######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009472 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 505 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إحياء علوم الدين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الرقاق والآداب والأذكار #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009472 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9472 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9472 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار المعرفة - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | # بسم الله الرحمن الرحيم # أحمد الله أولا حمدا كثيرا متواليا وإن كان يتضاءل دون حق جلاله حمد ~~الحامدين وأصلي واسلم على رسله ثانيا صلاة تستغرق مع سيد البشر سائر ~~المرسلين وأستخيره تعالى ثالثا فيما انبعث عزمي من تحرير كتاب في إحياء ~~علوم الدين وأنتدب لقطع تعجبك رابعا أيها العاذل المتغالي في العذل من بين ~~زمرة الجاحدين المسرف في التقريع (1) PageV01P001 # والإنكار من بين طبقات المنكرين الغافلين فلقد حل عن لساني عقدة الصمت ~~وطوقني عهدة الكلام وقلادة النطق ما أنت مثابر عليه من العمى عن جلية الحق ~~مع اللجاج في نصرة الباطل وتحسين الجهل والتشغيب على من آثر النزوع قليلا ~~عن مراسم الخلق ومال ميلا يسيرا عن ملازمة الرسم إلى العمل بمقتضى العلم ~~طمعا في نيل ما تعبده الله تعالى به من تزكية النفس وإصلاح القلب وتداركا ~~لبعض ما فرط من إضاعة العمر يائسا عن تمام حاجتك في الحيرة وانحيازا عن ~~غمار من قال فيهم صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة عالم لم ينفعه الله سبحانه بعلمه (1) ولعمري إنه لا سبب لإصرارك ~~على التكبر إلا الداء الذي عم الجم الغفير بل شمل الجماهير من القصور عن ~~ملاحظة ذروة هذا الأمر والجهل بأن الأمر إد والخطب جد والآخرة مقبلة ~~والدنيا مدبرة والأجل قريب والسفر بعيد والزاد طفيف والخطر عظيم والطريق سد ~~وما سوى الخالص لوجه الله من العلم والعمل عند الناقد البصير رد وسلوك طريق ~~الآخرة مع كثرة الغوائل من غير دليل ولا رفيق متعب ومكد فأدله الطريق هم ~~العلماء الذين هم ورثة الأنبياء وقد شغر منهم الزمان ولم يبق إلا المترسمون ~~وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان واستغواهم الطغيان وأصبح كل واحد بعاجل حظه ~~مشغوفا فصار يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا حتى ظل علم الدين مندرسا ~~ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمسا ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا ~~فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطغام أو جدل يتدرع ~~به طالب المباهاة إلى ms0001 الغلبة والإفحام أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى ~~استدراج العوام إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام وشبكة للحطام # فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في ~~كتابه فقها وحكمة وعلما وضياء ونورا وهداية ورشدا فقد أصبح من بين الخلق ~~مطويا وصار نسيا منسيا # ولما كان هذا ثلما في الدين ملما وخطبا مدلهما رأيت الاشتغال بتحرير هذا ~~الكتاب مهما إحياء لعلوم الدين وكشفا عن مناهج الأئمة المتقدمين وإيضاحا ~~لمباهي العلوم النافعة عند التبيين والسلف الصالحين # وقد أسسته على أربعة أرباع وهي ربع العبادات وربع العادات وربع المهلكات ~~وربع المنجيات # وصدرت الجملة بكتاب العلم لأنه غاية المهم لأكشف أولا عن العلم الذي تعبد ~~الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الأعيان بطلبه إذ قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم (2) وأميز فيه العلم ~~النافع من الضار إذ قال صلى الله عليه وسلم نعوذ بالله من علم لا ينفع (3) ~~وأحقق ميل أهل العصر عن شاكلة الصواب وانخداعهم بلامع السراب واقتناعهم من ~~العلوم بالقشر عن اللباب # ويشتمل ربع العبادات على عشرة كتب كتاب العلم وكتاب قواعد العقائد وكتاب ~~أسرار الطهارة وكتاب أسرار الصلاة وكتاب أسرار الزكاة وكتاب أسرار الصيام ~~وكتاب أسرار الحج وكتاب آداب تلاوة القرآن وكتاب الأذكار والدعوات وكتاب ~~ترتيب الأوراد في الأوقات PageV01P002 # وأما ربع العادات فيشتمل على عشرة كتب كتاب آداب الأكل وكتاب آداب النكاح ~~وكتاب أحكام الكسب وكتاب الحلال والحرام وكتاب آداب الصحبة والمعاشرة مع ~~أصناف الخلق وكتاب العزلة وكتاب آداب السفر وكتاب السماع والوجد وكتاب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكتاب آداب المعيشة وأخلاق النبوة # وأما ربع المهلكات فيشتمل على عشرة كتب كتاب شرح عجائب القلب وكتاب رياضة ~~النفس وكتاب آفات الشهوتين شهوة البطن وشهوة الفرج وكتاب آفات اللسان وكتاب ~~آفات الغضب والحقد والحسد وكتاب ذم الدنيا وكتاب ذم المال والبخل وكتاب ذم ~~الجاه والرياء وكتاب ذم الكبر والعجب وكتاب ذم الغرور # وأما ms0002 ربع المنجيات فيشتمل على عشرة كتب كتاب التوبة وكتاب الصبر والشكر ~~وكتاب الخوف والرجاء وكتاب الفقر والزهد وكتاب التوحيد والتوكل وكتاب ~~المحبة والشوق والأنس والرضا وكتاب النية والصدق والإخلاص وكتاب المراقبة ~~والمحاسبة وكتاب التفكر وكتاب ذكر الموت # فأما ربع العبادات فأذكر فيه خفايا آدابها ودقائق سننها وأسرار معانيها ~~ما يضطر العالم العامل إليه بل لا يكون من علماء الآخرة من لا يطلع عليه ~~وأكثر ذلك مما أهمل في فن الفقهيات # وأما ربع العادات فأذكر فيه أسرار المعاملات الجارية بين الخلق وأغوارها ~~ودقائق سننها وخفايا الورع في مجاريها وهي مما لا يستغني عنها متدين # وأما ربع المهلكات فأذكر فيه كل خلق مذموم ورد القرآن بإماطته وتزكية ~~النفس عنه وتطهير القلب منه وأذكر من كل واحد من تلك الأخلاق حده وحقيقته ~~ثم أذكر سببه الذي منه يتولد ثم الآفات التي عليها تترتب ثم العلامات التي ~~بها تتعرف ثم طرق المعالجة التي بها منها يتخلص كل ذلك مقرونا بشواهد ~~الآيات والأخبار والآثار # وأما ربع المنجيات فأذكر فيه كل خلق محمود وخصلة مرغوب فيها من خصال ~~المقربين والصديقين التي بها يتقرب العبد من رب العالمين وأذكر في كل خصلة ~~حدها وحقيقتها وسببها الذي به تجتلب وثمرتها التي منها تستفاد وعلامتها ~~التي بها تتعرف وفضيلتها التي لأجلها فيها يرغب مع ما ورد فيها من شواهد ~~الشرع والعقل ولقد صنف الناس في بعض هذه المعاني كتبا ولكن يتميز هذا ~~الكتاب عنها بخمسة أمور # الأول حل ما عقدوه وكشف ما أجملوه # الثاني ترتيب ما بددوه ونظم ما فرقوه # الثالث إيجاز ما طولوه وضبط ما قرروه # الرابع حذف ما كرروه وإثبات ما حرروه # الخامس تحقيق أمور غامضة اعتاصت على الأفهام لم يتعرض لها في الكتب أصلا ~~إذ الكل وإن تواردوا على منهج واحد فلا مستنكر أن يتفرد كل واحد من ~~السالكين بالتنبيه لأمر يخصه ويغفل عنه رفقاؤه أو لا يغفل عن التنبيه ولكن ~~يسهو عن إيراده في الكتب أو لا يسهو ولكن يصرفه عن كشف الغطاء عنه صارف ms0003 ~~فهذه خواص هذا الكتاب مع كونه حاويا لمجامع هذه العلوم # وإنما حملني على تأسيس هذا الكتاب على أربعة أرباع أمران أحدهما وهو ~~الباعث الأصلي أن هذا الترتيب في التحقيق والتفهيم كالضرورة لأن العلم الذي ~~يتوجه به إلى الآخرة ينقسم إلى علم المعاملة وعلم المكاشفة وأعني PageV01P003 # بعلم المكاشفة ما يطلب منه كشف المعلوم فقط وأعني بعلم المعاملة ما يطلب ~~منه مع الكشف العمل به والمقصود من هذا الكتاب علم المعاملة فقط دون علم ~~المكاشفة التي لا رخصة في إيداعها الكتب وإن كانت هي غاية مقصد الطالبين ~~ومطمع نظر الصديقين وعلم المعاملة طريق إليه ولكن لم يتكلم الأنبياء صلوات ~~الله عليهم مع الخلق إلا في علم الطريق والإرشاد إليه # وأما علم المكاشفة فلم يتكلموا فيه إلا بالرمز والإيماء على سبيل التمثيل ~~والإجمال علما منهم بقصور أفهام الخلق عن الاحتمال والعلماء ورثة الأنبياء ~~فما لهم سبيل إلى العدول عن نهج التأسي والاقتداء ثم إن علم المعاملة ينقسم ~~إلى علم ظاهر أعني العلم بأعمال الجوارح وإلى علم باطن أعني العلم بأعمال ~~القلوب والجاري على الجوارح إما عادة وإما عبادة والوارد على القلوب التي ~~هي بحكم الاحتجاب عن الحواس من عالم الملكوت إما محمود وإما مذموم فبالواجب ~~انقسم هذا العلم إلى شطرين ظاهر وباطن والشطر الظاهر المتعلق بالجوارح ~~انقسم إلى عادة وعبادة والشطر الباطن المتعلق بأحوال القلب وأخلاق النفس ~~انقسم إلى مذموم ومحمود فكان المجموع أربعة أقسام ولا يشذ نظر في علم ~~المعاملة عن هذه الأقسام # الباعث الثاني # أني رأيت الرغبة من طلبة العلم صادقة في الفقه الذي صلح عند من لا يخاف ~~الله سبحانه وتعالى المتدرع به إلى المباهاة والاستظهار بجاهه ومنزلته في ~~المنافسات وهو مرتب على أربعة أرباع والمتزيي بزي المحبوب محبوب فلم أبعد ~~أن يكون تصوير الكتاب بصورة الفقه تلطفا في استدراج القلوب ولهذا تلطف بعض ~~من رام استمالة قلوب الرؤساء إلى الطب فوضعه على هيئة تقويم النجوم موضوعا ~~في الجداول والرقوم وسماه تقويم الصحة ليكون أنسهم بذلك الجنس جاذبا لهم ~~إلى ms0004 المطالعة والتلطف في اجتذاب القلوب إلى العلم الذي يفيد حياة الأبد أهم ~~من التلطف في اجتذابها إلى الطب الذي لا يفيد إلا صحة الجسد فثمرة هذا ~~العلم طب القلوب والأرواح المتوصل به إلى حياة تدوم أبد الآباد فأين منه ~~الطب الذي يعالج به الأجساد وهي معرضة بالضرورة للفساد في أقرب الآماد ~~فنسأل الله سبحانه التوفيق للرشاد والسداد إنه كريم جواد ### | ### || كتاب العلم وفيه سبعة أبواب # الباب الأول في فضل العلم والتعليم والتعلم # الباب الثاني في فرض العين وفرض الكفاية من العلوم وبيان حد الفقه ~~والكلام من علم الدين وبيان علم الآخرة وعلم الدنيا # الباب الثالث فيما تعده العامة من علوم الدين وليس منه وفيه بيان جنس ~~العلم المذموم وقدره # الباب الرابع في آفات المناظرة وسبب اشتغال الناس بالخلاف والجدل # الباب الخامس في آداب المعلم والمتعلم # الباب السادس في آفات العلم والعلماء والعلامات الفارقة بين علماء الدنيا ~~والآخرة # الباب السابع في العقل وفضله وأقسامه وما جاء فيه من الأخبار ### ||| الباب الأول في فضل العلم والتعليم والتعلم وشواهده من النقل والعقل ### |||| فضيلة العلم # شواهدها من القرآن قوله عز وجل شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولو العلم قائما بالقسط فانظر PageV01P004 # كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه وثنى بالملائكة وثلث بأهل العلم وناهيك بهذا ~~شرفا وفضلا وجلاء ونبلا وقال الله تعالى {يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات} قال ابن عباس رضي الله عنهما للعلماء درجات فوق ~~المؤمنين بسبعمائة درجة ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام # وقال عز وجل {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} وقال تعالى ~~{إنما يخشى الله من عباده العلماء} وقال تعالى {قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم ومن عنده علم الكتاب} وقال تعالى {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا ~~آتيك به} تنبيها على أنه اقتدر بقوة العلم # وقال عز وجل {وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل ~~صالحا} بين أن عظم قدر الآخرة يعلم بالعلم # وقال تعالى {وتلك الأمثال ms0005 نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} وقال ~~تعالى {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم} رد حكمه في الوقائع إلى استنباطهم وألحق رتبتهم برتبة الأنبياء في ~~كشف حكم الله # وقيل في قوله تعالى يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم يعني ~~العلم وريشا يعني اليقين ولباس التقوى يعني الحياء # وقال عز وجل {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم} وقال تعالى {فلنقصن ~~عليهم بعلم} وقال عز وجل {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} ~~وقال تعالى {خلق الإنسان علمه البيان} وإنما ذكر ذلك في معرض الامتنان # وأما الأخبار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا ~~يفقهه في الدين ويلهمه رشده (1) وقال صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة ~~الأنبياء (2) ومعلوم أنه لا رتبة فوق النبوة ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك ~~الرتبة # وقال صلى الله عليه وسلم يستغفر للعالم ما في السموات والأرض (3) وأي ~~منصب يزيد على منصب من تشتغل ملائكة السموات والأرض بالاستغفار له # وقال صلى الله عليه وسلم إن الحكمة تزيد الشريف شرفا وترفع المملوك حتى ~~يدرك مدارك الملوك (4) وقد نبه بهذا على ثمراته في الدنيا ومعلوم أن الآخرة ~~خير وأبقى # وقال صلى الله عليه وسلم خصلتان لا يكونان في منافق حسن سمت وفقه في ~~الدين (5) ولا تشكن في الحديث لنفاق بعض فقهاء الزمان فإنه ما أراد به ~~الفقه الذي ظننته وسيأتي معنى الفقه # وأدنى درجات الفقيه أن يعلم أن الآخرة خير من الدنيا وهذه المعرفة إذا ~~صدقت وغلبت عليه برىء بها من النفاق والرياء # وقال صلى الله عليه وسلم أفضل الناس المؤمن العالم الذي إن احتيج إليه ~~نفع وإن استغني عنه أغنى نفسه (6) وقال صلى الله عليه وسلم الإيمان عريان ~~ولباسه التقوى وزينته الحياء وثمرته العلم (7) وقال صلى الله عليه وسلم ~~أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد أما أهل العلم فدلوا الناس ~~على ما جاءت به الرسل وأما أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم PageV01P005 # على ms0006 ما جاءت به الرسل (1) # وقال صلى الله عليه وسلم لموت قبيلة أيسر من موت عالم (2) وقال عليه ~~الصلاة والسلام الناس معادن كمعادن الذهب والفضة فخيارهم في الجاهلية ~~خيارهم في الإسلام إذا فقهوا (3) وقال صلى الله عليه وسلم يوزن يوم القيامة ~~مداد العلماء بدم الشهداء (4) وقال صلى الله عليه وسلم من حفظ على أمتي ~~أربعين حديثا من السنة حتى يؤديها إليهم كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة ~~(5) وقال صلى الله عليه وسلم من حمل من أمتي أربعين حديثا لقي الله عز وجل ~~يوم القيامة فقيها عالما (6) وقال صلى الله عليه وسلم من تفقه في دين الله ~~عز وجل كفاه الله تعالى ما أهمه ورزقه من حيث لا يحتسب (7) وقال صلى الله ~~عليه وسلم أوحى الله عز وجل إلى إبراهيم عليه السلام يا إبراهيم إني عليم ~~أحب كل عليم (8) وقال صلى الله عليه وسلم العالم أمين الله سبحانه في الأرض ~~(9) وقال صلى الله عليه وسلم صنفان من أمتي إذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا ~~فسد الناس الأمراء والفقهاء (10) وقال صلى الله عليه وسلم إذا أتى علي يوم ~~لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك ~~اليوم (11) وقال صلى الله عليه وسلم في تفضيل العلم على العبادة والشهادة ~~فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي (12) فانظر كيف جعل ~~العلم مقارنا لدرجة النبوة وكيف حط رتبة العمل المجرد عن العلم وإن كان ~~العابد لا يخلو عن علم بالعبادة التي يواظب عليها ولولاه لم تكن عبادة وقال ~~صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر ~~الكواكب (13) وقال صلى الله عليه وسلم يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم ~~العلماء ثم الشهداء (14) فأعظم بمرتبة هي تلو النبوة وفوق الشهادة مع ما ~~ورد في فضل الشهادة # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عبد الله تعالى بشيء أفضل من فقه ~~في الدين ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ms0007 ولكل شيء عماد وعماد هذا ~~الدين الفقه (15) وقال صلى الله عليه وسلم خير دينكم أيسره وخير العبادة ~~الفقه (16) وقال صلى الله عليه