة ، ~~وروينا عن كعب الأحبار قال : إذا نمت فاضطجع على شقك الأيمن واستقبل القبلة ~~بوجهك فإنها وفاة . # | بيان آخر من الاعتبار لأهل التبصرة والتذكار # وليعلم العبد أن الله عز وجل يكون له بعد بعثه من قبره كما كان العبد له ~~بعد بعثه من نومه ، فلينظر إلى أي حال يبعث ، وإن كان العبد لنظر مولاه ~~مكرما ولشأنه معظما ولحرماته معظما وإلى محبوبه ومرضاته ومسرته من النعيم ~~المقيم مسرعا كان الله تعالى في PageV01P066 آخرته لوجهه مكرما ، وان كان ~~العبد في حق مولاه متهاونا وبأمره مستخفا ولشعائره مستصغرا كان الله تعالى ~~له مهينا وبشأنه متهاونا ، قال الله تعالى : ( وما يستوي الأعمى والبصير ) ~~فاطر : 19 ، والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء ، ثم قال : ( قليلا ~~ما تذكرون ) الأعراف : 3 ، موبخا لهم بذلك ، وقال في مثله : ( أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين ) القلم : 35 ، ثم قال : ( ما لكم كيف تحكمون ) القلم : ~~36 ، ذاما عائبا لحكمهم ؟ ثم أخبر بحكمه فيهم فقال : ( أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ساء ما يحكمون ) الجاثية : 12 ، هكذا تقدير الكلام وهو من المقدم ~~والمؤخر ، فرفع حسناتهم وأخبر بسوء حكمهم ثم ذكر حكمهم عنده في المحيا ~~والممات فقال : ( سواء محياهم ومماتهم ) الجاثية : 21 ، أي كما كانوا في ~~الحياة كذلك يكونون بعد الوفاة ، ثم عقب ذلك بذكر عدله في خلقه فقال : ( ~~وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ) ~~الجاثية : 22 فكان هذا فصل الخطاب وتذكار أولي الألباب ، وقال في معناه ~~وأمر بتدبر كلامه وأمر بتذكر العقلاء عن خطابه فقال : ( كتاب أنزلناه إليك ~~مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ) ص : 29 ، هل يتدبرون فيجدون ~~أنا نجعل المفسدين كالمصلحين أو نجعل المتقين كالفاسقين وهو قوله تعالى : ( ~~أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار ) ص : 28 ، فالتدبر التفهم ، والتذكر التقوى والعمل ، وروينا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب أن يعلم منزلته عند الله عز وجل ~~فلينظر ms0076 كيف منزلة الله تعالى من قلبه فإن الله عز وجل ينزل العبد عنده بحيث ~~نزله العبد من نفسه ، فإذا نام العبد على طهارة وذكر وعن مثل هذه المشاهدة ~~والفكر فإن مضطجعه يكون مسجدا وإنه يكتب مصليا حتى يستيقظ ويدخل في شعاره ~~ملك فإن تحرك في نومه فذكر الله عز وجل دعا له الملك واستغفر له ، وفي ~~الخبر : إذا نام العبد على طهارة عرج بروحه إلى العرش فكانت رؤياه صادقة ، ~~وإن لم ينم على طهارة قصرت روحه عن البلوغ فتلك المنامات أضغاث أحلام لا ~~تصدق ، فإن غلبه النوم حتى يصبح حسب له قيام ليلة وكان نومه عليه صدقة ومن ~~كان هذا وصفه في منامه يسبق كثيرا من العباد في قيامهم عن شهود غفلة وسهو . ~~وقد روينا في خبر نوم العالم عبادة ونفسه تسبيح . # | ذكر ما يستحب من القول عند القيام إلى التهجد # فإذا قام من الليل متهجدا فليقل : الحمد لله الذي أحياني بعد إذ توفاني ~~وإليه النشور ، وليقرأ العشر الأواخر من سورة آل عمران ، وليستك وليتوضأ ~~ويقول : سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأسألك التوبة فاغفر لي وتب ~~علي إنك أنت التواب الرحيم ، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من ~~المتطهرين واجعلني صبورا شكورا PageV01P067 واجعلني أذكرك كثيرا وأسبحك ~~بكرة وأصيلا ، ثم يرفع رأسه إلى السماء فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وأعوذ بعفوك من عقابك ، ~~وأعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على ~~نفسك ، أنا عبدك ابن عبدك ، ناصيتي بيدك ، جار في حكمك ، عدل في قضاؤك ، ~~هذه يدي بما كسبت ، هذه نفسي بما اجترحت ، لا إله إلا إنت سبحانك إني كنت ~~من الظالمين عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي إنك أنت ربي إنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت ، فإذا قام إلى الصلاة متوجها فليقل الله أكبر كبيرا ، ~~والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله بكرة وأصيلا ، ثم ليسبح عشرا وليحمد عشرا ~~وليهلل عشرا وليكبر عشرا ms0077 وليقل الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء ~~والجلال والعظمة والقدرة ، وليقل هذه الكلمات فإنها مأثورة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في قيامه للتهجد : اللهم لك الحمد ، أنت نور السموات ~~والأرض ، ولك الحمد ، أنت بهاء السموات والأرض ، ولك الحمد أنت نور السموات ~~والأرض ، ولك الحمد أنت زين السموات والأرض ، ولك الحمد أنت قيام السموات ~~والأرض ، ومن فيهن ومن عليهن ، أنت الحق ، ومنك الحق ، ولقاؤك حق ، والجنة ~~حق ، والنار حق ، والنبيون حق ، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق ، اللهم لك ~~أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت ، فاغفر اللهم ~~يا رب لي ما قدمت ، وما أخرت ، وما أسررت ، وما أعلنت ، أنت المقدم وأنت ~~المؤخر ، لا إله إلا أنت ، اللهم آت نفسي تقواها ، اللهم زكها ، أنت خير من ~~زكاها ، أنت وليها ، ومولاها ، اللهم اهدني لأحسن الأعمال ، لا يهدي ~~لأحسنها إلا أنت ، واصرف عني سيئها ، لا يصرف عني سيئها إلا أنت ، أسألك ~~مسألة البائس المسكين وأدعوك دعاء المفتقر الذليل فلا تجعلني بدعائك رب ~~شقيا ، وكن بي رؤوفا رحيما ، يا خير المسؤولين ، ويا أكرم المعطين ، ويستحب ~~أن يفتح صلاته بركعتين خفيفتين ، ويستحب له أن لا يأكل شيئا ولا يشرب ماء ~~حتى يقضي همته من صلاته فإن العبد إذا استيقظ من نومه يكون جام القلب فارغ ~~الهم ، فإذا أكل وشرب تغير قلبه عن هيئته فليغيب أكله إلا أن يخاف أن يفجأه ~~الفجر إن لم يتسحر أو يشرب فليبدأ حينئذ بذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم . PageV01P068 # | الفصل الرابع عشر في ذكر تقسيم قيام الليل ونومه ووصف القائمين ~~والمتهجدين # قد قرن الله سبحانه وتعالى قوام الليل برسوله المصطفى وجمعهم معه في شكر ~~المعاملة وحسن الجزاء فقال تعالى : ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي ~~الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك ) المزمل : 20 ، وقد أخبر الله ~~سبحانه أن قراءة الليل أشد وطئا للقلب وأقوم قيلا للحفظ والذكر أي يواطئ ~~القلب اللسان بالفهم والحفظ ، وقدسمى الله تعالى أهل الليل علماء وجعلهم ms0078 ~~أهل الخوف والرجاء وأخفى لهم قرة العين من الجزاء فقال : ( أمن هو قانت ~~آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه ) الزمر : 9 ، ثم قال ~~: ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) الزمر : 9 ، وهذا من ~~المحذوف ضده لدلالة الكلام عليه والمعنى أمن هو هكذا عالم قانت مطيع لا ~~يستوي مع من هو غافل نائم ليله أجمع فهو غير عالم بما يحذر وبما يرجو من ~~ربه عز وجل ، وقال عز وجل في وصفهم في الدنيا ، ووصف ما أعد لهم في الآخرة ~~والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما : ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا ) السجدة : 16 ، أي تنبو عن الفراش فلا تطمئن لما فيها من خوف ~~الوعيد ورجاء الموعود ، ثم قال : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ~~جزاء بما كانوا يعملون ) السجدة : 17 ، قيل : كان عملهم قيام الليل وقيل بل ~~كانوا أهل خوف ورجاء ، وهذان من أعمال القلوب عن مشاهدة الغيوب فلما أخفوا ~~له الإخلاص بأعمال السرائر أخفي لهم من الجزاء نفيس الذخائر ولا تقر أعين ~~هؤلاء المحبين إلا بوجهه كما لم يعملوا إلا لوجه الله تعالى ، وقال بعض ~~العلماء في قوله تعالى : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) البقرة : 45 قال : ~~هي صلاة الليل استعينوا بها على مجاهدة النفس ومصابرة العدو ، ثم قال : ( ~~وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) البقرة : 45 ، يعني الخائفين المتواضعين ~~لا تثقل عليهم ولا تجفو بل تخف وتحلو ، وفي الخبر : قيل يارسول الله إن ~~فلانا يصلي من الليل فإذا أصبح سرق فقال سينهاه ما تقول ، وقال صلى الله ~~عليه وسلم : نعم الرجل عبد الله بن عمر لو كان يصلي من الليل قال فما فاتته ~~بعد ذلك ليلة حتى يقوم فيها ، وفي الخبر : عليكم بقيام الليل فإنه مرضاة ~~لربكم PageV01P069 ومكفر سيئاتكم وهو دأب الصالحين قبلكم ومنهاة عن الإثم ~~وملقاة للوزر ومذهبة لكيد الشيطان ومطردة للداء عن الجسد ، وقد جعل الله ~~سبحانه قيام الليل من أوصاف الصالحين بقوله : ( يتلون آيات الله آناء الليل ~~وهم يسجدون ) آل ms0079 عمران : 113 ، إلى قوله : ( وأولئك من الصالحين ) آل عمران ~~: 114 فيستحب من قيام الليل ثلثاه وأقل الاستحباب من القيام سدسه ، لأنا ~~روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم ليلة قط حتى أصبح ، بل كان ينام ~~منها ، ولم ينم ليلة حتى يصبح بل كان يقوم منها ، ويقال إن الصلاة أول ~~الليل للمتهجدين ، وقيام أوسطه للقانتين ، وقيام آخره للمصلين ، والقيام من ~~الفجر للغافلين ، وحدثنا عن عبد الله بن عمر قال : حدثنا يوسف بن مهران قال ~~: بلغني أن تحت العرش ملكا في صورة ديك براثنه من لؤلؤ وصئصئتاه من زبرجد ~~أخضر فإذا مضى نصف الليل الأول ضرب بجناحه وزقى ، وقال : ليقم القائمون ، ~~فإذا مضى نصف الليل ضرب بجناحه وزقى وقال : ليقم المتهجدون ، فإذا مضى ثلث ~~الليل ضرب بجناحه وزقى وقال : ليقم المصلون ، فإذا طلع الفجر ضرب بجناحه ~~وزقى ، وقال : ليقم الغافلون وعليهم أوزارهم وقال بعض العلماء أهل الليل ~~على ثلاثة أصناف قوم قطعهم الليل فكان هؤلاء المريدون ذوو الأوراد والأجزاء ~~كابدوا الليل فغلبهم قال وقوم قطعوا الليل فكان هؤلاء العالمون الذين صبروا ~~وصابروا فغلبوه وقال قوم قطع بهم الليل فكان هؤلاء المحبون والعلماء أهل ~~الفكر والمحادثة وأهل الأنس والمجالسة وأهل الذكر والمناجاة وأهل التملق ~~والملاقاة نغص عليهم الليل حالهم وقصر النعيم عليهم ليلهم ورفع الحبيب عنهم ~~نومهم وخفف الفهم عليهم قيامهم وأذهب مزيد الوصل عنهم مللهم وأوصل العتاب ~~لهم سهرهم . وقيل لبعض أهل الليل كيف أنت والليل ؟ فقال : ما رعيته قط ~~يريني وجهه ثم ينصرف وما تأملته ، وقال آخر : أنا والليل فرسا رهان مرة ~~يسبقني إلى الفجر ومرة يقطعني عن الفكر ، وقيل لبعضهم : كيف الليل عليك ؟ ~~فقال : هو ساعة أنا فيها بين حالين ، أفرح بظلمته إذا جاء وأغتم بفجره إذا ~~طلع ما تم فرحي به قط ، ولا اشتفيت منه قط وقيل لبعض المحبين : كيف الليل ~~عليك ؟ فقال : والله ما أدري كيف أنا فيه إلا أنا بين نظرة ووقفة يقبل ~~بظلامه فأتدرعه ثم يسفر قبل أن أتلبسه ثم أنشد : لم أستتم عناقه ms0080 لقدومه . . ~~. حتى بدا تسليمه لوداع وقال بعضهم : وزارني طيفك حتى إذا . . . أراد أن ~~يمضي تعلقت به فليت ليلي لم يزل سرمدا . . . والصبح لم أنظر إلى كوكبه ~~PageV01P070 وشكا بعض المريدين إلى أستاذه طول سهره بالليل وأن السهر قد ~~أضر به ثم قال : أخبرني بشيء أجتلب به النوم ، فقال له أستاذه : يا بني أن ~~لله نفحات في الليل والنهار تصيب القلوب المتيقظة وتخطئ بالقلوب النائمة ~~فتعرض لتلك النفحات ففيها الخيرة ، فقال : يا أستاذ تركتني لا أنام بالليل ~~ولا بالنهار ، وتذاكر قوم قصر الليل عليهم فقال بعضهم : أما أنا فإن الليل ~~يزورني قائما ثم ينصرف قبل أن جلس ، وقال علي بن بكار منذ أربعين سنة ما ~~أحزنني شيء إلا طلوع الفجر وقال الفضيل بن عياض : إذا غربت الشمس فرحت ~~بدخول الظلام لخلوتي فيه بربي ، فإذا طلع الفجر حزنت لدخول الناس علي ، ~~وقال أبو سليمان : أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ، ولولا ~~الليل ما أحببت البقاء في الدنيا ، وقال أيضا : لو عوض الله عز وجل أهل ~~الليل من ثواب أعمالهم ما يجدونه في قلوبهم من اللذة لكان ذلك أكبر من ~~أعمالهم وقال بعض العلماء : ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما ~~يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة ، وقال بعضهم : قيام ~~الليل والتملق للحبيب والمناجاة للقريب في الدنيا ليس من الدنيا هو من ~~الجنة أظهر لأهل الله تعالى في الدنيا ، لا يعرفه إلا هم ، ولا يجده سواهم ~~روحا لقلوبهم ، وقال عتبة الغلام : كابدت الليل عشرين سنة ، ثم تنعمت به ~~عشرين سنة وقال يوسف بن أسباط : قيام ليلة أسهل علي من عمل قفة وكان يعمل ~~كل يوم عشر قفاف ، وقال غيره : ما رأيت أعجب من الليل إذا اضطربت تحته غلبك ~~، وإن ثبت له لم يقف ، وبكى عامر بن عبد الله حين حضرته الوفاة فقيل له ذلك ~~فقال : والله ما أبكي حبا للبقاء ولكن ذكرت ظمأ الهواجر في الصيف وقيام ~~الليل في الشتاء ، وقال ابن المنكدر : ما ms0081 بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث : ~~قيام الليل ، ولقاء الإخوان ، والصلاة في جماعة ، وقال بعض العارفين : إن ~~الله عز وجل ينظر بالأسحار إلى قلوب المتيقظين فيملؤها أنوارا فترد الفوائد ~~على قلوبهم فتستنير ثم تنشر من قلوبهم العوافي إلى قلوب الغافلين . وقال ~~بعض العلماء : إن الله عز وجل ينظر إلى الجنان عند السحر نظرة فتشرق وتضيء ~~وتهتز وتربو وتزداد جمالا وحسنا وطيبا ألف ألف ضعف في جميع معانيها ، ثم ~~تقول : قد أفلح المؤمنون فيقول الله عز وجل : هنيئا لك منازل الملوك وعزتي ~~وجلالي وارتفاع مكاني لا أسكنك جبارا ولابخيلا ولا متكبرا ولا فخورا ، ~~وينظر إلى العرض نظرة فيتسع ألف ألف سعة ويزداد بكل سعة ألف ألف عالم منها ~~كل عالم لا يعلم وسعه إلا الله عز وجل ، ثم يهتز فيثقل على الحملة حتى يموج ~~بعضهم في بعض ويحطم بعضهم بعضا وهم بعدد جميع ما خلق الله عز وجل وأضعاف ما ~~خلق الله عز وجل فيقول العرش سبحانك أينما كنت وأينما تكون ، فينادي حملة ~~العرش : سبحان من لا يعلم أين هو إلا هو ، سبحان من لا يعلم ما هو إلا هو . ~~PageV01P071 وروينا عن بعض العلماء من القدماء أن الله عز وجل أوحى إلى بعض ~~الصديقين : أن لي عبادا من عبادي يحبونني وأحبهم ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم ~~ويذكرونني وأذكرهم وينظرون إلي وأنظر إليهم ، فإن حذوت طريقهم أحببتك وإن ~~عدلت عنهم مقتك ، قال : يا رب وما علامتهم ؟ قال : يراعون الظلام بالنهار ~~كما يراعي الراعي الشفيق غنمه ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطيور إلى ~~أوكارها عند الغروب ، فإذا جنهم الليل واختلط الظلام وفرشت الفرش ونصبت ~~الأسرة وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا لي أقدامهم وافترشوا إلى وجوههم وناجوني ~~بكلامي وتملقوا لي بأنعامي ، فبين صارخ وباك ومتأوه وشاك وبين قائم وقاعد ~~وبين راكع وساجد بعيني ما يتحملون لأجلي وبسمعي ما يشتكون من حبي ، أول ما ~~أعطيهم أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم ، والثانية لو ~~كانت السموات السبع والأرض وما فيهما من موازينهم ms0082 لاستقللتها لهم ، ~~والثالثة أقبل بوجهي عليهم فترى من أقبلت بوجهي عليه يعلم أحد ما أريد أن ~~أعطيه ، وقال مالك بن دينار : إذا قام العبد يتهجد من الليل ورتل القرآن ~~كما أمر قرب الجبار تعالى منه قال : وكانوا يرون أن ما يجدون في قلوبهم من ~~الرقة والحلاوة والفتوح والأنوار من قرب الرب تعالى من القلب ، وفي الأخبار ~~من الجبار عز وجل : أي عبدي أنا الله الذي اقتربت لقلبك وبالغيب رأيت نوري ~~، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أذن الله لشيء إذنه لحسن ~~الصوت بالقرآن يعني ما استمع إلى شيء كاستماعه إليه ، وفي الحديث الآخر لله ~~أشد أذنا إلى قارئ القرآن من صاحب القينة إلى قينته وأهل اللهو في غفلة عما ~~أهل الآخرة فيه وفي عمى عما ينظر هؤلاء الحاضرون إليه وكأين من آية في ~~السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون بل قلوبهم في غمرة من هذا ، ~~وطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ، يقال إن وهب بن منبه اليماني ما وضع جنبه ~~إلى الأرض ثلاثين سنة كانت له مسورة من أدم إذا غلبه النوم وضع صدره عليها ~~، وخفق خفقات ثم يفزع إلى القيام وكان يقول لأن أرى في بيتي شيطانا أحب إلي ~~من أن أرى فيه وسادة يعني لأنها تدعو إلى النوم ، وقال رقبة بن مسقلة : ~~رأيت رب العزة تعالى في النوم فسمعته يقول : وعزتي وجلالي لأكرمن مثوى ~~سليمان التيمي فإنه صلى الغداة بوضوء العشاء الآخرة أربعين سنة ، ويقال إنه ~~كان مذهبه أن النوم إذا خامر القلب وجب الوضوء . # | ذكر من روي عنه أنه أحيا الليل كله # ومن اشتهر بإحياء الليل كله وصلى الغداة بوضوء العشاء الآخرة أربعين سنة ~~أو ثلاثين سنة حتى نقل عنه ذلك أربعون من التابعين منهم : سعيد بن المسيب ~~وصفوان بن سليم المدنيان وفضيل بن عياض ووهيب بن الورد المكيان وطاوس ووهب ~~بن منبه اليمانيان والربيع بن خيثم والحكم بن عيينة الكوفيان وأبو سليمان ~~الداراني وعلي بن بكار الشاميان وأبو عبد الله الخواص ms0083 وأبو عاصم العباديان ~~وحبيب أبو محمد وأبو جابر PageV01P072 السلماني الفارسيان ومالك بن دينار ~~وسليمان التيمي ويزيد الرقاشي وحبيب بن أبي ثابت ويحيى البكاء البصريون ~~وكهمس بن المنهال ، وكان يختم في الشهر تسعين ختمة وما لم يفهم رجع فقرأه ~~مرة أخرى وأيضا من أهل المدينة أبو حازم ومحمد بن المنكدر في جماعة يكثر ~~عددهم ، هؤلاء المشهورون منهم ، فإن أحب المريد نام ثلث الليل الأول وقام ~~نصفه ونام سدسه الأخير ، وإن أراد نام نصف الليل وقام ثلثه ونام سدسه ، فقد ~~روي أن هذا من أفضل القيام وإنه كان قيام نبي الله عز وجل داود عليه السلام ~~، جاء ذلك في روايتين وإن أحب العبد قدم القيام فيهما وأخر وتره إلى السحر ~~فإن قام نصف الليل قسم نومه في أول الليل وآخره فإن قام ثلث الليل نام سدسه ~~الأخير وإن اختار أن يقوم من أول الليل حتى يغلبه النوم ثم ينام ثم يقوم ~~متى استيقظ ثم ينام متى غلبه النوم ثم يقوم آخر الليل فيكون له في الليل ~~نومتان وقومتان فهذا من مكابدة الليل وهو من أشد الأعمال وهذه طريقة أهل ~~الحضور واليقظة وأهل التذكار والتذكرة فقد كان هذا من أخلاق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، قال أنس ابن مالك ما كنت تريد أن ترى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نائما إلا رأيته ولا كنت تريد أن تراه قائما إلا رأيته وكان هذا ~~مذهب ابن عمر وأولي العزم من الصحابة في قيام الليل وفعله جماعة من ~~التابعين ، وقد رأينا من كان له في الليل قومات ونومات في تضاعيف ذلك ، ~~فإما أن يكون المنام والقيام موزونا عدلا فليس ذلك إلا لنبي بقلب دائم ~~اليقظة وبوحي من الله عز وجل ولا يسلك هذا الطريق إلا بأسباب هي زاده لأن ~~كل طريق يقطع بزاد مثله فمن أراده احتقب وأخذ من زاده فالأسباب أحدها هم ~~يلزم القلب وحزن يسكن فيه أو يقظة دائمة يحيا بها القلب وفكر في الملكوت ~~متصل وخلو المعدة من الطعام وقلة الشرب ms0084 وأن يقيل بالنهار ولا يكثر تعب ~~جوارحه في أمر الدنيا فهذه رياضة المريد إلى أن يألف القيام وليستوطن حينئذ ~~فيتجافى جنبه لما في قلبه من الخوف والرجاء الذي قد استكن فيه . وروي عن ~~الله سبحانه وتعالى : إن عبدي الذي هو عبدي حقا الذي لا ينتظر بقيامه صياح ~~الديك ففي هذا حث على القيام قبل السحر ونوم آخر الليل نستحبه لمعنيين : ~~أحدهما أنه يذهب بالنعاس بالغداة وقد كانوا يكرهون النعاس بالغداة ويأمرون ~~الناعس بعد صلاة الصبح بالنوم ، والمعنى الثاني أنه يقل صفرة الوجه فلو قام ~~العبد أكثر الليل ونام سحرا ذهب نعاسه بالغداة وقلت صفرة وجهه ولو نام أكثر ~~الليل وسهر من السحر جلب عليه النعاس بالغداة وصفرة الوجه فليتق العبد ذلك ~~فإنه باب غامض من الشهرة والشهوة الخفيفة وليقل شرب الماء بالليل فقد يكون ~~منه الصفرة سيما في آخر الليل وبعد الانتباه من النوم . وقالت عائشة رضي ~~الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوتر من آخر الليل فإن ~~كانت له حاجة إلى أهله دنا منهن وإلا اضطجع في مصلاه حتى يأتيه بلال فيؤذنه ~~بالصلاة PageV01P073 وقالت أيضا ما ألفيته السحر الأعلى إلا نائما تعني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الخبر الآخر كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا أوتر من آخر الليل اضطجع على شقه الأيمن ضجعة حتى يأتيه بلال ~~فيخرج معه إلى الصلاة فقد كان السلف يستحبون هذه الضجعة بعد الوتر وقبل ~~صلاة الصبح حتى قال بعضهم فهي سنة - منهم أبو هريرة ومروان - والنوم من آخر ~~الليل وفي الثلث الأخير مزيد لأهل المشاهدة والحضور لأنه كشف لهم من ~~الملكوت واستماع العلوم من الجبروت وهو راحة وسكن للعمال وأهل المجاهدة ~~ولذلك حظرت الصلاة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر ليستريح عمال الله عز ~~وجل وأهل أوراد الليل والنهار فيهما ، والنوم من آخر الليل هو نقصان لأهل ~~السهو والغفلة من حيث كان مزيدا لأهل الشهود واليقظة لأنه آخر خدمة أولئك ~~ففيه راحتهم وهو تطاول النوم والغفلة ms0085 بهؤلاء فهو نقصهم وليفصل العبد في ~~تضاعيف صلاة الليل بجلوس يسبح فيه مائة تسبيحة فذلك ترويح له وعون على ~~الصلاة وهو داخل في قوله تعالى : ( ومن الليل فسبحه وأدبار السجود ) سورة ق ~~: 40 ، أي أعقاب الصلاة في أحد الوجهين على قراءة من نصب وإن أراد المزيد ~~أحيا الوردين اللذين من أول الليل أحدهما بين العشاءين والثاني قبل نومة ~~الناس فإن إحياء هذين الوردين عند بعض العلماء أفضل من صيام يوم ثم ليقم ~~الورد الرابع وهو ما بين الفجرين وهو أول ثلث الليل الأخير أو الورد الخامس ~~وهو السحر الخير قبل طلوع الفجر الثاني وهو يصلح للقراءة والاستغفار إن كان ~~لم يعتد للقيام في جوف الليل ، وفي خبر أبي موسى ومعاذ لما التقيا قال معاذ ~~لأبي موسى : كيف تصنع في قيام الليل ؟ قال : أقومه أجمع لا أنام منه شيئا ~~وأتفوق القرآن فيه تفوقا ، قال معاذ : لكني أنام ثم أقوم وأحتسب في نومتي ~~ما أحتسب في قومتي ، فذكرا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأبي ~~موسى : معاذ أفقه منك ، وقد كان بعضهم لا ينام حتى يغلبه النوم ، وكان بعض ~~السلف يقول : هي أول نومة فإن انتبهت ثم عدت إلى نومة أخرى فلا أنام الله ~~عيني ، وسئل فزارة الشامي عن وصف الأبدال وكانوا يظهرون له فقال أكلهم فاقة ~~ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة وصمتهم حكمة وعلمهم قدرة ، وقيل لآخر صف لنا ~~الخائفين ، فقال : أكلهم أكل المرضى ونومهم نوم الغرقى ولا يدع العبد أن ~~يقوم مقدار خمس الليل أو سدسه وهو ورد من أوراد الليل أو وردان على ~~اختلافهما في الطول والقصر متفرقا كان قيامه أو متصلا وأي ورد أحياه من ~~الليل بأي نوع من الأذكار فقد دخل في أهل الليل وله معهم نصيب ومن أحيا ~~أكثر ليلته أو نصفها كتب له إحياء جميعها وتصدق عليه بما بقي منها ، ومن ~~صلى في ليلة عشرين ركعة وأوتر بعدها بثلاث حسب له كأنه أحياها بفضل الله ~~ورحمته ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0086 يقوم ليلة نصف الليل وليلة ~~ثلثه وليلة ثلثيه وذلك مذكور في أول الآيتين من قيام الليل في سورة المزمل ~~وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم ليلة نصف الليل ونصف سدسه معه ~~ويقوم PageV01P074 ليلة ربعه ويقوم ليلة سدس الليل حسب وذلك مذكور في آخر ~~الآيتين من قيام الليل وهذا على قراءة من كسر ونصفه وثلثه فأما من نصب فقال ~~ونصفه وثلثه فإنه يعني يقوم النصف مع نصف السدس والنصف وحده والثلث وحده ~~وهو الذي ذكرناه من الآية الأولى . وقد جاء في التفسير نحو هذا وهو صلى ~~الله عليه وسلم مفترض عليه صلاة الليل ، فالآية الأولى أمره تعالى بقيام ~~الليل فيها والأخرى أخبر عنه بقيامه كيف هو فالأجود أن يكون ما أخبر عنه ~~مواظبا لما أمره به فالذي أمره به أنه قال تعالى : ( قم الليل ) المزمل : 2 ~~، ثم استثنى القليل منه فقال : ( إلا قليلا ) المزمل : 2 ، ثم فسر أمره ~~فقال نصفه أو أنقص منه قليلا يعني والله أعلم أنقص نصف السدس أو نصف الثلث ~~هذان أقل أسماء النقصان عند العرب ، ثم قال : ( أو زد عليه ) المزمل : 4 أو ~~زد عليه يعني زد على النصف كأنه رد عليه نصف سدس الليل لأنه أخبر عنه في ~~الآية الأخرى بأقل من الثلثين فقال : إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي ~~الليل يكون هذا نصفا ونصف سدس وهو أقل التسمية عندهم ، ثم قال : ونصفه أي ~~ويعلم أنك تقوم نصفه أيضا وثلثه أي وتقوم ثلثه ، فهذه الأخبار أشبه بوطء ~~الأمر من قراءة من كسر فقال ونصفه وثلثه يريد وتقوم أدنى من نصفه وهو الربع ~~أو الثلث وأدنى من ثلثه وهو السدس أو نصف السدس . وقد قالت عائشة رضي الله ~~عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل إذا سمع الصارخ ~~يعني الديك فهذا يكون من السحر فقط فكان هذا يكون سدس الليل أو نصف سدسه ~~ففيه رخصة وسعة لقوام الليل ، قلنا هذا تقريب لا تحديد والله أعلم والنصب ~~اختيارنا في ms0087 القراءة على معنى كثرة القيام ولمواطأة الخبر عنه للأمر ، وقد ~~جاء في الأثر صل من الليل ولو قدر حلب شاة فهذا قد يكون أربع ركعات وقد ~~يكون ركعتين ، وقال أبو سليمان : من أحسن في نهاره كوفئ في ليله ومن أحسن ~~في ليله كوفئ في نهاره وكان يقول : أهل الليل على ثلاث طبقات منهم إذا قرأ ~~متفكرا بكى ومنهم إذا تفكر صاح وراحته في صياحه ومنهم من إذا قرأ وتفكر بهت ~~فلم يبك ولم يصح ، قلت له : من أي شيء صاح هذا ومن أي شيء بهت هذا ؟ فقال : ~~لا أقوى على التفسير ، وقال رجل للحسن : يا أبا سعيد إني أبيت معافى وأحب ~~قيام الليل وأتخذ طهوري فما بالي لا أقوم ؟ فقال : ذنوبك قيدتك يا ابن أخي ~~، وكان الحسن إذا دخل السوق فسمع لغطهم ولغوهم قال أظن ليل هؤلاء ليل سوء ~~ما يقيلون . وقال بعض السلف : كيف ينجو التاجر من سوء الحساب وهو يلغو ~~بالنهار وينام بالليل ، وقال الثوري : حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب ~~أذنبته ، قيل له : ما هو ؟ قال رأيت رجلا بكى فقلت في نفسي هذا مراء ، وقال ~~بعضهم : دخلت على كرز بن وبرة وهو يبكي ، فقلت : ما بالك أتاك نعي بعض أهلك ~~؟ فقال : أشد ، فقلت وجع يؤلمك ؟ قال : PageV01P075 أشد ، قلت فما ذاك ؟ ~~قال : بابي مغلق وستري مسبل ولم أقرأ جزئي البارحة وما ذاك إلا بذنب أحدثه ~~، وقال محمد بن شبانة : سمعت بعض الشيوخ الثقات المستورين ببغداد يقول : ~~سمعت ابن الصافي البقال بدينور يقول : كان بدينور سجان قال إني بقيت على ~~باب السجن نيفا وثلاثين سنة فما من أحد حمل إلى السجن من الذين أخذهم الطوف ~~بالليل إلا سألته فقلت له هل صليت صلاة العشاء الآخرة في جماعة إلا قال لا ~~، وقال أبو سليمان : لا يفوت أحدا صلاة في جماعة إلا بذنب وكان يقول : ~~الاحتلام بالليل عقوبة والجنابة البعد فكأنه بعد من الصلاة والتلاوة إذ في ~~ذلك قرب ومن هذا قوله تعالى : ( فبصرت به عن جنب ) القصص : 11 ، وكان الحسن ms0088 ~~يقول إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل وصيام النهار . وقال بعض ~~العلماء : إذا صمت يا مسكين فانظر عند من تفطر وعلى أي شيء تفطر فإن العبد ~~ليأكل الأكلة فينقلب قلبه عما كان عليه فلا يعود إلى حاله الأول ، وقال آخر ~~: كم من أكلة منعت قيام الليل ، وكم من نظرة حرمت قراءة سورة وإن العبد ~~ليأكل الأكلة أو يفعل فعلة فيحرم بها قيام سنة فبحسن التفقد تعرف المزيد من ~~النقصان وبقلة الذنوب يوقف على التفقد وكان الفضيل يقول : لو رزقت من فهم ~~القرآن وقيام الليل في أول أمري ما رزقت الآن ، ما كتبت حديثا قط ولا ~~اشتغلت بغير القرآن ، ويقال إن طول القيام راحات القيامة وإن صلاة الليل ~~كفارات الكبائر وقيل إنه جبران لما نقص من الفرائض من صلاة الليل ، وقد ~~كانوا يستحبون في صلاة النهار كثرة الركوع والسجود وفي صلاة الليل طول ~~القيام ، واعلم أن صلاة الليل نافلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه ~~كان متمما لفرائضه وصلاة الليل تكملة لفرائضنا ، وفي الخبر : إذا نام العبد ~~عقد الشيطان على رأسه ثلاث عقد فإن قعد وذكر الله انحلت عقدة ، وإذا توضأ ~~انحلت عقدة ، وإن صلى ركعتين انحلت العقد كلها ، فأصبح نشيطا طيب النفس ~~وإلا أصبح كسلانا خبيث النفس ، وفي الخبر أن الرجل إذا نام حتى يصبح بال ~~الشيطان في أذنه ، وقد روينا في الخبر الآخر أن للشيطان سعوطا ولعوقا ~~وذرورا فإذا أسعط العبد ساء خلقه وإذا ألعقه ذرب لسانه بالشر وإذا ذره نام ~~بالليل حتى يصبح ويستعان على قيام الليل بثلاث : أكل الحلال ، والاستقامة ~~على التوبة ، وغم خوف الوعيد أو شوق رجاء الموعود ، والذي يحرم العبد به ~~قيام الليل أو يعاقب معه بطول الغفلة ثلاث : أكل الشبهات أو إصرار على ~~الذنب وغلبة هم الدنيا على القلب . PageV01P076 # | الفصل الخامس عشر في ذكر ورد العبد من التسبيح والذكر والصلاة في اليوم ~~والليلة وفضل صلاة الجماعة وذكر أفضل الأوقات المرجو فيها الإجابة وذكر ~~صلاة التسبيح وما يستحب أن يكون شعاره # ليكن ms0089 للعبد في كل يوم وليلة ورد من التسبيح وأقل ذلك تسعمائة مرة من ~~أنواع الأذكار التي وردت بها الأخبار ، فليقل : لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو حي ، لا يموت ، بيده ~~الخير وهو على كل شيء قدير مائة مرة ، فإذا قال ذلك مائتي مرة لم يعمل أحد ~~في يومه أفضل من عمله بأثر فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليقل ~~سبحان الله ، والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، وتبارك الله مائة ~~مرة ، وليقل : اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي مائة مرة ، ~~وليقل : أستغفر الله الحي القيوم ، وأسأله التوبة مائة مرة ، ليقل : سبحان ~~الله العظيم وبحمده مائة مرة ، وليقل : لا إله إلا الله الملك الحق المبين ~~مائة مرة ، وليقل : ما شاء الله لا قوة إلا بالله مائة مرة ، يقول هذا في ~~كل يوم وفي كل ليلة فإن رزق مزيدا عليه فهو فضل وإلا كان هذا معلومه وقد ~~كان في الصحابة من ورده كل يوم اثنا عشر ألف تسبيحة ، وكان من التابعين من ~~ورده في كل يوم ثلاثون ألفا ، وحدثونا عن إبراهيم بن أدهم عن بعض الأبدال ~~أنه قام ذات ليلة يصلي على شاطئ البحر فسمع صوتا عاليا بالتسبيح ولم ير ~~أحدا فقال : من أنت أسمع صوتك ولا أرى شخصك ، فقال أنا ملك من الملائكة ~~موكل بهذا البحر أسبح الله عز وجل هذا التسبيح منذخلقت قلت فما اسمك ؟ قال ~~مهيهيائيل ، قلت : فما ثواب من قاله ؟ قال : من قاله مائة مرة لم يمت حتى ~~يرى مقعده من الجنة أو يرى له ، وهو هذا التسبيح : سبحان الله العلي الديان ~~، سبحان الله شديد الأركان ، سبحان من يذهب بالليل ويأتي بالنهار سبحان من ~~لا يشغله شأن عن شأن ، سبحان الله الحنان ، المنان ، سبحان الله المسبح في ~~كل مكان ، وإن كان للعبد من الصلاة أوراد معلومة فحسنا قد فعل كان من ~~التابعين من ورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة وأربعمائة ركعة وكان ms0090 منهم من ~~ورده ستمائة ركعة إلى ألف ركعة وأقل ما نقل عنه من الأوراد مائة ركعة في ~~اليوم ، وكان كرز بن وبرة مقيما بمكة وكان PageV01P077 يطوف في كل يوم ~~سبعين أسبوعا وفي كل ليلة سبعين أسبوعا ، قال : فحسبنا ذلك فكان عشرة فراسخ ~~، فلهذه الأسابيع مائتان وثمانون ركعة ، قال : وكان يختم مع ذلك القرآن في ~~اليوم والليلة مرتين ، وقال هشام بن عروة : كان أبي يواظب على ورده من ~~التسبيح كما يواظب على جزئه من القرآن ، وروي عنه أيضا : كان يواظب على ~~جزئه من الدعاء كما يواظب على جزئه من القرآن ولا يدع العبد أن يسبح أدبار ~~الصلوات الخمس مائة تسبيحة عند كل صلاة مكتوبة وكذلك عند النوم مائة ~~وليواظب على أن يقول إذا أصبح وإذا أمسى ما جاء في تفسير قوله عز وجل : ( ~~له مقاليد السموات و الأرض ) الزمر : 63 فإن لذلك ثوابا عظيما . وروينا عن ~~عثمان رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن تفسير هذه الآية : ~~له مقاليد السموات والأرض ، فقال : لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد ~~قبلك هو لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله وأستغفر الله الأول والآخر والظاهر والباطن له الملك وله الحمد ~~بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، من قالها عشرا حين يصبح وحين يمسي أعطي ~~بها ست خصال فأول خصلة يحرس من إبليس وجنوده والثانية يعطى قنطارا من الأجر ~~والثالثة يرفع له درجة في الجنة والرابعة يزوجه الله عز وجل من الحور العين ~~والخامسة يحضرها اثنا عشر ملكا والسادسة يكون له من الأجر كمن حج واعتمر ~~وقد روينا في تفسيرها قولا آخر من رواية أخرى واتصل به ذكر كنز أهل الجنة ~~ما هو فإن ضم هذا إليه فقد جمع الروايتين واستوعب الفضيلتين ، رواه عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم مسائل فأجابه عنها فقال : ما مقاليد السموات والأرض ms0091 ؟ فقال : إن ~~يقول العبد لا إله إلا الله محمد رسول الله وأما كنز أهل الجنة فيقول : ~~سبحان من في السماء عرشه سبحان من في السماء موضع أثره سبحان من سبقت رحمته ~~غضبه سبحان من لا ملجأ ولا مهرب إلا إليه يا عثمان من قالها كل يوم عشر ~~مرات كتب له بها ست خصال ينجيه الله من إبليس وجنوده وإن مات مات شهيدا ~~وبني له قصرا في الجنة وكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ~~وكأنما اشترى ثمانية من ولد إسماعيل وأعتقهم ولا يدع قراءة هذه الآيات الست ~~عند كل صلاة يصليها فريضة أو تطوع ، ففي ذلك ثواب عظيم : ( سبحان ربك رب ~~العزة عما يصفون ) الصافات : 180 إلى آخر السورة وقوله : ( فسبحان الله حين ~~تمسون وحين تصبحون ) الروم : 17 إلى قوله : ( وكذلك تخرجون ) الروم : 19 ~~واستغفر للمؤمنين والمؤمنات في كل يوم خمسين مرة خمسا وعشرين إذا أصبح ~~وخمسا وعشرين إذا أمسى فإنه يكتب من الأبدال بأثر في ذلك ، رويناه من ذلك ~~ولفظ الاستغفار الذي جاء في الخبر أن يقول : اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ~~والمسلمين والمسلمات حيهم وميتهم شاهدهم وغائبهم قريبهم وبعيدهم إنك تعلم ~~متقلبهم PageV01P078 ومثواهم وليقل هذا الاستغفار في تشهده أيضا فقد جاء ~~ذلك وليقل في كل عشر مرات اللهم أصلح أمة محمد اللهم ارحم أمة محمد اللهم ~~فرج عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقال من قاله في كل يوم كتب له ثواب ~~بدل من الأبدال وليقل إذا أصبح ثلاثا وإذا أمسى ثلاثا اللهم أنت خلقتني ~~وأنت هديتني وأنت تطعمني وأنت تسقيني وأنت تميتني وأنت تحييني وأنت ربي لا ~~رب لي سواك ولا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك فإن في ذكر شكر نعمة يومه ولا ~~يدع أن يقول كلما استيقظ من نومه وكلما أراد المنام هذه الكلمات بسم الله ~~ما شاء الله لا قوة إلا بالله ما شاء الله كل نعمة من الله ما شاء الله ~~الخير كله بيد الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله ms0092 ففي هذا عصمة من ~~الله عز وجل وحرز له من الشيطان وقد جاء في الخبر من قالهن مائة مرة يوم ~~عرفة قبل غروب الشمس ناداه الله عز وجل من فوق عرشه قد أرضيتني وعلي رضاك ~~سلني ما شئت أعطك ولا يدع أن يقول كل غداة وكل عشية فإن تولوا فقل : حسبي ~~الله ، لا إله إلا هو ، عليه توكلت ، وهو رب العرش العظيم ، سبع مرات ، ~~وكذلك يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار سبعا وكلما سمع الأذان قال كما ~~يقول المؤذن ، فإذا فرغ فليقل رضيت بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد ~~صلى الله عليه وسلم نبيا ، اللهم بهذه الدعوة التامة والكلمة الصادقة ~~والصلاة القائمة صل على محمد وآله وأعطه الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام ~~المحمود الذي وعدته ، فإن كان الأذان لصلاة الصبح أو صلاة المغرب زاد في ~~ذلك ، اللهم هذا إدبار ليلك وإقبال نهارك وأصوات دعاتك وحضور صلاتك وشهود ~~ملائكتك صل على محمد وآله ثم ليدع بما أحب وليغتنم الصلاة والدعاء بين ~~الأذان والإقامة فإنه يستحب ، ولتكن هذه الكلمة هجيره وشعاره في الأوقات ~~فإنها من دعاء الأبدال فيما بينهم وشعارهم في أوقاتهم : ما شاء الله ، لا ~~قوة إلا بالله ، العفو الغفور ، يا سلام ، سلم ، يارب ، يا رب ، يا ذا ~~الجلال والإكرام ، افتح بخير واختم بخير ، فلا إله إلا الله الحي القيوم ، ~~سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ، يا رب ، يا رب ، يالله ، يا الله ، ~~يا عزيز ، يا عزيز ، يا قريب ، يا قريب ، يا حليم ، يا ستار ، سبحان ربنا ~~إن كان وعد ربنا لمفعولا ، يا الله ، يا الله ، يا عزيز ، يا عزيز ، يا ~~قريب ، يا قريب ، يا كريم ، يا غفار ، يا واسع المغفرة ، اغفر لي عافنا ، ~~واعف عنا نسألك العفو والعافية ، يا غياث المستغيثين ، وفي جميع ما ذكرنا ~~فضائل وردت بها الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان طوينا نشر ذلك إذ لم يكن قصدنا ذكر فضائل الأعمال وإنما أردنا ~~شرح أوراد العمال ولا يدع السواك كلما استيقظ ms0093 من نوم النهار وبالليل فإنه ~~يقال من خير خصال الصائم إلا بعد العصر فقد كره للصائم . إلا الله الحي ~~القيوم ، سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ، يا رب ، يا رب ، يالله ، يا ~~الله ، يا عزيز ، يا عزيز ، يا قريب ، يا قريب ، يا حليم ، يا ستار ، سبحان ~~ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ، يا الله ، يا الله ، يا عزيز ، يا عزيز ، ~~يا قريب ، يا قريب ، يا كريم ، يا غفار ، يا واسع المغفرة ، اغفر لي عافنا ~~، واعف عنا نسألك العفو والعافية ، يا غياث المستغيثين ، وفي جميع ما ذكرنا ~~فضائل وردت بها الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان طوينا نشر ذلك إذ لم يكن قصدنا ذكر فضائل الأعمال وإنما أردنا ~~شرح أوراد العمال ولا يدع السواك كلما استيقظ من نوم النهار وبالليل فإنه ~~يقال من خير خصال الصائم إلا بعد العصر فقد كره للصائم . وفي الخبر طيبوا ~~طرق القرآن من أفواهكم بالسواك ، وفي الحديث السواك مطهرة PageV01P079 للفم ~~مرضاة للرب عز وجل ، ويقال إن الصلاة بعد السواك تفضل على الصلاة بغير سواك ~~سبعين ضعفا وأوكد ما استعمل فيه السواك أربعة أوقات قبل الزوال للصائم ويوم ~~الجمعة مع الغسل لها وفي قيام الليل وبالغداة عند الاستيقاظ من النوم وقد ~~كانوا يستحبون أن لا يأتي على العبد يوم وليلة إلا تصدق فيه بصدقة وإن قل ~~مثل لقمة أو ثمرة حتى كان بعضهم يتصدق ببصلة وبخيط لأنه جاء في الأثر كل ~~امرئ يوم القيامة في ظل صدقته والله سبحانه يشكر القليل الدائم وهو أحب ~~إليه من الكثير المنقطع ألم تر كيف ذم من أعطى وقطع في قوله تعالى : ( ~~وأعطى قليلا وأكدى ) النجم : 34 أي قطع ومدح فواكه الجنة يعيب بذلك فواكه ~~الدنيا في تدبر الخطاب فقال : ( وفاكهة كثيرة ) ( لا مقطوعة ولا ممنوعة ) ~~الواقعة : 32 - 33 أي فازهدوا من فوكه الدنيا فإنها مقطوعة ممنوعة رغبة في ~~هذه الدائمة وكان من أخلاق السلف أن لا يردوا سائلا إلا بشيء وإن قل لقول ms0094 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : اتقوا النار ولو بشق تمرة ولقوله صلى الله ~~عليه وسلم : للسائل حق ولو جاء على فرس مطوق بفضة ولقوله صلى الله عليه ~~وسلم لا ترد السائل ولو بظلف محترق ودفعت عائشة رضي الله عنها إلى السائل ~~عنبة واحدة قال فنظر بعضنا إلى بعض فقالت : ما لك إن فيها لمثاقيل ذرة ~~كثيرة وقد كان من أخلاقهم أن لا يسأل أحد شيئا أو يراد بأمر مباح فيقول لا ~~لكراهتهم الخلاف ومحبتهم الائتلاف وكان من أخلاق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما سئل شيئا قط فقال : لا ، فإن لم يقدر عليه سكت وقد كانوا يجتمعون ~~على الأمر الواحد بقلب واحد ولا يستبد بعضهم بأمر دون بعض ولا يستأثر أحدهم ~~بشيء دون أخيه وبذلك وصفهم الله عز وجل في قوله تعالى : ( وأمرهم شورى ~~بينهم ومما رزقناهم ينفقون ) الشورى : 38 أي أمورهم مشاعة فيما بينهم غير ~~مقسومة هم فيها سواء ، ويستحب للعبد أن يجمع بين هذه الأعمال الأربعة صوم ~~وصدقة وعيادة مريض وشهود جنازة وقد كان هذا طريق المريدين يسارعون إليه ~~ويحرصون عليه ، وفي الخبر من جمع بين هذه الأربع في يوم غفر له ، وفي بعضها ~~دخل الجنة فإن اتفق له منها ثلاث أو اثنان فأعجزه ما بقي حسب له تمامها ~~لحسن نيته ، ولا يدعن الجماعة سيما إذا سمع التأذين أو كان في جوار المسجد ~~، وحد الجوار أن يكون بينه وبين المسجد ثلاث دور ، وأولى المساجد أن يصلي ~~فيه أقربها منه إلا أن يكون له نية في الأبعد لكثرة الخطأ أو لفضل الإمام ~~فيه والصلاة خلف العالم الفاضل أفضل أو يريد أن يعمر بيتا من بيوت الله عز ~~وجل بالصلاة فيه وإن بعد ، وقال سعيد بن المسيب : من صلى الخمس في جماعة ~~فقد ملأ البرين والبحرين عبادة وليتوضأ لكل صلاة قبل دخول وقتها فإنه من ~~المحافظة عليها ومن حسن معاملتها ، وقال أبو الدرداء : وحلف بالله وما ~~سمعته حالفا بالله قط قال : من أحب الأعمال إلى الله عز وجل ms0095 ثلاث : أمر ~~بصدقة ، وخطوة إلى صلاة جماعة ، أو إصلاح بين الناس ، PageV01P080 ويستحب ~~له كلما دخل المسجد أو منزله أن يصلي ركعتين فإن ذلك من عمل الأبرار وكلما ~~خرج منه صلى ركعتين وقد كان السلف لا يخرجون من منازلهم حتى يتوضؤوا ويستحب ~~له كلما أحدث أن يتوضأ وكلما توضأ أن يصلي ركعتين فإن ذلك من عمل الأبرار ~~وهو لمن مات على هذا العمل شهادة وإذا خرج من منزله قال : بسم الله ما شاء ~~الله حسبي الله توكلت على الله لا قوة إلا بالله اللهم إليك خرجت وأنت ~~أخرجتني اللهم سلمني وسلم مني في ديني كما أخرجتني اللهم إني أعوذ بك أن ~~أزل أو أضل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي عز جارك وجل ثناؤك ولا إله ~~غيرك وليقرأ سورة الحمد والمعوذتين ولا يدع صلاة الضحى أربع ركعات ويزيد ما ~~شاء الله إلى ثمان ركعات إلى اثنتي عشرة ركعة ولا يزيد على ذلك إن نشط ~~أطالهن وإن فتر قصرهن وليجعل من قراءته فيهن والشمس وضحاها وسورة والضحى ~~وآخر سورة البقرة وآخر سورة الحشر ، ثم ليتنفل بعد ذلك بما شاء من غير أن ~~تكون ورد الضحى فيلزمه المواظبة عليه ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله ، وفي ~~خبر عن الله عز وجل : يا ابن آدم صل لي أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره ~~. ات في أول النهار أكفك آخره . وفي حديث أم هانئ بنت أبي طالب أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ثمان ركعات ، وفي الخبر يصبح ابن آدم : وعلى ~~كل سلامى من جسده صدقة يعني في كل مفصل وفي جسده ثلاثمائة وستون مفصلا ، ~~فأمرك بالمعروف صدقة ، ونهيك عن المنكر صدقة ، وحملك عن الضعيف صدقة ، ~~وهدايتك إلى الطريق صدقة ، وإماطتك الأذى صدقة ، حتى ذكر التسبيح والتهليل ~~ثم قال : وركعتا الضحى تأتي على ذلك كله ، أو قال : تجمعن لك ذلك ، وقد كان ~~من سيرة المتقدمين ms0096 دخول المسجد سحرا قبل طلوع الفجر والقعود فيه إلى صلاة ~~الصبح ويفضلون هذا الفعل ، حدثونا عن رجل من التابعين قال : دخلت المسجد ~~قبل طلوع الفجر فألفيت أبا هريرة قد سبقني فقال : يا ابن أخي لأي شيء خرجت ~~من منزلك هذه الساعة ؟ فقلت لصلاة الغداة ، فقال : أبشر فإنا كنا نعد ~~خروجنا وقعودنا في هذا المسجد هذه الساعة ننتظر الصلاة بمنزلة غزوة في سبيل ~~الله عز وجل ، أو قال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأفضل الأوقات ~~المرجو فيها الإجابة أربعة : عند السحر ، وعند طلوع الشمس ، وعند غروبها ، ~~وبين الأذان والإقامة ، وأفضل أوقات الليل والنهار أوقات الصلوات المكتوبات ~~، وإذا دعا الله وتعالى فليدعه بمعانى أسمائه فإنها صفاته وهو يحب ذلك ~~وإنما أظهرها ليعرف بها الداعي وليدع بها مثل أن يقول : يا جبار اجبر قلبي ~~، يا غفار اغفر ذنبي ، يارحمن أصلحني ، يارحيم ارحمني ، يا تواب تب علي ، ~~يا سلام سلمني ، واستحب أن يدعو الله عز وجل بأسمائه التسعة والتسعين في كل ~~يوم وليلة مرة ، فإنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أحصاها دخل ~~الجنة وهي متفرقة في جميع القرآن ، فمن دعا الله عز وجل بها موقنا كان كمن ~~ختمه فإن تعذر عليه حفظها فإنها منشورة على غير ترتيب فليتطرق إليها من ~~PageV01P081 حروف المعجم فليذكر من كل حرف ما فيه كأن يبتدئ بالألف فينسق ~~ما عليه من الأسماء ثم بالباء ثم بالتاء فيقول : يا الله ، يا أول ، يا آخر ~~، يا بارئ ، يا باطن ، يا تواب ، وقد يتعذر عليه وجود بعضها في بعض الحروف ~~كغيرها إلا أنها تخرج في سائر الحروف المتيسرة بالأسماء الظاهرة فإذا عد من ~~الأحرف تسعة وتسعين إسما أجزأه لأنه يجد في الحرف الواحد العشرة فأكثر ودون ~~ذلك فلا يضره إن لم يعرف في بعض الحروف اسما إذا أحصى العدد فقد حصل له ~~الفضل للأثر في ذلك . # | ذكر صلاة التسبيح # استحب له أن يصلي صلاة التسبيح في الجمعة مرتين : مرة نهارا ومرة ليلا ؛ ~~وهي ثلاثمائة تسبيحة في أربع ms0097 ركعات ، إن صلاها نهارا لم يفصل بينهن بتسليم ~~، وإن صلاها ليلا سلم فيها سلامين فقد كان الصالحون يصلونها ويتعرفون ~~بركتها ويتذاكرون فضلها ، وقد روينا فيها روايتين : إحداهما ، حديث الحكم ~~بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس ~~بن عبد المطلب : ألا أعطيك ، ألا أمنحك ، ألا أحبوك بشيء ، إذا أنت فعلته ~~غفر الله لك ذنبك أوله وآخره ، قديمه وحديثه ، وخطأه وعمده ، سره وعلانيته ~~، تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة ، فإذا فرغت من ~~القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله ~~إلا الله ، والله أكبر خمس عشرة مرة ، ثم تركع فتقولها عشرا ، ثم ترفع رأسك ~~من الركوع فتقولها عشرا ، ثم تسجد فتقولها عشرا ، ثم ترفع من السجود ~~فتقولها عشرا ، ثم تسجد الثانية فتقولها عشرا ، ثم ترفع من السجود ثم تجلس ~~فتقولها عشرا ، ثم تقوم فذلك خمسة وسبعون في كل ركعة تفعل ذلك في أربع ~~ركعات إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل ، فإن لم تفعل ففي كل جمعة ~~مرة ، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة ، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة ، وإن لم ~~تفعل ففي عمرك مرة ، حدثناه عن أبي داود السجستاني فقال : ليس في صلاة ~~التسبيح حديث أصح من هذا فذكر في هذه الرواية أنه يسبح في القيام خمس عشرة ~~مرة بعد القراءة وأنه يسبح عشرا بعد السجدة الثانية في الركعة الأولى قبل ~~القيام كأنه يجلس جلسة قبل أن ينهض ، وفي الركعة الثانية أيضا ، كذلك قبل ~~التشهد ، وروينا في الخبر الآخر أنه يفتتح الصلاة فيتوجه ويقول سبحانك ~~اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ، ثم يسبح خمس عشرة ~~تسبيحة قبل القراءة ثم يقرأ الحمد وسورة ثم يسبح عشرا ثم يركع فيكون له في ~~قيامه خمس وعشرون تسبيحة ، ولا يسبح بعد السجود في الجلسة الأولى بين ~~الركعتين ولا في جلسة التشهد شيئا ، وكذلك روينا في حديث عبد الله بن ms0098 زياد ~~بن سمعان عن معاوية بن عبد الله بن جعفر عن أبيه : أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم علمه صلاة التسبيح قال فيها : يفتتح الصلاة مكبرا ، ثم يقول فذكر ~~الكلمات وزاد فيها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وقال ~~PageV01P082 فيه : يقول ذلك خمس عشرة مرة ، ولم يذكر بعد السجدة الثانية ~~عند القيام أن يقولها ، وهذه الرواية أحب الوجهين إلي وهو اختيار عبد الله ~~بن المبارك ، حدثونا عن سهل بن عاصم عن ابن وهب قال : سألت ابن المبارك عن ~~الصلاة التي يسبح فيها فقال : يقول سبحان الله ، والحمد لله ، الكلمات خمس ~~عشرة مرة ، ثم يتعوذ ويقرأ فاتحة الكتاب وسورة ، ثم يقولها عشرا ثم يركع ~~وذكرها قال : فذلك خمس وسبعون يصلي أربع ركعات على هذا إن صليت ليلا فأحب ~~أن يسلم في الركعتين وإن صليت نهارا صليت أربعا وإن شئت سلمت وإذا عد في ~~الركوع فعد بإصبعه على ركبتيه وفي السجود بإصبعه على الأرض ، وحدثونا عن ~~محمد بن جابر قال : قلت لابن المبارك في صلاة التسبيح إذا رفعت رأسي للقيام ~~من آخر السجدتين أسبح قبل أن أقوم ، قال : لا تلك القعدة ليست من سنة ~~الصلاة ، وقال ابن أبي رزمة عن ابن المبارك : قلت له يقول : سبحان ربي ~~العظيم ثلاث مرات ، سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات ، قال : نعم ، قلت : فإن ~~سها يسبح في السهو عشرا ، قال : لا إنما هي ثلاثمائة تسبيحة ، وأحب أن تكون ~~السورة التي يقرأها في صلاة التسبيح مع الحمد فوق العشرين آية ، فقد روينا ~~في حديث عبد الله بن جعفر الذي رواه إسماعيل بن رافع أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال في السورة التي بعد أم القرآن عشرين آية فصاعدا وكذلك أحب ~~زيادة لا حول ولا قوة إلا بالله لما ذكرناه في الخبر الآخر فإن قرأ مع ~~فاتحة الكتاب في كل ركعة عشر مرات قل هو الله أحد فقد ضاعف العدد واستكمل ~~الأجر . | PageV01P083 # | الفصل السادس عشر في ذكر معاملة العبد في التلاوة ووصف التالين للقرآن ~~حق تلاوته ms0099 بقيام الشهادة # استحب للمريد أن يختم القرآن في كل أسبوع ختمتين ؛ ختمة بالنهار وختمة ~~بالليل ، ويجعل ختمة النهار يوم الاثنين في ركعتي الفجر أو بعدهما ، ويختم ~~ختمة الليل ليلة الجمعة في ركعة المغرب أو بعدهما ليستقبل بختمته أول ~~النهار وأول الليل فإن الملائكة تصلي عليه إن كانت ختمته ليلا حتى يصبح ~~وتصلي عليه إن كان ختمه نهارا حتى يمسي فهذان الوقتان يستوعبان كلية الليل ~~والنهار ، وفي الخبر لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث ، وأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر أن يقرأ القرآن في كل سبع وكذلك ~~جماعة من الصحابة يختمون القرآن في كل جمعة ، وروينا عن يحيى بن الحارث ~~الديناري عن القاسم بن عبد الرحمن قال : كان عثمان بن عفان رضي الله عنه ~~يفتتح ليلة الجمعة بالبقرة إلى المائدة وليلة السبت بالأنعام إلى هود وليلة ~~الأحد بيوسف إلى مريم وليلة الاثنين بطه إلى طسم موسى وفرعون وليلة ~~الثلاثاء بالعنكبوت إلى صاد وليلة الأربعاء بتنزيل إلى الرحمن ويختم ليلة ~~الخميس وكذلك كان زيد بن ثابت وأبي يختمان القرآن في كل سبع ، روينا عن ابن ~~مسعود أنه سبع القرآن في سبع ليال فكان يقرأ في كل ليلة بسبعه إلا أن ~~تأليفة على غير ترتيب مصحفنا هذا فلم يذكره لأن الاعتبار لا يتبين به ~~وجماعة يذكر عنهم ختم القرآن في كل يوم وليلة وقد كره ختمه في أقل من ثلاث ~~طائفة والتوسط من ذلك ما ذكرناه وهو أن يختم في كل ثلاثة أيام . # | ذكر أحزاب القرآن وكيف حزبه الصحابة رضي الله عنهم # وإن قرأ القرآن أحزابا في كل يوم وليلة حزبا فحسن ، وهو سنة فذلك أشد ~~لمواطأة القلب وأقوم للترتيب وأدنى إلى الفهم وإن أحب قرأ في كل ركعة ثلث ~~عشر القرآن أو نصف ذلك يكون الجزء من الأجزاء الثلاثين في كل ركعة أو ~~ركعتين فإن قرأ في كل ورد حزبا أو حزبين أو دون ذلك فحسن وأحزاب القرآن ~~سبعة : فالحزب الأول ثلاث سور ، والحزب ms0100 الثاني خمس سور ، والحزب الثالث سبع ~~سور ، والرابع تسع سور ، والخامس إحدى عشرة سورة ، والسادس ثلاث عشرة سورة ~~، والمفصل من ق ، فهذه كانت أحزاب PageV01P084 القرآن ولذلك حزبه الصحابة ~~رضي الله عنهم أجمعين ، وكانوا يقرؤونه كذلك ، وفي ذلك خبر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكأنه حزبه على عدد هذه الآي إذ عددها ستة آلاف ومائتان ~~وست وثلاثون آية ، وقد اعتبرت ذلك في كل حزب فرأيته يتقارب ، وهذا قبل أن ~~تعمل الأخماس والعواشر والأجزاء فما سوى هذا محدث يقال : إن الحجاج جمع ~~قراء البصرة والكوفة منهم : عاصم الجحدري ، ومطر الوراق ، وشهاب بن شريفة ~~فأمرهم بذلك ، وقد كان الحسن وابن سيرين ينكران هذه الأخماس والعواشر ~~والأجزاء ، وروي عن الشعبي وإبراهيم كراهية النقط بالحمرة وأخذ الأجر على ~~ذلك وكانوا يقولون جردوا القرآن ، وقال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير : كان ~~القرآن مجردا في المصاحف ، فأول ما أحدثوا فيه النقط على الباء والتاء ~~وقالوا : لا بأس به فإنه نور له ثم أحدثوا بعده نقطا كبارا عند منتهى الآي ~~فقالوا : لا بأس به يعرف به رأس الآي ثم أحدثوا بعد ذلك الخواتيم والفواتح ~~وقالوا : لا بأس به لأنها علامة تعرف بها واعلم أنه لا يجد فهم القرآن ~~الفهم الذي يكشف بمشاهدته ويظهر من الملكوت قدره عبد فيه إحدى هذه الخصال ~~أدنى بدعة أو مصر على ذنب أو عبد في قلبه كبرا ومقارب لهوى قد استكن في ~~قلبه أو محب الدنيا أو عبد غير متحقق بالإيمان أو ضعيف اليقين ولا من هو ~~واقف مع مقراه ولا عبد مهتم يتبع حروفه واختياره ولا ناظر إلى قول مفسر ~~ساكن إلى عمله الظاهر ولا راجع إلى معقوله ولا قاض بمذاهب أهل العربية ~~واللغة في باطن الخطاب وسر المرء وهؤلاء كلهم محجوبون بعقولهم مردودون إلى ~~ما يقدر في علومهم موقوفون مع ما تقرر في عقولهم مزيدهم على مقدار علومهم ~~وغرائز عقولهم وهؤلاء مشركون بعقولهم ومعلومهم عند الموحدين فهذا داخل في ~~الشرك الخفي الذي أخفى من دبيب النمل على الصفا ms0101 في الليلة الظلماء ، قال ~~محمد بن علي بن سنانة إذ معقوله وعلمه عن عقل غير كامل لأن العقل الكامل ~~ماعقل عن الله عز وجل وفهم حكمه وكلامه ، ويعقل به كلامه وقد قال الرسول ~~صلوات الله عليه في صفة كمال العقل العاقل : من عقل عن الله سبحانه وتعالى ~~أمره ونهيه ، وفي الخبر أكثر منافقي أمتي قراؤها فهذا نفاق الوقوف مع سوى ~~الله تعالى والنظر إلى غيره لإنفاق الشرك والإنكار لقدرة الله عز وجل فهو ~~لا ينتقل عن التوحيد ولكنه لا ينتقل إلى مقام المزيد فإذا كان العبد ملقيا ~~السمع بين يدي سميعه مصغيا إلى سر كلامه شهيد القلب لمعاني صفات شهيده ~~ناظرا إلى قدرته تاركا لمعقوله ومعهود علمه متبرئا من حوله وقوته معظما ~~للمتكلم واقفا على حضوره مفتقرا إلى الفهم بحال مستقيم وقلب سليم وصفاء ~~يقين وقوة علم وتمكين سمع فصل الخطاب وشهد علم غيب الجواب وأفضل القراءة ~~الترتيل لأنه يجمع الأمر والندب وفيه التدبر والتذكر . روي عن علي رضي الله ~~عنه لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبر فيها ، وعن ابن عباس ~~لأن PageV01P085 أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إلي من أن ~~أقرأ القرآن كله هذرمة ، وروي عنه أيضا لأن اقرأ إذا زلزلت والقارعة ~~أتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذرا ، وسئل مجاهد عن رجلين ~~دخلا في صلاة فكان قيامهما واحد إلا أن أحدهما قرأ البقرة والآخر قرأ ~~القرآن كله فقال هما في الأجر سواء لأن قيامهما كان واحدا وأفضل الترتيل ~~والتدبر في القرآن ما كان في صلاة ويقال إن التفكر في الصلاة أفضل منه في ~~غير الصلاة لأنهما عملان وهذا هو التفكر في معاني التدبر والفهم بخطاب ~~الوعد والوعيد والزجر والأمر تعظيما للمتوعد وإجلالا للآمر ، وسئل النبي ~~صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل ؟ فقال : طول القنوت ، وروي في خبر آخر ~~من سجد لله عز وجل سجدة رفعه الله عز وجل بها درجة وأنه قال لأبي فاطمة ~~خادمه وقد سأله ms0102 مرافقته في الجنة فقال أعني بكثرة السجود ، وروينا عن أبي ~~ذر الغفاري رضي الله عنه أنه قال إنه كثرة السجود بالنهار وإنه طول القيام ~~بالليل ويقال إن العبد يحشر عند الموت من قبره على هيئته في صلاته من ~~السكون والطمأنينة وتكون راحته في الموقف على قدر راحته وتنعمه بالصلاة ، ~~وروينا معنى هذا عن أبي هريرة وعلى هذا المعنى تأويل قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لبلال : أرحنا بالصلاة أي روحنا إليها نعمنا بها من الروح ~~والراحة إليها ويقال أرحنا بالشيء أي روحنا وأرحنا منه أي أسقطه عنا وخفف ~~عنا منه ولم يقل أرحنا منها كيف وقرة عينه فيها ، وقال بعضهم : إني لأفتتح ~~السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر وما قضيت ~~منها وطري ، وقال سليمان بن أبي سليمان الداراني إنه وعد ابن ثوبان أخا له ~~أن يفطر عنده فأبطأ عليه حتى طلع الفجر فلقيه أخوه من الغد ، قال : وعدتني ~~أن تفطر عندي فأخلفت ، فقال : لولا ميعادك ما أخبرتك بالذي حبسني عنك إني ~~لما صليت العتمة قلت أوتر قبل أن أجيئك لأني لا آمن ما يحدث من الموت ، ~~فلما كنت في الدعاء من الوتر رفعت لي روضة خضراء فيها أنواع الزهر من الجنة ~~، فما زلت أنظر إليها حتى أصبحت ، وقال عز وجل : ( كتب في قلوبهم الإيمان و ~~أيدهم بروح منه ) المجادلة : 22 ، قيل : القرآن قوى إيمانهم بعلم القرآن ، ~~فالقرآن روح الإيمان ، وتقويتهم استعمالهم به ، وفي التفسير يا يحيى خذ ~~الكتاب بقوة ، قيل : بجد واجتهاد ومثله خذوا ما آتيناكم بقوة ، قيل : بعمل ~~به ، وقيل لبعضهم : إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء فقال أو شيء أحب إلي من ~~القرآن أحدث نفسي به ؟ وهذه صفة قوي مكين ، ويقال إن في القرآن ميادين ~~وبساتين ومقاصير وعرائس وديابيج ورياضا وخانات ، فالميمات ميادين القرآن ~~والراآت بساتين PageV01P086 القرآن والحاآت مقاصيره والمسبحات عرائس القرآن ~~والحواميم ديباج القرآن والمفصل رياضه والخانات ما سوى ذلك ، فإذا جال ~~المريد في الميادين وقطف من البساتين ودخل المقاصير ms0103 وشهد العرائس ولبس ~~الديباج وتنزه في الرياض وسكن غرف الخانات اقتطعه وأوقفه ما يراه وشغله ~~الشاهد به عما سواه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بسم الله ~~الرحمن الرحيم فرددها عشرين مرة وكان له صلى الله عليه وسلم في كل ورده فهم ~~، ومن كل كلمة علم ، فينبغي أن يكون قلب التالي بوصف كل كلمة يتلوها مشاهدا ~~لمعناها إلى ما يفتح الله عز وجل له من المزيد عليها من مجاورتها ومع ما ~~يفهم بها من غيرها ويشهد غيرها منها فقد كان بعضهم يقول : كل آية لا ~~أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لم أعد لها ثوابا ، وكان بعض السلف إذا قرأ ~~السورة ولم يكن قلبه فيها أعادها ثانية ، فإذا مر بتسبيح وتكبير سبح وكبر ، ~~وإن مر بدعاء واستغفار دعا واستغفر ، وإن مر بمخوف ومرجو استعاذ وسأل ، ~~فذلك معنى قوله عز وجل : ( يتلونه حق تلاوته ) البقرة : 121 ، وكذلك كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلاوته وعلى هذا المعنى ما روي في الخبر ~~من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد أي على ~~معنى تلاوته لأنه كان يقرأ بقلب شهيد وسمع عتيد وبصر حديد فكان يتلو القرآن ~~على معاني الكلام وعلى شهادة وصف المتكلم الوعيد منه بالتحزين والوعد ~~بالتشويق والوعظ بالتخويف والإنذار بالتشديد والتفسير بالترقيق والتبشير ~~بالتوفيق لأنه كان عالما بصفات المتكلم واجد الذوق الكلم ، فمثل هذا العبد ~~أحسن الناس صوتا بالقرآن كما جاء في الخبر : أحسن الناس صوتا بالقرآن من ~~إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله ، ومن هذا قيل إذا قرأتم القرآن فابكوا وإن لم ~~تبكوا فتباكوا ، ومثل هذا أن القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا أي أن ~~القرآن لما فيه من التهديد والوعيد والوثائق والعهود يوجب البكاء والحزن ، ~~فإن لم تحزنوا وجدا ولم تبكوا نفسا يقينا فتباكوا وتحازنوا لفظا لأجل ~~التصديق والإقرار به ، فندبهم إلى التحازن في التلاوة والتباكي ليجتمع هم ~~العبد في المتلو فيتدبر الكلام عسى أن يكون قلبه بمعناه ms0104 فيكون التباكي ~~والتحزين سببا لجمع همه وفراغ قلبه ، لأن المتباكي الصادق مجتمع الهم فيما ~~يبكيه والحزين حاضر القلب مجموع الفكر ومشغول عن سوى مبكيه ، من ذلك ما ~~روينا عن ابن عباس إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا ، ~~فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه فبكاء القلب حزنه وخشيته ، أي فإن لم ~~تبكوا بكاء العلماء عن الفهم فتحزن قلوبكم على فقد البكاء وليخش كيف لم ~~يوجد فيكم وصف أهل العلم ، وقد روينا في غرائب التفسير من معنى قوله تعالى ~~: ( وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ) البقرة : 74 قال : هي العين ~~الكثيرة البكاء ( وإن منها لما يشقق فيخرج منه PageV01P087 الماء ) البقرة ~~: 74 قال : هي العين القليلة البكاء ( وإن منها لما يهبط من خشية الله ) ~~البقرة : 74 قال : هو بكاء القلب من غير دموع عين قال ثابت البناني : رأيت ~~في النوم كأني أقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ، فلما فرغت ~~قال هذه القراءة فأين البكاء ؟ وكان الحسن يقول : والله ما أصبح اليوم عبد ~~يتلو هذا القرآن يؤمن به إلا كثر حرنه وقل فرحه وكثر بكاؤه وقل ضحكه وكبر ~~نصبه وشغله وقلت راحته وبطالته . والناس في التلاوة على ثلاث مقامات ، ~~أعلاهم من شهد أوصاف المتكلم في كلامه ويعرف أخلاقه بمعاني خطابه ، وهذا ~~مقام العارفين من المقربين ، ومنهم من يشهد ربه تعالى يناجيه بألطافه ~~ويخاطبه بإنعامه وإحسانه ، فمقام هذا الحياء والتعظيم وحاله الإصغاء والفهم ~~، وهذا للأبرار من أصحاب اليمين ، ومنهم من يرى أنه يناجي ربه عز وجل ~~فمقامه السؤال والتملق وحاله الطلب والتعلق ، وهذا للمعترفين والمريدين وهم ~~من خصوص أصحاب اليمين ، وينبغي للعبد أن يشهد في التلاوة أن مولاه يخاطبه ~~بالكلام لأنه سبحانه متكلم بكلام نفسه وليس للعبد في كلامه كلام إنما جعل ~~له حركة اللسان بوصفه وتيسير الذكر بلسانه بحكم ربه عز وجل حدا للعبد ~~ومكانا له ، كما كانت الشجرة وجهة لموسى عليه السلام وكلمة الله عز وجل ~~منها ، ويقال : إن كل حرف من كلام الله عز ms0105 وجل في اللوح المحفوظ أعظم من ~~جبل قاف وإن الملائكة لو اجتمعت على الحرف الواحد أن يتلوه ما أطاقوه حتى ~~يأتي إسرافيل وهو ملك اللوح المحفوظ فيرفعه فيقله بإذن الله عز وجل ورحمته ~~إذ كان الله تعالى أطاقه ذلك لما استعمله به ، وقال جعفر بن محمد الصادق : ~~والله لقد تجلى الله عز وجل لخلقه في كلامه ولكن لا يبصرون ، وقال أيضا : ~~وقد سألوه عن شيء لحقه في الصلاة حتى خر مغشيا عليه فلما سري عنه قيل له في ~~ذلك فقال : ما زلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها فلم يثبت ~~جسمي لمعاينة قدرته تعالى ، وكذلك الخصوص يرددون الآية بقلوبهم على قلوبهم ~~ويتحققون بها في مشاهدتهم بمدد من شهيدهم وسيدهم حتى يستغرقهم الفهم ~~فيغرقون في بحر العلم ، فإن قصرت مشاهدة التالي عن هذا المقام فيشهد أنه ~~يناجيه بكلامه ويتملقه بمناجاته ، فإن الله عز وجل إنما خاطبه بلسانه وكلمه ~~بحركته وصوته ليفهم عنه بعلمه الذي جعل له ويعقل عنه بفهمه الذي قسم له ~~حكمة منه ورحمة ، إذ لو تكلم الجبار عز وجل بوصفه الذي يدركه سمعه لما ثبت ~~للكلام عرش ولا ثري لتلاشي ما بينهما من عظمة سلطانه وسبحات أنواره فحجب ~~ذلك في غيب علمه عن العقول وستر بصنع قدرته عن القلوب وأظهر للقلوب علوم ~~عقولها وأشهد للعقول عرف معقولها بلطفه وحنانه ورحمته وإحسانه . وبلغنا في ~~الأخبار السالفة أن وليا من أولياء الله عز وجل من الصديقين ابتعثه في ~~PageV01P088 الفترة إلى ملك من الجبابرة يدعو إلى التوحيد وإلى شريعة ~~الأنبياء ، فسأله الملك عن أشياء من معاني التوحيد فجعل الصديق يجيبه عنها ~~بما يقرب من فهمه ويدركه عقله من ضروب الأمثال بما يستعمله الناس بينهم ~~ويتعارفونه عندهم إلى أن قال له الملك : أفرأيت ما يأتي به الأنبياء إذا ~~ادعيت أنه ليس بكلام الناس ولا رأيهم ، أمن كلام الله هو ؟ قال الحكيم : ~~نعم قال الملك : فكيف يطيق الناس حمله ؟ قال الصديق : إنا رأينا الناس لما ~~أرادوا أن يفهموا بعض الدواب والطير ms0106 ما يريدون من تقديمها وتأخيرها ~~وإقبالها وإدبارها لم يجدوا الدواب والطير تحمل كلامهم فوضعوا لها من النقر ~~والصفير والزجر ما عرفوا أنها تطيق حمله ، فكذلك الناس يعجزون أن يحملوا ~~كلام الله ككنهه بكماله وصفته ، فصاروا بما تراجعوا بينهم من الأصوات التي ~~سمعوا بها الحكمة كصوت الزجر والنقر الذي سمعت به الدواب من الناس ولم يمنع ~~ذلك معاني الحكمة المخبوءة في تلك الأصوات من أن شرف الكلام بشرفها وعظم ~~بتعظيمها فكان الصوت للحكمة جسدا ومسكنا والحكمة للصوت نفسا وروحا ، فكما ~~أن أجساد البشر تكرم وتعز لمكان الروح التي فيها وكذلك أصوات الكلام تشرف ~~وتكرم للحكمة التي فيها ، والكلام على المنزلة رفيع الدرجة قاهر السلطان ~~نافذ الحكم في الحق والباطل وهو القاضي العادل والشاهد المرتضى يأمر وينهى ~~ولا طاقة للباطل أن يقوم قدام كلام الحكمة كما لا يستطيع الظل أن يقوم قدام ~~شعاع الشمس ولا طاقة للبشر أن ينفذوا غور الحكمة كما لا طاقة لهم أن ينفدوا ~~بأبصارهم ضوء عين الشمس ، ولكنهم ينالون من شعاع الشمس ما تحيا به أبصارهم ~~ويستدلون به على حوائجهم ، فالكلام كالملك المحجوب الغائب وجهه الشاهد أمره ~~كالشمس الغزيرة الظاهرة مكنون عنصرها ، و كالنجوم الزاهرة التي قد يهتدي ~~بها من لا يقع على سرها ، فالكلام أعظم وأشرف من ذلك هو مفتاح الخزائن ~~النفسية وباب المنازل العالية ومراقي الدرجات الشريفة وشراب الحياة الذي من ~~شرب منه لم يمت ، ودواء الأسقام التي من سقي منه لم يسقم إذا لبسه من لم ~~يتسلح به أبدى عورته وإذا تسلح به غير أهله لم يخرج إلا منهم نقلت هذا نقلا ~~من كلام الصديق الحكيم الذي خاطب به الملك فاستجاب له بإذن الله عز وجل ~~فهذا وصف كلام الله عز وجل الذي جعله الله لنا آية وعبرة ونعمة علينا ورحمة ~~، فانظر إلى الحكيم كيف جعل عقول البشر في فهم كلام الله العظيم بمنزلة فهم ~~البهائم والطير بالنقر والصفير إلى عقول البشر وجعل النقر والصفير والإفهام ~~من الناس للأنعام والهوام مثلا لما أفهم الله تعالى ms0107 به الأنام من معاني ~~كلامه الجليل بما ألهم به من الكلام ، إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم ~~الحكيم ، فهذه قدرة لطيفة من قدرته التي لا تتناهى وحكمة محكمة من حكمه ~~التي لا تضاهى ، إنه حكيم عليم ، ثم ليشهد العبد أنه مقصود بجميع القرآن من ~~فاتحته إلى خاتمه مراد معنى به له PageV01P089 ضربت الأمثال به وفيه جميع ~~ذكره وأوصافه لأن الله سبحانه وتعالى لما تكلم بهذا الكلام وخاطب به ~~المؤمنين كان هو واجدهم وكان حاضرا معهم وقد سوى الله عز وجل بين المؤمنين ~~في تنزيل القرآن عليهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى من المعاني ~~فقال : ( واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم ~~به ) البقرة : 231 كما قال : ( لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ) ~~الأنبياء : 10 وكذلك قال : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ~~ولعلهم يتفكرون ) النحل : 44 ، وقال : ( كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ) ~~محمد : 3 يعني صفاتهم وقال : ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات كما قال : ( ~~ولقد أنزلنا إليك آيات بينات ) البقرة : 99 ، وقال عز وجل : ( واتبع ما ~~يوحى إليك واصبر ) يونس : 109 ثم قال : ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) ~~الأعراف : 3 وقال : ( فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ) هود : 112 غير أنه ~~سبحانه عم الجملة بالبصائر والبيان وخص بالهدى والرحمة أولي التقي والإيمان ~~، فمن ذلك قوله عز وجل : ( هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ) ~~الجاثية : 20 : ( هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) آل عمران : 138 ، ~~فالموقنون هم المتقون ، والمهديون هم المرحومون وقد أمرنا بطلب فهم القرآن ~~كما أمرنا بتلاوته . ائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ) الجاثية : 20 : ( ~~هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) آل عمران : 138 ، فالموقنون هم ~~المتقون ، والمهديون هم المرحومون وقد أمرنا بطلب فهم القرآن كما أمرنا ~~بتلاوته . وروينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال : اقرؤوا القرآن ~~والتمسوا غرائبه ، وقال ابن مسعود : من أراد علم الأولين والآخرين فليثور ~~القرآن ، ومن حديث علي رضي الله عنه ms0108 عن النبي صلى الله عليه وسلم : والذي ~~بعثني بالحق نبيا لتفترقن أمتي على أصل دينها وجماعتها على اثنين وسبعين ~~فرقة كلها ضالة مضلة يدعون إلى النار ، فإذا كان ذلك فعليكم بكتاب الله عز ~~وجل فإن فيه نبأ ما كان قبلكم ونبأ ما يأتي بعدكم وحكم ما بينكم وبين من ~~خالفه من الجبابرة قصمه الله ومن ابتغى العلم من غيره أضله الله ، وهو حبل ~~الله المتين ونوره المبين وشفاؤه النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه ~~لا يعوج فيقام ولا يزيغ فيستقيم ولا تنقضي عجائبه ولا يخلقه كثرة الرد ، هو ~~الذي سمعته الجن فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين فقالوا : يا قومنا ( إنا ~~سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ) الجن : 1 من قال به صدق ومن عمل به أجر ~~ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم ، وروينا معناه في حديث حذيفة لما أخبره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاختلاف والفرقة بعده قال : فقلت يا رسول ~~الله فما تأمرني إن أدركت ذاك ؟ فقال : تعلم كتاب الله عز وجل واعمل بما ~~فيه فهو المخرج من ذلك ، قال : فأعدت عليه فقال : تعلم كتاب الله عز وجل ~~واعمل بما فيه فهو المخرج من ذلك ، قال : فأعدت عليه فقال : تعلم كتاب الله ~~واعمل بما فيه ففيه النجاة ثلاثا ، وعن علي رضي الله عنه قال : ما أسر إلي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا كتمه الناس إلا أن يؤتي الله عبدا فهما ~~في كتابه ، وعنه رضي الله عنه أنه قال : ومن فهم فسر جمل العلم ، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما وغيره في قوله عز وجل : ( ومن يؤت الحكمة فقد ~~PageV01P090 أوتي خيرا كثيرا ) البقرة : 269 ، قال : الفهم في كتاب الله عز ~~وجل وقال أحسن القائلين : ( ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما و علما ) ~~الأنبياء : 79 فرفع الفهم مقاما فوق الحكم والعلم وأضافه إليه للتخصيص ~~وجعله مقاما عاما فيهما فإذا فهم العبد الكلام وعامل به المولى تحقق بما ~~يقول وكان من أصحابه ولم يكن حاكيا لقائله ms0109 مثل أن يتلو منه : ( إني أخاف إن ~~عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) يونس : 15 ومثل أن يقول : ( عليك توكلنا وإليك ~~أنبنا ) الممتحنة : 4 ، ومثل قوله : ( ولنصبرن على ما آذيتمونا ) إبراهيم : ~~12 فيكون هو الخائف لليوم العظيم ويكون هو المتوكل المنيب وهو الصابر على ~~الأذى متوكل على المولى ولا يكون مخبرا عن قائل قاله فلا يجد حلاوة ذلك ولا ~~ميراثه فإذا كان هو كذلك وجد حلاوة التلاوة وتحقق جزء الولاية ، وكذلك إذا ~~تلا الآي المذموم أهلها الممقوت فاعلها مثل قوله تعالى : ( وهم في غفلة ~~معرضون ) الأنبياء : 1 وقوله : ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا ) النجم : 29 ، ومثل قوله عز وجل : ( ومن لم يتب فأولئك هم ~~الظالمون ) الحجرات : 11 فما أقبح من يعيب ذلك وهو من أهله وما أعظم أن يذم ~~أهل ذلك وهو بوصفه فهذا من حجج القرآن عليه فلا يجد مع ذلك حلاوة المناجاة ~~ولا يسمع خطاب المناجي لأن وصفه المذموم قد حجبه وهواه المردي عن حقيقة ~~الفهم قد حرمه ، ولأن قسوة قلبه عن الفهم صرفه وكذبه في حاله عن البيان ~~وأخرسه ، فإذا كان هو المتيقظ المقبل فهو التائب الصادق سمع فصل الخطاب ~~ونظر إلى الداعي وله استجاب ، وقد اشترط الله عز وجل للإنابة التبصرة وحضور ~~القلب للتذكرة فقال عز وجل : ( تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ) ق : 8 وقال وما ~~يذكر إلا من ينيب وقال عز وجل : ( إنما يتذكر أولوا الألباب ) الزمر : 9 ~~الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ، فالاستقامة على التوبة من ~~الوفاء بالعهد وتعدي الحدود من نقض الميثاق وقلة الصدق والإنابة هي التوبة ~~والإقبال على الله عز وجل ، والألباب هي العقول الزاكية والقلوب الطاهرة ~~وينبغي للتالي الخائف الناصح لنفسه وللخلق السليم القلب إذا تلا آي الوعد ~~والمدح ومحاسن الوصف ومقامات المقربين أن لا يشهد نفسه هناك ولا يراها ~~مكانا لذلك بل يشهد للمؤمنين فيها وينظر إلى الصديقين منها سلامة ونصحا ، ~~فإذا تلا الآي الممقوت أهلها المتهدد عليها المذموم وصفها من مقامات ~~الغافلين ms0110 وأحوال الخاطئين شهد نفسه هناك وأنه هو المخاطب المقصود بذلك خوفا ~~منه وشفقا ، فبهذه المشاهدة يرجو للخلق ويخاف على نفسه ومن هذه الملاحظة ~~يسلم قلبه للعباد ويمقت نفسه . موم وصفها من مقامات الغافلين وأحوال ~~الخاطئين شهد نفسه هناك وأنه هو المخاطب المقصود بذلك خوفا منه وشفقا ، ~~فبهذه المشاهدة يرجو للخلق ويخاف على نفسه ومن هذه الملاحظة يسلم قلبه ~~للعباد ويمقت نفسه . وروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول ~~اللهم إني أستغفرك لظلمي وكفري قال : فقلت يا أمير المؤمنين هذا الظلم فما ~~بال الكفر ؟ فتلا قوله : ( إن الإنسان لظلوم كفار ) إبراهيم : 34 فإن قلب ~~هذان المعنيان على عبد حتى يشهد نفسه في المدح PageV01P091 و الوصف ويشهد ~~غيره في الذم والمقت انقلب قلبه عن وجهة الصادقين وتنكب بقصده عن صراط ~~الخائفين فهلك وأهلك لأن من شهد البعد في القرب لطف به بالخوف ، ومن شهد ~~القرب في البعد مكر به في الأمن ، وقال بعض العلماء : كنت أقرأ القرآن فلا ~~أجد له حلاوة حتى تلوته كأني أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوه ~~على أصحابه ثم رفعت إلى مقام فوقه فكنت أتلوه كأني أسمعه من جبريل عليه ~~السلام يلقيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جاء الله بمنزلة أخرى ~~فأنا الآن أسمعه من المتكلم عز من قائل فعندها وجدت له نعيما ولذة لا أصبر ~~عنها ، وقال عثمان رضي الله عنه : أو حذيفة لو طهرت القلوب لم تشبع من ~~تلاوة القرآن ، وقال ثابت البناني : كابدت القرآن عشرين سنة وتنعمت به ~~عشرين سنة ، وقال بعض علمائنا : لكل آية ستون ألف فهم وما بقي من فهمها ~~أكثر ، وعن علي رضي الله عنه : لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة ~~الكتاب ، وعن أبي سليمان الداراني : إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال ~~وذكر خمس ليال ولولا أني أقطع الفكر فيها لما جاوزتها إلى غيرها . وروينا ~~عن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها ولا يفرغ منها ms0111 ، وحدثنا ~~عن بعض العارفين قال : لي في كل جمعة ختمة ؛ وفي كل شهرختمة ؛ وفي كل سنة ~~ختمة ؛ ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد ، يعني ختمة التفهم ~~والمشاهدة ، وكان هذا يقول أقمت نفسي في العبودية مقام الأجراء فأنا أعمل ~~مياومة ومجامعة ومشاهرة ومسانهة وإنما حجب الخلق عن فهم كنه الكلام ومعرفة ~~سر المراد لأنه حجبهم عن حقيقة كنه معرفته وإنما أعطاهم من معرفة الكلام ~~بقدر ما أعطاهم من معرفة المتكلم إذ بمعاني كلامه تعرف معاني صفاته وأفعاله ~~وأحكامه ولأن معاني كلامه من معاني أوصافه وأخلاقه ، فلذلك جاء فيه السهل ~~اللطيف والشديد العسوف والمرجو والمخوف ، لأن من أوصافه الرحمة واللطف ~~والانتقام والبطش ، فلما لم يصلح أن يعرفوه كعلمه بنفسه لم يصلح أن يعلم ~~كنه كلامه إلا هو ، ويعرف كنه صفاته إلا هو ، فأعلم الخلق لمعاني كلامه ~~أعرفهم لمعاني الصفات وأعرف العباد بمعاني الأوصاف والأخلاق وغوامض الأحكام ~~أعرفهم بسرائر الخطاب ووجه الحروف ومعاني باطن الكلام ، وأحقهم بذلك أخشاهم ~~له أقربهم منه ، وأقربهم منه من خصه بأثرته وشمله بعنايته ، فقد جاء في ~~الخبر : أحسن الناس صوتا بالقرآن من إذا قرأ رأيت أنه PageV01P092 يخشى ~~الله ، ولا يخشاه حتى يعرفه ، ولا يعرفه حتى يعامله ولا يعامله حتى يقربه ، ~~ولا يقربه حتى يعني به ، وينظر إليه ، فعندها يعرف سر الخطاب ويطلع على ~~باطن الكتاب ، فإذا سجد العبد سجود القرآن فليدع في سجدته بمعاني الآية من ~~الخير وليستعذ من معاني شرها فإن ذلك فعل العلماء بالقرآن والله يحب ذلك ، ~~ولتلك المعاني أسجدهم له مثل أن يقرأ قوله عز وجل : ( خروا سجدا وسبحوا ~~بحمد ربهم وهم لا يستكبرون ) السجدة : 15 ، فيقول اللهم اجعلني من الساجدين ~~لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك أو على ~~أوليائك ، ومثل هذا قوله عز وجل : ( ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ) ~~الإسراء : 109 ، فليقل : اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك وعلى ~~هذه المعاني ونحوها وليكن القرآن هو علمه وعمله وذكره ودعاؤه وهمه وشغله ~~فعنه يسأل وعليه يثاب ms0112 ومقامه منه وذكره فيه وأحواله فيه مجموع له ذلك كله ~~فيه ، فبكلامه عرفه العارفون وبمخاطبته شهد أوصافه الموقنون فعلومهم من ~~كلامه ومواجيدهم عن علومهم ومشاهدتهم عن معاني أوصافه وكلامهم عن مشاهدتهم ~~لأن ضروب الكلام عن الله هي معاني الصفات : فمنه كلام راض ومنه كلام غضبان ~~ومنه كلام منعم وكلام منتقم وكلام جبار متكبر وحنان متعطف ، فإذا كان العبد ~~من أهل العلم بالله والفهم عنه والسمع من الله عز وجل والمشاهدة له شهد ما ~~غاب عن غيره وأبصر ما عمي عنه سواه ، وقد قال سبحانه وتعالى : ( فلا أقسم ~~بما تبصرون ) ( وما لا تبصرون ) الحاقة : 38 - 39 وقال عز وجل : ( فاعتبروا ~~يا أولي الأبصار ) الحشر : 2 معناه في الفهم أعبروا إلي فقد أبصرتم فالتاء ~~قد تكون بمعنى تاء التفعل تدخل للتحقيق والوصول بالوصف والمبالغة في الفعل ~~فلما أعطاهم الأيدي والأبصار عبروا بقواهم إلى ما أبصروا ففروا إلى الله عز ~~وجل من الخلق حين ذكروه بما خلق فخرجوا على معيار حسن الابتلاء ولم ينقصهم ~~البلاء شيئا فكانوا كما أخبروا كالذي أمر في قوله عز وجل : ( ومن كل شيء ~~خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) الذاريات : 49 ، ففروا إلى الله ثم قال : ( ولا ~~تجعلوا مع الله إلها آخر ) الذاريات : 51 فكانوا هم الموحدون المخلصون له ~~وكان هو المنفرد المستخلص لهم ثم جاوزوا التذكرة بالأشياء إليه فذكروه عنده ~~به ، فحينئذ هربوا إليه منه حين هللوه به فلم يتألهوا إلى ما سواه كما لم ~~يعبدوا إلا إياه وكذلك رأيتها في مصحف عبد الله ففروا إلى الله منه إني لكم ~~منه نذير مبين ، وفي الخبر عن ابن مسعود وبعض الرواة يرفعه وقد روينا مسندا ~~من طريق وهو خصوص العارفين من المحبين والخالصين اطلعوا على السر وأوقفوا ~~على الخبر فكانوا مقربين شاهدين أن للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا فنقول ~~فظهره لأهل العربية وباطنه لأهل اليقين وحده لأهل الظاهر ومطلعة لأهل ~~الأشراف وهم العارفون المحبون PageV01P093 والخائفون اطلعوا على لطف المطلع ~~بعد أن خافوا هول المطلع فأودعوا السر عند مقام أمين وأوقفوا ms0113 على الخبر في ~~حال مكين فكانوا لديه مقربين إذ كانوا به شاهدين ، وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : يرى الشاهد ما لا يرى الغائب فمن حضر شهد ومن شهد وجد ومن وجد ~~وحد ومن وحد عزز ومن غاب عمي ومن عمي فقد ومن فقد نسي ومن نسي فقد نسي وقد ~~قال الله عز وجل : ( كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) طه : 126 ~~أي تركتها فلم تعبأ بها ولم تنظر إليها وهكذا اليوم تترك فلا ينظر إليك ~~برحمة ولا تكلم بلطف ولا تزلف بقرب . PageV01P094 # | الفصل السابع عشر فيه كتاب ذكر نوع من المفصل والموصل من الكلام وفيه ~~مدح العالمين وذم الغافلين عنه وتفسيرالغريب والمشكل من القرآن باختصار ~~الأصول الدالة على المعنى # فأما ظاهر الكلام فعلى معنيين عجيبين وهو مجمل مختصر وموصل مكرر فإجماله ~~واختصاره للبلاغة والإيجاز قال تعالى : ( إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين ) ~~الأنبياء : 106 ومكرره وتفصيله للإفهام والتذكار ، قال الله تعالى : ( ولقد ~~وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ) القصص : 51 ، وقال عز وجل في المبهم ~~المجمل والتوحيد المفصل : ( آلركتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ~~) هود : 1 فهذه ثلاثة أسماء الله لطيف رحيم وقيل بل هي حروف من اسم وهو ~~الرحمن ثم أظهر السبب فقال كتاب أحكمت آياته يعني بالتوحيد ثم فصلت أي ~~بالوعد والوعيد ثم قال من لدن حكيم أي للأحكام خبير أي بالأحكام خبير ~~بالتفصيل للحلال والحرام ألا تعبدوا إلا الله هذا هو التوحيد الذي أحكمه ~~أنني لكم منه نذير وبشير هذا الوعد والوعيد الذي أعمله فمن المختصر للإيجاز ~~قوله تعالى : ( وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ) الإسراء : 59 ، ففي ~~هذا مختصر ومحذوفان فالمضمر قوله مبصرة المعنى آية مبصرة فأضمر ومحذوفاه ~~قوله فظلموا بها المعنى ظلموا أنفسهم بالتكذيب بها فاختصرت كلمتان من ~~كلمتين للإيجاز ومثله قوله : ( وهي خاوية على عروشها ) البقرة : 259 الخواء ~~الخلاء والعروش السقوف وهو جمع عرش فكيف تكون خاوية من العروش والعروش ~~موجودة فيها ، فهذا من المختصر المحذوف ومعناه وهي خاوية من ms0114 ثمرها أو من ~~أهلها واقعة على عروشها ومثله قوله تعالى : ( ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر ) البقرة : 177 ، حذف الفعل وأقيم الاسم مقامه فالمعنى فيه ~~ولكن البر بر من آمن بالله وقد يكون من المبدل فيكون المحذوف هو اسم أبدل ~~الفعل مكانه ولكن البر من آمن بالله فلما كان البر وصفه أقيم مكانه وممثل ~~معنى الأول قوله عز وجل : ( وأشربوا في قلوبهم العجل ) البقرة : 93 أي حب ~~العجل ، ومن ذلك قوله عز وجل : ( أقتلت نفسا زكية بغير نفس ) الكهف : 74 ، ~~ولم يذكر قتله والمعنى بغير نفس قتلها فحذف الفعل ومثله أنه من قتل نفسا ~~بغير نفس أو فساد في PageV01P095 الأرض أضمر قوله بغير نفس قتلها أو بغير ~~فساد في الأرض فاكتفى عنه بذكر غير الأولى وكذلك قوله : ( من في السموات ~~والأرض ) آل عمران : 83 معناه ومن في الأرض وكذلك قوله : ( فما يكذبك بعد ~~بالدين ) التين : 7 هو متصل بقوله سبحانه : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم ) التين : 4 وفصل بينهما النعت والاستثناء والمعنى فما يكذبك بعد هذا ~~البيان أيها الإنسان بالديانة فأي شيء يحملك على التكذيب بأن تدين الله ~~تعالى وهو أحكم الحاكمين ومن المبدل المضمر أيضا : ( إذا لأذقناك ضعف ~~الحياة وضعف الممات ) الإسراء : 75 المعنى ضعف عذاب الأحياء وضعف عذاب ~~الموتى فأضمر ذكر العذاب وأبدل الأحياء والموتى بذكر الحياة فأقام الوصف ~~مقام الاسم ، ويصلح أيضا أن يترك الوصف على لفظه ويضمر أهل فيكون ضعف عذاب ~~أهل الحياة وضعف عذاب أهل الممات كما أضمر أهل في ذكر القرية وذكر العير ~~فقال : ( وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها ) يوسف : 82 ~~والمعنى : واسأل أهل القرية وأسأل أهل العير ، ومن هذا المعنى قوله تعالى : ~~( ثقلت في السموات و الأرض ) الأعراف : 187 هو من المبدل المضمر ، فمبدله ~~ثقلت ومعناه خفيت ، أبدل بدلالة المعنى عليه لأن الشيء إذا خفي علمه ثقل ~~وكذلك قوله في السموات معناه على ومضمر أهل والمعنى خفيت على أهل السموات ~~وأهل الأرض لا تأتيكم إلا بغتة يعني ms0115 فجأة ، ومنه قوله عز وجل : ( تفتؤا ~~تذكر يوسف ) يوسف : 85 فيه مضمر ومحذوف ، فمحذوفه تزال ؛ ومضمره لا التي هي ~~جواب القسم ، والمعنى : قالوا تالله لا تزال تفتؤا تذكر يوسف فأضمرت لا ~~وأبدلت تزال بقوله تفتؤا وهي من مختصر الكلام وفصيحه وبليغه وهي لغة لبعض ~~العرب وفي القرآن من كل لغة . ومن هذا قوله عز وجل : ( وتجعلون رزقكم أنكم ~~تكذبون ) الواقعة : 82 وقوله سبحانه : ( بدلوا نعمت الله كفرا ) إبراهيم : ~~28 معناه تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون وكذلك بدلوا شكر نعمة الله كفرا بها ~~ومثله ( فكأين من قرية أهلكناها ) الحج : 45 : ( وكأين من قرية أمليت لها ) ~~الحج : 48 معناه أهل قرية مثل قوله : ( وسئل العير ) يوسف : 82 المعنى أهل ~~العير والعير هي الإبل المجهولة وهذا الذي تسميه النحويون المجاز ، وهكذا ~~قوله : ( إن هذ القرآن يهدي للتي هي أقوم ) الإسراء : 9 معناه للطريقة التي ~~هي أقوم ، ومثل هذا قوله عز وجل : ( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ) ~~الإسراء : 53 أي يقولوا الكلمة التي هي أحسن ومثل هذا قوله : ( ادفع بالتي ~~هي أحسن السيئة ) المؤمنون : 96 أي بالكلمة أو بالفعلة التي هي أحسن ومثل ~~قوله : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ) الأنبياء : 101 أي الكلمة الحسنى ~~والوجه الآخر أن الحسنى اسم لا نعت فمعناه الجنة وهكذا قوله : ( على ملك ~~سليمان ) البقرة : 102 أي على عهد PageV01P096 ملك سليمان فأضمر قوله عهد ، ~~ومثل قوله : ( وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) آل عمران : 194 أي على ألسنة ~~رسلك فأضمر ألسنة ومن المكنى المضمر قوله تعالى : ( وما أنسانيه إلا ~~الشيطان ) سورة الكهف : 63 أضمر الحوت وذكره واسم موسى للاختصار والمعنى ، ~~وما أنساني ذكر الحوت لك إلا الشيطان ومثله قوله : ( إنا أنزلناه في ليلة ~~القدر ) القدر : 1 أي أنزلنا القرآن فكني عنه ولم يتقدم له ذكر وكذلك قوله ~~: ( حتى توارت بالحجاب ) ص : 32 يعني توارت الشمس بحجاب الليل فكني عنها ~~ولم يجر لها ذكر ومثله وقوله عز وجل : ( وما يلقاها إلا الذين صبروا ) فصلت ~~: 35 أي الكلمة الطيبة أو الفعلة ms0116 التي هي أحسن وبمعناه قوله تعالى : ( ولا ~~يلقاها إلا الصابرون ) القصص : 80 يعني كلمة الزهد في الدنيا ومقالة ~~الترغيب والرغبة في الآخرة عائد على قوله تعالى : ( ويلكم ثواب الله خير ) ~~القصص : 80 أي هذه المقالة ومن المبدل المختصر قوله عز وجل : ( وإذا قيل له ~~اتق الله أخذته العزة بالإثم ) البقرة : 206 معناه حملته العزة على الإثم ~~أي حمله التعزز والأنفة على الإثم ولم يبال فأخذته بمعنى حملته بالإثم ~~بمعنى على الإثم . ومن هذا قوله : ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) البقرة : 255 ~~أي لا تحمله سنة ولا نوم لأن السنة تحمل العبد أي تذهب به عن التيقظ ومن ~~المنقول المنقلب قوله عز وجل : ( يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه ) الحج : 13 ~~اللام في لمن منقولة والمعنى يدعو من لضره أقرب من نفعه ومثله : ( لتنوأ ~~بالعصبة ) القصص : 76 معناه لتنوء العصبة بها أي لتثقل بحملها لثقلها عليهم ~~ومثله قوله : ( وطور سنين ) التين : 2 سلام على آل ياسين وهو مما قلب اسمه ~~لازدواج الكلم المعنى طورسينا وسلام على الياسين قيل إدريس لأن في حرف ابن ~~مسعود سلام على إدريس ونحوه جعلوا القرآن عضين أي أعضاء كأنهم عضوه فآمنوا ~~ببعض وكفروا ببعض وبمعناه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت المعني ~~وجعل منهم عبد الطاغوت ويصلح أن يكون معطوفا على قوله : ( من لعنه الله ~~وغضب عليه ) المائدة 60 ، ومن ( عبد الطاغوت ) المائدة : 60 ومن قرأ ~~الطاغوت بالكسر فإنه يجعل عبد أسما وأضافه إلى الطاغوت بمعنى وعبدة وعباد ~~وفيه خمس لغات أخرى عباد الطاغوت وعبد الطاغوت وعبدة الطاغوت وعباد الطاغوت ~~وعبد الطاغوت ، وأما عبد الطاغوت نصبا فهو بمعنى الفعل من العبادة ومن ~~المضمر المختصر أيضا قوله عز وجل : ( ألا إن عادا كفروا ربهم ) سورة هود : ~~60 ضميره إحدى كلمتين كفروا نعمة ربهم كفروا توحيد ربهم فأضمر للاختصار ~~وانتصاب الاسم لسقوط الخافض وفيها وجه غريب إلا أنه محمول على المعنى لأنه ~~أي غطوا ربهم التغطية أي غطوا آياته وما دعا إليه من الحق والمعنى كفرهم أي ~~غطى ms0117 عليهم بما غطوا ربهم هكذا حقيقة في التوحيد إذ الأولية في كل فعل منه ~~وهم ثوان فيما بعد فهو بمعنى قوله : ( وللبسنا عليهم ما يلبسون ) الأنعام : ~~9 اللبس التغطية . PageV01P097 ومنه قوله : ( الذين اتخذوا من دون الله ~~أولياء ) العنكبوت : 41 ، ما نعبدهم مضمره يقولون ما نعبدهم ومثله فظلتم ~~تفكرون إنا لمغرمون أي يقولون إنا لمغرمون وعلى هذا المعنى وجه قوله : ( ~~فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) النساء : 78 ما أصابك من حسنة ~~فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ، المعنى فيه يقولون : ما أصابك على ~~معنى الإخبار عنهم والذم لهم فهلكت بذلك القدرية لجهلهم بعلم العربية فظنوا ~~أنه ابتداء شرع وبيان من الله عز وجل وقد أحكم الله عز وجل ابتداء شرعه ~~وبيانه بأول الآية في قوله : ( قل كل من عند الله ) النساء : 78 ، وقد كان ~~ابن عباس يقول إذا اشتبه عليكم شيء من القرآن فالتمسوه في كلام العرب فإن ~~الرجل يتلو الآية فيعيا بوجهها فيكفره وقرأتها في مصحف عبد الله بن مسعود ~~فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا قالوا ما أصابك من حسنة فهذا كما ~~أنبأتك وقد رأيت في مصحف عبد الله والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما ~~نعبدهم فهذا من ذلك ، ومن المضمر قوله تعالى : ( ولو نشاء لجعلنا منكم ~~ملائكة في الأرض يخلفون ) الزخرف : 60 ليس أنه يجعل من البشر ملائكة ولكن ~~معناه لجعلنا بدلا منكم ملائكة ويصلح لجعلنا بدلكم بمعنى منكم ، ومن المبدل ~~له قوله عز وجل : ( وهم لها سابقون ) المؤمنون : 61 اللام بدل من الباء ~~المعنى وهم بها سابقون لأنهم لو سبقوها لفاتتهم ، وعلى هذا المعنى قال ~~بعضهم إن قوله عز وجل : ( فلما تجلى ربه للجبل ) الأعراف : 143 ، أي بالجبل ~~كان الجبل حجابا لموسى فكشفه عنه فتجلى به كما قال من الشجرة أن يا موسى ~~إنني أنا الله فكانت الشجرة وجهة لموسى كلمه الله عز وجل منها ومثله : ( ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل ) طه : 71 معناه على جذوع ، وكذلك : ( فلا تجعلني ~~في القوم الظالمين ms0118 ) المؤمنون : 94 معناه أي مع القوم وبمعناه : ( أم لهم ~~سلم يستمعون فيه ) الطور : 38 أي عليه ويصلح به وكذلك قوله : ( مستكبرين به ~~) المؤمنون : 67 أي عنه يعني عن القرآن ، فعلى هذا مجاز قوله تعالى : ( ~~فاسأل به خبيرا ) الفرقان : 59 أي سل عنه ، فحروف العوامل يقوم بعضها مقام ~~بعض ، ومثله قوله : ( السماء منفطر به ) المزمل : 18 أي فيه يعني في اليوم ~~مثله : ( لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ) البقرة : 150 معناه ~~ولا الذين ظلموا فأبدلت إلا بقوله ولا يجوز أن تكون إلا مستأنفة بمعنى لكن ~~الذين ظلموا متصلة بخبرها من قوله : ( فلا تخشوهم ) البقرة : 150 فهو بمعنى ~~قوله : ( لا يخاف لدي المرسلون ) ( إلا من ظلم ) النمل : 10 - 11 ، أي لكن ~~من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فيكون مبتدأ لذكر خبرها بعد وبمعناه قوله تعالى ~~: ( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) النساء : 2 ، أي مع أموالكم وكذلك ~~قوله : ( وأيديكم إلى المرافق ) المائدة : 6 أي مع المرافق لأنها داخلة في ~~الغسل والحروف العوامل تنوب بعضها عن بعض ولو أظهر مثل هذا المضمر ووصل مثل ~~هذا المحذوف لكانت القراءة ضعيفة . PageV01P098 ومن الموصول المكرر للبيان ~~والتوكيد قوله عز وجل : ( وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن ~~يتبعون إلا الظن ) يونس : 66 قوله له : ( إن يتبعون ) يونس : 66 مردود رده ~~للتوكيد والإفهام كأنه لما طال الكلام أعيد ليقرب من الفهم والمعنى ما يتبع ~~الذين يدعون من دون الله شركاء ( إلا الظن ) يونس : 66 أي أتباعهم الشركاء ~~ظن منهم غير يقين ونحوه من المكرر المؤكد قال الملأ الذين استكبروا من قومه ~~للذين استضعفوا لمن آمن منهم اختصاره الذين استكبروا لمن آمن من الذين ~~استضعفوا فلما قدم الذين استضعفوا وكان المراد بعضهم كرر المراد بإعادة ذكر ~~من آمن منهم للبيان ومثله : ( إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين ) الحجر : 59 ~~( إلا امرأته ) الحجر : 60 ، فأدخل الاستثناء على الاستثناء وهو يطول في ~~كلامهم لأنه أراد بالنجاة بعض الآل فلما أجملهم أخرج مستثنى من مستثنى وفي ~~هذا ms0119 دليل أن الأزواج من الآل لأنه استثنى امرأته من آله ومن المكرر للتوكيد ~~قوله تعالى : ( فلما أن أراد أن يبطش ) القصص : 19 ، مختصره فلما أراد يبطش ~~وقد قيل أن هذا من المختصر المضمر مما أضمر فيه الاسم وحذف منه الفعل وهو ~~غريب ، فيكون تقديره فلما أن أراد الإسرائيلي أن يبطش موسى : ( بالذي هو ~~عدو لهما ) القصص : 19 فلم يفعل ، ( قال يا موسى أتريد أن تقتلني ) القصص : ~~19 فهذا حينئذ من أخصر الكلام وأوجزه ومن المكرر المؤكد قوله عز وجل : ( ~~فينظر كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة ) غافر : ~~21 مفهومه وجائزه فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة ~~فوصل بمن ووكد فكان هم أشد ، وقراءتها في مصحف ابن مسعود عاقبة الذين من ~~قبلهم كانوا أشد قوة ليس فيها كانوا ولا قوله هم وبمعناه وإن قصر قوله ~~تعالى : ( لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ) الزخرف : 33 ، ~~هذا مما طول للبيان والمعنى لجعلنا البيوت من يكفر بالرحمن فلما قدم من وهي ~~أسماء من يكفر أعيد ذكر البيوت مؤخرا ومن المكني المبهم المشتبه قوله عز ~~وجل : ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ) النحل : 75 الشيء في ~~هذا الموضع الإنفاق مما رزق الله وقوله تعالى : ( وضرب الله مثلا رجلين ~~أحدهما أبكم لا يقدر على شيء ) النحل : 76 ، فالشيء في هذا الموضع الأمر ~~بالعدل والاستقامة على الهدى وكذلك قوله : ( فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء ~~) الكهف : 70 الشيء في هذا الموضع وصف مخصوص من وصف الربوبية من العلم الذي ~~علمه الخضر عليه السلام من لدنه لا يصلح أن يسأل عنه حتى يبتدئ به فلذلك ~~كني عنه وكذلك العلم على ضربين : ضرب لا يصلح أن يبتدأ به حتى يسأل عنه وهو ~~مما لا يضيق علمه فلذلك وسع جهله وحسن كتمه ، وعلم لا ينبغي أن يسأل عنه من ~~معنى صفات التوحيد ونعوت الوحدانية لا يوكل إلى العقول بل يخص بها المراد ~~المحمول فعلم ms0120 الخضر الذي شرط على موسى عليهما السلام أن لا يسأل عنه حتى ~~يبادئه به من هذا النوع والله PageV01P099 غالب على أمره وقوله عز وجل : ( ~~أم خلقوا من غير شيء ) الطور : 35 يعني الله تعالى أي كيف يكون خلق من غير ~~خالق ، ففي وجودهم ثبوت خالق فهم دلالة عليه أنه خلقهم ، وروينا ذلك عن ابن ~~عباس وعن زيد بن علي رضي الله عنهما قالا في قوله عز وجل : ( من غير شيء ) ~~النحل : 76 ، أي من غير رب كيف يكون خلق من غير خالق وقوله عز وجل : ( ~~والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ) النحل : 71 فالبعض الأول المفضل في ~~الرزق هم الأحرار والبعض الآخر المفضول هم المماليك ومثله قوله تعالى : ( ~~وقال قرينه هذا ما لدي عتيد ) ق : 23 قرنه هذا هو الملك الموكل بعلمه أحضر ~~ما عنده مما علمه من فعله ، وقوله عز وجل : ( قال قرينه ربنا ما أطغيته ) ق ~~: 27 قرينه هذا هو شيطانه المقرون به ومثله قوله تعالى : ( وإخوانهم ~~يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ) الأعراف : 202 الهاء والميم المتصلة بإخوان ~~أسماء الشياطين والهاء والميم المتصلة بيمدون أسماء المشركين أي الشياطين ~~إخوان المشركين يمدون المشركين في الغي ولا يقصرون عنهم في الإمداد وبمعنى ~~هذا قوله تعالى : ( إنما سلطانه على الذين يتولونه و الذين هم به مشركون ) ~~النحل : 100 الهاء الأولى المتصلة بيتولون كناية عن إبليس والهاء المتصلة ~~بالباء من قوله هم به هي اسم الله عز وجل وقد قيل أيضا إنها عائدة على ~~إبليس أيضا فيكون المعنى هم به قد أشركوا في التوحيد أي أشركوه بعبادة الله ~~عز وجل ومثل هذا قوله عز وجل : ( فأثرن به نقعا ) ( فوسطن به جمعا ) ~~العاديات : 4 - 5 ، الهاء الأولى كناية عن الحوافر وهن الموريات قدحا يعني ~~الخيل تقدح بحوافرها فتوري النار فأثرن به أي بالحوافر النقع يعني التراب ~~والهاء الثانية كناية عن الإغارة فوسطن أي توسطن به بالإغارة وهن المغيرات ~~صبحا وسطن جمع المشركين أغاروا عليهم بجمعهم والمشركون غارون وبهذا المعنى ~~قوله عز ms0121 وجل : ( فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ) الأعراف : 57 ~~الهاء الأولى عائدة على السحاب أي أنزلنا بالسحابة الماء وفي قوله به مبدل ~~ومكنى ، فالمكنى هو ما ذكرناه من أسماء السحاب والمبدل أن به بمعنى منه ~~ومثل هذا قوله : ( يشرب بها عباد الله ) الإنسان : 6 أي منها وهو صريح قوله ~~في المفسر : ( وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ) النبأ : 14 يعني السحاب وهو ~~قوله : ( سقناه لبلد ميت ) الأعراف : 57 وقوله في الهاء الثانية أخرجنا به ~~من كل الثمرات يعني بالماء فجمع بين اسم السحاب والماء بالهاء فأشكل ومن ~~البيان الثاني والثالث للخطاب المجمل قوله تعالى : ( شهر رمضان الذي أنزل ~~فيه القرآن ) البقرة : 185 فلم يفهم إلا أن القرآن أنزل في شهر رمضان ولم ~~يدر أنهارا أنزل فيه أو ليلا ، فقال في البيان الثاني : ( إنا أنزلناه في ~~ليلة مباركة ) الدخان : 3 ، فلم يفهم منه إلا أنه أنزل منه ليلا في ليلة ~~مباركة ولم يدر أي ليلة هي فقال في البيان الثالث : ( إنا أنزلناه في ليلة ~~القدر ) القدر : 1 فهذا غاية البيان وبمعناه قوله تعالى : ( ولما بلغ أشده ~~واستوى آتيناه ) يوسف : 22 . شياطين إخوان المشركين يمدون المشركين في الغي ~~ولا يقصرون عنهم في الإمداد وبمعنى هذا قوله تعالى : ( إنما سلطانه على ~~الذين يتولونه و الذين هم به مشركون ) النحل : 100 الهاء الأولى المتصلة ~~بيتولون كناية عن إبليس والهاء المتصلة بالباء من قوله هم به هي اسم الله ~~عز وجل وقد قيل أيضا إنها عائدة على إبليس أيضا فيكون المعنى هم به قد ~~أشركوا في التوحيد أي أشركوه بعبادة الله عز وجل ومثل هذا قوله عز وجل : ( ~~فأثرن به نقعا ) ( فوسطن به جمعا ) العاديات : 4 - 5 ، الهاء الأولى كناية ~~عن الحوافر وهن الموريات قدحا يعني الخيل تقدح بحوافرها فتوري النار فأثرن ~~به أي بالحوافر النقع يعني التراب والهاء الثانية كناية عن الإغارة فوسطن ~~أي توسطن به بالإغارة وهن المغيرات صبحا وسطن جمع المشركين أغاروا عليهم ~~بجمعهم والمشركون غارون وبهذا المعنى قوله عز وجل ms0122 : ( فأنزلنا به الماء ~~فأخرجنا به من كل الثمرات ) الأعراف : 57 الهاء الأولى عائدة على السحاب أي ~~أنزلنا بالسحابة الماء وفي قوله به مبدل ومكنى ، فالمكنى هو ما ذكرناه من ~~أسماء السحاب والمبدل أن به بمعنى منه ومثل هذا قوله : ( يشرب بها عباد ~~الله ) الإنسان : 6 أي منها وهو صريح قوله في المفسر : ( وأنزلنا من ~~المعصرات ماء ثجاجا ) النبأ : 14 يعني السحاب وهو قوله : ( سقناه لبلد ميت ~~) الأعراف : 57 وقوله في الهاء الثانية أخرجنا به من كل الثمرات يعني ~~بالماء فجمع بين اسم السحاب والماء بالهاء فأشكل ومن البيان الثاني والثالث ~~للخطاب المجمل قوله تعالى : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) البقرة : ~~185 فلم يفهم إلا أن القرآن أنزل في شهر رمضان ولم يدر أنهارا أنزل فيه أو ~~ليلا ، فقال في البيان الثاني : ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) الدخان : 3 ~~، فلم يفهم منه إلا أنه أنزل منه ليلا في ليلة مباركة ولم يدر أي ليلة هي ~~فقال في البيان الثالث : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) القدر : 1 فهذا ~~غاية البيان وبمعناه قوله تعالى : ( ولما بلغ أشده واستوى آتيناه ) يوسف : ~~22 . PageV01P100 فهذا البيان الأول زيادة على الأشد وهو الوصف إلا أنه غير ~~مفسر ثم قال في البيان الثاني : ( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ) ~~الأحقاف : 15 ، ففسر الأشد بالأربعين إذا كانت الواو للمدح والوصف في أحد ~~الوجهين ومعناه الجمع قوله تعالى : ( والعصر ) ( إن الإنسان لفي خسر ) ~~العصر : 1 - 2 معناه أن الناس لفي خسر أي لفي خسران لقوله : ( إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ) مريم : 96 ولا يستثنى جماعة من واحد وإنما يستثنى ~~جماعة من جماعة أكثر منهم وإنما وحد الاسم للجنس وكذلك قوله تعالى : ( يا ~~أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ) الانشقاق : 6 معناه يا أيها الناس ~~إنكم كادحون دل عليه قوله عز وجل : ( فأما من أوتي كتابه بيمينه ) الانشقاق ~~: 7 ( وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ) الانشقاق : 10 وإنما وحد النعت ~~لتوحيد الاسم وكذلك قوله عز وجل : ( وحملها الإنسان ms0123 إنه كان ظلوما جهولا ) ~~الأحزاب : 72 معناه حملها الناس كلهم وهذا أحب الوجهين إلي لقوله عز وجل : ~~( ليعذب الله المنافقين و المنافقات والمشركين والمشركات ) الأحزاب : 73 ~~ومثله قوله عز وجل : ( و إنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها ) الشورى ~~: 48 معناه وإنا إذا أذقنا الناس منا رحمة فرحوا بها فلما وحد الاسم وحد ~~نعته دل عليه قوله تعالى : ( وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ) الشورى : 48 ~~فأظهر الجمع ومن الجمع المراد به الواحد قوله عز وجل : ( كذبت قوم نوح ~~المرسلين ) الشعراء : 105 يعني نوحا وحده لأنه لم يرسل إلى قوم نوح غيره ~~ودل عليه قوله تعالى : ( إذ قال لهم أخوهم نوح ) الشعراء : 106 ، فوحد ~~الجمع ومثله فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من ~~يشاء يعني بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وحده يوم خيبر ومن الجمع المكني ~~قوله عز وجل : ( لخلق السموات و الأرض أكبر من خلق الناس ) غافر : 57 يعني ~~في هذا الموضع الدجال ونزل ذلك في الذكر الدجال واستعظامهم لوصفه وكذلك ~~قوله تعالى : ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ) آل عمران : ~~173 يعني رجلا واحدا قاله لهم وهو عروة بن مسعود الثقفي ، فجمع لفظه لأجل ~~جنسه والعرب تجمع الواحد للجنس ، وكذلك قيل في أحد الوجوه إن قوله عز وجل : ~~( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) البقرة : 199 يعني آدم صلى الله عليه وسلم ~~وحده وهو أول من طاف بالبيت وأتاه جبريل وأشعر له المناسك وقد قرأت في بعض ~~حروف السلف من حيث أفاض آدم فهذا شاهد له ومن المقدم والمؤخر لحسن تأليف ~~الكلم ومزيد البيان والإظهار قوله عز وجل : ( من كفر بالله من بعد إيمانه ~~إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا ) النحل : 106 ~~اختصاره ومؤخره من كفر بالله بعد إيمانه وشرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من ~~الله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن وكد بقوله ولكن من شرح بالكفر ~~صدرا لما استثنى ms0124 المكره وقلبه مطمئن بإيمان ولم يجعل المكره آخر الكلام ~~لئلا يليه قوله : ( فعليهم غضب من الله ) النحل : 106 فيتوهم انه خبره وجعل ~~آخر الكلام فعليهم غضب من الله وهو في PageV01P101 المعنى مقدم خبر الأول ~~من قوله من كفر بالله من بعد إيمانه فأخر ليليه قوله تعالى : ( ذلك بأنهم ~~استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ) النحل : 107 لأنه من وصفهم فيكون هذا ~~أحسن في تأليف الكلام وسياق المعنى وكذلك قوله تعالى : ( وقيله يا رب إن ~~هؤلاء قوم ) الزخرف : 88 ، هذا من المعطوف المضمر ومن المقدم والمؤخر ~~فعاطفه قوله وعنده علم الساعة وضميره قوله وعلم قيله والمعنى وعنده علم ~~الساعة وعلم قيله يا رب هذا على حرف من كسر اللام فأما من نصبها فإنه مقدم ~~أيضا ومحمول على أن المعنى أي وعنده علم الساعة ويعلم قيله يا رب ، فأما من ~~رفع اللام فقرأ وقيله فتكون مستأنفة على الخبر وجوابها الفاء من قوله : ( ~~فاصفح عنهم ) الزخرف : 89 أي قوله إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم ، وقد ~~تكون الواو في قوله وقيله للجمع مضمومة إلى علم الساعة والمعنى وعنده علم ~~الساعة وعنده قيله يا رب جمع بينهما بعند فهذا مجاز هذه المقارى الثلاث في ~~العربية ومما حمل على المعنى قوله عز وجل : ( فالق الإصباح وجعل الليل سكنا ~~) الأنعام : 96 ثم قال : ( والشمس والقمر حسبانا ) الأنعام : 96 فلو لم ~~يحمل على المعنى لكانت الشمس والقمر خفضا إتباعا للفظ قوله فالق وجاعل ولكن ~~معناه وجعل الشمس والقمر حسبانا وهي على قراءة من قرأ وجعل الليل سكنا ~~متبعة لجعل ظاهر أو بمعناه قوله تعالى : ( وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ) ~~المائدة : 6 في قراءة من نصب اللام محمولا على معنى الغسل من قوله عز وجل : ~~( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ) المائدة : 6 أيضا ، ومن قرأ وأرجلكم خفضا حمله ~~على اتباع الإعراب من قوله عز وجل : ( برؤوسكم وأرجلكم ) المائدة : 6 فأتبع ~~الإعراب بالإعراب قبله لأن مذهبه الغسل لا المسح واختيارنا نصب اللام في ~~المقروء على نصب الغسل واتباع الوجه واليدين إلا أنه روي ms0125 عن ابن عباس وأنس ~~بن مالك نزل القرآن بغسلين ومسحين وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل ~~الأقدام فنحن نفعل كما فعل . وقيله للجمع مضمومة إلى علم الساعة والمعنى ~~وعنده علم الساعة وعنده قيله يا رب جمع بينهما بعند فهذا مجاز هذه المقارى ~~الثلاث في العربية ومما حمل على المعنى قوله عز وجل : ( فالق الإصباح وجعل ~~الليل سكنا ) الأنعام : 96 ثم قال : ( والشمس والقمر حسبانا ) الأنعام : 96 ~~فلو لم يحمل على المعنى لكانت الشمس والقمر خفضا إتباعا للفظ قوله فالق ~~وجاعل ولكن معناه وجعل الشمس والقمر حسبانا وهي على قراءة من قرأ وجعل ~~الليل سكنا متبعة لجعل ظاهر أو بمعناه قوله تعالى : ( وامسحوا برؤوسكم ~~وأرجلكم ) المائدة : 6 في قراءة من نصب اللام محمولا على معنى الغسل من ~~قوله عز وجل : ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ) المائدة : 6 أيضا ، ومن قرأ ~~وأرجلكم خفضا حمله على اتباع الإعراب من قوله عز وجل : ( برؤوسكم وأرجلكم ) ~~المائدة : 6 فأتبع الإعراب بالإعراب قبله لأن مذهبه الغسل لا المسح ~~واختيارنا نصب اللام في المقروء على نصب الغسل واتباع الوجه واليدين إلا ~~أنه روي عن ابن عباس وأنس بن مالك نزل القرآن بغسلين ومسحين وسن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم غسل الأقدام فنحن نفعل كما فعل . وقوله عز وجل : ( ~~ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ) طه : 129 من المقدم والمؤخر ~~، فالمعنى فيه ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما وبه ارتفاع ~~الأجل ولولا ذلك لكان نصبا كاللزام فأخر لتحسين اللفظ وبمعناه قوله عز وجل ~~: ( يسألونك كأنك حفي عنها ) الأعراف : 187 المعنى يسألونك عنها كأنك حفي ~~بها أي ضنين بعلمها ومثله قوله تعالى : ( أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ~~) البقرة : 106 أي نأت منها بخير فقدم بخير وأخر منها فأشكل ومن المؤخر بعد ~~توسط الكلام قوله عز وجل : ( لتركبن طبقا عن طبق ) الانشقاق : 19 في قراءة ~~من وحد الفعل هو متصل بقوله عز وجل : ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك ~~كدحا ms0126 ) الانشقاق : 6 لتركبن طبقا عن طبق أي حالا بعد حال في البرزخ فأخر ~~الأحوال PageV01P102 للقرار في الدار وكذلك هو في قراءة من جمع فقال لتركبن ~~أيها الناس فيكون الإنسان في معنى الناس كما ذكرناه آنفا ، ويكون الجمع ~~عطفا على المعنى وإنما وحد للجنس فكأنه قال يا أيها الناس لتركبن طبقا عن ~~طبق فأخر هذا الخبر لما توسطه من الكلام المتصل بالقصة ومعناه التقديم ، ~~ومثل هذا قوله عز وجل : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ) ~~النساء : 83 وقوله : ( إلا قليلا ) النساء : 83 هو متصل بقوله : ( لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا ) النساء : 83 وآخر الكلام : ( لاتبعتم ~~الشيطان ) النساء : 83 ، وقد قيل إن قوله إلا قليلا مستثنى من الأول في ~~قوله : ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ) النساء : 83 إلا ~~قليلا منهم وفي هذا بعد والأول أحب إلي ، وعلى هذا المعنى قرأ ابن عباس في ~~رواية عنه لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم جعله متصلا بقوله ~~تعالى : ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) النساء : 147 إلا من ظلم ~~وصار آخر الكلام لا يحب الله الجهر بالسوء من القول فاصلا ومثل هذا قوله ~~تعالى : ( و الذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض ) ~~الأنفال : 73 إنما هو من صلة قوله : ( وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ~~) الأنفال : 72 إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض . وكذلك قوله في أول السورة : ~~( لهم مغفرة ورزق كريم ) الأنفال : 74 كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ليس هذا ~~من صلة الكلام إنما هو مقدم ومتصل في المعنى بقوله : ( قل الأنفال لله ~~والرسول ) الأنفال : 1 و ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) الأنفال : 5 ، أي ~~فصارت أنفال الغنائم لك إذ أنت راض بإخراجك وهم كارهون فاعترض بينهما الأمر ~~بالتقوى والإصلاح والوصف بحقيقة الإيمان والصلاح فأشكل فهمه ، وعلى هذا ~~قوله عز وجل : ( حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ~~) الممتحنة : 4 إنما هو موصول بقوله ms0127 تعالى : ( قد كانت لكم أسوة حسنة في ~~إبراهيم و الذين معه إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ) الممتحنة : 4 ~~لأنها نزلت في قولهم فقد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك عند قوله : لأستغفر ~~لك ربي فقالوا : فهلا نستغفر لآبائنا المشركين ، فنزلت هذه الآية ليستثني ~~القدوة في إبراهيم في هذا ثم نزلت الآية الأخرى معذرة له أوعده إياه إلى أن ~~علم موته على الكفر فقال وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها ~~إياه الآية ، وكذلك قوله عز وجل : ( ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في ~~مخمصة غير متجانف لإثم ) المائدة : 3 ، وهذا متصل بقوله : ( حرم عليكم ~~الميتة ) النحل : 115 إلى آخر المحرمات ، ثم قال : ( فمن اضطر في مخمصة ) ~~المائدة : 3 يعني مجاعة ومثل ما ذكرناه من علم القرآن كثير وإنما نبهنا ~~بيسير على كثير ودللنا بنكت على جم غفير ليستدل بما ذكرناه على نحوه ويتطرق ~~به إلى مثله وهذا كله على ضروب كلام العرب PageV01P103 ومعاني استعمالهم ~~ووجوه استحسانهم أنه في كلامهم المطول للبيان والمختصر للحفظ والمقدم ~~والمؤخر للتحسين وكله فصيح بليغ ، لأن وصف البلاغة عندهم رد الكثير المنثور ~~إلى القليل المجمل وبسط القليل المجمل إلى المبثوث المفسر فالمقصر من ~~الكلام عندهم مع الحاجة إلى المعاني المتفرقة عجز والمطول منه مع الاكتفاء ~~بالمعنى الجامع منه عي ، فلما خاطبهم بكلامهم أفهمهم بعقولهم ومستعملاتهم ~~ليحسن ذلك عندهم فيكون حجة عليهم من حيث يعقلون لأنه أمرهم بما يعلمون وما ~~يستحسنون حكمة منه ولطفا ، فذلك أيضا على هذه المعاني يفهم الخصوص من ~~مكانهم ومشهدهم على علو مقامهم في مكان ما أظهر لهم من العلم به ونصيب ما ~~قسم لهم من العقل عنه ، فهم متفاوتون في الأشهاد والفهوم حسب تفاوتهم في ~~الأنصبة من العقول والعلوم إذ القرآن عموم وخصوص ومحكم ومتشابه وظاهر وباطن ~~؛ فعمومه لعموم الخلق ، وخصوصه لخصوصهم وظاهره لأهل الظاهر وباطنه لأهل ~~الباطن والله واسع عليم . فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه فإذا صفا القلب بنور اليقين وأيد العقل بالتوفيق والتمكين ms0128 وتجرد الهم ~~من التعلق بالخلق وتأله السر بالعكوف على الخالق وخلت النفس من الهوى سرت ~~الروح فجالت في الملكوت الأعلى كشف القلب بنور اليقين الثاقب ملكوت العرش ~~عن معاني صفات موصوف وأحكام خلاق مألوف وباطن أسماء معروف وغرائب علم رحيم ~~رؤوف فشهد عن الكشف أوصاف ماعرف فقام حينئذ بشهادة ما عرف فكان ممن قال ~~سبحانه : ( يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ) البقرة : 121 ، فحق التلاوة ~~للمؤمنين لأنه إذا أعطاه حقيقة من الإيمان أعطاه مثلها من معناه ومعدنها ~~حقيقة من مشاهدة ، فكانت تلاوته عن مشاهدة وكان مزيده عن معنى تلاوته وكان ~~ذلك على معيار حقيقة من إيمانه كما قال : ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا ) الأنفال : 2 ، أولئك هم المؤمنون حقا فيكون العبد بوصف من نعت ~~بالحضور والإنذار وخص بالمزيد والاستبشار في قوله عز وجل : ( فلما حضروه ~~قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ) الأحقاف : 29 وفي قوله عز ~~وجل : ( فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ) التوبة : 124 ويكون من نعت من مدحه ~~بالعلم وأثنى عليه بالرجاء وصفه بالخوف في قوله تعالى : ( يحذر الآخرة ~~ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) الزمر : 9 ، ~~وقال عز وجل : ( يدعون ربهم خوفا وطمعا ) السجدة : 16 فكان هذا من أهل الله ~~وخاصته ومن محبيه وخالصته . كما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل ~~القرآن أهل الله وخاصته من خلقه وقال ابن مسعود لا على أحدكم أن يسأل عن ~~نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله وإن لم يكن يحب القرآن ~~فليس يحب الله وهذا كما قال لأنك إذا أحببت متكلما أحببت كلامه وإذا كرهته ~~كرهت مقاله ، وقال أبو محمد سهل : من علامة الإيمان حب الله عز PageV01P104 ~~وجل ، ومن علامة حب الله حب القرآن ومن علامة حب القرآن حب النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم اتباعه ، وعلامة اتباعه ~~الزهد في الدنيا ، وحدثونا عن بعض المريدين قال : كنت في جدة إرادتي قد ~~لهجت ms0129 بتلاوة القرآن ثم رهقتني فترة فبقيت أياما لا أقرأ فهتف بي هاتف من ~~قبل الله عز وجل : إن كنت تحبني فلم جفوت كتابي أما ترى ما فيه من لطيف ~~عتابي وقال بعض العارفين لا يكون المريد مريدا حتى يجد في القرآن كل ما ~~يريد ويعرف منه النقصان والمزيد ويستغني بالمولى عن العبيد وأقل ما قيل في ~~العلوم التي يحويها القرآن من ظواهر المعاني المجموعة فيه أربعة وعشرون ألف ~~علم وثمانمائة علم إذ لكل آية علوم أربعة : ظاهر ، وباطن ، وحد ، ومطلع ، ~~وقد يقال إنه يحوي سبعة وسبعين ألف علم ومائتين من علوم إذ لكل كلمة علم ~~وكل علم وصف فكل كلمة تقتضي صفة وكل صفة موجبة أفعالا حسنة وغيرها على ~~معانيها فسبحان الفتاح العليم . PageV01P105 # | الفصل الثامن عشر فيه كتاب ذكر الوصف المكروه من نعت الغافلين # فإذا خالف التالي هذا الوصف الذي شرحناه أو كان على ضد ذلك من السهو ~~والغفلة والعمى والحيرة محدثا لنفسه مصغيا إلى هواه ووسوسة عدوه متوهما ~~للظنون عاكفا على الأماني حقت عليه أن يكون بمعاني ما قال الله عز وجل : ( ~~ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ) البقرة : 78 يعني إلا تلاوة ~~القرآن لا غير وإن هم إلا يظنون فوصفهم بالظن وهو ضد اليقين ، كما أخبر عن ~~الظانين في قولهم : إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين وبمعنى ما قال : ( ~~وكأين من آية في السموات و الأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) يوسف : 105 ~~، فالقرآن من أجل آيات الأرضين والسموات الدالة على فاطرهما ومنزله ، وكان ~~يوصف من يهدده بعلمه فيه عند استماعه لكلامه العزيز متهاونا به مناجيا ~~لغيره أن يقول تعالى : ( نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم ~~نجوى ) الإسراء : 47 ، وبمثل من يسمع وقلبه مشغول عن المسموع بما يضره عما ~~ينفعه حتى إذا خرج عن الكلام سأل من حضر بقلبه ماذا فهم من الخطاب الذي كان ~~هو عنه بغفلته قد غاب وقد كان حاضرا بجسمه حجة عليه فمن ذلك قوله عز وجل : ~~( ومنهم ms0130 من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا ~~قال آنفا ) محمد : 16 ، قال الله تعالى : ( أولئك الذين طبع الله على ~~قلوبهم ) محمد : 16 أي عن فقه الخطاب فلم تسمعه القلوب ولم تعه واتبعوا ~~أهواءهم يعني أباطيلهم وظنونهم الكاذبة ، ويقال : إن العبد إذا تلا القرآن ~~واستقام نظر الله إليه برحمته فإذا قرأ القرآن وخلط ناداه الله عز وجل ما ~~لك ولكلامي وأنت معرض عني دع عنك كلامي إن لم تتب إلي . وروينا في ~~الإسرائيليات أوحى الله عز وجل إلى نبيه موسى وداود عليهما السلام مر عصاة ~~بني إسرائيل أن لا يذكروني فإني آليت على نفسي أن أذكر من ذكرني وإني ~~أذكرهم بلعنة وكان بوصف من أخبر عنه إذ يقول تعالى : ( فخلف من بعدهم خلف ~~ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأذنى ويقولون سيغفر لنا ) الأعراف : 169 ~~الآية ، وهذا وصفهم الظن الكاذب والرجاء المختلف اللذان لم يفترقا إلى خوف ~~وإشفاق عصوا خالقهم عاجلا وتمنوا عليه PageV01P106 المغفرة آجلا جهلا منهم ~~بحكمته وإعراضا عن أحكامه ، قال الله عز وجل : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق ~~الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه ) الأعراف : 169 ، ثم ~~أخبر عن علمهم بذلك علم قول وخبر لا علم يقين ومعاينة ، قال سبحانه : ( ~~ودرسوا ما فيه ) الأعراف : 169 أي قرؤوا هذا وعلموه ولم يعملوا به فلم ~~ينتفعوا بشيء منه ، فكان هذا توبيخا لهم وتقريعا كقوله تعالى : ( قل بئسما ~~يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ) البقرة : 93 وفيها وجه غريب ودرسوا ما ~~فيه أي محوه بترك العمل به والفهم له من قولك : درست الريح الآثار إذا ~~محتها وخط دارس وربع دارس إذا محي وعفي أثره وهذا المعنى مواطئ لقوله تعالى ~~: ( نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ~~) البقرة : 101 واتبعوا ما تتلو الشياطين أي ما تتبع وتهوى ومواطئ لقوله ~~تعالى : ( فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ) آل ~~عمران : 187 فسمي ترك العمل منهم به ms0131 في كل حالة طرحا له وإلقاء ونفيا له ~~وبيعا له وبالدنيا اشتراء وكل آية في التهدد والوعيد فللخائفين منها وعظ ~~وتخويف وللغافلين عنها وصف وتعريف علمه من علمه كقوله تعالى في ذكر النار : ~~( ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون ) الزمر : 16 ، وقال في خبرها ~~أعدت للكافرين ، وقال بعض السلف : إن العبد ليفتتح سورة فتصلي عليه ~~الملائكة حتى يفرغ منها وإن العبد ليفتتح سورة فتلعنه حتى يفرغ منها ، فقيل ~~: وكيف ذلك ؟ قال إذا أحل حلالها وحرم حرامها صلت عليه وإلا لعنته ، وقال ~~بعض العلماء : إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم يقول ألا لعنة ~~الله على الظالمين وهو ظالم ألا لعنة الله على الكاذبين وهو منهم ، وقال ~~سفيان في قوله تعالى : ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ~~) الأعراف : 146 ، قال : أصرف عنهم فهم القرآن ، وفي الخبر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا عظمت أمتي الدنيا والدرهم نزع منها هيبة الإسلام ~~وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرموا بركة الوحي ، قال الفضيل ~~: حرموا فهم القرآن وفي الأخبار من ذم قراءة البطالين أكثر من أن تذكر ، ~~فمنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أكثر منافقي أمتي قراؤها ~~، وكان الحسن يقول : إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل وجعلتم الليل جملا ~~فأنتم تركبونه فتقطعون به مراحله وإن من كان قبلكم رأوه رسائل أتتهم من ~~ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار ، وكان ابن مسعود من قبله ~~يقول أنزل عليهم القرآن ليعملوا به فاتخذوا دراسته PageV01P107 عملا إن ~~أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل ~~به . وفي حديث ابن عمر وحديث جندب لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى ~~الإيمان قبل القرآن فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم ~~حلالها وحرامها وأمرها وزجرها وما ينبغي أن يقف عليه منها كما تعلمون أنتم ~~القرآن ، ثم بعد لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرآ ما ~~بين ms0132 فاتحته إلى خاتمته لا يدري ما أمره ولا زجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده ~~منه فينثره نثر الدقل وهذا كما قال لأن المراد والمقصود بالقرآن الائتمار ~~لأوامره والانتهاء عن زواجره إذ حفظ حدوده مفترض ومسؤول عنه العبد ومعاقب ~~عليه وليس حفظ حروفه فريضة ولا عقاب على العبد إذا لم يحفظ ما وسعه منه قال ~~الله عز وجل : ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) المزمل : 5 أي العمل به ثقيل ~~وإلا فقد يسره للذكرى ، ومن ذلك الخبر المأثور عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ولانت له جلودكم فإذا اختلفتم ~~فلستم تقرؤونه وفي بعضها فإذا اختلفتم فقوموا عنه . وحدثني شيخ فاضل قرأت ~~عليه القرآن قال : قرأت القرآن على شيخ لي فلما ختمت رجعت إليه لأقرأ ~~فانتهرني وقال : جعلت القرآن علي عملا اذهب فأقرأ على الله عز وجل فانظر ~~ماذا يسمعك منه ويفهمك عنه وقد كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من لا يحفظ إلا الجزئ والجزءين والسور المعدودة وسورتين وكان من يحفظ الحزب ~~منه وهو السبع أو البقرة والأنعام علما فيهم ، وقبض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن عشرين ألف صحابي لم يقرؤوا القرآن غير نظر فلم يحفظ القرآن ~~كله منهم إلا ستة اختلف منهم في اثنين ، وقال بعضهم : ولم يكن جمعه من ~~الخلفاء الأربعة أحد ، وختم ابن عباس على أبي بن كعب وقرأ عبد الرحمن ابن ~~عوف على ابن عباس وقرأ عثمان بن عفان على زيد بن ثابت وقرأ أهل الصفة على ~~أبي هريرة ، وكلهم كان متبعا لأوامره مجتنبا لزواجره عالما به فقيها فيه ، ~~وقال يوسف بن أسباط : وقد قيل له إذا ختمت القرآن بأي شيء تدعو ؟ فقال بأي ~~شيء أدعو أستغفر الله عز وجل مائة مرة من تلاوتي ، وكان يقول : إني لأهم ~~بقراءة القرآن فإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت فأعدل إلى التسبيح والإستغفار ~~وأعلم أن للعبد في قراءة القرآن بحسب ما له من تعظيمه والفهم له والمشاهدة ~~منه ms0133 والمعاملة به لأنه من أكبر شعائر الله في خلقه وأعظم آياته في أرضه ~~الدالات عليه وأسبغ نعمه الكاملة علينا وللعبد من التعظيم له بقدر تقواه ، ~~وله من فهم الخطاب وتعظيم الكلام على نحو ما أعطي من معرفة المتكلم وهيبته ~~وإجلاله فإذا عظم المتكلم في قلبه وكبر في فهمه أنعم تدبر كلامه وأطال ~~الفكر في خطابه وأكثر ترداده وتكريره على قلبه وأسرع بذكره عند النازلة به ~~والحاجة إليه فاتقى وحذى ولذلك قال سبحانه : ( واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ~~) البقرة : 63 وقال كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ولعلهم يتذكرون ~~لأن كل PageV01P108 كلام موقوف على قائله يعظم بتعظيمه ويقع في القلب بعلو ~~مكانه أو يهون بسهولة شأنه ، قال الله عز وجل : ( ليس كمثله شيء ) الشورى : ~~11 في العظمة والسلطان وليس ككلامه كلام في الأحكام والبيان ، وقرأت في ~~سورة الحنين من التوراة : يا عبدي أما تستحي مني يأتيك كتاب من بعض إخوانك ~~وأنت في الطريق تمشي فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرؤه وتتدبره حرفا حرفا ~~حتى لا يفوتك شيء منه ، وهذا كتابي أنزلته إليك أنظر كم وصلت لك فيه من ~~القول وكم كررت عليك فيه فتأملت طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه ، أفكنت أهون ~~عليك من بعض إخوانك أي عبدي يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه بكل وجهك ~~وتصغي إلى حديثه بكل قلبك فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت إليه ~~أن كف وها أنا ذا مقبل عليك ومحدث لك وأنت معرض بقلبك عني فجعلتني أهون ~~عندك من بعض إخوانك أو كما قال وإنما خف القيام على أهل الليل لفهم الخطاب ~~وثقل على أهل النوم لانفصام القلوب عن الفقه وشدة الحجاب كما قال تعالى : ( ~~ثقلت في السموات والأرض ) الأعراف : 187 أى خفي علمها يعني الساعة فثقلت ~~عليهم فسمي ما خفي علمه ثقيلا والله أعلم . PageV01P109 # | الفصل التاسع عشر فيه كتاب الجهر بالقرآن وما في ذلك من النيات وتفصيل ~~حكم الجهر والإخفات # روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ms0134 : فضل قراءة السر على ~~قراءة العلانية كفضل صدقة السر على صدقة العلانية ، وفي لفظ آخر الجاهر ~~بالقرآن كالجاهر بالصدقة ، والمسر به كالمسر بالصدقة ، وفي الخير العام ~~يفضل عمل السر على عمل العلانية بسبعين ضعفا ، وفي مثله من العموم خير ~~الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي ، وفي الخبر لا يجهر بعضكم على بعض في ~~القراءة بين المغرب والعشاء ، وسمع سعيد بن المسيب ذات ليلة في مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عمر بن عبد العزيز يجهر بالقرآن في صلاته وكان حسن ~~الصوت فقال لغلامه برد اذهب إلى هذا المصلي فمره أن يخفض من صوته ، فقال ~~الغلام : إن المسجد ليس لنا وإن للرجل فيه نصيبا فرفع سعيد صوته فقال : يا ~~أيها المصلي إن كنت تريد الله عز وجل بصلاتك فاخفض صوتك وإن كنت تريد الناس ~~فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ، قال : فسكت عمر وخفف ركعته فلما سلم أخذ ~~نعليه وانصرف ، وهو يومئذ أمير المدينة ، وعلى ذلك فقد كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يسمع جماعة من أصحابه يجهرون بالقراءة في صلاة الليل فيصوب ~~ذلك لهم ويسمع إليهم وقد أمر بالجهر . فيما روي عنه إذا قام أحدكم من الليل ~~يصلي فليجهر بقراءته فإن الملائكة وعمار الدار يستمعون إلى قراءته ويصلون ~~بصلاته ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة من أصحابه في الليل ~~مختلفي الأحوال ؛ منهم من كان يخافت وهو أبو بكر رضي الله عنه فسأله عن ذلك ~~فقال : إن الذي أناجيه هو يسمعني ومنهم من كان يجهر وهو عمر رضي الله عنه ~~فسأله عن ذلك فقال : أوقظ الوسنان وأزجر الشيطان ، ومنهم من كان يقرأ آيا ~~من هذه السورة ومن هذه السورة وهو بلال فسأله عن ذلك فقال : أخلط الطيب ~~بالطيب فقال : كلكم قد أحسن وأصاب فنقول : والله أعلم إن المخافتة بالقراءة ~~أفضل إذا لم تكن للعبد نية في الجهر أو كان ذاهبا عن المهمة والمعاملة بذلك ~~لأنه أقرب إلى السلامة وأبعد من دخول الآفة وإن الجهر أفضل ms0135 لمن كان له نية ~~في الجهر ومعاملته مولاه به لأنه قد قام بسنة قراءة الليل لأن المخافت نفعه ~~لنفسه والجهر نفعه له ولغيره وخير الناس من ينفع الناس PageV01P110 والنفع ~~بكلام الله عز وجل أفضل المنافع ولأنه قد أدخل عملا ثانيا يرجو به قربة ~~ثانية على عمله الأول فكان في ذلك أفضل وليجعل العبد مفتاح درسه أن يقول : ~~أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، رب أعوذ بك من همزات ~~الشياطين ، وأعوذ بك رب أن يحضرون ، وليقرأ ( قل أعوذ برب الناس ) الناس : ~~1 ، وسورة : الحمد قبلها ، وليقل عند فراغه من كل سورة : صدق الله ، وبلغ ~~رسول الله ، اللهم انفعنا به ، وبارك لنا فيه ، الحمد لله رب العالمين ، ~~أستغفر الله الحي القيوم ، ومن حفظ جوارحه وقلبه عن المنهي فقد عمل بالقرآن ~~إلى خاتمه لأنه مقسط على جملة العبد وجوارحه جملة ، وفي الجهر بالقراءة سبع ~~نيات منها الترتيل الذي أمر به ، ومنها تحسين الصوت بالقرآن الذي ندب إليه ~~في قوله صلى الله عليه وسلم زينوا القرآن بأصواتكم ، وفي قوله : ليس منا من ~~لم يتغن بالقرآن أي يحسن به صوته وهو أحد الوجهين وأحبهما إلى أهل العربية ~~، والوجه الآخر أي من لم يستغن به من الغنية والاكتفاء ، وقد يقال : من هذا ~~الوجه يتغانى به ومنها أن يسمع أذنيه ويوقظ قلبه ليتدبر الكلام ويتفهم ~~المعاني ولا يكون ذلك كله إلا في الجهر ؛ ومنها أن يطرد الشيطان والنوم عنه ~~برفع صوته ، ومنها أن يرجو بجهره يقظة نائم فيذكر الله عز وجل ، فيكون هو ~~سبب إحيائه ؛ ومنها أن يراه بطال غافل فينشط للقيام ويشتاق إلى الخدمة ~~فيكون معاونا له على البر والتقوى ؛ ومنها أن يكثر بجهره تلاوته ويدوم ~~قيامه على حسب عادته للجهر ، ففي ذلك كثرة عمله ، فإذا كان العبد معتقدا ~~لهذه النيات طالبا لها ومتقربا إلى الله سبحانه وتعالى عالما بنفسه مصححا ~~لقصده ناظرا إلى مولاه الذي استعمله فيما يرضاه فجهره أفضل لأن له فيه ~~أعمالا وإنما يفضل العمل بكثرة النيات فيه وارتفع العلماء وفضلت أعمالهم ms0136 ~~بحسن معرفتهم بنيات العمل واعتقادهم لها فقد يكون في العمل الواحد عشر نيات ~~يعلم ذلك العلماء فيعملون بها فيعطون عشرة أجور وأفضل الناس في العمل ~~أكثرهم نية فيه وأحسنهم قصدا وأدبا وفي بعض التفاسير في قوله عز وجل ( وأما ~~بنعمة ربك فحدث ) الضحى : 11 ، قال : قراءة القرآن . وفي الخبر من استمع ~~إلى آية من كتاب الله عز وجل كانت له نورا يوم القيامة ، وفي خبر آخر كتب ~~له عشر حسنات والتالي شريك المستمع في الأجر لأنه أكسبه ذلك ، وقال بعضهم : ~~للقارئ أجر وللمستمع أجران ، وقال آخر : للمستمع تسعة أجور وكلاهما صحيح ، ~~لأن كل واحد منهما على قدر إنصاته ونيته ، فإذا كان التالي مكسبا لغيره هذه ~~الأجور فإن له بكل أجر أكسبه إياه أجرا يكتسبه لقوله صلى الله عليه وسلم ~~الدال على الخير كفاعله سيما إذا كان عالما بالقرآن فقيها فيه فيكون مقراه ~~ووقوفه حجة وعلما لسامعه ، وفي الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~ينتظر عائشة رضي الله عنها فأبطأت عليه ، فقال : ماحبسك ؟ فقالت : يارسول ~~الله كنت أستمع قراءة رجل ماسمعت صوتا أحسن منه ، فقام صلى الله عليه وسلم ~~حتى استمع إليه طويلا ثم رجع فقال : هذا سلام مولى أبي حذيفة الحمد لله ~~PageV01P111 الذي جعل في أمتي مثله واستمع أيضا ذات ليلة إلى قراءة عبد ~~الله بن مسعود ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهم فوقفوا طويلا ثم قال : من ~~أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد ، وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود : اقرأ فقال يارسول الله أقرأ وعليك ~~أنزل ، فقال إني أحب أن أسمعه من غيري فكان يقرأ وعينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تفيضان وذلك عند قوله : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا ، واستمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قراءة أبي موسى ~~فقال : لقدأوتي هذا مزمارا من مزامير داود فبلغ ذلك أبا موسى فقال : يا ~~رسول الله لو ms0137 علمت أنك تسمع إلي لحبرت لك تحبيرا ، وكان ابن مسعود يأمر ~~علقمة بن قيس أن يقرأ بين يديه فيقول له : رتل فداك أبي وأمي ، وكان حسن ~~الصوت بالقرآن ، وفي الخبر كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~اجتمعوا أمروا أحدهم أن يقرأ سورة من القرآن . وقد كان عمر يقول لأبي مسعود ~~رضي الله عنهما : ذكرنا ربنا فيقرأ عنده حتى كاد وقت الصلاة أن يتوسط فيقال ~~: ياأمير المؤمنين الصلاة الصلاة ، فيقول : أولسنا في صلاة ؟ فكأنه يتأول ~~قوله عز وجل ، ولذكر الله أكبر ، وقال بعض عباد البصريين لما وضع بعض ~~البغدادين كتابا في معاني الرياء ودقائق آفات النفوس ، قال : لقد كنت أمشي ~~بالليل أسمع أصوات المتهجدين كأنها أصوات الميازيب ، فكان في ذلك أنس وحث ~~على الصلاة والتلاوة حتى جاء البغداديون بدقائق الرياء وخفايا الآفات فسكت ~~المتهجدون فلم يزل ذلك ينقص حتى ذهب وانقطع وترك إلى اليوم ، فإن لم يكن ~~للتالي نية في شيء مما ذكرناه وكان ساهيا غافلا عن ذلك وكان واقفا مع شيء ~~من الآفات أو لمح في قلبه شخص أو ساكن ذكرى هوى فقد اعتل فعليه أن يحتمي ~~الجهر فإن جهر على ثقل قلبه فسد عمله لاستكنان الداء فيه وكان إلى النقصان ~~أقرب ومن الإخلاص أبعد فعليه حينئذ بالإخلاص فهو دواؤه يعالج به حاله فإنه ~~أصلح لقلبه وأسلم لعمله وأحمد في عاقبته ، وقد يكون العبد واجدا لحلاوة ~~الهوى في الصلاة والتلاوة وهو يظن أن ذلك حلاوة الإخلاص وهذا من دقيق شأن ~~الشهوة الخفية ولطيف الانتقاص ، وقد يلتبس ذلك على الضعفاء ولا يفطن له إلا ~~العلماء ، وإنما يجد حلاوة الإخلاص الزاهدون في الدنيا وفي مدح الناس لهم ~~به ويتلذذون بنصح المعاملة وصدق الخدمة المحبون لله عز وجل الخائفون منه ~~واعتبار فقد ذلك بأحد شيئين : سقوط النفس باستواء المدح والذم وهذا حال في ~~مقام الزهد ، أو الخلو من القلب بشهادة اليقين وهذا في مقام المعرفة ، وفي ~~هذين المقامين يستوي السر والعلانية وقد تكون العلانية أفضل لأئمة التقوى ~~والعدل . وحدثت عن ms0138 رجل من أهل الخير قال : كنت أقرأ في السحر في غرفة لي ~~شارعة PageV01P112 سورة طه فلما ختمتها غفوت بعدها فرأيت شخصا نزل من ~~السماء بيده صحيفة بيضاء فنشرها بين يدي فإذا فيها سورة طه وإذا تحت كل ~~كلمة عشر حسنات مثبتة إلا كلمة واحدة فإني رأيت مكانها محوا ولم أر تحتها ~~شيئا فغمني ذلك فقلت : قد والله قرأت هذه الكلمة ولم أر لها ثوابا ولا ~~أراها أثبتت فقال الشخص صدقت قد قرأتها وكتبناها لك الا أنا سمعنا مناديا ~~ينادي امحوها وأسقطوا ثوابها فمحوناها فبكيت في منامي وقلت : لم فعلتم ذلك ~~قالوا : مر رجل فرفعت صوتك بها لأجله فمحوناها . وقد روينا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سمع رجلا يجهر بقراءته فناداه : يافلان أسمع الله ولا ~~تسمعني واعلم أن السمعة مقرونة بالرياء ومحكوم لها بحكمه من فساد العمل ~~ونقصان العامل وهي مأخوذة من السمع ، كان العبد يسمع بعمله غير الله عز وجل ~~ويحب أن يسمع به مخلوقا ليمدحه به لغلبة هواه وضعف نفسه فيكون قد أشرك في ~~عمله غير الله عز وجل فيبطل عمله لجهله بالتوحيد إذ لو علم يقينا أن لا ~~نافع إلا الله عز وجل ولاضار ولا معطي ولا مانع إلا إياه خلص له توحيد من ~~الشرك فخلص له عمله من الرياء ، وكذلك الرياء مأخوذ من رأي العين فالسمعة ~~هي بمعناه ، وفي الخبر : لايقبل الله عز وجل من مسمع ولا مراء ، وفي خبر ~~آخر : من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به وصغره وحقره ، فأما من ~~كانت له نية صالحة في أن يسمع أخاه كلام الله ليتعظ به ويتدبره أو ينتفع ~~باستماعه ويتذكر به فليس داخلا في السمعة لوجود حسن النية وصحة القصد ولفقد ~~اقتران الآفة لإرادة طمع عاجل من مدح أو غرض دنيا ، كماقال أبو موسى لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا ، فلم ينكر ~~عليه لأنه ذو نية في الخير وحسن قصد به ، وقال الآخر الذي رفع صوته بالآية ms0139 ~~أسمع الله عز وجل ولاتسمعني فأنكر عليه لما شهد السمعة فيه . وقد روينا أنه ~~صلى الله عليه وسلم مر برجل يظهر التأوه والوجل فقال : من كان معه يارسول ~~الله ؟ أتراه مرائيا ؟ فقال : لابل أواه منيب واعلم أن الأكل والنوم على ~~السلامة والصدق أفضل في الحال وأرفع في المقام وأحمد في المآل من القيام ~~والصيام على يسير من التصنع والتزين للخلق ، ومعرفة هذا والقيام به هو موضع ~~علم العلماء بالله عز وجل ، وحدثنا عن الحسن البصري قال : تفقد الحلاوة في ~~ثلاث : فإن وجدتها فابشر وامض لقصدك وإن لم تجدها فاعلم أن بابك مغلق عند ~~تلاوة القرآن وعند الذكر وفي السجود وزاد غيره وعند الصدقة وبالأسحار ~~وقراءة القرآن في المصحف أفضل من قراءته عن ظهر قلب ، يقال : الختمة بسبع ~~ختم لأن النظر في المصحف عبادة وكان كثير من الصحابة والتابعين يقرؤون في ~~المصحف ويستحبون أن لا يخرجوا يوما إلا نظروا فيه وخرق عثمان مصحفين من ~~كثرة درسه فيهما . PageV01P113 # | الفصل العشرون في ذكر أحياء الليالي المرجو فيها الفضل المستحب إحياؤها ~~وذكر مواصلة الأوراد في الأيام الفاضلة # ويستحب إحياء خمس عشرة ليلة في السنة خمس منها في شهر رمضان وهي وتر ~~ليالي العشر الأخير منه وليلة سبع عشرة من رمضان هي صبيحة يوم الفرقان يوم ~~التقى الجمعان فيه كانت وقعة بدر وكان ابن الزبير يذهب إلى أنها ليلة القدر ~~وأما التسعة الأخر فأول ليلة من شهر المحرم وليلة عاشوراء وأول ليلة من شهر ~~رجب وليلة النصف منه وليلة سبع وعشرين منه وفيه أسري برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة المعراج وليلة عرفة وليلة العيدين وليلة النصف من شعبان وقد ~~كانوا يصلون في هذه الليلة مائة ركعة بألف مرة : قل هو الله أحد عشرا في كل ~~ركعة ويسمون هذه الصلاة صلاة الخير ويتعرفون بركتها ويجتمعون فيها وربما ~~صلوها جماعة . وروينا عن الحسن قال : حدثني ثلاثون من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن من صلى هذه الصلاة في هذه الليلة نظر الله عز وجل ms0140 إليه سبعين ~~نظرة وقضى له بكل نظرة سبعين حاجة أدناها المغفرة ، وقد قيل : إن هذه ~~الليلة هي التي قال الله عز وجل فيها ( فيها يفرق كل أمر حكيم ) الدخان : 4 ~~، وأنه ينسخ فيها أمر السنة وتدبير الأحكام إلى مثلها من قابل والله أعلم ، ~~والصحيح من ذلك عندي أنه في ليلة القدر وبذلك سميت لأن التنزيل يشهد له إذ ~~في أول الآية إنا أنزلناه في ليلة مباركة ثم وصفها فقال : فيها يفرق كل أمر ~~حكيم ، فالقرآن انما أنزل في ليلة القدر فكانت هذه الآية بهذا الوصف في هذه ~~الليلة مواطئة لقوله عز وجل : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) القدر : 1 . # | ذكر مواصلة الأوراد في الأيام الفاضلة # وهي تسعة عشر يوما تستحب فيها مواصلة الأوراد والدأب في العبادة يوم ~~عاشوراء ويوم عرفة ويوم سبعة وعشرين من رجب ويوم سبعة عشر من شهر رمضان ~~ويوم النصف من شعبان ويوم الجمعة ويوم العيد والأيام المعلومات وهي عشر ذي ~~الحجة والأيام المعدودات وهي أيام التشريق ، وفي الخبر صوم يوم عرفة يكفر ~~سنتين سنة ماضية وسنة مستقبلة ، وصوم يوم عاشوراء كفارة سنة . PageV01P114 ~~وقد روينا عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا سلم يوم ~~الجمعة سلمت الأيام وإذا سلم شهر رمضان سلمت السنة وقال بعض علمائنا : من ~~أخذ مهناه في هذه الأيام الخمسة في الدنيا لم ينل مهناه في الآخرة وقال هذه ~~الأيام يرجى فيها الفضل من الله عز وجل والمزيد ، فإذا اشتغلت فيها بهواك ~~وعاجل الدنيا فمتى ترجو الفضل والمزيد يعني بالأيام الخمسة العيدين ويوم ~~الجمعة ويوم عرفة ويوم عاشوراء ، ومن فواضل الأيام بعد هذه يوم الاثنين ~~ويوم الخميس يومان ترفع فيهما الأعمال إلى الله عز وجل ، ومن الفاضل الشهور ~~الأربعة الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب خصهن الله عز وجل ~~بالنهي عن الظلم فيهن لعظم حرمتهن ، فكذلك الأعمال لها فيهن فضل على غيرها ~~وأفضلها ذو الحجة لوقوع الحج فيه ولما خص به من الأيام المعلومات والأيام ~~المعدودات ثم ms0141 ذو القعدة لجمعه الوصفين معا وهو من الأشهر الحرم ومن أشهر ~~الحج فأما المحرم ورجب فليسا من أشهر الحج ، وأما شوال فليس من أشهر الحرم ~~ولكنه من أشهر الحج وأفضل الأيام في الشهر العشران العشر الآخر والعشر ~~الأول من ذي الحجة وبعدهما عشر المحرم من أوله فالأعمال في هذه الأيام لها ~~فضل ومزيد على سائر الشهور . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ~~صام ثلاثة أيام من شهر حرام بعده الله من النار سبعمائة عام يوم الخميس ~~ويوم الجمعة ويوم السبت ، وفي خبر آخر صوم يوم من شهر حرام يعدل صوم ثلاثين ~~يوما من غيره ، وصوم يوم من شهر رمضان يعدل صوم ثلاثين يوما من شهر حرام ، ~~ثم إن أفضل الأوقات في جملة الأيام أوقات الصلوات الخمس . وروينا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخلت العشر الأواخر من شهر رمضان طوى ~~الفراش وشد المئزر ، وفي حديث آخر : إذا دخلت العشر الأواخر دأب وأدأب أهله ~~يعني أدام وأداموا التعب والنصب في العبادة ، وفي الخبر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما من أيام العمل فيهن أفضل وأحب إلى الله عز وجل من أيام ~~عشر ذي الحجة ، إن صوم يوم منه يعدل صيام سنة وقيام ليلة منه يعدل قيام ~~ليلة القدر ، قيل : ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله ~~إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع منهما بشيء ، وفي لفظ آخر إلا من عقر ~~جواده وأهرق دمه ، واذا أحب الله عز وجل عبدا استعمله في الأوقات الفاضلة ~~بأفضل الأعمال ليثيبه أفضل الثواب وإذا مقت عبدا استعمله بأسوأ الأعمال في ~~أفاضل الأوقات ليضاعف له السيئات بانتقاص حرمات الشعائر وانتهاك المحرمات ~~في الحرمات ، ويقال من علامات التوفيق ثلاث : دخول أعمال البر عليك من غير ~~قصد لها ، وصرف المعاصي عنك مع الطلب لها ، وفتح باب اللجا والافتقار إلى ~~الله عز وجل في الشدة والرخاء ، ومن علامات الخذلان ثلاث : تعسر الخيرات ~~عليك مع الطلب لها ، وتيسر ms0142 المعاصي لك مع الرهب منها وغلق باب اللجا ~~والافتقار إلى الله عز وجل ، في كل حال فنسأل الله تعالى بفضله حسن التوفيق ~~والاختيار ونعوذ به من سوء القضاء والأقدار . PageV01P115 # | الفصل الحادي والعشرون فيه كتاب الجمعة وذكر هيئاتها وآدابها وذكر ما ~~يستحب للمريد في يوم الجمعة وليلتها # صلاة الجمعة واجبة بأوصاف وساقطة بأوصاف فوجوبها يكون بالإقامة ~~والاستطاعة وحضور وقت الظهر وتكملة عدة أربعين رجلا أحرارا وسقوطها بالسفر ~~ودخول وقت العصر ونقصان العدد ووقوع العذر وهي من أعمال الأمراء تصلي خلف ~~كل من أقام بها منهم إلا اني أحب إعادتها ظهرا إذا صليت خلف مبتدع فإن ~~اجتمع في بلد كبير جامعان صليت خلف الأفضل من إماميهما ، فإن استويا في ~~الفضل صليت في القديم من الجامعين ، فإن تساويا صليت في الأقرب منهما إلا ~~أن تكون له نية في الأبعد لاستماع علم أو نشره أو تعلمه ، فصلاتها في ~~الجامع الأعظم وحيث يكون المسلمون أكثر وأفضل ، ومن صلى في أيهما أحب حسبت ~~صلاته ، قال ابن جريج : قلت لعطاء إذا كان في المصر جامعان أو ثلاثة في ~~أيها أصلي ؟ ، قال : صل حيث جمع المسلمون فإنها جمعة وهو يوم عظم الله ~~تعالى به الإسلام وزينه وشرف به المسلمين وفضلهم قال عز وجل : ( ياأيها ~~الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع ) الجمعة : 9 الآية ، فالبيع والشراء محرم بعد الأذان للجمعة عند ~~طائفة من العلماء لعموم النهي عنه ، ومنهم من قال : يرد البيع لأنه فاسد ~~إلا أني أحسب أن ذلك يحرم عند الأذان الثاني وهو مع خروج الإمام إذا قعد ~~على المنبر لأن هذا كان هو الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، والأذان الأول أحدثه عثمان رضي الله ~~عنه لما كثر الناس ، وقال الله عز وجل : ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض وابتغوا من فضل الله ) الجمعة : 01 الآية ، فأمر عباده المؤمنين في ~~يوم الجمعة بالذكر له ونهاهم عن البيع وأمرهم فيه ms0143 بطلب الفضل منه ووعدهم ~~الخير والفلاح وهما اسمان جامعان لغنيمة الدنيا والآخرة . وروي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : أن الله عز وجل فرض عليكم الجمعة في يومي هذا في ~~مقامي هذا وروي عنه صلى الله عليه وسلم من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر طبع ~~الله على قلبه ، وفي لفظ حديث آخر فقد نبذ الإسلام وراء ظهره واختلف رجل ~~إلى ابن عباس فسأله عن PageV01P116 رجل مات لم يكن يشهد جمعة ولا جماعة ~~فقال : في النار ، فلم يزل يتردد إليه شهرا يسأل عنه ، كل ذلك يقول في ~~النار ، وتقصد الجمعة من فرسخين أو ثلاثة ، واستحب لمن بكر إليها من أهل ~~القرى فأدركها وأدركه الليل فأواه إلى أهله إذا رجع أن يشهدها إلا أنها ~~ساقطة عن خمسة : الصبي ، والمملوك ، والمرأة ، والمسافر ، والمريض ، فمن ~~شهدها من هؤلاء فصلاها أجزأت عنه وكان مؤديا لفرضه ، وفي الخبر أن أهل ~~الكتابين أعطوا يوم الجمعة فقد اختلفوا فيه فصرفوا عنه وهدانا الله عز و جل ~~برحمته له ادخره لهذه الأمة جعله عيدا لهم فهم أول الناس به سبقا وأهل ~~الكتابين لهم تبع ، وفي حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم : ~~قال : أتاني جبريل عليه السلام وفي كفه مرآة بيضاء فقال : هذه الجمعة ~~يفرضها عليك ربك لتكون لك عيدا ولأمتك من بعدك ، قلت : فما لنا فيها ؟ قال ~~: لكم فيها خير ساعة ، من دعا فيها بخير هو له قسم أعطاه الله عز وجل أو ~~ليس من قسم أدخره ماهو أعظم أو يتعوذ من شر هو عليه مكتوب إلا أعاده الله ~~تعالى من أعظم منه وهو سيد الأيام عندنا ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد ، ~~قلت : ولم قال إن ربك عز وجل اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض فإذا ~~كان يوم الجمعة نزل من عليين على كرسيه وذكر الحديث قال فيه : ويتجلى لهم ~~حتى ينظروا إلى وجهه ذكرناه بتمامه في مسند الألف . وروي عنه صلى الله عليه ~~وسلم : خير يوم طلعت فيه الشمس ms0144 يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة ~~وفيه أهبط إلى الأرض وفيه تقوم الساعة وهو عند الله يوم المزيد كذلك تسمية ~~الملائكة في السماء وهو يوم النظر إلى الله عز وجل في الجنة في أخبار يطول ~~ذكرها ، وفي الحديث : ما من دابة إلا وهي قائمة على ساق يوم الجمعة مصيخة ~~أي مصغية تتوقع مشفقة من قيام الساعة إلا الشياطين شقي بني آدم ويقال : إن ~~الطير والهوام يلقى بعضها بعضا في يوم الجمعة فتقول سلام سلام يوم صالح ، ~~وفي الخبر أن الله عز وجل في كل يوم جمعة يعتق ستمائة ألف عتيق من النار ، ~~وفي حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا سلم يوم الجمعة سلم الأيام ~~، وقال كعب في الخبر : إن الله عز وجل فضل من كل شيء من خلقه شيئا ففضل من ~~البلدان مكة ومن الشهور رمضان ومن الأيام الجمعة ، وفي الخبر أن جهنم تسعر ~~في كل يوم قبل الزوال عند استواء الشمس في كبد السماء فلا تصلوا في هذه ~~الساعة إلا يوم الجمعة فإنه صلاة كله وإن جهنم لا تسعر فيه فأفضل مايعمله ~~العبد في يوم الجمعة البكور إلى الجامع في الساعة الأولى فإن لم يفعل ففي ~~الساعة الثانية فإن لم يفعل ففي الساعة الثالثة لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه ومن راح في ~~الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راج في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا ~~أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما أهدى دجاجة ومن راح في الساعة ~~الخامسة فكأنما PageV01P117 أهدى بيضة ، فإذا خرج الإمام طويت الصحف ورفعت ~~الأقلام واجتمعت الملائكة عند المنبر يسمعون الذكر ، فمن جاء بعد ذلك ~~فكأنما جاء لحق الصلاة وليس من الفضل في شيء فالساعة الأولى تكون بعد صلاة ~~الصبح والساعة الثانية تكون عند ارتفاع الشمس والثالثة تكون عند انبساطها ~~وهي الضحى الأعلى إذا رمضت الأقدام بحر الشمس والساعة الرابعة تكون قبل ~~الزوال والساعة الخامسة إذا زالت الشمس ms0145 أو مع استوائها وليس الساعة الرابعة ~~والخامسة مستحبتين للبكور ولا فضل لمصلي الجمعة بعد الساعة الخامسة لأن ~~الإمام يخرج في آخرها فلا يبقى إلا فريضة الجمعة ، ويقال : إن الناس يكونون ~~في قربهم من الله عز وجل عند الزيارة للنظر إليه تعالى على قدر بكورهم إلى ~~الجمعة ، ودخل ابن مسعود يوم الجمعة بكرة فرأى ثلاثة نفر وقد سبقوه بالبكور ~~فوجم لذلك وجعل يقول : رابع أربعة يعني نفسه وما رابع أربعة من الله ببعيد ~~وهذا من اليقين في هذه المشاهدة للخبر ، وقد جاء في الأثران : الملائكة ~~يفتقدون العبد إذا تأخر عن وقته يوم الجمعة فيسأل بعضهم بعضا عنه مافعل ~~فلان وما الذي أخره عن وقته فيقولون : اللهم إن كان أخره فقره فاغنه وإن ~~كان أخره مرض فاشفه وإن كان أخره شغل عنه ففرغه لعبادتك وإن كان أخره لهو ~~فأقبل بقلبه على طاعتك ولا تقعد إلى القصاص يوم الجمعة فقد كره ذلك ولا في ~~حلقة قبل الصلاة . وروينا في خبر مقطوع عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث ~~لو يعلم الناس ما فيهن لركضوا الإبل في طلبهن : الأذان ، والصف الأول ، ~~والغدو إلى الجمعة ، قال أحمد بن حنبل وقد ذكر هذا الحديث أفضلهن الغدو إلى ~~الجمعة ، وقد يروى في خبر آخر إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب ~~المسجد بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب يكتبون الأول فالأول على مراتبهم ~~. وروينا في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التحلق يوم الجمعة ~~قبل الصلاة الا أن يكون عالما بالله تعالى ، يذكر بأيام الله عز وجل ويفقه ~~في دين الله عز وجل ، يتكلم في الجامع بالغداة فيجلس إليه فيكون جامعا بين ~~البكور إلى الجمعة والإستماع إلى العلم ولا يدع الغسل لها يوم الجمعة إلا ~~من ضرورة فإنه عند بعض العلماء فرض والاغتسال في البيت أفضل . وروينا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : غسل الجمعة واجب على كل محتلم ، والمشهور ~~من حديث نافع عن ابن عمر : من أتى الجمعة فليغتسل ms0146 وكان أهل المدينة يتسابون ~~بينهم فيقولون لأنت شر ممن لا يغتسل يوم الجمعة ، وقد قال عمر لعثمان رضي ~~الله عنهما لما دخل وهو يخطب : أهذه الساعة فقال : مازدت بعد أن سمعت ~~الأذان أن توضأت وخرجت ، فقال عمر : والوضوء أيضا ، وقد علمت أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يأمر الغسل ولكن في ترك بالغسل رخصة لوضوء عثمان مع ~~علمه ويسند ذلك إلى الخبر المسند من PageV01P118 توضأ يوم الجمعة فيها ~~ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل . وروينا عن الصحابة : أمرنا بالغسل يوم ~~الجمعة فلما جاء الشتاء كان من شاء اغتسل ومن لم يشأ ترك الغسل ، وقد روينا ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من شهد الجمعة من الرجال والنساء ~~فليغتسل فلذلك قال مالك بن أنس إن النساء إذا حضرن الجمعة اغتسلن له ومن ~~اغتسل من جنابة أجزأه لغسل الجمعة إذا نوى ولا بد من النية لغسل الجنابة ~~لأجل الجمعة فهو أفضل ، ويكون الغسل للجمعة داخلا فيه ، فإذا أفاض عليه ~~الماء ثانية بعد غسله للجنابة لأجل الجمعة فهو أفضل دخل بعض الصحابة على ~~ابنه يوم الجمعة وهو يغتسل فقال : للجمعة غسلك هذا ؟ قال : لا بل من ~~الجنابة ، قال : فأعد غسلا ثانيا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول : واجب على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة ، ومن اغتسل بعد طلوع الفجر ~~أجزأه ولكن أفضل الغسل لها عند الرواح إلى الجامع وأحب أن لايحدث وضوءا بعد ~~الغسل حتى يفرغ من صلاة الجمعة فمن العلماء من كره ذلك ولكن إن بكر إلى ~~الجامع فتوضأ هناك من حدث لحقه لامتداد الوقت فإنه على غسل الجمعة ويستحب ~~أن يستاك وأن يلبس من صالح ثيابه ويجتنب الشهرة من الثياب ومن أفضل ما لبس ~~البياض أو بردين يمانيين ولبس السواد يوم الجمعة ليس من السنة ولا من الفضل ~~أن ينظر إلى لابسه وليقلم أظفاره ويأخذ من شاربه فقد روي فضل ذلك من فعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أمره . وقد روينا عن ابن ms0147 مسعود وغيره من ~~قلم أظفاره يوم الجمعة أخرج الله عز وجل منها داء وأدخل شفاء وليتطيب ~~بالطيب طيبه مما ظهر ريحه وخفي لونه فذلك طيب الرجال وطيب النساء مما ظهر ~~لونه وخفي ريحه ، روينا ذلك في الأثر وتستحب العمامة يوم الجمعة ، وقد ~~روينا فيها حديثا شاذا عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: إن الله عز وجل وملائكته يصلون على أصحاب العمائم يوم الجمعة فإن أكربه ~~الحر فلا بأس أن ينزعها قبل الصلاة وبعدها ولكن يخرج من منزله إلى الجامع ~~وهو لابسها ولا يصلي إلا معتما بها لتحصل له فضيلة العمة ، فإن نزعها ~~فليلبسها حينئذ عند صعود الإمام المنبر ثم ليصل وهي عليه فإن شاء نزعها بعد ~~ذلك وليخرج إلى الله عز وجل خاشعا متواضعا ذا سكينة ووقار وإخبات وافتقار ~~وليكثر من الدعاء والاستغفار وينوي في خروجه زيارة مولاه في بيته والتقرب ~~إليه بأداء فريضته والعكوف في المسجد إلى حيث انقلابه ثم لينو كف جوارحه عن ~~اللهو واللغو ويتق الشغل حين يخدم مولاه وليترك راحته في ذلك اليوم في ~~مهناه من عاجل حظ دنياه وليواصل الأوراد فيه فيجعل أوله إلى انقضاء صلاة ~~الجمعة للخدمة بالصلاة وأوسطه إلى صلاة العصر لاستماع العلم ومجالس الذكر ~~وآخره إلى غروب الشمس للتسبيح والاستغفار ، فكذلك كان المتقدمون يقسمون يوم ~~الجمعة هذه الأقسام الثلاثة وإن صامه فحسن يضم إليه يوم الخميس أو يضيف ~~إليه يوم السبت وقد PageV01P119 كره إفراده بصوم ومن لم يصمه وكان أهل ~~فالمستحب أن يجامع فيه فقد روي فضل ذلك وكان بعض السلف يفعله . وقد روينا ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من غسل واغتسل وغدا وبكر ودنا من الإمام ~~ولم يلغ كان له بكل خطوة صيام سنة وقيامها ، وفي خبر آخر : ودنا من الإمام ~~واستمع كان له ذلك كفارة لما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام ، وفي لفظ آخر ~~: غفر له إلى الجمعة الأخرى وقد اشترط في بعضها ولم يتخط رقاب الناس ، ~~فمعنى قوله : من غسل بالتشديد أي ms0148 غسل أهله كناية عن الجماع ، وبعض الرواة ~~يخففه فيقول : غسل واغتسل فيكون معناه غسل رأسه واغتسل لجسده وليتق أن ~~يتخطى رقاب الناس فإن ذلك مكروه جدا وقد جاء فيه وعيد شديد إن من فعل ذلك ~~جعل جسرا يوم القيامة على جهنم تتخطاه الناس وقال ابن جريج حديثا مرسلا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ رأى رجلا يتخطى رقاب ~~الناس حتى تقدم وجلس فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته عارض الرجل ~~حتى لقيه فقال يافلان مامنعك أن تجمع اليوم معنا ؟ فقال : يانبي الله قد ~~جمعت فقال : أو لم أرك تتخطى رقاب الناس ؟ وفي حديث مسند أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال له : مامنعك أن تصلي معنا الجمعة ؟ فقال : أو لم ترني ؟ قال ~~: قد رأيتك تأنيت وآذيت ، أي تأخرت عن البكور وآذيت بالحضور ، ولا يقعد إلى ~~القصاص في يوم الجمعة فقد كره ذلك ولا في حلقة قبل الصلاة . فقد روى عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمران أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة إلا أن يكون عالما بالله عز وجل يذكر ~~بأيام الله ويفقه في الدين يتكلم في الجامع بالغداة فيجلس إليه فيكون جامعا ~~بين البكور إلى الجمعة وبين الاستماع إلى العلم ، وقد روينا عن بعض علماء ~~السلف قال : إن الله تعالى فضلا من الرزق سوى أرزاق العباد لا يعطي من ذلك ~~الفضل إلا من سأله عشية الخميس ويوم الجمعة ، وفي الخبر المشهور : أن في ~~الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله عز وجل فيها شيئا إلا أعطاه ، ~~وفي لفظ آخر لا يصادفها عبد يصلي ، واختلف في وقت هذه الساعة فقيل : إنها ~~عند طلوع الشمس ، وقيل : إذا قام الناس إلى الصلاة ، وقيل عند الزوال ، ~~ويقال : مع الأذان ، وقيل : هي إذا صعد الإمام المنبر وأخذ في الذكر ، وقيل ~~: بعد العصر من آخر أوقاتها ، وقيل : عند غروب الشمس إذا تدلى حاجبها ~~الأسفل ms0149 ، كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تراعي ذلك الوقت ~~وتأمر خادمها أن ينظر إلى الشمس فيؤذنها بسقوطها فتأخذ في الدعاء ~~والاستغفار في ذلك الوقت إلى أن تغرب الشمس وتخبر أن تلك الساعة هي ~~المنتظرة وتؤثره عن أبيها صلى الله عليه وسلم فهذا جمل ماقيل في هذه الساعة ~~بروايات جاءت في ذلك متفرقة حذفنا ذكرها للاختصار فليتوخ هذه الأوقات ~~وليتعهد الدعاء فيها والصلاة فيما صلح منها . وقد قال بعض العلماء إن هذه ~~الساعة مبهمة في جميع اليوم لا يعلمها إلا الله عز PageV01P120 وجل كأنها ~~بمنزلة ليلة القدر مبهمة في جميع شهر رمضان وكأنها مثل الصلاة الوسطى في ~~جملة الصلوات الخمس ، وقد قيل : إنها تنتقل في ساعات يوم الجمعة كتنقل ليلة ~~القدر عند بعضهم في ليالي الشهر ، ذلك ليكون العبد طالبا إلى الله عز وجل ~~وراغبا متضرعا مفتقرا في جميع ذلك اليوم ، فمن واصل الأوراد فيه وعمر ~~بالذكر كل ساعة صادفها بإذن الله عز وجل فإن لم يواصل الساعة في يوم واحد ~~فليواصلها في جمع شتى وقتا على وقت على ترتيب أوقات يوم فإنها تقع في جميع ~~الأوقات لا محالة وليكثر الدعاء والتضرع وفي وقتين خاصة عند صعود الإمام ~~المنبر إلى أن تقام الصلاة ويدخل فيها وعند آخر ساعة وقت تدلي الشمس للغروب ~~، فهذان الوقتان من أفضل أوقات الجمعة ويقوي في نفسي أن في أحدهما الساعة ~~المرجوة ، وقد اجتمع كعب الأحبار مع أبي هريرة واجتمع رأي كعب أنها في آخر ~~ساعة من يوم الجمعة ، فقال أبو هريرة : كيف تكون آخر ساعة وقد سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول : لايوافقها عبد يصلي ولات حين صلاة ، فقال كعب : ~~ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قعد ينتظر الصلاة فهو في صلاة ، ~~قال : بلى ، قال : فذاك صلاة ، فسكت أبو هريرة فكأنه وافقه وليكثر من ~~الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة وليلتها وأقل ذلك أن ~~يصلي عليه صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة مرة . وقد جاء في ms0150 الخبر من صلى علي ~~في يوم الجمعة ثمانين مرة غفر الله له ذنوب ثمانين سنة ، قيل : يارسول الله ~~كيف الصلاة عليك ؟ قال : تقول اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي ~~الأمي وتعقدها واحدة فكيف ما صلى عليه بعد أن يأتي بلفظ ذكر الصلاة عليه ~~فهي صلاة ، والصلاة المشهورة هي التي رويت في التشهد وإن جعل من صلاته عليه ~~أن يقول : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد صلاة تكون لك رضاء ولحقه أداء ~~وأعطه الوسيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته وأجزه عنا ماهو أهله وأجزه ~~أفضل ماجزيت نبيا عن أمته وصل على جميع إخوانه من النبيين والصالحين ياأرحم ~~الراحمين . تقول هذا سبع مرات ، ففي هذا فضل عظيم ويقال : من قاله سبع جمع ~~في كل جمعة سبعة مرات وجبت له شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن زاد ~~هذه الصلاة فهي مأثورة : اللهم اجعل فضائل صلواتك وشرائف زكواتك ونوامي ~~بركاتك ورأفتك ورحمتك وتحيتك على محمد سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم ~~النبيين ورسول رب العالمين قائد الخير وفاتح البر ونبي الرحمة وسيد الأمة ، ~~اللهم ابعثه مقاما محمودا تزلف به قربه وتقربه عينه يغبطه به الأولون ~~والآخرون ، اللهم أعطه الفضل والفضيلة والشرف والوسيلة والدرجة الرفيعة ~~والمنزلة الشامخة المنيفة ، اللهم أعط محمدا سؤله وبلغه مأموله واجعله أول ~~شافع وأول مشفع ، اللهم عظم برهانه وثقل ميزانه وأبلج حجته وارفع في أعلى ~~المقربين درجته ، اللهم احشرنا في زمرته واجعلنا من أهل شفاعته وأحينا على ~~سنته وتوفنا على ملته وأوردنا PageV01P121 حوضه واسقنا بكأسه غير خزايا ~~ولانادمين ولاشاكين ولا مبدلين ولافتانين ولا مفتونين آمين ، رب العالمين ، ~~وليكثر من الاستغفار يوم الجمعة وليلتها وأي لفظ ذكر فيه سؤال المغفرة فهو ~~مستغفر ، وإن قال : اللهم اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم فهو أفضل ~~، وإن قال : رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت خير الراحمين فحسن ، ~~واستحب له أن يقرأ ختمة يوم الجمعة ، فإن ضاق عليه ذلك فليشفع إليه ليلتها ~~ليكون ابتداؤه من ليلة الجمعة ، وإن جعل ms0151 ختمه للقرآن في ركعتي الفجر من يوم ~~الجمعة أو في ركعتي المغرب ليلة الجمعة فحسن ، ليستوعب بذلك كله اليوم ~~والليلة ، وإن جعل ختمه بين الأذان للجمعة والإقامة للصلاة ففيه عظيم ، ~~ويستحب أن يصلي قبل الجمعة اثنتي عشرة ركعة وبعدها ست ركعات ، وإذا دخل ~~الجامع فليصل أربع ركعات يقرأ فيهن : قل هو الله أحد مائتي مرة في كل ركعة ~~خمسين مرة ففيه أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله لم يمت حتى ~~يرى مقعده من الجنة أو يرى له ، وإذا دخل الجامع فلا يقعدن حتى يصلي ركعتين ~~قبل أن يجلس وكذلك إن دخل والإمام يخطب صلاهما خفيفتين وإن سمعه لأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بذلك لأنه قد جاء في حديث غريب أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سكت له حتى صلاهما فقال الكوفيون إن سكت له الإمام صلاهما ، ولعل سكوت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوص له لوجوب قوله ، وروى ابن جريج عن عطاء ~~عن ابن عباس وأبي هريرة قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ ~~سورة الكهف ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أعطي نورا من حيث يقرأها إلى مكة ~~وغفر له إلى الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام وصلى عليه سبعون ألف ملك حتى ~~يصبح وعوفي من الداء والدبيلة وذات الجنب والبرص والجذام وفتنة الدجال ، ~~واستحب أن يصلي يوم الجمعة أربع ركعات بأربع سور سورة الأنعام ، وسورة ~~الكهف ، وسورة طه ، وسورة يس ، فإن لم يحسن ذلك قرأ سورة يس وسجدة لقمان ~~وسورة الدخان وسورة الملك ولا يدع قراءة الأربع سور في كل ليلة جمعة ففي ~~ذلك أثر وفضل كبير فإن لم يحسن جميع القرآن قرأ ما يحسن منه فذلك له ختمة ~~فقيل ختمة من حيث علمه ، وقد كان العابدون يستحبون أن يقرؤوا يوم الجمعة ~~ألف مرة : قل هو الله أحد ، فإن قرأها في عشر ركعات أو عشرين فهو أفضل من ~~ختمة ، وقد كانوا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ألف مرة ، ومن ms0152 ~~التسبيح والتهليل بالكلمات الأربع ألف مرة وهذه ثلاثة أوراد حسنة في يوم ~~الجمعة أعني قراءة : قل هو الله أحد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~والتسبيح والتهليل ألفا ألفا فلا يدعن ذلك من رزقها أو أحدها فإنه من أفضل ~~الأعمال في هذا اليوم وإن صلى يوم الجمعة قبل الزوال صلاة التسبيح وهي ~~ثلاثمائة تسبيحة في أربع ركعات فقد أكثر وأطاب . وقد روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : صلها في كل جمعة مرة ، و ذكر أبو الجوزاء ~~PageV01P122 عن ابن عباس أنه لم يكن يدع هذه الصلاة كل يوم بعد الزوال ~~وأخبر عن فضلها ما يجل وصفه ، وإن قرأ المسبحات الست في يوم الجمعة أو ~~ليلتها ، فحسن ، وليس يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ السور ~~بأعيانها إلا يوم الجمعة وليلتها ، فإنا روينا أنه كان يقرأ في صلاة المغرب ~~ليلة الجمعة : قل يا أيها الكافرون ، وقل هو الله أحد وكان يقرأ في صلاة ~~العشاء الآخرة ليلة الجمعة وسورة المنافقين ، وقد روي أنه كان يقرأ بهاتين ~~السورتين في صلاة الجمعة وكان يقرأ في صلاة الغداة يوم الجمعة بسورة سجدة ~~لقمان وسورة هل أتى على الإنسان واستماعه إلى علم اليقين والمعرفة وحضور ~~مجالس الذكر أفضل من صلاته وصلاته أفضل من حضوره مجالس القصاص وروينا في ~~حديث أبي ذر حضور مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة وفي خبر آخر لأن يتعلم ~~أحدكم بابا من العلم أو يعلمه خير له من صلاة ألف ركعة وفي خبر قيل : يا ~~رسول الله ومن قراءة القرآن فقال : وهل ينفع القرآن إلا بعلم والصلاة إذا ~~عدم مجلس العلم بالله والتفقه في دين اللهه عز وجل أزكى من حضور مجلس القصص ~~ومن الاستماع إلى القصاص فإن القصص كان عندهم بدعة وكانوا يخرجون القصاص من ~~الجامع ، روي أن ابن عمر جاء ذات يوم إلى مجلسه في المسجد فإذا قصاص يقص ~~فقال له : قم من مجلسي فقال لاأقوم وقد جلست فيه أو قال : قد سبقتك ms0153 إليه ~~قال : فأرسل ابن عمر إلى صاحب الشرطة فأقامه فلو كان ذلك من السنة لما حل ~~لابن عمر أن يقيمه من مجلسه سيما وقد سبقه إلى الموضع كيف وهو الذي روى عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقيم أحدكم أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه ~~ولكن تفسحوا وتوسعوا قال : فكان ابن عمر إذا قام له الرجل من مجلسه لم يجلس ~~فيه حتى يعود إليه . وروينا ثم يجلس فيه وقد روينا أن قاصا كان يجلس بفناء ~~حجرة عائشة يقص فأرسلت إلى ابن عمر أن هذا قد آذاني بقصصه وشغلني عن سبحتي ~~قال : فضربه ابن عمر حتى كسر عصا على ظهره ثم طرده وليحذر أن يمر بين يدي ~~المصلي وإن كان مروره لا يقطع الصلاة ففي الخبر لأن يقف أربعين سنة خير له ~~من أن يمر بين يدي المصلي وقد جاء فيه وعيد شديد لأن يكون الرجل رمادا ~~تذروه الرياح خير له من أن يمر بين يدي المصلي وقد سوى في ذلك بين المار ~~والمصلي في الوعيد ففي حديث زيد بن خالد الجهني قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلي ما عليهما في ذلك لكان ~~أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه PageV01P123 وليدن المصلي من ~~اسطوانة أو جدار فإذا فعل ذلك فلا يدعن أحدا أن يمر بين يديه وليدفعه ما ~~استطاع ، وفي حديث عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال فإن أبى ~~فليقاتله فإنما هو شيطان ، وكان أبو سعيد يدفع من يمر بين يديه حتى يصرعه ~~فربما تعلق به الرجل فاستعدى عليه مروان فيخبره أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمره بذلك فإن لم يتفق له اسطوانة فليجعل شيئا بين يديه يكون طوله عظم ~~الذراع ، وقد قيل : إن كان حبلا ممدودا فحاجز بينه وبين المارة ، وقد قيل ~~أربع من الجفاء : أن يبول الرجل قائما ، أو يصلي في الصف الثاني ويترك ~~الأول فارغا ، أو يمسح جبهته في صلاته ، أو ms0154 يصلي بسبيل من يمر بين يديه ، ~~وقد كان الحسن يقول : تخطوا رقاب الذين يقعدون على أبواب الجامع يوم الجمعة ~~فإنه لا حرمة لهم وليقرب من الإمام وينصت ويسمع ويستقبله بوجهه كذلك السنة ~~إلا أن يخاف أن يسمع أو يرى منكرا من لبس نقش سواد أو حرير أوديباج أو جميل ~~سلاح ثقيل ولا يستطيع تغييره ليبعد حينئذ فهو أسلم ولا يلغو ولا يتكم في ~~خطبة الإمام وإن بعد ولايجلس في حلقة من يتكلم والإمام يخطب ولا يقول لآخر ~~اسكت ولكن يومئ إليه إيماء أو يحصبه بحصاة فإن لغا والإمام يخطب بطلت جمعته ~~ولا يتكلم في العلم في خطبة الإمام ومن لم يقرب من الإمام ولم يستمع فلينصت ~~وإن بعد كذلك المستحب . وقد روينا عن عثمان وعلي رضوان الله عليهما : من ~~استمع وأنصت فله أجران ومن لم يستمع وأنصت فله أجر ومن سمع ولغا فعليه ~~وزران ومن لم يستمع ولغا فعليه وزر واحد ، وفي حديث أبي ذر لما سأل أبيا ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال : متى أنزلت هذه السورة فأومأ إليه أن ~~اسكت ، فلما نزل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبي : اذهب فلا جمعة لك ~~، فشكاه أبو ذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : صدق أبي ، وكذلك جاء ~~في الخبر : من قال لصاحبه والإمام يخطب أنصت أومه فقد لغا ومن لغا والإمام ~~يخطب فلا جمعة له وليقطع الصلاة إذا قام المؤذنون للأذان بين يدي الإمام . ~~فقد روى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضوان الله عليهم : تكره الصلاة في ~~أربع ساعات ، بعد الفجر ، وبعد العصر ، ونصف النهار ، والصلاة والإمام يخطب ~~، وقد جاء في الأثر خروج الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام وسجود ~~العامة عند قيام المؤذنين للأذان قبل الخطبة ليس بسنة فإن وافق ذلك سجوده ~~في صلاته أو سجود قرآن فلا بأس أن يمتد في الدعاء إلى فراغهم لأنه وقت مفضل ~~ولا أعرف في ذلك أثرا غير أنه مباح ، ومن العلماء من كره الصلاة في ~~المقصورة لأجل ms0155 أنها قصرت على السلطان وأوليائه وذلك بدعة عند أهل الورع ~~ابتدعت في المساجد لأنها غير مطلقة لجملة الناس ، فلذلك نقل في الخبر : كان ~~الحسن وبكر المزني لا يصليان في المقصورة . وروي : رأيت أنس بن مالك يصلي ~~في المقصورة وعمران بن حصين أيضا ومنهم من لم يكره ذلك ورأيت فيه فضلا لأجل ~~السنة في الدنو من الإمام واستماع الذكر فإن PageV01P124 أطلقت للعامة زالت ~~الكراهة عنها وإن خص بها أولياء السلطان تركت عليهم فإن صلى سبعا يصلي فيها ~~فإن بعض العلماء كره الصلاة في فناء المنبر من قبل أن المنبر يقطع الصفوف ~~وكان عندهم أن تقدمة الصفوف إلى فناء المنبر بدعة وكان الثوري يقول : الصف ~~الأول : هو الخارج من بين يدي المنبر ومن خشي الفتنة والآفة في قربه من ~~الإمام بأن يسمع ما يجب عليه إنكاره أو يرى ما يلزم الأمر فيه أو النهي عنه ~~من لبس حرير أو لبس ديباج أو الصلاة في السلاح الثقيل للشغل كان بعده من ~~الصفوف المقدمة أصلح لقلبه وأجمع لهمه لقلة ملاقاة الناس ولترك النظر إليهم ~~، فالأصلح للقلب والأجمع للهم هو الأفضل حينئذ وقد كان جماعة من العلماء ~~والعباد يصلون في أواخر الصفوف إيثارا للسلامة وقيل لبشر بن الحرث : نراك ~~تبكر يوم الجمعة وتصلي في أواخر الصفوف فقال : يا هذا إنما نريد قرب القلوب ~~لا قرب الأجساد ، ونظر سفيان الثوري إلى شعيب بن حرب عند المنبر يستمع إلى ~~خطبة أبي جعفر فلما جاءه بعد الصلاة قال : شغل قلبي قربك من هذا هل أمنت أن ~~تسمع كلاما يجب عليك إنكاره فلا تقوم به ثم ذكر ما أحدثوا من لبس السواد ~~قلت : يا أبا عبد الله أليس في الخبر إذن واستمع فقال ويحك ذاك للخلفاء ~~الراشدين المهديين فأما هؤلاء فكلما بعدت عنهم ولم تنظر إليهم كان أقرب لك ~~إلى الله عز وجل . وقد روينا عن أبي الدرداء فضيلة في الصف المؤخر قال سعيد ~~بن عامر صليت إلى جنبه فجعل يتأخر في الصفوف حتى كنا في آخر صف فلما ms0156 صلينا ~~قلت له أليس يقال خيرا الصفوف أولها قال : نعم إلا أن هذه أمة مرحومة منظور ~~إليها من بين الأمم وإن الله عز وجل إذا نظر إلى عبد منهم في الصلاة غفر ~~لمن وراءه من الناس فإنما تأخرت رجاء أن تغفر لي بواحد منهم ينظر الله إليه ~~وقد رفعه بعض الرواة أن أبا الدرداء سمع النبي صلى الله عليه وسلم : يقول ~~ذلك : والصدقة مستحبة مفضلة يوم الجمعة خاصة فإنها تضاعف إلا على من سأل ~~والإمام يخطب وكان يتكلم في كلام الإمام فهذا مكروه قال صالح بن أحمد : سأل ~~مسكين يوم الجمعة والإمام يخطب وكان بجنب أبي فأعطاه رجل قطعة ولم يعرفه ~~ليناوله إياها فلم يأخذها منه أبي وقال ابن مسعود : إذا سأل الرجل في ~~المسجد فقد استحق أن لا يعطى وإذا سأل على القرآن فلا تعطوه ، ومن العلماء ~~من كره الصدقة على سؤال الجامع الذين يتخطون رقاب الناس إلا أن يسأل قائما ~~من غير أن يتخطى المسلمين أو قاعدا في مكان . وروينا عن كعب الأحبار : من ~~شهد الجمعة ثم انصرف يتصدق بشيئين مختلفين من الصدقة ثم رجع فركع ركعتين ~~يتم ركوعهما وخشوعهما وسجودهما ثم يقول : اللهم إني أسألك باسمك بسم الله ~~الرحمن الرحيم وباسمك الذي لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولانوم ~~لم يسأل الله عز وجل شيئا إلا أعطاه ، وقد روينا عن بعض السلف على غير هذا ~~الوصف قال : من أطعم مسكينا في يوم PageV01P125 الجمعة ثم غدا وابتكر ولم ~~يؤذ أحدا ثم قال حين يسلم الإمام اللهم إني أسألك ببسم الله الرحمن الرحيم ~~الحي القيوم أن تغفر لي وترحمني وأن تعافيني من النار ثم دعا بما بدا له ~~استجيب له وإن سمع قراءة الإمام لم يقرأ في صلاته إلا سورة الحمد لا غير ~~وإن لم يسمع قراءته قرأ سورة مع الحمد إن أحب فأما من سمع قراءة الإمام ~~وقرأ معه سورة الجمعة أو غيرها من السور فقد خالف الأمة وعصى رسولا صلى ~~الله عليه وسلم ولا ms0157 أعلمه مذهب أحد من المسلمين فإذا سلم من صلاة الجمعة ~~قرأ وهو ثان رجله قبل أن يتكلم الحمد سبع مرات وقل هو الله أحد سبعا ~~والمعوذتين سبعا سبعا ، ففي ذلك أثر عن بعض السلف أن من فعله عصم من الجمعة ~~إلى الجمعة وكان ذلك حرزا له من الشيطان واستحب له أن يقول بعد صلاة الجمعة ~~: اللهم يا غني ، ياحميد ، يا مبدئ ، يا معيد ، يا رحيم ، ياودود ، أغنني ~~بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك ، يقال : من داوم علي هذا الدعاء أغناه ~~الله عز وجل عن خلقه ورزقه من حيث لا يحتسب ، وقد روي ابن عمر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين ، وروى أبو هريرة أنه كان يصلي ~~بعدها أربعا ، وروى علي وعبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يصلي بعدها ستا فإذا صلى العبد ست ركعات فقد استوعب جميع الروايات ~~وأكره شراء الماء في المسجد للشرب أو لتسبيله لئلا يكون مبتاعا في المسجد ~~فقد كره الشراء والبيع في المسجد فإن بايعه أو دفع إليه القطعة خارجا من ~~المسجد وشرب أو سبل في المسجد فلا بأس وقد جاء عن بعض السلف أنه كره الصلاة ~~في رحاب الجامع عن بعض الصحابة أنه كان يضرب الناس ويقيمهم من الرحاب ويقول ~~: لا تجوز الصلاة في الرحاب فهذا عندي على ضربين وهو أن الصلاة في رحاب ~~الجامع الزوائد فيه المتصلة بالصفوف المحيط بها حائط الجامع الأعظم كالصلاة ~~في وسطه غير مكروهة ، والصلاة في رحابه المتفرقة في أفنيته التي هي من وراء ~~جدر الجامع كله مكروهة ، و كذلك الصلاة في الطرقات المنفردة عن الجامع غير ~~المتصلة بالصفوف لحجز طريق أو بعد مكان فلا يجوز ، وهذا الذي كرهه من كان ~~ينهي عن الصلاة فيه ، فإذا صلى الجمعة انتشر في أرض الله عز وجل يطلب من ~~فضل الله عز وجل ومن الفضل طلب العلم واستماعه ، ويقال : هو مزيد يوم ~~الجمعة للعالم والمتعلم ، قال الله عز وجل : ( وعلمك ما لم ms0158 تكن تعلم وكان ~~فضل الله عليك عظيما ) النساء : 311 قال الله تعالى ( ولقد آتينا داود منا ~~فضلا ) سبأ : 01 ، يعني بدليل نظيرها من الآية الأخرى في قوله تعالى : ( ~~ولقد آتينا داود و سليمان علما وقالا الجمد لله الذي فضلنا ) النمل : 15 . ~~وروينا عن أنس بن مالك في قوله عز وجل : ( فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في ~~الأرض وابتغوا من فضل الله ) الجمعة : 01 ، قال أما أنه ليس بطلب دنيا ~~ولكنه عيادة مريض PageV01P126 وشهود جنازة وتعلم علم وزيارة أخ في الله عز ~~وجل فإن الذكر بالعلم وتعليم الناس إياه والتذكير بالله عز وجل والدعوة ~~إليه في يوم الجمعة له فضل على سائر الأيام لأنه يوم المزيد ، فللقلوب فيه ~~إقبال وتحديد ، وكذلك السعي إليه والاستماع له وحضور مجالس الذكر يوم ~~الجمعة لا مجالس القصاص أفضل من سائر الأيام ، والمستمع شريك القائل في ~~الأجر وقد قيل إنه أقرب للرحمة وقد كره العلماء الجلوس إلى القصاص سيمايوم ~~الجمعة خاصة لأنهم يثبطون عن الغدو إلى الجامع في الساعة الأولى والثانية ~~لأن الكتاب ورد بالفضل فيهما ، فمن اتفق له عالم بالله عز وجل يذكره به ~~ويدله عليه من علماء الآخرة الزاهدين في الدنيا يوم الجمعة غدوة في الجامع ~~أو بعد صلاة الجمعة جلس إليه واستمع منه وإن حضر مفت يتكلم بعلم الدين وكان ~~العبد محتاجا إلى ذلك وجالسه فهو الأفضل فإن مجالس العلماء في الجامع من ~~زين يوم الجمعة ومن تمام فضله . قال الحسن : الدنيا ظلمة إلا مجالس العماء ~~، فإن لم يتفق له ذلك أحيا ما بين الصلاتين وهو الورد الخامس من النهار ، ~~ويستحب صلاة العصر في الجامع إلا لسبب لا بد منه مانع ، وإن قعد إلى غروب ~~الشمس فهو أثوب للساعة المنتظرة من آخر النهار إذا أمن الفتنة والتصنع ~~والكلام فيما لا يعنيه ، ويقال : من صلى العصر في الجامع كان له ثواب حجة ~~ومن صلى المغرب كان له ثواب عمرة فإن خشي دخول الآفة عليه أو لم يأمن ~~التصنع والخوض فيما لا يعنيه انصرف إلى منزله ms0159 ذاكرا لله عز وجل مفكرا في ~~آلائه وحسن نعمائه فراعى غروب الشمس بالأذكار والتسبيح والاستغفار في منزله ~~أو مسجد حيه فذلك حينئذ أفضل له ، وقال بعض السلف : أوفر الناس نصيبا يوم ~~الجمعة من راعاها وانتظرها من الأمس وأخس الناس منها نصيبا من يصبح يوم ~~الجمعة فيقول : أيش اليوم وقد كان بعضهم يبيت ليلة الجمعة في الجامع لأجل ~~صلاة الجمعة ومنهم من كان يبيت ليلة السبت في الجامع لمزيد الجمعة وكثير من ~~السلف من كان يصلي الغداة يوم الجمعة في الجامع ويقعد ينتظر صلاة الجمعة ~~لأجل البكور ليستوعب فضل الساعة الأولى ولأجل ختم القرآن وعامة المؤمنين ~~كانوا ينحرفون من صلاة الغداة في مساجدهم فيتوجهون إلى جوامعهم ويقال : أول ~~بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجوامع . قال : وكنت ترى يوم الجمعة ~~سحرا وبعد صلاة الفجر الطرقات مملوءة من الناس يمشون في السرج يزدحمون فيها ~~إلى الجامع كما ترون اليوم في الأعياد حتى درس ذلك وقل وجهل وترك أولا ~~يستحي المؤمن أن أهل الذمة يبكرون إلى كنائسهم وبيعهم قبل خروجه إلى جامعه ~~أولا يعتبر بأهل الأطعمة المباعة في رحاب الجامع أنهم يغدون إلى الدنيا ~~والناس قبل غدوه هو إلى الله تعالى وإلى الآخرة فينبغي أن يسابقهم إلى ~~مولاه PageV01P127 ويسارعهم إلى ماعنده من زلفاه ، ويجب أن يكون للمؤمن يوم ~~الجمعة مزيد في الأوراد والأعمال وليتفرغ فيه لربه عز وجل ويجعله يوم آخر ~~إن لم يكن له يوم السبت فيوم الجمعة في الأوراد المتصلة والمزيد من الأذكار ~~على المعلوم منها فلا يكون الجمعة كالسبت في تجارة الدنيا والشغل بأسبابها ~~وأكره له التأهب ليوم الجمعة في باب الدنيا من يوم الخميس من إعداد المأكول ~~والترفه من النعمة والأكل والشرب ، فقد روينا حديثا من طريق أهل البيت فيه ~~نظر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يأتي على أمتي زمان يتأهبون لجمعتهم ~~في أمر دنياهم عشية الخميس كما يتأهب اليهود لسبتها عشية الجمعة وإنما كان ~~المؤمنون يتأهبون فيه للآخرة بالأوراد الحسنة يزدادون من الأوراد المتصلة ، ~~وقد ms0160 كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول : من أخذ مهنأه من الدنيا في هذه ~~الأيام لم ينل مهنأه في الآخرة منها يوم الجمعة وقال أيضا : يوم الجمعة من ~~الآخرة ليس هو من الدنيا ، وقال بعضهم : لولا يوم الجمعة ما أحببت البقاء ~~في الدنيا فهو عند الخصوص يوم العلوم والأنوار ويوم الخدمة والأذكار لأنه ~~عند الله عز وجل يوم المزيد بالنظر إليه في المزار . وروينا حديثا غريبا عن ~~ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوا أشغالكم يوم ~~الجمعة فإنه يوم صلاة وتهجد . وروينا عن جعفر الصادق قال : يوم الجمعة لله ~~عز وجل ليس فيه سفر ، قال الله تعالى : ( وابتغوا من فضل الله ) الجمعة : ~~10 وما ذكرناه من الصلاة والسور المقروءة والصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وجميع الذكر في يوم الجمعة فإنه يستحب في ليلتها وهي من أفضل الليالي ~~فلا يدعن ذلك من وجد إليه سبيلا ، فإن للصادق المريد في كل وقت مفضل من ~~الله عز وجل مزيدا فإذا أحب الله تعالى عبدا استعمله في الأوقات الفاضلة ~~بفواضل الأعمال وإذا مقت عبدا استعمله في الأوقات المفضلة بسئ الأعمال ~~ليكون أوجع في عقابه وأشد لمقته لحرمانه بركة الوقت وانتهاكه حرمة الوقت ~~ومما يختص به يوم الجمعة من الذكر والتمجيد بالأسماء فصول أربعة : أولها : ~~الأربعون اسما التي دعا بها إدريس صلى الله عليه وسلم خصه الله تعالى بها ~~وذكر الحسن البصري أن موسى صلى الله عليه وسلم قد كان دعا بهن وأنها كانت ~~من دعاء محمد صلى الله عليه وسلم . والفصل الثاني : كان إبراهيم بن أدهم ~~الزاهد يدعو بها كل يوم جمعة عشر مرات إذا أصبح وإذا أمسى فكان ذلك من عمله ~~في يومه . والفصل الثالث : روينا عن علي رضي الله عنه رواه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يمجد نفسه في كل يوم وليلة . والفصل ~~الرابع : تسبيحات أبي المعمر وهو سليمان التيمي الذي كان رأى الشهيد ~~PageV01P128 بعد قتله في المنام فقيل له ms0161 : ما أفضل ما رأيت هناك من الأعمال ~~؟ فقال : رأيت تسبيحات أبي المعتمر من الله عز وجل بمكان ، فأما هذان ~~الفصلان من تمجيد الرب سبحانه وتعالى نفسه ، وتسبيحات أبي المعتمر فقد ~~ذكرناهما في أول الكتاب فيما اخترنا من الأدعية المختارة بعد صلاة الغداة ~~وقبل غروب الشمس في كل يوم فاستثقلنا إعادتها ههنا ، وأما الفصلان الآخران ~~فنحن ذاكروهما . # | ذكر دعاء إدريس النبي صلى الله عليه وسلم # حدثنا الحسن بن يحيى الشاهد : حدثنا القاسم بن داود القراطيسي حدثنا عبد ~~الله بن محمد القرشي حدثنا محمد بن سعيد المؤذن حدثنا سلام الطويل عن الحسن ~~البصري قال : لما بعث الله عز وجل إدريس إلى قومه علمه هذه الأسماء فأوحى ~~الله إليه : قلهن سرا في نفسك ولا تبدهن للقوم فيدعوني بهن ، قال : وبهن ~~دعا ، فرفعه الله عز وجل مكانا عليا ثم علمهن الله عز وجل موسى عليه السلام ~~ثم علمهن الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم وبهن دعا في غزوة الأحزاب ~~قال الحسن : وكنت مستخفيا من الحجاج فدعوت الله بهن فحبسه عني ولقد دخل علي ~~ست مرات فأدعو الله بهن فأخذ الله عز وجل بأبصارهم عني فادع الله عز وجل ~~بهن لالتماس المغفرة لجميع الذنوب ثم سل حاجتك من أمر آخرتك ودنياك فإنك ~~تعطاه إن شاء الله تعالى فإنهن أربعون اسما عدد أيام التوبة سبحانك لا إله ~~إلاأنت ، يا رب كل شيء ، ووارثه ، ورازقه ، وراحمه ، يا إله الآلهة ، ~~الرفيع جلاله ، يا الله المحمود في كل فعاله ، يا رحمن كل شيء وراحمه ، ~~ياحي حين لا حي في ديمومة ملكه وبقائه ، يا قيوم فلا يفوت شيء من علمه ~~ولايؤده ، ياواحد ، الباقي في أول كل شيء وآخره ، يا دائم فلا فناء ولا ~~زوال لملكه ، ياصمد من غير شبيه ولا شيء كمثله ، يا بارىء فلا شئ كفؤه ولا ~~مكان لوصفه ، يا كبير أنت الذي لا تهتدي القلوب لوصف عظمته ، يابارئ النفوس ~~بلامثال خلا من غيره ، يا زاكي الطاهر من كل آفة تقدسه ، يا كافي الموسع ~~لما خلق من ms0162 عطايا فضله ، يانقيا من كل جور لم يرضه ولم يخالطه فعاله ، ~~ياحنان أنت الذي وسعت كل شيء رحمة وعلما ، يا ذا الإحسان قد عم كل الخلائق ~~منه ، يا ديان العباد كل يقوم خاضعا لرهبته ، يا خالق من في السموات والأرض ~~وكل إليه معاده ، يا رحيم كل صريخ ومكروب وغياثه ومعاده ، يا تام فلاتصف ~~الألسن كل جلال ملكه وعزه ، يا مبدع البدائع لم يبلغ في إنشائها عونا من ~~خلقه ، يا علام الغيوب فلا يفوته شيء من خلقه ولا يؤده ، يا حليم ذا الأناة ~~فلا يعادله شيء من خلقه ، يا معيد ما أفناه إذا برز الخلائق لدعوته من ~~مخافته ، ياحميد الفعال ذا المن على جميع خلقه بلطفه ، يا عزيز المنيع ~~الغالب على أمره فلا شيء يعادله ، يا قاهر ذا البطش الشديد أنت الذي لا ~~يطاق انتقامه ، يا قريب المتعالي فوق كل شيء علو ارتفاعه ، يا مذل كل جبار ~~عنيد بقهر عزيز سلطانه ، يانور كل شيء وهداه ، أنت الذي فلق الظلمات بنوره ~~، PageV01P129 يا عالي الشامخ فوق كل شيء علو ارتفاعه ، يا قدوس الطاهر من ~~كل سوء فلا شيء يعادله من خلقه ، يا مبدئ البرايا ومعيدها بعد فنائها ~~بقدرته ، يا جليل المتكبر عن كل شيء فالعدل أمره والصدق وعده ، يا محمود ~~فلا تبلغ الأوهام كنه ثنائه ومجده ، ياكريم العفو ذا العدل أنت الذي ملأ كل ~~شيء عدله ، يا عظيم ذا الثناء الفاخر وذا العز والمجد والكبرياء فلا يذل ~~عزه ، يا عجيب فلا تنطق الألسن بكنه آلائه وثنائه ، يا غياثي عند كل كربة ~~ويا مجيبي عند كل دعوة ، أسألك اللهم يا رب الصلاة على نبيك محمد صلى الله ~~عليه وسلم وأمانا من عقوبات الدنيا والآخرة وأن تحبس عني أبصار الظالمين ~~المريدين بي السوء وأن تصرف قلوبهم عن شر ما يضمرون بي إلى خير ما لا يملكه ~~غيرك ، اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة وهذا الجهد وعليك التكلان ولاحول ولا ~~قوة إلا بالله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم . # | ذكر دعاء إبراهيم بن أدهم # حدثنا أحمد ms0163 بن الموصلي الوكيل بن الموكل حدثنا : جعفر بن نصير الخواص ~~الخراساني حدثني إبراهيم بن بشار خادم إبراهيم بن أدهم قال : كان إبراهيم ~~بن أدهم يقول هذا الدعاء في يوم الجمعة إذا أصبح ويقوله إذا أمسى مثل ذلك ~~مرحبا بيوم المزيد والصبح الجديد والكاتب الشهيد يومنا هذا يوم عيد اكتب ~~لنا ما نقول بسم الله الحميد المجيد الرفيع الودود الفعال في خلقه ما يريد ~~أصبحت بالله مؤمنا وبلقائه مصدقا وبحجته معترفا ومن ذنبي مستغفرا ولربوبية ~~الله خاضعا ولسوى الله عز وجل في الإلهية جاحدا وإلى الله فقيرا وعلى الله ~~متوكلا وإلى الله منيبا ، أشهد الله وأشهد ملائكته وأنبياءه ورسله وحملة ~~عرشه ومن خلق ومن هو خالقه بأنه هو الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأن ~~محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن الجنة حق والنار حق والحوض حق ~~والشفاعة حق ومنكرا ونكيرا حق ولقاءك حق ووعدك حق والساعة آتية لا ريب فيها ~~وأن الله يبعث من في القبور على ذلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء ~~الله ، اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ~~ما استطعت ، أعوذ بك اللهم من شر كل ذي شر ، اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي ~~ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي ~~لأحسنها إلا أنت ، واصرف اللهم يا رب عني سيئها فإنه لا يصرف سيئها إلا أنت ~~لبيك وسعديك والخير كله بيديك أنا لك وإليك أستغفرك وأتوب اليك ، آمنت ~~اللهم بما أرسلت من رسول ، وآمنت اللهم بما أنزلت من كتاب وصلى الله على ~~سيدنا محمد النبي وعلى آله وسلم كثيرا خاتم كلامي ومفتاحه وعلى أنبيائه ~~ورسله أجمعين آمين يا رب العالمين ، اللهم أوردنا حوضه واسقنا بكأسه مشروبا ~~رويا سائغا هنيئا ، لا نظمأ بعده أبدا PageV01P130 واحشرنا في زمرته غير ~~خزايا ولا نادمين ولاناكثين ولا مرتابين ولامفتونين ولا مغضوبا علينا ولا ~~ضالين ، اللهم اعصمني من فتن الدنيا ووفقني لماتحب وترضى ms0164 من العمل وأصلح لي ~~شأني كله وثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولا تضلني وإن ~~كنت ظالما سبحانك سبحانك يا علي ، ياعظيم ، يا بار ، يا رحيم ، ياعزيز ، يا ~~جبار ، سبحان من سبحت له السموات بأكنافها ، وسبحان من سبحت له الجبال ~~بأصواتها ، وسبحان من سبحت له البحار بأمواجها ، وسبحان من سبحت له الحيتان ~~بلغاتها ، وسبحان من سبحت له النجوم في السماء بأبراقها ، وسبحان من سبحت ~~له الشجر بأصولها ونضارتها ، وسبحان من سبحت له السموات السبع والأرضون ~~السبع ومن فيهن ومن عليهن ، سبحانك سبحانك يا حي ، يا حليم ، سبحانك لا إله ~~إلا أنت وحدك ، لا شريك لك تحيي وتميت وأنت حي لا تموت ، بيدك الخير وأنت ~~على كل شيء قدير ، فإذا دعا بهده الأدعية الأربع يوم الجمعة فقد كمل الله ~~عز وجل عمله وتم عليه فضله فإذا عمل بخير ما ذكرناه من الأعمال والأذكار ~~واجتنب سيء ما ذكرناه من الأقوال والأفعال فهو من أهل الجمعة وممن له ~~المزيد بها نصيبا موفورا وكان عمله الخالص وذكره الصادق عند الله عز وجل ~~مشكورا ، وهذا آخر كتاب الجمعة وهيئاتها وآدابها . | PageV01P131 # | الفصل الثاني والعشرون فيه كتاب الصيام وترتيبه ووصف الصائمين وذكر ما ~~يستحب للعبد من الصيام وطرقات الصائمين في الصوم ووصف صوم الخصوص # قال الله عز وجل : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) البقرة : 351 ، جاء في ~~التفسير : الصبر يعني الصوم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي رمضان ~~شهرالصبر لأن الصبر حبس النفس عن الهوى وإيقافها وحبسها على أمر المولى ، ~~وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الصبر نصف الإيمان والصوم ~~نصف الصبر ، وقال الله تعالى : ( واستعينوا بالصبر ) البقرة : 351 ، قيل : ~~معناه على مجاهدة النفس وقيل : على مصابرة العدو ، وقال بعض العلماء : ~~استعينوا بالصبر على الزهادة في الدنيا بالصوم ، لأن الصائم كالزاهد العابد ~~، فالصوم مفتاح الزهد في الدنيا وباب العبادة للمولى لأنه منع النفس عن ~~ملاذها وشهواتها من الطعام والشراب كما منعها الزاهد العابد بدخوله في ~~الزهد وشغله بالعبادة ، ولذلك جمع رسول ms0165 الله صلى الله عليه وسلم بينهما في ~~المعنى فقال : إن الله عز وجل يباهي ملائكته بالشاب العابد فيقول : أيها ~~الشاب التارك شهوته من أجلي المبتذل شبابه لي أنت عندي كبعض ملائكتي ، وقال ~~في الصائم : مثل ذلك يقول عز وجل : يا ملائكتي انظروا إلى عبدي ترك شهوته ~~ولذته وطعامه وشرابه من أجلي ، ففي الصوم عون على مجاهدة النفس وقطع حظوظها ~~ومنع عادتها وفيه إضعاف لها ونقصان لهواها ، وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول الله عز وجل : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ~~، فأضافه عز وجل إليه تفضيلا له تخصيصا كما قال تعالى : ( وأن المساجد لله ~~فلا تدعوا مع الله أحدا ) الجن : 18 وكما قال : ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه ~~البلدة الذي حرمها ) النمل : 91 فلما كانت المساجد أحب بيوت الدنيا إليه ~~وكانت مكة أشرف البلاد عنده أضافها إلى ذكره وله كل شيء كذلك لما كان ~~الصيام أفضل الأعمال عنده وأحبها إليه لأن فيه خلقا من أخلاق الصمدية ولأنه ~~من أعمال السر بحيث لا يطلع عليه إلا هو أضافه لنفسه ، وقيل : ما في عمل ~~ابن آدم شيء إلا ويقع فيه قصاص ويذهب برد المظالم إلا الصوم PageV01P132 ~~فإنه لا يدخله قصاص ، ويقول الله عز جل يوم القيامة : هذا لي فلا يقتص منه ~~أحد شيئا ، يقال : ما من عمل إلا وله جزاء معلوم إلا الصوم فإنه لا تعلم ~~نفس ماجزاؤه ويكون أجره بغير حساب يفرغ له إفراغا ويجازف مجازفة وهو أحد ~~الوجوه في قوله عز وجل : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما ~~كانوا يعملون ) السجدة : 71 ، قيل : كان عملهم الصيام ، وكذلك في تأويل ~~قوله عز وجل : السائحون قيل هم الصائمون كأنهم ساحوا إلى ربهم عز وجل ~~بجوعهم وعطشهم وتركوا قرة أعين أبناء الدنيا من أكلهم وشربهم فآواهم مولاهم ~~فيما أخفي لهم من قرة أعين جزاء لعملهم ، وقال تعالى : ( إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب ) الزمر : 01 ، قيل : الصائمون والصبر اسم ms0166 من ~~أسماء الصوم فلما أخفي ذكره بالصوم في نفسه أخفى الله عز وجل جزاءه إياه عن ~~غير نفسه . وفي الحديث : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، فالصوم ذكر الله ~~عز وجل وهو سر وليس أستحب للعبد أن يزيد على إفطار أربعة أيام نسقا فإن ذلك ~~يقسي القلب ويغير الحال ويولد العادات ويفتق الشهوات ولأنه لم يؤمر ولم ~~يندب إلى أن يوالي بين إفطار أكثر من أربعة أيام متوالية وهي النحر وأيام ~~التشريق ، ويستحب له أن يصوم يوما ويفطر يوما أو يصوم يومين ويفطر يومين ~~وذلك صوم نصف الدهر وإن أحب فليصم يومين ويفطر يوما وذلك صوم ثلثي الدهر ~~فإن أحب فليصم يوما ويفطر يومين وهذا صيام ثلث الدهر ، هذه طريق الصائمين ~~وفيها روايات حذفنا ذكر فضائلها للاختصار ، فإن صام ثلاثا من أول الشهر ~~وثلاثا من وسطه وثلاثا من آخره فحسن ، فإن صام الأثانين والأخمسة والجمع ~~فذلك خير كبير وأقل من ذلك أن يصوم الأيام البيض وأول يوم من الشهر وآخر ~~يوم منه ، وأفضل الصيام ما كان في الأشهر الحرم وأفضل ذلك ماوقع في العشرين ~~منها وهو المحرم وذو الحجة وبعد ذلك ما كان في شعبان فإن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يكثر الصيام فيه حتى يصله بشهر رمضان ولايدع أن يصوم من ~~كل شهر ثلاثة أيام وليواظب على صوم الاثنين والخميس ، وفي الخبر : أفضل ~~الصيام بعد شهر رمضان وشهر الله المحرم وصوم النصف الأول من شهر شعبان ~~مستحب ، وقد كانوا يفطرون النصف الأخير منه ، وقد روينا خبر : إذا كان ~~النصف من شعبان فلا صوم حتى يدخل رمضان وليفطر قبل رمضان أياما فإن وصل ~~شعبان برمضان فجائز ، ولا يجوز أن يستقبل رمضان بيومين أو ثلاثة إلا أن ~~يوافق ذلك يوم اثنين أو خميس قد كان يصومه ، وقد كان بعض الصحابة يكره أن ~~يصام رجب كله لئلا يضاهي به شهر رمضان وكانوا يستحبون أن يفطروا منه أياما ~~وقد كره قوم صيام الدهر كله وردت أخبار في كراهته وقد تأول ms0167 ذلك بأنهم كانوا ~~يصومون السنة كلها مع يوم العيد وأيام التشريق فوردت الكراهة لذلك ، وإن ~~كان يريد صلاح قلبه وانكسار نفسه واستقامة حاله في صوم الدهر فليصمه ، فهو ~~حينئذ كالواجب PageV01P133 عليه إذا كان تقواه وصلاحه فيه ، فقد روينا عن ~~سعيد عن قتادة عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : من صام الدهر ضيقت عليه جهنم وعقد تسعين معناه ~~لم يكن له فيها موضع وقد دلت الأصول على فضل صوم الدهر وقد صامه طبقات من ~~السلف الصالح من الصحابة والتابعين بإحسان إلا أن يكون الرجل يرغب عن السنة ~~ولا يرى الرخصة في الإفطار فيكره له صوم الدهر للمعاندة لأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمر بالسعة في الدين وأخبر الله عز وجل بأنه يحب أن يؤخذ ~~برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه ، وفي لفظ آخر : يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره ~~أن تؤتي معصيته ، وقد دلت الأخبار على فضل صوم نصف الدهر بأن يصوم يوما ~~ويفطر يوما وذلك ليكون العبد بين حالين حال صبر وحال شكر ، ومن ذلك ما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم عرضت علي مفاتيح خزائن الدنيا وكنوز الأرض ~~فرددتها فقلت : أجوع يوما وأشبع يوما أحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت ، ~~ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : أفضل الصيام صيام أخي داود عليه السلام ~~، كان يصوم يوما ويفطر يوما ومن ذلك منازلته عليه السلام لعبد الله بن عمرو ~~في الصوم وهو يقول : إني أريد أفضل من ذلك حتى قال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم : صم يوما وافطر يوما قال : أريد أفضل من ذلك قال : لا أفضل من ذلك ، ~~وروي في الخبر : صوم يوم من شهر حرام أفضل من صوم ثلاثين يوما من غيره وصوم ~~يوم من رمضان أفضل من صوم ثلاثين يوما من شهر حرام ، وفي حديث : من صام ~~ثلاثة أيام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت كتب الله تعالى له عبادة ~~سبعمائة عام ms0168 ، وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما صام شهرا كاملا قط ~~إلا رمضان بل كان يفطر منه وقد وصل مرة شعبان برمضان وفصل صوم رمضان مرارا ~~من شعبان ، وما ذكرنا من أنواع الصوم فهو صيام جماعة من السلف الصالح وفي ~~كل منه ورد فيه فضائل يكثر ذكرها وكذلك في جميع ما نذكره من أعمال القلوب ~~والجوارح في الأيام والليالي وكذلك فيما نذكره من أخلاق الإيمان وأوصاف ~~الموقنين ، وقدجاءت في أكثر ذلك فضائل ومثوبات إلا أنا لم نقصد تعديد ذلك ~~وليس مذهبنا الاشتغال بذكر فضائل الأعمال إنما طريقنا تهذيب قلوب العمال ، ~~فبطهارة القلوب وحقيقة الإيمان تزكو الأعمال وتقرب العاملون من ذي الجلال ~~ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم . ال وتقرب العاملون من ذي الجلال ~~ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم . # | ذكر صوم الخصوص من الموقنين # اعلم وفقك الله تعالى أن الصوم عند الصائمين هو صوم القالب فأما صوم ~~الخصوص من الموقنين فإن الصوم عندهم هو صوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار ~~الدنيوية ثم صوم السمع والبصر واللسان عن تعدي الحدود وصوم اليد والرجل عن ~~البطش والسعي في أسباب النهي ، فمن صام بهذا الوصف فقد أدرك وقته في جملة ~~يومه PageV01P134 وصار له في كل ساعة من نهاره وقت وقد عمر يومه كله بالذكر ~~، ولمثل هذا قيل : نوم الصائم عبادة ونفسه تسبيح وقد قرن الله عز وجل ~~الاستماع إلى الباطل والقول بالإثم إلى أكل الحرام ولولا أن في المسموعات ~~والمقولات حراما على المستمع والإصغاء إليه وحراما على القائل النطق به ما ~~قرنهما إملي أكل الحرام وهو من الكبائر ، فقال تعالى : سماعون للكذب أكالون ~~للسحت ، وقال سبحانه وتعالى : ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم ~~الإثم وأكلهم السحت ) المائدة : 36 ، فالعبد الحافظ لحدود الله عز وجل إن ~~أفطر بالأكل والجماع فهو صائم عند الله في الفضل للأتباع ومن صام عن الأكل ~~والجماع وتعدى الحدود وأضاع فهو مفطر عند الله عز وجل صائم عند نفسه ، لأن ~~ما أضاع أحب إلى الله عز ms0169 وجل وأكثر مما حفظ ، ومثل من صام من الأكل وأفطر ~~بمخالفة الأمر بسائر الجوارح مثل من مسح كل عضو من أعضائه في وضوئه ثلاثا ~~ثلاثا ثم صلى فقد وافق الفضل في العدد إلا أنه تارك للفرض من الغسل فصلاته ~~مردودة عليه لجهله وهو مغتر بفعله ومثل من أفطر بالأكل وصام بجوارحه عن ~~النهي مثل من غسل كل عضو من أعضائه في وضوئه مرة مرة فهو تارك للفضل في ~~العدد إلا أنه مكمل للفرض محسن في العمل فصلاته متقبلة لأحكامه للأصل ~~ولعمله بالعلم ، ومثل من صام من الأكل والجماع وحفظ جوارحه عن الآثام كمثل ~~من غسل كل عضو ثلاثا ثلاثا فقد تمم الفرض وأحسن بتكملة الفضل فهذا كما قال ~~تعالى تماما على الذي أحسن ، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الوضوء ، كذلك هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء أبي إبراهيم عليه ~~السلام وقد قال الله تعالى : ( ملة أبيكم إبراهيم ) الحج : 87 أي عليكم بها ~~فائتموا واقتدوا به فيها ، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : الطاعم ~~الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ، وجاء في الخبر أن امرأتين صامتا على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجهدهما الجوع والعطش في آخر النهار حتى ~~كادتا أن تتلفا فبعثتا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذناه في ~~الإفطار فأرسل إليهما قدحا وقال : قل لهما قيئا فيه ما أكلتما قال : فقاءت ~~إحداهما نصفه دما عبيطا ولحما عريضا وقاءت الأخرى مثل ذلك حتى ملأتاه ، ~~فعجب الناس من ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هاتان صامتا عما ~~أحل الله عز وجل لهما وأفطرتا على ما حرم الله عز وجل عليهما قعدت إحداهما ~~إلى الأخرى فجعلا يغتابان الناس فهذا ما أكلا من لحومهم ، وكان أبو الدرداء ~~يقول : يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم يعيبون صوم الحمقى وسهرهم ولذرة من ذي ~~يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال من عبادة المغترين وكل محظور عليك ~~أن تتفوه به فمحظور عليك أن تستمع إليه وكل ms0170 حرام عليك أن تفعله PageV01P135 ~~فمكروه أن تنظر إليه أو يخطر ببالك ، وقد سوى الله عز وجل بين المستمع ~~والقائل في قوله تعالى : ( إنكم إذا مثلهم ) النساء : 041 ومثل الصائم مثل ~~التوبة لأن الصبر من أوصافها وإنما كانت التوبة مكفرة لما سلف من السيئات ~~لأجل أنه صبر عما سلف من سئ العادات ثم اعتقد ترك العود إلى مثل ما سلف ~~بصيانة جوراحه التي كانت طرائق المكروهات ، كذلك كان الصيام جنة من النار ~~وفضيلة من درجات الأبرار ، إذا صبر عليه الصائم فحفظ جوارحه فيه من المآثم ~~فإذا أمرحها في الآثام كان كالتائب المتردد الناقض للميثاق لم تكن توبته ~~نصوحا ولا كان صوم هذا صالحا وصحيحا ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : الصوم جنة من النار ما لم يخرقها بكذب أو غيبة وأمره في قوله ~~عليه السلام : إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولايجهل وان امرؤ شاتمه ~~فليقل : إني صائم ، وفي لفظ آخر لايجعل يوم صومه ويوم فطره سواء أي يتحفظ ~~في صومه لحرمته ، وفي خبر : آخر الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته ، فحفظ ~~الأمانة من صيانة الجوارح لقول النبي صلى الله عليه وسلم لماتلا هذه الآية ~~: ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) النساء : 58 وضع يده على ~~سمعه وبصره قال السمع أمانة والبصر أمانة فذلك مجاز قوله فليقل : إني صائم ~~، أي يذكر الأمانة التي حمل فيؤديها إلى أهلها ومن حفظ الأمانة أن يكتمها ~~فإن أفشاها من غير حاجة فهي خيانة لأن مودعها قد لا يجب أن يظهرها وحقيقة ~~حفظ السر نسيانه وضياع السر أن يكثر خزانه فحقيقة الصائم أن يكون ناسيا ~~لصومه لا ينتظر الوقت شغلا عنه بالمؤقت . PageV01P136 # | الفصل الثالث والعشرون فيه كتاب محاسبة النفس ومراعاة الوقت # قال الله عز وجل : ( ونضع الموازين القسط ليوم القىامة ) الأنبياء : 47 ~~إلى قوله : ( أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) الأنبياء 47 وقرئت : آتينا بها ~~ممدودة أي جازينا بها فالتخويف بهذا الحرف أشد وأبلغ ، وقال تعالى يومئذ ~~يصدر الناس أشتاتا ليروا ms0171 أعمالهم الآية ، وأوصى أبو بكر عمر رضي الله عنهما ~~عند موته ، فقال : إن الحق ثقيل وهو مع ثقله مريء وإن الباطل خفيف وهومع ~~خفته وبيء وإن لله عز وجل حقا بالنهار لا يقبله بالليل وحقا بالليل لايقبله ~~بالنهار وإنك لو عدلت على الناس كلهم وجرت على واحد منهم لمال جورك بعدلك ~~فإن حفظت وصيتي لم يكن شئ أحب إليك من الموت وهو مدركك وإن ضيعت وصيتي لم ~~يكن شيء أبغض إليك من الموت ولن تعجزه ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ~~حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر ~~على الله تعالى يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية وإنما خف الحساب في الآخرة ~~على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا وثقلت موازين قوم في الآخرة وزنوا أنفسهم ~~في الدنيا وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا ، فمحاسبة النفس ~~تكون بالورع والموازنة تكون بمشاهدة اليقين والتزين للعرض الأكبر يكون ~~بمخافة الملك الأكبر وهو حقيقة الزهد ، وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أبا ذر فقال له : اتق الله أينما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق ~~الناس بخلق حسن ، ووجدت هذه الوصية في كتاب الله عز وجل لعباده بقوله عز ~~وجل : ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ) ~~النساء : 131 . والكلمة الثانية في قوله تعالى : ( ويدرءون بالحسنة السيئة ~~) الرعد : 22 أي يدفعون بعمل الحسنة ويتبعونها السيئة المتقدمة تكفرها ، ~~والكلمة الثالثة في قوله تعالى : وقولوا للناس حسنا ) البقرة : 83 وقد أخبر ~~الله عز وجل عن وصية عباده الصالحين بثلاث فقال : ( إن الإنسان لفي خسر ) ~~العصر : 2 أي لفي خسران ونقص بفوت أوقاته وفقد أرباحه ، ثم استثنى فقال : ~~إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) العصر : 3 ~~. PageV01P137 وقال في الوصف الثالث : ( وتواصوا بالمرحمة ) البلد : 17 ~~واتباع الحق بمخالفة الهوى فيه الصلاح ، إذ في موافقة الهوى الفساد ، ~~والصبر قوام الأمر ، وبمقداره يكون الريح والرحمة للخلق باب الرحمة من ~~الخالق ومفتاح حسن الخلق ms0172 ومعها حسن الظن وسلامةالقلب وعندها ينتفي الحسد ~~والغل ويوجد التواضع والذل ، وهذا وصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الذين اختارهم لصحبة نبيه عليه السلام وأنزل عليهم السكينة وأيدهم بروح منه ~~فقال : ( رحماء بينهم ) الفتح : 29 وقال تعالى في حقيقة الرحمة : ( واخفض ~~لهما جناح الذل من الرحمة ) الاسراء : 24 وقال في مثله عن وصف أحبابه ~~لإخوانهم : أذلة على المؤمنين ، فهذه الثلاثة مفاتيح رقة القلب ومغالق ~~القسوة وفي الرقة الإقبال على الله عز وجل وعلى الدار الآخرة والتيقظ لأمره ~~والتفكر في وعده ووعيده وفي القسوة الإعراض وطول الغفلة فمحاسبة النفس تكون ~~بالورع وموزنتها تكون بمشاهدة عين اليقين والتزين للعرض الأكبر يكون بمخافة ~~الملك الأكبر وهو حقيقة الزهد . وروينا عن علي رضي الله عنه : أما بعد فإن ~~المرء يسره درك مالم يكن ليفوته ويسوءه فوت مالم يكن ليدركه ، فمانا لك من ~~دنياك فلا تكترث به فرحا وما فاتك منها فلا تتبعه نفسك أسفا وليكن سرورك ~~بما قدمت وأسفك على ماخلفت وشغلك لآخرتك وهمك فيما بعد الموت ، وقال أيضا : ~~الهوى شريك العمى ، ومن التوفيق الوقوف عند الحيرة ونعم طارد الهم اليقين ~~وعاقبة الكذب الذم وفي الصدق السلامة ، رب بعيد أقرب من قريب وغريب من لم ~~يكن له حبيب والصديق من صدق غيبه ولايعدمك من حبيب سوء الظن ، نعم الخلق ~~التكرم والحياء سبب إلى كل جميل وأوثق العرى التقوى وأوثق سبب أخذت به نفسك ~~سبب بينك وبين الله عز وجل إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك والرزق ~~رزقان ، رزق تطلبه ورزق يطلبك ، فإن لم تأته أتاك وإن كنت جازعا على ما ~~أتلفت من يديك فلا تجزعن على مالم يصل إليك واستدلل على مالم يكن بما كان ~~فإن الأمور أشباه ، وقال عبد الله بن عباس : لكل شيء آفة وآفة العلم ~~النسيان وآفة العبادة الكسل وآفة اللب العجب وآفة الظرف الصلف وآفة التجارة ~~الكذب وآفة السخاء التبذير ، وآفة الجمال الخيلاء وآفة الدين الرياء وآفة ~~الإسلام الهوى ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0173 : آفة أمتي الدينار ~~والدرهم ، وروينا عن وبرة السلمي عن مجاهد قال : أوصاني ابن عباس بخمس لهن ~~أحسن من الدرهم الموقوف ومن الذهب الموصوف قال : لا تتكلمن فيما لا يعنيك ~~فإنه أقرب لك من السلامة ولا آمن عليك الخطأ ولا تتكلمن فيما يعنيك حتى ترى ~~له موضعا ، فرب متكلم فيما يعنيه قد وضعه في غير موضعه فلقي عنتا ، ولا ~~تمارين حليما ولاسفيها أما الحليم فيقليك وأما السفيه فيؤذيك ، واخلف أخاك ~~إذا غاب عنك بمثل ماتحب أن يخلفك به إذا غبت عنه واعفه مما تحب أن يعفيك ~~منه واعمل بعمل رجل يعلم أنه مكافأ بالإحسان مأخوذ بالإساءة ، وفي وصية ~~العباس لابنه عبد الله قال : يا بني إني أرى هذا PageV01P138 الرجل يقدمك ~~على الأشياخ ويكرمك فاحفظ عني هذه الخصال لا تفشين له سرا ولا تعصين له ~~أمرا ولاتغتابن عنده أحدا ولا يطلعن منك على خيانة ولا يجربن عليك كذبة ، ~~هذا في روايتين دخلت إحداهما في الأخرى قال في إحداهما : قلت للشعبي : كل ~~واحدة منهن خير من ألف ، فقال كل واحدة منهن خير من عشرة آلاف ، وقال يوسف ~~بن أسباط : كان يقال ثلاث من كن فيه فقد استكمل إيمانه من إذا رضي لم يخرج ~~رضاه إلى باطل وإذا غضب لم يخرج غضبه عن حق وإذا قدر لم يأخذ ماليس له ، ~~وقد روينا مسندا من طريق ، وقال سري بن المغلس : ثلاث يستبين بهن اليقين ، ~~القيام بالحق في مواطن الهلكة ، والتسليم لأمر الله عز وجل عند نزول البلاء ~~، والرضا بالقضاء عند زوال النعمة نعوذ بالله منه ، وقد روينا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه لا يخاف في الله لومة لائم ~~ولا يرائي بشيء من عمله ، وإذا عرض عليه أمران : أحدهما للدنيا والآخر ~~للآخرة آثر الآخرة على الدنيا ، وفي الخبر المشهورثلاث منجيات وثلاث مهلكات ~~، فأما المنجيات فخشية الله في السر والعلانية وكلمة العدل في الرضا والغضب ~~والقصد في الغنى والفقر وأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء ~~بنفسه ، وروينا في ms0174 الخبر التكرم التقوى والشرف التواضع والغنى اليقين ، وفي ~~الحديث الآخر : الإيمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء وثمرته العلم ، ~~وفي حديث عمار أسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كفى بالموت واعظا ~~وكفى بالخشية علما وكفى باليقين غنى وكفى بالعبادة شغلا . روينا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سيد الخطباء وخطيب الخطباء وحكيم الحكماء في خطبة ~~الوداع كلمات جامعات موجزات في الوعظ والتذكرة والتزهد والتبصرة وينتظم ~~جميع معاني ما قيل في معناها رواه أبان بن عياش عن أنس بن مالك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خطب على ناقته فقال : يا أيها الناس كأن الموت ~~فيها على غيرنا كتب وكأن الحق فيها على غيرنا وجب وكأن من نشيع من الأموات ~~سفر عما قليل إلينا راجعون نبوئهم أجداثهم ونأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم ~~قد نسينا كل واعظة وأمنا كل جائحة ، طوبى لمن شغله عيب نفسه عن عيوب الناس ~~وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الفقه ~~والحكمة ، طوبى لمن أذل نفسه وحسنت خليقته وصلحت سريرته وعزل عن الناس شره ~~، طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته ~~السنة ولم يعدها إلى بدعة ، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم حديث جامع لهذه ~~المعاني المبثوثة مختصر في اللفظ والمعنى يقال إنه نصف العلم وهو قوله من ~~حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه ، وما لم يؤمر به PageV01P139 العبد فرضا ~~ولم يندب إليه فضلا ولا يحتاج إليه مباحا فهو مما لايعنيه وفي حديث آخر هو ~~نصف الورع قوله صلى الله عليه وسلم : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن ~~الإثم جوار القلوب أي دع ما تشكن فيه من قول أو فعل فإن فيه غنيمة أو سلامة ~~إلى شيء أنت على يقين من الفضيلة فيه أو السلامة معه وما حز في قلبك ولم ~~ينشرح له فدعه فإن ذلك إثم وإن قل ودق ، وقد روينا عنه صلى الله عليه وسلم ~~في الوصف ms0175 المبسوط من أوصاف المؤمنين كوصف الله تعالى أولياءه في الكلام ~~المشروح أنه بينما هو جالس صلى الله عليه وسلم بين أصحابه إذ سجد فأطال ثم ~~رفع رأسه مادا يديه فقال : اللهم أكرمنا ولاتهنا وزدنا ولا تنقصنا وأعزنا ~~ولا تذلنا ، قلنا : وما ذاك يا رسول الله ؟ قال : أنزلت علي آيات من أقامها ~~دخل الجنة ثم تلا علينا قدأفلح المؤمنون إلى آخر العشر . وروينا عنه في ~~حديث مجمل أن رجلا سأله فقال : يا رسول الله متى أعلم أني من أهل الجنة ، ~~وفي لفظ آخر أني مؤمن حقا ، فقال : إذا كنت بهذه الأوصاف ، ثم تلا عليه : ~~قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم إلى آخر النعوت ، وروينا عنه صلى الله ~~عليه وسلم في الوصف الجامع المختصر كوصف الحكيم الأكبر من صلح له من عباده ~~بالإخلاص في التوحيد والعمل فقال صلى الله عليه وسلم : لو لم تنزل علي إلا ~~هذه الآية كانت تكفي ، ثم قرأ آخر سورة الكهف ( فمن كان يرجو لقاء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ) الكهف 110 إلى آخرها ، فكان هذا أفصل الخطاب وبلاغا ~~لأولي الألباب فالعمل الصالح الإخلاص في العبادة ونفي الشرك بالخلق هو ~~اليقين بتوحيد الخالق ، وقد قال الله وهو أحسن القائلين في وصف أوليائه ~~الخائفين : ( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ) ( والذين هم بآيات ربهم ~~يؤمنون ) المؤمنون : 57 - 58 إلى قوله : ( وهم لها سابقون ) المؤمنون : 16 ~~، فوصفهم بسبع مقامات جامعات بالغات تنتظم بمقامات أهل المحاسبة وتستحوذ ~~على معاني أحوال أهل المراقبة افتتحها بالخشية والإشفاق وختمها بالوجل ~~والإنفاق وجعل موجبها اليقين وهو الذي رجحت به موازين المتقين صيره آخر ~~وصفهم ونهاية نعتهم وهو قوله تعالى : ( أنهم إلى ربهم راجعون ) المؤمنون : ~~60 أي لأجل يقينهم بمرجعهم إليه خافوه وأشفقوا وآمنوا به وأخلصوا وأتوه ~~نفوسهم وأموالهم فهذا كقوله في الكلام المختصر : ( واتقوا الله واعلموا ~~أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين ) البقرة : 223 فللخائفين الأمن من الخوف عند ~~اللقاء وحسن المنقلب والبشرى بالقرب لديه والزلفى ، فصورة المحاسبة أن يقف ~~العبد وقفة عند ظهور الهمة وابتداء ms0176 الحركة ثم يميز الخاطر وهو حركة القلب ~~والاضطراب وهو تصرف الجسم فإن كان ما خطر به الخاطر من الهمة التي تقتضي ~~نية أو عقدا أو عزما أو فعلا أو سعيا إن كان عز وجل وبه وفيه معنى عز وجل ~~أي خالصا لأجله ومعنى به أي بمشاهدة قربه لا بمقاربة نفسه وهواه ومعنى فيه ~~أي PageV01P140 في سبيله وطلب رضاه عنه وما ندب عنده أمضاه وسارع في تنفيذه ~~وإن كان لعاجل دنيا أو عارض هوى أو لهو وغفلة سرى بطبع البشرية ووصف ~~الجبلية نفاه وسارع في نفيه ولم يمكن الخاطر من قلبه بالإصغاء إليه ~~والمحادثة له فيولد فيه هما رديا يصعب عليه بعد حين طرحه وينتج منه فكرا ~~دنيا يعسر بعد وقت نفيه ويؤثر ذلك في قلبه أثرا يستبين له بعد حين فعله ، ~~معنى قولنا : إن كان الله تعالى أي خالصا لأجله ومعنى قولنا به أي بمشاهدة ~~قربه لا بمقارنة نفسه ووصفه وهواه ومعنى قولنا فيه أي في سبيله وطلب ماعنده ~~لا لأجل عاجل حظه فإن اشتبه عليه الخاطر فلم ينكشف له ماورد به أمحمود هو ~~الله عز وجل فيه رضاه وعلى العبد فيه سبق وتنفيذ أم مكروه وليس لله فيه ~~محبة وللعبد في نفيه مزيد وقربة فيكون أشكال ذلك لأحد معان ثلاث ؛ ضعف يقين ~~عن نقص معرفة بالمبتلي ، أو قلة علم عن جهل بغامض الحكم الباطل ، أو لغلبة ~~هوى كامن في النفس متولد من طبائع الحس ، وقد قال بعض العلماء : ليس العالم ~~الذي يعرف الخير من الشر هذا العاقل يعرفه ولكن العالم من يعرف خير الشرين ~~يعني يفعله إذا اضطر إليه وعرف شر الخيرين يعني فاجتنبه لما يؤول إليه ~~واعلم أن حكم الله فيما اشتبه من الأمور الإمساك والوقوف وأن لا يقدم العبد ~~على ذلك بعقد ولا عزم إن كان من أعمال القلوب ولا يمضي ذلك بفعل ولا سعي إن ~~كان من عمل الجوارح بل يقف ويوقف الأمر حتى يتبين له وهو صورة الورع لأن ~~الورع هو الجبن والتأخر عن الإقدام ms0177 على المشكلات وعن الهجوم في الشبهات لا ~~بقول ولا بفعل ولا بعقد حتى تنكشف وانكشافها بغامض العلم لغموضها وتدقيق ~~معرفة المعاني لدقتها وخفائها كما جاء في الخبر : أعلم الناس أعرفهم بالحق ~~إذا اختلف الناس ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل يحب ~~البصير الناقد عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند هجوم الشهوات . وجاء عن ~~ابن مسعود في وصف كثرة الشبهات : أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع ~~وسيأتي عليكم زمان يكون خيركم فيه المئبت كما وقف طائفة من الصحابة عن ~~القتال مع أهل العراق وأهل الشام لما أشكل عليه الحال منهم سعد وابن عمر ~~وأسامة ومحمد بن مسلمة وغيرهم ، فمن لم يتوقف عند الشبهات وأقدم عليها كان ~~متعبا لهواه معجبا برأيه وهذا من معنى الخبر الذي جاء في ذم من كان هذا ~~وصفه ، فإذا رأيت شحا مطاعا وهوي متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة ~~نفسك فلم يذم بوجود الشح لأنه صفة النفس وإنما ذم من أطاع النفس في شحها ~~بإمساك محبوبها على إيثار محبة الله عز وجل من الإنفاق ومثله وهوى متبع فلم ~~يغب بوجود الهوى لأنه روح النفس مستكن فيها وإنما عيب باتباعه وكذلك قوله : ~~وإعجاب كل ذي رأي برأيه لم ينقصه PageV01P141 بوجود رأيه مما رآه من الأمر ~~لأنه نتيجة عقله وثمرة فهمه وإنما نقصه بنظره إليه وإدلاله به دون سبق نظره ~~إلى من أراه وبنور هداه وبإيثار رأيه على رأي من هو أعلم منه أو بأن يزري ~~على رأي غيره افتخارا برأيه ، وقد قال الله عز وجل : ( فلا تزكوا أنفسكم ) ~~النجم 32 : وقد وصف أهل الرأي من أوليائه في قوله عز وجل : ( إن في ذلك ~~لآيات للمتوسمين ) الحجر 75 : ، وقال تعالى : ( على بصيرة أنا ومن اتبعني ) ~~يوسف : 108 ، وجاء في الأثر : ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما ~~رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح ، وجاء : أنتم شهداء الله في أرضه ، ~~وعن بعض السلف : أفضل العبادة الرأي الحسن ؛ فأما ما أشكل ms0178 لتجاذب الأمثال ~~ولم يتبين لك إلى أي مثل ترده فالورع أن تقف ولا تمضي حتى ينكشف ، وأما ما ~~اشتبه لقصور العلم بالاستدلال فالعلم فيه أن تعرف الأصلين من الحرام ~~والحلال ثم ترده إلى أشبههما به وهذا ظاهر مثل ماأحلت طائفة النظر إلى ~~الغلام الجميل لأنه ذكر فتحتاج إلى أن ترده إلى أحد الأصلين لأنه مشتبه قال ~~الله عز وجل : ( انظروا إلى ثمره إذا أثمر ) الأنعام : 99 ، وقال : ( قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ) النور : 30 فكان هذا الأصل أشبه لوجود الجنس ~~ومثله الاستماع إلى القصائد أي إنشاد الشعر المباح فكان الاستماع إلى ~~القرآن حلالا والاستماع إلى الغناء حراما وكانت القصائد بالغناء أشبه ~~فكرهناه لغير أهله ، وكذلك القول في تلحين القرآن : إذا جاوز الحد في مد ~~المقصور وقصر الممدود مكروه لشبهه بالأغاني ومثل لبس القطن ولبس الحرير ~~فكرهنا لبس الملحم والعمل به لأنه بالحرير أشبه لما فيه منه فأما الإقدام ~~على الأمور الغامضة مما لم ينكشف للأسماع فلم يظهر للأبصار فإن القلوب تسأل ~~عن عقود سوء الظن بها والقطع بظاهر الأمر عليها وهو معنى قول الله عز وجل ~~عن قفو ما لم يبين علمه إذا لم يجعل من علم العبد وتهدده عليه بمساءلة ~~الجوارح عنه في قوله تعالى : ( ولاتقف ما ليس لك به علم ) الإسراء : 36 ، ~~أي لا تتبع ولا تجسس أثر ما لم تعلم فتشهد عليه بسمع أو رؤية أو عقد قلب إذ ~~حقيقة العلم السمع والمشاهدة فلذلك قال : ( إن السمع والبصر و الفؤاد كل ~~أولئك كان عنه مسؤولا ) الإسراء : 36 وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث فمن اشتبه عليه الأمر فقطع به ~~فهو متبع للهوى ومن تفرس في فعل أوامر غاب عنه حقيقة فأخبر به وأظهره على ~~صاحبه فقد أساء كيف وقد جاء في الخبر : من حدث بما رأته عيناه أو سمعت ~~أذناه كتبه الله عز وجل من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، ~~هذا لكشف ستر الله على عباده ms0179 ومحبته للساترين منهم ، ولذلك كان من دعاء أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه : اللهم أرنا الحق حقا فنتبعه والباطل باطلا ~~فنجتنبه ولا تجعل ذلك علينا متشابها فنتبع الهوى ، وكذلك روينا عن عيسى ~~عليه السلام : إنما الأمور ثلاثة : أمر استبان لك رشده PageV01P142 فاتبعه ~~، وأمر استبان غيه فاجتنبه ، وأمر أشكل عليك فكله إلى عالمه ، وقد كان من ~~دعاء علي رضى الله عنه : اللهم إني أعوذ بك أن أقول في العلم بغير علم ~~فنعمة الله سبحانه تعالى في كشف الباطل باطلا وبيان الضلال ضلالا مثل نعمه ~~في إظهار الحق وبيان الصدق لأنه باب من اليقين ، ، ولذلك تجمل الله به على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وجعله من تفصيل آياته في قوله سبحانه وتعالى : ( ~~وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) الأنعام : 55 فنصب سبيل على ~~إضمار اسمه ورفعه على كشف دلالاته وتبيان طرقه وقد وعد الله ذلك للمتقين ~~وقدمه على تكفير السيئات والمغفرة وأخبر أن ذلك من الفضل العظيم في قوله عز ~~وجل : ( ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم ~~سيئاتكم ) الأنفال : 29 أي نورا في قلوبكم تفرقون به بين الشبهات ومثله ، ~~ومن يتق الله يجعل له مخرجا أي من كل أمر أشكل على الناس ورزقه من حيث لا ~~يحتسب علم بغير تعليم بل إلهام وتوفيق من لدن الخبير العليم ، وقد وعد ذلك ~~المؤمنين عند اختلاف العلماء للبغي بينهم وهو الكبر والحسد ، وحرم ذلك ~~المنافقين الذين لايصدقون بالآيات والقدر والغائبات فقال عز وجل في ذلك : ( ~~وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم ) ~~البقرة : 213 فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فصنع ~~الهداية للحق أن يكشف الحق إذا هدي التقى له ما يبدئ الباطل للابتلاء وما ~~يعيد على العبد من الأحكام ، وقد يكون الباطل اسما للعدو ويكون وصفا للنفس ~~ألم تسمع قوله عز وجل : ( قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ) سبأ : 49 ~~أي : لما جاء الحق أبدى الباطل وأعاده ms0180 فأظهر حقيقة الأمر بدءا وعودا وقد ~~قيل إن الباطل يعني به إبليس ههنا فتدبروا وقال : ( إن الذين لا يؤمنون ~~بآيات الله لا يهديهم الله ) النحل : 104 وكما أن الله عز وجل في البيان ~~نعمة لأنه لاتقع إلا بقدرة كما قال : فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل ~~شيء قدير فكذلك على العبد فيه شكر وقد يكون سببا للإنعام بالبيان وعلى الله ~~المزيد على الشكر ، كما قال : ( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) ~~المائدة : 98 ، وقال في تحقيق الشكر بالمزيد للشاكرين على التصريف : ( كذلك ~~نصرف الآيات لقوم يشكرون ) الأعراف : 58 فإذا وقف العبد في الشبهات عن ~~الإمضاء وأوقف الخاطر على الابتداء حتى يكشفه الله عز وجل له بمزيد علم أو ~~قوة يقين أو كشف حجاب الهوى فقد وفق للصواب وهو من معنى قوله عز وجل : ( ~~آتيناه الحكمة وفصل الخطاب ) ص : 20 وداخل في قوله : ( ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا ) البقرة : 269 هذا إذا لم يرد بالطلب ولم يجعل لعالم آخر ~~فيه مكان كشفه للعبد بوصفه فإذا أراده بالطلب لأوليائه وجعل للعلماء مكانا ~~للدلالة عليه اضطره أن يسأل عالما بالله وبباطن أحكامه عارفا بلطيف حجابه ~~وخفي كشفه فيكشف له على لسانه إذا لم يكن العبد ممن يكاشف بقلبه ~~PageV01P143 لتحقيق قوله : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) النحل ~~: 43 ولتصديق قوله الرحمن فاسأل به خبيرا والله تعالى هو المسير الأول ~~والمبين الآخر إلا أن السير والسؤال على العبد والهدى والبيان على الهادي ~~المبين ، كما قال : ( قل سيروا في الأرض فانظروا ) النمل : 69 وقال تعالى : ~~( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب ) يونس : 94 ~~الآية ، ثم قال : ( إن علينا بيانه ) القيامة : 19 إن علينا للهدى وعلى ~~الله قصد السبيل كذلك سننه التي قد خلت من قبل ولا تبديل لها ولا تحويل ، ~~ألم تسمع قول الله تعالى : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) البقرة : 31 فهذا هو ~~المجتبي للتعليم الآخذ نصيبه من الله عز وجل بتفهيم المصطفى ms0181 لمكان التخصيص ~~، ثم قال : ( يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) البقرة : 33 ، فلما أنبأهم بأسمائهم ~~ترك آدم ورد إليه وذكر نفسه بالعلم منه بعد أن دل بالواسطة عليه ، فقال : ~~ألم أقل لكم إني أعلم ولم يقل إن آدم يعلم فأخذ آدم نصيبه من رازقه بقلبه ~~لمكان رتبته وأخذت الملائكة أنصبتها من الله عز وجل من نصيب آدم بواسطته ~~والله هو الرزاق ذو القوة المتين كما هو الخلاق ، هل من خالق غير الله ~~يرزقكم ؟ والعبيد يأخذون أنصبتهم بأقسامهم من حيث هي طرق وسبب لهم ، وهذا ~~حينئذ أول المحاسبة عن مشاهدة حسيب ، والتحقيق بالمحاسبة هو أول المراقبة ~~عن رؤية رقيب ، والمقام من المراقبة هو حال من أحوال الموقنين ، وعلم ~~اليقين هو آخر علم الإيمان وآخر نصيب العبد من علم اليقين أعني نهايته أول ~~عين اليقين وهو شهادة المعرفة والمعرفة على هذا الوصف أول المشاهدة ؛ وهذا ~~هو مقام المقربين أعني بمشاهدة وصف قريب يحيط ببعد النفس فيستولي عليها ~~فيغيب بعدها في قربه وينتبه عقله تحت ظنه وتنطوي حكمته في قدرته كمحو نور ~~القمر في ضياء الشمس والله غالب على أمره وعلم معاني الأسماء والصفات ~~وتعريف الأخلاق وباطن أحكام الذات يكون في مقامات القرب بمرآة نور الوجه ~~فيرفع نور حكم المكان ويشهد كأن رفع كون المرآة ويشهد الوجه بنورها وتغيب ~~المرآة عن كونها فيكون العبد قائما بقصر قيوميته فيصير العبد شبه ميتة ~~مشاهدا بحيطة قربه لا بكونه كما يشهد الوجه بنور المرآة لا بجسمها ولا يكون ~~هذا إلا بعد معاينة وصف وبعد حسن المراقبة في جميع المعاملة وحسن الأدب في ~~محاضرة الرب بتنفييذ خواطر الخبر وسرعة نفي خواطر السر حتى لا يبقى شئ منها ~~وهذا حال المشاهدة والقرب ، وذلك يخرج العبد إلى صفاء القلب بعلم اليقين ، ~~وصفاء القلب يرفعه مقامات في مشاهدة العين حتى لا يخطر بقلبه إلا خاطر حق ~~فإن عصاه عصى الحق وفي ترك هذا والغض عنه كدر القلب وفي كدره ظلمته وذلك ~~مقامات في القسوة وهي أول البعد وبلغني أن ما من فعلة ms0182 وإن صغرت إلا وينشر ~~لها ثلاثة دواوين : الديوان الأول لم PageV01P144 والثاني كيف ، والثالث ~~لمن ، فمعنى لم أي لم فعلت ؟ وهذا موضع الابتلاء عن وصف الربوبية بحكم ~~العبودية أي أكان عليك أن تعمل لمولاك أم كان ذلك منك بهواك فإن سلم من هذا ~~الديوان بأن كان عليه أن يعمل كما أمر به سئل عن ا لديوان الثاني ، فقيل له ~~: كيف فعلت هذا ؟ وهو مكان المطالبة بالعلم وهو البلاء الثاني أي قد عملته ~~بأن كان عليك عمله فكيف عملته أبعلم أم بجهل ؟ فإن الله تعالى لا يقبل عملا ~~إلا من طريقته وطريقة العلم ، فإن سلم من هذا نشر عليه الديوان الثالث فقيل ~~لمن ؟ وهذا طريق التعبد بالإخلاص لوجه الربوبية وهو البلاء الثالث وهم بغية ~~الله عز وجل من خلقه الذين قال في حقهم : ( إلا عبادك منهم المخلصين ) ~~الحجر : 40 وهذا مقتضى كلمة الإخلاص من نفي ماسواه وهي لا إله إلا الله ~~وليس بعده إلا الإشفاق إلى وقت التلاق أي قد عملته بعلم فلمن عملته لوجه ~~الله عز وجل خالصا فأجرك عليه أم لشخص مثلك فخذ أجرك منه أم عملته لتناول ~~عاجل دنياك فقد وفينا إليك عملك فيها أم عملته لنفسك بسهولة وغفلتك فقد سقط ~~أجرك وحبط عملك لذهابك عن القصد وعدم النية في الفعل فجميع ماأردت به سواه ~~فقد تعرضت للمقت واستوجبت العقاب بترك ما عليك وجهل ما لمولاك إذ كنت عبدا ~~لي تتولى غيري وإذا أنت تأكل رزقي وتعمل لسواي وإذا كان الدين قد جعلته ~~لنفسي فقصدت به من دوني ويلك أما سمعتني أقول ألا لله الدين الخالص ويلك ما ~~قبلت أمري إذ قلت وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقول ~~له : ويلك أما سمعتني أقول إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا ~~فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه فهده أمثال القرآن يشهد منها العلماء ~~أمثالهم وهي إذا كان الخطاب عند تدبره يفهم بها العارفون أذكارهم فيكون ~~توبيخ الله عز وحل للغافلين بعزائم كلامه وغليظ خطابه ms0183 أشد عليهم وأوجع لهم ~~من أليم عقابه ، وذلك أن الله تعالى استخلص الدين لنفسه ولم يشرك فيه أحدا ~~من خلقه فقال : ( ألا الله الدين الخالص ) الزمر : 3 يعني الطريق الموحد ~~غير المشترك الصافي غير الكدر لأن الإخلاص التصفية من أكدار الهوى والشهوة ~~وضده الشرك وهو الخلط بغيره من النفس والناس كما أنعم علينا بالرزق الخالص ~~من بين الفرث والدم فتمت به النعمة فقال : ( نسقيكم مما في بطونه من بين ~~فرث ودم لبنا خالصا ) النحل : 66 فلو وجد فيه خلط من أحدهما لم تتم به ~~النعمة علينا ، فكذلك ينبغي أن يكون عملنا له خالصا من الهوى والشهوة ~~لنستحق به الأجر والحظوة منه مع القيام بواجب الحق علينا فكما أنا لو رأينا ~~في اللبن الذي أنعم به علينا فرثا أو دما عافته أنفسنا فلم نأكله فكذلك ~~الحكيم الخبير إذا رأى في عملنا خلطا من رياء أو شهوة رده علينا فلم يقبله ~~وكما عمل لنا مما عملت يده بقدرته أنعاما ذللها لنا منها PageV01P145 ~~ركوبنا ومأكلنا فينبغي أن نشكره فنعمل له بعد الأكل عملا صالحا كما أمرنا ~~بعد إذ أنعم الله علينا ، فقال : ( كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ) ~~المؤمنون : 51 فمن جهل ما جعل الله لنفسه وترك ماأمر به من الإخلاص بالدين ~~لوجهه استوجب المقت لجهله واستحق العقاب لمخالفته وفي تدبر ماقلناه الهرب ~~من الخلق والبكاء على النفس إلى لقاء الحق لمن أشهد ووقف وأريد بالحضور فلم ~~يصرف . | PageV01P146 . # | الفصل الرابع والعشرون في ذكر ماهية الورد للمريد ووصف حال العارف ~~بالمزيد # اعلم أن الورد اسم لوقت من ليل أو نهار يرد على العبد مكررا فيقطعه في ~~قربة إلى الله ويورد فيه محبوبا يرد عليه في الآخرة ؛ والقربة اسم لأحد ~~معنيين : أمر فرض عليه أو فضل ندب إليه ، فإذا فعل ذلك في وقت من ليل أو ~~نهار ودوام عليه فهو ورد قدمه يرد عليه غدا إذا قدم ، وأيسر الأوراد صلاة ~~أربع ركعات أو قراءة سورة من المثاني أو سعي في معاونة على بر وتقوى ، قال ~~أنس ms0184 بن سيرين : كان لمحمد بن سيرين في كل ليلة سبعة أوراد ، فكان إذا فاته ~~منها شيء قضاه بالنهار فسمي العمل الموظف المؤقت وردا ، وقال المعتمر بن ~~سليمان : ذهبت ألقن أبي عند الموت فأومأ إلي بيده دعني فإني في وردي الرابع ~~فسمي الحزب من أحزاب القرآن لوقت ما وردا ، فمن العمال من كان يجعل الأوراد ~~من أجزاء القرآن ومنهم من كان يجعله من أعداد الركوع وفوق هؤلاء من العلماء ~~كانوا يجعلون الأوراد من أوقات الليل والنهار ، فإن قطع الوقت بآية أو ركعة ~~أو فكرة أو شهادة فذاك ورده ، وأما العارفون فإنهم لم يوقتوا الأوراد ولم ~~يقسموا الأوقات بل جعلوا الورد واحدا لمولاهم وجعلوا حاجاتهم من الدنيا ~~ضرورتهم ، وصيروا الوقت متساويا لسيدهم وتصريفهم لمصالحهم يدخل عليهم ~~فوضعوا رقابهم في رق العبودية وصفوا أقدامهم في مصاف الخدمة فكانوا في كل ~~وقت بحكم مايستعملون وبوصف ما به يطالبون ذلك وردهم وتلك علامتهم عن حسن ~~اختيار الله عز وجل لهم وجميل توليه إياهم لا يكلهم إلى نفوسهم ولا يوليهم ~~بعضهم وهو يتولى الصالحين مشاهدتهم ذكرهم وقرب الحبيب حبهم ليس يشهدون ~~فضيلة في غير محبوبهم ولا يرجون قربة بغير معروفهم ؛ به يتقربون إليه ، ~~وإليه ، به يسبحون له ، وعليه يتوكلون له ، ومنه يخافون عنه ، وإياه يحبون ~~منه لو أسقطوا الأعمال كلها غير ماتعلق بالتوحيد ثبوته ما نقص من توحيدهم ~~ذرة ولو تركوا أوراد المريدين كلهم ما أثر في قلوبهم بقسوة ولا فترة لأنهم ~~لا يزيدون بالأعمال فينقصون PageV01P147 بها ولا يتفقدون قلوبهم وأحوالهم ~~بالأوراد فيعرفون النقصان والمزيد منها ولا تجتمع قلوبهم بسبب ولا تقوى ~~نفوسهم بطلب فتتشتت لفقد سبب ويضعف يقينهم لطلب هذه المعاني هي أحوال ~~المريدين وجملة تغييرهم في شيئين : ضيقهم بالخالق فهربوا منه ، واتساعهم ~~بالخلق فاستراحوا إليه ، ولو دام قربهم منه لدامت راحتهم به ولو وقفت ~~شهادتهم عليه لما نظروا إلى سواه ، وأما العارفون فقد فرغ لهم من قلوبهم ~~واجتمعت المتفرقات بمجامعها لهم وأقامهم القائم لهم بشهادتهم له فلهم بكل ~~شيء مزيد ومن كل شيء توحيد ms0185 ، كل خاطر بهم يردهم إليه وكل منظور إليه يدلهم ~~عليه وكل نظرة وحركة طريق لهم إليه ، فتوحيدهم في مزيد ويقينهم في تجديد ~~بغير تغيير ولا تصريد ولا إيقاف ولا تحديد ، ولربما طلب أحدهم التسبب ~~بالأسباب فيجمعه بها رب الأرباب لأنه مراد بالاجتماع وإنما استروح بالشتات ~~لاستجمام ماهو في قلبه آت ثقة منه بحبيبه وتمكنا عند محبوبه إذ قد علم أنه ~~طالب فطرح نفسه ليحمله فحمله بما تولاه ولم يكله إلى نفسه وهواه ، فهذه ~~مقامات لأهلها لا يعرفها سواهم ولا تصلح إلا لهم ولا تليق إلا بهم ولا يقاس ~~عليها ولا يدعى مكانها ولا تنتظر فتترك لها الأوراد ولا تتوقع فيقصر لأجلها ~~في الاجتهاد والمرادون بها محمولون بها مواجهون بعلمها مسلوك بهم طريقها ~~مزودون زادها وهي محبوسة عليهم مقصورة لهم فهم لها سابقون ، فأولياء الله ~~عابدوه وقد عكفوا بقلوبهم لمن عبدوه ونظروا إلى معبودهم الذي عكفوا عليه ~~ففهموا عنه فصل الخطاب بما آتاهم من شهادة حكمه حكم الكتاب إذ يقول : ( ~~وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ) طه : 97 بعد قوله للغافلين فصيرهم ~~معرضا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين مع قوله : ( أن امشوا واصبروا على ~~آلهتكم ) ص : 6 ، إن هذا الشيء يراد إلى قوله : ( واصبر لحكم ربك فإنك ~~بأعيننا ) الطور : 84 ، فعلموا أن الإخلاص الذي أمروا به هو العبادة ولا ~~عبادة إلا بمجانبة الهوى وبعدها الإنابة إلى المولى ، أما سمعت قوله عز وجل ~~: ( والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى ) ~~الزمر : 17 وأيقنوا أن الصلاة عماد الدين ولا صلاة إلا للمتقين ولا تقوى ~~إلا بإنابة ، كما قال تعالى : ( منيبين إليه واتقوه ) الروم : 31 ثم قال : ~~( وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ) الروم 31 فهذه عبادة العارفين ~~على سنة النبيين فإنابتهم مشاهدتهم لمذكورهم كقوله في وصف ضدهم : ( كانت ~~أعينهم في غطاء عن ذكرى ) الكهف : 101 فهم عن كشف من ذكره إذ كانوا بضد ~~وصفهم وحقيقة ذكرهم نسيانهم لسوى مذكورهم بمعنى قوله : ( واذكر ربك إذا ~~نسيت ) الكهف : 24 فأخرجهم الذكر ms0186 له إلى الفرار إليه كما فهموا عنه إذ يقول ~~: ( لعلكم تذكرون ) الأنعام : 152 ففروا إلى الله فلما هربوا أواهم بقربه ~~ووهب لهم هداية إلى حبه ونشر لهم من رحمته وطواهم في قبضبته فلم يرهم إلا ~~هم ولم يعرفهم سواهم ، وقد قال تعالى : PageV01P148 ( وإذ اعتزلتموهم وما ~~يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ) الكهف : 16 وقال ~~تعالى : ( إني ذاهب إلى ربي سيهدين ) الصافات : 99 . # | ذكر الأوراد وما يرجى بها من الازدياد # ولكن بمواصلة الأوراد المرسومة والأعمال الموقتة المعلومة يستبين للمريد ~~النقصان من المزيد ويعرف قوة العزم والشره من وهن العادة والفترة في ~~الأوراد أيضا فضيلة وهو أن العامل إذا شغل عنها بمرض أو سفر كتب له الملك ~~مثل ثواب ما كان يعمل في الصيحة ، وقد يكون نوم العارف أفضل من صلاة الجاهل ~~لأن هذا النائم سالم وهو ذلك الزاهد العالم إذا استيقظ وجد وهذا الصائم ~~القائم لا يؤمن عليه الآفات وتطرقه الأعداء في العبادات وهو ذلك الجاهل ~~المغتر إذا وجد فقد ، وقد روينا في خبر نوم العالم عبادة ونفسه تسبيح وفي ~~الحديث عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ، وروينا في خبر مقطوع لو ~~وقعت هذه على هذه يعني السماء على الأرض ما ترك العالم علمه لشيء ولو فتحت ~~الدنيا على عابد ترك عبادة ربه ولأن العالم قد يكاشف في نومه بالآيات ~~والعبر ويكشف له الملكوت الأعلى والأسفل ويخاطب بالعلوم ويشاهد القدرة من ~~معنى ما تشهده الأنبياء في يقظتهم فيكون نوم العارف يقظة لأن قلبه حياة ~~ويكون يقظة الغافل نوما لأن قلبه موات فيعدل نوم العالم يقظة الجاهل وتقرب ~~يقظة الجاهل الغافل من نوم العالم ، كيف وقد جاء في خبر أبي موسى أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نظر إلى أحد فقال : هذا جبل أحد ولا يعلم خلق وزنه وإن ~~من أمتي من تكون التسبيحة منه والتهليلة أوزن عند الله عز وجل منه ، وفي ~~حديث ابن مسعود إذ قال لعمر : ما أنكرت أن يكون عمل عبد ms0187 في يوم واحد أثقل ~~من في السموات والأرض ثم وصف ذلك بأنه هو العاقل عن الله عز وجل الموقن ~~العالم به ، وقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في رمضان فقالت : ما كان يخص رمضان بشيء دون غيره ولا كان يزيد في رمضان ~~على سائر السنة شيئا وقال أنس بن مالك : ما كنت تريد أن ترى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نائما من الليل إلا رأيته ولا تريد أن تراه قائما إلا رأيته ~~، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام ثم يقوم قدر مانام ثم ينام قدر ~~ما قام ثم يقوم قدر مانام ثم ينام ثم يخرج إلى الصلاة ، وقالت عائشة رضي ~~الله عنها : ما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا كاملا قط إلا رمضان ~~ولاقام ليلة إلى الصبح حتى ينام منها ، قالت : وكان يصوم من الشهر ويفطر ~~ويقوم من الليل وينام ، وفي الخبر الآخر : كان يصوم ، حتى تقول لايفطر ~~ويفطر حتى تقول لا يصوم وكان يصبح صائما ثم يفطر ويصبح مفطرا ثم يصوم وفي ~~الخبر الآخر : كان يدخل من الضحى فيقول : هل عندكم من شيء ؟ فإن قدم إليه ~~شيء أكل وإلا قال إني صائم وخرج يوما فقال إني صائم ثم دخل ، فقلنا : يا ~~رسول الله أهدي لنا حيس فقال : أما إني كنت أردت الصوم ولكن قريبه وكان ~~ورده صلى الله عليه وسلم PageV01P149 حكم ما ورد عليه فعن هذا المعدن يكون ~~تصريف العارفين ومن هذا المعنى تكون مشاهدة الموقنين ليسوا مع الله بإيراد ~~توقيت ولا يقطع على تحديد كما قيل لبعضهم بأي شيء عرفت الله عز وجل ؟ فقال ~~: بفسخ العزائم وحل العقد ولكن الأوراد طريق العمال والوظف أحوال العباد ~~منها دخلوا وفيها يرفعون إلى أن يشهدوا الواحد فتكون الأوراد كلها وردا ~~واحدا ويكونون بشهادتهم قائمين ، قال بعض العلماء من السلف الإيمان ~~ثلاثمائة خلق وثلاثة عشر على أعداد الأنبياء المرسلين كل مؤمن على خلق منها ~~هو طريقه إلى الله عز وجل ms0188 ووجهته من الله عز وجل ونصيبه وفي كل طريقه من ~~المؤمنين طبقة وبعضهم أعلى مقاما من بعض ، وقال عالم آخر الطرق إلى الله عز ~~وجل بعدد المؤمنين ، وقال بعض العارفين : الطرق إلى الله بعدد الخليقة يعني ~~أن للشهيد بكل خلق طريقا فقد صارت المكونات للمكون طرقات . وروينا في الخبر ~~: الإيمان ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون طريقة من لقي الله عز وجل بالشهادة على ~~طريقة منها دخل الجنة ، ومن هذا قوله عز وجل : ( قل كل يعمل على شاكلته ~~فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ) الإسراء : 84 فدل أنهم كلهم مهتدون وبعضهم ~~أهدى من بعض بمعنى أنه أقرب إلى الله عز وجل وأفضل ، وقد ندب إلى القرب في ~~الأمر بطلبه وأخبر عن المقربين بالمنافسة في طلب القرب فقال : ( ياأيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) المائدة : 35 يعني القرب ، ~~وقال تعالى فيما أخبر : ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم ~~أقرب ) الاسراء : 57 فأقرب الخلق من الله عز وجل أعلاهم عند الله عز وجل ~~وأعلاهم عنده أعرفهم به وأفضلهم لديه . وروينا في التفسير : ( قل كل يعمل ~~على شاكلته ) الإسراء : 84 ، قال : على وحدانيته ؛ يعني بذلك على توحيده ~~الذي يوحد الله عز وجل به ويعرفه منه ، والشاكلة الطريقة والخلق قد شاكله ~~وقد شكل فيه ومن ذلك قول علي رضي الله عنه : لكل مؤمن سيد من عمله فهذا ~~السيد من العمل هو الذي يرجو به المؤمن النجاة ويفضل به عند مولاه ، وقال ~~بعض العلماء : كان عباد الكوفة أربعة ؛ أحدهم صاحب ليل ولم يكن صاحب نهار ، ~~والآخر صاحب نهار ولم يكن صاحب ليل ، وبعضهم صاحب سر ولم يكن صاحب علانية ، ~~والآخر صاحب علانية ولم يكن صاحب سر ، وقد كان بعضهم يفضل عبادة النهار على ~~عبادة الليل لما فيها من مجاهدة النفس وكف الجوارح لأن النهار مكان حركة ~~الغافلين وموضع ظهور الجاهلين فإذا سكن العبد عند حركة الغافلين وموضع ظهور ~~الجاهلين كان هو التقي المجاهد والفاضل العابد ، وقد قيل إن العبادة ليست ~~الصوم والصلاة حسب بل ms0189 أفضل العبادة أداء الفرائض واجتناب المحارم وتقوى ~~الله عز وجل عند اكتساب الدرهم وهذا من أعمال النهار ، وقد قال الله عز وجل ~~: ( وهو الذي PageV01P150 يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ) الأنعام ~~60 رأى ماكسبت جوارحكم فعلق الاجتراح بالنهار ثم يبعثكم فيه فإذا لم يعلم ~~من عبد اجتراحا بالنهار ولم يبعثه فيه في مخالفة فمن أفضل منه ؟ وكان الحسن ~~يقول : أشد الأعمال قيام الليل بالمداومة على ذلك ومداومة الأوراد من أخلاق ~~المؤمنين وطرائق العابدين وهي مزيد PageV01P151 | # | الفصل الخامس والعشرون في ذكر تعريف النفس وتصريف مواجيد العارفين # اعلم أن النقصان يبدو من الغفلة والغفلة تنشأ من آفات النفس والنفس ~~مجبولة على الحركة وقد أمرت بالسكون وهو ابتلاؤها لتفتقر إلى مولاها وتبرأ ~~من حولها وقواها ومثل ذلك قوله تعالى : ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) آل ~~عمران : 102 لتفزعوا إليه فتقولوا : ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ، ~~وكما قال : ( وكان الإنسان عجولا ) الإسراء : 11 ( خلق الإنسان عجل ) ~~الأنبياء : 37 ثم قال : ( سأريكم آياتي فلاتستعجلون ) الأنبياء : 37 قال : ~~( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) النحل : 1 فأخبر عن وصفه بالعجلة ثم أمره ~~بتركها للبلوى ، فإن نزلت السكينة وهي مزيد الإيمان سكنت النفس عن الهوى ~~بإذن منفسها وإن حجب القلب بالغفلة وهي علامة على الإفتقار والتضرع تحركت ~~النفس بطبعها ، فإن سكنت عن حركتها فبالمنة والفضل وإن تحركت بوصفها ~~فبالابتلاء والعدل ، فأول البلاء اختلافها وأول اختلافها خلافها ومقدمته ~~الهمة وبابه السمع وهو طريق إلى الكلام والنظر والقول طريق إلى الشهوة ~~والشهوة مفتاح الخطيئة والخطيئة مقام من النار حتى يزحزح عنها الجبار ~~بالتوبة في الدنيا والعفو في العقبى ، وقد تكون المخالفة على المحب العارف ~~أشد من النار كما حدثت عن بعضهم قال : لأن أبتلي بدخول النار أحب إلي من أن ~~أبتلي بمعصية ، قيل : ولم ؟ قال : لأن في المعصية خلاف ربي تعالى وسخطه وفي ~~النار إظهار قدرته وانتقامه لنفسه قال : فسخطه أعز علي وأعظم من تعذيب نفسي ~~، وكذلك حدثونا في معناه عن بعض الموقنين من العمال أنه قال : ركعتان تتقبل ms0190 ~~مني أحب إلي من دخول الجنة ، قيل : وكيف ؟ قال : لأن في الركعتين رضا ربي ~~عز وجل ومحبته وفي الجنة رضاي وشهوتي فرضا ربي عز وجل أحب إلي من محبتي ، ~~وقد قال وهيب بن الورد المكي في لبن سئل أن يشر به فلم يفعل لأنه سأل عن ~~أصله فلم يستطبه فقالت له أمه : اشرب فإني أرجو إن شربته أن يغفر الله لك ، ~~فقال : ما أحب أني شربته وأن الله غفر لي ، قالت : ولم ؟ قال : لا أحب أن ~~أنال مغفرته بمعصيته ، فجملة وصف النفس معنيان ، الطيش والشره ، فالطيش عن ~~الجهل والشره عن الحرص ، PageV01P152 وهما فطرة النفس فمثلها في الطيش كمثل ~~كرة أو جوزة في مكان أملس مصوب سكونها بالمنة فإن أشرت إليها أو حركتها ~~أدنى حركة تحركت بوصفها وهو خفتها واستدارتها وصورتها في الشره المتولدة من ~~الحرص ، إنها على صورة الفراشة إنها تقع في النار جاهلة شرهة تطلب بجهلها ~~الضوء وفيه هلاكها فإذا وصلت إلى شيء منه لم تقتنع بيسيره لشرهها فتحرص على ~~الغاية منه وتطلب عين الضوء وجملته وهونفس المصباح فتحرق ، ولو قنعت بقليل ~~الضوء عن بعد سلمت فكذلك النفس في طيشها الذي يتولد من العجلة وفي شرهها ~~الذي ينتج من الحرص والطمع ، والحرص والطمع هما اللذان كانا سبب إخراج آدم ~~عليه السلام من الجنة لأنه طمع في الخلود فحرص على الأكل وكان ذلك عن الجهل ~~، فكانت معصيته سبب عمارة الدنيا فصارت الطاعة سبب عمارة الآخرة ، فلذلك ~~قيل : حب الدنيا رأس كل خطيئة فصار الزهد أصل كل طاعة ، فانظر كيف أخرج من ~~الجنة بعد أن جعل فيها بذنب واحد وأنت تريد أن تدخلها ولم تملك النظر إليها ~~بذنوب كثيرة ، وفي الحديث الآخر : الإيمان عريان فلياسه التقوى وزينته ~~الحياء وثمرته العلم ، من ثم قيل : إن الجنة طيبة لا يسكنها إلا الطيب فمتى ~~طابوا لها دخلوها ، ألم تسمع إلى وفاته بين ذلك في قوله تعالى : ( الذين ~~تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ) ، النحل : 23 ، وقال تعالى : ( ~~وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتتم فادخلوه ms0191 خالدين ) ، الزمر : 73 لأنه قال ~~: ( ومساكن طيبة في جنات عدن ) التوبة : 72 والذنوب خبائث كما قال : ( ~~ويحرم عليهم الخبائث ) الأعراف : 157 فلما طابوا لها طابت لهم وقد أجمل ذلك ~~بقوله تعالى : ( الخبيثات للخبيثين ) النور : 26 وبقوله : ( والطيبات ~~للطيبين ) النور : 26 ، وقد مثل بعضهم النفس في شرهها بمثل ذباب مر على ~~رغيف عليه عسل فوقع فيه يطلب الكلية فعلق بجناحه فقبله وآخر مر به فدنا من ~~بعضه فنال حاجته فرجع إلى ورائه سالما وقد مثل بعض الحكماء ابن آدم مثل دود ~~القز لا يزال ينسج على نفسه لجهله حتى لا يكون له مخلص فيقتل نفسه ويصير ~~القز لغيره وربما قتلوه إذا فرغ من نسيجه لأن القز يلتف عليه فيروم الخروج ~~منه فيشمس وربما غمزوه بالأيدي حتى يموت لئلا يقطع القز وليخرج القز صحيحا ~~، فهذه صورة المكتسب الجاهل الذي أهلكه أهله وماله فتنعم ورثته بما شقي به ~~فإن أطاعوا به كان أجره لهم وحسابه عليه وإن عصوا به كان شريكهم في المعصية ~~لأنه أكسبهم إياها به فلا يدري أي الحسرتين عليه أعظم أذهابه عمره لغيره أو ~~نظره إلى ماله في ميزان غيره ، ومما سمعت في علم شره النفس ما حدثني بعض ~~إخواني عن بعض هذه الطائفة قال : قدم علينا بعض الفقراء فاشترينا من جار ~~لنا جملا مشويا ودعوناه عليه في جماعة من أصحابنا فلما مد يده ليأكل وأخذ ~~لقمة وجعلها في فيه لفظها ثم اعتزل وقال : كلوا PageV01P153 أنتم فإنه قد ~~عرض لي عارض منعني من الأكل ، فقلنا : لا نأكل إن لم تأكل معنا ، فقال : ~~أنتم أعلم أما أنا فغير آكل ثم انصرف ، قال : فكرهنا أن نأكل دونه ، فقلنا ~~: لو دعونا الشواء فسألناه عن أصل هذا الجمل فلعل له سببا مكروها فدعوناه ~~فلم نزل به نسأل عنه حتى أقر أنه كان ميتة وأن نفسه شرهت إلى بيعه حرصا على ~~ثمنه فشواه فوافق اأنكم اشتريتموه ، قال : فمزقناه للكلاب ، قال : ثم إني ~~لقيت الرجل بعد وقت فسألته لأي معنى تركت أكله وبأي عارض ؟ فقال : أخبرك ms0192 ما ~~شرهت نفسي إلى طعام منذ عشرين سنة بالرياضة التي رضتها به فلما قدمتم إلي ~~هذا شرهت نفسي إليه شرها ماعهدته قبل ذلك فعلمت أن في ذلك الطعام علة فتركت ~~أكله لأجل شره النفس إليه فانظر رحمك الله كيف اتفقا في شره النفس عن قصد ~~واحد ثم اختلفا في التوفيق والخذلان فعصم العالم بالورع والمحاسبة وترك ~~الجاهل مع شره النفس بالحرص وتركه المراقبة أعني البائع للجمل ثم عصم ~~الآخرون للتوفيق بحسن الأدب وهو قمع شره النفس عن الأكل بعد صاحبهم ثم ~~تدارك البائع بعد وقوعه لصدق المشتري وحسن نيته . قز لغيره وربما قتلوه إذا ~~فرغ من نسيجه لأن القز يلتف عليه فيروم الخروج منه فيشمس وربما غمزوه ~~بالأيدي حتى يموت لئلا يقطع القز وليخرج القز صحيحا ، فهذه صورة المكتسب ~~الجاهل الذي أهلكه أهله وماله فتنعم ورثته بما شقي به فإن أطاعوا به كان ~~أجره لهم وحسابه عليه وإن عصوا به كان شريكهم في المعصية لأنه أكسبهم إياها ~~به فلا يدري أي الحسرتين عليه أعظم أذهابه عمره لغيره أو نظره إلى ماله في ~~ميزان غيره ، ومما سمعت في علم شره النفس ما حدثني بعض إخواني عن بعض هذه ~~الطائفة قال : قدم علينا بعض الفقراء فاشترينا من جار لنا جملا مشويا ~~ودعوناه عليه في جماعة من أصحابنا فلما مد يده ليأكل وأخذ لقمة وجعلها في ~~فيه لفظها ثم اعتزل وقال : كلوا أنتم فإنه قد عرض لي عارض منعني من الأكل ، ~~فقلنا : لا نأكل إن لم تأكل معنا ، فقال : أنتم أعلم أما أنا فغير آكل ثم ~~انصرف ، قال : فكرهنا أن نأكل دونه ، فقلنا : لو دعونا الشواء فسألناه عن ~~أصل هذا الجمل فلعل له سببا مكروها فدعوناه فلم نزل به نسأل عنه حتى أقر ~~أنه كان ميتة وأن نفسه شرهت إلى بيعه حرصا على ثمنه فشواه فوافق اأنكم ~~اشتريتموه ، قال : فمزقناه للكلاب ، قال : ثم إني لقيت الرجل بعد وقت ~~فسألته لأي معنى تركت أكله وبأي عارض ؟ فقال : أخبرك ما شرهت نفسي إلى طعام ~~منذ ms0193 عشرين سنة بالرياضة التي رضتها به فلما قدمتم إلي هذا شرهت نفسي إليه ~~شرها ماعهدته قبل ذلك فعلمت أن في ذلك الطعام علة فتركت أكله لأجل شره ~~النفس إليه فانظر رحمك الله كيف اتفقا في شره النفس عن قصد واحد ثم اختلفا ~~في التوفيق والخذلان فعصم العالم بالورع والمحاسبة وترك الجاهل مع شره ~~النفس بالحرص وتركه المراقبة أعني البائع للجمل ثم عصم الآخرون للتوفيق ~~بحسن الأدب وهو قمع شره النفس عن الأكل بعد صاحبهم ثم تدارك البائع بعد ~~وقوعه لصدق المشتري وحسن نيته . وجبلات النفس الأربعة هي أصول ماتفرع من ~~هواها وهي مقتضى ما فطرها عليه مولاها : أولها الضعف وهو مقتضى فطرة التراب ~~، ثم البخل وهو مقتضي جبلة الطين ، ثم الشهوة وموجبها الحمائم ، الجهل وهو ~~ما اقتضاه موجب الصلصال وهذه الصفات على معاني تلك الجبلات للابتلاء ~~بالأمشاج ففيه بدء الأمت والإعوجاج ، ذلك تقدير العزيز العليم ، ثم إن ~~النفس مبتلاة بأوصاف أربعة متفاوتة : أولها معاني صفات الربوبية نحو الكبر ~~والجبرية وحب المدح والعز والغنى ومبتلاة بأخلاق الشياطين مثل الخداع ~~والحيلة والحسد والظنة ومبتلاة بطبائع إليها ثم وهو حب الأكل والشرب ~~والنكاح وهي مع ذلك كله مطالبة بأوصاف العبودية مثل الخوف والتواضع والذل ~~بمعنى ما قلناه ، قيل : إنها خلقت متحركة وأمرت بالسكوت وإني لها بذلك إن ~~لم يتداركها المالك وكيف تسكن بالأمر إن لم يسكنها محركها بالخير فلا يكون ~~العبد عبدا مخلصا حتى يكون للمعاني الثلاث مخلصا فإذا تحقق بأوصاف العبودية ~~كان خالصا من المعاني التي هي بلاؤه من صفات الربوبية ، فإخلاص العبودية ~~للوحدانية عند العلماء الموحدين أشد من الإخلاص في المعاملة عند العاملين ، ~~وبذلك رفعوا إلى مقامات القرب وذلك أنه لا يكون عندهم عبدا حتى يكون مما ~~سوى الله عز وجل حرا فيكف يكون عبد رب وهو عبد عبد لأن ما قاده إليه فهو ~~إلهه وماترتب عليه فهو ربه وهذا شرك في الإلهية عند المتألهين ومرج ~~بالربوبية عند الربانيين فهو متعوس منكوس بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ~~إذ يقول : تعس ms0194 عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الزوجة ، تعس عبد ~~الحلة ، فهؤلاء عبيد العدد الذين قال مولاهم : إن كل من في السموات والأرض ~~إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم PageV01P154 وعدهم عدا أصحاب النفوس ~~الأمارة بالسوء المسولة الموافقة للهوى المخالفة للمولى وعباد الرحمن الذين ~~يمشون على الأرض هونا إلى آخر وصفهم أولو النفس المرحومة المطمئنة المرضية ~~هم عباد الرحمن أهل العلم والحكمة علمهم من لدنه واختارهم لنفسه ولا يكون ~~المريد بدلا حتى يبدل بمعاني صفات الربوبية صفات العبودية وبأخلاق الشياطين ~~أوصاف المؤمنين وبطبائع البهائم أوصاف الروحانيين من الأذكار والعلوم ، ~~فعندهاكان بدلا مقربا والطريق إلى هذا بأن يملك نفسه فيملكها وتسخر له ~~فيسلط عليها فإن أردت أن تملك نفسك فلا تملكها وضيق عليها ولا توسع لها فإن ~~ملكتها ملكتك وإن لم تضيق عليها اتسعت عليك فإن أردت الظفر بها فلا تعرضها ~~لهواها واحتبسها عن معتاد بلاها فإن لم تمسكها انطلقت بك وإن أردت أن تقوى ~~عليها فأضعفها بقطع أسباب هواها وحبس مواد شهواتها وإلا قويت عليك فصرعتك ~~فأول الملكة لها أن تحاسبها في كل ساعة وتراقب حسبتها في كل وقت وتقف عند ~~كل همة من خواطرها فإن كانت الهمة لله عز وجل سابقت الموت وبادرت الفوت في ~~إمضائها وإن كانت الهمة لغير الله تعالى سابقت وبادرت في محوها لئلا تثبت ~~وعملت في الإستبدال بها كيلا تستبدل بك ، وفي تأويل الخبر المروي البر يزيد ~~في العمر وهو معنى الدعاء المشهور من قول الناس : جعل الله في عمرك البركة ~~، وقد بورك له في عمره ، فإن البركة في العمر أن تدرك في عمرك القصير ~~بيقظتك ما فات غيرك من عمره الطويل بغفلته فيرتفع لك في سنة ما لا يرتفع له ~~في عشرين سنة وللخصوص من المقربين في مقامات القرب عند التجلي بصفات الرب ~~الحاق برفيع الدرجات وتدارك ما فات عند أذكارهم وأعمال قلوبهم اليسيرة في ~~هذه الأوقات ، فكل ذرة من ذكر بتسبيح أو تهليل أو حمد أو تدبر وتبصرة وتفكر ~~وتذكرة بمشاهدة قرب ووجد برب ms0195 ونظرة إلى حبيب ودنو إلي قريب أفضل من أمثال ~~الجبال من أعمال الغافلين الذين هم بنفوسهم واجدون وللخلق مشاهدون مثل ~~العارفين فيما ذكرته من قيامهم بمشاهدتهم ورعايتهم لأمانتهم وعهدهم في وقت ~~قربهم وحضورهم مثل العامل في ليلة القدر العمل فيها لمن وافقها خير من ألف ~~شهر ، وقد قال بعض العلماء كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر . وروينا عن ~~علي رضي الله عنه : أنه قال كل يوم لا يعصى الله عز وجل فيه فهو لنا عيد ~~وكان الحسن إذا تلا قوله تعالى : ( كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في ~~الأيام الخالية ) ، الحاقة : 24 قال : يا إخواني هي والله أيامكم هذه ~~فاقطعوها بالجد والاجتهاد ولا تضيعوها فخلوها فراغا من حسن المعاملة ~~وبطالتك فيها عن الشغل بمعادك المحصول عليك منها ، كما قال المبطلون : يا ~~حسرتنا على ما فرطنا فيها يعني في الأيام الخالية التي هي محصولهم ومرجعهم ~~ومثواهم ، وكما قالت النفس الأمارة بالسوء : يا حسرتا على ما PageV01P155 ~~فرطت في جنب الله يعني أيام الدنيا التي ضيعت العمر فيها فخلت من الثواب ~~والجزاء غدا ، وهذا أحد الوجهين في قوله الأيام الخالية ، والوجه الآخر ~~الخالية أي الماضية خلت أوقاتها وخلدت أحكامها وذهبت شهواتها وبقيت ~~عقوباتها فإن قصرت عن هذه المحاسبة للحسيب ولم يكن لك مقام المراقبة للرقيب ~~ولا مكان المحاسبة للحبيب فلا يفوتنك مقام الورعين ولا تبن عن حال التائبين ~~وهو أن تجعل لك وردين في اليوم والليلة لمحاسبة النفس وموافقتها مرة بعد ~~صلاة الضحى لما مضى من ليلتك وماسلف من غفلتك ، فإن رأيت نعمة شكرت الله ~~وإن رأيت بلية استعفرت فإن وجدت في حالك أوصاف المومنين التي وصفهم الله ~~عزوجل ومدحهم عليها رجوت وطمعت واستبشرت ، وإن وجدت من قلبك وحالك وصفا من ~~أوصاف المنافقين أو خلقا من أخلاق الجاهلين التي ذمهم الله عز وجل بها ~~ومقتهم عليها حزنت وأشفقت وتبت من ذلك واستغفرت ، والمرة الثانية أن تحاسب ~~نفسك بعد الوتر وقبل النوم لمامضى من يومك من طول غفلتك وسوء معاملتك ~~ومافعلته من أعمالك كيف فعلتها ms0196 وماتركته من سكوتك وصمتك لم تركته ولمن ~~تركته فتنعقد الزيادة والنقصان وتعرف بذلك التكلف والإخلاص من حركتك وسكونك ~~فما تحركت فيه وسكنت لأجل الله عز وجل به فهو الإخلاص ثوابك فيه على الله ~~عز وجل عند مرجعك إليه فأعمل في الشكر على نعمة التوفيق وحسن العصمة من ~~التهلكة وما سكنت فيه أو تحركت لهواك وعاجل دنياك فهو التكلف ، الذي أخبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه هو والأتقياء من أمته برآء من التكلف وقد ~~استوجبت فيه العقاب عند نشر الحساب إلا أن يغفر المولى الكريم الوهاب فاعمل ~~حينئذ في الاستغفار بعد حسن التوبة وجميل الاعتذار وخف أن يكون قد وكلك إلى ~~نفسك فتهلك ، فلعل مشاهدة هذين المعنيين من خوف ما سلف منك والطمع في قبول ~~ما أسلفت يمنعك من المنام ويطرد عنك الغفلة فتحيي ليلتك بالقيام فتكون ممن ~~وصف الله عز وجل في قوله : ( تتجافي جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا ) السجدة : 16 قد قال بعض السلف : كان أحدهم يحاسب نفسه أشد من ~~محاسبة الشريك لشريكه ، وقد قال بعض العلماء : من علامة المقت أن يكون ~~العبد ذاكرا لعيوب غيره ناسيا لعيوب نفسه ماقتا للناس على الظن محبا لنفسه ~~على اليقين وترك محاسبة النفس ومراقبة الرقيب من طول الغفلة عن الله عز وجل ~~والغافلون في الدنيا هم الخاسرون في العقبي لأن العاقبة للمتقين قال الله ~~عز وجل : ( وأولئك هم الغافلون ) النحل : 108 لاجرم أنهم في الآخرة هم ~~الخاسرون وطول الغفلة من العبد عن طبائع االقلب من المعبود والغفلة في ~~الظاهر غلاف القلب في الباطن ، تقول العرب غفله وغلفه بمعنى كماتقول جذب ~~وجبذ وخشاف وخفاش وطبائع القلب عن ترادف الذنب PageV01P156 بعضه فوق بعض ~~وهوالران الذي يتعقب الكسب فيكون عقوبة له . قال الله تعالى : ( كلا بل ران ~~على قلوبهم ما كانوايكسبون ) المطففين : 14 ، قيل : الكاسب الخبيثة وأكل ~~الحرام ، وفي التفسير : هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب ، وأصل الرين ~~الميل والغلبة وهو التغطية أيضا ، يقال : ران عليه النعاس إذا غلبه ورانت ms0197 ~~الخمر على عقله أي غطته ، ومن هذا قول عمر رضي الله عنه في سابق الحاج ~~فادان معرضا فأصبح وقد رين به أي مال به الدين فغلبه ، وأصل ترادف الذنوب ~~من إغفال المراقبة وإهمال المحاسبة وتأخير التوبة والتسويف بالاستقامة وترك ~~الاستغفار والندم ، وأصل ذلك كله هوحب الدنيا وإيثارها على أمر الله عز وجل ~~وغلبة الهوى على القلب ، ألم نسمع إلى قوله عز وجل : ( ذلك بأنهم استحبوا ~~الحياة الدنيا على الآخرة ) النحل : 107 إلى قوله عز وجل : ( أولئك الذين ~~طبع الله على قلوبهم ) النحل : 108 وقال في دليل الخطاب : ( ونهى النفس عن ~~الهوى ) النازعات : 40 يعني عن إيثار الدنيا لأن صريح الكلام وقع في وصفهم ~~بالطغيان وإيثار الحياة الدنيا ، ثم قال : ( طبع الله على قلوبهم واتبعوا ~~أهواءهم ) محمد : 16 ، فاتباع الهوى عن طبائع القلب وطبائع القلب عن عقوبة ~~الذنب وميراث العقاب الصمم عن فهم الخطاب ، أما سمعته يقول : لو نشاء ~~أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون وقد جعل علي رضي الله عنه ~~الغفلة مقاما من مقامات الكفر فقال في حديثه الطويل : فقام إليه سلمان فقال ~~: أخبرنا عن الكفر على ما بني فقال : على أربع مقامات : على الشك ، والجفاء ~~، والغفلة ، والعمى ، فإذا كثرت غفلة القلب قل إلهام الملك للعبد وهو سمع ~~القلب لأن طول الغفلة يصمه عن السمع وعدم سمع الكلام من الملك عقوبة ~~الخطايا وتثبيت الملك للعبد على الخير والطاعة وحي من الله عز وجل إليهم ~~وتفضيل للعبد ، أما سمعت قول الله عز وجل : ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني ~~معكم فثبتوا الذين آمنوا ) الأنفال : 12 ، وفي الخبر : إن آدم عليه السلام ~~حجب عن سمع كلام الملائكة فاستوحش بذلك فقال : يا رب مالي لا أسمع كلام ~~الملائكة ؟ فقال : خطيئتك يا آدم ، فإذا لم يسمع العبد كلام الملائكة لم ~~يفهم كلام الملك ، وإذا لم يسمع الكلام لم يستجب للمتكلم إنما يستجيب الذين ~~يسمعون ، وقال الحسن : إن بين العبد وبين الله عزوجل حدا محدودا من الذنوب ~~فإذا بلغه العبد طبع على قلبه ms0198 فلم يوفقه للخير أبدا فبادر أيها المجاوز ~~للحدود بالتوبة والرجوع قبل أن تبلغ الحد فتلقى عيا وجهدا ، وفي حديث ابن ~~عمر الطابع معلق بقائم عرش الرحمن فإذا انتهكت المحارم بعث الله عزوجل ~~بالطابع على القلوب فأعماها وهذا هوالقفل الذي قال الله عز وجل : ( أفلا ~~يتدبرون القرآن ) النساء : 82 أم على قلوب أقفالها PageV01P157 واعلم أن ~~القسوة التي يهدد الله عز وجل عليها بالويل المتولدة من طول الغفلة في قوله ~~عزوجل ( فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ) الزمر : 22 وقد قرنها الله عز ~~وجل بالنفاق وأخبر أنه يجعل إلقاء الشيطان فتنة لأهل النفاق والقسوة ، ~~فإلقاءالشيطان يكثر عند قلة إلهام الملك كماذكرنا آنفا ينتظم ذلك قوله عز ~~وجل : ( ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم ) الحج : 53 أي ~~وللقاسية قلوبهم أيضا ، والقسوة ثمرة البعد والبعد عقوبة الخيانة والله لا ~~يحب الخائنين ، فذلك من تدبر الخطاب من قوله : ( فبما نقضهم ميثاقهم ) ~~المائدة : 13 أي فبنقضهم الميثاق وماصلة في الكلام فهذا هوالخيانة ، لعناهم ~~أي أبعدناهم وجعلنا قلوبهم قاسية بترادف الذنوب بعد القسوة من الكذب ~~والنسيان وكثرة الإطلاع على الخيانة منهم والبهتان فأصيبوا بالذنوب فوقع ~~الطابع على القلوب فصمت عن سمع كلام المحبوب ، كما قال : ( أصبناهم بذنوبهم ~~ونطبع على قلوبهم ) الأعراف : 100 ، فجلاء هذا الطابع التقوى فهو مفتاح ~~السمع كما قال : اتقوا الله واسمعوا والله تعالى الموفق . PageV01P158 # | الفصل السادس والعشرون فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة # أعلم أن مشاهدة المراقبين هي أول مراقبة المشاهدين ، وذلك إن من كان ~~مقامه المراقبة كان حاله المحاسبة ومن كان مقامه المشاهدة كان وصفه ~~المراقبة فأول شهادة المراقب هو أن يعلم يقينا أن لا يخلو في كل وقت وإن ~~قصر من أحد ثلاثة معان : أن يكون لله عز وجل عليه فرض ، والفرض على ضربين ~~شيء أمر بفعله أو شيء أمر بتركه وهو اجتناب المنهي ، والمعنى الثاني ندب حث ~~عليه وهو المسابقة بخير يقربه إلى الله عز وجل والمسارعة بعمل بر يبتدره ~~قبل فوته ، والمعنى الثالث شيء مباح فيه صلاح جسمه ms0199 وقلبه وليس للمؤمن وقت ~~رابع فإن أحدث وقتا رابعا فقد تعدى حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم ~~نفسه وقد أحدث في دين الله سبحانه وتعالى ومن أحدث في دين الله فقد سلك غير ~~طريق المتقين ، ألم تسمع إلى قوله عز وجل : ( وهو الذي جعل الليل والنهار ~~خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) الفرقان : 62 فهل ترى بين هذين وقتا ~~يجهل أو هوى كما لا ترى بين الليل والنهار وقتا ثالثا ، فالذكر الإيمان ~~والعلم ، فهذان ينتظمان جهل أعمال القلوب والشكر والعمل بأخلاق الإيمان ~~وأحكام العلوم ، وهذان يشتملان على جميع أعمال الجوارح ، قال الله عز وجل : ~~( اعملوا آل داودشكرا ) سبأ : 12 وقال : ( فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) آل ~~عمران : 123 وقال : ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ) البقرة : 151 إلى قوله ~~: ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ) البقرة : 152 وقال الله تعالى ~~: ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) النساء : 416 وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : وقد عوتب في طول قيامه حتى تورمت قدماه فقال : أفلا ~~أكون عبدا شكورا ، ففسر الشكر بالعمل كما فسر الله عزوجل العمل بالشكر ، ~~والوقت الثالث هو المباح داخل فيهما لأنه معين عليهما وبه استقامة العبد ~~فيهما ، وقد كان بعض العلماء يقول : لنا في معاصي الطاعات هم وشغل عن معاصي ~~المخالفات فيبتدئ العبد المراقب فينظر بيقظته في أدنى وقت هل عز وجل فيه ~~فرض من أمر أو نهي ؟ فيبدأ بذلك حتى يفرغ منه فإن لم يجد فإنه لا يخلو من ~~نوادب وفضائل PageV01P159 فيبتدئ بالأفضل فإن لم يكن عمل في أدنى الفضيلتين ~~فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن يومه لأمسه ومن ساعته ليومه ومن دنياه ~~لآخرته ، كما أمره مولاه في قوله سبحانه وتعالى : ( ولاتنس نصىبك من الدنيا ~~) القصص : 77 أي لا تترك أن تأخذ نصيبك للآخرة من دنياك وهو أن تحسن كما ~~أحسن الله إليك ولا تطلب الفساد في الدنيا فتكون قد نسيت نصيبك من الد نيا ~~ولا تترك أن تأخذ نصيبك من الآخرة فيتركك ms0200 الله من جزيل ثوابه الدي أعد ~~لأحبابه كما قال : ( نسوا الله فنسيهم ) التوبة : 67 أي تركوه فتركهم ، ~~وتركهم له ترك نصيبهم منه وتركه عز وجل لهم ترك محابهم من الآخرة فيبتدئ ~~العبد الفطن فيأخذ من عمره ووقته فيجعله لآخرته التي أيقن بها ثم يأخذ من ~~وقته أعلى ما فيه مما يختص به الوقت ولا يوجد إلا فيه ويفوت دركه بفوت وقته ~~وهو نأفضل ما يقدر عليه مما أداه علمه إليه فيجعله لمولاه ، ثم إن العبد لا ~~يخلو في كل وقت وإن قل من أحد مقامين ، مقام نعمة ، أو مقام بلية فحاله عن ~~مقام النعمة الشكر وحاله عن مقام البلية الصبر ، ثم ليس يفقد أحد مشاهدتين ~~شهود نعمة أو شهود منعم من حيث لا يخلو من وجود مالك وحضور مملوك فعليه ~~الخدمة للموجود وعليه الحضور في خدم المعبود والمراقبةعلامة الحضور ~~والمحاسبة دليل المراقبة ويكون له أيضا في أدنى أوقاته وهو الوقت الثالث ~~الذي هو لمباحه وهو أدنى أحوال المؤمن يكون له فيه مشاهدة منعم أو شهود ~~نعمة لئلا يذهب وقته هذا أيضا فارغا من دنياه ولا يعود عليه شيء من ~~ذكرمولاه أو يذكر نعمة تدله على منعم أو تخرجه إليه فينفعه ذلك في عقباه إذ ~~العاقبة للمتقين فإن شهد منعما اقتطعه الحياء بالسكينة والوقار للهيبة وهذا ~~مخصوص بخصوص ، وإن شهد نعمة استغرقه بالشكر والاعتبارفكان لديه تبصرة ~~وتذكار ، وهذا العموم الخصوص قال الله عزوجل في وصف الأولين : ( ومن كل شيء ~~خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) الذاريات : 49 ففروا إلى الله ، وقال في المقام ~~الثاني : ( ولاتجعلوا مع الله إلها آخر ) الذاريات : 51 وقال في مقام ~~الأولين : ( قل من بيده ملكوت كل شيء وهويجيرولا يجارعليه ) المؤمنون : 84 ~~إلى قوله : ( أفلا تتقون ) الأعراف : 56 وقال في وصف الآخرين ؟ : ( قل لمن ~~الأرض ومن فيها ) المؤمنون : 84 إلى قوله : ( قل أفلا تذكرون ) المؤمنون : ~~85 . وا مع الله إلها آخر ) الذاريات : 51 وقال في مقام الأولين : ( قل من ~~بيده ملكوت كل شيء وهويجيرولا يجارعليه ) المؤمنون : 84 إلى قوله : ( أفلا ms0201 ~~تتقون ) الأعراف : 56 وقال في وصف الآخرين ؟ : ( قل لمن الأرض ومن فيها ) ~~المؤمنون : 84 إلى قوله : ( قل أفلا تذكرون ) المؤمنون : 85 . وقد روينا في ~~الأثر من صفات العاقل وحال المراقب وحشو الأوقات بما ينبغي أن تملأ به جمل ~~ما ذكرناه من حديث أبي ذر الطويل ولا يكون المؤمن ظاعنا إلا في ثلاث : تزود ~~لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم وبمعناه وعلى العاقل أن يكون له ~~أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربه عز وجل ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة ~~يفكر في صنع الله عز وجل ، وساعة يخلو فيها للمطعم والمشرب ، فإن في هذه ~~الساعة عونا له على الساعات وفيه أيضا ثلاث مجملات من صفة العاقل ومن علامة ~~العاقل أن يكون PageV01P160 مقبلا على شانه حافظا للسانه عارفا بزمانه وفي ~~بعضها مكرما لإخوانه فأول وقت المباح من الأوقات فالنوائب والحاجات تطرقه ~~به والفاقات تدخله عليه فلا يتكلفه قبل وقته فيشغله عن وقته ثم إن العباد ~~في مشاهدة الملك على أربع مقامات : كل عبد يشهد الملك من مقامه بعين حاله ~~فمنهم من ينظر إلى الملك بعين التبصرة والعبرة فهؤلاء أولو الألباب الذين ~~كشف عن قلوبهم الحجاب وهم أولو الأيدي والأبصار الذين أقامهم مقام الإعتبار ~~وهذا مقام العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، ومنهم من ينظر إلى الملك وأهله ~~بعين الرحمة والحكمة وهذا مقام الخائفين ، ومنهم من ينظر إلى الملك وأهله ~~بعين المقت والبغضة وهذا مقام الزاهدين ومنهم من ينظر إلى الملك بعين ~~الشهوة والغبطة وهذا مقام الهالكين وهم أبناء الدنيا الذين لها يسعون وعلى ~~فوتها يتحسرون ، فإن أعطى العبدالنظر إلى الملك بعين العبرة والحكمة أدخله ~~الملك على الملك فاستغنى به عما سواه وإن أعطى الخائف النظر إلى الملك بعين ~~الرحمة اغتبط بمقامه وعظمت لربه تعالى عليه النعمة وإن أعطى الزاهد النظر ~~إلى الملك بعين البغضة أخرجه الملك عن الملك بالزهد فيه فعوضه من فوت الملك ~~الصغير درك الملك الكبير ، ومن ابتلى بالنظر إلى الملك بعين الغبطة والحسرة ~~أوقعه الملك في الهلكة فسلك ms0202 طريق المهالك ، ومن شاهد معنى خلق من أخلاق ~~الذوات أو معنى وصف من الصفات كان مقتضاه ما يوجب الخلق أو الوصف من شهود ~~نعيم أو عذاب وهو مقام له في التعريف يرفعه إلى مقام التعرف وهذه شهادة ~~العارفين من كل ماشهدوه من الأفعال التي تدل على معاني الأخلاق والأوصاف ~~لأنه أظهرها عنه ليستدل عليه بها وينظر إليه منها فأما من شهد شهوة من ~~شهوات النفس بعين الهوى أخرجته إلى الأهواء فتخطفه الشياطين وهوت به الريح ~~في مكان سحيق وتنكب طريق المسالك إلى المولى التي تخرجه إلى القريب وتقعده ~~عند الحبيب في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، فمن فاته القرب وقع في التيه ~~والبعد فهو اليائس المغبون الخائن المفتون الذي يكون أبدا يومه شرا من أمسه ~~وغده شرا من يومه ، فالموت خير له من حياته لأن حياته عن الحبيب تبعده ~~وبقاءه عن السبيل يصده ووجده لهواه يفقده وظهور نفسه عليه من السوابق يقعده ~~لأنه إذا كان في إدبار وكان إدباره في إقبال فقد فاته عمره عن آخره كفوت ~~وقت واحد وفوت شيء واحد لأن العمر ليس مما يتأتى فوته دفعة واحدة كشيء واحد ~~لأنه ينشأ وقتا بعد وقت وإنما يفوت جزءا جزءا على حكمة من الله عز وجل ~~وتمهل واستدراج منه وقتا بعد وقت ويوما بعد يوم يستدرجه في ذلك كما يصعد ~~الدراج في الدرج مرقاة مرقاة ، كذلك يشغله في وقت عنه ويفرغه وقتا آخر ~~لغيره ويذكره في وقت سواه وينسيه وقتا آخر إياه فشغله حينئذ كفراغه وذكره ~~يومئذ كنسيانه وعلى هذا سائر أوقاته تارة يقطعه عنه وتارة PageV01P161 يصله ~~بغيره حتى تفنى الأيام بالفوت وتنقضي الأوقات إلى الموت وفي ذلك يسبل عليه ~~الستر ليغتر ويسبغ عليه النعم كيلا يعلم ويديم له العوافي لئلا يفطن ويبسط ~~له الأمل ليزداد من سوء العمل ويقبض عنه الأجل ليقبض منه الوجل وينشر له ~~الرجاء ويطوي عنه الخوف حتى يبغتهم فجأة من حيث أمنهم ويأخذهم بغتة في حال ~~غمرتهم كما قال : ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم ms0203 لا يشعرون ) النمل : 50 ~~ومن معنى ماذكرناه قوله تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء ) الأنعام : 44 أي لماتركوا ما وعظوا به وخوفوا أسبغنا عليهم النعم ~~وأنسيناهم الشكر فترادفت منهم الذنوب وأنسيناهم الإستغفار ، ثم قال : ( حتى ~~إذا فرحوا بما أوتوا ) الأنعام : 44 أي سكنوا إلى ذلك واطمأنوا ولم يريدوا ~~التحويل عنه ولا الاستعتاب منه : ( أخذناهم بغتة ) الكهف : 28 أي فجأة في ~~حين أمنهم وقيل بغتة بعد أربعين سنة فإذا هم مبلسون متحيرون باهتون آيسون ~~من كل خير ، واعلم أن العبد إذا كان بعد ساعة شرا منه قبلها وبعد يوم شرا ~~منه قبله ثم لم يستعتب ولم يتدارك كانت أوقاته كلها وأيامه كيوم واحد في ~~الشر ووقت سرمد في السوء فكان كمن فات عمره كله كفوت وقت واحد منه لأنه على ~~هذا الوصف يكون فوت العمر لتراخيه وقتا بعد وقت وينساه شيئا بعد شيء ~~ولتربية العبد بأوقاته وقتا بعد وقت إلا أنها في آخر الحساب ومجمله كيوم ~~واحدأضاعة فكان مثله كما قال تعالى : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا ) الكهف : 28 وكمن كان حاله الغفلة عن الوعد ~~والوعيد فلما كشف عنه الغطاء حار بصره وبهت واحتد وبرق لمعاينة ما كان عنه ~~غفل وحسرة على ما فيه فرط لقوله تعالى : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا ~~عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ق : 22 ، قيل محدد إلى أعمالك السيئة أو ثقتك ~~وقيل حديد إلى لسان الميزان يتوقع النقص والرجحان وكان كمن قال تعالى في ~~قوله : ( وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة ) مريم : 39 قيل ~~جاءهم الموت وهم مشغولون بأمور الدنيا وقيل : كانوا متشاغلين في شأن النساء ~~وبوصف من قيل له وغرتكم الأماني يعني أماني الهوى حتى جاء أمر الله أي قدم ~~الموت ولم تقدموا له شيئا يقدموا به عليه فمثلهم كمن وصفه بالإفلاس وأخبر ~~عنه بالإياس في قوله عز وجل : ( حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده ms0204 ~~فوفاه حسابه ) النور : 39 . ( أخذناهم بغتة ) الكهف : 28 أي فجأة في حين ~~أمنهم وقيل بغتة بعد أربعين سنة فإذا هم مبلسون متحيرون باهتون آيسون من كل ~~خير ، واعلم أن العبد إذا كان بعد ساعة شرا منه قبلها وبعد يوم شرا منه ~~قبله ثم لم يستعتب ولم يتدارك كانت أوقاته كلها وأيامه كيوم واحد في الشر ~~ووقت سرمد في السوء فكان كمن فات عمره كله كفوت وقت واحد منه لأنه على هذا ~~الوصف يكون فوت العمر لتراخيه وقتا بعد وقت وينساه شيئا بعد شيء ولتربية ~~العبد بأوقاته وقتا بعد وقت إلا أنها في آخر الحساب ومجمله كيوم واحدأضاعة ~~فكان مثله كما قال تعالى : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه ~~وكان أمره فرطا ) الكهف : 28 وكمن كان حاله الغفلة عن الوعد والوعيد فلما ~~كشف عنه الغطاء حار بصره وبهت واحتد وبرق لمعاينة ما كان عنه غفل وحسرة على ~~ما فيه فرط لقوله تعالى : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك ~~اليوم حديد ) ق : 22 ، قيل محدد إلى أعمالك السيئة أو ثقتك وقيل حديد إلى ~~لسان الميزان يتوقع النقص والرجحان وكان كمن قال تعالى في قوله : ( وأنذرهم ~~يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة ) مريم : 39 قيل جاءهم الموت وهم ~~مشغولون بأمور الدنيا وقيل : كانوا متشاغلين في شأن النساء وبوصف من قيل له ~~وغرتكم الأماني يعني أماني الهوى حتى جاء أمر الله أي قدم الموت ولم تقدموا ~~له شيئا يقدموا به عليه فمثلهم كمن وصفه بالإفلاس وأخبر عنه بالإياس في ~~قوله عز وجل : ( حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ) ~~النور : 39 . وقد كان أبو محمد يقول لايبلغ العبد منازل الصديقين حقيقة من ~~هذا الأمر حتى يكون فيه هذه الأربع : أداء الفرائض بالسنة ، وأكل الحلال ~~بالورع ، واجتناب النهي في الظاهر والباطن ، والصبر على ذلك إلى الممات ، ~~وكان الحسن يقول : والله ما لعمل المؤمن انتهاء دون الموت والله ما المؤمن ~~الذي يعمل الشهر ms0205 والشهرين والسنة والسنتين إنما المؤمن المداوم على أمر ~~الله ، الخائف من مكر الله ، إنما الإيمان شدة في لين وعزم في يقين واجتهاد ~~في صبر وعلم في زهد وكان عمر رضي الله عنه إذا تلا قوله PageV01P162 تعالى ~~: ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) الأحقاف : 13 يقول قد قالها ~~الناس ثم رجعوا ، فمن استقام على أمر الله في السر والعلانية والعسر واليسر ~~ولم يخف في الله لومة لائم وقال مرة استقاموا والله لربهم ولم يروغوا روغان ~~الثعالب ، وقال بعض العلماء : من كان طلب الفضائل أهم إليه من أداء الفرائض ~~فهو مخدوع ومن شغل بغيره عن نفسه فقد مكر به ، وقال سفيان الثوري وغيره : ~~إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول فأفضل شيء للعبد معرفته بنفسه ووقوفه على ~~حده وأحكامه لحاله التي أقيم فيها ، فابتداؤه بالعمل بما افترض عليه بعد ~~اجتنابه مانهى عنه بعلم لم يدبره في جميع ذلك وورع يحجزه عن الهوى في ذلك ~~ولا يشتغل بطلب فضل حتى يفرغ من فرض لأن الفضل لا يصح إلا بعد حوز السلامة ~~كما لا يخلص الربح للتاجر إلا بعد حصول رأس المال فمن تعذرت عليه السلامة ~~كان من الفضل أبعد والى الإغترار أقرب وقد تلتبس الفضائل بالفرائض لدقة ~~معانيها وخفي علومها فيقدم العبد النفل وهو يحسب أنه الواجب ، فمن ذلك أن ~~أبا سعيد رافع بن المعلى كان قائما يصلي فدعاه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلم يجبه فظن أن وقوفه بين يدي الله عز وجل بالغيب أفضل له فلما سلم ~~جاءه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : مامنعك أن تجيبني حين دعوتك ~~فقال : كنت أصلي فقال : ألم تسمع الله عز وجل يقول : ( استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال : 24 فكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دعاه وهو في الصلاة ليفيده باطن العلم أو لينظر مبلغ علمه كيف يعمل ~~وكان إجابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من صلاته لأن صلاته نافلة ~~له فهو مطيع الله عز وجل في ms0206 الغيب باختياره وإجابته لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أفضل من صلاته لأنها فريضة عليه فهو مطيع لله تعالى في الشهادة ~~بإيجابه ففضل استجابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم على صلاته لنفسه كفضل ~~الفرض على النفل ، وقد قال سبحانه : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) ~~النساء : 80 وقال تعالى : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) الفتح : ~~10 والله تعالى معه في المكانين معا وهو عند الرسول عليه السلام على يقين ، ~~فعبادة الله عز وجل ههنا أبلغ في مرضاته وأثوب له في آخرته ، وفي هذا ~~الحديث دليل أن الخبر إذا ورد في أمر كان على جملة عمومه وكلية ما تعلق به ~~حتى تخص السنة أو الإجماع بعض شأنه ومن ذلك أن قول الله عز وجل : ( ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال : 24 ، إن ظاهره ~~مقصور على الاستجابة للرسول لله بالإيمان بالطاعة في أوامر القرآن لا ~~الإجابة له في التصويت خاصة في الصلاة وهذا هو الذي حمله أبو سعيد ابن ~~المعلى عليه وتأوله من الآية فأشكل عليه ، ومثل هذا فعل عمار في التيمم لما ~~نزلت آية الإباحة للتيمم في صلاة الفجر وهم في سفر ، فقال عز وجل : ( فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) النساء : 43 ولم ~~يكن يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم في تخصيص بعض اليد شيئا قال : ~~PageV01P163 فتيممنا إلى المناكب واستوعب جملة اليد لعموم الخطاب حتى أخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأمرهم بالتيمم إلى المرفقين ، وفي خبر : ~~إلى الزندين باختلاف الروايتين فخص بعض اليد فلذلك اختلف العلماء في تبعيض ~~اليد في المسح وكذلك العمل فيما ورد مجملا أن يستعمل في الجملة حتى تخصه ~~السنة ، فمن ذلك ما روي أن رجلين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تآخيا في العبادة فاعتزلا الناس فقال أحدهما لصاحبه : هلم اليوم فلننفرد عن ~~الناس ونلزم الصمت فلا نكلم من يكلمنا فإنه أبلغ في عبادتنا ، قال : ~~فاعتزلا في خلوة وصمتا فمر بهما رسول الله صلى ms0207 الله عليه وسلم فسلم عليهما ~~فلم يردا عليه السلام ، قال : فسمعناه يقول حين جاوزنا : هلك المعتمقون ~~المتنطعون فاعتذرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابا من ذلك إلى الله ~~عز وجل ، ومثل ذلك ماروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس ذات ليلة ~~فنظر إلى مصباح أبيض في خلل باب فاطلع فإذا قوم على شراب لهم فلم يدر كيف ~~يصنع فدخل المسجد فأخرج عبد الرحمن بن عوف فجاء به إلى الباب فنظر وقال له ~~: كيف ترى أن نعمل ؟ فقال : أرى والله أنا قد أتينا مانهانا الله عنه لأنا ~~تجسسنا على عورة فاطلعنا عليها وقد سترها الله دوننا وما كان لنا أن نكشف ~~ستر الله عز وجل ، فقال : ماأراك إلا قد صدقت سبعا ما أنفذ عنك فانصرفنا ، ~~وفي لفظ آخر أنه قال له : أرى أنا قد عصينا الله ورسوله ونهانا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن التجسس فقال : صدقت فأخذ بيده وانصرف . ونلزم الصمت ~~فلا نكلم من يكلمنا فإنه أبلغ في عبادتنا ، قال : فاعتزلا في خلوة وصمتا ~~فمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليهما فلم يردا عليه السلام ، ~~قال : فسمعناه يقول حين جاوزنا : هلك المعتمقون المتنطعون فاعتذرا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وتابا من ذلك إلى الله عز وجل ، ومثل ذلك ماروي أن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس ذات ليلة فنظر إلى مصباح أبيض في خلل ~~باب فاطلع فإذا قوم على شراب لهم فلم يدر كيف يصنع فدخل المسجد فأخرج عبد ~~الرحمن بن عوف فجاء به إلى الباب فنظر وقال له : كيف ترى أن نعمل ؟ فقال : ~~أرى والله أنا قد أتينا مانهانا الله عنه لأنا تجسسنا على عورة فاطلعنا ~~عليها وقد سترها الله دوننا وما كان لنا أن نكشف ستر الله عز وجل ، فقال : ~~ماأراك إلا قد صدقت سبعا ما أنفذ عنك فانصرفنا ، وفي لفظ آخر أنه قال له : ~~أرى أنا قد عصينا الله ورسوله ونهانا رسول الله صلى ms0208 الله عليه وسلم عن ~~التجسس فقال : صدقت فأخذ بيده وانصرف . ورينا نحو هذا أن عمر رضي الله عنه ~~كان يعس ليلة مع ابن مسعود فاطلع من خلل الباب فإذا شيخ بين زق خمر وقينة ~~تغنيه فتسور عليه وقال : ماأقبح بشيخ مثلك أن يكون على مثل هذه الحال ، ~~فقام إليه الرجل فقال : ياأمير المؤمنين أنشدك الله ألا أنصفتني حتى أتكلم ~~فقال له : قل فقال : إن كنت قد عصيت الله عز وجل في واحدة فقد عصيته أنت في ~~ثلاث ، قال : وماهي ؟ قال : قد تجسست وقد نهاك الله عز وجل عن ذلك وتسورت ~~وقد قال الله عز وجل ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) البقرة : ~~189 ودخلت بغير إذن وقد قال الله عز وجل ( لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) النور : 27 فقال عمر : صدقت فهل أنت غافر لي ~~ذلك فقال : غفر الله لك فخرج عمر وهو يبكي حتى علا نشيجه وهو يقول : ويل ~~لعمر إن لم يغفر الله له ، تجد الرجل كان يتخفى بهذا عن ولده وجاره فالآن ~~يقول : رآني أمير المؤمنين ونحو ذلك ، وجاء في الخبر : إذا دعي أحدكم إلى ~~طعام فإن كان مفطرا فليجب وإن كان صائما فليقل إني صائم ، فأمره بإظهار ~~عمله وهو يعلم أن الإخفاء أفضل ولكن إظهار عمله من حيث لايؤثر في قلب أخيه ~~وجدا أفضل من إخفائه لنفسه مع تأثير ذلك في قلب أخيه لتفضيل المؤمن وحرمته ~~على الأعمال إذ الأعمال موقوفة على العامل وإنما يعطي الثواب على قدر ~~العامل لا على قدر العمل لتضعيف الجزاء لمن يشاء على غيره في العمل الواحد ~~فدل ذلك أن المؤمن أفضل من العمل فقيل له : ارفع التأثير والكراهة عن قلب ~~أخيك بإظهار عملك فهو خير لك من PageV01P164 إخفاء العمل مع وجد أخيك عليك ~~لأن أخاك إذا دعاك إلى طعام صنعه لك فلم تجبه ولم تعتذر إليه عذرا بينا ~~يقبله منك ويعرفه شق عليه إن كان صادقا في دعائك . وبمعنى هذا من خفي ~~الأعمال ما ms0209 يحكى عن بعض السلف أنه كان يكون في الجماعة فيقرأ في نفسه سرا ~~لئلا يطلع على أعماله أحد فإذا مر بآية فيها سجدة سجد بين الملأ فكنا نعرف ~~بسجوده أنه يقرأ فلعل فارغا قليل الفقه يقول : إن هذا قدأظهر عمله إذ فعل ~~ما يدل عليه فلو ترك السجود ليخفي عمله كان أفضل لأنه قد أظهر ما أخفاه ~~فهذا يدل على جهله بالمعاملة ، وقد سمعت بعض العلماء يطعن على هذا بفعله ~~بمعنى ما ذكرناه من القول وهكذا يكون علم المريدين القصيرين العلم وليس ~~الأمر كما قدره هذا المنكر بسجوده بل القائل المنكر لفعله قليل الفقه ~~بدقائق الإخلاص جاهل بطريقة العاملين من العارفين والعامل الذي نقل عنه هذا ~~الفعل فقيه مخلص وذلك لأنه قد حاز الفضلين معا لأنه كان فاضلا فيما أخفى إذ ~~ابتدأ عمله بالخفية فلما جاء السجود الذي لايكون إلا ظاهرا لم يصلح أن يترك ~~قربة إلى الله عز وجل من أجل الناس فكان يسجد كما أمر به ويقرأ كما ندب ~~إليه فصار فاضلا في الحال الثاني لأنه أظهر لأجل الله عز وجل كما أخفى ~~لأجله ولأنه ترك مراقبة الناس ولم يترك عمله لأجلهم ولو كان الفضل في ترك ~~السجود لإخفاء العمل كان الأفضل لمن دخل عليه في منزله وهو يصلي أن يقعد ~~لأجلهم . وقد وردت السنة في ذلك أن له أجرين : أجر السر وأجر العلانية ، ~~كيف وقد كانوا يعدون أن الرياء ترك العمل لأجل الناس فأما العمل لأجلهم ~~فشرك ، وقد قيل : لا تعمل للرياء و لا تترك العمل للحياء ، فالحياء من ~~الخلق شرك كما إن الحياء من الخالق إيمان . وأيضا لو أنه أطاع العدو في ترك ~~العمل لأجل الناس أطاعه مرة أخرى في العمل لأجلهم ، ومثل هذا كمثل من كان ~~يصوم ويصلي يومه أجمع في منزله لا يعلم به مخلوق فلو نوى الاعتكاف ليضمه ~~إلى صومه خرج إلى المسجد فكان يصلي مقيما فيه فظهر الناس على عمله فلم يكن ~~ليدع مانواه من العكوف في المسجد لأجل نظرهم إليه ولم ms0210 يضره ظهور عمله ~~لثباته على نيته ولمزيد من الاعتكاف إذا كان عالما متمكنا ، وأيضا فان ~~الإمام المتمكن المقتدى به لايضره ظهور الناس على أعماله إذا لم يقصد ذلك ~~ولم يحب مدحهم وربما كان له أجر ، إن في ذلك لتنبيه الغافلين عن الذكر ~~وتشويق العاملين إلى البر كيف وعند بعض العلماء أن سجود القرآن فرض وأن على ~~من سمع آية سجدة أو تلاها وكان على غير وضوء أن يسجد لها إذا توضأ ، ونحو ~~هذه المعاني ما هو حال للعبد وأولى به من حال غيره ما رواه أبو نصر التمار ~~أن رجلا جاء يودع بشر بن الحرث قال : قد عزمت على الحج أفتأمرني بشيء ؟ ~~فقال له بشر : كم أعددت للنفقة ؟ قال : ألفي درهم قال : فأي شيء تبتغي بحجك ~~نزهة أو اشتياقا إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله عز وجل ، قال : ابتغاء ~~مرضاة الله عز وجل قال : فإن أصبت PageV01P165 رضا الله وأنت في منزلك ~~وتنفق ألفي درهم وتكون على يقين من مرضاة الله عز وجل أتفعل ذلك ؟ قال نعم ~~: قال : اذهب فأعطها عشرة أنفس ؛ مدين يقضي بها دينه ، وفقير يرم شعثه ، ~~ومعيل يحيي عياله ، ومربي يتيم يفرحه ، وإن قوى قلبك أن تعطيها لواحد فافعل ~~، فإن ادخالك السرور على قلب امرئ مسلم وتغيث لهفان وتكشف ضر محتاج وتعين ~~رجلا ضعيف اليقين أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام قم فأخرجها كما أمرناك ~~وإلا فقل لنا ما في قلبك فقال : ياأبا نصر سفري أقوى في قلبي فتبسم بشر ~~وأقبل عليه ، وقال له : المال إذا جمع من وسخ التجارات والشبهات اقتضت ~~النفس إلى أن تقضي به وطرا ويشرع إليه فظاهرت أعمال الصالحات وقد آلى على ~~نفسه أن لا يقبل إلا عمل المتقين ، وفي نحوه قيل لبشر أيضا إن فلانا الغني ~~كثير الصوم والصلاة فقال : المسكين ترك حاله ودخل في حال غيره إنما حال هذا ~~إطعام الطعام للجياع والإنفاق على المساكين فهذا أفضل له من تجويعه نفسه ~~ومن صلاته لنفسه مع جمعه للدنيا ومنعه للفقراء ، وقد يكون ms0211 اختفاء الأوجب من ~~الفرائض والتباسه بالفضائل محنة من الله عز وجل لعباده وحكمة له فيهم ~~فيرتكبون التأويل للسعة ويتركون الضيق لخفائه عليهم لينفذ فيهم العلم ويجري ~~عليهم الحكم ويكون ذلك تأديبا لهم وتعريفا ومزيدا في التسليم وتوفيقا ، وقد ~~قال الله تعالى فيما عتب على نبيه صلى الله عليه وسلم ووعظه وزجره في قوله ~~تعالى : ( عبس وتولى ) ( أن جاءه الأعمى ) ( ومايدريك لعله يزكى ) عبس : 1 ~~- 2 - 3 ، يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغتم في عمره كغمه حين ~~أنزل عليه سورة عبس لأن فيها عتبا شديدا على مثله لأنه الحبيب الرشيد ومع ~~ذلك لم يقصده في الخطاب فيكون أيسر للعتاب بل كشف ذلك للمؤمنين ونبه على ~~فعله عباده المتقين لأن معنى قوله عبس وتولى : أي انظروا أيها المؤمنون ، ~~أو اعجبوا إلى الذي عبس وتولى أن جاءه الأعمى ، ولذلك روي أن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه بلغه أن بعض المنافقين يؤم قومه فكان لا يقرأ بهم إلا بسورة ~~عبس فأرسل فضرب عنقه يستدل بذلك على كفره ليضع من الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بذلك عنده وعند قومه ومثله قوله عز وجل عاتبا على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) التوبة 43 ونحوه : ( لم تحرم ما أحل ~~الله لك تبتغي مرضات أزواجك ) التحريم : 1 وبمعناه قوله عز وجل : ( وتخفي ~~في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) الأحزاب : 37 حتى ~~قالت عائشة رضي الله عنها : لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من ~~القرآن كتم هذه الآية ، ومن أعجب ما سمعت في هذا المعنى ماحدثونا في ~~الإسرائيليات عن وهب بن منبه اليماني أن سليمان بن داود عليهما السلام لما ~~قبضه الله عز وجل خلف رجالا من ولده يعمرون بيت المقدس ويعظمونه برهة من ~~الدهر حتى خلفه بعدهم رجل من ولد سليمان فخالف طريقة آبائه وترك شريعتهم ~~وتكبر في الأرض وطغى وقال بني جدي داود وأبي سليمان مسجدا فما لي ms0212 لا أبني ~~مسجدا مثل ما بنو وأدعو الناس إلى شريعتي كما دعوا PageV01P166 فبنى مسجدا ~~يضاهي به بيت المقدس وادعى على الله عز وجل أنه أمره بذلك وصرف الناس إليه ~~وبذل لهم الأموال وأخرب مسجد بيت المقدس وهجره فدخل الناس في دينه رغبة ~~ورهبة ، قال : فابتعث الله نبيا من بعض أهل القرى فقال : اركب أتانك هذه ~~وأت هؤلاء القوم أحفل ما يكونون فناد في مسجدهم ومجمعهم بأعلى صوتك : ~~يامسجد الضرار إن الله عز وجل حلف باسمه ليوحشنك من عمارك وليقتلن أهلك فيك ~~وليشدخنهم بخشبك وجندلك ولتلغن الكلاب دماءهم وتأكل لحومهم فيك وناد في ~~المدينة بأعلى صوتك بمثل ذلك ولا تأكل ولا تشرب ولا تستظل ولا تنزل عن ~~أتانك هذه حتى ترجع إلى قريتك التي خرجت منها قال ففعل ذلك فثار الناس إليه ~~يضربونه بالخشب ويشجونه بالحجارة وهو على أتانه لاينزل عنها فناله على ذلك ~~أذى كثير وضرب عظيم ثم كر راجعا في آخر النهار يؤم قريته التي خرج منها وقد ~~أدى الرسالة وصبر على الضرب والبلاء لله عز وجل فلما كان ببعض الطريق سمع ~~به نبي آخر كان في بعض القرى استقبله وسلم عليه فقال : إنك قد أديت رسالة ~~ربك وإنك أمضيت أمره وإنك قد نصبت ولقيت عناء من هؤلاء القوم وأنت جائع ~~عطشان تسيل دماؤك على جسدك وثيابك فاغد إلى منزلك فكل واشرب واسترح واغسل ~~جسدك وثيابك فقال إن الله عز وجل لما أرسلني قد كان عهد إلي أن لا آكل ولا ~~أشرب ولا أستظل حتى أرجع إلى أهلي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : فإني ~~من أهلك لأنني نبي مثلك وأخوك في الدين فلا أرى الله عز وجل عني بذلك إلا ~~القوم الذين بعثك إليهم لأنهم أعداؤه فنهاك أن تأكل من طعامهم وتستظل عندهم ~~ولا أحسب حرم عليك دخول منزلي ولا الأكل من طعامي لأني شريكك في الأخوة ~~والنبوة قال : فصدقه وانصرف معه إلى منزله ، فلما وضع الطعام بين يديه ~~وأهوى ليأكل عن جوع شديد قد أضر به ms0213 أوحى الله عز وجل إلى ذلك النبي الذي ~~دعاه إلى منزله قل له : آثرت شهوتك وبطنك على أمري ألم أعهد إليك أن لا ~~تنزل ولا تستظل ولا تأكل حتى ترجع إلى قريتك التي خرجت منها ولولا أنك ~~اجتهدت برأيك وقلت بمبلغ علمك لعمكما العقاب وهو أقل عندي عذرا منك لأني ~~عهدت إليه فآثر هواه شهوته وترك عهدي ، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم ~~بما أمر فوثب مذعورا يجر إزاره وجعل يرحل أتانه ويعجل ولا يعقل ما هو فيه ~~فركبها طاردا لها على وجهه لجوعه وعطشه ودماؤه على ثيابه وجسده لاينثني ، ~~فلما هبط عن عقبة تحتها غيضة عارضه سبع فافترسه وانتصب السبع مقعيا على ~~قارعة الطريق يزأر يحرس أتانه ورحله كلما أقبل إنسان زأر الأسد عليه حتى ~~يطرده فسمع بخبره ذاك النبي فأقبل نحوه فلما نظر إليه الأسد انصرف عنه وخلى ~~بينه وبينه قال : فكفنه وواراه وانصرف برحله وأتانه إلى أهله ، فقال : يارب ~~عبدك هذا الذي بلغ رسالتك وأمضى أمرك وقد كان أجهده البلاء PageV01P167 ~~فخالف ماأردت فلم يعلم فعاقبته بهذه العقوبة فأوحى الله عز وجل إليه ليست ~~هذه عقوبة ولم أفعل ذلك لهوانه علي ولكن هذه مغفرة ورحمة ، إنه خالف أمري ~~وكان قد اقترب أجله فكرهت له أن يلقاني على المخالفة فألقاه بما يكره فقيضت ~~له كلبا من كلابي فطهره للقائي فكان ذلك له عندي شهادة ودرجة فوق نبوته ~~فقال سبحانك وبحمدك أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين فالعالم عند العلماء من ~~علم خير الخيرين ، فسبق إليه قبل فوته وعلم شر الخيرين فأعرض عنه لئلا ~~يشغله عن الأخير منهما وعلم أيضا خير الشرين ففعله إذا اضطر إليه وابتلى به ~~وعلم شر الشرين فأمعن في الهرب منه واحتجب بحجابين عنه وفي هذه المعاني ~~دقائق العلوم # PageV01P168 # | الفصل السابع والعشرون فيه كتاب أساس المريدين # قال بعض العلماء : الخلق محجوبون بثلاث ؛ حب الدرهم ، وطلب الرياسة وطاعة ~~النساء ، وقال بعض العارفين : الذي قطع العباد عن الله عز وجل ثلاثة أشياء ~~؛ قلة الصدق في الإرادة ، ، والجهل بالطريق ، ونطق علماء ms0214 السوء بالهوى ، ~~وقال بعض علمائنا : إذا كان المطلوب محجوبا والدليل مفقودا والاختلاف ~~موجودا لم ينكشف الحق ، وإذا لم ينكشف الحق تحير المريد ، واعلم أن المريد ~~لابد له من خصال سبع : الصدق في الإرادة وعلامته إعداد العدة ولا بد له من ~~التسبب إلى الطاعة وعلامة ذلك هجر قرناء السوء ولا بد له من المعرفة بحال ~~نفسه وعلامة ذلك استكشاف آفات النفس ولا بد له من مجالسة عالم بالله وعلامة ~~ذلك إيثاره على ماسواه ولا بد له من توبة نصوح فبذلك يجد حلاوة الطاعة ~~ويثبت على المداومة وعلامة التوبة قطع أسباب الهوى والزهد فيما كانت النفس ~~راغبة فيه ولا بد له من طعمة حلال لا يذمها العلم وعلامة ذلك الحلال ~~المطالبة عنه وحلول العلم فيه يكون بسبب مباح وافق فيه حكم الشرع ولا بد له ~~من قرين صالح يؤازره على ذلك وعلامة القرين الصالح معاونته على البر ~~والتقوى ونهيه إياه عن الإثم والعدوان ، فهذه الخصال السبع قوت الإرادة لا ~~قوام لها إلا بها ويستعين على هذه السبع بأربع هن أساس بنيانه وبها قوة ~~أركانه ؛ أولها الجوع ، ثم السهر ، ثم الصمت ، ثم الخلوة ، فهذه الأربع سجن ~~النفس وضيقها وضرب النفس وتقييدها بهن يضعف صفاتها وعليهن تحسن معاملاتها ~~ولكل واحدة من الأربع صنعة حسنة في القلب ، فأما الجوع فإنه ينقص من دم ~~القلب فيبيض وفي بياضه نوره ويذيب شحم الفؤاد وفي ذوبه رقته ورقته مفتاح كل ~~خير لأن في القسوة مفتاح كل شر وإذا نقص دم القلب ضاق مسلك العدو منه لأن ~~دم القلب مكانه فإذا رق القلب ضعف سلطان العدو منه لأن في غلظ القلب سلطانه ~~والفلاسفة يقولون إن النفس كلية الدم وحجتهم في ذلك أن الإنسان إذا مات لم ~~يفقد من جسمه إلا دمه مع روحه ، والعلماء منهم قالوا : الدم هو مكان النفس ~~وهذا هو الصحيح لأنه مواطئ لما في التوراة سمعت أن في التوراة مكتوبا : ~~ياموسى لا تأكل العروق فإنها PageV01P169 مأوى كل نفس وهذا مصدق للحديث ~~الذي روي أن الشيطان يجري ms0215 من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع ~~والعطش ، وقدعبر علماء الكوفة عن الدم بالنفس فقالوا : إذا مات في الماء من ~~الهوام ماليس له نفس سائلة لم ينجس يعنون الخنافس والصراصر والعناكب ، ففي ~~الجوع نقصان الدم ونقصانه ضيق مسلك العدو وضعف مسكن النفس لسقوط مكانها ، ~~وفي خبر عن عيسى عليه السلام : يامعشر الحواريين جوعوا بطونكم وعطشوا ~~أكبادكم وأعروا أجسادكم لعل قلوبكم ترى الله عز وجل يعني بحقيقة الزهد ~~وصفاء القلب ، فالجوع مفتاح الزهد وباب الآخرة وفيه ذل النفس واستكانتها ~~وضعفها وانكسارها وفي ذلك حياة القلب وصلاحه وأقل ما في الجوع إيثار الصمت ~~وفي الصمت السلامة وهي غاية للعقلاء ، وقال سهل رحمه الله : اجتمع الخير ~~كله في هذه الأربع خصال ، وبها صار الإبدال إبدالا إخماص البطون والصمت ~~والسهر والاعتزال عن الناس ، وقال : من لم يصبر على الجوع والضر لم يتحقق ~~بهذا الأمر وكان عبد الواحد بن زيد يحلف بالله ما تحول الصديقون صديقين إلا ~~بالجوع والسهر فإنه ينير القلب ويجلوه وفي استنارته معاينة الغيب وفي جلائه ~~صفاء اليقين فتدخل الاستنارة والجلاء على البياض والرقة فيصير القلب كأنه ~~كوكب دري في مرآة مجلوة ويشهد الغيب بالغيب فيزهد في الفاني لما عاين من ~~الباقي وتقل رغبته في عاجل حظوظ هواه لما أبصر من وبال العقاب ويرغب في ~~الطاعات لمشاهدة الآخرة ورفيع الدرجات فيصير الآجل عاجلا ويكون العاجل ~~غائبا ويصير الغائب حاضرا والحاضر آفلا يطلبه ويرغب فيه فلا يحب الآفل ولا ~~يبتغيه ويطلب الآجل ويرغب فيه وينكشف له عوار الدار ويظهر له بواطن الأسرار ~~ويزول عنه كامن الإغترار فهناك صار العبد مؤمنا حقا بوصف حارثة الأنصاري إذ ~~يقول : عزفت نفسي عن الدنيا وكأني أنظر إلى عرش ربي تعالى بارزا وكأني أنظر ~~إلى أهل الجنة يتزاورون وإلى أهل النار يتعادون ، وكذلك وصف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قلب المؤن في قوله : القلوب أربعة ؛ قلب أجرد فيه سراج يزهر ~~فذلك قلب المؤمن وانجراد القلب بالزهد في الدنيا PageV01P170 وتجرده من ~~الهوى وسراجه الذي يزهر فيه هو ms0216 نور اليقين به يبصر الغيب وقال بعض علمائنا ~~: من سهر أربعين ليلة خالصا كوشف بملكوت السماء وكان يقول اجتمع الخير كله ~~في أربع ذكر منها سهر الليل واعلم أن نوم العلماء عن غلبة المنام بعد طول ~~السهر بالقيام مكاشفة لهم وشهود وتقريب لهم منه وورود ومن صفة الإبدال أن ~~يكون أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة ومن سهر بالليل لأجل الحبيب لم ~~يخالفه بالنهار فإنه أسهره بالليل في خدمته ودخل الحسن ذات يوم إلى السوق ~~فسمع لغطهم وكثرة كلامهم فقال أظن ليل هؤلاء ليل سوء ما يقيلون وفي الخبر ~~قيلوا فإن الشياطين لا تقيل واستعينوا على قيام الليل بقائلة النهار وقد ~~قيل في قوله عز وجل : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) البقرة : 54 قيل بالصوم ~~على قيام الليل وقيل : استعينوا بالجوع وصلاة الليل على مجاهدة النفس وقيل ~~: استعينوا بالصبر والصلاة على اجتناب النهي . قال بعض علمائنا : من سهر ~~أربعين ليلة خالصا كوشف بملكوت السماء وكان يقول اجتمع الخير كله في أربع ~~ذكر منها سهر الليل واعلم أن نوم العلماء عن غلبة المنام بعد طول السهر ~~بالقيام مكاشفة لهم وشهود وتقريب لهم منه وورود ومن صفة الإبدال أن يكون ~~أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة ومن سهر بالليل لأجل الحبيب لم ~~يخالفه بالنهار فإنه أسهره بالليل في خدمته ودخل الحسن ذات يوم إلى السوق ~~فسمع لغطهم وكثرة كلامهم فقال أظن ليل هؤلاء ليل سوء ما يقيلون وفي الخبر ~~قيلوا فإن الشياطين لا تقيل واستعينوا على قيام الليل بقائلة النهار وقد ~~قيل في قوله عز وجل : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) البقرة : 54 قيل بالصوم ~~على قيام الليل وقيل : استعينوا بالجوع وصلاة الليل على مجاهدة النفس وقيل ~~: استعينوا بالصبر والصلاة على اجتناب النهي . وأما الصمت فإنه يلقح العقل ~~ويعلم الورع ويجلب التقوى ويجعل الله عز وجل به للعبد بالتأويل الصحيح ~~والعلم الرجيح مخرجا ويوفقه بإيثار الصمت للقول السديد والعمل الرشيد ، وقد ~~قال بعض السلف : تعلمت الصمت بحصاة جعلتها في فمي ثلاثين سنة كنت إذا هممت ~~بالكلمة ms0217 تلجلج بها لساني فيسكت ، وقال بعضهم : جعلت على نفسي بكل كلمة ~~أتكلم بها فيما لا يعنيني صلاة ركعتين فسهل ذلك علي فجعلت على نفسي بكل ~~كلمة صوم يوم فسهل علي فلم أنته حتى جعلت على نفسي بكل كلمة أن أتصدق بدرهم ~~فصعب ذلك فانتهيت ، وقال عقبة بن عامر : يارسول الله فيم النجاة ؟ قال : ~~أملك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك وقال صلى الله عليه وسلم في ~~الخبر الجامع المختصر : من سره أن يسلم فليلزم الصمت وأوصى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم معاذا بالصلاة والصيام وغير ذلك ثم قال في آخر وصيته : ألا ~~أدلك على ماهو أملك لك من ذلك كله ، هذا وأومأ بيده إلى لسانه فقلت : ~~يارسول الله وإنا لمؤاخذون بما تتكلم به ألسنتنا فقال : ثكلتك أمك يامعاذ ~~وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم إنك ماسكت فإنك سالم ~~فإذا تكلمت فإنما هو لك أو عليك وقال عبد الله بن سفيان عن أبيه ، قال : ~~قلت يارسول الله أوصني بشيء في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك فقال : قل ~~ربي الله ثم استقم قال : قلت فما أتقى بعد ذلك ، وفي لفظ آخر ذلك وفي لفط ~~آخر فأخبرني بأضر شيء علي فقال هذا وأومأ إلى لسانه ، وفي الخبر لا يتقي ~~العبد ربه تعالى حق تقاته حتى يخزن من لسانه . PageV01P171 وفي الحديث ~~لايصلح العبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه وقال ابن ~~مسعود : ليس شيء أحق بطول سجن من لسان ، وقال بعض السلف : فتشت الورع فما ~~وجدت في شيء أقل منه في اللسان ، وقال بعض العلماء : مااستقام لسان عبد إلا ~~عرفت الصلاح في سائر عمله وما اختلف لسانه إلا عرفت الفساد في سائر عمله ~~وقال بعض الحكماء : إذا كثر العقل قل الكلام ، وإذا قل العقل كثر الكلام ، ~~وقال أحمد بن حنبل : علماء أهل الكلام زنادقة ، وقال بعض هذه الطائفة : من ~~تكلم فأحسن كثير ولكن الشأن فيمن يحسن أن يسكت ، وقال ذو النون المصري : ~~الخوف يقلق ms0218 والحياء يسكت ، وقال بعض العارفين : قد جزئ العلم على قسمين : ~~نصفه سكوت ونصفه أن تدري أين تضعه ، وقال الضحاك بن مزاحم : أدركتهم وما ~~يتعلمون إلا الصمت والورع وهم اليوم يتعلمون الكلام ، وقال الحسن عن أنس بن ~~مالك : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربع لا يصبن إلا بعجب الصمت ~~وهو : أول العبادة ، والتواضع ، وذكر الله عز وجل ، وقلة الشيء ، وقال حماد ~~بن زيد : قلت لأيوب : العلم اليوم أكثر أو فيما مضى ؟ فقال : يابني الكلام ~~اليوم أكثر والعلم فيما مضى كان أكثر وقيل : كانوا ينتفعون بصمت العلم مثل ~~ما ينتفعون بكلامه ، وقد قيل : من لم ينتفع بسكوت المتكلم لم ينتفع بكلامه ~~، وقيل لبعض العلماء : فلان أعلم أم فلان ؟ فقال فلان أعلم وفلان أكثر ~~كلاما ففرق بين العلم والكلام ، وقيل لبعض علماء خراسان عند وفاته : دلنا ~~على رجل نجلس إليه بعدك فقال لهم : فلان فذكر لهم رجلا صموتا متعبدا لا ~~يعرف بكثير علم فقيل له : إن فلانا ليس عنده من العلم ما يجيب عن كل ما ~~نسأله عنه من العلم فقال : قد علمت ، ولكن عنده من الورع مالا يتكلم بما ~~لايعلم وكان الأعمش يقول : من الكلام كلام جوابه السكوت ، وقال بعض السلف : ~~الصمت زين العالم وستر الجاهل ، وقال غيره : الصمت جوابه وفي الخبر : الصمت ~~زين للعالم وشين للجاهل ، وقال بعضهم : ليس شيء أشد على الشيطان من عالم ~~حليم إن تكلم تكلم بعلم وإن سكت سكت بحلم ، يقول الشيطان : انظروا إليه ~~سكوته أشد علي من كلامه ، وقال بعض السلف : تعلم الصمت كما تتعلم الكلام ، ~~فإن يكن الكلام يهديك فإن الصمت يقيك ولك في الصمت خصلتان تدفع به جهل من ~~هو أجهل منك وتعلم به علم من هو أعلم منك ، وقال بعض العلماء : تعلم لاأدري ~~ولا تتعلم أدري فإن قلت لاأدري علموك حتى تدري وإن قلت أدري سألوك حتى لا ~~تدري ، وقد قال العلماء : إذا أخطأ العالم قول أدري أصيبت مقاتله ، وقال ~~عيسى عليه السلام : الخير كله في ثلاثة : في الصمت ، والكلام ، والنظر ms0219 ، ~~فمن لم يكن صمته تفكرا فهو في سهو ، ومن لم يكن كلامه ذكرا فهو في لغو ، ~~ومن لم يكن نظره عبرا فهو في لهو ، وقال بعضهم : يأتي على الناس زمان يكون ~~أفضل أعمالهم النوم وأفضل علومهم الصمت يعني لفساد الأعمال ولاشتباه ~~PageV01P172 العلم ، ويقول أيضا مع ذلك : وأفضل أحوالهم الجوع لانتشار ~~الحرام وغموض الحلال ، وقال بعض العلماء : الصمت نوم العقل والنطق يقظته ~~وكل يقظة تحتاج إلى نوم وما صمت عاقل قط إلا اجتمع عقله وحضر لبه ، وفي ~~وصية ابن عباس مجاهدا لا تتكلمن فيما لا يعنيك فإنه أسلم ولا آمن عليك ~~الخطأ ولا تتكلم فيما لايعنيك حتى ترى له موضعا فرب متكلم فيما يعنيه قد ~~وضعه في غير موضعه فعنت ، وقال بعض العلماء : يستبين ورع الرجل في منطقه ~~وفي الخبر : من كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر سقطه مات قلبه ، ويقال : إذا ~~قل الكلام كثر الصواب ، وعن جماعة السلف : إن تسعة أعشار السلامة في الصمت ~~، ويقال : كل كلمة من هزل أو مزح أو لغو يوقف العبد عليها خمس مواقف بتوبيخ ~~وتقرير ، أولها أن يقال له لم قلت كلمة كذا أكانت فيما يعنيك ؟ والثانية هل ~~نفعتك إذ قلتها ؟ والثالثة هل ضرتك لو لم تقلها ؟ والرابعة ألا سكت فربحت ~~السلامة من عاقبتها ؟ والخامسة هلا جعلت مكانها قول سبحان الله والحمد لله ~~فغنمت ثوابها ، ويقال ما من كلمة إلا وينشر لها ثلاثة دواوين : الديوان ~~الأول لم ، والثاني كيف ، والثالث لمن ، فإن نجا من الثلاث وإلا طال وقوفه ~~للحساب ، وقال الحسن : لسان المؤمن وراء قلبه إذا أراد أن يتكلم تفكر فإن ~~كان له تكلم وإن كان عليه أمسك ، وقلب المنافق على طرف لسانه أي كل شيء خطر ~~بقلبه تكلم به ولا يتوقف ولا ينثني ، وفي الخبر : من آفة العالم أن يكون ~~الكلام أعجب إليه من الصمت وفي الكلام تنميق وزيادة ، وفي الصمت سلامة وغنم ~~، وفي موعظة النبي صلى الله عليه وسلم طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ~~وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من ms0220 قوله ، والأخبار في الصمت وفي جميع ~~ماذكرناه من المعاني تكثر ولم نقصد جمعها وأما الخلوة فإنها تفرغ القلب من ~~الخلق وتجمع الهم بأمر الخالق وتقوي العزم على الثبات إذ في مخالطة الناس ~~وهن العزم وشتات الهم وضعف النية والخلوة تقل الأفكار في عاجل حظوظ النفس ~~لفقد مشاهدتها بالأبصار لأن العين باب القلب ومنها يدخل آفاته وعندها توجد ~~شهواته ولذاته ، وقد قال بعض العلماء : من كثرت لحظاته دامت حسراته والخلوة ~~تجلب أفكار الآخرة وتجدد الإهتمام بها لما شهد به الإيقان وتنسي ادكار ~~العباد وتواصل ذكر المعبود ، والخلوة من أكبر العوافي ، وذلك أنه قد جاء في ~~الحديث : سلوا الله العافية فما أعطي عبد بعد اليقين أفضل من العافية ، ثم ~~قد روي في الخبر : العزلة عن الناس عافية ، فدخل ذلك في معنى ماندب إليه من ~~السؤال وفيما فضل بعد اليقين على جميع الأحوال ولا يكون المريد صادقا حتى ~~يجد في الخلوة من اللذة والحلاوة والمزيد ما لا يجده في الجماعة ويجد في ~~السر من النشاط والقوة ما لا يجده في العلانية ويكون أنسه في الوحدة وروحه ~~في الخلوة وأحسن أعماله في السر ، ومثل الخلوة في الأحوال من المخالطة ~~للناس مثل الخوف في المقامات من المحبة ، الخوف يصلح لجميع العابدين ~~PageV01P173 والمحبة مزيد لأهلها المخصوصين كذلك الخلوة والانفراد يصلح ~~لجميع المريدين والأنس بالناس مزيد لأهله خاصة من الأئمة العالمين إلا أن ~~الخلوة تحتاج إلى عقل آخر والوحدة والانفراد يحتاج إلى إيمان ثان . ي ~~الكلام تنميق وزيادة ، وفي الصمت سلامة وغنم ، وفي موعظة النبي صلى الله ~~عليه وسلم طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق الفضل من ماله وأمسك ~~الفضل من قوله ، والأخبار في الصمت وفي جميع ماذكرناه من المعاني تكثر ولم ~~نقصد جمعها وأما الخلوة فإنها تفرغ القلب من الخلق وتجمع الهم بأمر الخالق ~~وتقوي العزم على الثبات إذ في مخالطة الناس وهن العزم وشتات الهم وضعف ~~النية والخلوة تقل الأفكار في عاجل حظوظ النفس لفقد مشاهدتها بالأبصار لأن ~~العين باب القلب ومنها يدخل ms0221 آفاته وعندها توجد شهواته ولذاته ، وقد قال بعض ~~العلماء : من كثرت لحظاته دامت حسراته والخلوة تجلب أفكار الآخرة وتجدد ~~الإهتمام بها لما شهد به الإيقان وتنسي ادكار العباد وتواصل ذكر المعبود ، ~~والخلوة من أكبر العوافي ، وذلك أنه قد جاء في الحديث : سلوا الله العافية ~~فما أعطي عبد بعد اليقين أفضل من العافية ، ثم قد روي في الخبر : العزلة عن ~~الناس عافية ، فدخل ذلك في معنى ماندب إليه من السؤال وفيما فضل بعد اليقين ~~على جميع الأحوال ولا يكون المريد صادقا حتى يجد في الخلوة من اللذة ~~والحلاوة والمزيد ما لا يجده في الجماعة ويجد في السر من النشاط والقوة ما ~~لا يجده في العلانية ويكون أنسه في الوحدة وروحه في الخلوة وأحسن أعماله في ~~السر ، ومثل الخلوة في الأحوال من المخالطة للناس مثل الخوف في المقامات من ~~المحبة ، الخوف يصلح لجميع العابدين والمحبة مزيد لأهلها المخصوصين كذلك ~~الخلوة والانفراد يصلح لجميع المريدين والأنس بالناس مزيد لأهله خاصة من ~~الأئمة العالمين إلا أن الخلوة تحتاج إلى عقل آخر والوحدة والانفراد يحتاج ~~إلى إيمان ثان . وقد روينا عن سفيان الثوري وعن بشر بن الحرث : إذا استوحشت ~~من الوحدة واستأنست بالخلق لم آمن عليك الرياء ، وكان أبو محمد يقول : ~~اجتمع الخير كله في هذه الخصال الأربع وبها صار الإبدال إبدالا : إخماص ~~البطون ، والصمت ، واعتزال الخلق ، وسهر الليل ، وحدثت عن عبد العزيز عن ~~سهل رحمه الله قال : مخالطة الولي للناس ذل وتفرده عز وقل مارأيت وليا لله ~~عز وجل إلا منفردا ، وقال بعض العارفين : الأنس بالوحدة علامة وجود الطريق ~~فمن علامة صدق الإرادة بعد صحة التوبة وقوة العزم على الاستقامة إيثار هذه ~~الأربع التي ذكرناه على أضدادها ووجود القلب عندها وانشراح الصدر بها وحسن ~~الخلق معها لأن ضدها هو أبواب الدنيا ومفاتيح الغفلة وطرقات الهوى ، من ذلك ~~فإن في الشبع قسوة القلب وظلمته وفي ذلك قوة صفات النفس وانتشار حظوظها وفي ~~قوتها وبسطها ضعف الإيمان وخمود أنواره وفي ضعف النفس وخمود طبعها قوة ~~الإيمان ms0222 واتساع شعاع أنوار اليقين وفي ذلك قرب العبد من القريب ومجالسته ~~للحبيب والشبع مفتاح الرغبة في الدنيا ، وقال بعض الصحابة : أول بدعة حدثت ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشبع إذ القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم ~~شهواتهم . وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه يجوعون من غير إعواز أي مختارين لذلك ، وقال ابن عمر : ماشبعت ~~منذ قتل عثمان رضي الله عنه ، وقال هذا في زمن الحجاج ، وفي حديث أبي حجيفة ~~لما تجشأ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : اكفف عنا جشاءك فإن ~~أطولكم شبعا في الدنيا ، أكثركم جوعا في الآخرة ، فقال : والله ما تمليت ~~طعاما من يومئذ إلى يومي هذا ، وأرجو أن يعصمني الله عز وجل فيما بقي ، ~~ويستحب على هذا أن يكون جوع العبد في الدنيا أكثر من شبعه وهي علامة ~~الأولياء ، فمن كان له أكلة بين جوعتين إلى منتهاهما فجوعه حينئذ أكثر من ~~شبعه ، ومن كان له بعد جوعة بالغة شبعة متوسطة فقد اعتدل شبعه وأكله وجوعه ~~، ومن أكل في يوم مرتين أو أكل من غير جوع ثم شبع فشبعه أكثر من جوعه ، ~~وهذا مكروه ، وكل من أكل بعد الجوع ، ورفع يده قبل الشبع فجوعه أكثر من ~~شبعه وهذا أوسط الأحوال ، وقال هشام عن الحسن : والله لقد أدركت أقواما ~~كانوا لا يشبعون يأكل أحدهم حتى إذا رد نفسه أمسك ذائبا ناحلا مقبلا على ~~نية يعيش عمره كله ما طوى له ثوب قط ولا أمر أهله بصنعة طعام قط ولا جعل ~~بينه وبين الأرض شيئا قط ، وقال جعفر بن حيان عن الحسن : المؤمن لا يأكل في ~~كل بطنه ، ولا تزال وصيته تحت جنبه . وروينا عن الثوري : خصلتان تقسيان ~~القلب ؛ طول الشبع ، وكثرة الكلام ، وروينا عن PageV01P174 مكحول خصال ثلاث ~~يحبها الله عز وجل وثلاث يبغضها الله عز وجل ، فأما اللاتي يحبها : فقلة ~~الأكل ، وقلة النوم ، وقلة الكلام ، وأما اللاتي يبغض : فكثرة الأكل ، ~~وكثرة الكلام ، وكثرة النوم ، فأما ms0223 النوم فإن في مداومته طول الغفلة وقلة ~~العقل ونقصان الفطنة وسهوة القلب ، وفي هذه الأشياء الفوت وفي الفوت الحسرة ~~بعد الموت ، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قالت أم سليمان بن ~~داود لابنها : يابني لاتكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم تترك العبد فقيرا ~~يوم القيامة وقيل كان شبان يتعبدون في بني إسرائيل فكانوا إذا حضر عشاؤهم ~~قام فيهم عالمهم فقال : يا معشر المريدين لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا ~~فترقدوا كثيرا فتخسروا كثيرا ، وكان بعض السلف يقول : أدنى أحوال المؤمن : ~~الأكل والنوم ، وأفضل أحوال المنافق : الأكل والنوم ، وقال بعض الناس ~~لفيلسوف من الحكماء : صف لي شيئا أستعمله حتى أكون أنام النهار ، فقال : ~~ياهذا ماأضعف عقلك إن نصف عمرك نوم والنوم من الموت ، تريد أن تجعل ثلاثة ~~أرباعه نوما وربعه حياة ؟ قال : وكيف ؟ قال : أنت إذا عشت أربعين سنة فإنما ~~هي عشرون سنة أفتريد أن تجعلها عشر سنين ؟ وأما كثرة الكلام فإن فيه قلة ~~الورع وعدم التقوى وطول الحساب وكثرة المطالبين وتعلق المظلومين وكثرة ~~الأشهاد من الأملاك المكاتبين ودوام الإعراض من الملك الكريم ، لأن الكلام ~~مفتاح كبائر اللسان ، فيه الكذب والغيبة والنميمة والبهتان ، وفيه شهادة ~~الزور ، وفيه قذف المحصن والافتراء على الله تعالى والإيمان ، وفيه القول ~~فيما لايعني والخوض فيما لاينفع ، وقد جاء في الخبر : أكثر خطايا ابن آدم ~~في لسانه وأكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم خوضا فيما لايعنيه ، وفي ~~اللسان التزين والتصنع للخلق والتحريف والإحالة لمعاني الصدق ، وفيه ~~المداهنة والمواراة والتملق لأهل الأهواء وفي اجتماع هذا على العبد شتات ~~قلبه وفي شتاته تفريق همه ، وفي تفريق همه سقوطه من مقام المقربين ، وفي ~~وصية ابن عباس لمجاهد لا تمارين حليما ولا سفيها فإن الحليم يقلاك وإن ~~السفيه يؤذيك ، وفي الخبر : إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يهوي ~~بها أبعد ما بين السماء والأرض ، وفي لفظ آخر ليتكلم بها فيهوي في جهنم ~~سبعين خريفا ، وقال لقمان لابنه : لأن تعيش أخرس يسيل لعابك على صدرك خير ~~لك من أن ms0224 تنطق في نادي القوم بما لايعنيك ، وفي خبر : من افتتح بكلمة سوء ~~ثم خاض الناس في مثلها كان عليه مثل أوزارهم ، وفي الخبر : لايأتي بخير ~~السوء إلا رجل السوء ، وحدثونا عن إبراهيم بن أدهم أنه كان إذا صحبه رجل ~~فجاء بخبر سوء فارقه ، وروينا في الحديث : من حدث بما سمعت أذناه ورأت ~~عيناه كتبه الله تعالى من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا . ~~وروينا عن علي رضي الله عنه : مذيع الفاحشة في الناس كفاعلها ، وفي الخبر : ~~إن بعض فقراء أهل الصفة استشهد في سبيل الله عز وجل فقالت أمه : هنيئا لك ~~في الجنة PageV01P175 جاهدت في سبيل الله وهاجرت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقتلت شهيدا ، طوبى لك الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : وما يدريك أنه في الجنة ؟ فلعله كان يتكلم فيما لا ينفعه أو يبخل ~~بما لا يضره وفي لفظ آخر : لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويبخل بما لايغنيه ~~، وفي الخبر : إن بعض الصحابة قال لرجل إنه لنؤوم ، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : اغتبتم أخاكم سلوه أن يستغفر لكم ، وفي خبر آخر : إنهم ~~قالوا ماأعجز فلانا فقال : أكلتموه ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها ، قالت ~~لامرأة : ماأطول ذيلها وفي لفظ آخر قالت : إنها لقصيرة ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : اغتبتها وفي خبر آخر : أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لها : لقد تكلمت بكلمة لو مزج بها ماء البحر لامتزج ، فهذا من وصف ~~المبالغة في الشدة ، وفي الخبر الجامع لهذه المعاني في وصف الغيبة ما روي ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال في أخيه مافيه فقد اغتابه . وفي ~~حديث أبان عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشد من ذلك أنه قال ~~الغيبة ما إن قلت في أخيك لم تزكه به فهذا نهاية القول من الشدة وغاية ~~التشديد في الغيبة والغيبة اسم لغوي معناه شرعي مشتق من غيب الإنسان وفسرها ~~رسول الله ms0225 صلى الله عليه وسلم أنها أن يقول العبد في أخيه ما فيه وعظمها ~~بقوله هي أشد من الزنا ، فمتى قال العبد لأخيه في غيبته ما يعلمه يقينا فيه ~~مما لا يقوله بمحضره أو مما ينقصه به أو لا يزكيه فيه فقد اغتابه ، فلو لم ~~يكن في الصمت إلا السلامة من الغيبة لكان ذلك غنيمة موفورة ، كيف وقد روي ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ثلاثة ~~أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ، أو ذكر الله عز وجل ، وأما مخالطة الناس ~~فإنها تضعف العزم الذي كان قويا في أعمال البر وتحل العقد المبرم الذي ~~استوطنه العبد في الخلوة لقلة المتعاونين على البر والتقوى وكثرة ~~المتعاونين على الإثم والعدوان ، وفي مخالطة الناس قوة الطلب والحرص على ~~عاجل الدنيا لما يعاين من إقبال أهلها عليه وفيه الفتور عن الخدمة بالنظر ~~إلى أهل الغفلة والملل للطاعة بمجالسة أهل البطالة ونقصان حلاوة المعاملة ~~وذهاب نور العلم وسرعة خروج الوجد بالفهم لاستماع كلام أهل الجهالة والنظر ~~إلى الموتى من أبناء الدنيا كما روي عن عيسى عيه السلام : لا تجالسوا ~~الموتى فتموت قلوبكم ، قيل : ومن الموتى ؟ قال : المحبون للدنيا الراغبون ~~فيها ، وقد كان الحسن يقول في قوله عز وجل : ( وما يستوي الأحياء ولا ~~الأموات ) فاطر : 22 ، قال : الفقراء والأغنياء كان الفقراء حيوا بذكر الله ~~عز وجل والأغنياء ماتوا على الدنيا ، وأعظم ما في مخالطة الناس ومجالسة أهل ~~البطالة وذوي غفلتهم ضعف اليقين برؤيتهم ، وأضر ما ابتلي به العبد وأعمله ~~في هلاكه وأشده لحجبه وإبعاده ضعف يقينه بما وعد به بالغيب وتوعد عليه في ~~الشهادة وهذا أخوف ما خافه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته فيما ~~روينا عنه أنه قال : أخوف ماأخاف على أمتي ضعف اليقين ، وذلك أن ضعف اليقين ~~هو أصل الرغبة في الدنيا والحرص على التكاثر منها والتضرع إلى أبنائها ~~والطمع فيهم ، كما قال ابن مسعود : إن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيرجع ~~إلى بيته ms0226 وما معه من دينه PageV01P176 شيء يلقى هذا فيقول : إنك لذيت وذيت ~~ويلقى هذا فيقول أنت كيت وكيت ولعله لا يخلى منهم بشيء ويرجع إلى بيته وقد ~~أسخط الله عز وجل ، وقد قال بعض التابعين : إن العبد ليقعد في الخلوة على ~~خصال من الخير فيخرج إلى الناس فيحللون ما عقده عقدة عقدة حتى يرجع وقد ~~انحلت العقد كلها ، وقوة اليقين أصل كل عمل صالح لأن في قوة يقينه سرعة ~~منقلبه وطول مثواه في دار إقامته إيثار التقلل من الفاني وتقديمه للباقي ~~وضعف حرصه وقلة طلبه وفقد طمعه وفراغه من الاشتغال بعاجله وإقباله وشغله ~~بما ندب إليه من مستقره ، وفي جميع ذلك إخلاصه في أعماله وحقيقة زهده في ~~تصرف أحواله وفي قصر أمله وتحسين عمله ، ألم تسمع إلى وصف من أخبر الله عز ~~وجل عنه بالتكاثر الذي ألهاه حتى زار برزخه ومثواه كيف تهدده حتى يعلم ~~يقينا وتوعده إذا رأى آخرته عيانا فقال سبحانه : ( ألهاكم التكاثر ) ~~التكاثر : 1 أي شغلكم الجمع للمكاثرة حتى حللتم القبور ، ثم قال : ( كلا لو ~~تعلمون علم اليقين ) التكاثر : 5 أي لشغلكم العمل الصالح للآخرة عن اللعب ~~واللهو الذي هو مقتضى الشك إذ هو ضد اليقين فاشتغلتم بالآخرة عن التكاثر من ~~الدنيا كما شغلكم التكاثر باللهو واللعب لعدم علم اليقين ، كما قال : ( ~~أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) السجدة : 12 بعد أن قال : ( ~~بل هم في شك يلعبون ) الدخان : 9 ثم ثوعدهم على ذلك مرتين وتهددهم بالسؤال ~~عن النعيم الذي شغلهم وهو التكاثر في فضول العاجل وقيل : هو الجمع والمنع ، ~~فاعلم أن الذي قطع العباد عن التوبة وعرج بالتائبين عن الاستقامة ثلاثة ~~أشياء : الكسب ، والإنفاق ، والجمع ، وهذه الأسباب متعلقة بالخلق وموجودة ~~بوجودهم ومفقودة بالانفراد عنهم فمن زهد في هذه الثلاثة فقد زهد في الخلق ~~ومن رغب في الخلق فقد رغب في هذه الثلاث ، وقال الثوري : من خالط الناس ~~داراهم ومن داراهم راياهم ومن راياهم وقع فيما وقعوا فهلك كما هلكوا ، وقد ~~قال بعض هذه الطائفة من الصالحين ms0227 : قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق : ~~كيف الطريق إلى التحقيق ؟ وقال مرة قلت له دلني على عمل أعمله أجد فيه قلبي ~~مع الله تعالى في كل وقت مع الدوام فقال : لاتنظر إلى الخلق فإن النظر ~~إليهم ظلمة قلت : لا بد لي من ذلك ، قال فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة ~~قلت لا بد لي من ذلك ، قال فلا تعاملهم فإن معاملتهم وحشة ، قلت : أنا بين ~~أظهرهم لا بد من معاملتهم ، قال : فلا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة ، ~~قلت : هذه العلة فقال : ياهذا أتنظر إلى الغافلين وتسمع كلام الجاهلين ~~وتعامل البطالين وتريد أن تجد قلبك مع الله عز وجل على الدوام هذا ما ~~لايكون ، وقد جاء في فضل العزلة والانفراد وفي فضل الصمت ، وفي جميع ~~ماذكرناه من الجوع والسهر ومن مكابدة الليل ما يكثر جمعه فيما نبهنا عليه ~~وأشرنا إليه بلاغ وغنية لمن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ولمن أريد ~~بالمعاملة والمتاجرة ولا حول ولا قوة إلا بالله . من الصالحين : قلت لبعض ~~الأبدال المنقطعين عن الخلق : كيف الطريق إلى التحقيق ؟ وقال مرة قلت له ~~دلني على عمل أعمله أجد فيه قلبي مع الله تعالى في كل وقت مع الدوام فقال : ~~لاتنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة قلت : لا بد لي من ذلك ، قال فلا ~~تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة قلت لا بد لي من ذلك ، قال فلا تعاملهم فإن ~~معاملتهم وحشة ، قلت : أنا بين أظهرهم لا بد من معاملتهم ، قال : فلا تسكن ~~إليهم فإن السكون إليهم هلكة ، قلت : هذه العلة فقال : ياهذا أتنظر إلى ~~الغافلين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين وتريد أن تجد قلبك مع الله ~~عز وجل على الدوام هذا ما لايكون ، وقد جاء في فضل العزلة والانفراد وفي ~~فضل الصمت ، وفي جميع ماذكرناه من الجوع والسهر ومن مكابدة الليل ما يكثر ~~جمعه فيما نبهنا عليه وأشرنا إليه بلاغ وغنية لمن أراد الآخرة وسعى لها ~~سعيها وهو مؤمن ولمن أريد بالمعاملة والمتاجرة ولا حول ولا قوة ms0228 إلا بالله . ~~PageV01P177 # | الفصل الثامن والعشرون فيه كتاب مراقبة المقربين ومقامات الموقنين # # | ذكر المقام الأول من المراقبة # العبد إذا قوي يقينه علم علم يقين أن أوقاته هذه التي وكل تربيته إليها ~~وجعل سبب نمائه وحياته منها وهي مكررة عليه في البرزخ ومردودة إليه يوم ~~القيامة ومعادة عليه في الجنة إن دخلها ليس يجازى هناك إلا بمقدار ما أعطي ~~من المعاملة ههنا ، ولا يعطي ثم إلا بقدر ما وفق ههنا ، لا يسأل إلا عن ~~أوقاته ، ولا يحاسب إلا بساعاته ، ولا يجازى إلا عليها ولا ترد عليه أوقات ~~غيره ، كما لا يعاد هو في صورة غيره ولا يعطى جزاء سواه كما لم يعامل ههنا ~~معاملة سواه ولكن الله يبدئ ويعيد ، فيمن ذلك قوله تعالى : ( كما بدأكم ~~تعودون ) الأعراف : 92 وقال تعالى : ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) القلم ~~35 ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ) ص : 29 من تدبره : ( أم نجعل ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) ~~ص : 28 أي تدبروا آياته هل ترون جزاء هؤلاء لوصف هؤلاء أم هل تجدون وصف ~~هؤلاء له جزاء أو لا ومثله قوله تعالى : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب ) النساء : 123 فنفى أمانيهم بليس وأنبت حكمه بلكن وهي مضمرة في ~~الكلام المعني لكن من يعمل سوءا يجزيه ، وفسره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال المؤمن يجزى بسيئته في الدنيا من المصائب والجوع والعري ، ~~والمنافق تبقى ذنوبه عليه حتى يوفي يوم القيامة كأنه حمار يجازى بها في ~~الآخرة ، وكان الحسن يقول : عباد الله ، اتقوا هذه الأماني ، فإنها أودية ~~النوكى يحلون فيها ، والله ما أتى عبد الله بأمنيته خيرا من دنياه ولا ~~آخرته ، وقال بعض العلماء : كلما قل العقل كثرت الأماني ، وكتب بعض السلف ~~إلى بعض إخوانه من أبناء الد نيا يعظه : أخبرني عن هذا الذي تكدح فيه وتحرص ~~عليه من أمر الدنيا هل بلغت فيه ما تريد وأدركت ما تتمنى ؟ فقال : لا والله ~~، فقال : أرأيتك هذا الذي أنت حريص عليه لم تنل منه ما ms0229 تريد فكيف تنال من ~~الآخرة وقد أعرضت عنها وصرفت عنها فما أراك تضرب إلا في حديد بارد ، وقال ~~بعض العلماء : من ظن أنه يدخل الجنة بغير عمل فهو متمن ومن قال أدخلها بعمل ~~فهو متعن ، وقال بعضهم : الأماني تنقص العقل ، وفي الخبر : ليس الإيمان ~~بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما PageV01P178 وقر في القلب وصدقه العمل ومن هذا ~~قول الله عز وجل : ( هل جزآء الإحسان إلا الإحسان ) الرحمن : 60 وقال في ~~ضده : ( من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ) غافر : 40 وقال في معناه : ( أم ~~حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) التوبة : 16 وكذلك ~~قوله تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم ) البقرة : 214 وقال في مثله : ( أم حست الذين اجترحوا السيئات أن ~~نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) الجاثية : 21 ثم قال : ( ساء ما ~~يحكمون ) العنكبوت : 4 فأبطل حسبانهم وأدحض حكمهم ثم أحكم ماعنده بقوله : ( ~~سواء محياهم ومماتهم ) الجاثية : 21 أي هم كما كانوا في المحيا محسنين ~~يعملون الصالحات كانت لهم الحسنى في الممات وكما كانوا في المحيا مفسدين ~~يعملون السيئات كانت لهم السوأى والمكروهات ، وقيل : كانت هذه الآية مبكاة ~~للعابدين لأنها محكمة غير متشابهة ، وكذلك جميع ما ذكرناه من نظائرها هو من ~~المحكم الذي هو أم الكتاب غير منسوخ ولا متشابه ، وهذه الآي من عزائم ~~القرآن وهو من أحسن ما أنزل علينا من ربنا الذي أمر الله سبحانه وتعالى ~~باتباعه ووصف أهل الهدى وأولي الألباب باستماعه في قوله تعالى : ( الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنة ) الزمر : 18 قيل عزائمه ووعيده ، وقد قيل في ~~قوله تعالى : ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) الزمر : 47 قبل ~~الرجاء الخائب بالإغترار والظن الكاذب ، وقيل : عملوا أعمالا ظنوا أنها ~~حسنات فوجدوها عند المحاسبة سيئات ، والصحيح ما صح بعد الحساب والحق ماثقل ~~عند الميزان كما قال تعالى : ( والوزن يومئذ الحق ) الأعراف : 8 قيل : ~~العلم والعمل ، كما قال تعالى : ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ) ~~الأعراف : 52 ثم ms0230 قال : ( فلنقصن عليهم بعلم ) الأعراف : 7 ثم قال تعالى : ( ~~وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ) الزمر : 48 قيل : ~~كانوا يقدمون الذنب ويؤخرون التوبة ويسوفون بالمغفرة ، وكانت هذه الآية ~~محزنة للخائفين ومخافة للعارفين وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه أعد النار ~~للكافرين ثم أمر المؤمنين باتقائها ثم وصف الكافرين فيها وخوف عباده بها ~~فقال تعالى : ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين ) آل عمران : 131 وقال ~~سبحانه : ( لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به ~~عباده يا عباد فاتقون ) الزمر : 16 ويقال : إن العبد يستحق النار بأول ~~معصية عصى مولاه بها بعد المعرفة ثم هو بعد ذلك في المشيئة وإن في كل عبد ~~خصلة كريهة يخاف عليه منها وكان عبد الواحد ابن زيد يقول : ما صح خوف خائف ~~قط ظن أنه لا يدخل النار وما صدق خوف من ظن أنه يدخل النار فظن أنه يخرج ~~منها أي أن حقيقة الخوف خشية دخول النار ثم الخلود فيها ، وقد روينا مثل ~~ذلك عن الحسن وقد ذكر له الرجل الذي يخرج من النار بعد ألف عام فبكى ثم قال ~~: ياليتني مثل ذلك الرجل ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال ~~إني في الجنة فهو في النار ومن قال : إني عالم فهو جاهل ، وروي عنه صلى ~~الله عليه وسلم : PageV01P179 من أراد أن يعلم كيف منزلته من الله تعالى ~~فلينظر كيف منزلة الله في قلبه ، فإن الله ينزل العبد منه بحسب ما أنزله من ~~نفسه . # | ذكر المقام الثاني من المراقبة # ثم يعلم العبد يقينا أن لكل عمل صالح نعيما في الجنة وروحا في البرزخ ولك ~~عمل حسن ومعرفة خالصة مقاما في الجنة ، وقد قسم جزء هناك لعطاء معاملة ههنا ~~وأن لكل عمل سيء وجهل قبيح عذابا في الآخرة وكربا في البرزخ ومقاما من ~~النار قد قسم جزء هناك لعمل ههنا ثم قد أخفى الله ذلك الجزء من الخير والشر ~~وأظهر أعمالهما للحمكين وأبان لهما طريقين ms0231 يجريان إلى دارين بن حكمة منه ثم ~~قدم المعاملات من المعنيين وأخر المثوبات من النوعين إحكاما منه للأفعال ~~واستسعاء للعبد بالأعمال ابتلاء منه لتجزي كل نفس بما تسعى منة منه ورحمة ~~وقدرة منه ومحبة لا يسئل عما يفعل لأنه ملك قهار عزيز جبار وهم يسئلون ~~لأنهم عبيد مقهرون وذلل مجبورون ولا تضرب لهم الأمثال لأنه قد جاوز ~~الإحتجاج والاعتدال ولا يسوى بالعبيد لأنه قد فات التقدير والتحديد فله ~~الحجة والقدرة النافذة في كل شيء ليس كمثله شيء في جميع ذلك كله ، وقد أحكم ~~الله تعالى ما ذكرناه في توحيد نفسه بالمشيئة والأفعال ونهيه عن الشرك به ~~وضرب الأمثال وعجب ممن يسوي بينه وبين خلقه في الأحكام وجعل ذلك جحود ~~النعمة وشركا في ملكه وأخبر به عن المشركين وإضلالهم أتباعهم بعد ضلالهم ~~المبين وإضلالهم بتسويتهم بينه وبين عباده في الأحكام في قوله تعالى : ( ~~قالوا وهم فيها يختصمون ) ( تالله إن كنا لفي ضلال مبين ) ( إذ نسويكم برب ~~العالمين ) ( وما أضلنا إلا المجرمون ) الشعراء : 96 ، 97 ، 98 ، 99 ، قيل ~~: أنزلت في القدرية لأنهم أضافوا الحول والقوة في الشر إلى الخلق فسووا ~~بينهم وبين الخالق ، وقد قال الله تعالى : ( والله خلقكم وما تعملون ) ~~الصافات : 96 فأضاف الأعمال إلى أنه خلقها كخلقه إياهم فهم المجرمون الذين ~~أنزلت فيهم هذه الآية التي ذكر فيها القدرية فوصفوا بإنكارهم في قوله تعالى ~~: ( إن المجرمين في ضلال وسعر ) ( يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس ~~سقر ) ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) القمر : 47 ، 48 ، 49 هم المجرمون الذين ~~أضلوا أتباعهم وهم الغاوون الذين كبكبوا في النار مع أشياعهم وقد أحكم الله ~~تعالى تفضيل ما ذكرناه آنفا في خمس آيات محكمات تنظم جمل معاني ما ذكرناه ~~تركنا شرح ذلك وبسطه خشية الإطالة لأنا لم نقصد الإحتجاج في الاستدلال من ~~ذلك قوله تعالى : ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ) النحل : 71 يعني : ~~فضل الموالي على العبيد فماالذين فضلوا يعني الموالي برادي رزقهم على ما ~~ملكت أيمانهم فهم فيه سواء ms0232 أفبنعمة الله يجحدون ، والآية الثانية قوله ~~تعالى : ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ~~ما رزقناكم فأنتم فيه سوآء ) PageV01P180 الروم : 28 أي : فكذلك أنا لا ~~شريك لي من عبيدي فلا تجعلوا لي ما لم أجعل أحد لا خلقي ولا عبيدي عليكم إذ ~~لم أسو بينكم وبين عبيدكم فلا تشركوا عبيدي في حكمي ، والثالثة قوله تعالى ~~: ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ) النحل : 75 يعني : ~~الإنفاق ، ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه فجعلهما على وصفين أحدهما ~~بخيل لم يقدره على الإنفاق ثم ذم بالبخل والعجز وهو الذي أعجزه ومنعه وجعل ~~الآخر جوادا إذا قدره وأعطاه الإنفاق ثم مدحه بالجود ، وقال في الآية ~~الرابعة : ( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء ) النحل : ~~76 هو الحكمة والعلم ثم قال : ( هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ) النحل : 76 ~~فجعل له عبدين : أحدهما سفيه جاهل أبكم عن الحكمة ولم يقدره على علم ولم ~~يعطه استقامة ثم ذمه بوصفه ومقته لمنعه وجعل الآخر آمرا بالعدل عن أمره ~~مستقيما على صراطه المستقيم الذي هو عليه وهو أقامه كما قال : ( هذا صراط ~~علي مستقيم ) فهل يسلك أحد طريقه إلا به وهل يجوز عبد على سبيله إلا بحوله ~~ثم مدحه بإعطائه إياه ووصفه بوصفه ثم علم سبحانه أن للعقل في هذا تشبيها ~~وتمثيلا بخلقه وتجويزا وتظليما من خالقه على قياس العقول ، إن من فعل ~~بعبدين له مثل هذا ثم مدح أحدهما وهو أعطاه وأقدره وذم الآخر وهو الذي منعه ~~وأعجزه أنه قد ظلمه فحسم ذلك عزوجل بنهيه وأحكم النهي عن التمثيل به في ~~الآية الخامسة الفاصلة القاضية التي نهانا فيها أن نضرب له بنا الأمثال مثل ~~ما أجرى علينا من الأفعال ، فقال سبحانه وتعالى : ( فلا تضربوا لله الأمثال ~~إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) النحل : 74 فوكد ذلك بتحقيق علمه وغاية ~~جهلنا ثم أيد هذا بقوله سبحانه : ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) فسلم ms0233 ~~الراسخون في العلم الأحكام كلها للحاكم فسلموا من عذابه وآمن المؤمنون ~~بجميع الأقدار أنها عدل وحكمة من حاكم عادل حكيم فأمنوا من عقابه لأنهم ~~آمنوا بالمتشابه وأعطاهم بفضله من فضله جزيل ثوابه فهلك الزائغون بالأقاويل ~~تتبعا للشبهات وابتغاء للتأويل فوقعوا في الضلال وهلكوا غدا في المآل . كم ~~النهي عن التمثيل به في الآية الخامسة الفاصلة القاضية التي نهانا فيها أن ~~نضرب له بنا الأمثال مثل ما أجرى علينا من الأفعال ، فقال سبحانه وتعالى : ~~( فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) النحل : 74 فوكد ~~ذلك بتحقيق علمه وغاية جهلنا ثم أيد هذا بقوله سبحانه : ( لا يسأل عما يفعل ~~وهم يسألون ) فسلم الراسخون في العلم الأحكام كلها للحاكم فسلموا من عذابه ~~وآمن المؤمنون بجميع الأقدار أنها عدل وحكمة من حاكم عادل حكيم فأمنوا من ~~عقابه لأنهم آمنوا بالمتشابه وأعطاهم بفضله من فضله جزيل ثوابه فهلك ~~الزائغون بالأقاويل تتبعا للشبهات وابتغاء للتأويل فوقعوا في الضلال وهلكوا ~~غدا في المآل . وقد روى الضحاك عن ابن عباس تصديق ما ذكرناه قبيل قوله ~~عزوجل : ( لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ) الحجر : 44 قال ابن ~~عباس : طبق أسفل من طبق سبع دركات على قدر أعمالهم كذلك يقتسمون الدركات ~~بقدرما اجترموا كما اقتسم أهل الجنة الدرجات بالفضائل لكل باب منهم جزء ~~مقسوم يعني نصيبا معلوما مفروضا لكل طبقة سكان ، وقال بعض العلماء : تالله ~~ما في الجنة قصر ولا نهر ولا نعيم إلا عليه اسم صاحبه مكتوب واسم ذلك العمل ~~الذي هو جزاؤه مكتوب وكذلك جهنم ما فيها غل ولا قيد ولاشعب ولاعذاب إلا ~~وعليه وصف ذلك العمل الذي هو جزاؤه واسم صاحبه مكتوب ، PageV01P181 وقال : ~~قد أدخلهم الجنة قبل أن يطيعوه وأدخلهم النار قبل أن يعصوه ، وقال بعض ~~العارفين أيضا : الخالق أهون من أن يعصوه عزوجل بما لم يردوا لله أعز من أن ~~يرضيه إلا من أحب لكنه غضب على قوم في العدم فلما أظهرهم استملهم بأعمال ~~أهل الغضب ليحلهم دار الغضب ورضي عن ms0234 قوم في القدم فلما أظهرهم استعملهم ~~بأعمال أهل الرضا ليحلهم دار الرضا ، وقال بعض أهل المعرفة : أظهر الخلق في ~~العدم وأوجدهم سبعا إياهم اقتدارا ثم أظهر لهم أعمالهم وخيرهم الأعمال منه ~~اختيارا فاختار كل عبد منهم عملا بعينه ثم طوى الأعمال فيهم وطواهم في ~~الغيب فلما أظهرهم الآن في الوجود حجبهم بالعقول وأجرى كل عبد منهم اختياره ~~لنفسه فبذلك وقعت الحجة عليهم إذا كشف لهم غدا ما حجبه عنهم اليوم وحدثت عن ~~بعض هذه الطائفة قال : كان قد بقي في نفسي شيء من القدر وكنت أستكشفه من ~~العلماء فلا ينكشف حتى قيض الله تعالى لي بعض الأبدال فاستكشفته إياه فقال ~~: ويحك ما تصنع بالاحتجاج نحن يكشف لنا عن سر الملكوت فننظر إلى الطاعات ~~تنزل صورا من السماء حتى تقع على جوارح قوم فتتحرك الجوارح بها وننظر إلى ~~المعاصي صورا مصورة تنزل من السماء فتقع على جوارح قوم فتتحرك بها ، قال : ~~فكشف عن قلبي القدر وأوقع لي العلم بمشاهدة القدرة وكنت أنا مرة خاطبت بعض ~~إخواننا في شيء من الاستطاعة مع الفعل لا أنه قبله ولا بعده فتكلمت في ذلك ~~بمذهب المثبتة من أهل الكلام قبل أن يكشف لي بمشاهدة علم اليقين فرأيت في ~~النوم كأن قائلا يقول : القدر من القدرة ، والقدرة صفة القادر ، فيقع القدر ~~على الحركة ولا يتبين فتظهر الأفعال من الجوارح ، أو قال فتتحرك الجوارح ~~بالأفعال ولا تتبين فكيف يتكلم في شيء لا يتبين فجعلت على نفسي أني لا ~~أناظر أحدا منهم بعد ذلك في شيء من هذا الباب ، وقد حدثونا عن بعض العابدين ~~قال : صليت من السحر ركعتين ثم غفوت بعدهما فرأيت قصرا عاليا ذا شرف بيض ~~كأنها الكواكب فاستحسنته فقلت لمن هذا القصر ؟ قيل لي : هذا ثواب هاتين ~~الركعتين ففرحت فجعلت أطوف حوله فرأيت شرافة من ركنه قد وقعت فشانه ذلك ~~فاغتممت وقلت : لو كانت هذه الشرافة في أعلاه في هذا الموضع لتم حسن هذا ~~القصر فإن ثلمها قد شانه فقال لي غلام هناك : قد كانت ms0235 هذه الشرافة في ~~مكانها من القصر إلا أنك التفت في صلاتك فسقطت ، وحدثونا عن بعض الزهاد أنه ~~كوشف مقامه من الجنة فرأى الحور العين وقلن نحن أزواجك ، فلما خرجت تعلقت ~~بي الحور وقلن : ننشدك الله إلا ماحسنت أعمالك فإنك PageV01P182 كلما ~~حسنتها ازددنا لك حسنا وازددت بنا نعيما ، وحدثونا عن رابعة العدوية رحمها ~~الله تعالى قالت : سبحت ذات ليلة تسبيحات من السحر ثم نمت فرأيت شجرة خضرة ~~نضرة لا توصف عظما وحسنا وإذا عليها ثلاثة أنواع من الثمر لا أعرفه من ثمار ~~الدنيا كثدي الأبكار ثمرة بيضاء وثمرة حمراء وثمرة صفراء ، فهن يلمعن ~~كالأقمار والشموس في خلال خضرة الشجرقالت : فاستحسنتها فقلت : لمن هذه ؟ ~~فقال لي قائل : هذه لك بتسبيحاتك آنفا ، قالت : فجعلت أطوف حولها فإذا ~~تحتها ثمرة منتشرة على الأرض في لون الذهب فقلت : لو كانت هذه الثمرة مع ~~هذه الثمار على هذه الشجرة لكان أحسن فقال لي الشخص : كانت هناك إلا أنك ~~حين سبحت تفكرت هل اختمر العجين أم لا فانتثرت هذه الثمرة فهذه عبرة لأولي ~~الأبصار ومواعظ لأهل التقوى والأذكار . # | ذكر المقام الثالث من المراقبة # روي أن كعب الأحبار قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : لو لقيت الله ~~تعالى بعمل سبعين نبيا لخشيت أنك لا تنجو من هول ذلك اليوم ، وقال بعض ~~السلف : لو أن العبد كان يجر على وجهه من أول الدنيا إلى قيام الساعة في ~~طاعة الله وعبادته لاحتقره يوم القيامة لما يرى من الزلازل والأهوال ، وفي ~~الحديث : معالجة ملك الموت أشد من ألف ضربة بالسيف وإن ألم شعرة من الموت ~~لو وضع على جميع الخلائق لماتوا وإن بين الخلائق وبين الموت وبين دخول ~~الجنة مائة ألف هول كل هول منها يزيد على ألم الموت مائة ألف ضعف لا ينجو ~~العبد من كل هول منها إلا برحمة فيحتاج العبد إلى مائة ألف رحمة تنجيه من ~~تلك الأهوال يكون ذلك العدد من الرحمة مقسوما على مائة ألف حسنة أعطيها من ~~حسناته في الدنيا التي أحسن بها إليه ms0236 يكون مكانا لظهور الرحمة وطريقا ~~لعطائها غدا حكمة من الحكيم وقسما مدبرا من الرحيم لأن الصالحات طرق الجزاء ~~والحسنات كلها عن الرحمة الواحدة التي سبقت له بها النجاة ثم سقطت في طرقات ~~الأعمال أماكن الثواب فيعطى ذلك ههنا اليوم وهوالعطاء الأول يحسن توفيقه ~~ولطف عنايته ويعطى الجزاء هناك غدا بفضل رحمته وتمام نعمته ذلك تقدير ~~العزيز العليم كما قال تعالى : ( هل جزاءالإحسان إلا الإحسان ) الرحمن : 60 ~~قيل في الخبر : ما جزاء من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة ، وقال بعض ~~العلماء : وليس لقول لا إله إلا الله جزاء إلا النظر لوجه الله تعالى ~~والجنة جزاء الأعمال ألم تر أنه لو حرم التوحيد اليوم لحرم الجنة ولو منع ~~الإسلام اليوم لم يغفر الله له أبدا كما قال عز وجل : ( إنه من يشرك بالله ~~فقد حرم الله عليه الجنة ) المائدة : 72 وقال : ( إن الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ) محمد : 34 فهذا مما ~~لاحيلة فيه ولا سبيل إليه ، وقد قال : ( هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) ~~المدثر : 56 قيل : هو أهل أن يعطى التقوى ومن أعطاه التقوى فهو أهل أن ~~يعطيه المغفرة PageV01P183 كقوله تعالى : ( وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق ~~بها وأهلها ) الفتح : 26 وقال : ( واتقوا الله لعلكم ترحمون ) الحجرات : 10 ~~وقال : ( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) الأعراف : 56 وقال سبحانه تماما ~~على الذي أحسن وقال تعالى : ( وسنزيد المحسنين ) البقرة : 58 ، إلى قوله ~~ماعلى المحسنين من سبيل ، وقال تعالى : ( ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ~~) الشورى : 23 ، فمن كانت أعماله الحسنات فهو من المحسنين ومن كانت أعماله ~~سيئة فهو من المسيئين فاشتقاق الحسنة من الحسن وجزاؤها الحسنى وهي الجنة ~~واشتقاق السيئة من السوء وجزاؤها السوأى وهي النار وقدسبق خلقهما قبل خلق ~~الخلائق وفرغ من نصيب العباد من الجنة والنار وسئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الإحسان فقال : أن تعبد الله كأنك تراه ، فهذا أول المراقبة لأنها ~~عن غير المشاهدة ترى الرقيب ثم تراقب ms0237 ، وقد خص الله تعالى بالطيبات من ~~الأعمال الطيبين من العمال وابتلى بالخبيثات من الأعمال الخبيثين من العمال ~~وفرغ من ذلك بعلمه وقدره بحكمه وأخفاه بلطفه فقال تعالى : ( الخبيثات ~~للخبيثين ) النور : 26 قيل الخبيثات من الأفعال والأقوال للخبثين من الرجال ~~، وقال : ( الطىبات للطيبين ) النور : 26 وقيل : الطيبات من الأعمال ~~والمقال للطيبين من الرجال ، ثم أخبر بحسن خاتمة أوليائه وسوء خاتمة أعدائه ~~فقال تعالى : ( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا ~~الجنة بما كنتم تعملون ) النحل : 32 ، قيل : طابت حياتهم فطابت وفاتهم ~~وطابت أعمالهم فطاب الموت لهم ، وقال في وصف الظالمين : ( الذين تتوفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم ) النحل : 28 قالوا : فيم كنتم ؟ قالوا : كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا أظلمت حياتهم وأعمالهم فأظلمت قبوررهم ومثواهم فمن ~~شهد ما ذكرناه يقينا دامت مراقبته وحسنت معاملته فاتصلت أوراده وكثر من ~~الخير ازدياده ونفدت مشاهدته لصفاء يقينه ودوام مزيده فكان ممن ندب الله عز ~~وجل في قوله تعالى : ( لمثل هذا فليعمل العاملون ) الصافات : 61 وفي ذلك ~~فليتنافس المتنافسون وكان ممن وصف إذ يقول : ( يسارعون في الخيرات وهم لها ~~سابقون ) المؤمنون : 61 أي يسارعون الموت ويسابقون الفوت ويسارعون الغافلين ~~ويسابقون البطالين ولعل بطالا من الشاطحين جاهلا بحكمة الحكيم يتوهم علينا ~~بظنه أنا نقول إنه لا يعطي إلا شيئا بشيء ولسنا نقول ذلك إنما نقول إنه ~~يعطي شيئين بلا شيء ، فهو المعطي الأول للشيء الذي هوالظرف والمكان من ~~العبادة والإيمان وهو الذي يعطي الشيء الذي هو النعيم والجنان إلا أنه أجرى ~~ذلك بتقديره في مجاري حكمته كما سبق ذلك في علمه ثم أنشأه في معلومه لأنه ~~حكيم عليم . ندب الله عز وجل في قوله تعالى : ( لمثل هذا فليعمل العاملون ) ~~الصافات : 61 وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وكان ممن وصف إذ يقول : ( ~~يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ) المؤمنون : 61 أي يسارعون الموت ~~ويسابقون الفوت ويسارعون الغافلين ويسابقون البطالين ولعل بطالا من ~~الشاطحين جاهلا بحكمة الحكيم يتوهم علينا ms0238 بظنه أنا نقول إنه لا يعطي إلا ~~شيئا بشيء ولسنا نقول ذلك إنما نقول إنه يعطي شيئين بلا شيء ، فهو المعطي ~~الأول للشيء الذي هوالظرف والمكان من العبادة والإيمان وهو الذي يعطي الشيء ~~الذي هو النعيم والجنان إلا أنه أجرى ذلك بتقديره في مجاري حكمته كما سبق ~~ذلك في علمه ثم أنشأه في معلومه لأنه حكيم عليم . # | ذكر المقام الرابع من مراقبة الموقنين # ثم يعلم العبد يقينا أنه تنشر له سنوه في الآخرة شهورا وتبسط شهوره أياما ~~وتفترش أيامه ساعات وتكشف ساعاته أنفاسا ثم يسأل عن كل نفس وينشر له بكل ~~فعلة فعلها وإن PageV01P184 صغرت ثلاثة دواوين : الأول لم فعلت وهذا مكان ~~الابتلاء بالأحكام فإن سلم له نشر له ، الديوان الثاني وهو كيف فعلت وهو ~~موضع المطالبة بصحة العلم فإن صح له هذا نشر عليه ، الديوان الثالث وهولمن ~~فعلت وهذا مكان المطالبة في الإخلاص فإن اعتل بكيف أو بلم أو بلمن خيف عليه ~~الهلكة إلا أن يتعطف عليه الكريم المنان بحيث لا يحتسب فيستنقذه ويسمج له ~~وقد قال تعالى : ( وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ) الأنبياء : 47 أي ~~جئنا بها أي أحضرناها وقرئت بالمد آتينا بها بمعنى جازينا بها ، وقال عزوجل ~~: ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) ( ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) الزلزال ~~: 7 - 8 وقيل : هذه أحكم آية في كتاب الله عز وجل وهي مجملة مبهمة عامة ، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن شيء لم يوح إليه فيه بشيء ~~يقول : ما عندي فيه إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ، فمن يعمل مثقال ذرة ~~الآية ، ولما تعلم صعصعة جد الفرزدق من أسفل القرآن إلى هذه السوة قال : ~~حسبي حسبي قد عرفت الخير والشر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انصرف ~~الرجل فقيها وقيل الذرة قشرة الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رؤس الإبر ~~. وروي عن ابن عباس أنه قال إذا وضعت كفك على التراب ثم رفعتها فكل شيء ~~تعلق بها من التراب ms0239 فهو ذرة ، وقد قيل أربع ذرات خردلة ، وذكر بعض العلماء ~~أن الذرة جزء من ألف جزء من شعيرة ، ففي الأعمال مايزن هذا الشبح ومايثقل ~~به هذا الخفاء ، فلذلك أخبر به الخبير وحذر منه الرؤوف وفي معنى ما ذكرنا ~~آنفا من حسب أنه يدخل الجنة بعمل فهو متعن ومن حسب أنه يدخلها بغير عمل فهو ~~متمن يعني أنه ينبغي أن يعمل ما عليه ولا ينظر إليه ثم يتوكل في ذلك على ~~الله عزوجل ويرجو قبوله بكرمه ويخاف رده بعدله ولذلك مدح الله سبحانه ~~وتعالى عباده الصابرين له المتوكلين في أعمالهم عليه فأنعم أجرهم فقال : ( ~~نعم أجر العاملين ) ( الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) العنكبوت : 58 - 59 ~~فالمزيد في الجنة بفضل الله ورحمته هو تأبيد جزاء المعاملة الموهوبة اليوم ~~ودوام خلود العامل في تأبيد جزائه ألم تسمع قوله تعالى : ( ومن يقترف حسنة ~~نزد له فيها حسنا ) الشورى : 23 مع قوله : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) ~~إلى قوله : ( فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا ) سبأ : 37 ومثله ( ولكل ~~درجات مما عملوا ) الأنعام : 132 ونحوه : ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما ~~صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ) القصص : 54 أي وبما يدرؤون بالحسنة الحديثة ~~السيئة القديمة فلما استعملهم في الدنيا بعملين بالصبر وبدرء السيئة ~~الماضية بالحسنة المستأنفة أعطاهم في الآخرة أجرين ، وهذا من الكلام ~~المحذوف الموجز فمحذوفه وبما يدرأون أي وبما يدفعون أيضا فلما حذفت بما ~~أشكل الكلام فأشبهت PageV01P185 الواو واو النسق ومؤخره السيئة والمعنى ~~يدفعون السيئة التي تقدمت منهم بالحسنة التي يعملونها بعدها فتكون الحسنة ~~المستقبلة رافعة لعقاب السيئة الفارطة منهم ومن أحسن الصبر : الصبرعلى ~~المصيبة ومن أحسن الحسنات : التوبة النصوح بعد ماسلف من الذنوب والفضوح ~~فكأنهم قد عملوا عملين صبروا عن الشهوة ودفعوا بالتوبة ما سلف من السيئة ~~فأعطاهم أجرين لما استعملهم بعملين إذ لا صبر إلا به ولا توبة لهم إلا منه ~~كما قال تعالى : ( وما صبرك إلا بالله ) النحل : 127 وقال : ( توبة من الله ~~) النساء : 92 وليس من العبد أو إليه فيما من الله وإلا ms0240 كان مشركا في اسم ~~أول ، ومن أحسن الحسنات مراقبة الرقيب عند خطرات القلوب ومن أفضل القربات ~~محاسبة النفس للحسيب واستجابتها بطاعة الحبيب وكذلك حكمته في مزيد أهل ~~النار ودركات بعضهم على بعض في العتو والفساد فقال تعالى : ( إن الذين ~~كفروا وصدوا عن سبيل الله ) النساء : 167 زدناهم عذابا فوق العذاب أي ~~زدناهم عذابا فوق عذاب الذين كفروا ولم يصدوا عن سبيل الله وبمعناه قوله ~~تعالى : ( إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا ~~) النساء : 168 فلم يغفر لهم بكفرهم ولم ينور لهم طريق الهداية بظلمهم ، ~~وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الظلم ظلمات يوم القيامة ومثل ~~ذلك قوله تعالى : ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم ~~عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ) البروج : 10 فصار عليهم عذابان : عذاب جهنم ~~بما لم يتوبوا وعذاب الحريق بما فتنوا المؤمنين ، ومثله قوله تعالى : ( فلا ~~تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) التوبة : 55 أي يريد أن يعذبهم بها في الدنيا ~~ويريد أيضا أن تزهق أنفسهم على الكفر ليعذبهم بها في الآخرة وهذا نص صريح : ~~إن الله تعالى يريد الكفر من الكافر لأن تزهق انتصب بالعطف على يريد الأول ~~والواو فيه للجمع وقد قيل إن في هذه الآية تقديما وتأخيرا فيكون المعنى : ~~ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم في الآخرة ~~فأراد أن يجمع العذابين عليهم في جهنم : أحدهما الأموال والأولاد ، والثاني ~~لإرادته تعالى أن تخرج نفوسهم على الكفر فمن لا مال له ولا ولد له منهم كان ~~عليه عذاب واحد في جهنم لأجل قوله تعالى : بها أي بسببها ، وهذا مواصل ~~للخبر الذي جاء أن فقراء الكفار يدخلون النار بعد أغنيائهم بخمسمائة عام ~~لأجل الفقر الذي كانوا فيه في الدنيا كما أن الفقراء من المؤمنين يدخلون ~~الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام لأجل غنى أولئك . اء الكفار يدخلون النار ~~بعد أغنيائهم بخمسمائة عام لأجل الفقر ms0241 الذي كانوا فيه في الدنيا كما أن ~~الفقراء من المؤمنين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام لأجل غنى ~~أولئك . وفي الخبر أيضا وتدخل المرضى إلى الجنة قبل الأصحاء بأربعين خريفا ~~ويدخل المقتول في سبيل الله مقبلا قبل المقتول في الله مدبرا بأربعين خريفا ~~وتدخل المماليك قبل الموالي بأربعين خريفا ويدخل سليمان بن داود الجنة بعد ~~الأنبياء بأربعين خريفا PageV01P186 لمكان ملكه فالحسرة العظمى والفوات ~~الأكبر الذي لا درك له وهو تأبيد حرمان ما أعطي غيرك من المزيد هناك لفوت ~~أوقاتك في الدنيا ههنا ثم درك ذلك بأوقاته العامرة ههنا تأبيد مزيد جزائه ~~ثم وهذا هو التغابن ؛ غبن العاملون البطالين وغبن السابقون المخلفين وغبن ~~المسارعون المثبطين ثم خلود العبد البطال المغبون في الدنيا في تأبيد حرمان ~~مزيد الغابن العامل ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ما من ساعة تأتي على ~~ابن آدم لا يذكر الله تعالى فيها إلا كانت عليه حسرة وان دخل الجنة ، وفي ~~لفظ آخر ، وهو أشد إلا كانت عليه ترة يوم القيامة أي مطالبة ومؤاخذة ، ~~فالحسرة في الجنة بعد دخولها والظفر بنعيمها هو ما ذكرناه من حرمان مزيد ~~العاملين فيها ثم دوام الحرمان مؤبد بها وهو كون العبد في نقصان درجة غيره ~~ثم هو مخلد في النقصان سرمدا ومع ذلك فلا يؤبه له ولا يفطن به كيلا ينقص ~~عليه نعيمه والطرفة والنفس إذا خلتا من اليقظة والذكر فيهما بمنزلة الساعة ~~الخالية إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على الساعة ولم يذكر ما دونها ~~لأن اسم الساعة أقل الزمان المستعمل عند العرب ليواطىء بقوله قول الله ~~سبحانه وتعالى : ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) الأعراف ~~: 34 ومعلوم أنه إذا جاء الأجل لا يستأخرون نفسا ولا طرفة عين وكذلك لا ~~يستقدمون طرفة ولانفسا ، فذكرت الساعة دون ما نقص منها لئلا يخرج الكلام عن ~~حد استعمالهم وعرفهم وليستدل بها على ما دونها في القلة من النفس والطرفة ، ~~وكذلك دل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصه على ms0242 الساعة على ما دونها لأن ~~حكمته من حكمة مولاه وكلامه على معاني كلامه وقد دخلت الساعة فما دونهافي ~~الأيام التي قال الله تعالى : ( كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام ~~الخالية ) الحاقة : 24 قيل : هي والله أيامكم هذه وستخلو فأشغلوها بالأعمال ~~الصالحة قبل خلوها منكم وانقضائها عنكم ، وكان الحسن يقول : يا ابن آدم ~~إنما أنت مراحل كلما مضى منك يوم أو ليلة قطعت مرحلة فإذا فنيت المراحل ~~بلغت المنزل إلى الجنة أو النار ، فالساعات تنقلنا والأيام تطوينا ، وكما ~~قال بعض الحكماء : مثل العبد في عمره مثل رجل في سفينة تسير وهو قاعد كذلك ~~العبد يدنو من الآخرة وهو غافل ويقال : إن العبد تعرض عليه ساعاته في اليوم ~~والليلة فيراها خزائن مصفوفة أربعة وعشرين خزانة فيرى في كل خزانة نعيما ~~ولذة وعطاء وجزاء لما كان أودع خزانته من ساعاته في الدنيا من الحسنات ~~فيسره ذلك ويغتبط به ، فإذا مرت به في الدنيا ساعة لم يذكر الله تعالى فيها ~~رآها في الآخرة خزائن فرغا لا عطاء فيها ولا جزاء عليها فيسوءه ذلك ويتحسر ~~كيف فاته أن لم يدخر فيها شيئا فيرى جزاءه مدخرا ثم يلقى في نفسه الرضا ~~والسكون فلو لم يتحسر العبد إلا على فوت الفضائل والمندوب إليه من الخيرات ~~لكان في فوت المسابقة والمسارعة حسرات فكيف بمن فاته أوقاته في السيئات ~~وفرطت منه في الخسارات ولو لم يشتغل العبد في عمره إلا بالحلال PageV01P187 ~~والمباحات لكان ذلك نقصانا من الدرجات له فكيف بمن شغل بالمحظورات ؟ فسبحان ~~الله ما أعظم الخطر وأصعب الأمر وأقل المشاهدين لذلك وأغفل البطالين ، وقد ~~قال بعض العلماء : هب أن المسيء قد غفر له ، أليس قد فاته ثواب المحسنين ، ~~وقد جاء في الأثر أن بعض أهل الجنة بيناهم في نعيم إذ سطع لهم نور من فوقهم ~~أضاءت منه منازلهم كما تضيء الشمس لأهل الدنيا فنظروا إلى رجال من فوقهم ~~أهل عليين يرونهم كما يرى الكوكب الدري في أفق السماء قد فضلوا عليهم في ~~الأنوار والنعيم والجمال كما فضل ms0243 القمر على سائر الكواكب فينظرون إليهم ~~يطيرون على نجب تسرح بهم في الهواء حيث شاؤوا ويتزاورون بعضهم بعضا يزورون ~~ذا الجلال والإكرام فينادون هؤلاء : يا إخواننا ما أنصفتمونا ، كنا نصلي ~~كماتصلون ونصوم كما تصومون فما هذا الذي فضلتم به علينا ؟ قال : فإذا ~~النداء من الله عز وجل إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون ويعطشون حين تروون ~~ويعرون حين تكتسون ويبكون حين تضحكون ويقومون حين تنامون ويخافون حين ~~تأمنون فلذلك فضلواعليكم اليوم ، فذلك قوله تعالى : ( فلا تعلم نفس ما أخفي ~~لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا بعملون ) السجدة : 17 ، وقد جاء في الخبر : ~~أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب . ن تروون ويعرون حين تكتسون ~~ويبكون حين تضحكون ويقومون حين تنامون ويخافون حين تأمنون فلذلك فضلواعليكم ~~اليوم ، فذلك قوله تعالى : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء ~~بما كانوا بعملون ) السجدة : 17 ، وقد جاء في الخبر : أكثر أهل الجنة البله ~~وعليون لذوي الألباب . # | ذكر المقام الخامس من مراقبة الموقنين من المقربين # قال الله تعالى مخوفا للكافة : ( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال : رب ~~ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ) ثم أجابه فقال : كلا وحقق قوله تعالى ~~فقال : ( إنها كلمة هو قائلها ) المؤمنون : 100 ثم نهى المؤمنين نهيا صريحا ~~عن مثل هذه الحال وأخبر بنقصان من فعل ذلك فقال : ( يا أيها الذين آمنوا لا ~~تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ) المنافقون : 9 أي لا تشغلكم عن ~~الطاعة الله تعالى ثم قال : ( ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ) المنافقون ~~: 17 أي المغبونون المنقوصون في الآخرة لأنهم آثروا المال والولد على ~~الخالق الرازق ثم أمر بالإنفاق مما رزق وقرنه بالإيمان وأخبر أنه استخلفنا ~~في ملكه اختبارا لنا فقال : ( آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم ~~مستخلفين فيه ) الحديد : 7 فيه فسمع الغافلون نصف الكلام فآمنوا ولم ~~ينفقواوعقل العاملون كل الكلام فآمنوا وأنفقوا ومايعقلها إلا العالمون ، ~~وقال سبحانه : ( وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب ~~لولا أخرتني إلى ms0244 أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ) المنافقون : 10 أي ~~بالأعمال وكان ابن عباس يقول : هذه الآية من أشد شيء على أهل التوحيد لأنه ~~لا يتمنى التأخير والرجوع إلى الدنيا أحد له عند الله خير في الآخرة ، ~~PageV01P188 ومثل هذا قوله سبحانه : ( أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في ~~جنب الله ) الزمر : 56 الحسرة هي أعظم الندامة وهي اسم لفوت شيء لا تدارك ~~فيه فرطت أي ضيعت وونيت وفرط مني أي ذهب وفات وجنب الله قيل : على ما فاتني ~~من الجزاء منه في الآخرة وقيل : ما فات من النصيب في أيام الدنيا إلى قوله ~~أو تقول حين ترى العذاب : ( لو أن لي كرة ) الزمر : 58 يعني إلى الدنيا ~~عودة أخرى ( فأكون من المحسنين ) الزمر : 58 ، وقوله أن تقول نفس من الكلام ~~المضمر المعطوف ومضمره من قبل أن تقول أو خشية أن تقول ومعطوفه هو قوله : ( ~~وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ) الزمر : 54 ، أي اقبلوا إليه وتوبوا ~~واستسلموا وسلموا قلوبكم ونفوسكم وأموالكم في طاعته وعبادته ( واتبعوا أحسن ~~ما أنزل إليكم من ربكم ) الزمر : 55 ، أي اتبعوا العزائم من الأمور ~~والفواضل من الأعمال فهو أحسن من الرخص والمباحات مثل الزهد والورع والخوف ~~والإيقان فهذا من أحسن ما أنزل إلينا من ربنا ثم قال تعالى : ( أن تقول نفس ~~يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله ) الزمر : 56 ، فلما طال الكلام وأضمر ~~معطوفه وبعد عاطفه للاختصار أشكل فهمه ، وفي القرآن ما هو أشد اختصارا ~~وأبعد من هذا إضمارا كقوله تعالى : ( فما يكذبك بعد بالدين ) التين : 7 ، ~~المعنى : فما الذي يحملك على التكذيب أيها الإنسان الذي خلقناه في أحسن ~~تقويم بعد هذا البيان والبرهان بالدين بالغائبات والكائنات من أمور الدين ~~والحسنات والجزاء ثم أحكم ذلك برده إليه فقال : ( أليس الله بأحكم الحاكمين ~~) التين : 8 وكذلك قوله : ( ولا تنس نصيبك من الدنيا ) القصص : 77 ، المعنى ~~: لا تترك أن تعمل في الدنيا بأيامك هذه فتدرك نصيبك غدا من الآخرة في ~~الدنيا فإنك لا تدكه إلا فيها ms0245 ثم أحكمه بقوله : ( وأحسن كما أحسن الله إليك ~~) القصص : 77 ، أي أحسن إلى نفسك وإلى إخوانك الفقراء كالذي أحسن إليك به ~~من المال والغنى ، فبذلك تدرك نصيبك من الدنيا في الآخرة ، ثم أخبر الله ~~سبحانه الكل وحذرهم فقال : ( حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا ~~على ما فرطنا فيها ) الأنعام : 31 ، أي : يا ندامتنا على ما ضيعنا في ~~الدنيا وفاتنا في الآخرة ، وفي الخبر : لا يموت أحد إلا بحسرة وندامة إن ~~كان مسيئا كيف لم يحسن وإن كان محسنا كيف لم يزدد وذلك أن الله تعالى جعل ~~أهل السلامة والنجاة طبقتين بعضهم أعلى من بعض وجعل أهل الهلكة طبقة واحدة ~~بعضهم أسفل من بعض فكان صاحب الشمال يتحسر كيف لم يكن من أصحاب اليمين ~~لقوله تعالى : ( كل نفس بما كسبت رهينة ) ( إلا أصحاب اليمين ) المدثر : 38 ~~- 39 وصاحب اليمين يتحسر كيف لم يكن من المقربين والصالح من المقربين يتمنى ~~أن يكون من الشهداء والشهيد يود أنه من الصديقين فهو يوم الحسرة الذي أنذر ~~به أهل الغفلة فكيف بهم في ذلك اليوم إذا كانوا اليوم أمواتا ولم يكن له ~~حسنة فإني لهم النذارة والتذكرة كما قال : ( وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي ~~الأمر وهم في غفلة ) مريم : 93 ، وقد قال : ( لينذر من كان حيا ) يس : 07 ، ~~كما قال : PageV01P189 ( إنما أنت منذر من يخشاها ) النازعات : 54 ( إنما ~~تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب ) ، وقال تعالى : ( فكشفنا عنك ~~غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ق : 22 ، يعني إلى ماقدمت وقيل حديد إلى لسان ~~الميزان تخاف النقصان وقال تعالى : ( وجاءت سكرة الموت بالحق ) ق : 91 قيل ~~بالسابقة لهم وعليهم فهو الحق سبقت لهم منا الحسنى حقت عليهم كلمة ربك ~~لايؤمنون وسقط ما دونها وقد قيل إنما يوزن من الأعمال خواتيمها والخواتم من ~~السوابق وما بينهما زاهق والوزن يومئذ الحق ما سبق من العدل والصدق وتمت ~~كلمة ربك صدقا لأوليائه وعدلا على أعدائه ألا له الخلق والأمر . # | ذكر المقام السادس من مشاهدة المقربين # الخيرات هي من ms0246 ثمرات الإيمان ، والصالحات هي مقتضى اليقين ، واللعب مقتضى ~~الشك ، والسمع والبصر وصفان للمتقين ، والعمى والصمم وصفان للشك ، تنتظم ~~هذه المعاني في قول الله تعالى : ( قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم ~~مؤمنين ) البقرة : 93 فدل أن الإيمان يأمر المؤمنين بالبر والتقوى وقوله ~~تعالى مخبرا عمن أيقن فسمع وأبصر فينال العمل الصالح : ( ربنا أبصرنا ~~وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) السجدة : 12 قوله تعالى في وصف ~~اللاعبين : ( بل هم في شك يلعبون ) الدخان : 9 ، ثم ذكر حالهم لعدم اليقين ~~فقال تعالى : ( ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ) هود : 20 لأنهم ~~لم يكونوا موقنين ، فلما جاءهم اليقين وهو المعاينة أبصروا وسمعوا فقالوا : ~~وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فوصفهم بشدة السمع والبصر حينئذ لما ~~أيقنوا فقال عز وجل : ( أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ) مريم : 38 أي ما ~~أسمعهم وأبصرهم اليوم لما جاؤونا فرأوا ما عندنا وهذا للمبالغة في الوصف ~~كما تقول : أكرم وأعظم به أي : ما أكرمه وأعظمه ، فكذلك إذا أتيته اليوم ~~وأنت موقن سمعت مالم تسمع وأبصرت ما لم تر قبل ذلك ولكن شغلتك الأزواج التي ~~خلق والأشكال والأشباه التي أظهر فتألهت إليها ووقفت معها ولو فررت منها ~~إلى الله تعالى لفررت إلى خير مفر ولأواك عنده في أحسن مقر وقد أمرك ~~بالفرار منها إليه لو قبلت ونهاك عن التأله إليها لو سمعت وبين لك النذارة ~~لو فهمت وجعل ما خلق من الأزواج تذكرة به ولو عرفت ورادة إليه لو أنك للذكر ~~اتبعت ومشوقة إليه لوكنت لقربه أحببت أما سمعته يقول : ( ومن كل شيء خلقنا ~~زوجين لعلكم تذكرون ) الذاريات : 49 أي مثلين وشكلين لكي تذكروا الله بها ~~وتشتاقوا إليه منها ثم قال : ( ففروا إلى الله ) الذاريات : 50 أي عنها ~~بالزهد ثم قال : ( ولا تجعلوا مع الله إلها آخر ) الذاريات : 51 أي لا ~~تؤلهوا معه إلها ولا تشركوا بتألهكم إليه إياها فهذا فهم المقربين عن سمعهم ~~بشهادة أبصار قلوبهم فعندها كان استجابتهم له كما قال : إنما يستجيب الذين ~~يسمعون وقال ms0247 : ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ) ~~الشورى : 26 ولكن PageV01P190 كيف يسمع من ينادي من مكان بعيد وكيف يبصر من ~~القفل على قلبه عتيد وكيف يستجيب من لا يسمع وكيف يشهد من لا يبصر وقد قال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم : حبك للشيء يعمي ويصم ، فالهوى يعمي عن الحق ~~والشهوة تصم عن النصح والصدق ، وكذلك لو أحببته لنظرت إليه ولو نظرت إليه ~~لعميت عمن سواه ولو أقبلت عليه لاستمعت إليه ولو سمعت لصممت عن غيره ولو ~~أحبك لكان سمعك وبصرك وقلبك ويدك وناصرك ومؤيدك تدعوه فيجيبك وتسأله فيعطيك ~~وتنصح له فينصح لك ، كذلك جاء الخبر بذلك فشغلك به عنك وفرغك له منك فكيف ~~تسمع عنه وتنظر إليه وتتقلب عنده وتتحرك به لا بنفسك وهواك ولا بشهوتك ~~ودنياك فهذا وصف حبيب عن تقلب حبيب وخبر محبوب عن تثبيت محبوب فإذا تيقن ~~العبد يقين عين لا يقين ظن وسمع بما ذكرناه من سرعة فوت الوقت وفوت دركه ~~شغله الغم والحزن على مافات عن مثل ما سلف مما ندم عليه في مستقبل الأوقات ~~فلم يضم إلى الفوت الأول فوتا ثانيا لحزنه وندمه عليه فكيف يردفه في الحال ~~بما يشبه ما ندم عليه من سوء الأعمال وما لا يحمد عاقبته ولا يغتبط به في ~~المال ، فمثل العبد المتيقظ في آخر غفلته مثل عبد كان عليه عمل لا بد أن ~~يعمله في يومه ذلك إلا أنه لهي عنه لغفلة ملهية أو نومة منسية فلم يفق ~~لعمله ذلك الذي لا بد منه إلا بعد العصر فلا يسأل عن حرصه وانكماشه وتشهيره ~~وبداره في بقية نهاره ليدرك به ما فاته من أول النهار فهو يود أن وقته ذلك ~~إلى الليل مد له أضعافه أو رد إلى أول النهار ليدرك ما فاته فهذا حال ~~التائب المتيقظ من رقدته وهذا لا يستبين له إلا بعد الموت لمعاينة تقضي ~~الأوقات ولليقين بعدم درك مافات ، فهناك وقعت الندامة الكبرى وحينئذ حلت ~~الحسرة العظمى ، فالحزم عند العقلاء الموقنين هو الانكماش والتشمير ms0248 فيما ~~بقي من العمر القصير لأن الاشتغال بما فات في وقت درك مثله في المستقبل هو ~~إضاعة ثانية لما هو آت ، فحرص هذا المتيقظ واجتهاده أن يكون له في كل وقت ~~وقت ومن كل ساعة نصيب فأودع في كل خزانة من ساعاته التي هي خزائن أعماله ~~شيئا فشيئا لئلا يرى خزائنه فارغة غدا فيتحسر على فراغه منها وهذا طريق أهل ~~الرجاء الذين تمنوا زيادة الأعمال ورغبوا في طول البقاء بحسن خدمة المولى ~~وهو مقام التائب المستقيم ليتدارك بحديث الأوقات ما فرط منه من الغفلة في ~~القديم ، فهذا هو الحزم والاحتياط عند العلماء فإن يكن الأمر صعبا شديدا ~~كما يحدث عنه كان قد سلم بحسن توفيق الله تعالى من صعوبته وإن كان الأمر ~~سهلا قريبا كما يرجوه كانت الأعمال درجات والفضائل مقامات . يكون له في كل ~~وقت وقت ومن كل ساعة نصيب فأودع في كل خزانة من ساعاته التي هي خزائن ~~أعماله شيئا فشيئا لئلا يرى خزائنه فارغة غدا فيتحسر على فراغه منها وهذا ~~طريق أهل الرجاء الذين تمنوا زيادة الأعمال ورغبوا في طول البقاء بحسن خدمة ~~المولى وهو مقام التائب المستقيم ليتدارك بحديث الأوقات ما فرط منه من ~~الغفلة في القديم ، فهذا هو الحزم والاحتياط عند العلماء فإن يكن الأمر ~~صعبا شديدا كما يحدث عنه كان قد سلم بحسن توفيق الله تعالى من صعوبته وإن ~~كان الأمر سهلا قريبا كما يرجوه كانت الأعمال درجات والفضائل مقامات . # | ذكر المقام السابع من مشاهدة الموقنين # اعلم أن ما ذكرناه من تدارك الأوقات خوف فوتها ليس هو بتمني مكان دون ~~مكان ولا هو بانتظار وقت ثان الذي هو في الأصل فكر الوقت الذي هو فيه ولا ~~توقع حال PageV01P191 سوى الحال الذي هو يليه إنما هو صوم يوم أو قيام ليلة ~~أو ذكر في ساعة أو جمع هم عن شتات قلب أو قطع لأثر في خطر ويكون ذلك أيضا ~~غض طرفه وصون سمعه وكف يده وحبس قدمه وصمتا عن كلمة دنية وترك لقمة شهية ~~ونقصانا ms0249 من قوت وزيادة جوع للمقيت وأمرا بكلمة رشيدة ونهيا عن فعلة دنية ~~وعقد نية حميدة وحل نية ذميمة وتجديد توبة وإعمال قلب في فكرة وإخراج سوء ~~ظن واعتقاد حسن ظن واستقامة وصحة عزم في قصد وتسببا إلى ما يقوي العزم ~~ومعونة على بر وتقوى ؛ وهذا كله يكون في الوقت ويحدثه في الحال لا يسوف به ~~ولا ينتظر منه ولا يتوقعه في وقت ثان ولا يؤخر إلى زمان دون وقته ولا يتربص ~~به في مكان دون مكان فهذا هو التدارك للأوقات في وقتك الذي أنت فيه خشية ~~فوت الوقت فيحصل على التسويف والتمني أو في الانتظار والتراخي ؛ فهذه من ~~جنود إبليس يقطع بها المريدين وهو مقام المغترين وأحوال البطالين الذين ~~وكلوا إلى أنفسهم وتركوا مع هواهم ولم يتداركوا في أحوالهم ولم يقدموا ~~لغدهم نسوا الله فنسيهم والوقت إذا انقضى فقد ، ولم يوجد إلى يوم القضاء ~~والساعة إذا مرت طويت فلم تنشر إلى يوم النشور وإنما ينشر مثلها ويخلق ~~شبهها فإذا أيقن العقد علم أن عمره كله يوم وأن يومه كله ساعة وأن ساعته ~~كلها وقته الآن وأن وقته حاله وأن حاله قلبه فأخذ من حاله لقلبه ما يقربه ~~إلى مقلبه بنهاية عمله ، فعمل أفضل ما دل علمه عليه وما ندبه مولاه إليه ~~ومما يجب أن يفجأه عليه فيكون ذلك خاتمة عمله الذي يلقى مولاه به ثم أخذ من ~~وقته لحاله ما يصلح حاله لقلبه ويقوي قلبه ويخلصه لربه وأخذ من ساعته لوقته ~~ما يزين به حاله عند ربه وأخذ من يومه لساعته صلاحه فيها وحاجته إليها وأخذ ~~من شهره ليومه فكان شهره يومه وكان يومه ساعته فشغله وقته عن ساعته وشغله ~~حاله عن وقته فكان على هذا مراعيا لوقته محافظا على حاله قائما على نفسه ~~جامعا لهمه محصيا لأنفاسه مراقبا لرقيبه مجالسا لحبيبه لا يخرج عنه نفس في ~~أدنى وقت إلافي ذكر لمذكور أو شكر على نعمة لمنعم أو صبر في محبة عتيدة أو ~~رضا عند شدة شديدة ويكون في ذلك ms0250 كله ناظرا إلى الرقيب مصغيا إلى القريب ~~سائحا إلى الحبيب لا ينظر إلا إليه ولا يعكف إلا عليه وقد جعل العمر يوما ~~واليوم ساعة والساعة وقتا والوقت حالا والحال نفسا والنفس مراقبة والمراقبة ~~مواجهة فتوجه في وجهته فلم ينثن وساح في قربه فلم ين فكان من الإيمان على ~~مزيد ومن اليقين في تجديد وأعطي من الحياة الطيبة بغير حساب وكشف له عن ~~قلبه الحجاب فكانت المعرفة مقامه وقصرت عليه أيامه فكان وقته وقتا واحدا ~~لواحد وكان قلبه واحدا لواحد وهمه منفردا لمنفرد ، وهذا حال الأبدال الذين ~~هم من الرسل أمثال ، وعددهم في الموقنين قليل ونصيبهم من اليقين وافر جليل ~~، وهم المقربون والصديقون ومن علم ما ذكرناه على يقين فهو من PageV01P192 ~~الصالحين ومن آمن به ولم يشك فيه لأهله إيمان تصديق فهو من الموقنين ومن ~~شهد منه شهادة يكون له منها مطالعات وزيادة فهو من الشاهدين وجميع ماذكرناه ~~من مراقبة المؤمنين وشهادة المقربين يدرك بأحد مقامين : من أقيم في أحدهما ~~جمع له ذلك استقامة في توبة وعمل بعلم فمن كان مقامه التوبة وحاله ~~الاستقامة رفع إلى شهادة المحبين ومن كان مقامه العلم وحاله العمل بعلمه ~~تحقق بنعت الخائفين وهما حالا العارف الدائم الوجد بقرب القائم بالشهادة ~~بحضور الشهيد فأنفاسه وطرفاته صالحات وتصرفاته وآثاره حسنات وأفكاره ~~وأذكاره مشاهدات فهو حاضر في تصريفه متيقظ في تقلبه وبهذا وصف العارف ~~والدائم الوجد وحدثت عن بعض هذه الطائفة أنه دخل على بعض المنقطعين إلى ~~الله تعالى من أهل المراقبة فقال له : أحصيت من نعم الله تعالى علي في نوع ~~واحد أربعة وعشرين ألف نعمة ، قلت : وكيف ذلك ؟ قال : حسبت أنفاسي في اليوم ~~والليلة فوجدتها أربعة وعشرين ألف نفس ، ويقال : أن الطرفات ضعف ذلك لأن كل ~~نفس طرفتان وسمعت أن الله عز وجل أوحى إلى بعض الأنبياء كيف تؤدي شكر نعمتي ~~عليك ولي في كل شعرة نعمتان إن لينت أصلها وإن طمنت رأسها ، وقال بعض ~~العلماء : روي ذلك أيضا عن علي عليه السلام : ليس شيء أعز ms0251 من الكبريت ~~الأحمر إلا ما بقي من عمر العبد ، قال : ولا يعرف مقدار مابقي من عمره إلا ~~نبي أو صديق . يء أعز من الكبريت الأحمر إلا ما بقي من عمر العبد ، قال : ~~ولا يعرف مقدار مابقي من عمره إلا نبي أو صديق . وقال بعضهم : لا يعرف قدر ~~ما بقي من عمره في العزة إلا من عرف ينبوع الكبريت الأحمر فإنه يقال : إنه ~~عيون تنبع في الظلمات لا يعرفها إلا الأبدال والكبريت الأحمر هو كيمياء ~~الذهب الذي يعمل منه الذهب الخالص واذا ألقى منه اليسير على كيمياء الذهب ~~المستعمل ثبت على حاله وإلا استحال وتغير بعد سنين ولا أعلم ذكر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم الكبريت الأحمر إلا في حديث علي عليه السلام الذي وصف ~~فيه الأبدال فذكر عدتهم ونعمتهم وقال في آخر وصفهم : هم في أمتي أعز من ~~الكبريت الأحمر ولا ذكر الذهب الإبريز إلا في حديث الابتلاء ، إن الله ~~تعالى يجرب عبده بالبلاء كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنهم من يخرج كالذهب ~~الإبريز ومنهم من يخرج أسود محترقا ومنهم من يخرج بين ذلك . PageV01P193 # | الفصل التاسع والعشرون فيه ذكر أهل المقامات من المقربين وتمييز أهل ~~الغفلة المبعدين # فإذا كان العبد يوصف ما ذكرنا كان كما قال الله تعالى : ( والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون ) ( والذين هم بشهاداتهم قائمون ) المعارج 32 - 33 ~~وقال بعض العارفين : عمر العبد أمانة الله تعالى عنده يسأله عند موته ، فإن ~~كان فرط فيه ضيع أمانة الله تعالى وترك عهده ، وإن راعى أوقاته فلم تخرج ~~ساعة إلا في طاعة الله حفظ أمانته ووفى بعهده فله الوفاء من الله على ~~الوفاء ، كما قال سبحانه وتعالى : ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون ~~) البقرة : 40 أي في تضييع العهد وفي ترك الوفاء وكما قال تعالى : ( أفمن ~~كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ) هود : 17 أي شهد مقام الله تعالى ~~منه بالبيان فقام بشهادة الإيقان فليس هذا كمن زين له سوء عمله واتبع هواه ~~فآثره على طاعة مولاه بل ms0252 هذا قائم بشهادته متبع لشهيده مستقيم على محبة ~~معبوده وكان كمن وصف في قوله تعالى : ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ) وكمن مدحه بحقيقة الإيمان ~~في قوله تعالى : ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) الأنفال : 2 أي ~~علامته ودلائله ( وعلى ربهم يتوكلون ) أي به يثقون وإليه ينظرون وعليه في ~~كل حال يعتمدون ولديه من كل شيء يطمئنون وعنده دون كل شيء يوجدون ثم قال ~~سبحانه : ( أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ) الأنفال : 4 الآية ~~، وليس أهل الحقائق من المتوكلين الذين مدحهم الحق بالحق وأعد لهم الدرجات ~~العلى ، والكريم من الرزق كمن ذكره بعدهم فقال : وإن فريقا من المؤمنين ~~لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين لهم مع قوله ما يجادل في آيات الله ~~إلا الذين كفروا ، فجعل حال هؤلاء وصفا مشبها لمقام أعدائه لما بقي عليهم ~~من أهوائهم وجعل مقام الصالحين بمعنى من وصفهم في الآية بحقيقة زهدهم فقال ~~تعالى : ( ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى ) طه ~~75 فهو العلي وأحباؤه الأعلون وإنما كانو أعلين لأن الأعلى معهم وكنا نحن ~~الأدنين لأن الدنيا عندنا ، قال الله سبحانه في وصف من أعرض عن ذكره ولم ~~يرد إلا الحياة الدنيا إذا أمر الحبيب بالإعراض عنه لأنه طلب PageV01P194 ~~الأدنى عاجلا أو سوف بالمغفرة آجلا لقوة جهله وضعف يقينه فقال تعالى : ( ~~يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ) الاعراف : 169 وقال : ( فأعرض ~~عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) النجم : 29 ، وقال في وصف ~~الصادقين المؤمنين : ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) الأحزاب : 23 وقال ~~في نعت غيرهم : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) الصف : 2 ، ~~كبر مقتا عند الله فشتان بين من وصف بصدق العهد وبين من ذكر بالخلف وعرض ~~للمقت ، وقال في وصف طائفة : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا ~~من المؤمنين ) سبأ : 20 فخص أولياءه بترك أتباعه وأدخل بعض المؤمنين ms0253 في ~~تصديق ظنه واتباعه إلا فريقا فهم الصديقون والشهداء ولاصالحون وحسن أولئك ~~رفيقا وهم المتوكلون المؤمنون حقا الذين قال إنه ليس له سلطان على الذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون وليس من باع ماله ونفسه محبة لمولاه كمن لم يسأله ~~مولاه دون نفسه لئلا يحفيه فيخرج ضغنه عليه كما قال لطائفة من المؤمنين : ( ~~يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم ) محمد : 36 ، إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ~~ويخرج أضغانكم الأحفاء الاستقصاء أي سألكم سأل الجملة كلها وأحب منكم الزهد ~~في نفوسكم بعدها ؛ والأضغان جمع ضغن وهو الحقد تقول : فلستم في مكان سؤال ~~إذ لا يكون البخيل زاهدا لأن أول الزهد الجود ، فمن لم يجد لم يزهد ومن لم ~~يزهد في الدنيا لم يحبه المولى لأنه محب لما يبغض ومريد لما لا يحب فلم ~~يعامل مولاه بأخلاقه ولم يوافقه في مرضاته فباعده وحجبه عن مشاهدة أوصافه ~~كما قال تعالى : ( تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ) الأنفال : 67 ، ~~وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : المبلغ عن المآل إذا أردت أن يحبك ~~الله فازهد في الدنيا ولا تقدر أن تصف حشو قلوب هذه الطائفة من المؤمنين ~~الذين وصفهم المؤمن أن لو سألهم أموالهم ظهرت عليهم أضغانهم لأنهم من الله ~~في اغترار بما ألبسهم من الإظهار فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ~~إلا أن الله تعالى لا يسأل من يحبه إكراما له ممن يعلم أنه يسارع إليه ~~بجملة ما سأله لأنه كريم جواد لا يكبر عنده شيء إن سأل سأل الكلية وهو ~~المال والنفس إلا أنه لا يسأل إلا من خلقه بخلق من أخلاقه فمتى لم يكن على ~~العبد سواه شيء سأله محبوبه كل شيء ومتى عظم في قلبه العرض الفاني وهو ضغين ~~لم يسأله شيء فإذا لم يبق للعبد في نفسه نفسا ولا من ماله ملكا كان الجواد ~~عوضا له من ماله وكان الجبار عوضا له من نفسه إلا أن الله سبحانه لم يذكر ~~إياه في العوض من النفس وذكر الجنة في البدل عن ms0254 المال لئلا يدخل تحت حكم ~~وهو الحاكم وكيلا ينضم إلى عوض فيكون شفعا وهو الفرد فأخفى نفسه وهو الدليل ~~وذكر خلقه وهو إليه السبيل فهذا فهم أوليائه عنه . طائفة من المؤمنين الذين ~~وصفهم المؤمن أن لو سألهم أموالهم ظهرت عليهم أضغانهم لأنهم من الله في ~~اغترار بما ألبسهم من الإظهار فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ~~إلا أن الله تعالى لا يسأل من يحبه إكراما له ممن يعلم أنه يسارع إليه ~~بجملة ما سأله لأنه كريم جواد لا يكبر عنده شيء إن سأل سأل الكلية وهو ~~المال والنفس إلا أنه لا يسأل إلا من خلقه بخلق من أخلاقه فمتى لم يكن على ~~العبد سواه شيء سأله محبوبه كل شيء ومتى عظم في قلبه العرض الفاني وهو ضغين ~~لم يسأله شيء فإذا لم يبق للعبد في نفسه نفسا ولا من ماله ملكا كان الجواد ~~عوضا له من ماله وكان الجبار عوضا له من نفسه إلا أن الله سبحانه لم يذكر ~~إياه في العوض من النفس وذكر الجنة في البدل عن المال لئلا يدخل تحت حكم ~~وهو الحاكم وكيلا ينضم إلى عوض فيكون شفعا وهو الفرد فأخفى نفسه وهو الدليل ~~وذكر خلقه وهو إليه السبيل فهذا فهم أوليائه عنه . وهذه علامة المحبة ~~الخالصة التي لاشرك فيها لسواه ولا دخل عليها من غيره إياه PageV01P195 ولا ~~يصلح أيضا أن يكشف عن وصف هؤلاء المحبين لأن حالهم يجل عن الوصف ومقامهم ~~يجاوز علوم العقل والوقت ، إلا أن الله تعالى أحكم ذلك بقوله عز وجل : ( ~~وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) الزخرف : 17 وبقوله : ( تحيتهم يوم ~~يلقونه سلام ) الأحزاب : 44 مع قوله : ( ولكم فيها ما تدعون ) ( نزلا من ~~غفور رحيم ) فصلت 31 - 32 وقوله : ( فأما إن كان من المقربين فروح وريحان ) ~~الواقعة : 88 - 89 ، وأحكم ذلك بقوله تعالى : ( وهو وليهم بما كانوا يعملون ~~) الأنعام : 127 وبقوله تعالى : ( هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون ~~) آل عمران : 163 ففيه وصف لأهل الولايات والحب ومدح ms0255 لأهل الدرجات والقرب ~~بقوله : بصير بما يعملون أي لذلك جعلهم درجات عنده ، ولقوله : وليهم بما ~~كانوا يعملون بما تولاهم به قربهم منه وفيه أيضا ذم المنافقين على القراءة ~~الأخرى والله بصير بما تعلمون فقد أبصر أعمالكم أنتم فلم يجعلكم مثلهم إذ ~~لم تكن أعمالكم كأعمالهم فهذا كما قال : ( فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة ~~عليهم وأثابهم فتحا قريبا ) الفتح : 18 ثم قال في وصف قلوبنا : ( والله ~~يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما ) الأحزاب : 15 ثم قال في فصل من ~~القول : ليس بهزل سوى بين هؤلاء وهؤلاء : ( إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ~~يؤتكم خيرا ) ثم قال في ضد أولئك كلاما فاصلا لمفصل مفسر للمجمل : ( ولو ~~علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) الأنفال 23 أي ~~ليس لهم فيه شيء ولا لهم منه نصيب لأنه لم يجعل عندهم مكانا لخير فيوجد فيه ~~خيرا فكان هذا فصل الخطاب وبلاغا لأولي الألباب شهد لهم بذلك إذ قال : ( ~~أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ) الرعد : 13 . ~~فأيس المؤمنون من هداية هؤلاء فلم يرجو منهم مجاهدة فيه أبدا لأن الله ~~تعالى لا يهدي من يضل وقيل ييأس لغة بمعنى يعلم أي فقد علموا مما أعلمهم ~~الله تعالى ، ويشهد لهذا المعنى الحرف الآخر لأنه بمعناه أفلم يتبين الذين ~~آمنوا فبين لهم بما بين المبين فسلموا له وأقبلوا عليه وأعرضوا عنهم فسلموا ~~منهم فكذلك قال الولي الحميد ، وكذلك تولى بعض الظالمين بعضا وقال : ( ~~تشابهت قلوبهم ) البقرة : 118 ، فيتبعون ما تشابه منه فكم بين من ثبت قلبه ~~فرسخ العلم فيه وبين من أزاغه فمال إلى فتنة التأويل يبتغيه وشتان بين من ~~تولاه بنفسه إذ صلح له وبين من ولاه إذا أعرض عنه فهذه مقامات المبعدين كما ~~تلك مقامات المقربين فقد دخلوا تحت حكمين لم يخرجوا منهما أعلاهم دخل تحت ~~فضله وأدناهم لم يخرج من عدله وقد أجمل سبحانه وصفهم بقوله : ( ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات من فضله ) الروم ms0256 : 45 وقال في ذكر العموم : ( ليجزي ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ) يونس : 4 ، بالقسط فخص أولياءه ~~بالفضل وعم خلقه بالعدل ، فكم من قلب لا يشهد إلا الله ولا يسمع إلا منه ~~ولا إليه والله هو الأغلب على همه والأقرب إلى قلبه وبين قلب حشوه الخلق ~~وهمه الرزق لا ينظر إلا إليهم ولا يطمع إلا PageV01P196 فيهم ولا ينظر إلا ~~هم الخلق أغلب شيء عليه والخلق أقرب شيء إليه ، فهذا من المبعدين بهم لأن ~~البعد صفتهم وظهور النفس عليه وتحكم سلطانها فيه مكان البعد الذي يوجد ~~البعد معه والأول من المقربين به لأن القرب صفته وخنوس نفسه عنه وتسخيرها ~~له مكان القرب الذي يوجد القرب عنده فذلك من السابقين إلى ربه والمبعد مثبط ~~بنفسه عن ربه وقد قال تعالى : ( فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من ~~المعذبين ) الشعراء : 213 ، فالبعد حجاب والمبعد في عذاب والقرب نعيم ~~والمقرب على مزيد ، ألم تسمع قوله تعالى في تعذيب المحجوب : ( كلا إنهم عن ~~ربهم يومئذ لمحجوبون ) المطففين : 15 ، ثم إنهم لصالوا لجحيم وقال في ترويح ~~المقربين : ( فأما إن كان من المقربين ) ( فروح وريحان وجنة نعيم ) الواقعة ~~: 88 - 89 روح بقريب وريحان من حبيب وجنة نعيم بقرب منعم وقال المروح ~~بالقرب المحيا بالحضور : فروحي وريحاني إذا كنت حاضرا . . . وإن غبت ~~فالدنيا على محابس إذا لم أنافس في هواك ولم أغر . . . عليك ففيمن ليت شعري ~~أنافس وقال المكروب بالبعد المغصص بالفقد : فكيف يصنع من أقصاه مالكه . . . ~~فليس ينفعه طب الأطباء من غص داوى بشرب الماء غصته . . . فكيف يصنع من قد ~~غص بالماء وشتان بين عبد منقطع إلى ربه يخدمه وآخر منقطع لخدمة الخلق ~~يعبدهم وكم بين عبد منقطع عن الناس وبين عبد موصول به الوسواس وشتان بين ~~عبد منقطع بالشوق إلى المولى وبين عبد منقطع بالهوى معانق للدنيا فهذه ~~مقامات المقربين بالحسنى وأضدادها مقامات المبعدين بالسوء فإذا كان العبد ~~على وصف من الحقيقة وفي مقام من التقوى استحق الثناء من مولاه لتحققه ~~بالوصف ونال القرب من القريب ms0257 لتبعده عن حظوظ النفس ، وفي حسن الثناء من ~~العظيم الأعظم غاية الطالبين ونهاية رغبة الراغبين ولا يكون ذلك إلا ~~لأوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين وهم أهل القلوب السليمة ~~الطاهرة وذوو الجوارح الخاشعة الذاكرة وأولو الألباب الراجحة الفاخرة وهم ~~ثلاث طبقات من مقربي أصحاب اليمين ؛ أهل العلم بالله تعالى ، وأهل الحب لله ~~تعالى ، وأهل الخوف من الله تعالى فهؤلاء خصوص أوليائه المقربين استحضرهم ~~فحضروا واستحفظهم العلم فحفظوا واستشهدهم عليه فشهدوا فهم الأدلة منه عليه ~~وهو دليلهم إليه وهم جامعو العباد به وهو جامعهم عنده لديه أبدال الأنبياء ~~والربانيون من العلماء أئمة المتقين وأركان الدين أو القوة والتمكين الذين ~~كشف لهم الكتاب المستبين وهداهم إليه الطريق المستقيم عليه وهم المنظور إلى ~~قلوبهم كفاحا والمقصودون بالمزيد والتحف مساء وصباحا ومن سواهم من عموم ~~المؤمنين من القراء والعباد وأهل المجاهدة والزهد والأوراد قد أعطاهم ~~الولايات وفرقهم في الأعمال والسياحات وأظهر لهم الآيات تسكينا لقلوبهم بها ~~وطمأنينة PageV01P197 منهم إليها لئلا تدخل عليهم الشبهات فيهلكوا ولا ~~تجذبهم الشهوات فيرجعوا فشغلوا بالإظهار عن الظاهر وحجبوا بالظواهر عن ~~الباطن واغتبطوا بالحجاب وسكنوا إلى الأسباب وعكفوا على المقامات واستتروا ~~بالملكوت والآيات فهم مغبوطو الأموات من أهل الدنيا وهم مرحومو الأحياء من ~~أهل الأعلى لأن قربهم بعد عند المقربين وكشفهم حجب عند المشاهدين وعطاءهم ~~رد عند المواجهين إلا أن الله تعالى نظر إليهم لما نظروا لنفوسهم حكمة ~~ورحمة منه لهم فسكنهم في حالهم ورضاهم بمقامهم كيلا تشتت قلوبهم ولا تتحير ~~عقولهم والسابقون الأولون هم الوجهة العليا والمتمسكون بالعروة الوثقى ~~نظروا إليه سبحانه وتعالى به فنظر إليهم منه فهم كما وصفهم : ( ومن الناس ~~من يشتري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) لايرجعون إلى مال ولا ينظرون إلى حال ~~يحبهم ويحبون رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه فهم كما وصفوا في ~~الكتب السالفة ، قال الحواريون : ياروح الله صف لنا أولياء الله الذين ~~لاخوف عليهم ولا هم يحزنون فقال : هم الذين نطق بهم الكتاب وبه نطقوا وبهم ~~علم الكتاب وبه علموا ms0258 وبهم قام الكتاب وبه قاموا نظروا إلى باطن الدنيا حين ~~نظر الناس إلى ظاهرها وعاينوا أجل الدنيا حين عاين الناس عاجلها فأماتوا ~~منها ماخشوا أن يميتهم وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم فصار دركهم منها ~~فواتا وفرحهم بها حرمانا ما عارضهم منها رفضوه وما أشرف لهم بغير الحق ~~وضعوه خلقت الدنيا عندهم فلم يجددوها وخربت فيما بينهم فلم يعمروها وماتت ~~في صدورهم فلم يحيوها قدموها فبنوا بها آخرهم أحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر ~~الحياة يحبون الله ويحبون ذكره ويستضيئون بنوره ويضيئون به لهم خبر عجيب ~~وعندهم أعجب الخبر العجيب ، وقال عز وجل في وصفهم : ( ومن أحسن من الله ) ~~المائدة : 50 حديثا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا ~~عليه شهداء وقال تعالى : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا ~~العلم قائما بالقسط ) آل عمران : 18 وفيها مقرأ غريب بمعنى الجمع للشهداء ~~وكأنه جعل وصفا لما تقدم من ذكرهم في قوله تعالى : ( الصابرين والصادقين ) ~~آل عمران : 17 ، إلى قوله : ( والمستغفرين بالأسحار ) آل عمران : 17 شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو وقال : ( كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم ~~الكتاب ) الرعد 43 ، فهذا وصف يزيد على كل وصف ويستغرق نعت الواصفين ويجمع ~~هذه المقامات السبعة من المراقبة والمشاهدة حالان عن مقامين مدار المقامات ~~كلها عليهما ومستخرج المزيد من الكرامات منهما ؛ فأحدهما الخوف عن مقام ~~العلم والحال الثاني الرجاء عن مقام العمل ، فمن كان مقامه العلم بالله كان ~~حاله الخوف منه ومن كان مقامه الرجاء لله تعالى كانت حاله المعاملة له ، ~~ألم تسمع إلى قوله تعالى : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فاطر : 28 ~~وقوله : ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا ) الكهف 110 . PageV01P198 # | الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب وصفة القلب ~~وتمثيله بالأنوار والجواهر # قال الله سبحانه وتعالى : ( ونفس وما سواها ) ( فألهمها فجورها وتقواها ) ~~الشمس : 7 - 8 أي ألقي فيها وقذف فيها ، وقال عز وجل : ( ولقد خلقنا ~~الإنسان ms0259 ونعلم ما توسوس به نفسه ) ق : 16 وقال : ( فطوعت له نفسه قتل أخيه ~~فقتله ) المائدة : 30 وقال تعالى : ( من شر الوسواس الخناس ) الناس : 4 ~~الآية ، وقال : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ) فاطر ~~: 6 وقال تعالى : ( استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ) المجادلة : 19 ~~وقال عز وجل : ( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ) البقرة : 268 وقال ~~سبحانه مخبرا عن العدو : ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) الأعراف : 16 ( ثم ~~لآتينهم من بين أيديهم ) الأعراف : 17 إلى آخر الآية ، وروينا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال ~~: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : ~~أتهاجر فتذر أرضك وسماءك فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال : أتجاهد ~~وهو جهد النفس والمال فتقاتل فتنكح نساؤك ويقسم مالك فعصاه فجاهد ، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : من فعل ذلك فمات كان حقا على الله تعالى أن ~~يدخله الجنة وقد أخبر الله تعالى عنه أنه قال : ( و لأضلنهم ولأمنينهم ~~ولأمرنهم ) النساء : 119 إلى آخر الآية . وروينا أن عثمان بن أبي العاص قال ~~: يارسول الله حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي فقال ذلك الشيطان يقال ~~له خنزب إذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا قال : ففعلت ذلك ~~فأذهبه الله تعالى عني ، وفي الخبر : أن للوضوء شيطانا يقال له الولهان ~~فاستعيذوا بالله منه ، وقد روينا أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ~~والحديث المشهور : ما منكم من أحد إلا وله شيطان قالوا : وأنت يا رسول ~~PageV01P199 الله : قال : وأنا ، إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم ، ~~وقال ابن مسعود رضي الله عنه : وقد روينا من طريق مسند في القلب لمتان ؛ ~~لمة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ولمة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب ~~بالحق ونهي عن الخير ، وروينا عن الحسن رحمه الله أنه قال : هما همان ~~يجولان في القلب هم من الله تعالى وهم من عدوه فرحم ms0260 الله عبدا وقف عند همه ~~فما كان الله أمضاه وما كان عدوه يجاهد ، وقال مجاهد في قوله تعالى : ( من ~~شر الوسواس الخناس ) الناس : 4 قال : هو منبسط على قلب الإنسان ، فإذا ذكر ~~الله تعالى خنس وانقبض وإذا غفل انبسط على قلبه وقال عكرمة الوسواس محله في ~~الرجل في فؤاده وعينيه ومحله في المرأة في عينيها إذا أقبلت وفي عجيزتها ~~إذا أدبرت ، وقال جرير بن عبدة العدوي : شكوت إلى العلاء بن زياد ما أجد في ~~صدري من الوسوسة فقال : إنما مثل ذلك مثل النقب الذي تمر به اللصوص فإن كان ~~فيه شيء عالجوه وإلا مضوا وتركوه ، وقد روى أبو صالح عن أبي هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة ~~فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران ~~الذي ذكره الله تعالى : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) ~~المطففين : 14 . وروينا عن جعفر بن برقان قال : سمعت ميمون بن مهران يقول : ~~إن العبد إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه بذلك نكتة سوداء فإن تاب محيت من قلبه ~~فترى قلب المؤمن مجلوا مثل المرآة ما يأتيه الشيطان من ناحية إلا أبصره ، ~~وأما الذي يتتابع في الذنوب كلما أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء فلا يزال ~~ينكت في قلبه حتى يسود قلبه فلا يبصر الشيطان من حيث يأتيه وقد أخبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن قلب المؤمن أجرد فيه سراج يزهر في تقسيمه ~~القلوب . روينا عن أبي سعيد الخدري وأبي كبشة الأنماري وبعضه أيضا عن حذيفة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : القلوب أربعة ، قلب فيه سراج يزهر ~~فذلك قلب المؤمن ، وقلب أسود منكوس فذلك قلب الكافر ، وقلب أغلف مربوط على ~~غلافه فذلك قلب المنافق وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه مثل ~~البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد ~~، فأي المدتين غلبت عليه ms0261 حكم له بها ، وفي لفظ بعضهم : غلبت عليه ذهبت به ، ~~وقال الله تعالى : ( ومن أحسن من الله ) المائدة : 50 وقال تعالى : ( إن ~~الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) الأعراف : ~~201 فأخبر أن جلاء القلوب الذكر به يبصر القلب وأن باب الذكر التقوى به ~~يذكر العبد ، فالتقوى باب الآخرة كما أن الهوى باب الدنيا ، وأمر الله ~~تعالى بالذكر وأخبر أنه مفتاح التقوى لأنه سبب الاتقاء وهو الاجتناب والورع ~~فقال تعالى : ( واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) الأعراف : 171 وأخبر أنه أظهر ~~البيان للتقوى في PageV01P200 قوله : ( كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم ~~يتقون ) البقرة : 187 وقال تعالى : ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ) ~~( الذي خلقك فسواك فعدلك ) الانفطار : 6 - 7 وقال تعالى : ( لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم ) التين : 4 وقال : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم ~~تذكرون ) الذاريات : 49 فمن السواء والتعديل والازدواج والتقويم أدوات ~~الظاهر وأعراض الباطن وهي حواس الجسم والقلب . فأدوات الجسم هي الصفات ~~الظاهرة وأعراض القلب هي المعاني الباطنة قد عدلها الله تعالى بحكمته ~~وسواها على مشيئته وقومها إتقانا بصنعته وأحكاما بصنعه ، أولها النفس ~~والروح وهما مكانان للقاء العدو والملك وهما شخصان ملقيان للفجور والتقوى ، ~~ومنها غرضان متمكنان في مكانين وهما العقل والهوى عن حكمين في مشيئة حاكم ~~وهما التوفيق والإغواء ، ومنها نوران ساطعان في القلب عن تخصيص من رحمة ~~راحم وهما العلم والإيمان ، فهذه أدوات القلب وحواسه ومعانيه الغائبة ~~وآلاته ، والقلب في وسط هذه الأدوات كالملك ، وهذه جنوده تؤدي إليه أو ~~كالمرآة المجلوة وهذه الآلة حوله تظهر فيراها ويقدح فيه فيجدها ، فتفصيل ~~ذلك على الإيجاز أن جمل الخواطر ستة : هي حدود القلب وقوادحه من ورائها ~~خزائن الغيب وملكوت القدرة وهي جنود الله تعالى عتيدة وسلطان منه مبين ~~والقلب خزانة من خزائن الملكوت قد أودعه مقلبه من لطائف الرغبوت والرهبوت ~~وشعشع فيه من أنوار العظمة والجبروت ما شاء لأهل الرفيق الأعلى وذوي ~~الملكوت الأدنى فأول التفصيل خاطر النفس وخاطر العدو وهذان لا يعدمهما ms0262 عموم ~~المؤمنين وهما مذمومان محكوم لهما بالسوء لا يردان إلا بالهوى وضد العلم ~~وخاطر الروح وخاطر الملك وهذان لا يعدمهما خصوص المؤمنين وهما محمودان لا ~~يردان إلا بحق وبما دل عليه العلم وخاطر العقل وهومتوسط بين هذه الأربعة ~~يصلح للمذمومين فيكون حجة على العبد لمكان تمييز العقل وتقسيم المعقول لأن ~~العبد يدخل في هواه بشهوة جعلت له واختيار لا يعسر عليه من حيث لا يعقل ولا ~~إجبار ويصلح أيضا للمحمودين فيكون شاهدا للملك ومؤيدا لخاطر الروح ويثاب ~~العبد في حسن النية وصدق المقصد وإنما كان خاطر العقل تارة مع النفس والعدو ~~وتارة مع الروح والملك حكمة من الله تعالى لصنعته وإتقانا لصنعه ليدخل ~~العبد في الخير والشر بوجود معقول وصحة شهود وتمييز فيكون عاقبة ذلك من ~~الجزاء والعقاب عائدا له وعليه إذ قد جعل سبحانه هذا الجسم مكانا لجريان ~~أحكامه ومحلا لنفاذ مشيئته في مباني حكمته كذلك جعل العقل مطية للخير والشر ~~يجري معهما في خزانة الجسم إذ كان مكانا للتكليف وموضعا للتصريف وسببا ~~للتعريف العائد من معاني ذلك على صورة العبد من لذة النعيم أو عذاب أليم ~~فلم يكن العقل غائبا فيكون العبد عن العقل ذاهبا ولم تكن الشهوة عازبة ~~فتكون النفس PageV01P201 مفقودة إذ في ذلك تضعيف لحجة الله تعالى عليه ووهن ~~لبرهانه لأن العقل شاهد الحجة والشهوة في النفس مكان البلوى والنية في ~~القلب طريق الججة وذلك أصل سبب عود جزاء الأمر والنهي فالعقل مطبوع على ~~التمييز مجبول على التحسين والتقبيح والنفس مجبولة على الشهوة مطبوعة على ~~الأمر بالهوى وهذا نصيبهما من عطائه وهداه لهما إلى رشاده وإغوائه وخطهما ~~من الكتاب وقسمهما من ولي الأسباب ، كما قال تعالى في أحكام ما ذكرناه ~~تكملة لما أخبرنا عما سبق في علمه : ( أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) وقال ~~تعالى : ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) الأعراف : 37 وقال تعالى : ( ~~كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ) الحج : 4 ~~والخاطر السادس هو خاطر اليقين وهو روح الإيمان ومزيد ms0263 العلم يردان إليه ~~ويصدران عنه وهذا الخاطر مخصوص بخصوص لا يجده إلا الموقنون وهم الشهداء ~~والصديقون لا يرد إلا بحق وإن خفي وروده ودق ولايقدح إلا بعلم اختيار لمراد ~~مختار وإن لطفت أدلته وبطن وجه الاستدلال به ولكن ليس يخفى هذا إلا الخاطر ~~على مقصود به ومراد له وهم الذين وصفهم الله تعالى بالذكرى . ورد الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إليهم الفتيا فقال سبحانه : ( إن في ذلك لذكرى لمن كان ~~له قلب ) ق : 37 ، أي من تولى الله حفظ قلبه ، وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ما حاك في صدرك فدعه والإثم حواز القلوب يعني ما يؤثر فيها ~~فيحزها لرقتها وصفائها ولينها ولطفها وقال للرجل الذي سأله عن البر والإثم ~~وهما أصلا أعمال الخير والشر استفت قلبك وان أفتاك المفتون أي أن المتقين ~~يعلمون معاني التأويل والرخصة عن علمهم العلانية وأنت على علم فوقهم مطالب ~~بالتحقيق والعزيمة عن علمك السر وأهل الظاهر أيضا يعلمون حكم الله تعالى ~~الظاهر عن علم اللسان الظاهر الذي هو حجة على أهل العلم الظاهر وقلبك فقيه ~~منور بالإيمان تنظر به أو ينطق به حكم الله تعالى الباطن عن علم القلب ~~الباطن الذي هوحقيقة الإيمان ومنفعته لأهل العلم الباطن ولا يصلح أن يرد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم سائلا إلا إلى فقيه فلولا أن علم القلب هو ~~حقيقة الفقه ما رد صاحبه من فتا أهل الظاهر إليه ولا حكم على المفتين به ~~فقد صار علم القلب هو علم العلم إذ جعله الرسول صلى الله عليه وسلم قاضيا ~~على المفتين بالحكم وصار عالم الباطن هوعالم العلماء إذ لم يسعه تقليد ~~العلماء ، وفي الحديث الآخر : البر ما اطمأن إليه القلب وسكنت إليه النفس ~~وإن أفتوك وأفتوك فهذا وصف قلب مكاشف بالذكر ونعت نفس ساكنة بمزيد السكينة ~~والبر كما وصف من قلوب المؤمنين في صريح الكلام وفي دليل الخطاب ، فأما ~~صريحه فقوله تعالى : ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب ) الرعد : 28 وقوله ms0264 تعالى : ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) الفتح : 4 وأما دليل الكلام الذي ~~يشهد بالتدبر فقوله تعالى في PageV01P202 وصف قلوب أعدائه المحجوبين : ( ~~كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لايستطيعون سمعا ) الكهف : 101 ومثله : ~~( أعنده علم الغيب فهو يرى ) النجم : 35 ففي تدبر معناه أن أولياءه ~~المستجيبين له سامعون منه مكاشفون بذكره ناظرون إلى غيبه ، وقال تعالي في ~~مثله ( مثل الفريقين كالأعمى والأصم ) هود : 24 هذا فريق المتبعين للسبل ~~المتفرقة عن سواء السبيل بهم الضالين عن سواء الصراط ، ( و البصير والسميع ~~) هود : 24 هو فريق المهتدين المتبعين للصراط المستقيم ، وقال تعالى : ( ما ~~كانوا يستطعون السمع وما كانوا يبصرون ) هود : 20 أو ألقي السمع وهو شهيد ~~إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وقال صلى الله عليه وسلم في مجمل صفة ~~القلب التقوى ههنا وأشار إلى القلب وقال الله سبحانه وتعالى في ذكر القلوب ~~المقفلة بالذنوب : ( لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا ~~يسمعون ) الأعراف : 100 وقال تعالى في فض طابعها بالتقوى : ( واتقوا الله ~~واسمعوا ) المائدة : 108 و ( اتقوا الله ويعلمكم الله ) البقرة : 282 وفي ~~الخبر : إذا أراد الله بعبد خيرا جعل الله زاجرا من نفسه وواعظا من قلبه ، ~~وفي الخبر الآخر : من كان له من قلبه واعظ كان عليه من الله حافظ . وروينا ~~في تفسير قوله تعالى : ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان ) آل عمران ~~: 193 قال سمعناه من قلوبنا وقال في ضده لأعدائه : ( أولئك ينادون من مكان ~~بعيد ) فصلت : 44 عن قلوبهم ، وقال الله تعالى في التوبة من ميل القلوب ~~وهمها : ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ) التحريم : 4 ، وبمعناه ~~وهموا بما لم ينالوا فإن يتوبوا يك خيرا لهم ، وقال في تحقيق العمى للقلب : ~~( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) الحج : 46 فأهل ~~القلوب يتعظون بلا واعظ من خلق ويزدجرون بلا زاجر في ظاهر وسائر ما ذكرناه ~~من الخواطر لا تعدمه المؤمنون والقلب خزانة الله تعالى ms0265 من خزائن الغيب وهذه ~~المعاني جنود الله تعالى مقيمة حول القلب يخفي منها ما يشاء ويظهر ويبدي ~~منها ما يريد ويعيد ويبسط القلب بما يشاء منها ويقبضه فيما شاء عنها وكل ~~قلب اجتمع فيه ثلاثة معان لم تفارقه خواطر اليقين ، ولكن يضعف الخاطر ويخفي ~~لضعف المعاني ودقتها ويقوي اليقين ويظهر بقوتها لأن هذه الثلاثة مكان ~~اليقين أحدها الإيمان وموضعه من اليقين مكان حجر النار والثاني العلم ~~ومكانه موضع الزناد والثالث العقل وهو مكان الحراق فإذا اجتمعت هذه الأسباب ~~قدح خاطر اليقين في القلب ، ومثل القلب في قوته بقوة مدده وفي صفائه بجودة ~~عدده مثل المصباح في القنديل إلى مكان العقل منه والزيت موضع العلم به وهو ~~روح المصباح وبمدده يكون ظهور اليقين والفتيلة مكان الإيمان منه وهي أصله ~~وقوامه الذي يظهر بها ، فعلى قدر قوة الفتيلة وجودة جوهرها يقوى اليقين وهو ~~مثل الإيمان في قوته بالورع وكماله بالخوف وعلى مقدار صفاء الزيت ورقته ~~واتساعه تضيء النار التي هو اليقين وهو مثل العلم في مدد الزهد وفقد ~~PageV01P203 الهوي فصار العلم مكانا للتوحيد فتمكن الموحد في التوحيد على ~~قدر المكان ، وقد قال الله تعالى : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) محمد : ~~19 وقال تعالى : ( فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو ) هود : ~~14 فقدم العلم علي التوحيد فصار أوله فكلما اتسع القلب بالعلم بالله وزهد ~~في الدنيا ازداد إيمانا وعلا لأنه يرى في علوه ما لا يراه غيره ويعلم في ~~اتساعه ما لا يعلمه سواه فيكبر المؤمن فيكون ذلك مزيد إيمانه وقوته ثم يشهد ~~كل ما آمن به فيكون بذلك قوة نفسه وسعة مشاهدته وكلما قصر علم القلب بالله ~~تعالى وبمعاني صفاته وأحكام ملكوته قل إيمان هذا العبد ثم أشهد ما آمن به ~~من وراء حجاب لما غلب عليه من حب الأسباب وسمع الكلام من خلف ستر لعجزه عن ~~المسارعة إلى البر فيضعف بذلك إيمانه ويتخيل مشاهدته ولا يتحقق فليس من علم ~~من صفات الله سبحانه وتعالى وقدرة آياته ms0266 مائة ألف معنى ثم شهدها كلها من ~~قرب عن كشف مثل من علم منها عشرة معان ثم شهدها من بعد عن حجاب وهما مؤمنات ~~معا لكن بين إيمانهما في القرب والعلو والزيادة والنقصان كما بين العشرة ~~إلى مائة ألف فيكون إيمان قلب المسلم معشار معشار عشر إيمان قلب الموقن ~~والمعشار هو عشر العشر جزء من مائة جزء ويكون إيمان قلب المؤمن فيما بين ~~ذلك من الزيادة على العشر والنقصان من مائة ألف على قدر قسمه . ومثل ذلك ~~فيما نعقله مثل رجل قال لك : إن عندي فلانا فقد حصل لك علم زنه عنده غير زن ~~هذا العلم غير يقين لأنه يجوز أن يكون قد اشتبه عليه أو يكون قد كان عنده ~~ثم خرج وليس هو الآن عنده وهذا مثل إيمان المسلم هو على علم خبر لا خبر ، ~~ثم إنك تأتي إلي فتسمع كلامه من وراء حجاب فقد علمت الآن أنه عندي لأنك ~~سمعت كلامه واستدللت به على كونه ، إلا أن هذا العلم أيضا غير تحقيق لأن ~~الأصوات تشتبه والأجرام تتقارب ، و لو قلت لك بعد ذلك : لم يكن عندي وإنما ~~كان ذلك غيره أشبه صوته تشككت فيه لاحتمال ذلك ولم يكن عندك يقين عين تدفع ~~به قولي ولا شهادة نظر تنكر بها علي وهذا مثل لإيمان عموم المؤمنين فهو ~~إيمان خبر لعمري وفيه يقين استدلال ممتزج بظنه إلا أنه غير مشاهدة العارفين ~~لأنه قد يدخل عليهم التخييل والتشبيه فلا يدفعونه بشهادة يقين ثم إنك تدخل ~~إلى الآن بعد أن قيل لك هو عندي أو بعد أن سمعت كلامه فتشهده جالسا لا حجاب ~~بينك وبينه ، فهذا هو يقين المعرفة وهذه شهادة الموقن وعندها انتفى كل شك ~~وتحقق خبر العلم وهذا مثل لعلم إيمان الموقنين الذي قد اندرج فيه إيمان ~~عموم المؤمنين من علم الخبر المحتمل ومن سماع الكلام المشتبه من وراء حجاب ~~واسم الإيمان واقع على جميعهم ولكن الأول علم أنه عندي بما قيل له فصدق ~~والثاني علم بما سمع فاستدل ولم ms0267 يشهد فيقطع والثالث هو الذي عاين فقطع وقد ~~شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالمزيد فقال PageV01P204 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ليس الخبر كالمعاينة وقال : وليس المخبر كالمعاين ، ومثل ~~هذا أيضا أن ترى الشيء بالنهار فتعرفه معرفة عين وتعرف مكانه بنظر لا تخطئه ~~ثم إنك تحتاج إليه ليلا فلست تعرف مكانه رأي عين وإنما تقصده بمعرفة ~~استدلال عليه وبحسن ظن أنه موجود على حاله أو يعرف بشيء معهود أنه لا يتحول ~~، وكذلك الأدلة هي الغائبات وسقوطها مع المشاهدات وبمعناها رؤية الشيء بنور ~~القمر فإنه يشبح ويلوح المشكلات ورؤيته في ضياء الشمس فإنها تكشف الأمر على ~~ما هو به ، فهذا مثل نور اليقين إلى نور الإيمان ومثل رابع في تفاوت ~~المؤمنين في حقيقة الكمال ودخولهم في الاسم والمعنى مثل صلاة رباعية أقيمت ~~فجاء رجل فأدرك تكبيرة الإحرام ثم جاء آخر فأدرك الركوع ثم جاء آخر فأدرك ~~الركعة الثانية ثم جاء ثالث فأدرك الركعة الثالثة ثم جاء رجل رابع فأدرك ~~الركعة الآخرة فكلهم قد صلوا وأدركوا الصلاة في جماعة ونال فضلها لقوله صلى ~~الله عليه وسلم : من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة ، ولكن ليس من ~~أدرك الركعة الأولى في كمال الصلاة وإدراك حقيقتها كمن أدرك الثالثة ~~والرابعة ولا يكون أيضا من أدرك التكبيرة للإحرام في الفضل كمن لم يدرك ~~شيئا من القيام وهما مدركان معا فكذلك المؤمنون في كمال الإيمان وحقائقه لا ~~يستوون وإن استووا في الاسم والمعنى وكذلك في تفاوتهم في الآخرة . فقد جاء ~~في الخبر أنه يقال : أخرجوا من قلبه مثقال ذرة من إيمان ونصف مثقال وربع ~~مثقال وشعيرة وذرة من إيمان فقد حصلوا متفاوتين في الإيمان ما بين الذرة ~~إلى المثقال وكلهم قد دخل النار إلا أنهم على مقامات فيها وفيه دليل أن من ~~كان في قلبه وزن دينار من إيمان لم يمنعه ذلك من دخول النار لعظم ما اقترف ~~من الأوزار وأن من كان في قلبه وزن ذرة من إيمان لم يحق عليه الخلود ms0268 في دار ~~الهوان لتعلقه بيسير الإيقان وأن من زاد إيمانه على وزن دينار لم يكن للنار ~~عليه سلطان فكان من الأبرار وأن من نقص إيمانه عن ذرة لم يخرج من النار وإن ~~كانت سيماه واسمه في الظاهر في المؤمنين لأنه في علم الله من المنافقين ~~الفجار ، وقد قال الله تعالى في وصفهم : ( وإن الفجار لفي جحيم ) الانفطار ~~: 14 ثم قال : ( وما هم عنها بغائبين ) الانفطار : 16 ثم صار صاحب المثقال ~~والذرة في الجنة على تفاوت درجات وكان الزائد إيمانه على مثقال في أعلى ~~عليين علا هؤلاء وترفع أهل الدرجات العلى على أهل عليين ارتفاع الكوكب الذي ~~في أفق السماء وكلهم قد اجتمع في الجنة على تفاوت مقامات وتعالي درجات ، ~~وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس شيء خيرا من ألف مثله إلا ~~الإنسان فلعمري إن قلب المؤقن خير من ألف قلب مسلم لأن إيمانه فوق مائة ~~إيمان مؤمن وعلمه بالله تعالى أضعاف علم مائة مسلم ، ويقال إن واحدا من ~~الأبدال الثلاثمائة قيمته قيمة ثلاثمائة مؤمن ، وكان أبو محمد يقول : يعطي ~~الله تعالى بعض المؤمنين من الإيمان بوزن جبل أحد ويعطي PageV01P205 بعضهم ~~مثل ذرة ، وقد قال الله تعالى : ( وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) آل عمران ~~: 139 ، بالعلو ولا نهاية لعلو الإيمان فصار علو كل قلب على قدر إيمانه ~~ولذلك رفع العلماء على المؤمنين درجات في قوله تعالى : ( يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) ، ففسرها ابن عباس رضي الله عنه ~~فقال : ( الذين أوتوا العلم ) الروم : 56 فوق المؤمنين بسبعمائة درجة بين ~~كل درجتين كما بين السماء والأرض ، وفي الخبر : أكثر أهل الجنة البله ~~وعليون لأولي الألباب ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : فضل العالم على ~~العابد كفضل القمر على سائر الكواكب . وروينا في لفظ أبلغ من هذا كفضلي على ~~أمتي ، فالموقنون من المؤمنين أعلى إيمانا والعالمون من الموقنين أرفع ~~مقاما ثم على قدر بياض الماء يستبين من القنديل حسنه وصفاؤه ومثل هذا العقل ~~في صحته من الإعتلال ms0269 وصفائه من كدر الأحوال والأموال ويجمع ذلك كله القنديل ~~وهو القلب ، فعلى قدر رقة القلب ولطف جوهره وصفائه من كدره وحسن طهارته عن ~~الآثار تكون هذه العلوم فيه والأنوار وجوهر الزجاجة في الصفاء محتاج إلى ~~صفاء الماء كما أن صفاء الماء محتاج إلى صفاء الجوهر وبمعيارهما يكون القلب ~~والعقل ووقود النور محتاج إلى قوة الفتيلة ومدد الزيت فبموضعها في القوة ~~والمدد يكون العلم بالله تعالى واليقين ذلك تقدير العزيز العليم وكل قلب ~~اجتمع فيه ثلاثة معان لم يفارقه خواطر الهوى الجهل والطمع وحب الدنيا ثم ~~يضعف خاطر الهوى ويقوى على قدر تمكن هذه الثلاثة من النفس وحقائقها على مثل ~~ماذكرناه من تمكن خواطر اليقين وضعفها لوجود مكانها وهو العلم والإيمان ~~والعقل ، وفي القلب يظهر سلطان ذلك أجمع فأي جند كانت المشيئة معه غلب ، ~~وروينا عن علي عليه السلام أن الله فى أرضه آنية وهي القلوب فأحبها إليه ~~أرقها وأصفاها وأصلبها ، ثم فسره فقال : أصلبها في الدين وأصفاها في اليقين ~~وأرقها على الإخوان فمثل القلوب مثل الأواني في تقارب جوهرها ، فأرقها ~~وأصفاها وأعلاها يصلح للملك والوجه والطيب ، وأكثفها وأرداها يصلح للأدناس ~~، وما بين ذلك يصلح لما بينهما ، ومثلهما أيضا مثل الموازين الطيار اللطيف ~~والمعيار يصلح لوزن الذهب بالتحرير والمعيار والكثيف الجافي يصلح للقت ~~والأنعام وما بينهما يصلح لما بين ذلك فيوزن بكل ميزان ما يصلح له من كل ~~شيء موزون كما يجعل في كل إناء ما يليق به من كل شيء مرذول أو مصون ، كذلك ~~الحكم و الحكمة في الملكوت الباطن كالحكمة والحكم في الملكوت الظاهر بتعديل ~~الظاهر الباطن ، وفي تفسير قوله عز وجل : ( مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ~~المصباح في زجاجة ) النور : 35 ، فسره أبي بن كعب قال : مثل نور المؤمن ~~وكذلك كان يقرأه قال : فقلب المؤمن هو المشكاة فيها مصباح ، فكلامه نور ~~وعمله نور ويتقلب في نور ، ثم قال في قوله تعالى : ( أو كظلمات في بحر لجي ~~) النور : 40 قال قلب المنافق فكلامه PageV01P206 ظلمة وعمله ظلمة ويتقلب ~~في ظلمة ms0270 وكان زيد بن أسلم يقول في قوله تعالى : ( في لوح محفوظ ) البروج : ~~22 ، قال قلب المؤمن وقال أبو محمد سهل مثل القلب والصدر مثل العرش والكرسي ~~. وروينا في حديث ابن عمر قال قيل يا رسول الله أين الله في الأرض ؟ قال : ~~في قلوب عباده المؤمنين ، وفي الخبر المأثور عن الله تعالى لم يسعني سمائي ~~ولاأرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن ، وفي بعضها اللين الوادع فاللين يعني ~~السهل الرقيق القريب والوادع يعني الساكن المطمئن ، وفي الخبر : ما ألبس ~~العبد لبسة أحسن من خشوع في سكينة فهذه لبسة المتقين وصبغة الله تعالى ~~للعارفين ، وفي الحديث قيل : يا رسول الله من خير الناس ؟ قال : كل مؤمن ~~محموم القلب ، ثم فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هو التقي الذي ~~لا غش فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد ، وقال بعض العارفين في معنى قوله تعالى ~~: ( إلا من أتى الله بقلب سليم ) الشعراء : 89 أي مما سوى الله ليس فيه غير ~~الله وفي قول أهل التفسير : سليم من الشرك والنفاق ، وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل وهذا لا يعدمه المؤمنون ~~إلا الصديقين وقال : أكثرمنافقي أمتي قراؤها ، وهذا لا يعدمه العابدون إلا ~~العارفين ، ومن خواطر اليقين ما يرد بشيء لا تظهر دلائله في الظاهر لخفائه ~~وغموض شواهده فليس يعلم إلا بباطن العلم وغامض الفهم والغوص على لطائف ~~معاني التبيين وباطن الاستنباط منفهم التنزيل وتعليم التأويل كما قال ~~الحبيب الخليل رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس : اللهم فقهه في ~~الدين وعلمه التأويل ، كما قال علي بن أبي طالب : ماعندنا شيء أسره إلينا ~~رسول الله سوى كتاب الله تعالى إلا أن يؤتي الله تعالى عبدا فهما في كتابه ~~، وكما جاء في تفسير قوله تعالى : ( يؤتي الحكمة من يشاء ) البقرة : 269 ~~قال : الفهم في كتاب الله ، وقال أصدق القائلين : ( ففهمناها سليمان ) ~~الأنبياء : 79 فخصه بفهم منه زاده به فوق الحكم والعلم الذي شرك فيه أباه ~~فزاده على فتيا ms0271 أبيه . وروينا عن علي عليه السلام في الحديث الطويل الذي ~~يقول فيه : واليقين على أربع شعب ، على تبصرة الفطنة ، وتأويل الحكمة ، ~~وموعظة العبرة ، وسنة الأولين ، فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة ومن تأول ~~الحكمة عرف العبرة ومن عرف العبرة كان في الأولين إلا أن أهل اليقين ~~المرادين به العارفين بأحكام الله تعالى الباطنة يعلمون تفصيل خواطر اليقين ~~ومقتضاها من حيث أشهدوا مطلعها من الغيب وبحيث عرفوا موجبها من الوصف بنور ~~الله الثاقب وقربه الحاضر وسلطانه النافذ ، كما جاء في الخبر : اتقوا فراسة ~~المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى أي باليقين ، وفي لفظ آخر : اتقوا فراسة ~~العالم فكأنه مفسر له ومنه قوله تعالى : ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) ~~الحجر : 75 وقوله : ( قد بينا الآيات لقوم يوقنون ) البقرة : 118 أي بنور ~~اليقين ، وكان أبو الدرداء يقول : المؤمن ينظر إلى الغيب PageV01P207 من ~~وراء ستر رقيق والله إنه للحق يقذفه الله تعالى في قلوبهم ويجريه على ~~ألسنتهم ، وقال بعض العلماء : ظن المؤمن كهانة أي كأنه سحر من نفاذه وصحة ~~وقوعه ، وقال بعض العلماء : يد الله تعالى على أفواه الحكماء لا ينطقون إلا ~~بما هيأ الله عز وجل لهم من الحق ، وقال آخر : لو شئت لقلت إن الله يطلع ~~الخاشعين على بعض سره ، وكتب عمر ابن الخطاب رضي الله عنه إلى أمراء ~~الأجناد : احفظوا ما تسمعون من المتعظين فإنهم ينجلي لهم أمور صادقة ، وقال ~~الله تعالى : ( ومن أصدق من الله قيلا ) النساء : 87 : ( يا أىها الذين ~~آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ) الأنفال : 29 قيل نور تفرقون به بين ~~الشبهات ويقين تفرقون به المشكلات ، ومن هذا قوله سبحانه وتعالى : ( ومن ~~يتق الله يجعل له مخرجا ) الطلاق : 2 قيل مخرجا من كل أمر ضاق على الناس ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب يعلمه علما بغير تعليم ويفطنه بغير تجربة أي ~~بالشاهد الصحيح والحق الصريح ، ومثله قوله تعالى : ( والذين جاهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلنا ) العنكبوت : 69 قيل : الذين يعملون بما يعلمون ، قال ~~يوفقهم ويهديهم إلى ما لا يعلمون حتى ms0272 يكونوا علماء حكماء ، وقال بعض السلف ~~: نزلت هذه الآية في المتعبدين المنقطعين إلى الله سبحانه وتعالى ~~المستوحشين من الناس فيسوق الله تعالى إليهم من يعلمهم أو يلهمهم التوفيق ~~والعصمة . وفي الخبر : من علم بما يعلم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم ~~ووفقه فيمايعمل حتى يستوجب الجنة ، ومن لم يعمل بما يعلم تاه فيما يعلم ولم ~~يوفق فيما يعمل حتى يستوجب النار ، فمعنى أورثه علم ما لم يعلم أي من علوم ~~المعارف التي هي مواريث أعمال القلوب مثل الفرق بين الاختبار والاختيار ~~والابتلاء والاجتباء والمثوبة والعقوبة ومعرفة النقص من المزيد والقبض ~~والبسط والحل والعقد والجمع والتفرقة إلى غير ذلك من علوم العارفين بعد حس ~~التفقه والأدب عن مشاهدة الرقيب والقرب لصحة المواجيد والقلوب ، وقال بعض ~~التابعين : من عمل بعشر ما يعلم علمه الله تعالى ما يجهل ، وقد قال حذيفة : ~~أنتم اليوم في زمان من ترك عشر ما يعلم هلك وسيأتي بعدكم زمان من عمل بعشر ~~ما يعلم نجا ، وقال بعضهم : كلما ازداد العبدعبادة واجتهادا ازداد القلب ~~قوة ونشاطا ، وكلما مل العبد وفتر ازداد القلب ضعفا ووهنا ، وليس يكاد علم ~~اليقين يقدح في معدن العقل لأن علوم العقل مخلوقات ولا يكاد ينتجه الفكر ~~ولا يخرجه التدبر فما أنتجته الأفكار واستخرجته الفطرة من الخواطر والعلوم ~~فتلك علوم العقل وهي كشوف المؤمنين ومحمودات لأهل الدين فأما خاطر اليقين ~~فإنه يظهر من عين اليقين ينادي به العبد مناداة ويبغته مفاجأة لأنه مخصوص ~~به مراد مقصود به محبوب متولى به مطلوب لا يجده إلا عارف أو خائف أو محب ~~ومن سوى هؤلاء فبحاله محجوب وبعاداته مطلوب وإلى مقامه ناظر وفي طريقه ~~بمعقوله سائر فأما العارفون المواجهون بعين اليقين المكاشفون بعلم الصديقين ~~فإنهم مسيرون PageV01P208 محمولون سابقون مستهترون قد وضعت الأذكار عنهم ~~الأوزار ، كما جاء في الخبر : سيروا سبق المفردون بالفتح والمفردون أيضا ~~بالكسر فهم مفردون لله تعالى بما أفردهم الله تعالى كما قال جل ذكره : ( ~~حافظات للغيب بما حفط الله ) النساء : 34 ، قيل : ومن المفردون ؟ قال ms0273 : ~~المستهترون بذكر الله وضع الذكر أوزارهم فوردوا القيامة خفافا ، فلما ~~أفردهم الله تعالى ممن سواهم له أفردوه عما سواه به فذكرهم فاستولى عليهم ~~ذكره فاصطلم قلوبهم نوره تعالى فاندرج ذكرهم في ذكره فكان هو الذاكر لهم ~~وكانوا هم المكان لمجاري قدرته عز وجل فلا يوزن مقدارهذا الذكر ولا يكتب ~~كيفية هذا البر فلو وضعت السموات والأرض في كفة لرجح ذكره تعالى لهم بهما ~~وهم الذين قال لهم فترى من واجهته بوجهي لعلم أحد أي شيء أريد أن أعطيه ~~لوكانت السموات والأرض في موازينهم لاستقللتها لهم أول ما أعطيهم أن أقذف ~~من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم وهذا هو ظاهر أوصافهم وأول ~~عطاياهم فطلب هؤلاء لا يعرف ونصيبهم لا يكيف ومطلوبهم كنه قدره لا يوصف ~~عطاؤهم غير مخلوق ومشاهدتهم وصف التحقيق بعين اليقين إلى حق اليقين فأول ~~نصيبهم من مطلوبهم علم اليقين وهو صفاء المعرفة بالله تعالى وآخر علم ~~الإيمان أول عين اليقين وهو مشاهدة وصف معروف وهذه وجهة التوحيد ولا آخر ~~لأول علم اليقين ولا انقطاع لآخر نصيبهم من مشاهدتهم ، فظاهر التوحيد توحيد ~~الله تعالى في كل شيء وتوحيده بكل شيء ومشاهدة إيجاده قبل كل شيء ولا نهاية ~~لعلم التوحيد ولا غاية لمزيد عطاء الموحدين ولكن لهم نهايات يوقفون تحتها ~~وغايات يصدرون عنها تجعل أماكن لمزيدهم ويزدادون في وسعها ويمدون بعلوم ~~يطلبون بها ما يكاشفون به لما وراءها أبدا لا بديلا آخر ولا أمد ولا يصل ~~العبد إلى مشاهدة علم التوحيد إلا بعلم المعرفة وهونور اليقين ولا يعطي نور ~~اليقين حتى تمخض الجوارح بالأعمال الصالحات ، كمايمخض الزق باللبن حتى تظهر ~~الزبدة ، وهي اليقين ، وليست هذه الزبدة غاية الطالبين ولا بغية الصديقين ~~لأن وراءها صفوها وخالصها ثم تذاب هذه الزبدة حتى يخلص سمنها وهو صفوها ~~ونهايتها وهذا مثل لعين اليقين بعد علمه وبعد مشاهدة الوجه بمرآة القرب وهي ~~نوره فحينئذ لا يفارقه وجده وحضوره فيرفع العبد من خواطر اليقين إلى مشاهدة ~~الصفات بعد ذوب علم الخواطر يتجوهر نور ms0274 شعاع وجه الذات وهذا مقام الإحسان ~~وإن الله لمع المحسنين بعد مجاهدتهم النفوس فيه وبيعها مع الأموال منه ~~فأحسن إليهم باشترائها منهم وكان معهم كما قال سيجزيهم وصفهم فإنما كانوا ~~محسنين لأن المحسن معهم كما كانوا أعلين إذ الأعلى معهم فقد قال : ( وأنتم ~~الأعلون والله معكم ) محمد : 35 وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الإحسان فقال : أن تعبد الله كأنك تراه ، وينتقل العبد من أعمال الجوارح ~~وهي PageV01P209 المجاهدة التي طرح عليه ثقلها فحملها فتحمل فيما حمل وتحفظ ~~له ما استحفظ إلى علم اليقين وهو الروح والرضا وهذا هو هداية السبيل ، وأول ~~هذا كله أن يدخل العبد بعد التوبة النصوحة في أحوال المريدين وأعمال ~~المجاهدين للنفس والعدو ثم ينتقل إلى خواطر اليقين فهذا ميراث المجاهدين ، ~~كما قال : ( والذين جاهدوا فينا ) العنكبوت : 69 يعني نفوسهم وأموالهم ~~وجاهدوا عدوهم إذ يعدهم الفقر ويأمرهم بالفحشاء فصابرهم فغلبوه فباعوا ~~النفوس والأموال فأعتقوا من رق الهوى ونجوا من أهوال الحساب : ( لنهدينهم ~~سبلنا ) العنكبوت : 69 أي لنطرقنهم إلى مكاشفات العلوم ولنسمعنهم غرائب ~~الفهوم ولنوصلنهم إلى أقرب الطرق إلينا بحسن مجاهدتهم فينا ، ثم ختم الأمر ~~بقوله تعالى : ( وإن الله لمع المحسنين ) العنكبوت : 69 هذا مقام مشاهدة ~~الصفات فكان المجاهد فيه معهم أولا بالتوفيق فيه صبروا له بالتأييد وكان ~~المحسن معهم آخر اليوم فيه أحسنوا إلى نفوسهم غدا . ) محمد : 35 وسئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال : أن تعبد الله كأنك تراه ، ~~وينتقل العبد من أعمال الجوارح وهي المجاهدة التي طرح عليه ثقلها فحملها ~~فتحمل فيما حمل وتحفظ له ما استحفظ إلى علم اليقين وهو الروح والرضا وهذا ~~هو هداية السبيل ، وأول هذا كله أن يدخل العبد بعد التوبة النصوحة في أحوال ~~المريدين وأعمال المجاهدين للنفس والعدو ثم ينتقل إلى خواطر اليقين فهذا ~~ميراث المجاهدين ، كما قال : ( والذين جاهدوا فينا ) العنكبوت : 69 يعني ~~نفوسهم وأموالهم وجاهدوا عدوهم إذ يعدهم الفقر ويأمرهم بالفحشاء فصابرهم ~~فغلبوه فباعوا النفوس والأموال فأعتقوا من رق الهوى ونجوا من أهوال ms0275 الحساب ~~: ( لنهدينهم سبلنا ) العنكبوت : 69 أي لنطرقنهم إلى مكاشفات العلوم ~~ولنسمعنهم غرائب الفهوم ولنوصلنهم إلى أقرب الطرق إلينا بحسن مجاهدتهم فينا ~~، ثم ختم الأمر بقوله تعالى : ( وإن الله لمع المحسنين ) العنكبوت : 69 هذا ~~مقام مشاهدة الصفات فكان المجاهد فيه معهم أولا بالتوفيق فيه صبروا له ~~بالتأييد وكان المحسن معهم آخر اليوم فيه أحسنوا إلى نفوسهم غدا . وروينا ~~عن الحسن البصري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : العلم علمان ، فعلم ~~باطن في القلب فذاك هو النافع ، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى ~~قوله تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) الأنعام : 125 ~~ما هذا الشرح ؟ قال : هو التوسعة يعني : أن النور إذا قذف في القلب اتسع له ~~الصدر وانشرح ، وقال بعض العارفين : لي قلب إذا عصيته عصيت الله تعالى يعني ~~أنه لا يقذف فيه إلا طاعة ولا يقر فيه إلا حق فقد صار رسوله إليه فإذا عصاه ~~فقد عصا المرسل بمعنى الخبر الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل وبقوله ~~صلى الله عليه وسلم : المؤمن ينظر بنور الله ، فمن نظر بنور الله كان على ~~بصيرة من الله تعالى وكان عمله بنوره طاعة تعالى ، وقال بعض العارفين : منذ ~~عشرين سنة ما سكن قلبي إلى نفسي ساعة وما ساكنته طرفة عين ، وسئل بعض ~~العلماء عن علم الباطن أي شيء هو ؟ فقال : سر من سر الله تعالى يقذفه في ~~قلوب أحبابه لم يطلع عليه ملكا ولا بشرا . وقد روينا فيه خبرا مسندا أحببنا ~~أن نسنده وقد جاء رجل إلى النبي فقال : علمني من غرائب العلم فقال : هل ~~عرفت الرب فأخبر أن غرائب العلوم في المعرفة وقد أمر صلى الله عليه وسلم ~~بأصل العلوم الذي فيه غرائب الفهوم فقال : اقرأوا القرآن والتمسوا غرائبه ~~يعني تدبر معانيه واستنباط بواطنه إذ بكلامه عرفه أولياؤه وقد قيل : تكلموا ~~تعرفوا ، فمن عرف معاني الكلام ووجوه الخطاب عرف به معاني الصفات وغرائب ~~علوم أسماء الذات ، وقال ابن مسعود : من أراد علم الأولين والآخرين فليثور ms0276 ~~القرآن ، وقال بعض أهل المعرفة في فهم هذه الآية : إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان قال : العدل تدبر القرآن وفهمه والإحسان مشاهدة الفهم ، وفي تأويل ~~قوله عليه الصلاة والسلام في صفة العدل شاهد لقوله هذا في حديثه الذي وصف ~~فيه شعب الإيمان فقال : الإيمان على أربع دعائم : على الصبر ، واليقين ، ~~والعدل ، والجهاد ، ثم قال والعدل على أربع شعب : غائص الفهم ، وزهرة ~~PageV01P210 العلم ، وروضة الحلم ، وشرائع الحكم ، فمن فهم فسر جمل العلم ~~ومن علم عرف شرائع الحكم ومن حلم لم يفرط في أمره وعاش في الناس حميدا ، ~~وقال بعض المكاشفين ظهر لي الملك : فسألني أن أملي عليه شيئا من ذكري الخفي ~~من مشاهدتي من التوحيد وقال : ما نكتب لك عملا ونحن نحب أن نصعد لك بعمل ~~نتقرب به إلى الله تعالى فقلت : أليس يكتبان الفرائض ؟ قال : بلى ، قلت : ~~فيكفيهما ذلك . وقال بعض العارفين قال : سألت بعض الأبدال عن مسألة من ~~مشاهدة اليقين فالتفت إلى شماله وقال : ما تقول رحمك الله ثم التفت إلى ~~يمينه فقال ماتقول رحمك الله ثم أطرق إلى صدره وقال : ما تقول رحمك الله ثم ~~أجابني بأغرب جواب ماسمعته قط وأعلاه فقلت رأيتك التفت عن شمالك ويمينك ثم ~~أقبلت على صدرك فماذا ؟ فقال : سألتني عن مسألة لم يكن عندي فيها علم عتيد ~~فالتفت إلى صاحب الشمال فسألته عنها وظننت أن عنده منها علما فقال : لا ~~أدري فسألت صاحب اليمين وهو أعلم منه فقال : لا أدري فنظرت إلى قلبي فسألته ~~فحدثني بما أجبتك وإذا هو أعلم منها ، وقد كان أبو يزيد وغيره يقولون : ليس ~~العلم الذي يحفظ من كتاب الله فإذا نسي ما حفظ صار جاهلا إنما العلم الذي ~~يأخذ علمه من ربه عز وجل أي وقت شاء بلا تحفظ ولا درس فهذا لعمري لا ينسى ~~علمه وهو ذاكر أبدا لا يحتاج إلى كتاب وهو العالم الرباني وهذا هو وصف قلوب ~~الأبدال من الموقنين ليسوا واقفين مع حفظ إنما هم قائمون بحافظ . وقد روينا ~~في الخبر : إن من أمتي محدثين ms0277 ومكلمين وإن عمر منهم وقرأ ابن عباس : وما ~~أرسلنامن قبلك من رسول ولا نبي ولامحدث يعني الصديقين وهذا كان طريق السلف ~~من الصحابة وخيار التابيعن إذا سئلوا وفقوا وألهموا الصواب لقربهم من حسن ~~التوقيق وسلوكهم حقيقة محجة الطريق فخاطر اليقين إذا ورد على قلب مؤمن ~~اضطرته مشاهدته إلى القيام به وإن خفي على غيره وحكم عليه بيانه وبرهانه ~~بصحة دليله وإن التبس على من سواه . وقد قال الله تعالى في تخصيص الموقنين ~~: ( قد بينا الآيات لقوم يوقنون ) البقرة : 118 هذا بصائر للناس وهدى ورحمة ~~لقوم يوقنون ، وقال في نعت المتقين : ( وما خلق الله في السموات والأرض ~~لآيات لقوم يتقون ) يونس : 6 وقال تعالى : ( هذا بيان للناس وهدى وموعظة ~~للمتقين ) آل عمران : 138 وقال في فضل العلماء : ( بل هو آيات بينات في ~~صدور الذين أوتوا العلم ) العنكبوت : 49 وقال : ( قد فصلنا الآيات لقوم ~~يعلمون ) الأنعام : 97 فحقيقة العلم إنما هو من التقوى واليقين وهذا هوعلم ~~المعرفة المخصوص به المقربون وهب لهم الآيات وخصهم بالبيان والدلالات بما ~~استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ، فهذه الخواطر تبدو في القلوب عن ~~هذه الأواسط التي هي خزائن الله تعالى من PageV01P211 خزائن الأرض و خزائن ~~السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون والفقه صفة القلب لا لسان العرب ، ~~تقول : فقهت بمعنى فهمت ، وابن عباس يفسر قول الله عز وجل : ( لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ) الأعراف : 179 يقول لا يفهمون بها ويجعل الفقه الفهم فخاطر ~~اليقين والروح والملك من خزائن الله وخاطر العقل والنفس والعدو من خزائن ~~الأرض كما قيل النفس ترابية خلقت من الأرض فهي تميل إلى التراب والروح ~~روحاني خلق من الملكوت فهي ترتاح إلى العلو والقلب خزانة من خزائن الملكوت ~~مثله كالمرآة تقدح هذه الخواطر عن أوساطها من خزائن الغيب فتوقد في القلب ~~فيتلألأ فيه للتأثير ، فمنها مايقع في سمع القلب ، فيكون فهما ، ومنها ما ~~يقع في بصر القلب فيكون نظرا وهو المشاهدة ، ومنهاما يقع في لسان القلب ~~فيكون كلاما وهو الذوق ، ومنها ما ms0278 يقع في شم القلب فيكون علما وهو الفكر ~~وهو العقل المكتسب بتلقيح العقل الغريزي وهذا أقلها لبثا وأيسرها عناء وما ~~وقع في ناظر القلب وحسه فخرق شفافه ووصل إلى سويدائه وهو المباشرة كان وجدا ~~وهذا هو الحال عن مقام مشاهدة ، ومن هذا قوله : أسألك إيمانا يباشر قلبي . ~~وقال بعض العارفين : إذا كان الإيمان في ظاهر القلب كان العبد محبا للآخرة ~~وللدنيا وكان مرة مع الله تعالى ومرة مع نفسه فإذا دخل الإيمان إلى باطن ~~القلب أبغض العبد الدنيا وهجر هواه وقد قال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله ~~: للقلب تجويفان ، أحدهما باطن وفيه السمع والبصر وكان يسمى هذا قلب القلب ~~، والتجويف الآخر ظاهر القلب وفيه العقل ، ومثل العقل في القلب مثل النظر ~~في العين هو صقال لموضع مخصوص فيه بمنزلة الصقال الذي في سواد العين فإذا ~~كانت هذه الخواطر عن أواسط الهداة به وهي الملك والروح كانت تقوى وهدى ~~ورشدا وكانت من خزائن الخير ومفتاح الرحمة قدحت في قلب العبد نورا وطيبا ~~أدركه الحفظة وهم أملاك اليمين فأثبتوهاحسنات وإن كانت الخواطر عن أواسط ~~الغواة وهم العدو والنفس كانت فجورا وضلالا وهي من خزائن الشر ومعالق ~~الأعراض قدحت في القلوب ظلمة ونتنا أدرك ذلك الحفظة من أملاك الشمال ~~فكتبوها سيئات وكل هذا إلهام وإلقاء من خالق النفس ومسويها وجبار القلوب ~~ومقلبها حكمة منه وعدلا لمن شاء ، ومنة وفضلا لمن أحب ، كما قال : ( وتمت ~~كلمة ربك صدقا وعدلا ) الانعام : 115 أي بالهداية صدقا لأوليائه ما وعدهم ~~من ثوابه وبالاضلال عدلا على أعدائه ما أعد لهم من عقابه . ثم قال تعالى : ~~( لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) الأنبياء : 23 فهذه جنود منقادة لأمره وهو ~~ملك جبار عزيز قهار تعالى عن مباشرة الأشياء إذا كانت تنقاد لمشيئته وتطوع ~~لقدرته فتنفذ قدرته إرادته تظهر حكمته أفعاله إذا أراد شيئا قال له : كن ~~بخفي قدرته فكان بظاهر حكمته ، والرب سبحانه قادر على كل شيء ، بيده ملكوت ~~كل شيء حكيم في كل شيء ، والعبد ضعيف عاجز جاهل ms0279 لا يقدر على شيء قد ابتلي ~~بالأسباب ووقع عليه PageV01P212 الحجاب وجعل مكانا للأحكام بالعقاب والثواب ~~فالأسباب أواسط البلاء والعبد موضع الابتلاء . والأول سبحانه وتعالى ~~هوالمبلي المريد المبدئ المعيد وينشئكم فيما لا تعلمون وليبلي المؤمنين منه ~~بلاء حسنا وليس يشهد العبد إلا ما أشهد فكذلك تفاوت العباد في المشاهدة ولا ~~يستبين له إلا ما أبين له وأريد به فعند ذلك اختلفوا في الأدلة فإذا أراد ~~الله عز وجل إظهار شيء من خزائن الغيب حرك النفس بلطيف القدرة فتحركت بإذنه ~~فقدح من جوهرها بحركتها ظلمة تكتب في القلب همة سوء فينظر العدو إلى القلب ~~وهو مراصد ينتظر والقلوب له مبسوطة والنفوس لديه منشورة يرى ما فيها ما كان ~~من عمله المبتلي به المصرف فيه فإذا رأى همة قد قدحت في النفس فأثرت ظلمة ~~في القلب ظهر مكانه فقوي بذلك سلطانه والهمة ترد على أحد ثلاث معان لا تحصى ~~فروعها لأن همة كل عبد على قدر بغيته أحدهما هوى وهو عاجل حظ النفس أو ~~أمنيته وهذا عن الجهل الغريزي أو دعوى حركة أو سكون وهو آفة العقل ومحبة ~~القلب ، فأي هذه الثلاث قدح في القلب فهو وسوسة نفس وحضور عدو منسوب إليه ~~محكوم عليه بالذم ليست تصدر إلا بأحد ثلاثة أصول بجهل ، أو غفلة ، أو طلب ~~فضول دنيا ، وهن مما لا يعني ومضافات إلى الدنيا وأعمالها . والأفضل مجاهدة ~~النفس والعدو عن إمضائها وحبس الجوارح عن السعي فيها إن كن من فضول الدنيا ~~المباحات فإن كن هذه الثلاث وردن بمحرمات ففرض عليه كف الجوارح عن السعي ~~فيها فإن أمرح قلبه في ذكرها أو نشر خطواته في طلبها كن حجابا بين قلبه ~~وبين اليقين وإن كن وردن بمباحات ففضل له بنفيها عن قلبه كيلا يكون قلبه ~~موطنا للغفلات وأصلهن الابتلاء من الله تعالى بالتقليب والامتحان منه في ~~التصريف ولذلك خلق النفس والروح والموت والحياة وجعل ما على الأرض زينة لها ~~ليظهر أحسن العمل بالزهد فيها وينظر كيف تعملون فإذا أراد الله تعالى سلامة ~~هذا العبد ms0280 بعد أن أشرف على الهلاك والبعد بتسليط العدو عليه وتسويل النفس ~~له نظر القلب عند الابتلاء فهدى النفس بنور إيمانه إلى الله تعلى فأسر ~~الالتجاء إليه وأخفى التوكل عليه عائذا لائذا به واضطر مخلصا له فهناك توكل ~~عليه فكان حسبه وعندها فوض إليه أمره فوقاه مكر عدوه وحينئذ اضطر إليه ~~واتقاه فجعل له مخرجا ونجاه فينظر الله تعالى إلى القلب نظرة تخمد النفس ~~وتمحق الهمة وتخنس العدو لسقوط مكانه وتذهب لخنوسه شدة سلطانه فيصفو القلب ~~من التأثير بنور السراج المنير ويملس من التحرير بقوة القهار العزيز فيخاف ~~العبد مقام الرب لصفاء القلب عن نظر الرب تعالى فيفزع من الخطيئة ويهرب أو ~~يستغفر منها ويتوب ويظهر عليه شعار تقواه . وإن أراد الله تعالى بعبد هلكة ~~وكان قد حكم بوقوع الشر نظر القلب بعد الهمة PageV01P213 بهوى النفس إلى ~~العقل فرجع العقل إلى النفس فسولت وطوعت فسكن العقل واطمأن إلى تسويل النفس ~~وطوعها فانشرح الصدر بالهوى لسكون العقل وانتشر الهوى في القلب لشرح الصدر ~~وتوسعته فقوي سلطان العدو لاتساع مكانه فأقبل بتزيينه وغروره وأمانيه ووعده ~~يوحي بذلك زخرفا من التحول وغرورا فيضعف سلطان الإيمان لقوة سلطان العدو ~~وخفاء نور اليقين فغلب الهوى لقوة الشهوة فأحرقت الشهوة العلم والبيان ~~فارتفع الحياء واستتر الإيمان بالشهوة فظهرت المعصية لغلبة الهوى وارتفاع ~~الحياء ، وهذان المعنيان من ظهور الخيروالشر والطاعة والمعصية فلهذه ~~الأسباب يوجدان في طرفة عين فتصير أجزاء العبد جزأ واحدا ومفصلاته تعود ~~بالمراد منه فصلا واحدا كالبرق في السرعة بتغليب القدرة على المشيئة إذا ~~قال جل وعلا له : ( كن فيكون ) آل عمران : 59 . وإن أراد الله تعالى إظهار ~~خير وإلهام تقوى من خزائن الملكوت حرك الروح بخفي اللطف فتحركت بأمره جلت ~~قدرته فقدح من جوهرها نور سطع في القلب همة عالية وهمة الخير ترى بأحد ~~ثلاثة معان لا تحصى فروعها لأن كل عبد همته في الخير مبلغ علمه ومنتهي ~~مقامه ، فأحد الأصول مسارعة إلى أمر يفرض أو ندب لفضل يكون عن عمل حال ~~العبد أو علم ms0281 يكون فطنة له أظهر عليه من مكاشفة غيب من ملك أو ملكوت ، ~~والمعنى الثالث بتحمل مباح من تصرف فيما يعني مما يعود صلاحه عليه واستراحة ~~النفس بما أبيح له يكون نفعه لغيره أو ترويحات من الأفكار لقلبه الغائص في ~~البحار يكون حملا لكربه وتخفيفا لثقله ، فهذه مرافق للعبد باختيار من ~~المعبود وحكمة من الحكيم وفي كلها رضاه سبحانه وتعالى فإمضاؤها أفضل للعبد ~~وبعضها أفضل من بعض ، وهذه الأصول الستة من الخير والشر هي الفرق بين لمة ~~الملك وبين لمة العدو وبين إلهام التقوى وإلهام الفجور التي هي النية ~~والوسوسة ، وهما الاختيار أو الاختبار ، وقد تكون هذه المعاني مكاشفات مزيد ~~للعبد ينظر إلى الله منها ويجد الله تعالى بما أوجده منه عندها ويكون ~~تعريفا من الله يتعرف إليه بها ويفتح له باب الأنس والشوق منها ثم تتفاوت ~~العباد في مشاهدتها على حسب علوهم في اليقين وعلى قدر قوتهم ومكانهم من ~~التمكين إلا أن أصول معاني الخير وأواسطها إلهام الملك والإلقاء في الروح ~~وقوادح الأنوار في كتب الإيمان وفروعها الآخرة والعلم مما أمر به أو ندب ~~إليه والمباح وأصول معاني الشر أضدادها أواسطها النفس والعدو وأسبابها ~~الشهوة والهوى يظهرن عن الجهل ويوقعن الحجاب ويصدرن إلى عقاب . فإذا أراد ~~الله تعالى إظهار خير من خزانة الروح حركها فسطعت نورا في القلب فأثرت ~~فينظر الملك إلى القلب فيرى ما أحدث الله تعالى فيه فيظهر مكانه فيتمكن على ~~مثال فعل العدو في خزانة الشر ، وهي النفس ، والملك مجبول على الهداية ~~مطبوع على PageV01P214 حب الطاعة كما أن العدو مجبول على الغواية مطبوع على ~~حب المعصية فيلقي الملك الإلهام وهو خطوره على القلب بقدح خواطره يأمر ~~بتقييد ذلك ويحسنه له ويحثه عليه وهذا هو إلهام التقوى والرشد وينظر الملك ~~إلى اليقين كما ينظر العدو إلى النفس فيشهد اليقين للملك بذلك فيطمئن العقل ~~ويسسكن إلى شهادة اليقين ويصير العقل الآن بإذن الله تعالى مع الملك بتأييد ~~الله تعالى كما كان مع النفس أول مرة مطمئنا إليها فينشرح الصدر ms0282 لطمأنينة ~~العقل فتظهر أدلة العلم لانشراح الصدر فيقوى سلطان اليقين لصفاء الإيمان ~~وتندرج ظلمة الهوى في نور اليقين وتنطفئ شعلة الشهوة لظهور نور الإيمان ~~ويزين الإيمان بزينة الحياء فتضعف صفات النفس لسقوط الشهوة ويقوى القلب ~~لضعف النفس ويزيد الإيمان بقوة اليقين وظهور أدلة العلم فتغلب الهدايةلمزيد ~~الإيمان ولبسة الحياء فتظهر الطاعة لغلبة الحق والله غالب على أمره ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون . # | ذكر نوع آخر من البيان # وقد تختلف اللمتان من الملك والعدو ويتفاوت الإلهام والوسوسة في المعاني ~~من الخير والشر ، فربما تقدمت لمة العدو بالأمر بالشر وتقدح بعدها لمة ~~الملك نصرة للعبد وتثبيتا على الخير وعناية من الرب تعالى فينهي عن ذلك ، ~~فعلى العبد أن يعصي الخاطر الأول ويطبع الخاطر الثاني ، وقديتقدم إلهام ~~الملك بالأمر بالخير ثم يقدح بعده خاطر العدو بالنهي عنه والتثبيط والإملاء ~~فيه بالتأخير محنة من الله تعالى للعبد لينظر كيف يعمل وحسدا من العدو ~~فعليه أن يطيع الخاطر الأول ويعصي الخاطر الثاني ، ثم تدق الخواطر من إلهام ~~الملك بالخير ومن وسوسة العدو بالشر ، وقد يتفاوت ذلك من ضعف خاطر الخبر ~~لقوة الرغبة في الدنيا ومن قوة خاطر الشر لقوة الشهوة والهوى وفي المزيد ~~والنقص منهما والتقديم والتأخير بهما لتفاوت الأحكام والإرادة من الحاكم ~~ومن قبل تقليب القدرة وغرائب الأحكام بالمشيئة لأن له في خزانة الخير خزانة ~~الشر إذا شاء وله في خزانة الشر خزائن الخير إذا أحب لمن يحبه لئلا يسكن ~~إلى سواه ولا يدل العبد بما منه أبداه ، فإذا شهد العارف ذلك لم يقطع بخير ~~ولم يدل به أبدا لأنه لا يأمن مكر الله تعالى بتقليب خزائن الشر من خزائن ~~الخير إذا عليه أبداه ولم ييأس من شر عليه أبداه لأنه يرجو تقليب خزائن ~~الخير من خزئان الشر فيكون بين الخوف والرجاء ولا يدرك ذلك إلا بدقائق ~~العلوم ولطائف الفهوم وغوامض الفطن وصفاء الأنوار من تعليم الرحيم الجبار ، ~~فما كان للعبد يجد بعد خطرة الشر خطرة خير منها تنهاه عنها فهو منظور إليه ~~متدارك ms0283 وهذا هو الواعظ القائم في القلب والزاجر المؤيد للعقل ، وقد تترادف ~~خواطر الشر من النفس والهوى فلا يتعاقبها خاطر خير من الملك وهذا علامة ~~البعد ونهاية قسوة القلب ، وقد تتابع خواطر الخير والبر من الروح والملك ~~ويعافى العبد من خاطري الهوى PageV01P215 والنفس وهذا علامة القرب وهو حال ~~المقربين وقد ترد خواطر العدو ووساوسه بالخير والبر ابتلاء من الله تعالى ~~لعبده وحيلة من العدو ومكرا من النفس يريد العدو بذلك الشر أو يخرجه آخر ~~إلى إثم أو خير ليقطعه بذلك عن واجب أو يشغله به عن الأفضل في الحال فيكون ~~ظاهره برا وباطنه إثما ويكون أوله خيرا وآخره إثما ، وبغية العدو من ذلك ~~باطنه وآخره ، وشهوة النفس في ذلك هواها ومناها قد لبسا ظاهره بالخير ~~تزيينا وموها أوله بالبر تحسينا وهذا من أدق ما يبتلى به العاملون ولا يعرف ~~بواطنه وسرائره إلا العالمون . فأما خاطر الملك فلا يرد إلا بخبر صريح وبر ~~محض على كل حال إذا ورد لأن الخداع والحيلة ليس من وصف الملائكة ولكن قد ~~تنقطع خواطر الملك من القلب إذا اشتدت قسوته ودامت معصيته من المتعبدين ~~فيخلى بين القلب وبين نوازع العدو اللعين ويتخلى العدو بهوى النفس فيستحوذ ~~ويقترن بالعبد نعوذ بالله من إبعاده وعدم خيره وإرشاده ولايزال العبد مع ~~إلهام الملك في مقام الإيمان ، فإذا رفع إلى مقام اليقين تولاه الله تعالى ~~بواسطة أنوار الروح ، فكان الروح مكان إلقاء الحق حتى يرد عليه من الله ~~تعالى بواسطة أنوار الروح ، من السرائر ما لا يطلع عليه الملك ولا يكون ذلك ~~حتى تفنى خواطر النفس بالهوى ولا تبقى منها باقية ، وتطوى النفس فتندرج في ~~الروح فلا يظهر منها داعية ثم يتولاه الله تعالى بنور اليقين فيسطع له نور ~~اليقين من خزانة الغيب المحجوب بمكاشفات الجبروت فيشهد العبد شهادة الحق ~~بالحق معاينة الغيب بفقد كونه ووجد كينونته وما لا يصلح بعد ذلك كشفه إلا ~~لأهله أو لمن سأل عنه ، وهذا يكون في مقام التوحيد وهذا أنصبة المقربين . # | ذكر بيان آخر ms0284 من تفصيل المعاني # وكل عمل وإن قل لا بد فيه من ثلاثة معان قد استأثر الله تعالى بتوليها ~~أولها التوفيق وهو الإتفاق أن يجمع بينك وبين الشيء ثم القوة وهو اسم لثبات ~~الحركة التي هي أول العقل ثم الصبر وهو تمام الفعل الذي به يتم ، فقد رد ~~الله عز وجل هذه الأصول التي يظهر عنها كل عمل إليه ، فقال سبحانه : ( وما ~~توفيقي إلا بالله ) هود : 88 ، وقال : ( ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) ~~الكهف : 39 ، وقال عز وجل : ( واصبر وما صبرك إلا بالله ) النحل : 127 ، ~~وقد أجمل الله عز وجل ذكر تقليب الكون بمشيئته في قوله تعالى : ( يقلب الله ~~الليل والنهار ) النور : 44 ، والمعنى بما فيهما لأنهما ظرفان للأشياء فعبر ~~عنهما بهما كقوله تعالى : ( بل مكر الليل والنهار ) سبأ : 33 ، والمعنى ~~مكركم في الليل والنهار فعبر بهما عن مكرهم لأنهما مكان لمكرهم ، وكذلك ~~قوله تعالى : ( وله ما سكن في الليل والنهار ) الأنعام : 13 فيها وجهان ~~أحدهما أي ما أقام من السكن والثاني ما سكن من السكون وإنما PageV01P216 ~~ذكر السكون دون الحركة لأنه هو الأصل حتى تحرك وهو الأقرب إلى العجز والعدم ~~والتحريك حادث جار بأحداث الله تعالى وإجرائه ، ويجوز أيضا ذكر السكون ~~ليستدل به على الحركة لأنه ضدها ، كما قال الله تعالى : ( سرابيل تقيكم ~~الحر ) النحل : 81 وهي أيضا تقي البرد فذكر أحد الوصفين ليستدل به على ~~الآخر . وقال سبحانه : ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ) الأنعام : 110 ، وكان ~~قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب لما شهد من عظيم القدرة ~~ولطيف الصنع في التقليب ، ولما رأى من سرعة نفاذ القدرة بالمراد في ~~المقلبات مما لم يشهد سواه فجعله قسما له تعظيما لقدرة المحلوف به وخوفا من ~~سابق العلم بالتقليب فكان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم يا مقلب ~~القلوب ثبت قلبي على دينك قالوا له : وتخاف يا رسول الله ؟ قال وما يؤمنني ~~والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ، وفي لفظ حديث آخر : ~~إن شاء ms0285 أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه ، وقد روي عنه : مثل القلب ~~مثل العصفور في تقلبه يتقلب في كل ساعة ، وفي خبر آخر : مثل القلب في تقلبه ~~كالقدر إذا استجمعت غليا والخبر المشتهر مثل القلب كمثل ريشة بأرض فلاة ~~تقلبها الرياح ظهر البطن ، فالقلب مكان للتقليب بما فيه من خزائن الغيب ~~كالليل والنهار مكان للأحكام بالتصريف من اختلاف الأزمان في الأوقات ~~والإيمان بتقليب القلوب وبأن المقلب يحول بين القلب وبين صاحبه واجب . وقد ~~قرن الله عز وجل الإيمان بالبعث الأمر بهما في قوله تعالى : ( واعلموا أن ~~الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون ) الأنفال : 24 ، وفسره ابن ~~عباس فقال : يحول بين المؤمن وبين الكفر ويحول بين الكافر وبين الإيمان ~~وقيل يحول بين العبد وبين الاستجابة لله تعالى والرسول وقيل : يحول بين ~~المؤمن وبين سوء الخاتمة وبين الكافر PageV01P217 وبين حسن الخاتمة وقيل ~~يحول بين المؤمن وبين أن يلقيه في كبيرة يهلك فيها وبين المنافق وبين أن ~~يوفقه لطاعة فينجو بها ويحول بين الموحد وبين الخاتمة بالتوحيد ، وهذه ~~مخاوف للمؤمنين بتحقيق الوعيد وكذلك الكون بأسره عند الموحدين في القدرة ~~بالتقليب كمثل ريشة في ريح عاصف تقلبه القدرة على مشيئة القادر وليس في ~~القدرة ترتيب ولا مسافة ولا بعد ولا يحتاج إلى زمان ولا مكان ، فما ظهر من ~~الملك وثبت للعيون بمكان وزمان فلأجل الحكمة والصنعة والإتقان وما خفي من ~~الملكوت وتقلب ببصائر القلوب فبلطف القدرة وقهر السلطان ونصيب كل عبد من ~~مشاهدة القدرة بقدر نصيبه من التوحيد ونصيبه من التوحيد حسب قسمه من اليقين ~~وقسمه ، من اليقين على قربه من القريب وقربه علي حسب قرب الله تعالى من ~~قلبه وقرب الله تعالى منه بقدر علمه بالله تعالى واتساعه في العلم بالله عز ~~وجل على نحو مكانه من مزيد الإيمان ومزيد إيمانه على قدر إحسان الله تعالى ~~إليه وإحسانه إليه على قدر عنايته به وإيثاره له وعلم الله من وراء ذلك ~~وذاك سر القدرة المحجوب المخزن ونصيب كل عبد من الجهل ms0286 على قدر نصيبه من ~~الغفلة ونصيبه من الغفلة على حسب حب الدنيا وحبه للدنيا على قدر قوة الهوى ~~وقوة الهوى على قدر غلبة سلطان النفس ونشر صفاتها عليه وقوة صفات النفس على ~~قدر ضعف اليقين وضعف يقينه على كثافة الحجاب والبعد بينه وبين الله عز وجل ~~والحجاب والبعد ميراثه الكبر وقسوة القلب والقسوة تورث الانهماك في المعاصي ~~وإدمان المعاصي عن الإعراض والمقت ، والإعراض والمقت ، من قلة عناية المولى ~~بعبده وسوء نظره له ، ومن وراء ذلك سر القدر الذي به عن الخلق قد استأثره ، ~~فهذه الأوصاف المذمومة العبد مبتل بها على تضاد تلك الصفات المحمودة التي ~~هي من المنعم بها ولكل وجهة هو موليها ومكان الهوى من القلب على قدر تزيين ~~العدو له وتسليطه عليه ، فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد ~~أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ، ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم ~~فمن ذا الذي ينصركم من بعده ) آل عمران : 160 ، وان يمسك الله بضر فلا كاشف ~~له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ، فإذا كان الهادي هو المضل فمن ~~يهدي ؟ . وقد قال تعالى : ( فإن الله لا يهدي من يضل ) النحل : 37 أي فإن ~~الله من شأنه أن أحدا لا يهدي من أضله ومن كان أضله الله في سابق علمه فكيف ~~يهديه الآن ، كذلك قال على الحرف الآخر فإن الله لا يهدي من يضل فإذا كان ~~المعطي هو المانع فمن يعط ولو كان الخير كله في قلب عبد ما قدر أن يوصل إلى ~~قلبه من قلبه ذرة ولا استطاع أن ينفع نفسه بنفسه خردلة لأن قلبه وان كان ~~جارحته فهو خزانته وله فيه ما لا يعلم هو فهو لا يطلع على ما فيه كما قال ~~معجبا لمن جهله وأضله أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا فكيف به أن يملك ~~ما فيه فيصرفه بما يحب ، وقد قال : سبحان مصرف القلوب وقد PageV01P218 خاطب ~~الله تعالى سيد البشر وأمره أن يخبر فقال : ( قل لا ms0287 أملك لنفسي نفعا ولا ~~ضرا إلا ما شاء الله ) الأعراف : 188 ، ثم قال بعد ذلك : ( قل إني لا أملك ~~لكم ضرا ولا رشدا ) الجن : 21 ، ثم قال بعد ذلك : ( قل إني لن يجيرني من ~~الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ) الجن : 22 ، وإذا كان المالك عزيزا ~~جبارا وكان كل شيء بيده لم يوصل إلى ما عنده بقوة ولا حيلة فليس الطريق ~~إليه إلا الصدق والإخلاص والذل والافتقار وقد حجب العقل المكيد عن النظر ~~إلى المبدئ المعيد بما أظهر له من صورته وحركته فستره عن الأول المصور وعن ~~القادر المحرك فادعى عن نظره إلى حركته وسكونه التي هي حجة له عن المحرك ~~لغيب ادعاء الحركة والسكون بنفسه لوقوف نظره على نفسه إذ كان مشهودا وعمي ~~عن النظر إلى الشاهد المحرك المسكن لبعد مقامه لأنه غيب من وراء الحركة ~~والغيب لا يشهد إلا بغيب وهو اليقين كما لا تدرك الشهادة إلا بشهادة وهي ~~العين فمن عمي بصره لم ير من الملك شيئا كذلك من حجب قلبه لم ير من الملك ~~شيئا ، فلعدم اليقين عمي عند المشاهدة ولإيقاع الحجة والحجاب أدرك بالمعقول ~~الشهادة ، ولو كان من أولي البصائر لاعتبر الحركة الغيبية بالمتحرك المشاهد ~~فكما أن الحركة غيب في الجسم ظهر عنها المتحرك فأظهر سبحانه المتحرك وأخفى ~~الحركة فيه وأظهر الصنعة وأخفى الصنع فيها لتفصيل حكمته كذلك الصانع ذو ~~الصنعة الأول والحاكم الأعلى ذو الحكمة الأغلب غيب عن الحركة التي أخفاها ~~هو من ورائها بلطائف القدرة فشهد المعقول ما أشهدهما أظهر له ووجه به لأنه ~~معقول عليه محدود له وعمي عما غيب عنه لفقد اليقين منه فعندهما ادعى الحركة ~~والسكون للشاهد فحجبه ذلك عن الشهيد وشهد الموحد بشهادة التوحيد فوجد لما ~~كشف له الملكوت بنور اليقين فأفرد ، وقد قال بعض العارفين : من نظر في ~~توحيده إلى عقله لم ينجه توحيده من النار ومن كان توحيده في الدنيا معلقا ~~بمعقوله لم يحمل توحيده معه لي اليقين أحسب أن هذا إيمان الذي يقال أخرجوا ~~من ms0288 النار من كان في قلبه وزن مثقال من إيمان فما زاد على هذا المقدار فهو ~~متصل باليقين وهو مؤيد بالروح يمده روح التأييد فلا ينطفئ فهو المزحزح عن ~~النار وقد قال بعض علمائنا : من ظن أنه يصل إلى الله بغير الله تعالى قطع ~~به ، ومن استعان على عبادة الله تعالى بنفسه وكل إلى نفسه ، ثم إن الخلق ~~محجوبون بعد هذا الحجاب بثلاثة حجب بعضها أكثف من بعض أحدها أواسط وأسباب ~~معترضة وشهوات جاذبة وعادات راجعة صادرة ، فالأسباب توقفهم عليها والشهوات ~~تجذبهم إليها والعادات تردهم فيها ، فأي هذه الحجب ظهر في القلب وبعضها أشد ~~عليه من بعض فهو مكان للعدو أوسع من مكان فتمكن سلطانه على قدر سعة مكانه ~~فقويت النفس بتزيين العدو وسولت PageV01P219 بتأميلها فملكت العبد ملكا أشد ~~من ملك ، فإذا ملكت النفس العبد كان مملوكها وأسيرها وكانت بالهوى أميرة ~~فاستهواه الشيطان حينئذ بالغواية والإضلال واستحوذ عليه بمعاني المشاركة في ~~الأولاد والأموال ، فشغله بذلك عن الله سبحانه وتعالى وأنساه ذكر الله عز ~~وجل ، وهذا هو الاقتران الذي ذمه الله تعالى في قوله : ( ومن يكن الشيطان ~~له قرينا فساء قرينا ) النساء : 38 وهو فوق النزغ الهمز والخاطر بعد الهمة ~~وهو خطور العدو على القلب بالوسوسة يزين الهمة ويملي للعبد ويرجيه ويفسح له ~~في أمله ويمنيه بالتوبة حتى تهون عليه المصية ويعده بعدها بالمغفرة حتى ~~يجرئه على الخطيئة وهذا هو الوعد بالغرور وبعده الهلاك والثبور ، كما قال ~~يعدهم أي التوبة ويمنيهم المغفرة وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ، وهذا كله ~~تصديق ظن العدو بالعبد واتباع العبد له بالهوى عن مقام البعد وكشف لعلم ~~الله تعالى بإظهار الحكم وإنفاذ المشيئة وهو الابتلاء بالأسباب فصار العدو ~~سببا لقوله تعالى : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من ~~المؤمنين ) سبأ : 20 ، ثم أحكم ذلك بسابق علمه فقال ( وما كان له عليهم من ~~سلطان ) سبأ : 21 ، يعني بحوله وقوته وبقهره ومشيئته إلا لنعلم من يؤمن ~~بالآخرة ممن هو منها في شك أي لنرى وقيل لنعلم العلم ms0289 الذي يجازي عليه ~~بالثواب والعقاب وقيل : لنختبر ونكشف وقيل : لنعلم المؤمنين ذلك فيستبين ~~لهم ويعلم من عمل تلك الأعمال التي ظهرت منه فتوقع عليه بذلك الحجة ويتبين ~~له كذبه كما قال : ( فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) العنكبوت ~~: 3 ، فعلى هذه المعاني مجاز كل ما في كتاب الله عز وجل من قوله لنعلم وحتى ~~نعلم إذ كان علمه تعالى قد سبق المعلومات وإذا كانت الأشياء عن علمه بعلمه ~~جاريات فجعل تسليط العدو بسلطانه كشفا وإظهارا لما أخفاه من سابق علمه كما ~~جعل أفعال العباد الظاهر كشفا وإظهارا لإرادته الباطنة ، وروينا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : سبق العلم وجف القلم وقضى القضاء وتم القدر ~~بالسعادة من الله تعالى لأهل طاعته وبالشقاء من الله تعالى لأهل معصيته . # | ذكر تقسيم الخواطر وتفصيل أسمائها # فأما تسمية جملة الخواطر فما وقع في القلب من علم الخبر فهو إلهام وما ~~وقع من علم الشر فهو وسواس وما وقع في القلب من المخاوف فهو الحساس وما كان ~~من تقدير الخير وتأميله فهو نية وما كان من تدبيرالأمور المباحات وترجيها ~~والطمع فيها فهو أمنية وأمل وما كان من تذكرة الآخرة والوعد والوعيد فهو ~~تذكر وتفكير وما كان من معاينة الغيب بعين اليقين فهو مشاهدة وما كان من ~~تحدث بمعاشها وتصريف أحوالها فهو هم وما كان من خواطر العادات ونوازع ~~الشهوات فهو لمم ، ويسمى جميع ذلك خواطر لأنه خطور همة نفس أو خطور عدو ~~بحسد أو خطرة ملك بهمس ، ثم إن ترتيب الخواطر المنشأة من خزائن الغيب ~~القادحة في القلب على ستة معان ، وهذه حدود الشيء المظهر ثلاثة منها معفوة ~~وثلاثة منها مطالب بها ، فأول ذلك الهمة وهو ما يبدو من وسوسة النفس بالشيء ~~PageV01P220 يجده العبد بالحس كالبرقة فإن صرفها بالذكر امتحت وإن تركها ~~بالغفلة كانت خطرة وهو خطور العدو بالتزيين وإن نفى الخاطر ذهب وإن ولي عنه ~~قوي فصار وسوسة وهذا محادثة النفس للعدو وإصغاؤها إليه وإن نفى العبد هذه ~~الوسوسة بذكر الله خنس العدو وصغت ms0290 النفس ، وهذه الثلاث معفوة برحمة الله ~~تعالى غير مؤاخذ بها العبد وإن أمرج العبد النفس في محادثة العدو وطاولت ~~النفس العود بالإصغاء والمحادثة قويت الوسوسة فصارت نية فإن أبدل العبد هذه ~~النية بنية خير فاستغفر منها وتاب وإلا قويت فصارت عقدا فإن حل هذا العقد ~~بالتوبة وهو الإصرار والأقوى فصار عزما وهو القصد . وهذه الثلاثة من أعمال ~~القلب مأخوذ بها العبد ومسؤول عنها فإن تداركه الله تعالى بعد العزم وإلا ~~تمكن العزم فصار طلبا وسعيا وأظهر العمل على الجوارح من خزائن الغيب ~~والملكوت فصار من أعمال الجسم في خزانة الملك والشهادة ، فهذه الأعمال توجد ~~من أعمال البر والإثم ، فما كان منها من البر همة ونية وعزما كان محسوبا ~~للعبد في باب النيات مكتوبا له في ديوان الإرادة له به حسنات وما كان منها ~~من الشر نية وعقدا وعزما فعلى العبد فيه مؤاخذه من باب أعمال القلوب ونيات ~~السوء وعقود المعاصي وليس شيء مجانس للعدو مؤاخ له إلا النفس جمع الله ~~تعالى بينهما في الوسوسة بقوله : ( الوسواس الخناس ) الناس : 4 ، وقوله : ( ~~ونعلم ما توسوس به نفسه ) ق : 16 ، وكل شيء خلقه الله تعالى فله مثل وضد ، ~~فمثل النفس الشيطان وضدهما الروح ، ثم إن أعمال الجوارح من النوعين الطاعة ~~والمعصية أعظم في الأجر والوزر معا إلا ما لا يتأتى أن يعمله بظاهر الجسم ~~من شهادة التوحيد أو وجود شك أو كفر أو اعتقاد بدعة . # | باب آخر من البيان والتفصيل # فأما ما كان من لائح يلوح في القلب من معصية ثم يتقلب فلا يلبث فهذا نزغ ~~من قبيل العدو وما كان في القلب من هوى ثابت أو حال مزعج دائم لابث فهو من ~~قبل النفس الأمارة بطبعها أو مطالبة منها بسوء عادتها وما ورد على العبد من ~~همه بخطيئة ووجد العبد فيها كراهتها ، فالورود من قبل العدو والكراهة من ~~قبل الإيمان وما وجده العبد وجدا بهوى أو معصية ثم ورد عليه المنع من ذلك ~~فالوجد من النفس والوارد بالمنع من الملك وما وجده ms0291 العبد من فكر في عاقبة ~~الدنيا أو تدبير الحال ونظر إلى معهود فهذا من قبل العقل وما وجد من خوف أو ~~حياء أو ورع أو زهد أو من شأن الآخرة فهذا عن الإيمان وما شهد القلب من ~~تعظيم أو هيبة أو إجلال أو قرب فهذا من اليقين وهو من مزيد الإيمان وإليه ~~يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه كما قال صاحب الأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : أعوذ بك وإنما هذا تفصيل الحدود وإظهار المكان وإحكام العلم ~~كما قال تعالى : ( وكل شيء فصلناه تفصيلا ) الإسراء : 12 ، وقال : ( قد ~~فصلنا الآيات لقوم يعلمون ) الأنعام : 97 ، وليس في التوحيد ولا في ~~المشاهدة تفكر ولا في الإشارة عيان ولا في القدرة ترتيب ولكن لا بد ~~PageV01P221 من علم التفصيل لا عن التوحيد وهو التفرقة بلسان الشرع عن عين ~~الجمع لإظهار الطرق واستنارة السبل وتطريق السالكين وترتيب العاملين ليهلك ~~من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة والله غالب على أمره ، وقد فصل بعض ~~العلماء أعمال العباد وفرق بين الأمر والإرادة فقال : إن أعمال العباد لا ~~تخلو من ثلاثة أنواع : فرض وفضل ومعصية ، قال : فنقول إن الفرض بأمر الله ~~تعالى ومحبة الله ومشيئة الله ، تجتمع هذه المعاني الثلاثة في الفرائض قال ~~: ونقول إن النفل لا بأمر الله لأنه لم يوجبه ولم يعاقب على تركه ولكن ~~بمحبة الله ومشيئته جل وعلا أي لأنه شرعه وندب إليه فقال : ونقول إن ~~المعصية لا بأمر الله لأنه لم يشرعها على ألسنة المرسلين ولا بمحبة الله ~~لأنه قد كرهها إذ لم يأمر بها ولم يندب إليها ولكن بمشيئة الله جلت عظمته ~~أن لا يخرج شيء من إرادته كما لم يخرج شيء من علمه ، والإرادة والمشيئة ~~اسمان بمعنى واحد فقد دخل كل شيء فيها كما دخل كل شيء في العلم فالله ~~سبحانه عالم بما أراده وقد سبق به علمه كذلك هو مريد لما علمه أظهرت إرادته ~~سابق علمه وكشف علم الغيب بظهور إرادته الشهادة فهو عالم الغيب والشهادة ~~فالغيب ms0292 علمه والشهادة معلومة فكيف يخالف المعلوم العلم وهو إجراؤه والإرادة ~~نفذت العلم في معلومات الخلق وهذا فرض التوحيد فخرجت النوافل عن الأمر خرجت ~~المعاصي عن المحبة في تفصيل الأحكام ، وتبين الحلال والحرام ولم تخرج معصية ~~عن مشيئة ، وقد قال الله جل ثناؤه : ( وكل صغير وكبير مستطر ) القمر : 53 ، ~~وقد قال رسول الله : كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس فذكر عرضين لطيفين ~~هما سببا المنع والعطاء وقد فرق عالمنا بين الأمر والإرادة فرقا لطيفا ~~فحدثني بعض أصحابنا أنه سئل عن قول الله عز وجل لما أمر إبليس بالسجود لآدم ~~أراد منه ذلك أم لا فقال أراده ولم يرده منه يعني أراده شرعا وإظهارا وعليه ~~إيجابا ولم يرده منه وقوعا ولا كونا إذ لا يكون إلا ما إراد الله تعالى إذ ~~لو أراد كونه لكان ولو أراده فعلا لوقع لقوله تعالى : ( إنما أمره إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون ) يس : 82 ، فلما لم يكن علمت أنه لم يرده ، فقد ~~كان الأمران معا إرادته بالتكليف والتعبد وإرادته بأن لا يسجد كما لم يقدر ~~من أن يمتنع من أن يؤمن ، فكذلك القول في نهيه لآدم عن أكل الشجرة إنه أراد ~~الأكل منه ولم يرده له أي أراده وقوعا وكونا لأنه قد وجد وكان كقوله إذا ~~أردناه أن نقوله له كن فيكون فلما كان علمت أنه أراده ولم يرده شرعا ~~ولاأمرا لأنه لم يأمره به ولاشرعه له فقد كان الأمران جميعا إرادته أن يكون ~~العبد مكلفا مأمورا وإرادته الأكل منه لأنه قد كان وكذلك القول في كل ما ~~أمر به وأراده إنه أراد الأمر والنهي لهم ليكونوا مكلفين متعبدين ولم يرده ~~ممن لم يكن منه الائتمار والانتهاء لأنه قال تعالى : ( إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون ) النحل : 40 ، فأخبر أنه إذا أراد شيئا كونه ~~كما أنه إذا كون شيئا فقد أراده بدلالة PageV01P222 كونه ، فلما لم يمكن ~~الأمر من العاصين علمنا أنه لم يرده إذ لو أراده كان ، ولما ms0293 كان النهي من ~~المأمورين علمنا أنه أراد كونه إذ لو لم يرده لم يكن ، فصار كون الشيء ~~دليلا على إرادته ، وقد وقعت الإرادة بالأمر والنهي فكان الكل مأمورين ~~منتهين ولم يقع الفعل من الكل لأنه لم يرد وقوعه إذ لو أراده كان وهذا أصل ~~الابتلاء وإرادة ظهور البلاء ، يأمر الله تعالى بالشيء ويريد كون ضده وقد ~~أراد الأمر به حسب وينهى عن الشيء ويريد كونه وقد أراد النهي عنه فقط ، وقد ~~كان عالمنا أبو الحسن رحمة الله عليه يتكلم في علم الأمر والخير وفي ~~الابتلاء والقهر بمعان لا يهتدى إليها اليوم ولا يسأل عنها أحد أي يظهر ~~الأمر بالترك ويظهر النهي بالفعل ويظهر الأحكام لوقوع البلاء ويقهر الجوارح ~~بالجبر على إرادته للابتلاء وقد فرق الحسن البصري رحمه الله قبله وهو ~~إمامنا في هذا العلم بين التعذيب على جريان العلم ومخالفة الأمر لما بلغه ~~أن عمرو بن عبيد وهو إمام المعتزلة اليوم وإليه نسبوا لما اعتزل عن الحسن ~~البصري بعد أن صحبه ولم يختم له بصحبته بلغه أنه يقول إن الله لا يقضي ~~بالشيء ثم يعذب عليه فقال له : ويلك إن الله عز وجل لا يعذب على جريان حكمه ~~وإنما يعذب على مخالفة أمره ، تفسير ذلك أن ما حكمه الله تعالى منفردا به ~~لم يجعل فيه أمرا ولا نهيا لا يعذب عليه لأنه لم يجعل للعبد مدخلا فيه ~~بشهوة ولا فعل وإن ما قضاه على العبد مما أدخله فيه بقصده وشهوته عذبه عليه ~~وهذا من شؤم النفس وتكدير الخلق أنها إذا أدخلت في شيء انقلب عليها شره ~~والأمة مجتمعة على قول ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن واجتمعت على ~~قول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فهذا عام في كل شيء ليس في بعض الأشياء ~~دون بعض والحول في اللغة هو الحركة والعرب تقول للشخص يبدو من بعيد يظن أنه ~~إنسان أو شجرة أو صخرة انظروا إليه فإن كان يحول فهو إنسان أي يتحرك والقوة ~~هو الثبات بعد ms0294 الحركة وهو أول الصبر حتى يظهر الفعل بقوة الله تعالى ، وقد ~~روينا في تفسير ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حول عن معصية الله ~~إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله . ة كونه ، فلما لم ~~يمكن الأمر من العاصين علمنا أنه لم يرده إذ لو أراده كان ، ولما كان النهي ~~من المأمورين علمنا أنه أراد كونه إذ لو لم يرده لم يكن ، فصار كون الشيء ~~دليلا على إرادته ، وقد وقعت الإرادة بالأمر والنهي فكان الكل مأمورين ~~منتهين ولم يقع الفعل من الكل لأنه لم يرد وقوعه إذ لو أراده كان وهذا أصل ~~الابتلاء وإرادة ظهور البلاء ، يأمر الله تعالى بالشيء ويريد كون ضده وقد ~~أراد الأمر به حسب وينهى عن الشيء ويريد كونه وقد أراد النهي عنه فقط ، وقد ~~كان عالمنا أبو الحسن رحمة الله عليه يتكلم في علم الأمر والخير وفي ~~الابتلاء والقهر بمعان لا يهتدى إليها اليوم ولا يسأل عنها أحد أي يظهر ~~الأمر بالترك ويظهر النهي بالفعل ويظهر الأحكام لوقوع البلاء ويقهر الجوارح ~~بالجبر على إرادته للابتلاء وقد فرق الحسن البصري رحمه الله قبله وهو ~~إمامنا في هذا العلم بين التعذيب على جريان العلم ومخالفة الأمر لما بلغه ~~أن عمرو بن عبيد وهو إمام المعتزلة اليوم وإليه نسبوا لما اعتزل عن الحسن ~~البصري بعد أن صحبه ولم يختم له بصحبته بلغه أنه يقول إن الله لا يقضي ~~بالشيء ثم يعذب عليه فقال له : ويلك إن الله عز وجل لا يعذب على جريان حكمه ~~وإنما يعذب على مخالفة أمره ، تفسير ذلك أن ما حكمه الله تعالى منفردا به ~~لم يجعل فيه أمرا ولا نهيا لا يعذب عليه لأنه لم يجعل للعبد مدخلا فيه ~~بشهوة ولا فعل وإن ما قضاه على العبد مما أدخله فيه بقصده وشهوته عذبه عليه ~~وهذا من شؤم النفس وتكدير الخلق أنها إذا أدخلت في شيء انقلب عليها شره ~~والأمة مجتمعة على قول ما شاء الله كان ، وما ms0295 لم يشأ لم يكن واجتمعت على ~~قول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فهذا عام في كل شيء ليس في بعض الأشياء ~~دون بعض والحول في اللغة هو الحركة والعرب تقول للشخص يبدو من بعيد يظن أنه ~~إنسان أو شجرة أو صخرة انظروا إليه فإن كان يحول فهو إنسان أي يتحرك والقوة ~~هو الثبات بعد الحركة وهو أول الصبر حتى يظهر الفعل بقوة الله تعالى ، وقد ~~روينا في تفسير ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حول عن معصية الله ~~إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله . وهذا التفصيل في هذه ~~المعاني من الأحكام هو ظاهر العلم وفرض القدر وفحوى التنزيل والشرع والجبر ~~للملك الجبار يجبر خلقه على ما شاء كما خلقهم لما شاء ويردهم إلى ما شاء ~~كما ينشئهم فيما يشاء فالحكم لله العلي الكبير الواحد القهار يقهر عباده ~~كيف شاء ويجري عليهم ما يشاء وله الحجة البالغة والعزة القاهرة والقدرة ~~النافذة والمشيئة السابقة بوصف الربوبية وبحكم الجبرية وعليهم الاستسلام ~~والانقياد والطاعة والاجتهاد طوعا وكرها بوصف العبودية وبحق الملكة إن كان ~~الله يريد أن يغويكم هو ربكم إن تعذبهم فإنهم عبادك وعلى الله قصد السبيل ~~ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ، ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) الروم : ~~4 PageV01P223 # | الفصل الحادي والثلاثون فيه كتاب العلم وتفضيله وأوصاف العلماء وذكر ~~فضل علم المعرفة على سائر العلوم وكشف طرق العلماء من السلف الصالح وذكر ~~بيان تفضيل علوم الصمت وطريق الورعين في العلم والفرق بين العلم الظاهر ~~والباطن وبين علماء الدنيا والآخرة وفضل أهل المعرفة على علماء الظاهر وذكر ~~علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا ووصف العلم وطريق التعليم وذم ما أحدثه ~~المتأخرون من القصص والكلام وباب ذكر ما أحدث الناس من القول والفعل فيما ~~بينهم مما لم يكن عليه السلف وبيان فضل الإيمان واليقين على سائر العلوم ~~والتحذير من الرأي # . وذكر معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم ~~وفي الحديث ms0296 الآخر اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم ~~، قال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله : أراد بذلك علم حال يعني علم حال ~~العبد من مقامه الذي أقيم فيه بأن يعلم أحدكم حاله الذي بينه وبين الله عز ~~وجل في دنياه وآخرته خاصة فيقوم بأحكام الله تعالى عليه في ذلك ، وقال بعض ~~العارفين معناه طلب علم المعرفة وقيام العبد بحكم ساعته وما يقتضي منه في ~~كل ساعة من نهاره ، وقال بعض علماء الشام إنما عنى به طلب علم الإخلاص ~~ومعرفة آفات النفس ووساوسها ومعرفة مكايد العدو وخدعه وغروره وما يصلح ~~الأعمال ويفسدها فريضة كله من حيث كان الإخلاص في الأعمال فريضة ومن حيث ~~أعلم بعداوة إبليس ثم أمر بمعاداته وذهب إلى هذا القول عبد الرحيم ابن يحيى ~~الأرموي ومن تابعه ، وقال بعض البصريين في معناه : طلب علم القلوب ومعرفة ~~الخواطر وتفصيلها فريضة لأنها رسل الله تعالى إلى العبد ووسواس العدو ~~والنفس فيستجيب لله تعالى بتنفيذ ما منه إليه ومنها ابتلاء الله تعالى ~~للعبد واختبار تقتضيه مجاهدة نفسه في نفيها ولأنها أول النية التي هي أول ~~كل عمل وعنها تظهر الأفعال وعلى قدرها تضاعف الأعمال فيحتاج أن يفرق بين ~~لمة الملك ولمة العدو وبين خاطر الروح ووسوسة النفس وبين علم اليقين وقوادح ~~العقل ليميز بذلك الأحكام ، وهذا عند هؤلاء فريضة وهو مذهب مالك بن دينار ~~وفرقد السنجي وعبد الواحد بن زيد وأتباعهم من النساك وقد كان أستاذهم الحسن ~~البصري يتكلم في ذلك وعنه حملوا علوم القلوب ، وقال عباد أهل الشام معناه ~~طلب علم PageV01P224 الحلال فريضة إذ قد أمر الله تعالى به وأجمع المسلمون ~~على تفسيق آكل الحرام ، وقد جاء في خبر مفسر طلب الحلال فريضة بعد الفريضة ~~ومال إلى هذا القول إبراهيم بن أدهم ويوسف بن أسباط ووهيب بن الورد وحبيب ~~بن حرب . وقال بعض هذه الطائفة من أهل المعرفة : معناه طلب علم الباطن ~~فريضة على أهله قالوا وهذا مخصوص لأهل القلوب ممن استعمل به واقتضى منه دون ms0297 ~~غيره من عوام المسليمن ولأنه جاء في لفظ الحديث : تعلموا اليقين فمعناه ~~اطلبوا علم اليقين وعلم اليقين لا يوجد إلا عند الموقنين وهو من أعمال ~~الموقنين المخصوص في قلوب العارفين وهو العلم النافع الذي هو حال العبد عند ~~الله تعالى ومقامه من الله تعالى كما شهد له الخبر الآخر في قوله صلى الله ~~عليه وسلم : وعلم باطن في القلب وهو العلم النافع فهذا تفسير ما أجمل في ~~غيره ، وقال جندب : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلمنا الإيمان ~~ثم يعلمنا القرآن فازددنا إيمانا وسيأتي زمان قوم يتعلمون القرآن قبل ~~الإيمان يعين تعلمنا علم الإيمان وهذا مذهب نساك أهل البصرة ، وقال بعض ~~السلف : إنما معناه طلب علم ما لم يسع جهله من علم التوحيد وأصول الأمر ~~والنهي ، والفرق بين الحلال والحرام إذ لا غاية لسائر العلوم بعد ذلك وكلها ~~يقع عليه اسم علم من حيث هي معلومات ثم قد أجمعوا أن ليس تعليم ما زاد على ~~ما ذكرناه فرضا وإنما فيه فضل أو ندب ، وقال بعض فقهاء الكوفة : معناه طلب ~~علم البيع والشراء والنكاح والطلاق وإذا أراد الدخول فيه افترض عليه مع ~~دخوله في ذلك طلب علمه لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لا يتجر في سوقنا ~~هذا إلا من تفقه وإلا أكل الربا شاء أم أبى وكما قيل تفقه ثم اتجر ومال إلى ~~هذا سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابهما ، وقال بعض المتقدمين من علماء ~~خراسان : هو أن يكون الرجل في منزله فيريد أن يعمل شيئا من أمر الدين أو ~~يخطر على قلبه مسألة الله سبحانه وتعالى فيها حكم وتعبد وعلى العبد في ذلك ~~اعتقاد أو عمل فلا يسعه أن يسكت على ذلك ولا يجوز له أن يعمل فيه برأيه ولا ~~يحكم بهواه فعليه أن يلبس نعليه ويخرج فيسأل عن أعلم أهل بلده فيسأله عن ~~ذلك عند النازلة فهذا فريضة وحكي هذا القول عن ابن المبارك وبعض أصحاب ~~الحديث . وقال آخرون : يعني طلب علم التوحيد فرض وإنما اختلفوا ms0298 في كيفية ~~الطلب وماهية الإصابة ، فمنهم من قال من طريق الاستدلال والاعتبار ، ومنهم ~~من قال من طريق البحث والنظر ، ومنهم من قال من طريق التوفيق والأثر ، ~~وقالت طائفة من هؤلاء : إنما أراد طلب علم الشبهات والمشكلات إذا سمعها ~~العبد وابتلى بها وقد كان يسعه ترك الطلب إذا كان غافلا عنها على أصل ~~التسليم ومعتقد جملة المسلمين لا يقع في وهمه ولا يحيك في صدره شيء من ~~الشبهات فيسعه ترك البحث فإذا وقع في سمعه شيء من ذلك ووقر في PageV01P225 ~~قلبه ولم يكن عنده تفصيل ذلك وقطعه ومعرفة تمييز حقه من باطله لم يحل له أن ~~يسكت عليه لئلا يعتقد باطلا أو ينفي حقا فافترض عليه طلب ذلك من العلماء به ~~فيستكشفه حتى يكون على اليقين من أمره فيعتقد من ذلك الحق وينفي الباطل ولا ~~يقعد عن الطلب فيكون مقيما على شبهة فيتبع الهوى أو يكون شاكا في الدين ~~فيعدل عن طريق المؤمنين أو يعتقد بدعة فيخرج بذلك عن السنة ومذهب الجماعة ~~وهو لا يعلم ، ولهذا المعنى كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول في دعائه ~~: اللهم أرنا الحق حقا فنتبعه وأرنا الباطل باطلا فنجتنبه ولا تجعل ذلك ~~متشابها علينا فنتبع الهوى ، وهذا مذهب أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي ~~وداود بن علي والحسين الكرابيسي والحرث بن أسد المحاسبي ومن تابعهم من ~~المتكلمين ، فهذه أقوال العلماء في معنى هذا الخبر : حكينا ذلك عن علمنا ~~بمذاهبهم على معنى مذهب كل طائفة واحتججنا لكل قول ، فالألفاظ لنا والمعنى ~~لهم وهذا كله حسن ومحتمل وهؤلاء كلهم وإن اختلفوا في تفسير الحديث بألفاظ ~~فإنهم متقاربون في المعنى إلا أهل الظاهر منهم فإنهم حملوه على ما يعلمونه ~~وأهل الباطن تأولوه على علمهم ولعمري أن الظاهر والباطن علمان لا يستغني ~~أحدهما عن صاحبه بمنزلة الإسلام والإيمان مرتبط كل واحد بالآخر كالجسم ~~والقلب لا ينفك أحدهما عن صاحبه ، وهؤلاء المختلفون في الأقوال مجمعون أنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك طلب علم الأقضية والفتاوى ولا علم ms0299 الاختلاف ~~والمذاهب ولا كتب الأحاديث مما لا يتعين فرضه وإن كان الله تعالى لا يخلى ~~من ذلك من يقيمه بحفظه والذي عندنا في حقيقة معنى هذا الخبر والله أعلم أن ~~قوله صلى الله عليه وسلم : طلب العلم فريضة يعني علم هذه الفرائض الخمس ~~التي بني الإسلام عليها من حيث لم يفترض على المسلمين غيرها ، ثم إن العمل ~~لا يصح إلا بعلمه فأول العمل العلم به فصار علم العمل فرضا من حيث افترض ~~العمل . فلما لم يكن على المسلمين فرض من الأعمال إلا هذه الخمس فصار طلب ~~علم هذه الخمس فرضا لأنه فرض الفرض وعلم التوحيد داخل فيها لأنه في أوله ~~شهادة أن لا إله إلا الله بإثبات صفاته المتصلة بذاته ونفي صفات سواه ~~المنفصلة عن إياه كله داخل في علم شهادة : أن لا إله إلا الله وعلم الإخلاص ~~داخل في صحة الإسلام إذا لا يكون مسلما إلا بإخلاص العمل لقوله صلى الله ~~عليه وسلم ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله فبدأ به واشترط ~~للإسلام والأصل في هذا أنه لم يرد صلى الله عليه وسلم علم كل ما جاز أن ~~يكون معلوما بإجماع الأمة ، إنه لم يعن بذلك علم الطب أو علم النجوم ولا ~~علم النحو أو الشعر أوالمغازي وهذه تسمى علوما لأنها تكون معلومة وأربابها ~~علماء بها إلا أن الشرع لم يرد بالأمر بمقتضاها والأمة مجمعة أيضا أنه لم ~~يرد بذلك علم الفتيا والقضاء ولا علم افتراق المذاهب واختلاف الآراء وهذه ~~تسمى علوما عند أهلها وبعضها فرض على الكفاية وكلها ساقطة عن الأعيان ، ~~والخبر جاء بلفظ العموم بذكر الكلية وبمعنى الاسم فقال : PageV01P226 طلب ~~العلم فريضة ثم قال : على كل مسلم بعد قوله : اطلبوا العلم فكان هذا على ~~الأعيان فكأنه على ما وقع عليه إسم العلم ومعناه المعهود المعروف بإدخال ~~التعريف عليه فأشير بالألف واللام إليه فإذا بطلت هذه الوجوه صح أن قوله ~~صلى الله عليه وسلم : طلب العلم فريضة على كل مسلم أي طلب علم ما بني ms0300 ~~الإسلام عليه فافترض على المسلمين علمه فريضة بدليل قوله صلى الله عليه ~~وسلم للأعرابي حين سأله : أخبرني ماذا افترض الله تعالى علي ، وفي لفظ آخر ~~: أخبرنا بالذي أرسلك الله تعالى إلينا به ، فأخبره بالشهادتين والصلوات ~~الخمس والزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت ، فقال : هل علي غيرها ؟ فقال : لا ~~إلا أن تطوع فقال : والله لا أزيد عليه شيئا ولا أنقص منه شيئا فقال : أفلح ~~ودخل الجنة إن صدق فكان علم هذه الخمس فريضة من حيث كان معلومه فريضة إذ لا ~~عمل إلا بعلم . وقد قال عز وجل : ( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) الزخرف : ~~86 ، وقال في مثله : ( حتى تعلموا ما تقولون ) النساء : 43 ، وقال : ( هل ~~عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن ) الأنعام : 148 ، وقال : ( ~~بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله ) الروم : 29 ، ~~وقال تعالى : ( ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) ( إنهم لن يغنوا عنك من ~~الله شيئا ) الجاثية : 18 - 19 ، وقال سبحانه وتعالى : ( فاعلموا أنما أنزل ~~بعلم الله وأن لا إله إلا هو ) هود : 14 ، وقال : ( فسئلوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون ) الأنبياء : 7 ، فهذه الآية افترض الله فيها طلب العلم ~~وذلك الخبر الذي جاء في أبنية الإسلام الخمسة افترض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيه هذه الأعمال ثم قال مجملا : طلب العلم فريضة ثم وكده بقوله ~~صلى الله عليه وسلم على كل مسلم فكان تفسير ذلك وتفصيله أن علم هذه الخمس ~~التي هي بنية الإسلام فرض لأجل فرضها . وقد روينا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من طريق مرسل أنه مر برجل والناس مجتمعون عليه فقال : ما هذا ؟ ~~فقالوا رجل علامة فقال : بماذا ؟ قالوا بالشعر والأنساب وأيام العرب ، فقال ~~: هذا علم لا يضر جهله ، وفي لفظ آخر : علم لا ينفع وجهل لا يضر ، وروينا ~~في الخبر : إن من العلم جهلا وإن من القول عيا ، وفي الخبر الآخر : قليل من ~~التوفيق خير من كثير من العلم ، وفي خبر ms0301 غريب : كل شيء يحتاج إلى العلم ~~يجتاج إلى التوفيق والخبر المشهور قوله صلى الله عليه وسلم : أعوذ بك من ~~علم لا ينفع فسماه علما إذ له معلوم وأن أصحابه علماء عند أصحابهم ثم رفع ~~المنفعة عنهم واستعاذ بالله منه . PageV01P227 وقد روينا في خبر أن الشيطان ~~ربما سبقكم بالعلم ، قلنا : يا رسول الله كيف يسبقنا بالعلم ؟ قال : يقول ~~اطلب العلم ولا تعمل حتى تعلم فلا يزال في العلم قائلا وللعمل مسوفا حتى ~~يموت وما عمل ، ففي هذا الخبر دليلان ، أحدهما أنه أريد به طلب فضول العلم ~~الذي لا نفع له في الآخرة ولا قربة في طلبه من الله والثاني أن العلم ~~المفضل المندوب إليه إنما هو الذي يقتضي العمل لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يأمر بعمل بغير علم ولايكره طلب علم للعمل به ألا تسمع إلى قوله ~~صلى الله عليه وسلم في الخبر الآخر : فضل من علم أحب إلي من فضل من عمل ~~وخير دينكم الورع . # | ذكر فضل علم المعرفة واليقين على سائر العلوم وكشف طريق علماء السلف ~~الصالح من علماء الدنيا والآخرة # قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ألوف من صحابته كلهم علماء بالله ~~فقهاء عن الله تعالى أهل رضوان من الله تعالى ولم ينصب نفسه إلى الفتيا ولا ~~حملت عنه الأحكام والقضايا إلا بضعة عشر رجلا ، وكان ابن عمر إذا سئل عن ~~الفتيا قال : اذهب إلى الأمير الذي تقلد أمور الناس فضعها في عنقه ، وروى ~~ذلك عن أنس ثم جماعة من الصحابة والتابعين بإحسان ، وكان ابن مسعود يقول : ~~إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون ، وكان ابن عمر رضي الله ~~عنهما يسأل عن عشر مسائل فيجيب عن مسألة ويسكت عن تسعة ، وكان ابن عباس على ~~ضد ذلك كان يسئل عن عشرة فيجيب في تسعة ويسكت عن واحدة ، وكان من الفقهاء ~~من يقول لا أدري أكثر من أن تقول أدري ، منهم : سفيان الثوري ومالك بن أنس ~~وأحمد بن حنبل وفضيل بن عياض وبشر بن ms0302 الحرث رضي الله عنهم ، وكانوا في ~~مجالسهم يجيبون عن بعض ويسكتون عن بعض ولم يكونوا يجيبون في كل ما يسألون ~~عنه . وروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : أدركت في هذا المسجد مائة ~~وعشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم من أحد يسأل عن حديث ~~أو فتيا إلا ود أن أخاه كفاه ذلك ، وفي لفظ آخر كانت المسألة تعرض على ~~أحدهم فيردها إلى الآخر ويردها الآخر للآخر حتى يرجع إلى الذي سئل عنها أول ~~مرة ، وروي عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما من التابعين ، وقد روينا مسند ~~ألا يفتي الناس إلا ثلاثة : أمير أو مأمور أو متكلف ، تفصيل ذلك أن الأمير ~~هو الذي يتكلم في علم الفتيا والأحكام كذلك كان الأمراء يسئلون ويفتون ~~والمأمور الذي يأمره الأمير بذلك فيقيمه مقامه ويستعين به لشغله بالرعية ~~والمتكلف هو القاص الذي يتكلم في القصص السالفة ويقص أخبار من مضى لأن ذلك ~~لا يحتاج إليه في الحال ولم يندب إليه من العلوم وقد تدخله الزيادة ~~والنقصان والاختلاف ، فلذلك كره PageV01P228 القصص فصار القاص من المتكلفين ~~. وقد جاء في لفظ الحديث الآخر بتأويل معناه : لا يتكلم على الناس إلا ~~ثلاثة : أمير أو مأمور أو مراء فكان قولهم : أمير هو المفتي في الأقضية ~~والأحكام كما ذكرنا آنفا ومعنى مأمور هو العالم بالله عز وجل الزاهد في ~~الدنيا يتكلم في علم الإيمان واليقين وفي علم القرآن والحث على مصالح أعمال ~~الدين بأمر من الله تعالى أذن الله تعالى له في ذلك بقوله تعالى : ( وإذ ~~أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) آل عمران : ~~187 ، وقد كان أبو هريرة وغيره يقولون : لولا آيتان في كتاب الله تعالى ما ~~حدثتكم بحديث أبدا ثم يتلو هذه والآية التي قبلها ويقول : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ما أتى الله تعالى عالما علما إلا أخذ عليه من ~~الميثاق ما أخذ على النبيين أن يبينه ولا يكتمه ، وأما المرائي فهو المتكلم ~~في علوم الدنيا ms0303 الناطق عن الهوى يستميل بذلك قلوب الناس ويجتلب بكلامه ~~المزيد من الدنيا والرفعة فيها ، وقال بعض العلماء : كان الصحابة والتابعون ~~بإحسان يتدافعون أربعة أشياء : الأمانة والوديعة والوصية والفتيا ، وقال ~~بعضهم : كان أسرعهم إلى الفتيا أقلهم علما وأشدهم دفعا لها وتوقفا عنها ~~أروعهم ، وقال بعض السلف : كان شغل الصحابة والتابعين بإحسان في خمسة أشياء ~~: قراءة القرآن ، وعمارة المساجد ، وذكر الله تعالى ، والأمر بالمعروف ، ~~والنهي عن المنكر ، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل كلام ~~ابن آدم عليه لا له إلا ثلاثا : أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر أو ذكر الله ~~تعالى ، وقال الله أصدق القائلين : ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر ~~بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ) النساء : 114 ، ورأى بعض أصحاب الحديث ~~بعض فقهاء الكوفة من أهل الرأي بعد موته في المنام قال : فقلت له ما فعلت ~~فيما كنت عليه من الفتيا والرأي قال : فكره وجهه وأعرض عني وقال ما وجدناه ~~شيئا وما حمدنا عاقبته . وحدثونا عن علي بن نصر بن علي الجهضمي عن أبيه قال ~~: رأيت الخليل بن أحمد في النوم بعد موته فقلت : ما أجد أعقل من الخليل ~~لأسألنه فقال لي : أرأيت ما كنا فيه ؟ فإني لم أر شيئا ما رأيت أنفع من قول ~~: سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله والله ، أكبر ، وحدثونا عن ~~بعض الأشياخ قال : رأيت بعض العلماء في المنام فقلت له : ما فعلت تلك ~~العلوم التي كنا نجادل فيها ونناظر عليها قال : فبسط يده ونفخ فيها وقال ~~طاحت كلها هباء منثورا ماانتفعت إلا بركعتين حصلتا لي في جوف الليل وحدثت ~~عن أبي داود السجستاني قال : كان بعض أصحابنا كثير الطلب للحديث حسن ~~المعرفة به فمات فرأيته في المنام فقلت ما فعل الله بك فسكت فأعدت عليه ~~فسكت فقلت غفر الله لك قال : لا ، PageV01P229 قلت لم ؟ قال : الذنوب كثيرة ~~والمناقشة دقيقة ولكن قد وعدت بخير وأنا أرجو خيرا ، قلت : أي الأعمال ~~وجدتها فيما هناك أفضل ، قال : قراءة ms0304 القرآن والصلاة في جوف الليل ، قلت : ~~فأيما أفضل ما كنت تقرأ أو تقرئ ؟ فقال : ما كنت أقرأ قلت : فكيف وجدت ~~قولنا فلان ثقة وفلان ضعيف فقال : إن خلصت فيه النية لم يكن لك ولا عليك ، ~~وحدثت عن بعض الشيوخ قال : حدثني أحمد بن عمر الخاقاني قال : أريت في منامي ~~كأني في طريق أمضي إذ صادفني رجل فأقبل علي وهو يقول : وإن تطع أكثر من في ~~الأرض يضلوك عن سبيل الله فقلت له : لي تعني ؟ فقال : لك ولذاك الذي خلفك ، ~~فالتفت فإذا سري رحمه الله فأعرضت عن الرجل وأقبلت على السري وقلت : هذا ~~أستاذنا ومؤدبنا الذي كان يؤدبنا في الدنيا ، ثم قلت له : يا أبا الحسن إنك ~~قد صرت إلى الله تعالى فأخبرنا بأي عمل تقبله الله تعالى فأخذ بيدي ثم قال ~~تعال فجئت أنا وهو إلى بنية مثل الكعبة فوقفنا إلى جانبها إذا أشرف علينا ~~من البنية شخص فأضاء ذلك الموضع منه فأومأ سري إليه وأشالني نحوه وكان سري ~~قصيرا وأنا أيضا قصير فمد ذلك الشخص الذي كان فوق البنية يده فأخذني فشالني ~~إليه فلم أقدر أفتح عيني من أنواركانت في ذلك المكان ، ثم قال لي : قد سمعت ~~كلامك مع الشيخ كل خلق في القرآن محمود تفعله وكل خلق في القرآن مذموم ~~تنتهي عنه وحسبك هذا . وقد حدثونا عن سري السقطي قال : كان شاب يطلب علم ~~الظاهر ويواظب عليه ثم ترك ذلك وانفرد واشتغل بالعبادة فسألت عنه فإذا هو ~~قد اعتزل الناس وقعد في بيته يتعبد فقلت له : قد كنت حريصا على الطلب لعلم ~~الظاهر فما بالك انقطعت ؟ قال : رأيت في النوم قائلا يقول لي : كم تضيع ~~العلم ضيعك الله فقلت إني لأحفظه فقال : إن حفظ العلم العمل به فتركت الطلب ~~وأقبلت على النظر فيه للعمل ، وقد كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : ليس ~~العلم بكثرة الرواية وإنما العلم الخشية ، وقال غيره من الفقهاء : إنما ~~العلم نور يقذفه الله تعالى في القلب ، وكان الحسن البصري رضي الله عنه ~~يقول ms0305 : اعلموا ما شئتم أن تعملوا فو الله لا يؤجركم الله تعالى عليه حتى ~~تعملوا فإن السفهاء همتهم الرواية وإن العلماء همتهم الرعاية . وروينا عنه ~~أيضا أنه قال : إن الله لا يعبأ بذي قول ورواية إنما يعبأ بذي فهم ودراية ، ~~وقال أبو حصين : إن أحدهم ليفتي في مسألة لو وردت على عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه لجمع لها أهل بدر ، وقال غيره : يسأل أحدهم عن الشيء فيسرع للفتيا ~~ولو سئل أهل بدر عنهالأعضلتهم ، وقال عبد الرحمن بن يحيى الأسود وغيره من ~~العلماء : إن علم PageV01P230 الأحكام والفتاوى كان الولاة والأمراء يقومون ~~به وترجع العامة إليهم فيه ثم ضعف الأمر وعجزت الولاة عن ذلك لميلهم إلى ~~الدنيا وشغلهم بالحروب عنها فصاروا يستعينون على ذلك بعلماء الظاهر ~~وبالمفتين في الجوامع ، فكان الأمير إذا جلس للمظالم قعد عن يمينه وشماله ~~مفتيان يرجع إليهما في القضاءوالأحكام ويأمر الشرط بمثل ذلك فكان من الناس ~~من يتعلم علم الفتيا والقضاء ليستعين بهم الولاة على الأحكام والقضاء حتى ~~كثر المفتون رغبة في الدنيا وطلبا للرياسة ثم اختلف الأمر بعد ذلك حتى تركت ~~الولاة الاستعانة بالعلماء ومما يدلك على ذلك حديث عمر رضي الله عنه حيث ~~كتب إلى ابن مسعود عقبة بن عامر ألم أخبر أنك تفتي الناس ولست بأمير ولا ~~مأمور ، وفي حديث أبي عامر الهروي قال : حججت مع معاوية فلما قدمنا مكة حدث ~~عن رجل يقضي ويفتي الناس مولى لبني مخزوم فأرسل إليه فقال : أمرت بهذا قال ~~: لا ، قال : فما حملك عليه ؟ قال : نفتي وننشر علما عندنا ، فقال معاوية : ~~لو تقدمت إليك قبل يومي هذا لقطعت منك طابقا ثم نهاه ولم يكونوا يقولون ذلك ~~في علم القلوب ولا علم الإيمان واليقين بل قد كتب عمر إلى أمراء الأجناد : ~~احفظوا ما تسمعون من المطيعين فإنهم تجلى لهم أمور صادقة وقد كان عمر رضي ~~الله عنه يجلس إلى المريدين فيستمع إليهم . وفي الخبر : إذا رأيتم الرجل قد ~~أوتي صمتا وزهدا فاقتربوا منه فإنه تلقى الحكمة ، وقال بعض أصحاب الحديث ms0306 : ~~رأيت سفيان الثوري حزينا فسألته فقال وهو برم : ما صرنا إلا متجر الأبناء ~~الدنيا قلت : وكيف ؟ قال : يلزمنا أحدهم حتى إذا عرف بنا وحمل عنا جعل ~~عاملا أو جابيا أو قهرمانا ، وكان الحسن يقول : يتعلم هذا العلم قوم لا ~~نصيب لهم منه في الآخرة يحفظ الله تعالى بهم العلم على الأمة لئلا يضيع ، ~~وقال المأمون رحمه الله : لولا ثلاث لخربت الدنيا : لولا الشهوة لانقطع ~~النسل ولولا حب الجمع لبطلت المعايش ولولا حب الرياسة لذهب العلم ، فهذا ~~كله وصف علماء الدنيا وأهل علم الألسنة ، وأما علماء الآخرة وأهل المعرفة ~~واليقين فإنهم كانوا يهربون من الأمراء ومن أتباعهم وأشياعهم من أهل الدنيا ~~وكانوا ينتقصون علماء الدنيا ويطعنون عليهم ويتركون مجالستهم ، وقال ابن ~~أبي ليلى أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من الصحابة ما سئل أحدهم عن حديث ~~ولا استفتي في فتيا إلاود أن صاحبه قد كفاه ذلك ، وقال مرة : أدركت ~~ثلاثمائة يسأل أحدهم عن الفتيا أو الحديث فيرد ذلك إلى الآخر ويحيل الآخر ~~على صاحبه وكانوا يتدافعون الفتيا ما بينهم ولم يكونوا إذا سئل أحدهم عن ~~مسألة من علم القرآن أو علم اليقين والإيمان يحيل على صاحبه ولا يسكت عن ~~الجواب . PageV01P231 وقد قال الله سبحانه : ( فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون ) النحل : 43 فهم أهل الذكر لله تعالى وأهل التوحيد والعقل عن الله ~~تعالى ولم يكونوا يتلقنون هذا العلم دراسة من الكتب ولا يتلقاه بعضهم من ~~بعض بالألسنة إنما كانوا أهل عمل وحسن معاملات فكان أحدهم إذا انقطع إلى ~~الله تعالى واشتغل به واستعمله المولى بخدمته بأعمال القلوب وكانوا عنده في ~~الخلوة بين يديه لايذكرون سواه ولا يشتغلون بغيره فإذا ظهروا للناس فسألوهم ~~ألهمهم الله تعالى رشدهم ووفقهم لسديدقولهم وآتاهم الحكمة ميراثا لأعمالهم ~~الباطنة عن قلوبهم الصافية وعقولهم الزاكية وهممهم العالية فآثرهم بحسن ~~توفيقه أن ألهمهم حقيقة العلم وأطلعهم على مكنون السر حين آثروه بالخدمة ~~وانقطعوا إليه بحسن المعاملة فكانوا يجيبون عما عنه يسألون بحسن أثرة الله ~~تعالى لهم وبجميل أثره ms0307 عندهم فتكلموا بعلم القدرة وأظهروا وصف الحكمة ~~ونطقوا بعلوم الإيمان وكشفوا بواطن القرآن وهذا هو العلم النافع بين العبد ~~وبين الله تعالى وهو الذي يلقاه به ويسأله عنه ويثيبه عليه وهو ميزان جميع ~~الأعمال . وعلى قدر علم العبد بربه تعالى ترجح أعماله وتضاعف حسناته وبه ~~يكون عند الله تعالى من المقربين لأنه لديه من الموقنين فهم أهل الحقائق ~~الذين وصفهم علي عليه السلام وفضلهم على الخلائق ، فقال في وصفهم القلوب ~~أوعية وخيرها أوعاها والناس ثلاثة : عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، ~~وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم ~~يلجؤوا إلى ركن وثيق ، العلم خير من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، ~~والعلم يزكيه العمل والمال تنقصه النفقة ، محبة العلم دين يدان به يكسبه ~~الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد موته ، العلم حاكم والمال محكوم عليه ، ~~ومنفعة المال تزول بزواله ، مات خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما ~~بقي الدهر ثم تنفس الصعداء فقال : ها إن ههنا علما جما لو أجد له حملة بلى ~~أجد لقنا غير مأمون يستعمل الدين في طلب الدنيا ويستطيل بنعم الله تعالى ~~على أوليائه ويستظهر بحججه على خلقه أو منقادا لأهل الحق ينزرع الشك في ~~قلبه بأول عارض من شبهة لا بصيرة له وليسا من رعاة الدين في شيء لا ذا ولا ~~ذاك فمفهوم باللذة سلس القيادة في طلب الشهوات أو مغرى بجمع الأموال ~~والإدخار منقاد لهواه أقرب شبها بهما الأنعام السائمة ، اللهم هكذا يموت ~~العلم إذا مات حاملوه بل لا تخلو الأرض من قائم لله تعالى بحجة ، إما ظاهر ~~مكشوف وإما خائف مقهور لئلا تبطل حجج الله تعالى وبيناته وأين أولئك ~~الأقلون عددا الأعظمون قدرا أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة يحفظ ~~الله تعالى بهم حججه حتى يودعها نظراءهم ويزرعوها في القلوب أشباههم ، هجم ~~بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين فاستلانوا ما استوعر منه ~~المترفون وأنسوا بما PageV01P232 استوحش منه الغافلون صحبوا الدنيا بأبدان ~~أرواحها معلقة بالمحل ms0308 الأعلى أولئك أولياء الله من خلقه وعماله في أرضه ~~والدعاة إلى دينه ، ثم بكى وقال : واشوقاه إلى رؤيتهم فهذه كلها أوصاف ~~علماء الآخرة وهذه نعوت علم الباطن وعلم القلوب لا علم الألسنة وكذلك وصفهم ~~معاذ بن جبل رضي الله عنه في وصف العلم بالله تعالى . فيما رويناه من حديث ~~رجاء بن حيوة بن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ قال : تعلموا العلم فإن تعلمه ~~لله خشية وطلبه عبادة ومدراسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه ~~صدقه وبذله لأهله قربة وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الخلوة والدليل على ~~السراء والضراء والزين عند الإخلاء والقريب عند الغرباء ومنار سبيل الجنة ~~يرفع الله تعالى به أقواما فيجعلهم الله في الخيرقادة وهداة يقتدي بهم أدلة ~~في الخير تقتص آثارهم وترمق أعمالهم ويقتدى بفعالهم وينتهي إلى رأيهم وترغب ~~الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم حتى كل رطب ويابس لهم مستغفر حتى حيتان ~~البحر وهوامه وسابع البر ونعامه والسماء ونجومها لأن العلم حياة القلوب من ~~العمى ونور الأبصار من الظلم وقوة الأبدان من الضعف يبلغ به العبد منازل ~~الأبرار والدرجات العلى والتفكر فيه يعول بالصيام ومدارسته بالقيام به يطاع ~~الله تعالى وبه يعبد وبه يوحد وبه يتورع وبه توصل الأرحام العلم إمام ~~والعمل تابعه تلهمه السعداء وتحرمه الأشقياء ، فهذه أوصاف علماء الآخرة ~~ونعت العلم الباطن . وقد كان من أفضل الأمراء بعد الخلفاءالأربعة : عمر بن ~~عبد العزيز فحدثونا عن زكريا بن يحيى الطائي قال : حدثني عمي زجر بن حصين ~~أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن رحمهما الله : أما بعد فأشر علي بقوم ~~أستعين بهم على أمر الله تعالى فكتب إليه : أما أهل الدين فلن يريدوك وأما ~~أهل الدنيا فلن تريدهم ولكن عليك بالأشراف فإنهم يصونون شرفهم أن يدنسوه ~~بالخيانة ، وكان الحسن يتكلم في بعض علماءالبصرة ويذمهم وكان أبو حازم ~~وربيعة المدنيان يذمان علماء بني مروان ، وقد كان الثوري وابن المبارك ~~وأيوب وابن عون يتكلمون في بعض علماء الدنيا من أهل الكوفة ، وكان الفضيل ms0309 ~~وإبراهيم ابن أدهم ويوسف بن أسباط يتكلمون في بعض علماءالدنيا من أهل مكة ~~والشام كرهنا تسمية المتكلم فيهم لأن السكوت أقرب إلى السلامة ، وكان بشر ~~يقول : حدثنا باب من أبواب الدنيا فإذا سمعت الرجل يقول : حدثنا فإنما يقول ~~: أوسعوا لي ، وقدكان سفيان الثوري إمامه من قبله يقول لأهل علم الظاهر : ~~طلب هذا ليس من زاد الآخرة ، وقال ابن وهب ذكر طلب العلم عند مالك ، فقال : ~~إن طلب العلم لحسن ، وإن نشره لحسن إذا صحت فيه النية ولكن انظر ما ذا ~~يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي ومن حين تمسي إلى حين تصبح فلاتؤثرن عليه ~~شيئا . PageV01P233 وقال أبو سليمان الداراني : إذا طلب الرجل الحديث أو ~~تزوج أو سافر في طلب المعاش فقد ركن إلى الدنيا ، وأما علم الإيمان ~~والتوحيد وعلم المعرفة واليقين فهو مع كل مؤمن موقن حسن الإسلام وهو مقامه ~~من الله وحاله بين يدي الله ونصيبه منه في درجات الجنة ، به يكون من ~~المقربين عنده والعلم بالله تعالى والإيمان به قرينان لا يفترقان ، فالعلم ~~بالله تعالى هو ميزان الإيمان به يستبين المزيد من النقصان لأن العلم ظاهر ~~الإيمان يكشفه ويظهره والإيمان باطن العلم يهيجه ويشعله ، فالإيمان مدد ~~العلم وبصره والعلم قوة الإيمان ولسانه وضعف الإيمان وقوته ومزيده ونقصه ~~بمزيدالعلم بالله عز وجل ونقصه وقوته وضعفه ، وفي وصية لقمان الحكيم لابنه ~~: يابني كمالايصلح الزرع إلا بالماء والتراب كذلك لا يصلح الإيمان إلا ~~بالعلم والعمل ومثل المشاهدة من المعرفة من اليقين من الإيمان كمثل النشاء ~~من الدقيق من السويق من الحنطة ، والحنطة تجمع ذلك كله كذلك الإيمان أصل ~~ذلك والمشاهدة أعلى فروعه كالحنطة أصل هذه المعاني والنشاء أعلى فروعها ~~فهذه المقامات موجودة في أنوار الإيمان يمدها علم اليقين ، ثم إن المعرفة ~~على مقامين : معرفة سمع ومعرفة عيان ، فمعرفة السمع في الإسلام وهو أنهم ~~سمعوا به فعرفوه ، وهذا هو التصديق من الإيمان ومعرفة العيان في المشاهدة ~~وهو عين اليقين والمشاهدة أيضا على مقامين : مشاهدة الاستدلال ومشاهدة ~~الدليل عنها ، فمشاهدة الاستدلال قبل ms0310 المعرفة وهذه معرفة الخبر وهو في ~~السمع لسانها القول والواجد بها واجد يعلم علم اليقين من قوله تعالى : ( ~~سبإ بنبإ يقين ) ( إني وجدت ) النمل : 22 - 23 ، فهذا العلم قبل الوجدوهو ~~علم السمع وقد يكون سببه التعليم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : تعلموا ~~اليقين أي جالسوا الموقنين واسمعوا منهم علم اليقين لأنهم علماؤه وأما ~~مشاهدة الدليل فهي بعد المعرفة التي هي العيان وهو اليقين لسانه الوجد ~~والواجد بها واجد قرب وبعد هذا الوجد علم من عين اليقين وهذا يتولاه الله ~~تعالى بنوره على يده بقدرته ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : فوجدت بردها ~~فعلمت فهذا التعليم بعد الوجد من عين اليقين باليقين وهذا من أعمال القلوب ~~، وهؤلاء علماء الآخرة وأهل الملكوت وأرباب القلوب وهم المقربون من أصحاب ~~اليمين وعلم الظاهر من علم الملك وهو من أعمال اللسان والعلماء به موصوفون ~~بالدنيا وصالحوهم أصحاب اليمين وجاء رجل إلى معاذ بن جبل فقال : أخبرني عن ~~رجلين ، أحدهما مجتهد في العبادة كثير العمل قليل الذنوب إلا أنه ضعيف ~~اليقين يعتريه الشك في أموره فقال معاذ : ليحبطن شكه أعماله ، قال : ~~فأخبرني عن رجل قليل العمل إلا أنه قوي اليقين وهو في ذلك كثير الذنوب فسكت ~~معاذ فقال الرجل : والله لئن أحبط شك الأول أعمال بره ليحبطن يقين هذا ~~ذنوبه كلها قال : فأخذ معاذ بيده وقام قائما ثم قال : ما رأيت الذي هو أفقه ~~من هذا وقد PageV01P234 روينا معناه مسندا قيل : يا رسول الله رجل حسن ~~اليقين كثيرالذنوب ورجل مجتهد في العبادة قيل اليقين : فقال ما من آدمي إلا ~~وله ذنوب ولكن من كانت غريزته العقل وسجيته اليقين لم تضره الذنوب لأنه ~~كلما أذنب تاب واستغفر وندم فتكفر ذنوبه ويبقى له فضل يدخل به الجنة . ~~وروينا في حديث أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أقل ما ~~أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام ~~الليل وصام النهار ، وفي وصية لقمان لابنه : يا بني لا يستطاع ms0311 العلم إلا ~~باليقين ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه ولا يقصر عامل حتى يقصر يقينه وقد ~~يعمل الضعيف إذا كان متيقنا أفضل من العمل القوي الضعيف في يقينه ومن يضعف ~~يقينه تغلبه المحقرات من الإثم ، وقد كان يحيى بن معاذ يقول : إن للتوحيد ~~نورا وللشرك نارا وإن نور التوحيد أحرق لسيئات الموحدين من نار الشرك ~~لحسنات المشركين واليقين على ثلاث مقامات : يقين معاينة وهذا لا يختلف خبره ~~فالعالم به خبير وهو للصديقين والشهداء ، ويقين تصديق واستسلام وهذا في ~~الخبر والعالم به مخبر مسلم وهذا يقين المؤمنين وهم الأبرار منهم الصالحون ~~ومنهم دون ذلك كقوله تعالى جده : ( وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) الأحزاب ~~: 22 ، وقد يضعف هؤلاء بعدم الأسباب ونقصان المعتاد ويقوون بوجودها وجريان ~~العادة ويحجبون بنظرهم إلى الأواسط ويكاشفون بها ويجعلون مزيدهم وأنسهم ~~بالخلق ويكون نقصهم ووحشتهم بفقدهم ويكون من هؤلاء الاختلاف ويتلونون ~~بالخلاف لتلوين الأشياء وتغيرها نقصها . # | المقام الثالث من اليقين # وهو يقين ظن يقوى بدلائل العلم والخبر وأقوال العلماء ويجد هؤلاء المزيد ~~من الله تعالى والنصيب منه لهم ويضعف بفقدالأدلة وصمت القائلين وهذا يقين ~~الاستدلال وعلوم هذا في المعقول وهو يقين المتكلمين من عموم المسلمين من ~~أهل الرأي وعلوم العقل والقياس والنظر وكل موقن بالله تعالى فهو على علم من ~~التوحيد والمعرفة ولكن علمه ومعرفته على قدر يقينه ويقينه من نحو صفاء ~~إيمانه وقوته وإيمانه على مقتضى معاملته ورعايته ، فأعلى العلوم علم ~~المشاهدة عن عين اليقين وهذا مخصوص للمقربين في مقامات قربهم ومحادثات ~~مجالستهم ومأوى أنسهم ولطيف تملقهم ، وأدنى العلوم علم التسليم والقبول ~~بعدم الإنكار وفقد الشكوك وهذا لعموم المؤمنين وهو من علم الإيمان ومزيد ~~التصديق وهذا لأصحاب اليمين ، وبين هذين مقامات لطيفات من أعلى طبقات ~~المقربين إلى أوسط المقامات ومن أدنى طبقات أصحاب اليمين إلى أعلى أواسط ~~الأعلين . PageV01P235 ذكر بيان تفضيل علوم الصمت وطريق الورعين في العلوم ~~وروينا في الخبر : العلم ثلاثة ، كتاب ناطق ، وسنة قائمة ، ولا أدري ، وعن ~~الشعبي أنه قال : لا أدري ، نصف العلم يعني ms0312 أنه من الورع وكان الثوري رضي ~~الله عنه يقول : إنما العلم الرخصة من ثقة فأما التشديد فكل أحد يحسنه يعني ~~أن التورع والتوقف في الأمور هو سيرة المؤمنين وإن لم يكونوا علماء لأن ~~الورع هو الجبن عن الإقدام والهجوم على الشبهات والوقوف عند المشكلات بسكون ~~أو سكوت ، واليقين هو الإقدام على الأشياء ببصيرة وتمكين والقطع بالأمر على ~~علم وخبر فهذا صفة العلماء الموثوق بعلمهم لا يحسنه سواهم كما قال علي عليه ~~السلام لابنه محمد بن الحنفية وقدمه أمامه يوم الجمل وجعل يقول له : أقدم ~~أقدم ومحمد يتأخر وهو يركزه بقائم رمحه ، فالتفت إليه محمد ابنه فقال : هذا ~~والله الفتنة المظلمة العمياء فوكزه علي برمحه ، ثم قال : تقدم لا أم لك ~~أتكون فتنة أبوك قائدها وسائقها والمرء إذا قال : لا أدري فقد عمل بعلمه ~~وقام بحاله فله من الثواب بمنزلة من درى فقام بحاله وعمل بعلمه فأظهره ، ~~فلذلك كان قول لا أدري نصف العلم ولأن حسن من سكت لأجل الله تعالى تورعا ~~كحسن من نطق لأجله بالعلم تبرعا ، وقال علي بن الحسين ومحمد بن عجلان : إذا ~~أخطأ العالم قول لا أدري أصيبت مقالته ، وقاله مالك والشافعي بعدهما واعلم ~~أن مثل العلم والجهل في تفاوت الناس فيهما مثل الجنون والعقل والمجانين ~~طبقات ، كالعقلاء طبقات ، وكذلك الجهال طبقات كالعلماء فخصوص الجهال يشبهون ~~عموم العلماء فهم يشتبهون على العامة حتى يحسبوهم علماء وهم مكشوفون عند ~~العلماء بالله تعالى وكذلك العارفون يشتبهون على عموم العلماء وهم ظاهرون ~~للموقنين ، وقال بعض العلماء : العلم علمان ، علم الأمراء وعلم المتقين ، ~~فأما علم الأمراء فهو علم القضايا وأما علم المتقين فهو علم اليقين ~~والمعرفة . وقد قال الله سبحانه في وصف علم المؤمنين وذكر علم الإيمان : ( ~~يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) المجادلة : 11 ، ~~فجعل المؤمنين علماء فدل على أن العلم والإيمان لا يفترقان والواو هنا عند ~~أهل اللغة للمدح لاللجمع ، العرب إذا مدحت بالأوصاف أدخلت الواو للمبالغة ~~فقالوا : فلان العاقل والعالم والأديب ، ومثل هذا قوله تعالى ms0313 : ( لكن ~~الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكوة ) النساء : 162 كله نعت ، فالمؤمنون هم ~~الراسخون في العلم وهم المقيمون والمؤتون أيضا وكلهم وصف الراسخون في العلم ~~ولذلك انتصب قوله والمقيمين الصلاة لأنه مدح والعرب تنصب وترفع بالمدح ~~وبمعناه قوله تعالى : ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به ) آل عمران : 7 ~~، فوصف العلماء بالإيمان كما وصف المؤمنين بالعلم وكذلك قوله تعالى : ( ~~وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ) الروم : 56 ، ومن هذا حديث أنس عن ~~PageV01P236 النبي صلى الله عليه وسلم : أمتي خمس طبقات كل طبقة أربعون ~~عاما فطبقتي وطبقة أصحابي أهل العلم والإيمان والذين يلونهم إلى الثمانين ~~البر والتقوى والذين يلونهم إلى مائة وعشرين أهل التواصل والتراحم ، فقرن ~~العلم بالإيمان وقدمهما على سائرالطبقات . وقد قرن الله سبحانه الإيمان ~~بالقرآن وهو علم : كما قرن القرآن بالإيمان كما قال تعالى : ( كتب في ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ) المجادلة : 22 ، قيل القرآن وتكون الهاء ~~عائدة إلى الله تعالى في أكثر الوجوه ، كما قال : ( ما كنت تدري ما الكتاب ~~ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ) الشورى : 52 ، فأهل الإيمان هم أهل القران ~~وأهل القرآن أهل الله وخاصته ، وقال المهدي لسفيان بن الحسين لما دخل عليه ~~وكان أحد العلماء أمن العلماء أنت فسكت فأعادعليه فسكت فقيل : ألا تجيب ~~أمير المؤمنين ؟ فقال : يسألني عن مسألة لا جواب لها ، إن قلت لست بعالم ~~وقد قرأت كتاب الله تعالى كنت كاذبا وإن قلت إني عالم كنت جاهلا ، وقال أبو ~~جعفر الرازي عن الربيع عن أنس في قوله : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ~~) فاطر : 28 ، قال : من لم يخش الله تعالى فليس بعالم ألا ترى أن داود صلى ~~الله عليه وسلم قال ذلك بأنك جعلت العلم خشيتك والحكمة والإيمان بك فما علم ~~من لم يخشك وما حكم من لم يؤمن بك ، وقد سمى عبدالله بن رواحة العلم إيمانا ~~فكان يقول لأصحابه : اقعدوا بنا نؤمن ساعة فيتذاكرون علم الإيمان وقدجعل ~~الله للمؤمنين سمعا وبصرا ms0314 وقلبا ، وهذه طرائق العلم التي يؤخذ العلم منها ~~ويوجد بها وهي أصول العلم والنعم التي أنعم الله على الخلق بها وطالبهم ~~بالشكر عليها ، فقال سبحانة : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) النحل : 78 ، فأثبت ~~العلم بها بعد النفي بها له ، وقال تعالى في وصف من لم يكن مؤمنا ونفي ~~الغنية بالعلم بها : ( وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ~~ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدوان بآيات الله ) الأحقاف : ~~26 ، فمن آمن بآيات الله تعالى أغنى عنه سمعه وبصره وقلبه فكانت طرق العلم ~~إليه . وقال عز وجل في معنى ذلك أيضا : ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن ~~السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) الإسراء : 36 ، فلولا أن ~~العلم يقع بالسمع والبصر والقلب ما نهى عما لا يعلم هذه الأشياء ففي النهي ~~عن قفو ما لا يعلم هذه الأواساط ويتبعه إثبات العلم بها فكل مؤمن هو ذو سمع ~~وبصر وقلب فهو عالم بفضل الله ورحمته . ومما فضل الله تعالى به هذه الأمة ~~على سائر الأمم وخصها به ثلاثة أشياء : تبقية الإسناد فيهم يأثره خلف عن ~~سلف متصلا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإلى من خلا من علمائنا وإنما ~~كانوا فيهم يستنسخون الصحف كلما اختلقت صحيفة جددت فكان ذلك أثرة العلم ~~فيهم ، والثاني حفظ كتاب الله تعالى المنزل عن ظهر غيب ، وإنما كانوا ~~يقرؤون كتبهم PageV01P237 نظرا ولم يحفظ جميع كتاب أنزله الله تعالى قط غير ~~كتابنا هذا إلا ما ألهمه الله تعالى غزيرا من التوراة بعد أن كان بختنصر ~~أحرق جميعها عند إحراق بيت المقدس ، فلذلك قال سبط من اليهود إنه ابن الله ~~تعالى عز عن ذلك علوا كبيرا لما خصه به وأفرده من حفظ جميع التوراة ، ~~والثالث أن كل مؤمن من هذه الأمة يسئل عن علم الإيمان ويسمع قوله ويؤخذ من ~~رأيه وعلمه مع حداثة سنه ولم يكونوا فيما مضى يسمعون العلم ms0315 إلا من الأحبار ~~والقسيسين والرهبان لا غير من الناس ، وزادها رابعة على أمة موسى صلى الله ~~عليه وسلم ثبات الإيمان في قلوبهم لا يعتريه الشك ولا يختلجه الشرك مع ~~تقليب القلوب في المعاصي ، وكانت أمة موسى عليه السلام تتقلب قلوبهم في ~~الشك والشرك كما تتقلب جوارحهم في المعاصي ، فلذلك قالوا : يا موسى اجعل ~~لنا إلها كما لهم آلهة بعد أن رأوا الآيات العظيمة من انفلاق البحر وسلوكهم ~~فيه طرائق وأنجاهم من الغرق وأهلك فرعون . وروينا بعض الأخبار أن في بعض ~~الكتب المنزلة : يا بني إسرائيل لا تقولوا العلم في السماء من ينزل به ولا ~~في تخوم الأرضين من يصعد به ولا من وراء البحار من يعبره يأتي به العلم ~~مجعول في قلوبكم ، تأدبوا بين يدي بآداب الروحانيين وتخلقوا لي بأخلاق ~~الصديقين أظهر العلم في قلوبكم حتى يعطيكم ويغمركم ، وفي الإنجيل مكتوب : ~~لا تطلبوا علم ما لم تعملوا حتى تعملوا بما قد علمتم ، وفي أخبارنا نحن : ~~من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم حتى قيل : من علم بعشر ما يعلم ~~ورثه الله علم ما يجهل ، وقد روينا عن حذيفة بن اليمان : إنكم اليوم في ~~زمان من ترك فيه عشر ما يعلم هلك ويأتي بعدكم زمان من عمل منهم بعشر ما ~~يعلم نجا ، هذا لقلة العاملين وكثرة البطالين ، وفي كتابنا المجمل المختصر ~~: واتقوا الله ويعلمكم الله واتقوا الله واعلموا واتقوا الله واسمعوا ، ~~واعلم أن من عمل بعلم أو نطق به فأصاب الحقيقة عند الله تعالى فله أجران ، ~~أجر التوفيق وأجر العمل - وهذا مقام العارفين ، ومن نطق بجهل أو عمل به ~~وأخطأ الحقيقة فعليه وزران - وهذا مقام الجهال ، ومن قال أو عمل بعلمه ~~وأخطأ الحقيقة فله أجر لأجل العلم وهذا مقام علماء الظاهر ، ومن قال بجهل ~~أو عمل عملا وأصاب الحقيقة فعلية وزر لتركه طلب العلم وهذا مقام جهلة ~~العابدين ، ومثل العالم مثل الحاكم وقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم ~~الحكام ثلاثة أقسام فقال صلى الله عليه وسلم : القضاة ms0316 ثلاثة : قاض قضى ~~بالحق وهو يعلم فذاك في الجنة وقاض قضى بالجور وهو يعلم أو قضى بالجور وهو ~~لا يعلم فهما في النار ، ومن أحسن ما سمعت في قوله تعالى : ( يا بني آدم قد ~~أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم ) الأعراف : 26 قيل العلم وريشا قيل ~~اليقين ولباس التقوى أي الحياء . وروينا عن وهب بن منبه اليماني في معناه : ~~الإيمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء وثمرته العلم وقد أسنده حمزة ~~الخراساني عن الثوري فرفعه إلى عبد الله عن النبي PageV01P238 صلى الله ~~عليه وسلم وقد رويناه أيضا مسندا ، قال مسعر عن سعد بن إبراهيم وسأله سائل ~~: أي أهل المدينة أفقه ؟ فقال : أتقاهم لله عز وجل ، وقال بعض العلماء : لو ~~قال لي قائل أي الناس أعلم لقلت أورعهم ولو قال لي قائل أي أهل هذه المدينة ~~خير ؟ لقلت : تعرفون أنصحهم لهم ، فإذا قالوا نعم قلت هو خيرهم وقال آخر : ~~لو قيل لي من أحمق الناس لأخذت بيد القاضي فقلت هذا وقال الله تعالى : ( ~~واتقوا الله واسمعوا ) المائدة : 108 و ( اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ) ~~الأحزاب : 70 ، فجعل تعالى مفتاح القول السديدوالعلم الرشيد والسمع المكين ~~التقوى ، وهي وصية الله تعالى من قبلنا وإيانا إذ يقول الله سبحانه وتعالى ~~: ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن أتقوا الله ) النساء ~~: 131 ، وهذه الآية قطب القرآن ومداره عليها كمدار الرحى على الخشبان . ~~وروينا عن عيسى عليه السلام كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته ، ~~وهو مقبل على دنياه وكيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به وهو لا ~~يطلبه ليعمل به ، وقال الضحاك بن مزاحم : أدركتهم وما يتعلم بعضهم من بعض ~~إلا الورع وهم اليوم يتعلمون الكلام ، وفي الحديث : ما ضل قوم بعد هدى ~~كانوا عليه إلا أعطوا الجدل ثم قرأ : ماضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ~~، وفي قوله عز وجل : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) آل عمران : 7 ، الآية هم ~~أهل الجدل الذين عنى الله تعالى فاحذروهم ، وعن ms0317 بعض السلف : يكون في آخر ~~الزمان علماء يغلق عنهم باب العمل ويفتح عليهم باب الجدل ، وفي بعض الأخبار ~~: إنكم في زمان ألهمتم فيه العلم وسيأتي قوم يلهمون الجدل ، وعن ابن مسعود ~~: أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع ويأتي بعدكم زمان خيركم فيه ~~المتبين يعني الآن لبيان الحق واليقين في القرن الأول وبعد ذلك في زماننا ~~هذا لكثرة الشبهات والالبتاس ودخول المحدثات مداخل الليل في السير ، فأشكل ~~الأمر إلا على الفرد الذي يعرف طرائق السلف فيجتنب الحدث كله . وروينا عن ~~بعض العلماء : إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له باب العمل وأغلق عنه باب ~~الجدل وإذا أراد الله بعبدسوءا أغلق عنه باب العمل وفتح عليه باب الجدل ، ~~وفي الخبر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبعض الخلق إلى الله ~~عز وجل الألد الخصم ، وقد روينا في خبر الحياء والعي شعبتان من الإيمان ~~والبذاء والبيان شعبتان من النفاق وفي بعضها مفسرا والعي عي اللسان لا عي ~~القلب ، والخبر الآخر ما روى الحكم بن عيينة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال ~~: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أوتي قوم المنطق إلا منعوا العمل ~~، وفي الحديث أن الله تعالى ليبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل الكلام ~~بلسانه كما تتخلل الباقرة الخلاء بلسانها ، والخلاء هو الحشيش الرطب ، وكان ~~أحمد بن حنبل يقول : العلم إنما هو ما جاء من فوق يعني إلهاما من غير تعليم ~~وقال أيضا : علماء أهل الكلام زنادقة ، وقال قبله أبو يوسف : من طلب العلم ~~بالكلام تزندق . PageV01P239 # | بيان آخر في فضل علم الباطن على الظاهر # مما يدلك على أن العلم الذي فضله العلماء وأعظموا ذكره وخطره ووصفوا به ~~العالم ومدحوه به وجاءت بفضله الآثار وندب إليه وفضل في الأخبار أهله إنما ~~هو العلم بالله تعالى الدال على الله تعالى الراد إليه الشاهد بالتوحيد في ~~علم الإيمان واليقين وعلم المعرفة والمعاملة دون سائر علوم الفتيا والأحكام ~~، إنهم يقولون من عمل بعلمه ويذكرون العمل بالعلم ويصفون جملته بالخشية ~~والخشوع ms0318 فهذا إنما هو علم القلوب لا علم اللسان الذي يكون به العلم ولا ~~تتأتى عنه المعاملات من أعمال الإيمان مثل أعمال القلوب التي هي مقامات ~~اليقين وصفات المتقين ومثل أعمال الجوارح من الصالحات التي هي مزيد الإيمان ~~والذين أربابها أهل الفقر والزهد وذو التوكل والخوف وأصحاب الشوق والمحبة ~~وليس يعنون أن يكون الإنسان إذا علم علم الأحكام والقضايا عمل بها والتزم ~~الدخول في أحكامها ليعامل منها مثل أن يطلب القضاء فيقضي بين الناس إذا كان ~~عالما به أويقتني المال ويدخل في البيع والشراء إذا كان عالما بالزكوات ~~والبياعات أو يتزوج النساء ويطلق لأنه عالم بالنكاح والطلاق ليكون بهذه ~~الأشياء عاملا بعلمه ، هذا ما قاله أحد بل قد روي في كراهة ذلك وذمه ما ~~يكثر ذكره ، وأهل هذه العلوم موصوفون بالرغبة في الدنيا والحرص على جمعها ~~ويلابسون الأمراء فيعاملون لهم فبطل أنهم هم المعنيون بالعلم الموصوفون ~~بالخشوع والزهد ، ومثل ذلك أيضا تفضيل الجمهور من السلف العلم على العمل ~~وقولهم ذرة من علم أفضل من كذا من العمل وركعتان من عالم أفضل من ألف ركعة ~~من عابد ، وحديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : فضل ~~العالم على العابد كفضلي على أمتي ، والخبر المشهور : كفضل القمر على سائر ~~الكواكب ، وقول ابن عباس وسعد ، وقدروينا مسندا : عالم واحد أشد على ~~الشيطان من ألف عابد وكذلك قيل في موته أحب إليه من موت ألف عابد إنما ~~يعنون بذلك العلم بالله تعالى أفضل من العمل لأن العلم بالله تعالى وصف من ~~الإيمان ومعنى من اليقين الذي لم ينزل من السماء أعز منه فهو لا يعادله شيء ~~لا يصح عمل ولا يقبل إلا به ولأنه معيار الأعمال كلها على وزنه تتقبل ~~الأعمال قبولا حسنا بعضه أحسن من بعض ويثقل في الميزان ثقلا فوق ثقل ويرفع ~~به العاملون في درجات عليين بعضها من بعض ، وقد قال تعالى : ( ولقد جئناهم ~~بكتاب فصلناه على علم ) الأعراف : 52 ، ثم قال : ( فلنقصن عليهم بعلم ) ~~الأعراف : 7 ، وقال تعالى ms0319 : ( والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه ) ~~الأعراف : 8 فما كان العائد منه إلى الربوبية أقرب كان أفضل والعمل وصف ~~العامل وحكم العبودية لا أنهم يعنون العلم بالفتيا والأحكام والقضاء التي ~~هي أماكن الخلق عائدة عليهم أفضل من معاملات الله سبحانه وتعالى بالقلوب من ~~مقامات التوكل والرضا والمحبة التي هي PageV01P240 معاينة اليقين الذي هو ~~مقام المقربين هذا لا يقوله عالم . وقد روينا عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ ~~بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقرب الناس من درجة ~~النبوة أهل العلم وأهل الجهاد أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به ~~الرسل وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل ، ألا تراه ~~كيف جعل العلم دالا على الله تعالى كالجهاد ، وكذلك جاء في الخبر : أول من ~~يشفع الأنبياء ثم الشهداء ، وفي الخبر : للأنبياء على العلماء فضل درجة ~~وللعلماء على الشهداء فضل درجتين ، وقال ابن عباس في معنى قوله عز وجل : ( ~~يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) المجادلة : 11 ، ~~قال : للعلماء درجات فوق الذين آمنوا بسبعمائة درجة ما بين الدرجتين ~~خمسمائة عام ، وقال ابن مسعود : لما مات عمر رضي الله عنهما : إني لأحسب ~~أنه ذهب بتسعة أعشار العلم فقيل : تقول هذا وفينا جله الصحابة فقال : ليس ~~أعني العلم الذي تريدون إنما أعني العلم بالله تعالى ، فجعل العلم ~~بالمعلومات غير حقيقة العلم وفضل العلم بالله تعالى بتسعة أعشارها وليس ~~يزيد علم الظاهر على الأعمال كثير زيادة إذ هو من الأعمال الظاهرة لأنه صفة ~~اللسان ولأنه للعموم من المسلمين ، فأعلى مقاماته الإخلاص فإن فاتهم فهو ~~دنيا كسائر الشهوات والإخلاص هو أول حال العالم بالله تعالى بالعلم الباطن ~~ولا نهاية لمقاماتهم إلى أعلى مقامات العارفين ودرجات الصديقين . ~~PageV01P241 # | باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة وذم علماء السوء الآكلين ~~بعلومهم الدنيا # وقد فرقت العلماء بين العلم بالله تعالى وبين العلم بأمر الله تعالى ~~وفرقوا بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة ، فقال سفيان : العلماء ثلاثة ، ~~عالم ms0320 بالله وبأمر الله فذلك العالم الكامل ، وعالم بالله تعالى فذاك التقي ~~الخائف ، وعالم بأمر الله تعالى غير عالم بالله تعالى فذاك العالم الفاجر ، ~~وقيل أيضا : عالم لله تعالى وهو العامل بعلمه ، وعالم بأيام الله تعالى وهو ~~الخائف الراجي ، وسئل سفيان عن العلم ما هو ؟ فقال هو الورع ، قيل : وأي ~~شيء هو الورع ؟ فقال : طلب العلم الذي يعرف به الورع وهو عند قوم طول الصمت ~~وقلة الكلام وما هو كذلك إنما هو المتكلم العالم عندنا افضل من الصامت . ~~وروينا عن لقمان في وصيته : للعلم ثلاث علامات ، العلم بالله وبما يحبه ~~الله تعالى وبما يكره فجعل حقيقة العلم ودليل وجوده هذه الثلاث ، ومما يدلك ~~على الفرق بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة أن كل عالم بعلم إذا رآه من لا ~~يعرفه لم يتبين عليه أثر علمه ولا عرف أنه عالم إلا العلماء بالله عز وجل ~~فإنما يعرفون بسيماهم للخشوع والسكينة والتواضع والذلة ، فهذه صبغة الله ~~تعالى لأوليائه ولبسته للعلماء به ، ومن أحسن من الله صبغة فمثلهم في ذلك ~~كمثل الصناع إذ كل صانع لو ظهر لمن لا يعرفه لم يعرف صنعه دون سائر الصنائع ~~ولم يفرق بينه وبين الصناع إلا الصناع ، فإنه يعرف بصنعته لأنها ظاهرة عليه ~~إذ صارت له لبسة وصفةلالتباسها بمعاملته ، فكانت سيماه كما قيل : ما ألبس ~~الله تعالى عبدا لبسة أحسن من خشوع في سكنية هي لبسة الأنبياء وسيما ~~الصديقين والعلماء فاعلم الناس بلطف ما يحب الله تعالى وخفي ما يكره أهل ~~القلوب الفاقهة عن الله تعالى وهم العارفون به ، وقد كان سهل رحمه الله ~~يقول : العلماء ثلاثة ، عالم بالله تعالى ، وعالم لله تعالى وعالم بحكم ~~الله تعالى يعني العالم بالله تعالى العارف الموقن ، العالم لله عز وجل هو ~~العالم بعلم الإخلاص والأحوال والمعاملات ، والعالم بحكم الله تعالى هو ~~العالم بتفصيل الحلال والحرام فسرنا ذلك على معاني قوله ومعرفة مذهبه ، وقد ~~قال مرة في كلام أبسط من هذا : عالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله وهم ~~المؤمنون ، وعالم بأمر ms0321 الله لابأيام الله وهم المفتون في الحلال والحرام ، ~~وعالم بالله تعالى عالم بأيام الله وهم PageV01P242 الصديقون ، يعني قوله ~~بأيام الله أي بنعمته الباطنة وبعقوباته الغامضة ، ثم قال : الناس كلهم ~~موتى إلا العلماء والعلماء نيام إلا الخائفين والخائفون منقطعون إلا ~~المحبين ، والمحبون أحياء شهداء وهم المؤثرون لله تعالى على كل حال ، وقد ~~كان يقول : طلاب العلم ثلاثة ، واحد يطلبه للعمل به ، وآخر يطلبه ليعرف ~~الاختلاف فيتورع ويأخذ بالاحتياط ، وآخر يطلبه ليعرف التأويل فيتناول ~~الحرام فيجعل حلالا فهذا يكون هلاك الحق على يديه ، وقد حدثت عن أبي يوسف ~~أنه كان إذا صار رأس الحول وهب ماله لامرأته واستوهبها مالها فتسقط عنهما ~~الزكاة فذكر ذلك لأبي حنيفة فقال : ذلك من فقهه فإنما يطلب لعلم المعرفة ~~الورع والاحتياط للدين فهذا هو العلم النافع فإذاطلب لمثل هذا ولتأويل ~~الهوى كان الجهل خيرا منه وصار هذا العلم هو الضار الذي استعاذ الرسول منه ~~. وروينا عن عمر وغيره : كم من عالم فاجر وعابد وجاهل ، فاتقوا الفاجر من ~~العلماء والجاهل من المتعبدين ، وعن عمر أيضا : وقد رويناه مسندا : اتقوا ~~كل منافق عليم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون ، وروينا عنه أيضا ~~تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم وتواضعوا لمن تعلمون وليتواضع ~~لكم من يتعلم منكم ولا تكونوا جبابرة العلماء فلا يقوم علمكم بجهلكم ، ~~وروينا عن علي وابن عباس رضي الله عنهما وعن كعب الأحبار : يكون في آخر ~~الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون ويخوفون ولا يخافون وينهون ~~عن غشيان الولاة ولا ينتهون ويؤثرون الدنيا على الآخرة ويأكلون الدنيا ~~بألسنتهم أكلا يقربون الأغنياء ويباعدون الفقراء يتغايرون على العلم كما ~~تتغاير النساء على الرجال يغضب أحدهم على جليسه إذاجالس غيره ذلك حظهم من ~~العلم ، وفي حديث علي رضي الله عنه : علماؤهم شر الخليفة ، منهم بدت الفتنة ~~وفيهم تعود ، وفي حديث ابن عباس : أولئك الجبارون أعداء الرحمن ، وروينا عن ~~علي عليه السلام : ما قطع ظهري في الإسلام إلا رجلان ، عالم فاجر ، ومبتدع ~~ناسك ، فالعالم الفاجر يزهد الناس في ms0322 علمه لما يرون من فجوره والمبتدع ~~الناسك يرغب الناس في بدعته لما يرون من نسكه ، وقال صالح بن حسان البصري : ~~أدركت المشيخة وهم يتعوذون بالله تعالى من الفاجر العالم بالسنة ، وقال ~~الفضيل بن عياض : إنما هما عالمان ، عالم دنيا وعالم آخرة ، فعالم الدنيا ~~علمه منشور وعالم الآخرة علمه مستور ، فاطلب عالم الآخرة واحذر عالم الدنيا ~~لا يصدنك بشكره ، ثم قرأ إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله ، قال : فالأحبار العلماء والرهبان الزهاد ، ~~وقال سهل بن عبد الله : طلاب العلم ثلاثة ، فواحديطلب علم الورع مخافة دخول ~~الشبهة عليه ، فيدع الحلال خوف الحرام فهذا زاهد تقي ، وآخر يطلب علم ~~الاختلاف PageV01P243 والأقاويل فيدع ما عليه ويدخل فيما أباح الله تعالى ~~بالسعة ويأخذ للرخصة ، وآخر يسأل عن شيء فيقال : هذا لا يجوز فيقول : كيف ~~أصنع حتى يجوز لي ، فيسأل العلماء فيخبرونه بالاختلاف والشبهة ، فهذا يكون ~~هلاك الخلق على يديه وقد أهلك نفسه وهم علماء السوء ، واعلم أن كل محب ~~للدنيا ناطق بعلم فإنه آكل للمال بالباطل وكل من أكل أموال الناس بالباطل ~~فإنه يصد عن سبيل الله لا محالة وإن لم يظهر ذلك في مقاله ولكنك تعرفه في ~~لحن معناه بدقائق الصد عن مجالسة غيره وبلطائف المنع من طرقات الآخرة لأن ~~حب الدينا وغلبة الهوى يحكما عليه بذلك شاء أم أبى . وقال بعض العلماء : إن ~~الله عزوجل يحب العالم المتواضع ويبغض الجبار من العلماءومن تواضع لله ~~تعالى ورثه الله تعالى الحكمة ، وفي الخبر عن ابن مسعود : إن الله تعالى ~~ليمقت الحبر السمين ، وقال رسول الله لمالك بن الصيف : حبر من أحبار اليهود ~~، فقال : نشدتك الله تعالى ألم تجدفيما أنزل تعالى على موسى عليه السلام أن ~~الله تعالى يبغض الحبر السمين ، وكان ابن الصيف سمينا فغضب عندها فقال : ( ~~ما أنزل الله على بشر من شيء ) الأنعام : 91 ، ففيه نزلت هذه الآية تعريفا ~~لبهته : ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا ) الأنعام : 91 ، فقال ~~له أصحابه : ويحك ماذا ms0323 قلت جحدت كتاب موسى فقال : إنه محكني فقلت ذلك ويقال ~~ما آتى الله تعالى عبدا علما إلا أتاه معه حلما وتواضعا وحسن خلق ورفقا ~~فذلك علامة العلم النافع ، وقد روينا معناه في الأثر : من آتاه عز وجل زهدا ~~وتواضعا وحسن خلق فهو إمام المتقين ، وكان الحسن يقول : الحلم وزير العلم ~~والرفق أبوه والتواضع سرباله ، وفي أخبار داود عليه السلام : إن الله تعالى ~~أوحى إليه يا داودلاتسألن عني عالما قد أسكرته الدنيا فيصدك عن طريق محبتي ~~أولئك قطاع طريق عبادي المريدين ، يا داود إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر ~~شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي ، يا داود إذا رأيت لي طالبا فكن له ~~خادما ، يا داود من رد إلي هاربا كتبته عندي جهبذا ومن كتبته جهبذا لم ~~أعذبه أبدا . وروينا عن عيسى عليه السلام : مثل علماء السوء مثل صخرة وقعت ~~على فم النهر لا هي تشرب الماء ولا تترك الماء يخلص إلى الزرع ، وكذلك ~~علماء الدنيا قعدوا على طريق الآخرة فلا هم نفذوا ولا تركوا العباد يسلكون ~~الله عز وجل ، قال : ومثل علماء السوء كمثل قناة الحش ظاهرها حسن وباطنها ~~نتن ومثل القبور المشيدة ظاهرها عامر وباطنها عظام الموتى ، PageV01P244 ~~وقال بشر بن الحارث : من طلب الرياسة من العلماء فتقرب إلى الله تعالى ~~ببغضه فإنه مقيت الله في السماء والأرض ، وكان الأوزاعي يروي عن بلال بن ~~سعد أنه كان يقول : ينظر أحدكم إلى الشرطي والعون فيستعيذ بالله تعالى من ~~حاله ويمقته وينظر إلى عالم الدنيا قد تصنع للخلق وتشوف للطمع والرياسة فلا ~~يمقته ، هذا العالم أحق بالمقت من ذلك الشرطي ، وقد كان أبو محمد يقول : لا ~~تقطعوا أمرا من الدين والدنيا إلابمشورة العلماء تحمدوا العاقبة عند الله ~~قيل : يا أبا محمد من العلماء ؟ قال الذين يؤثرون الآخرة على الدنيا ~~ويؤثرون الله تعالى على نفوسهم ، وقد قال عمر رضي الله عنه في وصيته : ~~وشاور في أمورك الذين يخشون الله تعالى . وروينا في الإسرائيليات أن حكيما ~~من الحكماء صنف ثلاثمائة وستين مصحفا ms0324 في الحكمة حتى وصف بالحكم فأوحىالله ~~تعالى إلى نبيهم : قل لفلان قد ملأت الأرض نفاقا ولم تردني بشيء من ذلك ~~وإني لا أقبل شيئا من نفاقك قال : فأسقط في يديه وحزن وترك ذلك وخالط ~~العامة ومشى في الأسواق وواكل بني إسرائيل وتواضع في نفسه فأوحى الله تعالى ~~إلى النبي عليه السلام : قل له الآن وافقت رضاي ، وقال بعض العلماء : كان ~~أهل العلم على ضربين ، عالم عامة وعالم خاصة ، فأما عالم العامة فهو المفتي ~~في الحلال والحرام وهؤلاء أصحاب الأساطين ، وأما عالم الخاصة فهو العالم ~~بعلم التوحيد والمعرفة هؤلاء أهل الزوايا وهم المنفردون وقد كانوا يقولون ~~مثل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه مثل دجلة كل أحد يعرفها ، ومثل بشر ~~بن الحارث مثل بئر عذبة مغطاة لا يقصدها إلا واحد بعد واحد ، وقال حماد بن ~~زيد : قيل لأيوب العلم اليوم أكثر أو فيما مضى ؟ فقال : العلم فيما مضى كان ~~أكثر والكلام اليوم أكثر ، ففرق بين العلم والكلام وقد كانوا يقولون فلان ~~عالم وفلان متكلم وفلان أكثر كلاما وفلان أكثر علما ، وكان أبو سليمان يقول ~~: المعرفة إلى السكوت أقرب منها إلى الكلام ، وقال بعض العارفين هذا العلم ~~على قسمين : نصفه صمت ونصفه تدري أين تضعه ، وزاد آخر : ونصفه وجد ونصفه ~~نظريعني تفكرا واعتبارا ، وسئل سفيان عن العالم من هو ؟ فقال : من يضع ~~العلم في مواضعه ويؤتي كل شيء حقه ، وقال بعض الحكماء : إذا كثر العلم قل ~~الكلام ، وقد كان إبراهيم الخواص رحمه الله يقول : الصوفي كلما ازداد علما ~~نقصت طينته ، وقال بعض شيوخنا : قلت للجنيد يا أبا القاسم يكون لسان بلاقلب ~~، قال PageV01P245 كثير : قلت فيكون قلب بلا لسان فقال : نعم قد يكون ، ~~ولكن لسان بلا قلب بلاء وقلب بلا لسان نعمة قلت فإذا كان لسان وقلب قال : ~~فذاك الزيد بالنرسبان يعني العسل . وقد روينا حديثا مقطوعا عن سفيان عن ~~مالك بن مغول قال : قيل يا رسول الله أي العمل أفضل ؟ قال : اجتناب المحارم ~~ولايزال فوك رطبا من ذكر الله تعالى ، قيل ms0325 : يا رسول الله فأي الأصحاب خير ~~؟ قال : صاحب إن ذكرت أعانك وإن نسيت ذكرك ، قيل : فأي الأصحاب شر ؟ قال : ~~صاحب إن سكت لم يذكرك وإن ذكرت لم يعنك ، قال : فأي الناس أعلم ؟ قال : ~~أشدهم لله تعالى خشية ، قال فاخبرنا بخيارنا نجالسهم قال : الذين إذا رأوا ~~ذكر الله تعالى قالوا : فأي الناس شر يا رسول الله ؟ قال : اللهم اغفرا ~~قالوا أخبرنا يا رسول الله قال : العلماء إذا فسدوا وقد وصف علي عليه ~~السلام علماء الدنيا الناطقين عن الرأي والهوى بوصف غريب . رويناه عن خالد ~~بن طليق عن أبيه عن جده وجده عمران بن حصين قال : خطبنا علي بن أبي طالب ~~عليه السلام ورضي عنه فقال : ذمتي رهينة وأنا زعيم لا يهيج على التقوي زرع ~~قوم ولا يظمأ على الهدى شح أصل ، وإن أجهل الناس من لا يعرف قدره وكفى ~~بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره ، وإن أبغض الخلق إلى الله تعالى رجل قمش علما ~~أغار في أغباش الفتنة عمي عما في غيب الهدنة سماه أشباه الناس وأرذالهم ~~عالما ولم يغن في العلم يوما سالما بكر فاستكثر مما قل منه خير مما كثر حتى ~~إذا ارتوى من آجن وأكثر من غير طائل جلس للناس مفتيا لتخليص ما التبس على ~~غيره فإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ ؟ لها عشوالرأي من رأيهم فهو من قطع ~~الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أخطأ أم أصاب ركاب الجهالات خباط ~~عشوات ظلمة لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم ولا يعض على العلم بضرس قاطع فيغنم ~~، تبكي منه الدماء وتصرخ منه المواريث وتستحل بقضائه الفروج الحرام ، لا ~~ملئ والله بإصدار ما ورد عليه ولا هو أهل لما قرطبه أولئك الذين حلت عليهم ~~النياحة والبكاء أيام حياة الدنيا ، ووصف علي عليه السلام علماء الآخرة في ~~حديث كهيل بن زياد الذي يقول فيه الناس : ثلاثة عالم رباني يعني عالما ~~بالربوبية فننسبه إلى رب كما سماهم الله في قوله : ( كونوا ربانيين بما ~~كنتم تعلمون الكتاب ) آل عمران : 79 الآية ، فسمى ms0326 العالم بكتابه ربانيا ~~والدارس له ربانيا فهذا قد جمع العلم والعمل وكذلك يقال : العالم الرباني ~~هو الذي يعلم ويعمل ويعلم الناس الخير ، قال : فذاك الذي يدعى عظيما في ~~ملكوت السماء ، وقال تعالى في تقدمتهم : ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ~~) المائدة : 63 فقدم الربانيين على الأحبار وهم علماء الكتب PageV01P246 ~~وكذلك رويناه عن مجاهد قال : الربانيون فوق الأحبار درجة ، وقال غيره : ~~والأحبار فوق الرهبان يعني علماء القلوب أرفع من علماء الألسنة والعلماء ~~بالكتب أفضل من العباد بدرجة ، وقد ضمهم الله تعالى إلى أنبيائه في النصرة ~~له والصبر معه في قوله تعالى : ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ) آل ~~عمران : 641 ، ثم وصفهم بالثبات لأمره والقوة في دينه والصبر لحكمه في تمام ~~الآية وربيون جمع ربي يقال ربي ورباني فجمع ربي ربيون وجمع رباني ربانيون . ~~وكذلك جاء عن رسول الله : يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ~~فقدم العلماء على الشهداء لأن العالم إمام أمة فله مثل أجور أمته ~~والشهيدعمله لنفسه ، وفي خبر آخر : حبر العلماء يوزن بدم الشهداء فأعلى حال ~~الشهيد دمه وأدنى وصف العالم حبره ، فسوى بينهما وزاد العالم على الشهيد ~~بأعلى مقامه وكان علي عليه السلام يقول العالم أفضل من الصائم القائم ~~والمجاهد في سبيل الله وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمةلا يسدها إلاخلف ~~منه . وقد روينا معناه مسندا إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها ~~شيءما طرد الليل والنهار إلا موت العالم بحم طمس وموت قبيلة أيسر من موت ~~عالم ثم قال علي عليه السلام في حديث كهيل ومتعلم على سبيل النجاة يعني ~~مريدا طالبا للعلم متعلما من العلماء بالله تعالى على طريق معاملة وإخلاص ~~لطلب السلامة وأن ينجو من الجهل في الدنيا ومن العذاب في الآخرة ، ثم قال : ~~وهمج رعاع الهمج الفراش الذي يتهافت في النار لجهله واحدته همجة رعاع خفيف ~~طياش لاعقل له يستفزه الطمع ويستخفه الغضب ويزدهيه العجب ويستطيله الكبر ثم ~~بكى علي عليه السلام وقال : هكذا يموت العلم بموت حامليه ثم ms0327 تنفس عند وصف ~~الربانيين فقال : واشوقاه إلى رؤيتهم يعني الربانيين من العلماء وقد ذكرنا ~~هذا الحديث بطوله في الباب الذي قبل هذا ، فهؤلاء الذين بكى عليهم شوقا هم ~~الذين اشتاق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم قبله فقال : واشواقاه إلى ~~لقاء إخواني ووددت أني قد رأيت إخواني ، ثم قال : هم قوم يجيئون بعدكم ، ثم ~~وصفهم فإنما كانوا إخوانه لأن قلوبهم على قلوب الأنبياء عليهم السلام ~~وأخلاقهم بمعاني صفات الإيمان وهم أبدال هذه الأمة جاء في وصفهم ما يجل عن ~~الوصف هم على ثلاث طبقات : صديقون ، وشهداء ، وصالحون ، وإن منهم من قلبه ~~على قلب إبراهيم الخليل ومنهم من قلبه على قلب موسى الكليم وعيسى الروح ~~ومحمد الحبيب صوات الله عليهم وسلم أجمعين ، ومنهم على قلب جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل والأخوة تقع بين الاثنين في المجالسة وقرب الشبه في الأفعال ~~والأخلاق كما قال الله عز وجل : ( ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم ~~الذين كفروا ) الحشر : 11 لما كانوا على أوصافهم في القلوب من أسرار الكفر ~~واعتقاد الشك جعلهم إخوانا ، وكذلك قال : إن PageV01P247 المبذرين كانوا ~~إخوان الشياطين ، وهؤلاء ليسوا أمثالهم في الخلقة ولا بينهم أبوة ولا أمومة ~~لأن الشياطين من ولد إبليس والمبذرين أولاد آدم عليه السلام ، ولكن تشابهت ~~قلوبهم في المواجيد والأخلاق والأفعال ، فآخى بينهم للتشابه ، فمن كان من ~~علماء الآخرة فعقله يستضيء من أنوار قلبه وفهمه ينبئ عن استنباط علمه ~~ومشاهدته وأخلاقه على معاني يقينه وقوته وطريقه وسلوكه في منهاج سنته ~~وسبيله فهو من إخوانه وإخوان النبيين الذين اشتاق إلى رؤيتهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهم الغرباء بين الملأ الذين قال بدا الإسلام غريبا وسيعود ~~غريبا فطوبى للغرباء قيل : ومن الغرباء ؟ قال : الذين يصلحون إذا فسد الناس ~~، وفي لفظ آخر الذين يصلحون ما أفسده الناس من سنتي والذين يحيون ما أمات ~~الناس من سنتي يعني أنهم يظهرون طريقته التي تركها الناس وجهلوها ، وفي خبر ~~آخر : هم المتمسكون بسنتي وما أنتم عليه اليوم ، وفي حديث آخر : الغرباء ~~ناس قليلون ms0328 صالحون بين ناس سوء كثيرين من يبغضهم أكثر ممن يحبهم ، فهؤلاء ~~الغرباء الذين قد أنعم الله عليهم بمرافقة النبيين في أعلى عليين فقال مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين إلى قوله رفيقا ، وقد كان الثوري يقول : ~~إذا رأيت العالم كثير الأصدقاء فأعلم أنه مخلط ، وقال أيضا إذا رأيت الرجل ~~محببا إلى إخوانه محمودا في جيرانه فأعلم أنه مراء ، وقد وصف الله تعالى ~~علماء السوء بأكل الدنيا بالعلم ووصف علماء الآخرة بالخشوع والزهد فقال ~~تعالى في علماء الدنيا : ( وإذ أخذالله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه ~~للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا ) آل عمران : ~~187 ، وقال في نعت علماءالآخرة : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما ~~أنزل إليكم ) آل عمران : 199 إلى قوله : ( لهم أجرهم عند ربهم ) آل عمران : ~~199 وقد روينا عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : علماء ~~هذه الأمة رجلان ، فرجل آتاه الله علما فبذله للناس ولم يأخذ عليه طمعا ولم ~~يشتر به ثمنا فذاك يصلي عليه طير السماء وحيتان الماء ودواب الأرض والكرام ~~الكاتبون يقدم على الله تعالى يوم القيامة سيدا شريفا حتى يرافق المرسلين ، ~~ورجل أتاه الله تعالى علما في الدنيا فضن به عن عباد الله عز وجل وأخذ عليه ~~طمعا واشترى به ثمنا يأتي يوم القيامة ملجما بلجام من نار ينادي مناد على ~~رؤوس الخلائق : هذا فلان بن فلان آتاه الله تعالى علما في الدنيا فضن به ~~على عبادالله تعالى وأخذعليه طمعا واشترى به ثمنا يعذب حتى يفرغ من حساب ~~الناس ، PageV01P248 ومن أغلظ ما سمعت فيمن أكل الدنيا بالعلم ما حدثونا عن ~~عتبة بن واقد عن عثمان بن أبي سليمان قال : كان رجل يخدم موسى صلى الله ~~عليه وسلم فجعل يقول : حدثني موسى صلى الله عليه وسلم وحدثني موسى نجي الله ~~، حدثني موسى كليم الله ، حتى أثرى وكثر ماله ففقده موسى صفي الله فجعل ~~يسأل عنه فلا يحس له أثرا حتى جاءه رجل ذات يوم وفي ms0329 يده خنزير وفي عنقه حبل ~~أسود فقال له موسى عليه السلام : أتعرف فلانا قال الرجل : نعم هوذا الخنزير ~~: فقال موسى : يا رب أسألك أن ترده إلى حاله حتى أسأله فيما أصابه هذا ~~فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى لو دعوتني بما دعاني به آدم فمن دونه ما ~~أجبتك فيه ولكني أخبرك لم صنعت به هذا لأنه كان يطلب الدنيا بالدين . ~~وروينا عن الحسن بأنه انصرف يوما من مجلسه فأستأذن عليه رجل من أهل خراسان ~~فوضع بين يديه كيسا فيه خمسة آلاف درهم وأخرج من حقيبته رزمة فيها عشرة ~~أثواب من دقيق بر خراسان ، فقال الحسن : ما هذا ؟ فقال : يا أبا سعيد هذه ~~نفقة وهذه كسوة ، فقال له : عافاك الله ضم إليك نفقتك وكسوتك فلا حاجة لنا ~~بذلك ، إنه من جلس مثل مجلسي هذا وقبل من الناس مثل هذا لقي الله تعالى يوم ~~القيامة لاخلاق له ، وفي خبر : إن العبد لينشر له من الثناء ما بين المشرق ~~والمغرب وما يزن عند الله جناح بعوضة وعلماء الدنيا الطالبون لها بالعلم ~~الآكلون لها بالدين المتخذون الأصدقاء والأخلاء من أبنائها المكرمون ~~المحبون لهم المقبلون بالبشر والبشاشة عليهم هم معرفون في كل زمان بأوصافهم ~~ولحن قولهم وسيماهم ، وقد روينا في مقامات علماء السوء حديثا شديدا نعوذ ~~بالله من أهله ونسأله أن لا يبلونا بمقام منه فرويناه مرة مسندا من طريق ~~ورويناه موقوفا على معاذ بن جبل رضي الله عنه وأنا أذكره موقوفا أحب إلي ، ~~حدثونا عن منذر بن علي عن أبي نعيم الشامي عن محمد بن زياد عن معاذ بن جبل ~~يقول فيه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ووافقته أنا على معاذ قال : ~~من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع ، وفي الكلام تنميق ~~وزيادة ولا يؤمن على صاحبه الخطأ وفي الصمت سلامة وعلم ، ومن العلماء من ~~يخزن علمه فلا يحب أن يوجد عند غيره فذلك في الدرك الأول من النار ، ومن ~~العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان فإن رد ms0330 عليه شيء من علمه أو تهاون ~~بشيء من حقه فغضب فذلك في الدرك الثاني من النار ، ومن العلماء من يجعل ~~حديثه وغرائب علمه لأهل الشرف واليسار ولا يرى أهل الحاجة له أهلا فذلك في ~~الدرك الثالث من النار ، ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا فيفتي بالخطا ~~والله عز وجل يبغض المتكلفين فذلك في الدرك الرابع من النار ، ومن العلماء ~~من يتكلم بكلام اليهود والنصارى ليغزر به علمه فذلك في الدرك الخامس من ~~النار ، ومن العلماء من يتخذ علمه مروءة ونبلا وذكرا في الناس فذلك في ~~الدرك السادس من النار ، ومن العلماء من يستفزه الزهو PageV01P249 والعجب ~~فإن وعظ عنف وإن وعظ أنف فذلك في الدرك السابع من النار عليك بالصمت فيه ~~تغلب الشيطان وإياك أن تضحك من غير عجب أو تمشي في غير أرب . وقد روينا ~~حديثا يدل على أوصاف علماء الآخرة وفيه أصول ما يدعون الخلق إليه من مقامات ~~الإيمان وأسباب الدين والإيقان ، رويناه عن شقيق بن إبراهيم البلخي عن عباد ~~بن كثير عن أبي الزبير عن جابر ذكره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وواقفته أنا على جابر بن عبد الله قال : لا تجلسوا عند كل عالم إلا عالم ~~يدعوكم من خمس إلى خمس من الشك إلى اليقين ومن الرياء إلى الإخلاص ومن ~~الرغبة إلى الزهد ومن الكبر إلى التواضع ومن العداوة إلى النصيحة ومما يدلك ~~أن علم اليقين والتقوى وعلم المعرفة والهدى هو العلم المذكور ، المقصود عند ~~السلف أن الصحابة والتابعين كانوا يشفقون من فقد ذلك ويخافون عدمه ويخبرون ~~عن رفعه وقلته في آخر الزمان وإنما يعنون بذلك علم القلوب والمشاهدات الذي ~~هو نتيجة التقوى وعلم المعرفة واليقين الذي هو من مزيد الإيمان وثمرة الهدى ~~، فإذا فقد المتقون وقل الخائفون وعدم الزاهدون ذهبت هذه العلوم لأنها ~~قائمة بهم موجودة عندهم هم أربابها والناطقون بها وهي أحوالهم وطرائقهم هم ~~السالكون لها والقائمون بها فلأجل معرفة الصحابة والتابعين عزة ذلك كانوا ~~يبكون على فقده ، وقدوصف الله العلماء بالزهد في ms0331 الدنيا والاستصغار لها ~~وبعمل الصالحات والإيمان بها كما وصف أبناء الدنيا بالرغبة فيها والإستعظام ~~لها قال تعالى في معنى ذلك : ( فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون ~~الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ) القصص : 79 ~~، ( وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ) ، ثم ~~قال عز وجل : ( ولا يلقاها إلا الصابرون ) القصص : 80 ، أي لا يلقى هذه ~~الحكمة إلا الصابرون عن زينة الدنيا التي خرج فيها قارون . وروينا عن جندب ~~بن عبد الله البجلي قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم غلمانا ~~حزاورة فيعلمنا الإيمان قبل القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا ، وعن ~~ابن مسعود قال : أنزل القرآن ليعمل به فاتخذتم دراسته عملا وسيأتي قوم ~~يثقفونه تثقيف الغناء ليسوا بخياركم ، وفي لفظ آخر : يقيمونه إقامة القدح ~~يتعجلونه ولا يتأجلونه ، وروينا عن ابن عمر وغيره لقد عشنا برهة من دهرنا ~~وإن أحدنا يؤتي الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة فيتعلم حلالها وحرامها ~~وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يتوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم اليوم ~~القرآن ولقد رأيت رجالا يؤتي أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته ~~إلى خاتمته لا يدري ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده وينثره نثر ~~الدقل ، وفي الخبر الآخر بمعناه : كنا أصحاب رسول الله أوتينا الإيمان قبل ~~القرآن وسيأتي بعدكم قوم يؤتون القرآن قبل الإيمان يقيمون حروفه ويضيعون ~~حدوده ويقولون قرأنا ، فمن أقرأ منا وعلمنا فمن أعلم منا فذلك حظهم منه ، ~~وفي لفظ آخر : PageV01P250 أولئك شرار هذه الأمة ، فأما العلم المأثور الذي ~~نقله خلف عن سلف والخبر المرسوم في الكتب المستودع في الصحف الذي يسمعه من ~~غبر عمن قدم فهذا علم الأحكام والفتيا وعلم الإسلام والقضايا طريقه السمع ~~ومفتاحه الاستدلال وخزانته العقل وهو مدون في الكتب ومحبر في الورق يتلقاه ~~الصغير عن الكبير بالألسنة وهو باق بقاء الإسلام وموجود بوجود المسلمين ~~لأنه حجة الله تعالى على عباده ومحجة العموم من خلقه ms0332 فضمن إظهاره فلم يكن ~~ليظهر إلا بحملة تظهره ونقلة تحمله فقال تعالى : ( ليظهره على الدين كله ~~ولو كره المشركون ) الصف : 9 ، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم بمعناه ~~وعلم ظاهر على اللسان فذلك حجة الله تعالى على خلقه وقال صلى الله عليه ~~وسلم لأصحابه : تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم فأخبر صلى الله عليه ~~وسلم بالعلم العتيد المستودع ظهور الكتب الذي هو ظاهر الدين وفي جهله وعدمه ~~وجود الشرك كما ضمن الله تعالى تبقية الإسلام على كره المشركين وقال صلى ~~الله عليه وسلم : رحم الله من سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه فرب حامل فقه ~~غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، وقد أخبر أن حامل الفقه قد ~~يكون غير فقيه القلب إذا لم يعمل بعلمه وأنه قد يحمله إلى من هو أفقه منه ~~إذا عمل به إذا وعاه كما قال في الخبر الآخر : رب مبلغ أوعى من سامع فمدحه ~~بالعمل به إذا وعاه ، فتذكر به وتفكر فيه وإن لم يكن سمعه منه صلى الله ~~عليه وسلم . وقال الله سبحانه وتعالى : ( وتعيها أذن واعية ) الحاقة : 12 ~~يعني أذن القلب الحافظة ما سمعت الذاكرة لما وعت كما قال تعالى : ( إن في ~~ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) ق : 37 يعني أصغي بسمعه ~~إلى سامعه وشهد بقلبه ما سمعه من شاهده ، وقد جاء في تفسير قوله تعالى : ( ~~وتعيها أذن واعية ) الحاقة : 12 ، قال : أذن عقلت عن الله تعالى أمره ونهيه ~~فوعته وعملت به كما وصف سبحانه وتعالى المؤمنين الذين نعتهم بقوله في تمام ~~وصفهم : ( والحافظون لحدود الله ) التوبة : 112 ، وقدروينا عن علي رضي الله ~~عنه : اطلبوا العلم تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله ، وقال أيضا رضي ~~الله عنه : إذا سمعتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بهزل فتمجه القلوب ~~وقال بعض السلف : من ضحك ضحكة مج مجة من العلم ، وقال الخليل بن أحمد رحمه ~~الله : ليس العلم ما حواه القمطر إنما العلم ms0333 ما وعاه الصدر ، وإذا جمع ~~العالم ثلاثا تمت النعمة به على المتعلم الصبر والتواضع وحسن الخلق ، وإذا ~~جمع المتعلم ثلاثا تمت النعمة به على العالم العقل والأدب وحسن الفهم والله ~~أعلم . # | ذكر وصف العلم وطريقة السلف وذم ما أحدث المتأخرون من القصص والكلام # لا بد للعالم بالله تعالى من خمس هي علامة علماء الآخرة : الخشية ، ~~والخشوع ، PageV01P251 والتواضع ، وحسن الخلق ، والزهد ، قال الله تعالى : ~~( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فاطر : 28 وقال تعالى : ( خاشعين لله ~~) آل عمران : 199 الآية فلا بد له من التواضع وحسن الخلق ، قال الله عز وجل ~~: ( واخفض جناحك للمؤمنين ) ( وقل إني أنا النذير المبين ) الحجر : 88 - 89 ~~، وقال تعالى : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) آل عمران : 159 الآية والزهد ~~في الدنيا ، قال الله تعالى : ( الذين أوتوا الكتاب ) التوبة : 29 ويلكم ~~ثواب الله خير فمن وجد فيه هذه الخلال فهو من العلماء بالله عز وجل واعلم ~~أنه إنما يستبين العالم عند المشكلات في الدين ويحتاج إلى العارف عند شبهات ~~حاكت الصدور كما قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : لا تزالون بخير ما ~~إذا حاك في صدر أحدكم شيء وجد من يخبره به ويشفيه منه وأيم الله أوشك أن لا ~~تجدوا ذلك ، وكما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أعلم ~~فقال : الله ورسوله أعلم ، فقال أعلمهم بالحق إذا اشتبهت الأمور ووقعت ~~المشكلات ، وإن كان يزحف على أسته ، فكذلك إذا اختلف الناس وإن كان في عمله ~~تقصير وكما قال في حديث عمران بن حصين : إن الله تعالى يحب البصر الناقد ~~عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند هجوم الشهوات ويحب السخاء ولو على ~~تمرات ويحب الشجاعة ولوعلى قتل الحيات ، وقد حصلنا في زماننا هذا في مثل ما ~~خافه ابن مسعود لأن مشكلة لو وردت في معاني التوحيد وشبهة لو اختلجت في صدر ~~مؤمن من معاني صفات الموحد وأردت كشف ذلك على حقيقة الأمر بما يشهده القلب ~~الموفق ويثلج له الصدر المشروح بالهدى كان ذلك ms0334 عزيزا في وقتك هذا ولكنت في ~~استكشاف ذلك بين خمسة نفر ، مبتدع ضال يخبرك برأيه عن هواه فيزيدك حيرة ، ~~أو متكلم يفتيك بقصور علمه عن شهادة الموقنين وبقياس معقوله على ظاهر الدين ~~وهذا شبهة فكيف تنكشف به شبهة ، أو صوفي شاطح تائه غالط يجاوز بك الكتاب ~~والسنة لا يباليهما ويخالف بقوله الأئمة لا يتحاشاها فيجيبك بالظن والوسواس ~~والحدس والتمويه ويمحو الكون والمكان ويسقط العلم والأحكام ويذهب الأسماء ~~والرسوم ، وهؤلاء تائهون في مفازة التيه لم يقفوا على الحجة قد غرقوا في ~~بحر التوحيدلم يجعلوا أئمة المتقين ولا حجة للمتقين وهذا ساقط القول إذ ليس ~~معه حجة ولا هو على سنن المحجة ، أو مفت عالم عند نفسه موسوم بالفقه عند ~~أصحابه يقول هذا من أحكام الآخرة ومن علم الغيب لا نتكلم فيه لأنا لم نكلفه ~~وهو في أكثر مناظرته يتكلم فيما لم نكلف ويجالد فيما لم ينطق به السلف ~~ويتعلم ويعلم ما علمه بتكلف ولا يعلم المسكين أنه كلف علم يقين الإيمان ~~وحقيقة التوحيدومعرفة إخلاص المعاملة وعلم ما يقدح في الإخلاص ويخرج من ~~جملته قبل ما هو فيه لأنه متكلف لبعض ما هو يبتغيه لأن علم الإيمان وصحة ~~التوحيد وإخلاص العبودية للربوبية وإخلاص الأعمال من الهوى الدنيوية ~~PageV01P252 وما يتعلق بها من أعمال القلوب هو من الفقه في الدين ونعت ~~أوصاف المؤمنين إذ مقتضاه الإنذار والتحذير لقوله تعالى : ( ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم ) التوبة : 122 الآية ، ولقول الرسول صلى الله عليه ~~وسلم : تعلموا اليقين فإني متعلم معكم ولقول الصحابة رضي الله عنهم تعلمنا ~~الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا فهذا مزيدا الهداية بالإيقان وهو ~~زيادة المؤمنين في الإيمان كما قال تعالى : ( فزادهم إيمانا ) آل عمران : ~~173 وقال عز وجل : ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) مريم : 76 ولا يشعر أن ~~حسن الأدب في المعاملة بمعرفة ويقين هو من صفات الموقنين وذلك هو حال العبد ~~في مقامه بينه وبين ربه عز وجل ونصيبه من ربه تعالى ، وحظه من مزيد آخرته . ~~وذلك معقود بشهادة التوحيدالخالصة المقترنة ms0335 بالإيمان من خفايا الشرك وشعب ~~النفاق وهو مقترن بالفرائض وفرض فرضها الإخلاص بالمعاملة وإن علم ما سوى ~~هذا مما قد أشرب قلبه وحبب إليه من فضول العلوم وغرائب الفهوم إنما هو ~~حوائج الناس ونوازلهم فهو حجاب عن هذا واشتغال عنه ، فآثر هذا الغافل لقلة ~~معرفته بحقيقة العلم النافع ما زين له طلبه وحبب إليه قصده ، آثر حوائج ~~الناس وأحوالهم على حاجته وحاله وعمل في أنصبتهم منه في عاجل دنياهم من ~~نوازل طوارقهم وفتياهم ولم يعمل في نصيبه الأوفر من ربه الأعلى لأجل آخرته ~~التي هي خبر وأبقى إذ مرجعه إليها ومثواه المؤبد فيها ، فآثر التقرب منهم ~~على القربة من ربه عزه وجل وترك للشغل بهم حظه من الله تعالى إلا جزل وقدم ~~التفرغ لهم على فراغ قلبه لما قدم لغده من تقواه بالشغل بخدمة مولاه وطلب ~~رضاه واشتغل بصلاح ألسنتهم عن صلاح قلبه وظواهر أحوالهم عن باطن حاله وكان ~~سبب ما بلي به حب الرياسة وطلب الجاه عند الناس والمنزلة بموجب السياسة ~~والرغبة في عاجل الدنيا وعزها بقلة الهمة وضعف النية في عاجل الآخرة وذخره ~~فأفنى أيامه لأيامهم وأذهب عمره في شهواتهم ليسميه الجاهلون بالعلم عالما ~~وليكون في قلوب البطالين عندهم فاضلا فورد القيامة مفلسا وعندما يراه من ~~أنصبة المقربين مبلسا إذ فاز بالقرب العاملون وريح الرضا العالمون ولكن أنى ~~له وكيف بنصيب غيره ؟ وقد جعل الله تعالى لكل عمل عاملا ولكل علم عالما ~~أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب كل ميسر لما خلق له هذا فصل الخطاب بينهما ~~فإن الأمة لم تختلف ، إن علم التوحيد فريضة سيما إذا وقعت الشبهات وأدخلت ~~فيه المشكلات وإنما اختلفوا في مسألتين أي شيء هو التوحيد وفي كيفية طلبه ~~والتوصل إليه ، فمنهم من قال بالبحث والطلب ومنهم من يقول بالاستدلال ~~والنظر ، ومنهم من قال بالسمع والأثر ، وقال بعضهم : بالتوقيف والتسليم ~~وقال بعض الناس : يدرك دركه بالعجز والتقصير عن بلوغ دركه ، والرجل الخامس ~~PageV01P253 من العلماء هو صاحب حديث وآثار وناقل رواية الأخبار يقول لك ~~إذا سألته ms0336 اعتقد التسليم وأمر الحديث كما جاء ولا تفتيش وهذا يتلو المفتي ~~في السلامة وهو أحسنهم طريقة وأشبههم بسلف العامة خليقة ليس عنده شهادة ~~يقين ولا معرفة بحقيقة ما رآه ولا هو مشاهد واصف لمعنى ما نقله إنما هو ~~للعلم رواية وللأثر والخبر ناقلة عن غير خبر يخبره ولا فقه في نقله فهو على ~~بينة من ربه وليس يتلوه شاهد منه ، وقدكان الزهري يقول : حدثني فلان ، وكان ~~من أوعية العلم ولا يقول وكان عالما وكان مالك بن أنس رحمه الله يقول : ~~أدركت سبعين شيخا من التابعين منهم عباد ومنهم مستجاب الدعاء ومنهم من ~~يستسقى به ما حملت عنهم علما قط قيل : ولم ذاك قال لم يكونوا من أهل هذا ~~الشأن وفي رواية لم يكونوا يدرون ما يحدثون به ولم يكن لهم فقه فيما يسألون ~~عنه قال مالك وتقدم علينا ابن شهاب الزهري وهو حديث السن فنزدحم عليه حتى ~~نصل إليه لأنه كان عالما بما يحدث به فهذا بمعنى ما روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه . ~~وقال بعض السلف ما كانوا يعدون علم من لا يعرف اختلاف العلماء علما وقال ~~آخرين : من لم يعرف اختلاف العلماء لم يحل له أن يفتي ولم يسم عالما وقال ~~قتادة وسعيد بن جبير أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس وقيل للإمام أحمد رضي ~~الله عنه إذا كتب الرجل مائة ألف حديث له أن يفتي ، قال : لا ، قيل : ~~فمائتي ألف حديث قال : لا قيل فثلاثمائة ألف حديث قال أرجو وفي التوراة ~~مكتوب الطبيب الحاذق للعلة الباطنة يصلح . وكتب سلمان الفارسي من المدائن ~~إلى أبي الدرداء وكان قد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فيمن آخى ~~: يا أخي بلغني أنك أقعدت طبيبا تداوي المرضى فانظر فإن كنت طبيبا فتكلم ~~فإن كلامك شفاء وإن كنت متطببا فالله الله لا تقتل مسلما ، قال : فكان أبو ~~الدرداء يتوقف بعد ذلك إذا سئل عن شيء وسأله ms0337 إنسان عن شيء فأجابه ثم قال ~~ردوه فقال له : أعد علي فأعاد فقال : متطبب والله فرجع في جوابه ولعمري أنه ~~قدجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من تطبب ولم يعلم منه طب فقتل فهو ~~ضامن ، وقد كان ابن عباس رضي الله عنه يقول : سلوا جابر بن زيد فلو نزل أهل ~~البصرة على فتياهل وسعهم وكان من صالحي التابعين ، وكان ابن عمر رضي الله ~~عنهما إذا سئل عن شيء يقول : سلوا سعيد بن المسيب ، وكان أنس بن مالك رضي ~~الله عنه يقول : سلوا مولانا الحسن فإنه قد حفظ ونسينا ، وقال بعض البصريين ~~: قدم علينا رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتينا الحسن فقلنا ~~ألا نذهب إلى هذا الصحابي فنسأله عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتجيء معنا ؟ قال : نعم فاذهبوا ، قال : فجعلنا نسأله عن حديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وجعل يحدثنا حتى حدثنا عشرين حديثا قال : والحسن ينصت ~~يستمع إليه ، ثم جثا الحسن PageV01P254 على ركبتيه فقال : يا صاحب رسول ~~الله أخبرنا بتفسير ما رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نفقه فيه ~~، فسكت الصحابي وقال ما عندي إلاما سمعت ، قال : فابتدأ الحسن رحمه الله ~~يفسر ما رواه ، فقال : أما الحديث الأول الذي حدثتنا به فإن تفسيره كيت ~~وكيت والحديث الثاني تفسيره كذا وكذا حتى سرد عليه الأحاديث كلها التي ~~حدثنا بها وأخبرنا بتفسيرها ، قال : فلا ندري نعجب من حسن حفظه إياه وأدائه ~~الحديث أو من علمه وتفسيره ، قال : فأخذ الصحابي كفا من حصى وحصينا به ثم ~~قال : تسألوني عن العلم وهذا الحبر بين أظهركم فهؤلاء أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم يردون الأمور في الفتيا وعلم اللسان إلى من هو دونهم في القدر ~~والمنزلة وهو في علم التوحيد والمعرفة والإيمان فوقهم درجات ولا يرجعون ~~إليهم في الشبهات ولا يردون إليهم في علم المعرفة واليقين فهذا كما قيل : ~~إنما العلم نور يقذفه الله تبارك وتعالى في قلوب أوليائه فقد يكون ذلك ms0338 ~~تفضيلا للنظراء بعضهم على بعض ، وقديكون تخصيصا للشباب على الشيوخ ولمن جاء ~~بعد السلف من التابعين وربما كان تكرمة للخاملين المتواضعين لينبه عليهم ~~ويعرفون شأنهم ليعظمواويرفعوا كما قال الله تعالى : ( ونريد أن نمن على ~~الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ) القصص : 5 والنور إذا جعل في الصدر ~~انشرح القلب بالعلم ونظر باليقين فنطق اللسان بحقيقة البيان وهو الحكمة ~~التي يودعها الله تعالى في قلوب أوليائه كما جاء في تفسير قوله عز وجل : ( ~~وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ) ص : 20 قيل : الإصابة في القول فكأنه يوفقه ~~للحقيقة وقوله تعالى : ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا ) البقرة : 269 قيل : الفهم والفطنة . وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في وصف الهداية حين تلا قوله عز وجل ( فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للإسلام ) الأنعام : 125 فقيل : يا رسول الله ما هذا الشرح ؟ ~~فقال : إن النور إذا قذف في القلب انشرح له الصدر وانفسح ، قيل : فهل لذلك ~~من علامة ؟ قال : نعم التجافي عن دارالغرور والإنابة إلى دار الخلود ~~والاستعداد للموت قبل نزوله فذكر سببه الزهدفي الدنياوالإقبال على خدمة ~~المولى وحسن التوفيق والإصابة في العلم مواهب من الله عز وجل وأثرة يختص ~~بها من يشاء كما سئل أبو موسى الأشعري وهو أمير الكوفة عن رجل قتل في سبيل ~~الله مقبلا غير مدبر أين هو ؟ فقال أبو موسى : في الجنة ، فقال ابن مسعود ~~للسائل : أعد على الأمير فتياك فلعله لم يفهم ، قال السائل : قلت أيها ~~الأمير ما قولك في رجل قاتل في سبيل الله فقتل مقبلا غير مدبر أين هو ؟ ~~فقال أبو موسى : في الجنة ، فقال ابن مسعود رضي الله عنه أعد على الأمير ~~فلعله لم يفهم فأعاد عليه ثلاثا كل ذلك يقول أبو موسى في الجنة ، ثم قال ما ~~عندي غير هذا فما تقول أنت ؟ فقال ابن مسعود لكني لا أقول هكذا ، قال : فما ~~قولك ؟ فقال : أقول إن قتل في سبيل الله فأصاب الحق PageV01P255 فهو في ~~الجنة فقال ms0339 أبو موسى صدق لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم ~~والقول في تسليم أخبار الصفات والسكوت عن تفسيرها كما قال أصحاب الحديث إلا ~~أن بمعرفة معاني الأسماء والصفات وشهودها ينفي الظن والوسواس فيها وترك ~~التشبيه والتمثيل بها والطمأنينة إلى اليقين بالمعرفة بمشاهدتها هو مقام ~~الموقنين واعتقاد أنها صفات لله تعالى يتجلى بها وبما شاء من غيرها بلا حد ~~ولا عدد يظهر بصفة صفة كيف شاء غير موقوف على صفة ولا محكوم عليه بصورة بلا ~~إظهار غيرته بل هو كيف ظهر وبأي وصف تجلى مع نفي الكيفية والمثلية لفقد ~~الجنس والجوهرية هو مقام المقربين من الشهداء ، وهؤلاء هم الصديقون وخصوص ~~الموقنين فمن عدل به عن وجهة هؤلاء ولم يواجه بشهادتهم عدل إلى التسليم ~~والتصديق فوقف عنده فكان معقله واستراحته وليس بعد هؤلاء مقام يمدح ولا وصف ~~يذكرفمن فتش ذلك بعقله وفسره برأيه دخل عليه التشبيه أو خرج إلى النفي ~~والإبطال . ومن الدليل على فضل هذا العلم على سائر العلوم ما جاء في ~~الأخبار المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين في ~~فضل مجالس الذكر وفضل الذاكرين : إنما يريدون به علم الإيمان والمعرفة ~~وعلوم المعاملات والتفقه في بصائر القلوب والنظر بعين اليقين إلى سرائر ~~الغيوب وليس يريدون به مجالس القصص ولا يعنون بذلك القصاص لأنهم كانوا يرون ~~القصص بدعة ويقولون لم يقص في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي ~~بكر ولا عمر حتى ظهرت الفتنة فلما وقعت الفتنة ظهر القصاص ولما دخل علي رضي ~~الله عنه البصرة جعل يخرج القصاص من المسجد ويقول : لا يقص في مسجدنا حتى ~~انتهى إلى الحسن وهو يتكلم في هذا العلم فاستمع إليه ثم انصرف ولم يخرجه ~~وجاء ابن عمر إلى مجلسه من المسجد فوجد قاصا يقص فوجه إليه صاحب الشرطة أن ~~أخرجه من المسجد فأخرجه ، فلو كان القصص من مجالس الذكر والقصاص علماء لما ~~أخرجهم ابن عمر من المسجد ، هذا مع ورعه وزهده ، وقد روينا عن ابن ms0340 شوذب عن ~~أبي التياح قال : قلت للحسن إمامنا يقص فيجتمع الرجال والنساء فيرفعون ~~أصواتهم بالدعاء ويمدون أيديهم فقال الحسن : رفع الصوت بالدعاء بدعة ومد ~~الأيدي بالدعاء بدعة ، وروى أبو الأشهب عن الحسن : القصص بدعة ، وقيل لابن ~~سيرين : لو قصصت على إخوانك فقال : قد قيل لا يتكلم على الناس إلا أحد ~~ثلاثة : أمير أو مأمور أو أحمق فلست بأمير ولا مأمور وأكره أن أكون الثالث ~~. وروينا عن عون بن موسى عن معاوية بن قرة قال : سألت الحسن البصري قلت : ~~أعود مريضا أحب إليك أوأجلس إلى قاص ، فقال : عد مريضك فقلت أشيع جنازة أحب ~~إليك أو أجلس إلى قاص قال : شيع جنازتك قلت : وإن استعان بي رجل في حاجة ~~أعينه PageV01P256 أو أجلس إلى قاص قال : اذهب في حاجتك حتى جعله خيرا من ~~مجالس الفراغ ، فلوكانت مجالس الذكر عندهم هي مجالس القصاص ولو كان القصص ~~هو الذكر لما وسع الحسن أن يثبط عنه ولا يؤثر عليه كثيرا من الأعمال لأنه ~~قد كان يدعو إلى الله تعالى بالتوحيد ويتكلم في علم المعرفة واليقين ~~والذاكرين لله تعالى وحضور مجلس الذكر من مزيد الإيمان وقد رفع الله تعالى ~~مقام الذاكرين فوق مقام المؤمنين في قوله تعالى : ( إن المسلمين والمسلمات ~~والمؤمنين والمؤمنات ) الأحزاب : 35 فجعل الذاكرين والذاكرات أعلى المقامات ~~. وقد روينا في خبر أبي ذر حضور مجلس ذكر أفضل من صلاة ألف ركعة وحضور مجلس ~~علم أفضل من عيادة ألف مريض وحضور مجلس علم أفضل من شهود ألف جنازة ، قيل ~~يا رسول الله ومن قراءة القرآن فقال : وهل تنفع قراءة القرآن إلا بعلم ؟ ~~وقال بعض السلف : حضور مجلس ذكر يكفر عشرة من مجالس الباطل وأما عطاء فإنه ~~قال مجلس ذكريكفر سبعين مجلسا من مجالس اللهو وحدثونا عن معاذ الأعلم قال : ~~رآني يونس بن عبيدوأنا في حلقة المعتزلة فقال تعال فجئت فقال : إن كنت لا ~~بد فاعلا فعليك بحلقة القصاص ، وقد كان الحسن البصري أحد المذكرين وكانت ~~مجالسه مجالس الذكر يخلو فيها مع إخوانه وأتباعه من النساك والعباد ms0341 في بيته ~~مثل مالك بن دينار وثابت البناني وأيوب السجستاني ومحمد بن واسه وفرقد ~~السنجي وعبد الواحد بن زيد فيقول : هاتوا انشروا والنور فيتكلم عليهم في ~~هذا العلم من علم اليقين والقدرة في خواطرالقلوب وفساد الأعمال ووسواس ~~النفوس وربما قنع بعد أصحاب الحديث رأسه فاختفى من ورائهم ليسمع ذلك فإذا ~~رآه الحسن قال له : يا لكع وأنت ما تصنع ههنا ؟ إنما خلونا مع إخواننا ~~نتذاكر والحسن رحمه الله هو إمامنا في هذا العلم الذي نتكلم به أثره نقفو ~~وسبيله نتبع ومن مشكاته نستضيء أخذنا ذلك بإذن الله تعالى إماما عن إمام ~~إلى أن ينتهي ذلك إليه ، وكان من خيار التابعين بإحسان قيل : ما زال يعي ~~الحكمة أربعين سنة حتى نطق بها وقدلقي سبعين بدريا ورأى ثلاثمائة صحابي ~~وولد لليلتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة عشرين من ~~التاريخ ولد بالمدينة وكانت أمه مولاة لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويقال إنها ألقمته ثديها تعلله حين بكى فدر ثديها عليه وكان كلامه ~~يشبه بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى عثمان بن عفان ولعي بن أبي ~~طالب ومن بقي في وقته من العشرة ثم رأى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من عهد عثمان ومن سنة نيف وعشرين من الهجرة إلى سنة نيف وتسعين . ~~PageV01P257 ومن آخر من مات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبصرة ~~أنس بن مالك وبالمدينة سهل بن سعد الساعدي ومكة أبو الطفيل وباليمن أبيض بن ~~جمال المازني وبالكوفة عبد الله بن أبي أوفى وبالشام أبو قرصافة وبخراسان ~~بريدة الأسلمي ودخلت سنة مائة من التاريخ ولم يبق على وجه الأرض عين تطرف ~~رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع أطراف الأرض ثم توفي الحسن في ~~سنة عشر ومائة وكان أبو قتادة العدوي يقول : عليكم بهذا الشيخ فو الله ما ~~رأينا أحدا لم يصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه بأصحاب رسول الله ~~صلى الله ms0342 عليه وسلم منه وكانوا يقولون كنا نشبهه بهدى إبراهيم الخليل صلى ~~الله عليه وسلم في حلمه وخشوعه ووقاره وسكينته فكان على شمائله ونذرت امرأة ~~بالبصرة نذرا إن فعل الله تعالى ذلك بها أن تنسج ثوبا من غزلها وصفته ~~وتكسوه خير أهل البصرة فرأت تمام نذرها فوفت بما نذرت ثم سألت : من خير أهل ~~البصرة ؟ فقالوا : الحسن ، وكان الحسن رضي الله عنه أول من أنهج سبيل هذا ~~العلم وفتق الألسنة به ونطق بمعانيه وأظهر أنواره وكشف به قناعه وكان يتكلم ~~فيه بكلام لم يسمعوه من أحد من إخوانه فقيل له : يا أبا سعيد إنك تتكلم في ~~هذا العلم بكلام لم نسمعه من أحد غيرك ، فممن أخذت هذا ؟ فقال : من حذيفة ~~بن اليمان قيل : وقالوا الحذيفة بن اليمان نراك تتكلم في هذا العلم بكلام ~~لا نسمعه من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن أين أخذته فقال ~~خصني به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان الناس يسألونه عن الخير وكنت ~~أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه وعلمت أن الخير لا يسبقني وقال مرة فعلمت ~~أن من لا يعرف الشر لا يعرف الخير . وفي لفظ آخر كان الناس يقولون يا رسول ~~الله مالمن عمل كذا وكذا يسألونه عن فضائل الأعمال وكنت أقول : يا رسول ~~الله ما يفسد كذا وكذا ؟ فلما رآني أسأل عن آفات الأعمال خصني بهذا العلم ~~وكان حذيفة قد خص بعلم المنافقين وأفرد بمعرفة علم النفاق وبسرائر العلم ~~ودقائق الفهم وخفايا اليقين من بين الصحابة فكان عمر وعثمان وأكابر أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الفتن العامة والفتن الخاصة ~~ويرجعون إليه في العلم الذي خصه به ويسألونه عن المنافقين وهل بقي منهم ممن ~~ذكر الله تعالى وأخبر عنهم أحد فكان يخبر بأعدادهم ولا يذكر أسماءهم وكان ~~عمر يستكشفه عن نفسه هل يعلم فيه شيئا من النفاق فبرأه منه ثم يسأله عن ~~علامات النفاق وآية المنافق فيخبر من ذلك بما يصلح مما أذن له ms0343 فيه ويستعفي ~~مما لا يجوز له أن يخبر به فيعذر في ذلك وكان عمر رضي الله عنه إذا دعي إلى ~~جنازة ليصلي عليها نظر فإن حضر حذيفة صلى عليها وإن لم ير حذيفة لم يصل ~~عليها وكان حذيفة يسمى صاحب السر وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا سئلوا عن علم يقول أحدهم تسألوني عن هذا وصاحب السر فيكم يعني حذيفة . ~~وروينا عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه لما حدث عن النبي في فضل مجلس ~~الذكر لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من غدوة إلى طلوع الشمس أحب إلي ~~من أن PageV01P258 أعتق أربع رقاب ، قال : فالتفت إلى يزيد الرقاشي وزياد ~~النميري فقال لم تكن مجالس الذكر مثل مجالسكم هذه يقص أحدكم ويخطب على ~~أصحابه ويسرد الحديث سردا إنما كما نقعد فنذكر الإيمان ونتدبر القرآن ~~ونتفقه في الدين ونعد نعم الله تعالى علينا وقد كان عبد الله بن رواحة يقول ~~لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : تعالوا حتى نؤمن ساعة فيجلسون إليه ~~فيذكرهم العلم بالله تعالى والتوحيد والآخرة وكان يخلف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد قيامه فيجتمع إليه الناس يذكرهم الله تعالى وأيامه ويفقههم ~~فيما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فربما خرج عليهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهم مجتمعون عنده فيسكتون فيجلس إليهم ويأمرهم أن يأخذوا فيما ~~كانوا فيه ويقول صلى الله عليه وسلم بهذا أمرت وإلى هذا دعوت ، وروي نحو ~~هذا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه وقد كان يتكلم بهذا العلم ، وقد روينا هذا ~~مفسرا في حديث جندب : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلمنا الإيمان ~~قبل أن نتعلم القرآن فسمي علم الإيمان إيمانا كما سماه ابن رواحة لأن علم ~~الإيمان وصف الإيمان والعرب تسمي الشيء بوصفه وتسميه بأصله كما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في مثله : تعلموا اليقين ، وكما قال تعالى : ( ~~وابيضت عيناه من الحزن ) يوسف : 84 أي من البكاء فسماه ms0344 بأصله لأن الحزن أصل ~~البكاء . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج ذات يوم فرأى ~~مجلسين ، أحدهما يدعون الله تعالى ويرغبون إليه والآخر يتفقهون في الدين ~~ويعلمون الناس فوقف بينهما ثم قال : أما هؤلاء فيسألون الله تعالى فإن شاء ~~أعطاهم وإن شاء منعهم وأما هؤلاء فيعلمون الناس ويفقهون في الدين وإنما ~~بعثت معلما ثم عدل إلى الذين يفقهون الناس في الدين ويذكرون الله تعالى ~~فجلس معهم ، ويحكي عن بعض السلف قال : دخلت المسجد ذات يوم فإذا بحلقتين ، ~~أحدهما يقصون ويدعون والأخرى يتكلمون في العلم وفقه الأعمال قال : فملت إلى ~~حلقة الدعاء فجلست إليهم فحملتني عيناي فنمت فهتف بي هاتف أو قال لي شخص : ~~جلست إلى هؤلاء وتركت مجلس العلم أما لو جلست إليهم لوجدت جبريل لله عندهم ~~، فحقيقة الذكر هو العلم بالله تعالى ، ألا تسمع إلى ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم : أفضل الذكر قول لا إله إلا الله ، وقال سبحانه وتعالى : ~~في تصديق : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) محمد : 19 وقال في مثله : ( ~~فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو ) هود : 14 ، ثم إن العلم ~~من الذكر علم المشاهدة والمشاهدة ، صفة عين اليقين فإذا كشف غطا العين شهدت ~~معاني الصفات بأنوارها وهو مزيد نور اليقين الذي هو كمال الإيمان وحقيقته ، ~~فهنالك ذكرت الموصوف بمشاهدة المذكور بنور وصفه : ألم تر إلى قوله تعالى : ~~( كانت أعينهم في غطاء عن ذكري ) الكهف : 101 ، فمن كانت عينه في كشف من ~~ذكره شهد المذكور فعندها ذكر ثم توجد حقيقة العلم بعد نسيان الخلق كقوله ~~تعالى : ( واذكر ربك إذا PageV01P259 نسيت ) الكهف : 24 ، فحق الذكر نسيان ~~ما سواه كما أن حقيقة الإيمان الكفر بكل إله كقوله تعالى ( فمن يكفر ~~بالطاغوت ويؤمن بالله ) البقرة : 256 ، وقال بعض أهل الحديث : جاءني رجل من ~~إخواني من أهل المعرفة ، فقال : قد وجدت من قلبي غفلة فأريد أن تحملني إلى ~~مجلس من مجالس الذكر فقلت نعم فسمى له مذكرا يتكلم في علوم ms0345 العامة قال : ~~فحضرنا عنده واجتمع الخلق فأخذ في شيء من القصص وذكر الجنة والنار فنظر إلي ~~صاحبي فقال أليس زعمت أن هذا يذكر الله ويذكر ربه عزوجل ويذكر أيامه فقلت : ~~نعم هكذا هو عندنا فقال : ما أسمع إلا ذكر الخلق فأين ذكرالله تعالى ؟ ثم ~~توقف ساعة ينتظر منه ما يريد من علم المعرفة ومما سمعه من شيوخه الصوفية ~~قال : فليس إلا القصص والحكايات فالتفت إلي وقال : قم بنا فإنه لا يسعني ~~الجلوس لأنه لا نية لي في ذلك فقلت أما أنا فأستحي أن أتخطى الناس فاصنع ~~أنت ما ترى فقام يتخطى الناس حتى خرج . وقد روى الزهري عن سالم عن ابن عمر ~~أنه خرج من المسجد وقال : ما أخرجني إلا القصاص ولولاه ما خرجت وقال ضمرة : ~~قلت للثوري رحمه الله نستقبل القاص بوجهنا فقال : ولوا البدع ظهوركم وقال ~~ابن عون : دخلت على ابن سيرين فقال : ما كان اليوم من خبر ؟ فقلت : نهى ~~الأمير القصاص أن يقصوا ، وحدثنا عن أبي معمر عن خلف بن خليفة قال : رأيت ~~سيارا أبا الحكم يستاك على باب المسجد وقاص يقص في المسجد فجاءه رجل فقال : ~~يا أبا الحكم إن الناس ينظرونك فقال : إني في خير مما هم فيه أنا في سنة ~~وهم في بدعة وقد فعل الأعمش أبلغ من ذلك دخل البصرة وكان فيها غريبا فنظر ~~إلى قاص في الجامع وهو يقول : حدثناالأعمش عن أبي إسحاق وحدثنا الأعمش عن ~~أبي وائل قال : فتوسط الأعمش الحلقة ورفع يده وجعل ينتف شعر إبطه فبصر به ~~القاص فقال : يا شيخ ألا تستحي نحن في علم وأنت تفعل هذا ؟ فقال له الأعمش ~~: الذي أنا فيه أفضل من الذي أنت فيه ، قال : كيف ؟ قال : لأني في سنة وأنت ~~في كذب ، أنا الأعمش وما حدثتك مما تقول شيئا فلما سمع الناس ذكر الأعمش ~~انفضوا عن القاص واجتمعوا حوله وقالوا حدثنا يا أبا محمد ، وأخبرونا عن ~~محمد بن أبي هارون أن إسحاق حدثه قال : صليت مع الإمام أحمد بن حنبل رضي ~~الله ms0346 عنه صلاة العيد فإذا قاص يقص يلعن المبتدعة ويذكر السنة فلما قضينا ~~الصلاة وصرنا ببعض الطريق ذكر أبو عبد الله القاص فقال ما أنفعهم للعامة ~~وإن كان عامة ما يحدثون به كذبا وأخبرت عن محمد بن جعفر أن أبا الحرث حدثه ~~أنه سمع الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول أكذب الناس القصاص والسؤال ~~وحدثونا عنه أيضا أنه قال : ما أحوج الناس إلى قاص صدوق لأنهم يذكرون ~~الميزان وعذاب القبر قلت له : أنت تحضر مجالسهم ؟ قال : لا . وروينا عن ~~حبيب بن أبي ثابت عن زياد النميري قال : أتيت أنس بن مالك وهو PageV01P260 ~~بالزاوية فقال لي : قص فقلت كيف ؟ والناس يزعمون أنه بدعة فقال : ليس شيء ~~من ذكر الله تعالى بدعة ، قال : فقصصت وجعلت أكثر قصصي ودعائي رجاء أن يؤمن ~~، قال : فجعلت أقص وهو يؤمن وقد كانوا يجعلون الدعاء قصصا وحدث يوسف بن ~~عطية عن محمد بن عبد الرحمن الخراز قال : فقد الحسن عامر بن عبد الله ~~العنبري فقال : اذهبوا بنا إلى أبي عبد الله فأتاه الحسن فإذا عامر في بيت ~~قد لف رأسه وليس إلا رمل فقال له الحسن : يا أبا عبد الله لم نرك منذ أيام ~~، فقال : إني كنت أجلس هذه المجالس فأسمع تخليطا وتغليظا واني كنت أسمع ~~مشيختنا فيما يروون عن نبيينا صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إن أصفى ~~الناس إيمانا يوم القيامة أكثرهم فكرة في الدنيا وأكثر الناس ضحكا في الجنة ~~أكثرهم بكاء في الدنيا وأشد الناس فرحا في الآخرة أطولهم حزنا في الدنيا ~~فوجدت البيت أخلى لقلبي وأقدر لي من نفسي على ما أريد منها ، قال الحسن : ~~أما إنه لم يعن مجالسنا هذه إنما عنى مجالس القصاص في الطرق الذين يخلطون ~~ويغلطون ويقدمون ويؤخرون وقد قسم بعض العلماء المتكلمين ثلاثة أقسام فوصفهم ~~بأماكنهم فقال المتكلمون ثلاثة أصحاب الكراسي وهم القصاص وأصحاب الأساطين ~~وهم المفتنون وأصحاب الزوايا وهم أهل المعرفة فمجالس أهل العلم بالله تعالى ~~وأهل التوحيد والمعرفة هي مجالس الذكر وهي التي جاءت ms0347 فيها الآثار ، وفي ~~الخبر : إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا فيها قيل : وما رياض الجنة ؟ قال : ~~مجالس الذكر ، وفي الحديث أن لله تعالى ملائكة سياحين في الهواء فضلا عن ~~كتاب الخلق إذا رأوا مجالس الذكر ينادي بعضهم بعضا : ألا هلموا إلى بغيتكم ~~فيأتوهم حتى يجلسوا إليهم فيحفون بهم ويستمعون منهم ألا فاذكروا الله ~~واذكروا أيامه ، وقال وهب بن منبه اليماني : مجلس يتنازع فيه العلم أحب إلي ~~من قدره صلاة لعل أحدهم يسمع الكلمة فينتفع بها السنة أو ما بقي من عمره ، ~~وسئل أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عن مجالس الذكر وفضلها فرغب فيها وقال ~~رحمه الله : وأي شيء أحسن من أن يجتمع الناس فيذكرون الله عز وجل ويعددون ~~نعمه عليهم كما قالت الأنصار . وروينا عن علي كرم الله وجهه : ما يسرني أن ~~الله تعالى أماتني طفلا وأدخلني الدرجات العلى من الجنة قيل : ولم ؟ قال : ~~لأنه أحياني حتى عرفته ، وقال مالك بن دينار : خرج الناس من الدنيا ولم ~~يذوقوا طيب شيء فيها قيل : وما هو ؟ قال : المعرفة ثم أنشأ يقول : إن عرفان ~~ذي الجلال لعز . . . وضياء وبهجة وسرور وعلى العارفين أيضا بهاء . . . ~~وعليهم من المحبة نور فهنيا لمن عرفك إلهي . . . هو والله دهره مسرور ~~PageV01P261 وقال يحيى بن معاذ الرازي : في الدنيا جنة من دخلها لم يشتق ~~إلى شيء ولم يستوحش ، قيل : وما هي ؟ قال : معرفة الله تعالى ، وقال آخر : ~~لم يخطئك من العارف إحدى ثلاث خلال تدل عليه هيبة أو حلاوة أو أنس ، وقال ~~عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله : خرج العلماء والزهاد والعباد وقلوبهم ~~مقفلة ولم يفتح إلا قلوب الصديقين والشهداء ثم تلا وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمها إلا هو يعني مقفلة عن مفاتح المعرفة وشهادة عين التوحيد فمجالس ~~الذكر هذه قديما كانت لأهل المعرفةوأصحاب معاملات القلوب وعلم الباطن وهم ~~علماء الآخرة وأهل الفقة في الدين ، وقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين ~~: ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) التوبة : 122 ~~الآية ، فذكر الفقة الذي هو ms0348 من صفة القلب والخوف الذي هو سبب الفقه وعلم ~~العقل داخل في علم الظاهر والعلم بالله داخل فياليقين كما روي في الخبر ~~اليقين الإيمان كله ، وقال الله تعالى : ( وما يعقلها إلا العالمون ) ~~العنكبوت : 43 فجعل العقل وصفا من العلم وقد أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بتعليم اليقين كما أمر بطلب العلم فكان هذا الحديث مخصوصا من ذاك ~~فيكون قوله صلى الله عليه وسلم : تعلموا اليقين للخصوص لأن اليقين مقام فوق ~~العلم ويكون قوله طلب العلم فريضة للعموم وفي قوله تعلموا اليقين أمر ~~بمجالسة الموقنين لأن اليقين لا يظهر بذاته وإنما يوجد عندا لموقنين فقد ~~أمرهم ولم يقل تعلموا علم المعقول ولا علم الفتاوى وكان علماء الظاهر قديما ~~يسمون المفتين ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم استفت قلبك وإن أفتاك ~~المفتون فرده إلى فقه القلب وصرفه عن فتيا المفتين فلولا أن القلب فقيه لم ~~يجز أن يدله صلى الله عليه وسلم على غير فقيه ولولا أن علم الباطن حاكم على ~~الظاهر ما دفعه من علوم أهل الظاهر وهم علماء الألسنة إلى علم الباطن وهو ~~علم أهل القلوب مارده إليه ولا يجوز أن يرده من فقيه إلى فقيه دونه كيف وقد ~~جاء هذا الحديث بلفظه مؤكدة بالتكرير والمبالغة فقال استفت قلبك وإن أفتوك ~~وأفتوك ، وهذا مخصوص لمن كان له قلب وألقى سمعه وشهد قيام شاهده وعرى عن ~~شهواته ومعهوده لأن الفقه ليس من وصف اللسان ألم تسمع قوله تعالى : ( لهم ~~قلوب لا يفقهون بها ) الأعراف : 179 ، فمن كان له قلب سميع بسميع شهيد ~~بشهيد فقه به الخطاب فاستجاب لما سمع وأناب وذكر في قوله تعالى : ( ~~ليتفقهوا في الدين ) التوبة : 122 وصفين ظهرا عن الفقه أحدهما النذارة وهو ~~مقام في الدعوة إلى الله عز وجل ولا يحكون النذير إلا مخوفا ولا يكون ~~المخوف إلا خائفا والخائف عالم والثاني الحذر وهو حال من المعرفة بالله عز ~~وجل وهو الخشية له ، والفقه والفهم اسمان لمعنى واحد والعرب تقول : فقهت ~~بمعنى فهمت وقد ms0349 فضل الله تعالى الفهم عنه على العلم والحكمة ورفع الإفهام ~~على القضاء والأحكام فقال تعالى : ( ففهمناها سليمان ) الأنبياء : 79 ، ~~فأفرده بالفهم عنه وهو الذي فضله به على حكم PageV01P262 أبيه في القضية ~~بعد أن أشركهما في الحكم والعلم ، وقد فضل الحسن بن علي رضي الله عنهما ~~علماء الهداية إلى الله سبحانه وتعالى الدالين عليه عزوجل وسماهم العلماء ~~وحققهم بالعلم في كلام روي لنا عنه منظوما وقد رويناه أيضا عن علي كرم الله ~~وجهه ورضي عنه : ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم . . . على الهدى لمن استهدى ~~أدلاء ووزن كل امرئ ما كان يحسنه . . . والجاهلون لأهل العلم أعداء فمن كان ~~عالما يعلم معلومه الله سبحانه وتعالى فمن أفضل منه وأي قيمة تعرف له إذ كل ~~علم قيمته معلومة ووزن كل عالم علمه ، وقد قال عبد الواحد بن زيد إمام ~~الزاهدين كلاما في هذا المعنى ويفرد به العلماء بالله تعالى ويرفع طريقهم ~~فوق كل طريق أنشدونا عنه رحمه الله تعالى : الطرق شتى وطرق الحق مفردة . . ~~. والسالكون طريق الحق أفراد لايعرفون ولا تسلك مقاصدهم . . . فهم على مهل ~~يمشون قصاد والناس في غفلة عما يراد بهم . . . فجلهم عن سبيل الحق رقاد ~~وروينا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لما مات عمر رضي الله عنه : إني ~~لأحب هذا الرجل قد ذهب بتسعة أعشار العلم فقيل له : تقول هذا وأصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم متوافرون فقال : إني لست أعني العلم الذي تذهبون ~~إليه إنما أعني العلم بالله عز وجل ، وكان ابن مسعود يقول : المتقون ~~متوارون ، وكذلك كان يقول : المتقون سادة والعلماء قادة ومجالستهم زيادة ~~يعني أن المتقين سادة الناس كماقال الله عز وجل : ( إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم ) الحجرات : 13 والعلماء قادة المتقين أي أئمتهم يقتفون آثارهم لأنه ~~قال تعالى : ( واجعلنا للمتقين إماما ) الفرقان : 74 ، ففضل العلماء على ~~المتقين وجعلهم أئمة لهم صار المتقون أصحابه وأخبر بالمزيد في مجالستهم أي ~~مجالستهم زيادة على مجالسة المتقين غير العلماء لأن كل عالم تقي وليس كل ~~تقي ms0350 عالما كما روى بمعناه العلماء كثير والحكماء من العلماء قليل والصالحون ~~كثير والصادقون من الصالحين قليل ، وسئل ابن المبارك من الناس ؟ قال : ~~العلماء ، قيل فمن الملوك ؟ قال : الزهاد ، قيل : فمن السفلة ؟ قال : من ~~يأكل بدينه ، وقال مرة في رواية الذين يتلبسون ويطلبون ويتعرضون للشهادات ~~وقال فرقد السنجي للحسن رحمهما الله تعالى في شيء سأله عنه ، فأجابه : يا ~~أبا سعيد إن الفقهاء يخالفونك فقال : ثكلتك أمك فرقد وهل رأيت بعينيك فقهاء ~~؟ إنما الفقيه الزاهدفي الدنيا الراغب في الآخرة البصيربدينه المداوم على ~~عبادة ربه الورع الكاف عن أعراض المسلمين العفيف عن أموالهم الناصح ~~لجماعتهم جمعنا قوله هذا في ثلاث روايات عنه مختلفة فهذه صفات العالم بالله ~~تعالى وهم العارفون . وحدثنا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : قلت لأبي : ~~بلغنا أنك كنت تختلف إلى PageV01P263 معروف أكان عنده حديث ؟ فقال : يا بني ~~كان عنده رأس الأمر تقوى الله عز وجل وقيل للإمام أحمد رضي الله عنه : بأي ~~شيء ذكر هؤلاء الأئمة ووصفوا ؟ فقال : ما هو إلا الصدق الذي كان فيهم قيل ~~له : وما الصدق ؟ قال : هو الإخلاص قيل له : فالإخلاص ما هو ؟ قال : الزهد ~~، قيل : وما الزهد ؟ فأطرق ثم قال : سلوا الزهاد سلوا بشر بن الحرث وقد ~~حدثت عن بشر في منصور بن عمار رحمهما الله حكايات ظريفة كان منصور بن عمار ~~من الواعظين المذكرين ولم يكن العلماء في وقته مثل بشر وأحمد وأبي ثور ~~يعدونه عالما كان عندهم من القصاص وكانت العامة تسمية عالما فحدثت عن نصر ~~بن علي الجهضمي أنه مزح ذات يوم مزاحا أفرط فيه فقيل له : تقول هذا وأنت من ~~العلماء ؟ فقال : ما رأيت أحدا من العلماء إلا وهو يمزح فقيل له : قد رأيت ~~بشر بن الحرث فهل سمعته يمزح قال : نعم كنت جالسا معه ذات يوم في بعض ~~الدروب فجاء منصور بن عمار يعدو ، فقال : يا أبا نصر الأمير قد أمر بجمع ~~العلماء والصالحين فترى لي أن أختفي ؟ فدفعه بشر وقال : تنح عنا لا يمر حمل ~~شوك ms0351 فيلقيك علينا فنحترق فهذا كان محل القصاص عندالعلماء فيما سلف حتى ذهب ~~أهل هذا العلم وجهلت مجالس الذكر وعلوم اليقين والمعاملات إلا من عرف سيرة ~~المتقدمين وطريقة السالفين الذين كانوا يفرقون بين مجالس الذكر وبين القصاص ~~ويميزون بين العلماء وبين المتكلمين وبين علم اللسان وفقه القلب وبين علم ~~اليقين وعلم العقل لأن الفرق بين العالم والقاص أن العالم يسكت حتى يسأل ~~فإذا سئل أجاب فيما يعلم بما هيأ الله تعالى له وكشف وينطق فيما أجراه الله ~~عزوجل عليه وعرف فإن كان الصمت أفضل آثر السكوت لعلمه بالأفضل فإن لم ير ~~أهله تربص حتى يضعه في أهله وأهله من عرفه وكان له نصيب من مشاهدته ووجده . ~~وقال الله سبحانه وتعالى : ( فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) النحل : ~~43 ، ففي ذلك معنيان ، أحدهما أن أهل الذكر هم العلماء بالله تعالى لقوله : ~~إن كنتم لا تعلمون فلا يجوز أن يقول سلوا من لا يعلم وهم جاهلون فيزدادوا ~~جهلا ، والمعنى الثاني يدل على أن العلماء سكوت حتى يسألوا فإذا سئلوا وجب ~~عليه أن يجيبوا لقوله تعالى لمن لا يعلم فاسئلوا فدل أن مجالس الذكر هي ~~مجالس العلماء التي وردت الأخبار بفضائلها وفي تدبره أن أهل الذكر هؤلاء ~~المسؤولون هم الذين وصل لهم القول لعلهم يتذكرون فلما وصل لهم المفصل ~~تذكروا عما وعد تعالى فلما تذكروا علموا فعندها أمر أن يسألوا ، ولذلك ~~روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ينبغي للجاهل أن يستقر على ~~جهله ولا ينبغي للعالم أن يسكت على علمه . وقد قال الله تعالى : ( فسئلوا ~~أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون ) النحل : 43 وهكذا قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الخبر الذي رويناه من طريق أهل البيت : العلم خزائن مفتاحها ~~السؤال PageV01P264 فاسألوا فإنه يؤجر فيه أربعة : السائل ، والعالم ، ~~والمستمع ، والمحب لهم ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : إن من يفتي ~~الناس في كل ما يستفتونه لمجنون ، وقال الأغمش : من الكلام كلام جوابه ~~السكوت ، وقال ذو النون المصري رحمه ms0352 الله تعالى : حسن سؤال الصادقين مفتاح ~~قلوب العارفين ، فأما القاص فهو الذي يبتدئ فيقص الأخبار ويذكر القصص ~~والآثار ولذلك سمي قاصها أي يتبع قصة من سلف ، ومنه قوله تعالى : ( وقالت ~~لأخته قصيه ) القصص : 11 ، أي تتبعي أثر موسى تعرفي قصته وأخبريني خبره ، ~~وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى : من اذالة العلم أن ينطق به قبل أن يسأل ~~عنه ، وقال مرة من إذالة العلم أن يجيب عن كل ما يسأل عنه أي من إهانته ~~ووضعه ، يقال أشل هذا وأذل هذا أي ارفع وضع ، يقال : إذا تكلم بالعلم قبل ~~أن يسأل عنه ذهب ثلثا نوره ، وقد قال إبراهيم بن أدهم وغيره : سكوت العالم ~~أشد على الشيطان من كلامه لأنه يسكت بحلم وينطق بعلم فيقول الشيطان : ~~انظروا إلى هذا سكوته أشد علي من كلامه ، ولذلك يقال : الصمت زين العالم ~~وستر الجاهل وعن القاسم بن محمد أنه قال : من أكرم المرء نفسه أن يسكت على ~~ما عنده حتى يسأل عنه ، وكذلك هو لعمري لأنه إذا تكلم بعد السؤال فهو ~~صاحبها وربما كان فرضا وليس الحاجة إلاالقيام بالفرض من الشهوات ، ولقوله ~~تعالى : ( فسئلوا أهل الذكر ) النحل : 43 فأوجب أن يجيبوا من حيث أمر أن ~~يسألوا وقال صلى الله عليه وسلم : من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار ~~فتوعد عليه بالعقاب ، وقد يكون الابتداء بالشيء من خفايا الشهوات والشهوات ~~من الدنيا ووصف رجل لمالك بن أنس فقال : لابأس به لولا أنه يتكلم بالشيء ~~قبل أن يسأل عنه ، وقال مرة : لابأس به إلا أنه يتكلم بكلام شهر في يوم ، ~~وقد قيل في معنى ما ذكر : إن الكلام من الشهوات ، قال : هو الذي يبتدئ به ~~قبل أن يسأل عنه ووصف بعضهم الأبدال فقال في وصفهم : أكلهم فاقة وكلامهم ~~ضرورة وكانوا لا يتكلمون حتى يسألواعن شيء فيجيبوا ، ومن لم يتكلم حتى يسأل ~~فليس يعد لاغياولا متكلما فيما لايعنيه لأن الجواب بعد السؤال كالفرض ~~بمنزلة رد السلام وكما قال ابن عباس رضي الله عنهما إني لأرى رد ms0353 الجواب ~~واجبا كرد السلام ، وقد قال أبو موسى وابن مسعود رضي الله عنهما : من سئل ~~عن علم فليقل به ومن لا فليسكت وإلا كتب من المتكلفين ومرق من الدين ، ~~ورويناه عن ابن عباس أيضا وقد كانوا يخافون من دخول التكلف عليهم في كل شيء ~~ويعد بعضهم بالابتداء بالكلام من غير حاجة تدعو إليه أو قبل سؤال عنه من ~~غير أن يرى له موضعا أو يجد له أهلا يعدونه من التكلف ، وفي وصية ابن عباس ~~لمجاهد : لا تتكلم فيما لا يعنيك فإنه أفضل ولاآمن PageV01P265 عليك الخطأ ~~ولا تكلم فيما يعنيك حتى ترى له موضعا فرب متكلم فيما يعنيه قد وضعه في غير ~~موضعه فعنت . وروي في حديث الأنصاري الذي قالت له أمه عند موته : هنيئا لك ~~الجنة جاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلت في سبيل الله تعالى ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما يدريك أنه في الجنة ولعله كان ~~يتكلم فيما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه ، ومن أظهر علما من غير أن يسأل ~~عنه ونشره في غير أهله فأنكر عليه سئل عنه وكان عليه فيه مطالبة لأنه قد ~~تكلف إظهاره فإن كان سئل عنه ثم تكلم فيه لم يكن عليه فيه مطالبة فيمن أنكر ~~لأنه خرج جوابا على سؤال ، ومن هذا كان السلف المتكلمون في هذا العلم ~~يسكتون حتى يسألوا عنه ، وكان أبو محمد يقول : العالم يقعد فيسكت ويرفع ~~قلبه إلى مولاه فيفتقر إليه في حسن توفيقه ويسأله أن يلهمه الصواب فأي شيء ~~سئل عنه تكلم بما فتح له مولاه فجعل العالم في حالة سكوته ونظره إلى سيده ~~محتاجا إلى التوكل ومنتظرا للوكيل في أي شيء يجريه ، وقال بعضهم : إنما ~~العالم الذي إذا سئل عن المسألة كأنما تقلع ضرسه وقال رقبة بن مصقلة وغيره ~~ليس العالم الذي يجمع الناس فيقص عليهم إنما العالم الذي إذا سئل عن العلم ~~كأنما يسعط الخردل ، وقد روينا أنه قاله الأعمش وقد كان محمد بن سوقة يسأله ~~عن الحديث فيعرض ms0354 عنه ولا يجيبه فالتفت الأعمش إلى رقبة فقال له هو إذا أحمق ~~مثلك إن كان يدع فائدته لسوء خلقي فقال محمد بن سوقة : ويحك إنما أجعله ~~بمنزلة الدواء أصبر على مرارته لما أرجو من منفعته ، وقد روينا عن علي وابن ~~مسعود رضي الله عنهما أنه مر برجل يتكلم على الناس فقال هذا يقول اعرفوني ، ~~وحدثني بعض علماء خراسان عن شيخ له عن أبي حفص النيسابوري الكبير ، وكان ~~هذا هناك نظير الجنيد ههنا أنه قال إنما العالم الذي يسأل عن مسألة في ~~الدين فيغتم حتى لو جرح لم يخرج منه دم من الفزع يخاف أن يسأل في الآخرة ~~عما سئل عنه في الدنيا ويفزع أن لا يتخلص من السؤال إلا أن يرى أنه قد ~~افترض عليه الجواب لفقد العلماء ، ومن ههنا كان ابن عمر رضي الله عنهما ~~يسكت عن تسع مسائل ويجيب عن واحدة ويقول : تريدون أن تجعلونا جسرا تعبرون ~~عليه في جهنهم ، تقولون أفتانا ابن عمر بهذا ، وكان إبراهيم التميمي إذا ~~سئل عن مسألة يبكي ويقول : لم تجد من تسأله غيري أو احتجتم إلي ؟ قال : ~~وجهدنا بإبراهيم النخعي أن نسنده إلى سارية فأبى وكان إذا سئل عن شيء بكى ~~وقال : قد احتاج الناس إلي وقد كان سفيان بن عيينة تفرد في زمانه بعلوم ~~انفرد بها في وقته وكان مع ذلك يضرب المثل لنفسه ويقول : خلت الديار فسدت ~~غير مسود . . . ومن الشقاء تفردي بالسؤدد وأما أبو العالية الرياحي فكان ~~يتكلم على الاثنين والثلاثة فإذا صاروا أربعة قام ، وكذلك كان إبراهيم ~~والثوري وابن أدهم رحمهم الله تعالى يتكلمون على النفر فإذا كثر ~~PageV01P266 الناس انصرفوا وكان أبو محمد سهل رحمه الله يجلس إليه خمسة أو ~~ستة إلى العشرة وقال لي بعض الشيوخ : كان الجنيد رحمه الله يتكلم على بضع ~~عشرة ، قال وما تم أهل الجلسة عشرون ، وقد حدثت عن أبي الحسن بن سالم شيخنا ~~رحمه الله : أن قوما اجتمعوا في مسجده فأرسلوا إليه بعضهم ، إن إخوانك قد ~~حضروا ويحبون لقاءك والسماع منك فإن ms0355 رأيت أن تخرج إليه فذاك وكان المسجد ~~على باب بيته ، ولم يكن يدخل عليه في منزله فقال للرسول بعد أن خرج إليهم : ~~من هم ؟ فقال : فلان وفلان وسماهم فقال : ليس هؤلاء من أصحابي هؤلاء أصحاب ~~المجلس ولم يخرج كأنه رآهم عموما لا يصلحون لتخصيص علمه فلم يذهب وقته ~~لوقتهم وكذلك العالم خلوته تعز عليه فإن وافق خصوص أصحاب آثرهم على خلوته ~~فكان ذلك مزيدا لهم وإن هو لم يوافق لم يؤثر على خلوته غيره فيكون مناخا ~~للبطالين ، وقد كان ابن سالم أبو الحسن يخرج إلى إخوانه ممن يراه موضعا ~~لعلمه فيجلس إليهم ويذاكرهم وربما أدخلهم إليه نهارا أو ليلا ولعمري أن ~~المذاكرة تكون بين النظراء والمحادثة تكون مع الإخوان والجلوس للعلم يكون ~~للأصحاب ، والجواب عن السوال نصيب العموم ، وكان عند أهل العلم أن علمهم ~~مخصوص لا يصلح إلا للخصوص والخصوص قليل ، ولم يكونوا ينطقون به إلا عند ~~أهله ويرون أن ذلك من حقه وأنه واجب عليهم كما وصفهم علي كرم الله وجهه في ~~قوله حتى يودعوه أمثالهم ويزرعوه في قلوب أشكالهم وكذلك جاءت الآثار بذلك ~~عن نبينا صلى الله عليه وسلم وعن عيسى عليه السلام : لا تضيعوا الحكمة عند ~~غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ، كونوا كالطبيب الرفيق ~~الذي يضع الدواء في موضع الداء ، وفي لفظ آخر : من وضع الحكمة في غيرأهلها ~~جهل ومن منعها أهلها ظلم ، إن للحكمة حقا وإن له أهلا وإن لأهلها حقا فأعط ~~كل ذي حق حقه وفي حديث عيسى صلاة الله وسلامه عليه لا تعلقوا الجوهر في ~~أعناق الخنازير فإن الحكمة خير من الجوهر ومن كرهها فهو شر من الخنزير ، ~~وكان بعض هذه الطائفة يقول : نصف هذا العلم سكوت ونصفه تدري أين تضعه . وقد ~~قال بعض العارفين : من كلم الناس بمبلغ علمه وبمقدار عقله ولم يخاطبهم بقدر ~~حدودهم فقد بخسهم حقهم ولم يقم بحق الله عز وجل فيهم وكان يحيى بن معاذ ~~يقول : اغرف لكل واحد من نهره واسقه بكأسه ونحن نقول بمعناه كل ms0356 لكل عبد ~~بمعيار عقله وزن له بميزان علمه حتى تسلم منه وينتفع بك وإلاوقع الإنكار ~~لتفاوت المعيار ، وحدثني بعض أشياخنا من هذه الطائفة عن أبي عمران وهو ~~المزين الكبير المكي قال سمعته يقول لأبي بكر الكتابي وكان سمحا بهذا العلم ~~بذولا له لجميع الفقراء فجعل أبو عمران يعاتبه وينهاه عن بذله له وكثرة ~~كلامه فيه إلى أن قال : أنا منذ عشرين سنة أسأل PageV01P267 الله تعالى أن ~~ينسيني هذا العلم قال : ولم ؟ قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في ~~المنام فسمعته يقول إن لكل شيء عن الله تعالى حرمة ومن أعظم الأشياء حرمة ~~الحكمة ، فمن وضعها في غير أهلها طالبه الله تعالى بحقها ومن طالبه خصمه ~~وقد كان بعض السلف يقول : إذا استند الرجل إلى سارية أو أحب أن يسأل فلا ~~تجلس إليه ولا ينبغي أن يسأل ولم ير في مجالس أهل هذا العلم فيما سلف ~~ثلاثون رجلا ولاعشرون إلا نادرا غير لزام ولا دوام إنما كانوا من الأربعة ~~إلى العشرة وبضعة عشر ، وقد كان يجتمع في مجالس القصاص والمذكرين والواعظين ~~مئون من عهد الحسن إلى وقتنا هذا فهذا أيضا من الفرق بينهما أن العلم مخصوص ~~لقليل وأن القصص عام لكثير . وقال بعض علمائنا : كان في البصرة مائة وعشرون ~~متكلما في الذكر والوعظ ولم يكن من يتكلم في علم المعرفة واليقين والمقامات ~~والأحوال إلاستة منهم : أبو محمد سهل والصبيحي وعبد الرحيم ، وقد قيل من لم ~~ينتفع بسكوت العالم لم ينتفع بكلامه أي ينتغي أن يتأدب بصمته وخشوعه وورعه ~~ويقتدي بيقينه في ذلك كما يتأدب بنطقه ويقتدى بكلامه على أنهم كانوا يقولون ~~علم الظاهر من علم الملك وعلم الباطن من علم الملكوت يعنون أن ذلك من علم ~~الدنيا لأنه يحتاج إليه في أمور الدنيا وهذا من علم الآخرة لأنه من زادها ~~وهذا كما قالوه لأن اللسان ظاهر فهو من الملك وهو خزانة العلم الظاهر ~~والقلب خزانة الملكوت وهو باب العلم الباطن فقد صار فضل العلم الباطن على ~~الظاهر كفضل الملكوت على ms0357 الملك وهو الملك الباطن الخفي وكفضل القلب على ~~اللسان وهو الظاهر الجلي . وقد كان بشر بن الحرث رحمه الله يقول : حدثنا ~~وأخبرنا باب من أبواب الدنيا ، وقال مرة : الحديث ليس من زاد الآخرة ، ~~وحدثنا بعض أشياخنا عن بعض أصحابه قال : دفنا له بضعة عشر ما بين قمطر ~~وقوصرة كتبا لم يحدث منها بشيء إلا ما سمع منه نادرا في الفرد وكان رحمه ~~الله تعالى يقول : إني أشتهي أن أحدث ولو ذهب عني شهوة الحديث لحدثت ثم قال ~~: أنا أجاهد نفسي منذ أربعين سنة ، وقال إذا سمعت الرجل يقول حدثنا وأخبرنا ~~فإنما يقول أوسعوا إلي وكان زاهدا عالما وقال هو وغيره : إذا اشتهيت أن ~~تحدث فلا تحدث وإذا لم تشته أن تحدث فحدث ، وقد كانت رابعة العدوية رحمها ~~الله تعالى قبله تقول للثوري رضي الله عنه : نعم الرجل سفيان لولا أنه يحب ~~الحديث ، وكانت تقول : فتنة الحديث أشد من فتنةالمال والولد وقالت مرة : ~~لولا أنه يحب الدنيا يعني اجتماع الناس حوله للحديث ، PageV01P268 وكان أبو ~~سليمان الداراني رحمه الله تعالى يقول : من تزوج أو كتب الحديث أو طلب ~~معاشا فقد ركن إلى الدنيا ، وقال بعض هذه الطائفة : كل من أدرك العلوم غير ~~العلم بالله عز وجل فقد استدرك والذي أدرك العلم بالله فقدتدورك ثم تلاقوله ~~تعالى : ( لولا أن تداركه نعمةمن ربه لنبذ بالعراء ) القلم : 49 ، أي تدورك ~~بعلم المعرفة لطرح في بعد الهوى والعرا البعد وعلم المعقول بعد إلى جنب علم ~~اليقين ، وقال أيضا في فهم قوله تعالى : ( ولولا أن ثبتناك لقدكدت تركن ~~إليهم ) الإسراء : 74 أي ثبتناك بالمعرفة لقد كدت تسكن إلى علوم العقل . ~~وقال سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى في قوله عز وجل : ( واجعل لي من لدنك ~~سلطانا نصيرا ) الإسراء : 80 قال لسانا ينطق عنك لاعن سواك وفضل العلم ~~بالله عز وجل والعلم بالإيمان وعلم اليقين على العلم بالأحكام والقضايا ~~كفضل المشاهدة على الخبر ، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ليس الخبر ~~كالمعاينة ، وفي لفظ آخر : ليس ms0358 الخبر كالمعاين ، وقد روى عياض بن غنم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم : في تفسير قوله عز وجل : ( ألهاكم التكاثر ) ( ~~علم اليقين ) التكاثر : 1 - 5 ، كرأي العين ، وفي هذا الخبر أن من خيار ~~أمتي قوما يضحكون جهرا من سعة رحمة ربهم ويبكون سرا من خوف عذابه أقدامهم ~~في الأرض وقلوبهم في السماء أرواحهم في الدنيا وعقولهم في الآخرة يمشون ~~بالسكينة ويتقربون بالوسيلة ، فالفتيا هي الأخبار والاستفتاء هو الاستخبار ~~، ومنه قوله تعالى : ( فاستفتهم ) الصافات : 11 وقوله تعالى : ( ويستفتونك ~~) النساء : 127 أي يستخبرونك ، فعلم الخبر قد يدخله الظن والشك والمشاهدة ~~ترفع الظن وتزيل الشك كما قال تعالى : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) النجم : 11 ~~فأثبت الرؤية للقلب بالعين فرؤية القلب هو اليقين وذو القلب هو الموقن ، ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم : كفى باليقين غنى ففي علم اليقين غنية عن ~~جميع العلوم لأنه حقيقة العلم وخالصه وليس في جميع العلوم غنى عن علم ~~اليقين ولأن الفقر بالشك والحاجة إلى اليقين في علم التوحيد وعلم الإيمان ~~أشد من الفقر بالحاجة إلى علوم الفتيا وغيرها فلذلك صار الغني باليقين أعظم ~~من الاستغناء بسائر العلوم ففي هذا العلم مثل من فاتحة الكتاب إلى سائر ~~القرآن . كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب تجزي من كل ~~القرآن وليس القرآن كله يجزي من فاتحة الكتاب ، فكذلك مثل العلم بالله عز ~~وجل إلى العلم بما سواه ، ففي العلم بالله تعالى عوض من كل العلوم ، وليس ~~في سائر العلوم عوض من العلم بالله عز وجل من حيث كان في الله تعالى عوض به ~~عن كل ما سواه ، وكل علم موقوف على معلومه فعلم اليقين معلومه الله تعالى ~~ففضله كفضل الله تعالى على ما سواه ، وقد قال بعض الحكماء في معنى ما ~~ذكرناه : من عرف الله تعالى فماذا جهل ومن جهل الله تعالى فماذا عرف ؟ ~~فالعلماء بالله تعالى هم ورثة الأنبياء لأنهم ورثوا عنهم الدلالة على الله ~~تعالى فماذا عرف ؟ فالعلماء بالله تعالى هم ورثة الأنبياءلأنهم ورثوا ms0359 عنهم ~~الدلالة على الله تعالى والدعوة إليه PageV01P269 والاقتداء بهم في أعمال ~~القلوب ، وقد قال الله تعالى : ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل ~~صالحا ) فصلت : 33 ، وكما قال تعالى : ( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة ) النحل ~~: 125 ، وكما أمره بالدعاء وأشرك معه أتباعه في الدعاء إلى الله تعالى لا ~~في البصيرة فقال تعالى : ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني ) يوسف : 108 ، ويحشرون يوم القيامة مع الأنبياء كما قال تعالى : ( ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ) النساء : 69 ، وما قال تعالى ~~: ( وجيء بالنبيين والشهداء ) الزمر : 69 ، ثم فسره فقال بما استحفظوا من ~~كتاب الله وكانوا عليه شهداء . وقد روينا معناه عن معاذ بن جبل قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم ~~وأهل الجهاد ، أما أهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الأنبياء وأما أهل ~~الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل وعلماء الدنيا يحشرون مع ~~الولاة والسلاطين ، وقد قال بعض السلف : العلماء يحشرون في زمرة الأنبياء ~~والقضاة يحشرون في زمرة السلاطين ، وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي من علماء ~~أهل الدنيا ومن سادة القضاة وعقلائهم وكان مؤاخيا لأبي الحسن بن أبي الورد ~~، وكان هذا من أهل المعرفة فلما ولى إسماعيل القضاء هجره ابن أبي الورد ثم ~~إنه اضطر إلى أن دخل عليه في شهادة فضرب بن أبي الورد يده على كتف إسماعيل ~~القاضي وقال : يا إسماعيل علم أجلسك هذا المجلس لقد كان الجهل خيرا منه ، ~~فوضع إسماعيل رداءه على وجهه وجعل يبكي حتى بله ، وعلماء الظاهر هم زينة ~~الأرض والملك وعلماء الباطن زينة السماء والملكوت وعلماء الظاهر أهل الخبر ~~واللسان وعلماء الباطن أرباب القلوب والعيان . وقال بعض العلماء : لما خلق ~~الله تعالى اللسان قال هذا معقل خبري إن صدقني نجيته ولما خلق الله تعالى ~~القلب قال هذا موضع نظري إن صفا لي صافيته ، وقال بعض الخلف : الجاهل ينجو ~~بالعلم والعالم ينجو بالحجة والعارف ينجو ms0360 بالجاه ، وقال بعض : العارفين : ~~علم الظاهر حكم وعلم الباطن حاكم ، والحكم موقوف حتى يجيء الحاكم يحكم فيه ~~، وقد كان علماء الظاهر إذا أشكل عليهم العلم في مسألة لاختلاف الأدلة ~~سألوا أهل العلم بالله لأنهم أقرب إلى التوفيق عندهم وأبعد من الهوى ~~والمعصيةمنهم : الشافعي رحمه الله تعالى كان إذا اشتبهت عليه المسألة ~~لاختلاف أقوال العلماء فيها وتكافؤ الاستدلال عليها رجع إ لى علماء أهل ~~المعرفة فسألهم قال : وكان يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يجلس الصبي بين ~~يدي المكتب ويسأله كيف يفعل في كذا وكيف يصنع في كذا فيقال له مثلك يا أبا ~~عبد الله في علمك وفقهك تسأل هذا البدوي فيقول : إن هذا وفق لما علمناه ، ~~وكان الشافعي رحمه الله قد اعتل علة شديدة وكان يقول : اللهم إن كان في هذا ~~رضاك فزدني منه فكتب إليه المعافري من سواد مصر : يا أبا عبد الله لست ~~وإياك من PageV01P270 رجال البلاء فنسأل الرضا الأولى بنا أن نسأل الرفق ~~والعافية ، فرجع الشافعي رحمه الله عن قوله هذا ، وقال : أشتغفر الله تعالى ~~وأتوب إليه ، فكان بعد ذلك رحمه الله يقول : اللهم اجعل خيرتي فيما أحب وقد ~~كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين رضي الله عنهما يختلفان إلى معروف بن فيروز ~~الكرخي رحمهم الله ولم يكن يحسن من العلم والسنن ما يحسناته فكانا يسألانه ~~، وقد روي في الخبر قيل : يا رسول الله كيف نصنع إذا جاءنا أمر لم نجده في ~~كتاب الله تعالى ولا في سنة رسول الله فقال سلوا الصالحين واجعلوه شورى ~~بينهم ولا تقضوا فيه أمرا دونهم . وفي حديث معاذ رضي الله عنه : فإن جاءك ~~ما ليس في كتاب الله تعالى ولا سنة رسول الله قال : أقضي فيه بما قضى ~~الصالحون فقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسوله ، وفي بعضها اجتهد رأيي ~~وحدثونا عن الجنيد قال : كنت إذا قمت من عند سري السقطي قال لي : إذا ~~فارقتني من تجالس ؟ فقلت : الحارث المحاسبي فقال : نعم خذ من علمه وأدبه ~~ودع عنك تشقيقه للكلام ms0361 ورده على المتكلمين ، قال : فلما وليت سمعته يقول ~~جعلك الله صاحب حديث صوفيا ولا جعلك صوفيا صاحب حديث يعني أنك إذا ابتدأت ~~بعلم الحديث والأثر ومعرفة الأصول والسنن ثم تزهدت وتعبدت تقدمت في علم ~~الصوفية وكنت صوفيا عارفا وإذا ابتدأت بالتعبد والتقوى والحال شغلت به عن ~~العلم والسنن فخرجت إما شاطحا أو غالطا لجهلك بالأصول والسنن فأحسن أحوالك ~~أن ترجع إلى العلم الظاهر ، وكتب الحديث لأنه هو الأصل الذي تفرع عليه ~~العبادة والعلم وأنت قد بودئت بالفرع قبل الأصل ، وقد قيل : إنما حرموا ~~الوصول بتضييع الأصول هو كتب الحديث ومعرفة الآثار والسنن فإذا أنمت رددت ~~إلى الأصل فقد انحططت عن مرتبة الناقدين ونزلت من درجة العارفين وفاتك مزيد ~~اليقين والإيمان . وقال سفيان الثوري رضي الله عنه : كان الناس إذا طلبوا ~~العلم عملوا فإذا عملوا أخلصوا فإذا أخلصوا هربوا وقال آخر : العالم إذا ~~هرب من الناس فاطلبه وإذا طلب الناس فاهرب منه ، وقال أبو محمد : سهل العلم ~~يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل ، وقال ذو النون : يقول اجلس إلى من ~~تكلمك صفته ولا تجلس إلى من يكلمك لسانه ، وقد كان الحسن قبله يقول : جالس ~~من تكلمك أعماله ولا تجالس من يخاطبك مقاله ، وقد كان طائفة يصحبون كثيرا ~~من أهل المعرفة للتأدب بهم والنظر إلى هديهم وأخلاقهم إن لم يكونوا علماء ~~لأن التأديب يكون بالأفعال والتعلم يكون بالمقال ، ومن أبلغ ما سمعت منهم ~~في هذا المعنى ما قال بعض الحكماء : وعظ واحد لألف بفعل أنجح فيهم وأوقع من ~~وعظ ألف لواحد بقول ، وكان سهل يقول : العلم كله دنيا والآخرة منه العمل به ~~والعمل هباء إلا الإخلاص ، وقال مرة : الناس موتى إلا العلماء والعلماء ~~سكارى إلا العاملين ، PageV01P271 والعاملون مغرورون إلا المخلصين والمخلص ~~على وجل حتى يختم له به ولم يكن العالم عند العلماء من كان عالما بعلم غيره ~~ولا حافظا لفقه سواه ، هذا كان اسمه راوية وواعيا وحاملا وناقلا . وقد كان ~~أبو حازم الزاهد يقول : ذهب العلماء وبقيت علوم في أوعية سود ، وقد ms0362 كان ~~الزهري يقول : كان فلان وعاء للعلم وحدثني فلان وكان من أوعية العلم ولا ~~يقول كان عالما ، وكذلك جاء الخبر : رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى ~~من هو أفقه منه ، وكانوا يقولون حماد الراوية يعنون أنه كان راويا ودخول ~~الهاء في الاسم للمبالغة في الوصف كما يقال علامة ونسابة ، وإنما كان ~~العالم عندهم الغني بعلمه لا بعلم غيره وكان الفقيه فيهم هو الفقيه بفقه ~~علمه وقلبه لا بحديث سواه ، كما جاء في الأثر : أي الناس أغنى ؟ قال : ~~العالم الغني بعلمه إن احتيج إليه نفع وإلا اكتفى عن الناس بعلمه لأن كل ~~عالم بعلم غيره فإنما صار عالما بمجموعه ، فمجموعه هم العلماء وكل فاضل ~~بوصف سواه فموصوفه هم الفضلاء ، فإذا تركهم وانفرد سكت ، فلم يرجع إلى علم ~~لنفسه يختص به فصار في الحقيقة موصوفا بالجهل واصفا لطرائق أهل الفضل ~~موسوما بعلم السمع والنقل فمثل العالم بعلم غيره مثل الواصف لأحوال ~~الصالحين العارف بمقامات الصديقين ولا حال له ولا مقام فليس يعود عليه من ~~وصفه إلا الحجة بالعلم والكلام ، وسبق العارفون بالله في الحجة بالأعمال ~~والمقام ، فمثله كما قال الله تعالى : ( ولكم الويل مما تصفون ) الأنبياء : ~~18 ، وكقوله عز وجل : ( كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ) ~~البقرة : 20 لا يرجع إلى بصيرة فيه بما اشتبه من ظلمات الشبه عليه مما ~~اختلف العلماء فيه ولا يتحقق بوجد منه فيه يجده عن حال ألبسها بوجده وإنما ~~هو متواجد بوجد غيره فغيره هو الواجد وشاهد على شهادة سواه ، فالسوي هو ~~الشاهد ، وقد كان الحسن يقول : إن الله تبارك وتعالى لا يعبأ بصاحب رواية ~~إنما يعبأ بذي فهم ودراية ، وقال أيضا : من لم يكن له عقل يسومه لم تنفعه ~~كثرة مروياته للحديث وقد أنشدنا لبعض الحكماء في معنى ذلك : العلم علمان ~~فمصنوع ومطبوع . . . ولا ينفع مجموع إذا لم يك مصنوع كما لا تنفع الشمس ~~وضوء العين ممنوع وكان الجنيد رحمه الله كثيرا ينشد : علم التصوف علم ليس ~~يعرفه . . . إلا أخو ms0363 فطنة بالحق معروف وليس يعرفه من ليس يشهده . . . وكيف ~~يشهد ضوء الشمس مكفوف لأن الكتب والمجموعات محدثة والقول بمقالات الناس ~~والفتيا بمذهب الواحد من الناس وانتحاء قوله والحكاية له في كل شيء والتفقه ~~على مذهبه محدث لم يكن الناس قديما على ذلك في القرن الأول والثاني ، وهذه ~~المصنفات من الكتب حادثة بعد سنة PageV01P272 عشرين ومائة من التاريخ وبعد ~~وفاة كل الصحابة وعلية التابعين ، يقال إن أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ~~ابن جريج في الآثار وحروف من التفاسير عن مجاهد وعطاء وأصحاب ابن عباس بمكة ~~ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن جمع فيه سننا منثورة مبوبة ، ثم كتاب ~~الموطأ بالمدينة لمالك بن أنس رضي الله عنه في الفقه ثم جمع ابن عيينة كتاب ~~الجوامع في السنن والأبواب وكتاب التفسير في أحرف من علم القرآن وجامع ~~سفيان الثوري الكبير رضي الله عنه في الفقه والأحاديث ، فهذه من أول ما صنف ~~ووضع من الكتب بعد وفاة سعيد بن المسيب وخيار التابعين وبعد سنة عشرين أو ~~أكثر ومائة من التاريخ فكان العلماء الذين هم أئمة هؤلاء العلماء من طبقات ~~الصحابة الأربعة ومن بعد موت الطبقة الأولى من خيار التابعين هم الذين ~~انقرضوا قبل تصنيف الكتب وكانوا يكرهون كتب الحديث ووضع الناس الكتب لئلا ~~يشتغل بها عن القرآن وعن الذكر والفكر ، وقالوا : احفظوا كما حفظنا ولئلا ~~يشتغل الناس عن الله تعالى برسم ولا وسم كما كره أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه وعلية الصحابة تصحيف القرآن في مصحف وقالوا : كيف نفعل شيئا لم يفعله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وخشوا اشتغال الناس بالصحف واتكالهم على ~~المصاحف فقالوا : نترك القرآن يتلقاه الناس بعضهم من بعض تلقنا بالتلقين ~~والإقراء ليكون هو شغلهم وهمتهم وذكرهم حتى أشار عليه عمر رضي الله عنه ~~وبقية الصحابة أن يجمع القرآن في المصاحف لأنه أحفظ له وليرجع الناس إلى ~~المصحف لما لا يؤمن من الاشتغال بأسباب الدنيا عنه فشرح الله تعالى صدر أبي ~~بكر رضي الله عنه لذلك فجمع ms0364 القرآن في الصحف المتفرقة في المصحف الواحد ، ~~وكذلك كانوا يتلقون العلم بعضهم عن بعض ويحفظونه حفظا هذا لطهارة القلوب من ~~الريب وفراغها من أسباب الدنيا وصفائها من الهوى وعلو الهمة وقوة العزيمة ~~وحسن النية ثم ظهرت بعد سنة مائتين وبعد تقضي ثلاثة قرون في القرن الرابع ~~المرفوض مصنفات الكلام وكتب المتكلمين بالرأي والمعقول والقياس وذهب علم ~~المتقين وغابت معرفة الموقنين من علم التقوى وإلهام الرشد واليقين فخلف من ~~بعدهم خلف فلم نزل في الخلف إلى هذا الوقت ثم اختلط الأمر بعد هذا التفصيل ~~في زماننا هذا ، فصار المتكلمون يدعون علماء والقصاص يسمون عارفين والرواة ~~والنقلة يقال علماء من غير فقه في دين ولا بصيرة في يقين . وروينا عن ابن ~~أبي عبلة قال : كنا نجلس إلى عطاء الخراساني بعد الصبح فيتكلم علينا فاحتبس ~~ذات غداة فتكلم رجل من المؤذنين لا بأس به بمثل ما كان يتكلم به عطاء فأنكر ~~صوته رجاء بن أبي حيوة فقال : من هذا المتكلم ؟ فقال : أنا فلان فقال : ~~اسكت فإنه يكره أن يسمع العلم إلا من أهله ، وكذلك كانوا يقولون أبى أهل ~~العلم بالله تعالى أن PageV01P273 يسمعوا هذا العلم إلا من أهله الزاهدين ~~في الدنيا وكرهوا أن يسمعوه من أبناء الدنيا وزعموا أنه لا يليق بهم ، ~~واعلم أن العبد إذا كان يذكر الله تعالى بالمعرفة وعلم اليقين لم يسعه ~~تقليد أحد من العلماء ، وكذلك كان المتقدمون إذا افتتحوا هذا المقام خالفوا ~~من حملوا عنه العلم لمزيد اليقين والإفهام ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما ~~: ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ~~كان تعلم من زيد بن ثابت الفقه وقرأ على أبي بن كعب ثم خالف زيدا في الفقه ~~وأبيا في القرءة . وقال بعض الفقهاء من السلف : ما جاءنا عن رسول الله ~~قبلناه على الرأس والعين وما جاءنا عن الصحابة فنأخذ به ونترك وما جاءنا عن ~~التابعين فهم رجال ونحن رجال قالوا : ونقول ولأجل ذلك كان الفقهاء يكرهون ~~التقليد ويقولون ms0365 : لا ينبغي للرجل أن يفتي حتى يعرف اختلاف الفقهاء أي ~~فيختار منها على علمه الأحوط للدين والأقوى باليقين ، فلو كانوا يستحبون أن ~~يفتى العالم بمذهب غيره لم يحتج أن يعرف الاختلاف ولكان إذا عرف مذهب صاحبه ~~كفاه ، ومن ثم قيل : إن العبد يسأل غدا فيقال ماذا عملت فيما علمت ؟ ولا ~~يقال له فيما علم غيرك . وقد قال الله تعالى : ( وقال الذين أوتوا العلم ~~والإيمان ) الروم : 56 ففرق بينهما يدل به أن من أوتي إيمانا أوتي علما كما ~~أن من أوتى علما نافعا أوتي إيمانا وهذا أحد الوجوه في معنى قوله سبحانه : ~~( كتب في قلوبهم الإيمان وأيدههم بروح منه ) المجادلة : 22 أي قواهم بعلم ~~الإيمان ، فعلم الإيمان هو روحه وتكون الهاء عائدة إلى الإيمان وكذا العالم ~~الذي هو من أهل الاستنباط والاستدلال من الكتاب والسنة فإنه أداة الصنعة ~~وآلة الصنع لأنه ذو تمييز وبصيرة ومن أهل التدبر والعبرة ، فأما الجاهل ~~والعامي الغافل فله أن يقلد العلماء ولعالم عموم أيضا أن يقلد عالم خصوص ~~وللعالم بالعلم الظاهر أن يقلد من فوقه ممن جعل على علم باطن من أهل القلوب ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم رد من علم الألسنة والفتيا إلى علم القلوب ~~ولم يرد أهل القلوب في علمهم الذين يختصون به إلى المفتين لأنهم يأخذون من ~~المفتين فتياهم ثم يجدون في قلوبهم حيكا وحزازة فيلزمهم فتيا القلب لقوله : ~~استفت قلبك بعد قوله وإن أفتاك المفتون مع قوله الإثم حزاز القلوب إلى قوله ~~ما حاك في صدرك فدعه وإن أفتوك وأفتوك ثم درس معرفة هذا فجهل فصار كل من ~~نطق بكلام وصنعه غرب على السامعين لا يعرف حقه من باطله سمي عالما وكل كلام ~~مستحسن زخرف رونقه لا أصل له يسمى عالما لجهل العامة بالعلم أي شيء هو ~~ولقلة معرفة السامع بوصف من سلف من العلماء كيف كانوا فصار كثير من متكلمي ~~الزمان فتنة المفتون وصار كثير من الكلام والرأي والمعقول الذي حقيقته جهل ~~كأنه علم عند الجاهلين فلا يفرقون بين المتكلمين ms0366 والعلماء ولا يميزون بين ~~العلم والكلام ، PageV01P274 وقد قلنا : إن خصوص الجهال يشبهون بالعلماء ~~فيشتبهون على مجالسيهم في الحال ، فأعلم الناس في زمانك هذا أعرفهم بسيرة ~~المتقدمين وأعلمهم بطرائق السالفين ثم أعلمهم بالعلم أي شيء هو وبالعالم من ~~هو من المتعلم والمتعالم وهذا كالفرض على طالبي العلم أن يعرفوه لأنه لما ~~قال صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة وجب عليهم أن يعرفوا أي شيء هو ~~العلم حتى يطلبوه إذ لا يصح طلب ما لا يعرف ثم وجب عليهم من هذا أن يعرفوا ~~العالم من هو ليطلبوا عنده العلم إذ العلم عرض ولا يقوم إلا بجسم فلا يوجد ~~إلا عند أهله كما قيل لعلي كرم الله وجهه وقيل له إنك خالفت فلانا في كذا ~~فقال خيرنا أتبعنا لهذا الدين ، وكما قيل لسعد أن ابن المسيب يقرأ ما ننسخ ~~من آية أو ننسأها فقال : إن القرآن لم ينزل على ابن المسيب ولا على أبيه ثم ~~قرأ أو ننسها فأعلم الناس في هذا الوقت وأقربهم من التوفيق والرشد أتبعهم ~~لمن سلف وأشبههم بشمائل صالحي الخلف ، كيف وقد روينا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه سئل من أعلم الناس ؟ فقال : أعرفهم بالحق إذا اشتبهت الأمور ~~. وقال بعض السلف : أعلم الناس أعرفهم باختلاف الناس ، وكان الحسن البصري ~~رضي الله عنه يقول : محدثان أحدثا في الإسلام ، رجل ذو رأي سوء زعم أن ~~الجنة لمن رأى مثل رأيه ، ومترف يعبد الدنيا لها يغضب ولها يرضى وإياها ~~يطلب فارفضوهما إلى النار اعرفوا إنكارهم لربهم بأعمالهم أن رجلا أصبح في ~~هذه الدنيا بين مترف يدعو إلى دنياه وصاحب هوى يدعو إلى هواه قد عصمه الله ~~تعالى منهما يجيء إلى السف الصالح يسأل عن فعالهم ويقتص آثارهم لتعرض لأجر ~~عظيم فكذلك فكونوا وكما روينا عن ابن مسعود رضي الله عنه وقد جاء مسندا ~~إنما هما اثنان الكلام والهدى فأحسن الكلام كلام الله تعالى وأحسن الهدى ~~هدى محمد لله ألا وإياكم ومحدثات الأمور فإن شر الأمور محدثاتها إن كل ms0367 ~~محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم ، ألا ~~كل ما هو آت قريب ، ألا إن البعيد ما ليس بآت ، وفي خطبة النبي صلى الله ~~عليه وسلم التي رويناها عن أبان عن أنس : طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ~~وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية وخالط أهل الفقه والحكمة وجانب أهل الذل ~~والمعصية ، طوبى لمن ذل في نفسه وحسنت خليقته وصلحت سريرته وعزل عن الناس ~~شره ، طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته ~~السنة ولم يعدها إلى بدعة ، وقال بعض الأدباء كلاما منظوما في وصف زماننا ~~هذا كأنه شاهده : ذهب الرجال المقتدى بفعالهم . . . والمنكرون لكل أمر منكر ~~وبقيت في خلف يزكي بعضهم . . . بعضا ليدفع معور عن معور أبني إن من الرجال ~~بهيمة . . . في صورة الرجل السميع المبصر PageV01P275 فطنا بكل مصيبة في ~~ماله . . . فإذا أصيب بدينه لم يشعر فسل الفقيه تكن فقيها مثله . . . من ~~يسع في أمر بفقه يظفر وقد كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : حسن الهدى في ~~آخر الزمان خير من كثير من العمل ، وقال في وصف زمانه باليقين وفي وصف ~~زماننا بالشك فقال : إنكم في زمان خيركم في المسارع في الأمور وسيأتي بعدكم ~~زمان يكون خيرهم فيه المتثبت المتوقف يعني لكثرة الشبهات ، وقال حذيفة رضي ~~الله عنه : أعجب من هذا قال إن معروفكم هذا منكر زمان قد مضى ، وإن منكركم ~~معروف زمان قد يأتي وإنكم لن تزالوا بخير ما عرفتم الحق ، وكان العالم فيكم ~~غير مستخف وكان يقول أيضا : يأتي في آخر الزمان قوم يكون العالم فيهم ~~بمنزلة الحمار الميت لا يلتفتون إليه يستخفي المؤمن فيهم كما يستخفي ~~المنافق فينا اليوم المؤمن فيهم أذل من الأمة ، وفي حديث علي كرم الله وجهه ~~يأتي على الناس زمان ينكر الحق تسعة أعشارهم لا ينجو منهم يومئذ إلا كل ~~مؤمن نومة يعني صموتا متغافلا أولئك مصابيح العلم وأئمة الهدى وليسوا ~~بالمذاييع البذر يعني المتكلمين كثيرا المتظاهرين بالكلام افتخارا ، وفي ms0368 ~~خبر : يأتي على الناس زمان من عرف فيه الحق نجا قيل فأين العمل ؟ قال : لا ~~عمل يومئذ لا ينجو فيه إلا من هرب بدينه من شاهق إلى شاهق وفي حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه : يأتي على الناس زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا ~~وفي بعضها بعشر ما يعلم ، وعن بعض الصحابة أنتم اليوم في زمان من ترك منكم ~~عشر ما يعلم هلك ويأتي عيلكم زمان من علم فيه بعشر ما يعلم نجا ، وقال بعض ~~الخلفاء : يأتي عليكم زمان يكون أفضل العلم الصمت وأفضل العمل النوم يعني ~~لكثرة المنافقين بالشبهات فصار الصمت للجاهل علما ولكثرة العاملين بالشهوات ~~فصار النوم عبادة البطال ولعمري إن الصمت والنوم أدنى أحوال العالم وهما ~~أعلى أحوال الجاهل وكان يونس بن عبيد يقول أصبح اليوم من يعرف السنة غريبا ~~وأغرب منه من يعرفه يعني طريقة السلف ، يقول : فمن يعرفه عرف طريق من مضى ~~وهو غريب أيضا لأنه قد عرف غريبا ، وقال حذيفة المرعشي : كتب إلى يوسف بن ~~أسباط ذهب الطاعة ومن يعرفها وكان أيضا يقول ما بقي من يؤنس به . وقال : ما ~~ظنك بزمان مذاكرة العلم فيه معصية قيل ولم ذلك ؟ قال : لأنه لا يجد أهله ~~وقد كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول : إنكم لن تزالوا بخير ما أحببتم ~~خياركم وقيل فيكم الحق فعرف ويل لكم إذا كان العالم فيكم كالشاة النطيح ، ~~وقد كان للمتقدمين علوم يجتمعون عليها ويتفاوضونها بينهم قد درست في زماننا ~~وكان للصالحين معان وطرائق يسلكونها ويسألون عنها قد ذهبت في وقتنا وكان ~~لليقين والمعرفة مقامات وأحوال يتذاكرها أهلها ويطلبون أربابها قد عفت ~~آثارها عندنا لقلة PageV01P276 الطالبين لها ولعدم الراغبين فيها وفقد ~~العلماء بها وذهاب السالكين في طرقها منها طلب الحلال وعلم الورع في ~~المكاسب والمعاملات وعلم الإخلاص وعلم آفات النفوس وفساد الأعمال وعلم نفاق ~~العلم والعمل والفرق بين نفاق العلم والعمل والفرق بين نفاق القلب ونفاق ~~النفس وبين إظهار النفس شهوتها واخفائها ذلك والفرق بين سكون القلب بالله ms0369 ~~وسكون النفس بالأسباب والفرق بين خواطر الروح والنفس وبين خاطر الإيمان ~~واليقين والعقل وعلم خلائق الأحوال وأحوال طرائق العمال وتفاوت مشاهدات ~~العارفين وتلوينات الشواهد على المريدين وعلم القبض والبسط والتحقيق بصفات ~~العبودية والتخلق بأخلاق الربوبية وتباين مقامات العلماء إلى غير ذلك مما ~~لا نذكره من علم التوحيد ومعرفة معاني الصفات وعلوم المكاشفة بتجلي الذات ~~وإظهار الأفعال الدالة على معاني الصفات الباطنة وظهور المعاني الدالة على ~~النظر والإعراض والتقريب والإبعاد والنقص والمزيد والمثوبة والعقوبة ~~والاختباء والاختيار ، وقد ذكرنا من جميع هذه المعاني فصولا ورسمنا جملا ~~وأصولا تنبه على فروعها وندل على أشكالها لمن وفق لتدبرها وأريد بتذكرها ~~وجعل له نصيب منها . وقال بعض علمائنا : أعرف للمتقدمين سبعين علما كانوا ~~يتحاورونها ويتعارفونها في هذا العلم لم يبق منها اليوم علم واحد يعرف ، ~~قال : وأعرف في زماننا هذا علوما كثيرة من الأباطيل والدعاوى والغرور ، وقد ~~ظهرت وسميت علوما لم تكن فيما مضى تعرف فهذا كالشراب الذي وصفه الله تعالى ~~فقال : ( يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) النور : 39 ، وكان ~~الجنيد رحمه الله تعالى من قبله يقول : علمنا هذا الذي نتكلم فيه قد طوي ~~بساطه منذ عشرين سنة وإنما نتكلم في حواشيه وكان يقول أيضا قد كنت أجالس ~~قوما سنين يتحاورون في علوم لا أفهمها ولا أدري ما هي وما بليت بالإنكار قط ~~كنت أتقبلها وأحبها من غير أن أعرفها وكان أيضا يقول كنا نتجارى مع إخواننا ~~قديما في علوم كثيرة ما تعرف في وقتنا هذا ولا سألني عنها أحد ، وهذا باب ~~قد أغلق وردم ، ولما صنف شيخنا أبو سعيد بن الأعرابي كتاب طبقات النساك ~~ووصف أول من تكلم في هذا العلم وأظهره ثم من بعده من البصريين والشاميين ~~وأهل خراسان إلى أن كان آخرهم البغداديين ، وقال آخر : من تكلم في هذا ~~صاحبنا جنيد القواريري وكانت له بصيرة فيه وحقيقة وحسن عبارة وما بقي بعده ~~إلا من مجالسته غيظ ، وقال مرة أخرى : ما بقي بعد جنيد إلا من يستحي من ~~ذكره ms0370 وقد كان إمامنا أبو محمد سهل رحمه الله يقول بعد سنة ثلاثمائة لا يحل ~~أن يتكلم بعلمنا هذا لأنه يحدث قوم يتصنعون للخلق ويتزينون بالكلام لتكون ~~مواجيدهم لباسهم وحليتهم كلامهم ومعبودهم بطونهم ، وقد كان حذيفة رضي الله ~~عنه إذا سئل أي الفتن أشد فقال : إن يعرض عليك الخير والشر فلا تدري أيهما ~~تأخذ لكثرة الشبهات كما كان سهل يقول بعد سنة ثلاثمائة لا يصح لأحد توبة ~~لأنه يفسد PageV01P277 خبزهم وهم لا يصبرون عن الخبز يعني أن أول التوبة ~~أكل الحلال وقد روينا في خبر يأتي على الناس زمان يضلون فيه دينهم فلا ~~يعرفونه يصبح الرجل على دين ويمسي على دين يضل أمره على غير يقين وتسلب ~~عقول أكثر أهل ذلك الزمان وأول ما يرفع عنهم الخشوع ثم الإجابة ثم الورع ~~ويقال : أول ما يرفع من الناس الألفة . # | ذكر ما أحدث الناس من القول والفعل فيما بينهم مما لم يكن عليه السلف # كان الناس قديما إذا التقوا يقول أحدهم : لصاحبه ما خبرك وما حالك ؟ ~~يعنون بذلك ما خبر نفسك في مجاهدتها وصبرها وما حال قلبك من مزيد الإيمان ~~وعلم اليقين ويريدون أيضا ما خبرك في المعاملة لمولاك وما حالك في أمور ~~الدنيا والآخرة هل ازددت أم انتقصت فيتذاكرون أحوال قلوبهم ويصفون أعمال ~~علومهم ويذكرون ما وهب الله تعالى لهم من حسن المعاملة وما فتح لهم من ~~غرائب الفهوم فكان هذا من تعديد نعم الله تعالى عليهم ومن جميل شكرهم ويكون ~~مزيدا لهم في المعرفة والمعاملة ، وقد كان بعضهم يقول : أكثر علومنا ~~ومواجيدنا ما يعرفه بعضنا من بعض وما يخبر به أحدنا أخاه إذا التقينا فقد ~~جهل هذا اليوم فترك ، فهم إذا تساءلوا عن الخبر والحال إنما يريدون به أمور ~~الدنيا وأسباب الهوى ثم يشكو كل واحد مولاه الجليل سبحانه وتعالى إلى عبده ~~الذليل ويتسخط أحكامه ويتبرأ بقضائه وينسى نفسه وما قدمت يداه فمثله كما ~~قال تعالى : ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ) ~~الكهف : 57 ، وكما ms0371 قال تعالى : ( إن الإنسان لربه لكنود ) العاديات : 6 قيل ~~كفور بنعمته يعدد المصائب وينسى النعم كل ذلك جهالة بالله تعالى وغفلة عنه ~~، ومنه قولهم : الآن كيف أصبحت وكيف أمسيت ؟ هذا محدث ، إنما كانوا إذا ~~التقوا قالوا : السلام عليكم ورحمة الله . وفي الخبر : من بدأكم بالكلام ~~قبل السلام فلا تجيبوه وإنما حدث هذا في زمان الطاعون الذي كان يدعى طاعون ~~عمواس بالشام من الموت الذريع ، كان الرجل يلقى أخاه غدوة فيقول كيف أصبحت ~~من الطاعون ويلقاه عشية فيقول كيف أمسيت منه لأن أحدهم كان إذا أصبح لم يمس ~~وإذا أمسى لم يصبح ، فبقي هذا إلى اليوم ونسي سببه وكان من عرف حدوثه من ~~المتقدمين يكرهه ، حدثونا عن أحمد بن أبي الحواري قال : قال رجل لأبي بكر ~~بن عياش : كيف أصبحت أو كيف أمسيت فلم يكلمه ، وقال : دعونا من هذه البدعة ~~قال : وقلت لبعض السلف : كيف أصبحت فأعرض عني وقال ما كيف أصبحت قل بالسلام ~~. وروى أبو معشر عن الحسن رضي الله عنه إنما كانوا يقولون السلام عليكم ~~سلمت والله القلوب ، فأما اليوم كيف أصبحت أصلحك الله كيف أمسيت عافاك الله ~~، فإن أخذنا بقولهم كانت بدعة ألا ولا كرامة فإن شاؤوا غضبوا علينا ومن ذلك ~~ابتداء الرجل في عنوان الكتاب باسم المكتوب إليه وإنما السنة أن يبتدئ ~~بنفسه فيكتب من فلان إلى فلان ، PageV01P278 قال ابن سيرين رحمه الله تعالى ~~: غبت غيبة فكتبت إلى أبي فابتدأت باسمه فكتبت إلي يا بني إذا كتبت إلي ~~فابدأ بأسمك في الكتاب فإن ابتدأت بإسمي قبل اسمك لا قرأت لك كتابا ولا ~~رددت إليك جوابا ، وكتب العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فبدأ بنفسه وكتب من العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ويقال أول من أحدثه زياد فعابه العلماء عليه وعدوه من ~~إحداث بن أمية ، وقد بقي سنة هذا في كتب الخلفاء والأمراء إلى اليوم على ~~نحو ما مضى فهم يقدمون أسماءهم في كتبهم ومن الأحداث ms0372 قول الرجل إذا جاء ~~منزل أخيه يا غلام يا جارية فيه مخالفة لأمر الله عز وجل وأمر رسوله عليه ~~السلام ، قال الله عز وجل : ( لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ~~وتسلموا على أهلها ) النور : 27 قال أهل التفسير : الاستئناس الدق أو ~~التنحنح أو الحركة حتى يؤذن بذلك أن وراءها إنسانا وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : إذا جاء أحدكم منزل أخيه فليسلم ثلاثا فإن أذن له فليدخل وإلا ~~فليرجع وكان السلف يقرع أحدهم باب أخيه ثم يسلم ثلاثا يقف بعد كل تسليمة ~~هنيهة فإن أذن له دخل وقد لا يحب صاحب المنزل أن تدخل عليه في ذلك الوقت ~~لسبب عذر له فيقول : وعليكم السلام ورحمة الله ارجع عافاك الله فإني على ~~شغل فيرجع عنه غير كاره لرجوعه ولا يؤثر ذلك عليه في نفسه ، وقد يكون قوله ~~ارجع أحب إليه لأنه أفضل له رجاء الإجابة والتزكية لقوله تعالى : ( وإن قيل ~~لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ) النور : 28 ، فربما رجع في اليوم مرتين ~~أو ثلاثا بعد رد صاحبه له وهو يعود لأن ذلك لم يؤثر في قلبه شيئا وهذا لو ~~فعل ببعض الناس من أهل عصرنا هذا لكرهه ، ولعل أن لا يعود يومه ذلك فأما ~~العلماء فقد كان بعض الناس لا يستأذن عليهم إلا لمهم لا بد منه بل كانوا ~~يقعدون على أبوابهم وفي مساجدهم ينتظرون خروجهم لأوقات الصلاة إجلالا للعلم ~~وهيبة للعلماء . وحدثونا عن أبي عبيد قال : ما قرعت على عالم قط بابه كنت ~~أجيء إلى منزله فأقعد على بابه انتظر خروجه من قبل نفسه أتأول قول الله عز ~~وجل : ( ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ) الحجرات : 5 ، وقد ~~روينا مثل هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما في موضعه من العلم والشرف أن ~~المار كان يمر به وهو قائم على باب منزل الرجل من الأنصار تسفي عليها ~~الرياح فيقول : ما يجلسك ههنا يا ابن عم رسول الله ؟ فيقول : انتظر خروج ~~صاحب المنزل ، فيخرج الرجل ms0373 فيقول ابن عم رسول الله : لو أرسلت إلي لجئتك ~~فيقول : لا أنا كنت أحق أن آتيك ، فيسأله عما يريد من حديث بلغه أنه يرويه ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن هو سمعه منه ، ومن ذلك استقصاء ~~الرجل في المسألة عن حال أخيه وخبره ، وقد كره ذلك ، تزوج سلمان الفارسي ~~رضي الله عنه فلما دخل على أهله خرج إلى الناس من الغد فقال له رجل : كيف ~~أنت يا أبا عبد الله قال بخير أحمد الله تعالى قال : PageV01P279 كيف حالك ~~وكيف بت البارحة . وفي لفظ آخر كيف وجدت أهلك فغضب سلمان وقال : لم يسأل ~~أحدكم فيخفي المسألة وليسأل عما وراء البيوت يكفي أحدكم أن يسأل عن ظاهر ~~الأمر وأما سليمان بن مهران الأعمش فإن رجلا قال له في منزله : كيف أنت يا ~~أبا محمد ؟ قال : بخير قال : كيف حالك ؟ قال في عافية ، قال : كيف بت ~~البارحة ؟ فصاح : يا جارية انزلي بالفراش والمخاد فأنزلت بذلك فقال : افشي ~~واضطجعي حتى أضطجع إلى جنبك لنرى أخانا كيف بت البارحة وكان يقول يلقى ~~أحدهم أخاه فيسأله عن كل شيء حتى عن الدجاج في البيت ولو سأله درهما ما ~~أعطاه وكان من مضى من السلف إذا لقي أخاه لا يزيد على قول : كيف أنتم أو ~~حياكم الله بالسلام ، ولو سأله شطر ماله قاسمه ، ومن ذلك قول الرجل لأخيه ~~إذا لقيه ذاهبا في الطريق إلى أين تريد أو من أين جئت فقد كره هذا وليس من ~~السنة ولا الأدب وهو داخل في التجسس والتحسس لأن التحسس في الآثار والتجسس ~~في الأخبار وهذا السؤال عن ذلك يجمعهما وقد لا يحب الرجل أن يعلم صاحبه أين ~~يذهب ولا من أين جاء . وقد كره ذلك مجاهد وعطاء قالا : إذا لقيت أخاك في ~~طريق فلا تسأله من أين جئت ولا أين يذهب فلعله أن يصدقك فتكره ذلك ولعله أن ~~يكذبك فتكون قدحملته عليه وقد كانوا يكرهون بيع المصاحف وشراءها وكان بعضهم ~~لبيعها أكره منه لشرائها ، وقد ابتدع الناس علوما ms0374 لم تكن تعرف فيما سلف ~~منها : علم الكلام والجدل وعلوم المقايس والنظر والإستدلال على سنن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بأدلة الرأي والمعقول ومنها إيثار علم العقل والرأي ~~والقياس على ظواهر القرآن وعلى الأخبار ومنها : إظهار الإشارات بالمواجيد ~~من غير علومها ولا بيان تفصيلها ، وفي ذلك تحيير للسامعين وإضلال للعاملين ~~وإنما كان العلماء بهذا العلم يظهرون علوم المواجيد ويخفون الإشارة بالوجد ~~فيظهرون للناس ما ينفع ويخفون ما يضر ولأن المواجيد أحوال قلوبهم فكتمها ~~أفضل وعلومها أنصبة المريدين والعاملين فإظهارها هو البغية لهم فأظهروه ~~وأخفوا وجدهم لأنه سر لهم فسلموا من التصنع والدعوى وأعطوا السامعين نصيبهم ~~ومنعوهم ما ليس لهم فعدلوا في الوصفين معا ففضلوا في الحالين جميعا فجهل ~~هذا الآن فأظهر ضده وكان إلى الضرر أقرب ومن السلامة أبعد ، فمن لم يحسن ~~التفصيل ولم يرزق العبارة فإنه يحسن الصمت فهو واسع إن من لم يتكلم بعلم ~~على سنة فسكوته أقرب له إلى الله تعالى فمثله في ذلك كما قال الله عز وجل : ~~( ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ~~) الطلاق : 7 ، ومما ظهر إظهار علوم المعرفة بمعاني الرغبة ليتميزوا عن ~~الفقراء تكبرا منهم فلا يجعلون مجعلهم فليصرف إليهم من الأسباب على قدر ~~أنسهم وأحوالهم ، وهذا من أكبر أبواب الدنيا وأضره على مريدي الآخرة وألطفه ~~تمويها في الدين ومنها الكلام PageV01P280 في التوحيد بمخالفة علم الشرع ~~وأن الحقيقة تخالف العلم والحقيقة هي علم وهي أحد طرقات الشريعة وعلم الشرع ~~عنها فكيف تنافيها وهي التي أوجبته وإنما هي عزيمة وضيقة وعلم الظاهر هو ~~الرخصة والسعة فمن تكلم في علم الباطن على غير قواعد العلم الظاهر وأصوله ~~فذلك من الإلحاد في الشريعة والوليجة بين الكتاب والسنة . وقد قال بعض ~~العارفين : نظرت إلى هؤلاء الشاطحين فما وجدت إلا جاهلا مغرورا أو خاسئا ~~حبورا أو مستظهرا بلا شيء ، ومنها الكلام في الدين بالوساوس والخطرات عن ~~غير رد مواجيدها إلى الكتاب والسنة والواجب معرفة تفصيلها ، ونفى ما لم ~~يشهد ms0375 له الكتاب والسنة منها ، إذ في المواجيد ضلال وغرور وفي المشاهدات ~~باطل وزور ، مع دعواهم المحبة وإنكارهم الصفة التي جاءت بها السنة وعن غير ~~شهادة موصوف وادعائهم المعرفة من غير تعرف معروف ومما أحدثوا السجع في ~~الدعاء والتغريب فيه ولم يرد الكتاب به ولا نقل عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا الصحابة بل كانوا ينهون عن الاعتداء في الدعاء ويجتنبون محاوزة ما ~~أخبر الله تعالى عن أوليائه من الأدعية الجامعة المختصرة المعروفة . وروينا ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إياكم والسجع في الدعاء ، حسب أحدكم أن ~~يقول : اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، وأعوذ بك من ~~النار وما قرب إليها من قول وعمل ، وفي الخبر سيأتي قوم يعتدون في الدعاء ~~والطهور ، وسمع عبد الله بن مغفل ابنه يدعو بدعاء يغمق فيه فقال : يا بني ~~إياك والحدث والاعتداء في الدعاء ، وفي قوله عز وجل : ( ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية إنه لا يحب المعتدين ) الأعراف : 55 ، قيل في الدعاء : فالاعتداء في ~~الدعاء هو ترك ما أخبر الله عز وجل عن أوليائه الصالحين من الدعاء بالمغفرة ~~والرحمة والتوبة ومعنى ذلك من الدعاء المعروف والقول المشهور إلى التنطع ~~والتعميق والتغريب والتدقيق ، ويقال إن العلماء والأبدال لا يزيد أحدهم على ~~سبع كلمات في الدعاء ووجدت تصديق ذلك في الكتاب إن الله تعالى ما أخبر عن ~~عباده في الدعاء في مكان واحد أكثر من سبع دعوات ، وهي التي في أخر سورة ~~البقرة ، وإلا إنما يخبر عنهم بالدعوتين والثلاث والأربع إلى الخمس في ~~مواضع من الكتاب متفرقة . ومر بعض السلف بقاص يدعو يسجع في دعائه ويتعمق ~~فقال له : ويلك على الله تبالغ ، أشهد لقد رأيت حبيبا العجمي يدعو وما يزيد ~~على قوله : اللهم اجعلنا جيدين ، اللهم لا تفضحنا يوم القيامة ، اللهم ~~وفقنا للخير ، قال : والناس يبكون من كل ناحية وكنا نتعرف إجابة دعائه ~~وبركته ، وكان أبو يزيد البسطامي يقول : سله بلسان الحاجة لا بلسان الحكمة ~~، وقال الحسن : ادع بلسان الاستكانة والافتقار ms0376 لا بالفصاحة والانطلاق ، ~~ومما أحدثوه أخذ القرآن بالإدارة وتنازع الاثنين الآية أو تلقي الرجلين ~~للآيتين في مكان واحد بمنزلة الاختلاس والنهبة من غير خشوع للقرآن ولا هيبة ~~، وقراءة القرآن تحتاج إلى حزن وسكون PageV01P281 وخشوع ، ومن ذلك أخذ ~~المقرئ على الاثنين وليته قام بقراءة الواحد لسهو القلب كما قيل لإبراهيم ~~الحربي إن فلانا يأخذ على الاثنين فقال هاه يحتاج اثنان أن يأخذا على واحد ~~، ومن البدع التلحين في القراءة حتى لا تفهم التلاوة وحتى يجاوز إعراب ~~الكلمة بمد المقصور وقصد الممدود وإدغام المظهر وإظهار المدغم ليستوي بذلك ~~التلاحن ولا يبالي باعوجاج الكم وإحالته عن حقيقته فهو بدعة ومكروه استماعه ~~، قال بشر بن الحرث : سألت ابن داود الحربي أمر بالرجل يقرأ فأجلس إليه قال ~~: يقول يطرب قلت : نعم ، قال : لا هذا قد أظهر بدعته ، ومن ذلك التلحين في ~~الأذان وهو من البغي والاعتداء فيه ، قال رجل من المؤذنين لابن عمر رضي ~~الله عنهما : إني لأحبك في الله تعالى فقال له : لكني أبغضك في الله تعالى ~~قال : يا أبا عبد الرحمن لم : قال لأنك تبغي في أذانك وتأخذ عليه أجرا ، ~~وكان أبو بكر الآجري رحمه الله يقول : خرجت من بغداد وما يحل لي المقام بها ~~قد ابتدعوا في كل شيء حتى في قراء ةالقرآن وفي الأذان وكان يعني بذلك قراءة ~~الإدارة والتلحين وقدم علينا مكة في سنة ثلاثين ومن جمل ما أحدث الخلف ~~فخالفوا به سنن السلف أنهم شددوا في أشياء كان السلف يسهلون فيها وسهلوا ~~أشياء كان السلف يشددون فيها ، فمثلهم في ذلك كالخوارج شددوا في الصغائر من ~~الذنوب وسهلوا في الآثار والسنة وفي ترك مذهب الجماعة حتى فارقوهم فمما شدد ~~فيه الخلف مما كان السلف يسهلونه كتب الأحاديث من أنواع طرقها وتتبع ~~الغرائب من طرقاتها وتحري الألفاظ فيها . وقد قال ابن عون : أدركت ثلاثة ~~يرخصون في المعاني : إبراهيم ، والشعبي ، والحسن رحمهم الله تعالى ، وعن ~~جماعة من علماء السلف والصحابة التوسعة في معاني الأحاديث وإن لم يؤد ~~ألفاظها ومن ذلك تجريد الحروف ms0377 وتحري المقرئ الواحد في جميع اختياره حتى ~~كأنه فرض عليه ، ومن ذلك التدقيق في القياس والنظر والتبحر في علوم النحو ~~والعربية ، كما قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى : أعربنا في الكلام ~~فلم نلحن ولحنا في الأعمال فيا ليتنا لحنا في الكلام وأعربنا في الأعمال . ~~وذكرت العربية عند القاسم بن المخيمرة فقال : أولها كبر وآخرها بغي ، وقد ~~قال بعض السلف : النحو يذهب الخشوع من القلب ، وقال آخر : من أحب أن يزدري ~~الناس كلهم فليتعلم العربية وشددوا في الطهارة بالماء وتنظيف الثياب وكثرة ~~غسلها من عرق الجنب ولبس الحائض ومن أرواث ما يؤكل لحمه وأبواله وغسل ~~اليسير من الدم ونحو ذلك وكان السلف يرخصون في هذا كله ومما سهلوه مما كان ~~السلف يشددون فيه أمر المكاسب وترك التحري فيها والكلام فيما لا يعني ~~والخوض في الباطل والغيبة وا لنميمة PageV01P282 والاستماع إليهما والعقد ~~على البلاغات وسوء الظن لأجلها ، وهو اشتراك في الغيبة والنميمة ، وكل ~~بلاغة تزيد وتنقص إن كان شرا ازددت فيه وإن كان خيرا نقصت منه وسهلوا في ~~النظر إلى الزور واللهو ومجالسة البطالين والمشي في أسباب الهوى والتعصب ~~وشدة الحرص في الدنيا ، وهذا كله كان السلف يشددون فيه ومما أحدثوا دخول ~~النساء الحمام من غير ضرورة ودخول الرجل بغير مئزر وهو فسق ، وسئل إبراهيم ~~الحربي رحمه الله تعالى عمن يشرب النبيذ ولا يسكر أيصلى خلفه ؟ قال : نعم ، ~~قيل : فمن دخل الحمام بغير مئزر فقال لا يصلي خلفه ، هذا لأن شرب النبيذ ~~يختلف فيه إذا لم يسكر ودخول الحمام بغير مئزر محرم بإجماع ، وكان بعض ~~العلماء يقول : يحتاج داخل الحمام إلى مئزرين مئزر لوجهه ومئزر لعورته وإلا ~~لم يسلم في دخوله ، وكان ابن عمر يقول : الحمام من النعيم الذي أحدثوه ، ~~ومن المنكر في الحمام تولي القيم لعورة الرجل المسلم في الأطلاء بالنورة ، ~~وقد كان من هدي العلماء في قعودهم أن يجتمع أحدهم في جلسته فينصب ركبتيه ~~ومنهم من يقعد على قدميه ويضع مرفقيه على ركبتيه كذلك كان شمائل كل من تكلم ms0378 ~~في هذا العلم خاصة من عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن زمن ~~الحسن البصري وهو أول من أظهر هذا العلم وفتق الألسن به إلى وقت أبي القاسم ~~الجنيد قبل أن تظهر الكراسي ، وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان يقعد القرفصاء ويحتبي بيديه ، وفي رواية أخرى : أنه كان يقعد على ~~قدميه ويجعل مرفقيه على ركبتيه وأول من قعد على كرسي من أهل هذا العلم : ~~يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى بمصر ، وتبعه أبو حمزة ببغداد ، فعاب الأشياخ ~~عليهما ذلك ، ولم يكن ذلك من سيرة العارفين الذين يتكلمون في علم المعرفة ~~واليقين إنما كان يجلس متربعا ، النحويون واللغويون وأبناء الدنيا من ~~العلماء المفتين وهي جلسة المتكبرين ، ومن التواضع الاجتماع في الجلسة . # | ذكر تفصيل العلوم ومعروفها وقديمها ومحدثها ومنكرها # اعلم أن العلوم تسعة : أربعة منها سنة معروفة من الصحابة والتابعين وخمسة ~~محدثة لم تكن تعرف فيما سلف ، فأما الأربعة المعروفة فعلم الإيمان وعلم ~~القرآن وعلم السنن والآثار ، وعلم الفتاوى والأحكام ، وأما الخمسة المحدثة ~~، فالنحو والعروض ، وعلم المقاييس ، الجدل وفي الفقه ، وعلم المعقول بالنظر ~~، وعلم علل الحديث وتطريق الطرقات فيه وتعليل الضعفاء وتضعيف النقلة للآثار ~~فهذا العلم من المحدث إلا أنه علم لأهله فيسمعه أصحابه منهم ، وقد كانوا ~~يرون القصص بدعة وينهون عنه ويكرهون مجالسة القصاص ، وقال بعض العلماء نعم ~~الرجل فلان لولا أنه يقص ، وقال بعض هذه الطائفة : مثل أصحاب الحكايات في ~~أهل المعرفة مثل القصاص في الفقهاء ، وقال آخر : مثل PageV01P283 القصاص في ~~العلماء مثل أهل السواد في أهل المدن ، فأما أكل الدنيا بالدين وأخذها على ~~الصلاح وبيع العلم بالدنيا والتصنع والتزين للعموم فمن قبيح ما أحدث ، وهو ~~أظهر من أن يدل على فساده عند من عرف ظاهر العلم ، وقد سمى هؤلاء في زماننا ~~هذا الجاهلون بالعلم علماء وجعلهم الناقصون عن الفضل فضلاء لقلة معرفتهم ~~بطريق المتقدمين وعدم بصيرتهم بحقيقة علم الدين ، وأعلم أن الكلام ينقسم ~~عندنا سبعة أقسام : العلم منه قسم واحد ، وسائر الستة ms0379 لغو مطرح يلتقطه من ~~لا يعرفه ولا يفرق بين العلم والجهل ، والعرب تقول : لكل ساقطة لاقطة ولكل ~~قائلة ناقلة ، فالستة إفك وسفه وخطأ وظن وزخرف ووسوسة ، فهذه أسماؤها عند ~~العلماء يفصلون ذلك بما فصل الله تعالى لهم من بيانه واستحفظهم من كتابه ~~وجعلهم شهداء على دينه وعباده ، فالقسم السابع من الكلام هو ما عدا هذه ~~الستة ، ولم يقع عليه اسم منها مذموم ، فهو علم وهو نص القرآن والسنة أو ما ~~دلا عليه ، واستنبط منهما أو وجد فيهما اسمه ومعناه من قول وفعل ، والتأويل ~~إذا لم يخرج عن الإجماع داخل في العلم والاستنباط إذا كان مستودعا في ~~الكتاب يشهد له المجمل ولا ينافيه النص فهو علم ، وقد كان ابن مسعود رضي ~~الله عنه يقول : أنتم اليوم في زمان الهوى فيه تابع للعلم وسيأتي عليكم ~~زمان يكون العلم فيه تابعا للهوى . وقد جمع الله تعالى بين رونق العقل ~~ومتعة الدنيا بتسمية الزخرف فقال تعالى : ( ولبيوتهم أبوابا وسررا علىها ~~يتكئون ) الزخرف : 34 وزخرفا وكما قال زخرفا من القول غرورا فذهاب الجاهل ~~بالاستحسان لزخرف القول من المموه من غل الدنيا كمتعة الجاهل من أبناء ~~الدنيا بزخرف الذهب ذاهبا عن حقيقة الأمر والزخرف ما يموه على الذهب ، ~~فيشبه به يحسبه الجاهل والصبي عين الذهب ، كذلك الزخرف من القول : ما يموه ~~ويشبه على العلم يحسبه المستمع من الجهال علما ، فكذلك جمع بينهما في ~~التسمية الزخرف ، وقد قيل إن الزخرف هو الذهب فعلى هذا شبه قول الغرور ~~بالذهب الذي يذهب بقاؤه وتقل حقيقته عند الربانيين وأهل الحقيقة الزاهدين ~~إذ شبهه الأنبياء والصديقون كالحجر والمدر ، وكان الإمام أحمد بن حنبل رضي ~~الله عنه يقول : تركوا العلم وأقبلوا على الغراس ، ما أقل العلم فيهم والله ~~المستعان ، وقال الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه : لم يكن الناس فيما مضى ~~يسألون عن هذه الأمور كما يسأل الناس اليوم ولم يكن العلماء يقولون حرام ~~ولا حلال في أكثر الأمور أدركتهم يقولون مستحب ومكروه ، وكان مالك كثير ~~التوقف في الأجوبة إذا سئل ms0380 ويكثر أن يقول لا أدري سل غيري وقال رجل لعبد ~~الرحمن بن مهدي ألا ترى إلى قول فلان في العلم حلال وحرام وقطعه في الأمور ~~بعلمه يعني رجلا من أهل الرأي وإلى قول مالك : إذا سئل أحسب ، فقال عبد ~~الرحمن : ويلك قول مالك أحسب أحسب أحب إلي من قول PageV01P284 فلان : أشهد ~~أشهد ، وكان هشام بن عروة يقول : لا تسألوهم اليوم عما أحدثوا فإنهم قد ~~أعدوا له جوابا ، ولكن اسألوهم عن السنن فإنهم لا يعرفونها ، وكان الشعبي ~~رحمه الله تعالى إذا نظر إلى ما أحدث الناس من الرأي والهوى يقول : لقد كان ~~القعود في هذا المسجد أحب إلي مما يعدل به فمذ صار فيه هؤلاء المراؤون فقد ~~بغضوا إلي الجلوس فيه ولأن أقعد على مزبلة أحب إلي من أن أجلس فيه وكان ~~يقول ما حدثوك عن السنن والآثار فخذ به وما حدثوك عما أحدثوا من رأيهم ~~فامخط عليه ، وقد قال مرة : فبل عليه ، وقد كان السلف يستحبون العي والبله ~~عن علوم المعقول ، وقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان إذ ~~قرنه بالحياء فقال : الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان ~~شعبتان من النفاق . وقال عليه السلام : أبغض الخلق إلى الله عز وجل البليغ ~~الذي يتخلل الكلام بلسانه كما يتخلل الباقر الخلا بلسانها يعني الحشيش ~~الرطب ، وقال في حديث آخر : العي عن اللسان لا عي القلب ، وقال : إن الله ~~عز وجل كره لكم البيان كل البيان فصار الفقه إنما هو فقه القلب عن الرب ~~سبحانه وتعالى وصار فقه اللسان بالبيان إنما هو عي القلب عن الشهادة ~~والإيقان وعي اللسان وطول الصمت الذي كان يستحبه السلف هو اليوم عيب ، ومن ~~المتكلمين من لا يعرف من كلام البدع وعلم المنافقين الذي ذمه القدماء هو ~~اليوم سنة وأهل النطق به هم العلماء اليوم ، ولقد صار المعروف منكرا ~~والمنكر معروفا وصار السنة بدعة والبدعة سنة ، وكذلك جاءت به الأخبار في ~~وصف علماء آخر الزمان ، وفي الخبر المشهور : إن الله تعالى يبغض الثرثارين ~~المتشدقين ms0381 ، فمن غلب عليه هذا الوصف فكان متشدقا بليغا في علم الرأي ~~والمعقول عيي القلب عن مشاهدة اليقين وعلم الإيمان كان إلى النفاق أقرب ، ~~ومن حقيقة الإيمان أبعد ، وقد كان أبو سليمان الداراني يقول : لا ينبغي لمن ~~ألهم شيئا من الخيرات أن يعمله حتى يسمع به في الأثر فيحمد الله تعالى إذا ~~وافق ما في نفسه . وقال بعض العارفين : ما قبلت خاطرا من قلبي حتى يقيم لي ~~شاهدي عدل من كتاب وسنة وكان إمامنا أبو محمد سهل رحمه الله تعالى يقول : ~~لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون فيه هذه الأربع : أداء الفرائض ~~بالسنة ، وأكل الحلال بالورع ، واجتناب النهي من الظاهر ، والباطن والصبر ~~على ذلك حتى الممات ، وقد كانوا يعيبون على من تكلم بعد طلوع الفجر إلى ~~طلوع الشمس بغير ذكر الله تعالى وكانوا يخرجون المتحدثين من المساجد فلا ~~يبقى فيه إلا مصل أو ذاكر لله تعالى ، وقد كان السلف يستعظمون يسير الحديث ~~في الدين ودقائق البدع في الإسلام لعظم الإيمان والسنة في قلوبهم ولمعرفتهم ~~بحقيقة المعروف ، قال عبد الله بن مغفل لابنه وقد سمعه يقرأ خلف الإمام : ~~يا بني إياك والحدث إياك والحدث ، وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لابنه ~~عمر وقد سمعه PageV01P285 يسجع في كلامه : هذا الذي يبغضك إلي لا قضيت ~~حاجتك أبدا ، وكان قد جاءه يسأله حاجة له ، وقال عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ما أتي امرؤ شرا من طلاقة في لسانه ، وقال صلى الله عليه وسلم ~~لابن رواحة حين سجع سمعه فوالى بين ثلاث وقال : إياك والسجع يا ابن رواحة ، ~~فكان السجع ما زاد على كلمتين ، وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للرجل الذي أمره بدية الجنين ، لما قال كيف ندي من لا شرب ولا أكل ولا صاح ~~ولا استهل فمثل هذا بطل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسجع كسجع ~~الأعراب . وروينا أن مروان لما أحدث المنبر في صلاة العيد عند المصلى قام ~~إليه أبو سعيد الخدري فقال : يا ms0382 مروان ما هذه البدعة فقال : إنها ليست بدعة ~~هي خير مما تعلم ، إن الناس قد كثروا فأردت أن يبلغهم الصوت ، قال أبو سعيد ~~رضي الله عنه : ولا تأتون بخير مما أعلم أبدا والله لاصليت وراءك اليوم ، ~~فانصرف ولم يصل معه صلاة العيد ، فالخطبة على منبر في صلاة العيد وخطبة ~~الاستسقاء بدعة ، وكان عليه السلام يخطب فيهما على الأرض متوكئا على قوس أو ~~عصا ، وروي أن عمر رضي الله عنه أخر صلاة المغرب ليلة حتى طلع نجم فأعتق ~~رقبة ، وفعله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أيضا فأعتق رقبة استنانا بعمر ~~وهو جده لأمه . وروينا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أخر صلاة المغرب حتى ~~طلع كوكبان فأعتق رقبتين وفي الخبر : لا تزال أمتي على مسكة من دينها ما لم ~~يؤخروا صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم تشبها باليهودية ولم يؤخووا صلاة ~~الصبح إلى افتراق النجوم تشبها بالنصرانية ، وقال سفيان الثوري رحمه الله ~~ويوسف بن أسباط : لا تقلد دينك من لا دين له ، وقال وكيع : لأن أزني أحب ~~إلي من أن أسأل مبتدعا عن ديني ، وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ~~قد أكثر عن عبيد الله بن موسى العبسي ثم بلغه عنه أدنى بدعة قيل إنه كان ~~يقدم عليا على عثمان ، وقيل : بل ذكر معاوية بسوء ، فانصرف أحمد ومزق جميع ~~ما حمل عنه ولم يحدث عنه شيئا ، وقيل له مرة : يا أبا عبد الله أوكيع أشبه ~~بالسلف أم عبيد الله فقال : وكيع وإن زنى ، وحدثونا عن إبراهيم الحربي قال ~~: كتبت عن علي بن المديني رضي الله عنه جملا لله تعالى على أن لا أحدث عنه ~~بحرف ، قيل : ولم يا أبا إسحاق فذكرصلاته خلف مبتدع وكان رحمه الله تعالى ~~يقول : صحبت الفقهاء وأصحاب الحديث وأهل العربية واللغة سبعين سنة ما سمعت ~~هذه المسائل التي أحدثت في هذا الوقت من أحد منهم قط يعني الاسم والمسمى ~~ونحو ذلك ، وقال : وأخرج على من كان من أهل الكلام والجدل أن يحضر مجلسي ms0383 أو ~~يسألني عن شيء فإنه لا علم لي بالكلام ولا أنا أحسنه ولا أقول بأهله ، ولو ~~عرفت أحدا منهم ما كلمته ولا أجبته عن شيء ، وهجر الإمام أحمد بن حنبل رحمه ~~الله تعالى أبا ثور صاحب الشافعي لما سئل عن PageV01P286 معنى قول النبي : ~~إن الله تعالى خلق آدم على صورته قال : إن الهاء عائدة على آدم فغضب وقال : ~~ويله وأي صورة كانت لآدم يخلقه عليها ؟ ويله يقول إن الله تعالى خلق على ~~مثال فأي شيء يعمل في الحديث المفسر إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن ~~، فبلغ ذلك أبا ثور فجاءه واعتذر وحلف أنه ما قلت عن اعتقاد وإنما هو رأي ~~رأيته والقول ما قلت وهو مذهبي ، وهجر أيضا حارثا المحاسبي رحمه الله تعالى ~~في رده على المبتدعة وكان من أهل السنة فقال : أين ترد عليهم وقد حكيت ~~قولهم وأيضا فإنك تحملهم على التفكر والرأي فيما قلت فيكون سببا لرد الحق ~~بالباطل ، وهجر أيضا يحيى بن معين في كلمة تكلم بها وهو قوله : لو أعطاني ~~الشيطان شيئا أخذته ، وقال مالك بن أنس رضي الله عنه : ليس من السنة أن ~~تجادل عن السنة ولكن تخبر بها فإن قبل منك وإلا فاسكت ، وقيل لعبد الرحمن ~~بن مهدي رضي الله عنه : إن فلانا يرد على المبتدعة فقال : بكتاب الله تعالى ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قالوا : لا بل بالمعقول قال بئسما صنع رد ~~بدعة ببدعة . وحدث زيد بن أحزم عن وهب بن جرير قال : سمعت شعبة رحمه الله ~~تعالى يقول : أتيت الحرث العكلي فقلت : ما معنى قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا تبع أحدكم جنازة فلا يجلس حتى توضع قال : أرأيت إن جئنا ولم يحفر ~~له ينبغي لنا أن نقوم قياما فحيث قال لي : أرأيت تركته وروى محمود بن غيلان ~~أيضا عن وهب أيضا عن شعبة قال : أتيت المنهال بن عمرو أسأله عن حديث فسمعت ~~من منزله صوت طنبور فرجعت ولم أسأله ثم ندمت بعد ذلك فقلت : هلا سألته فعسى ms0384 ~~: كان لا يعلم به ، ومما أحدثوا البيع والشراء على الطريق وكان الورعون لا ~~يشترون شيئا ممن قعد يبيعه على طريق وكذلك إخراج الرواشن من البيوت وتقديم ~~العضايد بين يدي الحوانيت إلى الطريق مكروه ، ومما كرهه أهل الورع البيع ~~والشراء من الصبيان لأنهم لا يملكون وكلامهم غير مقبول ، وحدثت عن أبي بكر ~~المروزي أن شيخا كان يجالس الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ذا هيبة ~~فكان أحمد يقبل عليه ويكرمه فبلغه عنه أنه طين حائط داره من خارج قال : ~~فأعرض عنه في المجلس فاستنكر الشيخ ذلك فقال : يا أبا عبد الله هل بلغك عني ~~حدث أحدثته ؟ قال : نعم طينت حائطك من خارج قال : ولا يجوز قال : لا لأنك ~~قد أخذت من طريق المسلمين أنملة قال : فكيف أصنع ؟ قال : إما أن تكشط ما ~~طينته وإما أن تهدم الحائط وتواخره إلى وراء مقدار أصبع ثم تطينه من خارج ~~قال : فهدم الرجل الحائط وأخره أصبعا ثم طينه من خارج قال : فأقبل عليه أبو ~~عبد الله كما كان ، ومما كرهه السلف طرح السنور والدابة على المزابل في ~~الطرقات فيتأذى المسلمون بروائح ذلك ، وكان شريح وغيره إذا مات لهم سنور ~~دفنوها في دورهم ومثله إخراج الميازيب وصيها إلى الطرقات ، وكان الإمام ~~أحمد بن حنبل رحمه الله وأهل الورع PageV01P287 يجعلون ميازييهم إلى داخل ~~دورهم ، وقال إبراهيم النخعي رحمه الله : كان أحدهم يكذب مرتين ولا يشعر ~~يقول : لا شيء إلا شيء ليس بشيء يعني قول الناس للشيء اليسير الذي لا يوصف ~~بكثير لا شيء فاستعظم هذا ورآه كذبا مرتين . وروينا عن عمر رضي الله عنه : ~~إنه قال لعوانه : كنت أرثي لك من العمى فصرت الآن غبطك به قال وكيف ؟ قال : ~~صرت لا ترى أبا الصغري بعينيك مبتدع كان بالمدينة ، وقيل لقتادة : تود لو ~~أنك بصير ؟ فقال : لا على من كنت أفتح عيني بل لو كان في وقت أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كنت أنظر إليهم ، وحدثونا عن الفضل بن مهران قال : ~~قلت ليحيى بن معين ms0385 : أخ لي يقعد إلى القصاص فقال : انهه فقلت : لا يقبل قال ~~عظه قلت : لا يقبل أأهجره ؟ قال : نعم قال : فأتيت الإمام أحمد بن حنبل ~~فذكرت له نحو ذلك فقال : قل له يقرأ في المصحف ويذكر الله تعالى في نفسه ~~ويطلب حديث رسول الله لله قلت : فإن لم يفعل قال : بلى إن شاء الله تعالى ~~فإن هذا الاجتماع محدث قلت : فإن لم يقبل أأهجره ؟ فتبسم وسكت ، وسأل رجل ~~بشر بن الحارث رحمه الله تعالى عن مسألة من علم القلوب فتوقف ثم أجابه ثم ~~سأله مسألة أخرى من علم المعاملات فسكت ونظر إليه ثم قال : من تجالس من ~~الناس فقال : منصور بن عمار وابن السماك فقال : ألا تستحي تسألنا عن علم ~~القلوب ثم تجالس القصاص ؟ قال : وأعرض عنه حتى قلنا له : يا أبا نصر إنه لا ~~بأس به ، إنه من أهل السنة وقد كانوا يكرهون الصلاة في المقصورة ويرونها ~~أنها أول بدعة أحدثت في المساجد ويكرهون تزويق المساجد وكذا القبلة بالزخرف ~~وتحلية المصاحف وهذا من البدع ، وفي الخبر : إذا ما زخرفتم مساجدكم وحليتم ~~مصاحفكم فالدبار عليكم وقد كانوا يكرهون كثرة المساجد في المحلة الواحدة . ~~روي أن أنس بن مالك رضي الله عنهما لما دخل البصرة جعل كلما خطا خطوتين رأى ~~مسجدا فقال : ما هذه البدعة ؟ لما كثرت المساجد قل المصلون ، أشهد لقد كانت ~~القبيلة بأسرها ليس فيها إلا مسجد واحد ، وكان أهل القبائل يتبانون المسجد ~~الواحد في الحي من الأحياء واختلفوا في أيهما يصلي إذا اتفق مسجدان في محلة ~~، فمنهم من قال في أقدمهما وإليه ذهب أنس بن مالك وغيره من الصحابة ، قال : ~~وكانوا يجاوزون المساجد المحدثة إلى المساجد العتق ، وكان الحسن يقول : ~~يصلي في أقربهما منه ويقال : أول ما حدث من البدع أربع : الموائد ، ~~والمناخل ، والأشنان ، والشبع ، وكانوا يكرهون أن تكون أواني البيت غير ~~الخزف ولا يتوضأ أهل الورع في آنية الصفر والنحاس ، قال الجنيد : قال لي ~~سري السقطي : اجتهد أن لا تستعمل من آنية بيتك إلا جنسك يعني من الطين ms0386 ، ~~ويقال : لا حساب عليه ، ومما كرهه السلف تشييد البناء بالجص والآخر ، يقال ~~: أول من طبخ الطين هامان أمره به فرعون ، ويقال : هو بناء الجبابرة ، ~~PageV01P288 وكرهوا النقوش والتزويق في السقوف والأبواب ، وكانوا يغضون من ~~النظر إلى ذلك وغاب الأحنف بن قيس غيبة فرجع وقد خضروا سقف بيته وصفروه ~~فلما نظر إليه خرج من منزله وحلف أن لا يدخله حتى يقلعوا ذلك منه ويعيدوه ~~كما كان ، وقال يحيى بن معاذ من أصحاب الثوري رحمه الله : كنت أمشي مع ~~الثوري في طريق فمررنا بباب منقوش مزوق فنظرت إليه فجذبني سفيان حتى جزت ~~فقلت : ما تكره من النظر إلى هذا ؟ فقال : إنما بنوه لينظر إليه ولو كان كل ~~من مر به لا ينظر إليه ما بنوه ، فكأنه خشي أن يكون بنظره إليه معاونا له ~~على بنائه ، ومما أحدث الناس مما كانوا يكرهونه الثياب الرقاق مثل القصب ~~ورقيق بز مصر للنساء والرجال وهو للنساء أكره وأغلظ وكانوا يقولون : الثياب ~~الرقاق لباس الفساق ومن رق ثوبه رق دينه ويقولون أول النسك الزي . وقال ابن ~~مسعود رضي الله عنه لا يشبه الزي الزي حتى يشبه القلب القلب ، وخطب بشر بن ~~مروان وعليه ثوب رقيق فجعل رافع بن خديج رضي الله عنه يهزأ به ويقول : ~~انظروا إلى أميركم يعظ الناس وعليه ثياب الفساق ، ولما جاء عبد الله بن ~~عامر بن ربيعة في بزته إلى أبي ذر رضي الله عنه وسأله عن الزهد وأخذ يتكلم ~~فيه فجعل أبو ذر يضرط به في كفه ثم أعرض عنه ولم يكلمه ، فغضب ابن عامر ~~وكان قرشيا شريفا وشكاه إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال له : أنت فعلت ~~نفسك تأني أبا ذر في هذه الثياب وتسأله عن الزهد ، وفي الخبر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : وقد وصف نساء يكن في آخر الزمان فقال : كاسيات عاريات ~~مائلات مميلات على رؤوسهن أمثال أسنمة البقر يعني المعاجر والأكوار لا يجدن ~~رائحة الجنة ، كان ابن عباس يفسر التبرج أنه منه لبس ما رق من ms0387 الثياب وقال ~~في قوله تعالى : ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) الأحزاب : 33 ، قال : ~~كانت المرأة تلبس ثيابا قيمتها كذا وكذا لا توارى لها عورة مما لا يجوز فيه ~~الصلاة لأنه يصف أو يشف فمكروه لبسه وإنما كانت ثياب السلف السنبلاني ~~والقطواني وعصب اليمن ومعافري مصر والقباي مثل كسوة الكعبة والثياب ~~السحولية اليمانية والكرابيس الحضرمية ، وهذه كلها غلاظ كثيفة ، وكانت ~~الأثمان من خمسة دراهم إلى ثلاثين درهما وما بين ذلك ، ثم أحدث الناس ~~الثياب الرقاق من كتان مصر وقطن خراسان ، وكان طول مئزر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أربعة أذرع ونصفا وثمنه إلى الأربعة والخمسة ، وكانت أثمان ~~ثيابهم القمص من الخمسة إلى العشرة فيما بينهما من الثمن ، ولكن قد جاء في ~~الخبر : لا تقوم الساعة حتى يصير المعروف منكرا والمنكر معروفا ، وكان ابن ~~عاس رضي الله عنهما يقول : لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سنة ~~وأحيوا فيه بدعة حتى تموت السنن وتحيا البدع وإنما قيل منكر لأنه لا يعرف ، ~~فإذا خفي الحق فلم يعرف وقع عليه اسم منكر ، وكذلك قيل معروف لأنه مشهور ~~مألوف ، فإذا فشا الباطل وكثر الجهل حتى ألف وعرف وقع عليه اسم المعروف ، ~~وكذلك PageV01P289 قيل : يكثر الجور حتى يولد فيه من لا يعرف العدل . وكان ~~الشعبي رحمه الله يقول : يأتي على الناس زمان يصلون فيه على الحجاج وهذا قد ~~أتى منذ زمان لأن الحجاج قد ابتدع أشياء أنكرها الناس عليه في زمانه هي ~~اليوم سنن معروفة وأعمال مستحسنة يترحم الناس ويغبطن من أحدثها ويحسبون أنه ~~مأجور عليها مشكور له سعيه فيها إلا أنهم لا يعرفون أنه أحدثها فهم وإن لم ~~يفوهوا بالصلاة عليه قولا فإن استعمالهم لما أحدث واستحسانهم لما ابتدع ~~ترحم منهم عليه ، والترحم هو الصلاة ، وأيضا فإنه ابتدع أشياء من الخير ~~وداخله في أبواب الآخرة ثم ظهرت ولاة بعده أحدثوا احداثا من الجور وابتدعوا ~~بدعا من الفسوق فصارت سننا بعدهم فوجب بذلك الصلاة على الحجاج إلى جنب ما ~~أظهر بعده فمما أحدث هذه ms0388 المحامل والقباب التي خالف بها هدي السلف بالتنعم ~~والرفاهية وإنما كان الناس يخرجون على الرواحل والزوامل فيضحون للشمس ~~وينصبون في سبيل الله تعالى ويشعثون ويغبرون ويقل أكلهم ونومهم وتكثر رفاهة ~~الإبل وتقل المشقة والحمل عليها فيكون ذلك أثوب لهم وأزكى لحجهم وأدنى إلى ~~السلامة لإبلهم ، ويوافقون به سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم فأخرجهم من ~~جميع ذلك بما أدخلهم فيه من بدعته فصاروا يخرجون في بيوت ظليلة مع الحمل ~~على الإبل ما لا تطيق فيكون سبب تلفها فيشركونه فيه ويشركهم بسنته . وابتدع ~~أيضا هذه الأخماس والعواشر ورؤوس الآي وحمر السواد وخضره وصفره فأدخل في ~~المصحف ما ليس فيه من الزخرف وكان السلف يقولون : جردوا القرآن كما أنزله ~~الله تعالى ولا تخلطوا به غيره ، فأنكر العلماء ذلك عليه حتى قال أبو رزين ~~: يأتي على الناس زمان ينشأ فيه نشء يحسبون أن ما أحدث الحجاج في المصاحف ~~هكذا أنزله الله تعالى يذمه بذلك وحتى نقل الاختلاف وأن بعضهم كان لا يقرأ ~~في مصحف منقوط بحمرة لأن بعضهم كان لا يرى القراءة في مصحف منقوط كما نقل ~~أن بعضهم كان يرى شراء المصحف ويكره بيعه أي : وكذلك إذا لم تنقطه أنت فلا ~~بأس أن تقرأ فيما نقطه غيرك ، وقد كانوا يكرهون أخذ الأجر على تنقيط القرآن ~~لأجل أنه مبتدع ، وقال أبو بكر الهذلي : سألت الحسن رحمه الله عن تنقيط ~~المصاحف بالأجر قال : وما تنقيطها قلت : يعربون الكلم بالعربية فقال : أما ~~إعراب القرآن فلا بأس به ، وقال خالد الحذاء : دخلت على ابن سيرين فرأيته ~~يقرأ في مصحف منقوط وقد كان يكره النقط ، وقال فراس بن يحيى : وجدت ورقا ~~منقوطا بالنحو في سجن الحجاج فعجبت منه وكان أول نقط رأيته فأتيت به الشعبي ~~فأخبرته فقال لي : اقرأ عليه ولا تنقطه أنت بيدك ، ومنها أنه جمع من القراء ~~ثلاثين رجلا فكانوا يعدون حروف المصحف ويعدون كلمه شهرا ، ولو رآهم عمر أو ~~عثمان أو علي يصنعون هذا بالقرآن أي يعدون حروفه وكمله لأوجع رؤوسهم ضربا ~~وهذا PageV01P290 الذي ms0389 كرهته الصحابة ووصفوا به قراء آخر الزمان أنهم ~~يحفظون حروفه ويضيعون حدوده وكان الحجاج أقرأ القراء وأحفظهم لحروف القرآن ~~كان يختم القرآن في كل ثلاث وكان أضيع الناس لحدوده ، ومنها أنه ابتدع ~~إخراج الحصى والرمل من المساجد وفرشها بالبواري ، كما روى أن قتادة سجد ~~فدخلت في عينه قصبة وكان ضريرا فقال لعن الله الحجاج ابتدع هذه البواري ~~يؤذي بها المصلين وقد كانوا يستحبون السجود على الأرض والتراب تواضعا لله ~~تعالى وتخشعا وذلا إلى غير ذلك من بدعه التي لم نقصد تعديدها عليه ولا ~~جمعها فهي اليوم سنن معروفة وشرائع مألوفة مع ما أحدث غيره مما يكثر عدده ~~منكر كله عند من عرف المعرو ف من سيرة المتقدمين وشمائل الصالحين . وقد قال ~~ابن مسعود رضي الله عنه : يظهر المنكر والبدع حتى إذا غير منها شيء قيل ~~غيرت السنة وقال في آخر حديثه : أكيسهم في ذلك الزمان الذي يروغ بدينه ~~روغان الثعالب ، وقد كان أنس بن مالك رضي الله عنه في سنة ثمانين وأيام ~~الحجاج يقول : ما أعرف اليوم شيئا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا قد غير إلا شهادة أن لا إله إلا الله قيل : فالصلاة يا أبا حمزة ~~قال : أوليس قد أحدثوا في الصلاة ما علمتم يعني تأخيرها والتثويب قبلها ~~وتعين السلام حتى أنهم يضاهون به الإقامة فجعلوه كالسنة ، وكان يقول للقراء ~~إذا دخلو عليه مثل يزيد الرقاشي وزيد النميري وفرقد السنجي : ما أشبهكم ~~بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فيفرحون فيقول نعم رؤسكم ولحاكم فهذا كما ~~قال المجنون : أما الخيام فإنها كخيامهم . . . وأرى نساء الحي غير نسائه ~~وعن جماعة من الصحابة : لو نشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوكم ~~لما عرفوا شيئا مما أنتم عليه الآن إلا الصلاة في جماعة ، وفي لفظ آخر : ~~إلا أنكم تصلون جميعا ، وكان الحسن يقول : صحبت طوائف لو رأيتموهم لقلتم ~~مجانين ولو رأوا خياركم لقالوا ما لهؤلاء من خلاق ، وقال أبو حازم : أدركت ~~القراء وهم القراء حقا ولو ms0390 كان حامل القرآن في مائة رجل لعرف بشدة تواضعه ~~وحسن سمته وخشوعه وقد وقره القرآن في سمته وقد خضعه القرآن وأخشعه ، فأما ~~هؤلاء فو الله ما هم بالقراء ولكنهم الجراء ، وقد قال بعضهم : كنا نشهد ~~الجنازة فلا نعرف صاحب المصيبة ولا ندري من نعزي من شدة حزن القوم قال : ~~وكان أحدهم يبقى بعد شهود الجنازة ثلاثا لا ينتفع به ، وكان الفضيل رحمه ~~الله يحذر من قراء زمانه فقال : إياك وصحبة هؤلاء القراء فإنك إن خالفتهم ~~في شيء كفروك ، وقال سفيان الثوري رحمه الله ما شيء أحب إلي من صحبة فتى ~~ولا شيء أبغض إلي من صحبة قارئ ، وكان كثيرا يقول : من لم يحسن يتغنى لم ~~يحسن يتقرى ، PageV01P291 وكان بشر بن الحارث يقول : لأن أصحب فتى أحب إلي ~~من أن أصحب قارئا فإياك وصحبة القراء فإنهم يذمون غير مذموم وإن تركت ~~الصلاة معهم في جماعة تشاهدوا عليك ، كل ذلك لأنهم يجاوزون الحد في الشيء ~~ويسرعون الإنكار إلى كل شيء لغلبة الجهل عليهم وقلة مجالستهم للعلماء ~~ومعاناتهم للعلم وإنهم موصوفون بدقائق الرياء والتصنع للعامة فينكرون غير ~~منكر ويتعصبون بالبغضة والهجر في الشيء اليسير الذي قد يغتفر مثله وهم غير ~~موصوفين بمحاسن الأخلاق ولا موسومين بالبشاشة والانطلاق إذ فيهم كزازة ~~وتغليظ على الناس ولزازة وحنق على الأغنياء حتى كأنهم يأكلون أرزاقهم ~~وكأنهم يعملون العبادة لهم وفيهم كثرة مقت لأهل البشر والطلاقة ، فلذلك قال ~~بعضهم : الشريف إذا تقرى تواضع والوضيع إن تقرى تكبر ، وقال آخر السفلة : ~~إذا تقرى أكثر الأمر بالمعروف واعترض على جيرانه في كل شيء يعني أكثر الأمر ~~بالمعروف ليعرف به ، فمن أجل ذلك رفضهم العلماء وذمهم الحكماء لأن العلم ~~يبسط ويوسع وتكون معه الأخلاق الحسنة والآداب والمروءات الواسعة والعالم ~~يضع الأشياء في مواضعها من الناس ولا يجاوز بها ولا بهم المقادير ويستخرج ~~لهم المعاذير ، ومن صفة العلماء الانقباض في بسط خلق ، وقد قال الإمام ~~الشافعي رحمه الله الانقباض على الناس مكسبة لعداوتهم فكن بين المنقبض ~~والمنبسط . وفي الخبر : إنكم لا تسعون ms0391 الناس بأموالكم فليسعهم منكم وجه طلق ~~وخلق حسن ، وفي لفظ آخر : وبشر وبشاشة وهذا كله معدوم من القراء ولا ~~يعرفونه ، وقد جعل الله تعالى لكل شيء قدرا فمن تعدى حد الشيء فقد أفسده ، ~~وقال بعض السلف : قليل التواضع يكفي من كثير العمل وقليل الورع يكفي من ~~كثير العلم ، ومن أخلاق السلف مما تهاون به الخلف أنهم كانوا يعدون من ~~النفاق أن يتكلم الرجل فيمن يكلمه أو يكلم من تكلم فيه لأنهم كانوا إذا ~~كلموا أحدا أو سلموا عليه سلمت له قلوبهم ولم يتكلموا فيه وإذا تكلموا في ~~أحد لبدعته أو ظهور فسقه لم يكلموه وكانوا إذا مدحوا أحدا بقول لم يذموه ~~بفعل وإذا ذموا واحدا يفعل يمدحوه بقول لأن في ذلك لسانين واختلاف وجهين ~~واختلاف سر وعلانية وكانوا يقولون معنى سلام عليك إذا لقيته أي سلمت مني أن ~~أغتابك وأذمك فكان اختلاف هذا عندهم من أبواب النفاق . وروينا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه ، وهؤلاء ~~بوجه وفي حديث آخر : من كان ذا لسانين في الدنيا جعل الله له يوم القيامة ~~لسانين من نار ، وكان بعضهم يقول : ما ذكر عندي إنسان قط إلا مثلته جالسا ~~فقلت في غيبته بما يجب أن يسمع ، وقال آخر : ما ذكر عندي رجل إلا تصورت في ~~نفسي مثاله فكل ما أحب أن يقال لي قلته له ، وقال بعض السلف : قليل التواضع ~~يكفي عن كثير العمل وقليل الورع يكفي عن كثير العلم ، فهذه كانت صفات ~~المسلمين الذي يسلم الناس على أيديهم PageV01P292 وقلوبهم ، كان أحدهم إذا ~~ذكر عنده غيره بسوء وقف وتفكر في شأن نفسه فإن كان فيه مثل ذلك السوء قطعه ~~الحياء عن الكلام في أخيه فسكت وإن لم يكن ذلك فيه حمد الله عز وجل ورحم ~~أخاه فشغله الشكر لمولاه إذ عافاه ، فهذه كانت سيرة السلف ، ويقال في بعض ~~كتب الله تعالى : عجبا لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح ولمن قيل فيه ~~الشر وهو فيه ms0392 كيف يغضب ، وأعجب من ذلك من أحب نفسه على اليقين وأبغض الناس ~~على الشك ، ومن طريقة السلف مما كانوا يشددون فيه حب المدح وطلب الحمد حتى ~~قال بعضهم : من أحب المدح وكره الذم فهو منافق ، وقال عمر رضي الله عنه ~~لرجل : من سيد قومك ؟ قال : أنا ، قال : لو كنت كذلك لم تقل ، وكتب محمد بن ~~كعب فانتسب فقال القرظي قيل له : قل الأنصاري قال أكره أن أمن على الله عز ~~وجل بما لم أفعل ، وقال الثوري رضي الله عنه : إذا قيل لك بئس الرجل أنت ~~تغضب فأنت بئس الرجل ، وقال آخر : لا يزال فيك خير ما لم تر أن فيك خيرا ، ~~وسئل بعض العلماء : ما علامة النفاق ؟ قال : الذي إذا مدح بما ليس فيه ~~ارتاح لذلك قلبه ، وكان سفيان رضي الله عنه يقول : إذا رأيت الرجل يحب أن ~~يحبه الناس كلهم ويكره أن يذكره أحد بسوء فاعلم أنه منافق فهذا داخل في وصف ~~الله تعالى المنافقين بقوله تعالى : ( ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم و ~~يأمنوا قومهم ) النساء : 91 ، فينبغي لمن أمن في أهل السنة أن يخاف في أهل ~~البدع وهذا مما دخل على القراء الذي ذمهم العلماء مداخل الليل في النهار ~~ولعل مغرورا جاهلا يتأول الحديث الذي جاء إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في ~~قلبه على غير تأويله ويحمله على غير محمله فإنما قال ربا الإيمان ولم يقل ~~ربا المؤمن فربو الإيمان زيادته وزيادته بالخوف والإشفاق من المكر به ~~والاستدراج وفيه طريق للعارفين بأن يعلو الإيمان العلي إلى المومن الأعلى ~~فيفرح بذلك لمولاه ويضيفه إلى سيده الذي به تولاه فيرد الصنعة إلى صانعها ~~ويشهد في الفطرة فاطرها فيكون ذلك مدحا للصانع ووصفا للفاطر لا ينظر إلى ~~نفسه لا يعجب بوصفه وهذه طرقات قد درست وانقطع سلاكها إلا من رحم ربك . # | باب تفضيل علم الإيمان واليقين على سائر العلوم والتحذير من الزلل فيه ~~ووبيان ما ذكرناه # : اعلم أن كل علم من العلوم قد يتأتى حفظه ونشره لمنافق أو مبتدع أو مشرك ms0393 ~~إذا رغب فيه وحرص عليه لأنه نتيجة الذهن وثمرة العقل إلا علم الإيمان ~~واليقين فإنه لا يتأتى ظهور مشاهدته والكلام في حقائقه إلا لمؤمن موقن من ~~قبل أن ذلك تقرير مزيد الإيمان وحقيقة العلم والإيمان ، فهو آيات الله ~~تعالى وعهده عن مكاشفة قدرته وعظمته PageV01P293 وآيات الله تعالى لا تكون ~~للفاسقين وعهده لا ينال الظالمين وعظمته وقدرته لا تكون شهادة للزائغين ولا ~~وجد للمبطلين إذ في ذلك توهين لآيات الله وحججه وانتقاص لبراهينه وقدرته ~~ودخول الشك في اليقين الذي هو محجة المخلصين والذين هم بقية الله من عباده ~~واشتباه الباطل بالحق الذي هو وصف أهل الصدق الذين هم أدلته عليه من أهل ~~وداده وهذا من أدل دليل على فضل علم المعرفة على غيره قال الله عز وجل : ( ~~أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ) الشعراء : 197 ، وقال تعالى ~~: ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) العنكبوت : 49 ، وقال ~~سبحانه وتعالى : ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) الحجر : 75 ، وقال : ( قد ~~بينا الآيات لقوم يوقنون ) ، البقرة : 118 وقال عز وجل : ( ولنبينه لقوم ~~يعلمون ) ، الأنعام : 105 فهؤلاء العلماء بالله تعالى الناطقون عن الله عز ~~وجل جعل لهم أنصبة منه ومكانا عنده ، ولا يكون ذلك لمن ليس أهلا له ولا ~~حقيقا به لأنهم آيات الله تعالى وبيناته وشهوده وبصائره كاشفو طريقه ومظهرو ~~بيانه إذ يقول تعالى : ( ثم إن علينا بيانه ) القيامة : 19 ، ثم قال تعالى ~~: ( خلق الإنسان ) ( علمه البيان ) الرحمن : 3 - 4 بعد قوله : ( وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين ) الروم : 47 ، مع قوله تعالى : ( وكانوا أحق بها ~~وأهلها ) الفتح : 26 فنصروه بما نصرهم به وتحققوا بما حققهم منه وشهدوا له ~~ما شهد لهم عنه فكانوا للمتقين إماما وإلى الهداية أعلاما . وقال بعض أهل ~~المعرفة : من لم تكن له مشاهدة من هذا العلم لم يعر من شرك أو نفاق لأنه ~~عار من علم اليقين ومن عري من اليقين وجد فيه دقائق الشك ، وقال بعض ~~العارفين : من لم يكن له نصيب من هذا ms0394 العلم أخاف عليه سوء الخاتمة وأدنى ~~النصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله وقال آخر من كان فيه خصلتان لم يفتح ~~له من هذا العلم شيء بدعة أو كبر ، وقال طائفة من أهله : من كان محبا ~~للدنيا أو مصرا على هوى لم يتحقق به ، وقال أبو محمد سهل : أقل عقوبة من ~~أنكر هذا العلم أن لا يرزق منه شيء أبدا ، واتفقوا على أنه علم الصديقين ~~وأن من كان له منه نصيب فهو من المقربين وينال درجة أصحاب اليمين ، وأعلم ~~أن علم التوحيد ومعرفة الصفات مباين لسائر العلوم ، فالاختلاف في سائر ~~العلوم الظاهرة رحمة والاختلاف في علم التوحيد ضلال وبدعة والخطأ في علم ~~الظاهر مغفور وربما كانت حسنة إذا اجتهد والخطأ في علم التوحيد وشهادة ~~اليقين كفر من قبل أن العباد لم يكلفوا حقيقة العلم عند الله تعالى في طلب ~~العلم الظاهر وعليهم واجب طلب موافقة الحقيقة عند الله في التوحيد ومن ~~ابتدع شيئا ردت عليه بدعته وكان مسؤولا عنه ولم يكن حجة لله تعالى على ~~عباده ولا غيثا نافعا في بلاده بل كان موصوفا بالدنيا وفيها من الراغبين ~~ولم يكن دليلا على الله عز وجل ولا من دعاة الدين ولا إماما للمتقين ، وقد ~~جاء في الخبر : العلماء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا فإذا دخلوا في ~~الدنيا فاحذروهم على دينكم ، والخبر المشهور : من أحدث في ديننا ما ليس فيه ~~فهو رد . PageV01P294 وقد روينا عن عيسى عليه السلام وقيل له : من أشد ~~الناس فتنة فقال : زلة عالم إذا زل بزلته عالم ، وقد روينا معناه عن نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم : مما أخاف على أمتي زلة عالم وجدال منافق في ~~القرآن ، وكان بعض السلف يقول : مثل العالم إذا زل مثل سفينة إذا غرقت غرق ~~معها خلق كثير ومثل كسوف الشمس يصيح الناس يا غافلون الصلاة وإنها عند ~~العامة آية يفزع منها . ويروى في خبر غريب : من غش أمتي فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين قيل : يا رسول وما غش أمتك ؟ قال ms0395 : أن يبتدع بدعة ~~في الإسلام يحمل الناس عليها ، وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول ويل للعالم ~~من الأتباع وويل للأتباع من العالم يزل العالم بزلة فيتبعه عليها فئام من ~~الناس وتبلغ الآفاق وما أعلم أحدا أعظم جرما ممن ابتدع في دين الله عز وجل ~~فنطق في كتاب الله تعالى وفي علم المعرفة بما لم يأذن به الله ثم لم يعبأ ~~بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو حجة الله تعالى على جميع خلقه ~~وطريق مقربيه من عباده فأضل بذلك عباد الله عز وجل فإن مثل من ابتدع في ~~الدين واتخذ وليجة دون الكتاب والسنة وبين طريق المؤمنين إلى جنب من يكاثر ~~في أمور الدنيا وارتكب فيها شهوات الأهواء كمثل من اجترح المظالم بين الناس ~~في الأموال والدماء إلى جنب من ظلم نفسه بكسب الذنوب بينه وبين ربه ، إن ~~مظالم العباد أعظم وهو الديوان الذي لا يترك ، كذلك التمويه في الدين أعظم ~~لأنه مظالم الآخرة وقطع طرقات المؤمنين ومحو شريعة المرسلين ، ومثله أيضا ~~مثل من أذنب وجحد ذنبه واحتج لنفسه إلى من أذنب واعترف بذنبه واعتذر من ~~نفسه فهو أقرب للعفو وأرجى للرحمة من الآخر ، كذلك من اعتل بالتقصير ~~والتفريط في العمل ولم ينصح لنفسه إلا أنه أظهر حقيقة العلم ونصح لله تعالى ~~ولرسوله ببيان كتابه وذكر سنته أقرب إلى حسن الإخلاص وأولى بالتدارك في ~~العافية ممن شرع في دين الله تعالى وابتدع في الأمة ما يخالف به الكتاب ~~والسنة ، هكذا كأنه قد قلب ملة وبدل شريعة ، فهذا يولد النفاق في قلبه حتى ~~يختم له به ومثل من ابتدع في الملة مخالفا للسنة إلى من أساء إلى نفسه ~~بالذنوب مثل من عصى الملك في قلب دولته وتظاهر عليه في ملكه بالإزالة إلى ~~جنب من عصى أمره وقصر في حقه من الرعية ، وقد قال بعض الحكماء : ثلاث لا ~~يحسن من الملك أن يغفرها ، من قلب دولة من رعيته ، أو عمل فيما يوهن الملك ~~، أو أفسد حرمة من حرمه . وروينا ms0396 عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن لله ~~تعالى ملكا ينادي كل يوم من خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تنله ~~شفاعته ، وقال علي كرم الله وجهه : الهوى شريك العمى ، وقال الله تعالى : ( ~~ومن أصدق من الله ) النساء : 87 قيلا ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~ليضل الناس بغير علم ، ثم قال تعالى : ( أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ~~ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) الأنعام : 93 فسوى بين الكذاب في العزية ~~على الله تعالى وبين المتشبه المضاهي للربوبية ، PageV01P295 وكذلك من أعظم ~~المنكر بعد هذا إنكار الحق من أهله ورده عليهم بالتكذيب ، وقد سوى تعالى ~~أيضا بين التكذيب بالحق وبين ابتداء الكذب على الخالق في قوله عز وجل : ( ~~ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه ) العنكبوت : 68 ، ~~وقال تعالى في مثله : ( فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه ) ~~الزمر : 32 كذلك أيضا في ضده سوى كما سوى عز وجل بين الصادق بالصدق والمصدق ~~به فقال تعالى : ( والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون ) الزمر : 33 ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : العالم والمتعلم شريكان في العلم ، ~~وقال عيسى عليه السلام بمعناه : المستمع شريك القائل ولكن الله تعالى قد ~~جعل هذه الطائفة من أهل العلم بالله تعالى ترد على جميع الطوائف من ~~الشاطحين والمبتدعين أهل الجهالة بالدين والحيدة عن سبيل المؤمنين بما ~~أراهم الله تعالى من علم اليقين وبما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالعلم والتعديل في قوله : يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف ~~الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، فالغالون هم الشاطحون لأنهم قد ~~جاوزوا العلم ومحوا الرسم فأسقطوا الحكم ، والمبطلون هم المدعون المبتدعون ~~لأنهم جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق وافتروا بالدعوى وابتدعوا بالرأي ~~والهوى ، والجاهلون هم المنكرون لغرائب العلم المفترون لما عرفوا من ظاهر ~~العقل ، كما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن من العلم ms0397 كهيئة ~~المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله عز وجل ، فإذا نطقوا به لم يجهله ~~إلا أهل الإغترار بالله تعالى : ولا تحقروا عالما آتاه الله تعالى علما فإن ~~الله عز وجل لم يحقره إذ أتاه وكل من تأول السنن بالرأي أو المعقول أو نطق ~~بما لم يسبق إليه السلف من القول أو بمعناه فهو متكلف مبطل ، فأهل العلم ~~بالله تعالى يردون علوم المعقول بعلم اليقين وعلم الرأي بعلم السنة يثبتون ~~أهل الآثار ويؤيدون نقلة الأخبار بما يفصلون من أخبارهم ويفسرون من حديثهم ~~مما لم يجعل للنقلة طريق إليه ولم يهتد الرواة إلى كشف منه بما أشهدهم الله ~~عز وجل واستودعهم ونور به قلوبهم ونطقهم فهم ينطقون عن الله سبحانه وتعالى ~~فيما يخبرون عنه ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، وجعلنا منهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون . وقد قال بعض العلماء : ما تكلم ~~فيه السلف فالسكوت عنه جفاء وما سكت عنه السلف فالكلام فيه تكلف وقال آخر : ~~الحق ثقيل من جاوزه ظلم ومن قصر عنه عجز ومن وقف معه اكتفى وقال علي رضي ~~الله عنه عليكم بالنمط الأوسط الذي يرجع إليه العالي ويرتفع عنه القالي ~~وهكذا سيرة السلف إنه لا يستمع إلى مبتدع لأنه منكر ولا يرد عليه بالجدال ~~والنظر لأنه بدعة ، ولكن يخبر بالسنن ويحتج بالأثر فإن قيل فهو أخوك في ~~الله عز وجل ووجبت عليك موالاته وإن لم يرجع وأنكر نقض بإنكاره وعرف ببدعته ~~وحقت عداوته وهجر في الله تعالى ، وهذا طريق لا يسلكه في وقتنا هذا إلا من ~~عرف PageV01P296 فضله وطريقه السلف فيه . وحدثت عن إبليس لعنه الله أنه بث ~~جنوده في وقت الصحابة فرجعوا إليه محسورين فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : ما ~~رأينا مثل هؤلاء القوم ما نصيب منهم شيئا قد أتعبونا فيقول : إنك لا تقدرون ~~عليهم قد صحبوا نبيهم وشهدوا تنزيل ربهم ولكن سيأتي بعدهم قوم تنالون منهم ~~حاجتكم ، فلما جاء التابعون بث جنوده فيهم فرجعوا إليه منكسرين منكوسين ، ~~فقال : ما شأنكم ، قالوا : ما ms0398 رأينا أعجب من هؤلاء القوم نصيب منهم الشيء ~~بعد الشيء من الخطايا فإذا كان من آخر النهار أخذوا في الاستغفار فتبدل ~~سيئاتهم حسنات فقال : إنكم لن تنالوا من هؤلاء شيئا لصحة توحيدهم واتباعهم ~~سنة نبيهم ولكن سيأتي بعد هؤلاء قوم تقر أعينكم بهم تلعبون بهم لعبا ~~وتقودونهم بأزمة أهوائهم كيف شئتم إن استغفروا لم يغفر لهم ولا يتوبون ~~فتبدل حسناتهم سيئات قال : فجاء قوم بعد القرن الأول فبعث فيهم الأهواء ~~وزين لهم البدع فاستحلوها واتخذوها دينا لا يستغفرون منها ولا يتوبون إلى ~~الله قال فتسلطت عليهم الأعداء وقادتهم أين شاؤوا ، وقد قال ابن عباس رضي ~~الله عنه : إن للضلالة حلاوة في قلوب أهلها . وقد قال الله تعالى : ( ~~اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ) الأنعام : 70 ، وقال تعالى : ( أفمن زين له سوء ~~عمله فرآه حسنا ) فاطر : 8 كما قال تعالى : ( أفمن كان على بينة من ربه ~~ويتلوه شاهد منه ) هود : 17 فالعلم رحمك الله هو الذي كان عليه السلف ~~الصالح المقتفي آثارهم والخلف التابع المقتدي بهديهم وهم الصحابة أهل ~~السكينة والرضا ثم التابعون لهم بإحسان من أهل الزهد والنهي والعالم هو ~~الذي يدعو الناس إلى مثل حاله حتى يكونوا مثله فإذا نظروا إليه زهدوا في ~~الدنيا لزهده فيها كما كان ذو النون رحمه الله يقول : جالس من يكلمك علمه ~~لا من يكلمك لسانه ، وقد قال الحسن رضي الله عنه قبله : عظ الناس بفعلك ولا ~~تعظهم بقولك ، وقال سهل رحمه الله : العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ~~ارتحل ، وقد روينا معنى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قيل له : ~~أي جلسائنا خير فقال : من ذكركم بالله تعالى رؤيته وزاد في علمكم منطقه ~~وذكركم بالآخرة عمله ، فأما الذي يطلب دنياهم حتى يكون مثلهم فإذا رأوه ~~اعتبطوا بحالهم فهذا شر منهم لأنه يدعو إلى نفسه لا إلى مولاه ولأنه طامع ~~فيهم وهم زاهدون فيه ، فالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء هم الورعون في دين ~~الله عز وجل ، الزاهدون في فضول الدنيا الناطقون بعلم اليقين ms0399 والقدرة لا ~~علم الرأي والهوى ، والصامتون عن الشبهات والآراء لا يختلف هذا إلى يوم ~~القيامة عند العلماء الشهداء على الله تعالى برأي قائل ولا بقول مبطل جاهل ~~. كما روي عن عبد الله بن عمر وعن النبي صلى الله عليه وسلم : صلح أول هذه ~~الأمة بالزهد واليقين ويهلك آخرها بالبخل والأمل ، وقال يوسف بن أسباط : ~~كتب إلى حذيفة المرعشي ما ظنك بمن قد بقي لا يجد أحدا يذكر الله تعالى معه ~~إلا كان آثما وكانت مذاكرته معصية وذلك PageV01P297 أنه لا يجد أهله قلت ~~ليوسف : يا أبا محمد وتعرفهم قال : لا يخفون علينا ويقال : إن الأبدال إنما ~~انقطعوا في أطراف الأرض واستتروا عن أعين الجمهور لأنهم لا يطيقون النظر ~~إلى علماء هذا الوقت ولا يصبرون على الاستماع لكلامهم لأنهم عندهم جهال ~~بالله تعالى وهم عند أنفسهم وعند الجاهلين علماء ، فقد صاروا من أهل الجهل ~~وأهل الجهل بالجهل على الوصف الذي قال سهل رحمه الله : إن من أعظم المعاصي ~~الجهل بالجهل والنظر إلى العامة واستماع كلام أهل الغفلة أيسر عندهم لأنهم ~~لا يعدمون ذلك حيث كانوا من أطراف الأمصار لأن العامة لا يموهون في الدين ~~ولا يغرون المؤمنين ولا يدعون أنهم علماء لأنهم يتعلمون وبالجهل معترفون ، ~~فهم إلى الرحمة أقرب ومن المقت أبعد . وكان أبو محمد أيضا يقول : قسوة ~~القلب بالجهل بالعلم أشد من القسوة بالمعاصي لأن الجاهل بالعلم تارك ومدع ~~والعاصي بالفعل مقر بالعلم ، ويقول أيضا : لأن العلم دواء به تصلح الأدواء ~~فهو يزيل فساد الأعمال بالتدراك ، والجهل داء يفسد الأعمال بعد صلاحها فهو ~~يزيل الحسنات فيجعلها سيئات ، فكم بين ما يصلح الفاسد وبين ما يفسد ~~الصالحات ، وقد قال الله تعالى : ( إن الله لا يصلح عمل المفسدين ) يونس : ~~81 ، وقال تعالى : ( إنا لا نضيع أجر المصلحين ) الأعراف : 170 فهذا من أدل ~~دليل على فضل العالم المقصر على العابد المجتهد ، وأعلم أن العبد إذا باين ~~الناس في كل شيء من أحوالهم انفرد عن جمعهم ولم يألف أحدا منهم وإن باينهم ~~في أكثر أحوالهم ms0400 اعتزل عن الأكثر منهم فإن فارقهم في بعض الأحوال ووافقهم ~~في بعض حاله خالط أهل الخير وفارق أهل الشر . # | باب تفضيل الأخبار وبيان طريق الإرشاد وذكر الرخصة والسعة في النقل ~~والرواية # جميع ما ذكرناه في هذا الكتاب من الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~عن الصحابة وعن التابعين وتابعيهم رسمناه حفظا وسقناه على المعنى إلا يسيرا ~~اتفق وجوده في أيدينا وقرب تناوله منا من أخبار فيها طول فإنا نقلناها من ~~مواضعها وما بعد علينا فلم نفقه ولم نشغل همتنا به فما كان فيه من صواب ~~وبيان وتثبت فمن الله تعالى بحسن توفيقه وقوة تأييده ، وما كان فيه من خطأ ~~وعجلة وهوى فمنا بالسهو والغفلة ومن عمل الشيطان بالعجلة والنسيان ، كذلك ~~رويناعن ابن مسعود رضي الله عنه في قضيته التي قضاها برأيه وقولنا لرأيه ~~تبع . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : البيان والتثبت من الله عز ~~وجل والعجلة والنسيان من الشيطان يعني بواسطته وبقلة التوفيق ، ولم أعتبر ~~ألفاظ الأخبار في أكثره ولم آل عن سياق المعنى في كله إذ ليس تحرير الألفاظ ~~عندي واجبا إذا أتيت بالمعنى بعد أن تكون عالما بتصريف الكلام وبتفاوت وجوه ~~المعاني مجتنبا لما يكون به تحريف أو إحالة بين اللفظين وقد رخص في سوق ~~الحديث على المعنى دون سياقه على اللفظ جماعة من الصحابة PageV01P298 منهم ~~: علي وابن عباس وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع وأبو هريرة ثم جماعة من ~~التابعين يكثر عددهم منهم : إمام الأئمة الحسن البصري ثم الشعبي وعمرو بن ~~دينار وإبراهيم النخعي ومجاهد وعكرمة رضي الله عنهم نقلنا ذلك عنهم في كتب ~~سيرهم بأخبار مختلفة الألفاظ ، وقال ابن سيرين : كنت أسمع الحديث من عشرة ~~المعنى واحد والألفاظ مختلفة ، ولذلك اختلف الصحابة في رواية الحديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنهم من يرويه تاما ومنهم من يجيء به مختصرا ~~ومنهم من يرويه على المعنى وبعضهم يغاير بين اللفظتين ويراه واسعا إذا لم ~~يخالف المعنى ولم يحل البغية وكلهم لا ms0401 يتعمد الكذب وجميعهم يقصد الصدق ~~ومعنى ما سمع ولا يحيل البغية فلذلك وسعهم وكانوا يقولون : إنما الكذب على ~~من تعمده . وقد روينا عن عمران بن مسلم قال : قال رجل للحسن : يا أبا سعيد ~~إنك تحدث بالحديث أنت أحسن له سياقا وأجود تحبيرا وأفصح به لسانا منا إذا ~~حدثتنا به ، فقال : إذا أصبت المعنى فلا بأس بذلك ، وقد قال النضر بن شميل ~~: كان هشام لحانا فكسوت لكم حديثه كسوة حسنة يعني بالإعراب وكان النضر ~~نحويا ونحن قائلون في جميع ما رويناه أو كما قيل ونحوه وشبهه ، وبمعناه ~~كذلك قال ابن مسعود في حديثه : وكان سليمان التميمي يقوله في كل ما يحدث به ~~وقد كان سفيان رحمه الله يقول : إذا رأيت الرجل يشدد في ألفاظ الحديث في ~~المجلس فاعلم أنه يقول : اعرفوني قال : وجعل رجل يسأل يحيى بن سعيد القطان ~~عن حرف في الحديث على لفظه فقال له يحيى : يا هذا ليس في أيدينا أجل من ~~كتاب الله تعالى ، وقد رخص بالقراءة فيه بالكلمة على سبعة أحرف فلا تشدد ، ~~وفي بعض ما رويناه مراسيل ومقاطع ومنها ما في سنده مقال وربما كان المقطوع ~~والمرسل أصح من بعض المسند إذ رواه الأئمة وجار لنا رسم ذلك لمعان أحدها ~~أنا لسنا على يقين من باطلها والثاني أن معنا حجة بذلك وهو روايتنا له وأنا ~~قد سمعنا فإن أخطأنا الحقيقة عند الله تعالى فذلك ساقط عنا ، كما قال ~~الأسباط : وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين في قولهم : إن ~~ابنك سرق فأخطؤوا الحقيقة عند الله تعالى إلا أنهم كانوا معذورين لوجود ~~الدليل وهو شهادتهم للصاع مستخرج من رحل أخيهم والثالث أن الأخبار الضعاف ~~غير مخالفة الكتاب والسنة لا يلزمنا ردها بل فيهما ما يدل عليها والرابع ~~أنا متعبدون بحسن الظن منهيون عن كثير من الظن مذمومون بظن السوء والخامس ~~أنه لا يتوصل إلى حقيقة ذلك إلا من طريق المعاينة ولا سبيل إليها فاضطررنا ~~إلى التقليد والتصديق بحسن الظن بالنقلة مع ما تسكن إليه ms0402 قلوبنا وتلين له ~~أبشارنا ونرى أنه حق كما جاء في الخبر وأيضا فإنه ينبغي أن نعتقد في سلفنا ~~المؤمنين أنهم خير منا ثم نحن لا نكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولا على التابعين فكيف نظن بهم أن يكذبوا وهم فوقنا على أنه قد جاءت ~~أحاديثا ضعاف بأسانيد صحاح فكذلك يصلح أن نورد أحاديث صحاحا بسند ضعيف ~~لاحتمال أن يكون قد روي من وجه صحيح إذ لم نحط بجملة العلم أو لأن بعض من ~~يضعفه أهل الحديث يقويه بعضهم وبعض من يجرحه ويذمه أحد PageV01P299 يعد له ~~ويمدحه آخر فصار مختلفا فيه فلم يرد حديثه بقول واحد دون من فوقه أو مثله ~~أو لأن بعض ما يضعف به رواة الحديث وتعلل به أحاديثهم لا يكون تعليلا ولا ~~جرحا عند الفقهاء ولا عند العلماء بالله تعالى مثل أن يكون الراوي مجهولا ~~لإيثاره الخمول ، وقد ندب إليه أو لقلة الأتباع له إذ لم يقم لهم الأثرة ~~عنه أو ينفرد بلفظ أو حديث حفظه أو خص به دون غيره من الثقات أو يكون غير ~~سائق للحديث على لفظة أو لا يكون معتنيا بحفظ ودرسه وقد يتكلم بعض الحفاظ ~~بالإقدام والجراءة فيجاوز الحد في الجرح ويتعدى في اللفظ ويكون المتكلم فيه ~~أفضل منه ، وعند العلماء بالله تعالى : أعلى درجة فيعود الجرح على الجارح ~~أو يكون رأى عليه لباسا أو سمع منه كلاما يجرحه عند الفقهاء علله به بعض ~~القراء من الرواة وأن بعض من يضعفه أصحاب الحديث هو من علماء الآخرة ومن ~~أهل المعرفة بالله تعالى وله في الرواية والحديث مذاهب غير طريقة بعض أصحاب ~~الحديث فيعمل في روايته بمذهبه فلا يكون أصحاب الحديث حجة عليه إلا كان هو ~~حجة عليهم إذ ليس هو عند أصحابه من العلماء دون أصحاب الحديث ممن ضعفه إذ ~~رأى غير رأي مذهبه . وقال بعض العلماء : الحديث وإن كان شهادة فقد وسع فيه ~~بحسن الظن كما جوز فيه قبول شهادة واحد أي للضرورة كشهادة القابلة ونحوها ، ~~وروينا معناه ms0403 عن الإمام أحمد بن حبنل رضي لله عنه : والحديث إذا لم ينافه ~~كتاب أو سنة وإن لم يشهدا له إن لم يخرج تأويله عن إجماع الأمة فإنه يوجب ~~القبول والعمل بقوله صلى الله عليه وسلم كيف وقد قيل : والحديث الضعيف عندي ~~آثر من الرأي والقياس وهذا مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله ~~عنه ، والحديث إذا تداوله عصران أو رواه القرون الثلاثة أو دار في العصر ~~الواحد فلم ينكره علماؤه وكان مشهورا لا ينكره الطبقة من المسلمين احتمل ~~ووقع به حجة وإن كان في سنده قول إلا ما خالف الكتاب والسنن الصحيحة أو ~~إجماع الأمة أو ظهر كذب ناقليه بشهادة الصادقين من الأئمة ، وقال وكيع بن ~~الجراح : ما ينبغي لأحد أن يقول هذا الحديث باطل لأن الحديث أكثر من ذلك ، ~~وقال أبو داود : قال أبو زرعة الرازي : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن عشرين ألف عين تطرف ، كل واحد قد روى عنه ولو حديثا ولو كلمة أو رواية ~~فحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أن يحصى وذكر رجل عند الزهري ~~حديثا فقال : ما سمعنا بهذا فقال : أكل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سمعت ؟ قال : لا ، قال : فثلثاه ؟ قال : لا ، قال : فنصفه فسكت وقال : عد ~~هذا من النصف الذي لم تسمعه ، وقال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه : كان ~~يزيد بن هارون يكتب عن الرجل وهو يعلم أنه ضعيف وكان له ذكاء وعلم بالحديث ~~وقال إسحاق بن راهويه : قيل للإمام أحمد بن حنبل : هذه الفوائد التي فيها ~~المناكير ترى أن نكتب الجيد منها ، فقال : المنكر أبدا منكر قيل له : ~~فالضعفاء ؟ قال : قد يحتاج إليه في وقت كأنه لم ير بالكتابة عنهم بأسا . ~~وقال أبو بكر المروزي عنه : إن الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه ومما يدلك ~~PageV01P300 على مذهبه في التوسعة أنه أخرج حديثه كله في المسند المأثور ~~عنه الذي رويناه عن أشياخنا عن ابنه عبد الله عنه ولم يعتبر الصحيح ms0404 منه ~~وفيه أحاديث كثيرة يعلم الثقات أنها ضعيفة وهو أعلم بضعفها منهم ثم أدخلها ~~في مسنده لأنه أراد تخريج المسند ولم يقصد تصحيح السند فاستجاز رواياتها ~~كما سمعها وقد كان قطع أن يحدث الناس في سنة ثمان وعشرين وتوفي في سنة إحدى ~~وأربعين فلم يسمع أحد منه في هذه المدة إلا ابنه عبد الله وابن منيع جزءا ~~واحدا بشفاعة جده أحمد بن منيع ، وحدثونا عنه أعني الإمام أحمد قال : كان ~~عبد الرحمن ينكر الحديث ثم يخرج إلينا بعد وقت فيقول : هو صحيح قد وجدته ، ~~قال : وأما وكيع فلم ينكر ولكن يقول إذا سئل عنه لا أحفظه ، وحدثونا عن ابن ~~أخت عبد الرحمن بن مهدي قال : كان خالي قد خط على أحاديث ثم صحح عليها بعد ~~ذلك وقرأتها عليه فقلت : قد كنت خططت عليها قال : نعم ، ثم تفكرت فإذا إني ~~إن ضعفتها أسقطت عدالة ناقليها فإن جاءتني بين يدي الله تعالى وقال : لم ~~أسقطت عدالتي رأيتني سمعت كلامي لم يكن لي حجة ، هذا كان مذهب الورعين من ~~السلف ، وقد كان بعضهم يقول : كنا نترك مجالسة شعبة لأنه كان يدخلنا في ~~الغيبة وإنما كان كلامه في التضعيف وقال بعضهم في تضعيف الرواة : إن خلصت ~~نيتك يعني أن أردت الله عز وجل والدين بذلك لم يكن لك ولا عليك فهذه الفصول ~~الذي ذكرناها هي أصول في معرفة الحديث وهو علم لأهله وطريق هم سالكوه ثم ~~حدثت قوم لم يكن لهم علم يختصون به ولا حال من علم يوصفون به ولا شغل من ~~عبادة تقطعهم فجعلوا لنفوسهم علما تشاغلوا به وشغلوا من استمع إليهم فصنفوا ~~كتبا وأخذوا يتكلمون في نقلة الأخبار بالتعليل وتتبع العثار فطرقوا لأهل ~~البدع إلى رد السنن وإيثار الرأي والمعقول عليها لما يرون من طعنهم فيها ~~واغتبطوا بالقياس والنظر لما وجدوا من زهدهم في السنة والخبر سيما في زمانك ~~هذا والأحاديث في الترغيب في الآخرة والتزهيد في الدنيا والترهيب لوعد الله ~~تعالى وفي فضائل الأعمال وتفضيل الأصحاب متقبلة محتملة على كل ms0405 حال مقاطيعها ~~ومراسيلها لا تعارض ولا ترد ، وكذلك في أهوال القيامة ووصف زلازلها ~~وعظائمها لا تنكر بعقل بل تتقبل بالتصديق والتسليم كذلك كان السلف يفعلون ~~لأن العلم قد دل على ذلك والأصول قد وردت به ، وقد روينا من بلغه عن الله ~~فضيلة أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به أعطاه الله ثواب ذلك وإن ~~لم يكن ما قيل والخبر الآخر من روى عني حقا فأنا أقوله وإن لم أكن قلته ومن ~~روى باطلا فإني لا أقول بالباطل ، وفي كل ما رسمنا من هذا الكتاب نقول : ~~الله أعلم وأحكم وعلمه المقدم وعنده حقائق العلوم وإليه ترجع الأمور وما ~~شاء كان والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وهذا آخر كتاب العلم ~~وتفصيل العلوم ووصف طريق السلف ونشر ما أحدث بعدهم الخلف . PageV01P301 # | الفصل الثاني والثلاثون فيه شرح مقامات اليقين وأحوال الموقنين # أصول مقامات اليقين التي ترد إليها فروع أحوال المتقين تسعة ، أولها ~~التوبة ، والصبر ، والشكر ، والرجاء ، والخوف ، والزهد ، والتوكل ، والرضا ~~، والمحبة وهذه محبة الخصوص وهي محبة المحبوب . # | ذكر فروض التوبة وشرح فضائلها ووصف التوابين # قال الله تعالى في البيان الأول من خطاب العموم : ( وتوبوا إلى الله ~~جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) النور : 31 معناه : ارجعوا إليه من هوى ~~نفوسكم ومن وقوفكم مع شهواتكم عسى أن تظفروا ببغيتكم في المعاد وكي تبقوا ~~بقاء الله عز وجل في نعيم لا زوال له ولا نفاد ولكي تفوزوا وتسعدوا بدخول ~~الجنة وتنجوا من النار فهذا هو الفلاح ، وقال في البيان الثاني من مخاطبته ~~الخصوص : ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن ~~يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ) التحريم : 8 ، ~~فنصوحا من النصح جاء على وزن فعول للمبالغة في النصح ، وقد قرئت نصوحا بضم ~~النون فتكون حينئذ مصدر نصحت له نصحا ونصوحا فمعناه خالصة لله تعالى وقيل ~~اشتقاقه من النصاح وهو الخيط أي مجردة لا تتعلق بشيء ولا يتعلق بها شيء وهو ~~الاستقامة على الطاعة ms0406 من غير روغان إلى معصية كما تروغ الثعالب وأن لا يحدث ~~نفسه بعود إلى ذنب متى قدر عليه وأن يترك الذنب لأجل الله تعالى خالصا ~~لوجهه كما ارتكبه لأجل هواه مجمعا عليه بقلبه وشهوته ، فمتى أتى الله عز ~~وجل بقلب سليم من الهوى وعلم خالص مستقيم على السنة فقد ختم له بحسن ~~الخاتمة ، فحينئذ أدركته الحسنى السابقة وهذا هو التوبة النصوح وهذا العبد ~~هو التواب المتطهر الحبيب وهذا إخبار عمن سبقت له من الله الحسنى ومن ~~تداركه نعمة من ربه رحمه بها من تلوث السوأى وهو وصف لمن قصده بخطابه إذ ~~يقول في كتابه : PageV01P302 ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) ~~البقرة : 222 ، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : التائب حبيب الله ~~والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وسئل الحسن عن التوبة النصوح : فقال هي ~~ندم بالقلب واستغفار باللسان وترك بالجوارح وإضمار أن لا يعود إليه . وقال ~~أبو محمد سهل رحمه الله ليس من الأشياء أوجب على هذا الخلق من التوبة ولا ~~عقوبة أشد عليهم من فقد علم التوبة وقد جهل الناس علم التوبة وقال : من ~~يقول إن التوبة ليست بفرض فهو كاف ، ومن رضي بقوله فهو كافر وقال : التائب ~~الذي يتوب من غفلته في الطاعات في كل طرفة ونفس ، وقد جعل علي كرم الله ~~وجهه ترك التوبة مقاما في العمى وقرنه باتباع الظن ونسيان الذكر فقال في ~~الحديث الطويل : ومن عمي نسي الذكر واتبع الظن وطلب المغفرة بلا توبة ولا ~~استكانة ففرض التوبة الذي لا بد للتائب منه ولا يكون محقا صادقا إلا به ~~الإقرار بالذنب والاعتراف بالظلم ومقت النفس على الهوى وحل الإصرار الذي ~~كان عقده على أعمال السيئات وإطابة الغذاء بغية ما يقدر عليه لأن الطعمة ~~أساس الصالحين ثم الندم على ما فات من الجنايات . وحقيقة الندم إن كان حقا ~~إذ لكل حق حقيقة أن لا يعاود إلى مثل ما وقع الندم عليه ثم اعتقاد ~~الاستقامة على الأمر ومجانبة النهي وحقيقة الاستقامة أن لا يقابل ms0407 ما استقبل ~~من عمره بمثل ما وقع الاعوجاج به وأن يتبع سبيل من أناب إلى الله وأن لا ~~يصحب جاهلا فيرديه ثم الاشتغال بإصلاح ما أفسد في أيام بطالته ليكون من ~~المصلحين الذين تابوا وأصلحوا ما أفسدوا فإن الله عز وجل لا يصلح عمل ~~المفسدين كما لا يضيع أجر المحسنين ثم الاستبدال بالصالحات من السيئات ~~والصالحات من الحسنات ليكون ممن تبدل سيئاته حسنات لتحققه بالتوبة وحسن ~~الإنابة لأن التبديل يكون في الدنيا يبدل بالأعمال السوأى أعمالا حسنى ~~بدليل قوله تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ~~الرعد : 11 فإذا غير ما بهم من سيء حسنا بدل سيئاتهم حسنات ثم الندم ودوام ~~الحزن وحقيقة الندم والحزن على الفوت أن لا يفرط ولا يني في وقت دركه ولا ~~يرجع ولا ينثني في حيز استبداله فيفوت نفسه وقتا ثانيا إذ كان يعمل في درك ~~ما فات ولا يفوت ما أدرك في حال تيقظه فتكون يقظته شبيها بما مضى من غفلته ~~إذ كان في درك ما فات شبيها بما مضى من غفلته إذ لا يدرك الفوت بالفوت ولا ~~ينال النعيم بالنعيم ليكون كما وصف الله تعالى : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ~~خلطوا علما صالحا وآخر سيئا ) قيل : الاعتراف والندم ، وقال أبو سليمان ~~الداراني : لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على فوت ما مضى منه في ~~غير الطاعة لكان خليقا أن يحزنه ذلك إلى الممات فكيف بمن يستقبل ما بقي من ~~عمره بمثل ما مضى من جهله . وقال سهل بن عبد الله : التائب لا يقله شيء ~~يكون قلبه متعلقا بالعرش حتى يفارق النفس ولا عيش له إلا الضرورة للقوام ~~ويغتم على ما مضى والجد في الأمر ومباينة النهي PageV01P303 فيما بقي ولا ~~يتم له ذلك إلا باستعمال علم اليقين في كل شيء ثم المتابعة بأعمال الصالحات ~~ليكون ممن قال الله تعالى : ( ويدرؤون بالحسنة السيئة ) الرعد : 22 الآية ~~أي يدفعون ما سلف من السيئات بما يعلمون من الحسنات . وكذلك قال النبي صلى ms0408 ~~الله عليه وسلم في حديث أبي ذر فإذا عملت سيئة فأعمل بعدها حسنة السر بالسر ~~والعلانية بالعلانية وفي وصية معاذ أتبع السيئة الحسنة تمحها وليدخل في ~~الصالحين كما قال الله تعالى : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في ~~الصالحين ) العنكبوت : 9 ، ثم المسارعة إلى الخيرات إذا قدر عليها ليدرك ~~بها ما ضيع وفات ليكون من الصالحين وفي هذا المقام يصلح لمولاه فيحفظه ~~ويتولاه كما قال الله : ( وهو يتولى الصالحين ) الأعراف : 196 ، وجمل ما ~~على العبد في التوبة وما تعلق بها عشر خصال ، أولها فرض عليه أن لا يعصي ~~الله تعالى ، والثانية إن ابتلى بمعصية لا يصر عليها ، والخصلة الثالثة ~~التوبة إلى الله تعالى منها ، والرابعة الندم على ما فرط منه ، والخامسة ~~عقد الاستقامة على الطاعة إلى الموت ، والسادسة خوف العقوبة ، والسابعة ~~رجاء المغفرة ، والثامنة الاعتراف بالذنب ، والتاسعة اعتقاد أن الله تعالى ~~قدر ذلك عليه وأنه عدل منه ، والعاشرة المتابعة بالعمل الصالح ليعمل في ~~الكفارات لقوله صلى الله عليه وسلم : وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وفي جميع ~~هذه الخصال جمل آثار رويناها عن الصحابة والتابعين يكثر ذكرها ، ويقال : إن ~~ملك الموت إذا ظهر للعبد أعلمه أنه قد بقي من عمرك ساعة وأنك لا تستأخر ~~عنها طرفة عين قال : فيبدو للعبد من الأسف والحسرة ما لو كانت له الدنيا من ~~أولها إلى آخرها لخرج منها على أن يضم إلى تلك الساعة ساعة أخرى ليستعتب ~~فيها أو يستبدل بها فلا يجد إلى ذلك سبيلا ، وهذا تأويل قوله عز وجل : ( ~~وحيل بينهم وبين ما يشتهون ) سبأ : 54 قيل : التوبة وقيل : الزيادة في ~~العمر وقيل : حسن الخاتمة حيل بينهم وبين ذلك كما فعل بأشياعهم من قبل أي ~~بنظرائهم وأهل فرقتهم قال : فإذا كل ساعة تمضي على العبد فهي بمنزلة هذه ~~الساعة قيمتها الدنيا كلها إذا عرف قيمة ذلك فلذلك قيل ليس لما بقي من عمر ~~العبد قيمة إذا عرف وجه التقدير من الله تعالى بالتصريف والحكمة وقيل في ~~معنى قوله تعالى : ( من قبل أن يأتي أحدكم الموت ms0409 فيقول رب لولا أخرتني إلى ~~أجل قريب ) المنافقون : 10 قال : الوقت القريب أن يقول العبد عند كشف ~~الغطاء : يا ملك الموت أخرني يوما أعبد فيه ربي وأعتب فيه ذنبي وأتزود ~~صالحا لنفسي فيقول : فنيت الأيام فلا يوم ، فيقول : أخرني ساعة فيقول فنيت ~~الساعات فلا ساعة ، قال : فتبلغ الروح الحلقوم فيؤخذ بكظمه عند الغرغرة ~~فيغلق باب التوبة ويحجب عنه وتنقطع الأعمال وتذهب الأوقات وتتصاع الأنفاس ~~يشهد فيها المعاينة عند كشف الغطاء فيحتد بصره فإذا كان في آخر نفس زهقت ~~نفسه فيدركه ما سبق له من السعادة فتخرج روحه على PageV01P304 التوحيد فذلك ~~حسن الخاتمة أو يدركه ما سبق له من الشقوة فتخرج روحه على الشرك فهذا الذي ~~قال الله عز وجل : ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت قال إني تبت الآن ) النساء : 18 ، فهذا سوء الخاتمة نعوذ بالله منه ~~وقيل : هذا هو المنافق ويقال : المدمن على المعاصي المصر عليها . وقد قال ~~الله تعالى : ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون ~~من قريب ) النساء : 17 ، قيل : قبل الموت وقبل ظهور آيات الآخرة وقبل ~~الغرغرة أي تغرغر النفس في الحلقوم لأنه تعالى قد حكم أن التوبة بعد ظهور ~~إعلام الآخرة لا تقبل ، ومنه قوله عز وجل : ( يوم يأتي بعض آيات ربك لا ~~ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) الأنعام : 158 يعني من قبل معاينة ~~الآيات أو كسبت في إيمانها خيرا قيل : التوبة هي كسب الإيمان وأصول الخيرات ~~وقيل : الأعمال الصالحة هي مزيد الإيمان وعلامة الإيقان وقد قيل : ثم ~~يتوبون من قريب أي عن قريب عهد بالخطيئة لا يتمادى فيها ولا يتباعد عن ~~التوبة وتوبته من قريب أن يعقب الذنب عملا صالحا ولا يردفه ذنبا آخر وأن ~~يخرج من السيئة إلى الحسنة ولا يدخل في سيئة أخرى وقيل : أول من يسأل ~~الرجعة من هذه الأمة من لم يكن أدى زكاة ماله أو لم ييكن حج بيت ربه فذلك ~~تأويل قول الله تعالى : ( فأصدق وأكن من الصالحين ms0410 ) المنافقون : 10 ، وكان ~~ابن عباس رضي الله عنه يقول : هذه الآية من أشد شيء على أهل التوحيد هذا ~~لقوله تعالى في أولها : ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله ) المنافقون : 9 ، وقد قيل : لا يسأل عبد الرجعة عندا ~~لموت وله عند الله عز وجل مثقال ذرة من خير . وروينا بمعناه من كان له في ~~الآخرة مثقال ذرة من خير لو أن له الدنيا بما فيها من أولها إلى أخرها لم ~~يحب أن يعود إلى الدنيا ، وقال بعض العارفين : إن لله تعالى إلى عبده سرين ~~يسرهما إليه يوجده ذلك بإلهام يلهمه ، أحدهما إذا ولد وخرج من بطن أمه يقول ~~له : عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرا نظيفا واستودعتك عمرك ائتمنتك عليه ~~فانظر كيف تحفظ الأمانة وأنظر كيف تلقاني كما أخرجتك ، وسر عند خروج روحه ~~يقول : عبدي ماذا صنعت في أمانتي عندك هل حفظتها حتى تلقاني على العهد ~~والرعاية فألقاك بالوفاء والجزاء أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب ؟ ، ~~فهذا داخل في قوله عز وجل : ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) المؤمنون ~~: 8 ، وفي قوله تعالى : ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) البقرة : 40 عمر العبد ~~أمانة عنده إن حفظه فقد أدى الأمانة وإن ضيعه فقد خان الله ، إن الله لا ~~يحب الخائنين ، وفي خبر ابن عباس رضي الله عنه من ضيع فرائض الله عز وجل ~~خرج من أمانة الله وعند التوبة النصوح تكفير السيئات ودخول الجنات ، وكان ~~بعضهم يقول : قد علمت متى يغفر الله لي قيل : ومتى ؟ قال : إذا تاب علي ، ~~وقال آخر : أنا من أن أحرم التوبة أخوف مني من أن أحرم المغفرة ، وقال الله ~~تعالى : ( ومن أصدق من الله PageV01P305 حديثا ) النساء : 87 فتاب عليكم ~~وعفا عنكم وقال تعالى في مثله : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن ~~السيئات ) الشورى : 25 وقال بعض العلماء : لا تصح التوبة لعبد حتى ينسى ~~شهواته ويكون ذاكرا للحزن لا يفارقه قلبه ذاهبا عن الذنب لا يخالج سره ، ~~وقال بعض علماء الشام : لا يكون ms0411 المريد تائبا حتى لا يكتب عليه صاحب الشمال ~~معصية عشرين سنة ، وقال بعض السلف : من علامة صدق التائب في توبته أن ~~يستبدل بحلاوة الهوى حلاوة الطاعة وبفرح ركوب الذنب الحزن عليه والسرور ~~بحسن الإنابة ، وقال بعض العلماء في معناه : لا يكون العبد تائبا حتى يدخل ~~مرارة مخالفة النفس مكان حلاوة موافقتها ، وحدثنا في الإسرائيليات : إن ~~الله عز وجل قال لبعض أنبيائه وقد سأله قبول توبة عبد بعد أن اجتهد سنين في ~~العبادة ولم ير قبول توبته فقال له : وعزتي وجلالي لو شفع فيه أهل السموات ~~والأرض ما قبلت توبته وحلاوة ذلك الذنب الذي تاب منه في قلبه ومن بقيت ~~حلاوة المعصية في قلبه أو نظر إليها إذا ذكرها بفكره خيف عليه العود فيها ~~إلا بشدة مجاهدة وكراهة لها ونفي خاطرها عن سره إذا ذكرها بالخوف والإشفاق ~~منها ، وقال أبو محمد سهل : أول ما يمر به المبتدئ المريد التوبة وهو تحويل ~~الحركات المذمومة إلى حركات محمودة ويلزم نفسه الخلوة والصمت ولا تصح له ~~توبة إلا بأكل الحلال ولا يقدر على الحلال حتى يؤدي حق الله تعالى في الخلق ~~وحق الله تعالى في نفسه ولا يصح له هذا حتى يتبرأ من حركته وسكونه إلا ~~بالله تعالى وحتى لا يأمن الاستدراج بأعمال الصالحات وحقيقة التوبة أن يدع ~~ما له حتى لا يدخل فيما عليه ولا يكون يسوف أبدا إنما يلزم نفسه الحال في ~~الوقت . وحدثونا عن سري السقطي أنه قال : من شرط التوبة أن ينبغي للتائب ~~المنيب أنه يبدأ بمباينة أهل المعاصي ثم بنفسه التي كان يعصى الله تعالى ~~لها ولا ينيلها إلا ما لا بد منه ثم الاعتزام على أن لا يعود في معصية أبدا ~~ويلقى عن الناس مؤونته ويدع كل ما يضطره إلى جريرة ولا يتبع هوى ويتبع من ~~مضى من السلف ، وينبغي لأهل التوبة أن يحاسبوا نفوسهم في كل طرفة ويدعوا كل ~~شهوة ويتركوا الفضول وهي ستة أشياء : ترك فضول الكلام ، وترك فضول النظر ، ~~وترك فضول المشي ، وترك فضول الطعام ms0412 ، والشراب ، واللباس ، قال : ولا يقوى ~~على ترك الشبهات إلا من ترك الشهوات ، وسئل يحي بن معاذ رحمه الله كيف يصنع ~~التائب ؟ فقال : هو من عمره بين يومين ، يوم مضى ويوم بقي ، فيصلحهما بثلاث ~~: أما ما مضى فبالندم والاستغفار ، وأما ما بقي فبترك التخليط وأهله ولزوم ~~المريدين ومجالسة الذاكرين والثالثة لزوم تصفية الغذاء والدأب على العمل ، ~~ومن علامة صدق التوبة رقة القلب وغزارة الدمع ، وفي الخبر : جالسوا ~~التوابين فإنهم أرق شيء أفئدة ومن التحقق بالتوبة أن يستعظم ذنوبه فإنه ~~يقال إن الذنب PageV01P306 كلما استعظمه العبد صغر عند الله تعالى ويقال : ~~إن استصغار الذنب كبيرة ، كما جاء في الخبر : المؤمن الذي يرى ذنبه كالجبل ~~فوقه يخاف أن يقع عليه والمنافق الذي يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فأطاره ، ~~وقد روينا في خبر مرسل : ليتق أحدكم أن يؤخذ عند أدنى ذنوبه في نفسه . وقال ~~بعضهم : الذنب الذي لا يغفر قول العبد : ليت كل شيء عملته مثل هذا فهذا كما ~~قال بلال بن سعد : لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت . وقد ~~حدثنا عن الله تعالى أنه أوحى إلى بعض أوليائه : لا تنظر إلى قلة الهدية ~~وانظر إلى عظمة مهديها ولا تنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى كبرياء من ~~واجهته بها فإنما عظمت الذنوب من تعظيم المواجه بها وكبرت في القلوب ~~لمشاهدة ذي الكبرياء ومخالفة أمره إليها فلم يصغر ذنب عند ذلك وكانت ~~الصغائر عند الخائفين كبائر وهذا أحد الوجهين في قوله تعالى : ( ذلك ومن ~~يعظم حرمات الله فهو خير له ) ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ~~) الحج : 30 - 32 قيل : الحرمات تعظم في قلبه فلا ينتهكها ، ومن هذا قول ~~الصحابة للتابعين : إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا ~~نعدها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات ليسوا يعنون أن الكبائر ~~التي كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم صارت بعده صغائر ولكن كانوا ~~يستعظمون الصغائر لعظمة الله تعالى في قلوبهم لعظيم نور ms0413 الإيمان ، ولم يكن ~~ذلك في قلوب من بعدهم ، وأوحى الله تعالى إلى بعض أوليائه : كم من ذنب ~~رأيته منك قد أهلكت بدونه أمة من الأمم . وقد روينا عن أبان بن إسماعيل عن ~~أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : إنه أهلك الله تعالى أمة من الأمم كانوا ~~يعبثون بذكورهم فأما نسيانه الذنوب وذكرها فقد اختلف قول العارفين في ذلك ~~فقال بعضهم : حقيقة التوبة أن تنصب ذنبك بين عينيك وقال آخر : حقيقة التوبة ~~أن تنسى ذنبك ، وهذا طريقان لطائفتين وحالان لأهل مقامين فأما ذكر الذنوب ~~فطريق المريدين وحال الخائفين يستخرج منهم بتذكرها الحزن الدائم والخوف ~~اللازم ، وأما نسيان الذنوب شغلا عنها بالأذكار وما يستقبل من مزيد الأعمال ~~فطريق العارفين وحال المحبين ووجهة هؤلاء شهادة التوحيد وهي مقام في ~~التعريف ووجهة الأولين مشاهدة التوقيف والتحديد وهي مقام في التعريف ، ففي ~~أي المقامين أقيم عبد قام بشهادة وجهته وعمل بحكم حالته ومقام شهادة ~~التوحيد أفضل عند العارفين من مقام مشاهدة التعريف وإن كانت هذه أوسع وأكثر ~~إلا أنها في أصحاب اليمين وفي عموم المقربين ، وشهادة التوحيد أضيق وأقل ~~وأهلها أعلى وأفضل وهي في المقربين وخصوص العارفين وقد يعترض المريد بقصة ~~دواد عليه السلام في تذكره ونوحه على خطيئة فإن الأنبياء لا يقاس عليهم ~~لمجاوزتهم حدود من دونهم وقد يقلبون في أحوال المريدين ويسلك بهم سبيل ~~المتعلمين وذلك لأجل الأمة ليكون طريقا للعالمين ، PageV01P307 وأعلم أنه ~~لا يؤمن على ضعيف اليقين قوي النفس عند تذكر الذنوب نظر القلب إليها بشهوة ~~أو ميل نفس معها بحلاوة فيكون ذلك سبب فتنته فيفسد من حيث صلح كما لا يؤمن ~~على معتاد خطيئة بالنظر إلى سببها حركة النفس إليها وإن كان الأفضل الإتفاق ~~معها ما لم يكن الإتفاق معصية لمجاهدة النفس بالصبر عنها إلا أن ذلك غرور ~~وفيه خطر فترك الاجتماع وقطع الأسباب حينئذ أسلم وما كان أسلم للمريد فهو ~~أفضل وفي نسيان الذنوب الذكر لما يستقبل والانكماش على ما يفوت من الوقت ~~خوف فوت الثاني . وقد كان بعض ms0414 أهل المعرفة يكره للمريد أن يكون وسواسه ~~الجنة أو نذكر ما فيها من النعيم واللباس والأزواج وقال : واستحب للمريد أن ~~يكون وسواسه ذكر الله تعالى وخواطره وهممه متعلقة بالله تعالى لا سواه قال ~~: لأن المريد حديث عهد بتوبة غير معتاد لطول الاستقامة والعصمة ، فإذا تذكر ~~نعيم الجنة لم آمن عليه لضعف قلبه أن يشتهي مثله مما يشاهد في الدنيا من ~~اللباس والطيبات والنكاح لأن هذا عاجل وذاك آجل فتطلب نفسه مثل ما تذكرت من ~~نعيم الآخرة معجلا في الدنيا قال : فإذا كان همه الله تعالى كان أبعد له من ~~زينة الدنيا وشهواتها ولم يجتر العدو بتمثيل ذلك له من العاجل إلى أن يقوى ~~يقينه وتنتقل عادته وتدوم عصمته ، وقد اختلف أهل العلم أيضا في عبد ترك ~~ذنبا وعمل في الإستقامة ونفسه تنازعه إليه وهو يجاهدها ، وفي آخر : ترك ~~الذنب وانكمش في الإصلاح فلم تكن نفسه تطالبه فلا تنازعه إلى الذنب ولم يكن ~~على قلبه منه ثقل ولا مجاهدة ، أي هذين أفضل فقال بعض علماء أهل الشام : ~~الذي تنازعه نفسه إلى الذنب وهو يجاهدها أفضل لأن عليه منازعة وله فضل ~~مجاهدة ، ومال إلى هذا القول أحمد بن أبي الحواري وأصحاب أبي سليمان ~~الداراني . وقال علماء البصرة : الذي سكنت نفسه عن المنازعة بشاهد من شواهد ~~اليقين والطمأنينة فلم يبق فيه فضل لعود ولا طلب لمعتاد أفضل ، ومال إلى ~~هذا رباح بن عمرو القيسي وهو من كبار علماء البصريين ، وقال : لو فتر هذا ~~لكان هذا أقرب إلى السلامة ولم يؤمن على الآخر الرجوع وهذا كما قال ، وقد ~~اختلف العلماء أيضا في عبدين سئل أحدهما شيئا : من بذل ماله في سبيل الله ~~فأبت نفسه عليه وثقل عليها ذلك فجاهدها وأخرج ماله ، وسئل آخر ، بذل ماله ~~فبذله مع السؤال طوعا من غير منازعة نفس ولا ثقل عليها ولا مجاهدة منه لها ~~أيهما أفضل ؟ فقال : قوم المجاهد لنفسه أفضل لأنه جتمع له الإكراه ~~والمجاهدة فحصل له عملان ، وذهب إلى هذا القول ابن عطاء وأصحابه ، وقال ~~آخرون ms0415 : الذي سمحت نفسه بالبذل طوعامن غير إكراه ولا اعتراض أفضل قال : لأن ~~مقام هذا في سخاوة النفس والتحقق بالزهد أفضل من جميع أعمال الأول من ~~الإكراه والمجاهدة ، ومن بذل ماله على ذلك ولأن الأول وإن غلب نفسه في هذه ~~الكرة PageV01P308 لأيا من غلبتها له في كرة ثانية أو ثالثة إذ ليس السخاء ~~من مقامها لأنها كانت محمولة عليه وإلى هذا ذهب الجنيد رحمه الله وهو عندي ~~كما قال اللفظ لنا . وسئل أبو محمد سهل عن الرجل يتوب من الشيء ويتركه ثم ~~يخطر ذلك الشيء بقلبه أو يراه أو يسمع به فيجد حلاوة فقال : الحلاوة طبع ~~البشرية ولا بد من الطبع وليس له حيلة إلا أن يرفع قلبه إلى مولاه بالشكوى ~~وينكره بقلبه ويلزم نفسه الإنكار ولا يفارقه ويدعو الله تعالى أن ينسيه ذكر ~~ذلك ويشغله بغيره من ذكره وطاعته ، وقال : فإن هو غفل عن الإنكار طرفة عين ~~أخاف عليه أن لا يسلم وتعمل الحلاوة في قلبه ولكن مع وجدان الحلاوة يلزم ~~قلبه الإنكار والحزن فإنه لا يضره ، وهذا عندي هكذا لأن التوبة لا تصح مع ~~بقاء الشهوة ، ويكون العبد مرادا بالمجاهدة ، وهذا حال المريدين ومحو ~~الشهوات من القلب بدوام التولي وصف العارفين وربما تعلق بالذنب ذنوب كثيرة ~~هي أعظم منه مثل الإصرار عليه والاغتباط به وتسويف التوبة بعده ووجد حلاوة ~~الظفر بمثاله أو وجد الحزن والكراهة على فوته والسرور بعمله أو حمل غيره ~~عليه إن كان ذنبا بين اثنين أو إنفاق مال الله سبحانه وتعالى فيه فهو كفر ~~النعمة به ، وقد قيل : من أنفق درهما في حرام فهو مسرف ومن ذلك أن يستصغر ~~الذنب ويحتقره فيكون أعظم من اجتراحه أو يتهاون بستر الله تعالى عليه ~~ويستخف بحلم الله تعالى عنه ، فيكون ذلك من الإغترار والأمن أو يجهل نعمة ~~الله تعالى عليه في ستره وإظهار ضده كما قال في الدعاء المأثور الذي يمدح ~~الله سبحانه وتعالى به : يا من أظهر الجميل وستر على القبيح ولم يؤاخذ ~~بالجريرة ولم يهتك الستر ويقال ms0416 كل عاص تحت كنف الرحمن فإذا رفع يديه عنه ~~انهتك ستره ومن ذلك المجاهرة بالذنب والصول به والتظاهر وهذا من الطغيان ، ~~وفي الخبر : كل الناس معافى إلا المجاهرين يبيت أحدهم على الذنب ، قد ستره ~~الله تعالى عليه فيصبح فيكشف ستر الله تعالى ويتحدث بذنبه وربما سن العاصي ~~بالذنب سنة أتبع عليها فتبقى سيئات ذنبه عليه ما دام يعمل به وقد قيل : ~~طوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه معه ولم يؤاخذ بها بعده وطوبى لمن لم يعدد ~~ذنبه غيره ، قال بعضهم : لا تذهب فإن كان لا بد فلا تحمل غيرك على الذنب ~~فتكسب ذنبين ، وقد جعل الله تعالى هذا المعنى وصفا من أوصاف المنافقين في ~~قوله تعالى : ( المنافقون والمنافقات بعضهم منع بعض يأمرون بالمنكر وينهون ~~عن المعروف ) التوبة 67 فمن حمل أخاه على ذنب معه فقد أمر بالمنكر ونهى عن ~~المعروف ، وقال بعض السلف : ما انتهك المرء من أخيه حرمة أعظم من أن يساعده ~~على معصيته ثم يهونها عليه وقد يعيش العبد أربعين سنة ثم يموت فتبقى ذنوبه ~~بعده مائة سنة يعاقب عليه في قبره إذا كان قد سنها سنا وأتبع عليها إلى أن ~~تندرس أو يموت من كان يعمل بها ثم تسقط عنه PageV01P309 ويستريح منها ، ~~ويقال : أعظم الذنوب من ظلم من لا يعرفه ولم يره من المتقدمين مثل أن يتكلم ~~فيمن سلف من أهل الدين وأئمة المتقين ، فهذه المعاني كلها تدخل على الذنب ~~الواحد وهي أعظم منه ومن ذلك قوله تعالى : ( ونكتب ما قدموا وآثارهم ) يس : ~~12 قيل : سننهم التي عمل بها بعدهم ، وفي الخبر : من سن سنة سيئة فعمل بها ~~من بعده كان عليه مثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئا ، وكان ابن ~~عباس رضي الله عنهما يقول : ويل للعالم من الأتباع يزل زلة فيرجع عنها ~~ويحتملها الناس فيذهبون بها في الآفاق ، وقال بعض أهل الأدب : مثل زلة ~~العالم مثل انكسار السفينة تغرق ويغرق الخلق معها ، وفي الخبر الإسرائيلي : ~~إن عالما كان يضل الناس بالبدع ثم ms0417 أدركته توبة فرجع إلى الله تعالى وعمل في ~~الإصلاح دهرا فأوحى الله تعالى إلى نبيهم : قل له إن ذنبك لو كان فيما بيني ~~وبينك لغفرته لك بالغا ما بلغ ولكن كيف بمن أضللت من عبادي فأدخلتهم النار ~~، فأما استحلال المعصية أو إحلالها للغير فليس من هذه الأبواب في شيء إنما ~~ذلك خروج عن الملة وتبديل للشريعة وهو الكفر بالله تعالى كما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم : ما آمن بالقرآن من استحل محارمه وقد سمى الله تعالى ~~عملة السوء جهلة فقال تعالى : ( أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ) الأنعام : ~~54 ، وقال تعالى : ( بل أنتم قوم تجهلون ) النمل : 55 وقال : ( بل أنتم قوم ~~مسرفون ) الأعراف : 81 ، ويقال : إن العرش يهتز ويغضب الرب تعالى لثلاثة ~~أعمال : لقتل النفس بغير نفس ، وإتيان الذكر الذكر ، وركوب الأنثى الأنثى ، ~~وفي خبر : لو اغتسل اللوطي بالبحار لم يطهره إلا التوبة ولو لم يكن في يسير ~~المعصية من الشؤم إلا حرمان الطاعة وفقد حلاوة الخدمة ومقت المولى لكان هذا ~~من أعظم العقوبات ، كما قال وهيب بن الورد وقد سئل : هل يجد العاصي حلاوة ~~الطاعة قال : لا ولا من هم بمعصية ، ولذلك سمى الله تعالى يحيى سيدا لأنه ~~لم يهم بمعصية فصار علامة السيد بقدر سؤدد من لا يهم بالمعاصي فصار من لا ~~يهم بالمعاصي سيدا ، وفي خبر من لبس ثوب شهرة وفي بعضها : من نظر إلى عطفيه ~~فاختال أعرض الله تعالى عنه وإن كان عنده حبيبا كيف وفي المخالفة وجود ~~البعد والوحشة والانقطاع من المعاملة . وروينا في خبر : إن آدم عليه السلام ~~لما أكل من الشجرة تطايرت الحلل عن جسده وبدت عورته قال : فاستحيا التاج ~~والإكليل من وجهه أن يرتفعا عنه فجاءه جبريل عليه السلام فأخذ التاج عن ~~رأسه وحل ميكائيل الإكليل عن جبينه ونوديا من فوق العرش : اهبطا من جواري ~~فإنه لا يجاورني من عصاني ، فالتفت آدم إلى حواء باكيا وقال : هذا أول شؤم ~~المعصية أخرجنا من جوار الحبيب ، وروينا أن سليمان نبي الله صلى ms0418 الله عليه ~~وسلم لما عوقب على خطيئته من أجل التمثال الذي عبد في داره أربعين يوما ~~وقيل : إن المرأة سألته أن يكون الحكم لأبيها على خصمه فقال : نعم ~~PageV01P310 ولم يفعل وقيل : بل أحب بقلبه أن يكون الحكم لأبيها على خصمه ~~لمكانها فسلب ملكه أربعين يوما فهرب تائها على وجهه وكان يسأل بكفه فلا ~~يطعم فإذا قال : أطعموني فإني سليمان بن داود شج وضرب ، ولقد بلغني أنه ~~استطعم من بيت فطرد وبزقت امرأة في وجهه ، وفي رواية قال : فأخرجت إليه ~~عجوز جرة فيها بول فصبته على رأسه إلى أن خرج له الخاتم من بطن الحوت فلبسه ~~بعد انقضاء الأربعين وهي أيام العقوبة قال : فجاءت الطير فعكفت عليه وجاءت ~~الجن والشياطين والوحوش فاجتمعت حوله ، فلما عرفه الصيادون عقروا بين يديه ~~واعتذروا إليه مما كانوا طردوه وشجوه فقال : لا ألومكم فيما صنعتم قبل ولا ~~أحمدكم فيما تصنعون الآن ، هذا أمر من السماء فلا بد منه ولقد بلغني أنه ~~كان في مسيره والريح تحمله في جنوده إذ نظر إلى قميصه نظرة وكان عليه قميص ~~جديد فكأنه أعجبه فوضعته الريح بالأرض فقال لها لم فعلت ولم آمرك قال : ~~إنما نطيعك إذا أطعت الله تعالى . وقد قال بعض العلماء في معنى هذا : من ~~خاف الله تعالى خافه كل شيء ، ومن خاف غير الله تعالى أخاف الله تعالى من ~~كل شيء ، فكذلك أيضا : من أطاع الله تعالى سخر له كل شيء ومن عصاه سخره لكل ~~شيء أو سلط عليه كل شيء ولو لم يكن في الإصرار على المعصية من الشؤم إلا أن ~~كل ما يصيب العبد يكون له عقوبة إن كان سعة عوقب بذلك ولم يأمن بها ~~الاستدراج وإن كان ضيقا كان عقوبة له ، وفي الخبر أن العبد ليحرم الرزق ~~بالذنب يصيبه ، وقد قيل : الرزق من الحرام من قلة التوفيق للأعمال الصالحة ~~، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : إني لأحسب أن العبد ينسى العلم ~~بالذنب يصيبه ولو لم يكن من بركة التوبة والعلم والاستقامة على الطاعة ms0419 إلا ~~أن كل ما يصيب العبد فهو خير له إن : كان سعة فهو رفق من الله تعالى به ~~عليه ولطف له منه وإن كان ضيقا فهو اختبار من الله تعالى وخيره للعبد ويجد ~~حلاوة ذلك ولذته لأنه في سبيله وقد أصابه وهو مقيم على طاعته ولو لم يكن من ~~شؤم الناس ووجد النقص لمخالطتهم إلا أن المعصية معهم أشد وهي بهم أعظم ~~لتعلق المظالم في أمر الدنيا وشأن الدين وكل من قلت معارفه قلت معهم خطاياه ~~، وقال بعض السلف : ليست اللعنة سوادا في الوجه ونقصا في المال إنما اللعنة ~~أن لا يخرج من ذنب إلا وقع في مثله أو شر منه وذلك أن اللعنة هي الطرد ~~والبعد فإذا طرد من الطاعة فلم تيسر له بعد عن القربات فلم يوفق لها فقد ~~لعن . وقد قيل في معنى الخبر الذي رويناه آنفا : إن العبد ليحرم الرزق ~~بالذنب يصيبه قيل : إن يحرم الحلال ولا يوفق له بوقوعه في المعصية وقيل : ~~يحرم مجالسة العلماء ولا ينشرح قلبه لصحبة أهل الخير وقيل : يمقته الصالحون ~~وأهل العلم بالله تعالى فيعرضون عنه وقيل : يحرم العلم الذي لا صلاح للعمل ~~إلا به لأجل إقامته على الجهل ، ولا تنكشف له الشبهات بإقامته على الشهوات ~~بل تلتبس عليه الأمور فيتحير فيها بغير عصمة من الله PageV01P311 تعالى ولا ~~يوفق للأصوب والأفضل ، وقد كان الفضيل يقول : ما أنكرت من تغير الزمان ~~وجفاء الإخوان فذنوبك أورثتك ذلك ويقال : نسيان القرآن بعد حفظه من أشد ~~العقوبات والمنع من تلاوته وضيق الصدر بقراءته والاشتغال عنه بضده عقوبة ~~الإصرار ، وقال بعض صوفية أهل الشام : نظرت إلى غلام نصراني حسن الوجه ~~فوقفت أنظر إليه فمر بي ابن الجلاء الدمشقي فأخذ بيدي فأستحييت منه فقلت : ~~يا أبا عبد الله سبحان الله تعجبت من هذه الصورة الحسنة وهذه الصنعة ~~المحكمة كيف خلقت للنار فغمز يدي وقال : لتجدن عقوبته بعد حين قال : فعوقبت ~~بعد ثلاثين سنة ، وقال بعضهم : إني لأعرف عقوبة ذنبي في سوء خلق حماري ، ~~وقال آخر : أعرف العقوبة ms0420 حتى في نار بيتي . وحدثونا عن منصور الفقيه قال : ~~رأيت أبا عبد الله السكري في النوم فقلت : ما فعل الله بك قال : أوقفني بين ~~يديه في العرق حتى سقط لحم خدي قلت : ولم ذاك قال : نظرت إلى غلام مقبلا ~~ومدبرا والعقوبة موضوعها الشدة والمشقة ، فعقوبة كل عبد من حيث يشتد عليه ، ~~فأهل الدنيا يعاقبون بحرمان رزق الدنيا من تعذر الإكساب وإتلاف الأموال ~~وأهل الآخرة يعاقبون بحرمان رزق الآخرة من قلة التوفيق للأعمال الصالحات ~~وتعذر فتوح العلوم الصادقة ذلك تقدير العزيز العليم ، وكان أبو سليمان ~~الداراني يقول : الاحتلام عقوبة : وقال : لا يفوت أحدا صلاة في جماعة إلا ~~بذنب يحدثه فدقائق العقوبات على قدر ترافع الدرجات ، وقد جاء في الأخبار ما ~~أنكرتم من زمانكم فبما غيرتم من أعمالكم ، وفي الخبر يقول الله عز وجل : إن ~~أدنى ما أصنع بالعبد إذا آثر شهوته على طاعتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي فهذه ~~عقوبة أهل المعاملات ولو ظهر تغير القلب عند المعصية على وجه العاصي لا سود ~~وجهه ولكن الله تعالى سلم بحلمه وستره فغطى ذلك في القلب مع تأثيره فيه ~~وحجابه لصاحبه وقسوته عن الذكر وعن طلب الخير والبر والمسارعة إلى الخير ~~وهو من أكير العقوبات ويقال : إن العبد إذا عصى أظلم قلبه ظلمة يثور على ~~القلب منها دخان يشهده الإيمان فهو مكان حزن العبد الذي تسوءه سيئته ويكون ~~ذلك الدخان حجابا له عن العلم والبيان كما تحجب السحابة للشمس فلا ترى ~~ويكون غلفا يجده في نفسه للخلق فإذا تاب العبد وأصلح إنكشف الحجاب فيظهر ~~الإيمان فيأمر بالعلم كما تبرز الشمس من تحت الحجاب . ومن هذا قوله تعالى : ~~( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) المطففين : 14 قيل : هو الذنب ~~على الذنب حتى يسود القلب ويصير الإيمان تحت الحجاب فلا يعرف معروفا ولا ~~ينكر منكرا وعندها ينكس أعلاه أسفله إذا استكمل سواده ، فحينئذ مرد على ~~النفاق فأملس فيه واطمأن به وثبت إلى أن ينظر الله تعالى إليه فيعطف بفضله ~~عليه ، وقد كان الحسن PageV01P312 رضي ms0421 الله عنه يقول : إن بين العبد وبين ~~ربه عز وجل حدا من المعاصي معلوما إذا بلغه العبد طبع على قلبه فلم يوفقه ~~بعدها للخير ، وفي حديث ابن عمر : الطابع معلق بقائمة العرش فإذا انتهكت ~~الحرمات واستحلت المحارم أرسل الله تعالى الطابع فطبع على القلوب بما فيها ~~، وفي حديث مجاهد : القلب مثل الكف المفتوحة فكلما أذنب ذنبا انقبضت أصبع ~~حتى تنقبض الأصابع كلها فتشد على القلب فذلك هو القفل ، ويقال لكل ذنب نبات ~~ينبت على القلب فإذا كثرت الذنوب قام النبات حول القلب مثل الكم للثمرة ~~فانضم على القلب فذلك هو الغلاف ، ويقال : إنه الكنان أحد الأكنة التي ذكر ~~الله تعالى أن القلب لا يسمع معها ولا يفقه ، وقد حدثني بعض هذه الطائفة عن ~~أبي عمرو بن علوان في قصة تطول قال فيها : فكنت قائما أصلي ذات يوم فخامر ~~قلبي هواء طاولته بفكري حتى تولد منه شهوة الرجل قال : فوقعت إلى الأرض ~~واسود جسدي كله فاستترت في البيت ثلاثة أيام فلم أخرج وقد كنت أعالج غسله ~~في الحمام بالصابون والألوان الغاسلة فلا يزداد إلا سوادا قال ثم انكشف عني ~~بعد ثلاث فرجعت إلى لوني البياض قال : فلقيت أبا القاسم الجنيد رحمه الله ~~وكان وجه إلي فأشخصني من الرقة فلما أتيته قال لي : أما أستحيت من الله ~~تعالى كنت قائما بين يديه فسامرت نفسك شهوة حتى استولت عليك برقة فأخرجتك ~~من بين يدي الله تعالى لولا أني دعوت الله عز وجل لك وتبت إليه عنك للقيت ~~الله تعالى بذلك اللون قال فعجبت كيف علم بذلك ، وهو ببغداد وأنا بالرقة ~~ولم يطلع عليه إلا الله عز وجل ، فذكرت هذه الحكايات لبعض العلماء فقال : ~~كان هذا رفقا من الله تعالى به وخيرة له إذ لم يسود قلبه وظهر السواد على ~~جسده ولو بطن في قلبه لأهلك ثم قال : ما من ذنب يرتكبه العبد يصر عليه إلا ~~اسود القلب منه مثل سواد الجسم الذي ذكره لا يجلوه إلا التوبة ولكن ليس كل ~~عبد يصنع له ms0422 صنع ابن علوان ولا يجد من يلطف له به مثل أبي القاسم الجنيد ~~رحمه الله ولكل ذنب عقوبة إلا أن يعفو الله والعقوبة ليست على قدر الذنب ~~ولا من حيث يعلم العبد لكنها على تقدير المشيئة وعن سابق علم الربوبية ~~فربما كانت في قلب وهي من أمراض القلوب وربما كانت في الجسد وقد تكون في ~~الأموال والأهل وتكون في سقوط الجاه والمنزلة من عيون علماء الإسلام ~~والمؤمنين وقد تكون مؤجله في الآخرة وهذه أعظم العقوبات وهي لأهل الكبائر ~~من الموبقات الذين ماتوا عن غير توبة ولأهل الإصرار والعزة والاستكبار ~~لأنها إذا كانت في الدنيا كانت يسيرة على قدر الدنيا وإذا تأخرت كانت عظيمة ~~على قدر الآخرة . وفي الخبر : إذا أراد الله تعالى بعبد خيرا عجل له عقوبة ~~ذنبه وإذا أراد به شرا أخره حتى يوافي به الآخرة ، وأعلم أن الغم على ما ~~يفوت من الدنيا والهم بالحرص عليها من العقوبات والفرح والسرور بما نال من ~~الدنيا مع ما لا يبالي ما خرج من دينه من PageV01P313 العقوبات ، وقد يكون ~~دوام العوافي واتساع الغنى من عقوبات الذنوب إذا كانا سببين إلى المعاصي ، ~~وقد تكون عقوبة الذنب ذنبا مثله أو أعظم منه كما يكون مثوبة الطاعة طاعة ~~مثلها أو أفضل منها ، وفي أحد الوجوه من معنى قوله تعالى : ( وعصيتم من بعد ~~ما أراكم ما تحبون ) آل عمران : 152 ، قال : الغنى والعافية كما يكون الفقر ~~والسقم برحمة من الله تعالى إذا كانا سببا للعصمة وهما أمهات المعاصي إذا ~~كانا سببين لها ومطرقين إليها ، واعلم أن الحلم لا يرفع العقوبة ولكن ~~يؤخرها ، ومن شأن الحليم أن لا يعجل بالعقوبة وقد يعاقب بعد حين . وروينا ~~في معنى قوله تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) ~~الأنعام : 44 ، أي الرخص والرغد حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة قيل ~~بعد ستين سنة ، وفي الخبر : من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم بطلب ~~المعيشة ، وفي لفظ آخر : لا يكفرها إلا الهموم والأحزان والإهتمام ~~بالمباحات ms0423 من حاجات الدنيا للفقراء كفارات وهو على ما يفوت من قربات الآخرة ~~للمؤمنين درجات وهو على محب الدنيا والجمع منها والحرص عقوبات ، وقال بعض ~~السلف : كفى به ذنبا لا يستغفر منه حب الدنيا وقال آخر : لو لم يكن للعبد ~~من الذنوب إلا أنه يقيم بمصائب الدنيا بما لا يقيم بما لا يفوته فيها من ~~نصيب الآخرة والتزود لها . وفي حديث عائشة رضي الله عنها : إذا كثرت ذنوب ~~العبد ولم يكن له من الأعمال ما يكفرها أدخل الله عز وجل عليه الغموم ~~والهموم فتكون كفارة لذنوبه ويقال : إن الهم الذي يعرض للقلب في وقت لا ~~يعرف العبد سبب ذلك فهو كفارات الهم بالخطايا ويقال : هو حزن العقل عند ~~تذكره الوقوف والمحاسبة لأجل جنايات الجسد فيلزم العقل ذلك الهم فيظهر على ~~العبد منه كأنه لا يعرف سبب غمه ، ومن أخبار يعقوب عليه السلام : إن الله ~~تعالى أوحى إليه : لولا ما سبق لك في علمي من عنايتي بك لجعلت نفسي عندك ~~أبخل الباخلين لكثرة تردادك إلي بطول سؤالك لي وتأخيري إجابتك ولكن من ~~عنايتي بك أن جعلت نفسي في قلبك إني أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين ، وقد ~~سبق لك عندي منزلة لم تكن تنالها بشيء من علمك إلا بحزنك على يوسف فأردت أن ~~أبلغك تلك المنزلة ، وكذلك ما روينا أن جبريل عليه السلام لما دخل على يوسف ~~عليه السلام في السجن قال له : كيف تركت الشيخ الكئيب ؟ قال : قد حزن عليك ~~حزن مائة ثكلى ، قال : فماذا له عند الله تعالى ؟ قال : أجر مائة شهيد ، ~~وفي خبر رويناه عن السلف : ما من عبد يعصى إلا استأذن مكانه من الأرض أن ~~يخسف به واستأذن سقفه من السماء أن يسقط عليه كسفا فيقول الله عز وجل للأرض ~~والسماء كفا عن عبدي وأمهلاه فإنكما لم تخلقاه ولو خلقتماه PageV01P314 ~~لرحمتماه لعله يتوب إلي فأغفر له لعله يستبدل صالحا فأبدله حسنات فذلك معنى ~~قوله تعالى ( إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ) فاطر : 41 أي من ~~معاصي العباد : ( ولئن زالتا ms0424 إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما ) ~~فاطر : 41 أي عن معاصيهم غفورا لمساوئهم وقيل في تفسير ذلك : إن الله عز ~~وجل إذا نظر إلى معاصي العباد غضب فترجف الأرض وتضطرب السماء فتنزل ملائكة ~~السماء فتمسك أطراف الأرضين وتصعد ملائكة الأرضين فتمسك على أطراف السموات ~~، ولا يزالون يقرؤون : ( قل هو الله أحد ) الإخلاص : 1 ، حتى يسكن غضبه ~~سبحانه وتعالى فذلك قوله تعالى : ( إن الله يمسك السموات ) فاطر : 41 الآية ~~. وقال بعض العلماء : إذا ضرب الناقوس في الأرض ودعى بدعوة الجاهلية اشتد ~~غضب الرب سبحانه وتعالى فإذا نظر إلى صبيان المكاتب ورأى عمار المساجد وقيل ~~: إذا نظر إلى المتحابين في الله أو المتزاورين له وسمع أصوات المؤذنين حلم ~~وغفر فذلك قوله تعالى : ( إنه كان حليما غفورا ) فاطر : 41 فإذا أتبع العبد ~~الذنب بالذنب ولم يجعل بين الذنبين توبة خيف عليه الهلكة لأن هذه حال المصر ~~ولأنه قد شرد عن مولاه بترك رجوعه إليه ودوام مقامه مع النفس على هواه وهذا ~~مقام المقت في البعد وأفضل ما يعمله العبد قطع شهوات النفس أحلى ما يكون ~~عنده الهوى إذ ليس لشهواتها آخر ينتظر كما ليس لبدايتها أول يرتسم فإن لم ~~يقطع ذلك لم يكن له نهاية فإن شغل بما يستأنف من مزيد الطاعة ووجد حلاوة ~~العبادة وإلا أخذ نفسه بالصبر والمجاهدة فهذا طريق الصادقين من المريدين . ~~وقيل في قوله تعالى : ( استعينوا بالله واصبروا ) الأعراف : 128 أي ~~استعينوا به على الطاعة واصبروا على المجاهدة في المعصية ، وقال علي كرم ~~الله وجهه : أعمال البر كلها إلى جنب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~كتفلة إلى جنب البحر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى جنب الجهاد في ~~سبيل الله تعالى كتفلة في جنب بحر والجهاد في سبيل الله تعالى إلى مجاهدة ~~النفس عن هواها في اجتناب النهي كتفلة في جنب بحر لجي ، وعلى هذا معنى ~~الخبر الوارد رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر مجاهدة النفس ، ~~وكان سهل بن عبد الله يقول : الصبر تصديق الصدق ms0425 وأفضل منازل الطاعة صبر على ~~معصية ثم الصبر على الطاعة ، وقد روينا في الإسرائيليات : إن رجلا تزوج ~~امرأة في بلدة وأرسل عبده يحملها إليه فراودته نفسه وطالبته بها فجاهدها ~~واستعصم بالله قال : فنبأه الله تعالى فكان نبيا في بني إسرائيل . وفي بعض ~~قصص موسى عليه السلام : إنه قال للخصر عليه السلام : بأي شيء أطلعك الله ~~تعالى على علم الغيب ؟ فقال : بترك المعاصي لأجل الله تعالى ، فالجزاء من ~~الله تعالى يجعله غاية العطاء لا على قدر العمل لكن إذا عمل له عبد شيئا ~~لأجله أعطاه PageV01P315 أجره بغير حساب ثم إنه لا يتخذ التائب عادة من ذنب ~~فيتعذر بها توبته فإن العادة جند من جنود الله تعالى لولاها لكان الناس ~~كلهم تائبين ولولا الابتلاء لكان التائبون مستقيمين ثم إن يعمل في قطع ~~معتاد إن كان ثم ليصبر على مجاهدة النفس في هوى إن بلي به ، فهذه الخصال من ~~أفضل أعمال المريدين وأزكاها ومعها تلهم النفس المطمئنة رشدها وتقواها وبها ~~تخرج من وصف الأمارة بالسوء إلى وصف المطمئنة إلى أخلاق الإيمان وهذا أحد ~~المعاني في الخبر الذي روى : أفضل الأعمال ما أكرهتم عليه النفوس ، لأن ~~النفس تكره خلاف الهوى ، والهوى هو ضد الحق والله تعالى يحب الحق فصار جبار ~~النفس على خلاف الهوى وعلى وفاق الحق لأن محبة الحق من أفضل الأعمال كما ~~قال تعالى : ( والوزن يومئذ الحق ) الأعراف : 8 الآية ، واستثنى من أهل ~~الخسر الذين تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر وهذا أول اليقين ، وحدثت عن بعض ~~أهل الاعتبار : إنه كان يمشي في الوحل فكان يتقي ويشمر ثيابه عن ساقيه ~~ويمشي في جوانب الطريق إلى أن زلقت رجله في الوحل فأدخل رجليه في وسط الوحل ~~وجعل يمشي في المحجة قال : فبكى فقيل له : ما يبكيك ؟ فقال : هذا مثل العبد ~~لا يزال يتوقى الذنوب ويجانبها حتى يقع في ذنب منها وذنبين فعندها يخوض ~~الذنوب خوضا وعلى العبد أن يتوب من الغفلة التي هي كائنة فإذا عرف هذا لم ~~تنقطع أبدا توبته وقد جعل الله تعالى ms0426 أهل الغفلة في الدنيا هم أهل الخسران ~~في العقبى ، فقال عز من قائل : ( أولئك هم الغافلون ) الأعراف : 179 ، لا ~~جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ولكن غفلة دون غفلة وخسران دون خسران ولا ~~تستحقرن الغفلة فإنها أول المعاصي وهي عند الموقنين أصل الكبائر وقد جعل ~~علي كرم الله وجهه الغفلة إحدى مقامات الكفر وقرنها بالعمى والشك وأمال ~~صاحبها عن الرشد ووصفها بالحسرة فقال في الحديث الذي يروى من طريق أهل ~~البيت : فقام عمار بن ياسر فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الكفر على ما ~~بني ؟ فقال : على أربع دعائم : على الجفاد ، والعمى ، والغفلة ، والشك ، ~~فمن جفا احتقر الحق وجهر بالباطل ومقت العلماء ، ومن عمى نسي الذكر ومن غفل ~~حاد عن الرشد وغرته الأماني فأخذته الحسرة والندامة وبدا له من الله ما لم ~~يكن يحتسب ، ومن شك تاه في الضلالة . وقال بعض العلماء : من صدق في ترك ~~شهوة وجاهد نفسه لله تعالى سبع مرات لم يبتل بها ، وقال آخر : من تاب عن ~~ذنب واستقام سبع سنين لم يرجع إليه أبدا ، وقال بعض العلماء : كفارة الذنب ~~المعتاد أن تقدر عليه عدد ما أتيته ثم لا تقع فيه فيكون كل ترك كفارة لفعل ~~وهذا حال الأقوياء من التوابين وليس هو طريق الضعفاء من المريدين بل حال ~~الضعفاء والهرب والبعد ، ومن حدث نفسه بمعصية في عدمها لم يملك نفسه عند ~~وجودها فليعمل المريد في قطع وساوس النفس بالخطايا وإلا وقع فيها لأن ~~الخواطر تقوى فتكون PageV01P316 وسوسة ، فإذا كثرت الوساوس صارت طرقا للعدو ~~بالتزيين والتسويل فأضر شيء على التائب تمكينه خاطر السوء من قلبه بالإصغاء ~~إليه فإنه يدب في هلكته وكل سبب يدعو إلى معصية أو يذكر بمعصية فهو معصية ~~وكل سبب يؤول إلى ذنب ويؤدي إليه فهو ذنب وإن كان مباحا وقطعه طاعة وهذا من ~~دقائق الأعمال وكان يقال : من أتى عليه أربعون وهو العمر وكان مقيما على ~~الذنب لم يكد يتب منه إلا القليل من المتداركين ، وقد روي في الخبر : ~~المؤمن كل مفتن ms0427 تواب وإن للمؤمن ذنبا قد اعتاده الفيئة بعد الفيئة يعني ~~حينا بعد حين . وفي الحديث : كل بني آدم خطاء وخير الخطائين المستغفرون ، ~~وفي الخبر الآخر : المؤمن واه راقع فخيرهم من مات على رقعه أي واه بالذنوب ~~راقع بالتوبة والاستغفار ، وقد وصف الله تعالى المؤمنين بترك متابعة الذنوب ~~وترادف السيئة بالحسنة في قوله تعالى : ( ويدرؤون بالحسنة السيئة ) الرعد : ~~22 ، وقد جعل هذا من وصف العاملين الذين صبروا فقال تعالى : ( أولئك يؤتون ~~أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ) القصص : 54 فجعل تعالى لهم ~~صبرين عن الذنب وعلى التوبة فآتاهم به أجرين وقد اشترط الله تعالى على ~~التائبين من المؤمنين ثلاث شرائط وشرط على التائبين من المنافقين أربعة ~~لأنهم اعتلوا بالخلق في الأعمال فأشركوهم بالخالق في الإخلاص فزاد عليهم ~~الشرط تشديد الشدة دخولهم في المقت واعتل غيرهم بوصفه فخفف عنهم شرطين فقال ~~عز وجل : ( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ) البقرة : 160 قوله تعالى ~~تابوا أي رجعوا إلى الحق من أهوائهم ، وأصلحوا يعني ما أفسدوا بنفوسهم ، ~~وبينوا فيها وجهان ، أحدهما بينوا ما كانوا كتموا من الحق وأخفوا من حقيقة ~~العلم وهذا لمن عصى بكتم العلم ولبس الحق بالباطل وقيل : بينوا توبتهم حتى ~~تبين ذلك فيهم فظهرت أحكام التوبة عليهم ، وقال في الشرطين الآخرين : ( إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا ) النساء : 145 ( ~~إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ) النساء : 146 ~~، لأنهم كانوا يعتصمون بالناس وبالأموال وكانوا يراؤون بالأعمال فلذلك ~~اشترط عليهم الاعتصام بالله والإخلاص لله عز وجل فينبغي أن تكون توبة كل ~~عبد عن ضد معاصيه قليلا بقليل أو كثيرا بكثير ويكون التائب على ضد ما كان ~~أفسد ليكون كما قال الله تعالى : ( إنا لا نضيع أجر المصلحين ) الأعراف : ~~170 ، ولا يكون العبد تائبا حتى يكون مصلحا ولا يكون مصلحا حتى يعمل ~~الصالحات ثم يدخل في الصالحين . وقد قال الله تعالى : ( وهو يتولى الصالحين ~~) الأعراف : 196 ، وهذا وصف للتواب وهو المتحقق بالتوبة والحبيب لله تعالى ~~كما ms0428 قال تعالى : ( إن الله يحب التوابين ) البقرة : 222 أي يتولى الراجعين ~~إليه من أهوائهم المتطهرين له من المكاره ، وكما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : التائب حبيب الله ، وسئل أبو محمد سهل : متى يكون العبد التائب ~~حبيب الله تعالى ؟ PageV01P317 فقال : حتى يكون كما قال الله تعالى : ( ~~التائبون العابدون ) التوبة : 112 الآية ، ثم قال الحبيب : لا يدخل في شيء ~~لا يحبه الحبيب ، وقال : لا تصح التوبة حتى يتوب من الحسنات ، وقد قال غيره ~~من العارفين : العامة يتوبون من سيئاتهم والصوفية يتوبون من حسناتهم يعني ~~من تقصيرهم في أدائها العظيم ما يشهدون من حق الملك العزيز سبحانه وتعالى ~~المقابل بها ومن نظرهم إليها أو نظرهم إلى نفوسهم بها وهي منة الله تعالي ~~إليهم واصلة ، وكان سهل يقول : التوبة من أفضل الأعمال لأن الأعمال لا تصح ~~إلا بها ولا تصح التوبة إلا بترك كثير من الحلال مخافة أن يخرجهم إلى غيره ~~، والاستغفار قوت التوابين ومفزع الخطائين ، قال الله تعالى وهو أصدق ~~القائلين : ( استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ) هود : 52 ، وقال تعالى : ( ~~أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ) المائدة : 74 فابتدئ التوبة بالاستغفار ~~وعقب الاستغفار بالتوبة ، فالاستغفار مع الذنب سؤال الستر من الله تعالى ~~ومغفرة الله تعالى لعبده في حال ذنبه ستره عليه وحلمه عنه ويقال : ما من ~~ذنب ستره الله تعالى على عبده في الدنيا إلا غفره له في الآخرة ، إن الله ~~تعالى أكرم من أن يكشف ذنبا كان قد ستره وما من ذنب كشفه الله في الدنيا ~~إلا جعل ذلك عقوبة عبده في الآخرة فالله أكرم من أن يثنى عقوبته على عبده . ~~وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما نحو ذلك وقد أسنداه من طريق ~~الاستغفار بعد التوبة وهو سؤال العبد مولاه العفو عن المؤاخذة ومغفرة الله ~~تعالى لعبده بعد التوبة تكفيره لسيئاته وتجاوزه عنها بالعفو الكريم وهو ~~تبديل السيئات حسنات كما جاء في الخبر أن تفسير قول العبد : يا كريم العفو ~~قال : هو إن عفا برحمته عن السيئات ثم بدلها ms0429 بكرمه حسنات وقد أحكم الله ~~تعالى ذلك بقوله : ( فاستقيموا إليه واستغفروه ) فصلت : 6 بعد قوله تعالى : ~~( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ~~ولا تحزنوا ) فصلت : 30 ، أي وحدوا الله تعالى ثم استقاموا على التوحيد فلم ~~يشركوا وقيل : استقاموا على السنة فلم يحدثوا وقيل : استقاموا على التوبة ~~فلم يروغوا معها أن لا تخافوا عقاب الذنوب فقد كفرها عنكم بالتوحيد ولا ~~تحزنوا على ما فاتكم من الأعمال فقد تداركها الله تعالى لكم بالتوبة وبلغكم ~~منازل المحسنين بالاستقامة ، ثم قال تعالى : ( وأبشروا بالجنة التي كنتم ~~توعدون ) فصلت : 30 في السابق ( نحن أولياؤكم ) فصلت : 31 أي نليكم ونقرب ~~منكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة بالتثبيت لكم على الإيمان ولكم فيها ما ~~تشتهي أنفسكم أي أجسامكم من النعيم المقيم ولكم فيها ما تدعون أي ما تمنون ~~بقلوبكم من النظر إلى الملك الرحيم ، وفي الخبر : التائب من الذنب كمن لا ~~ذنب له والمستغفر من الذنب وهو مصر عليه كالمستهزئ بآيات الله تعالى : وكان ~~بعضهم يقول : أستغفر الله من قولي أستغفر الله PageV01P318 باللسان عن غير ~~توبة وندم بالقلب ، وفي بخبر : الاستغفار باللسان من غير توبة وندم بالقلب ~~توبة الكذابين ، وكانت رابعة تقول : استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار فكم ~~من توبة تحتاج إلى توبة في تصحيحها والإخلاص من النظر إليها والسكون ~~والإدلال بها ، فمن عقب السيئات بحسنات وخلط الصالحات بالطالحات طمع له في ~~النجاة ورجا له الاستقامة قبل الوفاة ، قال الله تعالى : ( خلطوا عملا ~~صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ) التوبة : 102 أي يعطف عليهم ~~وينظر إليهم وقيل : خلطوا علملا صالحا هو الاعتراف بالذنوب والتوبة ~~المستأنفة وآخر سيئا ما سلف من الغفلة والجهالة ، وقد كان ابن عباس يقول : ~~غفور لمن تاب رحيم حيث رخص في التوبة ، وقد قال الله تعالى ( وإني لغفار ~~لمن تاب ) طه : 82 أي من الشرك وآمن بالتوحيد وعمل صالحا ؛ أدى الفرئض ~~واجتنب المحارم ثم اهتدى كان على السنة وقيل : استقام على التوبة فهذه صفات ~~المؤمنين فلم ms0430 يرد الله تعالى المخلصين إلى ما رد إليه المنافقين وهو التوبة ~~وكذلك رد إليها المشركين إذ لا طريق للكل إلا منها ولا وصول إلى المحبة ~~والرضا إلا بها . وقال تعالى في وصف المنافقين : ( وآخرون مرجون لأمر الله ~~إما يعذبهم ) التوبة : 106 أي مع الإصرار وإما يتوب عليهم أي بالاستغفار ~~وأحكم ذلك وفصله بما شرط له ، كما قال في شأن الكافرين : ( فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) التوبة : 5 وقد قرن الله تعالى ~~الاستغفار للعبادة ببقاء الرسول لله في الأمة ورفع العذاب عنهم بوجوده ~~فضلامنه ونعمة ، وقال تعالى : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون ) الأنفال : 33 ، وكان بعض السلف يقول : كان لنا ~~أمانان ذهب أحدهما وبقي الآخر ، فإن ذهب الآخر هلكنا يعني الذي ذهب الرسول ~~صلى الله عليه وسلم والذي بقي الاستغفار ، وسئل سهل رحمه الله عن الاستغفار ~~الذي يكفر الذنوب فقال : أول الاستغفار الاستجابة ثم الإنابة ثم التوبة ~~فالاستجابة أعمال الجوارح والإنابة أعمال القلوب والتوبة إقباله على مولاه ~~وترك الخلق ، ثم يستغفر من تقصيره الذي هو فيه ومن الجهل بالنعمة وترك ~~الشكر ، فعند ذلك يغفر له ويكون عنده مأواه ثم ينقل إلى الانفراد ثم الثبات ~~ثم البيان ثم القرب ثم المعرفة ثم المناجاة ثم المصافاة ثم الموالاة ثم ~~محادثة السر وهو الخلة ، ولا يستقر هذا في قلب عبد حتى يكون العلم غذاءه ~~والذكر قوامه والرضا زاده والتفويض مراده والتوكل صاحبه ، ثم ينظر الله ~~تعالى إليه فيرفعه إلى العرش فيكون مقامه مقام حملة العرش وكان يقول العبد ~~لا بد له من مولاه على كل حال ، وأحسن حاله أن يرجع إليه في كل شيء إذا عصي ~~يقول : يا رب استر علي فإذا فرغ من المعصية قال : يا رب تب علي فإذا تاب ~~قال يا رب ارزقني العصمة فإذا عمل قال : يا رب تقبل مني ، ومن أحسن ما ~~يتعقب الذنب من الأعمال بعد التوبة وحل الإصرار مما يرجى به كفارة الخطيئة ~~PageV01P319 ثمانية أعمال : أربعة من ms0431 أعمال الجوارح وأربعة من أعمال القلوب ~~، فأعمال الجوارح أن يصلي العبد ركعتين ثم يستغفر سبعين مرة . ويقول : ~~سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة ثم يتصدق بصدقة ويصوم يوما ، وأعمال ~~القلوب هي اعتقاد التوبة منه وحب الإقلاع عنه وخوف العقاب عليه ورجاء ~~المغفرة له ، ثم يحتسب على الله تعالى بحسن ظنه وصدق يقينه كفارة ذنبه ، ~~فهذه الأعمال قد وردت بها الآثار ، إنها المكفرة للزلل والعثار ، وقد يشترط ~~في بعضها فيتوضأ ويسبغ الوضوء ويدخل المسجد فيصلي ركعتين وفي بعض الأخبار ~~فيصلي أربع ركعات ، قال : ويقال إذا أذنب العبد أمر صاحب اليمين صاحب ~~الشمال وهو أمير عليه أن يرفع القلم عنه ست ساعات فإن تاب واستغفر لم ~~يكتبها عليه وإن لم يستغفر كتبها ، ويقال صدقة الليل تكفر ذنوب النهار ~~وصدقة السر تكفر ذنوب الليل ، وفي بعض الأخبار إذا علمت سيئة فأتبعها حينة ~~تكفرها السر بالسر والعلانية بالعلانية ، وفي أخبار متفرقة جمعناها : ما من ~~يوم طلع فجره ولا ليلة غاب شفقها إلا وملكان يتجاوبان بأربعة أصوات يقول ~~أحدهما : يا ليت هذا الخلق لم يخلقوا ويقول الآخر : ويا ليتهم إذ خلقوا ~~علموا لماذا خلقوا فيقول الآخر : ياليتهم إذ علموا لماذا خلقوا عملوا بما ~~علموا ، وفي بعضها : تجالسوا فتذاكروا ما علموا فيقول الآخر : ويا ليتهم إذ ~~لم يعملوا بما علموا تابوا مما عملوا ، فأول ما يجب لله عز وجل على عبده أن ~~لا يعصيه بنعمه لئلا تكون معصيته كفرانا لنعمته وجوارح العبد وما له من نعم ~~الله تعالى لأن قوام الإنسان بجوارحه وثبات جوارحه بالحركة ومنافع الحركة ~~بالعافية ، فإذا عصاه بالنعمة فقد بدلها كفرا ، كما قال تعالى : ( بدلوا ~~نعمت الله كفرا ) إبراهيم : 28 قيل : استعانوا بها على معاصيه ثم توعد على ~~التبديل بالعقاب الشديد فقال : ( ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن ~~الله شديد العقاب ) البقرة : 211 ، على تبديل النعمة بالمعصية معجلا في ~~الدنيا ويكون مؤجلا في الآخرة . وقد يكون العقاب في أسباب الدنيا ، وقد ~~يكون في حرمان أسباب الآخرة لأنها مآله ومثواه ، وقد ms0432 يكون فيهما معا ، وقد ~~تكون نفس المعصية بالنعمة عقوبة والجهل بالنعمة وتضييع الشكر عليها ~~واستصغارها والسكون إليها والتطاول والتفاخر والتكابر بها كل هذه الأسباب ~~عقوبات ثم يفترض على العبد إذا عصاه الرجوع إلى مولاه وهو التوبة عقيب ~~وقوفه مع نفسه وهو موافقة الهوى بالخطيئة فتأخيره بالتوبة وإصراره على ~~الذنب ذنبان مضافان إلى الخطيئة ، فإذا تاب من ذنبه وأحكم التوبة منه اعتقد ~~الاستقامة على الطاعة ودوام الافتقار إلى الله تعالى في العصمة ثم يتوب ~~أبدا من الصغائر إلى الهم والتمني ، ومن الخوف والطمع في المخلوق ، وهي ~~ذنوب الخصوص إلى الطرفة والنفس والسكون إلى شيء والراحة بشيء وهذه ذنوب ~~المقربين حتى لا يبقى على العبد فيما يعلم PageV01P320 مخالفة وحتى يشهد له ~~العلم بالوفاء فتبقى حينئذ ذنوبه من مطالعة علم الله تعالى فيه لما أستأثر ~~به عنه من علم غيبه يكاشفه به ومن معنى نفس العبودية وكون الخلقة عن تسليط ~~الربوبية بوصفها وكبرها فيكون هذا الخوف مثوبة له لما فزع من علم نفسه إلى ~~ما لا يمكن ذكره ولا يعرف نشره من ذنوب المقربين التي هي صالحات أصحاب ~~اليمين لفقد مشاهدتها وللجهل بمعرفة مقاماتها عند العموم فيكون حال هذا ~~المقرب الإشفاق من البعد في كل طرفة ونفس إلى وقت اللقاء والخوف من الإعراض ~~والحجب في كل حركة وهم في هذه الدار إلى دار البقاء . وقد روينا في خبر ~~غريب : إن الله عز وجل أوحى إلى يعقوب عليه السلام أتدري لم فرقت بينك وبين ~~يوسف ، قال : لا ، قال : لقولك لإخوته إني أخاف أن يأكله الذئب لم خفت عليه ~~الذئب ولم ترجني له ولم نظرت إلى غفلة إخوته ولم تنظر إلى حفظي له فهذا ~~معنى قول يوسف للساقي : اذكرني عند ربك ، قال الله تعالى : ( فأنساه ~~الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ) يوسف : 42 ، فهذا مما يعتب على ~~الخصوص من خفي سكونهم ولمح نظرهم إلى ما سوى الله تعالى وإنما حرم بعض ~~التابعين ذلك المزيد ولم يجدوا حلاوة التوبة لتهاونهم بحال الرعاية ~~وتسامحهم بترك ms0433 حسن القيام بشاهد المراقبة وذلك يكون من قلة أحكام أمر ~~التوبة ولو قاموا بحكم التوبة من الذنب الواحد وأحكموا حال تواب من ~~الصادقين في التوبة لم يعدموا من الله تعالى المزيد لأنهم محسنون فهم في ~~تجديد ، قال الله تعالى : ( سنزيد المحسنين ) البقرة : 58 فإذا رآك مستقيما ~~على التوبة عاملا بالصالحات ولم تجدك على مزيد من مبرات بوجد حلاوة أو حسن ~~خليقة أو عروض زهد أو خاصية معروفة فارجع إلى باب المرقبة أو موقف الرعاية ~~فتفقدهما وأحكم حالهما فمن قبلهما أتيت ، وقال بعض العلماء : من تاب من ~~تسعة وتسعين ذنبا ولم يتب من ذنب واحد لم يكن عندنا من التائبين ولا تغفلن ~~عن التفقد وتجديد التوبة إدبار الصلوات فإنما دخل الخسران على العمال من ~~حيث لا يعلمون من تركهم التفقد ومحاسبة النفس وبمسامحتها مما يعملون ، ~~واعلم أن حقيقة كل ذنب عشرة أعمال لا يكون العبد توابا يحبه الله تعالى ولا ~~تكون توبته نصوحا التي شرطها الله تعالى وفسرتها النبوة إلا أن يحكم العبد ~~عشر توبات من كل ذنب أولها ترك العود إلى فعل الذنب ثم يتوب من القول به ثم ~~يتوب من الاجتماع مع سبب الذنب ثم التوبة من السعي في مثله ثم التوبة من ~~النظر إليه ثم التوبة من الاستماع إلى القائلين به ثم التوبة من الهمة ثم ~~التوبة من التقصير في حق التوبة ثم التوبة من أن لا يكون أراد وجه الله ~~تعالى خالصا بجميع ما تركه لأجله ثم التوبة من النظر إلى التوبة والسكون ~~إليها والإدلال بها ثم يشهد بعد ذلك تقصيره عن القيام بحق الربوبية لعظيم ~~ما يشهد بالمزيد من الإشراف على التوحيد من كبير جلال الله تعالى وعظم ~~كبريائه فتكون PageV01P321 توبته بعد ذلك من تقصيره عن القيام بحقيقة ~~مشاهدته ويكون استغفاره لما ضعف قلبه ونقص همه عن معاينة مشاهدة لعلو مقامه ~~ودوام فريدة وإعلامه ولا نهاية لتوبة العارف ولا لغاية وصفه لما هو عليه ~~عاكف ولا وصف محتمل ذكر دقيق بلائه ولا يكبر عن التوبة نبي ms0434 فمن دونه ولكل ~~مقام توبة ولكل حال من مقام توبة ولكل مشاهدة ومكاشفة توبة فهذا حال التائب ~~المنيب الذي هو من الله تعالى مقرب وعنده حبيب وهذا مقام مفتن تواب أي ~~مختبر بالأشياء مبتلى بها تواب إلى الله تعالى منها لينظر مولاه أينظر ~~بقلبه إليه أو إليها أو يعتكف بهمته عليه أو عليها أو يطمئن إليه بوجودها ~~أو إليها أو يطلب إياه هربا منها أو إياها فعليه لكل مشاهدة لسواه ذنب ~~وعليه في كل سكون إلى سواه عتب كما له في كل شهادة علم ومن كل إظهار في ~~الكون حكم بذنوبه لا تحصى وتوباته إلى الله تعالى لا تستقصى ، فهذه حقيقة ~~التوبة النصوح وصاحبها مسلم وجهه لله تعالى محسن من نفسه مستريح ودينه عند ~~الله تعالى مستقيم ومقامه وحاله من الله تعالى سليم . وقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : إن الله يحب كل مفتن تواب ، واعلم أن الذنوب على سبعة ~~ضروب بعضها أعظم من بعض ، كل ضرب منها مراتب في كل مرتبة من المذنبين طبقة ~~منها معاص يعتل بها العبد من معاني صفات الربوبية مثل الكبر والفخر ~~والجبرية وحب الحمد والمدح ووصف العز والغنى ، فهذه مهلكات وفيها من العموم ~~طبقات ومعاصي تكون من معاني أخلاق الشياطين مثل : الحسد والبغي والحيلة ~~والخداع والأمر بالفساد ، فهذا موبقة وفيها من أهل الدنيا طبقات ومعاصي ~~تكون من ضد السنة وهو ما خالفها إلى بدعة والأحداث المبتدعة وهي كبائر منها ~~ما يذهب الإيمان وينبت النفاق ، وست من كبائر البدع ، وهي تنقل عن الملة : ~~وهي القدرية والمرجئة الرافضية والإباضية والجهمية والشاطحون من المغالطين ~~وهم الذين لا يقولون بخلق ولا رسم ولا حكم في تعدي الحدود ومجاوزات العلم ~~فهم زنادقة هذه الأمة ومعاص متعلقة بالخلق من طريق المظالم في الدين ~~والإلحاد بهم عن طريق المؤمنين ، وهو ما أضل به عن الهدى وأزاغ به عن السنن ~~وحرفه من الكتاب وتأوله من السنة ثم أظهر ذلك ودعا إليه فقبل منه وأتبع ~~عليه . وقد قال بعض العلماء : لا ms0435 توبة لهذه المعاصي كما قال بعضهم في ~~القاتل : لا توبة له للأخبار بثبوت الوعيد وحق القول عليه ، والضرب الخامس ~~من المعاصي ما تعلق بمظالم العباد في أمر الدنيا مثل ضرب الإنسان وشتم ~~الأعراض وأخذ الأموال والكذب والبهتان ، فهذه موبقات ولا بد فيها من القصاص ~~للموافقة بين يدي الحاكم العادل والقطع منه بقضاء فاصل إلا أن يقع استحلال ~~أو يستوهبها الله عز وجل من أربابها في المآل بكرمه ويعوض المظلومين عليها ~~من جنابه بجوده ، وقد جاء في الخبر : الدواوين ثلاثة : ديوان يغفر ، وديوان ~~لا يغفر ، وديوان لا يترك ، فأما الديوان الذي يغفر فذنوب العباد بينهم ~~وبين الله تعالى وأما الديوان الذي لا يغفر فالشرك بالله تعالى وأما ~~الديوان الذي لا PageV01P322 يترك فمظالم العباد أي لا يترك المطالبة به ~~والمؤاخذه عليه ، والضرب السادس من الذنوب ما كان بين العبد وبين مولاه من ~~نفسه إلى نفسه متعلق بالشهوات والجري في العادات وهذه أخفها وإلى العفو ~~أقربها ، وهذه على ضربين كبائر وصغائر ، فالكبائر ما نص عليه بالوعيد وما ~~وجبت فيه الحدود ، والصغائر دون ذلك إلى نطرة وخطرة والتوبة النصوح تأتي ~~على الجميع ذلك بعموم قوله تعالى : ( فتاب عليكم وعفا عنكم ) وبإخباره عز ~~وجل عن حكمه إذ يقول : ثم تاب عليهم ليتوبوا ، وبظاهر قوله تعالى ( إن ~~الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ) البروج : 10 ، ومثله : ( ثم ~~إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ) النحل : 110 إلى قوله : ( إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم ) النحل : 110 هكذا قراءة أهل الشام بنصب الفاء والتاء ~~ولأن البغية من التوبة إذا كانت غفران الذنب والزحزحة عن النار ونحن لا نرى ~~أبدية الوعيد على أهل الكبائر بل نجعلهم في مشيئة الله ونجوز تجاوز الله ~~تعالى عنهم في أصحاب الجنة ، كما جاء في الخبر في تفسير قوله تعالى : ( ~~فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) النساء : 93 ، أي إن جازاه ، وكما روينا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم : من وعده الله تعالى على عمل ثوابا فهو منجزه له ومن ~~وعده على عمل ms0436 عقابا فهو فيه بالخيار إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه ، وكما ~~قال ابن عباس رضي الله عنه : يغفر لم يشاء الذنب العظيم ويعذب من يشاء على ~~الذنب الصغير ، وقد قال الله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء ) النساء : 48 ، فلم يجد للمغفرة ذنبا غير الشرك وترك ~~المسلمين مع سائر الذنوب في مشيئته فقد يحتج محتج بالخبر المأثور في ترك ~~قبول توبة المبتدع إن الله تعالى احتجر التوبة على كل صاحب بدعة فهذا مخصوص ~~لمن لم يتب ممن حكم عليه بدرك الشقاء ، ألا ترى أنه لم يقل إن الله تعالى ~~احتجر قبول التوبة عمن تاب إنما أخبر عن حكم الله تعالى فيمن لم يتب بأن ~~الله تعالى حجب التوبة عنه ، فهكذا نقول أيضا : إن القاتل إذا كان قد سبق ~~له سوء الخاتمة بأنه يموت على غير توحيد ، وكذلك المبتدع إن جعل اسمه في ~~أصحاب النار ثم كان القتل والبدعة علامة ذلك وسببه أنهما جميعا ممنوعان من ~~التوبة فإنها محتجرة عنهما ، سورة وكذلك القول فيمن حقت عليه كلمة العذاب ~~بسبق سوء الخاتمة فلو أنه تاب سبعين توبة لم تنقذه من النار وليست توبته ~~بأكثر من قوله صلى الله عليه وسلم : إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين ~~سنة حتى يقول الناس : إنه من أهلها ولا يبقى بينه وبينها إلا شبر ثم يدركه ~~الشقاء . وفي لفظ آخر : ثم يسبق عليه الكتاب بعمل أهل النار فيدخلها فقد ~~دخلت التوبات في صالح أعماله الحسنات ثم أحبطها عنه في جملة عمله بسبق ~~الكتاب بالشقاء له ، وأما من لم يسبق له سوء الخاتمة ووهب له التوبة النصوح ~~ولم يدركه الشقاء فإنها لم تحتجر PageV01P323 عنه وإن الله تعالى يعفو عنه ~~بما وهب له من التوبة كقوله تعالى في المنافقين : ( إما يعذبهم وإما يتوب ~~عليهم ) التوبة : 106 ، وليس النفاق دون البدعة ولا كل المنافقين تاب عليهم ~~ولا جميعهم ختم لهم به ، ولعموم قوله تعالى : ( فتاب عليكم وعفا عنكم ) ~~البقرة : 187 ms0437 ، فهذا مجمل فيمن تاب والخبر مخصوص فيمن لم يتب ، ولقوله ~~تعالى : ( ثم تاب عليهم ليتوبوا ) التوبة : 118 ، ولقوله تعالى : ( عسى ~~الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ) التوبة : 102 ، ثم إن الناس في ~~التوبة على أربعة أقسام ، في كل قسم طائفة ، لكل طائفة مقام ، منهم : تائب ~~من الذنب مستقيم على التوبة والإنابة لا يحدث نفسه بالعود إلى معصية أيام ~~حياته مستبدل بعمل سيئاته صالح حسناته ، فهذا هو السابق بالخيرات وهذه هي ~~التوبة النصوح ونفس هذا المطمئنة المرضية ، والخبر المروي في مثل هذا سيروا ~~سبق المفردون المستهترون بذكر الله وضع الذكر أوزارهم فوريوا القيامة خفافا ~~والذي يلي هذا في القرب عبد عقده التوبة ونيته الإستقامة لا يسعى في ذنب ~~ولا يقصده ولا ينجوه ولا يهتم به وقد يبتلي بدخول الخطايا عليه عن غير قصد ~~منه ويمتحن بالهم واللمم ، فهذا من صفات المؤمنين يرجى له الاستقامة لأنه ~~في طريقها وهو ممن قال الله تعالى : ( يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا ~~اللمم إن ربك واسع المغفرة ) النجم : 32 وداخل في وصف المتقين الذين قال ~~الله تعالى فيهم : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ) آل عمران : ~~135 الآية ، ونفس هذا هي اللوامة التي أقسم الله تعالى بها وهو من ~~المقتصدين وهذه الذنوب تدخل على النفوس من معاني صفاتها وغرائز جبلاتها ~~وأوائل أنسابها من نبات الأرض وتركيب الأطوار في الأرحام خلقا بعد خلق ومن ~~أختلاط الأمشاج بعضها ببعض ولذلك عقبه تعالى بقوله : ( هو أعلم بكم إذ ~~أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ) النجم : 32 الآية ، فلذلك ~~نهى عن تزكية النفس المنشأة من الأرض والمركبة في الأرحام بالأمشاج ~~للاعوجاج فقال تعالى : ( فلا تزكوا أنفسكم ) النجم : 32 أي فهذا وصفها عن ~~بدء إنشائها وكذلك وصف مشيج خليقته بالابتلاء في قوله : ( إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ) الإنسان : 2 ، شوح هذا ~~يطول ويخرج إلى علم تركيبات النفوس ومجبول فطرتها . وقد ذكرنا أصوله في بعض ~~الأبواب من هذا الكتاب : وفي مثل ms0438 هذا العبد معنى الخبر الذي جاء المؤمن ~~مفتن تواب والمؤمن كالسنبلة تفيء أحيانا وتميل أحيانا فإزراء هذا العبد على ~~نفسه ومقته لها عن معرفته بها وترك نظره إليه وسكونه إلى خير إن ظهر عليها ~~يكون من كفارات ذنوبه لأنه من تدبر الخطاب في قوله تعالى : ( فلا تزكوا ~~أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) النجم : 32 ، والعبد الثالث هو الذي يقرب من هذا ~~الثاني في الحال عبد يذنب ثم يتوب ثم يعود PageV01P324 إلى الذنب ثم يحزن ~~عليه بقصد له وسعي فيه وإيثاره إياه على الطاعة ، إلا أنه يسوف بالتوبة ~~ويحدث نفسه بالاستقامة ويحب منازل التوابين ويرتاح قلبه إلى مقامات ~~الصديقين ولم يأن حينه ولا ظهر مقامه لأن الهوى يحركه والعادة تجذبه ~~والغفلة تغمره إلا أنه يتوب خلال الذنوب ويعاود لتقدم المعتاد فتوبة هذا ~~فوت من وقت إلى وقت ومثله ترجى له الاستقامة لمحاسن عمله وتكفيرها لسالف ~~سيئته وقد يخاف عليه الانقلاب لمداومة خطئه ونفس هذا هي المسولة وهو ممن ~~خلط عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليه فيستقيم فيلحق بالسابقين ~~فهذا بين حالين ، بين أن يغلب عليه وصف النفس فيحق عليه ما سبق من القول ~~وبين أن ينظر إليه مولاه نظرة تجبر له كل كسر ويغنى له كل فقر فيتداركه ~~بمنة سابقة فتلحقه بمنازل المقربين لأنه قد سلك طريقهم بفضله ورحمته ونيته ~~الآخرة ، والعبد الرابع أسوأ العبيد حالا وأعظمهم على نفسه وبالا وأقلهم من ~~الله نوالا عبد يذنب ثم يتبع الذنب مثله أو أعظم منه ويقيم على الإصرار ~~ويحدث نفسه به متى قدر عليه ولا ينوي توبة ولا يعقد استقامة ولا يرجو وعدا ~~بحسن ظنه ولا يخاف وعيدا لتمكن أمنه ، فهذا هو حقيقة الإصرار ومقام بين ~~العتو والاستكبار ، وفي مثل هذا جاء الخبر : هلك المصرون قدما إلى النار ~~ونفس هذا هي الأمارة وروحه أبدا من الخير فرارة ويخاف على مثله سوء الخاتمة ~~لأنه في مقدماتها وسالك طريقتها ولا يبعد منه سوء القضاء ودرك الشقاء ولمثل ~~هذا قيل من سوف الله ms0439 تعالى بالتوبة أكذبه وأن اللعنة خروج من ذنب إلى أعظم ~~منه ، وهذه الطائفة في عموم المسلمين ، وهم في مشيئة الله من الفاسقين ، ~~كما قال تعالى : ( مرجون لأمر الله ) التوبة : 106 أي مؤخرون لحكمه إما ~~يعذبهم بالإصرار وإما يتوب عليهم بما سبق من حسن الاختيار نعوذ بالله تعالى ~~من عذابه ونسأله نعيما من ثوابه ، وهذا آخر كتاب التوبة . | # | شرح مقام الصبر ووصف الصابرين وهو الثاني من مقامات اليقين # قد جعل الله عز وجل الصابرين أئمة المتقين وتمم كلمته الحسنى عليهم في ~~الدين فقال تعالى : ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ) الأنبياء : 73 لما ~~صبروا ، وقال تعالى : ( وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ) ~~الأعراف : 137 ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن في الصبر على ما ~~تكره خيرا كثيرا ، وقال المسيح عليه السلام : إنكم لا تدركون ما تحبون إلا ~~بصبركم على ما تكرهون ، وقال بعض الصحابة : ماذا جعل الله تعالى من الشقاء ~~والفضل في التقى والصبر ، وقال ابن مسعود : الصبر نصف الإيمان ، وقد جعل ~~علي كرم الله وجهه الصبر ركنا من أركان الإيمان وقرنه بالجهاد والعدل ~~والإيقان فقال : بني الإسلام على أربع دعائم ، على اليقين ، والصبر ، ~~والجهاد ، والعدل ، وقال علي كرم الله وجهه : الصبر من الإيمان بمنزلة ~~الرأس من الجسد لا جسد لمن لا رأس له ولا إيمان لمن لا صبر له ، ورفع رسول ~~الله : الصبر في العلو والفضل إلى مقام اليقين PageV01P325 وقرنه به ، ~~وكذلك قال تعالى : ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون ) السجدة : 24 ، وأخبر النبي لله : إن من أوتي نصيبه منهما ~~لم يسأل ما فاته ، وأخبر عليه السلام : إن الصبر كمال العمل والأجر ، فقال ~~في حديث يرويه شهر بن حوشب الأشعري عن أبي أمامة الباهلي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى حظه منهما ~~لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار ولأن تصبروا على مثل ما أنتم ~~عليه أحب إلي من أن يوافيني ms0440 كل امرئ منكم بمثل عمل جميعكم ، ولكني أخاف أن ~~تفتح عليكم الدنيا بعدي فينكر بعضكم بعضا وينكركم أهل السماء عند ذلك ، فمن ~~صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه ، ، ثم قرأ ما عندكم ينفد وما عند الله باق ~~وليجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون . وفي حديث ابن المنكدر ~~عن جابر قال : سئل رسول الله عن الإيمان فقال الصبر والسماحة ، وقد قال ~~الله تعالى وهو أصدق القائلين : ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) ~~القصص : 54 ، وقال عز وجل : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) الزمر ~~: 10 فضاعف أجر الصابرين على كل عمل ثم رفع جزاء الصبر فوق كل جزاء فجعله ~~بلا نهاية ولا حد فدل ذلك أنه أفضل المقامات وجمع للصابرين ثلاثا فرقها على ~~جمل أهل العبادات ، الصلاة ، والرحمة ، والهدى بعد البشارة في الآخرة ~~والعقبى ، وكان عمر رضي الله عنه يقول : نعم العدلان ونعمت العلاوة ~~للصابرين ، يعني بالعدلين الصلاة والرحمة وبالعلاوة الهدى ، والعلاوة ما ~~يعلى به فوق الحملين على البعير فيكون كعدل ثالث ، وقد أخبر الله تعالى أنه ~~مع الصابرين ، ومن كان الله تعالى معه غلب ، كما أن من كان معه علا ، فقال ~~تعالى : ( واصبروا إن الله مع الصابرين ) الأنفال : 46 ، كما قال الله عز ~~وجل : ( وأنتم الأعلون والله معكم ) محمد : 35 واشترط الصبر لإمداده بجنده ~~ولنصرة تأييده بقوله تعالى : ( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتونكم من فورهم هذا ~~يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) آل عمران : 125 ، وكان سهل ~~يقول : الصبر تصديق الصدق وأفضل منازل الطاعة الصبر على المعصية ثم الصبر ~~على الطاعة ، وقال في معنى قوله عز وجل : ( استعنوا بالله واصبروا ) ~~الأعراف : 128 أي استعينوا بالله على أمر الله ، وأصبروا على أدب الله ، ~~وقال : لم يمدح الله تعالى أحدا إلا من صبر للبلاء والشدة فبذلك يثني عليه ~~، وكان يقول : الصالحون في المؤمنين قليل ، والصادقون في الصالحين قليل ، ~~والصابرون في الصادقين قليل ، فجعل الصبر خاصية الصدق وجعل الصابرين خصوص ~~الصادقين ، وكذلك الله تعالى وهو أصدق القائلين ، قد رفع الصابرين على ms0441 ~~الصادقين في ترتيب المقامات ، فجعل الصبر مقاما في الصدق إن كانت الأوصاف ~~المنسوقة نعتا واحدا للمسلمين ، وكانت الواو للمدح وإن كانت مقامات فالواو ~~للترتيب ، فقد جعل الله الصابرين فوق الصادقين والقانتين أعني في ~~PageV01P326 قوله تعالى : ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ) ~~الأحزاب : : 35 الآية ، وفي حديث عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : ما دخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار قال : أمؤمنون أنتم ؟ فسكتوا ~~فقال عمر رضي الله عنه : نعم يا رسول الله قال : وما علامة إيمانكم ؟ قال : ~~نشكر في الرخاء ونصبر على البلاء ونرضى القضاء فقال : مؤمنون : ورب الكعبة ~~، والصبر ينقسم على عملين ، أحدهما لا صلاح للدين إلا به ، والثاني هو أصل ~~فساد الدين ، ثم يتنوع الصبر فيكون صابرا على الذي فيه صلاح الدين فيكمل به ~~إيمانه ويكون صابرا عن الذي فيه فساد الدبن فيحسن به يقينه . روينا في معنى ~~هذا عن علي رضي الله عنه : أنه لما دخل البصرة واستاقم له الأمر دخل جامعها ~~فجعل يخرج القصاص ويقول القصص بدعة ، فانتهى إلى حلقة شاب يتكلم على جماعة ~~فأستمع إليه فأعجبه كلامه فقال : يا فتى أسألك عن شيئين فإن خرجت منهما ~~تركتك تتكلم على الناس وإلا أخرجتك كما أخرجت أصحابك ، فقال : سل يا أمير ~~المؤمنين فقال : أخبرني ما صلاح الدين وما فساده ؟ قال : صلاحه الورع ~~وفساده الطمع قال : صدقت تكلم فمثلك يصلح أن يتكلم على الناس ، يقال : إن ~~هذا الشاب هو إمامنا في هذا العلم وهو إمام الأئمة الحسن بن يسار مولى ~~الأنصار البصري ، وكان ميمون بن مهران يقول : الإيمان والتصديق والمعرفة ~~والصبر واحد ، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : دروة الإيمان الصبر للحكم ~~والرضا بالقدر ، وأعلم أن الورع أول الزهد وهو أول باب من أبواب الآخرة ~~والطمع أول الرغبة ، وهو باب كبير من أبواب الدنيا ، وهو استشعار الطمع من ~~حب الدنيا ، وحب الدنيا رأس كل خطيئة ، ويقال : أول معصية عصى الله تعالى ~~بها الطمع ، وهو أن آدم عليه السلام طمع في الخلود فأكل من الشجرة التي ms0442 نهى ~~عنها وإبليس طمع في إخراج آدم عليه السلام من الجنة فوسوس إليه فاتفقا في ~~إسم المعصية لربهما تعالى بالطمع ، ثم افترقا في المطموع فيه وفي الحكم ، ~~فتدورك آدم عليه السلام بحسن سابقته من الله تعالى وهلك إبليس بما سبق عليه ~~من الشقوة ولاطمع هو تصديق الظن ، ولذلك وصف الله تعالى به عدوه في قوله ~~تعالى : ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ) سبأ : 20 ، والظن ضد اليقين ولا يغني ~~من الحق شيئا ، وقال الله تعالى في وصف المشركين : ( إن نظن إلا ظنا وما ~~نحن يمستيقنين ) الجاثية : 32 ، فمن صبر عن الطمع في الخلق أخرجه الصبر إلى ~~الورع ومن صبر عن الورع في الدين أدخله الصبر في الزهد ومن طمع في تصديق ~~الظن الكاذب أدخله الطمع في حب الدنيا ، ومن استشعر حب الدنيا أخرجه حبها ~~من حقيقة الدين . وقد قال بعض العلماء : ما كنا نعد إيمان من لم يؤذ فيحتمل ~~الأذى ويصبر عليه إيمانا وقد فعل الله تعالى ذلك بالمؤمنين اختبارا وأخبر ~~أن ذلك ليس منه عذابا وإنما هو فتنة لمن أراد فتنته وبلاءه من الناس ، فصار ~~ذلك فتنة عليهم وابتلاء لهم وصار رحمة PageV01P327 للمؤذي وخيرا في قوله ~~تعالى : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس ~~كعذاب الله ) العنكبوت : 10 له ، يعني فتنة الناس به كعذاب الله تعالى يعني ~~إياه أي ليس ذلك عذابا مني إنما هو رحمة باطنة فهو كقوله تعالى : ( وأما ~~إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ) ( كلا ) سورة الفجر : 16 - ~~17 أي لم أهنك بالفقر كما لم أكرم الآخر بالإكرام والتنعيم وعلى معنى هذا ~~خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر الذي أمره به فقال تعالى : ( اصبر على ~~ما يقولون واذكر عبدنا داود ) ص : 17 فسلاه به وفضله عليه . وقد روينا في ~~خبر : يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله تعالى جزاء الشاكرين ويؤتى بأصبر ~~أهل الأرض فيقال له : أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر ؟ فيقول : نعم ~~يا رب فيقول ms0443 الله تعالى : كما أنعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت لأضعفن لك ~~الأجر عليه فيعطي أضعاف جزاء الشاكرين ، وكتب ابن أبي نجيح يعزي بعض ~~الخلفاء فقال في كتابه : إن أحق من عرف حق الله فيما أخذ منه من عظم حق ~~الله تعالى عنده فيما أبقى ، واعلم أن الماضي قبلك هو الباقي لك والباقي ~~بعدك هو المأجور فيك ، واعلم أن أجر الصابرين فيما يصابون فيه أعظم من ~~النعمة عليهم فيما يعافون به ، وفي الأخبار : ما من عبد إلا يعطى أجره ~~بحساب وحد إلا الصابرين فإنهم يجازفون مجازفة بغير ميزان ولا حد ، وجاء في ~~الخبر أن أبواب الجنة مصراعان يأتي عليها زحام كثير إلا باب الصبر فإنه ~~مصراع واحد لا يدخل منه إلا الصابرون أهل البلاء في الدنيا ، واحد بعد واحد ~~. وقد قال الله تعالى في جزاء المخلصين : ( أولئك لهم رزق معلوم ) الصافات ~~: 41 ، وقال تعالى في جزاء الصابرين ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ~~) الزمر : 10 ، قيل في التفسير : يغرف لهم غرفا ، المعنى في ذلك أن الصبر ~~أشق شيء على النفس وأكرهه وأمره على الطبع وأصعبه فيه الألم والكظم عند ~~الذل والحلم ومنه التواضع والكتم وفيه الأدب وحسن الخلق وبه يكون كف الأذى ~~عن الخلق واحتمال الأذى من الخلق ، وهذه من عزائم الأمور التي يضيق منها ~~أكثر الصدور وفيه إكراه النفوس وحملها على الشدة والبؤس ، وقد جاء أفضل ~~الأعمال ما أكرهت عليه النفوس ، ولأجل ذلك اشترط الله تعالى على المتقين ~~والصادقين الصبر في الشدائد والمكاره وحقق بالصبر صدقهم وتقواهم وأكمل به ~~وصفهم وأعمال برهم فقال تعالى : ( والصابرين في البأساء والضراء وحين الباس ~~أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) البقرة : 177 ، فمعنى الصبر حبس ~~النفس عن السعي في هواها وحبسها أيضا عن مجاهدتها لمرضاة مولاها بمثل ما ~~يوجب المجاهدة على قدر ما يبتلي به العبد لأن المجاهدة على قدر البلاء ~~والحبس عن نحو الشرود وحبسها على دوام الطاعة وصبرها عن شره الطبع الذي ~~يظهر سوء الأدب بين يدي الرب سبحانه وتعالى وصبرها على حسن ms0444 الأدب في ~~المعاملة ، ثم يتفرع الصبر إلى معان شتى : من الصبر عن تفاوت الأهواء ~~والصبر على الثبات PageV01P328 في خدمة المولى فمن ذلك ما توجب المجاهدة ~~صرف الهمة عنه وتطهير القلب منه من خطرات الهوى ونزعات الأعداء وتزيين ~~الدنيا ، ومن الآفات ما يوجب الصبر كف الجوارح عنها وحبس النفس عن المشي ~~فيها ، ومن الصبر حبس النفس على الحق وعكوفها عليه بمعاملة اللسان والقلب ~~والجسم ، وبذلك ؛ وصف الله تعالى المؤمنين الذين يعملون الصالحات واشترط ~~لصلاح أعمالهم الصبر وأخبر أن الناس كلهم في خسران إلا من كان من أهل الحق ~~والصبر وعظم الصبر فأفرده بإعادة التواصي به ، ومن الصبر حبس النفس على ~~عبادة الخالق سبحانه وتعالى ، وصبرها على القناعة وعلى صنع الرازق ، ومن ~~الصبر كف الأذى عن الخلق ، وهو مقام العادلين يدخل في قوله تعالى : ( إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان ) النحل : 90 ، ثم احتمال الأذى عن الخلق وهو ~~مقام المحسنين يدخل في قوله : والإحسان ، ومن الصبر الصبر على الإنفاق ~~وإعطاء أهل الحقوق حقوقهم الأقرب فالأقرب وهذا مقام المنفقين يدخل في قوله ~~تعالى : ( وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم ~~تذكرون ) النحل : 90 ومنه الصبر على الفحشاء وهو الأمر الفاحش في العلم ~~والإيمان والصر عن المنكر وهو ما أنكره العلماد ، والصبر عن البغي وهو ~~التطاول والغلو ومجاوزة الحد بالكبر والإسراف في أمور الدنيا ، فهذه الآية ~~كلها جامعة لمعنى الصبر وهي قطب القرآن ، ثلاث منها وهي الأول الصبر على ~~العدل والإحسان والإعطاء ، وثلاث منها الصبر عن الفحشاء والمنكر والبغي . ~~وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : أجمع آية في كتاب الله عز وجل لأمر ~~ونهي هذه الاية ، وقال الله تعالى : ( ونعم أجر العاملين ) آل عمران : 136 ~~الذين صبروا فما أنعم أجرهم حتى وصفهم بالصبر وما أكرم رزقهم ووصفهم حتى ~~مدحهم بالصبر ، والصبر يحتاج إليه قبل العلم ، ومعه وبعده ، يحتاج في أول ~~العمل أن يصبر على تصحيح النية وعزم العقود والوفاء بها حتى تصح الأعمال ~~لأن النبي عليه السلام قال : إنما الأعمال بالنيات ms0445 ولكل امرئ ما نوى ، وقال ~~الله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) البينة : 5 ، ~~وحقيقة النية الإخلاص ولأن الله تعالى قدم الصبر على العمل فقال تعالى : ( ~~إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ) هود : 11 ، ~~والصبر : التأني في العمل حتى يتم ويعمل لقوله تعالى : ( ونعم أجر العاملين ~~) آل عمران : 136 الذين صبروا ، والصبر بعد العمل هو الصبر على كتمه وترك ~~التظاهر به والنظر إليه ليخلص من السمعة والعجب فيكمل ثوابه كما خلص من ~~الرياء ، كما قال الله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم ) محمد : 33 وقال تعالى في مثله : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى ) البقرة : 264 ، وقال بعض السلف لا يتم المعروف إلا بثلاث : تعجيله ~~، وتصغيره ، وكتمه ، ومن الصبر حبس النفس PageV01P329 عن المكافأة والصبر ~~على الأذى توكلا على المولى عز وجل ، ومنه قوله تعالى : ( ولنصبرن على ما ~~آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) إبراهيم : 12 وهذا صبر الخصوص ومنه ~~قال بعض أهل المعرفة : لا يثبت للعبد مقام في التوكل حتى يؤذى ويصبر على ~~الأذى ، وقد ذكر الله تعالى ذلك في قوله عز وجل : ( ودع أزاهم وتوكل على ~~الله ) الأحزاب : 48 ، وفي قوله تعالى : ( فاتخذه وكيلا ) ( واصبر على ما ~~يقولون ) المزمل : 9 - 10 وهذا هو أول الرضا ، والمقام الثاني من الرضا : ~~هو الصبر على الأحكام وهو صبر أهل البلاء الأمثل فالأمثل بالأنبياء لقوله : ~~نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل ، ولقوله تعالى في ~~المجمل : ( ولربك فاصبر ) PageV01P330 المدثر : 7 ، ثم فسره في الكلام ~~المفسر ، وأصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ، ومن الصبر حبس النفس على التقوى ، ~~والتقوى اسم جامع لكل خير ، فالصبر معنى داخل في كل بر فإذا جمعهما العبد ~~فهو من المحسنين وما على المحسنين من سبيل ، ومنه قوله تعالى : ( إنه من ~~يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) يوسف : 90 وقال تعالى : ( ~~لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن ~~الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا ms0446 فإن ذلك من عزم الأمور ) آل ~~عمران : 186 أي إن تصبروا على الأذى عن المكافأة وتتقوا عند الابتلاء ~~والمكاره ولا تجاوزوا فإنه أفضل كما قال تعالى : ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ~~ما عوقتتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) النحل : 126 ، وقوله تعالى : ( ~~ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ) الشورى : 41 ثم قال عز وجل ~~: ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) الشورى : 43 ، قال : فالأول ~~أعني المكافأة والانتصار بالحق من العدل والعدل حسن ، والثاني أعني العفو ~~والصبر من الفضل وهو الإحسان وهذا مجاز قوله تعالى : ( الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ) الزمر : ~~18 ، فاستماع القول هو العدل والعدل حسن وهو الانتصار والعفو أحسن وفيه ~~المدح بالهدى والعقل ، وهذا هو مقام المخبتين قيل : هم الذين لا يظلمون ~~وإذا ظلموا لم ينتصروا فالمدح بالوصف لأهل هذا المقام هو الإخبات وهو ~~الخشوع والطمأنينة بحسن الجزاء من الله سبحانه وتعالى في الآخرة لقرب ~~اللقاء وسرعة فناء الدنيا أمدح كما قال تعالى : ( وإن الساعة لآتية فاصفح ~~الصفح الجميل ) الحجر : 85 ، والتقوى والصبر معينان أحدهما منوط بالآخر لا ~~يتم كل واحد منهما إلا بصاحبه فمن كانت التقوى مقامه كان الصبر حاله فصار ~~الصبر أفضل الأحوال من حيث كان التقوى أعلى المقامات إذ الأتقى هو الأكرم ~~عند الله تعالى ، والأكرم على الله تعالى هو الأفضل ، وقد شرف الله تعالى ~~الصبر بأن أضافه إليه بعد الأمر به فقال : ( واصبر وما صبرك إلا بالله ) ~~النحل : 127 وقال تعالى : ( ولربك فاصبر ) المدثر : 7 وإن كان كل شيء به ~~وكل عمل صالح له ولا يصف الله تعالى عبدا ولا يثني عليه حتى يبتليه فإن صبر ~~وخرج من البلاء سليما مدحه ووصفه وإلا بين له كذبه ودعواه ، وقيل لسفيان ~~الثوري رضي الله عنه : ما أفضل الأعمال قال الصبر عند الابتلاء . وقال بعض ~~العلماء : وأي شيء أفضل من الصبر وقد ذكره الله تعالى في كتابه في نيف ~~وتسعين موضعا ولا نعلم شيئا ms0447 ذكره الله تعالى هذا العدد إلا الصبر فلا يطمعن ~~طامع في مدح الله له وحسن ثنائه عليه قبل أن يبتليه فيصبر له ولا يطمعن أحد ~~في حقيقة الإيمان وحسن اليقين قبل أن يمدحه الله تعالى ويثني عليه ، ولو ~~أظهر الله تعالى على جوارحه سائر الأعمال ثم لم يمدحه بوصف ولم يثن عليه ~~بخير لم يؤمن عليه سوء الخاتمة ، وذلك أن من أخلاق الله تعالى أنه إذا أحب ~~عبدا ورضي عمله مدحه ووصفه ، فمن ابتلاه بكراهة ومشقة أو بهوى وشهوة فصبر ~~لذلك أو صبر عن ذلك ، فإن الله تعالى يمدحه ويثني عليه بكرمه وجوده فيدخل ~~هذا العبد في أسماء الموصوفين ويصير واحدا من الممدوحين فعندها يثبت قدمه ~~من الزلل ويخت له بما سبق من صالح العمل ، ومن الصبر ، صبر على العوافي أن ~~لا يجريها في المخالفة والصبر على الغنى أن لا يبذله في الهوى ، والصبر على ~~النعمة أن لا يستعين بها على معصية ، فحاجة المؤمن إلى الصبر في هذه ~~المعاني ومطالبته بالصبر عليها كحاجته ومطالبته بالصبر على المكاره والفقر ~~وعلى الشدائد والضر ، ويقال : إن البلاء والفقر يصبر عليهما المؤمن ~~والعوافي لا يصبر فيها إلا صديق ، وكان سهل يقول : الصبر على العافية أشد ~~من الصبر على البلاء ، وكذلك قالت الصحابة رضي الله عنهم : لما فتحت الدنيا ~~فنالوا من العيش واتسعوا ابتلينا بفتنة الضراء فصبرنا وابتلينا بفتنة ~~السراء فلم نصبر فعظموا الاختبار بالسراء وهو ما سر على الاختبار بالضراء ~~وهو ما ضر . وقد قال تعالى : ( الذين ينفقون في السراء والضراء ) آل عمران ~~: 134 فمدحهم بوصف واحد في الحالين المختلفين لحسن يقينهم وسخاوة نفوسهم ~~وحقيقة زهدهم ، ومن هذا المعنى قول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا ~~تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ) المنافقون : 9 لأن فيهما ما يسر ~~ويشغل عن الذكر ، ثم قال عز وجل : ( إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم ) التغابن : 14 لأن في الأواج والأولاد ما يفرح به فيوافق فيه ~~الهوى ويخالف بوجودهما المولى فصار ا عدوين في العقبى ms0448 لما يؤول إليه من ~~شأنهما ، ومن هذا الخبر الذي روى عن النبي لما نظر إلى ابنه الحسن يتعثر في ~~قميصه فنزل عن المنبر واحتضنه ثم قال صدق الله : ( إنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة ) التغابن : 15 أي لما رأيت ابني هذا لم أملك نفسي أن أخذته ، ففي هذا ~~عبرة لأولي الأبصار ، وروي عنه في الحديث أيضا : الولد محزنة مبخلة مجبنة ، ~~فهذه مصادر الحزن والبخل والجبن أي يحمل حب الأولاد والأموال على ذلك ، فمن ~~صبر على السراء وهي العوافي والغنى والأولاد وغير ذلك وأخذ الأشياء من حقها ~~ووضعها في حقها فهو من الصابرين الشاكرين لا يزيد PageV01P331 عليه أهل ~~البلاء والفقر إلا بحقيقة الرضا والشكر ، وقد جمع الله تعالى بين ما سر وضر ~~وجعلهما من وصف المتقين ومدحهم بالإحسان معهما فقال تعالى : ( أعدت للمتقين ~~) ( الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ~~والله يحب المحسنين ) آل عمران : 133 - 134 ، ومن الصبر كتمان المصائب ~~والأوجاع وترك الاستراحة إلى الشكوى بهما فذلك هو الصبر الجميل قيل : هو ~~الذي لا شكوى فيه ولا إظهار . وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما : الصبر ~~في القرآن على ثلاثة أوجه : صبر على أداء الفرائض لله تعالى ، وصبر عن ~~محارم الله تعالى ، وصبر في المصيبة عند الصدمة الأولى ، فمن صبر على أداء ~~فرائض الله تعالى فله ثلاثمائة درجة ، ومن صبر على محارم الله تعالى فله ~~ستمائة درجة ، ومن صبر في المصيبة عند الصدمة الأولى فله تسعمائة درجة ، ~~وهذا يحتاج إلى تفسير ، ولم يفضل ابن عباس الصبر على المصيبة لأنه أفضل من ~~الصبر عن المحارم وعلى الفرائض بل لأن الصبر على ذينك من أحوال المسلمين ~~والصبر على المصيبة من مقامات اليقين وإنما فضل المقام في اليقين على مقام ~~الإسلام ومن ذلك ما روي من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : أسألك من ~~اليقين ما تهون به علي مصائب الدنيا ، فأحسن الناس صبرا عند المصائب أكثرهم ~~يقينا وأكثر الناس جزعا وسخطا في المصائب أقلهم يقينا ، ومثل هذا الخبر ~~الذي رويناه عن ms0449 سلمة بن وردان عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : من ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة ، ومن ترك المراء ~~وهو مبطل بني له في وسط الجنة ، ومن ترك الكذب بني له في ربض الجنة ، فقد ~~علمت أن ترك الكذب وترك المراء مبطلا أفرض وأوجب فينبغي أن يكون أفضل ، ~~ولكن المعنى فيه أن الكذب والمراء بالباطل يتركه المسلمون ، فأما المراء ~~والعبد محق صادق ثم لا يماري زهدا في التظاهر ورغبة في الصمت والسلامة فلا ~~يصبر على هذا إلا الموقنون وهم خصوص المؤمنين ، فمقامه من اليقين ، والزهد ~~وإيثار الخمول والصمت على الكلام والشهوة به أفضل وهو من اليقين فصار هذا ~~المؤمن بمقامه أفضل من عموم المؤمنين الذين يتركون الكذب والمماراة وإن ~~كانا أفرض وأوجب فهذا بيان ذلك معناه ، ومن الصبر إخفاء أعمال البر ومنع ~~النفس الفكاهة والتمتع بذكرها وإخفاء المعروف والصدقات فإن كتمه من الأدب ~~مع السلامة في الإعلان وبرء الساحة في الإخبار ولكن إخفاؤه أفضل وأزكى وأحب ~~إلى الله تعالى بل هي من كنوز البر أعني هذه الثلاثة إخفاء الأوجاع ~~والمصائب والصدقة أي من الذخائر النفيسة عند تبارك وتعالى ، ومن الصبر صون ~~الفقر وإخفاؤه ، والصبر على بلاء الله تعالى في طوارق الفاقات ، وهذا حال ~~الزاهدين الراضين وأفضل الصبر : الصبر على الله تعالى بالمجالسة له ~~والإصغاء إليه وعكوف الهم وقوة الوجد به ، وهذا خصوص للمقربين أو حياء منه ~~أو حبا PageV01P332 له أو تسليما أو تفويضا إليه وهو السكون تحت جريان ~~الأقدار وشهودها من الأنعام ، ومن حسن تدبير الأقسام في شهود المسألة ~~والحكمة فيها والقصد بالابتلاء بها وهو داخل في قوله تعالى : ( ولربك فاصبر ~~) المدثر : 7 ، وفي قوله تعالى : ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) الطور : ~~48 وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وغيره من الأئمة : أصبحت وما لي ~~سرور إلا في مواضع القدر ، وروي أيضا إلا انتظار القضاء ، ويقال : من علامة ~~اليقين تسليم القضاء بحسن الصبر والرضا ، وهو مقام العارفين ، وقال سهل ms0450 في ~~تأويل قول علي رضي الله عنه : إن الله تعالى يحب كل عبد نومة قال : هو ~~الساكن تحت جريان الأحكام يعني من غير كراهة ، ولا اعتراض ، فأما اشتراط ~~الصبر في المصيبة عند الصدمة الأولى في قول النبي صلى الله عليه وسلم : ~~إنما الصبر عند الصدمة الأولى فلأنه يقال : إن كل شيء يبدو صغيرا ثم يكبر ~~إلا المصيبة ، فإنها تبدو كبيرة ثم تصغر ، فاشترط لعظم الثواب لها عند أول ~~كبرها قبل صغرها وهي في صدمة القلب أول ما يبغته الشيء ، فينظر إلى نظر ~~الله تعالى فيستحي فيحسن الصبر كما قال : فإنك بأعيننا وهذا مقام المتوكلين ~~على الله تعالى ، والصبر أيضا عن إظهار الكرامات وعن الإخبار بكشف القدرة ~~والآيات داخل في حسن الأدب من المعاملات ، وهو من معنى الحياء من الله ~~تعالى ، وهذا طريق المحبين لله تعالى وهو حقيقة الزهد ، ومن فضائل الصبر ~~حبس النفس عن حب المدح والحمد والرياسة . وروينا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حديثا مقطوعا : الصبر في ثلاث ، الصبر في تزكية النفس ، والصبر ~~عن شكوى المصيبة ، والصبر على الرضا بقضاء الله تعالى على خيره وشره ، ومن ~~الصبر حبس النفس عن الخمول والتواضع والذلة إيثارا للآخرة على الدنيا وهربا ~~إلى الله تعالى وتحققا بوصف العبودية وترك المنازعة والتشبه بمعاني أوصاف ~~الربوبية تسليما للإلهية واستسلاما للأحدية فلا يخرجك قلة الصبرعن ذلك إلى ~~الطلب بشيء منه فتزل قدم بعد ثبوتها نعوذ بالله من ذلك ، ومن الصبر صبر على ~~العيال في الكسب لهم والإنفاق عليهم والاحتمال للأذى منهم ، فإن في العيال ~~طرقات إلى الله تعالى أدناها الإهتمام بهم ، وأعلاها الرضا عن الله تعالى ~~والتوكل عليه فيهم ، وأوسطها الإنفاق وحبس الإنفاق وحبس النفس عليهم ، ~~واعلم أن أكثر معاصي العباد في شيئين : قلة الصبر عما يحبون ، أو قلة الصبر ~~على ما يكرهون ، وقد قرن الله تعالى الكراهة بالخير والمحبة بالشر في قوله ~~تعالى : ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ~~) البقرة : 216 وحد الصبر وهو أوله ms0451 فريضة بمثل أول الإخلاص ، والصبر أيضا ~~حيلة من لا حيلة له لأن الأمر إذا كان بيد غيرك لم يكن إلا الصبر عليه ولأن ~~الشيء إذا كان لا يأتيك إلا قليلا قليلا وأنت محتاج إليه لم يكن إلا الصبر ~~عليه وإلا انقطع ذلك القليل ، PageV01P333 وأصل قلة الصبر ضعف اليقين بحسن ~~جزاء من صبرت له لأنه لو قوي يقينه كان الأجل من الوعد عاجلا إذا كان ~~الواعد صادقا فيحسن صبره لقوة الثقة بالعطاء ولا يصبر العبد إلا بأحد ~~معنيين مشاهدة العوض وهو أدناهما ، وهذا حال المؤمنين ومقام أصحاب اليمين ~~أو النظر إلى المعوض وهو حال الموقنين ومقام المقربين ، فمن شهد العوض عني ~~بالصبر ، ومن نظر إلى المعوض حمله النظر وقد جعل بعض العارفين الصبر على ~~ثلاثة معان ، وإنه في أهل مقامات ثلاث ، فقال : أوله ترك الشكوى قال وهذه ~~درجة التائبين ، والثانية الرضا بالمقدور وهذه درجة الزاهدين ، والثالثة ~~المحبة لما يصنع به مولاه وهذه درجة الصادقين وقد نوع القدماء من السلف ~~الصبر على ثلاثة أنواع . وروينا عن الحسن وغيره : الصبر على ثلاثة معان صبر ~~عن المعصية وهو أفضلها ، وصبر على الطاعة ، وصبر في المصائب ، وهذا داخل في ~~جمل ما فرقناه من معاني الصبر ، ومجمل ذلك أن الصبر فرض وفضل يعرف ذلك ~~بمعرفة الأحكام ، فما كان أمرا أو إيجابا فالصبر عليه أو عنه فرض ، وما كان ~~حثا وندبا فالصبر عليه أو عنه فضل والتصبر غير الصبر وهو مجاهدة النفس ~~وحملها على الصبر وترغيبها فيه وهو التعمل للصبر والتصنع للصبور بمنزلة ~~التزهد ، وهو أن يعمل في أسباب الزهد ليحصل الزهد والصبر ، هو التحقق ~~بالوصف وذلك هو المقام ، ولا يخرج العبد من الصبر كراهة النفس ولا وجدان ~~المرارة والألم بل يكون مع ذلك صابرا لأن هذا وصف البشرية لما ينافي طبعها ~~، ولكن يكون حاله الكظم عن الشكوى ونفي السخط لحكم المولى لأن عدم ذلك ~~وفقده هو الرضا وحقيقة التوكل ، وهذان من أعلى مقامات اليقين ، وفقد مراتب ~~اليقين لا يخرج عن حد الصبر والذي يخرج عن حد ms0452 الصبر ضده وهو الجزع ومجاوزة ~~الحد من السعلم وإظهار السخط وكثرة الشكوى وظهور الذم والتبرم ، ومن رياضة ~~النفس على التصبر وهو مقام المتصبرين وحال ضعفاء المريدين أن النفس الأمارة ~~إذا جنحت بك إلى فضول الشهوات أو نازعتك إلى مطالبة متقدم العادات أن ~~تمنعها حاجتها من كل شيء فيشغلها منع الحاجة ووجود الفاقة مما لا بد منه عن ~~طلب فضول الشهوات فإذا رضتها بالمنع ومنعتها محبوبها بالتصبر عن الحلال ~~انقادت لك بالصبر عن فضول الشهوات فتكون تاركة لشهوة بعوض عاجل من مباح ~~وتكون صابرة عن فضول شهوة لما منعتها من منال الفاقة وتاركة للهوى طمعا في ~~نوال الحاجة من الغذاء وهذا من أكبر أبواب الرياضات للنفوس الطامحات وفيه ~~فضل الأقوياء من المتصبرين الذين لم تستجب لهم نفوسهم بالصبر والصلاة ولم ~~تنقد بالجوع والظماء ، فأما الضعفاء من أهل الطبقة الثالثة لا من الأولين ~~أهل الصوم والصلاة ولا من هؤلاء فإنهم لا يصبرون على تصبر النفس عن الحاجة ~~كما لا تصبر نفوسهم عن الشهوة فرياضة هؤلاء لنفوسهم أن يقطعوها من كل حرام ~~معناه من الحلال ومن كل شهوة مهلكة PageV01P334 وصفها من شهوة مقتصدة لتسكن ~~نفوسهم بذلك في حبسها عن المحرمات وتنقطع شهوتها عما وراء ذلك من الموبقات ~~فبهذا تطمئن نفوس الضعفاء ، وقد أختلف الناس في الصبر والشكر أيهما أفضل ~~وليس يمكن الترجيح بين مقامين لأن في كل مقام طبقة متفاوتين ، والمحققون من ~~أهل المعرفة يقولون إنه لا يجتمع عبدان في مقام بالسواء بل لا بد من أن ~~يكون أحدهما أعلى بعلم أو عمل أو وجد أو مشاهدة وإن كان الصواب والقصد ~~والأصل واحدا وأعلى التفاوت مشاهدات الوجه . وقد قال الله تعالى : ( ومن ~~أصدق من الله حديثا ) النساء : 87 ولكل وجهة هو موليها ، وقال تعالى : ( قل ~~كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم يمن هو أهدى سبيلا ) الإسراء : 84 ، قيل : ~~أقصد وأقرب طريقا ، وظاهر الكتاب والسنة يدلان على تفضيل الصبر لقوله تعالى ~~: ( يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) القصص : 54 فالشاكر يؤتى أجره مرة فأشبه ~~مقام ms0453 الصبر مقام الخوف وأشبه مقام الشكر مقام الرجاء ، وقد قال الله تعالى ~~: ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) الرحمن : 46 ، وقد اتفق أهل المعرفة على ~~تفضيل الخوف على الرجاء من حيث اتفقوا على فضل العلم على العمل ، فالصبر ~~حال من مقام الخوف فقرب حال الصابر في الفضل من مقامه والشكر حال من مقام ~~الرجاء كذلك يقرب حال الشاكر من مقامه ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم ~~في الخبر الذي ذكرناه من قبل : من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن ~~أعطي حظه منهما لم يبال ما فاته وذكر الحديث المتقدم فقرن الصبر باليقين ~~الذي لا شيء أعز منه ولا أجل وارتفاع الأعمال وعلو اليقين به ، وفي مناجاة ~~أيوب عليه السلام : إن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه : يا أيوب إني آليت ~~على نفسي لا نشرت للصابرين ديوان توبيخ ولا نظروا إلى حد الصراط ولا أروعهم ~~نقص الميزان دارهم دار السلام . # | بيان آخر من تفضيل الصبر # الصبر : حال البلاء ، والشكر : حال النعمة والبلاء أفضل لأنه على النفس ~~أشق لقول الله تعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) الزمر : 10 ~~، فالشاكر يوفي أجره بحساب لأن إنما تحقيق للوصف ونفي ما عداه . # | بيان آخر من فضل الصبر # قد رفع علي كرم الله وجهه الصبر على أربع مقامات اليقين وجعلها دعائمه ~~التي بها يستبين وجعله فيه فوقها فقال في حديثه الطويل الذي وصف فيه شعب ~~الإيمان : والصبر على أربع دعائم : على الشوق ، والشفقة ، والزهد ، والترقب ~~، فمن أشفق من النار رجع عن المحرمات ، ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ~~، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ، ومن ارتقب الموت سارع إلى ~~الخيرات ، فجعل هذه المقامات أركان الصبر لأنها توجد عنه وتحتاج إليه في ~~جميعها وجعل الزهد أحد أركانه ، وقد جعل الله تعالى PageV01P335 الصبر حال ~~التقوى ورفع للمتقين في الإكرام درجات ، فقال عز وعلا : ( إنه من يتق ويصبر ~~) يوسف : 90 وقال تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات : 13 ، ~~فأكرم وأتقى فوق أن يقال كرامكم المتقون ms0454 لأن أكرم وأتقى يدل على تفاوت ، ~~فمن كان أتقى كان أكرم عند الله سبحانه وتعالى ، ومن كان أصبر على ما يوجب ~~التقوى كان أتقى ، وأعلم أن الصبر سبب دخول الجنة وسبب النجاة من النار ~~لأنه جاء في الخبر : خفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات فيحتاة المؤمن ~~إلى الصبر على المكاره ليدخل الجنة ويحتاج إلى الصبر عن الشهوات لينجو من ~~النار ، فأما تفصيل التفضيل فعلى ثلاثة أوجه ، أحدها : أن المقامات أعلى من ~~الأحوال ، وقد يكون الصبر والشكر حالين ، وقد يكونان مقامين ، فمن كان ~~مقامه الصبر كان حاله الشكر عليه فهو أفضل لأنه صاحب مقام ، ومن كان مقامه ~~الشكر كان حاله الصبر عليه فحاله مزيد لمقامه فقد صار الصبر مزيدا للشاكر ~~في مقامه ، الوجه الثاني من التفضيل : المقربون أعلى من أصحاب اليمين ~~فالصابرون من المقربين أفضل من الشاكرين من أصحاب اليمين والشاكرون من ~~المقربين أفضل من الصابرين من أصحاب اليمين فإن قيل : فإن كان الشاكر ~~والصابر من المقربين فيهما أفضل قيل : فقد قلنا إن اثنين لا يتفقان في مقام ~~من كل وجه لانفراد الوجه بمعاني لطائف اللطيف بمثل ما انفردت الوجوه بلطيف ~~الصنعة مع تشابه الصفات واستواء الأدوات ، فأفضلهما حينئذ أعرفهما لأنه ~~أحبهما إلى الله تعالى وأقربهما منه وأحسنهما يقينا لأن اليقين أعز ما أنزل ~~الله تعالى . # | وجه آخر من بيان التفضيل # نقول : إن الصبر عما يوجب الشكر أفضل وإن الشكر على ما يوجب الصبر أفضل ، ~~فقد يختلف باختلاف الأحوال تفسيره أن الصبر عن حظ النفس وعن التنعم والترفه ~~أفضل إن كان عبدا حاله النعمة فالصبر عن النعيم والغنى مقام في المعرفة وهو ~~أفضل لأن فيه الزهد المجمع على تفضيله ، ونقول إن الشكر على الفقر والبلاء ~~والمصائب أفضل إن كان عبدا حاله الجهد والبلاء فالشكر عليه مقام له في ~~المعرفة فهو حينئذ أفضل لأن فيه الرضا المتفق على فضله . # | نوع آخر من الاستدلال على فضل الصابر وتفضيل الصبر جملة # الصابر العارف أفضل من الشاكر العارف لأن الصبر حال الفقر والشكر حال ~~الغنى ms0455 ، فمن فضل الشكر على الصبر في المعنى فكأنه قد فضل الغنى على الفقر ، ~~وليس هذا مذهب أحد من القدماء إنما هذه طريقة علماء الدنيا طرقوا لنفوسهم ~~بذلك وطرقوا الخلق إلى نفوسهم من ذلك ، فإن من فضل الغنى على الفقر فقد فضل ~~الرغبة على الزهد والعز على الذل والكبر على التواضع ، وفي هذا تفضيل ~~الراغبين والأغنياء على الزاهدين PageV01P336 والفقراء ، ويخرج ذلك إلى ~~تفضيل أبناء الدنيا على أبناء الآخرة : وإنما فضلنا الصبر على الشكر في ~~الجملة والمعنى ، لأن الصبر حال من مقامه البلاء ، وأهل البلاء هم الأمثل ~~فالأمثل بالأنبياء ولأن الصبر أبعد من أهواء النفوس وأقرب إلى الضر والبؤس ~~وأشد في مكاره النفوس وأنفر لطباعها وأشد مباينة لما يلائمها فإذا سكنت معه ~~وجد عندها كان أعجز لوصفها وأعجب في طمأنينتها فمدحت بالسكون والطمأنينة ~~وكانت راضية مرضية ، وأيضا فإن الله تعالى أمر بالصبر وبالغ فيه بالمصابرة ~~ووكدهما بالمرابطة في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ~~ورابطوا ) آل عمران : 200 ، قيل : في أحد الوجوه رابطوا عليهما فهذه ثلاثة ~~أمور في مكان واحد بمعنى الصبر ، فهذا يدل على تعظيمه للصبر ومحبته تعالى ~~فمن وجد منه ذلك كان أشد تعظيما لشعائر الله عز وجل ، ومن عظم شعائر الله ~~فهو أتقى لله تعالى ، ومن كان أتقى لله كان أكرم على الله لقوله تعالى : ( ~~ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) الحج : 32 ، ثم قال تعالى : ( ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات : 13 ، والصبر أيضا مقام أولي العزم ~~من الرسل الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقدوة بهم وباهى الله تعالى ~~بهم عبده فقال تعالى : ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) الأحقاف : 35 ~~وأيضا فإن العزائم في الدين أولى من الرخص . روينا عن سفيان الثوري رضي ~~الله عنه عن حبيب بن أبي ثابت قال : سئل مسلم البطين : أيما أفضل الصبر أم ~~الشكر ؟ فقال : الصبر والشكر والعافية أحب إلينا ، وقد قيل في معنى قوله ~~تعالى : ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) الزمر : 18 قيل : شدائده ms0456 ~~وعزائمه لأن إباحة حلال الدنيا حسن والزهد فيه أحسن ، وقد جعل الله تعالى ~~الصبر من العزائم في قوله : ( وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) ~~آل عمران : 186 ، وقد شرك الله تعالى عباده في الشكر وأفرد عز وجل لنفسه ~~تعالى الصبر فينبغي أن يكون المفرد للمفرد أعلى من المشترك بالعبد فقال ~~تعالى : ( أن اشكر لي ولوالديك ) لقمان : 14 وقال تعالى على لسان نبيه : من ~~لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل ولم يشرك في الصبر من خلقه أحدا ، فقال ~~تعالى : ( ولربك فاصبر ) المدثر : 7 ، وقال : واصبر لحكم ربك واعلم أن ~~الشكر داخل في الصبر والصبر جامع للشكر ، لأن من صبر أن لا يعصي الله بنعمة ~~فقد شكرها ومن أطاع الله فصبر نفسه على طاعته فقد شكر نعمته ، وقد سئل ~~الجنيد رحمه الله عن غني شاكر وفقير صابر أيهما أفضل ؟ فقال : ليس مدح ~~الغني للوجود ولا مدح الفقير للعدم إنما المدح في الاثنين قيامهما بشروط ما ~~عليهما ، فشرط الغني يصحبه فيما عليه أشياء تلائم صفته وتمتعها وتلذها ، ~~والفقير يصحبه فيما عليه أشياء تؤلم صفته وتقبضها وتزعجها ، فإذا كان ~~الاثنان قائمين لله تعالى بشروط ما عليهما كان الذي آلم صفته وأزعجها أتم ~~حالا ممن متع صفته ونعمها ، هذا نقل كلام الجنيد رحمه الله PageV01P337 ~~تعالى ، وكان أبو العباس بن عطاء قد خالفه في ذلك فيقال : إن الجنيد دعا ~~عليه فلحقه ما أصابه من البلاء منه ، قتل أولاده ، وإتلاف ماله ، وزوال ~~عقله أربع عشرة سنة ، فكان يقول : دعوة الجنيد أصابتني ، ورجع عن قوله في ~~تفضيل الغنى على الفقر ، فصار يفضل الفقر ويشرفه ، وأيضا فقد روينا في ~~الخبر : أعرفكم بنفسه أعرفكم بما ابتلاه به منها وما ابتلاها به منه فأعظم ~~ما ابتلانا به محبتنا بها وابتلاها بعدواتنا ، فمن أفضل ممن صبر على مجاهدة ~~عدوه على أنه مع ذلك عدو الله تعالى منازع لصفات الربوبية ، ومن أشد بلاء ~~ممن ابتلي بعداوتك وبتليت بمحبته وأنت في ذلك تترك محبته لمحبة الله تعالى ~~وتصبر على عداوته ms0457 بدوام مجاهدته لمرضاة الله تعالى ، فهذا أعدل العدل وأفضل ~~الفضل ولا سبيل إلى ذلك إلا بفضل أثرة من الله تعالى وحسن عنايته ودوام ~~نظره إذ لا توفيق ولا قوة ولا صبر إلا به سبحانه وتعالى ، فأما المسألة ~~التي سئل عنها بعض القدماء عن عبدين ابتلي أحدهما فصبر وأنعم على الآخر ~~فشكر ، فقال : كلاهما سواء قال : لأن الله تعالى أثنى على عبدين أحدهما ~~صابر والآخر شاكر بثناء واحد ، فقال تعالى في وصف أيوب عليه السلام : ( نعم ~~العبد إنه أواب ) ص : 30 وقال في وصف سليمان عليه السلام : ( نعم العبد إنه ~~أواب ) ص : 30 ، ففي قول هذا رحمه الله غفلة عن لطائف الأفهام وذهاب عن ~~حقيقة تدبر الكلام إذ عندنا بين ثناء الله عز وجل على أيوب في الفضل على ~~ثنائه على سليمان عليهما السلام ثلاثة عشر معنى ، وشركه سليمان عليه السلام ~~بعد ذلك في وصفين آخرين وإفراد أيوب عليه السلام بفضل ثناء ثلاثة عشر معنى ~~، أول ذلك قوله عز وجل في أول مدحه : ( واذكر ) ص : 41 فهذه كلمة مباهاة ~~باهى بأيوب عند رسوله المصطفى عليه السلام وشرفه وفضله بقوله تعالى : ( ~~واذكر ) ص : 41 يا محمد فأمره بذكره والاقتداء به كقوله تعالى : ( فاصبر ~~كما صبر أولوا العزم من الرسل ) الأحقاف : 35 ، قيل : هم أهل الشداء ~~والبلاء منهم أيوب عليه السلام قرضوا بالمقاريض ونشروا بالمناشير وكانوا ~~سبعين نبيا وقيل : هم إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وهؤلاء آباء الأنبياء ~~وأفاضلهم لقوله تعالى : ( واذكر في الكتاب ابراهيم ) مريم : 41 ولقوله ~~تعالى : ( واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار ) ص : ~~45 يعني أصحاب القوة والتمكن وأهل البصائر واليقين ، ثم رفع زيوب إلى ~~مقامهم فضمه إليهم وجعله سلوة له ثم ذكره إياه وذكره به ، ثم قال تعالى : ( ~~عبدنا ) ص : 41 فأضافه إليه عز وجل إضافة تخصيص وتقريب ولم يدخل بينه وبينه ~~لام الملك فيقول عبدا لنا فألحقه بنظرائه من أهل البلاء في قوله تعالى : ( ~~واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب ) ص : 45 وهم أهل الابتلاء الذين باهى ~~بهم الأنبياء ms0458 وجعل من ذرياتهم الأصفياء فأضاف أيوب إليهم في حسن الثناء ، ~~وفي لفظ التذكرة به في الثناء ثم قال : ( إذ نادى ربه ) مريم : 3 فأفرده ~~بنفسه لنفسه وانفرد له في الخطاب بوصفه وقال : PageV01P338 ( مسني الضر ~~وأنت أرحم الراحمين ) الأنبياء : 83 فوصفه بمواجهة التملق له ولطيف ~~المناجاة وظهر له بوصفه الرحمة فاستراح إليه به فناداه فشكا إليه واستغاث ~~به فأشبه مقامه ، مقام موسى ويونس عليهما السلام في قولهما : سبحانك تبت ~~إليك ، وفي قول الآخر : لا إله إلا أنت ، سبحانك إني كنت من الظالمين ، ~~وهذا خطاب المشاهدة ونظر المواجهة ، ثم وصفه بالاستحابة له وأهله لكشف الضر ~~عنه وجعل كلامه سببا لتنفيذ قدرته ومكانا لمجاري حكمته ومفتاحا لفتح إجابته ~~، ثم قال بعد ذلك كله : ووهبنا له أهله فزاد على سليمان في الوصف إذ كان ~~بين من وهب لأهله وبين من وهب له أهله فضل في المدح لأنه قال في وصف سليمان ~~: ووهبنا لداود سليمان فأشبه فضل أيوب في ذلك على سليمان كفضل موسى على ~~هارون لأنه قال عز وجل في مدح موسى عليه السلام وتفضيله على هارون : ( ~~ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) مريم : 53 ، وكذلك قال في مدح داود ~~: ( ووهبنا لداود سليمان ) ص : 30 فوهب لموسى أخاه كما وهب لداود ابنه ~~وأشبه مقام أيوب في المباهاة والتذكرة به مقام داود عليه السلام لأنه قال ~~تعالى في وصف داود لنبيه عليه السلام : ( اصبرعلى ما يقولون واذكر عبدنا ~~داود ) ص : 17 وكذلك قال تعالى في نعت أيوب : ( واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ~~ربه ) ص : 41 ، فقد شبه أيوب بداود وموسى عليهما السلام في المعنى ورفعه ~~إليهما في المقام ، وهما في نفوسنا أفضل من سليمان عليهم السلام ، فأشبه أن ~~يكون حال أيوب على من حال سليمان ، وعلم الله تعالى المقدم ولكن هكذا ألقى ~~في قلوبنا والله أعلم ، ثم قال تعالى بعذ ذلك كل ( رحمة منا ) ص : 43 فذكر ~~رنفسه ووصفه عند عبده تشريفا له وتعظيما ، ثم قال عز وجل : ( وذكرى لأولي ~~الألباب ) ص : 43 فجعله ms0459 إماما للعقلاء وقدوة لأهل الصبر والبلاء وتذكرة ~~وسلوة من الكروب للأصفياء ، ثم قال تعالى : ( إنا وجدناه صابرا ) ص : 44 ~~فذكر نفسه سبحانه وتعالى ذكرا ثانيا لعبده ووصل اسمه باسمه حبا له وقربا ~~منه ، لأن النون والألف في وجدنا اسمه تبارك وتعالى ، والهاء اسم عبده أيوب ~~، ثم قال صابرا فوصفه بالصبر فأظهر مكانه في القوة وخلقه بخلقه ، ثم قال ~~تعالى في آخر أوصافه : ( نعم العبد إنه أواب ) ص : 44 ، فهذان أول وصف ~~سليمان وآخره ههنا شركه في الثناء وزاد أيوب بما تقدم من المدح والوصف الذي ~~لا يقوم له شيء فمن قوله عز وجل : ( واذكر عبدنا أيوب ) ص : 41 إلى قوله : ~~( نعم العبد إنه أواب ) ص : 44 عظيم من الفرقان عند أهل الفهم والتبيان ~~وجعل في أول وصف سليمان أنه وهبه لأبيه داود عليهما السلام فصار حسنة من ~~حسنات داود عليه السلام واشتمل قوله تعالى : ( نعم العبد إنه أواب ) ص : 44 ~~على أول وصفه وأوسطه وهو آخر وصف أيوب عليه السلام ، وعلى جميع الأنبياء ~~الصلاة والسلام PageV01P339 وقد روينا في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : آخر الأنبياء دخولا الجنة سليمان بن داود عليهما السلام لمكان ملكه ~~، وآخر اصحابي دخولا الجنة عبد الرحمن بن عوف لمكان غناه ، وفي لفظ آخر : ~~يدخل سليمان بن داود الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفا ، وقد جاء في الآثار ~~إن أول من يدخل الجنة أهل البلاء إمامهم أيوب وهو إمام أهل البلاء وإن ~~أبواب الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد ، وأول من يدخله ~~أهل البلاء فقد زاد أيوب على سليمان عليهما السلام بعموم هذه الأخبار لأنه ~~سيد أهل البلاء وتذكرة وعبرة لأولي النهي وإمام أهل الصبر والضر والابتلاء ~~، ولم نقصد بما ذكرناه التفضيل بين الأنبياء لأنا قد نهينا عن ذلك فيما ~~روينا عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تفضلوا بين الأنبياء ~~ولكن الله تعالى قد أخبرنا أن بعضهم مفضل على بعض في قوله : ( ولقد فضلنا ~~بعض النبيين على بعض ms0460 ) الإسراء : 55 وإنما أظهرنا فضل الثناء المستودع في ~~الكتاب فاستنبطنا باطن الوصف المكرر في الخطاب في قصة أبوب على قصة سليمان ~~عليهما السلام بما ظهر لنا من فهم فصل الخطاب وتدبر معاني الكلام وعلم الله ~~تعالى المقدم وهو عز وجل أعلم وأحكم وقد ندبنا إلى الاستنباط في قول الرسول ~~عليه السلام : اقرؤوا القرآن والتمسوا غرائبه ولأن في ذلك عز الأهل الصبر ~~والبلاء وتقوية لقلوبهم وتعريفا لسوابغ نعم الله تعالى عليهم وإظهارا ~~لبواطن النعم وتنبيها على لطائف الكلم وتزهيدا في الدنيا والنفس وترغيبا في ~~الآخرة والصبر وتفضيلا لطريق أهل البلاء الذين هم الأمثل فالأمثل بالأنبياء ~~، فجاء من ذلك تفضيل المتبلي الصابر على بلائه ورضاه بحكم مولاه وتسليما ~~لمرضاته على المنعم عليه ، الشاكر على نعمائه ، إذ النعم ملائمة للطبع ~~موافقة للنفس لا يحتاج معها إلى كد النفس بالصبر عليها ولا حملها على ~~المشقة فيها بالرضا بها ، والبلاء مباين للطبع نافرة منه النفس يحتاج إلى ~~حمل عليه ومشقة فيه ، وما كرهته النفس فهو خير وأفضل ولا سبيل إليه إلا ~~بسكينة من الله تعالى وتصبر عليه بقوة به عز وجل وعناية منه : ( واصبر وما ~~صبرك إلا بالله ) النحل : 127 ، وهذا آخر شرح مقامات الصبر . # | شرح مقام الشكر ووصف الشاكرين وهو الثالث من مقامات اليقين # قال الله تعالى : ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) النساء : 147 ~~فقرن الشكر بالإيمان ورفع بوجودهما العذاب ، وقال تعالى : ( وسنجزي ~~الشاكرين ) آل عمران : 145 ، وروي عن النبي لله أنه قال : الطاعم الشاكر ~~بمنزلة الصائم الصابر ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : الشكر نصف الإيمان ، ~~وقد أمر الله تعالى بالشكر وقرنه بالذكر في قوله تعالى : ( فاذكروني أذكركم ~~واشكروا لي ولا تكفرون ) البقرة : 152 ، قد عظم الذكر بقوله : ( ولذكر الله ~~أكبر ) فصار الشكر أكبر لاقترانه به ورضا الله تعالى بالشكر مجازاة من ~~عباده لفرط كرمه لأن قوله تعالى : ( فاذكروني أذكركم واشكرو لي ) البقرة : ~~152 PageV01P340 خروج من لفظ المجازاة لتحقيق الأمر وتعظيم الشكر لأن الفاء ~~للشرط ولاجزاء والكاف المتقدمة للتمثيل ، فقوله تعالى ms0461 : فاذكروني متصل ~~بقوله : ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ) ( فاذكروني ) ( واشكروا لي ) ~~البقرة : 151 - 152 ، والمعنى كمثل ما أرسلت فيكم رسولا منكم فاشكروا لي ، ~~والعرب تكتفي من مثل بالكاف كما اكتفت من سوف بالسين في قوله تعالى : ( ~~سنؤتيهم ) ( سنستدرجهم ) الأعراف : 182 وهذا تفضيل للشكر عظيم لا يعلمه إلا ~~العلماء بالله تعالى . وقد روينا في أخبار أيوب عليه السلام : إن الله ~~تعالى أوحى إليه : إني رضيت بالشكر مكافأة من أوليائي في كلام طويل ، وفي ~~أحد الوجوه من قوله عز وجل : ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) الأعراف : 16 ، ~~قال : طريق الشكر ، فلولا أن الشكر طريق يوصل إلى الله تعالى لما عول العدو ~~على قطعه ولولا أن الشاكر حبيب رب العالمين ما نقصه إبليس اللعين في قوله ~~تعالى : ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) الأعراف : 17 وكذلك قال الله تعالى : ( ~~وقليل من عبادي الشكور ) سبأ : 13 ، كما قال تعالى : ( ولقد صدق عليهم ~~إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ) سبأ : 20 ، وقد قطع الله تعالى ~~بالمزيد مع الشكر ولم يستثن فيه واستثنى في خمسة أشياء : في الإغناء ، ~~والإجابة ، والرزق ، والمغفرة ، والتوبة ، فقال تعالى : ( فسوف يغنيكم الله ~~من فضله إن شاء ) التوبة : 28 وقال تعالى : ( فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ) ~~الأنعام : 41 ، وقال تعالى : ( يرزق من يشاء ) البقرة : 212 ( ويغفر لمن ~~يشاء ) المائدة : 40 ، وقال عز وجل : ( ثم يتوب الله من بعد ذلك على من ~~يشاء ) التوبة : 27 ، وختم بالمزيد عند الشكر من غير استثناء فقال تعالى : ~~( لئن شكرتم لأزيدنكم ) إبراهيم : 7 ، فالشاكر على مزيد والشكور في نهاية ~~المزيد وهو الذي يكثر شكره على القليل من العطاء ويتكرر منه الشكر والثناء ~~على الشيء الواحد من النعم وهذا خلق من أخلاق الربوبية لأنه سماه باسم من ~~أسمائه والمزيد هو إلى المنعم يجعله ما شاء ، فأفضل المزيد حسن اليقين ~~ومشاهدة الأوصاف ، وأول المزيد شهود النعم ، إنها من المنعم بها من غير حول ~~ولا قوة إلا به عز وجل ، وأوسط المزيد دوام الحال ومتابعة الخدمة ~~والاستعمال ، وقد يكون المزيد أخلاقا ms0462 وقد يكون علوما وقد يكون في الآخرة ~~وتثبيتا عند فراق العاجلة ، وقد جعل الله تعالى الشكر مفتاح كلام أهل الجنة ~~وختام تمنيهم في قوله تعالى : ( الحمد لله الذي صدقنا وعده ) الزمر : 74 ، ~~وقال تعالى : ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) يونس : 10 ، فلولا ~~أنه أحب الأعمال إليه ما بقاه عليهم لديه . وروينا في مناجاة أيوب عليه ~~السلام : إن الله تعالى أوحى إليه في صفة الصابرين دارهم دار السلام إذا ~~دخلوها ألهمتهم الشكر وهو خير الكلام وعند الشكر أستزيدهم PageV01P341 ~~وبالنظر إلي أزيدهم وهذا غاية الفضل ، فأول الشكر معرفة النعم ، إنها من ~~المولى وحده لا شريك له فيها ، ولا ظهير له عليها ، إذ قد نفى ذلك عن نفسه ~~لأنه هو الأول في كل شيء ، لا شيء معه ولا ظهير له في شيء إذ قد جعل الضراء ~~والسراء منه وإليه جاريين على عباده فقال تعالى : ( وما لهم فيهما من شرك ~~وما له منهم من ظهير ) سبأ : 22 ، الشرك الخلط والظهير المعين ، ثم قال ~~تعالى ( وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون ) النحل : ~~53 ، وقال تعالى : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير ~~فهو على كل شيء قدير ) الأنعام : 17 ، وقال تعالى في جمل النعم بعد إضافتها ~~إليه : ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ) الجاثية : 13 ، ~~وقال تعالى : ( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) لقمان : 20 ، فالأسباب مع ~~صحتها والأواسط مع ثبوتها إنما هي حكمه وأحكامه ، فظروف العطاء وآثار ~~المعطي لا تؤثر في الحكم بها والجعل لها حكما ولاجعلا يعني لا تحكم ولا ~~تجعل لأنها محكومات فكيف تحكم ومجعولات فكيف تجعل لا حاكم إلا الله وحده ~~ولا يشرك في حكمه أحدا وهذا الحرف في مقرأ أهل الشام أبلغ وأوكد لأنه يخرج ~~على الأمر لأنهم قرؤوه بالتاء وجزم الكاف ولا تشرك في حكمه أحدا ، فالأسباب ~~أحكام حق وأواسط حكمه فمشاهدة المنعم في النعمة وظهور المعطي عند العطاء ~~حتى ترى النعمة منه ms0463 والعطاء عنه هو شكر القلب لأن الشكر عند الشاكرين معرفة ~~القلب ووصفة لا وصف اللسان ، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ~~وأمر باقتناء الشكر وإتخاذه مالا في الآخرة عوضامن إاقتناء الأموال في ~~الدنيا ، فقال في حديث ثوبان وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما : حين نزل في ~~الكنوز ما نزل سأله عمر : أي المال نتخذ ؟ فقال : ليتخذن أحدكم لسانا ذاكرا ~~وقلبا شاكرا . وروينا في أخبار موسى عليه السلام وداود عليه السلام : يا رب ~~كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك ، وفي لفظ آخر ~~: وشكري لك نعمة أخرى منك توجب علي الشكر لك فأوحى الله تعالى إليه إذا ~~عرفت هذا فقد شكرتني ، وفي خبر آخر : إذا عرفت أن النعم مني فقد رضيت منك ~~بذلك شكرا وشكر اللسان حسن الثناء على الله تعالى وكثرة الحمد والمدح له ~~وإظهار إنعامه وإكرامه ونشر أياديه وإحسانه وأن لا يشكو لمالك إلى المملوك ~~ولا المعبود الجليل إلى العبد الذليل ، وفي الخبر : أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لرجل : كيف أصبحت قال : بخير فأعاد عليه النبي السلام السؤال ~~ثانية كيف أنت ؟ فقال : بخير فأعاد عليه الثالثة كيف أنت ؟ فقال : بخير ~~أحمد الله تعالى وأشكره ، فقال : هذا الذي أردت منك يعني إظهار الحمد ~~والشكر والثناء ، وإنما كان السلف يتساءلون عن أحوالهم إذا التقوا ~~ليستخرجوا بذلك حمدا لله تعالى وشكره فيكونوا شركاءه في ذلك لأنهم سبب ذكره ~~لله تعالى فمن علمت أنه يشكو مولاه PageV01P342 ويتكره عندك قضاءه إذا ~~سألته عن حاله فلا تسأله فتكون أنت سبب شكواه وشريكه في جهله ، وما أقبح ~~بالعبد أن يشكو المولى الذي ليس كمثله شيء والذي بيده ملكوت كل شيء إلى عبد ~~مملوك لا يقدر على شيء ، ومن الشكر أن يشكر الله تعالى على اليسير لأن ~~القليل من الحبيب كثير ولأن الله تعالى حكيم فمنعه حكمة وقدرة ، فإذا عرف ~~وجه الحكمة في المنع مع القدرة على العطاء علم أنه منعه ليعطيه فثم صار ~~المنع عطاء واليسير ms0464 منه كثيرا ، ويعلم أن الذل والصبر عند المنع عز وشرف ، ~~وهو أفضل وأنفس عند العلماء من التعزز بالعبيد والشرف بهم ، وأن الطمع ~~والتذلل إليهم والاستشراف إلى عبد مملوك مثلك ذل ذليل وحسن الذل للعزيز ~~كحسن الذل للحبيب وقبح الذل للذليل كقبح الذل للعدو . وقد قال الله تعالى : ~~( إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق ~~واعبدوه ) العنكبوت : 17 ، وقال تعالى في معناه : ( إن الذين تدعون من دون ~~الله عباد أمثالكم ) الأعراف : 194 ، والعبادة هي الخدمة والطاعة بذل ولا ~~يحسن للعبد المقبل أن يظهر فقره وفاقته إ لى غير مولاه الذي يلي تدبيره ~~ويتولاه لأنه عليم خبير بحاله يسمعه ويراه فهو أعلم بما يصلحه منه ، وقد ~~قال الله تعالى في معناه : ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ) ~~الشورى : 27 ، فعلى الموقن أن يشكر في القبض والمنع كما يشكر في العطاء ~~والبسط ثم يشهد الشاكر بقلبه شهادة يقين ويعلم أن وصفه وصف العبودية وحكمه ~~أحكام العبيد محكوم عليه بأحكام الربوبية وأنه لا يستحق على الله شيئا وأن ~~الله عز وجل يستحق عليه كل شيء فالعبد خلقه وصنعته والرب صانعه ومالكه ، ~~فإذا شهد العبد هذه الشهادة رأى لله عز وجل عليه كل شيء فرضي منه بأدنى شيء ~~ولم ير له على الله تعالى شيئا فلم يقنع لله تعالى منه بشيء ولم يطالب ~~مولاه بشيء ، فكثرة الذكر وحسن الثناء وجميل النشر للنعماء وتعديد النعم ~~والآلاء هو شكر اللسان لأن معنى الشكر في اللغة هو الكشف والإظهار يقال : ~~كثر وشكر بمعنى إذا كشف عن ثغره فأظهره فيكون إظهار الشكر وكشفه باللسان ما ~~ذكرناه كما جاء في الخبر ليس شيء من الأذكار يضاعف ما يضاعف الحمد . وفي ~~الحديث : من قال سبحان الله فله عشر حسنات ، ومن قال : لا إله إلا الله فله ~~عشرون حسنة ، ومن قال : الحمد لله كتبت له ثلاثون حسنة ليس أن الحمد أعلى ~~من التوحيد ولكن لفضل مقام الشاكر ولأن الله تعالى افتتح به كلامه ms0465 في كتابه ~~، وفي الخبر : الحمد رداء الرحمن عز وجل ، وفي الخبر أفضل الذكر لا إله إلا ~~الله ، وأفضل الدعاء الحمد لله رب العالمين ، ويكون أيضا ظهور الشكر وغلبته ~~في القلب شكر القلب ، ويكون شكر الله تعالى لعبده كشفه له ما ستره عنه ~~وإظهاره له ما حجبه منه من العلوم والقدر وهو المزيد فيفيده ذلك حسن معرفته ~~به سبحانه وتعالى وعلو مشاهدته منه وكله PageV01P343 يرجع إلى معنى الكشف ~~والإظهار ، وأما شكر الجوارح للمنعم المفضل سبحانه وتعالى فهو أن لا يعصيه ~~بنعمة من نعمه وأن يستعين بنعمته على طاعته ولا يستعين بها على معاصيه ~~فيكون قد كفرها كما قال تعالى : ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا ) ~~إبراهيم : 28 ، قيل : استعانوا بنعمه علي معاصيه فالخلق لا يقدرون على ~~تبديل نعمة الله عز وجل ولكن معناه : بدلوا شكر نعمة الله كفرا وهذا من ~~المضمر معناه لظهور دليله عليه لأنه أمرهم بالطاعة بالنعم فخالفوه فعصوه ~~بها فكان ذلك تبديلهم لما أمروا ، ومثله قوله تعالى : ( وتجعلون رزقكم أنكم ~~تكذبون ) الواقعة : 82 المعنى شكر رزقكم تجعلونه تكذيبكم برسل الله تعالى ~~وهذا من المحذوف أيضا وهي في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم مظهرة مفسرة . ~~روينا عنه عليه السلام : أنه قرأ وتجعلون شكركم فهذا ظاهر وبمعناه : ومن ~~يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب أي يعاقب من كفر ~~بالنعمة فضيع شكرها بمعصيته بها يعاقبه بزوالها ، وكذلك قوله تعالى : ( ~~ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ) إبراهيم : 7 ، قيل : إن كفرتم النعمة فقد يكون ~~العذاب في الدنيا تبديل النعمة عقوبات وتغييرها هوان ومذلات ، وقد يكون ~~العذاب مؤجلا كقوله تعالى : ( إن عذابها كان غراما ) الفرقان : 65 ، قال : ~~طالبهم على النعم بالشكر فلم يكن عندهم فأغرمهم ثمن النعمة فحبسهم في جهنم ~~، وقد قال الله تعالى : ( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) لقمان : 20 ، ثم ~~قال : ( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) الأنعام : 120 ففيه تنبيه لذوي الألباب ~~الذين وصل لهم القول ليتذكروا أن يذروا ظاهر الإثم شكر الظاهر النعم ، ~~ويذروا ms0466 باطن الإثم شكر الباطن النعم وظاهر النعم عوافي الأجساد ووجود ~~الكفايات من الأموال وظاهر الإثم أعمال الجوارح من معاني حظوظ النفس وباطن ~~النعم معافاة القلوب وسلامة العقود ، وباطن الإثم أعمال القلوب السيئة مثل ~~الإصرار وسوء الظن ونيات السوء ، وقال مطرف بن عبد الله : لأن أعافى فأشكر ~~أحب إلي من أبتلى فأصبر ، لأن مقام العوافي أقرب إلى السلامة ، فلذلك اختار ~~حال الشكر على الصبر لأن الصبر حال أهل البلاء . وقد روينا عن الحسن البصري ~~معنى ذلك الخبر الذي لا شر فيه العافية مع الشكر والصبر عند المصيبة فكم من ~~منعم عليه غير شاكر وكم من مبتلى غير صابر ، وقد روينا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم معنى هذا في قوله : وعافيتك أحب إلي ، وقال لعلي رضي الله عنه ~~حين سمعه يثول في مرضه : اللهم إني أسألك الصبر ، قال : لقد سألت الله ~~تعالى البلاء فسله العافية ، ومن الشكر الأعمال الصالحة ، وبالعمل فسر الله ~~تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم الشكر للمنعم PageV01P344 فقال تعالى : ( ~~اعملوا آل داود شكرا ) سبأ : 13 ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما ~~عوتب في اجتهاده وقيامه حتى تورمت قدماه : أفلا أكون عبدا شكورا ، فأخبر أن ~~المجاهدة وحسن المعاملة شكر المستعمل وجزاء المنعم ، وقد قال بعض العلماء : ~~شكر القلب المعرفة بأن بالنعم من المنعم لا غير وشكر العمل كلما وهب الله ~~عز وجل لك عملا أحدثت له عملا ثانيا شكرا منك للعمل الأول ، وعلى هذا يتصل ~~الشكر بدوام المعاملة ، وأول الشكر عند العارفين أن لا تعصيه بنعمة من نعمه ~~فتجعلها في طاعة الهوى ، فأما شكر الشاكرين فهو أن تطيعه بكل نعمة فتجعلها ~~في سبيل المولى وهذا شكر جملة العبد ، وحقيقة الشكر التقوى وهو اسم يستوعب ~~جمل العبادة التي أمر الله تعالى بها عباده في قوله تعالى : ( يا أيها ~~الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) البقرة : 21 ، ~~ثم عبر حقيقة عن الشكر بتقواه وأخبر سبحانه وتعالى أن التقوى هو الشكر فقال ~~سبحانه وتعالى : ( فاتقوا الله ms0467 لعلكم تشكرون ) آل عمران : 123 ، وفي الشكر ~~مقامان عن مشاهدتين : أعلاهما مقام شكور وهو الذي يشكر على المكاره والبلاء ~~والشدائد واللأواء ، ولا يكون كذلك حتى يشهد ذلك نعما توجب عليه الشكر بصدق ~~يقينه وحقيقة زهده وهذا مقام في الرضا وحال من المحبة ، وبهذا الوصف ذكر ~~الله تعالى نبيه نوحا عليه السلام في قوله تعالى : ( إنه كان عبدا شكورا ) ~~الإسراء : 3 في التفسير أنه كان يشكر الله تعالى على كل حال من خير أو شر ~~أو نفع أو ضر . وروينا في الخبر : ينادي مناد يوم القيامة ليقم الحمادون ~~فيقوم زمرة فينصب لهم لواء فيدخلون الجنة قيل : ومن الحمادون ؟ قال : الذين ~~يشكرون الله تعالى على كل حال ، وفي لفظ آخر : على السراء والضراء ، وقد ~~قال بعض العلماء في قوله تعالى : ( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) لقمان ~~: 20 ، قال : ظاهرة العوافي والغنى وباطنه البلوى والفقر فهذه نعم الآخرة ، ~~كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا عيش إلا عيش الآخرة ، والمقام ~~الثاني من الشكر أن ينظر العبد إلى من هو دونه ممن فضل هو عليه في أمور ~~الدنيا وأحوال الدين فيعظم نعمة الله تعالى عليه بسلامة قلبه ودينه وعافيته ~~مما أبتلى الآخر به ويعظم نعمة الدنيا عليه لما آتاه الله تعالى وكفاه فيما ~~أحوج الآخر وألجأه إليه فيشكر على ذلك ثم ينظر إلى من هو فوقه في الدين ممن ~~فضل عليها بعلم الإيمان وبحسن يقين فيمقت نفسه ويزري عليه وينافس في مثل ما ~~رأى من أحوال من هو فوقه ويرغب فيها ، فإذا كان كذلك كان من الشاكرين ودخل ~~تحت اسم الممدوحين . وقد روينا معنى ذلك في حديث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : أنه قال من نظر في الدنيا إلى من هو دونه ونظر في الدين إلى من ~~هو فوقه كتبه الله صابرا شاكرا ومن نظر في الدنيا إلى من هو فوقه ونظر في ~~الدين إلى من هو دونه لم يكتبه الله صابرا ولا شاكرا ، وقد شرحنا هذا في ~~مقام الرضا ms0468 ، فكرهنا إعادته ههنا ، وكل وصف يكون العبد شاكرا به ، يكون ~~الشكر PageV01P345 مقاما له فيه ، فإن كفر النعمة يلزمه بضده لأن الكفر ضد ~~الشكر ، ومن كبائر النعم ثلاث من جهلها أضاع الشكر عليها ومعرفتها شكر ~~العارفين ، أولها استتار الله تعالى بقدرته وعزته عن الأبصار ولو ظهر ~~للعباد لكانت معاصيهم كفرا لأنهم لم يكونوا ينقصون من المعاصي المكتوبة ~~عليهم جناح بعوضة ولأنه تبارك وتعالى كان يظهر بوصف لا يمتنعون معه عن ~~المعاصي ، ووراء هذا سرائر الغيوب ، إلا أنهم كانوا يكفرون بالمواجهة ~~لانتهاك حرمة المشاهدة أيضا لما كان لهم في الإيمان به من عظيم الدرجات ما ~~لهم الآن لأنهم حينئذ يؤمنون بالشهادة وهم اليوم يؤمنون بالغيب ، فرفعت لهم ~~الدرجات بحسن اليقين ، ولذلك مدحهم الله تعالى ووصفهم ، والنعمة الثانية ~~إخفاء القدر والآيات عن عموم الخلق لأنها من سر الغيب ، وصلاح العبيد ، ~~واستقامة الدنيا والدين ، ولو ظهرت لهم لكانت خطاياهم الصغائر كبائر مع ~~معاينة الآيات ، ولما ضوعفت لهم على أعمالهم الحسنات كمضاعفتها الآن ~~للإيمان بالغيب ، والنعمة الثالثة تغيب الآجال عنهم إذ لو علموا بها لما ~~كانوا يزدادون ولا ينقصون من أعمالهم الخير والشر ذرة ، فكان مع علمهم ~~بالأجل أشد مطالبة لهم وأوقع للحجة عليهم فأخفى ذلك عنهم معذرة لهم من حيث ~~لا يعلمون ، ولطفا بهم ونظرا لهم من حيث لا يحتسبون ، ثم بعد ذلك من لطائف ~~النعم شمول ستره لهم فيحجب بعضهم من بعض ، وسترهم عند العلماء والصالحين ، ~~ولولا ذلك لما نظروا إليهم ، ثم حجب الصالحين والأولياء عنهم ، ولو أظهر ~~عليهم آيات يعرفون بها حتى يكون الجاهلون على يقين من ولاية الله تعالى لهم ~~وقربهم منه لبطل ثواب المحسنين إليهم ولحرم قبول عملهم ولحبطت أعمال ~~المسيئين إليهم ، ففي حجب ذلك وستره ما علم العاملون لهم في الخير والشر ~~على الرجاء وحسن الظن بالغيب من وراء حجاب اليقين ، وتأخرت عقوبات المؤذيين ~~لهم عن المعاجلة لما ستر عليهم من عظيم شأنهم عند الله تعالى وجليل قدرهم ، ~~ففي ستر هذا نعم عظيمة على الصالحين في نفوسهم من سلامة ms0469 دينهم وقلة فتنتهم ~~ونعم جليلة عن المنتهكين لحرمتهم ، المصغرين لشعائر الله تعالى من أجلهم ، ~~إذ كانوا أساءوا إليهم من وراء حجاب ، فهذا هو لطف خفي من لطف المنعم ~~الوهاب سبحانه وتعالى ، كما جاء في الخبر : يقول الله عز وجل : من آذى وليا ~~من أوليائي فقد بارزني PageV01P346 بالمحاربة ، ثم أنا الثائر لولي لا أكل ~~نصرته إلى غيري . وعن جعفر الصادق رضي الله عنه في معنى هذه النعم التي ~~أوجبنا الشكر في إخفائها قال : إن الله تعالى خبأ ثلاثا في ثلاث ، رضاه في ~~طاعته ، فلا تحتقروا منها شيئا لعل رضاه فيه ، وخبأ غضبه في معاصيه ، فلا ~~تحتقروا منها شيئا لعل غضبه فيه ، وخبأ ولايته في عباده المؤمنين ، فلا ~~تحتقروا منهم أحدا لعله ولي الله تعالى ، ويكون مثل ذلك مثل من آذى نبيا ~~وهو لا يعلم بنبوته وإن الله تعالى نبأه قبل أن يخبره أنه نبي الله عز وجل ~~ورسوه إليه فلا يكون وزره وزر من انتهك حرمة نبي قد أعلمه أنه نبي الله ~~تعالى لعظيم حرمة النبوة ، وللشاكرين طريقان : أحدهما أعلى من الآخر أولهما ~~شكر الراجين وهو حسن المعاملة لما أملوه ورجوه من ظواهر النعم فعملوا رجاء ~~إتمامها فكان حالهم المسارعة والمسابقة إلى الأعمال الصالحة شكرا لما ~~ابتدأهم به وخصهم دون سائر خلقه ، وأعلاهما شكر الخائفين وهو خوف سوء ~~الخاتمة والإشفاق من درك الشقاء بحكم السابقة نعوذ بالله تعالى منه فكان ~~خوفهم دليلا على اغتباطهم بموهبة الإيمان ، وكان اغتباطهم يدل على عظيم قدر ~~الإسلام في قلوبهم ونفيس مكانه عندهم فعظمت النعمة به عليهم فمعرفتهم بذلك ~~هو شكرهم فصارالخوف والإشفاق طريقا لهم في الشكر للرازق . وقد جعل الله ~~تعالى ذلك نعمة وكل نعمة تقتضي شكرا في قوله تبارك وتعالى : ( قال رجلان من ~~الذين يخافون أنعم الله عليهما ) المائدة : 23 قال بعض المفسرين : أنعم ~~الله عليهما بالخوف وهذا أحد وجهي الكلام ولو لم يشكر العبد مولاه إلا أنه ~~تبارك وتعالى على هذه الأوصاف والأخلاق التي هي صفاته وأخلاقه من نهاية ~~الكرم والجود الذي لا ms0470 غاية له ومن غاية التفضل والحلم الذي لا نهاية له ، ~~فلما كان تبارك وتعالى بهذه الأخلاق المرجوة والصفات الحسنى وجب أن يشكره ~~العبيد لأجله تعالى لا لأجل نعمه وأفعاله ؛ وهذا ذكر المحبين إذ لو كان ~~الله تعالى على غير هذه الصفات والأخلاق التي عرفه بها العارفون ولا بد لهم ~~منه أي شيء كان يصنع PageV01P347 العباد وأي حيلة كانت لهم فله الحمد كله ~~وله الشكر كله كما هو مستحقه وأهله بحمده لنفسه ، ولا ينبغي إلا له سبحانه ~~وتعالى ، كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله إذ كان ولم يزل على ما هو الآن ~~ولايزال أبدا على ما كان من الأوصاف والنعوت التامات والأسماء الحسنى ~~والأمثال العلى ، ومعرفة هذا هو شكر العارفين ومشاهدته هو مقام المقربين ~~فشكر هؤلاء لله تعالى لأجل الله تعالى ودعاء هؤلاء التحميد والتقديس ~~وأعمالهم الإجلال والتعظيم للأجل وسؤالهم تجلي الصفات والنصيب من مشاهدة ~~معاني الذات ووصف هذا لا يوصف وشرحه بالمعقول لا يعرف ، وهذا داخل في ~~مشاهدة قوله لمن شهد سر الكلام إذ يقول عز وجل : ( ليس كمثله شيء ) الشورى ~~: 11 وعن هذه المشاهدة اغتبط موسى عليه السلام بالربوبية وأنس بالتقريب ~~فانبسط بالتمكين فقال لي : ما ليس لك فقال : الله تعالى وما هو ، فقال لي : ~~مثلك وليس لك مثل نفسك فقال عز وجل : صدقت ، يعني لي أنت على هذه الأوصاف ~~التي هي غاية الطالبين ولا مزيد عليها للراغبين وليس لك كأنت إذ ليس كمثلك ~~شيء وأن لا إله إلا أنت ، فمن غامض النعم الشكر على هذه المعاني ما روي عنك ~~وصرفه من فضول الدنيا فإنه أقل للشغل والإهتمام وأيسر للحساب ، ثم ابتلي به ~~غيرك من الدنيا مما شغله به عنه وقطعه دونه ، ففي صرف الدنيا عنك وابتلاء ~~غيرك بها نعمتان عليهما شكران وكذلك إذا رأيت مبتلي في دينه بصفات ~~المنافقين أو مبتلي بنفسه بأخلاق المتكبرين أومنهما فيما عليه من أفعال ~~الفاسقين عددت جميع ذلك نعما من الله تعالى عليك إذ لم يجعلك كذلك لأنك قد ~~كنت أنت ذاك لولا ms0471 فضل الله عليك ورحمته فتحسب كل ما وجه إلى غيرك من الشر ~~أو صرفه عنك من الخيران تعده نعما عليك بمثل ما وجه إلىك من الخير وصرف عنك ~~من الشر لأن النفوس كنفس واحدة في الأمر بالسوء والمشيئة والقدرة واحدة فقد ~~رحمك بما صرف عنك من السوء فذلك من فضل الله تعالى عليك فمعرفته بذلك شكر ~~منك لله تعالى وأكثر عقوبات الخلق من قلة الشكر على النعم وأصل قلة الشكر ~~الجهل بالنعمة ، وسبب الجهل بالنعمة قصور العلم بالله تعالى وطول الغفلة عن ~~المنعم وترك التفكر في نعمه والتذكر لآلائه ، ومنه سبحانه وتعالى فقد أمر ~~بذلك في قوله تعالى : ( فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ) الأعراف : 69 قيل ~~: نعمه . وقال المفسرون : واذكروا نعمة الله عيكم وما أنزل عليكم من الكتاب ~~والحكمة يعظكم به وبمعناه قوله تعالى : ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ~~ما هداكم ولعلكم تشكرون ) البقرة : 185 ، يعني على نعمة الهداية وتوفيق ~~الطاعة فإذا جهل العبد النعمة لم يعرفها ، وإذا لم يعرفها لم يشكر عليها ~~وإذا لم يشكر عليها انقطع مزيده ، ومن انقطع عنه المزيد فهو في نقصان ما ~~أدعى وأيضا فإن من لم يشكر النعم لجهله بها لم يؤمن عليه PageV01P348 كفرها ~~، فإن كفرها أدركه العذاب الشديد للوعيد إلا أن تداركه نعمة من ربه وأصول ~~نعم المرافق للأحراث أربعة ؛ أولها : النطفة التي أخرجت من خزانة الأرحام ~~جميع البهائم والأنام ، ثم الحرث الذي أخرج من خزانة الأرض جميع الثمر ، ثم ~~الماء الذي لنا منه شراب ومنه شجر ، ثم النار التي فيها ضياء ومصالح ~~الأطعمة وبها لأهل البصائر تذكرة ، وهذه النعم هي التي ذكرها المنعم في آخر ~~سورة الواقعة وأضافها إلى نفسه عز وجل ولم يجعل فيه شريكا معه وفتح للعباد ~~العمال أبوابها . ومن أفضل النعم وأجلها نعمة الإيمان به سبحانه وتعالى ، ~~ثم نعمة الرسول ، ثم نعمة القرآن ، ثم أن جعلنا من خير أمة أخرجت للناس ، ~~وقبل ذلك أول نعمة عقلناها أن جعلنا موجودين دون سائر المعدومات ، ثم جعلنا ~~حيوانا دون سائر الموات ، ثم ms0472 جعلنا بشر دون سائرالحيوان ثم جعلنا ذكورا دون ~~الإناث ، ثم صورنا في أحسن تقويم ثم عوافي القلوب من الزيغ عن السنة ومن ~~الميل إلى دواعي النفس الأمارة ، ثم صحة الأجسام ثم كشف الستر ، ثم حسن ~~الكفاية لحاجة ، ثم صنوف ما أظهر من الأزواج للأقوات ، ثم تسخير الصنعة لنا ~~مما بين السماء والأرض ؛ فهذه أمهات النعم فكلما كثرت هذه المعاني و حسنت ~~كثر الشكر عليهما فعظيم النعم بها ، ( وإن تعدوا نعمت الله لاتحصوها ) ~~إبراهيم : 34 وكان أبو محمد سهل رحمه الله يقول : خص بمعرفة النعم وبمعرفة ~~عظيم حلم الله تعالى وستره الصديقون . وقد قال الله تعالى أصدق القائلين ~~وأحسن الواصفين : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ) ~~إبراهيم : 34 ، فتمت النعمة بوصفيه اللذين هو لهما أهل من المغفرة والرحمة ~~ثم قال أيضا في مثله : ( إن الإنسان لظلوم كفار ) إبراهيم : 34 فكان أعظم ~~للنعمة وأوسع في الكرم والمنة على وصفي الإنسان اللذين هو أهل لهما من ~~الظلم والكفر ، فهو سبحانه وتعالى أهل التقوى وأهل المغفرة والعبد أهل لما ~~وصفه به مولاه عز وجل إلى أن يجود عليه بقديم ما به تولاه فبنعمته أطاعه ~~العاملون ، ومن نعمته جازاهم وبنعمته عصاه الجاهلون ، ومن نعمته ستر وحلم ~~عنهم ، ومن النعم إظهار الجميل وستر القبيح فلا ندري أي النعمتين أعظم جميل ~~ما أظهر أو قبيح ما ستر ، وقد يمدح الله تعالى بالوصفين معا في الدعاء ~~المأثور : يا من أظهر الجميل وستر القبيح ، ومن النعمة الصحة والفراغ هما ~~أول نعيم الدنيا وأصول أعمال الآخرة وبهما تكون المغابنات كما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ ~~، وقال الفضيل بن عياض : عليكم بمداومة الشكر على النعم فقل نعمة زالت عن ~~قوم فعادت إليهم ، وقال بعض السلف : النعم وحشية فقيدوها بالشكر ، وقد روي ~~في خبر : ما عظمت نعمة الله تعالى على عبد إلا كثرت حوائج الناس إليه ، فمن ~~تهاون بهم عرض تلك النعمة للزوال . PageV01P349 وقد قال الله تعالى : ( إن ms0473 ~~الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) الرعد : 11 قيل : لا يغير ~~نعمه عليهم حتى يغيروها بتضييع الشكر فيعاقبهم بالتغيير والوجه الآخر لا ~~يغير ما بهم من عقوبة حتى يغيروا معاصيهم بالتوبة ، فذكر بذلك السبب الأول ~~من حكمه ثم ذكر السبب الثاني من حكمته وهو مسبب الأسباب للحكمة والمشيئة ~~ويقال : إن تحت كل شعرة من جسم العبد نعمة ، وبكل عرق في جسده نعمتان في ~~تسكينه وتحريكه ، وفي كل عظم أربع نعم ، وبكل مفصل سبع نعم ، وفي جسم ~~الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلا ، ومثل ذلك من العظام ، وفي كل طرفة نعمتان ، ~~وبكل نفس نعمتان ، وفي كل دقيقة تأتي عليه من عمره نعم لا تحصى ، والدقيقة ~~جزء من اثني عشر جزءا من شعيرة ، والشعيرة جزء من اثني عشر جزءا من ساعة ، ~~والأنفاس أربعة وعشرون ألف نفس في اليوم والليلة ، وفي أخبار موسى عليه ~~السلام : يارب كيف أشكرك ولك في كل شعرة من جسدي نعمتان إن لينت أصلها وإن ~~طمنت رأسها . وقد روينا في الأثر : من لم يعرف نعم الله تعالى عليه إلا في ~~مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه ؛ هذا مع سوابغ العوافي والكفايات ~~والوقايات ، ويقال : إن في باطن الجسم من النعم سبعة أضعاف النعم التي في ~~ظاهره ، وإن في القلب من النعم أضعاف ما في الجسم كله من النعم ، وإن نعم ~~الإيمان بالله تعالى والعلم واليقين أضعاف نعم الأجسام والقلوب ؛ فهذه كلها ~~نعم مضاعفة على نعم مترادفة لا يحصيها إلا من أنعم بها ولا يعلمها إلا من ~~خلقها ، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ، سوى نعم المطعم والمشرب ~~والملبس والمنكح من دخول ذلك وخروجه وكثرة تكرره وتزايده بأن أدخل مهناه ~~وأخرج أذاه وبأن طيب مدخله ويسر مخرجه وبقى منفعته وما أحال من صورته وغير ~~من صفته فللتزهيد والذلة والاعتبار والتذكرة ؛ وتلك أيضا نعم ، قال : يقال ~~إن الرغيف لا يستدير حتى يعمل فيه ثلاثمائة وستون صنعة من السماء والأرض ~~وما بينهما من الأجسام والأعراض والأفلاك والرياح والليل والنهار وبني ms0474 آدم ~~وصنائعهم والبهائم ومعادن الأرض ، أولها ميكائيل الذي يكيل الماء من ~~الخزائن فيفرغه على السحاب ثم السحاب التي تحمله فيرسله ثم الرياح التي ~~تحمل السحاب والرعد والبرق والملكان اللذان يسوقان السحاب وآخرها الخباز ~~فإذا استدار رغيفا طلب سبعة آلاف صانع كل صانع أصل من أصول الصنائع ؛ فهذه ~~كلها نعم في حضور رغيف فكيف بمازاد عليه مما وراءه ، فعلى العبد بكل نعمة ~~شكران طولب بشكرنعمة واحدة علي حقيقتها هلك إلا أن تغمده رحمة من ربه ~~فتغمره لتمام النعمة . وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا ~~يقول : اللهم إني أسألك تمام النعمة ، فقال : هل تدري ماتمام النعمة ؟ قال ~~: لا ، قال : دخول الجنة وقيل لبعض الحكماء : ما النعيم ؟ قال : الغني فإني ~~رأيت الفقير لا عيش له ، قيل : زدنا ، قال العافية فإني رأيت السقيم لا ~~PageV01P350 عيش له قيل : زدنا قال : الأمن فإني رأيت الخائف لا عيش له ، ~~قيل : زدنا ، قال : الشباب فإني رأيت الهرم لا عيش له ، قيل : زدنا ، قال : ~~لا أجد مزيدا ، وبعض ما ذكره هو أحد الوجوه في قوله تعالى : ( أذهبتم ~~طيباتكم في حياتكم الدنيا ) الأحقاف : 20 قيل : الشباب وقيل : الفراغ وقيل ~~الأمن والصحة ، وفي قوله تعالى : ( وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ) آل ~~عمران : 152 قيل : العوافي والغنى ، وبمعناه في قوله تعالى : ( وأسبغ عليكم ~~نعمه ظاهرة وباطنة ) لقمان : 20 قيل : ظاهرة العوافي وباطنة البلاوي لأنه ~~سبب نعيم الآخرة ومزيدها لقوله تعالى : ( ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ~~وبشر الصابرين ) البقرة : 155 ، وقد جاء في الخبر : من أصبح معافى في بدنه ~~آمنا في سربه وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها وأنشدت في ~~معناه لبعض أهل القناعة : إذا القوت تأتي لك . . . والصحة والأمن وأصبحت ~~أخا حزن . . . فلا فارقك الحزن وأنشد الآخر : كن وفلقة خبز . . . وكوز ماء ~~وأمن ألذ من كل عيش . . . يحويه سحب وسجن وحدثونا أن عابدا عبد الله تعالى ~~سبعين عاما ، فأرسل الله تعالى إليه ملكا يبشره بدخول الجنة برحمة الله ~~تعالى ، فهجس في نفسه بل بعملي ms0475 فاطلع الله تعالى على ذلك منه فأوحى إلى عرق ~~ساكن من عروقه أن تحرك عليه ، قال : فاضطرب لذلك وقلق وانقطعت عبادته وذهبت ~~أعماله شغلا منه بنفسه وقلق بنفسه ، ثم أوحى الله تعالى إلى العرق أن اسكن ~~فسكن ، فرجع العبد إلى عبادته فأوحى الله تعالى إليه إنما قيمة عبادتك عرق ~~واحد سكن من عروقك فاعترف . وروينا معناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بوصف آخر أن رجلا عبد الله سبعين عاما قال : فيأمر الله عز وجل به إلى ~~الجنة برحمته فيقول : بل بعملي فيقول الله عز وجل : أدخلوا عبدي الجنة ~~بعمله قال : فيمكث في الجنة سبعين عاما فيأمر الله تعالى به أن يخرج ، ~~ويقال له : قد استوفيت ثواب عملك قال : فيسقط في يديه ويندم فينظر أقوى شيء ~~كان في نفسه بينه وبين ربه فإذا هوالرجاء وحسن الظن فيقول : يارب اتركني في ~~الجنة برحمتك لا بعملي قال : فيقول الله عز وجل : دعوا عبدي في جنتي برحمتي ~~، وحدثت عن رجل شكا إلى بعض أهل المدينة فقره وأ ظهر لذلك غمه فقال له ~~الرجل : أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف ؟ قال : لا ، قال : فيسرك أنك أخرس ~~ولك عشرة آلاف قال : لا ، قال : فيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرة ~~آلاف ، قال : لا ، قال : فيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف ؟ قال : لا ، قال : ~~أفما تستحي أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفا وهذا كما قال لأن في ~~الإنسان قيم هذه الأشياء من الجوارح وزيادة من المال لأنها PageV01P351 ~~ديات جوارحه لو قطعت . وحدثني بعض الشيوخ في معناه أن بعض القراء المقربين ~~اشتد به الفقر حتى أحزنه وضاق به ذرعا ، قال : فرأى في المنام كأن قائلا ~~يقول له تود أنا أنسيناك سورة الإنعام وأن لك ألف دينار ؟ قال : لا ، قال : ~~فسورة هود ؟ قال : لا ، قال : فسورة يوسف ، قال : لا ، قال : فمعك قيم مائة ~~ألف وأنت تشكو الفقر فأصبح وقد سرى عنه همه ، وهكذا جاء في الخبر : تغنوا ~~بالقرآن أي استغنوا به ومن لم يستغن بآيات ms0476 الله تعالى فلا أغناه الله عز ~~وجل وإن القرآن هو الغنى الذي لا فقر معه ولا غنى بعده ، ومن آتاه الله ~~القرآن فظن أن أحدا أغنى منه فقد استهزأ بآيات الله تعالى ، وفي لفظ آخر : ~~فقد استخف بما أنزل الله عز وجل ، وفي الخبر : من لم يتغن بالقرآن فليس منا ~~، وفي الخبر المجمل كفى باليقين غنى والقرآن هو حق اليقين . وروينا عن بعض ~~السلف يقول الله عز وجل : إن عبدا أغنيته عن ثلاث فقد أتممت عليه نعمتي عن ~~سلطان يأتيه وطبيب يداويه وعما في يد أخيه . وروينا في مناجاة أيوب عليه ~~السلام : إن الله تبارك وتعالى أوحى إليه : ما من عبد لي من الآدميين إلا ~~ومعه ملكان فإذا شكر على نعمائي قال الملكان : اللهم زده نعما على نعمه ، ~~فإنك أهل الشكر والحمد فكن من الشاكرين قريبا وزدهم شكرا وزدهم من النعماء ~~وكفى بالشاكرين ياأيوب علو الرتبة عندي وعند ملائكتي ، فأنا أشكر شكرهم ~~وملائكتي تدعو لهم والبقاع تحبهم والآثار تبكي عليهم فكن لي ياأيوب شاكرا ~~ولآلائي ذاكرا ولا تذكرني حتى أذكرك ولا تشكرني حتى أشكر أعمالك أنا أوفق ~~أوليائي لصالح الأعمال وأشكرهم على ما وفقتهم وأقتضيهم الشكر ورضيت به ~~مكافأة فرضيت بالقليل عن الكثير وتقبلت القليل وجازيت عليه بالجزيل وشر ~~العبيد عندي من لم يشكرني إلا في وقت حاجته ، ولم يتضرع بين يدي إلا في وقت ~~عقوبته وذكر الكلام وقد جعل الله تعالى الشاكرين بوصف الصالحين والمقربين ~~والعالمين ؛ وهذه الأوصاف الثلاث من أعالي مقامات الموقنين ، فقال عز وجل : ~~وقليل من عبادي الشكور كما قال الله تعالى : ( إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقليل ما هم ) ص : 24 وكما قال في وصف المقربين : ( ثلة من ~~الأولين ) ( وقليل من الآخرين ) الواقعة : 13 - 14 وكما قال عز وجل : ( ما ~~يعلمهم إلا قليل ) الكهف : 22 وفي حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم : سلوا الله العافية وما أعطى عبد أفضل من ~~العافية إلا اليقين ففضل العافية على كل عطاء ورفع ms0477 اليقين ، فوق العافية ~~لأن بالعافية يتم نعيم الدنيا واليقين معه وجود نعيم الآخرة ؛ فلليقين فضل ~~على العافية كفضل الدوام على الانتقال ، والعافية سلامة الأبدان من الأسقام ~~والعلل واليقين سلامة الأديان من الزيغ والأهواء : فهاتان نعمتان تستوعبان ~~عظيم الشكر من PageV01P352 العبد كما استوعب القلب والجسم جسيم النعم من ~~الملك ، ومن أقوى المعاني في قوله تعالى : ( يوم لا ينفع مال ولا بنون ) ( ~~إلا من أتى الله بقلب سليم ) الشعراء : 88 - 89 قيل : سالم من الشك والشرك ~~والسالم الصحيح المعافى وبوجود عافية اليقين في القلوب عدم الشك والنفاق ~~وهي أمراض القلوب ، كما قال تعالى : ( في قلوبهم مرض ) البقرة : 10 قيل : ~~شك ونفاق وعافية القلب أيضا من الكبائر كما قال تعالى : ( فيطمع الذي في ~~قلبه مرض ) الأحزاب : 32 يعني الرياء ، ويقال : ما من مصيبة إلا ولله تعالى ~~فيها خمس نعم ؛ أولها : أنها لم تكن في الدين ويقال كل مصيبة في غير الدين ~~فهي طريق من الدين ، والثانية : إنها لم تكن أكبر منها ، والثالثة : أنها ~~كانت مكتوبة عليه لا محالة فقد نفدت واستراح منها ، والرابعة : إنها عجلت ~~في الدنيا ولم تؤجل في الآخرة فتعظم على مقدار عذاب الآخرة ، والخامسة : أن ~~ثوابها خير منها فإن المصيبة إذا كانت في أمر الدنيا فإنها طريق إلى الآخرة ~~وعندنا في قوله تعالى : ( إن الإنسان لظلوم كفار ) إبراهيم : 34 قيل : ظلوم ~~بالتسخط كفار بالمعاصي وبالنعم ، وحدثت أن العباس رضي الله عنه لما توفي ~~قعد ابنه عبد الله رضي الله عنه للتعزية فدخل الناس أفواجا يعزونه فكان ~~فيمن دخل أعرابي فأنشده : اصبر نكن بك صابرين فإنما . . . صبر الرعية بعد ~~صبر الراس خير من العباس أجرك بعده . . . والله خير منك للعباس فقال ابن ~~عباس : ماعزاني أحد تعزية الأعرابي واستحسن ذلك ، وفي قوله تعالى : ( إن ~~الإنسان لربه لكنود ) العاديات : 6 قيل : هو الذي يشكو المصائب وينسى النعم ~~، ولو علم أن مع كل مصيبة عشر نعم بحذائها وزيادة قلت شكواه وبدلها شكرا ، ~~ثم إن المصائب لا تخلو من ثلاثة أقسام كلها نعم من الله ms0478 تعالى ، إما أن ~~تكون درجة وهذا للمقربين والمحسنين ، واما أن تكون كفارة ، وهذا لخصوص ~~أصحاب اليمين وللأبرار ، أو تكون هذا عقوبة وهذا للكافة من المسلمين ، ~~فتعجيل العقوبة في الدنيا رحمة ونعمة ومعرفة هذه النعم طريق الشاكرين ، ومن ~~أفضل النعم عند العلماء نعمة الإيمان ثم دوامه ، لأن دوام الشيء نعمة ثانية ~~لأنه بحكم ثان عن مشيئة ثانية لأن الإرادة منه تعالى بحكم الإظهار لا توجب ~~دوام المظهر فكان الشيء يظهر بإرادته ثم يتلاشى كأن لم يكن إلا أن يحكم ~~سبحانه وتعالى حكما ثانيا بنعمة ثانية بالثبات والدوام إذ لو لم يرد دوام ~~السموات والأرض ما داما ولو لم يرد دوام ثبات الجبال ما ثبتت ، كذلك لو لم ~~يرد دوام الإيمان وثباته في القلوب بعد الكتب لظهر بالكتب ثم انمحى ورجع ~~القلب إلى الكفر لكنه أنعم نعما لا تحصى بدوامه وثباته في القلب ، ومنه ~~قوله تعالى : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت ) الرعد : 39 أي يمحو ما لايشاء ~~ثبوته ويثبت ما يحب ولا يستطيع العبد شكر نعمة الإيمان ومعرفة بداية التفضل ~~به وقديم PageV01P353 الإحسان من غير قدم من العبد ولا استحقاق بل بفضل ~~الله وبرحمته ، وهذا أحد الوجوه في قوله تعالى : ( كلا لما يقض ما أمره ) ~~عبس : 23 أي لا يقضي العبد أبدا شكر ما أمره الله تعالى من نعمة الإسلام ~~الي هي أصول النعم في الدنيا والآخرة وهي سبب النجاة من النار ومفتاح دخول ~~الجنة ولا أول للعبد فيها ولاشفيع كان له إلى الله تعالى بها ثم دوام ذلك ~~وثباته مع الطرف والأنفاس بمدد منه نعم مترادفة . ومن هذا قوله تعالى : ( ~~كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ) المجادلة : 22 أي قواهم بمدد ~~يثبته ويقويه وهو معنى قوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ~~في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) إبراهيم : 27 ومن ذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم : يامقلب القلوب أي عن الإيمان ومقلبها في الشك والشرك ثبت قلبي على ~~طاعتك ، ومعرفة هذه النعمة اللطيفة العظيمة تستخرج من القلب خوف سوء ms0479 ~~الخاتمة لمشاهدة سرعة تقليب القلب بالمشيئة وذلك مزيد شكرها وهذا داخل في ~~معنى قوله صلى الله عليه وسلم : أحبوا الله تعالى لما أسدى إليكم من نعمه ~~ولما يغذوكم به أيضا ، فمن أفضل ما غذانا به نعمة الإيمان له والمعرفة به ~~وغذاؤه لنا منه دوام ذلك ومدده بروح منه وتثبيتنا عليه في تصريف الأحوال إذ ~~هو أصل الأعمال التي هي مكان النوال ، فلو قلب قلوبنا عن التوحيد كما يقلب ~~جوارحنا في الذنوب ، ولو قلب قلوبنا في الشك والضلال كما يقلب نياتنا في ~~الأعمال أي شيء كنا نصنع وعلى أي شيء كنا نعول وبأي شيء كنا نطمئن ونرجو ؛ ~~فهذا من كبائر النعم ومعرفته هو من شكر نعمة الإيمان والجهل بهذا غفلة عن ~~نعمة الإيمان يوجب العقوبة وادعاء الإيمان أنه عن كسب معقول أو استطاعة ~~بقوة وحول هو كفر نعمة الإيمان وأخاف على من توهم ذلك أن يسلب الإيمان لأنه ~~بدل شكر نعمة الله كفرا . وقد جعل الله تعالى الخيرات من كسب الإيمان وليس ~~لنا فيما يكسبنا الخيرات مكان بل الله تعالى من علينا أن هدانا للإيمان ~~وجعله سببا يكسب لنا بإحسانه الإحسان كما قال تعالى : ( أو كسبت في إيمانها ~~خيرا ) الأنعام : 158 قيل التوبة ، وقيل : الصالحات كلها كسب الإيمان ومن ~~النعم بعد الإيمان توفيقنا للحسنى وتيسيرنا لليسرى ، ثم صرف الكفر وأخلاق ~~الكفرة وأعمالهم ثم تزيين الإيمان وتحبيبه إلينا وتكريه الفسوق والعصيان ~~فضلا منه ونعمة إلى ما لا يحصى من نعمه فشكر ذلك لايقام به إلا بما وهب ~~أيضا وأنعم به من المعرفة بذلك والمعونة عليه ، والحياء من تتابع النعم هو ~~من الشكر والمعرفة بالتقصير عن الشكر شكر ، والاعتذار من قلة الشكر شكر ، ~~والمعرفة بعظيم الحلم وكثيف الستر شكر ، والاعتراف بما أعطى من حسن الثناء ~~وجميل النشر أنه من النعم من غير استحقاق من العبد بل هو مضاف إلى نعمه بل ~~هو من الشكر ، وحسن التواضع بالنعم والتذلل فيها شكر ، وشكر الخلق بالدعاء ~~لهم وحسن الثناء عليهم لأنهم ظروف العطاء وأسباب المعطى تخلقا ms0480 بأخلاق ~~المولى جل وعلا هو من الشكر ، وقلة الاعتراض وحسن PageV01P354 الأدب بين ~~يدي المنعم شكر ، وتلقي النعم بحسن القبول وتكثير تصغيرها وتعظيم حقيرها من ~~الشكر ، لأن طائفة هلكت باستصغار الأشياء واستحقار وجود المنافع بها جهلا ~~بحكمة الله تعالى واستصغار النعمة فكان ذلك كفرا بالنعم ، ومن الناس من ~~يقول إن الصبر أفضل من الشكر وليس يمكن التفضيل بينهما عند أهل التحصيل من ~~قبل أن الشكر مقام لجملة من المؤمنين والترجيح بين جماعة على جماعة لا يصح ~~من قبل تفاوتهم في اليقين في المشاهدات لأن بعض الصابرين أفضل من بعض ~~الشاكرين لفضل معرفته وحسن صبره ، وخصوص الشاكرين أفضل من عموم الصابرين ~~لحسن يقينه وعلو مشاهدته ، ولكن تفضيل ذلك من طريق الأحوال والمقامات أنا ~~نقول : والله أعلم أن الصبر عن النعيم أفضل لأن فيه الزهد والخوف ؛ وهما ~~أعلى المقامات وأن الشكر على المكاره أفضل لأن فيه البلاء والرضا ، وأن ~~الصبر على الشدائد والضراء أفضل من الشكر على النعم والسراء من قبل أنه أشق ~~على النفس وأن الصبر مع حال الغنى والمقدرة أن يعصي بذلك أفضل من الشكر على ~~النعم من قبل أن الصبر عن المعاصي بالنعم أفضل من الطاعة بها لمن جاهد نفسه ~~فيها ، فإذا شكر على ما يصبر عليه فقد صار البلاء عنده نعمة ، وهذا أفضل ~~لأنها مشاهدة المقربين ، وإذا صبر عما يشكر عليه من النعم كان أفضل لأنها ~~حال المجاهدة . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن معاشر الأنبياء ~~أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل يعني الأقرب شبها بنا فالأقرب ، فرفع أهل ~~البلاء إليه ووصف نفسه به وجعلهم الأمثل فالأمثل منه فمن كان برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمثل كان هو الأفضل ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~شاكرا على شدة بلائه كذلك الشاكر من الصابرين يكون أفضل لشكره على البلاء ~~إذ هو الأقرب والأمثل بالأنبياء ، وكل مقام من مقامات المقربين يحتاج إلى ~~صبر وشكر ، وأحدهما لا يتم إلا بالآخر لأن الصبر يحتاج إلى شكر عليه ليكمل ms0481 ~~، والشكر يحتاج إلى صبر عليه ليستوجب المزيد ، وقد قرن الله تعالى بينهما ~~ووصف المؤمنين بهما فقال : ( إن في ذلك لأيات لكل صبار شكور ) لقمان : 31 ~~فذكرالشكر بلفظ المبالغة في الوصف على وزن فعول ، كما ذكرالصبر على وزن ~~فعال وهو وصف المبالغة أيضا ، ولذلك اقتسما الإيمان نصفين ، كما جاء في ~~الخبر : الصبر نصف الإيمان ، والشكر نصف الإيمان ، واليقين الإيمان كله ؛ ~~لأن اليقين أصلهما وهما ثمرتاه عنه يوجدان لأن الشاكر أيقن بالنعمة أنها من ~~المنعم وأيقن بإنجاز ما وعده من المزيد فشكر كما أيقن الصابر بمسه بالبلاء ~~لأنه هو المبتلي وأيقن بثواب المبلي وحسن ثنائه على الصابرين فصبر فلا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ؛ فهما حالا الموقن إذ لا يخلو في أدنى وقت ~~من أحد اثنين ؛ بلية وتحية ، إذ في كل شيء له آية فحاله في البلية الصبر ، ~~وحاله في التحية الشكر ، والله يحب الصابرين PageV01P355 ويحب الشاكر وهذا ~~آخر شرح مقام الشكر والحمد لله رب العالمين . # | شرح مقام الرجاء ووصف الراجين وهو الرابع من مقامات اليقين # قال الله تعالى : ( الله لطيف بعباده يرزق من يشاء ) الشورى : 19 وقال : ~~جلت قدرته : ( وكان بالمؤمنين رحيما ) الأحزاب : 43 وقال تعالى : ( ياعبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~) الزمر : 53 وروينا في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم : ولا يبالي أنه هو ~~الغفور الرحيم ، وفي الأخبار لمشهورة فقبض قبضة فقال : هؤلاء في الجنة ولا ~~أبالي المعنى والله أعلم أن رحمتي وسعت كل شيء فليس يضيق هولاء عنها ولا ~~أبالي بدخولهم فيها ، ويكون هؤلاء أيضا في الجنة ، ولا أبالي بأعمالهم ~~السيئة كلها ، وقال سبحانه وتعالى في وصف المتقين : ( والذين إذا فعلوا ~~فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ) آل عمران : 135 فاستغفروا لذنوبهم ومن ~~يغفر الذنوب إلا الله ، وقال عز وجل في وصف المتوكلين : ( إلا اللمم إن ربك ~~واسع المغفرة ) النجم : 32 وقال تعالى مخبرا عن الملائكة الحافين حول عرشه ~~: ( والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ms0482 ) الشورى : 5 وأخبر ~~عز وجل أن النار أعدها لأعدائه وأنه خوف بها أولياءه ، فقال تعالى : ( لهم ~~من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده ) الزمر : 16 ~~ومثله قول عز وجل : ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين ) آل عمران : 131 ~~وقال : ( فأنذرتكم نارا تلظى ) الليل : 14 لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب ~~وتولى ، وقال تعالى في عفوه عن الظالمين ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ~~ظلمهم ) الرعد : 6 ورينا أن النبي عليه السلام لم يزل يسأل في أمته حتى قيل ~~له : أما ترضى وقد أنزلت عليك هذه الآية : ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ~~ظلمهم ) آل عمران : 135 وفي تفسير قوله تعالى : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) ~~الضحى : 5 قال : لا يرضى محمد صلى الله عليه وسلم أن يدخل واحد من أمته ~~النار ، وكان أبوجعفر محمد بن علي رضي الله عنه يقول : أنتم أهل العراق ~~تقولون أرجى آية في كتاب الله تعالى قوله تعالى : ( ياعبادي الذين أسرفوا ~~على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله ) الزمر : 53 الآية ، ونحن أهل البيت ~~نقول أرجى آية في كتاب الله تعالى : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) الضحى : 5 ~~وعده ربه عز وجل أن يرضيه في أمته ، وروينا في حديث أبي بردة عن أبيه عن ~~أبي موسى : أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة جعل عقابها في الدنيا ~~الزلازل والفتن فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من أمتي رجلا من أهل ~~الكتاب فيقال هذا فداؤك من النار ، وروينا في لفظ آخر : يأتي كل رجل من هذه ~~الأمة بيهودي أو نصراني إلى جهنم فيقول : هذا فدائي من النار فيلقي فيها ، ~~وفي الخبر : إن الحمى من فيح جهنم وهي حظ المؤمنين من النار ، وروينا في ~~تفسير قوله تعالى : ( يوم لايخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) التحريم : ~~8 ، إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم : تريد أن أجعل ~~حساب أمتك إليك ؟ فقال : لا يارب أنت PageV01P356 خير لهم مني ، قال : إذا ~~لا ms0483 نخزيك فيهم ، وقال سفيان الثوري رضي الله عنه : ما أحب أن يجعل حسابي ~~إلى أبوي لأني أعلم أن الله تبارك وتعالى أرحم بي منهما . وروينا في خبر ~~سلمة بن وردان عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه ~~تعالى في ذنوب أمته فقال : يارب اجعل حسابهم إلي لئلا يطلع على مساوئهم ~~غيري فأوحى الله تعالى إلىه : هم أمتك وهم عبادي وأنا أرحم بهم منك لا أجعل ~~حسابهم إلى غيري كيلا تنظر في مساوئهم أنت ولا غيرك ، وقد روينا عنه صلى ~~الله عليه وسلم : أنه قال حياتي خير لكم وموتي خيرلكم ، أما حياتي فإني ~~أبين لكم السنن وأشرع الشرائع ، وأما موتي فأعمالكم تعرض علي فما رأيت منها ~~حسنا حمدت الله عز وجل وما رأيت منها شيئا استغفرت الله عز وجل لكم . ~~وروينا في الأثر : إذا تاب العبد من ذنوبه أنسى الله عز وجل ملائكته وبقاع ~~الأرض معاصيه وبدلها حسنات حتى يرد القيامة وليس شيء يشهد عليه ، وكذلك ~~يقال : إن المؤمن إذا عصاه ستره الله تعالى عن أبصار الملائكة كيلا تراه ~~فتشهد عليه ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم : ياكريم العفو ، ~~فقال له جبريل عليه السلام : تدري ما تفسير يا كريم العفو هو أنه عفا عن ~~السيئات برحمته ثم بدلها حسنات بكرمه ، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجلا يقول : اللهم إني أسألك تمام النعمة ، فقال : هل تدري ما تمام النعمة ~~؟ قال : لا ، قال : دخول الجنة ، وقد أخبرنا الله تعالى أنه قد أتم نعمته ~~علينا برضاه الإسلام لنا ؛ فهذا دليل على دخول الجنة ، فقال عز وجل : ( ~~اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ~~المائدة : 3 وقد اشتركنا في ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن نرجو ~~المغفرة لذنوبنا بفضله ، فقال عز من قائل : ( ليغفرلك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر يتم نعمته عليك ) ، و في خبر علي رضي الله عنه : من أذنب ذنبا ~~فستره الله تعالى ms0484 عليه في الدنيا ، فالله تبارك وتعالى أكرم من أن يكشف ~~ستره في الآخرة ، ومن أذنب ذنبا فعوقب عليه في الدنيا فالله تعالى أعدل من ~~أن يثني عقوبته على عبده في الآخرة ، وفي لفظ آخر : لا يذنب عبد في الدنيا ~~فيستره الله تعالى عليه إلا غفر له في الآخرة . وعن بعض السلف : كل عاص ~~فإنه يعصي تحت كنف الرحمن ، والكنف من الإنسان حضنه ما بين يديه وصدره ، ~~قال : فمن ألقى عليه كنفه ستر عورته ومن رفع عنه كنفه افتضح ، ويقال : إن ~~من فضح في الدنيا بذنب فهو كفارته ولا يفضح به في الآخرة . وفي الخبر : إذا ~~أذنب العبد فاستغفر الله ، يقول الله سبحانه وتعالى لملائكته : انظروا إلى ~~عبد أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفرالذنب فيأخذ بالذنب ، أشهدكم أني قد غفرت ~~له ، وحدثت عن محمد بن مصعب قال : كتب إلى أسود بن سالم بخطه : إن العبد ~~إذا كان مسرفا على نفسه ؛ يرفع يديه يدعو يقول : يارب فإذا قال يارب ، حجبت ~~PageV01P357 الملائكة صوته ، فإذا قال الثانية يارب ، حجبت الملائكة صوته ، ~~فإذا قال الثالثة يا رب حجبت الملائكة صوته ، فإذا قال الرابعة يقول الله ~~تعالى حتى متى تحجبوا صوت عبدي عني ، قد علم عبدي أنه ليس له رب يغفر ~~الذنوب غيري ، أشهدكم أني قد غفرت له ، وفي الحديث إذا أذنب العبد حتى تبلغ ~~ذنوبه عنان السماء غفرتها له ما استغفرني ورجاني . وفي حديث آخر : لو لقيني ~~عبدي بقراب الأرض ذنوبا ، لقيته بقرابها مغفرة ما لم يشرك بي شيئا ، وفي ~~الخبر : إن الملك ليرفع القلم عن العبد إذا أذنب ست ساعات ، فإن تاب ~~واستغفر لم يكتبه عليه وإلا كتبها سيئة ، وفي لفظ آخر : فإذا كتبها عليه ~~وعمل حسنة ، قال صاحب الشمال وهو أمير عليه : ألق هذه السيئة حتى ألقي من ~~حسناته واحدة من تضعيف العشرة وأرفع تسع حسنات فيلقي عنه هذه السيئة ويقال ~~: إن الله تعالى جعل في قلب صاحب اليمين من الرحمة للعبد أضعاف ما جعل في ~~قلب صاحب الشمال مع أنه أمره ms0485 عليه ، فإذا عمل العبد حسنة فرح بها ملك ~~اليمين ، ويقال : فرح بها الملائكة فيكتب للعبد بفرحه الحسنات . وروينا في ~~حديث أنس بن مالك الطويل : إذا أذنب العبد ذنبا كتب عليه ، فقال الأعرابي : ~~فإن تاب ؟ محي من صحيفته ، قال : فإن عاد ؟ قال رسول صلى الله عليه وسلم ~~يكتب عليه ، قال الأعرابي : فإن تاب ؟ قال محي من صحيفته ، قال : إلى متى ~~يارسول الله ؟ قال : إلى أن يستغفر : ويتوب إلى الله تعالى ، وأن الله لا ~~يمل من المغفرة حتى يمل العبد من الاستغفار ، فإذا هم العبد بحسنة كتبها ~~صاحب اليمين حسنة قبل أن يعملها فإذا عملها كتبها عشر حسنات ثم ضاعفها الله ~~عز وجل إلى سبعمائة ضعف ، وإذا هم بخطيئة لم تكتب عليه فإن عملها كتبت ~~خطيئة واحدة وراءها حسن عفوالله تعالى : وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال : يا رسول الله إني لا أصوم إلا الشهر لا أزيد عليه ولاأصلي إلا ~~الخمس لا أزيد عليهن وليس لله تبارك وتعالى في مالي صدقة ولاحج ولا أتطوع ~~أين أنا إذا مت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : في الجنة ، قال : يا ~~رسول الله معك فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال نعم معي إن حفظت ~~قلبك من اثنين الغل والحسد ولسانك من اثنين : الغيبة والكذب ، وعينك من ~~اثنين : النظر إلى ما حرم الله تعالى وإن تزدري بهما مسلما دخلت معي الجنة ~~على راحتي هاتين . وروينا في الخبر الطويل عن أنس رضي الله عنه : أن ~~الأعرابي قال : يا رسول الله من يلي حساب الخلق ؟ قال : الله عز وجل قال : ~~هو بنفسه ؟ قال : نعم ، قال : فتبسم الأعرابي فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : مم ضحكت ياأعرابي ؟ فقال : إن الكريم إذا قدر عفا وروي تجاوز ، وإذا ~~حاسب سامح ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق ألا ولا كريم أكرم من اله ~~عز وجل هو أكرم الأكرمين ، ثم قال عليه السلام : فقه الأعرابي ، وفيه أيضا ~~: إن الله تبارك وتعالى شرف الكعبة وعظمها ، ولو أن عبدا ms0486 هدمها حجرا حجرا ~~ثم أحرقها ما بلغ جرم من استخف بولي من أولياء الله تعالى ، قال الأعربي من ~~أولياء الله ؟ قال : المؤمنون كلهم أولياء الله تعالى ، أما سمعت الله ~~تعالى يقول : ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات PageV01P358 إلى ~~النور ) البقرة : 257 ، وفي الخبر المفرد عن النبي صلى الله عليه وسلم : ~~المؤمن أفضل من الكعبة ، والمؤمن طيب طاهر والمؤمن أكرم على الله تعالى من ~~الملائكة ، وفي الخبر المشهورعن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة رضي الله ~~عنهما وكعب الأحبار أنه نظر إلى الكعبة فقال : ما أشرفك وما أعظمك وللمؤمن ~~أعظم حرمة عند الله منك ، وقد أمر الله سبحانه وتعالى أنبياءه بتطهير بيته ~~لأوليائه إجلالا لهم فشرف البيت بهم ، وفي الخبر عن الله تعالى : من أهان ~~وليا فقد بارزني بالمحاربة وأنا الثائر لوليي في الدنيا والآخرة ، وفي ~~أخبار يعقوب عليه السلام أن الله تعالى أوحى إلىه : تدري لم فرقت بينك وبين ~~يوسف عليه السلام هذه المدة ؟ قال : لا قال : لقولك لإخوته أخاف أن يأكله ~~الذئب وأنتم عنه غافلون ، لم خفت الذئب عليه ولم ترجني له ، ولم نظرت إلى ~~غفلة إخوته ولم تنظر إلى حفظي له ، ومن سبق عنايتي بك أن جعلت نفسي عندك ~~أرحم الراحمين ، فرجوتني ولولا ذلك لكنت أجعل نفسي عندك أبخل الباخلين ، ~~فالرجاء هو اسم لقوة الطمع في الشيء بمنزلة الخوف اسم لقوة الحذر من الشيء ~~، ولذلك أقام الله تعالى الطمع مقام الرجاء في التسمية وأقام الحذر مقام ~~الخوف فقال : علت كلمته : ( يدعون ربهم خوفا وطمعا ) وقال تعالى : ( يحذر ~~الآخرة ويرجو رحمة ربه ) وهو وصف من أوصاف المؤمنين وخلق من أخلاق الإيمان ~~لا يصح إلا به كما لا يصح الإيمان إلا بالخوف ، فالرجاء بمنزلة أحد جناحي ~~الطير لايطير إلا بجناحيه ، كذلك لا يؤمن من لا يرجو من آمن به ويخافه وهو ~~أيضا مقام من حسن الظن بالله تعالى وجميل التأميل له ، فلذلك أوصى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا يموتن أحدكم إلاوهو حسن الظن بالله ~~تعالى لأنه ms0487 قال عن الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ماشاء ، وكان ~~ابن مسعود رضي الله عنه يحلف بالله تعالى ماأحسن عبد بالله تعالى ظنه إلا ~~أعطاه الله تعالى ذلك لأن الخير كله بيده أي فإذا أعطاه حسن الظن بالله ~~تعالى فقد أعطاه ما يظنه لأن الذي حسن ظنه به هو الذي أراد أن يحققه له . ~~وروينا عن يوسف بن أسباط قال : سمعت سفيان الثوري رضي الله عنه يقول في ~~قوله تعالى : ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) البقرة : 195 قال : أي ~~أحسنوا بالله تعالى الظن ، وكذلك دخل رسول الله على الرجل وهو في سياق ~~الموت فقال : كيف تجدك ؟ فقال : أجدني أخاف ذنوبي وأرجو رحمة ربي ، فقال ~~عليه السلام : ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله تعالى ما ~~رجا وأمنه مما يخاف ، ولذلك قال علي كرم الله وجهه للرجل الذي أطار الخوف ~~عقله حتى أخرجه إلى القنوط فقال له : يا هذا أيأسك من رحمة الله تعالى أعظم ~~من ذنبك ؟ صدق رضي الله عنه لأن الإياس من روح الله تعالي PageV01P359 الذي ~~يستريح إليه المكروب من الذنوب والقنوط من رحمة الله تعالى التي يرجوها ~~المبتلي بالذنوب أعظم من ذنوبه وهو أشد من جميع ذنوبه لأنه قطع بهواه على ~~صفات الله تعالى المرجوة وحكم على كرم وجهه بصفته المذمومة فكان ذلك من ~~أكبر الكبائر وإن كانت ذنوبه كبائر . وهكذا جاء في التفسير : ولاتلقوا ~~بأيدكم إلى التهلكة قال : هو العبد يذنب الكبائر ويلقى بيده ولا يتوب ويقول ~~: قد هلكت لا ينفعني عمل فنهوا عن ذلك إلا أن الرجاء مقام جليل وحال شريف ~~نبيل لا يصلح إلا للكرماء من أهل العلم ، والحياء وهو حال يحول عليهم بعد ~~مقام الخوف ، يروحون به من الكرب ويستريحون إلىه من مقارفة الذنب ، ومن لم ~~يعرف الخوف لم يعرف الرجاء ، ومن لم يقم في مقام الخوف لم يرفع إلى مقامات ~~أهل الرجاء على صحة وصفاء ورجاء ، كل عبد من حيث خوفه ومكاشفته عن أخلاق ~~مرجوة من ms0488 معنى ما كان كوشف به من صفات مخوفة ، فإن كان أقيم مقام المخوفات ~~من المخلوقات مثل الذنوب والعبوب والأسباب ، رفع من حيث تلك المقامات إلى ~~مقامات الرجاء ، بتحقيق الوعد وغفران الذنب وتشويق الجنان وما فيها من ~~الأوصاف الحسان ؛ وهذه مواجهات أصحاب اليمين وإن كان أقيم مقام مخاوف ~~الصفات عن مشاهدة معاني الذات مثل سابق العلم وسوء الخاتمة وخفي المكر ~~وباطن الاستدارج وبطش القدرة وحكم الكبر والجبروت ، رفع من هذه المقامات ~~إلى مقام المحبة والرضا ، فرجا من معاني الأخلاق وأسماء الكرم والإحسان ~~والفضل والعطف واللطف والإمتنان ، وليس يصح أن نخبر بكل ما نعلم من شهادة ~~أهل الرجاء في مقامات الرجاء من قبل أنه لا يصلح لعموم المؤمنين ، وهو يفسد ~~من لم يرزقه أشد الفساد فليس يصلح إلا بخصوصة ولا يجديه ولا يستجيب له ولا ~~يستخرج إلا من المحبة ولا محبة إلا بعد نصح القلب من الخوف ، وأكثر النفوس ~~لا يصلح إلاعلى الخوف ، كعبيد السوء لا يستقيمون إلا بالسوط والعصا ثم ~~يواجهون بالسيوف صلتا ، ومن علامة صحة الرجاء في العبد كون الخوف باطنا في ~~رجائه لأنه لما تحقق برجاء شيء خاف فوته لعظم المرجو في قلبه وشدة اغتباطه ~~به ، فهو لا ينفك في حال رجائه من خوف فوت الرجاء ؛ والرجاء هو ترويحات ~~الخائفين ، ولذلك سمت العرب الرجاء خوفا لأنهما وصفان لا ينفك أحدهماعن ~~الآخر ، ومن مذهبهم أن الشيء إذا كان لازما لشيء أو وصفا له أو سببا منه ، ~~أن يعبروا عنه به فقالوا : مالك لا ترجو كذا وهم يريدون ما لك لا تخاف ؟ ~~وعلى هذه اللغة جاء قول الله تعالى : ( ما لكم لا ترجون لله وقارا ) نوح : ~~13 أجمعوا على تفسيره : مالكم لا تخافون لله عظمة ، وهو أيضا أحد وجهي ~~تفسير قوله تعالى : ( فمن كان يرجو لقاء ربه ) الكهف : 110 أي يخاف من ~~لقائه ومثل الخوف من الرجاء ، مثل اليوم PageV01P360 من الليلة لما لم ينفك ~~أحدهما عن الآخر جاز أن يعبر عن المدة بأحدهما فيقال : ثلاثة أيام وثلاث ~~ليال ، ومنه قول الله ms0489 تعالى مخبرا عن قصة واحدة فقال عز وجل : ( آيتك ألا ~~تكلم الناس ثلاث ليال سويا ) مريم : 10 ثم قال تعالى : ( ثلاثة أيام إلا ~~رمزا ) آل عمران : 41 فلما لم يكن اليوم ينفك عن ليلته والليلة لا تنفك عن ~~يومها أخبر عن أحدهما بالآخر لأن أحدهما يشبه الآخر مندرج فيه ، ولا يظهر ~~إلا أحدهما بحكمة الله تعالى وقدرته لتفاوت أحكامه فيهما ، وافتراق إنعامه ~~بهما ، فإذا ظهر النهار اندرج الليل فيه بقدرته تعالى ، وإذا ظهر الليل ~~استتر النهار بحكمه تعالى ، وهو حقيقة إيلاجه أحدهما في الآخر ، وتحقيق ~~تكويره أحدهما على صاحبه ، فكذلك حقيقة الرجاء والخوف في معاني الملكوت إذا ~~ظهر الخوف كان العبد خائفا ، وظهرت عليه أحكام الخوف عن مشاهدة التجلي بوصف ~~مخوف ، فسمي العبد خائفا لغلبته عليه وبطن الرجاء في خوفه ، وإذا ظهر ~~الرجاء كان العبد راجيا وظهرت منه أحكام الرجاء عن مشاهدة تجلي الربوبية ~~بوصف مرجو فوصف العبد به لأنه هو الأغلب عليه وبطن الخوف في رجائه لأنهما ~~وصفان للإيمان كالجناحين للطير ، فالمؤمن بين الخوف والرجاء كالطائر بين ~~جناحيه وكلسان الميزان بين كفتيه ومنه قول مطرف : لو وزن خوف المؤمن ورجاءه ~~لاعتدلا فهذا أصل في معرفة حقيقة الرجاء وصدق الطمع في المرجو ، فالمؤمنين ~~في اعتدال الخوف والرجاء مقامان ؛ أعلاهما مقام المقربين ، وهو ما حال ~~عليهم من مقام مشاهدة الصفات المخوفة والأخلاق المرجوة ، والثاني مقام ~~أصحاب اليمين وهو ماعرفوه من بدائع الأحكام وتفاوت الأقسام ، من ذلك أنه ~~أنعم سبحانه وتعالى على الخلق بفضله عن كرمه اختيارا لا إجبارا ، فلما ~~أعلمهم ذلك رجو تمام النعمة من حيث ابتداؤها ، ومن ههنا طمع السحرة في ~~المغفرة لما ابتدؤا بالإيمان فقالوا : إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا ~~إن كنا أول المؤمنين ، أي من حيث جعلنا أول المؤمنين من هذا المكان نرجو أن ~~يغفر لنا بأن جعلنا مؤمنين به فرجوه منه ، وقد ذم الله تعالى عبدا أوجده ~~نعمة ثم سلبها فأيس من عودها عليه فقال تعالى : ( ولئن أذقنا الإنسان منا ~~رحمة ثم نزعناها منه إنه ms0490 ليؤوس كفور ) هود : 9 ثم استثنى عباده الصابرين ~~عليه الصالحين له فقال تعالى : ( إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ) هود : ~~11 وروي أن لقمان عليه السلام قال لابنه خف الله تعالى خوفا لا تأمن فيه ~~مكره ، وارجه رجاء أشد من خوفك ، قال : وكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد ~~؟ قال : أما علمت أن المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما ، ويرجو بالآخر ؟ ~~والمعنى أن الخوف والرجاء وصف الإيمان لا يخلو منهما قلب مؤمن ، فصار كذي ~~قلبين حينئذ ثم إن الخلق خلقوا على أربع طبقات ، في كل طبقة طائفة فمنهم من ~~يعيش مؤمنا ويموت مؤمنا ، فمن ههنا رجاؤهم لأنفسهم ولغيرهم من المؤمنين ، ~~إذ قد أعطاهم فرجوا أن يتم عليهم نعمته PageV01P361 وأن لا يسلبهم بفضله ما ~~به بدأهم ، ومن الناس من يعيش مؤمنا ويموت كافرا فهذا موضع خوفهم عليهم ~~وعلى غيرهم لمكان علمهم بهذا الحكم ولغيب حكم الله تعالى بعلمه السابق فيهم ~~، ومن الناس من يعيش كافرا ويموت مؤمنا ، ومنهم من يعيش كافرا ويموت كافرا ~~؛ فهذان الحكمان أوجبا رجاءهم الثاني للمشترك إذا رأوه فلم يقنطوا بظاهره ~~أيضا خوف هذا الرجاء خوفا ثانيا أن يموت على تلك الحال وأن يكون ذلك هو ~~حقيقة عند الله تعالى ، فعلم المؤمن بهذه الأحكام الأربعة ورثه الخوف ~~والرجاء معا ، فاعتدل حاله بذلك لاعتدال إيمانه به ، وحكم على الخالق ~~بالظاهر ، ووكل إلى علام الغيوب السرائر ، ولم يقطع على عبد بظاهره من الشر ~~، بل يرجو له ما بطن عند الله تعالى من الخير ، ولم يشهد لنفسه ولا لغيره ~~بظاهر الخير ، بل يخاف أن يكون قد استسر عند الله تعالى باطن شر ، إلا أن ~~حال التمام أن يخاف العبد على نفسه ويرجو لغيره لأن ذلك هو وجد المؤمنين من ~~قبل أنهم متعبدون بحسن الظن ، فهم يحسنون الظن بالناس ، ويخرجون لهم ~~المعاذير بسلامة الصدور ، وتسليم ما غاب إلى من إليه تصير الأمور ، ثم هم ~~في ذلك يسيئون الظن بنفوسهم لمعرفتهم بصفاتها ، ويوقعون الملاوم عليها ولا ~~يحتجون لها لباطن الإشفاق منهم عليهم ، ولخوف التزكية منهم ms0491 لهم ، فمن قلب ~~عليه هذان المعنيان فقد مكر به حتى يحسن الظن بنفسه ويسيء ظنه بغيره ، ~~فيكون خائفا على الناس ، راجيا لنفسه ، عاذرا لنفسه ، محتجا لها ، لائما ~~للناس ، ذاما لهم ؛ فهذه أخلاق المنافقين ، ثم إن للراجي حالا من مقامه ~~ولحاله علامة من رجائه ، فمن علامة الرجاء عن مشاهدة المرحو ، دوام ~~المعاملة وحسن التقرب إليه وكثرة التقرب بالنوافل لحسن ظنه به وجميل أمله ~~منه ، وأنه يتقبل صالح ما أمر به تفضلا منه من حيث كرمه ، لا من حيث الواجب ~~عليه ، ولا الاستحقاق منا وأنه أيضا يكفر سئ ما عمله إحسانا منه ورحمة من ~~حيث لطفه بنا وعطفه علينا لأخلاقه السنية وألطافه الخفية لا من حيث اللزوم ~~له بل من حيث حسن الظن به ، كما قال سفيان الثوري رضي الله عنه : من أذنب ~~ذنبا ، فعلم أن الله تعالى قدره عليه ورجا غفرانه غفر الله عز وجل له ذنبه ~~، قال : لأن الله تعالى غير قوما فقال تعالى : ( وذلكم ظنكم الذي ظننتم ~~بربكم أرداكم ) فصلت : 23 وقد قال سبحانه وتعالى في مثله : ( وظننتم ظن ~~السوء وكنتم قوما بورا ) الفتح : 12 أي هلكى ، ففي دليل خطابه عز وجل أن من ~~ظن حسنا كان من أهل النجاة ، وقد جاء في الأثر : إن من أذنب ذنبا فأحزنه ~~ذلك غفر له ذنبه وإن لم سيغفر ، ومقام الرجاء كسائر مقامات اليقين منها فرض ~~وفضل ، فعلى العبد فرض أن يرجو مولاه وخالقه معبوده ورازقه ، من حيث كرمه ~~وفضله ، لا من حيث نظره إلى صفات نفسه ولؤمه ، وقد كان سهل رحمه الله تعالى ~~يقول : من سأل الله تبارك وتعالى شيئا فنظر إلى PageV01P362 شيء وإلى ~~أعماله لا يرى الإجابة حتى يكون ناظرا إلى الله تبارك وتعالى وحده وإلى ~~لطفه وكرمه ، ويكون موقنا بالإجابة ، ولعمري أن من سأل الله تعالى ورغب ~~إلىه في شيء ، ورجاه ناظرا إلى نفسه وعمله ، فإنه غير مخلص في الرجاء له ~~تعالى لشركه في النظر إليه ، وإذا لم يكن مخلصا لم يكن موقنا ، ولا يقبل ~~الله تعالى عملا ولا ms0492 دعاء إلا من موقن بالإجابة مخلص ، فإذا شهد التوحيد ~~ونظر إلى الوحدانية فقد أخلص وأيقن ، وهكذا جاء في الخبر : إذا دعوتم ~~فكونوا موقنين بالإجابة ، فإن الله تعالى لا يقبل إلا من موقن ومن داع دعاء ~~بينا من قلبه ، لأن من استعمله الله تعالى بالدعاء له فقد فتح له بابا من ~~العبادة . وفي الخبر : الدعاء نصف العبادة ولايقبل الله تعالى من الدعاء ~~إلا الناخلة بمعنى المنخول وهو الخالص ، فأقل ما يعطيه من دعائه أن يكون ~~ذلك حسنة منه ، يضعفه له عشرا إلى سبعمائة ضعف ، وأعلاه أن يدخر له في ~~الآخرة ماهو خير له من جيمع الدنيا وما فيها مما لم يخطر على قلبه قط ، ~~ويكون ذلك حسن نظر من الله تعالى له واختيار ، وأوسط ذلك أن يصرف عنه من ~~البلاء الذي هو لو كان علمه كان صرفه أهم عليه وأحب إليه مما سأل فيه ، وقد ~~روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من داع دعا موقنا بالإجابة في ~~غير معصية ولا قطيعة رحم ، إلا إعطاه الله تعالى إحدى ثلاث ؛ إما أن يجيب ~~دعوته فيما سأل ، أو يصرف عنه من السوء مثله ، أو يدخر له في الآخرة ما هو ~~خير له ، وفي أخبار موسى عليه السلام : يارب أي خلقك أنت عليه أشد تسخطا ؟ ~~فقال تعالى : من لم يرض بقضائي ، ومن يستخيرني في أمر فإذا قضيت له كره ذلك ~~، وفي الخبر الآخر : إنه قال يارب أي الأشياء أحب إليك وأيها أبغض ؟ فقال ~~سبحانه وتعالى : أحب الأشياء إلي الرضا بقضائي وأبغضها إلي أن تطري نفسك . ~~وروينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم : أنه قال للرجل الذي قال : أوصني فقال ~~: لاتتهم الله تعالى في شيء قضاه عليك ، وفي الخبر الآخر : أنه نظر إلى ~~السماء وضحك صلى الله عليه وسلم فسئل عن ذلك فقال : عجبت لقضاء الله تعالى ~~للمؤمن في كل قضائه له خير ، إن قضي له بالسراء رضي ؛ وكان خيرا له وإن قضي ~~عليه بالضراء رضي به وكان خيرا له ، ومن حسن الظن ms0493 بالله تعالى لطف التملق ~~له سبحانه وتعالى ، وهو من قوة الطمع فيه ، وفي خبر : حسن الظن بالله عز ~~وجل من حسن عبادة الله عز وجل ، كما روينا في تفسير قوله تعالى : ( فتلقى ~~آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) البقرة : 73 إن الكلمات هي قوله عليه السلام ~~: يارب هذا الذنب الذي أصبته كان من قبل نفسي أو من شيء سبق في علمك قبل أن ~~تخلقني قضيته علي ، فقال : بل شيء سبق في علمي كتبته عليك ، قال : يارب ~~فكما قضيته علي فاغفر لي ، قال : فهي الكلمات التي لقاه الله تعالى إياها . ~~وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى للعبد يوم القيامة : ~~ما منعك إذ رأيت المنكر PageV01P363 أن تنكره ؟ قال : فإن لقن الله تعالى ~~العبد حجته قال : يارب رجوتك وخفت الناس ، قال : لقد غفرت له ، وفي ~~الخبرالمشهور : أن رجلا كان يداين الناس فيسمح لهم ويتجاوز عن المعسر فلقي ~~الل تعالى ولم يعمل خيرا قط ، فقال الله تعالى سبحانه وتعالى : نحن أحق ~~بذلك منك قال : فغفر له برجائه وظنه ، ثم يتفاوت الراجون في فضائل الرجاء ، ~~فالمقربون منهم رجوا النصيب الأعلى من القرب والمجالسة والتجلي بمعاني ~~الصفات مما عرفوه ؛ وهذا عن علمهم به وأصحاب اليمين من الراجين رجوا النصيب ~~الأوفر من مزيده والفضل الأجزل من عطائه يقينا بما وعد ، ومن الرجاء : ~~انشراح الصدر بأعمال البر وسرعة السبق والمبادرة بها خوف فوتها ورجاء ~~قبولها ، ثم مهاجرة السوء ومجاهدة النفس رجاء انتجاز الموعور وتقربا إلى ~~الرحيم الودود ، ومنه قول أصدق القائلين : ( إن الذين آمنواوالذين هاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله ) البقرة : 218 وفسر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المهاجرة والمجاهدة فقال المهاجر : من هجر السوء ، ~~والمجاهد : من جاهد نفسه في الله تعالى ، وأقام الصلاة التي هي خدمة ~~المعبود ، وبذل المال سرا وعلانية وقليلا وكثيرا ، وأن لا يشتغل عن ذلك ~~بتجارة الدنيا ، كما وصف الله سبحانه وتعالى المحققين من الراجين إذ يقول ~~عز من قائل : ( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا ms0494 الصلاة وأنفقوا مما ~~رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ) فاطر : 29 ومن الرجاء القنوت في ~~ساعات الليل ؛ وهو طول القيام للتهجد ، والدعاء عند تجافي الجنوب عن ~~المضاجع لما وقر في القلوب من المخاوف ، ولذلك وصف الله الراجين بهذا في ~~قوله تعالى : ( أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا ~~رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) الزمر : 9 فسمى أهل ~~الرجاء والحذر وأهل التهجد آناء الليل علماء ، وحصل من دليل الكلام : أن من ~~لم يخف ولم يرج غير عالم لنفيه المساواة بينهما ، وهذا مما يحذف خبره ~~اكتفاء بأحد وصفيه إذ في الكلام دليل عليه فالرجاء هو أول مقام من اليقين ~~عند المقربين وهو ظاهر أوصاف الصديقين ، ولايكمل في قلب عبد ، ولا يتحقق به ~~صاحبه حتى يجتمع فيه هذه الأوصاف ؛ الإيمان بالله تعالى ، والمهاجرة إليه ~~سبحانه وتعالى ، والمجاهدة فيه وتلاوة القرآن ، وإقامة الصلاة ، والإنفاق ~~في سبيل الله تعالى ، ثم السجود آناء الليل ، والقيام والحذر مع ذلك كله ؛ ~~فهذه جملة صفات الراجين ، وهو أول أحوال الموقنين ثم تتزايد الأعمال في ذلك ~~ظاهرا وباطنا بالجوارح والقلوب عن تزايد الأنوار والعلوم ومكاشفات الغيوب ~~بالأوصاف الموجودة وفصل الخطاب ، إن الخوف والرجاء طريقان إلى مقامين ؛ ~~فالخوف طريق العلماء إلى مقام العلم ، PageV01P364 والرجاء طريق العمال إلى ~~مقام العاملين ، وقد وصف الله عز وجل الراجين مع الأعمال الصالحة لقوة ~~رجائهم بالخوف ، تكملة لصدق الرجاء وتتمة لعظيم الغبطة به ، فقال تعالى ~~وتقدس : ( والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ) المؤمنون : 60 وقال عز وجل ~~مخبرا عنهم في حال وفائهم وأعمال برهم : ( إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ) ( ~~فمن الله علينا ) الطور : 26 - 27 وقال عز وجل : ( يوفون بالنذر ويخافون ~~يوما ) الإنسان : 7 من قبل أن الخوف مرتبط بالرجاء ، فمن تحقق بالرجاء ~~صارعه الخوف أن يقطع به دون ما رجا ، وقال أهل العربية في معنى قوله تعالى ~~: ( قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ) ( الجاثية : 14 أي ~~للذين لايخافون عقوبات الله تعالى ، فإذا ms0495 كان هذا أمره بالمغفرة لمن لا ~~يرجو فكيف يكون غفره وفضله على من يرجو ، وبعضهم يقول في معنى قوله تعالى : ~~( ويرجون من الله ما لا يرجون ) النساء : 104 أي تخافون منه ما لا يخافون ، ~~فلولا أنهما عند العلماء كشيء واحد ما فسر أحدهما بالآخر ، ومن الرجاء ~~الأنس بالله تعالى في الخلوات ، ومن الأنس به الأنس بالعلماء والتقرب من ~~الأولياء ، وارتفاع الوحشة بمجالسة أهل الخير ، وسعة الصدر والروح عندهم ، ~~ومن الرجاء سقوط ثقل المعاونة على البر والتقوى ، لوجود حلاوة الأعمال ~~والمسارعة إليها ، والحث لأهلها عليها والحزن على فوتها والفرح بدركها ، ~~ومن ذلك الخبر المأثور من سرته حسنته وساءته سيئته ، فهو مؤمن ، والخبر ~~المأثور : خيار أمتي الذين إذا أحسنوا استبشروا ، وإذا أساؤوا استغفروا لأن ~~المؤمن على يقين من أمره وبصيرة من دينه ، والخوف والرجاء وصف الموقن بالله ~~تعالى فهو إذا عمل حسنة ، أيقن بثوابها لصدق الوعد وكرم الموعد ، وإذا عمل ~~سيئة أيقن بالكراهة لها ، وخاف المقت عليها لخوف الوعيد وعظمة المتوعد من ~~قبل أن دخوله في الطاعة ، دخول في محبة الله تعالى ومرضاته لما دل العلم ~~عليه ؛ فهذا رضا الله سبحانه وتعالى في الدنيا ، فكيف لا يسره رضاه ومن قبل ~~أن دخوله في المعصية دخول في غضب الله تعالى ومكارهه ، بما دل العلم عليه ~~فذلك الذي يسوءه لأن مقت الله تعالى اليوم معاصيه وسخطه غدا تعذيبه ، ومن ~~هذا قول الله عز وجل وهو أصدق القائلين : ( ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم ~~أنفسكم ) غافر : 10 قال : لما نظروا إلى أنفسهم بتشويه خلقهم في النار ~~مقتوها فنودوا لمقت الله في الدنيا على معاصيه أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم ~~في العذاب ، كما أن رضاه غدا تنعيمهم في جنته كذلك رضاه اليوم عملهم بطاعته ~~ومرضاته ؛ وهذا وصف عبد مراد مكاشف بعلم اليقين . ومن هذا حديث زيد الخيل ~~إذ قال للنبي صلى الله عليه وسلم : جئتك أسألك عن علامة الله تعالى فيمن ~~يريد وعلامته فيمن لا يريد فقال : كيف أصبحت فقال : أصبحت أحب الخير وأهله ~~وإذا قدرت ms0496 على شيء منه سارعت إليه وأيقنت بثوابه وإذا فاتني شيء منه حزنت ~~عليه PageV01P365 وحننت إليه فقال صلى الله عليه وسلم : هذه علامة الله ~~تعالى فيمن يريد ولو أرادك للأخرى هيأك لها ، ثم لم يبال في أي أوديتها ~~هلكت ، ومن الرجاء التلذذ بدوام حسن الإقبال والتنعم بمناجاة ذي الجلال ~~وحسن الإصغاء إلى محادثة القريب والتلطف في التملق للحبيب وحسن الظن به في ~~العفو الجميل ومنال الفضل الجزيل ، وقال بعض العارفين : للتوحيد نور وللشرك ~~نار ، ونور التوحيد أحرق لسيئات المؤمن من نار الشرك لحسنات المشرك ، ولما ~~احتضر سليمان التيمي قال لابنه : يابني حدثني بالرخص واذكر لي الرجاء حتى ~~ألقى الله تعالى على حسن الظن به ، وكذلك لما حضر سفيان الثوري رضي الله ~~عنه الوفاة جعل العلماء حوله يرجونه ، وحدثنا عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه ~~أنه قال لابنه عند الموت : اذكر لي الأخبار التي فيها الرجاء وحسن الظن ، ~~فلولا أن الرجاء وحسن الظن من فواضل المقامات ما طلبه العلماء في آخر ~~الأوقات عند فراق العمر ولقاء المولى لتكون الخاتمة به وهم يسألون الله حسن ~~الخاتمة طول الحياة ، ولذلك قيل : إن الخوف أفضل مادام حيا فإذا حضر الموت ~~فالرجاء أفضل ، وقد كان يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى يقول في مقامات ~~الرجاء : إذا كان توحيد ساعة يحبط ذنوب خمسين سنة فتوحيد خمسين سنة ماذا ~~سيصنع بالذنوب ؟ وقال أبو محمد سهل رضي الله عنه : لا يصبح الخوف إلا لأهل ~~الرجاء ، وقال مرة : العلماء مقطوعون إلا الخائفين ، والخائفون مقطوعون إلا ~~الراجين ، وكان يجعل الرجاء مقاما في المحبة وهو عند العلماء أول مقامات ~~المحبة ، ثم يعلو في الحب على قدر ارتفاعه في الرجاء وحسن الظن ، وروينا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في الرجاء لا يصلح ذكرها لعموم الناس ولكن ~~نذكر من ذلك ما ظهر خلق الله تعالى لجهنم من فضل رحمته سوطا يسوق الله عز ~~وجل به عباده إلى الجنة ، وخبر آخر ، يقول الله تعالى : إنما خلقت الخلق ~~ليربحوا علي ولم أخلقهم لأربح ms0497 عليهم ، وفي حديث عطاء بن يسارعن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ماخلق الله تعالى شيئا ~~إلا جعل له ما يغلبه وجعل رحمته تغلب غضبه ، والخبر المشهور : إن الله ~~تعالى كتب على نفسه قبل أن يخلق الخلق : إن رحمتي تغلب غضبي ، والأخبار ~~المشهورة عن معاذ بن جبل وأنس بن مالك رضي الله عنهما : من قال لا إله إلا ~~الله دخل الجنة ، ومن كان آخركلامه قول : لا إله إلا الله لم تمسه النار ، ~~ومن لقي الله تعالى لا يشرك به شيئا حرمت عليه النار ولا يدخل النار من في ~~قلبه وزن ذرة من إيمان ، وقد قال في خبر آخر : لو يعلم الكافر سعة رحمة ~~الله تعالى ما أيس من رحمته أحد وقد قال تعالى في حسن عفوه عن أكبر الكبائر ~~بعد ظهور الآيات : ( ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ~~ذلك ) النساء : 153 ، PageV01P366 وقال في خطاب لطيف لأوليائه يعرفهم نفاذ ~~أحكامه فيهم وجريان مشيئته عليهم : فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ~~فاعلموا أن الله عزيز حكيم ، عزيز لا يوصل إليه إلا به ، حكيم حكم بمشيئته ~~على عباده ، ثم يغفر الذنوب جميعا فلا يبالي كما أجرى على من فضله على ~~العالمين ، مقالة الكافرين فلم يضرهم مع تفضيله لهم إذ قالوا لموسى عليه ~~السلام : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، فقال : أغير الله أبغيكم إلها وهو ~~فضلكم على العالمين ؛ وبهذا المعنى عارض علي كرم الله وجهه رأس الجالوت لما ~~قال له : لم تلبثوا بعد نبيكم عليه السلام إلا ثلاثين سنة حتى ضرب بعضكم ~~وجه بعض بالسيف فقال علي كرم الله وجهه : أنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر ~~حتى قلتم لموسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة . وروينا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بمايفزعهم وينفرهم ، ~~وقال في حديث آخر : بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا ، ولما وعظهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : لو ms0498 تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ~~الحديث ، فهبط جبريل عليه السلام فقال : إن الله تعالى يقول : لم تقنط ~~عبادي ؟ فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجاهم وشوقهم ، ولما تلا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) الحج ~~: 1 قال : أتدرون أي يوم ؟ هذا يوم يقال لآدم عليه السلام : قم فابعث نصيب ~~النار من ذرتك ، فقال : كم ؟ قيل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار ~~وواحد إلى الجنة ، قال : فبكوا يومهم ذلك وتركوا الأشغال والعمل ، فخرج ~~عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P367 فقال : ما بالكم أنتم في ~~الأمم مثل شعرة بيضاء في جلد ثور أسود ، والخبر المشهور : لو لم تذنبون ~~لخلق الله تعالى خلقا يذنبون ليغفر لهم ، وفي لفظ آخر : لذهب بكم وجاء بقوم ~~يذنبون فيغفر لهم ، إنه هو الغفور الرحيم أي أن وصفه سبحانه وتعالى المغفرة ~~والرحمة ، فلابد أن يخلق مقتضى وصفه حتى يحق وصفه عليه هذا كما يقول في علم ~~المعرفة : إن له سبحانه وتعالى من كل اسم وصفا ومن كل وصف فعل ، وفي هذا سر ~~المعرفة ومنه معرفة الخصوص ، وحكي لنا معناه عن إبراهيم بن أدهم رضي الله ~~عنه قال : خلا لي الطواف ذات ليلة ، وكانت ليلة مطيرة مظلمة فوقفت في ~~الملتزم عند الباب فقلت : يارب اعصمني حتى لاأعصيك أبدا ، فهتف بي هاتف من ~~البيت : ياإبراهيم أنت تسألني العصمة وكل عبادي المؤمنين يطلبون ذلك ، فإذا ~~عصمتهم فعلى من أتفضل ولمن أغفر ؟ وكان الحسن البصري رضي الله عنه يقول : ~~لو لم يذنب المؤمن لكان يطير طيرا ولكن الله تعالى قمعه بالذنوب . وفي ~~الخبر مثله : لوم لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو شر من الذنوب ، قيل : وما هو ~~؟ قال : العجب ، ولعمري أن العجب من صفات النفس المتكبرة ، وهو يحبط ~~الأعمال ، وهو من كبائر أعمال القلوب والذنوب من أخلاق النفس الشهوانية ، ~~ولأن يبتلي العبد الشهواني بعشر شهوات من شهوات النفس خير له من أن يبتلي ~~بصفة من صفات النفس مثل الكبر ms0499 ، والعجب ، والبغي ، والحسد ، وحب المدح ، ~~وطلب الذكر ؛ لأن هذه منها ؛ معاني صفات الربوبية ، ومنها أخلاق الأباسلة ، ~~وبها هلك إبليس ، وشهوات النفس من وصف الخلقة وبها عصى أدم ربه فاجتباه ~~بعدها وتاب عليه وهدى ، وقد قال بشر بن الحرث : سكون النفس إلى المدح أضر ~~عليها من العاصي ، ورأى يوسف بن الحسين مخنثا فأعرض عنه إزراء عليه ، ~~فالتفت إليه المخنث وقال : وأنت أيضا يكفيك مابك ففزع من قوله ، فقال : وأي ~~شيء تعلم ؟ قال : لأن عندك أنك خير مني ، فاعترف يوسف بقوله ، فتاب واستغفر ~~وكان بعض الراجين من العارفين إذا تلا هذه الآية ، آية الدين التي في سورة ~~البقرة ، يسر بذلك ويستبشر لها ويعظم رجاؤه عندها ، فقيل له في ذلك : إنها ~~ليس فيها رجاء ولا ما يوجب الاستبشار فقال : بلى فيها رجاء عظيم ، قيل : ~~وكيف ذلك ؟ فقال : إن الدنيا كلها قليل ورزق الإنسان فيها قليل من قليل ~~وهذا الدين من رزقه قليل ، ثم إن الله تبارك وتعالى احتاط في ذلك ورفق ~~النظر لي بأن وكد ديني بالشهود والكتاب وأنزل فيه أطول آية في كتابه ، ولو ~~فاتني ذلك لم أبال به فكيف يكون فعله بي في الآخرة التي لا عوض لي من نفسي ~~فيها . وكذلك كان بعض الراجين يفهم من قوله تعالى إذا تلا : ( وبدا لهم من ~~الله ما لم يكونوا يحتسبون ) الزمر : 47 يرجو من ذلك بوادي الجود والإحسان ~~مما لم يحسبه في الدنيا قط ، وقد كان الجنيد رحمه الله يقول : إن بدت عين ~~من الكرم ألحقت المسيئين PageV01P368 بالمحسنين ، وعلى ذلك جاء في الخبر : ~~ليغفرن الله تعالى يوم القيامة مغفرة ماخطرت قط على قلب أحد حتى أن إبليس ~~يتطاول رجاء أن تصيبه ، وفي الخبر : إن لله تعالى تسعا وتسعين رحمة أظهر ~~منها في الدنيا رحمة واحدة بها يتراحم الخلائق فتحن الوالدة إلى ولدها ~~وتعطف البهيمة على ولدها ، فإذا كان يوم القيامة ضم هذه الرحمة إلى تلك ~~التسعة والتسعين ، ثم بسطها على جميع خلقه وكل رحمة منها طباق السموات ~~والأرضين ، قال : فلا يهلك على ms0500 الله تعالى إلا هالك ، وقد قال بعض العلماء ~~: إن الله تعالى إذا غفر لعبد في موقف القيامة ذنبا غفر ذلك الذنب لكل من ~~عمله ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : اعملوا وأبشروا واعلموا أن أحدا لن ~~ينجيه عمله . وفي الحديث الآخر : ما منكم من أحد يدخله عمله الجنة ولا ~~ينجيه من النار ، قالوا : ولا أنت يارسول الله ، قال : ولا أنا إلا أن ~~يتغمدني الله تعالى برحمة وفضل ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم : إني اختبأت ~~شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ، وفي لفظ آخرأترونها للمصفين المتقين بل هي ~~للمخلصين المتلوثين وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى رضي الله ~~عنهما ، وقد بعثهما واليين على اليمن فأوصاهما فيما أمرهما به فقال يسرا ~~ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا ، فعلم المؤمنين بكرم الله تعالي وخفي لطفه ، ~~ولطيف منه لا يقعدهم عن تأميله ، ولا يقصر بهم عن رجاءه ، ولا حسن ظنهم به ~~، ولا يقوى الخوف فيخرجهم إلى الأياس من رحمته ، لأجل علمهم بجبريته ~~وكبريائه ، من قبل أن المهوب هو المحبوب فمحبته تؤنسهم وترجيهم ، وهيبته ~~تزعجهم وتخيفهم فخوفهم في المهابة في لذاذة ونعيمهم بالحب في مهابة فهم في ~~مقام الخوف والمحبة معتدلون ، وبقوة العلم بهما متمكنون ، وفي مشاهدة ~~المخوف والمحبوب مستقيمون ، وهذا المقام هو وصف العارفين من الموقنين ؛ وهم ~~أهل كمال الإيمان وصفوة خصوص ذوي الإيقان إذ قد عرفوا أن الله تبارك وتعالى ~~كامل في صفاته لا يعتريه نقصان في وصف دون وصف وإنما الرحمة لسعة العلم ، ~~كما العلم لسعة القدرة لما شهدوا من وصفه بما سمعوا من كلامه أنه كان عليما ~~قديرا . كذلك قال تعالى : ( وسعت كل شيء رحمة وعلما ) غافر : 7 وكذلك فهموا ~~من قوله تعالى : ( ورحمتي وسعت كل شيء ) الأعراف : 156 فدخلت جهنم وغيرها ~~في توسعة الرحمة من حيث كن شيئا وقوله عز وجل : ( فسأكتبها للذين يتقون ) ~~الإسراء : 44 معناه خصوص الرحمة ، وصفها لا كنهها ، إذ لا نهاية للرحمة ، ~~لأنها صفة الراحم الذي لا حد له ، ولأنه لم يخرج من رحمته شيء ms0501 كما لم يخرج ~~من حكمته وقدرته شيء ، لأن جهنم والنار الكبرى وغيرهما ليس كنه عذابه ولا ~~كلية تعذيبه ، فمن ظن ذلك به لم يعرفه ، ولأنه لما أظهر من عذابه مقدار ~~طاقة الخلق كما أنه أظهر من ملكه ونعمه مقدار مصالح الخلق وما لا يصلح ~~للخلق ، ولا يطيقون إظهاره أكثر مما أظهر من النعيم والعذاب ، بل لا ينبغي ~~لهم أن يعرفوا فوق ما أبدى لأن نهاية تعذبيه وتنعيمه من نهاية ملكه الذي هو ~~قائم به PageV01P369 وملكه عن غاية قدرته وسلطانه ، ولانهاية لذلك ، ولا ~~يطيق الخلق كله إظهار ذلك ، وذلك أيضا عن تعالي صفاته وبهاء أسمائه ~~المتناهيات ، ولا سبيل إلى كشف ذلك من الغيوب ، فسبحان من لا نهاية لقدرته ~~ولا حد لعظمته ولا أمد لسلطانه ، وكذلك شهدوا ما سمعوا من قوله عز وجل : ( ~~إنه كان حليما غفورا ) الإسراء : 44 ، وقال : ( وكان الله عليما حليما ) ~~الأحزاب : 51 ، فعلموا أن المغفرة على سعة الحلم ، كما أن الحلم سعة العلم ~~، فلما رأوا عظيم حلمه رجو عظيم مغفرته ، ولما شهدوا كثيف ستره أملوا جميل ~~عفوه ، وكذلك يقال : إن حملة العرش يتجاوبون بأصوات سبحانك على حلمك بعد ~~علمك ، سبحانك على عفوك بعد قدرتك ، فللراجين من العارفين فهوم من السمع ~~للكلام نحو علو نظرهم عن سمو علومهم بمعاني الصفات ، وكل صاحب مقام يشهد من ~~مقامه ويسمع من حيث شهادته ، فأعلاهم شهادة الصديقون ، ثم الشهداء ثم ~~الصالحون ، ثم خصوص المؤمنين ، فبه تبارك وتعالى استدلوا عليه ، ومنه إليه ~~نظروا ، هم درجات عند الله والله بصير بمايعلمون ، وكان سهل رضي الله عنه ~~يقول : المحسن يعيش في سعة الرحمة والمسيء يعيش في سعة الحلم ، وصفاته ~~تبارك وتعالى كاملات ، فمن شهد ترجيح بعضها على بعض دخل عليه النقص من ~~مشاهدته لقصور علمه عن تمام علم من فوقه من الشهداء ، ولأجل مقامه المراد ~~به دون طريق الصديقين من الأقوياء ، فعاد ذلك على العبد فصار ذلك مقاما له ~~في القرب والبعد تعالى وصف المشهود عن النقصان والحد ، ومثل الرجاء من ~~الخوف مثل الرخصة في الدين ms0502 من العزائم ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه ، وفي لفظ آخر ~~أبلغ من هذا : وأؤكد أن الله يحب أن يقبل رخصه كما يكره أن يوتى معاصيه . ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق : ~~ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله تعالى ، وخيرالدين أيسره ، وقال هلك ~~المتعمقون ، هلك المتنطعون ، وقال عليه الصلاة والسلام : بعثت بالحنيفية ~~السهلة السمحة ، وقال صلى الله عليه وسلم : أحب أن يعلم أهل الكتاب أن في ~~ديننا سماحة ، وقال الله عز وجل : ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم ) الأعراف : 157 ، واستجاب للمؤمنين في قولهم : ربنا ولا تحمل علينا ~~إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ، فقال عز وجل : قد فعلت ؛ فهذه العلوم ~~هي أسباب قوة الرجاء في أولي الألباب كيف وقد جاء ما يغلب حكم الرجاء من ~~غير اغترار ماروي عن الله تعالى أنا إلى الرحمة والعفو أقرب مني إلى ~~العقوبة ، وفي الخبر : إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يفزعهم ~~ويشق عليهم ، وفي كلام لعلي رضي الله عنه : إنما العالم الذي لا يقنط الناس ~~من رحمة الله تعالى ولا يؤمنهم مكر الله تعالى ، وأوحى الله سبحانه وتعالى ~~إلى داود عليه السلام : ما لك وحدانيا ؟ قال : عاديت PageV01P370 الخلق فيك ~~، قال : أما علمت أن محبتي أن تعطف على عبادي وتأخذ عليهم بالفضل هنالك ، ~~أكتبك من أوليائي وأحبابي ولا تنظر إلى عبيدي نظرة جفاء ولا قسوة ، فإذا ~~أنت قد أبطلت أجرك فاحفظ عني ثلاثا : خالص حبيبي مخالصة ، وخالف أهل الدنيا ~~مخالفة ، ودينك فقلدنيه ، وعن داود وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~: أحبني وأحب من يحبني وحببني إلى خلقي ، قال : يا رب هذا أحبك وأحب من ~~يحبك ، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ فقال عز وجل : اذكرني لحسن الجميل واذكر ~~آلائي وإحساني وذكرهم ذلك فإنهم لايعرفون مني إلا الجميل . وروي عن يزيد ~~الرقاشي عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ms0503 : ألا أخبركم عن أقوام ~~ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بمنازلهم من الله تعالى ~~على منابر من نور يعرفون عليها ، قالوا : من هم ؟ قال : الذين يحببون عباد ~~الله إلى الله تعالى ويحببون الله عز وجل إلى عباده ويمشون في الأرض نصحاء ~~، فقلنا هذا حببوا الله إلى عباده فكيف يحببون عباد الله إلى الله ؟ قال : ~~يأمرونهم بما يحب الله وينهونهم عما حرم الله فإذا أطاعوهم أحبهم الله ، ~~ورؤي أبان بن عياش في النوم بعد موته ، وكان من أكثر الناس حديثا بالرخص ~~وأبواب الرجاء فقال : أوقفني ربي عز وجل بين يديه فقال : ما حملك على أن ~~حدثت عني بما حدثت به من الرخص ؟ قال : فقلت يا رب أردت أن أحببك إلى خلقك ~~، قال : قد غفرت لك ، وحدثت عن مالك بن دينار : أنه لقي أبانا فقال : إلى ~~كم تحدث للناس بالرخص فقال : يا أبا يحيى إني لأرجو أن ترى من عفو الله ~~تعالى يوم القيامة ما تخرق له كساءك هذا من الفرح . وفي حديث ربعي بن حراش ~~عن أخيه ، وكان من خيار التابعين وهو ممن تكلم بعد الموت ، قال : لما مات ~~أخي سجي بثوبه وألقيناه على نعشه فكشف الثوب عن وجهه واستوى قاعدا وقال : ~~إن لقيت ربي عز وجل فحياني بروح وريحان ورب غير غضبان ، وإني رأيت الأمر ~~أيسر مما تظنون ولا تغتروا فإن محمدا صلى الله عليه وسلم ينتظرني وأصحابه ~~حتى أرجع إليهم قال : ثم طرح نفسه فكأنه كانت حصاة وقعت في طست فحملناه ~~فدفناه ، وقال بكر بن سليمان : دخلنا على مالك رحمه الله تعالى في العشية ~~التي قبض فيها فقلنا كيف تجدك ؟ قال : ما أدري ما أقول لكم إلا أنكم ~~ستعاينون غدا من عفو الله تعالى ما لم يكن لكم في حساب ، قال : فما برحنا ~~حتى أغمضناه ودفناه ، ورؤي يحيى بن أكثم في النوم فقيل : ما فعل الله تعالى ~~بك : فقال : أوقفني بين يديه وقال : ياشيخ السوء فعلت وفعلت قال : فأخذني ~~من الرعب والفزع ما يعلم الله تعالى ، ثم قلت ms0504 يارب ما هكذا حدثت عنك ، فقال ~~: وما حدثت عني ؟ فقلت : حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس بن ~~مالك عن نبيك صلى الله عليه وسلم عنك أنك قلت : تباركت وتعاليت أنا عند ظن ~~عبدي بي فليظن بي ما شاء ، وقد كنت أظن بك أن لا تعذبني ، فقال عز وجل : ~~صدق نبيي وصدق PageV01P371 أنس صدق الزهري وصدق معمر وصدق عبد الرزاق وصدقت ~~، قال : فغلفت وخلع علي وألبست ومشى بين يدي الولدان إلى الجنة فقلت يا لها ~~من فرحة . وفي الخبر : أن رجلا من بني إسرائيل كان يشدد على الناس ويقنطهم ~~من رحمة الله تعالى فيقول الله تعالى له يوم القيامة : اليوم أؤيسك من ~~رحمتي كما كنت تقنط عبادي منها ، وفي الحديث : أن رجلين تواخيا في الله ~~تعالى من بين إسرائيل فكان أحدهما عابدا والآخر مسرفا على نفسه ، فكان هذا ~~العابد ينهاه ويزجره فيقول له : دعني وربي أبعثت علي رقيبا ؟ حتى رآه ذات ~~يوم على كبيرة فغضب فقال : لا يغفر الله لك قال : فيقول الله تعالى له يوم ~~القيامة : أتستطيع أن تحظر رحمتي على عبادي اذهب فقد غفرت لك ، ثم قال ~~للعابد : وأنت فقد أوجبت لك النار ، قال : فوالذي نفسي بيده لقد تكلم بكلمة ~~أهلكت دنياه وآخرته ، وروينا في معناه أن لصا كان يقطع الطريق أربعين سنة ~~في بني إسرائيل فمر عليه عيسى عليه السلام وخلفه عابد من عباد بني اسرائيل ~~من الحواريين فقال للص في نفسه : هذا نبي الله يمر وإلى جنبه حواريه لو ~~نزلت فكنت معهما ثالثا ، قال : فنزل فجعل يريد أن يدنو من الحواري ويزدري ~~نفسه تعظيما للحواري ويقول في نفسه : مثلي لا يمشي إلى جنب هذا العابد قال ~~وأحس به الحواري فقال في نفسه : هذا يمشي إلى جانبي قال : فضم نفسه وتقدم ~~إلى عيسى عليه السلام فمشى إلى جانبه فبقي اللص خلفه ، قال : فأوحى الله ~~تعالى إلى عيسى عليه السلام : قل لهما يستأنفان العمل فقد أحبطت ما سلف من ~~أعمالهما ، أما الحواري فقد أحبطت حسناته لعجبه ms0505 بنفسه وأما الآخر فقد أحبطت ~~سيئاته بما ازدرى على نفسه قال : فأخبرهما بذلك وضم اللص إلىه سياحته وجعله ~~من حواريه . وروينا عن مسروق بن الأجدع : إن نبيا من الأنبياء كان ساجدا ~~فوطئ بعض العتاة على عنقه حتى الزق الحصى بجبهته قال : فرفع النبي عليه ~~السلام رأسه مغضبا فقال : اذهب فلن يغفر الله قال : فأوحى الله تعالى إليه ~~تتألى علي في عبادي أني قد غفرت له . قال ابن عباس رضي الله عنه كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقنت يدعو علي لمشركين ويلعنهم في صلاته فنزلت ~~ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم إلي قوله : ( ليس لك من الأمر شيء أو ~~يتوب عليهم أو يعذبهم ) آل عمران : 128 قال : فترك الدعاء عليهم ، قال : ~~فهدى الله تعالى عامة أولئك الإسلام . والأخبار فيما يوجب الرجاء وحسن الظن ~~أكثر من أن تجمع ولم نقصد جمعها ، وإنما دللنا بقليل على كثير ، ونبهنا ~~عقول ذوي التبصير ، وقد قال الله سبحانه وتعالى : ( يا أيها الإنسان ما غرك ~~بربك الكريم ) الانفطار : 6 فنبه العبد مع غرته على كرمه ، وذكره مع جهله ~~حسن تسويته إياه بتعديله ، يدل على نعمته . PageV01P372 وروينا عن الضحاك ~~إن العبد ليدنو من ربه تبارك وتعالى عند العرض فيقول : عبدي أتحصي عملك ؟ ~~فيقول : إلهي كيف أحصيه من دونك وأنت الحافظ للأشياء ، فيذكره الله تعالى ~~جميع ذنوبه في الدنيا في ساعاتها ، فيقول : أنت عبدي فقر بما عرفتك وذكرتك ~~، فيقول نعم سيدي ، فيقول الله سبحانه أنا الذي سترتها عليك في الدنيا ، ~~فلم أجعل للذنوب رائحة توجد منك ، ولم أجعل في وجهك شينها ، وأنا أغفرها لك ~~اليوم على ما كان منك ، بإيمانك بي وتصديقك المرسلين . وروينا عن محمد ~~الحنفية عن أبيه علي كرم الله وجهه قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( فاصفح الصفح الجميل ) الحجر : 85 قال : يا جبريل وما ~~الصفح الجميل ؟ قال : يا محمد إذا عفوت عمن ظلمك فلا تعاتب ، ثم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : يا جبريل فالله ms0506 مع كرمه تعالى أولى أن لا يعاتب ~~من عفا عنه ، قال فبكى جبريل وبكى النبي صلى الله عليه وسلم ، فبعث الله عز ~~وجل إليهما ميكائيل فقال : إن ربكما يقرئكما السلام ويقول لكما : كيف أعاتب ~~من عفوت عنه ، هذا ما لا يشبه كرمي . ومن الرجاء شدة الشوق إلى ما شوق إليه ~~الكريم وسرعة التنافس في كل نفيس ندب إليه الرحيم ، فأما الرجاء الذي هو ~~همة جملة الناس من الإقامة في المعاصي والانهماك في الخطايا وهو يرجو ~~المغفرة وينتظر الكرامة ، فليس هذا برجاء عند العلماء ، لأن الرجاء مقام من ~~اليقين ، وليس هذا وصف الموقنين ؛ لأن هذا اسمه هو اغترار بالله تعالى ، ~~وغفلة عن الله تعالى ، وجهل بأحكام الله تعالى . وقد تهدد الله تعالى قوما ~~ظنوا مثل هذا ، وأصروا على حب الدنيا والرضا بها ، وتمنوا المغفرة على ذلك ~~، فسماهم خلفا ، والخلف : الرديء من الناس ، وتوعدهم بشديد البأس في قوله ~~عز وجل : ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون ~~سيغفر لنا ) الأعراف : 169 والأخبار في حقيقة الرجاء تزيد المغترين اغترارا ~~وتزيد المستدرجين بالستر والنعيم خسارا ، وهي مزيد للتوابين الصادقين ، ~~وقرة عين المحبين المخلصين ، وسرور لأهل الكرم والحياء ، وروح ارتياح لذوي ~~العصمة والوفاء ، ينتفع به ، ويشتد عنده حياؤه ، ويروح به كروبهم ، وترتاح ~~إليه عقولهم ، فهؤلاء يستخرج منهم الرجاء وحسن الظن من العبادات ما لا ~~يستروحه الخوف ، إذ المخاوف تقطع عن أكثر المعاملات ، فصار الرجاء طريقا ~~لأهله وصاروا رائجين به كما قال عمر رضي الله عنه : رحم الله صهيبا لو لم ~~يخف الله تعالى لم يعصه : أي يترك المعاصي للرجاء لا للخوف ، فصار الرجاء ~~طريقه ، فهؤلاء هم الراجون حقا وهذه علامتهم ، ولمثل هذا ذكرنا الأسباب ~~التي توجب الرجاء ، وتولد حسن الظن في قلوب أهل الصفاء . ومن الرجاء تحسين ~~الأخلاق مع الخلق ، وجميل الصبر عليهم ، وحسن الصفح ، ولطيف المداراة لهم ~~تقربا إلى الله عز وجل بذلك ، وتخلقا بأخلاقه رجاء ثوابه ، وطمعا ~~PageV01P373 في تنجيز وعده ، واتباعا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . ومن ~~الرجاء ms0507 ترك الأهواء الرديئة ، والشهوات المطغية ويحتسب في ذلك على الله ~~نفيس الذخائر العالية . فقد روينا عن حميد عن أنس قال : مقابل عرش الرحمن ~~غرفة يرسل إليها جبريل عليه السلام ، فإذا انتهى إليها خر لله ساجدا ، ثم ~~يقول : يارب لمن خلقت هذه ، لأي نبي ؟ لأ صديق ؟ لأي شهيد ؟ قال : فيرد ~~عليه عز وجل : لمن آثر هواي على هواه . ومن الرجاء افتعال الطاعات ، وحسن ~~الموافقات ، ينوي بها ، ويسأل مولاه الكريم عظيم الرغائب وجليل المواهب ، ~~لما وهب له من حسن الظن به . كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا ~~سألتم الله تعالى فأعظموا الرغبة ، وسلوه الفردوس الأعلى ، فإن الله عز وجل ~~لا يتعاظمه شيء . وفي حديث آخر فأكثروا وسلوا الدرجات العلى ، فإنما تسألون ~~جوادا كريما ، وفي الآثار أن رجلين كانا من العابدين متساويين في العبادة ، ~~فإذا دخلا الجنة رفع أحدهما في الدرجات العلى على صاحبه ، فيقول الآخر : ~~يارب ما كان هذا في الدنيا بأكثر عبادة لك مني فرفعته علي في عليين ، فيقول ~~الله سبحانه وتعالى : إنه كان يسألني في الدنيا الدرجات العلى وكنت أنت ~~تسألني النجاة من النار ، فأعطيت كل عبد سؤله . وروينا في الخبر عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : أن رجلا يخرج من النار فيوقف بين يدي الله تعالى ~~، فيقول له : كيف وجدت مكانك ؟ فيقول : يارب شر مكان ، فيقول : ردوه إلى ~~مكانه ، قال : فيمشي ويلتفت إلى ورائه ، فيقول الله عز وجل : إلى أي معنى ~~تلفت ؟ فيقول له : يارب قد رجوت أن لا تعيدني إليها بعد إذ أخرجتني منها ، ~~فيقول تعالى : اذهبوا به إلى الجنة فقد صار الرجاء طريقه إلى الجنة ، كما ~~كان الخوف طريق صاحبه في الدنيا إليها . كما روينا : إن الآخر سعى مبادرا ~~إلى النار لما قال : ردوه فقيل له في ذلك ، فقال : لقد ذقت من وبال معصيتك ~~في الدنيا ماخفت من عذابه في الآخرة فقيل : اصرفوه إلى الجنة ، وقال الله ~~سبحانه في وصف قوم : ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم ~~أقرب ويرجون رحمته ويخافون ms0508 عذابه ) الإسراء : 57 فطرق لأوليائه من القرب ~~والوسيلة الرجاء ، كما طرق الخوف منه إليها ، وهذا أحد الوجهين في الآية ~~لمن لم يجعله وصفا للأصنام لأنها قرئت بالتاء تدعون قرأها طلحة بن مصرف ، ~~فكذلك ندب المؤمنين إلى طلب القرب منه قي قوله عز وجل : ( يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) المائدة : 35 فهذه جملة أحكام ~~الرجاء وأوصاف الراجين ، فمن تحقق بجميعها فقد استحق درجات أهل الرجاء ، ~~وهو عند الله تعالى من المقربين ، ومن كان فيه وصف من هذه PageV01P374 ~~الأوصاف فله مقام من الرجاء . واعلم أن مقام اليقين لا يزيل بعضها بعضا ~~ولكن يندرج بعضها في بعض ، فمن غلب عليه حال مشاهدته وصف بما غلب عليه ~~واستمر بما سوى ذلك من المقامات فيه ، ومن عمل بشرط مقام منها وقام بحكم ~~الله تعالى فيه نقل إلى ما سواه ، وكان المقام الأول له علما والثاني الذي ~~أقيم فيه له وجدا ، فكتم الوجد لأنه سره وعبر عن العلم لأنه قد جاوزه فصار ~~له علانية ، ومقام الرجاء هو جند من جنود الله عز وجل يستخرج من بعض العباد ~~ما لا يستخرج غيره لأن بعض القلوب تلين وتستجيب عن مشاهدة الكرم والإحسان ~~وتقبل وتطمئن بمعاملة النعم والإحسان ما لا يوجد ذلك منها عند التخويف ~~والترهيب بل قد يقطعها ذلك ويوحشها إذ قد جعل الرجاء طريقها فوجدت فيه ~~قلوبها . ومثل الرجاء في الأحوال مثل العوافي والغنى في الإنسان من يقبل ~~قلبه ويجتمع همه عندهما ويوجد نشاطه وتحسن معاملته بهما . كما روينا عن ~~الله سبحانه وتعالى : إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ~~ذلك ومن عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك ، إني أدبر ~~عبادي بعلمي ، إني بهم خبير ، فكذلك من عبادي من لا يصلحه إلا الرجاء ولا ~~يستقيم قلبه إلا عليه ولا تحسن معاملته إلا بوجود حسن الظن فهو طريقه إليه ~~ومقامه منه ومنه علمه به وعنده يجد قلبه معه ، إلا أنه وإن كان طريقا يخرج ~~إلى الله ms0509 عز وجل فإن الخوف أقرب منه ، وما كان أقرب فهو أعلى ، كما أن ~~الغنى والعوافي طرقان إلى الله تعالى إلا أن الفقر والبلاء عندي أقرب منهما ~~وأعلى والله غالب على أمره . وقد روينا عن معمر عن الحسن : أنه قال : إنما ~~عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم فأما المؤمن فأحسن بالله الظن وأحسن العمل ~~، وأما الكافر والمنافق فأساء بالله الظن ولكن أكثر الناس لا يعلمون . # | شرح مقام الخوف ووصف الخائفين وهو الخامس من مقامات اليقين # قال الله عز وجل : ( وما يعقلها إلا العالمون ) العنكبوت : 43 فرفع العلم ~~على العقل وجعله مقاما فيه وقد قال سبحانه وتعالى : ( إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء ) فاطر : 28 فجعل الخشية مقاما في العلم حققه بها ، والخشية ~~حال من مقام الخوف ، والخوف اسم لحقيقة التقوى ، والتقوى معنى جامع للعبادة ~~وهي رحمة الله تعالى للأولين والآخرين ، ينظم هذين المعنيين قوله تعالى : ( ~~يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) ~~البقرة : 21 وقوله تعالى : ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~وإياكم أن اتقوا الله ) النساء : 131 ، وهذه الآية قطب القرآن مداره عليها ~~والتقوى PageV01P375 سبب أضافه تعالى إليه تشريفا له ، ومعنى وصله به وأكرم ~~عباده عليه تعظيما له فقال : ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم ) الحج : 37 وقال : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات : ~~13 وفي الخبر : إذا جمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم ناداهم ~~بصوت يسمع أقصاهم كما يسمع أدناهم يقول : يا أيها الناس إني قد أنصت لكم ~~منذ خلقتكم إلى يومكم هذا ، فأنصتوا إلي اليوم ، فإنما هي أعمالكم ترد ~~عليكم ، أيها الناس إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا ، فوضعتم نسبي ورفعتم نسبكم ~~، قلت : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات : 13 وأبيتم إلا فلان بن ~~فلان أغنى من فلان ، فاليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي ، أين المتقون ؟ قال : ~~فينصب للقوم لواء فيتبع القوم لواءهم إلى منازلهم فيدخلهم الجنة بغير حساب ~~. والخوف حال من مقام العلم ، وقد جمع الله تعالى للخائفين ms0510 ما فرقه على ~~المؤمنين ، وهو الهدى والرحمة والعلم والرضوان ، وهذه جمل مقامات أهل ~~الجنان ، فقال تعالى : ( هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ) الأعراف : 154 ~~وقال : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فاطر : 28 وقال جل ذكره : ( ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ) البينة : 8 وفي خبر موسى عليه ~~السلام : وأما الخائفون فلهم الرفيق الأعلى ، لا يشاركون فيه ، فأفردهم من ~~غير مشاركة بالرفيق الأعلى ، كا حققهم اليوم بشهادة التصديق ، وهذا مقام من ~~النبوة ، فهم مع الأنيباء في المزية من قبل أنهم ورثة الأنبياء ، لأنهم هم ~~العلماء ، قال تعالى : ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين ) النساء : 69 ، ثم قال تعالى في وصف منازلهم : ( وحسن أولئك ~~رفيقا ) النساء : 69 بمعنى رفقا ، عبر عن جماعتهم بالواحد ، لأنهم كانوا ~~كأنهم واحد ، وقد يكون رفيقا مقاما في الجنة من أعلى عليين ، لقول الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عند الموت وقد خير بين البقاء في الدنيا وبين القدوم ~~على الله تعالى فقال : أسألك الرفيق الأعلى . وفي خبر موسى عليه السلام : ~~فأولئك لهم الرفيق الأعلى ، فدل أنهم مع الأنبياء بتفسير النبي صلى الله ~~عليه وسلم لذلك ، وشرف مقامهم فوق كل مقام ، لطلب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذلك . فالخوف اسم جامع لحقيقة الإيمان ، وهو علم الوجود والإيقان ، ~~وهو سبب اجتناب كل نهي ومفتاح كل أمر ، وليس شيء يحرق شهوات النفوس فيزيل ~~آثار آفاتها إلا مقام الخوف . وقال أبو محمد سهل رحمه الله تعالى : كمال ~~الإيمان العلم ، وكمال العلم الخوف ، وقال مرة : العلم كسب الإيمان ، ~~والخوف كسب المعرفة . وقال أبو الفيض المصري : لايسقى المحب كأس المحبة إلا ~~من بعد أن ينضج PageV01P376 الخوف قلبه وقال : خوف النار عند خوف الفراق ~~بمنزلة قطرة قطرت في بحر لجي ، وكل مؤمن بالله تعالى خائف منه ، ولكن خوفه ~~على قدر قربه ، فخوف الإسلام : اعتقاد العزة والجبرية لله تعالى ، وتسليم ~~القدرة والسطوة له ، والتصديق لما أخبر به من عذابه وما تهدد به من عقابه . ~~وقال الفضيل بن عياض ms0511 : إذا قيل لك تخاف الله فاسكت ، لأنك إن قلت لا كفرت ، ~~وإن قلت نعم فليس وصفك وصف من يخاف . وشكا واعظ إلى بعض الحكماء فقال : ألا ~~ترى إلى هؤلاء أعظهم وأذكرهم فلا يرقون ؟ فقال : وكيف تنفع الموعظة من لم ~~يكن في قلبه لله تعالى مخافة ، وقد قال الله تعالى في تصديق ذلك : ( سيذكر ~~من يخشى ويتجنبها الأشقى ) الأعلى : 10 - 11 أي يتجنب التذكرة الشقي ، فجعل ~~من عدم الخوف شقيا وحرمه التذكرة فخوف عموم المؤمنين بظاهر القلب عن باطن ~~العلم بالعقد ، وخوف خصوصهم وهم الموقنون بباطن القلب عن باطن العلم بالوجد ~~: فأما خوف اليقين فهو للصديقين من شهداء العارفين عن مشاهدة ما آمن به من ~~الصفات المخوفة . وقد جاء في خبر إذا دخل العبد في قبره لم يبق شيء كان ~~يخافه دون الله عز وجل إلا مثل له يفزعه ويرعبه إلى يوم القيامة فأول خوف ~~اليقين الموصوف الذي هو نعت الموصوفين من المؤمنين ، المحاسبة للنفس في كل ~~وقت ، والمراقبة للرب في كل حين ، والورع عن الإقدام على الشبهات من كل شيء ~~من العلوم بغير يقين بها ومن الأعمال بغير فقه فيها . وفي خبر موسى عليه ~~السلام : وأما الورعون فإنه لايبقى أحد إلا ناقشته بالحساب وفتشته عما في ~~يديه إلا الورعين ، فإني أستحييهم وأجلهم أن أوقفهم للحساب ، فالورع حال من ~~الخوف ، ثم كف الجوارح عن الشبهات وفضول الحلال من كل شيء ، بخشوع قلب ، ~~ووجود إخبات . وقال علي كرم الله وجهه : ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن ~~الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ، ثم سجن اللسان وخزن الكلام ~~، لئلا يدخل في دين الله عز وجل ولا في العلم ما لم يشرعه الله في كتابه أو ~~لم يذكره رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته ، أو لم ينطق به الأئمة من ~~السلف في سيرهم مما لم يكن أصله موجودا في الكتاب والسنة ، وتسميته واضحة ~~في العلم ، فيجتنب ذلك كله ، ( ولاتقف ما ليس لك به علم ) الإسراء : 36 ~~خوفا من المساءلة ، ولا يدخل ms0512 فيه لدقيق هوى يدخل عليه ولا لعظيم حظ دنيا ~~يدخل فيه وأن ينصح نفسه لله تعالى لأنها أولى الخلق ، ثم ينصح الخلق في ~~الله تعالى فيبتدئ بالنصح في أمور الدين والآخرة ، ثم يعقبه في أسباب ~~الدنيا لأن أمور الآخرة أهم ، والغش في الدين أعظم ، والتزود للمنقلب آثر . ~~PageV01P377 روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من غش أمتي ~~فعليه لعنة الله ، قيل وما غش أمتك يا رسول الله ؟ قال : أن يبتدع لهم بدعة ~~فيتبع عليها ، فإذا فعل ذلك فقد غشهم . وثمرة الخوف العلم بالله عز وجل ~~والحياء من الله عز وجل وهو أعلى سريرات أهل المزيد يستبين أحكام ذلك في ~~معنيين ؛ هما جملة العبد إن يحفظ رأسه وما حواه من السمع والبصر واللسان ~~وأن يحفظ بطنه وما وعاه وهو القلب والفرج واليد والرجل : وهذا خوف العموم ، ~~وهو أول الحياء . فأما خوف الخصوص فهو أن لا يجمع ما لا يأكل ولا يبني ما ~~لا يسكن ، ولا يكاثر فيما عنه ينتقل ولا يغفل ولا يفرط عما إليه يرتحل ، ~~وهذا هو الزهد وهو حياء مزيد أهل الحياء من تقوى أصحاب اليمين ، وقد روينا ~~معنى ما ذكرناه في حديثين ، أحدهما عام والآخر خاص ، وكل من لم يستعمل قلبه ~~في بدايته ، ويجعل الخوف حشو إرادته لم ينجب في خاتمته ، ولم يكن إماما ~~للمتقين عند علو معرفته . وأعلى الخوف أن يكون قلبه معلقا بخوف الخاتمة ، ~~لا يسكن إلى علم ولا عمل ، ولا يقطع على النجاة بشيء من العلوم وإن علت ، ~~ولا لسبب من أعماله وإن جلت ، لعدم علمه تحقيق الخواتم ، فقد قيل : إنما ~~يوزن من الأعمال خواتمها . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : إن العبد ليعمل ~~بعمل أهل الجنة خمسين سنة حتى يقال إنه من أهل الجنة ، وفي خبر : حتى ما ~~يبقى بينه وبين الجنة إلا شبر ، ثم يسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل ~~النار ولا يتأتى في هذا المقدار من الوقت شيء من عمل الجسم بالجوارح ، إنما ~~هو من أعمال القلوب بمشاهدة ms0513 العقول ، وهو شرك التوحيد الذي لم يكن متحققا ~~به ، وشك في اليقين الذي لم يكن في الحياة الدنيا مشاهدا له ، فظهر له بيان ~~ذلك عند كشف الغطاء ، فغلب عليه وصفه وبدت فيه حاله كما يظهر له أعماله ~~السيئة فيستحليها قلبه أو ينطق بها لسانه أو يخامرها وجده ، فتكون هي ~~خاتمته التي تخرج عليها روحه ، وذلك في سابقته التي سبقت له من الكتاب كما ~~قال تعالى : ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) الأعراف : 37 تكون عند ~~مفارقة الروح من الجسد ( وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ) هود : 109 وقد ~~جاء في خبر حتى لايبقى بينه وبين الجنة إلا فواق ناقة ، فيختم له بعمل أهل ~~النار ، وهذا يكون عند بلوغ الروح التراقي ، وتكون النفس قد خرجت من جميع ~~الجسد ، واجتمعت في القلب إلى الحلقوم فهذا هو شبر ، وفواق ناقة : هو ما ~~بين الحلبتين ، وقيل : هو شوط من عدوها بين سيرين ؛ وهذا من تقلبات القلوب ~~عند حقيقة وجهة التوحيد إلى وجهة الضلال والشرك عندما يبدو له من زوال عقل ~~الدنيا ، وذهاب علم المعقول فيبدو له من الله ما لم يكن يحتسب . وأكثر ما ~~يقع سوء الخاتمة لثلاث طوائف من الناس : أهل البدع والزيغ في الدين ، ~~PageV01P378 لأن إيمانهم مرتبط بالمعقول ، فأول آية تظهر لهم من قدرة الله ~~تعالى أن يطيح عقله عند شهودها فيذهب إيمانه ولا يثبت لمعاينتها ، كما ~~تحترق الفتيلة فيسقط المصباح . والطبقة الثانية أهل الكبر والإنكار لآيات ~~الله عز وجل وكراماته لأوليائه في الحياة الدنيا ، لأنهم لم يكن لهم يقين ~~يحمل القدرة ويمده الإيمان ؛ فيعتورهم الشك ويقوى عليهم لفقد اليقين . ~~والطبقة الثالثة ثلاثة أصناف : متفرقون متفاوتون في سوء الخاتمة ، وجميعهم ~~دون تينك الطائفتين في سوء الخاتمة ، لأن سوء الختم على مقامات أيضا ~~كمقامات اليقين والشرك في عمر الحياة ، منهم المدعي المتظاهر الذي لم يزل ~~إلى نفسه وعمله ناظرا ، والفاسق المعلن ، والمصر المدمن ، يتصل بهم المعاصي ~~إلى آخر العمر ، ويدوم تقلبهم فيها إلى كشف الغطاء ، فإذا رأوا الآيات ~~تابوا إلى الله تعالى بقلوبهم ، وقد انقطعت ms0514 أعمال الجوارح فليس يتأتى منهم ~~، فلا تقبل توبتهم ، ولا تقال عثرتهم ، ولاترحم عبرتهم ، وهم من أهل هذه ~~الآية ، ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال ~~: إني تبت الآن ) النساء : 18 فهم مقصودون بقوله عز وجل : ( وحيل بينهم ~~وبين ما يشتهون ) سبأ : 54 وهم معنيون بمعنى قوله تعالى : ( فلما رأوا ~~بأسنا قالوا : آمنا بالله وحده ) غافر : 84 ، فنصوص الآية للكفار ومعناها ~~ومقام منها لأهل الكبائر وذوي الإصرارمن الفاسقين الزائغين ، من حيث ~~اشتركوا في سوء الخاتمة ثم تفاوتوا في مقامات منها ، تظهر لهم شهوات ~~معاصيهم ، ويعاد عليهم تذكرها ، لخلو قلبهم من الذكر والخوف حتى يختم لهم ~~بشهادتها ؛ فهذه الأسباب تجلب الخوف وتقطع قلوب ذوي الألباب . وقد كان أبو ~~محمد سهل رحمه الله يقول : المريد يخاف أن يبتلي بالمعاصي ، والعارف يخاف ~~أن يبتلي بالكفر . وكذلك قال أبو يزيد رحمه الله تعالى قبله : إذا توجهت ~~إلى المسجد كان في وسطي زنار أخاف أن يذهب بي إلى البيعة وبيت النار حتى ~~أدخل المسجد فيقطع عني الزنار ، فهذا لي في كل يوم خمس مرات ، هذا لعلمهم ~~بسرعة تقلب القلوب في قدرة علام الغيوب . وقد روينا معنى ذلك عن عيسى عليه ~~السلام أنه قال : يا معشر الحواريين أنتم تخافون المعاصي ونحن معشر ~~الأنبياء نخاف الكفر . وروينا في أخبار الأنبياء : أن نبيا شكا إلى الله ~~تعالى الجوع والقمل والعري سنين فأوحى الله تعالى إليه : أما رضيت أن عصمت ~~قلبك أن تكفر بي حتى تسألني الدنيا ، فأخذ التراب فوضعه على رأسه وقال : ~~بلى قد رضيت يارب فاعصمني من الكفر فلم يذكر له نعمته عليه بنبوته وعرضه ~~للكفر ، وجوز دخوله عليه بعد النبوة ، فاعترف النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك ، ورضي به واستعصم . PageV01P379 وقد كان عبد الواحد بن زيد إمام ~~الزاهدين قبلهما يقول : ماصدق خائف قط ظن أنه لا يدخل النار وما ظن أن يدخل ~~النار إلا خاف أن لا يخرج منها أبدا . وقد قال الحسن البصري رحمه الله ~~تعالى إمام العلماء قبلهم : يخرج من النار ms0515 رجل بعد ألف عام وياليتني ذلك ~~الرجل ، هذا لشدة خوفه من الخلود في الأبدية ، قال فبعد أن أخرج منها بوقت ~~لا أبالي . والعدو يدخل على العارفين من طريق الإلحاد في التوحيد والتشبيه ~~في اليقين والوسوسة في صفات الذات ، ويدخل على المريدين من طريق الآفات ~~والشهوات ، فلذلك كان خوف العارفين أعظم ، ومن قبل أن العدو يدخل على كل ~~عبد من معنى همه فيشككه في اليقين كما يزين له الشهوات ، فأرواحهم معلقة ~~بالسابقة ماذا سبق لهم من الكلمة ، هناك مشاهدتهم ، ومن ثم فزعهم ، لايدرون ~~أسبق لهم قدم صدق عند ربهم فيختم لهم بمقعد صدق ، فيكونون ممن قال تعالى : ~~( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) الأنبياء : 101 ~~ويخافون أن يكونوا قد حقت عليهم الكلمة ، فيكونون ممن قال فيهم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم : يقول الله سبحانه وتعالى هؤلاء في النار ولا أبالي فلا ~~ينفعهم شفاعة شافع ، ولاينقذهم من النار دافع ، كما قال مولاهم الحق : ( ~~أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ) الزمر : 19 وكقوله ~~تعالى : ( ولكن حق القول مني لأملأن جهنم ) السجدة : 13 فهذه الآية ومعناها ~~تخويف لأولي الأبصار . وقال عالمنا رحمه الله في قوله تعالى ( وإياي فاتقون ~~) البقرة : 41 عموم أي فيما نهيت عنه : وقوله تعالى ( وإياي فارهبون ) ~~البقرة : 40 أي في السابقة وهذا خصوص . وقد نوع بعض العارفين خوف المؤمنين ~~على مقامين فقال : قلوب الأبرار معلقة ، بالخاتمة يقولون : ليت شعري ماذا ~~يختم لنا به ؟ وقلوب المقربين معلقة بالسابقة يقولون : ليت شعري ماذا سبق ~~لنا به ؟ وهذان المقامان عن مشاهدتين : إحداهما أعلى وأنفذ من الأخرى ~~لحالين : أحدهما أتم وأكمل ، فهذا كما قيل ذنوب المقربين حسنات الأبرار : ~~أي ما يرغب فيه الأبرار فهو عندهم فضائل ، قد زهد فيه المقربون ، فهو عندهم ~~حجاب ، ومن حقت عليه كلمة العذاب ، وسبق له من مولاه الختم بسوء الاكتساب ، ~~لم ينفعه شيء ، فهو يعمل في بطالة لا أجر له ولا عاقبة قد نظر إليه نظرة ~~بعذ ؛ فهو يزداد بأعماله بعدا من قبل ms0516 أن سوء الخاتمة قد تكون في وسط العمر ~~، فلا ينتظر بها آخره يوافق معصية تكون سببها كعند الخاتمة ، إذ هما في سبق ~~العلم سواء ، فالخاتمة حينئذ فاتحة ، والوقتان واحد . فإذا انقطعت الآجال ~~وانتهت الأعمال تناهي في الإبعاد فحل في دار البعد ، وقد روينا في الخبر ~~والله لا يقبل الله تعالى من مبتدع عملا إنه رد على الله تعالى سننه فرد ~~عليه عمله كلما ازداد اجتهادا ازداد من الله تعالى بعدا ، كما قال الحكيم : ~~من غص داوى بشرب الماء غصته . . . فكيف يصنع من قد غص بالماء PageV01P380 ~~بل كيف يصنع من أقصاه مالكه . . . فليس ينفعه طب الأطباء وعن مشاهدة هذا ~~المعنى كان خوف الحسن البصري رحمه الله تعالى وحزنه ، لعلمه بأنه عز وجل ~~لايبالي ما فعل ، فخاف أن يقع بوصف الجبرية في ترك المبالاة ، وأن يجعله ~~نكالا لأصحابه ، وموعظة لأهل طبقته . ويقال إنه ما ضحك أربعين سنة وكنت إذا ~~رأيته قاعدا كأنه أسير قدم ليضرب عنقه ، وإذا تكلم كأنه يعاين الآخرة فيخبر ~~عن مشاهدتها ، وإذا سكت كأن النار تسعر بين عينيه ، وعوتب في شدة حزنه فقال ~~: ما يؤمنني أن يكون قد اطلع علي في بعض ما يكره فمقتني ، فقال اذهب فلا ~~غفرت لك ، فأنا أعمل في غير معمل ، فنحن أحق بهذا من الحسن رحمه الله ، ~~ولكن ليس الخوف يكون لكثرة الذنوب ، فلو كان كذلك لكنا أكثر خوفا منه ، ~~إنما يكون لصفاء القلب وشدة التعظيم لله تعالى . وقد بشر العلاء بن زياد ~~العدوي بالجنة وكان من العباد فغلق عليه بابه سبعا ولم يذق طعاما ، وجعل ~~يبكي ويقول : أنا في قصة طويلة ، حتى دخل عليه الحسن فجعل يعذله في شدة ~~خوفه وكثرة بكائه ، فقال يأخي من أهل الجنة إن شاء الله تعالى ، أقاتل نفسك ~~؟ فما ظنك برجل يعذله الحسن في الخوف ، وقد كان من فوقهم من عليه الصحابة ~~يتمنون أنهم لم يخلقوا بشرا وقد بشروا بالجنة يقينا في غير خبر . من ذلك ~~قول أبي بكر رضي الله عنه : ليتني مثلك ياطير وأني لم أخلق ms0517 بشرا ، وقول عمر ~~رضي الله عنه : وددت أني كنت كبشا ذبحني أهلي لضيفهم ، وأبوذر رضي الله عنه ~~يقول : وددت أني شجرة تعضد ، وطلحة والزبير رضي الله عنهما يقولان : وددنا ~~أنا لم نخلق ، وعثمان رضي الله عنه يقول : وددت أني إذا مت لا أبعث ، ~~وعائشة رضي الله عنها تقول : وددت أني كنت نسيا منسيا ، وابن مسعود رضي ~~الله عنه يقول : ليتني أني أكون رمادا ، وفي رواية عنه : ليتني كنت بعرة ، ~~ليتني لم أك شيئا في طبقة يكثر عدهم ونحن في ارتكاب الكبائر ونحدث نفوسنا ~~بالدرجات العلى والقرب من سدرة المنتهى ، ونسينا أن أبانا آدم صلوات الله ~~عليه أخرج من الجنة بعد أن دخلها بذنب واحد ونحن لم نرها بعد فإنما نضرب في ~~حديد بارد . وروينا في خبر أن رجلا من أهل الصفة استشهد فقالت أمه هنيئا ~~فقالت أمه هنيئا لك عصفور من عصافير الجنة هاجرت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقتلت في سبيل الله تعالى فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وما ~~يدريك فلعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره ، وفي حديث آخر بمثل ~~هذه القصة أنه دخل على بعض أصحابه وهو عليل ، فسمع أمه تقول هنيئا لك الجنة ~~، فقال : من هذه المتألية على الله عز وجل فقال الرجل : هي أمي يا رسول ~~الله فقال : وما يدرك لعل فلانا كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه ~~. PageV01P381 وروينا بمثل معنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ~~طفل منفوس ، ففي راوية : إنه سمع يقول في دعائه : اللهم قه عذاب القبر ~~وعذاب جهنم وفي رواية ثانية : إنه سمع قائلة تقول : هنيئا لك عصفور من ~~عصافير الجنة ، فغضب وقال : ما يدريك ؟ إنه كذلك والله ، إني رسول الله وما ~~أدري ما يصنع بي ، إن الله عز وجل خلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق ~~لها أهلا لا يزاد فيهم ولاينقص منهم ، وقد قاله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في جنازة عثمان بن مظعون ، وكان ms0518 من المهاجرين الأول واستشهد لما قالت ~~أم سلمة رضي الله عنها ذلك ، وكانت تقول : والله لا أزكي أحدا بعد عثمان ~~رضي الله عنه ، وأعجب من ذلك أنا روينا عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه ~~أنه قال : والله لا أزكي أحدا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي ~~الذي ولدني قال : فتكلمت الشيعة ، فأخذ يذكر من فضائل علي كرم الله وجهه ~~ومناقبه ؛ فهذه المعاني أحرقت قلوب الخائفين ولعل ذكر البعد في الأبعاد ~~الذي شيب الحبيب القريب في قوله صلى الله عليه وسلم : شيبتني هود وأخواتها ~~وسورة الواقعة وإذا الشمس كورت وعم يتساءلون لأن في سورة هود ألا بعدا ~~لثمود ( ألا بعدا لعاد قوم هود ) هود : 60 ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ، ~~وفي سورة الواقعة : ( ليس لوقعتها كاذبة ) الواقعة : 2 يعني وقعت السابقة ~~لمن سبقت له وحقت الحاقة بمن حقت عليه خافضة رافعة خفضت قوما في الآخرة ~~كانوا مرفوعين في الدنيا حين ظهرت الحقائق وكشفت عواقب الخلائق ، وأما سورة ~~التكوير ففيها خواتم المصير وهي صفة القيامة لمن أيقن وفيها تجلي معاني ~~الغضب لمن عاين آخر ذلك ، وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما ~~أحضرت هذا فصل الخطاب أي عند تسعير النيران واقتراب الجنان ، حينئذ يبتين ~~للنفس ما أحضرت من شر يصلح له الجحيم أوخير يصلح له النعيم وتعلم إذ ذاك من ~~أي أهل الدارين تكون وفي أي منزلين تحل ، فكم من قلوب قد تقطعت حسرات على ~~الأبعاد من الجنان بعد اقترابها وكم من نفوس تصاعدت زفرات عن يقينها ~~بمعاينة لنيران أنها تصيبها ، وكم من أبصار ذليلة خاشعة لمشاهدة الأهوال ، ~~وكم من عقول طائشة لمعاينة الزلزال . وحدثنا عن أبي سهل رحمه الله تعالى ~~قال : رأيت كأني أدخلت الجنة فلقيت فيها ثلاثمائة نبي ، فسألتهم ما أخوف ما ~~كنتم تخافون في الدنيا ؟ فقالوا لي : سوء الخاتمة ، فالخاتمة هي من مكر ~~الله تعالى الذي لا يوصف ، ولا يفطن له ولا عليه يوقف ، ولا نهاية لمكره ، ~~لأن مشيئته وأحكامه لا غاية ms0519 لها . ومن ذلك الخبر المشهور أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وجبريل بكيا خوفا من الله تعالى ، فأوحى الله إليهما لم تبكيان ~~وقد أمنتكما ؟ فقالا : ومن يأمن مكرك ؟ فلولا أنهما علما أن مكره لانهاية ~~له ، لأن حكمه لاغاية له ، لم يقولا ومن يأمن مكرك مع قوله : قد أمنتكما ~~ولكان قد انتهى مكره بقوله ، ولكانا قد وقفا على آخر مكره ، ولكن خافا من ~~بقية المكر الذي هو PageV01P382 غيب عنهما ، وعلما أنهما لا يقفان على غيب ~~الله تعالى ، إذ هو علام الغيوب ، فلا نهاية للعلام في علم ، ولا غاية ~~للغيوب بوصف ، فلم يحكم عليهما القول لعنايته بهما وفضل نظره إليهما ، ~~ولأنهما على مزيد من معرفة الصفات ، إذ المكر عن الوصف وإظهار القول لايقضي ~~على باطن الوصف ، فكأنهما خافا أن يكون قوله تعالى : قد أمنتكما مكري مكرا ~~منه أيضا بالقول على وصف مخصوص عن حكمة قد استأثر بعلمها يختبر بذلك حالهما ~~، وينطر كيف يعملان تعبدا منه لهما به ، إذ الابتلاء وصفه من قبل أن ~~المبتلي اسمه فلا يترك مقتضى وصفه لتحقق اسمه ، ولا تبدل سنته التي قد خلت ~~في عباده ، كما اختبر خليله عليه السلام لما هوى به المنجنيق في الهواء ، ~~فقال حسبي الله ربي فعارضه جبريل عليه السلام فقال ألك حاجة ؟ قال لا ، ~~وفاء بقوله حسبي الله فصدق القول بالعمل فقال الله تعالى : ( وإبراهيم الذي ~~وفى ) النجم : 37 بقوله حسبي اللهولأن الله تعالى لا يدخل تحت الأحكام ؛ ~~ولا يلزمه ما حكم به على الأنام ، ولا يختبر صدقه سبحانه وتعالى ، ولا يجوز ~~أن يوصف بضد الصدق وأن بدل الكلم هو بتبديل منه ، لأن كلامه قائم به ، فله ~~أن يبدل به ماشاء ، وهو الصادقين في الكلامين ، العادل في الحكمين ، الحاكم ~~في الحالين ، لأنه حاكم عليه ولا حكم يلزمه فيه ، لأنه قد جاز العلوم ~~والعقول التي هي أماكن للحدود من الأمر والنهي ، وفات الرسوم والمعقول التي ~~هي أواسط الأحكام والأقدار . وفي مشاهدة ما ذكرناه علم دقيق من علوم ~~التوحيد ، ومقام رفيع من أحوال التوحيد وبمثل ms0520 هذا المعنى وصف صفيه موسى في ~~قوله تعالى ( فأوجس في نفسه خيفة موسى ) طه : 66 بعد قوله تعالى ( لا تخافا ~~إنني معكما ) طه : 46 الآية ، فلم يأمن موسى أن يكون قد أسر عنه في غيبه ، ~~واستثنى في نفسه سبحانه ما لم يظهره له في القول ، لمعرفة موسى عليه السلام ~~بخفي المكر وباطن الوصف ، ولعلمه أنه لم يعطه الحكم إذ هو محكوم عليه مقهور ~~، فخاف خوفا ثانيا حتى أمنه أمنا ثانيا بحكم ثان ، فقال : ( لا تخف إنك أنت ~~الأعلى ) طه : 68 فاطمأن إلى القائل ولم يسكن إلى الإظهار الأول ، لعلمه ~~بسعة علمه أنه هو علام الغيوب التي لا نهاية لها ، ولأن القول أحكام ~~والحاكم لا تحكم عليه الأحكام كما لا تعود عليه الأحكام ، وإنما تفصل ~~الأحكام من الحاكم العلام ، ثم تعود على المحكومات أبدا ، ولأنه جلت قدرته ~~لا يلزمه مالزم الخلق الذي هم تحت الحكم ، ولايدخل تحت معيار العقل والعلم ~~، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، عند من عرفه فأجله وعظمه عن معارف من ~~جهله . ومن هذا قول عيسى عليه السلام من قوله تعالى : ( إن كنت قلته فقد ~~علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) المائدة : 116 لما قال له : ( ~~أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) المائدة : 116 ومثل هذا ~~قوله في يوم القيامة ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ) المائدة : 118 فجعلهم في ~~مشيئة لعزته وكحمته ولا يصلح أن نكشف حقيقة ما فصلناه في PageV01P383 كتاب ~~، ولا ينبغي أن نرسم ما رمزناه من الخطاب خشية الإنكار ، وكراهة تفاوت علم ~~أهل المعقول والمعيار إلا أن يسأل عنه من أقيم فيه وأريد به من ذوي القوة ~~والإبصار ، فينقل من قلب إلى قلب ، فحينئذ يتلوه شاهد منه ، أويكشفه علام ~~الغيوب في سرائر القلوب بوحي الإلهام ، ويقذفه بنور الهدى للإعلام ، والله ~~الموفق لمن شاء من العباد ، لما شاء من الحيطة بالعلم وهو الفتاح العليم ~~إذا فتح القلب علمه وإذا نوره بالقين ألهمه . ومن خوف العارفين علمهم بأن ~~الله تعالى يخوف عباده ms0521 بمن شاء من عباده الأعلين ، يجعلهم نكالا لأدنين ~~ويخوف العموم من خلقه بالتنكيل ببعض الخصوص من عباده حكمة له وحكما منه . ~~فعند الخائفين في علمهم أن الله تعالى قد أخرج طائفة من الصالحين نكالا خوف ~~بهم المؤمنين ؛ ونكل طائفة من الشهداء خوف بهم الصالحين ، وأخرج جماعة من ~~الصديقين خوف بهم الشهداء ؛ والله تعالى أعلم بما وراء ذلك . وقد أخرج ~~جماعة من الملائكة وعظ بهم النبيين ، وخوف بهم الملائكة المقربين ، فصار من ~~أهل كل مقام عبرة لمن دونهم وموعظة لمن فوقهم ، وتخويف وتهديد لأولي ~~الأبصار ، وهذا داخل في بعض تفسير قوله عز وجل : ( آتيناه آياتنا فانسلخ ~~منها ) الأعراف : 175 قال بعض أهل التفسير في أخبار بلعم بن باعوراء : إنه ~~أوتي النبوة ، والمشهور أنه أوتي الاسم الأكبر ، فكان سبب هلاكه ، وهو ~~مقتضى وصف من أوصافه ، وهو ترك المبالاة بما أظهر من العلوم والأعمال ، فلم ~~يسكن عند ذلك أحد من أهل المقامات في مقام ، ولا نظر أحد من أهل الأحوال ~~إلى حال ، ولا أمن مكر الله تعالى عالم به في كل حال ، كيف وقد سمعوه تبارك ~~وتعالى يقول : ( إن عذاب ربهم غير مأمون ) المعارج : 28 فأجهل الناس من أمن ~~غير مأمون ، وأعلمهم من خاف في الأمن حتى يخرج من دار الخوف إلى مقام أمين ~~. وهذا خوف لايقوم له شيء ؛ وكرب لا يوازيه مقام ولا عمل ، لولا أن الله ~~تعالى عدله بالرجاء لأخرج إلى القنوط ، ولولا أنه روحه بروح الأنس بحسن ~~الظن لأدخل في الإياس ، ولكن إذا كان هو المعدل وهو المروح كيف لا يعتدل ~~الخوف والرجاء ، ولا يمتزج الكرب بالروح والرضا ، حكمة بالغة ، وحكم نافذ ، ~~لعلم سابق ، وقدر جار ، ماشاء الله تعالى لا قوة إلا بالله . وفي شهود ما ~~ذكرناه علم عن مشاهدة توحيد لمن أشهده ، فأقل ما يفيد علم هذا الخائفين ترك ~~النظر إلى أعمالهم ورفع السكون إلى علومهم وصدق الافتقار في كل حال ودوام ~~الانقطاع بكل هم والإزراد على النفس في كل وصف ؛ وهذه مقامات لقوم ، فيكون ~~هذا الخوف سبب نجاتهم ms0522 من هذه الوقائع إذ قد جعل الله تعالى التخويف أمنة من ~~الأخذ بالمفاجأة وسببا للرأفة والرحمة لمن ألبسه إياه ، وهو أحد الوجهين ~~وفي قوله PageV01P384 تعالى : ( أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله ~~بهم الأرض ) النحل : 45 الآية ، ثم قال تعالى : ( أو يأخذهم على تخوف فإن ~~ربكم لرؤوف رحيم ) النحل : 47 وليس يصلح أيضا أن نكشف سر المخاوف من ~~الخاتمة والسابقة لأن ذلك يكون عن حقائق معاني الصفات التي ظهرت عن حقيقة ~~الذات فأظهرت بدائع الأفعال وغرائب المآل وأعادت الأحكام على من أظهر بها ~~وجعل لها ممن حقت عليه الكلمات وجعل نصيبه من معاني هذه السريرة من الصفات ~~فيؤدي ذلك منا إلى كشف باطن الأوصاف ؛ وهذا غير مأمور به ولا مأذون فيه ، ~~لأنه لا يجب فلم يؤمر به ، ولأنه لم يبح فلم يؤذن فيه ، وهو من سر القدر ~~وقد نهي عن إفشائه في غير خبر ولو لم يطلع الأولياء عليه لما قيل : فلا ~~تفشوه ، فإن أقام الله تعالى عبدا مقام هذه المشاهدة أغناه بالمعاينة عن ~~الخبر ، وآنسه بالمحادثة عن الأثر ، وذلك هو العلم النافع الذي يكون العلام ~~معلمه ، وذلك هو الأثر اللازم الذي يكون الجاعل مؤثره ، ( ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) ~~الطلاق : 3 فالكتب الذي لا يمحي ما كان من نوره والعين التي لا تخفى لأنها ~~بحضوره والنور الذي لا يطفأ لأنه من روحه والروح الذي لا كرب فيه لأنه من ~~ريحانه والمدد الذي لا ينقطع فمن روحه ، وقد كتب وأيد وكل كتاب بيد مخلوق ~~فغيرمحفوظ وقد يضيع وكل أيد بغير روحه فمقطوع وما كتبه الصانع بصنعه في قلب ~~حفيظ فمثبت عتيد . وقد روينا عن زيد بن أسلم في قوله تعالى : ( في لوح ~~محفوظ ) البروج : 22 ، قال : قلب المؤمن وقال آخر في قوله : ( والبيت ~~المعمور ) الطور : 4 قلب العارف ، وقال بعض أهل المعرفة : ( في بيوت أذن ~~الله أن ترفع ) النور : 36 قلوب المقربين رفعت إلى وصف الخالق عن ذكر ms0523 ~~المخلوقين ويذكر فيها اسمه بالتوحيد على تجريد الوحدانية عن شهادة الأحدية ~~. وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله تعالى يقول : الصدر هو الكرسي والقلب هو ~~العرش والله تبارك وتعالى واضع عليه عظمته وجلاله ، وهو مشهود بلطفه وقربه ~~، فصدرالمومن أوله صمدية وآخره روحانية وأوسطه ربوبية ، فهو صمدي روحاني ~~رباني وقلبه أوله قدرة وآخره بر ، وأوسطه لطف ، فإذا كان كذلك فهو مشكاة ~~فيها مصباح يرى به الزجاج كأنها كوكب دري تشهد به الآلاء ، فهو مرآة جسدي ~~يرى فيرى به الوجه ويجده عنده كما يراه به من وراء مرآة مشاهدة من قلب موقن ~~بعين يقين ، يشهد الصدر الكرسي والقلب العرش والله تعالى عليه . ولا يحل ~~للعلماء أيضا كشف علامات سوء الخاتمة فيمن رأوها فيه من العمال لأن لها ~~علامات جلية عند المكاشفين بها وأدلة خفية عند العارفين المشرف بهم عليها ، ~~ولكنها من سر المعبود في العبد خبيئة وخبأة في خزائن النفوس لم يطلع عليها ~~إلا الأفراد وقد ستر ذلك وعطاه بسعة رحمته وحلمه وكثيف ستره وفضله وسيخرج ~~ذلك الخباء يوم تبلى PageV01P385 السرائر عند غضبه وعظيم سطوته ، فما له من ~~قوة ، من عمل ، ولا ناصر من علم لا قوة له فينتصر بها ، لأن النصرة عزة وهو ~~ذليل ، ولا ناصر ، لأن الناصر هو الخاذل والمقوى هو المضعف ، فما أسوأ حال ~~من لا ينصر نفسه ، وليست له من مولاه صحبة ، ولو صحبه لنصره ، ولو نصره ~~لأعزه ولو وليه لهرب منه عدوه . قال تعالى : ( لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا ~~هم منا يصحبون ) الأنبياء : 43 وقال تعالى : ( قل أنزله الذي يعلم السر في ~~السموات والأرض ) الفرقان : 6 الآية . فمن حكمته غفره ومن رحمته ستره ، ~~وقال تعالى : ( يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون ) ~~النمل : 25 ؛ فهذه العلوم التي ذكرناها توجب حقائق المخاوف ، وهي من سر ~~الملك وخباء الملكوت . على أن للعبد عند الموت علامات ليس يخفى على العارف ~~بسوء الخاتمة بها لمشاهدته لها وللأحياء علامات عند المكاشفين على الاطلاع ~~يعرفون بها سوء الخاتمة منهم ، وهذا ms0524 علم مخصوص به : من أقيم مقام مقامات ~~المكاشفات عن مشاهدة حقيقة من ذات ، وهوسر علام الغيوب عند من أطلعه عليه ~~من أهل القلوب ، لأن الكشف يتنوع أنواعا من المعاني ، فمنه كشف معاني ~~الآخرة ، ومنه كشف بواطن الدنيا ، ومنه الاطلاع على حقائق الأشياء المستورة ~~لظواهر الأحكام ، فهذا من سر الملكوت ، ومن معاني كشوف الجبروت . وقد جاء ~~في خبر القدر سر الله فلا تفشوه فهذا خطاب لمن كوشف به ، وفي خبر آخر ستر ~~الله فلا تكشفوه فهذا خطاب لمن لم يكاشف به ، وهذا نهي عن السؤال عنه ، وهو ~~داخل في قوله تعالى ( ولاتقف ما ليس لك به علم ) الإسراء : 36 أي لا تتبع ~~نفسك علم ما لم تكلف ، ولا تسأل عما لم يجعل من علمك ولم يوكل إليك ، ولأنه ~~إذا علمه لم ينفعه علمه شيئا ، وإنما ينفعه علم الأحكام والأسباب ، لأنها ~~طرقات ، وبمثل مخاطبة المؤمنين خاطب أنبياءه عليهم السلام في هذا المعنى في ~~قوله تعالى لنوح عليه السلام حين قال : ( إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ) ~~هود : 45 لأنه قدكان وعده نجاة أهله فقال سبحانه وتعالى : ( إنه ليس من ~~أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم ) هود : 46 أي دعاءك ~~ومسألتك لي ما لم أجعله من علمك ولم أكله إليك عمل غير صالح ، فعندها ~~استغفر ربه واسترحمه . وإن العبد عند موته في آخر ساعة من عمره يكشف له عند ~~كشف الغطاء عن بصره وجوه كثيرة قد اتخذت آلهة من دون الله أو أشرك بها مع ~~الله تعالى وكلها تزيين وغرور فإن وقف القلب مع أحدها ، أو زين له بعضها ~~أوتقلب قلبه في شيئ منها عند آخر أنفاسه ختم له بذلك ، فخرجت روحه على الشك ~~أو الشرك ، وهذا هو سوء الخاتمة ، وهو نصيب العبد من الكتاب في السابقة عند ~~خلق الأرواح ، معدومة لها في الأشباح في الآباد PageV01P386 والآزال قبل ~~إظهار الأكوار والأدوار ، فشهدتها الأرواح هناك غرورا ، ووقفت معها وقد ~~زادت لها زورا رسوم في القلب في التخطيط ms0525 قبل خلق الأجسام لها ، وقبل حجبها ~~بكشف الهياكل عند ظهورها في الوجود ، وقبل إقامتها بشاهد العقل ، لكن بشاهد ~~الأولية بدت ، وبمعنى القيومية وجدت ، وبوصف الجامع جمعت ثم فرقت ههنا ، ~~فظهرت الآن عند الفراق ، لما كانت شهدت في التلاق ، واعترفت في الآخر بما ~~كانت نطقت في الأول وخرجت الروح على ما شهدت ، وهذا كان خبر السابقة التي ~~أدركت الأرواح المرافقة لها في الأجسام عند الخاتمة . ومن ذلك جاء في الأثر ~~: يأخذ ملك الأرحام النطفة في يده فيقول : يارب أذكر أم أنثى ؟ أسوى أم ~~معوج ، ما رزقه ، وما عمله ؟ ما أثره ماخلقه ؟ قال : ثم يخلق الله تعالى ~~على يده كما قال : فإذا صورة قال : يارب أنفخ فيه بالسعادة أو بالشقاوة ~~فلذلك خرجت الروح بما دخلت به ( فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة ~~نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين ، فسلام لك من أصحاب اليمين ، وأما إن ~~كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم ، وتصلية جحيم ) الواقعة : 88 - 94 ( ~~كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ) الأعراف : 29 ( كما ~~بدأنا أول خلق نعيده ) الأنبياء : 104 ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن ~~حق القول مني ) السجدة : 13 وقال سبحانه وتعالى : ( إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى ) الأنبياء : 101 ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك ) يونس : 96 ( ولقد ~~ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) الأعراف : 179 ( ولهم أعمال من دون ذلك ~~هم لها عاملون ) المؤمنون : 63 ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) ~~الزمر : 47 ( إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين ) الأنبياء : 106 فهذه الآي ~~ونظائرها وردت في السوابق الأول والخواتم الآخر ، وفيها سرائر الغيوب ~~وغرائب الفهوم ، وهي من آي المطلع لأهل الإشراف على شرفات العرش والأعراف . ~~وقال بعض العارفين : لو علمت أحدا على التوحيد خمسين سنة ثم حالت بيني ~~وبينه أسطوانة فمات لم أقطع له بالتوحيد ، لأني لا أدري ما ظهر من التقليب ~~. وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول : خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند ~~كل ms0526 حركة ، وكل خطرة وهمة ، يخافون البعد من الله تعالى ، وهم الذين مدح ~~الله تبارك وتعالى ( وقلوبهم وجلة ) وقال لا يصح خوفه حتى يخاف من الحسنات ~~كما يخاف من السيئات . وقال أيضا : أعلى الخوف أن يخاف سابق علم الله تعالى ~~فيه ، ويحذر أن يكون منه حدث خلاف السنة يجره إلى الكفر ، وقال : خوف ~~التعظيم ميزان خوف السابقة . وكان بعض العارفين يقول : لو كانت الشهادة على ~~باب الدار والموت على الإسلام عند باب الحجرة لاخترت الموت على الشهادة ، ~~قيل ولم ؟ قال : لأني لا أدري ما يعرض PageV01P387 بقلبي من المشاهدة فيما ~~بين باب الحجرة وباب الدار فيغير التوحيد . وروينا عن زهير بن نعيم الباني ~~قال : ما أكبر همي ذنوبي ، إنما أخاف ما هو أعظم علي من الذنوب وهو أن أسلب ~~التوحيد ، وأموت على غيره ، وروي ابن المبارك عن أبي لهيعة عن بكر بن سوادة ~~قال : كان رجل يعتزل الناس أينما كان يكون وحده فجاء أبو الدرداء فقال : ~~أنشدك الله تعالى ما يحملك على أن تعتزل الناس ؟ قال : إني أخشى أن أسلب ~~ديني وأنا لا أشعر ، قال : أترى في الحي مائة يخافون ما تخاف ؟ فلم يزل ~~ينقص حتى بلغ عشرة قال : فحدثت بذلك رجلا من أهل الشام فقال ذلك شرحبيل بن ~~سمط يعني من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان أبوالدرداء يحلف بالله ~~تعالى ويقول : ما أحد أمن على إيمانه أن يسلبه عند الموت إلا سلبه ، وقد ~~كان بعض علمائنا يقول : من أعطى التوحيد أعطيه بكماله ، ومن منعه منعه ~~بكماله إذا كان التوحيد في نفسه لا يتبعض . ولما احتضر سفيان الثوري رضي ~~الله عنه جعل يبكي ويجزع فقيل له : يا أبا عبد الله عليك بالرجاء فإن عفو ~~الله أعظم من ذنوبك فقال : أو على ذنوبي أبكي ؟ لو علمت أني أموت على ~~التوحيد لم أبال أن ألقى الله تعالى بأمثال الجبال من الخطايا ، وقال مرة : ~~ذنوبي أهون من هذه ورفع حبة من الأرض إنما أخاف أن أسلب التوحيد في آخر ~~الوقت ، وقد كان ms0527 رحمه الله أحد الخائفين ، كان يبول الدم من شدة الخوف ، ~~وكان يمرض المرضة من المخافة ، وعرض بوله على بعض الكتابيين فقال : هذا بول ~~راهب من الرهبان وكان يلتفت إلى حماد بن سلمة فيقول : يا أبا سلمة ترجو ~~لمثلي العفو أو يغفر لمثلي ؟ فيقول له حماد : نعم أرجو له . وقد كان بعض ~~العلماء يقول : لو أني أيقنت أن يختم لي بالسعادة كان أحب إلي مما طلعت ~~عليه الشمس في حياتي أجعله في سبيل الله تعالى . وحدثني بعض إخواني ~~الصادقين وكان خائفا أنه أوصى بعض إخوانه فقال : إذا حضرتني الوفاة فاقعد ~~عند رأسي فإذا عاينت فانظر إلي فإن رأيتني مت على التوحيد فاعمد إلى جميع ~~ما أملكه فاشتر به لوزا وسكرا وانثره على صبيان أهل المدينة وقل : هذا عرس ~~المنفلت ، وإن رأيتني مت على غير التوحيد فأعلم الناس أني قد مت على غير ~~التوحيد حتى لا يغتروا بشهود جنازتي ليحضر جنازتي من أحب على بصيرة لئلا ~~يلحقني الرياء فأكون قد خدعت المسلمين فقلت : ومن أين أعلم أنك قد مت على ~~التوحيد ؟ فذكر له علامة تظهر من بعض الأموات لم نحب ذكرها ، قال : فكنت ~~عند رأسه أنظر إليه كما أمر ، حتى أعاين فرأيت علامة حسن الخاتمة وأمارة ~~الموت على التوحيد قد ظهرت وفاضت روحه ، قال : فنفذت وصيته كما أمر ولم ~~أحدث بذلك إلا خصوص إخواني من العلماء ؛ وذلك أن العبد مهما عمل في حياته ~~من سوء أعيد ذكره عليه عند فراق الحياة ووقعت مشاهدته فيه عند آخرساعة من ~~عمره ، فإن استحلى ذلك بقلبه أو استهواه بنفسه وقف معه PageV01P388 فإذا ~~وقف معه حسب عليه عملا له وإن قل وكان ذلك خاتمته وكذلك ما عمل من خير أعيد ~~ذكره ومشاهدته عليه فإن عقد عليه بقلبه أو أحب وقف معه فحسب عملا له وكان ~~ذلك حسن خاتمته . وقال بعض هذه الطائفة في قول الله تعالى : ( خلق الموت ~~والحياة ليبلوكم ) الملك : 2 قال : يبلوكم بتقليب القلوب في حال الحياة ~~بخواطر الذنوب وفي حال الموت بإلحاد عن التوحيد ms0528 ، فمن خرجت روحه على ~~التوحيد وجاوزت البلاوي كلها إلى المبلى فهو المؤمن وذلك هوالبلاء الحسن ، ~~كما قال الله تعالى : ( ولىبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ) الأنفال : 17 فهذه ~~المعاني من العلوم أوجبت خوف الخائفين من علم الله تعالى فيهم فلم ينظروا ~~معها إلى محاسن أعمالهم لحقيقة معرفتهم بربهم ؛ وهذا الخوف هو الثواب ~~لعلمهم بما يعلمون ، فلما سلموا من مطالبة بما يعملون وصحوا على العلم ظهر ~~لهم خوف علم الله تعالى فيهم نعمة من الله تعالى عليهم ، فكان ذلك مقاما ~~لهم ، كما قال الله تعالى : ( قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ~~) المائدة : 23 قيل بالخوف . والمقام الآخر لأصحاب اليمين دون هولاء ؛ خوف ~~الجنايات والاكتساب ، وخوف الوعيد وسر العقاب ، وخوف التقصير في الأمر وخوف ~~مجاوزة الحد وخوف سلب المزيد ، وخوف حجاب اليقظة بالغفلة ، وخوف حدوث ~~الفترة بعد الاجتهاد عن المعاملة ، وخوف وهن العزم بعد القوة وخوف نكث ~~العهد بنقض التوبة ، وخوف الوقوع في الإبتلاء بالسبب الذي وقعت منه التوبة ~~، وخوف عود الاعوجاج عن الاستقامة ، وخوف العادة بالشهوة وخوف الحور بعد ~~الكور ؛ وهو الرجوع عن الحجة إلى طريق الهوى وحرث الدنيا وخوف اطلاع الله ~~تعالى عليهم عندما سلف من ذنوبهم ونظره إلىهم على قبيح فعلهم فيعرض عنهم ~~ويمقتهم وهذه كلها مخاوف وطرقات لأهل المعارف وبعضها أعلى من بعض وبعضهم ~~أشد خوفا من بعض ، ويقال : إن العرش جوهرة يتلألأ ملء الكون فلا يكون للعبد ~~وجد في حال من الأحوال إلا طبع مثاله في العرض على الصورة التي يكون عليها ~~العبد فإذا كان يوم القيامة ووقف للمحاسبة أظهرت له صورته من العرش فرأى ~~نفسه على هيئته التي كان في الدنيا فذكر فعله بمشاهدته نفسه فيأخذه من ~~الحياء والرعب ما يجل وصفه . ويقال : إن الله سبحانه إذا أعطى عبدا معرفة ~~ثم لم يعامله بها لم يسلبه إياها ، بل أبقاها عليه ليحاسبه على مقدارها ، ~~ولكن يرفع عنه البركة ويقطع عنه المزيد . وقد ذم الله تعالى عبدا أوجد له ~~نعمة استعمله بها صالحا بعد أن كان قد ms0529 ابتلاه بهواه ففخر الآن بعمله ونسي ~~ما قدمت يداه ، ولم يخف أن يعيده فيما قد كان جناه في قوله تبارك وتعالى : ~~( ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ) ~~هود : 10 PageV01P389 ومن المخاوف خوف النفاق ، وقد كان السلف لصالح من ~~الصحابة رضي الله عنهم وخيار التابعين يخافون ذلك . كان حذيفة رضي الله عنه ~~يقول : إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصير بها منافقا حتى يلقى الله تعالى ، إني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر ~~مرات . وكان يقول : تأتي على القلب ساعة يمتلئ بالإيمان حتى لا يكون للنفاق ~~فيه مغرز إبرة ، ويأتي عليه ساعة يمتلئ بالنفاق حتى لايكون للإيمان فيه ~~مغرز إبرة . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون : إنكم ~~لتعلمون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الكبائر وفي لفظ آخر : من الموبقات . وقد كان الحسن رحمه ~~الله يقول : لوأني أعلم أني بريء من النفاق كان أحب إلي مما طلعت عليه ~~الشمس . وقيل : لايعرى من النفاق إلاثلاث طبقات من المؤمنين : الصديقون ~~والشهداء والصالحون ، وهؤلاء الذين مدحهم الله تعالى بكمال النعمة عليهم ، ~~وألحقهم بمقامات أنبيائه لكمال الإيمان وحقيقة اليقين فيهم ، وقيل من أمن ~~من النفاق فهو منافق . وكان بعضهم يقول : علامة النفاق أن يكره من الناس ما ~~يأتي مثله ، وأن يحب على شيء من الجور ، وأن يبغض على شيء من الحق ، ومن ~~النفاق من إذامدح بما ليس فيه أعجبه ذلك . وعلامات النفاق أكثر من أن تحصى ~~، يقال هي سبعون علامة ، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربع ~~هن أصولها تتشعب منها الفروع فقال عليه الصلاة والسلام أربع من كن فيه فهو ~~منافق خالص وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ، وإن كانت فيه خصلة منهن ففيه شعبة ~~من نفاق حتى يدعها : من إذا حدث كذب ؛ وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ، ~~وإذا خاصم فجر ms0530 وفي لفظ آخر إذا عاهد غدر فصارت خمسا . وقال رجل لابن عمر ~~رضي الله عنهما : إنا ندخل على هؤلاء الأمراء ونصدقهم بما يقولون فإذا ~~خرجنا تكلمنا فيهم ، فقال : كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . وروينا عنه من طريق آخر أنه سمع رجلا يذم الحجاج ويقع فيه فقال ~~له : أرأيت لو كان الحجاج حاضرا أكنت تتكلم بما تكلمت به ؟ قال لا ، قال : ~~كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأشد من ذلك أن ~~نفرا قعدوا على باب حذيفة رضي الله عنه ينتظرونه ، فكانوا يتكلمون في شيء ~~من شأنه ، فلما خرج عليهم سكتوا حياء منه ، فقال : تكلموا فيما كنتم تقولون ~~فسكتوا ، فقال : كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ~~وأعظم من هذا ما كان الحسن رحمه الله يذهب إليه ، كان يقول : إن من النفاق ~~اختلاف السر والعلانية ، واختلاف اللسان والقلب ، والمدخل والمخرج . ~~PageV01P390 فدقائق النفاق وخفايا الشرك عن نقصان التوحيد وضعف اليقين ~~أوجبت المخاوف على المؤمنين خشية مقت الله تعالى ، وخوف حبوط الأعمال . من ~~ذلك كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : إن الرجل ليخرج من منزله ومعه دينه ~~فيرجع إلى منزله وليس معه من دينه شيء ، يلقى الرجل فيقول : إنك لذيت وذيت ~~ويلقى الآخر فيقول لأنت وأنت ، ولعله لا يخلى منه بشيء ، وقد سخط الله ~~تعالى عليه ، يعني به التزكية لما لا يعلم ، والمدح لمن يستحق الذم ، ~~واختلاف قلبه ولسانه ، ففي هذا مقت من الله تعالى . وفوق هذه المخاوف سلب ~~الإيمان الذي هو عندك في خزانة المؤمن ، يظهره كيف شاء ، ويأخذه متى شاء ، ~~لا يدري أهبة وهبه لك فيبقيه عليك لكرمه ؟ أو وديعة وعارية أودعك إياه ~~وأعارك هو ؟ فيأخذه إذا لا محالة لعدله وحكمته ، وقد أخفى عنك حقيقة ذلك ، ~~واستأثر بعاقبته . وقال بعض العارفين : إنما قطع بالقوم عند الوصول مع ~~الخاتمة : وقال آخر : واخطراه كما قال أبو الدرداء وحلف : ما أحد أمن من أن ~~يسلب إيمانه ms0531 إلا سلبه ، أفرأيت الوقت الذي قال حذيفة : يأتي على القلب ساعة ~~فيمتلئ نفاقا حتى لا يكون فيه للإيمان مغرز إبرة ، إن صادف الموت ذلك الوقت ~~وكان هو آخر وقت ، أليس تخرج روحه على النفاق ، وكذلك تقليبات القلوب في ~~معاني الشرك وتلويحات الشك إن وافق وقت الوفاة كان خاتمته عند لقاء مولاه ، ~~وإنما سميت الخاتمة لأنها آخر عمله وآخر ساعة من العمر ، وخاتم الشيء آخره ~~ومن ذلك قوله تعالى : ( وخاتم النبيين ) الأحزاب : 40 أي آخرهم ، ومثله : ( ~~ختامه مسك ) المطففين : 26 وخاتمه مسك أي آخر الكأس ، بدلا من الثفل يكون ~~مسكا . ومن المخاوف خوف قطع المزيد من علم الإيمان مع بقية المعرفة ~~المبتدأة ليكون مستدرجا بها كما قال بعض العلماء : إن الله تبارك وتعالى ~~إذا أعطى عبدا معرفة فلم يعامله بها لم يسلبه تلك المعرفة ولكن بقاؤها فيه ~~حجة عليه ليحاسبه على قدرها وإنما يقطع عنه المزيد وقد يقسى قلبه وتجري ~~عينه وذلك من النقصان الذي لا يعرفه إلا أهل التمام لأنه يمنعه منه ما ~~ينفعه عنده ويعطيه ما يغتر به ويفتتن عند الخلق لأن عين الوجه من الملك ~~للدنيا وعين القلب من الملكوت للآخرة وقال مالك ابن دينار : قرأت في ~~التوراة : إذا استكمل العبد النفاق ملك عينيه فيبكي متى شاء وقد كانوا ~~يستعيذون بالله عز وجل من بكاء النفاق وهو أن يفتح للعبد ألوان البكاء ~~ويغلق عنه باب الذل والخشوع . وقد قال الله عز وجل : ( وجاءوا أباهم عشاء ~~يبكون ) يوسف : 16 وكان السلف أيضا يقولون : استعيذوا بالله من خشوع النفاق ~~قيل : وما هو ؟ قال : أن تبكي العين والقلب قاس فلأن يعطي الإنسان رقة ~~القلب في جمود عين خير من أن يعطي دموع عين في قسوة قلب ، PageV01P391 ورقة ~~القلب عند أهل القلوب هو خشوعه وخوفه وذله وانكساره وإخباته ، فمن أعطاه ~~هذا في قلبه لم يضره ما منعه من بكاء عينه فإن رحج له بفيض العين فهو فضل ، ~~ومن أعطاه بكاء العين وحرمه خشوع القلب وذله وخضوعه وإخباته فهو مكر به ؛ ~~وهذا هو ms0532 حقيقة المنع وعدم النفع وجملة بكاء العين إنما هو في علم العقل ، ~~فأما علم التوحيد بمشاهدة اليقين فلا بكاء فيه لأنه يظهر لشاهد الوحدانية ~~فيحمله على علم القدرة فتفيض الدموع بانتشاق القوة ، وقد وصف الله تعالى ~~الباكين : إن البكاء يزيدهم خشوعا في قوله تعالى : ( يبكون ويزيدهم خشوعا ) ~~الإسراء : 109 فإذا زادنا البكاء كبرا وفخرا علمنا بذلك عدم الخشوع في ~~القلب فكان تصنعا وعجبا لخفايا آفات النفوس ، فأعلى المخاوف خوف السوابق ~~والخواتم كما كان بعض العارفين يقول : ما بكائي وغمي من ذنوبي وشهواتي ~~لأنها أخلاقي وصفاتي لا يليق بي غيرها إنما حزني وحسرتي كيف كان قسمي منه ~~ونصيبي حين قسم الأقسام وفرق العطاء بين العباد فكيف كان قسمي منه البعد ، ~~فهذا الذي ذكرناه هو جمل خوف العلماء الذين هم ورثة الأنبياء وهم أبدال ~~النبيين وأئمة المتقين ، أولو القوة والتمكين ، وسئل أبو محمد رحمه الله : ~~هل يعطي الله أحدا من الخوف مثقالا فقال : من المؤمنين من يعطي من الخوف ~~وزن الجبل قيل : فكيف يكون حالهم يأكلون وينامون وينكحون ؟ قال : نعم ~~يفعلون ذلك والمشاهدة لا تفارقهم والمأوى يظلهم قيل : فأين الخوف قال : ~~يحمله حجاب القدرة بلطيف الحكمة ويستر القلب تحت الحجاب في التصريف بصفات ~~البشرية فيكون مثل هذا العبد مثل المرسلين ، وهذا كما قال لأن مشاهدة ~~التوحيد بالتصريف والحكمة تقيمه بالقيام بالأحكام ، وذلك أن نور الإيمان في ~~القلب عظيم لو ظهر للقلب لأحرق الجسم وما اتصل به من الملك إلا أنه مستور ~~بالفضل مغطى بالعلم لإيقاع الأحكام ، وإيجاب التصريف فيها والقيام يجري ~~مجرى الغايات من معاني القدر والصفات لأن الأنوار محجوبة بالأسماء والأسماء ~~محجوبة بالأفعال والأفعال محجوبة بالحركات فتظهر الحركة بالقدرة وهي غيب من ~~ورائها ، كذلك يظهر التصريف بالحكمة من نور الإيمان وأنوار الإيمان مستورة ~~من ورائه . وقال بعض العارفين : لو كشف وجه المؤمن للخلق عند الله تعالى ~~لعبدوه من دون الله تعالى ولو ظهر نور قلبه للدنيا لم يثبت له شيء على وجه ~~الأرض ، فسبحان من ستر القدرة ومعانيها بالحكمة وأسبابها حلما ms0533 منه ورحمة ~~وتطريقا للخلق إليه للمنفعة ، وفي قراءة أبي بن كعب مثل نور المؤمن ، فولا ~~أن نوره من نوره ما استجاز إبدال حرف بغير معناه ، وقد كان سهل رحمه الله ~~تعالى يقول : الخوف مباينة للنهي والخشية الورع والإشفاق الزهد ، وكان يقول ~~: دخول الخوف على الجاهل يدعوه إلى العلم ، ودخوله على العالم يدعوه إلى ~~الزهد ، ودخوله على العامل يدعوه إلى الإخلاص ، PageV01P392 وقال أيضا ~~الإخلاص فريضة لا تنال إلا بالخوف ولا ينال الخوف إلا بالزهد فقد صار الخوف ~~يصلح للكافة إذ دخوله على العامة يخرجهم عن الحرام ، ودخوله على الخاصة ~~يدخلهم في الورع والزهد ، لأن من خاف ترك ، وقال أيضا : من أحب أن يرى خوف ~~الله تعالى في قلبه فلا يأكل إلا حلالا ولا يصلح علم الرجاء إلا للخائف ، ~~وقال : الخوف ذكر والمحبة أنثى ، ألا ترى أن أكثر النساء يدعون المحبة يريد ~~بهذا أن فضل الخوف على الرجاء كفضل الذكر على الأنثى ؛ وهذا كما قال لأن ~~الخوف حال العلماء ، والرجاء حال العمال ، وفضل العالم على العابد كفضل ~~القمر على الكواكب . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل من علم ~~أحب إلي من فضل من عمل ، وخير دينكم الورع واعلم أن الخوف عند العلماء على ~~غير ما يتصور في أوهام العامة وخلاف ما يعدونه من القلق والاحتراق أو الوله ~~والانزعاج لأن هذه خطرات وأحوال ومواجيد للوالهين وليست من حقيقة العلم في ~~شيء ، بمنزلة مواجيد بعض الصوفية من العارفين في أحوال المحبة ، من ~~احتراقهم وولههم . والخوف عند العلماء إنما هو اسم لصحيح العلم وصدق ~~المشاهدة ، فإذا أعطى عبد حقيقة العلم وصدق اليقين سمي هذا خائفا ، فلذلك ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم من أخوف الخلق ، لأنه كان على حقيقة العلم ~~ومن أشدهم حبا لله تعالى ، لأنه كان في نهاية القرب ، وقد كان حالة السكينة ~~والوقار في المقامين معا ، والتمكين والتثبيت في الأحوال كلها ، ولم يكن ~~وصفه القلق والانزعاج ، ولا الوله والاستهتار ، وقد أعطي أضعاف عقول ~~الخليقة وعلومهم ، ووسع قلبه لهم ، وشرح صدره ms0534 للصبر عليهم . فكان صلى الله ~~عليه وسلم مع الأعرابي كأنه أعرابي ، ومع الصبي بمعناه ، ومع المرأة في ~~نحوها ، يقاربهم في علومهم ، ويخاطبهم بعقولهم ، ويظهر منه مثل وجدهم ، ~~ليعطيهم نصيبهم من الأنس به ، ويوفيهم حقوقهم من الدرك منه ، ولئلا تعظم ~~هيبته في صدورهم ، فينقطعون عن السؤال له والأنس به حكمة منه ، لا يفطنون ~~لها ورحمة منه قد جبل عليها ، قد ألبس مواجيدهم لبسة ، وأدخل ذلك عليه صبغة ~~، بغير تكلف ولا تصنع ، تعلم ذلك من الحكيم العليم ، فلذلك وصفه عز وجل ~~بخلقه ، وتعجب من وصفه فقال تعالى : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) القلم : 4 قيل ~~على أخلاق الربوبية ، وقرئت بالإضافة ليكون عظم اسم الله سبحانه لا يظهر من ~~حاله ونصيبه شيئا لقوة التمكين وفضل العقلاء ولا يبخس من نصيبهم منه شيئا ~~لحقيقة العدل ، ولا يتظاهر بشيء لحقيقة الزهد ونهاية الخشوع والتواضع ، ولا ~~يظهر عليه شيء لمكانة القوة ورسوخ العلم والحكمة ، وعلى منهاجه وسنته وصف ~~العارفين من أهل البلاء الذين هم الأمثل فالأمثل بالأنبياء . وقال بعض أهل ~~المعرفة : من طالب الخلق بعلمه وخاطبهم بعقله ، فقد بخسهم PageV01P393 ~~حقوقهم منه ، ولم يقم بحق الله تعالى فيهم . وقال بعض العلماء : لا يكون ~~إماما من حدث الناس بكل ما علمه وأظهر لهم نصيبه وكان يحيى بن معاذ يقول : ~~لا تخرج أحدا من طريقه ولا تخاطبه بغير علمه فتتعب ، ولكن أغرف له من نهره ~~، واسقه بكأسه . وسئل بعض العلماء عن العارف ، هل يستوحش من الخلق ؟ قال : ~~لا يستوحش ، ولكن قد يكون نفورا ، قيل : فهل يستوحش منه ؟ فقال العارف لا ~~يستوحش منه ، ولكن قد يهاب . ومما يدلك أن الخوف اسم لحقيقة العلم أن في ~~قراءة أبي بن كعب في قوله تعالى : ( فخشينا أن يرهقهما ) الكهف : 80 فخاف ~~ربك أن يرهقهما . وقال يحيى بن زياد النحوي : ومعناه فعلم ربك ، وقال : ~~الخوف من أسماء العلم والله أعلم . # | بيان آخر في معنى الخوف # والخوف أيضا من أسماء المعاني ، فوجوده بانتفاء ضده فإذا عدم من القلب ~~الأمن من كل وجه من أحوال الدنيا وأمور ms0535 الآخرة ؛ فلم يأمن مكر الله تعالى ~~في كل الأحوال ، في تصريف أحكام الدنيا وتقليب حركات القلوب والنفوس ، ~~وجواذب الشهوات ، وإثارة طبائع العادات ، ولم يسكن إلى عرف ولا اعتياد ، ~~ولم يقطع بسلامته وبراءته في شيء كان هذا خوفا ، وسمى العبد بفقد الأمن من ~~جميع ذلك خائفا ، فهذا مستعمل فاش في كلام العرب ، ومذهبهم ، يقول أحدهم : ~~أخاف من كذا إذا لم يأمنه ، أو أخاف أن يكون كذا إذا تحقق علمه . وقيل لبعض ~~العلماء : ما بال العارف يخاف في كل حال ؟ فقال : لعلمه أن الله تعالى قد ~~يأخذ في جميع الأحوال . ثم إن للخائفين بعد هذا طرقا ووجهة من قبل الخوف ~~المقلق والإشفاق المزعج ، والوجل المحرق ، وهي مجاوزات للطرق السابلة التي ~~هي محاج للأئمة المختارة الفاضلة ، وفيها متاوه ومهالك ، نقلت عنها العلماء ~~السادة ، والصفوة المختارة ، إلا أنه قد سلك ببعض الزهاد والعباد فيها ~~وأريد بعض العارفين بها ليست بمفضلة كل ذلك عن العلماء ، ولا بمتنافس فيها ~~مغبوط عليها عند العارفين ، لأنها قد تخرج من طرقات المسالك إلى مفاوز ~~المهالك ، وإنما أريد ببعضهم التعريف لها والاطلاع عليها ، ومنهم من أريد ~~منه التيه والوله فيها إلا أنها أشهر في أسماع العامة وأعجب وأهول عند ~~العموم . # | ذكر تفصيل هذه المخاوف # اعلم أن للخوف سبع مفائض تفيض إليها من القلب ، فإلى أي مفيض فاض من ~~PageV01P394 القلب إليه أتلف صاحبه به إلا ما يستثنيه . قد يفيض الخوف من ~~القلب إلى المرارة وهي أرق صفات الأدمة ، وهي باطن البشرة فيحرقها فيقتل ~~العبد ، وهؤلاء هم الذين يموتون من الغشى والصعق وبداوة الوجه ، وهم ضعفاء ~~العمال . وقد يطير الخوف من القلب إلى الدماغ فيحرق العقل فيتيه العبد ~~فيذهب الحال ويسقط المقام . وقد يحل الخوف السحر وهو الرئة فينقبها فيذهب ~~الأكل والشرب حتى يسل الجسم وينشف الدم ، وهذا لأهل الجوع والطي والاصفرار ~~. وقد يسكن الخوف الكبد ، فيورث الكمد اللازم ، والحزن الدائم ويحدث الفكر ~~الطويل والسهر الذاهب ، وفي هذا المقام يذهب النوم ويدوخ السهر وهذا من ~~أفضلها ، وفي هذا الخوف العلم والمشاهدة وهو ms0536 من خوف العاملين ، وقد يقدح ~~الخوف في الفرائص ؛ والفريصة هي اللحمة التي تكون على الكتف ، يقال للحمتي ~~الكتفين : الفريصتان وجمعها الفرائص ، ومنه الخبر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يعجبه الفريصتان من اللحم وهو أرق لحم الحيوان وأعذبه ، فمن ~~هذا الخوف يكون الاضطراب والارتعاش واختلاف الحركة ، وقد يبدو الخوف من ~~القلب فيغشى العقل فيمحي سلطانه لقهر سلطان القدرة ومحو الشمس إذا برزت ضوء ~~القمر للبادي الذي يبدو على السر من خزائن الملكوت فيضعف لحمله العقل ~~فيضطرب لضعفه الجسم فلا يتمكن العبد من القرار لضعف صفته وذلك أن أجزاء ~~الإنسان وإن كانت متفرقة في البنيان للحكمة والإتقان فهي كشيء واحد يجمعها ~~لطيف القدرة بإظهار المشيئة ، فأسفل البنية منوط بأعلاها فإذا اضطراب ~~أعلاها مال أسفلها وإذا وصل الداء أو الدواء إلى عضو منها تداعى له سائرها ~~، وهذه الطائفة أشبه بالفضل وأدخل في وصف العلم وقد سلك في هذا الطريق ~~أكابر العماء وأفاضل أهل القلوب وقد كان هؤلاء في التابعين كثير منهم ؛ ~~الربيع بن خيثم وأويس القرني ، وزرارة بن أوفى ، ونظراؤهم من الأخيار رضي ~~الله عنهم ، ولم ينكر هذا علية الصحابة مثل عمر وابن مسعود رضي الله عنهم . ~~وقد كان عمر رضي الله عنه يغشى عليه حتى يضطرب مثل البعير ويسقط من قيام ، ~~وقد كان ذلك يلحق سعيد بن جذيم ، وكان من زهاد أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، ومن أمراء الأجناد بعثه عمر رضي الله عنه واليا على أهل الشام ~~، وكان يوصف له من زهده وشدة فاقته ما يعاتبه عمر في ذلك ويبعث إليه ~~بالمائة دينار وبأربعمائة دينار ليستنفقها على أهله فيفرق ذلك على الغزاة ~~في قصة طويلة ، فكتب إليه أهل الشام يذكرون شأنه ، وكان يغشى عليه في مجلسه ~~فخشوا عليه من دخيلة في عقله ولم يعرف ذلك أهل الشام فسأله عمر لما لقيه ~~الذي يصيبه إذا تحدث فأخبره بما يجد من مشاهدته وهو وجد الصوفية من أهل ~~PageV01P395 الأحوال ، فعرف عمر ذلك وعذره ، وما زاده ذلك عنده إلا خيرا ms0537 ~~فكان يرمه ويعرف له فضله ، وكتب إلى أهل الشام أن لا تعنفوا في أمره ودعوه ~~وقد كان أقوى الأقوياء وهادي الهداة رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم ~~يغشى عليه عند نزول الوحي إذا لبسه أزال ترتيب العقل منه ورفع مكان الكون ~~عنه ويغط ويتربد وجهه وينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي ، ~~إلا أن هذا كان يصيبه في ضرب من الوحي إذا تغشاه ونزل عليه روح القدس في ~~روحه واستبطن قلبه لأن الوحي على أربعة أضرب ؛ ضربان متصلان هذا أحدهما ، ~~وضربان منفصلان ، ومن كل واحد يلحق العلماء بالله تعالى أهل القلوب الناظرة ~~والشهادة الحاضرة ، وشرح هذا يطول وليس يعرفه علم يقين إلا من سلك طريقه ~~ولا يشهده شهادة تحقيق إلا من ذاق حقيقته ومن آمن به تصديق تسليم فله منه ~~نصيب ، إلا أن هذا في أهل مقامات ثلاث من المقربين ؛ مقام المعرفة ؛ ~~والمحبة والخوف ، وكل ضروب الوحي بعد هذه الأربعة وهي عشرة لأهل هذه ~~المقامات الثلاث منه نصيب خواطر أو وجد أوشهادة أوحال أو مقام ؛ وهو وصف ~~التمام إلا نوعين من أنواع الوحي فإنهما ممتنع ومخصوص بهما المرسلون ؛ ~~أحدهما ظهور الملك في صورته وسمع كلام الله بصفته ونظر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام في صورته بالأبطح فصعق . وروى حمزة عن ~~حمران بن أعين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ آية في سورة الحاقة ~~فصعق وقال الله تعالى : ( وخر موسى صعقا ) الأعراف : 143 وقد يفيض الخوف من ~~القلب إلى النفس فيحرق الشهوات ويمحو العادات ويخمد الطبع ويطفئ شعل الهوى ~~وهذا أحد المخاوف وأعلاها عند أهل المعارف ، وهؤلاء أفضل الخائفين وأرفعهم ~~مقاما ؛ وهو خوف الأنبياء الصديقين وخصوص الشهداء ، وليس فوق هذا وصف يغبط ~~عليه الخائف ولا يفرح به عارف ، فإن جاوز الخوف هذه الأوصاف فقد خرج من حده ~~وجاوز قدره لأنه إذا أحرق الشهوات ومحا الأهواء فلم يترك شهوة ولا هوى ثم ~~إن لم يعصم العبد من مجاوزة حد الخوف خرج به ms0538 الخوف إلى أحد ثلاثة معان ~~خيرها أن يسري إلى النفس فيحرقها فيتلف العبد فتكون له شهادة ، وليس هذا ~~محمودا عند علماء الخائفين من أرباب العلوم والمشاهدات ، إلا أنه قد قال ~~بعض العلماء ما شهداء بدر بأعظم أجرا ممن مات وجدا ؛ وهذه أوصاف ضعاف ~~المريدين إذ للعلماء الموقنين بكل شهادة من اليقين أجر شهيد وأوسطها أن ~~يعلو إلى الدماغ فيدنيه فتنحل عقدة العقل لذويه فتضطرب الطبائع لانحلال ~~عقدة العقل ثم تختلط المزاجات لاضطرابها فتحترق الصفراء فتحول سوداء فيكون ~~من ذلك الوسواس والهذيان والتوه والوله ، وذلك أن الدماغ جامد وهو مكان ~~للعقل هو مركب عليه معقود به فإذا اختلطت المزاجات اشتعلت فتلهب شعلها إلى ~~الدماغ فأحرقه وأذابه ، فحل محل العقل الذي مكانه مخ الدماغ وسلطانه صقال ~~القلب PageV01P396 الظاهر كصقال الرقعة ، وهو بمنزلة الشمس الطالعة ، محلها ~~الفلك العلوي ، وشعاعها على الأرض ، كذلك العقل محله المخ ، وسلطانه في ~~القلب ، وفي هذا المقام الطيش والهيمان ، وهذا مكروه عند العلماء ؛ وقد ~~أصاب ذلك بعض المحبين في مقام المحبة فانطبق عليهم فولهوا بوجوده ، ومنهم ~~من فزع ذلك عن قلوبهم فسرى عنهم فنطقوا بعلمه . وقد كان أبو محمد رحمه الل ~~تعالى يقول لأهل التقلل الطاوين المتقشفين : احفظوا عقولكم ، فإنه لم يكن ~~ولى الله ناقص العقل . والمعنى الثالث وهو شرها في مجاوزة الخوف ، هو أن ~~يعظم ويقوى ، فيذهب الرجاء إذا لم يواجه بعلم الأخلاق من الجود والكرم ~~والإحسان التي تعدل المقام ، فتروح كروب الحال فيخرجه ذلك إلى القنوط من ~~رحمة الله ، والإياس من روح الله تعالى ، دخلت عليهم هذه المشاهدة من قبل ~~العدل والإنصاف بمعيار العقل فجاوزت بهم علم وصفه بالكرم ، وخفى الألطاف ، ~~فتعدت بهم الحدود من قبل قوة نظرهم إلى الاكتساب ؛ وتمكن تحكم شهادة ~~الأسباب ، ورجوعهم إلى أنفسهم في الحول والاستطاعة ، وإثباتهم لتحقيق ~~الوعيد عليهم خاصة لا محالة ، والحكم علي الحاكم الراحم بعقولهم وعلومهم ، ~~من غير تفويض منهم إلى مشيئته ، ولا استلام لقدرته ، ولا تأميل لأحد معاني ~~صفاته الحسنى التي تعم جميع صفاتهم السوأى ، فظهرت سيئاتهم الثواني أمامهم ms0539 ~~، فحجبتهم عن المحسن الأول ، ولم يعلموا أنهم بإحسانه إليهم أساءوا ، وبسبق ~~علمه فيهم تعدوا ، وإن قلمه لم يكن بأيديهم إذ جرى بما عليهم ، وإن قهر ~~قدرته وسلطان جبره أظهر منهم من خزائنه ما فيهم ، يدلك على صحة ما ذكرناه ~~أن أكثر هذه المخاوف كانت في البصريين ، وأهل عبادان والعسكريين ، فكان ~~مذهبهم القدر ، والقول باللطف ، وتفويض المشيئة وتقديم الاستطاعة . منهم ~~العمرية أصحاب عمرو ، والعبادية شيعة عباد ، والفوطية والعطوية أصحاب هشام ~~الفوطى ، وابن عطاء الغزالي . ومنهم التيمية نفوا نصف القدر ، ومنهم ~~المنازلية أصحاب المنزلة بين المنزلتين ، والقول بمقدور من قادرين ، وفعل ~~من فاعلين ، فابتلوا بالاعتماد على الأسباب ، وبالنظر إلى أولية الاكتساب ~~فحجبهم ذلك عن المقدر الوهاب ، فهرب هؤلاء من الأمن والاغترار ، فوقعوا في ~~أعظم منهما من القنوط والإياس ، فصاروا في كبائر المعاصي من خوفهم منها . ~~فمثلهم مثل الخوارج ، خرجوا على الأئمة بالسيف لإنكار المنكر ، فوقعوا في ~~أنكر المنكر من تكفير الأئمة ، وإنكارهم السلطان ، وتكفيرهم الأمة بالصغائر ~~، وهذا من أبدع البدع ، وهؤلاء كلاب أهل النار . ومثلهم أيضا مثل المعتزلة ~~، هربوا من طريق المرجئة أن الموحدين لا يدخلون النار ، PageV01P397 فحققوا ~~الوعيد على الموحدين ، وخلدوا الفاسقين في النار ، فجاوزوا حد المرجئة ~~وزادوا عليهم ، كما جاوزت المرجئة طريق أهل السنة وقصرت عنهم . وكان شيخنا ~~أبو محمد رحمه الله تعالى يقول : أهل البدعه كلهم يرون الخروج على السلطان ~~، ويرون السيف على الأمة ، ويكفرون الأئمة ، فهذا أضر الوجوه في مجاورة ~~الخوف عن قدره ، وهو من التعدي لحدود الله تعالى وأمره ( قد جعل الله لكل ~~شيء قدرا - ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) الطلاق : 3 فصدق الرجاء ~~واعتدال الخوف به من نحقيقة العلم بالله تعالى ، ومجاوزة الشيء كالتقصير ~~عنه ، والمؤمن حقا هو المعتدل بين الخوف والرجاء ، فالخوف المتلف للنفس ~~بالموت ، أو المزيل للعقل بالفوت خير من هذا الوصف الذي هو القنوط ، لأن ~~هذا مزيل للعلم ؛ ومسقط للمقام ، موقع في الكبائر . على أن هذين المقامين ~~من الخوف ، ليس فيهما علم ولا مشاهدة على الكشف ، وإنما هو قوة وجد تصطلم ms0540 ~~مرارته فتوجد إتلاف النفس ، ومحو العقل من عبد بمنزلة خوف الكروبيين خاصة ~~من الأملاك أهل الكرب والتمكن ، لأنهم لا ينقلون في المقامات التي يعدلون ~~بها كمقربي الروحانيين . وبلغني أن منهم جيلا يخرج كل يوم من تحت العرش ~~بعدد البشر ، قد أقلقه الشوق وحقره الكرب ، يريد النظر إلى وجه العلى ~~الأعلى فيحرقهم شعاع سبحات وجهه الكريم سبحانه وتعالى ، فيحترقون احتراق ~~الفراش في المصباح ، ثم يعود مثلهم من الغد ، فهذا دأبهم إلى يوم القيامة ، ~~كل ملك لو جمع السموات والأرضين في كفة غابت في قبضته . ولعمري إن سائر ~~الملائكة لا ينقلون في المقامات كالمؤمنين ، بل لكل ملك مقام معلوم لا ~~ينتقل منه إلى غيره ، إنما يمدون من ذلك المقام بمدد لا نهاية له إلى يوم ~~القيامة بأكثر ما يزاد جميع البشر ، ولكن أولئك يحمل خوفهم قواهم ، ويثبت ~~بمشاهدة وصف المخوف خوفهم وصفاتهم ، فلا يئودهم ولا يقتلهم ، لأنهم يمدون ~~بالقوى ، ويعصمون من الموت ، بحفظ آجالهم إلى وقتها في الآخر ، على أن منهم ~~من يطيش عقله ويتوله قلبه ومنهم من يصبح في تيهه ، ومنهم من يتيه فلا يرد ~~وجهه شيء إلى يوم القيامة ، ومنهم من يفزع الفزعة فلا يرتد إليه طرفه ، ولا ~~يرجع إليه عقله إلى يوم الحشر ، ومنهم من يصعق صعقة فلا يزال في صرخة واحدة ~~إلى نفخ الصدور ، وكثير منهم يصعقون عند سماع الكلام من الملك الجبار ( حتى ~~إذا فزع عن قلوبهم ) سبأ : 23 سألوا الروحانيين من المقربين ذوي الحجب ~~القريبة والرتب العلية ، منهم جبريل وإسرافيل وميكائيل ( ماذا قال ربكم ) ~~فهؤلاء الحاضرون من الناظرين والتمكنون من الشاهدين حجبة القدس أولو المحبة ~~والأنس ، قالوا : الحق وهو العلي الكبير ، فمثل هؤلاء الخائفني مثل ~~المخلصين من المؤمنين الذين قال الله : ( أولئك لهم رزق PageV01P398 معلوم ~~) الصافات : 41 ومثل الأقوياء من العالمين أولي البصائر والتمكين مثل ~~الصابرين الذين يؤتون أجرهم بغير حساب وهعلماء الموقنين ينقلون في مقامات ~~اليقين بمقتضى أحكامها من مقام خوف إلى مقام رجاء مثله ، فإذا عملوا في هذه ~~المقامات بما يقتضيهم رفعوا إلى ما ms0541 فوقها من مقام رجاء إلى مقام رجاء ، هو ~~خيرمنه ، ومن حال خوف إلى حال خوف أشرف منه ، ثم ينتقلون من مقامات الإشفاق ~~إلى حال الإشتياق ومن أحوال الوجل والإحتراق إلى مقام التملق والطمأنينة ، ~~ومن حال الفزع إلى مقام الأنس ومن الإبعاد والوحشة والتهويل إلى الرضا ~~والمحبة والتأميل ، فهذا مكن فضلهم على من وقف في مقامه لم يجاوزه من ~~العموم ، ومن استتر بحاله وقام في ظل فلم يعطعه إلى ظل ممدود فوقه ولم يرفع ~~منه إلى محل رفيع أعلاه ومثل الخائفين من المؤمنين مثل الكروبيين من ~~الملائكة ، ومثل الراجين من المحبين ؛ كمثل الروحانيين من المقربين ، وأصل ~~الرجاء وتفضيله أن عند العلماء بالله تعالى من عظيم الرجاء ما يضاهي عظيم ~~الخوف ، فيعدل البنية ويحكم بين المقامين بالسوية ، فلا يبدو على قلوبهم ~~باد من الخوف عن مشاهدة وصف من الصفات المخوفة تكربهم إلا طلع طالع وراء من ~~عظيم الرجاء أشهد خلقامن الأخلاق اللطيفة تروحهم ولا يطرأ على قلوبهم طارئ ~~من الخوف ، يهربون منه إلا بدا عليهم باد من الرجاء يأنسون به إليه فتعتدل ~~صفاتهم وتستوي مقاماتهم عن معاينة معنى من معاني صفاته لا ستواء كمال ذاته ~~فتكون قلوبهم كلسان الميزان بين الخوف والرجاء ، وتكون كالطائر مقوما بين ~~جناحيه عن شهود وصف وخلق اقتضاء ظهور البلاء والنعماء ، فيحمل الخوف الرجاء ~~، ويستولي يالرجاء على الخوف ويفيضان معا في سعة القلب وقوته ، فيغيبان فيه ~~لأنه قوي بقوي ووسع بواسع وقادر بمقتدر ، وينفرد الهم عن المعنيين فيقف ~~بمشاهدة منفرد فيحكم عليه ما به أفرد ، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم : بك أحول وبك أقول وبك أصول ؛ ومن ذلك قوله في علو شهادته ونفاذ علمه ~~من كونه بشاهده أعوذ بك منك ، ومثله قوله : ألا كل شيء ما خلا الله باطل ~~فهذا نطق عن وجد في مقام البقاء بعد ، فقد حال الفناء هنالك سمع قول الباقي ~~المغني : ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ) الرحمن : 26 - 27 ومن ذلك ~~الأثر المشهور عن الله سبحانه وتعالى : لم تسعني ms0542 سمائي ولا أرضي ووسعني قلب ~~عبدي المؤمن PageV01P399 الشاكر اللين الوادع ، ولا يصلح تفصيل ما أجملناه ~~ولاشرح ما رمزناه ، وقال بعض علماء السف : ما ألبس المؤمن لبسة أحسن من ~~سكينة في خشوع وذلة في خضوع فهذا حالان من الخوف ، وهي لبسة الأنبياء وسيما ~~علماء الأولياء . وقال لقمان لابنه : يا بني خف الله تعالى خوفا لا تيأس ~~فيه من رحمته وارجه رجاء لاتأمن فيه مكره ، ثم فسره مجملا فقال المؤمن : ~~كذي قلبين ؛ يخاف بأحدهما ويرجو بالآخر ، ومعنى لك أن المؤمن ذو وصفين عن ~~مشاهدتين لأن المؤمن الأول والشاهد الأعلى ذو وصف مخوف مثل البطش والسطوة ~~والعزة والنقمة . فإذا شهد العبد ما آمن به من هذه الصفات خاف إذا عرفه بها ~~وتجلى له بشاهدها والمعروف أيضا هو المألوف ذو أخلاق مرجوة من الكرم والرفق ~~والرحمة واللطف . فإذا شهد القلب ما آمن به من هذه الأخلاق رجا من شهده بها ~~فصار العبد لوصفيه الرجاء والخوف عن معنى شهادتيه المخوفة والمرجوة عن وصفي ~~مخوفه ومرجوة وصار كذي قلبين كأنه يرجو بقلب ويخاف بآخر ، وإنما هما ~~شهادتان في قلب واحد لأنهما مقامان لقلب واحد عن شهود مخوف ومرجو واحد ؛ ~~فهذا تفسير قول لقمان ، وهو صفة المؤمن ذي الإيقان ، إلا أن الخائف يوصف ~~بما غلب عليه من الحال عما قوي عليه من مشاهدة ويندرج الرجاء في مقامه ، ~~ويوصف الراجي بما قوي عليه من الحال عن غلبة شهادته وينطوي الخوف في مقامه ~~ولا كنه للمخوف تعالى وعلا ولا نهاية للمرجو عز وجل سبحانه وتعالى ، فأما ~~الشهيد الموقن العالم المقرب فبالحالين جميعا يوصف مع اعتدالهما وبالوصفين ~~جميعا يعرف مع استوائهما ، ثم يغلب عليه الوصف التام والحال الكامل . فإذا ~~عرف به أدرج الوصفان فيه فيقال : صديق لأنه قد تحقق بالصدق فأغنى عن أن ~~يقال مخلص ، ثم يقال عارف لأنه قد رسخ في العلم فكفى أن يقال صادق ثم يقال ~~مقر ب لأنه قد أشهد القرب فاقترب ولم يحتج إلى أن يقال عامل ؛ وهذه أسماء ~~الكمال وأحوال التمام لا يفتقر إلى ms0543 ذكر حال دونها ولايوصف بوصف كوصف خائف ~~أو راج لوجودهما فيه واعتدالهما عنده لأن الخوف والرجاء قد فاضا عليه ثم ~~غاضا فيه فإذا قلت عارف أو مقرب أو صديق ، فقد دخل فيه وصف حب خائف راج ~~عامل لا محالة كما إذا قلت فلان هاشمي استغنيت أن تقول قرشي أو عربي لأن كل ~~هاشمي يكون عربيا قرشيا لا محالة ثم تصفه بوصف التمام أيا فيندرج الوصفات ~~فيه فتقول : فلان حسني أو حسيني فاكتفيت أن تقول هاشمي أو قرشى أوعلوي ، ~~وإن كان هاشميا قرشيا علويا لأنه قد عرف أن كل حسيني فهو هاشمي قرشى علوي ~~لامحالة ، فأما أن تقول : فلان عربي أو هاشمي أو قرشي أو علوي فلا يعرف إلا ~~بما وسمته به لأنه قد يكون علويا وهو الغاية في النسب ولا يكون حسينيا وقد ~~يكون هاشميا غير علوي ويكون قرشيا غير هاشمي ويكون PageV01P400 عربيا غير ~~قرشي فيلزمه وصف ما عرفته حسب ، فكذلك قولك : عارف أو محب أومقرب أو صديق ~~هي اسم التمام والكمال في المقامات الي تحتوي على جميع الأسباب كقولك : ~~حسني هو اسم التمام وشرف الكمال الذي يفوق على كل الأنساب ولايصح مقام ~~المعرفة إلا بعين اليقين وشاهد التوحيد بعد أن لا يبقى من النفس بقية في ~~مقام اليقين ولا من الخلق رؤية في شاهد التوحيد فيكون روحانيا بعد فناء ~~النفس باليقين ربانيها عند شهود الخالق سبق منه التوحيد لأن العارف لا يوسم ~~بحال دون حال وقد استغرق الأحوال ولا يوسم بمقام دون مقام إذ قد جاوز ~~المقامات ؛ فحقيقة معناه عارف بالمعروف الذي هو بكل نهاية وفضل موصوف وغموض ~~غريبة عند غير أبناء جنسه أن ينكروه فإن تعرف إليهم أوعرفوه فليس بعارف . ~~وقال بعضهم في وصف العارف : أن يعرف كل شيء ولا يتعرف إلى شيء وقيل : ~~حقيقته أن يعرف ولا يعرف عن مقتضى وصف من أوصاف الربوبية لأنه روحاني رباني ~~، وثلاث مقامات لا يقاس عليها ولايتمثل بها ، فمن قاس عليها أخطأ ، ومن ~~تمثل بها ادعى مقام النبوة ومقام المعرفة ومقام ms0544 محبوب ، وقد ذكرنا وصفه في ~~شرح مقام المحبة في كتاب المحبين ؛ فهذه طرائق الخائفين وجل صفات العارفين ~~لأنهم متفاوتون في القرب والاقتراب متعالون في التقرب والتقريب مترافعون في ~~التعرف والتعريف ، فالموقنون من الشهداء وهم المقربون من الصديقين بشهادتهم ~~قائمون لهم من القرب الاقتراب ومن التقرب التقريب ومن التعريف التعرف ومن ~~الإيلاف التأليف لأن مقامهم من القريب العالي الطريق الأقرب والجهة العليا ~~هم السابقون لأهل مقامات اليمين أول القرب والتقرب وأوهل الحب التحبب ولهم ~~التألف والتعريف وهؤلاء الأبرار ، ومن أفضل طرقات الخائفين ما سرى خوفه إلى ~~النفس قاطعا شغل الهوى وأخمد نار الشهوات فسقطت له أثقال المجاهدة وخفت ~~عنده مؤنه المكابدة ووجدت معه حلاوة الطاعة لفقد حلاوة المعصية واجتمع لهم ~~بالحق عند زوال التشتت بالهوى والخلق وسكنت النفس بالطمأنينة لمعاينة القلب ~~للشهادة وظهر نعيم الزهد والرضا لباطن الصدق والإخلاص ثم سكن الخوف في ~~القلب بعد ذلك ولم يجاوزه فيتعدى الحد إلى بعض المفائض التي ذكرناها بل كان ~~منه الحزن الدائم والهم اللازم والخشوع القائم وهذا هو وصف القلب المنكسر ~~وحال العبد المنجبر الذي يوجد عنده الجبار فجبره بعد كسره فصلح له بعد أن ~~عطل من غيره وصار مزيدا لعالم الخائف من الله تعالى كشوف اليقين وتنقيله ~~لديه في شهادة المقربين فكان القريب لدي موجودا وصار الحبيب عنده مطلوبا ~~لأنه من المنكسرة قلوبهم من أجله وبأنه صار عنده من أهله ، واعلم أن الذي ~~قطع الخلق عن هذه حلاوة الهوي ولا يخرجها إلا أحد كأسين ؛ تجرع مرارة الخوف ~~فيغلب حلاوة الهوى فيخرجه أو غلبة حلاوة المحبة فيستغرق حلاوة PageV01P401 ~~الهوى فيغمره ، فإن عدم أحد هذين فهو من المذبذبين بن ذلك . وروينا أن عليا ~~رضي الله عنه قال لبعض الخائفين ، وقد تاه عقله فأخرجه الخوف إلى القنوط : ~~ما أصارك إلى ما أرى ؟ فقال : ذنوبي العظيمة ، فقال : ويحك إن رحمة الله ~~تعالى أعظم من ذنوبك فقال : إن ذنوبي أعظم من أن يكفرها شيء فقال : إن ~~قنوطك من رحمة الله تعالى أعظم من ذنوبك والخوف جند من ms0545 جنود الله تعالى قد ~~يستخرج من قلوب المريدين والعابدين لا يستخرجه الرجاء فتستجيب له القلوب ~~المرادة به بنهايات الزهد وحائق التوبة وشدة المراقبة ، وقد يفعل الله ~~تعالى جميع ذلك بأهل الرجاء في المحبة ومقام الرجاء مستخرج منهم الكرم ~~والحياء والخوف اسم جامع لمقامات الخائفين ثم يشتمل على خمس طبقات ، في كل ~~طبقة ثلاث مقامات ، فالمقام الأول من الخوف هو التقوى ؛ وفي هذا المقام ~~المتقون والصالحون والعاملون ، والمقام الثاني من الخوف هو الحذر ؛ وفي هذا ~~المقام الزاهدون والورعون والخاشعون ، والمقام الثالث هو الخشية ؛ وفي هذا ~~طبقات العالمين والعابدين والمحسنين ، والمقام الرابع هو الوجل ؛ وهذا ~~للذاكرين والمخبتين والعارفين ، والمقام الخامس هو الإشفاق وهو للصديقين ~~وهم الشهداء والمحبون وخصوص المقربين وخوف هؤلاء عن معرفة الصفات لأجل ~~الموصوف لا عن مشاهدة الاكتساب لأجل العقوبات ، كما جاء في الخبر : أوحى ~~الله تعالى إلى داود عليه السلام : يا داود خفني كما تخاف السبع الضاري ، ~~فالسبع إنما يخاف لوصفه بالبطش والسطوة ولما ألبس وجهه من الهيبة والكبر لا ~~لأجل ذنب كان من الإنسان إليه ، وكذلك لهؤلاء من الرجاء العظيم والنصيب ~~الأوفر على معنى خوفهم ما لا يسع للعموم أن يذكر ، فطلبهم برجائهم وحسن ~~ظنهم بما هو لهم لا يصفه إلا هم ولا يعرفه سواهم ، جمل ذلك أنصبة القرب ~~ونعيم الأنس وروح اللقاء وسرور التملق وحلاوة الخدمة وفرح المناجاة وروح ~~الخلوة وارتياح المحاورة فلهم منه تجلي معاني الصفات وظهور معاني محاسن ~~الأوصاف فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ولأصحاب اليمين إظهار نعيم ~~الأفعال ومواهب العطاء والأفضال ، وقد كان يحيى بن معاذ يقول من عبد الله ~~تعالى بالخوف دون الرجاء غرق في بحار الأذكار ، ومن عبده بالرجاء دون الخوف ~~تاه في مفاوز الاغترار ، ومن عبده بالخوف والرجاء معا استقام في محجة ~~الأذكار ، وقال مكحول النسفي رحمه الله تعالى في معناه : إلا أنه جاوز فيه ~~الحد فقال : من عبد الله تعالى لخوف فهو جروري ، ومن عبده PageV01P402 ~~بالرجاء فهو مرجئ ، ومن عبده بالمحبة فهو زنديق ، ومن عبده بالخوف ms0546 والرجاء ~~والمحبة فهو موحد والله سبحانه وتعالى أعلم . # | شرح مقام الزهد ووصف أحوال الزاهدين وهو المقام السادس من مقامات ~~اليقين # قد سمى الله تعالى أهل الزهد علماء بقوله تعالى إذ وصف قارون فخرج على ~~قومه في زينته إلى قوله تعالى : ( وقال الذين أوتفوا العلم ويلكم ثواب الله ~~خير لمن آمن ) القصص : 80 قيل : هم الزاهدون في الدنيا ، وقال عز وجل : ( ~~أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) القصص : 54 ، جاء في التفسير صبروا ~~على الزهد في ( الدنيا وقال جل وعلا : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ~~سلام عليكم بما صبرتم ) الرعد : 23 - 24 قيل على الفقر ، ويشهد للصبرعن ~~الدنيا في هاتين الآيتين قوله عز وجل في وصف العلماء الزاهدين لما قال : ( ~~وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن ) القصص : 80 ، قال ~~عقيب ذلك في بقية ثنائه عليهم : ( ولا يلقاها إلا الصابرون ) القصص : 80 أي ~~عن زينة الدنيا ، ثم قال في مدحهم بوصف آخر : ( يؤتون أجرهم مرتين بما ~~صبروا ) القصص : 54 فقد حصل للزاهدأجران بصبره على الفقر وبوجود زهده ، ~~وللفقير المعدم أجر واحد على الغني لوجود فقره وعدم زهده وعلى ذلك تأويل ~~الخبرين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أحدهما : يدخل فقراء أمتي ~~الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا ، وقال في الخبر الآخر يدخل فقراء ~~المؤمنين الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام لأن الفقير الزاهد يدخل الجنة ~~قبل الغني المصلح بخمسمائة عام ، وهؤلاء خصوص الفقراء ، وإن الفقير غير ~~الزاهد يدخل الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا لأجل فقره فقط ؛ وهم عموم ~~الفقراء ، فصار الأغنياء مفضولين في الحالين معا ، وإن جملة الفقراء يدخلون ~~الجنة قبلهم لمكان غناهم في الدنيا ، وإن عموم الأغنياء من أهل الدنيا ~~وأبنائها موقوفون للحساب ومطالبون بالإنفاق والاكتساب بالخبر الثالث : ~~اطلعت في PageV01P403 الجنة فإذا أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار فإذا ~~أكثر أهلها الأغنياء وفي معناه الخبر الآخر فقلت : أين الأغنياء ؟ فقال : ~~حبسهم الجد أي الحظ ، وقد سمى الله تعالى الفقراء الزاهدين محسنين ووضع ~~عنهم السبيل فقال ms0547 تعالى : ( ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ) التوبة ~~: 91 ، ثم قال : ( ما على المحسنين من سبيل ) التوبة : 91 ثم نص عى ذكر من ~~عليه الحجة والمطالبة فقال جل وعلا : ( إنما السبيل على الذين يستأذنونك ~~وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) التوبة : 93 يعني النساء . وعلى ~~هذا المعنى جاء تأويل قوله تعالى : ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ~~لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) الكهف : 7 قيل : أزهد في الدنيا فصار الإحسان ~~مقام الزاهدين ؛ وهو وصف اليقين ، كذلك فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما سئل ماالإحسان ؟ فقال : أن تعبد الله كأنك تراه ، يعني على اليقين وهو ~~المشاهدة ولعمري أن الزهد حال الموقن لأن مقتضى يقينه ، وقد يحتج متوهم ~~بفضل الأغنياء على الفقراء عنده لقوله تعالى مخبرا عن الفقراء : ( تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ) التوبة : 92 ، يعلم أن ~~هذا عند أهل التدبر للقرآن مزيدا للفقراء لتمام حالهم لما كانوا محسنين كما ~~قال سبحانه وتعالى : ( وسنزيد المحسنين ) البقرة : 58 فكان مزيدهم الحزن ~~والإشفاق وخوف التقصير لمشاهدة عظم حق الربوبية عليهم حتى كأنهم مسيئون حتى ~~بشرهم الله تعالى بأنهم محسنون لما قال عز وجل : ( ما على المحسنين من سبيل ~~) التوبة : 91 لأنه ضمهم إليهم في الوصف وعطفهم عليهم في المعنى ، وأيضا ~~فلم يكن بكاؤهم على فوت الدنيا ولا على طلب الغنى ، والله تعالى يمدحهم ~~بصبرهم عن الدنيا ويذم الدنيا إليهم بل حزنهم على طلب المزيد من الفقر ~~ليجدوا الإنفاق فيخرجوه فيفتقروا منه فيزدادون فقرا ببذله إلى فقرهم فعلى ~~كثرة الإنفاق وحقيقة الفقر من الدنيا كان حزنهم فهذا فضل ثان للفقراء لا ~~على الجمع والادخار والموضع الأعلى الذي فضل الفقراء من هذه الآية عن أهل ~~الاستنباط والتفكر وهو مشاركتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حاله ، ~~ووصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بمثل حالهم في قوله تعالى : ( ~~قلت لا أجد ما أحملكم عليه ) التوبة : 92 ثم نعتهم بمثله لأنهم هم الأمثل ، ~~فالأمثل به ms0548 فقال تعالى : ( ألا يجدوا ما ينفقون ) التوبة : 92 فمن كان ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم أمثل فهو أفضل ، كيف وقد روينا عن النبي : ~~تحفة المؤمن في الدنيا الفقر فجعل الفقر تحية له من ذي التحيات المباركات ~~مع الخبر المشهور : الفقر على المؤمن أزين من العذار على خد الفرس الجواد ، ~~والفقر اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم وشعار الأنبياء وطريقة علية ~~الصحابة والأصفياء . PageV01P404 وروينا في الخبر : آخر الأنبياء دخولا ~~الجنة سليمان بن داود لمكان ملكه وآخر أصحابي دخولا الجنة عبد الرحمن بن ~~عوف لأجل غناه في الدنيا وفي الخبر الآخر رأيته يدخل الجنة زحفا ولا نعلم ~~في الأمة أفضل من طائفتين ؛ المهاجرون وأهل الصفة وجميعا مدح الله تعالى ~~بالفقر ، فقال ( للفقراء المهاجرين الذين أحصروا في سبيل الله ) البقرة : ~~372 ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ) الحشر : 8 فقدم وصفهم ~~بالفقر على أعمالهم الهجرة والحصر ، والله تعالى لا يمدح من يحب إلا بما ~~يحب ولا يصفه حتى يحبه . وروينا في قوله تعالى : ( وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا ) الأنبياء : 73 لما صبروا قيل : عن الدنيا ، وفي خبر : العلماء ~~أمناء الرسل مالم يدخلوا في الدنيا فإذا دخلوا في الدنيا فاحذروهم على ~~دينكم ، وجاء في الأثر لا يزال لا إله إلا الله ترفع عن العباد سخط الله ~~تعالى ما لم ينالوا ما نقص من دنياهم ، وفي خبر آخر ما لم يؤثروا صفقة ~~دنياهم على دينهم ، فإذا فعلوا ذلك وقالوا : لا إله إلا الله قال الله عز ~~وجل : كذبتم لستم بها صادقين . وقد روينا في خبر عن أهل البيت : إذا أحب ~~الله تعالى عبدا ابتلاه ، فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه ، قيل : وما ~~اقتناؤه ؟ قال لم يترك له أهلا ولا مالا ، وفي أخبار أهل الكتب : أوحى الله ~~تعالى إلى بعض أوليائه : احذر إذا مقتك فتسقط من عيني فأصب عليك الدنيا صبا ~~ويقال : ليس عمل من أعمال البر يجمع الطاعات كلها إلا الزهد في الدنيا ، ~~وعن بعض الصحابة رضي الله عنهم : تابعنا الأعمال كلها فلم نر أبلغ ms0549 في أمر ~~الآخرة من زهد في الدنيا وقال بعض الصحابة لصدر التابعين : أنتم أكثر ~~أعمالا واجتهادا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيرا ~~منكم ، قيل ولم ذلك ؟ قال كانوا أزهد منكم في الدنيا ، وفي وصية لقمان ~~لابنه : واعلم أن أعون الأشياء على الدين زهادة في الدنيا ، ويقال : من ~~زهدفي الدنيا أربعين يوما أجرى الله تعالى ينابيع الحكمة في قلبه وأنطق بها ~~لسانه ، وفي خبر آخر : إذا رأيتم العبد قد أعطى صمتا وزهدا في الدنيا ~~فاقتربوا منه فإنه يلقي الحكمة ، وقد قال الله تعالى : ( من يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا ) البقرة : 269 وروينا في الآثار جمل هذه الأخبار : من ~~أصبح وهمه الدنيا شتت الله تعالى عليه أمره وفرق عليه ضيعته وجعل فقره بين ~~عينيه ولم ينل من الدنيا إلا ما كتب له ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه ~~وحفظ عليه ضيعته وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة ، وقال الله ~~تعالى في معنى ذلك : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~PageV01P405 كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) ~~الشورى : 20 وقد روينا في خبر قلنا : يا رسول الله أي الناس خير ؟ قال : ~~مجموم القلب صدوق اللسان قلنا : يا رسول الله وما مجموم القلب ؟ قال التقي ~~النقي الذي لا غل فيه ولا غش ولاحسد ولا بغي قيل : يا رسول الله فمن على ~~أثره ؟ قال : الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة والشيء يعرف بضده كما يعرف ~~بمثله وضد الشنئان المحبة وضد الزهد الرغبة ، وفي دليل خطابه : إن شر الناس ~~الذي يحبه الدنيا وإن الراغب فيها هو المحب لها ، والإقتناء لها والاستكثار ~~منها علامة الرغبة فيها ، كيف وقد جاء أيضا : إن أردت أن يحبك الله تعالى ~~فازهد في الدنيا فجعل الزهد سبب محبة الله تعالى فصار الزاهد حبيب الله ~~تعالى فينبغي أن يكون الزهد من أفضل الأحوال إذ المحبة أعلى المقامات ، وفي ~~دليل الكلام : إن من رغب في الدنيا فقد ms0550 تعرض لبغض الله تعالى الذي لاشيء ~~أعظم منه وأن المحب للدنيا بغيض الله تعالى ، وكان أبو محمد رحمه الله ~~تعالى يقول : اجعلوا أعمال البركلها في موازين الزهاد ويكون ثواب زهدهم ~~زيادة لهم ، وقال أيضا : العباد في موازين العلماء والعلماء في موازين ~~الزهاد يوم القيامة فلا يطمعن طامع في محبة الله تعالى وهو محب للدنيا لأن ~~الله تعالى يمقتها ، وفي خبر : ما نظر إليها منذ خلقها ، يقول لها : اسكتي ~~يا لاشيء أنت وأهلك إلى النار ، وفي الخبر : يقول الله تعالى : يوم القيمة ~~للدنيا ميزوا ما كان منها لي وألقوا سائرها في النار ، وكذلك روينا في ~~الأثر : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وما والاه ، وفي ~~لفظ آخر : فمثل الدنيا مثل إبليس خلقه الله تعالى للعبد واللعنة ليبتليه ~~ويبتلي به ، ويهلكه ويهلك به ، وقد شهد ذلك بعض المكاشفين فقال : رأيت ~~الدنيا في صورة جيفة ورأيت إبليس في صورة كلب وهوجاثم عليها ، ومناد ينادي ~~من فوق : أنت كلب من كلابي ، وهذه جيفة من خلقي وقد جعلتها نصيبك مني ، فمن ~~نازعك شيئا منها فقد سلطتك عليه فجاء من هذا أنها مكانه فمن تمكن في شيء ~~منها تسلط العدو بالمكانة منه بقدر ما أصاب منها وقد كوشف بها بعض الأولياء ~~في صورة امرأة ورأى أكف الخلق ممدودة إليها هي تجعل في أيديهم شيئا ، قال : ~~فقلت له ما هو قال قال شيء يلتذ وطائفة تمر عليها مكتوفي الأيد تعطيهم شيئا ~~وكوشف بها مورق العجلي في صورة عجوز شمطاء دندانية مسمجة عليها ألوان ~~المصبغات وأنواع الزينة قال : فقلت أعوذ بالله منك فقالت : إن أردت أن ~~يعيذك الله PageV01P406 تعالى مني فابغض الدرهم ، وكذلك جاء في الخبر : ~~الدنيا موقوفة منذ خلقها الله تعالى بين السماء والأرض لا ينظر إليها فتقول ~~يوم القيامة : يارب اجعلني لأدنى أوليائك نصيبا اليوم فيقول : اسكتي يا لا ~~شيء أنا لم أرضك لهم في الدنيا أرضاك لهم اليوم وقال بعض السلف الدنيا ~~دنيئة وأدنى منها قلب من يحبها . وروي عن علي كرم ms0551 الله وجهه : الدنيا جيفة ~~، فمن أرادها فليصبر على مزاحمة الكلاب ، وفي أخبار موسى عليه السلام : إن ~~لم تلق الفقير بمثل ما تلقى به الغني فاجعل كل علم علمتك تحت التراب وإذا ~~رأيت الفقر مقبلا فقل : مرحبا بشعار الصالحين وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل : ~~ذنب عجلت عقوبته ، وقال إمامنا أبومحمد رحمه الله تعالى وروينا عن بعض ~~علمائنا في أخبار داود عليه السلام : إني خلقت محمدا لأجلي وخلقت آدم لأجل ~~محمد وخلقت ما خلقت لأجل ولد آدم ، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته ~~عني ومن اشتغل منهم بي سقت إليه ما خلقته لأجله ، وكان يقول : الصديقون في ~~بداياتهم طلبوا الدنيا من الله تعالى فمنعهم فلما تمكنوا من أحوالهم عرضها ~~عليهم فامتنعوا منها ، وكان عيسى عليه السلام يقول للدنيا : إليك عني ~~ياخنزيرة ، وقد روينا هذا القول عن يزيد بن ميسرة ، وكان من علماء الشام ~~قال : كان أشياخنا يسمون الدنيا خنزيرة ولو وجدوا لها اسما شرا من هذا ~~سموها به قال : وكانت إذا أقبلت على أحدهم الدنيا قال لها : إليك عنا يا ~~خنزيرة ، لا حاجة لنا بك إنا قد عرفنا إلهنا عز وجل معناه قد عرفناه بلا ~~ابتلاء بك لينظر كيف نعمل في الزهد فيك والأثرة له سبحانه وتعالى ، وعرفناه ~~أيضا بالمقت لك فوافقناه في ذلك وعرفناه أيضا فتألهت قلوبنا إليه أعرضنا ~~عما سواه ، وكذلك كان الحسن رحمه الله تعالى يصف أشياخه كان أحدهم يعرض ~~عليه المال الحلال فيقال : خذه فاستغن به فيقول لا حاجة لي فيه أخاف أن ~~يفسد على قلبي فهذا كان له قلب صالح راعاه فخاف تغيره كذلك . روينا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : إنه مر بجدي ميت أجرب فقال : أترون هذا هان على ~~أهله قلنا : يا رسول الله من هو ؟ إنه ألقوه فقال للدنيا أهون على الله ~~تعالى من هذا على أهله ، وفي لفظ آخر : أنه قال : أيكم يحب أن هذا له بدرهم ~~قلنا : لا أينا وأي شيء يساوي هذا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : الدنيا أهون ms0552 ~~على الله تعالى من هذا عليكم ، وكذلك أخبر بالغاية في قلتها وعدم قيمتها ~~بقوله : ولو كانت الدنيا تزن عند الله تعالى جناح بعوضة ما سقى كافرا منها ~~شربة ماء ، وضرب المثل في نتنها وانقلابها على أهلها بقوله للأعرابي : ~~أرأيت ما تأكلون وتشربون ألستم تتغوطون وتبولون ؟ قال : بلى ، قال : فإلى ~~أي شيء يصير ؟ قال : إلى ما علمت يا رسول الله قال أليس يقعد أحدكم خلف ~~بيته فيجعل يده على أنفه من نتن ريحه ، قال : نعم قال : فإن الله تعالى جعل ~~الدنيا مثلا لما يخرج من ابن آدم ، PageV01P407 وكذلك روينا في تأويل قوله ~~تعالى : ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) الذاريات : 21 قيل : مواضع الغائط ~~والبول ، وقال سبحانه وتعالى : ( وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) ~~الرعد : 26 قال بعض أهل اللغة : متاع أي جيفة ، سمعت عن الأصمعي ، قال بعض ~~العرب يقول متع اللحم إذا تغير وأنتن ، وقد كان الحسن رحمه الله تعالى يقول ~~لما هبط آدم عليه السلام إلى الدنيا كان أول شيء عمل فيها أنه أحدث . ~~وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إنه نظر إلىما خرج منه فآذاه ريحه ~~فاغتم لذلك فقال له جبريل : هذه رائحة خطيئتك فشهد العقلاء عن الله تعالى ~~الدنيا في صورة كنيف فلم يدخلوا فيها إلا ضرورة فكلما استغنيت عن دخولك ~~الكنيف كان أفضل وشهدها بعضهم جيفة فلم ينالوا منها إلا بلغة فكلما تقللت ~~من الجيفة كان خيرا ، وقال وهب بن منبه : قرأت في بعض الكتب : يا بابن آدم ~~إن تردني أترك الدنيا وإن ترد الدنيا طال عناك ، وفي بعض كتب الله تعالى : ~~يا ابن آدم أنا بدك اللازم فلا تؤثر على ما منه بد ، وقال بعض المخبرين عن ~~الله سبحانه وتعالى : إنه أوحى إلى الدنيا : اخدمي من خدمني واتعبي من خدمك ~~، وقال آخر : وقد روينا مسندا أن الله تعالى أوحى إلى الدنيا : تمرري ~~لأوليائي حتى تكون رغبتهم فيما عندي واحلولي لأعدائي حتى يكرهوا لقائي ، ~~وفي حديث عائشة رضي الله عنها : من أحب لقاء الله تعالى ms0553 أحب الله لقاءه ، ~~ومن كره لقاء الله تعالى كره الله لقاءه ؛ فهذه الآثار كلها ، قاصمة لظهر ~~زبناء الدنيا ، مسخنة لعين محبيها ووأضدادها من الأخبار الحسنى في فضل ~~الزهد وشرف الفقر ، رافعة لرؤوس الفقراء الصادقين ، وقرة عين الصالحين لله ~~عز وجل الزاهدين ؛ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرهة أعين جزاء بما كانوا ~~يعملون ، وأصل الرغبة في الدنيا من ضعف اليقين لأن العبد لو قوي يقينه نظر ~~بنوره إلى الآجل فغاب في نظره العاجل فزهد فيما غاب وأحب الحاضر فآثر ما هو ~~أعود عليه وأبقى وأنفع له ولمولاه ، أرضى وقدم ما يفنى وينقطع إلى ما يدوم ~~ويتصل ؛ وهذا هو صورة الزهد وشهادة الموقن وإن الحاضرلا يحب ما غاب وانتقل ~~: ألم تر إلى وصفه عز وجل لإبراهيم وليكون من الموقنين قال : لا أحب ~~الآفلين ، والموقن مأمور باتباع ملة إبراهيم بقوله تعالى : ( ملة أبيكم ~~إبراهيم ) الحج : 78 أي عليكم ملة أبيكم إبراهيم واتبعوا ملته وليس يشهد ~~الوعد والوعيد الآجل بنور العقل إنما يشهد بنور اليقين على أنا نقول : إن ~~الأنوار أربعة والقلب موجه جهات أربعة إلى الملك والملكوت وإلى العز ~~والجبروت ؛ فبنور العقل يشهد الملك ، وبنورالإيمان يشهد الملكوت وهو الآخرة ~~، وبنور اليقين يشهد العزة وهي الصفات ، وبنور المعرفة يشهد الجبروت وهو ~~الوحدانية ، والجبار تعالى فوق القلب محيط به يكاشفه بما شاء فيغلب عليه ~~وجد ما أشهده ، وضعف اليقين قد يدخل PageV01P408 في كل شيء ، وقوة اليقين ~~تحتاج إليه في كل عمل وإلا فهو دنيا يهتدي إلىه بنور العقل ، فمن لم يعط ~~نور اليقين لم ير الملك الكبير فاستهواه الملك الصغير فأحب لا شيء فلم تكن ~~همته في العلو ولا عنده الأعلى شيئا . # | ذكر ماهية الزهد # أي شيء هو ليس يمكن عبد أن يعرف الزهد حتى يعرف الدنيا أي شيء هي ، فقد ~~قال الناس في الزهد أشياء كثيرة ونحن غير محتاجين إلى ذكر أقوالهم بما بين ~~الله تعالى وأغنى بكتابه الذي جعل فيه الشفاء والغنى ، وقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : هو ms0554 الحبل المتين والصراط المستقيم من طلب الهدى في ~~غيره أضله الله وقال سبحانه تعالى : ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله ) الشورى : 10 وقال عز وعلا : ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا ~~فيه من الحق بإذنه ) البقرة : 213 فقد ذكر الله جل اسمه في كتابه : إن ~~الدنيا سبعة أشياء وهو قوله تعالى : ( زين للناس حب الشهوات من النساء ~~والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام ~~والحرث ) آل عمران : 14 ثم قال تعالى في آخرها : ( ذلك متاع الحياة الدنيا ~~) آل عمران : 14 ووصف حب الشهوات بالتزين ثم نسق الأوصاف السبعة على الحب ~~لها ثم أشار لها ، بقوله تعالى ذلك فذا إشارة إلى الكاف والكاف كناية عن ~~المذكورالمتقدم المنسوق واللام بين ذا والكاف للتمكين والتوكيد فحصل من ~~تدبر الخطاب أن هذه السبعة جملة الدنيا وأن هذه الدنيا هذه الأوصاف السبعة ~~، وما تفرع من الشهوات رد إلى أصل من هذه الجمل ، فمن أحب جميعها فقد أحب ~~جملة الدنيا نهاية الحب ومن أحب أصلا منها أو فرعا من أصل فقد أحب بعض ~~الدنيا فعلمنا بنص الكلام أن الشهوة دنيا وفهمنا من دليله أن الحاجات ليست ~~بدنيا لأنه تقع ضرورات فإذا لم تكن الحاجة دنيا دل أنه لا تسمى شهوة ، وإن ~~كانت قد تشتهى لأن الشهوة دنيا ، ولتفرقة الأسماء لإيقاع الأحكام عليها ، ~~واستند ذلك إلى خبر رويناه عن الله سبحانه وتعالى في الإسرائيليات : إن ~~إبراهيم صلوات الله عليه أصابته حاجة فذهب إلى صديق يستقرض منه شيئا فلم ~~يقرضه فرجع مغموما فأوحى الله تعالى إلىه : لو سألت خليلك لأعطاك فقال : يا ~~رب عرفت مقتك للدنيا فخشيت أن أسألك منها فتمقتني فأوحى الله تعالى إلىه : ~~ليس الحاجة من الدنيا ثم سمعناه تعالى وجل قد رد هذه السبعة الأوصاف في ~~مكان آخر إلى خمسة معان فقال جل من قائل : ( اعملوا أنما الحياة الدنيا لعب ~~ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر ) فهذه الخمسة هي وصف من أحب تلك السبعة ، ~~ثم اختصر الخمسة في معنيين منها PageV01P409 هما جامعان ms0555 للسبعة فقال : إنما ~~الحياة الدنيا لعب ولهو ، ثم رد الإثنين إلى وصف واحد وعبر عنه بمعنيين ~~فصارت الدنيا ترجع إلى شيئين جامعين مختصرين يصلح أن يكون كل واحد منهما هو ~~الدنيا ، فالوصف الواحد الذي رد الاثنين إليه اللذان هما اللعب واللهو هو ~~الهوى اندرجت السبعة فيه . فقال عز وجل : ( ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة ~~هي المأوى ) النازعات : 40 - 14 فصارت الدنيا طاعة النفس للهوى بدليل قوله ~~تعالى : ( فأما من طغى ) ( وآثر الحياة الدنيا ) ( فإن الجحيم هي المأوى ) ~~النازعات : 37 - 38 - 39 ، فلما كانت الجنة ضد الجحيم كان الهوى هو الدنيا ~~لأن النهي عنه صد الإيثار له ، فمن نهى نفسه عن الهوى فإنه لم يؤثر الدنيا ~~وإذا لم يؤثر الدنيا فهذا هو الزهد ، كانت له الجنة التي هي ضد الجحيم التي ~~هي لم ينه نفسه عن الهوى بإيثاره الدنيا فصارت الدنيا هي طاعة الهوى ~~وإيثاره في كل شيء فينبغي أن يكون الزهد مخالفة الهوى من كل شيء ، وأما ~~المعنى الآخر الذي عبر به عن هذا الوصف الذي هو الهوى فجعله دنيا أيضا فهو ~~حب البقاء لمتعة النفس ، استنبطنا ذلك من قوله تعالى : ( وقالوا ربنا لم ~~كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) النساء : 77 ، فالقتال هو ~~فراق الحياة الدنيا لأنه المشي بالسيف إلى السيف والفناء بين السيفين ~~فقالوا : هلا أبقيتنا إلى وقت آخر وهو أجلنا بالموت لا بالقتل وهذا هو حب ~~البقاء ففسر حب البقاء بأنه هو الدنيا ، فقال تعالى : ( قل متاع الدنيا ~~قليل والآخرة خير لمن اتقى ) النساء : 77 فانكشف الناس وافتضح المنافقون ~~وابتلى المؤمنون عند فرض القتال وظهر المحبون الذي يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص وعندها ربح الذين هم لأنفسهم وأموالهم بائعون وخسر الذين ~~هم للحياة الدنيا بالآخرة مشترون لما قال الله تعالى : ( إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) التوبة : 111 فلما اشتراها ~~باعوها وقال في المشترين الخاسرين : ( اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ) ~~البقرة : 86 يعني رغبوا في البقاء الأدنى لما اشتروه ms0556 ببيع البقاء الآخرة إذ ~~باعوه ، فمن اشترى ثلاثين سنة وأربعين سنة بألف ألف وبأبد الأبد فما ربحت ~~تجارته ولا هدى سبيله ؛ فهذه تجارة من رغب في حياة دنياه فاشتراها ببقاء ~~الأبد فقد صار بائعا للحياة العالية بما استبدل به من اشتراء ضدها فهذا ~~تدبر قوله تعالى : ( اشتروا الحياة الدنيا ) البقرة : 86 أي باعوا الحياة ~~العليا وذلك الأول تجارة من باع حياة نفسه وفرق مجموع ماله فاشتراه الله ~~تعالى منه وعوضه داره وأسكنه عنده جواره فقد ربحت تجارته واهتدى سبيله ؛ ~~لما باع حياة عشرين سنة وثلاثين سنة بحياة أبدالأبد ؛ فهذا ربح تجار الآخرة ~~الزاهدين في الدنيا وذلك خسر تجارالدنيا الراغبين في الهوى ، فشتان بين ~~التجارتين ، PageV01P410 فما أعظم حسرة الفوت على من خسر ما ربحه الزاهدون ~~بعد الموت ، وقد كان الناس مستورين بإظهار الزهد في البقاء ومظنونا بهم حب ~~الباقي الأعلى حتى نزلت : ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس ~~كخشية الله أو أشد خشية ) النساء : 77 الآية ، وحتى نزل : ( يا أيها الذين ~~آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ) الصف : 2 ، كانوا قالوا : إنا نحب ربنا ولو ~~علمنا في أي شيء محبته لفعلناه ، فلذلك قال تعالى : ( كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون ) ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ) الصف : ~~3 - 4 ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه : ما كنت أحسب أن فينا أحدا يريد ~~الدنيا حتى نزلت ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) آل عمران : ~~251 ، وكذلك قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم : حين نزلت ( ولو أنا كتبنا ~~عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) ~~النساء : 66 قال ابن مسعود قال لي رسول الله عليه السلام : قيل لي : أنت ~~منهم ؛ أي من القليل الذي كان يفعل ذلك ، فإذا كان حب البقاء هو الدنيا ~~فينبغي أن يكون حب بقاء الباقي هو الزهد فصار الزهد في ms0557 الدنيا هو الزهد في ~~البقاء ، فمن زهد في الحياة الفانية وفي ماله المجموع بالجهاد للنفس ~~والإنفاق في سبيل الله فقد زهد في الدنيا ، ومن زهد في الدنيا أحبه الله ~~تعالى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ولذلك صار الجهاد أفضل ~~الأعمال لأنه حقيقة الزهد في الدنيا ولأن الله تعالى يحب من زهد في الدنيا ~~ثم كان مخالفة الهوى أفضل الجهاد لأنه هو حقيقة الرغبة في الدنيا ، وقد عبر ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزهد في الدنيا إذ قال في الحديث ~~الأول : ازهد في الدنيا يحبك الله تعالى ، ثم قال في الخبر الثاني بمعناه : ~~اجتنب المحارم يحبك الله تعالى ، واجتنابهم زهد في الدنيا ، فالزاهد في ~~الدنيا حبيب ربه تعالى ، والراغب في حب البقاء لنفسه منافق في دين ربه ~~تعالى ، ومنه الخبر الذي جاء : من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على ~~شعبة من نفاق ، وبه كشف الله تعالى الكاذبين ووصفهم بمرض القلوب . فقال ~~سبحانه وتعالى : ( فرذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القيال رأيت الذين في ~~قلوبهم مرض ) يعني نفاقا ( ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت ، فأولى ~~لهم ) محمد : 20 تهدد ووعيد أي ولهم العذاب وقرب منهم ثم قال : ( طاعة وقول ~~معروف فإذا عزم الأمر ) محمد : 21 وحقت الحقائق كذبوا ونكثوا ، فلو صدقوا ~~الله أي في الوفاء لكان خيرا لهم ، وهذا من الكلام المضمر ، فلذلك أشكل ~~والبقاء والحياة اسمان لمعنى ، ولذلك جعل الله تعالى الدنيا وصفا للحياة ~~فتكون الدنيا هي الحياة ونعتها بالدنيا نعت مؤنث لدخول الهاء في الإسم الي ~~هي إحدى علامات التأنيث ، فصارت الحياة هي الدنيا وصار قوله الدنيا نعتها ~~بالدناءة ، ولو كان الإسم مذكرا مثل البقاء نعته بمذكر فقال : الأدنى ، وقد ~~PageV01P411 قال في مثله : ( يأخذون عرض هذا الأدنى ) الأعراف : 169 ~~فالأدنى تذكير الدنيا ، والدنيا تأنيث أدنى كالأعين والأقنى والأشعث ؛ ~~تذكير عيناء وقنواء وشعثاء ، والعرض اسم لما يعرض ويقل بقاؤه فمن أحب ذلك ~~فقد أحب الدنيا بحبه الأدنى ، وهذا يرجع إلى حب ms0558 حياة الأصل لأنه إنما يريد ~~العرض الأدنى لأجل الحياة فصار حب البقاء الذي لأجله يريد عرض الأدنى هو ~~الدنيا وصار حب العرض لأجل البقاء من الدنيا فجاء من هذا الذي ذكرناه أن ~~حقيقة الدنيا حب البقاء لطاعة الهوى وموافقة الهوى في حب العرض لأجل البقاء ~~، فدخل أحد هذين في الآخر لأن حب البقاء لأجل المتعة ، هو من الهوى الذي هو ~~صفة النفس الأمارة بالسوء وطاعة الهوى الذي هو عيش النفس إنما يكون لحب ~~البقاء ، لأن العبد لو أيقن بالموت ساعته لآثر الحق على الهوى ولو أيس من ~~البقاء لما رغب في العرض الأدنى ، فصار حب البقاء من الهوى وصار إيثار ~~الهوى إنما هو لحب البقاء ، فكان ذلك حقيقة الدنيا ، وكان أقصر الناس أملا ~~للبقاء أزهدهم في الدنيا حتى لا يدخر شيئا لغد لأنه عنده غير باق إلى غد ~~وصار أرغب الناس في الدنيا أطولهم أملا لأن رغبته اشتدت فيها وحرصه كثر ~~عليها الإمتداد أمله للحياة فيها إذ ولو قصر أمله لغد لاختار الفقر حينئذ ~~واختيار الفقر هو الزهد . # | بيان آخر الزهد # أي شيء هو ؟ قال الله سبحانه وتعالى : ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ~~وكانوا فيه من الزاهدين ) يوسف : 20 فهذه تسمية لهم بالزهد لتحققهم بالمعنى ~~نحتاج أن نكشفه ليكون من يتحقق بمعنى ذلك زاهدا قوله تعالى : وشروه باعوه ، ~~العرب تقول : شريت بمعنى بعت لأنهم يقولون : ابتعت بمعنى اشتريت ، فلما ~~باعوه وخرج من أيديهم صاروا زاهدين ، كذلك العبد إذا باع نفسه وماله من ~~الله تعالى وخرج من هواه إلى سبيل مولاه فهو من الزاهدين ، وكذلك قال ~~المولى عز وعلا : ( إن الله اشترى من المؤمنن أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة ) التوبة : 111 كما قال عز من قائل : ( ونهى النفس عن الهوى ) ( فإن ~~الجنة هي المأوى ) النازعات : 40 - 41 فإذا كان العوض واحدا وهو الجنة ذكر ~~في المعنيين كان بيع النفس والمال وإخراجهما لله تعالى بمعنى النهي عن ~~الهوى فيهما الذي هوالحياة الدنيا وهو اقتناؤه النفس وحبس النفس عليه أعني ~~المال ، فاستبدال ذلك ms0559 بضده من إخراج الهوى من النفس وإدخال الفقر على المال ~~هو الزهد في الدنيا ، وليس ذلك من أمر النفس الأمارة بالسوء لأن هذا نهاية ~~الخير فصار نهيا لها من الهوى الذي هو اقتناء المال للجمع والمنع ، وهذا هو ~~الدنيا بوصف النفس الأمارة بالسوء لأن هذا حينئذ سوء كله ، فمن كان بهذا ~~الوصف فنفسه غير مرحومة لأمرها بالسوء ، وإذا لم تكن مرحومة لم يكن صاحبها ~~بائعها وإذا لم يبعها لم تكن مشتراة فلا يكون صاحب هذه النفس إلا جامعا ~~للمال ما نعا له راغبا في الدنيا محبا لها وليس هذا من صفة المؤمن والله ~~أعلم . PageV01P412 # | وصف آخر من البيان والتفصيل # لما حقق الله تعالى الزهد بغنى النفس وإخراج المال في ذكر المبيع ~~والمشترى في قوله تعالى : ( يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ) التوبة ~~: 111 وكان الزهد هو ترك طاعة الهوى وبيع النفس بنهيها عنه من المولى ، ~~وكان العوض من ذلك الجنة ، كان الزاهد هو الخائف مقام ربه البائع نفسه طوعا ~~قبل أن يخرج نفسه إليه كرها ، وكان الله تبارك وتعالى هو المحبوب له القريب ~~منه فصار العبد محبا له ، فجعله من المقربين عنده تعالى ، وإذا كانت الدنيا ~~هي طاعة الهوى وحب الحياة الدنية لمتعة النفس الشهوانية كان الراغب في ذلك ~~آمنا لمكر الله تعالى مشتريا للحياة الدنيا بائعا بذلك الحياة العليا فلم ~~يكن محبا له ، وكان من المبعدين عنه بسوء اختياره وحق عليه الخسران والجحيم ~~في الآخرة لأنه ضد الزاهد المقرب الظافر بدار القرب في جوارالحبيب القريب . # | ذكر بيان حقيقة الزهد وتفصيل أحكامه ووصف الزاهد # اعلم أن الزهد يكون بمعنيين ؛ إن كان الشيء موجودا فالزهد فيه إخراجه ~~وخروج القلب منه ولا يصح الزهد فيه مع تبقيته للنفس لأن ذلك دليل الرغبة ~~فيه ؛ وهذا زهد الأغنياء ، وإن لم يكن موجودا وكان العدم هوالحال فالزهد هو ~~الغبطة به والرضا بالفقد ؛ وهذا هو زهد الفقراء ، وكذلك القول في الزهد في ~~ترك الهوى لا يصح إلا بعد الابتلاء به والقدرة عليه ، ألم تر أن إخوة ms0560 يوسف ~~عليهم السلام هموا بالزهد فيه بقولهم : ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا لم ~~يسمهم الله تعالى زاهدين وتكلموا بالزهد فيه بقولهم : اقتلوا يوسف أو ~~اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم ولم يسموا زاهدين ، وأرادوا الزهد فيه ~~بقولهم : أرسله معنا غدا يرتع ويلعب ، ولم يتحققوا بالزهد فيه وعزموا على ~~الزهد فيه وأجمعوا عليه ولم يسمهم الله تعالى زاهدين مع قوله تعالى مخبرا ~~عنهم : ( فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب ) يوسف : 15 لأن ~~هذا كله من أسباب الزهد ومقدماته قد يلتبس ويشكل على من لا يعرف حقيقة ~~الزهد فيظنه زهدا وليس هو زهدا لأنه في أيديهم فلما خرج من أيديهم واعتاضوا ~~منه سواه حق زهدهم فيه فقال تعالى مخبرا عن حقيقتهم وشروه أي باعوه : ( ~~وكانوا فيه من الزاهدين ) يوسف : 20 وكذلك الثوب تهم ببيعه وتريد بيعه ~~ويغلب عليك بيعه ولا تكون زاهدا ولكن تكون موصوفا بالإرادة للزهد حتى تبيعه ~~وتعتاض منه فحينئذ حق زهدك فيه ، ففي تدبر الخطاب من قوله : وكانوا فيه من ~~الزاهدين أن من أخرج الشيء من يده طوعا ونفسه تتبعه فله مقام في الزهد ~~بالمجاهدة ، ومن أمسك الشيء وأظهرت نفسه الزهد فيه بالإرادة والهمة فلا ~~مقام له في الزهد لأن الإمساك علامة الرغبة ، والرغبة ضد الزهد فكيف يوصف ~~بالشيء وضده في حال قائمة ، PageV01P413 فالممسك للشيء المتوهم للزهد فيه ~~بإظهار نفسه ذلك بأحد وصفين ؛ إما أن لا يعرفه الزهد أو لا يعرف خفي شهوة ~~النفس ؛ هذا إن لم يموه على الراغبين والمخرج لقلبه عنه هو المتحقق بالزهد ~~فيه ، وهذا هوالذي وصف الله تعالى به إخوة يوسف ، والممسك للشيء المغتبط به ~~الذي همه فيه وقلبه عاكف عليه هو المتحقق بالرغبة فيه ؛ وهذا وصف عزيز ~~مصرفي يوسف لما اشتراه فحققه الله تبارك وتعالى بالرغبة فيه لا قتنائه له ~~فقال مخبرا عنه بعدما اشتراه : أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ، ~~وكذلك وصف امرأة فرعون في رغبتها في موسى عليه السلام بقولها قرة عين لي ~~ولك لا تقتلوه ms0561 عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ، فكذلك كل من أمل شيئا ادخره ~~لنفسه لا يكون زاهدا فيه حتى يخرجه عن يده وقلبه إذ لم يكن ذلك وصف إخوة ~~يوسف الزاهدين فيه إلا بعد أن أخرجوه استصغارا له وتعوضوا منه . # | بيان آخر مستنبط من الكتاب # اعلم أن زهد إخوة يوسف عليهم السلام في أخيهم قد كان يقارب زهدهم في يوسف ~~عليه السلام لأنه كان نظيره عند أبيه وقد كانوا هموا بالزهد فيه أيضا ليخلو ~~لهم وجه أبيهم منهما ، ألم تسمع إلى قولهم : ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ~~، وكذلك جاء في الخبر : إنهم أرادوا أن يلقوا أخاه معه في الجب حتى ألقى ~~نفسه عليه يهوذا فشفع فيه فرحمه ومنعهم منه وكان شديدا منهم منيعا مهيبا ~~فيهم ، وقد قيل إنه استوهبه منهم وقال : دعوه يكون فيه سلوة للشيخ الكبير ~~لا تفجعوه بهما ولا تفقدوه إياهما معا فوهبوه له ثم إن الله تعالى لم يقل ~~مع إرادتهم لذلك وهمهم به وكانوا فيهما من الزاهدين من قبل أنهم لم يتحققوا ~~بالزهد فيه كالزهد في أخيه لأنه كان في أيديهم لم يخرجوه فكذلك أنت إذا كان ~~الشيء موجودا عندك وأنت ممسكه لنفسك ثم توهمت أنك زاهد فيه لخواطر الإرادة ~~أو لإرادة الزهد فقد كذبت علي نفسك بتمسكك إياها زاهدا وكذبتك نفسك بوجودها ~~جهلا منها بالعلم زهدا أو كذب وجدك على العلم جهلا منك بربك عز وجل أو موهت ~~على نفس غيرك ممن لا يعرف الزهد ؛ وهذا زهد منك في الزهد ورغبة منك أيضا في ~~الدنيا حتى يخرج الشيء الذي تظن أنك زهدت فيه وتعتاض منه محبة الله تعالى ~~وطلب مرضاته تبارك وتعالى أو ما عنده من ثوابه ، فحينئذ يصح زهدك فيه على ~~العلم ، وعند العلماء فتكون صادقا ، فهناك وصفك الزاهد بالزهد وسماك ~~الزاهدون زاهدا ، فأما إذا لم يكن الشيء موجودا لك فإن زهدك فيما لا تملك ~~لا يصح والزهد في معدوم باطل من قبل أن تصرفك لا يصح فيما لا تملك ، فكذلك ~~لايصح زهدك فيه ms0562 ، ولعله لو كان موجودا تغير قلبك به وتقلب فيه إذ ليس الخبر ~~كالمعاينة لأن الخبر قد يشتبه ويوهم والمعاينة تكشف الحقيقة وتحكم على ~~الخلقة ولأن النفس ذات بدوات لما طبعت عليه من PageV01P414 حب المتعة ~~بالرفاهية فكذلك لا يجعل ظنا معدوما كيقين موجود إذ لو كان كيف كان الأمر ~~ولكن قد يكون لك مقام من الزهد في المعدوم بقيامك بشرطه وهو أن لا تحب وجود ~~الشيء ولا تأسى على فقده أو تكون مغتبطا بعدمك مسرورا بفقرك يعلم الله ~~تعالى ذلك من غيبك ويطلع على سرك أنك لا تفرح بوجوده لو وجدته وتخرجه إن ~~دخل عليك وإن قلبك قانع بالله سبحانه وتعالى راض عن الله تعالى بحالك التي ~~هي العدم من الدنيا غير محب للاستبدال بها من الغنى بصدق يقينك بفضيلة ~~الزهد ، فإذا كنت بهذا الوصف حسب لك جميع ذلك زهدا وكان لك بأحد هذه ~~المعاني ثواب الزاهدين وإن لم تكن للدنيا واجدا وهذا زهد الفقراء الصادقين ~~وهو التحقق بالفقر . وقد قال بعضهم : حقيقة الفقير أن يكون مغبتطا بفقره ~~خائفا أن يسلب الفقر كما يكون الغني مغتبطا بغناه يخاف الفقر ، وقد كان ~~مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول : إذا قيل له إنك زاهد قال : إنما ~~الزاهد عمر بن عبد العزيز جاءته الدنيا وملكها فزهد فيها ، فأما أنا ففي أي ~~شيء زهدت ؟ وقد يصح الزهد للعارف في الشيء مع وجحه عنده إذا لم يقتنيه ~~لمتعة نفسه ولم يتملكه ويسكن إلىه بل كان موقوفا في خزانة الله سبحانه ~~وتعالى ، التي هي يده منتظرا حكم الله تعالى فيه ومحنة ذلك استواء وجوده ~~وعدمه والمسارعة إذا رأى حكم الله تعالى إلى تنفيذه فيكون في ذلك كأنه ~~لغيره من عيلته أو إخوانه أوسبيل من سبيل الله تعالى ، وهذا المقام زائد ~~على الزهد فكذلك لم يخرج منه بل كان مخصوصا فيه بخصوص وهو أيضا مقام من ~~التوكل وبيان آخر مستنبط من السنة في ماهية الزهد أي شيء هو الزهد أيضا ~~تقليل الدنيا وتقريبها واحتقارها بالقلب واستصغارها ، من ms0563 ذلك الخبر الذي ~~جاء في ساعة يوم الجمعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هي في آخر ساعة ~~قال : وجعل يزهدها يقللها أي يقرب وقتها ويدينه من الغروب ، والمعنى الآخر ~~في الخبر الثاني من قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه لما ~~نزلت آية الأمر بالصدقة لمناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له : كم ~~ترى أن نجعل عليهم من الصدقة مقدمة للمناجاة فقال شعيرة من ذهب قال إنك ~~لزهيد أي مقلل مصغر للدنيا ولكن نجعل عليهم دينارا وزهيدكأنه معدول من زاهد ~~للمبالغة في الوصف بالزهد كما عدل شهيد من شاهد ومجيد من ماجد وكما عدل ~~عليم وقدير ورحيم من عالم وقادر وراحم للمبالغة في العلم والقدرة والرحمة . # | ذكر وصف الزاهد وفضل الزهد # قوت الزهد الذي لابد منه وبه تظهر صفة الزاهد وينفصل به عن الراغب هو أن ~~لا يفرح بعاجل موجود من حظ النفس ولا يحزن على مفقود من ذلك وأن يأخذ ~~الحاجة من كل شيء عند الحاجة إلى الشيء ولا يتناول عند الحاجة إلا سد ~~الفاقة ولا يطلب الشيء قبل الحاجة ، وأول الزهد دخول غم الآخرة في القلب ثم ~~وجود حلاوة المعاملة لله PageV01P415 تعالى ولا يدخل غم الآخرة حتى يخرج هم ~~الدنيا ولا تدخل حلاوة المعاملة حتى تخرج حلاوة الهوى ، وكل من تاب من ذنب ~~ولم يجد حلاوة الطاعة لم يؤمن عليه الرجوع فيه وكل من ترك الدنيا ولم يذق ~~حلاوة الزهد رجع في الدنيا ولا يدخل حلاوة المعاملة حتى يخرج حلاوة الهوى ~~وخالص الزهد إخراج الموجود من القلب ، ثم إخراج ما خرج من القلب عن اليد ~~وهو عدم الموجود على الاستصغار له والاحتقار والتقالل لهوان الدنيا عنده ~~وصغرها في عينه فبهذا يتم الزهد ، ثم ينسى زهده في زهده فيكون حينئذ زاهدا ~~في زهده لرغبته في مزهده ، وبهذا يكمل الزهد ؛ وهذا لبه وحقيقته ؛ وهو أعز ~~الأحوال في مقامات اليقين ، وهوالزهد في النفس لا الزهد لأجل النفس ولا ~~للرغبة في الزهد للزهد ؛ وهذه مشاهدة الصديقين ms0564 ، وزهد المقربين عند وجد عين ~~اليقين ، ودون هذا مقامات إخراج المرغوب فيه عن اليد مع نظره إليه وعلى ~~مجاهدة النفس فيه ؛ وهو زهد المؤمنين ، وذلك العمل بالزهد عقد وعمل إذ كان ~~الزهد عن الإيمان ، والإيمان قول وعمل ، وكذلك الزهد عقد وعمل ، فعقده خروج ~~حب الدنيا من القلب بدخول حب الآخرة في القلب ، والعمل بالزهد إخراج ~~المحبوب من اليد في سبيل الله تعالى معتاضا منه ما عنده سبحانه وتعالى من ~~وجهه الكريم جل وتعالى أو قرب جواره في داره وإن لم تكن الدنيا موجودة فإن ~~ترك الأسف عليها وقلة الحرص فيها ، وترك الطلب والتمني لها ، وسكون القلب ~~مع العدم ورضاه بيسير القسم بحسب للعبد زهدا لأن ذلك حال الفقير ، فإذا قام ~~بحكمه لم يجب عليه أكثر من القيام به ، والورع هو من الزهد كما الزهد من ~~الإيمان والحياء والإيمان في قرن واحد ، كما جاء في الخبر إذا نزع أحدهما ~~تبعه الآخر . وروينا في ذلك حديثا من طرق أهل البيت : الزهد والورع يجولان ~~في القلب كل ليلة ، فإن صادفا قلبا فيه الإيمان والحياء أقاما فيه وإلا ~~ارتحلا ، والقناعة باب من الزهد أيضا ، والرضا باليسير من الأشياء حال من ~~الزهد والتقلل في الأشياء مفتاح الزهد ، وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله : ~~قد حجبت قلوبنا بثلاثة أعطية فلن يكشف للعبد اليقين حتى ترفع هذه الحجب ~~الفرح بالموجود والحزن على المفقود والسرور بالمدح ، فإذا فرحت بالموجود ~~فأنت حريص والحريص محروم ، وإذا حزنت على المفقود فأنت ساخط والساخط معذب ، ~~وإذا سررت بالمدح فأنت معجب والعجب يحبط العمل ، وقال الله تعالى : ( لكيلا ~~تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) الحديد : 23 أي منها وهذان ~~الوصفان هما أتم حال في الزهد من أعطي أحدهما تبعه الآخرة لأن الذي لايأسى ~~على ما فاته من الدنيا ، هو الذي لا يفرح بما أتاه منها لأنه مثله والذي لا ~~يفرح بما أتاه منها هو الذي لا يحزن على ما فاته ، وهذا وصف عبد غير متملك ~~لملك وسيما PageV01P416 عبد قائم بحكم رب ms0565 ونعت عبد موقن محب قد شغلته ~~مشاهدة الآخرة عن التفرغ لمتعة الدنيا وقد فرغته معاينة الآخرة من الاشتغال ~~بما يغني ، وفي أحد الوجوه من قوله تعالى : ( وأنه هو أغنى وأقنى ) النجم : ~~48 قيل : أغنى أهل الآخرة بالله سبحانه وتعالى وأغناهم عن الدنيا بالآخرة ~~وأقنى أهل الدنيا من الدنيا أي جعل لهم قنية ومدخرا وعدة كما وصف من ذمه من ~~قوله تعالى : ( جمع مالا وعدده ) الهمزة : 2 أي قال هذا عدة لكذا وهذه عدة ~~لكذا فهدده بالويل فحصل من ذلك أن الزاهد في المال عدته الله تعالى في كل ~~الأحوال وكنزه وذخره وطوبى له وحسن مآب . وروينا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم : أنه قال : كفى باليقين غنى وكفى بالعبادة شغلا وكفى بالموت واعظا ؛ ~~وهذا جملة وصف الزاهد الموقن ، الذي هو للموت مرتقب مع الخبر المشهور ، ليس ~~الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس ، وقد جعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم الزهد في الدنيا علما لحقيقة الإيمان وقربه بمشاهدة الإيقان في قوله ~~عليه الصلاة والسلام لحارثة : عرفت فالزم عبد نور الله قلبه لما قال أنا ~~مؤمن حقا قال : وما حقيقة إيمانك ، فابتدأ بالزهد فقال : عزفت نفسي عن ~~الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها وكأني بالجنة والنار وكأني بعرش ربي بارزا ~~، وأشد من هذا الخبر الآخر الذي جعل النبي الزهد من علامة شرح الصدر بالنور ~~، وهو نور التصديق الذي هو عموم وصف المؤمنين لأنه هو في التحقيق الإسلام ، ~~ففسر قوله تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) الأنعام : ~~521 قيل : يا رسول الله ما هذا الشرح ؟ قال : إن النو إذا دخل القلب انشرح ~~له الصدر وانفتح ، قيل يا رسول الله هل لذلك من علامة ؟ قال : نعم التجافي ~~عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله ؛ فهذا ~~هو الزهد جعله شرطا لحقيقة الإسلام . وأشد من هذين الخبرين الخبر الثالث ~~الذي فسر الحياء من الله تعالى بالزهد في الدنيا فقال : استحيوا من الله ~~تعالى حق الحياء قلنا : إنا لنستحي ms0566 قال : تبنون ما لا PageV01P417 تسكنون ~~وتجمعون ما لا تأكلون ، وبمعنى هذا تمم إيمان الوفد الذي سألهم ما أنتم ؟ ~~فقالوا : مؤمنون ، قال : وما علامة إيمانكم ؟ فذكروا الصبر على البلاء ~~والشكر عند الرخاء والرضا بمواقع القضاء وترك الشماتة بالمصيبة إذا نزلت ~~بالأعداء فقال عليه الصلاة والسلام : إن كنتم كذلك فلا تجمعوا ما لا تأكلون ~~ولا تبنوا ما لا تسكنون ولا تنافسوا فيما عنه ترحلون ؛ فهذا هو الزهدجعله ~~تكملة إيمانهم وعلو مقامهم وتماما على إحسانهم وأعظم من هذه كلها الخبر ~~الرابع الذي جعل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الزهد من شرط إخلاص ~~التوحيد في حديث رويناه عن ابن المنكدر عن جابر قال : خطبنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال : من جاء بلا إله إلا الله لا يخلط معها غيرها وجبت له ~~الجنة ، فقام إليه علي كرم الله وجهه فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما ~~لا يخلط بها غيرها صفه لنا فسر ه لنا فقال : حب الدنيا وطلبا لها واتباعا ~~لها وقوم يقولون قول الأنبياء ، ويعملون أعمال الجبابرة ، فمن جاء بلا إله ~~إلا الله ليس شيء فيها من هذا وجبت له الجنة ، فلذلك كان علي رضي الله عنه ~~يجعل الزهد مقاما في الصبر ، ويجعل الصبر عمدة الإيمان في حديثين رويناهما ~~عنه ؛ أولهما قوله في الحديث الطويل الذي رواه عكرمة وعتبة بن حميد والحرث ~~الأعور وقبيصة بن جابر الأسدي في مباني الإيمان أنه قال : الإيمان على أربع ~~دعائم ، على الصبر ، واليقين ، والعدل ، والجهاد ، ثم قال فيه : والصبر ~~منها على أربع شعب ؛ على الشوق ، والشفق ، والزهادة ، والترقب ، فمن اشتاق ~~إلى الجنة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في ~~الدنيا هانت عليه المصيبات ، ومن ترقب الموت سارع في الخيرات . والخبر ~~الآخر في الصبر الذي جعله عمود الإيمان ينهدم الإيمان بهدمه هو قوله : ~~والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، لا جسد لمن لا رأس له ، ولا ~~إيمان لمن لا صبر له ، وروينا في خبر مقطوع : السخاء ms0567 من اليقين ولا يدخل ~~النار موقن ، والبخل من الشك ولا يدخل الجنة من شك ، فكان هذا الحديث مفسرا ~~للخبر المجمل السخي ، قريب من الله ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد ~~من النار ، والبخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، قريب من النار ، فسر في ~~ذلك الخبر بأي معنى يكون السخي قريبا من الله تعالى ، قريبا من الجنة لأن ~~السخاء من اليقين وبأي معنى يكون البخيل بعيدا من الله تعالى ، قريبا من ~~النار لأن البخل من الشك ، فالسخاء وصف الزاهد ولا يكون الزاهد إلا سخيا ، ~~والبخل وصف الراغب ، ولا يكون الحريص إلا بخيلا ولايكون البخيل زاهدا لأن ~~PageV01P418 الزهد يدعو إلى إخراج الشيء ، والبخل يدعو إلى إمساكه ، فنفس ~~السخاء زهد ، فلذلك ذم البخل لأنه رغبة في الدنيا ، ثم إن الحرص علامة ~~البخل لأنه دليل الرغبة ، والقناعة علامة السخاء لأنها باب الزهد ، فلذلك ~~قيل : سخاء النفس عما في أيدي النفس أفضل من سخاء البذل ، ثم يفترقان في ~~الحكم بعد اجتماعهما في الإسم ، فمن جاد بملكه لله تعالى كان زاهدا فيه لله ~~تعالى ووقع أجره على الله ، ومن جاد بما له لأجل الناس كان أيضا زاهدا في ~~ذلك موصوفا بالسخاء ، ولكن ذلك لنفسه ولأجل هواه ولا أجر له عند الله تعالى ~~إذ لم يكن من عمال الله تعالى فبطل أجره لأنه عمل لنفسه وحصل شكره وذكره في ~~الدنيا لأنه عمل لأجل الناس . كما قال ابن المبارك رحمه الله : ما رأيت بين ~~الفتوة والقراءة فرقا إلا في شيء واحد ماحظرت القراءة شيئا إلا قبحته ~~الفتوة وإنما يفترقان في أن القراءة يراد بها وجه الله تعالى ، والفتوة ~~يراد بها وجوه الناس ومدحهم وقد كان أستاذه سفيان الثوري رحمه الله يقول : ~~من لم يحسن يتفتى لم يحسن يقترى أي من لم يعرف أحكام التفتي فيقوم بها حتى ~~يستحق وصف فتى لم يحكم أوصاف التقري حتى يوصف بأنه قارئ ، ثم إن العبد قد ~~يجاهد نفسه على الزهد كما يجاهدها على مخالفة الهوى وكما يجاهدها بالصبر ~~على الحق ms0568 بأن يهرج المرغوب وينفق المحبوب على كراهة من النفس وجمل ~~بالزهدعليها فيكون له مقام في الزهد ينال البر ويستوجب مدحا من البر ، ~~والمتزهد غير الزاهد ، وهو الذي يتصنع للزهد ويعمل في أسبابه من التقلل ~~ورثاثة الحال في كل شيء ، فمثله مثل المتصبرين من الصابر الذي يجهل على ~~نفسه بالصبر ويصابرها على العلم ، فيكون له مقام من الصبر ، وصفوة الزهد ~~انتظارالموت وقصر الأمل لأن فيهما ترك الادخار وتحسين الأعمال . وقال ابن ~~عيينة : حد الزهد أن يكون شاكرا عند الرخاء صابرا عند البلاء . وقال بشر بن ~~الحارث رحمه الله : الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس ، من زهد فيهم فقد ~~زهد في الدنيا ، وكذلك قال بعض الحكماء : إذا طلب الزاهد الناس فاهرب منه ، ~~وإذا هرب من الناس فاطلبه ، وقيل ليحيى بن معاذ رحمه الله : متى يكون الرجل ~~زاهدا ؟ فقال : إذا بلغ حرصه في ترك الدنيا حرص الطالب لها كان زاهدا ، ~~وقال قاسم الجوعي : الزهد في الدنيا هو الزهد في الجوف بقدر ما تملك من ~~بطنك ، كذلك تملك من الزهد فكانت الدنيا عنده الشبع وأكل الشهوات ، وقال ~~فضيل بن عياض رحمه الله : الزهد هو القناعة فكانت الدنيا عنده هو الحرص ~~والشره ، وقال الثوري : الزهد هو قصر الأمل فكانت الدنيا عنده طول الأمل ، ~~وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى يقول : الدنيا كل ما يشغلك عن ~~الله تعالى PageV01P419 فكان الزهد عنده التفرغ لله تعالى ، وقد قال : إنما ~~الزاهد من تخلى عن الدنيا واشتغل بالعبادة والاجتهاد ، فأما من تركها وتبطل ~~فإنما طلب الراحة لنفسه ، وكان داود الطائي رحمه الله تعالى يقول : كل ما ~~شغلك عن الله تعالى من أهل أو مال فهوعليك شؤم . وقال أبو سليمان : من تزوج ~~أو كتب الحديث أو طلب معاشا فقد ركن إلى الدنيا وقرأ قوله تعالى : ( إلامن ~~أتى الله بقلب سليم ) الشعراء : 89 قال : هو القلب الذي ليس فيه غير الله ~~تعالى ، وقال : إنما زهدوا في الدنيا لتفرغ قلوبهم من همومها للآخرة ، وقد ~~قال أويس القرني رحمه الله تعالى : إذا ms0569 خرج يطلب ذهب الزهد وكان إمامنا ~~وشيخ شيخنا أبومحمد سهل بن عبد الله رحمه الله يقول : أول الزهد التوكل ~~وأوسطه إظهار القدرة وقال : لا يزهدالعبد زهدا حقيقيا لا رجعة بعده إلابعد ~~مشاهدة قدرة ، فإن أول القدرة عندي أن يشهد ما سمع من كلام القادر المزهد ~~إذ يقول تبارك وتعالى : ( ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع ~~زبد مثله ) الرعد : 71 ، فالحلية الذهب والفضة ؛ وهما قيم الأشياء اللذان ~~ملكا النفوس ونكسا الرؤوس فالمتاع ما سواهما من معادن الأرض ، فإذا شهد ~~العبد الذهب الذي هو سبب الدنيا و لأجله أشرك من أشرك وبحبائله ارتبك من ~~ارتبك ولوقوع حلاوته في القلب وقع من وقع ، فإذا شهد جوهر الذهب والفضة ~~زبدا طافيا على وجه الماء لا نفع فيه ولا غنية به ولا قيمة له زهد فيه ~~حينئذ زهدا صادقا فكان زهده معاينة لا خبرا وكان من المؤمنين حقا الذين ~~وصفهم الحق بالحق في قوله تعالى : ( اذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا ) الأنفال : 2 فالزهد مزيد الإيمان ثم قال : ~~وعلى ربهم يتوكلون ، فالزهد يدخل في التوكل ثم قال : فاتخذه وكيلا واصبر ~~على ما يقولون ، فالتوكل يوقف على الصبر ، وكان هذا قد سمع من كلام الله ~~تعالى ففعله فأبلغه الله تعالى مأمنه في المقام الأمين في جنات وعيون ، ~~واستحق وصف الله تعالى بالإيمان إذا تلا القرآن بحقيقة الإيقان فقال عز وجل ~~: ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ) البقرة : 121 ~~وذلك أن هذا الزبد تشبيه من الله تعالى لمثل ضربه للحق و الباطل ، فالمثل ~~هو الماء والزبد فمثل الحق في نفعه وبقائه بالماء ، ومثل الباطل في ذهابه ~~وقلة نفعه بالزبد ، ثم شبه الذهب لذهابه عن الحقيقة بالزبد تشبيه مماثلة لا ~~تشبيه مجاز لقوله : زبد مثله ، والمماثلة مستقصاة ، ثم قال : كذلك يضرب ~~الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الحسنى أي الجنة والبقاء . وقال تعالى : ~~( للذين لايؤمنون بالآخرة مثل السوء ) النحل : 06 هم المريدون للحياة ~~الدنيا وزينتها ، الراضون المطمئنون بها ms0570 ، ليس لهم في الآخرة إلا النار ، ~~فسبحان من نفد بصره الأبصار وسبحان مقلب الليل والنهار ، وسبحان من كل شيء ~~عنده بمقدار ، يبصر ما لا نبصر ، كما يقدر على ما لا نقدر ، خص المشاهدين ~~بمعنى مشاهدته كما خصهم PageV01P420 بالإحاطة بشيء من علمه فأحاط عليهم بما ~~شاء ، لما أحاط لهم ما شاء فكان الذهب والفضة زبدا طافيا تفرقه الرياح ~~فيكون فوق الماء متجافيا ؛ وهما من معادن الجبال فكانت الجبال عندهم أمواجا ~~ثابتة بإثبات وساكنة بتسكين تحسبها جامدة ، وهي تمر مر السحاب صنع الله ~~الذي أتقن كل شيء وصارت الأرض بحرا عجاجا يضرب بالأمواج فيظهر بينهما من ~~المدن والقفار للاستواء والاعوجاج وصار الأنام يسبحون في الأسراب يدبون بين ~~المناكب والأحداب ، أظهر فيهما من كل شيء موزون بمقدار ، كتنفس النهار في ~~الليل وكالغشاء على السيل ، ذلك لظهور حكمته وخفي قدرته ولطيف صنعه ودقيق ~~صنعته ذلك لشهود نعمته من القيام بشكره وجعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في ~~مناكبها وكلوا من رزقه وهم من كل حدب ينسلون ، إن ربي لطيف لما يشاء فاجتمع ~~الفرق وارتتق الفتق وغاب كل متفرق ونطق وكان عرشه على الماء ليبلوكم ، فهذه ~~مشاهدة أبناء الآخرة هي أعلى من زهدهم في الدنيا ، وافترق الجمع وافتتق ~~الرتق وظهر من الماء كل شيء حي ظاهر واتسع الفضاء واستتر الغطاء ووجد ~~التفصيل وحكم الحسبان بالتحصيل ، كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل ~~شيء حي ، أفلايؤمنون هذه مشاهدة أبناء الدنيا هي أعظم عليهم إذا تيقظوا من ~~غيبهم وجاءت سكرة الموت بالحق ، ذلك ماكنت منه تحيد لقد كنت في غفلة من هذا ~~فكشفنا عنك عطاءك فبصرك اليوم حديد ، والنازعات غرقا والناشطات نشطا ~~والسابحات سبحا ؛ هذه مشاهدة العموم عند الموت فيعظمه عليهم بالحسرة والفوت ~~، وقد فرغ الخصوص من نصيبهم لمشاهدته فهم ناظرون إلى مستقبل المزيد مشغولون ~~به عن العبيد قائمون بشاهد الحق لهم متصرفون بإشهاده إياهم ظاهرا وباطنا ~~ولطيفا ومستترا ومعروفا ومنكرا والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون فما غلب عليه لا يظهر وما غلبه عليهم ms0571 إيامهم قهر ، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أصدق كلمة قالها الشاعر : ألا كل شيء ماخلا الله باطل ~~وقال : فالحق والحق أقول : خلق سبع سموات ومن الأرض مثهن يتنزل الأمر بينهن ~~لتعلموا أن الله علي كل شيء قدير ، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ، وكان ~~ابن عباس رضي الله عنهما يقول : لو فسرت لكم هذه لآية لكفرتم قيل : وكيف ؟ ~~قال : كنتم تنكرونها وإنكاركم له كفر بها ، وفي لفظ آخر : لو فسرت الآية ~~التي في سورة النساء القصري لرجمتموني بالحجارة معناه لكفرتموني لأنهم لا ~~يقتلون إلا كافرا عندهم ، وروينا عنه قي قوله تعالى جميعا منه قال : في كل ~~شيء اسم حرف من أسمائه ، فاسم كل شيء من اسمه فإنما أنت بين أسمائه وصفاته ~~وأفعاله ناطقا بقدرته وظاهرا بحكمته وبمعناه ، كان أبو محمد رحمه الله ~~تعالى يتأول قوله : ما نزل من السماء أعز من اليقين فغابت السبع سبعا في ~~السبع العلي والسبع السفلي لما طوى نفس الهوى وغابت PageV01P421 العليا ~~والسفلى في ملكوت العرش والثرى لما طوي طي النفس وغاب العرض والثرى في ~~جبروت الأعلى لما محي طي الطي وحضر الأزلي الأول إذا غاب الحدثان الثاني ~~وظهرالباطن الآخير حين بطن الظاهر الساتر فصار العبد شهيدا لقول الرسول صلى ~~الله عليه وسلم : ألا كل شيء ماخلا الله باطل ، وأراه الآيات في الأفاق ~~فتبين الحق بقول الحق سبحانه وتعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم ىكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) فصلت : ~~53 ، ( ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط ) فصلت : 54 ~~وكذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال : اللهم أرني الدنيا ~~كما تراها فقال : لا تقل هكذا فإن الله تعالى لايرى الدنيا كما تراها ولكن ~~قل أرني الدنيا كما يراها الصالح من عبادك ؛ وهذه شهادة أهل الله تعالى ، ~~وغابت فيه الشهادة الأولى كما غيبت تلك الأولى مشاهدة أهل الدنيا فكشف هذا ~~المقام وإظهار هذه الشهادة لا تحل ms0572 إلا لشهيد ذي مقام في الصديقين عتيد ، ~~وقال الحكيم : لقد عزت معانيه فغابت عن الأبصار : إلا الشهيد وهم أولو ~~المطلع في القرآن الذين سلموا من هول المطلع في العيان ، وإفشاء سر ~~الربوبية معصية وإعلان سر السر كفر ولكن يحتاج هذا الزاهد أن يشهد المزهود ~~بمنزلة الزبد إن لم يبلغ نظره شهادة المزهد الأحد ليكون من أهل السمع ~~والشهادة فينسى بذكر قلبه معارفه والعادة يكون عند الله شهيدا له أجره ~~ونوره كما قال الشاهد الأعلى والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم فكيف يكون ~~شهيدا من لم يشهد بشهادته بل كيف يشهد وصف الأولية بغير نورها أم كيف يقوم ~~بشهادته من لم يشهد قيوميته بل كيف يرى قيوميته بغير نور وحدانيته ؟ فإن لم ~~يقرب في هذا المكان فكما قال أو ألقى السمع وهو شهيد فيسمع من مكان هو إلى ~~جنب القرب بعيد ويكون من أهل البيان والفكر كقول الحق المبين : ( كذلك يبين ~~لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ) البقرة 219 - 220 أي تتفكرون ~~في فناء الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ودوامها فتؤثرون الباقي الدائم ~~وترغبون فيه على الزائل الفاني وتزهدون فيه لأن ما يكون آخره فناء يشبه ~~آخره أول أمره وأوله لم يكن ومايكون آخره بفاء فكأنه لم يزل فأشبه أوله ~~آخره في البقاء ، وكذلك قال العليم الحكيم : ( والآخرة خير وأبقى ) الأعلى ~~: 17 فوصفها لبقائها في المآل بوصفين من صفاته . كما قال تعالى : ( والله ~~خير وأبقى ) طه : 73 ، ولأنه قال تعالى : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ~~) النحل : 96 فنسب الدنيا إلينا ليذلنا بها لأنا أهل الغناء وليزهدنا فيها ~~، وأضاف الآخرة إليه ليعزها به لأنه أهل البقاء وليرغبنا فيها ، فإذا شهد ~~العبد بعين قلبه ويقين إيمانه ما صدق به مما عقله الذي هو فهم سمعه وإدراك ~~خبره ما يفنى آخره كأنه لم يكن وما يبقى آخره كأنه لم يزل كان من المتفكرين ~~في هذه الآية المشاهدين لها ، وممن تلاها حق PageV01P422 تلاوتها فآمن ~~حقيقة الإيمان وزهد في الدنيا حقيقة الزهد ورغب في ms0573 الآخرة حق الرغبة وكان ~~من أولي الأيدي والأبصار أي من ذوي القوى في الدين والبصائر في اليقين ، ~~فلما أبصر بقواه عبر الدنيا إلى الله تعالى وكان زاده تقواه ، كما قال ~~تعالى : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) الذاريات : 49 أي تذكرون ~~الفرد ففروا إلى الله أي من الأشكال والأضداد ، وكما قال : فاعتبروا يا ~~أولي الأبصار فعبر لما أبصر معه عندها كان ممن أخذ الكتاب بقوة قيل : بعمل ~~فيه وقيل : بيقين فيه ويقال : بجد واجتهاد ، فكان من المحسنين الذين يمسكون ~~بالكتاب وأقاموا الصلاة وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الذين ~~يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ) آل ~~عمران : 191 الآية ، وقال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ويل لمن تلاها ~~ومسبح بها سبلنه و ذلك أن السموات والأرض عبر بهما عما وراءهما من درجات ~~الجنات ودركات النيران ، وهو الملكوت إلى الملك الباطن والملك الكبير فكشف ~~هذان عما علا وسفل وأحاط بهما من العرش والثرى لمن تفكر فيهما ثم كشف ذلك ~~له ورآه من العزة وجاوز الأفكار الملكوت لما شرحت القلوب بأنوار اليقين إلى ~~الأفق الأعلى والجبروت فنفذت أبصار المتفكرين بقواها إلى مشاهدة ذلك وبقيت ~~أنوار يقنيهم معاينة ما أحاط بذلك وهو ما قدمنا ذكره آنفا مما لم يظهر كشفه ~~كنحوما نبه الله تعالى العباد بما يشهدون إلى ما وراءه مما به أيقنوا ~~وللمؤمنين مشاهدة للدنيا قريبة دون هذه من طريق العقول يشهدون أنها عقوبة ~~كما قيل : ما فتحت الدنيا على عبد إلا مكرا به ولا زويت عنه إلا نظرا له . ~~وسمعنا في أخبار داود عليه السلام : أن الله تعالى أوحى إليه : تدري لم ~~ابتليت آدم بأكل الشجرة لأني جعلت معصيته سببا لعمارة الدنيا فينبغي في ~~دليل لخطاب أن تكون الطاعة سبب خرابها وهو الزهد فيها ، فصح بذلك الخبر ~~المشهور : حب الدنيا رأس كل خطئة لأنه كان أساسها ولكن لايسع ذلك العامة ~~لأنهم مرادون بالعمارة وصلح لنفرمن الخاصة لأن نقصان عددهم من الكافة لا ~~ينقص ms0574 عمارة الدنيا إذ المراد عمارتها بأهلها ، ويقال عن آدم عليه السلام : ~~لما أكل الشجرة تحركت معدته لخروج الثفل ولم يكن ذلك مجعولا في شيء من ~~أطعمة الجنة إلا في هذه الشجرة ، فلذلك نهيا عن أكلها قال : فجعل يدور في ~~الجنة فأمر الله تعالى ملكا يخاطبه فقال له : أي شيء تريد ؟ فقال آدم عليه ~~السلام : أريد أن أضع ما في بطني من أذى فقيل للملك : قل له في أي مكان ~~تضعه علي الفرش أم على السرر أم على الأنهار أم تحت ظلال الأشجار هل ترى ~~ههنا موضعا يصلح لذلك ولكن اهبط إلى الدنيا ، قال : وتلطف الله تعالى له ~~بهذا المعنى فأهبطه إلى الأرض وقد نغص الله تعالى فاكهة الدنيا وغيرها بحشو ~~العجم والثفل ليزهد فيها وأخبر أنها مقطوعة ممنوعة ليرغب في الدائم الموهوب ~~. وكان بعض العلماء يقول : ما سطع لي زينة من زخرف الدنيا إلا كشف لي باطنه ~~PageV01P423 فظهر لي عزوف عنه فهذه عناية من الله تعالى بمن وليه من ~~أوليائه المقربين منه ، فمن شهد الدنيا بأول وصفها لم يغتر بآخره ، ومن ~~عرفها بباطن حقيقتها لم يعجب بظاهرها ، ومن كوشف بعاقتبها لم يستهوه زخرفها ~~، وكان عيسى عليه السلام يقول : ويلكم علماء السوء مثلكم مثل قناة حش ~~ظاهرها جص وباطنها نتن ، وقال مالك بن دينار رحمه الله : اتقوا السحارة ~~فإنها تسحر قلوب العلماء يعني الدنيا ، فمن حرص على الدنيا بالباطل فقد قتل ~~نفسه ، فإن قوى حرصه عليها واشتد عشقه لها قتل غيره ، قال الله تعالى : ( ~~لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم ) النساء : 29 وقال في ~~قتل غيره بصده إياه عن سبيل الله : ( إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ) التوبة : 43 وروينا في أخبار ~~عيسى عليه السلام : إنه مر في سياحته ومعه طائفة من الحواريين بذهب مصبوب ~~في الأرض فوقف عليه ثم قال : هذا القاتول فاحذروه ، ثم عبروا أصحابه فتخلف ~~ثلاثة لأجل الذهب فأقام اثنان ودفعا إلى واحد شيئا منه يشتري لهم من ~~الطيبات ms0575 من أقرب الأمصار إليهم فوسوس إليهما العدو : ترضيان أن يكون هذا ~~المال بينكم أثلاثا اقتلوا هذا فيكون المال بينكم نصفين ، فأجمعا على قتله ~~إذارجع إليهما ، قال : وجاء الشيطان إلى الثالث فوسوس إليه أرضيت لنفسك أن ~~تأخذ ثلث المال اقتلهما فيكون المال كله لك قال : فاشترى سما فجعله في ~~الطعام فلما جاءهما به وثبا عليه فقتلاه ثم قعدا يأكلان الطعام فلما فرغا ~~ماتا ، فرجع عيسى عليه السلام من سياحته فنظر إليهم حول الذهب صرعى والذهب ~~بحاله فعجب أصحابه وقالوا : ما شأن هؤلاء فأخبرهم بهذه القصة ، وقيل لابن ~~المبارك : من الناس ؟ قال : العلماء ؟ قيل : فمن الملوك ؟ قال : الزاهدون ، ~~وروينا عن ابن المسيب عن أبي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من زهد ~~في الدنيا أدخل الله تبارك وتعالى الحكمة قلبه وأنطق بها لسلانه وبصره داء ~~الدنيا ودواءها وأخرجه منها سالما إلى دار السلام . وروينا في الخبر : ~~الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له ، ~~وكان الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول : رأيت سبعين بدريا كانوا والله ~~فيما أحل تعالى لهم أزهد منكم فيماحرم الله تعالى عليكم ، وفي حديث آخر : ~~كانوا بالبلاء والشدة تصيبهم أشد فرحا منكم بالخصب والرخاء لو رأيتموهم ~~قلتم مجانين ، ولو رأوا خياركم قالوا : ما لهؤلاء من خلاق ولو رأوا أشراركم ~~قالوا ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب قال : وكان أحدهم يعرض له المال الحلال ~~فلا يأخذه ويقول : أخاف أن يفسد على قلبي ، فمن كان له قلب حفظه من فساده ~~وخاف من تغيره وإبعاده وعمل في صلاحه وإرشاده ، ومن لم يكن له قلب فهو ~~يتقلب في ظلمات الهوى فربما انقلب على وجهه خسر PageV01P424 الدنيا والآخرة ~~، أو يكون من أهل الرضا بالدنيا وأهل الغفلة عن آيات الله تعالى فيكون قد ~~رضي بلاشيء وآثره على من ليس كمثله شيء كوصف من أخبر الله تعالى عنه قي ~~قوله تعالى : ( ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا ~~غافلون ) يونس : 7 فيستحق الإعراض ms0576 من الحبيب ويستوجب المقت من القريب كمثل ~~من أمر الله تعالى بالإعراض عنهم وترك القبول منهم إذ يقول عز من قائل : ( ~~فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) ( ذلك مبلغهم من ~~العلم ) النجم : 29 - 30 وقال عز وجل : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا ) الكهف : 28 أي مجاوزا لما نهي عنه مقصرا عما ~~أمر به وقيل : مقدما إلى الهلاك ، وقد نهى الله تعالى رسوله أن يوسع نظره ~~إلى أهل الدنيا مقتا لهم وأخبر أن ما أظهره من زهرة الدنيا فتنة لهم وأعلمه ~~أن القناعة والزهد خير وأبقى ، تنتظم هذه المعاني في قوله تعالى : ( ~~ولاتمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ~~ورزق ربك خير وأبقى ) طه : 131 ، قيل : القناعة وقيل : فوت يوم بيوم ويقال ~~: الزهد في الدنيا وهذا الوجه أشبه بكتاب الله تعالى بدليل قوله تعالى : ( ~~والآخرة خير وأبقى ) الأعلى : 17 وكذلك قوله تعالى : ( ورزق ربك خىر وأبقى ~~) طه : 131 يعني الزهد في الدنيا ، وقال أيضا في مثله : ( بقية الله خير ~~لكم ) هود : 86 يعني القناعة وقيل : الحلال ، وفي خبر : إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مر في أصحابه بعشار من النوق حفل وهي الحوامل وكانت من أحب ~~أموالهم إليهم وأنفسه عندهم لأنها تجمع الظهر واللحم واللبن والولد والوبر ~~؛ وهي الرواحل من الإبل التي ضرب النبي عليه السلام بها مثل خيار الناس ~~فقال عليه السلام الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة أي الإبل كثيرة ~~والراحلة التي تجمع هذه الأوصاف الخمسة من الإبل قليل وهي العشار التي ذكر ~~الله تعالى في قوله : ( وإذا العشار عطلت ) التكوير : 4 أي تركها أهلها ~~وهربوا لهول قيام الساعة شغلا بنفوسهم عنها قال : فأعرض عنها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وغض بصره فقيل له : يا رسول الله هذه أنفس أموالنا لما تنظر ~~إليها ؟ فقال : قد نهاني الله تعالى عن ذلك ، ثم تلا هذه الاية : ( لا تمدن ~~عينيك ms0577 ) الحجر : 88 ، وفي حديث عمر رضي الله عنه : لما نزلت هذه الآية : ( ~~والذين يكنزون الذهب والفضة ) االتوبة : 43 ، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : تبا للدينار والدرهم قال : فقلنا نهانا الله تعالى عن كنز الذهب ~~والفضة فأي شيء ندخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليتخذ أحدكم ~~لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة صالحة تعينه على أمر الآخرة وفي حديث حذيفة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من آثر الدنيا على الآخرة ابتلاه الله ~~تعالى بثلاث هما لا يفارق قلبه أبدا وفقرا لا يستغنى أبدا وحرصا لا يشبع ~~أبدا . وروينا حديثا مرسلا عن علي بن معبد عن علي بن أبي طلحة قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون أن لا ~~يعرف أحب إليه من أن يعرف ، وحتى PageV01P425 يكون قلة الشيء أحب إليه من ~~كثرة الشيء ، وروينا عن عيسى عليه السلام : الدنيا قنطرة خلقت يعبر عليها ~~إلى الآخرة فاعبروها ولا تعمروها ، وقال له رجل : احملني معك في ساحتك فقال ~~: أخرج مالك والحقني قال : لا أستطيع فقال عيسى عليه السلام بشدة : يدخل ~~الغني الجنة أو قال بعجب : وقالوا له : لو أمرتنا يا نبي الله أن نبني بيتا ~~نعبد الله فيه فقال : اذهبوا فابنوا بيتا على الماء قالوا : كيف يستقيم ~~بنيان على الماء قال : فكيف تستقيم عبادة على حب الدنيا وقال : لا يبلغ ~~أحدكم حقيقة الإيمان حتى لا يحب أن يحمد بعبادة الله تعالى ولايبالي من أكل ~~الدنيا ، وكان بشر بن الحارث يقول : لا تحسن التقوى إلا بزهد وقال مرة : ~~العبادة لا تليق بالأغنياء مثل العبادة على الغني مثل روضة على المزبلة ، ~~ومثل العبادة على الفقير مثل عقد الجوهر في جيد الحسناء ، وقد استنبطنا ذلك ~~من كتاب الله تعالى فمعنى وصف الفقراء في العبادة في قوله سبحانه وتعالى : ~~( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) البقرة : 273 ثم قال : ( تراهم ركعا ~~سجدا ) الفتح : 29 فحسنت لبسة العبادة عليهم لحسن سيماهم بالفقر ، وروينا ~~في وصية لقمان ms0578 لابنه وهو يحذره مداخل العدو قال : وإذا جاءك من قبل الفقر ~~فأخبره أن الغني من أطاع الله تعالى والفقير من انتهك معصيته وإذا شهى إليك ~~الغني فأخبره أنه لا يحسن جمع الغنى والقراءة ، وقال بعض السلف : أبي أهل ~~العلم بالله تعالى أن يسمعوا الحكمة والوعظ إلا من الزاهدين في الدنيا ~~وقالوا : ليس أهل الدنيا لذلك أهلا ولا يليق بهم . وروينا عن عيسى عليه ~~السلام فيما أوحى الله تعالى إليه : يا ابن آدم ابك أيام الحياة بكاء من ~~ودع الدنيا وارتفعت رغبته إلى ما عند الله تعالى ، اكتف بالبلغة من الدنيا ~~ليكفك منها الجشب والخشن بحق أقول لك ما أنت إلا بيومك وساعتك مكتوب عليك ~~ما أخذت الدنيا وفيما أنفقته فاعمل على حسب هذا ، فإنك مسوؤل عنه ، لو رأيت ~~ما وعدت الصالحين لزهقت نفسك ، فكان عيسى عليه السلام يقول : حلاوة الدنيا ~~مرارة الآخرة وجودة الثياب خيلاء القلب يعني إعجابه وكبره وملء البطن جمام ~~النفس يعني قوتها واجتماعها ، بحق أقول لكم : لكما لا يلذ المريض بطيب ~~الطعام كذلك لا يجد حلاوة العبادة من أحب الدنيا ، ومن الزهد في الدنيا ترك ~~الملبس الناعم والمنظور إلىه المرتفع واجتناب النزهات من لطائف الطعام ~~والتفتق في الشهوات التي يرغب فيها المتنعمون PageV01P426 وترك الزينة ~~والمفاخر من الآلة والأثاث الذي يستأنس فيه المترفون ، ومن الزهد أن يكون ~~الشيء الواحد يستعمل في أشياء كثيرة ، كذلك كان سيرة السلف في الأثاث وهو ~~التقلل ، كما أن أبناء الدنيا يستعملون للشيء الواحد أشياء كثيرة ؛ وهو وصف ~~من التكاثر وذلك من أبواب الدنيا ، وقال بعض السلف : أول النسك الزي ، وقال ~~بعض العلماء : من رق ثوبه رق دينه ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : لا يشبه ~~الزي الزي حتى يشبه القلب القلب . وفي الخبر المشهور : البذاذة من الإيمان ~~قيل : هو التقارب في اللباس ، والحديث المفسر من ترك ثوب جمال وهو يقدر ~~عليه تواضعا لله تعالى خيره الله تعالى من حلل الإيمان أيها شاء ، وفي لفظ ~~آخر : من ترك زينة لله تعالى ووضع ثيابا حسنة ms0579 تواضعا لله تعالى وابتغاء ~~وجهه كان حقا على الله تعالى أن يدخر له من عبقري الجنة في تخات الياقوت ، ~~ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قباء أتوه بشربة من لبن مشوبة ~~بعسل ، فوضع القدح من يده قال أما أني لست أحرمه ولكني أتركه تواضعا لله ~~تعالى وأتى عمر رضي الله عنه بشربة من ماء بارد وعسل في يوم صائف فقال : ~~اعزلوا عني حسابها ، وأوحى الله تعالى إلى نبي من أنبيائه : قل لأوليائي : ~~لا تلبسوا ملابس أعدائي ولا تدخلوا مداخل أعدائي فتكونوا أعدائي كما هم ~~أعدائي ، ولما خطب بشر بن مروان على منبر الكوفة قال بعض الصحابة : انظروا ~~إلى أميركم يعظ الناس وعليه ثياب لفساق قلت : وما كان عليه ، ثياب رقاق ، ~~وجاء عامر بن عبد الله بن ربيعة إلى أبي ذر رضي الله عنه في بزته فجعل ~~يتكلم في الزهد فوضع أبو ذر راحته على فيه وجعل يضرط به فغضب عامر فأتى ابن ~~عمر رضي الله عنهما فقال : ألم تر ما لقيت من أخيك أبي ذر قال وما ذاك ؟ ~~قال : جعلت أقول في الزهد فأخذ يهزأ بي فقال ابن عمر : أنت صنعت بنفسك تأتي ~~أبا ذر في هذه البزة وتتكلم في الزهد . وقال علي كرم الله وجهه : إن الله ~~تعالى أخذ على أئمة الهدى أن يكونوا في مثل أدنى أحوال الناس ليقتدي بهم ~~الغني ولا يزري بالفقير فقره ، وقد عوتب عمر رضي الله في لباسه وكان يلبس ~~الخشن من القطن قيمة قميصه ثلاثة دراهم وخمسة دراهم ويقطع ما فضل عن أطراف ~~أصابعه وقال هذا أدنى إلى التواضع وأجدر أن يقتدي بي المسلم ، وأتت برود من ~~اليمن إلى عمر رضي الله عنه فقسمها على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بردا بردا ، ثم صعد المنير بوم الجمعة فخطب الناس في حلة منها والحلة عند ~~العرب ثوبان من جنس واحد ، وكان ذلك من أحسن زيهم فقال : ألا اسمعوا ألا ~~اسمعوا ، ثم PageV01P427 وعظ فقام سلمان فقال : والله لا نسمع والله ms0580 لا ~~نسمع قال : وما ذاك ؟ قال : لأنك قد أعطيتنا ثوبا ثوبا ورحت في حلة فقد ~~تفضلت علينا بالدنيا ، فتبسم ثم قال : عجلت يا أبا عبد الله رحمك الله إني ~~كنت غسلت ثوبي الحلق فاستعرت برد عبد الله بن عمر فلبسته مع بردي : فقال ~~سلمان : قل الآن حتى نسمع ونهى وسول الله صلى الله عليه وسلم عن التنعم ~~وقال : إن عباد الله تعالى ليسوا بالمتنعمين ورؤي فضالة بن عبي وهو والي ~~مصر أشعث حافيا فقيل له : أنت الأمير وأنت هكذا فقال : نهانا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الأرفاه وأمرنا أن نحتفي أحيانا . وروينا أن عمر رضي ~~الله عنه خطب الناس فقال : أنشد الله رجلا علم في عيبا لا أخبرني به ، فقام ~~شاب فقال : فيك عيبان اثنان قال : وما هما رحمك الله ؟ قال : تذيل بين ~~البردين وتجمع بين الأدمين قال : فما أذال بين البردين وما جمع بين الأدمين ~~حتى لقي الله تعالى ، هكذا حدثنا به قال الشيخ : بإسناده يذيل بالذال ~~فمعناه تجمع بين ذيليهما فيتفق ذيل الأعلى على ذيل الأسفل من طول البرد ~~الأعلى وأنا أحسب أن معناه تديل بالدال أي تبدل أحدهما بآخر دولة ذا ودولة ~~ذا ويصلح أن يكون بالذال من الإذالة أي الوضع يقال : أشل هذا وأذل هذا مثل ~~قول الناس من إذالة العلم أن يجيب العالم عن كل ما يسأل عنه كأنه : أراد ~~تضعهما عندك معا وهو راجع إلى معنى تديل من الدولة ، وقال علي لعمر رضي ~~الله تعالى عنهما : إن أردت أن تلحق بصاحبيك فارقع القميص ونكس الأزرار ~~واخصف النعل وكل دون الشبع ، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول : اخلولقوا ~~واخشوشنوا وتمعددوا وإياكم وزي العجم كسرى وقيصر ، وقال علي رضي الله تعالى ~~عنه : من تزيا بزي قوم فهو منهم . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: أشد من هذا أن من شرار أمتي الذي غذوا بالنعيم الذين يطلبون ألوان الطعام ~~وألوان الثياب ويتشدقون في الكلام ، ولما قدم عمير بن سعد أمير حمص على ms0581 عمر ~~رضي الله عنه قال له : ما معك من الدنيا يا عمير ؟ قال : معي عصاي أتوكأ ~~عليها وأقتل بها حية إن لقيتها ومعي جرابي أحمل فيه طعامي ومعي قصعتي آكل ~~فيها وأعسل فيها رأسي وثوبي ومعي مطهرتي أحمل فيها شرابي ووضوئي للصلاة ~~يعني السطيحة ، فما كان بعد هذا من الدنيا فهو تبع لما معي فقال له عمر ~~صدقت PageV01P428 رحمك الله وكان عمر رضي الله عنه قد كتب إلى أهل حمص أن ~~عدوا لي فقراءكم فسموا له في الكتاب نفرا وذكروا فيهم سعيد بن جذيم ويقال : ~~بل عمير بن سعد فقال عمر : من سعيد بن جذيم ؟ فقالوا أميرنا يا أمير ~~المؤمنين ، قال : أو فقير هو ؟ قالوا : نعم ما فينا أفقر منه ، قال : فما ~~فعل عطاؤه قالوا : يخرجه كله لا يترك لنفسه ولا لأهله شيئا منه ، فوجه إليه ~~عمر رضي الله عنه بأربعمائة دينار وسأله أن ينفقها على نفسه وأهله ، فلما ~~وصلت إليه دخل على زوجته وهو يبكي فقالت له ما شأنك ؟ مات أمير المؤمنين ؟ ~~قال : أعظم من ذلك قالت : فتق فتق في المسلمين ؟ قال : أشد من ذلك ، قالت : ~~فما هو ؟ قال : أتتني الدنيا قد كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ~~تفتح الدنيا علي وكنت في أيام أبي بكر رضي الله عنه فلم تفتح الدنيا علي ~~وخلفت إلى أيام عمر رضي الله عنه ألا وشر أيامي أيام عمر ، ثم حدثها فقالت ~~: نفسي فداؤك فاصنع بها ما بدا لك فقال : أو تساعديني على ما أريد ؟ قال : ~~نعم ، قال : أعطيني خلق ذلك البرد قال : فجعل يمزقه ويصرها فيه صررا ما بين ~~العشرة والخمسة والثلاثة حتى أفناها ثم جعلها في مخلاة وتأبطها وخرج فاعترض ~~جيشا من المسلمين يريدون الغزو فجعل يدفع إليهم صرة صرة على نحو ما يرى من ~~حالهم ثم رجع ولم يترك لأهله منها دينارا ؛ فهذه كانت شمائل جملة أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان رضي الله تعالى عنهم . ~~وروينا في حديث عياض بن غنم عن ms0582 النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الأخيار : ~~إن من خيار أمتي فيما أنبأني الملأ الأعلى قوم يضحكون جهرا من سعة رحمة ~~ربهم ويبكون سرا من خوف عذابه مؤنتهم على الناس خفيفة وعلى أنفسهم ثقيلة ~~يلبسون الخلقان ويتبعون الرهبان ، أجسامهم في الأرض وأفئدتهم عند العرش ، ~~وفي حديث أبي الدرداء رضي الله عنه لما وصف الأبدال قال : فقلت له : فكيف ~~لي أن أكون بهذا الوصف وأنى لي أن أكون مثلهم ؟ فقال : يا ابن أخي ما بينك ~~وبين أن تكون في أول ذلك وأوسطه إلا أن تزهد في الدنيا فتعاين الآخرة بقلبك ~~فتعمل لها . وروينا في الخبر : أن الله تعالى يحب المبتذل الذي لا يبالي ما ~~لبس ، وقال الثوري وفضيل رحمهما الله تعالى : جعل الشر كله في بيت وجعل ~~مفتاحه الرغبة في الدنيا ، وجعل الخيركله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في ~~الدنيا ، وسئل يوسف بن أسباط وسفيان الثوري رحمهما الله تعالى : أي الأعمال ~~أفضل ؟ فقالا : الزهد في الدنيا وهذا موجود في ظاهر الخبر المنقول عن عيسى ~~عليه السلام ، ورويناه عن نبينا صلى الله عليه وسلم : حب الدنيا رأس كل ~~خطيئة ففي تدبره أن بعضها رأس كل طاعة ، كذلك كان بعض السلف يقول : ~~PageV01P429 كفى به ذنبا لا يستغفر منه حب الدنيا ، وأشد من ذلك ما رواه ~~سفيان عن يحيي بن سليم الطائفي رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو ~~أن عبدا عبد الله تعالى عبادة أهل السموات والأرض ولقيه محبا للدنيا لأقامه ~~الله تعالى في الموقف مقاما شهره فيه بين الخلائق ، ألا أن فلان بن فلان قد ~~أحب ما أبغض الله تعالى ، وقال يحيى بن جابر الطائي : قال عمرو بن الأسود ~~العنسي : لا ألبس مشهورا أبدا ولا أنام بليل على دثار أبدا ولا أركب على ~~مابور أبدا ولا أملأ جوفي من طعام أبدا . فقال عمر رضي الله عنه : من سره ~~أن ينظر إلى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى عمرو ابن الأسود ~~، وجاء رسول الله صلى الله عليه ms0583 وسلم من سفر فدخل على فاطمة رضي الله تعالى ~~عنها فرأى على بابها سترا وفي يديها قلبين من فضة فرجع ، فدخل عليها أبو ~~رافع وهي تبكي ، فأخبرته برجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال : ~~من أجل الستر والسوارين ، فهتكت الستر ونزعت السوارين فأرسلت بهما بلالا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : قد تصدقت به فضعه حيث ترى فقال : ~~اذهب فبعه وادفعه إلى أهل الصفة فباع القلبين بدرهمين ونصف وتصدق به عليهم ~~فدخل عليها وقال : بأبي أنت قد أحسنت ، وفي الخبر ما من عبد لبس ثوب شهرة ~~إلا أعرض الله تعالى عنه حتى ينزعه وإن كان عنده حبيبا ، وقال سفيان الثوري ~~وغيره : البس من الثياب ما لم يشهرك عند العلماء ولايحقرك عند الجهال وكان ~~يقول : إن الفقير ليمر بي وأنا أصلي فأدعه يجوز ويمر ، بعض هؤلاء من أبناء ~~الدنيا وعليه هذه البزة فأمقته فلا أدعه يجوز ، قال بعضهم : ما رأيت الغني ~~في مجلس قط أذل منه في مجلس الثوري رحمه الله تعالى ولا رأيت الفقير أعز ~~منه في مجلس الثوري ، وقال آخر : كنا إذا جلسنا إلي سفيان تمينا أنا كنا ~~فقراء لما نرى من إقباله عليهم وإعظامه لهم وقال بعضهم : إنما العالم هو ~~الذي يقوم الفقير من عنده غنيا والغني من عنده فقيرا ، وقال بعضهم قومت ~~ثوبي سفيان ونعليه بدرهم وأربعة دوانيق ، وقال ابن شبرمة : خير الثياب ما ~~خدمني وشرها ما خدمته . وقال بعض السلف : أحب الثياب إلي ما لا يستخدمني ~~وأحب الطعام إلي ما لا أغسل يدي منه ، وقال بعض العلماء : البس من الثياب ~~ما يخلطك بالسوقة ولا تلبس منها ما يشهرك فينظر إليك قال : وعددنا في قميص ~~عمر رضي الله عنه أربعة عشر رقعة بعضها من أدم ، وكان بعض العلماء يقول : ~~كثرة الثياب على ظهر ابن آدم عقوبة من الله تعالى له وكان الخواص رحمه الله ~~تعالى لا يلبس أكثر من قطعتين ؛ إزارين أو قميص ومئزر تحته ويعطف ذيل قميصه ~~على رأسه ويحله في وسطه ms0584 فيغطي به رأسه ، وكذلك استحب للفقير وهو حد اللباس ~~، وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى : الثياب ثلاثة ، ثوب لله ~~تعالى ، وثوب للنفس ، وثوب للناس ، فالذي لله تعالى ما ستر العورة وأديت ~~فيه الفريضة ، والذي للنفس ما طلبت لينه ونقاءه ، والذي للناس ما طلبت ~~جوهره وحسنه ، ثم قال : وقد PageV01P430 يكون الثوب الواحد لله تعالى ~~وللنفس . وقد كان بعض العلماء يكره أن يكون على الرجل من الثياب ما يجاوز ~~قيمة أربعين درهما وبعضهم يقول : إلى المائة ويعد سرفا فيما جاوزها ، وكان ~~جمهور العلماء وخيار التابعين قيمة ثيابهم ما بين العشرين إلى الثلاثين ، ~~وكان المتقدمون من الصحابة أثمان إزارهم اثنا عشر درهما ، فكانوا يلبسون ~~ثوبين قيمة نيف وعشرين درهما ، واشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبا ~~بأربعة دراهم وكان قيمة ثوبيه عشرة إلى دينار ، وكان طول إزاره أربعة أذرع ~~ونصف ، واشترى سراويل بثلاثة دراهم وكان يلبس شملتين بيضاوين من صوف وكانت ~~تسمى حلة لأنها ثوبان من جنس واحد وربما لبس ثوبين من جنس واحد وربما لبس ~~بردتين يمانيين أو سحوليين من هذه الغلاظ ، وفي الخبر : كان قميص رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كأنه قميص زيات وقد لبس عليه السلام يوما واحدا ثوب ~~سيراء من سندس قيمته مائتا درهم فكان أصحابه يلمسون ويقولون : أنزل عليك ~~هذا من الجنة تعجبا منه وكان قد أهداه إليه المقوقس ملك الإسكندرية فأراد ~~أن يكرمه بقبول هديته ويلبسه ثم نزعه ، وأرسل به إلى رجل من المشركين وصله ~~به ثم حرم لبس الحرير والديباج ، وقد يكون لبسه إياه توكيدا للتحريم بعده ~~كما لبس خاتما من ذهب يوما واحدا ، ثم نزعه فحرم لبسه على الرجال ، وكما ~~قال لعائشة رضي الله عنها في شأن بريرة : اشترطي لأهلها الولاء ، فلما ~~اشترطته صعد المنبر فحرمه فهذا يكون مؤكدا للتحريم ، وكما أباح المتعة ~~ثلاثا ثم حرمها لتوكيد أمر النكاح ، وقد يحتج بمثل هذا علماء الدنيا ~~ويطرقون به لنفوسهم ويدعون الناس منه إليهم ويظهرون الدعوة إلى الله تعالى ~~تأولا بمتشابه الحديث كما تأول ms0585 أهل الزيغ متشابه القرآن على أهوائهم ابتغاء ~~الفتنة وطلبا للدنيا لأن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاني كلام ~~الله تعالى فيه : ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وخاص وعام ، وعدل علماء الدنيا ~~وأهل الأهواء عن المحكم السائر من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله ~~إلى ما ذكرناه وقد صلى رسو ل الله صلى الله عليه وسلم في خميصة لها علم ، ~~فلما سلم قال : شغلني النظر إلى هذه اذهبوا بها إلى أبي جهم وأتوني ~~بانبجانيته يعني كساءه فاختار لبس الكساء على الثوب الناعم . ورأى على باب ~~عائشة رضي الله عنها سترا فهتكه وقال : كلما رأيته ذكرت الدنيا : أرسلي به ~~إلى آل فلان ، وفرشت له عائشة رضي الله عنها ذات ليلة فراشا جديدا وكان ~~ينام على عباءة مثنية ، فما زال يتقلب ليلته فلما أصبح قال : أعيدي العباءة ~~الخلقة ونحي هذا الفراش عني قد أسهرني الليلة ، وكذلك أتته دنانير خمسة أو ~~ستة عشاء فبيتها فسهر ليلته حتى آخرجها من آخر الليل ، قالت عائشة : فنام ~~حينئذ حتى سمعت غطيطه ثم قال : ما ظن محمد بربه لو لقي الله تعالى وهذه ~~عنده ، وكان شراك نعله العربي قد أخلق فأبدل بسير جديد ، فصلى فيه فلما سلم ~~قال : أعيدوا الشراك الخلق وانزعوا هذا الجديد فإني نظرت PageV01P431 إليه ~~في الصلاة ولبس خاتما فنظر إليه وهو على المنبر بنظرة فرمى به وقال : شغلني ~~هذا عنكم نظرة إليه ونظرة إليكم ، وقد قال تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ) آل عمران : 31 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~من أحبني فليستن بسنتي ، وقال في الخبر المشهور : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ، وقد كان أبو محمد سهل ~~رحمه الله يقول : من علامة حب الله تعالى حب النبي عليه السلام ، ومن علامة ~~حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة ومن علامة حب السنة بغض الدنيا ، ~~وعلامة بغضها أن لا يأخذ منها إلا زادا وبلغة وقال النبي صلى الله عليه ms0586 ~~وسلم لعائشة رضي الله عنها : إن أردت اللحوق بي فإياك ومجالسة الأغنياء ولا ~~تنزعي ثوبا حتى ترقعيه ، وكان صلى الله عليه وسلم قد احتذى نعلين جديدتين ~~فأعجبه حسنهما فخر ساجدا وقال : أعجبني حسنهما فتواضعت لربي خشية أن يمقتني ~~، ثم خرج بهم فدفعهما إلى أول مسكين رآه وأمر عليا رضي الله عنه فاحتذى له ~~نعلين سنديتين قال : فرأيته وقد لبسهما يعني جرداوين أي معطوفتين وقال صلى ~~الله عليه وسلم : إن أقرب الناس مني مجلسا يوم القيامة من كان على مثل ما ~~أنا عليه من الدنيا ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم اجعل رزق آل ~~محمد قوتا ، وقال عليه السلام : لا يعذب الله عبدا جعل رزقه في الدنيا قوت ~~يوم بيوم ، وقال عليه السلام : طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان رزقه في ~~الدنيا قوتا وقنع به ، وفي لفظ آخر : وصبر عليه ، وقال عليه السلام : أحد ~~غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أن رزقه كان في الدنيا قوتا . وروينا عنه ~~صلى الله عليه وسلم : اللهم من أحبني وأجاب دعوتي فأقلل ماله وولده ، من ~~أبغضني ولم يجب دعوتي فأكثر ما له وولده وأوطئ عقبيه كثرة الأتباع ، وكانت ~~هذه دعوة الصحابة على من مقتوه ، وروينا في الخبر : نقصان الدنيا زيادة ~~الآخرة وزيادة الدنيا نقصان الآخرة وفي الأثر : ما من أحد أعطي من الدنيا ~~شيئا إلا نقص من درجته وإن كان على الله تعالى كريما . وقال إبراهيم بن ~~أحمد الخواص رحمه الله في وصف المدعين : وقوم ادعوا الزهد ولبسوا الفاخر من ~~الثياب يموهون بذلك على الناس ليهدوا إليهم مثل لباسهم ولئلا ينظر إليهم ~~بالعين التي ينظر بها إلى الفقراء فيحتقرون فيعطون كما يعطى المساكين ~~ويحتجون لنفوسهم باتساع العلم وإنهم على السنة وإن الأشياء داخلة عليهم وهم ~~خارجون PageV01P432 منها ، وإنما يأخذون بعلة غيرهم ، هذا إذا طولبوا ~~بالحقائق وألجئوا إلى المضايق ، وكل هؤلاء أكلة الدنيا بالدين لم يعنوا ~~بتصفية أسرارهم ولا بتهذيب أخلاق نفوسهم فظهرت عليهم صفاتهم فغلبتهم فادعوا ~~حالا لهم مائلون إلى الدنيا متبعون الهوى ms0587 ، وكان الخواص رحمه الله تعالى لا ~~يلبس أكثر من قطعتين إزارين وقميص ومئزر تحته ، ويعطف ذيل قميصه على رأسه ~~ويغطي به رأسه ، وكذلك استحب للفقير هذا اللباس والأخبار في فضائل الفقر ~~وفضل الفقراء وفي ذم الدنيا ونقص الأغنياء أكثرمن أن تذكر ولم نقصد جمعها ~~ولا كثرة الاستدلال بها ، ومن الزهد ترك فضول للبنيان وأن لايبنى عاليا ولا ~~مشيدا ولا من الطين إلا ما يحتاج إليه وقيل : أول بدعة حدثت بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المناخل والموائد ، وأول شيء ظهر من طول الأمل التدريز ~~والتشييد يعني دروز الثياب وإنما كانت تشل شلا والبنيان الجص والآجر وهو ~~التشييد ، وإنما كانوا يبنون بالسعف والجريد . وقد جاء في الأثر : يأتي على ~~الناس زمان يوشون بينانهم كما توشى البرود اليمانية ، ونظر عمر رضي الله ~~عنه في طريق الشام إلى صرح قد بني بجص وآجر فكبر وقال : ما كنت أظن أن في ~~هذه الأمة من يبني بنيان هامان لفرعون يعني قول فرعون فأوقد لي يا هامان ~~على الطين يعني به الآجر ، يقال : أول من بنى بالجص والآجر فرعون وأول من ~~عمله هامان ثم تبعهما الجبابرة ، فهذا هو الزخرف ، وذكر بعض السلف جامعا في ~~بعض الأمصار فقال : أدركت هذا المسجد مبنيا من الجريد والسعف ثم رأيته ~~مبنيا من رهوص ثم رأيته الآن مبنيا باللبن ، فكان أصحاب السعف خيرا من ~~أصحاب الرهوص ، وكان أصحاب الرهوص خيرا من أصحاب اللبن ، وقد كان في السلف ~~من يبني داره مرارا في مدة عمره لضعف بنائه وقصر أمله ولزهده في إتقان ~~البنيان وكان منهم من إذا حج أو غزا نزع بيته أو وهبه لجيرانه فإذا رجع ~~أعاده ، وكانت بيوتهم من الحشيش والثمام والجلود وعلى ذلك العرب ببلاد ~~اليمن إلى اليوم ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس رضي الله عنه ~~أن يهدم علية كان قد علا بها ، ومر عليه السلام بجنبذة معلاة فقال : لمن ~~هذه ؟ قالوا : لفلان ، فلما جاءه الرجل أعرض عنه فلم يكن يقبل عليه كما كان ~~فسأل ms0588 الرجل أصحابه عن تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فرجع ~~فهدمها ، فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموضع فلم يرها فسأل عنها ~~فأخبر أنه هدمها فدعا له بخير ، وكان سمك بناء السلف قامة بسطة وقال الحسن ~~: كنت إذا دخلت بيوت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ضربت بيدي إلى السقف ، ~~وقال عمرو بن دينار : إذا أعلى العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك إلى ~~أين يا فاسق الفاسقين ؟ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من بنى فوق ما ~~يكفيه كلف أن يحمله يوم القيامة ومر عمر رضي الله عنه ببيت عال فقال : أبت ~~الدراهم إلا أن تخرج رؤوسها ومر بعامل له فرآه قد علي وشيد فقال لي : على ~~كل خائن أمينان الماء والطين ثم شاطره ماله فجعله في بيت المال ، وفي الخبر ~~: كل نفقة يؤجر عليها العبد إلا ما PageV01P433 أنفعه على الماء والطين . ~~وقد روينا عن بعض السلف : إذا مقت الله تعالى مال عبد سلط عليه الماء ~~والطين ، وقال يحيى بن يمان رحمه الله : كنت أمشي مع الثوري رحمه الله في ~~طريق فنظرت إلى باب مشيد قال : لا تنظر إليه فقلت يا أبا عبد الله ما تكره ~~من النظر قال إذا نظرت إليه كنت عونا له على بنائه لأنه إنما بناه لينظر ~~إليه ولو كان كل من مر به لم ينظر إليه ما عمله وقد قال بعض السلف قبله : ~~ولا تنظر إلى بنيانهم فإنهم إنما زخرفوه لأجلكم وفي قول الله تعالى : ( تلك ~~الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ) القصص : 83 ~~قيل : حب الكثرة والرياسة والتطاول في البنيان ، وكذلك قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما أكن من حر أو ~~برد ، وقال للرجل الذي شكا إليه ضيق منزله اتسع في السماء أي في الجنة وهذا ~~أحد التأويلين ، والثاني اتسع في المعرفة ولا تطلب اتساع المكان واعلم أن ~~الزهد لا ينقص من الرزق ms0589 ولكنه يزيد في الصبر ويديم الجوع والفقر فيكون هذا ~~رزقا للزاهد من الآخرة على هذا الوصف من حرمان نصيبه من الدنيا وحمايته عن ~~التكثر منها والتوسع فيها ويكون الزهد سببه فيكون ما صرفه عنه ومنعه من ~~الغني والتوسع رزقه من الآخرة والدجات العلى بحسن اختيار من الله تعالى ~~وحيطة نظركما . حدثنا عن بعض العلماء : أن بقالا جاءه فقال : إني كنت أبيع ~~في محلة لا بقال فيها غيري ، فكنت أبيع الكثير ثم قد فتح علي بقال آخر فهل ~~ينقص ذلك من رزقي شيئا فقال : لا ولكن يزيد في بطالتك عن البيع ، فلعله ~~بطالا لاعبا يحتج لتوسعه وهواه ويموه على أبناء الدنيا ممن يتولاه فيقول ~~بأن الزهد في الدنيا لما لم ينقص من رزقي شيئا قد صح مقاما لي مع التوسع ~~والاستكثار وعلى التنعم والرفاهية والاستئثار لأني إنما آكل رزقي وآخذ قسمي ~~فلي في الزهد مقام ومن الرضا والتوكل حال أو يقول : إن الزهد قد يصبح مع ~~التكاثر والزينة يزخرف بقوله على من لا يعرف الزهد ويغر بمقالته من لايعرف ~~طريق الزاهدين ولعله ممن يأكل الدنيا بالدين أو يزخرف القول ويشبه العلم ~~على الغافلين ، فمثله كما قال علي رضي الله عنه للخوارج حين قالوا : لا حكم ~~إلا الله فقال : كلمة حق أريد بها باطل وصدق رضوان الله عليه لأنهم أرادوا ~~بذلك إسقاط حكم الأئمة وترك الطاعة للإمام العادل . كما أراد القائل : إنما ~~آكل رزقي وآخذ من الأشياء قسمي ، الاحتجاج لنفسه بهواه والاعتذار عند ~~الجاهلين خيفة لومهم إياه ولا يعلم المغرور بداء الغرور أنه وإن كان يأكل ~~رزقه من الدنيا ويأخذ قسمه من العطاء فبحكم النقص والبعد وبوصف الرغبة ~~والحرص لأن السارق والغاصب أيضا يأكل رزقه ويأخذ قسمه ولكن بحكم المقت وسوء ~~الاختيار إذا كان الله سبحانه وتعالى يرزق الحرام للظالمين كما يرزق الحلال ~~للمتقين PageV01P434 وإنما بينهما سوء القضاء ودرك الشقاء للأعداء وحسن ~~التوفيق والاختيار بالسعادة للأولياء من المولى الكريم فقد حرم المدعي لذلك ~~رزقه من الزهد وبخس نصيبه الأوفر من حب الفقر ms0590 ونقص حظه الأفضل من الآخرة إذ ~~كانت الدنيا ضدها وجعل ما صرف فيه وما صرف إليه سببا لنقصان مرتبته من ~~طرائق الزاهدين ، وأنه قد اختبر بالدنيا وبما فتح عليه من السراء ليظهر ~~صدقه من كذبه فوقع في الفتنة ولم يفطن للابتلاء وصارت مشاهدته هذه إذا كان ~~صادقا فيها غير كاذب على وجده حجابا له عن علوم العارفين المعصومين ، ~~واستدرج بعلمه هذا لأنه علم من علوم الدنيا يفنى بفنائها لا ثمرة له في ~~الباقية مكر به فيه وعدل به إليه عن علوم الخائفين ومشاهدة الورعين ~~الزاهدين الذين نظروا من الحلال في الدقيق وصدقوا القول في ترك الرغبة ~~بالعمل بالزهد للتحقيق وإن كان كاذبا في مشاهدته ظالما لنفسه بما ادعاه من ~~وجده فهو من أولياء الشياطين ومن أئمة المضلين قيض للاعبين وسيق إليهم فتنة ~~لهم ليس إماما للمتقين بل من الأئمة المضلين المحرومين أبناء الدنيا ~~الغافلين رغبة في الدنيا وزهدا في طرائق السلف لوجود الطمع وعدم اليقين فقد ~~مكر بهذا المعدول به عن علوم الموقنين وحقائق مشاهدتهم على هذا الوصف الذي ~~أريد به بالذي تقلب فيه وهولا يشعر بالمكر ولا يعرف الاستدراج بالنعم وأنى ~~له بعلم ذلك والله تبارك وتعالى يقول : ( سنستدرجهم من حيث لا يعملون ) ~~الأعراف : 182 قال تعالى : ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون ) ~~النمل : 50 فهيهات هيهات أن يفطن الممكور لما مكر به أو يعلم المستدرج ما ~~درج فيه لأن الماكر ألطف الماكرين والمدرج أحكم الحاكمين نعوذ بالله تعالى ~~من الاغترار بعلم الإظهار ونسأله الصلاة على نبيه محمد وآله أجمعين وحسن ~~التوفيق لمشاهدة علم التحقيق ، وبمثل ما قلناه جاءت الآثار وكثرت الأخبار ~~إن مثل الدنيا والآخرة كضرتين رضا إحداهما في سخط الأخرى وأنهما بمنزلة ~~المشرق والمغرب من استقبل أحدهما استدبر الآخر ، وأنهما بمنزلة كفتي ~~الميزان رجحان إحداهما بنقصان الأخرى وكان عمر رضي الله عنه يقول : والله ~~إن هما إلا بمنزلة قد حين لك ملئ أحدهما فما هو إلا أن تفرغ أحدهما في ~~الآخر يعني أنك إن امتلأت من ms0591 الدنيا تفرغت من الآخرة وإن امتلأت من الآخرة ~~تفرغت من الدنيا ، وإن كان لك ثلث قدح الآخرة أدركت ثلثي قدح الدنيا وإن ~~كان لك ثلثا قدح الآخرة يكون لك ثلث قدح الدنيا ، وهذا تمثيل حسن إلا أن ~~فيه شدة وتدقيقا ، وقال بعض السلف : مثل من زهدفي الدنيا مع التنعم فيها ~~كمثل من يغسل يديه من الغمر بسمك ، وقال آخر : مثل من زهد وهو يطلب الدنيا ~~مثل يطفئ النار بالحلفاء ، وكان بعض الزاهدين من أهل الشام يتكلم عليهم ؛ ~~فكان رجاء بن حيوة فقيه أهل الشام PageV01P435 يحضر مجلسه ، فاحتبس يوما ~~عنهم وقد اجتمعوا فتكلم عليهم مؤذن الجامع فأنكر صوته رجاء بن حيوة فقال : ~~من هذا ؟ فقال : أنا فلان فقال : اسكت عافاك الله إنا نكره أن نسمع الزهد ~~إلا من أهله ، وفي لفظ آخر : إنا نكره أن نسمع الوعظ إلا من أهل الزهد ، ~~وقال عيسى عليه السلام : لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا فإن بريق أموالهم ~~يذهب بنور إيمانكم وقال بعض العلماء : تقليب الأموال يمص حلاوة الإيمان . ~~وروينا في الخبر : لكل أمة عجل ، وعجل هذه الأمة الدينار والدرهم ؛ وكان ~~أصل العجل من الحلية ، وقال عز وجل : ( ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) ~~الرعد : 17 فكان فهم هذه السنة عن سمع هذه الآية يقال : مامن يوم ذي شارقة ~~إلا وأربعة أملاك ينادون في الآفاق بأربعة أصوات ؛ ملكان بالمشرق وملكان ~~بالمغرب ، يقول أحدهما من المشرق : يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر ، ~~ويقول الآخر : اللهم أعط منفعا خلفا واعط ممسكا تلفا ، ويقول أحد اللذين في ~~المغرب : لدوا للموت وابنوا للخراب ، ويقول الآخر : كلوا وتمتعوا لطول ~~الحساب ، وقال بعض العلماء : إن الله تعالى وسم الدنيا بالوحشة ليجعل أنس ~~المطيعين به وبلغنا أن من دعاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه : اللهم إني ~~أسألك الذل عند النصف من نفسي والزهد فيما جاوز الكفاف . وقال بعض العارفين ~~: ما من شيء إلا وهومطروح في الخزائن إلا الفقر مع المعرفة فإنه مخزوم ~~مختوم عليه لا يعطاه إلا من طبع ms0592 بطابع الشهداء ، وقد يحتج بعض علماء الدنيا ~~لأنفسهم بتفضيل الغنى على الفقر بتأويل الخبر من قوله تعالى : ( ذلك فضل ~~الله يوتيه من يشاء ) الجمعة : 4 وهذا عند أولي الألباب في تدبر الخطاب ~~معني به الفقراء لأنه قيل لهم في أول الكلام : إن فعلتم كذا لم يسبقكم أحد ~~قبلكم ولم يدرككم أحد بعدكم فثبت هذا القول من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فصح لأنه معصوم في قوله كما هو معصوم في فعله ، فلا ينبغي أن ينقض أول ~~الكلام آخره ، فما جاء بعده محمول عليه ولم يصلح أن ينقلب لأنه إخبارعن شيء ~~فلا يجوز الرجوع عنه ، ولما فعل الأغنياء ما أمر به الفقراء وقف الفقراء في ~~نظر الرسول صلى الله عليه وسلم لمنظرهم إلى مزيد الأغنياء عليهم بالقول ~~فرجعوا إليه يستفتون منه ما أخبر به قال : لاتعلجوا فإن الذي قلت لكم كما ~~قلت هو فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء وأنتم ممن شاء أن يؤتيه فضله ، فصح ~~تأويلنا هذا وبطل تأويلهم بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم الأول ، ~~فكان قوله الثاني بالآخر مواطئا لقوله الأول ولم يناقض الأول بالآخر ، كيف ~~وقد جاء دليل ما قلنا مكشوفا في الحديث المفسر الذي رويناه عن زيد بن أسلم ~~عن أنس رضي الله عنه قال : بعث الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رسولا فقال : إن رسول الفقراء إليك فقال : مرحبا بك وبمن جئت من عندهم من ~~عند قوم أحبهم قال : قالوا : يا رسول الله إن الأغنياء ذهبوا بالجنة يحجون ~~ولا نقدر عليه ويعتمرون ولانقدر عليه وإذا مرضوا بعثوا بفضل أموالهم ذخيرة ~~لهم فقال رسول PageV01P436 الله صلى الله عليه وسلم : أبلغ عني الفقراء أن ~~لمن صبر واحتسب منكم ثلاث خصال ليست للأغنياء ، أما خصلة واحدة فإن في ~~الجنة غرفا ينظر إلها أهل الجنة كما ينظر أهل الأرض إلى نجوم السماء لا ~~يدخلها إلا نبي فقير أو شهيد فقير أو مؤمن فقير ، والثانية يدخل الفقراء ~~الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام ، والثالثة ms0593 إذا قال الغني : ~~سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، وقال الفقير ~~مثل ذلك لم يلحق الغني الفقير ، وإن أنفق فيها عشرة آلاف درهم وكذلك أعمال ~~البر كلها فرجع إليهم فقالوا : رضينا فهذا يدل على صحة تأويلنا . وقد روينا ~~معنى هذا مجملا في الخبر الذي رويناه عن إسماعيل بن عياش عن عبد الله ابن ~~دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ~~: أي الناس خير ؟ قالوا : موسر من المال يعطي حق الله في نفسه وماله فقال : ~~نعم الرجل هذا وليس به قالوا : فمن خير الناس ؟ مؤمن فقير يعطي جهده ، فذهب ~~القوم إلى علم العقل فردهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى علم اليقين فكذلك ~~من فضل حال الغنى على حال الفقر فإنه ينظر في العلم بعين العقل وإنما يشهد ~~الآخرة والحقيقة بعين اليقين وهذا نص في تفضيل حال الفقر ، فمن فضل الغنى ~~بعده فقد عاند السنة إن كان عالما فأحسن حاله الجهل بالآثار وإن كان جاهلا ~~فمقامه في الجهل أضر عليه من نطقه بالعلم بهوى ، وفي الخبر الآخر : خير هذه ~~الأمة فقراؤها وأسرعها تضجعا في الجنة ضعفاؤها ، وقال صلى الله عليه وسلم ~~لبلال : إلق الله تعالى فقيرا ولا تلقه غنيا قال : وكيف لي بذلك ؟ قال : ~~إذا سئلت فلا تمنع وإذا أعطيت فلا تخبأ أفتراه كان يأمر بلالا بأدنى ~~الحالين فكيف وهو من أعلى الصحابة فأشبه الفقر في الأحوال اليقين في ~~الإيمان ، كما قال لابن عمر : اعمل لله بالرضا واليقين فإن لم يكن فإن في ~~الصبر على ما تكره خيرا كثيرا فرفعه إلى اليقين لفضله كما رفع بلالا إلى ~~الفقر لشرفه في الأحوال فلم يكن صلى الله عليه وسلم يرضى لبلال إلا ما ~~يرضاه لنفسه فصار الفقر حال الموقن لأنه يكشف الآخرة ، وصار الشكر في الغنى ~~حال المؤمن لأنه يوجد الدنيا ففضل الفقير الزاهد على الغني الشاكر كفضل ~~الموقن الشاهد على الموقن المجاهد . وكذلك روينا في حديث عطاء عن أبي سعيد ms0594 ~~الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم توفني فقيرا ولا ~~توفني غنيا ولم يكن ليأمر بلالا بأدنى الحالين فيقول : إلق الله تعالى ~~فقيرا كما لم يندب ابن عمر إلى أخفض المقامين لقوله : اعمل لله تعالى ~~بالرضا في اليقين ، وكذلك جاء في الخبر المشهور الذي دعا فيه صلى الله عليه ~~وسلم لنفسه أن يحييه الله تعالى مسكينا ويتوفاه مسكينا ويحشره في زمرة ~~المساكين ، كل ذلك لتفضيل الفقر وتشريف الفقراء مع قوله صلى الله عليه وسلم ~~يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم يعني خمسمائة عام ، وروينا عن ~~عيسى عليه السلام أنه قال : إني لأحب المسكنة وأبغض المال للغني وإن في ~~المال داء كثيرا قيل : ياروح الله وإن كان يكتسبه من حلال قال يشغله كسبه ~~عن ذكر PageV01P437 الله تعالى قال وهب بن منبه لابن عباس : إنا نجد في ~~التوراة أن الفقير المصلح خير من الغني المصلح ، قال ابن عباس : أما علمت ~~أنه لا شيء أحب إلى الله تعالى من الفقير إذا كان صالحا وقيل : كان أحب ~~الأسماء إلى عيسى عليه السلام أن يدعى به أن يقال له يا مسكين وكان يقول : ~~من شر الغنى أن العبد يعصي ليستغني ولا يعصي ليفتقر ، وقد قال بعض حكمائنا ~~في كلام منظوم : يا عائبا للفقر تبغي الغنى . . . عيب الغنى أعظم لو تعتبر ~~إنك تعصي لتنال الغنى . . . ولست تعصي الله كي تفتقر وروينا في حديث عطاء ~~عن أبي سعيد الخدري : يا أيها الناس لا تحملنكم العسرة والفاقة على أن ~~تطلبوا الرزق من غير حله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~اللهم توفني فقيرا ولا توفني غنيا واحشرني في زمرة المساكين ، وقال لقمان ~~لابنه : يا بني إن من أعون الأخلاق على صلاح الدين زهدا في الدنيا ، من ~~يزهد في الدنيا يرغب فيما عند الله تعالى ، ومن يرغب فيما عند الله تعالى ~~يعمل لله تعالى ، ومن يعمل الله تعالى يأجره الله تعالى ، وقال الحواريون : ~~يا روح الله نحن نصلي كما تصلي ونصوم ms0595 كما تصوم ونذكر الله تعالى كما أمرتنا ~~ولا نقدر نمشي على الماء كما تمشي أنت ، فقال : أخبروني كيف حبكم للدنيا ~~قالوا : إنا لنحبها فقال : إن حبها يفسد الدين لكنها عندي بمنزلة الحجر ~~والمدر ، وفي خبر آخر : إنه رفع حجرا فقال : أيهما أحب إليكم هذا أو ~~الدنيار والدرهم ؟ قالوا الدنيار ، قال : فإنهما عندي سواء ويقال إن من صح ~~زهده في الدنيا حتى يستوي عنده الذهب والحجر مشى على الماء وقد اشتهر ذلك ~~في العامة حتى قال الشاعر : لو كان زهدك في الدنيا كزهدك في . . . وصلي ~~مشيت بلا شك على الماء وروينا أن عيسى عليه السلام مر في سياحته برجل نائم ~~ملتف في عباءة فأيقظه وقال : قم يا نائم فاذكر الله تعالى فقال : ما تريد ~~مني ؟ إني قد تركت الدنيا لأهلها فقال له عيسى عليه السلام : نم حبيبي إذا ~~نم ، وروينا عن موسى عليه السلام أنه مر برجل نائم على التراب وتحت رأسه ~~لبنة ووجهه ولحيته في التراب وهو متزر بشمل عباءة فقال : يا رب عبدك هذا في ~~الدنيا ضائع ، فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى أما علمت أني إذا نظرت إلى ~~عبدي بوجهي كله زويت عنه الدنيا كلها ، وأوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه ~~إسماعيل عليه السلام : اطلبني عند المنكسرة قلوبهم قال يا رب ومن هم قال ~~الفقراء الصادقون ، فهذا كأنه مفسر لخبر موسى عليه السلام في وقوله أين ~~أجدك قال : عند المنكسرة قلوبهم PageV01P438 وقد كان أحمد بن عطاء وهو من ~~المتأخرين يفضل حال الغنى على الفقر لشبهة دخلت عليه ، وهو أن بعض الشيوخ ~~سأله عن الوصفين أيهما أفضل ؟ قال : الغني لأنه صفة الحق فقال له الشيخ : ~~فالله غني بالإعراض والأسباب فانقطع ولم ينطق بحرف ، وهذا كما قال الشيخ ~~لأن الله تعالى غني بوصفه ، فالفقير أحق بهذا المعنى لأنه غني بوصفه ~~بالإيمان لا بالأسباب لانفرادها عنه ، فهو الأفضل فأما الغني فإنه مشتت ~~مجتمع بالأسباب فهو مفضول بالارتياب وقد خالفه الخواص فوفق للصواب وكان ~~فوقه في المعرفة فقال في كتاب شرف الفقر ms0596 والفقر صفة الحق أي صفة منه يصف به ~~الفقراء فوافقنا في التأويل يعني أنه تعالى متخل عن الأشياء منفرد عنها ، ~~ووجه آخر من الغلط الذي دخل عليه من جهة الغنى الذي ذكره لأنه إن كان فضل ~~الغنى على الفقر لأنه صفة الحق فينبغي أن يفضل المتكبر الجبار ومن أحب ~~المدح والعز والحمد لأن ذلك كله صفة الحق فما أجمع أهل القبلة على ذم من ~~كان هذا وصفه كان من وصفه الغنى في معناه لأن وصف الغنى صفة الحق مقترن ~~بالعز والكبر ، وينبغي أن يسلم صفات الحق للحق ولا ينازع إياها ولا يشارك ~~فيها ، فبطل قول ابن عطاء لصحة قول الرسول صلى الله عليه وسلم : يقول الله ~~تعالى العز إزاري والكبرياء ردائي من نازعني أحدهما قصمته في النار ، وقد ~~خالفه أيضا ووافقنا من لا يشك الخاص والعام في فضل معرفته عليه أبو محمد ~~سهل بن عبد الله فقال : من أحب الغنى والبقاء والعز فقد نازع الله تعالى ~~صفاته وهذه صفات الربوبية يخاف عليه الهلكة فإذا ثبت ذلك كان الفقر أفضل ~~لأنه وصف العبودية ، فمن جعله وصفه فقد تحقق بالعبودية وأوصاف العبودية هي ~~أخلاق الإيمان وهي التي أحبها الله تعالى من المؤمنين مثل الخوف والذل ~~والتواضع والفقر مضاف إليها وأوصاف الربوبية ابتلى به قلوب أعدائه الجبارين ~~والمتكبرين مثل العز والكبر والبقاء والغنى مضموم إليها . وكان الحسن رحمه ~~الله يقول : مارأيت الله تعالى جعل البقاء إلا لأبغض خلقه إليه وهو إبليس ، ~~وكذلك كان العلماء يقولون : لا ترغبوا في البقاء في هذه الدنيا فإن شرار ~~الخلق أطولهم بقاء وهم الشياطين ، والغنى إنما يراد للبقاء ويقال : إن ~~الجنيد رحمه الله تعالى باهل بن عطاء في هذه المسألة ودعا عليه لأنه أنكر ~~قوله أشد الإنكار وكان يقول : الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر وإن ~~تساويا في القيام بحكم حالهما لأن الغني التقي يمتع نفسه وينعم صفته ~~والفقير الصابر قد أدخل على صفته الآلام والمكاره فقد زاد عليه بذلك ، وهذا ~~كما قال وكذلك كان أحمد بن حنبل ms0597 يقول : ما أعدل بالفقر شيئا وكان يفضل حال ~~الفقر يعظم شأن الفقير الصابر وقال المروزي وذكر بعض الفقراء فجعل يمجده ~~ويكثر السؤال عنه قال : فقلت له PageV01P439 يحتاج إلى علم فقال ويحك اسكت ~~صبره على الفقر ومقاساته للضر فيه خير من كثير من العلم ثم قال هؤلاء خير ~~منا بكثير وأقول إن من فضل حال الغنى على الفقر فإنه لم يذق مرارة الفقر ~~ولا حلاوته فهو غر بشدته فاقد لحلاوته لأنه لو ذاق مرارته من الضر والهم ~~لفضله ولوأذيق حلاوته من الزهد والرضا لما فضل عليه . وقد روينا في الخبر : ~~يقول إبليس لم ينج الغني مني من إحدى ثلاث خصال ؛ أن أحبب إليه المال ~~فيكتسبه من غير حقه أو يضعه في غير حقه أو يمنعه من حقه ، فلولم يعلم العدو ~~أن الفقر من أفضل الأحوال ما قعد على طرقه وقد قال لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم فأخبر الخبر عنه فقال : الشيطان يعدكم الفقر أي يخوفكم به ، فجاء ~~الفقير الصادق فسلك الطريق المستقيم إلى الآخرة واطرح تخويف العدو بحول ~~الله وقوته وقيل : الأغنياء المغتبطون بغناهم تخويف العدو فجاء بنو الفقر ~~فحلق بهم مثل السوء ، من ذلك قوله : ( إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا ~~تخافوهم وخافون ) آل عمران : 175 فقبلوا تخويف الشيطان وخالفوا ندب الرحمن ~~فكانوا كمن قيل فيهم : ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه ) الحج ~~: 11 ، الآية فلو لم يكن من فضل الزاهدين إلا أنهم توسطوا الطريق الذي هرب ~~الناس منه وأمنوا بالتوكل على الله والرضا عنه ماخافه أبناء الدنيا لكفاهم ~~. # | ذكر ماهية الدنيا وكيفية الزهد فيها وتفاوت الزهاد في مقاماتهم # ، ثم إن الدنيا هي نصيب كل عبد من الهوى وما دنا من قلبه من الشهوات ، ~~فمن زهد في نصيبه وملكه من هواه المذموم فهذا هو الزهد المفترض ، ومن زهد ~~في نصيبه من المباح وهو فضول الحاجة من كل شيء ، فهذا هو الزهد المفضل يرجع ~~ذلك إلى حظوظ جوارحه التي هي أبواب الدنيا منه وطرقها إليه ، فالزهد في ~~محرماتها هو ms0598 زهد المسلمين به يحسن إسلامهم ، والزهد في شبهاتها هو زهد ~~الورعين به يكمل إيمانهم ، والزهد في حلالها من فضل حاجات النفس هو زهد ~~الزاهدين به يصفو يقنيهم ، وروينا في حديث عمرو بن ميمون عن الزبير بن ~~العوام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : يازبير اجهد نفسك عند نزول ~~الشهوات والشبهات بالورع الصادق عن محارم الله عز وجل تدخل الجنة بغير حساب ~~، وكان سهل يقول في فضائل الزهد وأعلى مقاماته : لا يتم زهد عبد حتى يزهد ~~في هذه الثلاث ؛ في الدرهم الذي يريد أن ينفقه في أبواب البر يتقرب بذلك ~~إلى الله تعالى ، ويزهد في الثياب التي تستر بدنه في الطاعات ، ويزهد في ~~قوته الذي يستعين به على العبادة ، وإنما قال هذا لأن عنده حقيقة الزهد من ~~أفضل المقامات كلا لأنه كان يقول : يعطى الزاهد جميع ثواب العلماء والعباد ~~، ثم يقسم على المؤمنين ثواب أعماله ، وقال : لا يوافي القيامة أحد أفضل من ~~ذي زهد وعلم ورع ، وقال أيضا : لا ينال الزهد إلا بالخوف لأن من خاف ترك ~~فجعل الزهد مقاما في الخوف رفعه مزيدا لهم عليه . وقد روى مسروق عن ابن ~~مسعود : ركعتان من زاهد قلبه خير له وأحب إلى الله PageV01P440 تعالى من ~~عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبدا سرمدا ولانهاية للزهد عند ~~طائفة من العارفين لأنه يقع عن نهاية معارفهم بدقائق أبواب لدنيا وخفايا ~~لوائح الهوى ، وقال بعضهم : نهاية الزهد أن تزهد في كل شيء وتتورع عن كل ~~شيء للنفس فيه متعة وبه راحة فهذا كما روى عن عيسى عليه السلام أنه وضع تحت ~~رأسه حجرا فكأنه لما ارتفع رأسه عن الأرض استراح بذلك فعارضه إبليس فقال : ~~يا ابن مريم ألست تزعم أنك قد زهدت في الدنيا قال : نعم ، قال : فهذا الذي ~~وطأته تحت رأسك من أي شيء هو ؟ قال : فرمى عيسى عليه السلام بالحجر ، وقال ~~: هذا لك مع ما تركت ومثله . روينا عن يحيى بن زكريا عليهما السلام أنه لبس ~~المسوح حتى نقب جلده فسألته أمه ms0599 أن ينزع مدرعته الشعر ويلبس مكانها جبة من ~~صوف ففعل فأوحى الله تعالى إليه : يا يحىى آثرت علي الدنيا قال : فبكى ونزع ~~الصوف ورد مدرعته الشعر على جسده ، وكان الحسن يقول : أدركت سبعين من ~~الأخيار ما لأحدهم إلا ثوبه وما وضع أحدهم بينه وبين الأرض ثوبا قط ، كان ~~إذا أراد النوم باشر الأرض بجسمه وجعل ثوبه فوقه واعلم أني رأيت جمل النعم ~~ثلاثا وتمامها بالزهد ، وذلك أن أصل النعم كلها الإسلام ، لأن من ورائه ~~مقامات كثيرة أخطأوا فيها حقيقة التوحيد ، ثم النعمة الثانية السنة ، إذ من ~~ورائها بدع كثيرة كلهم أخطأوا حقيقة السنة ، والنعمة الثالثة العلم بالله ~~تعالى لأن من ورائه جهلا كثيرا بعظمة الله تعالى وقدرته ، ثم الزهد في ~~الدنيا فمن أعطيه مع الثلاث تمت عليه النعم فكان مع الذين أنعم الله تعالى ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، أي تمت نعمة الله عليهم ~~لأن من ورائه حرصا كثيرا على الشبهات ورغبة عظيمة في الشهوات . وقد كان سهل ~~رحمه الله تعالى يجعل الزهد من شرط السنة والاتباع لقوله تعالى : ( قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني ) آل عمران : 31 قال : فمن السنة اتباع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وكان زاهدا ثم تفاوت الزاهدون لأي شيء زهدوا مقامات على ~~نحو علو المشاهدات ، فمنهم من زهد إجلالا لله تعالى ، ومنهم من زهد حياء من ~~الله تعالى ، ومنهم من زهد خوفا من الله تعالى ومنهم من زهد رجاء موعود ~~الله تعالى ومنهم من زهد مسارعة منه لأمر الله تعالى ومنهم من زهد حبا لله ~~تعالى وهو أعلاهم وأدناهم من زهد مخافة طول الوقوف ومناقشة الحساب كما قيل ~~: ذو الدرهمين أشد حسابا يوم القيامة من ذي الدرهم ولأن طريق المتقين لا ~~يسلكه من ملك في الدنيا زوجين من شيء ، ما أحد يعطي من الدنيا شيئا إلا قيل ~~: خذه على ثلاثة أثلاث ؛ ثلث هم ، وثلث شغل ، وثلث حساب ، وأن الرجل من ~~الأغنياء ليوقف للحساب ما لو ورد مائة بعير عطاش على عرقه لصدرن رواء وإنه ms0600 ~~ليرى منازله من الجنة فلما وقر هذا في قلوب الورعين أشفقوا من طول الحساب ~~فزهدوا في الجمع والمنع وفارقوا فضول الآمال طلبا لخفة السؤال وسرعة ~~PageV01P441 الوقوف في الأهوال ، ومن الزهد في الدنيا حب الفقر وأهله ~~ومجالسة المساكين في أوطانهم والتذلل لهم كما كان مطرف رحمه الله تعالى ~~يجالس المساكين في بزته يتقرب بذلك إلى ربه ، وكان محمد بن يوسف الأصفهاني ~~عالما زاهدا ومن الناس من كان يفضله على الثوري رحمها الله تعالى ، إلا أنه ~~كان يؤثر الخمول فلم يكن يعرفه إلا العلماء ، وكان من حسن رهعايته وشدة ~~يقظته يعمل في كل وقت أفضل ما يقدر عليه في ذلك الوقت ، فلما طلبه ابن ~~المبارك بالمصيصة قال له بعض من يعرف حاله : إن ذاك لا يكون في المصر إلا ~~في أفضل موضع فيه قال : فهو إذا في الجامع فطلبه فقيل له : إنه لا يقعد إلا ~~في أفضل مكان قال : فطلبه عند الفقراء فإذا هو دس رأسه وأخمل نفسه مع ~~المساكين فكان عنده أن أفضل وطن في المصر الجامع لأنه يقال : إن الصلاة فيه ~~بخمسين صلاة وإن أفضل الأماكن موضع الفقراء من الجامع وإن أفضل الأحوال ~~الخمول ، فلذلك أخمل نفسه فيما بين الفقراء في الجامع ليحوز فواضل الأعمال ~~، ومن الزهد أن يكون بفقره مغتبطا مشاهدا لعظيم نعمة الله تعالى عليه به ~~يخاف أن يسلب فقره ويحول عن زهده ، كما يكون الغني مغتبطا بغناه يخاف الفقر ~~ثم وجودحلاوة الزهد حتى يعلم الله تعالى من قلبه أن القلة أحب إليه من ~~الكثرة وأن الذل أحب إليه من العز وأن الوحدة آثر عنده من الجماعة وأن ~~الخمول أعجب إليه من الاشتهار فهذا من إخلاصه في زهده . وروينا عن عيسى ~~عليه السلام وعن نبينا عليه السلام : أربع لا يدركن إلا بعجب الصمت ، وهو ~~أول العبادة والتواضع وكثرة الذكر وقلة الشيء ، وقال الثوري رحمه الله ~~تعالى : لا يكون الرجل عالما حتى يعد البلاء نعمة والرخاء عقوبة ، وقال بعض ~~السلف : لا يفقه العبد كل الفقه حتى يكون الفقر أحب ms0601 إليه من الغنى والذل ~~آثر عنده من العز ، وقد روينا خبرا مقطوعا : لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان ~~حتى يكون أن لا يعرف أحب إليه من أن يعرف وحتى يكون قلة الشيء أحب إليه من ~~كثرته ، وكان السلف الصالح يقولون : نعمة الله علينا فيما صرف عنا من ~~الدنيا أعظم من نعمته فيما صرف إلينا ، وكان الثوري رحمه الله تعالى يقول ~~الدنيا دار التواء لا دار استواء ودار ترح لا منزل فرح ، من عرفها لم يفرح ~~برخاء ولم يحزن على شقاء ، وكان سهل بن عبد الله رحمه الله يقول : لا يصح ~~التعبد لأحد ولايخلص له عمل حتى لا يجزع ولا يفر من أربعة أشياء : الجوع ، ~~والعرى ، والفقر ، والذل . كما روينا أن إبراهيم التميمي رحمه الله تعالى ~~دفع إليه خمسون ألف درهم فردها فقيل له : لم رددتها فقال : أكره أن أمحو ~~اسمي من ديوان الفقراء بخمسين ألفا ، ومن الزهد عند الزاهدين ترك فضول ~~العلوم التي معلوماتها تؤول إلى الدنيا وتدعو إلى الجاه PageV01P442 ~~والمنزلة عند أبنائها وفيما لا نفع فيه في الآخرة ولا قربة به عند الله ~~تعالى وقد تشغل عن عبادة الله تعالى وتفرق الهم عن اجتماعه بين يدي الله ~~تعالى وتقسي القلب عن ذكر الله تعالى وتحجب عن التفكر في آلائه وعظمته ، ~~وقد أحدثت علوم كثيرة لم تكن تعرف فيما سلف اتخذها الغافلون علما وجعلها ~~البطالون شغلا انقطعوا بها عن الله تعالى وحجبوا بها عن مشاهدة علم الحقيقة ~~لا نستطيع ذكرها لكثرة أهلها إلا أن نسأل عن شيء منها أعلم هو أم كلام أم ~~حق أو تشبيه أو صدق وحكمة أو زخرف وغرور أم سنة ، هو عتيق أو محدث وتشديق ، ~~فحينئذ نخبر بصواب ذلك ، ومن أفضل الزهد : الزهد في الرياسة على الناس ، ~~وفي المنزلة والجاه عندهم ، والزهد في حب الثناء والمدح منهم لأن هذه ~~المعاني هي من أكثر أبواب الدنيا عند العلماء ، فالزهد فيها هو زهد العلماء ~~، كان الثوري رحمه الله تعالى يقول : الزهد في الرياسة ومدح الخلق أشد من ~~الزهد في ms0602 الدنيار والدرهم قال : لأن الدنيار والدرهم قد يبذلان في طلب ذلك ~~وكان يقول : هذا باب غامض لا يبصره إلا سماسرة العلماء . وقال الفضيل رحمه ~~الله تعالى : نقل الصخور من الجبال أيسر من إزالة رياسة قد ثبتت في قلب ~~جاهل ، وذهب أويس القرني رحمه الله تعالى إلى أن الزهد هو ترك الطلب ~~للمضمون ، قال هرم بن حبان : لقيته على شاطئ الفرات يغسل كسرا وخرقا قد ~~التقطها من المنبوذ وكان ذلك أكله ولباسه قال : فسألته عن الزهد أي شيء هو ~~؟ فقال : في أي شيء خرجت قلت : أطلب المعاش فقال : إذا وقع الطلب ذهب الزهد ~~وكان أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول : لا زهد إلا زهد أويس بلغ به العري ~~حتى قعد في قوصرة ، وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى يقول : الزهد ~~في النساء أن تختار المرأة الدون أو اليتيمة على المرأة الجميلة والمرأة ~~الشريفة ، وذهب إلى هذا مالك بن دينار ، وقال سهل بن عبد الله رحمه الله ~~تعالى : لا يصح الزهد في النساء لأنهن قد حببن إلى سيد الزاهدين ووافقه ابن ~~عيينة فقال : ليس في كثرة النساء ذنب لأن أزهد الصحابة علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه وكان له أربع نسوة وبضعة عشر سرية ، وكان الجنيد يقول : أحب ~~للمريد المبتدي أن لا يشغل قلبه بهذه الثلاث وإلا تغير حاله التكسب وطلب ~~الحديث والتزوج ، وقال : أحب للصوفي أن لا يقرأ ولا يكتب لأنه أجمع لهمه ، ~~وفي الخبر : إنما الزهد أن تكون بما في يد الله سبحانه وتعالى أوثق منك بما ~~في يديك ، فهذا مقام التوكل ، وذهب قوم إلى أن الزهد ترك الادخار وكانت ~~الدنيا عندهم هو الجمع . وقال بعضهم : الدنيا هو ما شغل القلب واهتم به ~~فجعلوا الزهد ترك الاهتمام وطرح النفس تحت تصريف الأحكام ، وهذا هو التفويض ~~والرضا ، وقال أحمد بن أبي الحواري : قلت لأبي سليمان الداراني : إن مالك ~~بن دينار قال للمغيرة : اذهب إلى البيت فخذ الركوة التي كنت أهديتها لي فإن ~~العدو يوسوس إلي أن اللص قد ms0603 أخذها ، فقال أبو سليمان : هذا PageV01P443 من ~~ضعف قلوب الصوفيين هو قد زهد في الدنيا ما عليه من أخذها ، فأراد أبو ~~سليمان منه حقيقة الرضا بجريان الأحكام وأراد مالك من نفسه حقيقة الزهد بأن ~~يصرف عن قلبه الاهتمام . وقال بعض العلماء : الدنيا هو العمل بالرأي ~~والمعقول ، والزهد إنما هو اتباع العلم ولزوم السنة ، وهذه طريقة أهل ~~الحديث ، وهذا القول من الظواهر يشبه قول علماء الظاهر ، كما روينا عن ~~سفيان قال : قالوا للزهري : ما الزهد ؟ قال : ما لا يغلب الحرام صبره ولا ~~يمنع الحلال شكره يعني أين يكون العبد صابرا عن الحرام حتى لا تغلبه شهوة ~~الحرام ويكون شاكرا في الحلال حتى لا يغلبه الحلال فيشغله عن الشكر ، وأما ~~الحسن فإنه قال : الزاهد هو الذي إذا رأى أحدا قال : هذا أفضل مني ، فذهب ~~إلى أن الزهد هو التواضع ، وكان الفضيل يقول : القناعة هو الزهد ، وقال أبو ~~سليمان : الورع هو أول الزهد ، وقال أحمد ابن أبي الحواري قلت : لأبي هشام ~~المغازلي أي شيء الزهد قال : قطع الآمال وإعطاء المجهود وخلع الراحة ، وكان ~~يوسف بن أسباط يقول : من صبر على الأذى وترك الشهوات وأكل الخبز من حلاله ~~فقد أخذ بأصل الزهد ، وقال أحمد : قلت لأبي صفوان الرعيني : ما الدنيا التي ~~ذمها الله تعالى في القرآن وينبغي للعاقل أن يجتنبها ؟ قال : كل ما عملت في ~~الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم ، وكل ما أصبت فيها تريد به الآخرة فليس ~~منها ، فحدثت به مروان فقال : الفقه ما قال أبو صفوان إنما قال ذلك لأن ~~الدنيا كل شيء إلا الإخلاص ، فما وافق العلم فهو مباح وما خلفه فهوى ، ~~والهوى حظ النفس ، الإخلاص حظ الرب عز وجل فالمخلصون بينة الله عز وجل من ~~عباده على عدوه ، وهم أهل الآخرة في الدنيا ، وكان ابن السماك يقول : ~~الزاهد قد خرجت الأفراح والأحزان من قلبه ، فهو لا يفرح بشيء من الدنيا ~~أتاه ولا يحزن على شيء منها ، فإنه لا يبالي على عسر أصبح أم على يسر . ~~وقال أبو سعيد بن الأعرابي ms0604 عن أشياخه الصوفية : إنما الزهد عندهم خروج قدر ~~الدنيا من القلب إذ هي لا شيء ولا يكون في نفسه زاهدا لأنه لم يترك شيئا إذ ~~كانت لا شيء ، وهذا لعمري هو الزهد في الزهد لأنه زهد ، ثم لم ينظر إلى ~~زهده فزهده إذ لم ير شيئا لأنه زهد في لا شيء وهذا يشبه ما نقول : إن حقيقة ~~الزهد هو الزهد في النفس لأنه قد يزهد في الدنيا لنفسه طلبا للعوض فيكون ~~ذلك رغبة على صفة ، فإذا زهد في النفس التي يريد لها الأعواض على الزهد فهو ~~حقيقة الزهد وهذا يشبه قول من قال : إن حقيقة الزهد في الفناء هو الزهد في ~~البقاء لأن العبد ربما زهد في الفناء فلم يزهد في البقاء فيكون فيه بقية من ~~الرغبة فإذا زهد في البقاء فهو حقيقة الزهد في الفناء إذ كان الفناء يراد ~~للبقاء . # | فصل آخر # PageV01P444 إن الرغبة في الهوى حقيقة الدنيا وإن كان العبد زاهدا في ~~المال من قبل أنه يعطي الزهد في شيء دون شيء ، كما يزهد في الثناء ولا يزهد ~~في المال ، ولا يعطي الزهد في الأطعمة وقد يعطى الزهد في المال ، ولايعطى ~~الزهد في منصبه لغلبة الهوى ، فإذا أعطي الزهد في الهوى كائنا ما فقد أعطي ~~حقيقة الزهد في الدنيا ، وهذا هو الزهد في النفس ، لأن النفس عين الرغبة ~~والهوى روح النفس ، فاعرف هذا ، وكان يونس بن ميسرة الجيلاني يقول : ليس ~~الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا ~~أن تكون بما في يد الله تعالى أوثق منك بما في يديك ، وأن يكون حالك في ~~المصيبة وحالك إذا لم تصب بها سواء ، وأن يكون ذامك ومادحك في الحق سواء ، ~~وقال سلام ابن أبي مطيع رحمهما الله : الزهد على ثلاثة أوجه ، واحد أن تخلص ~~العمل لله عز وجل والقول فلا يراد بشيء منه الدنيا ، والثاني ترك ما لا ~~يصلح والعمل بما يصلح ، والثالث الحلال أن يزهد فيه وهو تطوع . وكان إمامنا ~~في هذا العلم إبراهيم بن ms0605 أدهم رحمه الله يقول : الزهد ثلاثة أصناف : زهد ~~فرض ، وزهد فضل ، وزهد سلامة ، فالزهد الفرض في الحرام ، والزهد الفضل ~~والسلامة الزهد في الشبهات ، وأما أيوب السختياني رحمه الله فكان يقول : ~~الزهد أن يقعد أحدكم في منزله فإن كان قعوده لله تعالى رضا وإلا خرج ، وإن ~~يخرج فإن كان خروجه لله تعالى رضا وإلا رجع ، فإن كان رجوعه لله تعالى رضا ~~وإلا ساح ويخرج درهمه ، فإن كان إخراجه لله رضا وإلا حبسه ويحبسه ، فإن كان ~~حبسه لله تعالى رضا وإلا رمى به ويتكلم ، فإن كان كلامه لله تعالى رضا وإلا ~~سكت ، فإن كان سكوته لله تعالى رضا وإلا تكلم فقيل : هذا صعب فقال : هذا ~~الطريق إلى الله عز وجل وإلا فلا تلعبوا فقد ذهب إلى أن الزهد هو المراقبة ~~، والمراقبة هي الإخلاص ، وسئل حاتم الأصم صاحب شقيق البلخي رحمهما الله ~~تعالى عن الزهد فقال : أوله الثقة وأوسطه الصبر وآخره الإخلاص ، فإذا كان ~~الإخلاص عندهم هو آخر الزهد فكيف يصح لعبد آخر الزهد قبل أوله أم كيف يجاوز ~~الإخلاص إلى مقامات المعرفة فقد صار آخر الزهد عندهم أول المعرفة وذهبت ~~طائفة إلى أن الزهد في الدنيا فريضة على المؤمنين لأن حقيقة الإخلاص هو ~~الزهد عندهم فأوجبوه من حيث أوجبوا على المؤمنين الإخلاص ومال إلى هذا ~~القول عبد الرحيم بن يحيى الأسود . وقد روينا معناه عن الإمام أحمد بن حنبل ~~رحمه الله قيل لأحمد : بأي شيء ذكر القوم وصاروا أئمة فقال : بالصدق ، ~~قالوا : وما الصدق ؟ قال : الإخلاص ، قيل : وما الإخلاص ؟ قال : هو الزهد ~~قيل : وما الزهد يا أبا عبد الله فأطرق ثم قال : سلوا الزهاد PageV01P445 ~~سلوا بشر بن الحارث ، وقال قوم الزهد في الدنيا طلب الحلال وإنه واجب مفترض ~~في مثل زماننا هذا لاختلاط الأشياء وغلبة الشبهات قالوا : فقد تعين فرض ~~الزهد وهذا مذهب إبراهيم ابن أدهم ووهيب بن الورد وسليمان الخواص وجماعة من ~~أهل الشام ، وقد كان سهل يقول : أزهد الناس في الدنيا أصفاهم مطعما ، وقال ~~أقصى مقام في الورع أدنى مقام ms0606 من الزهد . وقد روينا عن يوسف بن أسباط ووكيع ~~رحمهما الله قالا : لو زهد عبد في زماننا هذا حتى يكون كأبي ذر وأبي ~~الدرداء ما سميناه زاهدا لأن الزهد عندنا إنما هو في الحلال المحض ، ولا ~~نعرف الحلال المحض اليوم ، وكذلك كان الحسن البصري رحمه الله إمام الأئمة ~~يقول لا شيء أفضل من رفض الدنيا ، وقال الفضيل بن ثور قلت للحسن : يا أبا ~~سعيد رجلان يطلب أحدهما الدنيا بحلالها فأصابها فوصل بها رحمه وقدم منها ~~لنفسه ورجل رفض الدنيا ، قال : أحبهما إلي الذي رفض الدنيا قلت : يا أبا ~~سعيد هذا طلبها بحلالها فأصابها فوصل بها رحمه وقدم منها لنفسه قال : ~~أحبهما إلي الذي جانب الدنيا وإنما شرف الحسن الذي رفض الدنيا لأن مقام ~~الزهد يجمع التوكل والرضا ألا تسمع إلى الخبر الذي جاء : الزهد أن تكون بما ~~في يد الله أوثق منك بما في يدك فهذا هو التوكل ، ثم قال : وأن تكون بثواب ~~المصيبة أفرح منك ولو أنها بقيت لك وهذا هو الرضا ، ثم إن المعرفة والمحبة ~~بعد الزهد داخلان عليه فأي مقام أعلى من مقام جمع هذه الأربعة وهي غاية ~~الطالبين ، ولعمري أنه هكذا لأنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما حديث فيه ~~شدة قال : يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها ~~بادية مشوه خلقها فتشرف على الخلائق فيقال : أتعرفون هذه ؟ فيقولون : نعوذ ~~بالله تعالى من معرفة هذه ، فيقال : هذه الدنيا التي تفاخرتم عليها بها ~~تقاطعتم الأرحام وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم ، ثم تقذف في جهنم فتنادي ~~أي رب أتباعي وأشياعي فيقول الله : ألحقوا بها أتباعها وأشياعها . وقد ~~روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا أشد من هذا حدثنا عن عبد ~~الواحد بن زيد عن الحسن عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ليجيئن أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة فيؤمر بهم إلى ~~النار قالوا : يا رسول الله مصلين قال : نعم ، كانوا يصلون ويصومون ويأخذون ~~هنة من الليل ms0607 فإذا عرض لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه ، وكذلك كان الحرث بن ~~أسد المحاسبي رحمه الله يقول : إنما الزهد إسقاط قيمة الدنيا من القلب وأن ~~لا يكون لشيء عاجل في القلب وزن ، فإذا سقطت قيم الأشياء واستوت في القلب ~~فهو الزهد ، PageV01P446 فأما أبو يزيد البسطامي رحمه الله فإنه كان يقول ~~ليس الزاهد من لا يملك شيئا إنما الزاهد من لا يملكه شيء وقال عالم مثله في ~~معناه : الزاهد من لا يتملك الأشياء ولم يسكن إليها ، وكان يقول : الزاهد ~~قوته ما وجد وثوبه ما ستر وبيته ما أواه وحاله وقته . وقال بعض العارفين : ~~الزهد إنما هو ترك التدبير والاختيار والرضا والتسليم لاختياره شدة كان أو ~~رخاء ، وهذا طريق الخواص والثوري وذي النون رحمهم الله تعالى ، وقال أبو ~~يزيد رحمه الله مرة : إنما الزاهد من لا يملك شيئا ولا يملكه شيء ، وقال : ~~حقيقة الزهد لا يكون إلا عند ظهور القدرة والعاجز لا يصح زهده هو أن يعطيه ~~كن ويطلبه على الاسم ويقدره على الأشياء بإظهار الكون فيزهد في ذلك حياء من ~~الله تعالى ويتركه حبا له ، وكان يستعيذ بالله من أربعة وعشرين مقاما من ~~إظهار القدرة وقال لأبي موسى عبد الرحيم في أي شيء تتكلم ؟ قلت : في الزهد ~~قال : في أي شيء قلت : في الدنيا قال : فنفض يده وقال : ظننت أنه يتكلم في ~~الزهد في شيء الدنيا لا شيء أيش تزهد فيه ، وذهب إلى هذا المعنى سهل وغيره ~~، وقال سبعة عشر مقاما في المعرفة أدناها المشي على الماء وفي الهواء وظهور ~~كنوز الأرض وهذا كله من زخرف الدنيا . وقد حكي لنا معنى هذا عن الجنيد قال ~~: اجتمع أربعة من الأبدال في جامع المنصور ليلة العيد فلما أسحروا قال ~~أحدهم : أما أنا فقد نويت أن أصلي العيد في بيت المقدس ، وقال الآخر : أما ~~أنا فقد نويت أن أصلي العيد بطرسوس ، وقال الثالث : أما أنا فقد نويت أن ~~أصلي العيد بمكة ، وسكت الرابع وكان أعرفهم فقيل له : أنت أي شيء نويت فقال ~~: أما أنا ms0608 فقد نويت اليوم ترك الشهوات لا أصلي إلا في هذا المسجد الذي بت ~~فيه فقالوا : أنت أعلمنا فقعدوا عنده فصار عند هؤلاء كما ذكرناه آنفا أن ~~هذه الآيات هي من الشهوات إذ ليست حاجات مقامات والشهوة من الدنيا لأنها من ~~الهوى وأيضا ففيها تدبير واختيار ، وعند الزهاد العارفين والمحبين أن هذا ~~مكر وخداع يبتلون به ويقتطعون لينظر كيف يعملون إذا ابتلاء كل عبد على قدر ~~مرتبته وحاله فيلزمه الزهد فيه ويقال : هي في المقام السابع عشر من المعرفة ~~فمن سلك به الطريق رآها فيه وفوقها نيف وسبعون مقاما أفضل من ذلك . وقد سئل ~~الجنيد عن الزهد فقال معنيان : ظاهر وباطن ، فالظاهر بغض ما في الأيدي من ~~الأملاك وترك طلب المفقود ، والباطن زوال الرغبة عن القلب ووجود العزوف ~~والانصراف عن ذكر ذلك ، فإذا تحقق بذلك رزقه الله تعالى الإشراف على الآخرة ~~والنظر إليها بقلبه ، فحينئذ يحد في العلم بتقصير الأمل وتقريب الأجل لأن ~~الأسباب عن قلبه منقطعة والقلب منفرد الآخرة ، وحقيقة الزهد قد خلصت إلى ~~قلبه فامتلأ من الذكر الخالص لربه سبحانه وتعالى ، فالزهد عن حقيقة الإيمان ~~والمشاهدة للآخرة تكون بعد الزهد واستواء الأشياء ، PageV01P447 فيكون ~~عدمها كوجودها بعد المشاهدة لاستواء القلب ومعه يستوي المدح والذم لسقوط ~~النفس وذهاب رؤية الخلق فعندها خلص الإخلاص إلى قلبه لصفاء الزهد وثبت ~~الزهد لسقوط النفس دليل ذلك : الخبر الذي رويناه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لرجل : هل استويت ؟ قال : وكيف أستوي ؟ قال : يستوي عندك المدح ~~والذم ؟ وقول حارثة لما سأله عن حقيقة الإيمان : عزفت نفسي عن الدنيا ~~فابتدأ بالزهد ثم ذكر الاستواء لحجرها وذهبها ثم ذكر المشاهدة بعد ذلك ~~الحديث ، وهذه كلها مقامات في الزهد وكل من جعل شيئا الدنيا مبلغ علمه وعلو ~~مشاهدته جعل الزهد ضده . وقد نوع أهل المعرفة الإيمان في القلب على مقامين ~~فجعل لهما زهدين فقال : إذا تعلق الإيمان بطاهر القلب أحب العبد الدنيا ~~وأحب الآخرة وعمل لهما ، فإذا بطن الإيمان في سويداء القلب وباشره أبغض ~~الدنيا فلم ينظر ms0609 إليها ولم يعمل لها ، وقد كان أبو سليمان يقول : من شغل ~~بنفسه شغل عن الناس ؛ وهذا مقام العاملين ، ومن شغل بربه سبحانه وتعالى شغل ~~عن نفسه ؛ وهذا مقام العارفين ، ولهذين المقامين دليل من السنة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم سئل : أي الناس خير ؟ فقال : من يشنأ الدنيا ويحب ~~الآخرة فأوقع الشنآن للدنيا لوقوع ضده من حب الآخرة والمقام الأعلى دليله ~~من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله تعالى أمر آخرته ودنياه والهم الواحد ~~بوجد واحد لرب واحد هو وصف عبد متوحد لواحد مقاله إلى واحد ، وقد وهب له ~~خلقا من أخلاقه فهو الأحد بوحدانية صفته ، وعبد متوحد بوجده بين خلقه ، فهو ~~منفرد الهم مجتمع القلب وانفراد الهم يكون بعد محو الهوى ومحوه بعد امتحان ~~القلب للتقوى ، واجتماع القلب يكون مع طيب النفس وطمأنينتها بالإيمان أو ~~فلاحها بالتزكية والرضا ، ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : طيب النفس من ~~النعيم ، وقال الله تعالى : ( قد أفلح من زكاها ) الشمس : 9 وقال تعالى : ( ~~راضية مرضية ) الفجر : 28 فيكون متوحدا بالروح مخلقة بأخلاق الإيمان مواطئة ~~للقلب بمشاهدة اليقين ، وقال وهب بن منبه : وجدت فيما أنزل الله تعالى على ~~موسى عليه السلام : من أحب الدنيا أبغضه الله تعالى ، ومن أبغضها أحبه الله ~~تعالى ، ومن أكرم الدنيا أهانه الله تعالى ، ومن أهانها أكرمه الله تعالى ، ~~وأما علماء الظاهر فقالوا : الزهد في الدنيا هو موافقة العلم والقيام ~~بأحكام الشرع وأخذ الشيء من وجهه ووضعه في حقه ، وما خالف العلم فهو هوى ~~كله فذكروا فرض الزهد وظاهره ولم يعرفوا دقائقه وبواطنه . وقد روينا عن ~~سفيان بن عيينة والثوري معنى هذا أنهما سئلا : أيكون الرجل زاهدا وله مال ؟ ~~قالا : نعم إذا كان إذا ابتلى فصبر ، وإذا أنعم عليه شكر ، قال ابن أبي ~~الحواري PageV01P448 فقلت له : يا أبا محمد يعني ابن عيينة قد أنعم عليه ~~فشكر وابتلى فصبر وحبس النعمة كيف يكون زاهدا ؟ فضربني بيده وقال : اسكت ، ~~من لم تمنعه النعماء من الشكر ولا البلوى عن الصبر فذلك الزاهد ms0610 ، ووافقهما ~~الزهري فقال كذلك ، وقد فصل ذلك أبو سليمان فقال ابن أبي الحواري : قلت له ~~: أكان داود الطائي رحمه الله تعالى زاهدا ؟ قال : نعم ، قلت : بلغني أنه ~~ورث من أبيه عشرين دينارا فأنفقها في عشرين سنة فكيف يكون زاهدا وهو يمسك ~~الدنانير ؟ فقال : أردت منه أن يبلغ حقيقة الزهد ولعمري أنا روينا عن رسول ~~صلى الله عليه وسلم نعما بالمال الصالح للمرء الصالح والمال الصالح هو ~~الحلال والمرء الصالح المنفق ماله بالليل والنهار سرا وعلانية في سبيل الله ~~ابتغاء مرضاته كما وصفه الله تعالى ومدحه . وقد روينا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : أن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي ~~الدين إلا من يحب والذي يحبه الله تعالى ممن أعطاه الدنيا لا يخالف حبيبه ~~إلى هواه ولا يؤثر نفسه على محبة مولاه تبارك وتعالى إذ قد تولاه فيما ~~أعطاه . وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الطاعم الشاكر بمنزلة ~~الصائم الصابر والطاعم الشاكر هو الذي يستعين بطعمته على خدمة مولاه ويعبده ~~شكرا لما أولاه ، وقد قالوا في الزهد وصفان جامعان لأحوال القلوب ، قال ~~مضاء بن عيسى : قلت للسباع الموصلي : يا أبا محمد إلى أي شيء أفضى بهم ~~الزهد ؟ قال : إلى الأنس بالله تعالى ، وقال عثمان بن عمارة : كان يقال : ~~الورع يبلغ بالعبد إلى الزهد والزهد يبلغ به حب الله تعالى ؛ فهذان الحالان ~~غاية الطالبين الحب للجليل والأنس باللطيف ، فمن لم يتحقق بالزهد لم يبلغ ~~مقام الحب ولم يدرك حال الأنس ثم إن سرائر الغيوب في مقام الحب والخلة ، ~~وفي حال الأنس والقربة وفقنا الله وإياكم لما يحب وبلغنا ما نؤمل بفضله ~~ورحمته ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم وهذا آخر كتاب الزهد . تم ~~الجزء الأول من قوت القلوب ويليه الجزء الثاني أوله شرح مقام التوكل ووصف ~~أحوال المتوكلين . / / بسم الله الرحمن الرحيم شرح مقام التوكل ووصف أحوال ~~المتوكلين | انتهى المجلد الأول PageV01P449 # | شرح مقام التوكل ووصف أحوال المتوكلين وهو المقام السابع من ms0611 مقامات ~~اليقين # التوكل من أعلى مقامات اليقين وأشرف أحوال المقربين قال الله الحق المبين ~~: ( إن الله يحب المتوكلين ) آل عمران 159 فجعل المتوكل حبيبه وألقى عليه ~~محبته وقال الله عز وجل : ( وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) إبراهيم 12 يرفع ~~المتوكلين إليه وجعل مزيدهم منه ، وقال جلت قدرته : ( ومن يتوكل على الله ~~فهو حسبه ) الطلاق : 3 أي كافيه مما سواه فمن كان الله تعالى كافيه فهو ~~شافيه ومعافيه ولا يسأل عما هو فيه ، فقد صار المتوكل على الله تعالى من ~~عباد الرحمن الذين أضافهم إلى وصف الرحمة ، ومن عباد التخصيص الذين ضمن لهم ~~الكفاية ، وهم الذين وصفهم في الكتاب بقوله سبحانه : ( وعباد الرحمن الذين ~~يمشون على الأرض هونا ) الفرقان : 63 إلى آخر أوصافهم ، وهم الذين كفاهم في ~~هذه الدار المهمات ووقاهم بتفويضهم إليه السيئات بقوله تعالى : ( أليس الله ~~بكاف عبده ) الزمر : 36 وقوله تعالى : ( وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير ~~بالعباد ) ( فوقاه الله سيئات ما مكروا ) غافر : 44 - 45 وليس هؤلاء من ~~عباد العدد فقط الذين قال الله عز وجل : ( إن كل من في السموات والأرض إلا ~~آتي الرحمن عبدا ) ( لقد أحصاهم وعدهم عدا ) مريم 93 - 94 . وقال بعض ~~الصحابة وغيره من التابعين : التوكل نظام التوحيد وجماع الأمر ، وحدثونا عن ~~بعض السلف قال : رأيت بعض العباد من أهل البصرة في المنام فقلت : ما فعل ~~الله بك ؟ قال : غفر لي وأدخلني الجنة ، قلت : فأي الأعمال وجدت هناك أفضل ~~؟ قال : التوكل وقصر الأمل فعليك بهما وقال أبو الدرداء : ذروة الإيمان ~~والإخلاص والتوكل والاستسلام للرب عز وجل ، وكان أبو محمد سهل رحمه الله ~~يقول : ليس في المقامات أعز من التوكل وقد ذهب الأنبياء بحقيقته وبقي منه ~~صبابة انتشقها الصديقون والشهداء فمن تعلق بشيء منه فهو صديق أو شهيد . ~~PageV02P003 وقال بعض العارفين وهو أبو سليمان الداراني : في كل المقامات ~~لي قدم إلا هذا التوكل المبارك فما لي منه إلا مشام الريح ، وقال لقمان في ~~وصيته لابنه : ومن الإيمان بالله عز وجل التوكل على الله ، فإن ms0612 التوكل على ~~الله يحبب العبد ، وإن التفويض إلى الله من هدي الله ، وبهدي الله يوافق ~~العبد رضوان ا ، وبموافقة رضوان الله يستوجب العبد كرامة الله ، وقال لقمان ~~أيضا : ومن يتوكل على الله ، ويسلم لقضاء الله ، ويفوض إلى الله ، ويرضى ~~بقدر الله ، فقد أقام الدين وفرغ يديه ورجليه لكسب الخير وأقام الأخلاق ~~الصالحة التي تصلح للعبد أمره . وقال بعض علماء الأبدال ، وهو أبو محمد سهل ~~: العلم كله باب من التعبد ، والتعبد كله باب من الورع ، والورع كله باب من ~~الزهد ، والزهد كله باب من التوكل ، قال : فليس للتوكل حد ولا غاية تنتهي ~~إليه ، وقال أيضا في قول الله عز وجل : ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) هود : 7 ~~، قال أصدق توكلا ، وقال : التقوى واليقين مثل كفتي الميزان والتوكل لسانه ~~، به تعرف الزيادة والنقصان ، وسئل عن قول الله عز وجل : ( فاتقوا الله ما ~~استطعتم ) التغابن : 16 قال : بإظهار الفقر والفاقة إليه ، وسئل عن قوله ~~تعالى : ( اتقوا الله حق تقاته ) آل عمران 102 فقال : اعبدوه بالتوكل ، ~~وقال أبو يعقوب السوسي : لا تطعنوا على أهل التوكل فإنهم خاصة الله الذين ~~خصوا بالخصوصية فسكنوا إلى الله ، واكتفوا به ، واستراحوا من هموم الدنيا ~~والآخرة ، وقال : من طعن في التوكل ، فقد طعن في الإيمان لأنه مقرون به ، ~~ومن أحب أهل التوكل فقد أحب الله تعالى ، فأول التوكل المعرفة بالوكيل وأنه ~~عزيز حكيم ، يعطي لعزه ، ويمنع لحكمه ، فيعتز العبد بعزه ويرضى بحكمه ، ~~وكذلك أخبر عن نفسه ونبه المتوكلين عليه فقال سبحانه : ( ومن يتوكل على ~~الله فإن الله عزيز حكيم ) الأنفال : 49 عز من أعز بعطيته ونظر لمن منعه ~~بحكمته ، فإذا شهد العبد الذليل الملك الجليل قائما بالقسط والتدبير ~~والتقدير ، عنده خزائن كل شيء ، وكل شيء عنده بمقدار لاينزله إلا بقدر ~~معلوم ، وشهد الوكيل قابضا على نواصي المماليك له خزائن السموات من الأحكام ~~والأقدار الغائبات ، وله خزائن الأرض من الأيدي والقلوب والأسباب المشاهدات ~~، فخزائن السموات ماقسمه من الرزق ، وخزائن الأرض ما جعله على أيدي الخلق ، ~~وفي السماء رزقكم وما توعدون ، وفي ms0613 الأرض آيات للموقنين ، ولكن المنافقين ~~لا يفقهون فأيقن العبد أن في يده ملكوت كل شيء وأنه يملك السمع والأبصار ~~ويقلب القلوب والأيدي تقليب الليل والنهار ، وأنه حسن التدبير والأحكام ~~للموقنين ، وأنه أحكم الحاكمين وخير الرازقين ، ومن أحسن من الله حكما لقوم ~~يوقنون ، ثم استوى على العرش يدبر الأمر ، ما من شفيع إلا من بعد إذنه ، ~~عندها نظر العبد الذليل إلى سيده العزيز ، فقوي بنظره إليه ، وعز بقوته به ~~، واستغنى بقربه منه ، وشرف بحضوره عنده . PageV02P004 وكذلك جاء في الخبر ~~: كفى باليقين غنى ، حينئذ نظر إليه في كل شيء ، ووثق به ، واعتمد عليه دون ~~كل شيء ، وقنع منه بأدنى شيء ، وصبر عليه ، ورضي عنه ، إذ لا بد له منه ، ~~فثم لا يطمع في سواه ، ولا يرجو إلا إياه ، ولا يشهد في العطاء إلا يده ، ~~ولا يرى في المنع إلا حكمته ، ولا يعاين في القبض والبسط إلا قدرته ، هناك ~~حقت عبادته وخلص توحيده فعرف الخلق من معرفة خالقه ، وطلب الرزق عند معبوده ~~ورازقه ، وقام بشهادة ما قال تعالى : ( إن الذين تدعون من دون الله عباد ~~أمثالكم ) الأعراف : 194 قال : ( إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون ~~لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ) العنكبوت : 17 . فعندها لم يحمد ~~خلقا ولم يذمه ولم يمدحه لأجل أنه منعه أو أنه أعطاه إن كان الله هو الأول ~~المعطي ، ولم يشكره إلا لأن مولاه مدحه وأمره بالشكر له تخلقا بأخلاقه ، ~~واتباعا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن ذمه أو مقته فلأجل مخالفته ~~لمولاه بموافقته هواه ، لأنه تعالى قد مدح المنفقين وذم الباخلين ، والفرق ~~بين الحمد والشكر : أن الحمد مفرد لا ينبغي إلا وهو الاعتراف بأن النعمة من ~~الله عز وجل ، وحسن المعاملة بها لوجه الله لاشريك له فيه ، ولذلك قال : ~~الحمد لله رب العالمين ، أي الحمد كله لا يكون ولا ينبغي إلا ، لأنه رب ~~العالمين ، وفي الخبر : الحمد رداء الرحمن عز وجل ، والشكر إظهار الثناء ، ~~وأسرار الدعاء للأواسط ، فهذا مشترك يدخل فيه الوالدان ، وهو أيضا ms0614 مخصوص ~~لمن هو أهل أن يشكر من الناس ، حدثونا عن يوسف بن أسباط قال : قال لي ~~الثوري : لا تشكر إلا من عرف موضع الشكر ، قلت : وكيف ذاك ؟ قال : إذا ~~أوليتك معروفا ، فكنت به أسر منك ، وكنت منك أشد استحياء فاشكر وإلا فلا ، ~~وسأل إبراهيم رجلا من أصحابه درهمين فلم يكن معه ، فأخرج فتى في مجلسه كيسا ~~فيه مائتا درهم ، فعرضه عليه فلم يقبله وقال : أو كل من بذل لنا شيئا ~~قبلناه منه ؟ لا نقبل إلا ممن نرى نعمة الله عليه فيما أعطى أعظم من نعمته ~~علينا فيما نأخذ ، وحدثونا عن الحسن في قصة طويلة أن رجلا بذل له جملة من ~~المال فرده ، فلما انصرف قال له هاشم الأوقص : عجبت منك يا أبا سعيد رددت ~~على الرجل كرامته ، فانصرف حزينا ، وأنت تأخذ من مالك بن دينار ومحمد بن ~~واسع الشيء بعد الشيء ، فقال له الحسن : ويحك إن مالكا وابن واسع ينظران ~~إلى الله فيما نأخذ منهما ، فعلينا أن نقبل ، PageV02P005 وإن هذا المسكين ~~ينظر إلينا فيما يعطي ، فرددنا عليه صلته ، وعندها لاتذم أحدا ولا تبغضه ~~لأجل أنه كان سببا لمنعه إذ كان الله هو المانع الأول ، وإذ له في المنع من ~~الحكمة مثل ما له من العطاء من النعمة ، ولكن نذمه وننقصه ونبغضه إن كان ~~استوجب ذلك من مولاه ، فيكون موافقا له ، والله تعالى يشهد يده في العطاء ، ~~ويمدح المنفقين نهاية في كرمه ، ويشهد في المنع والمكروه مشيئته ، ويذم ~~الباخلين والعاصين قدرة من حكمته وحكما من تقديره لإظهار الأحكام وتفصيل ~~الحلال والحرام وعود الثواب والعقاب على الأنام ، فقد أظهر الأمر واستأثر ~~بسر القدر فعمل المؤمن بما أمر وسلم له ما استأثر . وروى بعض العلماء عن ~~الله تعالى : لو أن ابن آدم لم يخف غيري ماأخفته من غيري ، ولو أن ابن آدم ~~لم يرج غيري ما وكلته إلى غيري ، وروى أعظم من هذا قال : وضع العبد في قبره ~~مثل له كل شيء كان يخافه من دون الله عز وجل يفزعه في قبره إلى ms0615 يوم القيامة ~~، وقال الفضيل بن عياض : من خاف الله خاف منه كل شيء ، ويقال : إن الخوف من ~~المخلوقات عقوبة نقصان الخوف من الخالق ، وإن ذلك من قلة الفقه عن الله ~~تعالى وقد قال الله أحسن القائلين في معناه : ( لأنتم أشد رهبة في صدورهم ~~من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ) الحشر : 13 فكان العبد إذا تم خوفه من ~~الله تعالى ، أزال ذلك الخوف خوف المخلوقين عن قلبه ، وحول ذلك في قلوب ~~المخلوقات فصارت هي تخافه إن لم يخفها هو ، كما إذا كملت مشاهدة العبد وقام ~~بشهادته وغيبت تلك المشاهدة وجود الكون مع الله عز وجل فلم يرها ، وقام له ~~القيوم بنصيبه من الملك لما تفرغ قلبه لمعاينة الملك ، وقال سنيد عن يحيى ~~بن أبي كثير : مكتوب في التوراة ملعون من ثقته مخلوق مثله ، وقال سنيد : ~~يعني أن يقول : لولا فلان هلكت ، ولولا كذا ما كان كذا ، ويقال : إن قول ~~العبد لولا كذا ماكان كذا من الشرك ، وقال في الخبر : إياكم ولو فإنه يفتح ~~عمل الشيطان . وقال بعض العلماء : سوف جند من جنود إبليس ، وقد جاء في ~~تفسير قوله تعالى : ( فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) العنكبوت : 65 ~~قالوا : كان الملاح فارها ، ومثله في قوله تعالى : ( وما يؤمن أكثرهم بالله ~~إلا وهم مشركون ) يوسف 106 ، قيل قالوا : لولا نباح الكلاب وزقاء الديكة ~~لأخذنا السرق ، وروينا عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ~~من اعتز بالعبيد أذله الله ، وقد جاء في الخبر : لو توكلتم على الله حق ~~توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ، ولزالت بدعائكم ~~الجبال ، وقد كان عيسى عليه السلام يقول : انظروا إلى الطير لا تزرع ولا ~~تحصد ولا تدخر والله يرزقها يوما بيوم ، فإن PageV02P006 قلتم نحن أكبر ~~بطونا من الطير فانظروا إلى الأنعام كيف قيض الله لها هذا الخلق ، ويقال : ~~لا يدخر من الدواب إلا ثلاثة : النملة والفأرة وابن آدم ، وقال أبو يعقوب ~~السوسي : المتوكلون على الله تجري أرزاقهم بعلم الله واختياره ms0616 على يد خصوص ~~عباده بلا شغل ولا تعب ، وغيرهم مكدودون مشغولون ، وقال أيضا : المتوكل إذا ~~رأى السبب أو ذم أو مدح فهو مدع لا يصح له التوكل ، وأول التوكل ترك ~~الاختيار والمتوكل على صحة قد رفع أذاه عن الخلق ، لا يشكو ما به إليهم ، ~~ولا يذم أحدا منهم لأنه يرى المنع والعطاء من واحد ، فقد شغله عما سواه ، ~~وقيل لسهل : ما أدنى التوكل ؟ قال : ترك الأماني ، وأوسطه ترك الاختيار ، ~~قيل : فما أعلاه ؟ قال : لا يعرفه إلا من توسط التوكل وترك الاختيار ، أعطى ~~فذكر كلاما طويلا . وقال بعض هذه الطائفة : العبيد كلهم يأكلون أرزاقهم من ~~المولى ، ثم يفترقون في المشاهدات ، فمنهم من يأكل رزقه بذل ، ومنهم من ~~يأكل رزقه بامتهان ، ومنهم من يأكل رزقه بانتظار ، ومنهم من يأكل رزقه بعز ~~لا مهنة ولا انتظار ولا ذلة ، فأما الذي يأكلون أرزاقهم بذل ، فالسؤال ~~يشهدون أيد الخلق فيذلون لهم ، والذين يأكلون بامتهان ، فالصناع يأكل أحدهم ~~رزقه بمهنة وكره ، والذين يأكلون أرزاقهم بانتظار ، فالتجار ينتظر أحدهم ~~نفاق سلعته فهو متعوب القلب معذب بانتظاره ، والذين يأكلون أرزاقهم بعز من ~~غير مهنة ولا انتظار ولا ذل فالصوفية ، يشهدون العزيز فيأخذون قسمهم من يده ~~بعزة ، فأما الذين يأكلون من أرباب السلاطين فباعوا أرواحهم فتلك قسمة ~~خاسرة وقعوا في الذل الواضح . وسئل بعض العلماء عن معنى الخبر المأثور : ~~الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله فقال : هذا مخصوص وعيال ~~الله خاصته ، قيل : كيف ؟ قال : لأن الناس أربعة أقسام : تجار وتجارة وصناع ~~وزراعة ، فمن لم يكن منهم فهو من عيال الله ، فأحب الخلق إلى الله أنفعهم ~~لهؤلاء ، وهذا كما قال : لأن الله سبحانه وتعالى أوجب الحقوق وفرض الزكاة ~~في الأموال لهؤلاء لأنه جعل من عياله من لا تجارة له ولا صنعة فجعل معاشهم ~~على التجار والصناع ، ألا ترى أن الزكاة لا تجوز على تاجر ولا صانع لقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب ، فأقام ~~الاكتساب مقام الغني . وقال الله تعالى : ( وجعلنا ms0617 لكم فيها معايش ومن لستم ~~له برازقين ) الحجر 20 فكان من تدبر الخطاب أن من ليسوا له برازقين هو من ~~ليس له فيها معيشة في الأرض ، وقال عامر بن عبد الله : قرأت ثلاث آيات من ~~كتاب الله عز وجل استعنت بهن على ما أنا فيه فاستعنت قوله تعالى : ( وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد PageV02P007 ~~لفضله ) يونس : 107 فقلت : إن أراد أن يضرني لم يقدر أحد أن ينفعني ، وإن ~~أعطاني لم يقدر أحد أن يمنعني ، وقوله : ( فاذكروني أذكركم ) البقرة : 152 ~~فاشتغلت بذكره عن ذكر من سواه ، وقوله تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا ~~على الله رزقها ) هود : 6 ، فوالله ما اهتممت برزقي منذ قرأتها فاسترحت ، ~~وقد كان سهل بن عبد الله يقول : المتوكل إذا رأى السبب فهو مدع ، وقال : ~~ليس مع الإيمان أسباب ، إنما الأسباب في الإسلام ؛ معناه ليس في حقيقة ~~الإيمان رؤية الأسباب والسكون إليها ، إنما رؤيتها والطمع في الخلق يوجد في ~~مقام الإسلام . ومن ذلك ما قال لقمان لابنه : للإيمان أربعة أركان : لا ~~يصلح إلا بهن كما لا يصلح الجسد إلا باليدين والرجلين : التوكل على الله ، ~~والتسليم لقضائه ، والتفويض إلى الله ، والرضا بقدر الله ، فحال المتوكل ~~سكون القلب عن الاستشراف إلى العبيد والتطلع وقطع الهم عن الفكرة فيما ~~بأيديهم من التطمع ، عاكف القلب علي المقلب المدبر ، مشغول الفكر بقدرة ~~المصرف المقدر ، لا يحمله عدم الأسباب على ماحظره العلم عليه وذمه ، ولا ~~يمنعه أن يقول الحق وأن يعمل به أو يوالي في الله ويعادي فيه جريان الأسباب ~~على أيدي الخلق ، فيترك الحق حياء منهم أو طمعا فيهم أو خشية قطع المنافع ~~المعتادة ، ولا تدخله نوازل الحاجات وطوارق الفاقات في الانحطاط في أهواء ~~الناس والميل إلى الباطل أو الصمت عن حق لزمه ، أو يوالي في الله عدوا أو ~~يعادي وليا ، ليرب بذلك حاله عندهم ، أو يشكر بذلك ما أسدوه إليه بالكف ~~عنهم ، ولا يرب الصنعة التي قد عرف بها لنظره إلى الصانع ms0618 ، ولا يتصنع ~~لمصنوع دخله لعلمه بسبق الصنع لدوام مشاهدته ، ولا يسكن إلى عادة من خلق ، ~~ولا يثق بمعتاد من مخلوق ؛ إذ قد أيقن برزقه ونفعه وضره من واحد ، فهذه ~~المعاني من فرض التوكل ، فإن وجدت في عبد خرج بها عن حد التوكل دون فضائله ~~وتدخله في ضعف اليقين ، وقد كان الأقوياء إذا دخل عليهم شيء من هذه الأهواء ~~المفسدة لتوكلهم ، قطعوا تلك الاسباب ، وحسموا أصولها واعتقدوا تركها ، ~~وعملوا في مفارقة الأمصار والتغرب عن الأوطان وترك الآلاف والإيلاف ، ~~فأخرجوا ذلك من حيث دخل عليهم ، ووضعوا عليه دواءه وضده من حيث تطرق إليهم ~~، حتى ربما فارقوا ظاهر العلم وخالفوا علم أهل الظاهر إلى علوم الباطن وحكم ~~مشاهدتهم وقيامهم بحق أحوالهم ، إذ ليس أهل الظاهر حجة عليهم في شيء إلا ~~وهم عليه حجة في مثله ، لأن الإيمان ظاهر وباطن ، والعلم محكم ومتشابه ، ~~ولأن أهل الحق أقرب إلى التوفيق وأوفق لإصابة الحقيقة ، كل ذلك رعاية لصحة ~~توكلهم ووفاء بحسن عهدهم وعملا بأحكام حالهم لئلا تسكن قلوبهم لغير الله ، ~~ولا تقف هممهم مع سوى الله ، ولا تطمئن نفوسهم إلى غيره ، ولا يتخذوا سكنا ~~سواه ، ولا يسكنوا إلى أهواء النفوس وينخدعوا لسكونها عن سكون القلب ، ~~فيسيء ذلك يقينهم PageV02P008 ويوهن إيمانهم الذي هو الأصل ، ويستأسر ~~قلوبهم التي هي المكان للكشف والشهادة ، فيخسروا رأس المال فتفوتهم حقيقة ~~الحال ، فماذا يرتجون وبأي شيء يقومون ؟ وهذا لا يفطن له إلا العاقلون ولا ~~تشهده العيون . وقد قال بعض المقربين في حقيقة التوكل لما سئل عنه فقال : ~~هو الفرار من التوكل يعني ترك السكون إلى المقام من التوكل ؛ أي يتوكل ولا ~~ينظر إلى توكلهم إنه لأجله يكفى أو يعافى أو يوقى ، فجعل نظره إلى توكله ~~علة في توكله يلزمه الفرار منها حتى يدوم نظره إلى الوكيل وحده بلا خلل ، ~~ويقوم له بشهادة منه بلا ملل ، فلا يكون بينه وبين الوكيل شيء ينظر إليه ، ~~أو يعول عليه ، أو يدل به ، حتى التوكل أيضا الذي هو طريقه . وكذلك قال ~~قبله بعض العارفين في معنى ms0619 قوله عز وجل : ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ) ~~النمل : 26 ، فقال : المضطر الذي يقف بين يدي مولاه فيرفع إليه يديه ~~بالمسألة فلا يرى بينه وبين الله حسنة يستحق بها شيئا ، فيقول : هب لي ~~مولاي بلا شيء فتكون بضاعته عند مولاه الإفلاس ، ويصير حاله مع كل الأعمال ~~الإفلاس ، فهذا هو المضطر ، فهؤلاء القوم من الذين وصفهم الله عز وجل ~~بالتقوى والمخافة ، وجعلهم أهلا للدعوة والنذارة ، وأخبر أنهم لا يرون بينه ~~وبينهم سببا يليهم ولا شفاعة فقال تعالى يأمر رسوله بإنذارهم بكلامه فجعلهم ~~وجهة لخلقه ومكانا لكلمه ، كما جعل رسوله وجهة لهم ومكانا لتكليمهم ، فقال ~~تعالى : ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ~~ولا شفيع لعلهم يتقون ) الانعام : 51 ثم قال تعالى في وصف أمثالنا من أهل ~~اللعب واللهو والغرة والسهوة متهددا لنا متوعدا : ( وذر الذين اتخذوا دينهم ~~لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا ) الانعام : 70 وقيل لبعض علمائنا : ~~ماالتوكل ؟ قال : التبري من الحول والقوة ؛ والحول أشد من القوة ، يعني ~~بالحول الحركة ، والقوة الثبات على الحركة ، وهو أول الفعل ، يعني بهذا لا ~~ينظر إلى حركتك مع المحرك إذ هو الأول ولا إلى ثباتك أيضا بعد الحركة في ~~تثبيته إذ هو المثبت الآخر فتكون الأولية والآخرية حقيقة شهادتك له به أنه ~~الأول الآخر بعين اليقين ؛ أي فعندها صح توكلك بشهادة الوكيل ، وقال مرة : ~~التوكل ترك التدبير ، وأصل كل تدبير من الرغبة ، وأصل كل رغبة من طول الأمل ~~، وطول الأمل من حب البقاء ؛ وهذا هو الشرك يعني أنك شاركت الربوبية في وصف ~~البقاء ، وقال : الله سبحانه خلق الخلق ولم يحجبهم عن نفسه ، وإنما جعل ~~حجابهم تدبيرهم ، وقد كثر قوله رحمه الله في ترك التدبير ، وينبغي أن يعرف ~~مامعناه ، ليس يعني بترك التدبير ترك التصرف فيما وجه العبد فيه وأبيح له ، ~~كيف وهو يقول : من طعن على التكسب فقد طعن على السنة ، ومن طعن في ترك ~~التكسب فقد طعن على التوحيد ، إنما يعني بترك التدبير ترك الأماني ، وقوله ~~: لم كان ms0620 كذا ؟ إذا وقع ولم لا يكون كذا ؟ أو لو كان كذا فيما لايقع ، لأن ~~ذلك اعتراض وجهل بسبق العلم ، وذهاب عن نفاذ القدرة وشهادة الحكمة ، وغفلة ~~عن رؤية المشيئة وجريان الحكم بها ، ويعني ترك PageV02P009 التدبير فيما ~~بقي وما يأتي بعد أي لا تشتغل بالفكر فيه بعقلك وعلمك فيقطعك عن حالك في ~~الوقت الذي هو ألزم لك وأوجب عليك حتى قطعك فيما يأتي من الأحكام . ~~والتصريف في ترك التدبير والتقدير لها بالزيادة والنقصان ، أو نقلها من وقت ~~إلى غيره أو من عبد أي آخر ، بالتقديم والتأخير ، تكون في ذلك كما كنت فيما ~~قد مضى ، ألا ترى أن الإنسان لا يدبر ما قد مضى ؟ قال : فينبغي أن يكون ~~فيما يستقبل تاركا للتدبير له ، تاركا للأماني فيه بمعاني ما ذكرناه ، ~~كتركه إياه فيما مضى ، فيستوي عنده الحالان ، لأن الله أحكم الحاكمين ، ~~ولأن العبد مسلم للأحكام والأفعال ، راض عن مولاه في الأقدار ، مع جهله ~~بعواقب المآل ، وترك التدبير بهذه المعاني هو اليقين ، واليقين هو مكان ~~المعرفة ، إذ جعل الله تعالى قلب الموقن مكانا يمكن فيه على قدر المكان ما ~~يليق به ، وكان يقول : يا مسكين كان ولم تكن ويكون ولا تكون ، فلما كنت ~~اليوم قلت أنا وأنا كن فيما أنت الآن كما لم تكن ، فإنه هو اليوم كما كان ، ~~وكان يقول أيضا : الزهد إنما هو ترك التدبير ، فهذا يعني به ترك الأسباب ~~التي توجب التدبير ، وإخراج السبب الذي يجب تدبيره لا أنه يكون مسببا ~~متيقنا للأسباب وهو ترك تدبيرها ، لأن التدبير في هذا الموضع إنما هو ~~التمييز والقيام بالأحكام ووضع الأشياء مواضعها ، فكيف لا يكون العبد كذلك ~~مع وجود الأشياء وهو عاقل مميز متعبد بالعلم مطالب بالأحكام ؟ وإنما يقول : ~~اترك الأشياء المدبرة وازهد في الأسباب المميزة حتى يسقط عنك التدبير ~~والتقدير ، فيكون بتركها تاركا للتدبير بسقوط أحكامها عنك ، واستراحتك من ~~القيام بها ، والنظر فيها ؛ فهذا هو تفصيل جملة قوله في ترك التدبير ، وهذا ~~هو حال المتوكلين ، والمتوكل لا يهتم بما قد كفي كما لا ms0621 يهتم الصحيح ~~بالدواء إذا عوفي ، ولكن قد يحتمي قبل النزال كما يحتمي المعافى قبل ورود ~~العلل . قال الله سبحانه : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) ~~هود : 6 ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم ) العنكبوت : 60 ~~فالمتوكل قد علم بيقينه ، إذ كل ما يناله من العطاء من ذرة فما فوقها ، أن ~~ذلك رزقه من خالقه ، وأن رزقه هو له وأن ما له واصل إليه لامحالة على أي ~~حال كان ، وإن ما له لا يكون لغيره أبدا ، وكذلك ما لغيره من القسم والعطاء ~~لا يكون لهذا أبدا ، فقد نظر إلى قسمه ونصيبه من مولاه بعين يقينه الذي به ~~تولاه من إحدى ثلاث مشاهدات ، وإن دنت مشاهدته نظر إلى قسمه من العطاء في ~~الصحيفة التي كتبت له عند تصوير خلقه ، فكتب فيها رزقه وأجله وأثره ، وشقي ~~أو سعيد ، فكما لايقدر أحد من الخلق أن يجعله سعيدا إن كان قسمه شقيا ، فلا ~~يقدر أحد أن يجعله شقيا إن كان قسمه سعيدا ، كذلك لا يقدر أحد أن يمنعه ما ~~أعطاه مولاه من القسم ، فيجعله محروما ، ولا يعطيه ما منعه من الحكم فيجعله ~~مرزوقا ، لأن ذلك قد كتب كتبا واحدا وجعل مجعلا سواء ، فإن ارتفعت مشاهدته ~~نظر إلى هذا في اللوح المحفوظ مفروغا له PageV02P010 منه ، وهو أم الكتاب ~~الذي استنسخ منه هذه الصحيفة ، فكان يقينه يكتب رزقه في اللوح ، وأنه لا ~~يزاد فيه بحول ولا حيلة ولا ينقص منه لعجز ولا سكينة ، كيقينه بما كتب فيه ~~من أنه من أهل الجنة فهو داخلها لامحالة ، وإن عمل أي عمل بعد أن يكون قد ~~كتب اسمه في اللوح وجعل له فيها أثر كقوله تعالى : ( ولقد كتبنا في الزبور ~~من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) الأنبياء : 105 فقد كتبت ~~الآثار والأرزاق من كل شيء كتبا واحدا في ثلاث مواضع ، توكيدا للعلم ~~وتسكينا للقلب في القسم ، كتب ذلك في الذكر الأول وهو اللوح المحفوظ ثم في ~~الزبر الأولى وهي الصحف ، ثم أنزل ms0622 ذلك في كتابنا هذا الذي به عرفنا ما سلف ~~من ذلك ، وإن علت مشاهدة كل عبد عن مقامه ومن معبوده ومن مكانه في دنوه ~~وعلوه يشهد هذا الذي ذكرناه معلوما في علم الله تعالى قبل خلق اللوح ، فسكن ~~قلبه واطمأن إلى علم الله سبحانه وتعالى وما سبق له منه ، ولهذا جاء في ~~الأثر أن الزهد في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك ، ~~وأن يكون ثواب المصيبة أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك ، أي فيقل حرصك لنفاذ ~~شهادتك ويذهب في الخلق طمعك ؛ فهذا هو الرضا والزهد ، فقد جمع التوكل ~~المقامين معا ، فما في يد الله سبحانه وتعالى هو رزقك الواصل إليك ، لا شك ~~فيه على أي حال ، وهو الذي لك عند الله ، وهو معلوم علم الله تعالى الذي لا ~~ينقلب ، وذلك أحد ثلاثة أشياء : ماأكلت فأفنيت أو لبست فأبليت ، أو تصدقت ~~فأمضيت ، فهذا هو الذي لك في الدنيا والآخرة . ولذلك قال صلى الله عليه ~~وسلم : يقول ابن آدم مالي تعجب من جهل ابن آدم وغفلته ، ثم قال : إنما لك ~~من مالك ، فذكر هذه الثلاث واشترط مع كل واحدة آخر غايتها فقال : ما أكلت ~~فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت ، فاشترط الإفناء والإبلاء ~~والإمضاء ، ثم قال بعد ذلك : وما سوى ذلك فهو مال الوارث ، فهذه الثلاث على ~~هذه الأوصاف هي رزق العبد ، وهي التي في يد الله عز وجل له ، الواصلة إليه ~~، فأما ما جعله في يد العبد فقد لا لايكون له ، وإنما هو مستودع إياه ~~ومستخلف فيه ، وإن تملكه وحازه خمسين سنة وإنما للعبد ما فرغ منه العبد وهو ~~الذي فرغ له منه لما سبق له به ، فإن تملك سوى هذا وادعاه لأجل أنه في ~~خزانته ، أو قبض يده فذلك لجهله بالله تعالى وقلة فقهه عن الله سبحانه ~~وغفلته عن حكمة الله تعالى في أرضه ، يودعها من يشاء إلى الوقت الذي يشاء ، ~~حتى يستقر إلى كيف يشاء ، فقد قال تعالى : ( فمستقر ومستودع ) الأنعام ms0623 : 98 ~~وقال : ( لكل نبإ مستقر ) الأنعام : 67 وقال سبحانه : ( وخزائن السموات ~~والأرض ) الأنعام : 7 وهكذا PageV02P011 روينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم ~~أن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله ، وقال صلى الله عليه وسلم : وإن لكل ~~عبد رزقا هو آتيه لا محالة ، فمن قنع به ورضي بورك له فيه ، ومن لم يقنع به ~~ولم يرض لم يبارك له فيه ولم يسعه . ويقال : لو هرب العبد من رزقه كما لو ~~هرب من الموت لأدركه ، وفي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس : إذا ~~سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الخلائق لو جهدوا ~~أن ينفعوك بما لم يكتبه الله لك ما قدروا على ذلك ، ولو جهدوا أن يضروك ~~بشيء لم يكتبه الله سبحانه لك لم يقدروا على ذلك ، طويت الصحف وجفت الأقلام ~~، فمن كانت هذه مشاهدته في القسم المعلوم سقط عنه جملة من الهموم واستراح ~~من النظر إلى الخلق واستراح الخلق ، ومن أذاه ، وشغل عنهم بخدمة مولاه ، ~~وكان قد فهم شيئا من الخطاب ، وممن أقبل على الله الكريم بصالح ما دعاه ~~إليه واستجاب ، كما روي أن رجلا لزم باب عمر بن الخطاب رضي الله عنه كل ~~غداة فشهد عمر منه مجيئه لأجل الطلب فقال له : ياهذا هاجرت إلى عمر ، أو ~~إلى الله ، إذهب فتعلم القرآن ، فإنه سيغنيك عن باب عمر ، فذهب الرجل فغاب ~~زمانا حتى افتقده عمر ، فسأل عنه فدل عليه فأتاه ، فإذا هو قد اعتزل الناس ~~وأقبل على العبادة فقال له عمر رضي الله عنه : إني قد افتقدتك حتى اشتقت ~~إليك ، فما الذي شغلك عنا ؟ فقال : إني قد قرأت القرآن فأغناني عن عمر وعن ~~آل عمر ، فقال له عمر : رحمك الله فما الذي وجدت فيه ؟ فقال : وجدت فيه وفي ~~السماء رزقكم وما توعدون فقلت : رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض ، فبكى ~~عمر ، وكانت موعظة له منه ، فكان عمر بعد ذلك يشابه في الأحايين فيجلس إليه ~~ويستمع منه . وجاء رجل إلى بشر بن الحارث فقال : إني قد ms0624 عزمت على سفر إلى ~~الشام وليس عندي زاد فما ترى ؟ فقال : ياهذا أخرج فيما قصدت له ، فإن لم ~~يعطك ما ليس لك لم يمنعك ما لك ، وشكا رجل إلى فضيل حاله فقال ياهذا مدبر ~~غير الله تريد ؟ وكان الحسن يقول : التوكل هو الرضا ، وفي تفسير قوله عز ~~وجل : ( وقدر فيها أقواتها ) فصلت : 10 قال : خلق الأرزاق قبل الأجسام ~~بألفي عام فالمتوكل لا يطالب مولاه برزق غد كما لا يطالبه مولاه بعمل غد ، ~~فأما المتوكل في المضمون من الرزق المعلوم من القسم فهو توكل العموم يستحي ~~الخصوص من ذكره ، ويتكرمون عن نشره إذا كان الله تعالى قد أقسم بنفسه أن ~~الرزق في السماء حق ، كما أقسم بنفسه أن كلامه حق ، فجمع بينهما في الحقيقة ~~بالقسم بالذات دون سائر الأفعال لتسكن بذلك نفوس الخليقة عن النظر إلى ~~الأدوات ، ليرتفع الشك فيهما ويحصل اليقين بحقيقتهما ، فقال سبحانه : ( ~~فورب السماء والأرض إنه لحق ) PageV02P012 الذاريات : 23 كما قال تعالى : ( ~~ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق ) يونس : 53 وليس في القرآن قسم ~~بالذات فيما سبرناه إلا خمسة : القسم الذي في سورة النساء على تسليم ~~الأحكام ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) النساء : 65 ~~الآية ، وفي سورة التغابن على بعث الكافرين وأبنائهم ( زعم الذين كفروا أن ~~لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ) التغابن : 7 وفي سورة المعارج من ( سأل ~~سائل ) المعارج : 1 في تبديل الخلق خلقا خيرا منهم ( فلا أقسم برب المشارق ~~والمغارب ) المعارج : 40 إلى قوله : ( بمسبوقين ) المعارج : 41 وهذان ~~القسمان المتقدمان وسائر الأقسام بالأفعال ، ولأن العبد قد وكل برزقه من ~~يقوم له به من الخلق ، فإن لم يرزق من كسبه وعن يده رزق من كسب غيره ويده ، ~~ولكن شغل الخصوص بأعمال الآخرة ، وما يفوتهم من القربات إلى الله عز وجل ، ~~وبالخدمة للمولى الذي وكل إليهم ، فإن لم يقوموا به لم يقم به غيرهم لهم ، ~~ولم ينب غيره من الدنيا منابه ، لقوله تعالى : ( وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى ) النجم : 93 ms0625 ، وقوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناعمة ) ( لسعيها راضية ) ~~الغاشية : 8 - 9 ولقوله تعالى : ( والآخرة خير وأبقى ) الأعلى : 71 ، وقوله ~~تعالى : ( والله يريد الآخرة ) الانفال : 76 ولقوله تعالى : ( من كان يريد ~~حرث الآخرة نزد له في حرثه ) الشورى : ، 2 ، ولم يقل هذا في أرزاق الدنيا ، ~~ومعنى الزيادة أن لا يحاسبه على مايعطيه من الدنيا إذ لا زيادة في القسم . ~~وقد قيل : إن الله تعالى يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على ~~نية الدنيا ، وهذا لعلو الآخرة ودناءة الدنيا ، وكان علي رضي الله عنه يقول ~~: إلا أن حرث الدنيا المال ، وحرث الآخرة العمل الصالح ، وقد قيل : إن ~~الزيادة في الآخرة رفعة الدرجات لمن كانت نيته وقصده ولها يعمل ، فشغل ~~الخصوص بما وكل إليهم وبما لا يعمله غيرهم لهم عما تكفل به لهم ، فأقيم ~~غيرهم فيه مقامهم وناب أيضا عنه مثله من أسباب دنياهم ، كما روي في أخبار ~~داود عليه السلام : إني خلقت محمدا لأجلي ، وخلق آدم لأجل محمد ، وخلقت ما ~~خلقت لأجل آدم ، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني ، ومن اشتغل ~~منهم بي سقت إليه ماخلقته لأجله ، وتوكل الخصوص أيضا في الصبر على الأذى من ~~القول والفعل ، إذ كان أمر بذلك الرسول في قوله تعالى : ( فاتخذه وكيلا ) ( ~~واصبر على ما يقولون ) المزمل : 9 - 1 مع قول الرسل عليهم السلام : ولنصبرن ~~على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ، وكذلك أمر نبيه عليه السلام ~~لما قال تعالى : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) الأنعام : 90 ~~فأمره باتباعهم وقال : ( ودع أذاهم وتوكل على الله ) إلى قوله : ( فاصبر ~~كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم ) الاحقاف 35 . وقال بعض ~~العارفين : لا يثبت لأحد مقام في التوكل حتى يستوي عنده المدح والذم من ~~الخلق فيسقطان ، وحتى يؤذى فيصبر على الأذى ، يستخرج بذلك منه رفع السكون ~~إلى PageV02P013 الخلق ، والنظر إلى علم الخالق الذي سبق ، ثم التوكل في ~~الصبر على حسن المعاملة ، وترك الطلب للمعارضة حياء من الله وإجلالا له ~~وتخوفا منه وحبا له ms0626 ، فقد وصفهم بذلك ظاهرا وباطنا ، فالظاهر قوله تعالى : ~~( نعم أجر العاملين ) ( الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) العنكبوت : 58 - ~~59 ، فلما علموا صبروا على علمهم ، ثم توكلوا عليه في جميع ذلك ، فأنعم ~~أجرهم وأجزل ذخرهم ، والباطن فيما أخبر عنهم إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد ~~منكم جزاء ولا شكورا فقطعهم الخوف عن الطلب ، ففي قوله : منكم ، وجه حسن ~~غريب ، وهو باطن الآية قد يكون بمعنى لا نريد بدلا منكم ، كقوله تعالى : ( ~~ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ) الزخرف : 60 ليس أنه جعل من ~~البشر ومنكم ملائكة ، ولكن المعنى بدلا ، هذا أحد الوجهين في الآية وهو ~~أعلاهما ، والوجه الظاهر أن يكون الكاف والميم أسماء المطعمين أي لا نريد ~~من عندكم جزاء أي مكافأة ولا شكورا أي حسن ثناء ، فلما لم يطلبوا العوض من ~~أجلهم ولا المكافأة من عندهم وقالوا : إنا نخاف من ربنا ، جزاهم أفضل الجزء ~~، وأحسن لهم غاية العطاء فقال تعالى : ( وسقاهم ربهم شرابا طهورا ) ( إن ~~هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ) الدهر : 21 - 22 ، إذ لم يطلبوا جزاء ~~ولا شكورا جعل جزاءهم شرابا طهورا ، وجعل سعيهم لديه مشكورا ، ثم التوكل ~~عليه في تسليم الحكم والرضا به ، ومنه قول يعقوب عليه السلام حين سلم الحكم ~~توكلا على الوكيل الحاكم : إن الحكم إلا لله ، عليه توكلت ، لأن العبد إذا ~~كان مريد المراد نفسه من الأشياء قد لا يوجد في كل شيء إرادته ، ثم هو على ~~يقين من إرادة مولاه لكل شيء ، وأن كل شيء مراد لوكيله فينبغي أن يريد ما ~~يريد مولاه إذا لم يتفق له مايريد بل ينبغي أن يكون مراد مولاه أحب إليه ~~وأبر عنده لأن ما أراده مولاه مما لاعقوبة على العبد فيه ، ولا مسخطة ~~لمولاه فإنه محبوب لله مختار له ، فلتكن محبة الله عز وجل مقدمة لديه على ~~محبته هو واختياره ، إذ لله عاقبة الأمور وقد شرف المتقين ونزههم عن أمور ~~العاجلة الدنية بقوله عز وجل : ( والعاقبة للمتقين ) القصص : 83 ، وكما روي ~~في أخبار موسى ms0627 عليه السلام إذا لم يكن ما تريد فرد ما يكون ، فإن أبيت إلا ~~ما تريد أتعبتك فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد . وروي عن الحسن : وددت أن ~~أهل البصرة في عيالي وأن حبة بدينار ، وهذا من نهاية التوكل ، وليس ذلك إلا ~~في تسليم الأحكام والرضا بها كيف جرت بهم ، لأن هذا كلام قد جاوز المعقول ، ~~وقد كان وهيب بن الورد المكي يقول : لو كانت السماء نحاسا ، والأرض رصاصا ، ~~ثم اهتممت برزقي لظننت أني مشرك ، ويقال : من اهتم برزق غد وعنده اليوم قوت ~~غد فهي خطيئة تكتب عليه ، وقال سفيان : الصائم إذا اهتم في أول النهار ~~بعشائه كتب عليه خطيئة ، وكان سهل يقول : إن ذلك ينقص من صومه ، وقال أعرف ~~في البصرة PageV02P014 مقبرة عظيمة يغدو على موتاهم برزقهم من الجنة بكرة ~~وعشية يرون منازلهم من الجنان وعليهم من الغموم والكروب ما لو قسم على أهل ~~البصرة لماتوا أجمعين ، قيل : ولم ؟ قال : كانوا إذا تغدوا قالوا بأي شيء ~~نتعشى ؟ وإذا تعشوا قالوا بأي شيء نتغدى ؟ وقال مرة أخرى : لم يكن لهم من ~~التوكل نصيب ، وهذه المقامات من فضائل التوكل وفوقها ما لا يصلح رسمه في ~~كتاب من مكاشفات الصديقين ومشاهدات العارفين ، منها أنه أعطاهم كن بإطلاعه ~~إياهم على الاسم فزهدوا في كون كن لأجل كان ، توكلا عليه وحياء منه أن ~~يعارضوه في قدرته ، ويرغبوا عن تقديره ، أو يضاهوه في تكوينه ، لأن تدبيره ~~عندهم أحكم وأيقن ، وهم بالعواقب أعلم ، وأخبروهم له أشد إجلالا وإعظاما ~~مما نقدر نحن ونعلم ، فأما التوكل عليه في القوت فإنه عندهم فرض التوكل ~~يستحيون من ذكره مع الوكيل ، وكذلك التوكل عليه في تسليم الأقدار حلوها ~~ومرها خيرها وشرها من الله حكمة وعدلا ، كما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس ، وكما قال : تعلم أن ما أخطأك ~~لم يكن ليصيبك وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وكذلك قال الله عز وجل : ( وكل ~~صغير وكبير مستطر ) القمر : 53 ، فالعلم بهذه الأشياء ، وطمأنينة القلب ms0628 بها ~~، و سكينة العقل عند ورودها ، وأن لا يضطرب بالرأي والمعقول ، ولا ينازع ~~بالتشبيه والتمثيل ، فإن هذا عندهم من فرائض الإيمان ، لا يصح إيمان عبد ~~حتى يسلم ذلك كله ، وليس هذا من التوكل في شيء ، ومنه قول ابن عباس : القدر ~~نظام التوحيد فمن وحد الله وكذب بالقدر كان تكذيبه بالقدر نقصا لتوحيده ، ~~فجعل الإيبمان بالأقدار كلها أنها من الله مشيئة وحكما بمنزلة الخيط الذي ~~ينتظم عليه الحب ، وأن التوحيد منتظم فيه ، يقول : إذا انقطع الخيط سقط ~~الحب ، قال : كذلك إذا كذب بالقدر ذهب الإيمان ، فالتوكل فرض وفضل ، ففرضه ~~منوط بالإيمان وهو تسليم الأقدار كلها للقادر واعتقاد أن جميعها قضاؤه ~~وقدره ، ألم تر إلى ربك كيف أقسم بنفسه في نفي الإيمان عمن لم يحكم الرسول ~~فيما اختلف عليه من حاله فقال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) ~~النساء : 65 ، فكيف بالحاكم الأول والقاضي الأجل ؟ فأما فضل التوكل فإنه ~~يكون عن مشاهدة الوكيل فإنه في مقام المعرفة ينظر عين اليقين ، كما قال ~~العبد الصالح : فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون ، فظهرت منه قوة عظيمة بقوي ، ~~وأخبر عن عزيز بعز فكأنه قيل : ولم ذاك وأنت بشر مثلنا ضعيف ؟ فقال : إني ~~توكلت على الله ربي وربكم ، فكأنه سئل عن تفسير توكله كيف سببه فأخبر ~~بمشاهدة يد الوكيل آخذة PageV02P015 بنواصي دواب الأرض ، فقال : ما من دابة ~~إلا هو آخذ بناصيتها ثم أخبر عن عدله في ذلك وقيام حكمته ، وإنه وإن كان ~~آخذا بنواصي العباد في الخير والشر والنفع والضر ، فإن ذلك مستقيم في عدله ~~، فقال : إن ربي على صراط مستقيم ، وقال تعالى في فرض التوكل : ( وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ) المائدة : 23 ، وقال تعالى في مثله : ( إن كنتم ~~آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) يونس : 84 ، وقال تعالى في فضله ~~: ( وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) إبراهيم : 12 ، وقال تعالى : ( إن الله ~~يحب المتوكلين ) آل عمران : 159 . # | ذكر إثبات الأسباب والأواسط لمعاني ms0629 الحكمة ونفي أنها تحكم وتجعل لثبوت ~~الحكم والقدرة # : اعلم أن الله عز وجل ذو قدرة وحكمة ، فأظهر أشياء عن وصف القدرة ، ~~وأجرى أشياء عن معاني الحكمة ، فلا يسقط المتوكل ما أثبت من حكمته لأجل ما ~~شهد هو من قدرته من قبل أن الله تعالى حكيم ، فالحكمة صفته ، ولا يثبت ~~المتوكل الأشياء حاكمة جاعلة نافعة ضارة ، فيشرك في توحيده من قبل أن الله ~~قادر والقدرة صفته ، وأنه حاكم جاعل ضار نافع ، لا شريك له في أسمائه ، ولا ~~ظهير له في أحكامه ، كما قال عز وجل : ( إن الحكم إلا لله ) يوسف : 40 ~~وقوله : ( ولا يشرك في حكمه أحدا ) الكهف : 26 ، وكما قال تعالى : ( وما ~~لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ) سبأ : 22 الظهير المعين على الشيء ~~، فالمتوكل مع مشاهدته قدرة الله على الأشياء وأنه منفرد بالتقدير والتدبير ~~قائم بالملك والمملوك هو أيضا عالم بوجوه الحكمة في التصريف والتقليب ~~بإظهار الأسباب الأواسط لإظهار الأشخاص والأشباح لإيقاع الأحكام على ~~المحكوم وعود الثواب والعقاب على المرسوم ، من حيث كان المتوكل قائما ~~بأحكام الشريعة ملتزما لمطالبات العلم مع تسليمه الحكم الأول لله ، ~~واعترافه أن كلا بقدر الله إذ سمع الله تعالى يقول : لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون ، وأن الله تعالى في جميع ما أظهر أخفى قدرته في حكمه فظهرت حكمته ~~في الأشياء لعود الأحكام على المظهرين لها ، وبطنت قدرته في الأشياء لرجوع ~~الأمر كله إليه ولإتقان الصنعة الظاهرة لصنع الباطن . فلذلك قال عز وجل : ( ~~صنع الله الذي أتقن كل شيء ) النمل : 88 ، أي صنعه الباطن أتقن صنعه الظاهر ~~، ثم قال تعالى : ( وإليه يرجع الأمر كله ) هود : 123 ، من الظاهر والباطن ~~فاعبده وتوكل عليه في جميع ذلك ، فللعارف المتوكل من الصنع الباطن شهادة هو ~~قائم بها ، وله في الحكمة الظاهرة علم شرع وتسليم اسم ورسم هو عامل به ، ~~وهذا هو شهادة التوحيد في عبادة التفضيل ، وهو مقام العلماء الربانيين ، ~~وكل مؤمن بالله متوكل على الله ، ولكن توكل كل عبد على قدر يقينه ، فتوكل ms0630 ~~الخصوص ما قدمناه من ذكر المشاهدة ومعاني الرضا ، وتوكل العموم ما عقبناه ~~من الإيمان بالأقدار خيرها وشرها ، وقد أخبر الله تعالى أنه هو الرزاق ، ~~كما هو الخالق ، كما هو المحيي المميت ، فقرن بين PageV02P016 هذه الأربع ~~في قرن واحد مع ترتيب الحكمة والقدرة ، فكيف يختلف حكمها أو يتبعض وصفها ~~لظهور الأسباب ووجود الأواسط . فقال سبحانه وتعالى : ( الله الذي خلقكم ثم ~~رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم ) الروم : 4 ، ، فكما ليس في الثلاث الأخر جاعل ~~ومظهر إلا الواحد ، فكذا ليس في الرابعة من الرزق إلا هو ، ألا ترى أنك لا ~~تقول : خلقني أبي وإن كان هو سبب خلقك ؟ ولا تقول أحياني وأماتني فلان وإن ~~كان أواسط في الإحياء والقتل ، لأن هذا شرك ظاهر اشتهر قبحه فترك ؟ ولذلك ~~قال الله تعالى : ( أفرأيتم ما تمنون ) ( أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ) ~~الواقعة : 58 - 59 ، وكذلك قال تعالى : ( أفرأيتم ما تحرثون ) ( أأنتم ~~تزرعونه أم نحن الزارعون ) الواقعة : 63 - 64 ، فأضاف الإمناء والحرث إلينا ~~، لأنها أعمال ونحن عبيد عمال ، ولأنها صفاتنا وأحكامها عائدة علينا ، ~~وأضاف الخلق والزرع إليه لأنها آيات عن قدرته ، وحكمته والله هو القادر ~~الحكيم ، وكذلك كل ما ذكر في الكتاب من الأعمال والاكتساب أضيف إلى الجوارح ~~المجترحة ، ونسب إلى الأدوات المكتسبة ، وما كان من القدرة والإرادة وصف ~~نفسه به ، لأنه المريد الأول والقادر الأعلى ، فافهم عن الله خطابه كيلا ~~يزيغ قلبك فيما تشابه ، ثم قد يقول العبد أعطاني ومنعني فلان لأن هذا شرك ~~خفي ، ولأن الأسباب تظهر على أىديهم ، وتجري بأواسطهم ، فحجبوا بها عن ~~المسبب واستتر عنهم المعطي المانع ، فقبح هذا أيضا عند الموقنين كقبح ذاك ، ~~لأن الله تعالى نفى الرزق عن سواه كما نفى الخلق ، فقال تعالى : ( هل من ~~خالق غير الله يرزقكم ) فاطر : 3 ، ولم يرد اللفظ على اللفظ وإن حسن فيقول ~~: يخلقكم لأنه أراد سبحانه أن يفيدنا فضل بيان ويعلمنا اقتران الرزق ~~بالخلقة ، وأنهما مسببان عن القدرة ، فالمتوكل قد أيقن أنه لم يكن على الله ~~أن يخلقه ، فلما خلقه كان عليه أن ms0631 يرزقه ، وهكذا روي عن الله تعالى : أأخلق ~~خلقا ولا أرزقه ؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا مانع لما أعطيت ولا ~~معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، ردا عليهم حين قالوا : جدي في ~~كذا وجدي في كذا ، يعنون صنوف الأسباب ، فنفى ذلك بقوله هذا في صلاته ~~وأسمعهم إياه خشية دخول الشرك عليهم ، أي جد العبد لا ينفعه منك شيئا فهذا ~~كما قال الله تعالى : ( إن الظن لا يغني من الحق شيئا ) النجم : 28 . قال ~~بعض العلماء في معنى ذلك : من جد في الطلب وحرص وجد منك المنع لم ينفعه جده ~~في طلبه وحرصه شيئا ، وقال أيضا في معنى قول الله عز وجل : ( ويمحوا الله ~~ما يشاء ويثبت ) الرعد : 39 ، قال : يمحو الأسباب من قلوب العارفين ويثبت ~~القدرة ويمحو المشاهدة من قلوب الغافلين ويثبت الأسباب في صدورهم ، وقال ~~هذا أيضا : خلق الله النفس متحركة ثم أمرها بالسكون ، وهذا هو الابتلاء ، ~~فإن تداركها بالعصمة سكنت وهذا خصوص ، وإن تركها تحركت بطبعها وجبلتها وهذا ~~هو الخذلان ، وفي وصية لقمان لابنه : يا بني اردد رغبتك إلى الله إن شاء ~~أعطاك وإن شاء منعك ، فإن حيلتك لن تزيديك ولن PageV02P017 تنقصك من قسمة ~~الله التي قسم لك ، واعتبر رزقك بخلقك ، فإن استطعت أن تزيد في خلقك بحيلتك ~~فإنك إذا تزيد في رزقك ، وإلافاعلم أن الله هو الذي عدل الخلق وقسم الرزق ، ~~فلن تستطيع أن تزيد في أحد منها ، فإن منهم المحتال الجلد البطوش ولا يزداد ~~إلا فقرا ، ومنهم المعيي الواهن المهين ولا يزداد ماله إلا كثرة ، ولو كان ~~من الحيلة لسبق القوي الضعيف إلى كل شيء ، ولكن الله يخلق ويرزق ولا يملك ~~العباد من ذلك شيئا ، وهكذا حكى أن بعض الأكاسرة سأل حكيما في زمانه فقال : ~~ما بالي أرى العاقل محروما والأحمق مرزوقا ؟ فقال : أراد الصانع أن يدل على ~~نفسه ، ولو كان كل عاقل مرزوقا ، وكل أحمق محروما ، لوقع في العقول ، إن ~~العاقل يرزق نفسه والأحمق حرم نفسه فلما رأوا الأمر بخلاف هذا ms0632 علموا أن ~~الصانع هو الرازق . وروينا عن ابن مسعود في إعطاء هذا المال فتنة ، وفي ~~منعه فتنة ، إن أعطيه عبد مدح غير الذي أعطاه ، وإن منعه عبد ذم غير الذي ~~منعه ، وقد روينا معناه في حديث مطرف عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه خطب فقال : ألا إن في إعطاء هذا المال فتنة ، ، وفي منعه فتنة ، ~~يغدو الرجل إلى ابن عمه فيسأله الحاجة التي قد كتبها الله له فلا يملك منعه ~~فيعطيه ما كتب له فيظل يشكره ويثني عليه بها خيرا ، ثم يعود إليه العام ~~المقبل فيسأله الحاجة التي لم يكتبها الله له فلا يملك أن يعطيه كما لم ~~يعطه في العام الأول أن يمنعه فيمنعه ما لم يكتب له ، فيرجع فيحتقبها عليه ~~ذنبا ، ويثني عليه بها شرا ، إلا أن في إعطاء هذا المال فتنة وفي منعه فتنة ~~، واللفظ للخبر ولم آل يعني بالفتنة الاختبار وصدق صلى الله عليه وسلم ~~يختبر بذلك الموقنون للخير والغافلون لينظر كيف يعملون ، فأما أهل اليقين ~~فيعتبرون بالأسباب ويعجبون من التسبب فيزدادون بذلك هدى وإيمانا لشهودهم ~~المعطي المانع واحدا في العطاء والمنع ، ولمعرفتهم بجريان الحكمة فيما جادت ~~به الشريعة ثبت لهم مقامان : الشكر له والصبر عليه ، وأما الغافلون ~~فيضطربون لذلك ويثبتون بنظرهم إلى الأسباب والأيدي ، فيمدحون المعطين ~~ويذمون المانعين عندهم فينقصون ذلك ، فقد صار المال فتنة للفريقين يكشف ~~إيمانهم وتمتحن للتقوى قلوبهم ، وكذلك جاء في الخبر : إن العبد ليهم من ~~الليل بالأمر من أمور الدنيا من التجارة وغيرها الذي لو فعله كان فيه هلكته ~~، فينظر الله إليه من فوق عرشه فيصرفه عنه فيصبح كئيبا حزينا يتطير بجاره ~~وبابن عمه من سبقني من دهاني وما هو إلا رحمة رحمه الله بها ، وعن ابن ~~مسعود أنه قال : من الإخلاص أن لا تحب أن يحمدك الناس على عبادة الله وأن ~~لا تمدحهم على ما رزقك الله . وقد روينا عن عيسى عليه السلام وعن ابن مسعود ~~وغيره : أن من اليقين أن لا تحمد أحدا على ما أعطاك ms0633 الله ولا تذمه على ما ~~لم يؤتك الله ، وقال : الصبر نصف الإيمان والشكر نصف الإيمان ، واليقين ~~الإيمان كله ، وفي حديث الإفك الذي رواه معمر بن PageV02P018 أبان عن حمدان ~~الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : فقام إلي أبواي فقبلاني ~~في صدورهما فقلت بغير حمدكما ولا حمد صاحبكما ، أحمد الله تعالى الذي عززني ~~وبرأني ، وفي حديث غيره فقال لها أبو بكر : قومي فقبلي رأس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فقالت : والله لا أفعل ولا أحمد إلا الله ، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : دعها يا أبا بكر ، فهذه المعاني التي قدمناها تكون من ~~ضعف اليقين ، ونقصان المعرفة ، فإذا انطوت في سر العبد وخلده وكثرت من قوله ~~وفعله أذهبت حقيقة الإيمان ، كما قال عبد وأن العبد ليخرج من منزله ومعه ~~إيمانه فيرجع إلى منزله وليس معه من إيمانه شيء يلقى الرجل لا يملك له ضرا ~~ولا نفعا ، فيقول إنك لذيت وذيت ، ويلقى الآخر كذلك حتى يرجع إلى منزله ، ~~ولعله لم يخل منه بشيء وقد أسخط الله عليه . وسئل بعض علمائنا عن معنى ~~الخبر المنقول من التوراة : من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه ، فقال : لأن ~~الإيمان عقد وفعل وقول ، فإذا تواضع للغني لأجل دنياه بالثناء والحركة إليه ~~، ذهب ثلثا إيمانه وبقي الثلث وهو العقد ، فإن جعلت الأواسط في الرزق أوائل ~~في الجعل لثبوتها فإن الله تعالى قد أظهرها أسبابا وأثبت نفسه فيها فقال ~~تعالى : ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) السجدة : 11 ، ثم رفعه ~~وأظهر نفسه فقال تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) الزمر : 42 ، ~~وكذلك قال : ( أفرأيتم ما تحرثون ) الواقعة : 63 ، فذكر الأواسط ثم قال : ( ~~أنا صببنا الماء صبا ) ( ثم شققنا الأرض شقا ) عبس 25 - 26 ، وقال في ~~التفصيل : ( فأرسلنا إليها روحنا ) مريم : 17 ، ثم قال تعالى في التوحيد : ~~( فنفخنا فيها من روحنا ) الانبياء : 91 ، وكان النافخ جبريل عليه السلام ، ~~كما قال تعالى : ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ) القيامة : 18 . قال أهل ~~التفسير : فإذا قرأه عليك جبريل فخذه ms0634 عنه بعد قوله تعالى : ( لاتحرك به ~~لسانك لتعجل به ) القيامة : 16 وكذلك قال جبريل : لأهب لك غلاما ذكيا لأن ~~الله تعالى وهب له أن يهب لها ، فذكر نفسه وهو يشهد ربه ثم قال في الحرف ~~الآخر : ليهب لك يعني الله تعالى ، ومثله قول موسى عليه السلام : لا أملك ~~إلا نفسي وأخي لأجل أن الله تعالى قال : ( ووهبنا له من رحمتنا أخاه ) مريم ~~: 53 ، وهو في الحقيقة لا يملك نفسه ولا آخاه إذ لا مالك أصلا إلا الله عز ~~وجل ، وهذا على أحد الوجهين إذا كان وأخي في موضع نصب والوجه الآخر أن يكون ~~قوله وأخي في موضع رفع فيكون المعنى وأخي أيضا لا يملك إلا نفسه وكذلك قال ~~سبحانه في التفصيل والأمر : ( اقتلوا المشركين ) التوبة : 5 ، وقال في مثله ~~من ذكر واسطة الأمر : ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) التوبة : 14 ثم قال ~~في التوحيد : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) الأنفال : 71 ، وقال في ~~إثبات الأسباب ورفع حقائقها : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) الأنفال ~~: 17 ، وقال تعالى في ذكر الأواسط : ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما ~~يريد الله PageV02P019 ليعذبهم بها ) التوبة : 55 ، وقال في مثله : ( الذي ~~علم بالقلم ) العلق : 4 ، ثم قال تعالى : ( الرحمن ) ( علم القرآن ) الرحمن ~~: 1 - 2 وقال تعالى : ( علمه البيان ) الرحمن : 4 ، ثم قال : إن علينا ~~بيانه ، وقال في تثبيت الأملاك وبيعها منه بالأعواض كرما منه وفضلا : إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ، فجاز ذلك لما ملكهم ما له كقوله ~~تعالى : ( إلا ما ملكت أيمانكم ) النساء : 24 ، وعند أهل المعرفة أن لا ~~فاعل حقيقة إلا الله عز وجل ، لأن حقيقة الفاعل هو الذي لا يستعين بغيره ~~بآلة ولا سبب ، وعندهم إن فعلا لا يتأتى من فاعلين وإلا كان شركا ، لأن ~~الفاعل الثاني المظهر الذي فعل بيده وأجرى الفعل بواسطته هو ثان ومحدث ، ~~والأول القديم هو الفاعل الأصلي ، كما أن عندهم أن حقيقة المالك هو خالق ~~الشيء ، ومن جعل في يده فهو مملك ، لأنه لم يخلق مابيده ms0635 كما المجري على يده ~~الفعل مفعول ، لأن الله تعالى هو الأول القيوم بنفسه لا يستعين بغيره ، وقد ~~جعل الله أيضا بحكمته وعزته للخلقة والحياة واسطة وهوملك الأرحام ، في ~~الخبر أنه يدخل الرحم فيأخذ النطفة في يده ثم يصورها جسدا فيقول يا رب أذكر ~~أم أنثى ؟ أسوي أم معوج ؟ فيقول الله ما شاء ويصور الملك ، وفي لفظ آخر : ~~يخلق الملك ثم ينفخ فيها الروح بالشقاوة أو بالسعادة ، ويقال : إن الملك ~~الذي يقال له الروح هو الذي يولج الأرواح في الأجساد ، ويقال : إنه يتنفس ~~بوصفه ، فيكون كل نفس من أنفاسه روحا يلج في جسم ، ولذلك سمي الروح . وقد ~~قال الله تعالى في وصف نفسه : ( البارئ المصور ) الحشر : 24 ، كما قال ~~الخالق ، وقال تعالى : ( خلق الموت والحياة ) الملك : 2 ، وقد جعل للإحياء ~~واسطة كما جعل للموت وهو إسرافيل صاحب الصور ينفخ في النفخة الثانية فيحيا ~~كل ميت ثم يرفعه الله تعالى ، فقال : يوم ينفخ في الصور ، ووصف نفسه بأنه ~~المحيي المميت ، وفي بعض الأخبار أن ملك الموت وملك الحياة تناظرا ، فقال ~~ملك الموت : أنا أميت الأحياء ، وقال ملك الحياة : أنا أحيي كل ميت ، فأوحى ~~الله إليهما كونا على عملكما وما سخرتما له من الصنع ، فأنا المميت وأنا ~~المحيي ولا مميت ولا محيي سواي ، وكذلك أيضا قيل عن الله تعالى : أنا ~~الدليل على نفسي ولا دليل علي أدل مني ، ولم يمنع وجود هذه الأواسط أن يكون ~~الله سبحانه هو الأول في كل شيء ، وهو الفاعل لكل شيء ، وحده لا شريك له في ~~شيء ، ولم يقل أحد من المسلمين : الملك خلقني ولا عزرائيل أماتني ولا ~~إسرافيل قد أحياني كذلك ، أيضا لا يصلح أن يقول الموقن المشاهد للتوحيد ، ~~فلان أعطاني أو منعني ، كما لا يقول فلان رزقني ولا فلان قدر علي ، وإن جعل ~~واسطة في ذلك وأجرى على يديه ذلك لأن العطاء هوالرزق والمنع هو القدر ، ولا ~~كان عندهم شركاء في أسماء الله غيره إذ كان الله هو المعطي المانع الضار ~~النافع كما هو المحيي المميت ms0636 ، لا شريك PageV02P020 له في ملكه ولا ظهير له ~~من عباده في خلقه ورزقه ، وهذا عندهم يقدح في حقيقة التوحيد للعبد وهو من ~~الشرك الخفي الذي جاء في الأثر : الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل في ~~الليلة المظلمة . وقال بعضهم في معنى قوله تعالى : ( وما يؤمن أكثرهم بالله ~~إلا وهم مشركون ) يوسف : 106 قال مؤمن بالإقرار : إن الله هو المقدر المدبر ~~، ومشرك في الاعتماد على الأسباب ورد الأفعال إليها ، ومن الإخلاص عند ~~المخلصين بلا إله إلا الله ، ولامعطي ولا مانع إلا الله ولا هادي ولا مضل ~~إلا الله ، كما لا إله إلا الله ، هذا عندهم في قرن واحد ومشاهدة واحدة ، ~~وهو أول التوحيد ، وإن كان قد جعل هادين ومضلين ومعطين ومانعين ولكن بعد ~~إذنه ومن بعد مشيئته وحكمه ، كما قال تعالى : ( أحسن الخالقين ) المؤمنون : ~~14 ( خير الرازقين ) المؤمنون : 72 ، لأنه خلقهم وخلق خلقهم ورزقهم ورزق ~~رزقهم ، وكذلك هو هداهم وهدى بهم ، وأضلهم وأضل بهم ، فعن هدايته هدوا به ، ~~وعن إضلاله ضلوا بعد إرادته ، كما عن خلقه خلقوا ، ومن رزقه رزقوا ، وكيف ~~وقد فسر ماذكرناه بقوله : وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني وبقوله ~~تعالى : ( لو هدانا الله لهديناكم ) إبراهيم : 21 ، وقال في مثله : ( ~~فأغويناكم إنا كنا غاوين ) الصافات : 32 ، فبمشاهدة ما ذكرناه يخرج العبد ~~من الشرك الخفي وهو تحقيق قوله : لا إله إلا الله بعد التصديق ، أي ليس من ~~تأله ، القلوب وتأله إليه إلا الله ، ثم يقول معها : وحده لاشريك له ، أي ~~وحده في قدرته وتوحيده لا شريك له في ملكه من خلقه ، ثم وكد ذلك بقوله : له ~~الملك ، أي جميع ما أظهر ، وله الحمد في جميع ما أعطى ومنع ، يستحق الحمد ~~كله ، فهو لا يستحقه غيره ، وهوعلى كل شيء قدير أي من الخلق والأمر ، ~~فالقدرة كلها له والخلق كله له يحكم في خلقه بأمره ما شاء كيف شاء ، ومثل ~~الأواسط مثل الآلة بيد الصانع ، ألا ترى أنه لا يقال : الشفرة حذت النعل ~~ولا السوط ضرب العبد ، إنما يقال : الحذاء ms0637 حذ النعل وفلان ضرب عبده بالسوط ~~، وإن كانت هذه الأواسط مباشرة للأفعال إلا أنها آلة بيد صانعها ، وكذلك ~~الخليقة يباشرون الأسباب في ظاهر العيان ، والله من ورائهم محيط ، القادر ~~الفاعل بلطائف القدرة وخفايا المشيئة ، ألم تر إلى قولهم : الأمير أعطاني ~~كذا وخلع علي كذا ؟ وإن لم يناوله بيده ولا يصلح أن يقول : خادم الأمير ~~أعطاني لأجل أنه جرى على يده ، وإن كان باشر العطاء بنفسه ، إذ قد علم أن ~~الخادم لا يملك ولا يتصرف في ملك الأمير إلا أن يسأل الإنسان : بيد من ~~أعطاك الأمير ؟ أو على يد من وجه إليك بالعطاء ؟ لبغية تكون للسائل في ~~معرفة أي عبد جاء به ، فيجوز أن يقول حينئذ : بيد عبده فلان فإما أن يبتدئ ~~المعطي من غير أن يسأل إذا أراد أن يظهر العطاء فيقول الأمير أعطاني على يد ~~عبده فلان ، فإن هذا لغو لا يحتاج إلى ذكر العبدمع ذكر الملك ، لأن البغية ~~إظهار العطاء من الملك المعطي ، فلا معنى لذكر العبد الذي جرى العطاء على ~~يده فافهم ، PageV02P021 ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي ~~ناوله التمرة : خذها ، لو لم تأتها لأتتك ، والتمرة لا تأتي ، ولم يقل : ~~لجاءك بها رجل إذ لا بغية في ذكر ذلك ، ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم ~~للرجل الذي قال : أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد فقال : عرف الحق لأهله ، ~~وإنما ذكرالله تعالى الأسباب لأن الأسماء متعلقة بها والأحكام عائدة على ~~الأسماء بالثواب والعقاب ، فلم يصلح أن لا تذكر فتعود الأحكام على الحاكم ~~تعالى ، عن هذا أنه هو يبدىء ويعيد ، يبدئ الأحكام من الحاكم ويعيدها على ~~المحكوم ، وهذا هو سبب إظهار المكان من الموات والحيوان لئلا يكون تعالى ~~محكوما وهو الحاكم ولا يكون مأمورا وهو العزيز الآمر ، فعادت على المحكومات ~~المأمورات ، ومن هذا قوله تعالى : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) ~~النحل : 96 ، فجميعا عنده ، وفي خزائنه ، إلا أنه أضاف الدنيا إلينا لرجوع ~~الأحام علينا وليزهدنا فيها وأضاف الآخرة إليه تخصيصا لها ms0638 ، وتفضيلا ~~ليرغبنا فيها ، وكما أخبر عن عيسى : وإذ تخلق من الطين ، ومثله : فارزقوهم ~~فيها ، فسماه خالقا ، إذ خلق الله على يده وسماهم رازقين لما أجرى على ~~أيديهم رزق أهليهم ، فهو عندي كقوله لمريم : ( وهزي إليك بجذع النخلة تساقط ~~عليك رطبا جنيا ) مريم : 25 ، وقد علمت أن الرطب لم يتساقط بهزها ولا جعل ~~ولا فعل لهزها في الرطب ، ولكن أراد أن يظهر كرامتها ويجعل الآلة منه بيدها ~~، ومثله : ( اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ) ص : 42 ، فنبعت عينان فشرب ~~من إحداهما واغتسل من الأخرى ولا فعل لرجله في إظهار اليعنين ، وقد نفى ~~لبيد ما سوى الله في قوله : د وشراب ) ص : 42 ، فنبعت عينان فشرب من ~~إحداهما واغتسل من الأخرى ولا فعل لرجله في إظهار اليعنين ، وقد نفى لبيد ~~ما سوى الله في قوله : ألا كل شيء ما خلا الله باطل فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما أنشد ذلك صدق ، وفي لفظ آخر إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : أصدق بيت قاله الشاعر : ألا كل شيء ما خلا الله باطل وهو يعلم ~~صلى الله عليه وسلم أن في الأشياء أواسط حق وأسباب صدق ، ثم لم يمنعه ذلك ~~أن قال أصدق بيت قاله الشاعر : كذا ، إيثارا منه للتوحيد وتوحيدا للمتوحد ، ~~هذا مع قرب عهدهم بتكذيب الرسل وإبطال الكتب ، ولكن لما كانت الأشياء بعد ~~أن لم تكن ولا تكون ، بعد أن كانت أشبهت الباطل الذي لا حقيقة له أولية ، ~~ولا ثبات له آخرية ، وكان الله تعالى الأول الأزلي ، الآخر الأبدي ، فهو ~~الحق ولا هكذا سواه ، ومثله الأسباب أيضا في ثوانيها وأواسطها إلى جنب ~~الأول المسبب مثل ما يقول في القرآن : قال الله كذا ، ولك أن تقول قال نوح ~~، وقال يوسف كذا ، فكل صواب ، فإذا قلت قال الله سبحانه وتعالى فهو القائل ~~الأول قبل القائلين ، متكلما بوصفه مخبرا عن علمه بغير وقت لموقت ولا حد ~~لمحدود ولا حدثان ، وإن قلت قال صالح وقال شعيب فقد قالوه بأنهم ثوان في ~~القول وأواسط ms0639 به ، وقالوا ذلك عنه بحدوث أوقات وظهور أسباب ، كذلك الأسباب ~~في PageV02P022 أواسطها فهي ثوان عن الأول المبدئ ، ومن ههنا ، وفي مثله ~~دخلت الشبهة على المبتدعين فقالوا بخلق القرآن ، فلو لم يدخل عليهم إلا ~~إنهم جعلوا قول القائلين قبل قول الله أحكم الحاكمين ، فأثبتوا قبل قوله ~~قيلا وهو القول منهم لنفيهم قدم الكلام ، فوقعوا بجهلهم في أعظم مما هربوا ~~منه لأنهم هربوا من إثبات قديم آخر بزعمهم ، فوقعوا في إثبات حدث أولا ~~وإحداث قدم ثانيا ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وسبحانه بكرة ~~وأصيلا ، ولم يعلموا بجهلهم أنهم إنما قالوا بعد قوله ، فصار قولهم عن قوله ~~، وكان هو الأول في القول من حيث كان هو الأول بالقدم والسابق بالعلم ، ~~وصاروا هم ثوان في المقال من حيث كانوا حوادث من الأفعال ، فكذلك أيضا تدخل ~~الشبهة على الغافلين من ضعف اليقين لشهود المانعين والمنفقين أوائل في ~~الفعل من قبل أن الله تعالى أظهر العطاء والمنع بأيديهم ، فشهدوهم معطين ~~مانعين لنقصان توحيدهم فأشركوا في أسماء الله كما أشركت المبتدعة في صفات ~~الله عز وجل أن حجبوا عن شهادة سبق علم الله كما حجب الزائغون عن حقيقة ~~توحيد الله تعالى ، إلا إن شرك الزائغين ضلال ينقل عن الملة وهو شرك جلي ~~وشرك ضعفاء اليقين غفلة وجهل لا ينقل عن الملة لأنه شرك خفي ، وحكي أن بعض ~~العلماء صلى خلف رجل ، فلما انفتل الإمام نظر إليه في زي غير مكتسب فقال : ~~يا شيخ من أين تأكل ؟ فقال : اصبر حتى أعيد الصلاة التي صليتها خلفك ثم ~~أجيبك ، وحدثونا في معناه عن آخر أنه لزم العكوف في المسجد ولم يكن ذا ~~معلوم من عيش فقال له الإمام : الذي يصلي بالناس لوتكسبت وتعبست كان أفضل ~~لك فلم يجبه ، فأعاد عليه وقتا آخر نحو ذلك ، فقال يهودي في جوار المسجد : ~~قد ضمن لي كل يوم رغيفين فقنعت بذلك وتركت التكسب ، فقال الإمام : إن كان ~~صادقا في ضمانه فإن عكوفك في المسجد خير لك ، فقال له الرجل : يا هذا أنت ms0640 ~~لو لم تكن إماما للمسليمن تقوم بينهم وبين الله لنقص توحيدك كان خيرا لك . ~~وحدثت أن الله تعالى أوحى إلى بعض الصديقين : أدرك لي لطف الفطنة وخفي ~~اللطف فإني أحب ذلك ، قال : يا رب وما لطف الفطنة ؟ قال : إن وقعت عليك ~~ذبابة فاعلم أني أوقعتها فسلني أرفعها ، قال وماخفي اللطف ؟ قال : إن أتتك ~~فولة مسوسة فاعلم أني قد ذكرتك بها ، وهذاالذي ذكرناه من أن الله سبحانه ~~وتعالى هو المعطي المانع الضار النافع حيث كان ، هو الخالق الرازق كيف شاء ~~، ومتى شاء ، وبمن شاء ، هو في عقود عموم المؤمنين وفي علمهم ، ألا إن فيهم ~~جهلا بالحكمة وغفلة عن الحاكم ، يحيلون ذلك إلى عاداتهم ويريدون أن يكون ~~رزقهم من حيث معتادهم ، أو من حيث معقولهم باختيارهم ومعقولهم بالعز والفخر ~~والتطاول والأنفة ، لا على الذل والتواضع والفقر والمسكنة ، ولا يكلون ~~أمورهم إلى الله ويرضون بتدبيره وتقديره أن يرزقهم كيف شاء وبيد مم شاء ~~فيؤثرون PageV02P023 أخلاق الجبابرة على أخلاق المؤمنين ، لبعدهم من مشاهدة ~~اليقين ولاستيلاء أخلاق النفس عليهم ، ثم إن نفوسهم مع علمهم أن الخلق ~~والأرض كله لله عز وجله ، وأن الحمد والملك له ، قد تطمع في غير الله وترجو ~~سواه ، وقد تضطرب بجبلتها عن أثقال الحقائق ، وقلوبهم لا تطمئن بل تنزعج ~~عند الابتلاء بالمصائب والفاقات ، ولاتصبر للخالق ، وإن ألسنتهم قد تسبق ~~بالمدح والفرح مع رؤية الأواسط أو بالذم والأسى على فوت العطاء لوجود ~~الغفلة وذهابهم عن مشاهدة ما يعلمون ، فهذا دليل نقص توحيدهم وضعف يقينهم ، ~~وإن معرفتهم معرفة سمع وخبر لامعرفة شهادة وخبر ، وقد شركهم الموقنون ~~بتسليم ذلك لله في العلم والقدرة وإثبات الأواسط والأسباب لمجاري الحكمة ~~وعود الثواب والعقاب على الخليقة ، ولكن زادوا عليهم بحسن اليقين وقوة ~~المشاهدة وجميل الصبر وحقيقة الرضا ، فسكنت القلوب واطمأنت النفوس عند ~~النوازل والبؤس ، وثبتوا في الإبتلاء لشهود المبلي يدبر الخلائق كيف شاء ، ~~فحصل لهم في اليقين وحال من التوكل ونصيب من الرضا ، وخرج أولئك من حقائق ~~هذه المعاني ودخلوا في عمومها ، ودخل عموم المؤمنين مع الموقنين ms0641 في فرض ~~التوكل ، قد جاوزهم الموقنون فارتفعوا عليهم وعلوا في فضله ووقف العموم ~~ونكصوا عن العلو لقعود اليقين بهم وحجب الأسباب لهم ، وسبق المقربون إلى ~~الفضل ، ويؤت كل ذي فضل فضله ، هم درجات عند الله ، والله بصير بما يعملون ~~، وقال بعض العلماء : احتجب عن العموم بالأسباب فهم يرونها ، وحجب الأسباب ~~بنفسه عن الخصوص فهم يرونها ولا يرونها ، وحدثونا عن سري السقطي قال : ثلاث ~~يستبين بهن اليقين ، القيام بالحق في مواطن الهلكة ، والتسليم لأمر الله ~~عند نزول البلاء ، والرضا بالقضاء عن زوال النعمة ، وقال يوسف بن أسباط ~~قبله : كان يقال : ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه ، من إذا رضي لم يخرجه ~~رضاه إلى باطل ، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق ، وإذا قدر لم يتناول ما ليس ~~له . # | ذكر التكسب والتصرف في المعايش # ولا يضر التصرف والتكسب لمن صح توكله ولايقدح في مقامه ولا ينقص من حاله ~~قال الله سبحانه : ( وجعلنا النهار معاشا ) النبأ : 11 ، وقال تعالى : ( ~~وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ) الأعراف : 10 وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم : أحل ما أكل العبد من كسب يده وكل بيع مبرور ، وقد كان ~~الصانع بيده أحب إليهم من التاجر ، والتاجر أحب إليهم من البطال ، وقال ابن ~~مسعود : إني لأكره أن يكون الرجل بطالا ليس في عمل دنيا ، ولا في عمل آخرة ~~، ولأن التوكل من شرط الإيمان ووصف الإسلام ، قال الله تعالى : ( إن كنتم ~~آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) يونس : 84 ، فاشترط في الإيمان ~~به والإسلام له التوكل عليه ، فإن كان حال المتوكل التصرف فيما قد وجه فيه ~~ودخل في الأسباب وهو ناظر إلى المسبب في تصريفه ، معتمد عليه واثق به في ~~حركته ، متسبب فيما يقلبه فيه مولاه ، متعيش PageV02P024 فيما يسببه له ~~ويوجهه فيه ، عالم بأن الله تعالى قد أودع الأشياء منافع خلقه وجعلها خزائن ~~حكمته ومفاتح رزقه ، ويكون أيضا متبعا للسنة والأثر تاركا الترفه والتنعم ، ~~فهو في تكسبه وتصرفه أفضل ممن دخلت عليه العلل في توكله فساكنها ms0642 ، وقد ذكر ~~لنا عن بعض العلماء أنه رؤي يطحن برجله ، وكان قد ترك العمل أربعين سنة ~~فقيل له : دخلت في التكسب بعد أن كنت قد تركته ؟ فقال : يا هذا ، إذا عدمنا ~~عز التوكل لم نصبر على ذل الاستشراف ، فكذلك الأمر فيمن دخلت عليه الآفة في ~~ترك التكسب ، فليخرج منها إلى الاحتراف ، ومن دخل عليه اليقين فاقتطعه ~~فليقعد عن الاكتساب ، فالتكسب خير من التشرف إلى الخلق واعتياد المسألة ، ~~وسالك على طريق فهو يصل وإن كان في طريقه بعد ، والتوكل لمن أقعد به ناظر ~~إلى الوكيل أفضل لمن صح له لفراغ قلبه من الخلق وشغله بالخالق ، وهو طريق ~~قريب فصاحبه مقرب ، والتارك للتكسب طمعا في الخلق وترفها للنفس وحبا ~~للمسألة واتباعا للهوى ، سالك على غير طريق لا قريب ولا بعيد هو عن المحجة ~~جائر ، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : لأن يأخذ أحدكم فأسه وحبله ~~فيذهب إلى الجبل فيحتطب فيأكل ويتصدق ، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو ~~منعوه ، وقال صلى الله عليه وسلم : استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك يعني ~~بمضغه ، وقال : من يضمن لي خصلة واحدة ، أضمن له الجنة ، لا يسأل الناس ~~شيئا ، وقال بعض علمائنا : من أنكر التكسب فقد طعن في السنة ، ومن ~~أنكرالقعود عن التكسب فقد طعن في التوحيد ، وقال : بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى الخلق وهم أصناف كما هم اليوم ، منهم التاجر ، والصانع ، والقاعد ~~، ومن يسأل الناس ، ومن لم يسأل الناس ، فما قال للتاجر اترك تجارتك ولا ~~قال للقاعد : اكتسب واصنع ، بل جاءهم بالإيمان واليقين في جميع أحوالهم ~~وتركهم مع الله في التدبير ، فعمل كل واحد بعمله في حاله ، وقد كان بعض ~~المتوكلين يقول : من لم يصبر على جوع ثلاثة أيام أخاف أن لا يسعه ترك العمل ~~إذا وجده ، وقال أيضا : من فقد الأسباب فضعف قلبه ، أو كان وجودها أسكن ~~لقلبه من عدمها ، لم يصح له القعود عن المكاسب لأن فيه انتظار لغير الله ، ~~وقال بعض العلماء : من طرقته فاقة تسعة أيام ms0643 ، فتصور في قلبه طمع في خلق أو ~~استشراف إلى عبد ، فالسوق أفضل له من المسجد ، وقال أبو سليمان الداراني : ~~لا خير في عبد لزم القعود في البيت وقلبه معلق بقرع الباب متى يطرق بسبب ، ~~وقال بعض علمائنا : إذا استوى عنده وجود السبب وعدمه ، وكان قلبه ساكنا ~~مطمئنا عند العدم ، لم يشغله ذلك عن الله تعالى ، ولم يتفرق همه ، فترك ~~التكسب والقعود لهذا ، أفضل لشغله بحاله وتزوده لمعاده ، وقد صح له مقام في ~~التوكل ، وقال سهل وقد سئل : متى يصح للعبد التوكل ؟ فقال : إذا دخل عليه ~~الضر في جسده ، والنقص في ماله ، فلم PageV02P025 يلتفت إليه ولم يحزن عليه ~~شغلا بحاله وينظر إلى قيام الله عليه ، وقال إبراهيم الخواص وهو إمام ~~المتوكلين : من المتأخرين : ثلاثة مواطن حمل الزاد فيهن من آداب التوكل : ~~القعود في المسجد والركوب في سفينة وصحبه القافلة ، وقال سفيان الثوري : ~~العالم إذا لم يكن له معيشة صار وكيلا للظلمة ، والعابد إذا لم تكن له ~~معيشة أكل بدينه ، والجاهل إذا لم تكن له معيشة كان سفيرا للفساق ، وقال ~~بعض أهل المعرفة : الناس ثلاثة ، رجل شغله معاده عن معاشه فهذه درجة ~~الفائزين ، ورجل شغله معاشه لمعاده فتلك حال الناجين ، وآخر شغله معاشه عن ~~معاده فهذه صفة الهالكين . لفائزين ، ورجل شغله معاشه لمعاده فتلك حال ~~الناجين ، وآخر شغله معاشه عن معاده فهذه صفة الهالكين . وروينا عن علي رضي ~~الله عنه الرزق رزقان : رزق يطلبك ورزق تطلبه ، ففسره بعض العلماء فقال : ~~الرزق الذي يطلبك هو رزق الغذاء ، والرزق الذي تطلبه رزق التمليك ، وهو طلب ~~فضول القوت ، وقال أبو يعقوب السوسي وقد كان له مقام مكين في التوكل : ~~التوكل على ثلاثة مقامات ، عام وخاص عام وخاص خاص ، فمن دخل في الأسباب ~~واستعمل العلم وتوكل على الله تعالى ولم يتحقق باليقين فهو عام ، ومن ترك ~~الأسباب وتوكل على الله وحقق في اليقين فهو خاص عام ، ومن خرج من الأسباب ~~على حقيقته لوجود اليقين ، ثم دخل في الأسباب فتصرف لغيره فهذا خاص خاص ، ~~وهذا وصف الطبقة ms0644 العليا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم العشرة ~~وغيرهم ، جودهم اليقين من الدنيا فأدخلهم العلم في الأسباب لغيرهم ردت ~~عليهم أحوال الغير ، واتسعوا بالعلم على حقيقة اليقين ، ولذلك كان الخواص ~~رحمه الله تعالى يقول : دخول الخصوص في الأسباب لغيرهم ردت عليهم أحوال ~~الغير وجعلوا رازقين لهم ، فتصرفوا فيها لأجلهم وهم بريئون من التعلق بها ، ~~وقد كان أبو جعفر الحداد شيخ الجنيد أحد المتوكلين وقال : أخفيت التوكل ~~عشرين سنة ولا فارقت السوق ، أكتسب في كل يوم دينارا وعشرة دراهم ، أبيت ~~منه دانقا ولا أستريح فيه إلى قيراط ، أدخل به الحمام بل أخرجه كله قبل ~~الليل ، وكان الجنيد لا يتكلم في التوكل بحضرة أبي جعفر يقول : أستحي من ~~الله أن أتكلم في مقامه وهو حاضر ، وقد شرط النبي صلى الله عليه وسلم ~~للعطاء ترك المسألة والاستشراف تنزيها للفقراء وردا لهم إلى الله تعالى ، ~~لأن في مسألة العبد الفقير ذلا ذليلا وحرصا على الدنيا جليلا ، وفي ~~الاستشراف إلى العبيد طمع في غير مطمع ، ونظر إلى غير الله ، وإتيان البيوت ~~من غير أبوابها ، ومنه ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : مسألة الناس من ~~الفواحش ما أحل من الفواحش غيرها ، وقال صلى الله عليه وسلم : من استغنى ~~أغناه الله ، ومن استعف أعفه الله ، ومن فتح علىه نفسه باب مسألة فتح الله ~~عليه باب فقر ، فكان الفقراء الصادقين جعل لهم أخذ العطاء ، بل ندبوا إلى ~~قبوله عوضا لهم من ذلك لما منعوا من الاستشراف والسؤال تنزيها لهم وتفضيلا ~~، فمثلهم في ذلك مثل أهل البيت جعل لهم خمس الخمس من الغنائم لما حرمت ~~عليهم الصدقة تفضيلا لهم وتشريفا ، PageV02P026 وقد كان أحمد بن حنبل رحمه ~~الله أمر أبا بكر المروزي أن يعطي بعض الفقراء شيئا فيه فضل عما كان ~~استأجره عليه فرده ، فلما ولي قال له أحمد : ألحقه فادفعه فإنه يأخذه قال : ~~فلحقه المروزي فدفعه إليه فأخذ ، فسأل أحمد عن ذلك : كيف رد في الأول وأخذ ~~في الثاني ؟ فقال : إنه كان قد استشرف لذلك فرده ms0645 ، وقد أحسن فلما انصرف ~~أيست نفسه منه فلذلك قبل ، وقد كان الخواص إذا نظر إلى عبد في العطاء أو ~~خاف اعتياد النفس له ، لم يقبل منه شيئا ، وكان يقول : صوفي لا يكون بحريف ~~، وهذا كله يحسن في حال المنفرد ، فأما ذو العيال فالأمر عليه واسع من ذلك ~~، ولابأس أن يأخذ لعياله كما أخذ لأجل غيره من الناس ، لأن عياله عيال الله ~~عنده ، قد وكله بهم وأجرى أرزاقهم على يده ، فإن طلب لهم وحث على استخراج ~~حقهم مما أوجب الله لهم لم ينقص ذلك من حاله ، وآخى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين سعد بن الربيع وبين عبد الرحمن بن عوف ، فقال له سعد : ~~أشاطرك مالي وأهلي ، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلوني ~~على السوق ، فعمل يومه ذلك فراح بشيء من سمن وأقط ، فلو كان التكسب في ~~الأسواق ينقص التوكل لم يختر عبد الرحمن وهو إمام الأئمة ما ينقص توكله ، ~~ولكنه أحب إدخال المشقة على نفسه وكره التنعم ، كما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لمعاذ : إياك والتنعم ؛ فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين ، ورؤي ~~فضالة بن عبيد أشعث أغبر جافيا وهو أمير مصر ، فقيل له : لم أنت هكذا ؟ ~~فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن الإرفاه وأمرنا أن نحتفي ~~أحيانا ، ثم اختار عبد الرحمن أيضا إيثار أخيه بما أبره به رعاية لحق إخوته ~~ولأن الله تعالى قد ندب إلى الإيثار ووصف به الأحباب ، وأعلى من عبد الرحمن ~~مقاما إمام الأئمة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، لما بويع بالخلافة أخذ ~~الأثواب تحت حضنه ودخل السوق ينادي : هذا في أتم أحواله ، حين أهل للخلافة ~~وأقيم مقام النبوة ، حتى اجتمع المسلمون فكرهوا له ذلك فقال : لا تشغلوني ~~عن عيالي ، فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع ، حتى فرضوا له قوت أهل بيت ~~من المسلمين ، لا وكس ولا شطط فلما رضوا جميعا بذلك وأنفقوا عليه ، ترك ~~السوق لشغله بهم وبأمورهم ؛ ألا تراه كيف آثر القيام ms0646 بحقه وما أوجب الله ~~عليه لأهله ، وتواضع لله في حال رفعته ، وأسقط الخلق عن عينه ، حتى كره ~~المسلمون ذلك فتركه بحكم ثان ، فكذلك التوكل لا يزال مع الحكم الأول ، حتى ~~ينهج الله له طريقا آخر فيسلكه بطريق ثان ، وقد كان بعض علماء السلف يجمع ~~إليه الناس للكلام عليهم فكان يقول : لو أعلم PageV02P027 أن أهلي يحتاجون ~~إلى باقة بقل ما تكلمت عليكم ، ففي هذا بيان وبرهان لمن لم تستهوه الأهواء ~~في إنكار التكسب على أهل التوكل احتجاجا لنفسه واعتذارا من بطالته ، ولا ~~يسع العلماء في الدين إلا البيان وكشف حقيقة العلم بالبرهان ، فالتكسب ~~والأسباب طرق أودعها الله العطاء والأرزاق لا هي تعطى وترزق بمنزلة الأواسط ~~من الأشخاص ، فالمتوكل المتسبب موقن أن الله سبحانه هو المعطي والمانع ، ~~وأنه هو المسبب الرازق ، وأنه هو الأول في التصريف والآخر في التقليب ، ~~فقلته ناظر إلى القسام ، ونفسه ساكنة إلى القسم ، وقلبه قانع راض بالمقسوم ~~، وجسمه متحرك في المعلوم الذي وجه فيه وسبب له ، وهو عارف بمقامه ، ~~وبالمراد منه ، راض بحاله وما قد استسعى فيه وألزم إياه ، والذي ينقص ~~المتوكل ، ويخرجه من حد التوكل ، اكتساب الشبهات للاستكثار ، أو السعي ~~بالتكسب للجمع والافتخار ، أو الحرص على طلب ما حظره العلم عليه أو لطلب ما ~~يكره المنال منه ، أو التسخط للأقدار إذا لم تؤاته على ماقدر ، أو ترك لنصح ~~لمن عامله بأن يحتال عليه ، أو يدبر أو التشرف إلى الخلق أو الطمع في سبب ؛ ~~فهذا كله لا يصح معه التوكل ، وقد قال بعض العلماء : إن العبد إذا دخل ~~السوق للتكسب فكان درهمه أحب إليه من درهم غيره ، لم ينصح للمسلمين في ~~المبايعة ، وهذا عنده يخرجه من التوكل ودخول الآفات ومساكنتها ، لقصور علم ~~أو غلبة هوى يخرج العبد من التوكل ، وهو أن يكون متوكلا على الناس بأن يطمع ~~فيهم ، أو يتصدى لهم بالتعرض والتصنع ، أو يكون متوكلا على صحة جسمه ودوام ~~عوافيه وأنه لا يرزق إلا من كده ، أو يكون متوكلا على ماله بأن يثق به ~~ويطمئن إليه ويحسب ms0647 أنه إن افتقر انقطع رزقه ، وعلامة ذلك ضنته به وإعداده ~~له ؛ عدة لكذا وعدة لكذا ، فهذه المعاني تخرج من التوكل ، فقد تخفي دقائقها ~~وتدق حقائقها إلا على جهابذة العلماء الرابحين في العلم ، المتضلعين ~~باليقين ، القائمين على الدوام بالشهادة ؛ فمن نظر إلى هذه المعاني من ~~الأسباب والأشخاص أو سكن إليها سكون أنس ، فيقوى قلبه بوجودها فإنه يضطرب ~~ويستوحش أو يضعف قلبه لفقدها فهي علة في توكله . عن عيالي ، فإني إن أضعتهم ~~كنت لما سواهم أضيع ، حتى فرضوا له قوت أهل بيت من المسلمين ، لا وكس ولا ~~شطط فلما رضوا جميعا بذلك وأنفقوا عليه ، ترك السوق لشغله بهم وبأمورهم ؛ ~~ألا تراه كيف آثر القيام بحقه وما أوجب الله عليه لأهله ، وتواضع لله في ~~حال رفعته ، وأسقط الخلق عن عينه ، حتى كره المسلمون ذلك فتركه بحكم ثان ، ~~فكذلك التوكل لا يزال مع الحكم الأول ، حتى ينهج الله له طريقا آخر فيسلكه ~~بطريق ثان ، وقد كان بعض علماء السلف يجمع إليه الناس للكلام عليهم فكان ~~يقول : لو أعلم أن أهلي يحتاجون إلى باقة بقل ما تكلمت عليكم ، ففي هذا ~~بيان وبرهان لمن لم تستهوه الأهواء في إنكار التكسب على أهل التوكل احتجاجا ~~لنفسه واعتذارا من بطالته ، ولا يسع العلماء في الدين إلا البيان وكشف ~~حقيقة العلم بالبرهان ، فالتكسب والأسباب طرق أودعها الله العطاء والأرزاق ~~لا هي تعطى وترزق بمنزلة الأواسط من الأشخاص ، فالمتوكل المتسبب موقن أن ~~الله سبحانه هو المعطي والمانع ، وأنه هو المسبب الرازق ، وأنه هو الأول في ~~التصريف والآخر في التقليب ، فقلته ناظر إلى القسام ، ونفسه ساكنة إلى ~~القسم ، وقلبه قانع راض بالمقسوم ، وجسمه متحرك في المعلوم الذي وجه فيه ~~وسبب له ، وهو عارف بمقامه ، وبالمراد منه ، راض بحاله وما قد استسعى فيه ~~وألزم إياه ، والذي ينقص المتوكل ، ويخرجه من حد التوكل ، اكتساب الشبهات ~~للاستكثار ، أو السعي بالتكسب للجمع والافتخار ، أو الحرص على طلب ما حظره ~~العلم عليه أو لطلب ما يكره المنال منه ، أو التسخط للأقدار إذا لم تؤاته ~~على ماقدر ms0648 ، أو ترك لنصح لمن عامله بأن يحتال عليه ، أو يدبر أو التشرف إلى ~~الخلق أو الطمع في سبب ؛ فهذا كله لا يصح معه التوكل ، وقد قال بعض العلماء ~~: إن العبد إذا دخل السوق للتكسب فكان درهمه أحب إليه من درهم غيره ، لم ~~ينصح للمسلمين في المبايعة ، وهذا عنده يخرجه من التوكل ودخول الآفات ~~ومساكنتها ، لقصور علم أو غلبة هوى يخرج العبد من التوكل ، وهو أن يكون ~~متوكلا على الناس بأن يطمع فيهم ، أو يتصدى لهم بالتعرض والتصنع ، أو يكون ~~متوكلا على صحة جسمه ودوام عوافيه وأنه لا يرزق إلا من كده ، أو يكون ~~متوكلا على ماله بأن يثق به ويطمئن إليه ويحسب أنه إن افتقر انقطع رزقه ، ~~وعلامة ذلك ضنته به وإعداده له ؛ عدة لكذا وعدة لكذا ، فهذه المعاني تخرج ~~من التوكل ، فقد تخفي دقائقها وتدق حقائقها إلا على جهابذة العلماء ~~الرابحين في العلم ، المتضلعين باليقين ، القائمين على الدوام بالشهادة ؛ ~~فمن نظر إلى هذه المعاني من الأسباب والأشخاص أو سكن إليها سكون أنس ، ~~فيقوى قلبه بوجودها فإنه يضطرب ويستوحش أو يضعف قلبه لفقدها فهي علة في ~~توكله . وروينا عن بشر بن الحرث قال : إن العبد ليقرأ ، إياك نعبد وإياك ~~نستعين ، فيقول الله تعالى : كذبت ، ما إياي تعبد ولا بي تستعين ؛ لو كنت ~~تعبد إياي لم تؤثر هواك على رضاي ، ولو كنت بي تستعين لم تسكن إلى حولك ولا ~~قوتك ولا إلى مالك ونفسك ، وإن التارك للتكسب والتصرف في الأسواق إذا كان ~~في أدنى كفاية وأعين بالصبر والقناعة ، في مثل زماننا هذا أفضل وأتم حالا ~~من المتكسب إذا خاف أن لا ينال المعيشة إلا بمعصية الله من دخوله في شبهة ~~عيانا أو خيانة لإخوانه المسلمين ، ولأنه قد تعذر القيام بشرائط العلم مع ~~مباشرة الأسباب وكثرة دخول الآفات والفساد في الاكتساب ، فترك ملابسة أهل ~~PageV02P028 الأسواق ومخالطتهم على هذا الوصف المكروه أقرب إلى السلامة ~~لبعده من رؤية الأشياء ، وفقده مباشرتها ، لأن الحكم متعلق بالرؤية ، ومثل ~~الحرام مثل المنكر إذا لم تره سقط عنك ms0649 حكمه ، وليس الخبر كالمعاينة ولا ~~المجاورة كالمباشرة ولا المعاين كالمخبر ، وذلك كخبر من زل عن حقيقة الكعبة ~~على البعد إلا أنه متوجه إلى الشطر ، فصلاته جائزة ولو زل عنه أنملة مع ~~المعاينة لها بطلت صلاته ، والتكسب ليس بفرض وقد يفترض بأحد معنيين بوجود ~~العيال وعدم كفايتهم من وجه من الوجوه المباحة ، أو بأن يقطع عدمه عن فرض ~~ويضعف عنه مع فقد ما يقام به الفرض مما لابد منه ، وقد كان بشر بن الحرث ~~ترك التكسب ، وكان يتكلم في الحلال ويشدد فيه فقيل له : ياأبا نصر ، فأنت ~~من أين تأكل ؟ فقال : من حيث تأكلون ، ولكن ليس من يأكل وهو يبكي مثل من ~~يأكل وهو يضحك ، وقال مرة : ولكن يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة ، وقد ~~كان للثوري خمسون دينارا يتجر له بها ، ثم أخذها في آخر أمره ففرقها على ~~إخوانه وترك التكسب ، ويقال إنه فعل ذلك لما مات عياله ، وليس للعبد أن ~~يحمل حال عياله على حاله إلا أن يكون اختيارهم كاختياره ، وصبرهم على فقرهم ~~ومعرفتهم بفضله كمعرفته ، فجائز حينئذ أن يسير بهم سيريه ، ويسقط عنه ~~التكسب لأجلهم ، لأنهم كهو في الحال مع سقوط المطالبة منهم بحقوقهم عليه ، ~~وقد فعل ذلك جماعة من السلف ، وبعض العارفين يفضلون من لا معلوم له على من ~~له معلوم ، وهم لا يرون ترك التكسب أفضل لأنه معلوم ، ويعد هؤلاء سكون ~~القلب مع وجود المعلوم علة ، ولكن إذا سكن قلبه مع غير معلوم ، واجتمع همه ~~وانقطع طمعه في حال المعدوم ؛ فهذا هو المقام وتفصيل هذا في التوسط من ~~المقال عندي والله أعلم أن العبد لا يفضل بنفس عدم المعلوم ، كما لا يفضل ~~بنفس القعود عن المكاسب ، وإنما يفضل بحاله من مقامه ؛ فإذا كان ذو المعلوم ~~أحسن معرفة وأقوى يقينا ، فضل على من لامعلوم له ، ولا يكون سكون القلب ~~وطمأنينة النفس أيضا مع وجود المعلوم علة في الحال على قدر المقام ، ولكن ~~لا يكون مقاما يرفع به ولا حالا يفضل فيه ، إلا أن الطمع في ms0650 الخلق وتشتت ~~القلب مع وجود معلوم الكفاءة نقصان عند الكل وعندي ، وقطع الطمع في الخلق ~~واجتماع القلب مع العدم أفضل وأعلى درجة عند الجماعة . وفي حديث حية وسوار ~~ابني خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهما : لاتيأسا من الرزق ما ~~تهززت رؤوسكما ، فإن ابن آدم تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ثم يرزقه الله بعد ~~، وقال PageV02P029 صلى الله عليه وسلم : للرجل الذي ناوله التمرة لو لم ~~تأتها لأتتك ، ويقال إن العبد لو هرب من رزقه لأدركه كما لو هرب من الموت ~~لأدركه الموت ، وأن الرزق لا ينقطع عن العبد حتى يظهر له ملك الموت ، ~~فحينئذ ينقطع عنه رزق الدنيا ويدخل في رزق الآخرة ، فيكون أول رزق الآخرة ~~آخر رزق الدنيا ولا آخر لهذا الرزق ، وقال سهل بن عبد الله الدستوائي : لو ~~أن العبد سأل الله أن لا يرزقه لم يستجب له ولقال له : ياجاهل ، أنا خلقتك ~~ولا بد من أن أرزقك أبدا ، وقال وقد سئل عن القوت فقال : هو الحي الذي لا ~~يموت فقيل : إنما سألتك عن القوام ، فقال : القوام هو العلم ، قيل : سألناك ~~عن الغذاء ، فقال : الغذاء هو الذكر ، قيل : سألناك عن طعمة الجسد ، فقال : ~~مالك وللجسد ، دع من تولاه أولا يتولاه آخرا ، إذا دخل عليه علة فرده إلى ~~صانعه ؛ أما رأيت الصنعة إذا عابت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها ، وقال ~~الخواص وقد روينا عن سهل : إن الله تعالى يلقي على الخصوص الفاقة ويحوجهم ~~إلى الخلق بالطمع فيهم ، ويلقي في قلوب الخلق المنع لهم فيحرمهم ما في ~~أيديهم ليردهم إليه فإذا رجعوا إليه آيسين منقادين رزقهم من حيث لا يحتسبون ~~، ومن علامة الخصوص أنهم إذا استشرفوا إلى شيء حرموا ذلك الشيء وإذا سكنوا ~~إلى عبد سلط عليهم ليرفع سكونهم إليه ، وقد كان بعضهم إذا جاءه السبب بعد ~~تطلع إليه رده ، ومنهم من كان يخرجه ولا يتناول منه عقوبة لنفسه ، وكان ذو ~~النون المصري يتكلم على إخوانه في علم التوحيد والمعرفة فسأله غلام شاب عن ~~الخبز : من أين ms0651 هو ؟ فقال : خذوا بيده واذهبوا به إلى الصوفية حتى يعلموه ~~الأدب ، وقد حكي عن معروف أبي محفوظ الكرخي أنه ذكر له انقباض بشر عن ~~الأسباب التي تفتتح له فقال : إن أخي بشرا قبضه الورع ، وأنا نشطتني ~~المعرفة ، إلا أن معروفا كان لا يأخذ السبب إلا عند الحاجة ، ويأخذ منه ما ~~لا بد له منه ، وكان لايدخر ، وكان قصير الأمل لم يكن يأمل البقاء من وقت ~~صلاة إلى صلاة أخرى ؛ كان إذا صلى الظهر يقول للجيران : اطلبوا ؟ لكم من ~~يصلي صلاة العصر ، وكان يقول : إنما أنا ضيف في دار مولاي إن أطعمني أكلت ~~متى أطعمني ، وإن أجاعني صبرت حتى يطعمني ، وقد كان أبو محمد سهل يقول : ~~المتوكل لا يسأل ولا يرد ولا يحتكر . # | ذكر الادخار مع التوكل # ولا يضر الادخار مع صحة التوكل إذا كان مدخرا لله وفيه ، وكان ماله ~~موقوفا على PageV02P030 رضا مولاه لا مدخرا لحظوظ نفسه وهواه ، فهو حينئذ ~~مدخرا لحقوق الله التي أوجبها عليه ، فإذا رآها بذل ماله فيها ، والقيام ~~بحقوق الله لا ينقص مقامات العبد بل يزيدها علوا ، وحدثونا عن بعض أصحاب ~~بشر بن الحرث قال : كنت عنده ضحوة من النهار ، فدخل عليه كهل أسمر خفيف ~~العارضين ، فقام إليه بشر قال : وما رأيته قام لأحد غيره قال : ودفع إلي ~~كفا من دراهم فقال : اشتر لنا من أطيب ما تقدر عليه من الطعام والطيب ، قال ~~: وما قال لي قط مثل ذلك ، قال : فجئت بالطعام فوضعته بين يديه ، فأكل معه ~~، وما رأيته أكل مع غيره ، قال : فأكلنا حاجتنا وبقي من الطعام شيء كثير ، ~~فأخذه الرجل فجمعه في ثوبه فجعله تحت يده وانصرف قال : فعجبت من فعله ذلك ~~وكرهته له إذ لم يأمره بشر بذلك ولا هو استأذنه فيه ، فقال لي بشر بعد ذلك ~~: لعلك أنكرت فعله ذلك ، قلت : نعم ، أخذ بقية الطعام من غير إذن ، فقال : ~~تعرفه ؟ قلت لا ، قال : ذلك أخونا فتح الموصلي ، زارنا اليوم من الموصل ، ~~وإنما أراد أن يعلمنا أن التوكل إذا صح لم يضر معه ms0652 الادخار ، وترك الادخار ~~إنما هو حال من مقامه قصر الأمل ، وقد يصح التوكل مع تأميل البقاء ، فإن ~~كان أمله للحياة لطاعة مولاه وخدمته والجهاد في سبيل الله فضل ذلك ، وهذا ~~طريق طائفة من الراجين والمستأنسين ، وإن كان أمله للحياة لأجل متعة نفسه ، ~~وأخذ حظوظها من دنياه ، نقص ذلك من زهده في الدنيا ، فسرى النقص إلى توكله ~~، وما نقص من الزهد نقص من التوكل بحسابه ، وليس ما زاد في الزهد يزيد في ~~التوكل بحسابه ، لأن الزهد من شرط خصوص التوكل ، وليس التوكل من شرط عموم ~~الزهد ، فكل متوكل ذي مقام زاهد لا محالة ، وليس كل زاهد في مقام متوكلا ~~لأن التوكل مقام والزهد حال ، والمقامات للمقربين والأحوال في أصحاب اليمين ~~إلا أن من أعطى حقيقة الزهد فإنه يعطي التوكل لا محالة ، لأن حقائق الأحوال ~~وثبوتها ، ودوام استقامة أهلها فيها ، ولزومها لقلوبهم هي مقامات ؛ فإذا ~~جاز للمتوكل تأميل البقاء لشهر أو شهرين جاز له الادخار لذلك ، إلا أن طول ~~الأمل يخرج من حقيقة التوكل عند الخواص ولا يخرجه من حده عندي ، وأكره ~~للمتوكل الادخار لأكثر من أربعين يوما ، كما يكره تأميل البقاء لأكثر من ~~أربعين ، ومن ادخر لصلاح قلبه وتسكين نفسه وقطع تشرفه إلى الناس ؛ إن كان ~~مقامه السكون مع المعلوم ، فالادخار له أفضل ، فأما من ادخر لعياله لتسكن ~~قلوبهم ولوجود رضاهم عن الله ، ولسقوط حكمهم عنه ليتفرغ لعبادة ربه ، فهو ~~فاضل في ادخاره اتفقوا عليه ، ولأنه في ذلك قائم بحكم ربه راع لرعيته التي ~~هو مسؤول عنها ، وقد ادخر رسول الله صلى الله عليه وسلم لعياله قوت سنة ~~ليسن ذلك ، وقد نهي أم أيمن وغيرها أن تدخر شيئا لغد ، ونهى بلالا أيضا عن ~~الادخار ليقتدي به أهل المقامات في ذلك ، كما روي أنه قبض صلى الله عليه ~~وسلم وله بردان في الحف ينسحبان ، وقد كان عليه السلام أقصر PageV02P031 ~~أملا من ذلك ، كان يبول فيتيمم قبل أن يصل إلى الماء ، فيقال له في ذلك إن ~~الماء منك قريب ، فقال : وما يدريني لعلي ms0653 لا أبلغه ، ولكن فعله لئلا يهلك ~~من طال أمله من أمته ، فجعل فعله نجاة له ، فهذا يدلك أن الادخار يتسع ~~ويضيق على قدر مشاهدات العارفين ، من قبل أن الشريعة جاءت بالرخصة والعزيمة ~~؛ فالعزائم من الدين للأقوياء الحاملين ، والرخص من الدنيا للضعفاء ~~المخمولين ، وقد كان الخواص يدقق في أحوال التوكل ويذكر أن الادخار يخرج من ~~حد التوكل ، ولم يكن يفارقه أربعة أشياء ، وكان يقول : ادخارها من تمام حال ~~المتوكل لأنها من أمور الدين ؛ الركوة والحبل والإبرة والخيوط والمقراض ، ~~وكان سهل يضرب لمدخر مثلا في قصر الأمل وطوله فيقول : مثل من يترك الادخار ~~مثل رجل يقول : أريد أن أخرج إلى الأيلة فيقال له : خذ رغيفا فإن قال : ~~أريد أن أخرج إلى عبادان قيل له خذ رغيفين فإن قال : أريد أن أخرج إلى ~~العسكر قيل له : خذ أربعة أرغفة قال : فكذلك ترك الادخار على قدر قصر الأمل ~~وطوله ، وأعجب ما سمعت في انقطاع الأمل ما حكي أن موسى والخضر اجتمعا ، ~~فشكا موسى إلى الخضر الجوع فقال : أقعد فقعد ، فتكلم الخضر بشيء فأقبل ظبي ~~مخيض حتى وقف بينهما ، فوقع نصفين نصفه إلى الخضر مشويا ونصفه إلى موسى ~~نيئا ، فقال له الخضر : قم فاقدح نارا واشو نصيبك ، وأخذ الخضر يأكل ، ففعل ~~ذلك موسى ثم سأله : لم وقع نصفه إليك مشويا ؟ فقال : إنه لم يبق لي في ~~الدنيا أمل ، وعلى ذلك فإن الادخار ينقص من فضائل الزاهدين بمقدار ما يمنع ~~من حقيقة الزهد ، وفي حديث شهر بن حوشب عن أبي أمامة في ذكر الفقير الذي ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة ، فغسلاه وكفنه ببردته فلما ~~دفنه قال لأصحابه : إنه يبعث يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ، ولولا ~~خصلة كانت فيه لبعث وجهه كالشمس الضاحية فقلنا : وما هي يا رسول الله قال : ~~إنه كان صواما قواما كثير الذكر لله ، غير أنه كان إذا جاءه الشتاء ادخر ~~حلة الصيف لصيفه ، وإذا جاءه الصيف ادخر حلة الشتاء لشتائه من قابل ، ثم ~~قال : من أقل ما أوتيتم ms0654 اليقين وعزيمة الصبر ، ومن أعطى حظه منها لم يبال ~~ما فاته من قيام الليل وصيام النهار ، وحدثونا عن بعض العارفين قال : رأيت ~~في النوم كأن القيامة قد قامت ، وكان الناس PageV02P032 يساقون زمرة زمرة ~~إلى الجنة على طبقات ، قال : فنظرت إلى طبقة أحسن الناس هيئة ، وأعلاهم ~~مرتقى ، وأسرعهم سبقا ، فقلت هذه أفضلهم ، أكون فيهم قال : فذهبت لأخطو ~~إليهم ، وأدخل معهم في طريقهم ، فإذا بملائكة حولهم قد منعوني ، وقالوا : ~~قف مكانك حتى يجيء أصحابك فتدخل معهم فقلت : تمنعوني أن أكون مع هؤلاء ~~السابقين ، فقالوا : هذا طريق لايسلكه إلا من لم يكن له إلا قميص واحد ، ~~ومن كل شيء واحد ، وأنت لك قميصان ومن الأشياء زوجان ، قال : فانتبهت باكيا ~~حزينا فجعلت على نفسي أن لا أملك من كل شيء إلا واحدا ، وقد كان حذيفة ~~المرعشي يقول : منذ أربعين سنة لم أملك إلا قيمصا واحدا ، وكان كثير من ~~السلف إذا استجد ثوبا أو شيئا أخرج الأول منهما ، وكانوا يستعملون الشيء ~~الواحد من الأشياء الكثيرة ؛ وهذا كله داخل في التحقق بالزهد وهو من فضائل ~~المتوكلين ، والخبر المشهور أن رجلا من أهل الصفة توفي فما وجدوا له كفنا ، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فتشوا ثوبه قال فوجدنا داخل أزاره دينارين ~~، فقال : كيتان ، وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف عدة ، فلا يقول له ~~ذلك لأن هذا كان حاله الزهد وإظهار الفقر فعابه الادخار . ا واشو نصيبك ، ~~وأخذ الخضر يأكل ، ففعل ذلك موسى ثم سأله : لم وقع نصفه إليك مشويا ؟ فقال ~~: إنه لم يبق لي في الدنيا أمل ، وعلى ذلك فإن الادخار ينقص من فضائل ~~الزاهدين بمقدار ما يمنع من حقيقة الزهد ، وفي حديث شهر بن حوشب عن أبي ~~أمامة في ذكر الفقير الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة ، ~~فغسلاه وكفنه ببردته فلما دفنه قال لأصحابه : إنه يبعث يوم القيامة ووجهه ~~كالقمر ليلة البدر ، ولولا خصلة كانت فيه لبعث وجهه كالشمس الضاحية فقلنا : ~~وما هي يا رسول الله قال : إنه كان صواما ms0655 قواما كثير الذكر لله ، غير أنه ~~كان إذا جاءه الشتاء ادخر حلة الصيف لصيفه ، وإذا جاءه الصيف ادخر حلة ~~الشتاء لشتائه من قابل ، ثم قال : من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ، ~~ومن أعطى حظه منها لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار ، وحدثونا ~~عن بعض العارفين قال : رأيت في النوم كأن القيامة قد قامت ، وكان الناس ~~يساقون زمرة زمرة إلى الجنة على طبقات ، قال : فنظرت إلى طبقة أحسن الناس ~~هيئة ، وأعلاهم مرتقى ، وأسرعهم سبقا ، فقلت هذه أفضلهم ، أكون فيهم قال : ~~فذهبت لأخطو إليهم ، وأدخل معهم في طريقهم ، فإذا بملائكة حولهم قد منعوني ~~، وقالوا : قف مكانك حتى يجيء أصحابك فتدخل معهم فقلت : تمنعوني أن أكون مع ~~هؤلاء السابقين ، فقالوا : هذا طريق لايسلكه إلا من لم يكن له إلا قميص ~~واحد ، ومن كل شيء واحد ، وأنت لك قميصان ومن الأشياء زوجان ، قال : ~~فانتبهت باكيا حزينا فجعلت على نفسي أن لا أملك من كل شيء إلا واحدا ، وقد ~~كان حذيفة المرعشي يقول : منذ أربعين سنة لم أملك إلا قيمصا واحدا ، وكان ~~كثير من السلف إذا استجد ثوبا أو شيئا أخرج الأول منهما ، وكانوا يستعملون ~~الشيء الواحد من الأشياء الكثيرة ؛ وهذا كله داخل في التحقق بالزهد وهو من ~~فضائل المتوكلين ، والخبر المشهور أن رجلا من أهل الصفة توفي فما وجدوا له ~~كفنا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فتشوا ثوبه قال فوجدنا داخل أزاره ~~دينارين ، فقال : كيتان ، وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف عدة ، فلا ~~يقول له ذلك لأن هذا كان حاله الزهد وإظهار الفقر فعابه الادخار . # | ذكر التداوي وتركه للمتوكل # وتفصيل ذلك ولا ينقص التداوي أيضا توكل العبد لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر به ، وأخبر عن حكمة الله تعالى فيه فقال صلى الله عليه وسلم : ما ~~من داء إلا وله دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله إلا السأم يعني الموت ، ~~وقال عليه الصلاة والسلام تداووا عباد الله ، وسئل عن الدواء والرقي ، هل ~~يرد من قدر ؟ فقال ms0656 : هي من قدر الله ، وفي الخبر المشهور : ما مررت بملأ من ~~الملائكة إلا قالوا : أمر أمتك بالحجامة ، وفي الحديث أنه أمر بها فقال : ~~احتجموا السبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين ، ولا يبيغ بكم الدم فيقتلكم ، ~~وفي ذكر تبيغ الدم دليل على توقيت هذا العدد من الأيام للحجامة ، إلا أنه ~~أريد به هذه الأيام من الشهر ، وأحسبه لأهل الحجاز خاصة لشدة حر البلد ، ~~كقول عمر رضي الله عنه في الماء المشمس أنه يورث البرص ، سمعت أن ذلك في ~~أرض الحجاز خاصة ، وكان من PageV02P033 سيرة السلف أن يحتجموا في كل شهر ~~مرة إلى أن يجاوز الرجل الأربعين وكانوا يستحبون الحجامة في آخر الشهر ، ~~وقد يروى في خبر منقطع : من احتجم يوم الثلاثاء لسبع عشرة من الشهر كان له ~~دواء من داء سنة ، وقد روينا من طريق أهل البيت أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يكتحل كل ليلة ويحتجم كل شهر ويشرب دواء كل سنة ، والتداوي رخصة ~~وسعة ، وتركه ضيق وعزيمة ، والله يحب أن يؤخذ برخصة كما يحب أن تؤتى عزائمه ~~، وقد قال الله سبحانه وتعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) الحج : ~~78 أي ضيق ، وربما كان المتداوي فاضلا في ذلك لمعنيين : أحدهما أن ينوي ~~اتباع السنة ، والأخذ برخصة الله ، وقبول ما جاءت به الحنيفية السمحة ، وقد ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم غير واحد من الصحابة بالتداوي والحمية ، ~~وقطع لبعضهم عرقا ، وكوى آخر ، وقال لعلي رضي الله عنه ، وكان رمد العين : ~~لا تأكل من هذا يعني الرطب ، وكل من هذا فإنه أوفق لك ، يعني سلقا قد طبخ ~~بدقيق أو شعير ، وقد تداوى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير حديث من ~~العقرب وغيرها ، وروي أنه كان إذا نزل عليه الوحي صدع رأسه فكان يغلفه ~~بالحناء ، وفي الخبر أنه كان إذا خرجت به قرحة جعل عليها حناء : وهو أعلى ~~المتوكلين ، وأقوى الأقوياء ، فإن قيل إنما تداوى لغيره ، وليسن ذلك ، قلنا ~~: فلا نرغب عن سنته ، ولا نزهد في بغيته ms0657 ، إذا كان فعل ذلك لنا ، لئلا يكون ~~فعلا لغوا ، وتكون الرغبة عن سنته إلى توهم حقيقة التوكل طعنا في الشرع ، ~~وقد كان صلى الله عليه وسلم ظاهرة للخلق ليقتفوا آثاره ، من ذلك أنه صام في ~~السفر في شدة الحر ، فكان يصب على رأسه الماء ، ويستظل بالشجر ، ليسن بذلك ~~الرخصة في التبرد بالماء للصائم ، فقيل له : إن قوما صاموا وقد شق عليهم ، ~~فدعا بقدح فيه ماء فشرب ، فأفطر الناس فترك حاله صلى الله عليه وسلم لأجلهم ~~، فقيل له : إن قوما لم يفطروا فقال : أولئك العصاة ، والمعنى الثاني الذي ~~يفضل به المتداوي ، أنه يحب سرعة البرء للطاعة ولخدمة مولاه ، والسعي في ~~أوامره ، إذ كانت العلل قاطعة عن التصرف في العمل ومشغلة للنفس عن الشغل ~~بالآخرة ، وذكر بعض علمائنا أن موسى عليه السلام اعتل علة ، فدخل عليه بنو ~~إسرائيل ، فعرفوا علته ، فقالوا : لو تداويت بكذا لبرأت ، فقال : لا أتداوى ~~حتى يعافيني هو من غير دواء ، قال : فطالت علته ، فقالوا له : إن دواء هذه ~~العلة معروف مجرب وإن تتداو به تبرأ ، فقال : لا أتداوى ، فدامت علته ، ~~فأوحى الله عز وجل إليه : وعزتي لا أبرأتك حتى تتداوى بما ذكروه لك ، فقال ~~لهم : داووني بما ذكرتم فداووه ، فبرأ فأوجس في نفسه من ذلك ، فأوحى الله ~~إليه أردت أن تبطل حكمتي لتوكلك على من أودع العقاقير منافع الأشياء ، وفي ~~بعض الأخبار : شكا نبي من الأنبياء إلى الله علة يجدها ، فأوحى الله إليه : ~~كل البيض ، وفي خبر آخر إن نبيا من الأنبياء شكا إلى الله تعالى الضعف ~~فأوحى الله إليه : كل اللحم باللبن فإن فيهما القوة ، قال الشيخ أحسبه ~~الضعف عن الجماع ، وذكر وهب بن منبه PageV02P034 أن ملكا من الملوك اعتل ~~علة وكان حسن السيرة في أهل مملكته ، فأوحى الله تعالى إلى شعياء النبي صلى ~~الله عليه وسلم قل له : اشرب ماء التين فإنه شفاء من علتك ، وقد روينا أعجب ~~من ذلك أن قوما شكوا إلى نبيهم قبح أولادهم ، فأوحى الله تعالى إليه مرهم ~~أن يطعموا نساءهم الحبالى ms0658 السفرجل ، فإنه يحسن الولد فقد كانوا يطعمون ~~الحبالى السفرجل والنفساء الرطب ، وهذا والله أعلم يكون في الشهر الثالث ~~والرابع من حملها ، وعلى ذلك كله فإن ترك التداوي أفضل للأقوياء ، وهو من ~~عزائم الدين ، وطريقة أولي العزم من الصديقين ، لأن في الدين طريقين : طريق ~~تبتل وعزيمة ، وطريق توسع ورخصة ، فمن قوي سلك الطريق الأشد فهو أقرب وأعلى ~~، وهذه للمقربين وهم السابقون ، ومن ضعف سلك الطريق الأرفه وهو الأوسط إلا ~~أنه أبعد ، وهو لأصحاب اليمين وهم المقتصدون ، وفي المؤمنين أقوياء وضعفاء ~~ولينون وأشداء . قد كانوا يطعمون الحبالى السفرجل والنفساء الرطب ، وهذا ~~والله أعلم يكون في الشهر الثالث والرابع من حملها ، وعلى ذلك كله فإن ترك ~~التداوي أفضل للأقوياء ، وهو من عزائم الدين ، وطريقة أولي العزم من ~~الصديقين ، لأن في الدين طريقين : طريق تبتل وعزيمة ، وطريق توسع ورخصة ، ~~فمن قوي سلك الطريق الأشد فهو أقرب وأعلى ، وهذه للمقربين وهم السابقون ، ~~ومن ضعف سلك الطريق الأرفه وهو الأوسط إلا أنه أبعد ، وهو لأصحاب اليمين ~~وهم المقتصدون ، وفي المؤمنين أقوياء وضعفاء ولينون وأشداء . وروينا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم : المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف ~~وفي كل خير ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم : في المؤمنين من هو أشد في الله ~~عز وجل من الحجارة ، وفيهم من هو ألين من اللبن ، وقال في وصف الأقوياء : ~~مثل المؤمن كمثل النخلة لايسقط ورقها ، وقال الله تعالى في معنى ذلك : ( ~~أصلها ثابت وفرعها في السماء ) إبراهيم : 24 وقال صلى الله عليه وسلم : مثل ~~المؤمن كمثل السنبلة تفيئها الرياح يمينا وشمالا ، وقال عليه السلام في ~~وصفة المؤمن المطعم مثل المؤمن ؛ كمثل النخلة أكلت طيبا ووضعت طيبا ، وقال ~~في وصف المستطعم : مثل المؤمن كمثل النملة تجمع في صيفها لشتائها ، فأوصاف ~~المؤمنين متفاوتة في الضعف والقوة ، وفي الجبن والشجاعة ، وفي الصبر والجزع ~~فشتان بين من شبه في القوة والعلو بالنخلة ؛ قلبه ثابت ، وهمه في السماء ، ~~يطعم جناه ولا يدخر ، إلى من شبه بالنملة في الضعف والذي يستطعم ويحتكر ms0659 ، ~~وقد فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما ومدحهم أنهم لا يسترقون ، ولا ~~يكتوون ، وعلى ربهم يتوكلون ، وذكر أنهم يدخلون الجنة بغير حساب ، فعلل ~~بالتوكل وأخبر أنهم تركوا ذلك توكلا ، ثم سأله عكاشة أن يدعو الله أن يجعله ~~منهم ، ففعل ، لأنه رأى ذلك طريقه ورأى PageV02P035 معه زاده ، وشهد فيه ~~القوة فأهله لذلك ، فلما قال له الآخر : ادع الله أن يجعلني منهم ، ~~والمقامات لا يقتدى بها ولا يتمثل فيها ، كما لا تدعى ، لأنها مواجيد قلوب ~~باتحاد قريب ومشاهدات غيوب بإشهاد حبيب ، فلما لم ير ذلك طريقه ولم يشهد ~~معه زاده لم يؤهله لذلك ، فأوقفه على حده وحكم عليه بضعفه ، فرده ردا جميلا ~~، لأنه كان حبيبا كريما ، فقال : سبقك بها عكاشة ، فهذا كما يقول الحاكم ~~الحكيم : إذا ضعف أحد الشاهدين زدني شاهدا آخر ، ولا يصرح بجرح الشاهد ولو ~~عدله لقبله ، ولم يطلب الزيادة ، وإلا فالمقامات لا تضيق لمن سبق إليها ، ~~والرسول غير بخيل مع قوله تعالى شاهدا له : ( وماهو على الغيب بضنين ) ~~التكوير : 42 ، ولكن لم ير فيه شاهد ذلك من القوة ، وتبين فيه الضعف عن ~~الحمل فلم يخاطر به ، وقد نهى عن الكي في غير حديث وقال لرجل أراد أن يداوي ~~أخاه إلا أنه مات من علته ، فقال : أما لو برأ لقلت برأته لعلمه بما يهجس ~~في بعض النفوس أن الشفاء والنفع من فعل الدواء ، وذلك من الشرك فكره ~~المحققون بالتوحيد التداوي خشية دخول ذلك عليهم . وروي عن موسى عليه السلام ~~: يارب ممن الدواء والشفاء ؟ قال : مني ، قال : فما يصنع الأطباء ؟ قال : ~~يأكلون أرزاقهم ، ويطيبون نفوس عبادي ، حتى يأتي شفائي أو قبضي ، وقد كان ~~ابن حنبل يقول : أحب لمن اعتقد التوكل ، وسلك هذا الطريق ترك التداوي من ~~الأشربة وغيرها ، واعتل عمران بن حصين فأشاروا عليه أن يكتوي فامتنع ، فلم ~~يزالوا به ، وعزم عليه زياد بذلك ، وكان أميرا حتى اكتوى ، فكان يقول : كنت ~~أرى نورا ، وأسمع صوتا ، وأسمع تسليم الملائكة علي ، فلما اكتويت انقطع ذلك ~~عني ، وفي خبر كانت الملائكة تزوره ms0660 فيأنس بها حتى اكتوى ، فكان يقول : ~~اكتوينا كيات ، فوالله ما أفلحنا ولا أنجحنا ، ثم ناب من ذلك ، وأناب إلى ~~الله تعالى ، فرد الله عليه ما كان يجد من أمر الملائكة ، وقال لمطرف بن ~~عبد الله : ألم تر أن الكرامة التي كان أكرمني الله بها قد ردها علي ؟ بعد ~~أن كان أخبره بفقدها ، فلولا أن ذلك كان عنده ذنبا له ، لما ندم عليه وتاب ~~منه ، ولولا أن ذلك كان نقصا ما صرفت الملائكة عنه ، ومرض أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه فقيل له : لودعونا لك طبيبا ، فقال : قد نظر إلي الطبيب ، ~~فقال : إني فعال لما أريد ، وقيل لأبي الدرداء في مرضه : ما تشتكي ؟ قال ~~ذنوبي ، قيل : فما تشتهي ؟ قال : مغفرة ربي ، قيل : أفلا ندعو لك طبيبا ؟ ~~قال : الطبيب أمرضني ، وقيل لأبي ذر وقد رمدت عيناه : لو داويتهما ، فقال : ~~إني عنهما لمشغول ، قيل : فلو سألت الله أن يعافيك ، فقال : أسأله فيما هو ~~أهم إلي منهما ، وقيل لأبي محمد : متى يصح لعبد التوكل ؟ قال : إذا دخل ~~عليه الضر في جسمه ، والنقص في ماله ، فلم يلتفت إليه شغلا بحاله للنظر إلى ~~قيام الله عليه ، وقد كان أصاب الربيع بن خيتم الفالج ، فقيل له : لو ~~تداويت فقال : قد هممت ، ثم ذكرت عادا وثمودا وقرونا بين ذلك كثيرا كانت ~~فيهم PageV02P036 الأوجاع ، وكانت فيهم الأطباء ، فهلك المداوي والمداوى ~~ولم تغن الرقي شيئا ، وقد أصاب عبد الواحد بن زيد الفالج فعطل عن القيام ، ~~فسأل الله أن يطلقه في أوقات الصلاة ثم يرده إلى حاله بعد ذلك ، فكان إذا ~~جاء وقت الصلاة فكأنما أنشط من عقال ، فإذا قضى الصلاة رجع إليه الفالج ~~وكما كان قبل ذلك ، ومن لم يتداو من الصديقين والسلف الصالح أكثر من أن ~~يحصى ، إلا أنه مخصوص لمخصوصين ؛ ألم تر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما ذكر السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، ثم وصفهم بأنهم لا ~~يكتوون ، ولا يسترقون ، فقام إليه عكاشة بن محصن الأسدي فقال : ادع الله أن ~~يجعلني منهم ، فدعا ms0661 له ، فقام رجل آخر فقال : ادع الله أن يجعلني منهم ، ~~فقال : سبقك بها عكاشة ، فلم يمنعه من الدعاء بخلا عليه ، إلا أن طريق ~~الخصوص الأقوياء لا يسلكه العموم الضعفاء ، كما أن طريق العموم قد زهد فيه ~~الخصوص . وأعجب ماسمعت قال بعض العارفين : أصفى ما أكون قلبا إذا كنت ~~محموما ، أو من مواجيد العارفين ما حكي لنا أن موسى والخضر عليهما السلام ~~اجتمعا في فلاة من الأرض ، فشكا موسى إلى الخضر الجوع فقال له الخضر : اجلس ~~بنا حتى ندعو ، فتكلم الخضر بشيء ، فأقبل ظبي حتى وقع بينهما نصفين : نصفه ~~إلى الخضر مشويا ونصفه إلى موسى نيئا ، فقال له الخضر : قم فاحمل هموما كما ~~حملت همومها ، فأوقد نارا واشو نصيبك وكل ، قال : فقدح موسى نارا وأشعل ~~حطبا وسوى نصيبه ، فلما فرغ قال للخضر : كيف وقع نصفه إليك مشويا ؟ قال : ~~إنه لم يبق لي في الدنيا أمل ، وقيل عنه أيضا مرة أخرى : إنه ليس لي في هذه ~~الخلق حاجة ، وقد كان مذهب سهل أن ترك التداوي ، وأن أضعف عن الطاعات ، ~~وقصر عن الفرائض أفضل من التداوي لأجل الطاعات ، وكانت به علة فلم يكن ~~يتداوى منها ، وقد كان يداوي الناس منها ، وكان إذا رأى العبد يصلي من قعود ~~، أو لا يستطيع أعمال البر من الأمراض ، فيتداوى للقيام في الصلاة ، ~~والنهوض إلى الطاعة ، يعجب من ذلك ويقول : صلاته من قعود مع رضاه بحاله ~~أفضل له من التداوي للقوة ، ويصلي من قيام ، وسئل عن شرب الدواء فقال : كل ~~من دخل إلى شيء من الدواء فإنما هو سعة من الله لأهل الضعف ، ومن لم يدخل ~~في شيء منه فهو أفضل ، لأنه إن أخذ شيئا من الدواء ولو كان الماء البارد ~~سئل عنه : لم أخذت ؟ ومن لم يأخذ فليس عليه سؤال ، وقال : من لم ~~PageV02P037 يأخذ الماء البارد فليس عليه سؤال ، وقال : من يأخذ الماء ~~البارد على سبيل الدواء سئل ، وأصله في هذا أن عنده من أفضل الأعمال أن ~~يضعف العبد قوته ، حتى لا يكون لنفسه حراك لأجل الله ms0662 تعالى ، وإن ذرة من ~~أعمال القلوب ؛ مثل التوكل والرضا والصبر أفضل من أعمال جبال من عمل ~~الجوارح ، وهذا مذهب البصريين في إسقاط القوة بالتجوع الطويل والطي الكثير ~~لتضعف النفس ، لأن عندهم أن في قوة النفس قوة الشهوات وغلبة الصفات ، وفي ~~ذلك وجود المعاصي وكثرة الهوى وطول الرغبة والحرص على الدنيا وحب البقاء ، ~~يقول : إذا أدخل الله عليها الأمراض من حيث لا تحتسب ، فلا يتعالج لرفع ~~الأمراض عنها ، فإن لامرض من نهاية الضعف ومن أبلغ ما ينقص به الشهوة ، وقد ~~كان يقول : علل الأحسام رحمة وعلل القلوب عقوبة ، وقال مرة : أمراض الجسم ~~للصديقين ، وقد كان ابن مسعود يقول : تجد المؤمن أصح شيء قلبا وأمرضه جسما ~~، وتجد المنافق أصح شيء جسما وأمرضه قلبا ، وعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : تحبون أن تكونوا كالحمر الصيالة ؛ لا تمرضون ولا تسقمون ، وقد قيل : ~~لا يخلوا المؤمن من علة في جسمه أو قلة في ماله ، وقيل : لا يخلو من غلبة ~~أو ذلة ، وللعبد إن لم يتداو أعمال حسنة ؛ منها أن ينوي الصبر على بلاء ~~الله تعالى ، والرضا بقضائه والتسليم لحكمه إذ قد حسن عنده لأنه موقن وإذ ~~قد عرف الحكمة في ذلك والخيرة في العاقبة ، لأنه حكيم ، ومنها أن مولاه ~~أعلم به منه وأحسن نظرا واختيارا ، وقد حبسه وقيده بالأمراض عن المعاصي ، ~~كما روي عن الله تعالى : الفقر سجني والمرض قيدي ، أحبس بذلك من أحب من ~~خلقي ، فلا يأمن إن تداوى فعوفي أن تقوى النفس فيفسده هواها ، لأن المعاصي ~~في العوافي ، وعلة سنة خير من معصية واحدة ، لقي بعض الناس بعض العارفين ، ~~فقال له والعارف : كيف كنت بعدي ؟ قال : في عافية فقال : إن كنت لم تعص ~~الله فأنت في عافية ، وإن كنت قد عصيته فأي داء أدوى من المعصية ماعوفي من ~~عصى ، وقال علي رضي الله عنه لما رأى زينة النبط بالعراق يوم عيدهم : ماهذا ~~الذي أظهروه ؟ قالوا : ياأمير المؤمنين ، هذا يوم عيد لهم ، فقال : كل يوم ~~لايعصى الله فيه فهو عيد لنا . وقال الله ms0663 تعالى وهو أصدق القائلين : ( ~~وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ) آل عمران 125 قيل : العوافي والغنى ، ~~وقال بعضهم : إنما حمل فرعون أن قال : أنا ربكم الأعلى طول العوافي ، لبث ~~أربعمائة سنة لم يصدع له رأس ، ولم يحم له جسم ، ولم يضرب عليه عرق ، فادعى ~~الربوبية ، ولو أخذته الشقيقة والمليلة في كل يوم لشغله ذلك عن دعوى ~~الربوبية PageV02P038 واعلم أن الإنسان قد يطغى بالعوافي كما يطغى بالمال ، ~~لأنه قد يستغني بالعافية كما يستغني بالمال ، وكل فيه فتنة ، وقد قال الله ~~تعالى : ( كلا إن الإنسان ليطغى ) ( أن رآه استغنى ) العلق : 6 - 7 ، وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ؛ الصحة ~~والفراغ ، والعصمة في حال العافية نعمة ثانية ، كالعصمة في الغنى نعمة ~~النعمة ، وهذا أحد الوجوه في قوله عز وجل : ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم ) ~~الأحقاف : 20 ومنها أن الأمراض مكفرة للسيئات ؛ فإذا كره الأمراض بقيت ~~ذنوبه عليه موفورة ، وفي الخبر : لاتزال الحمى والمليلة بالعبد حتي يمشي ~~على وجه الأرض وما عليه خطيئة ، وفي خبر : حمى يوم كفارة سنة ، وأحسن ما ~~سمعت في معناه ، قال : لأن حمى يوم تهد قوة سنة ، وقيل : في الإنسان ~~ثلاثمائة وستون مفصلا ، يدخل حمى يوم في جميع المفاصل فيكون له بكل مفصل ~~كفارة يوم ، ولما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم : كفارة الذنوب بالحمى ~~، سأل زيد بن ثابت ربه أن لا يزال محموما ، قال : فلم تكن الحمى تفارقه في ~~كل يوم حتى مات ، وسأل ذلك طائفة من الأنصار ، وكذلك لما ذكر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : من أذهب الله كريمته لم يرض له ثوابا دون الجنة ، قال : ~~فقد رأيت الأنصار يتمنون العمى ، ولما جاءت الحمى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تستأذن عليه قال : اذهبي إلى أهل قباء ، وهذا أحد الوجهين في قوله ~~تعالى : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا ) التوبة : 108 أي بالأمراض من الذنوب ~~، وعن عيسى عليه السلام يقول : لا يكون عالما من لم يفرح بدخول المصائب على ~~جسده ms0664 ، وما له لما يرجو في ذلك من كفارة خطاياه ، والصديقون يبتلون بعلل ~~الجوارح ، والمنافقون يبتلون بأمراض القلوب ، لأن في أمراض الأجسام ضعفها ~~عن الآثام والطغيان ، وفي أمراض القلوب ضعفها عن أعمال الآخرة والإيقان وفي ~~معنى قوله عز وجل : ( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ) لقمان : ، 2 ، قيل ~~ظاهرة العوافي وباطنة البلاوي لأنها نعم الآخرة ، وروي أن موسى عليه السلام ~~نظر إلى عبد عظيم البلاء فقال : يارب ارحمه ، فأوحى الله عز وجل إليه : كيف ~~أرحمه ؟ مما به أرحمه ؟ وقد قال الله وهو PageV02P039 أصدق القائلين في ~~تصديق هذا المعنى : ( ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم ~~يعمهون ) المؤمنون : 75 فأخبر أن في ترك الرحمة لهم لطفا ورحمة . وروينا عن ~~عبد الواحد أنه خرج في نفر من إخوانه إلى بعض نواحي البصرة ، فأواهم المسير ~~إلى كهف جبل ، فإذا فيه عبد مقطع بالجذام يسيل جسده قيحا وصديد الأطباخ به ~~، فقالوا : ياهذا ، لو دخلت البصرة فتعالجت من هذا الداء الذي بك ، فرفع ~~طرفه إلى السماء ، وقال : سيدي ، بأي ذنب سلطت هؤلاء علي يسخطوني عليك ، ~~ويكرهون إلي قضاءك ، سيدي أستغفرك من ذلك الذنب ، لك العتبى إني لا أعود ~~فيه أبدا ، قال ثم أعرض بوجهه فانصرفنا وتركناه ، وفي الحديث : نحن معاشر ~~الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلي العبد على قدر إيمانه ؛ ~~فإن كان صلب الإيمان شدد عليه البلاء ، وإن كان في إيمانه ضعف خفف عليه ~~البلاء ، كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار ؛ فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز ، ~~ومنهم دون ذلك ، ومنهم من يخرج أسود محترقا ، وقد روينا حديثا من طريق أهل ~~البيت : إذا أحب الله عبدا ابتلاه ؛ فإن صبر اجتباه ، وإن رضي اصطفاه ، ~~ومنها أن الملك يكتب له مثل أعماله الصالحة التي كان يعملها في صحته ، وأنه ~~يجري له الحسنات ، مثل ما كان يجري له على أعمالهم ، فيكتب الملك له أعمالا ~~صالحة خيرا له من أعماله ، لأنه قد يدخلها الفساد ، واختيار الله له أن ~~يستعمله بالأوجاع ، خير له من اختياره لنفسه أن يستقل إلى ms0665 الله بالأعمال ~~الصالحة ، وهذا أحد المعنيين ، في معنى الخبر : أفضل الأعمال ما أكرهت عليه ~~النفوس ، قيل : هو ما دخل عليها من المصائب في الأنفس والأموال ، فهي تكره ~~ذلك وهو خير لها ، ومن هذا المعنى قوله تعالى : ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ) البقرة : 216 قد يكره العبد الفقر ~~والعيلة والضر والخملة ، وهو خير له في الآخرة وأحمد عاقبة ، وقد يحب الغنى ~~والعوافي والشهرة وهو شر له عند الله وأسوأ عاقبة . وفي الخبر أيضا يقول ~~الله تعالى لملائكته : اكتبوا العبدي صالح ما كان يعمل فإنه في وثاق ؛ إن ~~أطلقته أبدلته لحما خيرا من لحمه ، ودما خيرا من دمه ، وإن توفيته توفيته ~~إلى رحمتي ، فإبدال صفة لحسن اختيار الله له ، خير له من الدنيا والآخرة ~~ومن شهوته ، والأصل في التوكل وتركه ، أن المتوكل على الله قد علم في توكله ~~أن للعلة وقتا إذا انتهت إليه برأ العليل بإذن الله لا محالة ، ولكن الله ~~عز وجل قد يحكم أنه إن تداوى شفاه PageV02P040 في عشرة أيام ، وإن لم يتداو ~~أبرأه في عشرين يوما ، ليترخص العليل بما أباحه الله له ، فيطمع في تعجيل ~~البرء في عشرة أيام ، ليكون أسرع لشفائه ، وأقرب إلى عاقبته ، على أنه ~~معتقد أن الدواء ولا يشفى وإن التداوي لا ينفع لعينه ، لأن الله هو الشافي ~~وهو النافع فالشفاء والنفع فعله لعبده وجعله في الدواء من لطائف حكمته ، لا ~~يجعله سواه ولا يفعله إلا إياه ، إذ كانت العقاقير مطبوعة مجبولة على خلقها ~~، فجاعل الأسباب فيها هو جابلها ، لأن الجعل فيها والخاصية منها ليس من عمل ~~المتطبب ، وإن كان يعمل بها ويجمع بينها وبين العليل لأنه ظهر على يديه ~~سببا لرزقه ، فالله خالق جميع ذلك وفاعله ، وكذلك قال الله تعالى : ( والله ~~خلقكم وما تعملون ) الصافات : 96 وكذلك أيضا عند العارفين أن الخبز لا يشبع ~~وأن الماء لا يروي كما أن المال لا يغني ، والعدم لا يفقر ، لأن الله هو ~~المطعم المسقي وهو المشبع والمروي ، كما ms0666 هو المغني المفقر بما شاء ، كيف ~~شاء وهو جاعل الشبع والري في المطعوم والمشروب ، وفي النفس بالغنى والفقر ~~لحكمته ورحمته ، كما أن الله تعالى هو المجيع المظمئ ، فيدخل الطعام ~~والشراب على الجوع والعطش الذين جعلهما فيذهبهما بما أدخل عليهما ، كما ~~يدخل الليل على النهار ، ويدخل النهار على الليل ، فيغلب سلطان كل واحد على ~~الآخر فيذهبه ، فسواء هذا عند الموحدين من وصف الليل والنهار ، ومن العلل ~~والأدوية يتسلط الشيء على ضده فيزيله بقلبه ، فهذه بإذن الله ، والشرك في ~~هذه الأشياء في العموم أخفى من دبيب النمل على الصفا ، والموقنون الصحيحو ~~التوحيد من جميع ذلك برآء ، وعلى هذه المعاني أحد الوجهين في قوله تعالى : ~~( الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) طه : 50 أي أعطى كل لون وجنس خلقته وطبعه ~~أي صورة الشيء ، ووصفه للضر والنفع ، فإن تعجل العليل البرء بالتداوي فبرأ ~~، كان ذلك بقضاء الله وقدره ، على وصف السرعة من المعافاة ، فإن كان ناويا ~~في تداويه واستعجاله شفاءه الطاعة لمولاه ، والقيام بين يديه للخدمة ، كان ~~مثابا على ذلك فاضلا فيه غير منقوص في مقام توكله ، وإن أراد بذلك صحة جسمه ~~لنفسه والنعيم بالعوافي كان ذلك بابا من أبواب الدنيا ، ودخولا فيما أبيح ~~له منها ، وهو يخرجه من فضيلة التوكل ، وحقيقته بمقدار ما نقصه من الزهد في ~~الحياة والنعيم ، وإن أراد باستعجال العوافي قوة النفس لأجل الهوى ، وليسعى ~~في مخالفة المولى ، كان مأزور السوء نيته ووجود عزيمته وخرج من المباح إلى ~~المحظور ، وذلك يخرجه من حد التوكل وأوله ، وهذا من مذموم أبواب الدنيا ~~وممقوتها ، وإن كانت نيته في تعجيل العوافي التصرف في المعايش والتكسب ~~للإنفاق والجمع ، نظر في شأنه ؛ فإن كان يسعى في كفاف وعلى عيلة ضعاف ، وعن ~~حاجة وإجحاف لحق هذا بالطبقة الأولى ، وهذا باب من أبواب الآخرة وهو مأجور ~~عليه ، ولا يخرجه من التوكل ، وإن كان يسعى في تكاثره ، وتفاخر ، ولا يبالي ~~من أين كسب ، وفيما أنفق ، لحق هذا في الطبقة الثالثة من العاصين ، وهذا من ~~أكبر الدنيا المبعدة عن ms0667 الله عز PageV02P041 وجل ، فهذه نيات الناس في ~~التداوي المحمودة والمذمومة ، فإن لم يتداو المتوكل تسليما للوكيل وسكونا ~~تحت حكمه ورضا باختياره وصنعه ، إذ قد أيقن أن للعلة وقتا إذا جاء برئ بإذن ~~الله تعالى ، إلا أنها بعد عشرين يوما ، فيصبر ويرضى ويحمل على نفسه ألم ~~عشرة أيام رضا بقضاء الله ، وصبرا على بلائه ، وحسن ظن باختياره له ، ولا ~~يتهمه في قضاءه عليه ، فهذا هو أحد الوجوه في حسن الظن باختيار الله أن لا ~~يتهم الله في فضيلة كيف ، وقد روي فيه نص أن رجلا قال : يارسول الله ، ~~أوصني ، فقال : لا تتهم الله في شيء قضاه عليك . وقد روي في معنى هذا خبر ~~فيه شدة ، يقول الله تعالى : من لم يصبر على بلائي ويرض بقضائي ويشكر ~~نعمائي فليتخذ ربا سواي ، وهذا باب من الزهد في الدنيا بمقدار ما نقص من ~~الرغبة في نعيم النفس ، لأن الجسم من الملك فما نقص منه نقص من الدنيا ، ~~والقلب من الملكوت فما زاد فيه زاد في الآخرة وهو باب من الصبر بقدر ما صبر ~~عليه من النقص ، كما قال تعالى : ( ونقص من الأموال والأنفس ) البقرة : 155 ~~يعني أمراضها وأسقامها ، وبشر الصابرين ونقص الأموال إقلالها وإذهابها ، ~~فكذلك جعلناه زهدا لاقترانه بالمال ، ومع هذا فهو لا يأمن في تعجيل العوافي ~~من المعاصي ، فإذا انتهى وقت العلة ، برئ من غير دواء بإذن الله ، وله في ~~الأمراض تجديد التوبة ، والحزن على الذنوب ، وكثرة الاستغفار ، وحسن ~~التذكرة ، وقصر الأمل ، وكثرة ذكر الموت ، وفي الخبر : أكثروا من ذكر هادم ~~اللذات : ومن أبلغ ما يذكر به الموت وتوقع نزوله الأمراض فقد قيل : الحمى ~~بريد الموت ، وفي قوله عز وجل : ( أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو ~~مرتين ) التوبة : 126 الآية ، قيل : بالأمراض والأسقام يختبرون بها ، ويقال ~~: إن العبد إذا مرض مرضتين ثم لم يتب قال ملك الموت : يا غافل ، جاءك مني ~~رسول بعد رسول فلم تقبل ، وقد كانوا يستوحشون إذا خرج عنهم عام لم يصابوا ~~فيه بنقص أو مال ، ويقال ms0668 : لا يخلو المؤمن في كل أربعين يوما أن يروع بروعة ~~أو يصاب بنكبة ، فكانوا يكرهون فقد ذلك في ذهاب هذا العدد من غير أن يصابوا ~~فيه بشيء ، وروي أن عمارا تزوج امرأة فلم تكن تمرض فطلقها ، وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم عرضت عليه امرأة فذكر من وصفها حتى هم أن يتزوجها ، فقيل له ~~: إنها ما مرضت قط فقال : لا حاجة لي فيها ، وذكر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : الأوجاع من الصداع وغيره ، فقال رجل : وما الصداع ؟ ما PageV02P042 ~~أعرفه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إليك عني ، من أراد أن ينظر إلى رجل ~~من أهل النار فلينظر إلى هذا ، لأن في الخبر أن الحمى حظ المؤمن من نار ~~جهنم ، وفي حديث أنس وعائشة : يا رسول الله ، هل يكون مع الشهداء يوم ~~القيامة غيرهم ؟ فقال : نعم ، من ذكر الموت في كل يوم عشرين مرة ، وفي لفظ ~~الحديث الآخر : الذي يذكر ذنوبه فتحزنه ، وإن ترك التداوي وبرئ بغير دواء ، ~~كان هذا من قضاء الله وقدره على وصف الإبطاء ، وقد اختلف رأي الصحابة في ~~مثل هذا المعنى ، عام خرج عمر رضي الله عنه إلى الشام ، فلما بلغوا الجابية ~~انتهي إليهم خبر الشام أن به وباء عظيما وموتا ذريعا ، فوقف الناس وافترقوا ~~فرقتين ، فمنهم من قال : لا ندخل على الوباء نلقي بأيدينا إلى التهلكة ~~فنكون سببا لإهلاك أنفسنا ، وقالت طائفة أخرى : بل ندخل ونتوكل على الله ~~ولا نهرب من قدره ، ولا نفر من الموت فنكون كمن قال الله تعالى : ( ألم تر ~~إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ) البقرة : 243 ، فرجع ~~الجميع إلى عمر فسألوه عن رأيه ، فوافق عمر الذين قالوا نرجع ولا ندخل على ~~الوباء ، فقال له آخرون : أنفر من قدر الله ؟ فقال عمر : نعم ، نفر إلى قدر ~~الله ، ثم ضرب لهم مثلا فقال : أرأيتم لو كان لأحدكم غنم وله شعبتان ، ~~إحداهما مخصبة والأخرى مجدبة ، أليس إن رعى الخصبة رعاها بقدر الله ، وإن ~~رعى المجدبة رعاها بقدر الله ؟ فسكتوا ، ثم ms0669 دعا عمر بعبد الرحمن بن عوف ~~يسأله عن رأيه فقيل : هو غائب ، قد تأخر في المنزل الذي نزلنا فيه ، فثبت ~~عمر وأصحابه على ذلك الرأي ، وعلى أن يسأل عبد الرحمن عن رأيه فيه ، فلما ~~أصبحوا جاء عبد الرحمن بن عوف فسأله عمر عن ذلك ، فقال : عندي فيه يا أمير ~~المؤمنين ، شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر رضي الله ~~عنه : الله أكبر يقول : إذا سمعتم بالوباء في أرض فلا تقدموا عليه ، وإذا ~~وقع في أرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ، ففرح عمر بذلك إذ وافق رأيه ~~فرجع بالناس من الجابية . # | بيان آخر من التمثيل في التداوي وتركه # ومثل التداوي وتركه في أنهما مباحان ، وأن أحدهما طريق الأقوياء الصابرين ~~وهو تركه ، مثل التكسب وتركه أن التكسب عند الجوع الذي هو علة الجسم ~~ليستعجل العبد الدواء بالخبز جائز له ، لا يقدح في توكله لأنه مباح له ~~مأمور به ، فإن نوي بالتكسب القوة على الطاعة والسعي في سبيل الله ~~والمعاونة على البر والتقوى ، كان فاضلا فيه ، وإن نوى PageV02P043 بالتكسب ~~الأكل للشهوات والقيام بحظوظ النفس من الرفاهية نقص ذلك من توكله وأخرجه من ~~حقيقته ، فكان طريقا من طرقات الدنيا إلا أنه مباح ، وإن قصد بتكسبه ~~التكاثر والحرص للجمع والمنع كان عاصيا بكسبه مخالفا لربه ، وهذا من أكبر ~~طرق الهوى ، ثم إن لم يتكسب وصبر على الجوع ورضي بالقلة والفقر ، فإن رزقه ~~يأتيه لا محالة لمجيء وقته ، وإن كان قليلا دون سعة ، ولكنه يحتاج إلى فضل ~~صبر ، وحسن رضا ، وسكون نفس ، وطمأنينة قلب ، فإن وجد هذه المعاني فهذا هو ~~التوكل ، وكان فاضلا في ترك التكسب بحسن يقينه وثقته برازقه وشغله بما هو ~~أفضل وأنفع له في عاقبته ، وإن تشتت همته ، واضطربت نفسه ، وتكره قضاء ربه ~~، فأخرجه ذلك إلى الجزع والهلع والتبرم والشكوى ، فالتكسب لهذا أفضل وهو ~~منقوص بتركه ، كذلك أيضا من أكبر الشكوى من علته وتسخط حكم ربه وتبرم وضجر ~~وسطا على الناس ، وساء خلقه بمرضه فإن الأفضل لهذا أن ms0670 يتداوى وهو ناقص ~~بتركه . وروينا عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، أن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله ، وأن تحمدهم ~~على رزق الله ، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله ، إن رزق الله لا يجره حرص ~~حريص ، ولا يرده كره كاره ، إن الله بحلمه وجلاله جعل الروح والفرح في ~~الرضا واليقين ، وجعل الغم والحزن في الشك والسخط . # | ذكر استواء شهادة المتوكل مع اختلاف ظهور الأسباب # ويستوي عند الخصوص بعين يقينهم ما جاءهم بواسطة أيديهم ، وأسباب كسبهم ~~وما جاءهم بأيدي غيرهم وبغير كسبهم إذا كان المعطي عندهم واحدا والعطاء كله ~~رزقا إذ كانت الأيدي ظروف العطاء فيستوي وكأن الظرف يدك أو يد غيرك ، وسواء ~~كان الكسب كسبك أو كسب غيرك لك إذ جميعه رزقك ، ولأن لكل شيء حكما وفي كل ~~شيء حكمة وبكل شيء نعمة ، قال الله تعالى : ( إرم ذات العماد ) ( التي لم ~~يخلق منثلها في البلاد ) الفجر : 7 - 8 فأضافها إليه في الخلق بعد أن بنوها ~~بأيديهم وفرغوا منها ، ومثل هذين أيضا يستوي عندهم ما ظهر بيد القدرة لا ~~خلق فيه ولا واسطة به ، وما ظهر بأيديهم عن الحكمة وترتيب العرف ، لأن ~~القدرة أيضا بمنزلة ظرف للعطاء ظهر العطاء بها ، فهي كأيدي العباد من يد ~~الإنسان نفسه أو يد غيره ، إذ القدرة والحكمة خزانتان من خزائن الملكوت ~~والملك ، فهذه المعاني الثلاث أعني ما ظهر عن يدك وتكسبك ، وما ظهر بيد ~~غيرك ، وعن كسبه لك ، وما أظهرته القدرة عن غير عرف معتاد ولا واسطة مرت به ~~، هذا كله عند الموقنين سواء ، لا يترجح بعضه على بعض لرجحان إيمانهم وقوة ~~يقينهم ونفاذ PageV02P044 مشاهدهم ، إذ كله حكمة بالغة وقدرة نافذة عن حكيم ~~واحد وقادر واحد . # | ومما يدلك على استواء ما ظهر بيد الأواسط وما أظهرته القدرة عند ~~العلماء # أن كل من جمع كرامات الأولياء واجبات الصديقين ذكر فيها ما ظهر لهم عن ~~القدرة ، وما ظهر لهم على أيدي الخلق من الإنفاق ms0671 عند وقت الفاقات عن غير ~~مسألة ولا استشراف نفس ، فسووا بينهما في الكرامات وجعلوهما واحد من ~~الإجابات ، وحسبوا كل ذلك من الآيات ، على أن العارفين يشهدون ما يوصل ~~العبيد إليهم من أقسام رزقهم ، إنها ودائع لهم عندهم وإنه حق لهم بأيديهم ~~يؤدونه إليهم قليلا قليلا ، ويوفونهم إياه شيئا فشيئا إلا أنهم لا يسألونهم ~~إياه ولا يطالبونهم به ، وإن كان لهم عندهم حسن أدب فيهم وحسن اقتضاء لأن ~~من حسن الاقتضاء ترك الطلب ، ولقوة يقينهم برازقهم أنه يوفيهم نصيبهم غير ~~منقوص ، فقد سكنوا إلى قديم وعده كما نظروا إلى بسط يده ، وكذلك مشاهدة ~~العالمين الموصلين إليهم قسمهم الدافعين إليهم حقوقهم ، يشهدون أنهم قد ~~خرجوا إليهم من حقهم وأدوا إليهم ودائعهم ، فيستريحون إلى إخراج ذلك ، ~~ويفرحون بأدائه إلى أربابه ويشكرون الله على حسن توفيقه وإعانتهم على سقوط ~~ذلك عنهم ، كما يفرح من عليه الدين الثقيل إذا أداه فسقط عنه حكمه وقضاؤه ، ~~وهذا مقام للموصلين في المعرفة وحال لهم من اليقين حسنة ، وهو مشاهدة عالية ~~للآخذين من المتوكلين . # | ذكر تشبيه التوكل بالزهد # اعلم أن التوكل لا ينقص من الرزق شيئا ، ولكنه يزيد في الفقر ويزيد في ~~الجوع والفاقة ، فيكون هذا رزق المتوكل ورزق الزاهد من الآخرة ، على هذا ~~الوصف الخصوص من حرمان نصيب الدنيا وحمايته عن التكاثر منها ، والتوسع فيها ~~فيكون التوكل والزهد سبب ذلك ، فيكون ما صرفه عنه من الدنيا زيادة له في ~~الآخرة من الدرجات العلى ، وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~نقصان الدنيا زيادة الآخرة ، وزيادة الدنيا نقصان الآخرة ، ومن أعطى من ~~الدنيا شيئا نقص ذلك من منزلته في الآخرة ، وإن كان على الله كريما ، وقيل ~~إن الدنيا والآخرة مثل ضرتين ، من أرضى إحداهما أسخط الأخرى ، وقال رجل ~~لبعض العلماء : كنت في محلة ليس فيها بقال غيري ، ففتح إلى جنبي بقال آخر ~~فأخاف أن ينقص ذلك من رزقي شيئا ، فقال : ليس ينقص من رزقك شيئا ولكن يزيد ~~في بطالتك ، تقعد كثيرا لا تبيع شيئا ، وقد غلط في ms0672 هذا الطريق قوم ادعوا ~~التوكل والزهد واتسعوا في المآكل والملابس ، على أن ذلك لا ينقصهم من رزقهم ~~شيئا ، فموهوا على دونهم ممن لا يعرف طريق الزهد والتوكل . # | ذكر كتم الأمراض وجواز إظهارها # الأفضل لمن لم يتداو أن يخفي علله لأن ذلك من كنوز البر ولأنها معاملات ~~بينه PageV02P045 وبين خالقه ، فسترها أفضل وأسلم له إلا أن يكون له نية في ~~الإظهار أو يكون إماما يستمع إليه ويقتبس منه الآثار ، ويكون مكينا في ~~المعرفة يخبر بعلته وقلبه راض عن الله فيما قدره ، أو يكون ممن يشهد البلاء ~~نعمة فيكون إخباره بمثابة التحدث بنعمة الله ، وإلا فإظهار العلل لمن لا ~~يتداوى نقص لحاله ، وداخل في الشكاية لمولاه ، لأن في الشكوى استراحة النفس ~~من البلوى كالاستراحة بالدواء ، وهذا لا يفعله عالم لأن الاستراحة بالدواء ~~الذي أباحه له المولي خير من استراحته إلى العبيد بالشكوى ، على أنه لا ~~يأمن دخول الآفات عليه في الأخبار من التصنع أو التزيد في العلة وغير ذلك ، ~~وقيل في قوله عز وجل : ( فصبر جميل ) يوسف : 18 ، قال : لا شكوى فيه ، وقال ~~بعضهم : من بث شكواه فلم يصبر ، وقيل ليعقوب عليه السلام : ما الذي أذهب ~~بصرك ؟ فقال : من الزمان وطول الأحزان ، فأوحى الله إليه : تفرغت تشكوني ~~إلى خلقي ؟ فقال : يا رب ، أتوب إليك ، وعن طاووس ومجاهد : يكتب على المريض ~~أنينه في مرضه ، قال : وكانوا يكرهون أنين المريض لأنه إظهار معنى يدل على ~~شكوى ، قيل : ما أصاب إبليس من أيوب إلا أنينه في مرضه ، فجعل الأنين حظه ~~منه ، وفي الخبر : إذا مرض العبد أوحى الله تعالى إلى الملكين : انظرا إلى ~~عبدي ما يقول لعواده فإن حمد الله وأنثى عليه بخير ، ادعوا له وإن شكا وذكر ~~شرا قالا : لا ، كذلك يكون ، وإنما كره بعض العباد العيادة خشية الشكاية ~~وخوف الزيارة في القول أن يخبر عن العلة بأكثر منها فيكون في ذلك كفرا ~~لنعمة بين بلاءين ، وكان بعضهم إذا مرض أغلق بابه فلم يدخل عليه أحد حتى ~~يبرأ ، فيخرج إليهم ، منهم فضيل ووهيب ، وبشر ms0673 كان يقول : أشتهي أن أمرض بلا ~~عواد ، وقال فضيل : ما أكره العلة إلا لأجل العواد ، وقد رأينا من الصالحين ~~من فعل ذلك ممن هو إمام وقدوة ، ولا ينقص توكل المتوكل إخباره بعلته على ~~معنى التحدث بها مع فقد آفات النفوس ، إذا كان قلبه شاكرا لله راضيا بقضائه ~~، ويكون بذلك مظهرا للافتقار والعجز بين يدي مولاه أو راغبا في دعاء إخوانه ~~المؤمنين ، أو يشهد ذلك نعمة فيحدث بها شكرا ، وقد حكي أن بشر بن الحرث كان ~~يخبر عبد الرحمن المتطبب بأوجاعه ، فيصف له أشياء ، وقيل عن أحمد بن حنبل ~~أنه كان يخبر بأمراضه ويقول : إنما أصف قدرة الله تعالى في . وروي عن الحسن ~~البصري : إذا حمد المريض الله عز وجل وشكره ثم ذكر علته ، لم PageV02P046 ~~يكن ذلك شكوى ، وقد كان أحمد بن حنبل لا يخبر بأمراضه إذا سئل عنها ، ثم ~~رجع إلى قول الحسن هذا ، فكان بعد ذلك يحمد الله ويثني عليه ويقول : أجد ~~كذا وأجد كذا ، وروي أنه قيل لعلي رضي الله عنه في مرضه : كيف أنت ؟ فقال : ~~بشر ، فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم كرهوا ذلك فقال : أتجلد على الله ، كأنه ~~أحب أن يظهر افتقاره إلى الله ، وأراد أيضا أن يعلمهم أنه لا بأس بذلك لأن ~~من يقول : بخير إذا سئل كثير ، كما قال الثوري : إنما العلم الرخصة من ثقة ~~، فأما التشديد فكل أحد يحسنه ، فكان علي رضي الله عنه أراد أن يتحقق ~~بتأديب النبي صلى الله عليه وسلم له ونهيه إياه عن إظهار القوى ، لأنه روي ~~أنه مرض فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم ، صبرني على البلاء ~~فقال : لقد سألت الله البلاء ولكن سل الله العافية ، ومن هنا قال مطرف : ~~لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلي فأصبر ، لأن البلاء طريق الأقوياء ، ~~وكره أهل الإشفاق والخشية إظهار الجلد والقوة بين يدي القوي العزيز ، وقد ~~حكي أن الشافعي مرض مرضة شديدة بمصر فكان يقول : اللهم ، إن كان في هذا ~~رضاك فزدني منه ، فكتب إليه بعض العلماء وهو ms0674 إدريس بن يحيي المعافري ، يا ~~أبا عبد الله ، لست من رجال البلاء فسل الله العافية ، فرجع عن قوله هذا ~~واستغفر منه ، فبعد هذا والله أعلم ، لعله ما حكي عنه أنه كان يقول في ~~دعائه : اللهم إجعل خيرتي فيما أحببت . # | ذكر فضل التارك للتكسب # قد يفضل التارك للتكسب شغلا بالعبادة عن المتكسب ، من حيث فضل المتقدمون ~~الزاهد في الدنيا على كاسب المال حلالا ومنفقه في سبيل الله ، وسئل الحسن ~~عن رجلين ، أحدهما محترف والآخر مشغول بالتعبد : أيهما أفضل ؟ فقال سبحان ~~الله ما اعتدل الرجلان المتفرغ لعبادة أفضلهما ، وقد روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : كفى بالموت واعطا وبالتقوى غنى وبالعبادة شغلا ، وقد علم ~~التارك للتكسب توكلا على الله وثقة به ورعاية لمقامه وصبرا على فقره وشغلا ~~بمعاده عن معاشه ومقاساة الفتنة ، إن مولاه قد تكلل له برزقه في الدنيا وقد ~~وكل إليه عمل الآخرة ، وأنه إن شغل بما وكله إليه من عمل آخرته أقام له من ~~يقوم بكفايته من دنياه ، فلو لم يتصرف المتوكل تصرف له غيره ، وإن عمل ~~آخرته الذي وكله إليه هذا فلم إن لم يعمله لم يقم غيره مقامه ، وإن الله ~~تكفل له بعمل الدنيا ، فإن لم يعمل لعمل له سواه كيف شاء ، فهذا هو الفرق ~~بين ماتكفل له به من عمل الدنيا وبين ما وكله به من عمل الآخرة ، قال الله ~~سبحانه في رزق الدنيا الذي تكفل به : ( وكأين PageV02P047 من دابة لا تحمل ~~رزقها الله يرزقها وإياكم ) العنكبوت : 60 وقال تعالى في رزق الآخرة الذي ~~وكل به : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) النجم : 39 ، ثم قد علم المتوكل ~~بعدتوحيده أن هذه الأربعة الأشياء منتظمة في سلك واحد ، كشيء واحد يقع وقعة ~~واحدة رزق مقسوم لا يزاد فيه في وقت معلوم ولا يتقدم ولايتأخر بسبب محكوم ، ~~لا ينقلب عند أثر مكتوب ولايتغير ، فالرزق بفضل الرازق والوقت الذي يظهر ~~فضل العطاء لا يقع إلا في ظرف ، والسبب حكمة القاسم والأثر حد المرزوق ، ~~فلما أيقن المتوكل بهذا ms0675 كان إن تصرف بحكم ، وإن قعد قعد بعلم ، فاستوى ~~تصرفه وقعوده لأنه قائم بحكم ما يقتضي منه في علم حاله عالم بحكم مصرفه ~~ومقعده ، فإن شغله مولاه بخدمته عن خدمة من سواه ، فصرفه في معاملته دون ~~معاملة العبيد ساق إليه رزقه كيف شاء من الوجوه وبيد من شاء من العبيد ، ~~يحفظه له عن مجاوزة الحدود ، كما قال تعالى : ( حافظات للغيب بما حفظ الله ~~) النساء : 34 ، وبتوليه له وعصمته إياه عن التورط في محظور ، كما أخبر عن ~~أوليائه في قوله عز وجل : ( وهو يتولى الصالحين ) الأعراف : 196 ، وكان ~~العبد فاضلا في قعوده لشغله عن العبيد بمعبوده ، بانقطاعه إلى معاملة الملك ~~دون ما يقطعه من معاملة الملوك ، وبهمة الآخرة عن الدنيا ، وكان داخلا في ~~وصف ما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل كفاية الله ، فيما روي ~~عنه من جعل الهموم هما واحدا ، كفاه الله آخرته ، وخارجا عن وصف من قطعه عن ~~الله بهمة غيره وعرضه للهلكة في أودية الهموم ، في قوله عليه السلام : من ~~أصبح وهمه غير الله فليس من الله ، وفي قوله : ومن تشعبت به الهموم لم يبال ~~الله في أي أوديتها هلك ، فإن كان حال المتوكل أن يجري رزقه على يد نفسه ~~وكسب جارحته فهو خزانة من خزائن الملك وهو عبد من عبيد الملك ، يوصل إليه ~~عن يد نفسه بما يوصله إليه عن يد غيره وسواه ، ساق إليه الرزق أو ساقه إلى ~~الرزق بعد أن يرزقه ، لأن ما لقيته فقد لقيك ، والعبد متوكل على الله في ~~الحالين ، ناظر إليه بالمعنيين ، قائم بحكم حاله في الأمرين ، عارف بحسن ~~اختيار الله له في الحكمين ، ومن ترك التكسب لأجل الله ثقة به وسكونا إليه ~~أو لدخول الآثام وتعذر القيام بالأحكام ، فحسنه كحسن من عمل شيئا لأجل الله ~~لأن الترك عمل يحتاج إلى نية صالحة وأفضل الناس عندالله أتقاهم له وأتقاهم ~~له أعرفهم به متصرفا كان أو قاعدا ، هذا هو فصل الخطاب . وروينا في حديث ~~عبد الله بن دينار عن عمرو ms0676 بن ميمون عن النبي صلى الله عليه وسلم : أتدرون ~~ما قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : حين استوى على عرشه ونظر ~~إلى خلقه : عبادي ، أنتم خلقي وأنا ربكم أرزاقكم بيدي فلا تتعبوا أنفسكم ~~فيما تكفلت لكم به ، واطلبوا أرزاقكم مني وانصبوا أنفسكم لي ، وارفعوا ~~حوائجكم إلي أصب عليكم أرزاقكم ، أتدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الله ~~ورسوله أعلم ، قال : عبدي أنفق أنفق عليك ووسع PageV02P048 أوسع عليك ، ولا ~~تضيق فأضيق عليك ، إن أبواب الرزق بالعرش لا تغلق ليلا ولا نهارا ، فأنزل ~~الرزق منها لكل عبد على قدر نيته وعالته وصدقته ونفقته ، فمن أكثر أكثر له ~~ومن أقلل أقلل له ، ومن أمسك أمسك عليه ، يا زبير إن الله يحب الإنفاق ~~ويبغض الإقتار ، فكل وأطعم ولاتقتر فيقتر الله عليك ولا تعسر فيعسر عليك ، ~~أطعم الإخوان ووقرالأخبار وصل الجار ولاتماش الفجار تدخل الجنة بغير حساب ، ~~فهذه وصبة الله لي ووصيتي لك يا زبير بن العوام : والأسواق موائد الآباق ~~يطعم المولى منها من أبق من خدمته وهرب من مجالسته ووهن عن معاملته وجبن في ~~متاجرته ، قال الله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( ما ~~أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) الذاريات : 56 - 57 ، وقال بعض أهل ~~العربية من القدماء : ما أريد أن يرزقوا خلقي إن الله هو الرزاق ، أي لهم ~~لا يطالبهم أن يرزقوا نفوسهم إذا خدموه ، فذكر الله الوجوه الثلاثة واختار ~~لنفسه أحدها وهي الخدمة ، وعليه الكفاية ، واختار من العبيد أحدهم فجعله ~~عابده وتنزه عن أحدهما وتعالى عنه وهو الإطعام من العبيد له ، وصرف عموم ~~العبيد في الوجه الثالث من الإطعام لأنفسهم وهو التكسب ، وضرب هذا مثلا ~~بينه وبين خلقه في الأرض وله المثل الأعلى في السموات والأرض ، فبقي العبيد ~~مع الله تعالى بحكمين ، أحدهما ما اختاره لنفسه من العبادة وهي المعاملة ~~وعليه الرزق كيف شاء ومتى شاء وهؤلاء عباد الرحمن لا عبيد الدنيا ، والثاني ~~ماصرف العبيد فيه من التكسب لأنفسهم وجعل ذلك رزقا منه لهم بجوارحهم ومدحهم ~~على هذا الوصف ms0677 ، وهؤلاء عموم العبيد منهم عبيد الدنيا وعبيد الهوى وبقي ~~المولى مع العبيد على الأحكام الثلاثة التي أباحها الله تعالى لهم وضرب بها ~~المثل بينه وبينهم ، أيها اختاره كان ذلك لهم ، وتفسير ذلك أن للمولى من ~~الخلق أن يقول لعبده : اذهب فأطعمني لأنك عبدي وملك يدي ، فأنا أملك كسبك ~~كما أملك نفسك ، وهذا هو الوجه الذي ذكرناه أن الله تنزه عنه وتعالى علوا ~~كبيرا فقال تعالى : ( ما أريد أن يطعمون ) الذاريات : 57 ، كما يريد ~~الموالي من عبيدهم هذا ثم يقول المولى منا لعبده : اذهب فأطعم نفسك واسع في ~~قوتك فقد أبحت لك ذلك ، ووهبت لك كسبك فهو رزق مني لك وتفضل مني عليك ، ~~وبهذا صار المكاتب لعبده في فكاك عتقه كالمعتق بأن كان له الولاء وقد يكون ~~له الميراث في حال ، لأنه منعم عليه بالكتابة له كالمعتق ، وإن كان العبد ~~هو الذي سعى في فكاك رقبة PageV02P049 نفسه بكسبه من قبل أن المولى يستحق ~~عليه كسبه ويملك رقبته ، فلما ملك عبده ذلك صار محسنا إليه فهذا حال عموم ~~العبيد مع الله تعالى ، لأنه مولاهم الحق وهم عبيده ، قن فقال : اذهبوا ~~فتكسبوا ، وأطعموا أنفسكم فقد رزقتكم ذلك ووهبته لكم ، وهذا هو الوجه ~~الثاني الذي نزه الخصوص عنه تفضيلا لهم ، فلم يستسعهم وقطعهم فشغلهم بخدمته ~~عن خدمة نفوسهم وخليقته ، وتوكل لهم بكفايتهم ولم يوكلهم فيها كما وكل ~~غيرهم ، بل وكل بأرزاقهم من يشاء من عباده وهو معنى قوله تعالى ( ما أريد ~~منهم من رزق ) الذاريات : 57 لنفوسهم بدليل قوله تعالى ( إن الله هو الرزاق ~~) الذاريات : 58 ، أي لهم بإقامة غيرهم وبإظهاره في قوله : وما أريد أن ~~يطعمون ، فكانت هذه الياء اسمه مكنى بها وهذه إرداة مخصوصة لا عامة لكل ~~مراد ، فهي إرادة ابتلاء ومحبة بمعنى ما أحب : ومخصوصة بمخصوصين من عباده ، ~~كما كان قوله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات : 56 ~~، كانت هذه الآية مخصوصة لمن عبده منهم معناها : مؤمني الجن والإنس لا عامة ~~لجميع خلقه ، والوجه الثالث أن يقول المولى منا ms0678 لعبده : اخدمني وعلي طعمتك ~~، تقوم خدمتك لي مقام كسبك لنفسك ، وهذا هو الوجه الأعلى الذي اختاره الله ~~تعالى ، وأحبه لمن يحبه واختار له من عبده من العبيد من خصوص العاملين له ، ~~وهم العالمون به دون من صرفه في رزق نفسه بنفسه ، وهو قوله تعالى : ( إلا ~~ليعبدون ) ( ما أريد منهم من رزق ) الذاريات : 56 - 57 ، أي أن يرزقوا ~~نفوسهم بكسبهم الذي أبحته لهم ، فيكونوا كغيرهم ممن قلت له : اذهب فتكسب ، ~~فقد أردت منك الرزق لنفسك بكسبك وقد وهبته لك ، أي أنا أريد من هؤلاء ~~العبادة ولها خلقتهم فكل ميسر لما خلق له ، فمن كانت صنعته العبادة وخلق ~~لها ، يسرت له ، ومن كانت صنعته الدنيا وخلق لها ، يسرت له ، وفي الخبر أن ~~الله تعالى خلق كل صانع وصنعته ، ويقال إن الله تعالى لما أظهرالخلق في ~~العدم أظهر لهم الصنائع كلها ، ثم خيرهم فاختار كل واحد صنعته ، فلما ~~أبداهم في الوجود أجرى على كل واحد ما اختار لنفسه قال : وانفردت طائفة فلم ~~تختر شيئا ، فقال لها : اختاري فقالت : ما أعجبنا شيء رأيناه فنختاره قال : ~~فأظهر مقامات العبادات فقالت : قد اخترنا خدمتك فقال : وعزتي وجلالي ~~لأخدمنكم إياهم ولأسخرنهم لكم ، وفي الخبر : أوحى الله تعالى إلى الدنيا : ~~اخدمي من خدمني ، وأتعبي من خدمك فالعبادة هي الخدمة ، ومن ذلك قولهم : ~~إياك نعيد ولك نصلي ونسجد ، وإليك PageV02P050 نسعي ونحفد ، أي إليك نعمل ~~ونخدم مثل قوله تعالى : ( بنين وحفدة ) النحل : 72 أي خدما في أحد الوجوه ~~والعبادة هي الخدمة بذل وتواضع ، والعرب تقول : طريق معبد إذا كان مذللا ~~ممهدا وموطوءا بالأقدام ، ويقولون : بعير معبد إذا كان ممتهنا بالكد نضوا ~~من السير والحمل عليه ، ومنه قول القبط : أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا ~~عابدون ، يعنون بني إسرائيل ، خدمنا نستذلهم ونمتهنهم بالكد والعمل ، وقال ~~بعض العارفين : إن الله سبحانه وتعالى اطلع على قلوب طائفة من عباده فلم ~~يرها تصلح لمعرفته ولا موضعا لمشاهدته ، فرحمها فوهب لها العبادات والأعمال ~~الصالحات ، ثم إطلع على قلوب طائفة أخرى من خلقه فلم ير جوارحهم تصلح ms0679 ~~لخدمته ولا موضعا لمعاملته ، فاستعملهم للدنيا وعبدهم لأهلها ، ومن هذا قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم : تعس عبد الدينار والدرهم ، تعس عبد الزوجة ، ~~تعس عبد الخميصة ؛ أي الذين يذلون لهذه الأشياء ويسعون لها ، وفي أخبار ~~داود عليه السلام : إني خلقت محمدا لأجلي وخلقت آدم لأجل محمد ، وخلقت جميع ~~ما خلقت لأجل ولد آدم ، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني ، ومن ~~اشتغل منهم بي سقت له ما خلقته لأجله . وأحبه لمن يحبه واختار له من عبده ~~من العبيد من خصوص العاملين له ، وهم العالمون به دون من صرفه في رزق نفسه ~~بنفسه ، وهو قوله تعالى : ( إلا ليعبدون ) ( ما أريد منهم من رزق ) ~~الذاريات : 56 - 57 ، أي أن يرزقوا نفوسهم بكسبهم الذي أبحته لهم ، فيكونوا ~~كغيرهم ممن قلت له : اذهب فتكسب ، فقد أردت منك الرزق لنفسك بكسبك وقد ~~وهبته لك ، أي أنا أريد من هؤلاء العبادة ولها خلقتهم فكل ميسر لما خلق له ~~، فمن كانت صنعته العبادة وخلق لها ، يسرت له ، ومن كانت صنعته الدنيا وخلق ~~لها ، يسرت له ، وفي الخبر أن الله تعالى خلق كل صانع وصنعته ، ويقال إن ~~الله تعالى لما أظهرالخلق في العدم أظهر لهم الصنائع كلها ، ثم خيرهم ~~فاختار كل واحد صنعته ، فلما أبداهم في الوجود أجرى على كل واحد ما اختار ~~لنفسه قال : وانفردت طائفة فلم تختر شيئا ، فقال لها : اختاري فقالت : ما ~~أعجبنا شيء رأيناه فنختاره قال : فأظهر مقامات العبادات فقالت : قد اخترنا ~~خدمتك فقال : وعزتي وجلالي لأخدمنكم إياهم ولأسخرنهم لكم ، وفي الخبر : ~~أوحى الله تعالى إلى الدنيا : اخدمي من خدمني ، وأتعبي من خدمك فالعبادة هي ~~الخدمة ، ومن ذلك قولهم : إياك نعيد ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعي ونحفد ، ~~أي إليك نعمل ونخدم مثل قوله تعالى : ( بنين وحفدة ) النحل : 72 أي خدما في ~~أحد الوجوه والعبادة هي الخدمة بذل وتواضع ، والعرب تقول : طريق معبد إذا ~~كان مذللا ممهدا وموطوءا بالأقدام ، ويقولون : بعير معبد إذا كان ممتهنا ~~بالكد نضوا من السير والحمل عليه ، ومنه قول القبط ms0680 : أنؤمن لبشرين مثلنا ~~وقومهما لنا عابدون ، يعنون بني إسرائيل ، خدمنا نستذلهم ونمتهنهم بالكد ~~والعمل ، وقال بعض العارفين : إن الله سبحانه وتعالى اطلع على قلوب طائفة ~~من عباده فلم يرها تصلح لمعرفته ولا موضعا لمشاهدته ، فرحمها فوهب لها ~~العبادات والأعمال الصالحات ، ثم إطلع على قلوب طائفة أخرى من خلقه فلم ير ~~جوارحهم تصلح لخدمته ولا موضعا لمعاملته ، فاستعملهم للدنيا وعبدهم لأهلها ~~، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : تعس عبد الدينار والدرهم ، تعس ~~عبد الزوجة ، تعس عبد الخميصة ؛ أي الذين يذلون لهذه الأشياء ويسعون لها ، ~~وفي أخبار داود عليه السلام : إني خلقت محمدا لأجلي وخلقت آدم لأجل محمد ، ~~وخلقت جميع ما خلقت لأجل ولد آدم ، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته ~~عني ، ومن اشتغل منهم بي سقت له ما خلقته لأجله . # | ذكر حكم المتوكل إذا كان ذا بيت # فإن كان المتوكل ذا بيت فليغلقه إذا خرج ، إحرازا له لأجل الأمر بالحذر ~~ولإتباع السنة والأثر قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنواخذوا حذركم ) ~~النساء : 71 ، وقال تعالى : ( واحذرهم أن يفتنوك ) المائدة : 49 ، وقد يروي ~~في خبر اعقلها وتوكل ولاينقص ذلك توكله إذا كان ساكن القلب إلى الله لا إلى ~~خلقه ، ناظرا إلى حسن تدبيره في تبقية رحله أو إذهابه لا إلى إحرازه ، غير ~~مختار لبقاء ما في بيته على اختيار الله له لحسن أحكامه عنده ، لأن الله ~~تعالى إذا رفع عبدا إلى مقام التوكل عليه في شيء أعطاه التوكل في كل شيء ، ~~كما لا يكون توابا يحبه الله حتى يتوب إلى الله بكل شيء وفي كل شيء أي يرجع ~~إليه بالأشياء وفيها ، فلذلك قال الله تعالى : ( إن الله يحب المتوكلين ) ~~آل عمران : 159 ، كما قال : ( إن الله يحب التوابين ) البقرة : 222 ، مع ~~قوله : ( وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) إبراهيم : 12 ، أي ليتوكل عليه في ~~كل شيء ، من توكل عليه في شيء ، هذا أحسن وجوهه ، والوجه الآخر وعليه ~~فليتوكل في كل توكله من توكل عليه في الأشياء لأن PageV02P051 الوكيل في ~~شيء واحد ms0681 ، فينبغي أن يكون التوكل عليه واحدا في كل شيء ، فالتوكل مقام ~~رفيع من مقامات الأنبياء ومن أعالي درج الصديقين والشهداء ؛ من تحقق به فقد ~~تحقق بالتوحيد وكمل إيمانه وكان على مزيد ، وانتفى عنه دقائق الشرك وخفايا ~~تولي العدو فانقطع سلطانه عنه ، قال الله سبحانه وتعالى : ( إنه ليس له ~~سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) ( إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه ) النحل : 99 - 100 يعني العدو ، والذين هم به مشركون يعني الله ~~سبحانه ، فلم يشترط نفي سلطان العدو بالإيمان مجردا حتى يقيمه في مقام ~~التوكل في اليقين ، فلذلك فصلنا شرحه وأطلقنا تفصيله لأن من أعطى مقاما من ~~التوكل على حقيقة مشاهدة الوكيل انتظم له جمل مقامات اليقين وأحوال المتقين ~~، كما قال عبد الله بن مسعود : التوكل جماع الإيمان وقد يبتلى المتوكل في ~~توكله بالأسباب والأشخاص والأغراض وضروب المعاني ، كما يبتلى سائر أهل ~~المقامات ويبقى عليه من العدو نزغ وطيف لا غير دون الاقتران والاستحواذ ، ~~يختبر بذلك صدقه في توكله حتى يرد في جميع ذلك نظره إلى وكيله ليجزى جزاء ~~الصادقين المقربين ، أو ليكشف له دعواه فيعلم كذب نفسه ، فيكون مردودا إلى ~~التوبة ، كما قال تعالى : ( ليجزي الله الصادقين بصدقهم ) الأحزاب : 24 ، ~~وحسب جزاء المتوكلين أن يكون الصادق حسبهم وأن يكون خلعة الصدق شعارهم ثم ~~قال تعالى : ( ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم ) الأحزاب : 24 ، ~~فأحسن حال المدعين التوبة بها يخرجون من ظلمهم ، وقال تعالى : ( أحسب الناس ~~أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) العنكبوت : 2 ، ثم أخبر بسنته ~~التي قد خلت في عباده فقال : ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين ~~صدقوا وليعلمن الكاذبين ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ، فليقل المتوكل عند ~~خروجه من منزله معتقدا لذلك بعد غلق بابه للأمر والسنة : اللهم إن جميع ما ~~في منزلي إن سلطت عليه من يأخذه فهو في سبيلك صدقة مني على من أخذه ، فإن ~~أخذ ما في منزله كان له في ذلك سبع معاملات : إحداهما قبول توكله على الله ~~بتدبير ms0682 الله أمره كيف شاء ، واختيار الله له نقصان الدنيا ، وإذهاب ما لعله ~~يفتتن بتبقيته ، والثانية اختيار الله تعالى لعبده وابتلاؤه إياه بفقد ~~محبوبه ليظهر صدقه ومسألته ، أو ليستيبن للعبد كذبه ، فإن حمد الله وشكره ~~على حسن بلائه ولم تضطرب نفسه أعطي ثواب الشاكرين الراضين ، كما جاء في ~~العلم المكنون عن بعض أنبيائه قال : يا رب من أولياؤك ؟ قال : الذين إذا ~~أخذت منه المحبوب سالمني ، والثانية إن اضطربت نفسه وجزعت جاهدها بالصبر ~~والصمت وحسن الثناء على الله وترك الشكاية إلى عبيده ، فأعطي ثواب الصابرين ~~المجاهدين ، والرابعة إن لم يكن في هذا المقام ولا في المقام الأول انكشف ~~له بطلان دعواه وظهر له خفي كذبه في حياته ، فاعترف بذلك واعتذر إلى الله ~~واستكان وخضع ، فيكون هذا أيضا مزيد مثله على معنى الإعلام والبيان ، فيعلم ~~إنه PageV02P052 كذاب لكراهية ما قضى الله وقلة صبره أو بسخطه ما حوله الله ~~من خزانته التي هي في يده إلى خزانته الأخرى التي هي في يد غيره ، إذ قد ~~علم أن يده خزانة مولاه ، وأن ما حوله منها لم يكن له وإنما PageV02P053 ~~كان قد استودعه ، فحزن وساءه حين استرجع منه ما أودعه وأعاره وأودعها غيره ~~أو دفعها إلى من هي رزقه ، وكانت له من قبل ، أن المتوكل قد علم أن الله ~~تعالى ، إذا وهب شيئا من الدنيا للأجسام من الملك وشيئا من الآخرة من ~~الملكوت وصار ذلك رزقا للمتوكل في آخرته ، فآثر لضعف يقينه رزق دنياه على ~~رزق آخرته لنقصان زهده ، ليس ذلك ، إلا للطمع فيه ، وفضل الرغبة والشره إذ ~~قد علم أن ما أخذ منه كان وديعة لغيره عنده ، فهذه كلها ذنوب عند المتوكلين ~~موجبات للتوبة والاستغفار عند الموقنين ، من قبل أن المتوكل قد علم أن الله ~~إذا وهب شيئا من الملك في الدنيا للأجسام أو شيئا من ملكوت الآخرة في ~~القلوب ، لم يأخذه أبدا ؛ فما كان في الدنيا بقي لصاحبه إلى آخر أثره حتى ~~يفنيه ويبليه ، وما وهبه من الآخرة من الإيمان والعلم والعمل لم يأخذه ms0683 أبدا ~~بل ينميه ويزيده فيه إلى أبد الأبد في دار الأبد ، ولكن قد يعير ويستودع من ~~أمور الدنيا وأمور الآخرة ، فهذا النوع لا بد أن يسترده ويسترجعه في الدنيا ~~لأن حكمته أوجبت رده كما أوجب كرمه تبقية ما وهبه ، فلا ينبغي للمتوكل ~~الموقن ما ذكرناه أن يحزنه ما حول الله من خزانته التي في يده مما أعاره ~~واستودعه إلى خزانته الأخرى التي هي يد غيره ، ممن لعله يهبه له أو يبتليه ~~بأحكامه فيه ، فيخرج أيضا من يده إلى يد غيره لأنه ما خرج من الدار شيء ، ~~ولله حكمة وابتلاء في كل شيء ؛ فالحزن والأسف على فوت مثل هذا عند العارفين ~~جناية ، ومن المؤمنين خيانة ، يستغفرون الله ويتوبون إليه كما يتوبون من ~~المعاصي ، لأنهم قد شهدوا ما بيناه ولأنه قد أمرهم بترك الأسى على فائت ~~الدنيا وقلة الفرح بما أتى منها ، إذ لا بد من كونهما لأنه قد علمه وبعد ~~علمه قد كتبه وبعد كتبه قد أعلم به ، فكشف لهم اليقين عن الكتاب المستبين ؛ ~~أن ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ~~، فما ظهر من المصائب في الأموال والأنفس فقد سبق قبل خلق الخلق ، وهذا ~~قوله تعالى : ( من قبل أن نبرأها ) الحديد : 22 ، قيل : من قبل أن نخلق ~~الخليقة وقبل أن نبرأ الأرض وقيل : من قبل أن نبرأ الأنفس ، وقيل : من قبل ~~أن نبرأ المصيبة ، ثم قال تعالى : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا ~~بما آتاكم ) الحديد : 32 ، فالأسى على فقد الشيء على قدر الفرح بوجوده ، ~~أفلا يستحي العبد أن يكون على ضد ما أمر به أو بخلاف ما يحبه منه مولاه ؟ ~~فيأسى على ماليس له ويحزن على ما أخذ منه واستودعه ، أو يفرح بما ليس له ~~لأنه لا يعلم أنه قد وهب له ، فيبقي عليه ، أو قد أعيره فيؤخذ منه ، فلما ~~استرجعه من يده التي هي يده تعالى قبضه ، أيقن أنه لم يكن له وأنه إنما كان ~~وديعة عنده فحزن ms0684 وساء ، فهذا لما أيقن شك ، ولما علم جهل ورغب فيما ينبغي ~~أن يزهد فيه ، فأي شك مع ذلك يتوهم المتوكل على الله ويدعي منازل الأقوياء ~~الأغنياء بالله ، الشاهدين لمجاري قدر الله في تصاريف حكمه ، فإذا علم ~~العبد أنه كاذب استكان استكانة الكذابين وتاب توبة المدعين ، ولم ينطق ~~بكلام الصادقين ولا يدل إدلال المحبوبين ، فيكون تعريف الله إياه هذه ~~المعاني تأديبا له ومزيد مثله ، وهذا مزيد الناقصين . ما حوله الله من ~~خزانته التي هي في يده إلى خزانته الأخرى التي هي في يد غيره ، إذ قد علم ~~أن يده خزانة مولاه ، وأن ما حوله منها لم يكن له وإنما كان قد استودعه ، ~~فحزن وساءه حين استرجع منه ما أودعه وأعاره وأودعها غيره أو دفعها إلى من ~~هي رزقه ، وكانت له من قبل ، أن المتوكل قد علم أن الله تعالى ، إذا وهب ~~شيئا من الدنيا للأجسام من الملك وشيئا من الآخرة من الملكوت وصار ذلك رزقا ~~للمتوكل في آخرته ، فآثر لضعف يقينه رزق دنياه على رزق آخرته لنقصان زهده ، ~~ليس ذلك ، إلا للطمع فيه ، وفضل الرغبة والشره إذ قد علم أن ما أخذ منه كان ~~وديعة لغيره عنده ، فهذه كلها ذنوب عند المتوكلين موجبات للتوبة والاستغفار ~~عند الموقنين ، من قبل أن المتوكل قد علم أن الله إذا وهب شيئا من الملك في ~~الدنيا للأجسام أو شيئا من ملكوت الآخرة في القلوب ، لم يأخذه أبدا ؛ فما ~~كان في الدنيا بقي لصاحبه إلى آخر أثره حتى يفنيه ويبليه ، وما وهبه من ~~الآخرة من الإيمان والعلم والعمل لم يأخذه أبدا بل ينميه ويزيده فيه إلى ~~أبد الأبد في دار الأبد ، ولكن قد يعير ويستودع من أمور الدنيا وأمور ~~الآخرة ، فهذا النوع لا بد أن يسترده ويسترجعه في الدنيا لأن حكمته أوجبت ~~رده كما أوجب كرمه تبقية ما وهبه ، فلا ينبغي للمتوكل الموقن ما ذكرناه أن ~~يحزنه ما حول الله من خزانته التي في يده مما أعاره واستودعه إلى خزانته ~~الأخرى التي هي يد غيره ، ممن ms0685 لعله يهبه له أو يبتليه بأحكامه فيه ، فيخرج ~~أيضا من يده إلى يد غيره لأنه ما خرج من الدار شيء ، ولله حكمة وابتلاء في ~~كل شيء ؛ فالحزن والأسف على فوت مثل هذا عند العارفين جناية ، ومن المؤمنين ~~خيانة ، يستغفرون الله ويتوبون إليه كما يتوبون من المعاصي ، لأنهم قد ~~شهدوا ما بيناه ولأنه قد أمرهم بترك الأسى على فائت الدنيا وقلة الفرح بما ~~أتى منها ، إذ لا بد من كونهما لأنه قد علمه وبعد علمه قد كتبه وبعد كتبه ~~قد أعلم به ، فكشف لهم اليقين عن الكتاب المستبين ؛ أن ما أصاب من مصيبة في ~~الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ، فما ظهر من المصائب في ~~الأموال والأنفس فقد سبق قبل خلق الخلق ، وهذا قوله تعالى : ( من قبل أن ~~نبرأها ) الحديد : 22 ، قيل : من قبل أن نخلق الخليقة وقبل أن نبرأ الأرض ~~وقيل : من قبل أن نبرأ الأنفس ، وقيل : من قبل أن نبرأ المصيبة ، ثم قال ~~تعالى : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) الحديد : 32 ، ~~فالأسى على فقد الشيء على قدر الفرح بوجوده ، أفلا يستحي العبد أن يكون على ~~ضد ما أمر به أو بخلاف ما يحبه منه مولاه ؟ فيأسى على ماليس له ويحزن على ~~ما أخذ منه واستودعه ، أو يفرح بما ليس له لأنه لا يعلم أنه قد وهب له ، ~~فيبقي عليه ، أو قد أعيره فيؤخذ منه ، فلما استرجعه من يده التي هي يده ~~تعالى قبضه ، أيقن أنه لم يكن له وأنه إنما كان وديعة عنده فحزن وساء ، ~~فهذا لما أيقن شك ، ولما علم جهل ورغب فيما ينبغي أن يزهد فيه ، فأي شك مع ~~ذلك يتوهم المتوكل على الله ويدعي منازل الأقوياء الأغنياء بالله ، ~~الشاهدين لمجاري قدر الله في تصاريف حكمه ، فإذا علم العبد أنه كاذب استكان ~~استكانة الكذابين وتاب توبة المدعين ، ولم ينطق بكلام الصادقين ولا يدل ~~إدلال المحبوبين ، فيكون تعريف الله إياه هذه المعاني تأديبا له ومزيد مثله ~~، وهذا مزيد الناقصين ms0686 . والمعاملة الخامسة أن يكون له بكل درهم تلف سبعمائة ~~درهم ، كأنه قد أنفقه في سبيل الله ، حسب له ذلك لأنه قد كان نواه ، وكذلك ~~إن لم يؤخذ ما في بيته استنباطا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن ~~ترك العزل فأقر النطفة قرارها : إن له أجر غلام ولد ، له من ذلك الجماع ~~وعاش فقتل في سبيل الله ، وإن كان لم يولد له فقال : أنت تخلقه ، وأنت ~~ترزقه إليك ، محياه إليك ، مماته أقرها قرارها ولك ذلك . والمعاملة السادسة ~~أن لا يأثم أخوه الذي أخذ رحله إن كان قد جعله صدقة عليه ، فيؤجر أجرا ~~ثانيا لإشفاقه على أخيه ، وحسن نظره للعصا من حيث لا يعلمون تخلقا بأخلاق ~~مولاه ، وينال بعفوه عن ظالمه درجة المحسنين ، ويتحقق بمقام المتقين ويكون ~~ممن وقع أجره على الله ، فيخفي له ما لا تعلم نفس من قرة العين ولأنه قد ~~علم كيف جرى الأمر وأن الآخذ مبتلي بسوء القضاء ، وأنه قد عوفي إذ لم يكن ~~هو ذلك العبد فيرحم أهل البلاء حينئذ ، ويحمد الله على ماعافاه فيشغله ~~الشكر لله عن الدعاء على ظالمه ، قال بعض العارفين لبعض أصحابه : لم أسقط ~~أهل المعرفة اللأئمة عن الظالمين لهم فقلت : لاأدري قال : لعلمهم أن الله ~~قصدهم بذلك وابتلى الظالمين بهم فرحموهم ، وذلك داخل في نصر أخيه الظالم ~~لنفسه ، وطاعة لأمر رسوله في قوله : أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ؛ أي تمنعه ~~عن الظلم فإذا عفا عنه فقد منعه من الظلم ، لأنه لو رآه منعه من أخذه أو ~~وهبه له فيقوم عفوه عنه مقام رؤيته . والمعاملة السابعة تحققه في الزهد ~~فيما ذهب ، وقال أبو سليمان الداراني لما بلغه عن مالك بن دينار أنه قال ~~للمغيرة : اذهب فخذ تلك الركوة من البيت فلا حاجة لي بها ، وكان قد أهداها ~~إليه وقبلها منه فقال : ولم ؟ قال يوسوس إلى العدو أن اللص قد أخذها وكان ~~مالك لا يغلق بابه إنما كان يشده بشريط وكان يقول : لولا الكلاب ما شددته ~~أيضا ، فقال أبو سليمان : هذا ms0687 من ضعف قلوب الصوفيين ، هو قد زهد مني الدنيا ~~فما عليه بمن أخذها ، وهذا كما قال أبو سليمان : لأن الزهد إذا صح دخل ~~الرضا فيه ، ولقول مالك أيضا وجه كأنه كره أن يعصي الله به ، فيكون هو سبب ~~معصية الله ، ولكن قول أبي سليمان أعلى لأجل التوكل والرضا ، وهذا الذي ~~ذكرناه من ذهاب ما في البيت هو لكل من ذهب له مال في سفر أو حضر ، ولكل من ~~أصيب بمصيبة في نفس أو أهل هذه المعاملات كلها إذا اعتقدها بقلبه ~~PageV02P054 وكانت في خلده ووجده ، وإن لم ينطق بها أو يظهرها : فأكثر ~~الناس إيمانا وأحسنهم يقينا أقلهم غما وأيسرهم أسى على ما فات من الدنيا ، ~~وأحسنهم رضا وأنفذهم شهادة من رأى أن ذلك نعمة أوجبت عليهم شكرا ، وأقل ~~الناس إيمانا وأضعفهم يقينا أشدهم أسى وأكثرهم غما على ما فات ، وأطولهم ~~شكوى وأقلهم شكرا ، فالمصائب محنة تكشف الزهد في الدنيا والرغبة ، ألم تسمع ~~إلى الحديث الذي جاء فيه هذا الدعاء : وأسألك من اليقين ما تهون به علينا ~~مصائب الدنيا ، فشدة الغم على فوت الدنيا دليل على حبها وعلامة ضعف اليقين ~~بمحبوبه وسهوله الغم على فوتها دليل على الزهد فيها وقوة اليقين بربه ، فإن ~~وجد المتوكل رحله بحاله لم يضره بتبقيته شيء وكان له أحر ما قد نوى من ~~المعاملات ، ولا أعلم هذا القول واعتقاده عند خروج العبد من منزله أو تركه ~~لرحله أو خروجه في سفر ينفعه شيئا ولا يضره ، ولا يقدم ضياع شيء حكم الله ~~ببقائه له ولا يؤخر ترك العقد لهذا تبقية ما حكم الله بذهابه ، ومع ذلك ~~فيكون له حال من التوكل ومقامات في المعاملات إلا شيئا واحدا من باب نقصان ~~الدنيا من طريق الورع ، فإنه ينقصه وهو أنه إن أخذ ما توكل على الله فيه ، ~~وفوض إليه أمره به ، ثم رد عليه ، لم يستحب له في الورع أن يتملكه ، ولا أن ~~يرجع فيه في حسن الأدب ، لأنه قد كان جعله صدقة في سبيل الله ، فإن رجع فيه ~~لم ms0688 ينقص ذلك توكله ، لأنه قد صح تفويضه إلى الوكيل في الخالين معا ، فيكون ~~رده عليه لأنه قد كان وهبه له بمنزلته ابتداء عطاء منه . وقد روينا أن ابن ~~عمر سرقت ناقته فطلبها حتى أعيا ، ثم قال : في سبيل الله ، فدخل المسجد ~~وصلى ركعتين فجاءه رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إن ناقتك في مكان كذا ، ~~فلبس نعله وقام ثم نزعها ، ثم قال : أستغفر الله ، وجلس فقيل له : ألا تذهب ~~فتأخذها فقال : إني قد كنت قلت : في سبيل الله ، وحدثت عن بعضهم قال : رأيت ~~بعض إخواني في النوم بعد موته فقلت : مافعل الله بك ؟ فقال : غفر لي ~~وأدخلني الجنة ، وعرضت على منازلي فيها فرأيتها ، قال وهو في ذلك كئيب حزين ~~فقلت : قد دخلت الجنة وغفر لك وأنت حزين ، فتنفس الصعداء ثم قال : نعم إني ~~لاأزال حزينا إلى يوم القيامة ، قلت : ولم ذلك ؟ قال : إني لما رأيت منازلي ~~من الجنة رفعت لي مقامات في عليين ما رأيت مثلها فيما رأيت ، ففرحت بها ، ~~فلما هممت بدخولها ، نادى مناد من فوقها : اصرفوه عنها فليست هذه له ، إنما ~~هذه لمن أمضى السبيل فقلت : وما أمضى السبيل ؟ قيل لي : قد كنت تقول للشيء ~~إذا ذهب منك : في سبيل الله ، ثم ترجع فيه فلو كنت أمضيت السبيل لأمضيناها ~~لك ، وقد حدثونا أن الربيع بن خيتم سرق فرسه وكان ثمنه عشرين ألفا ، وكان ~~قائما يصلي فلم يقطع صلاته ولم ينزعج لطلبه فجاءه الناس يعزونه فقال : أما ~~إني قد كنت رأيته وهو PageV02P055 يحله ، قيل : وما منعك أن تزجره ؟ قال : ~~كنت فيما هو أحب إلي من ذاك يعني الصلاة قال : فجعلوا يدعون عليه فقال : لا ~~تفعلوا وقولوا خيرا فإني قد جعلتها صدقة عليه ، وقيل لبعضهم في شيء قد كان ~~سرق له : ألا تدعو على ظالمك ؟ فقال : ما أحب أن أكون عونا للشيطان عليه ، ~~قيل : أفرأيت لو ردت إليك سرقتك أكنت تأخذها ؟ قال : ولا كنت أنظر إليها ~~إني قد كنت أحللته منها ، وقيل لآخر : أدع الله على من ظلمك ، قال : ~~ماظلمني ms0689 أحد ثم قال : إنما ظلم نفسه فلا يكفيه المسكين ظلمه لنفسه حتى ~~أزيده شرا ، وذهب لبعض المسلمين مال فجاء قوم يعزونه عليه فقال : ما تعزوني ~~على أمر الدنيا ، فوالله ما حزنت على ذهابها فكيف على ذهاب شيء منها قيل : ~~ولم ؟ قال : شغلني الشكر عليه عن الحزن ، وقد كانوا يقولون : إذا ظلموا من ~~الغصب والسرقة وغير ذلك ، هذه نعمة الله علينا إذ لم يجعلنا ظالمين مظلومين ~~وجعلنا أعظم مما فاتنا من الظلامة ، وقد كان السلف يخافون أن يذكروا الظالم ~~بالسب له والدعاء عليه فيكون ذلك زيادة على مظلمتهم . وقد روينا : من دعا ~~على ظالمه فقد انتصر ، وأكثر بعضهم بشتم الحجاج عند بعض السلف فقال له : لا ~~تغرق في شتمته فإن الله ينتصف للحجاج ممن انتهك عرضه كما ينتصف منه لمن أخذ ~~ماله ، وفي الخبر أن العبد ليظلم المظلمة ، فلا يزال يشتم ظالمه ويسبه حتى ~~يكون بمقدار ماظلمه ، ثم يبقى للظالم عليه مطالبة بما زاد عليه يقتص له من ~~المظلوم ، وقال بعض العلماء لرجل وقد كان شكا إليه قطع الطريق وأخذ ماله ~~فقال له : إن لم يكن غمك أنه قد صار في المسلمين من يستحل هذا أكثر من غمك ~~بمالك فما نصحت للمسلمين ، وسرقت من علي بن الفضيل دنانير وهو يطوف بالبيت ~~فرآه أبوه وهو يبكي ويحزن فقال : أعلى الدنانير تبكي ؟ فقال : لا والله ، ~~ولكن على المسكين ، أنه يسأل يوم القيامة بهم ولا يكون له حجة ، وقيل ~~لبعضهم في معنى هذا : أدع على من ظلمك ، فقال : إني مشغول بالحزن عليه عن ~~الدعاء عليه ؛ فإن رد علي المتوكل كل ما أخذ منه فالأفضل له أن لا يتملكه ، ~~إن كان قد جعله في سبيل الله ليمضي السبيل ، فإن كان قد جعله صدقة على ~~الآخذ نظر في ذلك فإن كان فقيرا حمله فقره على السرقة والخيانة والحاجة ~~أمضى صدقته عليه ، وإن كان غير ذلك صرفها إلى فقير ، وقد كان بعضهم إذا أخذ ~~له الشيء يشترط فيقول : إن كان فقيرا فهو صدقة عليه ، وإن كان محتاجا ms0690 فهو ~~في حل ، وقد أخبرني بعض الأشياخ عن شيخ كان بمكة من العباد أنه اتهم بعض ~~الحجاج بسرقة هميانه لأنه كان قائما إلى جانبه ، فقال له : كم كان فيه ~~فأخبره ، فحمله إلى منزله فوزن له من المال ، ثم إن أصحابه أعلموه أنهم ~~مزحوا معه وحلوا هميانه وهو نائم ، فجاء هو وأصحابه إليه فردوا عليه ماله ، ~~فقال : ما كانت لتعود إلي بعد إذ خرجت هي PageV02P056 لكم ، فقلنا : لاحاجة ~~لنا فيها فقال : خذوها ، قال : فأبينا ، فقال : يابني ، ودعا ابنا له وجعل ~~يصرها صررا ويبعث بها إلى قوم حتى فرغ منها ، وهذا كانت نيته إخراجها لله ~~سبحانه فلم يعد فيما أخرجه ، كما نقول فيمن أخرج رغيفا إلى سائل أو أعد ~~درهما لفقير فلم يصادفه : إنا نستحب أن لا يرجع إلى ملكه بل يعزله لسائل ~~آخر أو فقير غيره ، لم يزل هذا من أخلاق المؤمنين ، وقد رأينا من كان بهذا ~~الوصف وهذا طريق قد عفا أثره ودرس خبره ، فمن عمل به فقد أحياه وأظهره وقد ~~كان قديما طريقا إلى الله تعالى عليه السابلة من الأولياء . # | ذكر بيان آخر من أحكام المتوكل # اعلم أن التوكل على الله في الأسباب لا يوجب بقاءها للعبد ولا إيثاره بها ~~ولا حفظها عليه ، ولا يقدم شيئا عن شيء ولا يؤخره لصلاح دنيا أو اختيارعبد ~~، بل هو إلى الإذهاب والإتلاف أقرب لأن التوكل قرين الزهد ، هكذا هو عند ~~الخصوص ولأجل اختيار العبد وتحقيق صدقه محنة له ، ولأجل من نفي الشيء من ~~الدنيا ، قال الله سبحانه وتعالى : ( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ) ~~الشورى : 36 فإن ذهب ماله فصبر أو شكر أو رضي ، كان صادقا في توكله ، وهذه ~~أحوال المتوكلين في التوكل إن كانوا صادقين ، وإن عجز واضطرب كان كاذبا في ~~توهمه للتوكل ويلزمه من مجاهدة النفس عند اضطرابها بعد عدم الأشياء ما ~~يلزمه من مجاهداتها ونفي الآفات في سائر الأعمال ، فإن حفظ عليه ماله فقد ~~رفق به في ذ لك وستر عليه عن كشف حقيقة حاله بتلف ذلك ، وجعلت كرامة ms0691 من ~~الدنيا له ليطمئن بذلك في حاله ويسكن به قلبه في طريقه ، وهذا مقام الضعفاء ~~، وإن نقص من الدنيا فقد أقيم مقام أهل البلاء ، الأمثل فالأمثل بالأنبياء ~~، ولولا الامتحان لكثر الصادقون وكذلك التوكل على الله في ترك الدواء لا ~~يجلب العوافي ولا يعجلها ، ولا ينقص من الأمراض ولا يذهبها ، بل هو إلى ~~الازدياد منها أقرب للتمحيص والابتلاء ، ومنه قوله عز وجل : ( وليمحص الله ~~الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) آل عمران : 141 ، فمن لم يشهد نقصان الدنيا ~~من النفس والمال نعمة توجب عليه الشكر ، ويرى المنع عطاء فقد جهل تلك ~~النعمة بإضاعة شكرها ، فما فاته من جهل النعمة ، وترك الشكر ، أعظم مما ~~يترك من جميع الدنيا ، وأخاف عليه لطيفة من المحق ، والمحق نقصان الشيء إلى ~~ذهاب جملته عند الكفر بنعمته لقوله تعالى : ويمحق الكافرين فالله أعلم أي ~~شيء يمحقه وينقصه ، بمقدار ما كفر شكر نعمته ، وقد قال سبحانه : ( ~~ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر ~~الصابرين ) البقرة : 155 فهذا النقص من هذه الخمس التي المزيد منها هو جملة ~~الدنيا ، هو المزيد من الآخرة لا ضد الدنيا كما قال تعالى : ( وما عند الله ~~خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) الشورى : 36 فصبروا على مصائبهم ~~توكلا على ربهم ، ثم توكلوا رهم لشهادة وكيلهم PageV02P057 ولحسن ظنهم به ، ~~ثم صبروا على توكلهم لتمام حالهم ، ويعلو بذلك فيه مقامهم : فالصبر أول ~~مقام في التوكل وهو عند مشاهدة القضاء بلاء ، والشكر أعلى من ذلك هو شهود ~~البلاء نعمة ، والرضا فوق ذلك كله وهو أعلى التوكل وهو مقام المحبين من ~~المتوكلين ، قال الله عز وجل في وصف عموم المتوكلين : ( وما عند الله خير ~~وأبقى أفلا تعقلون ) القصص : 60 ، فمن اتقى الله وعقل خطابه توكل عليه فيما ~~أصابه ، فلم ييأس على ما فات ولم يفرح من الدنيا بما هو آت وهذا أوسط الزهد ~~وأول التوكل ، وقال تعالى في وصف الخصوص : ( وما عند الله خير وأبقى للذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) الشورى : 36 فأهل العقل عن ms0692 الله والمتقون له هم ~~المتوكلون عليه ، وقد زهدهم فيما يفنى برغبته إياهم فيما يبقى حين فهموا ~~الخطاب ، إذ هم أولو الألباب وذلك أنه أضاف ما عنده إليه ووصفه بالبقاء ~~ليرغبوا فيه ، لأنهم قد توكلوا عليه وأضاف ما عندهم إليهم ليزهدوا فيه ، ~~ووصفه بالفناء لأنهم قد زهدوا في نفوسهم ، إذ قد باعوها منه ، فكيف يتملكون ~~ماعندها ؟ والعبد وماله لسيده وهو تعالى قد اشتراها منهم لرغبتهم فيه ، ~~وعوضهم منها ما يبقى لهم فقال تعالى : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) ~~النحل : 96 # | ذكر بيان آخر من فضيلة المتوكل # اعلم يقينا أن الله تعالى لوجعل الخلائق كلهم من أهل السموات والأرضين ~~على علم أعلمهم به ، وعقل أعقلهم عنه وحكمة أحكمهم عنده ، ثم زاد كل واحد ~~من الخلائق مثل عدد جميعهم وأضعافه علما وحكمة وعقلا ، ثم كشف لهم العواقب ~~وأطلعهم على السرائر وأعلمهم بواطن النعم ، وعرفهم دقائق العقوبات وأوقفهم ~~على خفايا اللطف في الدنيا والآخرة ، ثم قال لهم : دبروا الملك بما أعطيتكم ~~من العلوم والعقول عن مشاهدتكم عواقب الأمور ، ثم أعانهم على ذلك وقواهم له ~~، لما زاد تدبيرهم على ما يراه من تدبير الله تعالى من الخير والشر والنفع ~~والضر جناح بعوضة ، ولا نقص جناح بعوضة ولا أوجبت العقول المكاشفات ولا ~~العلوم المشاهدات غير هذا التدبير ، ولا قضت بغير هذا التقدير الذي يعاينه ~~ويقلب فيه ، ولكن لا يبصرون لأنه أجراه على ترتيب العقول وعلى معاني العرف ~~والمعتاد من الأمور ، بالأسباب المعروفة والأواسط المشهورة على معيار ما ~~طبع العقول فيه وجبل العقول عليه ، ثم غيب مع ذلك العواقب وحجب السرائر ~~وأخفى المثاوب ، فغاب بعينها حسن التدبير وجميل التقدير فجهل أكثر الناس ~~الحكم إلا المتوكلين وما يعقلها إلا العالمون ، ويقال : أصغر ماخلق الله من ~~الحيوان والموات البعوضة والخردلة ، وفي كل واحدة منها ثلاثمائة وستون حكمة ~~، ثم يتزايد الحكم في المخلوقات على قدر تفاوتها في العظم والمنافع ومزيد ~~آخر من الهدى ، والبيان لو تمنى أهل النهي من أولي الألباب الذين كشف عن ~~قلوبهم الحجاب نهاية أمانيهم ms0693 ، فكونت أمانيهم على ما تمنوا لكان رضاهم عن ~~الله في PageV02P058 تدبيره ومعرفتهم بحسن تقديره لهم ، خير لهم من كون ~~أمانيهم ، وأفضل لهم عند الله من قبل إن الله ، أحكم الحاكمين ، وقال تعالى ~~موبخا للإنسان مجهلا للتمني لقلة الإيقان : ( أم للإنسان ما تمنى ) ( فلله ~~الآخرة والأولى ) النجم : 24 - 25 أي يحكم فيهما بترك الأماني لأنه قال ~~تعالى : ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ) المؤمنون ~~: 71 فالمتوكل محب لله تعالى مسرور بربه فرح له بملكه ، بأن له الآخرة ~~والأولى يحكم فيهما كيف شاء ، والعبد عاجز لا يقدر على شيء ، فهذا أول مقام ~~في المحبة ، فقد كفى الخلائق هذا كله بحسن تدبير الخالق العليم الخبير ~~البصير ، وإنما يحتاجون إلى معرفة بالحكمة ومشاهدة للحكم والرحمة ، وإلى ~~بصيرة ويقين يسكن عندها قلوبهم ولا يضطرب ، هذا الذي ذكرناه عند الموقنين ~~وستطلع العموم على سر ما ذكرناه من لطيف التدبير وباطن التقدير ، وهو سر ~~القدر ولطائف المقدر في الآخرة عند المعاينة ، وقد كشف الغطاء وظهر ما تحته ~~من عجائب الخبء في السموات والأرض ، وقد أطلع الله على ذلك العلماء به في ~~الدنيا وهو محمود مشكور على ما أظهر وأخفى ، ففي كل واحد منهما نعمة ، ومع ~~كل واصف منها حكمة ورحمة ، ولكن قد خلق الله العلماء بأخلاقه فليس يكشفون ~~من علمه إلا بقدر ما كشف ، وليس يعرفون من سر قدره إلا بمعيار ما عرف ، ~~وقال تعالى : ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) ~~الحجر : 21 فقد تأدبوا بهذا الخطاب ووقفوا عنده ، وقال أبو سليمان الداراني ~~: إذا لاحظت الأشياء من فوق وجدت لها طعما آخر ، وقال بعض العارفين : إذا ~~رأيت الأشياء كلها كشيء واحد من معدن واحد ، رأيت ما لم تسمع وفهمت ما لم ~~تفهم الخلق ، وقال بعضهم : لا ترى العجب حتى ترى عجبا فإن لم تر عجبا رأيت ~~العجب . # | ذكر بيان آخر من وصف المتوكلين # اعلم أن العلماء بالله سبحانه ؛ لم يتوكلوا عليه لأجل أن يحفظ لهم دنياهم ~~، ولا لأجل تبليغهم ms0694 مرادهم ، ولا ليشترطوا عليه حسن القضاء بما يحبون ، ولا ~~ليبدل لهم جريان أحكامه عما يكرهون ولا ليغير لهم سابق مشيئته إلى ما ~~يعقلون ، ولا ليحول عنهم سنته التي خلت في عباده من الابتلاء والاختبار ، ~~هو أجل في قلوبهم من ذلك وهم أعقل عنه وأعرف به من هذا ، لو اعتقد عارف ~~بالله أحد هذه المعاني مع الله في توكله كان كبيرة توجب عليه التوبة وكان ~~توكله معصية ، وإنما أخذوا نفوسهم بالصبر على أحكامه كيف جرت ، فطالبوا ~~قلوبهم بالرضا عنه كيف جرت ، وقال رجل لمالك بن أنس : يا أبا عبد الله ، ~~إني تعلقت بأستار الكعبة فتبت من كل ذنب وحلفت أن لا أعصي الله فيما أستقبل ~~، فقال له : ويحك ، ومن أعظم معصية منك تتألى على الله أن لا ينفذ حكمه فيك ~~، وأنشدنا بعض العلماء لبعض الحكماء : PageV02P059 لما رأيت القضا جاريا . ~~. . لا شك فيه ولا مرية توكلت حقا على خالقي . . . وألقيت نفسي مع الجرية ~~وإنما كرهو ما كره الله طاعة لله ، فذلك كراهة ما كره حبا لله واكتراما ~~لحكمه عليهم ، لاكراهة ما قضى إذ ليس لهم أن يقولوا : فلم قضيت ما تكره ولم ~~كرهت ما قضيت ؟ هو أجل وأعظم ، وفي نفوسهم أخوف وأهيب أن يواجهوه بهذا ~~الخطاب في قول أو عقد ، بل عرفوا حكمته فيه وصبروا على حكمه به ، وإنما ~~توكل العلماء به عليه لأجل أنه يحب المتوكلين ولأجل أنه يستحق التفويض إليه ~~ويستوجب التسليم له ، إذ كان هو الوكيل الأول والكفيل الآجل حين سمعوه يقول ~~: والله على شيء وكيل ، ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من ~~بعد إذنه ، وحين فقهوا قوله : ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ، ولما ~~عقلوا من خطابه : أليس الله بأحكم الحاكمين أو لأجل أنه أمر بالتوكل ، وندب ~~إليه وحقق الإيمان به ؛ إذ سمعوه تعالى يقول : أفمن هو قائم على كل نفس بما ~~كسبت ، أمن يملك السمع والأبصار ومن يدبر الأمر ؟ وما من دابة في الأرض إلا ~~على الله رزقها ، وفي السماء رزقكم ، وما ms0695 توعدون ، ثم أقسم عليه بنفسه أنه ~~حق فتوكلوا عليه إستحياء ، منه ولوجود اليقين الذي رفع خفايا الشك وحذر من ~~التهمة له وتوثقة بالاعتقاد عليه ؛ فمنهم من توكل عليه لأجل هذه المعاني ~~كلها ، ومنهم من توكل عليه لمشاهدة بعضها فكل عبد توكله عن الوصف الذي به ~~عرفه ، وكل عرفه عن العذر المتجلي الذي عرفه ؛ فكل يطيعه على قدر قربه منه ~~، وكل يقرب على قدر علمه بقربه منه بقدر مايعرف من كينونية في مكنون كأنه ، ~~وكل بعلمه على قدر عنايته به ومن ورائه سر القدر ، فمشاهدة كل عبد من مقامه ~~وحاله عن وجد شهادته وجزاؤه نحو معاملته ، والله يضاعف لمن يشاء هم درجات ~~عند الله ، والله بصير بما يعملون ، لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما ~~كانوا يعملون ، فدار السلام جامعة لهم وهم متفاوتون في درجاتها كدار الدنيا ~~تجمعهم ، وهو يرفعهم لديه في ملكوتها بتخصيص التولي وحسن الولايات عن تحسين ~~المعاملات ، الله يجيبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ، ومن الخصوص من ~~توكل عليه تعظيما له وإجلالا ، ومنهم من توكل عليه يقينا بوعده ليحقق صدقه ~~كأنه قد أخذ الموعود بيده إذ يقول تعالى : ومن أوفى بعهده من الله أنه كان ~~وعده مأتيا ، ومنهم من توكل عليه استسلاما لما شهد من قهر عزه وعظيم قدره ، ~~ومنهم من توكل عليه ليحفظ عليه ماله فيه ، ومنهم من توكل عليه ليحفظ له ما ~~استحفظه ويعصمه في ماله عليه ، PageV02P060 ومنهم من توكل عليه لقيامه ~~بشهادته عن حسن معرفته ، ومنهم من توكل عليه تسليما له عن جميل معاملته ، ~~ومنهم من فوض إليه لحسن تدبيره عنده وبحكم تقديره ، ومنهم من توكل عليه لأن ~~توحيده له وشهادة قيوميته ، ذلك يقتضيه ، فهذه كانت مواجيد أوليائه ومناهج ~~أحبابه عن مشاهدة القرب ومعرفة القريب ، وبعضهم أعلى مقاما من بعض ، وبعض ~~هذه المشاهدات أقرب وأرفع فأعلاها من توكل عليه للإجلال والتعظيم ، وأوسطها ~~من توكل عليه للمحبة والخوف ، وأدناها من توكل عليه تسليما له وتحببا إليه ~~، وقد ذكرنا أيضا من توكل العموم ما ms0696 يستحي العارفون من ذكره ، وينزهون ~~قلوبهم عن فكره ، وهو التوكل عليه في القلوب ، وقد طوينا ذكر توكل خصوص ~~الخصوص من صديقي المقربين لأنه لا يحتمله عقل عاقل ولا يسع أن يستودع في ~~كتاب الناقل إذ ربما نظر فيه منكر جاهل ، والله المستعان فدخل من عرفه فيما ~~يحب لأجله ، ورغبوا فيما مدح لوصفه ليحصل لهم وصف يعطيهم به الولي حسن ثناء ~~، ينالون بذلك قربة منه ومحبة لديه . # | ذكر بيان آخر في التوكل وما لا ينقص المتوكل # ولا ينقص المتوكل على الله سبحانه مسألة مولاه فيما أحب من صالح الدنيا ~~ومزيد الآخرة ، إذ لم يقصد غير مطلوب ، وكان مفوضا إلى الله الأمور ، ولكن ~~يحتاج إلى معرفة الإجابة ؛ فقد يكون المنع إجابة وقربا إذا كان العطاء شغلا ~~عنه ، وبعد الآن الخيرة فيما لا يعلم العبد ، وقد يكون فيما يكره مما يعلم ~~الله سبحانه حسن عاقبته ، لا فيما يعقل العبد عاجل منفعته ، فعليه التسليم ~~لحكم الحاكم والرضا بقسم القاسم ، فإن سأل تكاثرا من الدنيا ، أو مالا ~~يحتاج إليه ، وما ليس فيه صلاح قلبه ، ولا قربة إلى ربه ، أخرجه من حقيقة ~~التوكل بمقدار ما يخرجه من الزهد ؛ وإن انقطع بالذكر عن المسألة أعطاه فوق ~~عطاء من سأله ، وإن سكت حياء من الوكيل إذ هو حسبه فشهد الكفاية ورضي بجميع ~~التصرف ، فهذا مقام من المواجهة عن مشاهدة القيومية وهو حال المقربين ، ولا ~~يقدح في التوكل تشرف المتوكل إلى رزقه لأنه خلق ضعيفا ذا فاقة ، ورزقه ~~معلوم لا بد منه ، والمعلوم مقسوم فتشرفه إلى القسم تشرف منه إلى القاسم ، ~~ومن تشرف إلى مولاه شرفه وتولاه ، ولكن إن تشرف إلى الزيادة ، وخرج من ~~القناعة ، وطلب العادة ، وأراد الشيء قبل وقته ، أو كره تأخره عنه إلى وقت ~~مقدوره ، فإن هذا يقدح في توكله وينقص من زهده ، ولو كان الشرف إلى الرزق ~~منها والتطلع إلى الرزق مجملا ينقص التوكل لعللنا من باع واشترى وجهلنا من ~~تعالج من علله بالدواء ، لأن في ذلك تشرفا إلى الرزق وتطلعا إلى البرء ، ~~فجاء من ms0697 ذلك تضعيف التابعين وطعن على المتداوين من الصحابة والسلف الصالح ، ~~وأخرجهم ذلك من التوكل والزهد ، فلهم منها مقامات ، PageV02P061 ولا يخرجه ~~من التوكل مطالعته للعوض على معاملته من جزاء الآخرة ، لأنه قد شوق إلى ذلك ~~وندب إليه ، ولكن لا يدخله ذلك في حقيقة الإخلاص ولا يرفعه إلى علو درجة ~~الصديقين من المتوكلين ، وقد يكون مزيدا على قدر حاله ، إلا أنه لا يدخله ~~في إخلاص المحبين ، ولايرفعه في درجات المقربين ، ولا يصح التوكل إلا بزهده ~~في الدنيا ، وأول الزهد ترك الرغبة في الحرام ، وأول أحوال المتوكل في ~~القوت ثم الصبر على حكم الحي الذي لا يموت ، وأعلى التوكل التوكل عليه في ~~الاستسلام للأحكام والرضا عنه في المسابقة بين الأقدام ، وهو إطراح النفس ~~ونسيانها شغلا منه عنها بنفسها وحبا له ، وحقيقة التوكل بعد مشاهدة يد ~~الوكيل ، فإذا ظهرت يده غابت الأيدي فيها ، فعندها توكلت عليه بتدلل فقبل ~~توكلك ، واستسلمت إليه فسلمك ، فإنه يتجلى لك بوصف يلزمك حكما ، يضطرك ~~الحكم إلى الحاكم ويوقفك الوصف على الوكيل ، كما يضطرك الحاكم إلى الحكم ~~ويجري لك وعليك ماشاء من القسم ، فأعلى توكلك عليه حياء منه ، وإشهاده إياك ~~توكله لك بحسن التدبير ، لم يكلك إلى سواه ولم يولك إلا إياه : فإما أن ~~يقتضيك تصبرا له ، وإما أن يقتضيك تفويضا إليه ، وأما أن يقتضيك رضا عنه أو ~~تسليما له أو استراحة من تدبيرك لنفسك ، أو يسقط عنك اهتمامك بتقديرك ~~وأمانيك ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، والحسب أي الحسب يجعله ما شاء كيف ~~شاء ، فقد قيل : حسبه أي التوكل ، وقد قيل : التوكل حسبه من سائر المقامات ~~، وقيل : الله حسبه أي يكفيه ممن سواه ، قال تعالى معرفا للكافة مسليا ~~للجماعة : ( إن الله بالغ أمره ) الطلاق : 3 ؛ أي منفذ حكمه فيمن توكل عليه ~~وفيمن لم يتوكل عليه ، إلا أن من توكل عليه يكون الله حسبه أي يكفيه أيضا ~~مهم الآخرة والدنيا ، ولا يزيد من لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسمه ، كما ~~لا ينقص من توكل عليه ذرة من رزقه ، لكن ms0698 يزيد من توكل عليه هدى إلى هداه ~~ويرفعه مقاما في اليقين على تقواه ، ويعزه بعزه وينقص من لم يتوكل عليه من ~~اليقين ، ويزيده من التعب والهم ما يشتت قلبه ويشغل فكره ، والمتوكل عليه ~~يوجب له بذلك تكفير سيئاته ، ويلقي عليه رضاه ومحباته ، والكفاية فقد ضمنها ~~تعالى لمن صدق في توكله عليه ، والوقاية فقد وهبها لمن أحسن تفويضه إليه ، ~~إلا أن الاختيار وعلم الاستئثار إليه والكفاية والوقاية يجعل ذلك ما شاء ~~كيف شاء وأين شاء ومتى شاء من أمور الدنيا وأمور الآخرة ، ومن حيث لا يعلم ~~لأن العبد موجود ، فجرى عليه الأحكام في الدارين ، وفقير محتاج إلى اللطف ~~والرحمة والرفق في المكانين ، والله هو الغني الحميد المبدئ المعيد ، وقيل ~~لأبي محمد سهل : متى يصح للعبد التوكل ؟ فقال : إذا علم أن تدبير مولاه له ~~خير من تدبيره لنفسه ، فإن نظر مولاه له أحسن من نظره لنفسه ، فيترك التفكر ~~فيما كان والتمني لما يكون ، فيترك التدبير ولله عاقبة الأمور وهو على كل ~~حال محمود شكور . كل ؟ فقال : إذا علم أن تدبير مولاه له خير من تدبيره ~~لنفسه ، فإن نظر مولاه له أحسن من نظره لنفسه ، فيترك التفكر فيما كان ~~والتمني لما يكون ، فيترك التدبير ولله عاقبة الأمور وهو على كل حال محمود ~~مشكور . PageV02P062 # | ذكر أحكام مقام الرضا # الرضا عن الله سبحانه وتعالى من أعلى مقامات اليقين بالله ، وقد قال ~~تعالى : ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) الرحمن : 60 ، فمن أحسن الرضا عن ~~الله جازاه الله بالرضا عنه ، فقابل الرضا بالرضا ، وهذا غاية الجزاء ~~ونهاية العطاء ، وهو قوله عز وجل : ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) التوبة 100 ~~وقد رفع الله الرضا على جنات عدن ، وهي من أعلى الجنات ، كما فضل الذكر على ~~الصلاة فقال تعالى : ( ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ) ~~التوبة : 27 كما قال تعالى : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر ~~الله أكبر ) العنكبوت : 45 والذكر عند الذاكرين المشاهدة ، فمشاهدة المذكور ~~في الصلاة أكبر من الصلاة وهو أحد الوجهين من ms0699 الآية ، والوجه الثاني ذكر ~~الله للعبد أكبر من ذكر العبد لله ، وقال أبو عبد الله الساجي : من خلق ~~الله عباد يستحيون من الصبي يتلقفون مواقع أقداره بالرضا تلقفا ، وقد كان ~~عمر بن عبد العزيز يقول : أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع القضاء ، ~~فالراضون عن الله عز وجل هم الذاكرون لله بما يحب ويرضى ، فالراضون الأكبر ~~جزاء أهل الذكر الأكبر ، وهذا أحد المعاني في قوله : من شغله ذكري عن ~~مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ؛ أي الرضا عنه ، لأن السائلين ~~يسألونه لهم فأعطاهم العفو ، والذاكرون ذكروه فأعطاهم الرضا عنه عز وجل ، ~~ويكون أيضا معناه : أعطيته النظر إلي لأن الذكر يدخل في المشاهدة ، فقابل ~~النظر إليه اليوم بالنظر إليه غدا كما قابل الوصف بالوصف في قوله عز وجل : ~~( وجوه يومئذ مسفرة ) ( ضاحكة مستبشرة ) عبس : 38 - 39 وقال الرسول صلى ~~الله عليه وسلم : يتجلى لنا ربنا ضاحكا ، والذكر قرب السمع . والسمع يخرج ~~إلى النظر ، والرضا هو حال الموفق ، واليقين هو حقيقة الإيمان ، وإلى هذا ~~ندب النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس في وصيته له فقال : إعمل لله ~~باليقين في الرضا ، فإن لم يكن فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ، ~~فرفعه إلى أعلى المقامات ثم رده إلى أوسطها ، كذلك قال لابن عمرو : اعبد ~~الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، فند المشاهدة وهو الإحسان ~~لأنه سأل : ما الإحسان ؟ قال : تعبد الله كأنك تراه ، ثم رده إلى الصبر ~~والمجاهدة وهو الإيمان ، وهذا مكان العلم بأن الله يراه ، وليس بعد هذا ~~مكان يوصف ، وقد رفع الله تعالى الرضا منه فوق ما أعطي من النظر ، ففي ~~الخبر أن الله تعالى يتجلى للمؤمنين فيقول : سلوني ، فيقولون : رضاك ، ~~فسؤالهم الرضا بعد النظر تفضيل PageV02P063 عظيم للرضا ، ولأن بالرضا دام ~~لهم النظر لما كان الرضا موجب النظر ، سألوا دوام الرضا ليدوم القرب والنظر ~~، فسألوه تمام النعمة من حيث بدايتها ، ولا يصلح أن يظهر في معنى قولهم : ~~رضاك أكبر من هذا ، ولا يرسم في كتاب حقيقة ms0700 الأمر لأنه على كشف وصف من صفات ~~الذات ، يوجب على العبد هيبة الربوبية ، وخوف هذا عن القلوب محجوب وحكمة من ~~سرائر الغيوب ، وهذا في الدنيا ثواب لأهل الخشية عن معرفة خاصية ، قال الله ~~سبحانه : ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ) البينة : 8 ، وقال ~~بعض المفسرين في قوله تعالى : ( ولدينا مزيد ) ق : 35 قال : يأتي أهل الجنة ~~في وقت المزيد ثلاث تحف من عند رب العالمين : أحدها هدية من عند الله ليس ~~عندهم في الجنان مثلها ، وذلك قوله تعالى : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين ) السجدة : 17 والثانية السلام عليهم من ربهم فيزيد ذلك على ~~الهداية ، فهو قوله تعالى : ( سلام قولا من رب رحيم ) يس : 58 والثالثة ~~يقول الله تعالى إني عنكم راض فيكون ذلك أفضل من الهدية ومن التسليم ، فذلك ~~قوله تعالى : ( ورضوان من الله أكبر ) التوبة : 72 من النعيم الذي هم فيه ، ~~وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لطائفة من المؤ منين : ماأنتم ؟ ~~قالوا نحن المؤمنون ، فقال : ماعلامة إيمانكم قالوا : نصبر عند البلاء ~~ونشكر عند الرضا ونرضى بمواقع القضاء ، فقال : مؤمنون ورب الكعبة ، وفي خبر ~~آخر أنه قال : حلماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ، فشهد لهم ~~بالإيمان بعد وصف الرضا ، وكذلك جعل لقمان الحكيم الرضا من شرط الإيمان ~~لايصلح إلا به ، فقال في وصيته : للإيمان أربعة أركان لا يصلح إلا بهن ، ~~كما لا يصلح الجسد إلا باليدين والرجلين : ذكر منها الرضا بقدر الله ~~وحدثونا في الإسرائيليات أن عابدا عبد الله دهرا طويلا ، فرأي في المنام ~~فلانة الراعية رفيقتك في الجنة ، فسأل عنها إلى أن وجدها ، فاستضافها ثلاثا ~~لينظر إلى عملها فكان يبيت قائما وتبيت نائمة ، ويظل صائما وتظل مفطرة ، ~~فقال : أما لك عمل غير مارأيت ؟ قالت : ما هو والله إلا مارأيت ، لا أعرف ~~غيره ، فلم يزل يقول : تذكري حتى قالت : خصيلة واحدة هي في ، إن كنت في شدة ~~لم أتمن في رخاء ، وإن كنت في مرض لم أتمن أني ms0701 في صحة ، وإن كنت في الشمس ~~لم أتمن أني في الظل قال : فوضع العابد يده على رأسه فقال : أهذه خصيلة ؟ ~~هذه والله خصلة عظيمة يعجز عنها العبد ، وقد روينا عن ابن مسعود : من رضي ~~بما ينزل من السماء إلى الأرض غفر له ، وقال أبو الدرداد : ذروة الإيمان ~~الصبر للحكم والرضا بالقدر . وروي عن محمد بن حويطب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم : من خير ما أعطي العبد الرضا بما قسم PageV02P064 الله له ، وفي ~~الخبر المشهور : طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان رزقه كفافا ورضي به ، وفي ~~مثله أيضا من رضي من الله عز وجل بالقليل من الرزق رضي الله منه بالقليل من ~~العمل ، وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا : من طرق أهل البيت ~~إذا أحب الله عبدا ابتلاه ، فإن صبر اجتباه وإن رضي اصطفاه ، فالرضا عن ~~الله عز وجل والرحمة للخلق وسلامة القلب والنصيحة للمسلمين وسخاوة النفس ~~مقام الأبدال من الصديقين ، وقد روينا في أخبار موسى عليه السلام أن بني ~~إسرائيل قالوا : سل ربك أمرا إذا فعلناه يرضى به عنا ، قال موسى : إلهي قد ~~سمعت ما يقولون ، فقال : يا موسي قل لهم يرضون عني حتى أرضى عنهم ، ويشهد ~~لهذا الخبر المروي عن نبينا صلى الله عليه وسلم : من أحب أن يعلم ما له عند ~~الله فلينظر ما لله عنده ، فإن الله ينزل العبد منه بحيث أنزله من نفسه ، ~~وقد روينا حديثا حسنا كالمسند عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن ~~مالك : إذا كان يوم القيامة أنبت الله لطائقة من أمتي أجنحة فيطيرون من ~~قبورهم إلى الجنان ، يسرحون فيها ويتنعمون كيف شاؤوا قال : فتقول لهم ~~الملائكة : هل رأيتم الحساب ؟ فيقولون : ما رأينا حسابا فيقولون : هل جزتم ~~الصراط فيقولون : ما رأينا الصراط فيقال لهم : رأيتم جهنم ؟ فيقولون : ما ~~رأينا شيئا فتقول الملائكة : من أمة من أنتم ؟ فيقولون من أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فيقولون : نشدناكم الله ، حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا ~~فيقولون : خصلتان كانتا ms0702 فينا فبلغنا الله هذه المنزلة بفضل رحمته فيقولون : ~~وما هما ؟ فيقولون كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه ونرضى باليسير مما قسم ~~الله لنا ، فتقول الملائكة : يحق لكم هذا ، هكذا كان في كتاب شيخنا عن أنس ~~، وقال فيه لطائفة من أمتي ففيه دليل على المسند ، وقد جاء الأثر : من رضي ~~من الله بالقليل من الرزق رضي الله عنه بالقليل من العمل ، وقال بعض ~~علمائنا : أعرف في الموتى عالما ينظرون إلى منازلهم من الجنان ، في قبورهم ~~بغدى عليهم ويراح من الجنة بكرة وعشيا ، وهم في غموم وكروب في البرزخ ، لو ~~قسمت على أهل البصرة لماتوا أجمعين ، قيل : وما كانت أعمالهم ؟ قال : كانوا ~~مسلمين ، إلا أنهم لم يكن لهم التوكل ولا من الرضا نصيب ، وقد جاء في فرض ~~الرضا قول النبي صلى الله عليه وسلم : أعطوا الله الرضا من قلوبكم تطفروا ~~بثواب فقركم ، وإلا فلا ، وقرن لقمان الرضا بالتوحيد فقال في وصيته لابنه : ~~أوصيك بخصال تقربك إلى الله وتباعدك من سخطه : الأولى تعبد الله لا تشرك به ~~شيئا ، والثانية الرضا بقدر الله فيما أحببت وكرهت ، وقال في وصيته : ومن ~~يتوكل على الله ويرضى بقدر الله فقد أقام الإيمان وفرغ يده ورجليه لكسب ~~الخير ، وأقام الأخلاق الصالحة التي تصلح للعبد أمره ، PageV02P065 فمن ~~الرضا سرور القلب بالمقدور في جميع الأمور وطيب النفس وسكونها في كل حال ، ~~وطمأنينة القلب عند كل مفزع مهلع من أمور الدنيا وقناعة العبد بكل شيء ، ~~واغتباطه بقسمة ربه وفرحه بقيام مولاه عليه ، واستسلام العبد للمولى في كل ~~شيء ورضاه منه بأدنى شيء وتسليمه له الأحكام والقضايا باعتقاد حسن التدبير ~~وكمال التقدير فيها ، ولتسليم العبد إلى مولاه ما في يديه رضا بحكمه عليه ، ~~وإن لا يشكو الملك السيد إلى العبد المملوك ولا يتبرم بفعل الحبيب ، ولا ~~يفقد في كل شيء حسن صنع القريب ، ومن الرضا أن عند أهل الرضا لا يقول العبد ~~: هذا يوم شديد الحر ولا هذا يوم شديد البرد ، ولا يقول : الفقر بلاء ، ~~ومحنة والعيال هم وتعب ، والاحتراف كد ومشقة ms0703 ، ولا يفقد بقلبه من ذلك ما لا ~~يغره به بل يرضي القلب ويسلم ويسكن العقل ، ويستسلم بوجود حلاوة التدبير ~~واستحسان حكم التقدير ، كما قال عمر بن عبد العزيز : أصبحت وما لي سرور إلا ~~في انتظار مواقع القدر ، وقال ابن مسعود : الفقر والغنى مطيتان ما أبالي ~~أيهما ركبت ، إن كان الفقر فإن فيه الصبر ، وإن كان الغنى فإن فيه البدل ، ~~وقال أحمد بن أبي الحواري : قلت لأبي سليمان : إن فلانا قال : وددت أن ~~الليل أطول مما هو فقال : قد أحسن ، وقد أساء ، أحسن حيث تمنى طوله للعبادة ~~وأساء إذا لم يحب ما لم يحب الله . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ~~ما أبالي على أي حال أصبحت وأمسيت من شدة أو رخاء ، وقال ذات يوم لامرأته ~~عاتكة وقد غضب : والله لأسوءنك : فقالت أتستطيع أن تصرفني عن الإسلام بعد ~~أن هداني الله له ؟ قال : لا ، قالت : فأي شيء تسوءني إذا ، وقال جعفر بن ~~سليمان الصنعي قال سفيان الثوري يوما عند رابعة : اللهم ارض عنا ، فقالت : ~~أما تستحي من الله أن تسأله الرضا وأنك غير راض عنه ؟ فقال : أستغفر الله ، ~~قال جعفر فقلت لها : متى يكون العبد راضيا عن الله تعالى ؟ فقالت : إذا كان ~~سروره بالمصيبة مثل سروره بالنعمة ، وقال فضيل بن عياض : إذا استوى عنده ~~المنع والعطاء فقد رضي ، وفي أخبار داود : ما لأوليائي والهم بالدنيا ، إن ~~الهم يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم ، وفي بعضها : يا داود ، إياك والاهتمام ~~بالدنيا ، محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين لا يغتمون ، إياك والغم ~~ولاتهتم للخير وأنت تريدني ، ويقال : أكثر الناس هما في الدنيا أكثرهم هما ~~في الآخرة ، وأقلهم هما في الدنيا أقلهم هما في الآخرة ، وروينا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن ، واعلم أن ~~الفرح بالدنيا يخرج هم الآخرة من القلب ، والغم على الدنيا يحجب عن الحزن ~~على فوت الآخرة ، وذكر عند رابعة عابد له عند الله منزلة ، وكان قوته ما ~~يقمم من منزلة لبعض PageV02P066 ملوكهم فقال ms0704 رجل عندها : فما يضر هذا إذا ~~كانت له عند الله منزلة أن يسأله ، فيجعل قوته في غير هذا فقالت له : اسكت ~~يا بطال ، أماعلمت أن أولياء الله هم أرضى عنه أن يتخيروا عليه إن ينقلهم ~~من معيشة حتى يكون هو الذي يختار لهم ، وقال أحمد بن أبي الحواري : قال لي ~~أبو سليمان : إن الله تعالى من كرمه قد رضي من عبيده بما رضي العبيد من ~~مواليهم قلت : وكيف ذلك ؟ قال : أليس مراد العبد من الخلق أن يرضى عنه ~~مولاه ؟ قلت : نعم قال : فإن محبة الله من عبيده أن يرضوا عنه ، وقال ~~الأعمش : قال لي أبو وائل : يا سليمان ، نعم الرب ربنا لو أطعناه ما عصانا ~~، وقال الله عز وجل في معناه : ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) ~~الشورى : 26 ، أي يعطيهم ويستجيب لهم ، والاستجابة الطاعة كقوله تعالى : ( ~~فليستجيبوا لي ) البقرة : 186 ، فلما استجابوا له استجاب لهم ، أطاعوه فيما ~~أحب فأطاعهم فيما يحبون ، وهذا أحد وجهي الآية كقوله تعالى : ( وأوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم ) البقرة : 40 وهو على تأويل من قرأ : هل يستطيع ربك أن ~~يطيعك ؟ قال ابن عباس : كان الحواريون أعلم بالله أن يشكوا أن الله يقدر ~~على ذلك ، وإنما معناه : هل يستطيع أن يطيعك ؟ وروينا أيضا عن عائشة مثله ، ~~وقال الفضيل : من أطاع الله تعالى أطاعه كل شيء ، ومن خاف من الله خاف منه ~~كل شيء ، وفي أخبار موسى عليه السلام يا رب دلني على أمر فيه رضاك حتى ~~أعمله ، فأوحى الله تعالى إليه إن رضاي في كرهك وأنت لا تصبر على ما تكره ، ~~قال : يا رب دلني عليه قال : فإن رضاي في رضاك بقضائي ، وقد يروى على وجه ~~آخر أن بني إسرائيل سألوا موسى فقالوا : لو علمنا في أي شيء رضا ربنا ~~لفعلناه ، فأوحى الله إليه قل لهم : رضاي في رضاهم بقضائي وفي مناجاة موسى ~~عليه السلام يا رب أي خلقك أحب إليك ؟ قال : من إذا أخذت منه المحبوب ~~سالمني قال : فأي خلقك أنت عليه ساخط ؟ قال : من يستخيرني في ms0705 الأمر فإذا ~~قضيت له سخط قضائي ، وقد ورد أشد من هذا كله أن الله تعالى قال : ( أنا ~~الله لا إله إلا أنا ) طه : 14 ، من لم يصبر على بلائي ويرض بقضائي ويشكر ~~نعمائي فليتخذ ربا سواي ، وقد رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ~~ومثله في الشدة يقول الله تعالى : قدرت المقادير ودبرت التدبير وأحكمت ~~الصنع ، فمن رضي فله الرضا مني حين يلقاني ومن سخط فله السخط مني حين ~~يلقاني ، وفي الخبر : أول ما كتب لموسى عليه السلام : ( إنني أنا الله لا ~~إله إلا أنا ) طه : 14 ، من رضي بحكمي واستسلم لقضائي وصبر على بلائي كتبته ~~صديقا وحشرته مع الصديقين يوم القيامة . وروينا في الخبر المشهور بمعناه ~~يقول الله جل جلاله : قدرت الخير والشر وأجريتهما على أيدي عبادي ، فطوبى ~~لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه وويل PageV02P067 لمن خلقته للشر ~~وأجريت الشر على يديه ، وويل ثم ويل لمن قال : لم وكيف ؟ وفي الأخبار ~~السالفة أن نبيا من الأنبياء شكا إلى الله الجوع والفقر عشر سنين ، كل ذلك ~~لا ينظر في مسألته فأوحى الله إليه : لم تشكو ؟ هكذا كان بدوك عندي في أم ~~الكتاب قبل أن أخلق السموات والأرض ، وهكذا سبق لك مني وهكذا قضيت عليك قبل ~~أن أخلق الدنيا ، أفتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك أم تريد أن أبدل ما ~~قدرت عليك ، فيكون ما تحب فوق ما أحب ويكون ما تريد فوق ما أريد ، وعزتي ~~وجلالي لن تخالج في صدرك مرة أخرى لأمحونك من ديوان النبوة ، وروينا أن آدم ~~عليه السلام كان بعض أولاده الصغار يصعدون على جسمه وينزلون ، يجعل أحدهم ~~رجله على أضلاعه كهيئة الدرج فيصعد إلى رأسه ثم ينزل على أضلاعه ، كذلك قال ~~وهو مطرق إلى الأرض ولا ينطق ولا يرفع رأسه فقال له بعض ولده يا أبت ، ألا ~~ترى مايصنع هذا بك لو نهيته عن هذا فقال : يا بني ، إني رأيت ما لم تروا ، ~~وعلمت ما لم تعلموا ، إني تحركت حركة واحدة فأهبطت من ms0706 دار الكرامة إلى دار ~~الهوان ، ومن دار النعيم إلى دار الشقاء ، فأخاف أن أتحرك حركة أخرى ~~فيصيبني ما لا أعلم ، روينا في بعض الأخبار أنه قال : إن الله ضمن لي إن ~~حفظت لساني أن يردني إلى الدار التي أخرجني منها ، وقال أبو محمد سهل : حظ ~~الخلق من اليقين على قدر حظهم من الرضا ، وحظهم من الرضا على قدر عيشهم مع ~~الله ، وروى عطية عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله ~~بحكمه وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين ، وجعل الغم والحزن في ~~الشك والسخط ، ومن الرضا أن لا تذم شيئا مباحا ولا تعيبه إذا كان بقضاء ~~مولاه ، شاهدا للصانع في جميع الصنعة ناظرا إلى إتقان الصنع والحكمة وإن لم ~~يخرج ذلك عن معتاد المعقول والعادة ، وبعض العارفين يجعل هذه الأشياء في ~~باب الحياء من الله عز وجل ، ومنهم من يقول : هي من حسن الخلق مع الله ~~تعالى ، ومنهم من جعله من باب الأدب بين يدي الله ، فإذا كان هذا كذلك كان ~~ذم الأشياء التي أبيحت وعيبها من سوء الخلق مع الله ، وكانت من سوء الأدب ~~بين يدي الله ، وأعظم من ذلك أنها تدخل في باب قلة الحياء من الله ، ويصلح ~~أن يكون هذا أحد معاني الخبر الذي جاء : قلة الحياء كفر ، يعني كفر النعمة ~~بأن يذم ويعيب بعض ما أنعم الله به عليه من الإرفاق والإلطاف ، إذ كان فيها ~~تقصير عن تمام ملها أو كانت مخالفة لهواه منها ، فيكون ذلك كفرا للنعمة ~~وقلة حياء العبد من المنعم ، إذ قد أمره بالشكر على ذلك ، فبدل الشكر كفرا ~~لأن أحدا لو اصطنع لك طعاما فعبته وذممته كره ذلك منك ، فكذلك تعالى يكره ~~ذلك منك ، وهذا داخل في معرفة معاني الصفات ، وفي معنى ما قيل أعرفكم بربه ~~أعرفكم بنفسه ، لأنك إذا عرفت صفات نفسك في معاملة الخلق عرفت منها صفات ~~خالقك ، PageV02P068 وبعض الراضين يجعل ذم الأشياء وعيبها بمنزلة الغيبة ~~لصانعها لأنها صنعته ونتاج حكمته ، ونفاد علمه وحكم تدبيره ms0707 وتدبير مقاديره ~~، لأنه أحكم الحاكمين وخير الرازقين وأحسن الخاقين ، له في كل شيء حكمة ~~بالغة وفي كل صنعة صنع متقن ، ولأنك إذا عبت صنعة أحد وذممتها سرى ذلك إلى ~~الصانع ، لأنه كذلك صنعها وعن حكمته أظهرها ، إذ كانت الصنعة مجبولة لم ~~تصنع نفسها ولا صنع لها في خلقتها ، وكان الورعون لا يعيبون صنعة عند كراهة ~~الغيبة له وذلك أن الراضي عن الله متأدب بين يدي الله يستحي أن يعارضه في ~~داره أو يعترض عليه في حكمه ، فصاحب الدار يصنع في حكمه ما شاء والحاكم ~~يحكم بأمره كيف شاء ، والعبد راض بصنع سيده مسلم لحكمة حاكمه وروي في ~~الإسرائيليات أن عيسى عليه السلام مر مع نفر من أصحابه بجيفة كلب فغطوا ~~آنافهم وقالوا : أف أف ، ما أنتن ريحه فلم يخمر عيسى عليه السلام أنفه وقال ~~: ما أشد بياض أسنانه ، أراد أن ينهاهم بذلك عن الغيبة ويعلمهم ترك عيب ~~الأشياء ، كيف هو يرى بعين نفسه أن الصنعة من صانعها ، فهو يقلبها ويصرفها ~~على معاني نظره ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ما عاب طعاما ~~قط ، إن اشتهاه أكله وإلا تركه ، وقال أنس : خدمت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عشر سنين ، ليس كل امرئ كما يريد صاحبي ، ما قال لي لشيء فعلته : لما ~~فعلته ؟ ولا لشيء لم أفعله : ألا فعلته ، ولا قال في شيء كان : ليته لم يكن ~~ولا لشيء لم يكن : ليته كان ، وكان يقول : لو قضى شيء لكان ، وهذا وصف ~~الراضي الموقن القائم بشهادته ، فبالنظر في هذه الدقائق والوقوف عندها رفع ~~القوم عند الله إلى مقام المقربين ، وبالتهاون بها والغفلة عنها نغلت ~~القلوب ففسدت حتى لم تصلح للمحبة والرضا ، وهذه المعاني من الاعتراضات ، ~~والتخير هو تقدم بين يدي الله وذاك التدبير الذي يشير إليه سهل ويقول : إن ~~تدبير الخلق حجبهم عن الله عز وجل ، وحكي لنا أن بعضهم صحب بعض العارفين في ~~طريق فعبث بشيء فنحاه من مكان إلى مكان آخر فقال له العارف : ماذا صنعت ؟ ~~أحدثت ms0708 في الملك حدثا عن غير ضرورة ولا سنة ، ولا تصحبني أبدا فلو لم يكن ~~لنا من الذنوب إلا هذه الأشياء لقد كان كافيا ، وفوق ذلك تهاوننا بها وأعظم ~~من ذلك ترك التوبة والاستغفار منها ، وأعمال طلاب الرضا من الله مضاعفة على ~~أعمال المجاهدين في سبيل الله لأن أعمال المجاهدين تضاعف إلى سبعمائة ضعف ، ~~وتضعيف طالبي الرضا لا تحصى ، قال الله تعالى : ( والله يضاعف لمن يشاء ) ~~البقرة : 261 ، وقال تعالى : ( فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) البقرة : 245 ، ~~قيل : الحسنة إلى ألفي ألف حسنة ، وقد قال سبحانه : ( ومثل الذين ينفقون ~~أموالهم ابتغاء PageV02P069 مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة ) ~~البقرة : 265 ، فكم في هذه الحنة من سنبلة وحبة ، فهؤلاء الذين قال : والله ~~يضاعف لمن يشاء هم أهل الرضا عنه ، وهم الذين أقرضوا الله قرضا حسنا لأجله ~~لمضاعفته لهم أضعافا كثيرة ، فمن عقل عن الله حكمته كان مع الله تعالى فيما ~~حكم مسلما له ما شهد ، لأنه سبحانه باختياره أنشأ الأشياء ، وبمشيئته ~~أبداها وعنه يتصرف المقدور وإليه عواقب الأمور ، لا يكون مع نفسه فيما ~~يهواه ولا مع معتاده وعرفه فيما يعقل ، وقال بعض العارفين : قد نلت من كل ~~مقام حالا إلا الرضا ، فما لي منه إلا مشام الريح ، وعلى ذلك لو أدخل ~~الخلائق كلهم الجنة وأدخلني النار لكنت بذلك راضيا ، وقيل لعارف فوقه : نلت ~~غاية الرضا عنه فقال : الغاية لا ، ولكن مقام من الرضا قد نلته حتى لو ~~جعلني جسرا على جهنم يعبر الخلائق علي إلى الجنة ، ثم ملأ بي جهنم تحلة ~~لقسمه وبدلا من خليقته لأحببت ذلك من حكمه ، ورضيت به من قسمه ، وحدثونا عن ~~الروذباري قال : قلت لأبي عبد الله بن الجلاء الدمشقي قول فلان : وددت أن ~~جسدي قرض بالمقاريض ، وأن هذا الخلق أطاعوه ، مامعناه قال : يا هذا ، إن ~~كان من طريق الإشفاق على الخلق والنصح فأعرف ، وإن كان من طريق التعظيم ~~والإجلال فلا أعرف ، قال ثم غشى عليه ، وقد كان عمران بن حصين استسقى بطنه ~~فلبث ملقى على ظهره ثلاثين ms0709 سنة سطحيا ، لا يقوم ولا يقعد ، قد نقب له في ~~سرير من جريد كان تحته موضعا لغائطه وبوله ، فدخل عليه مطرف أو أخوه العلاء ~~فجعل يبكي لما يرى من حاله ، فقال : لم تبكي ؟ فقال لأني أراك على هذه ~~الحال العظيمة فقال : لا تبكي فإن أحبه إلي أحبه إلى الله ثم قال : أحدثك ~~شيئا لعل الله أن ينفعك به ، واكتم عني حتى أموت أن الملائكة تزورني فآنس ~~بها ، وتسلم علي فأسمع تسليمها ، أراد عمران رحمه الله بذلك أن يعلم أن هذا ~~البلاء ليس بعقوبة : لأن مثل هذه الآية إنما هو درجة ورحمة ، وبلاء ~~العقوبات لا يكون معه الآيات ولا يوجد عنده الحلاوات ، ولا مزيد القلوب من ~~نسيم ريحان الغيوب ولأنه كان حزن عليه فأراد أن يبشره : فلا تذكر الحبيب ~~ولا حب لقاء الطبيب ، كما أنشد بعض المحبين : با حبيبا بذكره نتداوى . . . ~~وصفوه لكل داء عجيب من أراد الطبيب سر إذا . . . اعتل اشتياقا إلى لقاء ~~الطبيب من أراد الحبيب سار إليه . . . وجفا الأهل دونه والقريب ليس داء ~~المحب داء يداوى . . . إنما برؤه لقاء الحبيب قال : ودخلنا على سويد بن ~~شعبة نعوده ، فرأينا ثوبا ملقى فما ظننا أن تحته شيئا حتى كشف ، فقالت له ~~امرأته : أهلي فداؤك ما نطعمك ما نسقيك فقال : طالت الضجعة ودبرت الحراقيف ~~وأصبحت نضوا لا أطعم طعاما ولا أسيغ شرابا منذ كذا ، فذكر أياما ثم قال : ~~وما يسرني أني نقصت من هذا قلامة ظفر ، PageV02P070 واعتل حذيفة علة الموت ~~فجعل يقول : أخنق خناقك فوعزتك أنك لتعلم أني أحبك ، فلما حضره الموت جعل ~~يقول : حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم ، وروى أيضا مثل هذا عن أبي هريرة ~~، ولما قدم سعد إلى مكة وكان قد كف بصره جاءه الناس يهرعون ، كل واحد يسأله ~~أن يدعو له فيدعو لهذا ولهذا ، وكان مجاب الدعوة ، دعا له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بذلك ، قال عبد الله بن السائب : فأتيته وأنا غلام فتعرفت ~~إليه فعرفني وقال : أنت قارئ أهل مكة ؟ قلت : نعم ، فذكر ms0710 قصة قال في آخرها ~~فقلت له : يا عم ، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك ، ~~فتبسم ثم قال : يابني ، قضاء الله عندي أحسن من بصري ، وقال إن بعض هذه ~~الطائفة ضاع ولده وكان صغيرا ثلاثة أيام لا يعرف له خبرا فقيل له : لو سألت ~~الله أن يرده عليك فقال : اعتراضي عليه فيما قضى أشد من ذهاب ولدي ، وقد ~~روينا عن بعض العباد أنه قال : أذنبت ذنبا فأنا أبكي عليه منذ ثلاثين سنة ، ~~وكان قد اجتهد في العبادة لأجل التوبة من ذلك الذنب قيل له : وما هو قال : ~~قلت مرة لشيء كان : ليته لم يكن ، وقال بعض السف : لو قرض جسمي بالمقاريض ~~كان أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله : ليته لم يقضه ، وحدثونا عن بشر ~~الحافي قال : رأيت بعبادان رجلا قد قطعه البلاء وقد سالت حدقتاه على خديه ، ~~وهو في ذلك كثير الذكر عظيم الشكر لله ، قال وإذا هو قد صرع من حبه به قال ~~: فوضعت رأسه في حجري وجعلت أسأل الله عز وجل كشف مابه ، وأدعو له ، فأفاق ~~فسمع دعائي فقال : من هذا الفضولي الذي يدخل بيني وبين ربي ويعترض عليه في ~~نعمه علي ؟ قال ونحى رأسه ، قال بشر فاعتقدت أن لا أعترض على عبد في نعمة ~~أراها عليه من البلاء ، وقيل لعبد الواحد ابن زيد : ههنا رجل قد تعبد خمسين ~~سنة فقصده فقال : حبيبي أخبرني عنك هل قنعت به قال : لا قال : هل أنست به ~~قال : لا قال : فهل رضيت عنه قال : لا قال : فإنما مزيدك منه الصوم والصلاة ~~قال : نعم قال : لولا أني أستحي منك لأخبرتك أن معاملتك خمسين سنة مدخوله ، ~~أراد بذلك أنه لم يقربك فيجعلك في المقربين فيكون مزيدك لديه من أعمال ~~القلوب ، وكذلك يصنع بأوليائه ، إنما أنت عنده في طبقة أصحاب اليمين ، ~~فمزيد العموم من أعمال الجوارح ، وقد يكون الرجل مخلصا في مقامه وإن كان ~~فوقه فوق ، وقد روينا عن ابن محيريز ، وكان من عباد أهل الشام وعلمائهم ، ~~كلمة غريبة ms0711 المعنى دقيقة في معنى المخالفة لله عز وجل ، وإن كان قد فسرها ~~فإنه لم يكشف معناها لفهم السامعين منه والحاضرين عنده فيحتاج تفسيرها إلى ~~تفسير ، روينا عنه أنه قال : كلكم يلقى الله تعالى ، ولعله قد كذبه وذلك أن ~~أحدكم لو كان له أصبع من ذهب ظل يشير بها ، ولو كان به شلل ظل يواريها ، ~~يعني بذلك أن الذهب من زينة الدنيا ، وقد ذم الله تعالى الدنيا وأن البلاء ~~زينة أهل الآخرة وقد مدح الله الآخرة ، أي فأنت إذا أعطاك زينة الدنيا ~~أظهرتها PageV02P071 وفخرت بها وإذا أعطاك زينة الاخرة وهي المصائب والبلاء ~~كرهتها وأخفيتها لئلا تعاب بذلك ، فحسب عليه حب الدنيا والتزين بها وكراهة ~~البلاء تكذيبا لله وردا عليه ما وصفه ، وهذا يدخل في باب الزهد وفي باب ~~الرضا ، ويدخل على من أخفى الفقر والبلاء حياء من الناس لئلا يعاب بذلك ، ~~فهو من ضعف يقينه بقوة شاهد الخلق ، ويدخل فيه من أظهر الغنى من غير نية ~~ولا تحدث بنعمة الله ، فذلك أيضا من قوة شاهد حب الدنيا ، وكذلك قال أبو ~~سليمان الداراني : ثلاث مقامات لا حد لها ، الزهد والورع والرضا ، وخالفه ~~سليمان ابنه ، وكان عارفا ، ومن الناس من كان يقدمه على أبيه فقال : بلى ، ~~من تورع في كل شيء فقد بلغ حد الورع ، ومن زهد في كل شيء فقد بلغ حد الزهد ~~، ومن رضي عن الله في كل شيء فقد بلغ حد الرضا ، ولا ينقص الراضي من مقام ~~الرضا مسألة مولاه مزيد الآخرة وصلاح الدنيا ، تعبدا بذلك وافتقارا إليه في ~~كل شيء لأن في ذلك رضاه ومقتضى تمدحه بمسألة الخلائق له ، فإن صرف مسائله ~~إلى طلب النصيب من المولى وابتغاء القرب منه حبا له وآثره على ما سواه كان ~~فاضلا في ذلك ، لأنه قد رد قلبه إليه وجمع همه بذلك ، وهذا على قدر مشاهدة ~~الراضي عن معرفته ، وهو مقام المقربين ومقتضى حاله ، لأنه يسأل عن عمله ~~بعلمه في وقت من أحواله كما يسأل عن جملة عماله بعلومه في جملة عمره ، وهذا ms0712 ~~أصل فاعرفه ، فهو طريق الصوفيين وعليه عمل العارفين من السلف ، فلم يكن ~~يضرهم عندهم خلاف من خالف ، وإن كان دعاؤه تمجيد السيدة وثناء عليه شغلا ~~بذكره ونسيانا لغيره وولها بحبه ، لأنه مستوجب لذلك بوصفه ، ولأنه واجب ~~عليه ، فقد استغرقه وجوب ما عليه عماله ، فهذا أفضل وهو مقام المحبين ، وهو ~~من القيام بشهادته ، وقد دخل فيما ذكرناه من مقتضى حاله بالعمل بعمله في ~~وقته ، وللعلماء مسألة قد اختلفوا فيها : في أهل المقامات ثلاث ، أيهم أفضل ~~؟ عبد يحب الموت شوقا إلى لقاء الله ، وعبد يحب البقاء للكد والخدمة للمولى ~~، وعبد قال : لا أختار شيئا بل أرضى مايختار لي مولاي ، إن شاء أحياني أبدا ~~وإن شاء أماتني غدا ، قال : فتحاكموا إلى بعض العارفين فقال : صاحب الرضى ~~أفضلهم لأنه أقلهم فضولا ، وهذا كما قاله في الاعتبار بترك الاعتراض ~~والاختبار ، لأنه دخل في الدار بغير اختيار ، وكذلك يكون خروجه منها على ~~معنى دخوله بلا اختيار ، لأن مقام الرضا أعلى من مقام التشوق ، ثم الذي ~~يليه في الفضل الذي يحب الموت شوقا إلى لقاء الله ، وهذا مقام في المحبة ~~وفي حقيقة الزهد في الحياة . ه حبا له وآثره على ما سواه كان فاضلا في ذلك ~~، لأنه قد رد قلبه إليه وجمع همه بذلك ، وهذا على قدر مشاهدة الراضي عن ~~معرفته ، وهو مقام المقربين ومقتضى حاله ، لأنه يسأل عن عمله بعلمه في وقت ~~من أحواله كما يسأل عن جملة عماله بعلومه في جملة عمره ، وهذا أصل فاعرفه ، ~~فهو طريق الصوفيين وعليه عمل العارفين من السلف ، فلم يكن يضرهم عندهم خلاف ~~من خالف ، وإن كان دعاؤه تمجيد السيدة وثناء عليه شغلا بذكره ونسيانا لغيره ~~وولها بحبه ، لأنه مستوجب لذلك بوصفه ، ولأنه واجب عليه ، فقد استغرقه وجوب ~~ما عليه عماله ، فهذا أفضل وهو مقام المحبين ، وهو من القيام بشهادته ، وقد ~~دخل فيما ذكرناه من مقتضى حاله بالعمل بعمله في وقته ، وللعلماء مسألة قد ~~اختلفوا فيها : في أهل المقامات ثلاث ، أيهم أفضل ؟ عبد يحب الموت شوقا إلى ~~لقاء الله ، وعبد ms0713 يحب البقاء للكد والخدمة للمولى ، وعبد قال : لا أختار ~~شيئا بل أرضى مايختار لي مولاي ، إن شاء أحياني أبدا وإن شاء أماتني غدا ، ~~قال : فتحاكموا إلى بعض العارفين فقال : صاحب الرضى أفضلهم لأنه أقلهم ~~فضولا ، وهذا كما قاله في الاعتبار بترك الاعتراض والاختبار ، لأنه دخل في ~~الدار بغير اختيار ، وكذلك يكون خروجه منها على معنى دخوله بلا اختيار ، ~~لأن مقام الرضا أعلى من مقام التشوق ، ثم الذي يليه في الفضل الذي يحب ~~الموت شوقا إلى لقاء الله ، وهذا مقام في المحبة وفي حقيقة الزهد في الحياة ~~. وفي الخبر : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، والذي يحب البقاء للخدمة ~~وكثرة PageV02P072 المعاملة هو فاضل ، بعد هذين مقامه قوة الرجاء وحسن الظن ~~في العصمة ، وله أيصا مطالعات من الأنس وملاحظات في القرب ، به طاب مقامه ~~وعنده سكنت نفسه وقصرت أيامه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~أفضل المؤمنين إيمانا أو قال : أكمل المؤمنين إيمانا من طال عمره وحسن عمله ~~، هذا لأن الأعمال مقتضى الإيمان إذ حقيقة الإيمان إنما هو قول وعمل ، وليس ~~بعد هؤلاء مقام يفرح به ولا يغبط صاحبه عليه ، ولا يوصف بمدح إنما هو حب ~~البقاء لمتعة النفس وموافقة الهوى ، وقد تشرف النفس على الضعفاء من أهل هذا ~~الطريق ويختفي فيها علة ، وهو أن يحب البقاء لأجل النفس وللمتعة بروح ~~الدنيا وما طبعت عليه من حب الحياة ، وتكره الموت لمنافرة الطبع ولطول ~~الأمل ، فيتوهم أنه ممن يحب البقاء لأجل الله وطاعته ، وهذا هو من الشهوة ~~الخفية التي لا يخرجها إلا حقيقة الزهد في الدنيا ، ولا يفضل في هذا الطريق ~~االثالث إلا عارف زاهد دائم المشاهدة باليقين ، فأما المعتل بوصفه وهواه ~~فليس يقع به اعتبار في طريق ولا مقام ، واجتمع ذات يوم وهيب بن الورد ~~وسفيان الثوري ويوسف بن أسباط فقال الثوري : قد كنت أكره موت الفجأة قبل ~~اليوم ، فأما اليوم فوددت أني مت فقال له يوسف : ولم ؟ قال لما أتخوف من ~~الفتنة فقال يوسف : لكني لا أكره طول ms0714 البقاء فقال الثوري : ولم تكره الموت ~~قال : لعلي أصادف يوما أتوب فيه وأعمل صالحا فقيل لوهيب : أي شيء تقول أنت ~~فقال : أنا لا أختار شيئا أحب ذلك إلي أحبه إلى الله قال : فقبل الثوري ما ~~بين عينيه وقال : روحانية ورب الكعبة ، يعني مقام الروحانيين وهم المقربون ~~أهل الروح والريحان ، وأولو المحبة والرضوان ، كما قال تعالي ( فروح وريحان ~~) الواقعة : 89 ، يعني لهم ريح من نسيم القرب وريحان من طيب الحب ، وأيضا ~~أنه تعالى لما ذكر أن ، لأصحاب اليمين في كل شدة وهول سلامة ، وكان ~~المقربون هم الأعلون ، كان أيضا فيما دل الفهم عليه ، أن للمقربين من كل ~~هول روحا به لشهادتهم القريب ، وفي كل قرب منه ريحان لقرب الحبيب فبذلك ~~علوا وبذلك فضلوا ، وهكذا قال بعض الصوفية : سر العارف في الأشياء واقف مثل ~~الماء في البئر لا يختار المقام وإن أخرج خرج ، فإن ذم هذا الراضي ما ذمه ~~الله ، وكره ما كرهه الله لم ينقص ذلك رضاه ، وكان محسنا في فعله لموافقته ~~مولاه ، وإن لم يرض بحاله نقص في الدين والآخرة أو كره مزيد الدنيا من ~~الكثرة والجمع والادخار لم يقدح ذلك في رضاه لأنه من التحقق بالزهد ، وهو ~~في جميع ذلك موافق للعلم ، والله تعالى أعلم بأحكامه من العبد وأغير على ~~نفسه من الغير ، وأعلى مشاهدة من الخلق ، له المثل الأعلى ، فهو على ~~PageV02P073 ذلك يشهد أحكامه ويذم المحكوم عليه إذ تعدى حدود أمره ، وينفذ ~~علمه بمشيئته ويمقت العاصين له باجتراح نهيه ، حكمة منه وعدلا ، كما أنه ~~يشهد يده في العطاء ويمدح المنفقين ، ويمضي إرادته بالقضاء بتوفيقه ، ويشكر ~~العاملين كرما منه وفضلا ، كذلك الراضي عنه موافق فيما حكم ومتبع له فيما ~~رسم ، ومسلم له فيما قدر وعالم منه راض بما دبر ، ومستعمل لما شرع ومواطئ ~~لرسوله ، يذم ما ذمه مولاه ويمدح ما مدحه لأجل مولاه لا لأجل نفعه إياه ، ~~والتحدث بالأوجاع والإخبار عن المصائب لا ينقص حال الراضي إذا رآها نعمة من ~~الله عليه ، وكان القلب مسلما راضيا غير متسخط ولا ms0715 متبرم بمر القضاء ، وأول ~~الرضا الصبر ثم القناعة ، ثم الزهد ثم المحبة ، ثم التوكل ، فالرضا حينئذ ~~حال المتوكل والتوكل مقام الرضا ، وقال فضيل : إذا استوى العطاء والمنع عند ~~العبد فهو الرضا ، وقال غيره : إذا لم يختلف قلبه في العدم والوجود وفي ~~الصحة والسقم فقد رضي ، وقال الثوري : منع الله عطاءه لأنه يمنع من غير بخل ~~ولا عدم ، فمنعه اختبار وحسن نظر ، وهذا كما قال لأن حقيقة المنع إنما يكون ~~لمن لك عنده شيء فمنعك أو تستحق عليه شيئا فلم يعطك ، فأما من لا تستحق ~~عليه شيئا ، ولا لك معه شيء لأنه الأول قبل كل شيء ، والمظهر لكل شيء ، ~~والمالك لما أظهر ، والمختار لما خلق وليس لأحد من خلقه اختيار ، ولا في ~~حكمه اشتراك ، له الخلق والأمر ولا يشرك في حكمه أحدا ، والعبد لم يكن شيئا ~~مذكورا ، فكل شيء اختاره فهو عطاء منه على تفاوت مقادير وضروب أحكام ، ~~وتصاريف تدبير حلو ومر ولطف وعنف وشدة ورخاء ، وموافقة للنفس ومرفق ومخالفة ~~لما يهوى مما لطبعها لا يوافق ، فالصبر على الأحكام مقام المؤمنين والرضا ~~بها مقام الموقنين ، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ، واصبر حتى يحكم ~~الله وهو خير الحاكمين ، واعلم أن الرضا في مقامات اليقين وأحوال المحبين ، ~~ومشاهدة المتوكلين وهو داخل في كل أفعال الله سبحانه لأنها عن قضائه ، لا ~~يكون في ملكه إلا ما قضاه فعلى العارفين به الرضا بالقضاء ، ثم يرد ذلك إلى ~~تفصيل العلم وترتيب الأحكام ، فما كان من خير وبر أمر به أو ندب إليه ، رضي ~~به العبد وأحبه شرعا وفعلا ووجب عليه الشكر ، وماكان من شر نهى عنه وتهدد ~~عليه ، فعلى العبد أن يرضى به عدلا وقدرا ويسلمه لمولاه حكمة وحكما ، وعليه ~~أن يصبر عنه ويقر به ذنبا ويعترف به لنفسه ظلما ، ويرضى بعود الأحكام عليه ~~بالعقاب ، وأنه اجترحه بجوارحه اكتسابا ورضا بأن لله الحجة البالغة عليه ، ~~وأن لا عذر له فيه ، ويرضى بأنه في مشيئة الله عز وجل من عفو عنه برحمته ~~وكرمه إن شاء ms0716 ، أو عقوبة له بعدله وحقه إن شاء ، وفصل الخطاب أنه يرضى بسوء ~~القضاء عقد إلا من نفسه فعلا ، ويرضى به عن الله ولا يرضى به من نفسه لأن ~~الموقنين والمحبين لا يسقطون الأمر بالمعروف والنهي عن PageV02P074 المنكر ~~، ولا ينكرون إنكار المعاصي وكراهتها بالألسنة والقلوب من قبل أن الإيمان ~~فرضها ، والشرع ورد بها ولأن الحبيب كرهها ، فكانوا معه فيما كره كما كانوا ~~معه فيما أحب ، ومقام اليقين لا يسقط فرائض الإيمان ، ومشاهدة التوحيد لا ~~تبطل شرائع الرسول ولا تسقط أتباعه ، فمن زعم ذلك فقد افترى على الله ~~ورسوله ، وكذب على الموقنين والمحبين ، ألم تر أن الله تعالى ذم قوما رضوا ~~بالدنيا ورضوا بالمعاصي ورضوا بالتخلف عن السوابق ، فقال سبحانه : ( رضوا ~~بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ) يونس : 7 ، فذمهم بذلك وقال تعالى : ( ~~ولتصغى إليه أفئدة الذين لايؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ~~) الأنعام : 113 ، فعابهم به وقال تعالى : ( رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) ~~التوبة : 87 ، يعني النساء ، وهذا جمع التأنيث وطبع على قلوبهم ، فهم لا ~~يفقهون ، فمن رضي بالمعاصي والمناكير منه أو من غيره ، وأحب لأجلها ووالى ~~ونصر عليها أو ادعى أن ذلك في مقام الرضا الذي يجازى عليه بالرضا أو أنه ~~حال الراضين الذين وصفهم الله تعالى ومدحهم ، فهو مع هؤلاء الذين ذم الله ~~ومقت . ومر ولطف وعنف وشدة ورخاء ، وموافقة للنفس ومرفق ومخالفة لما يهوى ~~مما لطبعها لا يوافق ، فالصبر على الأحكام مقام المؤمنين والرضا بها مقام ~~الموقنين ، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ، واصبر حتى يحكم الله وهو ~~خير الحاكمين ، واعلم أن الرضا في مقامات اليقين وأحوال المحبين ، ومشاهدة ~~المتوكلين وهو داخل في كل أفعال الله سبحانه لأنها عن قضائه ، لا يكون في ~~ملكه إلا ما قضاه فعلى العارفين به الرضا بالقضاء ، ثم يرد ذلك إلى تفصيل ~~العلم وترتيب الأحكام ، فما كان من خير وبر أمر به أو ندب إليه ، رضي به ~~العبد وأحبه شرعا وفعلا ووجب عليه الشكر ، وماكان من شر نهى عنه وتهدد عليه ~~، فعلى العبد ms0717 أن يرضى به عدلا وقدرا ويسلمه لمولاه حكمة وحكما ، وعليه أن ~~يصبر عنه ويقر به ذنبا ويعترف به لنفسه ظلما ، ويرضى بعود الأحكام عليه ~~بالعقاب ، وأنه اجترحه بجوارحه اكتسابا ورضا بأن لله الحجة البالغة عليه ، ~~وأن لا عذر له فيه ، ويرضى بأنه في مشيئة الله عز وجل من عفو عنه برحمته ~~وكرمه إن شاء ، أو عقوبة له بعدله وحقه إن شاء ، وفصل الخطاب أنه يرضى بسوء ~~القضاء عقد إلا من نفسه فعلا ، ويرضى به عن الله ولا يرضى به من نفسه لأن ~~الموقنين والمحبين لا يسقطون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا ينكرون ~~إنكار المعاصي وكراهتها بالألسنة والقلوب من قبل أن الإيمان فرضها ، والشرع ~~ورد بها ولأن الحبيب كرهها ، فكانوا معه فيما كره كما كانوا معه فيما أحب ، ~~ومقام اليقين لا يسقط فرائض الإيمان ، ومشاهدة التوحيد لا تبطل شرائع ~~الرسول ولا تسقط أتباعه ، فمن زعم ذلك فقد افترى على الله ورسوله ، وكذب ~~على الموقنين والمحبين ، ألم تر أن الله تعالى ذم قوما رضوا بالدنيا ورضوا ~~بالمعاصي ورضوا بالتخلف عن السوابق ، فقال سبحانه : ( رضوا بالحياة الدنيا ~~واطمأنوا بها ) يونس : 7 ، فذمهم بذلك وقال تعالى : ( ولتصغى إليه أفئدة ~~الذين لايؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ) الأنعام : 113 ، ~~فعابهم به وقال تعالى : ( رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) التوبة : 87 ، يعني ~~النساء ، وهذا جمع التأنيث وطبع على قلوبهم ، فهم لا يفقهون ، فمن رضي ~~بالمعاصي والمناكير منه أو من غيره ، وأحب لأجلها ووالى ونصر عليها أو ادعى ~~أن ذلك في مقام الرضا الذي يجازى عليه بالرضا أو أنه حال الراضين الذين ~~وصفهم الله تعالى ومدحهم ، فهو مع هؤلاء الذين ذم الله ومقت . وفي الخبر ~~الدال على الشر كفاعله ، وعن ابن مسعود أن العبد ليغيب عن المنكر ويكون ~~عليه مثل وزر فاعله ، قيل : وكيف ذلك ؟ قال : يبلغه فيرضى به ، وقد جاء في ~~الحديث لو أن عبدا قيل بالمشرق ورضي بقتله آخر بالمغرب ، كان شريكه في قتله ~~، وقد روينا حديثا حسنا عن النبي صلى الله عليه ms0718 وسلم من طريق مرسل : من نظر ~~إلى من فوقه في الدين وإلى من دونه في الدنيا كتبه الله صابرا شاكرا ، ومن ~~نظر إلى من دونه في الدين ومن فوقه في الدنيا لم يكتبه الله صابرا ولا ~~شاكرا ، وقد غلط في باب الرضا بعض البطالين من المتأخرين ، ممن لا علم له ~~ولا يقين ، فحمل الرضا على جميع ما يكون منه من معصية وهوى لجهله بالتفضيل ~~وقلة فهمه بعلم التأويل ، ولاتباعه ما تشابه من التنزيل طلبا للفتنة وغربة ~~الحال وابتداعا في القول والفعال ، لأن أوقاته قد ذهبت فلا يذهب وقت غيره ~~بذكرها ، وبطلان قول هذا عند العلماء أظهر من أن يدل على فساده ، والاشتغال ~~بالبطال بطالة ، وإنما الرضا فيما كان غير مخالفة لله ولا معصية مثل مايكون ~~من نقص الدنيا ونقص الأموال والأنفس من الأهل والولد ، وفيما على النفس فيه ~~مشقة ولها منه كراهة ، وفيما كان مزيدا في الآخرة لا عقوبة فيه من الله ولا ~~وعيد عليه ولا ذم لفاعليه ، وقد يحتج أيضا بطال لبخله وقلة مواساته وبذله ~~أو يعتل لاتساعه في أمر الدنيا واستئثاره على الفقر ، إن الذي يمنعه من ~~البذل والإيثار والزهد فيما في يديه والإخراج رضاه بحاله وقلة اعتراضه على ~~مجريه فيه ، PageV02P075 وإن هذا مقام من مقامات الرضا خص به عند نفسه ، ~~وهذا قول لاعب ذي هوى ، وهو من خدع النفوس وأمانيها ومن غرور العدو ومكايده ~~، لأن الرضا لا يمنع من اختيار الفقر والضيقة لمعرفة الراضي بفضل الزهد ~~وأوصافه كيف يكون ، فالراضي لا يأمر بالاستيثار والاتساع لما كره من النعمة ~~والاستكثار ، لأن الرضا لا يوقف عما ندب العبد إليه ولا يحمل على ما كره له ~~، وهذا اعتذار من النفس وتمويه على الخلق ليسلم منهم ، ولا عذر بهذا عند ~~مالكه ولا سلامة له فيه من خالقه ، ومجمل ما ذكرناه أن الرضا لا يصح إلا ~~فيما يحسن الصبر عليه والشكر عليه ، لأن الرضا مقام فوق الصبر والشكر ومزيد ~~الصابرين والشاكرين ، فأما إن كان العبدعلى نقصان من الدين وفي مزيد من ~~الدنيا ms0719 ثم رضي بحاله ، فرضاه بحاله شر من أعماله لمخالفة الأمر ، قال الله ~~عز وجل : ( اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ) المائدة : 35 ، وقال تعالى : ~~( يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ) الإسراء : 57 ، وقال تعالى : ( ~~سابقوا إلى مغفرة من ربكم ) الحديد : 21 وقال تعالى : ( وسارعوا إلى مغفرة ~~من ربكم ) آل عمران : 133 ، وقال تعالى : ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) ~~المطففين : 26 ، وقال تعالى : ( يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ) ~~المؤمنون : 61 ، فندب إلى المسارعة والسوابق وذم التخلف عنها والتتثبط ~~بالعوائق ، فعلى هذا طريق المؤمنين وفيه مقامات الموقنين ، وإنما كان سبب ~~ترك سري السقطي السوق وزهده في الدنيا قوله : الحمد لله لأنها كلمة رضا ~~ظهرت منه في موضع الاسترجاع للمصيبة وذلك أنه بلغه أن الحريق وقع في سوقه ~~فأحرق دكانه ، فخرج في قطع من الليل فاستقبله قوم فقالوا : يا أبا الحسن ، ~~احترقت دكاكين الناس إلا دكانك فقال : الحمد لله : ثم تفكر في ذلك فقال : ~~قلت الحمد لله في سلامة مالي وهلك أموال إخواني المسلمين ، فتصدق بجميع ما ~~كان في دكانه من السقط والآلة كفارة لكلمته هذه ، وخرج من السوق فشكر الله ~~له فعله ، فزهد في الدنيا ورفعه إلى مقام المحبة فأوصله ترك الرضا إلى ~~الرضا ، وبلغني عنه أنه كان يقول : قلت كلمة فأنا أستغفر الله منه ثلاثين ~~سنة يعني قوله الحمد لله . وقد جاء في الخبر : من لم يهتم بأمر المسليمن ~~فليس من المسلمين ، وفي الخبر المشهور : أوثق عرى الإيمان الحب في الله ~~والبغض فيه ، فجعل ذلك من أوثق العرى لأنه منوط بالإيمان ، لا يستطيع ~~الشيطان حله ولا سلطان له عليه كما لا سبيل له PageV02P076 على حل الإيمان ~~لأن الله يحول بينه وبينه ، وقد تولى تأبيد الإيمان بروحه بعد كتبه في ~~القلوب برحمته وفي الحب في الله الولاة والنصرة بالنفس والمال والفعل ~~والمقال ، وفي البغض في الله ترك ذلك فبغض المبتدع والفاجر المجاهر والظالم ~~المعتدي ، وترك موالاتهم ونصرتهم واجب على المؤمنين ، فلأجل ذلك صارت ~~الموالاة لأولياء الله والمعاداة لأعدائه من أوثق عرى الإيمان لأنك ms0720 قد تعصي ~~وتخالف مولاك تسليط العدو وغلبة هواك ، إلا أنك تبغض العاصين ولا تواليهم ~~على المعاصي ، ولا تحبهم لأجلها من قبل أن العدو لم يسلط على حل عقد إيمانك ~~، كما سلط على فعله من نفسك ، كما أنه لم يسلط على حل عقد إيمانك كما سلط ~~على حل المراقبة والخوف منك ، ولم يسلط أيضا عليك في استحلال المحارم ولا ~~استحسانها ولا التدين بها ، ولا في ترك التوبة منها ولا بالرضا بها كما سلط ~~عليك بافتراقها ، فإن سلط على مثل هذا منك العدو حتى تحب الفساق وتواليهم ~~وتنصرهم على فسقهم ، أو تستحل ما ارتكب من الحرام أو ترضى به أو تدين به ، ~~فقد ا نسلخ منك الإيمان كما انسلخ النهار من الليل ، فلست منه في كثير ولا ~~قليل لأن هذه العقود منوطة بعرى الإيمان ، وهي وهو في قرن واحد مقترنان ، ~~ألم تسمع الله تعالى يقول : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) آل عمران : 28 ، أو ما سمعته ~~تعالى يقول : ( لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولىاء بعض ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم ) المائدة : 51 ، ومثله : ( لايتخذ المؤمنون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) آل عمران : 28 ، أتريدون أن تجعلوا لله ~~عليكم سلطانا مبينا أي حجة قاطعة ، أن يجمعكم وإياهم في النار ، وكذلك قال ~~الله تعالى : ( وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين ) الجاثية ~~: 19 ، وقال تعالى : ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ) ~~الأنعام : 921 ، ثم قال تعالى : ( ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم ) النساء : 115 ، وقد روينا في خبر أن الله تعالى أخذ على كل ~~مؤمن في الميثاق أن يبغض كل منافق ، وأخذ على كل منافق أن يبغض كل مؤمن ، ~~وفي الخبر المشهور : المرء مع من أحب وله ما احتسب . وفي حديث آخر : من أحب ~~قوما ووالاهم في الدنيا جاء معهم يوم القيامة ، وفي معنى قوله : أوثق عرى ~~الإيمان الحب في الله والبغض فيه ، وجه خفي هو أن ms0721 يحبك المؤمنون ويبغضك ~~المنافقون ، فيكون ذلك علامة وثيقة عرى إيمانك لأن قوله الحب في ~~PageV02P077 الله ، يصلح أن يبغضك المنافقون كما تبغضهم أنت ، فكأنك تتحبب ~~إلى المؤمنين حتى يحبوك وتتبغض إلى المنافقين حتى يبغضوك بإظهار التباعد ~~عنه وبترك الممالاة له وبنصحك إياهم ، فيدل ذلك على قوة إيمانك ، لم تأخذك ~~في الله لومة لائم منهم ، كما وصف تعالى بذلك من يحبهم ويحبونه ، ويكون ذلك ~~أبعد لك من المداهنة والنفاق ، وأقرب إلى الورع والإخلاص فإذا فعلت ذلك بهم ~~أبغضوك أو مقتوك ، فهذا على معنى ما قال الله سبحانه : ( أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم ) الفتح : 29 ، وقال : ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ~~) المائدة : 54 ، وكما أمر نبيه عليه السلام في قوله تعالى : ( قاتلوا ~~الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ) التوبة : 123 وروي عن عيسى ~~عليه السلام أن الله عز وجل قال : أحب عبادي إلي الذين يذكروني بالأسحار ~~ويبغضون إلى الفجار ، معناه أن يظهرلهم البغض وينابذهم العداوة حتى يبغضوه ~~، فإذا أبغضوه أبغضهم الله ، فيكون بغضهم إليه بهذا المعنى أي كان سبب ~~عقوبة لهم بالبغض والمقت ، وقد كان الثوري يقول : إذا رأيت الرجل محببا إلى ~~جيرانه فاعلم أنه منافق ، وقال كعب الأحبار لأبي إدريس الخولاني وكان من ~~علماء الشام : كيف أنت في قومك ؟ قال يحبوني ويكرموني قال كعب : ما صدقتني ~~التوراة إذن قال : وما في التوراة ؟ قال أجد في التوراة أن الرجل العالم لا ~~يحبه جيرانه ، وقال بعض المريدين : قلت لبعض أهل المعرفة : أني كثير الغفلة ~~عن الله قليل المسارعة إلى مرضاته ، أوصني بشيء أعمله أدرك به ما يفوتني من ~~هذا ، قال : يا أخي ، إن استطعت أن تتحبب إلى أولياء الله وتتقرب من قلوبهم ~~فافعل ، لعلهم يحبونك فإن الله عز وجل ينظر إلى قلوب أوليائه في كل يوم ~~سبعين نظرة ، فلعله أن ينظر إليك في قلوبهم لمحبتهم لك فيجيرك جيرة الدنيا ~~والآخرة ، إذا لم تكن ممن ينظر إليه كفاحا ، وكذلك يقال : إن الله تعالى عز ~~وجل ينظر إلى قلوب الصديقين والشهداء مواجهة ، ثم ينظر ms0722 إلى قلوب قوم في ~~قلوب قوم وإلى قلوب قوم من قلوب آخرين ، فهكذا عندي من عزائم الدين وسبيل ~~الورعين أن تتبغض إلى أعدائه وتتمقت إليهم من المبتدعين والظالمين ، ~~ليبغضوك ويمقتوك ، فيكون لك من القربة كحب أوليائه لك وحبك لهم ، فهذا من ~~أسباب ولاية الله . وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم ، لا ~~تجعل لفاجر عندي يدا فيحبه قلبي ، ووصل بعض الأمراء أبا هريرة بألف دينار ~~وعشرة أثواب فردها عليه وقال ، ما كنت لأقبل منه يأخذ المال من غير حله ~~ويضعه في غير حقه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ردوا هدية ~~الفاجر PageV02P078 عليه لا يرى أنكم ترضون عمله ، وأقل مالك في هذا الزهد ~~وهو باب كبير من أبواب الدين ، إذا كانت المداهنة والممالأة من أكبر أبواب ~~الدنيا ، لأن بذلك يستوي عيش أهل الدنيا وتتم سلامتها لهم ، فهذا هوالطرف ~~الآخر من معنى قوله : الحب في الله والبغض في الله ، وهو وجه غامض ، ومعناه ~~إذا كشف جلي ظاهر موجود عند علماء الآخرة ، وقد جعل الله من أراد أن يحبه ~~الفاسقون ويأمن فيهم ، وجعل من يسارع بالأدهان وإظهار المتابعة للظالمين ~~خشية دور الدوائر عليه علمين من أعلام النفاق ، فقال سبحانه : ( ستجدون ~~آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ~~) النساء : 91 ، وقال تعالى في المعنى الثاني : ( فترى الذين في قلوبهم مرض ~~) المائدة : 52 ، يعني المافقين : ( يسارعون فيهم ) المائدة : 52 ، يعني ~~يواطئون الكافرين سرا : ( يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ) المائدة : 52 ، أي ~~نخاف أن تكون الدولة للكافرين على المؤمنين ، قال تعالى : ( فعسى الله أن ~~يأتي بالفتح أو أمر من عنده ) المائدة : 52 ، فينبغي لمن آمن في المؤمنين ~~وأهل السنة وأحبوه أن يخاف في المنافقين وأهل البدع أن يبغضوه ، وينبغي لمن ~~سارع في مواطأة المؤمنين أن ينئ ويبطئ في مداهنة الظالمين ومتابعتهم ، حتى ~~يخلص له إيمانه من النفاق وتستقيم طريقه من الضلال ، وقد نفى الله الإيمان ~~عمن أحب من حاده ، وأثبت الإيمان والتأييد باليقين لمن أبغض ms0723 فيه أعداءه ، ~~فقال تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ) المجادلة : 22 الآية ، فأما من قال من الجاهلين بأن الرضا قد يكون ~~بالمعاصي منه أو من سواه ، كما يكون في الطاعات ، فقد جعل المعاصي ~~والمخالفات من القربات وسوى بينهما ، وفي هذا هدم شرائع الأنبياء وإبطال ~~تفصيل الله ما أحل لنا مما حرم علينا ، وما أمرنا به مما نهانا ، وقد روي ~~في خبر : من شر الناس منزلة عند الله من يقتدي بسيئة المؤمن ويترك حسنته ، ~~وقال بعض العلماء : من حمل شاذ العلماء فقد حمل شرا كثيرا ، ومن حسن الأدب ~~في المعالمة إذا عملت صالحا فقل : يا سيدي ، أنت استعملتني وبحولك وقوتك ~~وحسن توفيقك أطعتك ، لأن جوارحي جنودك ، وإذا عملت شيئا ظلمت نفسي ، وبهواي ~~وشهوتي اجترحت جوارحي وهي صفاتي ، ثم يعتقد في ذلك أنه بقدره ومشيئته كان ~~ما قضاه ، فتكون بالمعنيين قد وافقت مرضاة مولاك وتكون في الحالين عاملا ~~بما يرضيه بالقول والعقود ، وينتفي عنك العجب في أعمال برك ويصح منك المقت ~~لنفسك واعترافك بظلمك ، وقد ثقلت هذه المشاهدة على الجاهل ، فإذا عمل حسنا ~~شهد نفسه ونظر إلى حوله وقوته ، فهلك بالكبر وبطل عمله بالعجب ، وإذا عمل ~~سيئا لم يعترف بالذنب ولم يقر على نفسه بالظلم ، ولم تصح له توبة ولم يرض ~~له عملا ، نعوذ بالله من مشاهدة الضلال ، PageV02P079 وقال أبو محمد سهل ~~رحمه الله تعالى : إذا عمل العبد حسنة فقال : يا رب أنت استعملتني ، شكر ~~الله له ذلك فقال : أنت عملت ، فإذا نظر إلى نفسه فقال أنا عملت ، يقول ~~الله بل أنا استعملت ، قال وإذا عمل سيئة فقال : أنت قدرت وأنت أردت ، يقول ~~الله تعالى : أنت ظلمت وأنت عصيت بشهوتك وهواك ، فإن قال العبد : ظلمت نفسي ~~وعصيت بجهلي استحيا الله منه فقال : بل أنا قدرت وأنا قضيت ، قد غفر لك ~~باعترافك بالظلم على نفسك ، فهذه آداب العاملين ومشاهدة العالمين ، وهذا ~~داخل قي قوله : أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه ، فكذلك يحب ابن آدم ممن عامله ~~الاعتراف والتواضع ms0724 ، وهذا أيضا أحد المعاني في قوله تعالى : ( وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) التوبة : 1 ، 2 ، قيل : هو ~~الاعتراف عقيب العمل السيئ لأنه قد تقدم ذكره فكان الصالح بعده اعترافه . ~~وفي الحديث الذي رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم آنفا أنه قال : من نظر ~~إلى من فوقه في الدين وإلى من دونه في الدنيا ، كتبه الله صابرا شاكرا ، ~~ومن نظر إلى من دونه في الدين ومن فوقه في الدنيا ، لم يكتبه صابرا ولا ~~شاكرا ، فيه أربعة معان حسان إذا تدبرها العبد وتفكر فيها لم يعدم أن يرى ~~أهلها ، لأنه لا يخلو أن يرى بعينه أو بقلبه لسيرة المتقدمين ، فيرى من ~~فوقه في باب الدنيا فيشكر الله على حاله ويقنع منه برزقه فيكون صابرا شاكرا ~~بمعرفة ما قنع به ، ورضي باختيار ما صرف عنه من الفضول ، وروي عنه من ~~الحساب الطويل ، ولا يخلو أن يرى من فوقه في أمر الدين يسارع إليه ويسابقه ~~إذ قد ندب إلى ذلك ، فيكون حضا له وحثا على افتعال الخيرات وأعمال الصالحات ~~، وأقل ما يفيده ذلك الإزراء على نفسه والمقيت لها في تقصيره ، ثم ينظر في ~~الأمرين الآخرين من وجه آخر ، فلا يخلو أن يرى من هو دونه في الدنيا من ذوي ~~الفاقات والحاجات ، فيحمد الله على تفضيله عليه وحس صونه له ويشكر نعمته ~~لفضل إحسانه وكفايته له ، ويجد أيضا في المعنى الآخر من هو دونه في أمر ~~الدين من الفجرة والظالمين وأهل البدع والزائغين ، فيفرح بفضل الله ورحمته ~~ويشكر الله على حسن إسلامه وجميل معافاته مما ابتلي به غيره ، فيكون أيضا ~~صابرا شاكرا ، فيكون للعبد في هذه الطبقات من الناس أربع معاملات بما وهب ~~الله من البصيرة والاعتبار ، ويشهد لما ذكرناه قوله : لا حسد إلا في اثنين ~~؛ رجل آتاه الله حكمة فهو يبثها في الناس ويعملها ، ورجل آتاه الله مالا ~~فسلطه على هلكته في الحق ، وفي لفظ حديث آخر : ورجل آتاه الله القرآن فهو ~~يقوم به آناء الليل وآناء النهار فيقول PageV02P080 الرجل ms0725 : لو آتاني الله ~~ما آتى هذا فعلت كما يفعل ، فندب إلى الحسد على أعمال البر وفضل الحاسد لما ~~ندب الله إليه من المنافسة في أعمال الخير ، فمن حسد على هذه المعاني من ~~أعمال الخير ، كان ذلك مزيدا له في مقام الرضا للغبطة به والطلب له ، فأما ~~من قلبت عليه هذه المعاني فجهل عواقب الأمور ، وغلبت عليه الغفلة واستحوذت ~~عليه الجهالة ، فجعل ينظر إلى من فوقه في الدنيا فيغبطه على حاله ، أو ~~يتمنى مكانه أو يدخله نظره إليه في استصغار نعمة الله عليه ويزدري يسير ما ~~قسمه الله له ، ثم ينظر إلى من دونه في الدين من عموم المسلمين فيرضى ~~بنقصان مقامه ويجعل ذلك معذرة له وتأسيا به ، ويثبطه عن المسارعة إلى ~~القربات ولعله أن يداخله العجب والكبر حتى يتفضل عليه بحاله ، أو ينظر إلى ~~نفسه بأعماله ، لتقصير غيره عن مثل فعاله ، فهذا إذا يكتب جزوعا عن الصبر ~~كفور النعمة بإضاعة الشكر ، لأنه ليس بصابر ولا شاكر ، وهذا وصف من أوصاف ~~المنافقين ، وهو مقام الهالكين ، إذ الصبر والشكر من صفات المؤمنين ، وقد ~~وصف هذا البلد بمثل هذا المعنى : فالله المستعان ، وقد حدثونا عن عبد الله ~~بن المبارك رحمه الله تعالى أنه قال : طفت الشرق والغرب فما رأيت بلدا شرا ~~من بغداد ، قيل : وكيف ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : هو بلد تزدري فيه ~~النعمة وتستصغر فيه المعصية ، وحدثونا عنه أنه قيل له حين قدم خراسان : كيف ~~رأيت الناس ببغداد ؟ قال : ما رأيت بها إلا شرطيا غضبان أو تاجرا لهفان أو ~~قارئا حيران ، وقيل إنه كان يتصدق كل يوم بدينار لأجل مقامه ببغداد ، إلى ~~أن يخرج إلى مكة ، فبلغني أنه كان يتصدق بستة عشر دينارا ، وقد وصفها ~~الشافعي أنها هي الدنيا ، فروينا عنه أنه قال : الدنيا كلها بادية وبغداد ~~حاضرتها . وروينا عن يونس بن عبد الأعلى قال : قال لي الشافعي : يايونس ، ~~رأيت بغداد ؟ قلت : لا قال : ما رأيت الدنيا ولا رأيت الناس ، وقد ذم ~~العراق جماعة منهم عمر بن عبد العزيز وكعب ms0726 الأحبار ، فروينا عن عمر أنه قال ~~لمولى له : أين تسكن ؟ قال : العراق ، فقال له : ما تصنع هناك بلغني أنه ما ~~من أحد سكن العراق إلا قيض له قرين من البلاء ، وذكر كعب الأحبار العراق ~~يوما فقال : فيه تسعة أعشار الشر ، وفيه الداء العضال ، ومن سكن بلدا كثير ~~المنكر ظاهر المعاصي ، فكان منزعجا فيه غير مطمئن إليه يرغب إلى الله عز ~~وجل في إخراجه منه لحسن اختياره له ، وكان مضطرا في المقام فيه لعيلة ثقيلة ~~أو قلة ذات يد حقيقة ، لا يستطيع حيلة في الخروج ولا يعرف طريقا ، وهو على ~~يقين من سلامة دينه فيه ، فإنه معذور عند الله لحسن تفضل من الله ، وهو ~~أقرب إلى العفو والسلامة ممن PageV02P081 اغتبط بمقامه واطمأن ورضي بحاله ، ~~أو كان مقامه على هوى أو لاختلاف أسباب الفتنة والدنيا ، قال الله تعالى : ~~( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) النساء : 97 في التفسير : إذا ~~كنت في بلد يعمل فيه بالمعاصي فتحول منه إلى غيره ، وقيل : إذا كان العبد ~~في بلد من يعمل فيه بالمنكر والمعاصي أضعف أو أقل من أهل الدين والمعروف ، ~~ثم لم ينكر ذلك فقد وجب الخروج منه ، ثم قال عز وجل في قوم من المستضعفين ~~عذرهم وأرجى إلى العفو أمرهم : ( والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ) النساء : 75 وقال ~~تعالى في تمام وصفهم واستثنائهم من غيرهم : ( ولا يستطيعون حيلة ولا يهتدون ~~سبيلا ) ( فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ) النساء 98 - 99 ولا يصح الرضا ~~إلا بالعصمة من جميع الهوى ، وأول الرضا القناعة ، وقال بعض أهل المعرفة : ~~لا يكون العبد قانعا حتى لو جاء إلى باب منزله جميع ما يرغب فيه أهل الدنيا ~~من الاتساع والنعمة ، فعرض عليه لم ينظر إلى ذلك ولم يفتح بابه قناعة منه ~~بحاله ، والعصمة حال الراضي عن الله عز وجل ، وهي ظاهر الرحمة ، والرحمة ~~أول الرضا من الله تعالى ، قال الله سبحانه وتعالى : ( إن النفس لأمارة ~~بالسوء إلا مارحم ربي ) يوسف ms0727 : 53 وقال تعالى : ( لا عاصم اليوم من أمر ~~الله إلا من رحم ) هود : 43 فالعصمة من الله لعبده دليل على الرحمة منه ، ~~ثم تدخله في مقام المحبة وهي رحمة المحبوبين ، ثم ترفعه إلى الرضا فتكون ~~المحبة مقامه عن شهادة محبوب ، ويكون الرضا حاله في جميع تصريف البقية ~~والمطلوب ، وهذا آخر كتاب الرضا . # | ذكر أحكام المحبة ووصف أهلها وهو المقام التاسع من مقامات اليقين # المحبة من أعلى مقامات العارفين ، وهي إيثار من الله تعالى لعباده ~~المخلصين ومعها نهاية الفضل العظيم ، قال الله جلت قدرته : ( يحبهم ويحبونه ~~) المائدة : 54 ثم قال تعالى : ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) الحديد : 21 ~~وهذا الخبر متصل بالابتداء في المعنى لأن الله تعالى وصف المؤمنين المحبين ~~بفضله عليهم ، وما اعترض بينهما من الكلام فهو نعت المحبوبين ، وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ما كان الله ليعذب حبيبه بالنار ، وقال الله عز ~~وجل مصداق قول نبيه عليه السلام ، ردا على من ادعى محبته واحتجاجا عليهم : ~~( قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق ) المائدة : 18 وقال زيد بن ~~أسلم : إن الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول : اصنع ماشئت فقد ~~غفرت لك ، وروينا عن إسماعيل بن أبان عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب ~~له ، ثم تلا : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، وقد اشترط الله ~~للمحبة غفران الذنوب بقوله تعالى : ( يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ) آل ~~عمران : 31 فكل مؤمن بالله فهو محب لله ، ولكن محبته على قدر إيمانه ، وكشف ~~مشاهدته وتجلي المحبوب له على وصف من أوصافه ، دليل ذلك استجابتهم له ~~PageV02P082 بالتوحيد والتزام أمره وتسليم حكمه ، ثم تفاوتهم في مشاهدات ~~التوحيد ، وفي دوام الالتزام للأوامر وفي تسليم الأحكام ، فليس ذلك يكون ~~إلا عن محبة ، وإن تفاوت المحبون على حسب أقسامهم من المحبوب ، وليس يقصر ~~عن المحبة صغير كما لا يصغر عن المعرفة من عرف ms0728 ، ولا يكبر عن التوبة كبير ~~ولو كان على كل العلوم قد أوقف ، لأن الله تعالى وصف المؤمنين بشدة الحب له ~~فقال تعالى : ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) البقرة : 165 وفي قوله أشد دليل ~~على تفاوتهم في المحبة لأن المعنى أشد فأشد ولم يقل شديد ، والحب لله ، ~~فأشبه هذا الخطاب قوله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات : 13 ~~فدل على تفاوتهم في الإكرام على قدر تفاضلهم في التقوى ولم يقل : إن الكرام ~~المتقون . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يعطي الدنيا من ~~يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب ، فالمؤمنون متزايدون في ~~الحب لله عز وجل عن تزايدهم في المعرفة به والمشاهدة له ، وقد جعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الحب لله من شرط الإيمان قال : أن يكون الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وفي حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وفي خبر آخر أشد توكيدا وأبلغ من هذين قوله : ~~والله ، لا يؤمن العبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين ، ~~وفي خبر آخر : ومن نفسك ، وقد أمر صلى الله عليه وسلم بالمحبة لله فيما ~~شرعه من الأحكام فقال أحبوا الله لما أسدى إليكم من نعمه ، وأحبوني لحب ~~الله ، فدل ذلك على فرض الحب لله وإن تفاضل المؤمنون في نهايات فضائله ، ~~ومن أفضل ما أسدى إلينا من نعمه المعرفة به ، فأفضل الحب له ما كان عن ~~المشاهدة ، والمحبون لله على مراتب من المحبة ؛ بعضها أعلى من بعض ، فأشدهم ~~حبا لله أحسنهم تخلقا بأخلاقه مثل العلم والحلم والعفو وحسن الخلق ، والستر ~~على الخلق ، وأعرفهم بمعاني صفاته وأتركهم منازعة له في معاني الصفات كي لا ~~يشركوه فيها ، مثل الكبر والحمد وحب المدح وحب الغنى والعز وطلب الذكر ، ثم ~~أشدهم حبا لرسوله إذ كان حبيب الحبيب وأتبعهم لآثاره أشبعهم هديا لشمائله ، ~~وقد روي أن رجلا قال : يا رسول الله إني أحبك فقال : استعد للفقر فقال : ~~إني أحب ms0729 الله فقال : استعد للبلاء ، والفرق بينهما أن البلاء من أخلاق ~~المبلي وهو الله تعالى المبتلي ، فلما ذكر محبته أخبره بالبلاء ليصبر على ~~أخلاقه ، كما قال تعالى : ( ولربك PageV02P083 فاصبر ) المدثر : 7 فدل على ~~أحكامه وبلائه ، والفقر من أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما ذكر ~~محبته دله على اتباع أوصافه ليقتفي آثاره لقوله عليه السلام : أحيني مسكينا ~~وأتني مسكينا واحشرني في جملة المساكين ، ومن علامة المحبة كثرة ذكر الحبيب ~~، وهو دليل محبة المولى لعبده وهو من أفضل مننه على خلقه ، وفي الخبر أن ~~لله في كل يوم صدقة يمن بها على خلقه ، وما تصدق على عبد بصدقة أفضل من أن ~~يلهمه ذكره . وفي حديث سفيان عن مالك بن معول قيل : يارسول الله ، أي ~~الأعمال أفضل ؟ قال : احتناب المحارم ، ولا يزال فوك رطبا من ذكر الله ، ~~وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة الذكر لله كما أمر بمحبة الله ، ~~لأن الذكر مقتضى المحبة فقال : أكثر من ذكر الله حتى يقول الناس إنك مجنون ~~، وقد روينا : أكثروا من ذكر الله حتى يقول المنافقون إنكم مراؤون ، وفي ~~حديث أبي سلمة المدني عن أبيه عن جده : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذات يوم إلى مسجد قباء ، فذكر حديثا فيه طول قال في آخر : من تواضع لله ~~رفعه ومن تكبر وضعه ، ومن أكثر ذكر الله أحبه الله ، وقد أخبر أن الذاكرين ~~هم السابقون المفردون ، ورفعهم إلى مقام النبوة في وضع الوزر ، ورفع الذكر ~~إن كان الذكر موجب الحب في قوله : سيروا سبق المفردون ، قيل : من المفردون ~~؟ قال : المستهترون بذكر الله ، وضع الذكر عنهم أوزارهم يردون القيامة ~~خفافا ، ومن أعلام المحبة : حب لقاء الحبيب على العيان ، والكشف في دار ~~السلام ومحل القرب وهو الاشتياق إلى الموت ، لأنه مفتاح اللقاء وباب الدخول ~~إلى المعاينة ، وفي الحديث : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، وقال حذيفة ~~عند الموت : حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم ، وقال بعض السلف ما من خصلة ~~أحب إلى الله ms0730 تكون في لعبد بعد حب لقائه من كثرة السجود ، فقدم حب لقاء ~~الله وقد شرط الله لحقيقة الصدق القتل في سبيله ، وأخبر أنه يحب قتل محبوبه ~~في قوله تعالى : ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص ) الصف : 4 ، بعد قوله تقريرا لهم : لم تقولون ما لا تفعلون ؟ حيث ~~قالوا : إنا نحب الله ، فجعل القتل محنة محبته وعلامة أخذ مال محبوبه ونفسه ~~، إذ يقول تعالى : ( يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ) التوبة : 111 ~~، وفي وصية أبي بكر لعمر رضي الله عنهما : الحق ثقيل وهو مع ثقله مريء ، ~~والباطل خفيف وهو مع خفته وبيء ؛ فإن حفظت وصيتي لم يكن غائب أحب إليك من ~~الموت وهو مدرك ، وإن ضيعت وصيتي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ولن تعجزه ~~، وكان PageV02P084 الثوري وبشر بن الحرث يقولان : لا يكره الموت إلا مريب ~~، وهو كما قالا : لأن الحبيب على كل حال لا يكره لقاء الحبيب ، وهذا لا ~~يجده إلا عبد يحب الله بكل قلبه ، عندها يشتاق إليه مولاه فينزعج القلب ~~لشوق الغيب ، فيحب لقاءه ، وروي أن أبا حذيفة بن عتبة بن زمعة لما تبنى ~~سالما مولاه ، عاتبته قريش في ذلك وقالوا : أنكحت عقيلة من عقائل قريش ~~بمولى فقال : والله ، لقد أنكحته إياها وأني لأعلم أنه خير منها ، فكان ~~قوله أشد عليهم قالوا : وكيف ؟ وهي أختك وهو مولاك فقال : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : من أراد أن ينظر إلى رجل يحب الله بكل قلبه ~~فلينظر إلى سالم ، فمن الدليل أن من المؤمنين من يحب الله ببعض قلبه فيؤثره ~~بعض الإيثار ، ويوجد فيه محبة الاعتبار ، ومنهم من يحبه بكل قلبه فيؤثره ~~على ما سواه ، فهذا عابده ومألوهه الذي لا معبود له ولا إله إياه ، وفيه ~~دليل على أنهم على مقامات المحبة عن معاني مشاهدات الصفات ما بين البعض في ~~القلوب والكلية ، وقد كان نعيمان يؤتي به رسوله الله صلى الله عليه وسلم ~~فيجده في معصية يرتكبها إلى أن أتى به يوما ms0731 فحده فلعنه رجل وقال : ماأكثر ~~ما يؤتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : لا تفتعل فإنه يحب الله ورسوله ، فلم يخرجه من المحبة مع المخالفة ، ~~وقد قال بعض العارفين : إذا كان الإيمان في ظاهر القلب يعني على الفؤاد كان ~~المؤمن يحب الله حبا متوسطا ، فإذا دخل الإيمان باطن القلب فكان في سويدائه ~~أحبه الحب البالغ ، ومحبة ذلك أن ينظر ؛ فإن كان يؤثر الله على جميع هواه ~~ويغلب محبته على هوى العبد ، حتى تصير محبة الله هي محبة العبد من كل شيء ، ~~فهو محب لله حقا ، كما أنه مؤمن به حقا ، وإن رأيت قلبك دون ذلك فلك من ~~المحبة بقدر ذلك ، فأدل علامات المحبة الإيثار للمحبوب على ذخائر القلوب ، ~~ولذلك وصف الله المحبين بالإيثار ، ووصفه العارفون بذلك ، فقال تعالى في ~~وصفه المحبين : ( يحبون من هاجر إليهم ولايجدون في صدورهم حاجة ) الحشر : 9 ~~، ثم قال تعالى : ( ويؤثرون على أنفسهم ) الحشر : 9 ، وقال في وصفه : تالله ~~لقد آثرك الله علينا ، وقال بعض العلماء : إن ظاهر القلب محل الإسلام ، وإن ~~باطنه مكان الإيمان ، فمن ههنا تفاوت المحبون في المحبة لفضل الإيمان على ~~الإسلام ، وفضل الباطن على الظاهر ، وفرق بعض علمائنا البصريين بين القلب ~~والفؤاد ، فقال : الفؤاد مقدم القلب وما استدق منه ، والقلب أصله وما اتسع ~~منه ، وقال مرة : في القلب تجويفان ، فالتجويف الظاهر هو الفؤاد وهو مكان ~~العقل ، والتجويف الباطن هو القلب وفيه السمع والبصر وعنه يكون PageV02P085 ~~الفهم والمشاهدة ، وهو محل الإيمان ، وقد قال الله : ( كتب في قلوبهم ~~الإيمان ) المجادلة : 22 وقال : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد ، فمحبة الإسلام مفترضة على الخلق وهي متصلة بأداء الفرائض ~~واجتناب المحارم طاعة لله ومحبة له ، فأما محبة المقربين فعن مشاهدة معاني ~~الصفات وبعد معرفة أخلاق الذات ، وهي مخصوصة بمخصوصين ، والأصل في هذا أن ~~المحبة ، إذا كانت عن المعرفة فإن المعرفة عموم وخصوص ؛ فلخصوص العارفين ~~خاصة المحبة ، ولعمومهم عموم المحبة . صفه : تالله ms0732 لقد آثرك الله علينا ، ~~وقال بعض العلماء : إن ظاهر القلب محل الإسلام ، وإن باطنه مكان الإيمان ، ~~فمن ههنا تفاوت المحبون في المحبة لفضل الإيمان على الإسلام ، وفضل الباطن ~~على الظاهر ، وفرق بعض علمائنا البصريين بين القلب والفؤاد ، فقال : الفؤاد ~~مقدم القلب وما استدق منه ، والقلب أصله وما اتسع منه ، وقال مرة : في ~~القلب تجويفان ، فالتجويف الظاهر هو الفؤاد وهو مكان العقل ، والتجويف ~~الباطن هو القلب وفيه السمع والبصر وعنه يكون الفهم والمشاهدة ، وهو محل ~~الإيمان ، وقد قال الله : ( كتب في قلوبهم الإيمان ) المجادلة : 22 وقال : ~~إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، فمحبة الإسلام ~~مفترضة على الخلق وهي متصلة بأداء الفرائض واجتناب المحارم طاعة لله ومحبة ~~له ، فأما محبة المقربين فعن مشاهدة معاني الصفات وبعد معرفة أخلاق الذات ، ~~وهي مخصوصة بمخصوصين ، والأصل في هذا أن المحبة ، إذا كانت عن المعرفة فإن ~~المعرفة عموم وخصوص ؛ فلخصوص العارفين خاصة المحبة ، ولعمومهم عموم المحبة ~~. ويروى في الأخبار السالفة : أن زليخا لما آمنت وتزوج بها يوسف عليه ~~السلام ، انفردت عنه وتخلت للعبادة وانقطعت ، فكان يدعوها إلى فراشه نهارا ~~فتدافعه إلى الليل ، فإذا دعاها ليلا سوفته نهارا فقالت : يا يوسف إنما كنت ~~أحبك قبل أن أعرفه ، فأما إذ عرفته فما أبقت محبته محبة لسواه ، وما أريد ~~به بدلا حتى قال لها : فإن الله أمرني بذلك ، وأخبرني أنه مخرج منك ولدين ~~وجاعلهما نبيين فقالت : أما إذا كان الله أمرك بذلك وجعلني طريقا إليه ~~فطاعة لأمر الله ، فعندها سكنت إليه ، وقال بعض العلماء بالله : إذا تم ~~التوحيد تمت المحبة ، وإذا جاءت المحبة تم التوكل ، فتم إيمانه وخلص فرضه ~~وسمي ذلك يقينا ، وقال الفضيل بن عياض في فرض المحبة : إذا قيل لك : تحب ~~الله ؟ فاسكت فإن قلت : لا ، كفرت وإن قلت : نعم ، فلس وصفك وصف المحبين ، ~~فاحذر المقت ، وقال بعض علمائنا : ليس في الجنة نعيم أعلى من نعيم أهل ~~المعرفة والمحبة ، ولا في جهنم عذاب أشد من عذاب من ادعى المعرفة والمحبة ms0733 ، ~~ولم يتحقق بشيء من ذلك ، وقال عالم فوقه : كل أهل المقامات يرجى أن يعفى ~~عنهم ويسمح لهم إلا من ادعى المعرفة والمحبة ، فإنهم يطالبون بكل شعرة ~~مطالبة ، وبكل حركة وسكون وكل نظرة وخطرة لله وفي الله ومع الله ، واعلم أن ~~المحبة من الله لعبده ليست كمحبة الخلق ، إذ محبة الخلق تكون حادثة لأحد ~~سبع معان ؛ لطبع أو لجنس أو لنفع أو لوصف أو لهوى أو لرحم ماسة أو لتقرب ~~بذلك إلى الله ، فهذه حدود الشيء الذي يشبهه الشيء ، والله يتعالى عن جميع ~~ذلك لا يوصف بشيء منه إذ ليس كمثله شيء في كل شيء ولأن هذه أسباب محدثة في ~~الخلق لمعان حادثة ومتولدة من المحبين لأسباب عليهم داخلة ، وقد تتغير ~~الأوقات وتنقلب لانقلاب الأوصاف ، ومحبة الله سابقة للأسباب عن كلمته ~~الحسنى ، قديمة قبل الحادثات عن عنايته العليا ، لا تتغير أبدا ولا تنقلب ~~لأجل مابدا لقوله تعالى : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ، يعني الكلمة ~~الحسنى ، وقيل المنزلة الحسنى فلا يجوز أن يسبقها سابق منهم بل قد سبقت كل ~~سابقة ، تكون : PageV02P086 كقوله تعالى : ( ولقد آتينا إبراهيم رشده من ~~قبل وكنا به عالمين ) الأنبياء 51 فكذلك قال : هو سماكم المسلمين من قبل ، ~~وقال تعالى : ( لهم قدم صدق عند ربهم ) يونس : 2 ، وقال تعالى في آخر ~~آياتهم : ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) القمر : 55 ، ولا يصلح أن يكون ~~قبل قدمه الصدق منهم قدم ، كما لا يصلح أن يكون قبل علمه بهم منهم عمل بهم ~~منهم ، لأن عمله سبق المعلوم ومحبته لأوليائه سبقت محبتهم إياه ومعاملتهم ~~له ، ثم هي مع ذلك خاصية حكم من أحكامه ومزيد من فضل أقسامه وتتمة من سابغ ~~إنعامه ، خالصة لمخلصين ، ومؤثرة لمؤثرين بقدم صدق سابق لخالصين ، يؤول لي ~~مقعد صدق عند صادق لسابقين ، ليس لذلك سبب معقول ولا لأجل عمل معمول ، بل ~~يجري مجرى سر القدر ولطف القادر ، وإفشاء سر القدر كفر ، ولا يعلمه إلا نبي ~~أو صديق ولا يطلع عليه إلا من يظهره ، وما ظهر في الأخبار ms0734 من الأسباب ، ~~فإنما هو طريق الأحباب ومقامات أهل القرب من أولي الألباب ، وإنما تستبين ~~المحبة وتظهر للعبد لحسن توفيقه وكلاءة عصمته ، ولطائف تعليمه من غرائب ~~علمه وخفايا لطفه ، في سرعة ردهم إليه في كل شيء ووقوفهم عنده ، ونظرهم ~~إليه دون كل شيء وقربه منهم أقرب من كل شيء ، وكثرة استعمالهم لحسن مرضاته ~~وكشف اطلاعهم على معاني صفاته ، ولطيف تعريفه لهم مكنون أسراره وفتوحه ~~لأفكارهم من بواطن إنعامه واستخراجه منهم خالص شكره وحقيقة ذكره ، فهذه ~~طريقات المحبين له عن كشوف اطلاعه لهم من عين اليقين ، يقال : إذا أحب الله ~~عبدا استخدمه ؛ فإذا استخدمه اقتطعه ، وقيل إذا أحب الله عبدا نظر إليه ، ~~وإذا نظر الله إلى عبد لم يعذبه ، وروي بعض هذا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . وروينا في الخبر : إذا أحب الله عبدا ابتلاه ، وإذا أحبه الحب ~~البالغ اقتناه ، قيل : وما اقتناؤه ؟ قيل : لم يترك له أهلا ولا مالا ، ~~فالمحبة مزيد إيثار من المحب الأول وهو الله ، لعبده وأحكام تظهر من ~~المحبوب وهو العبد ، في حسن معاملته ، أوحقيقة علم يهبه له ، كما قال إخوة ~~يوسف عرفوا محبة الله ليوسف عليهم : تالله ، لقد آثرك الله علينا ، ثم ~~قالوا : وإن كنا لخاطئين ؟ فذكروا سالف خطاياهم وأنه آثره بما لم يؤثرهم به ~~، فقال الله تعالى في وصفه إياه : ( قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ ~~عليم ) يوسف : 55 ، وقال في موهبته له : آتيناه حكما وعلما ، وكذلك نجزي ~~المحسنين ، فذكر ما سلف من إحسانه لما آثره به ، وقالت الرسل : إن نحن إلا ~~بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ، وقال تعالى : ( الله ~~PageV02P087 يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ) الحج : 75 وفي الخبر : إذا ~~أحب الله عبدا ابتلاه يعني اختبره ؛ فإن صبر اجتباه ، وإن رضي اصطفاه ، ~~وقال بعض العلماء : إذا رأيتك تحبه ورأيته يبتليك فاعلم أنه يريد أن يصافيك ~~، وقال بعض المريدين لأستاذه : قد طولعت بشيء من المحبة فقال : يا بني هل ~~ابتلاك بمحبوب سواه فآثرت عليه إياه ؟ فقال : لا فقال ms0735 : فلا تطمع في المحبة ~~، فإنه لا يعطيها عبدا حتى يبلوه ، ومن دلائل المحبة حب : كلام الحبيب ~~وتكريره على الأسماع والقلوب ، وحدثونا عن بعض المريدين قال : كنت وجدت ~~حلاوة المناجاة في سوء الإرادة ، فأدمنت على قراءة القرآن ليلا ونهارا ، ثم ~~لحقتني فترة فانقطعت عن التلاوة ، قال : فسمعت قائلا يقول لي في المنام : ~~إن كنت تزعم أنك تحبني فلم جفوت كتابي ، أما ترى ما فيه من لطيف عتابي ، ~~قال : فانتبهت ، وقد أشرب في قلبي محبة القرآن فعاودت إلى حالي الأول ، وقد ~~قال بعض العارفين : لا يكون العبد مريدا حتى يجد في القرآن كل مايريد ، وقد ~~كان ابن مسعود يقول : لا على أحدكم أن يسأل على نفسه إلا القرآن فإن كان ~~يحب القرآن فهو يحب الله ، وإن لم يكن يحب القرآن فليس يحب الله ، ومن ~~علامة حب القرآن حب أهل القرآن وكثرة تلاوته آناء الليل وأطراف النهار ، ~~وقال سهل بن عبد الله : علامة حب الله حب القرآن وعلامة حب القرآن وحب الله ~~حب النبي عليه السلام وعلامة حب النبي عليه السلام حب السنة ، وعلامة حب ~~السنة حب الآخرة ، وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا ، وعلامة بغض الدنيا أن لا ~~يأخذ منها إلا زادا وبلغة إلى الآخرةوقال تعالى وهو أحسن القائلين : ( يا ~~أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~) المائدة : 54 أي لا يرتدون لأنهم أبدال المرتدين ، ولا ينبغي أن يكونوا ~~أمثالهم ، كما قال : يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ، ومن علامة ~~محبة المولى تقديم أمور الآخرة من كل ما يقرب من الحبيب على أمور الدنيا من ~~كل ما تهوى النفس ، والمبادرة بأوامر المحبوب وبواديه قبل عاجل حظوظ النفس ~~، ثم إيثار محبته على هواك واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أمرك به ~~ونهاك ، والذل لأوليائه من العلماء به والعاملين ، ثم التعزز على أبناء ~~الدنيا الموصوفين بها المؤثرين لها ، كما قيل لابن المبارك : ما التوضع ؟ ~~فقال : التكبر على المتكبرين ، وقال الفتح بن شحرف ، رأيت علي بن أبي ms0736 طالب ~~رضي الله عنه في النوم فقلت : أنبئني بحرف خير فقال : ماأحسن تواضع ~~الأغنياء للفقراء رجاء ثواب الله ، وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء ~~ثقة بالله ، وإنما وصف الله أحباءه بالذل للأولياء والعز على الأعداء لأنه ~~يصف من يحبه بأحسن الأوصاف ، فالذل للحبيب حسن ، والعز على العدو في حسنه ~~مثل العز على PageV02P088 الذليل ، فلذلك وصف الله محبه بالذل للولي وبالعز ~~على العدو ، وقبح العز على الحبيب كقبح الذل للعدو ، والله لا يصف أولياءه ~~بقبيح ، ومن علامات الحب : المجاهدة في طريق المحبوب بالمال والنفس ، ليقرب ~~منه ويبلغ مرضاته ويقطع كل قاطع يقطعه عنه بالمسارعة إلى قربه ، كما قال ~~تعالى : ( وعجلت إليك رب لترضى ) طه 84 وكما أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم ~~في قوله : وتبتل إليه تبتيلا فيه معنيان : أحدهما انقطع إليه انقطاعا عما ~~سواه بالإخلاص له والأثرة على غيره ، والأخرى : اقطع كل ما قطعك عنه إليه ~~أي اقطع كل قاطع حتى تصل إليه ، فهذان من أدل الدليل على المحبة ، ثم أن لا ~~يخاف في حبه لومة لائم كمن الخلق لأمه على محبته أو على السلوك إليه بشق ~~النفس وهجران الدار ورفض المال ، ولا يرجو في محبته مدح مادح ولا يرغب في ~~حسن ثناء العباد بإيثارك له على الأهل والمال ، ثم وجود الأنس في الوحدة ~~والروح بالخلوة ، ولطف التملق في المناجاة والتنعم بكلامه والتنعم بمر ~~أحكامه ووجد حلاوة الخدمة ورؤية البلاء منه نعمة ، وقال ثابت البناني : ~~كابدت القرآن عشرين سنة وتنعمت به عشرين سنة ، ومن المحبة ترك السكون إلى ~~غير محبوبه إذ هو السكن ، وقال أبو محمد : خيانة المحب عند الله أشد من ~~معصية العامة ، وهو أن يسكن إلى غير الله ويستأنس بسواه ، وفي قصة برخ ، ~~العبد الأسود الذي استسقى به موسى عليه السلام أن الله تعالى قال لموسى : ~~إن برخا نعم العبد هو لي إلا أن فيه عيبا ، قال : يارب ، وما عيبه ؟ قال : ~~يعجبه نسيم السحر فيسكن إليه ، ومن أحبني لم يسكن إلى شيء ، فالسكون في هذا ~~الموضع الاستراحة ms0737 إلى الشيء والأنس به ، والسكون في غير هذا الموضع النظر ~~إلى الشيء والإدلال به والطمأنينة والقطع به ، ذكرت هذه الحكاية لبعض أهل ~~المعرفة فقال : لم يرد بهذا برخا إنما أراد به موسى ، لأنه أقامه مقام ~~المحبة فاستحى أن يواجهه بذلك ، فعرض له ببرخ وكان هذا جوابا منه : إني ~~سألته ، لم أخبر موسى بعيبه وهو يحبه دون أن يخبره هو بعيب نفسه ، فأجاب ~~بهذا : فالمقربون من المحبين إنما نعيمهم بالله وروحهم وراحتهم إليه من حيث ~~كان بلاؤهم منه ، فإذا وجدوا ذلك في سواه كانت ذنوبا لهم عن غفلة أدخلت ~~عليهم ليتوبوا منها إليه فيغفر لهم ، وروينا أن عابدا عبد الله في غيضة ~~دهرا ، فنظر إلى طير قد عشش في شجرة يأوي إليها ويصفر عندها فقال : لو حولت ~~مسجدي إلى تلك الشجرة فكنت آنس بصوت هذا الطائر قال : ففعل فأوحى الله إلى ~~النبي عليه السلام : قل لفلان العابد : استأنست بمخلوق لأحطنك درجة لا ~~تنالها بشيء من عملك أبدا فمن صدق المحبة وخالصها الانقطاع إلى الحبيب ~~بوجود الأنس به ، ومصادفة الاستراحة والروح عنده بمحادثة في المجالسة ، ~~ومناجاة في الخلوة وذوق حلاوة النعيم في ترك المخالفة لغلبة حب الموافقة ، ~~كما أنشدني بعضهم عن بعض المحبين : إليه أي اقطع كل قاطع حتى تصل إليه ، ~~فهذان من أدل الدليل على المحبة ، ثم أن لا يخاف في حبه لومة لائم كمن ~~الخلق لأمه على محبته أو على السلوك إليه بشق النفس وهجران الدار ورفض ~~المال ، ولا يرجو في محبته مدح مادح ولا يرغب في حسن ثناء العباد بإيثارك ~~له على الأهل والمال ، ثم وجود الأنس في الوحدة والروح بالخلوة ، ولطف ~~التملق في المناجاة والتنعم بكلامه والتنعم بمر أحكامه ووجد حلاوة الخدمة ~~ورؤية البلاء منه نعمة ، وقال ثابت البناني : كابدت القرآن عشرين سنة ~~وتنعمت به عشرين سنة ، ومن المحبة ترك السكون إلى غير محبوبه إذ هو السكن ، ~~وقال أبو محمد : خيانة المحب عند الله أشد من معصية العامة ، وهو أن يسكن ~~إلى غير الله ويستأنس بسواه ، وفي قصة ms0738 برخ ، العبد الأسود الذي استسقى به ~~موسى عليه السلام أن الله تعالى قال لموسى : إن برخا نعم العبد هو لي إلا ~~أن فيه عيبا ، قال : يارب ، وما عيبه ؟ قال : يعجبه نسيم السحر فيسكن إليه ~~، ومن أحبني لم يسكن إلى شيء ، فالسكون في هذا الموضع الاستراحة إلى الشيء ~~والأنس به ، والسكون في غير هذا الموضع النظر إلى الشيء والإدلال به ~~والطمأنينة والقطع به ، ذكرت هذه الحكاية لبعض أهل المعرفة فقال : لم يرد ~~بهذا برخا إنما أراد به موسى ، لأنه أقامه مقام المحبة فاستحى أن يواجهه ~~بذلك ، فعرض له ببرخ وكان هذا جوابا منه : إني سألته ، لم أخبر موسى بعيبه ~~وهو يحبه دون أن يخبره هو بعيب نفسه ، فأجاب بهذا : فالمقربون من المحبين ~~إنما نعيمهم بالله وروحهم وراحتهم إليه من حيث كان بلاؤهم منه ، فإذا وجدوا ~~ذلك في سواه كانت ذنوبا لهم عن غفلة أدخلت عليهم ليتوبوا منها إليه فيغفر ~~لهم ، وروينا أن عابدا عبد الله في غيضة دهرا ، فنظر إلى طير قد عشش في ~~شجرة يأوي إليها ويصفر عندها فقال : لو حولت مسجدي إلى تلك الشجرة فكنت آنس ~~بصوت هذا الطائر قال : ففعل فأوحى الله إلى النبي عليه السلام : قل لفلان ~~العابد : استأنست بمخلوق لأحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك أبدا فمن صدق ~~المحبة وخالصها الانقطاع إلى الحبيب بوجود الأنس به ، ومصادفة الاستراحة ~~والروح عنده بمحادثة في المجالسة ، ومناجاة في الخلوة وذوق حلاوة النعيم في ~~ترك المخالفة لغلبة حب الموافقة ، كما أنشدني بعضهم عن بعض المحبين : ألذ ~~جميل الصبر عما ألذه . . . وأهوى لما أهواه تركا فاتركه PageV02P089 وقال ~~نظيره في مثله : وأترك ما أهوى لمن قد هويته ، وأرضى بما يرضى وإن سخطت ~~نفسي ، ثم الطمأنينة إلى الحبيب وعكوف الهم على القريب ودوام النظر ، ~~وسياحة الفكر لأن من عرفه أحبه ، ومن أحبه نظر إليه ، ومن نظر إليه عكف ~~عليه ، أما فهمت هذا من قوله تعالى : ( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ~~) طه : 97 ومن فرائض المحبة وفضائلها ؛ موافقة الحبيب فيما أحب ms0739 حب الله ، ~~كما قال عمر رضي الله عنه لصهيب رحم الله صهيبا : لو لم يخف الله لم يعصه ؛ ~~أي أن محبته له تمنعه من مخالفته عن غير خيفة ، فهو يطيعه حبا له ، وكان ~~صهيب يقول إنه يستخرج من حبي لربي شيئا لا يستخرجه غيره ؛ يعني من معاني ~~الصفات المخوفة والأفعال المرجوة ، وقال بعض علمائنا : الإيثار يشهد للحب ، ~~فعلامة حبه إيثاره على نفسك ، وقال : ليس كل من عمل بطاعة الله صار حبيبا ~~لله ، ولكن كل من اجتنب ما نهاه صار حبيبا وهذا كما قال : إن المحبة تستبين ~~بترك المخالفة ، ولا تبين بكثرة الأعمال ، كما قيل : أعمال البر يعملها ~~البر والفاجر والمعاصي لا يتركها إلا صديق ، وقيل : أفضل منازل الطاعات ~~الصبر على الطاعات ، وإن الصبر على الطاعة يضاعف إلى سبعين ، والصبر عن ~~المعصية يضاعف إلى سبعمائة كأنه أقيم مقام المجاهد في سبيل الله ، لأنه يقع ~~اختبارا من الله وضرورة من كلية النفس ، فإذا ترك هواه فقد ترك نفسه ، فأقل ~~ما له في ذلك الزهد في الدنيا والجهاد في سبيل الله ، ومن أجل ذلك ضوعفت ~~حسناته إلى سبعمائة ، ومن أجله ثبتت له المحبة بترك المخالفة ، قال الله ~~تعالى : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) الرحمن : 46 تفضله على غيره بحبه ، ~~وأعجب ما سمعت في هذا أن موسى سأل الخضر : بأي شيء بلغت هذه المنزلة ؟ فقال ~~: بترك المعاصي كلها ، وقد كان أبو محمد يقول في قوله تعالى : ( إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) التوبة : 111 ، قال : عيش نفوسهم ~~الفاني وهو عاجل حظوظهم من الشهوات ، ومن المحبة وجود الروح بالشكوى إليه ~~والاستراحة إلى علمه به وحده ، وإخلاص المعاملة لوجهه وحسن الأدب فيها ، ~~وهو الإخفاء لها وكتم ما يحكم به من الضيق والشدائد ، وإظهار ما ينعم به من ~~الإلطاف والفوائد وكثرة التفكر في نعمائه وخفي ألطافه ، وغرائب صنعه وعجائب ~~قدرته وحسن الثناء عليه في كل حال ، ونشر الآلاء منه والأفضال والصبر على ~~بلائه ، لأنه قد صار من أهله وأوليائه ، وقد يعسف بأوليائه ويعنف بأحبابه ~~لتمكنه منهم ms0740 ومكانتهم عنده ، ولعلمه أنهم لا يريدون له بدلا ولا يبغون عنه ~~حولا ، إذ ليست لهم راحة لسواه ولا بغية في سواه ولا لهم همة إلا إياه ، ~~كما قال بعض المحبين : ويلي منك وويلي عليك ، أفزع منك وأشتاق إليك ، إن ~~طلبتك أتعبتني وإن هربت منك طلبتني ، فليس لي معك راحة ولا لي في غيرك ~~استراحة ، ثم المسارعة إلى ما ندب إليه من أنواع البر بوجود الحلاوة وبشرح ~~الصدر كما جاء في الأثر ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، ثم ~~الرضا بقضائه لأنه PageV02P090 مستحسن لأفعاله ، ثم اللهج بذكره ومحبة من ~~يذكره ومجالسة من يذكره ، ودوام التشكي والحنين إليه وخلو القلب من الخلق ، ~~وسبق النظر إلى الخالق في كل شيء ، وسرعة الرجوع إليه بكل شيء ، ووجد الأنس ~~به عند كل شيء ، وكثرة الذكر له والتذكر بكل شيء ، ومن علامة المحبة طول ~~التهجد ، وروي عن الله سبحانه : كذب من ادعى محبتي إذا جنه الليل نام عني ، ~~إلا أن بعضهم جعل سهر الليل في مقام بعينه ، ذكر له هذا الخبر فقال : ذاك ~~إذا أقامه مقام الشوق فأما إذا أنزل عليه السكينة وأواه بالأنس في القرب ، ~~استوى نومه وسهره ، ثم قال : رأيت جماعة من المحبين ، نومهم بالليل أكثر من ~~سهرهم ، وإمام المحبين وسيد المحبوبين رسوله الله صلى الله عليه وسلم كان ~~ينام مثل ما يقوم ، وقد يكون نومه أكثر من قيامه ولم يكن تأتي عليه ليلة ~~حتى ينام فيها ، ومن المحبة الخروج إلى الحبيب من المال بالزهد في الدنيا ، ~~والخروج إليه من النفس بإيثار الحق على جميع الأهواء ، وقال الجنيد : علامة ~~المحبة دوام النشاط والدؤوب بشهوة يفتر بدنه ولا يفتر قلبه ، وقد قال بعض ~~السلف : العمل عن المحبة لا يداخله الفتور ، وقال بعض العلماء : والله ما ~~استسقي محب لله من طاعته ولو حل بعظيم الوسائل ، ومن المحبة التناصح بالحق ~~والتواصي به والصبر على ذلك ، كما وصف تعالى الرابحين من الصالحين ، فقال ~~تعالى : ( إن الإنسان لفي خسر ) ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا ~~بالحق وتواصوا ms0741 بالصبر ) العصر : 2 - 3 ، لأن المحبين ليسوا كمن وصفه في ~~قوله تعالى : ( يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم ) ( إن يسألكموها فيحفكم ~~تبخلوا ويخرج أضغانكم ) محمد : 36 - 37 يعني أن يسألكم محبوبكم من الأموال ~~ويستقصي عليكم يخرج أحقادكم عليه . على ذلك ، كما وصف تعالى الرابحين من ~~الصالحين ، فقال تعالى : ( إن الإنسان لفي خسر ) ( إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) العصر : 2 - 3 ، لأن المحبين ~~ليسوا كمن وصفه في قوله تعالى : ( يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم ) ( إن ~~يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ) محمد : 36 - 37 يعني أن يسألكم ~~محبوبكم من الأموال ويستقصي عليكم يخرج أحقادكم عليه . وروينا في مقرأ ابن ~~عباس : ويخرج أضغانكم ؛ يعني الأموال ، فلو لم يدخل على هؤلاء الضعفاء إلا ~~الشرك في محبة الأموال والشغل بها عن ذكر ذي الجلال ، فخسروا ما ربح ~~المخلصون من الأحباب ، وفاتهم ما أدرك الصالحون من طوبى وحسن مآب ، فالله ~~تعالى يسأل أحبابه أموالهم وأنفسهم حتى لا يبقى لهم محبوب سواه ولئلا ~~يعبدوا إلا إياه محبة منه وكشفا لمحبتهم واختبارا لأخبارهم في صدقهم وصبرهم ~~، ولأنه جواد ملك لايسأل إلا كلية الشيء وجملته ، وهو غيور لا يحب أن يشركه ~~سواه في محبته ، فلا يصبر عليه إلا من عرفه ولا يحبه إلا من صبر عليه ، ولا ~~يرضى بحكمه فيه إلا من أيقن به ، إلا أنه لا يسأل الجملة كلها إلا لمن أحبه ~~المحبة الخاصة ، وذلك كله من نظام حكمته ، وقيل لبعض المحبوبين وكان قد بذل ~~المجهود في بذل ماله ونفسه ، حتي لم يبق عليه منها بقية : ما كان سبب حالك ~~هذه من المحبة ؟ فقال : كلمة سمعتها من خلق لخلق عملت بي هذا البلاء ، قيل ~~: وما هي ؟ قال : سمعت محبا قد خلا بمحبوبه وهو يقول : أنا والله أحبك ~~بقلبي كله ، وأنت معرض عني بوجهك كله ، فقال له المحبوب : إن كنت تحبني فأي ~~شيء تنفق علي فقال : ياسيدي ، أملكك ما أملك ، ثم أنفق عليك روحي حتى تهلك ~~، فقلت : PageV02P091 هذا خلق لخلق وعبد لعبد ، فكيف بخلق لخالق وعبد ms0742 ~~لمعبود ، فكان ذلك سببه فقد دخلت الأموال في الأنفس تحت الشراء ، وقد باعوه ~~نفوسهم فما دونها لمحبتهم إياه ، وقد اشتراها منهم لنفاستها عنده ، فعلامة ~~محبته لها اشتراؤها منهم ، وعلامة شرائها طيها عنهم ؛ فإذا طواها فلم يكن ~~عليهم منها بقية هوى في سواه ، فقد اشتراها ، واعلم أن آفات النفوس هي ~~أدواؤها ، وطهرة النفوس من الأدواء هو داؤها ، كما قال تعالى : ( قد أفلح ~~من زكاها ) الشمس : 9 ، فإذا صفاها من الآفات فقد صافاها ، وإذا امتحنها ~~بالتمحيص من الشهوات للتقوى فقد اشتراها ، ولكل داء من النفس دواء على قدر ~~صغره وعظمه ، فضع الدواء على الداء من حيث دخل عليك ، بإدخال ضده عليه ~~وبقطع أصله عنه ، فعلامة النفوس المشتراة وهي المحبوبة المجتباة ، التوبة ~~إلى الحبيب بالخدمة له وكثرة الحمد له بالسياحة إليه ودوام الصلاة ، بحسن ~~الأدب بين يديه والأمر بما يحب والنهي عما يكره والحفظ بحدوده التي حدها ~~وترتيب العلم على مدارج العقل ، بإخفاء علم التوحيد وأسرار قيومية القدرة ~~من المحافظة ، لأن العقل حد ، وذلك من كتمان علم المحبة ، فهو عند المحبين ~~كحفظ حدوده على الجوارح التي شرعها بألسنة الرسل ، ومن يتعد حدود الله فقد ~~ظلم نفسه ، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ، إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين ، والله يحب المتقين ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ~~أراد أن يحبه الله فليزهد في الدنيا ، فلا يطمعن طامع في محبة الله قبل ~~الزهد في الدنيا ، فهذه جمل أوصاف المحبين ، ومن المحبة أن لا يطلب خدمة ~~سواه وأن يجتمع في محبته همه وهواه ، ولا يهوي إلا ما فيه رضا المولى ، ولا ~~يقضي عليه مولاه إلا بما يهواه . وروي عن بعض العلماء إذا رأيته يوحشك من ~~خلقه ، فاعمل أنه يريد أن يؤنسك به وفي أخبار داود عليه السلام أن الله ~~تعالى أوحى إليه : إن أود الأوداء إلي من عبدني لغير نوال ، لكن ليعطي ~~الربوبية حقها ، وفيما نقل وهب من الزبور ، ومن أظلم ممن عبدني لجنة أونار ~~لو لم أخلق جنة ولا نارا لم أكن ms0743 أهلا أن أطاع ، أو كما قال ، وفي أخبار ~~عيسى : إذا رأيت التقي مشغوفا في طلب الرب فقد ألهاه ذلك عما سواه ، وعن ~~عيسى عليه السلام : المحب لله يحب النصب ، وروي عنه أنه مر على طائفة من ~~العباد قد احترقوا من العبادة كأنهم الشنان البالية فقال : ماأنتم ؟ فقالوا ~~: نحن عباد قال : لأي شيء تعبدتم ؟ قالوا : خوفنا الله من النار فخفنا منها ~~فقال : وحق على الله أن يؤمنكم ما خفتم ، ثم جاوزهم فمر بآخرين أشد عبادة ~~منهم فقال : لأي شيء تعبدتم ؟ قالوا : شوقنا الله إلى الجنان وما أعد فيها ~~لأوليائه فنحن نرجو ذلك ، فقال : حق على الله أن يعطيكم ما رجوتم ، ثم ~~جاوزهم PageV02P092 فمر بآخرين يتعبدون فقال : ما أنتم ؟ قالوا : نحن ~~المحبون لله ، لم نعبده خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنة ولكن حبا له وتعظيما ~~لجلاله فقال : أنتم أولياء الله حقا ، معكم أمرت أن أقيم فأقام بين أظهرهم ~~، وفي لفظ آخر أنه قال للأولين : مخلوقا خفتم ومخلوقا أحببتم ، وقال لهؤلاء ~~: أنتم المقربون ، وممن روى عنه هذا القول وأقيم في هذا المقام جماعة من ~~التابعين بإحسان منهم : أبو حازم المدني كان يقول إني لأستحي من ربي أن ~~أعبده خوفا من العقاب ، فأكون مثل العبد السوء إن لم يعط أجر عمله لم يعمل ~~، ولكن أعبده محبة له ، وقد روينا معنى هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم : لا يكون أحدكم كالعبد السوء ؛ إن خاف عمل ، ولا كالأجير السوء إن لم ~~يعط أجرا لم يعمل ، وقال بعض إخوان معروف له : أخبرني عنك أي شيء أحاجك إلى ~~العبادة والانقطاع عن الخلق ؟ فسكت فقلت : ذكر الموت ؟ فقال : وأي شيء ~~الموت ؟ قلت : ذكر القبر والبرزخ فقال : وأي شيء القبر ؟ فقلت : خوف النار ~~ورجاء الجنة فقال : وأي شيء هذا ؟ إن واحدا بيده هذا كله إن أحببته أنساك ~~جميع ذلك ، وإن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا . وحدثت عن علي بن ~~الموفق قال : رأيت في النوم كأني أدخلت الجنة ، فرأيت رجلا قاعدا على مائدة ~~وملكان عن يمينه ms0744 وشماله يلقمانه من جميع الطيبات وهو يأكل ، ورأيت رجلا ~~قائما على باب الجنة يتصفح وجوه قوم ، فيدخل بعضا ويرد بعضا ، قال : ثم ~~جاوزتها إلى حظيرة القدس ، فرأيت في سرادق العرش رجلا قد شخص ببصره ينظر ~~إلى الله عز وجل لا يطرف ، فقلت لرضوان : من هذا ؟ فقال : معروف الكرخي عبد ~~الله لا خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنته بل حبا له ، فقد أباحه النظر إليه ~~إلى يوم القيامة ، قلت : فمن الآخران قال : أخواك بشر بن الحرث وأحمد بن ~~حنبل ، وهذا مقام الأبدال من الصديقين ، لا يقامون مقام أبدال الأنبياء ولا ~~يعطون منازل الشهداء ، حتى تغلب محبة الله على قلوبهم في كل حال فيتألهون ~~إليه ، ويذهلون به عن غيره وينسون في ذكره من سواه ، فيعبدونه لأجله صرفا ، ~~وهم ، المقربون ونعيمهم في الجنان صرف ، ويمزج لأهل المزج وهم أصحاب اليمين ~~، كما قال تعالى في وصف نعيمهم : ( إن الأبرار لفي نعيم ) ( على الأرائك ~~ينظرون ) ( تعرف في وجوههم نضرة النعيم ) ( يسقون من رحيق مختوم ) المطففين ~~: 22 - 23 - 24 - 25 PageV02P093 ثم قال في نعت شراب المقربين ومزاجه ، ~~يعني مزاج شراب الأبرار : من تسنيم عينا يشرب بها المقربون ؛ أي يشربها ~~المقربون صرفا ، ويمزج لأصحاب اليمين ، فما طال شراب الأبرار إلا بمزاج ~~شراب المقربين ، فعبر عن جمع نعيم الجنان بالشراب ، كما عبر عن العلوم ~~والأعمال بالكتاب ، فقال في نعت الأبرار مثله ؛ إن كتاب الأبرار لفي عليين ~~، ثم قال : يشهده المقربون ؛ فما حسن علمهم ولا صفت أعمالهم ، ولا علا ~~كتابهم إلا بشهادة المقربين لما قرب منهم وحضروه ، كذلك كانوا في الدنيا ~~تحسن علومهم بعلمهم وترتفع أعمالهم بمشاهدتهم ، ويجدون المزيد في نفوسهم ~~بقربهم منهم ، كما بدأنا أول خلق نعيده ، وقلا تعالى : ( جزاء وفاقا ) ~~النبأ : 26 أي وافق أعمالهم ، وقال تعالى : ( سيجزيهم وصفهم ) الأنعام : ~~139 أي كوصفهم في الدنيا إنه حكيم عليم ؛ فمن كان في هذه الدار نعيمه طيبات ~~الملك ، فكذلك غدا يكون الملك نعيمه ، ومن كان فيها نعيمه وروحه بالطيب ~~الملك ، فهو غدا في مقعد صدق عند مليكه ، كما ms0745 قال أبو سليمان الداراني : من ~~كان اليوم مشغولا بنفسه فهو غدا مشغول بنفسه ومن كان اليوم مشغولا بربه فهو ~~غدا مشغول بربه ، وقد روينا عن رابعة العدوية وكانت إحدى المحبين ، وكان ~~الثوري يقعد بين يديها ويقول : علمينا مما أفادك الله من ظرائف الحكمة ، ~~وكانت تقول : نعم الرجل أنت لولا أنك تحب الدنيا ، وقد كان رحمه الله زاهدا ~~في الدنيا عالما ، إلا إنها كانت تجعل إيثار كتب الحديث والإقبال على الناس ~~من أبواب الدنيا ، وقال لها الثوري يوما : لكل عبد شريطة ولكل إيمان حقيقة ~~، فما حقيقة إيمانك ؟ فقالت : ماعبدت الله خوفا من الله ، فأكون كالأمة ~~السوء إن خافت عملت ، ولا حبا للجنة فأكون كأمة السوء إن أعطيت عملت ، ~~ولكني عبدته حبا له وشوقا إليه ، وروى عنهاحماد بن زيد أنها قالت : إني ~~لأستحي إن أسأل الدنيا من يملكها ، فكيف أسألها من لا يملكها ، وكان هذا ~~جوابا لأنه قال لها : اذكري لي حوائجك حتى أقضيها ، وخطبها عبد الواحد بن ~~زيد فقالت : يا شهواني اطلب شهوانية مثلك ، أي شيء رأيت في من آلة الشهوة ؟ ~~وخطبها محمد بن سليمان أمير البصرة على مائة ألف وقال لي : غلة عشرة آلاف ~~في كل شهر أدفعها إليك ، فكتبت إليه : ما يسرني أنك لي عبد وأن كل ما تملكه ~~لي وأنك شغلتني عن الله طرفة عين ، وقدقالت : في معنى المحبة أبياتا تحتاج ~~إلى شرح ، حملها عنها أهل البصرة وغيرهم ، منهم جعفر بن سليمان الضبعي ~~وسفيان الثوري وحماد بن زيد وعبد الواحد بن زيد : أحبك حبين : حب الهوى . . ~~. وحبا لأنك أهل لذاكا فأما الذي هو حب الهوى . . . فشغلي بذكرك عمن سواكا ~~وأما الذي أنت أهل له . . . فكشفك للحجب حتى أراكا فلا الحمد في ذا ولا ذاك ~~لي . . . ولكن لك الحمد في ذا وذاكا PageV02P094 فأما قولها : حب لهوى ~~وقولها حب أنت أهل له ، وتفريقها بين الحبين فإنه يحتاج إلى تفصيل حتى يقف ~~عليه من لا يعرفه ، ويخبره من لم يشهده ، وفي تسميته ونعت وصفه إنكار من ~~ذوي العقول ، ممن لا ذوق ms0746 له ولا قدم فيه ، ولكنا نحمل ذلك وندل عليه من ~~عرفه يعني حب الهوى ، إني رأيتك فأحببتك عن مشاهدة عين اليقين ، لا عن خبر ~~وسمع تصديق من طريق النعم والإحسان ، فتختلف محبتي إذا تغيرت الأفعال ~~لاختلاف ذلك علي ، ولكن محبتي من طريق العيان ، فقربت منك وهربت إليك ~~واشتغلت بك وانقطعت عمن سواك ، وقد كانت لي قبل ذلك أهواء متفرقة فلما ~~رأيتك اجتمعت كلها فصرت أنت كلية القلب وجملة المحبة فأنسيتني ما سواك ثم ~~إني مع ذلك لا أستحق على هذا الحب ، ولا أستأهل أن أنظر إليك في الآخرة على ~~الكشف والعيان في محل الرضوان ، لأن حبي لك لا يوجب عليك جزاء عليه بل يوجب ~~على كل شيء لك مني كل شيء مما لا أطيقه ولا أقوم بحقك فيه أبدا ، إذ كنت قد ~~أحببتك فلزمني خوف التقصير ، ووجب علي الحياء من قلة الوفاء ، فتفضلت علي ~~بفضل كرمك ، وما أنت له أهل من تفضلك ، فأريتني وجهك عندك آخرا كما أريتنيه ~~اليوم عندي أولا ، فلك الحمد على ما تفضلت به ذا عندي في الدنيا ولك الحمد ~~على ما تفضلت به في ذاك عندك في الآخرة ، ولا حمد لي في ذا ههنا ولا حمد لي ~~في ذاك هناك ، إذ كنت وصلت إليهما بك فأنت المحمود فيهما لأنك وصلتني بهما ~~، فهذا الذي فسرناه هو وجد المحبين المحقين ظنا بقولها ذلك ، إذا كان لها ~~في المحبة قدم صدق ، والله أعلم ولايسعنا أن نشرح في كتاب كشف حقيقة ما ~~أجملناه ولا أن نفصل وصف ما ذكرناه ومن لم يكن من المحبين كذلك حتى يدل ~~بمحبته ويقتضي الجزاء عليها من محبوبه ويوجب على حبيبه شيئا لأجل محبته ، ~~فهو مخدوع بالمحبة ومحجوب بالنظر إليها ، وإنما ذاك مقام الرجاء الذي ضده ~~الخوف ، وليس من المحبة في شيء ولا تصح المحبة إلا بخوف المقت في المحبة ، ~~وقال بعض العارفين : ماعرفه من ظن أنه عرفه ، ولا أحبه من توهم أنه أحبه . # | ذكر مخاوف المحبين ومقاماتهم في الخوف # وللمحب سبع مخاوف ليست بشيء ms0747 من أهل المقامات ، بعضها أشد من بعض : أولها ~~خوف الإعراض ، وأشد منه خوف الحجاب ، وأعظم من هذا خوف البعد ، وهذا المعنى ~~في سورة هود هو الذي شيب الحبيب إذ سمع المحبوب يقول : ألا بعدا لثمود ألا ~~بعدا لمدين كما بعدت ثمود فذكر البعد في البعد ، يشيب أهل القرب في القرب ، ~~ثم خوف السلب للمريد والإيقاف مع التحديد ، وهذا يكون للخصوص في الإظهار ~~والاختيار منهم ، فيسلبونه حقيقة ذلك عقوبة لهم ، وقد يكون عند الدعوى ~~للمحبة ووصف النفس لحقيقتها ، وينقصون معه ولا يقنطون لذلك وهو لطيف من ~~المكر الخفي ، ثم خوف الفوت الذي لا درك له ، سمع إبراهيم بن أدهم وهو أحد ~~المحبين قائلا يقول في سياحته نظما : PageV02P095 كل شيء لك مغفور . . . ~~سوى الإعراض عني قد وهبنا منك ما فا . . . ت بقي ما فات مني فاضطرب وغشي ~~عليه فلم يفق يوما وليلة ، وهذا في قصة طويلة كانت له بعد مقامات أقيم نقل ~~عنها إلى هذا المكان ، حتى قال في آخر ذلك : فسمعت النداء من الجب : يا ~~إبراهيم كن عبدا قال : فكنت عبدا ، فاسترحت ، معناه لا يملكك إلا واحد تكون ~~عبدا له حرا مما سواه ، ولا تملك شيئا فإن الأشياء في خزانة مليكها فلا ~~تتملكها فتحجبك عن مالك ، وتأسرك بمقدار ما ملكتها ، وقد ضرب الله مثلا ~~بينه وبين خلقه أن رجلين أحدهما فيه شركاء متشاكسون علىه من أهل ومال ~~وشهوات ، وآخر مسالما خالصا لواحد ، إنهما لا يستويان في قوله تعالى : ( ~~ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) الزمر : 29 ، أي الأكثر ليسوا علماء ، ~~هكذا الواحد وأشد من الفوت خوف السلو وهذا أخوف ما يخافون ، لأن حبا له كان ~~به لا بهم وهو نعمة عظيمة لا يعرف قدرها ، فكيف يشكره عليها ولا يقوم لها ~~شيء ؟ فكذلك سلوهم عنه يكون به كما حبهم له به ، فيدخل عليهم السلو عنه من ~~حيث لا يشعرون ، من مكان ما دخل عليهم الحب له من حيث لا ms0748 يعلمو ، فتجد ~~السلو به كماوجدت الحب له ، فتكون به قد سلوت عنه وأنت لا تدري كيف سلوت ، ~~لأنه يدرجك في ذلك إدراجا بلطائف الحكمة ، كما أنك أحببته وأنت لا تدري ~~لأنه أشهدك وصفه باطلاع القدرة عن جنان الرحمة ، فوجدت نفسك محبا له ، كذلك ~~ترجع المحبة كما جاءت تحجبك عنه عن وصف المكر والجبرية ، فتجد قلبك ساليا ~~عنه بلا حول منه ولا قوة ولا اجتلاب ولا حيلة ، وهذا لا يصفه إلا عارف ~~بدقيق بلائه ، ولا يحذره إلا خائف من خفي مكره وابتلائه فإذا سلوت عنه به ~~كان ذلك دليلا منه أنه قد رفضك وأطرحك كما أنت إذا كنت تحبه إنما أحببته به ~~، وهذا هو تحقيق المكر السريع بسرعة تقليب القدرة لقلوب الذي تحقق بالمكور ~~، وهو درك الشقاء الذي أدرك المغرور بما لا يدركه الطرف لسرعته ، ولا يحول ~~في الوهم لخفيته ، كقوله تعالى : ( إذا لهم مكر في آياتنا ) يونس : 21 ، أي ~~معصية بالنعم ، قل الله أسرع مكرا أي أخفى تقليبا قد أظهر لهم نعما أحبوها ~~، وكانت عقوبة ونقاما باطنة في لبس النعم الظاهرة يدر جوابها إلى درجة درجة ~~من حيث لا يعلمون ، وأشد من هذا كله خوف الاستبدال لأنه لا مشوبة فيه ، ~~وهذا حقيقة الاستدارج يقع عن نهاية المقت من المحبوب ، وغاية البغض منه ~~والبعد ، والسلو مقدمة هذا المقام والإعراض والحجاب بداية ذلك كله ، والقبض ~~عن الذكر وضيق الصدر بالبر أسباب هذه المعاني المبعدة والمدارج المدرجة ، ~~إذا قويت وتزايدت PageV02P096 أخرجت إلى هذا كله ، وإذا تناقصت وبدل بها ~~الصالحات والحسنات أدخلت في مقامات المحبة والقربات ، كما جاء في الأثر ~~الثابت عن حبيب الله ، وكذلك في تدبر الخطاب أن العاكف على هواه مقيت الله ~~، فوجد هذه الأوصاف منك دلائل ما عاد عنك من الاستبدال بك والإسقاط لك ، ~~والخوف من هذه المعاني علامة المعرفة بأخلاقه الملوئة ، ولا يصلح شرح هذه ~~المقامات في كتاب ولا تفصيلها برسم خطاب ، إنما يشرح في قلبه بيقينه قد شرح ~~وبفضل العبد من نفسه قد فصل ، فأما قلبه مشترك وعبد في ms0749 هواه مرتبك ، فليس ~~لذلك أهلا والله المستعان ، وثم خوف ثامن عن شهادة حب عال يغرب اسمه فيلتبس ~~، ويخفي وصفه لقلة اشتهاره في الاستماع فيجهل ، لم نسمه لأنه خوف عن مقام ~~له اسم من المحبة ، فيشتبه على كثير من سامعيه فينكرونه ويتشنج في أوهام ~~غير مشاهديه بالخلق فيمثلونه ، لأن أسماء صفات الخلق ملتبسة بمعنى صفات ~~الخالق ، وإنما لهم من ذلك مايعلمون وهم بعلومهم محجوبون ، فكيف بها يشهدون ~~، فإن ذكرنا خوفه ثم على ذكر مقامه فظهر بإظهاره ، فكان طيه أفضل من نشره ~~إلى أن يسأل عنه من ابتلي بمصدره عنه ، بعد أن نشرت منه لأن مقامات المحبة ~~كلها إلى جنب مقامه ، كنهر ضيف إلى بحر مثله ، كمثل مشاهدات اليقين كلها ~~إلى جنب شهادة التوحيد بالتوحيد ، وهو وصف من المحبة يعرف لأنه من شوق ~~الحبيب إلى المحب ، وهو من معنى قول رابعة آنفا : حب الهوى ، ومن معنى قول ~~عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم : أرى ربك يسارع إلى هواك ، ~~ومن صدر عن مقام محب بعد وروده رفع إلى هذا المقام لأنه في مقام محبوب ~~لجميل مشاهدات اليقين ، وقد كان الجنيد رحمه الله ينشد هذين البيتين كثيرا ~~: تين كثيرا : ومن بعد هذا ما تدق صفاته . . . وما كتمه أحظى لديه وأعدل ~~ألا أن للرحمن سرا يسره . . . إلى أهله في السر والستر أجمل وقد ذكرنا ~~معناه بعض المحبوبين في كلام منظوم في بيتين وهما : فمنك بدا حب بعز تمازجا ~~. . . بماء وصال كنت أنت وصلته ظهرت لمن أبقيت بعد فنائه . . . فكان بلا ~~كون لأنك كنته وقال بعض العلماء : من عرف الله من طريق المحبة بغير خوف هلك ~~بالبسط والإدلال ، ومن عرفه من طريق الخوف من غير محبة انقطع عنه بالبعد ~~والاستيحاش ، ومن عرف الله من طريق المحبة والخوف أحبه الله فقربه وعلمه ~~ومكنه ، وليس العجب من خوف الخائفين إذ لا يعرفون إلا الصفات المخوفات ~~والأفعال القاصمات ، وإنما العجب من خوف المحبين مع ما عرفوا من أخلاقه ~~وحنانه وشهدوا من تعطفه وألطافه مالم يعرف الخائفون ms0750 ، ثم هم مع حبهم ~~يهابونه وعلى أنفسهم به يحابونه ، وفي فزعهم منه يشتاقون إليه ، وفي بسطه ~~لهم ينقبضون بين يديه ، وفي إعزازه لهم يذلون له ، لأن من قبض فانقبض ~~PageV02P097 فليس بعجب ، ولكن من أعز وأكرم فتواضع وذل فهو العجب ، ~~فللمحبين الانقباض في البسط ، وللخائفين الانقباض في القبض ، وللمحبين الذل ~~مع العز والكرامة ، وللخائفين الذلة مع الهيبة والمهنة ، فهذا يدل على أن ~~معرفة المحبين به أعظم المعارف إذ كانت أوائل أحوالهم المخاوف ، فكل محب ~~لله خائف وليس كل خائف محبا يعني محبة المقربين ، لأنه لم يذق طعم الحب لأن ~~طعم محبة المسلمين المفترضة لا يقع بها اعتبار في مقامات الخصوص ، لأنه لا ~~يوجد عنها مواجيد الأحوال ، ولا يعلى بها في مشاهدات الأنتفال ، لأنها قوت ~~الإيمان ، منوطة بصحته وموجودة بوجوده ، والمحبة لا ترفع الهيبة ، فلذلك ~~كان محبا خائفا لأن المحبوب مهوب ، والخوف قد يقبض عن المحبة لشغل الخائف ~~بوصفه السالف ، وهذا كشف الأبرار وهو حجاب المقرب من المحبة قوت ، وهذا كما ~~يقول في الرجاء والخوف لأنهما وصفا الإيمان ، إلا إن الخائف يتدرج الرجاء ~~في حاله والراجي ينطوي الخوف في رجائه ، وفي سبق ترتيب المقامات من الله ~~تعالى حكم غريب وحكمة لطيفة لا يعرفها إلا من أعطى يقين شهادتها ، إن سبق ~~إلى العبد بمقام الخوف كان محبا حب المقربين العارفين ، وإن سبق إليه بمقام ~~المحبة كان محبا محبة أصحاب اليمين ، ولم يكن له مقامات المحبين المستأنسين ~~ولا المشتاقين في مقامات المقربين ، وكل هؤلاء موقنون صالحون وإن خرجت ~~أحوالهم عن ترتيب علوم أهل الظاهر ، لأن المنكر له أكثر من المقر ، والله ~~غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون هم درجات عند الله والله بصير ~~بما يعملون ، وربما كانت المحبة ثوابا للخوف ومزيدا له وهذا في مقام ~~العاملين ، وربما كان الخوف مزيد المحبة وثوابها وهذا في مقام العالمين ، ~~فمن كانت المحبة مزيده بعد الخوف فهو من المقربين المحبوبين ، ومن كان ~~الخوف مزيد محبته فهذا من الأبرار المحبين ، وهم أصحاب اليمين . وسئل بعض ~~علمائنا البصريين ms0751 : الحب أفضل أو الحياء ؟ فقال : الحب الذي يورث منه الخوف ~~، الحياء أفضل من ، والحب الذي يورث الحياء منه أفضل من الحياء وهو الشوق ، ~~وقال الجنيد : المحبة نفسها قرب القلب من الله بالاستنارة والفرح ، فأما حب ~~تجلي الصفات عن الأسماء الباطنة فإنا لم نذكر منها شيئا ، وإنما ذكرنا محبة ~~الأخلاق عن الأسماء الظاهرة ، ولا أحسب أنه يحل رسمه في كتاب ولا كشفه ~~لعموم الناس لأنه من سر المحبة لا يكاشف به إلا من اطلع عليه ولا يتحدث به ~~إلا من أعطيه ، وما رأيت أحدا رسمه في كتاب لأنه لا يؤخذ من كتاب ، وإنما ~~يتلقى من أفواه العلماء ، وينسخ من قلب إلى قلب ، وهو يشبه ماكتبنا عنه ~~آنفا من الخوف الثامن الذي لم نصفه لمن لا يعرفه ، ومما نقل في الأثر من ~~وصف من أذيق منه ولم يفصح بذكر وصفه أنا روينا في الأخبار : أن بعض ~~الصديقين سأله بعض الأبدال أن يسأل الله أن يرزقه ذرة من محبته PageV02P098 ~~ففعل ذلك ، فهام في الجبال وحار عقله ، ووله قلبه ، وبقي شاخصا سبعة أيام ~~لا ينتفع بشيء ولا ينتفع به شيء ، فسأل له الصديق ربه فقال : يارب انقصه من ~~الذرة نصفها ، فأوحى الله إليه إنما أعطنياه جزءا من مائة ألف جزء من ذرة ~~من المعرفة ، وذلك أن مائة ألف عبد سألوني شيئا من المحبة في الوقت الذي ~~سألني هذا فأخرت إجابتهم إلى أن شفعت أنت لهذا ، فلما أجبتك فيما سألت ~~أعطيتهم كما أعطيته ، فقسمت ذرة من المحبة بين مائة ألف عبد فهذا ما أصابه ~~من ذلك ، فقلت : سبحانك أحكم الحاكمين انقصه مما أعطيته ، قال : فأذهب الله ~~عنه جملة ذلك الجزء وبقي فيه عشر معشاره وهو جزء من ألف جزء ، فاعتدل خوفه ~~وحبه وعلمه ورجاؤه ، وصار كسائر العارفين ، ومن علم المحبة سهر الليل ~~بمناجاة الجليل ، والحنين إلى الغروب شوقا إلى الخلوة بالمحبوب ، ومناجاة ~~القلب سرائر الوجد ، ومطالعة الغيب والمناجاة عند أهل المصافاة ، إنما هي ~~بالقلوب وهي مطالعاتها بواطن الغيوب ، وجولانها في سر الملكوت وعلوها في ~~معاني ms0752 الجبروت بأنوار أرواحها ، يحملها شعاع أنواره فيوقعها على خزائن ~~أسراره ، والمناجاة دليل رؤية القرب وشاهد وجود الأنس ، وفيما أخبرنا عن ~~الله تعالى أنه قال : كذب من ادعى محبتي إذا جنه الليل نام عني ، أليس كل ~~حبيب يحب الخلوة بحبيبه ، فها أنا ذا قريب من أحبابي أسمع سرهم ونجواهم ~~وأشهد حنينهم وشكواهم . وروينا عن بعض العلماء القدماء أن الله عز وجل أوحى ~~إلى بعض الصديقين : أن لي عبادا من عبادي يحبوني وأحبهم ، ويشتاقون إلي ~~وأشتاق إليهم ، يذكروني وأذكرهم ، وينظرون إلي وأنظر إليهم ، فإن حذوت ~~طريقهم أحببتك ، وإن عدلت عنهم مقتك ، قال : يارب : وماعلامتهم ؟ قال : ~~يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي الشفيق غنمه ، ويحنون إلى غروب ~~الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها عند الغروب ، فإذا جنهم الليل ، واختلط ~~الظلام ، وفرشت الفرش ، ونصبت الأسرة ، وخلا كل حبيب بحبيبه ، نصبوا لي ~~أقدامهم ، وافترشوا لي وجوههم ، وناجوني بكلامي ، وتملقوا لي بأنعامي ، ~~فبين صارخ وباك ، وبين متأوه وشاك ، وبين قائم وقاعد ، وبين راكع وساجد ، ~~بعيني ما يتحملون من أجلي ، وبسمعي ما يشتكون من حبي ، فأول ما أعطيهم ~~ثلاثا أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم ، والثانية لو ~~كانت السموات والأرض ومافيهما في موازينهم لاستقللتها لهم ، والثالثة أقبل ~~بوجهي عليهم فترى من أقبلت بوجهي عليه لا يعلم أحد ما أريد أن أعطيه ، وأما ~~الشوق فإنه مقام رفيع من مقامات المحبة ، وليس يبقى الشوق للعبد راحة ولا ~~نعيما في غير مشوقه ، والمشتاقون مقربون بما أشهدوا من الشوق إليه ، وهم ~~المأمور بطلبهم ، الموجود الحبيب عندهم مثوبة منه لهم لما شوقهم إليه في ~~قوله لموسى عليه السلام : اطلبني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ، هم ~~المشتاقون من المحبين والله أعلم ، PageV02P099 وذلك أن الحبيب قرب منهم ~~بوصفه تكرما ، ففرحوا بقربه ، وعاشوا بمشاهدته ، ونعموا لحضورهم عنده ، ثم ~~احتجب عنهم غيرة على نفسه لعزه فانكسرت قلوبهم لأجله ، فاشتاقوا إلى ما ~~عودهم منه ، فثبتت لديه حرمتهم ، فأمر أولياءه بطلبهم ، وأوجد نفسه عندهم ~~لمكانتهم عنده ، ففرح هؤلاء من المحبين بقربه لا يوصف ، وانكسارهم ms0753 ، وحزنهم ~~لأجله لا يعرف ، والله سبحانه قد يعرض عن محبيه تعززا ليزعجهم الشوق إليه ، ~~ويقلقهم الأسف عليه ، وينظر إليه في إعراضه عنهم من حيث لا يعلمون لينظروا ~~إليه من حيث يعلمون ، فسيكنون بالأدب بين يديه ، وحدثونا عن إبراهيم بن ~~أدهم ، وكان أحد المشتاقين وهو من أبدال هؤلاء الذين نتكلم في علمهم ونكشف ~~طريقهم ، وكانت له رحمه الله أماكن من المحبة رفيعة ، وكاشفات في القرب ~~عليه ، قال : قلت ذات يوم يا رب إن كنت أعطيت أحدا من المحبين لك ما تسكن ~~به قلوبهم قبل لقائك فأعطني ذلك ، فقد أضر بي القلق ، قال : فرأيت في ~~المنام أنه أوقفني بين يديه ، فقال : يا إبراهيم ، أما استحيت مني أن ~~تسألني ما يسكن به قلبك قبل لقائي ، وهل يسكن المشتاق قبل لقاء حبيبه أم هل ~~يستروح المحب إلى غير مشوقه ؟ قال : قلت : يا رب تهت في حبك فلم أدر ما ~~أقول فاغفر لي وعلمني كيف أقول ، فقال : قل اللهم رضني بقضائك ، وصبرني على ~~بلائك ، وأوزعني شكر نعمائك . وقد حدثونا بمعنى ذلك عن أحمد بن عيسى الخراز ~~، وكان مشتهرا بالسماع كثير الحركة والصعق عنده ، ذكر بعض أصحاب سهل قال : ~~رأيته في المنام بعد موته فقلت : ما فعل الله بك فقال : أوقفني بين يديه ، ~~فقال لي : يا أحمد حملت وصفي على ليلي وسعدي لولا أني نظرت إليك في مقام ~~واحد أردتني به خالصا لعذبتك ، قال : وأقامني من وراء حجاب الخوف فأرعدت ~~وفزعت ما شاء الله ، ثم أقامني من وراء حجاب الرضا فقلت : يا سيدي لم أجد ~~من يحملني غيرك ، فطرحت نفسي فقال : فقل : صدقت من أين تجد من يحملك غيري ؟ ~~قال : وأمر بي إلى الجنة ، وفي هذا تخويف للسامعين على التشبيه ، الحائدين ~~عن سمع أهل الفهم والتنبيه ، لأن السماع علم لا يصلح إلا لأهل الصفاء ، فمن ~~سمعه على كدر فذاك له محنة وضرر ، ويدخل من الآفات على نقصان المشاهدات إذا ~~سمع من قبل النغمة والصوت مايدخل على من نظر إلى الأيدي في العطاء ، لأن ~~الصوت ظرف للمعاني ms0754 بمنزلة اليد ظرفا للأرزاق ، فالنظر الموقن يأخذ رزقه من ~~اليد ، ويترك النظر والسامع المحق ، يأخذ المعاني من الصوت ولا يلتفت إلى ~~التنغيم بها ، فمن سمع على التشبيه والتمثيل ألحد ، ومن سمع على الهوى ~~والشهوة فهو لعب ولها ، ومن سمع باستخراج الفهم ومشاهدة العلم على معاني ~~صفات حق ونظر وتطرق ودليل على آيات صدق ، كان سامعا على مزيد ، وهذه طرائق ~~أهل التوحيد ، وفي السماع حرام وحلال وشبهة ، فمن سمعه بنفس بمشاهدة هوى ~~وشهوة فهو حرام ، ومن سمعه بمعقوله على صفة PageV02P100 مباح من جارية ~~وزوجة كان شبهة لدخول اللهو فيه ، وفعل هذا بعض السلف من التابعين ، ومن ~~سمعه بقلب بمشاهدة معان تدله على الدليل وتشهده طرقات الجليل فهذا مباح ، ~~لا يصح إلا لأهله ممن كان له نصيب منه ، ووجد في قلبه مكانا له لعبد أقيم ~~مقام حزن ، أو شوق أو في مقام خوف ، أو محبة ، فيحركه السمع ويخرجه إلى ~~الشهادة ، فيكون ذلك مزيده من السمع ، فأما من سمعه على نغمة ، أو لأجل صوت ~~، أو ليلهو به ، أو ليستروح إليه ، فهذا لاعب لاه لا يحل له إذ ليس مرادا ~~به ، وكان الجنيد يقول : تنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواطن ، عند ~~الطعام لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة ، وعند المذاكرة لأنهم يتذاكرون أحوال ~~النبيين ، ومقامات الصديقين ، وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقا ، ~~وكان بعض العارفين يقول : تعرف مواجيد أصحابنا في ثلاثة أشياء ، عند ~~المسائل وعند الغضب ، وعند السماع ، وإنما ذكرنا هذا لأنه كان طريقا لبعض ~~المحبين وحالا لبعض المشتاقين ، فإن أنكرناه مجملا فقد أنكرنا على تسعين ~~صادقا من خيار الأمة ، وقد دخل فيه غير أهله فأحالوه عن وجهته ، وعدلوا به ~~عن قصده ، وقد كان بعض السامعين يقتات السماع فيجعله قوته ، ويتقوى به على ~~زيادة طيه ، وأحدهم يطوي اليومين والثلاثة ، فإذا تاقت نفسه إلى القوت عدل ~~بها إلى السماع ، فأثار منه مواجيده ، وأهاج فيه أذكاره ، فحمله ذلك عن ~~الطعام ، وأغناه عن الأنام ، فهذا لا يصلح إلا لقلب صاف من الأكدار ، نقي ~~نظيف ms0755 من الآثام ، ومن شهد فيه خلقا فذلك علامة كدر قلبه ، ومن أحدث فيه ~~لعبا ولهوا فهو دليل نقص لبه . حدثني بعض الشيوخ عن شيخ له قال : رأيت أبا ~~العباس الخضر فقلت : ماتقول في هذا السماع الذي يختلف فيه أصحابنا ؟ فقال : ~~هو الصفا الزلال لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء ، وقد صدق في قوله : لأنا ~~روينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم : أخوف ما أخاف على أمتي الشهوة الخفية ~~والنغمة الملهية ، وأن حماد روى عن إبراهيم : الغناء ينبت النفاق في القلب ~~، وعن مجاهد : ومن الناس من يشتري لهو الحدث ليضل عن سبيل الله قال : ~~الغناء وهداكما ، قالاه : لأن سماع الغناء حرام وأجور المغنيات وأثمانهن ~~حرام ، والفرق بين الأغاني والقصائد أن الأغاني ما شبب به النساء وذكر فيه ~~الغزل ، ووصفن به ، وشهدن منه ، ودعا إلى الهوى ، وشوق إلى اللهو ، فمن سمع ~~من حيث قال القائلون بهذه المعاني فالسماع عليه حرام ، والقصائد ماذكر ~~بالله ، ودل عليه ، وشوق إليه ، وأهاج مواجيد الإيمان ، وأثار مشاهدات ~~العلوم ، وذكر به طرقات الآخرة ومقامات الصادقين ، فمن سمع من حيث شهد بهذه ~~الشهادة فهو من أهله إذ له نصيب منه ، وقال الله سبحانه : ومن كل شيء خلقنا ~~زوجين لعلكم تذكرون ، فالكلام روحان ، منثور ومنظوم ، فالمنثور كلام ~~العلامة ، والمنظوم كلام الشعراء ، فما ذكر به الله ويذكر منه فهو طريق ~~إليه ، PageV02P101 ولم يزل الحجازيون عندنا يسمعون السماع في أفضل أيام ~~السنة وهي الأيام التي أمر الله عباده أن يذكروه فيها ، أيام التشريق من ~~وقت عطاء بن أبي رباح إلى يومنا ، هذا ما أنكره عالم ، وقد كان لعطاء ~~جاريتان يلحنان فكان إخوانه يستمعون إليهما ، ويحمل القول في السماع أن من ~~سمع فظهرت عليه صفات نفسه وذكرته حظوظ دنياه فالسماع عليه حرام ، ومن سمع ~~فظهر له به ذكر ربه ، وتذكر به أجل ما شوقه الله إليه وأعده لأوليائه ، فهو ~~له ذكر من الأذكار ، وسئل عالمنا رحمه الله فقيل له : بلغنا أنك تنكر ~~السماع ، وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو النون يسمعون فقال : كيف ms0756 أنكر ~~السماع وقد سمعه عبد الله بن جعفر الطيار ، يعني ابن أبي طالب ، وإنما أنكر ~~اللهو وأنكر اللعب في السماع ، ولعمري أن هؤلاء الأشياخ الذين ذكروا قد ~~كانوا يسمعون ، ولكن كان منهم من سمع السر دون العلانية ، ومنهم من كان ~~يسمع مع إخوانه ونظرائه دون الأتباع والأصحاب ، وكانوا يقولون : لا يصح ~~السماع إلا لعارف مكين ، ولا يصلح لمريد مبتدىء وكان بعض العلماء قد ترك ~~السماع فقيل له ، فقال : ممن ؟ فقيل له : فأنت ، فقال : مع من كانوا لا ~~يسمعون إلا من أهله ومع أهله . وحدثونا عن يحيى بن معاذ قال : فقدنا ثلاثا ~~فما نراها ولاأراها تزداد إلا عزة ، حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن القول مع ~~الديانة ، وحسن الأخاء مع الوفاء ، وقد سمع من الصحابة غير عبد الله بن ~~جعفر أربعة منهم : ابن الزبير والمغيرة بن شعبة وحدثونا عن إبراهيم بن أدهم ~~قال : طفت ذات ليلة بالبيت ، وكانت ليلة مظلمة ذات مطر ورعد ، فخلا الطواف ~~، فلما انتهيت إلى الباب قلت : اللهم اعصمني حتى لا أعصيك أبدا ، قال : ~~فسمعت قائلا يقول : من جوف البيت يا إبراهيم أنت تسألني أن أعصمك وكل عبادي ~~يسألوني العصمة فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل ولمن أغفر ؟ وفي خبر وهب بن منبه ~~أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام أنك تكثر مسألتي ولا تسألني أن أهب ~~لك الشوق ، قال : يا رب وما الشوق ؟ قال : إني خلقت قلوب المشتاقين من ~~رضواني ، وأتممتها بنور وجهي ، فجعلت أسرارهم موضع نظري إلى الأرض ، وقطعت ~~من قلوبهم طرقا ينظرون به إلى عجائب قدرتي فيزدادون في كل يوم شوقا إلي ، ~~ثم أدعو نجباء ملائكتي فإذا أتوني خروا لي سجدا فأقول : إني لم أدعكم ~~لعبادتي ، ارفعوا روؤسكم أركم قلوب المشتاقين إلي فوعزتي وجلالي إن سمواتي ~~لتضيء من نور قلوبهم كما تضيء الشمس لأهل الدنيا ، معنى قول لداود عليه ~~السلام : ولا تسألني الشوق ليس أنه قد يعطي الأولياء ما لا يعطي الأنبياء ~~كما غلط في هذا بعض الناس ، ففضل العارف على النبي ، ولكنه ذكر ذلك لداود ~~عليه ms0757 السلام ليسأله إياه فيعطيه ، فلما أخبره به أعطاه مقام الشوق إليه ، ~~فجاوز مقامات المشتاقين من العارفين ، وإنما أراد أن يجعل ذلك على لسانه ~~ليريه فضل مكانه ، ويظهر له ذلك عن مسألته ليفضله ويشرفه بسرعة إجابته ، ~~كما أن قول داود عليه السلام : وماالشوق ؟ ليس أنه لم يعرف الشوق وقد اتاه ~~PageV02P102 الحكمة والنبؤة ، ولكن سكت بين يديه استحياء منه ، واعترف لديه ~~بالجهل لأنه عند علام الغيوب ، واراد أن يسمع منه حقيقة وصفه لأنه أصدق ~~القائلين وأمدح الواصفين . وأما الغيرة فحال سنية من أحوال المحبين ، لأنه ~~قد أظهرهم على معاني نفسه فضنوا بها لما امتلأت بها قلوبهم ، وحارت فيها ~~عقولهم ، إلا أن هؤلاء خصوص أصحاب اليمين ، وهم عموم المحبين ، إلا إنه إذا ~~رفعهم إلى مقام التوحيد فأشهدهم الإيجاد بالوحدانية والانفراد بالفردانية ~~نظروا ، فإذا هو لم يعط منه لسواه شيئا ولا أظهر من معانيه وصفا ، فانطوت ~~الغيرة من توحيدهم لماعرفوا بيقين التوحيد أنه مانظر إليه سواه ، ولا عرفه ~~إلا إياه ، فتسقط هممهم بالغيرة عليه ، وعرفوا حكمته بتعريفه أنواع ما يظهر ~~وأقسام ما ينشر ، وأنه في غيب غيبه لايظهر عليه سواه وفي سرسره لا يشهده ~~إلا إياه ، فقام لهم مقام المعرفة بالتوحيد مقام الغيرة عليه ، فهذا إذا ~~طولعوا به مقام الموحدين من الصديقن ، وقد روينا في دلائل المحب وأوصافه ~~أبياتا عن يحي بن معاذ ، وأبي تراب النخشبي ، وعن أبي سعيد الخراز أي أيضا ~~على قافية واحدة في معان متقاربة ، وهي جامعة مختصرة في نعت المحبين من ~~المريدين ، وفي وصف السائحين من المرادين بالتقرب والانقطاع أولى الأحوال ~~والمشاهدات الرفاع ، فالذي روينا عن أبي تراب هذه الأبيات : لا تخدعن ~~فللمحب دلائل . . . ولديه من تحف الحبيب وسائل منها تنعمه بمر بلائه . . . ~~وسروره في كل ما هو فاعل فالمنع منه عطية مقبولة . . . والفقر إكرام ولطف ~~عاجل ومن اللطائف أن يرى من عزمه . . . طوع الحبيب وإن ألح العاذل ومن ~~الدلائل أن يرى متبسما . . . والقلب فيه من الحبيب بلابل ومن الدلائل أن ~~يرى متفهما . . . لكلام من يحظى لديه السائل ومن الدلائل ms0758 أن يرى متقشفا . . ~~. متحفظا من كل ما هو قائل والذي رويناه عن يحيي بن معاذ : ومن الدلائل أن ~~تراه مشمرا . . . في خرقتين على شطوط الساحل ومن الدلائل حزنه ونحيبه . . . ~~جوف الظلام فما له من عاذل ومن الدلائل أن تراه مسافرا . . . نحو الجهاد ~~وكل فعل فاضل ومن الدلائل زهده فيما يرى . . . من دار ذل والنعيم الزائل ~~ومن الدلائل أن تراه باكيا . . . أن قد رآه على قبيح فاعل ومن الدلائل أن ~~تراه مسلما . . . كل الأمور إلى المليك العادل ومن الدلائل أن تراه راضيا . ~~. . بمليكه في كل حكم نازل ومن الدلائل ضحكه بين الورى . . . والقلب محزون ~~كقلب الثاكل PageV02P103 والذي رويناه عن أبي سعيد الخراز دخل فيما ذكرناه ~~عنهما ، وأحسب أنه أخذه منها لأنهما أقدم منه ، إلا أن قوله كان أحد عشر ~~بيتا فقط ، وجميع ما قدمنا ذكره من العلامات والدلالات هي أوصاف المحبين ، ~~وكل محب لله فعن محبة الله ، لأن وجود العبد لمحبته لله علامة غيب محبة ~~الله له ، يبين ذلك الغيب له في هذه الشهادة إلا أن في المحبة مقامين ، ~~مقام تعريف ومقام تعرف ، فمقام التعريف هومعرفة العموم وهذا قبل المحبة ~~الخاصة ، ومقام التعرف معرفة الخصوص وهذا بعد محبة العموم ، وهو مزيد الحب ~~الأول ، وهذا محبة خصوص ، وكذلك في المحبة مقامان ، مقام محب وأعلى منه ~~مقام محبوب ، وهذا كما عبروا عن قولهم مريد ومراد ، وعلى الحقيقة كل مريد ~~لله فهو مراد بذلك ، إلا أنهم جعلوا اسم مراد بوصف مخصوص بعرف به فيمتاز ~~معه المبتدئ من المبادئ ، والمنيب من المجتبي ، والطالب من المطلوب ، ~~والراغب من المرغوب ، والحافظ من المحفوظ ، فكذلك لعمري ليس الحامل مثل ~~المحمول ، ولا الزائر كالمزور ولا الاشتياق كالحضور ، ولا المحب مثل ~~المحبوب ، قال أبو موسى الدبيلي : عرضت على أبي يزيد البسطامي كتاب صاحبنا ~~عبد الرحيم في الإخلاص فما أعجبه منه إلا حكاية أبي عاصم الشامي في الشوق ، ~~يعني أن عبد الرحيم ذكر الإخلاص في كتابه فقال : قيل لأبي عاصم وافد أهل ~~الشام يشتاق إلى الله ، فقال : لا ، قيل : ولم ؟ قال ms0759 : إنما يشتاق إلى غائب ~~، فإذا كان الغائب حاضرا فإلى من يشتاق ؟ قلت : سقط الشوق ، وهذا مقام ~~محبوب ، وفي المشاهدة مقامان ؟ مقام شوق ومقام أنس ، فالشوق حال من القلق ~~والانزعاج عن مطالعة العزة ومعاينة الأوصاف من وراء حجاب الغيب بخفايا ~~الألطاف ، وفي هذا المقام الحزن والانكسار ، والأنس حال من القرب عن مكاشفة ~~الحضور بلطائف القدرة ، ففي هذا المقام السرور والاستبشار ، وقال ضيغم : ~~عجيب للخليقة كيف أرادت بك بدلا ، وعجبت لهاكيف أنست بسواك ، وقال الجنيد : ~~علامة كمال الحب دوام ذكره في القلب بالفرح والسرور والشوق إليه والأنس به ~~، وأثرة محبة نفسه ، والرضا بكل ما يصنع وعلامة أنسه بالله استلذاذ الخلوة ~~، وحلاوة المناجاة ، واستفراغ كله حتى لا يكاد يعقل الدنيا وما فيها ، ولا ~~يحمل هذا على الأنس بالخلق ، فيرتب على مدراج المعقول ، كما لا يحمل المحبة ~~على محبة الخلق فيكون بمعاني العقول ، لأنه حال منها ، أو إنما هو طمأنينة ~~وسكون إليه ، ووجد حلاوة منه ، واستراحة وروح بما أوجدهم ، وقد أنكر الأنس ~~من لا مقام له فيه ، كما أنكر المحبة أيضا من لا معرفة له بها لأنه تخيل ~~فيه محبة المخلوق ، وتمثل لها صفاتهم ، فقال : لا يعرف المحبة ولا يعقلها ~~إلا لمخلوق وليس إلا الخوف والهيبة ، وممن ذهب إلى هذا القول : أحمد بن ~~غالب المعروف بغلام خليل ، أنكر على الجنيد وأبي سعيد والثوري كلامهم في ~~المحبة ، وليس PageV02P104 هذا مذهب السلف ولا طريقة العارفين ، كتب عامر ~~بن عبد الله إلى بعض إخوانه : آنسك الله بنفسه ، وقيل لإبراهيم بن أدهم وقد ~~نزل من الجبل : من أين أقبلت ؟ قال : من الأنس بالله وأنشدونا لبعض ~~العارفين : الأنس بالله لا يحويه بطال . . . وليس يدركه بالحول محتال ~~والآنسون رجال كلهم نجب . . . وكلهم صفوة لله عمال وقد روينا في التفسير عن ~~سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله عز وجل : ( الذين آمنوا تطمئن قلوبهم ~~بذكر الله ) الرعد : 28 ، قال : هشت إليه وأنست به ، وفي مقام الأنس يكون ~~التملق والمناجاة ، ومعه تكون المحادثة والمجالسة ، ومعنى من البسط ، ولا ~~يحب الله تعالى ms0760 هذا النوع من الإدلال إلا ممن أقامه مقام الأنس ، ولا يحسن ~~ذلك إلا منهم لنحو قول موسى عليه السلام في مقام الأنس : يا رب لي ماليس لك ~~، قال : وماهو ؟ قال : لي مثلك وليس لك مثل نفسك ، قال : صدقت ، معنى قوله ~~: مثلك أي لي أنت كقوله تعالي : ( ليس كمثله ) الشورى : 11 ، معناه ليس كهو ~~شيء لأنه لا مثل له ، فيكون لمثله مثل إذ لا يكون لمثله مثل ، والعرب تعبر ~~بالمثل عن نفس الشيء وفوق هذا من البسط ما أخبر الله تعالى عنه أنه قال ~~مواجها للجليل العظيم : إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون ، وأعظم من هذا ~~قوله : اذهب إلى فرعون ، فقال مجيبا له ، فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب ، ~~ومثله قوله : إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري فحسن هذا منه ، لأنه أقامه ~~مقام البسط بين يديه والأنس به ، ولأن مكانه لديه مكان محبوب ، فأدل به ~~عليه فحمله ذلك ، وهذا من غير موسى في غير هذا المقام من سوء الأدب بين يدي ~~المرسل ، ولم يحتمل ليؤنس عليه السلام خاطرا من هذا القول لما أقيم مقام ~~القبض والخوف ، حتى عوقب بالسجن في بطن الحوت في البحر ، في ظلمات ثلاث ، ~~ونودي عليه إلى يوم الحشر ، لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو ~~مذموم ، وقيل : عراء القيامة ، ونهي الله تعالى حبيبه صلى الله عليه وسلم ~~أن يقتدي به في القول والفعل فقال تعالى : ( فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب ~~الحوت إذ نادي وهو مكظوم ) القلم : 48 ، وقد قال تعالى : ( منهم من كلم ~~الله ورفع بعضهم درجات ) البقرة : 253 ، واحتمل لإخوة يوسف ما عزموا عليه ~~واعتقدوه وما فعلوه وما أسروه من قولهم : اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل ~~لكم وجه أبيكم إلى نحو ذلك من الكلام والفعال ، ولقد عددت من أول قولهم ~~ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا إلى رأس العشر من أخباره عنهم في قوله ، ~~وكانوا فيه من الزاهدين نيفا وأربعين خطيئة بعضها أكبر من بعض ، قد يجتمع ~~في الكلمة الواحدة الأربعة ms0761 والخمسة من الخطايا ، ودون ذلك وفوقه بدقائق ~~الاستخراج ومعرفة خفايا الذنوب ، فغفر لهم ذلك إن كانوا في مقام محبوبين ، ~~ولم يحتمل لعزير PageV02P105 مسألة واحدة سأل عنها في القدر حتى قيل محي من ~~ديوان النبوة ، وقد قال الله تعالى فوق ذلك كله : ( ثم اتخذتم العجل من ~~بعده ) البقرة : 92 ، ما جاءتكم البينات فعفونا عن ذلك ، فإن شاء أن يعفو ~~عفا عن العظائم فلم يعظم عليه شيء ، وإن شاء طالب وناقش على الصغائر ، ولا ~~تصغر الذرة والخردلة عن مطالبته ، وكيف يصغر ذنب ممن واجه به الملك الجبار ~~؟ ألا ترى من كشف عورته بين يدي نبي كفر لانتهاك حرمة النبوة فكيف بالعظيم ~~الأكبر لولا فضله ورحمته ؟ وفي قوله سبحانه : ( يغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء ) آل عمران : 129 ، قيل : يغفر لمن يشاء على الذنب العظيم ، ويعذب من ~~يشاء على الذنب الصغير ، وقيل : يشترك الجماعة في المعصية فيغفرها لبعضهم ~~ويبدلها حسنات ، فلا تضره بل تكون عاقبتها ما يسره ، ويعذب البعض بذنبه ولا ~~يغفر له ، وقد لا ينفعه معه عمل لا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون له الخلق ~~والأمر ، يحكم بأمره في خلقه ما يشاء ، كيف شاء ، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله ، واحتمل لآصف بن برخيا فوق ذلك كله ، يقال : إنه كان أحد المسرفين ، ~~ولا يصلح أن تذكر ذنوبه لمكان علمه ولحسن عطف الله عليه ، ثم تداركه مولاه ~~، واجتباه ، وأعطاه العلم والفضل ، وأيد به نبيه وخليفته ، وجعله وزيره ، ~~وأطلعه على الاسم الأعظم بعد ما كان منه ما يتعاظم لئلا ييأس محب من عطفه ، ~~ولكيلا يقنط متحجب من لطفه ، ولم يسمح لبلعم بن باعوارء بذنب واحد من ذنوب ~~آصف بن برخيا إلا إن بلعم أكل دنياه بدينه وأدخل الهوى على العلم فضل بذلك ~~وهلك واشتد مقت الله له ، وآصف كانت معاصيه في جوارحه بينه وبين خالقه ، ~~فكان آصف مستبدلا به من بلعم لما أري تلك الآيات ، فانسلخ منها بعد ~~العبادات ، إذ لم يرد بحقائقها والنيات فيه ، ويقال : إنه أوتي الاسم ~~الأعظم المتصل بكل المتصلة بكان ms0762 ، وقد قيل : كان أوتي فوق ذلك ثم انسلخ من ~~الآيات فسكن إلى الدنيا وهوى في الهالكات ، ولم ينفعه ما كان منه من ~~العبادة والزهادة كي لا يأمن عامل من عماله مكره ، ولئلا يدل عالم عليه بما ~~أظهره ، وكان آصف في كبائر المخالفات فاستنقذ منها ثم أوتي بعدها الآيات ~~لأنه بوصف مراد وفي مقام محبوب ، هذا بحضرة نبي الله وخليفته في الأرض ~~سليمان عليه السلام . ، وقد قيل : كان أوتي فوق ذلك ثم انسلخ من الآيات ~~فسكن إلى الدنيا وهوى في الهالكات ، ولم ينفعه ما كان منه من العبادة ~~والزهادة كي لا يأمن عامل من عماله مكره ، ولئلا يدل عالم عليه بما أظهره ، ~~وكان آصف في كبائر المخالفات فاستنقذ منها ثم أوتي بعدها الآيات لأنه بوصف ~~مراد وفي مقام محبوب ، هذا بحضرة نبي الله وخليفته في الأرض سليمان عليه ~~السلام . فأما قصة بلعم فهي أشهر من أن نذكرها ، ولها مقدمات فيها قصص ~~وإطالة لا نشتغل بذكره ، ولكن نذكر بعض ما انتهى إلينا من قصة آصف ، وليس ~~كل أحد على قصته يقف ، حدثونا أن الله تعالى أوحى إلى سليمان عليه السلام : ~~يا ابن رأس العابدين ويا ابن PageV02P106 محجة الزاهدين ، إلى كم يعصيني ~~ابن خالتك آصف وأنا أحلم عنه مرة بعد مرة ، فوعزتي وجلالي لئن أخذته عطفة ~~من عطفاتي عليه لأتركنه مثلة لمن معه ونكالا لمن بعده ، قال : فلما دخل آصف ~~على سليمان أخبره بما أوحى الله إليه ، فخرج حتى علا كثيبا من رمل ، ثم رفع ~~يديه نحو السماء وهو يقول : إلهي وسيدي أنت أنت وأنا أنا فكيف أتوب إن لم ~~تتب علي وكيف أستعصم إن لم تعصمني لأعودن فأوحى الله إليه : صدقت أنت أنت ~~وأنا أنا أستقبل التوبة إلي فقد تبت عليك وأنا التواب الرحيم ، وهذا كلام ~~مدل به عليه ، وهارب منه إليه ، ومتملق له منه ومن إدلال المحبوبين من ~~المستأمنين مناجاة برخ الأسود الذي أمر الله كليمه أن يسأله أن يستسقي لبني ~~إسرائيل بعد أن قحطوا سبع سنين ، واستسقي لهم موسى في ms0763 سبعين ألفا ، فأوحى ~~الله إلى موسى كيف أستجيب لهم ، وقد أظلمت عليهم ذنوبهم وسرائرهم خبيثة ~~يدعونني على غير يقين ، ويأمنون مكري ، ارجع فإن عبدا من عبادي يقال له برخ ~~قل له يخرج حتى أستجيب له ، فسأل عنه موسى فلم يعرف ، فبينا موسى عليه ~~السلام ذات يوم يمشي في طريق فإذا بعبد أسود استقبله بين عينيه تراب من أثر ~~السجود في شملة قد عقدها على عنقه ، فعرفه موسى بنور الله فسلم عليه وقال : ~~ما اسمك ؟ فقال : اسمي برخ قال : فأنت طلبتنا منذ حين ، اخرج فاستسق لنا ، ~~قال : فخرج فقال في كلامه : ماهذا من فعالك وما هذا من حلمك ، فما هذا الذي ~~بدا لك ؟ أنقصت عليك غيوثك ، أم عاندت عن طاعتك الرياح ، أم نفد ما عندك ، ~~أم اشتد غضبك على المذنبين ، ألست كنت غفارا قبل خلق الخاطئين خلقت الرحمة ~~، وأمرت بالعطفة فتكون لما تأمر من المخالفين ، أم ترينا إنك ممتنع ، أم ~~تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة ؟ قال فما برح حتى اخضلت بنو إسرائيل بالقطر ~~وأنبت الله العشب في نصف يوم حتى بلغ الركب ، قال : فرجع برخ ، قال : ففي ~~هذا ذكري الراجين ، وأنس المشتاقين ، وطمع للعالمين ، وتحبب إلى المطيعين ؛ ~~هذا كما قال بعض العارفين : الحبيب لا يحاسب والعدو لا يحسب . وروي عن الله ~~سبحانه أنه أوحى إلى عبد تداركه بعد أن كان أشفى على الهلكة : كم من ذنب ~~واجهتني به غفرته لك قد أهلكت في دونه أمة من الأمم ، وقد اشترك عبدان في ~~اسم المعصية ثم تباينا في الاجتباء والعصمة ؛ آدم عليه السلام وإبليس لعنة ~~الله عليه ، ثم اجتبى آدم وهذا لما سبق له من الاصطفاء والكلمة الحسنى ، ~~وإبليس أبلس من رحمته وأغوى لما سبق له من الشقوة والكلمة السوء ، وقد عاتب ~~الله نبيه على الإعراض عن عبد ، وكره له الإقبال على عبد فقال تعالى : ( ~~وأما من يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى ) عبس 8 - 9 - 10 وقال تعالى في ~~الأخرى : ( أما من استغنى ) ( فأنت له تصدى ) ( وما عليك ألا يزكى ) عبس : ~~5 - 6 ms0764 - 7 ، وربهما واحد ، وبمثله أمره بالإقبال والسلام على طائفة ، وأمره ~~بالإعراض وترك القعود مع طائفة فقال تعالى : ( وإذا جاءك الذين يؤمنون ~~بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ) الأنعام : 45 ، ( واصبر ~~نفسك مع PageV02P107 الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ) الكهف : 82 ، ( ~~وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) ~~الأنعام : 68 ( وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ~~) الأنعام : 68 وكلهم عبيد لواحد ومثل المحبوب من المحب مثل مقام المصطفى ~~صلى الله عليه وسلم من مقام موسى عليه السلام ، قال موسى : رب اشرح لي صدري ~~، وقال لمحمد : ألم نشرح لك صدرك ؟ وقال موسى : واجعل لي وزيرا من أهلي ~~هارون أخي ، وقال لمحمد : ورفعنا لك ذكرك ، أي تقرن بي في الشهادة والآذان ~~، لا أوازرك بغيري لأنك من أهلي ، والوزير القرين والظهير ، أي فأنت من ~~أهلي فقد وزرتك وقرنتك بذكري ، فأنا ظهيرك ومعينك لا أشد أزرك بغيري ، ~~فأشبه هذا ما رويناه عن ليث عن مجاهد في قوله عز وجل : ( عسى أن يبعثك ربك ~~مقاما محمودا ) الإسراء : 79 قال يقعده على العرش فكان العرش مكان الربوبية ~~بمشيئته في الدنيا وهو مستغني عنه بقدرته ، فوهبه لحبيبه في الآخرة فجعله ~~مكانه تفضلا له وتشريفا ، ليكون هناك فوق المرسلين في الجلالة ، كما كان ~~ههنا آخرهم في الرسالة ، وقال لموسى عليه السلام بعد المقام : قد أوتيت ~~سؤالك يا موسى ولقد مننا عليك مرة أخرى ، ففي هذا تحديد ، وقال لمحمد عليه ~~السلام بعد المقامات وقل : رب زدني علما فلم يحد له حدا ، فهذا غاية المزيد ~~. وقال موسى عليه السلام رب أرني أنظر إليك أي في محل العبودية ، وقال ~~لمحمد عليه السلام : ما زاغ البصر وما طغى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ؛ أي ~~مكان الربوبية ، فبين المحب والمحبوب في التقليب ، كما بين موسى ومحمد ~~عليهما السلام في التقريب ، كم بين من رأى ما رأى عند نفسه في مكانه وبين ~~من رأى ربه في علوه ، كم بين من عجل إليه شوقا ms0765 منه ليرضى عنه وبين من عجل ~~به شوقا إليه ليرضاه إليه لرضاه عنه ، كم بين من رأى ما رأى فلم يثبت ، ~~ففاضت عليه الأنوار لضيقه ، وبين من رأى ما رأى فثبت له وغاضت فيه الأنوار ~~لسعته ، فقد جاوز المحبوب مقام المحب في التمكين ، كما جاوز محمد صلى الله ~~عليه وسلم مقام موسى عليه السلام في المكان أدخل بينه وبين موسى لام الملك ~~وأقام محمدا مقامه في الملك وقال تعالى لموسى : ( واصطنعتك لنفسي ) طه : 41 ~~وقال لمحمد : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) الفتح : ، 1 ، فكم ~~بين من صنعه لنفسه وبين من جعله بدلا من نفسه تفضلا وتعظيما ، كم بين من ~~فصل مدحه من وصفه وبين من وصل مدحه بوصفه ، فقال تعالى في الفصل : ( وألقيت ~~عليك محبة مني ولتصنع على عيني ) طه : 39 وقال في الوصل : ( لتؤمنوا بالله ~~ورسوله وتعزروه وتوقروه ) الفتح : 9 الآية ، وقال في مثله : والله ورسوله ~~أحق أن ترضوه ، وقد قيل في قوله تعالى : ( يا موسى إني اصطفيتك على الناس ~~برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ) الاعراف : 144 أي خذ ما ~~آتيتك من PageV02P108 الكلام فتلا : واصطفيتك به على الناس ، فاشكر عليه ~~والنظر فقد خصصت به محمدا ، وعن ابن عباس وكعب أن الله تعالى قسم كلامه ~~ورؤيته بين موسى ومحمد فأعطى موسى الكلام وخص محمدا بالرؤية ، ومما يؤيد ~~هذا القول أن الذي آتاه الكلام هو الذي ثبت له فدل أنه هو الذي أريد به لأن ~~الله تعالى إذا أراد عبدا بشيء ثبته فيه وقواه عليه ، وقد ثبت محمدا لما ~~آتاه من الرؤية وقواه لها ومكنه فيه ، لأنه أراد بها ، ومن وصف مقام ~~المحبوب ما قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : صف لنا أصحابك ، فقال : عن ~~أيهم تسألون ؟ قالوا : عن سلمان ، قال : أدرك علم الأول والآخر ، قالوا : ~~فعمار ، قال : مليء إيمانا إلى مشاشه ، قالوا : حذيفة ، قال : صاحب السر ~~أعطى علم المنافقين ، قالوا : فأخبرنا عن نفسك فقال : إياي أردتم بهذا كنت ~~إذا سألت أعطيت ، وإذا سكت ابتدأت ms0766 ؛ فهذا مقام محبوب ، لأنه إذا سأل سمع ~~منه فاستجيب له ، وإذا سكت نظر إليه فعطف عليه ، وقد روينا عنه من أحب من ~~لا يعرف فإنما يمازح نفسه ، أي من لا يعرف صفات حبيبه وأخلاقه وأفعاله ~~وأحكامه فيحبه بعد خبره فيسارع إلى مرضاته ويجانب مكارهه فإنما يمازح نفسه ~~؛ أي يلهو بها ويلعب ليس فيه شيء من حد المحبين ولا حقيقة العارفين إذا لا ~~يأمن انقلاب محبته لتقليب أفعال محبوبه ، ولا يأمن تغيير حبه لابتلاء حبيبه ~~واختلاف أحكامه فكأنه كان مازحا بحبه لا محقا به ، وفي مثل هذا المقام من ~~جهل المحبين بأفعال المحبوب اغترار عظيم . ومن المحبة كتمان المحبة إجلالا ~~للحبيب وهيبة له وتعزيزا وتعظيما له وحياء منه ؛ وهذا وصف المخصوصين من ~~عقلاء المحبين وهو من الوفاء عند أهل الصفاء ، إذ كانت المحبة سر المحبوب ~~في غاية القلوب ؛ فإظهارها وابتذالها من الخيانة فيها وليس من الأدب ولا ~~الحياء النسبة إليها ولا الإشارة بها ، لأن في ذلك اشتهارا فتدخل عليه ~~دقائق الدعوى والاستكبار ، وقد قال بعض العارفين : أبعد الناس من الله ~~أكثرهم إشارة به هو الذي يكثر التعريض به في كل شيء ويظهر التزين والتصنع ~~بذكره عند كل أحد هذا ممقوت عند المحبين لله والعلماء به . دخل ذو النون ~~المصري على بعض إخوانه ممن كان يذكر المحبة فرآه مبتلي ببلاء يجل عن الوصف ~~فقال ذو النون ، لا يحبه من وجد ألم ضربه ، فقال الرجل : لكني أقول لا يحبه ~~من لم يتنعم بضربه ، فقال ذو النون : لكني أقول : لا يحبه من شهر نفسه بحبه ~~، فقال الرجل : أستغفر الله وأتوب إليه ؛ وهذا كما قال ذو النون هو من ~~علامة الإخلاص في المحبة إذ كانت أعمال القلوب ، فوجود الإشفاق والحذر من ~~إظهارها خشية السلب والاستبدال ، وخوف المكر والاستدراج علامة التحقق بها ~~ودفعها عن النفس ، وسترها عن أبناء الجنس ، وترك التظاهر بها علامة الظفر ~~بها ، لأن المحبوب غيور ، وغيرته على نفسه وعلى ظهور محبته أشد من غيرته ~~على إظهار محبته ، وغيرته على إظهارهم لغير أبناء PageV02P109 جنسهم ms0767 أشد من ~~غيرة جميع محبيه عليه ؛ وهذا كلام على عالم صاح في مقام صحو مكين ، فأما ~~السكرن بحاله والولهان بوجده فمغلوب ، والمغلوب معذور ، قال رجل لأبي محفوظ ~~، وقد رأى من بعض المحبين شيئا استجهله فيه فأخبر معروفا بذلك فتبسم ثم قال ~~: ياأخي له محبون صغار وكبار ومجانين وعقلاء ، فهذا الذي رأيته من مجانينهم ~~ومن المحبة كتمان بلاء الحبيب بعد الرضا به لأن ذلك من السر عنده وحسن ~~الأدب لديه ، وعوتب سهل في العلة التي كانت به علة مهولة كان يداوي الناس ~~منها ولا يداوي نفسه فقيل له في ذلك فقال : ضرب الحبيب لا يوجع ، وكان ~~حينئذ يقول : من علامة المحب في المكاره والأسقام هيجان المحبة وذكرها عند ~~نزول البلاء ، إذ هو لطف من مولاه وفيه الغربة إلى محبوبه وقلة التأذي بكل ~~بلاء يصيبه لغلبة الحب على قلبه ، وقد كان بعض المحبين يقول : أصفى ما أكون ~~ذكرا إذا ما كنت محموما ، وذكر بعض من ينتمي إلى المحبة مقامه في المحبة ~~عند بعض المحبين فقال له المحب : أرأيت هذا الذي تذكر محبته أهممت بسواه قط ~~؟ قال : نعم ، قال : فهل رأيته في ليلة مرتين وثلاثا ؟ قال : لا ، قال : ~~لولا أني أستحي لأخبرتك أن محبتك معلولة تهتم بسوى حبيبك ولا تراه في ليلتك ~~، ثم قال : لكني لا أدعي محبته وعلى ذلك ما اهتممت بسواه مذ عرفته ، وربما ~~رأيته في ليلة سبع مرار ، وذكر بعض المحبين ممن كان بدلا عن إبراهيم بن ~~أدهم ممن تكلم في علم طريقه ووصفه حاله وذكر القصة بطولها قال : رأيت الله ~~عز وجل مائة وعشرين مرة وسألته عن سبعين مسألة أظهرت منها أربعة فأنكرها ~~الناس فأخفيت الباقي ، وفيما ذكر من وصف المحب كفاية وغيبة عن وصف المحبوب ~~وليس يمكننا وصف المحبوب إذ كان حاله يجل عن الوصف ، وكيف يوصف من يسمع ~~ويبصر من يحبه ويبطش ويعقل عن محبوبه فيكون هو سمعه وبصره وقلبه ويده ~~ومؤيده ، كما جاء في الخبر : إذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره ~~الذي يبصر به ms0768 ، ويده التي يبطش بها ، وقلبه الذي يعقل به ، وإن سألني ~~أعطيته وإن سكت ادخرت له ، لو قسم نوره على أهل الأرض لوسعهم ؛ فهذا كله في ~~مقام محبوب ، ويقال : إن هذه الآيات والقدر من سرائر الغيوب وخفايا الملكوت ~~التي تسميها العامة المعجزات والآيات وتسميها العلماء الكرامات والإجابات ؛ ~~وهي آيات الله في أرضه مودعة وقدرته في عباده جارية ، وعنايات له في ملكه ~~مستقرة ، ليس للعباد منها إلا كشفها ونظرهم إليها إذا أقيموا مقام الأنس من ~~مقام محبوب ، ويقال : إنها توجد في المقام السابع عشر من مقامات المعرفة ، ~~إذا أقيم العبد هذا المقام في المعرفة يؤدي بها ظهرت له وفوقها ثلاثة ~~وثمانون مقاما من مقامات العارفين ، أفضل من ذلك ، ويقال : إنها لا ~~PageV02P110 تكون لأبدال المرسلين من الصديقين ، وإنما يعطاها أبدال ~~النبيين من الصالحين ، فأبدال المرسلين فضلهم على أبدال النبيين كفضل ~~المرسلين على النبيين وكفضل الصديقين على من دونهم من الصالحين ، كيف وقد ~~قال بعض العلماء : ما رأيت هذه الكرامات أظهرت إلا على أيدي البله من ~~الصادقين . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من يدخل الجنة من ~~أمتي البله ، وعليون لذوي الألباب ، فأولو الألباب هم المواجهون بالخطاب ، ~~الشهداء عليه ، المستحفظون للكتاب ، كما قال تعالى : ( بما استحفظوا من ~~كتاب الله وكانوا عليه شهداء ) المائدة : 44 ، والعامة يحسبون أنها من أعلى ~~مقامات المعرفة فجميع تلك الأسرار من الغيوب التي تكنها الحجب والأستار لا ~~يظهر عليه إلا مطلوب ، والمطلوب عن نفسه مسلوب ، فمن بقيت عليه من نفسه ~~بقية ، أو نظر إلى حركته وسكونه بعينه نظرة خفية فسترها عليه رحمة له ، ~~لأنه لو كوشف هلك في حيرة الهوى ، وغرق في بحر الدنيا ، ونفس حبه لها ، ~~وعين طلبه إياها هو حجابها عنه واستثارها منه ، حتى يكون كارها لظهورها ~~كراهته لظهور الخلق عليه في معصيته ، وخائفا منها خيفته من نفسه في تظاهرها ~~عليه بهلكته ، فإذا بقي بباق وحي بحياة حي صرفا منه وصرفا عنه بلا طلب ولا ~~نظر ولا سبب ولا فكر ، أدى لعجائبه ، وفتح له كنوز ms0769 غرائبه ، ويفعل الله ما ~~يشاء . وقال بعض العارفين ممن يكشف عن مشاهدته : عبدت الله ثلاثين سنة ~~بأعمال القلوب والجوارح على بذل المجهود ، واستفراغ الطاقة ، حتى ظننت أن ~~لي عند الله شيئا ، فذكر أشياء من مكاشفات السموات في قصة طويلة قال في ~~آخرها : فبلغت صفا من الملائكة بعدد جميع ما خلق الله من شيء فقلت : ما ~~أنتم ؟ قالوا : نحن المحبوب لله نعبده ههنا منذ ثلاثمائة ألف سنة ماخطر على ~~قلوبنا قط طلب لسواه ولا ذكرنا غيره ، قال : فاستحييت من أعمالي فوهبتها ~~لمن حق عليه الوعيد تخفيفا عنهم في جهنم ، وقال بعض العلماء : كل مقام أعبر ~~عنه إلا مقام المحبة ، قيل : ولم ؟ قال : لأن الشيء يعبر عنه بألطف منه ولا ~~شيء ألطف من المحبة ، وقيل لمعروف : أخبرنا عن المحبة أي شيء هي ؟ قال : ~~ياأخي ليس المحبة من تعليم الناس ، المحبة من تعليم الحبيب ، وقد كان ~~الحذاق من العلماء لا يخبرون بحقائق أربع مقامات ؛ حقيقة التوحيد ، وحقيقة ~~المعرفة ، وحقيقة المحبة ، وحقيقة الإخلاص ، وقال بعض العارفين : كل ~~المقامات عن أنوار الأفعال والصفات ، إلا المحبة فإنها عن نور حقيقة الذات ~~، فلذلك عز وصفها ، وعزب علمها ، وقل من المؤمنين المتحقق بها ؛ وذلك أنها ~~سر كالمعرفة إذا ظهر المحبوب أحببته كما إذا رأيت المعروف عرفته ؛ وذلك ~~متعلق به وهو الظاهر لظاهر المعرفة والمحبة الباطن لباطن المحبة ، والمعرفة ~~عن وصف باطن ، ومن أدرك مقام المحبة لله لم يضره فوت شيء من المقامات ، ومن ~~فاته PageV02P111 المحبة لم يغبط بدرك شيء ، وقد قيل في قوله عز وجل : ( ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) الطلاق : 3 ، إن الهاء عائدة على التوكل أي ~~فالتوكل حسبه من جميع المقامات والتوكل حال من مقام المحبة . وقد قال الله ~~تعالى : ( ورضوان من الله أكبر ) ، والرضا مقام من المحبة فقد جلت المحبة ~~أن توصف ودقت عن العلوم بالعقول أن يعرف مثلها مثل العلم بالله ؛ فكذلك أي ~~قلب أجل من قلب يكون محبوبه الله ، ولا أعلم من معلومه الله ، وقيل : إن ~~للقلب حبة هي باطنه عليها يتعلق ms0770 ، المحبة ، ومنه سميت محبة ؛ كان اشتقاقه ~~من حبة القلب وهي التي يقال لها سويداؤه ، والميم في الأسماء قد تزاد ~~للمبالغة في الوصف ، ومن هذا قول الله عز وجل : ( قد شغفها حبا ) يوسف : ، ~~3 لما وصفها بنهاية الوصف في الحب ؛ أي قد خرق حبه شغاف قلبها فوصل إلى حبة ~~القلب ، وخرق الشغاف وهو حجاب القلب ، وحبا منصوب على التفسير كأنه قيل : ~~قد شغفها أي خرق شغافها ، فقيل : ماذا ؟ فقيل : حبا ، فالحب إذا وصل إلى ~~هذا الموضع من العبد لم يملك المحب نفسه ، ففرغ قلبه له ، وامتلأ به ، ولم ~~يجر على ترتيب ما رسمناه ، وربما خرج إلى الوله والاستهتار وجاوز معيار ~~العقل في التصريف والأذكار ، والعرب تقول : قد دمغه وأرأسه وقاده وركبته ، ~~كذلك قولهم أشغفه إذا أصاب شغاف قلبه فهتك حجابه وقد قرئت بالعين ، ومعنى ~~قد شغفها بلغ أعلى القلب ونهايته لأن الشغف أعلى كل شيء وأبعده ، فالمعنى ~~ذهب به الحب أقصى المذاهب وغايته ، فحينئذ يملكه الحب فيكون أسيره ، ويغلب ~~عليه الحبيب فيصبر مأسوره فيحكم عليه ولا يجاوز ، ويفرغ له قلبه من كل شيء ~~رسمه ، ويمتلئ به فلا يبقى فيه شيء رسمه ، ولا يقدر على الكذب لظهور سلطان ~~قهر الحب ، فحينئ يكشف قناعه ويرسل عذاره فيه ويصفه الحب بالحب وهو صامت ~~بخيفة المحب إلا لمن أحب ، وهو ظاهر ، وليس يكون هذا إلا في مقام شكر وحال ~~عليه ، فمن لم يعرف هذا المقام أنكر هذا الكلام إلا أن يربط قلبه بتأبيده ~~ويحفظ سره بتمكينه كما قال تعالى : ( وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت ~~لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ) القصص : 10 أي من ~~المصدقين إنا نرده إليها ولا تظهر أنه ابنها فيقتل ، وكما لطف للفتية الذين ~~آمنوا وهم أصحاب الكهف لما غلب حب الإيمان على قلوبهم ، إذ قاموا فقالوا : ~~ربنا رب السموات والأرض لئلا يظهروا إيمانهم لما غلب حبه عليهم فيقتلوا ؛ ~~فهذه لطائف الحكيم وخفي صنع العليم ، فالمحبون له حافظون للغيب بما حفظ ، ~~وقال سمنون لبعض الفقراء في ms0771 قصة ذكرها يفرح بحبه ويذكر المحبة ، وقال بعض ~~الناس في وصف المحبين أقامهم مقام المحبة فلم يزن الملك في قلوبهم حبة ~~فمحبة غير الله في محبة الله شرك عند المحبين ؛ وهي خيانة عند بعضهم ، وهو ~~من PageV02P112 نقض العهد وقلة الوفاء بالعقد . وقال سهل : من أحب الدرهم ~~لا يحب الآخرة ، ومن أحب الخبز لم يحب الله عز وجل ، ولا يخرج حب الوالد ~~والولد المحبين من المحبة ، لأن ذلك جعل الله في القلوب نصيبا لهم ولا ~~يخرجه أيضا حب الزوجة بمعنى الرفق بها والرحمة لها ، ولا يخرجه أيضا حب ~~مصالح الدنيا من حاجات الأقسام والقلوب مما لا بد منه ، وليس ذلك كله يكون ~~في مكان محبة الله ، لأن محبة الله في أنوار الإيمان ، ومحبة هذه الأشياء ~~في مكان العقل ، هكذا عندي في الفرق بين محبة الله ومحبة المخلوق ، ويخرجه ~~جميع ذلك عند بعض المحبين من السلف ، فأما الاشتغال بهده الأشياء بالإيثار ~~لها على التفرغ لمرضاة الله والإنحطاط في أهوائها دون محبة الله فإن ذلك ~~يخرجه عند الكل وعندي يخرج العبد من حقيقة المحبة السكون إلى غير الله ، ~~والفرح بسواه ، والحزن على فوت غيره إياه ، وقيل لبعض العارفين من الأبدال ~~: الناس يقولون إنك محب فقال لست محبا المحب متعوب ولكني محبوب وقيل له ~~أيضا الناس يقولون إنك واحد من السبعة ، فقال : أنا كل السبعة ، وقال هذا ~~إذا رأيتموني فقد رأيتم أربعين بدلا ، قيل : كيف وأنت شخص واحد ؟ قال : ~~لأني قد رأيت أربعين بدلا فأخذت من كل بدل خلقا من أخلاقه ، وقيل له : ~~بلغنا أنك ترى الخضر فتبسم ثم قال : ليس العجب ممن يرى الخضر ولكن العجب ~~ممن يريد الخضر أن يراه فيحجب عنه فلا يقدر عليه ولعمري أن من كان عند الله ~~لم يره بشر ولا ملك . حدثونا أن الحسن رحمه الله اختفى عند حبيب العجمي من ~~الحجاج ، فسعى به فدخل عليه الشرط ، ففزع الحسن وذهب ليتسور الحائط ويهرب ، ~~فقال له حبيب أبو محمد : اقعد حتى نبصر ، فقال : فدخل عليه الشرط فقالوا : ~~أين ms0772 الحسن ؟ قيل لنا إنه عندك ، فقال : هل ترون شيئا ؟ ففتشوا الدار كلها ~~وخرجوا وهم لا يرونه ، فقال له الحسن : كيف لم ينظروا إلي ؟ قال لأنك كنت ~~عند الله فلم يروك ، ولو كنت عندي لأبصروك ، قال له الحسن : إني قد رأيتك ~~لما دخلوا هممت بشيء ، فهل ذكرت اسم الله الأعظم ؟ قال : لا ، ولكن قلت ~~اللهم اجعله عندك حتى لا يبصروه ، وهذا هو واحد من أصحاب الحسن ، وقد كان ~~الحسن فوقه بدرجات أحوجه الله إليه ، وقيل لأبي يزيد بلغت جبل قاف ؟ فقال : ~~جبل قاف أمره قريب الشأن في جبل كاف وجبل عين وجبل صاد ، قال : وما هذا ؟ ~~قال : هذه جبال محيطة بالأرضين السفلى ، حول كل أرض جبل بمنزلة جبل قاف ~~محيط بهده الدنيا ، وهو أصغرها ، وهذه أصغرالأرضين ، وقد كان أبو محمد يخبر ~~أنه صعد جبل قاف ، ورأى سفينة نوح مطروحة فوقه ، وكان يصفه ويصفها ، وقال ~~لله عبد بالبصرة يرفع رجله وهو قاعد فيضعها على جبل قاف ، وقد قيل : الدنيا ~~كلها خطوة للولي ، وإن وليا لله خطا خطوة واحدة خمسمائة عام ، ورفع رجله ~~على PageV02P113 جبل قاف والأخرى على جانب الجبل الآخر ، فعبر الأرض كلها ، ~~وقيل لأبي يزيد : دخلت إرم ذات العماد فقال : قد دخلت ألف مدينة لله في ~~ملكه ، أدناها ذات العماد ، ثم عدد كلها ؛ البيت وتأويل وباريس وجايلق ~~وجابرس ومسك ، ولعل قائلا يقول : فقد قال الله في وصفها : ( التي لم يخلق ~~مثلها في البلاد ) الفجر : 8 ، قيل : فإن معناه في بلاد اليمن لأنهم خوطبوا ~~بما في بلادهم ، كما قال تعالى : ( أو ينفوا من الأرض ) المائدة : 33 ، ~~يعني أرض بلادهم ، فذات العماد مدينة عاد في اليمن بين إبتر والشحر ، يقال ~~: لها سور له ألف باب ما بين البابين ، فرسخ مركبة على أعمدة الذهب والفضة ~~والياقوت والزبرجد ، فيها مائة ألف عمود من ذلك ، كانت الجن اصطنعتها لعاد ~~بن شداد بن سام بن نوح ، استخرجت الجن هذه العمد من قعور البحار والقفار ، ~~وكانت سخرت الجن له قبل سليمان بن داود بأربعة آلاف عام ، تجتمع في ms0773 يهذه ~~المدينة طائفة من الأبدال ليالي الجمع وفي الأعياد ، يقال : فيها صناديق من ~~حجارة ، طول كل صندوق عشرة أذرع ، فيها قبور الأنبياء ؛ أجسادهم صحيحة ~~باقية إلى يومنا هذا ، وهي محجوبة عن أبصار العباد ، وقد كان سهل رحمه الله ~~يزورها في كل جمعة ، وهذا واحد من المحبوبين وهذه آيات يسيرة من قدرة الله ~~الكبيرة . وقيل لهذا العبد : حدثنا عن مشاهدتك من الله ، فطاح ثم قال : ~~ويلكم لا يصلح لكم أن تعلموا ذلك ، قيل : فحدثنا بأشد مجاهدتك لنفسك في ~~الله ، فقال : وهذا أيضا لا يجوز أن أطلعكم عليه ، قيل : فحدثنا عن رياضة ~~نفسك في بدايتها ، قال : نعم ، دعوت نفسي إلى الله في بعض الأمور فتلكعت ~~علي ، فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة ولا أذوق الغمض سنة ، فوفت لي بذلك ~~، وحكى عنه بجير بن معاذ في بعض مشاهداته أنه رآه من بعد صلاة العشاء إلى ~~صلاة الفجر مستوفزا على صدور قدميه ، رافعا أخمصها وعقبيه على الأرض ضاربا ~~بذقنه على صدره شاخصا بعينيه لا يطرف ، قال : ثم سجد عند السحر ثم قعد فقال ~~: اللهم ، إن قوما طلبوك فأعطيتهم طي الأرض فرضوا بذلك ، وإني أعوذ بك من ~~ذلك ، وإن قوما طلبوك فأعطيتهم المشي على الماء والهوى فرضوا بذلك ، وإني ~~أعوذ بك من ذلك ، وإن قوما طلبوك فأعطيتهم كنوز الأرض فانقلبت لهم الأعيان ~~فرضوا بذلك ، وإني أعوذ بك من ذلك ، حتى عد نيفا وعشرين مقاما من كرامات ~~الأولياء ، قال : ثم التفت فرآني ، فقال يحيى : قلت نعم ياسيدي ، قال : منذ ~~متى أنت ههنا ؟ قلت : من صلاة العشاء ، فسكت فقلت : ياسيدي ، حدثني بشيء ~~فقال : أخبرك بما يصلح لك ، أدخلني في الفلك الأسفل فدورني في الملكوت ~~السفلي ، فأراني الأرضين وما تحتها إلى الثرى ، ثم أدخلني في الفلك العلوي ~~فطوف بي في السموات وأراني ما فيها من الجنان إلى العرش ، ثم PageV02P114 ~~أوقفني بين يديه فقال لي : سلني أي شيء رأيت حتى أهبه لك ، فقلت : ياسيدي ، ~~مارأيت شيئا أستحسنته فأسألك إياه ، فقال : أنت عبدي حقا ، تعبدني لأجلي ~~صدقا لأفعلن بك ms0774 ذكر أشياء ، قال يحيى بن معاذ : فهالني ذلك وامتلأت به ~~وعجبت منه ، فقلت : ياسيدي ، ولم لاسألته المعرفة به ، وقد قال : سلني ~~ماشئت ، فصاح في صيحة وقال : اسكت ، ويلك غرت عليه مني ، وقد كان أبو تراب ~~النخشبي رحمه الله معجبا ببعض المريدين ، فكان يؤويه ويقوم بمصالحه ، ~~والمريد مشغول بعبادته ومواجيده ، فقال له أبو تراب يوما : لو رأيت أبا ~~يزيد ، فقال المريد : إني عنه مشغول ، فلما أكثر عليه أبو تراب من قوله : ~~لو رأيت أبا يزيد ، هاج وجد المريد فقال : ويحك ماأصنع بأبي يزيد ، قد رأيت ~~الله فأغناني عن أبي يزيد ، قال أبو تراب : فهاج طبعي ولم أملك نفسي فقلت ~~له : ويلك لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة ، كان أنفع لك من أن ترى الله عز وجل ~~سبعين مرة ، فبهت المريد من قولي وأنكره وقال : وكيف ذلك ؟ فقلت له : ويلك ~~، إنما ترى الله عندك فيظهر لك على مقدارك ، وترى أبا يزيد عند الله قد ظهر ~~له على مقداره ، قال : فعرف ما أقول فقال : احملني إليه ، فذكر قصة قال في ~~آخرها : فوقفنا على تل ننتظره يخرج إلينا من النهر ، قال : فمر بنا وقد قلب ~~فروة على ظهره ، فقلت للفتى : هذا أبو يزيد فانظر إليه قال : فنظر إليه ~~الفتى فصعق ، فحركناه فإذا هو ميت ، قال : فتعاونا على دفنه فقلت لأبي يزيد ~~: ياسيدي ، نظره إليك قتله ؟ قال : لا ولكن كان صاحبك صادقا وأسكن قلبه سر ~~لم يكن ينكشف له بوصفه ، فلما رآنا كشف له سر قلبه فضاق عن حمله لأنه في ~~مقام الضعفاء المريدين فقتله ذلك ، فهذه جمل من أوصاف المحبوب المزاد ، ~~ورزق بغير حساب من المحب الجواد ، بتيسير من الطالب للمطلوب وعناية من ~~المحب للمحبوب ، ومقام الحبيب أعز من أن يظهر وأخفى من أن يعرف ، غيرة من ~~عليهم سترهم بأفعالهم وضنا منه بهم حجبهم بأوصافهم ، أهل المقامات يشتاقون ~~إليه وهو يشتاق إليهم ، وأهل القرب ينظرون إليه وهو ينظر إليهم ، وأهل ~~المحبة يحبون أن يسمعوا كلامه وهو يحب أن يسمع كلامهم ، وأهل الأحوال ~~يسألونه وهو ms0775 حسبهم ويحب أن يسألوه ، وأهل المشاهدات يزورنه وهو في قلوبهم ~~يزورهم ، وأهل الآخرة ينظرون إليه في الآخرة وهو ينظر إليهم في الدنيا ، ~~ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء كما ذكرنا في قصة داود الملك الرسول ؛ إذ أرسله ~~الملك الجليل إلى أحبائه الأربعة عشر الأولياء أن يسألهم أن يسألوه حاجة ، ~~فلما رأوه نفروا منه لئلا يشغلهم عنه ، فذكرناها قبل هذا فلا تنكرن من هذا ~~شيئا فإنه يعطي المحبوب في الدنيا أول عطاء أهل الجنة في الآخرة ؛ وهو : كن ~~، فيزهدون في ذلك لأجل بقائه ويكرهون ذلك لحبه ، قد جاوزوا معارف من سواهم ~~، فإذا أعطاهم كن أمرهم أن يقولوا : كن في أمر الساعة ولا يقولوا : كن في ~~كشف الغطاء عن النيران والجنان ، وما وراءها من PageV02P115 الكون والمكان ~~للعيان قبل اللقاء ، وإن كانت ظاهرة لباطن إلا أنها مستورة بالصنع للإيقان ~~، مقطوع عنها الوهم راجع عنها الفكر والهم ، وسألهم أن لا يظهروا ما في ~~الحكمة والعقل إخفاؤه ، لأن إظهاره لا يصلح للخلائق ولا يستقيم عليه أمر ~~المملكة ، ولا ينتظم به التدبير لما سبق من التقدير ، وفيه سقوط الأحكام ~~ووقوع الهلكة للأنام ، فإذا رأوا ذلك منه وما قد استثناه عليهم منها ~~استجابوا له أحسن استجابة ، وردوها إليه أسرع مرد وأبلغه في مرضاته ، وهو ~~أن يتركوا إظهار شيء لإظهاره ويزهدوا في كل معنى منها لوجهه ، ورضوا بتصريف ~~قدرته في مجاري حكمته . ن للعيان قبل اللقاء ، وإن كانت ظاهرة لباطن إلا ~~أنها مستورة بالصنع للإيقان ، مقطوع عنها الوهم راجع عنها الفكر والهم ، ~~وسألهم أن لا يظهروا ما في الحكمة والعقل إخفاؤه ، لأن إظهاره لا يصلح ~~للخلائق ولا يستقيم عليه أمر المملكة ، ولا ينتظم به التدبير لما سبق من ~~التقدير ، وفيه سقوط الأحكام ووقوع الهلكة للأنام ، فإذا رأوا ذلك منه وما ~~قد استثناه عليهم منها استجابوا له أحسن استجابة ، وردوها إليه أسرع مرد ~~وأبلغه في مرضاته ، وهو أن يتركوا إظهار شيء لإظهاره ويزهدوا في كل معنى ~~منها لوجهه ، ورضوا بتصريف قدرته في مجاري حكمته . وهذا غاية الجهد ونهاية ~~الزهد ms0776 والحب ، فيشكر لهم ذلك أحسن شكر ويدخر لهم عنده أفضل ذخر ، ولما دخل ~~الزنج البصرة فقتلوا الأنفس ونهبوا الأموال ، اجتمع إلى سهل إخوانه فقالوا ~~: لو سألت الله عز وجل في هذا الأمر ، ولو دعوت ، فسكت ثم قال : لله تعالى ~~عباد في هذه البلدة ، لو دعوا على الظالمين لم يصبح على وجه الأرض ظالم إلا ~~مات في ليلة ، ولكن لا يفعلون ، قيل : ولم ؟ قال : لأنهم لايحبون ما لا يحب ~~، ثم ذكر من إجابة الله تعالى أشياء لا نستطيع ذكرها ، حتى قال : لو سألوه ~~أن لا يقيم الساعة لم يقمها ، واعلم أن العبد إذا بلغ من الله تعالى هذا ~~المكانة حتى يعطيه كن اقتضته الحال أن يقول : وفقني لما تحب واعصمني مما ~~تكره ، فإني بشر جاهل لا أحسن التدبير ولا أعرف المقادير ولا علم لي بعواقب ~~الأمور ، وأخاف أن يكون في قولي تفاوت وفي إرادتي اضطراب ، وإذا أجابه ~~تعالى إلى ذلك ، سكت فلم ينطق وسلم ، ورضي بالتدبير فأطرق لأن الذي يحب ~~الله تعالى يحب أن تكون الأمور على ماهي عليه ، لأنها عن تدبير يظهر بمعاني ~~الخير والشر لأنه تولى التدبير بنفسه كما استوى على العرش بوصفه ، ولم يجعل ~~على العباد تدبير الملك إنما جعل عليهم الصبر والرضا للملك ، فمرجع العبد ~~إلى الصمت والأدب في نفوذ المراد كما كان ، وترك العبد الفضول والاعتراض ~~وحصل له مقام التوكل والرضا ، ولذلك كان أبو محمد رحمه الله تعالى إذا قيل ~~له : مامراد الله تعالى من الخلق ؟ يقول : ماهم عليه ، فكيف تريد ما لا ~~يريد وهو محب لصفاته التي عنها تظهر المرادات ، ومنها تبدو الأحكام ، ولا ~~بد مما يكون كما لابد مما كان ، وكن منطو تحت كان ولولا كان لم يكن ، فكان ~~أحب إليهم من كن لأن له ولهم مثل كن أمثال وليس لهم ولا له مثل كان مثل ، ~~فهؤلاء هم الذين لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ، وهم المحبون لله من ~~عباده الزاهدون في ملكوته لوداده ، وكذلك صنعوا مثل هذا فيما استخلفهم فيه ms0777 ~~من الأموال لما سمعوه يقول : وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ، فأخرجوا ~~الكل لأجله ، فكان هو خلفا لهم بعد أن كانوا وكلاء ؛ فإذا قالوا : حسبنا ~~الله ونعم الوكيل يقول الله تعالى لهم فانقلبوا بنعمة الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء ، واتبعوا رضوان الله رضي الله عنهم ورضوا عنه لأنهم عملوا بما قالوا ، ~~فتحققوا بالإيمان ، وقيل : إن الإيمان قول وعمل ، ولا ينوب القول عن العمل ~~، وإذا قالوا : إياك نعبد وإياك نستعين قال الله تعالى : صدقتم لأنهم لا ~~يخدمون ولا يذلون لسواه ، ولا يعدون للنوائب إلا إياه ، ولا يستعينون بغيره ~~، ولذلك صاروا صديقين لتصديق الصادق لهم ، كما بلغنا أن العبد ليقرأ قوله : ~~إياك نعبد وإياك نستعين ، فيقول الله تعالى : كذبت ولو كنت إياي تعبد لم ~~تخف ولم ترج سواي ، ولو كنت بي تستعين لم تسكن إلى مالك وأهلك ، وكذلك ~~بلغنا أن العبد ليقرأ السورة من القرآن فتصلي عليه حتى يفرغ منها ، إذا عمل ~~بها فهذا صديق ، وأن العبد ليقرأ السورة من القرآن فتلعنه إلى أن يختمها ، ~~إذا لم يعمل بما يقول فهذا كذاب ، فأين الإيمان ؟ ولا إيمان إلا بعمل فليس ~~هذا مؤمنا حقا ، فالأولياء حققوا القول بالعمل ، وشهدوا الإيمان باليقين ، ~~فإذا قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، ~~والله أكبر توكلوا عليه ورضوا عنه وتألهوا إليه ، ولم يكن في صدورهم غيره ~~فيقول الله تعالى : صدقتم ، فيكونون صديقين كما يقول للشيء : كن فيكون ، ~~فتدبروا فإذا قال : ونعم الوكيل ، قاموا مقام التوكل فصار لهم في الصدق ~~مقامات ، يقول الصادق : صدقتم ، فيكونون صديقين ، فيقول : عبادي ، أنتم ~~خيرتي من ذوي ودادي ، وأنا وكيلكم رضيتم بي وأنا حسبكم ، فهؤلاء الذين ~~انقلبوا بنعمة من PageV02P116 الله وفضل لم يمسسهم سوء ، واتبعوا رضوان ~~الله فأعطاهم من الجزاء أربعة معان : النعمة والفضل والتوكل عليه وصرف ~~السوء واتباع الرضا برضاهم عنه رضي الله عنهم ، فالحبيب يعتذر له ، والعدو ~~لا يقبل عذره ، والمحبوب لا يحاسب ، والمبغض لا يحسب له ، وقد قال بعض ~~الأدباء في معناه : من لم يكن للوصال أهلا . . . فكل ms0778 إحسانه ذنوب وقال آخر ~~في وصف آخر : في وجهه شافع يمحو إساءته . . . من القلوب ويأتي بالمعاذير ~~وأنشدت لبعض المريدين المتحققين : أني جعلت منظري في مهجتي . . . وجعلت ودك ~~لي إليك شفاعة ولو إن وقتا منك بالدهر كله . . . لكان قليلا ألف عام بساعة ~~فليتق الله تعالى عبد لم يطلعه الله عز وجل على ماذكرناه ، فيزهد فيه ويعلو ~~همه عنه بمشاهدة قدرة عظيمة ، ومعاينة آيات كثيرة ظاهرا وباطنا ، أن يدعى ~~المعرفة أو يتوهم المحبة فما عنده منها إلا أماني وغرور وظنون وزور ، والله ~~تعالى يعطي قوما الظنون كما يعطي أولياءه اليقين ، ويعطي قوما المزورات ~~لعلل القلوب كما يعطي أحباءه المحققات في مقام محبوب ، بآيات بينات وشواهد ~~من اليقين ، بإثبات آيات في القرآن وآيات PageV02P117 الرسول ، ولا يظهرهم ~~على كن حتى ينكشف الكون عن قلوبهم ، وفي الكون ما فيه من نفيس الملكوت ~~وعظيم الرغبوت ، مما لا يصلح ذكره ، واعلم أن آفات النفوس وزينة الملك : ~~حجب قلوب العموم وحظوظ العقل وشهوات الأرواح من رغبوت الملكوت ، حجب قلوب ~~الخصوص وسمو القلب إلى معاني الدرجات التي يشاهدها ، ووقوفها مع خصائص ~~الرحموت والرغبوت التي يطالع بها ، حجب قلوب المحبوبين لأنهم إذا جاوزوا ~~شهوات النفوس ورفعت بحبهم عنه حجب العقول وقعوا في شهوات الأرواح ، فلا ~~يواجهون بالوجه ولا ينظرون إلى الوصف حتى يجاوزوا أيضا شهوات الأرواح ~~وينكشف عنهم أيضا ، حجب الأنوار فيخلفوا الرسم ويغيروا الوسم ، فإذا انكشفت ~~المقامات وانقطعت الفضائل وحققت المطالعات وسقطت المنازل والدرجات ، اصطلم ~~الطالب وغلب المطلوب وفنى الراغب وبقي المرغوب ، أظهر لهم التعلق بالاسم ~~وهو آخر الحجب وأول القرب ، يبتليهم به لينظر كيف يعملون في الوسم ، فعندها ~~حقت كل من عليها فان ويبقى وجه ربك الآية ، وهناك صح له هذا المقام وفي ~~معناه : ظهرت لمن أفنيت بعد بقائه . . . فصار بلا كون لأنك كنته فهذا مكان ~~وجده بموجوده وقيامه بقيوميته بعد أن كان واجدا بكونه وقائما بقيامه ، وقد ~~كان أبو يزيد يقول : إن أعطاك مناجاة موسى وروحانية عيسى وخلة إبراهيم ~~صلوات الله وسلامة عليهم أجمعين ، فاطلب ما وراء ms0779 ذلك ، فإن عنده فوق ذلك ~~أضعافا مضاعفة ، فإن سكنت إلى ذلك حجبك به ، وهذا هو بلاء مثلهم في مثل ~~حالهم لأنهم الأمثل فالأمثل بالأنبياء ، فإذا لم ينظر العبد إلى جميع ~~المطلوب ولم يقف على كون مرغوب أقامه حينئذ مقام محبوب ، فآواه في ظلة وعطف ~~عليه بحنانه ، ونظر إليه بعينه وواجهه بوجهه فتوجه إليه ولم ينتن ، وسارع ~~إلى قربه ولم ين فلم يشهد في وجهه وجها ، ولا رأى في يده يدا ، وقام ~~بشهادته لقيوميته مشاهدا فهذا غاية الطالبين من العارفين ، وقد قال بعض ~~العارفين المحبين : كوشفت بأربعين حوراء ، رأيتهن يتساعين في الهواء عليهن ~~ثياب من فضة وذهب وجوهر يتخشخشن ، وتنثني معهن ، فنظرت إليهن نظرة فعوقبت ~~أربعين يوما ، قال : ثم كوشفت بعد ذلك بثمانين حوراء ؛ فوقهن في الحسن ~~والجمال ، وقيل : انظر إليهن قال : فسجدت وغمضت عيني في سجودي لئلا أنظر ، ~~وقلت : أعوذ بك مما سواك ، لاحاجة لي بهذا ، فلم أزل أتضرع حتى صرفن عني ، ~~ولله عز وجل مثل هذا العبد في كل قرن وزمان ما يكثر عدده ، متفرقين في أرضه ~~ومنتشرين في بلاده ومخمولين مختبين تحت ستره في عباده ، لا تستطيع العقول ~~حمل وصفهم لضعفها ، ولا يثبت في القلوب حق نعتهم لوصفها أقل مايوصفون به ~~الإخلاص في الحركة والسكون ، وهو أجل ماعندنا ، PageV02P118 والإخلاص عند ~~المخلصين خراج الخلق من معاملة الخالق ، فإذا لم يدخلوا كيف يخرجون ؟ وأول ~~الخلق النفس ، فإذا لم يتكدر القلب بها كيف يصفى منها ؟ والإخلاص عند ~~المحبين أن لا يعمل عملا لأجل نفس ، ولا دخل عليه مطالعة العرض والتشرف إلى ~~حظ طبع ، بل للتعظيم ، ولا يشرك محبوبا في حب ذي الجلال والإكرام ولا يعلق ~~قلبه بما يروق نظره من جمال لما ملاه من نهاية الحسن وغاية الجمال ، ولا ~~سبيل إلى هذا إلا بعد معرفته ، ولا معرفة قبل معاينته إذ ليس الخبر ~~كالمعاينة ، ولا معاينة إلا بنور اليقين ، ولا حق يقين بوجود هوى نفس ، ~~فإذا انكشف الحجاب وهوى الهوى طلعت عين اليقين ، فأنوار الصفات من الحسن ~~والجمال والبهاء والكمال ، في عين ms0780 اليقين عينا بعد عين كنور فوق نور ، إلى ~~نور النور ، والإخلاص عند الموحدين خروج الخلق من النظر إليهم في الأفعال ~~وترك السكون والاستراحة بهم في الأحوال ، ومن الإخلاص في الصدق عند ~~الصديقين سؤال الحجبة في قلوب الناس ، كما قال بشر وقد سئل : بأي شيء بلغت ~~هذه المنزلة ؟ فقال : كنت أكاتم الله تعالى حالي : معناه أسأله أن يكتم علي ~~ويخفي أمري ، وحدثت أنه رأى الخضر عليه السلام فقال : ادع الله تعالى لي ~~فقال : يسر الله تعالى عليك طاعته ، قال ، قلت : زدني فقال : وسترها عليك ، ~~فقيل في تأويل ذلك معنيان ؛ منهم من قال : وسترها عليك أي يسترك حتى لا ~~تعرف بها كما ذكرنا آنفا . وقال بعضهم : أراد سترها عنك حتى لا تنظر أنت ~~إليها ، وقال بعضهم : قلقني الشوق إلى الخضر ، فسألت الله تعالى مرة أن ~~يريني إياه ، ليعلمني شيئا كان أهم الأشياء علي ، قال : فرأيته ، فما غلب ~~على قلبي ولا همني إلا أن قلت له : يا أبا العباس ، علمني شيئا إذا قلته ~~حجبت عن قلوب الخليقة ، فلم يكن لي فيها قدر ، ولم يعرفني أحد بصلاح ولا ~~ديانة ، فقال : قل : اللهم أسبل علي كثيف سترك وحط علي سرادقات حجبك ، ~~واجعلني في مكنون غيبك واحجبني في قلوب خليقتك ، قال ثم غاب فلم أره ولم ~~أشتق إليه بعد ذلك ، قال فما تركت أن أقول هذه الكلمات في كل يوم ، فحدثت ~~أن هذا كان يستذل ويمتهن حتى كان أهل الذمة يسخرون به في الطريق ، يحملونه ~~الأشياء في الطريق لسقوطه عندهم ، وكان الصبيان يولعون به ، وكانت راحته في ~~ذلك ووجود قلبه به واستقامة حاله عليه ، وهذا طريق جماعة من السلف وحال ~~طبقة من صادقي الخلف ، أخفوا أنفسهم وأسقطوا منازلهم فسموا عقلاء المجانين ~~، وهذا من الزهد في النفس وحقيقة التواضع ، إلا أنه زهد مجانين الأولياء ~~وتواضع موقني الضعفاء ؛ فالتكبر يكون بثلاثة معان : تكبر على الناس عجبا ~~بالنفس ، وتكبر في قلوب الناس عزة من النفس ، أي يحب أن يكبر في قلوبهم ~~فيكون ذلك تكبرا منه ، وتكبر في القلب عن ms0781 نظره إلى صلاحه ودينه فيكبر ذلك ~~PageV02P119 عنده فيدل به ، ولذلك رآه من نفسه لقصور علم اليقين منه ، وهذا ~~أدق معاني التكبر ولا يتخلص منه إلا صحيحو التوحيد ، صادقو اليقين مخلصو ~~الصالحين ، وأما التكبر الظاهر الذي هو التطاول والفخر والتظاهر ، فذاك جلي ~~وهو من أكثف حجب القلب وأقوى صفات النفس ، فلذلك فزع العلماء من دقائقه لما ~~عرفوه ، فطلبوا القلة والذلة للنفس ليمتهنوها بخفايا التواضع ، لينتفي عنهم ~~دقائق الكبر لتخلص لهم الأعمال ، والتواضع عند المتواضعين هو حقيقة أن يكون ~~العبد ذليلا صفة لا متذللا متعمدا للذلة ، وأن يكون عند نفسه في نفسه وحيدا ~~حقيرا معتقدا لصغره وحقارته في نفسه ، لا متواضعا متكلفا ، وعلامة ذلك أن ~~لا يغضب إذا عابه ونقصه عائب ، ولا يكره أن يذمه ويقذفه بالكبائر ذام ، ~~وبيان ذلك في وجده أن لا يجد طعم الذل في ذلة ولا يشهد الضعة في تواضعه ، ~~إذ قد صار ذلك له صفة ، فمن ذل ووجد ذوق ذله فهو متعمل للتواضع ، ومن تواضع ~~وشهد تواضعه وضعته فهذا متعذر ؛ وهي علامة بقية الأنفة في نفسه لنفسه ، ~~ومتى غضب أو كره ذمه من غيره فهو يفرح ويرضى بمدحه ، فإذا كانت فيه هذه ~~العلامات فهو محجوب عن جميع ما ذكرناه من المقامات ، ومتى ذل نفسه وتواضع ~~عند نفسه فلم يجد لذله ذوقا ولا لضعته حسا فقد صار الذل والتواضع كونه ، ~~فهذا لا يكره الذم من الخلق لوجد النقص في نفسه ، ولا يحب المدح منهم لفقد ~~القدر والمنزلة من نفسه ، فصارت الذلة والضعة صفته لا تفارقه ، لا زمة له ~~لزوم الزبالة للزبال والكساحة للكساح ؛ هما صنعتان لهما كسائر الصنائع ، ~~وربما فخروا بهما لعدم النظر إلى نقصهما ، فهذه ولاية عظيمة له من نفسه ، ~~قد ولاه على نفسه وملكه عليها فقهرها بعزه ، وهذا مقام محبوب وبعده ~~المكاشفات بسائر العيوب ، أول ذلك دخول نور الحكمة في القلب وينبوع الحكم ~~من قلبه ، كما روينا أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام قال : يابني ~~إسرائيل ، أين ينبت الزرع ؟ قالوا : في التراب فقال : بحق أقول ms0782 لكم : لا ~~تنبع الحكمة إلا في قلب مثل التراب ، ومن كان حاله مع الله تعالى الذل طلبه ~~واستحلاه ، كما يطلب المتكبر العز ويستحليه إذا وجده ، فإن فارق ذلك الذل ~~ساعة تغير قلبه لفراق حاله ، كما أن المتعزز إن فارقه العز ساعة تكدر عليه ~~عيشه لأن ذلك عيش نفسه ، وممن روينا عنه اختيار الذل وإسقاط المنزلة والقدر ~~عند الناس ومحو جاهه وموضعه من قلوبهم ، وأظهر على نفسه ألوان معاني الذم ~~أكثر من أن يحصى ، وذكرهم يطول ، وذاك أن حالهم الصدق فتقتضيهم القيام ~~بحكمها فلا بد من قيامهم بمقتضى حالهم . حدثني بعض الأشياخ عن أبي الحسن ~~الكريني أستاذ الجنيد ، أن رجلا دعاه ثلاث مرات إلى طعامه ثم يرده ، فرجع ~~إليه بعد ذلك حتى أدخله المنزل في المرة الرابعة ، فسأله عن ذلك ، فقال : ~~قد رضيت نفسي على الذل عشرين سنة حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد PageV02P120 ~~فينطرد ثم يدعى فيرمي له عظم فيجيء وزاد غيره ، وقال : لو رددتني خمسين مرة ~~ثم دعوتني بعد ذلك لأجبت ، وحدثني شيخ آخر عن أستاذه قال : نزلت في محلة ~~فعرفت فيها بالصلاح ، فتشتت قلبي فدخلت حماما في جوف المحلة وعنيت على ثياب ~~فاخر فسرقتها ولبستها ، ثم لبست مرقعتي فوقها ، وخرجت وجعلت أمشي قليلا ~~قليلا ليفطن بي فلحقوني فنزعوا مرقعتي واستخرجوا الثياب ، وصفعوني وأوجعوني ~~ضربا ، فصرت أعرف في الناحية بلص الحمام فسكنت نفسي ، وحدثت عن بعض الصوفية ~~أنه وقف على رجل يأكل ، فمد يده إليه فقال : إن كان ثم شيء لله فقال له : ~~اجلس فكل ، فقال : أعطني في كفي ، فأعطاه في كفه فقعد في مكانه يأكله ، ~~فسأله عن امتناعه من الجلوس معه ، فقال : إن حالي مع الله عز وجل الذل ، ~~فكرهت أن أفارق حالي ، وكان هذا ربما مديده إلى الهراس فيضع فيها هريسته ~~والعرب تأنف أن يوضع الشيء في أكفها لعزة نفوسها ، حتى روينا عن بعض ~~الصحابة من المهاجرين ؛ الأول في أول النبوة فقال جعت ثلاثا لم أطعم شيئا ، ~~فبلغني أن إنسانا يتصدق بزبيب ، فسألته فقال : هات كفك فقلت : إني ms0783 رجل من ~~العرب ولا آخذ في كفي فاجعله لي في شيء ، قال فجعله في كيل ثم ناولنيه ، ~~فلما فرغته رددته إليه ، فكانت فيه عزة نفس ، لا جرم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال له : أنت رجل فيك جاهلية فقال : على ما أنا عليه من كبر السن ~~؟ قال : نعم ، وكان قدخاصم رجلا فأرى عليه تعززا ، وإنما نبهنا ببعض ما ~~ذكرناه له : العقول المستيقظة وحركنا بما بينا القلوب الحية ، ليحيا من حي ~~عن بينة بذكر أوصاف الصادقين وطرقات المخلصين ليستدل على الكثير باليسير ، ~~وقد كان شاهد من شهود بسطام عظيم القدر فيهم لا يفارق مجلس أبي يزيد فقال ~~له يوما : ياأبا يزيد ، أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر لا أفطر ، وأقوم ~~الليل لا أنام ولا أجد في قلبي شيئا من هذا العلم الذي تذكر ، وأنا أصدق به ~~وأحبه ، فقال له أبو يزيد : لو صمت ثلاثمائة سنة وقمت ليلها ما وجدت من هذا ~~ذرة ، قال : ولم ؟ لأنك محجوب بنفسك ، قال : أفلهذا دواء ؟ قال : نعم ، قال ~~: قل لي حتى أعلمه قال : لا تقبل ، قال : فاذكره لي ، قال : اذهب الساعة ~~إلى المزين واحلق رأسك ولحيتك ، وانزع هذا اللباس واتزر بعباءة وعلق في ~~عنقك مخلاة مملوءة جوزا ، واجمع الصبيان حولك وقل : كل من صفعني صفعة ~~أعطيته جوزة ، وادخل الأسواق كلها عند الشهود وعند من يعرفك وأنت على ذلك ، ~~فقال الرجل : سبحان الله تقول لي مثل هذا ؟ فقال أبو يزيد : قولك سبحان ~~الله شرك قال : كيف ؟ قال : لأنك عظمت نفسك فسبحتها قال : هذا لا أفعله ، ~~ولكن دلني على غيره قال : ابتدئ بهذا قبل كل شيء فقال : لا أطيقه فقال : قد ~~قلت لك إنك لا تقبل ، فهذا لما قال سبحان الله كان مشركا عنده لأنه سبحه ~~برسم النفس ، وقد كان أبو يزيد يقول : سبحاني ما أعظم شأني وهو موحد لأنه ~~وحد بأولية بدت . PageV02P121 وهذا الذي ذكره دواء من اعتل بنظره إلى نفسه ~~، ثم سقم بنظر الناس إليه لزمه سد نظره إلى نظرهم ، ليس لها من دون ms0784 الله ~~كاشفة إلا إن هذا من طب المجانين ، يصلح لضعفاء اليقين ، ولو أدخل الطبيب ~~الأعلى ذرة من عين اليقين ، أخرج بها من قلبه كل نظرة فاستراح من كل دواء ، ~~ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة بشواهد الحق ، ويحيا ~~من حي عن بينة بشاهد الحق ، ويتلوه شاهد منه فلا تنكرن من جميع ما ذكرناه ~~شيئا ، فتخسر أقل أنصبة المؤمنين من علم القدرة واليقين ، لأن للمؤمنين ~~أنصبة من هذا العلم ؛ منها المشاهدة لما وصفناه ، والإدراك لما رمزناه ، ~~ومنها الوجد والحال ، ومنها المعاملة ، والمنازلة ، ومنها الذوق والشم ، ~~منه وآخرها التصديق والقبول ، فأقل النصيب من علم المعرفة إن لم يشهد فلا ~~يجحد ، وإن لم يعرف فليتعرف ، ويكون معقله التسليم وليس وراء هذا مكان ، ~~وهذه المقامات التي شرحناها وهي مقامات اليقين ؛ أولها التوبة إلى هذا ~~المقام من المحبة ، منوط بعضها ببعض ، إن أعطي العبد حقيقة من أحدها أعطي ~~من كل مقام حاله ومع كل حال مشاهدة ، ولكل مشاهدة علم ، إلا من شهد بالحق ، ~~وهم يعلمون وكلها مجموعة في حقيقة الإيمان ، إن أعطي العبد حقيقة من إيمان ~~ويقين حتى يكون مؤمنا حقا ، غير مرتد عنه ولا مستبدل به في علم الله تعالى ~~، وكان إيمانه منة وهبة لا عارية ولا وديعة ، فيسترد ويرتد على إظهار لبس ~~أو إدراج مكر ، محنة من الله تعالى وخبرة ، ويكون مستبدلا لا بدلا ، فإذا ~~لم يكن كذلك وكان بدلا من مستبدل به أعطي من جميعها حالا فحالا ، وشهادة ~~شهادة ، وإن تفاوتوا في العلوم وتعالوا في القرب وذاك هو كمال الإيمان ، ~~وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف كمال الإيمان ، ثلاثة ~~أحاديث من أصول هذه الأحوال وأساس هذه الأفعال منها ؛ أنه قال : لا يستكمل ~~العبد إيمانه حتى يكون قلة الشيء أحب إليه من كثرة الشيء ، وحتى لا يعرف ~~أحب إليه من أن يعرف ، فهذان حالا الصادق الزاهد ، وهما أول الطريق المؤدي ~~إلى التحقيق وأس البنيان الرافع ، إلى أنه ألا يخاف في الله لومة لائم ms0785 ولا ~~يرائي بشيء من عمله ، وإذا عرض له أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة ، آثر ~~أمر الآخرة على أمر الدنيا ، فهذه أحوال المحب لله تعالى ، المخلص بمعاملة ~~الله عز وجل ، الراغب فيما عند الله تبارك وتعالى ، والحديث الثالث قوله ~~صلى الله عليه وسلم : لا يكمل إيمان أحدكم حتى يكون فيه ثلاث خصال ؛ من إذا ~~غضب لم يخرجه غضبه عن حق ، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل ، وإذا قدر لم ~~يتناول ماليس له ، فهذه تجمع أحوال العدل والفضل والمراقبة والزهد ، وهي ~~أصول المقامات ويشبه هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم ، في الحديث ~~الرابع : ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود ، العدل في الرضا ~~والغضب ، والقصد في PageV02P122 الغنى ، والفقر وخشية الله تعالى في السر ~~والعلانية ، وتفسير ما ذكرناه قبل ، من أن هذه المقامات مرتبطة بعضها ببعض ~~، وأن من أعطي حقيقة من أحدها أعطي جميعها حالا ، إذ يجمع ذلك كله الإيمان ~~بالله تعالى ليتوب العبد إلى من آمن به ، وإلى ما آمن به من الوعد وما آمن ~~به من الوعيد ، ليحق إيمانه ويصح يقينه ، وليستقيم توحيده ، كما قال تعالى ~~: إن الذين قالوا : ربنا الله ، ثم استقاموا ، وقال تعالى : ( فاستقيم كما ~~أمرت ومن تاب معك ) هود : 112 وقال : فآمن له لوط وقال : إني مهاجر إلى ربي ~~فذهب إليه لما آمن به ، وهو الرجوع وهي التوبة ، ثم يزهد فيما تاب منه من ~~هواه لتصح توبته وتخلص نيته ، فيكون نصوحا ، كما قال تعالى : ( ما عندكم ~~ينفد وما عند الله باق ) النحل : 96 ، وقال : والآخرة خير وأبقى ، وقال : ~~وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ، وكانوا فيه من الزاهدين لما أخرجوه من ~~أيديهم وتركوه ، وتابوا إلى أ بيهم ، وزهدوا فيه ، ثم يصبر عما زهد فيه ~~ليحق زهده ، كما قال : وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ، وقال عزوجل : ( ~~ولربك فاصبر ) المدثر : 7 ، ثم يشكر على ما صبر عنه ليكمل صبره ، كما قال : ~~( لا قوة إلا بالله ) الكهف : 39 ، ( وما بكم من نعمة فمن الله ) النحل : ~~53 ، ( واذكروا نعمة ms0786 الله عليكم ) البقرة : 231 ، ثم يرجو من شكر له ليزيده ~~من فضله فيعطيه فوق سؤله بحسن ظنه به ، كما قال تعالى : ( ويرجو رحمة ربه ) ~~الزمر : 9 ، وقد ذم من أيس من رحمته بقوله : ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ~~ثم نزعناها منه ، إنه ليؤس كفور ، ثم يخاف فوت ما رجا ويخاف من تقصيره في ~~الشكر لما أولى ، لتحق غبطته برجائه ويتم إشفاقه من تبديل الآية ويخاف ~~نقصان المزيد كما قال سبحانه : ( يدعون ربهم خوفا وطمعا ) السجدة : 16 ، ~~وقال مخبرا عن أوليائه : إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا وقد ~~عاب الله من فرح بما أظهر له وفخر بما أوتي ومن عود البلاء ونسي أنه كان ~~مبتلي ، في قوله تعالى : ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن : ذهب ~~السيئات عني إنه لفرح فخور ، ثم يتوكل على من خافه فيسلم نفسه إليه ويستسلم ~~بين يديه ، أن يحكم فيه ما أحب لقوله تعالى : ( وعلى الله فتوكلوا إن كنتم ~~مؤمنين ) المائدة : 23 ، وقوله : نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم ~~يتوكلون ، ثم يرضى بمن توكل عليه وعمن توكل له لعلمه بحكمته البالغة ~~وتدبيره الحسن لقوله تعالى : ( رضي الله عنهم رضوا عنه ) المائدة : 119 ، ~~ولقوله تعالى : PageV02P123 ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ) ~~البقرة : 2 ، 7 ، ثم يحب من رضي به و رضي عنه ، إذ كان قد اختاره على ما ~~سواه وإذ صار حسبه لما رآه ، فصارت هذه المقامات التسع كمقام واحد ، بعضها ~~منوط ببعض ، ودليلها كتاب الله تبارك وتعالى الحق اليقين النور المبين ، ~~الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه من طريق الهوى ، ولا من خلفه من خيل ~~الأعداء ، فأشبهت دعائم الإسلام الخمس في مقام العموم من طريق الإسلام ، إذ ~~بعضها مرتبط ببعض كهذه في مقام الخصوص من طريق المقربين ، ثم يرجع بعد مقام ~~المحبة إلى حال الرضا قوة فقوة ، ثم يتردد في مقام المحبة رتبة رتبة ، وليس ~~فوق حال الرضا مقام يعرف ، ولا فوق مقام المحبة حال يوصف ، وهما موجب ~~المعرفة ms0787 ومنتهاها المعروف وقرارها المألوف ، وإن إلى ربك المنتهى ، إلى ربك ~~يومئذ المستقر ، فليس للرضا نهاية إذ ليس للمحبوب غاية ، وإن الرضا مزيد ~~أهل الجنة ، في الجنة وليس للحب نهاية لأنه عن الوصف ولا غاية للصفات وليس ~~لطلب المحب حد لأنه عن القرب ، ولا غاية للقرب لأنه عن وصف قريب ، ولا حد ~~لقرب فيترافع المؤمنون في الحب مقامات على تجلي الحبيب بمعاني الصفات ، ~~ويتزايد الرضوان في الرضا درجات حسب تعاليمهم في علو المشاهدات ، ويتعالى ~~أهل عليين في العلو غايات على قدر أنصبتهم من قوة الإيمان وصفاء اليقين . ~~يرجو رحمة ربه ) الزمر : 9 ، وقد ذم من أيس من رحمته بقوله : ولئن أذقنا ~~الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه ، إنه ليؤس كفور ، ثم يخاف فوت ما رجا ~~ويخاف من تقصيره في الشكر لما أولى ، لتحق غبطته برجائه ويتم إشفاقه من ~~تبديل الآية ويخاف نقصان المزيد كما قال سبحانه : ( يدعون ربهم خوفا وطمعا ~~) السجدة : 16 ، وقال مخبرا عن أوليائه : إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن ~~الله علينا وقد عاب الله من فرح بما أظهر له وفخر بما أوتي ومن عود البلاء ~~ونسي أنه كان مبتلي ، في قوله تعالى : ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ~~ليقولن : ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ، ثم يتوكل على من خافه فيسلم نفسه ~~إليه ويستسلم بين يديه ، أن يحكم فيه ما أحب لقوله تعالى : ( وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ) المائدة : 23 ، وقوله : نعم أجر العاملين الذين ~~صبروا وعلى ربهم يتوكلون ، ثم يرضى بمن توكل عليه وعمن توكل له لعلمه ~~بحكمته البالغة وتدبيره الحسن لقوله تعالى : ( رضي الله عنهم رضوا عنه ) ~~المائدة : 119 ، ولقوله تعالى : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات ~~الله ) البقرة : 2 ، 7 ، ثم يحب من رضي به و رضي عنه ، إذ كان قد اختاره ~~على ما سواه وإذ صار حسبه لما رآه ، فصارت هذه المقامات التسع كمقام واحد ، ~~بعضها منوط ببعض ، ودليلها كتاب الله تبارك وتعالى الحق اليقين النور ~~المبين ، الذي لا يأتيه الباطل ms0788 من بين يديه من طريق الهوى ، ولا من خلفه من ~~خيل الأعداء ، فأشبهت دعائم الإسلام الخمس في مقام العموم من طريق الإسلام ~~، إذ بعضها مرتبط ببعض كهذه في مقام الخصوص من طريق المقربين ، ثم يرجع بعد ~~مقام المحبة إلى حال الرضا قوة فقوة ، ثم يتردد في مقام المحبة رتبة رتبة ، ~~وليس فوق حال الرضا مقام يعرف ، ولا فوق مقام المحبة حال يوصف ، وهما موجب ~~المعرفة ومنتهاها المعروف وقرارها المألوف ، وإن إلى ربك المنتهى ، إلى ربك ~~يومئذ المستقر ، فليس للرضا نهاية إذ ليس للمحبوب غاية ، وإن الرضا مزيد ~~أهل الجنة ، في الجنة وليس للحب نهاية لأنه عن الوصف ولا غاية للصفات وليس ~~لطلب المحب حد لأنه عن القرب ، ولا غاية للقرب لأنه عن وصف قريب ، ولا حد ~~لقرب فيترافع المؤمنون في الحب مقامات على تجلي الحبيب بمعاني الصفات ، ~~ويتزايد الرضوان في الرضا درجات حسب تعاليمهم في علو المشاهدات ، ويتعالى ~~أهل عليين في العلو غايات على قدر أنصبتهم من قوة الإيمان وصفاء اليقين . ~~قال الله تعالى : ( وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) آل عمران : 139 ، ~~فأعطاهم من معاني وصفه العلو ، ثم وصف نصيبهم بوصفهم فقال : إن كتاب ~~الأبرار لفي عليين ، وما أدراك ما عليون ، فعليون لانهاية له في العلو إذ ~~هو من أسماء المبالغة في الوصف ، وقيل : إنه اسم لا واحد له من جنسه ، فهو ~~علي في علوهم يعلو بهم أبدا في علو علوهم في دار الأبد ، وهم أعلون لأن ~~الأعلى معهم ، فهم يعلون به ، وعليون يلعو بهم هذا كله لأنه معهم ، كما قال ~~: وأنتم الأعلون والله معكم ، فالرضا الأول الذي هو قبل المحبة مقام التوكل ~~، وحال المحب المحبوب حاله ، والرضا الثاني الذي يكون بعد المحبة مقام ~~المعرفة ، وحال المحبوب التوكل حاله ، والمحبة من أشرف المقامات ليس فوقها ~~إلا مقام الخلة ، وهو مقام في المعرفة الخاصة وهي تخلل أسرار الغيب ، فيطلع ~~على مشاهدة المحبوب باب يعطي حيطة بشيء من علمه بمشيئته على مشيئته التي لا ~~تنقلب ، وعلمه القديم الذي لا يتغير ، وفي هذا ms0789 المقام الإشراف على بحار ~~الغيوب وسرائر ما كان في القديم ، وعواقب ما يؤت ، ومنه مكاشفة العبد بحاله ~~وإشهاده من المحبة مقامه ، والإشراف على مقامات العباد من المآل والإطلاع ~~عليهم في تقلبهم في الأبد حالا فحالا ، وقد ذكر أبو يزيد البسطامي وأبو ~~محمد سهل أنهما أقيما في هذا المقام ، ووصفا حاليهما منه ، وقد كان لشقيق ~~وابن أدهم البلخيين مطالعات في هذه المعاني ، وقد سلك PageV02P124 بابي ~~الفيض في هذا الطريق ، فظهر على ما فيه مما يبهر من رأى انقلاب الأعيان ~~وتبصرة بعظيم العيان ، وهذا محجوب عن أوهام القلوب بعقولها ، ومستقر في جب ~~غاية القلوب بأرواحها ، فإذا خرجت النفس من الروح فكان روحانيا خروج الليل ~~من النهار تنفس المكروب ، وإذا خلا العقل عن القلب فكان ربانيا انفرجت ~~الكروب ، كما قال العارف : بحياتي يا حياتي . . . لا تبعد قرباتي أخرج ~~النفس من الرو . . . ح وروح كرباتي وقد قال أحسن القائلين : ( ولايحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شاء ) البقرة : 255 ، والاستثناء واقع على إعطاء ~~الحيطة بشيء من شهادة علمه ، بنور ثاقب من وصفه وشعاع لائح من سبحته إذ شاء ~~، وهذا معنى من سر التوحيد لا يكشفه إلا عين اليقين ، ولا نظهره حتى يظهر ~~لنا منه عارف ما عليه قد أوقف ، وما منه به قد كوشف ، فحينئذ يقع العين على ~~العين ويضيء الكوكب الدري في جوهر مشكاة القلب ، وقد كان للشيخ أبي الحسن ~~بن سالم رحمه الله تعالى من هذا الطريق ، مشاهدات ومطالعات وسياحات في ~~الغيوب ، وجريان في الآخريات ، وانقلبت له الأعيان وظهر له العيان ، وطوى ~~له المكان ورأى ألف ولي لله تعالى ، وحمل عن كل واحد علما ، ثم انقطع ~~الطريق بعد فقده وعفا الأثر ودرس الخبر ، ثم الله تعالى أعلم بما هو صانع ~~بهذا الطريق وأهله ، هل ينشئ له أهلا وينهج له غامضات الطريق طريقا أم ~~يطويهم في طي طريقهم ويخفي طريقهم في خفاء الموج الغامض في غامضات العلم ~~السابق ؟ نقول في ذلك كا قال إمام الأئمة علي بن أبي طالب ، كرم الله وجهه ~~، بعد إذ ms0790 ذكر في خطبته قيام الساعة واسقرار أهل الدارين فيهما قال : ثم ~~الله أعلم بما هو صانع بالدنيا بعد ذلك ، فهذا من سر السر الذي أودعه صاحب ~~الأمر ، وليس فوق الخلة مقام إلا درجة النبوة ، وهو محجوب عن القلوب كحجاب ~~هذا المقام من الخلة عن قلوب العموم ، فهذا لا فوت فيه لأنه درك منه ، ولا ~~حزن عليه لأنه لا نصيب عنه ، ولكن مقام الخلة لا يكون إلا مقام محبوب على ~~كل حال . وما سمعت من أحد من أهل العلم الباطن والمعرفة الثاقبة رسما من ~~علم الخلة ولا من وصف محبوبه شيئا في كتاب الله تعالى ، ولا إشاراته إلا ~~نكتا في الأخبار ولمعا من الآثار ، أعلم أنه كلام محبوب من مقام خلة ، ~~ولكنه مستودع في كتاب الله تعالى المكنون ، وغامض من خطابه المصون ، ومخبو ~~في سر آياته عن القلوب والعيون ، وكاشف به الساجدين ، وأظهر عليه أهل السر ~~من العارفين ، ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ، وقوله ~~تعالى : ( قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض ) الفرقان : 6 ، وقد ~~كان الحسن رحمه الله يروي في الخلة أخبار ، منها أن الله عز وجل أوحى إلى ~~بعض أوليائه : إنما أتخذ لخلتي من لا يفتر عن ذكري ولا يكون له غيري ~~PageV02P125 ولا يؤثر علي شيئا من خلقي ، وإن حرق بالنار لم يجد لحرق النار ~~وجعا ، وإن قطع بالمناشير لم يجد للمس الحديد ألما ، وقد روينا عن الخليل ~~الحبيب عليه السلام أنه قال : تحابوا في الله وتصافوا وتباذلوا وتخاللوا ~~فيها ، وليس من كرم الله تعالى أن اتخذ عبدا من عباده خليلا فنبه أن الخلة ~~من الله تعالى كانت لأوليائه عن فرط كرمه وفضل آلائه ، ألحقهم بكرامته ~~وأهلهم بفضله لها وعظمهم عن نصيب تعظيمه فيها ، والله الواسع الكريم ذو ~~الفضل العظيم ، إذا رفع عبدا جاوز به الحدود ، وإذا خفضه وضعه تحت المحدود ~~، وقد تكلم الجنيد رحمه الله تعالى في مقام من هذا وقد سئل عنه فقال : هو ~~غاية الحب وهو مقام عزيز يستغرق العقول وينسي ms0791 النفوس ، وهو من أعلى علم ~~المعرفة بالله تعالى ، وقال : في هذا المقام يعلم العبد أن الله عز وجل ~~يحبه ويقول العبد : بحقي عليك وبجاهي عندك ويقول : بحبك لي ، قال : وهؤلاء ~~هم المدلون على الله تبارك وتعالى ، والمستأنسون بالله تعالي ، وهم جلساء ~~الله تعالى ، قد رفع الحشمة بينه وبينهم وزالت الوحشة بينهم وبينه ، فهم ~~يتكلمون بأشياء هي عند العامة كفر بالله لما قد علموا أن الله تعالى يحبهم ~~، وأن لهم عند الله جاها ومنزلة ، ثم قال عن بعض العلماء : أما أهل الأنس ~~بالله تعالى فليس إلى معرفتهم سبل ، هذا من كلام الجنيد ونحو معناه حدثني ~~به الخاقاني المقري ، ولولا أنا روينا عنه ما ذكرناه لا ما كنا نشرح حال ~~هؤلاء إشفاقا على الألباب كما قال المجلى : وأن أشرح ثناءك غير أني . . . ~~أجلك عن كتاب في كتاب وقد كان شيخنا أبو بكر بن الجلاء رحمه الله كتب إلى ~~شيخنا أبي الحسن بن سالم رحمه الله تعالى ، يسأله عن مسائل من معاني ~~السرائر في كتاب ، فحدثني من رآه : رمى بالكتاب وقال : أين صاحب هذه ~~المسائل ؟ فقيل : هو غائب بمكة فقال : أنا لا أجيب عن هذا في كتاب ، قولوا ~~له : يحضر إن أراد ، وقد حدثني ابن الجلاء بهدا لأن مقام الخلة هو الذي ~~أخفيناه وعظمناه ، لا يعطاه العبد إلا في مقام مع مقام ، فالمقام الأول هو ~~المعرفة الخاصية بظهور تعرف كشفا عن وصف الباطن ، ثم يدخل عليه المحبة ~~المخصوصة وهو مقام محبوب ، ثم يرفع من هذا المقام إلى مقام الخلة وهو ~~الإشراف على سرائر غيوب من شرفات العرش وسرادقات القدس وغير ذلك ، والأصل ~~فيما ذكرناه أنه سبحانه يعطي مقامات المعرفة في مقام عارف ، ولا يعطي فيه ~~مقام محبوب ، وقد يعطي مقامات من المحبة في مقام محب ولا يعطي شهادته خلة ~~لغير خليل عارف ، فإذا جمع مقام معرفة تعرف إلى مقام محبة محبوب أعطي مقاما ~~من الخلة الذي وصفناه ، وهذا من أعز ما أظهر في الكون لمظهر مكنون ، وروينا ~~عن رسول الله صلى الله عليه ms0792 وسلم أنه خطب الناس قبل موته بثلاث فقال : إن ~~الله تعالى قد اتخذ صاحبكم خليلا PageV02P126 كما اتخذ إبراهيم خليلا ، ~~فرفع صلى الله عليه وسلم في مقام محبوب إلى درجة خليل كما نقل من مقام محب ~~إلى حال محبوب ، كما زيد بالمحبة في مقام محبوب الصفوة ، وقال أيضا في ~~المقام الأول : إن الله عز وجل اتخذ موسى صفيا واتخذني حبيبا ، فأول العطاء ~~هو الصفاء من الهوى ثم المحبة بعد الصفاء ، ثم الزيادة بوصف محبوب فوق ~~المحبة ، ثم ارتفع فعلا بعد القوة والاستواء إلى العلي الأعلى ، فدنا لما ~~علا فتدلى حتى دنا فكان قاب قوسين أو أدنى وكانت البلد من ورائه والوجه ~~مواجها لوجهه : وكان ما كان مما لست أذكره . . . فظن خيرا ولا تسأل عن ~~الخبر إذ من العلوم علم لا ينبغي أن يسأل عنه حتى يبدي العالم ذكره ، فهذا ~~منها فلا يبدي إلا بقدر معلوم بمقدار ما أبدى المبدئ ، ويعيد منه بقدر ما ~~أعاد المعيد ، وكان لديه خليلا كما كان عنده قريبا ، فصارت الخلة مقاما في ~~محبوب وهو نهاية المزيد ، كما كان مقام محبوب وزيادة على مقام محب كما رفعه ~~إلى المحبة بعد الصفوة من كدر الهوى ، وكذلك أنت أيها السامع الشاهد ، يجعل ~~لك بعد الصفاء نصيبا من نصيب وشهادة على شهادة ، ووجدا من وجد وفقدا للنفس ~~من فقد ، فلا يذهب كثير النبوة منه صغير العطية لك لأنه تعالى رفع الطائعين ~~له ولرسوله صلى الله عليه وسلم مقاما إلى مقام النبيين والصديقين ، ~~والصديقون باقون إلى نزول الروح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ، وهم ~~الأبدال عددهم في كل الدنيا ثلاثمائة ، وما شاء الله منهم الشهداء ~~والصالحون ، فهم ثلاث طبقات وكلهم مقربون سابقون ، إيمان صديق منهم كإيمان ~~جميع الشهداء ، وإيمان شهيد كإيمان كل الصالحين ، وإيمان كل صالح بمقدار ~~إيمان ألف مؤمن من عموم المسلمين ، وليس في الخلة شريك لغير الخليل على ~~خليله ، ولأنها حال مفردة لفرده موحدة لواحد ، ولو كان يصلح لها نظير ويوزر ~~بها وزير كان أحق الأمة بذلك الصديق ، فقد ms0793 أعطاه تعالى ثلاثا لم يعطها غيره ~~منها : إنا روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : إن الله عز وجل ~~أعطاك مثل إيمان ، كل من آمن بي من أمتي ، وأعطاني مثل إيمان كل من آمن بي ~~من ولد آدم ، والحديث الثاني أن لله تعالى ثلاثمائة خلق ، من لقيه بخلق ~~منها مع التوحيد دخل الجنة ، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : يا رسول ~~الله ، هل في منها خلق واحد ؟ PageV02P127 فقال : كلها فيك يا أبا بكر ، ~~وأحبها إلى الله عز وجل السخاء ، والحديث الثالث هو المستفيض ، رأيت ميزانا ~~دلي من السماء فوضعت في كفة فرجحت بهم ، ووضع أبو بكر في كفة ، وجيء بأمتي ~~فوضعت في كفة ، فرجح بهم وليس بين الصديق وبين الرسول إلا درجة النبوة ~~والقطب اليوم الذي هو إمام لأثافي الثلاثة ، والأوتاد السبعة ، والأبدال ~~الأربعين والسبعين إلى ثلاثمائة ، كلهم في ميزانه ، وإيمان جميعهم كإيمانه ~~، إنما هو بدل من أبي بكر رضي الله تعالى عنه والأثافي الثلاثة بعده ، إنما ~~هم أبدال الثلاثة الخلفاء بعده والسبعة هم أبدال السبعة إلى العشرة ، ثم ~~الأبدال الثلاثمائة وثلاثة عشر ، إنما هم أبدال البدريين من الأنصار ~~والمهاجرين أهل الرحمة والرضوان ، فمع هذا الفضل العظيم لأبي بكر الصديق ~~رضي الله تعالى عنه لم يصلح أن يشرك الحبيب الرسول المقرب الخليل في مقام ~~الخلة ، كما صلح أن يشرك في مقام الأخوة ، وهو المقام الذي شرك فيه عليا ~~كرم الله وجهه ، فقال علي مني بمنزلة هارون من موسى ، فهذا مقام أخوة ، ~~كذلك في التفرد بمقام الخلة : لو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر ~~خليلا ، ولكن صاحبكم خليل الله تبارك وتعالى يعني نفسه صلوات الله عليه ، ~~لأنه واحد لواحد ، مفرد لفرد ، فاعتبروا يا أولي الألباب بتدبر فهم الخطاب ~~، فمن أعطي من الصفاء نصيبا أعطي من الحب نصيبا ، وكان له من المعرفة بقوة ~~محبته ، ومن المعرفة بقدر معرفته ، فأما المعرفة الأصلية التي هي أصل ~~المقامات ومكان المشاهدات ، فهي عندهم واحدة ، لأن المعروف بها واحد ~~والمتعرف عنها واحد ms0794 ، إلا أن لها أعلى وأول ، فخصوص المؤمنين في أعلاها وهي ~~مقامات المقربين ، وعمومهم في أولها وهي مقامات الأبرار ، وهم أصحاب اليمين ~~، ولكل منهم وجهة من الصفات المخوفة عنها كانوا خائفين ، أو الأخلاق ~~المرجوة منها كانوا راجين ، أو الأفعال والأملاك عندها كانوا صابرين شاكرين ~~، أو معاني أوصاف ذات منها كانوا محبين متوكلين ، قال الله سبحانه وتعالى : ~~( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ) البقرة : 148 ، ويقال من أحب ~~شيئا حشر معه . PageV02P128 وفي الخبر : المرء مع من أحب وله ما احتسب ، ~~وفي الخبر : من مات على مرتبة من المراتب بعث عليها يوم القيامة ، فأماجمل ~~مقامات المحبين فمذكورة في الكتاب العزيز ، من الحبيب اثني عشر مقاما : ~~خميس في دليل الخطاب وتدبر الألباب ، وسبعة في صريح الكلام بظاهر الأفهام ، ~~فأما السبع المصرحة فقوله عز وجل : ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ~~) البقرة : 222 ، ( والله يحب الصابرين ) آل عمران : 146 ، ( والله يحب ~~الشاكرين ) آل عمران : 144 ، ( والله يحب المتقين ) آل عمران : 76 ، ( ~~والله يحب المحسنين ) آل عمران : 134 ، ( والله يحب المتوكلين ) آل عمران : ~~159 وأما الخمسة المتدبرة فهم الموحدون لقوله : لا يحب الكافرين والعادلون ~~، لقوله : لا يحب الظالمين والمستقيمون ، لقوله : لا يحب الفاسقين ~~والمتواضعون ، لقوله : لا يحب المستكبرين والموفون ، لقوله : لا يحب ~~الخائنين وهؤلاء طبقات المحبوبين تعريضا وتصريحا ، وشرح هذه الأوصاف هي ~~مقامات اليقين ، وفي كل مقام من هذه أحوال يكثر عددها ، كل حال منها طريق ~~إلى الله عز وجل ، في كل طريق طائفة من المحبين ، محبتهم على قدر معرفتهم ~~ومعرفتهم على زنة تعرف المعروف إليهم ، وعن نحو تعريف المعروف لهم ، وذلك ~~معنى من معارفهم ، فهم على زنة يقينهم ، ويقينهم على حسب صفاء إيمانهم ، ~~وإيمانهم على نحو عناية الله بهم وتفضله عليهم وإيثاره لهم ، ومن وراء ذلك ~~سر القدر المختزن المستأثر ، وليس فوق المحبة مقام مشهور ، ولا دون التوبة ~~حال مذكور ، فأول المقامات التوبة ، يخرج بها من الظلم والظلم حال من الشرك ~~، قال الله تعالى : ( إن الشرك لظلم عظيم ) لقمان : 13 ، وقال الله تعالى : ~~( الذين آمنوا ms0795 ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون في ~~الدنيا ) الأنعام : 82 ، وهذا فصل الخطاب لأضدادهم ، فأي الفريقين أحق ~~بالأمن ؟ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك هم أحق بالأمن غدا في ~~المقام الأمين وقال تعالى : ( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) الحجرات : ~~11 ، فآخر الظلم أول التوبة وآخر التوبة أول المحبة ، وآخر المحبة أول ~~المعرفة وهي معرفة متعرف ، وهي الخاصية مزيد المحبة الأولى وآخر نصيب العبد ~~من المعرفة وأول التوحيد ، وهو توحيد الشاهدين ولا آخر له ، وأوسط المقامات ~~الزهد وأول الزهد آخر الهوى ، وآخر الزهد أول العلم وآخر العلم أول الخوف ~~وآخر الخوف ، أول الحب وهذا حب محبوب ، والظالم لامقام له ولاجاه ، ومن لا ~~جاه له فلا شفاعة ومن لا شفاعة فلا شهادة ، ومن لاشهادة فلا يقين ، فلو ~~أعطي مثقالا من الإيمان لم يتجه لأنه صلى الله عليه وسلم قال في وصف ~~الداخلين : أخرجوا من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، ثم قال في ~~الخبر الآخر : السخاء من اليقين ، ولا يدخل في النار موقن ، وقال سبحانه ~~وتعالى في تقصيل ماوصلنا مما عنه شهدناه : ( لا ينال عهدي الظالمين ) ~~PageV02P129 البقرة : 124 ، ثم قال في البيان الثاني من الخطاب : ( ~~لايملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ) مريم : 87 ، وقال في ~~البيان الثالث : ( ولايملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق ~~وهم يعلمون ) الزخرف : 86 ، وقال في وجد اليقين بعد شهادة العين في الرواية ~~بعد المكاشفة : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من ~~الموقنين ) الانعام : 75 ، ثم قال بنبأ يقين : إني وجدت ، وكما أن اليقين ~~بعد المشاهدة كذلك الوجد بعد اليقين ، واليقين هو حقيقة الإيمان وكماله ، ~~كما جاء في الأثر : الصبر نصف الإيمان ، والشكر نصف الإيمان واليقين ~~الإيمان كله . وقد روينا في تفسير قوله تعالى : لا ينال عهدي الظالمين ، ~~قيل : الجاه وقيل : الشفاعة ويقال : الولاية ، وقيل : الإمامة ، لا يكون ~~الظالم إماما للمتقين لأن من تبعه أمة من المؤمنين فهو إمام للمتقين ، ~~والظالم متهدد بالنار متوعد بسوء ms0796 المنقلب ، مشفوع فيه فكيف يكون شفيعا ~~محجوب عنه ؟ فكيف يكون شهيدا ؟ ألم تسمع إلى قول الشاهد : ولا تحسبن الله ~~غافلا عما يعمل الظالمون وإلى قوله تعالى : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون ) الشعراء : 227 ، مع قوله تعالى : ( فتكون من أصحاب النار وذلك ~~جزاؤا الظالمين ) المائدة : 29 ، ثم أجمل ذلك بقوله : ومن لم يتب فأولئك هم ~~الظالمون ، فصغير التوبة لصغير الظلم عن صغائر المظالم ، وكبير التوبة ~~لكبير الظلم عن كبائر المظالم ، والظلم ظلمة اليوم في القلب ، وظلمة غدا في ~~القيامة ، فالتوبة تخرج العبد من الظلم ، وبخروجه من الظلم يدخل في منازل ~~العهد ، وبرعاية العهد يعمل في الإصلاح ، والله لا يضيع أجر المصلحين ، كما ~~لا يصلح عمل المفسدين ، فإذا كان مصلحا بالتوبة ما أفسد بالهوى استعمل ~~بالصالحات لأنه قد صلح ، فإذا عمل بالصالحات أدخل في الصالحين لأنه قد فضل ~~، قال الله تعالى : ( ويؤت كل ذي فضل فضله ) هود : 3 ، وقال في البيان ~~الأول : ( وعملوا الصلحات لندخلنهم في الصالحين ) العنكبوت : 9 ، فمن صلح ~~له تولاه ومن تولاه علمه وحباه وكاشفه من نفسه وعافاه وأحبه ، فكان هو حسبه ~~وكفاه وجعله تحت كنفه وآواه ، فيكون ظاهر حاله العصمة من الهوى ، وأعلاه ~~مشاهدة عين اليقين من المولى ، ومن اكتسب من المظالم ظلم ، ومن ظلم ولاه ~~مثله ومن ولاه مثله تولى عنه ، ومن تولى عنه أفسد ومن أفسد قطع ما أمر الله ~~به أن يوصل ، ومن قطع بعد فانقطع ومن انقطع فبعد لعن وطرد ومن طرد عمي وصم ~~تحت الهوى المعمي المصم ، ومن عمي لم يشهد البصير ومن صم لم يسمع من السميع ~~، فكيف يتدبر الخطاب وقلبه مقفل وهمه على هواه PageV02P130 مقبل ؟ والفتاح ~~العليم عنه معرض ؟ فهذا من توصيل القول بمطلع المقول من قوله تعالى : ( ~~نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ) الأنعام : 129 ومن قوله تعالى : ~~( إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ) محمد : 22 الآية ، فبينوا وللتائب حال من ~~أول المحبة ، وللتواب مقام من حقيقة الحب ، وللناس في التوبة مقامات حسب ~~كونهم في الهوى طبقات ، وهم ms0797 في الحب درجات نحو مشاهدتهم لمحاسن الصفات ، ~~فتجلى لكل وجه بمعنى ، حسن وجهه هذا في القلوب عن محاسن الإيمان ، وفي ~~الآخرة على معاني محاسن الوجوه في العيان ، فتحكم عليهم المشيئة منه لهم ~~بما يوجدهم به منه على معاني ما أوجدهم منه به اليوم ، فسبحان من هذه قدرته ~~عن إرادته وسع كل شيء رحمة وعلما ، ويلزم كل عبد من المجاهدة على قدر ما ~~ابتلى به من الهوى ، ويثبت له من المحبة بقدر ما صح له من التوبة ، ويسقط ~~عنه من المجاهدة بقوة ما يكشف له من المشاهدة ، فيحمل الإشهاد عنه آلام ~~الجهاد ، فيكون العبد في البلاء محمولا ، ويكون يقينه بالشهادة واليقين ~~موصولا ، وهذا من سوابغ العوافي وتمام من النعماء ، وهؤلاء الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء وهم الذين جاء الخبر فيهم . إن لله ~~عبادا ضنائن من خلقه ، يغذوهم برحمته ويجعلهم في ظل عافيته ، يضن بهم عن ~~القتل والبلاء ويحييهم في عافية ، ويدخلهم الجنة في عافية أولئك الذين تمر ~~عليهم الفتن كقطع الليل المظلم وهم منها في عافية ، فالأفضل بعد هذا لكل ~~عبد معرفته بعلم حاله ، ووقوفه على حده ولزوم الصدق في مقامه ، وترك التكلف ~~و الدعوي في جميع سكونه وحركته ، فإنه هذا أبلغ فيما يريد ، وأوصل في طلب ~~ما يرجو ، فإن علم العلماء لا يغني عنه من علمه بنفسه شيئا لا يسأل عن ~~علومهم كما لا يسألون عن علمه ، وهذا طريق رأس ماله الصدق ، وزاده الصبر ~~وقوته التقوى ، فمن عدم الصدق لم يربح ، ومن لم يتزود الصبر انقطع ، ومن لم ~~يقتت التقوى هلك ، فذرة من صدق أنفع من مثقال عمل ، وذرة من صبر خير من ~~مثقال من عمل ، وذرة من تقوى أنفع من مثقال إيمان ، فإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا ، ويعطي الله تعالى العبد بأداء الفرائض واجتناب المحارم مقاما ~~من مقامات اليقين ، يرفع به إلى عليين ، وربما أعطاه بهما مثل ثواب الأبدال ~~بعد أن يريد بالفعل والترك وجه الله تعالى وحده ، وإن لم يسلك به طريق ~~الأبدال ms0798 قط ولم يعرف منهم أحدا أبدا ، ومن نقله مولاه باليقين الذي به ~~تولاه لم يخف عليه التنقيل ، لأن النقل يضطره إلى التنقل في الأحوال ، ~~والمشاهدة تحكم علىه بالأفعال ، وربما بلغ الله تعالى العبد بحسن الظن به ، ~~وقوة الأمل والطمع فيه جميع ما ذكرناه ، بعد أن يكون حسن اليقين ، وقد ~~يعطيه مقام الصديقين بخلق من أخلاقه إذا خلقه به ، وربما بلغه منازل ~~الشهداء بشيء واحد يتركه PageV02P131 له ، أو شيء يؤثره به لأنه غفور شكور ~~، وأضر شيء على العبد قلة معرفته به ، فلربما كان العبد على تسع كبائر ~~فيترك العاشرة لوجه الله تعالى ، فتكون تلك الخصلة ذرة إلى جنب تسعة أجبل ، ~~فينظر الله تعالى إليه بوجهه لوجهه الذي تركه له نظرة ، فتمحو تلك النظرة ~~الجبال التسعة فتصبر هباء منثورا ، وربما حسن الله تعالى وصفا واحدا من ~~العبد يصفه به فيحبط عنه مائة وصف قبيح يصفه الناس به ، فتدبروا ، فلا ييأس ~~عبد من فضل مولاه ولا يقطعن من حبله رجاه بعد إذ عرفه ، فإن السيد كريم ~~رحيم ، ولا ينقطعن عبد عن بابه وأن يقطع بخلافه ولا يبعدن عن فنائه وإن بعد ~~بأوصافه ، ولا يستوحش من التقرب إليه بما يحب بعد ما توحش ، تفحش لديه بما ~~يكره ، فهكذا يحب الله تعالى من عباده فتبينوا ، ونحو هذا يحب الله تعالى ~~منهم أن يعرفوا فيفعلوا بعد المعرفة ، فإن المعروف مفرط الكرم واسع الرحمة ~~فاضل الفضل ، فإن أعطي المعرفة لم يمنع شيئا ولا يضر ما منع وإن منع ~~المعرفة لم يعط شيئا ولم ينفع منه ما أعطي ، وقد تلتبس المحاب فتدخل محبة ~~النعم في محبة المنعم ، وتدخل محبة النفس على محبة خالق ، ويشتبه ذلك عند ~~عموم المحبين ممن لم يكشف له عين اليقين ، فيكون العبد محبا للنعم ، وهو ~~يظن بوهمه أنه محب للمنعم ، ويكون محبا لنفسه ويحسب أنه محب لمولاه ، ~~وعلامة ذلك سكونه إلى الأشياء وفرحه بالموجودات ، ووجود راحته ولذته في ~~هواه ، فربما اختار الله تعالى أن يكشف له حاله قبل موته ، وربما ستر عليه ~~حاله ولم ms0799 يفضحه حتى يلقاه ، فيثيبه ثواب مثله وجزاءه ، وليس يظهر فرقان هذا ~~إلا في قلب موقن مراد بنورثاقب ، وعلم نافذ ويقين صاف من عين التوحيد وشاهد ~~القيومية لأنه من باب مشاهدة الصفات الغيبية ومشاهدة الأفعال الملكوتية ، ~~وهو الفرقان الذي وعده الله تعالى المتقين من المؤمنين فقال : ( يا أيها ~~الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ) الأنفال : 29 ، قيل : نورا ~~أتفرقون به بين الشبهات وهو المخرج الذي ضمنه الله تعالى لأهل التقوى ، ~~والمنهج في قوله تعالى : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) الطلاق : 2 ، قيل ~~: من كل أمر ضاق على الناس به فتفصيل معاني التوحيد من شواهد الناظرين أضيق ~~الضيق ، وشهادة الجمع في التفرقة والبقاء في الفناء أخفى ، وشرح غريب عن ~~الأسماع ينكر أكثره أكثر من سمعه ، غير أن من له نصيب منه يشهد ما رمزناه ، ~~فيكشف له به ما غطيناه ، إلا أنه استولى على القلب أحد وجهين ، فالخصوص ~~أحبوه من طريق مشاهدة الصفات ، فحب هؤلاء بقلب ووجد لا يتغير أبدا ، وهم ~~مثبتون فيه إلى لقاء الحبيب ، وهؤلاء عبدوه على التعظيم والمحبة والإجلال ~~والكبرياء ، وفي هؤلاء المقربون والمحبوبون والخائفون والعاملون والمتوكلون ~~والراضون ، وهو المقام الأعلى وهم الأعلون عنده في المنتهى ، والعموم أحبوه ~~من طريق مواجيد الأفعال ، وهي النعم والإحسان والأيادي والأفضال ، وعما ~~أظهر من العوافي PageV02P132 ومما أخبر عنه بما أسروهم الذين خدموه شهوة ~~وعادة وحاجة ، أحبوه لمنافعة ومرافقه ولأجل ما في يده من ملكه ، وحب هؤلاء ~~يتغير لانقلاب الأحكام ، وهؤلاء لم يتحققوا بالإخلاص ولا الزهد ، وقد بقي ~~عليهم من نفوسهم هوى ، حجبهم ذلك عن مخالصته وبعدهم عن مضافاته ، وهذه هي ~~أوصافهم عائدة لهم وعليهم ، فحب هؤلاء حول قلب لأن الأفعال التي أحبوه ~~لأجلها تحول فيحولون ، وتختلف عليهم بالمكاره والمرائر فيختلفون ، وفي ~~هؤلاء المريدون والعاملون والراجون والطامعون والتائبون وأصحاب اليمين من ~~هؤلاء . ائفون والعاملون والمتوكلون والراضون ، وهو المقام الأعلى وهم ~~الأعلون عنده في المنتهى ، والعموم أحبوه من طريق مواجيد الأفعال ، وهي ~~النعم والإحسان والأيادي والأفضال ، وعما أظهر من العوافي ومما أخبر عنه ms0800 ~~بما أسروهم الذين خدموه شهوة وعادة وحاجة ، أحبوه لمنافعة ومرافقه ولأجل ما ~~في يده من ملكه ، وحب هؤلاء يتغير لانقلاب الأحكام ، وهؤلاء لم يتحققوا ~~بالإخلاص ولا الزهد ، وقد بقي عليهم من نفوسهم هوى ، حجبهم ذلك عن مخالصته ~~وبعدهم عن مضافاته ، وهذه هي أوصافهم عائدة لهم وعليهم ، فحب هؤلاء حول قلب ~~لأن الأفعال التي أحبوه لأجلها تحول فيحولون ، وتختلف عليهم بالمكاره ~~والمرائر فيختلفون ، وفي هؤلاء المريدون والعاملون والراجون والطامعون ~~والتائبون وأصحاب اليمين من هؤلاء . وقد قال بعض العارفين : كل محبة كانت ~~عن عوض إذا زال العوض زالت المحبة فمنهم من عرف حاله في مقامه ، فاعترف ~~بنقصان محبته وتقصير شهادته واستغفر منها وأناب ، ومنهم من ليس عليه ذلك ~~لنقصان مزيده وضعف يقينه ، فكانت محبته عن صفات متصلة بذات ، ويخاف على مثل ~~هذا الانقلاب عندكشف الغطاء ، لأنه في اغترار وفتنة والتباس ومحنة ، وفي ~~طريق مكر وهلكة إلا أن تداركه رحمة من ربه ، فيوقف في حده في مقامه ويرده ~~إلى حاله من مكانه ، فيتوب من محبته ويستغفر من شهادته ، فحينئذ يرحمه الله ~~تعالى فيدخله في أهل العفو ، ويستر عليه في الآخرة كما ستر عليه في الدنيا ~~، فلقيه تحت الستر في الدارين ، وهذه بعض مخاوف الصادقين من المحبين لأنها ~~محبة إظهار لا ظهور ، فصاحبها في تقلب وغرور ، إلا أن أهل محبة الأفعال ~~ينقسمون قسمين : منهم من أحبه لأجل أفعاله إلا أن يشهدها منه فيراه فيها ، ~~فهو يتبصر له ويتعمل في المجاهدة ويجتهد في تنقية محلبه لبقاء حاله ، فهذا ~~أعلاهما وهذه محبة عموم أهل الآخرة الذين لا يشهدون سواها ، ولايطلبون إلا ~~إياها ، ومنهم من تتغير عليه الأفعال وتخرجه من الاعتياد ، ويتابع عليه ~~البلاء وينقصه من العوافي في المال والنفس ، فيخرج صفته ويظهر من تسخطه ~~وتبرمه به ، فهذا قد افتضح بدعوى المحبة وقد كشفه بعد ستره ، فلم يزن في ~~المحبين حبة ، وهذه محبة أهل الدنيا الذين هم لها يكدحون وإياها يطلبون وقد ~~سئل الجنيد رحمه الله تعالى عن المحبة فقال : الناس في محبة الله خاص وعام ~~: فالعوام ms0801 نالوا ذلك بمعرفتهم في دوام إحسانه وكثرة نعمه ، فلم يتمالكوا أن ~~أرضوه إلا أنهم تقل محبتهم وتكثر على قدر النعم والإحسان ، فأما الخاصة ~~فنالوا المحبة بعظيم القدر والقدرة والعلم والحكمة والتفرد بالملك ، فلما ~~عرفوا صفاته الكاملة وأسماءه الحسنى ، لم يمتنعوا أن أحبوه إذا استحق عندهم ~~المحبة بذلك لأنه أهل لها ، ولو زال عنه جميع النعم ، ومن الناس من يكون ~~محبا لهواه أو لعدو الله إبليس ، وهو يدعي لعظيم جهله وطول غرته المحبة لله ~~تعالى . قال بعض علمائنا : عوتب أبو محمد في قوله : لكل أحد يادوست قال : ~~وقلت له : PageV02P133 قد لا يكون حبيبا كما تقول فقال في أذني سرا لا يخلو ~~: إما أن يكون مؤمنا أو منافقا ، فإن كان مؤمنا فهو حبيب الله عز وجل ، وإن ~~كان منافقا فهو حبيب إبليس ، ومن محبة الهوى إيثار عاجل حظ النفس على آجل ~~ما وعدت به ويقدم محبتها على محبة الله عز وجل ، وهي مطبوعة على محبة الهوى ~~، وكراهة الحق أمارة بالسوء فيما تسر كذابة فيما تظهر من الخير ، قال الله ~~سبحانه تعالى : ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شىئا وهو ~~شر لكم ) البقرة : 216 ، فقرن محبتها بالشر وقرن كراهتها بالخير ، والعرب ~~تسمي النفس كذبة أي التي يكثر منها الكذب ، يصفونها بالمبالغة فيه على معنى ~~قوله : ويل لكل همرة لمزة ، أي الذي يكثر همز الناس ولمزهم ، وكذلك وصفها ~~الله تعالى بالمبالغة بالأمر بالسوء فقال : أمارة بالسوء أي فعالة ، التي ~~يكثر منها الأمر يتكرر مرة بعد مرة ، من وصفها الفعل ومن محبة العدو طاعته ~~وموافقته لأن فيها كراهة الله تعالى ومخالفته وهو مجبول على ضد ما يحب الله ~~تعالى ، والله تعالى يحب ضد ما جعله عليه وذلك ابتلاء من الله تعالى له ، ~~وابتلاء منه به لنا ، واعلم أن قليل ما أعطاك الله عز وجل من الإيمان به ~~وصحة التوحيد له ، ويسير ما قسم الله تعالى لك من الإخلاص والصدق وحسن ~~المعاملة ، خير لك وأنفع من كثير ما أظهر لك وعرفك ، وإنما ms0802 لك مما رأيته ما ~~طلبته ونلته بيدك ، وما ملكته وسلطت عليه من منازلتك ، فأما ما لم تطلبه ~~ولم تنله فهو لغيرك ، لأنك قد قد ترى السماء ولا تنالها ، فهي أرض لمن سخرت ~~له ، وترى ما جعل لغيرك فلا ينفعك ولا يغني عنك ، وهو نافع مغن لمن سلط ~~عليه فلكه ، ومن الناس من يتوهم أن الإظهار هبة له ، وأن ما رآه وعرفه ملكه ~~وحازه وتحقق به ، واعلم أن ألف خاطر لا يجيء منها حال ، وألف حال يكون منها ~~مقام ، والمقام إنما هو ما ثبت ودام فمثل الخواطر في ممرها كالسحاب في ~~سيرها ، وقيل في المثل : سحابة صيف عن قليل تقشع ، ومثل الأحوال في ~~حيلولتها كمثل الأزمنة في أحوالها ، في كل سنة أربعة مشتا ومصيف ومربع ~~وخريف ، وإنما الهبة من الله تعالى ما وقر في القلوب من المشاهدات ، وما ~~حققته الأعمال من المنازلات ، فيورث ذلك علما خاصيا أو خلقا مرضا أو حالا ~~سنيا أو وصفا زكيا من أخلاق الصالحين ، وسيما المتقين وعلوم العارفين ~~وملاحظات المقربين ، ولا يصلح الكلام بهذا العلم إلا لمن له مشاهدته منه ، ~~إن كان من علوم القدرة والتوحيد أو منازلة لمن كان له من مواريث الأعمال ، ~~وعن تنقيل الأحوال وعن زهد في الدنيا ، وسعي في طلب الأخرى ، إن كان من علم ~~الوعظ والندب إلى الفضل ، فذل كله بعد التوبة ومع حالك الاستقامة ، وعن ~~كمال علم السنة والجماعة ، بعد معرفة بعلم الأصول والسنن من آثار الرسول ، ~~وإلا كان متكلفا ، وفي الدعوى داخلا إلا أن يحكي شيئا سمعه فيكون به لقائله ~~محاكيا ، ويضف حاله إلى PageV02P134 صاحبه فيكون عنه راويا ، فأما التحلي ~~وهو اللبس الظاهر والتصنع المفتعل بالإشارة الفارعة ، فهو من حلية الدنيا ~~وزينة الهوى ، وكذلك التمني ، وهو ما يظنه العقل أو توهمته النفس وقدره ~~الوهم ، أو من وسوسة العدو الخناس لعنه الله تعالي ، فليس هذا كله من ~~الإيمان ولا من علم اليقين في شيء ، بل هو من همزات الشياطين وخطراتهم وقرب ~~محضرهم ، لأن هذا داء القلوب من أدواء الذنوب ، وقد قال ms0803 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : من تطبب ولم يعلم الطب فقتل ، هو ضامن ، فالمتكلم للناس بقتلهم ~~يكون قاتلا ، والإظهار الذي يقع به الإغترار أكثر من أن يحصى ، والظهور ~~الذي يحق به الحقيقة أعز من أن يرى ، والله تعالى يظهر من خزائن ملكه ما ~~شاء على الألسنه والجوارح فهي من خزائن الأرض ، فيها من التدبير والحكمة ~~كما في ملك الأرض ، وعلوم هذه الخزائن هي العلوم الظاهرة وهي حجج الله ~~تعالى في أرضه على عباده ، ويظهر من خزائن ملكوته مايحب ، وهي القلوب ~~والبصائر والكنوز والذخائر ، فهذه كخزائن الملكوت وهي من خزائن السماء ~~وفيها من القدر والآيات كما في السموات وعلوم هذه الخزائن من علم اليقين ، ~~وهو العلم الباطن النافع يخص به من يحب ، وهم أولياؤه المقربون إن الحكم ~~إلا لله ، ولا يشرك في حكمه أحدا يختص برحمته من يشاء ، ولا حول ولاقوة إلا ~~بالله العلي العظيم ، وهذا آخر شرح مقام المحبة وهو آخر شرح مقامات اليقين ~~التسعة . PageV02P135 # | الفصل الثالث والثلاثون ذكر دعائم الإسلام الخمس التي بني عليها # أول ذكر فرض شهادة التوحيد للمؤمنين ووصف فضائلها وهي شهادة المقربين ~~وشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وفضلها للموقنين ، قال الله تعالى وصدقت ~~أنبياؤه لرسوله صلى الله عليه وسلم ( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر ~~لذنبك ) محمد : 19 ، وقال لعباده يأمرهم بمثل ذلك : ( فاعلموا أنما أنزل ~~بعلم الله وأن لا إله إلا هو ) هود : 14 ، ففرض التوحيد هو اعتقاد القلب أن ~~الله تعالى واحد لا من عدد ، وأول لا ثاني له ، موجود لا شك فيه وحاضر لا ~~يغيب ، وعالم لا يجهل قادر لا يعجز ، حي لا يموت قيوم لا يغفل ، حليم لا ~~يسفه سميع بصير ، ملك لا يزول ملكه قديم بغير وقت ، آخر بغير حد كائن لم ~~يزل ولا تزال الكينونة صفته لم يحدثها لنفسه ، دائم أبد الأبد لا نهاية ~~لدوامه ، والديمومة وصفه غير محدثها لنفسه ، لا بداية لكونه ولا أولية ~~لقدمه ولا غاية لأبديته ، آخر في أوليته أول في آخريته ، وإن أسماءه ms0804 وصفاته ~~وأنواره غير مخلوقة له ولا منفصلة عنه ، وإنه إمام كل شيء ، ووراء كل شيء ، ~~وفوق كل شيء ومع كل شيء ، وأقرب إلى كل شيء من نفس الشيء ، وإنه مع ذلك غير ~~محل للأشياء ، وإن الأشياء ليست محلا له ، وإنه على العرش استوى كيف شاء ~~بلا تكييف ولا تشبيه ، وإنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وبكل شيء محيط ، ~~الجو وجه والفضاء من ورائه ، والهواء وجه والمكان من ورائه ، والحول وجه ~~والبعد من ورائه ، وهذه كلها حجب مخلوقات من وراء الأرضين والسموات متصلات ~~بالأجرام اللطاف ومنفصلات عن الأجسام الكثاف ، وهي أماكن لما شاء داخلة في ~~قوله ومن كل شيء خلقنا زوجين داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم : ربنا لك ~~الحمد ملء السموات وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد ، والله جل وعظم ~~شأنه هو ذات منفرد بنفسه ، متوحد بأوصافه لا يمتزج ولا يزدوج إلى شيء ، ~~بائن من جميع خلقه لا يحل الأجسام ولا تحله الأعراض ، ليس في ذاته سواه ولا ~~في سواه من ذاته شيء ، ليس في الخق إلا الخلق ولا في الذات إلا الخالق ، ~~فتبارك الله أحسن الخالقين ، وإنه تعالى ذو أسماء وصفات وقدرة وعظمة وكلام ~~ومشيئة وأنوار ، كلها غير مخلوقة ولا محدثة ، بل لم PageV02P136 يزل قائما ~~موجودا بجميع أسمائه وصفاته وكلامه وأنواره وإرادته ، وإنه ذو الملك ~~والملكوت والعزة والجبروت ، له الخلق والأمر والسلطان والقهر ، يحكم بأمره ~~في خلقه وملكه ما شاء كيف شاء ، لا معقب لحكمه ولا مشيئة لعبد دون مشيئته ، ~~إن شاء شيئا كان ولا يكون إلا ما شاء ، لا حول لعبد عن معصيته إلا برحمته ، ~~ولا قوة لعبد على طاعته إلا بمحبته ، وهو واحد في جميع ذلك ، لا شريك له ~~ولا معين في شيء من ذلك ، ولا يلزمه إثبات الوعيد بل المشيئة إليه في العفو ~~، ولا يجب عليه في الأحكام ما أجرى علينا ، ولا يختبر بالأفعال ولا يشار ~~بالمقال ، حكيم عادل بحكمة وعدل ، هما صفتاه لا يشبه حكمته بحكمة خلقه ، ~~ولا يقاس عدله ms0805 بعدل عباده ، ولا يلزمه من الأحكام ما ألزمهم ، ولا يعود ~~عليه من الأسماء المذمومة كما يعود عليهم ، قد جاوز العقول وفات الأفهام ~~والأوهام والعقول ، هو كما وصف نفسه وفوق ما وصفه خلقه ، نصفه بما ثبتت به ~~الرواية وصحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه ليس كمثله شيء في كل ~~شيء بإثبات الأسماء والصفات ، ونفي التمثيل والأدوات ، وأنه سبحانه وتعالى ~~لم يزل موجودا بصفاته ، كلها لم تزل له ، وإن صفاته قائمة به لم تزل كذلك ، ~~ولا يزال بلا نهاية ولا غاية ولا تكييف ولا تشبيه ولا تثنية ، بل بتوحيد هو ~~متوحد به وتفريد هو منفرد به ، لا يجري عليه القياس ولا يمثل بالناس ، ولا ~~ينعت بجنس ولا يلمس بحس ولا بجنس من شيء ، ولا يزدوج إلى شيء ، وإن ما سوى ~~أسمائه وصفاته وأنواره وكلامه من الملك والملكوت محدث كله ومظهر ، كان بعد ~~إن لم يكن ولم يكن قديما ولا أول بل كان بأوقات محدثة وأزمان مؤقتة ، والله ~~تعالى هو الأزلي الذي لم يزل ، الأبدي الذي لم يحل ، القيوم بقيومية هي ~~صفته ، الديموم بديمومية هي نعته ، أول بلا أول ولا عن أول ، آخر لا إلى ~~آخر بكينونة هي حقيقته ، أحد صمد لم يلد وبمعناه لم يولد ، ومعنى ذلك لم ~~يتولد هو من شيء ولم يتولد منه شيء ، ومثل ذلك لم يخلق من ذاته شيء ، كما ~~لم تخلق ذاته من شيء ، سبحانه وتعالى عما يقول الملحدون من ذلك علوا كبيرا ~~. # | ذكر فرض شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم # قال الله تعالى الكبير المتعال : ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ~~آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ) ~~آلعمران : 81 ، وقال عز وجل : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) النساء : 80 ~~وقال : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) الفتح : 10 ففرض شهادة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أن تشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، خاتم الأنبياء لا نبي بعده ، وكتابه خاتم الكتب لا كتاب ms0806 بعده ، وهو مهيمن ~~على كل كتاب ، ومصدق لما سلف من الكتب قبله ، وأن شريعته ناسخة للشرائع ، ~~قاضية عليها إلا ما أقره كتابه ووافقه ، وكتابه شاهد على الكتب وحاكم عليها ~~، وأنه هو الذي بشر به عيسى PageV02P137 عليه السلام أمته ، وهو الذي أخبر ~~به موسى عليه السلام أمته ، وهو المذكور في التوراة والإنجيل وسائر كتب ~~الله عز وجل المنزلة ، وهو الذي أخذ الله ميثاق النبيين أن يؤمنوا به ~~وينصروه لو أدركوه ، فأقروا بذلك وشهد الله تعالى على شهادتهم ، وهو الذي ~~أخذت الأنبياء شهادة الأمم على الإيمان به وأمرتهم بتصديقه وأخبرتهم بظهوره ~~، وأن موسى وعيسى عليهما السلام لو أدركاه لزمهما الدخول في شريعته ، وأن ~~بقية بني إسرائيل من اليهود والنصارى كفرة بالله لحجودهم رسالته ، وأن ~~إيمانهم بكتابه مفترض عليهم مأمور به في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم ، وأن ~~طاعته ومحبته فريضة واجبة على الكافة كطاعة الله تعالى ، واتباع أمره ~~واجتناب نهيه مفترضة على الأمة إيجابا أوجبه الله تعالى له ، وفرضا افترضه ~~على خلقه متصل بفرائضه . # | ذكر فضائل شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم # قال الله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر ~~لكم ذنوبكم ) آل عمران : 31 ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : لايؤمن عبد ~~حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين ، وقال صلى الله عليه وسلم ~~: لو أدركني موسى وعيسى ما وسعهما إلا اتباعي ، وروينا في لفظ آخر : ثم لم ~~يؤمنا بي لأكبهما الله في النار ، وحدثونا في الإسرائيليات أن رجلا عصى ~~الله تعالى مائتي سنة ، في كلها يتمرد ويجترئ على الله ، فلما مات أخذ بنو ~~إسرائيل برجله وألقوه على مزبلة ، فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام ~~أن غسله كفنه وصل عليه في جميع بني إسرائيل ، ففعل ما أمر به فعجب بنو ~~إسرائيل من ذلك ، وأخبروه أنه لم يكن في بني إسرائيل أعتى على الله ولا ~~أكثر معاص منه ، فقال : قد علمت ، ولكن الله تعالى أمرني بذلك ، قالوا : ~~فاسأل لنا ربك ، فسأل موسى عليه السلام ربه فقال ms0807 : يا رب ، قد علمت ، ما ~~قالوا ، فأوحى الله تعالى إليه أن صدقوا أنه عصاني مائتي سنة إلا أنه يوما ~~من الأيام فتح التوراة فنظر إلى اسم حبيبي محمد مكتوبا ، فقبله ووضعه على ~~عينه ، فشكرت له ذلك ، فغفرت له ذنوب مائتي سنة ، وحدثنا في معناه عن ~~العباس بن عبد المطلب قال : كنت مؤاخيا لأبي لهب ، مصافيا له ، فلما مات ~~وأخبر الله تعالى عنه بما أخبر ، حزنت عليه وأهمني أمره ، فسألت الله تعالى ~~عليه حولا أن يريني إياه في المنام ، قال : فرأيته يلتهب نارا فسألته عن ~~حاله فقال : صرت إلى النار في العذاب ، لا يخفف عني ولا يروح إلا ليلة ~~الإثنين في كل الليالي والأيام فإنه يرفع عني العذاب ، قلت وكيف ذلك ؟ قال ~~: ولد في تلك الليلة محمد صلى الله عليه وسلم ، فجاءتني أميمة فبشرتني ~~بولادة آمنة إياه ، ففرحت بمولده ، PageV02P138 فأعتقت وليدة لي فرحا مني ~~به ، فأثابني الله تعالى بذلك أن رفع عني العذاب في كل ليلة إثنين لذلك ، ~~وقال الله تعالى في تحقيق المحبة : ( يحبون من هاجر إليهم ) الحشر : 9 ، ثم ~~قال تعالى : ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) الحشر : 9 ، فمن ~~محبة الرسول صلى الله عليه وسلم إيثار سننه على الرأي والمعقول ، ونصرته ~~بالمال والنفس والقول ، وعلامة محبته اتباعه ظاهرا وباطنا ، فمن اتباع ~~ظاهره : أداء الفرائض واجتناب المحارم والتخلق بأخلاقه والتأدب بشمائله ~~وآدابه ، والاقتفاء لآثاره والتجسس عن أخباره ، والزهد في الدنيا والإعراض ~~عن أبنائها ومجانبة أهل الغفلة والهوى ، والترك للتكاثر والتفاخر من الدنيا ~~والإقبال على أعمال الآخرة ، والتقرب من أهلها والحب للفقراء ، والتحبب ~~إليهم ، وتقريبهم وكثرة مجالستهم ، واعتقاد تفضيلهم على أبناء الدنيا ، ثم ~~الحب في الله للبعيد المبغض ، وهم العلماء والعباد والزهاد ، والبغض في ~~الله للقريب المحب ، وهم الظلمة المبتدعة والفسقة المعلنة ، ومن اتباع حاله ~~في الباطن مقامات اليقين ، ومشاهدات علوم الإيمان ، مثل الخوف والرضا ~~والشكر والحياء ، والتسليم والتوكل والشوق والمحبة ، وإفراغ القلب لله ~~وإفرادا لهم بالله ، ووجود الطمأنينة بذكر الله ، فهذه معاملات الخصوص وبعض ~~معاني باطن الرسول ، وهو ms0808 من أتباعه ظاهرا وباطنا ، فمن تحقق بذلك فله من ~~الآية نصيب موفور أعني قوله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ) آل عمران : 31 وقد كان سهل يقول : علامة المحبة ، إتباع ~~الرسول ، وعلامة إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم الزهد في الدنيا ، وقال ~~أيضا في تفسير قوله : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم ) النساء : 69 ، قال : يطع الله في فرائضه ، والرسول في الدخول في ~~سننه ، فإذا اجتنب العبد البدع ، وتخلق بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فقد اتبعه وقد أحب الله تعالى ، وكان معه صلى الله عليه وسلم غدا موافقا في ~~منزلته . # | ذكر فضائل شهادة التوحيد ووصف توحيد الموقنين # قال الله تعالى : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو و الملائكة وأولو العلم ~~قائما بالقسط ) آل عمران : 18 ، وقال سبحانه وتعالى : ( والذين هم ~~بشهاداتهم قائمون ) المعارج : 33 ، فشهادة الموقن بيقينه أن الله تعالى هو ~~الأول في كل شيء ، وأقرب من كل شيء ، وهو المعطي المانع الهادي المضل ، لا ~~معطي ولا مانع ولا ضار ولا نافع إلا الله ، كما لا إله إلا الله ، وقرب ~~الله منه ونظره إليه وقدرته عليه وحيطته به ، فيسبق نظره وهمه إلى الله عز ~~وجل قبل كل شيء ، ويذكره في كل شيء ويخلو قلبه من كل شيء ، ويرجع إليه في ~~كل شيء ، ويتأله إليه دون كل شيء ، ويعلم أن الله عز وجل أقرب إلى القلب من ~~وريده ، وأقرب إلى الروح من حياته ، وأقرب إلى البصر من نظره ، وأقرب إلى ~~اللسان من ريقه ، بقرب هو وصفه لا PageV02P139 بتقريب ولا بتقرب ، وأنه ~~تعالى على العرش في ذلك كله ، وأنه رفيع الدرجات من الثرى وهو رفيع الدرجات ~~من العرش ، وأن قربه من الثرى ومن كل شيء ، كقربه من العرش ، وأن العرش غير ~~ملامس له بحس ولا مفكر فيه بوجس ، ولا ناظر إليه بعين ولا محيط به بدرك ، ~~لأنه تعالى محتجب بقدرته عن جميع بريته ، ولا نصيب للعرض منه إلا كنصيب ~~موقن عالم به ، واجد ms0809 بما أوجده منه من أن الله تعالى عليه ، وأن العرش ~~مطمئن به ، وأن الله تعالى محيط بعرشه فوق كل شيء وفوق ، تحت كل شيء ، فهو ~~فوق الفوق وفوق التحت ، ولا يوصف بتحت فيكون له فوق ، لأنه هو العلي الأعلى ~~أين كان لا يخلو من علمه وقدرته مكان ، ولا يحد بمكان ولا يفقد من مكان ولا ~~يوجد بمكان ، فالتحت للأسفل والفوق للأعلى ، وهو سبحانه فوق كل فوق وفوق كل ~~تحت في السمو ، وهو فوق ملائكة الثرى ، وهو فوق ملائكة العرش والأماكن ~~للممكنات ومكانه ، مشيئته ووجوده قدرته والعرش والثرى وما بينهما وحد للخلق ~~الأسفل والأعلى ، بمنزلة خردلة في قبضته ، وهو أعلى من ذلك ، ومحيط بجميع ~~ذلك بحيطة هي صفته وسعة هي قدرته ، وعلو هو عظمته بما لا يدركه العقل ولا ~~يكيفه الوهم ، ولا نهاية لعلوه ولا فوق لسموه ولا بعد في دنوه ، ولا حس في ~~وجوده ولا مس في شهوده ، ولا إدراك لحضوره ولا حيطة لحيطته ، وقد قال الله ~~تعالى للكل : ( يخافون ربهم من فوقهم ) النحل : 50 وقال سبحانه : ( سبح اسم ~~ربك الأعلى ) الأعلى : 1 ، وقال عز وجل : ( ألا إنه بكل شيء محيط ) فصلت : ~~54 ، وإن الله تعالى لا يحجبه شيء عن شيء ، ولا يبعد عليه شيء ، قريب من كل ~~شيء بوصفه ، وهو القدرة والدرك ، والأشياء مبعدة بأوصافها ، وهو البعد ~~والحجب ، فالبعد والأبعاد حكم مشيئته ، والحدود والأقطار حجب بريته ، ~~والمسافة والتلقاء مكانة لسواه ، والنواحي والجهات موضع للمحدثات ، والنهار ~~والليل مسكن للمصرفات ، والبعد والفضاء مكان للمخلوقين والتوسعة والهواء ~~محل للعالمين ، والأحكام والأقدار واقعة على خلقه . وهو سبحانه وتعالى قد ~~جاوز المقدار والأحكام ، وفات العقول والأوهام وسبق الأقدار ، واحتجب بعزه ~~عن الأفكار ، لا يصوره الفكر ولا يملكه الوهم ، حجب عن العقول تشج ذاته ولم ~~تحكم العقول بدرك صفاته ، إذ يس كمثله شيء فيعرف بالتمثيل ، ولا له جنس ~~فيقاس على التجنيس ، وهو الله في السموات وفي الأرض ، ثم استوى على العرش ، ~~وهو معكم أينما كنتم ، غير متصل بالخلق ولا مفارق ، وغير مماس لكون ولا ~~متباعد ms0810 ، بل متفرد بنفسه متحد بوصفه لا يزدوج إلى شيء ولا يقترن به شيء ، ~~هو أقرب من كل شيء بقرب هو وصفه ، هو محيط بكل شيء بحيطة هي نعته ، وهو مع ~~كل شيء وفوق كل شيء ، وهو أمام كل شيء ووراء PageV02P140 كل شيء ، بعلو ~~ودنو هو قربه ، فهو وراء الحول الذي هو وراء حملة العرش ، وهو أقرب من حبل ~~الوريد الذي هو الروح ، وهو مع ذلك فوق كل شيء ومحيط بكل شيء ، وليس يحيط ~~به شيء وليس هو تعالى في كل هذا مكانا لشيء ، ولا مكانا له شيء ، وليس ~~كمثله في كل هذا شيء ، لا شريك له في ملكه ولا معين له في خلقه ، ولا نظير ~~له من عباده ، ولا شبيه له في اتحاده وهو أول في آخريته بأولية هي صفته ، ~~وآخر في أوليته بآخريتة هي نعته ، وباطن في ظهوره بباطنية هي قربه ، وظاهر ~~في باطنيته بظهور هو علوه ، لم يزل كذلك أزلا ، ولا يزال كذلك أبدا ، لا ~~يتوجه عليه التضاد ولا تجري عليه الحوادث والآباد ، ولا ينتقص ولا يزاد ، ~~هو على عرشه باختياره لنفسه ، فالعرش حد خلقه الأعلى وهو غير محدود بعرشه ~~تعالى ، والعرش محتاج إلى مكان والرب غير محتاج إليه ، كما كان الرحمن على ~~العرش استوى ، الرحمن اسمه والاستواء نعته ، متصل بذاته ، والعرش خلقه ~~منفصل عن صفاته ، ليس بمضطر إلى مكان يسعه ، ولا حامل يحمله ولا حيطة تجمعه ~~، ولا خلق يوجده ، هو حامل للعرش وللحملة بخفي لطفه ، وجامع للعرش وللحفظة ~~بلطيف صنعه ، وموجد ما أحب لمن يحب من التجلي بمعالي أسمائه وصفاته بخفي ~~لطفه ولطيف قربه ، لاختصاص رحمته ، وهو أظهر الكون من وراء الحول ، هو ممكن ~~للعرش ببسطه في توسعة الحول ، وهو محيط بالعرش والحول بالقدرة والطول ، لا ~~يسعه غير مشيئته ولا يظهر إلا في أنوار صفته ، ولا يوجد إلا في سعة البسطة ~~، فإذا قبض أخفى ما أبدى ، وإذا بسط أعاد ما أخفى ، وكذلك جعله في كل رسم ~~كون ، وفعله بكل اسم مكان مما جل فظهر ، ومما دق فاستتر ms0811 ، لا يسعه غير ~~مشيئته بقربه ، ولا يعرف إلا بشهوده ، ولا يرى إلا بنوره ، هذا لأوليائه ~~اليوم بالغيب في القلوب ، ولهم ذلك غدا في المشاهدة بالأبصار ، ولا يعرف ~~إلا بشيئته إن شاء وسعه أدنى شيء ، وإن شاء لم يسعه كل شيء ، إن أراد عرفه ~~كل شيء وإن لم يرد لم يعرفه كل شيء ، إن أحب وجد عند أي شيء ، وإن لم يحب ~~لم يوجد بشيء ، وقد جاوز الحدود والمعيار وسبق القبل والأقدار ، ذو صفات لا ~~تحصى ولا تتناهى ، ليس محبوسا في صورة ولا موقوفا بصفة ، ولا محكوما عليه ~~بحكم ولا موجودا بلمم ، لا يتجلى بوصف مرتين ، ولا يظهر في صورة لإثنين ، ~~ولا يرد منه بمعنى واحد كلمتان ، بل لكل تجل منه صورة ، ولكل عبد عند ظهوره ~~له صفة ، وعن كل نظرة كلام وبكل كلمة إفهام ، ولا نهاية لتجليه ولا غاية ~~لأوصافه ولا نفاد لكلمه ، ولا انقطاع لأفهامه ولا تكييف لمعانيه هذه ، إذ ~~ليس في التوحيد كيف ، ولا للقدرة ماهية ، ولا يشبهه بهذه الأوصاف خلق ، إذ ~~ليس للذات كفؤ ، إذا احتجب عن العيان والأبصار رفع ذاته عن PageV02P141 ~~القلوب والأفكار ، فلم يخيله عقل ولم يصوره فكر ، لئلا يملكه الوهم ، فيكون ~~مربوبا وهو رب ، ولا ينظر إليه بفكر فيكون مقهورا وهو قاهر ، لا يعقل بعقل ~~لأنه عاقل العقل ، ولا يدرك بحيطة وهو محيط بكل حيطة ، حتى يتجلى آخرا ~~بإحسانه ، كما تجلى أولا بحنانه ، فيشهد بحضوره وينظر بنوره وليس هذا لسواه ~~ولا يعرف بهذا إلا إياه . وهذا منه لأوليائه اليوم بأنوار اليقين في القلوب ~~، وهو لهم منه غدا بمعاينة الأبصار في دار الحبيب أبد الأبد في الجنان ، ~~يتجلى لهم بعظائم القدرة ولطائف الحنان ، ويكلمهم بما لا غاية له من لذيذ ~~المعاني ، يتجلى بصفات الجلال ويظهر بمعاني الحسن والجمال ، ويبدو بلبس ~~البهاء والكمال يجمع لهم بأول معنى من معانيه بما يوجدهم به من النعيم ~~والسرور والفضل والحبور ، بكل نظرة أو كلمة أو قرب أو لطف أو عطف أو حنان ~~أو إحسان جميع ما فرقه من نعيم ms0812 الجنان ، وينظر إذا أحب إلى ما يحب اختيارا ~~لا تهجم الأشياء عليه في نظره اخبارا ، ويعرض عما شاء اختيارا لا تعترض ~~المنظورات في نظره اضطرارا يعرض في نظره لكبرياء عزه ، وينظر في أعراضه ~~بلطائف عطفه ، الملك في قبضته والخزائن في كلمته والكون في مشيئته والملكوت ~~كله بيده ، والجبروت والعظمة سبحات صفاته وجود الأشياء لا يضطره إلى النظر ~~إليها إن أراد الإعراض عنها لأنه مقتدر قهار وعدمها لا يضطره إلى أن يراها ~~لسبق علمه بها ، لأنها معلوم علمه ذي الأخبار ، ولأنه هو الجبار إذ الموجود ~~والمعدوم يضطر غيره إلى النظر لضعفه عن الامتناع ، والعدم يضطر سواه إلى ~~الفقد لعجزه عن الاختراع ، وهو تعالى مباين لسواه بعزه ، غير مماثل لغيره ~~بقهره ، ولأن المعدوم كالمحجوب وهو تعالى يرى المحجوب ، من الذرة من تحت ~~الثرى من وراء السموات والأرضين ، ولا يحجبن نفاذ نظره إليها ولا يمنعن ~~قربه منها ، ولا يحجزن قدرته عليها ولا يجاوز دون حيطته بها ، إذ الحجب ~~واقعة على الخلق غيرمتصلة بالخالق ، وبواطن الأشياء وغوامضها منكشفة للخالق ~~وهو أيضا يشهد المآل والأواخر إلى نهاية نهاياتها في أبد أبدها ، كما يشهد ~~ذلك اليوم أعني من غد وبعد غد ، وما وراءه إلى يوم القيامة وما فيها ، وهذا ~~كله عدم لم يخلقه بعد ، لأن علمه بذلك شهادة له لأنه ليس بينه وبين علمه ~~حجاب ، فهو يشهد الكون من أوله إلى آخره من حيث علمه بعلم هو وصفه ، ~~ومشاهدة هي نعته ، ولأن كلامه بذلك يخبر بأنه قد كان دليلا على شهوده المآب ~~، لأنه شهد ما علم كما علم ما به تتكلم ، فلم يتفاوت كلامه وعلمه ولم يختلف ~~علمه وشهادته ، ومع ذلك كله فلا موجود في الأولية ولا المشاهدة سواه ، ولا ~~شريك له في القدم ولا يقدم شاهد إلا إياه ، قوته كنه قدرته وقدرته دوام ~~بقائه ، ونظره سعة علمه وعلمه مدى نظره ، يدرك الأشياء كلها على اختلاف ~~أوصافها بصفة من صفاته ، ثم يدرك بجميع أوصافه ما أدركه بهذه الصفة ، فصح ~~بذلك أنه نظر وعلم وتكلم ، PageV02P142 لا يدخل ms0813 الترتيب في صفاته أعني بقبل ~~وبعد ، ولا يوصف بوقت وحد ولا يشبه بالتعقيب بقوته وأحكامه أعني بثم ولم ، ~~وإذا وحتى ، ولزم على ذلك أنه يعلم بنظره وينظر بعلمه ، فصارت الأوائل ~~والأواخر لديه كشيء واحد ، وكانت صفاته كلها آحادا كاملات تامات ، غير ~~محدودة للمحدودات ولا مؤقتة مرتبة للمرتبات المؤقتات ، إذ لم يكن لها ~~محدثات لأنها قديمة بقدمه وكائنة موجودة بكونه ووجوده ، إذ الترتيب في ~~النعوت من وصف الخلق والأدوات لكونها محدثة مظهرات بحدود وترتيب وأوقات ، ~~والله تعالى ليس كمثله شيء في كل الصفات ، فصفاته قديمة بقدمه وكائنة ~~موجودة بكائنته ووجوده ، والأفعال محدثة مظهرات بحدود وترتيب ، وأوقات ~~بترتيب فلا موجود في الأولية ولا المشاهدة سواه ولا شريك له في القدم ، ولا ~~قيوم له في الأبد والأزل سواه قبل وجود الوقت ، والحدثان ليست صفاته ذوات ~~جهات فيتوجه إلى جهته فيدرك بصفة دون صفة ، ولا ذاته ذو ذات فيقبل على مكان ~~دون مكان فيضطره الترتيب للمخلوقات ، ولا يدبر الأمور بأفكار فيشغله شأن عن ~~شأن ، ولا يدخل عليه الاعتراض فيتغير عما كان ، ولا يخلق بآلة فيستعين ~~بسواه ، ولا يعجزه قدرة فيحتاج إلى مباشرة يديه ، يخلق بيده إذا شاء وعن ~~كلمته إن شاء ، وبإرادته متى شاء وبمعاني صفاته كيف شاء ، لا يضطره التكوين ~~إلى الكلام وكلامه إليه كيف شاء ، كان خزائنه في كلمته وقدرته في مشيئته ، ~~إذا تكلم أظهر وإن شاء قدر ، ومتى أحب ظهر وبأي قدرة شاء استتر ، هو عزيز ~~في قربه وقريب في علوه حجب الذات بالصفات ، وحجب الصفات بالفعال ، كشف ~~العلم بالإرادة وأظهر الإرادة بالحركات ، وأخفى الصنع بالصنعة وأظهر الصنعة ~~بالأدوات ، هو باطن في غيبه وظاهر بحكمه وقدرته ، غيب في حكمته ، وحكمته ~~شهادة ظاهرة بمحكوماته ، وهي مجاري قدرته ، وصنع سر في صنعته وهي علانية ~~مشيئته ، ليس كمثله شيء في كل صفة ولا كقوله في ماهية . لانية مشيئته ، ليس ~~كمثله شيء في كل صفة ولا كقوله في ماهية . وقد روينا عن أبي بكر الصديق رضي ~~الله تعالى عنه ، كلمة مجملة بالغة في وصف التوحيد ms0814 أنه قال في خطبته : ~~الحمد لله الذي لم يجعل السبيل إلى معرفته إلا بالعجز عن درك معرفته ، ~~وروينا عن أحمد بن أبي الحواري عن بعض علماء أهل المعرفه من أهل الشام أنه ~~قال : رأى عز وجل خلقه قبل أن يخلقهم كما رآهم بعد ما خلقهم ، وروي عن أبي ~~سليمان الداراني أن قال : أدخلهم الجنان قبل أن يطيعوه ، وأدخلهم النار قبل ~~أن يعصوه . وقال أيضا : إن الله عز وجل أعز من أن يغضبه أفعال خلقه ، لكنه ~~نظر إلى قوم بعين الغضب قبل أن يخلقهم ، فلما أظهرهم استعملهم بأعمال أهل ~~الغضب فأسكنهم دار الغضب ؛ وهو أكبر من أن يرضيه أفعال خلقه ، ولكنه نظر ~~إلى قوم بعين الرضا قبل أن PageV02P143 يخلقهم ، فلما أظهرهم استعملهم ~~بأعمال أهل الرضا فأسكنهم دار الرضا ، وقد روينا عن ابن عباس في قوله عز ~~وجل : ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شىئا مذكورا ) الدهر : 1 ؛ ~~يعني كان في علم الله أنه يكونه وكأنه علق قوله ، لم يكن بقوله مذكورا ~~والله تعالى يخبر بما يكون في الدنيا وبما يكون في القيامة وبما بعدها ، ~~بلفظ أنه قد كان لاستواء ذلك في عمله آخرا كأول ، إذ لا ترتيب في العلم ولا ~~حد ولا مسافة ولا بعد في القدرة ، وقد قال الله تعالى : ( ومن أصدق من الله ~~قيلا ) النساء : 122 ، أعنده علم الغيب ، فهو يرى فنقصه بذلك وذمه ، وقال ~~تعالى : ( الذي يراك حين تقوم ) ( وتقلبك في الساجدين ) الشعراء : 218 - ~~219 ؛ أي ويرى تقلبك وبه انتصب التقلب بالعطف على القيام ، وجاء في التفسير ~~تقلبك في الأصلاب الزاكية والأرحام الطاهرة ، لم يتفق لك أوان على سفاح قط ~~، كذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل في أصلاب الأنبياء : يقلبك ~~بالتنقيل في صلب نبي بعد نبي حتى أخرجك من ذرية ورثة إسماعيل . وقد روينا ~~يعني ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال تعالى في سمع الأصوات قبل ~~الأشباح وخلقها : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ) المجادلة : 1 ، ~~فأخبر ms0815 أنه سمع الأصوات في القدم في علمه قبل خلق المصوتين في الحديث ، فكيف ~~لا يرى الكون عن آخره في القدم بعلمه قبل ظهورهم له متصورين بفعله ؟ وقد ~~قال تعالى : ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) ~~الأعراف : 11 ، والخلق والتصوير كانا بعد السجود لآدم ، فأخبر عنه أولا ~~لشهوده له واستوائه في علمه إذ لا بد من كونه ، فأشبه قوله تعالى : ( خلق ~~السموات و الأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ) الأعراف : 54 ، والعرش ~~قبل السموات والأرض والاستواء صفته لم تزل به ، ثم أخبر عنه أنه أخر ~~الترتيب ، فالله سبحانه وتعالى عالم بالكون قبل الكون وناظر إلى علمه ، لا ~~حجاب بينه وبين معلومه ، وسامع لما شهد ومتكلم بما علم فقد سبق النظر ~~والسمع والكلام الكون كله من حيث سبق العلم والقدرة والمشيئة ، فهو ناظر ~~سامع متكلم بنفسه من حيث كان عالما مقتدرا مريدا بنفسه ، ثم أظهر الخلق ~~عالما بعد عالم في وقت بعد وقت ، فجاؤوا على نظره وسمعه وكلامه كما كانوا ~~في علمه وقدرته ومشيئته ، بغير زيادة ولا نقصان خردلة ، ألا ترى أنه بقدرته ~~وعلمه يرى يوم القيامة وما فيها ؟ والآخرة وما يكون منها على حقيقة ما أخبر ~~عنه لا يمنعه عدم الكون ولا يحجبه بعد التأخير ؟ كذلك كان يشهد ما قد كان ~~اليوم في قدمه بعلمه به وبقدرته عليه وحيطته به ، لا يمنعه عدم كونه ولا ~~يحجبه ، فقد ظهوره ولا يجوز أن يدرك سبحانه وتعالى اليوم ما لم يكن أدركه ~~في القدم ، كما لا يجوز أن يستفيد الآن علم ما لم يكن علمه فيما لم يزل ، ~~فيكون متكلما بما لم يشهد وهو معلومه منطو في علمه ، أو يكون مستزيدا بما ~~أظهر حين ظهر وهو في قبضته وغيبه ، جل عن ذلك وصفه وعلا عن PageV02P144 هذا ~~جلاله وعزه لأن نظر سعة علمه وعلمه حيطة نظره ، فهو ناظر إلى ما علمه بوصفه ~~لا يختلف عليه أوصافه ، فالكون موجود له بعلمه لسبق علمه به ، ولا بيان له ~~في علمه ولا أثر ms0816 له في وصفه ولا وجود للكون في وجودكينونته ، ولا قدم له في ~~قدم أزليته ، ليس محلا للكون ولا هو حال فيه ، ولأن أوليته سبقت الكون ~~والمكان فليس لهما في قدمه قدم ، كما أنه تعالى يشهد الآن ما يكون من ~~العاقبة والمآل إلى آخر الأحوال ، لا يختلف الأواخر و الأول في صفاته ولا ~~تتفاوت صفاته على ترتيبها من نظر وعلم ، لأنها معلوم علمه وموجود إرادته ، ~~فهو سبحانه وتعالى واجد الأشياء به لا بها ، وناظر إليها في علمه لا ~~بوجودها لاقتداره عليها وإحاطة علمه بها ، والكون معدوم لنفسه لتلاشيه لأنه ~~سبحانه وتعالى خالق العدم كما هو خالق الوجود ، ليس للعدم قدم مع قدمه ~~فيكون ثانيا معه ، ولا الكون كائن موجود بنفسه فيكون أولا مع أوليته ، جل ~~الواحد المتحد بنفسه عن ثان معه في الأزل أو شريك له في القدم ، ثم ظهرت ~~الأشياء لنفوسها فظهر بعضها لبعض بإظهاره ، فوجدت بإيجاده وظهر عليها ~~بإظهاره بحد ووقت لا أول لها ولا قبل بل هو الأول الذي لم يزل بلا أول ، ~~والقديم الأبد بلا وقت ولا أمد قائم بصفاته ، وصفاته موجودة له قائمة به ، ~~فمن شهد ما فصلناه بنور اليقين لم يدخل عليه قدم العالم ، إذ لا قديم مع ~~الله في كينونية أزله ، ومن لم يهتد بما بيناه ووقف مع العقل ودخلت عليه ~~شبهة قدم العالم ، فالحد برؤيته قدم الحدثان أو جحد قدم العلم ، ينفي وجود ~~الحدث فيه ، وهذا شرك بالصفات بترتيبه إياها بالعقل ، ونحن بريئون من ~~شهادته ، مبطلون لدعواه منكرون لشركه في القدم ، موحدون باليقين ما ألحد ~~بالعقل ، لأن من قال : إن شيئا قديم مع الله تعالى أو موجود بنفسه لنفسه ، ~~فقد أشرك في الصفات ، ومن قال : إن الله سبحانه نظر بعد أن لم ينظر أو علم ~~بعد أن لم يعلم أو تكلم بعد أن لم يتكلم ، فقد قال بحدوث الصفات وقدم عليها ~~لمعلومات ، بل المعلومات منطوية في العلم لا أثر لها فيه ، والله قديم ~~بعلمه واجد لمعلومه بنفسه عن علمه به لقدرته عليه يقهره ms0817 ، وناظر إليه بعلمه ~~لا بعدم معلومه والمعلوم معدوم لنفسه غير موجود بنفسه حتى أحدثه وأوجده ، ~~فظهر حين أظهره لمن أظهره بعضا لبعض لا لنفسه ، إذ قد فرغ منه لعلمه به لا ~~أنه قرب له نظره ؛ كما لم يحدث به علمه لنفسه وعلمه صفته لم يزل له وهو ~~قائم بوصفه ، ولا يجوز أن يحدث له شيئا لم يعلمه ، كذلك لا ينبغي أن يفقد ~~شيئا لم يجده ، ومن اختلف عليه ما ذكرناه دخل عليه مذهب المعتزلة والجهمية ~~، لأن المعتزلة مجمعة على اختلافهم أن الله تعالى لا يرى الشيء حتى يكون ، ~~واختلفوا في العلم فقالت العبادية من القدرية وهم أصحاب عباد : إن الله ~~تعالى لا يرى الشيء ، حتى يكون ، PageV02P145 يضاهون بذلك قول النظام وبشر ~~المريسي في أن الله تعالى لا يرى الأشياء حتى تكون ، والجهمية مجمعة على ~~اختلافهم أن الله تعالى لم يتكلم بالشيء حتى كان ، ثم خلق الكلام فقدموا ~~الكون قبل كلامه ، كما قدمه أولئك قبل نظره ، وقال الجميع بحدوث النظر ، ~~كما قالوا بحدوث الكلام والنظر لأنهم قالوا بحدوث الأسماء بعد حدوث ~~المسميات ، وتقدم الاستطاعة من الخلق على الإرادة من الخالق ، فاستوى بذلك ~~شركهم خرجوا به من التوحيد ، كذلك كذبت العبادية من القدرية أصحاب عباد ~~يضاهون قول النظامية والمريسية ، تشابهت قلوبهم فيتبعون ما تشابه منه ، ~~والمعتزلة أيضا مجمعة على نفي العلم والقدرة والمشيئة إلا أنهم يقولون : ~~عالم ولكن لا يضطر علمه إلى شيء ولا يوجب شيئا ، فجعلوه كالظن من الخلق ~~فقالوا : عالم بلا علم قديم وقادر بلا قدرة ومريد بلا إرادة سابقة ، وقدموا ~~الاستطاعة من الخلق فقالوا : لئلا يلزمهم سبق المعلومات وإن الإرادة ~~والكلام من نعوت الأفعال مخلوقان . لا أنه قرب له نظره ؛ كما لم يحدث به ~~علمه لنفسه وعلمه صفته لم يزل له وهو قائم بوصفه ، ولا يجوز أن يحدث له ~~شيئا لم يعلمه ، كذلك لا ينبغي أن يفقد شيئا لم يجده ، ومن اختلف عليه ما ~~ذكرناه دخل عليه مذهب المعتزلة والجهمية ، لأن المعتزلة مجمعة على اختلافهم ~~أن الله تعالى لا ms0818 يرى الشيء حتى يكون ، واختلفوا في العلم فقالت العبادية ~~من القدرية وهم أصحاب عباد : إن الله تعالى لا يرى الشيء ، حتى يكون ، ~~يضاهون بذلك قول النظام وبشر المريسي في أن الله تعالى لا يرى الأشياء حتى ~~تكون ، والجهمية مجمعة على اختلافهم أن الله تعالى لم يتكلم بالشيء حتى كان ~~، ثم خلق الكلام فقدموا الكون قبل كلامه ، كما قدمه أولئك قبل نظره ، وقال ~~الجميع بحدوث النظر ، كما قالوا بحدوث الكلام والنظر لأنهم قالوا بحدوث ~~الأسماء بعد حدوث المسميات ، وتقدم الاستطاعة من الخلق على الإرادة من ~~الخالق ، فاستوى بذلك شركهم خرجوا به من التوحيد ، كذلك كذبت العبادية من ~~القدرية أصحاب عباد يضاهون قول النظامية والمريسية ، تشابهت قلوبهم فيتبعون ~~ما تشابه منه ، والمعتزلة أيضا مجمعة على نفي العلم والقدرة والمشيئة إلا ~~أنهم يقولون : عالم ولكن لا يضطر علمه إلى شيء ولا يوجب شيئا ، فجعلوه ~~كالظن من الخلق فقالوا : عالم بلا علم قديم وقادر بلا قدرة ومريد بلا إرادة ~~سابقة ، وقدموا الاستطاعة من الخلق فقالوا : لئلا يلزمهم سبق المعلومات وإن ~~الإرادة والكلام من نعوت الأفعال مخلوقان . والجهمية أيضا مجمعة أن الله ~~تعالى لا يتكلم بوصفه أصلا وإنما يظهر في أديم القضاء الكلام بخلق الأعراض ~~في الأجسام ، فكان هذا عندهم هو التوحيد لئلا يثبتوا مع الله قديما ، وهذا ~~عند أهل السنة والجماعة هو الإلحاد لنفي قدم الصفات والقول بحدوثها ~~وانفصالها عن الذات ، وليس يختلف أهل اليقين بحمد الله تعالى في جميع ما ~~ذكرناه ، كما لا يختلفون في صحة التوحيد ، وهذه شهادة الموقنين وإيمان ~~المقربين ، فلا يتشبهن لك العقل بالمعقول عن شهود ما ذكرناه فيعقلك عن ~~النفاد للشهادة ، فليس يشهد ما ذكرناه من صفات الشهيد بنور العقل ، وإنما ~~يشهد بنور اليقين ، لأن خالقا لا يشبه بمخلوق ، ومن ليس كمثله شيء لا يشهد ~~إلا بما ليس كمثله شيء ، وهو نور اليقين من نور القادر ، ومن لم يجعل الله ~~نورا له فما له من نور ، وما ذكرناه من وصفه تعالى هو ظاهر التوحيد المتصل ~~بفرض الشهادة ، لا يجري ms0819 على ترتيب المعقول ، ولا يمثل بقياس العقول ، لأن ~~نفي الصفات وإثباتها بالمماثلات موجود في رأي العقول ، كما أن الكفر ~~والضلال موجود في طبائع النفوس لعدم شهادة الأبصار ، ولفقد وجود مشاهدة ~~الإلهية في تخيل الأفكار ، ولجريان المعتاد والعرف في ظهور الأسباب ، كما ~~حدثنا أن بعض الصديقين دعا إلى الله سبحانه وتعالى بحقيقة التوحيد فلم ~~يستجب له إلا الواحد بعد الواحد ، فعجب من ذلك فأوحى الله تبارك وتعالى ~~إليه : تريد أن تستجيب لك العقول ؟ قال : نعم ، قال : احجبني عنهم قال : ~~كيف أحجبك وأنا أدعو إليك ؟ قال : تكلم في الأسباب وفي أسباب الأسباب قال : ~~فدعا إلى الله تعالى من هذه الطرق فاستجاب له الجم الغفير ، فإنما صحة ~~التوحيد بإثبات الصفات وأوصاف الذات PageV02P146 التي جاءت بها السنن ~~وشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم مع نفي الشبه والماهية ونفي الجنس ~~والكيفية ، ثم سكون القلب وطمأنينة العقد إلى الإيمان بهذا ، والتسليم له ~~لأجل نور اليقين الموهوب لأن هذا إنما يشهد بنور اليقين وعلمه ، لا بعلم ~~العقل ونوره ، لأن خالقا لا يرى بمخلوق ، فالعقل مرآة الدنيا بنوره يشهد ما ~~فيها ، والإيمان مرآة الآخرة وبه ينظر إليها فيؤمن بما فيها . و الله تعالى ~~إنما يرى بنور اليقين ، وفي هذا النور مشاهدة الصفات وهو حقيقة الإيمان ، ~~وأعز ما نزل من السماء وهو السكينة المنزلة في قلوب المؤمنين لمزيد الإيمان ~~ولتعريف صفاته المؤمن معها بترك ضرب الأخبار بعضها ببعض ، ومعارضة بعضها ~~بعضا أو ترتيب بعضها على بعض ، بل يؤمن بكل خبر ورد في الصفات والقدرة على ~~حدته ، كما يسلم جميعها على الجملة بإسلامه وإلا أدى ذلك إلى نفي بعضها أو ~~إبطال جميعها ، لأنا أخذنا الإيمان بمنة الله تعالى ورحمته من قبل التصديق ~~واليقين والنقل ، لا من قبل التقليد وحسن الظن والعقل ، وأربعة أشياء تسلم ~~ولا تعارض اعتراضا : أخبار الصفات وأصول العبادات وفضائل الأصحاب وفضائل ~~الأعمال ، ولولا أن الله تعالى تولى قلوب المؤمنين فحبب الإيمان إليها ~~وزينه فيها ، وكره الكفر وشأنه عندها ، لتاهوا في الظلمات وغرقوا في بحار ~~الهلكات لظهور الأغيار ms0820 ومعاية الأسباب ، ولغيب القدرة عن العيان ، ولما ~~ابتلوا به من الحجب والأعيان ، ولكن الله تعالى سلم وحبب الإيمان في القلوب ~~، وزين وكره الكفر والعصيان وشين ، وكذلك مدح المؤمنين بالغيب المستور ، ~~ومن ذلك سبق المقربون بمشاهدة النور فقال سبحانه وتعالى : ( الله ولي الذين ~~آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ) البقرة : 257 ، فلولا أنهم كانوا في ~~ظلمة الطبع ما امتن عليهم من نور اليقين ، وكذلك جاء الخبر أن الله تعالى ~~خلق الخلق في ظلمة ، ثم ألقى عليهم من نوره ؛ فمن أصابه اهتدى ومن أخطأه ضل ~~، وفي أحد المعاني من قوله تعالى : يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم ~~الكتاب قال : يمحو الأسباب من قلوب الموحدين ويثبت نفسه ، ويمحو الوحدانية ~~من قلوب الناظرين ويثبت الأسباب ولولا أن التوحيد لم يرسمه عارف قط في كتاب ~~ولا كشفه علام في خطاب ، لعجز علوم العموم عن درك شهادته ، ولسبق إنكاره ~~القول لضعفها عن حمل مكاشفته ، لذكرنا من ذلك ما يبهر القول ويبهت ذوي ~~المعقول ، ولكنا كرهنا أن نبتدع ما لم نسبق إليه ، أن نظهر ما يضطرب العقول ~~بالحيرة فيه ، خفنا من عدم النصيب مما نذكره ، فيعود على السامعين من نفعنا ~~ضرورة ، وحقيقة علم التوحيد باطن المعرفة ، وهو سبق المعروف إلى من به تعرف ~~بصفة مخصوصة بحبيب مقرب مخصوص لا يسع معرفة ذلك الكافة ، وإفشاء سر ~~الربوبية كفر . وقال بعض العارفين : من صرح بالتوحيد وأفشى الوحدانية فقتله ~~، أفضل من إحياء غيره ، وقال بعضهم : للربوبية سر لو ظهر لبطلت النبوة ~~وللنبوة سر لو كشف بطل العلم ، PageV02P147 وللعلماء بالله سر لو أظهره ~~الله تعالى لبطلت الأحكام ، فقوام الإيمان واستقامة الشرع بكتم السر ، به ~~وقع التدبير وعليه انتظم الأمر والنهي ، الله غالب على أمره ، وفوق ذلك علم ~~التوحيد والاسم منه وحداني ، فالتوحيد وصفه وفوقه علم الإتحاد ، فالوصف منه ~~متحد وفوقهما علم الوحدانية ، والاسم منه واحد ، وفوق ذلك علم الأحدية ~~والإسم منه أحد وهذه أسماء لها صفات ، وأوصاف لها أنوار وأنوار عنها علوم ، ~~وعلوم له مشاهدات بعضها فوق بعض ، فوق كل ms0821 ذي علم عليم ، ثم علم التوحيد أول ~~هذه العلوم وعموم هذه المشاهدات ، وظاهر هذه الأنوار وأقربها إلى الخلق ، ~~فالاسم منه موحد وههنا بان الخلق وظهر ، فهذا توحيده الذي وحده به الموحدون ~~من جميع خليقته ، فعاد ذلك عليهم برحمته ، والمشاهدات الأول توحيد الرب ~~تعالى نفسه بنفسه لنفسه ، قبل توحيد خلقه ، فتوحيدهم إياه عن توحيده فيما ~~كتبنا عنه ، وأخفينا فيما أظهرناه ، فهو محجوب في خزائن الغيوب عن البصائر ~~والفهوم ، قد جاوز علم الملكوت كله ، فهو من ورائها في خزائن الجبروت ، ~~وإنما ذكرنا من ذلك قوت القلوب من علم التوحيد ، وما لا بد للإيمان منه من ~~المزيد ، وقال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله تعالى : للعالم ثلاثة علوم ؛ ~~علم ظاهر يبذله لأهل الظاهر ، وعلم باطن لا يسع إظهاره إلا لأهله ، وعلم هو ~~سر بين الله وبين العالم هو حقيقة إيمانه ، لا يظهره لأهل الظاهر ولا لأهل ~~الباطن ، وقال بعض السلف قبله : ما من عالم يحدث قوما بعلم لا تبلغه عقولهم ~~إلا كان فتنة عليهم . # | شرح ثاني ما بني الإسلام عليه من الخمس : وهو الصلاة # وأول ذلك وصف الطهارة ، أولها فرائض الاستنجاء وسننه ، وفرائض الوضوء ~~وسننه وفضائله ، وفرائض الصلاة وسننها وأحكام المصلي في وقت الصلاة ~~وإدراكها ، وما يتعلق بها وهيئات الصلاة وآداب المصلي . # | ذكر فرائض الاستنجاء # قال الله جل ثناؤه وصدقت أنباؤه : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا و الله ~~يحب المطهرين ) التوبة : 108 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقبل ~~الله صلاة بغير طهور ، وقال عليه الصلاة والسلام : الطهور نصف الإيمان ، ~~وقال : مفتاح الصلاة الطهور ، فأول الطهارة الاستنجاء وفيه فرضان وأربع سنن ~~: أحد الفرضين إزالة الحدث ، والثاني طهارة المزيل ، وهو أن لا يكون رجيع ~~دابة ولا مستعملا مرة ، ولا عظم ميتة ، ويكره له الاستنجاء بفحمة لأثر في ~~ذلك ، والسنن الأربع : وتر الاستجمار ثلاثا أو خمسا أو سبعا ، والاستنجاء ~~بالماء ، ومباشرة الأذى بالشمال ، ومسح اليد بالتراب ، فأما كيفية ~~الإستنجاء فأن يأخذ الحجر بشماله ويمره على مقدمته من مقدمها مسحا إلى ~~مؤخرها ، ثم يرمي ms0822 به ، هناك ثم PageV02P148 يأخذ الحجر الثاني فيبتدئ من ~~مؤخر المقعدة فيمسحها مدا إلى مقدمها ، ثم يرمي به ، ثم يأخذ الحجر الثالث ~~، فيديره حول المسربة إدارة فإن احتاج إلى حجر آخر فليجعلها خمسا ، وإن ~~اكتفى بحجر واحد فلا بد من ثلاث ، وإن استجمر بحجر كبير ذي ثلاث شعب أجزأه ~~عن ثلاثة أحجار ، وفي الخبر : من استجمر فليوتر ، وكان صلى الله عليه وسلم ~~إذا أراد الحاجة أبعد ، وكان يتبوأ لحاجته كما يتبوأ الرجل المنزل لأنه كان ~~لا يقعد في فضاء ، بل كان ينصب وراءه شيئا أو يقعد إلى حائط ، أو نشز من ~~الأرض يستره أو كوم من حجارة يحجبه ، ثم يستدبر ذلك ، وكان صلى الله عليه ~~وسلم لا يستقبل القبلة أيضا لغائط ولا بول ، ولم يكن يرفع ثوبه للغائط حتى ~~يدنو من الأرض ، فأما من أراد أن يبول قريبا من صاحبه بحيث يراه ويحسه فلا ~~بأس بذلك ، فإنها رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع الحياء منها ~~بفعله ، لأنه كان عليه السلام أشد الناس حياء ، وكان يبول وإلى جانبه صاحبه ~~ليسن التوسعة في ذلك ، وقال رجل لبعض الصحابة من الأعراب وقد خاصمه فقال : ~~لا أحسبك تحسن الخراءة فقال : بلى وأبيك إني بها لحاذق ، قال فصفها لي قال ~~: أبعد الأثر وأعد المدر واستقبل الشيح واستدبر الريح وأقعي إقعاء الظبي ~~وأجفل إجفال النعام ، والشيح نبت طيب الرائحة يكون بالبادية ، والإقعاء في ~~هذا الموضع أن يستوفز على صدور قدميه والأجفال أن يرفع عجزه . وفي حديث ~~سلمان : علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة ، أمرنا أن ~~لا نستجمر بعظم ولا روث ، ونهانا أن لا نستقبل القبلة لبول أو غائط ، وأن ~~يجلس أحدنا على رجله اليسرى وينصب اليمنى ، فأما وصف الاستبراء فهو أن ~~يستفرغ الرجل بوله رويدا ، ولا يحرك ذكره فينتشر البول على الحشفة ، فإذا ~~انقطع البول على مهل مد ذكره ثلاثا من أصله إلى الحشفة مدا رفيقا ، لئلا ~~ينتضح البول ، ثم ينتثره ثلاثا ويتنحنح ثلاثا ، وإن فعل ذلك سبعا سبعا ms0823 فقد ~~بالغ ، ثم يأخذ الحجر بيمينه ويأخذ ذكره بشماله ، ويمده عليه حتى يرى موقعه ~~جافا ، فهناك طهرين انقطعت النداوة ، ومن مده إلى الأرض أو إلى حائط حتى ~~يرى الجفوف عن أثره ، فمثله وهذا كافيه من الماء ما لم ينتشر البول على ~~الحشفة ويسحب البول في أرض دمثة رخوة ، وعلى تراب مهيل ، ويكره له أن يبول ~~مستقبل الريح أو على أرض صلبة كيلا ينضح البول عليه ، وقد شبه فقهاء ~~المدينة الذكر بالضرع ، وقال بعضهم إنه لا يزال يخرج منه الشيء بعد الشيء ~~ما دمت تمده ، وقيل : إذا وقع الماء على الذكر انقطع البول ، وقد كان أخفهم ~~استبراء وأقلهم PageV02P149 استعمالا للماء في الطهور ، أفقههم عندهم ، وقد ~~يكون ما يظهر من النداوة بعد غسل الذكر بالماء أن ذلك من مرجع الماء يتردد ~~في الإحليل لضيق المسلك وتلاحم انضمامه عليه فإذا خشي الوسواس فلينضح فرجه ~~بعد وضوئه ، وهو أن يأخذ كفا من ماء فليرشه عليه ، وفي خبر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فعله ، ويكره مس الذكر باليمين ويخرج من الذكر خمسة أشياء ؛ ~~البول والمذي والودي وهو لزوجة تتعقب البول إذا طال حبسه ، والريح والمني ~~ثم كلها توجب الوضوء إلا المني ، وهو الماء الدافق الذي يفتر عنه الذكر ~~وتنقطع الشهوة ، ومنه يخلق الإنسان فإنه يوجب الغسل ، وما خرج من الذكر من ~~غير ذلك من دود أو حصى ففيه الوضوء ، وقد يخفي الريح ، فلذلك يستحب الوضوء ~~عند كل صلاة وهو من المرأة أطهر . # | ذكر فرائض الوضوء # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من توضأ كما أمر ، وفي لفظ : من توضأ ~~فأسبغ الوضوء وصلى ركعتين ولم يحدث فيهما نفسه بشيء من الدنيا ، خرج من ~~ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وفي لفظ آخر : ولم يسه فيهما غفر له ما تقدم من ~~ذنبه ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أنبئكم بما يكفر الله ~~الخطايا به ويرفع به الدرجات : إسباغ الوضوء في المكاره ، ونقل الأقدام إلى ~~المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط ، وتوضأ صلى الله عليه ms0824 ~~وسلم مرة مرة وقال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ، ثم توضأ مرتين ~~مرتين فقال : من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين ، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا ~~فقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء إبراهيم عليه السلام . # | ذكر فرائض الطهارة # وهي ثمانية : طهارة الإناء ثم الماء الطاهر والنية والترتيب على نسق ~~الكتاب وغسل الأعضاء الثلاثة المأمور بها ، ومسح الرس ، ولا ينفض يديه ~~بالماء عند غسل وجهه وذراعيه ، فإن ذلك يكون مسحا ، ولا يلطم وجهه بالماء ~~لطما فإنه مكروه ، ولكن ليحمل الماء بيديه معا إلى وجهه ثم ليسنه عليه سنا ~~، ويغسل وجهه غسلا من أصول شعر رأسه إلى ما ظهر من لحيته وعلى ما استرسل ~~منها ، وليدخل البياض الذي بين أذنه ولحيته في PageV02P150 غسل وجهه ، ~~وليدخل مرفقيه في غسل ذراعيه ، وهذا فرض وينبغي أن يقطر الماء من وجهه ~~وذراعيه قطرا ، ويكفيه في مسح الرأس أن يمسحه بماء ، جديد يبتدئ بمقدم رأسه ~~ثم يرد يده إلى مؤخره ، ثم يردها إلى يافوخه هذه مرة ، وليمسح رأسه أجمع ~~وهذه الأربعة الأعضاء هي المنصوص عليها ، فأما ذكر الواو في الترتيب ، فإني ~~سمعت بعض فقهاء العرب من أهل اللغة بمكة يقول : إن الواو وإن كانت للجمع ~~فلا تقتضي الترتيب في الظاهر ، فإنه إذا لم يرد به الجمع بين شيئين واستحال ~~أن يجمع بها بين اثنين معا فإنها تقوم حينئذ مقام ثم ، تكون للترتيب لا غير ~~. # | ذكر سنن الوضوء # وهي عشرة : التسمية وغسل الكفين والمضمضة والاستنشاق والاستنثار وهو ~~إخراج الماء من الأنف ، وتخليل اللحية ومسح الأذنين وغسل كل عضو ثلاثا ~~ثلاثا ، وأن يبدأ بالميامن وتخليل أصابع القدمين . # | ذكر فضائل الطهارة وما يقال عند غسل كل عضو من الأذكار # أول ذلك أن يتوضأ قاعدا مستور العورة ، وأن لا يكون الماء مشمسا ، وقد ~~كره ذلك وقيل : إن كراهيته في أرض الحجاز خاصة وإسباغ الوضوء سيما في ~~الشتاء ، فإنه من عزائم الدين ، وقال بعض السلف : وضوء المؤمن في الشتاء ~~بالماء البارد يعدل عبادة الرهبان كلها ، وأن لا يعتدي في ms0825 الطهور فقد نهي ~~عن ذلك ، وهو أن يغسل كل عضو فوق الثلاث ، والوضوء على الوضوء نور ، وهو أن ~~يتوضأ لكل صلاة عن غير حدث ، فإن ذلك مستحب إذا أمكن ، وله بكل وضوء عشر ~~حسنات ، ويجزيه أن يصلي الخمس بوضوء واحد ، فقد فعل ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، والوضوء على حدته قربة إلى الله تعالى ، إذا نوى به العبد ذلك ~~من غير أن يصلي به ، وفي الخبر : إذا توضأ العبد خرجت ذنوبه من جميع أعضائه ~~، وتكون الصلاة نافلة ، ويستحب أن يتوضأ العبد كلما بال ما لم يشق ذلك عليه ~~، وأن يصلي ركعتين كلما توضأ ، ثم أن لا يتكلم في الوضوء إلا بذكر الله ~~تعالى ، وأن يقول عند غسل كل عضو ما يستحب من الدعاء ، فيقول عند الفراغ من ~~الاستنجاء : اللهم طهر قلبي من النفاق ، وحسن فرجي من الفواحش ، ويقول عند ~~التسمية : أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ، PageV02P151 ~~ويقول عند غسل يديه : اللهم إني أسألك اليمن والبركة ، وأعوذ بك من الشؤم ~~والهلكة ، ويقول عند المضمضة : اللهم أعني على تلاوة كتابك وكثرة الذكر لك ~~، ويقول عند الاستنشاق : اللهم صل على محمد وأوجد لي رائحة الجنة ، وأنت ~~عني راض ، ويقول عند الاستنثار : اللهم إني أعوذ بك من روائح النار ومن سوء ~~الدار ، ويقول عند غسل وجهه : اللهم بيض وجهي يوم تبيض فيه وجوه أوليائك ، ~~ولا تسود وجهي يوم تسود فيه وجوه أعدائك ، وعند غسل يمينه : اللهم آتني ~~كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا ، وعند غسل الشمال : اللهم إني أعوذ بك ~~أن تؤتيني كتابي بشمالي أو من وراء ظهري ، وعند مسح الرأس : اللهم غشني ~~برحمتك وأنزل علي من بركاتك ، وأظلني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك ، ويقول ~~عند مسح الأذنين : اللهم اجعلني ممن يستمع القول فيتبع أحسنه اللهم اسمعني ~~منادي الجنة مع الأبرار ، ثم يمسح عنقه فيقول : اللهم فك رقبتي من النار ، ~~وأعوذ بك من السلاسل والأغلال ، ويقول عند غسل قدمه اليمنى : اللهم ثبت ~~قدمي على الصراط مع أقدام ms0826 المؤمنين ، ويقول عند غسل اليسرى : اللهم إني ~~أعوذ بك أن تنزل قدمي عن الصراط يوم تنزل فيه أقدام المنافقين ، وأن يبتدئ ~~بغسل الذراعين من أصابع الكفين ويقطع من المرفقين كل غسلة ، وأن يرفع في ~~غسل الذراعين إلى إنصاف العضدين ، وأن يبتدئ بغسل القدمين من الأصابع ~~ويخللهما في الميامن ويقطع غسلهما من الكعبين ، ويرفع في غسل الرجلين إلى ~~إنصاف الساقين ويمين أصابع اليد اليمنى خنصرهما ، ويمين اليد اليسرى ~~إبهامها ، وإذا فرغ من وضوئه رفع رأسه إلى السماء ثم قال : أشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله ~~، سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت ، عملت سوءا وظلمت نفسي ، أستغفرك وأتوب ~~إليك فاغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم ، اللهم اجعلني من التوابين ~~واجعلني من المتطهرين ، واجعلني شكورا واجعلني أذكرك كثيرا ، وأسبحك بكرة ~~وأصيلا ، هذا جميع ما روي من القول بعد الفراغ من الوضوء بآثار متفرقة ~~جمعناها ، يقال إن من قال هذا بعد فراغه من الوضوء ختم على وضوئه بخاتم ، ~~ورفع له تحت العرش ، فلم يزل يسبح الله ويقدسه ويكتب له ثواب ذلك إلى يوم ~~القيامة ، وأكره الوضوء في إناء صفر ، سمعت أن العبد إذا توضأ احتوشته ~~الشياطين توسوس إليه ، فإذا ذكر الله خنست عنه وحضرته الملائكة ، فإن كان ~~وضوءه في إناء صفر أو نحاس لم تحضره الملائكة . وروي عن ابن عمر وأبي هريرة ~~كراهة ذلك ، وقال بعضهم : سألني شعبة أن أخرج له وضوءا ، فأخرجته في إناء ~~صفر فلم يتوضأ به ، وقال حدثني عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه كره ~~الوضوء في إناء صفر ، وتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ركوة ومن ~~إداوة ومن مهراس حجر ، وقد روينا في حديث زينب بنت جحش أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم توضأ واغتسل ، في PageV02P152 حديث آخر من مخضب لها وهو ~~نحاس وهذه رخصة . # | صفة الغسل من الجنابة # يضع الإناء عن يمينه ثم يسمي الله تعالى ، ويفرغ الماء على ms0827 يديه ثلاثا ~~قبل إدخالهما الإناء ثم يغسل ذكره ويستنجي ، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة كاملا ~~إلا غسل قدميه ، ثم يدخل يديه في الإناء بما حملتا من الماء فيصب على شقه ~~الأيمن ثلاثا ظهرا وبطنا إلى فخذه وساقه ، ثم يغسل شقه الأيسر كذلك ثلاثا ~~ظهره وبطنه إلى فخذه وساقه ، ويدلك ما أقبل من جسده وما أدبر بيديه معا ، ~~ثم يدخل يديه بما حملتا من الماء فيفيض على رأسه ثلاثا ويخلل شعر رأسه ~~بأصابعه ويبل الشعر وينقي البشرة ، ثم يتنحي من موضعه قليلا فيغسل قدميه ، ~~فإن فضل من الإناء ماء أفاضه على سائر جسده ، وأمر يديه على ما أدركتا من ~~بدنه ؛ فإن قدم غسل رجليه فأدخلهما في أول وضوئه فلا بأس ولا وضوء عليه بعد ~~الغسل ، وليتق أن يمس ذكره في تضاعيف ذلك بيديه ، فإن مس ذكره فليعد وضوءه ~~وإن نسي المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة حتى صلى أحببت أن يتمضمض ~~ويستنشق ويعيد الصلاة ، وإن نسيهما في الوضوء فلا إعادة عليه ، وكيفما أتى ~~بغسل جسده من الجنابة فجائز بعد أن يعم جميع بدنه غسلا ، ومن لم يتوضأ قبل ~~الغسل أحببت له أن يتوضأ بعده ، ومن انغمس في نهر أجزاه عن الغسل وأحب أن ~~يتوضأ وفرض غسل الميت كغسل الجنابة . # | كتاب الصلاة # # | ذكر فرائض الصلاة قبل الدخول فيها # وهي سبع : أول ذلك طهارة الجسد ، وطهارة الثوب وطهارة البقعة ، وستر ~~العورة وهي من السرة إلى الركبة ، واستقبال القبلة وإصابة الوقت ، والقيام ~~إلا من عذر ، وفرائض الصلاة في صلبها اثنتا عشر خصلة ، روينا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : مفتاح الجنة الصلاة ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم : ~~تحريمها التكبير وتهليلها التسليم فأول ذلك النية وتكبيرة الإحرام بلفظ ~~التكبير ، وليس للعرب في لفظ التكبير بمعنى الإكبار إلا وزن أفعل والأفعل ~~فيقولون : الله أكبر والله الأكبر ، وليس يقولون : الله كبير ، وهم يريدون ~~معنى أكبر مما سواه ، إنما PageV02P153 يقولون كبير بمعنى عظيم لأن هذه ~~لفظة أعجمية عربت ، وتقول العرب : الله كبار ، وليس بمعنى أكبر إنما هو ~~بمعنى ms0828 كبير ، والتفخير للتعظيم ، ثم يقرأ سورة الحمد ؛ أولها بسم الله ~~الرحمن الرحيم ، والركوع ، ثم الطمأنينة في السجود والجلسة بين السجدتين ~~والتشهد الأخير ، والصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم والتسليم الأول ، ~~وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ينظر الله تعالى إلى من لا ~~يقيم صلبه بين الركوع والسجود ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم : لا تجزئ ~~صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود ، ورأى صلى الله عليه وسلم ~~رجلا يصلي لا يقيم ظهره في ركوعه وسجوده ، فقال له : ارجع فصل ، فإنك لم ~~تصل ، ثم رآه لا يطمئن إلى الركوع والسجود فأمره أيضا بإعادة الصلاة ، ثم ~~علمه الطمأنينة بينهما والقيام فيهما ، فقال : حتى تطمئن مفاصلك وتسترخي ، ~~ورأى حذيفة وابن مسعود رضي الله عنهما رجلا يصلي لا يتم ركوعه وسجوده فقالا ~~: لو مات هذا لمات على غير فطرة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم ، وفي حديث ~~أحدهما : منذ كم تصلي هذه الصلاة ؟ فقال : منذ أربعين سنة فقال : ما صليت ~~منذ أربعين سنة ، وعن كعب الأحبار قسمت الصلاة ثلاثة أثلاث : ثلث طهور ، ~~وثلث ركوع ، وثلث سجود ، فمن نقص أحدهما لم يقبل منه سائرها ، ويقال : من ~~لم تقبل صلاته ردت أعماله كلها عليه . # | ذكر سنن الصلاة # وهي اثنتا عشرة سنة : رفع اليدين بتكبيرة الإحرام ، وصورة الرفع أن يكون ~~كفاه مع منكبيه وإبهامه عند شحمة أذنية وأطراف أصابعه مع فروع أذنيه ، ~~فيكون بهذا الوصف من الرفع موطئا للأخبار الثلاثة المروية عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، أنه كان يرفع يديه إلى منكبيه وأنه كان يرفعهما إلى شحمة ~~أذنيه ، وأنه رفع إلى فروع أذنيه يعني أعاليهما ، ولفظ التكبير أن يضم ~~الهاء من الاسم بتخفيف الضمة من غير بلوغ ، واو ، ويهمز الألف من أكبر ولا ~~يدخل بين الباء والراء ألفا ، ويجزم الراء ، لا يجوز غير هذا فيقول : الله ~~أكبر ، ثم لا يرفع يديه إذا كبر إلى قدام دفعا ، ولا يردهما إلى خلف منكبيه ~~وتكون أصابعه تلقاء أذنيه ، ثم يكبر ويرسلهما إرسالا خفيفا ms0829 رفيقا ، ويكون ~~إرساله يديه مع آخر التكبير ، لا يسلهما قبل انقضاء التكبير ولا يوقفهما ~~بعد الفراغ من التكبير ، ثم يستأنف وضع اليمين PageV02P154 على الشمال بعد ~~الإرسال ، روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا كبر أرسل ~~يديه ، فإذا أراد أن يقرأ وضع اليمين على اليسرى ، وليقبض على زند كفه ~~الشمال وليجعلهما تحت صدره ، ثم التوجه فيقول : وجهت وجهي للذي فطر السموات ~~والأرض حنيفا مسلما ، وما أنا من المشركين ، ثم يقول : إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ~~، ويقول : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ، ولا إله غيرك ، ~~فقد روي جميع ذلك في روايات مختلفة وجمعه حسن ، إلا أن يكون خلف الإمام ولا ~~يكون للإمام سكتتان ، فلا يمكنه أن يأتي بهذا التوجه كله مع قراءة الحمد ، ~~ولا يشتغلن حينئذ إلا بقراءة الحمد ، يغتنم قراءتها في سكوت الإمام ، واحذر ~~أن تقرأ في قراءة الإمام ، أو تركع أو تسجد أو ترفع رأسك قبله ، ثم ~~الاستعاذة ، ثم قراءة سورة من القرآن أو ثلاث آيات من سورة بعد الحمد ، ~~والتأمين بعد قراءة الحمد سنة حسنة ، فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~ثم أمر به ثم رفع اليدين بالتكبير ، للركوع أيضا سنة ، ثم التسبيح للركوع ~~وإذا أردت عشرا أو سبعا ولا أقل من ثلاث ، وإنما قيل : إن الثلاث أدنى ~~الكمال لأن الكمال عشرة ، قال الله تعالى : ( تلك عشرة كاملة ) البقرة : ~~196 ، ولتكن الثلاث بعد أن يضع يديه على ركبتيه وقبل أن يرفعهما ، لأنه إذا ~~لم يتحفظ في ذلك ويتمهل فيه حصل من التسبيح واحدة بعد الركوع ، وتكون ~~الأولى والأخرى في الإنحطاط والرفع ، وهذا مكروه ، وصورة الركوع أن يفرج ~~بين أصابعه فيملأ بها ركبتيه ، ويجافي عضديه عن جنبيه ولا يرفع رأسه ولا ~~يخفضه ، وليمد عنقه مع ظهره مدا فيكون ظهره ورأسه سواء ، ولا يكون مخفوضا ~~إلى أسفل ولا مقبوا إلى فوق ، ثم رفع اليدين بقول : سمع الله لمن حمده ، ~~سنة ، ويقول : اللهم ربنا ms0830 ، لك الحمد ملء السموات والأرض وما بينهما ، وملء ~~ما شئت من شيء بعد ، ثم التسبيح في السجود إن شاء عشرا أو سبعا وأدناه ثلاث ~~، ولتكن الثلاث بعد حصول جبهته على الأرض وقبل رفعه إياه ، وإلا كانت واحدة ~~تذهب الأولى في حال وضع الوجه ، والأخرى في حال رفع الرأس ، فتحصل تسبيحة ~~واحدة في كل سجدة ، وهذا غير مستحب أن ينقص من ثلاث ، وقال أنس بن مالك : ~~ما رأيت أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم ، هذا يعني عمر ~~بن عبد العزيز ، قال : فكنا نسبح وراءه عشرا في الركوع والسجود عشرا عشرا ، ~~PageV02P155 ويجعل رأسه بين كفيه في سجوده ، فإنهما يسجدان إذا كانتا ~~مفتوحتين فيجافي عضديه عن جنبيه ، ويمد ظهره ويرفع بطنه عن فخذيه ، ويستحب ~~أن يباشر الأرض بكفيه ، فإنهما يسجدان مع الوجه ، ثم التكبير للسجود والرفع ~~بين السجدتين وللقيام بين السجود من غير رفع يديه ، ثم يقول : رب اغفر لي ~~وارحمني ثلاثا ، روي ذلك عن ابن عمر وإن قال : رب اغفر وارحم ، وتجاوز عما ~~تعلم ، فإنك أنت الأعز الأكرم فجائز ، روي ذلك عن ابن مسعود ، وإن قال : رب ~~اغفر لي وارحمني واهدني وأجبرني وأنعشني ، فحسن قد روي ذلك عن علي رضي الله ~~تعالى عنه ، ثم التشهد الأول ثم السلام الأخير بالألف واللام وضم الميم من ~~السلام من غير تنوين ، ومد الاسم وجزم الهاء منه ، فيقول : السلام عليكم ~~ورحمة الله حتى يتبين خذاه لمن عن يمينه وشماله ويلوي به عنقه إلى منكبيه ، ~~كذلك كان تسليم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن يحول جسمه عن ~~القبلة ولا يرفع فخذه عن الأرض . الأرض . # | ذكر أحكام الصلاة في الإدراك # ومن أدرك من صلاة رباعية ركعتين أو الثالثة من صلاة المغرب ، فإن ما أدرك ~~هو أول الصلاة فليبن على ذلك ومن أدرك مع الإمام بعض القيام افتتح سورة ~~الحمد ولم يركع حتى يتمها ، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبله رفع بعده ، ~~ومن لم يدرك مع الإمام من القيام شيئا كبر ms0831 للإحرام ، ثم كبر وركع وهي له ~~ركعة ، وإن ركع الإمام وهو في قراءة سورة غير الحمد فليقطع حيث انتهى ~~وليركع بعده ، ومن أدركه في التشهد أو في السجود ابتدأ التكبير للإحرام ~~قائما ، ثم جلس وسجد للإتباع ، فإذا سلم الإمام قام من غير تكبير يحدثه ~~ثانيا ، وابتدأ بقراءة الحمد عند قيامه ، ولا يعتد بشيء مما أدرك مع الإمام ~~إلا بالركوع ، وهو أن يكون قد وضع يديه على ركبتيه واطمأن قبل أن يرفع ~~الإمام رأسه ، فهذه له ركعة ، ومن دخل في صلاة مكتوبة ثم ذكر أن عليه أخرى ~~أحببت أن يتمها ثم يصلي التي ذكر ، ثم يعيد هذه الصلاة ، ومن وافق الإمام ~~في صلاة العصر ولم يكن صلى الظهر صلاها معه ، ثم يصلي الظهر ثم أعاد بعدها ~~صلاة العصر ، فعله بعض الصحابة وهو أحب الوجوه إلي ، ومن تكلم في صلاته ~~ناسيا أو سلم من ركعتين من صلاة رباعية ، فليسجد سجدتي السهو بعد التشهد ، ~~فإن كان قد خرج من المسجد وتطاول ذلك ، ثم ذكر أحببت أن يعيد الصلاة ، ومن ~~تكلم أو سلم عامدا أو استدبر القبلة ، أو انكشفت عورته أو رعف في صلاته أو ~~ذكر أنه نسي مسح رأسه ، أو غسل عضو من أعضائه ، أعاد الصلاة ، PageV02P156 ~~ومن فاتته جماعة فتطوع رجل قام يصلي معه أحببت أن يكون هو المصلي به فرضه ، ~~ولا يخرج من الخلاف ويدخل في فرض الجماعة ، ولا أستحب أن يصلي فرضا خلف رجل ~~يتطوع ، ولا أكره صلاة النوافل جماعة ، ولا سجود سهو على العبد فيما جهر ~~فيه مما يخافت فيه مما يجهر ، ومن شك في ثلاث ركعات أو اثنتين فليجعلهما ~~اثنتين ، ومن شك في أربع أو ثلاث حسبها ثلاثا يبني أبدا على اليقين ، وهو ~~الأقل ، ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام ، وعليه أن يتشهد ثانيا لسجدتي ~~السهو وصلاته تامة ، ومن سها عن سجدتي السهو ، فإن ذكر قريبا أو قبل أن ~~يخرج من المسجد فأحب أن يسجدهما ثم يتشهد ويسلم ، فإن تطاول الوقت أو كان ~~قد خرج من المسجد سقط عنه ms0832 ، ومن شك في القبلة لدخول ظلمة أو فقد أدلة تحرى ~~جهده ، فإن تبين له أن القبلة بخلاف ذلك أحببت له أن يعيد ذلك ، وأستحب ~~سجود السهو فيما زاد بعد التسليم وفيما نقص قبله ، فإن سجدهما في الزيادة ~~والنقصان قبل السلام فحسن كل ذلك ، قد رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~: فإن لحقه وهم في الصلاة ليس بشك ، أو كثر وهمه في الصلاة أحببت أن يجعل ~~سجوده أبدا بعد السلام ، ومن صلى في حال ضرورة بنقصان طهارة أو نقصان فرض ~~من فرائض الصلاة أحببت أن يعيد متى قدر على ذلك ، ومن صلى في ثوب ثم رأى ~~فيه نجاسة بعد ذلك أعاد ما دام في الوقت قبل أن يدخل وقت صلاة أخرى ، فإن ~~خرج جميع الوقت فلا إعادة عليه ، ولو أعاد تلك الصلاة متى رأى تلك النجاسة ~~كان أحب إلي ، ومن كان عليه صلوات فرط فيها بإضاعة أو نقصان حدود صلاها أحب ~~إلي متوالية صلاة يوم في وقت واحد إن أمكن ، أو في أوقات متفرقة نسقا ، وأن ~~يكون ذلك في غير الأوقات المنهي فيها عن الصلاة أحب إلي ، ومن علم في صلاته ~~أن عليه ثوبا فيه نجاسة وأنه غير مستقبل القبلة ، فليلق الثوب وليستقبل ~~القبلة وليتم صلاته ، وإن أعاد فهو أحب إلي ، . # | ذكر هيئات الصلاة وآدابها # السواك قبل الصلاة من فضائلها ، روي في الخبر : صلاة بسواك تفضل على صلاة ~~بغير سواك سبعين ضعفا ، وأستحب له أن يقرأ ، قل : أعوذ برب الناس ، قبل ~~دخوله في PageV02P157 الصلاة ، فإنه جنة له من العدو ، وأن يستعيذ في كل ~~ركعة قبل قراءة الحمد لأنه يكون قارئا للقرآن ولأن كل ركعة صلاة ، وأن يضم ~~أصابع كفيه في التكبير وأن يراوح بين قدميه في القيام ، لا يضم كعبيه ولكن ~~يجعل بين قدميه مقدار أربع أصابع ، فإن ذلك يستحب ، قال بعضهم : كانوا ~~يفتقدون الإمام إذا كبر في ضم الأصابع ، وإذا قام في تفرقة الأقدام ، قال : ~~فيستدلون بذلك على فقهه ، ونظر ابن مسعود إلى رجل قد ألزق كعبيه في الصلاة ms0833 ~~فقال : لو رواح بينهما كان قد أصاب السنة . وقد يروى في خبر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن الصفن والصفد في الصلاة ، فأما الصفن فرفع إحدى ~~الرجلين من قوله تعالى : ( الصافنات الجياد ) ص : 31 ، إذا عطف الفرس طرف ~~سنبكه ، وأما الصفد فهو اقتران القدمين معا ومنه قوله تعالى : ( مقرنين في ~~الأصفاد ) إبراهيم : 49 ، واحدها صفد ، وقد رأيت بعض العلماء يفرق بين ~~أصابعه في التكبير ، وتأول أن ذلك معنى الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~، كان إذا كبر نشر أصابعه نشرا ، وذلك محتمل لتوكيده بالمصدر ، وهو قوله ~~نشرا ، فيصلح أن يكون قوله نشرا ، يريد به التفرقة ، وقد تسمى التفرقة بثاء ~~ونشرا لأن حقيقة النشر البسط ، وقد قال الله تعالى : ( وزرابي مبثوثة ) ~~الغاشية : 16 ، فهذا هو التفرقة وقال في معنى البث كالفراش المبثوث ، ثم ~~قال في مثله : ( كأنهم جراد منتشر ) القمر : 7 ، فإذا كان النشر مثل البث ، ~~وكان البث هو التفرقة ، كان قوله نشرا بمعنى فرق ، إلا أن إسحاق بن راهويه ~~سئل عن معنى قوله نشر أصابعه في الصلاة نشرا فقال : هو فتحها وضمها ، أراد ~~بذلك أن يعلم أنه لم يكن يقبض كفه وهذا وجه حسن ، لأن النشر ضد الطي في ~~المعنى ، والقبض طي ، ورأيت ثلاثة من العلماء يفرقون أصابعهم في التكبير ~~منهم : أبو الحسن صاحب الصلاة في المسجد الحرام وكان فقيها ، ورأيت ثلاثة ~~يضمون أصابعهم : منهم أبو الحسن بن سالم وأبو بكر الآجري ، وأحسب أن أبا ~~زيد الفقيه كان يفرق في أكثر ظني إذا تذكرت تكبيره ، قول : آمين من فضائل ~~الصلاة ، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا قال الإمام : ~~ولا الضالين فقولوا : آمين ، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما ~~تقدم من ذنبه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بآمين ، وفي ~~لفظ : آمين لغتان : المد والقصر ، والميم فيهما مخففة لأنك إذا شددت الميم ~~أحلت المعنى ، فيكون معناه قاصدين من قوله ولا آمين البيت الحرام ، وأن ~~يترك إحدى يديه ms0834 على الأخرى قابضا على الزندين بين السرة والصدر ، فإن ذلك ~~من الخشوع ، وقال بعض العلماء : ما أحسبه ذل بين يدي عزيز . وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه من سنن المرسلين ، وفسر علي عليه السلام قوله تعالى ~~: فصل لربك وانحر ، قال : وضع اليمين على الشمال ، وهذا موضع علم علي رضي ~~الله تعالى عنه ، ولطيف معرفته ، لأن تحت الصدر عرقا ، يقال له : الناحر لا ~~يعلمه العلماء ، PageV02P158 فاشتق علي رضي الله عنه قوله : وانحر من لفظ ~~الناحر : أي أوضع يدك على إلا الناحر ، وهذا هو العرق ، كما يقال ادمغ ؛ أي ~~أصب الدماغ ولم يحمله على نحر البدن ، لأنه ذكر في الصلاة ، ومن الناس من ~~يظن اشتقاقه من النحر ، والنحر هو تحت الحلقوم عنده لمتقي التراقي ، واليد ~~لا توضع هناك إلا من قال من أهل اللغة في معناه : وانحر أي وجه القبلة ~~بنحرك ، فهذا لعمري وجه لا يقعي في الصلاة ، وهو أن يجلس على قدميه وينصب ~~ركبتيه ، هذا مذهب أهل اللغة في الإقعاء ، أو على ركبتيه جاثيا وأصابع ~~رجليه في الأرض ، هذا مذهب أهل الحديث ، وليجتنب السدل والكف ، فإما السدل ~~فهو أن يرخي أطراف ثيابه على الأرض وهو قائم ، يقال : سدل وسدن بمعنى واحد ~~، وقد تبدل اللام نونا لقرب المخرجين إذا أرسل ثيابه ، ومنه قيل : سدنة ~~الكعبة أحدهم سادن ، وهم قوامها الذين يسلبون عليها كسوتها ؛ وسدانة الكعبة ~~ثيابها المسبلة ، وهذا قول أهل اللغة ومذهب أهل الحديث في السدل أن يلتحف ~~بثوبه ، ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد كذلك ، ولأن هذا فعل اليهود في ~~صلاتهم فنهوا عن التشبه بهم ، والقميص في معناه ؛ ولا يركع ويسجد ويداه في ~~بدن القميص إن اتسع ، فأما أن يدخل يديه في جسد القميص في السجود فمكروه ، ~~وقد قال بعض الفقهاء في السدل قولا ثالثا قال : هو أن يضع وسط إزاره على ~~رأسه ، ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على كتفيه ، وهذا ~~قول بعض المتأخرين وليس بشيء عندي ، والأولان أعجب إلي ، وهما مذهب القدماء ~~، وأما الكف ms0835 فقد نهي عنه في الصلاة أيضا ، وهو أن يرفع ثيابه من بين يديه ~~أو من خلفه إذا أراد السجود ، وأكره أن يأتزر قوق القميص فإنه من الكف ، ~~وقد روي عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه كراهية ذلك ، وروينا عن بعض أولاد ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه الرخصة في ذلك صلى أنه صلى الله عليه وسلم ~~محتزما بعمامته فوق القميص ، وقد يكون الكف في شعر الرأس ، فلا يصلين وهو ~~عاقص شعره ، وفي الحديث : أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء ولا أكف شعرا ولا ~~ثوبا ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاختصار في الصلاة وعن الصلب ~~، فأما الاختصار فأن يضع يده على خاصرته ، وأما الصلب فأن يضع يديه جميعا ~~على خصريه ويجافي بين PageV02P159 عضديه في القيام ، ولتقع ركبتاه على ~~الأرض قبل يديه ، ويداه قبل وجهه ، وأن يسجد على جبهته وأنفه ، فإنهما عضو ~~واحد ، ولينهض على صدور قدميه وإن ضعف فليعتمد على الأرض بيديه ، وأن لا ~~يلتفت في صلاته يمينا وشمالا ولا يلحظ عن يمين وشمال ، فإن لحظ فهو أيسر ، ~~وليرم ببصره إلى موضع سجوده ، فإن لم يفعل فليقابل بوجهه تلقاء القبلة ولا ~~يعبث بشيء من بدنه في الصلاة . وروي أن سعيد بن المسيب نظر إلى رجل يعبث ~~بلحيته في صلاته ، فقال : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ، وقد رويناه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق ونهى عن المواصلة في الصلاة وهي في ~~خمس : اثنان على الإمام أن لا يصل قراءته بتكبيرة الإحرام ، ولا يصل ركوعه ~~بقراءته ، واثنان على المأموم أن لا يصل تكبيرة الإحرام بتكبيرة الإمام ولا ~~تسليمه بتسليمه ، وواحدة بينهما أن لا يصل تسليم الفرض بتسليم التطوع ، ~~وليفصل بينهما ، وقد قيل : التسليم حزم والتكبير جزم ، وقد جاء في الخبر : ~~سبعة أشياء في الصلاة من الشيطان : الرعاف ، والنعاس ، والوسوسة ، والتثاؤب ~~، والحكاك ، والالتفات ، والعبث بالشيء ، وزاد بعضهم : والسهو ، والشك ، ~~وقال بعض السلف : أربعة أشياء في الصلاة من الجفاء : الالتفات ومسح الوجه ~~وتسوية الحصى وأن يصلي بطريق ms0836 من يمر بين يديه وزاد بعضهم وأن لا يصلي في ~~الصف الثاني ، وفي الصف الأول فرجة وقد نهى عن صلاة الحاقن ، والحاقب ، ~~والحازق ، فالحاقن من البول والحاقب من وجود الغائط والحازق صاحب الخف ~~الضيق فلا يصلي من كن به هذه الثلاثة لأنها تشغل القلب ، وأكره صلاة ~~الغضبان والمهتم بأمر ومن عرضت له حاجة حتى يسري عن قلوبهم ذلك و يطمئن ~~القلب ويتفرغوا للصلاة ومن شغل قلبه حضور الطعام وكانت نفسه تائقة إليه ~~فليقدم الأكل لقوله صلى الله عليه وسلم إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة ~~فابدؤوا بالعشاء إلا أن يضيق الوقت أو يكون ساكن القلب ، وفي الخبر لا ~~يدخلن أحدكم الصلاة وهو مغضب ولا يصلين أحدكم وهو غضبان ، وكان الحسن يقول ~~: كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرعز # | ذكر فضائل الصلاة وآدابها وما يزكو به أهلها ووصف صلاة الخاشعين # قال الله تعالى : ( وأقم الصلاة لذكري ) طه : 14 ، وقال : ( ولا تكن من ~~الغافلين ) الأعراف : 205 ، وقال تعالى : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~حتى تعلموا ما تقولون ) النساء : 43 ، قيل : سكارى من حب الدنيا وقيل : من ~~الاهتمام بها ، وقال جل ثناؤه : ( الذين هم على صلاتهم دائمون ) المعارج : ~~23 ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من صلى ركعتين لم يحدث نفسه ~~PageV02P160 فيهما بشيء من الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه ، وقال صلى الله ~~عليه وسلم : إنما الصلاة تمسكن ، وتواضع ، وتضرع وتباؤس ، وتنادم ، وترفع ~~يديك وتقول : اللهم ، فمن لم يفعل فهي خداج أي ناقصة ، روينا عن الله ~~سبحانه وتعالى في الكتب السالفة أنه قال : ليس كل مصل أتقبل صلاته إنما ~~أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يتكبر علي ، وأطعم الفقير الجائع لوجهي ، ~~فمن الإقبال على الصلاة أن لا تعرف من على يمينك ولا من على شمالك من حسن ~~القيام بين يدي القائم على كل نفس بما كسبت ، وكذلك فسروا قوله تعالى : ( ~~هم في صلاتهم خاشعون ) المؤمنون : 2 ، وقال سعيد بن جبير : ما عرفت من على ~~يميني ولا على شمالي في الصلاة ms0837 منذ أربعين سنة ، منذ سمعت ابن عباس يقول : ~~الخشوع في الصلاة أن لا يعرف المصلي من على يمينه وعن شماله . وروينا عن ~~بشر بن الحرث قال : قال سفيان : من لم يخشع فسدت صلاته ، وروينا عن معاذ بن ~~جبل ، من عرف من عن يمينه وشماله في الصلاة متعمدا فلا صلاة له ، وقد أسنده ~~إسماعيل بن أبي زياد عن بشر بن الحرث وغيره وعن الثوري أيضا : من قرأ كلمة ~~مكتوبة في حائط أو بساط في صلاته فصلاته باطلة ، وقال بشر يعني بذلك لأنه ~~عمل في الصلاة ، ومن الدوام في الصلاة السكون فيها ، وعلى ذلك فسر قوله ~~تعالى : ( الذين هم على صلاتهم دائمون ) المعارج : 23 ، قيل : هو السكون ~~والطمأنينة في الصلاة من قولك : ماء دائم إذا سكن ، وقال بعض الصحابة : ~~يحشر الناس يوم القيامة على مثال هيئاتهم في الصلاة ، من الطمأنينة والهدوء ~~، ومن وجود النعيم بها واللذة ، ثم إصغاء القلب للفهم وخشوعه للتواضع ، ~~وسكون الجوارح للهيبة ، ثم الترتيل في القراءة والتدبر لمعاني الكلام ، ~~وحسن الافتقار إلى المتكلم في الإفهام والإيقاف على المراد ، وصدق الرغبة ~~في الطلب للاطلاع على المطلع من السر المكنون المستودع في الكتاب ، وإن مر ~~بآية رحمة سأل ورغب ، أو آية عذاب فزع واستعاذ ، أو مر بتسبيح أو تعظيم حمد ~~وسبح وعظم ، فإن قال بلسانه فحسن وإن أسره في قلبه ورفع به همه نابه قصده ~~عن المقال ، وكان فقره غاية السؤال ، وهذا أحد الوجهين في قوله تعالى : ( ~~يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ) البقرة : 121 ، هكذا كان وصفهم في ~~التلاوة ، وينبغي أن يكون قلبه بوصف على ركن من أركان الصلاة ، وهمه معلق ~~بكل معنى من PageV02P161 معاني المناجاة ، فإذا قال : الله أكبر أي مما ~~سواه ولا يقال أكبر من صغير ، إنما يقال أكبر من كبير ، فيقال : هذا كبير ~~وهذا أكبر ، فإن كان همه الملك الكبير كان ذكر الله أكبر في قلبه فليواطئ ~~قلبه قول مولاه في قوله تعالى : ( ولذكر الله أكبر ) العنكبوت : 45 ، ~~ويواطئ لسانه قلبه في مشاهدة الأكبر فيكون يتلو وينظر ms0838 ، فإن الله تعالى قدم ~~العين على اللسان في قوله تعالى : ( ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين ) ~~البلد : 8 - 9 . فلا يقدم لسانه ويؤخر بصره ويكون عقده محققا لمقاله بالوصف ~~حتى يكون عاملا بما يقول في الحال ، فقد أخذ عليه ذلك لما أمر به حجة عليه ~~وتنبيها له ، ولا يكون بقوله : الله أكبر ، حاكيا ؛ ذلك عن قول غيره ، ولا ~~مخبرا به عن سواه ، بل يكون هو المتحقق بالمعنى القائم بالشهادة ، وهذا عند ~~أهل المعرفة واجب لأن الإيمان قول وعمل في كل شيء ، فإذا قلت : الله أكبر ~~فإن العمل بالقول أن يكون الله أكبر في قلبك من كل شيء ، وهو من رعاية ~~العهد ، لتدخل تحت الثناء والمدح في قوله تعالى : ( و الذين هم لأماناتهم ~~وعهدهم راعون ) المعارج : 32 ، فالعهد ما أعطيت بلسانك ، والرعاية والوفاء ~~بالقلب ليستحق الأجر العظيم كما قال تعالى : ( ومن أوفى بما عاهد عليه الله ~~فسيؤتيه أجرا عظيما ) الفتح : 1 ، ، ومن كان في قلبه الملك الصغير الفاني ~~أكبر من الملك الأكبر فما عمل بقوله تعالى : الله أكبر ، وليس هذا حقيقة ~~الإيمان لأنه لم يأت بعمل وقول ، وإنما جاء بالقول وهذا قائم بنفس من ~~مشاهدته الآخرة ، وكانت قرة عينه الآخرة ، كما قال تعالى : ( ما عندكم ينفد ~~) النحل : 96 ، يعني الدنيا ، ( وما عند الله باق ) النحل : 69 ، يعني ~~الآخرة . وقد قال : جعلت قرة عيني في الصلاة لأنه كان عند ربه فجعل قرة ~~عينه به ، وقد قال سبحانه وتعالى : ( ولذكر الله أكبر ) العنكبوت : 45 ، ~~فالمذكور أكبر وأكبر ، وقد أخبر تعالى أن الصلاة أريد بها الذكر في قوله ~~تعالى : ( وأقم الصلاة لذكري ) طه : 14 ، وروي معنى ذلك عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : إنما فرضت الصلاة وأمرت بالحج والطواف وأشعرت المناسك ~~لإقامة ذكر الله ، فإذا لم يكن في قلبك للمذكور الذي هو المقصود والمبتغى ~~عظمة ولا هيبة فما قيمة ذكرك ؟ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأنس ~~بن مالك ، وإذا صليت صلاة فصل صلاة مودع لنفسه ، مودع لهواه ، مودع لعمره ، ~~سائر إلى ms0839 مولاه ، كما قال : ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ) ~~الإنشقاق : 6 ، وكقوله تعالى : ( واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ) البقرة ~~: 223 ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : جعلت قرة عيني في الصلاة ، وكان ~~يرى الأكبر فتقر عينه به ، وقال : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم ~~يزدد بها من الله PageV02P162 إلا بعدا ، كما قال : من لم يترك قول الزور ~~والخيانة فليس لله تعالى حاجة أن يترك طعامه وشابه ، فإنما المراد من ~~الصلاة والصيام المخالفة من الآثام ، ومن إقامة الصلاة وإتمامها الوضوء لها ~~قبل دخول وقتها لئلا يشغله عن أول وقت غيرها ، وينبغي أن يكون قلبه في همه ~~، وهمه مع ربه ، وربه في قلبه ، فينظر إليه من كلامه ، ويكلمه بخطابه ، ~~ويتملقه بمناجاته ، ويعرفه من صفاته ، فإن كل كلمة عن معنى اسم ، أو وصف ، ~~أو خلق ، أو حكم ، أو إرادة ، أو فعل ؛ لأن الكلم ينبئ عن معاني الأوصاف ، ~~ويدل على الموصوف ، وكل كلمة من الخطاب تتوجه عشر جهات للعارف ، من كل جهة ~~مقام ومشاهدات ؛ أول الجهات الإيمان بها ، والتسليم لها ، والتوبة إليها ، ~~والصبر عليها ، والرضا بها والخوف منها ، والرجاء لها ، والشكر عليها ، ~~والمحبة لها ، والتوكل فيها ، فهذه المقامات العشر هي مقامات اليقين ، لأن ~~الكلمة هي حق اليقين ، وهذه المعاني كلها منطوية في كل كلمة يشهدها أهل ~~التملق والمناجاة ، ويعرفها أهل العلم والحياة ، لأن كلام المحبوب حياة ~~القلوب ، لا ينذر به إلا حي ولا يحيا به إلا مستجيب ، قال الله تعالى : ( ~~إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ) يس : 69 - 7 ، ، وقال سبحانه ~~: ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال : 42 ، ولا يشهد ~~هذه العشر مشاهدات إلا من نقل في العشر المقامات المذكورة في سورة الأحزاب ~~؛ أولها مقام المسلمين ، وآخرها مقام الذاكرين ، وبعد مقام الذكر هذه ~~المشاهدات العشر فعندها لا يمل المناجاة لوجود المصافاة ، ولا يثقل عليه ~~القيام للذاذة والإفهام ، ويسهل عليه الوقوف لدنو العطوف ، ويتنعم بالعتاب ~~بحلاوة الإقتراب ، هنالك يندرج طول القيام في التلاوة فلا يجده ms0840 كاندراج ~~القبلة في الصلاة فلا يشهدها ، فيكون من ورائه القبلة وهو أمامها ، كذلك ~~القيام يحمله وهو مع حامله . حدثت أن الموقن إذا توضأ للصلاة تباعدت عنه ~~الشياطين في أقطار الأرضين خوفا منه ، لأنه يتأهب للدخول على الملك ، فإذا ~~كبر حجب عنه إبليس وضرب بينه وبينه سرادق لا ينظر إليه ، وواجهه الجبار ~~بوجهه ، فإذا قال : الله أكبر أطلع الملك في قلبه ، فإذا ليس في قلبه أكبر ~~من الله تعالى فيقول : صدقت الله تعالى في قلبك ، كما تقول : قال فيتشعشع ~~من قلبه نور يلحق بملكوت العرش ، فيكشف له بذلك النور ملكوت السموات والأرض ~~، ويكتب له حشو ذلك النور حسنات ، قال : وإن الغافل الجاهل إذا قام للوضوء ~~احتوشته الشياطين ، كما يحتوش الذباب على نقطة العسل ، وإذا كبر أطلع الملك ~~في قلبه ، فإذا كل شيء في قلبه أكبر من الله تعالى عنده ، فيقول له : كذبت ~~ليس الله في قلبك كما تقول ، قال : فيثور في قلبه دخان يلحق بعنان السماء ~~فيكون حجابا لقلبه ، قال : فيرد ذلك PageV02P163 الحجاب صلاته ، ويلتقم ~~الشيطان قلبه ، فلا يزال ينفخ فيه ، وينفث ويوسوس إليه ، ويزين له ، حتى ~~ينصرف من صلاته ولا يعقل ما كان فيه ، وقد جاء في الخبر : لولا أن الشياطين ~~يحومون حول قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات . وروينا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه رأى في القبلة نخامة ، فغضب غضبا شديدا ، ثم حكها ~~بعرجون كان في يده ، وقال : ائتوني بعبير فلطخ أثرها بزعفران ، ثم التفت ~~إلينا فقال : أيكم يحب أن يبزق في وجهه ؟ قلنا : لا أينا ، قال : فإن أحدكم ~~إذا دخل في صلاته فإن الله عز وجل بينه وبين القبلة ، وفي لفظ آخر واجهه ~~الله تعالى ؛ فلا يبزقن أحدكم تلقاء وجهه ، ولا عن يمينه ، ولكن عن شماله ، ~~أو تحت قدمه اليسرى ، فإن بدرته بادرة فليبصق في ثوبه وليقل به هكذا ، وذلك ~~بعضه ببعض ، وقد روي : إذا قام العبد في صلاته فقال : الله أكبر ، قال الله ~~لملائكته : ارفعوا الحجاب بيني وبين عبدي ، فإذا التفت يقول الله ms0841 تعالى : ~~عبدي إلى من تلتفت ؟ أنا خير لك ممن تلتفت إليه ، ثم إذا قام المقبل على ~~صلاته شهد قلبه قيامه لرب العالمين ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، ثم ~~شهد وقوفه بالحضرة بين يدي الملك الجبار ، إذ ليس من الغافلين ، فتأخذه ~~غيبة الحضور ، ويرهقه إجلال الحاضر ، ويستولي عليه تعظيم القريب ، وبجمعه ~~خشية الرقيب ، فإذا تلا وقف همه مع المتكلم ماذا أراد ، واشتغل قلبه بالفهم ~~عنه والانبساط منه ، فإن ركع وقف قلبه مع التعظيم للعظيم ، فلا يكون في ~~قلبه أعظم من الله تعالى وحده ، فإن رفع شهد الحمد للمحمود ، فوقف مع الشكر ~~للودود ، فاستوجب منه المزيد ، وسكن قلبه بالرضا ، لأنه حقيقة الحمد ، وإن ~~سجد سما قلبه في العلو فقرب من الأعلى بقوله تعالى : ( واسجد واقترب ) ~~العلق : 19 . وأهل المشاهدة في السجود على ثلاث مقامات ؛ منهم من إذا سجد ~~كوشف بالجبروت الأعلى فيعلو إلى القريب ويدنو من القريب ، وهذا مقام ~~المقربين من المحبوبين ، ومنهم من إذا سجد كوشف بملكوت العزة ، فيسجد على ~~الثرى الأسفل عند PageV02P164 وصف من أوصاف القادر الأجل ، فيكسر قلبه ~~ويخبت تواضعا وذلا للعزيز الأعلى ، وهذا مقام الخائفين من العابدين ، ومنهم ~~من إذا سجد جال قلبه في ملكوت السموات والأرض فآب بظرائف الفوائد وشهد ~~غرائب الزوائد ، وهذا مقام الصادقين من الطالبين ، وهناك قسم رابع لا يذكر ~~بشيء ليس له وصف فيستحق المدح ، وهم الذين يجول همهم في أعطية الملك وأنصبة ~~المماليك ، فهم محجوبون بالهمم الدنية عن الشهادة العلية مأسورون بالهوى عن ~~السياحة إلى الإعلام ، فإن دعا هذا المصلي نظر إلى المدعو فكان هو المرجو ~~فأخذ في التمجيد والثناء والحمد والآلاء ، ونسي حاجته من الدنيا واشتغل عن ~~نفسه بالمولى وعن مسألته بحسن الثناء ، وإن استغفر هذا الداعي تفكر في ~~أوصاف التوبة وأحكام التائب وتفكر في ما سلف من الذنوب فعمل في تصفية ~~الاستغفار وإخلاص الإنابة والاعتذار ، وجدد عقد الاستقامة ، فيكون له بهذا ~~الاستغفار من الله عز وجل تحية وكرامة ، ففي مثل صلاة هذا العبد وردت ~~الأخبار أن العبد إذا قام ms0842 إلى الصلاة رفع الحجاب بينه وبينه وواجهه بوجهه ، ~~وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء فيصلون بصلاته ويؤمنون على دعائه ~~، وأن المصلي لينثر عليه البر من عنان السماء إلى مفرق رأسه ويناديه مناد ~~لو علم المناجي من يناجي ما انفتل ، وأن أبواب السماء ، للمصلين ، وأن الله ~~تعالى يباهي ملائكته بصفوف المصلين ، وفي التوراة مكتوب : يا ابن آدم لا ~~تعجز أن تقوم بين يدي مصليا باكيا فأنا الله تعالى الذي اقتربت من قلبك ~~وبالغيب رأيت نوري ، قال : وكنا نرى أن تلك الرقة والبكاء وتلك الفتوح التي ~~يجدها المصلي في قلبه من دنو الرب تبارك وتعالى من القلب ، وقال رجل ~~للنبيصلى الله عليه وسلم : ادع الله تعالى أن يرزقني مرافقتك في الجنة ، ~~فقال : أعني بكثرة السجود . وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : ما افترض ~~الله على خلقه بعد التوحيد أحب إليه من الصلاة ، ولو كان شيء أحب إليه من ~~الصلاة لتعبد به ملائكته ؛ منهم راكع ، وساجد ، وقائم ، وقاعد ، أو كما قال ~~بعض العلماء : الصلاة خدمة الله عز وجل في أرضه ، وقال آخر : المصلون خدام ~~الله عز وجل على بساطه ، إن المصلين من الملائكة يسمون في السموات خدام ~~الرحمن ويفخرون بذلك على سائر المرسلين من الملائكة ، ويقال : إن المؤمن ~~إذا صلى ركعتين عجب منه عشر صفوف من الملائكة ؛ كل صف منهم عشرة آلاف ، ~~وباهى الله تعالى به مائة ألف ملك ؛ وذلك أن العبد قد جمع فيه أركان الصلاة ~~الأربعة ؛ من القيام والقعود والركوع والسجود ، وفرق ذلك على أربعين ألف ~~ملك ، والقائمون لا يركعون إلى يوم القيامة ، والساجدون لا يرفعون إلى يوم ~~القيامة ، وكذلك الراكعون والساجدون ، ثم قد جمع الله له أركان الصلاة ~~الستة ؛ من التلاوة والحمد والاستغفار PageV02P165 والدعاء والصلاة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، وفرق ذلك على ستين ألف ملك لأن كل صف من ~~الملائكة عبادته ذكر من الأذكار الستة ، فإذا رأت الأملاك ما جمع فيه من ~~الأركان الستة والأذكار في ركعتين عجبت منه وباهاهم الله تعالى به ، لأنه ~~قد فرق ms0843 تلك الأعمال والأركان على مائة ألف ملك ؛ وبذلك فضل المؤمن على ~~الملائكة ، وكذلك فضل الموقن أيضا في مقامات اليقين من أعمال القلوب على ~~الأملاك بالتنقيل في المقامات بأن جمعت فيه ورفع منها ، والملائكة لا ~~ينقلون بل كل ملك موقوف في مقام معلوم لا ينقل عنه إلى غيره مثل : الشكر ~~والخوف والرجاء والشوق والأنين والخشية والمحبة ، بل كل ملك له مزيد وعلو ~~من المقام الواحد على قدر قواه ، وجمع ذلك كله في قلب الموقن . قال الله ~~تعالى ، وهو أصدق القائلين في صفات أوليائه المؤمنين : ( قد أفلح المؤمنون ~~الذين هم في صلاتهم خاشعون و الذين هم عن اللغو معرضون ) المؤمنون : 1 - 2 ~~- 3 ، فمدحهم بالصلاة كما ذكرهم بالإيمان ، ثم مدح صلاتهم بالخشوع كما ~~افتتح بالصلاة أوصافهم ، ثم قال في آخرها : ( والذين هم على صلواتهم ~~يحافظون ) المؤمنون : 9 ، فختم بها نعوتهم وقال في نعت عباده : المصلين ~~الذين استثناهم من الجزوعين من المصائب والفقر ، المانعين للمال والخير ، ~~إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ، ثم نسق النعوت وقال في آخرها : ~~والذين هم على صلاتهم يحافظون ، فلولا أنها أحب الأعمال إليه ما جعلها ~~مفتاح صفات أحبائه وختامها ، ولما وصفهم بالدوام والمحافظة عليها ، ومدحهم ~~بالخشوع فيها ؛ والخشوع هو انكسار القلب وإخباته وتواضعه وذلته ثم لين ~~الجانب وكف الجوارح وحسن سمت وإقبال ، والمداومة والمواظبة عليها وسكون ~~القلب والجوارح فيها ؛ والمحافظة هي حضور القلب وإصغاؤه وصفاء الفهم ~~وإفراده من مراعاة الأوقات وإكمال طهارة الأدوات ، ثم قال تعالى في عاقبة ~~المصلين : ( أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) ~~المؤمنون : 1 ، - 11 ، فجعل أول عطائهم الفلاح وهو الظفر والبقاء ، وآخره ~~الفردوس وهو خير المستقر والمأوى ، وقال في أضدادهم : من أهل النار ما ~~سلككم في سقر ، قالوا : لم نك من المصلين ، وقال موبخا لآخر منهم فلا صدق ~~ولا صلى ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طاعة من نهاه عن الصلاة ، ~~ثم أمره بها وأخبره أن فيها القرب والزلفى في قوله تعالى : ( أرأيت الذين ~~ينهى عبدا إذا صلى ms0844 ) العلق : 9 - 1 ، ، ثم قال : ( كلا لا تطعه واسجد ~~واقترب ) العلق : 19 ، فالمصلون بقية من خلقه وورثة جنته من عباده وأهل ~~النجاة من دار غضبه إبعاده جعلنا الله منهم بعطفه ورحمته . ذكر الحث على ~~المحافظة على الصلاة وطريقة المصلين من الموقنين قال الله سبحانه وتعالى : ~~( محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا ~~سجدا ) الفتح : 29 الآية ، فاختار لنفسه أصحابه صلوات الله عليه ثم اختار ~~لأصحابه PageV02P166 الصلاة فجعلها وصفهم في الإنجيل والتوراة ، فهذا يدل ~~أن الصلاة أفضل الأعمال لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل ~~العمال ، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أفضل ؟ قال : ~~الصلاة لمواقيتها ، وعن عمر رضي الله تعالى عنه : إذا رأيت الرجل حافظا ~~لصلاته فظن به خيرا وإذا رأيته مضيعا لصلاته فهو لا سواها أضيع ، وكان ~~الحسن يقول : ابن آدم ماذا يعز عليك من دينك إذا هانت عليك صلاتك ؟ فهو على ~~الله تعالى أهون ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصلاة عماد الدين ~~من تركها فقد كفر ، وفي حديث آخر بين الكفر والإيمان ترك الصلاة ، وفي ~~الخبر : من حافظ على الصلوات الخمس بإكمال طهورها ومواقيتها ، كانت له نورا ~~وبرهانا يوم القيامة ، ومن ضيعها حشره الله تعالى مع فرعون وهامان ، وفي ~~تفسير قوله تعالى : ( لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ) ~~مريم : 87 ، قال الصلوات الخمس ، وعن ابن مسعود وسلمان : الصلاة مكيال ، ~~فمن أوفى وفى له ، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله تعالى في المطففين ، وفي ~~الخبر : أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته فلا يتم ركوعها ولا سجودها ، ~~وفي الخبر : إذا صلى العبد في الملأ فأحسن وأساء صلاته في الخلا فتلك ~~استهانة يستهين بها ربه عز وجل ، وفي الخبر : إذا أحسن العبد صلاته في ~~العلانية و أحسنها في السر قال الله تعالى لملائكته : هذا عبدي حقا ، وعن ~~كعب وغيره : من قبلت صلاته قبلت أعماله كلها ، ومن ردت عليه صلاته ردت عليه ~~أعماله كلها ms0845 ، ويقال : من تقبلت منه الصلوات الخمس كملا من غير أن تلفق ، ~~ولا يرفع بعضها من بعض ، أو غيرها من النوافل ، أطلع على علم الأبدال وكتب ~~صديقا ، وعلامة قبول الصلوات أن تنهاه في تضاعيفها عن الفحشاء والمنكر ~~والفحشاء والكبائر ، والمنكر ما أنكره العلماء ، فمن انتهى رفعت صلاته إلى ~~سدرة المنتهى ، ومن تحرقته الأهواء فقد ردت صلاته لما غوى فهوى ، وقال مالك ~~بن دينار وإبراهيم بن أدهم : إني لأرى الرجل يسيء صلاته فأرحم عياله ، وقال ~~الفضيل بن عياض : الفرائض رؤوس الأموال والنوافل الأرباح ، ولا يصح ربح إلا ~~بعد رأس المال ، وكان ابن عيينة يقول : إنما جرموا الوصول بتضييع الأصول ، ~~وقال علي بن الحسين : من اهتم بالصلوات الخمس في مواقيتها وإكمال طهورها لم ~~يكن له في الدنيا عيش وكان عليه السلام إذا توضأ للصلاة PageV02P167 تغير ~~لونه واصفر وأرعد ، فقيل له في ذلك فقال : تدرون بين يدي من أريد أن أقف ~~وعلى من أدخل ولمن أخاطب ؟ وقال بعض العارفين : للصلاة أربع فرائض ؛ إجلال ~~المقام ، وإخلاص السهام ، ويقين المقال ، وتسليم الأمر ، وقال أبو الدرداء ~~: خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله تعالى وكان ~~وكيع يقول : من لم يأخذ أهبة الصلاة قبل وقتها لم يحافظ عليها ومن تهاون ~~بتكبيرة الإحرام فاغسل يدك منه . وروينا في تفسير قوله تعالى : ( سابقوا ~~إلى مغفرة من ربكم ) الحديد : 21 ، قال : تكبيرة الإحرام ، وفي حديث أبي ~~كاهل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى أربعين يوما الصلوات في ~~جماعة لا يفوته منها تكبيرة الإحرام كتب له براءتان ؛ براءة من النفاق ، ~~وبراءة من النار ، وقال سعيد بن المسيب : منذ أربعين سنة ما فاتتني تكبيرة ~~الإحرام في جماعة ، وكان يسمى حمامة المسجد ، وقال عبد الرزاق : من عشرين ~~سنة ما سمعت الأذان إلا في المسجد ، ويقال : إنه إذا كان يوم القيامة أمر ~~بطبقات المصلين إلى الجنة زمرا ، قال : فتأتي أول زمرة كان وجههم الكوكب ~~الدري فتستقبلهم الملائكة فيقولون : من أنتم ؟ فيقولون : نحن المصلون من ~~أمة محمد صلى الله عليه ms0846 وسلم ، فيقولون : ما كانت أعمالكم في الدنيا ؟ ~~فيقولون : كنا إذا سمعنا الأذان قمنا إلى الطهارة لا يشغلنا غيرها ، فتقول ~~الملائكة : يحق لكم ذلك ، ثم تأتي الزمرة الثانية فوق أولئك في الحسن ~~والجمال كأن وجوههم الأقمار فتقول الملائكة : من أنتم ؟ فيقولون : نحن ~~المصلون ، فيقولون : وما كانت صلاتكم ؟ فيقولون : كنا نتوضأ للصلاة قبل ~~دخول وقتها ، فتقول الملائكة : يحق لكم ذلك ، ثم تأتي الزمرة الثالثة فوق ~~هؤلاء في المنزلة والجمال كأن وجوههم الشمس الضاحية ، فتقول الملائكة : ~~أنتم أحسن وجوهاوأعلى مقاما فما أنتم ؟ فيقولون : نحن المصلون ، فيقولون : ~~وما كانت صلاتكم ؟ فيقولون : كنا نسمع الأذان في المسجد ، فتقول الملائكة : ~~يحق لكم ذلك . وقال بعض العلماء رضي الله عنهم : سميت الصلاة صلاة لأنها ~~صلة بين العبد وبين الله عز وجل ومواصلة من الله تعالى لعبده ، ولا تكون ~~المواصلة والمنال إلا لتقي ، قال الله تعالى : ( لن ينال الله لحومها ~~ولادماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) الحج : 37 ، ولا يكون التقي إلا خاشعا ~~فعندها لا يعظم عليه طول الوقوف ولا يكثر عليه الانتهاء عن المنكر ~~والائتمار بالمعروف ، كما قال سبحانه وتعالى : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر ) العنكبوت : 45 ، والخاشعون من المؤمنين هم الآمرون بالمعروف ، ~~والناهون عن المنكر ، الحافظون لحدود الله جزاؤهم البشرى ، كما قال : ( ~~وبشر المؤمنين ) الأحزاب : 47 والخاشعون أيضا الخائفون ، الذاكرون ، ~~الصابرون ، والمقيمون الصلاة ، فإذا كملت هذه الأوصاف فيهم كانوا مخبتين ، ~~وقد قال سبحانه : ( وبشر المختتين ) الحج : 34 ، وكان ابن مسعود إذا نظر ~~إلى الربيع بن خيثم يقول : وبشر المختبين أما والله لو رآك PageV02P168 ~~محمد صلى الله عليه وسلم لفرح بك ، وفي لفظ آخر لأحبك ، يقال : إنه كان ~~يختلف إلى منزل ابن مسعود عشرين سنة لا تحسب جارية ابن مسعود إلا إنه أعمى ~~لشدة غض بصره وطول إطراقه إلى الأرض بنظره ، وكان إذا دق الباب عليه تخرج ~~إليه إنه أعمى لشدة غض بصره وطول طاقه إلى الأرض بنظره ، وكان إذا دق الباب ~~عليه تخرج إليه الجارية فإذا رأته قالت لعبد الله صديقك ذاك الأعمى قد جاءك ~~فكان ms0847 ابن مسعود يضحك ويقول : ويحك ذاك الربيع ، ومشى ذات يوم مع ابن مسعود ~~في الحدادين فلما نظر إلى الأكوار تنفخ وإلى النيران تلتهب ، صعق وسقط ~~مغشيا عليه ، وقعد ابن مسعود عند رأسه إلى وقت الصلاة فلم يفق فحمله ابن ~~مسعود على ظهره إلى منزله ، فلم يزل مغشيا عليه إلى الساعة التي صعق فيها ~~حتى فاتته خمس صلوات ، وابن مسعود عند رأسه يقول : هذا والله الخوف ، وكان ~~هذا يقول : ما دخلت في صلاة قط فأهمني فيها إلا ما أقول وما يقال لي ، وقد ~~كان عامر بن عبد الله من خاشعي المصلين ، كان إذا صلى ضربت ابنته بالدف ، ~~وتحدث النساء بما يردن في البيت ، ولم يكن يعقل ذلك ولا يسمعه وقيل له ذات ~~يوم : هل تحدث نفسك في الصلاة بشيء ؟ قال : نعم بوقوفي بين يدي الله عز وجل ~~ومنصرفي إلى إحدى الدارين ، قيل : فهل تجد شيئا مما نجده من أمور الدنيا ؟ ~~فقال : لأن تختلف الأسنة في أحب إلي من أن أجد شيئا في الصلاة مما تجدون ، ~~وكان يقول : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ، وقد كان مسلم بن يسار من ~~الزاهدين العاملين ، كان إذا دخل في الصلاة يقول لأهله : تحدثوا بما تريدون ~~وأفشوا سركم فإني لا أستمع إليكم ، وكان يقول : وما يدريكم أين قلبي ، وكان ~~يصلي ذات يوم في مسجد البصرة ، فوقعت خلفه أسطوانة معقود بناؤها على أربع ~~طاقات ، فتسامع بها أهل السوق فدخلوا المسجد وهو يصلي كأنه وتد ، وما انفتل ~~من صلاته ، فلما فرغ جاءه الناس يهنونه فقال : أي شيء تهنوني ؟ قالوا : ~~وقعت هذه الأسطوانة العظيمة وراءك فسلمت منها ، قال : متى وقعت ؟ قيل : ~~وأنت تصلي ، قال : ما شعرت بها ، وقال بعض المصلين : الصلاة من الآخرة ، ~~فإذا دخلت في الصلاة خرجت من الدنيا ، وسئل بعضهم : هل تذكر في صلاتك شيئا ~~؟ قال : وهل شيء أحب إلي من الصلاة فأذكره فيها ؟ وكان أبو الدرداء يقول : ~~من فقه الرجل أن يبدأ بحاجته قبل دخوله في الصلاة ليدخل في الصلاة وقلبه ~~فارغ . وفي الخبر : أن عمار ms0848 بن ياسر صلى صلاة فخففها فقيل له : خففت يا أبا ~~اليقظان ، فقال : هل رأيتموني نقصت من حدودها شيئا ؟ قالوا : لا قال : لأني ~~بادرت سهو الشيطان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن العبد ليصلي ~~الصلاة لا يكتب له ثلثها ولا نصفها ولا ربعها ولا خمسها ولا سدسها ولا ~~عشرها ، وكان يقول : إنما يكتب للعبد PageV02P169 من صلاته ما عقل منها ، ~~وقد ذكر هذا عبد الواحد بن زيد أنه إجماع ، فروينا عنه أنه قال : أجمعت ~~العلماء أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل ، وقال الحسن : كل صلاة لا ~~يحضرها قلبك فهي إلى العقوبة أسرع منها إلى الثواب ، ويقال : إن أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، منهم الزبير وطلحة ، كانوا أخف الناس صلاة ، ~~فسئلوا عن ذلك فقالوا : نبادر بها وسوسة العدو ، وروينا أن عمر رضي الله ~~تعالى عنه قال على المنبر : إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما أكمل لله ~~تعالى صلاة ، قيل : وكيف ذاك : لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله على الله ~~تعالى فيها ؟ وقال الله جل ذكره : ( ومن أصدق من الله حديثا ) النساء : 87 ~~، ( حتى تعلموا ما تقولون ) النساء : 43 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: من تشعبت به الهموم لم يبال الله تعالى في أي أوديتها هلك ، وسئل أبو ~~العالية عن قوله تعالى : ( الذين هم عن صلاتهم ساهون ) الماعون : 5 ، قال : ~~هو الذي يسهو في صلاته فلا يدري على كم ينصرف ، على شفع أم على وتر ؟ سئل ~~الحسن عن ذلك فقال : هو الذي يسهو عن وقت الصلاة حتى يخرج وقتها ، وكان ~~يقول : أما والله لو تركوها لكفروا ، ولكن سهوا عن الوقت ، وقال بعض السلف ~~فيها : هو الذي إن صلاها في أول الوقت أو في الجماعة لم يفرح وإن صلاها بعد ~~الوقت لم يحزن ، وقيل : هو الذي لا يرى تعجيلها برا ولا تأخيرها إثما ويقال ~~: إن الصلوات الخمس يلفق بعضها إلى بعض حتى يتم بها للعبد صلاة واحدة ، ~~وقيل : من الناس من يصلي خمسين صلاة فيكمل له ms0849 بها خمس صلوات وإن الله تعالى ~~ليستوفي من العبد ما أمره به كما فرضه عليه وإلا تممه من سائر أعماله ~~النوافل لأنه ما فرض على العبد إلا ما يطيقه بعونه إذ لم يكلفه ما لا طاقة ~~له به برحمته . وروينا عن عيسى عليه السلام : يقول الله تعالى : بالفرائض ~~نجا مني عبدي وبالنوافل تقرب إلي عبدي وقد جاء مثله عن نبينا صلى الله عليه ~~وسلم : يقول الله : لا ينجو مني عبد إلا بأداء ما افترضته عليه ، وفي الخبر ~~المفسر : أول ما يحاسب به العبد الصلاة ، فإن وجدت كاملة وإلا يقول الله ~~تعالى : انظروا هل لعبدي نوافل ؟ فنتم فرائضه من نوافله ؟ ثم يعمل بسائر ~~الفرائض ، كذلك يوفي كل فرض من جنسه من النفل ؛ فإذا كانت النوافل في السهو ~~والتقصير كالفرائض أو لم يوجد نوافل فكيف يكون حاله في الحساب ؟ وكان ابن ~~عباس يفسر قوله تعالى كلا لما يقض ما أمره قال : يعني به الكافر ، لأن عنده ~~أن كل موضع في القرآن يذكر به الإنسان خاصة أنه يعني به الكافر ، وقد قال ~~الله تعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) البقرة : 286 يعني طاقتها ، ~~وقال سبحانه وتعالى مخبرا عن المؤمنين : ( ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) ~~البقرة : 286 ، في التفسير قد فعلت ؛ وفي هذه المسألة اختلاف وشبهة ، ~~والصواب من ذلك أن الله عز وجل لا يكلف المؤمنين خاصة ما لا طاقة لهم به ، ~~فهم مخصوصون بذلك فضلا من الله تعالى ونعمة آثرهم بها PageV02P170 على ~~الكافرين ، إذ له أن يؤثر بعض عباده على بعض لأن الفضل بيده يؤتيه من يشاء ~~، وهذا مفهوم من دليل الخطاب من قوله : لا تحملنا ما لا طاقة لنا به أن له ~~تعالى أن يحمل الكافر ما لا طاقة له به عدلا منه وحكمة ، كما قال تعالى : ( ~~وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته ) الأنعام : 115 ، قيل : صدقا ~~للمؤمنين وعدلا على الكافرين ، قال الله تعالى مخبرا عن إخوة يوسف : ( ~~تالله لقد آثرك الله علينا ) يوسف : 91 فهذا نص ms0850 في الإيثار لبعض خلقه على ~~بعض ، ثم رأيت تصديق ما ذكرته عن ابن عباس رواها إسماعيل عن جويبر عن ~~الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى : ( و الذين آمنوا وعملوا الصلحات لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها ) الأعراف : 42 ، يعني إلا طاقتها من العمل لأن الله ~~تعالى افترض على المؤمنين أعمالا يطيقونها ، ولم يفترض عليهم ما لا يطيقون ~~، هذا نقل لفظ ابن مسعود في تخصيص المؤمنين ، كما ذكرناه آنفا ، ويقول أيضا ~~في تفصيل هذه المسألة : للزائغين فيها تعلق ابتغاء التآويل أن الله تعالى ~~كلف العباد ما لا يطيقونه إلا به لافتقارهم إليه وعدم استغنائهم عنه في كل ~~حركة وسكون ، إذ لا مشيئة لهم دون مشيئته ولا استطاعة إلا بتوفيقه ولا حول ~~ولا قوة إلا به ، ألم تسمع إلى قوله تعالى في وصف الكافرين : ( ما كانوا ~~يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ) هود : 2 ، ، وقال تعالى في مثله : ( ~~وكانوا لا يستطيعون سمعا ) الكهف : 1 ، 1 ، وقال فيمن استطاع به إن أريد ~~إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت . وروينا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم : من صلى كما أمر غفر له ما تقدم من ذنبه ، وقد يروى في ~~خبر : يقول الله تعالى : ليس كل مصل أتقبل صلاته إنما أتقبل صلاة من تواضع ~~لعظمتي وخشع قلبه لجلالي ، وكف شهواته عن محارمي ، وقطع ليله ونهاره بذكري ~~، ولم يصر على معصيتي ، ولم يتكبر على خلقي ، ورحم الضعيف ، وواسى الفقير ~~من أجلي ، على أن أجعل الجهالة له حلما ، والظلم له نورا يدعوني فألبيه ، ~~ويسألني فأعطيه ، ويقسم علي فأبره ، أكلؤه بقوتي وأباهي به ملائكتي ، لو ~~قسم نوره عندي على أهل الأرض لوسعهم ، مثله كمثل الفردوس لا يتسنى ثمرها ~~ولم يتغير حالها ، وفي الخبر : كم من قائم حظه من قيامه السهر والتعب ، ومن ~~صلى صلاة وراء إمام فلم يدر ماذا قرأ فهو نهاية السهو ، فإنه تارك الأمر ~~للاستماع فيخاف عليه مجانية الرحمة لأن الله تعالى ضمن الرحمة بشرطين : ~~الاستماع والإنصات ، وقال سبحانه في المعنيين : ( وإذا قرئ ms0851 القرآن فاستمعوا ~~له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) الأعراف : 204 وقال تعالى : ( فلما حضروه قالوا ~~أنصتوا ) الأحقاف : 29 ، وروينا في خبر : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~صلاة فترك في قراءته ، فلما انفتل قال : ماذا قرأت ؟ PageV02P171 فسكت ~~القوم ، فسأل أبي بن كعب فقال : قرأت سورة كذا وتركت آية كذا فما أدري ~~أنسخت أم رفعت ، فقال : أنت لها يا أبي ، ثم أقبل على الآخرين فقال : ما ~~بال أقوام يحضرون صلاتهم ويتمون صفوفهم ونبيهم بين أيديهم ، لا يدرون ما ~~يتلو عليهم من كتاب ربهم إلا أن بني إسرائيل كذلكم فعلوا ، فأوحى الله إلى ~~نبيهم أن قل لقومك تحضروني أبدانكم وتعطوني ألسنتكم وتغيبون عني قلوبكم ~~باطلا ما تذهبون . وقال بعض علمائنا : إن العبد يسجد السجدة عنده أنه يتقرب ~~بهما إلى الله عز وجل ، ولو قسمت ذنوبه في سجدته على أهل مدينته لهلكوا ، ~~قيل : وكيف يكون ذلك يا أبا محمد ؟ قال : يكون ساجدا عند الله وقلبه مصغ ~~إلى هوى ، ومشاهد لباطل قد استولى عليه ، وهذا كما قال لأن فيه انتهاك حرمة ~~القرب وسقوط هيبة الرب تعالى ، واعلم أن طول الصلاة عليك غفلة وقصرها سهو ~~لأنها إذا طالت عليك دل على عدم الحلاوة ووجود الثقل بها وكبرها على جوارحك ~~، وإذا قصرت عليك وخفت دل على نقصان حدودها ودخول الغفلى والسهو فيها ، ~~فالنسيان قصرها ، والاستقامة في الصلاة أن لا تطول عليك لوجود الحلاوة ، ~~ولذة المناجاة ، وحسن الفهم ، واجتماع الهم ، ولا تقصر عليك لتيقظك فيها ، ~~ورعايتك حدودها ، وحسن قيامك بها ؛ وهذه مراقبة المصلين ومشاهدة الخاشعين . # | ذكر أحكام الخواطر في الصلاة # وما ذكر به العبد في الصلاة من الخير فليسارع إلى فعله فذلك من أحب ~~الأشياء إلى الله تعالى لأنه أذكره إياها في أحب المواطن إليه ، وما ذكر به ~~من المكروه والممقوت إليه من المعتاد والمستأنف فليجتنبه ؛ فإنه هو الذي ~~يبعده من قرب الله سبحانه وتعالى ، وتذكيره إياه في محل القرب ، توبيخا له ~~وتقريرا ، وقد يكون عتبا وتنبيها ، فترك ذلك مما يقرب إلى الله تعالى ، ~~ويدل على حسن الاستجابة ms0852 له ؛ وهو مسلك طريقه إلى الله تعالى وما خطر به من ~~خاطر تمن أو هوى أو ذكر بهمة ما يأتي أو ما قد مضى ، فإن ذلك وسوسة إليه من ~~عدوه حسدا له ليقطعه بذلك عن وقوف قلبه عند كل ركن من أركان الصلاة ويشغل ~~قلبه عن الوقوف في المناجاة ، بما يضره عما ينفعه ليحرمه بذلك أن يشهد عند ~~كل ذكر من أذكار الصلاة ما يوجبه الذكر من تدبير أو تعظيم أو حمد أو دعاء ~~أو استغفار ، وإن خطر بقلبه أمر معاشه وتصريف أحواله وتدبير شأنه من ~~المناجاة ، فذلك من قبل النفس وفكرها PageV02P172 بما توسوس به من أمور ~~الدنيا ، فأما إن خطرت همة محظورة أو فكرة في معصية مأزورة ؛ فهذا هو ~~الهلاك والبعد ، يكون عن وصف النفس الأمارة باستحواذ العدو المغوي ؛ فهو ~~علامة الإبعاد ، والحجاب دليل المقت ، والإبعاد والإعراض ، فإذا ابتلي في ~~صلاته بهذه المعاني فقد اختبر بذلك فعليه أن يعمل في نفيه مع نفس بدوه ، ~~ولا يمكنه من الظهور من قلبه فيملكه ، ولا يصغي إليه بعقله فيستولي عليه ، ~~ولا يحادثه ولا يطاوله فيخرجه من حد الذكر واليقظة إلى مسامرة الجهل ~~والغفلة ، وكل عمل محظور فالهمة به محظورة وفيه نقص ، وكل عمل مباح فالهمة ~~به مباحة ونفيها فضيلة ، وما خظر على قلبه من الخيرات المتأخر فعلها فليعقد ~~النية بذلك ، فإنه قد ذكر به وأريد منه ، ثم ليمض في صلاته ولا يشتغل ~~بتدبيره ؛ كيف يكون ؟ ومتى يكون ؟ أو كيف أكون فيه ؟ وعنده إذا كان فيفوته ~~الإقبال في الحال بتدبير شأنه في المآل ؛ وهذا هو استراق من العدو عليه ~~وإلقاء من خدوعه إليه ، فإن جاهد هذا المصلي نفسه عن مسامرة الفكر وقابل ~~عدوه في قطع وسوسة الصدر ، كان مجاهدا في سبيل الله تعالى ، مقاتلا لمن ~~يليه من أعداء الله تعالى ، له أجران : أجر الصلاة للتقرب إلى الكريم ، ~~وأجر المصارمة والمحاربة لعدوه الرجيم . وقد كان الأقوياء من المؤمنين ، ~~أهل الغلظة على الأعداء والتمكين ، إذا ابتلوا بداخل يدخل عليهم في الصلاة ~~من الأسباب ، يخرجهم عن ms0853 المشاهدة فيها عملوا في قطع ذلك الشيء وإبعاده من ~~أصله ، إذ كان سبب قطعهم وإبعادهم من قربهم ، فيستخرج بإدخال ذلك عليهم ~~إخراجهم من الدنيا ؛ وهو الزهد فيها ، فيكون ذلك إحسانا من الله إليهم ~~ومريدا منه لهم ؛ وهذا أحد ما زهد لأجله الزاهدون في الدنيا لتصفو قلوبهم ~~من الأسباب فتخلص أعمالههم من الوسواس بالاكتساب ومن ذلك ما بلغنا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه نزع الجبة التي كانت عليه في الصلاة لما نظر ~~إلى علمها وقال : ألهتني هذه في الصلاة يعني شغلتني ، ونظر إلى شراك نعله ~~في الصلاة وكان جديدا ، فأمر أن ينزع منها ويعاد لها الشراك الخلق ، وكان ~~قد احتذى نعلا فأعجبه حسنها فسجد وقال : تواضعت لربي كيلا يمقتني ، ثم خرج ~~بها فدفعها إلى أول سائل لقيه ، ثم أمر عليا أن يشتري له نعلين سبتيين ~~جرداوين فلبسهما . وكان الضعفاء من المؤمنين يعملون في نفيه وترك مساكنته ~~ومحادثته في الحال لقوادح اليقين في إيمانهم ولسرعة التيقظ في قلوبهم ؛ لأن ~~الآفات تدخل من مكان الهوى وتمكن الأعداء ، ومكان الهوى وقوة العدو لطول ~~الغفلة وعدم حلاوة الطاعة لاتساع النفس في الشهوات وقوة سلطانها على الصفات ~~واتساع النفس وقوة صفتها لضيق القلب ، وضعف اليقين إذ لو قوي يقين العبد ~~لانشرح صدره ولأطفأ نور يقينه ظلمة هواه ، ولاندرجت النفس في القلب اندراج ~~الليل في النهار ، ولأسقط مكانه من الشهادة تمكن PageV02P173 أعدائه ~~والعادة ، ولعلم يقينا أن ما هو فيه من الذكر والصلاة أنفع له وأحمد عاقبة ~~مما تفكر فيه من عاجل دنياه ، فيشتغل حينئذ بما هو فيه له من الذكر عما هو ~~عليه من سوء الفكر ، وليس بعد هذين المقامين حال ينعت ولا يمدح بشيء ، وما ~~قدح في قلبه من فهم الخطاب وتدبر معاني الكلام والإيقان على المقصد والمراد ~~فهو تعليم من الله تعالى وتوقيف وتنبيه منه وتعريف ؛ وهذا مزيد التلاوة ~~وعلامة الإخلاص في المعاملة وبركة التدبر ، دليل القبول والشكر لحسن الخدمة ~~، فليأخذ من ذلك ما عفا ويغترف منه ما صفا ، ولا ينتظره ولا ms0854 يتمناه ولا ~~يتبعه بعد انصرافه بالفكر في معناه ، فيسترق العدو عليه السمع ويلقي إليه ~~الوسوسة ويطمع فيه بالغرة ويدخل عليه من باب الأمنية ، لأنه قد قرن الأماني ~~بالإضلال ؛ فهي مواعيد الكذب للإبطال ، ألم تسمع إلى ربك تعالى كيف أخبرك ~~عنه في قوله تعالى : ( ولأضلنهم ولأمنينهم ) النساء : 119 ، ثم قال في مثله ~~: ( وعدهم وشاركهم في الأموال و الأولاد وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) ~~الإسراء : 64 ، ثم استثنى عباده المسلطين عليه بسلطانه ، الغالبين له ~~بآياته ، فلم يصل العدو إليهم لمواصلته لهم وتوكلهم عليه بوكالته إياهم ، ~~تنتظم هذه المعاني في قوله تعالى : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى ~~بربك وكيلا ) الإسراء : 65 ، وقوله تعالى : ( ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون ~~إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ) القصص : 35 ، مع قوله تعالى : ~~( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) النحل : 99 . ~~وللعبد في التفكر والتدبر لما يستقبل من كل كلمة شغل عما فات مما كان عمله ~~، وله في الشغل في الحال اقتطاع بما قد فهمه وما فهمه من غير ما يتلوه ~~فاستدل به على ما سواه مما يعينه ويحتاج إليه ؛ فهي أبواب من الفطنة تفتح ~~له فيكون التكلم مفتاحها ، ثم يخرج العبد إلى سواها مما هو له أصلح أو عليه ~~أوجب ، فليعرف بذلك ما عرف وليقف من ذلك على ما عليه وقف وما تفكر فيه من ~~غير تدبر التلاوة ، أو شغل به من غير فهم المتلو فهو حجاب له من الفهم وقطع ~~له عن خالص العلم فليقطع ذلك ، والتمام في التلاوة أن يتدبر التالي باطن ~~الكلام ، ويتفكر في غوامض الخطاب ، ويوقف قلبه على معاني المراد ، ويعمل ~~فكره في تذكر الموصل والترداد ، فإن الكلام عزيز من عزيز ، ولطيف من لطيف ، ~~وحكيم من حكيم ، وعلى من على ظاهره سهل قريب ، وباطنه بحر عميق ، يقول ~~السامع إذا عقله قد فهمته ، لتجلي فحواه ، فإذا شهده كأنه ما سمعه لدقيق ~~معناه يحسب العاقل أنه قد عرفه لظهور بيانه وتفصيل حكمته ، فإذا عرف ~~المتكلم به كأنه ما ms0855 عقله لعمق بحاره وسعة أقطاره قد اغتر به قوم لما سمعوا ~~بيانه فادعوا أنهم يحسنونه ، وخدع به آخرون لما عقلوا أمثاله فطلبوا غيره ~~وسألوا أبداله ، وأصغى آخرون إلى سمعه فادعوا فهمه فأكذبهم الصادق ، وعزلهم ~~عن سمعه ، ثم أخبرنا بجميع ذلك عن جهلهم ، وعجبنا من جراءتهم ، فقال في وصف ~~الأولين : PageV02P174 ( وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء ~~لقلنا مثل هذا ) الأنفال : 31 ، ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين ~~لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله ) يونس : 15 . وقال في نعت ~~الآخرين : ( يلقون السمع وأكثرهم كاذبون ) الشعراء : 223 ، ( إنهم عن السمع ~~لمعزولون ) الشعراء : 212 ، ( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ~~) الأنفال : 21 ، ثم وصف من أسمعه إياه وأفهمه معناه من الجن الذين هم أسد ~~قوة من الأنس وأعظمهم وصفا فقالوا : ( إنا سمعنا قرآنا عجبا ) الجن : 1 ( ~~يهدي إلى الرشد ) الجن : 2 ، فهؤلاء ممن عقله فمدحم بفهمه وأخبر عن صاحب ~~التنزيل بمثله فقال : ( بل عجبت ويسخرون ) الصافات : 12 ، أي عجبت من ~~القرآن وتفصيله وتنزيله ، ويسخر منه الجاهون ، فإن فتح للتالي بالتلاوة عين ~~نفس المتلو باب الفكر في معاني العظمة والقدرة ، وكشف له بواسطة الكلام ~~مشاهدة ما كان علمه من وعد الآخرة وعيدها فله أجران ، من حيث كان منه عملان ~~: الفكرة والصلاة ، وهذا كله لعموم المؤمنين مزيد ، وهو بذلك للخصوص من ~~المقربين دون ذلك إلا ما وجهوا به من طوالع الغيوب ، وأطلعوا عليه من مطالع ~~سرائر المحبوب ، فكوشفوا به من بوادي اليقين من العزة والجبروت والإجلال ~~والرهبوت ، فأهجم عليهم من غير تفكر منهم ولا تدبر مما استعملهم به ، ~~واضطرهم إلى مشاهدته ، القدير ، فأخرس ألسنتهم عن المقال ، وعقم عقولهم عن ~~المجال ، وأغنى قلوبهم عن الطلب ، ولم يوكل إلى فكرهم بنظر إلى سبب ، بل من ~~غير تعمل منهم لتكييفه ولا روية ولا اختيار لماهيته ، ثم يجاوزونه إذا أخذ ~~منهم حقه وأدركوا به نصيبهم إلى العالم الأكبر ، فيقفون بين يديه ويحطون ~~عنده ، ولا يقفون مع المشاهدة طرفة عين ، ولا يسكنون ms0856 إليها خطرة قلب لئلا ~~يقطعهم البيان عن المبين ، ولا يشغلهم الخبر عن اليقين ، ولا يحجبهم ~~الشهادة عن الشهيد ولا يحسبهم البادئ العائد عن المبدئ المعيد ؛ بل قد أشرف ~~بهم على المراد فأسقط عنهم التشرف وأذهلهم عن الاعتراف والتعريف بما ناداهم ~~به من التعرف ، واقتطعهم العيان فأغناهم عن الانقطاع ، وتقطعوا بالمفصل ~~فأنساهم الانتفاع ، وتوصلوا بالموصل فأطلعهم عليه ، وكان لهم حاملا إليه ~~ودليلا أمامهم منه عليه ؛ وهذه صفة الأقوياء بالقوى ، الأغنياء بالغنى ، ~~الواجدين للموجد ، الفاقدين للموجد ، الذاكرين بذاكر ، الصابرين بصابر ولا ~~ينبغي للمصلي أن يدخل في صلاته حتى يقضي نهمته ، ويفرغ من حاجته ، ولا يبقى ~~عليه ما يزعج قلبه ويفرق همه ليفرغ قلبه في صلاته ، ويجتمع همه في وقوفه ، ~~ويصحو عقله لفهمه ، ويواطئ قلبه قيله ويقبل على المقبل عليه بمعقوله ؛ وهذا ~~يؤمر به القضاء عن مجاهدة الأعداء والمرضى عن مسابقة الأولياء . وقد روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : المؤمن القوي أحب إلى الله تعالى من المؤمن ~~PageV02P175 الضعيف ، وفي كل خير ، وقد قال الله تعالى : ( لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر و المجاهدون في سبيل الله ) النساء : ~~95 ، إلى قوله : ( فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ~~) النساء : 95 ، مع قوله : ( وكلا وعد الله الحسنى ) النساء : 95 . # | شرح ثالث ما بني الإسلام عليه وهو الزكاة # # | كتاب الزكاة # فأما فرائض الزكاة فأربع : الحرية ، وصحة الملك ، ووجود النصاب ؛ وهو ~~مائتا درهم وعشرون دينارا ، واستكمال الحول وهو من شهر إلى مثله . # | ذكر فضائل الصدقة وآداب العطاء وما يزكو به المعروف ويفضل به المنفقون # روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ليس في المال حق سوى ~~الزكاة ، وأن جماعة من التابعين كانوا يذهبون إلى أن في المال حقوقا غير ~~الزكاة ، منهم : إبراهيم النخعي ، قال : كانوا يرون أن في المال حقوقا سوى ~~الزكاة ؛ ومنهم : الشعبي سئل : أفي المال حق سوى الزكاة ؟ قال : نعم ، أما ~~سمعت قوله تعالى : ( وآتى المال على حبه ذوي القربى ) البقرة : 177 الآية ، ~~ومنهم : عطاء ومجاهد ، وقد ms0857 كان المسلمون يرون المساواة والفرض والقيام بمؤن ~~العجزة من أنفسهم وأهلهم من المعروف والبر والإحسان ، وأن ذلك واجب على ~~المتقين وعلى المحسنين من أهل اليسار والمعروف ، وكذلك مذهب جماعة من أهل ~~التفسير أن قوله عز وجل : ( ومما رزقناهم ينفقون ) البقرة : 3 ، وقوله : ( ~~وأنفقوا مما رزقناكم ) البقرة : 254 ، مأمور به ، وأن ذلك غير منسوخ بآية ~~الزكاة ، وأنه داخل في حق المسلم على المسلمين ، وواجب بحرمة الإسلام ووجود ~~الحاجة ، فمن فضائل الزكاة وأن يخرجها في أول ما تجب عليه ، وأن يقدمها قبل ~~وجوبها ، إذا رأى لها موضعا يتنافس فيه ، ويغتنم خوف فوته من غاز في سبيل ~~الله عز وجل ، أو في دين مطالب ، أو جهاد وغزو ، أو إلى رجل فقير فاضل طرأ ~~في وقته ، أو أن سبيل غريب كان تقدمتها إلى هؤلاء وأمثالهم أفضل وأزكى ، ~~لأنه من المسارعة إلى الخير ، ومن المعاونة على البر والتقوى ، وداخل في ~~التطوع بالخير وفعله الذي أمر به ، ولا يأمن الحوادث إذ في التأخير آفات ، ~~وللدنيا نوائب وعوائق ، وللنفس بدوات ، وللقلوب تقليب ، وإن جعل رأس الحول ~~أحد الشهرين كان أفضل ، فإن في هذين خاصية من الفضائل ليست PageV02P176 في ~~غيرهما ، فأما شهر رمضان فإن الله تعالى خصه بتنزيل القرآن وجعل فيه ليلة ~~القدر التي هي خير من ألف شهر ، وجعله مكانا لأداء فرضه الذي افترضه على ~~عباده من الصيام وشرفه بما أظهر فيه من عمارة بيوته بالقيام . وقد كان ~~مجاهد يقول : لا تقولوا رمضان فإنه اسم من أسماء الله تعالى ، ولكن قولوا : ~~شهر رمضان ، وقد رفعه إسماعيل بن أبي زياد فجاء به مسندا وأما ذو الحجة ~~فإنا لا نعلم شهرا جمع خمس فضائل غيره ؛ هو شهر حرام وشهر حج وفيه يوم الحج ~~الأكبر وفيه الأيام المعلومات ؛ وهي العشرة ، والأيام المعدودات : وهي أيام ~~الشريق التي أمر الله تعالى بذكره فيها ، وأفضل أيام في شهر رمضان العشر ~~الأواخر ، وأفضل أيام في شهر الحجة العشر الأول ، وقد استحب بعض أهل الورع ~~أن يقدم في كل سنة بشهر لئلا يكون مؤخرا عن ms0858 رأس الحول ، لأنه إذا أخرج في ~~شهر معلوم ثم أخرج القابل في مثله ، فإن ذلك الشهر يكون الثالث عشر ؛ وهذا ~~تأخير ، فقالوا : إنه إذا أخرج في رجب فليخرج من القابل في جمادى الآخرة ~~ليكون آخر سنته بلا زيادة ، وإذا أخرج في رمضان فليخرج من قابل في شعبان ~~على هذا لئلا يزيد على السنة شيئا ؛ وهذا أحسن ، وليتق أن يكون مخرجا للفرض ~~في كل شهر ، ثم أن يخرجها طيبة بها نفسه ، مسرورا بها قلبه ، مخلصا لربه ، ~~مبتغيا بها وجهه لغير رياء ولا سمعة ولا تزين ولا تصنع ، لا يحب أن يطلع ~~عليها غير الله عز وجل ، ولا يرجو في إعطائها ولا يخاف في منعها سواه ، ~~وليكن ناظرا إلى الله تعالى ، عارفا بحسن توفيقه له ، وأن يعتقد فضل من ~~يعطيه من الفقراء عليه ولا ينتقصه بقلبه ولا يزدريه ، وليعلم أن الفقير خير ~~منه ، لأنه جعل طهرة وزكاة ورفعة ودرجة في دار المقام والحياة ، وأنه هو قد ~~جعل سخرة للفقير وعمارة لدنياه ، كما حدثنا بعض العارفين قال : أريد مني ~~ترك التكسب وكنت ذا صنعة جليلة ، فجال في نفسي من أين المعاش ؟ فهتف بي ~~هاتف : لا أراه تنقطع إلينا وتتهمنا فيك علينا ، أن نخدمك وليا من أوليائنا ~~، أو نسخرلك منافقا من أعدائنا ، وأن يسر ذلك إلى الفقير سرا ولا يذكر ذلك ~~، فقد جاء في تفسير قوله تعالى : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) ~~البقرة : 264 ، قال : المن أن تذكرها ، والأذى أن تظهرها ، وحدثت عن بشر بن ~~الحارث قال : قال سفيان : من من فسدت صدقته ، قيل : كيف المن يا أبا نصر ؟ ~~قال : أن تذكره أو تحدث به ، وبعضهم يقول : المن هو أن تستخدمه بالعطاء ، ~~والأذى أن تعيره بالفقر وقيل : المن أن يتكبر عليه لأجل أن يعطيه ، والأذى ~~أن تنهره أو توبخه بالمسألة ، وفي الحديث : أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير ~~في سر ، وقال بعض العلماء : ثلاثة من كنوز البر منها : إخفاء الصدقة ، وقد ~~روينا مسندا من طريق ؛ وذلك أسلم لدينه وأقل لآفاته وأزكى لعمله . ~~PageV02P177 وقد روينا ms0859 في الخبر : لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان ~~، فجمع بين المنة والسمعة ، كما جمع بين السمعة والرياء ورد بهن الأعمال ؛ ~~فالمسمع الذي يتحدث بما صنعه من الأعمال ليسمعه من لم يكن رآه ، فيقوم ذلك ~~مقام الرؤية ، فسوى بينهما في إبطال العمل لأنهما عن ضعف اليقين ، إذ لم ~~يكتف المسمع بعلم مولاه ، كما لم يقنع المرائي بنظره فأشرك فيه سواء وألحق ~~المنان بهما لأن في المنة معناهما من أنه ذكره فقد سمع غيره به ، أو رأى ~~نفسه في العطاء ففخر به وأداه سرا ، فإن أظهره نقل من السر وكتب في ~~العلانية ، فإن تحدث به محي من السر والعلانية فكتب رياء ، فلو لم يكن في ~~إظهار الصدقة مع الإخلاص بها إلا فوت ثواب السر لكان فيه نقص عظيم ، فقد ~~جاء في الأثر : تفضل صدقة السر على صدقة العلانية سبعين ضعفا ، وفي الحديث ~~المشهور : سبعة في ظل عرش الله تعالى يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله : ~~أحدهم رجل تصدق بصدقة فلم تعلم شماله ما أعطت يمينه ، وفي لفظ آخر : فأخفى ~~عن شماله ما تصدقت به يمينه ؛ وهذا من المبالغة في الوصف وفيه مجاوزة الحد ~~في الإخفاء ، أي يخفي من نفسه فكيف غيره ؟ وقد تستعمل العرب المبالغة في ~~الشيء على ضرب المثل والتعجب وإن كان فيه مجاوزة للحد ، من ذلك أن الله عز ~~وجل ذم قوما ووصفهم بالبخل وبالغ في وصفهم فقال تعالى : ( أم لهم نصيب من ~~الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ) النساء : 53 ، والنقير لا يريده أحد ولا ~~يطلبه ولا يعطاه ، لأنه هو النقطة التي تكون على ظهر النواة ، منه منبت ~~النخلة وفيه معنى أشد من هذا وأغمض أنه لما قال : فأخفى عن شماله ، كان ~~لهذا القول حقيقة في الخفاء فهو أن لا يحدث نفسه بذلك ولا يخطر على قلبه ، ~~وليس يكون هذا إلا أن لا يرى نفسه في العطاء أصلا ولا يجري وهم ذلك على ~~قلبه ، كما يقول في سر الملكوت : إن الله تعالى لا يطلع عليه ms0860 إلا من لا ~~يحدث نفسه به ، بمعنى أنه لا يخطر على قلبه ، ولا يذكره ، ولا يشهد نفسه ~~فيه شغلا عنه بما اقتطع به ، وبأنه لا يباليه ؛ فعندها صلح أن يظهر على ~~السر ، فإن لم يمكنك على الحقيقة أن تخفي صدقتك عن نفسك فاخف نفسك فيها ، ~~حتى لا يعلم المعطى أنك أنت المعطي ؛ وهذا مقام في الإخلاص ، فإن أظهرت يدك ~~في الإعطاء فاخفها سرا إلى المعطي ؛ هذا حال الصادق ، فقد كان بعض المخلصين ~~يلقي الدرهم بين يدي الفقير ، أو في طريقه ، أو موضع جلوسه ، بحيث يراه وهو ~~لا يعلم من PageV02P178 صاحبه ، وبعضهم كان يصر ذلك في ثوبه وهو نائم فلا ~~يعلم من جعله ، وقد رأيت من يفعل ذلك ، فأما من كان يوصل إلى الفقير على يد ~~غيره ويستكمه شأنه فلا يحصى ذلك من المسلمين . وفي الخبر : صدقة السر ، ~~وقيل صدقة الليل ، تطفئ غضب الرب تعالى ، وقد أخبر الله تعالى أن الإخفاء ~~أفضل ، ومعه يكون تكفير السيئات ، فقال سبحانه وتعالى : ( وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم ) البقرة : 271 ، فإن ~~أظهر مسكين نفسه ، وكشف نفسه للسؤال ، وآثر التبذل على الصون والتعفف ؛ فلا ~~بأس أن تظهر معروفك إليه ، فإن أظهرت زكاتك إرادة السنة ، والافتداء بك ، ~~والتحريض على مثل ذلك من غيرك لينافسك فيه أخوك ، فيسرع إلى مثله أمثالك ~~منهم فحسن ؛ وذلك من التحاض على إطعام المسكين ، وقد ندب الله إليه وقد ~~قيده في قوله تعالى : ( وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ) الرعد : 22 ، ~~قيل سرا التطوع ، وعلانية الصدقة المفروضة ، وكذلك قوله تعالى : ( وآتوا ~~الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا ) المزمل : 2 ، ، القرض الحسن هو التطوع ، ~~وقد قيل الحلال ، كما قال : ( ورزقني منه رزقا حسنا ) هود : 88 أي حلالا ، ~~وقد قال تعالى : ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي ) البقرة : 271 ، فمدح المبدي ~~بنعم إلا أن ذلك لا يحسن إلا إلى من أبدى نفسه كأنه هذا السائل الذي يسأل ~~بلسانه وكفه ، وقوله تعالى : ( وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء ) البقرة : 271 ~~الآية ، كأنها للمستخفف بالمسألة وهي ms0861 لخصوص الفقراء لا يظهرون نفوسهم بما ~~يمنعهم الحياء والتعفف ، فمن أظهر نفسه فأظهر إليه ، ومن أخفاها فأخفي له ، ~~ومن ذلك كشف عورة الفاسق : إنما حرم عليك أن تظهر عورة من يخفي عنك نفسه ~~ويستتر ، فإذا أظهر نفسه بها وأعلن فلا بأس أن يظهر عليه كما جاء في الخبر ~~: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له ، وينبغي أن يجعل صدقته من أفضل ما ~~يحبه من المال ، ومن جيد ما يدخر ويقتني وتستأثر به النفوس ، فيؤثر مولاه ~~به كما أمره ، وضرب المثل له فقال : ( أنفقوا من طيبات ما كسبتم ) البقرة : ~~267 ثم قال : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) البقرة : 276 ، وقال في ضرب ~~المثل بالعبيد : ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ، أي لا تقصدوا الرديء ~~فتجعلوه لله تعالى ، ولو أعطى أحدكم ذلك لم يأخذه إلا على أغماض أي كراهية ~~PageV02P179 وحياء ، ولا يجعل ما لله تعالى دون ما يستجيد لنفسه ، أو ما ~~يكره أن يقتنيه لعاقبته أو يأخذه من غيره ، أو مالا يستحسن أن يهديه لنبيل ~~من العبيد ، فتكون قد آثرت نفسك أو عبدا مثلك على مولاك فإن هذا من سوء ~~الأدب ولا يقوم سوء أدب واحد في معاملة بجميع المعاملات . وقد روي في معنى ~~قوله تعالى : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) البقرة : 245 ، قال : ~~طيبا ، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، وفي حديث أبان عن أنس : طوبى ~~لعبد أنفق من مال اكتسبه من غير معصية ، وفي الخبر : سبق درهم مائة ألف ~~درهم ، وقد تهدد الله تعالى قوما جعلوا له ما يكرهون ووصفت ألسنتهم الكذب ~~أن لهم الحسنى لا جرم فأكذبهم في قوله تعالى : ( ويجعلون لله ما يكرهون ~~وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار ) النحل : 62 ، أي ~~حقا لهم النار ، وفي الآية وقف غريب لا يعلمه إلا الحذاق من أهل العربية ~~تقف على لا فيكون نفيا لوصفهم أن لهم الحسنى ، ثم يستأنف بجرم أن لهم النار ~~، أي كسب لهم جعلهم لله ما يكرهون النار ms0862 ، أي بجرمهم واكتسابهم ، وإذا دعا ~~لك مسكين عند الصدقة فأردد عليه مثل دعائه حتى يكون ذلك جزاء لقوله : وتخلص ~~لك صدقتك وإلا كان دعاؤه مكافأة على معروفك ، فقد كان العلماء يتحفظون من ~~ذلك وهو أقرب إلى التواضع ، ولا نرى أنك مستحق لذلك منه لما وصلته به ، ~~لأنك عامل في واجب عليك لمعبودك أو توفي للمعطي رزقه وما قسم له من تعبدك ~~بذلك ، وكانت عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما إذا أرسلتا معروفا إلى فقير ~~قالتا للرسول : احفظ ما يدعو به ثم يردان عليه مثل قوله ، ويقولان : حتى ~~تخلص لنا صدقتنا ، وفعل ذلك عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله تعالى ~~عنهما ، ولا ينبغي أن تقتضي من الفقير الدعاء لك ، أو تطالبه بذلك ، أو تحب ~~منه الثناء والمدح على ذلك ، فإنه ينقص من الصدقة ، وإذا كثر منك وقوي ~~أحبطها ، وإن كان عليه أن يدعو لك ويثني به عليك فإنما يعمل فيما تعبده ~~مولاه به ، وأمره به فلا يرى ذلك من حقك عليه ، وإذا وصلت إلى الفقير ~~معروفا فبحسن أدب ولين جانب ولطف كلام وتذلل وتواضع . وقد كان بعض الأدباء ~~إذا أراد أن يدفع إلى فقير شيئا بسط كفه بالعطاء لتكون يد الفقير هي العليا ~~، وبعضهم كان يضعها بين يديه على الأرض ، ويسأله قبولها منه ليكون هو ~~السائل ، ولا يناوله بيده إعظاما له ؛ وهذا يدل على معرفة العبد بربه وحسن ~~أدبه في عبادته ، ومن أحب الثناء والذكر على معروفه كان ذلك حظه منه وبطل ~~أجره ، وربما كان عليه فضل من الوزر لمحبته الذكر والثناء فيما لله تعالى ~~أن يفعله ، وفي رزق الله لعبده الذي أجراه على يده ، فإن تخلص سواء بسواء ~~فما أحسن حاله واستحب للفقير أن يخص ذا PageV02P180 المعروف إليه بدعوات ~~شكرا لما أولاه وتأدبا وتخلقا بفعل مولاه ، لأنه قد جعله سببا للخير وواسطة ~~للبر إذ الله سبحانه وتعالى يشهد نفسه بالعطاء ، ثم قد أثنى على عبده وشكر ~~له في الإعطاء ، فليقل طهر الله قلبك في قلوب الأبرار ، وزكى عملك ms0863 في عمل ~~الأخيار ، وصلى على روحك في أرواح الشهداء ؛ فذلك هو شكر الناس ، والدعاء ~~لهم ، وحسن الثناء عليهم ، ومن شكرهم أيضا أن لا يذمهم في المنع ، ولا ~~يعيبهم عند القبض . فذلك تأويل الخبر : من لم يشكر الناس لم يشكر الله ~~تعالى فإن فيه إثبات حكم الأواسط ، واستعمال حسن الأدب في إظهار النعم ~~والتخلق بأخلاق المنعم ، لأنه أنعم عليهم ثم شكر لهم كرما منه ، وكذلك في ~~الخبر : العبد الموقن يشهد يد مولاه في العطاء ، فحمد ثم شكر للمتقين ، إذ ~~جعلهم مولاه سبب حمده ، وطرقا لرزقه . في الخبر : من أسدى إليكم معروفا ~~فكافئوه ، فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه ، فأما شكر ~~الله تعالى على العطاء فهو اعتقاد المعرفة أنه من الله تعالى ، لا شريك له ~~فيها ، والعمل بطاعته بها ، ومن فضل الصدقة أن يقصد بها الفقراء الصالحين ~~الصادقين من أهل التصوف والدين ، ممن يؤثر التستر والإخفاء ، ولا يكثر البث ~~والشكوى ، وممن فيه وصف من أوصاف الكتاب للفقراء ، الذين أحصروا في سبيل ~~الله ، أي حبسوا في طريق الآخرة لعيلة ، أو ضيق معيشة ، أو إصلاح قلب ، أو ~~قصور يد ، لا يستطيعون ضربا في الأرض ، لأنهم مقصوصو الجناح ، إذ المال ~~للغني بمنزلة الجناح للطائر بماله حيث شاء من البلاد وينبسط في شهواته كيف ~~شاء من المراد ، والفقير محصور عن ذلك لا يستطيعه لقبض يده وقد رزقه ، ومن ~~هذا قوله تعالى : ( قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ) الأعراف : ~~26 ، قيل : المال ، وقيل : المعاش ، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ، فسمى ~~الله تعالى من لا يعرفهم بالفقر ولا يشهد وصفهم بالتقلل ، لظهور تعففهم عن ~~المسألة ، جاهلا بوصف المؤمنين ، ثم وكد وصفهم وأظهر للخلق تعريفهم بيانا ~~منه ، وكشفا لحالهم ، إذ ستروها بالعفة ، فقال : تعرفهم بسيماهم فالسيما هي ~~العلامة اللازمة والخليقة الثابتة دون التحلي واللبسة الظاهرة ، لا يسألون ~~الناس إلحافا ، أي بهذه العلامة أيضا تعرفهم إن أشكلوا عليك ، فإنهم لا ~~يسألون عفة وقناعة إلحافا ، لا يلتحفون بالأغنياء ولا يلاحفون أهل الدنيا ~~تملقا وضراعة ؛ أي هم ms0864 منفردون بأحوالهم ، أغنياء بيقينهم ، أعزة بصبرهم ، ~~والإلحاف مشتق من اللحاف الذي يلتحف به فيلزم الجسم ، فقال : ليسوا ممن ~~يفعل ذلك ، لا يلتحفون الأغنياء كاللحاف ولا يلتحفون المسألة إلزاما ~~كالصنعة ، كما يلتحف بالثوب ، فاحرص أن يكون معروفك فيمن فيه هذه الأوصاف ~~أو بعضها ، فيزكو عملك ويشكر فعلك ، والأفضل في المعروف أن يؤثر الرجل ~~إخوانه من الفقراء على غيرهم من الأجانب . PageV02P181 فقد روي عن علي رضي ~~الله عنه : لأن أصل أخا من إخواني بدرهم أحب إلي من أن أتصدق بعشرين درهما ~~، ولأن أصله بعشرين درهما أحب إلي من أن أتصدق بمائة درهم ، ولأن أصله ~~بمائة درهم أحب إلي من أن أعتق رقبة ، ولأن الله تعالى ضم الأصدقاء إلى ~~الأقارب فكان فضل الصدقة على الأقارب دون البعيد كفضل الصدقة على القربة ~~دون الأباعد ، لأنه ليس يعد صلة الرحم في معناها أفضل من صلة الإخوان ، ~~وكان بعض السلف يقول : أفضل الأعمال صلة الإخوان وليقصد ببره من إذا دفع ~~إليه العطاء حمد الله تعالى وشكره ، ورأى النعمة منه ، ولم ينظر إلى واسطة ~~في نعمة ، فإن هذا أشكر العباد لله تعالى لأن حقيقة الشكر لله بشهود النعمة ~~منه والإخلاص بحس المعاملة له ، وأن لا يشهد في النعمة بالعطاء والنعمة ~~بالعمل الصالح سواه . وفي وصية علي رضي الله تعالى عنه : لا تجعل بينك وبين ~~الله تعالى منعما ، وأعدد نعمة غيره عليك مغرما ، فليقدم مثل هذا على من لو ~~أعطاه ورزقه أثنى عليه ومدحه وشهده فيه فحمده ، فيكون قد حمد غير الذي ~~أعطاه ، ونظر إلى سواه ، وذكر غير الذي ذكره بالعطاء ، لأن الذي يحمد الله ~~ويشكره ويثني عليه برزقه ويذكره يرى أن الله سبحانه وتعالى هو المنعم ~~المعطي ، فينظر إليه من قرب ؛ فيقين هذا بالله أنفع لصاحب المعروف عند الله ~~من دعاء الآخر المثنى ، لأنه كان سببا لنفع موقن فيكون واضعا للشيء في ~~حقيقة موضعه ، ومدح الآخرة ودعاؤه له لأجل أنه يراه هو المعطي فينظر إليه ~~فيمدحه ، فضعف يقين هذا بربه أشد على المنفق من دعائه له ، إن ms0865 كان ناصحا ~~لله تعالى في خلقه ولخلق الله تعالى فيه ، إلا أن لا ينصح لمولاه لغلبة ~~هواه على تقواه ، وجهله بعائد النفع له في عقباه ، فنقص هذا حينئذ بمقامه ~~من التوحيد أعظم من زيادته بصدقته ، على أنه لا يؤمن الاستشراف من الآخر ~~إليه ، والاعتياد منه ، والطمع فيه ، بكلام يحبط عمله ، وأيضا فإنه إذا رآه ~~في العطاء فإنه يراه عند المنع فيذمه ويقع فيه ، فيكون هو سبب حمله عليه ، ~~وهو آمن مطمئن لهذا كله مع الموقن المشاهد ، وفي الخبر أن الصدقة تقع بيد ~~الله تعالى قبل أن تقع بيد السائل وهو يضعها في يد السائل ، فالموقن يأخذ ~~رزقه من يد الله تعالى فهو لا يعبد إلا الله تعالى ، ولا يطلب منه إلا كما ~~أمره في قوله تعالى : ( فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ) العنكبوت : 17 ، ~~ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض الفقراء بمعروف ، وقال للرسول : ~~احفظ ما يقول ، فلما أوصله إليه قال : الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره ولا ~~يضيع من شكره ، ثم قال : اللهم إنك لم تنسى فلانا ، يعني نفسه ، فاجعل ~~فلانا لا ينساك ، فأخبر الرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فسر به ~~وقال قد علمت أنه يقول ذلك . وقد روي هذا عن عمر وعن أبي الدرداء مع جرير ~~رضي الله عنهم وقال صلى الله عليه وسلم لرجل : تب ، فقال : أتوب إلى الله ~~ولا أتوب إلى محمد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عرف الحق ~~PageV02P182 لأهله ، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة الإفك : نحمد ~~الله ولا نحمدك ، فسره ذلك وقال لها أبو بكر لما نزل تحصينها وبراءتها : ~~قومي فقبلي رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : والله لا أفعل ولا أحمد ~~إلا الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعها يا أبا بكر ، وفي لفظ ~~آخر أنها قالت لأبي بكر : نحمد الله ولا نحمدك ، ولا نحمد صاحبك ، فلم ينكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بل سره وأمر أباها ms0866 بالكف عنها ، وقد جعل ~~الله تعالى من وصف الكافرين أنهم إذا ذكر الله وحده في شيء انقبضت قلوبهم ، ~~وإذا ذكر غيره فرحوا ، وجعل من نعتهم أنهم إذا ذكر توحيده وإفراده عند شيء ~~عصوا ذلك وكرهوه ، وإذا أشرك غيره في ذلك صدقوا به فقال تعالى : ( وإذا ذكر ~~الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا ~~هم يستبشرون ) الزمر : 45 ، وقال أيضا : ( ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده ~~كفرتم ) غافر : 12 ، والكفر : التغطية ، ( وإن يشرك به تؤمنوا ) غافر : 12 ~~، والشرك : الخلط ، أن يخلط بذكره ذكر سواه ، ثم قال : ( فالحكم لله العلي ~~الكبير ) غافر : 12 ، يعني لا يشركه في حكمه خلق ، لأنه العلي في عظمته ، ~~الكبير في سلطانه ، لا شريك له في ملكه وعطائه ولا ظهير له من عباده ، ففي ~~دليل هذا الكلام وفهمه من الخطاب أن المؤمنين إذا ذكر الله تعالى بالتوحيد ~~والإفراد في الشيء انشرحت صدورهم ، واتسعت قلوبهم ، واستبشروا بذكر الله ~~تعالى وتوحيده ، وإذا ذكرت الأواسط والأسباب التي دونه كرهوا ذلك واشمأزت ~~قلوبهم ؛ وهذه علامة صحيحة فاعرفها من قلبك ومن قلب غيرك لنستدل بها على ~~حقيقة التوحيد في القلب ، أو وجود خفي الشرك في النفس ، إن كنت عارفا ، ~~وينبغي أن يجعل صدقته من أجل ما يقدر عليه وأطيبه في نفسه وجهده ، فإن الله ~~طيب لا يقبل إلا طيبا ، وزكاء الصدقة ونماؤها عند الله تعالى على حسب حلها ~~ووضعها في الأخص الأفضل من أهلها ، وينبغي أن يستصغر ما يعطي ، فإن ~~الاستكثار من العجب ، والعجب يحبط الأعمال ، قال الله تعالى : ( ويوم حنين ~~إذ أعجبتكم كثرتكم ) التوبة : 25 ، ويقال : إن الطاعة كلما استصغرت كبرت ~~عند الله تعالى ، وإن المعصية كلما استعظمت صغرت عند الله تعالى . وعن بعض ~~العلماء : لا يتم المعروف إلا بثلاث : تصغيره وتعجيله وستره ، وقد كانوا ~~يدفعون في الزكاة المئين ، وفي التطوع الألوف ، وكانوا يصلون الفقير بما ~~يخرجه من حد الفقر ، ومن الحاجة و الضر إلى حد الكفاية والغنية ، ويبقى لهم ~~فضل ، وعلى هذا تأويل قوله ms0867 صلى الله عليه وسلم : خير الصدقة ما أبقت غني ؛ ~~أي تكفي الفقير لوقته ، ويبقى له غنية واستغناء لوقت ثان تستقل به عن ~~المسألة والتشرف ، فيكون كأنه عمل عملا ثانيا للمعطي غير عمله الأول ~~بالعطاء ؛ وهذا أحد تأويل الخبر ، وقد وصف الله تعالى أهل الحاجة بأوصاف ~~خمسة فرقها في كتابه فقال سبحانه PageV02P183 وتعالى : ( وفي أموالهم حق ~~للسائل و المحروم ) الذاريات : 19 ، وقال تعالى : ( فكلوا منها وأطعموا ~~القانع والمعتر ) الحج : 36 ، وقال عز وجل : ( فكلوا منها وأطعموا البائس ~~الفقير ) الحج : 28 ، فأما السائل فهو الذي يسأل بكفه ويظهر السؤال بلسانه ~~، وأما المحروم فهو المحارف الذي حارفه الرزق أي انحرف عنه ، فقد حرمه ، ~~وقيل : هو الذي لا معلوم له ولا كسب ، قد حرم التصرف والتعيش ، وأما القانع ~~فهو الذي يقعد في بيته ويقنع بما آتاه الله من غير طلب ولا تعرض ، وقيل : ~~إن القنوع هو وصف من أوصاف المسألة من غير إلحاف ولا إلحاح ، وهو اسم من ~~الأضداد يكون القنوع العفة والكف ويكون المسألة ، وأما المعتر فهو الذي ~~يعرض بالسؤال ولا يصرح تحمله الحاجة على التعريض ، ويوقفه الحياء عن ~~التصريح ، وأما البائس فهو الذي به بؤس وشدة من مرض أو برد أو عضب و زمانة ~~، ثم إن الله تعالى قد فضل بين الفقراء والمساكين فقال أهل العلم : الفقير ~~الدي لا يسأل ، والمسكين السائل ، وقيل : الفقير المحارف وهو المحروم ، ~~والمسكين الذي به زمانة ، واشتقاقه من السكون ، أي فقد أسكنه الفقر لما ~~سكنه وأقل حركته ؛ وهذه أوصاف ، يقال : قد تمسكن الرجل وسكن ، كما يقال : ~~تمدرع وتدرع إذا لبس مدرعة ، فكذلك الفقير إذا كانت المسألة لبسة له ، وأهل ~~اللغة مختلفون فيهما ، قال بعضهم : المسكين أسوأ حالا من الفقير لأن الله ~~تعالى قال : ( أو مسكينا ذا متربة ) البلد : 16 ، فهو الذي لا شيء له ، قد ~~لصق بالتراب من الجهد ، وذهب إلى هذا القول يعقوب بن السكيت ومال إليه يونس ~~بن حبيب ، وقال : قلت مرة لأعرابي : أفقير أنت ؟ فقال : لا والله بل مسكين ~~أسوأ حالا من الفقير ، وبعضهم ms0868 يؤوله على غير هذا فيقول : ذا متربة من الغنى ~~، يقال : أترب الرجل إذا استغنى فهو مترب من المال ؛ أي قد كان متربا غنيا ~~من أهل النعم ، ثم افتقر فهذا أفضل من أعطى . وقال بعض أهل اللغة في قوله ~~تعالى : ذا متربة ، دليل أن المسكين أسوأ حالا ، قال : إن الله تعالى لما ~~نعته بهذا خاصة علمت أنه ليس كل مسكين بهذا النعت ، ألا ترى أنك إذا قلت : ~~اشتريت ثوبا ذا علم نعته بهذا النعت ، لأنه ليس كل ثوب له علم ، فكذلك ~~المسكين الأغلب عليه أن يكون له شيء ، فلما كان هذا المسكين مخالفا لسائر ~~المساكين بين الله تعالى نعته ؛ وبهذا المعنى استدل أهل العراق من الفقهاء ~~أن اللمس هو الجماع بقوله تعالى : ( فلمسوه بأيديهم ) الأنعام : 7 ، أن ~~اللمس يكون بغير اليد وهو الجماع ، فلما قال : بأيديهم خص به هذا المعنى ~~فردوه على من احتج به من علماء الحجاز في قولهم : اللمس باليد ، وقال آخرون ~~: بل الفقير أسوأ حالا من المسكين ، لأن المسكين ، يكون له الشيء والفقير ~~لا شيء له ، قال الله تعالى في أصحاب السفينة : ( فكانت لمساكين يعملون في ~~البحر ) PageV02P184 الكهف : 69 ، فأخبر أن لهم سفينة وهي تساوي جملة ~~وقالوا : سمي فقيرا لأنه نزعت فقرة من ظهره فانقطع صلبه من شدة الفقر فهو ~~مأخوذ من فقار الظهر ، ومال إلى هذا القول الأصمعي وهو عندي كذلك من قبل أن ~~الله تعالى قدمه على الأصناف الثمانية التي جعل لهم الصدقة فبدأ به فدل على ~~أنه هو الأحوج فالأحوج أو الأفضل فالأفضل ، وقال قوم : الفقير هو الذي يعرف ~~بفقره لظهور أمره ، والمسكين هو الذي لا يفطن له ولا يؤبه به لتخفيه وتستره ~~، وقد جاءت السنة بوصف هذا ، في الخبر المروي : ليس المسكين الذي ترده ~~الكسرة والكسرتان والتمرة والتمرتان إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل ~~الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه . وقد قال بعض الحكماء في مثل هذا ، وقد سئل ~~: أي الأشياء أشد ؟ فقال : فقير في صورة غني ، وقيل لحكيم آخر : ما أشد ~~الأشياء ؟ قال ms0869 : من ذهب ماله وبقيت عادته ، وقال الفقهاء : المسكين الذي له ~~سبب ويحتاج إلى أكثر منه لضيق مكسب أو وجود عيلة ؛ فهذا أيضا قد وردت السنة ~~بفقره ، وذكر فضله في الحديث الذي جاء أن الله يحب الفقير المتعفف أبا ~~العيال ويبغض السائل الملحف ، وفي الخبر الآخر : أن الله تعالى يحب عبده ~~المؤمن المحترف ؛ وكل هذه الأقوال صحيحة ، فالأفضل أن توضع الزكاة في ~~الأحوج فالأحوج ، والأفضل فالأفضل ، من أهل العلم بالله تعالى ، وأهل ~~المعاملة وأهل الدين لله ، المنقطعين عن أهل الدنيا ، المشغولين بتجارة ~~الآخرة عن تجارات الدنيا ، ثم في ذي العيال بقدر عياله بمقدار غناه عن ~~حاجاته ، فيكون له بعددهم أجور أمثاله من المنفردين إذ هم جماعة ، وقد كان ~~عمر رضي الله عنه يعطي أهل البيت القطيع من الغنم العشرة فما فوقها ، وكذلك ~~في السنة ، روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يعطي العطاء على ~~قدر العيلة ، ويعطي المتأهل ضعف ما يعطي العزب ، ويعطي كل رجل على قدر أهل ~~بيته ، وحدثنا عن بعض هذه الطائفة قال : صحبنا أقواما كان برهم لنا الألوف ~~من الدراهم انقرضوا وجاء آخرون كان برهم لنا المئين ، ونحن بين قوم صلتهم ~~لنا العشرات نخاف أن يجيء قوم شر من هؤلاء ، وقال بعض السلف : رأينا قوما ~~ما كانوا يفعلون ، ونخاف أن يجيء قوم يقولون ولا يفعلون ، وإن اتفق ذو دين ~~في عيلة من مساكين فذلك غنيمة المتقين ، وذخيرة المنفقين ، والمعروف في ~~مثله واقع في حقيقته ، وسئل ابن عمر عن جهد البلاء ما هو ؟ فقال : كثرة ~~العيال وقلة المال . وقد جاء في الخبر : لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل ~~طعامك إلا تقي ، لأن التقي تستعين به على البر والتقوى فيشركه في قصده ، ~~وفي الخبر أيضا : أطعموا طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين ، وفي ~~لفظ آخر : أضف بطعامك من تحبه لله تعالى ، وينبغي للموقن أن يكون يفرح ويسر ~~بقبول معروفه من الأتقياء ، لأن ذلك عمله ، إن لم PageV02P185 يقبله منه ~~عارف بالله تعالى وأحكامه ، وقد ردت عليه أعماله ، فينبغي ms0870 أن يحزن بردها ~~عليه إذ كان ذلك ردا من الله تعالى له ، ومن وصل فقيرا بمعروف فرده عليه ~~فعظم الفقير في عينه فذلك يدل على جهل المعطي بربه ، لأنه لو أخذها فأسقط ~~منزلته عنده ثم أخرجها سرا إلى من هو أحوج إليها منه كان بذلك فاضلا ، ومن ~~رد عليه فقير بره فلم يحزنه ذلك أو سره ، ذلك دل على ضعف نيته في الإخراج ~~وقلة إخلاصه بمعروفه ، لأن الصادق يسوءه رد معروفه إليه ويحزنه ، وينبغي أن ~~لا يتملك ذلك أن رده عليه بل يدفعه إلى فقير آخر ، لأنه قد أخرجه لله تعالى ~~، فلا يرجع فيه ، والفقراء شركاء في العطاء يرد عليهم من بعضهم إلى بعض ، ~~وكذلك إن أخرج صدقة باسم فقير بعينه ليعطيه إياها فصادف غيره فذكر من هو ~~أحوج منه أو أفضل ووافق طالبا إليه في حق عليه فلا بأس أن يدفعها إلى من ~~يدفعها إلى الثاني ما لم تخرج عن يده ، أو يكون قد وعده بها ، وكذلك إن ~~دفعها إلى من يدفعها إلى فقير بعينه ثم رأى من أثر في قلبه فأخرج منه فله ~~أن يسترجعها من المأمور ويدفعها إليه ، ما لم يكن قد نفدها أو أعلمه بها ، ~~وينبغي أن يستبشر بقبول العارفين معروفه ، لأن ذلك قبول من الله تعالى ~~لعلمه ، إذ كان العارف بالله تعالى وأيامه يتصرف عن الله تعالى في الأفعال ~~، كما أنه ينطق عنه في المقال ، وليس قبوله منه كقبول غيره ولا رده عليه ~~كرد غيره ، إذ كان الشاهد فيه من الله سبحانه أقوى وأعلى من الشاهد في غيره ~~ولما هو إلى التوفيق والعصمة أقرب مما سواه من الفقراء . حدثني بعض إخواني ~~: أن فقيرا بمكة رد على بعض الأغنياء معروفه فأخذ يبكي ، فقال : أليس هذا ~~عملي قد رد علي ؟ قيل له : فإن غيره يقبله ، فقال : من أين لي مثل هذه ~~العين ؟ وهذا كما قال ، لأن المؤمن ينظر بعين اليقين ونور الله تعالى ، ~~فرده عن الله تعالى ، كما قال تعالى : ( ويتلوه شاهد منه ) هود : 17 ، ~~والجاهل يتصرف ms0871 بهواه عن نفسه فرده كقبوله ، لأنه يأخذه لنفسه ، ويرد بنفسه ~~، والعارف إن أخذ فبرب ، وإن رد فعن رب تعالى ، وليزدد في عينه من قبل منه ~~معروفه نبلا وجلالة ، ويعظم في عينه محبة ومهابة ، لأنه قد أعانه على بره ~~وتقواه ، وأكرمه بقبول جدواه ، فليشهد ذلك نعمة من الله تعالى وإحسانا منه ~~إليه ، وعلى العبد أن يجتهد في طلب الأتقياء وذوي الحاجة من الفقراء ويبلغ ~~غاية علمه بذلك ، فإن قصر علمه ولم تنفذ فراسته ومعرفته في الخصوص استعان ~~بعلم من هو أعلم منه ، وأنفذ نظر ، أو أعرف بالصالحين وأهل الخير منه ، ممن ~~يوثق بدينه وأمانته من علماء الآخرة ، لا من علماء الدنيا ، وعلماء الآخرة ~~هم الزاهدون في الدنيا ، الورعون عن التكاثر منها ، فإن حب الدنيا غامض قد ~~هلك فيه خلق كثير لم ينج منه إلا العلماء ، ولم PageV02P186 يسلم من الدنيا ~~إلا المتحققون بالعلم واليقين ؛ وهم المتقللون من الدنيا ، وقد قال الله ~~تعالى : ( وتثبيتا من أنفسهم ) البقرة : 265 ، أي يقينا ، يعني أنهم ~~يتثبتون في صدقاتهم أن لا يضعوها إلا في يقين يستروح إليه القلب وتطمئن به ~~النفس ، وقد كان بعض العلماء يؤثر بالعطاء فقراء الصوفية دون غيرهم فقيل له ~~: لو عممت بمعروفك جميع الفقراء ؟ فقال : لا أفعل بل أؤثر هؤلاء على غيرهم ~~، قيل : ولم ؟ قال : لأن هؤلاء همهم الله سبحانه وتعالى ، فإذا طرقتهم فاقة ~~تشتت هم أحدهم فلأن أرد همة واحد إلى الله تعالى أحب إلي من أن أعطي ألفا ~~من غيرهم ممن همه الدنيا ، فذكر هذا الكلام لأبي القاسم الجنيد فاستحسنه ، ~~وقال : هذا كلام ولي من أولياء الله تعالى ، ثم قال : ما سمعت منذ زمان ~~كلاما أحسن من هذا ، وبلغني أن هذا الرجل اختل حاله في أمر الدنيا حتى هم ~~بترك الحانوت فوجه إليه الجنيد بمال كان صرف إليه فقال : اجعل هذا في ~~بضاعتك ولا تترك الحانوت ، فإن التجارة لا تضر مثلك ، ويقال : إن هذا الرجل ~~كان بقالا ولم يكن يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه ، وأما ابن المبارك ~~رحمه الله ms0872 تعالى فإنه كان يجعل معروفه في أهل العلم خاصة ، فقيل له : لو ~~عممت به غيرهم ، فقال : إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء ~~، فإذا اشتغل قلب العالم بالحاجة أو العيلة لم يتفرغ للعلم ، ولا يقبل على ~~تعليم الناس ، فرأيت أن أعينهم وأكفيهم حاجاتهم لتفرغ قلوبهم للعلم ، ~~وينشطوا لتعليم الناس ؛ هذا طريق السلف الصالح ، والتوفيق من الله تعالى ~~للعبد في وضع صدقته في الأفضل كالتوفيق منه إطعام الحلال الذي في غيبه ~~يوفقه لأوليائه ويستخرجه لهم من علمه كيف شاء بقدرته . # | شرح رابع ما بني الإسلام عليه : وهو الصيام # # | ذكر فرائض الصيام # اعتقاد الصوم إيجابا لله تعالى عليه وقربة منه إليه ، وإخلاصا به له ، ~~وسقوط فرض عنه ، وأن يجتنب الأكل والشرب والجماع بعد طلوع الفجر الثاني ، ~~وأن يتم الصيام إلى سقوط قرص الشمس ، وأن لا ينوي في تضاعيف النهار الخروج ~~من الصوم . # | ذكر فضائل الصوم ووصف الصائمين # صوم الخصوص حفظ الجوارح الست : غض البصر عن الاتساع في النظر ، وصون ~~السمع عن الإصغاء إلى محرم ، أو الوزر ، أو القعود ، مع أهل الباطل ، وحفظ ~~اللسان عن الخوض فيما لا يعني جملة مما إن كتب عنه كان عليه وإن حفظ له لم ~~يكن له ، ومراعاة القلب بعكوف الهم عليه ، وقطع الخواطر والأفكار التي كف ~~عن فعلها ، وترك التمني الذي لا يجدي ، وكف اليد عن البطش إلى محرم من مكسب ~~أو فاحشة ، وحبس الرجل PageV02P187 عن السعي فيما لم يؤمر به ولم يندب إليه ~~من غير أعمال البر ، فمن صام تطوعا بهذه الجوارح الست وأفطر بجارحتين : ~~الأكل والشرب والجماع ؛ فهو عند الله تعالى من الصائمين في الفضل لأنه من ~~الموقنين الحافظين للحدود ، ومن أفطر بهذه الست أو ببعضها وصام بجارحتين : ~~البطن والفرج ، فما ضيع أكثر مما حفظ ؛ فهذا مفطر عند العلماء صائم عند ~~نفسه ، وقد قال أبو الدرداء : أيا حبذا نوم الأكياس كيف يعيبون قيام الحمقى ~~وصومهم ، ولذرة من تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين ، ومثل من ~~صام عن الأكل وأفطر بمخالفة ms0873 الأمر مثل مسح كل عضو ، فصلاته مردودة عليه ~~لجهله ، ومثل من أفطر بالأكل والجماع وصام بجوارحه عن النهي مثل من غسل كل ~~عضو مرة واحدة وصلى ، فهو تارك للفضل في العدد إلا أنه مكمل للرضى بحسن ~~العمل ، فصلاته متقبلة لأحكامه للأصل وهو مفطر للسعة صائم في الفضل ، ومثل ~~من صام من الأكل والجماع وصام بجوارحه الست عن الآثام ، كمثل من غسل كل عضو ~~ثلاثا ثلاثا ، فقد جمع الفرض والفضل وأكمل الأمر والندب ؛ فهو من المحسنين ~~، وعند العلماء من الصائمين ، وهذا صوم الممدوحين في الكتاب الموصوفين ~~بالذكر من أولي الألباب ، ومن فضائل الصوم أن يجتنب من حظوظ هذه الجوارح ~~الشبهات من الأشياء وفضول الحلال ، ويرفض الشهوات الداعية إلى العادات ، ~~ولا يفطر إلا على حلال متقللا منه ، فبذلك يزكو الصيام ، ولا يقبل امرأته ~~في صومه ولا يباشرها بظاهر جسمه فإن ذلك إن لم يبطل صومه فإنه ينقصه وتركه ~~أفضل ، إلا لقوي متمكن مالك لأربه ، وليقل نومه بالنهار ليعقل صومه بعمارة ~~الأذكار ، وليجد مس جوعه وعطشه ، وقد كانوا يتسحرون بالتمرتين والثلاث ~~وبالحبات من الزبيب والجرعة من الماء ، ومنهم من كان يقضم من شعير دابته ~~التماسا لبركة السحور ، وليكثر ذكر الله تعالى ، وليقلل ذكر الخلق بلسانه ، ~~ويسقط الاهتمام بهم عن قلبه ؛ فذلك أزكى لصومه ، ولا يجادل ولا يخاصم وإن ~~شتم أو ضرب لم يكافئ على ذلك لأجل حرمة الصوم ولا يهتم لعشائه قبل محل وقته ~~، يقال : إن الصائم إذا اهتم بعشائه قبل محل وقته أو من أول النهار كتبت ~~عليه خطيئة وليرض باليسير مما قسم له أن يفطر عليه ويشكر الله تعالى عز وجل ~~كثيرا عليه . ومن فضائل الصيام التقلل من الطعام والشراب ، وتعجيل الفطر ، ~~وتأخير السحور ، وليفطر على رطب إن كان وإلا على تمر إن وجد فإنه بركة ، أو ~~على شربة من ماء فإنه ظهور . هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~يفطر على جرعة من ماء ، أو مذقة من لبن ، أو تمرات قبل أن يصلي ، وفي الخبر ~~: كم من صائم ms0874 حظه من صيامه الجوع والعطش قيل : هو الذي يجوع بالنهار ويفطر ~~على حرام ، وقيل : هو الذي يصوم عن الحلال من الطعام ويفطر بالغيبة من لحوم ~~الناس ، وقيل : هو الذي لا يغض بصره ولا يحفظ لسانه عن الآثام ويقال : إن ~~العبد إذا كذب ، أو اغتاب ، أو سعى في معصية في ساعة من صومه ، خرق ~~PageV02P188 صومه ، وإن صوم يوم يلفق له في صيام أيام حتى يتم بها صوم يوم ~~ساعة ساعة ، وفي الحديث : الصوم جنة ما لم يخرقها بكذب أو غيبة ، وكانوا ~~يقولون : الغيبة تفطر الصائم ، وقد كانوا يتوضؤون من أذى المسلم ، وروي عن ~~جماعة في الوضوء مما مست النار : لأن أتوضأ من كلمة خبيثة أحب إلي من أن ~~أتوضأ من طعام طيب ، وروي عن بشر بن الحرث عن سفيان : من اغتاب فسد صومه ، ~~وروينا عن ليث عن مجاهد : خصلتان يفسدان الصوم : الغيبة والكذب ، وروي عن ~~جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : خمس يفطرن الصائم : الكذب ، ~~والغيبة ، والنميمة ، واليمين الكاذبة ، والنظر بشهوة ، ويقال : إن من ~~الناس من يكمل له صوم رمضان واحد في عشر رمضانات ، وفي عشرين ، مثل سائر ~~الفرائض من الصلاة والزكاة التي يحاسب عليها العبد ، فإن وجدت كاملة وإلا ~~تممت من سائر تطوعه ، ويقال : إن العبد يصح له صوم في خمسة أيام كما يصح له ~~صلاة واحدة بخمس صلوات ترفع له الأوقات ، وفي الخبر : من اغتاب خرق صومه ~~فليرقع صومه بالاستغفار ، ويقال : إن الله تعالى لم يفترض شيئا فرضي بدونه ~~، وأنه يطالب بما فرضه ويحاسب على ما أوجبه وعفو الله سبحانه وتعالى يأتي ~~على كثير من الذنوب ، والمراد من الصيام مجانبة الآثام لا الجوع والعطش ، ~~كما ذكرناه من أمر الصلاة أن المراد بها الانتهاء عن الفحشاء والمنكر ، كما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يترك قول الزور والعمل به فليس ~~لله حاجة في أن يترك طعامه وشرابه . # | شرح خامس ما بني الإسلام عليه : وهو الحج بالحج كمال الشريعة وتمام ~~الملة # # | ذكر فرائض الحج # قال الله ms0875 تعالى : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) آل ~~عمران : 97 ، وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالزاد والراحلة ~~، فإذا وجد العبد زادا وراحلة لزمه فرض الحج ، فإن أخره بعد وجود ذلك كان ~~مكروها ، فإن مات ولم يحج ، أو مات على عدم الإمكان بعد وجوده ، كان عاصيا ~~لله تعالى من حين أمكنه إلى يوم موته ، ولم يكن كامل الإسلام ، لأن الله ~~تعالى أكمل الإسلام بالحج لما أنزل هذه الآية في الحج يوم عرفة ( اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) المائدة : 3 ~~، وفي الخبر : من لم يمنعه من الحج مرض قاطع أو سلطان جائر ومات ولم يحج ~~فلا يبالي مات يهوديا أو نصرانيا ، وقال عمر : لقد هممت أن أكتب إلى ~~الأمصار بضرب الجزية على من لم يحج ممن PageV02P189 يستطيع إليه سبيلا ، ~~وعن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاووس : لو علمت رجلا غنيا وجب ~~عليه الحج ثم مات قبل أن يحج ما صليت عليه ، وبعضهم كان له جار موسر فمات ~~قبل أن يحج فلم يصل عليه ، وكان ابن عباس يقول : من مات ولم يزك ولم يحج : ~~سأل الرجعة إلى الدنيا ، وكان يفسره في هذ الآية قال : ( رب أرجعون ) ( ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت ) المؤمنون : 99 - 100 قال : أحج ومثله فيقول : ~~( رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ) المنافقون : 10 ~~قال : أزكي وأحج ، وكان يقول هذه الآية ، أشد شيء على أهل التوحيد ومن كان ~~ذا قوة على المشي أو ممن يصلح له أن يؤجر نفسه وأمن التهلكة في خروجه فحج ~~على ذلك كان فاضلا في فعله ، وللحاج الماشي بكل قدم يخطوها سبعمائة حسنة ، ~~وللراكب بكل خطوة تخطوها دابته سبعون حسنة ، والقوة على المشي من الاستطاعة ~~عند بعض العلماء ، فأما فرائض الحج عند جملة العلماء فستة اختلفوا منها في ~~ثلاث وهن : السعي ، والبيتوتة بمزدلفة عند المشعر ليلة النحر ، ورمي جمرة ~~العقبة يوم النحر ، وأجمعوا على ثلاث وهن : الإحرام به ، والوقوف بعرفة ms0876 ، ~~وطواف الزيارة ، ولم يختلفوا في أن ما سوى هذه سنة واستحباب ، ومذهبي في ~~هذا وهو مذهب الأكثر من العلماء أن فرائض الحج أربعة : أولها الإحرام به ~~والوقوف بعرفة بعد زوال الشمس من يوم عرفة ، وآخر حد الوقوف قبل طلوع الفجر ~~من يوم النحر ، وطواف الزيارة بعد الوقوف بعرفة بعد رمي جمرة العقبة ، ~~والسعي بين الصفا والمروة بعد الإحرام بالحج إن شئت قبل الوقوف بعرفة وإن ~~شئت بعده ، وما سوى ذلك من المناسك فمسنون ومستحب ، وبعضه أوكد من بعض ، ~~وفي ترك بعضه كفارة وفي بعضه لا حرج فيه ، وطواف الحج ثلاثة : واحد فريضة ~~إن تركه بطل حجه وهو طواف الزيارة ، وواحد سنة إن تركه كان عليه دم وحجه ~~تام وهو طواف الوداع ، وواحد مستحب إن تركه فلا شيء عليه وهو طواف الورود ، ~~ولم نذكر من فرائض الحج وأحكامه وهيئاته في هذا الباب إلا قوت الأعمال ، ~~مثل ما ذكرناه من سائر الأبواب في هذا الكتاب ، على ما يليق بيانه للمعنى ~~الذي قصدناه فيه ، وقد أشبعنا أحكام الحج وما يقال في المشاعر في كتاب ~~مناسك الحج المفرد . # | ذكر فضائل الحج وآدابه وهيئاته وفضائل الحجاج وطريق السلف السالكين ~~للمنهاج # قال الله سبحانه وتعالى : ( أالحج أشهر معلومات من فرض فيهن الحج ) ~~البقرة : 196 ، يعني من أوجبه على نفسه في هذه الأشهر فأحرم به وهو شوال ~~وذو القعدة وتسع من ذي الحجة فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ، الرفث ~~اسم جامع لكل لغو PageV02P190 وخني وفجر من الكلام ومغازلة النساء ~~ومداعبتهن والتحدث في شأن الجماع ، والفسوق جمع فسق وهو اسم جامع لكل خروج ~~من طاعة ولكل تعدي حد من حدود الله تعالى ، والجدال وصف مبالغ للخصومة ~~والمراء فيما يورث الضغائن وفيما لا نفع فيه ؛ فهذه ثلاثة أسماء جامعة ~~مختصرة لهذه المعاني المثبتة أمر الله تعالى بتنزيه شعائره ومناسكه منها ~~لأنها مشتملة على الآثام وهن أصول الخطايا والإجرام ، والحج في اللغة هو ~~القصد إلى من يعظم ، وكانت العرب تقول نحج إلى النعمان أي نقصده تعظيما له ms0877 ~~وتعزيزا ، فينبغي أن يكون الحاج معظما لمن قصده بالحج ليتحقق بمعنى هذا ~~الاسم ، والحج أيضا سلوك الطريق الواضح الذي يخرج إلى البغية ويوقف على ~~المنفعة واشتقاقه من المحجة بمنزلة النسك ، وهو اسم للطريق مشتق من المنسك ~~، وهو من أسماء الطريق وإن كان أصله المذيح ومنه سمي الناسك لأنه سالك ~~لطريق الآخرة ، فأول فضائل الحج حقيقة الإخلاص به لوجه الله تعالى ، وأن ~~تكون النفقة حلالا واليد فارغة من تجارة تشغل القلب وتفرق الهم ، ويكون ~~الهم مجردا والقلب ساكنا مطمئنا مملوءا بالذكر فارغا من الهوى ناظرا أمامه ~~غير ملتفت إلى ورائه ، وصحة القصد بحسن الصدق ثم طيب النفس بالبذل والإنفاق ~~والتوسع في النفقة والزاد وبذل ذلك ، لأن النفقة في الحج بمنزلة النفقة في ~~سبيل الله تعالى ؛ الدرهم بسبعمائة درهم ، والحج من سبيل الله ، روي ذلك عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن عمر وغيره : من كرم الرجل طيب ~~زاده في سفره ، وكان يقول : أفضل الحجاج أخلصهم نية وأزكاهم نفقة وأحسنهم ~~يقينا ، وفي حديث ابن المنكدرعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ، وقال : سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ما بر الحج ، قال : طيب الكلام وإطعام الطعام ، ويقال : إنما سمي ~~سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال ، وبعضهم يقول يسفر عن صفات النفس وجوهرها ~~إذ ليس كل من حسنت صحبته في الحضر حسنت صحبته في السفر ، وقال رجل لآخر : ~~إنه يعرفه ، فقال له : هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق ~~؟ قال : لا ، قال : ما أراك تعرفه ، ولا يجادل ولا يخاصم ولا يكثر المراء ~~ولا يرفث بلسانه . وروينا عن بشر بن الحرث قال : قال سفيان : من رفث فسد ~~حجه ، وليتعلم أحكام المناسك ومعالم الحج وهيئاته وآداب المشاهد قبل الخروج ~~، وليكن ذلك أهم شيء إليه وليقدمه على جميع أسباب السفر ، فإن هذا هو ~~المقصود والبغية فلا يتأبن عنه ، وليعد له رفيقا صالحا عالما محبا للخير ~~معينا عليه ، إن نسي ذكره ، وإن ms0878 ذكر أعانه ، وإن جبن شجعه ، وإن عجز قواه ، ~~وإن أساء ظنه وضاق صدره وسع صدره وصبره وحسن ظنه ولا يخالف رفيقه ولا يكثر ~~الاعتراض عليه ، وليحسن خلقه مع جميع الناس ، ويلين جانبه ويخفض جناحه ، ~~ويكف أذاه عن الخلق ، ويحتمل أذاهم ؛ فبهذه المعاني يفضل الحج PageV02P191 ~~وإن يحج على رحل أو زاملة فإن ذلك حج المتقين وطريق السلف ، يقال : حج ~~الأبرار على الرحال ، وحدث سفيان الثوري عن أبيه قال : برزت من الكوفة إلى ~~القادسية للحج ، ووافيت الرفاق من البلدان فرأيت الحاج كلهم على زوامل ~~وجوالقات ورواحل ، وما رأيت في جميعهم إلا محملين ، وقال مجاهد لابن عمر ~~وقد دخلت القوافل : ما أكثر الحجاج ، فقال : ما أقلهم ، ولكن قل : ما أكثر ~~الراكب ، قال : وكان ابن عمر إذا نظر إلى ما أحدث الحاج من الزوامل ~~والمحامل يقول : الحاج قليل والركب كثير ، ثم نظر إلى رجل مسكين رث الهيئة ~~تحته جوالق فقال : هذا نعم الحاج ، فينبغي أن يكون رث الهيئة ، خفيف ~~المؤونة ، متقللا من كل شيء ، لا يحمل معه من الزاد إلا ما لا بد له منه ~~مما يحتاج إليه ، ولا يسرف في المبالغة والتناهي فيه ، ولا يقتر ، ولا يضيق ~~على نفسه ورفيقه ، بل يستعمل الاقتصار في كل شيء والكفاية ، ويجتنب من الزي ~~الحمرة فإن ذلك مكروه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان في سفر ~~، فنزل أصحابه منزلا ، فسرحت الإبل ، فنظر إلى أكسية حمر على الأقتاب فقال ~~: أرى هذه الحمرة قد غلبت عليكم ، قال : فقمنا نتساعى حتى نزعناها عن ~~ظهورها حتى شرد بعض الإبل ، ثم ليجتنب من الزي الشهرة ، وكل منظور إليه من ~~الأثاث ، ولا يتشبه بالمترفين ولا بأهل الدنيا من أهل التفاخر والتكاثر ~~فيكتب من المتكبرين ، ولا يكثر التنعم والرفاهة فإن ذلك غير مستحب في سبيل ~~الله تعالى ، لأن المشقة والظمأ والمخمصة والأواء كلما كثر في سبيل الله ~~كان أفضل وأثوب ، حج رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلة وكان تحته رحل ~~رث وقطيفة خلقة قيمته أربعة دراهم ، وطاف على الراحلة ms0879 لينظر الناس إليه ~~ويهتدوا بشمائله ، وقال عليه الصلاة والسلام خذوا عني مناسككم ، وكان يقول ~~: لبيك اللهم لبيك ، حجا لا رياء فيه ولا سمعة ، وقال : لبيك ، أن العيش ~~عيش الآخرة ، وأمر صلى الله عليه وسلم بالشعث والاختفاء ، ونهى عن التنعم ~~والرفاهة ، في حديث فضالة بن عبيد ، وفي الخبر : إنما الحاج الشعث التفل ، ~~يقول الله تعالى لملائكته : انظروا إلى زوار بيتي قد جاؤوني شعثا غبرا من ~~كل فج عميق ، وقال الله عز وجل : ( ثم ليقضوا تفثهم ) الحج : 29 ، التفث ~~الشعث والأغبار ، وقضاؤه حلق الرأس وقص الأظافر ، وكتب عمر بن الخطاب إلى ~~أمراء الأجناد : اخلولقوا واخشوشنوا أي البسوا الخلقان واستعملوا الخشونة ~~من الأشياء ، وبعض أصحاب الحديث يصف هذه الحروف يقول : احلقوا من الحلق ، ~~ولا يجوز أن يأمرهم بإسقاط سنة كيف ، وقد قال لصبيغ حين توسم في مذهب ~~الخوارج : اكشف رأسك ، فرآه ذا ضفيرتين فقال : لو كنت محلوقا لضربت عنقك ، ~~ولينح مثال أهل اليمن في الزي والأثاث ، فإن الاقتداء بهم والاتباع ~~لشمائلهم في الحج طريقة السلف على ذلك الهدى والوصف ، كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه ، وما عدا PageV02P192 وصفهم وخالف هديهم ، فهو ~~محدث ومبتدع ، ولهذا المعنى قيل : زين الحجيج أهل اليمن لأنهم على منهاج ~~الصحابة وطريقة السلف ، وقيل في مدحهم بالتقلل والانفراد : لا يغلون سعرا ~~ولا يضيقون طريقا ، وقد كان العلماء قديما إذا نظروا إلى المترفين قد خرجوا ~~إلى مكة يقولون : لا تقولوا خرج فلان حاجا ، ولكن قولوا : خرج مسافرا ، ~~ويقال : إن هذه المحامل والقباب أحدثها الحجاج بن يوسف ، فركب الناس سنته ، ~~وقد كان العلماء في وقته ينكرونها ويكرهون الركوب فيها ، وأخاف أن بعض ما ~~يكون من تماوت الإبل يكون ذلك سببه لثقل ما يحمل ، ولعله عدل أربعة أنفس ~~وزيادة مع طول الشقة وقلة الطعم ، وينبغي أن يقلل من نومه على الدابة ، ~~فإنه يقال : إن النائم يثقل على البعير ، وقد كان أهل الورع لا ينامون على ~~الدواب إلا من قعود يغفون غفوة بعد غفوة ، وكانوا أيضا لا يقفون عليها ~~الوقوف الطويل لأن ms0880 ذلك يشق عليها . وفي الحديث : لا تتخذوا ظهور دوابكم ~~كراسي ، ولا يحمل على الدابة المكتراة إلا ما قاضى عليه الجمال أو ما أعلمه ~~به ، وقال رجل لابن المبارك : احمل لي هذا الكتاب معك ، فقال : حتى أستأمر ~~الجمال ، فإني قد اكتريت ، ولينزل عن دابته غدوة وعشية يروحها بذلك ، ففيه ~~سنة وآثار عن السلف ، وقد كان بعض السلف يكتري لازما ويشترط أن لا ينزل ، ~~ثم إنه ينزل للرواح ليكون ما رفه عن الدابة من حسناته محتسبا له في ميزانه ~~، وبعض علماء الظاهر يقول : إن الحج راكبا أفضل لما فيه من الإنفاق ~~والمؤونة ، ولأنه أبعد لضجر النفس ، وأقل لأذاه وأقرب لسلامته وتمام حجه ، ~~فهذا عندي بمنزلة الإفطار يكون أفضل إذا ساء عليه خلقه ، وضاق به ذرعه ، ~~وكثر عليه ضجره ، لأن حسن الخلق وانشراح الصدر أفضل ، وقد يكون كذلك لبعض ~~الناس دون بعض ممن يكون حاله الضجر ووصفه التسخط وقلة الصبر ، أو لم يمكن ~~المشي ، وسألت بعض فقهائنا بمكة وكان ورعا عن تلك العمر التي تعتمر من مكة ~~إلى التنعيم ، وهو الذي يقال له مسجد عائشة ، وهو ميقاتنا للعمرة في طول ~~السنة أي ذلك أفضل المشي في العمرة ، أو يكتري حمارا بدرهم يعتمر عليه ~~فيقال : يختلف ذلك على قدر شدته على الناس ، فإن كان إنفاق الدرهم أشد عليه ~~من المشي فالاكتراء أفضل لما فيه من إكراه النفس عليه وشدته عليها ، ومن ~~كان المشي عليه أشق فالمشي أفضل لما فيه من المشقة ، ثم قال : هذا يختلف ~~لاختلاف أحوال الناس من أهل الرفاهية والنعمة ، فيكون المشي عليهما أشد ، ~~وعندي أن الاعتمار ماشيا أفضل ، وكذلك الحج ماشيا لمن أطاق المشي ولم يتضجر ~~به وكان له همة وقلب ، وقد روينا في خبر من طريق أهل البيت : إذا كان في ~~آخر الزمان خرج الناس للحج أربعة أصناف ؛ PageV02P193 سلاطينهم للنزهة ، ~~وأغنياؤهم للتجارة ، وفقراؤهم للمسألة ، وقراؤهم للسمعة ، ويكره أخذ الأجرة ~~على الحج فيجعل نصيبه وعناه لغيره ملتمسا عرض الدنيا ، وقد كره ذلك بعض ~~العلماء ، ولأنه من أعمال الآخرة ويتقرب به إلى ms0881 الله ، يجري مجرى الصلاة ~~والأذان والجهاد فلا يأخذ على ذلك أجرا إلا في الآخرة ، وقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص : واتخذ مؤذنا لا تأخذ على الأذان ~~أجرا ، وسئل عن رجل خرج مجاهد فأخذ ثلاثة دنانير فقال : ليس له من دنياه ~~وآخرته إلا ما أخذ ، فإن كان نية عبد الآخرة أو همته المجاورة واضطر إلى ~~ذلك ، فإن الله تعالى قد يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على ~~نية الدنيا ، رجوت أن يسعه ذلك ، وفي الخبر : يؤجر على الحجة الواحدة ثلاثة ~~ويدخلون الجنة : الموصي بها ، والمنفذ للوصية ، والحاج الذي يقيمها لأنه ~~ينوي خلاص أخيه المسلم والقيام بفرضه ، وقد جاء مثل المجاهد الذي يأخذ أجرا ~~على جهاده مثل أم موسى يحل أجرها وترضع ولدها ، هذا إذا كانت نيته الجهاد ~~واحتاج إلى معونة عليه ، كذلك من كانت نيته في حجه الآخرة ، والتقرب إلى ~~الله تعالى بالطواف والعمرة بعد قضاء ما عليه ، لم يضره أخذ أجرة على حجه ~~إن شاء الله تعالى . ومن فضائل الحج أن لا يقوي أعداء الله الصادين عن ~~المسجد الحرام بالمال ، فإن المعونة والتقوية بالمال تضاهي المعونة بالنفس ~~، والصد عن المسجد الحرام يكون بالمنع والإحصار ، ويكون بطلب المال ، ~~فليحتل في التخلص من ذلك فإن بعض علمائنا كان يقول : ترك التنقل بالحج ~~الرجوع عنه أفضل من تقوية الظالمين بالمال ، لأن ذلك عنده دخيلة في الدين ، ~~ووليجة في طريق المؤمنين ، وإقامة وإظهار لبدعة أحدثت من الآخذ والمعطي ؛ ~~وهذا كما قال لأنه جعل بدعة سنة ودخولا في صغار وذلة ومعاونة على وزر أعظم ~~في الحرم من تكلف حج نافلة قد سقط فرضه كيف ، وفي ذلك إدخال ذلة وصغار على ~~الإسلام والمسلمين مضاهاة للجزية ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : كل واحد من المسلمين على ثغر من ثغور الإسلام ، فإن ترك المسلمون ~~فاشدد لئلا يؤتى الإسلام من قبلك ، وفي الخبر المشهور : المسلمون كرجل واحد ~~ومثل المسلم من المسلمين كمثل الرأس من الجسد ، يألم الجسد ms0882 لما يألم الرأس ~~ويألم الرأس لما يألم الجسد ، وقد يترخص القائل في ذلك بتأويل أنه مضطر ~~إليه ، وليس كما يظن ، لأنه لو رجع لما أخذ منه شيء ، ولو خرج في زي ~~المترفين مما أحدث PageV02P194 من المحامل لما أخذ منه شيء ، فقد زال ~~الاضطرار وحصل منه بالطوع والشهوة الاختيار ، لعل هذا الذنب عقوبة ما حملوا ~~على الإبل فوق طاقتها من البيوت المسقفة التي علوها عليها ، كان البعير ~~يحمل الرجل ورحله فجعلوه يحمل مقدار أربعة وزيادة ، فأدى ذلك إلى تلفها ، ~~فهم مطالبون بقتلها ، لأن من حمل بعيرا فوق طوقه حوسب بذلك وطولب ، أو لعله ~~ذنب ما خرجوا به من التجارات وفضول الأسباب وشبهات الأموال أو لسوء النيات ~~وفساد المقاصد ، وروينا أن أبا الدرداء قال لبعير له في الموت : يا أيها ~~البعير لا تخاصمني إلى ربك فإني لم أكن أحملك فوق طاقتك ، وقد يعاقب الله ~~على الذنب بذنب مثله أو فوقه ، وينبغي أن يكون في المشاعر والمناسك أشعث ~~أغبر فإنه سنة ، ويكثر ذكر الله في طريقه وجميع مناسكه ، ويذكر به الغافلين ~~ويقل ذكر الناس ويلزم الصمت فيما لا يعنيه ، ولا يتكلف ما قد كفى ، ولا ~~يدخل فيما لم يكلف ، وإن رأى موضعا للمعروف أمر به أو منكرا نهى عنه ، فهذه ~~المعاني تضاعف أمر الحج وتفضل الحجاج واستحب أن يقرن بين حجة وعمرة من ~~ميقاته لأن فيه إيجاب هدى يقربه وليكون جامعا بين نسكين من ميقات بلده ، ~~ويكون قد أتى بالعمرة لأنها مقرونة بالحج في الكتاب ، ولأن مذهب كثير من ~~العلماء أنها فريضة كالحج ، وجماعة من السلف كانوا يستحسنون الابتداء ~~بالعمرة وتقديمها على الحج ، منهم : الحسن وعطاء وابن سيرين والنخعي . وقد ~~روي أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما وأهل بهما معا في حديث أنس ، ~~وقد حدثت عن شقيق بن سلمة عن الضبي بن معبد قال : أردت الغزو فأشار علي رجل ~~من أهل العلم أن أبدأ بالحج فاستشرت رجلا من أهل الفقه فأمرني أن أجمع بين ~~حج وعمرة جميعا ، ففعلت ، فأنشأت إلي بهما ms0883 حتى قدمنا على عمر فأخبرته بالذي ~~فعلت ، فقال : هديت لسنة نبيك وإن قدم العمرة فحج متمتعا ثم أفرد الحج ~~بعدها من عامه فهو أفضل ؛ وهذا اختيار جماعة من العلماء ، وإن حج مفردا كما ~~روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أفرد الحج فيما روينا عن عائشة ~~وجابر ، وإذا فرغ من حجه رجع إلى ميقات بلده فاعتمر من هناك فحسن ، وقد قال ~~الله عز وجل : وأتموا الحج والعمرة لله فإفرادهما من إتمامهما ؛ وهذا قول ~~عمر وعثمان في الإتمام ، وليطف لقرانه ويسع طوافين وسعيين ليخرج بذلك من ~~اختلاف العلماء جمعهما أو فرقهما ، وليكثر العبد من التلبية في حال إحرامه ~~فهي من أفضل الأذكار فيه ، وليرفع بها صوته وإن قال في تلبيته : لبيك يا ذا ~~المعارج ، لبيك حجا حقا ، تعبدا ورقا ، والرغباء إليك والعمل ، فقد روي هذا ~~عن الصحابة وإن اقتصر على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسن ، وفيها ~~كفاية وبلاغ وأحب أن يذبح وإن لم يجب عليه ويجتنب الأكل من يذبح ما كان ~~واجبا عليه مثل نسك قران أو متعة أو كفارة ، واستحب أن يأكل مما لم يكن ~~عليه واجبا وليجتنب المعايب PageV02P195 الثمانية في ذبيحته التي وردت بها ~~الآثار ، وكذلك في الأضحية فقد نهي أن يضحي بالجدعاء والعضباء والجرباء ، ~~ونهى عن الشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة والعجفاء ، التي لا تنقي ، ~~يعني المهزولة ؛ وهذا جميع ما جاء في عيوب الأضاحي بأخبار متفرقة ، فالجدع ~~في الأنف والأذن ، والقطع فيهما ، والعضب الكسر في القرن ، وفي نقصان ~~القوائم ، والجرباء من الجرب ، والشرقاء المشقوقة الأذن من فوق ، والخرقاء ~~المشقوقة من أسفل ، والمقابلة المخروقة الأذن من قدام ، والمدابرة المخروقة ~~من خلف ، والتي لا تنقي المهزولة التي لا نقي لها ؛ والنقي هو المخ وقد ~~روينا في تفسير قوله تعالى ذلك : ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى ~~القلوب ) الحج : 32 ، قيل : تسمين الهدي وتحسينه ، وأفضل الهدي بدنة ، ثم ~~بقرة ، ثم كبش أقرن أبيض ، ثم الثني من المعز ، وإن ساق هديه من الميقات ~~فهو أفضل من حيث ms0884 لا يجهده ولا يكده ، وقد كانوا يغالون بثلاث ويكرهون ~~المكاس ، فيهن الهدي والأضحية والرقبة ، فإن أفضل ذلك أغلاه ثمنا وأنفسه ~~عندأهله ، وفي حديث ابن عمر أن عمر أهدى نجيبة فطلبت منه بثلاثمائة دينار ~~فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشتري بثمنها بدنا ، فنهاه عن ~~ذلك وقال : بل أهدها فهذه سنة في تخير الهدى ، وحسن الأدب في المعاملة ، ~~وترك الاستبدال بها طلبا للكثرة ، لأن القليل الجيد خير من الكثير الدون ، ~~إن في ثلاثمائة دينار قيمة ثلاثين ، فكان الخالص الحسن كافيا من الكثير ~~المتقارب ، وفي حديث ابن المنكدر عن جابر سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: ما بر الحج ؟ قال : العج والثج ، فالعج هو رفع الصوت بالتلبية ، والثج هو ~~نحر البدن . وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ما عمل آدمي يوم النحر عملا أحب إلى الله عز وجل من إهراق دم ، ~~وأنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها فإن الدم ليقع من الله بمكان قبل ~~أن يقع بالأرض ، طيبوا بها نفسا ، وفي الخبر : لكم بكل PageV02P196 صوفة من ~~شعرها وبكل قطرة من دمها حسنة ، وأنها لتوضع في الميزان فأبشروا ولا يضحى ~~بجذع إلا من الضأن فقط ، وهو ما كان في آخر حوله ، وبالثني من المعز والبقر ~~والإبل ، فالثني من المعز ما دخل في السنة الثانية ، والثني من البقر ما ~~دخل في الثالثة ، والثني من الإبل ما دخل في السنة الخامسة ، وإن أحرم من ~~بلده فقد قيل إنه من إتمام الحج والعمرة ومن عزائم الأعمال ، روينا عن عمر ~~وعلي وابن مسعود رضي الله عنهما : وأتموا الحج والعمرة لله ، قالوا : ~~إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، ولتكن حاضر القلب ، مشاهد القرب عند ~~المواطن المرجو فيها الإجابة ، وفي المشاهد المبتغي منها المنفعة ، كما قال ~~الله سبحانه وتعالى : ليشهدوا منافع لهم ، ويذكروا اسم الله على ما رزقهم ، ~~واستحب له أن يمشي في المشاعر من حين يخرج من مكة إلى أن يقف بعرفة ، وإلى ~~أن يرجع من طواف ms0885 الزيارة إلى منى ، ومن استحب للحاج الركوب فإنه يستحب له ~~المشي إلى مكة في المناسك إلى انقضاء حجه ، ولأن عبد الله بن عباس أوصى ~~بنيه عند موته فقال : يا بني حجوا مشاة ، فإن للحاج الماشي بكل قدم يخطوها ~~سبعمائة حسنة من حسنات الحرم ، قيل : وما حسنات الحرم ؟ قال الحسنة بمائة ~~ألف وأوكد ما مشي فيه من المناسك وأفضله ، من مسجد إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم إلى الموقف ، ومن الموقف إلى المزدلفة في الإفاضة ، ومن المشعر الحرام ~~غداة النحر إلى منى ، وفي أيام رميه الجمار وصومه يوم عرفة فيه فضل إن قوي ~~معه على الدعاء والتلبية ولم يقطعه الصوم عن ذلك ، فإن أضعفه فالفطر أفضل ، ~~ولم يصمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ولا أبو بكر ولا عمر وصامه ~~عثمان رضي الله عنه وعنهم ، وليعتبر في طريقه وسيره بالآيات وما يرى من ~~الحكمة والقدرة من تصريف الخلق ، وما يحدث الله تبارك وتعالى في كل وقت ~~فيكون له في كل شيء عبرة ، ومن كل شيء موعظة ، فإنه على مثال طريق الآخرة ، ~~وليكن له بكل شيء تذكرة ، وفي كل شيء فطنة وتبصرة ، ترده إلى الله تعالى ، ~~وتدله عليه ، وتذكره به ، ويشهده منها فيتفكر في أمره ، ويستدل به على ~~حكمته ، ويشهد منه قدرته . وسئل الحسن ما علامة الحج المبرور ؟ فقال : أن ~~يرجع العبد زاهدا في الدنيا ، راغبا في الآخرة ، وقيل في وصف الحج المبرور ~~: هو كف الأذى ، واحتمال الأذى ، وحسن الصحبة ، وبذل الزاد ، ويقال : إن ~~علامة قبول الحج ترك ما كان عليه العبد من المعاصي والاستبدال بإخوانه ~~البطالين إخوانا صالحين وبمجالس اللهو والغفلة مجالس الذكر واليقظة ، فمن ~~وفق للعمل بما ذكرناه فهو علامة قبول حجه ودليل نظر الله إليه في قصده ، ~~ومن أصيب بمصيبة في نفسه وماله فهو من دلائل قبول حجه ، فإن المصيبة في ~~طريق الحج تعدل النفقة في سبيل الله تعالى ، الدرهم بسبعمائة ، وبمثابة ~~الشدائد في طريق الجهاد ، وليستكثر من الطواف بالبيت ، لأنه يستوعب بطواف ~~أسبوع مائة وعشرين رحمة يكون PageV02P197 بكل ms0886 رحمة ما شاء الله ، لأنه ~~سبحانه يختص برحمته من يشاء ، وأقل ماله بكل رحمة عشر حسنات ، لأن في حديث ~~عطاء عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ينزل الله على هذا ~~البيت في كل يوم مائة وعشرين رحمة ، ستون للطائفين ، وأربعون للمصلين ، ~~وعشرون للناظرين ، وفي الحديث : استكثروا من الطواف بالبيت فإنه من أقل شيء ~~تجدونه في صحفكم يوم القيامة ، وأغبط عمل تجدونه ، ولا تتحدث في طوافك ، ~~وعليك بكثرة ذكر الله سبحانه وتعالى من التسبيح والتهليل والحمد وتلاوة ~~القرآن وامش بسكينة ووقار وخشوع وانكسار ، ولا تزاحمن أحدا ، واقرب من ~~البيت ما أمكن ، واستلم الركنين اليمانيين مع تقبيل الحجر في كل وتر من ~~طوافك إن أمكن . وقد روينا في الخبر : من طاف بالبيت حافيا حاسرا كان له ~~كعتق رقبة ، ومن طاف أسبوعا في المطر غفر له ما سلف من ذنوبه ، روي ذلك عن ~~الحسن بن علي قاله لأصحابه ورفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : واتق ~~الهمة الردية والأفكار الدنية ، فيقال : إن العبد يؤاخذ بالهمة في ذلك ~~البلد ، وعن ابن مسعود : ما من بلد يؤاخذ العبد فيه بالإرادة قبل العمل إلا ~~بمكة ، وقال أيضا : لو هم العبد أن يعمل سوءا بمكة عاقبه الله تعالى ، ثم ~~تلا : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) ؛ يعني أنه علق ~~العذاب بالإرادة دون الفعل ، ويقال : إن السيئات تضاعف بمكة كما تضاعف ~~الحسنات ، وإن السيئات التي تكتسب هنالك لا تكفر إلا هناك ، وكان ابن عباس ~~يقول : الاحتكار بمكة من الإلحاد في الحرم ، وقيل : الكذب فيه من الإلحاد ، ~~وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، لأن أذنب سبعين ذنبا بركية أحب ~~إلي من أن أذنب ذنبا واحدا بمكة ؛ وركية منزلة بين مكة والطائف ، وقد كان ~~الورعون من السلف منهم عبد الله بن عمر ، وعمر بن عبد العزيز ، وغيرهما ~~يضرب أحدهم فسطاطا في الحرم وفسطاطا في الحل ، فإذا أراد أن يصلي أو يعمل ~~شيئا من الطاعات دخل فسطاط الحرم ليدرك فضل ms0887 المسجد الحرام ، لأن المسجد ~~الحرام عندهم في جميع ما يذكر إنما هو الحرم كله ، وإذا أراد أن يأكل أو ~~يكلم أهله أو يتغوط خرج إلى فسطاط الحل ، ويقال : إن آل الحجاج في سالف ~~الدهر كانوا إذا قدموا مكة خلعوا نعالهم بذي طوي تعظيما للحرم ، وقد سمعنا ~~من لم يكن يتغوط ولا يبول في الحرم من المقيمين بمكة ورأينا بعضهم لا يتغوط ~~ولا يبول حتى يخرج إلى الحل تعظيما لشعائر الله تعالى ، وتنزيها لحرمه ~~وأمنه ، وأعمال البر كلها تضاعف بمكة ، والحسنة بمائة ألف حسنة على مثال ~~الصلاة في المسجد الحرام ، روي معنى ذلك عن ابن عباس وأنس ، وعن الحسن ~~البصري : أن صوم يوم بمائة ألف وصدقة درهم بمائة ألف درهم ، ويقال : إن ~~طواف سبعة أسابيع يعدل عمرة ، PageV02P198 وإن ثلاث عمر تعدل حجة ، وإن ~~العمرة هي الحجة الصغرى ؛ وهذا في دليل الخطاب من قوله تعالى : يوم الحج ~~الأكبر ، فدل أن الحج الأصغر هو العمرة ، ومن العرب من يسمي العمرة حجا ، ~~وفي الخبر : عمرة في رمضان تعدل حجة ، فمن وفق للعمل بما ذكرناه فهو علامة ~~قبول حجه ودليل نظر الله إليه في قصده . # | ذكر فضائل الحج والحاجين لوجه الله # روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من حج هذا البيت فلم ~~يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وفي حديث آخر : من خرج من ~~بيته حاجا أو معتمرا فمات أجري له أجر الحاج والمعتمر إلى يوم القيامة ، ~~ومن مات في أحد الحرمين لم يعرض ولم يحاسب ، وقيل له : أدخل الجنة ، وروي ~~في الخبر حجة مبرورة خير من الدنيا وما فيها ، وحجة مبرورة ليس لها جزاء ~~إلا الجنة ، وفي الحديث : الحجاج والعمار وفد الله تعالى وزواره ، إن سألوه ~~أعطاهم ، وإن استغفروه غفر لهم ، وإن دعوه استجيب لهم ، وإن شفعوا شفعوا ، ~~وذكر بعضهم أن إبليس ظهر له في صورة شخص بعرفة ، فإذا هو ناحل الجسم ، مصفر ~~اللون ، باكي العين ، مقصوم الظهر ، فقال له : ما الذي أبكى عينك ؟ فقال : ~~خروج الحاج ms0888 إليه بلا تجارة ، أقول قصدوه أخاف أن لا يخيبهم فيحزنني ذلك ، ~~قال : فما الذي أنحل جسمك ؟ قال : صهيل الخيل في سبيل الله تعالى ، ولو ~~كانت في سبيلي ، كان أحب إلي قال : فما الذي غير لونك ؟ قال : تعاون ~~الجماعة على الطاعة ، ولو تعاونوا على المعصية كان أحب إلي قال : فما الذي ~~قصم ظهرك ؟ قال : قول العبد أسألك حسن الخاتمة ، أقول : يا ويلتي متى يعجب ~~هذا بعمله ؟ أخاف أن يكون قد ، ولقي رجل ابن المبارك وقد أفاض من عرفة إلى ~~مزدلفة فقال : من أعظم الناس جرما يا أبا عبد الرحمن في هذا الوقت ؟ فقال : ~~من قال إن الله عز وجل لم يغفر لهؤلاء ، وقد روينا حديثا مسندا من طريق أهل ~~البيت : أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة فظن أن الله عز وجل لم يغفر له ، ~~ويقال إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة ، وقد رفعه جعفر بن ~~محمد فاسنده ، ويقال : إن الله عز وجل إذا غفر لعبد ذنبا في الموقف غفره ~~لكل من أصابه في ذلك الموقف ، وزعم بعض السلف : إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة ~~غفر PageV02P199 لكل أهل الموقف ، وهو أفضل يوم في الدنيا ، وفيه حج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، ولم يحج بعد نزول فرض الحج غيرها ، ~~وعليه نزلت هذه الآية وهو وافق بعرفة ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) المائدة : 3 وقال علماء أهل الكتاب : لو ~~أنزلت علينا هذه الآية لجعلنا يومها عيدا ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه : أشهد لقد أنزلت في يوم عيدين اثنين ؛ يوم عرفة ويوم جمعة على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، وهو واقف بعرفة ، وقد روينا في تفسير قوله تعالى ~~: ليشهدوا منافع لهم ؛ عن جماعة من السلف قال : غفر لهم ورب الكعبة ، وفي ~~تفسير قوله تعالى : لأقعدن لهم صراطك المستقيم ؛ قال : طريق مكة بصدهم عنه ~~وروينا عن مجاهد وغيره من العلماء : دخل حديث أحدهما في الآخرة ، كانوا ~~يتلقون الحاج يدعون لهم قبل ms0889 أن يتدنسوا ويقولون : تقبل الله منا ومنكم ، ~~وأن الحاج إذا قدموا مكة تلقتهم الملائكة فسلموا على ركبان الإبل وصافحوا ~~ركبان الحمير واعتنقوا المشاة اعتناقا ، وقال الحسن : من مات يعقب شهر ~~رمضان ، أو يعقب غروا ، أو يعقب حجا ، مات شهيدا ، وقال عمر رضي الله تعالى ~~عنه : الحاج مغفور له ولمن استغفر له شهر ذي الحجة والمحرم وصفر وعشرين من ~~ربيع الأول ، وقد كان من سنة السلف أن يشيعوا الغزاة وأن يستقبلوا الحاج ~~ويقبلوا بين أعينهم ويسألوهم الدعاء لهم ، وفي الخبر : اللهم اغفر للحاج ~~ولمن استغفر له الحاج . وحدثونا عن علي بن الموفق قال : حججت سنة فلما كان ~~ليلة عرفة بت بمنى في مسجد الخيف ، فرأيت في المنام كأن ملكين قد نزلا من ~~السماء عليهما ثياب خضر فنادى أحدهما صاحبه : يا عبيد الله ، فقال الآخر : ~~لبيك يا عبد الله ، قال : تدري كم حج بيت ربنا في هذه السنة ؟ قال : لا ~~أدري ، قال : حج بيت ربنا ستمائة ألف ، فتدري كم قبل منهم ؟ قال : لا ، قال ~~: قبل منهم ستة أنفس ، قال : ثم ارتفعا في الهواء فغابا عني فانتبهت فزعا ~~فاغتممت غما شديدا وأهمني أمري فقلت : إذا قبل حج ست أنفس فأين أكون أنا في ~~ستة أنفس ؟ فلما أفضنا من عرفة وبت عند المشعر الحرام جعلت أفكر في كثرة ~~الخلق وفي قلة من قبل منهم فحملني النوم ، فإذا الشخصان قد نزلا من السماء ~~على هيئتهما فنادى أحدهما : يا عبد الله ، قال : لبيك يا عبد الله ، قال : ~~تدري كم حج بيت ربنا ؟ قال : نعم ستمائة ألف ، قال : فتدري كم قبل منهم ؟ ~~قال : نعم ستة أنفس ، قال : فتدري ماذا حكم ربنا في هذه الليلة ؟ قال : لا ~~، قال : فإنه وهب لكل واحد من الستة مائة ألف ، قال : فانتبهت وبي من ~~السرور ما يجل من الوصف ، ذكر في هذه القصة ستة ولم يذكر السابع ؛ وهؤلاء ~~هم الأبدال السبعة أوتاد الأرض المنظور إليهم كفاحا ، ثم ينظر إلى قلوب ~~الأولياء من وراء قلوبهم ، فأنوار هؤلاء عن نور الجلال وأنوار الأولياء من ms0890 ~~أنوارهم ، وأنصبتهم وعلومهم من أنصبة هؤلاء وعلومهم ، فلم PageV02P200 يذكر ~~السابع وهو قطب الأرض ، والأبدال كلهم في ميزانه ، ويقال إنه هو الذي يضاهي ~~الخضر من هذه الأمة في الحال ويجاريه في العلم ، وإنهما يتفاوضان العلم ~~ويجد أحدهما المزيد من الآخرة ، فإنما لم يذكر والله أعلم لأنه يوهب له من ~~مات ، ولم يحج من هذه الأمة لأنه أوسع جاها من جميعهم وأنفذ قولا في ~~الشفاعة من الجملة . وقد روينا عن ابن الموفق قال : حججت سنة ، فلما قضيت ~~مناسكي تفكرت فيمن لا يتقبل حجه ، فقلت : اللهم إني قد وهبت حجتي هذه وجعلت ~~ثوابها لمن لا يتقبل حجه ، قال : فرأيت رب العزة في النوم ، قال لي : يا ~~علي تتسخى علي وأنا خلقت السخاء وخلقت الأسخياء ، وأنا أجود الأجودين ، ~~وأكرم الأكرمين ، وأحق بالجود والكرم من العالمين ، وقد وهبت كل من لم يقبل ~~حجه لمن قبلته ، وكان ابن الموفق هذا قد حج عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حججا وقال : فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا ابن الموفق ~~حججت عني ؟ قلت : نعم يارسول الله ، قال : ولبيت عني ؟ قلت : نعم ، قال : ~~فهذه يد لك عندي أكافئك بها يوم القيامة آخذ بيدك في الموقف فأدخلك الجنة ~~والخلائق في كرب الحساب . # | ذكر فضائل البيت الحرام وما جاء فيه # في الخبر : أن الله تعالى وعد هذا البيت أن يحجه في كل سنة ستمائة ألف ~~فإن نقصوا كملهم الله تعالى بالملائكة ، وأن الكعبة تحشر كالعروس المزفوف ~~وكل من حجها متعلق بأستارها يسعون حولها حتى تدخل الجنة فيدخون معها ، وفي ~~الخبر : أن الحجر ياقوتة من يواقيت الجنة ، وأنه يبعث يوم القيامة ، وله ~~عينان ، ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق وصدق ، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقلبه كثيرا ، وروينا أنه سجد عليه وكان يطوف على الراحلة فيجعل ~~المحجن عليه ، ثم يقبل طرف المحجن ، وقبله عمر ثم قال : إني لأعلم أنك حجر ~~لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لما ~~قبلتك ms0891 ، ثم بكى حتى علا نشيجه فالتفت إلى ورائه فإذا علي ، فقال : يا أبا ~~الحسن ههنا تسكب العبرات ، فقال علي : يا أمير المؤمنين بل هو يضر وينفع ، ~~قال : وكيف ؟ قال : إن الله عز وجل لما أخذ الميثاق على الذرية كتب عليهم ~~كتابا ، ثم ألقمه هذا الحجر فهو يشهد للمؤمن بالوفاء ، ويشهد على الكافر ~~بالجحود ، قيل : فذلك معنى قول الناس عند الاستلام : اللهم إيمانا بك ~~وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك يعنون هذا الكتاب والعهد ، وفي الخبر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم : أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم آتي البقيع فيحشرون معي ~~، ثم آتي أهل مكة فأحشر بين الحرمين ، وفي الخبر : أن آدم لما قضى مناسكه ~~PageV02P201 لقيته الملائكة فقالوا : برجحك يا آدم ، لقد حججنا هذا البيت ~~قبلك بألفي عام ، وجاء في الخبر : أن الله تعالى ينظر في كل ليلة إلى أهل ~~الأرض ، فأول من ينظر إليه أهل الحرم وأول من ينظر إليه من أهل الحرم أهل ~~المسجد الحرام ، فمن رآه طائفا غفر له ، ومن رآه منهم مصليا غفر له ، ومن ~~رآه نائما مستقبل القبلة غفر له ، وذكرت الصلاة بعبادان لأبي تراب النخشي ~~فقال : نومة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة بعبادان ، وكوشف بعض الأولياء ~~قال : رأيت الثغور كلها تسجد لعبادان ، ورأيت عبادان ساجدة لجدة ، لأنها ~~خزانة الحرم ، وفرضة أهل المسجد الحرام ، وكنت أنا بمكة سنة فأهمني الغلاء ~~بها حتى ضقت ذرعا به ، فرأيت في النوم شخصين بين يدي ، يقول أحدهما للآخر : ~~كل شيء في هذا البلد عزيز كأنه يعني الغلاء ، فقال الآخر : الموضع عزيز فكل ~~شيء فيه عزيز ، فإن أردت أن ترخص الأشياء عليك فضحها إلى شرف الموضع حتى ~~ترخص . # | ذكر من كره المقام بمكة # كان سفيان الثوري يقول : والله ما أدري أي البلاد أسكن ، فقيل له : ~~خراسان ، قال : مذاهب مختلفة وآراء فاسدة ، قيل : الشام ، قال يشار إليك ~~بالأصابع ، قيل : فالعراق ، قال : بلدة الجبابرة ، قيل : مكة ، قال : تذيب ~~الكيس والبدن ، وقال رجل للثوري : قد عزمت على المجاورة بمكة فأوصني ، قال ~~: أوصيك بثلاث ms0892 ؛ لا تصلين في الصف الأول ، ولا تصبحن قرشيا ، ولا تظهرن ~~صدقة ، إنما كره له الصلاة في الصف الأول لأنه يفتقد فيسأل عنه إذا غاب ~~فيشتهر ويعرف إذا واظب ، فيجب أن يرب الحال بلزوم الموضع ، فيذهب الإخلاص ~~ويحصل التزين والتصنع ، وجاء رجل إلى سفيان بمكة فسأله فقال : أرسل معي رجل ~~بمال فقال : ضعه في سدانة الكعبة ، أو قال : في سدنة الكعبة ، فما ترى ؟ ~~قال سفيان : قد جهل فيما أمرك به ، وإن الكعبة لغنية عن ذلك ، قال : فما ~~ترى ؟ قال : أصرفه للفقراء والأرامل ، وإياك وبني فلان فإنهم سراق الحاج ، ~~وقد كان بعض السلف يكره المجاورة بمكة ويحب قصد البيت للحج والخروج منه ، ~~إما لأجل الشوق إليه أو خشية الخطايا فيه ، أو حبا للعود ، وقد قال الله ~~تعالى : ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ) البقرة : 125 ، أي يثوبون ~~إليه يعودون مرة بعد مرة ولا يقضون منه وطرا وكان بعضهم يقول تكون في بلد ~~وقلبك مشتاق متعلق بهذا البيت ، خير لك من أن تكون فيه وأنت متبرم بمقامك ~~أو قلبك متعلق إلى بلد غيره ، PageV02P202 وروى ابن عيينة عن الشعبي : لأن ~~أقيم بحمام أعين أحب إلي من أن أقيم بمكة ، قال سفيان يعني إعظاما لها ~~وتوقيتا عن الذنب فيها وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يضرب ~~الحجاج إذا حجوا ويقول : يا أهل اليمن يمنكم ويا أهل الشام شامكم ويا أهل ~~العراق عراقكم ، وكان ابن عباس يقول : أجور بيوت مكة حرام ولا تقوم الساعة ~~حتى يستحل الناس اثنتين إتيان النساء في أدبارهن وأجور بيوت مكة ، وكان ~~الثوري وبشر وجماعة من الفقهاء وأهل الورع يكرهون أن يدفع الرجل كراء بيت ~~مكة ، حتى قال الثوري : إذا طالبوك ولم يكن لك بد من أن تعطيهم فخذ لهم من ~~البيت قيمة ما أخذوا منك ، وقال بعض السلف من رجل بأرض خراسان أقرب إلى هذا ~~البيت ممن يطوف به ويقال إن لله عبادا تطوف هم الكعبة تقربا إلى الله عز ~~وجل ، وحدثني شيخ لنا عن أبي علي الكرماني ms0893 شيخنا بمكة وكان من الأبدال إلا ~~أني سمعت هذه الحكاية منه ، قال : سمعته يقول : رأيت الكعبة ذات ليلة تطوف ~~بشخص من المؤمنين ، وقال لي هذا الشيخ : ربما نظرت إلى السماء واقعة على ~~سطح الكعبة قد ماستها الكعبة ولزقت بها وأكثر الأبدال في أرض الهند والزنج ~~وبلاد الكفرة ، ويقال لا تغرب الشمس من يوم إلا يطوف بهذا البيت رجل من ~~الأبدال ، ولا يطلع الفجر من ليلة إلا طاف به واحد من الأوتاد وإذا انقطع ~~ذلك كان سبب رفعه من الأرض فيصبح الناس وقد رفعت الكعبة ولا يرون لها أثرا ~~وهذا إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد ثم يرفع القرآن من المصاحف فيصبح ~~الناس فإذا الورق أبيض يلوح ليس فيه حرف ثم ينسخ القرآن من القلوب فلا تذكر ~~منه كلمة ثم يرجع الناس إلى الأشعار والأغاني وأخبار الجاهلية ثم يخرج ~~الدجال وينزل عيسى بن مريم عليه السلام فيقتله والساعة عند ذلك بمنزلة ~~الحامل المقرب يتوقع ولادتها . روينا عن وهيب بن الورد المكي قال كنت ذات ~~ليلة أصلي في الحجر فسمعت كلاما بين الكعبة والأستار يقول إلى الله تعالى ~~أشكو ثم إليك يا جبريل ما ألقى من الطائفين حولي تفكههم في الحديث ولغوهم ~~ولهوهم لئن لم ينتهوا من ذلك لأنتفضن انتفاضة يرجع كل حجر مني إلى الجبل ~~الذي قطع منه ، وفي الخبر لا تقوم الساعة حتى يرفع الركن والمقام ، وروي أن ~~الحبشة يغزون الكعبة فيكون أولهم عند الحجر الأسود وآخرهم على ساحل البحر ~~بجدة فينقضونها حجرا حجرا يناول بعضهم بعضا حتى يرمونها في البحر وكذلك ~~يذكر عن بعض الصحابة وقراء الكتب السالفة كأني أنظر حبشيا أصلع أجدع قائما ~~عليها يعني الكعبة هدمها بمعوله حجرا حجرا ، وفي الخبر استكثروا من الطواف ~~بهذا البيت قبل أن يرفع فقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة ورفعه الذي ذكرناه ~~يكون بعد PageV02P203 هدمه لأنه بيني من ذي قبل حتى يعود إلى مثل حاله ويحج ~~مرارا ثم يرفع بعد ذلك . وروينا في حديث أبي رافع عن علي عن ms0894 النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول الله تعالى : إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتي فخربته ثم ~~أخرب الدنيا على أثره ، وليس بعد مكة مكان أفضل من مدينة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والأعمال فيها مضاعفة ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ~~صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وكذلك ~~قيل : إن فضل الأعمال بالمدينة كفضل الصلاة ، كل عمل بألف عمل ، وبعد ذلك ~~الأرض المقدسة فإن فضل الصلاة فيها بخمسمائة صلاة ، وكل عمل يضاعف بخمسمائة ~~مثله ، روينا عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : صلاة في ~~مسجد المدينة بعشرة آلاف صلاة ، وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، ~~وصلاة في المسجد الأقصى بألف صلاة ، ثم يستوي الأرض بعد ذلك فلا يبقى مندوب ~~إليه مقصود لفضل دل الشرع عليه ، كما جاء في الخبر : لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ، وبعد ذلك فأي ~~موضع صلح فيه قلبك ، وسلم لك دينك ، واستقام فيه حالك ؛ فهو أفضل المواضع ~~لك ، وقد جاء في الخبر : البلاد بلاد الله تعالى ، والخلق عباده ، فأي موضع ~~رأيت فيه رفقا ، فأقم واحمد الله تعالى ، وفي الخبر المشهور من حضر له في ~~شيء فليلزمه ومن جعلت معيشته في شيء فلا ينتقل عنه حتى يتغير عليه ، وقال ~~نعيم : رأيت الثوري قد جعل جرابه على كتفه وأخذ قلته بيده ، فقلت : إلى أين ~~يا أبا عبد الله ؟ فقال : إلى بلد أملأ فيه جرابي بدرهم ، وفي حكاية أخرى : ~~بلغني أن قرية فيها رخص فأخرج إليها ، فقلت : وتفعل هذا يا أبا عبد الله ؟ ~~فقال : نعم ، إذا سمعت في بلد برخص فاقصده فإنه أسلم لدينك ، وأقل لهمك ، ~~وكان يقول : هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخاملين فكيف بالمشهورين ، هذا ~~زمان تنقل الرجل ينتقل من قرية إلى قرية يفر بدينه من الفتن ، وقد كان ~~الفقراء والمريدون PageV02P204 يقصدون الأمصار للقاء العلماء والصالحين ، ~~للنظر إليهم والتبرك والتأدب بهم ، وكان العلماء ms0895 ينتقلون في البلاد ، ~~ليعلموا ، ويردوا الخلق إلى الله تعالى ، ويعرفوا الطريق إليه ، فإذا فقد ~~العالمون وعدم المريدون فالزم موضعا ترى فيه أدنى سلامة دين وأقرب صلاح قلب ~~وأيسر سكون نفس ولا تنزعج إلى غيره فإنك لا تأمن أن تقع في شر منه وتطلب ~~المكان الأول فلا تقدر عليه ، والله غالب على أمره ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم . PageV02P205 # | الفصل الرابع والثلاثون في تفصيل الإسلام والإيمان وعقود شرح معاملة ~~القلب من مذاهب أهل الجماعة # قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) المائدة : 1 ، ~~وقال سبحانه وتعالى : ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) المائدة : 89 ، ~~وقال تعالى : ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ) ~~الأحزاب : 5 ، وقال جل ثناؤه : ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) البقرة : ~~225 ، فعمد القلوب وكسبها هو عقودها وأعمالها ، وعقود القلب التي هي السنة ~~المجتمع عليها نقلها الخلف عن السلف ، ولم يختلف فيه اثنان من المؤمنين ، ~~فيها ست عشرة خصلة ؛ ثمان واجبات في الدنيا ، وثمان واقعات في الآخرة ، ~~فأما اللاتي هن في الدنيا أن يعتقد العبد أن الإيمان قول وعمل ، يزيد ~~بالطاعة ، وينقص بالمعصية ، ويقوى بالعلم ، ويضعف بالجهل ، وأن القرآن كلام ~~الله عز وجل غير مخلوق ، وعلمه القديم صفة من صفاته ، وهو متكلم به بذاته ، ~~وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تقرب العبد إلى الله عز ~~وجل بأفضل من شيء خرج منه وهو كلامه ، وروينا عن ابن عباس : أن عليا رضي ~~الله تعالى عنهما دعا عند قتال صفين يا كهيعص أعوذ بك من الذنوب التي توجب ~~النقمة ، وأعوذ بك من الذنوب التي تغير النعم ، وأعوذ بك من الذنوب التي ~~تهتك الحرم ، وأعوذ بك من الذنوب التي تحبس غيث السماء ، وأعوذ بك من ~~الذنوب التي تديل الأعداء ، انصرنا على من ظلمنا ، قال الضحاك بن مزاحم : ~~فكان علي رضي الله عنه يقدم هذه بين يدي كل شديدة ، وفيما روينا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من قوله : أعوذ بكلمات الله وأسمائه ms0896 كلها ، كما قال ~~أعوذ بعزة الله وقدرته ، دليل أن الكلام والأسماء صفات ، وعن علي رضي الله ~~تعالى عنه حين حكم الحكمين فنقم عليه الخوارج ذلك فقالوا : حكم في دين الله ~~من المخلوقين ، فقال : والله ما حكمت مخلوقا ، ما حكمت إلا القرآن ، وقال ~~أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين PageV02P206 سمع قرآن مسيلمة الكذاب ~~الذي افتعله وتخرصه يضاهي به كلام الله تعالى ، والله ما خرج هذا من آل ولا ~~من تقي ، قال أبو عبيدة : يعني ما خرج من الله تعالى ، قال : وفيه دليل أن ~~القرآن غير مخلوق ، وأنه خرج من الله تعالى تكلم به ، قال ومن هذا قوله ~~تعالى : ( لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ) التوبة : 10 معناه الله عز وجل ~~لا يرقبونه . وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى ذلك في قوله ~~: فضل كلام الله عز وجل على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه ، وذلك ~~أنه خرج منه ، وقرأت في مصحف ابن مسعود قال : يا موسى قد فضلتك برسالاتي ~~وبكلامي على الناس ، وهذا لا يجوز فيه إلا التكلم بالذات مع قوله سبحانه ~~وتعالى : ( وكلم الله موسى تكليما ) النساء : 164 ، قال أهل اللغة : المصدر ~~إذا أدخل في الفعل فهو للمواجهة والوصف لا للأمر بالفعل ، ولا على المجاز ، ~~ثم تسليم أخيار الصفات فيما ثبتت به الروايات وصح النقل ، ولا يتأول ذلك ~~ولايشبه بالقياس والعقل ، ولكن يعتقد إثبات الأسماء والصفات بمعانيها ~~وحقائقها لله تعالى ، وينفي التشبيه والتكييف عنها إذ لا كفؤ للموصوف فيشبه ~~، ولا مثل له فيجنس منه ، ولا نشبه ونصف ، ولا نمثل ونعرف ، ولا نكيف ، وفي ~~رد أخبار الصفات بطلان شرائع الإسلام من قبل أن الناقلين إلينا ذلك هم ~~ناقلو شرائع الدين وأحكام الإيمان ، فإن كانوا عدولا فيما نقلوه من الشريعة ~~فالعدل مقبول القول في كل ما نقله ، وإن كانوا كذبوا فيما نقلوا من أخبار ~~الصفات فالكذاب مردود القول في كل ما جاء به ، والكذب على الله كفر ، فكيف ~~تقبل شهادة كافر ؟ وإذ جاز أن يجترئوا ms0897 على الله عز وجل بأن يزيدوا في صفاته ~~ما لم يسمعوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم إلى أن يكذبوا على ~~الرسول فيما من الأحكام أولى ، ففي ذلك إبطال الشريعة ، وتكفير النقلة من ~~الصحابة والتابعين بإحسان ، فلذلك كفر أصحاب الحديث من نفي أخبار الصفات ، ~~ويعتقد تفضيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه كافة ، ويسكت عما شجر بينهم ، وينشر محاسنهم وفضائلهم لتأتلف ~~القلوب بذلك ، ونسلم لكل واحد منهم ما فعله ، لأنهم أوفر وأعلى عقولا منا ، ~~فقد علم كل واحد بعلمه ومنتهى عقله فيما أدى إليه اجتهاده ، وإن كان بعضهم ~~أعلم من بعض ، كما أن بعضهم أفضل من بعض ، إلا أن علومنا وعقولنا تضعف ~~وتنقص عن علم أدناهم علما ، كما فضلوا علينا بالسوابق سبقا وتقدم من قدم ~~الله ورسوله وأجمع المسلمون الذين تولى الله إجماعهم على الهداية ، وضمن ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم تفضيلا لهم وتشريفا لهم أن لا يجتمعوا على ضلالة ~~، وقد قال علي لما قيل له : ألا تستخلف علينا ؟ فقال : لا أستخلف عليكم بل ~~أكلكم إلى الله عز وجل ، فإن يرد بكم خيرا جمعكم بعد نبيكم على خيركم . ~~PageV02P207 قال إبراهيم النخعي : فلما سلم الحسن بن علي رضي الله تعالى ~~عنهما الأمر إلى معاوية سميت سنة الجماعة ، وقال له رجل من الشيعة : يا مذل ~~المؤمنين ، فقال : بل أنا معز المؤمنين ، سمعت أبي عليه السلام يقول : لا ~~تكرهوا إمارة معاوية فإنه سيلي هذا الأمر بعدي ، وإن فقدتموه رأيتم السيوف ~~تبدر عن كواهلها كأنها الحنظل ، فليعتقد بقلبه من رضي الصحابة بإمامته ، ~~وأجمعوا على خلافته واتفق الأئمة من أهل الشورى على تقدمته على حديث ابن ~~عمر في التفضيل ، قال : كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ، فيبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ~~ينكر وعلى حديث سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : الخلافة ms0898 بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا ، فهؤلاء ~~الأربعة خلفاء النبوة ؛ وهم أئمة الأئمة من العشرة ، وعيون أهل الهجرة ~~والنصرة ، وخيار الخيار من الأصحاب ، كما روينا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن الله عز وجل اختار أصحابي على العالمين ، واختار من أصحابي أربعة ~~فجعلهم خير أصحابي ، وفي كل أصحابي خير ، واختار أمتي على الأمم ، واختار ~~من أمتي أربعة قرن ، فكل قرن سبعون سنة فإنا نحن قوم متبعون نقفو الأثر غير ~~مبتدعين بالرأي والمعقول نرد به الخبر ، إذ لا مدخل للقياس والرأي في ~~التفضيل ، كما لا مدخل لهما في الصفات وأصول العبادات ، وإنما يؤخذ التفضيل ~~توقيفا وتسليما ومن طريق الاجماع والإتباع خشية الشذوذ والابتداع لقول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ~~بعدي عضوا عليها بالنواجذ ، ومن شذ ففي النار ، وقال تعالى في تصديق ذلك : ~~( ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ) النساء : 115 ، وإنما ~~جاء الترتيب في التفضيل والخلافة مخالفا للقياس ، والمعقول توكيدا للنبوة ~~وتأكيدا للرسالة ، لئلا تلتبس النبوة بالملك ولا ينحو النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الخلافة نحو الأكاسرة والأقاصرة في المملكة كما ، كانت النبوة ~~مخالفة للملك جاءت الخلافة على غير سيرة الملوك من استخلاف أبنائهم وأهل ~~بيتهم ، ولو كان للمعقول والقياس مدخل في التفضيل لكان أفضل الناس بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الحسن ابنه ، لأن فيه النبوة والعباس عمه إذ فيه ~~الأبوة ، وقد أجمعوا على خلاف ذلك وبمعنى هذا من إخراج الخلق من المألوف ~~ورفع PageV02P208 سكونهم عن المعهود ، أن أبا قحافة وأبا سفيان ماتا مؤمنين ~~، وأن أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمه ماتا كافرين ، أجمع أهل النقل ~~والتواريخ على ذلك ، وقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لما أسلم أبوه ~~بين يدي رسول الله عام فتح مكة : والله يا رسول الله لإسلام أبي طالب كان ~~أحب إلي لو أسلم من إسلام أبي ليقر الله به عينك ، فبكى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأيضا ، فلما سبق ms0899 في علم الله تعالى أن يجعل هؤلاء الأربعة خلفاء ~~النبوة بما قدر الله من أعمارهم ، فلم يكن يتم ذلك إلا بترتيبهم على ما ~~رتبوا في الخلافة ، فكان آخرهم استخلافا هو آخرهم موتا ، فدبر خلافتهم على ~~ما علم من آجالهم ، ووفى لهم بما وعدهم من استخلافهم في الأرض كما استخلف ~~الذين من قبلهم من خلائف أنبيائه السوالف ، ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~، وبدلهم أمناء بعد خوفهم ، كما قال الصادق فيما عهد ، ومن أوفى بعهده من ~~الله ، فذلك تأويل قوله عز وجل : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) النور : 55 ~~الآية ، وأن يعتقد أن الإمامة في قريش خاصة دون سائر العرب كافة إلى يوم ~~القيامة ، وأن لا يخرج على الأئمة بالسيف ، ويصبر على جورهم إن كان منهم ، ~~ويشكر على المعروف والعدل ، ويطيع إذا أمر بالتقوى والبر حتى تأتيه يد ~~خاطئة أو منية قاضية ، كذلك السنة ، قال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله ~~تعالى : هذه الأمة ثلاث وسبعون فرقة : اثنتان وسبعون هالكة ، كلهم يبغض ~~السلطان ، والناجية هذه الواحدة التي مع السلطان ، وسئل أي الناس خير ؟ ~~فقال : السلطان ، قيل : كنا نرى أن شر الناس السلطان ، فقال : مهلا إن لله ~~تعالى في كل يوم نظرتين ، نظرة إلى سلامة أموال المسلمين ودمائهم ، ونظرة ~~إلى سلامة أفكارهم ، فيطلع في صحيفته فيغفر له ذنوبه ، وقال أبو محمد ~~الخليفة إذا كان غير صالح فهو من الأبدال ، وإذا كان صالحا فهو القطب الذي ~~تدور عليه الدنيا ، قوله من الأبدال يعني أبدال الملك ، كما حدثنا عن جعفر ~~بن محمد الصادق أنه قال : أبدال الدنيا سبعة ، على مقاديرهم يكون الناس في ~~كل زمان من العباد ، والعلماء ، والتجار ، والخليفة ، وزير ، وأمير الجيش ، ~~وصاحب الشرطة ، والقاضي وشهوده ، روينا في الخبر : عدل ساعة من إمام عادل ~~خير من عبادة ستين سنة ، ويقال : إن الإمام العادل يوضع في ميزانه جميع ~~أعمال رعيته ، وكان عمرو بن العاص يقول : إمام غشوم خير من فتنة تدوم ، ~~وقال النبي صلى ms0900 الله عليه وسلم : يكون عليكم أمراء يفسدون وما يصلح الله ~~تعالى بهم أكثر ، فإن أحسنوا فلهم الأجر وعليكم الشكر ، وإن أساؤوا فعليهم ~~الوزر وعليكم الصبر ، وفي الخبر الآخر ، يليكم أمراء PageV02P209 يقولون ما ~~لا يعرفوه ويفعلون ما ينكرون ، وفي لفظ يفعلون ما لم يؤمروا ، قلنا : أفلا ~~نقاتلهم ؟ قال : لا ما صلوا . لى سلامة أفكارهم ، فيطلع في صحيفته فيغفر له ~~ذنوبه ، وقال أبو محمد الخليفة إذا كان غير صالح فهو من الأبدال ، وإذا كان ~~صالحا فهو القطب الذي تدور عليه الدنيا ، قوله من الأبدال يعني أبدال الملك ~~، كما حدثنا عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال : أبدال الدنيا سبعة ، على ~~مقاديرهم يكون الناس في كل زمان من العباد ، والعلماء ، والتجار ، والخليفة ~~، وزير ، وأمير الجيش ، وصاحب الشرطة ، والقاضي وشهوده ، روينا في الخبر : ~~عدل ساعة من إمام عادل خير من عبادة ستين سنة ، ويقال : إن الإمام العادل ~~يوضع في ميزانه جميع أعمال رعيته ، وكان عمرو بن العاص يقول : إمام غشوم ~~خير من فتنة تدوم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : يكون عليكم أمراء ~~يفسدون وما يصلح الله تعالى بهم أكثر ، فإن أحسنوا فلهم الأجر وعليكم الشكر ~~، وإن أساؤوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر ، وفي الخبر الآخر ، يليكم أمراء ~~يقولون ما لا يعرفوه ويفعلون ما ينكرون ، وفي لفظ يفعلون ما لم يؤمروا ، ~~قلنا : أفلا نقاتلهم ؟ قال : لا ما صلوا . وفي الحديث الآخر : ما أقاموا ~~الصلاة ، وكان سهل رحمه الله تعالى يقول : من أنكر إمامة لسطان فهو زنديق ، ~~ومن دعاه السلطان فلم يجب فهو مبتدع ، ومن أتاه من غير دعوة فهو جاهل ، ~~وكان يقول : الخشيبات السود المعلقة على أبوابهم أنفع للمسلمين من سبعين ~~قاضيا يقضون في المسجد ، وقد كان أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول : إذا ~~كان السلطان صالحا فهو خير من صالحي الأمة ، وإذا كان فاسقا فصالحو الأمة ~~خير منه ؛ وهذا قول عدل ، ولا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب وإن عظم ، ولا ~~ينزله جنة ولا نارا بل يرجو له ويخاف عليه ، وإن من مات ms0901 مصرا على الكبائر ~~عن غير توبة منها في مشيئة الله تعالى ، إن أثبت وعيده عليه كان عدلا ، وإن ~~عفا عنه وسمح له بحقه كان ذلك منه فضلا ، ولا نحكم ولا نقطع على الله تعالى ~~بشيء ، ولا نوجب لنا عليه شيئا إنما نحن بين عدله وفضله وبمشيئته واختياره ~~، إن حقق علينا وعيده فنحن أهل ذلك ، وإن غفر لنا فهو أهل التقوى وأهل ~~المغفرة ، كيف وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من ~~وعده الله تعالى على عمل ثوابا فهو ينجزه له ، ومن أوعده على عمل عقابا فهو ~~فيه بالخيار ، والحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله ~~تعالى : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) النساء : 93 ~~فقال : جزاؤه جهنم إن جازاه ، ففي كل قضاء الله تعالى حكمة بالغة وعدل ، ~~وحكم صادق وحق ، وإن يصدق بجميع أقدار الله تعالى خيرها وشرها أنها من الله ~~تعالى سابقة في علمه جارية في خلقه بحكمه ، وأنهم لا حول لهم عن معصيته إلا ~~بعصمته ، ولا قوة لهم على طاعته إلا برحمته ، وأنهم لا يطيقون ما حملهم إلا ~~به ، ولا يستطيعون لأنفسهم نفعا ولا ضرا إلا بمشيئته ، ونؤمن بقدرة الله ~~وآياته في ملكه وغيب ملكوته مما ذكر في الأخبار من كرامته لأوليائه ، ~~وإجاباته لأحبائه ، وإظهار القدرة للصديقين والصالحين ، مزيدا لإيمانهم ~~وتثبيتا ليقينهم وتكرمة وتشريفا لهم ، وأنه ليس في ذلك إبطال لنبوة ~~الأنبياء ولا إدحاض حججهم من قبل أن هؤلاء غير مثبتين ولا مخالفين للأنبياء ~~، ولا ادعوا ما ظهر لهم بحولهم وقوتهم ، ولا أظهروا دعوة إلى أنفسهم ، ولا ~~تظاهرا به ، ولا اجتلابا للدنيا ، ولا طلبا للرياسة على أهلها ، وإنما هو ~~شيء كشفه الله تعالى لهم من سر ملكوته كيف شاء ، PageV02P210 وأظهرهم عليه ~~من غيب قدرته أين شاء كما شاء ، تخصيصا لهم وتعريفا ، وهم للأنبياء متبعون ~~، وعلى آثارهم مقتفون ، ولسنتهم مقتدون ، فآتاهم الله تعالى ذلك ببركة ~~الأنبياء وبحسن اتباعهم لهم ، ولأنهم إخوانهم أبدالا لا أشكالا وعنهم ~~أمثالا ، وقد تواترت الأخبار ms0902 من الصحابة والتابعين الأخيار بما ذكرنا ~~فغنينا بالتواتر عن التناظر . وأما الثماني الواقعات في الآخرة فأن يعتقد ~~العبد مساءلة منكر ونكير يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد ، فيسألانه ~~عن التوحيد وعن الرسالة ؛ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن ، وهما فتانا القبر ~~، كذلك روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو معنى قول الله عز وجل ~~: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) ~~إبراهيم : 27 ، قيل : عند مساءلة منكر ونكير ، ويضل الله الظالمين ويفعل ~~الله ما يشاء ، وعذاب القبر حق وحكمة وعدل على الجسم والروح و النفس ، ~~يشتركون في ذلك حسب اشتراكهم في المعصية ، وإن كان نعيما كان ذلك على الجسم ~~والروح والنفس ، يشتركون في النعيم كما اشتركوا في الطاعة ؛ وهذا من أحكام ~~الآخرة ، يكون بمجاري القدرة ليس على ترتيب المعقول ولا عرف العقول ، يوصل ~~الله العذاب والنعيم إلى الأرواح والأجسام وهي متفرقة فيتصل ذلك بهما ~~كأنهما متفقان ، وليس في القدرة مسافة ولا ترتيب ولا بعد ولا توقيت ، ويؤمن ~~بالميزان ذي الكفتين واللسان أنه حق وعدل وحكمة وفضل ، كما جاء وصفه في ~~العظم ، من أن طبقات السماوات والأرض توزن فيه الأعمال بقدرة الله تعالى ، ~~والصنج يومئذ مثاقيل الذر والخردل بحقيقة العدل ، وقد خاب من حمل ظلما ~~فتكون الحسنات في صورة حسنة تطرح في كفة النور فيثقل بها الميزان برحمة ~~الله تعالى ، وتكون السيئات في صورة سيئة تطرح في كفة الظلمة فيخف بها ~~الميزان بعدل الله تعالى ، ويعتقد أن الصراط حق على ما جاء وصفه في الآثار ~~كدقة الشعرة وحد السيف ؛ وهو طريق الفريقين إلى الجنة أو النار ، دحض مزلة ~~يثبت عليه أقدام المؤمنين بقدرة الله عز وجل ، فيحملهم إلى الجنة بفضل الله ~~تعالى ، وتزل عنه أقدام المنافقين فتهوي بهم في النار بحكم الله عز وجل ، ~~وهو على متن جهنم بإذن الله تعالى ، من قطعه نجا منها برحمة الله ، ومن زل ~~عنه وقع فيها بحكمة الله تعالى ، ويؤمن بوقوع الحساب وتفاوت الخلق فيه ، ~~فمنهم من ms0903 يحاسب حسابا يسيرا ، ومنهم من يدخل النار بغير حساب ؛ وهم ~~الكافرون ، وكان إمامنا أبو محمد رحمه الله تعالى يقول : يسأل الأنبياء عن ~~تبليغ الرسالة ، ويسأل الكفار عن تكذيب المرسلين ، ويسأل المبتدعة عن السنة ~~، ويسأل المسلمون عن الأعمال ، فقولنا لقوله تبع ، ويؤمن بالنظر إلى الله ~~جل جلاله عيانا بالأبصار كفاحا مواجهة تكشف الحجب والأستار بقدرة الله ~~ومشيئته ونوره ورحمته كيف شاء ؛ وهو معنى قول الله تعالى : ( للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة ) يونس : 26 ، فالحسنى الجنة ، والزيادة النظر إلى الله ~~تبارك PageV02P211 وتعالى ، وكذلك فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~ويعتقد إخراج الموحدين من النار بعد الانتقام حتى لا يبقى في جهنم موحد ~~بفضل الله بشفاعة الشافعين من النبيين والصديقين ، وأن لكل مؤمن شفاعة بإذن ~~الله ، فيشفع النبيون والصديقون والعلماء والشهداء وسائر المؤمنين كل واحد ~~وسع جاهه وقدر منزلته ، أجمعت الرواة بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في إثبات الشفاعة وفي إخراج الموحدين من النار ؛ وهم الجهنميون من أهل ~~الطبقة العليا من النار ؛ وهو معنى قول الله تعالى : ( ربما يود الذين ~~كفروا لو كانوا مسلمين ) الحجر : 2 ، قال أهل التفسير ذلك عند إخراج ~~الموحدين من النار ، ويبقى الباقي لرحمة أرحم الراحمين ، فيخرج من النار ~~بمشيئته ، وسعة رحمته ، وفضل فضله ، من لم يشفع لهم الشافعون ولم يقدم في ~~الشفاعة لهم المرسلون ، هكذا روينا معناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~؛ فهذه عقود السنة الهادية وطريقة الأمة الراضية ، وقد أجمع السلف من ~~المؤمنين على ما ذكرناه من قبل أنه لم ينقل عن أحد منهم خلافه ، ولا روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ضده ، بل قد روي في كل ما ذكرناه أخبار توجب ~~إيجابه ومعان تشهد لإثباته وتولى الله تعالى إجماعهم على سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كما تولى إظهار دينه على الدين كله . وروينا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم : أن الله عز وجل ضمن لي ، وفي لفظ آخر : أعطاني أن لا ~~تجتمع أمتي على ضلالة ، فإذا رأيتم ms0904 خلافا فكونوا مع السواد الأعظم ؛ ~~والسواد الأعظم يعبر به عن الكثرة ، فالمختلفون متفقون على أن السواد ~~الأعظم ما عليه العامة من المسلمين والكافة من العموم ، وأن المبتدعة ~~والمخالفة لما ذكرناه إنما هم فرق وشراذم قليلون وشيع وأحزاب متفرقون ، لأن ~~كل مبتدعة منهم فرقة ، وكل شرذمة منهم مختلفة ، وليس السواد الأعظم والجم ~~الغفير الدهماء إلا أهل السنة والجماعة ؛ وهم السواد والعامة ، ولذلك كان ~~عمر ابن عبد العزيز وغيره من الصالحين يقولون : ديننا دين العجائز وصبيان ~~المكاتب ودين الأعراب أي هو القوي السليم العام ، فسر ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الآخر فقال : من كان على ما أنتم عليه اليوم ، ~~فأجمعت الأمة على أن ما أحدثت الفرق المختلفة لم تكن عليه الصحابة ولا ~~تكلموا فيه ولا نقل عنهم ، وأنهم كانوا على ما ذكرناه آنفا ، لأنه لم يرو ~~عن أحد منهم خلافه ، بل قد نقل عنهم وفاقه في القرن الأول والثاني ، ثم حدث ~~ما ذكرناه من الخلاف في بعض القرن الثالث ، وفي القرن الرابع ، وقد كان ~~عمرو بن دينار وأيوب وحماد بن زيد إذا ذكر أحدهم الأرجاء ومذهب جهم يقول : ~~لعن الله دينا أنا أكبر منه ؛ يعني أنه سبق حدوث هذه المذاهب التي تدين بها ~~المبتدعون فلله الحمد ؛ رب السموات ورب الأرض ؛ العالمين على حسن توفيقه ~~وجميل هدايته ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، فنعمة الله تعالى ~~علينا بالسنة كنعمتة علينا بالإسلام إذ نعمته علينا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كنعمته علينا بمعرفته لاقتران PageV02P212 طاعته بطاعته ولحاجة ~~الكتاب العزيز إلى تفسير سنته . وقد روينا في حديث عمر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : الشيطان مع الواحد وهو من اثنين أبعد ، ذئب أحدكم كذئب ~~الشاة ، يتبع الشاذة والقاصية ، فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ، ~~ومن شذ ففي النار ، وروينا عن أبي غالب عن أبي أمامة : أنه نظر إلى رؤوس ~~الحرورية جيء بها من البصرة فنصبت على الخشب بدمشق ، قال : شر قتلى تحت ظل ~~السماء وخير قتلى من قتلوه ms0905 ، ثم قال : كلاب النار ، ثم قرأ : ( فأما الذين ~~في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ) آل عمران : 7 ، ثم قرأ ~~: ( يوم تبيض وجوه وتسود ) آل عمران : 160 ، فأما الذين اسودت وجوههم ~~أكفرتم بعد إيمانكم ، ويشير بإصبعه إليهم ، ثم بكى ، فقلت : يا أبا أمامة ~~تقول فيهم ما تقول ؟ ثم بكى ، فقال : قاتل الله إبليس ما صنع بهؤلاء الناس ~~يا أبا غالب ، إنهم كانوا على ديننا فأبكي مما هم لاقون ، هؤلاء بأرضك كثير ~~فأعيذك بالله منهم ثلاث مرات ، فقلت : آمين يا أبا أمامة أشيء سمعته من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شيء تقوله من قبل رأيك ؟ قال : إني إذا ~~لجريء ثلاث مرات ، لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا ~~مرتين ولا ثلاث ولا أربع يقول : تفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، ~~تزيد أمتي عليها فرقة ، كلها في النار إلا السواد الأعظم فقال رجل كان معنا ~~: يا أبا أمامة إن في السواد الأعظم بني فلان قال : وإن فعلوا فإنما عليهم ~~ما حملوا وعليكم ما حملتم ، والجماعة خير من الفرقة ، والطاعة خير من ~~المعصية ، ثم نظر إلى الرؤوس فقال : أيغضبون لنا ويقتلوننا هذه رؤوس ~~الخوارج وهم الحرورية الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي ~~الله تعالى عنه بالنهروان ؛ وهم أول قرن نبغ من المبتدعة وأول بدعة ابتدعت ~~في الإسلام ، وكانوا قراء المصاحف في أعناقهم والسجادات كركب المعزى في ~~جباههم ، فأنكروا عليه تحكيم الحكمين وسألوه أن ينقض حكمه فيرجع عنه وقالوا ~~: لا حكم إلا لله ، وأنكروا أمر السلطان ورأوا الخروج على الإمام ، وكفروا ~~عثمان وصوبوا قتل غوغاء المصريين له ، وطالبوا عليا عليه السلام أن يوافقهم ~~على رأيهم ويتابعهم على أهوائهم على أن قاتلوا معه المسلمين إن رجع عن ~~تحكيم الحكمين ، وكفروا أهل الكبائر بالمعاصي ، فرأى على ما أراه الله ~~تعالى وبما عهد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قتل المارقين ~~فقتلهم فهؤلاء في النار ، وقاتلوهم علي وأصحابه خير أهل الأرض علي يبغضه ms0906 ~~ويسبه قبل أن يظهر منه ما ظهر ، فخرج عليه عبد الله بن الكوافي ستة آلاف ، ~~فأرسل علي عليه السلام عبد الله بن عباس إليهم يناظرهم ويحاجهم ، فسبوه ~~وبطشوا به ، وجرأهم عليه ابن الكوافي هذا فقام خطيبا فيهم فقال : أتعرفوني ~~بهذا أنا أعرفكموه : هذا من القوم الذين قال الله فيهم : ما ضربوه لك إلا ~~جدلا بل هم قوم خصمون ، [ الزخرف : 58 ] PageV02P213 ثم تراجع بعضهم إلى ~~ابن عباس فسأله فكشف له عن الحق واستتاب منهم ألفين ، وقاتل علي كرم الله ~~وجهه أربعة آلاف ؛ فهذه أول فرقة مرقت من الدين واتبعت غير سبيل المؤمنين ، ~~ثم افترقت الفرقة الثانية بالمدائن فرأوا دين الأرجاء ، وأن الإيمان قول ~~وعمل ، وأنه لا يزيد ولا ينقص ، وكتب بذلك إلى أمير الشام فهم بقتالهم ، ثم ~~شغل عنهم بقتال الروم ثم افترقت الفرقة الثالثة بالبصرة وهم القدرية إمامهم ~~معبد الجهني ، وتابعه عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال وأصحابهم ، ثم ~~خرجت الفرقة الرابعة من الكوفة سموا بذلك لما رفضوا زيد ابن علي بن الحسين ~~حين خرج يقاتل هشاما فقالوا له : أتبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله تعالى ~~عنهما ؟ قال : هما جداي إماما عدل لا أتبرأ منهما فرفضوه ، ثم افترقت كل ~~فرقة ثمان عشر فرقة ، فتمت اثنتان وسبعون فرقة ، وكلها نبع بأرض العراق ، ~~ومنه طلع قرن الشيطان ، وظهرت الفتن نعوذ بالله منها ، ما ظهر منها وما بطن ~~، وقد روينا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن لله عز وجل ثلاث ~~أملاك ؛ ملك على ظهر بيت الله تعالى ، وملك على مسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وملك على ظهر بيت المقدس ، ينادون في كل يوم ، يقول الملك الذي ~~على ظهر بيت الله تعالى : من ضيع فرائض الله خرج من أمان الله ، ويقول ~~الملك الذي على ظهر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم : من خالف سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم تنله شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~ويقول الملك الذي على ظهر بيت ms0907 المقدس : من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا ~~عدل . لى الله عليه وسلم لم تنله شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~ويقول الملك الذي على ظهر بيت المقدس : من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا ~~عدل . # | شرح معاملة القلب من العلم الظاهر # # | ذكر مباني الإسلام وأركان الإيمان # قال الله تعالى : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) الأعراف : 172 ، وقال عز وجل : ( ~~واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ) ~~المائدة : 7 ، وقال تعالى : ( وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم ~~لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين ) الحديد : 8 ، فمباني ~~الإسلام خمسة : أولها شهادة أن لا إله إلا الله وحده وأن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم عبده ورسوله ؛ وهما كواحدة لاتصال إحداهما بالأخرى في الوجوب ~~والحكم ، وإقام الصلوات الخمس وهن كواحدة منها لتعلق كل واحدة بصاحبتها ، ~~وإيتاء الزكاة وهي كالصلاة ، لاقترانها بها والإشتراط بها ، وصوم رمضان ، ~~وحج البيت ؛ وهما كشيء واحد من الفرض ، فهذه الخمس كواحدة منهن في إيجاب ~~العقد واعتقاد الوجوب ، وإن اختلف الحكم في سقوط فعل بعضها بشرط ، ~~PageV02P214 روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : بني الإسلام ~~على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، وإقام الصلاة ~~، وإيتاء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، وحج البيت ، وأركان الإيمان سبعة : ~~الإيمان بأسماء الله وصفاته ، والإيمان بكتب الله تعالى وأنبيائه ، ~~والإيمان بالملائكة والشياطين ، والإيمان بالجنة والنار ، وأنهما قد خلقتا ~~قبل آدم صلى الله عليه وسلم ، والإيمان بالبعث بعد الموت ، والإيمان بجميع ~~أقدار الله خيرها وشرها ، حلوها ومرها أنها من الله تعالى قضاء وقدرا أو ~~مشيئة وحكما ، وأن ذلك عدل منه ، وحكمة بالغة ، استأثر بعلم غيبها ومعنى ~~حقائقها ، لا يسأل عما يفعل ، ولا تضرب له الأمثال بملزمات العقول وتميثلات ~~المعقول ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، وقد شهد الله سبحانه وتعالى بالضلالة ~~على من ضرب لعبده الأمثال فقال ms0908 تعالى جده : ( أنظر كيف ضربوا لك الأمثال ~~فضلوا ) الإسراء : 48 ، فكيف بمن ضرب المثل للسيد الأجل بعد نهيه عن ذلك ~~وإخباره بعلم غيب ذلك ، إذ يقول : فلا تضربوا لله الأمثال ، إن الله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون ، والإيمان بما صح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وقبول جميعه ، وافتراض طاعته وأمره على العباد ، والتزام ذلك ، إذ قد جعل ~~الله تعالى طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرط الإيمان وقرنها ~~بطاعته ، فقال تعالى : ( وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) الأنفال : 1 ~~، واشترط للرحمة طاعة الرسول كما اشترط لها تقواه فقال : ( وأطيعوا الرسول ~~لعلكم ترحمون ) النور : 56 ، وحذر من مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الإستجابة له مقامه ، وجعله في المبالغة في الوصف والمدح بدلا عنه ~~، فقال تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم ) النور : 63 ، كما قال سبحانه وتعالى : ( ويحذركم الله نفسه ) ~~آل عمران : 28 ، وقال تعالى : ( استجيبوا الله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم ) الأنفال : 42 ، لأنه قال : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ~~) الفتح : 1 ، ، وهذه أمدح آية في كتاب الله تعالى وأبلغ فضيلة فيه لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه جعله في اللفظ بدلا عنه ، وفي الحكم مقامه ~~، ولم يدخل بينه وبينه كاف التشبيه كإنما ولا لام الملك فيقول لله تعالى ~~وليس هذا المقام من الربوبية لخلق غير رسول الله صلى الله عليه وسلم . ~~PageV02P215 # | الفصل الخامس والثلاثون فيه ذكر اتصال الإيمان بالإسلام في المعنى ~~والحكم وافتراقهما في التفصيل والاسم # وأن كل مؤمن مسلم ، وتحقيق القول بالعمل ، وإبطال مذهب الجهمية والكرامية ~~والحرورية ، وبيان مذهب أهل السنة والجماعة ، وفقنا الله تعالى لذلك ، قال ~~قائلون : الإيمان هو الإسلام وهذا قد أذهب التفاوت والمقامات ، وهذا يقرب ~~من مذهب المرجئة وقال آخرون : إن الإسلام غير الإيمان ، وهؤلاء قد أدخلوا ~~التضاد والتغاير وهذا قريب من قول الإباضية ، فهذه مسألة مشكلة تحتاج إلى ~~شرح وتفصيل ، فمثل الإسلام من الإيمان كمثل الشهادتين إحداهما من ms0909 الأخرى في ~~المعنى والحكم ، فشهادة الرسول غير شهادة التوحيد ؛ فهما شيئان في الأعيان ~~وإحداهما مرتبطة بالأخرى ؛ فهما كشيء واحد ، لا إيمان لمن لا إسلام له ، ~~ولا إسلام لمن لا إيمان له ، إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه ، ~~ولا بد للمسلم من إيمان به يحق إيمانه ، من حيث اشترط الله سبحانه وتعالى ~~للأعمال الصالحة الإيمان ، واشترط للإيمان الأعمال الصالحة ، فقال في تحقيق ~~ذلك : ( فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه ) الأنبياء : 94 ، ~~وقال في تحقيق الإيمان بالعمل : ( ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك ~~لهم الدرجات العلى ) طه : 75 ، ومن كان ظاهره أعمال الإسلام لا يرجع إلى ~~عقود الإيمان بالغيب ، فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة ، ومن كان عقده ~~الإيمان بالغيب لا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام ؛ فهو كافر كفرا لا ~~يثبت معه توحيد ، ومن كان مؤمنا بالغيب مما أخبر به الرسول عن الله سبحانه ~~عاملا بما أمر به فهو مؤمن مسلم ، ولولا أنه كذلك لكان المؤمن يجوز أن لا ~~يسمى مسلما ، ولجاز أن لا يسمى كل مسلم مؤمنا بالله تعالى ورسله وكتبه ، ~~ومثل الإيمان من الأعمال كمثل القلب من الجسم ، لا ينفك أحدهما من الآخر ، ~~لا يكون ذو جسم حي لا قلب له ، ولا ذو قلب لا جسم له ؛ فهما سببان منفردان ~~، وفي المعنى والحكم متصلان ، ومثلهما أيضا مثل حبة لها ظاهر وباطن وهي ~~واحدة لا يقال حبتان لتقارب وصفيهما ، فكذلك أعمال الإسلام من الإيمان ، ~~الإسلام هو ظاهر الإيمان PageV02P216 وهو أعمال الجوارح ، والإيمان باطن ~~الإسلام وهو أعمال القلوب . روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : الإسلام ~~علانية والإيمان سر ، وفي لفظ آخر : والإيمان في القلب ، فالإسلام أعمال ~~الإيمان والإيمان ، عقود الإسلام ، فلا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بعقد ، ~~ومثل ذلك مثل العلم الظاهر والباطن ؛ أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب ~~وأعمال الجوارح ، ومثله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال ~~بالنية ؛ أي لا عمل إلا بعقد وقصد ، لأن قوله صلى الله عليه ms0910 وسلم : إنما ~~تحقيق للشيء ونفي لما سواه ، فأثبت بذلك عمل الجوارح من المعاملات ، وأعمال ~~القلوب من النيات ، فمثل العلم من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان ، لا يصح ~~الكلام إلا بهما ، لأن الشفتين تجمع الحروف ، واللسان يظهر الكلام ، وفي ~~سقوط أحدهما بطلان الكلام ، كذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان ، ولذلك عدد ~~الله تعالى في نعمته على الإنسان بالكلام ذكر الشفتين مع اللسان في قوله ~~تعالى : ( ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين ) البلد : 8 - 9 ، المعنى : ألم ~~نجعله ناظرا متكلما ؟ فعبر عن الكلام باللسان والشفتين لأنهما مكان له ، ~~وذكره الشفتين لأن الكلام الذي جرت النعمة به لا يتم إلا بهما ، ومثل ~~الإيمان والإسلام أيضا كفسطاط قائم في الأرض له ظاهر متجاف وأطناب ، وله ~~عمود في باطنه ، فالفسطاط مثل الإسلام له أركان من أعمال العلانية والجوارح ~~، وهي الأطناب التي تمسك أرجاء الفسطاط ، والعمود الذي في باطن الفسطاط ~~مثله كالإيمان لا قوام للفسطاط إلا به ، فقد احتاج الفسطاط إليهما ، إذ لا ~~استقامة له ولا قوة إلا بهما ، كذلك الإسلام من أعمال الجوارح ، ولا قوام ~~له إلا بالإيمان ، والإيمان من أعمال القلوب لا نفع له إلا بالإسلام ؛ وهو ~~صالح الأعمال ، وقد عبر الله تعالى عن الإيمان بالإسلام ، فلولا أنهما كشيء ~~واحد ما عبر عن أحدهما بالآخر ، فقال سبحانه : ( فأخرجنا من كان فها من ~~المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) الذاريات : 35 - 36 ، ولم ~~يكونا بيتين إنما هم أهل بيت واحد لوط وبناته ، وقال عز وجل في مثله : ( إن ~~كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) يونس : 84 فعطف بقوله : إن ~~كنتم مسلمين على قوله : إن كنتم آمنتم ، فدل على أنهما اسمان بمعنى واحد ؛ ~~وهذا كقوله تعالى فيما عبر عن الأيام بالليالي ، لأن اليوم مرتبط بالليلة ~~وأنت تعلم أنهما شيئان ، فقال في قصة واحدة : ( قال آيتك ألا تكلم الناس ~~ثلاثة أيام إلا رمزا ) آل عمران : 41 وقال أيضا سبحانه : ( آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاث ليال سويا ) مريم : 1 ، ، وأيضا فإن الله تعالى قد ms0911 جعل ضد ~~الإسلام والإيمان واحد ، فلولا أنهما كشيء واحد في الحكم والمعنى ما كان ~~ضدهما PageV02P217 واحد ، فقال سبحانه : ( كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ~~إيمانهم ) آل عمران : 86 ، وقال : ( يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) آل ~~عمران : 8 ، ، فجعل ضدهما الكفر ، وعلى مثل هذا خبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الإيمان والإسلام بوصف واحد ، فقال في حديث ابن عمر : بني ~~الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام ~~الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، صوم رمضان ، وحج البيت ، وفي حديث ابن عباس عن ~~وفد عبد القيس أنهم سألوه عن الإيمان فذكر هذه الأوصاف فدل بذلك أنه لا ~~إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر ، ولا إسلام على نية إلا بالإيمان سرا ، وأن ~~الإيمان والعمل قرينان لا ينفع أحدهما بغير صاحبه ، ولا يصح أحدهما إلا ~~بالآخر ، كما لا يصحان ولا يوجدان معا إلا بنفي ضدهما وهو الكفر ، كما روي ~~، عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا يكفر أحد إلا بجحود ما أقر به ، وأظهر ~~من حديث ابن عباس آنفا أن في نفس حديث ابن عمر ذكر الإيمان أيضا بدلا من ~~لفظ الإسلام . ورواه جرير عن سالم بن أبي الجعد عن عطية مولى بني عامر عن ~~يزيد بن بشر قال : أتيت ابن عمر فجاءه رجل فقال : يا أبا عبد الله بن عمر ~~ما لك تحج وتعتمر وقد تركت الغزو ؟ قال : ويلك إن الإيمان بني على خمس تعبد ~~الله تعالى ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وتحج البيت ، وتصوم رمضان ، كذلك ~~حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد اشترط الله تعالى للإيمان العمل ~~الصالح ، ونفى النفع بالإيمان إلا بوجود العمل ، كما شرط للإيمان الإسلام ~~فقال تعالى : ( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات ) الفرقان : 7 ، ، إجماع من أهل التفسير ؛ إلا من تاب من الشرك كقوله ~~تعالى : ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) التوبة : ~~5 ، بعد قوله وخذوهم واحصروهم ، وقال سبحانه وتعالى : ( وما أموالكم ولا ms0912 ~~أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا ) سبأ : 37 ، وقال ~~تعالى : ( الذين آمنوا وكانوا يتقون ) يونس : 63 ، كما قال تعالى : ( الذين ~~آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ) الزخرف : 69 ، فاشترط للإيمان الأعمال ~~والتقوى ، كما اشترط للأعمال الصالحة الإيمان ، فكما لو عمل العبد ~~بالصالحات كلها لم تنفعه إلا بالإيمان ، كذلك لو آمن من الإيمان كله لم ~~ينفعه إلا بالأعمال ، وفي وصية لقمان لابنه : يا بني كما لا يصلح الزرع إلا ~~بالماء والتراب فكذلك لا يصلح الإيمان إلا بالعمل والعلم ، فأما تفرقة ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام لما سأله ما الإيمان ؟ ~~فقال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله بالبعث بعد الموت وبالحساب ~~وبالقدر خيره وشره ، ثم قال : ما الإسلام ؟ فذكر الخصال الخمس ؛ فإن ذلك ~~PageV02P218 تفصيل أعمال القلوب وعقودها على ما توجب هذه المعاني التي ~~وصفناها ، أن تكون عقودا من تفصيل أعمال الجوارح ، فيما توجب الأفعال ~~الظاهرة التي وصفها أن تكون علانية ، إلا أن ذلك يفرق بين الإسلام والإيمان ~~في المعنى باختلاف وتضاد ، وليس فيه دليل أنهما مختلفان في الحكم ، إذ قد ~~يجتمعان في عبد واحد مسلم مؤمن ، فيكون ما ذكره من عقود القلب وصف قلبه ، ~~وما ذكره من العلانية وصف ظاهر جسمه ، والدليل على ذلك أنه جعل وصف الاسمين ~~معنى واحدا في حديث ابن عمرو في حديث وفد عبد القيس الذي ذكرناه قبل عن ابن ~~عباس ، وقد روى ذلك مفصلا في حديث علي رضي الله تعالى عنه : الإيمان قول ~~باللسان ، وعقد بالقلب ، وعمل بالأركان ، فأدخل أعمال الجوارح في عقود ~~الإيمان ، وأيضا فإن الأمة مجمعة أن العبد لو آمن بجميع ما ذكرناه من عقود ~~القلب في حديث جبريل عليه السلام من وصف الإيمان ، ولم يعمل بما ذكرناه من ~~وصف الإسلام بأعمال الجوارح لا يسمى مؤمنا ، وأنه إن عمل بجميع ما وصف به ~~الإسلام ثم لم يعتقد ما وصفه من الإيمان أنه لا يكون مسلما . وقد أخبر صلى ~~الله عليه وسلم : أن الأمة لا تجتمع على ضلالة ، وليس ms0913 فيه دليل على أن ~~الإسلام غير الإيمان ، أو أن المسلمين سوي المؤمنين ، أو أن الإيمان ضد ~~الإسلام ، والوجه الثاني من تأويل الخبر أن معنى قوله أو مسلم يعني به أو ~~مستسلم ، فإذا جمع بين عقود القلب وبين أعمال الجوارح كان مسلما مؤمنا ، ~~ومن لم يقل بهذا الذي ذكرناه فقد كفر أبا بكر رضي الله تعالى عنه وجهله في ~~قتال أهل الردة وادعى عليه أنه قتل المؤمنين ، لأن القوم جاؤوا بعقود ~~الإيمان ولم يجحدوا التوحيد ولا أكثر الأعمال وإنما أنكروا الزكاة فاستحل ~~قتلهم ، وواطأه الصحابة على ذلك حتى استتاب من رجع منهم . وأما الحديث ~~الآخر الذي جاء ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المؤمن والمسلم ~~في أنه أعطى رجلا ولم يعط الآخر ، فقال له سعد : يا رسول الله تركت فلانا ~~لم تعطه وهو مؤمن فقال : أو مسلم ؟ فأعاد عليه ، فأعاده رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : أو مسلم ؟ فإنما في هذا دليل على تفرقة الإيمان والإسلام في ~~التفاضل والمقامات ؛ أي ليس هو من خصوص المؤمنين ولا أفاضلهم ، فكشف مقامه ~~الذي خفي على سعد كما كشف مقام حارثة عن حقيقة إيمانه ، إذ كان خاملا لا ~~يؤبه له فقال : كيف أصبحت ؟ فنطق بوجده عن مشاهدته ، فقال : عرفت فالزم ؛ ~~فهذا دليل لنا في تفضيل مقام الإيمان على مقام الإسلام ، وأن المؤمنين ~~يتفاضلون في الإيمان ، وإن تساووا في أعمال الجوارح من الإسلام ، وأن ~~الإيمان لا حد له وإن كانت صحته بمحدود الإسلام ، فآثر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذي آمن طوعا على المكره ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنما يعطي من المؤلفة الرؤساء ، ومن لا يؤمن عاديته ، وجمعه على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وتحريضه المشركين كما أكرم الرجل بعد أن تكلم فيه فقيل ~~له في ذلك ، فقال : هذا أحمق مطاع ، أو من يكثر عشيرته وأتباعه فيكون ظهيرا ~~على المؤمنين ، PageV02P219 أو من فيه غنى للمسليمن ومنفعة وعزة للمسلمين ، ~~فأما الأتباع والسفلة من المؤلفة فلم يكن يؤثرهم بالعطاء ، بل ms0914 كان يؤثر ~~المؤمنين ، يقدمهم على أراذل المؤلفة وضعفائهم ، كما فعل بالقسم الذي قسمه ~~بين المؤمنين فأعطاهم ، إلا رجلا من الغزاة له سجادة محلوق الرأس فإنه لم ~~يعطه وقال : إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى ، والله ما عدل فقال ~~صلى الله عليه وسلم إن لم أعدل فمن يعدل ؟ وكان ذلك أول قرن نبغ من الخوارج ~~، أفلا تراه لم يعط هذا شيئا ولم يستمله لأنه لم يكن من خصوص المؤمنين ، ~~ولا ممن يتقي بأسه أو يظهر في الإسلام غناه فيتألف بالعطاء ؛ وهذا مثل قول ~~فرعون حين ألجمه الله الغرق فاضطره إلى الإسلام بقوله : آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ، وأنا من المسلمين ، أجمع أهل التفسير أن ~~معناه من المستسلمين فإن قيل ، فقد روي في آخر هذا الخبر في بعض الروايات ~~ما يدل على ضد هذا التأويل ، وأن الرجل كان فاضلا لا أنه كان مستسلما ، وهو ~~أن في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إني لأعطي قوما وأمنع ~~آخرين أكلهم إلى ما جعل الله تعالى في قلوبهم من الإيمان : منهم فلان ، قيل ~~: إن هذا كلام مستأنف من رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاده القائل لأنه ~~بعث بجوامع الكلم ، وكان يسأل عن الشيء فيخبر به ويزيد عليه للبيان ~~والهداية الذي أعطي فكأنه أراد أن يخبر بتنويع عطائه وبضروب المعطين من ~~الناس ؛ هذا للحاجة ، وهذا للفضل ، وهذا للتآلف ؛ لأن الذي منعه كان أفضل ~~من الذي أعطاه ، إذ لو كان الأمر كما قال هذا القائل لكان الإسلام أفضل من ~~الإيمان ، ولكان المسلمون أفضل من المؤمنين ، ولم يقل بهذا أحد من العلماء ~~، إلا أن الإيمان خاص فيه التفاوت والمقامات ؛ فهو يشتمل على الإسلام ، ~~والإسلام داخل فيه ، والمؤمنين هم خصوص المسلمين ، منهم المقربون والصديقون ~~والشهداء ، والإسلام عام محدود يوصف به عموم المؤمنين ، ويدخل فيه أهل ~~الكبائر والإجرام ، ولا يخرج منه من فارق الكفر ووقع عليه اسم الإيمان ، ~~كما قال تعالى : ( فمن افترى على الله الكذب ) آل عمران : 94 ms0915 وأخبر عنه ~~بالفسوق ، ( ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام و ~~الله لا يهدي القوم الظالمين ) الصف : 7 ، فعلى إجماعهم أن الإيمان أعلى ~~اسقاط وهم من توهم أن الرجل كان أفضل ، كيف وقد روينا تخصيص الإيمان عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نصا أنه سئل : أي الأعمال أفضل ؟ قال : الإسلام ، ~~قيل : فأي الإسلام أفضل ؟ قال : الإيمان ، فجعل الإيمان مقاما في الإسلام ، ~~ففي هذا الحديث أيضا تخصيص للإيمان على الإسلام لا تفرقة بينهما ، بمعنى ~~قوله في وصف الرجل أو مسلم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الرجل : ~~أو مسلم ، فدل على بطلان ما ناوله القائل لأن هذه اللفظة بألف الإستفهام لا ~~تستعمل في عرف الكلام إلا في PageV02P220 الوصف الأنقص والحال الأدنى فافهم ~~. وأما قوله تعالى : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) ~~الحجرات : 14 ، فإن هذا أيضا من هذا النوع معناه : قولوا : استسلمنا حذر ~~القتل ؛ وهؤلاء ضعفاء المؤلفة وأراذلهم كانوا ينقمون على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إيثاره وتقديمه المؤمنين بالعطاء عليهم ، وإرجاءه إياهم ~~فقالوا : لم لا يعطينا كما يعطي المؤمنين ؟ فإنا مؤمنون كهم ، فأخبر الله ~~تعالى بذلك عنهم وأكذبهم في دعواهم وهم الذين قص الله تعالى أخبارهم في ~~قوله تعالى : ( ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم ~~يعطوا منها إذا هم يسخطون ) التوبة : 58 ، ففي هذه الآية دليل على أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يكن يعطي هذا الضرب من المؤلفة ، وليس في الآية ~~تفرقة بين الإيمان والإسلام بدليل قوله تعالى في الآية التي بعدها : ( ~~يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان ) الجرات : 17 ، فسمى إسلامهم إيمانا لأنه عطف ببعض الكلام على بعض ~~، ورد أوله إلى آخره ، وإنما أسقط المنة به على رسوله ، وأثبت المن عليهم ~~بنفسه ، وعطف بآخر الإسم على أوله ، وغاير بين اللفظين ، فلم يرد أحدهما ~~على الآخر ، فيقول : أن هداكم للإسلام لاتساع لسان العرب ms0916 وليفيدنا فضل بيان ~~، وإن الإسلام والإيمان اسمان بمعنى واحد ، كما قال تعالى : ( هل من خالق ~~غير الله يرزقكم ) فاطر : 3 ، ولم يقل : يخلقكم ، ليبين أن الرازق هو ~~الخالق وليفيد وصفا ثانيا وصف به نفسه تعالى فهو كقوله تعالى : ( فأخرجنا ~~من كان فيها من المؤمنين ففما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) الذاريات : ~~35 - 36 ، وهكذا قراءتها في مصحف ابن مسعود قال : سبحانك تبت إليك ، وأنا ~~أول المسلمين ، فلولا أنهما بمعنى لم يجز أن يقرأا بخلاف المعنى ، فأما ما ~~روي عن أبي جعفر بن علي : الإيمان مقصور في الإسلام ؛ فمعناه هو باطنه ، ~~قال : وأدار دائرة كبيرة فقال : هذا الإسلام ، ثم ، أدار في وسطها دارة ~~صغيرة فقال : وهذا الإيمان في الإسلام ، فإذا فعل وفعل خرج من الإيمان وصار ~~في الإسلام ، يريد أنه خرج من حقيقة الإيمان وكماله ولم يكن من الموصوفين ~~الممدوحين بالخوف والورع من المؤمنين ، لأنه خرج من الإسم والمعنى حتى لا ~~يكون مؤمنا بالله مصدقا برسله وكتبه ، ألا ترى إلى الدارة الصغيرة غير ~~خارجة من الدارة الكبيرة التي أدارها حولها فجعلها فيها وضرب المثل بها ، ~~لكنها خالصها وليها ومخصومة فيها ، ولو أراد أنه يخرج من الإيمان لجعلها ~~دائرتين منفردتين ولم يجعل إحداهما جوف الأخرى ، وكذلك جاء الخبر : لا يزني ~~الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخر وهو مؤمن ، معناه كامل الإيمان ~~أو مؤمن حقا ، لأن حقيقة الإيمان وكماله بالخوف PageV02P221 والورع ، إذ ~~الأمة مجمعة أن أهل الكبائر ليسوا بكافرين ، وإذا فسق بالزنا وشرب الخمر ~~خرج من حقيقة الإيمان ، هو الخوف والورع ، ولم يخرج من اسمه ومعناه ؛ وهو ~~التصديق والتزام الشريعة ، وفيه معنى لطيف كأنه يرتفع عنه إيمان الحياء ، ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الحياء من الإيمان ، والمستحي لا يكشف ~~عورته على حرام ، ويبقى إيمان الإسلام والتوحيد وإيجاب الأحكام ، وقد روينا ~~عن الحسن بيان ذلك أنه قال : الإيمان حقيقة الإسلام ، وقيل لحذيفة : من ~~المنافق ؟ فقال : الذي يتكلم بالإسلام ولا يعمل به فسمي علم الإيمان إسلاما ~~وقرن القول ، بالعمل وقال ms0917 الثوري رحمه الله : الناس عندنا مؤمنون مسلمون في ~~حدودهم ، وفرائضهم ، وفي النكاح ، وفي المواريث ، وفي الصلاة خلفهم ، ~~والصلاة عليهم ، لا يحاسب الأحياء ولا يقضي على الأموات ، ونكل ما لم نعلم ~~من سرائرهم إلى الله تعالى ، ونسمع بالتشديد فنخافه ونسمع اللين فنرجوه ~~لأهل القبلة ، ونتهم رأينا لرأي السلف قبلنا ، وما ذكرناه من أن الإسلام ~~والإيمان قرينان لا يفترقان ؛ هذا مذهب فقهاء أصحاب الحديث وطريقة أئمة ~~السلف رضي الله عنهم أجمعين . # | باب ذكر تفضيل بيان ما نقل عن المحدثين من التفرقة بينهما وما جاء في ~~معناه # فأما ما حكي عن بعض أصحاب الحديث ، أنه فرق بين الإيمان والإسلام فقال ~~الزهري : الإسلام الكلمة ، والإيمان العمل ، وقال عبد الرحمن بن مهدي وقد ~~سئل عن الإيمان والإسلام فقال : هما شيئان ، وقال حماد بن زيد : الإسلام ~~عام ، والإيمان خاص ، فإن قول هؤلاء على جملة قولنا ، وهو دليل له وشاهد ~~عليه ، وأنهم لم يفرقوا بين الإيمان والإسلام تفرقة اختلاف ولا تضاد ، ولم ~~يريدوا أن أحدهما يوجد ويصح بعدم الآخر ليواطئوا مذهب المرجئة ، لأنهم أبعد ~~شيء منهم ، إذ هم أصحاب أثر وتوقيف ، وإنما فرقوا بينهما تفريق تفاوت ~~وتخصيص ؛ أي أن الإيمان أخص وأعلى ، لأن الزيادة والنقصان فيه ، والفضائل ~~والمقامات عنه ، والإستثناء واجب فيه ، وأن الاسلام عام لا يخرج منه إلا ~~الكافرون ، إذ ليس وراءه شيء ، وعند جماعة من العلماء أن الإستثناء غير ~~واجب في الإسلام ، لأنه محدود معلوم ، فهذا كان قصد من فرق بين الإسلام ~~والإيمان ، وهي طريقة بعض السلف ، وعبارة القدماء ؛ وهو على نحو ما فصلناه ~~وبمعنى ما بيناه ، وإن كنا نحن أظهر تفصيلا وأبين ترتيبا ، وهذا مثل الخبر ~~الذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : أي الإيمان أفضل ؟ قال : ~~الإسلام قيل : فأي الإسلام خير ؟ قال الإيمان ، فلم يفرق بينهما ، ولكنه ~~خصص فجعل الإيمان حقيقة الإسلام وخالصه لأنه أخبر أنه منه فهذا من قوله : ~~من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، PageV02P222 أي من تحققه بالإسلام ~~ومن أعلى إسلامه ؛ هذا الوصف ، وهذا هو نعت المؤمن ms0918 الموقن الزاهد وهذا يشبه ~~ما مثله أبو جعفر محمد بن علي في أنه أدار دائرة كبيرة وأدار فيها دارة ~~صغيرة تخصيصا ، وجميع ما شرحناه وذكرناه عن السلف يبطل قول المرجئة ~~والكرامية الإباضية ويدحض دعواهم ، في أن الإيمان قول أو معرفة وعقد بلا ~~عمل ، وهو أيضا رد على المعتزلة القائلين بالمنزلة بين المنزلتين ، الذين ~~يقولون : مؤمن ، وفاسق ، وكافر ؛ فلا يجعلون الفاسق مؤمنا وهو رد على ~~الحشبية والجرمية والقطعية والحرورية ، أصناف من الخوارج يقولون : من أتى ~~كبيرة خرج من الإيمان ، وأن أهل الكبائر كفار يحل قتلهم ، ويقولون إن أهل ~~البغي من الأئمة كفرة يجب على الرعية قتالهم ، ومنهم من يقول : إن من بغى ~~على الإمام فقد كفر بخلاف قول الله تعالى : ( وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي ~~حتى تفيء إلى أمر الله ) الحجرات : 9 ، فأمر بقتال أهل البغي بتسميته إياهم ~~مؤمنين ولم يجعل لهم منزلة ثالثة ، وقد ابتلينا بطائقتين مبتدعتين متضادتين ~~في المقالة المرجئة والمعتزلة ، قال المرجئة : إن الموحدين لا يدخلون النار ~~، وإن عملوا بالكبائر والفسوق كله لأن ذلك لا ينقص إيمانهم ، وقالت ~~المعتزلة : إن ليس الفاسق بمؤمن وإن مات على صغيرة من الصغائر من غير توبة ~~دخل النار لا محالة ولم يخرج منها خالدا من الكفار ، والصواب من ذلك أن ~~الفاسق مؤمن لا يخرجه فسقه من اسم الاسمان وحكمه ، ولكن لا يدخله في ~~المؤمنين حقا من الصديقين والشهداء ، وأن أهل الكبائر قد استوجبوا الوعيد ~~ودخول النار ، وجائز أن يعفو الله تعالى عنهم بكرمه ويسمح لهم بجوده ، كما ~~روينا عن علي أنه قال : عليكم بالنمط الأوسط الذي يرجع إليه الغالي ويرتفع ~~عنه القالي . وقد قال صلى الله عليه وسلم في وصف علماء السنة ومدحهم : يحمل ~~هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين ~~وتأويل الجاهلين ؛ فالغالون هم المجاوزون للسنن والآثار ، والمبطلون هم ~~المدعون بالرأي والقياس ، والجاهلون هم الشاطحون من المتصوفة الضلال ، ~~وعدول كل خلق من اتبع سنة صالح من ms0919 سلف ، ولم يبتدع في الدين ، ولا اتخد ~~وليجة دون طريق المؤمنين ؛ وهم رواة الأخبار وجملة الآثار من المحدثين ~~وفقهاء المسلمين ، ويوضح قولنا ويصححه قول الله تعالى : ( اليوم أكملت لكم ~~دينكم ) المائدة : 3 ، إجماعا من المسلمين ، وأنها نزلت بعد نزول الفرائض ~~وإتمام الشرائع وفي حجة الوداع ؛ PageV02P223 وهي آخر حجة حجها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعد نزول فرض الحج ، لأن سورة المائدة مدنية بإجماع من ~~القراء ، وهي من آخر ما نزل من القرآن باتفاق من الفقهاء ، ولم يلبث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية إلا ثلاثة أشهر وثلاثة أيام ~~اتفق عليه أهل التاريخ ، لأنها نزلت يوم التاسع من ذي الحجة من آخر يوم ~~عرفة وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم لاثنتي عشرة خلون من ربيع الأول ، ~~فقال الله تعالى بعد نزول الأحكام وأحكام الحلال والحرام : ( اليوم أكملت ~~لكم دينكم ) المائدة : 3 ، والإكمال هو إتمام الشيء الذي بعضه متعلق ببعض ، ~~فلا يقال أكمل لما كان بعضه قبل بعض ، فإذا وجد جميعه قيل : قد أكمل وتمم ؛ ~~هذا هو حقيقة هذه الكلمة ، فلما كان الإيمان قد تقدم بمكة ، وأنزل الله ~~تعالى الفرائض والدين شيئا بعد شيء ، وكان الإكمال من الدين دل أن بعضه ~~متعلق ببعض إلى أكمله ، فصارت الأعمال متعلقة بالإيمان ؛ وهما الدين المكمل ~~. وقال بعض السلف : من لم يقل من المرجئة أن إبليس مؤمن لأنه قد أقر ~~بالإيمان وقال به انكسر عليه مذهبه ، ولعمري أن إبليس لعنه الله موحد لله ~~تعالى عارف به إلا أنه لم يعمل بالتوحيد ولم يطع من عرفه وآمن به فكفر ، ~~فأما تعلقهم بقول الله تعال : ( فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ) المائدة : 85 ، فإنه شرط القول للجنات أو علق الجنات بالقول ~~فإنما ذلك إثبات منه تعالى لتحقيق القول ، وأنه قول إيمان ويقين ، وأنهم ~~غير متعوذين بالقول ، ولا متخذوه جنة كالمنافقين ، إذ المنافقون قد قالوا ~~كقولهم إلا أنه أخبر عن سرائرهم بضده فقال : ( هم للكفر يومئذ أقرب منهم ~~للإيمان يقولون ms0920 بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) آل عمران : 761 ، فأراد سبحانه ~~بأن قول هؤلاء قول المؤمنين ، وأن قولهم إيمان من أعمالهم لأنهم منفردون ~~بالقول دون العمل وفيه أيضا دليل أن القول بالحق من الإيمان ، وأنه يستحق ~~عليه ثوابا ، لأنه من أعمال البر بمنزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ~~فأما أن يكون فيه دليل أن القول حسب هو الإيمان كله وأن الإيمان يكون قولا ~~لا يحتاج إلى عمل ، فهذا باطل بالأدلة التي قدمنا ذكرها من الآي التي شرط ~~الله تعالى فيها الأعمال ، ومن قوله في الكفار : ( فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا بالزكاة فخلوا سبيلهم ) التوبة : 5 وأيضا فإن في نفس هذه ~~الآية بطلان دعوى المرجئة لأن الله تعالى لم يقل فلم يثبهم الله إلا بما ~~قالوا جنات وإنما قال عز وجل : ( فأثابهم الله بما قالوا جنات ) المائة : ~~85 ، فأخبر أنه أجرهم على قولهم بالحق ، كما قال فأولئك لهم جزاء الضعف بما ~~عملوا ، ثم أحكام ذلك وقيده بقوله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ) البينة : 5 ، ولكن هؤلاء ~~كما قال الله تعالى : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) آل عمران : 7 ، وكما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه من القرآن فهم الذين عنى ~~الله تعالى فاحذروهم ؛ وذلك أن PageV02P224 الله تعالى قرن الأعمال ~~بالإيمان في كل المواضع ، فلم تقف المرجئة مع شيء من هذا البيان والأحكام ، ~~فلما أجمل القول في موضع واحد لما ذكرناه من السبب تعلقوا به ووقفوا معه ، ~~وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صنفان لا نصيب لهما في الإسلام ، ~~وفي لفظ آخر : لا تنالهم شفاعتي : القدرية والمرجئة ، وفي الحديث الغربي : ~~طائفتان لا يدخلون الجنة : من قال أن الإيمان كلام ، ورواه حذيفة فقال : ~~إني لأعلم أهل دينين في النار قوم شرار بلا علم ، وقوم في آخر الزمان ~~يقولون كانوا ألوفا ضلالا ، نسأل الله تعالى أن لا يصرفنا عن فهم ms0921 آياته ولا ~~يبلونا بالكبر ، وإن يرينا سبيل الرشد ويوفقنا لاتخاذه سبيلا ، وإن يرينا ~~سبيل الغي ويعصمنا من اتخاذه سبيلا ، كما أخبر بذلك عمن بلاه به فقال تعالى ~~: ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه ~~سبيلا ) الأعراف : 146 الآية . # | ذكر الاستثناء في الإيمان والإشفاق من النفاق وطريقة السلف في ذلك # فأما الاستثناء في الإيمان فإنه سنة ماضية وفعل الأئمة الراضية ، على ~~معنى الخوف والتقصير ، وكراهية التزكية للنفس ، لا على وجه الارتياب في ~~اليقين ، ولا بمعنى الشك في التصديق ، إذ الإيمان مقامات والمؤمنون فيه ~~درجات ، ولذلك قال الله تعالى لقوم موصوفين بأعيانهم : ( أولئك هم المؤمنون ~~حقا ) الأنفال : 4 ، فهذا وصفهم بالكمال ومدحهم بخصال الأعمال ، ففي دليل ~~خطابه أن ثم مؤمنين غير حق كيف وقد قال تعالى : ( وأن فريقا من المؤمنين ~~لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين ) الأنفال : 5 - 6 ، وقال سبحانه ~~وتعالى في وصف آخرين : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) ~~الصف : 2 ، وقال في نعت الصادقين : ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم ~~الصادقون ) الحجرات : 51 ، وقال في مثل وصفهم : ( ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة ) البقرة : 177 ، الآية ، فذكر عشرين وصفا إلى قوله ~~: ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) البقرة : 177 ، منها الإيثار ~~بالمال على حبه ، والوفاء بالعهد ، والصبر في الأمراض والجوع والشدائد ، ~~فبعد ذلك شهد لهم بالصدق والتقوى وقال في وصف المحبوبين من الموقنين : ( إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم PageV02P225 و أموالهم ) التوبة : 111 ، ~~وقال في نعت عموم المؤمنين : ( وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم ~~أموالكم إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ) محمد : 36 - 37 ، ~~فشتان بين من وصف بالمجاهدة و الصدق وبين من نعت بالخلف وعرض للمقت ، وبين ~~من وصف بالحق وبين من يجادل في الحق ، وكم بين من قبل ms0922 منه المال والنفس ~~وبين من رد عليه المال ولم يسأله لما علم منه من البخل والضغن ، واسم ~~الإيمان يجمعهم ومعناه يجتمع عليهم ، إلا أن مقامات الإيمان ترفع بعضهم على ~~بعض وتفاوت بين بعضهم وبعض ، كما قال تعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات ) المجادلة : 11 ، وكقوله : ( لا يستوي منكم من ~~أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ~~وكلا وعد الله الحسنى ) الحديد : 1 ، ، يعني الجنة على تفاوت الدرجات فيها ~~، فجمع بينهم في الدار كما جمع بينهم في اسم الإيمان ، ورفعهم في الدرجات ~~علوا في المقامات ، كما قال تعالى : ( لهم درجات عند الله والله بصير بما ~~يعملون ) آل عمران : 163 ، وقد روينا في خبر : الإيمان عريان ولباسه التقوى ~~وحليته الورع وثمرته العلم ، ففيه دليل أن من لا تقوى له فلا لبس لإيمانه ~~ومن لا ورع له فلا زينة لإيمانه ومن لا علم له فلا ثمرة لإيمانه فإن اتفق ~~فاسق ظالم جاهل كان بالمنافقين أشبه منه بالمؤمنين وكان إيمانه إلى النفاق ~~أقرب ويقينه إلى الشك أميل ولم يخرجه من اسم الإيمان إلا أن إيمانه عريان ~~لا لبسة له ، معطل لا كسب له ، كما قال : ( أو كسبت في إيمانها خيرا ) ~~الأنعام : 158 ، والنفاق مقامات قيل سبعون بابا والشرك مثل ذلك فيها طبقات ~~. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أربع من كن فيه فهو منافق خالص ، وإن ~~صام وصلى وزعم أنه مؤمن ؛ من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ~~، وإذا خاصم فجر ، وفي بعض هذا الحديث : وإذا عاهد غدر ؛ فصارت خمسا ، فإن ~~كانت فيه واحدة منهن ففيه شعبة من نفاق حتى يدعها ، وفي حديث أبي سعيد ~~الخدري وأبي كبشة الأنماري : القلوب أربعة : قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك ~~قلب المؤمن ، وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كالبقلة يمدها ~~الماء العذب ، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد ، فأي ~~المدتين غلبت عليه حكم له بها ، وفي لفظ آخر ms0923 : أيهما غلبت عليه ذهب به ، ~~PageV02P226 وفي الخبر : الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، ففي تبعيض أخلاق الإيمان وفي ~~وجود دقائق الشرك وشعب النفاق ما يوجب الاستثناء في كمال الإيمان لجواز ~~اجتماع الإيمان والنفاق في القلب ولوجود شعب النفاق وعدم بعض شعب الإيمان ~~من القلب ، كيف وقد جاء في الخبر : أكثر منافقي أمتي قراؤها ، والحديث ~~الآخر : الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا ، وقال حذيفة : كان ~~الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقا ~~إلى أن يموت : إني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات ، وفي حديث علي كرم ~~الله وجهه : أن الإيمان ليبدو لمعة بيضاء ؛ فإذا عمل العبد الصالحات نما ~~وزاد حتى يبيض القلب كله ، وأن النفاق ليبدو نكتة سوداء فإذا انتهكت ~~الحرمات نمت وزادت حتى يسود القلب فيطبع عليه ؛ فذلك الختم ، ثم قال تعالى ~~: ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) المطففين : 41 ؛ فهذا كله ~~موجب للاستثناء في الإيمان خشية خفايا الشرك ووجود دقائق النفاق وخوفا من ~~الدعوى للحقيقة والكمال ، لأن من قال : إني مؤمن حقا فقد زكى نفسه وعصى ربه ~~، لأن الله تعالى نهى عن الزكية للنفس ، وعرض المزكي نفسه للكذاب في قوله ~~تعالى : ( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) النجم : 32 ، وبقوله : ( ~~ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ) النساء : 49 ، ثم ~~قال تعالى : ( انظر كيف يفترون على الله الكذب ) النساء : 5 ، ، وقد قال ~~إبراهيم عليه السلام في تفسير أحد الوجهين من قوله تعالى : ( ولا أخاف ما ~~تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا ) الأنعام : 8 ، ، ومثله قال شعيب : وما ~~يكون لنا أن نعود فيها ، يعني ملة الكفر ، إلا إن يشاء الله ربنا ، ثم عللا ~~جميعا بسعة العلم وسبق المشيئة به فلم يأمنا أن يكونا في سعة علم الله عز ~~وجل وفي خفي مشيئته ؛ وهذا هو خوف المكر ، وحقيقة المكر معنيان ؛ أحدهما أن ms0924 ~~يظهر شيئا ويخفي ضده ، والثاني أن يكشف ما كان ستره ويفشي ما كان أسره بعد ~~الطمأنينة والعزة ، والأنبياء مع فضلهم ومكانهم يستثنون في الكفر خيفة ~~المكر ، ولا يستثني الضعيف الجاهل في الإيمان ويغتر بظاهر أمره ، بل ينبغي ~~أن يستثني في الإسلام أيضا وفي جميع أعمال البر ، لأن القبول غير العمل ~~والسابقة غير ما ظهر من المعاملة ، ولا ينبغي أن يدع الاستثناء في شيء من ~~الأحوال . وقال بعض العلماء في معنى قوله تعالى : ( وجاءت سكرة الموت بالحق ~~) ق : 19 ، قال : PageV02P227 بالسابقة ، وقال بعض السلف : إنما يوزن من ~~الأعمال خواتيمها ، وكان أبو الدرداء يحلف بالله عز وجل : ما أحد أمن أن ~~يسلب إيمانه إلا سلبه ، ويقال : من الذنوب ذنوب تؤخر عقوبتها إلى سوء ~~الخاتمة ؛ وهذا من أخوف ما خافه العاملون من قوله تعالى : ( ولهم أعمال من ~~دون ذلك هم لها عاملون ) المؤمنون : 63 ، وقيل : من الذنوب ذنوب لا عقوبة ~~لها إلا سلب التوحيد في آخر نفس نعوذ بالله تعالى من ذلك ، وقيل : هذا يكون ~~عقوبة الدعوى للولاية والكرامات للافتراء على الله تعالى ، وكان سهل رحمه ~~الله تعالى يقول : من علامة الأولياء أنهم يستثنون في كل شيء ، وقال من قال ~~: أفعل كذا ، ولم يقل إن شاء الله تعالى ، سئل عن هذا القول يوم القيامة ~~فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له ، وقد نهى الله تبارك وتعالى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم أن لا يقول شيئا حتى يستثني ، وأمره بالاستثناء إذا نسي فقال ~~تعالى : ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) الكهف : 23 ~~- 24 ، ثم قال : ( واذكر ربك إذا نسيت ) الكهف : 24 ، أي الاستثناء ، أي ~~فاستثن إذا ذكرت فتأدب صلى الله عليه وسلم بذلك أحسن الأدب فكان يستثني في ~~الشيء يقع لا محالة ، . فروي أنه دخل المقابر فقال : السلام عليكم دار قوم ~~مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وقال سبحانه معلما لعباده ~~الاستثناء ورادهم إليه بمشيئته ؛ وهو أصدق القائلين وأعلم العالمين : ( ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ) الفتح ms0925 : 27 ، والاستثناء أصل يرد ~~إليه من عرفه ولم ينكر الاستثناء ، والأصل هو أن يزيد وينقص فأما زيادته ~~فقد ثبت بنص الكتاب من قوله تعالى : ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) مريم ~~: 76 ، ومن قوله تعالى : ( فزادهم إيمانا ) آل عمران : 173 ، إلى نظائرها ~~وما يزيد فهو ينقص لأن معناه موجود في الكتاب بدليل الخطاب من قوله تعالى : ~~( ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) الإسراء : 82 ، وقوله : ( وليزيدن كثيرا ~~منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ) المائدة : 64 ، ومن قوله تعالى : ~~( وفي آذانهم وقرا ) الأنعام : 25 ، وفي قوله تعالى : ( وأما الذين في ~~قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) التوبة : 125 ، فما يزيد الظالمين إلا ~~خسارا ينقصهم رجحانا وربحا ، وما يزيدهم إلا كفرا ينقصهم إيمانا ، وما يكون ~~عليهم عمى ينقصهم بصيرة ، وما يكون لهم رجسا يكون لهم من الطهارة نقصا ، من ~~قبل أن مزيد الشر نقصان الخير ، كما أن مزيد الخير نقصان الشر ، ، فإذا ثبت ~~أن الإيمان يزيد بالصالحات وينقص بالسيئات وجب الاستثناء فيه ، لأن ~~الصالحات درجات يعلو فيها المؤمنون بحسن الولايات والمجاهدات ، قال الله ~~تعالى في المجمل من الخطاب : ( وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) آل عمران : ~~139 ، وقال : ( والله ولي المؤمنين ) آل عمران : 68 ، وقال في المفسر : ( ~~ولكل درجات مما عملوا ) الأحقاف : 19 ، وقال في مثله : ( وهو وليهم بما ~~كانوا يعملون ) الأنعام : 127 ، وقال : ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~غير أولى الضرر و المجاهدون في سبيل الله ) PageV02P228 إلى قوله : ( وفضل ~~الله المجاهدين على القاعدين أجراعظيما ) النساء : 95 . وروينا في حديث ~~وائلة بن الأسقع : الإيمان يزيد وينقص ، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة ومن ~~لا يحصى من التابعين ، وقيل لأحمد بن حنبل رضي الله عنهما : ما معنى ~~الاستثناء في الإيمان ؟ قال : أليس الإيمان قولا وعملا ؟ قيل : نعم ، قال : ~~فالتصديق بالقول والاستثناء بالعمل ، وقال بعض العلماء : أقرب الناس من ~~النفاق من يرى أنه منه بريء ، وقال مرة : آمنهم له ، وقال عمر مولى عفرة : ~~أقرب الناس إلى النفاق الذي إذا زكى بما ليس فيه ارتاح لذلك ms0926 قلبه ، وأبعد ~~الناس منه من يتخوف أنه لا ينجيه حقيقة ما هو فيه ، وقال بشر بن الحرث : ~~سكون القلب إلى قبول المدح أضر عليه من المعاصي ، وكان سهل يقول : غفلة ~~العالم السكون إلى الشيء ، وغفلة الجاهل الافتخار بالشيء ، والسكون عندهم ~~من الدعوى ، والدعوى من المعاصي ، وقال حذيفة اليوم المنافقون أكثر منهم ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذ ذاك يخفونه وهم اليوم ~~يظهرونه ، وقيل للحسن : إن قوما يقولون لانفاق اليوم ، فقال : يا ابن أخي ~~لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطرقات ، وعنه وعن غيره : لو نبت للمنافقين ~~أذناب ما قدرنا أن نطأ على الأرض ، وسمع ابن عمر رجلا يطعن على الحجاج فقال ~~: أرأيت لو كان حاضرا بين يديك أكنت تتكلم فيه بما تكلمت الآن ؟ قال : لا ، ~~قال : كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : من كان ذا لسانين في الدنيا جعل له لسانان من ~~نار في الآخرة ، وفي خبر آخر : شر الناس ذو الوجهين يأتي هولاء بوجه وهؤلاء ~~بوجه ، وقيل للحسن إن قوما يقولون : لا نخاف النفاق ، فقال : والله لأن ~~أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إلي من تلاع الأرض ذهبا ، وقال الحسن : ~~إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب والسر والعلانية والمدخل والمخرج ، وقال ~~رجل لحذيفة : إني أخاف أن أكون منافقا ، فقال : لو كنت منافقا ما خفت أن ~~تكون منافقا ، إن المنافق قد أمن النفاق لأن النفاق على ضربين ؛ نفاق ينقل ~~عن الملة وهو الشك في دين الله تعالى والرد لشرع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، ونفاق لا ينقل عن الملة ولا يخرج عن الإسلام ، ولكنه ينقص الإيمان ~~ويذهب حقيقته ، ويطفئ أنواره ، ويحرم مزيده ، ويحبط الأعمال ، ويوجب المقت ~~PageV02P229 والإعراض ؛ وهو الرياء والمداهنة والتصنع للخلق و التزين بالحق ~~وائتلاف الألسنة واختلاف القلوب وتفاوت القول والعمل ومخالفة الأمر إلى ما ~~ينهي عنه واختلاف السر والعلانية وزيادة الظواهر على السرائر ، وهذا المعنى ~~من النفاق الذي خالفه السلف ms0927 وكانوا منه على إشفاق ، وكان سهل يقول : ~~المرائي حقا الذي يحسن ظاهره ، حتى لا تنكر العامة والعلماء من ظاهره شيئا ~~وباطنه خراب ، وقد كان الحسن وأصحابه يسمون أهل البدع منافقين ، وكان ابن ~~سيرين وأصحابه يسمونهم خوارج ، وقال ابن أبي مليكة : أدركت ثلاثين ومائة ، ~~وفي رواية خمسمائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على ~~نفسه ، وقال مرة : ما منهم أحد يقول أنا على إيمان جبريل وميكائيل عليهما ~~السلام . وقد روينا عن علي وأبي سعيد قال : الأرجاء بدعة وقال أبو أيوب : ~~أنا أكبر من الأرجاء ، أول من أحدث الأرجاء رجل من أهل المدينة ذكره ، وقال ~~قتادة : لعن الله دينا أنا أكبر منه ، وإنما ظهر الأرجاء بعد هزيمة ابن ~~الأشعث يعني في ولاية الحجاج ، وقال سفيان الثوري : من قال أنا مؤمن عند ~~الله فهو من الكذابين ، ومن قال أنا مؤمن حقا فهو بدعة ، قيل : فما يقول ؟ ~~قال : ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ) البقرة : ~~136 الآية ، فقيل للحسن : أمؤمن أنت ؟ قال إن شاء الله ، فقيل : تستثني يا ~~أبا سعيد في الإيمان ؟ فقال : أخاف أن أقول نعم فيقول الله تعالى : كذبت يا ~~حسن فيحق علي الكلمة ، وكان يقول ما يؤمنني أن يكون الله عز وجل قد اطلع ~~علي في بعض ما يكره فمقتني ، وقال : اذهب لا قبلت لك عملا أبدا فأنا أعمل ~~في غير معمل ، وكان جماعة من أهل العلم يرون السؤال عن قوله أمؤمن أنت ؟ ~~بدعة ، ويقول بعضهم : إذا قيل لك أمؤمن أنت ؟ فقل : آمنت بالله وكتبه ورسله ~~، وقال إبراهيم : إذا قيل لك أمؤمن أنت ؟ فقل : ما أشك في الإيمان وسؤالك ~~إياي بدعة . وروينا عن الثوري عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم النخعي : ~~إذا سئلت أمؤمن أنت ؟ فقل : لا إله إلا الله ، ومنصور عن إبراهيم قال : سئل ~~علقمة فقال : أمؤمن أنت ؟ فقال : أرجو ذاك إن شاء الله ، وكان الثوري يقول ~~: نحن مؤمنون بالله وملائكته ورسله وما ندري ما نحن عند الله ، وقال بعض ~~العلماء ms0928 : أنا مؤمن بالإيمان غير شاك فيه ولا أدري أناممن قال الله سبحانه ~~أولئك هم المؤمنون حقا أم لا . وقال بعض العارفين : لو عرضت علي الشهادة ~~عند باب الدار والموت على التوحيد PageV02P230 عند باب الحجرة لاخترت الموت ~~على الشهادة ، قيل : ولم ؟ قال : لأني لا أدري ما يعرض لقلبي من التغير عن ~~التوحيد من باب الحجرة إلى باب الدار ، وقال أبو سليمان الداراني : سمعت ~~فلانا - يعني بعض الأمراء - يتكلم على المنبر بكلام أردت أن أقوم فأنكر ~~عليه فخشيت أن يأمر بقتلي ، فلم يكن بي أن أموت ولكن خشيت أن يعرض لقلبي ~~التزين للخلق بأني أمرت بالمعروف على الإمام وقتلت في الله عز وجل عند خروج ~~روحي فكففت عن ذلك . وقال بعض العارفين : لو عرفت أحدا على التوحيد خمسين ~~سنة ثم حالت بيني وبينه سارية ثم مات ، لم أحكم أنه مات على التوحيد لعلمي ~~بسرعة تقليب القلوب ، وقال منصور بن زاد : إن كان الرجل من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا سئل قال : أنا مؤمن إن شاء الله ، وقال أبو وائل : قال ~~رجل لابن مسعود : لقيت ركبا فقالوا : نحن المؤمنون فقال : ألا قالوا نحن من ~~أهل الجنة ؟ وقال بعض أصحاب عبد الله لرجل : أمؤمن أنت ؟ قال : نعم ، فذكر ~~ذلك لابن مسعود فقال : سلوه أمن أهل الجنة أنت ؟ فقال : أرجو ، فقال : ألا ~~رجيت الأولى كما رجيت الثانية ، ونقش ابن لبعض التابعين على خاتمه : فلان ~~لا يشرك بالله تعالى شيئا فقال أبوه : هذا أقبح من الشرك . وقال بعض السلف ~~: أقرب الناس من النفاق من يرى أنه أبعدهم منه عند نفسه ، وفي الخبر : أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا في جماعة من أصحابه فذكروا رجلا ~~ومدحوه وأحسنوا الثناء عليه ، فبيناهم كذلك إذ طلع عليهم الرجل يقطر وجهه ~~ماء من أثر الوضوء قد علق نعليه بيديه وبين عينيه أثر السجود فقالوا : يا ~~رسول الله هذا هو الرجل الذي وصفنا لك آنفا ، فلما نظر إليه صلى الله عليه ~~وسلم قال : أرى على وجهه سفعة ms0929 من الشيطان ، يعني ظلمة ، فجاء الرجل حتى سلم ~~وجلس مع القوم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : نشدتك الله هل حدثت نفسك ~~حين أشرفت على القوم أنه ليس فيهم خير منك ؟ فقال : اللهم نعم ، في الحديث ~~: من قال إني مؤمن فهو كافر ، ومن قال إني عالم فهو جاهل ، ومن قال إني في ~~الجنة فهو في النار ، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق ~~رضي الله تعالى دعاء قال : قل فيه : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا ~~أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم ، وجاء في الخبر : الشرك PageV02P231 في أمتي ~~أخفى من دبيب النمل على الصفا ، وكان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: إني أستغفرك لما علمت وما لم أعلم ، فقيل له : أتخاف يا رسول الله ؟ قال ~~: وما يؤمنني والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ، وقال ~~الله تعالى : ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) الزمر : 74 ، قيل ~~: عملوا أعمالا ظنوا أنها حسنات ، فلما كان عند الحساب والميزان وجدوها ~~سيئات ، وقيل كانت هذه الآية مبكاة العابدين ، وقيل في معنى قوله تعالى : ( ~~وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ) الأنعام : 115 ، وقيل : صدقا لمن مات على ~~الإيمان وعدلا لمن مات على الشرك كقوله تعالى : ( إن الذين حقت عليهم كلمت ~~ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية ) يونس : 96 - 97 ، وقال سبحانه : ( ولهم ~~أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ) المؤمنون : 63 ، وقال : ( ينالهم نصيبهم ~~من الكتاب ) الأعراف : 37 ، وقال : ( وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص ) هود ~~: 9 ، 1 ، وقال : ( ولله عاقبة الأمور ) الحج : 41 ، وقال : ( لا يعلم من ~~في السموات و الأرض الغيب إلا لله ) النمل : 65 ، فالاستثناء في الإيمان هو ~~من الإيمان ، والاستثناء في كل شيء من علامة الأولياء ، والإشفاق من الشرك ~~والنفاق ، هو من مزيد الإيمان لئلا يسكن العبد إلى شيء ولا يزكي نفسه بشيء ~~، وقال سري السقطي : لو أن رجلا دخل إلى بستان فيه من جميع الأشجار عليها ~~من جميع الأطيار فخاطبه ms0930 كل طير منها بلغة فقال السلام عليك يا ولي الله ~~فسكنت نفسه إلى ذلك كان أسيرا في أيديها . PageV02P232 # | الفصل السادس والثلاثون في فضائل أهل السنة والطريقة وطرق السلف من ~~الأئمة # السنة اسم من أسماء الطريق ، وهو اسم للطريق الأقوم ، يقال : طريق وطريقة ~~وسنن وسنة وحجة ومحجة ، فمن فضائل السنة وطريق أهلها التقلل من الدنيا في ~~كل شيء ، والقناعة من الله تعالى بأدنى شيء ، والتواضع لله بكل شيء ، وفي ~~الخبر فضل العبادة التواضع ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~أربع لا يوجدن إلا بعجب التواضع ؛ وهو أول العبادة ، والصمت ، وذكر الله ~~تعالى ، وقلة الشيء ، واعلم أن التواضع يظهر بمعان خمسة : بالقول ، والفعل ~~، والزي ، والأثاث ، والمنزل ، يكون في المؤمن بعضها ، فمن كملت فيه فهو ~~متواضع ، والكبر ضد التواضع وهو يظهرأيضا بأضداد هذه الخمسة يبتلي المؤمن ~~ببعضها ويعافى من البعض ، فمن كملت فيه فهو متكبر ، وحقيقتها في القلب ~~وظاهرها بالأفعال والأقوال ثم الورع عن الشبهات والمشكلات من العلوم ~~والأعمال أن يقدم عليها بنطق أو عمل ولا يعتقد نفيها ولا إثباتها خشية أن ~~يكون معتقد الباطل أو نافيا لحق ، بل يكون اعتقاده فيها تسليما لله عز وجل ~~، ويقول : آمنت بحقائقها عند الله تعالى فذلك تعبد من الله عز وجل للمؤمنين ~~فيما تشابه من الأمور ، أن يسكتوا ويسلموا ، وبذلك وصف الراسخين في العلم ~~وأقسم بنفسه على نفي إيمان من لم يسلم تسليما وجعل التسليم مزيد الإيمان في ~~قوله تعالى : ( وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) الأحزاب : 22 ، وفي الخبر : ~~إنما الأمور ثلاثة أمر استبان رشده فاتبعه ، وأمر استبان غيه فاجتنبه ، ~~وأمر أشكل عليه فكله إلى عالمه ، وكذلك ابن مسعود يقول : إن لهذا القرآن ~~منارا كمنار الطريق ، فما عرفتم منه فاعملوا به ، وما لم تعلموه فكلوه إلى ~~عالمه ، وكان أيضا يقول : أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع ، وسيأتي ~~عليكم زمان يكون خيركم فيه المتبين يعني لوضوح الحق في القرن الأول ولدخول ~~الشبهات في زماننا PageV02P233 هذا ، فصار الحق غامضا فكان خير الناس اليوم ~~المتثبت بالورع ms0931 ، كما أخبر أن خيرهم يومئذ المسارع بالفضل ومما يدلك أن ~~الإيمان هو التسليم ، كما أن الإيمان هو التصديق ، أن في قراءة بعض ~~التابعين منهم جعفر بن محمد ، وقد رويناه عن أبي جعفر ومحمد بن علي أنهما ~~قرأا : ( واجعلنا مسلمين لك ) البقرة : 128 وقرأا أيضا : ( الذين آمنوا ~~بآياتنا وكانوا مسلمين ) الزخرف : 69 فلولا أنهما بمعنى واحد لم يجز أن ~~يخالفوا المعنى في المقروء . وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في ~~الأمر المتشابه الذي يشبه الحق من جهة ويشبه الباطل من جهة : لا تصدقوا أهل ~~الكتاب ولا تكذبوهم ولكن قولوا : آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم ~~، هذا لأن الله سبحانه وتعالى أنزل التوراة ؛ فهي حق ، ثم أخبر أنهم قد ~~حرفوها فاحتمل أن يكون ما يخبرون به المؤمنين مما أنزل الله تعالى فلا يحل ~~التكذيب به ولا اعتقاد نفيه ، واحتمل ما يخبرون به المؤمنين أنهم حرفوا فلا ~~يحل قبوله ولا اعتقاد ثبوته ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإيقاف ذلك ~~والإيمان بما أنزل الله تعالى جملة ، فإن كان ما أخبروهم حقا دخل فيه ، وإن ~~كان باطلا لم يضره ، فالمسلم هو الذي يسلم ما لم يظهر دليله في العقل لأجل ~~القدرة والسنة والنقل ، كما أن المؤمن هو الذي يصدق بما لم يظهر بمشاهدة ~~العين الإيمان بالغيب ، لأن العقل بصره القلب كالعين بصر الجسم ، وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن المجنون حتى يعقل ، كما قال الله ~~تعالى : ( ليس على الأعمى حرج ) النور : 61 ، ثم ترك ما لا يعني مما قد كفي ~~ومما لم يكل إليه من القول والفعل ، لأن الدخول فيما لا يعني هو التكلف ~~المنهي عنه الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأتقياء من أمته ~~براء منه ، وهو يشغل ويقطع عما يعني ، وفيما يعني شغل عما لا يعني لكل فطن ~~عاقل ، وهو أصل الحكمة فيما أخبر به لقمان لما سئل : أنى أوتي الحكمة ؟ قال ~~: بشيئين لا أتكلف ما كفيت ولا أضيع ما كلفت ms0932 فهذا شيء لا يضر جهله ولا ينفع ~~فعله ، ولأنه شيء كتب عليه لم يكن له فيه فضل وإن سمع منه وظهر به ، ولم ~~يكن له فيه مزيد ولا لغيره نفع ، ثم كف الأذى ؛ فإن ذلك من الورع ، وكان ~~سهل رحمه الله تعالى يقول : كف الأذى كسب العقل واحتمال الأذى كسب العلم ، ~~والنصيحة للخلق والرحمة لهم كسب الإيمان من العمل في قطع ما قد اعتاد من ~~عاجل حظوظ النفس مما يقطعه عن العمل لأجل الآخرة وأعمال النفس وإجهادها ، ~~وأن لا يكون لها معتاد من شهوة تعود على النفس منه منازعة ، فإن العادة جند ~~غالب لأجلها تعذرت التوبة ولغلبتها رجع العبد عن الاستقامة ؛ وهي باب من ~~أبواب الهوى ، إلا فيما أمر به العبد أو ندب إليه ، قال أبو سليمان ~~الداراني : إن قدرت أن لا يكون لك وقت معتاد في الأكل تنازعك نفسك إليه ~~فافعل ، وقال : لأن أترك لقمة من عشائي أحب إلي من قيام ليلة ، أي لنقص ~~النفس من المعتاد والتقلل أيضا ، وقال أيضا ، ترك شهوة من شهوات ~~PageV02P234 النفس أنفع للقلب من صيام سنة ، وقيامها هذا كله خشية إيلاف ~~العادات ، فتنازع النفس إلى الألف فلا يمكنك ضبطها لغلبة الوصف ، ثم حسن ~~الصبر على ما أمر به ، وحسن الصبر عما نهى عنه ؛ فإن ذلك من أفضل الأعمال ~~وله فضائل المزيد والكمال . وفي حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : اتق المحارم تكن من أعبد الناس ، وفي لفظ آخر : تكن من أورع الناس ، ~~ومن أحسن ما سمعته من عظيم المثوبة في الصبر عن المعصية ما حدثونا في ~~الإسرائيليات : أن رجلا تزوج امرأة من بلدة ، وكان بينهما مسيرة شهر ، ~~فأرسل إلى غلام له من تلك البلدة ليحملها إليه فسار بها يوما ، فلما جنه ~~الليل أتاه الشيطان فقال له : إن بينك وبين زوجها مسيرة شهر فلو تمتعت بها ~~ليالي هذا الشهر إلى أن تصل إلى زوجها ، فإنها لا تكره ذلك وتثني عليك عند ~~سيدك فتكون أحظى لك عنده ، فقام الغلام يصلي فقال : يا ms0933 رب ، إن عدوك هذا ~~جاءني فسول لي معصيتك ، وإنه لا طاقة لي به في مدة شهر وأنا أستعيذك عليه ~~يا رب فأعذني عليه ، واكفني مؤونته ، فلم تزل نفسه تراوده ليلته أجمع وهو ~~يجاهدها حتى أسحر فشد على دابة المرأة وحملها وسار بها ، قال : فرحمه الله ~~تعالى ، فطوى له مسيرة شهر فما برق الفجر حتى أشرف على مدينة مولاه ، قال : ~~وشكر الله تعالى له هربه إليه من معصيته فنبأه ، فكان نبيا من أنبياء بني ~~إسرائيل ، ثم إعداد العدة لما يستقبل إذا كان ذلك من مريدي السعي للآخرة ~~والشغل بالنفس والإقبال عليها دون الناس فقد وجب ذلك ، والزهد في فضول ~~الشهوات واجتناب كثير من الشبهات فقد افترض ذلك ، وقلة الذكر للناس ولأمور ~~الدنيا فقد حسن ذلك ، ومنه غفلة وقسوة للقلب وكثرة الذكر لله تعالى ~~والتذكير به وذكر آلائه ونعمائه وحسن الثناء عليه والمدح له ، وقد كان بعض ~~العلماء يقول : من جالسنا فليجتنب ذكر ثلاث خصال وليقض فيما يشاء : يجتنب ~~ذكر الناس فإنهم داء ، ويجتنب ذكر الدنيا فإنها قسوة ، ويجتنب كثرة الطعام ~~فإنها شره ، وقال عالم آخر : من جالسنا فلا يذكر إلا الله وحده ، فإن كان ~~لا بد من ذكر غيره فليذكر الآخرة وليذكر الصالحين ، وكان سهل رحمه الله ~~تعالى ورضي عنه يقول : السنة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~، وأول السنة الزهد في الدنيا لأنهم كانوا زاهدين ، وكذلك جاء الخبر في وصف ~~الفرقة الناجية : من كان على ما أنا عليه وأصحابي فقد كانوا على هذه ~~الأوصاف التي ذكرناها ، فمن كان على ذلك فهو على السنة فهذه فضائل السنة ~~وهو مزيد الإيمان وحسن اليقين . # | ذكر عري الإيمان وجمل الشريعة # قال الله جل ثناؤه وصدقت أنباؤه : ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر ~~فاتبعها ) PageV02P235 الجاثية : 18 ، فالشريعة اسم من أسماء الطريق ، وهو ~~اسم الطريق الواضح المستقيم الواسع ، وهو وصف لطريق جامع لجوامع المحاج ~~كلها ، كأنه طريق يستوعب ويجمع سائر الطرق ، وللطريق أسماء كثيرة منها ~~الصراط المستقيم والسبيل والمنهاج والمحجة والمنسك ، وجاء من ms0934 اشتقاق هذا ~~اللفظ أربعة أسماء : شارع ، ومشرعة ، وشرعة ، وشريعة ؛ وهو اسم لأوسعها ~~وأوعبها لجميع الطرق ، فالشريعة تشتمل على اثنتي عشرة خصلة هي جامعة لأوصاف ~~الإيمان ؛ أول ذلك الشهادتان وهي الفطرة ، والصلوات الخمس وهي الملة ، ~~والزكاة وهي الطهرة ، والصيام وهو الجنة ، والحج وهو الكمال ، والجهاد وهو ~~النصر ، والأمر بالمعروف وهو الحجة ، والنهي عن المنكر وهو الوقاية ، ~~والجماعة وهي الألفة ، والاستقامة وهي العصمة ، وأكل الحلال وهو الورع ، ~~والحب والبغض في الله وهو الوثيقة ، وقد روينا بعض هذه الخصال عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقد جاء نحوها عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما . # | ذكر شرط المسلم الذي يكون به مسلما # لا يكون معتقد البدعة ، ولا مقيما على كبيرة ، ولا آكل الحرام ، ولا ~~طاعنا على صالح السلف ، ويكون كاف اللسان واليد عن أعراض المسلمين وأموالهم ~~، ويكون ناصحا لجميع المسلمين مشفقا عليهم ، يسره ما يسرهم ويسوءه ما ~~يسوءهم ، سيما لأئمتهم ، داعيا لجملتهم ، ويكون مخلصا لأعماله كلها لله ~~تعالى ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لا يسلم عبد ~~حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه ، وروي عنه : ثلاث لا ~~يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العلم لله تعالى ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم ~~الجماعة ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ، ومن اجتمعت فيه هذه الخصال في ~~زماننا هذا فهو من أولياء الله عز وجل ؛ وهذا أول ولاية وأول نظرة من الله ~~تعالى حامية عاصمة راحمة ، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله : ~~اكتب إلي بسيرة عمر رضي الله تعالى عنه في الناس فإني أحب أن أسير بها فكتب ~~إليه : أما بعد فإنك لست في زمان عمر ، ولا لك رجال كرجال عمر ؛ فإن عملت ~~في زمانك هذا ورجالك هؤلاء بسيرة عمر فأنت خير من عمر رضي الله عنه . # | ذكر حسن إسلام المرء وعلامات محبة الله تعالى له # يكون محبا للخير وأهله ، مجانبا للشر وأهله ، مسارعا إلى ما ندب إليه أو ~~أمر به إذا PageV02P236 قدر عليه ، حزينا ms0935 على ما فات من ذلك إذا أعجزه ، ~~تاركا لما لا يعنيه من الأقوال والأفعال ، بريئا من التكلف ؛ وهو اجتناب ما ~~لم يؤمر به ولم يندب إليه من ترك وفعل مصليا للخمس في جماعة إذا أمن الفتنة ~~وسلم له دينه ، ومجتنبا للغيبة ولذكر الناس ، يحب للكافة ما يحب لنفسه ~~ويكره لهم ما يكره لنفسه ، ومسارعا إلى الخيرات ، مسابقا إلى أعمال البر ~~والقربات ، طويل الصمت ، لين الجانب ، ذليلا للمؤمنين ، عزيزا على ~~المتكبرين ، لا يماري في الباطل ولا يداهن في الدين ، ولا يبغض على شيء من ~~الحق وإن كان عليه ، أو من أبعد الناس منه ، ولا يحب على شيء من الباطل وإن ~~كان له أو من أقرب الناس إليه ، كارها للمدح ممن يحبه ، قابلا للنصح ممن ~~يبغضه ، يكون المدح والذم يجريان من قلبه مجرى واحد ، صدوقا فيما يضره ، ~~غير متصنع بما يستعجل نفعه ، سريرته أفضل من علانيته ، محتملا لأذى الخلق ، ~~صابرا على بلائهم ، منفردا بحاله عنهم ، تاركا الكثير من مجالسهم واجتماعهم ~~خشية دخول الشبهات عليه ، وخوفا من تغير قلبه له ، ومن اجتمعت فيه هذه ~~الخصال في زماننا هذا فهو من المريدين للآخرة ، وهذه ولاية ثانية ونظرة ~~ثانية ، ويقال إن أبدال كل قرن على قدر زمانهم وفي كل قرن سابقون ومقربون . ~~وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى : ( لتركبن طبقا عن طبق ) الإنشقاق : ~~19 ، قال : لتركبن في كل قرن في طبقة من الناس على حال لم يكونوا عليه ، ~~وأكثر ما قيل في القرن مائة سنة ، وأقل ما قيل فيه أربعون ، وأوسط ذلك ~~وأعدله وأشبهه بحمل الأحاديث والأخبار فيه أن القرن سبعون سنة ؛ وهو قول ~~علي رضي الله عنه ، لأن رأس المائتين تمام ثلاثة قرون من المبعث ، ونحن ~~الآن في القرن السادس من أول سنة أربعين وثلاثمائة وآخره سنة عشر وأربعمائة ~~، ويقال : إن الشمس تطلع من المغرب بعد القرن السابع وهو رأس الثمانين ~~وأربعمائة وعلى قول من قال : القرن مائة سنة تطلع بعد سبعمائة سنة ، وفي ~~الخبر : أن ملك الموت إذا جاء لقبض روح المؤمن ms0936 قال له ملكاه : أنظرنا حتى ~~نملأ مسامعه من الثناء الحسن ، فيقولان : جزاك الله عنا خيرا فإنك كنت ما ~~علمنا سريعا في طاعة الله تعالى بطيئا عن معاصية تحب الخير وأهله وتعمل بما ~~استطعت منه ، فرب كلام حسن قد أسمعتنا ومجلس كريم قد أجلستنا فأبشر ~~بالموعود الصدق بيننا وبينك الوقوف بين يدي الله تعالى بالشهادة لك عنده ~~غدا . # | ذكر حق المسلم على المسلم وهو وجوب حرمة الإسلام على المسلمين # وذلك عشر خصال مجموعة من ستة أحاديث ؛ حديث علي رضي الله عنه : للمسلم ~~على المسلم ست خصال واجبة ، وحديث أبي أيوب الأنصاري : حق المسلم على ~~المسلم ست خصال إن ترك منها شيئا ترك حقا واجبا عليه ، وحديث البراء بن ~~عازب : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع ، وحديث ابن ~~مسعود : للمسلم على المسلم أربع خلال واجبات ، وحديث سعد وأبي هريرة في ~~معنى ذلك ، وحديث أنس : أربع من حق PageV02P237 المسلم عليك إلا أنه ذكر ~~غير ذلك ، فاختلفت الألفاظ في الخصال وأنفقت المعاني ، وذكر بعضهم في حديث ~~ما لم يذكره الآخر ، فجمعنا اختلافهم وعدد جمل الخصال فكانت عشرة إلا ما ~~رواه أنس بن مالك رضي الله عنه ؛ فإنه حديث غريب مؤكد للخصال وزائد عليها ~~في الألفاظ نذكره بعدها ، فأما الخصال العشر التي كثرت الأخبار بها فهي أن ~~يسلم عليه إذا لقيه ، ويجيبه إذا دعاه ، ويشمته إذا عطس ، ويعوده إذا مرض ، ~~ويشهد جنازته إذا مات ، ويبر قسمه إذا أقسم عليه ، وينصح له إذا استنصحه ، ~~ويحفظه بظهر الغيب إذا غاب عنه ، ويحب له ما يحب لنفسه ، ويكره له ما يكره ~~لنفسه ، فأما حديث أنس : فروينا عن إسماعيل بن أبي زياد عن أبان بن عياش عن ~~أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربع من حق المسلم أن تعين ~~محسنهم وأن تستغفر لمذنبهم وأن تدعو لمدبرهم وأن تحب تائبهم ؛ فهذه الخصال ~~داخلة في تلك الخصال وجامعة لها في معنى النصيحة لأخيك ، وفي أن تحب له ما ~~تحب لنفسك ، وقد كان ابن ms0937 عباس يؤكد هذا المعنى خاصة للمسلم على المسلم ، ~~ويفرضه فرض الحلال والحرام ، ويفسر به قوله : رحماء بينهم ، فحدثناه في ~~رواية جبير عن الضحاك عنه في قول الله عز وجل : رحماء بينهم ؛ يعني متوادين ~~بينهم ، يدعو صالحهم لطالحهم ، إذا نظر الطالح إلى الصالح من أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم قال : اللهم بارك له فيما قسمت له من الخير ، وثبته عليه ، ~~وانفعنا به ؛ وإذا نظر الصالح إلى الطالح من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~قال : اللهم اهده ، وتب عليه ، واغفر له ، قال ابن عباس هذه الآية من ~~حلالكم وحرامكم ؛ فهذه الخصال المذكورة جامعة مختصرة في حرمة المسلمين ~~ووجوب حق بعضهم على بعض لا عذر لأحد منهم في تركها إلا من عذرته السنة ، ~~ويشهد له العلم ، وبعضها أوكد من بعض وأكمل المؤمنين إيمانا لقومهم بها ~~وأسرعهم إليها قد كثرت بها الروايات ، وقد كان بعض السلف تركوا منها ثلاثة ~~: إجابة الدعوة ، وعيادة المرضى ، وشهود الجنائز ، إلا أن هؤلاء اعتزلوا ~~الناس أصلا وكانوا أحلاس بيوتهم لم يخرجوا إلا إلى الجمعات ، ومنهم من ترك ~~الجماعات وكان منهم من تبوأ الجبانات وفارق الأمصار والإخوان ، وقال سهل : ~~ما أعلم شيئا أشد من حقوق الناس وكان يقول من كف أذاه عن الخلق مشى على ~~الماء ، وقال أبو يزيد وغيره بغية العقلاء السلامة من الله تعالى ، ومن ~~أراد السلامة من الله فليسلم الناس منه ، فمن أراد أن يسلم الناس منه ~~فليبعد منهم ، فقد أنشدت لبعضهم في معناه : الناس بحر عميق . . . والبعد ~~منهم سلامه وقد نصحتك فانظر . . . لا تدركنك ندامه وقد روينا عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله تعالى عنه : اتقوا الله واتقوا الناس ، وعن PageV02P238 ~~ابن عباس مثلها : لولا مخافة الوسواس لم أجالس الناس ، وقال مرة : لدخلت ~~بلادا لا أنيس بها وهل يفسد الناس إلا الناس ؟ وقال بعض السلف : كلما كثرت ~~المعارف كثرت الغرماء وكلما أطالت الصحبة توكدت الحقوق ، وقال بعض العلماء ~~: من عرف نفسه استراح ، ومن عرف الناس تعنى ، وقال بشر بن الحرث في ضده : ~~من عرف الناس ms0938 استراح ، وقد قيل في معنى قوله عليه الصلاة والسلام : مداراة ~~الناس صدقة ، قال : مداراتهم في العلوم ومفارقتهم في العقول وفي أحد الوجوه ~~من قوله تعالى : ( إدفع بالتي هي أحسن ) المؤمنون : 96 ، قال هي المداراة ، ~~وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أعطي حظه من الرفق أعطي ~~حظه من خير الدنيا والآخرة ، ومن منع حظه من الرفق منع حظه من الدنيا ~~والآخرة . # | ذكر سنن الجسد # وفي الجسد اثنا عشرة سنة ، وذلك مأخوذ من ثلاثة أحاديث متفرقة : منها ~~حديث جبريل عليه السلام حين استبطأه النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي ؛ خمس ~~منها في الرأس وهي : المضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وقص الشارب ، وفرق ~~شعر الرأس ؛ ومنها سبع في الجسد : وهي الختان ، والاستحداد ، وانتفاض الماء ~~وهو الاستنجاء ونتف الإبط ، وتقليم الأظافر ، وغسل البراجم ، وتنظيف ~~الرواجب ، فأما البراجم فهي معاطف ظهور الأنامل لم تكن العرب تكثر غسل ذلك ~~لتركها غسل أيديها عقيب الطعام ، فكان يجتمع في تلك المكاسر الوسخ فأمروا ~~بغسلها ، قال أبو هريرة وغيره من أهل الصفة : كنا نأكل الشواء ثم تقام ~~الصلاة فندخل أصابعنا في الحصباء ، ثم نفركها في التراب ونكبر ، وقال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه : ما كنا نعرف الأشنان على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وإنما كانت مناديلنا بواطن أرجلنا ، كنا إذا أكلنا الغمر مسحنا ~~بها ، ويقال : أول ما ظهر من البدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ~~: المناخل ، والأشنان ، والموائد ، والشبع ؛ فهذه كلها في شأن الجوف وهو شر ~~وعاء مجوف ، وأما الرواجب فهي جمع راجبة وهي واحدة الأنامل لم تكن العرب ~~يتفق لها الجلمان في كل وقت فيقصون أظفارهم فوقت لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لقص الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أربعين يوما ، إلا أنه أمر ~~بتنظيف ما تحت الأظافر لأنه مجمع النفث ؛ وهي الرواجب إلى أن يقصوا أظفارهم ~~، وجاء في الأثر : أن النبي صلى الله عليه وسلم استبطأ الوحي فلما هبط ~~جبريل عليه السلام قال له : كيف ننزل عليكم وأنتم ms0939 لا تغسلون براجمكم ولا ~~تنظفون رواجبكم ، وقلحا لا تستاكون ؟ مر أمتك بذلك . PageV02P239 ويقال لما ~~تحت الأظافر من الوسخ الأف ، وهو الذي يقال أف وتف ؛ فالأف وسخ الظفر ، ~~والتف وسخ الأذن ، وقيل : بل التف كلمة اتباع للمبالغة في التأذي بالقذر ~~المؤذي ؛ ومن ذلك قولهم في الإتباع جائع نائع وعطشان نطشان ولا أثر له ~~ولاعنبر ، وقيل من هذا قول الله تعالى : ( فلا تقل لهما أف ) الإسراء : 23 ~~، أي لا تعبهما بما تحت الظفر من الوسخ ، وقيل : لا تؤذهما تأذيك بما تحت ~~ظفرك من الأذى أو لا تؤذهما بمقدار ذلك . # | ذكر ما في اللحية من المعاصي والبدع المحدثة # قد ذكر في بعض الأخبار : أن لله تعالى ملائكة يقسمون والذي زين بني آدم ~~باللحي ، ويقال : إن اللحية من تمام خلق الرجل وبها تميز الرجال من النساء ~~في ظاهر الخلق ، في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه كان كث اللحية ~~، وكذلك كان أبو بكر وكان عثمان طويل اللحية دقيقها ، وكان علي رضي الله ~~تعالى عنه عريض اللحية قد ملأت ما بين منكبيه ، ويقال : إن أهل الجنة مرد ~~إلا هارون أخا موسى عليهما السلام فإن له لحية إلى صدره تخصيصا له وتفضيلا ~~، ووصف بعض بني تميم من رهط الأحنف بن قيس قال : وددنا أنا اشترينا للأحنف ~~اللحية بعشرين ألفا فلم يذكر حنفه في رجله ولا عوره في عينه وذكر كراهية ~~عدم لحيته وكان عاقلا حليما ، وقد روينا من غريب تأويل قوله تعالى : ( يزيد ~~في الخلق ما يشاء ) فاطر : 1 ، قال اللحي وفيه وجوه كثيرة ، وذكر عن شريح ~~القاضي قال : وددت لو أن لي لحية بعشرة آلاف ، وقال بعض الأدباء في اللحية ~~خصال نافعة منها تعظيم الرجل والنظر إليه بعين العلم والوقار ، ومنها رفعه ~~في المجالس والإقبال عليه ، ومنها تقديمه على الجماعة وتعقيله وفيها وقاية ~~للعرض ؛ يعني إذا أرادوا شتمه عرضوا له بها فوقت عرضه ، وقال أبو يوسف ~~القاضي : من عظمت لحيته جلت معرفته ، ففي اللحية من خفايا الهوى ودقائق ~~آفات النفوس ، ومن البدع المحدثة ms0940 اثنتا عشرة خصلة بعضها أعظم من بعض وكلها ~~مكروهة ، قد كنا أجملنا ذلك عددا في باب آفات النفوس ، فأما تفسيره فإن من ~~ذلك خضابها بالسواد لأجل الهوى وتدليس الشيبة ، وخضابها بالحمرة والصفرة من ~~غير نية تشبيها بالصالحين والقراء من السنة ، وتبييضها بالكبريت وغيره ~~استعجالا لإظهار علو السن وستر الحداثة لأجل الرياسة والتعظيم ليشهد عند ~~الحكام أو لينفق بذلك حديثه ويدعي بالسن مشاهدة من لم يره ، فعل ذلك بعض ~~المحدثين وبعض الشهود ، ومن ذلك نتفها أو نتف الشيب منها تغطية للتكهل ، ~~ومنها تقصيصها كالتعبية طاقة على طاقة للتزين والتصنع ، ومن ذلك النقصان ~~منها PageV02P240 والزيادة فيها وهو أن يزيد في شعر العارضين من الصدغ من ~~شعر الرأس حتى يجاوز عظم اللحى وذلك هو حد اللحية ، أو ينقص من العظمين إلى ~~نصف الخد وذلك مثله وهو نقصان من اللحية ، ومن ذلك تسريحها لأجل الناس ~~تصنعا أو تركها لأجل الناس شعثة مفتلة مغبرة إظهارا للزهد أو التهاون ~~بالقيام على النفس لأنه قد عرف بذلك ، ومن ذلك النظر إلى سوادها عجبا بها ~~وخيلاء وغرة بالشباب وفخرا ؛ ومن ذلك النظر إلى بياضها تكبرا بكبر السن ~~وتطاولا على الشبان فيحجبه نظره إليها عن النظر إلى نفسه من تعلم العلم ~~وتعلم القرآن الذي لا يسعه جهله والسؤال عما يجهله استصغارا لغيره من ~~الشباب ، أو حياء من شيبه ، أو استنكافا منه ، فيظن بجهله أن كثرة الأيام ~~التي بيضت شعر لحيته أعطته فضلا أو جعلت فيه علما ، ولا يعلم أن العقل ~~غرائز في القلوب وأن العلم مواهب من علام الغيوب ، ومن كانت غريزته الحمق ~~وطبيعته الجهل كثرت حماقته كلما كبر وعظمت هالته إذا أسن ، وقد روينا جميع ~~ذلك في كثير من الناس وهذا كله محدث وهو ضاهي سنن الجسد الاثنتي عشرة في ~~العدد ، ومما جاء في جمل معاني ما ذكرناه من الكراهة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال : حفوا الشوارب واعفوا اللحى ، فقوله : حفوا أي اجعلوها ~~حفافي الشفة أي حولها ، لأن حفاف الشيء حوله ، ومن ذلك قوله عز ms0941 وجل : ( ~~وترى الملائكة حافين من حول العرش ) الزمر : 75 ، وكان بعض العلماء يكره ~~حلق الشارب حتى تظهر البشرة ويراه بدعة ، وقد كان مالك بن أنس وبعض علماء ~~المدينة يقولون : حلق الشارب مثله إنما هو الأخذ منه حتى يبدو الإطار ~~والإطار حروف الشفة من فوق . وفي الحديث لفظة أخرى : أحفوا الشوارب ، ~~والإحفاء هو الاستئصال والاستقصاء ؛ وهو أبلغ من قوله : حفوا ، ومن هذا ~~قوله عز وجل : ( إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ) محمد : 37 أي يستقصي عليكم ، ~~وقد كان كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفي شاربه ، ونظر بعض ~~التابعين إلى رجل أحفى شاربه ، فقال : ذكرتني أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال : فقلت هكذا كانوا يحفون شواربهم ، فقال : نعم وأشد من هذا ~~كالحلق ، وليس الإحفاء حلقا إلا أنه شبيه به ، وقد روينا في هذا الحديث ~~ثلاثة ألفاظ أخر وهو : خذوا من الشوارب فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان يأخذ من شاربه ، وروي قصوا الشوارب ، وجزوا الشوارب ؛ فهذه الثلاثة ~~بمعنى واحد وهو يقتضي أخذ بعضه وترك البعض ليست كالإحفاء ، وقال المغيرة بن ~~شعبة : نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عفا شاربي فقال تعال : ~~فقصه لي على سواك فهذا نص من فعله في أخذ الشارب ، وقد رويت لفظة غريبة ~~طروا الشوارب طرا ؛ والطر أن يؤخذ من فوق الشارب ومن تحته يستدق ، والطر ~~الدقيق المستطيل المستخرج من شيء أكثر منه حتى يحمل على وصف PageV02P241 ~~دونه أو أصغر منه ؛ ومن هذا سميت الطرة كأنها مستخرجة من شيء كثير مجعولة ~~على وصف لطيف ، وكان بعض السلف يترك سباليه وهما طرفا الشارب ويحفي وسط ~~شاربه ، وروي هذا عن عمر وغيره ، وكذلك رأيت أبا الحسن بن سالم رحمه الله ~~تعالى يفعل فأما قوله : وأعفوا اللحى يعني كثروها ، ومن هذا قول الله عز ~~وجل ( حتى عفوا ) الأعراف : 95 ، أي كثروا ، وفي الخبر أن اليهود يعفون ~~شواربهم ويقصون لحاهم ، فخالفوهم ورد عمر بن الخطاب وابن أبي ليلى قاضي ~~المدينة شهادة رجل كان ينتف ms0942 لحيته ونتف الفينكين بدعة ؛ وهما جنبتا العنفقة ~~، شهد رجل عند عمر بن عبد العزيز بشهادة وكان ينتف فينكيه فرد شهادته . ~~وورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : النهي عن نتف الشيب وقال : هو نور ~~المؤمن ونهى عليه السلام عن الخضاب بالسواد قال : هو خضاب أهل النار ، وفي ~~لفظ آخر : الخضاب بالسواد خضاب الكفار ، وأمر صلى الله عليه وسلم أبا بكر ~~أن يغير شيب أبيه ، وقال : جنبه السواد وقال : هو خضاب أهل النار ، وتزوج ~~رجل على عهد عمر رضي الله عنه وكان يخضب بالسواد فنصل خضابه وظهرت شيبته ~~فرفعه أهل المرأة إلى عمر فرد نكاحه وأوجعه ضربا ، وقال : غررت القوم ~~بالشباب ودلست عليهم شيبتك ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصفرة ~~خضاب المسلمين ، والحمرة خضاب المؤمنين ، وكانوا يخضبون بالحناء للحمرة ~~وبالخلوق والكتم للصفرة ، ويقال : أول من خضب بالسواد فرعون لعنه الله ، ~~وقال سري بن المغلس السقطي : في اللحية شركان : تسريحها لأجل الناس وتركها ~~متفتلة لإظهار الزهد ، وقال أيضا لو دخل علي داخل فمسحت لحيتي لأجله ظننت ~~أني مشرك ، وعن كعب وأبي الجلد وصفا قوما يكونون في آخر الزمان يقصون لحاهم ~~كذنب الحمامة ويعرقفون نعالهم كالمناجل أولئك لا آخلاق لهم ، وذكر أيضا عن ~~جماعة أن هذا من أشراط الساعة ، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم : يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام ~~لا يريحون رائحة الجنة ، وروي أبو المهزم عن أبي هريرة أن أصحاب الدجال ~~عليهم السيجان شواربهم كالصياصي ونعالهم مخرطة ؛ يعني شواربهم ملس تلوح ، ~~وأصل الصياصي القرون وهو جمع صيصة ومنه صيصة الديك الظفر الثاني الأملس ~~مؤخر رجله كأنه عظم ، وقوله عليهم PageV02P242 السيجان يعني الطيالسة وهو ~~جمع ساج ، وقوله : نعالهم مخرطة أي لها أعناق طوال معرقفة كالخراطيم وهي ~~أكمام الأباريق ، وكان ابن عمر يقول للحلاق أبلغ العظمين فإنهما منتهى ~~اللحية ؛ يعني حدها ، ولذلك سميت لحية لأن حدها للحي فالزيادة على ذلك الحد ~~والنقصان منه محدث . # | ذكر ما جاء في فعل ms0943 بعض ذلك واستحبابه # إن من العلماء من كان يأخذ من لحيته في المناسك وغيرها وإن قبض الرجل على ~~لحيته وأخذ ما تحت القبضة فلا بأس ، قد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين ~~واستحسنه الشعبي وابن سيرين وكرهه الحسن وقتادة وتركها عافية على خلقتها ~~أحب إلي ، وقد روينا خبرا من سعادة المرء خفة لحيته ، إلا أن بعض الرواة ~~رواه على معنى آخر فإن لم يكن صحفه فهو غريب ، كان يقول فيه خفة لحيته أي ~~بتلاوة القرآن ولا أراه محفوظا ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~الصالحون بعده يسرحون لحاهم لأجل الدين والسنة وتنظيفا للطهارةونزع التفث ~~من القمل وغيره ولإسقاط شعر ميت إن كان هناك ، وقد كان من الزهاد من يترك ~~لحيته متفتلة لا يسرحها شغلا عن نفسه ، والصدق بعينه حسن والصدق في كل شيء ~~حسن ، قال بعضهم : رأيت داود الطائي منفتل اللحية ، فقلت : يا أبا سليمان ~~لو سرحت لحيتك ، فقال : إني إذا لفارغ ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يدهن شعره ويرجله غبا ، وأمر بذلك فقال : وادهنوا غبا ، وقال : من ~~كانت له شهرة فليكرمه ودخل رجل ثائر الرأس أشعث اللحية فقال : أما كان لهذا ~~دهن يسكن به شعره ؟ ثم قال : يدخل أحدكم كأنه شيطان . وقد روينا في خبر ~~غريب : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرح لحيته في كل يوم مرتين ، وفي ~~خبر أغرب منه قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : اجتمع قوم بباب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فخرج عليهم فرأيته يطلع في الحب ليسوي من رأسه ولحيته ، ~~وفي الخبر المشهور أنه كان يمشط لحيته في كل يوم ، وأن المشط والمدرى لم ~~يكن يفارقه في سفر ولا حضر ؛ فهذه سنة العرب المعروفة فيهم وكان عليه ~~الصلاة والسلام عليها ، وكانت من أخلاقه ، وقد كان الشباب يتشبهون بالكهول ~~تفضيلا للكهول غير عجب بالشباب ولا فخر بالحداثة . وفي الخبر : خير شبابكم ~~من تشبه بشيوخكم وشر شيوخكم من تشبه بشبابكم ، وفي الحديث : أن من إجلال ~~الله ms0944 تعالى إجلال ذي الشيبة لمسلم ، وقد كان الشيوخ يقدمون الشباب ويرون ~~فضلهم بالعلم والدين تواضعا وإخباتا لا تكبرا بالكبر ولا غلوا ، كان عمر ~~رضي الله تعالى عنه يقدم ابن عباس وهو حدث السن على أكابر الصحابة ويسأله ~~دونهم . PageV02P243 وروي عن ابن عباس وغيره : ما آتى الله تعالى عبدا ~~العلم قط إلا شابا والخير كله في الشباب ، ثم تلا قوله تعالى : ( قالوا ~~سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ) الأنبياء : 60 وتلا قوله سبحانه : ( ~~إنهم فتية آمنوا بربهم ) الكهف : 13 ، وقوله تعالى : ( وآتيناه الحكم صبيا ~~) مريم : 12 ، وقد كان أنس بن مالك إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : قبض ، وليس في شعر رأسه وشعر لحيته عشرون شعرة بيضاء فقيل ولم يا أبا ~~حمزة وقد أسن ؟ قال : لم يشنه الله تعالى بالشيب ، قيل : أو شين هو ؟ قال : ~~كلكم يكرهه ، ويقال إن يحيى بن أكثم ولي القضاء وسنه إحدى عشرون سنة فقال ~~له رجل ذات يوم وهو في مجلسه يريد أن يحشمه بذلك كم سن القاضي أيده الله ~~تعالى ؟ فقال مثل سن عتاب بن أسيد حيث ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إمارة مكة وقضاءها فأفحمه ، وروينا عن مالك بن معول قال : قرأت في بعض كتب ~~الله عز وجل : لا تغرنكم اللحى فإن التيس له لحية ، وقال بعض الأدباء كلما ~~طالت اللحية تشمر العقل وقال أبو عمرو بن العلاء إذا رأيته طويل القامة ~~صغير الهامة عريض اللحية فاقض عليه بالحمق ، ولو كان أمية بن عبد شمس ، ~~وقال معاوية رحمه الله تعالى : يتبين حمق الرجل من طول قامته وعظم لحيته ، ~~وفي كنيته ونقش خاتمه ، وكان إبراهيم النخعي ومثله من السلف يقول : عجبت ~~لرجل عاقل طويل اللحية كيف لا يأخذ من لحيته فيجعلها بين لحيتين فإن التوسط ~~في كل شيء حسن وأنشدت لبعض الظرفاء : لا تعجبن بلحية . . . كبرت منابتها ~~طويله يهوى بها عصف الريا . . . ح كأنها ذنب الحسيله قد يدرك الشرف الفتى . ~~. . يوما ولحيته قليله وأنشد لبعض العرب : لعمرك ما الفتيان . . . إن ms0945 تنبت ~~اللحى ولكنما الفتيان . . . كل فتى ندي ولم يكن الأشياخ يستنكفون أن ~~يتعلموا من الشباب ما جهلوا ولا يزرون عليهم لصغر سنهم إذ الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء لا مانع لما أعطى الله من صبي أو غيره ولا معطي لما منع الله ~~من كبير أو غيره ، وقال أبو أيوب السجستاني : إني أدركت الشيخ ابن ثمانين ~~سنة يتبع الغلام يتعلم منه فيقال له تتعلم من هذا ؟ فيقول : نعم ، أنا عبده ~~ما دمت أتعلم منه ، وقال علي بن الحسن من سبق إليه العلم فهو إمامك فيه وإن ~~كان أصغر سنا منك ، وقيل لأبي عمرو بن العلاء : أيحسن للشيخ الكبير أن ~~يتعلم من الصغير ؟ فقال : إن كانت الحياة تحسن به فإن التعلم يحسن ، فإنه ~~يحتاج إلى العلم ما دام حيا ، وقال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل وقد رآه ~~يمشي خلف بغلة الشافعي رضي الله تعالى عنه : يا أبا عبد الله تترك حديث ~~سفيان بعلو وتمشي خلف بغلة هذا الفتى وتسمع منه ؟ فقال أحمد : لو عرفت منه ~~ما أعرف لكنت تمشي من الجانب الآخر ، إن علم سفيان PageV02P244 إن فاتني ~~بعلو أدركته بنزول وإن عقل هذا الشاب إن فاتني لم أدركه بعلو ولا نزول ، ~~وسمعت أبا بكر بن الجلاء يقول ، إني لأرى الصبي يعمل الشيء فأستحسنه فأقتدي ~~به فيكون إمامي فيه وما رأيت أشد تواضعا منه على علمه وزهده ، فأما معنى ~~الخبر الذي روي لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم عن أكابرهم ، فإذا أتاهم ~~عن أصاغرهم هلكوا ، فإن ابن المبارك سئل عن معنى ذلك فقال : أصاغرهم أهل ~~البدع لأنه لا صغير من أهل السنة ممن عنده علم ، ثم قال : كم من صغير السن ~~حملنا عنه كبير علم ، وقد قيل : إن قوله عن أكابرهم يعني أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ؛ فهذا مواطئ للخبر الآخر : لا تزال أمتي بخير ما دام ~~فيهم من رآني وليأتين عليهم زمان يطلب في أقطار الأرض فلا يوجد أحد رآني ، ~~كيف وقد جاء بذلك لفظة ذكرتها لا ms0946 يزال الناس بخير ما أتاهم العلم عن أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أكابرهم ، فإذا أتاهم عن أصاغرهم استعصى ~~الكبير على الصغير فهلكوا أي فذلك خشية أن لا يتعلم منه لما ذكرناه من ~~الحياء والتكبر والاستنكاف ووجه آخر هذا مجازه عندي على الخبر والكون لا ~~على الذم لأنه قد جاء في الأثر وصف هذه الأمة في أول الزمان بتعلم صغارها ~~من كبارها ، فإذا كان آخر الزمان تعلم كبارهم من صغارهم ، فإذا كان كذلك ~~فهذا تفضيل الأصاغر وتشريف هذه الأمة على سالف الأمم لأنهم لم يكونوا ~~يحملون العلم إلا عن القسيسين والرهبان والأشياخ العباد والزهاد ، وأخبر أن ~~هذه الأمة في آخر الزمان تفضل سالف الأمم في أول أزمنتهم بأن يتعلم الكبير ~~من الصغير كما فضلهم الله تعالى به فذلك أشد وطأ للخبر الآخر : أمتي كالمطر ~~لا يدري أوله خير أم آخره ، ولمثله من الشاهد : كيف تهلك أمة أنا في أولها ~~والمسيح ابن مريم صلى الله عليه وسلم في آخرها . وقد روينا في الخبر : لا ~~تحقروا عبدا آتاه الله تعالى علما فإن الله تعالى لم يحقره إن جعل العلم ~~عنده وكان شعبة يقول : من كتبت عنه حديثا أو تعلمت منه علما فأنا عبده ، ~~وقال مرة : إذا كتبت عن الرجل سبعة أحاديث فقد استرقني ، فأما الخضاب ~~بالسواد فقد يروى أن بعض العلماء ممن كان يقاتل في سبيل الله تعالى كان ~~يخضب بالسواد ولكن لم يكن هذا يخضب به لأجل الهوى وتدليس الشيب إنما كان ~~يعد هذا من أعداد القوة من العدة لأعداء الله تعالى بمعنى قول الله عز وجل ~~: ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) الأنفال : 60 وإظهار الشباب من القوة ~~وقد رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم واضطبع هو وأصحابه ليراهم الكفار ~~فيعلموا أن فيهم جلدا وقوة ، ومن صنع شيئا بنية خالصة صالحة يريد بذلك ~~PageV02P245 وجه الله تعالى وكان عالما بمذهب له ذهب إليه فهو فاضل في علمه ~~وفعله وإن كان ذلك من دون أعماله لم يتبع أن يستن ms0947 به فيه لأنا روينا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : من شر الناس منزلة عند الله يقتدي بسيئة ~~المؤمن ويترك حسنته ، فأخبر أن للمؤمن سيئة وأن من شر الناس من تأسى بها ~~معذرة لنفسه في هواها . # | باب ما ذكر من نوافل الركوع وما يكره من النقصان منه # قال الله سبحانه وتعالى : ( ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ) الطور : 49 ~~، روينا عن علي رضي الله تعالى عنه أنه فسره قال : ركعتا الفجر ، وكذلك فسر ~~قوله تعالى : ( ومن الليل فسبحه وأدبار السجود ) ق : 40 ، قال : ركعتا ~~المغرب ، وهذا على قراءة من كسر الألف ، فأما من نصبها فإن معناه إدبار ~~الصلوات أي أعقابها وأواخرها ، والتسبيح اسم الصلاة النافلة لكون التسبيح ~~فيها ، وتسمى النافلة سبحة ، فمن سنن الركوع واستحبابه إدبار الصلوات ~~وقبلها الذي لا أستحب ترك شيء منه ، وبعضه أوكد من بعض سبع عشرة ركعة مجموع ~~من خمسة أحاديث : حديث علي رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن صلاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالنهار فقال : ست عشرة ركعة ، وحديث ابن عمر : حفظت من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات ، وحديث أبي أيوب الأنصاري في ~~الصلاة قبل الظهر ، وحديث أنس بن مالك وعائشة في الصلاة بعد العشاء الآخرة ~~، وفي الوتر وخبر أم حبيبة الوارد بالفضل من العدد : من صلى في يوم اثنتي ~~عشرة ركعة غير المكتوبة بنى الله تعالى له بيتا في الجنة ، وخبر غريب رواه ~~أهل البيت مواطئ لبعض ما ذكرناه أن الله تعالى فرض عليكم في اليوم والليلة ~~سبع عشرة ركعة وسننت لكم مثلها ؛ أول ذلك ركعتا الفجر وهما سنة مؤكدة ، ~~وأربع قبل الظهر وهن مستحبات مؤثرة في الاستحباب ، وركعتان بعدها وهما سنة ~~، وأربع قبل العصر رجاء أن يدخل في دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وركعتان بعد المغرب وهما سنة مؤكدة ، وثلاث ركعات الوتر مؤكدة ، فأما حديث ~~علي رضي الله عنه فإنه ذكر من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم ~~يذكره غيره : أنه صلى ms0948 الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ست ركعات في وقتين ، ~~إذا أشرقت الشمس وارتفعت قام فصلى ركعتين وهذا هو الإشراق وهو الورد الثاني ~~من النهار ، وإذا انبسطت الشمس وكانت في ربع السماء من المشرق ، ومثلها حين ~~تكون في ثلاثة أرباع السماء ، من صلاة العصر صلى أربعا وهذا هو الضحى ~~الأعلى والورد الثالث من النهار ، والمواظبة على هذه الصلاة بمراعاة هذين ~~الوقتين من عزائم الأعمال وفواضلها ، وذكرت أم هانئ أخت علي رضي الله عنه ~~أنه صلى الضحى ثماني ركعات أطالهن وحسنهن ولم ينقل هذا العدد غيرها ، وأما ~~عائشة رضي الله تعالى عنها فإنها ذكرت أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي ~~الضحى أربعا ويزيد ما شاء لله فلم تحد . وقد روينا في حديث منفرد أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ست ركعات ، وقد روى PageV02P246 أبو ~~أيوب الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا تفرد به : أنه لم يكن ~~يدع أن يصلي أربعا الزوال وقبل صلاة الظهر يقرأ فيهن بمقدار سورة البقرة ، ~~قال : فسألته عن هذه الصلاة فقال : إن أبواب السماء تفتح هذه الساعة ~~ويستجاب الدعاء فأنا أحب أن يرفع لي فيها عمل صالح ، وقد جاء في حديث أم ~~حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مفسرا : من صلى في يوم اثنتي عشرة ركعة ~~غير المكتوبة بنى الله له بيتا في الجنة ، ركعتين قبل الفجر ، وأربعا قبل ~~الظهر ، وركعتين بعدها ، وركعتين قبل العصر ، وركعتين بعد المغرب ، ورواه ~~ابن عمر في حديثه : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل يوم عشر ~~ركعات فذكرها إلا قوله : وركعتين قبل الفجر ، فإنه قال : تلك الساعة لم تكن ~~تدخل فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن حدثتني أختي حفصة أنه كان ~~يصلي ركعتين في بيتها ثم يخرج ، وقال في حديث : ركعتين قبل الظهر وركعتين ~~بعد العشاء ، وقالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بعد ~~العشاء الأخيرة أربع ركعات ثم ينام . وقال أنس بن مالك ms0949 : كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوتر بعد العشاء بثلاث ركعات ، يقرأ الأولى : بسبح اسم ربك ~~الأعلى وفي الثانية : قل يا أيها الكافرون ، وفي الثالثة : قل هو الله أحد ~~، وقد جاء في خبر أنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالسا وفي بعضها متربعا ، ~~وفي بعض الخبر إذا أراد أن يدخل في فراشه زحف إليه وصلى فوقه ركعتين قبل أن ~~يرقد ، يقرأ فيهما : إذا زلزلت الأرض ، وسورة ألهاكم التكاثر . وفي رواية ~~أخرى : وقل يا أيها الكافرون ، فإن أضعف العبد هذه السبع عشرة ركعة فجعلها ~~أربعا وثلاثين يداوم عليها ويجعلها ورده من الصلاة فهو أفضل ؛ وهذا مذهب ~~أهل البيت واحتجوا فيه بخبر رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~فرض الله تعالى على أمتي في اليوم والليلة سبع عشرة ركعة وسننت لهم مثلهما ~~وإن كان الحفاظ من أهل النقل يضعغون هذا الحديث إلا أنه قال عليه الصلاة ~~والسلام : الصلاة خير موضوع ، فمن شاء أكثر ومن شاء أقل ، وقال : بين كل ~~أذان وإقامة صلاة لمن شاء ، فإن فعل ذلك وراعاها على ما يرتبه فهو مقارب ~~لما ذكرناه آنفا من السنن والاستحباب قبل الصلوات الخمس وبعدها ركعتان قبل ~~الفجر ، وأربع من الضحى ، وأربع قبل الظهر ، وأربع بعدها ، وأربع قبل العصر ~~، وست بعد المغرب ، وأربع قبل العشاء وست بعدها ، ثم يوتر بواحدة ؛ فهذا ~~حينئذ نحو ما رسمناه وهو مشبه لما نقلناه من الآثار ، وليستند إلى الخبر ~~المأثور وإلى فعل أهل البيت ، وأكثر ما روي من صلاته بين العشاءين مما نقل ~~عدده ست ركعات ، وأكثر ما روي من صلاة الضحى ثمان ركعات ، ومن صلاته بالليل ~~ثلاث عشرة ركعة ، إلا حديثا مقطوعا موقوفا على طاووس رواه ابن المبارك : أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل سبع عشرة ركعة ، فهو حديث شاذ ~~ذو سائر الأخبار المسندة عن ابن عباس ، وعائشة ، وميمونة ، وأم حبيبة ؛ ~~إنما هي إحدى عشرة ركعة وثلاث عشرة ركعة ، واستحب أن يصلي العبد قبل كل ~~PageV02P247 صلاة أربعا وبعدها أربعا إلا ms0950 ما لا صلاة قبلها ولا صلاة بعدها ~~، ثم يزيد بعد ذلك ما قسم الله تعالى له ، وأن يصلي الضحى ثماني ركعات ~~ويواظب عليهن إذا أنشط أطالهن وإذا فتر قصرهن ، فإن المداومة على العمل عمل ~~ثان ، وهو من أفضل الأعمال وأحبه إلى الله تعالى ، وإلا اقتصر على أربع ~~يديمهن ، ولا أكره أن يصلي قبل المغرب ركعتين بعد غروب الشمس ، فقد قال أنس ~~بن مالك : كان اللباب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون ركعتين ~~قبل المغرب ، وكان أبي بن كعب ، وعبادة بن الصامت ، وأبو ذر ، وزيد بن ثابت ~~، وغيرهم من أكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلونها ، وقال ~~عبادة أو غيره : كان المؤذن إذا أذن لصلاة المغرب ابتدر أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم السواري يصلون ركعتين ، وقال أيضا بعضهم : كنا نصلي ~~ركعتين قبل المغرب وذاك داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم : بين كل ~~أذانين صلاة لمن شاء ، وقد كان أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يصليهما ~~فعليهما الناس عليه ، وقال مرة : لم أر الناس يصلونهما فتركتهما ، وقال : ~~إن صلاهما الرجل في بيته أو حيث يراه الناس فحسن وذلك استحب . PageV02P248 # | الفصل السابع والثلاثون في شرح الكبائر التي تحبط الأعمال وتوبق العمال ~~وتفصيل ذلك ومنازل أهلها فيها ومسألة محاسبة الكفار # : قال الله تعالى : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) ~~النساء : 31 ، فاشترط لتكفير الصغائر من السيئات اجتناب الكبائر الموبقات ، ~~وقال صلى الله عليه وسلم : الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة تكفر ما بينهن ~~لمن اجتنب الكبائر ، وفي لفظ آخر : كفارات لما بينهن إلا الكبائر ، فاستثنى ~~من كفارات الذنوب الكبائر ، فاختلف العلماء من الصحابة والتابعين في ~~الكبائر من أربع إلى سبع إلى تسع إلى إحدى عشرة فما فوق ذلك ، فكان ابن ~~مسعود يقول : هن أربع ، وكان ابن عمر يقول : الكبائر سبع ، وقال عبد الله ~~بن عمر وهن تسع ، وكان ابن عباس إذا بلغه قول ابن عمر إن الكبائر سبع يقول ~~: هي إلى سبعين أقرب ms0951 منها إلى سبع ، وقال مرة : كل ما نهى الله تعالى عنه ~~فهو من الكبائر ، وقال هو وغيره : كل ما توعد الله تعالى عليه بالنار فهو ~~من الكبائر ، وقال بعض السلف : كلما أوجب الحد في الدنيا فهو كبيرة ، ~~والصغائر عندهم من اللمم وهو ما لا حد فيه وما لم يتهدد بالنار عليه ، فقد ~~روي هذا عن أبي هريرة وغيره ، وكان عبد الرزاق يقول : الكبائر إحدى عشرة ~~وهذا أكثر ما قيل في جملة عددها مجملا ، وقيل : إنها مبهمة لا يعرف حقيقة ~~عددها كإبهام ليلة القدر وساعة يوم الجمعة والصلاة الوسطى ليكون الناس على ~~خوف ورجاء فلا يقطعون بشيء ولا يسكنون إلى شيء ، وقد قال ابن مسعود فيها ~~قولا حسنا من طريق الاستنباط ، وقد سئل عن الكبائر فقال : اقرأ من أول سورة ~~النساء إلى رأس ثلاثين آية منها عند قوله : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون ~~عنه نكفر عنكم سيئاتكم ) النساء : 31 ، فكل ما نهى الله تعالى عنه من أول ~~السورة إلى ها هنا فهو من الكبائر ، فأشبه هذا استدلال قول ابن عباس في ~~استنباط ليلة القدر أنها ليلة سبع وعشرين ، أنه عد كلمات سورة القدر حتى ~~انتهى إلى قوله هي فكان سبعا وعشرين كلمة ، والله أعلم بحقيقة هذين القولين ~~والذي عندي في جملة ذلك مجتمعا من المتفرق سبع عشرة تفصيلها : أربعة من ~~PageV02P249 أعمال القلوب وهن : الشرك بالله تعالى والإصرار على معصية الله ~~تعالى والقنوط من رحمة الله تعالى والأمن من مكر الله تعالى ، وأربعة في ~~اللسان وهن شهادة الزور وقذف المحصن وهو الحر البالغ المسلم واليمين الغموس ~~، وهي التي تبطل بها حقا وتحق بها باطلا ، وقيل : هي التي يقطع بها مال ~~مسلم ظلما ولو سواكا من أراك ، وسميت غموسا لأنها تغمسه في غضب الله تعالى ~~، وقيل : لأنها تغمس صاحبها في النار ، والسحر وهو ما كان من كلام أو فعل ~~يقلب الأعيان أو يغير الإنسان وينقل المعاني عن موضوعات خلقها ، والسحرة هم ~~النفاثات في العقد الذين أمر الله تعالى بالإستعاذة منهم ، وثلاثة في البطن ms0952 ~~وهي : شرب الخمر ، والسكر من الأشربة ، وأكل مال اليتيم ظلما ، وأكل الربا ~~وهو يعلم ، واثنتان في الفرج : وهما الزنا ، وأن يعمل قوم عمل لوط في ~~الادبار واثنتان في اليدين وهما : القتل والسرقة ، وواحدة في الرجلين وهي ~~الفرار من الزحف الواحد من اثنين ، غير متحرف إلى الأمام ، ولا متحيزا إلى ~~فئة ، ولا معتقد الكرة ، وواحدة في جميع الجسد هي : عقوق الوالدين وتفسير ~~العقوق جملة أن يقسما عليه في حق فلا يبر قسمهما ، وأن يسألاه في حاجة فلا ~~يعطيهما ، وأن يأمناه فيخونهما ، وأن يجوعا فيشبع ولا تطعمهما ، وأن يستباه ~~فيضربهما ، وذكر وهب بن منبه اليماني : أصل البر بالوالدين في التوراة أن ~~تقي مالهما بمالك وتؤخر مالهما وتطعمها من مالك ، وأصل العقوق أن تقي مالك ~~بمالهما وتوفر مالك وتأكل مالهما ، وفي حديث أبي هريرة : الصلاة إلى الصلاة ~~كفارة ورمضان إلى رمضان كفارة إلا من ثلاثة : إشراك بالله ، وترك السنة ، ~~ونكث الصفقة ، أن تبايع الرجل ثم تخرج عليه بالسيف تقاتله . وقد روينا عن ~~العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : من الكبائر استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم بغير حق ، ومن ~~الكبائر السبتان بالسبة ، وأما عبادة بن الصامت وأبو سعد الخدري وغيرهما من ~~الصحابة فكانوا يقولون : إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر ~~كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر ، وهي في بعض ~~الألفاظ من الموبقات ، وقالت طائفة كل عمد فهو كبيرة ، وقال بعض السلف : ~~أربعة أشياء مبهمة لا يعلم حقائقها : الصلاة الوسطى ، وليلة القدر ، وساعة ~~يوم الجمعة المرجو فيها الإجابة ، والكبائر ذلك ليكون الناس على خوف من ~~الوعيد في الإتقاء ، وعلى رجاء من الوعود في الابتغاء ، لئلا يقطعوا بشيء ~~ولا يسكنوا PageV02P250 إلى شيء ولله عاقبة الأمور ، فالذي ذكرناه من ~~الخصائل هو من أوسط الأقوال وأعدلها وهو ما اتفقوا عليه ، وكثرت الأخبار ~~فيه ، فهذه الكبائر الموبقات التي من اجتنبها كفرت عنه السيئات وثبتت له ~~النوافل من الفرائض ms0953 الخمس التي هي أبنية الإسلام ، وذلك أن دعائم الإسلام ~~وهذه الكبائر قرينان يعتلجان ويتقاومان في العظم والمعنى بالتضاد ، ~~فالكبائر كبرت فكفر اجتنابها ما دونها من الصغائر ، والفرائض الخمس التي هي ~~أبنية الإسلام إذا تممت كفرت ما بعدها من السيئات وثبت للعبد نوافله وتبدل ~~سيئاته حسنات فيكون له فضل عظيم يرجى له الجنة ومنازل العاملين وهو السابق ~~بالخيرات . قال الله تعالى : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم ) النساء : 31 وقال من بعد الكبائر : ( إلا من تاب وآمن عملا صالحا ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) الفرقان : 7 ، وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر ، فالفرائض ~~الأربع التي هي أبنية الإسلام منوطة بالصلوات الخمس ، لا تصح إلا بها ~~كالشيء الواحد بمنزلة الأربع ، فالصلوات مرتبطة بالشهادتين ، إن ترك خصلة ~~منها كان كترك الخمس لأنها أس الإسلام وأبنية الإيمان ، واجتناب الكبائر ~~منوط بالشهادتين لا يقع جميع ذلك إلا بهما ، فإذا انتهكت الكبائر أحبطت ~~الأعمال الفرائض الخمس ، أحبطت ما بينها من السيئات إلا الكبائر ، ~~فإنهاكبرت فلا تكفرها فلا يبقى للعبد يوم القيامة مع ارتكاب الكبائر من ~~الأعمال إلا الفرائض الخمس ، وقد أكل سائر نوافله ارتكاب الكبائر فيخاف ~~عليه النار ومنازل المسرفين وهذا هو ظالم لنفسه وهو الذي حذر الله تعالى ~~المؤمنين عنه قال : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول ولا ~~تبطلوا أعمالكم ) محمد : 33 ، ومنه قوله تعالى : ( بلى من كسب سيئة وأحاطت ~~به خطيئته ) البقرة : 81 قيل : هي الكبائر أحاطت بجميع حسناته فمحقتها ، ~~وعلى هذا اختيارنا هذا الحرف من مقرانا وعلى الوجه الآخر وأحاطت به خطيئة ~~هي الشرك الذي ختم له به فلم ينفعه عمل كان قبله ، فإن قصر في الفرائض ~~الخمس التي هي مباني الإسلام إلا أنه مجتنب الكبائر كفرت عنه سيئاته كلها ، ~~وتممت فرائضه بسائر نوافله لأنها ثابتة له بعد أن يحصل له صحة التوحيد ~~ويسلم من كبائر البدع التي تنقل عن الملة ؛ وهذا ممن استوت حسناته وسيئاته ~~فيطول وقوفه ms0954 للحساب ويشاهد الزلازل والأهوال ليكون ذلك رجحان حسناته ويجعل ~~من أصحاب الأعراف على أعراف السور هي شرفه التي بين الجنة والنار هو الحجاب ~~الذي بين أهل النار وأهل الجنة إلى أن يتفضل الله تعالى عليه بفضل رحمته ، ~~فإن سمح له مولاه PageV02P251 فعفا عنه سقط عنه هذا كله وأدخل الجنة في ~~أصحاب اليمين ؛ وهذا هو المقصد المتوسط بين الظالم لنفسه والسابق إلى ربه ، ~~فإن لم يكن له نوافل مع نقصان فرائضه لم يبق له من أعماله إلا اجتناب ~~الكبائر فيوزن ما بقي من عمله وهو اجتنابه الكبائر بفرائضه النواقص ، فإن ~~رحج اجتناب الكبائر مثقال ذرة أو فضلت له حسنة واحدة ، ضاعفها الله تعالى ~~بالمزيد وتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة ولم تكن له مقامات المقربين ولا ~~درجات السابقين وهو ممن قال الله سبحانه وتعالى : ( إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) النساء : 40 ، يعني ~~الجنة وإن خف أضاعته الفرائض لسنته كان من الموقنين للحساب الطويل واحتاج ~~إلى شفاعة الشافعين ، فإن كان فرائضه الخمس ناقصة ، وكان مرتكبا للكبائر ~~فهو من الهالكين ، لأنه ممن خفت موازينه من المؤمنين ، وهذا من المسرفين هم ~~أصحاب النار ، فيدخل النار لنقص إسلامه ولوفور سيئاته عليه إذ لم تمحها ~~حسناته ولتطول نوافله بانتهاكه الكبائر ، ولأن هذا نقص من مثقال دينار إلا ~~أنه لا يكون من المخلدين لصحة توحيده ، وعلى أنه أول من يخرج من النار من ~~كان في قلبه مثقال دينارمن إيمان فهو في أول طبقة يخرج هذا إلى زنة شعيرة ~~إلى ذرة من إيمان ؛ وهؤلاء آخر الطبقات خروجا إلى أن يبدو لبعضهم من الله ~~تعالى ما لا يحتسبه ويظهر له غدا ما لا يعلمه ، فيعفي عن البعض ولا يجعل ~~ممن حق عليه الوعيد لما سبق له من الكلمة الحسنى ، ويتجاوز عن سيئاتهم في ~~أصحاب الجنة . وقد جاء في الخبر : يؤتى بالرجل من هذه الأمة فيسد به ركن من ~~أركان جهنم ، وقد جاء في الخبر : أن العبد ليوقف بين يدي ms0955 الله عز وجل وله ~~من الحسنات أمثال الجبال لو سلمت له لكان من أهل الجنة ، فيقوم أصحاب ~~المظالم فيوجد قد سب عرض هذا ، وأكل مال هذا ، وضرب هذا ، فيقص من حسناته ~~حتى لا تبقى له حسنة ، فيقول الملائكة : يا ربنا قد فنيت حسناته ، وبقي ~~طالبون كثير ، فيقال : ألقوا من سيئاتهم على سيئاته وصكوا له صكا إلى النار ~~، وقد جاء في العلم أن آخر من يبقى في جهنم من الموحدين سبعة آلاف سنة . ~~وروينا عن أبي سعيد الخدري وغيره من الصحابة : وفيه شدة ، وقال : والله لا ~~يخرج PageV02P252 عبد من النار بعد أن دخلها حتى يقيم فيها سبعة آلاف سنة ، ~~وهذا والله أعلم آخر من يخرج من النار لأنهم يخرجون زمرا متفاوتون من اليوم ~~والجمعة والشهر والسنة إلى ستة آلاف سنة فأكثرهم إيمانا أقلهم مقاما وأقلهم ~~مكثا أولهم خروجا ، أما أول زمرة تخرج من في قلبه مثقال من الإيمان فهذا ~~أقلهم لبثا وأسرعهم خروجا إلى شعيرة إلى ذرة ؛ فهؤلاء أقلهم إيمانا وأنقصهم ~~توحيدا وأعظمهم جرما وأشدهم على الله عتيا وهم أكثرهم مقاما وقد اشتهر خبر ~~من يخرج من النار بعد ألف عام ينادي : ياحنان يا منان ، فقال الحسن لما روى ~~هذا الحديث يا ليتني كنت ذلك الرجل لشدة خوفه خاف أن يدخلها ثم عظم خوفه ~~فخاف أن لا يخرج منها فتمنى أن يخرج منها بعد ألف عام . وقد جاء في الخبر : ~~آخر من يخرج من النار وهو أيضا آخر من يدخل الجنة ، فلعله والله أعلم بعد ~~سبعة آلاف سنة فيعطى من الجنة مثل الدنيا كلها عشرة أضعاف ، رواه أبو سعيد ~~وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ومعنى ~~الحكمة في إدخال البشر إلى النار على ترتيب الكون أنهم خلقوا من ماء ثم ~~خالطه ما امتزج به من الأهواء فلا يستخرج ذلك إلا بالنار ، فإنها تخرج ~~الماء مما مازجه حتى يخلص ، وأنهم أيضا خلقوا من تراب الأرض بمنزلة الخشب ~~المعوج يقوم بالنار حتى يستقيم ، ثم يقطع عنه ms0956 النار ويستقيم ذلك فعندها ~~يصلح لغير النار وموضع الحكمة في تخليد الكافرين والشياطين في النار أن ~~أرواحهم خلقت من جوهر النار فرجعت إلى معدنها ، وهي أيضا سوداء مظلمة نارية ~~، وهم أيضا خلقوا لها لا يصلحون لغيرها بمنزلة الحطب والشوك والحراق الذي ~~لا يصلح إلا للنار ، فتبارك الله تعالى حكمته معتدلة في الأشياء وحكمه غامض ~~فيها ، ينظر بعين التعديل فيقسم بها المقادير بمعاني التنقيص والتفضيل ، ~~ومجمل ما ذكرناه أن كل وصف يكون للعبد من الخير كفر عنه سيئاته ، فإن ~~نوافله ساقطة وكل وصف يكون له من الشر لا يحبط نوافله ، فإن نوافله موفرة ~~ثابتة ومن كان عاملا للحسنات وهو في ذلك يرتكب بعض الكبائر فإن أعمال بره ~~وفضائله موقوفة إلى التوبة ، فإن تاب واستقام كفرت توبته ما سلف من كبائره ~~وبدلت استقامته على الطاعة سيئاته حسنات ، وأكثر ما يوبق الناس من الكبائر ~~المظالم ، وأكثر ما يدخلهم النار ذنوب غيرهم إذا طرحت عليهم وكثير يدخلون ~~الجنة بحسنات غيرهم إذا طرحت عليهم لأنها صحيحة ثابتة ، وقد تبطل حسناتهم ~~لدخول الآفات عليها ، بلغني عن أبي عبد الله بن الجلاء أن بعض إخوانه ~~اغتابه ثم أرسل إليه ليستحله فقال : لا أفعل ، ليس في صحيفتي حسنة أفضل من ~~حسناته ، أريد أن أزين صحيفتي بها ، وفي الحديث : ذنب يغفر وذنب لا يترك ؛ ~~فالذنب الذي يغفر ظلمك نفسك ، والذنب الذي لا يترك مظالم العباد ؛ والتوبة ~~طريق الكل ، PageV02P253 والرحمة تسعهم ، وباب التوبة مفتوح للكافة إلى ~~طلوع الشمس من مغربها ، وكل عبد توبته متقبلة ما لم تبلغ الروح الحلقوم ولم ~~يعاين الملائكة فإذا بلغت الروح التراقي وعاينت الأملاك غلق عليه باب ~~التوبة ومات على الإصرار ، وقيل : من راق أي من يرقى بروحه ملائكة الرحمة ~~أم ملائكة العذاب ؟ وظن أنه الفراق أيقن أنه قد فارق الدنيا بمعاينة الآخرة ~~وفارق الناس والأهل بمعاينة الملائكة ، فإن مات عن غير توبة كان ممن قال ~~الله عز وجل : ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون ) سبأ : 54 قيل : التوبة كما ~~فعل بأشياعهم من قبل . ولما قال تعالى ms0957 : ( وليست التوبة للدين يعملون ~~السيئات حتى إذا حضرأحدهم الموت قال إنى تبت الآن ) النساء : 18 وحضور ~~الموت يكون عند معاينة ملك الموت إذا خرجت الروح من جميع الجسم فلم يبق إلا ~~ما بين القلب والعينين فهو الوقت الذي قال الله عز وجلة : ( يوم يرون ~~الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ) الفرقان : 22 وهو الذي خوف منه في قوله ~~تعالى : ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ) الأنعام : 158 يعني عند ~~الموت ؛ وهذا لأهل المعاينة أو يأتي ربك ، يعني يوم القيامة ؛ وهذا لأهل ~~البرزخ يوم يأتي بعض آيات ربك وهو اليأس الذي يقع عنده من الدنيا ؛ اليأس ~~من طلوع الشمس من مغربها وهو آخر التوبة ويؤمن معه كل كافر ، فقال سبحانه : ~~( يوم يأت بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) الأنعام ~~: 158 أي من قبل المعاينة : ( أو كسبت في إيمانها خيرا ) الأنعام : 158 قيل ~~التوبة ، وهوالوقت الذي قال الله تعالى : ( فلما رأوا بأسنا ) غافر : 84 ~~يعني كشف الغطاء قالوا : آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده يعني طريقته ~~وشأنه الذي مضى في الخلق لا تبديل له ولن تجد لسنة الله تبديلا ، وحكم ~~العباد كلهم في المعاد إلى الله عز وجل إن عذبهم فبما اكتسبوا ، ويعفو عن ~~كثير ، وإن شاء أن يغفر لهم وهو الغفور الرحيم ، وقد يتفاوت الناس في جميع ~~ما ذكرناه من أداء الفرائض ومن ارتكاب المعاصي والعرف ، والتخلق بأخلاق ~~النفس من عادات أبناء الدنيا وعرف معاشرتهم فيما بينهم ؛ فإن ذلك حال ~~الغافلين ومقام الجاهلين غير محمود العاقبة ، ولامغبوط الخاتمة ، ولا يترك ~~العمل الصالح أيضا خشية دخول الآفة ، ولايدعه إن كان داخلا فيه لما يعتريه ~~فيه ؛ ذلك بغية عدوه منه لكن يكون على نيته الأولى من جهة القصد ، فإن دخلت ~~عليه علة وضع عليها دواءها فعمل في نفيها وإزالتها وثبت على حسن نيته وصالح ~~معاملته ، ولا يدع عملا لأجل الخلق حياء منهم ms0958 وكراهة واعتقادهم فضله ، لأن ~~العمل لأجل PageV02P254 الناس شرك ، وتركه لأجلهم رياء ، وترك العمل لأجل ~~دخول الآفة فيه جهل ، وتركه عند دخول العلة عليه ضعف ووهن ، ومن دخل في ~~العمل لله تعالى وخرج منه لله تعالى لم يضره ما كان بين ذلك بعد أن ينفيه ~~ولا يساكنه ، وقد يضره ما يكون بعد ذلك : مثل إن كان سرا فأظهره بعد زمان ~~فصار علانية فنقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية ، ومثل أن يتظاهر به ~~ويفتخر ويدل به ويتكبر فيحبط ذلك عمله لأنه قد أفسده ، والله لا يصلح عمل ~~المفسدين ، ومن دخل في العمل لله تعالى ودخل عليه في وسط العمل علة فخرج من ~~العمل بها بطل عمله ، ومن دخل في العلم بآفة وخرج منه بصحة سلم له عمله ~~وجبر بآخره أوله ، وأفضل الأعمال ما دخل في أوله لله تعالى وخرج منه بالله ~~تعالى ، ولما تطرقه فيما بينهما آفة فيكون الله تعالى هوالأول فالآخر معه ~~وعنده ، ثم يظهره بعد ذلك ولا يتظاهر به ، وأفضل النيات أن لا تريد بعملك ~~إلا وجه الله تعالى وحده تعظيما لحق الربوبية وإلزاما للنفس وصف العبودية ، ~~فإن لم يكن هذا المقام عن مشاهدة وجه ذي الجلال والإكرام فمشاهدة ما رغب ~~فيه وشوق إليه من الآخرة عن مقام الرجاء ، ولا ينبغي للعبد أن يدخل في شيء ~~حتى يعلم علمه فيكون داخلا في علم يعلم مثله ، لأن لله سبحانه وتعالى في كل ~~شيء حكما ، فما علم من ذلك حمد الله تعالى عليه وعمله ، وما جهل سأل عنه من ~~هو أعلم به ، وما أشكل عليه أمسك عنه حتى يستبين له وجهه فيقدم عليه أو ~~يتركه ، وليكن ما تحرك فيه أو سكن عنه أو توقف عن الإقدام عليه ابتغاء ~~مرضاة الله تعالى تقريبا إليه لأجل الله تعالى ، فهذا أعلى النيات وهو غاية ~~الإخلاص . ومن أراد بأعماله ما عند الله تعالى من ثواب الآخرة من حظوظ نفسه ~~ومعاني شهواته ولذته من النعيم في الجنان ، واتخاذ الحور الحسان ، مما وصف ~~الله تعالى وندب ، لم ms0959 يقدح ذلك في إخلاصه ولم يغير صحة نيته من قبل أن الله ~~تعالى مدحه ورغب فيه ووصفه ، وكان ذلك مزيد مثله ، إلا أن هذا نقص في مقام ~~المحبين وعيب عندهم كعيب من عمل لعاجل حظه من دنياه ، وهو شرك في إخلاص ~~الموحدين الذي اختصوا بالعبودية ، فعتقوا من أسر الهوى بالحرية ، فلم ~~يسترقهم سوى الوحدانية لما شهدوا من خالص الربوبية ، وإخلاص العبودية ~~للربوبية أشد من إخلاص المعاملة ضرورة ، إلا أن من رزق المقام منها دخل ~~بحقيقة لإخلاص المعاملة ضرورة ، فلا ينقيه ولا يصفيه عمل ولا مجاهدة ، ~~فكانوا مخلصين ؛ وهذا مقام المحبين ، وإنما أتعب المريدين بالتنقية ~~والتصفية للمعاملة لما بقي عليهم من الشرك الخفي والشهوة الخفية ، كما أتعب ~~خدام الدنيا بالجمع لها لما استرقهم من الهوى فأما الأحرار فهم من خدمة ~~الخلق برآء ؛ وهذا يذهب الإخلاص ويفسد النية ويدخل الانتقاص ، وما تلف له ~~من شيء أو ظلم من حقه فلينو بذلك لذخر عند الله تعالى وليجعله في سبيل الله ~~بحسن ظنه بالله تعالى وصدق يقينه فإن له من ذلك ما نوى . PageV02P255 ~~حدثونا عن رجل رؤي بعد وفاته فسئل منه كيف رأيت أعمالك ؟ فقال كل شيء عملته ~~لله تعالى وجدته ، حتى حبة رمان التقطتها من طريق ، وحتى هرة ماتت لنا ، ~~رأيت ذلك كله في كفة الحسنات ، قال : وكان في قلنسوتي خيط من حرير فرأيته ~~في كفة السيئات ، قال : وكان قد نفق لي حمار قيمته مائة دينار فما رأيت له ~~ثوابا ، فقلت : موت سنور في الحسنات وهذا حمار قيمته مائة دينار ولا أدري ~~له ثوابا ؟ فقيل : إنه وجه حيث بعثت به لأنك قلت لما قيل لك مات الحمار ~~فقلت : في لعنة الله تعالى ، أما بطل أجرك ؟ ولو قلت في سبيل الله لوجدته ~~في حسناتك . وفي رواية أخرى قال : وتصدقت يوما بصدقة بين الناس فأعجبني ~~نظرهم إلي فوجدته لا علي ولا لي ، قال سفيان : وقد رووا هذا ما أحسن حاله ~~حيث وجدها لا له ولا عليه قد أحسن إليه ، ومن أوذي أو اغتيب فليحتسب عرضه ms0960 ~~عند الله تعالى ، فلعل ذلك يكون سبيا لنجاته ، فقد روي أن العبد ليحاسب على ~~أعماله كلها فتبطل بدخول الآفات فيها حتى يستوجب النار ، ثم ينشر له أعمال ~~من الحسنات لم يكن عملها فيستوجب به الجنة ، فيعجب من ذلك فيقول : يارب هذه ~~أعمال ما عملتها ؟ فيقال : هي أعمال الذين اغتابوك وآذوك وظلموك جعلت ~~حسناتهم لك ، ولا تحقرن شيئا من الأعمال وإن قل فتخليه من النية أو تصغره ~~فربما كان هلاكه وعطبه فيه وهو لا يعلم ، وقد روي ابن المبارك عن الحسن : ~~أن الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول : بيني وبينك الله تعالى : فيقول ~~: والله ما أعرفك ، فيقول : بلى أنت أخذت من حائطي تبنة وأن الرجل ليتعلق ~~بالرجل يوم القيامة فيقول : هذا أخذ من ثوبي زبيرة ، ومات حماد بن أبي ~~سليمان وكان أحد علماء أهل الكوفة ، فقيل للثوري : ألا تشهد جنازنه ؟ فقال ~~: لو كانت لي نية لفعلت ، ومات الحسن البصري فلم يحضر ابن سيرين جنازته ~~فسئل عن ذلك فقال : لم يكن لي نية ، وقد كان العلماء إذا سئلوا عن عمل شيء ~~أو سعي فيه يقولون : إن رزقنا الله نية فعلنا ذلك ، وقال يحيى بن كثير : ~~حسن النية في العمل أبلغ من العمل ، وقال بعض السلف كانوا يستحبون أن يكون ~~لهم في كل شيء نية ، وقال الفضيل بن عياض : لا تتحدث إلا بنية ، وكان بعضهم ~~يقول : الخوف على فساد النية وتغيرها أشد من ترك الأعمال ، وقال الثوري : ~~من دعا رجلا إلى طعامه وليس له نية في أن يأكل فإن أجابه فأكل فعليه وزران ~~، وإن لم يجبه فعليه وزر واحد فصير عليه وزرين مع أكل طعامه بغير نية ، ~~لتعرضه للمقت وحمله أخاه على ما يكره ، إذ لو علم لما أجابه ، فمن أفهمه ~~الله تعالى إخلاص النية وزاده معرفة الإخلاص أخرجه ذلك إلى الهرب من الناس ~~ليخلص له معاملته لأنه ينظر بعين اليقين ، وإذا لا ينفعه شيء إلا شيء بينه ~~وبين الله عز وجل لا شرك فيه لسواه ؛ وهذا المعنى هو الذي أخرج طائفة ~~الأبدال ms0961 إلى الكهوف تخليا من أبناء الدنيا لخلاص أعمالهم إلى النظر إليهم ، ~~فهم وإن فارقوا فضائل الأعمال PageV02P256 من صلاة الجماعة وغيرها فقد تقرر ~~عندهم أن اجتناب معصية واحدة خير من عمل سبعين طاعة ، فلذلك فارقوا فضول ~~النوافل خشية دخول معصية واحدة عليهم ، والجاهل بالله عز وجل يعمل في طلب ~~الفضائل ولا يبالي بيسير الذنوب وفيها بعد من الله تعالى ، وليس ذلك طريق ~~المقربين ، وقد تختلف النيات لاختلاف المقاصد فيصير ما كان بعدا قربا بحسن ~~النية وما كان حسنا سيئا لسوء النية به ، من ذلك أن داود المحبر لما صنف ~~كتاب العمل جاء أحمد بن حنبل فطلبه منه فنظر فيه أحمد صفحا ثم رده إليه ~~فقال : ما لك ؟ فقال فيه أسانيد ضعفاء فقال له داود : أنا لم أخرجه على ~~أسانيد فانظر فيه بعين الخبر ، إنما نظرت بعين العمل فانتفعت به ، قال أحمد ~~: رده علي حتى أنظر فيه بالعين التي نظرت بها ، فرده عليه فمكث الكتاب عنده ~~طويلا حتى اقتضاه إياه ابن المحبر ، ثم رده عليه وقال : جزاك الله خيرا ، ~~قد انتفعت به منفعة بينة ، وقال الحسن : النية أبلغ من العمل ، وقال : ابن ~~آدم لا يهم بخير الآثار في قلبه منه نوران : فإن كانت الأولى لله عز وجل ~~فلا تضر هذا الآخرة ؛ يعني إن كان عنده الإخلاص في الخير في الهمة الأولى ~~فلا تضره الوسوسة التي تخالجه بعد ذلك فإنها ضعيفة لا تحل قوة العقد ولا ~~تحل محكم مبرمه ، وقال يوسف بن أسباط : تخليص النية من فسادها أشد على ~~العاملين من طول الاجتهاد . وحدثونا عن بعض الصوفية قال : كنت قائما مع أبي ~~عبيد التستري وهو يحرث أرضه بعد العصر من يوم عرفة ، فمر به بعض إخوانه من ~~الأبدال فساره بشيء ، فقال أبو عبيد : لا ، فمر كالسحاب يمسح الأرض حتى غاب ~~عن عيني ، فقلت لأبي عبيد : ما قال لك ؟ فقال : سألني أن أحج معه فقلت لا ، ~~فقال : ألا فعلت ؟ قال : ليس لي في الحج نية ، وقد نويت أن أتمم هذه الأرض ~~العشية فأخاف إن ms0962 حججت معه لأجله أتعرض لمقت الله تعالى لأني أدخل في عمل ~~الله تعالى شيئا غيره فيكون هذا عندي أعظم من سبعين حجة ، ومن كان له في ~~مباح نية ولم تكن له نية في فضيلة فالأفضل هو المباح ، حينئذ وقد انتقل ~~المعنى فصار المباح هو الفضيلة وصارت الفضيلة هي النقيصة لعدم النية ، وهذا ~~لا يعلمه إلا العلماء بباطن العلم وهو غوامض التصريف : مثل أن يكون رجل قد ~~ظلم فله أن ينتصر وإن عفا كان أفضل إلا أنه له نية في الانتصار وليس له نية ~~في العفو ، فالانتصار هو الأفضل ، ومثل أن تكون له نية في الأكل والشرب ~~والنوم ليتقوى بها على الطاعة ويريح بها نفسه لوقت آخر وليس له في الصوم ~~ولا في القيام نية ، فقد صار الأكل والنوم حينئذ هو الأفضل ، وقد كان أبو ~~الدرداء يقول : إني لأستجم نفسي ببعض اللهو ليكون ذلك عونا لي على الحق ، ~~وكل عمل مباح للعبد فيه نية فهو مأجور عليه ، وكل عمل فاضل لا نية للعبد ~~فيه فأحسن حاله السلامة منه لا له ولا عليه وربما كان مأزورا فيه إذا دخلت ~~عليه نية دنيا ، وكان عمل مباح أو فضل ليس للعبد فيه نية فهو عقل لا شيء له ~~فيه ، ولكنه يسأل عن فراغ PageV02P257 وقته ، وكل عمل فاضل للعبد فيه نية ؛ ~~فالعمل باطل ونيته هوى ، وإنما وجد النية فيه القصور واختفاء لشهرته ، فإن ~~أراد به وجه الله تعالى سلم من عاقبته ولا فضيلة له به ، وإن كان قد خفي ~~عليه الهوى أو دق عليه لطيف حب الدنيا لجهله بالعلم فهو مأثوم فيه لتقصيره ~~في طلب العلم الذي يعرف به الإخلاص وسكوته على الجهل الذي يدخل منه ~~الانتقاص ، ولا عذر له في ذلك ، وقد جاء في الخبر : أن الله تعالى لا يعذر ~~على الجهل ولا يحل للجاهل أن يسكت على جهله ولا للعالم أن يسكت عن علمه ، ~~وقد قال الله سبحانه تعالى : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ~~النحل : 43 . وقد كان سهل رحمه الله ms0963 تعالى سئل : ما عصي الله تعالى بمعصية ~~أعظم من الجهل ؟ قال : نعم ، قيل : ماهو ؟ قال : الجهل بالجهل يعني أن يكون ~~العبد جاهلا وهو لا يعلم أنه جاهل ، أو يحسب بجهله أنه عالم ، فيسكت عن ~~جهله ويرضى به فلا يتعلم فيضيع فرض الفرائض وأصل الفرائض كلها وهو طلب ~~العلم ، ولعله أن يفتي الجهل أو يتكلم بالشبهات وهو يظن أنه علم ؛ فهذا ~~أعظم من سكوته ، وكذلك أيضا ما أطيع الله تعالى بمثل العلم ، ومن العلم ~~العلم بالعلم أي شيء هو ؟ وذلك أيضا واجب من حيث كان العلم واجبا ليكون على ~~بصيرة من تعلم العلم ، لأنه قد دخل مذهب المتكلمين وأقوال الغالطين من ~~الصوفية والقصاص في شبهات العلم ، فصار زخرفا من القول غرووا يشبه العلم ~~وليس بعلم لالتباس المعنى بعضه ببعض ولإشكال دقائق العلوم وغرائبه وخفاء ~~السنة من طريقة علماء السلف ، فاختلط لذلك القصاص والمتكلمون بالعلماء فصار ~~معرفة العلم أي شيء هو والعلم بالعالم من هو علم آخر ، وصار العالم بالعلم ~~ما هو دون الزخرف من القول كأنه عالم فكان أيضا العلم بالمعلم بمنزلة فضل ~~العلم ووجب وجوبه ، كما كان الجهل بالجهل أعظم من الجهل ، وقد كان سهل رحمه ~~الله تعالى يقول : قسوة القلب بالجهل من قسوته بالمعاصي لأن الجهل ظلمة لا ~~ينفع البصر فيه شيئا ونور العلم يهتدي به القاصد وإن لم يمش . وقد قيل في ~~تفسير وقوله تعالى : ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) الزمر : 47 ~~قال : عملوا أعمالا لجهلهم ظنوا أنها حسنات فوجدوها سيئات وقيل : ذنوب ~~غيرهم طرحت عليهم فعذبوا بها ولم يكونوا يحتسبون بها في الدنيا ؛ يعني هذا ~~مثل ما روي في الخبر : أن العبد ليرى من أعماله الحسنات مما يرجو به ~~المنازل في الجنة فتلقى عليه سيئات لم يعملها فترجح بحسناته كلها فيستوجب ~~النار فيول : يارب هذه سيئات ما عملتها هلكت بها ، فيقول : هذه ذنوب القوم ~~الذي اغتبتهم وآذيتهم وظلمتهم ألقيت عليك وتخلصوا منها ، وقد روينا في ~~معناه حديثا مسندا عن النبي صلى الله عليه وسلم ms0964 : أن العبد ليوافي القيامة ~~بحسنات أمثال الجبال لو خلصت له دخل الجنة ، ويأتي قد ظلم هذا وشتم هذا ~~وضرب هذا فيقتص لهذا من حسناته ولهذا من حسناته حتى لا تبقى له حسنة ، ~~فتقول الملائكة : يا PageV02P258 ربنا قد فنيت حسناته وقد بقي طالبون كثير ~~، فيقول الله تعالى : ألقوا عليه من سيئاتهم ثم صكوا له صكا إلى النار ، ~~وينبغي للعبد إن أراد أن يعمل عملا أن يثبت له فيجدد له نية حسنة ، ثم يقف ~~وقفة فيتفقد هل يدخل عليه في ذلك آفة واحدة أو أكثر ، فيخرج ما دخل عليه من ~~الآفات بمشاهدة اليقين ، ثم يعمل ذلك العمل لله وحده لا شريك له في قصده ~~ووجده وطلبه وثوابه ثم يستقيم على ذلك العمل ؛ فإن دخلت عليه آفة في خلله ~~نفاها حتى يكون قائما بشهادته ؛ فهذا هو الإخلاص لأن المخلص يحتاج في ~~إخلاصه إلى شيئين ليس أحدهما أولى به من الآخر صحة القصد لوجه الله تعالى ~~وطلبه ما عنده من الآخرة ، ثم إخراج الآفات والحذر على ذلك العمل من دخولها ~~عليه إلى فراغه منه ، فبذلك يتم إخلاصه ويصفو من كدرة الهوى ويخلص من ~~الشهوة الخفية فيكون خالصا من الرياء بالإخلاص ، صافيا من الشهوة ، يتفقد ~~دخول الآفة ، كما روي في الخبر : أخوف ما أخاف على أمتي الرياء والشهوة ~~الخفية ، قيل : حب الدنيا وقيل : العمل ؛ لأنه يؤجر العبد ويحمد ثم إذا هم ~~العبد بعمل وقف قبله وقفة فتبدبره وتفكر كم فيه من نية ، فربما وجد في ~~العمل الواحد عشر نيات أو خمسا وما بين ذلك لما يحتمل ذلك العمل من وجوه ~~البر ومعاني القربات المندوب إليه ا ، فيكون له بكل نية عمل ، فيؤجر على ~~العمل الواحد عشرة أجور لأنه عشرة أعمال أو خمسة ، يكون لكل نية عمل وبكل ~~عمل أجر ؛ وهو من فضائل الأعمال وتضاعيف الحسنات ، ولا يعلمه إلا العلماء ~~بالله تعالى وأحكامه ؛ وهو طريق الأبدال من صالحي أهل الأحوال ؛ فبذلك زكت ~~أعمالهم وارتفعت مقاماتهم وكثرت أجورهم وحسنت حالاتهم لا بكثرة الأعمال لكن ~~بتحسينها ووجود النيات ms0965 الكثيرة فيها ، وقد جاء في الأثر : من عمل عملا لا ~~يريد به وجه الله لم يزل في مقت من الله حتى يفرغ ، وقد قال بعض الأدباء : ~~من لم يشكر لك حسن النية فيه لم يشكر لك حسن الصنيعة إليه وأنشدوا في معناه ~~: لأشكرنك معروفا هممت به . . . إن اهتمامك بالمعروف معروف ولا ألومك إذا ~~لم يمضه قدر . . . فالشيء بالقدر المكتوب مصروف ولو لم يكن في تجديد النية ~~الحسنة وتفقد الهمة العالية إلا أن صاحبها لايزال عاملا من عمال الله تعالى ~~بقلبه وهمه ، وإن لم يساعده القدر على الأفعال بجوارحه ، فيكون أبدا مأجورا ~~، ولو لم يكن في نية الشر والهمة الدنية إلا أن صاحبها في بطالة وخسارة وإن ~~لم يساعده المقدور على الأفعال السيئة بجوارحه فيكون خاسرا أبدا مأزورا ، ~~ونعوذ بالله من ذلك ، PageV02P259 وقال بعضهم : إني لأستعد النية في كل شيء ~~قبل الدخول فيه حتى في أكلي ونومي ودخولي الخلاء ، والنية في هذا التقوي ~~على الطاعة والاستعانة به على الخدمة لأن النفس مطيتك إن قطعت بها قطعت بك ~~ونية التطهر من التحلي لأجل الدين فكان الناس لشدة تفقدهم وحسن رعايتهم ~~صادقين في ترك كثير من أعمال البر لضعف النية ويعملون في أحكام الأصل ، قال ~~ابن عيينة : إنما حرموا الوصول لتضييع الأصول ، والنية أصل الأصول لأنها ~~فرض الفرائض ، وقال بعضهم : إنما أبعد القلب من الله عز وجل مظاهر أعمال ~~الجوارح بغير مواطأة من القلب بصحة القصد ؛ يعني بذلك نقص الإخلاص بها لأجل ~~الله تبارك وتعالى ، فالنكاح من معظم شأن الدين فنيته فيه أن لا يتزوج ~~المرأة لجمالها ولا لمالها ولا لحسنها بل لدينها وعقلها ، ثم ينوي السنة ~~لها والعفة والتحصين لهما ، ويقنع بالمرأة الدون عن غيرها . وفي الخبر : من ~~نكح لله عز وجل وأنكح لله تعالى استحق ولاية الله تعالى ، وأفضل الأعمال ما ~~دخل فيه لله عز وجل وخرج منه لله ولم يعتوره بعد ذلك علة ، وأعلى من هذا من ~~دخل في الأعمال بالله عز وجل وثبت فيها مع الله وخرج منها بالله ms0966 تعالى ، ~~وهذا مقام الموحدين من الموقنين والعارفين ، فأصح الأعمال وأخلصها ما كان ~~لله تبارك وتعالى هو الأول في أولها ، ومع العامل في أوسطها ، وللعبد عنده ~~فيها ، والله تعالى هو الآخرة عند آخرها ، ثم لايظهرها بعد ذلك ولايتظاهر ~~بها ولايطالع عوضا عنها من الكبر الأكبر ، بل ينساها ويشتغل بذكر مولاه ~~عنها ، والقعود في المساجد من أفضل شأن الدين وفضائل أعمال المتقين ، فليكن ~~له فيه عشر نيات منها زيارة مولاه عز وجل في بيته ، كما روي : من قعد في ~~المسجد فقد زار الله تعالى وحق على المزور إكرام زائره ، ومنها انتظار ~~الصلاة بعد الصلاة ، كما روي في معنى قوله تعالى : ورابطوا وهي المرابطة ~~ومنها كف سمعه وبصره وترهبه في تألهه ، كما روي : رهبانية أمتي القعود في ~~المساجد ، ومنها العكوف وحقيقته عكوف الهم على القلب ، وعكوف السر بالتأله ~~إلى الله عز وجل ، ومنها ذكر الله تعالى واستماع ذكره والتذكير به ، كما ~~روي : من غدا إلى المسجد يذكر الله تعالى ويذكر به كان كالمجاهد في سبيل ~~الله ، ومثل ذلك إذا جلس ليعلم علما أو يتعلمه كان أيضا كالمجاهد ، أو جلس ~~لاستفادة أخ في الله عز وجل أو لتنزل رحمه الله أو لترك الذنوب للخشية ~~والحياء ، كما روينا في حديث الحسن بن علي عليهما السلام : من أدمن ~~الاختلاف إلى المساجد رزقه الله تعالى إحدى سبع خصال : أخا مستفادا في الله ~~تعالى ، أو رحمة مستنزلة ، أو علما مستظرفا ، أو كلمة تدله على هدى أو ~~تصرفه عن ردى ، أو ترك الذنوب خشية أو حياء منه ، فإخلاص النية هو بخروج ~~أضدادها من القلب وعن القصد والهمة وإن كثر أعداده PageV02P260 لتنفرد ~~النية بقصدها ، ويخلص العمل بانفراد النية لوجه الواحد الفرد المقصود بها ، ~~يروى عن بعضهم قال : غزوت في البحرفعرض بعضنا مخلاة فقلت : اشتريها وانتفع ~~بها في غزاتي ، فإذا دخلت مدينة كذا بعتها فربحت فيها ، فاشتريتها فرأيت ~~تلك الليلة في النوم كأن شخصين نزلا من السماء فقال أحدهما لصاحبه : أكتب ~~الغزاة فأملي عليه ، أكتب : خرج فلان متنزها وفلان مرائيا وفلان ms0967 تاجرا ~~وفلان في سبيل الله ، ثم نظر إلي فقال : أكتب : خرج فلان تاجرا ، فقلت : ~~الله الله في والله ما خرجت أتجر ولا معي تجارة أتجر فيها ، ما خرجت إلا ~~للغزو ، فقال لي : يا شيخ قد اشتريت أمس مخلاة تريد أن تربح فيها فبكيت ~~وقلت لا تكتبوني تاجرا فنظر إلى صاحبه وقال : ما ترى ؟ فقال : أكتب : خرج ~~فلان غازيا إلا أنه اشترى في طريقه مخلاة ليربح فيها حتى يحكم الله عز وجل ~~فيه ما يرى . # | فصل # ومن المناقص المشبهة للفضائل الملتبسة على الأفاضل ، لشهرة فضلها وروعة ~~الهموم للدخول فيها ، والتصبر عليها ، وهي منكشفة للعلماء بالله تعالى : ما ~~روي أن رجلين تآخيا في الله عز وجل بعد رفع عيسى بن مريم إلى السماء فترهب ~~أحدهما وهو سرجس ولزم أخوه الآخر الجماعة والمساجد ومخالطة الناس ، وكان ~~أعلم منه بالله عز وجل ، وكان يلقى آخاه سرجس فيقول : يا أخي إن هذا الأمر ~~الذي دخلت فيه بدعة ، وإن عليك فيه رعاية لا تقوم بحقها ، وإنه ليس لله فيه ~~رضا ، فلو دخلت معي في الجماعة والإلفة كان ذلك لله تعالى رضا وأصبت السنة ~~، فكان المترهب يعرض عنه ولا يعبأ برأيه ويقول له : إنك قد ركنت إلى الدنيا ~~وأنست بالخلق ، فلما أعياه قال له : فاجعل فطرك عندي الليلة حتى يتبين ذلك ~~ففعل فقدم إليه فرخين شواهما وقال له : تعال حتى نجعل هذين الفرخين قاضيين ~~بيننا قال : حتى يدعو الله كل واحد منا ، فمن كان سيرته وهديه أحب إلى الله ~~ورسوله يبعث بدعائه هذين الفرخين حتى يطيرا حيين ، قال : نعم فادع أنت ، ~~فدعا الراهب فقال : اللهم إن كان هذا الأمر الذي دخلت فيه أريد به رضاك ~~أقرب إلى الحق مما يدعوني إليه أخي هذا فابعث هذين الفرخين إلي قال : فلم ~~يجب ، فقال الآخر : اللهم إن كان هذا الأمر الذي تمسكت به وخالفت فيه هذا ~~وأصحابه أقرب إلى الحق وأرضاهما عندك مما يدعوني إليه ، أخي هذا من ~~الاعتزال والفرقة للجماعة ، فابعث لي هذين الفرخين قال : فصارا حيين فطارا ~~بإذن ms0968 الله تعالى فعلم الأخ أن ذلك ليس لله رضا فرجع إلى الجماعة والمساجد ، ~~ومن التباس الفضائل العالية ترك العبد حاله في مقامه طلبا للفضيلة ليزداد ~~بها قربا إلى الله عز وجل فينقلب عليه فيهلك ما أدخل العدو على برصيصا ~~العابد في تعليم الاسم الأعظم وقصته مشهورة ، فالعالم عند العلماء من علم ~~خير الخيرين فسبق إليه قبل فوته وعلم شر الخيرين فأعرض عنه لئلا يشغله عن ~~الأخير منها ، وعلم أيضا خير الشرين ففعله PageV02P261 إذا اضطر إليه ~~وابتلى به ، وعلم شر الشرين فأمعن في الهرب منه واحتجب بحجابين عنه وهذا من ~~دقائق العلوم . # | فصل # وقد تلتبس النية بالأمنية فتخفي والهمة وبالوسوسة فتشتبه ، والنية ما كان ~~يراد به وجه الله عز وجل ويطلب به ما عنده ، والأمنية ما تعلق بالخلق وطلب ~~منه عاجل الحظ من الملك الفاني ، وقد تلتبس الإرادة بالمحبة والحاجة ~~بالشهوة ؛ فالإرادة أن يريد وقوع الأمر وقد لا يحب كونه أو يريد أيضا وجود ~~ضده ، والمحبة ما قهر العقل وغلب الوجد وحل في مجامع القلب وكره وجود غيره ~~ولم يرد فقده ، والحاجة ما اضطررت إليه ، ولم يكن منه بدا ولا يستغني عنه ~~بغيره ، والشهوة مزيد لذة واستدعاء فضل فآفة واجتلاب تقدم عادة ، وقد يختلط ~~الذكر بالقلب بالفكر في معاني القرب ؛ فالذكر ما أظهر النسي وكشف الغي ~~وأذكر الشكر ، والفكر ما صور الأمر وأظهر الخبر ، وقد يلتبس الرجاء بالمحبة ~~والهوى بالنية ، فالرجاء ما طمعت فيه بسبب ما والمحبة ما تطمعت ذوقه وجدته ~~بغير تسبب تستخرجه وقد يلتبس ذل القلب بضعفه وموته للطمع في الخلق بذل ~~النفس لمشاهدة عز الخالق سبحانه وتعالى ، وقد يتداخل ذل الطمع لدناءة الهمة ~~والنفس بذل العقل للاعتراف بالحق وخضوع العلم له ، وقد يلتبس ذل النفس ~~لغلبة الهوى وقهره للعقل بذل القلب لسرعة الانقياد للعالم المحق ، وقد ~~يختلط عزة القلب بمقلبه بدوام النظر إليه وعزة العقل بعمله الذي كبر عنده ، ~~وقد تلتبس عزة النفس بوصفها المتسلط بعزة الإيمان ، المعزز بغيبة اليقين ؛ ~~فهذه فروق ظاهرة للعارفين وخروق متسعة ترهب الغافلين ms0969 ، وقد تلتبس العبادة ~~بالعادة مثل أن يكون للعبد نية في علم أو عمل أو صدقة أو نفقة الشهر والسنة ~~ثم تعزب نيته فيبقى على عادته يرب حاله الذي قد عرف به ، لا يحب أن يخرج من ~~عرف الناس فيتعمل لاستقامة الحال على التكلف بتلك الأعمال فتذهب النية ~~وتبقى العادة فيخرج بذلك من إرادة الآخرة والسعي لها ، ويدخل في إرادة ~~الدنيا بالشهوات على جريان العادة بها ، وقد يشهد شهادة الدنيا من طلب ~~الرياسة لوجود الهوى بطرقات الآخرة في معنى العلوم والأعمال فما طلب من ~~أعمال السلف وأريد به تأديب النفس ويعلم به الزهد في الدنيا ؛ فهذه طرقات ~~الآخرة ، وما كان على ضده فهو طرقات الدنيا ؛ إذ هو ضدها ، وقالوا : كان ~~الناس إذا علموا عملوا ، وإذا عملوا شغلوا ، وإذا شغلوا هربوا ، وقالوا : ~~تفقه ثم اعتزل ، وقد يلتبس إظهار الأعمال وكشف ما كتم من الأحوال لأجل ~~التأديب به والابتاع عليه ، أو لاظهار قدرة الله عز وجل وآياته لمزيد ~~السامع من المعرفة به بفعل مثل ذلك للتزين والفخر أو للمدح به وطلب الذكر ، ~~وسئل أبو سليمان عن الرجل يخبر بالشيء عن PageV02P262 نفسه فقالوا : إذا ~~كان إماما يقتدى به فنعم ، وقال مرة هو أو غيره : يختلف ذلك على قدر ~~الإرادة به إذا أراد التأديب للنفس حسن ذلك فهذا يلتبس بمداخلة النفس أو ~~بفنائها بقيومية شاهد اليقين للرب عز وجل . # | فصل # ترك العمل عمل كثير يحتاج التارك للنهي أو المكروه فرضا أو ورعا إلى نية ~~حسنة أن يتركه لله عز وجل طلب مأمنه أو رغبة فيما عنده ، لا لوجود الخلق ، ~~ولا ليرب به حاله أو يقيم به عند العبيد جاهه ، لأن ترك المعصية من أفضل ~~الأعمال فيحتاج إلى أحسن النيات ، إذ عليها من الله تعالى أجزل المثوبات ~~لبلوى النفس بهاواضطراب الوصف إليها ، وقال بعضهم : من أحب أن يعرف ورعه ~~غير الله تعالى فليس من الله في شيء ، وروي عن زكريا عليه السلام : أن قوما ~~دخلوا عليه وكان يعمل في حائط القوم بالطين ، وكان صانعا يأكل من ms0970 كد يديه ، ~~فقدم إليه عندهم رغيفيه وجعل يأكل ولم يدعهم حتى فرغ ، فسألوه عن ذلك ~~لعلمهم بزهده وكرمه فقال : إني أعمل لقوم بأجرة ، وقربوا إلي هذين الرغيفين ~~لأتقوى بهما على عملهم ، فلو أكلتم معي لم يكفكم ولم يكفني وضعفت عن عملهم ~~؛ فهذا ممن ترك فضلا لفرض ، وممن كانت له نية في الترك ، كما تكون له في ~~الفعل وقال بعضهم : دخلت على سفيان بن أبي عاصم وهو يأكل فما كلمني حتى لعق ~~أصابعه ، ثم قال : لولا أني أخذته بدين لأحببت أن تأكل منه . وقد روينا في ~~الخبر : أن أعجميا مر بنفر قعود يتكلمون بكلام فيه استهزاء ولهو فظن أنهم ~~يدعون الله عز وجل فقال : مثل ما يقولون بحسن نيته ، قال : فغفر الله لهم ~~بحسن نيته وقال الحسن : من علامة المسلم أن لا يبدره لسانه ولا يسبقه بصره ~~، ولا تقصر به نيته ؛ يعني لا يضعف ولا تقعد به عن المسارعة إلى القربات هي ~~أبد في قوة وزيادة وإن قصرت أعماله فيها وعجزت قوى جوارحه وقال : المؤمن ~~تبلغ نيته وتضعف قوته ، والمنافق تضعف نيته وتبلغ قوته ، وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : لكل حق حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن ~~يحمد على شيء من عمل الله عز وجل ، وقال الحواريون لعيسى بن مريم عليه ~~الصلاة والسلام : ياروح الله ما الإخلاص لله عز وجل ؟ قال : الذي يعمل ~~العمل لله تعالى لا يحب أن يحمده عليه أحد من الناس ، قالوا : فمن الناصح ~~لله عز وجل ؟ قال : الذي يبدأ بحق الله تعالى قبل حق الناس ، وإذا عرض له ~~أمران ؛ أحدهما للدنيا والآخر للآخرة بدأ بأمر الله تعالى قبل أمر الدنيا ، ~~فحب المحمدة من الناس أصل هو فرعها ، وهو يحب أن يعرف مكانه ، ويريد ~~الاشتهار ، وينوي بقلبه محبة الإعظام له من وجوه الأنام ، فلا ينفعه ، مع ~~هذه النية اختفاؤه في الآجام وعمله غير مقبول ، PageV02P263 كما روي أن ~~عابدا من بني إسرائيل عبد الله تعالى في سرب أربعين سنة ، فكانت الملائكة ~~ترفع عمله في ms0971 السماء فلا يقبل ، فقالت : ربنا وعزتك ما رفعنا إليك إلا حقا ~~فقال عز وجل : صدقتم ملائكتي ولكنه يحب أن يعرف مكانه ، فلذلك قال بعض ~~السلف : من نجا من الكبر والرياء وحب الشهرة فقد سلم ، وقال الثوري : ما ~~عالجت شيئا أشد علي من نيتي لأنها تفلت علي يعني تشرد أو تضعف ، فتحتاج إلى ~~مداواة لها ، كما قال المنصور : المداومة على العمل حتى يخلص أشد من العمل ~~، وقال الثوري : ما أعتد بما ظهر من عملي ، وقال علي رضي الله تعالى عنه : ~~كونوا بقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل ، فإنه لا يقل عمل مع تقوى وكيف ~~يقل عمل يتقبل ؟ وقال بعضهم : من استوحش من الوحدة وأنس بالجماعة لم يسلم ~~من الرياء ، وقال عبد العزيز بن أبي رواد : أدركتهم يجتهدون في العلم ~~الصالح فإذا بلغوه وقع عليهم الهم أيتقبل منهم أم لا . وقال مالك بن دينار ~~: الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل ، وقال ابن عجلان : العمل لا ~~يصلح إلا بثلاث ؛ التقوى لله عز وجل ، والنية الحسنة ، والإصابة وقد فسر ~~الفضيل قوله تعالى : ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) هود : 7 ، قال : أخلصه ~~وأصوبه قيل : وما ذاك ؟ قال : العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل ، ~~وقال التياحي : للعمل أربع خصال لا يتم إلا بهن : معرفة الله عز وجل ، ~~ومعرفة الحق ، والإخلاص به والعمل على السنة ، فأي عمل كان قبل هذه الأربع ~~لا ينفع فمنهم من يكون حسن الأداء لفرضه ، كثير الندم والإشفاق من معاصيه ، ~~فيكون هذا أحسن حالا ، ومنهم من يكون سيء الأداء ، قليل الحزن والندم على ~~ذنوبه ، فيكون هذا أسوأ حالا وليس يجدون في ذلك على قياس واحد ، والله تغفر ~~لمن يشاء الذنب العظيم ويعذب من يشاء على الذنب الصغير ، لما سبق لهما في ~~علمه ، ولما نفذ لهما من مشيئته وحكمه ، وقد يشترك الإثنان في معصية ~~ويتفاوتان في حكم المشيئة ويتوب الله على من أحب ويتقبل ممن يحب ، والقبول ~~غير العمل ، على العبد العمل وإلى المولى القبول ، يقبل ممن يحب ويرد ms0972 ما ~~يشاء ممن يشاء ، والسابقة غير المعصية ؛ السابقة في المشيئة يغفر لمن سبقت ~~له الحسنى جميع معاصيه السوأى ويعذب من حقت عليه كلمة العذاب ويحبط أعماله ~~الحسنى ، والخلق مردودن إلى السابقة ومحكوم عليهم بعلم الله تعالى فيهم ، ~~وفي الخبر : هلك المصرون قدما إلى النار ؛ والإصرار يكون بمعنى أن يعتقد ~~بقلبه متى قدر على الذنب فعله أو لا يعقد الندم عليه ولا PageV02P264 ~~التوبة منه وأكبر الإصرار العسي في طلب الأوزار ، وفي الخبر : سبق المفردون ~~المستهترون بذكر الله تعالى وضع الذكر أوزارهم فوردوا القيامة خفافا ؛ ~~فهؤلاء الذين سبقت لهم منا الحسنى من المقربين أخبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن لهم أوزارا وضعتها الأذكار . وقال تعالى : ( والسابقون ~~السابقون أولئك المقربون ) الواقعة : 10 - 11 ، هذا ما علمناه من أدلة ~~العلوم وتأوى التنزيل وعفو الله تعالى وإرادته من وراء ذلك كله وعلم القديم ~~ولله عاقبة الأمور . # | مسألة محاسبة الكفار # فأما محاسبة الكفار فهذه مسألة اختلف الناس فيها ، فمنهم من ذهب إلى أنهم ~~يحاسبون ، ومنهم من أنكر حسابهم ، وقد اختلف الآثار في ذلك ، فقد جاء في ~~بعضها ما يدل على حسابهم وبه تعلق من قال به ، وجاء في كثير منها ما يدل ~~على أنهم لا يحاسبون ، وبه احتج من أنكر حسابهم ، وإنما يرجع عند الاختلاف ~~إلى كتاب الله تعالى ، ففيه الشفاء وبه الغنى ، فيفصل ما أجمل القائلون ~~ونعدل في القول الشديد فيما تأوله المتأولون ، فنقول : والله أعلم أن الله ~~سبحانه ذكر في كتابه آيتين تدل على مسألة الكفار عن الشرك الذي أدخلوا في ~~التوحيد ، وعن إجابة المرسلين وتكذيبهم قال الله تعالى : ( ويوم يناديهم ~~فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ) القصص : 62 ثم قال في الآية الأخرى : ~~( ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ) القصص : 65 فنقول أنهم على هذا ~~يسألون عن التوحيد فقط وعن تكذيب المرسلين هاتين الآيتين ، وقال في الآيتين ~~الآخرتين : ( ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) القصص : 78 وقال في الأخرى : ( ~~فيومئد لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ) الرحمن : 39 ثم قال : ( يعرف ms0973 ~~المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ) الرحمن : 41 فهذا نص في ترك ~~المسألة على الذنوب والأعمال ، فنقول بهاتين الآيتين : إنهم لا يسألون عن ~~الأعمال ، وإنما يحاسب على العمل من كانت بينه وبينه معاملة ومن ثبتت له ~~حسنات يقع بها ترجيح وموازنة . وقد روينا عن أنس بن مالك رضي الله تعالى ~~عنه في قوله تعالى : ( وففوهم إنهم مسؤولون ) الصافات : 42 ، قال عن قول لا ~~إله إلا الله ، وقد رويناه مرفوعا إلى النبي فهذ على معنى ماذكرناه أنهم ~~يسألون عن التوحيد ، فالناس من أهل الجنة والنار يحشرون يوم القيامة على ست ~~طبقات ؛ طائفة تدخل الجنة بغير حساب وهم السابقون المقربون ، وطائفة تدخل ~~الجنة بعد الحساب اليسير وهم خصوص المؤمنين والصالحين ، ومنهم من يدخل بعد ~~الحساب الطويل والمناقشة وهم أصحاب اليمين وعموم المؤمنين وكذلك أهل النار ~~ثلاث طبقات ؛ طائفة تدخل النار بغير سؤال ولا حساب ، عالمان من عبدة ~~الأوثان من ولد يافث بن نوح وهم يأجوج ومأجوج خلق خلقوا للنار ، وطائفة ~~تدخل النار بعد الحساب الطويل والمناقشة ، وهم أهل الكبائر والمنافقون ، ~~وطائفة بسؤال وتوقيف من غير PageV02P265 محاسبة على الأعمال وهم ، أمم ~~الأنبياء المرسل إليه م المرسلون لقوله تعالى : ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ~~) الأعراف : 6 . وقد روينا في الخبر المشهور : من نوقش الحساب عذب فقيل : ~~يا رسول الله أليس الله تعالى يقول : فسوف يحاسب حسابايسيرا ؟ فقال ذلك ~~العرض ومن نوقش الحساب عذب ، وقد كان إمامنا سهل بن عبد الله يقول : يسأل ~~الكفار عن التوحيد ولا يسألون عن السنة ، ويسأل المبتدعون عن السنة ، ويسأل ~~المسلمون عن الأعمال ، فأما قوله تعالى : ( إن إلينا إيابهم ثم إن علينا ~~حسابهم ) الغاشية : 25 - 26 ففيها وجهان : أحد الوجهين أن يكون هذا كلاما ~~منفصلا عما قبله يراد به المسلمون لأنه ذكر خبر الكفار فختمه بالعذاب ، ~~فقال في أول الكلام : ( إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر ) ~~الغاشية : 23 - 24 هذا آخر خبرهم ، ثم استأنف مخبرا عن غيرهم فقال إن إلينا ~~إيابهم ثم إن علينا حسابهم ، والوجه الآخر أن يكون قوله ms0974 تعالى : ( ثم إن ~~علينا حسابهم ) الغاشية : 25 أي جزاءهم ، فالحساب أيما ذكر للكفار يكون ~~بمعنى المجازاة على أعمالهم السيئة وكذلك قوله تعالى : ( ووجد الله عنده ~~فوفاه حسابه ) النور : 39 يعني جزاءه ، إلا إن الفراء وغيره من أهل اللسان ~~خالفونا في هذا فاعتبروه بما بعده فجعلوه دليلا على المحاسبة قالوا : احتمل ~~أن يكون قوله فوفاه حسابه أن يكون جزاءه كما قلنا واحتمل أن يريد محاسبته ، ~~فلما قيل : والله سريع الحساب كشف التنزيل التأويل بذلك أن حسابه يعني ~~محاسبته ، وكذلك قال الزجاج في تأويل ما ذكرناه آنفا من قوله : ( ولا يسأل ~~عن ذنوبهم المجرمون ) القصص : 78 فقال معناه لا يسألون لتوجه من قبلهم أو ~~ليرجع إليه م من علم ذلك وسبقه عليهم ، أي قد فرغ الله عز وجل من ذلك ~~فأحكمه بما سبق من علمه ، وواطأه مقاتل بن سليمان على هذا التأويل باختلاف ~~معنى بمعنى صنعته التفسير ، لأنه لم يكن له في اللغة تمكين ، فقال : معنى ~~ذلك : ولا يسأل هؤلاء المجرمون عن ذنوب السالفين ؛ فجعل الهاء والميم على ~~من تقدم ذكره من قارون وأصحابه والقرون السالفة ، لأن ذكرهم كان سياق هذا ~~الخطاب في قوله تعالى : ( أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من ~~هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ) القصص : 78 ، ثم قال : ولايسأل عن ذنوبهم ؛ ~~يعني هؤلاء المجرمون ؛ يعني مشركي هذه الأمة ، وقال أيضا هو وغيره : إن ~~الكفار سألوا فقالوا : ترى ماذا فعل الله تعالى بالقرون الأولى الذين يقص ~~علينا نبأهم ؟ قال : فنزلت هذه الآية فهي بمنزلة قول فرعون ، قال : فما بال ~~القرون الأولى ؟ فقال موسى عليه السلام : علمها عند ربي ، إلا أن الله عز ~~وجل قد قال في ذكر الحساب بمعنى الجزاء دعطاء حسابا يعني مجازاة ، وقيل : ~~كفاية بمعنى كفاهم وأحسبهم ذلك ، كما قال تعالى : ( حسبهم جهنم ) المجادلة ~~: 8 ، أي كافيهم ذلك . PageV02P266 # | الفصل الثامن والثلاثون في الإخلاص وشرح النيات والأمر بتحسينها في ~~تصرف الأحوال والتحذير من دخول الآفات عليها في الأفعال # : قال الله الكبير المتعال : ( وما ms0975 أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين ) البينة : 5 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث لا يغل عليهن ~~قلب رجل مسلم : إخلاص العمل لله تعالى ، وقال : إنما الأعمال بالنيات ، ~~ولكل امرئ ما نوى ، وقد روينا في الحديث من طريق أهل البيت عليهم السلام : ~~لايقبل الله تعالى قولا إلا بعمل ولا قولا وعملا إلا بنية ، وقال عمر بن ~~الخطاب رضي الله تعالى عنه : أفضل الأعمال أداء ما افترض الله تعالى والورع ~~عما حرم الله تعالى وصدق النية فيما عند الله عز رجل ، فينبغي أن يكون ~~للعبد في كل شيء نية حتى في مطعمه ومشربه وملبسه ونومه ونكاحه ؛ فإن ذلك ~~كله من أعماله التي يسأل عنها ؛ فإن كانت لله تعالى وفيه كانت في ميزان ~~حسناته ، وإن كانت في سبيل الهوى ولغير المولى كانت في ميزان سيئاته ، إذ ~~لكل عبد ما نوى وإن كان ذلك غفلة وسهوا من غير نية ولا عقد طوبة ولا حسبة ، ~~لم يكن له في ذلك شيء ، ولم يجد عمله في الآخرة شيئا ، وكان فيه لا له ولا ~~عليه ، وكان ذلك في الدنيا على مثال الأنعام التي تتصرف عن غير مقول ولا ~~تكليف ولكن بإلهام وتوفيق ، وأخاف أن يدخل في وصف من قال الله تعالى : ( ~~أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) الكهف : 28 ، أي غفلة ~~وسهوا ، وقيل : تفريطا وتضييعا ، وقيل : مقدما إلى الهلاك ، فالنية الصالحة ~~هي أول العمل الصالح وأول العطاء من الله تعالى وهو مكان الجزاء ، وإنما ~~يكون للعبد من ثواب الأعمال على حسب ما يهب الله تعالى له من النيات ، ~~فربما اتفق في العمل الواحد نيات كثيرة على مقدار ما يحتمل العبد من النية ~~، وعلى مقدار علم العامل ، فيكون له بكل نية حسنة ، ثم يضاعف كل حسنة عشر ~~أمثالها ، لأنها أعمال تجتمع في عمل ، وصورة النية معنيان ، أحدهما : صحة ~~قصد القلب إلى العمل بحسن التيقظ فيه والإخلاص به لوجه الله تعالى ابتغاء ~~ما عنده من الأجر ، فكل عمل كان على علم بهذه ms0976 النية فهو صالح متقبل بفضل ~~الله تعالى وبرحمته ، لأن صاحبه قد اتقى الشرك والجهل والهوى ، فعمله مرفوع ~~في الخزائن مدخر له الجزاء PageV02P267 وحقيقة الإخلاص سلامته من وصفين ؛ ~~وهما : الرياء والهوى ، ليكون خالصا كماوصف الله تعالى الخالص من اللبن ، ~~فكان بذلك تمام النعمة علينا ، فقال : ( من بين فرث ودم لبنا خالصا ) النحل ~~: 66 ، فلو وجد فيه أحد الوصفين من فرث أو دم لم يكن خالصا ، ولم تتم ~~النعمة به علينا ولم تقبله نفوسنا ، فكذلك معاملتنا لله عز وجل إذا شابها ~~رياء بخلق أو هوى من شهوة نفس ، ولم تكن خالصة لم يتم بها الصدق والأدب في ~~المعاملة ولم يقبلها الله تعالى منا فاعتبروا . وروينا عن سعيد بن أبي بردة ~~عن كتاب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري : أنه من ~~خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس ، ومن تزين للناس بما يعلم ~~الله تعالى منه غير ذلك شانه الله تعالى ، فما ظنك ؟ وكتب سالم بن عبد الله ~~إلى عمر بن عبد العزير : اعلم يا عمر أن الله تعالى عون للعبد بقدر النية ، ~~فمن تمت نيته تم عون الله تعالى إياه ، ومن قصرت عنه نيته قصر عنه من عون ~~الله تعالى بقدر ذلك ، وقد قال الله تعالى في تصديق ذلك : ( إن يريدا ~~إصلاحا يوفق الله بينهما ) النساء : 35 ، فجعل سبب التوفيق إرادة الإصلاح ؛ ~~فذلك هو أول التوفيق من الموفق المصلح للعامل الصالح ، وقال بعض السلف : ~~رأيت الخير إنما يجمعه حسن النية وكفاك به خيرا وإن لم ينصب رب عمل صغير ~~تعظمه النية ورب عمل كبر تصغره النية ، وكتب بعض الأدباء إلى أخيه : أخلص ~~النية في أعمالك يكفك القليل من العمل ، وقال داود الطائي : من أكبر همه ~~التقوى لو تعلقت جميع جوارحه بالدنيا لردته نيته يوما إلى نية صالحة ، ~~فكذلك الجاهل بالله تعالى وأيامه همه الدنيا والهوى ، ولو تعلقت جوارحه بكل ~~أعمال الصالحات لكان مرجوعا إلى إرادة الدنيا وموافقة الهوى ، لأن سرها كان ~~همه النفس لعاجل عرض ms0977 الدنيا ، وقال محمد بن الحسين : ينبغي للرجل أن تكون ~~نيته بين يدي عمله ، وقال أيوب السجستاني وغيره : تخلص النيات على العمال ~~أشد عليهم من جميع الأعمال ، وقال الثوري : كانوا يتعلمون النية للعمل كما ~~يتعلمون العلم ، وقال بعض العلماء : طلب النية للعمل قبل العمل وما دمت ~~تنوي الخير فأنت بخير ، وقال زيد بن أسلم : خصلتان هما كمال أمرك تصبح ولا ~~تهيم لله تعالى بمعصية وتمسي ولا تهيم لله تعالى بمعصية ، وكذلك قال بعض ~~السلف في معناه : إن نعمة الله تعالى أكثر من أن تحصوها وإن ذنوبكم أخفى من ~~أن تعلموها ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين يغفر لكم ما بين ذلك . وروينا ~~في الخبر عن بعض المريدين : أنه كان يطوف على العلماء يقول : من يدلني على ~~عمل لا أزال فيه عاملا لله تعالى فإني أحب أن لاتجيء علي ساعة من ليل أو ~~نهار إلا وأنا عامل من عمال الله تعالى ، فقيل له : قد وجدت صاحبك اعمل ~~الخير ما استطعت ، فإذا أقترت أو تركته فهم بعمله ، فإن الهام بعمل الخير ~~كعامله . وروينا عن عيسى عليه الصلاة والسلام : طوبى لعين نامت ولا تهم ~~بمعصية وانتهت إلى غير إثم . PageV02P268 وروينا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة ، ومن هم بسيئة ولم ~~يعملها كتبت له حسنة ، وقد جاء في الخبر المشهور نية المرء خير من عمله . # | تفسير قوله نية المرء خير من عمله # فيه عشرة أوجه ؛ قيل : إن النية سر وأعمال السر تضاعف ، وقيل : لأنها غيب ~~لا يطلع عليها غير الله تعالى ، والظواهر مشتركة ، وأيضا فإن الله عز وجل ~~يهبها للعبد خالصة لا يشوبها شيء إذا وهبها ، ولا يدخل عليها الآفات ؛ فهذا ~~عطاء مهيأ وسائر الأعمال مدخر له ، وأيضا لأنها من شرط العمل حتى لا يصح ~~عمل إلا بها وهي تصح بمجردها ، وكان عبد الرحيم بن يحىى الأسود يقول : معنى ~~قوله نية المرء خير من عمله يعني إخلاصه في العمل خير من العمل ، قال : ~~فالإخلاص بغير عمل خير ms0978 من عمل غير مخلص والنية عنده : هو الإخلاص نفسه ، ~~وعند غيره : هو الصدق في الحال باستواء السريرة والعلانية ، وقد قال الجنيد ~~رحمه الله تعالى في الفرق بين الإخلاص والصدق معنى لطيفا لم يفسره ويحتاج ~~إلى تفسير ، حدثنا بعض الأشياخ عنه قال : شهد جماعة على رجل بشهادة فلم ~~تضره وكانوا مخلصين ، ولو كانوا صادقين لعوقب ؛ يعني أن صدقهم أن لا يعملوا ~~عمله أومثل عمله الذي شهدوا به عليه ؛ فهذا صدق الحال ، وهو حقيقة النية ~~وإخلاصها عند المحققين ، وقد قيل في معنى قوله : نية المرء خير من عمله لأن ~~نية المؤمن دائمة متصلة ، والأعمال منقطعة ، وبالنية خلد أهل التوحيد في ~~الجنة ، وخلد أهل الشرك في النار لدوام نياتهم على التوحيد ودوام نيات ~~الآخرين على الشرك مدة الدهر ؛ فهذه المعاني كلها على هذا الوجه الذي يقول ~~فيه : إن معناه أن النية خير من العمل ، وفيه وجه آخر يكون الكلام فيه على ~~التقديم والتأخير أي نية المؤمن هي من عمله خير ، كأنه قال : هي بعض أعماله ~~الخير ، فهذا كقوله تعالى : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ) ~~البقرة : 160 ، معناه نأت منها بخير ، وكما قال : ( يسألونك كأنك حفي عنها ~~) الأعراف : 781 ، معناه : يسألونك عنها كأنك حفي بهم ، فآخر قوله عنها ~~ومعناه التقديم فيكون هذا على التأويل أن النية من أعمال القلوب ، وأنها من ~~أعمال العبد خير كثير ، وهذه الأقوال كلها صحيحة وهي موجودة في النية ففضلت ~~النية العمل ، لأن هذه المعاني من صفتها ، وقال بعض التابعين : قلوب ~~الأبرار تغلي بالبر وقلوب الفجار تغلي بالفجور والله تعالى مطلع على نياتهم ~~فيثيبهم بقدر ذلك فانظر ما همك وما نيتك . وروينا عن الله سبحانه وتعالى في ~~بعض الكتب أنه قال : ليس كل كلام الحكيم أتقبل ، ولكني أنظر إلى همه وهواه ~~، فمن كان همه وهواه لي جعلت صمته ذكرا ونظره PageV02P269 عبرا ؛ وهذا داخل ~~في عموم الخبرالذي رويناه عن نبيناصلى الله عليه وسلم : أن الله تعالى لا ~~ينظر إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم إنما ينظر إلى قلوبكم ms0979 وأعمالكم ، وسئل ~~سفيان الثوري : هل يؤاخذ العبد بالنية ؟ قال : نعم إذا كانت عزما أخذ بها ، ~~وفي الخبر : أن العبد ليعمل أعمالا حسنة فتصعد بها الملائكة في صحف مختمة ~~فتلقى بين يدي الله تعالى فيقول : ألقوا هذه الصحيفة فإنه لم يرد بذلك وجهي ~~، ثم ينادي الملائكة : اكتبوا له كذا واكتبوا له كذا ، فيقولون : ربنا إنه ~~لم يعمل شيئا من ذلك ، فيقال إنه نواه ، وفي حديث أبي كبشة الأنماري : ~~الناس أربعة : رجل آتاه الله عز وجل ومالا فهو يعمل بعلمه في ماله ، فيقول ~~رجل : لو آتاني الله تعالى ما آتاه لعملت كما يعمل ؛ فهما في الخير سواء ، ~~ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يتخبط بجهله في ماله فيقول رجل : لو ~~آتاني الله مثل ما آتاه عملت كما يعمل ؛ فهما في الوزر سواء ، ألا ترى كيف ~~شركه بحسن النية في محاسن عمله وشرك الآخر بسوء النية بنيته في مساوئ عمله ~~؟ وكذلك في حديث أنس بن مالك لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~تبوك قال : إن بالمدينة أقواما ، ما قطعنا واديا ولا وطئنا موطئا يغيظ ~~الكفار ولا أنفقنا نفقة ولا نصبنا نصبا ولا أصابتنا مخمصة ، إلا شركونا في ~~ذلك وهم بالمدينة ، قالوا : وكيف ذلك يارسول الله وليسوا معنا ؟ قال : ~~حبسهم العذر فشركونا بحسن النية . وقال بعض السلف : صلاح الأعمال وفسادها ~~بصلاح النيات وفسادها ، وكان مطرف يقول : صلاح عمل بصلاح قلب ، وصلاح قلب ~~بصلاح نية ، ومن صفا صفي له ، ومن خلط خلط عليه ، وكذلك جاء في الخبر وهو ~~أصل من أصول الدين قولهصلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات ولكل ~~امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ~~ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوج بها فهجرته إلى ما هاجر ~~إليه فأخبر أن لا عمل إلا بالنية ، ثم جعل لكل عبد نية ثم رد طالبي الدنيا ~~والأزواج إلى نياتهم ، وحكم عليهم بها ، وجعلها نصيبهم من الله تعالى ، وفق ~~ذلك لهم أو لم ms0980 يوفقه ، فبطلت هجرتهم بفساد نياتهم وصارت همتهم بدنياهم ~~وهواهم سبب حرمان ثواب المخلصين لله بحسن نياتهم ، وطلب آخرتهم ؛ وكان ذلك ~~في الآخرة حسرة عليهم في الدنيا وشيئا لهم . وفي حديث ابن مسعود : من هاجر ~~يبتغي شيئا فهو له فهاجر رجل فتزوج امرأة منا فكان يسمى مهاجر أم قيس ، ~~وقال أبو داود : هذا الحديث ربع العلم ، وذلك أنه قال : جمعت السنن الصحاح ~~في حديث النبي صلى الله عليه وسلم فكانت أربعة آلاف حديث ، ثم قال : قد ~~أمررتها على أربعة أحاديث ؛ كل حديث ربع العلم ، قال : وهذا الحديث أولها ، ~~وإنما قال ذلك لأنه فرض الفروض لا يتم فرض إلا به ، وكذلك جاء في الخبر : ~~أن رجلا قتل في سبيل الله عز وجل فكان يدعى قتيل الحمار ، وذلك أنه قاتل ~~رجلا ليأخذ سلبه وحماره فقتل على ذلك فأضيف إلى نيته ، وفي حديث أبي عبادة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم : من غزا وهو لا PageV02P270 ينوي إلا عقالا ~~فله ما نوى ، وقال : إني استعنت رجلا يغزو معي ، فقال : لا حتى تجعل لي ~~جعلا : فجعلت له فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ليس له من ~~ديناه وآخرته إلا ما جعلت له . وروينا في الإسرائيليات أن رجلا مر بكثبان ~~من رمل في مجاعة فقال في نفسه : لو كان لي هذا الرمل طعاما لقسمته بين ~~الناس ، قال : فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أن قل له : إن الله تعالى قد قبل ~~صدقتك وقد شكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاما فتصدقت به ، وفي أخبار ~~كثيرة : من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، وفي حديث عبد الله بن عمر : ~~من تكن الدنيا نيته جعل الله فقره بين عينيه وفارقها أرغب مايكون فيها ، ~~ومن تكن الآخرة نيته جعل لله غناه في قلبه وجمع عليه ضيعته وفارقها أزهد ما ~~يكون فيها ، وحديث أم سلمة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم جيشا يخسف بهم في ~~البيداء فقلت : يا رسول الله يكون فيهم المكره والأجير ، فقال : يحشرون ms0981 على ~~نياتهم ، وفي حديث عمر مثله : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~إنما يقتتل المقتتلون على النيات ، وفي حديث فضالة : من مات على مرتبة من ~~المراتب بعث عليها ، وكذلك قال في الخبر : إذا التقى الصفات نزلت الملائكة ~~تكتب الخلق على مراتبهم فلان يقاتل للدنيا ، فلان يقاتل عصبية إلا فلانا ~~يقولون قتل فلان في سبيل الله فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في ~~سبيل الله تعالى . وعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : يبعث كل عبد ~~على ما مات عليه ، وفي حديث الأحنف بن قيس عن أبي بكرة : إذا التقى ~~المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل : يا رسول الله هذا ~~القاتل فما بال المقتول ؟ قال : لأنه أراد قتل صاحبه ، والنية عند قوم ~~الإخلاص بعينه ، وعند آخرين الصدق ، وعند الجملة أنها صحة العقد وحسن القصد ~~، وهي عند الجماعة من أعمال القلوب مقدمة في الأعمال وأول كل عمل ، وقد قال ~~الله تعالى : ( واذكروا الله ذكرا كثيرا ) الأحزاب : 41 قيل : في التفسير ~~خالصا فسمي الخالص كثيرا ، وهو ما خلصت فيه النية لوجه الله تعالى ، ووصف ~~ذكر المنافقين بالقلة فقال : ( يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ) ~~النساء : 142 يعني غير خالص ، وسميت سورة : ( قل هو الله أحد ) سورة ~~الإخلاص لأنها خالصة في ذكر صفات الله تعالى وحده ، لا يختلط بذكره جنة ولا ~~نار ولا وعد ولا وعيد ولا أمر ولانهي و كذلك قيل سورة التوحيد إذ لا شريك ~~فيها من سواه فأول سلطان العدو على القلب عند فساد النية فإذا تغيرت من ~~العبد طمع فيه فيتسلط عليه وأول ارتداد العبد عن الاستقامة ضعف النية ، ~~فإذا ضعفت النية قويت النفس فتمكن الهوى ، فإذا قويت النية صح العزم وضعفت ~~صفات النفس ، ولأنه ينتقل العبد من معصية إلى معصية دونها فيكون تاركا ~~للأولى بنية الترك لله تعالى كان أنفع له وأحمد عاقبة PageV02P271 وأصلح ~~لقلبه وأقرب إلى توبته من افتعال الطاعات مشوبة بالهوى وفساد النيات ، لأنه ~~يكون حينئذ متقلبا في المعاصي ms0982 بفساد نيته ، وخالط عملا سيئا بسيء مثله ، ~~ودرأ بالسيئة لسيئة قبلها ، وهذا بخلاف وصف الله تعالى من قوله : ( خلطوا ~~عملا صالحا وآخر سيئا ) التوبة : 102 وقوله : ( ويدرؤون بالحسنة السيئة ) ~~الرعد : 22 ، ومخالف لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : اتبع ~~السيئة الحسنة تمحها ، وفي حديث أبي هريرة : من تزوج امرأة على صداق وهو لا ~~ينوي أداءه فهو زان ، ومن أدان دينا وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق ، وفي حديث ~~ابن مسعود ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهداء فقال : إن أكثر ~~شهداء أمتي لأصحاب الفرش ، ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته ، وقال ~~ثابت البناني : نية المؤمن أبلغ من عمله ، إن المؤمن ينوي أن يصوم النهار ~~ويقوم الليل ويخرج من ماله فلا تتابعه نفسه على ذلك فنيته أبلغ من عمله ، ~~وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل القلب بالملك والجوارح جنوده ، قال : ~~فإذا صلح القلب صلح الجسد ، وإذا فسد فسد الجسد ؛ معناه إذا صلحت للعبد ~~نيته دامت للعبد استقامته ، وإذا خلص وصفا من شوب الكدر والهوى خلصت ~~الأعمال من الرياء وصفت من الشهوات والأهواء ، وإذا فسدت نيته بحب الدنيا ~~فسدت أعمال الجوارح بحب المدح والرياء . وقد حدثونا في الإسرائيليات أن ~~عابدا عبد الله تعالى دهرا طويلا فجاءه قوم فقالوا : إن ههنا قوما يعبدون ~~شجرة من دون الله تعالى ، فغضب لذلك ، فأخذ فأسه على عاتقه وقصد الشجرة ~~ليقطعها ، فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال : أين تريد رحمك الله ؟ قال : ~~أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله ، قال : وما أنت وذاك ؟ ~~تركت عبادتك والاشتغال بنفسك وتفرغت لغير ذلك ؟ فقال : إن هذا من عبادتي ، ~~فقال له : إني لا أتركك تقطعها ، قال : فقاتله فأخذه العابد فطرحه إلى ~~الأرض وقعد على صدره ، فقال له إبليس : أطلقني حتى أكلمك ، فقام عنه فقال ~~له إبليس : يا هذا إن الله تعالى قد أسقط عنك هذا ولم يفرضه عليك ، أنبي ~~أنت ؟ قال : لا ، قال : فلا عليك ممن كان يعبدها ، فلو اشتغلت ms0983 بعبادتك ~~وتركتها فإن لله تعالى في أرضه أنبياء لو شاء بعثهم إلى أهلها وأمرهم ~~بقطعها فقال العابد : لا بد لي من قطعها ، قال : فنابذه إبليس للقتال فغلبه ~~العابد فأخذه وصرعه وقعد على صدره ، فلما رأى إبليس أنه لا طاقة له به ~~ولاسلطان له عليه قال : يا هذا هل لك في أمر فصل بيني وبينك وهو خير لك ~~وأنفع من هذا الأمر الذي جئت تطلبه قال : وما هو ؟ قال : قم عني أخبرك به ، ~~فأطلقه العابد فقال له إبليس : أنت رجل فقير لا شيء لك إنما أنت كل على ~~الناس يعولونك ، ولعلك تحب أن تفضل على إخوانك ، وتواسي جيرانك ، وتتسع في ~~حالك وتستغني عن الناس ، قال : نعم ، قال : فارجع عن هذا الأمر الذي جئت ~~فيه ولك علي أن أجعل عند رأسك في كل ليلة دينارين ، فإذا أصبحت أخذتهما ~~فصنعت بهما ما PageV02P272 شئت ، وأنفقت على نفسك وعيالك وتصدقت على إخوانك ~~، فيكون لك أفضل من ذلك وأنفع للمسلمين من قطع هذه الشجرة التي يغرس مكانه ~~، ولا يضرهم قطعها شيئا ولا ينفع إخوانك المؤمنين قطعك لها ، قال : فتفكر ~~العابد فيما قال له وقال : صدق الشيخ ، لست بني فيلزمني قطع هذه الشجرة ولا ~~أمرني الله تعالى أن أقطعها فأكون قد عصيت بتركها ، وإنما هو شيء تفضلت به ~~، وماذا يضرالموحدين من بقائها وهذا الذي ذكره أكثرمنفعة لعموم الناس ، قال ~~: فعاهده على الوفاء بذلك وحلف له فرجع العابد إلى متعبده فبات ليلته فأصبح ~~فإذا ديناران عند رأسه فأخذهما ، ثم كذلك الغد ، ثم أصبح اليوم الثالث فلم ~~ير شيئا ، ثم أصبح بعد ذلك فلم يجد فغضب وأخذ فأسه على عاتقه وخرج يؤم ~~الشجرة ليقطعها وقال : إن فاتني أمر الدنيا لا أتركن أمر الآخرة ، قال : ~~فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال : أين تريد ؟ قال : أقطع تلك الشجرة ، قال ~~: كذبت والله ما أنت بقادر على ذلك ولا سبيل لك إليه ا ، قال : فتناوله ~~العابد ليأخذه كما فعل أول مرة فقال : هيهات قال : فأخذه إبليس فصرعه فإذا ~~هو كالعصفور بين يديه ، قال ms0984 : وقعد إبليس على صدره وقال : لتنتهين عن هذا ~~الأمر أو لأذبحنك ، فنظر العابد فإذا لا طاقة له به ، قال : يا هذا قد ~~غلبتني فحل عني وأخبرني عنك كيف قد غلبتك أول مرة فصرعتك والآن غلبتني ~~فصرعتني ؟ فكيف ذلك ؟ قال له إبليس : لأنك أول مرة غضبت لله تعالى وكانت ~~نيتك الآخرة فسخرني الله لك فغلبتني ، وهذه المرة جئت مغاضبا لنفسك وكانت ~~نيتك الدنيا فسلطني الله تعالى عليك فصرعتك ، وهكذا حدثونا في قصة تطول أن ~~ملكة من بني إسرائيل راودت عابدا عن نفسه فقال : اجعلوا لي ماء في الخلاء ~~أتنظف ، قال ، ثم صعد على موضع في القصر فرمى بنفسه فأوحى الله عز وجل إلى ~~ملك الهوى : الزم عبدي قال : فلزمه حتى وضعه بالأرض على قدميه رويدا ، فقيل ~~لإبليس : ألا أغويته ؟ فقال : ليس لي سلطان على من خالف هواه وبذل نفسه لله ~~تعالى . وفي حديث معاذ بن جبل أن العبد يوم القيامة ليسأل عن كل شيء حتى عن ~~كحل عينيه وعن فتات الطينة بأصبعيه وعن لمسه ثوب أخيه ، وروينا في خبر ~~مقطوع من تطيب لله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك ، ومن تطيب ~~لغير الله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة ، وليس الطيب من ~~أكبر المأمور به ولا من الإثم المنهى عنه ، وإنما لصاحبه منه نيته ، فإن ~~كان نيته اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإظهار النعمة لله تعالى ~~، كان بذلك مطيعا وكان له ثواب ما نواه ، وإن تطيب لغير ذلك كان به عاصيا ~~لاتباعه هواه . وعن بعض السلف الصالح قال : كتبت كتابا وأردت أن أتربه في ~~منزل جاري PageV02P273 فتحرجت من ذلك ثم قلت : تراب وما تراب ؟ فترتبه فهتف ~~بي هاتف سيعلم من استخف بتراب ما يلقى غدا من سوء الحساب ، وقال بعض ~~العلماء : إن لأستحب أن يكون لي في لك شيء نية حتى في أكلي وشربي ونومي ، ~~وحدثت أن رجلا صلى مع سفيان صلاة العيد وكان قد خرج معه بغلس ، فلما أصبح ~~نظر وإذ إزار سفيان ms0985 مقلوب فقال له : يا أبا محمد قد لبست ثوبك مقلوبا ~~فأصلحه قال : فمد سفيان يده ليسوي إزاره ثم قبضها فلم يسوه فقا له الرجل : ~~ما منعك أن تسويه عليك ؟ قال : إني لبسته لله عز وجل فلا أريد أن أسويه ~~لغير ذلك ونادى رجل امرأته وكان فوق سطح يسرح شعره فقال : هاتي المدري ~~ليفرق به شعره فقالت امرأته : وأجيء بالمرآة فسكت هنية ثم قال : نعم ، فقال ~~له من سمعه لأي شيء سكت عن المرآة ؟ فقال له : إني قلت لها : هاتي المدري ~~بينة ، فلما قالت والمرآة ؟ فلم يكن لي في لمرآة نية ، فتوفقت حتى هيأ الله ~~لي نية فقلت نعم جيئي بها . وحدثونا عن بعض أصحاب بشر أن فتحا الموصلي دخل ~~عليه فقام له بشر ، قال : وما رأيته قام لغيره ، فقمت فأجلسني ، فلما انصرف ~~قلت له : قمت أنت إليه فلما قمت أنا أجلستني ، فقال : أنا قمت إليه لأجل ~~الله تعالى وأنت قمت لأجلي فأجلستك ، وحدثونا أن بعض الفقراء كان يصحب أبا ~~سعيد الخراز فكان يخف بين يديه في حوائجه ، ويخدم الفقراء ، ويسارع في قضاء ~~حوائج أبي سعيد وأصحابه ، قال : فتكلم أبو سعيد يوما في إخلاص الحركة فوقر ~~ذلك قي قلب الشاب فكأنه أخذ الإخلاص التفقد لحركته وخدمته فترك ما كان ~~يعمله من قضاء حوائج أبي سعيد في الخفة بين يدي إخوانه حتى أضر ذلك بأبي ~~سعيد فقال له : يا بني قد كنت تسعى في حوائج إخوانك ثم قطعت ذلك فما السبب ~~؟ فقال يا أستاذ إنك تكلمت في الإخلاص وأني خشيت أن تكون أفعالي مدخولة ~~فتركتها ، قال أبو سعيد : لا تغفل إن الإخلاص لايقطع المعاملة ولا ينبغي ~~للعاقل أن يترك العمل لأجل الإخلاص فيفوته الإخلاص والعمل ، ولم أقل لك : ~~اترك ما أنت عليه إنما قلت لك : أخلص فيه فإن طلبك للإخلاص قد قطعك عن عمل ~~البر وقد أضر ذلك بنا فارجع إلى ما كنت فيه وأخلص فيه لله تعالى ، فينبغي ~~للعبد أن يكون له نية خالصة في جميع تصرفه في حركته وسكونه وسعيه ms0986 وتركه ، ~~فإن الحركة والسكون اللذين هما أصلا الأعمال من أعماله التي يسأل عنها ~~فيحتاج إلى النية والإخلاص فيهما ، فليجعل جميع ذلك لله تعالى وفيه بعقد ~~واحد على مراتب من المقامات عنده ، إما حبا له وإجلالا له ، وإما خوفا منه ~~أو رجاء له ، أو لأجل ما أمره به ، فينوي أداء الفرائض ، أو لما ندبه فينوي ~~المسارعة إلى الخير ، وفيما أبيح له فتكون نيته في ذلك صلاحا لقلبه ، ~~وإسكان نفسه ، واستقامة حاله ، وذلك كله لأجل الدين وعدة الآخرة ، وشكرا ~~لربه تعالى ، ودخولا فيما أحل له ، PageV02P274 واعترافا بما أنعم عليه ، ~~واتباعا لسنة نبيه فيه ولا يكون واقفا مع طبع ولا جاريا على العادة ، وقال ~~أبو عبدة بن عقبة : من سره أن يكمل عمله فليحسن نيته ، فإن الله عز وجل ~~يأجرالعبد إذا حسنت نيته حتى باللقمة ، فأحسن تفسير النية بما فسره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإحسان فقال : تعبد الله كأنك تراه ~~فهذه شهادة العارفين ومعرفة الموقنين ، فهم مخلصو المخلصين ، وقال ابن ~~المبارك : رب عمل صغير تعظمه النية ، وقال بعضهم : القصد إلى الله تعالى ~~بالقلوب أبلغ من حركات الأعمال بالصلاة والصيام ونحوه ، وقال الأنطاكي : ~~إذا صارت المعاملة إلى القلب استراحت الجوارح ، وروي عن علي عليه السلام : ~~من كان ظاهره أرجح من باطنه خف ميزانه ، ومن كان باطنه أرجح من ظاهره ثقل ~~ميزانه يوم القيامة ، وقال داود الطائي : رأيت الخير كله يجمعه حسن النية ~~فكفاك به خيرا ، وإن لم ينصب ، وروي عن الحسن في تفسير قوله تعالى : ( ~~وآتيناه أجره في الدنيا ) العنكبوت : 27 ، قال : نيته الصادقة اكتسب بها ~~الأجر في الآخرة . وروي عن عبد الرحمن بن مربح قال : من قام إلى شيء من ~~الخير لا يريد به إلا الله عز وجل ، ثم عرض له من يريد أن يرائيه بذلك ~~أعطاه الله عز وجل بالأصل ، ووضع عنه الفرع ، ومن قام إلى شيء من الخير لا ~~يريد إلا المراءاة ثم فكر وبدا له فجعل آخر ذلك لله عز وجل أعطاه الله ~~تعالى بالفرع ms0987 ووضع عنه الأصل ، كأنه حسب ذلك توبة ؛ والتوبة مكفرة لماسلف ~~والله أعلم ، وقد تلتبس الفضائل بالمناقص لدقة معانيها وخفي علومها كصلاة ~~العبد النفل وهو يحسب أنه الأوجب ، من ذلك أن رجلا كان يصلي فدعاه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه فظن أن وقوفه بين يدي الله تعالى بالغيب ~~أفضل له ، فلما سلم جاءه فقال له صلى الله عليه وسلم : ما منعك أن تجيبني ~~حين دعوتك ؟ فقال : كنت أصلي ، فقال : ألم تسمع قول الله تعالى : ( ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الأنفال : 24 ؟ فكان إجابة ~~النبي صلى الله عليه وسلم أفضل له ، لأن صلاته نافلة وإجابة الرسولصلى الله ~~عليه وسلم فرض عليه ، قال بعضهم : من كان طلب الفضائل أهم إليه من أداء ~~الفرائض فهو مخدوع ، ومن شغل بغيره عن نفسه فقد مكر به ، وقال سفيان : ~~إنماحرموا الوصول بتضييع الأصول : فأفضل شيء للعبد معرفته بنفسه ، ثم وقوفه ~~على حده ، ثم إحكامه لحاله التي أقيم فيها ، ثم قيامه بعلمه الذي فتح له ، ~~فيبتدئ العمل بما افترض عليه بعد اجتنابه مانهى عنه مبلغ علمه ووسع وجده ، ~~لا يشتغل بطلب فضل حتى يحكم عمل فرض ، لأن الفضل ربح لا يصح إلا بعد رأس ~~المال ، ولكل فضل آفة قاطعة ، فمن سلم منها حاز فضله ، ولكل أمر نفيس مؤونة ~~ثقيلة ، فمن تحملها أدرك نفيسها ، ومن تعذرت عليه السلامة فهيهات أن يصير ~~إلى فضل كرامة ، ومن لم يصبر على تحمل غرامة لم يدرك علو مقامه ، وقد يلتبس ~~PageV02P275 التكلف بالإخلاص وإظهار العلم بظهور التزين به ، قال الثوري ~~رحمه الله : زين نفسك بالعلم لولا تزين به ؛ أي أدبها لله عز وجل فتكون ~~زينا في أوليائه ، ولا تتزين به عند الناس ليمدحوك عليه ويلتبس الاختبار ~~بالاختيار ما كان عن حاجة وتطرقت به إلى الله عز وجل ، والاختيار ما زاد في ~~الشهوة وكان سلما إلى الخلق كالتباس ستر العورة من الثياب بالفاخر منها ~~للنعمة والتكثر من الأسباب ، و وقد يتطوع العبد بعمل يضيع به فرضا وأحكام ~~الفرض لجواز السلامة ms0988 هو الفضل . وقد روي : إذا دعي أحدكم للطعام فإن كان ~~مفطرا فليجب وإن كن صائما فليقل إني صائم ، فأمره بإظهار عمله وهو يعلم أن ~~الإخفاء أفضل ، ولكن إظهار عمله من حيث لا يؤثر في قلب أخيه وجدا أفضل من ~~إخفائه لنفسه مع تأثير ذلك في قلب أخيه لتفضيل العمال على الأعمال ، إذ ~~الأعمال موقوفة على العامل ، فإنما يعطي الثواب على قدر العامل لا على قدر ~~العمل لتضعيف الجزاء لمن يشاء عز وجل على غيره في العمل لواحد ، فدل ذلك أن ~~المؤمن أفضل من العمل فقيل له : ارفع التأثير والكراهة عن قلب أخيك بإظهار ~~عملك ؛ فهو خير من إخفاء العمل مع وجد أخيك عليك ، لأن أخاك إذا دعاك إلى ~~طعام صنعه لك فلم تجبه ولم تعتذر إليه عذرا بينا يقبله منك ويعرفه شق عليه ~~ذلك إن كان صادقا في دعائك ، قال ابن شبرمة : سأل كرز بن وبرة ربه عز وجل ~~أن يعطيه الاسم الأعظم على أن لا يسأله شيئا من أمر الدنيا ، فأعطاه الله ~~تعالى ذلك فسأل أن يقوي أن يختم القرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات ، فقيل ~~لكرز : أتعبت نفسك في العبادة ، فقال : كم مقدار الدنيا قيل سبعة آلاف سنة ~~؟ قال : أما يرضى عبد أن يعمل سبعة آلاف سنة وينجو من يوم مقداره خمسين ألف ~~سنة ؟ وقال سري السقطي : ركعتان تخلصهماخير لك من أن تكتب سبعين حديثا أو ~~قال سبعمائة حديث . PageV02P276 # | الفصل التاسع والثلاثون في ترتيب الأقوات بالنقصان منها أو بزيادة ~~الأوقات # أما الأقوات فقد كان بعض السلف ينقص منها حتى يرد النفس إلى أقل قوامها ، ~~، فمن أراد هذا الطريق فلينقص في كل أكلة ربع سبع رغيف فيكون تاركا لرغيف ~~في شهر برياضة وتمهل ، فلا يؤثر النقصان عليه شيئا حتى تقف النفس على الأكل ~~في ثلث بطنها وهو ثلث أكله المعتاد ، وهذا طريق المريدين ، ومن العلماء من ~~لم يكن يعرض للأقوات ولكن يعمل في زيادة الأوقات فيؤخر أكله وقتا بعد وقت ~~حتى ينتهي إلى أكثر طاقة النفس لحمل الجوع بضعف ms0989 الجسم عن الفرض أو خشية ~~اضطراب العقل ، فمن أراد هذا الطريق أخر فطره كل ليلة إلى نصف سبع الليل ~~حتى يكون قد طوى ليلة في نصف شهر ؛ وهذا طريق من أراد الطي السبع والعشر ~~والخمس عشرة يوما إلى الأربعين ، لأنه يعمل في تجوعه على مزيد الأيام ولا ~~يعمل في نقصان الطعام فلا يؤثر ذلك نقصا في عقله ولا ضعفا عن أداء الفرائض ~~، إذا كان على صحة قصد وحسن نية وصدق عقد ، فإنه يعان على ذلك ويحفظ فيه ~~ويكون طعمه إذا أكل عند كل وقت يزيد فيه النقص ضرورة عن غيرتعمل لنقصانه ، ~~لأن معاه تضيق لا محالة ، فكلما زاد جوعه نقص أكله على هذا إلى أن ينتهي في ~~الجوع ، وينتهي في قلة الطعم ، ولا ينال فضيلة الجوع التي وردت به الأخبار ~~إلا بالطي ، ومن الناس من يقول : حد الجوع الأول من الوقت إلى مثله كالغد ~~أربعة وعشرون ساعة ، وحده الآخر اثنان وسبعون ساعة ؛ فهذا حد الجوع من ~~الأوقات فأما حده في الأقوات فكان بعضهم يقول : حد الجوع أن لا تطلب نفسك ~~الأدم ، فمتى طلبت نفسك الأدم مع الخبز فلست جائعا ؛ فهذا حد الأول ، وقيل ~~: حده الجوع أن تطلب الخبز فلا تميز بينه وبين غيره ، فمتى تاقت النفس إلى ~~الخبز بعينه فليست بجائعة لأن لها شهوة في التخير ، ومتى لم تميز بين خبز ~~وغيره من مأكول ؛ فهذا حد الجوع وهو الفاقة والحاجة إلى الطعام الذي جعله ~~الله تبارك وتعالى غذاء للأجسام ؛ وهذا يكون في آخر الحدين من الأوقات بعد ~~الثلاث إلى خمس وسبع ، ويكون طلب العبد عند هذا الجوع القوام من العيش ~~والضرورة من القوت وهو ما سد الجوعة وأعان على أداء الفريضة ؛ وهذا حال ~~PageV02P277 الصديقين وقد سمعت بعض هذه الطائفة يقول : حد الجوع أن يبزق ~~العبد ، فإذا لم يقع على بزاقه ذباب فقد خلت معدته من الطعام يريد أن بزاقه ~~قد خلا من الدسومة والدهنية وصار صافيا مثل الماء فلا يسقط عليه الذباب مع ~~نطق حاسته التي ركبت فيه وخفي إدراكه ms0990 لما يقع عليه ، فأما أكل العادات ~~والتنقل في الشهوات والأكل حتى يشبع ، فهذا عند العلماء مكروه ، وأهله ~~عندهم بمنزلة البهائم وأما الأكل على شبع والامتلاء حتى يتخم فهذا فسق عند ~~العلماء وقد قاله لي بعض العارفين . وروينا أنه قيل لأبي بكر : إن ابنك أكل ~~البارحة حتى بشم ، فقال : لو مات ما صليت عليه ، فأما الصوم فليس هو عندهم ~~الجوع المقصود لإسكان النفس وإخماد الطبع لأن الصوم يصير عادة ويرجع الصائم ~~إلى قوة طبعه إذا أفطر ، فأما إذا كان يصوم ويفطر على الشهوت ويمتلئ من ~~الأكل فإن صوم هذا لا يزيده إلا قوة طبع وظهور نفس ، وتفتق عليه الشهوات ، ~~ويدخل عليه الفتور عن الطاعات ، ويجلب عليه الكسل والسبات ، وربما قوي طبعه ~~جملة واحدة فظهرت عليه نفسه بقوة مجملة إلا إنه لا يجري في نهاره إلا فيما ~~أجريت عادته عليه وجعل حاله فيه من أبواب الدنيا والتنقل في الهوى ، وإن ~~كان ظاهر حاله أسباب الآخرة عنده لقصور علمه ، فإن شهودها دنيا ، فالتقلل ~~وأخذ البلغة من القوت في الأوقات مع الإفطار أصلح لقلب هذا ، وأدوم لعمله ، ~~وأبلغ في آخرته من مثل هذا الصوم ، لأن هذا الذي وصفناه هو صوم أبناء ~~الدنيا المترفين ليس بصوم أهل الآخرة الزاهدين ولكن بالتقلل والطي وترك ~~الشهوات واجتناب الشبهات تنكسر النفس وتذل ، ويخمد الطبع ، وتضعف الصفة عن ~~العادة ، وتقوي إرادة الآخرة ، ويعمل المريد في سعيها وتخرج حلاوة الدنيا ~~من القلب فيصير العبد مع التجوع والطي وترك النزهات كأنه زاهد . وروينا في ~~حديث أسامة بن زيد وأبي يزيد الطويل اختصرته : إن أقرب الناس من الله عز ~~وجل يوم القيامة من طال جوعه وعطشه وحزنه في الدنيا ، الأحفياء الأتقياء ~~الذين إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا ، تعرفهم بقاع الأرض وتحف ~~بهم ملائكة السماء ، نعم الناس بالدنيا ونعموا بطاعة الله عز وجل ، افترش ~~الناس الفرش وافترشوا الجباه والركب ، ضيع الناس فعل النبيين وأخلاقهم ~~وحفظوهم ، تبكي الأرض إذا فقدتهم ويسخط الله تعالى على كل بلدة ليس فيها ~~منهم ، لم يتكالبوا ms0991 على الدنيا تكالب الكلاب على الجيف ، أكلوا الفلق ~~ولبسوا الخرق ، شعثا غبرا ، يراهم الناس يظنون أن بهم داء ، يقال : قد ~~خولطوا وقد ذهبت عقولهم ، ولكن نظر القوم بقلوبهم إلى أن ذهبت الدنيا عنهم ~~، فهم عند أهل الدنيا يمشون بلا عقول ، عقلوا حيث ذهبت عقول الناس ، لهم ~~الشرف في الآخرة ، يا أسامة إذا رأيتهم في بلدة فاعلم أنهم أمان لتلك ~~البلدة ، لا يعذب الله عز وجل PageV02P278 قوما هم فيهم ، الأرض بهم رحيمة ~~، والجبار عنهم راض ، اتخذهم لنفسك أخدانا عسى أن تنجو بهم ، وإن استطعت أن ~~يأتيك الموت وبطنك جائع وكبدك ظمآن فإنك تدرك بذلك شرف المنازل وتحل مع ~~النبيين ، وتفرح بقدوم روحك الملائكة ، ويصلي عليك الجبار عز وجل ، وممن ~~اشتهر بالطي وكثر النقل عنه بذلك الخمس عشرة يوما إلى عشرين إلى شهر ، ~~جماعة من العلماء يكثر عددهم ؛ منهم : ابن عمرو العوفي ، وعبد الرحمن بن ~~إبراهيم دحيم ، وإبراهيم التميمي ، وحجاج بن قرافصة ، وحفص بن العابد ~~المصيصي ، والمسلم بن سعد ، وزهير البنائي ، وسليمان الخواص ، وسهل بن عبد ~~الله ، وإبراهيم الخواص ، وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يطوي ستا ، ~~وكان عبد الله بن الزبير يطوي سبعة أيام ، وكان أبو الجوزاء صاحب ابن عباس ~~يطوي سبعا ، وروي أن الثوري وإبراهيم بن أدهم كانا يطويان ثلاثا ثلاثا ، ~~وقد رأينا من كان يطوي تسعا وخمسا ، وكثيرا ممن يطوي ثلاثا ثلاثا . وقد قال ~~بعض العلماء : من طوى أربعين يوما من الطعام ظهرت له قدرة من الملكوت ، ~~وكان يقول : لا يزهد العبد حقيقة الزهد الذي لا مشوبة فيه إلا بمشاهدة قدرة ~~من غيب الملكوت ، وبعضهم يقول : لا يوقن العبد يقينا ثابتا بحكم عليه ~~لاستقامة فيه ، ولبسة حال لازمة ، وعلم نافذ في الملكوت ، إلا بمشاهدة قدرة ~~من قدرة الغيب ، برأي عين تظهر له بشهادة دائمة ، يقوم بها ويضطره ؛ فعند ~~هذا يعرف من الله تعالى ، ومنه المخصوص القيوم به ، ويصح لعبد مراد بهذا ~~الطريق المنهج أربعين في سنة وأربعة أشهر ، على ما نزلنا من تأخير الأوقات ~~وقتا بعد وقت ms0992 ، ورتبنا من رياضة النفس في الأوقات حتى تندرج الليالي في ~~الأيام ، وتدخل الأيام في الليالي ، فتكون الأربعون بمنزلة يوم واحد وليلة ~~واحدة ، وهذا طريق بعض المقربين ، لا يقدر عليه إلا مراد به ، محمول فيه ، ~~مكاشف بشهادة تشغله عن نفسه ، وتقطعه عن طبعه وعادته ، وتنسيه جوعه ، ويكشف ~~له حقيقته ومرجوعه ، وقد عرفنا من كان فعل ذلك ، وظهرت له آيات من الملكوت ~~، وكشف له عن معاني قدرة من الجبروت ، تجلى الله له عز وجل بها ومنها كيف ~~شاء ، وقد وقف بعض هذه الطائفة على راهب فذاكره بحاله ، وطمع في إسلامه ، ~~وترك ما هو عليه من الغرور ، فكلمه في ذلك بكلام كثير إلى أن قال له الراهب ~~: فإن المسيح كان يطوي أربعين يوما وأن معتقد إعجاز هذا وأنه لا يكون إلا ~~النبي ، فقال له الصوفي : فإن طويت خمسين يوما ما تترك ما أنت عليه وتدخل ~~في دين الإسلام ، وتعلم أن ما نحن عليه حق وأنك على باطل ؟ قال : نعم فقعد ~~عنده لا يبرح ولا يذهب إلا من حيث يراه الراهب PageV02P279 إلى أن طوى ~~خمسين يوما ، فقال : أزيدك أيضا ، فطوى إلى تمام الستين فعجب الراهب منه ~~واعتقد فضله وفضل دينه ، وقال : ما كنت أظن أن أحدا يجاوز فعل المسيح عليه ~~السلام ولكن هذه أمة تشبه الأنبياء في العلم والفضل ، فكان سبب إسلامه ، ~~وممن كان يطوي أربعين يوما إبراهيم التميمي وحجاج بن قرافصة ، فأما ~~الثلاثين والعشرين فقد حكي عن عدد كثير منهم : سهل بن عبد الله وجماعة من ~~البصريين ، وأما من يأكل في الشهر أكلتين وثلاثة وأربعة فهم كثير من ~~الشاميين والجزريين ، وإن أحب المريد أن يقسم فطره قسمين فيأكل رغيفا عند ~~إفطاره في أول الليل فيسكن بذلك جوعه ، ويأكل رغيفا عند السحر يستعين به ~~على صومه فحسن ، وإن أحب عمل في تأخير الإفطار على رياضة ، ووقف عند السحر ~~فلم يجاوزه ، فيكون أكله سحرا فيحصل له بذلك خمسة أشياء جوع النهار للصائم ~~، وجوع الليل للقائم ، وخلو القلب لفراغ المعدة ، ورقة الفكر واجتماع الهم ~~لخلو القلب ms0993 ، وسكون النفس للمعلوم فلا ينازعه قبل وقته ؛ وهذا أوسط الطرقات ~~وأحبها إلي وهو طريق السائرين . وفي حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي ~~هريرة قال : ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامكم هذا قط ، وإن كان ~~ليقوم حتى تزلع رجلاه ، وما واصل وصالكم هذا قط غير أنه قد أخر الفطر إلى ~~السحر . وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يواصل إلى السحر ، فإن كان المريد يصوم يوما ويفطر يوما ؛ وهو أعدل ~~طرقات الصيام أيضا ، أكل يوم فطره بعد الظهر وليلة صومه عند الفجر ، فإن لم ~~يفعل فليأكل يوم فطره نصف أكله بالأمس فكأنه صائم ، فإن لم يفعل اضطراب ~~جسمه وداخله الفتور في حاله ، ومن لم يكن له معلوم فلا بأس أن يأكل شبعه ثم ~~يتربص حتى ينتهي جوعه ؛ فعلامة جوعه ، أن لا تختار نفسه الخبز دون غيره من ~~المأكولات ، فإن اختارت نفسه الخبز ففيه بقية من الشبع ، وعلامة شبعه بعد ~~الأكل أن يأكل الخبر البحت على شهوة ، فإذا تاقت نفسه إلى الأدم فقد ابتدأ ~~شبعه ، فإن تخيرت الأدام فهو شبعان ، وترك المعلوم في الطعام طريق صوفية ~~البغداديين ، والوقوف مع المعلوم طريقة البصريين ، ولما قدم صوفية أهل ~~البصرة على أبي القاسم الجنيد بعد وفاة سهل رحمه الله تعالى قال لهم : كيف ~~تعملون في الصوم ؟ فقالوا : نصوم بالنهار فإذا أمسينا قمنا إلى قفافنا ، ~~فقال : آه آه لو كنتم تصومون بلا قفاف كان أتم لحالكم ؛ أي لا تسكنون إلى ~~معلوم ، فقالوا : لا نقوى على هذا ولعمري أن طريق البغداديين بترك المعلوم ~~من المطعوم أعلى ؛ وهو طريق المتوكلين من الأقوياء وطريقة البصريين ~~بالمعلوم ، والتوقيت أسلم من آفات النفوس وأقطع للتشرف والتطلع ؛ وهو طريق ~~المريدين والعاملين . PageV02P280 # | ذكر رياضة المريدين في المأكول وفضل الجوع وطريقة السلف في التقلل ~~والأكل # كان أبو ذر يقول في بعض إنكاره : قد غيرتم بنخلكم الشعير ولم يكن منخل ، ~~وخبزتم المرقق وجمعتم بين أدمين ، واختلف عليكم بألوان الطعام وغدا أحدكم ~~في ثوب ms0994 ، ورجع في آخر ، ولم يكونوا هكذا في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، وكان يقول : قوتي في كل جمعة صاع من شعير والله العظيم لا أزيد عليه ~~حتى ألقاه ، فإني سمعته يقول صلى الله عليه وسلم : أحبكم إلى وأقربكم مني ~~مجلسا يوم القيامة من مات على مثل ما تركته عليه ، وقد كان قوت جماعة من ~~الصحابة صاع من حنطة في كل جمعة ، فإذا أكلوا التمر اقتاتوا صاعا ونصفا ، ~~وكان قوت أهل الصفة مد من تمر بين اثنين في كل يوم ، والمد رطل وثلث ، وكان ~~الحسن يقول : المؤمن مثل العنيزة يكفيه الكف من الحشف ، والقبضة من السويق ~~، والجرعة من الماء ، والمنافق مثل السبع سرطا سرطا وبلعا بلعا ، لا يطوي ~~بطنه لجاره ، ولا يؤثر أخاه بفضله ، وجهوا هذه الفضول أمامكم ، وكان أبو ~~يزيد البسطامي يقول : إذا وجد الفقير الماء سقط عنك فرضه . وفي الحديث ~~المشهور العام : المؤمن يأكل في معي واحد والمنافق يأكل في سبعة أمعاء ، ~~هذا على التمثيل في الاتساع والكثرة ؛ أي يأكل أضعاف أكل المؤمن ، فكان ~~المؤمن يأكل سبع أكل المنافق ، والعرب ترفع في ذكر ضعف الشيء وإضعافه إلى ~~سبعة ، وقد فسر ذلك عالمنا أبومحمد سهل فقال : معنى يأكل في سبعة أمعاء ؛ ~~أحدها شره ، وطمع ، وحرص ، ورغبة ، وغفلة ، وعادة ، أي فالمنافق يأكل بهذه ~~المعاني ، والمؤمن يأكل بمعنى الفاقة ، والزهد ، ولهذا كان يقول : لو كانت ~~الدنيا دما غبيطا كان قوت المؤمن منها حلالا ، لأن أكل المؤمن عنده ضرورة ~~للقوام ، ومن الناس من يضيف هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو مخطئ في ذلك ، إنما هو كلام إمامنا سهل بن عبد الله التستري رحمه الله ~~، وقد سئل عن قوت المؤمن فقال : قوته الله تعالى ، قال : سألت عن قوامه ، ~~فقال : الذكر فقال : إنما سألت عن غذائه ، فقال : غذاؤه العلم ، قلت : سألت ~~عن طعمة الجسم ، فقال : ما لك والجسم ، دع الجسم على من تولاه قديما يتولاه ~~الآن ، ثم قال : الجسد صنعة إذا عابت ردها إلى صانعها ، وسئل أيضا عن ~~الحلال ms0995 ، فقال : ما لم يعص الله في أوله ولم ينس في آخره ، وذكر عند تناوله ~~وشكر بعد فراغه ، وكان يقول : القوت للمؤمنين والقوام للصالحين ، والضرورة ~~للصديقين ، ومن كان ذا معلوم فالمستحب له أن لا يزيد على رغيفين في يوم ~~وليلة ، وليجعل بينهما وقتا PageV02P281 طويلا مرة وقصيرا أخرى على حسب ~~الحاجة وتوقان النفس إلى الغذاء ، لاعلى طرد العادة والشهوة ، والرغيف ستة ~~وثلاثون لقمة يكون قوام النفس في كل ساعة ثلاث لقمات ، فإذا أراد أن يأكل ~~الرغيف على هذا التقسيم فليجرع بعد كل ثلاث لقم جرعة ماء ، فذلك اثنا عشر ~~جرعة في تضاعيف ستة وثلاثين لقمة ، ففي ذلك قوام الجسم وصلاحه في كل يوم ~~وليلة على هذا الترتيب . وقد روينا في مجمل هذا أثرا ، كان أبوذر يقول : ~~كان قوتي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا في كل جمعة ، والله ~~العظيم لا أزيد عليه حتى ألقاه ؛ فهذا يكون في كل يوم رطل أو نحوه ، والأصل ~~في جمل ما ذكرناه من التنزل في القوت ما رويناه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نظر إلى رجل سمين فأومأ إلى بطنه بأصبعه ، فقال : لو كان هذا في غير ~~ها كان خيرا لك ؛ يعني لو قدمته لآخرتك وآثرت به إخوانك فكان في غير جوفك ~~لكان ذلك خيرا لك ، ويعني قلة الطعم خير من كثرته وتجشا أبو جحيفة عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من ثريد ولحم ، قال : كنت أكلته ، فقال : اكفف عنا ~~جشاءك ، فإن أكثركم شبعا في الدنيا أطولكم جوعا يوم القيامة ، قال : فوالله ~~ما ملأت بطني من طعام بعدها إلى يومي هذا ، وأرجو أن يعصمني الله فيما بقي ~~، وقد روينا عن الحسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال ~~البسوا الصوف وشمروا وكلوا في إنصاف البطون تدخلوا في ملكوت السماء . ~~وروينا عن عيسى عليه السلام : أجيعوا أكبادكم وأعروا أجسادكم لعل قلوبكم ~~ترى الله عز وجل ، وقد رواه عبد الرحمن بن يحيى الأسود عن طاوس رفعه إلى ~~رسول الله صلى ms0996 الله عليه وسلم أنه قال : وقيل لأبي يزيد البسطامي وهو أعلى ~~هذه الطائفة إشارة بأي شيء نلت هذه المعرفة ؟ قال : ببطن جائع وجسد عار ، ~~وفي التوراة مكتوب : أن الله تبارك وتعالى ليبغض الحبر السمين ، وفي بعض ~~الكتب : ويمقت أهل بيت لحمين ، وقد جاءا مسندين إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من طريق ، وقد روينا عن ابن مسعود أن الله عز وجل يبغض القارئ ~~السمين ، وفي خبر مرسل : أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا ~~مجاريه بالجوع والعطش ، فإذا جعل العبد شبعه بين جوعين كان جوعه أكثر من ~~شبعه وسلم من حديث أبي خحيفة ، ومن كانت له جوعة بعد كل شبعة اعتدل جوعه ~~وشبعه ، ومن أكل يوم في كل مرتين فقد تابع الشبع وتحقق بخبر أبي جحيفة ~~وشبعه ، حينئذ أكثر من جوعه ؛ وليس ذلك من السنة PageV02P282 وهو من فعل ~~المترفين وقد كانوا يعدونه سرفا . وقد روينا عن أبي سعيد الخدري عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا تغدى لم يتعش ، وإذا تعشى لم يتغد ، ~~وكان السلف يأكلون في كل يوم أكلة ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لعائشة رضي الله عنها : إياك والإسراف ، فإن أكلتين في يوم من الإسراف ~~، وقد قال الله عز وجل : ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ) ~~الفرقان : 67 فكأن أكلتين في يوم إسراف ، وأكلة في يومين إقتار وأكلة في ~~يوم قواما بين ذلك ، وأقول على هذا إن أكل أربعة أرغفة سرف ، وزغيفين قتر ، ~~وثلاثة أرغفة قوام حسن ؛ وهذا أعدل الأقوات ولا يعجبني أكل أربعة أرغفة في ~~مقام واحد لأني لا آمن به ازديادا فيصير ذلك مقتا ، وقد يروى في خبر الأكل ~~على الشبع يورث البرص ، وقال بعض السلف : إن من السرف أن يأكل العبد كلما ~~يشتهيه ، وقد كان للصحابة أكلتان وشربتان ، فالأكلتان الوجبة والغبوق ، ~~فالوجبة من الوقت إلى الوقت ، وكقولك الوقعة ، ومنه قوله : فإذا وجبت ~~جنوبها فكلوا منها ؛ أي إذا وقعت جنوب البدن على الأرض ، والغبوق أن ms0997 يشرب ~~مذقه لبن ، أو يأكل كف تمر عند النوم ، أو بعد عتمة ، أو يكون عند الظهيرة ~~، وقد يكون ذلك سحرا ، والشربتان العلل والنهل ، فالنهل الشربة الأولى من ~~اللبن بمنزلة الوجبة ، والعلل الشربة الثانية بمنزلة الغبوق من نقيع تمر أو ~~زبيب يقوم مقام الأكلتين فهن تمام الري ، والأولى علالة النفس من العطش ~~فسمي عللا ، وكان من أخلاف السلف ترك الشبع اختيارا لأنفسهم لخفة الجسم ، ~~أو مواساة الفقراء ، أو مساواة لهم في الحال لئلا يفضل عليهم في حالهم ؛ ~~ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها : أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الشبع ، إن القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم نفوسهم إلى الدنيا . ~~وروينا في خبر : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجوع لا من عوز أي ~~مختارا له مع الإمكان في الأوقات ، وقال بعض العلماء : أبغض الأشياء إلى ~~الله عز وجل بطن مليء ولو من حلال . وقد روينا معناه مسندا وفي الخبر ~~الإسرائيلي أن يحيى عليه السلام ظهر له إبليس فرأى عليه معاليق من ألوان ~~الأصباغ من كل شيء ، فقال له : ما هذه المعاليق ؟ قال : شهوات بني آدم ، ~~قال : فهل لي فيها شيء ؟ قال : ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وعن الذكر ، ~~قال : هل غير ذلك ؟ قال : لا ، قال لله تبارك وتعالى على أن لا أملا بطني ~~من طعام أبدا ، قال إبليس : ولله علي أن لا أنصح مسلما أبدا ، وقد كان من ~~أخلاق التابعين الصبر على الطعم إلى أحد حدي الجوع ؛ الأول منها وهو أربعة ~~وعشرون ساعة ، ولم يكن من PageV02P283 أخلاقهم الأكل للعادة ولا تخير ~~الأطعمة ، ولا تعمد الخبر خاصة دون غيره من المأكولات إذا سد الجوعة وقامت ~~به البلغة ، وكان أبو سليمان الداراني يقول : إذا عرضت لك حاجة من حوائج ~~الآخرة فاقضها قبل أن تأكل ، فما من أحد شبع إلا نقص من عقله ، أو قال : ~~تغير تقله عما كان عليه ، وكان يقول لأن أترك من عشائي لقمة أحب إلي من ~~قيام ليلة ، هذا لإيثاره الجوع والتقلل على العباد ms0998 مع التكثر . وروينا عن ~~وهب بن منبه وغيره أن عابدا دعا بعض إخوانه فقرب إليه رغيفان فجعل أخوه ~~يقلب بعض الأرغفة ليختار أجودها ، فقال له العابد : من أي شيء تصنع ؟ أما ~~علمت أن هذا الرغيف الذي رغبت عنه ولم تقنع به قد عمل فيه كذا وكذا صانع ، ~~وظهرت فيه كذا وكذا صنعة ؛ منها السحاب الذي يحمل الماء ، والماء الذي يسقي ~~الأرض ، والأرض التي أنبتتت ، والرياح ، والبهائم ، وبنو آدم حتى صار إلىك ~~، ثم أنت بعد هذا تقلبه لا ترضى به ؟ وقال الآخر زيادة في الخبر : إن ~~الرغيف لا يستدير فيوضع بين يديك حتى يعمل فيه ثلاثمائة وستون صانعا وصنعة ~~؛ أولهم ميكائيل الذي يكيل الماء من خزائن الرحمة ، ثم الملائكة التي تزجر ~~السحاب والشمس القمر والأفلاك وملكوت الهواء ودواب الأرض ، وآخر ذلك الخباز ~~، ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) إبراهيم : 34 والخبر المشهور : ما ملأ ~~ابن آدم وعاء شرا من بطن فدل أن ما نقص من ملء البطن فذلك خير ، ثم قال : ~~حسب ابن آدم لقيمات يشددن صلبه ، ففي قوله : لقيمات معنيان ؛ التقلل ~~والتصغير ، لأن التاء تدخل للجمع القليل وهو ما دون العشرة من العدد ، ~~والمعنى الآخر هو التصغير لأن لقيمة تصغير لقمة ، ثم قال : فإن لم يفعل ~~فثلث طعام وثلث شراب وثلث للنفس ، وفي لفظ آخر : وثلث للذكر ، فدل أيضا أن ~~ملء البطن يمنع من الذكر وما منع من الذكر فهو شر ، قال الله سبحانه وتعالى ~~: ( والله خير وأبقى ) طه : 73 ، وقال : ( والآخرة خير وأبقى ) الأعلى : 17 ~~ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : ثلث طعام أن يأكل شبعه المعتاد فيصير ثلث ~~الشبع قوام الجسد باعتياد ثان ، كما كان ملء البطن من الشبع هو العادة ~~الأولى ، وثلث الشبع هو ثمان أواق ؛ فهذا على معنى الخبر الآخر : طعام ~~الواحد يكفي الاثنين وطعام الانين يكفي الأربعة ، ففي هذا خمسة أوجه ، قال ~~بعض علمائنا البصريين : طعام الواحد شبعا يكفي الاثنين قوتا ، وطعام ~~الاثنين PageV02P284 شبعا يكفي الأربعة قوتا ، ومنهم من قال : طعام المسلم ~~يكفي مؤمنين ، وطعام ms0999 مسلمين يكفي أربعة من خصوص المؤمنين ، ويجوز أيضا أن ~~يكون طعام الواحد من المنافقين يكفي مسلمين على معنى قوله : المؤمن يأكل في ~~معى واحد والمنافق في سبعة أمعاء ، ويصلح أن يكون معناه طعام الواحد من ~~الصناع المتصرفين في المعايش يكفي اثنين ممن هو قاعد لا يتصرف ، ويصلح أيضا ~~طعام الواحد من المفطرين يكفي طعام صائمين من الخصوص ، وفي خبر عمر رضي ~~الله عنه حين قال لابن مسعود وأبي موسى في قصة المرتد الذي قتلاه قبل أن ~~يستتيباه ويحكما : ألا طينتم عليه بيتا وألقيتم إليه كل يوم رغيفا ثلاثة ~~أيام ، فلعله أن يتوب ويرجع إلى الإسلام ، اللهم إني لم آمر ولم أعلم ولم ~~أرض إذ بلغني فدل هذا أن في كل رغيف كفاية يوم وثلاثة أرغفة عندنا بالحجاز ~~رطل ، لأن الرطل المكي عدد ستة أقراص مذ ذاك إلى يومنا ، هذا فيكون كل رغيف ~~ثمان أواق ؛ فهذا كما قلناه : إن ثماني أواق ثلث الشبع لقوله ثلث طعام بعد ~~قوله لقيمات جمع لما دون العشرة ، وهذا مواطئ لما روي عن عمر رضي الله عنه ~~أنه كان يأكل سبع لقم ، وحدثونا في أخبار الخلفاء أن الرشيد جمع أطباء : ~~هندي ، ورومي ، وعراقي ، وسوادي ، فقال لهم : ليصف كل واحد منكم الدواء ~~الذي لا داء فيه ، فقال الهندي : الدواء الذي لا داء فيه عندي هو الاهليلج ~~الأسود ، وقال الرومي : الدواء الذي لا داء فيه حب الرشاد الأبيض ، وقال ~~العراقي : الدواء الذي لا داء فيه الماء الحار ، فقال السوادي ، وكان ~~أعلمهم : إن الاهليلج يعفص المعدة وهذا داء ، وإن حب الرشاد يرق المعدة ~~وهذا داء ، وإن الماء الحار يرخي المعدة وهذا داء ، قالوا : فما عندك ؟ قال ~~: الدواء الذي لا داء فيه أن لا تأكل الطعام حتى تشتهيه وترفع يدك عنه وأنت ~~تشتهيه ، فقالوا : صدق . وحدثني بعض العلماء قال : ذكرت لبعض الفلاسفة من ~~أطباء أهل الكتاب قول النبي صلى الله عليه وسلم : ثلث طعام ، وثلث شراب ، ~~وثلث نفس ، فتعجب منه واستحسنه وقال : ما سمعت كلاما في قلة الأكل أحكم من ms1000 ~~هذا وإنه لكلام حكيم ، ثم قال : جهدت الأطباء من الفلاسفة أن يقولوا مثل ~~هذا في التقلل من الأكل فلم يهتدوا إليه فأكثر ما قالوا : لا تقعد على ~~طعامك حتى تشتهيه وترفع يدك عنه وأنت تشتهيه ، ومنهم من قال : لا يأكل إلا ~~بعد الجوع ويرفع قبل الشبع ، ومنهم من قال : لا يأكل إلا بعد الجوع المفرط ~~ولا يشبع شديدا ، وإنما كان مراده هذا الذي ذكره نبيكم ، وقد كان بعض ~~علمائنا يقول : من أكل خبز الحنطة بحتا بأدب لم يعتل إلا علة الموت ، قيل ~~له : وما الأدب قال : يأكل بعد الجوع ، ويرفع قبل الشبع ، والأصل في هذا أن ~~العلل داخلة على الأجسام من اختلاف نبات الأرض ، لأن المعدة مركبة على ~~طبائع أربع : الحرارة ، PageV02P285 والبرودة ، والرطوبة ، واليبوسة ، ~~وكذلك منابت الأرض على هذه الطبائع فإذا أكثر من اختلاف منابتها أمالت ~~الحرارة والبرودة من النبات غرائز الطبائع من الحرارة والبرودة من المعدة ، ~~وأمالت الرطوبة واليبوسة من النبات غرائز الطبائع من الرطوبة واليبوسة ، ~~فزاد بعض على بعض وقوي وصف على مثله فكانت الأمراض من مثل ذلك ، لأن كل ~~مأكول من نبات الأكل يعمل في وصف من معاني الجسم ، وأن الحنطة مخالفة لسائر ~~نبات الأرض المعتدلة في الطبائع الأربع كاعتدال الماء في سائر الأشربة ، ~~وقد شبهوا لحم الدراج في خفته وقلة دهنه من سائر اللحوم بطبع الحنطة في ~~سائر الحبوب . وقال بعض الأطباء : كل من الخبز بحتا ما شئت ، فإن لا يضرك ، ~~وقال غيره : أكل الخبز وحده خير من الأدم المردي ، وقال بعضهم : لم يدخل ~~الإنسان إلى معدته أنفع من الرمان ، ولا أضر من المالح ، ولأن يتقلل من ~~المالح خير له من أن يستكثر من الرمان ، وقد مثل الأترج من سائر الفاكهة ~~على سائر المعدة في الطبائع الأربع ، وقد شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المؤمن بالأترجة طعمها طيب وريحها طيب ؛ فهذه لطيفة من اللطيف ، وحكمة من ~~الحكيم تعالى ، إذا أراد صحة جسم عبد أوحى إلى المعدة أن يأخذ كل طبع منها ~~ضده من نبات الأرض ms1001 الذي وقع في المعدة ، فيأخذ طبع الحرارة طبع البرودة ، ~~ويأخذ طبع الرطوبة طبع اليبوسة من المأكول ، فتعتدل الطبائع ، فاستوى ~~المزاج فيكون ذلك سببا لصحة الجسم من علله ، فإذا أراد أسقام جسم أمر كل ~~طبيعة أن تأخذ جنسها ومثلها من المأكولات من نبات الأرض مثله ، فتضرب ~~المزاجات ، ثم يدور ذلك في الجسد بمجاري العروق ومصباته إلى الأعضاء ~~المتفاوتة الأدوات ، فتقع كل أداة في عضو ضدها فتثقل بها ، ويغشي كل آلة من ~~جارحة ما لا يلائمها من طبعها فيسقم الجسم وتتفاوت العلل ، فيكون هذا سبب ~~الأمراض والعوارض ، نعوذ بالله ذلك تقدير العزيز العليم . وقد روينا : أصل ~~بنية الإنسان عن الله تعالى في صفة خلق آدم عليه السلام ، حدثنا عن البراء ~~قال : حدثنا عبد المنعم بن إدريس قال : حدثني أبي عن ابن منبه اليماني أنه ~~وجد في التوراة صفة آدم عليه السلام حين خلقه الله عز وجل وابتدعه ، فقال : ~~إني خلقت آدم ركبت جسده من أربعة أشياء ، ثم جعلتها وراثة في ولده تنمي في ~~أجسادهم ، وينمون عليها ركبت جسده من رطب ويابس وسخن وبارد ، وذلك لأني ~~خلقته من التراب ، ورطوبته من الماء وحرارته من قبل النفس ، وبرودته من قبل ~~الروح ، ثم جعلت في الروح بعد هذا الخلق الأول أربعة أنواع من الخلق هن ~~ملاك الجسم بإذني وقوامه لا يقوم الجسم إلا بهن ، ولا يقوم منهن واحدة إلا ~~بأخرى منهن المرة السوداء والمرة الصفراء والدم والبلغم ، ثم أسكت بعض هذا ~~الخلق في بعض ، فجعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء ، ومسكن الرطوبة في ~~المرة الصفراء ، ومسكن الحرارة في الدم ، ومسكن البرودة في البلغم ، فأيما ~~جسد اعتدلت فيه هذه الفطر الأربع التي جعلتها ملاكه وقوامه فكانت كل واحدة ~~منهن ربعا لا تزيد ولا تنقص ، كملت صحته واعتدلت بنيته ؛ PageV02P286 فإن ~~زاد منهن واحدة عليهن قهرتهن ومالت بهن ، ودخل عليه السقم من ناحيته بقدر ~~غلبتها حتى تضعف عن طاعتهن ، وتعجز عن مقاربتهن ، ثم ذكر الحديث بطوله : ~~وقد تغلب الحرارة على بعض المريدين من قبل قوة المزاج وحدة الشبهات ms1002 ، فيظهر ~~الطبع فيتسع المني على العزب ، كما تقوى الحرارة فينبع الدم ؛ لأن أصل ~~المني هو الدم يتصاعد في خرزات الصلب وهناك مسكنه فتنضجه الحرارة فيستحيل ~~أبيض ، فإذا امتلأت منه خرزات الصلب وهو الفقار طلب الخروج من مسلكه فقويت ~~الصحة بذلك ، فهذا حين هيجان الإنسان إلى النكاح ، ولا يصلح لمثل هذا أن ~~يأكل الحرارات من الأطعمة ، وليطفئ ذلك بأكل البرودات والأشياء القاطعة ، ~~وليجتنب أكل كل حار يابس أو بارد رطب ؛ فإنه يهيج الطبع ويقوي العضو . وقد ~~روينا عن قتادة في تفسير قوله تعالىك ( ولا تحملناما لا طاقة لنا به ) ~~البقرة : 286 ، قال الغلمة وقال فياض بن نجيح : إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلث ~~عقله . وقد روينا عن ابن عباس في قوله تعالى : ( ومن شر غاسق إذا وقب ) ~~الفلق : 3 قال : قيام الذكر ، وقد أسند بعض الرواة إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلا أنه قال : الذكر إذا دخل ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان يقول : أعوذ بك من شر سمعي وبصري ولساني وقلب ومنيي وروينا عن ~~أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهن أجمعين السلام أنهن كن يأكلن ~~الخل والبرودات بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطعن به الشهوة ، ~~وروى بعض أشياخ الصوفية قال : اشتدت علي صفتي في بدء إرادتي بما لم أطق ~~فكنت أضج إلى الله تعالى في كل وقت فرأيت شخصا في النوم فقال لي : ما لك ؟ ~~فشكوت إليه ، فقال : تقدم إلي فتقدمت فوضع يده على صدري فوجدت بردها في ~~فؤداي وجميع جسدي ، قال : فأصبحت وقد انكشف مابي فبقيت معافى سنة ، ثم ~~عاودني ذلك بمثله أو أشد فأكثرت الضجيج إلى الله عز وجل فجاءني شخص في ~~المنام قال : تحب أن يذهب ما تجد وأضرب عنقك ؟ فقلت : نعم ، فقال : مد ~~رقبتك ، فمددتها فجرد سيفا من نور فضرب به عنقي ، قال : فأصبحت وقد انكشف ~~ما بي فبقيت معافى سنة ، ثم عاودني بمثله من الاغتلام وأشد فرأيت شخصا ~~يخاطبني فيما بين صدري وثوبي : فقال ويحك ms1003 كم تسأل الله تعالى رفع ما لم يحب ~~رفعه ؟ قال : فتزوجت فانقطع عني ولم يعاودني ، فكان ذلك سبب ذريته وولد له ~~، فإذا كان العبد ناسيا لجوعه ذاكرا لربه عز وجل فهو يشبه الملائكة ، وإذا ~~كان شبعان مهموما في طلب الشهوات فهو أشبه بالبهائم . PageV02P287 ويقال إن ~~الجوع ملك والشبع مملوك ، إن الجائع عزيز والشبعان ذليل ، وقيل : الجوع عز ~~كله ، والشبع ذل كله ، وقال بعض السلف : الجوع مفتاح الآخرة وباب الزهد ، ~~والشبع مفتاح الدنيا وباب الرغبة . وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : إن لكل شيء بابا ، وباب العبادة الصوم ، والخبر المشهور : صوموا ~~تصحوا فصحة القلوب من علل الرؤوس أعلى وأحسن من صحة الأجسام من علل الأسقام ~~. وقد روينا عن عائشة رضي الله عنها قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول : أديموا قرع باب الجنة يفتح لكم ، قلت : وكيف نديم قرع باب ~~الجنة يا رسول الله ؟ قال : بالجوع والظمأ ، وقد نوع أبو سعيد الخراز ~~مقامات أهل الجوع في مقاصدهم عن مواجيدهم وهممهم ، فحدثني الجهضمي عن أحمد ~~بن شاكر قال : سمعت أبا سعيد يقول : سمعت الثقة من علمائنا يقول عن عبد ~~الواحد بن زيد : إنه كان يقسم بالله ما صافى أحد إلا بالجوع ، ولا مشوا على ~~الماء إلا بالجوع ، ولا طويت لهم الأرض إلا بالجوع . وكان يعد الأخلاق ~~السنية الشريفة المحمودة ويحلف أنهم ما نالوها إلا بالجوع ، قال أبو سعيد : ~~معنى الجوع اسم معلق على الخلق افترقوا في الدخول فيه والعمل به لعلل كثيرة ~~، فمنهم من يجوع ورعا إذا لم يصب الشيء الصافي ، ومنهم من وجد الشيء الصافي ~~فتركه زهدا فيه من مخافة طول الحساب والوقوف والسؤال ، ومنهم من استلذ ~~العبادة والنشاط بها والخفة فرأى النيل من الطعام والشراب قاطعا له وشغلا ~~عن الخدمة والخلوة ، ومنهم من قرب من الله عز وجل فلزم قلبه حقيقة الحياء ~~حين علم أن الله تبارك وتعالى مشاهده ، وكان الحياء مقامه لا غير ، فتوهم ~~أن الله تعالى يراه وهو يمضغ بين يديه ويأكل ويشرب ms1004 فيؤديه ذلك إلى الكنيف ~~فيجوع من هذه العين ، وهكذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، ومنهم من ~~أدركه السهو عن حاجاته فسلا عن نيل مصلحتين حتى يذكر في الغيب أو يذكر . ~~وقال أبو سعيد الخراز أيضا : قال جماعة من الحكماء : إن الله تعالى لا يكلم ~~أحدا ، وفي بطنه شيء من الدنيا ؛ فهذا يدل على أمره لموسى عليه السلام ، ~~يقول : النيل ليلقاه خاليا من الدنيا ، وبنفس ساكنة عن المنازعة إلى شيء من ~~الملك ، وروح روحانية قد أحياها الحي لحياته فعند ذلك يصلح هذا الشخص ~~لمخاطبته مثلا بلا ترجمان . وحدثني الحسن بن يحيى البستي عن ابن مسروق قال ~~: لقيت سهل بن عبد الله ، فلما PageV02P288 دخلت عليه وبشرني وقبلني وكان ~~في إرادة وتذلل فقلت له : أحب أن تصف لي بدايتك وما كنت تقوت به ، فقال : ~~في كل سنة ثلاثة دراهم ؛ كنت آخذ بدرهم دبسا ، وبدرهم سمنا ، وبدرهم دقيق ~~الرز ، وأشوبه مخلصا ثلاثمائة وستين أكرة آخذ ليلة أكرة أفطر عليها ، فقلت ~~: الساعة كيف تعمل ؟ فقال : أكلا بلا حد ولا توقيف . وحدثونا في أخبار ~~الملوك أن ملك الهند أهدى إلى المنصور تحفا منها أنه وجه إليه بفيلسوف طبيب ~~قال : فأنزله المنصور وأحسن إليه ، فلما دخل عليه قال الفيلسوف : قد جئتك ~~يا أمير المؤمنين بثلاث خصال يتنافس الملوك فيها لا نصنعها إلا لهم قال : ~~وماهي ؟ قال : أخضب لحيتك بسواد لا تنصل أبدا ولا تتغير عن حالها ، قال : ~~وما الخصلة الثانية ؟ قال : أعالجك بعلاج تتسع به في المأكل فتأكل أي شيء ~~شئت فلا تتخم ولا يؤذيك الطعام ، قال : وما الثالثة ؟ قال : أقوي صلبك بقوة ~~تبسط إلى الجماع فتجامع ما شئت لا تمل من ذلك ولا يضعف بصرك ولا ينقص من ~~قوتك ، قال : فأطرق المنصور ثم رفع رأسه إليه فقال : قد كنت أظن أنك أعقل ~~مما أنت ، أما السواد فلا حاجة لي به ؛ فإن ذلك غرور وزور ، والشيب هيبة ~~ووقار ، ولم أكن لأغير نورا جعله الله تبارك وتعالى في وجهي بطلمة السواد ، ~~وأما ما ذكرت من الأكل ms1005 فوالله ما أنا بشره ، وما لي في الاستكثار من الطعام ~~حاجة ، لأنه يثقل الجسم ويشغل عن النوائب وأقل شيء فيه كثرة اختلافي إلى ~~الخلاء فأرى ما أكره وأسمع ما لا أحب ، وأما ماذكرت من النساء فإن النكاح ~~شعبة من الجنون ، وما أقبح بخليفة مثلي يجثو بين يدي صبية ، ارجع إلى صاحبك ~~مذموما مدحورا فلا حاجة لي بما جئت به . وحدثونا عن بعض هذه الطائفة قال : ~~أتيت قاسما الجوعي فسألته عن الزهد أي شيء هو ؟ فقال لي : أي شيء فيه ؟ ~~فقلت : قالوا الزهد قصر الأمل ، فقال : وأي شيء سمعت فيه ؟ فقلت : قالوا ~~الزهد ترك الادخار ، فقال : حسن ؛ حتى عددت عليه أقوالا فسكت ، فقلت : أي ~~شيء تقول أنت ؟ فقال : أعلم أن البطن دنيا العبد وبمقدار ما يملك من بطنه ~~يملك من الزهد ، وبمقدار ما يملكه بطنه تملكه الدنيا ، وعلى هذا المعنى قال ~~وهب بن منبه حكيم هذه الأمة : لكل شيء وسط وطرفان ، فإذا أمسكت أحد الطرفين ~~مال الآخر ، وإن أمسكت الوسط اعتدل الطرفان ، فكذلك البطن وسطا بين الجوارح ~~إن امسكتها اعتدلت الأطراف السمع والبصر واللسان والفرج والرجلان ، وكذلك ~~كان شيخنا ابن سالم يقول : إذا أعطيت البطن حظه من الشبع طلبت كل جارحة ~~حظها من اللهو فجمحت بك النفس إلى الهلكة ، وإذا منعت البطن حظه قصرت عنك ~~كل جارحة عن حظها فاستقام القلب لذلك . وكان بشر بن الحارث قد اعتل فسأل ~~عبد الرحمن المتطبب عن شيء يوافقه من المأكول فقال له عبد الرحمن : تسألني ~~؟ فإذا وصفت لك لم تقبل مني ، فقا له بشر : صف PageV02P289 لي حتى أسمع ، ~~فقال : تحتاج تستعمل ثلاثة أشياء ، فإن فيهن صلاح جسمك ، قال : ما هن ؟ قال ~~: تشرب سكنجبينا وتمص سفرجلا وتأكل بعد ذلك إسفيذاجا ، فقال له بشر : تعلم ~~شيئا أقل شيء من السكنجبين يقوم مقامه ؟ قال : لا ، قال : فأنا أعرف ، قال ~~: وما هو ؟ قال : الهندبا بالخل يقوم مقامه فتعرف شيئا أقل ثمنا من السفرجل ~~يقوم مقامه قال : لا قال : فأنا أعرف قال : ما هو ؟ الخرنوب الشامي ؟ قال : ~~تعرف شيئا ms1006 أقل ثمنا من الاسفيذاج يقوم مقامه ؟ قال : أما هذا فلا ، قال : ~~بلى ، قال : ما هو ؟ قال : ماء الحمص بسمن البقر في معناه ، فقال له عبد ~~الرحمن : فأنت أعلم مني بالطب فلم تسألني ؟ . ويستحب للعبد إذا كان جائعا ~~فتاقت نفسه إلى الجماع أن لا يأكل لئلا يجمع لنفسه بين حظين فيطلبهما ، ~~فربما طلبت الجماع للتعفف وهي تريد الأكل لتنبسط به إلى الجماع ، وفي الجمع ~~بين شهوتين تقوية النفس واجراء عادة لها ، ويستحب للعبد إذا أكل أن لا ينام ~~على أكله فيجمع بين غفلتين ، فيعتاد الفتور ويقسو قلبه لذلك ، ولكن ليصل أو ~~يجلس فيذكر الله تعالى ، فإنه أقرب إلى الشكر ، وفي الحديث : أذيبوا طعامكم ~~بالصلاة والذكر لا تناموا فتقسو قلوبكم ، فأقل ذلك أن يصلي أربع ركعات ، ~~ويسبح مائة تسبيحة ، ويقرأ أجزاء من القرآن عقيب كل أكلة ، وقد كان سفيان ~~الثوري إذا شبع في ليلة أحياها ، وإذا شبع في يوم واصله بالصلاة والذكر ، ~~وكان يتمثل فيقول : أشبع الزنجي وكده ، ومرة يقول : أشبع الحمار وكده ، ~~وكان إذا جاع كأنه يتراخى في ذلك ، وينبغي للمتقشف أن يأكل اللحم والدسم في ~~الشهر مرتين ، فإن أكله أربعا فلا بأس قد كان السلف يفعلون ذلك ، وفي خبر ~~عن علي عليه السلام : من ترك أكل اللحم أربعين يوما ساء خلقه ، ومن داوم ~~عليه أربعين يوما قسا قلبه ، وقد نهى عن مداومة اللحم ، وقيل : إن له ضراوة ~~كضراوة الخمرة ، وقد كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول للمتقللين من أهل ~~عبادان : احفظوا عقولكم وتعاهدوها بالأدهان والدسم ، فإنه ما كان ولي لله ~~عز وجل ناقص العقل ، وإن أحبه المريد أن يأكل شيئا من الطيبات والفاكهة ~~فليجعل ذلك بدلا من الخبز ويقطع به جوعه ؛ فيكون ذلك له قوتا عند الحاجة ~~إلى طعم ولا يكون تفكها لئلا يجمع للنفس بين عادة وشهوة ، فإنه أسرع لملله ~~لأنه إذا شبع من الطيبات غير الخبز شبعة أو شبعتين كان أقرب إلى تركه ~~وانقطاع شهوته ، ونظر أبو محمد سهل إلى ابن سالم شيخنا رحمه الله وفي يده ms1007 ~~خبز وتمر فقال له : ابتدئ بالتمر فإن قامت كفايتك به وإلا أخذت من الخبز ~~بعده حاجتك ، قال : إن التمر مبارك ، والخبز شؤم ؛ يعني أنه كان سبب إخراج ~~آدم من الجنة ، وأما بركة التمر فإن الله تعالى ضرب النخلة مثلا لكلمة ~~التوحيد في قوله تعالى : ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ~~أصلها ثابت وفرعها في السماء ) إبراهيم : 24 . PageV02P290 قال ابن عباس : ~~كلمة التوحيد لاشيء أحلى منها كشجرة طيبة وهي النخلة ، وليس في الثمار أحلى ~~من الرطب ، ولذلك شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن في حلاوته ولينه ~~وقوته وثبات أصله بالنخلة ، فقال : لا يسقط ورقها مثلها كمثل المؤمن ، يقول ~~سهل رحمه الله : إذا استغنيت عن الخبز بغيره من الطعم كان خيرا لك ؛ يريد ~~أن أتوقف نفسك مع عادة فتنازعك إليه ا ، وقد ذكرت هذه الحكاية لأبي بكر بن ~~الجلاء فأعجبته ، وقال : هذا كلام الحكماء ، وكان هذا يلائم حاله ، وإن خشي ~~المريد أن يكون شيء من المآكل والطيبات له عادة ولم يأمن تأله قلبه وتوقان ~~نفسه إليه ومنازعتها إياه ، وكان العبد مبتدئا غرا لا يعرف خبء النفس ~~ودواهيها ولايفطن لمكرها وآفاتها ؛ فإن ترك ذلك أفضل . فليتركه حينئذ لأجل ~~الله خوفا أن يشتهيه فيحرص على مثله ، ويدخل مداخل السوء من أجله ، ويبيع ~~دينه فيه أو خشية تمكن العادة فيه ، فتعذر عليه التوبة لدخوله في الشبهات ~~عند اعتياد الشهوات لأن العادة جند الله تغلب العقل ، والابتلاء سلطان من ~~سلطان الله تعالى يقهر العلم ، لأجله تعذرت الاستقامة ، ولولا العداوة لكان ~~الناس تائبين ، ولولا الابتلاء لكان التائبون مستقيمين ، فليترك حينئذ أكل ~~الطيبات إذا صارت شهوات ، وخشي منها مطالبة العادات ، ودعاوي النفس بالآفات ~~، ناويا بذلك ما ذكرناه لصلاح قلبه ، وتسكين نفسه ، ليملك بذلك نفسه قبل أن ~~تملكه ، ويفطم عادتها قبل أن تهلكه ، ويغلب بالترك طبعه وهواه قبل أن يكونا ~~بالشهوة يغلبانه ، كما قال بعض الحكماء : إن لأقضي عامة حوائجي بالترك ~~فيكون أروح لنفسي ، وكما قال آخر : إذا أردت أن أستقرض من غيري ms1008 لشهوة ~~استقرضت من نفسي فتركت الشهوة فهي خير غريم لي ، فيصير الترك حينئذ والمنع ~~للنفس غذاء وعادة ، كما كان الأخذ والأكل عادة ، ففي هذا عون له على صلاح ~~قلبه ودوام حاله ، وكان إبراهيم بن أدهم يسأل أصحابه عن الشيء من المأكول ~~فيقال : إنه غال ، فيقول له : أرخصو ه بتركه ، وقال بعض الأدباء في معناه : ~~وإذا غلا شيء على تركه . . . فيكون أرخص ما يكون إذا غلا وهو حينئذ تارك ~~للشهوات لأجل الله تعالى وعامل من عمال الله ؛ وقد كان هذا طريق طائفة من ~~السلف إلى الله تعالى ، ثم انقرضوا فانمحى طريقهم وخلف بعدهم خلف من ~~العلماء ابتغوا الشهوات ؛ ولم يقاموا في هذه المقامات ولاسلك بهم هذه ~~الطرقات ، فلم يتكلموا في ترك الشهوات ؛ فلذلك درس هذا الطريق وعفا أثره ~~لفقد سالكه وعدم كاشفه ، فمن عمل به وسلكه فقد أظهره ، ومن أظهر فقد أحيا ~~أهله ، حدثني بعض علمائنا عن بعض المريدين من أهل البصرة قال : نازعتني ~~نفسي خبز أرزة وسمكا فمنعتها فقويت مطالبتها فاشتدت مجاهدتي لها عشرين سنة ~~، قال : فمات ، فرأيته في النوم فقلت : ما فعل الله بك ؟ فقال : لا أحسن ، ~~أصف إليك ما يلقاني به ربي من النعيم والكرامة ؟ وكان أول شيء استقبلني به ~~خبز أرزة وسمكا ، فقال : كل شهوتك PageV02P291 اليوم هنيئا بغير حساب ، وقد ~~قال الله تعالى : ( كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ) ~~الحاقة : 24 ، فكأنهم أسلفوا ترك الشهوات لما تركوها ، وقدموا الجوع والعطش ~~في خلو أيامهم فاستقبلهم بالأكل والشرب ، ويقال : لكل عمل جزاء في الآخرة ~~من جنسه وبمعناه ، وقال سري القطي : منذ ثلاثين سنة أشتهي أن أغمس جزرة في ~~دبس وأنا أمنع نفسي ، وكان أبو سليمان الداراني يقول : ترك شهوة من شهوات ~~النفس أنفع للقلب من صيام سنة وقيامها ، وقال : لأن أترك لقمة من عشائي أحب ~~إلي من قيام ليلة ذلك إيثارا للتقلل وخفة للعدة من الطعام أو خشية الاعتياد ~~للشبع ، وسمعت أبا بكر بن الجلاء يقول : أنا أعرف إنسانا تقول له نفسه : ~~أنا أصبر لك على طي ms1009 عشرة أيام وأطعمني بعد ذلك شهوة أشتهيها ، فيقول لها : ~~لا أريد أن تصبري على طي عشرة أيام ، ولكن اتركي هذه الشهوة التي تشتهيها ، ~~وقال لي رجل : رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فأخذ بجلد ذراعه ~~وجعل يقول : جعت هذا الجوع كله ؟ ولم يقل لي أترك الجوع ، ولو قال لي : ~~أتركه لعله كان يتركه ، وقد كان رحمه الله قد ترك أكل الشهوات وأكل الخبز ~~أيضا ثلاثين سنة ، وكان الجنيد رحمه الله يقول : يقوم أحدهم في صلاته فيجعل ~~بينه وبين الله تعالى زنبيل طعام ، ويريد أن يجد حلاوة المناجاة ، أو يسمع ~~فهم الخطاب ، ومثل البطن مثل الزهر وهو العود المجوف ذو الأوتار ، إنما حسن ~~صوته لخفته ورقته ، ولأنه أجوف غير ممتلئ ، ولو كان ثقيلا جالسا ممتلئا لم ~~يكن له صوت ، وكذلك الجوف إذا خلا من الامتلاء كان أرق للقلب وأعذب للتلاوة ~~وأدوم للقيام وأقل للمنام ، وروي عنه أن عتبة الغلام قل لعبد الواحد بن زيد ~~: إن فلانا يصف من قلبه منزلة لا أعرفها ، قال : إن فلانا لا يأكل التمر ~~وأنت تأكله ، قال : فأنا إن تركت التمر وأكله عرفت تلك المنزلة ، قال : نعم ~~وغيرها ، فأخذ يبكي فقال له بعض أصحابه أبكى الله عنك أعلى التمر تبكي ؟ ~~فقال عبد الواحد : دعه فإن نفسه عرفت صدق عزمه في الترك ، هو إذا ترك شيئا ~~لم يعاود فيه أبدا ، وكان بعض أشياخنا ترك أكل الخبز الحار لأن كان يحبه ~~ويشتهيه سنين كثيرة فعوتب في ذلك فقال : لو طمعت نفس في أكل الخبز عشرين ~~سنة ما أطعمتها الساعة ، وكان ربما يبكي من شدة شهوة نفسه وشدة عزم مجاهدته ~~لاستشعار نفسه صدقه وحسن وفائه ، فتيأس من شهوتها آخر الدهر ، فكذلك كان ~~يقع عليه البكاء للإياس من المشتهي ، واعلم أن الشهوت لا حد لها ، ومثل ~~القوة مثل العلم ذو حدود ، فكم من شهوة دنية منعت رتبة علية ، فإن لم تقطع ~~الشهوات وتحسمها أحب ما كانت إليك أعطتك أرغب ما تكون فيها ، فلا تقعد عن ~~التوبة تنتظر آخرها ، فإن ms1010 النفس لا آخر لشهواتها إلى أن ترى الملائكة فعند ~~ذلك تمحي صفاتها فتغيب الشهوات لأنها من أوصافها ، فإن لم تترك الشهوات ~~المعتادة فلا تعمل في مثلها من الزيادة بل يكون عملك في النقصان ؛ فهو أقرب ~~PageV02P292 إلى أخلاق الإيمان ، وقد كان بعضهم يقول لأصحابه : لا تأكلوا ~~الشهوات فإن أكلتموها فلا تطلبوها ، فإن طلبتموها فلا تحبوها ، وكانوا ~~يقولون ما زاد على الخبز فهو شهوة حتى الملح ، وقال بعضهم : الخبز من أكبر ~~الشهوات واعلم أن مازاد على الخبز فهو فاكهة يتفكه به . وقد روينا عن ابن ~~عمر أنه قال ما تأتينا من العراق فاكهة أحب إلينا من الخبز ، فإن كان لابد ~~من تفكه بفاكهة مع الخبز الذي هو قوت النفس فكما أطعم الله عز وجل الفقراء ~~في الكفارة وهو التوسط في الأدام الذي أمر به وأحبه لفقرائه مثل الخبز ~~واللبن ، لأن أعلى الأدام اللحم والحلو ، وأدناه الملح والخل ، فلم يأمر ~~سبحانه وتعالى بأعلاه لأن يشق على الأغنياء ، ولم يأمر بالأدنى لأنه يشق ~~على الفقراء ، وتوسط الأمر بينهما ، فقال عز من قائل : ( من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم ) المائدة : 89 فهو ما ذكرناه ، وعلى ذلك فإن ابتلى العبد كل ~~الشهوات وحبها فليظهر ذلك ولايخفيه وليشترها بنفسه ولا يسترها ؛ فإن هذا من ~~صدق الحال ؛ وهو طريق السلف إن فاته المجاهدة في الأعمال فلا يفوتنه الصدق ~~في الحال ، وإن لم يكن صديقا فليصدق في كذبه ؛ فإن الصدق في الكذب أحد ~~الصدقين ، وإن خفاء الكذب والنقص وإظهار ضده من الإخلاص والتمام هو كذبان ~~لأنه نقص ، وأظهر حال الكاملين واعتل وأبدى شعار المعصومين فكذب من طريقين ~~، واستحق المقت من وجهين ؛ فلذلك غضب الله عز وجل على المنافقين ومقتهم ~~مقتين ثم لم يرض منهم إلا بتوبتين واشترط علهيم شرطين فقال تعالى : ( إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) النساء : 145 يعني أسفل من الكفار ؛ ~~لأن الكافر أخلص في كفره فسوي بين باطنه وظاهره ، والمنافق كفر وأشرك في ~~إيمانه فخالف بين باطنه وظاهره واستخف بنظر الله عز وجل إلى قلبه وعظم ms1011 عين ~~المخلوق ، فزاد الله عز وجل في هوانه وشدد في توبه بما وكد من شرطه فقال ~~تعالى : ( إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ) ~~النساء : 146 الآية ، وهذا الضرب من الرياء مما لا يمتحن به عالم بالله عز ~~وجل ولا عاقل عن الله عز وجل ولله الحمد ، وإن ابتلى بأكل الشهوات وببعض ~~المعاصي ، كما تجري الذنوب على العارفين ، ولايبتلون برياء المخلوقين وليس ~~للسلف في هذا الباب إلا طريقان ؛ طريق هو المجاهدة للنفس وترك الشهوات ، ~~فمنهم من كان يخفيه لأنه أسلم له ، ومنهم من كان يظهره لأنه مؤمن قوي نيته ~~في ذلك القدوة والتأسي ، وطريق آخر كان فيه طائفة من العلماء والعاملين ~~وكانوا يأكلون الطيبات ويتسعون في المآكل إذا وجدوها ، إلا إنهم كانوا ~~يظهرون ذلك ويكسفون نفوسهم به ، فإن فاتك الطريق الأعلى فاسلك الطريق ~~الأوسط الأسلم ، فإما أن يكون عبدا يأكل الشهوات في السر ويخفيها في ~~العلانية ، أو يظهر شعار PageV02P293 ضدها من الترك لها والزهد فيها ؛ فليس ~~هذا طريق الموقنين ولامسلك الصادقين هذا وقد عرج طريق المسالك وسلك سبيل ~~المهالك فإياك أن تترك محجة الطريق فتقع في حيرة المضيق . حدثنا أن عابدا ~~من بني إسرائيل انتهى في سياحته إلى أرض لقوم رأى في وسطها طريقا مستطرقا ~~يسلك فيه السابلة فقال : هذه أرض لقوم كيف أسلكها ؟ وشق عليه أن يجاوز ~~الأرض فيبعد عليه طريقه فتفكر وقال : هذا طريق مسلوك لا بأس علي أن أسلكه ~~فسلكه ، فلما خرج من تلك الأرض عوقب على ذلك ونسي ذنبه فجعل يستكشف فقيل له ~~: لأنك سلكت إلى غير طريق ودخلت في حرث قوم بغير إذنهم ، فقال : يارب معذرة ~~إلىك إني رأيته قد جعل طريقا فأوحى الله عز وجل إليه ، وكلما اتخذ الظالمون ~~طريقا جعلته إلي سبيلا ، فمن سلك طريق ظالم بغرور لم يكن في ذلك معذورا ~~وأوقعه في الحيرة والغرور فهلك وأهلك من اقتدى به ؛ وهذا طريق متصنع جاهل ~~متطرف بذلك إلى الدنيا ، متشوف عند الناس بترك الشهوات ، مظلم التوحيد في ~~الوجد ، ضعيف اليقين في ms1012 غيبة عن العيون ، وقد كان من شأن الصادقين من السلف ~~اشتراء الشهوات بأنفسهم وتعليقها في منازلهم يظهرون للناس شعار الراغبين ~~وهم فيها عند الله عز وجل من الزاهدين ، لا يأكلونها ، إنمايريدون بذلك ~~إسقاط منزلتهم من قلوب الجاهلين ، وإخفاء حالهم عن الناظرين وليصرفوا عنهم ~~قلوب الغافلين ، يقطعون بذلك المقامات ويشترون به المعاملات ، لأن هذا مقام ~~من زهد في الأشياء وأخفى زهده ، فمن نهاية إخفاء الزهد إظهار ضده واستشعار ~~المزهود فيه ، ثم لا يتناول ولايتمتع به فيكون هذا أشد على النفس من ~~المجاهدة ، لأنه حمل عليها ثقلين : ثقل المنع من الحظ وثقل سقوط المنزلة ~~عنه ، فعدمت النفس لذة المتعة به ، وفقدت أسباب المنزلة بتركه فجرعها كأس ~~الصبر مرتين ؛ فهذا حال الصادقين في تلك الشهوات ، وطريق الأقوياء من أهل ~~الإرادات ، وهو يشبه فعل الزاهدين في باب العطاء ، إن منهم من كان يأخذ ~~العطاء علانية ثم يخرجه سرا فيكون له في الأخذ سقوط الجاه بظهور الرغبة ، ~~ويكون له في الإخراج معاملة السر بحقيقة الزهد فلا هو متع نفسه بالجاه مع ~~الرد ولا هو أنالها حظها بتناوله مع الأخذ ، فهذا أشد شيء على النفس ، وهو ~~طريق علماء الزهد ، ومن سلكه أخرجه إلى مقام الصديقين ، وهذان طريقان قد ~~درسا وقد عفا أثرهما في وقتنا هذا لا يسلكه إلا من عرفه الفرد بعد الفرد ~~والسابلة من القراء على طرقات التصنع والتزين . وروي عن جعفر الصادق رضوان ~~الله عليه : إذا قدمت إلي شهوة نظرت إلى نفسي ، فإن أظهرت شهوتها لها ~~أطعمتها منها ، وكان ذلك أفضل من منعها ، وإن أخفت شهوتها PageV02P294 ~~وأظهرت العزوف عنه عاقتبها بالترك ولم أنلها منها شيئا ؛ تفسير ذلك أن ~~إظهار النفس الشهوة أن لا تبالي أن تعرف بأكل الشهوات ، وأن تحب أن يظهر ~~على ذلك من يعرف من أهل الديانات ، وإخفاء النفس الشهوة أن تشتهي وتحب أن ~~لا يعلم أنها تشتهي ، وتكره أن تعرف بأنها ممن تشتهى ، فقال : هذه هي ~~المعاقبة بترك أكلها لأنه إذا ترك أكل شهوة لأجل الشهوات ثم اشتهى أن لا ~~يعرف ms1013 بتركها ؛ فهذا شهوة الشهوات ، فقد وقع في أعظم مما كره ، وتمتعه بشهوة ~~النظر إليه ا والمدح له أكثر من تمتعه بترك شهوته المأكولة ؛ وهذا من ~~الشهوة الخفية ، التي جاء في الخبر : أخوف ما أخاف على أمتي الرياء ، ~~والشهوة الخفية ، والرياء بالمعاملات ، وخفي الشهوة أن تشتهي أن تعرف وتوصف ~~بترك الشهوات . وسئل بعض العلماء عن بعض الزاد فسكت عنه فقال : تعلم به ~~بأسا ؟ فقال : ما أعلم به بأسا إلا في شيء واحد مكروه يأكل في الخلوة ما لا ~~يأكله في الجماعة ، فأعله بذلك ، ولعمري أنه موضع علة ؛ لأن الصادقين قد ~~كانوا يأكلون في الجماعة ما لا يأكلون في الخلوة ، فهذا ضد حالهم ، فإن ~~اتفق للعبد لونان أحدهما ألطف من الآخر ابتدأ فأكل الألطف منهما ، فلعل ~~كفايته تتم به فيستريح من الآخرة ، فإنما قدم أهل الدنيا غليظ الألوان على ~~رقيقه ليتسعوا في الأكل وتنفتق شهواتهم فيكون لكل لون لطيف مكان آخر ، وشبه ~~بعضهم المعدة بمنزلة جراب ملأته جوزا حتى لم يبق فيه فضل للجوز ، فجئت ~~بسمسم فصببته عليه ، فأخذ لنفسه موضعا في خلال الجوز ، فوسع الجراب السمسم ~~للطفه مع الجوز ؛ فكذلك المعدة إذا ألقيت فيها طعاما رقيقا لطيفا بعد طعام ~~غليظ خشن أخذته الشهوات في أماكنها فتمكن فيها بعد الشبع مما قبله والعرب ~~تعيب ذلك ولا تفعله إذ من سنتها أن تبتدئ باللحم قبل الثريد ، قال رجل لبعض ~~الأنباط : أنت من الذي يبتدئون بالثريد قبل الشواء ، يذم أهل العراق بذلك ~~هذا إذا استوى اللونان في الحكم أو لم يكن للمريد في ترك الأفضل منهما نية ~~، فأما إن كان قد ترك الشهوات ثم قدمت إليه وكان على عقد نيته وقوة عزمه ~~فلا بأس بأكل الأدون ، وقد كان بعض الصادقين ممن ترك أكل الشهوات في ~~الانفراد إذا قدمت إليه نال منها شيئا يسيرا ليستر عن نفسه أبصار الناظرين ~~ويصرف عنه قلوب المادحين ، وقال أبو سليمان : إذا قدمت إلىك شهوة وقد كنت ~~تاركا لها فأصب منها يسيرا ولاتعط نفسك منتهاها فتكون قد أسقطت عن نفسك ms1014 ~~الشهوة ، وتكون قد نغصت على نفسك ، إذ لم تبلغ في شهوتها ؛ فإن فعل هذا ~~فحسن ، لأن أبا سليمان خاف عليه ما ذكرناه قبيل من يظهر ترك الشهوة فيصير ~~متعته باعتقاد فضله من ترك الشهوات أبلغ من كل الشهوات لو أن يأكلها فيسرف ~~على نفسه بلوغ شهوته التي كان تركها بعلة الإخلاص ، كما تقول العامة : بعلة ~~الصبي تشبع الدابة ، فإن قوي يقينه وغاب الخلق عن عينه تركها وقلبه مطمئن ~~بالإيمان لأنه لم قد نغصت على نفسك ، إذ لم تبلغ في شهوتها ؛ فإن فعل هذا ~~فحسن ، لأن أبا سليمان خاف عليه ما ذكرناه قبيل من يظهر ترك الشهوة فيصير ~~متعته باعتقاد فضله من ترك الشهوات أبلغ من كل الشهوات لو أن يأكلها فيسرف ~~على نفسه بلوغ شهوته التي كان تركها بعلة الإخلاص ، كما تقول العامة : بعلة ~~الصبي تشبع الدابة ، فإن قوي يقينه وغاب الخلق عن عينه تركها وقلبه مطمئن ~~بالإيمان لأنه لم يعتل بالنظر فيتداوى بالتناول للبعض ، PageV02P295 فأما ~~إن كان قد اعتقد ترك شهوة لمعنى دخل علىه منها يخرجه من الورع ، أو يعزم ~~على المجاهدة ، ثم أتى بها ؛ فهذا اختبار من الله سبحانه وتعالى لينظر كيف ~~يعمل في الوفاء بالعقد ، فأحب إلي أن لا ينال منها شيئا وليتعلل ويدافع عن ~~نفسه بالمعاريض والمعاني حتى لا يفطن به أنه قد تركها للمجاهدة ، فيكون قد ~~فعل الوصفين معا ؛ الوفاء لعقد في تركها ، والتورية بلطيف الحيلة من الفطنة ~~له في قصده ؛ وهذا طريق المريدين وصفات المتقين ؛ وهو الطريق الأدنى الذي ~~ذكراه أولا ، فإن ظهر قرب الله تعالى منه وغلب نظره إليه أغناه عن الحيلة ~~والاحتىال لقربه وشهادته ذا الجلال والإكرام ؛ وهو الطريق الأعلى الذي ~~ذكرناه آخرا ، وهذا للموقنين ، فأما إن كان الغليظ الخشن هو الأحل في الحكم ~~وأبعد من الشبهة فهو الأطيب والأفضل في العلم فلا يأكل إلا منه ، يقال : ~~أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنبه ، فلعل الله تعالى ~~أن يشر له ترك لقمة شبهة لذيذة في الطعم إن ms1015 كانت كريهة في الحكم ، يتركها ~~لأجله فيغفر له ما سلف من ذنبه ، إنه غفور شكور ، قيل : غفور لذنوب كثيرة ، ~~شكور لعمل يسير ، كيف وقد صف المؤمنين أولي الهدى والتوحيد وذوي الرحمة ~~والرشد بحسن التفقد في الطعمة فقال : ( إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ~~) الكهف : 13 ، ( وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ) الكهف : 14 يعني ~~بشهادتهم بالتوحيد ، فكان من قيامهم حسن تفقدهم في المأكول ، ومراقبتهم ~~للواحد في قولهم : ( فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها ~~أزكى طعاما فليأتكم برزق منه ) الكهف : 19 يعني أيها أحل وأفضل فأمروا ~~رسولهم يتحرى الحلال إذ قاموا لذي الجلال والإكرام لما أمرهم بأكله إذ قدمه ~~على الأعمال الصالحة في قوله تعالى : ( كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ) ~~المؤمنون : 51 ، ورعا منهم وتقوى ، وكذلك فافعل لتتبع سبيل المؤمنين فتكون ~~معهم ولا تتبع سبيل المجرمين الظالمين فتحشر معهم . هذه رياضة المريدين ~~وطريق المجاهدين ، فأما العارفون فليس لهم في الأكل تجربة وتقسيم إذا ~~أطعموا تقللوا وشكروا ، فإن رأوا له مكانا آثروا ، وإن جوعوا عملوا وصبروا ~~، قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أهله فيقول : هل ~~عندكم من شيء فإن قالوا نعم أكل ، وإن قالوا لا قال إني صائم ، وكان يقدم ~~إليه الشيء فيقول : أما إني كنت أردت الصوم ثم يأكل ، وفي الخبر : أنه خرج ~~صلى الله عليه وسلم يوما فقال : إني صائم ثم دخل فقالت عائشة : قد أهدي لنا ~~حيس فقال : قد كنت أردت الصوم ولكن قربيه وكانت بينه وبين الله PageV02P296 ~~علامة في فطره وصومه ، كان الوجود علامة فطرة يكون مرادا به وكان العدم ~~علامة صومه يكون معه مرادا ، وعلى المعنى تصريف قلوب العارفين ومن هذه ~~المشكاة تضيء بصائر الشاهدين ولا يوكلون إلى حال ، ولا يوقفون مع مقام ، ~~ولا تصح هذه الثلاث إلا بثلاث خلال : أحدها عدم الهوى وتوقان النفس بالعادة ~~، والثانية : أن يكون له في أكله نية كما له في صومه نية فيكون أكله لله ~~فيستوي أكله وصومه إذ كان العامل فيهما واحدا ، والثالثة ms1016 أن يحفظ الجوارح ~~الست بحسن الرعاية فيكون صائما بما هو فرض علىه وأفضل له ؛ وهن البصر ، ~~والسمع ، واللسان ، والقلب ، واليد ، والرجل ، ويكون مفطرا بالبطن والفرج ~~فيكون ما حفظ أكثر وأبلغ وأحب إلى الله عز وجل ، ويكون أفضل ممن صام ~~بجارحتىن ؛ فإن لم يكن من أصبح صائما ثم أفطر بهذه الأوصاف الثلاث دخلت ~~علىه الشهوة الخفية التي فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد روينا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال : أخاف علىكم الرياء والشهوة الخفية ~~فقال : أن يصبح أحدكم صائما ثم يعرض له الطعام يشتهيه فيفطر لأجله فالأفضل ~~لمن عقد لله صوما أن يتمه ، فإن فسخه لغير الله تعالى عوقب على ذلك من ~~عقوبات القلوب أو عقوبات الجوارح في طرقات الآخرة ؛ فتلك عقوبة ترك فضائل ~~الأعمال ، وفي خبر : نوم العالم عبادة ونفسه تسبيح ، هكذا رويناه ، وقيل ~~لبشر بن الحارث : إن فلانا الغني يصوم الدهر ، فقال : المسكين ترك حاله ~~ودخل في حال غيره ، إنما حاله أن يطعم الجياع ، ويكسو العراة ، ويواسي ~~المحتاجين ؛ فهذا أفضل له من صيامه الدهر ، ثم قال بشر : عبادة الغني كروضة ~~على مزبلة ، وعبادة الفقير كعقد الجوهر في جيد الحسناء ، ودخل سفيان الثوري ~~يوما على أبي إسحاق الفزاري فقدم إليه قصعة فيها خبيص ، فقل : لولا أني ~~صائم لأكلت معك ، فقال الفزاري : دخل علي أخوك إبراهيم بن أدهم فقعد في ~~موضعك هذا فقدمت إليه خبيصا في هذه القصعة فأكل ، فلما أراد الانصراف قال : ~~إني كنت صائما إلا إني أحببت أن آكل معك أسرك بذلك ، قال : فوضع الثور ي ~~يده وجعل يأكل وتأدب بإبراهيم ، وحدثونا عن سهل رحمه الله أنه سئل كيف كان ~~في بدايته فأخبر بضروب من الرياضيات منها أنه كان يقتات ورق النبق مدة ، ~~ومنها أنه أكل دقاق التبن ثلاث سنين ، ثم ذكر أنه اقتات ثلاثة دراهم في ~~ثلاث سنين ، قيل : وما هو ؟ قال : كنت أشتري في كل سنة بدانقين تمرا وأربعة ~~دوانق كسبا ، ثم أعجنها عجنة ثم أجزئها ثلاثمائة وستين كبة أفطر في كل ms1017 ليلة ~~على كبة قال فقلت له فكيف أنت في وقتك هذا قال آكل بلا حد ولا توقيت . وقد ~~كان معروف الكرخي يهدي إليه طيبات الطعام فيأكل فيقال له : إن أخاك بشرا لا ~~يأكل من هذا ، فيقول : أخي بشر قبضه الورع وأنا بسطتني المعرفة ، ثم قال : ~~إنما أنا ضيف في دار مولاي إذا أطعمني أكلت ، وإذا جوعني صبرت ، ما لي ~~والاعتراض والتخير ؟ وقال PageV02P297 بعض إخوان بشر الحافي : دخلت عليه ~~وهو يأكل فقال لي : كل ، فقلت : إني صائم ، فناولني كسرة وقال لي : كل ، ~~فأكلتها ، فقال : سلمت من آفة الصوم وأدخلت علي السرور ، وكان بشر رحمه ~~الله قد أصبح ذات يوم صائما فزاره فتح الموصلي ، قال حسين المغازلي : فدفع ~~إلي كفا من دراهم فقال : اشتر لنا أطيب ما تجد من الطعام وأطيب ما تجد من ~~الحلاوة وأطيب ما تجد من الطيب ، قال : وما قال لي مثل ذلك قط ، ففعلت ~~فوضعت الطعام بين أيديهم فجعل يأكل معه وما رأيته أكل مع غيره ، وكان بعض ~~هذه الطائفة يقول : إذ أعطاك مولاك بقطعة فقد شهاك أن تشتري ما تشاء وتشتهي ~~، وإن أعطاك مأكولا بعينه فكل ذاك ولا تتخير سواه ، ودفع إبراهيم بن أدهم ~~إلى بعض أخوانه دراهم فقال : خذ لنا بهذه زبدا وعسلا وخبزا حورانيا ، فقلت ~~: يا أبا إسحاق بهذا كله ؟ فقال : ويحك إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال ، وإذا ~~عدمنا صبرنا صبر الرجال ، وأصلح ذات يوم طعاما فأكثر ودعا نفرا يسيرا منهم ~~الثوري والأوزاعي فقال له : أما تخاف أن يكون هذا إسرافا ؟ فقال : ليس في ~~الطعام إسراف ، إنما الإسراف في الأثاث واللباس ، وهكذا حكي عن سيرة السلف ~~، قال : كانوا في الرجال مخاصيب وكان في الزي والثياب تقصير ، وفي الخبر أن ~~رجلا صنع طعاما فدعا إليه بعض أخوانه فقال : إني صائم ، فبلغ ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : صنع لك أخوك طعاما فلم تأكل ألا أفطرت يوما ~~مكانه . وحدثونا عن بعض العلماء أنه كان قاضيا بصنعاء فدخل على أمير صنعاء ~~فحضر وقت غدائه فعرض عليه ms1018 الأكل فقال : إني صائم ، فلما أخذ الأمير في ~~الأكل وهو يحدثه إذ نظر القاضي فإذا قد جاؤوا بجمل مشوي ، فجعل القاضي يزحف ~~ويتقدم إلى المائدة ، ثم مد يده يأكل ، فقال له الأمير : ألم تقل إني صائم ~~، فقال : أيها الأمير أنا على قضاء يوم أصومه أقدر مني على قضاء مثل هذا ~~الجمل ، وكان أبو سليمان الداراني يقول : لا تضر الشهوات من لم يتكلفها ~~إنما تضر من حرص عليها ، وكان يدعو أصحابه فيقدم إليه م الطيبات فيقولون له ~~تنهانا عنها وتقدمها إلىنا ؟ فال : لأني أعلم أنكم تشتهونها فتأكلونها عندي ~~خيرا ، ولو جاءني من يزهد ما زدته على الملح شيئا ، وكان يقول : أكل ~~الطيبات يورث الرضا عن الله تعالى ، وقال بعض الخلفاء : شرب الماء بثلج ~~يخلص الشكر لله تعالى وأوحى الله سبحانه إلى بعض أوليائه : أدرك لي لطف ~~الفطنة وخفي اللطف فإني أحب ذلك ، قال : يارب وما ألطف الفطنة ؟ قال : إذا ~~وقعت عليك ذبابة فاعلم أني أوقعتها فسلني حتى أدفعها ، قال : وما خفي اللطف ~~؟ قال : إذا أتاك فولة مسوسة فأعلم إني ذكرتك بها فاشكرني عليها وأوحي إلى ~~بعض الأنبياء : لا تنظر إلى قلة الهدية ، وانظر إلى عظمة مهديها ، ولا تنظر ~~إلى صغر الخطيئة وانظر إلى كبرياء من واجهته بها ؛ فإذا أصابك فقر وضر فلا ~~تشكني إلى خلقي كما إذا صعدت مساوئك لم أشكك إلى ملائكتي . | PageV02P298 # | الفصل الأربعون فيه كتاب الأطعمة وذكر ما يجمع الأكل من السنن والآداب ~~وما يشتمل على الطعام من الكراهة والاستحباب # : قال الله الجليل جل جلاله : ( يا أيها الذي آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا الله ) البقرة : 172 ، فقدم الأمر بالأكل على الأمر بالشكر ~~، وقال سبحانه : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) ~~النساء : 29 ، فقدم النهي عن الأكل للحرام على القتل للنفس تفضيلا للأكل ~~الحلال وتعظيما للأكل بالباطل ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن ~~الرجل ليؤجر حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه أو إلى في امرأته وروي عنه صلى ~~الله عليه وسلم ما أطعم ms1019 المسلم نفسه وأهل بيته فهو صدقة له ، وسئل صلى الله ~~عليه وسلم : الإيمان ؟ فقال : إطعام الطعام وبذل السلام ، وقال عليه السلام ~~في الكفارات والدرجات : إطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام ، وسئل عن ~~الحج المبرور فقال : إطعام الطعام ولين الكلام ، وكان ابن عمر يقول : من ~~كرم الرجل طيب زاده في سفره وبذله لأصحابه ، وروينا عن علي عليه السلام لأن ~~أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إلي من أن أعتق رقبة . ورينا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا وضع الطعام وأقيمت الصلاة فابدؤوا ~~بالعشاء قبل الصلاة ، قال : فكان ابن عمر ربما سمع الإقامة وقراءة الإمام ~~فلا يقوم من عشائه ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضل الطعام ما ~~كثرت عليه الأيدي ، وقال عليه السلام : فضل عائشة على النساء كفضل الثريد ~~على الطعام ، وقال صلى الله عليه وسلم : الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر ~~وبعده ينفي اللمم ويصح البصر يعني به غسل اليد ، وقال أحمد بن حنبل : الأكل ~~من الطيب قدمه الله عز وجل على العمل ، فقال عز وجل : ( كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا ) المؤمنون : 51 ، وكان سهل يقول : من لم يحسن أدب الأكل لم ~~يحسن أدب العمل ، قال : والذي يتصنع في الأكل هو الذي يتصنع في العمل ، وقل ~~مرة الذي يؤدي في الأكل هو الذي يؤدي في الصلاة ، وكان بعض السلف يقول : ~~إني لأحب أن يكون لي نية في كل شيء حتى في الأكل والنوم ، وقد كان السلف ~~الصالح يكون لأحدهم في الأكل نية صالحة كما يكون له في الجوع نية صالحة ، ~~والذي يأكل بغير نية الآخرة للعادة والشهوة والمتعة قد يجوع لغيره الآخرة ~~للعادة والشهوة أيضا والتزين للخلق ، وهذا من دقيق آفات النفوس ، ~~PageV02P299 فحسن من يأكل بنية الآخرة ولأجل الله سبحانه وتعالى كحسن من ~~جاع لله تعالى وبنية الآخرة ، وإلا كان من أبواب الدنيا ، فالطعام والأكل ~~يشتمل على مائة وسبعين خصلة ما بين فرض ، وسنة ، وأدب ، وفضيلة ، واستحباب ~~، وكراهة ، ومروءة ، وفتوة من طريق السلف وصنائع العرب ms1020 ؛ أول ذلك أن يكون ~~المأكول حلالا ، وعلامة الحلال ثلاث : تكون عينه معروفة لم يخالطها عين ~~ذمها العلم من ظلم وخيانة ، ويكون سببه مباحا لم تحتوه بسبب محظور في الشرع ~~لأجل هوى أو مداهنة في دين ودنيا ، ويكون قد وافق فيه حكم السنة لا يكون ~~على وصف مكروه ، ثم ينوي بالأكل التقوى على البر والتقوى والاستعانة على ~~خدمة المولى ، ويعرف النعمة فيها أنها من المنعم وحده لا شريك له فيها ، ~~ويعتقد الشكر له عليها ، ويؤثر التقلل على الاتساع ، والقناعة على الحرص ، ~~والأدب فيه على الشره ، ثم غسل اليد في أوله للاستحباب ، وفي آخره للنظافة ~~والتسمية في أوله ، والحمد في آخره ، والأكل باليمين ، ويبتدئ بالملح ويختم ~~به وأن لا يذم مأكولا ولا يعيبه إن أعجبه أكل وإلا تركه والقناعة بالمأكول ~~من القسم والرضا بالموجود من الرزق وأن تكثر الأيدي على الطعام . وفي الخبر ~~: اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه وتصغير اللقمة وتجويد المضغ ، وأن لا ~~ينظر في وجوه الآكلين ، ولا يفقد مأكلهم ، وأن يقعد على رجله اليسرى وينصب ~~اليمنى ، ولا يأكل متكئا ولا مضطجعا ، ولا يكون أول من يبتدئ بالأكل حتى ~~يسبق صاحب المنزل ، والأكبر فالأكبر إلا أن يكون إماما يقتدى به ، أو يكون ~~القوم منقبضين فيبسطهم بالابتداء ، ولا يجمع بين التمر والنوى في طبق ولا ~~يجمعهما في كفه ، وليضع النواة على ظهر كفه من فيه ، ثم يلقيها كذلك وما ~~كان في معناه مما له عجم أو ثفل ، ويستحب أن يأكل من التمر وترا سبعا أو ~~إحدى عشرة وإحدى وعشرين ، وأن يفطر على رطب إن وجده ، وإلا فتمر ، فإن لم ~~يجد فعلى الماء ، وكان وهب بن منبه يقول : الصائم يزيغ بصره ، فإذا أفطر ~~على حلاوة رجع بصره ، ولايقرن بين تمرتين في الجماعة إلا أن يفعلوا ذلك أو ~~يستأذنهم ، وأن يأكل بعد الجوع ، ويرفع يده قبل الامتلاء بمقدار ثلث بطنه ~~أو نصفه ، كذلك سنة السلف وهو أصحح للجسم ، وقال حكيم من أهل الطب : إن ~~الدواء الذي لا داء فيه هو أن لاتأكل الطعام ms1021 حتى تشتهيه وترفع يديك عنه ~~وأنت تشتهيه ، وفي الخبر : أصل كل داء البردة ، يقال : هي التخمة ، ويقال ~~في اختيار الحكماء : إن خادما لأرسطاطاليس استقضى رجلا من أهل السواد حاجة ~~له فلم يفعل ، فقال له : لعلك تحتاج إليه ، فقال : ما لي إليه من حاجة ، ~~فأخبر الخادم الحكيم بذلك ، فقال : إن كان يأكل بعد الجوع ويرفع قبل الشبع ~~ويتقلل بين ذلك فقد صدق ما له إلىنا من حاجة ، وقد أحكم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذلك بقوله : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن حسب ابن آدم لقيمات يشد ~~بهن صلبه فإن لم يفعل فثلث طعام وثلث شراب PageV02P300 وثلث للنفس والطعام ~~، إنما وضع دواء من داء الجوع ، إذا وجدته عالجته به ، فإذا لم تجده صار ~~الأكل داء ، لأن التأذي بالأكل مثل التأذي بالجوع أو أشد ، وليأكل ما يليه ~~إلا الفاكهة له أن يجيل يده فيها ويأكل بثلاثة أصابع ، إلا الثريد فليأكل ~~بأصابعه كلها ، وأن لا يأكل من ذروة القصعة ولا وسط الطعام ، وليأكل من ~~نواحيه ، وأن لايصمتوا على الطعام فإنه من سيرة العجم فليتكلموا بالمعروف ، ~~ولا يقطع اللحم بالسكين ، فقد نهى عن ذلك ، ولكن انهشوه نهشا ، ولا يقطع ~~الخبر بالسكين ويأكل من استدارة الرغيف ، إلا أن يكون في الخبز قلة وفي ~~الآكلين كثرة ، فيستعان بتكسير الخبز على التفرقة ، ولا يكثر قول : كل على ~~، أخيه فإن ذلك يحشمه وربما قطعه ، ولا ينبغي لأخيه أن يحوجه إلى تفقده في ~~الأكل وتكرير قوله له : كل . وقال بعض الأدباء : أحسن الآكلين أكلا من لم ~~يحوج صاحبه إلى تفقده في الأكل ، ومن حمل على أخيه مؤونة القول ، ولايدع ~~شيئا من المأكول يشتهيه لأجل نظر الغير إليه ، فإنه من التصنع ، فإن تركه ~~إيثارا لإخوانه أو قدمه إلى أخيه فحسن ، ولا ينقص من أكله المعتاد في ~~الوحدة ، وإن زاد لأجل مساعدة الجماعة أو بنية فضل الأكل مع الإخوان فلا ~~بأس بذلك ، والشرب في تضاعيف الأكل متسحب من جهة الطب مما لم يبتدئ به أو ~~يكثر منه ، يقال : إنه ms1022 دباغ المعدة ، والشرب متكئا مكروه للمعدة أيضا من ~~جهة الطب ، والأكل متكئا ونائما ليس من السنة إلا ما يتناول أو يتنقل به من ~~الحبوب وما في معناها ، وقد رؤي علي رضي الله عنه وهو يأكل على ترس مضطجعا ~~كعكا ، ويقال : منبطحا على بطنه ، والعرب تفعله ، وفي الخبر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم : كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه ، واملكوا العجين فإنه أعظم ~~للبركة ، وما رد له من المأكول مع الجماعة فلا يرده في القصعة مع الثقل ، ~~فيأكله غيره ، إن وقع بيده أكله وإلا تركه مع الثقل ، ولا نتمم الخل بالدسم ~~ليطبع بالخل قبل اللحم ، ويقال : إن الملائكة تحضر المائدة إذا كان عليها ~~بقل ، وفي الخبر : أن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل من السماء كان ~~عليها من كل البقول إلا الكراث ، وكان فيها سمكة عند رأسها خل وعند ذنبها ~~ملح ، وكان عليها سبعة أرغفة على كل رغيف زيتونتان وحب رمان ، فهذا من أحسن ~~الطعام إذا اتفق ، فإن لم يكن فكما قال بعض الأدباء : إذا دعوت إخوانك ~~فقدمت إليه م حصرمية وبورانية وسقيتهم ماء باردا فقد أكملت الضيافة ، ودعا ~~PageV02P301 بعض الرؤساء إخوانه فأنفق مائتي درهم ، فقال له بعض الحكماء : ~~لم تكن تحتاج إلى هذا كله إذا كان خبزك جيدا وخلك حامضا وماؤك باردا فهو ~~كفاية ، وقال بعضهم : الحلاوة بعد الطعام خير من كثرة الألوان ، والتمكن ~~على المائدة خير من زيادة لونين ، وقال آخر : شرب الماء البارد على الطعام ~~خيرمن زيادة الألوان ، وقال أبو سليمان الداراني : أكل الطيبات يورث الرضا ~~عن الله عز وجل ، وقال المأمون رحمه الله : شرب الماء بثلج يخلص الشكر لله ~~عزو جل . وقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فليكرم ضيفه ، ومن إكرام الضيف تعجيل الطعام لهم ، وأفضل ما قدم ~~إليهم اللحم ، وخير اللحم السمين النضيج ؛ فإن كان بعد اللحم حلاوة فقد جمع ~~لهم الطيبات ، ينتظم هذه المعاني قوله عز وجل : ( هل أتاك حديث ضيف إبراهيم ~~المكرمين ) الذاريات : 24 ، قيل في المكرمين ms1023 قولان ؛ أحدهما : خدمته إياهم ~~بنفسه ، والثاني أكرمهم بتعجيل الطعام إليه م ، قوله تعالى : ( فما لبث أن ~~جاء بعجل حنيذ ) هود : 69 أي فما احتبس ولا أقام والحنيذ النضيج ، وقال ~~تعالى : ( فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين ) الذاريات : 26 ، الروغان : ~~الذهاب بسرعة ، وقيل : الذهاب بخفية ، وقيل : إنه جاء بفخذ من لحم فسمى ~~عجلا لأنه عجله ولم يلبث به ، ثم وصف بأنه سمين نضيج ، يقال : حنيذ ومحنوذ ~~أيضا ، قال : كان نضيجا ، وقال في وصف الطيبات : ( وأنزلنا عليكم المن ~~والسلوى ) البقرة : 57 المن : العسل ، والسلوى : اللحم ، سمي سلوى لأنه ~~يسلى به عن جميع الأدام ، إن فيه غنية عن جميعها ، وليس في كلها مقامه ، ثم ~~قال تعالى : ( كلوا من طيبات ما رزقناكم ) البقرة : 57 ، فاللحم والحلاوة ~~من طيبات الرزق ، وليأكل الرجل في منزل أخيه سجية أكله في منزله بغير تكلف ~~ولاتزين ، لأنه قد يدخل من الرياء والتزين في الطعام مثل ما يدخل في سائر ~~الأعمال من الصلاة والصيام ؛ والأكل عمل وكل عمل يحتاج إلى نية وإخلاص ، ~~فلتكن نيته في أكله الاستعانة على الطاعة ، ولتكن نيته مع إخوانه إكرامهم ~~بذلك وإدخال السرور عليهم والتبرك بالجماعة ، لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم : الجماعة بركة ، وينوي إقامة السنة في إجابة الدعوة ليكون مأجورا في ~~أكله ، عاملا في جميع ذلك بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا كله داخل في ~~حسن الخلق ، وهو في معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم : إن العبد ليدرك ~~بحسن خلقه درجة الصائم القائم ، وقد قال بعضهم : هو الرجل يسأل إخوانه أن ~~يفطر معهم نهارا ، أو يسهر معهم ليلا ، ويكون من عادته الصيام والقيام ، ~~فيساعدهم تخلقا معهم فيدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم . وقال بعض ~~العلماء من أهل الأدب : ليس من السنة والمروءة أن يزور الرجل إخوانه ~~فيتشاغل عنهم بالصلاة النافلة ، أو يستزيره إخوانه فيقدمون إليه الطعام فلا ~~يساعدهم عليه لأجل الصيام ولايقصر عن بغيته من الأكول فيترك الأكل مع حاجته ~~إليه ، فإنه غير محمود PageV02P302 ولا مأجور عليه إن لم يكن سبب أوجب ms1024 عليه ~~ذلك ، وقال جعفربن محمد عليه السلام : أحب إخوان إلى أكثرهم أكلا وأعظمهم ~~لقمة وأثقلهم علي من يحوجني إلى تعاهده في الأكل ، وقال أيضا : يتبين محبة ~~الرجل لأخيه بجودة أكله في منزله ، فإن قلل الأكل مع الفقراء إيثارا لهم أو ~~لقلة الطعام فحسن . وروينا أن سفيان الثوري دعا إبراهيم بن أدهم وأصحابه ~~إلى طعام فقصروا في الأكل ، فلما رفعوا الطعام قال له الثوري : إنك قصرت في ~~الأكل فقال إبراهيم : لأنك قصرت في الطعام فقصرنا في الأكل ، قال : ودعا ~~إبراهيم الثوري وأصحابه إلى طعام فأكثر منه فقال له : يا أبا إسحاق أما ~~تخاف أن يكون هذا إسرافا ؟ فقال إبراهيم : ليس في الطعام سرف ، وليلعق ~~أصابعه قبل أن يمسحها بالخرقة ، وليأكل ما سقط من فتات الطعام ، يقال : إنه ~~مهور الحور العين يقال : من لعق الصحفة وشرب ماءها ، كان له عتق رقبة ، وإن ~~أكل حلالا فليقل : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتنزل البركات ، ~~اللهم صل على سيدنا محمد ، وعلى آل سيدنا محمد ، وأطعمنا طيبا ، واستعملنا ~~صالحا ، وليكثر شكر الله تعالى على ذلك ، وإن أكل شبهة فليقل : الحمد لله ~~على كل حال ، اللهم صل على سيدنا محمد ، وعلى آل سينا محمد ، ولا تجعله قوة ~~لنا على معصيتك ، وليكثر الحزن والاستغفار ، وفي خبر : إذا دعي أحدكم إلى ~~طعام فلم يجب فلا يقل : كل هنيئا ، فلعله يكون أخذه من غير حله ، ولكن ليقل ~~: أطعمك الله طيبا وليقل إذا أكل لبنا : اللهم صل على محمد ، وعلى آل محمد ~~، وبارك لنا فيما رزقتنا ، وارزقنا خيرا منه . كذلك روي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يقول : لأن اللبن أعم نفعا من غيره ، وليقل في أول لقمة ~~: بسم الله ، وفي الثانية : بسم الله الرحمن ، وفي الثالثة : بسم الله ~~الرحمن الرحيم ، وليشرب الكوز في ثلاثة أنفاس يقطعه ، وليقل في أول جرعة : ~~الحمد لله وفي الثانية : الحمد لله رب العالمين ، وفي الثالثة يزيد : ~~الرحمن الرحيم ، وإن سمى في أول كل لقمة فحسن ، وليقرأ بعد فراغه من الطعام ~~: قل هو ms1025 الله أحد ولإيلاف قريش وتقديم الفاكهة قبل الطعام أوفق ، وفي كتاب ~~الله عز وجل ترتيب ذلك من قوله سبحانه وتعالى : ( وفاكهة مما يتخيرون ) ~~الواقعة : 2 ، ( ولحم طير مما يشتهون ) الواقعة : 21 ، ولا يرفع يده قبل ~~إخوانه إذا كانوا يحتشمون أو يحتاجون إلى بسط ، فإن كان قليل الأكل تربص ~~حتى يضعوا أيديهم فيأكلوا صدرا من الطعام ، ثم يقعد بعدهم ليستوي أكله مع ~~أكلهم ، فإن كانوا علماء لم يكرهوا ذلك منه ، وقد فعله كثير من الصحابة ، ~~ولا يتكلف لإخوانه من المأكول ما يثقل عليه ثمنه أو يأخذه بدين أو يكتسبه ~~بمشقة أو من شبهة ولا يدخر عنهم ما بحضرته ولا يستأثر بشيء دونهم ولا يضر ~~بعياله . وروينا أن رجلا دعا عليا رضي الله عنه إلى منزله فقال : أجيبك على ~~شرائط PageV02P303 ثلاث ؛ لا تدخل من السوق شيئا ، ولاتدخر ما في البيت ، ~~ولاتجحف بعيالك ، وقد كان من سيرة السلف إذا دعا أحدهم أخاه قدم جميع ما ~~بحضرته أو أخرج من كل شيء عنده شيئا ، وكان بعض الرؤساء من الأجواد إذا دعا ~~الناس إلى طعامه يدعو الخباز فيقول : أعلم الناس بما عندك من الألوان ، قال ~~: ثم يدعهم يأكلون حتى إذا قاربوا الفراغ جثا على ركبتيه ومد يده إلى ~~الطعام فأكل ، وقال : ساعدوني بارك الله عليكم ، فكان السلف يسحسنون ذلك ~~منه وليس من السنة أن يقصد الرجل قوما يتحين حضور طعامهم ليصادفه ؛ فإن ذلك ~~من المفاجأة ، فقد نهى عنه قال الله سبحانه تعالى : ( لا تدخلوا بيوت النبي ~~إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ) لأحزاب : 53 يعني منتظرين حينه ~~ونضجه ، وفي الخبر : من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقا وأكل حراما ، ~~ولكن إن صادفهم يأكلون فسألوه أن يأكل معهم ، وعلم أنهم يحبون أكله معهم ~~فلا بأس ، وليس ذلك داخلا في المفاجأة ، فإن لم يعلم أنهم يحبون أن يأكل ~~معهم وإنما قالوه تعزيزا وحياء كرهت له الأكل معهم ، وإن كان جائعا فقصد ~~بعض إخوانه ليطعمه ولم يتحين وقت أكله فلا بأس بذلك ، قد ms1026 قصد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهم منزل أبي الهيثم بن التيهان ~~وأبا أيوب الأنصاريين لأجل طعام يأكلونه وكانوا جياعا ، ومن السنة أن يخرج ~~الرجل مع ضيفه إذا انصرف إلى باب الدار ، وليس من السنة أن يخرج الضيف من ~~النزل عن غير إذن صاحبه ولا أن يقيم للضيافة فوق ثلاثة أيام حتى يخرجه ~~أويتبرم به يتأثر في ذلك . وقال بعضهم : إذا قصدت للزيارة فقدم ما حضر ، ~~وإذا استزرت فلا تبق ولا تذر ، وفي الخبر : دخلناعلى جابر بن عبد لله فقدم ~~إلىنا خبزا وخلاة وقال : لولا أنا نهينا عن التكلف لتكلفت لكم ، وفي حديث ~~يونس عليه السلام أنه زاره إخوانه فقدم إليهم كسرا من شعير ، وخبز لهم بقلا ~~كان يزرعه ثم قال : كلوا لولا أن الله تبارك وتعالى لعن المتكلفين لتكلفت ~~لكم ، وروينا عن أنس بن مالك وغيره من الصحابة : كانوا يقدمون إلى إخوانهم ~~ما حضر من الكسر اليابسة والحشف من التمر والدقل ويقولون : لا ندري أيهما ~~أعظم وزرا الذي يحتقر ما يقدم إليه أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدمه . وقد ~~روينا في معناه خبرا مسندا وقد كان أنس وغيره يقدمون ما عندهم إلى إخوانهم ~~ويقولون إن الاجتماع على الطعام من مكارم الأخلاق ، وفي الخبر : أن أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يجتمعون على قراءة القران ولاذكر ولا ~~يفطرون إلا عن ذواق ولا ينبغي للمدعو أن يقترح على الداعي شيئا بعينه فيقول ~~: أريد كذا ، فليس ذلك من القناعة ، فإن خيره أخوه بين طعامين فليختر ~~أقربهما منه وأيسرهما عليه كذلك السنة ، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، وحدثونا عن الأعمش عن ~~أبي وائل قال : مضيت مع صاحب لي إلى سلمان نزره فقدم إلىنا خبز شعير وملحا ~~جريشا ، فقال صاحبي : PageV02P304 لو كان في هذا الملح سعتر لكان أطيب ، ~~فخرج سلمان فرهن مطهرته وأخذ سعترا ، فما أكلنا قال صاحبي : الحمد لله الذي ~~قنعنا بما رزقنا ، فقال ms1027 سلمان : لو قنعت بما رزقت لم تكن مطهرتي مرهونة ، ~~فإن كان أخوه ممن يأنس به وعلم أن اقتراحه عليه مما يحبه فلا بأس بذلك ، قد ~~فعله الشافعي مع الزعفراني رحمها الله تعالى ، كن نازلا عليه ببغداد فكانا ~~يخرجان يوم الجمعة إلى الصلاة ، فكان الزعفراني يكتب في رقعة للجارية ما ~~تصلح من الألوان ، فدعا الشافعي ذات يوم الجارية فنظر فيها ثم زاد لونا ~~اشتهاه ، فلما جاء الزعفراني وقدمت الجارية ذلك اللون أنكره ، إذ لم يأمرها ~~به فسألها عنه فأخبرته أن الشافعي زاد ذلك في الرقعة ، فقال : أريني الرقعة ~~، فلما نظر إلى خط الشافعي في الرقعة بذلك اللون فرح بذلك وأعجبه ، فقال : ~~أنت حرة لوجه الله تعالى فأعتقها سرورا منه بفعل الشافعي ذلك ، وإليه نسب ~~درب الزعفراني بباب الشعير في الجانب الغربي من بغداد ، فإن شهاه أخوه ~~وسأله فلا بأس أن يذكر له شهوة ليصنعها فيعينه على فضيلتها . فقد روينا في ~~فضل ذلك غير حديث ، منها الحديث المشهور : من صادف من أخيه شهوة غفر له ، ~~ومن سر أخاه الممؤمن فقد سر الله عز وجل ، وروينا عن ابن الزبير عن جابر ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لذذ أخاه بما يشتهي كتب الله ~~له ألف ألف حسنة ، ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف درجة ، وأطعمه الله ~~تعالى من ثلاث جنات ؛ جنة الفردوس ، وجنة عدن ، وجنة الخلد ، والخلال بعد ~~الأكل حسن فلا يبين عنه ، ولا بأس بغسل اليد في الطست وليس من الأدب التنخم ~~فيه . وروينا أن أنس بن مالك اجتمع هو وثابت البناني على طعام فقدم الطست ~~إلى ثابت ليغسل يده فامتنع ، فقال أنس : إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ~~ولاترده فإنه إنما يكرم الله عز وجل ، وروى أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية ~~الضرير فصب الرجل على يده في الطست ، فلما فرغ قال له : يا أبا معاوية تدري ~~من صب على يدك ؟ قال : لا ، قال أمير المؤمنين قال : يا أمير المؤمنين ، ~~إنما أكرمت العلم وأجللته فأجلك الله عز ms1028 وجل وأكرمك ، كما أجلت العم ~~وأكرمته ، وأكره قيام الخادم أحب إلى أن يصب على يده جالسا ، واجتماع ~~الاثنين أو الثلاثة في غسل اليد وجمع مائهم المستعمل في مرة واحدة في الطست ~~حسن ؛ وهو من التواضع ، ومن انفرد بغسل يده وحده فلا بأس أن يتنخم في الطست ~~، ومن بزق فيه بعد أن يرفع ويفرغ من غسل يده فلا بأس . وكتب عمر بن عبد ~~العزيز إلى الأمصار : لا يرفع الطست من بين يدي القوم إلا مملوءا ولا ~~تشبهوا بالعجم ، وقد رويناه عن ابن مسعود أنه قال : اجتمعوا على غسل اليد ~~في طست واحد ولا تستسنوا بسنة العجم ، ولا يزدردن ما أخرج الخلال من أسنانه ~~فإنه داء ومكروه ، وما لاكه بأسنانه فلا بأس أن يزدرد وليتمضمض بعد الخلال ~~ففيه أثر عن بعض أهل البيت عليهم السلام ، PageV02P305 وليقل عند فراغه من ~~الطعام : الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وأوانا سيدنا ومولانا ، ~~ياكافي من كل شيء ولا يكفي منه شيء ، أطعمت من جوع وأمنت من خوف ، لك الحمد ~~، أويت من يتم ، وهديت من ضلالة ، وأغنيت من عيلة ، لك الحمد حمدا كثيرا ~~دائما طيبا نافعا مباركا فيه ، كما أنت أهله ومستحقه ، اللهم صل على محمد ~~وعلى آله وأطعمنا طيبا واستعملنا صالحا لجعله عونا لنا على طاعتك ونعوذ بك ~~أن نستعين به على معاصيك . وفي الأكل مع الإخوان ثلاث فضائل : روي عن جعفر ~~بن محمد عليهما السلام : إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة فأطيلوا الجلوس ~~فإنها ساعة لا تحتسب عليكم من أعماركم ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم : لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دامت مائدته موضوعة بين يديه ~~حتى ترفع . وروي عن الحسن البصري رحمه الله : كل نفقة ينفقها الرجل على ~~نفسه وأبويه فمن دونهم يحاسب عليها إلا نفقة الرجل إذا دعا إخوانه إلى طعام ~~، فإن الله سبحانه وتعالى يستحي أن يسأله عن ذلك ، وقد روي عن بعض علماء ~~خراسان أنه كان إذا دعا إخوانه قدم إليه م نحو القفيز من صوف الأطعمة ms1029 ~~والحبوب والفواكه اليابسة فسئل عن ذلك فقال : بلغنا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن الإخوان إذا رفعوا أيديهم عن الطعام لم يحاسب من أكل فضل ذلك ~~الطعام ، فأنا أحب أن أستكثر مما أقدم إلىكم لنأكل فضل ذلك ، وفي خبر عن ~~بعض السلف : لا يحاسب العبد على ما يأكله مع إخوانه ، فكان بعضهم يكثر من ~~الأكل في الجماعة ويتقلل إذا أكل وحده ، وفي الخبر : ثلاث لا يحاسب عليها ~~العبد ، أكلة السحور وما أفطر عليه والأكل مع الإخوان ، ومن لم يكن له نية ~~في تقديم فضول الأطعم بهذا الخبر ، فإني أكره أن يقدم من الطعام إلا ما ~~يريد أن يؤكل ، ولا يترك منه شيء ولا يستثنى هو ولا أهل البيت في أنفسهم ~~رجوع شيء منه ، وإلا كان ما يقدمه مما ينوي رجوع بعضه ، ولا يحب أكل كله ~~تصنعا ومباهاة ، فإن علم بذلك من قدم إليه لم استحب له في الورع في أن يأكل ~~منه لأن المأكول إذا قدم ليؤكل بعضه فهو تصنع وتزين ، لا يصنع الورعون ذلك ~~ولا يأكل المتقون من هذا ، لأنه لا يدري كم مقدار ما يحبون أن يأكلوا منه . ~~وروينا عن ابن مسعود قال : نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه ، وقد كره ~~جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة والمباداة ، وهذا مكروه لم يقدمه بهذه ~~النية إلى إخوانه لأنه PageV02P306 قد عرضهم لتناول ما يكرهون ، وقد دلس ~~عليهم ما لا يعلمون ، وأيضا فإنه شيء قد قدم لأجل الله تعالى فلا يصلح أن ~~يستثنى ارتجاع شيء منه بمنزلة من يخرج الرغيف أو الشيء إلى السائل فيجده قد ~~انصرف فكره أن يرجع فيه فيأكله ، وقال : يعزله حتى يأتي سائل آخر فيدفعه ~~إليه . وكان بعض أهل الحديث إذا أكل مع إخوانه ترك من الطعام على رغيف ~~يعزله معه وكان سيار بن حاتم إذا حضر على مائدة أكل لقيمات ، ثم يقول : ~~اعزلوا نصيبي ، وأكل ذات يوم على مائدة في جماعة فلما جاءت الحلوى نزع ~~قلنسوته ، ثم قال : اجعلوا نصيبي في هذه ، فينبغي ms1030 أن يعزل أنصبة أهل البيت ~~قبل تقديم الطعام إلى إخوانه كيلا يحدثوا نفوسهم برجوع شيء منه فإنه مكروه ~~لهم ، ولعله لا يرجع شيء منه فيكون ذلك إحراجا من الآكلين ومنقصة لهم ؛ ~~وهذا عليهم أشد من إكرامهم بالطعام ، أن يكون ذلك مضرا بالأهل فيكون مضيعا ~~للأصل ، ولا ينبغي له أن يقدم إلا ما يحب أن يأكلوه من كل شيء أيضا ومقدار ~~الحاجة والكفاية من المأكول فيجمع بين السنة والفضيلة . روي في الخبر : ما ~~رفع من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلة طعام قط ؛ هذا لأنهم ~~كانوا مخلصين في كل شيء فلا يقومون إلا كفايتهم ، ولا يأكلون إلا بعد جوعهم ~~، ولا يتركون الأكل وفي نفوسهم منه شيء وللاقتصار الذي كان فيهم ، ففيما ~~ذكرناه من تقديم الكفاية لئلا يرد فضول الأطعمة موافقة للسنة ، وفي تقديم ~~المأكول ليرجع أكثره نية حسنة ، لما جاء فيه : أن من أكل ما فضل من الإخوان ~~لم يحاسب عليه ، ومن كان في جماعة فلا يأمر بتأخير الطعام فلعل فيهم من ~~يحتاج إلى تقديمه إلا أن يتفقوا على تأخيره فلا يأمر حينئذ بتقديمه لأجل ~~نفسه ، وإذا حضر الطعام والصلاة فإن كانت نفوسهم تتوق إليه وفي الوقت سعة ~~قدموا الأكل وإن كانت نفوسهم ساكنة أو ضاق الوقت أو خشوا أن يتطاول بهم ~~الأكل صلوا أولا واستحب الأكل على الأرض ، كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا أتى بطعام وضعه على الأرض وكان يأكل مقعيا على قدميه ويقول : لا ~~آكل متكئا ، إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد ، ~~وربماجثا للأكل على ركبتيه وجلس على ظهر قدمه ، ونصب وجله اليمنى وهي جلسة ~~العرب للأكل إلى اليوم ، وإن أكلو على السفر فهو سنة فيتزود لسفره ، وخير ~~الزاد التقوي ، وأكره الأكل على الموائد العالية لأنهم كانوا يكرهون أن ~~يعلون الطعام على الأيدي ؛ وهذا محدث وليس من التواضع ، قال أنس بن مالك : ~~ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على حوان ولا في سكرجة قط ، قيل : ~~فعلى ms1031 ما كنتم تأكلون ؟ قال : على السفر ، وقيل : أول ما أحدثت الأمة بعد ~~رسول الله PageV02P307 صلى الله عليه وسلم هذه الأربع : الموائد ، والمناخل ~~، والأشنان ، والشبع ، ومن غسل بأشنان ابتدأ بغسل فيه بعد غسل يده اليمنى ، ~~ويجعل الأشنان في بطن كفه اليسرى يابسا ، ثم يغسل فاه حتى ينقيه بأصابعه ، ~~ثم يبل الأشنان فيغسل يديه ولايعيد يغسل كفيه وهو فعل ذوي المروءة ، وينغي ~~إذا حضرت الألوان أن يبتدئ بتقدمة الألطف فالألطف والأطيب فالأطيب والأمثل ~~أن يبتدئ بالشواء قبل اليريد ويقدم الطباهج قبل السكباج ؛ فذلك سنة العرب ~~ليصادف جوعهم أطيب الطعام فيستوفوا من ذلك أوفر النصيب فيكون أثوب لصاحبه ~~وأقل لأكلهم ، فإن احتاجوا إلى مابعده من غليط الألوان والطعام تناولوا منه ~~قليلا ، فإنما قدم أهل الدنيا اللون الغليظ على اللطيف ليتسع أكفهم وتنفتق ~~شهوتهم ، فيكون اللون اللطيف في موضع آخر ، وليكونوا قد أكلوا من اللون ~~الأجود الأطيب أقل ؛ وهذا غير مستحب عند أبناء الآخرة ، وقد كان من سنة ~~المتقدمين أن يقدموا جملة الألوان في مكان واحد مما يشتهي ، وليكون ماتقدم ~~معلوما لهم وقال لهم إذ لم يكن عنده إلا لون واحد : ليس يحضر إلا هذا ~~ليستوفوا منه ولايتطلعوا إلى غيره كان صوابا ، حدثني بعض شيوخنا عن شيخ له ~~قال : قدم إلى بعض أهل الشام لونا من طبيخ فقلت له عندنا بالعراق يقدم هذا ~~اللون آخر الآلوان فقال لي : هكذا هو عندنا بالشام ، قال : فاستحييت إذ لم ~~يكن عنده غير ذلك اللون ، وقال لي آخر : كنا في جماعة عند رجل فجعل يقدم ~~إلينا ألوان الرؤوس منها طبيخا وقديدا فجعلنا نقصر في الأكل نتوقع بعده ~~الألوان وجملا أو جديا ، قال : فجاءنا بالطست ولم يقدم غيرها ، فقال لي بعض ~~الشيوخ من أهل التصوف وكان مزاحا : وهو تعالى يقدر أن يخلق رؤوسا بلا أبدان ~~، قال : فبتنا تلك الليلة جياعا فطلب بعضنا في آخر الليل خبزا أو فتيتا ~~لسحوره وينبغي أن يمكنهم من بقية الألوان ولا يرفعهاحتى يرفعوا أيديهم ، ~~فإنه من الأدب ، ولعل فيهم ما يكون عنده ما قدم ms1032 أشهى إليه مما يقدم بعد ، ~~وقد يكون فيهم من به حاجة إلى فضل أكل فينقص عليه برفعه قبل أن يستوفي ما ~~في نفسه . حدثني بعض أصحابنا عن الستوري وكان صوفيا أنه حضر على مائدة ~~أبناء الدنيا وكان فيه بخل ، قال : فقدم جملا فجعلوا يأكلون فلما رآهم ~~يمزقون كل ممزق ضاق صدره فقال : يا غلام ارفع إلى الصبيان قال : فرفع الجمل ~~إلى داخل الدار ، فقام الستوري بعد وخلف الجمل فقال صاحب المنزل : إلى أين ~~يا أبا عبد الله فقال : آكل مع الصبيان ، فاستحيا الرجل وأمر برد الجمل حتى ~~استوفوا منه ، وكان سفيان الثوري يقول : من دعا رجلا إلى طعامه وهويحب أن ~~لا يجيبه فإن لم PageV02P308 يجب كتبت عليه خطيئة ، وإن أجاب كتبت عليه ~~خطيئتان ؛ فالمعنى في الخطيئة الأولى لأنه أظهر بلسانه خلاف ما في قلبه ~~فتصنع بالكلام وهذا من السمعة وداخل في محبة أن يحمد بما لم يفعل ، والمعنى ~~في الخطيئتين أنه أجابه أخوه ، فالخطيئة الثانية لأنه حمل أخاه على ما لم ~~يعلم حقيقته منه وعرضه لما يكره فلم ينصحه فيما أظهر له من نفسه ، لأن أخاه ~~لو علم غير محب لإجابته لم يأكل من طعامه ، ولأنه قد أدخله في السمعة ، ~~فلذلك كانت عليه خطيئة ثانية ، وقد كان من المتقدمين من إذا دخل عليه وهو ~~يأكل قوته لم يعرض على إخوانه الأكل إذا لم يحب أن يأكل معه خشية التزين ~~بالقول أو لئلا يعرضهم لما يكرهون . دخل قوم على سمير أبي عاصم ، وكان ~~زاهدا ، وهو يأكل فقال : لولا أني أخذته بدين لأطعمتكم منه ، وكان بعض ~~السلف يقول في تفسير التكلف : أن تطعم أخاك ما لا تأكله أنت أي لا يكون من ~~مأكلك في الجودة ومما له قيمة فتشق على نفسك بذلك . وكان الفضيل يقول : ~~إنما تقاطع الناس بالتكلف ، يدعو أحدهم أخاه فيكلف له فيقطعه عن الرجوع ~~إليه ، وكان بعض السلف يأمر بتقديم ما حضر فإنه أدوم للرجوع ، وأذهب لكراهة ~~صاحب المنزل ، وقال بعضهم : ما أبالي من أتاني من إخواني فإني لا ms1033 أتكلف له ~~إنما أقرب ما عندي ، ولو أني تكلفت ماليس حاضرا لمللته وكرهت دوام مجيئه ، ~~وقال لي بعض الشيوخ : كنت آنس بعض إخواني فكنت أكثر زيارته ، فكان يتكلف ~~الأشياء الطيبة فقلت له يوما : حدثني عن شيء أسألك عنه : إذا كنت وحدك تأكل ~~مثل هذا الذي تقدمه إلي ؟ قال : لا ، قلت : وكذلك أنا في منزلي إذا كنت ~~وحدي لا آكل مثل هذا فلم إذا اجتمعنا نأكله ونحن لا نأكل مثله على الانفراد ~~هذا من التكلف فأما أن تقطع هذا وتقدم إلى ما تأكله على الانفراد أو أقطع ~~مجيئي إلىك ، قال : فقطع ذلك ، وكان يقدم ماعنده وما يأكل مثله فدامت ~~معاشرتنا ، ومن دعي إلى طعام وعنده إنسان أو جماعة من حيث يعملون فليستثن ~~الواحد أو الجماعة معه ، فإنه من السنة والأدب ، فإن دعي وحده أو مع نفر ~~بأعيانهم أو أعدادهم فتبعهم واحد لم يكن في العدد فليذكر للداعي قبل دخولهم ~~إليه ليأذن له معهم ، كذلك السنة ومن دعي في جماعة وفوض إليه الأمر فيهم ~~فليعرف صاحب المنزل عدتهم قبل مجيئهم ليستعد لهم بعد أن يعرض عددهم ، من ~~دعا رجلا في غير دعوة عامة وعنده قوم أو رجل بعينه فليعلمه بمن عنده ليدخل ~~على بصيرة ، فلعل أن يكون عنده من يكره هذا المدعو لاجتماع معه ، أو لعله ~~أن يجيبه لأنه يحسب أن ليس عنده غيره لأن الأكل معاشرة وليس كل إنسان يحب ~~أن يعاشر كل أحد خاصة الرؤساء ، ومن أكل مع رجل من طعامه فوقف عليه سائل ~~فلا يعطين شيئا إلا بأذنه أو يسأل صاحب الطعام حتى يكون هو الذي يعطيه ، ~~فإن أعطاه بغير إذن كان الأجر لصاحب PageV02P309 الطعام والوزر عليه ، روي ~~ذلك عن أبي الدرداء قال لإنسان كان يأكل معه فأعطى سائلا بغير أمره : لقد ~~كنت غنيا أن يكن الأجر لي والوزر عليك ، ومثله لا يدعو إلى طعام غيره أحدا ~~بغير إذن صاحبه ومن دعا خصوص إخوانه فدخل عليه داخل فلا يقعده معهم للأكل ~~وليصرفه أو يفرده عنهم . حدثني بعض أشياخنا عن ms1034 بعض الخلف الصالح أنه دعا ~~إخوانه من الصوفية على طعام فدخل رجل من العامة فجلس يأكل معهم فقبض على ~~يده ونحاه وقال : هذا عملناه لهؤلاء خاصة لا يصلح أن يكون معهم غيرهم ، ثم ~~أفرده بطعام خصه به وعمله لأجله عوضا مما فعل ومن دخل عليه داخل وهو يأكل ~~فلا يرفع الطعام فليس ذلك من السنة ولا من فعل المروءة ولعل الداخل أحوج ~~إليه منه وقد بعث إليه اختبارا له ، وإذا عرضت على أخيك الطعام مرة أو ~~مرتين فلا تلحن عليه ، وكذلك إذا دعوته فكره فقد قالوا لا تكرم أخاك بما ~~يشق عليه ولا تزيدن على ثلاث مرات فإن إلالحاح واللجاج مازاد على ثلاث مرات ~~وليس ذلك من الأدب ، قالوا : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خوطب في ~~شيء ثلاثا لم يراجع بعد ثلاث . وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما يقول : ~~الطعام أهون من أن يحلف عليه ، وقال مرة : من أن يدعى إليه ذلك لعظيم حق ، ~~وكان الثوري يقول : إذا زارك أخوك فلا تقل له تأكل أو أقدم إليك ولكن قدم ~~ما عندك ، فإن أكل وإلا فارفعه ، وكان الحسن وابن المبارك إذا أرادا الغداء ~~أو العشاء فتحابا بهما فمن دخل عرضا عليه الأكل ، وقد كان هذا من سيرة ~~السلف أنهم يفتحون الباب عند حضور الطعام ومن صادف دخوله أكل معهم ، ومنهم ~~من كان يقعد في دهليز داره ويفتح الباب فكل من مر عليه في الطريق دعاه إلى ~~طعامه من غني أو فقير ، وقال بعض التابعين : إلا إن خياركم آكلكم في ~~الأفنية وأوسعكم آنية وأحلاكم أطلية إلا إن شراركم آكلكم في الأخبية ~~وأصغركم أطلية ، ومن دعا رجلا إلى طعامه وهويعلم أن الأحب إليه أن لا يأكل ~~فمكروه له أن يأكل ولا يعبأ بقوله إذا علم منه خلافه ، فإن لم يعلم حقيقة ~~ذلك فله أن يجيبه على ظاهر قوله وليس له أن يسيء الظن به ، دعا رجل الأحنف ~~بن قيس في سفر إلى طعامه فقال له الأحنف : لعلك من العارضين ms1035 ، قال : وما ~~العارضون ؟ قال : الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، فسكت الرجل فلم ~~يجبه الأحنف إلى الطعام ، وكان الثوري يمشي مع رجل فمر بباب منزله فعرض ~~عليه الدخول ليأكل عنده فقال له الثوري : أصدقني عن شيء أسألك : أيما أحب ~~إليك أدخل أو أنصرف ؟ فسكت ، فانصرف الثوري ، ومن علم من أخيه أنه يحب أن ~~يأكل من طعامه فلا بأس أن يأكل بغير إذن لأن علمه بحقيقة حاله ينوب عن إذنه ~~له في الأكل . وقد كان محمد بن واسع وأصحابه يدخلون منزل الحسن فيأكلون ~~مايجدون بغير إذن ، وكان الحسن ربما دخل فيجدهم كذلك فيسر ويقول هكذا كنا ، ~~وروي عنه أنه كان يأكل PageV02P310 من متاع بقال يأخذ من هذه الجونة تينة ~~ومن هذه فستقة فقال له هاشم الأوقص : يا أبا سعيد تأكل من متاع الرجل بغير ~~إذنه ؟ فقال : يالكع أما قرآت آية الأكل ؟ ثم تلا عليه : ( ولا على أنفسكم ~~أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم ) النور : 61 ، إلى قوله تعالى : ( أو ~~صدىقكم ) النور : 61 ، ثم قال الحسن الصديق : من استروحت إليه النفس واطمأن ~~إليه القلب فإذا كان كذلك فلا يأذن له في ماله ، وجاء قوم إلى منزل سفيان ~~الثوري فلم يجدوه ففتحوا الباب وأنزلوا السفرة فجعلوا يأكلون ما فيها فدخل ~~الثوري فجعل يقول : ذكرتموني أخلاق السلف ، هكذا كانوا ، وزار قوم بعض ~~التابعين ولم يكن عنده ما يقدمه إليهم ، فذهب إلى منزل بعض إخوانه فلم ~~يصادفه في المنزل فدخل فنظر إلى قدر قد طبخها وإلى خبز قد خبزه وغير ذلك ~~فحمله كله فقدمه إلى أصحابه وقال : كلوا ، فجاء رب المنزل فلم ير الطعام ، ~~فسأل عنه فقيل له : قد جاء فلان فأخذه ، فقال : قد أحسن ، فلما لقيه قال : ~~يا أخي إن عادوا فعد ، وقد أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم لحما تصدق به ~~على بريرة من غير أن يستأذنها ، ولم تكن حاضرة ، لعلمه أنها تسر بذلك ، ~~وقال : إن الصدقة قد بلغت محلها هو عليها صدقة ولنا هدية ، وقال صلى الله ~~عليه وسلم ms1036 : رسول الرجل إلى الرجل إذنه أي قد علم بإذنه له في الدخول عليه ~~فأغناه عن الاستئذان ، ففي تدبر فعله عليه السلام أن من علمت كراهته لأكلك ~~من طعامه أن لا تأكل وإن أذن لك بقوله ، فتدبر عمل بعض السلف صنيعا ، فدعا ~~رجلا فلم يصادفه الرسول ، ثم أعلم وقد انصرف الناس من عنده فقصد منزله ، ~~فدق عليه الباب ، فخرج إليه الرجل فقال : هل من حاجة ؟ قال : إنك دعوتني ~~فلم يتفق ذلك فقد جئت الآن لماعلمت ، فقال : قد انصرف الناس ، قال : فهل ~~بقي منه بقية ؟ قال لا ، قال : فكسرة ، إن بقيت ، قال : فلم يبق شيء ، قال ~~: فالقدور أمسحها ، قال : قد غسلناه فانصرف بحمد الله تعالى فقيل له في ~~مسألته عن ذلك فقال : وقد أحسن الرجل دعانا بنية فنفس ؛ هذا في الضعة ~~والذلة وسقوطها من مراتب الأنفة والعزة تشبه نفس ابن الكديني ، وهو أستاذ ~~أبي القاسم الجنيد دعاه صبي إلى دعوة أبيه فرده الأب أربع مرات في دعوة ~~واحدة وهو يرجع في كل مرة وهو يرده ؛ فهذه نفوس مطمئنة بالتوحيد ، مشاهدة ~~بالبلوى من المولى المبلى للعبيد ، مذللة بالذلة ، موضوعة على الضعة ؛ وهذا ~~طريق مفرد لأفراد وحال مجرد لآحاد ، والمتكبرون لا يجيبون الدعوات ؛ وهم ~~عند بعضهم من أنفة النفوس ، قال قائلهم : أنا لا أجيب دعوة ، قيل : ولم ؟ ~~قال : انتظار المرقة ذل ، وقال آخر : إذا وضعت يدي في قصعة غيري ذلت له ~~رقبتي ، ومنهم من لم يكن يجيب الفقير لكبر في نفسه ويجيب الأغنياء لعظمهم ~~في عينه ، ومن أبناء الدنيا الموصوفين بها من لايجيب إلا نظراءه وأشكاله من ~~مثل طبقته PageV02P311 ومرتبته في الرياضة في الدنيا ؛ وهذا على خلاف سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفعاله أنه كان يجيب دعوة المسكين ويجيب ~~دعوة العبد ، ومن قوله : بئس الطعام وشر الطعام الوليمة يدعى إليها ~~الأغنياء ويترك الفقراء ، ثم قال : من لا يجيب الدعوة فقد عصى الله تعالى ، ~~ومر الحسين بن علي رضي الله عنهما بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على ~~قارعة الطريق ، وقد نثروا ms1037 كسرا على الأرض في الرمل وهم يأكلون ، وكان على ~~بغلته ، فلما مر بهم سلم عليهم فردوا عليه وقالوا : هلم إلى الغداء يا ابن ~~بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : نعم إن الله لا يحب المستكبرين ~~ثم ثنى وركه فنزل عن دابته وقعد معهم على الأرض وأقبل يأكل ثم سلم عليهم ~~وركب ، وفي خبر آخر - زيادة - فقال : قد أجبتكم فأجيبوني ، قالوا : نعم ~~فوعدهم المجيء في وقت من النهار فجاؤوا فرحب بهم ورفع مجلسهم ، ثم قال : يا ~~واذات هاتي ما كنت تدخرين ، فأخرجت الجارية فاخر ما عندها من الطعام فأقبل ~~يأكل معهم ، وكان ابن المبارك يقدم إلى إخوانه فاخر الرطب ويقول : من أكل ~~أكثر أعطيته بكل نواة درهما فكان يعد النوى فيعطي من كان له فضل نوى بعددها ~~دراهم . وقال بعض أهل الاعتبار : ما أجبت إلا لأتذكر بها نعيم الجنة ، طعام ~~ينقل بغير كلفة ولا مؤونة ، ولذلك قيل : إن اجتماع الإخوان في وجود الكفاية ~~على الأنس والألفة ليس هو من الدنيا ، وقد كان بعض الصوفية يقول : لا تجب ~~دعوة إلا من يرى لك أنك أكلت رزقك وأنه سلمه إليك وديعة كانت لك عنده ، ~~ويرى لك الفضل عليه في قبولها منه ؛ فهذه شهادة العارف من الداعين ، كذلك ~~شهادة المدعوين من الموحدين ؛ أن يشهدوا الداعي الأول ، والمجيب الآخر ، ~~والمعطي الباطن ، والرازق الظاهر ، كما امتحن أصحابه بذلك بعض الصوفيين : ~~بلغني أن رجلا دعا إماما من الصوفية في أصحابه إلى طعام ، فلما أخذ القوم ~~مجلسهم ينتظرون فضل الطعام إليهم ، خرج إليهم شيخهم فقال : إن هذا الرجل ~~زعم أنه دعاكم وأنكم تأكلون طعامه ففي حرج ، أو قال : حرام على من لم يشهده ~~في فعله أن يأكل ، قال : فقاموا كلهم فخرجوا ولم يستحلوا الأكل ، إذ كانوا ~~لا يرونه في الفعل إلا غلاما حدثا ، فإنه قعد إذ لم تثبت شهادته ولم ينفذ ~~نظره العبارة والمعنى لقائله مثله أو نحوه : وإن دعاك أخوك وأنت صائم فعلمت ~~أنه يسر بأكلك فلا بأس أن تفطر لأجله ، فإن لم تعلم ذلك ms1038 منه وقال لك : أنا ~~أسر بأكلك فصدقه وأحسن به الظن ، وإن لم تعلم ذلك منه ولم يلفظ به لساني ~~فإني أكره خروجك من عقد الصوم لغير نية ، هي أبلغ منه أو مثله ، فصومك ~~حينئذ أفضل ، وإن أكلت مع أخيك تريد إكرامه بذلك فهذه نية صالحة ، قد كان ~~بعضهم إذا أكل يوم فطره أكل مع إخوانه ويحتسب في أكله ما يحتسب في صو مه . ~~وروينا عن ابن عباس أنه قال : من أفضل الحسنات إكرام الجلساء ، ومن لم يرد ~~أن يطعم قوما من طعام فلا يظهرهم عليه ولا يصفه لهم سواء كان هو قد أكله أو ~~لم يأكله ، PageV02P312 وكان الثوري يقول : إذا أردت أن لاتطعم عيالك من ~~شيء تأكله فلا تحدثهم به ولا يرونه معك ، وينبغي أن يكون للمجيب إلى الدعوة ~~نيات سبع ؛ إذ الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ، إذ الإجابة من الأعمال ، ~~فمن نواها دنيا كانت له دنيا لعاجل حظه ، ومن أراد بها آخرة فهي له آخرة ~~بحسب نيته ، وإن لم تحضر نية أو أعتل بفسادها توقف حتى يهيئ الله عز وجل له ~~نية صالحة تكون الإجابة عليها أو ترك الإجابة إذا كانت بغير نية ، لأنها من ~~أفاضل الأعمال ، فتحتاج إلى أحسن النيات لوجود العالم فيها فتكثر بها ~~الحسنات ، ولفقد الهوى منها فيسلم فيها من السيئات وإلا كانت إجابته هزوا ، ~~وكان عاملا في باب من أبواب الدنيا ، وساعيا ف حظ نفسه وملء جوفه وقد قال ~~الرسول عليه السلام : من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر ~~إليه ، فيصير مأزورا بفساد النية ، أو يكون غير مأجور لعدمها . فأول النيات ~~طاعة الله تعالى وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله عليه السلام : ~~من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . والثانية إقامة ~~سنته لقوله عليه السلام : لو دعيت إلى كراع لأجبت وهو موضع على أميال من ~~المدينة أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان لما بلغه وقصر عنده في ~~سفره ، وقال في الخبر ms1039 الآخر : لو دعيت إلى ذراع لأجبت ؛ فهذا ظاهر في ~~الإجابة عن القليل ، والأول محتمل في الإجابة إلى الموضع البعيد ، فقد نقل ~~أن في التوراة أو في بعض الكتب سر ميلا عد مريضا ، سر ميلين شيع جنازة ، سر ~~ثلاثة أميال أجب دعوة ، سر أربعة أميال زر أخا في الله عز وجل ، فبعد في ~~إجابة الدعوة وفضلها على العبادة وشهود الجنازة لأن فيها قضاء حق الحي ، ~~وفيها إجابة داع . والنية الثالثة إكرام أخيه ، وفي الخبر : من أكرم أخاه ~~المؤمن فإنما يكرم الله تعالى ، وفي حديث الحسن وعطاء : من جاءه شيء من غير ~~مسألة فرده فإنما يرده على الله تعالى ، فترك الإجابة رد العطاء ، وفي ~~تأويل الخبر عن الله تعالى بمعناه أنه يقول للعبد يوم القيامة : جعت فلم ~~تطعمني ، فيقول : كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ فيقول : جاع أخوك المسلم ~~فلم تطعمه ، ولو أطعمته كنت قد أطعمتني ، فمن ظاهره تعظيم حرمة المسلم لأنه ~~أقامه مقامه ، وفي باطنه في الفهم أنه إذا أجابه فقد عاونه على إطعام نفسه ~~، فكأنه أطعمها ، فإذا لم يجب دعوته فقد ترك معاونته على إطعامه فدخل تحت ~~التفريع بأنه لم يطعم نفسه وهو المسلم إذا لم يجب الدعوة فتفكروا . والنية ~~الرابعة إدخال السرور على أخيك المؤمن ، والخبر الآخر : من سر مؤمنا فقد سر ~~الله عز وجل . PageV02P313 والنية الخامسة رفع الغم عن قلبه ووضع الهم عن ~~نفسه في ترك إجابته من ترجيم الظنون به وتوقيع الرجم بالغيب فيه لما لم يجب ~~ولعله يجيب ، وإلا كان يجيب فيرفع عنه ذلك ويسقط عنه مؤونته سوء الظن به ~~وتنزيل الشك فيه باليقين به . والنية السادسة أن ينوي زيارته فيصير ذلك ~~نافلة له تماما على الذي أحسن ، فقد جاء في فضل الزيارة في الله تعالى وأن ~~بها يستحق ولاية الله تعالى ، وأنها علامة ولاية المتحابين في الله فاشترط ~~لذلك شيئان : التباذل لله والتزاور فيه ، فقد حصل البذل من أحدهما بقيت ~~الزيارة من الآخر على الخبر السائر أن الإجابة من التواضع ، كما ذكرنا قبل ~~: أن المتكبرين لا ms1040 يجيبون الداعي فهذه سبعة أعمال نيات لمن وفق لعملها ~~والعمل بها ، ومن طرقته فاقة من الفقراء فقصد بعض إخوانه يتصدى للأكل عنده ~~فجائز له ذلك بشرطين : لا يكون عنده موجود من طعام ونيته أن يؤجر أخاه ~~ويكون هو الجالب لأجره لأنه عرضه للمثوبة ؛ فهذا داخل في التعاون على البر ~~والتقوى وداخل في التحاض على طعام المسكين ونفسه كغيره من الفقراء ، ولأن ~~أخاه لا يعلم بصورة حاله ولو علمه لسره ذلك ففيه إدخال السرور عليه من حيث ~~يعلم ، وقد فعل هذا جماعة من السلف ، وقد روى بمعناه أثر من ثلاثة طرق ~~للسلف الصالح منهم : عون بن عبد الله المسعودي ، كان له ثلاثمائة وستون ~~صديقا ، وكان يكون عند كل واحد يوما وآخر كان له ثلاثون صديقا كان يكون عند ~~كل واحد يوما وليلة وكانوا يقدمون هذه الأخلاق السنية مع إخوانهم فيؤثرونها ~~على المكاسب والمعلوم ، فكان إخوانهم معلومهم ، ولم يكن هؤلاء يكتسبون ولا ~~يدخرون ، وكان لإخوانهم فيهم نية صالحة يسألونهم ذلك ويقسمون عليهم فيه ~~ويرونه من أفضل أعمالهم ، وكان هؤلاء للإنصاف يكرمون إخوانهم بإجابتهم ~~وكونهم عندهم ، ولم يكن سعيد بن أبي عروبة يعرض على إخوانه الطعام ، ولكنه ~~كان يظهره ويعرض به فكان اللحم مسلوخا مصلقا والخبز موجودا ظاهرا ، وكذلك ~~كان يفعل بالثياب والأثاث ، كان جميع ما في منزله مظهرا مسبلا ، فكل من دخل ~~عليه من إخوانه إن شاء قطع من المسلوخ فشوى وطبخ ، وإن شاء أكل من الخبز ~~بما وجد من الأدم ، ومن شاء لبس من الثياب ما شاء فكان ذلك مشاعا في منزله ~~لمن أراد تناوله ، ومنهم من كان منقطعا في منزل أخيه قد أفرده بمكان يقوم ~~بكفايته ولا يبرح من منزله على الدوام يحكم فيه ويتحكم كما يكون في منزل ~~نفسه ، وقال بعض العلماء : أكلتان لا يحاسب العبد عليهما : ما أكله في ~~سحوره وما أكله PageV02P314 عند إخوانه إكراما لهم بذلك ، ومن أكل عند قوم ~~فليقل عند فراغه أفطر عندك الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم ~~الملائكة وقد روينا أيضا : أن يقول ms1041 عليكم صلاة قوم أبرار لسوا بآثمين ولا ~~فجار يصلون الليل ويصومون النهار فقد كان الصحابة يقولون ذلك . # | ذكر غسل اليد # ليس كل أحد يحسن أدب الغسل كما ليس كل إنسان يعرف سنة الأكل ، فمن غسل ~~يده بأشنان ابتدأ بغسل أصابعه الثلاث أولا ، ثم جعل الأشنان في راحته ~~اليسرى يابسا ، ثم أمره على شفتيه جسا وأنعم غسل فيه بأصبعيه وظاهر أسنانه ~~وباطنه وحنكه ولسانه ، ثم غسل أصابعه من ذلك بالماء ، ثم دلك ببقية الأشنان ~~اليابس أصابعه وظهرا وبطنا ، ثم لم يدخل الأشنان ثانيا إلى فيه لئلا يعود ~~بالغمر إليه من يديه ؛ وهذا يكفيه من تثنية الغسل ، ومن غسل يد إخوانه بعد ~~أكلهم من طعامه فمن الأدب أن يصب على أيدهم بالماء العذب ، فبمثل هذه ~~اللطيفة ونحوها يعرف حسن تفقد الدعاة وليستبين تعاهد الرعاة كأن بعضهم يقول ~~: يدعو الرجل إخوان ينفق في الطيبات جملة ويحليهم بعدها بالحلاوة ، ثم يمرر ~~أفواهم بالماء الملح ؛ فهذا يكون من نقص التعاهد وقلة التفقد . # | ذكر أخبار جاءت في الآثار رويناها منثورة في الأطعمة والأكل من بين نقص ~~وفضل # هي من طرائق السلف وصنائع العرب أدخلناها في تضاعيف كلامنا لأنها منقولة ~~من كلام القدماء من حديث إسحاق بن نجيح عن عطاء بن ميسرة عن أبي هريرة قال ~~: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أكل ما يسقط من المائدة عاش في ~~سعة وعوفي في ولده ، وفي خبر سعيد بن لقمان عن عبد الرحمن الأنصاري عن أبي ~~هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الأكل في السوق ~~دناءة هذا غريب مسند أو ليس بذاك الصحيح أنه من قول التابعين ؛ إبراهيم ~~النخعي ومن دونه ، وعن جويبر عن الضحاك عن النزال بن سيرة عن علي عليه ~~السلام قال : من ابتدأ غذاءه بالملح أذهب الله عنه سبعين نوعا من البلاء ، ~~ومن أكل يوما سبع تمرات عجوة قتلت كل دابة في بطنه ، ومن أكل في كل يوم ~~إحدى وعشرين زبيبة حمراء لم ير في جسده شيئا يكرهه ، واللحم ينبت ms1042 اللحم ، ~~والثريد طعام العرب ، والسارحات تعظم البطن وترخي الأليتين ، ولحم البقر ~~داء ولبنها شفاء ، وسمنها دواء ، والشحم يخرج مثله من الدواء ولن تستشفي ~~النفساء بشيء أفضل من الرطب والسمك يذيب الجسد ، وقراءة القرآن ، والسواك ~~يذهب البلغم ، ومن أراد البقاء ولا بقاء فليباكر الغداء ، وليقل غشيان ~~النساء ، وليخفف الرداء وهو الدين ، في أخبار الأمراء أن الحجاج قال لبنادق ~~المطيب : صف لي صفة آخذ بها ولا أعددها ، قال له : لا تنكح من النساء إلا ~~فتاة ، ولا تأكل من اللحم إلا فتيتا ، ولا تأكل PageV02P315 المطبوخ حتى ~~ينعم نضجه ، ولا تشرب دواء إلا من علة ، ولاتأكل من الفاكهة إلا نضيجها ، ~~ولا تأكل طعاما إلا أجدت مضغه ، وكل ما أحببت من الطعام ولا تشرب عليه ، ~~فإذا شربت فلا تأكل عليه شيئا ولا تحبس الغائط والبول ، وإذا أكلت بالنهار ~~فنم ، وإذا أكلت بالليل فامش قبل أن تنام ولو مائة خطوة ، وفيما قاله ~~الفلسوف حكمة ، قد ورد ببعضها آثار ، قد يروى في خبر مقطوع ذكره أبو الخطاب ~~بن عبد الله بن بكر يرفعه : من استقل بدائه فلا يتداوى فرب دواء يورث داء ، ~~وكانت الحكماء تقول : دافع بالدواء ما حملت قوتك الداء ، وقال بعضهم : مثل ~~شرب الدواء مثل الصابون للثوب ينقيه ولكن يخلقه . وقال أبقراط الفيلسوف : ~~الدواء من فوق والداء من تحت ، فمن كان داؤه في بطنه فوق سرته سقي الدواء ، ~~ومن كان داؤه تحت سرته حقن ، ومن لم يكن به داء من فوق ولا من تحت لم يسق ~~الدواء ، فإن سقى عمل في الصحة داء إذا لم يجد داء يعمل فيه ، وفي الخبر : ~~قطع العروق مقة وترك العشاء مهرمة ، والعرب تقول : ترك الغداء يذهب بشحم ~~البكاذة يعني الألية ، وقال بعضهم : نهاني الأطباء عن الشرب في تضاعيف ~~الطعام ، والعرب تقول : تعش وتمش وتغد وتمد ؛ يريدون تمدد فأبدلوا الألف من ~~الدال الثانية كراهية التكرار ولازدواج الكلام ، ومنه قوله تعالى : ( ثم ~~ذهب إلى أهله يتمطى ) القيامة : 33 أي يتمطط ، فأبدل من الثانية ألفا بمعنى ~~يمد مطاه يرفع ظهره ، وأما في ms1043 حبس الغائط : فقد قال بعض الفلاسفة : الطعام ~~إذا خرج نجوه قبل ست ساعات فهو مكروه من المعدة ، وإذا بقي فيها أكثر من ~~أربع وعشرين ساعة فهو ضرر على المعدة ، ويقال : إن حبس البول يفسد من الجسد ~~كما يفسد النهر ما حوله إذا سد مجراه ففاض من جوانبه ، ويقال : إن أرواح ~~المفاصل ميراث حبس الريح ، قال الشيخ أبو طالب : قرأت في الحكمة مدار صلاح ~~الأمور في أربعة : الطعام لا يؤكل إلا على شهوة ، والمرأة لا تنظر إلا إلى ~~زوجها ، والملك لا يصلحه إلا الطاعة ، والرعية لا يصلحها إلا العدل ، وقيل ~~لبعض حكماء الروم : أي وقت الطعام فيه أصلح فقال : إما لمن قدر فإذا جاع ~~وإما لمن لم يقدر فإذا وجد ، ويقال : إذا كثرت المقدرة نقصت الشهوة ، وقال ~~كسرى لجلسائه : أي خصلة في الإنسان أضر ؟ فقالوا : الفقر ، فقال : البخل ~~أشد من الفقر ، لأن الفقير لا يجد ولابخيل يجد ولا يأكل ، وقيل لرجل رؤي ~~سمينا ما أسمنك ؟ فقال : أكل الحار وشرب القار والاتكاء على شمالي والأكل ~~من غير مالي ، وقيل PageV02P316 لأخر رؤي حسن الجسم : ما أحسن جسمك ؟ قال : ~~قلة الفكر وطول الدعة والنوم على الكمطة ، وقيل لآخر رآه حكيم سمينا : أرى ~~عليك قطيفة من نسج أضراسك فما هي ؟ قال : آكل اللباب وصغار المعز وأدهن ~~بجام بنفسج وألبس الكتان ، والعرب تقول : العاشية تهيج الآبية ؛ يعني أن ~~الذي لا يشتهي الطعام إذا نظر إلى من يأكل هاجه ذلك على الأكل الذي يأباه ~~لما رأى الآخر تعشى ، وذكر الأصمعي أن بعض الحكماء أوصى ابنه فقال : يا بني ~~لا تخرج من منزلك حتى تأخذ حلمك ؛ يعني تتغذى وكذلك يقال في تناول الشيء ~~قبل الخروج إلى السوق وقبل لقاء الناس أنه أقل للشهوة في الأسواق وأقطع ~~للطعام بلقاء الناس ، وأنشد هلال بن مجشم شعرا : وأن قراب البطن يكفيك ملأه ~~. . . ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها ورؤي بعض الصوفية يمشي في السوق وهو ~~يأكل وكان ممن يشار إليه قال : فقلت له : تأكل في السوق ؟ فقال : عافاك ~~الله إذا جعت في السوق ms1044 آكل في البيت ، قلت فلو دخلت بعض المساجد ؟ فقال : ~~أستحي منه أن أدخل بيته للأكل ، هذا لأنه رأى الأكل من أبواب الدنيا ، فدخل ~~في طريقها كما قيل : الأسواق موائد الآباق أبقوا من الخدمة فجلسوا في ~~الأسواق ، وفي خبر ابن عمر قال : كنا نأكل في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام ، وقال بعض أهل الطب : لحمية أحد العلتين ، ~~ويقال : الحمية للصحيح ضارة كما أنها للعليل نافعة ، والدواء إذا لم يجد ما ~~يعمل فيه وجد الصحة فعمل فيها وأنشد بعض العرب شعرا : وربة حام كان للعبد ~~علة . . . وعلة جر الداء حفظ التقلل وقال لقمان : من احتمى فهو على يقين من ~~المكروه وفي شك مما يأكل من العوافي ، وكان يقال : ليس الطبيب من أحمى ~~الملوك ومنعهم من الشهوات ، إنما الطبيب من خلاهم وما يريدون ، ثم دبر ~~سياستهم على ذلك حتى تستقيم أجسادهم ، وقال مدني عندنا بالحجاز لبعض ~~الأعراب : أخبرني بما تأكلون وما تدعون ، فقال : نأكل ما أدب ودرج إلا أم ~~حنين فقال المدني : ليهن أم حنين منكم العافية ، وفي الخبر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رأى صهيبا يأكل تمرا وبه رمد فقال له : تأكل التمر وأنت ~~رمد ؟ فقال : يا رسول الله إنما آكل بهذا الشق الآخر يعني جانب العين ~~السليمة ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم . PageV02P317 # | ذكر أخبار جاءت في التقلل والحمية وذم البطنة # في حديث إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم قال : قال أبو الدرداء : بئس ~~العون على الدين قلب نجيب وبطن رغيب ونعظ شديد نجيب ، يعني خفيفا ضعيفا ، ~~ورغيب يعني واسعة طامعة ، قيل لبعض الحكماء : أي الطعام أطيب ؟ فال : الجوع ~~أعلم ، أي به يطيب الطعام : كما قيل : نعم الإدام الجوع ما ألقيت إليه قبله ~~، قال العتبي : قال عبيد الله لرجل من أهل الدمينة : يا أخي إني لأعجب أن ~~فقهاءكم أظرف من فقهائنا ، وعوامكم أظرف من عوامنا ، ومجانينكم أظرف من ~~مجانيننا ، قال : فتدري لم ذاك ؟ قلت : لا ، قال : الجوع ألا ترى أن ms1045 العود ~~إنما صفي صوته من خلو جوفه ؟ يقال دعا عبد الله بن الزبير الحسن بن علي رضي ~~الله عنهم فحضر هو وأصحابه فأكلوا ولم يأكل هو فقيل له في ذلك ، قال : إني ~~صائم ، ولكن تحفة الصائم قال : وماهي ؟ قال : الدهن والمجمرة ، وكذلك يقال ~~: الكحل والدهن أحد القرابين واللبن أحد اللحمين والفاكهة ، والحديث للضيف ~~أحد الضيافتين ، فيستحب لمن كان صائما فحضر ولم يأكل أن يطيب ويحيي فذاك ~~زاده ، روي أن عبد الرحمن بن أبي بكر كان على خوان معاوية فرأى معاوىة لقم ~~عبد الرحمن ، فلما كان بالعشي راح إليه أبو بكرة وحده فقال له : ما فعل ~~ابنك التلقامة ؟ قال : اعتل ، قال معاوية : مثله لا يعدم العلة ، وقيل لأبي ~~بكرة : إن ابنك أكل حتى بشم ، قال : لو مات ما صليت عليه ، ويقال للبشم سكر ~~كسكر الخمر ، وسئل الحارث بن كلدة طبيب العرب : ما الدواد الذي لا داء فيه ~~، فقال : هو اللازم ؛ يعني الحمية ، وقيل لجالينوس : إنك تقل من الطعام ~~فقال : غرضي من الطعام أن آكل لأحيا وغرض غيري من الطعام أن يحيا ليأكل ، ~~ويقال : ما أدخل الإنسان جوفه أنفع من الرمان ولا أضر من المالح ، ولأن ~~يتقلل من المالح خير من أن يستكثر من الرمان ، هذا لذم الاستكثار وإن كان ~~مما ينفع ، ومدح القلة وإن كان ما يضر ، حدثت عن عبد المنعم بن إدريس عن ~~أبيه عن وهب بن منبه قال : قال لابنه : يا بني إن طول الجلوس على الخلاء ~~يرفع الحرارة إلى الرأس ويورث الباسور ويبجبع له الكبد ، اجلس هوينا وقم ، ~~قال : حكمه على باب الحش ، ويقال : سأل الحجاج جلساءه : ما أذهب الأشياء ~~للإعياء ؟ قالوا : أكل التمر ، وقال بعضهم : الحمام ، وقال بعضهم : الجماع ~~، وقال آخر : الصمائخ ، فقال يتاذوق : أذهب الأشياء للإعياء قضاء الحاجة ، ~~حدثت عن بعض الأطباء أن رجلا شرب خبث الحديد المعجون فبقي في جوفه واشتد به ~~وجعه ، قال : فسحقت له قطنة مغناطيس وسقيته إياه فتعلق بالخبث وخرج مع ~~الغائط . وروى الأصمعي عن جعفر بن سليمان قال : قال يتاذوق الفيلسوف ms1046 : إن ~~اللحم على PageV02P318 اللحم يقتل السباع في البرية ، قال : ثم قال أبو ~~جعفر : قالت جارية لنا : كان لنا ظبي فمر بعجين قد هيئ فأكل منه حتى حبط ؛ ~~والحبط انتفاخ الجنينين فسلخ فوجد قد شرق بالدم ، فقال يونس الطبيب : هكذا ~~يصيب الإنسان إذا بشم يشرق قلبه بدمه ، وقال الأصمعي عن جعفر والي البصرة ~~إنه قال لأنسان أكول يقيء إذا أكل : لا تفعل ، فإن المعدة تضغن إلى القيء ~~كما تضغن الدابة العلف ولا ينضج الطعام ؛ معنى تضغن أي تألف وتعتاد ، وقال ~~بعضهم : سئل يتاذوق عن البخر فقال ، دواؤه الزبيب يعجن بالشعير ، ثم يؤكل ~~أسبوعين أو ثلاثا ، وقال الأطباء : معرفة خفة الماء أن يكون سريع الغليان ~~سريع البرد ، ويكون قبالة الشمس مجراه على الشمال ومروره على الطين الأحمر ~~وعلى الرمل ، ذكر أبو طالب أن هذا آخر الزيادة من الأقوال ، وروي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أكرموا الخبز فإن الله قد أنزله من ~~السماء ، فمن بركات الخبز أنه لا ينتظر به أدام وىؤكل مع ما حضر معه من ~~الملح والخل والبقل وغيره ، وأن لا يجعل تحت شيء من آلة المائدة ولا تحت ~~غضارة ، مثل أن يسند به شيء ولا يتخذ طبقا لشيء ، فإن وضع عليه ما يؤكل فلا ~~بأس ، ومن السنة والأدب أن لا ينتظر بالطعام غائب إذا حضر جماعة ، ولكن ~~يأكل من حضر ؛ فإن حرمة الحاضر مع حضور الطعام أوجب من انتظار الغائب إلا ~~أن يكون الغائب فقيرا فلا بأس أن ينتظر ليرفع من شأنه ولئلا ينكسر قلبه ، ~~وإن كان الغائب غنيا لم ينتظر مع حضور الفقراء فإن انتظار الغني معصية لما ~~روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها ~~الأغنياء ويترك الفقراء ، فسمي الطعام شريرا لأجل الأغنياء ، والطعام لا ~~تعبد عليه ، وإنما الشر اسم لأهل الطعام الداعين الأغنياء عليه التاركين ~~للفقراء ، فأما طعام المآتم فهو على ضربين ؛ نوع منه يصنعه أهل الميت ~~للنوائح والبواكي ومن يينيهم على الجزع ، فإن أكل هذا مكروه ms1047 منهي عنه ، ~~ونوع يحمل إليهم لشغلهم عن أنفسهم وإصلاح طعامهم بميتهم ؛ فهذا لا بأس به ~~وبحمله إليهم ، ويجوز الأكل منه إن أطعموه غيرهم لأنه من البر والمعروف إن ~~لم يرد به النوائح ولا المجالسسة على القبور للجزع والأسى . وقد روينا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب : إن ~~آل جعفر شغلوا بميتهم عن صنيع طعامهم فاحملوا إليهم ما يأكلون ؛ فهذا سنة ~~في حمل الطعام إلى أهل الميت ، ومن دعي إلى طعام وكان في بيت الداعي إحدى ~~خمس خصال فلا يجبب دعوته ولا حرج في ترك إجابته إن كانت مائدته يشرب بعدها ~~مسكر ، وإن لم يعاينه في الحال ، أو كان في الأثاث فراش حرير ، أو ديباج ، ~~أو كان في الآنية ذهب ، أو فضة ، أو كان متخذ الحيطان مسترا بالثياب كما ~~تستر الكعبة ، أو كان صورة ذات روح في PageV02P319 ستر منصوب أو في حائط ، ~~ومن أجاب الدعوة فرأى إحدى هذه الخمس فعليه أن يخرج أو يخرج ذلك ، فإن قعد ~~فقد شركهم في فعلهم ، دعي أحمد بن حنبل رحمه الله إلى طعام فأجاب في جماعة ~~من أصحابه ، فلما استقر في المنزل رأى إناء من فضة في البيت فخرج وخرج ~~أصحابه معه ولم يطعموا ، ويقال : إنه خرج من أشنانة رآها كان رأسها المغطاة ~~به فضة لم يصبر فخرج لذلك ، حدثت عن أحمد بن عبد الخالق قال : حدثنا أبو ~~بكر المروزي قال : سألت أبا عبد الله عن الرجل يدعى إلى الوليمة من أي شيء ~~يخرج ؟ قال : خرج أبو أيوب حين دعي فرأى البيت قد ستر ودعي حذيفة فرأى شيئا ~~من زي العجم فخرج وقال : من تزيا بزي قوم فهو منهم ، قلت لأبي عبد الله : ~~فإن رأى شيئا من فضة ترى أن يخرج ؟ قال : نعم أرى أن يخرج ، قال : وسمعته ~~يقول : دعانا رجل من أصحابنا قبل المحسنة وكنا نختلف إلى عفان ، فإذا إناء ~~من فضة فخرجت فأتبعني جماعة ، فنزل بصاحب البيت أمر عظيم فقلت لأبي عبد ~~الله ms1048 : الرجل يدعي فيرى المكحلة رأسها مفضضة قال : هذا يستعمل كل ما لا ~~يستعمل ، فأخرج منه ، إنما رخص في الضبة أو نحوها فهو أسهل ، وسألته عن ~~الكلة فكرهها ، قلت : فألقيه أو أخليها ؟ فلم ير بها بأسا ، قلت لأبي عبد ~~الله : إن رجلا دعا قوما فجيء بطست فضة أو إبريق فكسره هل يجوز كسره ؟ قال ~~: نعم ، قال أبو بكر المروزي : سألته عن الرجل يدعى فيرى فرش ديباج ترى أن ~~يقعد عليه أو يعقد في بيت آخر ؟ قال : يخرج ، قد خرج أبو أيوب وحذيفة . وقد ~~روي عن ابن مسعود الخروج قلت : ترى أن يأمرهم ؟ قال : نعم ، يقول : هذا لا ~~يجوز ، قلت لأبي عبد الله : الرجل يكون في بيت ديباج يدعي إليه للشيء ؟ قال ~~: لا تدخل عليه ولا تجلس معه ، قلت : الرجل يدعى فيرى الكلة فكرهها وقال : ~~هو رياء لا ترد من حر ولا ترد من برد ، قلت : الرجل يدعى فيرى سترا فيه ~~تصاوير ، قال : لا تنظر إليه قلت : قد أنظر إليه ، قال : إن أمكنك خلعه ~~خلعته ، قال : سألت أبا عبد الله عن الستر يكتب فيه القرآن فكره ذلك قال : ~~ولا يكتب القرآن على شيء منصوب لا ستر ولا غيره ، قلت : الرجل يكتري البيت ~~فيه التصاوير تري أن يحكه ؟ قال : نعم ، قلت لأبي عبد الله : دخلت حماما ~~فرأيت فيه صورة ترى أن أحك الرأس ؟ قال : نعم ، وسألته عن الجوز ينثر ~~إسناده جيد أبو حصين عن خالد بن مسعود قال أبوبكر المروزي : دخلت على أبي ~~عبد الله وقد حذق ابنه قد اشترى جوزا يريد أن يعده على الصبيان يقسمه عليهم ~~وكره النثر وقال : هذه نهبة ، وقال هاشم بن القاسم : حدثنا محمد قال : كان ~~طلحة والزبير يكرهان النثر في كل شيئ في العرس وفي الحذاق وغيرهما من الجوز ~~والسكر ، قال : وسألت أبا عبد الله عن PageV02P320 قرض الرغيف والخمير فلم ~~ير به بأسا آخر الزيادة في الجديد ، ومن الأصل الأول خمسة لا تجاب دعوتهم ~~وإن دعي رجل ولم يعلم ثم علم فلا حرج عليه ، أن يخرج من ms1049 بيته المبتدع ، ~~وأعوان الظلمة ، وآكل الربا ، والفاسق المعلن بفسقه ، ومن كان الأغلب على ~~ماله الحرام ولم يكن يردع عن الآثام في معاملته الأنام لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : لا تأكل إلا طعام تقي وذاك لأن التقي قد كفاك الاجتهاد في ~~المأكول للتقوى فأغناك عن السؤال عنه ، لأن التقي إذا أطعمته استعان على ~~الطعمة على البر والتقوى فتصير معاونا له عليها ، كما قال تعالى ، فيشركه ~~في بره والفاجر والظالم إن أكلت طعامهما صرت من أعوان الظلمة بمشاركتك لهما ~~في الطمعة ، كما سأل خياط ابن المبارك فقال : إني أخيط لبعض وكلاء هؤلاء ~~يعني الأمراء فهل يخاف أن أكون من أعوان الظلمة ؟ فقال : لست من أعوان ~~الظلمة بل أنت من الظلمة ، أعوان الظلمة من يبيع منك الخيوط والإبر ، وقد ~~عمل ذو النون المصري أغمض من هذا الورع ، وما سمعت أدق منه ، إن السلطان ~~لما سجنه في كلام أنكره عليه العامة من العلم الغامض كانت المائدة من قبل ~~السلطان تختلف إليه فلم يكن يطعم منها شيئا ، ولم يأكل أياما كثيرة مدة ~~مقامه في السجن ، فكانت له أخت قد آخته في الله تعالى تبعث إليه من مغزلها ~~وتدفعه إلى السجان فيحمله إليه ويعرفه أنه من قبل تلك العجوز الصالحة ، فلم ~~يأكل أيضا منه ، فلما خرج لقيته العجوز فعاتبته على رد الطعام وقالت : قد ~~علمت أنه كان من مغزلي ؟ فقال : نعم ، إلا أنه جاءني على طبق ظالم فرددته ~~لأجل الظرف يعني بهذا يد السجان ، ولعمري أنا روينا عن علي عليه السلام أنه ~~أهدى له دهقان بالكوفة في يوم عيد لهم خبيصا على جام من ذهب يكرمه بذلك ، ~~فرده ولم يأكل منه ، قال : رددته لأجل ظرفه الذي كان فيه ، وقيل : من أكل ~~لقمة من حرام قسا قلبه أربعين يوما ، ويقال : أظلم قلبه ، ومن أكل الحلال ~~أربعين يوما زهد في الدنيا وأدخل الله تعالى في قلبه وأجرى الحكمة على ~~لسانه ، وقال بعض السلف : أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر الله تعالى ~~له بها ما تقدم ms1050 من ذنبه ، وقال الآخر : من أقام نفسه مقام ذل في طلب الحلال ~~تساقطت عنه ذنوبه كما يتساقط ورق الشجر في الشتاء ، وكان سهل يقول في ~~السائحين في الأمصار والمنقطعين بالأسفار : إن الرجل ليدخل قرية فيجوع ، ~~ولا يقدر على الشبهات فلا يأكل ، ويبيت تلك الليلة جائعا ، فيجعل في ميزانه ~~جميع أعمال أهل تلك القرية ، ومن أجبره سلطان على طعام أو قدم إليه شبهة ~~أكرهه على أكلها ، فليتعلل بعلالة منه ، وليتغير تغيرا ، ولا يقصد طيبا ولا ~~يكبر اللقمة ، ولا يستكثر في الطعمة وليأكل ما يسد رمقه ، وما يخاف التلف ~~بنفسه ، إن هو فارقه ، حدثني بعض الشهود : إن مزكيا من بعض أهل العلم ~~بخراسان رد شهادة شاهد أكل من طعام سلطان كان أجبره فقال : إنه كان أجبرني ~~على الأكل ، فقال : قد علمت ذلك PageV02P321 ولم أرد شهادتك لأنك أكلت ، ~~ولكنك رأيتك تقصد الطيب وتكبر اللقمة فهل كان أجبرك على هذا ؟ فلهذا جرحتك ~~عند الحاكم ، قال لنا الشيخ وأجبر السطان هذا المذكي على الأكل من ماله ~~فقال : اختاروا إحدى خصلتين : إما أن آكل كما أمرتم ولا أزكي أحدا بعد ذلك ~~ولا أجرح ولا أعدل شاهدا ، وإما أن أترك على هذا في الجرح والتعديل ~~بالتزكية ولا آكل من طعامكم ، قال : فنظرالسلطان وذووه فإذا هم محتاجون ~~إليه لأنه كان قليل النظير ، ولم يكن له بد من حسن نظره ومن قيامه بشأن ~~الحكام ، فتركوه وحده فلم يأكل من طعامهم شيئا وأجبروا من كان معه ، وكانوا ~~قد حملوا من نيسابور إلى بخارى في قصة طويلة حذفت سببها ، والمعنى هذا ~~باختلاف الألفاظ التي سمعتها ولكن توخيت ما سمعت على المعنى ، وقد كان بشر ~~بن الحارث يقول : في الأكل من الشبهات يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة ، ~~وكان إذا نفروا تكلم في الحلال قيل له : فأنت يا أبا نصر من أين تأكل ؟ وهو ~~يضحك ، وقد كان سري السقطي يقول : لا نصبر على ترك الشبهات كما كان الزهري ~~إذا عوتب في صحبة بني مروان يقول : أصدقكم الحق اتسعنا في الشهوات ms1051 فضاق ~~علينا ما في أيدينا فانبسطنا إليهم ؛ وهذا فصل الخطاب لأولي الألباب والله ~~أعلم . ين : إما أن آكل كما أمرتم ولا أزكي أحدا بعد ذلك ولا أجرح ولا أعدل ~~شاهدا ، وإما أن أترك على هذا في الجرح والتعديل بالتزكية ولا آكل من ~~طعامكم ، قال : فنظرالسلطان وذووه فإذا هم محتاجون إليه لأنه كان قليل ~~النظير ، ولم يكن له بد من حسن نظره ومن قيامه بشأن الحكام ، فتركوه وحده ~~فلم يأكل من طعامهم شيئا وأجبروا من كان معه ، وكانوا قد حملوا من نيسابور ~~إلى بخارى في قصة طويلة حذفت سببها ، والمعنى هذا باختلاف الألفاظ التي ~~سمعتها ولكن توخيت ما سمعت على المعنى ، وقد كان بشر بن الحارث يقول : في ~~الأكل من الشبهات يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة ، وكان إذا نفروا تكلم ~~في الحلال قيل له : فأنت يا أبا نصر من أين تأكل ؟ وهو يضحك ، وقد كان سري ~~السقطي يقول : لا نصبر على ترك الشبهات كما كان الزهري إذا عوتب في صحبة ~~بني مروان يقول : أصدقكم الحق اتسعنا في الشهوات فضاق علينا ما في أيدينا ~~فانبسطنا إليهم ؛ وهذا فصل الخطاب لأولي الألباب والله أعلم . PageV02P322 # | الفصل الحادي والأربعون في ذكر فضائل الفقر وفرائضه ونعت عموم الفقراء ~~وخصوصهم وتفصيل قبول العطاء ورده وطريقة السلف فيه # : قال الله الكبير المتعال : ( للققراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم ) الحشر : 8 ، وقال تبارك وتعالى : ( للفقراء الذين أحصروا في ~~سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض ) البقرة : 273 فقدم وصف أوليائه ~~بالفقر على مدحهم بالهجرة والحصر ، والله تعالى لا يصف من يحب إلا بما يحب ~~، فلولا أن الفقر أحب الأوصاف إليه ما مدح به أحباءه وشرفهم به ، وأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالفقر وأخبر بفضله في غير حديث ؛ منها حديث ~~إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن دينار عن ابن عمران عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، قال لأصحابه : أي الناس خير ؟ فقالوا : موسر من المال يعطي حق ~~الله عز وجل في نفسه ms1052 وماله ، فقال : نعم الرجل هذا وليس به ، قالوا : من ~~خير الناس يارسول الله ؟ قال : فقير يعطي جهده ؛ ومنها حديث بلال أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال له : إلق الله عز وجل فقيرا ولا تلقه غنيا ، ~~وفي الحديث الذي روي عن ابن الأعرابي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ~~: لا أفضل من الفقير إذا كان راضيا ، وفي الحديث الآخر : أن الله تبارك ~~وتعالى يحب الفقير المتعفف أبا العيال ، وفي الخبرين المشهورين : يدخل ~~فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام ، والحديث الآخر : اللهم أحيني ~~مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين ؛ فهذا منه صلى الله عليه ~~وسلم تفضيل الفقراء وإكرام لهم وتنبيه وحث على فضل الفقر ، وروينا عنه صلى ~~الله عليه وسلم : خير هذه الأمة فقراؤها وأسرعها تضجيعا في الجنة ضعفاؤها . ~~وروينا في خبر إسماعيل النبي عليه السلام المفسر لخبر موسى عليه السلام : ~~أن إسماعيل قال : يارب أين أطلبك ؟ فقال الله عز وجل : عند المنكسرة قلوبهم ~~من أجلي ، قال : ومن هم ؟ فقال تعالى : الفقراء الصادقون ، وقال أبو سليمان ~~الدارني : الأعمال كلها في الخزائن مطروحة إلا شيئين ، فإنه مخزون مختوم ~~عليه لا يعطيه إلا من طبعه بطابع الشهداء ، الفقر مع المعرفة ، وكان يقول : ~~تنفس الفقير دون شهوة لا يقدر عليها أفضل من عبادة غني عمره كله ، ~~PageV02P323 وقد كان بشر يقول : مثل الغني المتعبد مثل روضة على مزبلة ، ~~ومثل العبادة على الفقير مثل عقد جوهر في جيد الحسناء ، وقال : العبادة لا ~~تليق بالأغنياء ، وكان يقول : التقوى لا تحسن إلا في فقر ، وقال له رجل ~~فقير : يا أبا نصر ادع الله عز وجل لي فقد أضر بي الفقر والعيال ، فقال له ~~بشر : إذا قال لك عيالك : ليس عندنا دقيق ولا خبز فادع الله تبارك وتعالى ~~أنت في ذلك الوقت ، فإن دعاءك أفضل من دعائي ، وقال بعض السلف : أي أهل ~~المعرفة بالله عز وجل أن يقبلوا هذا العلم وكرهوا أن يسمعوه من الأغنياء ~~وزعموا أنه لا يليق بهم ، وقد كان بعض الفقراء ms1053 يقول : هذا العلم يعني علم ~~المعرفة عوضه الله سبحانه وتعالى الفقراء بدلا من الدنيا لا يظهره إلا هم ~~ولا يوجد إلا عندهم ، روحهم الله عز وجل به في الدنيا وجعله عوضا لهم مما ~~تركوه له اليوم ، فإذا كان غدا فهم الذين لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة ~~أعين وهو المزيد ، وقد روينا في تفسير قوله تعالى : ( والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ) الرعد : 23 قال : الفقر في الدنيا ~~. فمن فرائض الفقر عند الفقراء : الصبر عليه بترك المسألة قبل ورود الفاقة ~~، وقطع الهم عن التشرف إلى الخلق ، وأن لا يتناول عند الحاجة ما حظره عليه ~~العلم ، ولا يجاوز حدا من حدود الأحكام ، وإن سأل عند حاجة لم يستكثر ولم ~~يدخر ، فإن أعطى فوق كفايته فاقتناه ليكف عن المسألة فلا بأس به ، ويتوخى ~~في مسألته المتقين : ومن يعلم أنه يتحرى في مكسبه فإن مسألته عمل له يلزمه ~~التورع فيها ، كما يلزمه الورع في مكسبه ، ولا يسأل من يعلم أنه لا يبالي ~~من أين يأكل ، ومن لا يردع عن الحرام في مكسبه والعبد بنفس الحاجة والجوع ~~يستحق على إخوانه شبعة يقيم بها صلبه ويسكن بها نفسه ، وبنفس العري والعدم ~~يستحق عليهم ثوبا يواري به عورته ، وذلك لازم للمسلمين وواجب له ، فإن قام ~~به بعضهم سقط عن بعض وجوبه ، وإن سأل ذلك فلا شيء عليه ، ويقال إن كفارة ~~المسألة صدق السائل في مسألته وصدقه أن لا يسأل إلا بعد فاقته ومع خوف ~~التقصير في أداء فرائضه من اختلاف عقله وتشتت قلبه ، وأن يكف مع أول ~~الكفاية ، ولا يدخر بعد الشبع ليستكثر ، ولا يجعل المسألة إن دفع إليها له ~~عادة وكدا ولا حرفة ، ومهما استغنى عن السؤال فليكن ذلك أحب إليه ، فإنه ~~أفضل له ، وقد سأل ثلاثة من الأنبياء عند فاقتهم سليمان عليه السلام لما ~~سلب ملكه أربعين يوما ، وموسى والخضر عليهما السلام لما استطعما أهل القرية ~~. وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : للسائل حق وإن جاء ms1054 على فرس ، ~~وفي الحديث : ردوا السائل ولو بظلف محرق ، فلو كانت المسألة إثما وعدوانا ~~لم يحث على الإعطاء فيكون معاونا على الإثم والاعتداء ، ولكن ذلك من البر ~~والتقوى ، لأنه سبب منه ودال عليه ، فعاون بالأمر به لحرمة الإسلام ، ولأن ~~المواساة من المعروف والإحسان ، وسمع عمر PageV02P324 رضي الله عنه سائلا ~~يسأل بعد المغرب فقال : يا يرفا عش الرجل ، فعشاه ، ثم سمعه ثانية يسأل ~~فقال : ألم أقل لك عش الرجل ؟ فقال : قد عشيته ، فنظر عمر فإذا تحت يدة ~~مخلاة مملوءة خبزا فقال : لست سائلا ولكنك تاجر ، ثم نثر المخلاة بين يدي ~~إبل الصدقة وضربه بالدرة وقال : لست سائلا ، أنت تاجر . وروينا عن علي عليه ~~السلام أن لله عز وجل في خلقه مثوبات فقر وعقوبات فقر ، فمن علامة الفقر ~~إذا كان مثوبة أن يحسن خلقه ، ويطيع به ربه ، ولا يشكو حاله ، ويشكر الله ~~تعالى على فقره ، ومن علامات الفقر إذا كان عقوبة أن يسوء عليه خلقه ويعصي ~~به ربه ويكثر الشكاية ويتسخط القضاء ؛ فهذا كما قال عليه السلام ، وهذا ~~النوع الذي هو عقوبة من الفقر هو الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو فقر النفس ، لأن الفقر من المال إنما هو الافتقار إلى الخلق والفقر إلى ~~الأشياء مع عدم صدق الحال . وقد روينا في الخبر : مسألة الناس من الفواحش ~~ماأحل من الفواحش غيرها ، وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما على ~~الإسلام فاشترط عليهم السمع والطاعة ، ثم قال كلمة خفيفة : ولا تسألوا ~~الناس شيئا فكان صلى الله عليه وسلم يأمر بالتعفف والكف عن المسألة ويقول : ~~من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله عز وجل ، وقال : من لم يسألنا فهو ~~أحب إلينا ، وقال عليه السلام : استغنوا عن الناس ، وما قل من السؤال فهو ~~خير ، قالوا : ومنك يارسول الله قال : ومني ، فلو لم يكن في ترك المسألة ~~لادعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل عن غنى فإنما يستكثر من جمر ~~جهنم ، ومن سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ووجهه ms1055 عظم يتقعقع ليس عليه ~~لحم ، وفي خبر آخر : كانت مسألته خدوجا وكدوحا في وجهه ، وفي الحديث : ~~استغنوا بغنى الله عز وجل ، قالوا : وما هو ؟ قال : غداء يوم أو عشاء ليلة ~~، وفي الخبر : من سأل وله خمسون درهما أو عدلها من الذهب ، فقد سأل إلحافا ~~، ومن كان معه هذا القدر من الدنيا لم يخرجه من عموم الفقراء ، فإن سأل مع ~~ذلك أخرجه من عمومهم ، ومن سأل قبل الجوع أو بعد الشبع أو سأل ليدخر أو سأل ~~وله غداء يوم أو عشاء ليلة أخرجه ذلك من خصوص الفقراء ، وسئل سفيان الثوري ~~عن أفضل الأعمال فقال : التجمل عند المحنة ، وعلى الفقير أن لا يزكي غنيا ~~لأجل عطائه ، ولا يذمه ولا يمقته لأجل منعه ، ولا يعظم أهل الدنيا ، ولا ~~يكرمهم لأجل دنياهم ، وقال ابن المبارك : من تواضع الفقير أن يتكبر على ~~الأغنياء ، وعن علي عليه السلام في حكاية المنام : ما أحسن تواضع الغني ~~للفقير رغبة في ثواب الله عز وجل ، وأحسن منه تيه الفقير على الغني ثقة ~~بالله عز وجل ، ومن فرائض الفقر أن لا يسكت الفقير عن حق ، ولا يتكلم بهوى ~~لأجل دوام العطاء من أحد ، ولا لاجتلاب نفع ؛ فإن ذلك وليجة في الدين ~~ومداهنة للمؤمنين ، ومن فضائل الفقر أن لا يدخر لأكثر من أربعين يوما ، ولا ~~يكون المدخر أكثر من PageV02P325 أربعين درهما ، والأصل في ذلك أن الله ~~تبارك وتعالى قال عز من قائل : ( وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ) البقرة : ~~51 فإذا فسح له في تأميل أربعين فالادخار من الأمل ؛ فإن أمل حياة أربعين ~~يوما جاز له أن يدخر لأربعين ، ومن قصر أمله إلى يوم وليلة لم يدخر إلا ~~ليومه وليلته ، فترك الادخار مقتضى قصر الأمل ، وقد جعل غنى الفقير في ~~أربعين درهما فهذا لعموم الفقراء ، فأما خصوصهم فإن غناءهم غداء يوم أو ~~عشاء ليلة لقصر أملهم ، كما جاء في الحديث الذي ذكرناه آنفا : استغنوا بغنى ~~الله عز وجل ، قيل : وما غنى الله تبارك وتعالى ؟ قال : غداء يوم أو عشاء ~~ليلة ، ومن فضل ms1056 الفقير أن لا يهتم برزق غد كما إن الله تبارك وتعالى لا ~~يطالبه بعمل غد قبل مجيئه ، ولأن الرزق معلوم مقسوم والوكيل حفيظ قيوم ، ~~وأن يكون راضيا بفقره شاكرا عليه ويغتبط بالفقر لعظيم نعمة الله عز وجل ~~عليه فيه ، ويخاف أن يسلب فقره أشد من خوف الغني أن يسلب غناه لشدة اغتباطه ~~به . وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر الفقراء أعطوا ~~الله عز وجل الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا ، وروى عبد ~~الرحمن بن سابط عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~طويل : أحب العباد إلى الله عز وجل الفقير القانع برزقه ، الراضي عن الله ~~عز وجل ، وينبغي أن يغتم بالاتساع ويفرج بالضيقة والمصيبة ، ويحب المساكين ~~ويفضلهم على أبناء الدنيا ، ويرحم الأغنياء ولا يذمهم لأجل غناهم ، ويؤثر ~~الفقراء ويقربهم ويحسن على الفقير خلقه ، ويحمل معه صبره ، ويستر بالتعفف ~~فقره ، ويظهر الغني ولا يكشف فقره بالتكره له والشكوى ، في الخبر عن الله ~~عز وجل : إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين ، وإذا رأيت الغني ~~مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته ، وقال موسى : يا رب من أحباؤك من خلقك حتى ~~أحبهم لأجلك ؟ فقال : كل فقير فقير التكرار فيه لمعنيين ؛ أحدهما المتحقق ~~بالفقر ، والثاني الشديد الحاجة والضر ، وقال عيسى صلى الله عليه وسلم إني ~~لأحب المسكنة وأبغض الغنى ، وقيل : كان من أحب أسمائه إليه أن يقال له : ~~يامسكين ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه الذي تلقاه من ربه ~~وأمره به : أسألك الطيبات ، وفعل الخيرات ، وحب المساكين ؛ ومما يعتبر به ~~فضل الفقر على الغنى أن أفضل الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن ~~شاركه وقارنه بمعنى وصفه فهو الأفضل لأنه الأمثل فالأمثل وهم الفقراء ، ~~وصفهم الله عز وجل بوصفه فقال تعالى : ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ~~قلت لا أجد ما أحملكم عليه ) التوبة : 92 الآية - فلما شاركوه في العدم ~~وكان حال الرسول صلى الله عليه وسلم ms1057 هو الأفضل والأتم دل على فضل حالهم على ~~غيرهم . وقد قال الله عز وجل : ( إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم ~~أغنياء ) التوبة : PageV02P326 | 39 ، وقال تعالى : ( كلا إن الإنسان ليطغى ~~أن رآه استغنى ) العلق : 6 - 7 ، فوصف الأغنياء بالطفو وأوقع عليهم الحجة ، ~~وقال في وصف الفقراء : ( يحسبهم الجاهل أغنياء ) البقرة : 372 ، فلولا أن ~~الغنى مفضول ما نسب من وصفهم به إلى النقص ، والغنى باب الدنيا وأصل ~~التفاخر والتكاثر المذموم ، والفقر باب الآخرة وأصل الزهد والتواضع المحمود ~~، وعند أهل المعرفة : إن الغنى من الصفات التي لا ينبغي أن ينازع فيها ~~ومكروهة لمن ابتلي بمعانيها ، وأنه مثل العز والكبر وحب المدح والذكر ، فمن ~~أحب شيئا من ذلك وطلبه فقد نازع الله تعالى لبسته ، وتركوا ذلك لأجل الله ~~عز وجل لأنه من صفات الربو بية ، وسلموه له خوفا منه أو حبا له ، وإن الفقر ~~من صفات العبودية مثل الرجاء والخوف والتواضع والذل ، فمن طلب ذلك وأحبه ~~فقد تحقق بوصف العبودية ، والله سبحانه وتعالى يحب أن يتحقق العبد بأوصافه ~~لأنه عبد ذليل ، ويكره أن ينازعه معنى صفاته لأنه ملك جليل ، ومن أحب الغنى ~~دل على حبه البقاء ، وكان سهل يقول : حب الغنى شرك في الربوبية ؛ أي لأن ~~البقاء من صفات الباقي ، ومن فضل الغنى على الفقر دل على حبه للغنى فظهر ~~بذلك محبة الأغنياء لأن حب الوصف دليل حب الموصوف ، وحب الشيء أيضا دليل ~~على بغض ضده ، فإذا أبغض الفقراء أبغض الفقر ، وبغض الفقر لحب الغنى ، فقد ~~اختار الرغبة على الزهد ، والكثرة على القلة ، والعز في الدنيا على الذل ، ~~وفي هذا إيثار الدنيا على الآخرة ، وهدم الآثار عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعن الصحابة والتابعين في تفضيل الفقر وتشريف الأغنياء ، ويقال : كان ~~الفقر شرف المؤمن وكان الفقراء فيما سلف في المؤمنين بمنزلة الأشراف فيكم ~~اليوم ولا خفاء بفساد هذا القول ونقصه عند العلماء بالله تعالى ، ثم إن ~~الفقراء على منازل ثلاث ؛ فقراء الأغنياء وهم السؤال عند الفاقات ، الكافون ~~نفوسهم مع الكفاية ، القانعون بالكفاف ؛ وهم ms1058 طهرة الأغنياء ، ومزيدهم من ~~الله تعالى ، وهم الذين جعل الله لهم في أموال الأغنياء سهما ، لأن منهم ~~السائل والمحروم ، ومنهم القانع والمعتر ، والطبقة الثانية فقراء الفقراء ~~وهم المتحققون بالفقر ، المختارون له ، المؤثرون إياه على الغنى ، لعظم ~~معرفتهم بعظيم فضيلة أهل التعفف والصيانة ، لا يبتذلون للسؤال ولا يعرضون ~~في المقال ، راضون بالميسور من مولاهم ، تعرفهم إذا رأيتهم سيماهم : يحسبهم ~~الجاهل أغنياء لترك المسألة والشكوى ، ومنهم المحروم حرم السعي للدنيا ، ~~ومنهم المحارف انحرفت عنه الأسباب ، ومنهم القانع قنع بما يصل إليه من غير ~~امتهان وتبذل فيه ، ومنهم المعتر رضي عن الله عز وجل بما يعتريه ، وقيل : ~~إنه ما أعطى أحد شيئا من الدنيا إلا قيل له خذه على ثلاثة لثلاث ؛ شغل ، ~~وهم ، وطول حساب ، PageV02P327 وأما الطبقة الثالثة فهم أغنياء الفقراء وهم ~~الأجواد الأسخياء أهل البذل والعطاء ، يأخذون ويخرجون ، ولا يستكثرون ولا ~~يدخرون ، إن منعوا شكروا المانع لأنه هو المعطي فصار منعه وإن ضيق عليهم ~~حمدوا الواسع لأنه هو المحمود فصار ضيقه رخاء ، وإن أعطوا بذلوا وآثروا فهم ~~الزاهدون في الدنيا لأنهم موقنون فكفاهم اليقين غنى . وقال إبراهيم بن أدهم ~~لشقيق بن إبراهيم حين قدم عليه من خراسان : كيف تركت الفقراء من أصحابك ؟ ~~فقال : تركتهم إن أعطوا شكروا ، وإن أعطوا آثروا فقبل رأسه وقال : صدقت ~~ياأستاذ وقد كان بشر يقول : الفقراء ثلاثة ؛ فقير لايسأل وإن أعطى لم يأخذ ~~؛ فهذا مع الروحانيين في عليين ، وفقير لا يسأل وإن أعطى أخذ فهو مع ~~المقربين في حظيرة القدس ، وفقير يسأل عند فاقته ؛ فهذا مع الصادقين ، ~~وصدقه في حاله كفارة مسألته ، ودفع إلى إبراهيم بن أدهم ستون ألفا وكان ~~عليه دين وبه حاجات إليها فردها فعوتب في ذلك فقال : كرهت أن أمحو اسمي من ~~ديوان الفقراء لستين ألفا ، وقد كانت عائشة رضي الله عنها تفرق مائة ألف ~~وإن درعها لمرقوع فقالت لها الخادمة : لو اشتريت لك بدرهم لحما تفطرين عليه ~~فقالت : لو ذكرتني لفعلت ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاها فقال ~~: إن أردت اللحوق بي ms1059 فعليك بعيش الفقراء ، وإياك ومجالسة الأغنياء ، ولا ~~تنزعي ثوبا حتى ترقعيه فأما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم للفقراء : ~~ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فلعل متوهما لم يتدبر أول الكلام فظن أن هذا ~~تفضيل للأغنياء على الفقراء وإنما هو تحقيق لقوله الأول : قولوا كذا وكذا ، ~~فإنه لا يسبقكم أحد قبلكم ، ولا يدرككم أحد بعدكم ، فقالوه ، فلما سمع ~~الأغنياء بذلك فقالوا كقولهم هجس في قلوب الفقراء منه شيء ، فاستفتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليتثبتوا في قوله فقال : الأمر كما قلت لكم لا ~~يسبقكم أحد قبلكم إذ قد صح منه هذا القول في الأول وهو معصوم فيه ، فلو لم ~~يكن كذلك لنقض آخر قوله أوله ، ولا يجوز ذلك ، وأيضا فإن حمل على ظاهره كما ~~تأوله ، فإنه فضل الله تعالى في الدنيا ، لا تفضيل لهم به في الآخرة على ~~مقامات الفقراء ، إلا إن الأولى قد قامت بفضلهم ، ويصلح بمعناهم فضل أعطاهم ~~الله تعالى بهذا القول الذي قلتموه ، زادهم الله به ، لا أنه أفضل من ~~مقامكم وحالكم بغيره ، إذ قد ثبت فضلكم عليهم بوصف الفقر وحال الصبر بغير ~~هذا الذكر ؛ وهذا التسبيح رجحان لكم تماما على فضلكم بغيره ، وهذا القول ~~للأغنياء تفضيل من الله عليكم ورحمة ، إلا إنهم يفضلون به عليكم ، ونحن فلم ~~نقل : ليس الغنى طريقا للأغنياء إلى الله وإنما فضلنا طريق الفقراء لأنهم ~~الأمثل فالأمثل بالأنبياء ، وعن الحسن في قوله عز وجل : ( وما يستوي ~~الأحياء ولا الأموات ) فاطر : 22 ، قال : الفقراء والأغنياء ، فجعل الفقراء ~~أحياء بمولاهم ، وجعل الأغنياء موتى بدنياهم ، وقال الثوري رحمه الله : إذا ~~رأيت الفقير يداخل الأغنياء فاعلم أنه مراء ، وإذا خالط السلطان فاعلم أنه ~~لص ، وقال بعض العارفين : إذا مال الفقير إلى بعض الأغنياء نحلت عروته ، ~~PageV02P328 فإذا طمع فيهم انقطعت عصمته ، فإذا سكن إليهم ضل ، فمن فضل ~~الغنى على الفقر بعد الأخبار التي وردت في تفضيل الفقر والفقراء والغنى ~~والأغنياء فأحسن حاله الجهل بالسنن لإيثار الرأي والهوى على ما فيه أثر ~~وسنة ، لأن الأثر إذا ms1060 جاء في شيء لم يكن للرأي فيه مدخل ، وكان في مخالفته ~~مع العلم به عناد ومحادة ، نعوذ بالله من الجهل والهوى ونسأله التوفيق ~~للعلم والتقوى . # | ذكر حكم من لا معلوم له من الأسباب # فإن لم يكن للفقير معلوم من الدنيا وكان رزقه قد أجرى على أيدى العباد من ~~غير تعويض منه لهم من صنائع الدنيا معتاد ، فقد روينا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : إن هذا المال مال الله فمن أخذه بحقه بورك له فيه ، ومن ~~أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه : فكان كالآكل ولا يشبع ، وروينا من أتاه ~~شيء من هذا المال من غير مسألة ولا استشراف فإنما هو رزق ساقه الله تعالى ~~إليه ، وفي لفظ آخر فلا يرده فإن كان محتاجا إليه وإلا فليصرفه إلى من هو ~~إليه أحوج منه ، وروينا عن الحسن وعطاء حديثا مرسلا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : من أتاه رزقه من غير مسألة فرده فإنما هو يرده على الله ، ~~وروينا عن عابد بن شريح عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم : ما ~~لمعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا ، وقال بعض العلماء : لو ~~هرب العبد من رزقه لطلبه حتى يصل إليه كما لو هرب من الموت لأدركه ، وقال ~~أبو محمد رحمه الله : لو أن العبد سأل ربه فقال : لا ترزقني لما استجاب له ~~وكان عاصيا ، ويقال له : يا جاهل لا بد أن أرزقك كما خلقتك ، وقد حدثنا بعض ~~العارفين أنه زهد في الدنيا فبلغ من زهده أن فارق الناس وخرج من الأمصار ، ~~وقال : لا أسأل أحد أشياء حتى يأتيني رزقي إن كان لي رزق ، قال : فأخذ يسيح ~~فأقام في سفح جبل سبعا لم يأته شيء حتى كاد أن يتلف ، قال : يارب إن ~~أحييتني فأتني برزقي الذي قسمت لي وإلا فاقبضني إليك فأوحى الله تعالى إليه ~~: وعزتي لا أرزقنك حتى تدخل الأمصار وتقيم بين الناس ، فدخل المصر للأمر ، ~~وأقام بين ظهراني الناس ، فجاءه هذا بطعام ms1061 ، وهذا بأدام ، وهذا بشراب ، ~~فأكل وشرب فأوجس في نفسه من ذلك ، فأوحى الله إليه : أردت أن تذهب حكمتي ~~بزهدك في الدنيا أما علمت أني أرزق عبد بأيدي عبادي أحب إلي من أن أرزقه ~~بيد القدرة . وقال بعض المنقطعين إلى الله من العارفين : كنت ذا صنعة جليلة ~~، فأريد مني تركها ، فحاك في صدري : من أين المعاش ؟ فهتف بي هاتف : لا ~~أراه ، تنقطع إلي وتتهمني في رزقك على أن أخدمك وليا من أوليائي ، أو أسخر ~~لك منافقا من أعدائي ، وفي خبر عن بعض السلف : أوحى الله تبارك وتعالى إلى ~~الدنيا : اخدمي من خدمني واتعبي من خدمك ، وقال بعض المجاورين بمكة : كانت ~~عندي دراهم أعددتها للإنفاق في سبيل الله ، PageV02P329 فرأيت ذات لية ~~فقيرا يطوف بالكعبة في طلمة الليل ، حسن الهدى والسمت ، قال : فكنت أتتبع ~~آثار قدمه وأمشي خلفه من حيث لا يشعر ، فلما قضى أسبوعه وقف في الملتزم بين ~~الباب والحجر ، فسمعته يدعو دعاء خفيا ، فأصغيت إليه ، فإذا هو يقول : جائع ~~كما ترى ، عريان كما ترى ، فما نرى فيما ترى يا من يرى ولا يرى ، قال : ~~فنظرت فإذا عليه خلقان رثاث ، لا تكاد أن تواريه فقلت في نفسي : لا أجد ~~لتلك الدراهم موضعا خير من هذا ، قال : فتبعته حتى انصرف إلى ناحية قبة ~~زمزم يصلي ركعتي الطواف ، وذهبت إلى منزلي فجئت بالدراهم فدفعتها إليه وقلت ~~: رحمك الله أنت في مثل هذا الموضع ، وعلى مثل هذه الحالة ، فخذ هذه تنفقها ~~، قال : وصببتها في طرف إزاره بين يديه على الأرض ، فنظر إليها ثم أخذ منها ~~خمسة دراهم فقال : أربعة ثمن مئزرين ودرهم أتفوت به ثلاثا ، ثم قال : ~~لاحاجة لي بسائرها ، قال : فرأيته الليلة الثانية وعليه مئزران جديدان قد ~~لبسهما ، قال : فهجس في نفسي من أمره شيء ، فقبض على يدي فأطافني معه ~~أسبوعا كل شوط منها في جوهر من معادن الأرض تتخشخش تحت أقدامنا إلى الكعبين ~~، منها ذهب وفضة وياقوت ولؤلؤ وجوهر ، لم يظهر للناس ، فقال : هذا كله قد ~~أعطيناه فزهدنا فيه ، ونأخذ من أيدي الخلق ms1062 أحب إلينا لأنه أحب إلى الله ، ~~وأخف علينا في المطالبة ؛ وهذه أثقال وفتنة ، وذاك للعباد فيه رحمة ونعمة ، ~~وروينا في خبر : البلاد بلاد الله والخلق عباده ، فأينما وجدت رزقا فأقم ~~واحمد الله . وروينا عن ابن عباس : اختلف الناس في كل شيء إلا في الرزق ~~والأجل ، أجمعوا على أن لا رازق إلا الله ولا مميت إلا الله ، وقال : إن ~~الله عز وجل لما خلق الأرزاق أمر الرياح أن تمزقها في أقطار الأرض ففرقها ، ~~فمن الناس من وقع رزقه في مائة ألف موضع ، ومنهم من وقع رزقه في عشرة آلاف ~~موضع ، ومنهم من ألف موضع ، ومنهم من مائة موضع ، ومنهم في موضع وأقل وأكثر ~~، ومنهم من وقع رزقه على باب منزله يغدو ويروم إليه ، وكل عبد يسعى بأثره ~~الذي كتب له حتى يستوفي رزقه الذي قسم له ، فإذا فني أثره واستوفى رزقه ~~جاءه ملك الموت فقبض روحه ، واعلم أن العبد لا ينقطع رزقه أبدا منذ أظهرت ~~خلقته كان في بطن أمه ، غذاؤه مما تفيض الأرحام من دم الحيض ، يعيش بذلك ~~جسمه من ظاهره ، ومعاه المستطيل من سرته متصل بمعي أمه ، يصل من بطنها مخ ~~الطعام إلى بطنه ، فيعيش بذلك ؛ فإذا أذن الله عز وجل بخروجه بعث إليه ~~الملك ، فقطع ذلك المعي من موضع اتصاله بمعي أمه ؛ فإذا دخل إلى الدنيا جعل ~~رزقه من الدنيا ؛ فإذا خرج منها فآخر رزقه من الدنيا أول رزقه من الآخرة ؛ ~~فإذا دخل في الآخرة كان رزقه من البرزخ كما كان في الدنيا بتلك المعاني ~~لمعاينته المختلفة المحتملة ؛ لذلك فإذا خرج من البرزخ ودخل في القيامة كان ~~رزقه في الموقف على قدر حاله هناك ؛ فإذا خرج من الموقف دخل أحد الدارين ~~انتقل رزقه إليها فكان منها PageV02P330 إلى أبد الأبد ؛ فإذا شهد العبد ~~هذا بيقين إيمانه اطمأن قلبه فاستوى عنده الرزق والأجل فعلم يقينا أن لا بد ~~من رزق كما لابد من أجل ، فلم يكن عليه إلا مراعاة الأحكام فيه ، وشهد من ~~هذه الشهادة أن خلقا لا يقدر أن ms1063 يزيد في عمره ساعة ولا ينقص منه ساعة ؛ ~~فإذا أيقن بهذا كان مشغولا بالمخالصة لمولاه فيما تعبده به وولاه ، ثم أن ~~الرزق على وجهين ؛ عن معان لا تحصى وبأسباب لا تعد ولا تضبط ، فمن الرزق ما ~~يأتي العبد بسكونه وقعوده فيكون الرزق هو الذي تحرك إليه ويأتيه ، ومنه ما ~~يأتي العبد بحركته وقيامه فيكون يتسبب إليه ويطلبه ، والرزق فيهما واحد ~~والرازق بهما واحد ، الحكمة والقدرة في المتحرك القائم وفي الساكن القاعد ~~واحد ، إلا إن الأحكام فيهما متفاوتة ، ثم إن الأشياء كلها على ضربين : ~~مسخر لك ومسلط عليك ، فما سخر لك سلطت عليه وهو نعمة عليك وعليك الشكر عليه ~~؛ وهذا مقام الشكر على معنى الرزق ، وما سلط عليك فقد سخرت له أنت وهو بلاء ~~عليك وعليك الصبر فيه ؛ وهذا مقام الصبر عن معنى الابتلاء ، فمن شهد ما ~~ذكرناه عرف حاله من مقامه فقام بحكم ما عرف ، ومن لم يشهده جهل حاله ولم ~~يدر مقامه فاضطرب فيه فضيع حكم الله عليه والمستحب لمن لا معلوم له أن لا ~~يأخذ مما آتاه إلا قدر الحاجة ، وعلامة حاجته هو أن لا يأخذ إلا ما يحتاج ~~أن يشتريه فهو حاجته في وقته ؛ فذاك رزق من الله تعالى ومعونة له ، فأخذ ~~هذا أفضل وما آتاه مما لا يحتاج أن يشتريه أو عنده مثله فهو اختبار له ~~وابتلاء لينظر كيف زهده في فضول حاجته ، وكيف رغبته في الاستكثار ، لأنه ~~إذا ملك الشيء فكأنه قد كان له فيعلم الآن بمعرفته أن هذا ابتلاء من الله ، ~~وفيه حكمان ؛ أحدهما أن يأخذه في العلانية ويخرجه في السر إلى من هو أحوج ~~إليه منه ؛ هذا طريق الأقوياء ، ومن أشد الأشياء على النفس وهو الذي أمر به ~~النبي صلى الله عليه وسلم عمر وغيره ؛ وهذا حال علماء الزاهدين ، والحكم ~~الآخر أن لا يأخذه ليصرفه صاحبه إلى من هو أحوج إليه منه لأن الله تعالى له ~~عليه فيه أحكام ؛ وهذا هو الطريق الأوسط من طرق الزهاد ، فإما أن يأخذه من ~~غير حاجة ليتكثر ms1064 به ويدخره فلا أعلم في هذا طريقا إلى الله تعالى ، وما لم ~~يكن طريقا إلى الله فهو من طرقات الهوى إلى العدو ، ثم ينظر الآخذ فيما ~~آتاه من الله إلى أحكامه فيه ، فإن كان ما يأتيه من الزكاة المفروضة على ~~أربابها المشترط له الأوصاف الستة المنصوص عليها في الكتاب ؛ فذلك أضيق ~~عليه وألزم له في الاحتياط لأخيه أن يضعه في حقيقة موضعه عند أخيه نصحا لله ~~تعالى في دينه ونصحا لإخوانه في ربه فإن الأفضل في ذلك أن لا يضعه إلا في ~~أربعة أشياء : مطعم ، وملبس ، ومسكن ، ودين في قضائه عنه ؛ فهذا من أفضل ما ~~صرفت فيه الواجبات . وقد روينا عن ابن عباس : من اشترى ما لا يحتاج إليه ~~باع ما يحتاج إليه ، وفضول PageV02P331 الدنيا وهو الزيادة على الكفاية لا ~~يحتاج إليه ، والدين يحتاج إليه ، فلا ينبغي للعاقل أن يبيع ما يحتاج إليه ~~من دينه بشراء ما لا يحتاج إليه من دنياه ، فتكون صفقته خاسرة وتجارته ~~بائرة ، والشهوات لا حد لها لأنه لا غاية ينتهي إليها فيها ، والقوت له حد ~~وغاية ينتهي إليه فيها ، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا حق لابن ~~آدم إلا في ثلاث ؛ طعام يقيم صلبه ، وثوب يواري عورته ، وبيت يكنه ، فما ~~زاد فهو حساب ؛ وهذه الثلاث مع ابن آدم في بطن أمه ، وفي قبره ، وبين ذلك ~~في دنياه ، وبعد ذلك في عقباه ، فالأخذ لمصالح هذه الثلاث مأجور عليه العبد ~~والرد لما زاد عليها هو أفضل من الأخذ ، وينبغي أن يكون العبد الذي لا ~~معلوم له عارفا بأحكام العطاء ؛ فإن العطاء من الله لعبده على أربعة أنواع ~~: نوعان محمودان ، ونوعان مكروهان ، فالمحمودان ما كان بمعنى الرفق ~~والمعونة ، والمكروهان ما يكون بمعنى الاختبار والابتلاء ، وبين الرفق ~~والمعونة فتفصيل ذلك أن الابتلاء ما جاءه من الأسباب قبل الحاجة إليه أو ~~جاءه وله غنية عنه أو عنده مثله ؛ فهذا ابتلاء من الله تعالى له لينظر عمله ~~فيه ، فالأفضل في هذا أن يخرجه فيكون معاملا لله تعالى به ms1065 في السر مسقطا ~~لمنزلته عند الناس في العلانية ، فإن لم يقو على هذا الثقل وحمله على النفس ~~فالأفضل بعده أن لا يأخذه ليحكم الله فيه ما يشاء ونصحا لأخيه في ما له - ~~سيما إن كان من الواجب والاختيار - أن يكون الفقير قد نوى ترك أكل شيء أو ~~اعتقد التقلل في شيء قربه إلى ربه تعالى لمخالفة هوى نفسه وعملا في صلاح ~~قلبه يتباعد به مما يدخله في الكثرة ويحل عليه عقده ، فرد هذا أفضل وهو من ~~الزهد والرعاية للعهد ، فإن أخذه ثم أخرجه إلى محتاج ؛ فهذا هو زهد الزهد ، ~~وله في هذا معاملات ؛ منها أن العبد مندوب إلى الإيثار ، فإذا كان فقيرا ~~وملك شيئا فأخرجه كان في ميزانه ، ومنها موافقة السنة في أنه قد أمر بأخذه ~~أو دفعه إلى من هو أحوج إليه منه ، ومنها إن أخذ هذا في العلانية من الناس ~~ورده في السر إلى الله تعالى كبيرة على النفوس إلا على الخاشعين لأن النفس ~~تسقط في منزلتها ، ثم لا ينال به سعتها فلا يصبر على هذا إلا الموقنون ؛ ~~وهذا مقام الزاهدين في النفس ؛ وهو حال أغنياء الفقراء ، وعلماء الزهاد ، ~~وهم أهل الطبقة العليا الذين قدمنا ذكرهم : والوجهان الآخران من العطاء هو ~~الرفق وصورته أن يأتيه الرزق عند حاجته أو مع شهوته للشيء الذي لا يقدر ~~عليه ، فيعلم الله ذلك منه فيبعث به إليه من غير طمع في خلق ، أو يأتيه ما ~~يصلح أن يشتريه ليرتفق بمنافعه ، فهذا النوع من العطاء رفق الله سبحانه ، ~~الأفضل للعبد أن يأخذه وربما خيف من رد مثل هذا عقوبة من زوال عقل أو رد ~~إلى غلبة طبع أو ابتلاء بطمع خلق أو دخول في دنيء من مكسب . PageV02P332 ~~وقال بعض العلماء : من أعطى ولم يأخذ سأل ولم يعط ، وهذا من النوع الذي قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما المعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا ~~كان محتاجا ، فأخذ هذا مشاركة لمعطيه في الأجر من حيث استويا على المعاونة ~~في التقوى والبر ms1066 المأمور بهما ، ولا يضر هذا العطاء آخذه ، وقد كان سري ~~السقطي يوصل إلى أحمد ابن حنبل شيئا فيرده فقال له سري : يا أحمد إحذر آفة ~~الرد فإنها أشد من آفة الأخذ ، فقال له أحمد : أعد علي ما قلت فأعاده ، ~~فقال أحمد : ما رددت عليك إلا لأن عندي قوت شهر فأحبسه لي عندك ، فإذا كان ~~بعد شهر فأنفذه إلى ، والرابع من العطاء هو المعونة ؛ وهذا يكون مخصوصا ~~لأهله هو أن يكون في خلق هذا الفقير البذل والإفضال وفي غريزته السخاء ~~والاتساع من إطعام الطعام وإيثار الفقراء ، فلا يتسع لذلك حاله وتضيق عنه ~~يده فيبعث الله إليه بالعطاء معونة له على أخلاقه ليبلغه به مراده ، وينفذ ~~له من المعروف والبر عادته ، ويعينه على خلقه ومروءته ؛ فهذا النوع من ~~العطاء هو الاختبار عند العارفين والأفضل أخذه وإمضاؤه في سبله من المروءات ~~والأخلاق ؛ وهذا كان طريقة كثير من السلف ، وقد غلط في هذا الطريق قوم لم ~~يكن لهم زهد وقد كانت فيهم رغبة وهمم دنيئة ، فاقتنعوا في قبول هذا العطاء ~~لنفوسهم وتملكوه واستأثروا به وزعموا أن هذا هو الاختبار ، فخالفوا السلف ~~في معرفة الابتلاء من الاختبار لأن هذا عند العارفين ، إذا لم ينفذ ويؤثر ~~به ابتلاء ووافقوا أهواءهم في التوسع منه والتكثر به ، وتملكوه بالدعوى ~~فأخطؤوا في العلم لإحالة المعنى وغلطوا في طريق الحال لوجود الهوى ، وقد ~~كان بعض القاعدين من الصادقين يدان على الله لحسن ظنه به ، فإذا رزقه قضاه ~~، فإن مات هذا على هذه النية فلا تبعة عليه فيه في دينه ، على مولاه قضاؤه ~~، وأن يرضى عنه غرماءه ، وقد كان فيما سلف يقضي دين مثل هذا من بيت مال ~~المسلمين ، وكان آخرون لا يقترضون حتى يبيع أحدهم أحد ثوبيه أو فضل ما ~~يحتاج إليه ؛ وهذا أحد الوجوه في قوله تعالى : ( ومن قدر عليه رزقه فلينفق ~~مما آتاه الله ) الطلاق : 7 ، قال : من ضيق عليه معاشه فليبع أحد ثوبيه ، ~~وقد قيل : فليستقرض بجاهه فذلك آتاه الله عز وجل . وقال بعضهم : لله عباد ~~ينفقون ms1067 على قدر بضائعهم ، وله عباد ينفقون على قدر حسن الظن به ، ومات بعض ~~السلف فأوصى بماله أن يفرق على ثلاث طوائف : الأقوياء والأسخياء والأغنياء ~~فقيل : من هؤلاء ؟ قال : أما الأقوياء فهم أهل التوكل على الله ، وأما ~~الأسخياء فهم أهل حسن الظن بالله ، وأما الأغنياء فهم أهل الانقطاع إلى ~~الله ، وينبغي لمن لامعلوم له من الأسباب أن يتورع في أخذها ويتحرى المعطين ~~لها ، كما يتحرى أهل المكاسب في الاكتساب ؛ لأن الله سبحانه وتعالى له في ~~كل شيء حكم ، والقعود عن المكاسب لا يسقط أحكامها ، والقاعد عن الطلب لا ~~تسقط عنه أحكام الطالب ، لأن ترك PageV02P333 العمل عمل يحتاج إلى عمل ، ~~ولم تكن سيرة الفقراء الصالحين أن يأخذوا من كل أحد ، ولا في كل وقت ، ولا ~~يأخذون كلما يعطون مما زاد على كفايتهم إلا أن يكونوا ممن يخرجه إلى غيرهم ~~، وإنما كانوا يقبلون ممن يخف على قلوبهم القبول منه وممن يرتفع الوحشة ~~والحشمة فيما بينهم وبينه ؛ لأن ذلك هو الذي يفرح بقولك ويرى نعمة الله ~~تعالى عليه في أخذك ومن يثقل على قلبك معروفه فهو الذي يثقل على قلبه إخراج ~~ما في يده ولا يغتم بردك عليه . وقال بعض العارفين ما تواخى اثنان في الله ~~عز وجل فاحتشم أحدهما من صاحبه أو استوحش منه إلا من علة في أحدهما ، فلا ~~يستحب للفقير أن يأخذ إلا من صديق ، ولا يقبل إلا ممن يحب لأن لأهل المعرفة ~~بالله عز وجل أن يحكموا في الأسباب بما أراهم الله تعالى من الرد أو من ~~القبول ، فإن اعتل معتل بما رويناه آنفا من جاءه شيء من غير مسألة فرده ~~فإنما يرده على الله تعالى ، وبأن أهل المعرفة يشهدون أن العطاء من الله ~~سبحانه وتعالى فلا يصلح أن يردوا عليه ، قيل له : إن من يشهد العطاء من ~~الله تعالى هو الذي يشهد الرد أيضا منه ، فإن يرد إليه له أو رد إليه به ~~لمعرفته باختباره وابتلاء حسن الرد منه وشكر الفعل له ، فهو أيضا إذا شهد ~~تصريف الخلق بالعطاء ms1068 فعل الله عز وجل ، كان يشهد فعل نفسه بالرد ، فعل الله ~~تبارك وتعالى بالمنح ؛ فالحالان سواء عند من علم الأحكام ، ولم يتبع الهوى ~~، وقام بحكم ما منه يقتضي ، فليس في هذا حجة إلا لعالم مستكثر ، أو لعابد ~~جاهل غير مستبصر ، على أن في القبول من بعض الناس دون بعض ، وفي رد بعض ~~الهدية سنة ، أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سمن وإقط وكبش فقبل السمن ~~والإقط ورد الكبش ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل من بعض الناس ~~ويرد على بعض ، وقال : لقد هممت مرارا أن لا أتهب إلا من قرشي أو ثقفي أو ~~دوسي وفعل هذا جماعة من التابعين . جاءت صرة إلى فتح الموصلي فيها خمسون ~~درهما فقال : حدثنا عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أتاه رزق من ~~غير مسألة فرده ، فإنما يرده على الله عز وجل ، ثم فتح الصرة فأخذ منها ~~درهما ورد سائرها ، وقد كان الحسن البصري يروي هذا الحديث أيضا ، ثم حدثنا ~~عنه أن رجلا أهدى إليه كيسا فيه مال ورزمة فيها من دق خراسان ، فرد ذلك ، ~~فقال له بعض أصحابه في ذلك فقال : من جلس مثل مجلسي هذا وقبل من الناس مثل ~~هذا لقي الله عز وجل يوم القيامة ، وليس له عند الله عز وجل خلاق ، وقد كان ~~الحسن يقبل من أصحابه ، وكان إبراهيم التيمي يسأل أصحابه الدرهم ونحوه ، ~~ويعرض عليه غيرهم المائتين فلا يأخذ ، وقد كان بشر بن الحارث لا يقبل من ~~الناس شيئا ، وكان بعضهم يقول : PageV02P334 أحب أن أعلم من أين يأكل ؟ ~~فقال له : من يخبر أمره ؟ أنا أدري من أين يأكل ، له صديق عاقل يعني نظيره ~~في العقل والدين ، لأن بعضهم كان لا يقبل إلا من نظرائه ، لا من الأتباع ، ~~وهذا الصديق العاقل الذي كان يقوم بكفايته ، ولم يكن يظهر أمره ، ولا يلتقي ~~معه ؛ هو سري بن المغلس السقطي ، لأنا حدثنا عن بشر أنه قال : ما سألت أحد ~~قط شيئا من الدنيا إلا سريا السقطي ، لأنه قد ms1069 صح عندي زهده في الدنيا ، فهو ~~يفرح بخروج الشيء من يده ، ويتبرم ببقائه عنده ، فأكون أعينه على ما يحب . ~~وقد كان سري يوجه إلى أحمد بن حنبل في حاجاته فيقبل منه ، وكان إذا ذكر عند ~~أحمد يقول : ذاك الغني المعروف بطيب الغنى أنه ليعجبني أمره ، وكان بعض ~~العباد إذا دفع إليه بعض أبناء الدنيا الشيء يقول : دعه عندك ، وأعرض على ~~قلبك كيف أنا عندك بعد الأخذ أفضل أو دون ذلك وأصدقني ، فإن قال له : أنت ~~عندي الآن أفضل منك قبل ذلك قبل ، وإن أخبره بنقصانه في قلبه لم يقبل منه ، ~~وكان بعضهم يرد على أكثر الناس صلته فعوتب في ذلك فقال : ماأرد إلا إشفاقا ~~عليهم ونصحا لهم ، يذكرون ذلك ويحبون أن يعلم به فتذهب أموالهم وتحبط ~~أجورهم ، وممن ذهب إلى هذا سفيان الثوري ، وقد كان يشترط على بعض من يأخذ ~~منه أن لا يذكره إشفاقا عليه من ذهاب أجره ، لأنه قيل في معنى قوله عز وجل ~~: ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) البقرة : 264 قال : المن أن يذكره ~~والأذى أن يظهره ، وقال الجنيد للخراساني الذي جاءه بمال وسأله أن يأكله ~~فقال الجنيد : بل أفرقه على الفقراء ، فقال : أنا أعلم بالفقراء منك ولم ~~أختر هذا ، فقال الجنيد : أنا أؤمل أن أعيش حتى آكل هذا ، فقال : إني لم ~~أقل لك أنفقه في الخل والكامخ والبقل ، إنما أريد أن تنفقه في الطيبات ~~وألوان الحلاوة فكل ما نفد أسرع كان أحب إلي فقال الجنيد مثلك لا يحل أن ~~يرد عليه ، فقبله ، فقال الرجل : ما ببغداد أحد أعطم منة علي منك ، فقال ~~الجنيد : وما ينبغي لأحد أن يقبل منه إلا من كان مثلك ؛ فهذه كانت طرائق ~~أهل الحقائق ، ولا ينبغي للقاعد عن المكاسب إلا أن يكون تاركا ذلك لأجل ~~الله سبحانه ، عالما في قعوده بأحكام الله عز وجل ، قائما بعلم حاله ، ~~فيحسن يومئذ قعوده عن الأسباب ثقة منه بالمسبب الوهاب ، ويحل تركه للمعلوم ~~يقينا منه بالعالم . وقد كان بعض العلماء يقول : لا تأكل إلا عند من ms1070 يعلم ~~أنك أكلت رزقك ، ولا تشكر عليه إلا ربك ، ودعا بعض الناس شقيقا البلخي وكان ~~في طبقة من أصحابه نحو الخمسين رجلا ، فوضع الرجل طعاما واسعا وأنفق نفقة ~~كثيرة ، فلما قعدوا قال لهم شقيق : إن هذا الرجل يقول : من لم يرني صنعت ~~هذا الطعام وأنا أقدمه إليه فطعامي عليه حرام ، قال : فقاموا كلهم خرجوا ~~إلا شابا كان فيهم نقصت مشاهدته عنهم ، فقال صاحب PageV02P335 المنزل لشقيق ~~: رحمك الله ماأردت إلي هذا ؟ فقال : أردت أن أجرب توحيد أصحابي أي كلهم ، ~~لا يراه فيما صنع ولا ينظرون إليه فيما قدم إلا ذلك الغلام وحده . وحدثونا ~~عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه قال : يارب جعلت رزقي هكذا على أيدي بني ~~إسرائيل يغديني يوما هذا ويعشيني هذا الليلة ، فأوحى الله إليه : هكذا أصنع ~~بأوليائي أجري أرزاقهم على أيدي الطالبين من عبادي ليؤجروا فيهم ، والعالم ~~القاعد عندهم أفضل من الجاهل المتصرف ، والعالم المتكسب أفضل من القاعد ~~الجاهد ، والقوي التارك للتصرف أفضل عندهم من الضعيف المتصرف ، والقوي ~~المتصرف أفضل من الضعيف التارك للتصرف . وقد جعل الله المستحقين للعطاء ستة ~~، ذكرهم في آيات ثلاث ، فقال عز وجل في الآية الأولى : ( إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين ) التوبة : 60 وقال في الثانية : ( وفي أموالهم حق ~~للسائل والمحروم ) الذاريات : 19 ، وقال في الثالثة : ( فكلوا منها وأطعموا ~~القانع والمعتر ) الحج : 36 ، فمن لامعلوم له من تكسب أو تصرف فهو أدخل شيء ~~في هذه الآيات وأحوج أحد إلى الإعطاء ، ومن كان ذا معلوم يحتاج إلى أكثر ~~منه لفضل عيلة أو كثرة نفقة فإنه يدخل بمعنى من أوصافهم ، وكان ابن عباس ~~رضي الله عنه يقول في الآية : إنما الصدقات للفقراء والمساكين نزلت في أهل ~~الصفة ، ومن كان في معناهم إلى يوم القيامة ، وكانوا أربعمائة وخمسين رجلا ~~لم تكن لهم عشائر بالمدينة ولا أموال كالمهاجرين والأنصار ، وكانوا نزاع ~~القبائل ، أسكنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صفة المسجد ، وقسم الله عز ~~وجل لهم الأموال ، ثم إن الله سبحانه وتعالى أفرد طبقة سابعة عن جمل هؤلاء ms1071 ~~الستة ، ووصفهم بأحسن الصفات ، وفضل أجور المتقين بطيب الاكتساب عليهم ~~الطالبين وجه الله عز وجل فقال : ( ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم ) البقرة : 267 وقال : ( وما تنفقوا من خير يوف إليكم ) البقرة : 272 ~~، وكل هذا متصل متعلق بقوله عز وجل : ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ~~لا يستطيعون ضربا في الأرض ) البقرة : 372 ، إلى آخر أوصافهم ، فوصفهم ~~بالإحصار في سبيله وبالعفة عن الدنيا وأبنائها ، وأنهم لا يلتحفونها ~~التحافا لزهدهم فيها وسمى من لا يعرف أوصافهم جاهلا ؛ فهذه الطائفة فوق ~~الطبقات الموسومة بالصدقات المقسوم عليها الزكوات ، بل أمر المؤمنين ~~بالإنفاق عليهم من الاكتساب للطيبات من بعد وصف أحسن الخالقين لهم ، والله ~~تبارك وتعالى لا يحب عبدا إلا وصفه ، فإذا مدحه بوصف وأثنى عليه ثبتت محبته ~~له في المدح والوصف ، دليل على الحب والمحبة ، تدل على الفضل العظيم ، كما ~~قال تعالى في آخر وصف المحبين : ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) المائدة : ~~54 وقد قال بعض الصوفية في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : يد المعطي ~~هي العليا ويد المعطى PageV02P336 هي السفلى ، إن المعطى هو الفقير وإن ~~المعطي هو الغني ، ويصلح أن يستدل له بأن حقيقة الإعطاء هو النصيب من ~~الآخرة وعطاؤه منها ، فصار هو المعطى وصار الغني هو المعطي ، ويكون دليل ~~هذا القول الخبرين الآخرين قوله : إن الصدقة تقع بيد الله سبحانه وتعالى ~~قبل أن تقع بيد السائل وهو يضعها في يد السائل ، فقد صارت يد الفقير هي ~~العليا ، والخبر الآخر : يد الله العليا ويد المعطي الوسطى فهذا يصحح أن ~~الفقير هو المعطى إذا كان يد الله تبارك وتعالى فوقه لأنها هي التي تضع في ~~يده العطاء فكانت يده هي الوسطى . فإن قيل : قد رتب الأيدي بقوله تعالى : ~~يد الله هي العليا ويد المعطي هي الوسطى ويد المعطى هي السفلى ، فينبغي أن ~~يكون المعطي هو الغني إذا كان العطاء يظهر عندنا على الترتيب ، قيل له : إن ~~يد الله تبارك وتعالى فوقهما معا وهي لا تدخل تحت الترتيب ، فيده ms1072 سبحانه ~~وتعالى العليا عليهما جميعا ، قال تبارك وتعالى : يد الله فوق أيديهم وقد ~~علمنا أن أيديهم بعضها فوق بعض ، ثم أخبر مع ذلك أنها فوق الكل ولأنه هو ~~المعطي الأول لهما جميعا ، فكما لا أول ؛ أول منه في العطاء ، فكذلك لا يد ~~فوق يده في الإعطاء ، وإنما الترتيب بين الغني والفقير أيهما المعطي بعد يد ~~الله تعالى فقلنا : إن المعطي في الحقيقة إذ كان العطاء الحقيقي هو ما يبقى ~~ويدوم لا ما يفنى ويزول ؛ وذلك هو العطاء من الآخرة الباقية ، فصار الفقير ~~هو المعطي للغني في الدنيا نصيبه من الآخرة لأنه عمارة منازله فيها ، ~~والغني رفق بالفقير من الدنيا وعمارة دنياه الفانية ، والدنيا موصوفة بلا ~~شيء ، فأي شيء يعطي منها ؟ فأما يد الله تعالى فإنها فوقهما ، والذي ~~أعطاهما جميعا ، لأن يده فوق الفوق وفوق التحت لا يوصف بتحت ولا بأسفل ، ~~تعالت أوصافه العليا عن نعوت الخلق السفلى ، وهو لا يدخل تحت القياس ~~والتشبيه ، فقد حدثنا بعض إخواننا عن شيخ له فقال : رأيت أبا الحسن النوري ~~يمد يده ويسأل الناس في بعض المواطن قال : فأعظمت ذلك واستقبحته ، فأتيت ~~الجنيد فأخبرته فقال : لا يعظم هذا عليك ، فإن النوري لم يسأل الناس إلا ~~ليعطيهم إنماسأل لهم ليثيبهم من الآخرة فيؤجرون من حيث لا يضره ، ثم قال : ~~هات الميزان قال : فوزن مائة درهم ثم قبض قبضة فألقاها على المائة ، ثم قال ~~: احملها إليه ، قال : قلت في نفسي إنمايوزن الشيء ليعرف مقداره فهذا قد ~~خلط منه شيئا آخر فصار مجهولا وهو رجل حكيم فاستحييت أن أسأله عن ذلك ، قال ~~: فذهبت بالصرة إلى النوري فقال : هات الميزان ، قال : فوزن مائة درهم وقال ~~: ردها عليه ، وقل آه : أنا لا أقبل منك أنت شيئا ، وأخذ مازاد على المائة ~~، PageV02P337 قال : فقلت هذا أعجب فسألته : لم فعلت هذا ؟ فقال : الجنيد ~~رجل حكيم يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه وزن هذه المائة لنفسه للثواب من الآخرة ~~، وطرح عليها قبضة بلا وزن لله عز وجل ، فأخذت ماكانت لله عز وجل ، ورردت ~~ما كان ms1073 جعله لنفسه ، قال : فرددتها إلى الجنيد فبكى ، وقا حلب أخذ ماله ورد ~~مالنا والله أعلم . # | ذكر اختلافهم في إخفاء العطاء وإظهاره ومن رأى أن الإظهار أفضل وتفضيل ~~ذلك # : قد اختلف فعل المخلصين في ذلك فرأى بعضهم أن يخفي ما يأخذ من العطاء ، ~~لأنه أدخل في التعفف وأقرب إلى التصون ، وأنه أسلم لقلوب الغير وأصلح لنفوس ~~العامة ، وأن فيه النصرة لإخوانه من الغيبة والتهمة بمثل ذلك أو بأكثر منه ~~، وفيه الاحتياط لأخيه وعون له على البر والتقوى في قوله عز وجل : ( إن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) البقرة : 271 ، وللخير الذي جاء : ~~أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر ، ولأن عمل السر يفضل على عمل ~~العلانية بسبعين ضعفا فإذا لم يعاونه هذا على إخفاء عطائه ، ولم يساعده على ~~كتم معروفه فلم يتم له ذلك بنفسه ، لأنه سر بين اثنين إن أفشاه أحدهما أو ~~لم يتفقا على كتمه فقد ظهر من أيها كان الخبر كيف ، وقدروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم : استعينوا على أموركم بالكتمان ، فإن كل ذي نعمة محسود ، ~~وهذا مذهب القراء من العابدين ، وقال أيوب السجستاني : إني لأترك لبس الثوب ~~الجديد خشية أن يحدث في جيراني حسد ، وقال بعض الزاهدين : ربما تركت ~~استعمال الشيء لأجل إخواني يقولون من أين ، هذا وحدثونا عن إبراهيم التيمي ~~أنه رأى صاحبا له عليه قميص جديد فقال : من أ ين للك هذا ؟ قال : كسانيه ~~أخي خيثمة ولو علمت أن أهله علموا به ما قبلته ، ودفع رجل إلى بعض العلماء ~~شيئا ظاهرا فرده ودفع إليه آخر شيئا في السر فقبله ، فقيل له في ذلك فقال : ~~إن هذا أخفى معروفه وعمل بالأدب في معاملته فقبلنا عمله ، والذي أظهر ~~معروفه أساء في الأدب في المعاملة فرددنا عمله عليه ، ودفع بعض الناس إلى ~~بعض الصوفية شيئا بين الملاء فرده فقيل له : لم ترد على الله عز وجل ما ~~أعطاك ؟ فقال : إنك أشركت غير الله سبحانه وتعالى فيما لله ، ولم تقنع بعين ~~الله عز وجل فرددت عليك ms1074 شركك ، وقد كان بعض العلماء لا يقبل في العلانية ~~ويأخذ في السر سئل عن ذلك فقال : إن في إظهار الصدقة إذلالا للعلم وامتهانا ~~لأهله وما كنت بالذي أرفع شيئا من الدنيا بوضع العلم وإذلال أهله ، وكذلك ~~حدثنا أن رجلا دفع إلى بعض العارفين شيئا علانية فرده ثم PageV02P338 دفعه ~~إليه في السر فقبله ، فقيل له : رددت في الجهر وقبلت في السر ؟ فقال : لأنك ~~أطعت الله تعالى في السر فأعنتك على برك بقبوله ، وعصيته بالجهر فلم أكن ~~عونا لك على المصية ، وقد كان سفيان الثوري يقول لو علمت أن أحدهم لا يذكر ~~صلته ولا يتحدث بها لقبلت صلته ، وفي هذا لعمري مواطأة لما ندب الله تعالى ~~إليه من الإخفاء ولما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضله من أعمال ~~السر ، وهو أيضا لا يدخل الآخذ في نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~قوله : من أهدي له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها ، وقال في الحديث الآخر ~~: أفضل ما أهدى الرجل إلى أخيه ورقا أو يطعمه خبزا ، فجعل الورق هدية ~~كالهدايا ، وهو من أفضلها ، كما قال : لأنه قيم الأشياء ، فهذا الآخذ ~~للهدية جهرا يلزمه الإشراك للحاضرين فيها إلا أن يهبوا ذلك له ، فإن لم ~~يفعل لم يعجبني ذلك . وذهب آخرون من أهل المعرفة الموصوفين بالتوحيد إلى أن ~~الإظهار للآخذ أفضل ، لأنه أسلم له ، وأدخل في الإخلاص والصدق ، وأخرج من ~~الثبات والقدر والمنزلة والجاه بالرد والزهد ، وقد قال الله سبحانه : ( ~~لاتكلف إلا نفسك ) النساء : 84 ، قالوا : فليس علينا إذ علمنا في سلامتنا ~~وحكم حالنا من إسقاط جاهنا بالأخذ علانية ما وراء ذلك من أقوال الناس ، ~~بتولى الله عز وجل من ذلك من به ابتلاه ، وقالوا : ولأن في التوحيد أن ~~الظاهر والباطن هو المعطي فلا معنى للرد عليه في الظاهر ، وقد قال بعضهم : ~~سر العارف وعلانيته واحد ، لأن المعبود فيهما واحد ، فاختلاف فعل أحدهما ~~شرك في التوحيد ، وقال بعض العارفين : كنا لا نعبأ بدعاء من يأخذ في السر ~~فرفع يده به ms1075 علانية ، ثم قال : هذا من الدنيا والعلانية في أمور الدنيا ~~أفضل والسر في أمور الآخرة أفضل ، وقال بعض المريدين : سألت أستاذي وكان ~~أحد العارفين عن إظهار السبب أو إخفائه فقال : أظهر الأخذ على كل حال إن ~~كنت آخذا ، فإنك لا تخلو من أحد رجلين ، رجل تسقط من قلبه إذا فعلت ذلك ~~فذلك هو الذي تريد ، لأنه أسلم لدينك وأقل لآفات نفسك ، وينبغي أن تعمل في ~~ذلك ، فقد جاءك بلا تكلف ، ورجل تزداد وترتفع في قلبه فذاك هو الذي يريد ~~أخوك لأنه يزداد ثوابا بزيادة حبه لك وتعظيمه إياك فتؤجر أنت إذ كنت سبب ~~مزيده ، وينبغي أن تعمل في ذلك ، وقال بعض العارفين : إذا أخذت فأظهر فإنها ~~نعمة من الله إظهارها أفضل ، وإذا رددت فأخف فإنه عمل لك وإسراره أفضل ، ~~وهذا لعمري قول فصل ، وهو طريق العارفين ، وقال بعض علمائنا : إظهار العطاء ~~من الآخذ آخرة وكتمانه دنيا وإظهار الأعمال من الدنيا وكتمها آخرة ، وكان ~~هذا لا يكره الإظهار ، وهذاكما قال الله تعالى : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) ~~الضحى : 11 وقد ذم الله تبارك وتعالى من كتم ما أتاه الله من فضله وقرنه ~~بالبخل ؛ والبخل باب كبير من الدنيا فقال تعالى : ( الذين يبخلون ويأمرون ~~الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ) النساء : 37 ، وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : إذا أنعم الله عز وجل على عبد نعمة أحب أن ترى عليه ، ~~وهذا هو الأقرب إلى قلوب الموحدين من العارفين ، لأنه مقتضى حالهم وموجب ~~مشاهدتهم PageV02P339 لاستواء ظروف الأيدي عندهم من العبيد ونفاد نظرهم إلى ~~المعطي الأول ، فاستوى سرهم وعلانيتهم في الأخذ من يده ، وفصل الخطاب في ~~هذا الباب عندي أنه يحتاج إلى تفصيل فنقول والله أعلم : إن الخلق مبتلي ~~بعضه ببعض ، وفرض كل عبد القيام بحكم حاله ليفضل بقيامه ويسلم في حاله ، ~~فعلى المعطي أن يخفي ويسر جهده ، فإن أظهر ترك علم حاله فنقص بذلك ، فكانت ~~هذه آفة من آفات نفسه وبابا من أبواب دنياه ، وعلى المعطي أن يذكر وينشر ، ~~فإن أخفى وكتم ms1076 فقد ترك الإخلاص في عمله ونقص لذلك ، وكانت آفة من آفات نفسه ~~وبابا من دنياه مثله . وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له : إن ~~فلانا أعطيته دينارا فأثنى بذلك وشكر ، فقال : لكن فلان أعطيته ما بين ~~الثلاثة إلى العشرة فما أثنى ولا شكر ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مريدا أن يشكره أو يثني عليه وهو يقول لابن الحمامة الشاعر وغيره : أما ما ~~مدحتني به فألقه عنك ، وأما مامدحت به ربك عز وجل فهاته ، فإنه يحب المدح ~~لكنه أراد منه القيام بحكم حاله لعلمه أن في الشكر والثناء حضا وتحريضا على ~~المعروف والعطاء ، وأنه خلق من أخلاق الربوبية ، أحبه الله عز وجل من نفسه ~~فشكره للمنفقين وهو الرازق ، وأحب من أوليائه أن يشكروا للأواسط ويثنوا به ~~عليهم ، وإن شهدوا فيه الأول ، وكذلك لما قالت المهاجرون : يا رسول الله ما ~~رأينا خيرا من قوم نزلنا عليهم قاسمونا الأموال حتى خفنا أن يذهبوا بالأجر ~~كله ، فقال كلاما شكرتم لهم وأثنيتم به عليهم ، ولذلك أمر به صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث الآخر فقال : من أسدي إليه معروف فيلكافئ به ، فإن لم يستطع ~~فليثن به ، وفي لفظ آخر : من أسدى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تستطيعوا ~~فأثنوا به خيرا وادعوا له حتى يعلم أن قد كافأتموه ، والخبر العام بمعنى ~~ذلك : من لم يشكر الناس لم يشكر الله ، PageV02P340 وقد روينا في معنى ~~الحدث لفظة غريبة جاءت من طريقين ، وهو : من لم يذكر الناس لم يذكر الله عز ~~وجل أن يذكرهم في العطاء ويثني عليهم به ، والنوع الثاني من التفضيل أن على ~~المعطي أن لا يحب أن يذكر معروفه ولا يشكر فإن علمت من يقصد ذلك ويحبه منك ~~فهذا يدل على نقصان علمه وقوة آفات نفسه ، فترك الثناء على مثل هذا والكتم ~~من الفقير أفضل ، فإن شكر له فأظهر عطاءه فقد ظلمه لإعانته إياه على ظلم ~~نفسه ، وقد قوى آفات نفسه ، وهذا إذا فعله به من المعاونة على الإثم ~~والعدوان فقد ms1077 كان ينبغي للمعطي أن ينصره إذا كان ظالما من حيث لا يعلم بأن ~~يخفي عليه ما يعمل والله أعلم بالصواب . # | نوع آخر من التفضيل في الآخذ للفقير # : إن من الناس من يستوي عنده إظهاره للعطاء وإخفاؤه لصحة يقينه بذلك ~~وإخلاص نيته فيه ونفاد مشاهدته بدوام نظره إلى المنعم الأول ، فهذا إن قبلت ~~منه علانيته صلح وإن أثنيت عليه بذلك جاز لقوة معرفته وكمال عقله وسبق نظره ~~إلى مولاه فيما وفقه به وتولاه ، فيشكر له ذلك ويراه نعمة منه ، ولمثل هذا ~~جاء الخبر المشهور : إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في قلبه ، ، وقال بعض ~~العارفين : يمدح الرجل علي قدر عقله ، وقال الثوري : من عرف نفسه لم يضره ~~مدح الناس له . # | النوع الرابع من التفضيل # من الناس من إذا أظهر معروفه فسد قصده بذلك واعتورته الآفات من التزين ~~والتصنع ، فمثل هذا لايصلح أن يقبل منه ما أعلن به لأنه يكون معينا له على ~~معصيته ، وهذا أيضا لا يصلح أن يثني عليه ، فإن ذكر بمعروفه أو مدح به ، ~~كان ذلك مفسدة له واغترارا منه لقوة نظره إلى نفسه ونقصان معرفته بربه ، ~~فمن مدح هذا فقد قبله ومن ذكره بمعروفه فقد أعانه على شركه ، ومدح رجل رجلا ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ضربت عنقه ، لو سمعها ما أفلح وقد كان ~~هو صلى الله عليه وسلم يثني على قوم في وجوههم ومن حيث يسمعون لثقته ~~بيقينهم وعلمه أن ذلك مزيدا لهم ، وقال لرجل أقبل إليه : هذا سيد أهل الوبر ~~، وقال لآخر من حيث يسمع : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ، وتكلم رجل بكلام ~~فصل فأعجبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن من البيان سحرا ، وقد كان ~~يخفي الثناء على آخرين إذا علم أن ذلك خير لهم ، وقال الثوري ليوسف بن ~~أسباط : إذا أوليتك معروفا فكنت أنا أسر به منك ورأيت ذلك نعمة من الله ~~تعالى علي وكنت أشد حياء منك فاشكر ، وإلا فلا ، فجملة ذلك أن المعطي حاله ~~الإخفاء وأن الآخذ حلاه الإظهار ، فمن ms1078 خالف ذلك فارق حاله ، وإن فرض المعطي ~~أن يكره المدح ولا يحب الثناء والذكر ، فمن علمت منه ذلك فعليك أن تثني ~~وتشكر وتنشر ، ومن علمت منه بحب الإظهار ويقتضي منك الاشتهار PageV02P341 ~~فحالك أن تعاونه على ظلمه لنفسه ، فترك الثناء لمثل هذا أفضل له وأسلم لك ~~فهذا تفصيل ما أجمله الصادقون ثم اختلفوا في الأخذ من الواجب أفضل أم ~~التطوع ؟ فرأى بعضهم أن يأخذ من الواجب ولا يقبل من التطوع ، أي لأن الواجب ~~يؤخذ بإذن الله تعالى عن قسمه ، وإن الله تعالى أوجب عليه أن يأخذه من حيث ~~أوجب الزكاة ، لأن الفقراء والمساكين لو تواطؤوا على أن لايقبلوا الزكوات ~~أثموا أجمعون ولعصوا كلهم بذلك لإسقاطهم فرض الله عز وجل من الأموال ~~بالزكوات ، قالوا : ولأن هذا أدخل له في جملة الضعفاء والمساكين وأقرب إلى ~~التواضع والذلة ، قالوا : ولا منة لأحد علينا فيه ولا حق يلزمنا عليه إذ ~~كنا نستحق ذلك منه ، قالوا : ولأنه أسلم لديننا لئلايدخل علينا الأكل ~~بالدين لأنا إنما نستوجبه بالحاجة وحرمة الإسلام فقط ، ونخاف أن يكون أخذنا ~~التطوع أكلا بديننا أو أنا أعطينا لصلاحنا واعتقاد فضلنا فلا نحب أن نخص ~~بشيء دون الفقراء ، وهذا مذهب القراء من العابدين ، ومن ينظر إلى صلاحه ~~ونفسه في الدين هو مقتضى حالهم وموجب شهادتهم ، واختارت طائفة أن يأخذوا من ~~النوافل دون الفرائض أجروه مجرى الهدية وقالوا : قد أمر بقبولها وندب إلى ~~التهادي للتآلف والتحبب ، قالوا : ولانزاحم المساكين في حقوقهم ولعلنا ~~لانكمل أوصافهم ، ونخاف أن لايوجد فينا ما شرط الله عز وجل لواجبه ، ~~ولانضعه في حقيقة موضعه ، أو لا نحتاط لمن يسقط عنه الواجب به ، فالتطوع ~~أوسع علينا ، ومع هذا فإنهم يشهدون النعمة من الله تعالى وأن الدين إنما هو ~~لله عز وجل ، كا قال : ( ألا لله الدين الخالص ) الزمن : 3 ، وأنهم ~~مستعملون بأنفسهم من حيث كانوا منعما عليهم لا منعمين على أنفسهم ، وهذه ~~طريقة بعض أهل المعرفة ، وممن ذهب إلى هذا إبراهيم الخواص وأبو القاسم ~~الجنيد ومن وافقهما ، والأمر في ذلك عندي أن ms1079 من لم يأخذ من كلا إنسان ولا ~~في كل أوان ، ولم يقبل إلا عند الحاجة ، وما لابد له منه ، ثم قام بحكم ~~الله تعالى في الواجب وحكمه في التطوع أن الحالين يتقاربان ، لأن الواجب ~~أمر الله تبارك وتعالى فيه حكم ، والتطوع ندب ، وله عز وجل فيه حكم ، فعلى ~~العبد أن ينظر لدينه ويحتاط لأخيه فيعمل بما يوجب الوقت من الحكم من أيهما ~~كان فسواء ذلك ، ولا ينظر بظلمة في هوى الحظ ففي ذلك سلامته . PageV02P342 # | الفصل الثاني والأربعون في كتاب حكم المسافر والمقاصد في الأسفار # فإن سنح لهذا المريد سفر ففي الحديث : البلاد بلاد الله عز وجل والخلق ~~عباده ، فحيث ما وجدت رزقا فأقم واحمد الله عز وجل ، والخبر المشهور : ~~سافروا تغنموا ، فغنيمة أبناء الآخرة ريح تجارة الآخرة ، وقد قال الله ~~تعالى وهو أصدق القائلين : ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) ~~النساء : 97 ، وقال عز وجل : ( قل سيروا في الأرض فانظروا ) العنكبوت : 20 ~~وقال تعالى : ( وفي الأرض آيات للموقنين ) الذاريات : 20 وقال جل وعلا : ( ~~وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) الذاريات : 21 ، فمن جعلت آياته في نفسه تبصر ~~ففطن ، ومن جعلت له الآيات في الآفاق سرب وسري ، وكذلك قال الله عز وجل : ( ~~وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون ) الصافات : 137 - 138 ~~ومثله : ( وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) ~~يوسف : 105 فمن سار فكانت له بصيرة اعتبر وعقل ، ومن مر على الآيات فنظر ~~إليها منها تذكر وأقبل ، ومن أمر الله عز وجل بالمشي في مناكب بساطه والأكل ~~من رزقه بعد إظهار نعمته بتذليل مهاده فقال سبحانه وتعالى : ( هو الذي جعل ~~لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ) الملك : 15 ، قيل : في ~~أسواقها ، وقيل : قراها ، وقيل : جبالها ، وهو أحب إلى أحداب الأرض قراها ~~ومناكبها جبالها لأنها أعاليها ، وكان بشر الحافي يقول : يا معشر القراء ~~سيحوا تطيبوا فإن الماء إذا كثر مقامه في موضع تغير ، وقيل : إنما سمي سفرا ~~لأنه يسفر عن أخلاق النفس ، وأيضا يسفر عن ms1080 آيات الله سبحانه وقدره وحكمه في ~~أرضه ، فإذا عزم على السفر فليصل ركعتي الاستخارة وليعقد التوكل على الله ~~عز وجل ، فكفى ناظرا وساكنا إليه تبارك وتعالى واثقا به ومعتمدا عليه ~~مستورا حاله راضيا عنه عز وجل في تقلبه ومثواه ، ولينو في سفره الاعتبار ~~بالآثار والنظر إلى الآيات بالاستبصار والابتغاء من فضل الله سبحانه فيما ~~ندبه إليه من الأسباب ، ويقال : إن الله تبارك وتعالى وكل بالمسافرين ~~ملائكة ينظرون إلى مقاصدهم فيعطي كل واحد على نحو نيته ، فمن كانت نيته طلب ~~الدنيا أعطي منها ونقص من آخرته أضعافه وفرق عليه همه وكثر بالحرص والرغبة ~~شغله ، ومن كانت PageV02P343 نيته طلب الآخرة وأهلها أعطي من البصيرة ~~والفطنة ، وفتح له من التذكرة والعبرة بقدر نيته ، وجمع له همه وملك من ~~الدنيا بالقناعة والزهد شغله ، ودعت له الملائكة واستغفرت له ، فلتكن نية ~~هذا المسافر استصلاح قلبه ورياضة نفسه واستكشاف حاله وامتحان أوصافه ، لأن ~~النفس إنما أظهرت الإذعان والانقياد في الحضر ، وربما استكانت وأجابت في ~~السفر ، فإذا وقعت علها أثقال الأسفار ولزمتها حقائق الاستخبار خرجت عن ~~معتاد ذلك المعيار فأسفرت حقيقتها وانكشفت دواعيها ، فيكون المسافر في علوم ~~وبصائر يعرف بها خفايا نفسه ومكامنها ، ويكون هذا من خبء الأرض الذي يخرجه ~~الله عز وجل لمحبيه متى شاء ، كما قال جل وعلا : ( يخرج الخبء في السموات ~~والأرض ) النمل : 25 ، فإن خرج سائحا في طلب العلم فقد جاء ذلك في تفسير ~~قوله عز وجل السائحون قيل : في طلب العلم ، وقيل : هم طلبة العلم ، وقد كان ~~سعيد بن المسيب يسافر الأيام في طلب الحديث الواحد ، وقال الشعبي : لو سافر ~~رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدل على هدى ، ما رأيت أن سفره كان ~~ضائعا ، ورحل جابر بن عبد الله من المدينة وغيره من الصحابة إلى مصر فساروا ~~شهرا في حديث بلغه عن عبد الله بن أنيس الأنصاري يحدثه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى سمعوه ، ومن سافر في طلب العلم من عهد الصحابة إلى ~~يومنا هذا أكثر ms1081 من أن يحصى ، وفي الخبر : من خرج من بيته في طلب العلم ، ~~فهو في سبيل الله عز وجل حتى يرجع . وفي خبر آخر : من سلك طريقا يلتمس فيه ~~علما سهل الله عز وجل له طريقا إلى الجنة ، ويقال : إن النفقة في العلم ~~كالنفقة في سبيل الله ، الدرهم بسبعمائة ، وإن سافر في لقاء الصالحين فقد ~~جاء في الأثر : كانوا يحجون للقاء ، والحج من أفضل الأسفار فجعلوه سببا ~~للقاء الأخيار ، فإن نوى القرب من الأمصار طمعا في سلامة دينه وبعدا من ~~تعلق النفس بما في الحضر من حظ دنياه فحسن ، وربما خرج طلبا للخمول والذلة ~~، خشية الفتنة بالشهرة ، ورجاء صلاح قلبه ، واستقامة حاله في البعد من ~~الناس ، ورياضة بالتفرق والتوحد إلى أن يقوي يقينه ويطمئن قلبه ، فيستوي ~~عنده الحضر والسفر ، ويعتدل عنده وجود الخلق وعدمهم بإسقاط الاهتمام بهم ، ~~وقد قال الثوري : هذا زمان سوء لايؤمن فيه على الخامل فكيف بالمشهورين ، ~~وهذا زمان رجل ينتقل من بلد إلى بلد كلما عرف في موضع تحول إلى غيره ، وقال ~~أبو نعيم : رأيت الثوي وقد علق قلته بيده ، ووضع جرابه على ظهره ، فقلت له ~~: إلى أين يا PageV02P344 أبا عبد الله ؟ فقال : قد بلغني عن قرية فيها رخص ~~، فأنا أريد أن أقيم بها ، فقلت : وتفعل هذا يا أبا عبد الله ؟ قال : نعم ~~إذا بلغك عن قرية فيها رخص فأقم بها ، فإنه أسلم لدينك ، وأقل لهمك ، وقد ~~كان سري السقطي يقول للصوفية : إذا خرج الشتاء ودخل آذار وأورقت الأشجار ~~طاب الانتشار ، ومن أفضل الأسفار ما خرج له في سبيل الله عز وجل من الجهاد ~~والحج والرباط وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم زيارة أصحابه ، ~~محتسبا بذلك ما عند الله عز وجل ، والسفر في زيارة الأخ في الله عز وجل ~~مستحب مندوب إليه ، روينا في خبر عن بعض أهل البيت عليهم السلام وقيل : ~~مكتوب في التوراة سر ميلا عد مريضا ، سر ميلين شيع جنازة ، سر ثلاثة أميال ~~أجب دعوة ، سر أربعة أميال زر أخا في الله تعالى ms1082 ، وفي الخبر : أن رجلا زار ~~أخا له في قرية أخرى فأرصد الله عز وجل على مدرجته ملكا ، فقال : أين تريد ~~؟ فقال : أخا لي في هذه القرية أزوره ، قال : أبينك وبينه رحم تصلها ؟ قال ~~: لا ، قال : فله عليك نعمة تردها ، قال : لا إلا أني أحببته في الله عز ~~وجل ، قال : فإني رسول الله إليك يبشرك بالجنة ويخبرك أنه قد غفر لك بزيارة ~~أخيك ، وإن سافر إلى بعض الثغور ناويا رباط أربعين يوما أو ثلاثة أيام فحسن ~~، وإن قصد عبادان فرابط فيها ثلاثا فقد أسابها ثلاثمائة من العلماء والعباد ~~للرباط فيها ما يجله وصفه . روي عن علي عليه السلام أنه سأل رجلا بالبصرة ~~أن يرابط بعبادان ثلاثا ويشركه في صحبته ، وقال بعض العارفين : كوشفت ~~بالأمصار فرأيت الثغور كلها تسجد لعبادان ، ومن قصد في سفره أحد المساجد ~~الثلاث المندوب إليها لشد الرحال فهو أفضل ، أولاها المسجد الحرام ، ومسجد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومسجد بيت المقدس ، فيقال : من جمع الصلاة في ~~هذه المساجد الثلاث من سنته غفرت له ذنوبه كلها ، ومن أهل بحج أو عمرة من ~~المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وخرج ابن ~~عمر من المدينة قاصدا إلى بيت المقدس حتى صلى فيه الصلوا ت الخمس ، ثم كر ~~راجعا من الغد إلى المدينة ، وسأل سليمان عليه السلام ربه تعالى : إن من ~~قصد هذا المسجد لا يهمه إلا الصلاة فيه أن لا تصرف نظرك عنه ما دام مقيما ~~فيه حتى يخرج منه ، وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه فأعطاه الله تعالى ~~ذلك ، وأما فضائل المسجدين في الحرمين حرم الله عز وجل وحرم رسوله صلى الله ~~عليه وسلم فأكثر من أن نذكرها ، وإن سافر طلبا للحلال وهويأمن طعمة الحرام ~~فذانك له قربتان ، وقد فعله صالحو السلف في كل زمان ، وليكن العبد في سفره ~~مراعيا لهمه ، حافطا لقلبه من التشتت والطمع PageV02P345 في الخلق ، ~~والتعرض للمسألة ، فإن لم يكن ذا معلوم معهود كان معلومه العلام الودود ، ~~وكان طريقه إليه صدق ms1083 التوكل ، وزاده في طريقه حسن التقوى له بصحة الأياس من ~~الناس ، وعليه حينئذ الصبر على بلائه ، والرضا بتصريفه في قضائه ، ولاشكر ~~على لطائف نعمائه من منع أو عطاء أو شدة أو رخاء ، لأنه في يد الوكيل يقلبه ~~كيف يشاء ، والتوكل عند المتوكلين هو في الصبر للصبور وتسليم الحكم للحاكم ~~، ومنه قوله تعالى : ( الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) العنكبوت : 59 ~~وقوله : ( إن الحكم إلا لله عليه توكلت ) يوسف : 67 . وقال رجل لبشر بن ~~الحارث : إني أريد سفرا ولكني منعني أنه ليس عندي شيء ، فقال : لا يمنعك ~~العدم من سفرك واخرج لقصدك ، فإن لم يعطك ما لغيرك لم يمنعك ما لك ، وكان ~~إبراهيم الخواص يقول : كف فارغ وقلب طيب ومر حيث شئت ، ومن طرقته فاقة أو ~~رهقته حاجة لم يخرجه من التوكل أن يسأل إذا عدم القوة والصبر ، لأنه حينئذ ~~يسأل لربه لا لنفسه ، يحركه العلم لا الهوى لإقامة فرضه وحفظ عقله الذي هو ~~مكان تكليفه ، وفي الأثر : من جاع فلم يسأل فمات دخل النار ، لأن ترك ~~السؤال عند خوف رهق الموت ، ومع عدم الصبر سبب التلف ، إن كان الجوع أحد ~~الحنوف القاتلة ، وقد تأول بعض متأخري الصوفية قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم : أحل ما أكل العبد من كسب يده قال : المسألة عند الفاقة وأنا بريء من ~~عهدة هذا التأويل ، وقد كان جعفر الخلدي يحكي هذا عن شيخ من الصوفية وكان ~~هو يستحسنه ، ولكن قد كان أبو سعيد الخراز يمد يده عند الفاقة ويقول : ثم ~~شيء لله . وحدثونا عن أبي جعفر الحداد ، وكان شيخا للجنيد ، له علم في ~~التوكل وحال من الزهد ، كان يقتات بخروجه بين العشاءين فيسأل من باب أو ~~بابين ، فيكون ذلك معلومة إلى بعض حاجاته من يوم أو يومين ، ولم يعب هذا ~~عليه أحد من الخصوص ، وقد رأى بعض الناس رجلا من الصوفية دفع إليه كيس فيه ~~مئون دراهم في أول النهار ففرقه كله ، ثم سأل قوتا في يده بعد عشاء الآخرة ~~فعاتبه على ذلك وقال : دفع إليك ms1084 شيء أخرجته كله ، فلو تركت منه لعشائك شيئا ~~؟ فقال : ما ظننت أني أعيش إلى المساء ، ولو علمت ذلك فعلت ، وكان هذا زاهد ~~قصير الأمل إلا أن السؤال للمتوكل عند الخواص يخرجه من التوكل ، وقد كان ~~سهل يقول : المتوكل لا يسأل ولا يرد ولا يحتكر ، وليس يخرجه عندي من التوكل ~~المسألة عند الفاقة ، بل عدم الصبر والقوة ، ففقد ذينك وجود الإذن من الله ~~له في السؤال إذا كان ناظرا إلى تصريف والوكيل في كل حال ، ولأن الولي ~~الحميد يقلب وليه في جميع الأحوال ، ألم تر إلى إمامي أهل الظاهر والكتاب ~~وأهل الباطن والقلوب ، استطعما أهلها ، لأن المسلم يستحق على إخوانه سد ~~جوعته لحرمة الإسلام ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ليلة الضيف واجبة ، ~~وقال عليه الصلاة والسلام : الضيافة حق ، وفي الخبر : ولك أن تأخذ ~~PageV02P346 من ماله مقدار ليلة ، وفي الحديث : أيما أهل عرضة أو قرية بات ~~فيهم رجل من المسليمين جائعا فقد برئت منهم الذمة ، وكان الثوري يسأل في ~~البوادي من الحجاز إلى صنعاء اليمن ، فقال : كنت أذكرهم حديث عبد الله هذا ~~في الضيافة ، قال : فيخرجون إلي طعاما فآكل شبعي وأترك ما بقي ، والمسافر ~~هو ابن السبيل الذي أوجب الله حقه في الأموال ، لأن السبيل هو الطريق ، ~~وراكبها ابنها ، لأنه صاحب طريق وسالكه ، وليس عليه أيضا في الثواء عن أخيه ~~المسلم ثلاثة أيام شيء ، لأنه مقيم على ما أبيح له . وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : الضيافة ثلاثة ، فما زاد فهو صدقة ، فلا يقيمن فوق ثلاث ، ~~فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : ولايقم فوق ثلاث ~~فيحوجه أن يضيق عليه ، وتأويل قوله عندي فما زاد فهو صدقة ، أي مروه ~~لامندوب إليه ، ولا مأمور به ، فإن اختار الصدقة ولم ينزه نفسه عنها فهو ~~أعلم ، أي وما كان في الثلاث فهو حق له وواجب على مضيفه ، فإن سألوه ~~الأقامة فوق ثلاث أو علم أنهم يحبون الإقامة فلا بأس بذلك ، وقد تأول بعض ~~الصوفية قول النبي صلى الله عليه ms1085 وسلم : فما زاد فوق ثلاث فهوصدقة ، إنه ~~صدقة على أصحاب المنزل من الضيف ، تصدق عليهم لإقامته ، لأنه مثوبة لهم ، ~~ولا يعجبني هذا التأويل ، وليحافظ على صلاته في أوقاتها بحسن طهارة وجميل ~~أداء ، وليحفظ قلبه أن يتشتت ، فإن السفر قد يشتت هم المريد ، ويجمع هم ~~العارفين ، ويشغل قلوب الضعفاء ، ويروح قلوب الأقوياء ، وهو محنة وكشف ~~لأخلاق العبد ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للرجل الذي زكى عنده رجلا ~~لما سأله عنه ليقبل شهادته فقال له : هل صحبته في السفر الذي يستدل به على ~~مكارم الأخلاق ؟ فقال : لا ، قال : ما أراك تعرفه ، وعن بعض السلف : إذا ~~أثنى على الرجل معاملوه في الحضر ورفقاؤه في السفر فلا تشكوا في صلاحه إذ ~~ذاك ، لأن السفر يسيء الأخلاق ، ويكثر الضحر ، ويخرج مكامن النفس من الشح ~~والشره ، وكل من صلحت صحبته في السفر صلحت صحبته في الحضر ، وليس كل من صحب ~~في الحضر صلح أن يصحب في السفر ، وقال بعض السلف : ثلاثة لا يلامون على ~~الضجر ، الصائم ، والمريض والمسافر ، ولا ينبغي أن يفارقه من الأسباب أربعة ~~، الركوة ، والحبل ، والإبرة بخيوطها والمقراض ، وكان الخواص من المتوكلين ~~، ولم تكن هذه الأربعة تفارقه ، وكان يقول : ليست من الدنيا ، وبعض الصوفية ~~كان يقول : إذا لم يكن مع الفقير ركوة وحبل دل ذلك على نقصان دينه ، وكان ~~جماعة من أرباب القلوب وأهل المعاينة بالأحوال إذا استوطنت نفوسهم مصر أو ~~سكنت إلى موضع عملوا في الغربة لرفع العادة وإيثارا للقلة والذلة ، وقالوا ~~: لا يخلو المؤمن من قلة أو علة أو ذلة ، وكانوا إذا خافوا الاستشراف إلى ~~الخلق خرجوا في PageV02P347 الأسفار لقطع ذلك وحسمه من الأذكار ، وقد كان ~~الخواص لا يقيم في بلد أكثر من أربعين يوما ويرى إن ذلك علة في توكله فيعمل ~~في اختبار نفسه وكشف حاله . وحدثنا عن بعض الشيوخ قال : لبثت في البرية أحد ~~عشر يوما لم أطعم شيئا ، ، وتطلعت نفسي أن تعرج على حشيش البرية ، فرأيت ~~الخضر مقبلا نحوي فهربت منه ، فلما وليت عنه هاربا التفت إليه ms1086 ، فإذا هو قد ~~رجع عني ، فانظروا إلى ولي الله عز وجل كيف لم يفسد على توكلي ، فقيل له : ~~لم هربت منه ؟ قال : تشوفت نفسي أن يقيتني ، وعلى المسافر من أهل القلوب أن ~~يفرق بين سكون القلب إلى الوطن والسفر ، وبين سكون النفس إليهما ، فإن ذلك ~~قد يلتبس فيحسب من لا بصيرة له ، ولا تفتيش لحاله ، ولا صدق في أحواله ، أن ~~سكون النفس هو سكون القلب فينقص بذلك ولا يفطن لنقصانه ، فإن كان قلبه يسكن ~~إلى أحدهما وفيه صلاح دينه وعمارة آخرته ومحبة ربه ، فهذا سكون القلب لأنه ~~يسكن إلى أخلاق الإيمان وماورد العلم به وإن كانت نفسه تسكن إلى أحدهما مما ~~فيه عاجل حظوظ وعمارة دنياه وموافقة هواه ، فهذا سكون نفس ، لأنها تسكن إلى ~~معاني الهوى ، فليتحول من الوطن إلى الغربة ، وليرجع من الغربة إلى المصر ، ~~ومن كان في سفر على غير هذا النعت من التفقد لحاله وحسن القيام بأحكامه فهو ~~على هوى وفتنة ، وسفره بلاء عليه ومحنة ، وفصل الخطاب أن من لم يكن له في ~~سفره حال يشغله ، وهم يجمعه ، ووقت يحبسه ، ومأوى يظله ، ومسكن يؤنسه ، ~~وزاد من باطنه ، وعلم من عالمه ، فإن الحضر أرفق لحاله ، وأصلح لقلبه ، ~~وأسكن لنفسه من السفر ، لأنه يكون في السفر مشتت السر ، مفرق الهم ، تارة ~~بوجود معلوم يخاف عليه ، ومرة بفقد معتاد يحن إليه ، مرة باستشراف إلى خلق ~~يطمع فيه ، فمرة يضعف قلبه مع العدم ، وتارة يقوى بالاستطلاع إلى البشر ، ~~ومرة يفزع بفقد ما عنده قد حضر ، فمثل هذا يكون في السفر نقصان ما ادعى ، ~~والسفر يجمع هم الأقوياء ، ويشتت قلوب الضعفاء ، ويذهب أحوال أهل الابتداء ~~، ثم إن لم يصلح قلبه ولم يستقم حاله في الحضر فإنه لايصلح حاله ولا يستقيم ~~قلبه في السفر ، وأنشدوا لبعض السائحين في التغرب : ألفت التفرد والغربه . ~~. . ففي كل يوم أطي تربه فيوم مقيم على نعمه . . . ويوم مطل على نكبه ومما ~~يطلب نفس الغري . . . ب حبيب تطيب به الصحبه وقد نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن ms1087 يسافر الرجل وحده فقال : الثلاثة نفر ، وقال : إذا كنتم في ~~سفر ثلاثة فأمروا أحدكم ، قال : فكانوا يفعلون ذلك ، ويقولون ذاك أمير أمر ~~رسو ل الله صلى الله عليه وسلم وكذلك يستحب . وقد جاء في الخبر : خير ~~الأصحاب أربعة ، والأسفار ، والنزه لا تطيب إلا في PageV02P348 جماعة ، ~~وأقل الجماعة اثنان ، والثلاثة والأربعة أفضل ، والسياحة لا تحسن إلا على ~~الانفراد والوحدة ، فإن اتفق ثلاثة في سياحة بقلب واحد ، وهم واحد ، على ~~حال واحد ، فهم كعبد واحد ، فهو حسن وفيه معاونة على البر والتقوى ، قال ~~الله عز وجل فيمن منعه النصرة وحرمه منه الصحبة : ( لا يستطيعون نصر أنفسهم ~~ولا هم منا يصحبون ) الأنبياء : 43 ، فمن نصره الله على نفسه فقد صحبه ، ~~ومن لم يصحبه سلط عليه نفسه وسخره لها ، وجمله الأمر أن السفر عمل من ~~الأعمال يحتاج إلى نية وإخلاص ، فمنه فرض وهو ما هرب به من معصية ، ومنه ~~فضل وهو ما طلب به طاعة ، ومنه مباح وهو ما ضرب به في تجارة ، ومنه معصية ~~وهو ما سعى به في فساد . | PageV02P349 # | الفصل الثالث والأربعون فيه كتاب حكم الإمام ووصف الإمام والمأموم # فإن كان هذا المريد إماما لحيه كان عليه أن يقوم بحكم الإمامة حتى يتمها ~~، فيستحق الإمام بأن يكون له مثل أجر من صلى خلفه بأن يكون داعيا إلى الله ~~عز وجل ، قائما بين الله تعالى وبين عباده هو وجهتهم وطريقتهم إليه ، وفي ~~الخبر : إنما الإمام أمير ، فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا ، وفي ~~الحديث فإن تم فله ولهم ، وإن نقص فعليه ولا عليهم ، وفي الخبر : أئمتكم ~~وفدكم إلى الله عز وجل ، فإن أردتم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم ، وفي ~~الخبر المشهور : الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن ، اللهم أرشد الأئمة واغفر ~~للمؤذنين ، وفي الحديث : ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ، وفي لفظ آخر : لا ~~تجاورصلاتهم رؤوسهم : العبد الآبق ، وامرأة زوجها عليهاساخط ، وإمام قوم ~~وهم له كارهون ، فأول ما عليه من الشروط أن يكون مجتنبا للفسوق والكبائر ~~وغير مصر على الصغائر ، قارئا لكتاب الله عز وجل ، أو ms1088 لما يحسن منه بغير ~~لحن ولا إحالة معنى ، عالما بفرائض الصلاة وسننها ، وما يفسدها وما يوجب ~~السهو وما لا يوجبه منها ، وإن حدثت عليه حادثة في الصلاة ، أو ذكر أنه على ~~غير وضوء ورع واتقى الله عز وجل ، وخرج من صلاته وأخذ بيد أقرب الناس منه ، ~~فاستخلفه في مقامه ، وقد أصاب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام الأمة ~~في الصلاة فخرج منها ، وذلك أنه ذكر أنه كان جنبا فاغتسل ، ثم رجع فدخل في ~~الصلاة ، فإن كانت الحادثة في الصلاة فعل ذلك ، وإن كان ذكر أنه دخل في ~~الصلاة على غير طهارة خرج ولم يستخلف وابتدأ القوم صلاتهم ، فليكن الإمام ~~مأمونا على طهارته بإكمالها ، مأمونا في صلاته بإقامتها ، مخلصا بالإمامة ، ~~يريد بها وجه الله تعالى وما عنده ، ولايحل له أن يأخذ على الصلاة أجرا ولا ~~على الأذان الذي هوطريق إليها ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن ~~أبي العاص الثقفي فقال : واتخذ مؤذنا لا يأخذ على الأذان أجرا ، فهذا ~~الداعي إلى الصلاة لا يحل له أن يأخذ على دعائه أجرا فكيف المصلي القائم ~~بين الله وبين عباده ؟ وقد كان بعض السلف يقول : ليس بعد الأنبياء أفضل من ~~العلماء ، ولا بعد العلماء PageV02P350 أفضل من أئمة المصلين ، لأن هؤلاء ~~قاموا بين الله تبارك وتعالى وبين خلقه ، هذا بالنبوة ، وهذا بالعلم ، وهذا ~~بعماد الدين ، وهي الصلاة ، وبهذه الحجة احتج على علي رضي الله عنه في ~~تقدمة أبي بكر رضي الله تعالى عنه للخلافة لما أهله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لديننا قال : فنظرنا فإذا الصلاة عماد الدين ، فاخترنا لدنيانا ~~من رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا ، وقال ورجل : يارسول الله ~~دلني على عمل يدخلني الجنة ، فقال : كن مؤذنا ، قال : لا أستطيع ، قال : كن ~~إماما ، قال : لا أستطيع ، قال : فصل بإزاء الإمام ، وقد كان بعض الورعين ~~يتورع عن الإمامة لما فيها ولما على الإمام من ثقلها وتحملها ، وكانوا ~~يختارون الأذان على الإمامة ويفضلونه عليها ، منهم كثير من الصحابة ms1089 ، وعليه ~~أن يراعي أوقات الصلوات ليصلي في أوائلها ، فيدرك رضوان الله عز وجل ، وبين ~~فضل الصلاة في أول وقتها على الصلاة في آخر وقتها كفضل الآخرة على الدنيا ، ~~كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي حديث آخر : أن العبد ليصلي ~~الصلاة في آخر وقتها ولم يفته ولما فاته من أول وقتها خير له من الدنيا وما ~~فيها ، وليتم الركوع والسجود والاعتدال والقعود بنيهما ، فيكون ذلك قريبا ~~من السواء ، معتدلا كله ، حتى يدرك من وراءه من الضعفاء والمرضى ، فتلك ~~كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينبغي أن يكون له ثلاث سكتات . ~~كذلك روى سمرة بن جندب وعمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~أولهن : إذا كبر وهي الطولى منها مقدار ما يقرأ من خلفه فاتحة الكتاب لئلا ~~يقرؤوا في قراءته ، فيكون عليه ما نقص من صلاتهم ، فإن لم يقرؤوا فاتحة ~~الكتاب في سكوته واشتغلوا بغيرها ، فذلك حينئذ عليهم ، وقد فعل هو ما عليه ~~، والسكتة الثانية إذا فرغ هو من قراءة الحمد ليتمم من بقى علي شيء من ~~فاتحة الكتاب في هذه السكتة وهي على النصف من السكتة الأولى ، والسكتة ~~الثالثة إذا فرغ من قراءة السورة قبل أن يركع وهي أخفهن على النصف من ~~السكتة الثانية لئلا يكون مواصلا في صلاته بأن يصل التكبيرة بالقراءة ويصل ~~القراءة بالركوع فقد نهى عن ذلك ، وعلى المأموم أيضا أن لا يصل تكبيره ~~الإحرام ولا تسليمه بتسليم الإمام ، وعليهما أن لا يصلا التسليمتين ليفصلا ~~بينهما ، فقد نهى عن المواصلة في الصلاة وهي في هذه الخمس ، وعلى المأموم ~~أن يكبر ويركع ويسجد ويرفع ويضع بعد الإمام ولا يخرون سجدا حتى تقع جبهة ~~الإمام على الأرض وهم قيام ثم يخرون بعده ، كذلك كانت صلاة الصحابة خلف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يكبر حتى يعتدل الصف وراءه ، وليلتفت ~~يمينا وشمالا ، فإن كان أعوج أشار بيده ، وإن رأى خللا أمر بسده فإن تسوية ~~الصف من تمام الصلاة ، وكانوا يحذون بين ms1090 المناكب ويتضامون في الكعاب ، وقد ~~قيل : إن الناس يخرجون من الصلاة على ثلاثة أقسام ، طائفة بخمس وعشرين ~~PageV02P351 صلاة وهم الذي يتمون صلاتهم بعد ركوع الإمام وسجوده ، وطائفة ~~بصلاة واحدة وهم الذين يكبرون ويركعون ويسجدون معه مواصلة له ومبادرة ، ~~وطائفة تخرج بغير صلاة وهم الذين يرفعون ويضعون قبله فيسابقون إمامهم ، ~~وليقرأ في صلاة الغداة بسورتين من المثاني وهي مادون المائة ، فإن الإطالة ~~في قراءة الفجر والتغليس سنة ، ولا يضره خروجه منها مسفرا إذا كان قد دخل ~~فيها مغلسا ، ولا أكره أن يقرأ في الركعة الثانية منها بأواخر السور من نحو ~~الثلاثين أو العشرين إلى أن يختمها لأن في ذلك مزيد تذكرة وفضل تبصرة ، ~~لأنه يبعد طروقه على الأسماع لكثرة الاعتياد لتلاوة السور القصار فهي أدنى ~~إلى الانقطاع والتفكر ، وإنما كره أن يقرأ من أولها كذلك ، ثم يقطع أو يقرأ ~~من وسطها ، ثم يركع قبل أن يختمها هذا الذي كرهه بعض العلماء . وقد روينا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بعض سوررة يونس فلما انتهى إلى ذكر موسى ~~وفرعون قطع فركع ، وروينا حديثا أشهر منه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ~~في ركعتي الفجر مائة مرة من سورة البقرة قوله تعالى : ( قولوا آمنا بالله ) ~~البقرة : 136 الآية ، وفي الثانية : ( ربنا آمنا بما أنزلت ) آل عمران : 53 ~~، وفي رواية أنه قرأ فيهما : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو ) آل عمران : 18 ~~، وأنه سمع بلالا يقرأ من ههنا وههنا فسأله عن ذلك فقال : أخلط الطيب ~~بالطيب ، فقال : أحسنت أو أصبت ، والخبر المشهور عن أبي بكر الصديق قال ~~الصنابحي : صليت خلفه المغرب فأصغيت إليه في الركعة الثالثة ، فإذا هو يقرأ ~~هذه الآية : ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ) آل عمران : 8 الآية ، ~~فكذلك يستحب أن يقرأ بهذه الآية خاصة في الثالثة من صلاة المغرب ، وروينا ~~عن ابن مسعود أنه أم الناس في صلاة العشاء الآخرة فقرأ في الركعة الثانية ~~بالعشر الأواخر من سورة آل عمران ، وأنه قرأ أيضا في هذه الصلاة ms1091 بآخر سورة ~~الفرقان من قوله تبارك وتعالى : ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا ) ~~الفرقان : 61 وقد قال الفقهاء في المستحب من القراءة بعد سورة الحمد من ~~الزيادة عليها أن يقرأ ثلاث آيات من سورة ، وبعضهم يقول : آيتين من سورة ، ~~فإن اكتفى بسور الحمد أجزأه . وقد روينا عن جابر بن زيد فقيه أهل البصرة ~~وكان ابن عباس يستخلفه في الفتيا ويأمر أن يستفتي أنه افتتح الصلاة ثم قرأ ~~الحمد ثم قال : ( مدهامتان ) الرحمن : 64 وركع ، وهذه أقصر آىة في كتاب ~~الله عز وجل وبعدها ، ثم نظر وقد رأيت بعض الأئمة في جامع عظيم من جوامع ~~المسلمين قرأ في الركعة الثانية من صلاة العشاء الاخرة بآخر سورة يونس ~~وخلفه العلماء والأشهاد ، فما أنكر عليه أحد ، وليقرأ في صلاة الظهر بطوال ~~المفصل إلى الثلاثين آية ، في صلاة العصر بوسط المفصل على نصف صلاة الظهر ، ~~في المغرب بأواخر المفصل وآخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المغرب قرأ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P352 سورة والمرسلات ~~ما صلى بعدها حتى قبض صلى الله عليه وسلم ، وقال أنس : كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أخف الناس صلاة في تمام ثم قال أيضا : كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يأمر بالتخفيف في الصلاة وإن كان ليؤمنا بسورة والصافات . ~~وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرخص إذا صلى أحدكم بالناس ~~فليخفف فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة ، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء ~~، وقد كان معاذ بن جبل يصلي بقومه صلاة عشاء الآخرة فافتتح بسورة البقرة ، ~~فخرج رجل من الصلاة وأتم لنفسه ، ثم انصرف فقالوا : نافق الرجل ، ثم تشاكيا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشكى الرجل وزر معاذ وقال : أفتان أنت ؟ ~~اقرأ بسورة سبح والسماء والطارق والشمس وضحاها ، وليسبح في ركوعه وسجوده ~~سبعا أو خمسا ليدرك من وراءه ثلاثا ثلاثا لأنهم يركعون ويسجدون بعده . ~~وروينا أن أنس بن مالك لما صلى خلف عمر بن عبد ms1092 العزيزكان أميرا بالمدينة ~~قال : ما صلت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل صلاة هذا الشاب قال : ~~وكنا نسبح وراءه في الركوع والسجود عشرا عشرا ، وقد روينا مجهلا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : كنا نسبح وراءه في الركوع والسجود عشرا عشرا ~~، فإن قرأ في الأخيرتين من الظهر والعصر وعشاء الاخرة بعد الحمد بسورة ~~قصيرة أو آيتين من سورة فحسن ليدرك من وراءه قراءة الحمد على مهل ، وقد ~~اختلف مذهب السلف في الإمام يكون راكعا فيسمع خفق النعال هل ينتظر في ركوعه ~~ويتوقف حتى يدخلوا في الركعة أو لا يباليهم ؟ فقال بعضهم : ينتظر حتى ~~يلحقوا معه وممن اختاره الشعبي ، وقال آخرون : لا ينتظرهم فإن حرمة من معه ~~في الصلاة أعظم من حرمة من تأخر عنها ، وقال بهذا إبراهيم النخعي ، وكذلك ~~قال فقهاء الحجاز : لا ينتظرهم فإنه زيادة في الصلاة ، ومن الإخلاص بها ترك ~~التوقف بها لأجلهم ، وقال بعض فقهاء الكوفة إن انتظرهم فحسن ليدركوا معه ~~الجماعة فيكون له فضل إدراكهم ، وقد قدم عثمان القنوت قبل الركوع في صلاة ~~الغداة ليدركوا الناس الركوع ، والذي عندي في هذا التوسط وهو أنه ينتظر فإن ~~سمع خفق نعالهم في أول ركوعه فلا بأس أن يمد حتى يلحقوا ، وإن سمعها في آخر ~~ركوعه عند رفع رأسه لم أحب أن لا يزيد في الصلاة لأجلهم فليرفع ولا يبالي ، ~~وأفضل التشهد عندي الذي رواه ابن مسعود وجابر ، وقد اختلفت الروايات في ~~ألفاظ التشهد والذي اختاره ، وأقوله ما رويناه عن عبد الله بإثبات الواوات ~~، وبتقديم اسم الله عز وجل في أوله ، وبزيادة المباركات ، فأكون بذلك جامعا ~~بين جميع الروايات لأن في حديث عمر ذكر المباركات وتأخير قوله لله عز وجل ، ~~ومن رواية ابن عمر ذكر التسمية . PageV02P353 وقد روينا ذلك في حديث الثوري ~~عن أيمن بن وائل عن أبي الزبير عن جابر أن رسول اله صلى الله عليه وسلم كان ~~يقول : بسم الله ، وبالله ، التحيات لله ، والصلوات والطيبات لله عز وجل ، ~~فهذا هو الأفضل عندي لأنه ms1093 هو الأحوط ولدخول روايات الجماعات فيه ، ثم ~~اختلفوا في مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم بالإشارة إليه في السلام ، أو ~~تركها ، فالذي اختاره السلام على النبي صلى الله عليه وسلم إلى ورحمة الله ~~وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين لأنه قد جاء في بعض ~~الأخبار كالتفسير لما ذكرناه ، قال : كنا نقول إذا كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين أظهرنا : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، فلما ~~قبض صلى الله عليه وسلم صرنا نقول : السلام على النبي ، وفي كل الروايات ~~قوله : وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، فكذلك اختار إلا في رواية عمر ، فإنه ~~ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحدثني بعض العلماء عن بعض الصالحين ~~قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت : يا رسول الله قد ~~اختلف العلماء علينا في التشهد فيم نأخذ فقال : التشهد هو الذي رواه ابن أم ~~عبد ، ولا يدع أن يستعيذ في تشهده بالكلمات الخمس فيقول : أعوذ بك من عذاب ~~جهنم ، وعذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المحيا ، والممات ، ومن فتنة المسيح ~~الدجال ، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون ، قد فعله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأمر به ، والمسيح بنصب الميم مع التخفيف لأنه قيل سمي ~~كذلك معدول به من ماسح ، أي يمسح الأرض مسحا ، لأنه قيل : تطوى له الأرض ، ~~وبعض أهل اللغة يقول : عدل به عن ممسوح العين أي مطموسها ، والتكبير ~~والتسليم جزم والأذان جزم ، قد قيل ذلك واستحب أن يكون المؤذن غير الإمام . ~~وقد روينا في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره أن يكون الإمام ~~مؤذنا ، وقد كان عمر رضي الله عنه إذا ذكر فضل الأذان يقول لولا الإمامة ~~لأذنت . وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : الأذان إلى المؤذن والإقامة ~~إلى الإمام ؛ أي هو أملك بها ، وللمؤذن أن ينتظر الإمام ، وليس على الإمام ~~والمأموم انتظار المؤذن إذا دخل الوقت ، ولا على المؤذن انتظار أحد إذا ~~انتظر الإمام ودخل الوقت ، والصلاة ms1094 في أول وقتها أفضل من انتظار الجماعة ~~لها ، وأفضل من قراءة طوال السور فيها ، وقيل : قد كانوا إذا حضر اثنان في ~~الصلاة لم ينتظروا الثالث ، وإذا حضر أربعة في الجنازة لم ينتظروا الخامس ، ~~وقيل : انتظار المأموم مع شهود الإمام مكروه والنعي بالميت والإيذان به ~~بدعة ، وقد تأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاة الفجر وكانوا في سفر ~~، وإنما تأخر لطهارة ، فلم ينتظر ، وقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم حتى ~~فاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة فقام يقضيها ، قال : فأشفقنا من ~~ذلك فقال : أحسنتم هكذا فافعلوا ، وقد تأخر في صلاة الظهر فقدموا أبا بكر ~~رضي الله عنه حتى جاء وهم في الصلاة ، فقام إلى جانبه ، ليدخل في الصلاة ~~مكبرا إذا قال المؤذن : قد قامت الصلاة ، ويكون الناس قد قاموا إذا ~~PageV02P354 قال المؤذن : حي على الصلاة ، كذلك السنة وعليه كان السلف . ~~وروينا عن علي عليه السلام وعبد الله وكانوا إذا قال المؤذن : حي على ~~الصلاة قام الناس للدعوة ، فإذا قال : قد قامت الصلاة كبر الإمام ، ويبقى ~~المؤذن وحده يتم الإقامة ، ثم يدخل في الصلاة والإمام يقرأ سورة الحمد ، ~~لأن حقيقة قوله قد قامت الصلاة أي قد قام الناس للصلاة ، وقد قام المصلون ~~لأن الصلاة لا تقوم ، فإذا قاموا عند قوله : قد قامت الصلاة كان المؤذن ~~صادقا في قوله ، وإن كان جائزا على المجاز لقرب الوقت وظهور سبب القيام ، ~~ولذلك كره أن يكون الإمام مؤذنا لأنه حينئذ يحتاج أن يكبر ويدخل الناس في ~~الصلاة عند قوله : قد قامت الصلاة ، وكذلك جاء عن السلف من السنة أن يكون ~~الأذان في المنارة والإقامة في المسجد ليقرب على المؤذن الدخول في الصلاة ، ~~وكذلك قال بلال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسبقني بآمين ؛ أي تمهل ~~حتى أدرك النامين معك لفضله إذ قد علم أنه يسبقه بافتتاح الحمد ، وفي هذا ~~دليل على صحة اختيارنا فيما ذكرنا من انتظار الإمام لمن سمع خفق نعله إذا ~~كان في أول الركوع لقول بلال : لا ms1095 تسبقني بآمين ولم يقل : لا تسبقني بالحمد ~~ولا أستحب للإمام الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، وإن كانت آية من سورة ~~الحمد فأكثر الروايات وأثبتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الجهير ~~بها ، وأنه الآخر من فعله فقد كانوا يأخذون بالآخر فالآخر من أفعاله صلى ~~الله عليه وسلم ولأنه مذهب أكثر العلماء . وروينا عن ابن مسعود أنه قال : ~~من السنة أن لا يخفي الإمام أربعا ؛ سبحانك اللهم ، والاستعاذة ، وقراءة ~~بسم الله الرحمن الرحيم ، والتأمين ، وقد روينا عن علي كرم الله وجهه : ~~الجهر بها ، وعن ابن عباس : ليس من السنة الجهر بها ولا أكره القنوت في ~~صلاة الغداة بالكلمات الثمانية التي رويت عن الحسن عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يقولها سرا ولا يرفع يديه ، لأنها تجري مجرى الدعاء ، وإن ترك ~~ذلك فحسن ، قد تركه أكثر الفقهاء واستحب أن يقرأ في ليلة الجمعة وغداتها من ~~السور ما روينا عن رسول الله في حديثين ؛ المشهور منهما : أنه كان يقر في ~~صلاة الغداة يوم الجمعة بسورة السجدة ( هل أتى ) الدهر : 1 ، والحديث الآخر ~~، أنه كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة ( قل يا أيها الكافرون وقل هو ~~الله أحد ) الكافرون : 1 ، الإخلاص : 1 ، وفي عشاء الآخرة بسورة الجمعة ~~وسورة المنافقين ، واستحب أن يقول في تشهده من الدعاء ما علم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عائشة من الجوامع والكوامل : اللهم إني سألك من الخير كله ~~عاجله وآجله ، ما علمت منه وما لم أعلم ، أسألك مما سألك منه محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، وأعوذ بك ما استعاذك منه محمد صلى الله عليه وسلم ، أسألك ~~الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول ~~وعمل ، اللهم ما قضيت لي من أمر فاجعل عاقبته رشدا ، PageV02P355 ثم يستغفر ~~للمؤمنين والمؤمنات ويقول : ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ) آل عمران ~~: 8 الآية ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، ~~وليس بعد هذا دعاء ms1096 مفضل ولا كلام مأثور سوى ما ذكرناه آنفا من الاستعاذة ~~بالكلمات الخمس ، وإن اقتصر عليها أجزأته ويكره للإمام أن يخص نفسه بدعاء ~~دون من خلفه فإن دعا في صلاته فليجمع بالنون فيقول نسألك ونستعيذك وهو ينوي ~~بذلك نفسه ومن خلفه . وفي الخبر : من أم قوما فلا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن ~~اختار المريد التأذين على الإمامة فقد قال بعض السلف من العلماء : إن ~~الأذان أفضل من الإمامة ، وإن المؤذن أعظم أجرا لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم : الإمام أمير ، ولقوله : الإمام ضامن ، فشبهها بالإمارة والضمان ، ثم ~~قال : فإن نقص فعليه لا عليهم ، فالأذان أسلم ، ولعله لا يقوم بحكم الإمامة ~~، ولا يتم وصف الإمام فيكون عليه بعض صلاة المصلين كما يكون له أيضا في ~~الإتمام أجورهم ، وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا للمؤذنين ~~دعاء هو أمدح من دعائه للإمام بقوله : اللهم أرشد الأئمة ، واغفر للمؤذنين ~~وبقوله : يغفر للمؤذن مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس ، ووصفه أيضا بوصف هو ~~أبلغ فقال : المؤذن مؤتمن ، وفي لفظ آخر : مؤذنوكم وأئمتكم ضمناؤكم ، ~~فالأمين أرفع حالا من الضامن لأن الضامن غارم ، وقد لا يكون أمينا ، ~~والأمين مكينا ، ولا ضمان عليه ؛ ومن هذا كره سهل بن سعد الساعدي الإمامة ، ~~قال أبو حازم : قلت لسهل بن سعد وكان يقدم فيتان قومه يصلون به ، فقلت : ~~أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولك من السابقة والفضل لو تقدمت ~~فصليت بقومك ، فقال : يا ابن أخي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~الإمام ضامن فأكره أن أكون ضامنا ، وفي الخبر : من أذن في مسجد سبع سنين ~~وجبت له الجنة ، ومن أذن أربعين عاما دخل الجنة بغير حساب ، وفي الخبر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة يوم القيامة على كثيب من مسك يفزع ~~الناس ولا يفزعون حتى يقضي بين الخلائق ؛ رجل قرأ القرآن فأداه إلى الله ~~سبحانه وتعالى بما فيه ، ورجل أذن في مسجد ابتغاء وجه الله تعالىى ، ورجل ~~ابتلى بالرق في الدنيا ms1097 فأطاع الله عز وجل وأطاع مواليه . وروينا في تفسير ~~قوله تعالى : ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله ) فصلت : 33 ؟ قال : نزلت ~~في المؤذنين وعمل صالحا قال : الصلاة بين الأذان والإقامة يستجب إذا فرغ ~~المؤذن من الأذان أن يقول : وأنا من المسلمين الحمد لله رب العالمين ، وتلا ~~قوله وعمل صالحا ، وقال : إنني من المسلمين ، وقوله مخلصين له الدين الحمد ~~لله رب العالمين ، فاستحب أن يصلي المؤذن بين الأذان والإقامة أربعا ، وأن ~~يجهد في الدعاء ، قال : وكان السلف يكرهون أربعا ويتدافعونها عنهم : ~~الإمامة والفتيا والوصية والوديعة ، وقال بعضهم : ما شيء أحب إلي من الصلاة ~~في جماعة ، وأكون مأموما فأكفى سهوها ويتحمل غيري ثقلها ، ولكن إذا أقمت ~~الصلاة فليتقدم من أمر بالتقدم ولا يتدافعونها ، فقد جاء في العلم ~~PageV02P356 أن قوما تدافعوا الإمامة بعد إقامة الصلاة فخسف بهم ، ولكن لا ~~يقيم المؤذن حتى يحضر الإمام ، ولا ينتظروا الإمام قياما فإنه مكروه ، وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقوموا حتى تروني ، وكان بشر بن الحارث ~~يقول : من أراد سلامة الدنيا وعز الآخرة فليجتنب أربعا : لا يحدث ولا يشهد ~~ولا يؤم ولا يفتي ، وفي بعضها ولا يجيب دعوة ، وقال مرة : ولا يقبل هدية ~~وهذا من تشديده ، والذي اختار من التأذين والإقامة مذهب أهل الحجاز بتثنية ~~الأذان ، بالترجيع وإفراد الإقامة ، وأن يزيد في أذان الفجر الصلاة خير من ~~النوم مرتين ، وأن يؤذن لها قبل دخول الوقت ، خاصة ليتأهب لها المصلون ~~وإنما هي الصلاة الوسطى إلا أن يتفقوا على صحة الحديث شغلونا عن الصلاة ~~الوسطى صلاة العصر ، فليدع الاختيار للآثار ، وإن يمد المؤذن صوته ويرفعه ~~جهده ويترسل أذانه ، وقيل كانوا يستحبون خفض الصوت في كل موطن إلا في ~~موضعين : في الأذان وعند التلبية . وفي الخبر : يتمهل المؤذن بين أذانه ~~وإقامته قدر ما يفرغ الأكل من طعامه ، والمعتصر من اعتصاره ، فهذا توقيت من ~~مقدار المصلين بين الأذانين ، فمن كانت به حاجة إلى هذين فليقدم ذلك قبل ~~دخوله في الصلاة لئلا يشغله شيء عن صلاته ، ونهى رسول ms1098 الله صلى الله عليه ~~وسلم عن مدافعة الأخبثين في الصلاة ، وأمر بتبدئة العشاء في قوله : إذا وضع ~~العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء ، ذلك ليكون القلب فارغا لربه خاليا ~~من نوائبه ، فذلك من إقامة الصلاة وتمامها ، وأكره الإمامة لمن كثر سهوه في ~~الصلاة ، أو دام اشتغال قلبه عن فهم المناجاة ، أو لمن علم أن وراءه من هو ~~أقرأ منه أو أفقه في الدين والعلم وإن كان هو عابدا صالحا ، أو لفقيه ~~بالعلم إذا كان وراءه أتقى منه وأصلح وأروع بعد أن يكون مؤديا لفرض التلاوة ~~، ولا يؤم الأمي القراء ولا الأعجمي الفصحاء ولا المتيممون المتوضئين ، وإن ~~اتفق أميون قدم أقرؤهم وإن حضر أئمة قراء فليتقدم بالعلم ، وإن اتفق رجلان ~~أحدهما قد جمع كل القرآن إلا أن الآخر أحسن تجويدا وتثقيفا لما يقرأ منه ، ~~وليس يحفظ جميعه فليقدم أقومهم قراءة إذا كان عالما بالصلاة ، وفي الخبر : ~~يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله عز وجل ، فإن كانوا في القراءة سواء فأفقههم ~~في الدين ، فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سنا ، فلذلك الأمر الرجل أحق ~~بالإمامة إذا كان في منزله إلا أن يأذن ، واستحب للإمام إذا سلم أن يسرع ~~الانفتال بوجهه إلى الناس ، وأكره للمأموم القيام قبل انفتال إمامه ، فقد ~~روينا في ذلك سنة حسنة عن طلحة والزبير ، أنهما صليا في البصرة خلف إمام ، ~~فلما سلما قالا للإمام : ما أحسن صلاتك وأتمها ، كما كنا نصلي الأشياء ، ~~واحدا أنك لما سلمت لم تنفتل بوجهك ، ثم قالوا للناس : ما أحسن ما صليتم ~~إلا أنكم انصرفتم قبل أن ينفتل إمامكم ، ومن كرهه جيرانه PageV02P357 أو ~~كرهه من وراءه من المأمومين فلا يحل له أن يتقدم ، فإن اختلفوا فكرهه قوم ~~وأحبه آخرون ، نظر إلى أهل الدين والعلم منهم فحكم بقولهم ولا يعتبر الأكثر ~~إذا كان الأقلون هو الأخير ، ولا يصلي خلف مبتدع ، فمن صلى خلف مبتدع ولا ~~يعلم فليعد ، ومن سمع الأذان من مسجد وهو في طريق يمشي فليدخل فليصل ، ولا ~~يؤخر إلى مسجد آخر إلا لأحد معنيين : أن يكون ms1099 على يقين من لحوق إمام آخر ~~أفضل من هذا ، أو يكون يعرف هذا ببدعة أو فسوق ، وإلا فالصلاة مع أول من ~~قام بها من المسلمين أفضل . وفي الخبر : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ~~، وفي جار المسجد قولان : أحدهما من سمع الأذان وروي هذا عن علي عليه ~~السلام ، والثاني من كان بينه وبين المسجد ثلاث دور وهو الرابع ، والتشديد ~~في ترك الجماعة على من سمع التأذين ، ومن كان في جنبه مسجدان فأولاهما ~~بالصلاة فيه أقربهما منه ، وهذا مذهب الحسن إلا أن يكون له نية في كثرة ~~الخطا إلى الأبعد ، أو يكون إمام الأبعد هو الأفضل ، وقيل : أقدمهما ، وروي ~~هذا عن أنس بن مالك وبعض الصحابة ، أنهم كانوا يجاوزون المساجد المحدثة إلى ~~العتق ، ومن كان مأموما فلا يقرأ سورة مع الحمد فيما يجهر به الإمام أصلا ~~ولا يقرأ الحمد أيضا إلا في سكتات الإمام وإن قطعها ، فإن لم يكن للإمام ~~سكتات قرأ الحمد فقط فيما يجهر به الإمام ، وكان ما عليه من وزر قراءته في ~~قراءة الإمام على إمامه ، لأنه قد نقص صلاته وترك ما عليه ، فالله عز وجل ~~حسيبه ، فإذا أسر الإمام فليقرأ الحمد وسورة إذا أمكنه ولا بد من قراءة ~~الحمد وحدها ، واستحب للإمام أن يتحول إذا صلى المكتوبة فلا يصلي في موضعه ~~نافلة ، ففي الخبر : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم وثب ، وكان ~~أبو بكر رضي الله عنه إذا سلم وثب ، وكان عمر رضي الله عنه إذا سلم وثب ، ~~وفي الخبر المشهور أنه لم يكن يقعد إلا قدر قوله : اللهم أنت السلام ومنك ~~السلام ، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام ، ثم ينصرف ، وإن تحول ~~المأموم فصلى النافلة في غير مكان الفريضة ولو بقدم فحسن ، ففي ذلك أثر ، ~~فإن جلسا قليلا للتسبيح والدعاء فلا بأس ، وهذا آخر كتاب الإمامة . ~~PageV02P358 # | الفصل الرابع والأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك وتعالى ، والصحبة ~~والمحبة للإخوان فيه ، وأحكام المؤاخاة وأوصاف المحبين # : ذكر الله عز وجل عباده المؤمنين نعمته عليهم ms1100 في الدين ، إذ ألف بين ~~قلوبهم بعد أن كانوا متفرقين ، فأصبحوا بنعمته إخوانا بالألفة متفقين ، ~~وعلى البر والتقوى مضطجعين ، ثم ضم التذكرة بالنعمة عليهم إلى تقواه ، وأمر ~~بالاعتصام بحبله وهداه ، ونهى عن التفرق إذ جمعتهم الدار ، وقرن ذلك بالمنة ~~منه عليهم ، إذا أنقذهم من شفا حفرة النار ، وقد جعل ذلك كله من آياته ~~الدالة عليه سبحانه وتعالى وسيله الواصلة بالهداية إليه ، فقال في جمل ما ~~شرحناه : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) آل عمران : 102 ( ~~ولا تفرقوا ) ( ولعلكم تهتدون ) آل عمران 103 وقد كانت المؤاخاة في الله ~~تعالى والصحبة لأجله والمحبة له في الحضر والسفر طرائق للعاملين ، في كل ~~طريق فريق ، لما في ذلك من الفضل ، ولما جاء فيه من الأمر والندب ، إذ كان ~~الحب في الله عز وجل من أوثق عرى الإيمان ، وكانت الألفة والصحبة لأجله ~~والمحبة والتزاور من أحسن أسباب المتقين ، وقد كثرت الأخبار في تفضيل ذلك ~~والحث عليه ، وليس قصدنا الجمع لما روي لميلنا إلى الإيجاز في كل فن ، ولكن ~~نذكر الأفعال المستحسنة وما تعلق بها مما لا بد منه ، على أن رأي التابعين ~~قد اختلف في التعريف ، فمنهم من كان يقول أقلل من المعارف ، فإنه أسلم ~~لدينك وأقل غدا لفضيحتك ، وأخف لسقوط الحقوق عنك ، لأنه يقال : كلما كثرت ~~المعارف كثرت الحقوق ، وكلما طالت الصحبة توكدت المراعاة ، وقال بعضهم : هل ~~رأيت شرا إلا ممن تعرف ، فكلما نقص من هذا فهو خير ، وقال بعضهم : أنكر من ~~تعرف ولا تتعرف إلى من لا تعرف ، وممن مال إلى هذا الرأي : سفيان الثوري ~~وإبراهيم بن أدهم ، وداود الطائي والفضيل بن عياض ، وسليمان الخواص ويوسف ~~بن أسباط ، وحذيفة المرعشي وبشر الحافي ، وقال أكثر التابعين باستحباب كثرة ~~الإخوان في الله عز وجل ، بالتأليف والتحبب إلى المؤمنين ، لأن ذلك زين في ~~الرخاء ، وعون في الشدائد ، وتعاون على البر والتقوى ، وألفة في الدين ، ~~وقال بعضهم : استكثر PageV02P359 من الإخوان ، فإن لكل مؤمن شفاعة ، فلعلك ~~تدخل في شفاعة أخيك ، وكانوا يأمرون بالأخوة ويتحاضون على الألفة ms1101 ، ويقال : ~~إذا غفر للعبد شفع في إخوانه ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حديثا غريبا في تفسير قوله تعالى : ( ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~ويزيدهم من فضله ) الشورى : 26 ، قال : يشفعهم في إخوانهم فيدخلهم الجنة ~~معهم ، وممن مال إلى هذا الطريق : ابن المسيب والشعبي ، وابن أبي ليلى ~~وهشام بن عروة ، وابن شبرمة وشريح وشريك بن عبد الله ، وابن عيينة وابن ~~المبارك ، والشافعي وأحمد بن حنبل ، ومن وافقهم ، وقد روينا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : أن أقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا ، الموطئون ~~أكنافا الذين يألفون ويؤلفون . وروينا عنه صلى الله عليه وسلم : المؤمن ~~مألوف ولا خير فيمن يألف ولا يؤلف ، وقد قيل : أول ما يرفع من هذه الأمة ، ~~الخشوع ثم الورع ثم الأمانة ثم الألفة ، وفي الخبر : من أراد الله به خيرا ~~رزقه خليلا صالحا ، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه ، وروينا في خبر مثل الأخوين ~~: إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى ، وما التقى مؤمنان إلا أفاد ~~الله عز وجل أحدهما من صاحبه خيرا ، وروينا في خبر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : من آخى أخا في الله عز وجل ، رفعه الله عز وجل درجة في الجنة ~~لا ينالها بشيء من عمله ، ويقال إن الأخوين في الله عز وجل إذا كان أحدهما ~~أعلى مقاما من الآخر ، رفع الآخر معه إلى مقامه ، وأنه يلحق به كما تلحق ~~الذرية بالأبوين ، والأهل بعضهم ببعض ، لأن الأخوة عمل كالولادة ، وقد قال ~~الله سبحانه بعد قوله : ( ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ~~) الطور : 21 ، أي وما نقصناهم ، وقال تعالى مخبرا عمن لا صديق له حميم ~~تنفعه شفاعته : ( فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ) الشعراء : 100 - 101 ~~ومعنى حميم أي هميم ، أبدلت الحاء هاء لتقاربهما ، مأخوذ من الاهتمام أي ~~مهتم بأمره ، ففيه دليل أن الصديق لك هو المهتم بك ، وإن الاهتمام حقيقة ~~الصداقة ، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : المؤمن كثير بأخيه ، وعن ~~عمر بن الخطاب ms1102 رضي الله عنه : ما أعطى عبد بعد الإسلام خيرا من أخ صالح ، ~~وقال أيضا : إذا رأى أحدكم ودا من أخيه فليتمسك به ، فقلما تصيب ذلك ، وقد ~~قال بعض الحكماء في معناه كلاما منظوما شعرا : ما نالت النفس على بغية . . ~~. ألذ من ود صديق أمين من فاته ود أخ صالح . . . فذلك المقطوع منه الوتين ~~وقد يروي هذا المصراع الثاني فذلك المغبون حقا يقين ، وروينا في الأخبار ~~السابقة إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى عليه السلام : يا ابن عمران كن ~~يقظان وارتد لنفسك إخوانا ، وكل خدن وصاحب لا يوازرك على مسرتي فهو لك عدو ~~، وفي خبر غيره عن داود عليه السلام أن الله سبحانه وتعالى أوحى إليه : يا ~~داود ما لي أراك منتبذا وحدانا ، PageV02P360 قال : إلهي قليت الخلق من ~~أجلك ، فأوحى الله عز وجل إليه : يا داود كن يقظان مرتادا لنفسك إخوانا ، ~~فكل خذن لا يوافقك على مسرتي فلا تصحبه ، فإنه لك عدو ويقسي قلبك ويباعدك ~~مني ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كونوا مؤلفين ولا ~~تكونوا منفرين ، وفي الحديث : إن أحبكم إلى الله عز وجل الذين يألفون ~~ويؤلفون ، وإن أبغضكم إلى الله عز وجل المشاؤون بالنميمة ، المفرقون بين ~~الإخوان ، وفي أخبار داود صلى الله عليه وسلم أنه قال : يا رب كيف لي أن ~~يحبني الناس كلهم وأسلم فيما بيني وبينك ، قال : خالق الناس بأخلاقهم وأحسن ~~فيما بيني وبينك ، وفي بعضها : خالق أهل الدنيا بأخلاق الدنيا ، وخالق أهل ~~الآخرة بأخلاق الآخرة ، قال الشعبي عن صعصعة بن صوجان أنه قال لابن أخيه ~~زيد : أنا كنت أحب إلى أبيك منك ، وأنت أحب إلي من ابني ، خصلتان أوصيك ~~بهما فاحفظهما : خالص المؤمن مخالصة وخالق الفاجر مخالقة ، فإن الفاجر يرضى ~~منك بالخلق الحسن وأنه لحق عليك أن تخالص المؤمن ، وقد قال أبو الدرداء ~~قبله : إنا لنشكر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم ، فمعنى هذا على الثقة ~~والمداراة ليدفع بذلك شره وأذاه ، كما جاء في تفسير قوله تعالى : ( إدفع ~~بالتي هي أحسن ) فصلت ms1103 : 34 ، قيل السلام : ( فإذا الذي بينك وبينه عداوة ~~كأنه ولي حميم ) فصلت : 34 وكان ابن عباس يقول في معنى قوله عز وجل : ( ~~ويدرؤون بالحسنة السيئة ) الرعد : 22 ، قال : يدفعون الفحش والأذى وهو ~~السيئة بالسلام ، والمداراة وهو الحسنة ، وقد كان أفضل الحسنات إكرام ~~الجلساء ، ومنه قوله عز وجل : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ) البقرة ~~: 251 ، قيل بالرغبة والرهبة والحياء والمداراة ، وكذلك معنى قولهم : خالص ~~المؤمن وخالق الفاجر فالمخالصة بالقلوب من المودة واعتقاد المؤاخاة في الله ~~عز وجل ، والمخالفة المخالطة في المعاملة والمبايعة ، وعند اللقاء ، وكذلك ~~جاء مفسرا : خالطوا الناس بأعمالهم وزايلوهم في القلوب ، وقد قال محمد بن ~~الحنفية بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم : ليس بحكيم من لم يعاشر ~~بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا ، حتى يجعل الله عز وجل له منه فرجا ، ~~فمعاملة غير تقي ومكالمته من أحوال الإضطرار ، ومعاشرة التقي ومصافاته من ~~حسن الاختيار . وفي أخبار موسى عليه السلام فيما أوحى الله عز وجل إليه ، ~~إن أطعتني فما أكثر إخوانك من المؤمنين ، المعنى : إن واسيت الناس وأشفقت ~~عليهم وسلم قلبك لهم ولم تحسدهم ، كثر إخوانك ، ويقال إن أحد الأخوين في ~~الله عز وجل إذا مات قبل صاحبه . وقيل له : ادخل الجنة سأل عن منزل أخيه ، ~~فإن كان دونه لم يدخل الجنة حتى يعطي أخوه مثل منازله ، قال : ولا يزال ~~يسأل له من كذا وكذا ، فيقال إنه لم يكن يعمل مثل عملك PageV02P361 فيقول : ~~إني كنت أعمل لي وله ، قال : فيعطي جميع ما سأل له ويرفع أخوه إلى درجته ~~معه ، فقد كانوا يتواخون ويتعارفون المنافع الآخرة الباقية ، لا لمرافقة ~~الدنيا الفانية وأفضل الأخوة ، كما قال بعض العلماء : المحبة الدائمة ~~والألفة اللازمة من قبل ، أن الأخوة والمحبة عمل ، وكل عمل يحتاج إلى حسن ~~خاتمة به ليتم العمل ، فيكمل أجره ، فإن لم يختم له بالآخرة ولم يحسن عاقبة ~~الصحبة والمحبة ، فقد أدركه سوء الخاتمة ، بطل عنه ما كان قبل ذلك ، فقد ~~يصطحب الاثنان ويتواخى الرجلان عشرين سنة ، ثم لا ms1104 يختم لهما بحسن الأخوة ~~فيحبط بذلك ما سلف من الصحبة ، فلذلك شرط العالم المحبة الدائمة والألفة ~~اللازمة إلى الوفاة ليختم له به ، ويقال : ما حسد العدو ومتعاونين على بر ~~حسده ، متواخيين في الله عز وجل ومتحابين فيه ، فإنه يجهد نفسه ويحث قبيله ~~على إفساد ما بينهما ، وقد قال الصادق عز وجل : ( وقل لعبادي يقولوا : التي ~~هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم ) الإسراء : 53 يعني يقولون الكلمة الحسنة ~~بعد نزغ الشيطان ، وقال عز وجل مخبرا عن يوسف عليه السلام من : ( بعد أن ~~نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ) يوسف : 100 وقد يقال : ما تواخى اثنان في ~~الله عز وجل ففرق بينهما ، إلا بذنب يرتكبه أحدهما ، فقال بشر : إذا قصر ~~العبد في طاعة الله تبارك وتعالى ، سلبه الله عز وجل من يؤنسه ، ويقال ~~للعدو شيطان ، قد وكله بالتفريق بين المتواخيين ، ليس له عمل إلا ذلك ، قد ~~تفرغ له ، ومن علامة التقى حسن المقال عند التفرق ، وجميل البشر عند ~~التقاطع ، أنشدنا بعض العلماء الحكماء في معناه : إن الكريم إذا تقضى وده . ~~. . يخفي القبيح ويظهر الإحسانا وترى اللئيم إذا تصرم حبله . . . يخفي ~~الجميل ويظهر البهتانا فوصف الكريم في هذا المعنى التخلق بخلق الربوبية ، ~~ألم تسمع إلى الدعاء المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوله : يا ~~من أظهر الجميل وستر القبيح ، ولم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك الستر ، فكذلك ~~صفات المؤمنين على معاني أخلاق المؤمن الأعلى ، وقد كان أبو الدرداء يقول : ~~معاتبة الصديق خير من فقده ، ومن لك بأخيك كله هن لأخيك ، ولن له ولا تطع ~~الشيطان في أمره ، غدا يوافيه الموت فيكفيك فقده ، كيف تبكيه بعد الموت وفي ~~الحياة تركت وصله ، وقد روينا عن علي عليه السلام : أحبب حبيبك هونا ما عسى ~~أن يكون بغيضك يوما ما ، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما ، ~~وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه معناه : لا يكن حبك كلفا وبغضك ~~تلفا ، قال : اسلم ، قلت : وكيف ذاك ، قال : إذا أحببت فلا تكلف ms1105 كما يكلف ~~الصبي بالشيء يحبه ، وإذا أبغضت فلا تبغض بغضا تحب أن يتلف صاحبك ويهلك ، ~~وفي وصية PageV02P362 عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي رويناها عن يحيى بن ~~سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب ، قال : قال عمر رضي الله عنه : عليك ~~بإخوان الصدق تعش في أكمافهم ، فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء ، وضع ~~أمر أخيك على أحسنه حتى يحبك ما يغلبك منه ، واعتزل عدوك واحذر صديقك من ~~القوم إلا الأمين ، ولا أمين إلا من خشي الله عز وجل ، ولا تصحب الفاجر ~~فتعلم فجوره ، ولا تطلعه على سرك واستشر في أمرك الذين يخشون الله تبارك ~~وتعالى ، وحدثونا عن إبراهيم بن سعيد قال : حدثنا يحيى بن أكثم قال : حدثت ~~المأمون أمير المؤمنين فقلت له : حدثني سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن ~~أبجر قال : لما حضرت علقمة العطاردي الوفاة دعا بابنه فقال : يا بني ، إن ~~عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك ، وإن قعدت بك مؤونة ~~مانك ، اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها ، وإن رأى منك حسنة عدها ، وإن رأى ~~منك سيئة سدها ، اصحب من إذا سألته أعطاك ، وإن سكت ابتداك ، وإن نزلت بك ~~نازلة واساك ، اصحب من إذا قلت صدق قولك ، وإذا حاولت أمرا أمرك ، وإن ~~تنازعتما آثرك ، قال ابن أكثم : فقال المأمون : وأين هذا ؟ ، وقيل للأحنف ~~بن قيس : أي إخوانك أحب إليك فقال : من يسد خللي ، ويستر زللي ، ويقبل عللي ~~، وحدثونا عن الأصمعي قال : حدثنا العلاء بن جرير عن أبيه قال : قال الأحنف ~~: من حق الصديق أن يحتمل له ثلاث : أن يجاوز عن ظلم الغضب وظلم الهفوة وظلم ~~الدالة ، وقال : الإخاء جوهرة رقيقة ، فهي ما لم توق عليها وتحرسها كانت ~~معرضة للآفات ، فارض الإخاء بالذلة حتى تصل إلى فوقه ، وبالكظم حتى تعتذر ~~إلى من ظلمك ، وبالرضا حتى لا تستكثر من نفسك الفضل ولا من أخيك التقصير ، ~~ويقال : من لم يظلم نفسه للناس ويتظالم لهم ويتغافل عنهم ، لم يسلم منهم ، ~~وكان أسماء بن خارجة الفزاري ms1106 يقول : ما سئمت أحدا قط لأنه إنما يسأمني أحد ~~رجلين : كريم كانت منه زلة وهفوة ، فأنا أحق من غفرها وآخذ عليها بالفضل ~~فيها ، أو لئيم فلم أكن أجعل عرضي له غرضا ثم تمثل شعرا : واغفر عوراء ~~الكريم اصطناعه . . . وأعرض عن ذات اللئيم تكرما وأنشدونا لمحمد بن عامر في ~~الإخوان شعرا : فلا تعجل على أحد بظلم . . . فإن الظلم مرتعه وخيم ولا تفحش ~~وإن ملئت غيظا . . . على أحد فإن الفحش لوم ولا تقطع أخا لك عند ذنب . . . ~~فإن الذنب يغفره الكريم ولكن داو عورته برقع . . . كما قد يرقع الخلق ~~القديم ولا تجزع لريب الدهر واصبر . . . فإن الصبر في العقبى سليم وأنشدونا ~~في معناه عن أحمد بن يحيى بن ثعلب ، قال : أنشدني عبد الله بن شبيب : ~~PageV02P363 إخاء الناس ممتزج . . . وأكثر فعلهم سمج فإن بدهتك مقطعة . . . ~~فليس وراءهم فرج فقومهم بوصلهم . . . فإن لم يوصلوا اعتوجوا صروف الدهر ~~دائبة . . . تقطع دونها المهج وروينا عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه ، وعن ~~أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم لا تسعون الناس ~~بأموالكم ، ولكن ليسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق ، وعن أبي نجيح عن مجاهد في ~~قول الله عز وجل : خذ العفو وأمر بالعرف ، قال : خذ من أخلاق الناس ومن ~~أعمالهم ما ظهر من غير تحسس ، وقد أنشدنا بعض الحكماء في ذلك : خذ من خليلك ~~ما صفا . . . وذر الذي فيه الكدر فالعمر أقصر من معا . . . تبة الخليل على ~~الغير ومن عرف فضل الإخوة في الله عز وجل ، وعلم درجة المحبة لله تعالى ، ~~صبر لأخيه وشكر له وحلم عنه وإحتمل له ، لينال ما أمله من مؤمله فيه ويبلغ ~~ما طلبه من طالبه به ، فإن الصبر يحتاج إليه ليتم العمل والشكر ، لا بد له ~~منه لدوام النعمة ، ومن طلب نفيسا خاطر بنفيس ومن رغب في رغبة بذل لها ~~مرغوبا ، والله عز وجل الموفق من يحب لما يحب ، وروينا في حديث ms1107 ابن مسعود ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المتحابون في الله عز وجل على ~~عمود من ياقوتة حمراء ، في رأس العمود سبعون ألف غرفة ، مشرفون على أهل ~~الجنة ، يضيء حسنهم لأهل الجنة كما تضيء الشمس لأهل الدنيا ، عليهم ثياب ~~سندس خضر ، مكتوب على جباههم : هؤلاء المتحابون في الله عز وجل ، وروينا في ~~حديث معاذ ، وقد قال له أبو إدريس الخولاني : إني لأحبك في الله عز وجل ، ~~فقال له : أبشر ثم أبشر ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~ينصب لطائفة من الناس كراسي حول العرش يوم القيامة ، ووجوههم كالقمر ليلة ~~البدر ، يفزع الناس وهم لا يفزعون ، ويخاف الناس ولا يخافون ، وهم أولياء ~~الله عز وجل الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فقيل : من هؤلاء يا رسول ~~الله ، قال : هم المتحابون في الله عز وجل ، ورواه أبو هريرة فقال فيه : إن ~~حول العرش منابر من نور ، عليها قوم لباسهم نور ووجوههم نور ، ليسوا ~~بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم الأنبياء والشهداء ، فقالوا : يا رسول الله ~~حلهم لنا ، فقال : هم المتحابون في الله عز وجل ، والمتجالسون في الله ~~تعالى ، والمتزاورون في الله تعالى . وروينا في حديث عبادة بن الصامت ، ~~يقول الله عز وجل : حقت محبتي للمتحابين في ، والمتزاورين في والمتباذلين ~~والمتصادقين في ، وكان ابن مسعود يقول في قوله عز وجل : ( لو أنفقت ما في ~~الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ) PageV02P364 الأنفال ~~: 63 ، قال : نزلت هذه الآية في المتحابين في الله عز وجل ، وأبو بشر عن ~~مجاهد قال : المتحابون في الله عز وجل إذا التقوا فكشر بعضهم إلى بعض ، ~~تتحات عنهم الخطايا كما يتحات ورق الشجر في الشتاء إذا يبس ، وروينا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبعة يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه ، يوم ~~لا ظل إلا ظله ، منهم كذا ، واثنان تواخيا في الله عز وجل ، اجتمعا على ذلك ~~وتفرقا ، وكان الفضيل بن عياض وغيره يقول : نظر الأخ إلى وجه أخيه على ~~المودة ms1108 والرحمة عبادة ، فلا تصح المحبة في الله عز وجل إلا بما شرط فيها من ~~الرحمة في الاجتماع ، والخلطة عند الافتراق بظهور النصيحة ، واجتناب الغيبة ~~، وتمام الوفاء ، ووجود الأنس ، وفقد الجفاء ، وإرتفاع الوحشة ، ووجد ~~الانبساط ، وزوال الاحتشام ، وكان الفضيل يقول : إذا وقعت الغيبة ، ارتفعت ~~الأخوة وقال الجنيد : ما تواخى اثنان في الله عز وجل فاستوحش أحدهما من ~~صاحبه واحتشم منه إلا لعلة في أحدهما ، ومن ذلك ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ما تحاب اثنان في الله عز وجل إلا كان أحبهما إلى الله عز وجل ~~أشدهما حبا لصاحبه ، وفي خبر : كان أفضلهما وفي الخبر الآخر أحب الإخوان ~~إلى الله عز وجله أرفقهما بصاحبه . وفي الخبر المشهور : لا يذوق العبد طعم ~~الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وقال ابن عباس في وصيته لمجاهد : ~~ولا تذكر أخاك إذا تغيب عنك إلا بمثل ما تحب أن تذكر به إذا غبت ، وأعفه ~~بما تحب أن تعفى به ، وكان بعضهم يقول : ما ذكر أخي عندي في غيب إلا تمثلته ~~جالسا ، فقلت فيه ما يحب أن يسمع في حضوره ، وقال آخر : ما ذكر أخ لي في ~~غيبة إلا تصورت نفسي في صورته ، فقلت فيه ما أحب أن يقال في ، فهذا حقيقة ~~في صدق الإسلام ، لا يكون مسلما حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه ويكره له ما ~~يكره لنفسه ، وقال بعض الأدباء : من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضون منه ~~ظلمهم ، ومن اقتضى منهم ما يقتضون منه فقد أتعبهم ، ومن لم يقتضهم فقد تفضل ~~عليهم ، وبمعناه روينا عن بعض الحكماء : من جعل نفسه فوق قدره عند الإخوان ~~أثم وأثموا ، ومن جعل نفسه في قدره تعب وأتعبهم ، ومن جعلها دون قدره سلم ~~وسلموا ، فلذلك عزز الناس الأخوة في الله عز وجل قديما ، لأن هذا حقيقتها ، ~~فروى في الأخبار ، إثنان عزيزان ولا يزدادان ، إلا عزة درهم من حلال وأخ ~~تسكن إليه ، وقيل تأنس به ، وقال يحيى بن معاذ رحمه الله : ثلاثة عزيزة في ~~وقتنا هذا ms1109 ، ذكر منها حسن الإخاء مع الوفاء ، يعني بالوفاء أن يكون له في ~~غيبته ، ومن حيث لا يعلم ولا يبلغه ، مثل ما كان له في شهوده ومعاشرته ، ~~ويكون له بعد موته ولأهله من بعده كما كان له في حياته ، فهذا هو الوفاء ، ~~وهو الذي شرطه النبي صلى الله عليه وسلم للمؤاخاة في قوله : اجتمعا على ذلك ~~أو تفرقا ، وجعل جزاءه أظلال العرش يوم القيامة . PageV02P365 وكذلك قال ~~بعض الأدباء : قليل الوفاء بعد الوفاة خير من كثيره في حال الحياة ، وكذلك ~~كان السلف فيما ذكره الحسن وغيره ، قالوا : كان أحدهم يخلف أخاه في عياله ~~بعد موته أربعين سنة ، لا يفقدون إلا وجهه ، ويقال إن مسروقا أدان دينا ~~ثقيلا ، وكان على أخيه خيثمة دين ، قال : فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهولا ~~يعلم ، وذهب خيثمة فقضي دين مسروق سرا وهو لا يعلم ، فمن حقيقة المؤاخاة في ~~الله عز وجل إخلاص المودة له بالغيب ، والشهادة واستواء القلب مع اللسان ، ~~واعتدال السر مع العلانية في الجماعة والخلوة ، فإذا لم يختلف ذلك فهو ~~إخلاص الأخوة ، وإن اختلف ذلك ففيه مداهنة في الأخوة ، وممازقة في المودة ، ~~وذلك دخل في الدين ، ووليجة في طريق المؤمنين ، ولا يكون ذلك مع حقيقة ~~الإيمان ، وقد سأل أبو رزين العقيلي النبي صلى الله عليه وسلم ، فشرط له ~~أشياء منها : أن يحب غير ذي نسب لا يحبه إلا لله عز وجل ، ومن شرط المحبة ~~في الله تعالى أن لا يكون لرحم يصلها أو لنعمة يربها ، كما جاء في الأثر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن رجلا زار أخا في الله تعالى في قرية ~~أخرى ، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكا ، فقال : أين تريد ، قال : أردت ~~أخا لي في هذه القرية ، قال : هل بينك وبينه رحم تصلها أو له عليك نعمة ~~تربها ، قال : لا ، إلا أني أحببته في الله تعالى ، قال : فإني رسول الله ~~إليك ، إن الله تبارك وتعالى قد أحبك كما أحببته فيه . وقد روينا عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه ، وعن ms1110 ابنه عبد الله رضي الله عنهما : لو أن رجلا صام ~~النهار لا يفطر ، وقام الليل وجاهد ، ولم يحب في الله عز وجل ويبغض في الله ~~ما نفعه ذلك شيئا ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلمأنه قال ~~لأصحابه : أي عرى الإيمان أوثق ؟ قال : الصلاة ، قال : حسنة وليس به ، ~~قالوا : الحج والجهاد ، قال حسنة وليس به ، قالوا : فأخبرنا يا رسول الله ، ~~قال : أوثق عرى الإيمان الحب في الله تعالى ، والبغض فيه ، وقد اختلف مذهب ~~الصحابة في الأخ بحب أخاه في الله عز وجل ، ثم ينقلب الآخر عما كان عليه ~~ويتغير ، هل يبغضه بعد ذلك أم لا ؟ فكان أبو ذر يقول : إذا انقلب عما كان ~~عليه وتغير ، فأبغضه من حيث أحببته ، وروينا عن أبي الدرداء أن شابا غلب ~~على مجلسه حتى أحبه أبو الدرداء ، فكان يقدمه على الأشياخ ويقربه فحسدوه ، ~~وأن الشاب وقع في كبيرة من الكبائر ، فجاؤوا إلى أبي الدرداء فحدثوه ، ~~وقالوا له : لو أبعدته ، قال : سبحان الله لا نترك صاحبنا لشيء من الأشياء ~~، وروينا عن بعض التابعين وعن الصحابة في مثل ذلك ، وقد قيل له فيه ، فقال ~~: إنما أبغض عمله وإلا فهو أخي ، وكذلك قال الله عز وجل لنبيه في عشيرته : ~~فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ، ولم يقل : قل إني بريء منكم للحمة ~~النسب ، وقد قيل للصداقة لحمة كلحمة النسب ، وقيل لحكيم بن مرة : أيما أحب ~~إليك : PageV02P366 أخوك أو صديقك ؟ فقال إنما أحب أخي إذا كان صديقا ، ~~وكان الحسن يقول : كم من أخ لك لم تلده أمك ، ولذلك قيل : القرابة تحتاج ~~إلى مودة ، والمودة لا تحتاج إلى قرابة ، وفي حديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، لما شتم القوم الرجل الذي أتى فاحشة فقال : مه وزبرهم لا تكونوا ~~عونا للشيطان على أخيكم ، وفي أثر عن بعض العلماء في مثل زلات الإخوان ، ~~قال : ود الشيطان أن يلقي على أخيكم مثل هذا حتى تقطعوه وتهجروه ، فماذا ~~بغيتم من محبة عدوكم ؟ وقد كان أبو الدرداء يقول : إذا تغير أخوك وحال ms1111 عما ~~كان ، فلا تدعه لأجل ذلك ، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى ، وكان يقول : ~~داو أخاك ولا تطع فيه حاسدا ، فتكون مثله وقال الحسن : أي الرجال المهذب ~~وقال إبراهيم النخعي : لا تقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب ، فإنه يركبه ~~اليوم ويتركه غدا ، وقال أيضا : لا تحدثوا الناس بزلة العالم ، فإن العالم ~~يزل الزلة ثم يتركها ، وفي الخبر : اتقوا زلة العالم ولا تقطعوه وانتظروا ~~فيئته ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : شرار عباد الله المشاؤون ~~بالنميمة ، المفرقون بين الأحبة ، الباغون للبرآء الغيب ، وقال سعيد بن ~~المسيب إني لأكره أن أفرق بين المتألفين وقال مرة بين المتحابين . وفي حديث ~~عمر ، وقد سأل عن أخ كان آخاه فخرج إلى الشام فسأل عنه بعض من قدم عليه ، ~~فقال : ذاك أخو الشيطان قال : مه قال : إنه قارف الكبائر حتى وقع في الخمر ~~فقال : إذا أردت الخروج فأذني قال : فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم ، حم ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ، غافر الذنب وقابل التوب الآية ، ثم ~~عاتبه تحت ذلك وعذله ، فلما قرأ الكتاب قال : صدق الله ونصح لي عمر قال : ~~فتاب ورجع ، ومن أفضل فضيلة الحب في الله تعالى أنه جعل علما لوجود الإيمان ~~، وقرن بحب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كما في الخبر : لا يؤمن ~~عبدي حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ثم جاء مثله : لا يجد ~~العبد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لله عز وجل ، فمن مقتضى الحب في الله ~~تعالى ما ذكرناه آنفا من التزاور والتباذل والتصافي لله عز وجل ، وفي حديث ~~عبادة بن الصمامت وقال موسى بن عقبة : كنت ألقى الأخ من إخواني مرة فأقيم ~~عاقلا بلقائه أياما ، وقال جعفر بن سليمان : كمن إذا وجدت في نفسي فترة ، ~~نظرت ، إلى محمد بن واسع ، فأعمل على ذلك جمعة ، وكان محمد بن واسع يقول : ~~ما بقي في الدنيا شيء ألذه إلا ثلاث : الصلاة في جماعة ، والتهجد من الليل ~~، ولقاء الإخوان ، وكان بعضهم يقول : لقاء الإخوان مسلاة للهم ms1112 ومذهبة ~~للأحزان ، وكان الحسن وأبو قلابة يقولان : إخواننا أحب إلينا من أهلينا و ~~أولادنا ، لأن أهلينا يذكرونا الدنيا وأخواننا يذكرونا الآخرة ، وقال ~~أحدهما : لأن الأهل والولد من الدنيا والإخوان في الله عز وجل من آلة ~~الآخرة ، وقيل لسفيان بن عيينة : أي الأشياء ألذ فقال : مجالسة الإخوان ~~والانقلاب إلى PageV02P367 كفاية ، وفي الخبر : ما زار رجل أخاه في الله عز ~~وجل شوقا إليه ورغبة في لقائه ، إلا ناداه ملك من خلفه : طبت وطابت لك ~~الجنة ، وقال الحسن : من شيع أخا له في الله عز وجل بعث الله ملائكة من تحت ~~عرشه يوم القيامة يشيعونه إلى الجنة ، وعن عطاء قال : كان يقول : تفقدوا ~~إخوانكم بعد ثلاث ، فإن كانوا مرضى فعودوهم ، وإن كانوا مشاغيل فأعينوهم ، ~~وإن كانوا نسوا فذكروهم ، وكان الشعبي يقول : في الرجل يجالس الرجل فيقول : ~~أعرف وجهه ولا أعرف اسمه ذلك معرفة التوكل . وقد روينا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، أنه رأى عمر يلتفت يمينا وشمالا فسأله ، فقال : يا رسول الله ~~أحببت رجلا فأنا أطلبه ولا أراه ، فقال : يا أبا عبد الله إذا أحببت أحدا ~~فسله عن اسمه واسم أبيه ، وعن منزله فإن كان مريضا عدته ، وإن كان مشغولا ~~أعنته ، وعن الضحاك عن ابن عباس قيل له : من أحب الناس إليك ، قال : جليسي ~~، وكان يقول : ما اختلف رجل إلى مجلسي ثلاثا من غير حاجة تكون له إلي ، ~~فعلمت مكافأته من الدنيا . وكان سعيد بن العاص يقول : لجليسي علي ثلاث : ~~إذا دنا رحبت به وإذا حدث أقبلت عليه وإذا جلس أوسعت له ، وقال الأحنف بن ~~قيس : الإنصاف يثبت المودة ، ومع كرم العشرة تطول الصحبة ، وكان يقول : ~~ثلاث خلال تجلب بهن المحبة : الإنصاف في المعاشرة ، والمواساة في الشدة ~~والانطواء على المودة ، وقال أكثم بن صيفي لبنيه : يا بني ، تقاربوا في ~~المودة ولا تتكلوا على القرابة ، وقد قيل لأبي حازم : ما القرابة ، قال : ~~المودة ، فأول ما تصح له المحبة في الله عز وجل أن لا يكون لضد ذلك من صحبة ~~لأجل معصية ، ولا على ms1113 حظ من دنياه ، ولا لسبب موافقته على هواه ، ولا لأجل ~~ارتفاقه به اليوم لمنافعه ومصالحه في أحواله ، ولا يكون ذلك مكافأة على ~~إحسان أحسن به إليه ، ولا لنعمة ويد يجزيه عليها ، فهذه ليس فيها طريق إلى ~~الله عز وجل ولا للآخرة ، لأنها طرقات الدينا ولأسباب الهوى ، فإذا سلم من ~~هذه المعاني ، فهذه أول المحبة لله عز وجل ، ولا يقدح في الأخوة لله تبارك ~~وتعالى لأن هذه شبهة ثانية فيه مثل أن يحبه لحسن خلقه ، وفضل أدبه ، وحسن ~~حلمه ، وكمال عقله ، وكثرة احتماله وصبره ، أو لوجود الأنس به وارتفاع ~~الوحشة منه ، أو للألفة التي جعل الله بينه وبينه ، وإنما يخرجه عن حقيقة ~~الحب في الله عز وجل ، أن يحبه لما يكون دخلا في الدين ووليجة في طرائق ~~المؤمنين ، ولما انفصل عنه ولم يكن متصلا به ، مثل الأنعام والأفضال ووجود ~~الارتفاق ، فهذا الحب لا يمنع القلب وجده ، لما جبل الطبع عليه ، ولبغض من ~~كان بضده ، ممن أساء إليه وليس يأثم ولا يعصى بوجود هذه المحبة لأجل هذه ~~الأسباب المعروقة ، كما أنه إذا أساء إليه ووجد بغضه لا يأثم ما لم يخرجه ~~البغض إلى مجاوزة حد بإيجاب حكم ، إلا أن هذه محبة النفس بالطبع ، وإنما ~~يفضل المرء بمحبة القلب لأجل الله عز وجل ، والبغض فيه شيء ، وإن كان مباحا ~~لأنها تحول وتزول ، وكل محبة تكون PageV02P368 عن عوض ، إذا ذهب العوض زالت ~~المحبة ، وصحة الحب في الله عز وجل والبغض فيه لا ينقلب لسبب حب جعل في ~~الطبع لمنافع الدنيا ، ولا لأجل بغض في النفس لمضارها ، وحقيقة الحب في ~~الله عز وجل أن لا يحسده عى دين ولا دنيا ، كما لا يحسد نفسه عليهما ، وأن ~~يؤثره بالدين والدنيا إذا كان محتاجا إليهما كنفسه ، وهذا شرطا الحب في ~~الله عز وجل اللذان ذكرهما الله تعالى في قوله : ( يحبون من هاجر إليهم ) ~~الحشر : 9 ، ثم وصف محبتهم ، إذ كان يصف حقا ويمدح محقا ، فقال : ( ولا ~~يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ) الحشر : 9 ، يعين : من دين ms1114 ودنيا ، ~~والحاجة في هذا الموضع : الحسد ، أي كما لا يجدون في صدورهم حاجة لأنفسهم ~~حسدا ، ثم قال عز وجل في الشرط الثاني : ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة ) الحشر : 9 ، فهذا فصل الخطاب ، وجملة نعت الأحباب ، فينبغي أن يؤثر ~~أخاه بنفسه وماله إن إحتاج إلى ذلك ، فإن لم يكن في هذه المنزلة وهو مقام ~~الصديقين فيساويه في حاله ، وهذا من مقام الصادقين ، وهذا أقل منازل الأخوة ~~، وهو من أخلاق المؤمنين ، وإنما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلمبين ~~الغني والفقير ليساوي الغني الفقير فيعتدلان ، وينبغي أن يقدمه على أهله ~~وولده ، وأن يحبه فوق محبتهم لأن محبة أولئك من الدنيا والنفس والهوى ، ~~ومحبة الإخوان من الآخرة ولله تبارك وتعالى ، وفي الدين وأمور الدين ~~والآخرة مقدم عند المتقين ، وكان عبد الله بن الحسن البصري يصرف إخوان ~~الحسن إذا جاؤوه ، لطول لبثهم عنده ولشدة شغله بهم ، فيقول لهم : لا تملوا ~~الشيخ ، فكان الحسن إذا علم ذلك يقول : دعهم يا لكع ، فإنهم أحب إلي منكم ، ~~فؤلاء يحبوني لله عز وجل وأنتم تريدوني للدنيا ، وقال أبو معاوية الأسود : ~~إخواني كلهم خير مني ، قيل : وكيف ذاك قال كلهم يرى الفضل لي عليه ، ومن ~~فضلني على نفسه فهو خير مني ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~المرء على دين خليله ، ولا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه ، ~~وكان الأعمش يقول : من أخفى عنا بدعته لم يخف عنا ألفته ، أي ينظر إلى ~~إخوانه الذين يألفهم ، فيستدل عليه بهم ، وقد روى الأصمعي عن مجاهد عن ~~الشعبي قال : قال علي بن أبي طالب : كرم الله وجهه لرجل وكره له صحبة رجل ~~رهق فقال شعرا : لا تصحب أخا الجهل . . . وإياك وإياه فكم من جاهل أردى . . ~~. حليما حين آخاه يقاس المرء بالمرء . . . إذا ما هو ما شاه وللشيء من ~~الشيء . . . مقاييس وأشباه وللقلب على القلب . . . دليل حين يلقاه وأنشد ~~محمد بن جامع الفقيه شعرا : PageV02P369 تذلل لمن إن تذللت له . . . يرى ~~ذاك للفضل لا ms1115 للبله وجانب صداقة من لا يزال . . . على الأصدقاء يرى الفضل ~~له وأنشدنا لبعض الأدباء : كم من صديق عرفته بصديق . . . صار حظي من الصديق ~~العتيق ورفيق رأيته في طريق . . . صار عندي محض الصديق الحقيقي وروينا عن ~~الحسن بن علي عليهما السلام في وصف الأخ كلاما رجزا جامعا مختصرا : إن أخاك ~~الحق من كان معك . . . ومن يضر نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدعك . . . ~~شتت شمل نفسه ليجمعك ولا تصح مؤاخاة مبتدع في الله تعالى ، ولا محبة فاسق ~~يصحب على فسوقه ، ولا محبة فقير أحب غنيا لأجل دنياه ، ولا ما يناله من ~~عاجل مهناه ، وقد تصح المحبة بين الغني والفقي ، وتوجد الأخوة إن لم يقم ~~الغني بحقوق أخيه ، إذا آثره أخوه بما يحب أن يؤثره به ، فلم يفتضه ، وقد ~~تصح الأخوة بين العالم والجاهل ، وبين الصالح والطالح لأجل التدين من ~~أحدهما ، والتقربة إلى الله عز وجل ، ويكون من الأعلى منهما لنيات تكون له ~~فيها لحسن خلقه ، أو لجميل معاملته ، أو لمعان محمودة تكون فيه ، لأن لكل ~~مؤمن سديدا من عمله يرجى له به ، والمؤمن لا يهلك كله ، ولا يذهب جملة ~~واحدة ، أو لإشفاقه عليه أو لتواضع العالم والصالح في نفسه ، فيراه في كل ~~حال فوقه ، أو لأجل الستر عليه لئلا يلحقه النقص والشين من الغير ، فهذه ~~طرقات الإخوان ، فيها حسن نيات ، وينبغي على ذلك أن تعلمه ما جهل مما هو به ~~أعلم ، فيعينه بعلمه كما يعينه بماله ، فإن فقر الجهل أشد من فقر المال ، ~~وإن الحاجة إلى العلم ليست بدون الحاجة إلى المال وكان الفضيل يقول : إنما ~~سمي الصديق لتصدقه والرقيق لترفقه ، فإن كنت أغنى منه فأرفقه بمالك ، وإن ~~كنت أعلم منه فأرفقه بعلمك ، وينبغي أن ينصح له فيما بينه وبينه ، ولا ~~يوبخه بين الملأ ولايطلع على غيبه أحدا ، فقد قيل : إن نصائح المؤمنين في ~~آذانهم ، وقال جعفر بن برقان : قال لي ميمون بن مهران : قل لي في وجهي ما ~~أكره ، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما ms1116 يكره ، فإن كان أخوه ~~الذي نصح له صادقا في حاله ، أحبه على نصحه ، فإن لم يحبه وكره ذلك منه دل ~~على كذب الحال ، قال الله سبحانه وتعالى في وصف الكاذبين : ( ولكن لا تحبون ~~الناصحين ) الأعراف : 79 وقد كان بعض الصالحين يقول : أحب الناس إلي من ~~أهدى عيوبي ، وقد كان عمر بن PageV02P370 الخطاب رضي الله عنه يقول : ويأمر ~~الإخوان بذلك رحم الله امرءا اهتدى إلى أخيه عيوب نفسه ، ولكن قد قيل لمسعر ~~بن كدام : تحب من يخبرك بعيوبك ، فقال : إن نصحني فيما بيني وبينه فنعم ، ~~وإن قرعني في الملأ فلا ، ومن أخلاق السلف قال : كان الرجل إذا كره من أخيه ~~خلقا عاتبه فيما بينه وبينه أو كاتبه في صحيفة ، وهذا لعمري فرق بين ~~النصيحة والفضيحة فما كان في السر فهو نصيحة ، وما كان على العلانية فهو ~~فضيحة ، وقلما تصح فيه النية لوجه الله تعالى ، لأن فيه شناعة ، وكذلك ~~الفرق بين العتاب والتوبيخ ، فالعتاب ما كان في خلوة ، والتوبيخ لا يكون ~~إلا في جماعة ، ولذلك يعاتب الله عز وجل رجلا من المؤمنين يوم القيامة تحت ~~كنفه ، ويسبل عليه ستره فيوقفه على ذنوبه سرا ، ومنهم من يدفع كتاب عمله ~~مختوما إلى الملائكة الذين يحفرون به إلى الجنة ، فإذا قاربوا دخول الجنة ، ~~دفعوا إليهم الكتب مختومة فيقرؤونها ، وأما أهل التوبيخ فينادون على رؤوس ~~الأشهاد ، فلا يخفى على أهل الموقف فضيحتهم ، فيزداد ذلك في عذابهم ، وكذلك ~~الفرق بين المداراة والمداهنة ، فالمداراة ما أردت به وجه الله تعالى وطريق ~~الآخرة ، من دفع عن دين وقصدت به سلامة أخيك من الإثم وصلاح قلبه لله تبارك ~~وتعالى ، والمداهنة ما اجتلبت به دنيا وأردت به حظ نفسك ، وكذلك الفرق بين ~~الغبطة والحسد ، إن الغبطة أن تحب لنفسك ما رأيته من أخيك ، ولا تحب زواله ~~عنه بل تبقيته له وإتمامه عليه والحسد ما أردت أن يكون ذلك منه لك ، وأحببت ~~زواله عنه وكرهت تبقيته عليه ، فهذا مكروه ، فإن سعيت في ذلك بقول أو فعل ~~فهو البغي زيادة على الحسد ، وهو ms1117 من كبائر المعاصي ، وكذلك الفرق بين ~~الفراسة وسوء الظن إن الفراسة ما توسمته من أخيك بدليل يظهر لك أو شاهد ~~يبدو منه أو علامة تشهدها فيه ، فتتفرس من ذلك فيه ولا تنطق به إن كان سوءا ~~، ولا تظهره ولا تحكم عليه ولا تقطع به فتأثم ، وسوء الظن ما ظننته من سوء ~~رأيك فيه أو لأجل حقد في نفسك عليه ، أو لسوء نية تكون أو خبث حال فيك ، ~~تعرفها من نفسك فتحمل حال أخيك عليها وتقيسه بك ، فهذا هو سوء الظن والإثم ~~، وهو غيبة القلب وذلك محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى ~~حرم من المؤمن دمه وماله وعرضه ، وإن تظن به ظن السوء وقوله عليه السلام : ~~إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث ، فهذه خمس معان وأضدادها بينها فرق ~~عند العلماء ، فاعرف ذلك ، وينبغي أن ينصر أخاه ويعينه بماله ولسانه وقلبه ~~وأفعاله ، فإن النصرة في الله تعالى تكون بهذه المعاني الأربع : بالنفس إن ~~احتاج إليك في الأفعال ، وباللسان إن ظلم في المقال ، وبالمواساة إن احتاج ~~إلى المال ، وأقل ذلك بالقلب أن يساعده في الهم والكرب في اعتقاد السلامة ~~فيه وجميل النية له ، وعليه أن يحفظ غيبه وأن يحسن الثناء عليه وينشر ~~PageV02P371 فضله ويطوي زلله ويقبل علله . رة في الله تعالى تكون بهذه ~~المعاني الأربع : بالنفس إن احتاج إليك في الأفعال ، وباللسان إن ظلم في ~~المقال ، وبالمواساة إن احتاج إلى المال ، وأقل ذلك بالقلب أن يساعده في ~~الهم والكرب في اعتقاد السلامة فيه وجميل النية له ، وعليه أن يحفظ غيبه ~~وأن يحسن الثناء عليه وينشر فضله ويطوي زلله ويقبل علله . ويقال : ما من ~~الناس أحد إلا له محاسن ومساو ، فمن ظهرت محاسنه فغلبت مساوئه فهو المؤمن ~~المقتصد ، فالأخ الشفيق الكريم يذكر أحسن ما يعلم في أخيه ، والمنافق ~~اللئيم يذكر أسوأ ما يعلم فيه ، ومن هذا جاء في الخبر : أستعيذ بالله من ~~جار السوء الذي إن رأى خيرا ستره ، وإن رأى شرا أظهره ، وهذا المعنى هو سبب ~~قول النبي صلى ms1118 الله عليه وسلمإن من البيان سحرا ، إذ لكل حديث يروي آخره ~~سبب يكون أوله خرج الحديث عليه ، وهو أن رجلا أثنى على رجل عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فلما كان الغد ذمه وعابه فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : أنت بالأمس تثني عليه واليوم تذمه ، فقال : والله لقد صدقت ~~عليه بالأمس وما كذبت عليه اليوم ، إنه أرضاني بالأمس ، فقلت أحسن ما أعلم ~~فيه وأغضبني اليوم مفقلت أسوأ ما أعلم فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلمعند ذلك : إن من البيان سحرا كأنه كره ذلك إن شبهه بالسحر ، لأن السحر ~~حرام ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الخبر الآخر البذاء والبيان شعبتان ~~من النفاق ، وفي الحديث الآخر أن الله تعالى كره لكم البيان ، كل البيان ، ~~وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله في وصف العدالة قولا استحسنه العلماء ، ~~وحدثنا عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال : سمعت الشافعي يقول : ما أحد ~~من المسلمين يطيع الله عز وجل حتى لايعصيه ، ولا أحد يعصي الله عز وجل حتى ~~لا يطيعه ، فمن كانت طاعاته أكثر من معاصيه فهو العدل ، قال ابن عبد الحكم ~~: وهذا كلام الحذاق ، وقال أيضا قولا فصلا في التوسط بين الانقباض ~~والانبساط ، حدثنا عنه قال : الانقباض عن الناس مكسبة لعداوتهم ، والانبساط ~~إليهم مجلبة لقرناء السوء فكن بين الانقباض والانبساط ، وقد وصف الله تعالى ~~المؤمنين بالصبر والرحمة في قوله عز وجل : ( وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة ) البلد : 17 ، ونعتهم الذلة في قوله تعالى : ( أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين ) المائدة : 54 ، وقال تعالى : ( رحماء بينهم ) الفتح : ~~29 ، وهذا كله داخل في الاهتمام به ، وهو حقيقة صدقه في الصداقة له كما قال ~~، ولا صديق حميم أي هميم من الاهتمام به ، وقد قال عيسى عليه السلام ~~لأصحابه : كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائما فكشفت الريح عنه ثوبه ، قالوا ~~: نستره ونغطيه فقال : بل تكشفون عورته ، قالوا : سبحان الله من يفعل هذا ، ~~فقال : أحدكم يسمع في أخيه بالكلمة فيزيد عليه ويشيعها ms1119 بأعظم منها ، وهذا ~~مخرجه من الحسد الكائن في النفس والغل المستكن في القلب ، أن يزيد الرجل ~~على الشيء مما يسمع أو يتبعه بمثله ، فيظهر هذا غله ، وهذا الذي استعاذ منه ~~المؤمنون في قولهم : ( ولا تجعل في قلوبنا غلا ) الحشر : 10 الآية ، وينبغي ~~أن لا يخالفه في شيء ولا يعترض عليه في مراد ، قال بعض العلماء : إذا قال ~~PageV02P372 الأخ لأخيه قم بنا ، فقال : إلى أين ، فلا تصحبه وقال الآخر : ~~إذا قال : أعطني من مالك ، فقال : كم تريد أو ماذا تصنع به لم يقم بحق ~~الإخاء ، قال أبو سليمان الداراني : كان لي أخ بالعراق ، فكنت أجيئه في ~~النوائب فأقول : أعطني من مالك شيئا فكان يلقي إلي كيسه فآخذ منه ما أريد ، ~~فجئته ذات يوم فقلت أحتاج إلى شي ، فقال : كم تريد فخرج حلاوة أخاه من قلبي ~~، وعن ابن عمر وأبي هريرة : لم يكن أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه . ~~وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تباغضوا ولا تدابروا ولا ~~تحاسدوا ولا تقاطعوا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم لا ~~يظلمه ، ولا يحرمه ، ولا يخذله بحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، ~~وفي حديث علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من عامل ~~الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت ~~مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوته وحرمت غيبته ، وفي حديث أبي أسامة الباهلي ~~: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتمارى فغضب ثم قال : ذروا ~~المراء لقلة خبره ، ذروا المراء فإن نفعه قليل وهو يهيج العداوة بين ~~الإخوان ، وقال بعض السلف : من لاص الإخوان وما رآهم ، قلت : وذهبت كرامته ~~، وقال عبد الله بن الحسن : إياك ومعاداة الرجال ، فإنك لن تعدم مكر حليم ~~أو مفاجأة لئيم ، وقال بعض الحكماء : ظاهر العتاب خير من مكنون الحقد ، ولا ~~يزيدك لطف الحقد إلا وحشة منه . وقد روينا في الحقد على الإخوان لفظة شديدة ~~، وهو ما حدثونا عن عبد الرحمن بن جبير بن ms1120 نفير عن أبيه قال : كنت باليمن ، ~~وكان لي جار يهودي يخبرني عن التوراة ، فقدم علينا يهودي من سفر فقلت : إن ~~الله تبارك وتعالى قد بعث فينا نبيا ، فدعا إلى السلام فأسلمنا ، وقد نزل ~~علينا مصدقا للتوراة فقال اليهودي : صدقت ، ولكنكم لا تستطيعون أن تقوموا ~~بما جاءكم به ، إنا نجد نعته ونعت أمته أنه لا يحل لامرئ يعلم منهم أن يخرج ~~من عتبة بابه وفي قلبه سخيمة على أخيه المسلم ، وقال بعض السلف : أعجز ~~الناس من قصر في طلب الإخوان ، وأعجز منه من ضيع من ظفر منهم ، وقال الحسن ~~: لا تشتر عداوة رجل بمودة ألف رجل ، وقال عمر بن عبد العزيز : إياك ومن ~~مودته على قدر حاجته إليك ، فإذا قضيت حاجته انقضت مودته ، ومن أخلاف السلف ~~قال : لم يكن أحد منا يقول في رحله : هذا لي وهذا لك ، بل كان كل من احتاج ~~إلى شيء استعمله عن غير مؤامرة ، وقد وصف الله عز وجل المؤمنين بهذا في ~~قوله تعالى : ( وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ) الشورى : 38 ، ~~معنى أمرهم أي أمورهم ذكر جماعها كالشيء الواحد بينهم شورى أي مشاع غير ~~مقسوم ، ولا يستبد به واحدهم فيه سواء ، ومما رزقناهم ينفقون ، أي كانوا ~~خلطاء في الأموال لا يميز بعضهم رحله من بعض أي شركاء ، وجاء عتبة الغلام ~~إلى منزل رجل كان قد آخاه فقال : أحتاج PageV02P373 من مالك إلى أربعة آلاف ~~، فقال : خذ ألفين فأعرض عنه وقال : آثرت الدنيا على الله عز وجل ، أما ~~استحيت أن تدعي الأخوة في الله عز وجل وتقول هذا ، وجاء فتح الموصلي إلى ~~منزل أخ له وكان غائبا ، فأمر أهله فأخرجت صندوقه ففتحه فأخذ من كيسه حاجته ~~، فذهبت الجارية إلى مولاها فأعلمته فقال : إن كنت صادقة فأنت حرة لوجه ~~الله تعالى سرورا بما فعل . وروي أن ابن أبي شبرمة قضى لبعض إخوانه حاجة ~~كبيرة ، فجاءه الرجل بهدية جليلة ، فقال : ما هذا فقال : ما أسديت إلي ، ~~فقال : خذ مالك ، عافاك الله إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في ms1121 قضائها ~~فتوضأ للصلاة ، وكبر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى ، وعلى ذلك قال ~~بعضهم : إذا استقضيت أخاك الحاجة فلم يقضها لله فذكره ثانية ، فلعله يكون ~~قد نسي ، فإن لم يقضها فعاوده ثالثة فقد يكون شغل عنها بعذر ، فإن لم يقضها ~~فكبره عليه واقرأ عليه هذه الآية : ( والموتى يبعثهم الله ) الأنعام : 36 ، ~~وقال ميمون بن مهران : من رضي من الإخوان بترك الأفضال فليؤاخ أهل القبور ، ~~وجاء رجل إلى أبي هريرة فقال : إني أريد أن أؤاخيك في الله عز وجل ، فقال : ~~أتدري ما حق الإخاء قال : عرفني ، قال : لا تكون بدرهمك ودينارك أحق مني ، ~~قال : لم أبلغ هذه المنزلة بعد ، قال : فاذهب عني ، وقال علي بن الحسين رضي ~~الله عنهما : الرجل هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه ، فيأخد منه ما ~~يريد من غير إذن قال : لا ، قال : فلستم بإخوان ، ودخل قوم على الحسن ~~فقالوا له : أصليت يا أبا سعيد ، قال : نعم قالوا : فإن أهل السوق لم يصلوا ~~بعد ، فقال : ومن يأخذ دينه عن أهل السوق ، بلغني أن أحدهم يمنع أخاه ~~الدرهم ، وقال محمد بن نصر : جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم وهو يريد بيت ~~المقدس فقال له : إني أريد أن أرافقك فقال له إبراهيم : على أن أكون أملك ~~بشيئك منك قال : لا ، قال : فأعجبني صدقك ، وقال موسى بن طريف : كان ~~إبراهيم بن أدهم إذا رافقه رجل لم يخالفه ، وكان لا يصحب إلا من يوافقه ، ~~وبلغني أن رجلا شرا كأصحبه في سفر فأهدى إلى إبراهيم قصعة من ثريد في بعض ~~المنازل ، فأراد أن يرد القصعة فأخذ جراب رفيقه ففتحه ، وأخذ حزمة من شرك ~~فجعله في القصعة ، ثم دفعها إلى صاحب الهدية ، فلما جاء رفيقه قال : أين ~~الشرك ؟ قال : تلك القصعة الثريد التي أكلتها أي شيء كانت ، قال : فكنت ~~تعطيه شراكين ثلاثة قال : اسمح يسمح لك ، وبلغني أنه أعطى مرة حمارا كان ~~لرفيقه بغير إذنه لرجل رآه راجلا ، فلماء جاء رفيقه سكت فلم يكره ذلك ، وقد ~~روي عن عون بن عبد ms1122 الله قال : قال ابن مسعود : لا تسأل امرءا عن وده إياك ، ~~ولكن انظر ما في قلبك فإن في قلبه لك مثل ذلك ، وقال ربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن : مروءة الحضر الإدمان إلى المساجد وكثرة الإخوان في الله عز وجل ، ~~PageV02P374 ومروءة السفر بذل الزاد وقلة الخلاف على إخوانك وقد روينا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق أهل البيت قال : ثلاثة من المروءة في ~~الحضر : تلاوة كتاب الله عز وجل ، وعمارة مساجد ، واتخاذ الإخوان في الله ~~تعالى ، فمن فضل المؤاخاة في الله تعالى أنه قرنها بتلاوة كتابه وعمارة ~~بيوته ، وقد جعل الاختلاف إلى المسجد سبب اجتلاب الإخاء ، وفي حديث ابن ~~عباس والحسن بن علي : من أدمن الاختلاف إلى المسجد ، أصاب إحدى خمس خصال ~~أخا مستفادا في الله عز وجل . وقال أبو عيينة وقد أنشد هذا البيت : وجدت ~~مصيبات الزمان جميعها . . . سوى فرقة الإخوان هينة الخطب فقال : لقد عهدت ~~أقواما فارقتهم منذ ثلاثين سنة ، ما تخيل لي أن حسرتهم ذهبت من قلبي ، وقال ~~بعضهم ما هدني شيء ما هدني موت الأقران ، ويقال : إذا مات صديق الرجل فقد ~~فقد عضوا من أعضائه وأنشدونا عن العتبي : ولقد بلوت الناس ثم خبرتهم . . . ~~ووصلت ما قطعوا من الأسباب فإذا القرابة لا تقرب قاطعا . . . وإذا المودة ~~أقرب الأنساب وبلغني أن أخوين ابتلى أحدهما بهوى ، فأظهر عليه أخاه وقال : ~~إني قد اعتللت بالهوى ، فإن شئت أن لا تعتقد علي محبتي لله تعالى فافعل ~~فقال : ما كنت لأحل عقد أخوتك لأجل خطيئتك أبدا ، قال ثم عقد أخوه بينه ~~وبين الله عز وجل أن لا يأكل ولا يشرب حتى يعافي الله عز وجل أخاه من هواه ~~، قال فطوى أربعين يوما في كلها يسأله عن هواه : كيف أنت منه فكان يقول : ~~القلب مقيم على حاله قال : وما زال أخوه الآخر ينحل ويسقم من الغم عليه ، ~~ومن تركه الطعام والشراب قال : فأزال الله الهوى عن قلب أخيه بعد الأربعين ~~، فأخبره بذلك ، فأكل وشرب بعد أن كاد يتلف هزلا وضرا ، وبمعناه ms1123 حدثت عن ~~أخوين من السلف انقلب أحدهما عن الاستقامة ، فقيل لأخية التقي : ألا تقطعه ~~وتهجره فقال : هو أحوج ما كان إلي في هذا الوقت لما وقع في عثرته ، أن آخذ ~~بيده ، وأتلطف له في المعاتبة ، وأدعو له بالعود إلى ما كان عليه ، وفيما ~~رويناه من الإسرائيليات أن أخوين عابدين في جبل ، نزل أحدهما ليشتري من ~~المصر لحما بدرهم ، فبصر ببغي عند اللحام ، فهويها فواقعها ، ثم أقام عندها ~~ثلاثا واستحى أن يرجع إلى أخيه من جنايته ، قال : فافتقده أخوه واهتم بشأنه ~~، فنزل إلى المدينة فلم يزل يسأل عنه حتى دل عليه ، فدخل عليه وهو جالس مع ~~البغي ، فاعتنقه وجعل يقلبه ويلزمه ، وأنكر الآخر أنه يعرفه لفرط استحيائه ~~منه ، فقال : قم يا أخي فقد علمت بشأنك وقصتك ، وما كنت أعز علي وأحب منك ~~في يومك هذا وساعتك هذه ، فلما رأى ذلك لا يسقطه عنده ، قام فانصرف معه ، ~~فهذا من أحسن النيات وهو طريق العارفين من ذوي الآداب والمروءات ، فإن أحب ~~PageV02P375 هذا الأخ أن يؤثر أخاه بما آثره به ، ولا يقتضيه حق إخائه ، ~~فحسن ، قد فعل ذلك عبد الرحمن بن عوف لما آثره سعد بن الربيع بالمال والنفس ~~، فقال : بارك الله لك فيهما ، فآثره بما به آثره ، فكأنه أستأنف هبته له ~~لأنه قد كان ملكه إياه لسخاوة نفسه ، وحقيقة زهده ، وصدق مودته ، فكانت ~~المساواة لسعد ، والإيثار لعبد الرحمن ، فزاد عليه ، وهذا من فضل المهاجرين ~~على الأنصار إذ كانت المساواة دون الإيثار ، وقد كان مضر بن عيسى وسليمان ~~يقولان : من أحب رجلا ثم قصر في حقه فهو كاذب في حبه ، وكان أبو سليمان ~~الداراني يقول : هو صادق في حبه مفرط في حقه ، ثم قال : لو أن الدنيا كلها ~~لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له ، وقال : إني لألقم الأخ من ~~إخواني اللقمة فأجد طعمها في حلقي ، وأعلم أن إطعام الطعام والإنفاق على ~~الإخوان مضاعف على الصدقات وعلى العطاء للأجانب ، بمنزلة تضعيف الثواب في ~~الأهل والقرابات . وروي عن علي عليه السلام : لعشرون درهما ms1124 أعطيها أخي في ~~الله عز وجل أحب إلي من أن أتصدق بمائة درهم على المساكين ، وقال أيضا : ~~لأن أصنع من طعام وأجمع عليه إخواني في الله عز وجل أحب إلى من أن أعتق ~~رقبة ، وأوصى بعض الحكماء ابنه فقال : يا بني ادخل بين الأعداء ولا تدخلن ~~بين الأصدقاء ، قال : وكيف ذلك قال : الدخول بين الأعداء يكسب الصداقة ~~والدخول بين الأصدقاء يورث العداوة ، ولا ينبغي للأخ أن يخون أخاه في غيبه ~~بما يكره إن كان ذلك في شيء مباح إذا كرهه ، ولا ينكر عليه ما لا يقوم في ~~علمه إذا فعله إن كان أخوه أعلم منه ، أو كان له وجه يخرج عليه ، ولا ينبغي ~~أن يكذبه في أمره ولا يفشين له سرا ، ولا يعرضنه لغيبة ولا نميمة ، ولا ~~يحوجه إلى مداراة ، ولا يلجأ إلى اعتذار ، ولا يتكلفن له ما يشق عليه أو ما ~~لا يحبه هو منه ، وقال العباس لابنه عبد الله : إني أرى هذا الرجل ، يعني ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، يقدمك على الأشياخ ويقربك دونهم فاحفظ عني ~~ثلاثا : لا تفشين له سرا ، ولا تغتابن عنده أحدا ، ولا يجربن عليك كذبة ، ~~وفي بعض الروايات : ولا تعصين له أمرا ، ولا يطلعن منك على خيانة ، قال : ~~فقلت للشعبي وقد رواه : كل كلمة خير من ألف قال : كل كلمة خير من عشرة آلاف ~~، وأفشى بعضهم إلى أخيه سرا ثم قال له : حفظت قال : بل نسيت وقيل لبعض ~~الأدباء كيف حفظك السر قال : أنا قبره وقيل لآخر كيف تحفظ السر فقال : أجحد ~~المخبر وأحلف للمستخبر ، ومن أحسن ما سمعت في حفظ السر ما حدثني بعض ~~أشياخنا عن إخوان له ، دخلوا على عبد الله بن المعتز فاستنشدوه شيئا من ~~شعره في حفظ السر ، فأنشدهم على البديهة : ومستودعي سرا تبوأت كتمه . . . ~~فأود عته صدري فصار له قبرا قال فخرجنا من عنده ، فاستقبلنا محمد بن داود ~~الأصبهاني فسألنا من أين جئنا PageV02P376 فأخبرناه بما أنشدنا ابن المعتز ~~في السر ، فاستوقفنا ثم أطرق مليا ثم قال سمعوا قولي ms1125 : وما السر في صدري ~~كثاو بقبره . . . لأني أرى المقبور ينتظر النشرا ولكنني أنساه حتى كأنني . ~~. . بما كان منه لم أحط ساعة خبرا ولو جاز كتم السر بيني وبينه . . . عن ~~السر والأحشا لم يعلم السرا وقال علي عليه السلام : شر الأصدقاء من أحوجك ~~إلى مداراة ، وألجأك إلى اعتذار ، وقال أيضا : شر الأصدقاء من تكلف له ، ~~وقال الفضيل : إنما تقاطع الناس بالتكلف يزور أحدهم أخاه فيتكلف له ما لا ~~يفعله كل واحد منهما في منزله ، فيحشمه ذلك من الرجوع إليه ، وروينا عن ~~عائشة رضي الله عنها : المؤمن أخو المؤمن لا يغتنمه ولا يحشمه ، وروينا في ~~الانبساط إلى الإخوان شيئا استظرفته ولولا أنه جاء عن إمام ما ذكرته ، ~~حدثنا الحرث بن محمد عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال : أهدي لهشام فرو كثير ~~الثمن فقال : اذهب بها إلى سعيد الجوهري فقل له : هذه فرو جاء به هشيم ~~اشترها له قال : فذهب بها إليه فاشتراها ، ثم بعت بها إلى هشيم فصارت له ~~ودراهمها ، وقال علي بن المديني : قال أحمد بن حنبل : إني أحب أن أصحبك إلى ~~مكة وما يمنعني من ذلك إلا أني أخاف أن أملك أو تملني ، لأنه يقال إن ملل ~~الإخوان ليس من أخلاق الكرام وقال مكحول : قلت للحسن إني أريد الخروج إلى ~~مكة فقال : لا تصحبن رجلا يكرم عليك فينقطع الذي بينك وبينه ، وكان أبو ~~عمرو بن العلاء يقول : يستحسن الصبر عن كل شيء إلا عن الصديق ، وقال : ~~أستحب للمتواخين في الله عز وجل أن يلتقيا في كل يوم مرتين وقال أنس بن ~~مالك : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتماشون ، فإذا استقبلهم ~~صخرة أو أكمة فرقت بينهم فالتقوا من ورائها ، سلم بعضهم على بعض ، وقال ~~الحسن وأبو قلابة : ليس من المروءة أن يريح الرجل على صديقه ، وقال ابن ~~سيرين لا تكرم أخاك بما يشق عليه . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة فلا يحل لأحدهما أن يفشي على أخيه ~~ما يكره ، وخرج ابن ms1126 المبارك في سفر ، فصحبه قوم فقال لهم : إن أنكر أحد ~~منكم شيئا فليخبرني ، فلما أرادوا أن يتفرقوا قال لهم : هل أنكرتم مني شيئا ~~فقال شاب منهم : أنا قال : وما أنكرت قال : لم أرك تستاك فقال : ويحك وهل ~~يستاك الرجل بين يدي صديقه ، وكان بشر بن الحارث يقول : لا تخالط من الناس ~~إلا حسن الخلق فإنه لا يأتي إلا بخير ، ولا تخالط سئ الخلق فإنه لا يأتي ~~إلا بشر ، وقال الشافعي رحمه الله : من استغضب فلم يغضب فهو حمار ، ومن ~~استرضى فلم يرضى فهو شيطان ، وقال عمرو بن دينار : زهدك في راغب فيك نقص حظ ~~، ورغبتك في زاهد فيك ذل PageV02P377 نفس ، وكان ابن سيرين يقول : يحتمل ~~الرجل لأخيه إلى سبعين زلة ويطلب له المعاذير ، فإن أغناه ذلك وإلا قال : ~~لعل لأخي عذرا غاب عني ، وقال الثوري : إذا أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه ثم ~~دس عليه من يسأله عنك ، فإن قال خيرا فاصحبه وقال غيره : لا تؤاخين أحدا ~~حتى تبلوه وتفشي إليه سرا ، ثم إجفه واستغضبه وانظر ، فإن أفشاه عليك ~~فأجتنبه ، وقيل لأبي يزيد : من أصحب من الناس قال : من يعلم منك ما يعلم ~~الله عز وجل ، ويستر عليك ما يستر الله تعالى ، وكان ذو النون يقول : لا ~~خير لك في صحبة من لا يحب أن يراك إلا معصوما ، وقيل لبعض العلماء : من ~~يصحب من الناس قال : من يرفع عنك ثقل التكلف ، وتسقط بينك وبينه مؤونة ~~التحفظ ، وقد كان جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام يقول : أثقل إخواني ~~علي من يتكلف لي وأتحفظ منه ، وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي ، ~~يريدون بهذا كله أن من لم يكن على هذه الأوصاف دخل عليه التصنع والتزين ، ~~فأخرجاه إلى الرياء والتكلف ، فذهبت بركة الصحبة وبطلت منفعة الأخوة ، وقال ~~بعض الصوفية : لا تعاشر من الناس إلا من لا تزيد عنده ببر ولا تنقص بإثم ، ~~ومن يتوب عنك إذا أذنبت ، ويعتذر إليك إذا أسأت ، ويحمل عنك مؤونة نفسه ~~ويكفيك مؤونة نفسك ، وهذه من أعز ms1127 الأوصاف في هذا الوقت ، كما قال رجل ~~للجنيد : قد عز في هذا الزمان أخ في الله تعالى قال : فسكت عنه ، ثم عاد ~~ذلك فقال له الجنيد : إذا أردت أخا في الله عز وجل يكفيك مؤونتك ويتحمل ~~أذاك فهذا لعمري قليل ، وإن أردت أخا في الله تتحمل أنت مؤونته وتصبر على ~~أذاه ، فعندي جماعة أدلك عليهم إن أحببت ، فهذا لعمري يكون محبا لنفسه إذا ~~أقتضى هذا من أخيه لا محبا لأخ في الله تعالى ، وليس الإخاء كف الأذى لأن ~~هذا واجب ، ولكن الإخاء الصبر على الأذى ، وكانت هذه الطائفة من الصوفية لا ~~يصطحبون إلا على استواء أربع معان ، لا يترجح بعضها على بعض ، ولا يكون ~~فيها اعتراض من بعض إن أكل أحدهم النهار كله لم يقل له صاحبه صم ، وإن صلى ~~الليل أجمع لم يقل له أحد نم بعضه ، وتستوي حالاه عنده ، فلا مزيد لأجل ~~صيامه وقيامه ، ولا نقصان لأجل إفطاره ونومه ، فإذا كان عنده يزيد بالعمل ~~وينتقص بترك العمل ، فالفرقة أسلم للدين وأبعد من المراءاة من قبل إن النفس ~~مجبولة على حب المدح وكراهة الذم ، ومبتلاة بأن ترب حالها التي عرفت به ، ~~وأن تظهر أحسن ما يحسن عند الناس منها ، فإن صحب من يعمل معه هذا فليس ذلك ~~بطريق الصادقين ولا بغية المخلصين ، فمجانبة هؤلاء الناس أصلح للقلب وأخلص ~~للعمل ، وفي معاشرتهم وصحبة أمثالهم فساد القلوب ونقصان الحال ، لأن هذه ~~أسباب الرياء ، وفي الرياء حبط الأعمال وحسن رأس المال ، والسقوط من عين ذي ~~الجلال نعوذ به سبحانه وتعالى من ذلك ، PageV02P378 وكان الثوري رحمه الله ~~تعالى يقول : من عاشر الناس داراهم ، ومن داراهم راءاهم ، ومن راياهم وقع ~~فيما وقعوا فهلك كما هلكوا ، وكان بعض الناس يقول : لا تؤاخ من الناس إلا ~~من لا يتغير عليك في أربع : عند غضبه ورضاه وعند طمعه وهواه ، لأن هذه ~~المعاني تتغير لها الطباع لدخول الضرر منها على النفس وفقد الانتفاع ، وقال ~~بعض الأدباء : لا تصحب من الناس إلا من كان على هذا الوصف : يكتم سرك ms1128 وينشر ~~برك ويطوي عيبك ويكون في النوائب معك وفي الرغائب يؤثر ، فإن لم تجده فلا ~~تصحب إلا نفسك ، وقد أنشدنا بعض العلماء لبعض الأدباء في معنى هذه الأوصاف ~~: وندمان أخي ثقة . . . كان حديثه خبره يسرك حسن ظاهره . . . وتحمد منه ~~مختبره فساعد خله كرما . . . وفي أخلاقه أثره ويطوى سوءة أبدا . . . وحسنا ~~إن طوى نشره ويستر عيب صاحبه . . . ويستر أنه ستره وقال بعض العلماء : لا ~~تصحب إلا أحد رجلين : رجلا تتعلم منه شيئا من أمر دينك فينفعك ، أو رجلا ~~تعلمه شيئا من دينه فيقبل منك ، والثالث هرب منه ، وقال ابن أبي الحواري : ~~قال لي أستاذي أبو سليمان : يا أحمد لا تصحب إلا أحد رجلين : رجل ترتفق به ~~في دنياك ، أو رجل تزيد معه وتنتفع به في آخرتك ، والاشتغال بغير هذين حمق ~~كبير . وكان المأمون يقول : الإخوان ثلاثة : أحدهم مثله مثل الغذاء لا ~~يستغنى عنه ، والآخر مثله مثل الدواء يحتاج إليه في وقت ، والثالث مثله مثل ~~الداء لا يحتاج إليه فالعبد مبتلي بهذا الثالث وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع ~~عنده ، والأول نعمة من الله سبحانه وتعالى على العبد ، فيه ألفة وأنس ومعه ~~غنيمة ونفع . وكان أبو ذر يقول : الوحدة خير من جليس السوء ، والجليس ~~الصالح خير من الوحدة ، وقال بشر بن الحارث : يكون للرجل ثلاثة إخوان : أخ ~~لآخرته ، وأخ لدنياه ، وأخ يأنس به ، فأخبر أن أخ المؤانسة قد لا يكون ~~متقربا عابدا ، وأن الأنس مخصوص يقال : لا يوجد إلا في كريم ، وكان يوسف بن ~~أسباط يعزز من فيه أنس من الإخوان ، فكان يقول ما في المصيصة ثلاثة يؤنس ~~بهم ، واعلم أن الأنس لايوجد في كل عالم ، ولا في كل عاقل ، ولا في كل عابد ~~زاهد ، ويحتاج الأنس ألى وجود معان تكون في الولي ، فإذا اجتمعت فيه كمل ~~فيه الأنس ، وارتفعت عنه الوحشة والحشمة ، ومن لم تكن فيه لم يوجد فيه أنس ~~، ومن لم تكمل فيه وجد فيه بعض الأنس ، وإذا حصل الأنس ففيه الروح من ~~الكروب والاستراحة من الغم والسكون وطمأنينة ms1129 القلب ، فكذلك عز من يوجد فيه ~~الأنس لعزة خصاله وهي سبع : علم وعقل وأدب وحسن خلق وسخاء نفس وسلامة قلب ~~وتواضع ، فإن فقد بعضها لم يجد PageV02P379 خلا يأنس بكماله ، من قبل أن ~~أضدادها وحشة كلها لأن الجاهل لا أنس فيه ، والأحمق لا أنس به ، والبخيل سئ ~~الخلق لا أنس عنده ، والخبيث والمتكبر لا أنس معه فاعرف هذا . وروينا عن ~~الأصمعي أنه ذكر عن بعض الحكماء قال : عاملوا أحرار الناس بمحض المودة ، ~~وعاملوا العامة بالرغبة والرهبة ، وسوسوا السفلة بالمخافة ، ومثل جملة ~~الناس كمثل جملة الشجر ، منهم من له ظل ليس فيه ثمر وهذا الذي فيه نفع من ~~الدنيا ولا ثمرة له في العقبى ، ويحتاج إليه في وقت ، ومنهم من فيه ثمر ~~وليس له ظل وهذا يصلح للآخرة ولا يصلح للدنيا ، ومنهم من فيه ظل وثمر ، ~~فهذا الذي يصلح للدين والدنيا وهو أعزها ، ومنهم من لا ظل له ولا ثمر وهذا ~~هو الذي لا يحتاج إليه ، فمثله في الشجر مثل شجر الغضا وهو شوك البرية التي ~~تسميه العامة أم غيلان ، تمزق الثياب لا طعام فيه ولا شراب ، فهؤلاء من ~~الناس من يضر ولا ينفع ويكثر ولا يدفع ، مثله كما قال الله تبارك وتعالى : ~~( يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ) الحج : 13 ، ومثله ~~في الدواب مثل الفأرة والعقرب ، وقد قيل في وصفهم : الناس شيء إذا ما أنت ~~ذقتهم . . . لا يستوون كما لا يستوي الشجر ذارب ظل وهذا عنده ثمر . . . ~~وذاك ليس له ظل ولا ثمر وقد أنشدنا في مثل وصف هذا لبعض الأدباء : إذا كنت ~~لا ترجى لدفع مهمة . . . ولم تك يوم الحشر ممن يشفع ولا أنت ذا مال يجود ~~بماله . . . فعود خلال من إخائك أنفع قال بعض السلف : إذا ولى أخوك ولاية ~~فثبت على نصف مودتك فكثير ، وحدثنا محمد بن القاسم القرشي عن الربيع بن ~~سليمان ، عن الإمام الشافعي رحمه الله ، أنه آخى رجلا ببغداد ثم إن أخاه ~~ولي السيبين فتغير للشافعي كما كان يعهده منه فكتب إليه ms1130 الشافعي رضي الله ~~عنه هذه الأبيات : اذهب فودك من ودادي طالق . . . مني وليس طلاق ذات البين ~~فإن ارعويت فإنها تطليقة . . . ويدوم ودك لي على ثنتين وإذا امتنعت شفتها ~~بمثالها . . . فتكون تطليقتين في حيضين فإذا الثلاث أتتك مني بتة . . . لم ~~تغن عنك ولاية السيبين فذكر هذا الكلام لبعض الفقهاء فاستحسنه وقال : هذا ~~الطلاق فقهي ، إلا أنه طلق قبل النكاح ، وقد كان الشافعي عليه السلام آخى ~~محمد بن عبد الحكم المصري وكان يحبه ويقربه ، ويقول : ما يقيمني بمصر غيره ~~، واعتل محمد فعاده الشافعي ، فحدثني القرشي عن الربيع قال : سمعت الشافعي ~~ينشد وقد عاد محمدا : PageV02P380 مرض الحبيب فعدته . . . فمرضت من حذري ~~عليه وأتى الحبيب يعودني . . . فبرأت من نظري إليه وما شك أهل مصر أن ~~الشافعي يفوض أمر حلقته إليه ، وأنه يستخلفه بعد موته ويأمر الناس بالحضور ~~عنده ، حتى سئل عن ذلك في علته فقيل له : يا أبا عبد الله إلى من نجلس بعدك ~~، ومن يكون صاحب الحلقة ، وهم يظنون أنه يشير إلى محمد فاستشرف لذلك محمد ~~وتطاول لها ، وكان جالسا عند رأسه فقال : سبحان الله أيشك في هذا أبو يعقوب ~~البويطي ، فانكسر لها محمد ووجد في نفسه ومال أصحابه إلى أبي يعقوب البويطي ~~، وقد كان محمد حمل علم الشافعي ومذهبه وفارق مذهب مالك ، إلا أن البويطي ~~كان أزهد وأورع ، فحمل الشافعي نصحه للدين والنصيحة للمسلمين ، ولم يداهن ~~في ذلك بأن وجه الأمر إلى أبي يعقوب ، وآثره لأنه كان أولى ، فلما قبض ~~الشافعي رضي الله عنه إنتقل محمد ابن عبد الحكم مذهبه ، وفارق أصحابه ورجع ~~إلى مالك ، وروى كتب أبيه عن مالك ، وتفقه فيها ، فهو اليوم من كبار أصحاب ~~مالك رضى الله عنه ، وأخمل البويطي رحمه الله نفسه واعتزل عن الناس ~~بالبويطة من سواد مصر ، وصنف كتاب الأم الذي ينسب الآن إلى الربيع ابن ~~سليمان ويعرف به ، وإنما هو جمع البويطي لم يذكر نفسه فيه ، وأخرجه إلى ~~الربيع فزاد فيه ، وأظهره وسمعه منه وقد كان البويطي حمل في المحلة ورفع من ~~مصر إلى السلطان ms1131 ، وحبس في شأن القرآن ، فحدثنا عن الربيع قال : كتب إلي ~~البويطي من السجن يحثني على المجالس ، ويأمرني بالمواظبة على العلم والرفق ~~بالمتعلمين والإقبال عليهم ، وأن أتواضع لهم وقال : كثيرا ما كنت أسمع ~~الشافعي رضي الله عنه يقول : أهين لهم نفس لكي يكرمونها . . . ولن تكرم ~~النفس التي لا تهينها وأوصى بعض السلف ابنه فقال : يا بني لا تصحب من الناس ~~إلا من إن افترقت قرب منك ، وإذا استغنيت لم يطمع فيك ، وإن علت مرتبته لم ~~يرتفع عليك ، إن تذللت له صانك ، وإن احتجت له مانك ، وإن اجتمعت معه زانك ~~، فإن لم تجد هذا فلا تصحبن أحدا ، ومن حق الأخوة في الله عز وجل ما نقل ~~إلينا من سيرة السلف قال : كان الرجل يجيء إلى منزل أخيه من حيث لا يعلم ، ~~فيقول لأهله : هل عندكم دقيق ، ألكم زيت تحتاجون إلى كذا ، فإن قالوا ليس ~~عندنا اشترى لهم مصالحهم ، قال : ولم يكن الأخ يفرق بين عياله وعيال أخيه ، ~~يقاسمهم المؤونة قال : ويلقى أخاه فلا يعلمه بشيء من ذلك ، وأما سعيد بن ~~أبي عروبة ، فكان يعلق كل ثوب عنده على الحبل ، ويظهر كل صنف من طعام فيصفه ~~، وربما اشترى المسلوخ فيعلقه ، ويفتح بابه ويدخل عليه إخوانه في الله عز ~~وجل ، فكان من أراد طعاما أكل ، ومن اشتهى لحما قطع وشوى أو طبخ ، ومن ~~احتاج PageV02P381 إلى ثوب لبس من غير إذن ولا مؤامرة ، قد عرفوا ذلك من ~~أخلاقه ، وكان مثله جماعة متخلقين بهذه الأخلاق ، وقد جعل الله تبارك ~~وتعالى الألفة بين المؤمنين من آياته ، وتمدح بوصفها ولم يكلها إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل : ( وألف بين قلوبهم ولو أنفقت ما في الأرض ~~جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ) الأنفال : ~~63 ، أي عزيز لا يؤلف غيره ما فرق ، ولا يفرق سواه ما ألف ، حكيم تفرد ~~بالحكم في التأليف ، كما توحد بالتوحيد بالتعريف ، ومعنى آخر : عزيز عزز ~~الألفة وعظمها عند المؤمنين ، حكيم جعلها في الحكمة مع الحكماء من ms1132 الصالحين ~~، ونظر أبو الدرداء إلى ثورين يحرثان في فدان ، فوقف أحدهما يحك جسده فوقف ~~الآخر فبكى أبو الدرداء فقال له : هكذا الإخوان في الله عز وجل ، يعملان ~~لله تبارك وتعالى ويتعاونان على أمر الله ، فإذا وقف أحدهما وقف الآخر ~~لوقوفه ، وكان أكثر عبادة أبي الدرداء التفكر ، وكان يقول : إني لأدعو ~~لأربعين من إخواني في سجودي أسميهم بأسمائهم . وقد جاء في الحديث : دعاء ~~الأخ لأخيه بالغيب لا يرد ، ويقول الملك : ولك مثل هذا ، وفي لفظ آخر يقول ~~الله تبارك وتعالى : بك أبدأ ، والحديث المشهور : يستجاب للمرء في أخيه ما ~~لا يستجاب له في نفسه ، فمن واجب الأخوة تخصيصه وإفراده بالدعاء ، ~~والاستغفار له في الغيب ، فلو لم يكن من بركة الأخوة إلا هذا كان كثير ، ~~وكان محمد بن يوسف الأصبهاني يقول : وأين مثل الأخ الصالح ، أهلك يقتسمون ~~ميراثك وهو منفرد بحسرتك ، مهتم بما قدمت ، يدعو لك في ظلمة الليل وأنت تحت ~~أطباق الثرى ، فقد أشبه الأخ الصالح الملائكة : لأنه جاء في الخبر : إذا ~~مات العبد قال الناس : ما خلف وقالت الملائكة : ما قدم ، يفرحون بما قدم من ~~خير ويشفقون عليه ، وقال بعض العلماء : لو لم يكن في اتخاذ الإخوان إلا أن ~~أحدهم يبلغه موت أخيه فيترحم عليه ويدعو له ، فلعله يغفر له بحسن نيته له ~~ويقال : من بلغه موت أخيه فترحم عليه واستغفر له ، كأنه شهد جنازته وصلى ~~عليه ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل الميت في قبره مثل ~~الغريق يتعلق بكل شيء ، ينتظر دعوة من ولد أو والد أو أخ ، وإنه ليدخل على ~~قبور الأموات من دعاء الأحياء ، من الأنوار أمثال الجبال ويقال : الدعاء ~~للأموات بمنزلة الهدايا للأحياء في الدنيا ، قال : فيدخل الملك على الميت ~~معه طبق من نور ، عليه منديل من نور فيقول : هذه هدية من عند أخيك فلان ، ~~من عند قرينك فلان قال : فيفرح بذلك ، كما يفرح الحي بالهدية ، فقد كان ~~الإخوان يوصون إخوانهم بعدهم بدوام الدعاء لهم ، ويرغبون في ذلك لحسن ~~يقينهم وصدق نياتهم ms1133 ، وإن أعظم الحسرة من خرج من الدنيا ولم يؤاخ أخا في ~~الله عز وجل ، PageV02P382 فيدرك بذلك فضائل المؤاخاة وينال به منازل ~~المحبين عند الله تعالى ، ومن أشد الناس وحشة في الدنيا من لم يكن له خليل ~~يأنس به وصديق صدق يسكن إليه ، كما قال علي عليه السلام : وغريب من لم يكن ~~له حبيب ولا يوحشنك من صديق سوء ظن ، وأنشد بعض الشيوخ لبعضهم : وليس غريبا ~~من تناءت دياره . . . ولكن من يجفي فذاك غريب ومن كان ذا عهد قديم وذا وفا ~~. . . فلو جاوز السدين فهو قريب وقيل لسفيان الثوري : بمن تأنس فقال : بقيس ~~بن الربيع ، وما رأيته منذ سنتين ، وكان بعضهم يقول : أنا بمودة من غاب عني ~~من بعض إخواني أوثق مني بمودة من يغدو علي ويروح في كل يوم مرتين ، وقال ~~محمد بن داود : قرب القلوب على بعد المزار خير من قرب الديار من الديار ، ~~وليتق أن يعاشر أخاه بخمس خصال ، فليست من الأدب ولا المروءة : أولها أن لا ~~يلزمه بما يكره مما يشق عليه ، والثانية أن لا يسمع فيه بلاغة ولا يصدق ~~عليه مقالة ، والثالثة أن لا يكثر مسألته من أين تجيء وإلى أين تذهب ، وأن ~~لا يتجسس عليه ولا يتحسس عنه ، والفرق بينهما أن التجسس يكون في قفو الآثار ~~، والتحسس يكون في تطلع الأخبار ، فقد روينا كراهة هذه الخمس في سيرة السلف ~~، وقال محمد بن سيرين : لا تلزم أخاك بما يشق عليه ، وقال مجاهد إذا رأيت ~~أخاك في طريق فلا تسأله من أين جئت ولا أين تذهب فلعله أن يصدقك في ذلك أو ~~يكذبك ، فتكون قد حملته على الكذب ، وروينا أن حكيما جاء إلى حكيم فقال : ~~جئتك خاطبا إليك مودتك فقال : إن جعلت مهرها ثلاثا فعلت قال : وما هن قال : ~~لا تخالفني في أمر ، ولا تقبل علي بلاغة ، ولا تعطين في رشوة فقال : قد ~~فعلت قال : قد آخيتك ، وأما التجسس والتحسس فقد نهى الله ورسوله عنهما ، ~~وجعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرط الأخوة مع ترك ms1134 التدابر ~~والتقاطع ، فقد روينا في الخبر السائر : لا تجسسوا ولا تحسسوا ، ولا ~~تقاطعوا ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المقاطعة في الشهادة أن ~~تقطع مواصلته ، وتنحرف عن جريان عادته ، والتدابر في الغيب مأخوذ منه إذا ~~ولاك الدبر أي لا تدابره إلا بما يحب ، كما تكون له في المقابلة كما أخذت ~~الغيبة من الغيب أي لا تخلفه في غيبه بما يكره ، وقد كان الإخوان يتبايتون ~~على العلوم والأعمال ، وعلى التلاوة والأذكار وبهذه المعاني تحسن الصحبة ، ~~وتحق المحبة ، وكانوا يجدون من المزيد من ذلك والنفع به في العاجل والآجل ، ~~ما لا يجدونه في التخلي والانفراد من تحسين الأخلاق ، وتلقيح العقول ، ~~ومذاكرة العلوم ، وهذا لا يصح إلا لأهله ، وهم أهل سلامة الصدور والرضا ~~بالميسور مع وجود الرحمة ، وفقد الحسد ، ووجد التناصر ، وعدم التظاهر ، ~~وسقوط التكلف ، ودوام التآلف ، فإذا عدمت هذه الخصال ففي وجود أضدادها تقل ~~المباينة ، وقد قيل : من سقطت PageV02P383 كلفته دامت صحبته وألفته ، ومن ~~قلت مؤونته دامت مودته ، وقال علي عليه السلام : شر الأصدقاء من تكلف له ، ~~وقال يونس النبي عليه السلام لما زاره إخوانه ، فقدم إليهم خبز شعير وجزلهم ~~من بقل كان زرعه وقال : لولا أن الله تبارك وتعالى لعن المتكلفين لتكلفت ~~لكم . وروينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم : أنا والأتقياء من أمتي براء من ~~التكلف ، فجملة التكلف هو عمل ما لا نية للعبد فيه ، ودخول العبد فيما لا ~~يعنيه وتعاطيه ما قد كفيه ، ومع وجود الحسد وكمون الغل ، وهو ثبوت الحقد ~~تكون المباينة ، وفي التطاول والتظاهر تقع المجانية ، ومع الخبث والمكر ~~تكون المنافرة ، وهذا كله يذهب الألفة وينقص المحبة ويبطل فضيلة الأخوة ، ~~وقال بعض أهل البيت : أثقل إخواني علي من أحتشمه ويحتشمني ، وقال بعض السلف ~~: كانوا لا يغتنمون ولا يحتشمون ، وسئل الحسن عن الصديق الذي أكل ماله بغير ~~إذن منه فقال : من استراحت إليه النفس وسكن إليه القلب ، فإذا كان كذلك فلا ~~إذن له في ماله ، وسئل ذو النون عن الأنس فقال : أن تأنس بكل وجه صبيح وكل ~~صوت ms1135 فصيح ، والله تبارك وتعالى فيما بينك وبين ذلك ، وإذا علمت أن أخاك يسر ~~بأخذك من رحله وملكه ، أو علمت أنه لا يكره ذلك إن فعلته ، حل لك أن تأخذ ، ~~وإن كان لم يأذن لك لأن علمك يقوم مقام إذنه ، وعلامة هذا منك انشراح صدرك ~~بذلك ، وخفته على قلبك ، فذلك دليل على سروره به ، وعلى قياسه من علمت من ~~الناس أنه يكره تناولك من ماله شيئا ، أو عرفته يبخل ضنانة بما في يديه ، ~~فإني أكره لك أن تأكل من ماله شيئا وإن أذن لك بعد أن تعلم أن الأحب إليه ~~أن لا تأخذ ، ففي الورع وإن أعطاك أن لا تقبل فإن بذله مع علمك بأمره لغو ~~لا حقيقة له ، ودليل ذلك ضيق صدرك به ، ووجود الحشمة والوحشة في القلب ، ~~فقد جاء في الأثر الإثم حواز القلب ، وجاء الإثم ما حاك في صدرك ، والبر ~~حسن الخلق ، والبر ما سكنت إليه النفس واطمأن به القلب ، فقد جاءت هذه ~~الألفاظ في أحاديث متفرقة ، وعلى ما ذكرناه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أكل من لحم بريرة تصدق به عليها وكانت غائبة لما علم أنه يسرها ، فلم ~~ينتظر إذنها فعلى ضد ذلك في القياس ما ذكرناه ، ونظر هاشم الأوقص إلى الحسن ~~وهو يأكل من جون لبقال ، من هذه بسرة ومن هذه تينة ، فقال له : يا أبا سعيد ~~، تأكل من مال الرجل بغير إذنه فقال : يا لكع ، اتل علي آية الأكل ، ثم قرأ ~~الحسن ( ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم ) النور : 61 إلى قوله تعالى : ~~( أو صديقكم ) النور : 61 ، وقد كان أصحاب محمد بن واسع وفرقد السنجي ~~يدخلون منزله فيأكلون من غير أن يؤذن لهم ويقول : ذكرتموني أخلاق قوم مضوا ~~هكذا كنا ، قال : وكنا ندخل على أبي سليمان الداراني ، فيقدم إلينا الطيبات ~~ولا يأكل معنا ويقول : إنما خبأته لكم فقلنا : PageV02P384 تطعمنا الشهوات ~~ولا تأكلها فقال : لا آكلها لأني قد تركت أكلها ، وأقدمها إليكم لأني أعلم ~~أنكم تشتهونها وقال : كنا نبايت إبراهيم بن أدهم في ms1136 المصيصة . وفي قرى ~~السواحل ، فكان يكسر لنا الصنوبر والبندق واللوز ليله أجمع ويقول : كلوا ~~فقلنا : لو أقبلت على صلاتك وتركت هذا فيقول : هذا أفضل ، وكان بعض الناس ~~يفجؤه الضيف ، فلا يكون عنده ما يقدمه إليه ، فيذهب إلى منزل أخيه ، فيأخذ ~~خبزا وقدرا قد كان طبخها ، فيحمله إلى ضيفه ، فيلقاه أخوه بعد ذلك فيستحسنه ~~منه ويأمره بفعل مثل ذلك في كل نائبة ، وقال بعض العلماء : إذا عمل الرجل ~~في منزل أخيه أربع خصال فقد تم أنسه به إذا أكل عنده ، ودخل الخلاء ونام ~~وصلى ، فذكرت هذه الحكاية لبعض أشياخنا فقال : صدق ، بقيت خصلة قلت : ما هي ~~قال : معها وجامع فإذا فعل هذا فقد تم أنسه به ، لأن هذه الخمس لأجلها يتخذ ~~البيوت ، ويقع الاستخفاء لما فيها من التبذل والعورة ، ولولاها كانت بيوت ~~الله سبحانه أروح وأطيب ، ففي الأنس بالأخ وارتفاع الحشمة من هذه الخمس ، ~~مثال حال الأنس في الوحدة بالنفس من غير عيب من عائب ولا ضد لكن من اتفاق ~~جنس ، وهذا لعمري نهاية الأنس ذاتا ، فأما الخامسة ، وهو قول شيخنا وجامع ، ~~فعلى ذلك يصلح أن يستدل له بقول العرب في تسليمهم وترحيبهم : مرحبا وأهلا ~~وسهلا أي لك عندنا مرحب ، وهو السعة في القلب والمكان ، ولك عندنا أهل تأنس ~~بهم بلا وحشة منا ، وسهلا أي لك عندنا سهولة ، ذلك يسهل علينا ولا يشتد فهو ~~سهولة اللقاء وسهولته من الأخلاق في الالتقاء ، واعلم أن للناس في التعارف ~~سبع مقامات بعضها فوق بعض ، فأول ذلك المعرفة عن الرؤية أو السمع فقط ، ~~فلهذا حرمة الإسلام وحق العامة ، ثم المجاورة وله حق الجوار ، وهو ثاني ~~حقوق الإسلام ، وهذا هو الجار الجنب ، ثم المرافقة في طريق أو سفر وهذا هو ~~الصاحب بالجنب في أحد الوجهين من الآية ، فلهذا ثلاثة حقوق لأنه قد جمع ~~حرمة الإسلام وحرمة الجوار وزاد عليها بأنه ابن سبيل ، ثم الصحبة وهي ~~الملازمة والاتباع ، فهذا فوق ذلك ، ثم الصداقة وهي حقيقة الأخوة ، ومعها ~~تكون المعاشرة وهو اسم تكون معه المخالطة ، وتوجد فيه المؤانسة ms1137 ، وهو يحكم ~~بالمزاورة والمبايتة والمؤاكلة وهذا جملة العشرة ، فالمعاشرة مأخوذة من ~~العشير ، وهو الخليط المقارب ، ولذلك سمي الزوج عشيرا في قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ويكفرن العشير ، وقد قال الله عز وجل في تسمية المعاشر ~~وفي قربه : ( لبئس الولى ولبئس العشير ) الحج : 13 ، يعني ابن العم المختلط ~~به ، فقيل منه معاشرة على زنة مفاعلة لأنه شيء يقع بين اثنين لا محالة ، ~~كان كل واحد قد فعل مثله أي يفعل هذا مثل ما يفعل هذا ، مثل المضاربة ~~والمقاتلة والمشاتمة ، إذا فعل كل واحد بصاحبه كفعله به ، ثم الأخوة فوق ~~الصداقة ، وهذا لا يكاد يكون إلا بين النظراء في PageV02P385 الحال ، ~~والمتقاربين في الحسن ، والمعاني بأن يوجد في أحدهما من القلب والهمة ~~والعلم والخلق ، ما يوجد في الآخر وإن تفاوتا كما قال تبارك وتعالى : ( إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين ) الأسراء : 27 ، وليسوا من جنسهم ولا على ~~وصفهم في الخلقة ، ولكن لما تشابهت قلوبهم وأحوالهم آخى بينهم ، فهذه أخوة ~~الحال وهي حقيقة الصداقة ، ثم المحبة وهي خاصية الأخوة ، وهذا يجعله الله ~~تبارك وتعالى من الألفة ويوجده من الأنس في القلوب ، يتولاه بصنعه ولا ~~يوليه غيره ، وهذا ارتياح القلوب وانشراح الصدور ووجد السرور ، وفقد الوحشة ~~، وزوال الحشمة ، ثم الخليل وهذا فوق الحبيب ، ولا يكون هذا إلا في عاقلين ~~عالمين عارفين على معيار واحد ، وطريق واحد ، وهذا أعز موجود وأغرب معهود ، ~~والخلة مأخوذة من تخلل الأسرار ، ومعها تكون حقيقة الحب والإيثار ، فكل ~~خليل حبيب ، وليس كل حبيب خليلا ، لأن الخلة تحتاج إلى فضل عقل ، ومزيد علم ~~، وقوة تمكين ، وقد لا يوجد ذلك في كل محبوب ، فلذلك عز طلبه وجل وصفه ، ~~وقد رفع الله عز وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في مقام المحبة ، ~~فأعطاه الخلة ليلحقه بمقام إبراهيم ، فكانت الخلة مزيد المحبة ، ومنه ما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : لو كنت متخذا من الخلق خليلا لاتخذت أبا ~~بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله عز وجل ، فلما أتخذه خليلا لم يصلح أن ~~يشرك ms1138 في خلة الخالق خلة الخلق ، ثم قال : ولكن أخوة الإسلام فأوقفه مع ~~الأخوة ، لأن فيها مشاركة في الحال كما فعل بعلي عليه السلام ، وعدل به عن ~~النبوة كما عدل بأبي بكر عن الخلة . وفي الحديث الآخر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم صعد المنبر فرحا مستبشرا فقال : ألا إن الله تبارك وتعالى ، قد ~~اتخذني خليلا كما أتخذ إبراهيم خليلا ، فأنا حبيب الله عز وجل ، وأنا خليل ~~الله ، وليس قبل المعرفة اسم يوجب حكما إلا ظاهر الإسلام ، ولا بعد الخليل ~~وصف يعرف إلا نعت محب ، ثم تتزايد الحرمات في الأخوات ما بين المعرفة ~~والخلة ، وتعظم الحقوق بطول الصحبة وجميل العشرة ، ويقال صحبة سنة أخوة ~~ومعرفة عشر سنين قرابة ، قد ضم الله عز وجل الصديق إلى الأهل ووصله بهم ، ~~ثم رفع الأخ وقدمه على الصديق ، وهو قوله عز وجل : ( أو ما ملكتم مفاتحه ) ~~النور : 61 ، كان الأخ يدفع مفاتح خزائنه إلى أخيه ، ويتصرف في الحضر ~~ويتقلب في السفر ، ويقول لأخيه : حكمك فيما أملك كحكمي ، وملكي له كملكك ، ~~فكان أخوه يتضايق ويتحرج فيقتر على نفسه لأجل غيبة أخيه ، ويقول : لو كان ~~حاضرا لاتسعت وأكلت رغدا للورع الذي فيه ، والنصح والإيثار لأخيه فرحم الله ~~عز وجل تضايقهم وشكر تورعهم ، فأطلق لهم الإذن ووسع عليهم في الأكل فقال عز ~~وجل : ( ولا على أنفسكم ) النور : 61 ، أي لا إثم ولا ضيق أن تأكلوا من ~~بيوتكم أو بيوت آبائكم ، PageV02P386 ثم نسق الأقارب على ترتيب الأحكام ، ~~وضم إليهم الأخ لما وصفه بتمليكه مفاتحه أخاه ، فأقام ذلك مقام ملك أخيه ، ~~لأنه أقام أخاه مقامه فقال تعالى : ( أو ما ملكتم مفاتحه ) النور : 61 ، ثم ~~أخر الصديق بعده إذ لم يكن بحقيقة وصفه ، ثم قال عز وجل : ( ليس عليكم جناح ~~أن تأكلوا جميعا ) النور : 61 ، بحضرة الإخوان أو أشتاتا في حال تفرقهم ، ~~فسوى بين غيبتهم وشهودهم لتسوية إخوانهم بينهم وبين أملاكهم ، واستواء ~~قلوبهم مع ألسنتهم في البذل و المحبة ، لتناول المبذول وهذا تحقيق وصفه عز ~~وجل لهم في قوله تعالى : ( وأمرهم ms1139 شورى بينهم ) الشورى : 38 ، وقال بعض ~~الأدباء : إذا ائتلف الإخوان جماعة ، ثم اجتمع بعضهم على لذة وفقد البعض ~~نقص من اللذة بمقدار من نقص منهم ، وهذا يكون بوجود الأنس بهم ومواصلة ~~الذكر ، وروينا أن مالك بن دينار ومحمد بن واسع دخلا منزل الحسن وكان غائبا ~~، فأخرج محمد بن واسع سلة فيها طعام من تحت السرير فجعل يأكل ، فدخل الحسن ~~فقال : هكذا كنا لا يحتشم بعضنا من بعض واعلم أنه ليس بين الأخوين ~~والصاحبين رياء في أعمالهما ، وإن تراءى برأي العين أعمالهم لهم ثواب السر ~~والخلوة ، لأنهما كالأهل في الحضر وكالصحابة في السفر ، وليس بين الرجل ~~وأهل بيته ولا بين المسافر ورفقائه رياء ولا سمعة ، ولا عليه منهم اختفاء ~~ولا خلوة ، فإن صحبه أخوه هذا في سفر كانت حرمته عليه ألزم وحقه أوجب ، ~~فينبغي أن لا يخالفه ولا يعترض عليه إن أحب النزول في منزل لم يكره أخوه ~~ذلك ، وإن اختار أحدهما الرحيل لم يحب الآخر المقام ، وإن سار أحدهما لم ~~يقف صاحبه ، وإن استراح الآخر وقف له رفيقه ، وإن اشترى شيئا لم ينهه عنه ، ~~ولا يستأثر بمطعوم ولا مشروب بل يؤثره بذينك ، وفي الخبر : ما اصطحب اثنان ~~قط إلا كان أحبهما إلى الله عز وجل أرفقهما بصاحبه . وروينا أيضا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل غيضة مع بعض أصحابه ، فاجتنى منها سواكين ~~من أراك ، أحدهما معوج والآخر مستقيم ، فحبس المعوج لنفسه ودفع المستقيم ~~إلى صاحبه فقال : يار سول الله أنت كنت أحق بالمستقيم فقال : ما من صاحب ~~يصحب صاحبا ولو ساعة من نهار ، إلا سأله الله عن صحبته هل أقام فيه حق الله ~~تعالى أو أضاعه ، ومن كان ناظرا في أخوة أخيه أو في صحبته إلى كثرة أعماله ~~، أو واقفا مع أكمل أحواله ، دل على جهله بهذا الطريق الذي ينفذ إلى ~~التحقيق لأنها تحول ، وإنما المعول على حقائق القلوب وسلامة العقول لأن ~~إليها الأمر مردود ، فإن اقترن إلى جهله نقص معرفة الآخر دل علىه التزين له ~~والتصنع ms1140 عنده لتعلو منزلته ويحسن عنده أثره فيدخله ذلك في الشرك ويخرجه ~~الشرك عن حقيقة التوحيد ، فتزل قدم بعد ثبوتها ويسقط من عين PageV02P387 ~~مولاه ، فلا يتولاه لأن النفس مبتلاة بحب الثناء والمدح وإثبات المنزلة ~~بإظهار الوصف ، فيكون هذا الصاحب حينئذ من أشأم الناس عليه وأضرهم له ، ~~ويصير أحدهما بلاء على صاحبه ، فليفارقه حينئذ لأنه جاهل ولا يصحبه ، فإنه ~~يجد النقصان وتدخل عليه الآفات بمقارنته ، فلينفرد بنفسه فيصدق في حاله ~~عالية كانت أو دنيئة ، وضيعة كانت أم رفيعة ، من غير مقارنة أحد ولا مباينة ~~فهو خير له وأحمد عاقبة ، وهذا باب لطيف قد هلك فيه خلق كثير على ضربين ~~منهم ، من صاحب وآخى وبايت على هذه العلل فساكنها ، ومن هذه الآفات فقارنها ~~الضعف يقينه وقوة هواه ، وكبر الناس في عينه وعظم قدر الدنيا مما يناله ~~منهم في قلبه ، فهلك بالتزين والتصنع وأهلك أخاه بنحو ذلك ، والضرب الثاني ~~من المتعبدين المعروفين بالستر والصلاح ، خافوا ولم يحبوا أن يظهروا على ~~حالهم كراهة الذم وخيفة النقص لهم ، فلم يحبوا أن يختبروا بالمباينة ولا ~~ينكشفوا في المصاحبة ، ولا تعرف أحوالهم بطول الممارسة ، وأحبوا مع ذلك أن ~~يشار إليهم من بعيد ويتوهم فيهم العبادة من غير طول ملاقاة ، فأظهروا ~~التفرد والعزلة ، وتركوا المباينة والصحبة ، وأنكروا هذا وعابوه ، يريدون ~~أن يبينوا بذلك عن نظرائهم وينفردوا به عن جملة الخلق بدعوى الحال ، ~~ليختصوا بغيرها عندهم من غير حال ، ولا انقطاع إلى الله سبحانه ، ولا ~~اشتغال ، ولقلة معرفة العامة بأحوال الصادقين ، فهلك أيضا بالمباينة وغربة ~~الحال وترك السنة من إجابة الدعوى ، ومخالطة الأمة كبرا وتطاولا على العامة ~~، وتمويها منهم على من لا يعرف سيرة الأمة ، وأوهم بذلك أنه مشغول عنه ~~بسلوك الطريق ، لعلمه أنهم لا يعرفون محجة التحقيق ، ولعله مشغول بهم وأنهم ~~وساوس قلبه ، وهو في ذلك منكشف للصادقين ظاهر جلي للعارفين ، وقد جاء في ~~مخالطة المسلمين ، وفي الأكل مع الإخوان والاختلاط بالعامة ، والمشي في ~~الأسواق واشتراء الحوائج ، وحملها للتواضع ما يكثر رسمه ويطول وصفه وكذلك ~~كان سيرة الصحابة وشيمة ms1141 التابعين بإحسان منهم ، عمر رضي الله عنه ، كان ~~يحمل القربة على ظهره لأهله ، وعلي رضي الله عنه كان يحمل التمر والملح في ~~ثوبه ويده ويقول : لا ينقص الكامل من كماله . . . ما جر من نفع إلى عياله ~~ومنهم أبي وابن مسعود وحذيفة وأبو هريرة ، كانوا يحملون حزم الحطب وجرب ~~الدقيق على أكتافهم وظهورهم ، وسيد المرسلين وإمام المتقين ، ورسول رب ~~العالمين محمد صلى الله عليه وسلم كان يشتري الشيء فيحمله بنفسه ، فيقول له ~~صاحبه : أعطني أحمله عنك فيقول : صاحب الشيء أحق بحمله ، وكان الحسن بن علي ~~عليهما السلام يمر على السؤال في الطريق ، وبين أيديهن كسر ملقاة في الأرض ~~، فيسلم عليهم فيقولون : هلم PageV02P388 الغداء يا بن بنت رسول الله ، ~~فيثني رجله عن بغلته وينزل ، فيقعد معهم على الأرض ويأكل ، ثم يركب ويقول : ~~إن الله تبارك وتعالى لا يحب المستكبرين ثم يدعوهم بعد ذلك إلى منزله فيقول ~~للخادم : هلمي ما كنت تدخرين فيأكلون معه ، وروينا في الإسرائيليات أن ~~حكيما من الحكماء صنف ثلاثمائة وستين مصنفا في الحكمة ، حتى ظن أنه نال ~~منزلة عند الله تعالى ، فأوحى الله إلى نبيه : قل لفلان أنك قد ملأت الأرض ~~نفاقا ، وإني لا أقبل من نفاقك شيئا ، قال : فتخلى وانفرد في سرب تحت الأرض ~~وقال : قد بلغت محبة ربي فأوحى الله عز وجل إلى النبي ، قل له إنك لم تبلغ ~~رضاي قال : فدخل الأسواق وخالط العامة وجالسهم ، وأكل الطعام بينهم ومشى في ~~الأسواق معهم ، فأوحى الله تبارك وتعالى الآن حين بلغت رضاي ، فلو أيقن ~~اليائس المتصنع للخلق ، الأسير في أيديهم ، الرهين لنظرهم ، أن الخلق لا ~~ينقصون من رزق ، ولا يزيدون في عمر ، ولا يرفعون عند الله ، ولا يضعون لديه ~~، وأن هذا كله بيد الله عز وجل ، لا يملكه سواه ، ولو سمع خطاب المولى ~~لاستراح من جهد البلاء ، إذ يقول الله عز وجل : ( إن الذين تدعون من دون ~~الله ) الأعراف : 194 ، لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ~~، مع قوله تعالى : ( إن الذين تدعون من دون الله ms1142 عباد أمثالكم ) الأعراف : ~~194 فلو عقل ذلك لطرح ، الخلق عن قلبه اشتغالا بمقلبه ، ولأعرض عن الناس ~~بهمه نظرا منه إلى مهمه ، وأظهر حاله وكشف أمره تقويا بربه وغنية بعلمه ، ~~فلم يبال أن يراه الناس على كل حال يراه فيه مولاه ، إذا كان لا يعبد إلا ~~إياه ولا يضره ولا ينفعه سواه ، فعمل ما يصلحه وإن كان عند الناس يضعه ، ~~وسعى فيما يحتاج إليه وإن كان عند المولى يزري عليه ، ولكن ضعف يقينه فقوى ~~إلى الخلق نظره ، وأحب أن يستر عنهم خبره لإثبات المنزلة عندهم ، ولاستخراج ~~الجاه لنفسه ، فيفخر بالخيلاء والعجب ، فموه بحال على من لا حال له ، ووهم ~~بمقام عند من ليس له مقام ، واعتقدوا فضله بذلك لنقصهم ، وتوهموا به علمه ~~لجهلهم ، ولو صدقوا الله لكان خيرا لهم ، حدثونا عن يونس بن عبد الأعلى قال ~~: قال لي الشافعي رضي الله عنه : والله ما أقول لك إلا نصحا ، أنه ليس إلى ~~السلامة من الناس سبيل ، فانظر ما يصلحك فافعله ، وحدثونا عن الثوري قال : ~~رضا الناس غاية لا تدرك ، فأحمق الناس من طلب من لا يدرك وقد قال بعض ~~الحكماء في معناه قولا منظوما : من راقب الناس مات غما . . . وفاز باللذة ~~الجسور ونظر أبو محمد سهل إلى رجل من الفقراء فقال له : اعمل كذا وكذا فقال ~~: يا أستاذ لا أقدر على هذا لأجل الناس ، فالتفت إلى أصحابه فقال : لا ينال ~~العبد حقيقة من هذا الأمر حتى يكون بأحد وصفين : عبد يسقط الناس عن عينه ~~فلا يرى في الدار إلا هو وخالقه ، وأن أحد لا يقدر أن يضره ولاينفعه ، أو ~~عبد أسقط الناس عن قلبه فلا يبالي بأي حال يرونه ، PageV02P389 وحدثونا عن ~~إمام الأئمة الحسن بن يسار البصري رحمه الله أن رجلا قال له : يا أبا سعيد ~~إن قوما يحضرون مجلسك ليس بغيتهم الفائدة منك ، ولا الأخذ عنك ، إنما همهم ~~تتبع سقط كلامك وتعنتك في السؤال ليعيبوك بذلك ، فتبسم الحسن ثم قال : هون ~~عليك يا ابن أخي فإني حدثت نفسي بسكنى الحنان ، فطمعت ms1143 وحدثت نفسي بمعانقة ~~الحور الحسان ، فطمعت وحدثت نفسي بمجاورة الرحمن ، فطمعت وما حدثت نفسي قط ~~بالسلامة من الناس ، لأني قد علمت أن خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم لم ~~يسلم منهم ، فكيف أحدث نفسي بالسلامة منهم ، وبمعناه ما روي عن موسىصلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : يا رب احبس عني ألسنة الناس ، فقال الله تبارك ~~وتعالى : يا موسى هذا شيء لم أفعله لنفسي ، فكيف أفعله بك ، وفي لفظ آخر : ~~لو خصصت بهذا أحدا لخصصت به نفسي ، وقد كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول ~~: ما من يوم أصبح فيه حيا وأمسي ولا يرميني فيه الناس بداهية إلا عددته ~~نعمة من الله تعالى علي وأنشد : وإن امرءا يمسي ويصبح سالما . . . من الناس ~~إلا ما جنا لسعيد وأوحى الله عز وجل إلى عزير : إن لم تطب نفسا بأن أجعلك ~~علكا في أفواه الماضغين لم أكتبك عندي من المتواضعين ، ومثله روينا عن عيسى ~~عليه السلام أنه كان يقول يا معشر الحواريين ، إن أردتم أن تكونوا إخوانا ~~فوطنوا نفوسكم عند العداوة والبغضاء من الناس ، وقد جعل الله تبارك وتعالى ~~في المخالطة للمؤمنين من البركة ، ما لو لم يجيء فيه الأثر إلا هذا ، كان ~~فيه كفاية ، وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما طاف بالبيت عدل إلى ~~زمزم ليشرب منها ، فإذا التمر المنقع في الحياض الآدم قد مغثه الناس ~~بأيديهم وهم يتناولون منه يشربون فاستسقى منه فقال : اسقوني فقال العباس : ~~يا رسول الله إن هذا النبيذ شراب قد مغث وحيض بالأيدي ، أفلا آتيك أنظف من ~~هذا في جر مخمر في البيت فقال : لا اسقوني من هذا الذي يشرب منه الناس ، ~~ألتمس بركة أيدي المسلمين فشرب ، وروينا في خبر آخر قيل : يا رسول الله ، ~~الوضوء من جر مخمر أحب إليك أو من هذه المطاهر التي يتطهر منها الناس فقال ~~: بل من هذه المطاهر إلتماس بركة أيدي المسلمين ، وروينا في الخبر : إذا ~~التقى المسلمان فتصافحا ، فتبسم أحدهما إلى صاحبه تحاتت ذنوبهما كما يتحات ~~ورق الشجر ، وفي لفظ الحديث ms1144 الآخر : قسمت بينهما مائة رحمة تسعة وتسعون ~~لآنسهما بصاحبه وأحسنهما بشرا ، وروينا في الخبر : خير الأصحاب عند الله عز ~~وجل أرفقهم بصاحبه ، وخير الجيران أرفقهم بجاره ، وإياك أن تصحب جاهلا ~~فتجهل بصحبته ، أو غافلا عن مولاه متبعا لهواه فيصدك عن سبيله فتردى ، كما ~~قال سبحانه وتعالى : ( فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا PageV02P390 ~~يعلمون ) يونس : 89 ، فأول الاستقامة صحبة العلماء بالله عز وجل وقال تعالى ~~: ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه ) الكهف : 28 ، وقال تعالى ~~: ( فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى ) طه : 16 ، أي فتكون ~~رديا وقيل فتهلك وقال تعالى : ( فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ) النجم : 29 ، ~~ففي دليله الإقبال بالصحبة على من أقبل إلى ذكره تعالى ، والإعراض عمن أعرض ~~عن وجهه ، فلا تصحبن إلا مقبلا عليه كما قال الله عز وجل : ( واتبع سبيل من ~~أناب إلي ) لقمان : 15 ، وإياك أن تصحب من الناس خمسة : المبتدع والفاسق ~~والجاهل والحريص على الدنيا والكثير الغيبة للناس ، فإن هؤلاء مفسدة للقلوب ~~مذهبة للأحوال ، مضرة في الحال والمآل . وقد كان سفيان الثوري رحمه الله ~~يقول : النظر إلى وجه الأحمق خطيئة مكتوبة وقال سعيد بن المسيب : لا تنظروا ~~إلى الظلمة فتحبط أعمالكم الصالحة ، ولكن قد كان صعصعة بن صوحان يقول : إذا ~~لقيت المؤمن فخالطه مخالطة ، وإذا لقيت المنافق فخالفه مخالفة ، وقد قال : ~~أحسن الواصفين في وصف أوليائه المتقين ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا : ~~سلاما أي سلامة ، الألف بدل من الهاء لازدواج الكلم ، والمعنى ، أي سلمنا ~~من إثمكم وسلمتم من شرنا ، وقد كان أبو الدرداء يقول في زمانه : كان الناس ~~ورقا لا شوك فيه ، وهم اليوم شوك لا ورق فيه ، إن ناقدتهم ناقدوك ، وإن ~~تركتهم لم يتركوك ، فأقرضهم من عرضك ليوم فقرك ، وكان يقول : كل يوم أصبح ~~لا يرميني الناس فيه بداهية أعده نعمة من الله تعالى علي ، وقال حكيم ~~الحكماء صلى الله عليه وسلم : من خالط الناس وصبر على أذاهم ، أفضل ممن لم ~~يخالطهم ولم يصبر على أذاهم ، وقال العلام ms1145 ذو الجلال والإكرام : ( أولئك ~~يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ) القصص : 45 ، إي ~~يدفعون بالكلام الحسن السيء وقال عز وجل في الكلام المفسر : ( ادفع بالتي ~~هي أحسن ) فصلت : 34 ، يعني بالكلمة الحسنى : ( فإذا الذي بينك وبينه عداوة ~~كأنه ولي حميم ) فصلت : 34 ثم قال عز وجل وما يلقاها يعني الكلمة : ( إلا ~~الذين صبروا ) فصلت : 35 ، أي على أمر الله تعالى وعلى الغيظ ، وعن الغضب : ~~( وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) فصلت : 35 ، أي من الحلم والعلم وقيل ذو حظ ~~عظيم عند الله عز وجل من النصيب والجزاء وقد قال لقمان الحكيم قولا متوسطا ~~: يا بني لا تكن حلوا فتبلع ، ولا مرا فتلفظ ، المعنى : لا تمكن الناس من ~~نفسك ولا تتابعهم في كل شيء فلا يبقوا عليك وينبسطوا إليك ، ولا تنافرهم ~~وتخالفهم في كل شيء فيجانبوك ويرفضوك فيقعوا فيك ، وقال بعض السلف : لا ~~تصحب إلا مريدا ، وكل خليل لا يريد ما تريد فانبذ عنك صحبته ، وقال بعض ~~علماء العرب : الصاحب كالرقعة في الثوب إن لم تكن من جنسه شانته ، وقال بعض ~~الحكماء : كل إنسان مع شكله كما أن كل طير مع جنسه ، وقد كان PageV02P391 ~~مالك بن دينار يقول مثل هذا ، وقد لا يتفق اثنان في عشرة ودوام صحبة ، إلا ~~وفي أحدهما وصف من الآخر وإن أشكال الناس كأجناس الطير ، قال ورأى يوما ~~غرابا مع حمامة فعجب من ذلك وقال : كيف اتفقا وليسا من شكل قال : ثم طارا ~~فإذا هما أعرجان فقال : من ههنا اتفقا ويقال : إذا اصطحب اثنان برهة من ~~الزمان ولم يتشاكلا في الحال فلا بد أن يفترقا ، وقد أنشدنا بعض العرب لبعض ~~الحكماء في معناه : وقائل لما تفرقتما . . . فقلت قولا فيه إنصاف لم يك من ~~شكلي ففارقته . . . والناس أشكال وآلاف وقد روينا في حديث أن الأرواح جنود ~~مجندة ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، تلتقي فتشام في ~~الهواء ، قيل معناه في المذهب والخلق ، وفي هذا الخبر زيادة ولو أن مؤمنا ~~دخل إلى مجلس فيه مائة ms1146 منافق وفيه مؤمن واحد ، لجاء حتى يجلس إليه ، ولوأن ~~منافقا دخل إلى مجلس فيه مائة مؤمن وفيه منافق واحد ، لجاء حتى يجلس إليه ، ~~وقد ذكر لهذا الحديث سبب على ما ذكرناه ، وهو أن امرأة عطارة كانت بالمدينة ~~من أحد فقدمت امرأة من مكة عطارة وكانت مزاحة ، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : على من نزلت قيل : على فلانة فقال : الأرواح جنود مجندة ، وبعض ~~العلماء يقول : إن الله خلق الأرواح ففلق بعضها فلقا ، وقدر بعضها قدرا ، ~~ثم أطافها حول عرشه ، فأي روحين من فلقتين تعارفا هناك فالتقيا تواصلا ههنا ~~في الدنيا وترافقا ، وأي روحين من قدرتين أو فلقة وقدرة أختلفا ثم وتناكرا ~~هناك فاختلفا في الجولان ، فإن هذين إذا ظهرا اليوم تباينا وتنافرا ، فهذا ~~تأويل الخبر عنده ، فما تعارف منها أي في الطواف فتقابلا تعارفا ههنا ~~وترافقا ائتلفا ، وما تناكرا ثم في الجولان فتدابرا تناكرا ههنا اليوم في ~~الخلق والحال لما ظهرا فاختلفا ، وليس الائتلاف يقع بنفس الاجتماع ووقت ~~الاتفاق ، فإنما الائتلاف يكون بمجانسة الحال ومشاكلة الأخلاق ، لأنهم ~~شبهوا أجناس الناس بأجناس الطير ، وقد يتفق الطيران من جنسين ويتجامعان في ~~مكان ، فلا يكون ذلك ائتلافا في الحقيقة ولا اتفاقا في الخليقة لتباينهما ~~في التشاكل ، ولا يتبين ذلك في الاجتماع وإنما يتبين في الطيران إذا طارا ~~معا ، فأما إذا ارتفع أحدهما ووقع الآخر وعلا أحدهما وقصر الآخر ، فلا بد ~~من افتراق حينئذ لفقد التشاكل ، ولا بد من مباينة لعدم التجانس عند الطيران ~~، فهذا مثال ما ذكرناه من الافتراق لعدم حقيقة تشاكل الحال والوصف بعد ~~الاتفاق ، واعلم أن الائتلاف والاختلاف يقع بين اثنين إذا اشتركا وافترقا ~~في أربعة معان ، إذا استويا في العقود ، واشتركا في الحال ، وتقاربا في ~~العلم واتفقا في الأخلاق ، فإن اجتمعا في هذه الأربع فهي : التشاكل ~~والتجانس ومعه يكون الائتلاف والاتفاق ، وإن اختلفا في جميعها فهو التباعد ~~والتضاد وعنده يكون التباين والإفتراق ، وإن اتفقا في بعضها واختلفا ~~PageV02P392 في البعض كان بعض الاتفاق وبعض الاختلاف فيوجد من الائتلاف ~~بمقدار ما ms1147 وجد من التعارف ، ويوجد من الإختلاف نحو ما فقد من الاتفاق ، ~~وهذا هو تناكر الأرواح لتباعد نشأتها وتشامها في الهواء ، وذلك الأو ل هو ~~تعارف الأرواح بقرب التشام باجتماع الأوصاف . حدثت عن يعقوب ابن أخي معروف ~~رحمهما الله قال : جاء الأسود بن سالم إلى عمي معروف ، وكان مؤاخيا له فقال ~~: إن بشر بن الحارث رحمه الله يحب مؤاخاتك ، وهو يستحي أن يشافهك بذلك ، ~~وقد أرسلني إليك يسألك أن تعقد له فيما بينك وبينه أخوة يحتسبها ويعتد بها ~~، إلا أنه يشترط فيها شروطا لا يحب أن يشتهر بذلك ، ولا يكون بينك وبينه ~~مزاورة ولا ملاقاة ، فإنه يكره كثرة الالتقاء ، فقال معروف رحمه الله : أما ~~أنا ، فلو أحببت واحدا لم أحب أن أفارقه ليلا ولا نهارا ، ولزرته في كل وقت ~~ولآثرته على نفسي في كل حال ، ثم ذكر من فضل الأخوة والحب في الله عز وجل ~~أحاديث كثيرة ، ثم قال فيها وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه ~~وبين علي عليه السلام ، فشاركه في العلم وقاسمه في البدن وأنكحه أفضل بناته ~~وأحبهن إليه ، وخصه بذلك لمؤاخاته : وإني أشهدك أني قد عقدت له أخو ة بيني ~~وبينه وأعتقده أخا في الله عز وجل لرسالته ولمسألتك ، على أن لا يزورني إن ~~كره ذلك ولكني أزوره متى أحببت ، وآمره بلقائي في مواضع نلتقي فيها ، وآمره ~~أن لا يخفي علي شيئا من شأنه ، وأن يطلعني على جميع أحواله ، قال : فأنصرف ~~بذلك أسود بن سالم فأخبر به بشرا ، فرضي بذلك وسربه ، فهذا أسود بن سالم ~~أحد عقلاء الناس وفضلائهم ، فكان فيه اتساع للأصحاب وصبر عليهم ، وهو الذي ~~أشار معروف به على الرجل الذي سأله مستشيرا فقال : يا أبا محفوظ ، هذان ~~الرجلان إماما هذا البلد ، فأشر علي أيهما أصحب ، فإني أريد أن أتأدب به ~~أحمد بن حنبل أو بشر بن الحارث رضي الله عنهما قال له معروف : لا تصحب ~~أحدهما ، فإن أحمد صاحب حديث ، وفي الحديث : اشتغال بالناس فإن صحبته ذهب ~~ما تجد في قلبك من ms1148 حلاوة الذكر وحب الخلوة ، وأما بشر فلا يتفرغ لك ولا ~~يقبل عليك شغلا بحاله ، ولكن اصحب أسود بن سالم ، فإنه يصلح لك ويقبل عليك ~~، ففعل الرجل ذلك فانتفع به وإنما ضمه معروف رضي الله عنه إلى الأسود ~~دونهما ، لأنه كان أليق بحاله وأشبه بوصفه ، وكذلك روينا في حديث المؤاخاة ~~الذي آخى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ، فآخى بين إثنين ~~شكلين في العلم والحال آخى بين أبي بكر وعمر ، وبين عثمان وعبد الرحمن ، ~~وهما نظيران ، وآخى بين سلمان وأبي الدرداء وهما شكلان في العلم والزهد ، ~~وآخى بين عمار وسعد وكانا نظيرين ، وآخى بين علي وبينه رضي الله عنهم ~~أجمعين ، و صلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين ، وهذا من أعلى فضائله لأن ~~علمه من علمه ، وحاله من PageV02P393 وصفه ، ثم آخى بين الغني والفقير ~~ليعتدلا في الحال ، وليعود الغني على أخيه الفقير بالمال ، قال أبوسليمان ~~الداراني لأحمد بن أبي الحواري : إذا آخيت أحدا في هذا الزمان فلا تعاتبه ~~على أمر تكرهه منه ، فإنك لا تأمن أن يعنيك بشر من الأمر الأول ، قال أحمد ~~: فجربته فوجدته كما قال ، وقال بعض العلماء : الصبر على مضض الأخ خير من ~~معاتبته ، ومعاتبته خير من القطيعة ، والقطيعة أحسن من الوقيعة ، وقال ~~بعضهم : كدر الجماعة خير من صفو الفرقة ، ومثل الأخوة مثل الزجاجة الرقيقة ~~ما لم تحفظها وتوقها كانت معرضة للآفات ، واستتمام الإخاء إلى خير الوفاة ~~أشد من ابتدائها في حال الحياة ، وقال بعض الأدباء : الناس أربعة : فواحد ~~حلو كله فهذا لا يشبع منه ، وآخر كله مر وهذا لا يؤكل منه ، واحد فيه حموضة ~~فخذ من هذا قبل أن يأخذ منك ، وآخر فيه ملوحة فخذ منه إذ احتجت إليه ، وقال ~~بعض الأئمة : الناس أربعة فاصحب ثلاثة ولا تصحب واحدا ، رجل يدري ويدري أنه ~~يدري ، فهذا عالم فاتبعه ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فهذا نائم فنبهوه ، ~~ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهل فعلموه ، ورجل لا يدري ولا يدري ~~أنه لا يدري ms1149 فهذا منافق فاجتنبوه ، ومثل هذا الرابع قول سهل : ما عصي الله ~~عز وجل بمعصية شر من الجهل ، وأعظم من الجهل الجهل بالجهل ، وقال بعض ~~الأدباء : الناس ثلاثة : فاصحب رجلين وأهرب من الثالث : رجل أعلم منك ~~فاصحبه تتعلم منه ، ورجل أنت أعلم منه يقبل منك فاصحبه تعلمه ، ورجل معجب ~~بنفسه لا علم عنده ولا تعلم فاهرب من هذا ، وقال محمد بن الحنفية رضي الله ~~عنه : ليس بلبيب من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا ، حتى يجعل ~~الله له منه فرجا ، فمعاملته عني يتقي ومخالطته إخوان الأضطرار ومعاشرة ~~التقي ومصافاته من أحس الإحسان ، وكان أبو مهران يقول : أخرج من منزلي فأنا ~~بين ثلاثة ، إن لقيت من هو أعلم مني فهو يوم فائدتي أتعلم منه ، وإن لقيت ~~من هو مثلي فهو يوم مذاكرتي ، وإن لقيت من هو دوني فهو يوم مثوبتي أعلمه ~~فأحتسب فيه الأجر ، وقال أبو جعفر محمد بن علي لابنه جعفر بن محمد عليهم ~~السلام : لا تصحبن من الناس خمسة ، واصحب من شئت ؛ الكذاب فإنك منه على غرر ~~، وهو مثل السراب يقرب منك البعيد ويبعد منك القريب ، والأحمق فإنك لست منه ~~على شيء ، يريد أن ينفعك فيضرك ، والبخيل فإنه يقطع بك أحوج ما تكون إليه ، ~~والجبان فإنه يسلمك وماله ونفسه عند الشدة ، والفاجر فإنه يبيعك بأكلة أو ~~بأقل منها ، قلت : وما أقل منها قال : الطمع . قول : أخرج من منزلي فأنا ~~بين ثلاثة ، إن لقيت من هو أعلم مني فهو يوم فائدتي أتعلم منه ، وإن لقيت ~~من هو مثلي فهو يوم مذاكرتي ، وإن لقيت من هو دوني فهو يوم مثوبتي أعلمه ~~فأحتسب فيه الأجر ، وقال أبو جعفر محمد بن علي لابنه جعفر بن محمد عليهم ~~السلام : لا تصحبن من الناس خمسة ، واصحب من شئت ؛ الكذاب فإنك منه على غرر ~~، وهو مثل السراب يقرب منك البعيد ويبعد منك القريب ، والأحمق فإنك لست منه ~~على شيء ، يريد أن ينفعك فيضرك ، والبخيل فإنه يقطع بك أحوج ما تكون إليه ، ~~والجبان فإنه يسلمك ms1150 وماله ونفسه عند الشدة ، والفاجر فإنه يبيعك بأكلة أو ~~بأقل منها ، قلت : وما أقل منها قال : الطمع . روينا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن رجلا صحبه في طريق فدخل النبي صلى الله عليه وسلم غيضة ، ~~فاجتنى سواكين من أراك أحدهما معوج والآخر مستقيم ، فأخذ المعوج وأعطى ~~صاحبه المستقيم ، فقال الرجل : أنت أحق بالمستقيم مني ، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ما من صاحب يصحب رجلا PageV02P394 ولو ساعة من نهار إلا ~~سأله الله عن صحبته ، هل أدى فيها حق الله عز وجل أم لا ، فكرهت أن يكون لك ~~علي حق لم أرده ، واعلم أن الأخوة في الله عز وجل ، والمحبة في الله تعالى ~~وحسن الصحبة كانت طرائق السلف الصالح ، قد درست اليوم محاجها وعفت آثارها ، ~~فمن عمل بها فقد أحياها ، ومن أحياها كان له مثل أجر من عمل بها ، فمن رزقه ~~الله أخا صالحا تطمئن به نفسه ، ويصلح معه قلبه فهي نعمة من الله عز وجل ~~مضافة إلى محاسن نعمه ، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله . ~~PageV02P395 # | الفصل الخامس والأربعون فيه ذكر التزويج وتركه أيهما أفضل ومختصر أحكام ~~النساء في ذلك # قال سبحانه وتعالى : ( وأنكحوا الأيامى منكم ) النور : 32 الآية ، فأمر ~~المحتاجين وندب المعصومين ، فالنكاح فرض مع الحاجة وسنة على الكفاية ، ثم ~~وعدهم تعالى الغنى على الفقر ، فالغنى على الغني يجعله على نحو الفقر من ~~الفقير ، فقد يكون فقيرا من الأجر فيغنيه بالأجر ، ويكون فقيرا من عدم ~~الحكم فيغنيه بإيجاب الحكم عليه ، ويكون فقيرا بالضيعة والشتات وفقد المنزل ~~والأثاث فيغنيه بوجود ذلك ، وأحكمه عز وجل بما عقبه من قوله تعالى وهو ~~الحكيم : ( والله واسع عليم ) البقرة : 247 ، فهو واسع لغناهم عن معاني ~~فقرهم عليهم بحالهم وما يصلحهم فيما لا يعلمون على مقادير رتبهم ، وروى ~~الحسن عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم : من ترك التزويج مخافة ~~العيلة فليس منا ، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أتاكم من ~~ترضون دينه وأمانته فأنكحوه ألا تفعلوه ms1151 تكن فتنة في الأرض وفساد كبير . وفي ~~الخبر : من نكح لله عز وجل وأنكح لله تبارك وتعالى استحق ولاية الله تعالى ~~، وهذا أدنى حال تنال به الولاية لأنها مقامات لكل مقام عمل من الصالحات ، ~~إلا أنا روينا أن بشر بن الحارث قيل له إن الناس يتكلمون فيك ، فقال : وما ~~عسى يقولون ؟ قيل : يقولون إنك تارك لسنة يعنون النكاح ، فقال : قل لهم : ~~إني مشغول بالفرض عن السنة ، وقال مرة : ما يمنعني من ذلك إلا آية في كتاب ~~الله تعالى قوله : ( ولهن مثل الذي عليهن ) البقرة : 228 ، ولعسى أن لا ~~أقوم بذلك ، وكان يقول : لو كنت أعول دجاجة لخفت أن أكون جلادا على الجسر ، ~~هذا يقوله في سنة عشرين ومائتين ، والحلال والنساء أحمد عاقبة ، فكيف ~~بوقتنا هذا ؟ فالأفضل للمريد في مثل زماننا هذا ترك التزويج إذا أمن الفتنة ~~وعود العصمة ، ولم تنازعه نفسه إلى معصية ، ولم يترادف خواطر النساء على ~~قلبه حتى يتشتت همه أو يقطعه عن حسن الإقبال على الخدمة من مسامرة الفكر ~~ومحادثة النفس بأمر النساء ، وما لم يجمح بصره إلى محظور ولم يخالط ذكره ~~شهوة تستولي عليه ، لأن أول خطايا الفرج شهوة القلب بمسامرة الفكر وهو ~~معقول PageV02P396 الخطيئة الثانية : إنعاظ الفرج عن شهوة القلب وهذا عمل ، ~~وقبض الرجل على فرجه متعظا معصية ثالثة ، فإن ظهرت الشهوة من الفرج فهو ~~معصية رابعة ، ومس الفرج باليمين مكروه ، فمتى وقعت هذه المعاني فإنها تغير ~~القلب عن الخشوع ، وتدخل عليه النقصان ، ومتى لم يبتل العبد بها ، فإن ~~الخلوة أفضل المعاني ، وفيها يجد لذة الوجود وحلاوة المعاملة ، ويقبل على ~~نفسه ويشتغل بحاله ولا يهتم بحال غيره ، فيحمل حاله على حال غيره فيقصر ، ~~أو يقوم بحكم آخر فيعجز ، ويعالج شيطانا آخر مع شيطانه ، وتنضم نفس أخرى ~~إلى نفسه ، وله في مجاهدة نفسه ومصابرة هواه وعدوه أكبر الأشغال ، ومنها أن ~~المكاسب قد فسدت فليس ينال أكثرها إلا يمعصية وهو مسؤول من أين اكتسبه وفيم ~~أنفقه ، فإن كان كسب من غير حله حسب ذلك عليه ، وإن أنفق ms1152 على هواه لم يحسب ~~ذلك له ، ومنها أن أكثر النساء قليلات الدين والصلاح ، والأغلب عليهن الجهل ~~والهوى ، فلا يأمن أن ينقاد لهن لأجل هواه فيخسر آخرته ، أو يمانعهن ~~فيغالطهن ، فلا ينقدن له فيتنغص عليه عيش دنياه ، وقال الحسن رحمه الله : ~~والله ما أصبح اليوم رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا أكبه الله في النار ، ~~ومنها أن الأغنياء في مقام الظالمين للفقراء لبخس حقوقهم عنهم ، وتقصيرهم ~~عما أوجب الله عز وجل عليهم لهم ، فإن كان المتأهل فقيرا لقي شدة وجهدا ~~وعنتا وكدا ولم يأمن دخول الآفات عليه لأجل عيلته ، وقد سئل ابن عمر رضي ~~الله عنه عن جهد البلاء فقال : كثرة العيال ، وقلة المال ، وقال بعض السلف ~~: قلة العيال أحد اليسارين ، وكثرة العيال أحد الفقرين ، ويقال : إن العيال ~~عقوبة شهوة الحلال وإن الحرص عقوبة طلب فوق الكفاية فهو عقوبة الموحدين . ~~وقد جاء في الأثر : الوحدة خير من قرين السوء وهو من القرين الصالح على غير ~~يقين ، فلا يزال اليقين بالشك ، فإن أكثر النساء من لا صلاح فيه لغلبة ~~الهوى وحب الدنيا عليهن ، وفي الخبر : مثل المرأة الصالحة في النساء كمثل ~~الغراب الأعصم من مائة غراب ، يعني الأبيض البطن ، وفي وصية لقمان لابنه : ~~يا بني اتق المرأة السوء فإنها تشيبك قبل المشيب ، واتق شرار النساء فإنهن ~~لا يدعون إلى خير ، وكان من خيارهن على حذر ، وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في خيرات النساء : إنكن صواحبات يوسف عليه السلام ، إن صرفكن أبا بكر ~~رضي الله عنه عن الإمامة ميل منكن إلى الهوى وتزيين وإغواء ، كما أن زليخا ~~حين راودت يوسف عليه السلام كان ذلك منها غواية وتسويلا ، ففيه اعتذار ~~ليوسف عليه السلام وإيقاع اللوم عليها وتشبه لهن بها ، وقال الله فيهن حين ~~أفشين سر النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ~~) التحريم : 4 ، يعن مالت إلى الهوى فأمرهما بالتوبة للميل إلى الهوى ، ثم ~~قال : وإن تظاهرا عليه يعني تعاونا وهما من خير الأزواج فماظنك بمن شاكلته ms1153 ~~الجهالة ووصف الهوى والضلالة ؟ . PageV02P397 وفي الخبر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ما أفلح قوم تملكهم امرأة ، وقال الله تعالى مخبرا بعداوة ~~بعض الأزواج والأولاد : ( إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ) ~~التغابن : 41 ، يعني في الآخرة لانحطاطكم في أهوائهم وميلكم إلى وهن آرائهن ~~، فصاروا عدوا غدا ، كيف وقد تكون المرأة والولد أعدى عدو للرجل اليوم بل ~~يوم القيامة إذا خالفهم في أهوائهم وعمل بالعلم في أحوالهم وقد كان إبراهيم ~~بن أدهم يقول : من تعود أفخاذ النساء لم يفلح ، وكان بشر رحمه الله يقول : ~~لوكان لي عيال لخشيت أن أكون جلادا على الجسر ، فالوحدة أروح للقلب وأقل ~~للهم لخفة المؤونة وقلة المطالبة وأمن المنازعة وسقوط حكم من أحكام الشرع ~~عنه ، وقد كان السلف يعملون في إسقاط الحكم عنهم للعجز عن القيام بها ، ~~ويغتنمون ذلك ، وفي التخلي قلة الاهتمام بالأدخار والجمع ، وترك المراعاة ، ~~والتحفظ للمبيت في البيت ، وسقوط المسألة والاستخبار ، وترك التجسس للآثار ~~التي نهى الله ورسوله عنها إذ لا يأمن ذلك مع الزوجة السوء ، وإنما زهد ~~الزاهدون في الدنيا لراحة القلب واطراح الهم وسقوط المطالبة ، وقد أبيحت ~~العزبة وفضل التعزب لهذه الأمة في آخر الزمان ، بعد المائتين أبيحت العزبة ~~لأمتي ، ولأن يربي أحدكم جرو كلب خير من أن يربي ولدا ، والخبر المشهور : ~~خير الناس بعد المائتين الخفيف الحاد الذي لا أهل له ولا ولد ، وفي خبر آخر ~~: يأتي على الناس زمان يكون هلاك الرجل على يدي زوجته وأبويه وولده ، ~~يعيرونه بالفقر ويحملونه ما لا يطيق ، فيدخل المداخل التي يذهب فيها دينه ~~فيهلك وربما كانت المرأة عقوبة للعبد . وقد حدثونا في أخبار الأنبياء عليهم ~~السلام أن قوما دخلوا على يونس عليه السلام فأضافهم ، وكان يدخل ويخرج إلى ~~منزله فتؤذيه امرأته وتستطيل عليه وهو ساكت ، فعجبوا من ذلك ، وهابوه أن ~~يسألوه فقال : لا تعجبوا من هذا ، فإني سألت الله عز وجل فقلت : يا رب ما ~~كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا فقال : إن عقوبتك ابنة فلان ~~فتزوج بها ms1154 ، فتزوجت بها وأنا صابر على ما ترون منها ، وهذا كله لمن لم يخش ~~العنت ، فأما من خاف العنت وهو الزنا ، وأصل العنت في اللغة هو الكسر بعد ~~جبر ، يقال للدابة إذا كسرت بعد ما جبرت قد عنتت ، فكأنه كان مجبورا ~~بالعصمة وبالتوبة ثم كسر بالزلل أو العادة السوداء فنكاح الأمة حينئذ خير ~~له من العنت ، والصبر عن نكاح الأمة خير من نكاحها ، وهذا معنى قوله عز وجل ~~في نكاح الأمة : ( ذلك لمن خشي العنت منكم ) النساء : 25 ، وكذلك إن كثرت ~~الخواطر الردية والوساوس الدنية في قلبه بذكر النكاح فشغله ذلك عن فرضه أو ~~شتت ذلك همه ، فإن نكاح الأمة أيضا خير له على أن نكاح الأمة محرم على من ~~وجد طولا بحرة ، انصرف الناس ذات يوم من مجلس ابن عباس وبقي شاب لم ~~PageV02P398 يبرح ، فأطال القعود فقال له ابن عباس : هل لك من حاجة فقال : ~~نعم ، لي حاجة استحيت أن أسألك عنها بحضرة الملأ قال : سلني عما شئت قال : ~~إني أهابك وأجلك فقال ابن عباس : إنما العالم بمنزلة الوالد لا حشمة على ~~السائل منه ، فمهما أفضيت به إلى أبيك فأفض به إلي فإنه لا عيب عليك عندي ~~فقال : رحمك الله إني شاب لا زوجة لي وربما خشيت العنت على نفسي ، وربما ~~استمنيت بذكري فهل لي في ذلك معصية ، فأعرض عنه ابن عباس رضي الله عنهما ثم ~~قال : أف وتف ، نكاح الأمة خير من هذا ، وهذا خير من الزنا ، ونكاح الأمة ~~عند علماء العراق حرام على من وجد عشرة دراهم ، وعند بعض علماء الحجاز إذا ~~كان واجدا ثلاثة دراهم لم يحل له نكاح الأمة ، وعن بعض أصحاب ابن المسيب إن ~~وجد الرجل درهمين حرم عليه الأمة ، وقال بعض الناس : أحمق الناس حر تزوج ~~بأمة ، وأعقل الناس عبد تزوج بحرة ، لأن هذا يعتق بعضه وذلك يرق بعضه ، ~~لأنه يرق ولده وقد جاء في كراهة الاستمناء وتحريمه والتغليظ فيه أخبار ~~شديدة . روينا أن الله عز وجل أهلك أمة من الأمم كانوا يعبثون بمذاكيرهم ms1155 ، ~~وقد أسنده إسماعيل بن أبان عن أنس بن مالك ، وسئل أبو محمد عن النساء فقال ~~: الصبر عنهن ولا الصبر عليهن ، والصبر عليهن خير من الصبر على النار ، ~~وكذلك قال بعض العلماء قبله : معالجة العزبة خير من معالجة النساء وقال بعض ~~علمائنا البصريين من أهل الورع واليقين ، وقد سئل عن التزويج في مثل زماننا ~~، فذكر ضيق المكاسب وقلة الحلال وكثرة فساد النساء ، فكرهه للورع وأمره ~~بالمدافعة فأعيد عليه في ذلك ، فقال إنه يدخل في المعاصي لدخول الإنسان في ~~الآفات وفي المكاسب المحرمات ومن أكله بدينه وتصنعه للخلق ، فلا يصلح ~~التزويج في هذالوقت إلا لرجل يدركه من الشبق ما يدرك الحمار إذا نظر إلى ~~أتان ، لم يملك نفسه أن يثب عليها حتى يضرب رأسه ، وهو لا ينثني ، فإن كان ~~الإنسان على مثل هذا الوصف كان التزويج له أفضل ، وقد روينا عن قتادة في ~~قوله عز وجل : ( ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) البقرة : 286 ، قال الغلمة ~~وعن عكرمة ومجاهد رضي الله عنهما وخلق الإنسان ضعيفا قال : لا يصبر عن ~~النساء . وروينا عن فياض بن نجيح إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله ، وبعضهم ~~يقول : ذهب ثلث دينه ، وروينا في نوادر التفسير عن ابن عباس ومن شر غاسق ~~إذا وقب قال : قيام الذكر وقد أسنده بعض الرواة ، إلا أنه قال فيه : الذكر ~~إذا دخل ولم يذكر قام ، وفي الخبر : إذا تزوج الرجل فقد أحرز نصف دينه ، ~~فليتق الله في الشطر الآخر ، وفي دعاء البراء بن عازب : أعوذ بك من شر سمعي ~~وبصري وقلبي ومني ، فكان المني إذا امتلأ به خرز PageV02P399 الصلب ، فطلب ~~الخروج فخيف منه فساد القلب ومرضه بمنزلة الدم إذا كان في العروق ، فإذا ~~تصاعد من الصلب طبخه وغيره فابيض وصار منيا بإذن الله عز وجل ، وذكر النساء ~~في مجلس معاوية فذمهن قوم فقال : لا تفعلوا ، فما علل المريض ولا ندب الميت ~~ولا عمر البيوت مثلهن ، ولا احتاجت الرجال إلى مثلهن وفي بعض التفسير قال : ~~( أنا جعلنا ما على الأرض زينة ms1156 لها ) الكهف : 7 قال : النساء ، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال : لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج ، وكان يجمع غلمانه ~~لما أدركوا عكرمة وكريب وغيرهما فيقول : إن أردتم النكاح أنكحتكم ، فإن ~~العبد إذا زنا نزع نور الإيمان من قلبه ، وقد قال عمر رضي الله عنه لأبي ~~الزوائد : ما يمنعك من النكاح إلا عجوز أو فجور ، وحدثنا بعض علماء خراسان ~~عن شيخ له من الصالحين ، كان يصحب عبدان صاحب ابن المبارك ووصف من صلاحه ~~وعلمه قال : فكان يكثر التزويج حتى لم يكن يخلو من اثنتين أو ثلاثة فعوتب ~~في ذلك فقال : هل يعرف أحد منكم أنه جلس بين يدي الله عز وجل مجلسا ، أو ~~وقف بين يدي الله موقفا في معاملته ، فخطر على قلبه خاطر شهوة ، وأفكر في ~~ذلك فقيل : قد يصيبنا هذا كثير فقال : لو رضيت في عمري كله بمثل حالكم في ~~وقت واحد لما تزوجت ثم قال ، لكني ما خطر على قلبي خاطر يشغلني عن حالي إلا ~~نفذته لأستريح منه ، وأرجع إلى شغلي ثم قال : منذ أربعين سنة ما خطر على ~~قلبي خاطر معصية ، وسمع بعض العلماء بعض الجهال يطعن على الصوفية فقال : يا ~~هذا ما الذي نقصهم عندك فقال : يأكلون كثيرا فقال : وأنت أيضا ، لو جعت كما ~~يجوعون لأكلت كما يأكلون ثم قال : ماذ ؟ قال : ويتزوجون كثيرا فقال : وأنت ~~أيضا ، لو حفظت فرجك كما يحفظون تزوجت كما يتزوجون وأي شيء أيضا قال : ~~ويسمعون القول قال : وأنت أيضا ، لو نظرت كما ينظرون لسمعت كما يسمعون ، ~~وقد سئل بعض العلماء عن القراء : لم يكثرون الأكل ويكثرون الجماع وتعجبهم ~~الحلاوة فقال : لأنه يطول جوعهم ويتعذر عليهم موجود الطعام ، فإذا وجدوا ~~استكثروا منه ، وأما الحلاوة فإنهم تركوا شرب الخمر وكثرة لذات النفوس ~~فاجتمعت لذتهم في الحلاوة ، فهم يأكلونها ، وأما الجماع فإنهم غضوا أبصارهم ~~في الظاهر ، فضيقوا على قلوبهم في الخواطر ، فاتسعوا في النكاح فأكثروا منه ~~لما ضيقوا على جوارحهم عن الانتشار في الأبصار ، وقد كان الجنيد رحمه الله ~~يقول : أحتاج إلى ms1157 الجماع كما أحتاج إلى القوت ، وكان ابن عمر رضي الله عنه ~~من زهاد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعلمائهم ، وكان يصوم كثيرا ، وكان ~~يفطر على الجماع قبل الأكل ، وربما جامع قبل أن يصلي بالمغرب ثم يغتسل ~~ويصلي . وروينا عنه أنه جامع أربعا من جواريه في رمضان قبل صلاة عشاء الآخر ~~، وقد كان ابن عباس رضي الله عنه يقول : خير هذه الأمة أكثرها نكاحا ، وكان ~~سفيان بن عيينة PageV02P400 يقول : كثرة النساء ليست من الدنيا لأن عليا ~~رضي الله تعالى عنه كان أزهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان له ~~أربع نسوة وسبعة عشر سرية ، فالنكاح سنة ماضية وخلق من أخلاق الأنبياء ~~صلوات الله عليهم ، وقد روينا في أخيار الأنبياء أن عابدا تبتل وبلغ من ~~العبادة ما فاق على أهل زمانه ، ووصف بذلك فقال : فذكر ذلك لنبي ذلك الزمان ~~، فأثنى عليه بحسن الثناء فقال : نعم الرجل هو لولا أنه تارك لشيء من السنة ~~قال : فنمى ذلك إلى العابد فأهمه فقال : ما ينفعني عبادتي ليلا ونهارا وأنا ~~تارك للسنة ، فجاء إلى ذلك النبي فسأله فقال : نعم أنت تارك للتزوج فقال : ~~ما تركته أنني حرمته ومنعني منه إلا أني فقيرلا شيء عندي وأنا عيال على ~~الناس ، يطعمني هذا مرة وهذا مرة ، فكرهت أن أتزوج امرأة أعضلها وأرهقها ~~جهدا ، فقال : ما يمنعك إلا هذا قال : نعم قال : فأنا أزوجك ابنتي قال : ~~فزوجه النبي عليه السلام ابنته في قصة طويلة ، وروينا في نوادر أخبارهم ~~أيضا : أن يحيى بن زكريا عليهما السلام تزوج امرأة ولم يكن يقربها ، قيل : ~~لغض البصر وقيل : للفضل في ذلك ، كأنه أراد أن يجمع الفضائل كلها ، وقيل : ~~للسنة ، وكان بشر بن الحارث رحمه الله يعتقد أحمد بن حنبل رحمه الله ويقول ~~: فضل علي بثلاث بطلب الحلال لنفسه ولغيره ، وأنا أطلب الحلال لنفسي ~~واتساعه للنكاح وضيقي عنه وقد جعل إماما للعامة ، وأنا أطلب الوحدة لنفسي ، ~~ويقال إن أحمد بن حنبل رضي الله عنه تزوج اليوم الثاني من وفاة أم عبد الله ms1158 ~~ولده ، ويقال إنه لم يبت عزبا بعد وفاتها إلا ليلة ، ولكن قد كان بشر رحمه ~~الله يحتج لنفسه بحجة ، قيل له إن الناس يتكلمون فيك فقال : وما عسى أن ~~يقولوا قال : يقولون هو تارك للسنة في ترك النكاح فقال : قل لهم : هو مشغول ~~بالفرض عن السنة ، وعوتب مرة أخرى في ترك التزوج فقال : ما يمنعني من ذلك ~~إلا حرف في كتاب الله عز وجل : ( ولهن مثل الذي عليهن ) البقرة : 228 قال : ~~فذكر ذلك لأحمد بن حنبل فقال : وأين مثل بشر أنه قعد على مثل حد السنان ، ~~وعلى ذلك فقد بلغنا أنه رحمه الله رؤي في المنام بعد وفاته ، فسئل عن حاله ~~فقال : رفعت سبعين درجة في عليين ، وأشرف بي على مقامات الأنبياء ولم أبلغ ~~منازل المتأهلين ، وبلغنا عنه أنه قال : وعاتبني ربي عز وجل وقال : يا بشر ~~ما كنت أحب أن تلقاني عزبا قال : فقلت له ما فعل أبو نصر التمار فقال : رفع ~~فوقي سبعين درجة فقلنا : بماذا ، وقد كنا نراك فوقه فقال : بصبره على بناته ~~والعيال . وقد كان ابن مسعود يقول : لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام أموت ~~في آخرها لأحببت أن أتزوج ، ولا ألقى الله عز وجل وأنا أعزب ، وماتت امرأة ~~معاذ بن جبل رضي الله عنه في الطاعون ، وكان هو أيضا مطعونا فقال : زوجوني ~~فإني أكره أن ألقى الله عز وجل عزبا ، PageV02P401 وقد كان بعض الصحابة ، ~~انقطع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدمه ويبيت عنده لحاجة إن طرقته ~~فقال له : ألا تتزوج فقال : يا رسول الله ، أنا فقير لا شيء لي وأنقطع عن ~~خدمتك ، فسكت عنه ثم أعاد عليه ثانية : ألا تتزوج ، فقال له مثل ذلك ، ثم ~~تفكر الصحابي في نفسه فقال : والله لرسول الله أعلم بما يصلح في دنياي ~~وآخرتي ، وما يقربني إلى الله عز وجل مني لئن قال لي الثالثة لأفعلن فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تتزوج قال : فقلت : يا رسول الله ~~زوجني قال : اذهب إلى بني ms1159 فلان فقل لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يأمركم أن تنكحوني فتاتكم قال : فقلت : يا رسول الله إنه لا شيء لي فقال ~~لأصحابه : اجمعوا لأخيكم وزن نواة من ذهب ، فجمعوا له وذهب إلى القوم ~~فأنكحوه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أولم فقال : يار سول ~~الله لا شيء عندي فقال لأصحابه : اجمعوا لأخيكم ثمن شاة ، فجمعوا له وأصلح ~~طعاما ، ودعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وفي الخبر ~~المشهور : من كان ذا طول فيلتزوج ، وفي لفظ آخر : من استطاع منكم الباءة ~~يعني الجماع فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لا فليصم ، فإن ~~الصوم له وجاء ، وأصل الوجاء رض الخصيتين للفحل من الغنم لتذهب فحولته ~~وضرابه ، فكانت العرب تجأ بحجرين فتقطع ضرابه ، فيسكن لذلك عهره ويسمن ، ~~ومن ذلك الخبر ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين موجوءين ~~يعني أبيضين مرضوضي الخصية . روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~تناكحوا ، تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط والرضيع ، ~~وفي الخبر الآخر : من أحبني فليستن بسنتي يعني النكاح ، وحديث أبي سعيد ~~الخدري : من ترك النكاح مخافة العيلة فليس منا ، وقد كان عمر يكثر النكاح ~~ويقول : ما أتزوج إلا لأجل الولد ، وقد كانت هذه نية جماعة من السلف ، ~~يتزجون لأجل أن يولد لهم فيعيش ، فيوحد الله تعالى ويذكره أو يموت ، فيكون ~~فرطا صالحا يثقل به ميزانه كيف ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : أن الطفل يجر أبويه بسرره إلى الجنة وأن المولود يقال له : ادخل ~~الجنة قال : فيقف على باب الجنة ، فيظل محبنطئا أي ممتلئا غيظا وغضبا فيقول ~~: لا أدخل إلا وأبواي معي فيقال : أدخلوا أبويه معه الجنة ، وقد روينا خبرا ~~غريبا : أن الأطفال يجمعون في موقف القيامة عند عرض الخلائق للحساب فيقال ~~للملائكة : اذهبوا بهؤلاء إلى الجنة قال : فيقفون على باب الجنة قال : ~~فيقول لهم : مرحبا بذراري المسليمن ، ادخلوا لا حساب عليكم فيقولون : فأين ~~آباؤنا وأمهاتنا قال : فتقول ms1160 الخزنة : إن آباءكم وأمهاتكم ليسوا مثلكم ، ~~إنهم كانت لهم ذنوب وسيئات ، فهم يحاسبون عليها ويطالبون قال : فيتضاغون ~~ويضجون على باب الجنة ضجة واحدة فيقول الله عز وجل للملائكة ، وهو أعلم : ~~ما هذه الضجة ، فيقولون : يا ربنا ، أطفال المسلمين قالوا لا ندخل الجنة ~~إلا مع آبائنا فيقول الله عز وجل : تخللوا الجمع ، فخذوا بأيدي آبائهم ~~فأدخلوهم معهم الجنة ، PageV02P402 وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: من مات له اثنان من الولد ، فقد احتظر له بحظار من النار ، وفي خبر آخر : ~~من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث أدخله الله عز وجل الجنة ، بفضل رحمته ~~إياهم قيل : يا رسول الله ، فاثنان قال : واثنان ، وكان بعض الصالحين يعرض ~~عليه التزويج فيأباه برهة من دهره قال : فانتبه من نومه ذات يوم فقال : ~~زوجوني فسئل عن ذلك فقال : لعل الله يرزقني ولدا أو يقبضني ، فيكون مقدمة ~~لي في الآخرة ، ثم حدث عن سبب ذلك فقال : رأيت في نومي كأن القيامة قد قامت ~~، وكنت في جملة الخلائق في الموقف ، وبي من العطش ما كاد أن يقطع عنقي ، ~~وكذلك الخلائق في شدة العطش من الحر والشمس والكرب قال : فبينما نحن كذلك ، ~~إذا الولدان يتخللن الجمع ، عليهم مناديل من نور وبأيديهم أباريق من فضة ~~وأكواب من ذهب وهم يسقون الواحد بعد الواحد ، ويتخللون الجمع ويجاوزون أكثر ~~الناس قال : فمددت يدي إلى أحدهم فقلت : اسقني شربة فقد أجهدني العطش فقال ~~: ليس لك فينا ولد إنما نسقي آباءنا فقلت : وما أنتم فقالوا : نحن من مات ، ~~من أطفال المسلمين . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير نسائكم ~~الودود الولود ، وروي أيضا : حصيرة في البيت خير من امرأة لا تلد ، وروي ~~أيضا : سوداء ولود خير من حسناء لا تلد ، هذا كله لأجل هذا ، وروينا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : من رغب عن سنتي فليس مني وإن من سنتي ~~النكاح ، ومن أحبني فليستن بسنتي ويقال : إن الله تعالى لم يذكر في كتابه ~~من الأنبياء إلا المتأهلين وهم خمس ms1161 وثلاثون ، وقد ذكرنا آنفا أن يحيى عليه ~~السلام قد تزوج ، وأما عيسى عليه السلام فإنه سينكح إذا نزل من السماء ~~ويولد له ، وقد قيل إن فضل المتأهل على العزب كفضل المجاهد على القاعد ، ~~وإن ركعتين من متأهل أفضل من سبعين ركعة من أعزب ، وقال الله تعالى في وصف ~~الرسل ومدحهم : ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية ) ~~الرعد : 38 ، فعد الأزواج والذرية من مدحهم وذكرها في وصفهم ، وكذلك ألحق ~~بهم أولياءه في المدح والفضل في قوله عز وجل : ( والذين يقولون ربنا هب لنا ~~من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) الفرقان : 74 ، فسألوا الله عز وجل من فضله ~~، وكل ما ذكرناه من فضل النكاح يشترك في فضل ذلك النساء ، بل هو لهن أفضل ~~وأثوب لسقوط المكاسب عنهن ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة ~~بالتزوج وندبها PageV02P403 إليه ، وأخبر بفضل الرجل وفضل المتزوجة على ~~العزباء في غير حديث ، وقال صلى الله عليه وسلم : لعن الله المتبتلين من ~~الرجال الذين يقولون : لا نتزوج ، لعن الله المتبتلات من النساء اللاتي ~~يقلن : لا نتزوج بعد ما ذكر من عظيم حق الرجل على المرأة وثقل واجبه حتى ~~قالت المرأة إذا لا أتزوج إذا قال : بل تزوجي ، فهو خير ، والأخبار في فضل ~~النكاح للزوجين معا أكثر ، وليس مذهبنا الإطالة والإكثار في الجمع ، وقد ~~ندب الله تعالى إلى النكاح في قوله تعالى : ( فاتوا حرثكم أنى شئتم ) ~~البقرة : 223 ، وفي أنى ثلاث ، معان : معنيان منها هنا يكون أنى بمعنى كيف ~~شئتم من ليل أو نهار ، فكيف شئتم مقبلة أو مدبرة ، وبين ذلك بعد أن يكون في ~~موضع الحرث ، وقد يكون أنى في موضع آخر بمعنى أين ، ولا يصلح هذا الوجه ~~ههنا ثم قال عز وجل ( وقدموا لأنفسكم ) البقرة : 223 ، قيل : النكاح معطوف ~~به الإتيان ، وهو أحد الوجوه الثلاثة : لما فيه من فضل الاغتسال من الجنابة ~~، ولما فيه من فضل مباشرة المرأة وأن المرأة إذا لاعبها بعلها وقبلها كثرت ~~له من الحسنات ما شاء الله ، فإذا اغتسلا خلق ms1162 الله من كل قطرة ملكا يسبح ~~الله تعالى إلى يوم القيامة ، وجعل ثواب ذلك لهما ، ولما في ذلك من التحصين ~~لهما ووضع النطفة في محلها ، وفي ذلك فضائل جمة ، وقد أمر به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في قوله : ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا ، زوجة ~~مؤمنة تعينه على آخرته . والوجه الثاني في قوله تعالى : ( وقدموا لأنفسكم ) ~~البقرة : 223 ، قيل : الولد قدموا لآخرتكم ، لأنه عمل من أعمالكم ، كما قال ~~عز وجل : ( ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ) الطور : 21 ، ~~أي ما نقصناهم أولادهم ، أي جازيناهم بهم وجعلناهم مزيدا في حسناتهم لأنهم ~~من أعمالهم وأكسابهم ، وكما قال عز وجل : ( ما أغنى عنه ماله وما كسب ) ~~المسد : 2 ، يعني ولده ، ففي تدبره أن الولد يغني المؤمن في الآخرة كما ~~يغني المال عنه إذا أنفقه في سبيل الله تعالى ، وفي الخبر : ولد الرجل من ~~كسبه فأحل ما أكل من كسب ولده ، والوجه الثالث في قوله عز وجل : ( وقدموا ~~لأنفسكم ) البقرة : 223 ، قيل التسمية عند الجماع أي اذكروا اسم الله تعالى ~~عنده ، فذلك تقدمة لكم ، وأنه يستحب للمجامع أن يسمي الله عز وجل عند جماعه ~~، ويقرأ ( قل : هو الله أحد ) الإخلاص : 1 قبله ، وكان بعض أصحاب الحديث ~~إذا أراد الجماع ، هلل وكبر حتى يسمع أهل الدار تكبيره ، وإذا كانت المرأة ~~معينة لزوجها على الطاعة ، طالبة للتقلل والقناعة فهي نعمة من الله عليه ~~يطالبه بشكرها قال الله عز وجل : ( وأصلحنا له زوجه ) الأنبياء : 90 فعد ~~ذلك من نعمة الله عليه وإحسانه إليه ، وقيل في التفسير : كان خلقها سيئا ~~فحسن ، وقيل : كان في لسانها طول فقصر ، PageV02P404 وروينا عن نبينا صلى ~~الله عليه وسلم : فضلت على آدم عليه السلام بخصلتين : كانت له زوجة عونا له ~~على المعصية وأزواجي عونا لي على الطاعة ، وكان شيطانه كافرا وشيطاني مسلما ~~لا يأمرني إلا بخير ، فعد ذلك صلى الله عليه وسلم في فضائله ، وإذا كانت ~~المرأة حسنة الوجه خيرة الأخلاق سوداء الحدقة والشعر ، كبيرة العين بيضاء ~~اللون ms1163 ، محبة لزوجها قاصرة الطرف فهذه على صورة الحور العين قال الله تعالى ~~في ذلك : ( فيهن خيرات حسان ) الرحمن : 7 ، ، قيل : خيرات الأخلاق حسان ~~الوجوه وقال تعالى : ( وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ) الواقعة : 22 - 23 ~~، والحور البيض والعين ، كبار الأعين هو جمع عيناء ، والحوراء هي البيضاء ~~شديدة بياض العين ، شديدة سوادها وسواد الشعر وقال عز وجل : ( عربا ) ~~الواقعة : 157 العربة على معنيين : تكون العاشقة لزوجها ، وتكون المشتهية ~~للجماع ، وذلك يكون من تمام اللذة في الوقاع ، لأن المرأة إذا لم تكن محبة ~~لزوجها ولا مشتهية لإفضائه إليها ، نقص ذلك من لذته فلذلك وصف الله عز وجل ~~نساء أهل الجنة بتمام اللذة ، ويقال : رجل شبق وامرأة عربة يوصفان بشهوة ~~الجماع كيف وقد روي : خير نسائكم الغلمة على زوجها وقال بعض الحكماء : ثلاث ~~من اللذات لا يؤبه لهن : المشي في الصيف بلا سراويل ، والتبرز على الشط ، ~~ومجامعة الربوخ يعني المشتهية للجماع وقال عز وجل في تمام وصفهن : ( قاصرات ~~الطرف ) الصافات : 48 ، أي قد قصر طرفها على زوجها وحده ، فليست ترى أحسن ~~منه ولاتريد بدلا غيره ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير نسائكم ~~التي إذا نظر إليها الرجل سرته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته ~~في نفسه وماله . وروينا عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في معنى قوله ~~عز وجل : ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة ) البقرة : 102 قال : المرأة الصالحة ~~، وفي بعض التفسير : ( فلنحيينه حياة طيبة ) النحل 16 قال : المرأة الصالحة ~~وقد كان عمر رضي الله عنه يقول : المرأة الصالحة ليست من الدنيا لأنها ~~تفرغك للآخرة ، إلا أنه كان يقول : المنفرد يجد من حلاوة العبادة ما لا يجد ~~المتزوج ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول : ما أعطى عبد بعد ~~إيمان بالله عز وجل خيرا من امرأة صالحة ، ووصف النساء فقال : منهن غنم لا ~~يجزأ منه ، يعني غنيمة لا يعتاض منها بعطاء ، الحديا هي العطاء ، ومنهن غل ~~لا يفدي منه أي لا قيمة له فيفدى منه ويجوز أن ms1164 لا راحة منه كالغل ، فصاحبها ~~أسير بحبها لا يفتدى أبدا إلا بموتها وقال أيضا : قيل : كانت العرب من ~~نهاية تعذيبها للأسير تسلخ جلد الشاة ثم تلبسه إياه لحما طريا ، فيلتزق على ~~جسده وينقبض ، ثم لا تنزعه عنه حتى يقمل وينتثر منه الهوام ، فذلك ؛ هو ~~الغل مثل المرأة المكربة ، واعلم أن النساء على أوصاف النفس ، من عرف صفات ~~النفس عرف بها أوصاف النساء ، وقاساهن بالتجربة ، والخبر : عرف بذلك صفات ~~النفس : فمنهن المسولة وهي PageV02P405 أدناهن ، ومنهن الأمارة بالسوء وهي ~~شرهن لا تستر من الأذى ولا تني عن خلق السوء والبذاء ، ومنهن بمنزلة النفس ~~اللوامة وهي من صالحي النساء ، ومنهن المطمئنة المرضية وهذه هي الصالحة ~~الخيرة الساكنة الراضية ، وفصل الخطاب : إن كان صلاح قلب العبد واستقامة ~~حاله في بالعزبة فلا أعدل بالوحدة شيئا ، لأن أقل ما فيها السلامة ، ~~والسلامة في وقتنا هذا فضيلة وغنيمة ، وإن تاقت نفسه إلى التزويج ولم يأمن ~~دواعي الهوى فيتزوج إذا أدى إلى سلامة دينه ، وإن لم تتم كفايته بواحدة ضم ~~إليها أخرى فإن لم تكن بهما غنيمته وتمام حاله وتحصينه زاد ثالثة إلى أربع ~~، فإن الأربعة مع توقان النفس إلى النكاح وقوة شهوتها في التنقل في المناكح ~~بمنزلة الواحدة ، وإن الواحدة مع وقوع الكفاية ووجود الاستغناء تنوب عن ~~الأربع ، كذلك خير الله عز وجل صورة النفس فيما عليه جبلها ، وفاوت بين ~~الطبائع فيما عليه جعلها ، يقال : إن الله عز وجل أباح الجمع بين الأربع ~~لأجل الطبائع الأربع ، لكل طبيعة واحدة على قدر حركاتها وتوقان النفس عندها ~~، ولا نقص على العبد في ذلك إذا قام بما عليه لهن أو سمحن بحقوقهن من ~~النفقة والمبيت له ، بل ذلك مزيد له . ودلالة على قوته وتمكنه في الحال ، ~~وهذه طرائق الأقوياء والأئمة من الرجال ، وأيضا فإن الله عز وجل ما أنعم به ~~من امتطاء الأربع من النساء من الحكمة ، وتلوين الطبع في الصنعة مثل ما ~~أنعم به من تكوين سيرة المطايا ، التي جعلهن مراكب عباده ، فجعل تفاوت ~~تكوين وطء الأربعة بمنزلة تغاير ms1165 مشي دواب البر الأربعة فقال عز وجل : ( ~~والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ) النحل : 8 ، وقال عز وجل : ( من ~~الفلك والأنعام ما تركبون ) الزخرف : 12 ، يعني الإبل ، فسير الناقة غير ~~سير الفرس ، وسير البغل مخالف لمشي الحمار ، وكذلك جعل لمن جمع الأربع ~~بالوطء ما لا يجعل بالآحاد والمثنى والثلاث ، فحسن ذلك وأباحه لمن جمع ~~بنيهن أربعا كإطلاقه لمن جعل له المطايا أربعة ينتقل على دابة بعد دابة ، ~~فكان له فرس وبغل وحمار إذا اتسع بذلك وأقام بمؤونتهن ، وقد يكتفي الواحد ~~بدابة واحدة فيكون فيها بلاغ إلى حين ، ذلك تقدير العزيز العليم وإتقان صنع ~~المنعم الحكيم ، وقد شرط الله تعالى مع الزوجة ثلاثة شروط ، إن وجدت تمت ~~بهن كفاية العبد وسكنت بها نفسه ، وكان ذلك من آيات الله الدالة عليه ، وإن ~~لم توجد الشروط الثلاثة مع الإحدى ، كان له المزيد عليها إلى الرباع ، وكن ~~في المعنى كالآحاد لعدم الشروط التي أخبر الله عز وجل بسكون النفس عندها ، ~~وعند الأربع توجد الشروط في قلوب المؤمنين لا محالة كما أخبر عز وجل ، وكان ~~ذلك أيضا من آياته وحكمته الدالة عليه فقال سبحانه : ( ومن آياته أن خلق ~~لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) PageV02P406 ~~الروم : 21 ، فإن وجد العبد سكون النفس ورحمة القلب ومودة المرأة في ~~الواحدة ، فهو من آيات الله عز وجل وهي كفايته وغنيته ، وإن لم يجد السكون ~~ولا الرحمة ولا المودة إلا في الأربع ، فهن حينئذ كفايته وقنيته ، والله ~~تبارك وتعالى يغني بالواحدة ويقني بالأربع ، أي يجعل غنيا ويجعل قنية جماعة ~~ومدخرا ، وذلك أيضا من آيات الله تعالى واختياره لمن قوي عليه واستقام به ، ~~وقد شبه بعض الناس الأزواج بالقمص فقال : ليس من السرف أن يجمع الرجل أربعة ~~أقمصة ، وما زاد على ذلك كان سرفا ، كما إن الله عز وجل أمر بالجمع بين ~~الأربع من النساء ، ويصلح أن يستدل له بقوله تعالى : ( هن لباس لكم ) ~~البقرة : 187 ، فجعلهن في معنى الملبوس ورفع فيهن إلى الأربع وفي قوله ~~تعالى : ( فانكحوا ms1166 ما طاب لكم من النساء ) النساء : 3 ، ثم ابتدأ فنص على ~~مثنى ولم يقل : إحدى على الندب والاستحباب للجمع بين اثنين ، وإن العدل قد ~~يوجد ويقدر عليه معهما ، ثم رد إلى الواحدة لمن خاف الجور فيهن فقال تعالى ~~: ( فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة ) النساء : 3 ، ففي دليل الخطاب أشتراط ~~العدل في الأربع ، ثم ذكره بقوله : ( ذلك أدنى أن لا تعولوا ) النساء : 3 ، ~~يعني أقرب أن لا تجوروا ، وقد قال بعض الفقهاء من أهل الحجاز واللغة : لا ~~تعولوا ، أي لا تكثر عيالكم ، والأول أحب إلي ، لأنه أشبه بالقرآن كأنه عطف ~~على النص لما قال : أن لا تعولوا ، قال : ذلك أدنى أن لا تجوروا ، والأول ~~أحب إلي ، ويصلح هذا الوجه أيضا في اللغة من قال : عال يعول ، بمعنى أعال ~~يعيل ، وأكثر العرب فرقت بين ذلك يقولون : عال يعول إذا جار ، وأعال يعيل ~~من العيلة إذا كثر عياله ، وشاذ نادر من يجعلها لغتين بمعنى فليتوخ العدل ~~بين أزواجه ، من جمع بينهن في النفقة والكسوة والمبيت ، ولا يحيف على بعض ~~فيقصر عن كفايتها وواجبها في ذلك . فقد جاء في الحديث : من كانت له امرأتان ~~فمال إلى إحداهما دون الأخرى ، وفي لفظ آخر ، فلم يعدل بينهما ، جاء يوم ~~القيامة وأحد شقيه مائل ولا عدل عليه في المحبة والجماع ، لأن ذلك لا يملك ~~إذا سوى بين البيتوتة ، ولا عليه أيضا أن يجامع من بات عندها إنما عليه ~~المبيت ليلة وليلة وفي تفسير قوله تعالى : ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين ~~النساء ولو حرصتم ) النساء : 129 ، قال : لا تقدروا على العدل بينهن في ~~الحب والجماع ، لأن ذلك فعل الله عز وجل في القلوب وفي شهوة النفس ، وروينا ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم بين نسائه في العطاء والمبيت ~~، وكان يقول : اللهم هذا جهدي فيما أملك ولا طاقة لي فيما تملك ولا أملك ، ~~يعني في المحبة والجماع ، فقد كان يحب بعضهن أكثر من بعض وكانت عائشة رضي ~~الله عنها أحبهن ، وكان يطاف به محمولا ms1167 في مرضه في كل يوم وليلة فيقول : ~~أين أنا غدا ففطنت امرأة منهن فقالت : إنما يسأل عن يوم عائشة رضي الله ~~عنها فقلن : يا رسول الله إنه ليشق PageV02P407 عليك أن تحمل ، فقد أذنا لك ~~أن تكون في بيت عائشة رضي الله عنها فقال : قد رضيتن بذلك قلن : نعم قال : ~~فحولوني إلى بيت عائشة ، فلذلك كانت تقول : قبض في بيتي وبين سحري ونحري ~~تفتخر بذلك ، ثم قال الله تعالى عز وجل : ( فلا تميلوا كل الميل ) النساء : ~~129 يعني على واحدة دون الأخرى في التقصير والنفقة فتذروها كالمعلقة أي ~~موقوفة غير مستقرة ، كأنها لا ذات زوج ولا مطلقة ، أي لا أيم فتتحمل لنفسها ~~ولا ذات زوج ينفق عليها فتستغني بزوجها . والعرب تقول : علقت الأمر إذا ~~أوقفته ، وقول معلق أي موقوف غير مطلق بحكم ، فعليه أن يقسم بينهن أيامه ~~ولياليه ، فيكون عند كل واحدة يوما وليلة ، إلا أن تهب لصاحبتها ليلتها أو ~~تسمح له بذلك ، فكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه ، ~~فأراد أن يطلق سودة بنت زمعة لما كبرت فوهبت ليلتها لعائشة ، وسألته أن ~~يقرها على الزوجية لتحشر في نسائه ، فتركها ولم يكن يقسم لها ، فكان يقسم ~~لعائشة ليلتين ولسائر أزواجه ليلة ليلة ، إلا أنه صلى الله عليه وسلم لشدة ~~عدله كانت نفسه إذا تاقت إلى واحدة في غير ليلتها أو نهارا في غير يومها ~~تاه فجامعها ، ثم طاف في ليلته على سائرهن ، وكذلك كان يفعل في يومه ، فمن ~~ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها وغيرها ، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم طاف على نسائه في ليلة واحدة ، وعن أنس ، طاف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على تسع نسوة في ضحوة ومن لم يكن له إلا واحدة استحب له أن يفضي إليها ~~في كل ثلاث ليال بمنزلة من له أربع نسوة ، ويكون يباشرها في الليلة الرابعة ~~، وبهذا قضى عمر وكعب بن الأسود رضي الله عنهما للرجل أن يأتيها في كل أربع ~~ليال ليلة ، فإن ms1168 علم أن حاجتها إلى أكثر من ذلك كان عليه أن يفعل ماهو أقرب ~~إلى تحصينها وأثبت لعفافها ، وإن علم منها كراهة ذلك وقلة همتها له لم يكن ~~عليه الإفضاء إليها إلا في كل شهر مرة أو في كل سنة مرة ، وعليها أن لا ~~تمنعه ليلا ولا نهارا في كل وقت ، وإن كانت صائمة فلا يحل لها أن تصوم إلا ~~بإذنه ، وتزوج علي عليه السلام بعشر نسوة وتوفي عن أربع وسبع عشرة سرية ، ~~وكان بعض أمراء الشام إذا بلغه عنه كثرة نكاحه يقول : ليست بنكحة ولا طلقة ~~يعرض له بذلك ، ويقال أنه تزوج بعد وفاة فاطمة صلوات الله عليها وعلى أبيها ~~بتسع ليال ، ونكح أمامة ابنة زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~كانت فاطمة صلوات عليها أوصته بذلك ، وتزوج الحسن بن علي رضي الله عنهما ~~مائتين وخمسين امرأة وقيل ثلاثمائة ، وقد كان علي عليه السلام يضجر من ذلك ~~ويكره حياء من أهليهن إذا طلقهن وكان يقول : إن حسنا مطلقا فلا تنكحوه فقال ~~له رجل من همدان : والله يا أمير المؤمنين ، لننكحنه ما شاء فمن أحب أمسك ~~ومن كره فارق ، فسر علي رضي الله عنه بذلك وأنشأ يقول : ولو كنت بوابا على ~~باب جنة . . . لقلت لهمدان ادخلي بسلام PageV02P408 وهذا أحد ما كان الحسن ~~يشبه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يشبهه في الخلق والخلق فقد ~~قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشبهت خلقي وخلقي ، وقال حسن : مني ~~وحسين : من علي ، وكان الحسن ربما عقد على أربعة وربما طلق أربعا فأرسل ~~غلامه بطلاق امرأتين لهما وقال : قل لهما : اعتدا ، وأمر له أن يدفع إلى كل ~~واحدة عشرة آلاف درهم ففعل ، فلما رجع إليه قال : ماذا قالتا فقال له ~~الرسول : أما احداهما فنكست رأسها وسكتت ، وأما الأخرى فبكت وانتحبت ~~وسمعتها تقول : متاع قليل من حبيب مفارق فأطرق ورحم لها ثم قال : لو كنت ~~مراجعا امرأة لراجعتها ، ودخل على عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فخطب ابنته ~~فقال : إنك ms1169 لأحب الناس إلي ، ولكنك مطلاق وأكره أن يتغير قلبي عليك ، فإن ~~ضمنت أنك لا تفارقها فعلت ، فسكت ثم اتكأ على بعض أصحابه ثم قال : ما أراد ~~عبد الرحمن إلا أن يجعل ابنته طوقا في عنقي ، وقد روينا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن الله عزوجل يحب النكاح ويبغض الطلاق ، فانكحوا ولا ~~تطلقوا ، وهذا لا يصلح لمن أراد أكثر من أربع ، وتزو ج المغيرة بن شعبة ~~بثمانين امرأة ، وقد كان في الصحابة من له الثلاث والأربع ، وكثير منهم لا ~~يحصى كانت له اثنتان لا يخلو منهما ، ويقال : إن كثرة النكاح من شدة غض ~~البصر وقطع المشي في الأثر ، إذا خشع الطرف وقصر عن الحرام وانقطع المشي ~~على الأرض غاض البصر والنفس فاتسع في الحلال ، وذلك أن للنفس استراحات إلى ~~ما جانسها ، هو فتورها عن الذكر ، فاستراحات نفوس المتقين إلى المباح من ~~ذلك قوله عز وجل : ( ليسكن إليها ) الأعراف : 189 ، وهذا سكون النفس إلى ~~الجنس لما تلائمه من الصفات المجانسة ، وهو أحد المعاني في قول علي عليه ~~السلام : روحوا القلوب يعني ، في الذكر قيل : روحوها باستراحة النفس إلى ~~المباح ، يعني ذكر الآخرة لأن الذكر أثقال وهو بمعنى قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم : إن لكل عالم شرها وفترة ، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ، ~~والشره المكابدة والفترة الوقوف والاستراحة ، وقد كان أبو الدرداء رضي الله ~~عنه يقول : إني لأستجم نفسي بشيء من اللهو فأقوى بذلك فيما بعد على الحق ، ~~وقد كان النساء قديما على غير وصفهن الآن ، كان الرجل إذا خرج من منزله ~~تقول له امرأته : يا هذا وتقول له ابنته : يا أبانا ، لا تكسب اليوم شيئا ~~من غير حله فيدخلك النار ، فنكون نحن سببه ، فإنا نصبر على الجوع والضر ~~ولانكون عقوبة لك ، وأراد رجل من السلف أن يغيب عن أهله في غزوة ، فكره ~~إخوانه ذلك لأنسهم به فجاؤوا إلى أهله فقالوا : لم تتركين زوجك يسافر ولا ~~يدع لك نفقة ، ويغيب عنك ولا تدرين متى يقدم فقالت : زوجي منذ ms1170 عرفته أكال ~~وما عرفته قط رزاقا ، يذهب الأكال ويبقى PageV02P409 الرزاق ، ومع ذلك فلا ~~أحب أن أكون مشؤومة عليه أقطعه عن سبيل الخير . قال أحمد بن عيسى الخراز ~~لما تزوج بامرأة علي : أي شيئ تزوجت بي ورغبت في قالت : على أن أقوم بحقك ~~علي وأسقط حقي عليك ، وخطبت رابعة بنت إسماعيل بن أبي الحواري ، فكره ذلك ~~لما فيه من العبادة فألحت عليه وأكثرت فقال لها : يا هذه ، مالي همة في ~~النساء لشغلي بحالي فقالت يا هذا ، إني لأشغل بحالي من شغلك بحالك ، ومالي ~~شهوة في الرجال ، ولكني ورثت عن زوجي ثلاثمائة ألف دينار وهي حلال ، وأردت ~~أن أنفقها عليك وعلى إخوانك ، وأعرف بك الصالحين فتكون طريقا إلى الله عز ~~وجل فقال : حتى أستأذن أستاذي قال : فجئت إلى أبي سليمان فذكرت قولها ، وقد ~~كان ينهاني عن التزويج ويقول : ما تزوج من أصحابنا إلا تغير ، فلما ذكرت له ~~ما قالت ، أدخل رأسه في جيبه وسكت ساعة ، ثم رفع رأسه وقال : يا أحمد ، ~~تزوج بها فإن هذه ولية لله تعالى ، وهذا كلام الصديقين قال : فتزوجت بها ~~قال أحمد : فكان في منزلها كر من جص ، فلم يبق منه شيء في غسل أيدي ~~المستعجلين للخروج بعد الأكل سوى من كان يغسل يده بالأشنان في البيت قال : ~~وتزوجت عليها بثلاث نسوة ، فكانت تطعمني من الطيبات وتطيبني وتقول : اذهب ~~بقوتك ونشاطك إلى أزواجك ، فكانت هذه من أرباب القلوب ، وكان الصوفية ~~يسألونها عن الأحوال ، وكان أحمد يرجع إليها في بعض المسائل ، وكانت فاضلة ~~تشبه في أهل الشام برابعة العدوية في أهل البصرة ، وقد كان أبو سليمان يقول ~~في التزويج قولا عدلا : من صبر على الشدة فالتزويج له أفضل ، والوحيد يجد ~~من حلاوة العمل وفراغ القلب ما لا يجد المتأهل ، وقال مرة : ما رأيت أحدا ~~من أصحابنا تزوج وثبت على مرتبته الأولى ، وروينا عنه أنه قال : ثلاث من ~~طلبهن فقد رغب في الدنيا ، من طلب معاشا ، أو تزوج أو كتب الحديث ، ولعمري ~~أن المرأة تحتاج إلى فضل مداراة ولطيفة من ms1171 الحكمة ، وطرف من المواساة وباب ~~من الملاطفة ، واتساع صدر للنفقة وحسن خلق ، ولطف لفظ وهو لا يحسنه إلا ~~عالم حليم ، ولا يقوم به إلا عارف حكيم ، فمن لم يقم بذلك ولم يهتد إليه ، ~~ولم يعتد للنفقة ولم يألف الجماعة ، وكان قد ألف وحدته وأعتاد الانفراد ~~بأكلته ، وكان ضيق القلب بخيل الكف ، سيء الخلق غليظ القلب ، فظ اللفظ ~~فالوحدة لهذا أصلح ، والبعد من النساء لقلبه أروح ، فمتى تزوج من هذا وصفه ~~عذب وعذب ، وآذى وتآذى ، وأثم وآثم به لأن النساء يحتجن إلى فضل حلم يحمل ~~سفههن ، وإلى سعة علم يغمر جهلهن ، وإلى حسن لطف وحكمة يداري أخلاقهن ~~ويتغافل عن زللهن ، فإذا كان الرجل جاهلا سفيها ، أو كان سيء الخلق فظا ~~غليظا ، اجتمع الجهل فافترق العقل وتقادح الجفاء ، وغلظ القلب والأذى فسد ~~أكثر مما يصلح ، وتنافرا ولم يكن بينهما أبدا صلح ، وليس هو وصف العقلاء ، ~~PageV02P410 واستحب للرجل إذا أراد التزويج أن يشرح حاله ويبين أخلاقه ~~للمرأة ، حتى تكون على بصيرة من أمره ويقين من حاله ، ويدخل على إختيار ~~منها ، فذلك من الورع وقد فعله بعض السلف ، وقد تزوج رجل على عهد عمر رضي ~~الله عنه ، وكان يخضب بالسواد فلما دخل بأمراته نصل خضابه فظهرت شيبته ، ~~فاستعدى أهل المرأة وقالوا : نحن حسبناه شابا فأوجعه ضربا وقال : غررت ~~القوم وفرق بينهما . وروينا عن شعيب بن حرب ، لما أراد أن يتزوج قال للمرأة ~~: إني سيء الخلق فقالت : يا هذا ، أسوأ خلق منك من يحوجك إلى سوء الخلق . ~~وروي ضد هذا أن رجلا أراد أن يتزوج فقال للمرأة : إن لي أخلاقا أوقفك عليها ~~فإن رضيت بها تزوجتك فقالت : افعل فقال : أنا رجل ملول حقود ، سيء الظن ~~غيور ، ضيق الصدر واسع الضرب ، إن كثرت عندي مللت ، وإن أبعدت قلقت ، وإن ~~تكلمت أوغرت صدري ، وإن سكت أشغلت قلبي ، فقالت المرأة : أما بعد فقد ذكرت ~~من نفسك أخلاقا ماكنا نرضاها لبنات إبليس فكيف نرضاها لبنات آدم ، انصرف ~~راشدا لا حاجة لنا بك ، ومن خشي على نفسه الآفات ووفق له ms1172 امرأة فيها بعض ~~الخصال المحمودة ، فالتزويج له أفضل فليكن له حينئذ في التزويج نيات ، لأنه ~~من أكبر الأعمال ولا يكون نكاحه لأجل هواه مجردا فقد قال عمر بن عبد العزيز ~~رضي الله عنه : إذا وافق الحق الهوى فذلك الزبد بالبر سيان ، فلتكن نيته ~~إقامة سنة وصلاح قلب ، وسلامة دينه وغض بصره ، وتحصين فرجه فقد أمر بذلك ، ~~ويحتسب في الكسب على العيال التوبة من الله عز وجل ، ويحتسب مثل ذلك في ~~نصحه لها في أمر الآخرة كما يحبه لنفسه ، حتى يؤجر بسببها مثل ما يثاب ~~لنفسه ، فهو من النصيحة لها والإشفاق عليها ، وليجعل ذلك لوجه الله سبحانه ~~فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم : ما أنفق الرجل على أهله فهو له صدقة ~~، وإن الرجل ليؤجر في رفع اللقمة إلي في إمرأته ، ومنها إنه كالمجاهد في ~~سبيل الله ، وقال رجل لبعض العلماء وهو يعدد نعم الله عز وجل عليه : من كل ~~عمل قد أعطاني الله تعالى نصيبا ، حتى ذكر الحج والجهاد وصنوف العبادات ~~فقال له العالم : فأين أنت من عمل الأبدال قال : وما هو قال : كسب الحلال ~~والنفقة على العيال ، وقال ابن المبارك لإخوانه وهم في الجهاد : تعلمون ~~عملا أفضل مما نحن فيه قالوا : ما نعلم ، ذاك جهاد في سبيل الله وقتال ~~لأعدائه ، أي شيء أفضل منه قال : لكني أعلم قالوا : ما هو قال : رجل متعفف ~~ذو عيلة ، قام من الليل فنظر إلى صبيانه نياما متكشفين فسترهم وغطاهم بثوبه ~~، فعمله هذا أفضل من جهادنا في سبيل الله عز وجل وقال رجل لبشر : قد أضرني ~~الفقر والعيال فادع الله لي فقال له بشر : إذا قال لك عيالك : ليس عندنا ~~خبز ولا دقيق ونحن جياع فادع الله لي أنت ذلك الوقت ، فإن دعاءك أفضل من ~~دعائي ، PageV02P411 وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : من حسنت صلاته ~~وكثر عياله ، وقل ماله ولم يغتب المسلمين ، فهو معي في الجنة كهاتين . وفي ~~حديث آخر : أن الله تعالى يحب الفقير المتعفف ، أبا العيال ومن النية في ms1173 ~~ذلك أن الأهتمام بمصلحتهم ، والغم على نوائبهم زيادة في حسناتهم ، لأنه عمل ~~من أعماله ، وفي الخبر : إذا كثرت ذنوب العبد إاتلاه الله تعالى بالهم ~~ليكفرها ، وقال بعض السلف : من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الغم بالعيال ، ~~وقد روينا : أن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الهم بطلب المعاش ، وله في ~~الصبر عليهن وجميل الاحتمال لأذاهن ، وفي حسن العشرة لهن مثوبات وأعمال ~~الصالحات ، وربما كان موت العيال عقوبة للعبد ونقصان حظ ، إذا كان الصبر ~~عليم والإنفاق مقاما له كان عدم ذلك مفارقة لحاله نقص به ، وحدثنا بعض ~~العلماء : أن بعض المتعبدين كان له زوجة ، وكان حسن القيام عليها إلى أن ~~توفيت ، فعرض عليه إخوانه التزويج فامتنع وقال : إن الوحدة أروح لقلبي ~~وأجمع لهمي قال : فرأيت في المنام بعد جمعة من وفاتها ، كأن أبواب السماء ~~قد فتحت ، وكان رجالا ينزلون ويسيرون في الهواء يتبع بعضهم بعضا ، وكلما ~~نزل واحد نظر إلي فقال : لمن وراءه هذا هو المشؤوم فيقول : نعم ويقول ~~الثالث : لمن وراءه هذا هو المشؤوم فيقول الرابع : نعم قال : فراعني ذلك ~~وعظم علي ، وهبتهم أن أسألهم إلى أن مر بي آخرهم وكان غلاما فقلت له : يا ~~هذا ، من المشؤوم الذي تومؤون إليه قال : أنت قلت : ولم ذلك ؟ قال : كنا ~~نرفع أعمالك في أعمال المجاهدين في سبيل الله تعالى ، فمنذ جمعة أمرنا أن ~~نضعها في أعمال المخالفين ، فما أدري ماذا أحدثت فقال لإخوانه : زوجوني ، ~~زوجوني فلم يكن يفارقه زوجة أو زوجتان أو ثلاث ، وربما كانت النفس الأمارة ~~أضر على العبد من أربع نسوة ، وإنما كره من كره الأهل والولد لأجل الشغل ~~بهم عن الله تعالى وما قرب إليه ، فإذا كان من لا أهل له ولا ولد مشغولا ~~ببطالته عن الله عز وجل ، منهمكا في شهواته عن سبيل هؤلاء ، كان أسوأ حالا ~~من ذي الأهل والولد وقد جعل من لا يطلب الأهل والمال للكفاف به والإفضال في ~~المنزل المكروه . وقد روي في الخبر : أن من أهل النار الضعيف الذي لا دين ~~له ، هو ms1174 فيكم تبع ، لا يبغون أهلا ولا مالا ، قيل : هم السؤال المنهومون في ~~المسألة ، الذي همه بطنه لا يبالي كيف طلب ولا على أي حال من الفحش تقلب ، ~~فمن لم يشغله أهله وماله عن الله عز وجل كان أفضل ممن لا أهل له ولا ولد ، ~~فهو عبد بطنه وفرجه ، أسير هواه وشهوته ، وقد أخبر الله تعالى أن للمؤمنين ~~أموالا وأولادا ، ثم أمرهم أن لا يشغلهم ذلك عن الله عز وجل ، وقد وصف ~~أقواما بأن بيعهم وتجارتهم لا تشغلهم عن عبادته ، وأنهم أهل خوف من يوم ~~تنقلب فيه القلوب والأبصار ، وقد مدح قوما فسألوه الأزواج والذرية ، ~~PageV02P412 وجعل ذلك في وصفهم في قوله عز وجل : ( يقولون ربنا هب لنا من ~~أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) الفرقان : 74 ، وقرة أعين لا يشغل ولا يحجب عن ~~قرة العين بل يكشف عنه ويقرب منه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : حبب ~~إلي من دنياكم ثلاث ، الطيب ، والنساء ، وجعل قرة عيني في الصلاة ، وقد كان ~~أبو سليمان يقول : إنما تركوا التزويج لتتفرغ قلوبهم لذكره ، وروينا عن ابن ~~أبي الحواري الحديث الذي رواه عن حبيش عن الحسن : إذا أراد الله بعبد خيرا ~~لم يشغله بأهل ولا مال ، قال أحمد رضي الله عنه : فناظرنا في الحديث جماعة ~~من العلماء ، وإذا ليس معناه أنه لا يكون له امرأة ولا ولد ولكن يكونون له ~~ولا يشغلونه ، وإنما يحس النكاح بمشغول الهم عن الفكر ، فيه ذي نفس مطمئنة ~~وعين خاشعة لرب ذي سكينة وقلب ذي خشية ، كما حدثونا عن داود الطائي أنه قال ~~: منذ خمسين سنة ما خالط ذكري ريح ، وقيل لبعضهم : هل دخل ذكرك ريح بشهوة ؟ ~~فقال : أما منذ قرأت القرآن فلا ، وقال بعض العلماء : منذ عشرين سنة ما وقع ~~نظري على فرجي قاما بطال ذو نفس أمارة ونظرة ثاقبة وشهوة قوية ، فالنكاح من ~~أحسن أعماله وأرفع أحواله ، لأن المباح مقام من لا مقام له ، فإن عزم العبد ~~على النكاح فلا يكون همه من النساء إلا ذات دين وصلاح ، والعقل والقناعة ms1175 ~~فليس تخلص له النيات التي ذكرناها آنفا إلا على هذه القواعد ، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسنها ودينها فعليك ~~بذات الدين ، وفي لفظ آخر : من نكح المرأة لمالها وجمالها حرم مالها ~~وجمالها ، ومن نكحها لدينها رزقه الله عز وجل مالها وجمالها ، وروينا أيضا ~~: لا تنكحوا المرأة لجمالها فلعل جمالها يرديها ، ولا لمالها فلعل مالها ~~يطغيها ، وانكحوا المرأة لدينها فنكاح المرأة للدين والصلاح طريق من الآخرة ~~، والرغبة في المرأة الناقصة الخلق الدنيئة الصورة الكبيرة السن ، السن باب ~~من الزهد ، وقد كان أبو سليمان يقول : الزهد في كل شيئ حتى يتزوج الرجل ~~العجوز أو غير ذات الهيئة إيثارا للزهد في الدنيا ، وكان مالك بن دينار ~~يقول : يترك أحدهم أن يتزوج يتيمة فيؤجر فيها إن أطعمها وكساها تكون خفيفة ~~المؤونة ترضى باليسير ويتزوج بنت فلان وفلان ، يعني أبناء الدنيا ، فتشتهي ~~الشهوات عليه وتقول : اكسني ثوب كذا واشتر لي مرط حرير فيتمرط دينه . وقد ~~أختار أحمد بن حنبل رضي الله عنه امرأة عوراء على أختها صحيحة جميلة ، فسأل ~~من أعقلهما ؟ قيل : العوراء ، فقال : زوجوني إياها ، وقد يكون في تزويج ~~المرذولة المجذوعة فيه بأن يرفع قلبها إذ لا يرغب في مثلها ، واستحب له أن ~~ينظر إلى وجهها قبل التزويج بها وإلى ما يدعوه إليها ، فإن ضم إلى الوجه ~~والكفين فلا بأس بذلك عند علماء الحجاز ، ففي النظر إلى الوجه أحاديث ~~مأثورة ، منها حديث محمد بن مسلمة قال : رأيته يتبع النظرة فتاة في الحي ~~حتى توارت بالنخل PageV02P413 فقلت له : تفعل هذا وأنت من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بهذا ، ~~قال : إذا أوقع الله عز وجل في قلب أحدكم خطبة امرأة فلينظر إليها ليرى ~~منها ما يدعوه إليها ، وفي الحديث الآخر إن في أعين الأنصار شيئا ، فإذا ~~أراد أحدكم أن يتزوج منهن فلينظر إليهن ، في لفظ آخر : إذا أوقع في نفس ~~أحدكم من امرأة شيئ فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم ms1176 بينهما ، يعني يؤدم ~~وقوع الأدمة على الأدمة ، وهو أبلغ من البشرة لأن البشرة ظاهر الجلد ~~والأدمة باطنه جاء ، هذا في المبالغة على ضرب المثل ، وقد كان الأعمش يقول ~~: كل تزويج يقع عن غير نظر يكون آخره غما وهما ولا يغالي في المهر ، فقد ~~تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض نسائه على عشرة دراهم وأثاث البيت ، ~~وكان رحى يد ، وجرة ، ووسادة من أدم وحشوها ليف ، وأولم على أحد نسائه ~~بمدين من شعير ، وعلى أخرى بمدي تمر ، فالوليمة سنة وترك الإجابة إليها ~~معصية ، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهي عن المغالاة بمهور النساء ~~ويقول : ما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا زوج على ~~أكثر من أربعمائة درهم . وروينا عن عائشة رضي الله عنها : كانت مهور أزواج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشرة وقية ونصفا ، وقد كان يزوج أصحابه ~~على وزن نواة من ذهب ، والنواة صغيرة وهي نواة التمر الصيحاني ، يقال : ~~قيمتها خمسة دراهم ، وفي خبر : زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ~~أصحابه على نواة من ذهب قومت ثلاثة دراهم وثلث ، وقد زوج سعيد بن المسيب ، ~~وهو من خيار التابعين وعلمائهم ، ابنته من أبي هريرة على درهمين ، ثم حملها ~~هو إليه ليلا ، ولا أكره التزويج على عشرة دراهم ، وهو أكثر الاستحباب في ~~القلة ليخرج من اختلاف العلماء ، ولا أستحب أن لا ينقص المهر عن ثلاثة ~~دراهم ، وهذا هو القول الأوسط من مذاهب الفقهاء وفي هذه القيمة تقطع يد ~~السارق ، وهذا مذهب بعض أهل الحجاز . وقد روينا : أبركهن أقلهن مهرا ، ~~وروينا أيضا من بركة المرأة سرعة تزويجها وسرعة رحمها ، يعني الولادة ويسر ~~مهرها ، قال عروة : وأقول فإن من شؤمها كثرة صداقها ، ولا يصلح للمتزوج أن ~~يسأله أي شيئ للمرأة ولا يحل له أن يدفع شيئا ليأخذ أكثر منه ، ولا يحل لهم ~~أن يهدوا إليه شيئا ليضطروه أن يكافئ بأكثر منه ، وليس عليه أن يزيد بأكثر ~~من قيمته إن كافأ ، وله ms1177 أن لا يقبل هديتهم إن علم ذلك منهم ، وهذا كله بدعة ~~في النكاح ، وهو كالتجارة في التزويج ، وهو داخل في الربا ، وهو يشبه ~~القمار ، ومن زوج أو تزوج على هذا بهذه النية فهي نية فاسدة وليس نكاحه هذا ~~للدين ولا للآخرة ، وكان الثوري يقول : إذا تزوج الرجل وقال : أي شيء ~~للمرأة فاعلم أنه لص ، فلا تزوجوه ، ولا ينكح إلى مبتدع ، ولا فاسق ، ولا ~~ظالم ، ولا شارب خمر ، ولا أكل الربا ، فمن فعل ذلك فقد ثلم دينه ، وقطع ~~رحمه ، ولم يحسن الولاية لكريمته ، لأنه ترك الإحسان ، وليس هؤلاء أكفاء ~~للحرة المسلمة العفيفة ، PageV02P414 وقد قال بعض السلف : النكاح رق فلينظر ~~أحدكم عند من يرق كريمته ، وقال بعضهم : لا تنكح إلا الأتقياء فإنه إن ~~أحبها أكرمها ، وإن أبغضها أنصفها ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء ، وأنكحوا إليهم ، ولا نكاح إلا بولي وشاهدي ~~عدل ، وإن كانت ثيبا فإن لم يكن ولي فالسلطان ولي من لا ولي له أو من ولاه ~~الحكم كذلك السنة ، وليتعلم المتزوج علم الحيض واختلاف أوقاته وزيادته ~~ونقصانه وأحكام الاستحاضة من ذلك ، وعلم وقت الأطهار ليعلمها ذلك وليغنيها ~~بذلك عن السؤال والظهور إلى الرجال ، ثم ليعلم أهله علم ما لا يسعهم جهله ~~من الفرائض وأحكام الصلاة وشرائع الإسلام واعتقادات المؤمنين من السنة وما ~~عليه من مذهب الجماعة ، فإذ فعل ذلك لم يكن عليها أن تخرج إلى العلماء ، ~~وإن قصر عن علمها علم التوحيد ومباني الإسلام وعقود الإيمان ومذهب أهل ~~السنة فلها أن تخرج إلى السؤال عما لا يسعها جهله وليس لها أن تخرج بغير ~~إذنه لطلب علم يرجى فضله ، وليس للمرأة أن تحمل زوجها على المكاسب الحرام ~~ولا تكلفه ما يقترف به الآثام ، ولا للرجل أن يدخل في مداخل السواء ولا ~~يبيع آخرته بدنياه ، فإن صبرت معه على البر والتقوى أمسكها ، وإن حملته على ~~الإثم والعدوان فارقها ، وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ، ويقال : أول من ~~يتعلق بالرجل يوم القيامة زوجته وولده ، فيوقفونه بين يدي ms1178 الله عز وجل ~~فيقولون : يا ربنا خذ لنا حقا من هذا ، فإنه ما علمنا ما نجهل ، وكان ~~يطعمنا الحرام ونحن لا نعلم ، قال : فيقتص لهم منه ، وفي خبر : أن العبد ~~ليوقف للميزان وله من الحسنات أمثال الجبال ، فيسأله عن رعاية عياله ~~والقيام بهم ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، حتى تستفرغ تلك ~~المطالبات جميع أعماله ، فلا يبقى له حسنة ، فينادي الملائكة : هذا الذي ~~أكل عياله حسناته في الدنيا وارتهن اليوم بأعماله ، فلهذا قال بعض السلف : ~~إذا أراد الله بعبد شرا سلط عليه في الدنيا أنيابا تنهشه ، يعني العيال . ~~وروينا في الخبر : لا يلقى الله عبد بذنب أعظم من جهالة أهله ، والخبر ~~المشهور : كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول ، وروي أن الآبق من عياله ~~كالعبد الآبق من سيده ، لا يقبل له صلاة ولا صيام حتى يرجع إليهم ، وقد قال ~~عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ) التحريم : 6 ، ~~فأضاف الأهل إلى النفس وأمرنا أن نقيهم النار بتعليم الأمر والنهي كما نقي ~~أنفسنا النار باجتناب النهي ، وجاء في تفسير ذلك : علموهن وأدبوهن ، وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالمرأة راعية ~~على مال زوجها وهي مسؤولة عنه ، والرجل راع على أهله وهو مسؤول عنهم ، ~~ويقال : إذا أنفقت المرأة من مال زوجها بغير إذنه لم تزل في سخط الله عز ~~وجل حتى يأذن لها ، ولا يحل لها أن تطعم من منزله إلا الرطب الذي يخاف ~~فساده ، فإن PageV02P415 أطعمت وأنفقت عن إذنه ورضاه كان لها مثل أجره ، ~~وإن أطعمت بغير إذنه كان له الأجر وعليها الوزر ، وينبغي أن يعرفها أعظم ~~حقه عليها في مقام الوالدة بقوله للمرأة : عليك بطاعة زوجك ، فإنة جنتك ~~ونارك ، وقال صلى الله عليه وسلم : أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت ~~الجنة ، وكان رجل قد خرج في سفر وعهد إلى امرأته أن لا تنزل من العلو إلى ~~سفل الدار ، وكان أبوها في السفل ، فمرض أبوها فأرسلت المرأة تسأذن أن تنزل ms1179 ~~إلى أبيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أطيعي زوجك ، فمات أبوها ~~فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن تنزل إليه فقال : أطيعي زوجك ، ~~فدفن أبوها ، قال : فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرها أن ~~الله قد غفر لأبيها بطاعتها زوجها ، وقال صلى الله عليه وسلم : إذا صلت ~~المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها ، فأضاف ~~: طاعة الزوج إلى أبنية الإسلام التي لا يدخل الجنة إلا بها ، واشترط طاعته ~~لدخولها ، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء فقال : حاملات والدات ~~مرضعات رحيمات بأولادهن ، لولا ما تأتين إلى أزواجهن دخلت مصلياتهن الجنة ~~وقال صلى الله عليه وسلم : أطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساد ، ~~وأطلعت في الجنة فرأيت أقل أهلها النساء فقلت : أين النساء فقيل : شغلهن ~~الأحمران الذهب والزعفران يعني الحلي ولبس المصبغات كانت العرب مشتهرة بذلك ~~وقال صلى الله عليه وسلم : تصدقن من حليكن فإني رأيتكن أكثر أهل النار قلن ~~: لم يا رسول الله قال : تكثرن اللعن وتكفرن العشير يعني الزوج المعاشر ، ~~تكفرن نعمته عليكن فلذلك قالت الفتاة : يا رسول الله فلا أتزوج . روينا عن ~~أم عبد المغنية عن عائشة رضي الله عنها قالت : أتت فتاة إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إني فتاة أخطب وإني أكره التزويج فما حق ~~الزوج على المرأة فقال : لو كان من فرقه إلى قدمه صديدا فلحسته ما أدت شكره ~~قالت : فلا أتزوج قال : بلى فتزوجي فإنه خير ، فهذا مجمل خبر الخثعمية وقد ~~فسر حقه في حديثها ، وروينا عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة من خثعم أتت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني امرأة أيم ، وإني أريد أن أتزوج فما ~~حق الزوج فقال : إن من حق الزوج على الزوجة إذا أرادها على نفسها وهي على ~~ظهر بعير أن لا تمنعه ، وفي الخبر الجامع لفضائل الزوج : أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : لو أمرت أحدا أن يسجد لشيء سوى الله ms1180 تعالى لأمرت المرأة ~~تسجد لزوجها من عظم حقه عليها ، ومن حقه أن لا تعطي شيئا من بيته لا بإذنه ~~فإن فعلت ذلك كان الإثم عليها والأجر له ، ومن حقه أنه لا تصوم تطوعا إلا ~~بإذنه فإن فعلت جاعت وعطشت PageV02P416 ولم يقبل منها ، ومن حقه أن لا تخرج ~~من بيتها إلا بإذنه فإن فعلت لعنتها الملائكة حتى ترجع إلى بيتها أو تنوب ، ~~وينبغي أن تعرض نفسها عليه في كل ليلة ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : أقرب ما تكون المرأة من وجه ربها عز وجل إذا كانت في قعر بيتها ، ~~وإن صلاتها في صحن دارها أفضل من صلاتها في المسجد ، وصلاتها في بيتها أفضل ~~من صلاتها في صحن دارها ، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها ، ~~والمخدع بيت في بيت وذلك إنها عورة فما كان أستر لها فهو أسلم ، والأسلم هو ~~الأفضل كيف وقد روي أن المرأة عوراء فإذا خرجت استشرفها الشيطان ، وفي حديث ~~غريب أن للمرأة عشر عورات ، فإذا تزوجت ستر الزوج عورة واحدة ، فإذا ماتت ~~ستر القبر عشر عورات ، فإن أمرها بما يصلحها مما أبيح لهما فخالفته وعظها ~~وزجرها ، فإن عادت لخالفه هجرها في المضجع فبعض العلماء يقول : يوليها ظهره ~~وبعضهم يقول : يعتزل فراشها في ليلة إلى ثلاث إلى سبع ليال فإن لم ينجح ~~فيها ذلك ولم تبال به ضربها والعلماء يقولن : ضربا غير مبرح وتفسيره أن لا ~~يكسر لها عظما ولا يدمي لها جسما ، وله أن يغضب عليها في الأمر من أمور ~~الدين من عشرة أيام إلى شهر ، فقد غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا ~~في كلام كلمه بعض أزواجه ، فأرسل بهدية إلى بيت زينب فردتها عليه فقالت له ~~التي هو في بيتها : لقد أقمتك إذا ردت عليك هديتك فقال صلى الله عليه وسلم ~~: أنتن أهون على الله أن تقمينني ، ثم غضب عليهن كلهن شهرا ومعنى أقمتك ~~استصغرتك وأذلتك فهذه كلمة من الاتباع ، تقول العرب : أذللته وأقميته ~~ويقولون : لتفعلن كذا صاغرا قميا ، وما ms1181 زال كذلك حتى ذل وقمى فيبتغون بهذه ~~الكلمة لسب بالتصغير والتذلل ، للمبالغة في الوصف ولا ينبغي أن يفتر على ~~أهله من الإنفاق . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : خيركم خيركم ~~لأهله ، وكان لعلي عليه السلام أربع نسوة ، وكان يشتري لكل واحدة في كل ~~أربعة أيام بدرهم لحما وقال الحسن : كانوا في الرحال مخاصيب ، وفي الأثاث ~~والثياب تقارب وقال ابن سيرين : أستحب للرجل أن يعمل لأهله في كل شهر ، ~~فالوذجة وإن كانت من أهله زلة أو هفوة احتمل ذلك ورفق بها ولم يعسفها ، وفي ~~الحديث : خلقت المرأة من ضلع أعوج إن قومته كسرته وإن تركتها استمتعت بها ~~على عوج ، وفي لفظ حسن : وكسرها طلاقها ، وقد كان أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم يراجعنه القول وتهجره إحداهن يوما إلى الليل ، ودفعت إحداهن في ~~صدره فزجرتها أمها فقال : دعيها ، فإنهن يصنعن أكثر من هذا ، وجرى بينه ~~وبين عائشة رضي الله عنها كلام حتى أدخل أبا بكر رضي الله عنه بينهما حكما ~~واستشهد فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : تكلمين أو أتكلم قالت : ~~بل تكلم أنت ولكن لا تقل إلا حقا ، فلطمها أبو بكر رضي الله عنه حتى دمي ~~فوها وقال : أي عدوة نفسها ، أو يقول غير PageV02P417 الحق ؟ بل أنت وأبوك ~~تقولان الباطل ولا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حقا ، نصرة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وغضبا له حتى استجارت بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~وقعدت خلف ظهره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لم ندعك لهذا ولم نرد ~~هذا منك وقالت له مرة في كلام غضبت عنده : أنت الذي تزعم أنك نبي ؟ فتبسم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حلما وكرما ، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول لعائشة رضي الله عنها : إني لأعرف غضبك من رضاك قالت : وكيف تعرف ~~ذلك ؟ قال : إن رضيت قلت : لا وإله محمد وإذا غضبت قلت : لا وإله إبراهيم ~~قالت : صدقت إنما أهجر اسمك وقد كان صلى الله ms1182 عليه وسلم يمزح مع أزواجه ~~ويقاربهن في عقولهن في المعاملة والأخلاق ، وفي الخبر : كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أفكه الناس مع نسائه ، وقد كان لقمان الحكيم يقول : ~~العاقل في بيته ومع أهله كالصبي فإذا كان في القوم وجد رجلا ، وفي تفسير ~~الخبر المروي أن الله يبغض الجعظري الجواظ قيل : هو الشديد على أهله ~~المتكبر في نفسه ، وفي أحد المعاني في قوله عز وجل : ( عتل بعد ذلك زنيم ) ~~القلم : 13 ، قيل : الفظ اللسان الغليظ القلب على أهله وما ملكت يمينه ، ~~وروينا في في الخبر : غيرة يبغضها الله عز وجل ، غيرة الرجل على أهله في ~~غير رينة كأنه يكون من سوء الظن الذي نهى الله عز وجل ورسوله عنه . وروينا ~~عن علي رضي الله عنه : لا تكثر الغيرة على أهلك فترمي بالسوء من أجلك ~~ولعمري إن الغيرة لها حد فإذا جاوزها الرجل قصر عن الواجب وزاد على الحق ، ~~وقد كان الحسن يقول : أتدعون نساءكم يزاحمن العلوج في الأسواق قبح الله من ~~لا يغار ، وقد قال ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله فقال بعض ولده : بلى والله نمنعهن فضربه ~~وغضب عليه وقال : تسمعني أقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ~~تمنعوهن وتقول : بلى تمنعهن وقد قال الله عز وجل : ( قد جعل الله لكل شيء ~~قدرا ) الطلاق : 3 ، وقال بعض الحكماء : من جاوز الشيئ فمذموم كمن قصر عنه ~~، فلا بأس بالحرة العفيفة أن تخرج لشيئ لا بد لها منه من قضاء حوائجها قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذن لكن أن تخرجن في حوائجكن كذلك تخرجن في ~~الأعياد خاصة ، أطلق ذلك لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن لا يخرجن ~~إلا بأذن أزواجهن وعن رضاهم : ولا يخرجن أيضا إلا فيما يعني مما لا بد منه ~~ومهما استغنين عن الخروج ، وأن لا يراهن رجل فهو أفضل لهن وأصلح لقلوبهن ، ~~وروينا أن رسول الله صلى الله عليه ms1183 وسلم قال لابنته فاطمة عليها السلام : ~~يا بنية ، أي شيئ خير للمرأة فقالت : أن لا ترى رجلا ولا يراها رجل ، فضمها ~~إليها وقال : ذرية بعضها من بعض ، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يسدون الثقب والكوى في الحيطان لئلا يطلع النسوان ، وروينا إن معاذا رأى ~~امرأة تطلع من كوة في الجدار فضربها ، وأن امرأته دفعت PageV02P418 إلى ~~غلام لها تفاحة قد أكلت بعضها فضربها . وقد كان عمر يقول : أعروا النساء ~~يلزمن الحجال وقال أيضا : عودوا نساءكم لا ، وتكلم مرة في شيئ من الأمر ~~فأخذت امرأته تراجعه في القول فزبرها وقال : ما أنت لهذا إنما أنت لعبة في ~~جانب البيت إن كانت لنا إليك حاجة وإلا جلست كما أنت وهو مأجور على احتماله ~~هفوات أهله وصبره على أذاهن ومثاب على حسن عشرتهن ، وقد كان محمد بن ~~الحنفية يقول ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا ، ~~حتى يجعل الله له منه فرجا ومخرجا ، فإن كانت بذيئة اللسان قليلة القبول ~~عظيمة الجهل كثيرة الأذى ، فطلاقها أسلم لدينهما وأروح لقلوبهما في عاجل ~~دنياه وآجل أخرته ، وقد شكى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذاء ~~امرأته فقال له : طلقها فقال : إني أحبها قال : أمسكها إذا ، فخشي عليه ~~تشتت همه بفراقها مع المحبة وتشتت الهم أعظم من أذى الجسم . وفي معنى قوله ~~عز وجل : ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) ~~الطلاق : 1 . قال ابن مسعود : إذا بذت على أهلها وآذت زرجها فهو فاحشة ، ~~وهذا يعني به في العدة لأن الله يقول : ( أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ) ~~الطلاق : 6 . فهو متصل بقوله : ( وأحصوا العدة ولا تخرجوهن من بيوتهن ) ~~الطلاق : 1 . أي في العدة ، ومن الناس من يظن أن الطلاق محظور يتأول هذه ~~الآية على غير تأويلها ، فالطلاق مباح إلا أنه مكروه بغير سب لتفرقه الألفة ~~. وقد يروى في خبر : ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق ، ولا بأس أن ~~تفتدي المرأة من ms1184 زوجها إذا خافت أن لا تقيم حدود الله فيه ولا تقوم بواجب ~~حقوقه عليها ، وأكره أن يأخذ في الفدية أكثر مما أعطاها . وقد قال الله ~~تعالى : ( فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) ~~البقرة : 229 ، وهذا هو الخلع الجائز عند أكثر العلماء ، ولا يحل لامرأة أن ~~تسأل زوجها طلاقها ولا أن تختلع منه بغير رضاه . قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير بأس لم ترح رائحة الجنة ، ~~وقال : المختلعات هن المنافقات والنشوز ، قد يكون من الزوجين معا إلا أنه ~~أبيح للزوج ضربها في النشوز وأبيح لها الصلح في نشوز الزوج قال الله عز وجل ~~: ( والصلح خير ) النساء : 128 . وأصل النشوز أن يعلو أحدهما على صاحبه ~~ويرتفع عنه ، كان يجفو عليه ويجتنبه فيكون في نحو غير نحوه ، فيكون من هذا ~~الكلام الفاحش ويكون منه الأذى ويكون منه الهجر والانفراد ، ويحكم الحكمان ~~في هذا أحدهما من أهله والآخر من أهلها ، يعدلون وينظرون فيما بينهما . وقد ~~وعد الله عز وجل الغني مع الفرقة كما وعده مع النكاح فقال : ( وإن يتفرقا ~~يغن الله كلا من سعته ) النساء : 130 كما قال : ( وأنكحوا الأيامى منكم ~~PageV02P419 والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من ~~فضله ) النور : 32 . فقد يكون الغني بالمال ويكون بأن يستغني كل واحد منهما ~~عن صاحبه بما خصه الله عز وجل من خفي لطفه . وجاء في خبر : ثلاث لا يستجاب ~~دعوتهم : رجل له امرأة سوء يقول أراحني الله منك وقد جعل الله الطلاق بيده ~~إن شاء طلق ، والآخر في المملوك السوء ، وجار السوء ، وليحسن الرجل عشرة ~~أهله والقيام بهن . فقد قال الله تعالى : ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن ~~سبيلا ) النساء : 34 . أي لا تطلبوا طريقا إلى الفرقة ولا إلى خصومة ومكروه ~~، وهذه حينئذ على صورة الأنفس المطمئنة إذا استجابت للإيمان وطوعت لك إلى ~~أخلاق المؤمنين فتولها من الإرفاق وأرفق بها في منالها من المباح . وقد شبه ~~الله عز وجل حسن ms1185 القيام على الزوجة بحسن القيام على الوالدين فقال فيهما : ~~( وصاحبهما في الدنيا معروفا ) لقمان : 15 . وقال في أمر النساء : ( ~~وعاشروهن بالمعروف ) النساء : 19 ثم أجمل في النساء ما فرقه من حق الزوج في ~~كلمة واحدة فقال : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) البقرة : 228 . وقال ~~في عظيم حقهن : ( وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) النساء : 21 . وقال عز وجل : ( ~~والصاحب بالجنب ) النساء : 36 . قيل : هي المرأة . وآخر ما أوصى به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثلاث كان يتكلم بهن حتى تلجلج لسانه وخفي كلامه ~~جعل يقول : الصلاة الصلاة ، وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم ما لا يطيقون ، ~~والله الله في النساء فإنهن عوار في أيديكم يعني أسرى أخذتموهن بعهد الله ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله . وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حق ~~المرأة على الرجل قال : يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى . ولا يقبح الوجه ~~ولا يهجر إلا في البيت وينبغي أيضا إذا أراد النكاح أن يتعلم ما تحتاج إليه ~~المرأة من حسن العشرة والقيام بما لها عليه وجميل المداراة ولطف المفاوضة ، ~~ويعلمها حسن قيامها بما يجب له عليها ويعرفها ما أوجب الله له عليها من ذلك ~~، ولا تملك المرأة شيئا من أمرك فإن الله عز وجل قد ملكك إياها فلا تقلب ~~بهواك حكمة الله فينقلب الأمر عليك ، فكأنك قد أطعت العدو ووافقته في قوله ~~، ولآمرنهم فليغيرن خلق الله وقد قال الله عز وجل : ( ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) النساء : 5 يعني النساء والصبيان ومنه ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم : تعس عبد الزوجة لأنه إذا أطاعها فيما تهوى ~~دخل تحت التعس ، فكأنه قد بدل نعمة الله كفرا لأن الله عز وجل جعله سيدها ~~في قوله عز وجل : ( وألفيا سيدها لدى الباب ) يوسف : 25 . يعني زوجها . قال ~~الحسن : ما أصبح اليوم رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا أكبه الله في النار ~~ولا يعودها عادة فتجترئ عليه وتطلب المعتاد منك ، فهي على مثال أخلاق النفس ~~سواء إن أرسلت عنانها ms1186 جمحت بك ، وإن أرخيت عنانها فترا جذبتك ذراعا ، وإن ~~شددت يدك PageV02P420 عليها وكبحتها ملكتها فلعلها أن تطوع لك . وكان ~~الشافعي رضي الله عنه يقول ثلاثة إن أكرمتهم أهانوك وإن أهنتهم أكرموك ، ~~المرأة والخادم والنبطي . وكان نساء العرب يعلمن أولادهن اختبار أزواجهن . ~~كانت المرأة إن أنكحت ابنتها قال : يا بنية ، اختبري حليلك قبل أن تقدمي ~~عليه ، انزعي زج رمحه فإن سكت لذلك فقطعي اللحم على ترسه ، فإن أقر فكسري ~~العظام بسيفه ، فإن صبر فاجعلي الأكاف على ظهره وامتطيه فإنما هو حمار . ~~وأوصى أسماء بن خارجة الفزاري ، وكان من حكماء العرب ، ابنته ليلة زفافها ~~فقال : يا بنية ، قد كانت والدتك أحق بتأديبك مني لو كانت باقية ، وأما ~~الآن فإني أحق بتأديبك من غيري افهمي عني ما أقول : إنك قد خرجت من العش ~~الذي فيه درجت وصرت إلى فراش لا تعرفينه وقرين لم تألفيه ، كوني له أرضا ~~يكون لك سماء وكوني له مهادا يكون لك عمادا فكوني له أمة يكون لك عبدا ، لا ~~تلحفي به فيقلاك ولا تتباعدي عنه فينساك ، إذا دنى فاقربي منه وإن نأى ~~فابعدي عنه ، واحفظي أنفه وسمعه وعينه ، لا يشم منك إلا طيبا ولا يسمع إلا ~~حسنا ولا ينظر إلا جميلا وأنا الذي أقول لأمك ليلة ينائي بها : خذي العفة ~~مني تستديمي مودتي . . . ولا تنطقي في سورتي حين أغضب ولا تنقريني نقرك ~~الدف مرة . . . فإنك لا تدرين ماذا المغيب فإني رأيت الحب في القلب والأذى ~~. . . إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب وأوصى بعض العرب بنيه فقال : لا تنكحوا ~~من النساء ستة ، أنانة ولا منانة ولا حنانة ولا حداقة ولا براقة ولا شداقة ~~، تفسير ذلك الأنانة وهي التي تعصب رأسها كثيرا وتكثير الأنين والتوجع ~~والتشكي والمنانة التي تمن على زوجها تقول : فعلت بك وفعلت فأنا أفعل وأفعل ~~والحنانة تكون على وجهين ، تكون ذات ولد من غيره فهي تحن إليه وقد تكون ذات ~~زوج قبله فيحن قلبها إليه . وقوله حداقة هي التي تومئ بحدقتها فتشتري كل ~~شيئ وتطالب زوجها بما تشتهيه ms1187 من كل شيئ ، وقد تلحظ الرجال كثيرا كما يلاحظ ~~بعض الرجال النساء ، والبراقة تحتمل تأويلين ، أحدهما أن تكون غضوبا في ~~الطعام فتبرق لقلته أو لسوء خلقها ولا تكاد البراقة للمأكول أن تأكل إلا ~~وحدها لشرهها ، وتكون أيضا تستقل نصيبها من كل شيئ وهذه لغة يمانية نعرفها ~~فأشبه عندهم يقال : قد برقت المرأة وبرق الصبي الطعام إذا غضب عليه ، ~~والوجه الثاني من البراقة أن تكون من البريق أن تكثر صقال وجهها . وخضابه ~~في بروقه أبدا ، وأما الشداقة فهي التي تشدق بكثرة الكلام وتكون ذربة ~~اللسان مفوهة في النطق . ومن ذلك الخبر الذي جاء أن الله عز وجل يبغض ~~الثرثارين من المتشدقين . وفي قصة الرجل السائح الأزدي أنه لقي إلياس عليه ~~السلام في سياحته ، فأمره بالتزويج وقال : هو خير لك ، ونهاه عن التبتل ~~وقال : لا تنكح من النساء أربعا وأنكح من سواهن PageV02P421 المختلعة ~~والمبارية والعاهر والناشر ، فالمختلعة هي التي تطلب الخلع من زوجها من غير ~~ما بأس وهو مع ذلك يحبها . والمبارية المباهية لغيرها ، المفاخرة بأسباب ~~الدنيا التي تطلب من زوجها ما تباهي به غيرها وتفتخر به في نظائرها . ~~والعاهر الفاجرة التي تعرف بحليل أو خدن وهو الذي قال الله عز وجل : ( ولا ~~متخذات أخدان ) النساء : 25 . والناشر التي تعلو على زوجها في الفعال ~~والمقال . وقد كان علي عليه السام يقول : شرار خصال الرجل خيار خصال النساء ~~، البخل والزهو والجبن . فإن المرأة إذا كانت مزهوة أي معجبة استنكفت إن ~~تكلم الرجال ، وإذا كانت جبانة فرقت من كل شيئ فلم تخرج من بيتها . وأكره ~~العزل كراهية شديدة فإنه دقيقة من الشرك الخفي ، وفيه نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . وكرهه جماعة من السلف الصالح ، ولم يكن خيار المتقين ~~يعزلون . وأقل ما فيه ، الخروج من التوكل على الله عز وجل ، وقلة الرضا ~~بحكم الله تعالى . وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول العزل هي الموؤودة ~~الصغرى فلقوله هذا استنباط حسن من السنة ، وذلك أنه روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في فضائل ms1188 الجماع : أن الرجل ليجامع أهله فيكتب له من جماعة أجر ~~ولد ذكر قاتل في سبيل الله عز وجل . فقيل له : وكيف ذلك يا رسول الله فقال ~~: أنت خلقته ، أنت رزقته ، أنت هديته ، إليك محياه إليك مماته . قالوا : بل ~~الله خلقه ، ورزقه ، وهداه ، وأحياه ، وأماته . قال : فأنت تراه في هذا ~~المعنى في يقول : إذا جامعت فأمنيت في الفرج . وقد قال الله تعالى : ( ~~أفرأيتم ما تمنون أءنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ) الواقعة : 58 . فإذا لم ~~يخلق الله من منيك خلقا حسب لك كأنه قد خلق منه ذكرا على أتم أحواله وأكمل ~~أوصافه بأن يقاتل في سبيل الله فيقتل ، لأنك قد جئت بالسبب الذي عليك وليس ~~عليك خلقه ولا هدايته ، وإنما يقدر على ذلك الله عز وجل وهو فعله مجردا ~~فكان لك أجر ما لو فعله الله تعالى إذا قد أتيت بما أمكنك عمله ، فلذلك قال ~~ابن عباس : هو الموؤودة الصغرى لأنه يوجد العزل بعدم هذا الفضل ، إذا كان ~~العبد سبب عدمه لأنه لم يفعل ما يتأتى منه الولد ، فذهب فضله وحسب عليه ~~فتله ، وإنما قلنا أن العزل دقيقة من الشرك لأن أهل الجاهلية كان سبب قتلهم ~~بناتهم معاني أحدها خشية العار بهن ، ومنها كراهة الإنفاق عليهن ومنها الشح ~~وخوف الفقر والإملاق . وكان العرب من ولد له بنون وبنات فمات البنون وعاش ~~البنات سموه أبتر وذموه بذلك . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا ~~الوصف الذي يكرهون مات ولده الذكر وعاش البنات ، فلذلك كان يسمونه مذمما أي ~~مذموما عندهم . ومنه سبه العاص بن وائل حتى قال ، إنك أبتر فرد الله عز وجل ~~عليه فقال تعالى : ( إن شانئك هو الأبتر ) الكوثر : 3 . أي لا ذكر لك بعد ~~موتك قد انقطع ذكرك بموت الذكور من ولدك فقال الله عز وجل بل : PageV02P422 ~~( إن شانئك هو الأبتر ) الكوثر : 3 . الذي ينقطع ذكره وثناؤه فلا يذكر بخير ~~بعد موته ، فأما أنت فقد رفعت لك ذكرك تذكر معي إذا ذكرت . وكانت العرب ~~تقول : من كن له أحد الحوبات ms1189 الثلاث ، لم يشرف عشيرته ولم يسد قومه يعنون ~~بالحوب الأم والأخت والبنت ، والحوبات جمع حوب وهي كبيرة قال الله تعالى : ~~في أكلكم ( أموال اليتامى ظلما ) ( كان حوبا كبيرا ) النساء : 2 - 10 . ~~عندي ليس هذا الذي قلتم عندكم . وكان من خيار التابعين المؤمنين من يستحب ~~له الجمع بين هؤلاء الثلاث : الأم والأخت والبنت ، لما فيهن من عظيم ~~المثوبة والفضل ليخالف بذلك سنة الجاهلية . فقد توجد هذه المعاني أو بعضها ~~في العزل فلذلك سميناه شركا وكرهناه ، وهو مذهب الخوارج من النساء كأن فيهن ~~تقزز وتعمق من استعمال كثرة الماء للطهارة ، ودخول الحمامات ومجاوزة الحد ~~في الطهور . وكن أيضا يقضين الصلاة أيام الحيض ويصمن في حيضهن ، ولا يصلين ~~في ثياب الحيض حتى يغلسنها ، ولا تدخلن الخلاء إلا عراة ، وكانوا يكرهون ~~الولادة طلبا للنظافة والتقرز خلاف السنة . نساء العرب ابتدعوا هذه البدع ~~ففارقوا بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنن نسائه من أنباط العراق ~~وأهل النهر . وكان بعضهن دخل على عائشة رضي الله عنها لما قدمت البصرة ، ~~فلم تأذن لهن في الدخول عليها . وأيضا فإن الله ورسوله ندبا إلى اتخاذ ~~الولادة بقوله تعالى : ( فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم ) البقرة : ~~223 . قيل : الولد وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : تناكحوا تناسلوا ~~فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ، وقوله صلى الله عليه وسلم : خير نسائكم ~~الودود الولود وقوله صلى الله عليه وسلم : سوداء ولود خير من حسناد لا تلد ~~، وحصير في البيت خير من امرأة لا تلد . ومن بركة المرأة أن تيسر رحمها ~~أحوج ما يكون إلى الجماع إذا طهرت من الحيض . وفي هذا الوقت أكثر ما يعبر ~~النساء بالحمل وأحمد ما يكون المولود عاقبة إذا علق به قبل الطهر . فلهذه ~~المعاني عقب الله عز وجل الأمر بالجماع والولد بعد الطهر في قوله تعالى : ( ~~فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ) البقرة : 222 ، ولأضدادها في ~~الكراهة والذم أمر الله تعالى باعتزال النساء في الحيض ، ويقال إن كل مبذول ~~كان أو مجنونا أو ms1190 مجذوبا أو مختلا ، أو في حاله وعتلا مخبلا لأنه كان غرسه ~~في سبخة من الأرض فلم يزرع ولم يزك ، ومن زرع من حرث طيب زكا زرعه وهو ~~الغشيان في الطهر فلذلك قال : من حيث أمركم الله ، وقد رخص طائفة في العزل ~~. روينا في ذلك رخصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان سعد يعزل ~~وقد أنكر علي عليه السلام على ابن عباس رضي الله عنهم في قوله : إن العزل ~~هي الموؤودة الصغرى وقال : PageV02P423 إنها لا تكون موؤودة إلا بعد سبع ثم ~~تلا قوله عز وجل : ( وإذا الموؤودة سئلت ) التكوير : 8 ، أنها ذكرت بعد سبع ~~ثم تلا قوله عز وجل آية تنقيل الخلقة : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ~~طين ) المؤمنون : 12 . ثم جعلناه نطفة إلى قوله ثم أنشأناه خلقا آخر أي نفخ ~~الروح فيه قال : فلا يكون موؤودة مقتولة إلا بعد هذه السبع الخصال ، ولأن ~~الله عز وجل ذكرها في كورت بعد سبع معان ثم جمع بينهما في الفهم فاستنبط ~~ذلك ، وهذا من دقيق العلم وغامض الفهم ولطيف الاستدلال الذي تفرد به عليه ~~السلام لثقوب علمه ونفاذ فطنته وخفي استدلاله ، فلا يجامعهن حتى يطهرن . ~~فإذا تطهرن يعني بالماء ويكره الجماع مستقبل القبلة لحرمة القبلة . وفي ~~الخبر ، إذا جامع أحدكم أهله فلا يتجردا تجرد العيرين يعني الحمارين . ~~وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جامع غطى رأسه وخفض صوته ~~وقال للمرأة : عليك السكينة ، ومن جامع مرة وأراد العود فليغسل فرجه قبل ~~ذلك ، فإن احتلم فلا يجامع حتى يغسل فرجه أو يبول ، فإن جامع بعد الاحتلام ~~من غير غسل خيف على ولده إن كان من جماعة أن يصيبه لمم من الشيطان . ويكره ~~له الجماع في ثلاث ليال من الشهر : في أول ليلة وفي آخر ليلة وفي ليلة ~~النصف . يقال إن الشيطان يحضر الجماع في هذه الليالي وقيل إن الشياطين ~~يجامعون فيها ، وروي عن علي عليه السلام كراهة ذلك وأبي هريرة ومعاوية رضي ~~الله عنهما . ومن العلماء من ms1191 كان يستحب الجماع في يوم الجمعة لأحد ~~التأويلين من قوله صلى الله عليه وسلم : من غسل واغتسل أي غسل أهله . ويكره ~~الجماع في أول الليل لئلا ينام على غير طهارة ، فإن الأرواح تعرج إلى العرش ~~فما كان منها طاهرا أذن له في السجود ، وما كان جنبا لم يؤذن له . والرؤيا ~~أيضا على طهارة من غير جنابة ، وعلى وضوء أصح وأفضل إلا أن يغتسل ثم ينام ~~فإن لم يغتسل وجامع فلا ينام ولايطعم حتى يتوضأ وضوءه للصلاة . وقد جاء ~~رخصة في النوم بعد الجماع من غير أن يمس ماء ، فعله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأنا أكره أن يحلق الرجل رأسه أو يقلم ظفره أو يستحد أو يتورى ~~ويخرج دما وهو جنب ، فإن العبد يرد إليه جميع شعره وظفره ودمه يوم القيامة ~~، فما سقط منه من ذلك وهو جنب رجع إليه جنبا . وقيل : طالبته كل شعرة ~~بجنابتها . وقد روينا معنى هذا في حديث مقطوع موقوف عن الأوزاعي ويحيى بن ~~كثير قال الأوزاعي : قد كنا نقول : لا بأس أن يطأ الجنب ، حتى سمعنا بهذا ~~الحديث والنص فيه على النهي أن يطأ الرجل جنبا ، ولا يحل للرجل من امرأته ~~إلا الفرج لا غير على أي حال شاؤوا من جامع ، فليتمهل على أهله وليتوقف حتى ~~تقضي هي نهمتها كما قضى هو نهمته . فربما أخر انزال المرأة بعد الرجل فيكون ~~ذلك كريها إليها ، فإن علم أنها قد سبقت PageV02P424 بالشهوة لم يحتج إلى ~~توقف وليس يخفي سبقها بالشهوة على فطن . وأوفق ما يكون الجماع بينهما إذا ~~اتفقت الشهوتان منهما معا ، وأكثر ما يكون التباغض بين الزوجين لاختلافهما ~~من طبع الإنزال أن يكون طبعه سابقا لطبعها أيضا . قود كان بعض العلماء من ~~الأدباء لا يتأخر عن المرأة حتى يستأمرها في ذلك ، وينبغي أن يعلمها لأن ~~المرأة إذا بلغت واحتلمت يجب عليه الغسل كما يجب على الرجل ، فإن في ذلك ~~سنة لأن أم سليم سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بذلك قال : ~~نعم ms1192 ، النساء نساء الأنصار لا يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين ، وإذا ~~كانت المرأة حائضا ائتزرت بمئزر صغير من حقويها إلى أنصاف الفخذين وكان له ~~المتعة بجميع جسدها كيف شاء إلا تحت المئزر ، وهذا مذهب فقهاء الحجاز وهو ~~أحب الوجهين إلي ، وبعض علماء أهل العراق يجوز من الحائض المباشرة لما تحت ~~خلا الفرجين ، ولا يعجبني هذا ولا حرج عليه من الاستمتاع ببدنها ، وأستحب ~~للرجل إذا دخل في لحافها أن يأتزر بحقو صغير يكون في وسطه وهو المئرز لئلا ~~يتجرد عريانا ، فإن هذا من الأدب . ويضاجع الرجل الحائض كيف شاء وتناوله ما ~~شاء ، أو يؤاكلها ولا يجانبها في شيئ من الأشياء إلا الجماع في الفرج ~~إتفقوا عليه واختلفوا فيما دونه . فذكر أهل الحجاز كما ذكرناه آنفا وهو ~~استحباب ، واتفقوا على تجويز ما فوق المئزر من السرر إلى أنصاف الفخذين ، ~~فينبغي للمتزوج أن يعرف حكم الطلاق ، فإن عرض عليه طلاق طلق واحدة واحدة في ~~طهر لا جماع فيه ، لأن التطليقة الواحدة إذا انقضت عدة المرأة منها بحيض أو ~~أشهر تعمل عمل التحريم بالثلاث سواء ، إلا أنه يربح في التطليقة الواحدة ~~أربع خصال : أحدها موافقة الكتاب والسنة من قوله عز وجل : ( فطلقوهن لعدتهن ~~) الطلاق : 1 ، وفي قراءة عمر وابن عباس رضي الله عنهم بيان ذلك : فطلقوهن ~~لقبل عدتهن فقد دل أن الأقراء هي الأطهار ، وكذلك هو عندي . وإن تكافأ ذلك ~~في اللغة و تساوى في المعاني بأن يكون الحيض أيضا . والثانية تيسير العدة ~~عليها وسرعة خروجها منها ، فخروجها من الطلاق محتسب من الطهر الذي طلقها ~~فيه من غير جماع قرأ ، فتستعجل الخروج من العدة لأنها من حدود الله عز وجل ~~، ويربح أيضا هو أنه ندم على طلاقها كان له رجعتها في العدة من غير إحداث ~~عقد ثان ولا مهر آخر ، وإن أحب رجعتها بعد انقضاء العدة كان له تزويجها ~~ثانية من غير زوج ثان تحدثه ، وهذا كله معدوم مع الثلاث دفعة واحدة وموجود ~~فيه التحريم ، وإن ندم لم يجعل الله له مخرجا لأنه لا ms1193 تحل له إلا بعد ، زوج ~~ويخسر العبد خروج المرأة من يده فإن ابتلى بهواها يحتاج أن ينتظر فراغ ~~الزوج الثاني أو التجأ أن يعمل في تزويجها لغيره ، فيكون محللا لنفسه ومفسد ~~النكاح الثاني بالتحليل فيقع في ثلاث معان من المعاصي . PageV02P425 وقد ~~لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له . وقال بعض العلماء : ~~إن نكاح الأول بعده على التحليل لا يجوز أيضا ، وهذا كله ثمرة الجهل ~~ومخالفة السنة . وقد قال الله تعالى : ( فطلقوهن لعدتهن ) الطلاق : 1 ، ثم ~~قال : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا يعني ندما من المطلق فتعجب ~~الزوجة ، فإذا كان قد طلق تطليقة واحدة أو اثنتين حلت له من العدة من غير ~~عقد وبعد انقضائها بغير زوج ثم قال : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) أي ~~يتقي الله فيطلق في العدة يجعل له مخرجا في جواز الرجعة كما ذكرناه ومن طلق ~~ثلاثا مرة واحدة أو طلق في الحيض ، وقع الطلاق وحرمت المرأة ولم تحل له إلا ~~بعد زوج إن كان قد خالف السنة ووافق كراهة الأئمة بآثار ، قد كثرت في ذلك ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عمر وابنه وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ~~وابن عباس وجملة من الصحابة والتابعين ، والأصل فيما ذكرناه من العزيمة ~~والرخصة في فعل النكاح وتركه قول الله عز وجل : ( وانكحوا الأيامى منكم ) ~~النور : 32 ، فأمر بالنكاح وهو أعلم بالخير والصلاح ، والأيامى جمع أيم وهي ~~التي لا بعل لها ، وقد يسمى به الرجل الذي لا زوجة له أيضا كما يقال ثيبا ~~وبكرا ثم قال : ( والصالحين من عبادكم ) النور : 32 . فلولا أن النكاح فاضل ~~ما خص به الصالحين وضمه إلى فضلهم ، وهم أهل ولايته لقوله عز وجل وهو يتولى ~~الصالحين ، ثم قال : ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) النور : 32 ، ~~والله أعلم بالأغنياء كيف هم وقد يغنيهم بالأشياء كقوله : ( أغنى وأقنى ) ~~النجم : 48 ، وقد يغنيهم عن الأشياء وهي القناعة والزهد ، وقد يغني نفوسهم ~~عن الإعراض لقول رسول الله ms1194 صلى الله عليه وسلم : ليس الغني بكثرة العرض ~~إنما الغني غني النفس ، وقد يغنيهم باليقين كما قال أيضا : كفى باليقين غنى ~~. وقد يغنيهم بغض البصر وتحصين الفرج كما قال : من استطاع الباءة فليتزوج ~~فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ثم إن الله عز وجل قال في الخبر الثاني : من ~~وعد الغني في التفرق وذلك أيضا في قوله عز وجل : ( وإن يتفرقا يغن الله كلا ~~من سعته ) النساء : 3 . فقد أجمل وجوه الإغناء كلها في هذا المعنى الآخر ~~أيضا ، ويزيد عليه الغنية بالعصمة والاستغناء عن المكاسب وعن السؤال ~~والمحاسبة على الاكتساب ، والغنية عن حال النساء وأحكامهن . ثم قال في ~~الأمر الثاني من البيان الثاني : ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ~~وثلاث ورباع ) النساء : 3 . فهذا أدون من الأول لأنه علقه باختيارنا إن طاب ~~لنا ، ثم رفع فيه الأربع توسعة منه وتفضيلا لعلمه بعلاج القلوب وطبائع ~~النفوس وتفاوت سكونها وحركاتها ، ووجود كفايتها ومصالحها ثم رحمنا فقال : ( ~~فإن خفتم ألاتعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ) ~~النساء : 3 . فرد إلى الواحدة وهو الحال الأوسط بين الأربع وبين التعزب ، ~~وخير الأمور PageV02P426 أوسطها وفي قوله : ألا تعدلوا ثلاثة أوجه : تعدلوا ~~تجوروا وهو أحسنها وأحبها إلي لأنه يواطئ قوله تعالى : ( فإن خفتم أن لا ~~تعدلوا ) النساء : 3 ، لأن العدل ضد الجور فعطف عليه فقال : ( ذلك أدنى ألا ~~تعولوا ) النساء : 3 ، أي تجوروا من العدل . والعرب تقول : عال يعول عولا ~~إذا جار ، والوجه الثاني : ألا تعولوا تفتقروا من العيلة وهي الفقر يقال : ~~عال يعيل عيلة وأعاله إذا افتقر ومنه قوله : ( إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم ~~الله ) التوبة : 28 ، ومع العيال الفقر لا محالة ، والوجه الثالث : تعولوا ~~تكثر عيالكم فيكون المعنى لذلك أقرب أن لا يكثر من تعولونه ، وحذفت الهاء ~~التي هي اسم العيال وهذا مذهب لبعض أهل الحجاز يرجع إلى قوله : عال الرجل ~~عياله ، يعولهم مثل مانهم يمونهم ومارهم يميرهم وصانهم يصونهم ، فيكون ~~مشتقا من لفظ العيال والأولان أجود وأشهر والله سبحانه ما افترض ms1195 النكاح ولا ~~العزبة ، كما لم يوجب الأربع من النسوة وافترض صلاح القلب وسلامة الدين ~~وسكون النفس والدخول في الأوامر عند الحاجة إليها . فمن كان صلاحه في ~~التزويج فهو أفضل له ، ومن كان استقامته وسكون نفسه عند الأربع فجائز له ~~طلب السكون وصحة الحال مع القيام بالأحكام ، ومن وقعت كفايته بواحدة ~~فالواحدة أصلح وأفضل لأنها إلى السلامة أقرب ، ومن كان صلاح حاله واستقامة ~~قلبه وسكون نفسه في العزبة فذلك له أسلم ، والإسلام لمثله في زماننا هذا ~~أفضل إذا لهذا يراد النكاح فإن وجد لم يضر فقده . ى السلامة أقرب ، ومن كان ~~صلاح حاله واستقامة قلبه وسكون نفسه في العزبة فذلك له أسلم ، والإسلام ~~لمثله في زماننا هذا أفضل إذا لهذا يراد النكاح فإن وجد لم يضر فقده . ~~ولعمري أنا إذا قلنا إن في الدين طريقين : طريق عزيمة وطريق رخصة ، فإنه في ~~النكاح أيضا لأنه من الدين ، وفي تركه يكون لأجل الدين طريقان : طريق ~~الأقوياء وهم أهل النكاح ، والصبر على أحكامه ، وعلى معاشرة النساء ، وطريق ~~آخر للأقوياء بالصبر عنهن ووجود العصمة منهن والتفرغ للآخرة وكفى بها شغلا ~~، وطريق آخر من وجود الوسوسة وخوف العنت لقوة الطبع وضعف الحال بوجود ~~الاختلاط ، فيبدأ بالنكاح طلبا للاستقامة والصلاح . وقد كان الثوري رحمه ~~الله تعالى يقول : يا حبذا العزبة والمفتاح . . . ومسكن تخرقه الرياح لا ~~صخب فيه ولا صياح ولله الأمر من قبل ومن بعد والحمد لله وحده . PageV02P427 # | الفصل السادس والأربعون فيه كتب ذكر دخول الحمام # الأفضل في وقتنا هذا ترك دخول الحمام لكثرة العراة فيه والعجز عن القيام ~~بأحكامه . إلا أن دخوله مباح ، وقداختلف مواجيد الصحابة في دخوله وكل فيه ~~قدوة وهدى فقال بعضهم : بئس البيت الحمام ، يبدي العورة ويذهب الحياء ، ~~وروي هذا عن ابن عمر رضي الله عنه وعن علي رضي الله عنه معناه . وقال بعضهم ~~: نعم البيت ينفي الدرن ويذكر النار ، وروي هذا عن أبي الدرداء وأبي أيوب . ~~ودخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشام الحمامات ، فمن كان داخلا ~~إلى الحمام فلا ms1196 يدخله لشهوة لعاجل حظ دنياه ولا عابثا لأجل الهوى لأنه عمل ~~من أعمال العبد ، والعبد مسؤول عنه إن كان محاسبا على جهل أعماله فيقال : ~~لم دخلت ؟ وكيف دخلت ولمن دخلت ؟ كما يقال له : في كل عمل فعله وفي دخول ~~الحمام ثمانية أحكام أربعة فرائض وأربعة نوافل . فأما الفرائض فستر العورة ~~وغض البصر ، وأن لا يباشر جسده غير يده وأن يأمر بالمعروف وهو أن يرى ~~عريانا فيقول له : استتر أو هذا حرام عليك وهذا لا يحل لك ، أو قد نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو حرم دخول الحمام بغير إزار ، فأي هذه الألفاظ ~~قاله سقط عنه ماوراء ذلك من كل شيء يراه من المنكر ، وليس عليه القبول ولا ~~الإجبار على المعروف لأن هذا على الإمام القائم بصالح الدين ، والداعي ~~لرغبة المسلمين بالبطش والقوة والتمكين في الأرض والتسليط ، وهو ساقط عن ~~الرعية بحمد الله ومنه ، فأما النوافل الأربع ، فأن يرى الطهارة لأجل الدين ~~والنظافة للعبادة لأن الطهارة من أفضل أمور الآخرة والحمام غاية الطهر ، ~~وأن يعطي صاحب الحمام الأجرة قبل الدخول ، وكذلك يستحب في كل ما يشتريه أو ~~يستعمله خاصة الشيء المجهول مقداره من شرب الماء وأجرة الحجام والذي لا ~~يتقاضى عليه ولا يشترط فيه ، فكأنه يكون غير معلوم . وإذا نظر الحمامي إليه ~~صار معلوما . والثالثة أن لا يكثر صب الماء عليه من غير حاجة ، ولا يستعمل ~~ما يكفي رجلين وثلاثة سيما من الماء الحار ، فإن له موونة ، ولا يستعمل من ~~ذلك إلا ما لو رآه الحمامي لم يكره ذلك منه ولم يسوءه ، وما علم أن الحمامي ~~لو رآه يستعمله من الماء الكثير لشق عليه ذلك ، فإنه مكروه له في غيبه . ~~PageV02P428 والرابعة أن يتذكر النار بحرارة الحمام ولذع مسه وغشيان ظلمته ~~، لأن الحمام في الظلمة أشبه شيء بجهنم ، الحرارة من تحتك والظلمة من فوقك ~~، فهذا وصف جهنم نعوذ بالله منها فليتذكر بقلة صبره على الحمام وعظم كربه ~~فيه حبسه في جهنم ، وإنه لو أقام في الحمام فضل ساعة لضعف روحه ms1197 حتى يخرج ~~خفوقا ، ويكون له في الحمام موعظة وعبرة إذا عبر أولي الأبصار . ومواعظ أهل ~~التقوى لا تنقضي ، ولهم في كل شيئ عبرة وموعظة وبكل شيئ تذكرة ، لأن الله ~~عز وجل قد أحياهم حياة طيبة ، وهذه علامة من كان له قلب ومن مقامه المزيد ، ~~ولا بأس أن يظهر ذكر الله عز وجل بالتسمية والاستغفار ، ومكروه له قراءة ~~القرآن إلا في نفسه سرا ولا يسلم على أحد فيه بلفظ السلام . وروينا أن رجلا ~~أسلم على الحسن بن علي رضي الله عنهما في الحمام فقال : ليس في الحمام سلام ~~، فإن احتاج أن يتكلم رجل فيه فلا بأس أن يأخذ بيده استئناسا للكلام أو ~~يقول له : عافاك الله وأدام سلامتك . ومكروه له كثرة الكلام فيه وأن يتكلم ~~رجل بما لا يعنيه ، ولكن يقول : بسم الله ، إذا دخله ويستعيذ بالله من ~~الرجس الخبث الشيطان الرجيم . وإن أعطى الحمامي أجرة ليخليه له أجر على ذلك ~~. قال بشر : ما أعنف رجلا لا يملك إلا درهما أن يعطيه لخلوة الحمامي . وكان ~~بشر يغطي ليخلي له الحمام ، فكان يغلقه عليه من داخل ومن خارج ، فإن وليته ~~جاريته للإطلاء في الحمام إذا كان خاليا ستيرا فلا بأس ، قالب بعضهم : رأيت ~~ابن عمر رضي الله عنهما في الحمام مستقبلا بوجهه الحائط ، وقد عصب عينيه ~~بعصابة ومد يده على الحائط ، وقيل لإبراهيم الحربي : تصلي خلف شارب النبيذ ~~قال : نعم قيل : فتصلي خلف من يدخل الحمام بلا مئزر قال : لا ، ويكره دخول ~~الحمام عند الغروب وبين العشاءين ، فإن تلك الساعتين وقتت انتشار الشياطين ~~، وليعرف بدخوله نعمة الله عز وجل وتسخيره له من شاء من خلقه بالتعب منهم ~~والكد فيه ، فهذا من لطيف أفضال الله عز وجل على المتنعمين به ، ومن دخل ~~الحمام وقام بهذه الأحكام كان دخوله أفضل لأن له فيه أعمالا كثيرة ، ودخل ~~الأعمش فرأى عريانا فغمض عينيه وجعل يتلمس الحيطان ، فقال له العريان : متى ~~كف بصرك يا هذا ؟ فقال الأعمش منذ هتك سترك ، وحكى الشافعي عن مالك رضي ~~الله عنهما ms1198 ثلاثة أشياء فيها ، ذلة حضور المجلس بغير محيرة ولا صحيفة ، ~~وركوب السفينة بلا زاد ، ودخول الحمام بغير كرنيب قال : فقلت للشافعي رضي ~~الله عنه : لم تذكر المئزر فقال : قد أحسن ترك المئزر فسوق ، وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : دخول الحمام على النساء حرام وعلى الرجال إلا بمئزر ، ~~وقد كان عمر رضي الله عنه يقول : الحمام من النعيم الذي أحدثوه ، وفي أحد ~~الوجوه من قوله تعالى : ( ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ) التكاثر : 8 ، قال : ~~الماء الحار في الشتاء ولا بأس أن يباشره رجل بالتدليك خلا موضع العورة ، ~~حدثني بعض إخواني عن بعض أهل العلم أنه دخل معه الحمام قال : فأردت أدلكه ~~PageV02P429 فأمتنع قال : ثم دخلت معه بعد ذلك فجعلت أدلكه فلم يمتنع فقلت ~~له : قد كنت أمتنعت أول مرة قال : كنت أعلم فيه أثرا ثم وجدت بعد ذلك أصبغ ~~الراشني أن رجلا دلكه في الحمام فرأى على فخذه مكتوب لله بعرق في جسده فقال ~~: أما تنظر أما أنه ما كتبه إنسان ، وفي ذلك أيضا أثر عن يوسف بن أسباط أنه ~~لما حضرته الوفاة أوصى أن يغسله فلان إنسان لم يكن من أصحابه ولا كان ~~معروفا بفضل ، فقيل له في ذلك فقال : أنه قد كان مرة دلكني في الحمام ولم ~~أكافئه علي ذلك وأنا أعلم أنه يحب أن يغسلني فأوصيت إليه فيكون ذلك مكافأة ~~مني له ، ويصلح أن يستدل على ذلك أيضا بتجويز الغمز للجسد والظهر . فقد ~~روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نزل منزلا في بعض أسفاره ، قال ~~بعض أصحابه : فذهبت أمشي أتخلل النخل أو قال الشجر ، فإذا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نائم على بطنه وعبد أسود يغمز ظهره فقلت له : ما هذا يا ~~رسول الله فقال : أما أن الناقة تقحمت بي ، وقال بعضهم : لا يحل دخول ~~الحمام إلا بمئزرين مئزر لوجهه ومئزر لعورته ، ورأى ابن عمر رضي الله عنه ~~رجلا عريانا فخرج وهو يقول : أعوذ بالله من الشيطان رأيت شيطانا ، وقال ~~مالك رضي الله ms1199 عنه : من دخل الحمام وخرج عريانا فلا شهادة له ، وإن كان ~~قاعدا عند الحوض ليغسل فلا بأس ، وغسل الرجلين بالماء البارد عند الخروج من ~~الحمام أمان من النقرس ، والتنورد بعده قبل غسل الوجه يشيب اللحية والخناء ~~بعد ، يقال : إنه أمان من الجذام ويستحب أهل الطب البول قائما في الحمام ~~بعد الإينار وقبل غسل النورة ، وأمر بعض أطباء العرب بالنورة في كل شهر ~~وأخبر أنه يطفئ المرارة وينقي اللون وأنها تزيد في الجماع وفي السنة ~~الاستحداد في كل أربعين يوما لا يستحب مجاوزة ذلك ، وبعض زهل الطب يقول : ~~بولة في الحمام في الشتاء أنفع من شربة دواء ، والبول في المستحم مكروه من ~~جهة السنة ، وقيل : إن البول في المستحم يورث الوسواس ، وبعض أهل الطب يقول ~~: نومة في الصيف بعد دخول الحمام تعدل شربة دواء ، ويستحبون أيضا الغسل ~~بماء بارد بعد نومة في الصيف ، وأنه نافع للجسد ، ويقال : إن الإنسان إذا ~~جاوز الأربعين سنة نقص في كل يوم إلا اليوم الذي يدخل فيه الحمام ، وإن ~~الحمام عندهم في الصيف أنفع منه في الشتاء ، ويكره شرب الماء البارد عند ~~الخروج من الحمام ، وحرم رسول اله صلى الله عليه وسلم دخول الحمام عل ~~النساء ، وحرمه على الرجال إلا بمئزر فإن دخلت المرأة الحمام ضرورة من علة ~~أو حيض أو نفاس أو في شتاء فلا بأس ، وقد دخلت عائشة رضي الله عنها من سقم ~~كان بها ولينه الرجل امرأته وأهله عن دخول الحمام ، فإن لم يقبلن لم يحل له ~~أن يعطيهن أجرة الحمام ، وكان الأمر عليهن ، ولا يحل لمسلمة في الحمام أن ~~يليها للخدمة ذمية ، فقد نهى عمر وأبو عبيدة رضي الله عنهما عن ذلك وأكره ~~للرجل أن يعطي امرأته أجرة الحمام فيكون معينا لها على الإثم فإن نهاها ~~فخالفته كان الإثم عليها . PageV02P430 # | الفصل السابع والأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش وما يجب على التاجر ~~من شروط العلم # قال الله تعالى : ( وجعلنا النهار معاشا ) النبأ : 11 ، فذكره فيما عدد ~~من آياته ونعمته ، وقال عز وجل ms1200 : ( وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ~~) الأعراف : 1 ، ، فجعل المعاش نعمة طالب بالشكر عليها ، وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم بطلب المعاش ، ~~قال صلى الله عليه وسلم : أحل ما أكل المرء من كسب يده وكل عمل مبرور ، وفي ~~لفظ آخر : أحل ما أكل العبد من كسب يد الصانع إذا نصح ، وفي الخبر : التاجر ~~الصدوق يحشر يوم القيامة مع الصديقين والشهداء . وقد جاء في الحديث : من ~~طلب الدنيا حلالا وتعففا عن المسألة وسعيا على عياله وتعطفا على جاره لقي ~~الله عز وجل ووجهه كالقمر ليلة البدر ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان ذات غداة جالسا مع أصحابه فنظروا إلى شاب ذي جلدة وقوة وقد بكر ~~يسعى فقالوا : ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل الله عز وجل ، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : لا تقولوا هذا فإنه إن كان يسعى على نفسه ~~ليكفها عن المسألة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل الله ، وإن كان يسعى على ~~أبوين ضعيفين أو ذرية ضعاف ليغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل الله ، وإن كان ~~يسعى تفاخرا وتكاثرا فهو في سبيل الشيطان ، وقال ابن مسعود : إني لأمقت ~~الرجل أراه فارغا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة ، وقال إبراهيم النخعي ~~رحمه الله : كان الصانع بيده أحب إليهم من التاجر ، وكان التاجر أحب إليهم ~~من البطالة ، وسئل إبراهيم عن التاجر الصدوق أهو أحب إليك أم المتفرغ ~~للعبادة ؟ قال : التاجر الصدوق أحب إلي لأنه في جهاد يأتيه الشيطان من طريق ~~المكيال والميزان ومن قبل الأخذ والعطاء فيجاهده وقد خالفه الحسن البصري ~~رضي الله عنه في هذا ، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما من موطن ~~يأتيني فيه الموت أحب إلي من موطن أتسوق فيه لأهلي أبيع وأشتري في رحلي ~~وقال أيوب قال لي أبو قلابة : إلزم السوق فإن الغني من العافية يعني الغني ~~عن الناس والله أعلم والغني الذي يطاع الله ms1201 تعالى PageV02P431 به ، وكان ~~يقول بعض السلف : اتجر وبع واشتر ولو برأس المال يجعل لك من البركة مالا ~~يجعل لصاحب الزرع ، وقال ابن محيريز وكان من عباد أهل الشام : ما من طعام ~~أملأ به ما بين جنبي بعد غنيمة في سبيل الله من فيء المشركين أقيم بها حق ~~الله عز وجل أحب إلي من طعام تاجر صدوق ، قال : وكانوا يعدون الكاسب على ~~عياله كالمجاهد في سبيل الله عز وجل ويرون فضله على غيره ، وروي فيه أثر أن ~~الله عز وجل يحب المؤمن المحترف ، وفي خبر آخر : أن الله يحب العبد يتخذ ~~المهنة يستغني بها عن الناس . وحدثني بعض إخواني عن أبي جعفر الفرغاني قال ~~: كنا يوما عند الجنيد فجرى ذكر ناس يجلسون في المساجد يتشبهون بالصوفية ، ~~ويقصرون عما يجب عليهم من حق الجلوس ، ويعيبون من يدخل السوق ، فقال الجنيد ~~: كم ممن هو في السوق حكمه أن يدخل في المسجد فيأخذ بإذن بعض من هو فيه ~~فيخرجه ويجلس مكانه ، إني لأعرف رجلا يدخل السوق وورده في كل يوم ثلاثمائة ~~ركعة وثلاثون ألف تسبيحة ، قال : فسبق ، وهمي أنه يعني نفسه ، فإن كان ~~العبد سوقيا فليبدأ فليتعلم علم البيع والشراء والأخذ والعطاء ومعاملة ~~الناس في البيوع ومعرفة أبواب الربا ، ليعلم ذلك قبل الوقوع فيه فيجتنب ذلك ~~ويتقيه ، وليغد إلى المفتي فيسأله عن علم حاله كل يوم من وجوه معاملته ، إن ~~لم يكن قد تقدم علمه بذلك ولم يكن عالما به في وقت المعاملة ، فليجعل بكوره ~~إلى المفتي قبل غدوه إلى السوق ، فإن لكل عمل علما ، ولله في كل شيء حكم ، ~~فلا يغنيك كبير علم عن علم غيره ، فإن لم تفعل ذلك دخل عليك الربا والبيوع ~~الفاسدة ، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف في الأسواق ويضرب بعض ~~التجار بالدرة ويقول : لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه وإلا أكل الربا شاء أو ~~أبى ، ثم لينصرف بعد العلم فيما يدخل فيه فيما أبيح له من تجارة أو صناعة ~~بصدق معاملة وصدق في مبايعة ms1202 ، ناويا في ذلك إقامة سنة وأمرا بمعروف ، ونهيا ~~عن منكر ، وجهادا في سبيل الله ، لأن من أخذ الحق وأعطاه وعامل بصدق ونصح ~~فهو معاون على البر والتقوى وفي جهاد العدو والهوى سيما في زمان يكثر فيه ~~الباطل لأن صلاح الدين بصلاح الدنيا وفساده بفسادها لتعلق أحدهما بالأخرى ~~وحاجة كل واحد منهما بصاحبه . وفي الخبر : لا يستقيم عبد حتى يستقيم قلبه ~~ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~قوله تعالى : ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون ) الأنعام : 82 ، من هؤلاء ؟ فقال : من برت يمينه وصدق لسانه ~~واستقام قلبه وعف فرجه وبطنه ، ثم لينو المتصرف في معاشه كف نفسه عن ~~المسألة والاستغناء عن الناس وقطع الطمع فيهم ، والتشرف إليهم ، فذلك عبادة ~~إذا نوى نزعه ، ثم ليحتسب السعي على نفسه وأطعمة عياله فهو له صدقة ~~PageV02P432 وعليه الصدق في القول والنصح في معاملة إخوانه المسلمين لأجل ~~الدين ، ويعتقد سلامة الناس منه نصحا لهم ورحمة بهم ويعمل في ذلك ويكون ~~أبدا مقدما للدين والتقوى في كل شيء ، فإن انتظمت دنياه بعد ذلك حمد الله ~~وكان ذلك ربحا ورجحانا ، وإن تكدرت لذلك دنياه وتعذرت لأجل الدين والتقوى ~~أحواله في أمور الدنيا كان قد أحرز دينه وربحه ، وحفظ رأس ماله من تقواه ، ~~وسلم له ، فهو المعول عليه والحاصل له ، إلا أن من ربح من الدنيا مثل المال ~~وخسر عشر الدين فما ربحت تجارته ولا هدى سبيله وهو عند الله من الخاسرين ، ~~وقال بعض السلف : أولى الأشياء بالعاقل أحوجه إليه في العاجل ، وأحوج شيء ~~إليه في العاجل أحمده عاقبة في الآجل ، وكذلك قال معاذ بن جبل : رضي الله ~~عنه في وصيته أنه لا بد لك من نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة ~~أحوج ، فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه فإنه سيمر على نصيبك من الدنيا فينظمه ~~لك انتظاما ويزول معك حيثما زلت . قد قال الله تعالى : ( ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا ) القصص : 77 ، لا تترك ms1203 نصيبك في الدنيا من الدنيا للآخرة ، لأنك من ~~ههنا تكتسب الحسنات فتكون هناك في مقام المحسنين ، ففي الخطاب مضمر لدليل ~~الكلام عليه في قوله تعالى : ( وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في ~~الأرض ) القصص : 77 ، وقد قال بعض العلماء : من دخل السوق ليشتري ويبيع ~~فكان درهمه أحب إليه من درهم أخيه لم ينصح المسلمين في المعاملة ، وقال ~~عالم آخر : من باع أخاه شيئا بدرهم وهو يصلح له بخمسة دوانيق فإنه لم يحب ~~لأخيه ما يحب لنفسه حتى لا يبيع أخاه شيئا بدرهم إلا وهو يصلح له اشتراؤه ~~به ، فينبغي لهذا المتصرف أن يستوي في قلبه درهمه ودرهم أخيه ورحله ورحل ~~أخيه ، ليعدل فيما يبيعه أو يشتري منه سواء بسواء ، ويكون مراعيا لموافقة ~~حكم الله تعالى الذي ورد به الشرع في الشراء والبيع ، مراعيا للسبب الذي ~~يصل به الدرهم أن يكون السبب معروفا في العلم ، مباحا في الحكم ، فيكون ~~متورعا في عين الدرهم المعتاض ، لا يكون من خيانة أو سرقة أو فساد أو غصب ~~أو غيلة أو حيلة ، فهذه وجوه الحرام التي تحرم بها المكاسب المباحة ، فإذا ~~كان متجنبا لهذه المعاني لم يشهد أحدها بعينه أو لم يعلمه من عدل فكسبه ~~حينئذ من شبهة ، ولا يكون مع ذلك حلالا لإمكان دخول أمر هذه الأسباب فيه ، ~~ولأنه على غير يقين معاينة منه لصحة أصله وأصل أصله لقلة المتقين وذهاب ~~الورعين إلا أنه شبهة الحلال . وفي الخبر : أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أتى بلبن فقال : من أين لكم هذا ؟ فقيل له : من شاة كذا ، فقال : ومن أين ~~لكم هذه الشاة ؟ فقيل : من وضع كذا ، فشرب منه ثم قال : إنا معاشر ~~PageV02P433 الأنبياء أمرنا أن لا نأكل إلا طيبا ولا نعمل إلا صالحا ، وقال ~~الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : ( يا أيها الذين ~~آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) البقرة : 172 ، فسأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن أصل الشيء وأصل أصله ولم يسأل عما وراء ذلك ، لأنه قد ms1204 يتعذر ولا ~~يوقف على حقيقته ، ولأن أموال التجار والصناع قد اختلطت بأموال الأجناد ، ~~وهم يأخذون ذلك بغير استحاق ، فكأنه من أكل المال بالباطل إذ قد أوقفوا ~~نفوسهم ، وارتبطوا دوابهم في سبيل الهوى ، فصاروا يأخذون العطاء بغير حق ، ~~ولا يملكون ذلك ، ثم ينتشر ذلك في أموال التجار واصناع وهم لا يميزون بين ~~ذلك ولا يرغبون عنه لقلة التقوى وعدم الورع ، فلذلك غلب الحرام لأن الحلال ~~إنما هو فرع للتقوى والورع ، إذا كثر المتقون وظهر الورعون كثر الحلال وظهر ~~، وإذا قلوا فشاء الحرام وانتشر فصار الحلال مستهلكا غامضا في الحرام لغربة ~~الورعين وخفية المتقين ، وإنما كان الحلال في القرن الأول موجودا لوجود ~~السلف الصالح ، وكان الناس ورعين وكانوا لا يأخذون ما ليس لهم بحق فكانوا ~~متقين وكانوا يتركون بعض حقهم خشية دخول الشبهة عليهم ، فمن أجل ذلك كان ~~الحلال كثيرا ، وقد حكى عن بعض فقهاء العراق أعرف أنه قال : لا أقبل شهادة ~~شحيح ، قيل : ولم ؟ قال : الشح يحمله على استيفاء حقه ، وفي استيفاء حقه ~~أخذه ما ليس له ، ثم قال : حدثني عطاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أته ~~قال : ما استقصى كريم قط ، وتلا قوله عز وجل : ( عرف بعضه وأعرض عن بعض ) ~~التحريم : 3 ، وفي الخبر : كما نترك سبعين بابا من الحلال مخافة باب واحد ~~من الحرام ، وقال الحسن : أدركت من مضي يعرض على أحدهم المال الحلال فيقول ~~: لا حاجة لي به ، أخاف أن يفسد على قلبي ، قد كانت الأئمة عدولا فكانت ~~الجنود معاونين لهم على التقوى يأخذون عطاءهم بحق . وفي الحديث عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في ذكر الخيل : اختصرناه ، قال : والخيل لرجل وزر ~~، وهو الذي يربطها فخرا ورياء وسمعة ونواء على الإسلام ، فما أكلت وشربت في ~~أجوافها حتى أبوالها وأرواثها وآثارها أوزار في ميزانه يوم القيامة ، وقد ~~قال الله تعالى : ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ) الصافات : 22 ، يعني ~~وأشباههم وأعوانهم ، فقال الثوري رحمه الله : يقال يوم القيامة ليقم ولاة ~~السوء وأعوانهم ، قال : فمن لاق لهم دواة ms1205 أو برى لهم قلما أو حمل لهم لبدا ~~أو أعانهم على أمر فهو معهم ، وجاء رجل إلى ابن المبارك فقال : إني خياط ~~وربما خطت شيئا لبعض وكلاء السلطان فماذا ترى أكون من أعوان الظلمة ؟ قال : ~~لست من أعوان الظلمة بل أنت من الظلمة إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الإبر ~~والخيوط ، وكان بعض العلماء قد جلس في ديوان بعض الأمراء فكتب الأمير كتابا ~~فقال : ناولني الطين أختم به الكتاب ، فامتنع فقال : ناولني الكتاب الذي ~~كتبته حتى أنظر فيه ، فلم PageV02P434 يناوله ، وفعل مثل ذلك سفيان الثوري ~~مع المهدي فكان بيد المهدي درج أبيض وقد أدخل عليه الثوري فقال له : يا أبا ~~عبد الله أعطني الدواة حتى أكتب ، فقال : أخبرني بأي شيء تكتب ، فإن كان ~~حقا أعطيتك وإلا كنت عونا على الظلم ، وكان بمكة أمير قد أمر رجلا أن يقوم ~~له على الصناع في عمارة ثغر من الثغور قال : فوقع في نفسي من ذلك شيء ، ~~فسألت سفيان عن ذلك فقال : لا تفعلن ولا تكن عونا لهم على قليل ولا كثير ، ~~فقلت : يا أبا عبد الله سور في سبيل الله تعالى للمسلمين فقال : نعم ولكن ~~أقل ما يدخل عليك أن تحب بقاءهم ليوفونك أجرتك ، فتكون قد أحببت من بغض ~~الله عز وجل ، وقد جاء في الخبر : من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي ~~الله عز وجل . وفي الحديث : أن الله ليغضب إذا مدح الفاسق ، وفي خبر آخر : ~~من أكرم فاسقا فكأنما أعان على هدم الإسلام ، وليجتنب هذا السوقي البيوع ~~الفاسدة مثل بيع الغرر والخطر والمجهول ، ومثل بيعتين في بيعة ، أحدهما ~~مصارفة أو مشارطة ، ولا يبيع ما ليس عنده ولا ما اشتراه حتى يقبضه ، ولا ~~يبيع الدين بالدين ولا يتبايعان الثمار حتى يبدو صلاحها ويؤمن عليها العاهة ~~، ومن النخيل حتى تحمر أو تصفر ، ومن العنب حتى يلين أو يسود ، ونهى ، رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن النجش ، وهو أن يعطي بسلعة شيئا وهو لا يريد أن ~~يشتريها بشئ ليغر غيره بها ، ولا ms1206 يبتاع شيئا من ذهب وخرز مثل القلادة ~~ونحوها حتى يفصل كل واحد على حدته ، كذلك السنة ، ولا يتبايعان ما لم يظهر ~~من الحيوان والثمار ، ويجتنب القبالات مسانهة إلا شهرا بشهر أو سنة ، فقد ~~كره ذلك ، وليتوق كل بيع وشراء أخبر العلم ببطلانه من دخول ربا فيه أو خروج ~~من حكم العلم به ، فإن ذلك كله منقصة للدين ، مخبثة للكسب ، فإن أشكل عليه ~~شيء من هده الأمور لخفائها سأل أهل العلم والفتيا فيأخذ عنهم على مذهب ~~الورعين ورأي المتقين ، وليحتط لدينه ، ولينظر لنفسه ولا يغمض في أمر آخرته ~~، فذلك خير له وأحسن توفيقا ، وليجتنب الصنائع المحدثة من غير المعروفة ~~والمعايش المتبدعة في زماننا هذا ، فإن ذلك بدعة ومكروه إذا لم يكن فيما ~~مضى من السلف ، وكلما كان سببا للمعصية من آلة وأداة فهو معصية ، فلا يصنعه ~~ولا يبيعه ، فإنه من المعاونة على الإثم والعدوان ، وكلما أخذ من المال على ~~عمل بدعة أو منكر فهو بدعة ومنكر ، وكل معين لمبتدع أو عاص فهو شريكه في ~~بدعته ومعصيته ، وأخذ المال على جميع ذلك من أكل المال بالباطل ، ومن أكل ~~الحرام فقد قتل نفسه وقتل أخاه لأنه أطمعه إياه ، قال الله تعالى : ( ولا ~~تأكلوا أموالم بينكم بالباطل ) البقرة : 188 ، وقال تعالى : ( ولا ~~PageV02P435 تقتلوا أنفسكم ) النساء : 29 ، وليس هذا من سبيل المؤمنين ، ~~وقد قال الله تعالى : ( ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ) ~~النساء : 115 ، ولا ينبغي للسوقي أن يشغله معاش الدنيا عن الآخرة ، ولا ~~تقطعه تجارة الدنيا عن تجارة الآخرة ، ولا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة ~~، لأنه من الموقنين ، وبيوت الله عز وجل في الأرض هي أسواق للآخرة ، قال ~~الله عز وجل : ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة ) النور : 37 ، وقال الله عز وجل : ( في بيوت أذن الله أن ~~ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ) النور : 36 ، رجال ، ~~فليجعل العبد طرفي النهار لخدمة سيده يذكره ويسبحه في بيته بحسن معاملته . ~~وقد ms1207 كان عمر رضي الله عنه يأمر التجار فيقول : اجعلوا أول نهاركم لله عز ~~وجل وما سوى ذلك لنفوسكم ، وفي أخبار السلف كانوا يجعلون أول النهار للآخرة ~~وآخره لدنياهم ، ويقال : إن الهريسة والرؤوس لم يكن يبيعها في الشتاء إلا ~~الصبيان وأهل الذمة لأن الهراسين والرآسين يكونون في المساجد إلى طلوع ~~الشمس ، ويقال إنهم : كانوا يجتمعون في المساجد بعد العصر للذكر والتسبيح ~~حتى يدخل الرجل فيقول : أصليتم العصر ؟ يظن أنهم قعود للصلاة ، وإنما كانوا ~~يقعدون للتسبيح إلى غروب الشمس وهذا طريق قد درس ، فمن عمل به فقد كشفه ، ~~وقال بعض العارفين : الناس ثلاثة ، رجل شغله معاده عن معاشه فتلك درجة ~~الفائزين ، ورجل شغله معاشه لمعاده فتلك درجة الناجين ، ورجل شغله معاشه عن ~~معاده فهو حال الهالكين ، وقال عالم فوقه : من أحب الله عاش ومن أحب الدنيا ~~طاش ، والأحمق يغدو ويروح في لاش ، وكان ابن عمر رضي الله عنه إذا دخل ~~السوق يقول : اللهم إني أعود بك من الكفر والفسوق ومن شر ما أحاطت به السوق ~~، اللهم إني أعوذ بك من يمين فاجرة وصفقة خاسرة ، ولذكر الله عز وجل في ~~السوق ما لا يجد في سواه فيلعتمد ذكر الله تعالى ساعات الغفلة وحين تزاحم ~~الناس في البيع والشراء ، وكان الحسن يقول ذاكرا لله في السوق : يجيء يوم ~~القيامة وله ضوء كضوء القمر وبرهان كبرهان الشمس ومن استغفر الله في السوق ~~غفر له بعدد أهله . وفي الخبر العام : ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل عن ~~الفارين وكالحي بين الأموات ، وفي الخبر الخاص : من دخل السوق فقال : لا ~~إله إلا الله وحده ، لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو ~~حي لا يموت ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، كتب الله له ألفي ألف حسنة ~~، وكان ابن عمر ومحمد بن واسع رضي الله عنهم ، يدخلان السوق قاصدين يذكران ~~الله عز وجل طلبا للفضيلة ، وفإن دخلت سوقا أو كنت فيه فلا يفوتنك التهليل ~~والذكر فهو عمل وقتك ، ولا تقعدن في السوق لغير ذكر الله ms1208 أو غير معاش ، فقد ~~كره ذلك ، وإذا سمعت التأذين للصلاة فلتأخذ في أمر الصلاة ولا تؤخرها ~~PageV02P436 عن الجماعة وإلا كان فاسقا عند بعض العلماء ، إلا أن يكون في ~~الوقت سعة أو يكون ناويا للصلاة في جماعة أخرى في مسجد آخر ، فإدراكه ~~لتكبيرة الإحرام في الجماعة أحب إليه من جميع ما يربح من الدنيا إلى أن ~~يموت ، وفوتها أشد عليه من جميع ما يخسر من الدنيا ، هذا إن عقل وأبصر تبين ~~له ذلك ، وقد كان السلف من أهل الأسواق إذا سمعوا الأذان ابتدروا المساجد ~~يركعون إلى وقت الإقامة ، وكانت الأسواق تخلو من التجار ، وكان في أوقات ~~الصلاة معايش للصبيان وأهل الذمة ، وكانوا يستأجرونهم التجار بالقراريط ~~والدوانيق يحفظون الحوانيت إلى أوان انصرافهم من المساجد ، وهذه سنة قد عفت ~~من عمل بها فقد نعشها ، وجاء في تفسير قوله عز وجل : ( رجال لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ) النور : 36 ، قيل ~~: كانوا حدادين وخرازين وكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الأشفا فسمع ~~الأذان لم يخرج الأشفا من الغرزة ولم يرفع المطرقة رمى بها وقاموا إلى ~~الصلاة . وروينا عن وهب قال : قال مالك رضي الله عنه في رجل باع بعد النداء ~~يوم الجمعة : يفسخ ذلك البيع ، قيل : عامل ترك القيام إليها وهو حر : قال : ~~يستغفر ربه ، وقال ربيعة : ظلم وأساء وقال مالك : يحرم البيع حتى يخرج ~~الإمام يوم الجمعة ، وليجتنب الصانع عمل الزخرف من الأشياء وما يكون فيه ~~لهو وزينة من التصاوير والنقوش وتخريم العاج ودقائق النقوش من العاج وتشييد ~~الجص والتزويق بالأصباغ المشهاة ، فإن عمل ذلك مكروه وأخذ الأجرة عليه شبهة ~~، وقد كان بعض السلف يقول : تخيروا لأولادكم الصنائع ، وروي عن حذيفة : أن ~~الله عز وجل خلق كل صانع وصنعته ، وقد كانوا يكرهون بيع الطعام وبيع الدقيق ~~، وقد روي في كراهة بيعها حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي ~~الخبر : أن الله عز وجل يحب العبد الحاذق في صنعته ، وفي خبر آخر : أن الله ~~عز ms1209 وجل إذا عمل عبده عملا أحب أن يحكمه ، وفي لفظ آخر : أن يتقنه ، وأوصى ~~بعض العارفين رجلا فقال : لا تسلم ولدك في بيعتين ولا في صنعتين ، بيع ~~الطعام وبيع الأكفان ، فإنما يتمنى الغلاء ويتمنى موت الناس ، والصنعتان أن ~~يكون جزارا فإنها صنعة تقسي القلب ، أو صواغا فإنه يزخرف الدنيا بالفضة ~~والذهب . وروى عثمان الشحام عن ابن سيرين أنه كره الدلالة ، وسعيد عن قتادة ~~أنه كره أجر الدلال ، وكانت العرب تقول : بع الحيوان واشتر الموتان كأنهم ~~كرهوا رد الثمن في الحيوان لما يخافون من تفله واستحبوا شراء الموات وهو ما ~~لا روح فيه ، وقد كانوا يستحبون التجارة في البز ، قال ابن المسيب : ما من ~~تجارة أحب إلي من البزاز إن لم يكن فيه إيمان ، وقد روي خبرا آخر : لو اتجر ~~أهل الجنة لاتجروا في البز ، ولو اتجر أهل النار لاتجروا في الصرف ، وقد ~~كره الحسن وابن سيرين رضي الله عنهما التجارة في الصرف ، PageV02P437 وسئل ~~الحسن عن الصيرفي فقال : الفاسق لا تستظلن بظله ولا تصلين خلفه ، والبستاني ~~والحمال والملاح وصاحب الحمام والخشاش والمزين وقد كانت هذه الصنائع العشر ~~أعمال الأخيار والأبرار الخرز والتجارة والحمل والخياطة والحذو والقصارة ~~وعمل الخفاف وعمل الحديد وعمل المغازل وصيد البر والبحر والوراقة . وحدثونا ~~عن عبد الوهاب الوراق قال : قال لي أحمد بن حنبل : ما صنعتك ؟ فقلت : وراق ~~، فقال : كسبك طيب وصنعتك طيبة ولو كنت صانعا شيئا بيدي لصنعت صنعتك ، وقال ~~لي : لا تكتب إلا مواصفة واستثن الحواش وظهور الأجزاء ، وكان مالك بن دينار ~~وراقا وكان السلف يستطيعون كسبه وبفضلونه ، وكل عمل يتقرب به إلى الله عز ~~وجل ويكون من أعمال الآخرة ومن البر المعروف ، فأخذ الأجر مكروه عليه مثل ~~تعليم القرآن ، وتعليم العلم ، أو مجالس الذكر والصلاة بالناس في رمضان ، ~~وغسل الموتى ، وما كان في هذا المعنى ، لأن هذه تجارات الآخرة ، فلا تأخذ ~~أجرها إلا من الآخرة ، ومن أخذها من الدنيا فقد خسر خسرانا مبينا إذا ربح ~~المحتسبون فيها وأخذوا أجورهم التي صبروا عليها في دار الدنيا ms1210 ، وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص : واتخذ مؤذنا لا تأخذ على ~~الأذان أجرا . ورووي عنه في فضل الاحتكار : من جلب طعاما ما فباعه بسعر ~~يومه فكأنما تصدق به ، وفي لفظ ، آخر : فكأنما أعتق رقبة ، ومن العلماء من ~~كان يجعل الاحتكار في كل مأكول من الحبوب والأدام مثل العدس والباقلا ~~والسمن والعسل والشيرج والجبن والتمر والزيت ، ويكره احتكار جميع ذلك ، ~~وروي نحو هذا عن ابن عباس في قوله عز وجل : ( ومن يرد فيه بإلحاد بطلم نذقه ~~من عذاب أليم ) الحج : 25 ، قيل : الاحتكار من الظلم ، وحدثونا عن بعض ~~السلف أنه كان بواسط فجهز سفينة حنطة إلى البصرة وكتب إلى وكيله : مع هذا ~~الطعام في يوم تدخل البصرة فلا تؤخره إلى غد ، قال : فوافق السعر فيه سعة ، ~~قال له التجار : إن أخرته جمعة ربحت فيه أضعافا فأخره جمعة فربح فيه أمثاله ~~، وكتب إلى صاحبه بذلك فكتب إليه صاحب الطعام : يا هذا قد كنا قنعنا أن ~~نربح الثلث مع سلامة ديننا وإنك قد خالفت أمرنا وقد جنيت علينا جناية ، ~~فإذا أتاك كتابي فخذ المال كله فتصدق به على فقراء أهل البصرة وليتني أنجو ~~من الاحتكار كفافا لا علي ولا لي . وحدث شيخنا عابد الشط مظفر بن سهل قال : ~~سمعت غيلان الخياط يقول : اشترى سري السقطي كر لوز بستين دينارا وكتب في ~~رونامجه ثلاثة دنانير ربحه ، فصار اللوز بتسعين دينارا ، فأتاه الدلال فقال ~~له : إن ذلك اللوز أريده ، فقال : خذه ، فقال : بكم ؟ قال : بثلاثة وستين ~~دينارا ، قال له الدلال : إن اللوز قد صار الكر بسبعين دينارا ، قال له ~~السري : قد عقدت بيني وبين الله عقدا لا أحله لست أبيعه إلا بثلاث وستين ~~دينارا ، قال له الدلال : وأنا قد عقدت بيني وبين الله عقدا لا أحله ، أن ~~لا أغش مسلما ، لست آخذ منك إلا PageV02P438 بسبعين دينارا ، قال : فلا ~~الدلال اشترى منه ولا سري باعه ، وحدثونا عن رجل من التابعين كان بالبصرة ~~له غلام بالسوس فجهز إليه السكر فكتب إليه الغلام ms1211 : إن قصب السكر قد أصابته ~~آفة في هذه السنة فاشتر السكر قال : فاشترى سكرا كثيرا ، فلما جاء وقته ربح ~~فيه ثلاثين ألفا ، قال : فانصرف بها إلى منزله فأفكر ليله في الربح فقال : ~~ربحت ثلاثين ألفا وخسرت نصح رجل من المسلمين ، فلما أصبح غدا إلى الرجل ~~الذي كان اشترى منه السكر فدفع إليه الثلاثين ألفا فقال : هذه لك بارك الله ~~لك فيها ، قال : ومن أين صارت ؟ قال : لما اشتريت منك ؛ السكر لم آت الأمر ~~من وجهه ، إن غلامي قد كان كتب إلي أن قصب السكر أصابته آفة فلم أعلمك ذلك ~~ولعلك لو علمت لم تكن تبيعني ، فقال : رحمك الله قد أعلمتني الآن ، وقد ~~طيبتها لك ، قال : فرجع إلى منزله فبات تلك الليلة ساهرا أو جعل يتفكر في ~~ذلك ويقول : لم آت الأمر من وجهه ولم أنصح مسلما في بيعه لعله استحيا مني ~~فتركها لي فبكر إليه من الغد فقال : عافاك الله خذ مالك فهو أصلح لقلبي ، ~~قال : فدفع إليه ثلاثين ألفا ، وقال سليمان التميمي : لقد ترك محمد بن ~~سيرين أربعين ألف درهم من شيء حاك في صدره ، لم تختلف العلماء أن ليس به ~~بأس . ويقال : إن هذا كان سبب غلبة الدين عليه ، ثم ليتق البائع مدح السلعة ~~وتنفيقها من خرف الكلام وليحذر المشتري ذمها وعيبها بما ليس فيها للخداع ، ~~وأما الإيمان على ذلك فهو معصية وممحقة للكسب ، وقد كان السلف يشددون في ~~ذلك ، قال أبو ذر : كنا نتحدث أن من نفر لا ينظر الله إليهم ، التاجر ~~الفاجر ، وكنا نعد من الفجور أن يمدح السلعة بما ليس فيها ، قال يونس بن ~~عبيد : وكان خزازا فجاءه رجل يطلب ثوب خز ، فأمر غلامه أن يخرج رزمة الخز ، ~~فلما فتحها قال الغلام : أسأل الله الجنة ، فقال شد الرزمة ، ولم يبع منها ~~شيئا خشية أن يكون قد مدح ، ويقال : إنه كانت عنده حلل على ضربين أثمان ضرب ~~منها أربعمائة كل حلة ، وأثمان الآخر مائتان ، فذهب إلى الصلاة وخلف ابن ~~أخيه ليبيع فجاءه أعرابي يطلب حلة بأربعمائة ms1212 فعرض عليه من حلل المائتين ~~فاستحسنها ورضيها فاشتراها منه ومشى بها هي على يده ينظر إليها خارجا من ~~السوق فاستقبله يونس بن عبيد خارجا من المسجد فعرف حلته فقال بكم أخذت هذه ~~الحلة ؟ فقال : بأربعمائة ، فقال : لا تسوي إنما قيمتها مائتان فقال : يا ~~ذا الرجل إن هذه تساوي ببلدنا خمسمائة درهم ، فقال له يونس : إن النصح في ~~الدين خير من الدنيا كلها ثم أخذ بيده فرده إلى ابن أخيه فجعل يخاصمه ويقول ~~: أما اتقيت الله ؟ أما أستحيت أن تربح مثل الثمن وتترك النصح لعامة ~~المسلمين ؟ فقال : والله ما أخذه إلا عن تراضي ، فقال : وإن رضي ألا رضيت ~~له ما رضيت لنفسك ، ثم رد على الأعرابي مائتي درهم ، وقد فعل مثل ذلك محمد ~~بن المنكدر وكانت عنده شقاق جنابية وبصرية أثمان بعضها خمسة خمسة ، وأثمان ~~بعضها عشرة عشرة ، فخلفه غلامه في الحانوت فغلط فباع أعرابيا PageV02P439 ~~شقة من الخمسات بعشرة ، فجاء ابن المنكدر فتفقد الشقاق فعرف غلطه فقال : ~~ويلك أهلكتنا ، اذهب فاطلب الأعرابي في الأسواق ، فلم يزل يطلبه يومه أجمع ~~حتى وجده ، فقال له ابن المنكدر : يا هذا إن الغلام غلط فباعك ما يسوى خمسة ~~بعشرة ، فقال : يا هذا قد رضيت ، فقال : وإن رضيت لنفسك فإنا لا نرضى لك ~~إلا ما نرضاه لأنفسنا فاختر إحدى ثلاث خصال ، إما أن تأخذ شقة من العشرات ~~بدراهك وإما أن نرد عليك خمسة ، وإما أن ترد علينا شقتنا وتأخذ دراهمك ، ~~فقال : أعطني خمسة ، قال : فأعطاه من دراهمه خمسة فانصرف الأعرابي فجعل ~~يسأل عنه فيقول : من هذا الشيخ ؟ فقيل : هذا محمد بن المنكدر فقال : لا إل ~~إلا الله هذا الذي نستسقي به في البوادي إذا قحطنا . وقد سئل بعض العلماء ~~عن الورع في المبايعة فقال : لا يصح الورع في البيع إلا بحقيقة النصح ، قال ~~: وكيف ذلك ؟ قال : إذا بعته شيئا بدرهم نظرت فإن صلح لك أن تشتريه بدرهم ~~فقد نصحته في البيع ، وإن كان يصلح لك بخمسة دوانيق وقد بعته بدرهم فإنك إن ~~لم ترض له ما ms1213 ترضى لنفسك فقد ذهب النصح قال : فإذا عدم النصح ذهب الورع . ~~ويقال : إن البائع يوقف يوم القيامة مع كل رجل كان باعه شيئا وقفة ويحاسب ~~عن كل واحد محاسبة حتى عدد من عامله ومن اشترى منه في الدنيا ، وذكر بعضهم ~~قال : رأيت بعض التجار في النوم فقلت : ما فعل الله بك ؟ فقال : نشر علي ~~خمسين ألف صحيفة ، فقلت : هذه كلها ذنوب ، فقال : هذه معاملات الناس عدد ما ~~كنت عاملته في الدنيا لكل إنسان صحيفة مفردة فيما بينك وبينه من أول ~~معاملته إلى آخرها ، فإن كان البائع ذا ميزان فليرجح في الوزن إذا باع ~~وأعطاه ولينقص نفسه إذا أخذ سيما إذا كان ذا ميزانين كان الأمر عليه أشد . ~~وكان بعضهم يقول : ألا أشتري الويل من الله بحبة ؟ فكان إذا أخذ نقص نفسه ~~بحبة وإذا أعطى زاد غيره حبة ، لقوله عز وجل : ( ويل للمطففين ) المطففين : ~~1 ، يعني الذين رضوا بالتطفيف بالحبة والحبتين فباعوا بذلك جنة عرضها ~~السموات والأرض لجهلهم بأمر الله تعالى وقلة يقينهم بالآخرة إذا اشتروا ~~الويل بطوبى ، ويقال : إن هذه المظالم لا ترد أبدا ولا تصح التوبة منها ~~لتعذر معرفة أصحابها . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترى شيئا ~~فلما وزن ثمنه قال للوزان : زن وأرجح ، ونظر الفضيل بن عياض رحمه الله إلى ~~ابنه علي وهو يغسل كحلا من دينار أراد أن يصرفه فجعل ينقيه ويغسله من كحله ~~، فقال له : يا بني فعلك هذا أفضل من عشرين حجة ، وقال بعض أهل السلف : ~~عجبا للتاجر والبائع كيف ينجو يزن ويحلف بالنهار وينام بالليل ، وقال ~~سليمان عليه السلام : كما تدخل الحية بين الحجرين كذلك تدخل الخطيئة بين ~~المتبايعين . وحدثت أن بعض السلف صلى على مخنث قد كان يجمع بين النساء ~~والرجال وغير PageV02P440 ذلك ، فقيل له : إنه قد كان فاسقا وكان كذا وكذا ~~، فسكت ، فأعاد عليه القائل فسكت ، قال فمه كأنك قلت لي كان صاحب ميزانين ~~يأخذ بأحدهما ويعطي بالأخرى ، هذا على التغليظ والوعظ ، أراد أن التطفيف ~~مظالم بين الخلق وأن ms1214 الفسق ظلم العبد لنفسه وبين مظالم العباد وظلم العبد ~~لنفسه بون كبير من قبل أن الخلق فقراء جهلة نيام فيستوفون حقوقهم لحاجتهم ~~إليها والله عز وجل عالم كريم غني فيسمح بحقه ، ولا ينبغي للمشتري أن يسأل ~~البائع الرجحان إلا الله عز وجل قال : ( وأقيموا الوزن بالقسط ) الرحمن : 9 ~~، أي بالعدل ، وهو السواء ، وهو استواء اللسان في البكرة لا مائلا إلى إحدى ~~الكفتين ، وفي قراءة عبد الله : ولا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ~~باللسان ولا تخسروا الميزان فهذا مفسر في هذا الحرف ومكروه المعاملة ~~بالمزيفة ، ولا يصلح بدرهم تكون الفضة فيه مجهولة أو مستهلكة ولا بما لا ~~تعرف قيمته وما يختلط بالفضة من غيرها فلا تمتاز منه ، فقد كان بعض السلف ~~يشدد في ذلك ويحرمه منهم الثوري والفضيل بن عياض ووهب ابن الورد وابن ~~المبارك وبشر بن الحارث والمعافى بن عمران رضي الله عنهم ، ويقال : إن كل ~~قطعة من المزيفة ينفقها صاحبها يجدها ملصقة في صحيفته بعينها وصورتها مكتوب ~~تحتها ألف سيئة ، خمسة آلاف سيئة على قدر وزنها ، ووزن ذرة منها سيئة ، ~~والذرة نقطة من هباء شعاع الشمس في الضوء . حدثني بعض العلماء عن بعض ~~الغزاة في سبيل الله عز وجل قال : حملت على فرسي لأتناول بعض العلوج فقصر ~~فرسي فرجعت ، ثم دنا مني العلج فحملت عليه ثانية لأتناوله فقصر فرسي ، ~~وحملت عليه ثالثة وقد قرب مني فنقر بي فرسي ، ولم أكن أعتاد ذلك منه : ~~فرجعت حزينا ، فجلست إلى جنب فسطاطي منكرا للذي فاتني من أخذ العلج ، ولما ~~اختلف علي من خلق فرسي قال : فوضعت رأسي على عمود الفسطاط فنمت وفرسي قائم ~~بين يدي ، فرأيت في النوم كأن الفرس يخاطبني ويقول لي : بالله عليك أردت أن ~~تأخذ علي العلج ثلاث مرات ، وأنت بالأمس اشتريت لي علفا ودفعت في ثمنه ~~درهما زائفا ؟ لا يكون هذا أبدا ، قال : فانتبهت فزعا فذهبت إلى العلاف ~~فقلت له : أخرج إلي الدراهم التي اشتريت بها منك بالأمس العلف ، قال : ~~فأخرجها إلي ، فأخذت منها الدرهم الزائف فقلت ms1215 : إني كنت قد جوزت عليك هذا ~~الدرهم بالأمس ، قال : فأبدلته له وانصرفت ، وقال عبد الوهاب : سألت بشرا ~~عن المعاملة بالمزيفة فقال : سألت المعافى عنها فقال سألت الثوري عنها فقال ~~حرام . وحدثنا عن أبي داود قال : سمعت أحمد أنكر التجارة والمعاملة ~~بالمزيفة والمكحلة ، وقد كان بعض علمائنا يقول : إنفاق درهم مزيف أشد من ~~سرقة مائة درهم ، قال : لأن سرقة مائة درهم معصية واحدة منقضية ، وإنفاق ~~دانق مزيف بدعة أحدثها في الدين ، وإظهار سنة سيئة يعمل بها بعده ، وإفساد ~~لمال المسلمين ، فيكون عليه وزره إلى مائة سنة ، PageV02P441 فأكثر ما بقي ~~ذلك الدرهم يدور في أيدي المسلمين ويكون عليه ، ثم أفسد ونقص من أموال ~~المسلمين إلى آخر فنائه وانقراضه ، فطوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه معه ، ~~والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه بعده مائة سنة ومائتي سنة يعذب بها في ~~قبره ، ويسأل عنها إلى آخر انقراضها ، قال الله عز وجل : ( ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم ) يس : 12 ، ما قدموا ما عملوا ، وآثارهم ما سنوه بعدهم فعمل به ~~وقال في وصفه : ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ، قيل : بما قدم من عمل ~~وما أخر من سنة عمل بها بعده ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من سن ~~سنة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها ، ومثل وزر من علم بها لا ينقص من ~~أوزارهم شيئا ، وإنفاق الدرهم الرديء على من يعرف النقد أشد وأعلظ ، وهو ~~على من لا يعرف أسهل ، فيكون به أعذر لأن هذا لا يتعمد الغش والآخر يتعمده ~~ويقصده ، فإنما كان المسلمون يتعلمون جودة النقد لأجل إخوانهم المسلمين ~~لئلا يغشوهم بالرديء ، وإلا فإن تعلم النقد بلاء وإثم على صاحبه لأنه علم ~~علمه ولم يعلمبه ، فهو يسأل عن علمه ، ومن ردت عليه قطعة فلينفقها ولا ~~يجوزها على بيع آخر ، ويحتسب بذلك الثواب من الله عز وجل ، فله بذلك من ~~الأجر بوزن كل ذرة منها حسنة ، وله في طرحها أعمال كثيرة من الصوم والصلاة ~~، فإن كان في القطعة تجوز نقد ينصرف مثلها فأراد أن ms1216 يشتري بها شيئا فليعلم ~~البائع الثاني أنها قد ردت عليه ، فإن أخذها على بصيرة وعن سماحة فلا بأس ، ~~فإن لم يعلمه فإنه لم ينصحه وربما كان على غير بصيرة بالنقد ، فقد روي عن ~~عمر رضي الله عنه : من زافت عليه دراهمه فليضعها في كفه وليناد عليها في ~~السوق من يبيعها سحق ثوب بدرهم زائف ، وهذا إذا كانت زائفة على وجهها ~~كالصفر والرصاص كان لها قيمة مثلها ، وفي قول ابن عمر رضي الله عنه لنافع : ~~لو حفظت عني كما يحفظ عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم لكان أحب إلي من أن ~~يكون لي درهم زائف ، قيل له : أفلا جعلته جيدا ؟ قال : كذلك كان في نفسي . ~~وروينا عن النخعي : إذا كان في الدرهم شيء من الفضة وإن قل فلا بأس به ، ~~وحدثت عن أبي داود قال : سألت إسحاق بن راهويه رحمهما الله عن إنفاق ~~المزيفة قال : فلا بأس به ، ففيه ترخيص بالإنفاق بالزائف إذا عرف ومن سمح ~~في النقد ، ويجوز في أخذ الرديء طلبا للآجر ، فيما يحتسب ، ثم إذا أخرج ذلك ~~على المسلمين وجوزه عليهم بعد ذلك فقد أثم في سماحته وتشديده حينئذ ، ونقصه ~~في أخذ الجيد أفضل ، وهذا من دقائق الأعمال وباطن الشر في ظاهر الخير ، ~~اللهم إلا أن يأخذ الرديء ثم يلقيه ولا يخرجه إلى أحد ، فإن فعل هذا كان ~~فاضلا محتسبا محسنا في سماحته وله باحتسابه ذلك مثوبة وأجر ، PageV02P442 ~~فينبغي للتاجر أن يكثر من الصدقة ليكون فيها كفارة خطاياه وإيمانه وكذبه ، ~~فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم التاجر بالصدقة ، لذلك فينبغي للتاجر ~~والصانع أن يكونا مستعملين لهذه الخصال ، فإنها جامعة له تشتمل على جمل ~~أعمال البر ، فليأخذوا أنفسهم بها فإنها من أخلاق المؤمنين وطرائق ~~المتقدمين ، وقد ندبوا إلى جميعها ، منها أن يسمح إذا باع ، ويسمح إذا ~~اشترى ، ويحسن إذا ، قضى ، ويحسن إذا اقتضى ، وليمش الرجل بدين غريمه إليه ~~ولا يحوجه إلى اقتضائه فيشق عليه ، وليصبر صاحب الدين على أخيه ويحسن ~~تقاضيه ، ويحسن له النظرة ويؤخر حقه إلى ms1217 ميسرته ، وليغتنم دعاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لهم على ذلك فينافسوا في مدحه لمن فعل ذلك ، فقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : إسمح يسمح لك ، وقال : خير الناس أحسنهم ~~قضاء ، وقال : خذ حقك في عفاف وافيا كان أو غير واف يحاسبك الله حسابا ~~يسيرا ، وقال : رحم الله عبدا سمح البيع سمح الشراء حسن القضاء حسن ~~الاقتضاء ، وقال : من مشى إلى غريمه بحقه أظلته الملائكة ، وقال : من أنظر ~~معسرا أو ترك له حاسبه الله حسابا يسيرا ، وفي خبر آخر : أظله الله في ظل ~~عرشه يوم لا ظل إلا ظله ، وذكر عليه السلام رجلا كان مسرفا على نفسه حوسب ~~فلم يجد له حسنة فقيل له : هل عملت خيرا قط ؟ فقال : لا ، إلا إني كنت رجلا ~~أداين الناس وأقول لغلماني سامحوا الموسر وانظروا المعسر ، وفي لفظ آخر : ~~وتجاوزوا عن المعسر ، قال الله عز وجل : ( نحن أحق بذلك منك فغفر له ) وفي ~~خبر آخر : من أقرض دينا إلى أجل فله بكل يوم صدقة إلى أجله فإذا حل الأجل ~~فانظره بعده فله بكل يوم مثل ذلك الدين صدقة ، وفي حديث : من أدان دينا وهو ~~ينوي قضاءه وكل به ملائكة يحفظونه ويدعون له حتى يقضيه ، وكان جماعة من ~~السلف يدانون وهم واجدون لأجل هذا الخبر ، وكان جماعة لا يحبون أن يقضيهم ~~غرماؤهم دينهم لأجل ذلك الخبر الأول إذ له بكل يوم تأخر قضاء صدقة . وفي ~~الحديث : رأيت على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية ~~عشر ، قيل : معناه لأن الصدقة تقع في يد محتاج وغيره ، والقرض لا يقع إلا ~~في يد محتاج مضطر إليه ، ونظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل يلازم رجلا ~~بدين عليه فأومأ إلى صاحب الدين بيده : ضع الشطر ففعل ، فقال للمديون : قم ~~فأعط ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أدان دينا إلى أجل فجاءه صاحب ~~الدين عند حلول الأجل ولم يتفق عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل الرجل ~~يكلم النبي صلى الله عليه ms1218 وسلم ويشدد عليه الكلام فهم به أصحابه فقال : ~~دعوه فإن لصاحب الحق مقالا ، واستحب أن تكون أكثر معاونة الإنسان بين ~~البائعتين مع المشتري منهم ، واستحب أيضا أن يكون عونه بين المتداينين مع ~~الذي له الدين ، إلا أن يعتدي من له الدين أو يعتدي المشتري فيكون حينئذ ~~على المشتري ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : المستبان بالسئة ربا ~~والمستبان ما قالا ، فعلى المعتدي منهما ما لم يعتد المظلوم ، PageV02P443 ~~ويسير المغابنة في التجارات جائز ، فإن موضوع التجارة على الغبن إذا كان عن ~~تراض ، فإذا تفاوتت القيمة وعلم الغبن فمكروه ، وقد يروى في حديث أن غبن ~~المستغفل حرام ، وفي حديث : فيه مقال المغبون لا محمود ولا مأجور ، هذا ~~والله أعلم إذا تغابن وهو يعلم فيخسر نفسه حقه وحمل غيره على ظلمه ، وكان ~~إياس بن معاوية قاضي البصرة من علماء الزمان ومن عقلاء التابعين وكانت ~~لأبيه صحبة كان يقول : لست بخب والخب لا يغبن يعني محمد بن سيرين ، ولكن ~~يغبن الحسين ومعاوية بن قرة ، وكان الزبير بن عدي يقول : أدركت ثمانية عشر ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم رجل يحسن يشتري لحما بدرهم ~~. وقد روي أن الحسن باع بغلا له بأربعمائة درهم ، فلما استوجب المال قال له ~~المشتري : اسمح يا أبا سعيد ، قال : قد أسقطت عنك مائة قال له المشتري : ~~فأحسن يا أبا سعيد ، قال : قد وهبت له مائة أخرى فنقص من حقه مائتي درهم ، ~~وفي رواية أخرى قال : أحسن ، قال : وهبت لك مائتي درهم ، فقيل له : يا أبا ~~سعيد هذا نصف الثمن ، فقال : هكذا يكون الإحسان وإلا فلا ، وقد كان الحسن ~~والحسين رضي الله عنهما وغيرهما من خيا رالسلف يستقصون في الاشتراء ثم ~~يهبون مع ذلك الجزيل من المال فقيل لبعضهم : تستقصي في شرائك على اليسير ثم ~~تهب الكثير ولا تبالي ، فقال قائلهم : إن الواهب يعطي فضله وإن المغبون ~~يغبن عقله ، وقال آخر : إنما أغبن وبصيرتي ، أو قال : معرفتي ، ولا أمكن ~~الغابن من ذلك ، وإذا وهبت فإنما أعطى ms1219 لله عز وجل فلا استكثر له شيئا ~~والأخبار في هذه المعاني تكثر والفضائل فيها تطول ، ولم نقصد جمع ذلك ، فقد ~~ذكرنا جملة وهذا كله داخل في البر والتقوى ومن العدل والإحسان ، ومن تطوع ~~الخير وفعل المعروف فقد أمر الله بذلك في مواضع من كتابه ، وينبغي أن ~~يستعمل النصح في البيع والشراء وفي الصنعة ويستوي عملهما في المبيع ~~والمشترى والمصنوع ويفطن كل واحد منهما صاحبه بعيب إن كان في السلعة وينقص ~~إن كان في الصنعةإن لم يفطن المشتري لذلك والمستعمل ليتكافأ العلمان ويثني ~~كل واحد منهما على صاحبه بإحسان ، وفي الخبر : البيعان إذا صدقا ونصحا بورك ~~لهما في بيعهما وإذا كذبا وكتما أنزعت بيعهما ، وفي حديث آخر : يد الله على ~~الشريكين ما لم يتخاونا ، فإذا تخاونا رفع يده عنهما ، ولما بايع النبي صلى ~~الله عليه وسلم جريرا ، على الإسلام ذهب لينصرف جذب ثوبه ، واشترط عليه ~~النصح لكل مسلم ، قال : فكان جرير إذا أقام السلعة ليبيعها بصر عيوبها ثم ~~أخبر : فقال : إن شئت فخذ وإن شئت فاترك ، فقلنا له : رحمك الله ، إنك إذا ~~قلت هذا لم ينفذ لك بيع ، فقال : إنما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على النصيحة لأهل الإسلام ، وكان واثلة بن الأسقع واقفا بالناس في الكوفة ~~فباع رجل ناقة بثلاثمائة درهم وغفل واثلة ، وقد ذهب الرجل بالناقة ~~PageV02P444 فسعى وراءه وجعل يصوت به حتى رجع ، وقال : يا هذا أللحم اشتريت ~~هذه الناقة أم للظهر ؟ فقال : بل للظهر ، فقال : فإن بحقها نقنا قد رأيته ~~وإنها لا تتابع السير عليه ، قال : فردها ، فنقصه البائع مائة درهم ، فقال ~~لواثلة : رحمك الله أفسدت علي بيعي ، فقال : إنا بايعنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يحل لأحد يبيع شيئا إلا يبين ما فيه ولايحل لمن يعلم ذلك إلا ~~يبينه ، فانظر رحمك الله إلى النصح للمسلمين الذي يتعذر فعله علي كثير من ~~المسلمين ، إنما جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرط صحة الإسلام ~~وكان يبايع عليه ، إلا إنه جعله من فضائل الدين ms1220 ، ولا نهاية لقرب المتقين ، ~~لأنه قال : الدين النصيحة الدين النصيحة ثلاثا ، ثم سوى بين طبقات الناس ~~فيه فقال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم . وقد روي في خبر ~~مشهور : لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن الخلق سخط الله ما لم يؤثروا صفقة ~~دنياهم على آخرتهم ، وفي خبر آخر : ما لم يبالوا ما نقص من دنياهم بسلامة ~~دينهم ، فإذا فعلوا ذلك وقالوا : لا إله إلا الله ، قال الله سبحانه : ~~كذبتم لستم بها صادقين وفي لفظ آخر : ردت إليهم ، في خبر : كأنه مفسر لحديث ~~مجمل : من قال لا إله إلا اللهه مخلصا دخل الجنة ، قيل : وما إخلاصها ؟ قال ~~: أن تحرزه عما يحرم الله ، وخبر مشهور : ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ، ~~وقد روينا عن بعض التابعين : لو دخلت هذا الجامع وهو غاص بأهله فقيل له : ~~من خير هؤلاء ؟ لقلت : نصحهم لهم ، فإذا قالوا هذا قلت : هو شرهم ، والغش ~~في البيوع والصنائع محرم على المسلمين ، ومن كثر ذلك منه فهو فاسق ، ومن ~~الغش أن ينشر على المشتري أجود الطرفين من المبيع ، أو يظهر من المبيع أجود ~~الثوبين ، أو يكشف من الصنعة أحسن الوجهين ، روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مر برجل يبيع طعاما فأعجبه ظاهره فأدخل يده فرأى بللا فقال : ما هذا ؟ ~~فقال : أصابته السماء ، فقال : هلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس من غش ~~فليس مني . وفي حديث عبد الله بن أبي ربيعة : أنه مر على طعام مصير فارتاب ~~منه فأدخل يده فإذا طعام ممطور ، فقال : ما هذا ؟ فقال : هذا والله طعام ~~واحد يا رسول الله ، فقال : هلا جعلت هذا وحده حتى يأتوك فيشترون شيئا ~~يعرفونه من غشنا فليس منا ، وحدثني بعض إخواننا أن رجلا حذاء سأل : فكيف ~~أسلم في بيع النعال ؟ فقال : استجد الأول وليكونوا سواء واجعل الوجهين شيئا ~~واحدا لا يفضل اليمين وجود الحشو ، وقارب بين الخرز ولا تطبق أحد النعلين ~~على الأخرى ، فينبغي للبائع والصانع أن يظهرا من البيع والمصنوع أردأ ما ~~فيه وأرذله ، ليقف المشتري ms1221 والصانع على عيوبه ، ويكونا على بصيرة من باطنه ~~، وباع ابن سيرين شاة له فقال للمشتري : أبرأ إليك من عيب فيها قال : وما ~~هو : قال : تقلب العلف برجلها ، وباع PageV02P445 الحسن بن صالح جارية فقال ~~للمشتري إنها قد تنخمت مرة عندنا دما ، ويبين دقائق الإعلام والبيان في ذلك ~~مما لا يعلمه المشتري أو المستعمل ، فهو من النصح والصدق ، وذلك يكون عن ~~التقوى والورع في البياعات والإجارات ويكون الكسب عن ذلك أحل وأطيب فليجتنب ~~المسلم محرم ذلك كله وكل مكروه ، فهذه سيرة السلف وطريقة صالحي الخلف ، ~~وأستحب له أن يتوخى في الشراء والبيع ، ويتحرى أهل التقوى والدين ، ويسأل ~~عمن يريد أن يبايعه ويشاريه وأكره له معاملة من لا يرغب عن الحرام أو من ~~الغالب على ماله الشبهات . وحدثت عن محمد بن شيبة أخت ابن المبارك قال : ~~كتب غلام ابن المبارك إليه : أنا نبايع أقوما يبايعون السلطان ، فكتب إليه ~~ابن المبارك إذا كان الرجل يبايع السلطان وغيره فبايعه ، وإذا قضاك شيئا ~~فاقبض منه إلا أن يقضيك شيئا تعرفه بعينه حراما فلا تأخذه وإذا كان لا ~~يبايع إلا السلطان فلا تبايعه . وحدثنا عن بعض الشيوخ عن شيخ له من الخلف ~~الصالح قال : قال أتى على الناس زمان كان الرجل يأتي إلى مشيخة الأسواق ~~فيقول : من ترون لي أن أعامل من الناس من أهل الصدق والوفاء ؟ فيقال له : ~~عامل من شئت ، ثم أتى عليهم وقت آخر فكان الرجل يقول : ترون لي أن أعامل من ~~الناس ؟ فيقال : عامل من شئت إلا فلانا وفلانا قال : ونحن في زمن إذا قيل ~~لنا : من نعامل من الناس ؟ فيقال : عامل فلان بن فلان وأخشى أن يأتي على ~~الناس زمان يذهب فلان بن فلان أيضا ، ولا يحلف ولا يكذب ولا يخلف موعدا ، ~~فإن اليمين الكاذبة ممحقة للكسب ، وقد قيل : ويل للتاجر من يقول : لا والله ~~، وبلى والله ، وويل للصانع من اليوم وغد وبعد غد ، أبو عمرو الشيباني عن ~~أبي هريرة قال : قال ر سول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا ينظر ms1222 الله ~~إليهم يوم القيامة ، عبد متكبر ومنان بعطيته ومنفق سلعته بيمينه ، ولا يمدح ~~إذا باع أو صنع صنعة ولا يذم إذا اشترى أو استعمل صانعا ، فإن هذا لا يزيد ~~في رزقه ولا ينقص منه تركه ، وهذا من اليقين في الرزق في هذا الباب ، وفعله ~~يزيد في الذنوب فينقص من الدين ، وعلى الصانع أن يبلغ غاية النصح في صنعته ~~لمستعمله لأنه أعرف بصلاح صنعته وفسادها وبسرعة فناء الصنعة وكثرة بقائها ، ~~فينبغي أن يتقن نهاية علم الصانع بصلاح الصنعة وحسن بقائها مع نهاية بغية ~~مستعمله من تجويدها وأحكامها ، ويتقي من فساد يسرع إلى فنائها ما لا يفطن ~~له مستعمله ، فإذا فعل الصانع والتاجر ذلك كانا قد عملا بعملهما وسلما من ~~المطالبة والمساءلة عنه ، وإلا فهما يسألان فيقال لهما : ماذا عملتم فيما ~~علمتم ؟ إذ كانوا على علم من التجارة والصناعة وبهذه الأشياء عمارة المملكة ~~، فلا بد أن يسألا عن ذلك كما يسأل من كان على علم من الدين والإيمان ، لأن ~~لهم في علوم العقل والتمييز من أبواب الدنيا PageV02P446 أحوالا أيضا ~~ومقامات من حيث كان عليهم في ذلك تكليف وعبادات ، ويقال : إذا أثنى على ~~الرجل جيرانه في الحضر وأصحابه في السفر ومعاملوه في الأسواق فلا تشكوا في ~~صلاحه ، وشهد رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشهادة فقال : ائتني بمن ~~يعرفك ، فأتاه رجل فأثنى عليه خيرا . فقال له عمر رضي الله عنه : أنت جاره ~~الأدنى الذي تعرف مدخله ومخرجه قال : لا قال : فكنت رفيقه في السفر الذي ~~يستدل به على مكارم الأخلاق قال : لا قال : فعاملته بالدينار والدرهم الذي ~~يتبين به ورع الرجل قال : لا قال : أظنك رأيته قائما في المسجد يصلي يخفض ~~رأسه طورا ويرفعه له زمرة بالقرآن قال : نعم ، قال : اذهب فلست تعرفه فقال ~~مرة : أنت القائل ما لا تعلم ثم قال للرجل : اذهب فائتني بمن يعرفك ، وقد ~~كال من سيرة السوقة فيما سلف أنه كان للبائع دفتران للحساب أحدهما ترجمته ~~مجهول ، فيه أسماء من لا يعرفه من الفقراء الضعفاء ، وذلك ms1223 أن المسكين ~~والضعيف كان يرى المأكول فيشتهيه أو يحتاج إليه ولا يمكنه أن يشتريه فيقول ~~للبائع : أحتاج إلى خمسة أرطال من هذا أو عشرة وليس عندي ثمنه فيقول : خذ ~~إلى ميسرة فإذا رزقت فاقض ، ويكتب اسمه في الدفتر المجهول قال : ولم يكن من ~~يفعل هذا من خيار المسلمين بل كان الخير من الباعة من لا يكتب اسمه في ~~دفتره ولا يجعله دينا حتما عليه ولا مظلمة عنده ، ولكن يقول : خذ حاجتك مما ~~تريد فإن وجدت فاقضني وإن لم تجد فأنت في حل ، لا تضيقن قلبك لذلك ، وهذا ~~طريق قد مات فمن قام به فقد أحياه فكان مثل هؤلاء في المتقدمين أكثر من أن ~~يسعهم كتاب ، وكان من ينصح دقائق النصح وشدد على نفسه غاية التشديد وسمح ~~لإخوانه نهاية الجود أكثر من ذلك ، وإنما ذكرنا هؤلاء لتنبيه الغافلين على ~~أعمالهم ونكشف بعض ما عفا من طريقهم ، ولم يكن هؤلاء المذكورون من السوقة ~~من خيار الناس كلهم إنما كان الأخيار المسجدية العباد و النساك المنقطعون ~~إلى الله الزهاد ، فإذا حصلت كفاية السوقي في بعض يومه فليجعل بقيته لأخيه ~~، فقد كان بعض السلف منهم من ينصرف من حانوته بعد صلاة الظهر ويجعل نصف ~~يومه لربه ، ومنهم من ينصرف بعد العصر فيكون آخر يومه لآخرته . وكان بعضهم ~~إذا حصلت كفايته في يومه وتأتي قوت عياله في أي وقت من نهاره غلق حانوته ~~وانصرف إلى منزله أو مسجده يتعبد بقية يومه ، وكان منهم من إذا ربح دانقا ~~أو قيراطا انصرف قناعة وزهدا أو قلة حرص على الدنيا ، وأعجب من ذلك ما سمعت ~~عن حماد بن سلمة أنه كان يبيع اللحم في سفط بين يديه ، فكان إذا ربح حبتين ~~رفع سفطه وانصرف . وقال إبراهيم بن يسار : قلت لإبراهيم بن أدهم أمر اليوم ~~أعمل في الطين فقال : يا PageV02P447 ابن يسار إنك طالب ومطلوب يطلبك ما لا ~~تفوته وتطلب ما لا يفوتك ، أما رأيت حريصا محروما وضعيفا مرزوقا ؟ فقلت : ~~إن لي دانقا عند البقال فقال عز علي بك ms1224 تملك دانقا وتطلب العمل ، وقد كان ~~كثير من الصناع يعمل نصف يومه وثلثي يومه ثم يأخذ ما استحقه من كفايته ~~وينصرف إلى مسجده ، ومنهم من كان يعمل في الأسبوع يوما أو يومين ويتعبد ~~سائر الأسبوع في خدمة سيده ، وقد كانوا يجعلون أول النهار وآخره للآخرة في ~~تجارة المعاد والمرجع ، ويجعلون وسط النهار لتجارة الدنيا ، وفي الخبر : أن ~~الملائكة إذا صعدت بصحيفة العبد من أول النهار ومن آخره فيها خير وذكر كفر ~~الله عز وجل عنه ما بينهما من سيئ العمل ، وفي الخبر : يلتقي ملائكة الليل ~~والنهار ، عند طلوع الفجر تنفرج ملائكة الليل وتنزل ملائكة النهار ، وعند ~~صلاة العصر فتنزل ملائكة الليل وتنفرج ملائكة النهار فيقول الله عز وجل : ~~كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم يصلون وجئناهم يصلون فيقول الله ~~سبحانه وتعالى : أشهدكم أني قد غفرت لهم ، وقد كان علي رضي الله عنه يمر في ~~سوق الكوفة ومعه الدرة وهو يقول : يا معشر التجار ، خذوا الحق وأعطوا الحق ~~، تسلموا ولا تردوا قليل الربح فتحرموا أكثر ما منع من حق إلا ذهب أضعافه ~~في باطل ، وقيل لعبد الرحمن بن عوف : ما كان سبب يسارك ؟ فقال : ثلاث ، ما ~~رددت ربحا قط ولا طلب مني حيوان وأخرت بيعه ولا بعت بنسإ ، ويقال إنه باع ~~ألف ناقة فربح عقلها وباع كل عقال بدرهم فربح فيها ألفي درهم ، ألف أخذها ~~وألف نفقة عليها في يومها ، وقد كان الورعون يكرهون ركوب البحر للتجارة ~~ويقال : من ركب البحر للتجارة فقد استقصى في طلب الرزق ، وفي الخبر لا يركب ~~البحر إلا حاج أو غاز أو معتمر ، وعن زيد بن وهب عن عمر رضي الله عنه كان ~~يقول : ابتاعوا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة وثمروها لهم بالأرباح ، ~~وإياكم والحيوان فإنه ربما هلك ، وإياكم ولجج البحر اتجروا لهم فيها مالا . ~~وكان عمرو بن العاص يقول : لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر خارج فإن بها ~~باض الشيطان وفرخ ، وروينا عن معاذ وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أن ~~إبليس قال ms1225 لولده زلنبور : يا زلنبور سر بكتابيك وأنت صاحب السوق زين الحلف ~~والكذب والخديعة والمكر والخيانة والخلف ، وكن مع أول داخل وآخر خارج منها ~~. وروينا عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم : سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم ينهي أن يدخل السوق أوائل النهار وأن يخرج منها آخر أهلها ، فإذا كان ~~المتسبب في المعاش والمتصرف في الأسواق على هذه الأوصاف المحمودة بهذه ~~الشروط الموصوفة قائما بحكم حاله PageV02P448 حافظا لمقامه فإنه في سبيل من ~~سبل الله عز وجل ، أفعاله وآثاره حسنات وكل ما تسبب به إلى الآخرة ، وكان ~~عونا له عليها وطريقا له إليها فهو من الآخرة ، وإذا خالف هذه الشروط ولم ~~يستعمل العلم في أحواله وفارق التقوى في تصرفه ، أو كان يسعى تكاثرا وحرصا ~~على الدنيا جزوعا على ما فاته من الدنيا مستقلا لما في يديه منها ، لا ~~يبالي ما ذهب من دينه إذا سلمت دنياه ولا يبالي من أين اكتسب وفيما أنفق ، ~~فهذا يتقلب في المعاصي والمكاره ظهر البطن متعرضا للمقت من الله عز وجل ، ~~يعمل في البعد والهرب غير مستعد للموت ولا موقن بالحساب ، أفعاله وآثاره ~~سيئات وترك التجارة على هذه الأوصاف المكروهة خير لهذا . # | ذكر ما روينا من الآثار في البيوع والصنائع وطريقة الورعين من السلف # روينا عن علقمة رضي الله تعالى عنه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : من جلب إلى مصر من أمصار المسلمين فباعه بسعر يومه كان له ~~عند الله تعالى أجر شهيد ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : وآخرون ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ، وآخرون يقاتلون في سبيل الله ، ~~وروينا عن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا ~~يدخل الجنة صاحب مكس ، وروينا عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : من أقال نادما في بيع أقاله الله عز وجل يوم ~~القيامة ، روينا عن هشام بن عروة ذكر لمعاوية أن رجلا من ms1226 المعمرين من ~~الجراهمة بالقرب منه فأحضره فقال : ممن الرجل ؟ قال من جرهم قال : وكم تعد ~~من السنين ؟ قال : خمسين وثلاثمائة سنة قال : أخبرني أي المال أفضل ؟ قال : ~~عين خدارة في أرض خوارة تعول ولا تعال قال : ثم ماذا ؟ قال : فرس في بطنها ~~بتبعها فرس قال : فقال : الإبل والغنم لا أراك تذكرها قال : إنها لا تصلح ~~لمثلك تصلح لمن يباشرها بنفسه . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~خير مال المسلم سكة مأبورة أو مهرة مأمورة ، قوله سكة مأبورة يعني النخيل ~~التي قد أبرت فهي طريق كالسكك ، وقوله مهرة مأمورة يعني الخيل النواتج ~~مأمورة كثيرة . ومن هذا قوله تعالى : ( أمرنا مترفيها ) الإسراء : 16 أي ~~أكثرناهم ، يقال : أمر القوم إذا كثروا ، وحدثونا عن عبد الله بن أحمد قال ~~: قدمت من عند معاوية بثلاثمائة ألف دينار وليس بيدي منها إلا دقيق وغنم ~~وأثاث ، ففزعت من ذلك فلقيت كعب الأحبار فذكرت له ذلك فقال : أين أنت من ~~النخل ، فإنا نجدها في كتاب الله تعالى المطعمات في المحل الراسخات في ~~الوحل وخير المال النخل ، بائعها ممحوق ومبتاعها مرزوق ، مثل من باعها ثم ~~لم يجعل ثمنها في مثلها كمثل رماد صفوان ، اشتدت به الريح في يوم عاصف ~~ففزعت إلى النخل فابتعتها قال : وقال مروان بن الحكم لوهب بن الأسود : ما ~~المروءة ؟ قال : بر الوالدين وإصلاح المال ، PageV02P449 حدثت عن عبد ~~القدوس بن عبد السلام قال : كتب إبراهيم ابن أدهم إلى عباد بن كثير : اجعل ~~طوافك وسعيك وحجك كنومة غاز في سبيل الله عز وجل ، فكتب عباد إلى إبراهيم : ~~اجعل حرسك ورباطك وغزوك كنومة كاد على عياله من حله ، وروينا عن العباس قال ~~: سمعت أحمد بن ثور يقول : شيع رجل إبراهيم ابن أدهم إلى الصنوبر فقال : يا ~~أبا إسحاق أوصيني قال : أكثر وأوجز قال : ما الحاج المعتمر ولا الغازي ~~المرابط ولا الصائم والقائم بأفضل عندنا ممن أغنى نفسه عن الناس . وروينا ~~عن لقمان قال لابنه : يا بني ، خذ من الدنيا بلاغا ولا ترفضها كل الرفض ~~فتكون عيالا ms1227 على الناس . وحدثون عن شاذان قال : سألت الحسن بن حي عن شيء من ~~المكاسب فقال : إن نظرت في هذا حرم عليك ماء الفرات ثم قال : طلب الحلال ~~أشد من لقاء الزحف . وروينا عن الهيثم بن جميل قال : قال ابن المبارك : ~~اركب البر والبحر واستغن عن الناس ، قال الهيثم : ربما يبلغني عن الرجل يقع ~~في فأذكر استغنائي عنه فيهون ذلك علي . وروينا عن حماد بن زيد قال : قال ~~أيوب : كسب فيه بعض الشيء أحب إلي من الحاجة إلى الناس . أنشدونا عن ابن ~~أبي الدنيا قال : أنشدني عمر بن عبد الله : لنقل الصخر من قلل الجبال . . . ~~أخف علي من منن الرجال يقول الناس كسب فيه عار . . . فقلت العار في ذل ~~السؤال حدثنا عن موسى بن طريف قال : ركب إبراهيم بن أدهم البحر فأخذتهم ريح ~~عاصف أشرفوا على الهلكة فقالوا : يا أبا إسحاق ، أما ترى ما نحن فيه من ~~الشدة ؟ قال وهذه شدة ؟ قالوا فأي شيء الشدة ؟ قال الحاجة إلى الناس ، ~~وأنشدنا بعض العلماء لبعض الأدباء : لموت الفتى خير من البخل للغني . . . ~~وللبخل خير من سؤال بخيل فلا تجعلن شيئا لوجهك قيمة . . . ولا تلق مخلوقا ~~بوجه ذليل ولا تسألن من كان يسأل مرة . . . فللفقر خير من سؤال سؤل وأنشدنا ~~بعض الأشياخ : إذا عدت الآفات فالبخل شرها . . . وشر من البخل المواعيد ~~والمطل ولا خير في وعد إذا كان كاذبا . . . ولا خير في قول إذا لم يكن فعل ~~وأنشدنا لبعضهم : إذا كنت لا بد مستطعما . . . فمن غير من كان يستطعم فإن ~~الذي كان مستطعما . . . إذا ذكر الجوع لا يطعم PageV02P450 وأنشدنا لبعضهم ~~: ما خلفت حواء أحمق لحية . . . من سائل يرجو الغنى من سائل وحدثونا عن زيد ~~بن أسلم قال : كان محمد بن مسلمة في أرض يغرس النخل ، فدخل عليه عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه فقال : ما تصنع يا محمد ؟ قال : ما ترى قال : أصبت ، ~~استغن عن الناس يكن أصون لدينك وأكرم لك عليهم كيف ، قال صاحبكم لحيحة بن ~~الحلاج : فلن أزال عن الزوراء أعمرها . . . إن ms1228 الحبيب إلى الإخوان ذو المال ~~روينا عن ابن مسعود قال : ما كس دون درهمك فإن المغبون لا محمود ولا مأجور ~~، وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى : إذا قلت لصاحبك أحسن فأحسن فهو صدقة ~~، وحدثت عن عبد الله بن عبد الرحمن قال : كان إبراهيم بن أدهم ورفقاؤه في ~~المسجد في شهر رمضان ، فلما سلم الإمام قام رجل فسأل ، فلم يعط شيئا ووضعوا ~~عشاءهم فقالوا لإبراهيم : يا أبا إسحاق ندعوه ؟ قال : لا تدعوه ، فبات بغير ~~عشاء فلما كان من الغد جاء رفيق لإبراهيم فقال له : يا أبا إسحاق ، رأيت ~~الذي سأل البارحة وعلى رأسه حزمة حطب فقال : تدرون لم قلت لكم : لا تدعوه ~~سبق إلى قلبي أنه لم يسأل قبلها فكرهت أن أدعوه فيتكل على عشائكم ، قال عبد ~~الله : وقال رجل لإبراهيم : كيف أصبحت ؟ قال : بخير ما لم يتحمل مؤونتي ~~غيري ، وعن موسى بن طريف قال : كان إبراهيم بن أدهم لا يماكس إذا عمل مع ~~أحد ، حدثونا عن يوسف بن سعيد قال : سمعت إنسانا يسأل علي بن بكار : أيهما ~~أفضل ، اللقاط أو التكابة ؟ فقال : اللقاط فيه معروف كثير ، كان سليمان ~~الخواص يلقط ههنا عندنا وكان إبراهيم بن أدهم يؤاجر نفسه وكان حذيفة يضرب ~~اللبن ، أبو عمرو بن العلاء قال : قال الحسن : الأسواق موائد الله تعالى ~~فمن أتاها أصاب منها ، الحسن بن دينار عن قتادة قال : مكتوب في التوراة اتق ~~توق وسل تعط وأطلب تجد ، ومكتوب في الإنجيل : ابن آدم اصبر تصبر . عن أبي ~~خلدة عن أبي العالية قال : إذا اشتريت شيئا فاشتر أجوده . أبو الطفيل قال : ~~كنت عن أنس بن مالك فقيل له : خرج الدجال فقال : كذبة صباغ ، حدثنا عن يحيى ~~بن يمان عن بسام الصيرفي عن عكرمة قال : أشهد أن الصيارفة من أهل النار . ~~وروينا عن عبد الحميد بن محمود قال : كنت عند ابن عباس ، فأتاه رجل قال : ~~أقبلنا حجاجا حتى إذا كنا بالصفاح توفي صاحب لنا فحفرنا له ، وإذا أسود قد ~~ملأ اللحد كله ، ثم حفرنا له قبرا آخر فإذا ms1229 الأسود قد ملأ اللحد ، فحفرنا ~~له قبرا آخر فإذا الأسود قد ملأ اللحد كله ، فتركناه وأتيناك نسألك ما ~~تأمرنا ، قال : ذاك عمله الذي كان يعمل ، وفي رواية PageV02P451 أخرى : ذاك ~~غله الذي كان يغل به ، اذهبوا فادفنوه في بعضها فو الله لو حفرتم له الأرض ~~كلها لوجدتم ذاك ، قال : فألقيناه في قبر منها ، فلما قضينا سفرنا أتينا ~~امرأته فسألنا عن عمله فقالت : كان رجلا يبيع الطعام ، فيأخذ قوت أهله كل ~~يوم ثم ينظر مثله من قصب الشعير فيقطعه فيخلطه في الطعام مكان ما أخذ ~~فيبيعه ، عن حجاج عن أبي جعفر محمد ابن علي : أن عليا رضي الله تعالى عنه ~~كان يضمن القصار والصباغ والخياط ليحفظوا على الناس أمتعتهم ، وروينا عن ~~هشام بن عمار قال : سئل مالك بن أنس : في الرجل يسلم الثوب إلى الحائك ~~بالنصف ودرهم والنصف ودرهمين قال : هذا شرط فاسد وله أجرة مثله إلا أن ~~يخالف الشر فعليه العزم ، وحدثنا عن أحمد بن الحسن المقري قال : سئل أبو ~~بكر المروزي : وأنا أسمع الحائك ينسج الثوب على الخمسين ودرهمين وعلى ~~الخمسين وثلاثة دراهم وأكثر قال : لا بأس إذا رضينا قلت : فالنصف ودرهم ~~والنصف ودرهمين قال : لا بأس . سئل أحمد بن حنبل عن هذه المسألة فقال : لا ~~بأس ، وحدثنا عن أبي داود قال : سمعت ابن حنبل سئل عن الثوب يعطي على الثلث ~~أو الربع للحائك قال : لا بأس به ، ثم قال هل هذا إلا مثل المضاربة ومثل ~~قصة جبير ، لعله أن يربح المضارب شيئا ولا يخرج الأرض شيئا ، كلها عندي ~~قريبة ، وعن ابن وهب قال : قال مالك في رجل باع بعد النداء يوم الجمعة قال ~~: يفسخ ذلك البيع قيل : عامل وترك القيام إليها وهو حد قال : بئسما صنع ، ~~فليستغفر ربه عز وجل ، وقال ربيعة : ظلم وإساء قال : وقال مالك : يحرم ~~البيع حتى يخرج الإمام يوم الجمعة . حدثنا عن أبي داود قال : سمعت أحمد بن ~~حنبل غير مرة يكره التجارة والمعاملة بالمزيفة والمكحلة ، قال أبو داود : ~~سألت إسحاق بن راهويه عن إنفاق ms1230 المزيفة فقال : لا بأس به ، وقال عبد الوهاب ~~الوراق : سألت بشرا عن المعاملة بالمزيفة فقال : سألت المعافى عنها فقال : ~~سألت سفيان الثوري عنها فقال حرام ، حدثنا عن الحسن الخياط قال : سمعت بشر ~~ابن الحارث وقال له رجل من جيرانه : أسلمت عمامة إلى الحائك الدقيق علي من ~~قال على الحائك والخيوط لك ، وحدثونا عن بشر عن الفضيل بن عياض عن ليث عن ~~مجاهد أن مريم عليها السلام مرت بحاكة قعود على ظهر طريق في طلب عيسى عليه ~~السلام فقالت : كيف طريق موضع كذا وكذا ؟ فأرشدوها إلى غير الطريق التي ~~أرادت ، فضلت فدعت الله تبارك وتعالى عليهم فقالت : اللهم ، إانزع البركة ~~من كسبهم وأمتهم فقراء وحقرهم في أعين الناس ، قال بشر : أحسب أن الله عز ~~وجل استجاب دعاءها فيهم ، وروينا عن أبي عبد الرحمن الجيلي عن أبي أيوب ~~الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من فرق بين الوالد وولده ~~في البيع ، فرق الله عز وجل بينه وبين أحبته يوم القيامة ، PageV02P452 ~~سفيان عن منصور عن موسى بن عبد الله أن أباه بعث بغلام له بمال إلى أصبهان ~~بأربعة آلاف ، فبلغ المال ستة عشر ألفا أو نحو ذلك فبلغه أنه مات ، فذهب ~~يأخذ ميراثه فبلغه أنه كان يقارف الربا فأخذ أربعة آلاف وترك البقية ، ~~وحدثونا عن أبي بكر المروزي قال : سألت أبا عبد الله عن الذي يعامل بالربا ~~يؤكل عنده قال : لا قال : وسمعت أبا عبد الله يقول : الذي يتعامل بالربا ~~يأخذ رأس ماله ، وإن عرف أصحابه رده عليهم وإلا تصدق بالفضل ، وروينا حديث ~~ربيعة بن يزيد عن عطية السعدي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ~~يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لابأس به حذرا لما به بأس ، ~~وروينا حديث عباس بن جليد قال أبو الدرداء : إن تمام التقوى أن يتقي العبد ~~في مثقال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حجابا بينه وبين ~~الحرام ، حدثنا عن أبي بكر المروزي قال ms1231 : سألت أبا عبد الله عن الرجل : ~~يكون معه ثلاثة دراهم منها درهم حرام لا يعرفه قال : لا يأكل منه شيئا حتى ~~يعرفه ، واحتج أبو عبد الله بحديث عدي بن حاتم أنه سأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال : إني أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر فقال : لا تأكل حتى تعلم أن ~~كلبك قد قتله ، وسألت أبا عبد الله عن الرجل : يدفع إليه الدراهم الصحاح ~~بصوغها قال فيها : نهى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وأنا ~~أكره كسر الدراهم والقطعة قلت : فإن أعطيت دينارا أصوغه كيف أصنع ؟ قال : ~~تشتري به دراهم ثم تشتري به ذهبا قلت : فإن كانت الدراهم من الفيء ويستهي ~~صاحبها أن تكون بأعيانها قال : إذا أخذت بحذائها فهو مثلها . وروى أبو عبد ~~الله حديث علقمة بن عبد الله عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس ، قال أبو عبد الله : البأس أن ~~يختلف في الدراهم فيقول الواحد : جيد ويقول الآخر : رديء فيكسره ، لهذا ~~المعنى قال : وسألت أبا عبد الله عن الرجل يكتسب بالأجر فيجلس في المسجد ~~فقال : أما الخياط وأشباهه فما يعجبني إنما بنى المسجد ليذكر الله تعالى ~~فيه وكره البيع والشراء فيه ، قلت لأبي عبد الله : للرجل يعمل المغازل ~~ويأتي المقابر فربما أصابه المطر فيدخل في بعض تلك القباب فيعمل فيها قال : ~~المقابر إنما هي من الآخرة وكره ذلك قلت لأبي عبد الله : اشتري الدقيق ~~فيزيد في مثل القفيز المكوك قال : هذا فاحش ، هذا لا يتغابن الناس فيه قلت ~~: فكيلجة أو دونها قال : هذا يتغابن الناس بمثله ، قلت لأبي عبد الله : ~~رفاء الوسائد والأنماط يرفوا للتجار وهم يبيعون ولا يخبرون بالرفو قال : ~~يعمله العمل الذي يبتين لا يعمل الخفي الذي لايتبين إلا لمن يثق به ، قلت ~~لأبي عبد الله : الثوب ألبسه ترى أن أبيعه مرابحة قال : لاوإن بعته مساومة ~~فبين أنك قد لبسته وإلا بعته في سوق الخلق ، سألت أبا عبد الله عن إبريق ms1232 ~~فضة يباع قال : لا حتى PageV02P453 يكسر ويقول : لا يباع الحرير . أمية بن ~~خلد قال : كان يونس بن عبيد إذا طلب المتاع أهل إلى وكيله بالسوس أن أعلم ~~من يشتري منه المتاع أن المتاع يطلب ، وحدثنا عن المروزي قال : سألت أبا ~~عبد الله عن الجوز ينثر فكرهه وقال : يعطون يقسم عليهم يعني الصبيان قال : ~~ودخلت على أبي عبد الله وقد حذق ابنه ، وقد اشترى جوزا يريد أن يعده على ~~الصبيان يقسمه عليهم وكره النثر وقال : هذه نهبة ، وقال أبو عبد الله وذكر ~~مسائل ابن المبارك فقال : كان فيها مسألة دقيقة ، سئل ابن المبارك عن رجل ~~رمى طيرا فوقع في أرض قوم : لمن الصيد ؟ قال : لا أدري ، قلت لأبي عبد الله ~~: فما تقول أنت فيها ؟ قال : هذه دقيقة ما أدري فيها ، قلت لأبي عبد الله : ~~إن عيسى بن عبد الفتاح قال : سألت بشر بن الحارث : هل للوالدين طاعة في ~~الشبهة ؟ قال : فقال أبو عبد الله : هذا شديد ، قلت لأبي عبد الله : ~~فللوالدين طاعة في الشبهة قال : فقال أبو عبد الله : هذا محمد بن مقاتل قد ~~رأيت ما قال ، وهذا بشر بن الحارث قد قال ما قال ، ثم قال أبو عبد الله : ~~ما أحسن أن يداريهم ، ثم قال أبو عبد الله : إلاثم حواز القلوب ، قال ~~المروزي : أدخلت على أبي عبد الله رجلا فقال : إن لي أخوة وكسبهم من الشبهة ~~، فربما طبخت أمنا وتسألنا أن نجتمع ونأكل فقال له : هذا موضع بشر لو كان ~~لك كان موضعا ، أسأل الله تعالى أن لا يمقتنا ، ولكن تأتي أبا الحسن عبد ~~الوهاب فتسأله فقال له الرجل : فتخبرني بما في العلم قال : قد روي عن الحسن ~~إذا استأذن والدته في الجهاد فأذنت له ، وعلم أن هواها في المقام فليقم ، ~~قال : سمعت أبا عبد الله وسئل عن رجل له والدة يستأذنها يرحل يطلب العلم ~~فقال : إن كان جاهلا لا يدري كيف يطهر ولا يصلي فطلب العلم أوجب ، وإن كان ~~قد عرف فالمقام عليها أحب إلي ، قلت : فإن كان يرى ms1233 المنكر فلا يقدر أن ~~يغيره قال : يستأذنهما ، فإن أذنا له خرج . حدثنا عن أبي الربيع الصوفي قال ~~: دخلت على سفيان بالبصرة فقلت له : يا أبا عبد الله ، إني أكون مع هؤلاء ~~المحتسبة فندخل على المخنثين ونتسلق عليهم الحيطان فقال : أليس لهم أبواب ؟ ~~قلت : بلى ، ولكن ندخل عليهم كيلا يفروا ، فأنكرذلك إنكاراشديدا وعاب ~~فعالنا ، فقال رجل : من أدخل هذا ؟ فقلت : إنما دخلت إلى الطبيب أخبره ~~بدائي ، فانتفض سفيان وقال : إنما هلكنا إذ نحن سقمى فسمينا أطباء ثم قال : ~~لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من فيه ثلاث خصال ، رفيق بما ينهى ~~، عدل بما يأمر عالم بما ينهي ، عالم بما يأمر عدل بما ينهي ، حدثنا عن ~~أحمد بن محمد بن الحجاج قال : سألت أبا عبد الله قلت : أمر في السوق فأرى ~~الطبول تباع فأكسرها قال : إن قويت يا أبا بكر قلت : أدعي أغسل الميت ~~PageV02P454 فأسمع صوت الطبل قال : إن قدرت على كسره وإلا فاخرج ، سألته عن ~~كسر الطنبور قال : يكسر قلت : فإذا كان معطي ؟ قال : إذا ستر عنك فلا قلت : ~~فالطنبور الصغير يكون مع الغلام قال : تكسره أيضا إذا كان مكشوفا قلت لأبي ~~عبد الله : رجل له قراح نرجس ترى أن يباع ؟ فقال : إنهم يقولون الزئبق يعمل ~~منه قلت : فإن كان لا يشتريه إلا أصحاب المسكر قال : يسأل عن ذا فإن كان ~~هكذا إلا يباع ، سمعت أبا عبد الله وسأله رجل فقال : إن أبي كان يبيع من ~~جميع الناس وذكر من تكره معاملته فقال يدع من ذلك بقدر ما ربح فقال له : ~~فإنه له دينا وعليه دين قال : يقتضي ويقضي عنه قلت : وترى له بذلك ؟ قال : ~~فتدعه محتسبا بدينه ، سألت أبا عبد الله عن قريب لي أكره ناحيته يسألني أن ~~أشتري له ثوبا أو أسلم له غزلا فقال : لا تعنه ولاتشتر له إلا أن تأمرك ~~والدتك ، فإذا أمرتك فهو أسهل لعلها أن تغضب . سمعت أبا عبد الله وسئل عن ~~رجل له أب مراب يرسله أن يتقاضى له : ترى له أن ms1234 يفعل ؟ قال : لا ولكن يقول ~~: لا أذهب حتى تتوب ، ذكرت لأبي عبد الله رجلا من المحدثين فقال : رحمه ~~الله أي رجل كان لولا خلة واحدة ؟ ثم قال : ليس كل الخلال يكملها الرجل ~~فقلت له : أليس كان صاحب سنة قال : أي لعمري وقد كتبت عنه ولكن خلة واحدة ~~فقلت : مثل أيش ؟ قال : كان لا يبالي ممن أخذ ، سمعت أبا عبد الله وذكر بشر ~~بن الحارث فقال رحمه الله : لقد كان فيه أنس ، وذكر له شيء من الورع فقال ~~يسأل عن مثل بشر : هذا موضع بشر وأنا لا ينبغي لي أن أتكلم في هذا . ذكرت ~~لأبي عبد الله رجلا فقيرا في أطمار خلقان وقلت : ما أحوجه إلى علم ؟ فقال ~~لي : اسكت لصبره على فقره وعريه من العلم إني لأذكره وأنا في الفراش وقال : ~~هؤلاء خير منا ، قلت لأبي عبد الله قيل لابن المبارك : كيف يعرف العالم ~~الصادق ؟ قال : يزهد في الدنيا ويقبل على أمر آخرته فقال أبو عبد الله : ~~نعم ، هكذا يريد أن يكون . سألت أبا عبد الله عن امرأة كانت تجري على أخرى ~~وتصلها وذكر المرأة ما أمرني به أبو عبد الله من شيء صرت إليه قال : أن ~~تصدق به وتسأل . سمعت أبا عبد الله وذكر ابن عون فقال : كان لا يكري دوره ~~من المسلمين قلت : لأي علة ؟ قال : لئلا يروعهم ابن المبارك عن حكيم بن ~~زريق عن أبيه عن سعيد بن المسيب في البر بالدقيق قال : هو ربا ، قلت لأبي ~~عبد الله : أخبرت أن بشر بن الحارث أرسل أخوه بتمر من الأيلة ، فأبقت أمه ~~تمرة من التمر الذي كانت تفرقه يعني على أهل بيته ، فلما دخل بشر قالت له ~~أمه : بحقي عليك لما أكلت هذه التمرة ؟ فأكلها وصعد إلى فوق ، وصعدت خلفه ~~فإذا هو يتقيأ ، وكان أخوه على شيء فقال أبو عبد الله وقد روي عن أبي بكر ~~رضي الله عنه نحو هذا ، وسمعت أبا عبد الله وذكر وهيب بن الورد فقال : قد ~~كلمه ابن المبارك فيما يجيء PageV02P455 من مصر ms1235 ، وإنما أراد ابن المبارك ~~أن يسهل عليه ولم يدر أنه يشدد عليه ، وكان لا يأكل مما يجيء من مصر ، إلا ~~الزبيب ، وقال أبو عبد الله : بشر بن الحارث كان يأكل من غلة بغداد قلت : ~~لا هو كان ينكر على من يأكل فقال : إنما قدر بشر لأنه كان وحده لم يكن له ~~عيال ، ليس من كان معيلا كمن كان وحده ، لوكان إلى ما باليت ما أكلت ، وذهب ~~أبو عبد الله إلى أن يأخذ من السواد القوت ويتصدق بالفضل ثم قال : لايعجبني ~~أن أبيع شيئا قلت لأبي عبد الله : ترى أن يشرب الرجل من السواد ؟ قال : هذا ~~الذي نحن فيه ميراث إنما آخذ الغلة على الاضطرار ، قيل لأبي عبد الله : ~~فيشتري الرجل فيه ؟ فقال للسائل : إن كنت في كفاء فلا ، ثم قال أكره أن ~~يبيع الرجل داره ولا أرضى في شيء من السواد ولا يشتري إلا مقدار القوت ، ~~فإذا كان أكثر من قوته تصدق به وقال : أنا أذهب إلى أن السواد وقف على ~~المسلمين ، أما عمر رضي الله تعالى عنه ، فترك السواد ولم يقسمه ، وهكذا ~~عثمان تركه ، إلا أنه أقطع قوما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ابن ~~مسعود وسعدا وذكر غير واحد ، وأما علي رضي الله تعالى عنه فأقره ولم يقسمه ~~، قال أبو عبد الله : من ذهب إلى قول ابن المبارك فذاك البلاء يزعم أن ~~السواد يقسم على من شهد الوقعة . وقال ابن إدريس في دار ببغداد : يبيع ~~أمرها حتى يردها إلى من فتحها بالسيف قلت : ومن أين تقدر على هذا ؟ فتبسم ~~وقال : يصير إلى المدينة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فيسأل عنهم ، قال ~~أبو عبد الله : أهل المدينة على مذهب ابن إدريس يقولون : المدينة إذا فتحت ~~عنوة قسمت على من شهدها ، قلت لأبي عبد الله : فمن خالفهم ؟ قال : عمر بن ~~الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما أوقفاها على المسلمين ، قلت لأبي ~~عبد الله : فمن ورث دارا في القطيعة ؟ قال : قال ابن إدريس يردها على من ~~شهد ms1236 القادسية قلت : وهذا هو عندك القول ؟ قال : نعم ، ما أحسن ما قال ، ~~ولكن مثل هذا الذي في أيدينا إنما هي قطائع لو أن وجلا أراد أن يخرج مما في ~~يديه كنا نأمره أن يوقفها لأنها فيء ، سألت أبا عبد الله عن الكوفة والبصرة ~~: أليس افتتحت ؟ قال : لا ، إنما جاؤوا فابتنوا فيها ، وأدخلت على أبي عبد ~~الله رجلا فقال : إني ورثت عن أبي أرضين من السواد فقال له : أوقفها على ~~قرابتك ، فإن لم يكن فعلى جيرانك ، وقيل له أيضا : ورث رجل دارا في القطيعة ~~فقال : يوقفها ، ثم قال : السواد فيء للمسليمن رخص في الشراء ، قلت لأبي ~~عبد الله : كيف أشتري في السواد ولا أبيع ؟ قال : الشراء عندي خلاف البيع ، ~~واحتج أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رخصوا في شراء المصاحف وكرهوا ~~بيعها ابن عباس وجابر بن عبد الله ، سئل أبو عبد الله : أيما أحب إليك ؛ ~~سكني القطيعة أو الربض ؟ فقال : الربض ، قلت لأبي عبد الله : إن القطيعة ~~أرفق من سائر الأسواق فقال : أمرها معلوم تعرفها لمن كانت قلت فتكره العمل ~~فيها قد وقع في قلبي منه شيء ، فقال ابن مسعود : الإثم حواز القلوب ، ~~PageV02P456 قلت لأبي عبد الله : فرجل يريد الخروج إلى الثغر وله دار يريد ~~أن يبيعها قال : لا قلت : فإن قال : إنما أبيع النقض ، فتبسم وقال : إن رضي ~~المشتري كأنه عنده حيلة ثم قال : قد ورث ابن سيرين أرضا من أرض السواد قلت ~~: فهي رخصة قال : هذا معروف عن ابن سيرين ، قال أبو بكر : سمعت أبا عبد ~~الله يقول : أنا أفرح إذا لم يكن عندي شيء وقال : ما أعدل بالفقر شيئا وقال ~~: هذه الغلة ما تكون قوتنا ، فأخبرته أن رجلا قال : لو أن عبد الله ترك هذه ~~الغلة وكان يتصنع صديقا له كان أعجب إلي فقال أبو عبد الله : هذه طعمة سوء ~~أو قال : ردية من تعود هذا لم يصبر عنه ثم قال : هذا أعجب إلي من غيره . ~~حدثنا عن عبد الله بن نوح السراج قال : قال لي ms1237 بشر : ياسراج ، أنت بعد في ~~القطيعة قلت : نعم قال : أغناك الله عز وجل عن الدخول إليها ، حدثت عن بعض ~~أصحاب بشر قال : وصف لي شيء أتداوى به وقال : ليس تجده إلا في بستان بني ~~كذا يعني القطيعة فقال : لو كان شفائي فيه ما أردته ، محمد بن حاتم قال : ~~سمعت ابن أبي بشر يقول : كنت مع بشر وقد خرجنا من باب حرب فقال لي : يا أبا ~~يعقوب ، فكرت في هذه القرية ومن كره الدخول إليها وأعلم أن الدباغ إذا كان ~~في المدبغة لا يشم رائحتها إنما يشم رائحتها من ورد عليها ، قال بعضهم : ~~وسمعت بشرا يقول : من ذنوبي مقامي ببغداد ، وقال شعيب بن حرب : أي رجال ~~ببغداد كان لهم خير ؟ وعن عبد الوهاب قال : خرج من ههنا إلى المدائن إلى ~~شعيب بن حرب قوم فكلموه في النزول ببغداد فأشار علهم أن لايرجعوا ، فتركوا ~~دورهم وأقام بعضهم ليستقي ماء بالمدائن ، ولقد رأى شعيب بعضهم يستقي الماء ~~فقال : لو رآك سفيان لفرح بك ، قلت لأبي عبد الله : جاءنا كتاب من طرسوس ~~فيه أن قوما خرجوا من نيف الأسل فطحنوا لهم طعاما على رحى ، فتبينوا بعد أن ~~الرحى فيه ما يكرهونه غصب ، فتصدق بعضهم بنصيبه وأبى بعضهم وقال : لست آمر ~~فيه شيء لا أرضى أكله لا أرضى أتصدق به فأي شيء تقول ؟ فكان مذهب أبي عبد ~~الله أن يتصدق به إذا كان شيئا يكرهه ، ورجل اشترى حطبا واكترى دواب وحمله ~~، ثم تبين بعد أنه يكره ناحيتها ، كيف يصنع بالحطب ؟ ترى أن يرده إلى موضعه ~~وكيف ترى أن يصنع به ؟ فتبسم وقال : ما أدري ، قلت إن رجلا قال لأبي عبد ~~الله : ما تقول في نفاطة لمن تكره ناحيته ينقطع شسعي أستضيء به قال : لا . ~~وذكر أبو عبد الله عثمان بن زائدة أن غلامه أخذ له نارامن قوم يكرههم ~~فأطفأها ، فقال أبو عبد الله : النفاطة أشد ، قلت لأبي عبد الله : تنور سجر ~~بحطب أكرهه فخبز فيه ، فجئت أنا بعد فسجرته بحطب آخر فيه قال لا ، أليس ms1238 ~~أحمى بحطبهم وكرهه ، قلت لأبي عبد الله : الخادم الخصي ينظر إلى شعر مولاته ~~قال : لا ، قلت : المرأة PageV02P457 تكون بها الكسرة فيضع المجبر يده ~~عليها قال : هذا ضرورة ولم ير به بأسا قلت : قال المجبر : لابد لي أن أكشف ~~صدر المرأة وأضع يدي عليها ، قال طلحة : يوجد ، قلت لأبي عبد الله : ~~فالكحال يخلو بالمرأة وقد انصرف من عنده النساء ، هل هذه الخلوة منهي عنها ~~؟ قال : أليس هو على ظهر الطريق ؟ قيل : نعم قال : إنما الخلوة تكون في ~~البيوت ، قال أبو بكر : قلت لأبي عبد الله : إذا اضطر الرجل إلى الميتة ~~ووجد مع قوم طعاما ما يأخذ الطعام بغير إذن صاحبه أو يأكل الميتة قال : ~~يأكل الميتة قد أحلت له ، سألت أبا عبد الله عن الرجل يمر بالحائط أو النخل ~~يأكل منه فقال : قد سهل فيه قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت ~~: فماذا تقول إذا اضطر الرجل إلى الميتة ووجد مع قوم طعاما يأخذ الطعام ~~بغير إذن صاحبه أو يأكل الميتة ؟ قال : يأكل ولا يحمل ، قلت : الرجل يمر ~~بالبستان قال : إذا كان عليه حائط لم يدخل ، وإذا كان غيرمحوط أكل ولا يحمل ~~، سألت أبا عبد الله عن أجور بيوت مكة فقال : لا يعجبني ، قلت لأبي عبد ~~الله : فيكتري الرجل الدار ويخرج ولا يقضي الكراء قال : لايعجبني أن لايخرج ~~الكراء ، ثم قال : هذا بمنزلة الحجام لابد من أن يعطي ، قلت لأبي عبد الله ~~: فترى شراء دور مكة والبيع قال : لا ، أما الدور الكبار فمثل دار فلان ~~وفلان سماها فتفتح أبوابها حتى يضرب الحاج فيها فساطيطهم وينزلوها لا يمنع ~~أحد من نزولها ، قيل لأبي عبد الله : هذا عمر بن الخطاب قد اشترى السجن قال ~~: لا هذا لا يشبه ما اشترى عمر إنما اشترى السجن للمسلمين ، يحبس فيه ~~السراق وغيرهم ، سئل أبو عبد الله عن السقايات التي يعملها من تكره ناحيته ~~، ترى أن يتوضأ منها ؟ قال : لا إلا أن يخاف فوت الصلاة يعني يوم الجمعة ، ~~سئل أبو عبد الله عن السقايات ms1239 التي تفتح إلى الطريق : ترى أن يشرب منها ~~فقال : قد سئل الحسن فقال : قد شرب أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما من ~~سقاية أم سعيد فمه ، قلت لأبي عبد الله : حكي عن فصيل أن غلامه جاءه ~~بدرهمين فقال : عملت في دار فلان فذكر من يكره ناحيته قال : فرمى بها بين ~~الحجارة وقال : لايتقرب إلى الله عز وجل إلا بالطيب ، فعجب أبو عبد الله ~~وقال : رحمه الله ، وذهب أبو عبد الله إلى أن يتصدق كأنه كان أحوط وقال : ~~يعجبني أن يتصدق به إذا تصدق به فأي شيء بقي . # | ذكر ما رأى أحمد بن حنبل الخروج منه # ، حدثت عن أحمد بن عبد الخالق قال : حدثنا أبو بكر المروزي قال : سألت ~~أبا عبد الله عن الرجل يدعى إلى الوليمة ، من أي شيء يخرج ؟ فقال : خرج أبو ~~أيوب حين دعاه ابن عمر ، فرأى البيت قد ستر ودعي حذيفة فخرج ، وإنما رأي ~~شيئا من زمي الأعاجم قلت : فإن لم يكن البيت مستورا ورأى شيئا من فضة فقال ~~: ما كان يستعمل يعجبني أن يخرج ، وسمعت أبا عبد الله : يقول دعانا رجل من ~~أصحابنا قبل المحنة ، وكنا نختلف إلى PageV02P458 عفان فإذا فضة ، فخرجت ~~فأتبعني جماعة فنزل بصاحب البيت أمر عظيم ، قلت لأبي عبد الله فالرجل يدعى ~~فيرى المكحلة رأسها مفضض قال : هذا يستعمل فأخرج منه إنما رخص في الضبة أو ~~نحوها فهو أسهل ، سألت أبا عبد الله عن الكلة فكرهها قلت : فالقبة أو ~~الحجلة فلم ير به بأسا ، قلت لأبي عبد الله أن رجلا دعا قوما فجيء بطست فضة ~~أو إبريق فكسره ، فأعجب أبا عبد الله كسره ، سألت أبا عبد الله عن الرجل ~~يدعى فيرى فرش ديباج : ترى أن يقعد عليه أو يقعد في بيت آخر ؟ قال : يخرج ، ~~قد خرج أبو أيوب وحذيفة ، وقد روي عن ابن مسعود قلت : فترى أن يأمرهم ؟ قال ~~: نعم ، فيقول : هذا لا يجوز ، قلت لأبي عبد الله : الرجل يكون في بيت فيه ~~ديباج فيدعو ابنه للشيء قال : لا يدخل عليه ولا ms1240 يجلس معه ، قلت لأبي عبد ~~الله : الرجل يدعى فيرى الكلة فكره وقال : هو رياء ، لا يرد من حر ولا من ~~برد ، قلت : الرجل يدعى فيرى تصاوير قال : لا ينظر إليه قلت : فقد نظرت ~~إليه قال : إن أمكنك خلعه خلعته ، أبو صالح الفراء عن يوسف بن أسباط قال : ~~قلت : من أجيب ؟ قال : لا تدخل على رجل ، إذا دخلت عليه أفسد عليك قلبك ، ~~قد كان يكره الدخول على أهل البسط يعني الأغنياء ، المروزي قال : سألت أبا ~~عبد الله عن الستر يكتب عليه القرآن فكره ذلك وقال : لا يكتب القرآن على ~~شيء منصوب لا ستر ولا غيره ، قلت : فالرجل يكتري البيت يرى فيه التصاوير ~~ترى أن يحكه قال : نعم ، قلت لأبي عبد الله : فإذا دخلت حماما فرأيت فيه ~~صورة ترى أن أحك الرأس قال : نعم . # | ذكر الورع في أشياء # ابن عبد الخالق ، قال : حدثنا أحمد بن الحجاج قال : قلت لأبي عبد الله : ~~ترى الرجل الوصيء تسأله الصبية أن يشتري لها لعبة قال : إن كانت صورة فلا ، ~~وذكر فيه شيئا قلت : أليس الصورة إذا كان يد أو رجل ؟ فقال : عكرمة يقول : ~~كل شيء له رأس فهو صورة ، قال أبو عبد الله : وقد يصيرون لها صدرا وعينا ~~وأنفا قلت : وأحب إليك أن تجتنب شراءها ؟ قال : نعم ، سألت أبا عبد الله عن ~~قبلة اليد فلم ير بها بأسا إن كان على التدين ، قال : قد قبل أبو عبيدة يد ~~عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما وإن كان على طريق الدنيا ، فلا رجل ~~يخاف سيفه أو سوطه ، قال لي أبو عبد الله : قال لي سعيد الحاجب ألا يقبل يد ~~ولي عهد المسلمين فقلت : بيدي هكذا ولم أفعل ، وروينا عن علي بن ثابت قال : ~~سمعت حفيان يقول : لا بأس بها للإمام العادل وأكرهه على الدنيا يعني تقبيل ~~اليد ، قلت لأبي عبد الله : رجل يريد الخروج إلى الثغر وقد سألني أسألك ، ~~وهذا الطريق طريق الأنبار مخيف ، فإن عرض له اللصوص ترى أن يقاتلهم قال : ~~إن طلبوا أشياءه قاتلهم لأن ms1241 النبي صلى الله عليه وسلم قال : من قتل دون ما ~~له فهو شهيد قلت : فإن عرضوا للرفقة ، ترى أن يقاتلهم ؟ قال : حتى إن ~~يطلبوه هو ولم ير أن يقاتل عن الرفقة بالسيف ، PageV02P459 سئل أبو عبد ~~الله عن الأسير : يفر ؟ قال : نعم إذا قدر على ذلك ، قلت لأبي عبد الله : ~~ترى للرجل إذا جاءه الرجل يسأل ترى أن يسأله له قوما قال : لا لكن يعرض كما ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه القوم مجتابي النمار فقال : ~~تصدق رجل بكذا ، سمعت أبا عبد الله يقول : عبد الوهاب أطيب طعمة من غيره ~~يريد الوراقة ، سمعت أبا عبد الله يقول : كان يحيى بن يحيى أوصى إلي بجبته ~~، فجاءني ابنه فقال لي فقلت : رجل صالح قد أطاع الله تبارك وتعالى فيها ~~أتبرك بها . حدثت عن بعض العلماء أن يحيى بن يحيى قالت له إامرأته تشربه ~~دواء : لو قمت فترددت في الدار فقال : ما أدري ما هذه المسألة ، أنا أحاسب ~~نفسي منذ أربعين سنة ، حدثت عن موسى بن عبد الرحمن بن مهدي قال : لما قبض ~~عمي أغمي على أبي فلما أفاق قال : البساط نحوه أدرجوه لغلة الورثة ، ابن ~~أبي خالد قال : كنت مع أبي العباس الخطاب ، وقد جاء يعزي رجلا ماتت امرأته ~~، وفي البيت بساط فقام أبو العباس على باب البيت فقال : أيها الرجل معك ~~وارث غيرك قال : نعم قال : قعودك على ما لا تملك ، فتنحى الرجل عن البساط ، ~~وحدثت عن ابن الضحاك صاحب بشر بن الحارث قال : كان يجيء إلى أخته حين مات ~~زوجها فيبيت عندها ، فيجيء معه بشيء يقعد عليه ولم ير أن يقعد على ما خلف ~~من غلة الورثة ، ابن عبد الخالق عن المروزي قال : سألت أبا عبد الله عن ~~بواري المسجد إذا فضل منه الشيء أو الخشبة قال : يتصدق به ، سألته عن الجص ~~والآجر يفضل عن المسجد قال : يصير في مثله ، قلت لأبي عبد الله : إني أكون ~~في المسجد في شهر رمضان فيجاء بالعود من الموضع الذي يكره فقال ms1242 : وهل يراد ~~من العود إلا ريحه ؟ إن خفت خروجك فأخرج ، روينا عن أبي عوانة عن عبد الله ~~بن راشد قال : أتيت عمر بن عبد العزيز بالطيب الذي كان في بيت المال فأمسك ~~على أنفه وقال : إنما ينتفع بريحه عبد العزيز بن أبي سلمة قال : حدثنا ~~إسماعيل بن محمد قال : قدم علي عمر رضي الله عنه مسك من البحرين فقالت : ~~والله لوددت إني أجد امرأة حسنة الوزن تزن لي هذا الطيب حتى أفرقه بين ~~المسلمين فقالت امرأته عاتكة بنت عمرو بن نفيل : إني جيدة الوزن فهلم أزن ~~لك قال : لا قلت : ولم ؟ قال : إني أخشى أن تأخذيه هكذا وأدخل أصابعه في ~~صدغيه وتمسحين عنقك فأصيب فضلا عن المسلمين ، وسليمان التيمي قال : حدثني ~~نعيم عن العطارة قال : كان عمر يدفع إلى امرأته طيبا من طيب المسلمين قال : ~~فتبيعه امرأته ، فباعتني طيبا فجعلت تقوم وتزيد وتنقص وتكسره بأسنانها ~~فيعلق بأصبعها شيء منه فقالت به : هكذا بأصبعها ثم مسحت به خمارها فدخل عمر ~~فقال : ما هذه الريح ؟ فأخبرته بالذي كان فقال : طيب المسلمين تأخذينه أنت ~~فتتطيبين PageV02P460 به ؟ فانتزع الخمار من رأسها وأخذ جرا من ماء فجعل ~~يصب على الخمار ثم يدلكه في التراب ثم يشمه ، ثم يصب عليه الماء ثم يدلكه ~~في التراب ثم يشمه ففعل ما شاء الله ، قالت العطارة : ثم أتيتها مرة أخرى ~~فلما علق بأصبعها منه شيء فعمدت فأدخلت أصبعها في فيها ، ثم مسحت بإصبعها ~~التراب . أبو بكر المروزي قال : قلت لأبي عبد الله : يحضر يوم الجمعة يوم ~~بارد ترى أن يسخن الماء من الموضع الذي أكره ؟ قال : لا ترك الغسل أحب إلي ~~من هذا ، سمعت أبا عبد الله ينكر على أبي ثور قوله ، وإذا أجمع الأطباء أن ~~شفاء الرجل في الخمر أنه ليس به بأس فأنكر إنكارا شديدا عليه وقال : لقد ~~كرهت أن يداوي الدبر بالخمر فكيف بشربه ؟ وتكلم بكلام غليظ . حدثت عن شعيب ~~بن حرب قال : لأن أرى ابني يسرق أو يزني أحب إلي من أن يأتي عليه وقت ms1243 لا ~~يعرف الله تبارك وتعالى فيه ، محمد بن أبي داود الأنباري قال : قلت لأبي ~~أسامة : أجيب وليمة فيها نبيذ قال : لا قلت : أخاف الحديث الذي جاء عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : من لم يجب فقد عصى فقال : من لم يجب اليوم فقد ~~أطاع الله تعالى ورسوله ، هارون بن معروف قال : جاءني فتى فقال : إن أبي ~~حلف علي بالطلاق أن أشرب دواء مع مسكر ، فذهبت به إلى أبي عبد الله فلم ~~يرخص له وقال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : كل مسكر حرام وكل مسكر خمر ~~. المروزي قال : سألت أبا عبد الله عن خياط الملحم فقال : ما كان للرجال ~~فلا ، وما كان للنساء فليس به بأس ، وسألته : يخاط للنساء هذه الزيقات ~~العراض فقال : إن كان شيء عرض فأكرهه هو محدث ، وإن كان شيء وسطا لم ير به ~~بأسا ، وكره أن يصير للمرأة مثل جيب الرجال ، وقطع أبو عبد الله لابنته ~~قميصا وأنا حاضر فقال للخياط : صير جيبها من قدام ، وقطع أبو عبد الله ~~لابنته قميصا وأنا حاضر فقال للخياط : صير زيقانها دقاقا وكره أن يصير ~~عريضا ، وقطعت لأبي عبد الله جبة وصيرت زيقها دقيقا فقلت لأبي عبد الله : ~~هل أدركت أحدا من المشايخ كان له زيق عريض ؟ قال : لا ، وكنت يوما عند أبي ~~عبد الله فمرت جارية عليها قباء فتكلم بشيء فقلت : تكرهه قال : كيف لا ~~أكرهه جدا ، لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال ~~، وروينا عن عبد الصمد قال : دعا يزيد ابن هارون خياطا من النساك فقال : ~~اقطع لهذه الجارية قباء فوضع الخياط المقراض من يده وقال : يا أبا خالد ، ~~قباء عمن فسكت يزيد المروزي ، قال : ذكر لأبي عبد الله رجل من المحدثين ~~فقال : إنما أنكرت عليه أن لبس زيه زي النساك ، سألت أبا عبد الله عن الرجل ~~يلبس النعل السبتي فقال : أما أنا فلا أستعملها ، ولكن PageV02P461 إذا كان ~~للمخرج أو الطين فأرجو ، وأما من أراد الزينة فلا ، ورأى نعلا سنديا على ~~باب المخرج ms1244 فسألني : لمن هي ؟ فأخبرته قال : يتشبه بأولاد لوط يعني صاحبها ~~، سألت أبا عبد الله قلت : أمروني في المنزل أن أشتري نعلا سنديا للصبية ~~قال : لا تشتر قلت : تكرهه للصبيان والنساك قال : نعم أكرهه ، زياد ابن ~~أيوب قال : كنت عند سعيد بن عياض فأتاه صبي ابن ابنته وفي رجله نعل سندي ~~فقال : من ألبسك هذا قال : أمي قال : اذهب إلى أمك تنزعها . المروزي قال : ~~سألت أبا عبد الله عن المرأة تلبس المقطوع الأحمر فكرهه كراهة شديدة وقال : ~~أما أن تريد الزينة فلا يقال أول من لبس الثياب الحمر آل قارون ، ثم خرج ~~على قومه في زينته ، قال في ثياب حمر ، مجاهد عن عبد الله بن عمر قال : مر ~~على النبي صلى الله عليه وسلم رجل وعليه ثوبان أحمران فسلم فلم يرد عليه ، ~~المروزي قال : رأى أبو عبد الله بطانة جنبي حمراء فقال : لم صبغتها حمراء ~~قلت : للرقاع التي فيها قال : وايش تبالي أن يكون فيها رقاع قلت : تكرهه ~~قال : نعم ، وأمرني أن أشتري له تكة فقال : لا يكون فيها حمرة قلت : تكرهه ~~قال : نعم ، قلت لأبي عبد الله : الثوب الأحمر تغطى به الجنازة فكرهه قلت : ~~ترى أن أجذبه قال : نعم ، وأمروني في منزل أبي عبد الله أن أشتري لهم ثوبا ~~عليه كتاب فقال : قل لهم : إن أردتم أن أشتريه وأقلع الكتاب قلت : هم إنما ~~يريدون الكتاب قال : لاتشتره ، وأخبرتني المرأة قالت : نهاني أبو عبد الله ~~عن النقش في الخطاب وقال : أغمسي اليد كلها ، وسمعت أبا عبد الله وذكر ~~المختضبة فقال : قالت عائشة : أسليه وادعميه ، سليمان التيمي عن أبي عثمان ~~قال : أرسلت أم الفضل ابنة غيلان إلى أنس تسأله عن القلادة في عنق المرأة ~~وعن الخضاب ، فأرسل أنه يستحب للمرأة أن تعلق في عنقها شيئا في الصلاة ولو ~~سيرا وقال في الخضاب : آمرها أن تغمس يدها كلها ، المروزي قال : سألت أبا ~~عبد الله عن الرجل يجصص فقال : أما أرض البيوت فثوقيهم من التراب ، وكره ~~تجصيص الحيطان ، وذكرت لأبي عبد الله مسجدا قد ms1245 بني وأنفق عليه مالا كثيرا ، ~~فاسترجع وأنكر ما قلت وقال : قد سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يكحل ~~المسجد فقال : لا عريش كعريش موسى ، قال أبو عبد الله : إنما هو شيء من ~~الكحل يطلي فلم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم . حدثت عن أحمد بن عبد ~~الخالق قال : حدثنا أبو بكر المروزي قال : قلت لأبي عبد الله لا يبيع حاضر ~~لباد كيف هو ؟ فقال : حدثنا سفيان قال : حدثنا أبو الزبير قال : سمعت جابر ~~بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يبيع حاضر لباد ، ~~دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ، قال : والبادي الأعرابي وأنت حاضر ~~ويجيء الأعرابي وهو لا يعرف السعر ، فتقوم أنت وقد عرفت السعر فتبيع له بما ~~تعرف فهو الذي نهى عنه ، قلت لأبي عبد الله : فتشتري له إذا جاء لأنه لو ~~ترك لأشتري منهم الغالي بمنزلته إذا جاء فباع منهم PageV02P462 الرخيص فقال ~~: ليس هذا لو كان هذا هكذا ما اشترى الناس ولا باعوا ، إنما عليه لا يبيع ~~له ولم ير بأسا أن يشتري له ، قلت لأبي عبد الله : ما معنى قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم : لا شرطين في بيع قال : قول الرجل أبيعك أمتي هذه على أنك ~~إذا بعتها فأنا أحق بها ، سئل أبو عبد الله عن ربح ما لم يضمن قال : الرجل ~~يبيع الطعام قبل أن يقبضه ، قيل لأبي عبد الله في الرجل يشتري الطعام صبرة ~~ترى له أن يبيعه قبل أن يكيله ؟ فقال : لا ، سئل عن بيع المباطح فقال : ~~جنية يوم بيوم ، قلت لأبي عبد الله : يكون في سقف البيت الذهب بجانب صاحبه ~~قال : نعم هذا يكره وذهب ، إلى أن يجفي ، قلت لأبي عبد الله : الرجل يكون ~~له القرابة سكران يجفي قال : أي شيء بقي إذا سكر ؟ نعم يجفي أو يجانب ، ~~سألته عن المكره يراد على شرب الخمر فقال : يروى عن عمر رضي الله عنه في ~~شرب الخمر ، إلا أنه لا يفعل حتى ينال بعذاب ، قلت : فإن أمر ms1246 أن يقتل قال : ~~أما القتل فلا يكون عند الله المقتول ، قلت لأبي عبد الله : الرجل يبيع ~~داره من نصراني قال : لا ، أليس يكفر فيها وذكر المحاريب التي فيها ، قال ~~لي أبو عبد الله : أي شيء قال لك عبد الوهاب في خروجي إلى مكة ؟ قلت : ما ~~أرى لك أن تخرج أنت ههنا بالقرب ليس تسلم فكيف إن تباعدت ؟ قال : أشار علي ~~رجل صالح أن لا أخرج ، أخبره أني قد قبلت ما أشرت به علي وقد كنا اشترينا ~~بعض حوائجه ، سألت أبا عبد الله عن رجل لبي بالحج وليس عنده شيء وعليه دين ~~قال لا يجوز حتى يسأذن أصحاب الدين ثم قال : قد أوجب على نفسه الحج ، سألت ~~أبا عبد الله عن رجل له أم ضريرة وله مال يحج عنها فقال : يحج عنها إذا لم ~~تقدر الركوب ، وقال يعجبني أن لا يحج إلا عن قرابة ، قلت لأبي عبد الله : ~~إني دخلت أغسل رجلا من أصحابنا فإذا قد دخل علينا رجل من أهل الخلاف قد ~~سميته له فقال لي : قد وقفت حيث ثبت وغسلته ، لو خرجت كنت لا تأمن أن يجيء ~~برجل من أصحابنا فيتولاه ، سألت أبا عبد الله عن رجل مات وترك كتبا وله ~~ورثة قال : تدفن ، فإن كانوا صبيانا صغارا قال : يدفنها الوصي عليهم ، سمعت ~~أبا عبد الله يقول : حكم المخنثين أن ينفوا ، سئل أبو عبد الله عن المرأة ~~إذا كانت موسرة وزوجها غائب : هل تحج ؟ قال : تكتب إليه فإن أذن وإلا خرجت ~~مع ذي محرم ، قيل فإن كان شاهدا يمنعها تخرج من غير علمه مع محرمها ؟ قال : ~~نعم ، ليس له أن يمنعها قال : ولا تخرج مع غيره ، فإن كان أخوها من الرضاعة ~~خرجت ، قيل لأبي عبد الله الرجل يستأجر الدار والحانوت فيؤاجره بأكثر مما ~~استأجره قال : فيها اختلاف ولم يجب ، قيل له : رجل له شجر في أرضه وأغصانها ~~في أرض غيره قال : PageV02P463 يقطع أغصانها ، قيل فإن صالحه على أن تكون ~~الغلة بينهم قال : لا أدري ، سمعت أبا عبد الله يقول ms1247 في المحرم إذا اضطر ~~إلى الصيد قال : يأكل الميتة وقال : اذهب في الميتة إلى حديث ابن حكيم ، ~~أتانا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهر : لا تنتفعوا من ~~الميتة بشيء ، سألت أبا عبد الله عن محرم ذبح صيدا : يؤكل ؟ قال : لا ، هذا ~~ليس بزكاة هذا لا يؤكل ، قلت : فالرجل يقلع ضرسه ثم يرده إلى موضعه ، فمكث ~~ثلاثا ثم يقلعه أيش تقول فيه ؟ فإن الشافعي قال يعيد الصلاة لأنه صلى في ~~ميتة قال : لا تعجل علي ، ثم سكت ساعة ثم قال : ما أبعد ما قال ، بلى لو ~~أخذ سن شاة مما يؤكل لحمه فوضعه لم يكن به بأس . وذكر في هذا أحب إلي أن ~~يعيد ما صلى ، سألت أبا عبد الله : يباع الغزل في الفلكة ولعلها ميتة قال : ~~إن علم فلا قلت : لقد يخصف به الخف أو النعل فقال : إذا كان من حمار فأكرهه ~~قلت : فأي شيء ترى ؟ قال : ما لا تعلم فلا تريد أن تبحث قلت له : تنور شوي ~~فيه خنزير ترى أن يخبز فيه قال : لا حتى يغسل ويقلع ما فيه قلت : فيكسر قال ~~: لا ، سألته عن البر يداس بالحمير فيبال فيه ثم يطحن قبل أن يغسل قال : لا ~~يؤكل ، قلت لأبي عبد الله : إن رجلا قال : من كان له امرأة يسكن إليها وخبز ~~يأكله فهو من المتنعمين قال أبو عبد الله : صدق ، سمعت أبا عبد الله وذكر ~~المطاعم ففضل عمل اليدين قلت له : إن عبد الوهاب قال : قل لأبي عبد الله : ~~يخاف علي من أمر الحديث إن امتنعت شيء قال : وأي شيء يمنعه من الحديث ؟ قال ~~: الكسب والمعاش قال : هذا أوجب عليه يعني الكسب ، قال المروزي : سمعت بعض ~~أصحابنا يقول : رأيت أبا عبد الله في الجمعة وسائل يسأل ، فأعطى رجل لبس ~~قطعة ليدفعها إلى السائل ، فأخذها فدفعها إليه ، قلت لأبي عبد الله : إذا ~~كان لي جار أعلم أنه يجوع قال : تواسيه قلت : فإذا كان قوتي رغيفين قال : ~~تطعمه شيئا ، الذي جاء في الحديث إنما هو في ms1248 الجار ، قلت لأبي عبد الله : ~~إذا كان للرجل قميصان أو جبتان ، تجب عليه المواساة ؟ قال إذا كان يحتاج ~~إليه في هذا البرد ، إلا أن يكون يفضل ، قلت : الأغنياء تجب عليهم المواساة ~~؟ فقال إذا كان قوم يضعون شيئا على شيء كيف لا يجب عليهم ، قال المروزي : ~~سمعت يحيى الجلاء وأبا طالب صاحبنا قالا : سمعنا يزيد بن هارون ، وسئل عن ~~أنفاق المكحلة قال : حرام لا نصلح ، قيل له : فإن تراضيا أبا خالد قال : ~~الزانيان يتراضيان أفحلال هو ؟ قال : قال وسمعت عبد الوهاب يقول : قال أبو ~~أسامة : تقطع الأيدي في المكحلة يعني الذي يعملها ، قلت لأبي عبد الله : ~~أقرضت رجلا عشرة دراهم فردها على مكحلة فقبضت درهما قال : لم تستوف حقك ؟ ~~قلت له : الرجل يدفع إلي الدنانير فتكون مكحلة أحكها قال : حكها صلاح ~~لصاحبها . PageV02P464 قال المروزي : سمعت يحيى الجلاء يذكر عن شعيب بن حرب ~~قال : لأن أرى ابني يحك درهما أحب إلي من أن أحمل على فرس في سبيل الله عز ~~وجل ، قال : ودفع إلى أبو عبد الله دينارا فقال : صرفه بدراهم صحاح ، فجئت ~~بالدراهم فأعطيته فلما كان بعد ذاك اليوم خرج في تلك الدراهم درهم رديء قلت ~~: فهات حتى أبدله فقال : قد اختلفوا فيه ، وفيه أربعة أقاويل ثم قال : قال ~~مالك : الصرف منتفض وأما الثوري فيقول : مانقص من الدراهم فتكون له حصته من ~~الدنانير ، وهذا قول ما أدري ماهو ، قلت : إلى ما تذهب قال : أرجو أن لا ~~يكون به بأس وأما ابن عمر فيقول : ليس له أن يرد ، قال أبو عبد الله : وليس ~~هو بذاك ، رواه رجل مجهول ، وأما قتادة فيقول : له أن يرده ثم قال : قول ~~قتادة أوسع على الناس استخر الله عز وجل ورده ، فدفعه إلي فأبدلته ، عن ~~المغيرة عن إبراهيم أنه كره أن يشتري الدراهم بدينار على أن كان فيها زيف ~~رده ، وعن وكيع عن سفيان عن رجل عن الحسن في الرجل يصرف الدينار فيعطي ~~الدرهم الزيف قال : لا بأس أن يستبدله ، قال سفيان : إذا كان ستوقا رده ~~ويكون ms1249 شريكه في الدينار بحصته ، وسئل محمد ابن جعفر عن رجل ابتاع دراهم ~~بدنانير وشرط على صاحبها أنه ما رد فعليك بدله قال : أخبرنا سعيد عن قتادة ~~عن الحسن قال : إن كان فيها زيف رده ولكن لا يشترطان ، سئل أبوعبد الله عن ~~الرجل يستأجر يكتب الورق المائة بعشرة دراهم فيدفع إليه دينارا فقال ابن ~~عمر : قد اكترى شيئا فأعطاه دنانير وصارف ولم ير به بأسا ، قال : ولا يعطي ~~الدنانير من الدراهم إلا بسعر يومها ولا زيادة دانق ، سألت أبا عبد الله عن ~~حلق القفا فقال : هو من فعال المجوس قال : ودعي حذيفة إلى شيء فرأى شيئا من ~~زي الأعاجم فخرج وقال : من تشبه بقوم فهو منهم ، وكان أبو عبد الله لا يحلق ~~قفاه إلا في وقت الحجامة ، قلت لأبي عبد الله : فما ترى في تحذيف الوجه قال ~~: أما الوجه فالمقاريض تأتي عليه ، وكره أن يؤخذ الشعر بالمنقاش من الوجه ~~وقال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتنمصات ، سألت أبا عبد الله عن ~~المرأة تصل شعرها بقرامل فكره ، وسمعت امرأة تقول : جاءت امرأة من هؤلاء ~~الذين يمشطون إلى أبي عبد الله فقالت : إني أصل رأس المرأة بقرامل وأمشطها ~~فترى أن أحج مما كسبت قال : لا ، وكره كسبه لنهي النبي صلى الله عليه وسلم ~~، وقال : يكون من مال أطيب منه ، قلت لأبي عبد الله : فالمرأة الكبيرة تصل ~~رأسها بقرامل فلم يرخص لها وقال : إن كان صوفا أبيض ، وتبسم ودخلت على أبي ~~عبد الله فرأيت امرأة تمشط صبية له فقلت للماشطة بعد أن وصلت رأسها بقرمل ~~فقالت : لم تتركي الصبية قالت : إن أبي نهاني وقالت يغضب . PageV02P465 ~~وروينا عن ابن جريج قال : أخبرني أبو الزبير عن جابر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم زجر أن تصل المرأة برأسها شيئا ، قال أبو بكر : سألت أبا عبد ~~الله عن حلق الرأس فكرهه قلت : تكرهه قال : أشد الكراهية ، ثم قال : كان ~~معمر يكره الحلق واحتج أبو عبد الله بحديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى ~~عنه أنه ms1250 قال لرجل لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك ، قال أبو بكر : ~~رأيت رجلا من أصحابنا صلى إلى جانب أبي عبد الله ، وقد كان استأصل شعره وظن ~~أبو عبد الله أنه محلوق وكان رآه بالليل فقال لي : تعرفه قلت : نعم قال : ~~أردت أن أغلظ له في حلق رأسه ، سألت أبا عبد الله عن الحقنة فقال : إذا ~~اضطر إليها فلا بأس ، ورأيت أبا عبد الله ألقى لختان درهمين في الطست ~~وسمعته يقول : الجوز إذا لعب به الصبيان ما يعجبني أن يؤكل ، سألته عن مسوك ~~السباع : تفترش ؟ فقال : لا تفترش ، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تفترش ~~، ذكرت لأبي عبد الله أن رجلا خلف متاعه عند غلامه فباع ثوبا ممن يكره ~~ناحيته ، فأخذ الدراهم فألقاها في كيسه فجاء الرجل فأخبره ، فأخذ الكيس ~~وانطلق به إلى يوسف بن أسباط فأخبره ، فذكر له يوسف عن الثوري وابن المبارك ~~: ما أجد قلبي يسكن إلا أن أتصدق بالكيس ، فقال أبو عبد الله بارك الله فيه ~~: سئل أبو عبد الله عن الرجل يكون محتاجا فيجيئه الرجل من إخوانه بشيء يخاف ~~عليه إن لم يقبله فقال : إن أتاه من غير مسألة ولا استشراف نفس ، أخاف أن ~~يضيق عليه إن لم يقبل ، قال : وجئته بحمال دقيق فقال : أعطيته الكراء قلت : ~~نعم ، فأخرج رغيفا فقال لي : أعطه ، فدفعته إليه فقال : ويحك ما أعلم أني ~~قبلت من أحد شيئا ولكن لا أرد على أبي عبد الله ، أتبرك به ، وجئته به مرة ~~أخرى فأخرج إليه رغيفا فقال : إن نفسي استشرفت إليه ، فتبسم أبو عبد الله ~~وقال : لك أن ترد ونحن نحب أن تقبل فقبله ، سألت أبا عبد الله عن بيع ~~المراوح الرقاق ، وربما باعوا المروحة بالدرهم أو أكثر فقال : هي بمنزلة ~~الثياب الرقاق قلت : فأي شيء تقول فقال : إذا باعها من تاجر فلا بأس ، قال ~~: سألت أبا عبد الله عن مصحف قد بلي : ماترى في دفنه ؟ قال يدفن ، قلت : ~~الرجل تدعوه أمه وهو في الصلاة . قال : قد روي عن ابن المنكدر ms1251 أنه قال : ~~إذا كان في التطوع فليجبها ، قلت لأبي عبد الله : رجل سقطت منه ورقة فيها ~~أحاديث وفوائد ، فأخذتها أن أنسخها وأسمعها قال : لا إلا أن يأذن صاحبها ، ~~سألت أبا عبد الله عن شيء من أمر الورع ، فأطرق رأسه إلى الأرض وسكت وكان ~~ربما تغير وجهه ، يقول في بعض ما أسأله : استغفر الله قلت : فأي شيء تقول ~~يا أبا عبد الله ؟ قال : أحب أن تعفيني قلت : فإذا أعفيتك فمن أسأل ، لقد ~~أصبح الأدلاء متحيرين قال : هذا أمر شديد ، وسمعته يقول : أنا منذ أكثر من ~~سبعين سنة في فقد وقال : ما قل من PageV02P466 الدنيا كان أقل للحساب ، قلت ~~له : إن رجلا قال : إن أحمد بن حنبل وبشر بن الحارث ليس هما عندي زهاد ، ~~أحمد له خبز يأكله وبشر له دراهم تجيئه من خراسان ، فتبسم أبو عبد الله ثم ~~قال : من الزهاد أنا ، وسمعته يقول : وقع للتيمي فضرب فيه فسطاطا أو خباء ~~عشرين سنة ، وسمعته يقول : وذكر قوما من المترفين فقال : الدنو منهم فتنة ~~والجلوس معهم فتنة ، قلت لأبي عبد الله : إن مولى ابن المبارك حدثني أن ~~سعيد بن عبد الغفار قال لابن المبارك : ما تقول إذا نزل دار من تكره ناحيته ~~بأجر قال : لا بأس بها ، قلت لأبي عبد الله : فإذا أجاز الذي تكره ناحيته ~~رجلا فاشترى دار غلة ترى إن أنزلها بأجر قال : لا ، قال أبو وهب : قال أبو ~~عبد الله يعني المبارك في رجل يشتري جارية من رجل فإذا هي صافنة قال : ~~يردها على الذي كانت له ولا يردها على الذي اشتراها منه وهي صافنة ، وذكره ~~عن سفيان عباس العنبري عن رجل قال : كنت مع عبد الرحمن بن مهدي بعبادان ، ~~وكنا نغسل أيدينا من ماء السيل وكان هو لا يفعل ، يأمر غلامه فيجيء من ماء ~~البحر عبد الصمد ابن مقاتل ، قال : كانوا يكتبون الكتاب ولا يتربونه من دور ~~السيل ، يرسلون فيأخذون من طين البحر ، قال : وكتب إلينا ابن حشرم وكتب في ~~كتابه أن بشرا كان لا يشرب بعبادان من ms1252 الحياض التي اتخذها الملوك ، وكان ~~يشرب من ماء البحر . وروينا عن سعيد بن خيثم عن محمد بن خالد قال : مر ~~إبراهيم النخعي على امرأة يقال لها أم بكر من مراد وهي تغزل فقال : يا أم ~~بكر ، أما آن لك أن تتركينه فقالت : يا أبا عمران كيف أتركه وقد سمعت علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : إنه من أطيب الكسب ، قلت لأبي عبد الله : ~~إن حسنا مولى ابن المبارك حكى عن سعيد بن عبد الغفار أنه قال لابن المبارك ~~: ما تقول في رجلين دخلا على من تكره ناحيته فأجازهما ، فقبل واحد ولم يقبل ~~الآخر فخرج الذي قبل ، فاشترى منه الذي لم يقبل ، ما تقول ؟ فسكت ابن ~~المبارك فقال له ابن سعيد : ما يسكتك ، لم لا تجيبني فقال : لو علمت أن ~~الجواب خير لي لأجبتك ، قال سعيد : أليس أصلنا على الكراهة : قال ابن ~~المبارك : نعم فقال أبو عبد الله : ومن يقوى على هذا ؟ قال له : فما تقول ~~في رجل أجازه فاشترى دارا ؟ ترى أن أنزلها فسكت ابن المبارك فقال : لم لا ~~تجيبني فقال : هذا أضيق أكره أن أجيبك فقلت له : إن الثوري قال : ما في ~~أيدي الحشم سحت فأنكر أبو عبد الله أن عبد الوهاب قال في الرجل : يجاز ثم ~~يدفعها إلى الآخر إن المال عنده شيء واحد فقال : هذا شديد قلت : إذا أعطي ~~تكرهه للأول ، والثاني لا ترى به بأسا قال : إنما اكرهه للأول من طريق ~~المحاباة ، والثاني ليس هو مثل عطية الأول ، قال : من أعطى هذا المال أو ~~حوبي على أثره فليقبل وليفرق كما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ~~بعث عمر رضي الله عنه بمال PageV02P467 إلى أبي عبيدة ففرق ، وبعث مروان ~~إلى أبي هريرة ففرق ، وبعث إلى ابن عمر ففرق ، وبعث إلى عائشة رضي الله ~~تعالى عنها ففرقت ، قلت : فعلى أي وجه قبلها منهم ابن عمر ؟ فإن قوما ~~يحتجون يقولون : لو لم يكن مباحا لأخذ ، فأنكر ذلك وقال : إنه لما رأى أن ~~حوبي كره أن ms1253 يرد إليهم وفرقه بالسوية قلت : فإن معاذا يروى عنه أنه فضل ~~عنده دينار ، فطلبت منه امرأته فأعطاها فقال : كانت محتاجة إليه فقلت له : ~~أنت تقول من بلى من هذا المال بشيء فليعدل في تفريقه ، وعائشة رضي الله ~~عنها لما شكا ابن المنكدر إليها قالت : لو أن عندي عشرة آلاف لأعنتك ، فلما ~~خرج أرسل إليها بعشرة آلاف فبعثت خلفه فأعطته فقالت : إنها كانت بليت ~~بقولها ، ومع هذا قد أخرجته وذكر من زهدها وورعها وقال : كان أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم يسألونها ، مثل أبي موسى الأشعري وغيره ولم يكن في ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثلها وإنما كانت ابنة ثمانية عشرة سنة . ~~أبو يحيى الناقد قال : حدثنا أبو طالب قال : قلت : حدثوني عن عبد الله بن ~~يحيى ابن أبي كثير عن أبيه عن رجل من الأنصار ، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن إذن القلب فقال : نعم هكذا قلت ، ما هذا الحديث ؟ قال : نهى عن ~~أكل إذن القلب قال : لايؤكل ، وعن عبد الله بن أحمد قال : قلت لأبي الغدة ~~فقال : لا تؤكل ، النبي صلى الله عليه وسلم كرهها في حديث الأوزاعي عن واصل ~~عن مجاهد ، وروينا عن عبد الله بن يزيد عن أم سلمة سألها النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن إذن القلب فقالت : ألقيته فقال : طاب قدرك ، وهذا آخر كتاب ~~المعاش وما اتصل به من الآثار في الورع والله تعالى أعلم . PageV02P468 # | الفصل الثامن والأربعون فيه كتاب تفصيل الحلال والحرام وما بينهما من ~~الشبهات وفضل الحلال وذم الشبهة وتمثيل ذلك بصور الألوان # : روينا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : يأتي على الناس زمان ~~لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا ، فمن لم يأكله أصابه من غباره يعني والله ~~أعلم أنه يدخل عليه ، وإن لم يعمل به من غير قصد له ولا اكتساب ، كما يدخل ~~الغبار في المشام للمجتاز لفشو الربا وانتشار مداخله مما لا يمكن التحرز ~~منه ، وفي الخبر : درهم من ربا أعظم عند الله عز ms1254 وجل من ثلاثين زنية في ~~الإسلام ، وما تواعد الله عز وجل ولا تهدد في معصية مثل ما تواعد في أكل ~~الربا ، فإنه عز وجل عظم شأنه بوصفين عظيمين إعظاما له وترهيبا منه ، فذكر ~~في أوله المحاربة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي آخره الخلود ~~في النار ينتظم ذلك في قوله : ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما ~~بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ) البقرة : 278 ثم اشترط للإيمان ترك الربا ~~بقوله : إن ، وهي للشرط والجزاء ثم قال : ( فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من ~~الله ورسوله ) البقرة : 279 ثم أوجب التوبة منه بعد إعلامه الظلم منه فقال ~~: وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ، لا تظلمون ولا تظلمون ، ثم نص على تحريمه ~~في قوله : ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) البقرة : 275 ثم تواعد بالخلود ~~بعد ذلك كله فقال : ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) البقرة ~~: 275 ، وهذا من شديد الخطاب وعظيم العذاب . وروي عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : طلب الحلال فريضة بعد الفريضة ، فسوى ~~بينه وبين العلم في الفرض فأوجب الطلب لهما ، مثل فرض الحلال PageV02P469 ~~للأكل مثل طلب العلم للجاهل ، والفرائض إذا شرعت ثبتت إلى يوم القيامة ، ~~فإذا أمر بطلبها دل على وجودها لأنه لا يؤمر بطلب مفترض علينا يكون معدوما ~~، فالحلال موجود من حيث افترض علينا وأمرنا بطلبه ، ولكن طريقه ضيق ووجوهه ~~غامضة والتسبب إليه فيه مشقة ، والحاصل منه فيه خشونة وقلة ، ومع ذلك فإن ~~المعاون عليه قليل والطالب غريب وهذه أسباب تكرهها النفوس ، وعسى أن تكرهو ~~شيئا وهو خير لكم ، ثم إن الفرائض لها علوم وأحكام ؛ فمن لم يعرف علومها ~~ولم يقم بأحكامها فكأنه لم يعلمها ، وكان عمر رضي الله عنه يضرب أهل السوق ~~بالدرة ويقول : لا يتجر في سوقنا إلا من تفقه وإلا أكل الربا : وكان بعض ~~العلماء يقول : تفقه ثم ادخل السوق فبع واشتر ، وتأول معنى قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم : طلب العلم فريضة على كل ms1255 مسلم قال : هو طلب علم الحلال ~~والحرام والبيع والشراء ، إذا أراد الإنسان أن يدخل فيه افترض عليه علمه ، ~~ففي الخبر : من سعى على عياله من حله فهو كالمجاهد في سبيل الله عز وجل ، ~~ومن طلب الدنيا حلالا في عفاف كان في درجة الشهداء ، ويقال : إن أول لقمة ~~يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه ، ومن أقام نفسه في مقام ذل ~~في طلب الحلال ، تساقطت عنه ذنوبه كما يتساقط ورق الشجر في الشتاء إذا يبس ~~، وكان بعض العلماء يقول لبعض المجاهدين : أين أنت من عمل الأبطال : كسب ~~الحلال والنفقة على العيال ؟ وقد كان شعيب بن حرب ، وغيره يقول : لا تحقر ~~دانقا من حلال تكسبه تنفقه على نفسك وعيالك أو أخ من إخوانك ، فلعله لا يصل ~~إلى جوفك أو لا يصل إلى غيرك حتى يغفر لك ، وفي الخبر : من أكل الحلال ~~أربعين يوما نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه ، وفي بعض الروايات ~~زهده الله في الدنيا ويقال : من أكل حلالا وعمل في سنة فهو من أبدال هذه ~~الأمة . وقد كان سهل يقول : لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يأكل الحلال ~~بالورع . وروينا عن إبراهيم بن أدهم وفضيل بن عياض رضي الله عنهما : لم ~~ينبل من نبل بالحج ولا بالجهاد ولا بالصوم ولا بالصلاة ، وإنما ينبل عندنا ~~من كان يعقل ما يدخل PageV02P470 جوفه يعني الرغيف من حله ، وقال يوسف بن ~~أسباط لشعيب بن حرب : أشعرت أن الصلاة جماعة سنة وأن كسب الحلال فريضة ؟ ~~قال : نعم ، وسأل رجل إبراهيم بن أدهم قال : أنا رجل أتكسب في السوق ، فإذا ~~عملت فاتتني الصلاة في جماعة فأيما أحب إليك أصلي في جماعة أو أكتسب فقال : ~~اكتسب من حلال وأنت في جماعة ، وقد كان إبراهيم بن أدهم يعمل هو وإخوانه في ~~الحصاد في شهر رمضان ، فكان يقول لهم : انصحوا في عملكم بالنهار حتى تأكلوا ~~حلالا ولا تصلوا بالليل ، وإن لكم ثواب الصلاة في جماعة وأجر المصلين ~~بالليل ، وقال بعض السلف : أفضل الأشياء ثلاث ms1256 ؛ عمل في سنة ودرهم حلال ~~وصلاة في جماعة . وكان سهل رحمه الله يقول : لا يبلغ العبد حقيقة من هذا ~~الأمر حتى يؤدي هذه الأربع ؛ أداء الفرائض بالسنة وأكل الحلال بالورع ~~واجتناب النهي في الظاهر والباطن والصبر على ذلك إلى الممات ، وقال : من لم ~~يكن مطعمه من حلال لم يكشف الحجاب عن قلبه ولم ترفع العقوبة عن قلبه ولم ~~يبال بصلاته وصيامه إلا أن يعفو الله عز وجل عنه ، وقال : من اختار أن يرى ~~خوف الله في قلبه ويكاشف بآيات الصديقين ، لا يأكل إلا حلالا ولا يعمل إلا ~~في سنة أو ضرورة ، وكان يقول : إنما حرموا مشاهدة الملكوت ، وحجبوا عن ~~الوصول بشيئين سوء الطعمة وأذى الخلق ، وكان يقول : بعد سنة ثلاثمائة لا ~~تصح لأحد توبة ، قيل : ولم قال : يفسد الخبز وهم لا يصبرون عنه ، وقد روى ~~مرة الطيب عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ~~جسم غذي بحرام لا يدخل الجنة ، النار أولى به ، وفي الخبر : أنه أكل من كسب ~~غلامه ثم سأله عنه فقال : رقيت لقوم فأعطوني ، وفي لفظ آخر : تكهنت لهم ~~فأدخل يده في فيه وجعل يقيء حتى استقاءه عن آخر لقمة ثم قال : اللهم إني ~~أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الإمعاء . وقد روي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخبر بذلك فقال : أو ما علمتم أن الصديق لا يدخل جوفه إلا طيبا ؟ ~~وفي الخبر : أنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يجعله الله مستجاب الدعوة فقال : يا سعد ، أطب طعمتك تستجب دعوتك ، ~~وقال العلماء : الدعاء محجوب عن السماء بفساد الطعمة ، ويقال : إنه الله لا ~~يستجيب دعاء عبد حتى يصلح طعمته ويرضى عمله ، وقال جماعة من السلف : الجهاد ~~عشرة أجزاء ؛ تسعة في طلب الحلال ، PageV02P471 وقال علي بن فضيل لأبيه : ~~يا أبت ، إن الحلال عزيز فقال : يا بني إنه وإن عز فقليله عند الله كثير ، ~~يقال : إن من صلى وفي جوفه طعام حرام ms1257 ، أو على ظهره سلك من حرام لم تقبل ~~صلاته ، وقال بعض السلف : يا مسكين إذا صمت فانظر عند من تفطر وطعام من ~~تأكل ، فإن العبد ليأكل الأكلة فيتقلب قلبه وينغل كما نغل الأديم ، فلا ~~يعود إلى حاله أبدا وهذا أحد التأويلين في قوله صلى الله عليه وسلم : كم من ~~صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ، قال : هو الذي يصوم ويفطر على الحرام ، ~~وفي الخبر : من طلب الدنيا حلالا مفاخرا مكاثرا ألقي الله عز وجل وهو عليه ~~غضبان ، وحدثونا من آثار السلف أن الواعظ والمذكر كان إذا جلس للناس ونصب ~~نفسه سأل أهل العلم عن مجالسته فكانوا يقولون : تفقدوا منه ثلاثا ، انظروا ~~إلى صحة اعتقاده وإلى غريزة عقله وإلى طعمته ، فإن كان معتقد البدعة فلا ~~تجالسوه فإنه عن لسان الشيطان ينطق ، وإن كان سيء الطعمة فاعلموا أنه ينطق ~~عن الهوى ، وإن كان غير ممكن العقل فإنه يفسد بكلامه أكثر مما يصلح فلا ~~تجالسوه ، وهذا التفقد والبحث عن طريق قد مات فمن عمل به فقد أحياه . وذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم الحريص على الدنيا فذمه ثم قال : رب ، أشعث أغبر ~~مشرد في الآفاق ، مطعمه حرام وملبسه حرام غذي بالحرام ، يرفع يده في صلاته ~~فيقول : يا رب يا رب ، فأنى يستجاب له ذلك ، وفي الحديث عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم : أن لله عز وجل ملكا على بيت المقدس ينادي في كل ~~ليلة : من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل ، قيل الصرف النافلة والعدل ~~الفريضة ، وفي حديث أبي هريرة : المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة ، ~~فإذا صحت المعدة صدرت العروق إليها بالصحة ، وإذا سقمت المعدة صدرت العروق ~~إليها بالسقم ، ومثل الطعمة من الدين مثل الأساس من البنيان ؛ فإذا ثبت ~~الأساس وقوي PageV02P472 استقام البناء وارتفع ، وإذا ضعف الأساس واعوج ~~انهار البنيان ووقع ، وقد قال الله : ( أحسن الخالقين ) الصافات : 125 ، ~~أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خيرا من أسس بنيانه على شفا حرف ~~جرف هار فانهار به ms1258 في نار جهنم . وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ~~من اكتسب مالا من حرام وإن تصدق به لم يقبل منه ، وإن تركه وراءه كان زاده ~~إلى النار ، وقيل في معنى قول الله عز وجل : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم ) النساء : 29 ، قيل : من أكل حراما فقد قتل ~~نفسه لأنه كان سبب هلاكها وتعذيبها ، وفي الأخبار المشهوة عن علي وغيره : ~~أن الدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب ، وقال يوسف بن أسباط وسفيان الثوري ~~رحمهما الله : لا طاعة للوالدين في الشبهة ، وقال الفضيل بن عياض : من قام ~~في موقف ذل في طلب الحلال حشره الله مع الصديقين ورفعه إلى الشهداء في موقف ~~القيامة ، وقال أبو سليمان أو غيره من العلماء : لا يفلح من استحيا من طلب ~~الحلال ، وفي بعض التفسير فإن له معيشة ضنكا ، قيل أكل الحرام كما قيل في ~~قول : ( فلنحيينه حياة طيبة ) قال : نرزقه حلالا وقد قال الله تعالى : ( يا ~~أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) البقرة : 172 ، قيل : من ~~الحلال كما قال : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ) ~~المؤمنون : 51 ، أي من الحلال ، فأمر بأكل الحلال قبل العمل الصالح ، وهكذا ~~قال بعض العلماء : زكاة الأعمال بأكل الحلال ، فكلما كانت الطعمة أحل كان ~~العمل أزكى وأنفع ، وكان بشر بن الحارث إذا ذكر أحمد بن حنبل يقول : قد فضل ~~علي بثلاث ؛ صبره على العيال وأنا أضيق عن ذلك وهو يطلب الحلال لنفسه ~~ولغيره وكان يقول : ما أترك الطيبات زهدا فيها وإنما أتركها لأنه لا يصفو ~~لي درهمها ، ولو صح لي الدرهم الذي اشتريها به لأكلتها ، وقد قال علماء ~~الظاهر : إن الحلال من عشرة أوجه ومنهم من قال : يوجد من سبعة أشياء وأصل ~~ذلك كله يرجع إلى ثلاثة أشياء : تجارة بصدق وصناعة بنصح وعطية بحكم ، ثم ~~تنقسم العطية أربعة أقسام ؛ فيكون فيئا أو ميراثا أو هبة عن طيب نفس ، أو ~~صدقة مع وجود فقر ، ومدار ذلك كله وقطبه أن الحلال مشتق من اسمه بمعنيين ms1259 ؛ ~~ما انحل الظلم عنه أو حل العلم فيه ، فما انحل الظلم عنه انحلت المطالبة ~~عنه ، وما حل في العلم حلت الإباحة والأمر به ، والحلال عند العلماء ما لم ~~يعص الله عز وجل في أخذه ، قال بعض علماء الباطن : الحلال ما لم يعص الله ~~عز وجل في أوله ولم ينس في آخره . وذكر عند تناوله وشكر بعد فراغه ، وكان ~~سهل إذا سئل عن الحلال يقول : هو العلم ، وقال : لو فتح العبد فمه إلى ~~السماء وشرب القطر ثم تقوى بذلك على معصية أو لم يطع الله عز وجل بتلك ~~القوة لم يكن ذلك حلالا ، وقال طائفة من أهل العلم : إن المتصنع ~~PageV02P473 للناس والمتزين لهم يأكل حراما ، لأنه لم ينصح مولاه في عمله ، ~~وقال بعض الموحدين : لا يكون حلالا حتى لا يشهد فيه سوى الله تعالى ، وإن ~~من أشرك في رزق الله العباد فذلك شبهة وإن حل من طريق الأحكام ، واحتجوا ~~بقول عيسى عليه السلام : يأكلون رزقه ويشركون فيه خلقه ، ومن الأبدال من ~~يقول الحلال ما لم يؤخذ من أيدي الخلق ولم ينتقل إلى أملاكهم ، وكان بعضهم ~~لا يأكل إلا مما أنبتت الأرض التي هي غير مملوكة ، وقوله عدل أن الحلال ما ~~لم يؤخذ من أيدي الظالمين ، وما أخذ من أيدي المتقين ، وحدثت عن بعض ~~الأبدال في قصة طويلة ذكرها ، أن بعض العامة من السياحين دفع إليه شيئا من ~~الطعام فلم يأكله ، فسأله عن امتناعه فقال : نحن لا نأكل إلا حلالا ، فلذلك ~~تستقيم قلوبنا على الزهد في الدنيا وتدوم على حالة واحدة ، ونكاشف بالملكوت ~~ونشاهد الآخرة ثم قال : لو أكلت مما تأكلون ثلاثة أيام لما رجعنا إلى شيء ~~مما نحن عليه من علم اليقين ، ولذهب الخوف والمشاهدة من قلوبنا في كلام ~~طويل ، قال له الرجل في آخره : فإني أصوم الدهر وأختم القرآن في كل شهر ~~ثلاثين ختمة فقال له البدل : هذه الشربة من اللبن التي رأيتني فد شربتها ~~أحب إلي من ثلاثين ختمة في ثلاثمائة ركعة من أعمالك ، وكانت شربة من لبن من ms1260 ~~أروى وحشية وهو الأنثى من الوعل ، وقال بعض السائحين : قلت لبعض الأبدال ~~وقد حدثه عن أكل الحلال بمثل هذا الحديث : أنتم تقدرون على الحلال ولا ~~تطعمون إخوانكم من المسلمين فقال : لا يصلح لجملة الخلق ولم نؤمر بذلك ، ~~لأنهم لو أكلوا كلهم حلالا لبطلت المملكة وتعطلت الأسواق وخربت الأمصار ، ~~ولكنه قليل في قليل من الخلق وخصوص في مخصوصين أو معنى هذا الكلام ، وقال ~~بعض العلماء : لا أعلم حلالا لا شك فيه إلا ماء الغدران ، وماأنبتت أرض غير ~~مملوكة أوهدية من أخ صالح أو معاملة تقي بصدق ونصح ، وكان يحيى ابن معين قد ~~صحب أحمد بن حنبل رضي الله عنه في السفر سنين ، ولم يكن أحمد يأكل معه لأجل ~~كلمة بلغته عنه وهو أنه قال : أنا لا أسأل أحدا شيئا ، ولو أعطاني الشيطان ~~شيئا لأكلته ، فهجره أحمد رضي الله عنه حتى اعتذر إليه يحيى وقال : إنما ~~كنت أمزح قال : تمزح بالدين ، أما علمت أن الأكل بالدين قدمه الله على ~~العمل فقال : كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ، وقد كان كثير من الورعين ~~يقول : منذ أربعين سنة ما دخل جوفي إلا ماء أعلم من أين هو ، وبعضهم يقول : ~~منذ ستين سنة ما أكلت إلا من حيث أعلم ، وكان وهب بن الورد لا يأكل إلا من ~~حيث يعلم أو يشهد عنده شاهدان بصحته ، وقد PageV02P474 كان بشر يقول : من ~~فقر جاع ، ومن تغافل شبع ، وعند العلماء : إن من طلب الدنيا حلالا فهو أزهد ~~فيها ممن أكل الشبهات من غير طلب ، وفي الخبر : من لم يبال من أين مطعمه لم ~~يبال الله تعالى من أي أبواب النار أدخله ، وقيل : ذلك في التوراة مكتوب . ~~ذكر تفصيل الحلال من الشبهة والأصل في ذلك حديث النعمان بن بشير الحلال بين ~~والحرام بين والشبهات بين ذلك لا يعلمها كثير من الناس ، من تركها فقد ~~استبرأ لدينه وعرضه ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه وإن لكل مالك حمى ~~وإن حمى الله في أرضه محارمه ، يقال : إن هذا الحديث ثلث العلم ، فالحلال ms1261 ~~ما ظهر وتبين وكنت على يقين منه واطمأن به قلب المؤمن العالم ، والحرام ~~أيضا ما تبين وانكشف على يقين منه ولم يختلف أحد من المسلمين فيه ، ونفر ~~قلب المؤمن واشمأز منه وقد تطمئن بعض القلوب إلى شيء لقلة ورعها ، وقد تنفر ~~بعض القلوب من شيء لقصور علمها وليس يقع بمثل هذين القلبين اعتبار ، وإنما ~~الاعتبار بقلب المعيار الذي قد جعل كالمحك يختبر به معادن الملكوت وهو قلب ~~المؤمن الموقن العالم ، وهذا القلب في القلوب أعز من الذهب إلابريز في سائر ~~المعادن . وقد روينا عن بعض السلف عن تفسير قوله تعالى : ( وكذلك نولي بعض ~~الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ) الأنعام : 129 ، قال : إذا فسدت أعمال ~~الناس جعل عليهم ولاة يشبهون أعمالهم ، وقال بعض العلماء في معناه : إذا ~~فسدت أديان الناس فسدت أرزاقهم والشبهات على وجوه ، أحدها ما أشبه الحلال ~~من وجه وما اختلط أيضا بها فاختلط ولم يتميز منهما ، والشبهة أيضا ما دل ~~باطن العلم على تحليله فهو حلال الحكم وأظهر باطن الورع الوقوف عنه ، ~~والشبهة ما أباحه علم الظاهر وكرهه علماء الباطن لحبك القلوب وحوازها ولعدم ~~الطمأنينة ومواجيد القلوب ، كنحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ~~إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على ما ~~أسمع منه وهو يعلم خلافه ، فمن قضيت له على أخيه فإن أقطع له قطعة من النار ~~، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحكم بظاهر الأمر وردهم إلى حقيقة ~~علم العبد بما شهد وعرف من عيب نفسه المستتر عن الأبصار ، والشبهة أيضا ما ~~اختلف فيه لخفاء أدلته ولتكافؤها بالسوية وما لم تره عينك فتقع على ~~PageV02P475 غيبه ، والحلال والحرام ما أجمعواعليه وظهرت الأدلة عليه ، ~~والشبهة أيضا ما حل سببه وصودف فيه حكمه إلا أن عينه مجهولة غير متيقن ~~تحليلها ، والشبهة أيضا ما فقد منه بعض القيام بالأحكام أو ما اعتل سببه ~~الذي يوصل العبد ويتطرق إليه من فضول جهل أو حدوث آفة من آفات النفوس ، ~~فهذه الأنواع كلها ms1262 من الشبهات ، ثم تختلف نفس الشبهات فيكون ذلك شبهة ~~الحلال وتكون شبهة الحرام ، شبهة كدرة ، وتكون شبهة متقاربة لأن الحلال عند ~~علماء الباطن على ثلاث مقامات ، حلال كاف وهذا عموم وكأنه ما حل من طريق ~~الحكم ، وحلال صاف وهذا خصوص وكأنه ما ظهرت الأدلة فيه وحل سببه ووجدت ~~السنة فيه ، وحلال شاف وهذا خصوص الخصوص ، وكان ذلك ما علم أصله وأصل وجرى ~~على أيدي المتقين ولم يخالطه جهل ، فلذلك تفاوتت الشبهات لتفاوت حلال ضدها ~~، فأما الحرام فطعمة الفاسقين ، أكله فسوق وطلبه فسوق وإطعامه فسوق ، ~~والمعاونة عليه فسوق والمدمن عليه فاسق ، وهو من الكبائر وليس من حاجة ~~المسلمين ولا يغنيهم ، والحلال هو ما أجله الكتاب والسنة وحللته الأحكام ~~والعلوم من سائر الأسباب والمعاني المطلقة والمباحة التصرف في العلم ، وهو ~~بغية المؤمنين وطعمة المتقين ومقام الصالحين ، فطلبه جهاد وإطعامه بر ~~والمعاونة عليه تقوى وأكله عبادة ، والمدمن عليه مؤمن تقي ، والشبهة ما ~~اختلف العلماء فيه ولم يجمعوا عليه ، أو ما التبس باطنه فاشتبه لغموض ~~الأدلة أو خفاء الاستدلال فلم يكن بينا فلم يجمع أهل الظاهر . والورع عليه ~~كما قال صلى الله عليه وسلم : لا يعلمه كثير من الناس فهذه طعمة عموم ~~المسلمين فإن ابتليت بهذا فخذ منها حاجتك وضرورتك من كل شيء ، تكن بذلك ~~فاضلا ويصح لك مقام في الورع ، والاستكثار منه والاقتناء مكروه ، وتركه إذا ~~أمكن أفضل لأن في الخبر : من تركه فقد استبرأ لدينه أي تنزه وتنظف وتفقد ~~دينه واحتاط له ، وقيل : إن الأيمان نزه نظيف فتنظفوا وتنزهوا ، ومعنى ~~التنزه التباعد من الدناءة والأوساخ ، ومن ذلك قيل : خرجنا نتنزه ، وخرج ~~فلان في نزهة إذا تباعد عن المصر وفارق جملة الناس ، ثم قال : وعرضه أي ~~استبرأ لعرضه أن يتكلم الناس فيه بسوء وينسبوه إلى فحش ، وقد جعلنا الشبهة ~~طريقا إلى الحرام وموقعة فيه لأن في الخبر : من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع ~~فيه أي يطلب الشبهة ويدمن عليها ويستكثر منها يسرع الوقوع في الحرام ، أي ~~تسرع إليه وتدخله فيه ، وقال بعض ms1263 العلماء : ما أخذ من يد تقي عدل بحكم جائز ~~فهو حلال ، وما أخذ من يد من لا يعرف بعدالة ولا جرح فهو شبهة ، وما أخذ من ~~يد ظالم أو فاجر فهو حرام وإن أخذ بحكم جائز وهذا القول يقرب من الحق ، ~~ومثله من المقال مثل ما قال بعض أهل العلم : إن من لم يعرف أن ماله خالطه ~~خيانة ولا معاملة ظالم فذلك حلال ، ومن خالط PageV02P476 الظلمة واكتسب ~~المال من خيانات فما في يده حرام وإن اختلط ماله فلم يتميز ، وكان يعامل ~~بعض الظلمة ويعامل أهل التقوى والإيمان فما في يده شبهة . وقد جاء في الخبر ~~: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، فإن الخير طمأنينة وإن الشر ريبة ، معناه ~~دع ما تشك فيه إنه حلال إلى شيء آخر لا شك فيه ، فإن الشر ريبة وليس بيقين ~~، وفي لفظ آخر : الإثم حيك الصدور . وقد جاء في الحديث : الإثم حواز القلوب ~~أي ما حز في القلب وأثر فيه بنكث فهو إثم ، لأن الله تعالى علق الإثم ~~بالقلب وجعله من أوصافه في قوله عز وجل : ( ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) ~~البقرة : 283 ، وفي الخبر : البر ما اطمأن إليه القلب وسكنت إليه النفس ، ~~والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس فدعه لأنه قال : المؤمنون ~~شهداء الله وقال : ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن ، وما رأوه قبيحا ~~فهو عندالله قبيح كما قال سبحانه : ( فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) ~~التوبة : 105 لأن كراهتك نظر الله إليك دليل على وجود الريبة فيك ، وفصل ~~الخطاب من ذلك أنه ليس على العبد أكثر من جهده وطاقته ، وأن يعمل في دينه ~~بمبلغ علمه وما يؤدي إليه اجتهاده ووسعه ، وأن لا يخبأ لنفسه خبيئة ولا ~~يرخص لنفسه بهواه رخصة ، فإن قصر علمه استعان بعلم غيره ، فما أخطأ حقيقته ~~وراء ذلك فهو معفو الخطأ ، وبعض الورعين يقول : الحلال ما لم يتناوله أيدي ~~الظالمين ، وقال بعضهم : ما لم تجر عليه يد ظالم ، وقال بعض العلماء : لا ~~يكون حلالا ms1264 حتى لا يتخالج في القلب منه شيء وحتى يسكن القلب إليه ويطمئن به ~~، وقال آخر : الحلال ما عرض على أهل الظاهر والباطن ، فإذا لم ينكروا منه ~~شيئا فذلك الحلال ، وقد كان اجتمع جماعة من العلماء يتذاكرون أي الأعمال ~~أشد فقال بعضهم : الجهاد وقال بعضهم : الصيام والصلاة وقال آخر : مخالفة ~~الهوى وقال بعضهم : الورع ، فأجمعوا على الورع ورجعوا إلى هذا القول ، وقال ~~حسان بن أبي سنان : ما شيء عندي أسهل من الورع قيل : وكيف ؟ قال : إذا حاك ~~في صدري شيء تركته وهذا سهل على من ساعده القدر بالزهد وقواه على ذي النفس ~~PageV02P477 الشهوانية ، كما أن الزهد سهل على من أمده الله بروح التأييد ~~باليقين ، وعزيز على من ابتلي بحب الدنيا ، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أفضل الأعمال والذي نقيم به وجوهنا عن الله عزوجل هو الورع ، فقال ~~له أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : صدقت ، ولعمري أن اليقين إذا وجد ~~والزهد إذا حصل سهل والورع والإخلاص وهما عمدة الأعمال . وحكي عن يوسف بن ~~أسباط وحذيفة المرعشي وغيرهم من عباد أهل الشام أن قائلهم يقول : منذ ~~ثلاثين سنة ماحاك في صدري شيء إلا تركته ، وبعضهم يقول : منذ أربعين سنة ما ~~وقف قلبي عن شيء وتخالج فيه إلا تركته ، وقال بعضهم : منذ ثلاثين سنة ما ~~أبالي على أي حال رآني الناس إلا أن يكون حاجة الإنسان ، وحكي أن بعض ~~الورعين وقع منه دينار فانكب ليأخذه ، فوجد دينارين فلم يعرف ديناره منها ~~فتركهما معا ، وحكي أن امرأة من المتعبدات من أهل القلوب سألت إبراهيم ~~الخواص عن تغير وجدته في قلبها فقال : عليك بالتفقد فقالت : قد تفقدت فما ~~وجدت شيئا أعرفه ، فأطرق ساعة ثم قال : ألا تذكرين ليلة المشعل فقالت : بلى ~~فقال : هذا التغير من ذلك ، فذكرت أنها كانت تغزل فوق سطح لها فانقطع خيطها ~~، فمر مشعل السلطان فغزلت في ضوئه خيطا وأدخلت في غزلها ، ونسجت منه قميصا ~~فلبسته قال : فنزعت القميص وباعته وتصدقت بثمنه ، فرجع قلبها إلى الصفا ، ~~قد حكي ms1265 عن ذي النون المصري رحمه الله فوق ذلك أنه لما سجن لم يأكل طعاما ~~ولم يشرب أياما ، فوجهت إليه امرأة يعرفها من العابدات بطعام إلى السجن ~~وقالت : هذا من حلال ، فلم يأكله فقالت له بعد ذلك ، فقال : ذلك الطعام من ~~حلال إلا أنه جاءني في طريق حرام فلم آكله فقالت : وكيف ذلك قال : جاءني في ~~يد السجان وهو ظالم فلذلك لم آكله وهذه خصال الورعين ، والورع هو باب الزهد ~~ومفتاح الخوف وحقيقة الصدق ، فعموم الورع أول عموم الزهد وخصوصه أول خصوص ~~الزهد . فينبغي للعبد أن يبتدئ بطلب الحلال فيكون هو همه وقصده ، فيجعل ما ~~استطاب من المكاسب وأعلى ما قدر عليه مما يسلم فيه ، فيجعل ذلك لحاجة نفسه ~~فيما يطعم ويلبس ، ويجعل مادخل عليه من الشبهات مما في نفسه منه جزازات في ~~مؤونة عياله وفيما يرتقق به من مؤونة البيت مما لا يطعم ولا يلبس ، مثل ~~الحطب والبز وأجرة البيت وما أشبه ذلك ، وسنذكر تمثيل ذلك بصور الألوان حتى ~~تعرفه ، وفي هذه رخصة وله فيه مجاهدة وحسن نية ومعاملة إذا أخذ نفسه به ~~وصبر عليه ، وكان ذلك من باله وهمه فاحتسب في ذلك ما عند الله عز وجل ، ~~وتحرى بذلك لدين الله عز وجل ، فإن الله عز وجل يشكر له سعيه ، ويجزل عليه ~~أجره ، وهذا طريق يوصل إلى الله عز وجل وهو محجة كثير من السلف ، ولو أن ~~عبدا شك في شيء فتحرز منه شكر الله له نيته ، وإن كان قد أخطأ حقيقة الشيء ~~عنده فكان PageV02P478 الشيء حلالا في علم الله عز وجل ولو أنه أقدم على ~~شيء بقلة مبالاة فلم يدعه ، فتناول شيئا على أنه حلال عنده كان مأزور السوء ~~نيته وقلة ورعه ، وإن كان أصاب الحقيقة عند الله فهو أفضل وله أجران : أجر ~~العلم ومقام التوفيق ، ومن قصد ترك العلم وأخطأ الحقيقة عند الله عز وجل ~~فعليه وزران : وزر الجهل ونقص العصمة ، ومن عمل بعلم فأخطأ الحقيقة فله أجر ~~واحد ، ومن عمل بجهل فأصاب الحقيقة فعليه إثم الجهل ms1266 وهو معصوم في الفعل ، ~~وحكى وهب اليماني مما نقل من الزبور أن الله عز وجل أوحى إلى داود عليه ~~السلام : قل لبني إسرائيل : إني لا أنظر إلى صيامكم ولا إلى صلاتكم ولكن ~~أنظر إلى من شك في شيء فتركه لأجلي ، ذلك الذي أؤيده بنصري وأباهي به ~~ملائكتي ، وقد كان بعض العلماء يقول لأهله : أرفقوا بدهن المصباح فإنما ~~توقدون بلحمي ودمي ، قيل : وكيف ؟ قال لأنكم توقدون من كسبي ، وكسبي من ~~ديني وديني من لحمي ودمي ، وقد كان يقال : من تفقد من أين يكسب الدرهم تبصر ~~أين يضعه ، ومن لم يبال من أين اكتسب لم يبال فيما أنفقه ، وقد قال بعض ~~العلماء لرجل رآه بطالا وكان ذا عيال قال له : احترف فإنه إذا كان لك كسب ~~أكل عيالك دنياك ، وإن لم يكن لك كسب أكلوا دينك ، وروي أن بعض الزهاد وقعت ~~منه قطعة فجعل يطلبها عامة يومه فقيل له : أنت قد زهدت في الدنيا كلها وأنت ~~تطلب هذه القطعة هذا الطلب فقال : إن طلبي هذه القطعة من زهدي في الدنيا ~~لأني لا أعتاض منها غيرها ، لأنها من حيث أعلم وأنا لا آكل إلا من حيث أعلم ~~، وقد كان بشر يقول : المال إذا اجتمع من الشبهات لا ينفق إلا في الشهوات ، ~~وقال سري السقطي : لا يصبر على ترك الشبهات إلا من ترك الشهوات ، وفي الخبر ~~أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام فنهاه عنه فأعاد ~~مسألته عنه فقال : إن لي غلاما حجاما فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن ~~كان لا بد فأعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك ، وفي الخبر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال : لا تأكلوه ، وفي خبر آخر : ~~إن كان جامدا فألقوها ، وإن كان ذائبا فاستصحبوا به ، وعن جماعة من علماء ~~الكوفة : لا بأس بشحوم الميتة تطلى بها السفن ويدبغ بها الجلود . وقد روينا ~~فيه حديثا مسندا ، فهذا حجة فيما ذكرناه من أن حكم الشبهات أن ينفق منها ~~فيما ms1267 لايطعم ولا يلبس إلا إن يضطر إليها فيتناول منها مقدار الحاجة ، وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى بلبن فسأل عن أصله فأخبر به ، فسأل عن ~~أصل أصله فأخبر به ، فلما رضيه شرب منه ، فهذا حكم الحلال أن تعرف عين ~~الشيء ثم تعرف أصله ، فإذا صح لك أصله وأصل أصله سقط عنك ما وراء ذلك ، فإن ~~لم تعلم رأى عين وأخبرك مسلم تقي أخباره لك مقام ذلك ، PageV02P479 وفي ~~الخبر : لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلاتقي ، لأن التقي قد استبرأ ~~لدينه واجتهد بعلمه واحتاط لنفسه ، فقد سقط عنك البحث والاجتهاد لأنه قد ~~ناب عنك فيه وقام لك به ، فكفاك كلفته فغنيت عن تكلفه ، فلذلك جاءت ~~الأحاديث على هذا المعنى : إذا دخل أحدكم إلى منزل أخيه فقدم إليه طعاما ~~فليأكل من طعامه ولا يسأل ويشرب من شرابه ولا يسأل ، لأنه قد كفى والسؤال ~~عما قد كفى تكلف ، والتكلف ليس مما يعني المسلم ، وفي الخبر الآخر : من حسن ~~إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، فلهذا سقط عنا السؤال من البحث ولذلك كان ~~المتقدمون يستحبون أكل طعام العلماء والصالحين . وأما من لا يحتاط لنفسه ~~ولا يستبرئ لدينه ولا يتقي في مكسبه حتى لا يبالي من أين أكل ولا من أين ~~اكتسب ولا من أين جاءه الدرهم أبدا ، فهذا غير تقي فحينئذ يلزمك أنت البحث ~~لنفسك والاجتهاد والاحتياط لدينك إذا لم يقم به غيرك ولم يكلفه أخوك ، ففي ~~مثل هذا جاء الخبر : لا يأكل طعامك إلا تقي ولا تأكل إلا طعام تقي ، والتقي ~~هو الورع الدين المتقي للحرام المجتنب للآثام ، ففي دليل خطابه : لا تأكل ~~طعام غير تقي فلا يصح التقوى من عبد يتصرف حتى يكون مستعملا في تجارته ~~وصناعته حكم الكتاب والسنة ، ويشهد له العلم بسلامته وبراءة دينه من ~~الخيانة والمكر في المعاملة ، من الكذب والغبن في التجارة والصنعة ، بالصدق ~~والنصح في جميع ذلك وحتى يحل السبب المعتاض منهما ، وكل تجارة وصناعة يخالف ~~العبد فيها حكم الكتاب والسنة فليست ms1268 بتجارة ولا صناعة حلال ، وإن كان الاسم ~~موجودا لعدم المعنى الذي تصح به الأسماء في الحكم ، لأن وجود الأسماء فارغة ~~لا يغني مع عدم صحة المعاني لموافقته شيئا ، فإذا كان ما يسميه الجاهلون ~~تجارة وصناعة وما يسميه المستحلون بيعا وشراء ومعاملة ، وهو غير موافق ~~للعلم ، فليس ذلك بتجارة ولا صناعة ولا معاملة ، ولا يستحل به أكل الحلال ~~لأنه باطل واسمه عند العلماء خيانة وخلابة ، أو غيلة أو حيلة أو محاتلة ، ~~وهذه أسماء محرمة للمكاسب لفساد معانيها وعدم حقائقها يتعلق عليها أحكام ~~مذمومة ، ، لا يحل بها أخذ لأن التسمية إلى العلماء من قبل ، أن إيجاب ~~الأحكام منهم يسمون على صحة المعاني بوقوع الأحكام إذا كانوا هم الحكام ، ~~فقد اعتزل هذا التصرف ، وإن وجد فيه الاسم المبيح لفقد المعنى الصحيح ، وهو ~~حكم الكتاب والسنة ، فإن وجد الاسم بحقيقة المعنى حتى تسميه العلماء تجارة ~~وصناعة ، إلا أنهما لم يصادفا حكم الله تعالى فيه بالسلامة من الربا ~~واجتناب البيوع الفاسدة ، فهذا حرام أيضا لعدم حكم الله عز وجل فيه ~~بالإطلاق ، وإن كان الشراء مباحا وصودف الأحكام فيه إلا أن عين المأخوذ ~~المعتاض حرام رأي عين أو خبر من صدق ، فهذا الكسب حرام أيضا لأنا على يقين ~~من وجود الحرام فيه PageV02P480 حتى يصفو العوض المشتبه من عين الحرام بأحد ~~معنيين : إما بيقين أنه حلال الأصل وحلال أصل الأصل ، بأن لانعلم في عينه ~~حراما رأيناه ولا أخبرناه ، فيحل به حينئذا أكل المال ونسميه مع ذلك شبهة ، ~~وهو شبهة الحلال إذ لسنا على يقين من حلاله ، لا مكان دخول الحرام فيه ~~لغلبة الأموال المأكلولة بالباطل وبالأسباب المكروهة من قبل الأجناد ، ومن ~~قلة المتقين واختلاط ذلك بالأملاك الصحيحة وبأموال التجار والصناع ، فما ~~كنا من حلاله على علم ظن سميناه شبهة لفقد علم اليقين . وفي الخبر : جاء ~~عقبة بن الحرث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني تزوجت امرأة ، ~~فجاءتنا امرأة سوداء فزعمت أنها قد أرضعتنا وهي كاذبة فقال : دعها فقلت : ~~إنها كاذبة فقال : وكيف ؟ وقد زعمت ms1269 أنها قد أرضعتكما لا خير لك فيها دعها ~~عنك ، وفي لفظ آخر : كيف ؟ وقد قيل ، وفي حديث عبد الله بن زمعة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قضي بالولد له لأنه ولد على فراشه ، وأبطل دعوى الرجل ~~فيه وإن كان منه ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم شبها بينا قال لسودة ~~: احتجبي عنه يا سودة وهي أخته ثم قال : الولد للفراش وكذلك يجب التقوى في ~~الفراش للورع ، وإن الأحكام على الظاهر تجيزها فيكون تركها مقاما للورعين ~~والحلال عند الورعين اسم ما انحلت عنه المطالبة وحل فيه العلم على حلال ~~المقتبس في قوله عز وجل : ( وحلائل أبنائكم ) النساء : 23 ، وحلائل جمع ~~حليلة وقيل : إنما سميت المرأة حليلة الرجل لأن يحل معها أين حلت ، أي يوجد ~~عندها ويقيم كأنها فعيلة من فعول أي حلول ، والمعنى الآخر سميت حليلة ، ~~والرجل حليلها لأن الآثام قد انحلت بينهما ، أي لأنها تحل له ويحل لها ~~والحلال في العلم اسم لما أباحه الكتاب والسنة بسبب جائز مباح ، وكان ~~الحلال هو ما وجد فيه ثلاث معان : سبب مباح في العلم وعلم بأصل الدرهم ~~والمعتاض به وبأصل أصله أنه خالص من شبهة ومصادقة حكم الله عز وجل في ~~المعاملة ، فإذا فقد أحد هذه المعاني فهو شبهة إلى الحلال أقرب ، وإذا فقد ~~معنيان فهي شبهة الحرام ، فإذا فقدت المعاني الثلاث حتى يكون السبب الذي ~~وصل به الدرهم والمعتاض منه مكروها ، أو يكون عين الدرهم مكروها مجهولا ولم ~~يصادف فيه حكم الشرع في البيع والشراء أو الهبة بطيب نفس ، فهذا هو الحرام ~~بعينه والحرام والحلال ضدان ظاهران ، والشبهات أعني شبهة الحلال وشبهة ~~الحرام مشتبهان ، فهي تشبه الحلال من وجه وتشبه الحرام من وجه فمثل الحلال ~~والحرام . من أصول الألوان مثل : البياض والسواد ، هما أصلان ليسا فرعين ~~لشيء ولا متوالدين من شيء ومثل شبهة الحلال كمثل الصفرة لأنه لون متولد من ~~البياض ، ومثل شبهة الحرام كالخضرة لون متولد من السواد ، PageV02P481 فإن ~~رأيت الصفرة فهي علامة شبهة الحلال رددتها إليه وحكمت عليها ms1270 به ، كما أن ~~الخضرة أقرب إلى السواد ، فإن اجتمع في لون صفرة وخضرة فهي الشبهات المخلطة ~~في الشيء ، فانظر إلى الأغلب منها الأكثر ، فاحكم عليه ، فإن كانت الصفرة ~~هي الأكثر والأغلب ، فهذا شبهة الحلال ، تناول منه غير متسع فيه إذ ليس ~~حلالا صافيا وهذا مثل أموال التجار والصناع المختلطة بأرزاق الجند ~~والمعاملات ، وإن رأيت الخضرة أكثر وأغلب فهذا شبهة الحرام ، خذ منه ضرورتك ~~إذ ليس بشبهة صافية ، وهذا مثلا أملاك أولياء السلطان ، لالتباس ملك أيديهم ~~في خدمتهم لأمرائهم حتى تري البياض المحض الذي هو علامة الحلال فخذ كيف شئت ~~واتسع ، لاجناح عليك على أنك لا تكون زاهدا بذلك ، وهذا مثل لفيء المشركين ~~والغنائم في سبيل الله ، ومثل المواريث الطيبة وما أنبتت الأرض التي هي غير ~~مغصوبة ، ومثل ماء السماء والسيح في الأنهار وصيد البر والبحر ، وإن رأيت ~~السواد الغريب فهو علامة الحرام ، فاجتنبه ولا تأخذ منه شيئا ، فإن فعلت ~~كنت بذلك فاسقا وأكل الحرام من الكبائر ، وهذا مثل المغصوب والجنايات ، وما ~~أكل بأسباب المعاصي وما تملك من غير طيب نفس من الواهب ، واعلم أن الحلال ~~والحرام فرعان للتقوى والفجور والعلم والجه ، والعلم والتقوي هما حلالان ~~للمتقين العلماء ، فإذا كثر المتقون ووجد المؤمنون كان الحلال أظهر وأكثر ، ~~ووجود الحرام بظهوره وكثرته ، بكثرته وجود الجهل والفجور وهما حالا ~~الجاهلين الفجار ، فإذا كثر الجاهلون وظهر الفاسقون كان الحرام أغلب وأكثر ~~، وأصل وجود الحلال في الكافة عدل الأئمة واستقامة الولاة ، وطاعة أوليائهم ~~فيما لهم معهم في سبيل الله عز وجل لصلاح الدين وحيطة المسلمين ، كما إن ~~أصل ظهور الحلال وانتشاره هوالرعية ، فإذا قل ذلك وكان الأمر على ضده غمض ~~الحلال واختفى ، فظهر الحرام وفشا ، فكان الحلال قليلا عزيزا ، وكان في ~~خصوص من المسلمين يخص الله به من يشاء ويصرفه إلى من أحب ، كيف أحب من طريق ~~التوفيق والهداية وبمعنى العصمة والوقاية ؟ وقد جاء في الخبر إذا فسدت ~~أديان الناس فسدت أرزاقهم ، وقال بعض أهل التفسير في قوله عز وجل : ( وكذلك ~~نولي بعض الظالمين بعضا ms1271 بما كانوا يكسبون ) الأنعام : 129 ، قال : إذا فسدت ~~أعمال الناس ، جعل عليهم أئمة يشبهون أعمالهم ، وقد روينا عن عائشة رضي ~~الله تعالى عنها أنها قالت : رزق المؤمن ، مثل قطر الحب ، فهذا يحتمله ~~معنيان ، أحدهما الضيق والقلة والثاني في الصفاء ، وهذا على معنى ما قال ~~سهل رحمه الله : لو كانت الدنيا دما غبيطا لكان قوت المؤمن منها حلالا ، ~~فهذا على معنيين ، أحدهما أن المؤمن موفق معصوم قد عمل لله عز وجل بما علم ~~، والله قد حفظه من حيث لا يعلم بأن يستخرج له الحلال من الحرام ~~PageV02P482 باختياره من عمله ، كما يستخرج له العلم من الجهل ، والتوحيد ~~من الشرك بلطف قدرته ، فمن تذكر به وتبصر به أقامه مقام التوحيد من الحكمة ~~، والمعنى الثاني المؤمن عنده ، لا يتناول شيئا إلا فاقة أو ضرورة ، فقد ~~حلت له وإن حرمت على غيره ، وهذا هوالمؤمن الصديق وقد قيل لابن المبارك ~~يظهر بعد المائتين عدل فقال : تذاكرنا ذلك عن حماد بن سلمة ، فغضب وقال : ~~إن استطعت أن تموت بعد المائتين فمت ، فإنه يحدث في ذلك الزمان أمراء فجرة ~~ووزراء ظلمة وأمناء خونة ، وقراء فسقة حديثهم فيما بينهم ، التلاوم يسمون ~~عند الله الأنتان ، وقال بعض السلف الصالح : إني لأستحي من الله عز وجل أن ~~أسأله بعد المائتين أن يرزقني حلالا ، ولكني أسأله رزقا لا يعذبني عليه ، ~~وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله : ما ترك لنا بنو فلان من الحلال شيئا ، ~~يعني الملوك والأمراء ، ويقال إن عليا رضي الله عنه ، لم يأكل بعد قتل ~~عثمان ، ونهب الدار إلا طعاما مختوما عليه ، وروي في الخبر العامل الذي ~~أراد علي رضي الله عنه ، أن يستعمله على صدقات قال : فدعا بطينة مختومة ~~طننت أن فيها جوهرا أو تبرا ففض ختامها ، فإذا فيها سويق شعير فنثره بين ~~يدي وقال : كل من طعامنا ، فقلت : أتختم عليه يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم ~~هذا شيء اصطفيته لنفسي ، وأخاف أن يختلط فيه ما ليس منه ، والحديث فيه طول ~~فاختصرت هذا منه . وروي أن جماعة من الصحابة ما ms1272 شبعوا من الطعام منذ قتل ~~عثمان رضي الله عنه لاختلاط أموال أهل المدينة بنهب الدار ، منهم ابن عمر ~~وسعد وأسامة بن زيد رضي الله عنهم ، وكان يوسف ووكيع بن الجراح يقولان : ~~الدنيا عندنا على ثلاث منازل ، حلال وحرام وشبهات ، فحلالها حساب ، وحرامها ~~عقاب ، وشبهاتها عتاب ، فخذ من الدنيا ما لا بد لك منه فإن كان ذلك حلالا ~~كنت زاهدا ، وإن كان شبهة كنت ورعا وكان في عتاب بسير ، وقد روينا عنهما ~~أنهما قالا : لو زهد أحد في زماننا هذا حتى يكون كأبي ذر وأبي الدرداء في ~~الزهد ما سميناه زاهدا قيل : ولم ؟ قال : لأن الزهد عندنا إنما يكون في ~~الحلال المحض ، والحلال المحض لا يعرف اليوم ، ومات يوسف ووكيع قبل ~~المائتين ، وقد كان وكيع بن الجراح أشبه العلماء بالسلف ، وكان يشبه بعبد ~~الله بن مسعود وقد كان يشدد في الطعمة فسئل عن الحلال ، فجعل يعزره ويقول : ~~أين الحلال ؟ وكيف لي بالحلال ؟ ثم قال : لوسألنا مسترشد عن علمنا في ~~الحلال فقلنا له : كل أصول البردي وألقي ثوبك وادخل في الفرات قيل : وأنت ~~يا أبا سفيان من أين تأكل ؟ قال : آكل من رزق الله وأرجو عفو الله ، وقد ~~كان بشر بن الحارث من المتقدمين ، سئل عن الحلال قيل له : من أين تأكل يا ~~أبا نصر ؟ فقال : من حيث تأكلون ، PageV02P483 وليس من يأكل وهو يبكي كمن ~~يأكل وهويضحك ، وقال مرة أخرى في رواية عنه : ولكن يد أقصر من يد ولقمة ~~أصغر من لقمة ، وسأله رجل عما لا يسكر من النبيذ فقال : انظر في الدرهم ~~الذي تشتري به التمر من أين هو ؟ فإن كان حلالا وإلا هلكت دع عنك ما لا ~~يسكر ، وقد كان سري السقطي يتحري في أكل الحلال ولم يكن يأكل إلا من حيث ~~يعرف ، وكان إذا ذكر لأحمد بن حنبل رضي الله عنه أثنى عليه وقال : تعنون ~~ذلك الفتى المعروف بطيب الغذاء ، وكان يقول : لا يقوى على ترك الشبهات إلا ~~من ترك الشهوات ، ويقال إن بشر بن الحارث كان يأكل من ms1273 قبله ، وذكر لنا أن ~~سريا السقطي وقف على بشر وهو يتكلم فاطلع في حلقته وقال : يا بشر ، لعل يدا ~~نقين تلبسها وتستريح من هذا الاسم : يعني قولهم بشر الحافي ، فسكت بشر ، ~~فظن من كان من أصحاب سري عند بشر أنه قد وجد عليه فقالوا : يا أبا نصر ، ~~إنه لم يرد إلا خيرا فقال : سبحان الله ، هو سري كما سري ، وكان سري رحمه ~~الله قد وجه إلى أحمد بن حنبل رضي الله عنه بمال فرده ، فجاء سري فكلمه ~~بكلام من هذا العلم فعرفه فيه ما يدق من آفة الرد فقبل منه ولم يكن بعد ذلك ~~يرد عليه شيئا . وحدثونا عنه أنه قال : انتهيت ذات يوم في سفر إلى نبات من ~~الأرض وعند غدير ماء ، قال : وكنت جائعا فأكلت من الحشيش ، وشربت من ذلك ~~الماء بكفي ، ثم استندت على ظهري ، ثم خطر ببالي أني إن كنت أكلت حلالا ~~فاليوم ، فهتف بي هاتف يقول : يا سري زعمت أنك أكلت حلالا ، فالقوة التي ~~بلغتك إلى ههنا من أين هي ؟ قال : فاستغفرت الله تعالى مما كان وقع في قلبي ~~، وكان شقيق البلخي رحمه الله يقول : إن المكاسب اليوم قد فسدت ، وإن ~~التجارات والصناعات شبهات كلها ، لا يحل الاستكثار والادخار منهما لوجود ~~الغش وعدم النصح ، قال : وإنما ينبغي للمسليمن أن يدخلوا فيها ضرورة ، وقال ~~: الناس كقتلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، لأنهم أعانوا على إماتة ~~السنن ، ودرس طرق الأنبياء ، ومن أبطل سنن نبي فكأنما قتله هذا بقوله في ~~سنة سبعين ومائة ، فإذا كان الأمر أيها المسلم الموقن بتوحيد الله ووعيده ، ~~على هذا عند العلماء من السلف والأخيار من الخلف ، في ذلك الوقت ، فكيف ~~بوقتك هذا ؟ وقد افترض عليك الزهد في الدنيا ، وقد وجب عليك الأخذ بالبلغة ~~، مما لابد منه من كل شيئ ، فإن استكثرت أو جمعت من مثل هذه الأشياء كان ~~ذلك معصية ، وكل ما يظهره الله عز وجل لك من غير الأمور وبديهات المصائب ، ~~فإنما هو تزهد لك في الدنيا إن فطنت لذلك ، وكل ما صرف ms1274 عنك مثل هذا فهو خير ~~، وإن كرهت ، وفي الخبر : ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن ولو كان من حلال ~~، فإن كان لا بد فثلث طعام ، وثلث شراب ، وثلث نفس ، فقد صار الأكل ~~PageV02P484 في ثلث البطن خير من الأكل ملأه لأنه شر ، وما نقص من الشر فهو ~~خير ، وفي الخبر : ما شيء أبغض إلى الله من بطن مليء ولو من حلال . وقد جاء ~~في الخبر : لا يعذب الله عبدا جعل رزقه في الدنيا قوتا ، وفي قوله تعالى : ~~( ورزق ربك خير وأبقى ) طه : 131 قيل : يوم بيوم ، وقيل : القناعة ، وقد ~~كان المسلمون يتورعون عن الشبهات في وقت العدل ، ومع وجود الفضل ، حدثونا : ~~أن الفضل بن عياض وابن عيينة وابن المبارك رضي الله عنهم ، اجتمعوا عند ~~وهيب بن الورد بمكة ، فذكروا الرطب فقال وهيب : هو أحب الطعام إلي إلا أني ~~لا آكله ، قيل : ولم ؟ قال : لأنه قد اختلط رطب مكة بهذه البساتين التي ~~اشتروها هؤلاء ، يعني زبيدة وأشباهها ، فقال له ابن المبارك : رحمك الله إن ~~نظرت إلى مثل هذا ، ضاق عليك الخبز ، فقال : وما سببه ؟ قال : نظرت في أصول ~~الضياع بمصر فإذا هي قد اختلطت بالصوافي ، قال : فغشي على وهيب ، فقال له ~~سفيان : ما أردت بهذا ؟ قتلت الرجل ، قال ابن المبارك : والله ما أردت إلا ~~أن أهون عليه ، قال : فلما أفاق وهيب قال لله علي أن لا آكل خبزا أبدا حتى ~~ألقاه ، قال : فكان يشرب اللبن ، قال : فأتته أمه بلبن فقال : من أين لك ~~هذا ؟ قالت من شاة بني فلان ، قال : ومن أين لهم ثمنها ؟ قالت : من كذا ~~وكذا ، فرضيه ، فلا أدناه من فيه ، قال : قد بقي شيء فأين ترعى هذه الشاة ؟ ~~فسكتت ، فقال : لتخبريني ، فإذا هي ترعى مع غنم لابن عبد الصمد الهاشمي ~~أمير مكة في الحي ، فقال : هذا اللبن للمسلمين ، فيه حق لا يحل لي أن أشربه ~~دونهم ، وهم شركائي فيه ، فقالت له أمه : اشربه فإن الله يغفر لك ، فقال : ~~ما أحب أني شربته وأنه غفر لي ، قالت : ولم ms1275 ؟ قال : أكره أن أنال مغفرته ~~بمعصية ، وقد كان لطاووس اليماني بضاعة يتجر له فيها من التمر ، فاشترى ~~مضاربه ببضاعة أديما من بعض أولياء السلطان وكتب إليه بذلك ، وكتب إليه ~~طاووس : أفسدت علينا مالنا ، ما أحب أن أتلبس بشيء منه فبع الأديم باليمن ، ~~وتصدق بثمنه ، ولا تدخل منه إلى الحرم درهما واحدا ، وأنا أستغفر الله من ~~طعمة الفقراء ، وأرجو أن أنجو كفافا لا علي ولا لي ، فيقال : إن ذلك كان ~~سبب فقره ولم يكن له مال غيره ، فبقي بغير معلوم من دنيا ، وكان خالد ~~القشيري لما ولي مكة بعد ابن الزبير أجرى نهرا في طريق أهل اليمن إلى مكة ، ~~فكان طاووس ووهب بن منبه اليمانيان رضي الله عنهما إ ذا مرا عليه لم يتركا ~~دوابهما أن تشرب منه ، وقد كان سهل رحمه الله يقول : رجل بات في قرية جائعا ~~قام إلى الغداة لم يقدر أن يصلي من الجوع ، أعطاه الله في منزله جميع صلاة ~~المصلين القائمين في قريته ، قيل : وكيف ذلك ، قال : طلب الحلال ، فلم يجده ~~فكره أن يدخل جوفه حراما فبات طاويا فله أجر المصلين القائمين في تلك ~~الليلة وهو سليمان التيمي رحمه الله ترك أكل الحنطة ، فقيل له في ذلك ، ~~فقال : إنها تطحن في هذا الأرحى ، فقال : المسلمون شركاء في الماء ~~PageV02P485 وهؤلاء يأخذون خراجها دون سائر الناس . وحدثت أن امرأة أهدت ~~إلى بشر بن الحارث سلة عنب ، فقالت : هذه من صنيعة أبي فردها بشر عليها ، ~~فقالت : سبحان الله تشك في كرم أبي وفي صحة ملكه وميراثي منه وشهادتك ~~مكتوبة في كتاب الشراء ، فقال : صدقت ملك أبيك ولكنك أفسدت الكرم ، قالت : ~~بماذا ؟ قال : سقيته من نهر طاهر يعني طاهر بن الحسين بن مصعب بن عبد الله ~~بن طاهر صاحب المأمون ، وهذا النهر هوالخندق المعترض في الجانب الغربي ، لم ~~يكن يشرب من الخندق ولا يمشي على الجسر وقد كان بشر يقول : منذ ثلاثين سنة ~~أشتهي شواء وما أتركه زهدا فيه ولو صح لي درهمه لأكلته ، فهذه سيرة ~~المتقدمين وطريق السالفين ، من ms1276 سلكها لحق بهم وكان كأحدهم ، ومن خالفها ~~فليس على سنة السلف ، ولا من صالحي الخلف وسعة رحمة الله الواسعة بمشيئته ~~السابقة ، فاعتبروا يا أولي الأبصار ، وقد كان من سيرة القدماء من أهل ~~الورع أن لا يستوعب أحدهم كلية حقه بل يترك شيئا خشية أن يستوفي الحلال كله ~~، فيقع في الشبهة ، فإنه يقال : من استوعب الحلال حام حول الحرام ، ~~فكانوايستحبون أن يتركوا بينهم وبين الحرام من حقهم حاجزا من الحلال لقول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم : من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ، ومنهم من ~~كان يترك من حقه شيئا لغير هذه النية ، ولكن لقول الله عز وجل ( إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان ) النحل : 90 قالوا : فالعدل أن تأخذ حقك كله وتعطي ~~الحق ، والإحسان أن تترك بعض حقك وتبذل فوق ما عليك من الحق لتكون محسنا ، ~~ولأن الله تعالى كما أمر بالعدل قد أمربالإحسان لقوله : ( حقا على المتقين ~~حقا على المحسنين ) البقرة : 18 ، - 236 ، وهذه الطريقة قد جهلت من عمل بها ~~فقد أظهرها ، حدثونا عن بعضهم قال : أتيت بعض الورعين بدين له علي وكان ~~خمسين درهما ، قال : ففتح يده فعددت فيها إلى تسع وأربعين درهما فقبض يده ، ~~فقلت : هذا درهم قد بقي لك من حقك ، قال : قد تركته لك إني أكره أن أستوعب ~~مالي كله ، فأقع بما ليس لي ، قد كان عبد الله بن المبارك وغيره يقول : من ~~اتقى من تسعة وتسعين شيئا ولم يتق من شيء واحد لم يكن من المتقين ، ومن تاب ~~من تسعة وتسعين ذنبا ولم يتب من ذنب واحد لم يكن من التوابين ، ومن زهد في ~~تسعة وتسعين شيئا ولم يزهد في شيء واحد فليس من الزاهدين ، وقد روى عطية ~~السعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون الرجل من المتقين حتى يترك ما ~~لا بأس به حذارا مما به البأس ، وروينا عن أبي الدرداء : إنما التقوى أن ~~يتقي الله العبد في مثقال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون ~~حراما ، يكون ms1277 حجابا بينه وبين الحرام ، وبمعنى هذا ما روي عن أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه قال : كنا نترك سبعين بابا من الحلال PageV02P486 ~~مخافة باب واحد من الحرام ، وهذا طريق قد مات أهله ، فمن سلكه فقد أحياهم ~~فأما أموال التجار والصناع والمتصرفين في المعايش المباحة بالأسباب الجائزة ~~في العلم ، مع موافقة الكتاب والسنة فهي شبهات ، ثم تتنوع بنوعين : فتكون ~~شبهة حلال إذا عاملت المتقين وأخذت من الورعين ، وتكون شبهة حرام إذا عاملت ~~قليلي التقوى والورع ، وأما غير ذلك من أموال الجند فإنه حرام لفساد سببه ~~ولمخالفة الأحكام ، فما كان عن معاملة لهم وكسب ولم تعلم شيئا بعينه غصبا ~~ولا جناية فهو أسهل ، وما علمته فهو نص الحرام ، فالله الله في نفسك انظر ~~أيها المسكين لمعادك واحفظ لدينك ، فإن كسبك من دينك وطمعتك من إيمانك ، ~~فإن تهاونت بذلك فقد تهاونت بالدين ، ونبذت الأحكام وضيعت اليوم نفسك ولم ~~تنظر فيما قدمت لغد ونعوذ بالله من سوء القضاء ، ويقال إن العدو إذا ظفر من ~~العبد بسوء الطعمة لم يعترض عليه في الأعمال ، وقال : قد ظفرت منك بحاجتي ، ~~اعمل الآن ما شئت ولم يعد عليه من أعماله إلا ظلمة في قلبه ، وقسوة وضعفا ~~في عزيمة ، وفتورا ومعصية وحرم التوفيق والعصمة ، ولم يورث علم المكتوب ~~والحكمة ، فإن كان المتصرف في السوف على الوصف المكروه ، مخالفا للعلم في ~~تصرفه مفارقا للأحكام لايبالي من أي وجه ظهر وبأي سبب عليه قدر ، غير متق ~~في كسبه ولا مرع لدين الله عز وجل فيه وحكمه ، فهوآكل للمال بالباطل قاتل ~~لنفسه مفسد لدينه غاش للمسلمين ، والله لا يصلح عمل المفسدين كما لايضيع ~~أجر المصلحين ، ومع ذلك فهو غير ناصح لله عز وجل ولخلقه في الدين ، مقامه ~~في الظلم وحاله الهوى ، والله لا يحب الظالمين ، فهو مأمور بالتوبة في جميع ~~تصرفه مفترض عليه الإنابة في جميع تقلبه قبل أن يبغته الموت ويفجأ الفوت ، ~~فيلقى الله تعالى ظالما ذا هوى فقد قال تعالى : ( ومن لم يتب فأولئك هم ~~الظالمون ) الحجرات : 11 ، وقال تعالى ms1278 : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون ) الشعراء : 227 ، وقال بعض الحكماء : الدنيا بحر عجاج والتجار فيه ~~غاصة ، فواحد يغوص فيخرج درا ، وهؤلاء أبناء الآخرة الذين لها يعملون ، ~~وآخر يغوص فيخرج آجرا وهؤلاء عمال الدنيا الذين عليها يحرصون ، وآخر يخرج ~~سمكا ، وهؤلاء المقتصدون ، وآخر في قعره قد غرق ، وهؤلاء المطرودون عن ~~الطاعة إلى الأسواق كلما أرادوا أعمال البر طردوا عنها إلى السوق وشغلوا ، ~~فقد غرقوا في بحر الخطايا ، وآخر طاف مع الأمواج يضطرب يطلب النجاة ، كلما ~~رفعته موجة طمع في النجاة ثم تغطيه موجة أخرى فيخاف الهلكة ، وهؤلاء ~~المريدون الاستقامة في زماننا هذا ، ترفعهم التوبة إلى النجاة وتحطهم ~~العادة إلى الهلكة . لم وحاله الهوى ، والله لا يحب الظالمين ، فهو مأمور ~~بالتوبة في جميع تصرفه مفترض عليه الإنابة في جميع تقلبه قبل أن يبغته ~~الموت ويفجأ الفوت ، فيلقى الله تعالى ظالما ذا هوى فقد قال تعالى : ( ومن ~~لم يتب فأولئك هم الظالمون ) الحجرات : 11 ، وقال تعالى : ( وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون ) الشعراء : 227 ، وقال بعض الحكماء : الدنيا بحر ~~عجاج والتجار فيه غاصة ، فواحد يغوص فيخرج درا ، وهؤلاء أبناء الآخرة الذين ~~لها يعملون ، وآخر يغوص فيخرج آجرا وهؤلاء عمال الدنيا الذين عليها يحرصون ~~، وآخر يخرج سمكا ، وهؤلاء المقتصدون ، وآخر في قعره قد غرق ، وهؤلاء ~~المطرودون عن الطاعة إلى الأسواق كلما أرادوا أعمال البر طردوا عنها إلى ~~السوق وشغلوا ، فقد غرقوا في بحر الخطايا ، وآخر طاف مع الأمواج يضطرب يطلب ~~النجاة ، كلما رفعته موجة طمع في النجاة ثم تغطيه موجة أخرى فيخاف الهلكة ، ~~وهؤلاء المريدون الاستقامة في زماننا هذا ، ترفعهم التوبة إلى النجاة ~~وتحطهم العادة إلى الهلكة . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ~~تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا ، وأوحى الله عز PageV02P487 وجل إلى بعض ~~أنبيائه لا تتخذوا الأهل والمال في زمن العقوبات ، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . نحمدك ~~يا من هيأت القلوب للتيقظ لمرضاتك ، وفتحت أقفالها بأسرار معرفتك ms1279 وأنوار ~~هباتك ، ونصلي ونسلم على من أرسلته بطب القلوب ، وأيدته بما أنزلت عليه من ~~قوت القلوب وتبيين الغيوب ، وعلى آله الذي تحققوا برياضة النفوس فتحلوا ~~بأنوار اليقين ، وأصحابه السائرين على منهجه المبين . أما بعد ، فقد تم ~~بحمده تعالى طبع كتاب قوت القلوب في معاملة المحبوب ، للأمام الفاضل ~~والأستاذ الكامل سيدنا ومولانا الشيخ أبي طالب المكي رحمه الله وأثابه رضاه ~~، وهو كتاب له من اسمه أكبر نصيب ، ومن المتكلم على آفات النفوس والاستشهاد ~~بالآي كلا مطرب غريب ، وفي تبيين طريق السلف الصالح ما يجعل الغائب كأنه ~~حاضر مبصر ، وفي أحوال أهل اليقين ما يزيح الخفاء ويجلو من عين القلب النظر ~~، وبالجملة ، فهو كتاب شهرته طبقت الآفاق ، وهي أقل مما فيه ، وليس الخبر ~~يكفي ما العيان يكفيه . | PageV02P488 ms1280