وسلم فضل المؤمن العالم على PageV01P006 # المؤمن العابد بسبعين درجة (1) وقال صلى الله عليه وسلم إنكم أصبحتم في ~~زمن كثير فقهاؤه قليل قراؤه وخطباؤه قليل سائلوه كثير معطوه العمل فيه خير ~~من العلم وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه قليل معطوه كثير ~~سائلوه العلم فيه خير من العمل (2) وقال صلى الله عليه وسلم بين العالم ~~والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة (3) وقيل يا ~~رسول الله أي الأعمال أفضل فقال العلم بالله عز وجل فقيل أي العلم تريد قال ~~صلى الله عليه وسلم العلم بالله سبحانه فقيل له نسأل عن العمل وتجيب عن ~~العلم فقال صلى الله عليه وسلم إن قليل العمل ينفع مع العلم بالله وإن كثير ~~العمل لا ينفع مع الجهل بالله (4) وقال صلى الله عليه وسلم يبعث الله ~~سبحانه العباد يوم القيامة ثم يبعث العلماء ثم يقول يا معشر العلماء إني لم ~~أضع علمي فيكم إلا لعلمي بكم ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم اذهبوا فقد غفرت ~~لكم (5) نسأل الله حسن الخاتمة # وأما الآثار فقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل يا كميل العلم ~~خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال والعلم حاكم والمال محكوم عليه ~~والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق # وقال علي أيضا رضي الله عنه العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد وإذا ~~مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه وقال رضي الله عنه ~~نظما # ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء # وقدر كل امرىء ما كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء # ففز بعلم تعش حيا به أبدا ... الناس موتى وأهل العلم أحياء # وقال أبو الأسود ليس شيء أعز من العلم الملوك حكام على الناس والعلماء ~~حكام على الملوك وقال ابن عباس رضي الله عنهما خير سليمان ms0008 بن داود عليهما ~~السلام بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه وسئل ~~ابن المبارك من الناس فقال العلماء قيل فمن الملوك قال الزهاد قيل فمن ~~السفلة قال الذين يأكلون الدنيا بالدين ولم يجعل غير العالم من الناس لأن ~~الخاصية التي يتميز بها الناس عن سائر البهائم هو العلم فالإنسان إنسان بما ~~هو شريف لأجله وليس ذلك بقوة شخصه فإن الجمل أقوى منه ولا بعظمه فإن الفيل ~~أعظم منه ولا بشجاعته فإن السبع أشجع منه ولا بأكله فإن الثور أوسع بطنا ~~منه ولا ليجامع فإن أخس العصافير أقوى على السفاد منه بل لم يخلق إلا للعلم # وقال بعض العلماء ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم وأي شيء فاته من ~~أدرك العلم # وقال عليه الصلاة والسلام من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي خيرا منه فقد ~~حقر ما عظم الله تعالى وقال فتح الموصلي رحمه الله أليس المريض إذا منع ~~الطعام والشراب والدواء يموت قالوا بلى قال كذلك القلب إذا منع عنه الحكمة ~~والعلم ثلاثة أيام يموت # ولقد صدق فإن غذاء القلب العلم والحكمة وبهما حياته كما أن غذاء الجسد ~~الطعام ومن فقد العلم فقلبه مريض وموته لازم ولكنه لا يشعر به إذ حب الدنيا ~~PageV01P007 # وشغله بها أبطل إحساسه كما أن غلبة الخوف قد تبطل ألم الجراح في الحال ~~وإن كان واقعا فإذا حط الموت عنه أعباء الدنيا أحسن بهلاكه وتحسر تحسرا ~~عظيما ثم لا ينفعه وذلك كإحساس الآمن خوفه والمفيق من سكره بما أصابه من ~~الجراحات في حالة السكر أو الخوف فنعوذ بالله من يوم كشف الغطاء فإن الناس ~~نيام فإذا ماتوا انتبهوا وقال الحسن رحمه الله يوزن مداد العلماء بدم ~~الشهداء فيرجح مداد العلماء بدم الشهداء # وقال ابن مسعود رضي الله عنه عليكم بالعلم قبل أن يرفع ورفعه موت رواته ~~فوالذي نفسي بيده ليودن رجال قتلوا في سبيل الله شهداء أن يبعثهم الله ~~علماء لما يرون من كرامتهم فإن أحدا لم يولد عالما وإنما العلم ms0009 بالتعلم # وقال ابن عباس رضي الله عنهما تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها ~~وكذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه وأحمد بن حنبل رحمة الله # وقال الحسن في قوله تعالى {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} إن ~~الحسنة في الدنيا هي العلم والعبادة وفي الآخرة هي الجنة # وقيل لبعض الحكماء أي الأشياء تقتنى قال الأشياء التي إذا غرقت سفينتك ~~سبحت معك يعني العلم وقيل أراد بغرق السفينة هلاك بدنه بالموت # وقال بعضهم من اتخذ الحكمة لجاما اتخذه الناس إماما ومن عرف بالحكمة ~~لاحظته العيون بالوقار # وقال الشافعي رحمة الله عليه من شرف العلم أن كل من نسب إليه ولو في شيء ~~حقير فرح ومن رفع عنه حزن # وقال عمر رضي الله عنه يا أيها الناس عليكم بالعلم فإن لله سبحانه رداء ~~يحبه فمن طلب بابا من العلم رداه الله عز وجل بردائه فإن أذنب ذنبا استعتبه ~~ثلاث مرات لئلا يسلبه رداءه ذلك وإن تطاول به ذلك الذنب حتى يموت # وقال الأحنف رحمه الله كاد العلماء أن يكونوا أربابا وكل عز لم يوطد بعلم ~~فإلى ذل مصيره # وقال سالم بن أبي الجعد اشتراني مولاي بثلثمائة درهم وأعتقني فقلت بأي ~~شيء أحترف فاحترفت بالعلم فما تمت لي سنة حتى أتاني أمير المدينة زائرا فلم ~~آذن له # وقال الزبير بن أبي بكر كتب إلي أبي بالعراق عليك بالعلم فإنك إن افتقرت ~~كان لك مالا وإن استغنيت كان لك جمالا وحكى ذلك في وصايا لقمان لابنه قال ~~يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله سبحانه يحيي القلوب بنور ~~الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء # وقال بعض الحكماء إذا مات العالم بكاه الحوت في الماء والطير في الهواء ~~ويفقد وجهه ولا ينسى ذكره # وقال الزهري رحمه الله العلم ذكر ولا تحبه إلا ذكران الرجال ### |||| فضيلة التعلم # أما الآيات فقوله تعالى {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين} وقوله عز وجل {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ms0010 وأما الأخبار ~~فقوله صلى الله عليه وسلم من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا ~~إلى الجنة (1) وقال صلى الله عليه وسلم إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب ~~العلم رضاء بما يصنع (2) وقال صلى الله عليه وسلم لأن تغدو فتتعلم بابا من ~~العلم خير من أن تصلي مائة ركعة (3) وقال صلى الله عليه وسلم باب من العلم ~~يتعلمه الرجل خير له من الدنيا وما فيها (4) وقال صلى الله عليه وسلم ~~اطلبوا العلم PageV01P008 # ولو بالصين (1) وقال صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم ~~وقال صلى الله عليه وسلم العلم خزائن مفاتيحها السؤال ألا فاسألوا فإنه ~~يؤجر فيه أربعة السائل والعالم والمستمع والمحب لهم (2) وقال صلى الله عليه ~~وسلم لا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله ولا للعالم أن يسكت على علمه (3) ~~وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه حضور مجلس عالم أفضل من صلاة ألف ركعة وعيادة ~~ألف مريض وشهود ألف جنازة فقيل يا رسول الله ومن قراءة القرآن فقال صلى ~~الله عليه وسلم وهل ينفع القرآن إلا بالعلم (4) وقال عليه الصلاة والسلام ~~من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام فبينه وبين الأنبياء في ~~الجنة درجة واحدة (5) وأما الآثار فقال ابن عباس رضي الله عنهما ذللت طالبا ~~فعززت مطلوبا # وكذلك قال ابن أبي مليكة رحمه الله ما رأيت مثل ابن عباس إذا رأيته رايت ~~أحسن الناس وجها وإذا تكلم فأعرب الناس لسانا وإذا أفتى فأكثر الناس علما # وقال ابن المبارك رحمه الله عجبت لمن لم يطلب العلم كيف تدعوه نفسه إلى ~~مكرمة وقال بعض الحكماء إني لا أرحم رجالا كرحمتي لأحد رجلين رجل يطلب ~~العلم ولا يفهم ورجل يفهم العلم ولا يطلبه # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه لأن أتعلم مسألة أحب إلي من قيام ليلة # وقال أيضا كن عالما أو متعلما أو مستمعا ولا تكن الرابع فتهلك # وقال عطاء مجلس علم يكفر سبعين مجلسا من مجالس اللهو # وقال عمر رضي الله عنه موت ألف ms0011 عابد قائم الليل صائم النهار أهون من موت ~~عالم بصير بحلال الله وحرامه # وقال الشافعي رضي الله عنه طلب العلم أفضل من النافلة # وقال ابن عبد الحكم رحمه الله كنت عند مالك أقرأ عليه العلم فدخل الظهر ~~فجمعت الكتب لأصلي فقال يا هذا ما الذي قمت إليه بأفضل مما كنت فيه إذا صحت ~~النية # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه من رأى أن الغدو إلى طلب العلم ليس بجهاد ~~فقد نقص في رأيه وعقله ### |||| فضيلة التعليم # أما الآيات فقوله عز وجل {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} ~~والمراد هو التعليم والإرشاد # وقوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا ~~يكتمونه وهو إيجاب للتعليم # وقوله تعالى {وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} وهو تحريم للكتمان ~~كما قال تعالى في الشهادة {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} وقال صلى الله عليه ~~وسلم ما آتى الله عالما علما إلا وأخذ عليه من الميثاق ما أخذ على النبيين ~~أن يبينوه للناس ولا يكتموه (6) وقال تعالى {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى ~~الله وعمل صالحا} وقال تعالى {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} ~~وقال تعالى {ويعلمهم الكتاب والحكمة} وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه ~~وسلم لما بعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن لأن يهدي الله بك رجلا واحدا ~~خير لك من الدنيا وما فيها // حديث قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن لأن يهدي ~~الله بك رجلا واحدا خير لك الحديث أخرجه أحمد من حديث معاذ وفي الصحيحين من ~~حديث سهل ابن سعد أنه قال ذلك لعلي PageV01P009 # وقال صلى الله عليه وسلم من تعلم بابا من العلم ليعلم الناس أعطي ثواب ~~سبعين صديقا (1) وقال عيسى صلى الله عليه وسلم من علم وعمل وعلم فذلك يدعى ~~عظيما في ملكوت السموات # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة يقول الله سبحانه ~~للعابدين والمجاهدين ادخلوا الجنة فيقول العلماء بفضل علمنا تعبدوا وجاهدوا ~~فيقول الله عز وجل أنتم عندي ms0012 كبعض ملائكتي اشفعوا تشفعوا فيشفعون ثم يدخلون ~~الجنة (2) وهذا إنما يكون بالعلم المتعدى بالتعليم لا العلم اللازم الذي لا ~~يتعدى # وقال صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل لا ينتزع العلم انتزاعا من الناس ~~بعد أن يؤتيهم إياه ولكن يذهب بذهاب العلماء فكلما ذهب عالم ذهب بما معه من ~~العلم حتى إذا لم يبق إلا رؤساء جهالا إن سئلوا أفتوا بغير علم فيضلون ~~ويضلون (3) وقال صلى الله عليه وسلم من علم علما فكتمه ألجمه الله يوم ~~القيامة بلجام من نار (4) وقال صلى الله عليه وسلم نعم العطية ونعم الهدية ~~كلمة حكمة تسمعها فتطوي عليها ثم تحملها إلى أخ لك مسلم تعلمه إياها تعدل ~~عبادة سنة (5) وقال صلى الله عليه وسلم الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ~~ذكر الله سبحانه وما والاه أو معلما أو متعلما (6) وقال صلى الله عليه وسلم ~~إن الله سبحانه وملائكته وأهل سمواته وأرضه حتى النملة في جحرها حتى الحوت ~~في البحر ليصلون على معلم الناس الخير (7) وقال صلى الله عليه وسلم ما أفاد ~~المسلم أخاه فائدة أفضل من حديث حسن بلغه فبلغه (8) وقال صلى الله عليه ~~وسلم كلمة من الخير يسمعها المؤمن فيعلمها ويعمل بها خير له من عبادة سنة ~~(9) وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فرأى مجلسين أحدهما يدعون ~~الله عز وجل ويرغبون إليه والثاني يعلمون الناس فقال أما هؤلاء فيسألون ~~الله تعالى فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم وأما هؤلاء فيعلمون الناس وإنما ~~بعثت معلما ثم عدل إليهم وجلس معهم (10) وقال صلى الله عليه وسلم مثل ما ~~بعثني الله عز وجل به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكانت ~~منها بقعة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها بقعة أمسكت ~~الماء فنفع الله عز وجل بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وكانت منها ~~طائفة قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ (11) اه فالأول ذكره مثلا للمنتفع ~~بعلمه والثاني ذكره مثلا للنافع والثالث للمحروم منهما PageV01P010 # وقال صلى الله ms0013 عليه وسلم إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ~~ينتفع به الحديث (1) وقال صلى الله عليه وسلم الدال على الخير كفاعله (2) ~~وقال صلى الله عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله عز وجل حكمة ~~فهو يقضي بها ويعلمها الناس ورجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الخير ~~(3) وقال صلى الله عليه وسلم على خلفائي رحمة الله قيل ومن خلفاؤك قال ~~الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله (4) وأما الآثار فقد قال عمر رضي ~~الله عنه من حدث حديثا فعمل به فله مثل أجر من عمل ذلك العمل # وقال ابن عباس رضي الله عنهما معلم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى ~~الحوت في البحر # وقال بعض العلماء العالم يدخل فيما بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل # وروي أن سفيان الثوري رحمه الله قدم عسقلان فمكث لا يسأله إنسان فقال ~~اكروا لي لأخرج من هذا البلد هذا بلد يموت فيه العلم # وإنما قال ذلك حرصا على فضيلة التعليم واستبقاء العلم به وقال عطاء رضي ~~الله عنه دخلت على سعيد بن المسيب وهو يبكي فقلت ما يبكيك قال ليس أحد ~~يسألني عن شيء وقال بعضهم العلماء سرج الأزمنة كل واحد مصباح زمانه يستضيء ~~به أهل عصره # وقال الحسن رحمه الله لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم أي أنهم ~~بالتعليم يخرجون الناس من حد البهيمية إلى حد الإنسانية # وقال عكرمة إن لهذا العلم ثمنا قيل وما هو قال أن تضعه فيمن يحسن حمله ~~ولا يضيعه # وقال يحيى بن معاذ العلماء أرحم بأمة محمد صلى الله عليه وسلم من آبائهم ~~وأمهاتهم قيل وكيف ذلك قال لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا وهم ~~يحفظونهم من نار الآخرة # وقيل أول العلم الصمت ثم الاستماع ثم الحفظ ثم العمل ثم نشره # وقيل علم علمك من يجهل وتعلم ممن يعلم ما تجهل فإنك إذا فعلت ذلك علمت ما ~~جهلت وحفظت ما علمت # وقال معاذ بن جبل في التعليم والتعلم ورأيته ms0014 أيضا مرفوعا تعلموا العلم ~~فإن تعلمه لله خشية وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه من ~~لا يعلمه صدقة وبذله لأهله قربة وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الخلوة ~~والدليل على الدين والمصبر على السراء والضراء والوزير عند الأخلاء والقريب ~~عند الغرباء ومنار سبيل الجنة يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة ~~سادة هداة يقتدى بهم أدلة في الخير تقتص آثارهم وترمق أفعالهم وترغب ~~الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم وكل رطب ويابس لهم يستغفر حتى حيتان ~~البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه والسماء ونجومها (5) لأن العلم حياة ~~القلوب من العمى ونور الأبصار من الظلم وقوة الأبدان من الضعف يبلغ به ~~العبد منازل الأبرار والدرجات العلى والتفكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته ~~بالقيام به يطاع الله عز وجل وبه يعبد وبه يوحد وبه يمجد وبه يتورع وبه ~~توصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام وهو إمام والعمل تابعه يلهمه السعداء ~~ويحرمه الأشقياء نسأل الله تعالى حسن التوفيق PageV01P011 ### |||| في الشواهد العقلية # اعلم أن المطلوب من هذا الباب معرفة فضيلة العلم ونفاسته وما لم تفهم ~~الفضيلة في نفسها ولم يتحقق المراد منها لم يمكن أن تعلم وجودها صفة للعلم ~~أو لغيره من الخصال فلقد ضل عن الطريق من طمع أن يعرف أن زيدا حكيم أم لا ~~وهو بعد لم يفهم معنى الحكمة وحقيقتها # والفضيلة مأخوذة من الفضل وهي الزيادة فإذا تشارك شيئان في أمر واختص ~~أحدهما بمزيد يقال فضله وله الفضل عليه مهما كانت زيادته فيما هو كمال ذلك ~~الشيء كما يقال الفرس أفضل من الحمار بمعنى أنه يشاركه في قوة الحمل ويزيد ~~عليه بقوة الكر والفر وشدة العدو وحسن الصورة فلو فرض حمار اختص بسلعة ~~زائدة لم يقل إنه أفضل لأن تلك زيادة في الجسم ونقصان في المعنى وليست من ~~الكمال في شيء والحيوان مطلوب لمعناه وصفاته لا لجسمه فإذا فهمت هذا لم يخف ~~عليك أن العلم فضيلة إن أخذته بالإضافة إلى سائر الأوصاف كما أن للفرس ~~فضيلة إن أخذته بالإضافة إلى سائر ms0015 الحيوانات بل شدة العدو فضيلة في الفرس ~~وليست فضيلة على الإطلاق والعلم فضيلة في ذاته وعلى الإطلاق من غير إضافة ~~فإنه وصف كمال الله سبحانه وبه شرف الملائكة والأنبياء بل الكيس من الخيل ~~خير من البليد فهي فضيلة على الإطلاق من غير إضافة # واعلم أن الشيء النفيس المرغوب فيه ينقسم إلى ما يطلب لغيره وإلى ما يطلب ~~لذاته وإلى ما يطلب لغيره ولذاته جميعا فما يطلب لذاته أشرف وأفضل مما يطلب ~~لغيره والمطلوب لغيره الدراهم والدنانير فإنهما حجران لا منفعة لهما ولولا ~~أن الله سبحانه وتعالى يسر قضاء الحاجات بهما لكانا والحصباء بمثابة واحدة # والذي يطلب لذاته فالسعادة في الآخرة ولذة النظر لوجه الله تعالى # والذي يطلب لذاته ولغيره فكسلامة البدن فإن سلامة الرجل مثلا مطلوبة من ~~حيث إنها سلامة للبدن عن الألم ومطلوبة للمشي بها والتوصل إلى المآرب ~~والحاجات وبهذا الاعتبار إذا نظرت إلى العلم رأيته لذيذا في نفسه فيكون ~~مطلوبا لذاته ووجدته وسيلة إلى دار الآخرة وسعادتها وذريعة إلى القرب من ~~الله تعالى ولا يتوصل إليه إلا به وأعظم الأشياء رتبة في حق الآدمي السعادة ~~الأبدية وأفضل الأشياء ما هو وسيلة إليها ولن يتوصل إليها إلا بالعلم ~~والعمل ولا يتوصل إلى العمل إلا بالعلم بكيفية العمل فأصل السعادة في ~~الدنيا والآخرة هو العلم فهو إذن أفضل الأعمال وكيف لا وقد تعرف فضيلة ~~الشيء أيضا بشرف ثمرته وقد عرفت أن ثمرة العلم القرب من رب العالمين ~~والالتحاق بأفق الملائكة ومقارنة الملأ الأعلى # هذا في الآخرة وأما في الدنيا فالعز والوقار ونفوذ الحكم على الملوك ~~ولزوم الاحترام في الطباع حتى إن أغبياء الترك وأجلاف العرب يصادفون طباعهم ~~مجبولة على التوقير لشيوخهم لاختصاصهم بمزيد علم مستفاد من التجربة بل ~~البهيمة بطبعها توقر الإنسان لشعورها بتمييز الإنسان بكمال مجاوز لدرجتها ~~هذه فضيلة العلم مطلقا ثم تختلف العلوم كما سيأتي بيانه وتتفاوت لا محالة ~~فضائلها بتفاوتها # وأما فضيلة التعليم والتعلم فظاهرة مما ذكرناه فإن العلم إذا كان أفضل ~~الأمور كان تعلمه طلبا للأفضل ms0016 فكان تعليمه إفادة للأفضل وبيانه أن مقاصد ~~الخلق مجموعة في الدين والدنيا ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا فإن الدنيا ~~مزرعة الآخرة وهي الآلة الموصلة إلى الله عز وجل لمن اتخذها آلة ومنزلا لمن ~~يتخذها مستقرا ووطنا وليس ينتظم أمر الدنيا إلا بأعمال الآدميين # وأعمالهم وحرفهم وصناعاتهم تنحصر في ثلاثة أقسام # أحدها أصول لا قوام للعالم دونها وهي أربعة الزراعة وهي للمطعم # والحياكة وهي للملبس # والبناء PageV01P012 # وهو للمسكن # والسياسة وهي للتأليف والاجتماع والتعاون على أسباب المعيشة وضبطها # الثاني ما هي مهيئة لكل واحدة من هذه الصناعات وخادمة لها كالحدادة فإنها ~~تخدم الزراعة وجملة من الصناعات بإعداد آلاتها كالحلاجة والغزل فإنها تخدم ~~الحياكة بإعداد عملها # الثالث ما هي متممة للأصول ومزينة كالطحن والخبز للزراعة وكالقصارة ~~والخياطة للحياكة وذلك بالإضافة إلى قوام أمر العالم الأرضي مثل أجزاء ~~الشخص بالإضافة إلى جملته فإنها ثلاثة أضرب أيضا إما أصول كالقلب والكبد ~~والدماغ وإما خادمة لها كالمعدة والعروق والشرايين والأعصاب والأوردة وإما ~~مكملة لها ومزينة كالأظفار والأصابع والحاجبين وأشرف هذه الصناعات أصولها ~~وأشرف أصولها السياسة بالتأليف والاستصلاح ولذلك تستدعي هذه الصناعة من ~~الكمال فيمن يتكفل بها ما لا يستدعيه سائر الصناعات ولذلك يستخدم لا محالة ~~صاحب هذه الصناعة سائر الصناع والسياسة في استصلاح الخلق وإرشادهم إلى ~~الطريق المستقيم المنجي في الدنيا والآخرة على أربع مراتب الأولى وهي ~~العليا سياسة الأنبياء عليهم السلام وحكمهم على الخاصة والعامة جميعا في ~~ظاهرهم وباطنهم # والثانية الخلفاء والملوك والسلاطين وحكمهم على الخاصة والعامة جميعا ~~ولكن على ظاهرهم لا على باطنهم # والثالثة العلماء بالله عز وجل وبدينه الذين هم ورثة الأنبياء وحكمهم على ~~باطن الخاصة فقط ولا يرتفع فهم العامة على الاستفادة منهم ولا تنتهي قوتهم ~~إلى التصرف في ظواهرهم بالإلزام والمنع والشرع # والرابعة الوعاظ وحكمهم على بواطن العوام فقط فأشرف هذه الصناعات الأربع ~~بعد النبوة إفادة العلم وتهذيب نفوس الناس عن الأخلاق المذمومة المهلكة ~~وإرشادهم إلى الأخلاق المحمودة المسعدة وهو المراد بالتعليم وإنما قلنا إن ~~هذا أفضل من سائر الحرف ms0017 والصناعات لأن شرف الصناعات يعرف بثلاثة أمور إما ~~بالالتفات إلى الغريزة التي بها يتوصل إلى معرفتها كفضل العقول العقلية على ~~اللغوية إذ تدرك الحكمة بالعقل واللغة بالسمع والعقل أشرف من السمع وإما ~~بالنظر إلى عموم النفع كفضل الزراعة على الصياغة وإما بملاحظة المحل الذي ~~فيه التصرف كفضل الصياغة على الدباغة إذ محل أحدهما الذهب ومحل الآخر جلد ~~الميتة وليس يخفي أن العلوم الدينية وهي فقه طريق الآخرة إنما تدرك بكمال ~~العقل وصفاء الذكاء والعقل أشرف صفات الإنسان كما سيأتي بيانه إذ به تقبل ~~أمانة الله وبه يتوصل إلى جوار الله سبحانه # وأما عموم النفع فلا يستراب فيه فإن نفعه وثمرته سعادة الآخرة # وأما شرف المحل فكيف يخفى والمعلم متصرف في قلوب البشر ونفوسهم وأشرف ~~موجود على الأرض جنس الإنس وأشرف جزء من جواهر الإنسان قلبه والمعلم مشتغل ~~بتكميله وتجليته وتطهيره وسياقته إلى القرب من الله عز وجل فتعليم العلم من ~~وجه عبادة لله تعالى ومن وجه خلافة لله تعالى وهو من أجل خلافة الله فإن ~~الله تعالى قد فتح على قلب العالم العلم الذي هو أخص صفاته فهو كالخازن ~~لأنفس خزائنه ثم هو مأذون له في الإنفاق منه على كل محتاج إليه فأي رتبة ~~أجل من كون العبد واسطة بين ربه سبحانه وبين خلقه في تقريبهم إلى الله زلفى ~~وسياقتهم إلى جنة المأوى جعلنا الله منهم بكرمه وصلى الله على كل عبد مصطفى ### ||| الباب الثاني في العلم المحمود والمذموم وأقسامهما وأحكامهما # وفيه بيان ما هو فرض عين وما هو فرض كفاية وبيان أن موقع الكلام والفقه ~~من علم الدين إلى أي حد هو وتفضيل علم الآخرة PageV01P013 # بيان العلم الذي هو فرض عين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب العلم ~~فريضة على كل مسلم وقال أيضا صلى الله عليه وسلم اطلبوا العلم ولو بالصين ~~واختلف الناس في العلم الذي هو فرض على كل مسلم فتفرقوا فيه أكثر من عشرين ~~فرقة ولا نطيل بنقل التفصيل ولكن حاصله أن كل فريق ms0018 نزل الوجوب على العلم ~~الذي هو بصدده فقال المتكلمون هو علم الكلام إذ به يدرك التوحيد ويعلم به ~~ذات الله سبحانه وصفاته وقال الفقهاء هو علم الفقه إذ به تعرف العبادات ~~والحلال والحرام وما يحرم من المعاملات وما يحل وعنوا به ما يحتاج إليه ~~الآحاد دون الوقائع النادرة وقال المفسرون والمحدثون هو علم الكتاب والسنة ~~إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها # وقال المتصوفة المراد به هذا العلم فقال بعضهم هو علم العبد بحاله ومقامه ~~من الله عز وجل # وقال بعضهم هو العلم بالإخلاص وآفات النفوس وتمييز لمة الملك من لمة ~~الشيطان # وقال بعضهم هو علم الباطن وذلك يجب على أقوام مخصوصين هم أهل ذلك وصرفوا ~~اللفظ عن عمومه # وقال أبو طالب المكي هو العلم بما يتضمنه الحديث الذي فيه مباني الإسلام ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله ~~(1) إلى آخر الحديث لأن الواجب هذه الخمس فيجب العلم بكيفية العمل فيها ~~وبكيفية الوجوب # والذي ينبغي أن يقطع به المحصل ولا يستريب فيه ما سنذكره وهو أن العلم ~~كما قدمناه في خطبة الكتاب ينقسم إلى علم معاملة وعلم مكاشفة وليس المراد ~~بهذا العلم إلا علم المعاملة والمعاملة التي كلف العبد العاقل البالغ العمل ~~بها ثلاثة اعتقاد وفعل وترك فإذا بلغ الرجل العاقل بالاحتلام أو السن ضحوة ~~نهار مثلا فأول واجب عليه تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناهما وهو قول لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله وليس يجب عليه أن يحصل كشف ذلك لنفسه بالنظر ~~والبحث وتحرير الأدلة بل يكفيه أن يصدق به ويعتقده جزما من غير اختلاج ريب ~~واضطراب نفس وذلك قد يحصل بمجرد التقليد والسماع من غير بحث ولا برهان إذ ~~اكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجلاف العرب بالتصديق والإقرار من ~~غير تعلم دليل (2) # فإذا فعل ذلك فقد أدى واجب الوقت وكان العلم الذي هو فرض عين عليه في ~~الوقت تعلم الكلمتين وفهمهما وليس يلزمه أمر وراء هذا في ms0019 الوقت بدليل أنه ~~لو مات عقيب ذلك مات مطيعا لله عز وجل غير عاص له وإنما يجب غير ذلك بعوارض ~~تعرض وليس ذلك ضروريا في حق كل شخص بل يتصور الانفكاك وتلك العوارض إما أن ~~تكون في الفعل وإما في الترك وإما في الاعتقاد # أما الفعل فبأن يعيش من ضحوة نهاره إلى وقت الظهر فيتجدد عليه بدخول وقت ~~الظهر تعلم الطهارة والصلاة فإن كان صحيحا وكان بحيث لو صبر إلى وقت زوال ~~الشمس لم يتمكن من تمام التعلم والعمل في الوقت بل يخرج الوقت لو اشتغل ~~بالتعلم فلا يبعد أن يقال الظاهر بقاؤه فيجب عليه تقديم التعلم على الوقت # ويحتمل أن يقال وجوب العلم الذي هو شرط العمل بعد وجوب العمل فلا يجب قبل ~~الزوال وهكذا في بقية الصلوات فإن عاش إلى رمضان تجدد بسببه وجوب تعلم ~~الصوم وهو أن وقته من الصبح إلى غروب الشمس وأن الواجب فيه النية والإمساك ~~عن الأكل والشرب والوقاع وأن ذلك يتمادى إلى رؤية الهلال أو شاهدين فإن ~~تجدد له مال أو كان له مال عند بلوغه لزمه تعلم ما يجب عليه من الزكاة ولكن ~~لا يلزمه في الحال إنما يلزمه عند PageV01P014 # تمام الحول من وقت الإسلام فإن لم يملك إلا الإبل لم يلزمه إلا تعلم زكاة ~~الإبل وكذلك في سائر الأصناف فإذا دخل في أشهر الحج فلا يلزمه المبادرة إلى ~~علم الحج مع أن فعله على التراخي فلا يكون تعلمه على الفور ولكن ينبغي ~~لعلماء الإسلام أن ينبهوه على أن الحج فرض على التراخي على كل من ملك الزاد ~~والراحلة إذا كان هو مالكا حتى ربما يرى الحزم لنفسه في المبادرة فعند ذلك ~~إذا عزم عليه لزمه تعلم كيفية الحج ولم يلزمه إلا تعلم أركانه وواجباته دون ~~نوافله فإن فعل ذلك نفل فعلمه أيضا نفل فلا يكون تعلمه فرض عين وفي تحريم ~~السكوت عن التنبيه على وجوب أصل الحج في الحال نظر يليق بالفقه وهكذا ~~التدريج في علم سائر الأفعال التي هي فرض ms0020 عين # وأما التروك فيجب تعلم علم ذلك بحسب ما يتجدد من الحال وذلك يختلف بحال ~~الشخص إذ لا يجب على الأبكم تعلم ما يحرم من الكلام ولا على الأعمى تعلم ما ~~يحرم من النظر ولا على البدوي تعلم ما يحرم الجلوس فيه من المساكن فذلك ~~أيضا واجب بحسب ما يقتضيه الحال فما يعلم أنه ينفك عنه لا يجب تعلمه وما هو ~~ملابس له يجب تنبيهه عليه كما لو كان عند الإسلام لابسا للحرير أو جالسا في ~~الغصب أو ناظرا إلى غير ذي محرم فيجب تعريفه بذلك وما ليس ملابسا له ولكنه ~~بصدد التعرض له على القرب كالأكل والشرب فيجب تعليمه حتى إذا كان في بلد ~~يتعاطى فيه شرب الخمر وأكل لحم الخنزير فيجب تعليمه ذلك وتنبيهه عليه وما ~~وجب تعليمه وجب عليه تعلمه # وأما الاعتقادات وأعمال القلوب فيجب علمها بحسب الخواطر فإن خطر له شك في ~~المعاني التي تدل عليها كلمتا الشهادة فيجب عليه تعلم ما يتوصل به إلى ~~إزالة الشك # فإن لم يخطر له ذلك ومات قبل أن يعتقد أن كلام الله سبحانه قديم وأنه ~~مرئي وأنه ليس محلا للحوادث إلى غير ذلك مما يذكر في المعتقدات فقد مات على ~~الإسلام إجماعا ولكن هذه الخواطر الموجبة للاعتقادات بعضها يخطر بالطبع ~~وبعضها يخطر بالسماع من أهل البلد فإن كان في بلد شاع فيه الكلام وتناطق ~~الناس بالبدع فينبغي أن يصان في أول بلوغه عنها بتلقين الحق فإنه لو ألقى ~~إليه الباطل لوجبت إزالته عن قلبه وربما عسر ذلك كما أنه لو كان هذا المسلم ~~تاجرا وقد شاع في البلد معاملة الربا وجب عليه تعلم الحذر من الربا وهذا هو ~~الحق في العلم الذي هو فرض عين ومعناه العلم بكيفية العمل الواجب فمن علم ~~العلم الواجب ووقت وجوبه فقد علم العلم الذي هو فرض عين وما ذكره الصوفية ~~من فهم خواطر العدو ولمة الملك حق أيضا ولكن في حق من يتصدى له فإذا كان ~~الغالب أن الإنسان لا ينفك عن دواعي ms0021 الشر والرياء والحسد فيلزمه أن يتعلم ~~من علم ربع المهلكات ما يرى نفسه محتاجا إليه وكيف لا يجب عليه وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء ~~بنفسه (1) ولا ينفك عنها بشر وبقية ما سنذكره من مذمومات أحوال القلب ~~كالكبر والعجب وأخواتها تتبع هذه الثلاث المهلكات وإزالتها فرض عين ولا ~~يمكن إزالتها إلا بمعرفة حدودها ومعرفة أسبابها ومعرفة علاماتها ومعرفة ~~علاجها فإن من لا يعرف الشر يقع فيه والعلاج هو مقابلة السبب بضده وكيف ~~يمكن دون معرفة السبب والمسبب وأكثر ما ذكرناه في ربع المهلكات من فروض ~~الأعيان وقد تركها الناس كافة اشتغالا بما لا يعنى # ومما لا ينبغي أن يبادر في إلقائه إليه إذا لم يكن قد انتقل عن ملة إلى ~~ملة أخرى الإيمان بالجنة والنار والحشر والنشر حتى يؤمن به ويصدق وهو من ~~تتمة كلمتي الشهادة فإنه بعد التصديق بكونه عليه السلام رسولا PageV01P015 # ينبغي أن يفهم الرسالة التي هو مبلغها وهو أن من أطاع الله ورسوله فله ~~الجنة ومن عصاهما فله النار فإذا انتبهت لهذا التدريج علمت أن المذهب الحق ~~هو هذا وتحققت أن كل عبد هو في مجاري أحواله في يومه وليلته لا يخلو من ~~وقائع في عبادته ومعاملاته عن تجدد لوازم عليه فيلزمه السؤال عن كل ما يقع ~~له من النوادر ويلزمه المبادرة إلى تعلم ما يتوقع وقوعه على القرب غالبا ~~فإذا تبين أنه عليه الصلاة والسلام إنما أراد بالعلم المعرف بالألف واللام ~~في قوله صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم علم العمل الذي هو ~~مشهور الوجوب على المسلمين لا غير فقد اتضح وجه التدريج ووقت وجوبه والله ~~أعلم ### |||| بيان العلم الذي هو فرض كفاية # اعلم أن الفرض لا يتميز عن غيره إلا بذكر أقسام العلوم والعلوم بالإضافة ~~إلى الغرض الذي نحن بصدده تنقسم إلى شرعية وغير شرعية وأعني بالشرعية ما ~~استفيد من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ولا يرشد العقل إليه مثل ~~الحساب ms0022 ولا التجربة مثل الطب ولا السماع مثل اللغة فالعلوم التي ليست ~~بشرعية تنقسم إلى ما هو محمود وإلى ما هو مذموم وإلى ما هو مباح فالمحمود ~~ما يرتبط به مصالح أمور الدنيا كالطب والحساب وذلك ينقسم إلى ما هو فرض ~~كفاية وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة أما فرض الكفاية فهو علم لا يستغني عنه ~~في قوام أمور الدنيا كالطب إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان وكالحساب فإنه ~~ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما وهذه هي العلوم التي ~~لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض ~~عن الآخرين # فلا يتعجب من قولنا إن الطب والحساب من فروض الكفايات فإن أصول الصناعات ~~أيضا من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والسياسة بل الحجامة والخياطة ~~فإنه لو خلا البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم وحرجوا بتعريضهم أنفسهم ~~للهلاك # فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب ~~لتعاطيه فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله # وأما ما يعد فضيلة لا فريضة فالتعمق في دقائق الحساب وحقائق الطب وغير ~~ذلك مما يستغنى عنه ولكنه يفيد زيادة قوة في القدر المحتاج إليه # وأما المذموم فعلم السحر والطلسمات وعلم الشعبذة والتلبيسات # وأما المباح منه فالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها وتواريخ الأخبار وما ~~يجري مجراه # أما العلوم الشرعية وهي المقصودة بالبيان فهي محمودة كلها ولكن قد يلتبس ~~بها ما يظن أنها شرعية وتكون مذمومة فتنقسم إلى المحمودة والمذمومة # أما المحمودة فلها أصول وفروع ومقدمات ومتممات وهي أربعة أضرب # الضرب الأول الأصول وهي أربعة كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وإجماع الأمة وآثار الصحابة والإجماع أصل من حيث إنه يدل على ~~السنة فهو أصل في الدرجة الثالثة # وكذا الأثر فإنه أيضا يدل على السنة لأن الصحابة رضي الله عنهم قد شاهدوا ~~الوحي والتنزيل وأدركوا بقرائن الأحوال ما غاب عن غيرهم عيانه وربما لا ~~تحيط العبارات بما أدرك بالقرائن # فمن هذا الوجه رأى العلماء ms0023 الاقتداء بهم والتمسك بآثارهم وذلك بشرط مخصوص ~~على وجه مخصوص عند من يراه ولا يليق بيانه بهذا الفن # الضرب الثاني الفروع وهو ما فهم من هذه الأصول لا بموجب ألفاظها بل بمعان ~~تنبه لها العقول فاتسع بسببها الفهم حتى فهم من اللفظ الملفوظ به غيره كما ~~فهم من قوله عليه السلام لا يقضي القاضي وهو غضبان (1) أنه لايقضي إذا كان ~~خائفا أو جائعا أو متألما بمرض PageV01P016 # وهذا على ضربين أحدهما يتعلق بمصالح الدنيا ويحويه كتب الفقه والمتكفل به ~~الفقهاء وهم علماء الدنيا # والثاني ما يتعلق بمصالح الآخرة وهو علم أحوال القلب وأخلاقه المحمودة ~~والمذمومة وما هو مرضي عند الله تعالى وما هو مكروه وهو الذي يحويه الشطر ~~الأخير من هذا الكتاب أعني جملة كتاب إحياء علوم الدين ومنه العلم بما ~~يترشح من القلب على الجوارح في عباداتها وعاداتها وهو الذي يحويه الشطر ~~الأول من هذا الكتاب # والضرب الثالث المقدمات وهي التي تجري منه مجرى الآلات كعلم اللغة والنحو ~~فإنهما آلة لعلم كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وليست اللغة ~~والنحو من العلوم الشرعية في أنفسهما ولكن يلزم الخوض فيهما بسبب الشرع إذ ~~جاءت هذه الشريعة بلغة العرب وكل شريعة لا تظهر إلا بلغة فيصير تعلم تلك ~~اللغة آلة ومن الآلات علم كتابة الخط إلا أن ذلك ليس ضروريا إذ كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (1) أميا # ولو تصور استقلال الحفظ بجميع ما يسمع لاستغنى عن الكتابة ولكنه صار بحكم ~~العجز في الغالب ضروريا # الضرب الرابع المتممات وذلك في علم القرآن فإنه ينقسم إلى ما يتعلق ~~باللفظ كتعلم القراءات ومخارج الحروف وإلى ما يتعلق بالمعنى كالتفسير فإن ~~اعتماده أيضا على النقل إذ اللغة بمجردها لا تستقل به وإلى ما يتعلق ~~بأحكامه كمعرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والنص والظاهر # وكيفية استعمال البعض منه مع البعض وهو العلم الذي يسمى أصول الفقه ~~ويتناول السنة أيضا # وأما المتممات في الآثار والأخبار فالعلم بالرجال وأسمائهم وأنسابهم ~~وأسماء الصحابة وصفاتهم والعلم بالعدالة ms0024 في الرواة والعلم بأحوالهم ليميز ~~الضعيف عن القوي والعلم بأعمارهم ليميز المرسل عن المسند وكذلك ما يتعلق به ~~فهذه هي العلوم الشرعية وكلها محمودة بل كلها من فروض الكفايات فإن قلت لم ~~ألحقت الفقه بعلم الدنيا فاعلم إن الله عز وجل أخرج آدم عليه السلام من ~~التراب وأخرج ذريته من سلالة من طين ومن ماء دافق فأخرجهم من الأصلاب إلى ~~الأرحام ومنها إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم إلى العرض ثم إلى الجنة أو إلى ~~النار فهذا مبدؤهم وهذا غايتهم وهذه منازلهم # وخلق الدنيا زادا للمعاد ليتناول منها ما يصلح للتزود فلو تناولوها ~~بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء ولكنهم تناولوها بالشهوات فتولدت ~~منها الخصومات فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم واحتاج السلطان إلى قانون ~~يسوسهم به فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا ~~تنازعوا بحكم الشهوات فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طرق سياسة الخلق ~~وضبطهم لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا ولعمري إنه متعلق أيضا بالدين ~~لكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا فإن الدنيا مزرعة الآخرة ولا يتم الدين إلا ~~بالدنيا # والملك والدين توأمان فالدين أصل والسلطان حارس وما لا أصل له فمهدوم وما ~~لا حارس له فضائع ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان وطريق الضبط في فصل ~~الحكومات بالفقه # وكما أن سياسة الخلق بالسلطنة ليس من علم الدين في الدرجة الأولى بل هو ~~معين على ما لا يتم الدين إلا به فكذلك معرفة طريق السياسة فمعلوم أن الحج ~~لا يتم إلا ببذرقة تحرس من العرب في الطريق ولكن الحج شيء وسلوك الطريق إلى ~~الحج شيء ثان والقيام بالحراسة التي لا يتم الحج إلا بها شيء ثالث ومعرفة ~~طرق الحراسة وحيلها وقوانينها شيء رابع وحاصل فن الفقه معرفة طرق السياسة ~~والحراسة ويدل على ذلك ما روي مسندا لا يفتي الناس إلا ثلاثة أمير أو مأمور ~~PageV01P017 # أو متكلف (1) فالأمير هو الإمام وقد كانوا هم المفتون والمأمور نائبه ~~والمتكلف غيرهما وهو الذي يتقلد تلك العهدة من غير حاجة # وقد كان ms0025 الصحابة رضي الله عنهم يحترزون عن الفتوى حتى كان يحيل كل منهم ~~على صاحبه وكانوا لا يحترزون إذا سئلوا عن علم القرآن وطريق الآخرة # وفي بعض الروايات بدل المتكلف المرائي فإن من تقلد خطر الفتوى وهو غير ~~متعين للحاجة فلا يقصد به إلا طلب الجاه والمال # فإن قلت هذا إن استقام لك في أحكام الجراحات والحدود والغرامات وفصل ~~الخصومات فلا يستقيم فيما يشتمل عليه ربع العبادات من الصيام والصلاة ولا ~~فيما يشتمل عليه ربع العادات من المعاملات من بيان الحلال والحرام فاعلم أن ~~أقرب ما يتكلم الفقيه فيه من الأعمال التي هي أعمال الآخرة ثلاثة الإسلام ~~والصلاة والزكاة والحلال والحرام فإذا تأملت منتهى نظر الفقيه فيها علمت ~~أنه لا يجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة وإذا عرفت هذا في هذه الثلاثة فهو في ~~غيرها أظهر # أما الإسلام فيتكلم الفقيه فيما يصح منه وفيما يفسد وفي شروطه وليس يلتفت ~~فيه إلا إلى اللسان # وأما القلب فخارج عن ولاية الفقيه لعزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أرباب السيوف والسلطنة عنه حيث قال هلا شققت عن قلبه (2) للذي قتل من تكلم ~~بكلمة الإسلام معتذرا بأنه قال ذلك من خوف السيف بل يحكم الفقيه بصحة ~~الإسلام تحت ظلال السيوف مع أنه يعلم أن السيف لم يكشف له عن نيته ولم يدفع ~~عن قلبه غشاوة الجهل والحيرة ولكنه مثير على صاحب السيف فإن السيف ممتد إلى ~~رقبته واليد ممتدة إلى ماله وهذه الكلمة باللسان تعصم رقبته وماله ما دام ~~له رقبة ومال وذلك في الدنيا ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم (3) جعل أثر ذلك في الدم والمال # وأما الآخرة فلا تنفع فيها الأموال بل أنوار القلوب وأسرارها وإخلاصها ~~وليس ذلك من الفقه وإن خاض الفقيه فيه كان كما لو خاض في الكلام والطب وكان ~~خارجا عن فنه # وأما الصلاة فالفقيه يفتي بالصحة إذا أتى بصورة الأعمال مع ظاهر ms0026 الشروط ~~وإن كان غافلا في جميع صلاته من أولها إلى آخرها مشغولا بالتفكير في حساب ~~معاملاته في السوق إلا عند التكبير وهذه الصلاة لا تنفع في الآخرة كما أن ~~القول باللسان في الإسلام لا ينفع ولكن الفقيه يفتي بالصحة أي أن ما فعله ~~حصل به امتثال صيغة الأمر وانقطع به عنه القتل والتعزير فأما الخشوع وإحضار ~~القلب الذي هو عمل الآخرة وبه ينفع العمل الظاهر لا يتعرض له الفقيه ولو ~~تعرض له لكان خارجا عن فنه وأما الزكاة فالفقيه ينظر إلى ما يقطع به مطالبة ~~السلطان حتى إنه إذا امتنع عن أدائها فأخذها السلطان قهرا حكم بأنه برئت ~~ذمته # وحكى أن أبا يوسف القاضي كان يهب ماله لزوجته آخر الحول ويستوهب مالها ~~إسقاطا للزكاة فحكى ذلك لأبي حنيفة رحمه الله فقال ذلك من فقهه # وصدق فإن ذلك من فقه الدنيا ولكن مضرته في الآخرة أعظم من كل جناية ومثل ~~هذا هو العلم الضار # وأما الحلال والحرام فالورع عن الحرام من الدين ولكن الورع له أربع مراتب # الأولى الورع الذي يشترط في عدالة الشهادة وهو الذي يخرج بتركه الإنسان ~~عن أهلية الشهادة والقضاء والولاية وهو الاحتراز عن الحرام الظاهر # الثانية ورع الصالحين وهو التوقي من الشبهات التي يتقابل فيها الاحتمالات # قال صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى مالا يريبك (4) وقال صلى الله ~~عليه وسلم الإثم حزاز القلوب (5) # الثالثة ورع PageV01P018 # المتقين وهو ترك الحلال المحض الذي يخاف منه أداؤه إلى الحرام # قال صلى الله عليه وسلم لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس به ~~مخافة مما به بأس (1) وذلك مثل التورع عن التحدث بأحوال الناس خيفة من ~~الانجرار إلى الغيبة والتورع عن أكل الشهوات خيفة من هيجان النشاط والبطر ~~المؤدي إلى مقارفة المحظورات # الرابعة ورع الصديقين وهو الإعراض عما سوى الله تعالى خوفا من صرف ساعة ~~من العمر إلى ما لا يفيد زيادة قرب عند الله عز وجل وإن كان يعلم ويتحقق ~~أنه لا يفضي إلى حرام ms0027 فهذه الدرجات كلها خارجة عن نظر الفقيه إلا الدرجة ~~الأولى وهو ورع الشهود والقضاء وما يقدح في العدالة والقيام بذلك لا ينفي ~~الإثم في الآخرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوابصة استفت قلبك وإن ~~أفتوك وإن أفتوك (2) والفقيه لا يتكلم في حزازات القلوب وكيفية العمل بها ~~بل فيما يقدح في العدالة فقط فإن جميع نظر الفقيه مرتبط بالدنيا التي بها ~~صلاح طريق الآخرة فإن تكلم في شيء من صفات القلب وأحكام الآخرة فذلك يدخل ~~في كلامه على سبيل التطفل كما قد يدخل في كلامه شيء من الطب والحساب ~~والنجوم وعلم الكلام وكما تدخل الحكمة في النحو والشعر # وكان سفيان الثوري وهو إمام في علم الظاهر يقول إن طلب هذا ليس من زاد ~~الآخرة كيف وقد اتفقوا على أن الشرف في العلم العمل به فكيف يظن أنه علم ~~الظهار واللعان والسلم والإجارة والصرف ومن تعلم هذه الأمور ليتقرب بها إلى ~~الله تعالى فهو مجنون وإنما العمل بالقلب والجوارح في الطاعات والشرف هو ~~تلك الأعمال فإن قلت لم سويت بين الفقه والطب إذ الطب أيضا يتعلق بالدنيا ~~وهو صحة الجسد وذلك يتعلق به أيضا صلاح الدين وهذه التسوية تخالف إجماع ~~المسلمين فاعلم أن التسوية غير لازمة بل بينهما فرق وأن الفقه أشرف منه من ~~ثلاثة أوجه # أحدها أنه علم شرعي إذ هو مستفاد من النبوة بخلاف الطب فإنه ليس من علم ~~الشرع # والثاني أنه لا يستغني عنه أحد من سالكي طريق الآخرة ألبتة لا الصحيح ولا ~~المريض # وأما الطب فلا يحتاج إليه إلا المرضى وهم الأقلون # والثالث أن علم الفقه مجاور لعلم طريق الآخرة لأنه نظر في أعمال الجوارح ~~ومصدر أعمال الجوارح ومنشؤها صفات القلوب فالمحمود من الأعمال يصدر عن ~~الأخلاق المحمودة المنجية في الآخرة والمذموم يصدر من المذموم وليس يخفى ~~اتصال الجوارح بالقلب # وأما الصحة والمرض فمنشؤهما صفاء في المزاج والأخلاط وذلك من أوصاف البدن ~~لا من أوصاف القلب فمهما أضيف الفقه إلى الطب ظهر شرفه وإذا أضيف علم ms0028 طريق ~~الآخرة إلى الفقه ظهر أيضا شرف علم طريق الآخرة # فإن قلت فصل لي علم طريق الآخرة تفصيلا يشير إلى تراجمه وإن لم يمكن ~~استقصاء تفاصيله # فاعلم أنه قسمان علم مكاشفة وعلم معاملة فالقسم الأول علم المكاشفة وهو ~~علم الباطن وذلك غاية العلوم فقد قال بعض العارفين من لم يكن له نصيب من ~~هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة وأدنى نصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله # وقال آخر من كان فيه خصلتان لم يفتح له بشيء من هذا العلم بدعة أو كبر ~~وقيل من كان محبا للدنيا أو مصرا على هوى لم يتحقق به وقد يتحقق بسائر ~~العلوم وأقل عقوبة من ينكره أنه لا يذوق منه شيئا وينشد على قوله # وارض لمن غاب عنك غيبته ... فذاك ذنب عقابه فيه # وهو علم الصديقين والمقربين أعني علم المكاشفة فهو عبارة عن نور يظهر في ~~القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته PageV01P019 # المذمومة وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم ~~لها معاني مجملة غير متضحة فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات ~~الله سبحانه وبصفاته الباقيات التامات وبأفعاله وبحكمة في خلق الدنيا ~~والآخرة ووجه ترتيبه للآخرة على الدنيا والمعرفة بمعنى النبوة والنبي ومعنى ~~الوحي ومعنى الشيطان ومعنى لفظ الملائكة والشياطين وكيفية معاداة الشياطين ~~للإنسان وكيفية ظهور الملك للأنبياء وكيفية وصول الوحي إليهم والمعرفة ~~بملكوت السموات والأرض ومعرفة القلب وكيفية تصادم جنود الملائكة والشياطين ~~فيه ومعرفة الفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان ومعرفة الآخرة والجنة والنار ~~وعذاب القبر والصراط والميزان والحساب ومعنى قوله تعالى {اقرأ كتابك كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا} ومعنى قوله تعالى {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ~~لو كانوا يعلمون} ومعنى لقاء الله عز وجل والنظر إلى وجهه الكريم ومعنى ~~القرب منه والنزول في جواره ومعنى حصول السعادة بمرافقة الملأ الأعلى ~~ومقارنة الملائكة والنبيين ومعنى تفاوت درجات أهل الجنان حتى يرى بعضهم ~~البعض كما يرى الكوكب الدري في جوف السماء إلى غير ذلك مما يطول تفصيله إذ ms0029 ~~للناس في معاني هذه الأمور بعد التصديق بأصولها مقامات شتى فبعضهم يرى أن ~~جميع ذلك أمثلة وأن الذي أعده الله لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر وأنه ليس مع الخلق من الجنة إلا الصفات والأسماء # وبعضهم يرى أن بعضها أمثلة وبعضها يوافق حقائقها المفهومة من ألفاظها ~~وكذا يرى بعضهم أن منتهى معرفة الله عز وجل الاعتراف بالعجز عن معرفته ~~وبعضهم يدعي أمورا عظيمة في المعرفة بالله عز وجل وبعضهم يقول حد معرفة ~~الله عز وجل ما انتهى إليه اعتقاد جميع العوام وهو أنه موجود عالم قادر ~~سميع بصير متكلم فنعني بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى تتضح له جلية ~~الحق في هذه الأمور اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه وهذا ممكن في ~~جوهر الإنسان لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها وخبثها بقاذورات الدنيا ~~وإنما نعني بعلم طريق الآخرة العلم بكيفية تصقيل هذه المرأة عن هذه الخبائث ~~التي هي الحجاب عن الله سبحانه وتعالى وعن معرفة صفاته وأفعاله وإنما ~~تصفيتها وتطهيرها بالكف عن الشهوات والاقتداء بالأنبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم في جميع أحوالهم فبقدر ما ينجلي من القلب ويحاذي به شطر الحق يتلألأ ~~فيه حقائقه ولا سبيل إليه إلا بالرياضة التي يأتي تفصيلها في موضعها ~~وبالعلم والتعليم وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب ولا يتحدث بها من ~~أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة ~~وبطريق الأسرار وهذا هو العلم الخفي الذي أراده صلى الله عليه وسلم بقوله ~~إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله تعالى فإذا ~~نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار بالله تعالى فلا تحقروا عالما آتاه ~~الله تعالى علما منه فإن الله عز وجل لم يحقره إذ آتاه إياه (1) وأما القسم ~~الثاني وهو علم المعاملة فهو علم أحوال القلب أما ما يحمد منها فكالصبر ~~والشكر والخوف والرجاء والرضا والزهد والتقوى والقناعة والسخاء ومعرفة ~~المنة ms0030 لله تعالى في جميع الأحوال والإحسان وحسن الظن وحسن الخلق وحسن ~~المعاشرة والصدق والإخلاص فمعرفة حقائق هذه الأحوال وحدودها وأسبابها التي ~~با تكتسب وثمرتها وعلامتها ومعالجة ما ضعف منها حتى يقوى وما زال حتى يعود ~~من علم الآخرة PageV01P020 # وأما ما يذم فخوف الفقر وسخط المقدور والغل والحقد والحسد والغش وطلب ~~العلو وحب الثناء وحب طول البقاء في الدنيا للتمتع والكبر والرياء والغضب ~~والأنفة والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والرغبة والبذخ والأشر والبطر ~~وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء والفخر والخيلاء والتنافس والمباهاة ~~والاستكبار عن الحق والخوض فيما لا يعني وحب كثرة الكلام والصلف والتزين ~~للخلق والمداهنة والعجب والاشتغال عن عيوب النفس بعيوب الناس وزوال الحزن ~~من القلب وخروج الخشية منه وشدة الانتصار للنفس إذا نالها الذل وضعف ~~الانتصار للحق واتخاذ إخوان العلانية على عداوة السر والأمن من مكر الله ~~سبحانه وتعالى في سلب ما أعطى والاتكال على الطاعة والمكر والخيانة ~~والمخادعة وطول الأمل والقسوة والفظاظة والفرح بالدنيا والأسف على فواتها ~~والأنس بالمخلوقين والوحشة لفراقهم والجفاء والطيش والعجلة وقلة الحياء ~~وقلة الرحمة فهذه وأمثالها من صفات القلب مغارس الفواحش ومنابت الأعمال ~~المحظورة # وأضدادها وهي الأخلاق المحمودة منبع الطاعات والقربات فالعلم بحدود هذه ~~الأمور وحقائقها وأسبابها وثمراتها وعلاجها هو علم الآخرة وهو فرض عين في ~~فتوى علماء الآخرة فالمعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة كما أن ~~المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا ~~فنظر الفقهاء في فروض العين بالإضافة إلى صلاح الدنيا وهذا بالإضافة إلى ~~صلاح الآخرة ولو سئل فقيه عن معنى من هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلا أو ~~عن التوكل أو عن وجه الاحتراز عن الرياء لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذي في ~~إهماله هلاكه في الآخرة ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمي لسرد ~~عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء ~~منها وإن احتيج لم تخل البلد عمن يقوم بها ويكفيه مؤنة التعب فيها فلا يزال ~~يتعب فيها ليلا ms0031 ونهارا وفي حفظه ودرسه يغفل عما هو مهم في نفسه في الدين ~~وإذا روجع فيه قال اشتغلت به لأنه علم الدين وفرض الكفاية ويلبس على نفسه ~~وعلى غيره في تعلمه والفطن يعلم أنه لو كان غرضه أداء حق الأمر في فرض ~~الكفاية لقدم عليه فرض العين بل قدم عليه كثيرا من فروض الكفايات فكم من ~~بلدة ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمة ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلق ~~بالأطباء من أحكام الفقه ثم لا نرى أحدا يشتغل به ويتهاترون على علم الفقه ~~لا سيما الخلافيات والجدليات والبلد مشحون من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوى ~~والجواب عن الوقائع فليت شعري كيف يرخص فقهاء الدين في الاشتغال بفرض كفاية ~~قد قام به جماعة وإهمال ما لا قائم به هل لهذا سبب إلا أن الطب ليس يتيسر ~~الوصول به إلى تولي الأوقاف والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلد القضاء ~~والحكومة والتقدم به على الأفران والتسلط به على الأعداء هيهات هيهات قد ~~اندرس علم الدين بتلبيس العلماء السوء فالله تعالى المستعان وإليه الملاذ ~~في أن يعيذنا من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن ويضحك الشيطان وقد كان أهل ~~الورع من علماء الظاهر مقرين بفضل علماء الباطن وأرباب القلوب كان الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يقعد الصبي في المكتب ~~ويسأله كيف يفعل في كذا وكذا فيقال له مثلك يسأل هذا البدوي فيقول إن هذا ~~وفق لما أغفلناه # وكان أحمد بن حنبل رضي الله عنه ويحيى بن معين يختلفان إلى معروف الكرخي ~~ولم يكن في علم الظاهر بمنزلتهما وكانا يسألانه وكيف وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما قيل له كيف نفعل إذا جاءنا أمر لم نجده في كتاب ولا سنة ~~فقال صلى الله عليه وسلم سلوا الصالحين واجعلوه شورى بينهم PageV01P021 # (1) ولذلك قيل علماء الظاهر زينة الأرض والملك وعلماء الباطن زينة السماء ~~والملكوت # وقال الجنيد رحمه الله قال لي السري شيخي يوما إذا قمت من عندي فمن تجالس ~~قلت المحاسبي ms0032 فقال نعم خذ من علمه وأدنه ودع عنك تشقيقه الكلام ورده على ~~المتكلمين ثم لما وليت سمعته يقول جعلك الله صاحب حديث صوفيا ولا جعلك ~~صوفيا صاحب حديث أشار إلى أن من حصل الحديث والعلم ثم تصوف أفلح ومن تصوف ~~قبل العلم خاطر بنفسه # فإن قلت فلم لم تورد في أقسام العلوم الكلام والفلسفة وتبين أنهما ~~مذمومان أو محمودان فاعلم أن حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من الأدلة التي ~~ينتفع بها فالقرآن والأخبار مشتملة عليه وما خرج عنهما فهو إما مجادلة ~~مذمومة وهي من البدع كما سيأتي بيانه وأما مشاغبة بالتعلق بمناقضات الفرق ~~لها وتطويل بنقل المقالات التي أكثرها ترهات وهذيانات تزدريها الطباع ~~وتمجها الأسماع وبعضها خوض فيما لا يتعلق بالدين ولم يكن شيء منه مألوفا في ~~العصر الأول وكان الخوض فيه بالكلية من البدع ولكن تغير الآن حكمه إذ حدثت ~~البدعة الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة ونبعت جماعة لفقهوا لها شبها ورتبوا ~~فيها كلاما مؤلفا فصار ذلك المحذور بحكم الضرورة مأذونا فيه بل صار من فروض ~~الكفايات وهو القدر الذي يقابل به المبتدع إذا قصد الدعوة إلى البدعة وذلك ~~إلى حد محدود سنذكره في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله تعالى وأما الفلسفة ~~فليست علما برأسها بل هي أربعة أجزاء # أحدها الهندسة والحساب وهما مباحان كما سبق ولا يمنع عنهما إلا من يخاف ~~عليه أن يتجاوز بهما إلى علوم مذمومة فإن أكثر الممارسين لهما قد خرجوا ~~منهما إلى البدع فيصان الضعيف عنهما لا لعينهما كما يصان عصبى عن شاطىء ~~النهر خيفة عليه من الوقوع في النهر وكما يصان حديث العهد بالإسلام عن ~~مخالطة الكفار خوفا عليه مع أن القوي لا يندب إلى مخالطتهم # الثاني المنطق وهو بحث عن وجه الدليل وشروطه ووجه الحد وشروطه وهما ~~داخلان في علم الكلام # الثالث الإلهيات وهو بحث عن ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته وهو داخل في ~~الكلام أيضا والفلاسفة لم ينفردوا فيها بنمط آخر من العلم بل انفردوا ~~بمذاهب بعضها كفر ms0033 وبعضها بدعة وكما أن الاعتزال ليس علما برأسه بل أصحابه ~~طائفة من المتكلمين وأهل البحث والنظر انفردوا بمذاهب باطلة فكذلك الفلاسفة # والرابع الطبيعيات وبعضها مخالف للشرع والدين والحق فهو جهل وليس بعلم ~~حتى نورده في أقسام العلوم وبعضها بحث عن صفات الأجسام وخواصها وكيفية ~~استحالتها وتغيرها وهو شبيه بنظر الأطباء إلا أن الطبيب ينظر في بدن ~~الإنسان على الخصوص من حيث يمرض ويصح وهم ينظرون في جميع الأجسام من حيث ~~تتغير وتتحرك ولكن للطب فضل عليه وهو أنه محتاج إليه # وأما علومهم في الطبيعيات فلا حاجة إليها فإذن الكلام صار من جملة ~~الصناعات الواجبة على الكفاية حراسة لقلوب العوام عن تخيلات المبتدعة وإنما ~~حدث ذلك بحدوث البدع كما حدثت حاجة الإنسان إلى استئجار البذرقة في طريق ~~الحج بحدوث ظلم العرب وقطعهم الطريق ولو ترك العرب عدوانهم لم يكن استئجار ~~الحراس من شروط طريق الحج فلذلك لو ترك المبتدع هذيانه لما افتقر إلى ~~الزيادة على ما عهد في عصر الصحابة رضي الله عنهم فليعلم المتكلم حده من ~~الدين وأن موقعه منه موقع الحارس في طريق الحج فإذا تجرد الحارس للحراسة لم ~~يكن من جملة الحاج والمتكلم إذا تجرد للمناظرة والمدافعة ولم يسلك طريق ~~الآخرة ولم يشتغل بتعهد PageV01P022 # القلب وصلاحه لم يكن من جملة علماء الدين أصلا وليس عند المتكلم من الدين ~~إلا العقيدة التي شاركه فيها سائر العوام وهي من جملة أعمال ظاهر القلب ~~واللسان وإنما يتميز عن العامي بصنعة المجادلة والحراسة فأما معرفة الله ~~تعالى وصفاته وأفعاله وجميع ما أشرنا إليه في علم المكاشفة فلايحصل من علم ~~الكلام بل يكاد أن يكون الكلام حجابا عليه ومانعا عنه وإنما الوصول إليه ~~بالمجاهدة التي جعلها الله سبحانه مقدمة للهداية حيث قال تعالى {والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} # فإن قلت فقد رددت حد المتكلم إلى حراسة عقيدة العوام عن تشويش المبتدعة ~~كما أن حد البذرقة حراسة أقمشة الحجيج عن نهب العرب ورددت حد الفقيه إلى ~~حفظ القانون الذي به ms0034 يكف السلطان شر بعض أهل العدوان عن بعض وهاتان رتبتان ~~نازلتان بالإضافة إلى علم الدين وعلماء الأمة المشهورون بالفضل هم الفقهاء ~~والمتكلمون وهم أفضل الخلق عند الله تعالى فكيف تنزل درجاتهم إلى هذه ~~المنزلة السافلة بالإضافة إلى علم الدين فاعلم أن من عرف الحق بالرجال حار ~~في متاهات الضلال فاعرف الحق تعرف أهله إن كنت سالكا طريق الحق وإن قنعت ~~بالتقليد والنظر إلى ما اشتهر من درجات الفضل بين الناس فلا تغفل عن ~~الصحابة وعلو منصبهم فقد أجمع الذين عرضت بذكرهم على تقدمهم وأنهم لا يدرك ~~في الدين شأوهم ولا يشق غبارهم ولم يكن تقدمهم بالكلام والفقه بل بعلم ~~الآخرة وسلوك طريقها وما فضل أبو بكر رضي الله عنه الناس بكثرة صيام ولا ~~صلاة ولا بكثرة رواية ولا فتوى ولا كلام ولكن بشيء وقر في صدره (1) كما شهد ~~له سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم فليكن حرصك في طلب ذلك السر فهو الجوهر ~~النفيس والدر المكنون ودع عنك ما تطابق أكثر الناس عليه وعلى تفخيمه ~~وتعظيمه لأسباب ودواع يطول تفصيلها فلقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن آلاف من الصحابة رضي الله عنهم كلهم علماء بالله أثنى عليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يكن فيهم أحد يحسن صنعة الكلام ولا نصب نفسه للفتيا ~~منهم أحد إلا بضعة عشر رجلا ولقد كان ابن عمر رضي الله عنهما منهم وكان إذا ~~سئل عن الفتيا يقول للسائل اذهب إلى فلان الأمير الذي تقلد أمور الناس ~~وضعها في عنقه إشارة إلى أن الفتيا في القضايا والأحكام من توابع الولاية ~~والسلطنة ولما مات عمر رضي الله عنه قال ابن مسعود مات تسعة أعشار العلم ~~فقيل له أتقول ذلك وفينا جلة الصحابة فقال لم أرد علم الفتيا والاحكام إنما ~~أريد العلم بالله تعالى أفترى أنه أراد صنعة الكلام والجدل فما بالك لا ~~تحرص على معرفة ذلك العلم الذي مات بموت عمر تسعة أعشاره وهو الذي سد باب ~~الكلام والجدل وضرب ضبيعا بالدرة ms0035 لما أورد عليه سؤالا في تعارض آيتين في ~~كتاب الله وهجره وأمر الناس بهجره وأما قولك إن المشهورين من العلماء هم ~~الفقهاء والمتكلمون فاعلم أن ما ينال به الفضل عند الله شيء وما ينال به ~~الشهرة عند الناس شيء آخر فلقد كان شهرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~بالخلافة وكان فضله بالسر الذي وقر في قلبه وكان شهرة عمر رضي الله عنه ~~بالسياسة وكان فضله بالعلم بالله الذي مات تسعة أعشاره بموته وبقصده التقرب ~~إلى الله عز وجل في ولايته وعدله وشفقته على خلقه وهو أمر باطن في سره فأما ~~سائر أفعاله الظاهرة فيتصور صدورها من طالب الجاه والاسم والسمعة والراغب ~~في الشهرة فتكون الشهرة فيما هو المهلك والفضل فيما هو سر لا يطلع عليه أحد ~~فالفقهاء والمتكلمون مثل الخلفاء والقضاء والعلماء وقد انقسموا فمنهم من ~~أراد الله سبحانه بعلمه وفتواه وذبه عن PageV01P023 # سنة نبيه ولم يطلب به رياء ولا سمعة فأولئك أهل رضوان الله تعالى وفضلهم ~~عند الله لعملهم بعلمهم ولإرادتهم وجه الله سبحانه بفتواهم ونظرهم فإن كل ~~علم عمل فإنه فعل مكتسب وليس كل عمل علما والطبيب يقدر على التقرب إلى الله ~~تعالى بعلمه فيكون مثابا على علمه من حيث إنه عامل لله سبحانه وتعالى به ~~والسلطان يتوسط بين الخلق لله فيكون مرضيا عند الله سبحانه ومثابا لا من ~~حيث إنه متكفل بعلم الدين بل من حيث هو متقلد بعمل يقصد به التقرب إلى الله ~~عز وجل بعلمه # وأقسام ما يتقرب به إلى الله تعالى ثلاثة علم مجرد وهو علم المكاشفة وعمل ~~مجرد وهو كعدل السلطان مثلا وضبطه للناس ومركب من عمل وعلم وهو علم طريق ~~الآخرة فإن صاحبه من العلماء والعمال جميعا فانظر إلى نفسك أتكون يوم ~~القيامة في حزب علماء الله وأعمال الله تعالى أوفى حزبيهما فتضرب بسهمك مع ~~كل فريق منهما فهذا أهم عليك من التقليد لمجرد الاشتهار كما قيل # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل ms0036 # على أنا سننقل من سيرة فقهاء السلف ما تعلم به أن الذين انتحلوا مذاهبهم ~~ظلموهم وأنهم من أشد خصمائهم يوم القيامة فإنهم ما قصدوا بالعلم إلا وجه ~~الله تعالى وقد شوهد من أحوالهم ما هو من علامات علماء الآخرة كما سيأتي ~~بيانه في باب علامات علماء الآخرة فإنهم ما كانوا متجردين لعلم الفقه بل ~~كانوا مشتغلين بعلم القلوب ومراقبين لها ولكن صرفهم عن التدريس والتصنيف ~~فيه ما صرف الصحابة عن التصنيف والتدريس في الفقه مع أنهم كانوا فقهاء ~~مستقلين بعلم الفتوى والصوارف والدواعي متيقنة ولا حاجة إلى ذكرها # ونحن الآن نذكر من أحوال فقهاء الإسلام ما تعلم به أن ما ذكرناه ليس طعنا ~~فيهم بل هو طعن فيمن أظهر الاقتداء بهم منتحلا مذاهبهم وهو مخالف لهم في ~~أعمالهم وسيرهم فالفقهاء الذين هم زعماء الفقه وقادة الخلق أعني الذين كثر ~~أتباعهم في المذاهب خمسة الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة وسفيان ~~الثوري رحمهم الله تعالى # وكل واحد منهم كان عابدا وزاهدا وعالما بعلوم الآخرة وفقيها في مصالح ~~الخلق في الدنيا ومريدا بفقهه وجه الله تعالى فهذه خمس خصال اتبعهم فقهاء ~~العصر من جملتها على خصلة واحدة وهي التشمير والمبالغة في تفاريع الفقه لأن ~~الخصال الأربع لا تصلح إلا للآخرة وهذه الخصلة الواحدة تصلح للدنيا والآخرة ~~إن أريد بها الآخرة قل صلاحها للدنيا شمروا لها وادعوا بها مشابهة أولئك ~~الأئمة وهيهات أن تقاس الملائكة بالحدادين فلنورد الآن من أحوالهم ما يدل ~~على هذه الخصال الأربع فإن معرفتهم بالفقه ظاهرة # أما الإمام الشافعي رحمه الله فيدل على أنه كان عابدا ما روي أنه كان ~~يقسم الليل ثلاثة أجزاء ثلثا للعلم وثلثا للعبادة وثلثا للنوم قال الربيع ~~كان الشافعي رحمه الله يختم القرآن في رمضان ستين مرة كل ذلك في الصلاة ~~وكان البويطي أحد أصحابه يختم القرآن في رمضان في كل يوم مرة وقال الحسن ~~الكرابيسي بت مع الشافعي غير ليلة فكان يصلي نحوا من ثلث الليل فما رأيته ~~يزيد على خمسين آية ms0037 فإذا أكثر فمائة آية وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل ~~الله لنفسه ولجميع المسلمين والمؤمنين ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ فيها ~~وسأل النجاة لنفسه وللمؤمنين وكأنما جمع له الرجاء والخوف معا فانظر كيف ~~يدل اقتصاره على خمسين آية على تبحره في أسرار القرآن وتدبره فيها وقال ~~الشافعي رحمه الله ما شبعت منذ ست عشرة سنة لأن الشبع يثقل البدن ويقسي ~~القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة فانظر إلى حكمته في ~~ذكر آفات الشبع ثم في جده في العبادة إذ طرح الشبع لأجلها ورأس التعبد ~~تقليل الطعام وقال الشافعي رحمه الله ما حلفت بالله تعالى لا صادقا ولا ~~كاذبا قط فانظر PageV01P024 # إلى حرمته وتوقيره لله تعالى ودلالة ذلك على علمه بجلال الله سبحانه # وسئل الشافعي رضي الله عنه عن مسئلة فسكت فقيل له ألا تجيب رحمك الله ~~فقال حتى أدري الفضل في سكوتي أو في جوابي فانظر في مراقبته للسانه مع أنه ~~أشد الأعضاء تسلطا على الفقهاء وأعصاها على الضبط والقهر وبه يستبين أنه ~~كان لا يتكلم ولا يسكت لا لنيل الفضل وطلب الثواب # وقال أحمد بن يحيى بن الوزير خرج الشافعي رحمه الله تعالى يوما من سوق ~~القناديل فتبعناه فإذا رجل يسفه على رجل من أهل العلم فالتفت الشافعي إلينا ~~وقال نزهوا أسماعكم عن استماع الخنا كما تنزهون ألسنتكم عن النطق به فإن ~~المستمع شريك القائل وإن السفيه لينظر إلى أخبث شيء في إنائه فيحرص أن ~~يفرغه في أوعيتكم ولو ردت كلمة السفيه لسعد رادها كما شقي بها قائلها # وقال الشافعي رضي الله عنه كتب حكيم إلى حكيم قد أوتيت علما فلا تدنس ~~علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم # وأما زهده رضي الله عنه فقد قال الشافعي رحمه الله من ادعى أنه جمع بين ~~حب الدنيا وحب خالقها في قلبه فقد كذب # وقال الحميدي خرج الشافعي رحمه الله إلى اليمن مع بعض الولاة فانصرف إلى ~~مكة بعشرة آلاف درهم ms0038 فضرب له خباء في موضع خارجا من مكة فكان الناس يأتونه ~~فما برح من موضعه ذلك حتى فرقها كلها وخرج من الحمام مرة فأعطى الحمامي ~~مالا كثيرا وسقط سوطه من يده مرة فرفعه إنسان إليه فأعطاه جزاء عليه خمسين ~~دينارا # وسخاوة الشافعي رحمه الله أشهر من أن تحكى ورأس الزهد السخاء لأن من أحب ~~شيئا أمسكه ولم يفارق المال إلا من صغرت الدنيا في عينه وهو معنى الزهد # ويدل على قوة زهده وشدة خوفه من الله تعالى واشتغال همته بالآخرة ما روي ~~أنه روى سفيان بن عيينة حديثا في الرقائق فغشي على الشافعي فقيل له قد مات ~~فقال إن مات فقد مات أفضل زمانه # وما روى عبد الله بن محمد البلوي قال كنت أنا وعمر بن نباتة جلوسا نتذاكر ~~العباد والزهاد فقال لي عمر ما رأيت أورع ولا أفصح من محمد بن إدريس ~~الشافعي رضي الله عنه خرجت أنا وهو والحارث بن لبيد إلى الصفا وكان الحارث ~~تلميذ الصالح المري فافتتح يقرأ وكان حسن الصوت فقرأ هذه الآية عليه {هذا ~~يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} فرأيت الشافعي رحمه الله وقد تغير ~~لونه واقشعر جلده واضطرب اضطرابا شديدا وخر مغشيا عليه فلما أفاق جعل يقول ~~أعوذ بك من مقام الكاذبين وإعراض الغافلين اللهم لك خضعت قلوب العارفين ~~وذلت لك رقاب المشتاقين إلهي هب لي جودك وجللني بسترك واعف عن تقصيري بكرم ~~وجهك # قال ثم مشى وانصرفنا فلما دخلت بغداد وكان هو بالعراق فقعدت على الشط ~~أتوضأ للصلاة إذ مر بي رجل فقال لي يا غلام أحسن وضوءك أحسن الله إليك في ~~الدنيا والآخرة فالتفت فإذا أنا برجل يتبعه جماعة فأسرعت في وضوئي وجعلت ~~أقفو أثره فالتفت إلي فقال هل لك من حاجة فقلت نعم تعلمني مما علمك الله ~~شيئا فقال لي اعلم أن من صدق الله نجا ومن أشفق على دينه سلم من الردى ومن ~~زهد في الدنيا قرت عيناه مما يراه من ثواب الله تعالى غدا أفلا أزيدك ms0039 قلت ~~نعم قال من كان فيه ثلاث خصال فقد استكمل الإيمان من أمر بالمعروف وائتمر ~~ونهى عن المنكر وانتهى وحافظ على حدود الله تعالى ألا أزيدك قلت بلى فقال ~~كن في الدنيا زاهدا وفي الآخرة راغبا واصدق الله تعالى في جميع أمورك تنج ~~مع الناجين ثم مضى فسألت من هذا فقالوا هو الشافعي فانظر إلى سقوطه مغشيا ~~عليه ثم إلى وعظه كيف يدل ذلك على زهده وغاية خوفه ولا يحصل هذا الخوف ~~والزهد إلا من معرفة الله عز وجل فإنه {إنما يخشى الله من عباده العلماء} ~~ولم يستفد الشافعي رحمه الله هذا الخوف والزهد من علم كتاب السلم والإجارة ~~وسائر كتب الفقه بل هو من علوم الآخرة المستخرجة من القرآن والأخبار PageV01P025 # إذ حكم الأولين والآخرين مودعة فيهما # وأما كونه عالما بأسرار القلب وعلوم الآخرة فتعرفه من الحكم المأثورة عنه ~~روي أنه سئل عن الرياء فقال على البديهة الرياء فتنة عقدها الهوى حيال ~~أبصار قلوب العلماء فنظروا إليها بسوء اختيار النفوس فأحبطت أعمالهم # وقال الشافعي رحمه الله تعالى إذا أنت خفت على عملك العجب فانظر رضا من ~~تطلب وفي أي ثواب ترغب ومن أي عقاب ترهب وأي عافية تشكر وأي بلاء تذكر فإنك ~~إذا تفكرت في واحد من هذه الخصال صغر في عينك عملك فانظر كيف ذكر حقيقة ~~الرياء وعلاج العجب وهما من كبار آفات القلب وقال الشافعي رضي الله عنه من ~~لم يصن نفسه لم ينفعه علمه وقال رحمه الله من أطاع الله تعالى بالعلم نفعه ~~سره # وقال ما من أحد إلا له محب ومبغض فإذا كان كذلك فكن مع أهل طاعة الله عز ~~وجل وروي أن عبد القاهر بن عبد العزيز كان رجلا صالحا ورعا وكان يسأل ~~الشافعي رضي الله عنه عن مسائل في الورع والشافعي رحمه الله يقبل عليه ~~لورعه وقال للشافعي يوما أيما أفضل الصبر أو المحنة أو التمكين فقال ~~الشافعي رحمه الله التمكين درجة الأنبياء ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة ~~فإذا امتحن صبر وإذا صبر ms0040 مكن ألا ترى إن الله عز وجل امتحن إبراهيم عليه ~~السلام ثم مكنه وامتحن موسى عليه السلام ثم مكنه وامتحن أيوب عليه السلام ~~ثم مكنه وامتحن سليمان عليه السلام ثم مكنه وآتاه ملكا والتمكين أفضل ~~الدرجات قال الله عز وجل {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} وأيوب عليه السلام ~~بعد المحنة العظيمة مكن قال الله تعالى وآتيناه أهله ومثلهم معهم الآية ~~فهذا الكلام من الشافعي رحمه الله يدل على تبحره في أسرار القرآن واطلاعه ~~على مقامات السائرين إلى الله تعالى من الأنبياء والأولياء وكل ذلك من علوم ~~الآخرة # وقيل للشافعي رحمه الله متى يكون الرجل عالما قال إذا تحقق في علم الدين ~~فعلمه وتعرض لسائر العلوم فنظر فيما فاته فعند ذلك يكون عالما فإنه قيل ~~لجالينوس إنك تأمر للداء الواحد بالأدوية الكثيرة المجمعة فقال إنما ~~المقصود منها واحد وإنما يجعل معه غيره لتسكن حدته لأن الإفراد قاتل فهذا ~~وأمثاله مما لا يحصى يدل على علو رتبته في معرفة الله تعالى وعلوم الآخرة # وأما إرادته بالفقه والمناظرة فيه وجه الله تعالى فيدل عليه ما روي عنه ~~قال وددت أن الناس انتفعوا بهذا العلم وما نسب إلى شيء منه فانظر كيف اطلع ~~على آفة العلم وطلب الاسم له وكيف كان منزه القلب عن الالتفات إليه مجرد ~~النية فيه لوجه الله تعالى # وقال الشافعي رضي الله عنه ما ناظرت أحدا قط فأحببت أن يخطىء # وقال ما كلمت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان ويكون عليه رعاية من ~~الله تعالى وحفظ وما كلمت أحدا قط وأنا أبالي أن يبين الله الحق على لساني ~~أو على لسانه وقال ما أوردت الحق والحجة على أحد فقبلها مني إلا هبته ~~واعتقدت محبته ولا كابرني أحد على الحق ودافع الحجة إلا سقط من عيني ورفضته ~~فهذه العلامات هي التي تدل على إرادة الله تعالى بالفقه والمناظرة فانظر ~~كيف تابعه الناس من جملة هذه الخصال الخمس على خصلة واحدة فقط ثم كيف ~~خالفوه فيها أيضا ولهذا قال أبو ms0041 ثور رحمه الله ما رأيت ولا رأى الراءون مثل ~~الشافعي رحمه الله تعالى # وقال أحمد بن حنبل رضي الله عنه ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا ~~أدعو للشافعي رحمه الله تعالى فانظر إلى إنصاف الداعي وإلى درجة المدعو له ~~وقس به الأقران والأمثال من العلماء في هذه الأعصار وما بينهم من المشاحنة ~~والبغضاء لتعلم تقصيرهم في دعوى الاقتداء بهؤلاء ولكثرة دعائه له قال له ~~ابنه أي رجل كان الشافعي حتى تدعو له كل هذا الدعاء فقال أحمد يا بني كان ~~الشافعي رحمه الله تعالى كالشمس للدنيا وكالعافية للناس فانظر هل لهذين من ~~خلف وكان أحمد رحمه الله يقول ما مس أحد بيده محبرة إلا وللشافعي رحمه الله ~~في عنقه منة # وقال يحيى بن سعيد القطان PageV01P026 # ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو فيها للشافعي لما فتح الله عز ~~وجل عليه من العلم ووفقه للسداد فيه # ولنقتصر على هذه النبذة من أحواله فإن ذلك خارج عن الحصر وأكثر هذه ~~المناقب نقلناه من الكتاب الذي صنفه الشيخ نصر بن إبراهيم المقدسي رحمه ~~الله تعالى في مناقب الشافعي رضي الله عنه وعن جميع المسلمين # وأما الإمام مالك رضي الله عنه فإنه كان أيضا متحليا بهذه الخصال الخمس ~~فإنه قيل له ما تقول يا مالك في طلب العلم فقال حسن جميل ولكن انظر إلى ~~الذي يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فالزمه وكان رحمه الله تعالى في تعظيم ~~علم الدين مبالغا حتى كان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح ~~لحيته واستعمل الطيب وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة ثم حدث فقيل له في ذلك ~~فقال أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم # وقال مالك العلم نور يجعله الله حيث يشاء وليس بكثرة الرواية وهذا ~~الاحترام والتوقير يدل على قوة معرفته بجلال الله تعالى وأما إرادته وجه ~~الله تعالى بالعلم فيدل عليه قوله الجدال في الدين ليس بشيء # ويدل عليه قول الشافعي رحمه ms0042 الله إني شهدت مالكا وقد سئل عن ثمان وأربعين ~~مسئلة فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري # ومن يرد غير وجه الله تعالى بعلمه فلا تسمح نفسه بأن يقر على نفسه بأنه ~~لا يدري ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه إذا ذكر العلماء فمالك النجم ~~الثاقب وما أحد أمن علي من مالك # وروي أن أبا جعفر المنصور منعه من رواية الحديث في طلاق المكره ثم دس ~~عليه من يسأله فروى على ملأ من الناس ليس على مستكره طلاق فضربه بالسياط ~~ولم يترك رواية الحديث # وقال مالك رحمه الله ما كان رجل صادقا في حديثه ولا يكذب إلا متع بعقله ~~ولم يصبه مع الهرم آفة ولا خرف # وأما زهده في الدنيا فيدل عليه ما روي أن المهدي أمير المؤمنين سأله فقال ~~له هل لك من دار فقال لا ولكن أحدثك سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول نسب ~~المرء داره وسأله الرشيد هل لك دار فقال لا فأعطاه ثلاثة آلاف دينار وقال ~~اشتر بها دارا فأخذها ولم ينفقها فلما أراد الرشيد الشخوص قال لمالك رحمه ~~الله ينبغي أن تخرج معنا فإني عزمت على أن أحمل الناس على الموطأ كما حمل ~~عثمان رضي الله عنه الناس على القرآن فقال له أما حمل الناس على الموطأ ~~فليس إليه سبيل لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم افترقوا بعده في ~~الأمصار فحدثوا فعند كل أهل مصر علم وقد قال صلى الله عليه وسلم اختلاف ~~أمتي رحمة (1) وأما الخروج معك فلا سبيل إليه قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون (2) وقال صلى الله عليه وسلم المدينة ~~تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد (3) وهذه دنانيركم كما هي إن شئتم ~~فخذوها وإن شئتم فدعوها يعني أنك إنما تكلفني مفارقة المدينة لما اصطنعته ~~إلي فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهكذا كان زهد ~~مالك في الدنيا ولما حملت إليه الأموال الكثيرة من أطراف الدنيا لانتشار ms0043 ~~علمه وأصحابه كان يفرقها في وجوه الخير ودل سخاؤه على زهده وقلة حبه للدنيا ~~وليس الزهد فقد المال وإنما الزهد فراغ القلب عنه ولقد كان سليمان عليه ~~السلام في ملكه من الزهاد # ويدل على احتقاره للدنيا ما روي عن الشافعي رحمه الله أنه قال رأيت على ~~باب مالك كراعا من أفراس خراسان ويقال مصر ما رأيت أحسن منه فقلت لمالك ~~رحمه الله ما أحسنه فقال هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله فقلت دع لنفسك ~~منها دابة تركبها PageV01P027 # فقال إني أستحي من الله تعالى أن أطأ تربة فيها نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم بحافر دابة فانظر إلى سخائه إذ وهب جميع ذلك دفعة واحدة وإلى توقيره ~~لتربة المدينة # ويدل على إرادته بالعلم وجه الله تعالى واستحقار للدنيا ما روي أنه قال ~~دخلت على هارون الرشيد فقال لي يا أبا عبد الله ينبغي أن تختلف إلينا حتى ~~يسمع صبياننا منك الموطأ قال فقلت أعز الله مولانا الأمير إن هذا العلم ~~منكم خرج فإن أنتم أعزرتموه عز وإن أنتم أذللتموه ذل والعلم يؤتى ولا يأتي ~~فقال صدقت اخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا مع الناس # وأما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فلقد كان أيضا عابدا زاهدا بالله تعالى ~~خائفا منه مريدا وجه الله تعالى بعلمه فأما كونه عابدا فيعرف بما روي عن ~~ابن المبارك أنه قال كان أبو حنيفة رحمه الله له مروءة وكثرة صلاة # وروى حماد بن أبي سليمان أنه كان يحيي الليل كله # وروي أنه كان يحيي نصف الليل فمر يوما في طريق فأشار إليه إنسان وهو يمشي ~~فقال لآخر هذا هو الذي يحيي الليل كله فلم يزل بعد ذلك يحيي الليل كله وقال ~~أنا أستحي من الله سبحانهأن أوصف بما ليس في من عبادته # وأما زهده فقد روي عن الربيع بن عاصم قال أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة ~~فقدمت بأبي حنيفة عليه فأراده أن يكون حاكما على بيت المال فأبى فضربه ~~عشرين سوطا # فانظر كيف هرب من ms0044 الولاية واحتمل العذاب قال الحكم بن هشام الثقفي حدثت ~~بالشام حديثا في أبي حنيفة أنه كان من أعظم الناس أمانة وأراده السلطان على ~~أن يتولى مفاتيح خزائنه أو يضرب ظهره فاختار عذابهم له على عذاب الله تعالى # وروي أنه ذكر أبو حنيفة عند ابن المبارك فقال أتذكرون رجلا عرضت عليه ~~الدنيا بحذافيرها ففر منها # وروي عن محمد بن شجاع عن بعض أصحابه أنه قيل لأبي حنيفة قد أمر لك أمير ~~المؤمنين أبو جعفر المنصور بعشرة آلاف درهم قال فما رضي أبو حنيفة قال فلما ~~كان اليوم الذي توقع أن يؤتى بالمال فيه صلى الصبح ثم تغشى بثوبه فلم يتكلم ~~فجاء رسول الحسن بن قحطبة بالمال فدخل عليه فلم يكلمه فقال بعض من حضر ما ~~يكلمنا إلا بالكلمة بعد الكلمة أي هذه عادته فقال ضعوا المال في هذا الجراب ~~في زاوية البيت ثم أوصى أبو حنيفة بعد ذلك بمتاع بيته وقال لابنه إذا مت ~~ودفنتموني فخذ هذه البدرة واذهب بها إلى الحسن ابن قحطبة فقل له خذ وديعتك ~~التي أودعتها أبا حنيفة # قال ابنه ففعلت ذلك فقال الحسن رحمة الله على أبيك فلقد كان شحيحا على ~~دينه # وروي أنه دعي إلى ولاية القضاء فقال أنا لا أصلح لهذا فقيل له لم فقال إن ~~كنت صادقا فما أصلح لها وإن كنت كاذبا فالكاذب لا يصلح للقضاء # وأما علمه بطريق الآخرة وطريق أمور الدين ومعرفته بالله عز وجل فيدل عليه ~~شدة خوفه من الله تعالى وزهده في الدنيا وقد قال ابن جريج قد بلغني عن ~~كوفيكم هذا النعمان بن ثابت أنه شديد الخوف لله تعالى # وقال شريك النخعي كان أبو حنيفة طويل الصمت دائم الفكر قليل المحادثة ~~للناس فهذا من أوضح الأمارات على العلم الباطني والاشتغال بمهمات الدين فمن ~~أوتي الصمت والزهد فقد أوتي العلم كله فهذه نبذة من أحوال الأئمة الثلاثة # وأما الإمام أحمد بن حنبل وسفيان الثوري رحمهما الله تعالى فأتباعهما أقل ~~من أتباع هؤلاء وسفيان أقل أتباعا من أحمد ولكن ms0045 اشتهارهما بالورع والزهد ~~أظهر وجميع هذا الكتاب مشحون بحكايات أفعالهما وأقوالهما فلا حاجة إلى ~~التفصيل الآن فانظر الآن في غير هؤلاء الأئمة الثلاثة وتأمل أن هذه الأحوال ~~والأقوال والأفعال في الإعراض عن الدنيا والتجرد لله عز وجل هل يثمرها مجرد ~~العلم بفروع الفقه من معرفة السلم والإجارة والظهار والإيلاء واللعان أو ~~يثمرها علم آخر أعلى وأشرف منه وانظر إلى الذين ادعوا الاقتداء بهؤلاء ~~أصدقوا في دعواهم أم لا PageV01P028 ### ||| الباب الثالث فيما يعده العامة من العلوم المحمودة وليس منها # وفيه بيان الوجه الذي قد يكون به بعض العلوم مذموما وبيان تبديل أسامي ~~العلوم وهو الفقه والعلم والتوحيد والتذكير والحكمة وبيان القدر المحمود من ~~العلوم الشرعية والقدر المذموم منها # بيان علة ذم العلم المذموم لعلك تقول العلم هو معرفة الشيء على ما هو به ~~وهو من صفات الله تعالى فكيف يكون الشيء علما ويكون مع كونه علما مذموما ~~فاعلم أن العلم لا يذم لعينه وإنما يذم في حق العباد لأحد أسباب ثلاثة # الأول أن يكون مؤديا إلى ضرر ما إما لصاحبه أو لغيره كما يذم علم السحر ~~والطلسمات وهو حق إذ شهد القرآن له وأنه سبب يتوصل به إلى التفرقة بين ~~الزوجين وقد سحر (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم ومرض بسببه حتى أخبره ~~جبريل عليه السلام بذلك وأخرج السحر من تحت حجر في قعر بئر وهو نوع يستفاد ~~من العلم بخواص الجواهر وبأمور حسابية في مطالع النجوم فيتخذ من تلك ~~الجواهر هيكل على صورة الشخص المسحور ويرصد به وقت مخصوص من المطالع وتقرن ~~به كلمات يتلفظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع ويتوصل بسببها إلى ~~الاستعانة بالشياطين ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله تعالى العادة ~~أحوال غريبة في الشخص المسحور ومعرفة هذه الأسباب من حيث إنها معرفة ليست ~~بمذمومة ولكنها ليست تصلح إلا للإضرار بالخلق والوسيلة إلى الشر شر فكان ~~ذلك هو السبب في كونه علما مذموما بل من اتبع وليا من أولياء الله ليقتله ~~وقد اختفى منه في موضع ms0046 حريز إذا سأل الظالم عن محله لم يجز تنبيهه عليه بل ~~وجب الكذب فيه وذكر موضعه إرشاد وإفادة علم بالشيء على ما هو عليه ولكنه ~~مذموم لأدائه إلى الضرر # الثاني أن يكون مضرا بصاحبه في غالب الأمر كعلم النجوم فإنه في نفسه غير ~~مذموم لذاته إذ هو قسمان قسم حسابي وقد نطق القرآن بأن مسير الشمس والقمر ~~محسوب إذ قال عز وجل {الشمس والقمر بحسبان} وقال عز وجل {والقمر قدرناه ~~منازل حتى عاد كالعرجون القديم} والثاني الأحكام وحاصله يرجع إلى الاستدلال ~~على الحوادث بالأسباب وهو يضاهي استدلال الطبيب بالنبض على ما سيحدث من ~~المرض وهو معرفة لمجاري سنة الله تعالى وعادته في خلقه ولكن قد ذمه الشرع # قال صلى الله عليه وسلم إذا ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا ~~وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا (2) # وقال صلى الله عليه وسلم أخاف على أمتي بعدي ثلاثا حيف الأئمة والإيمان ~~بالنجوم والتكذيب بالقدر (3) # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعلموا من النجوم ما تهتدون به في البر ~~والبحر ثم أمسكوا وإنما زجر عنه من ثلاثة أوجه أحدها أنه مضر بأكثر الخلق ~~فإنه إذا ألقي إليهم أن هذه الآثار تحدث عقيب سير الكواكب وقع في نفوسهم أن ~~الكواكب هي المؤثرة وأنها الآلهة المدبرة لأنها جواهر شريفة سماوية ويعظم ~~وقعها في القلوب فيبقى القلب ملتفتا إليها ويرى الخير والشر محذورا أو ~~مرجوا من جهتها PageV01P029 # وينمحي ذكر الله سبحانه عن القلب فإنه الضعيف يقصر نظره على الوسائط ~~والعالم الراسخ هو الذي يطلع على أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ~~سبحانه وتعالى ومثال نظر الضعيف إلى حصول ضوء الشمس عقيب طلوع الشمس مثال ~~النملة لو خلق لها عقل وكانت على سطح قرطاس وهي تنظر إلى سواد الخط يتجدد ~~فتعتقد أنه فعل القلم ولا تترقى في نظرها إلى مشاهدة الأصابع ثم منها إلى ~~اليد ثم منها إلى الإرادة المحركة اليد ثم منها إلى الكاتب القادر المريد ~~ثم منه إلى خالق اليد والقدرة والإرادة فأكثر نظر الخلق مقصور ms0047 على الأسباب ~~القريبة السافلة مقطوع من الترقي إلى مسبب الأسباب فهذا أحد أسباب النهي عن ~~النجوم # وثانيها أن أحكام النجوم تخمين محض ليس يدرك في حق آحاد الأشخاص لا يقينا ~~ولا ظنا فالحكم به حكم يجهل فيكون ذمه على هذا من حيث أنه جهل لا من حيث ~~إنه علم فلقد كان ذلك معجزة لإدريس عليه السلام فيما يحكى وقد اندرس وانمحى ~~ذلك العلم وانمحق وما يتفق من إصابة المنجم على ندور فهو اتفاق لأنه قد ~~يطلع على بعض الأسباب ولا يحصل المسبب عقيبها إلا بعد شروط كثيرة ليس في ~~قدرة البشر الاطلاع على حقائقها فإن اتفق أن قدر الله تعالى بقية الأسباب ~~وقعت الإصابة وإن لم يقدر أخطأ ويكون ذلك كتخمين الإنسان في أن السماء تمطر ~~اليوم مهما رأى الغيم يجتمع وينبعث من الجبال فيتحرك ظنه بذلك وربما يحمى ~~النهار بالشمس ويذهب الغيم وربما يكون بخلافه ومجرد الغيم ليس كافيا في ~~مجيء المطر وبقية الأسباب لا تدرى وكذلك تخمين الملاح أن السفينة تسلم ~~اعتمادا على ما ألفه من العادة في الرياح ولتلك الرياح أسباب خفية هو لا ~~يطلع عليها فتارة يصيب في تخمينه وتارة يخطىء ولهذه العلة يمنع القول عن ~~النجوم أيضا # وثالثها أنه لا فائدة فيه فأقل أحواله أنه خوض في فضول لا يغني وتضييع ~~العمر الذي هو أنفس بضاعة الإنسان في غير فائدة وذلك غاية الخسران فقد مر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل والناس مجتمعون عليه فقال ما هذا فقالوا ~~رجل علامة فقال بماذا قالوا بالشعر وأنساب العرب فقال علم لا ينفع وجهل لا ~~يضر (1) وقال صلى الله عليه وسلم إنما العلم آية محكمة أو سنة قائمة أو ~~فريضة عادلة فإذن الخوض في النجوم وما يشبهه اقتحام خطر وخوض في جهالة من ~~غير فائدة فإن ما قدر كائن والاحتراز منه غير ممكن بخلاف الطب فإن الحاجة ~~ماسة إليه وأكثر أدلته بما يطلع عليه وبخلاف التعبير وإن كان تخمينا لأنه ~~جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ms0048 ولا خطر فيه # السبب الثالث الخوض في علم لا يستفيد الخائض فيه فائدة علم فهو مذموم في ~~حقه كتعلم دقيق العلوم قبل جليلها وخفيها قبل جليها وكالبحث عن الأسرار ~~الإلهية إذ يطلع الفلاسفة والمتكلمون إليها ولم يستقلوا بها ولم يستقل بها ~~وبالوقوف على طرق بعضها إلا الأنبياء والأولياء فيجب كف الناس عن البحث ~~عنها وردهم إلى ما نطق به الشرع ففي ذلك مقنع للموفق فكم من شخص خاض في ~~العلوم واستضر بها ولو لم يخض فيها لكان حاله أحسن في الدين مما صار إليه ~~ولا ينكر كون العلم ضارا لبعض الناس كما يضر لحم الطير وأنواع الحلوى ~~اللطيفة بالصبي الرضيع بل رب شخص ينفعه الجهل ببعض الأمور فلقد حكي أن بعض ~~الناس شكا إلى طبيب عقم امرأته وأنها لا تلد فجس الطبيب نبضها وقال لا حاجة ~~لك إلى دواء الولادة فإنك ستموتين إلى PageV01P030 # أربعين يوما وقد دل النبض عليه فاستشعرت المرأة الخوف العظيم وتنغص عليها ~~عيشها وأخرجت أموالها وفرقتها وأوصت وبقيت لا تأكل ولا تشرب حتى انقضت ~~المدة فلم تمت فجاء زوجها إلى الطبيب وقال له لم تمت فقال الطبيب قد علمت ~~ذلك فجامعها الآن فإنها تلد فقال كيف ذاك قال رأيتها سمينة وقد انعقد الشحم ~~على فم رحمها فعلمت أنها لا تهزل إلا بخوف الموت فخوفتها بذلك حتى هزلت ~~وزال المانع من الولادة فهذا ينبهك على استشعار خطر بعض العلوم ويفهمك معنى ~~قوله صلى الله عليه وسلم نعوذ بالله من علم لا ينفع (1) فاعتبر بهذه ~~الحكاية ولا تكن بحاثا عن علوم ذمها الشرع وزجر عنها ولازم الاقتداء ~~بالصحابة رضي الله عنهم واقتصر على اتباع السنة فالسلامة في الاتباع والخطر ~~في البحث عن الأشياء والاستقلال ولا تكثر اللجج برأيك ومعقولك ودليلك ~~وبرهانك وزعمك أني أبحث عن الأشياء لأعرفها على ما هي عليه فأي ضرر في ~~التفكر في العلم فإن ما يعود عليك من ضرره أكثر وكم من شيء تطلع عليه فيضرك ~~اطلاعك عليه ضررا يكاد يهلكك في الآخرة إن لم ms0049 يتداركك الله برحمته # واعلم أنه كما يطلع الطبيب الحاذق على أسرار في المعالجات يستبعدها من لا ~~يعرفها فكذلك الأنبياء أطباء القلوب والعلماء بأسباب الحياة الأخروية فلا ~~تتحكم على سننهم بمعقولك فتهلك فكم من شخص يصيبه عارض في أصبعه فيقتضي عقله ~~أن يطليه حتى ينبهه الطبيب الحاذق أن علاجه أن بطلى الكف من الجانب الآخر ~~من البدن فيستبعد ذلك غاية الاستبعاد من حيث لا يعلم كيفية انشعاب الأعصاب ~~ومنابتها ووجه التفافها على البدن فهكذا الأمر في طريق الآخرة وفي دقائق ~~سنن الشرع وآدابه وفي عقائده التي تعبد الناس بها أسرار ولطائف ليست في سعة ~~العقل وقوته الإحاطة بها كما أن في خواص الأحجار أمورا عجائب غاب عن أهل ~~الصنعة علمها حتى لم يقدر أحد على أن يعرف السبب الذي به يجذب المغناطيس ~~الحديد فالعجائب والغرائب في العقائد والأعمال وإفادتها لصفاء القلوب ~~ونقائها وطهارتها وتزكيتها وإصلاحها للترقي إلى جوار الله تعالى وتعرضها ~~لنفحات فضله أكثر وأعظم مما في الأدوية والعقاقير وكما أن العقول تقصر عن ~~إدراك منافع الأدوية مع أن التجربة سبيل إليها فالعقول تقصر عن إدراك ما ~~ينفع في حياة الآخرة مع أن التجربة غير متطرقة إليها وإنما كانت التجربة ~~تتطرق إليها لو رجع إلينا بعض الأموات فأخبرنا عن الأعمال المقبولة النافعة ~~المقربة إلى الله تعالى زلفى وعن الأعمال المبعدة عنه وكذا عن العقائد وذلك ~~مما لا يطمع فيه فيكفيك من منفعة العقل أن يهديك إلى صدق النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويفهمك موارد إشاراته فاعزل العقل بعد ذلك عن التصرف ولازم ~~الاتباع فلا تسلم إلا به والسلام ولذلك قال صلى الله عليه وسلم إن من العلم ~~جهلا وإن من القول عيا (2) ومعلوم أن العلم لا يكون جهلا ولكنه يؤثر تأثير ~~الجهل في الإضرار وقال أيضا صلى الله عليه وسلم قليل من التوفيق خير من ~~كثير من العلم (3) وقال عيسى عليه السلام ما أكثر الشجر وليس كلها بمثمر ~~وليس كلها بطيب وما أكثر العلوم وليس كلها بنافع ### |||| بيان ما بدل من ms0050 ألفاظ العلوم # اعلم أن منشأ التباس العلوم المذمومة بالعلوم الشرعية تحريف الأسامي ~~المحمودة وتبديلها ونقلها بالأغراض PageV01P031 # الفاسدة إلى معان غير ما أراده السلف الصالح والقرن الأول وهي خمسة ألفاظ ~~الفقه والعلم والتوحيد والتذكير والحكمة فهذه أسام محمودة والمتصفون بها ~~أرباب المناصب في الدين ولكنها نقلت الآن إلى معان مذمومة فصارت القلوب ~~تنفر عن مذمة من يتصف بمعانيها لشيوع إطلاق هذه الأسامي عليهم # اللفظ الأول الفقه فقد تصرفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل إذا خصصوه ~~بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوي والوقوف على دقائق عللها واستكثار الكلام ~~فيها وحفظ المقالات المتعلقة بها فمن كان أشد تعمقا فيها وأكثر اشتغالا بها ~~يقال هو الأفقه ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على علم طريق ~~الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال وقوة الإحاطة بحقارة ~~الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب ويدلك عليه ~~قوله عز وجل {ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} وما يحصل ~~به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان ~~والسلم والإجارة فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف بل التجرد له على الدوام ~~يقسي القلب وينزع الخشية منه كما نشاهد الآن من المتجردين له # وقال تعالى {لهم قلوب لا يفقهون بها} وأراد به معاني الإيمان دون الفتاوى ~~ولعمري إن الفقه والفهم في اللغة اسمان بمعنى واحد وإنما يتكلم في عادة ~~الاستعمال به قديما وحديثا # قال تعالى {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله} الآية فأحال قلة خوفهم من ~~الله واستعظامهم سطوة الخلق على قلة الفقه فانظر إن كان ذلك نتيجة عدم ~~الحفظ لتفريعات الفتاوى أو هو نتيجة عدم ما ذكرناه من العلوم # وقال صلى الله عليه وسلم علماء فقهاء (1) للذين وفدوا عليه وسئل سعد بن ~~إبراهيم الزهري رحمه الله أي أهل المدينة أفقه فقال أتقاهم لله تعالى فكأنه ~~أشار إلى ثمرة الفقه والتقوى ثمرة العلم الباطني دون الفتاوى والأقضية # وقال صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه قالوا بلى ms0051 قال من ~~لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤمنهم من مكر الله ولم يؤيسهم من روح الله ~~ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه (2) ولما روى أنس بن مالك قوله صلى ~~الله عليه وسلم لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من غدوة إلى طلوع الشمس ~~أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب (3) قال فالتفت إلى زيد الرقاشي وزياد ~~النميري وقال لم تكن مجالس الذكر مثل مجالسكم هذه يقص أحدكم وعظه على ~~أصحابه ويسرد الحديث سردا إنما كنا نقعد فنذكر الإيمان ونتدبر القرآن ~~ونتفقه في الدين ونعد نعم الله علينا تفقها فسمي تدبر القرآن وعد النعم ~~تفقها # قال صلى الله عليه وسلم لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات ~~الله وحتى يرى القرآن وجوها كثيرة (4) وروى أيضا موقوفا على أبي الدرداء ~~رضي الله عنه مع قوله ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشد مقتا وقد سأل فرقد ~~السبخي الحسن عن الشيء فأجابه فقال إن الفقهاء يخالفونك فقال الحسن رحمه ~~الله ثكلتك أمك فريقد وهل رأيت فقيها بعينك إنما الفقيه الزاهد في الدنيا ~~الراغب في الآخرة البصير بدينه المداوم على عبادة ربه الورع الكاف نفسه عن ~~أعراض المسلمين العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم ولم يقل في جميع في ذلك ~~الحافظ لفروع الفتاوى ولست أقول إن اسم الفقه لم يكن متناولا للفتاوى في ~~الأحكام الظاهرة ولكن كان بطريق PageV01P032 # العموم والشمول أو بطريق الاستتباع فكان إطلاقهم له على علم الآخرة أكثر # فبان من هذا التخصيص تلبيس بعث الناس على التجرد له والإعراض عن علم ~~الآخرة وأحكام القلوب ووجدوا على ذلك معينا من الطبع فإن علم الباطن غامض ~~والعمل به عسير والتوصل به إلى طلب الولاية والقضاء والجاه والمال متعذر ~~فوجد الشيطان مجالا لتحسين ذلك في القلوب بواسطة تخصيص اسم الفقه الذي هو ~~اسم محمود في الشرع # اللفظ الثاني العلم وقد كان يطلق ذلك على العلم بالله تعالى وبآياته ~~وبأفعاله في عباده وخلقه حتى أنه لما مات عمر رضي ms0052 الله عنه قال ابن مسعود ~~رحمه الله لقد مات تسعة أعشار العلم فعرفه بالألف واللام ثم فسره العلم ~~بالله سبحانه وتعالى وقد تصرفوا فيه أيضا بالتخصيص حتى شهروه في الأكثر بمن ~~يشتغل بالمناظرة مع الخصوم في المسائل الفقهية وغيرها فيقال هو العالم على ~~الحقيقة وهو الفحل في العلم ومن لا يمارس ذلك ولا يشتغل به يعد من جملة ~~الضعفاء ولا يعدونه في زمرة أهل العلم # وهذا أيضا تصرف بالتخصيص ولكن ما ورد من فضائل العلم والعلماء أكثره في ~~العلماء بالله تعالى وبأحكامه وبأفعاله وصفاته # وقد صار الآن مطلقا على من لا يحيط من علوم الشرع بشيء سوى رسوم جدلية في ~~مسائل خلافية فيعد بذلك من فحول العلماء مع جهله بالتفسير والأخبار وعلم ~~المذهب وغيره وصار ذلك سببا مهلكا لخلق كثير من أهل الطلب للعلم # اللفظ الثالث التوحيد وقد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام ومعرفة طريق ~~المجادلة والإحاطة بطرق مناقضات الخصوم والقدرة على التشدق فيها بتكثير ~~الأسئلة وإثارة الشبهات وتأليف الإلزامات حتى لقب طوائف منهم أنفسهم بأهل ~~العدل والتوحيد وسمى المتكلمون العلماء بالتوحيد مع أن جميع ما هو خاصة هذه ~~الصناعة لم يكن يعرف منها شيء في العصر الأول بل كان يشتد منهم النكير على ~~من كان يفتح بابا من الجدل والمماراة فأما ما يشتمل عليه القرآن من الأدلة ~~الظاهرة التي تسبق الأذهان إلى قبولها في أول السماع فلقد كان ذلك معلوما ~~للكل وكان العلم بالقرآن هو العلم كله وكان التوحيد عندهم عبارة عن أمر آخر ~~لا يفهمه أكثر المتكلمين وإن فهموه لم يتصفوا به وهو أن يرى الأمور كلها من ~~الله عز وجل رؤية تقطع التفاته عن الأسباب والوسائط فلا يرى الخير والشر ~~كله إلا منه جل جلاله فهذا مقام شريف إحدى ثمراته التوكل كما سيأتي بيانه ~~في كتاب التوكل # ومن ثمراته أيضا ترك شكاية الخلق وترك الغضب عليهم والرضا والتسليم لحكم ~~الله تعالى # وكانت إحدى ثمراته قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما قيل له في مرضه ms0053 ~~أنطلب لك طبيبا فقال الطبيب أمرضني وقول آخر لما مرض فقيل له ماذا قال لك ~~الطبيب في مرضك فقال قال لي إني فعال لما أريد # وسيأتي في كتاب التوكل وكتاب التوحيد شواهد ذلك # والتوحيد جو هو نفيس وله قشران أحدهما أبعد عن اللب من الآخر فخصص الناس ~~الاسم بالقشر وبصنعة الحراسة للقشر وأهملوا اللب بالكلية فالقشر الأول هو ~~أن تقول بلسانك لا إله إلا الله وهذا يسمى توحيدا مناقضا للتثليث الذي صرح ~~به النصارى ولكنه قد يصدر من المنافق الذي يخالف سره جهره # والقشر الثاني أن لا يكون في القلب مخالفة وإنكار لمفهوم هذا القول بل ~~يشتمل ظاهر القلب على اعتقاده وكذلك التصديق به وهو توحيد عوام الخلق ~~والمتكلمون كما سبق حراس هذا القشر عن تشويش المبتدعة # والثالث وهو اللباب أن يرى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع التفاته ~~عن الوسائط وأن يعبده عبادة يفرده بها فلا يعبد غيره ويخرج عن هذا التوحيد ~~اتباع الهوى فكل متبع هواه فقد اتخذ هواه معبوده # قال الله تعالى {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} وقال صلى الله عليه وسلم أبغض ~~إله عبد في الأرض PageV01P033 # عند الله تعالى هو الهوى (1) وعلى التحقيق من تأمل عرف أن عابد الصنم ليس ~~يعبد الصنم وإنما يعبد هواه إذ نفسه مائلة إلى دين آبائه فيتبع ذلك الميل ~~وميل النفس إلى المألوفات أحد المعاني التي يعبر عنها بالهوى ويخرج من هذا ~~التوحيد التسخط على الخلق والالتفات إليهم فإن من يرى الكل من الله عز وجل ~~كيف يتسخط على غيره فلقد كان التوحيد عبارة عن هذا المقام وهو مقام ~~الصديقين فانظر إلى ماذا حول وبأي قشر قنع منه وكيف اتخذوا هذا معتصما في ~~التمدح والتفاخر بما اسمه محمود مع الإفلاس عن المعنى الذي يستحق الحمد ~~الحقيقي وذلك كإفلاس من يصبح بكرة ويتوجه إلى القبلة ويقول وجهت وجهي للذي ~~فطر السموات والأرض حنيفا وهو أول كذب يفاتح الله به كل يوم إن لم يكن وجه ~~قلبه متوجها إلى الله تعالى على ms0054 الخصوص فإنه إن أراد بالوجه وجه الظاهر فما ~~وجهه إلا إلى الكعبة وما صرفه إلا عن سائر الجهات والكعبة ليست جهة للذي ~~فطر السموات والأرض حتى يكون المتوجه إليها متوجها إليه تعالى عن أن تحده ~~الجهات والأقطار # وإن أراد به وجه القلب وهو المطلوب المتعبد به فكيف يصدق في قوله وقلبه ~~متردد في أوطاره وحاجاته الدنيوية ومتصرف في طلب الحيل في جمع الأموال ~~والجاه واستكثار الأسباب ومتوجه بالكلية إليها فمتى وجه وجهه للذي فطر ~~السموات والأرض وهذه الكلمة خبر عن حقيقة التوحيد فالموحد هو الذي لا يرى ~~إلا الواحد ولا يوجه وجهه إلا إليه وهو امتثال قوله تعالى {قل الله ثم ذرهم ~~في خوضهم يلعبون} وليس المراد به القول باللسان فإنما اللسان ترجمان يصدق ~~مرة ويكذب أخرى # وإنما موقع نظر الله تعالى المترجم عنه هو القلب وهو معدن التوحيد ومنبعه # اللفظ الرابع الذكر والتذكير فقد قال الله تعالى {وذكر فإن الذكرى تنفع ~~المؤمنين} وقد ورد في الثناء على مجالس الذكر أخبار كثيرة كقوله صلى الله ~~عليه وسلم إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قيل وما رياض الجنة قال مجالس ~~الذكر (2) وفي الحديث إن لله تعالى ملائكة سياحين في الدنيا سوى ملائكة ~~الخلق إذا رأوا مجالس الذكر ينادي بعضهم بعضا ألا هلموا إلى بغيتكم ~~فيأتونهم ويحفون بهم ويستمعون ألا فاذكروا الله وذكروا أنفسكم (3) فنقل ذلك ~~إلى ما ترى أكثر الوعاظ في هذا الزمان يواظبون عليه وهو القصص والأشعار ~~والشطح والطامات أما القصص فهي بدعة وقد ورد نهي السلف عن الجلوس إلى ~~القصاص وقالوا لم يكن ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) ولا في ~~زمن أبي بكر ولا عمر رضي الله عنهما حتى ظهرت الفتنة وظهر القصاص وروي أن ~~ابن عمر رضي الله عنهما خرج من المسجد فقال ما أخرجني إلا القاص ولولاه لما ~~خرجت # وقال ضمرة قلت لسفيان الثوري نستقبل القاص بوجوهنا فقال ولوا البدع ~~ظهوركم وقال ابن عون دخلت على ابن سيرين فقال ما كان اليوم من خبر ms0055 فقلت نهى ~~الأمير القصاص أن يقصوا فقال وفق للصواب # ودخل الأعمش جامع البصرة فرأى قاصا يقص ويقول حدثنا الأعمش فتوسط الحلقة ~~وجعل ينتف شعر إبطه فقال القاص يا شيخ ألا تستحي فقال لم أنا في سنة وأنت ~~في كذب أنا الأعمش وما حدثتك وقال أحمد أكثر الناس كذبا القصاص والسؤال # وأخرج علي رضي الله عنه القصاص من مسجد جامع البصرة PageV01P034 # فلما سمع كلام الحسن البصري لم يخرجه إذا كان يتكلم في علم الآخرة ~~والتفكير بالموت والتنبيه على عيوب النفس وآفات الأعمال وخواطر الشيطان ~~ووجه الحذر منها ويذكر بآلاء الله ونعمائه وتقصير العبد في شكره ويعرف ~~حقارة الدنيا وعيوبها وتصرمها ونكث عهدها وخطر الآخرة وأهوالها فهذا هو ~~التذكير المحمود شرعا الذي روى الحث عليه في حديث أبي ذر رضي الله عنه حيث ~~قال حضور مجلس ذكر أفضل من صلاة ألف ركعة وحضور مجلس علم أفضل من عيادة ألف ~~مريض وحضور مجلس علم أفضل من شهود ألف جنازة فقيل يا رسول الله ومن قراءة ~~القرآن قال وهل تنفع قراءة القرآن إلا بالعلم (1) وقال عطاء رحمه الله مجلس ~~ذكر يكفر سبعين مجلسا من مجالس اللهو فقد اتخذ المزخرفون هذه الأحاديث حجة ~~على تزكية أنفسهم ونقلوا اسم التذكير إلى خرافاتهم وذهلوا عن طريق الذكر ~~المحمود واشتغلوا بالقصص التي تتطرق إليها الاختلافات والزيادة والنقص ~~وتخرج عن القصص الواردة في القرآن وتزيد عليها فإن من القصص ما ينفع سماعه ~~ومنها ما يضر وإن كان صدقا # ومن فتح ذلك الباب على نفسه اختلط عليه الصدق بالكذب والنافع بالضار فمن ~~هذا نهي عنه ولذلك قال أحمد بن حنبل رحمة الله ما أحوج الناس إلى قاص صادق ~~فإن كانت القصة من قصص الأنبياء عليهم السلام فيما يتعلق بأمور دينهم وكان ~~القاص صادقا صحيح الرواية فلست أرى بها بأسا فليحذر الكذب وحكايات أحوال ~~تومىء إلى هفوات أو مساهلات يقصر فهم العوام عن درك معانيها أو عن كونها ~~هفوة نادرة مردفة بتفكيرات متداركة بحسنات تغطي عليها فإن العامي يعتصم ~~بذلك في ms0056 مساهلاته وهفواته ويمهد لنفسه عذرا فيه ويحتج بأنه حكى كيت وكيت عن ~~بعض المشايخ وبعض الأكابر فكلنا بصدد المعاصي فلا غرو إن عصيت الله تعالى ~~فقد عصاه من هو أكبر مني ويفيده ذلك جراءة على الله تعالى من حيث لا يدري ~~فبعد الاحتراز عن هذين المحذورين فلا بأس به وعند ذلك يرجع إلى القصص ~~المحمودة وإلى ما يشتمل عليه القرآن ويصح في الكتب الصحيحة من الأخبار ومن ~~الناس من يستجيز وضع الحكايات المرغبة في الطاعات ويزعم أن قصده فيها دعوة ~~الخلق إلى الحق فهذه من نزعات الشيطان فإن في الصدق مندوحة عن الكذب وفيما ~~ذكر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم غنية عن الاختراع في الوعظ كيف ~~وقد كره تكلف السجع وعد ذلك من التصنع # قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لابنه عمر وقد سمعه يسجع هذا الذي ~~يبغضك إلي لا قضيت حاجتك أبدا حتى تتوب وقد كان جاءه في حاجة وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم لعبد الله بن رواحة في سجع من ثلاث كلمات إياك والسجع يا ~~ابن رواحة (2) فكأن السجع المحذور المتكلف ما زاد على كلمتين ولذلك لما قال ~~الرجل في دية الجنين كيف ندى من لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل ومثل ذلك ~~يطل فقال النبي صلى الله عليه وسلم أسجع كسجع الأعراب (3) # وأما الأشعار فتكثيرها في المواعظ مذموم # قال الله تعالى {والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} ~~وقال تعالى {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} وأكثر ما اعتاده الوعاظ من ~~الأشعار ما يتعلق بالتواصف في العشق وجمال المعشوق وروح الوصال وألم الفراق ~~والمجلس لا يحوي إلا أجلاف العوام وبواطنهم مشحونة بالشهوات وقلوبهم غير ~~منفكة عن الالتفات إلى الصور المليحة فلا تحرك الأشعار من قلوبهم إلا ما هو ~~مستكن PageV01P035 # فيها فتشتعل فيها نيران الشهوات فيزعقون ويتواجدون وأكثر ذلك أو كله يرجع ~~إلى نوع فساد فلا ينبغي أن يستعمل من الشعر إلا ما فيه موعظة أو حكمة على ms0057 ~~سبيل استشهاد واستئناس # وقد قال صلى الله عليه وسلم إن من الشعر لحكمة (1) ولو حوى المجلس الخواص ~~الذين وقع الاطلاع على استغراق قلوبهم بحب الله تعالى ولم يكن معهم غيرهم ~~فإن أولئك لا يضر معهم الشعر الذي يشير ظاهره إلى الخلق فإن المستمع ينزل ~~كل ما يسمعه على ما يستولي على قلبه كما سيأتي تحقيق ذلك في كتاب السماع ~~ولذلك كان الجنيد رحمه الله يتكلم على بضعة عشر رجلا فإن كثروا لم يتكلم ~~وما تم أهل مجلسه قط عشرين # وحضر جماعة باب دار ابن سالم فقيل له تكلم فقد حضر أصحابك فقال لا ما ~~هؤلاء أصحابي إنما هم أصحاب المجلس إن أصحابي هم الخواص وأما الشطح فنعني ~~به صنفين من الكلام أحدثه بعض الصوفية # أحدهما الدعاوي الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى والوصال المغني ~~عن الأعمال الظاهرة حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب ~~والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب فيقولون قيل لنا كذا وقلنا كذا ~~ويتشبهون فيه بالحسين بن منصور الحلاج الذي صلب لأجل إطلاقه كلمات من هذا ~~الجنس ويستشهدون بقوله أنا الحق وبما حكي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال ~~سبحاني سبحاني وهذا فن من الكلام عظيم ضرره في العوام حتى ترك جماعة من أهل ~~الفلاحة فلاحتهم وأظهروا مثل هذه الدعاوي فإن هذا الكلام يستلذه الطبع إذ ~~فيه البطالة من الأعمال مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال فلا تعجز ~~الأغبياء عن دعوى ذلك لأنفسهم ولا عن تلقف كلمات مخبطة مزخرفة ومهما أنكر ~~عليهم ذلك لم يعجزوا عن أن يقولوا هذا إنكار مصدره العلم والجدال والعلم ~~حجاب والجدل عمل النفس وهذا الحديث لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق ~~فهذا ومثله مما قد استطار في البلاد شرره وعظم في العوام ضرره حتى من نطق ~~بشيء منه فقتله أفضل في دين الله من إحياء عشرة وأما أبو يزيد البسطامي ~~رحمه الله فلا يصح عنه ما يحكى وإن سمع ذلك منه فلعله كان يحكيه عن الله عز ~~وجل في كلام ms0058 يردده في نفسه كما لو سمع وهو يقول {إنني أنا الله لا إله إلا ~~أنا فاعبدني} فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية # الصنف الثاني من الشطح كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائقة وفيها عبارات ~~هائلة وليس وراءها طائل إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها بل يصدرها عن ~~خبط في عقله وتشويش في خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه وهذا هو ~~الأكثر # وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل ~~على ضميره لقلة ممارسته للعلم وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعاني بالألفاظ ~~الرشيقة ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول ~~ويحير الأذهان أو يحمل على أن يفهم منها معاني ما أريدت بها ويكون فهم كل ~~واحد على مقتضى هواه وطبعه # وقد قال صلى الله عليه وسلم ما حدث أحدكم قوما بحديث لا يفقهونه إلا كان ~~فتنة عليهم (2) وقال صلى الله عليه وسلم كلموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ~~ينكرون أتريدون أن يكذب الله ورسوله (3) وهذا فيما يفهمه صاحبه ولا يبلغه ~~عقل المستمع فكيف فيما لا يفهمه قائله # فإن كان يفهمه القائل دون المستمع فلا يحل ذكره # وقال عيسى PageV01P036 # عليه السلام لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها ~~فتظلموهم كونوا كالطبيب الرفيق يضع الدواء في موضع الداء # وفي لفظ آخر من وضع الحكمة في غير أهلها فقد جهل ومن منعها أهلها فقد ظلم ~~إن للحكمة حقا وإن لها أهلا فأعط كل ذي حق حقه # وأما الطامات فيدخلها ما ذكرناه في الشطح وأمر آخر يخصها وهو صرف ألفاظ ~~الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الأفهام فائدة ~~كدأب الباطنية في التأويلات فهذا أيضا حرام وضرره عظيم فإن الألفاظ إذا ~~صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع ومن غير ضرورة ~~تدعو إليه من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ وسقط به منفعة ~~كلام الله ms0059 تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فإن ما يسبق منه إلى الفهم ~~لا يوثق به والباطن لا ضبط له بل تتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيله على وجوه ~~شتى وهذا أيضا من البدع الشائعة العظيمة الضرر وإنما قصد أصحابها الإغراب ~~لأن النفوس مائلة إلى الغريب ومستلذة له وبهذا الطريق توصل الباطنية إلى ~~هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم كما حكيناه من مذاهبهم ~~في كتاب المستظهر المصنف في الرد على الباطنية # ومثال تأويل أهل الطامات قول بعضهم في تأويل قوله تعالى {اذهب إلى فرعون ~~إنه طغى} أنه إشارة إلى قلبه وقال هو المراد بفرعون وهو الطاغي على كل ~~إنسان # وفي قوله تعالى {وأن ألق عصاك} أي ما يتوكأ عليه ويعتمده مما سوى الله عز ~~وجل فينبغي أن يلقيه # وفي قوله صلى الله عليه وسلم تسحروا فإن في السحور بركة (1) أراد به ~~الاستغفار في الأسحار وأمثال ذلك حتى يحرفون القرآن من أوله إلى آخره عن ~~ظاهره وعن تفسيره المنقول عن ابن عباس وسائر العلماء وبعض هذه التأويلات ~~يعلم بطلانها قطعا كتنزيل فرعون على القلب فإن فرعون شخص محسوس تواتر إلينا ~~النقل بوجوده ودعوة موسى له وكأبي جهل وأبي لهب وغيرهما من الكفار وليس من ~~جنس الشياطين والملائكة مما لم يدرك بالحس حتى يتطرق التأويل إلى ألفاظه ~~وكذا حمل السحور على الاستغفار فإنه كان صلى الله عليه وسلم يتناول الطعام ~~ويقول تسحرو (2) وهلموا إلى الغذاء المبارك (3) فهذه أمور يدرك بالتواتر ~~والحس بطلانها نقلا وبعضها يعلم بغالب الظن وذلك في أمور لا يتعلق بها ~~الإحساس فكل ذلك حرام وضلالة وإفساد للدين على الخلق ولم ينقل شيء من ذلك ~~عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن الحسن البصري مع إكبابه على دعوة الخلق ~~ووعظهم فلا يظهر لقوله صلى الله عليه وسلم من فسر القرآن برأيه فليتبوأ ~~مقعده من النار (4) معنى إلا هذا النمط وهو أن يكون غرضه ورأيه تقرير أمر ~~وتحقيقه فيستجر شهادة القرآن إليه ويحمله عليه من غير أن يشهد لتنزيله عليه ms0060 ~~دلالة لفظية لغوية أو نقلية ولا ينبغي أن يفهم منه أنه يجب أن لا يفسر ~~القرآن بالاستنباط والفكر فإن من الآيات ما نقل فيها عن الصحابة والمفسرين ~~خمسة معان وستة وسبعة # ونعلم أن جميعها غير مسموع من النبي صلى الله عليه وسلم فإنها قد تكون ~~متنافية لا تقبل الجمع فيكون ذلك مستنبطا بحسن الفهم وطول الفكر ولهذا قال ~~صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه اللهم فقهه في الدين وعلمه ~~التأويل (5) PageV01P037 # ومن يستجيز من أهل الطامات مثل هذه التأويلات مع علمه بأنها غير مرادة ~~بالألفاظ ويزعم أنه يقصد بها دعوة الخلق إلى الخالق يضاهي من يستجيز ~~الاختراع والوضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هو في نفسه حق ولكن ~~لم ينطق به الشرع كمن يضع في كل مسألة يراها حقا حديثا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فذلك ظلم وضلال ودخول في الوعيد المفهوم من قوله صلى الله عليه ~~وسلم من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (1) بل الشر في تأويل هذه ~~الألفاظ أطم وأعظم لأنها مبدلة للثقة بالألفاظ وقاطعة طريق الاستفادة ~~والفهم من القرآن بالكلية فقد عرفت كيف صرف الشيطان دواعي الخلق عن العلوم ~~المحمودة إلى المذمومة فكل ذلك من تلبيس علماء السوء بتبديل الأسامي فإن ~~اتبعت هؤلاء اعتمادا على الاسم المشهور من غير التفات إلى ما عرف في العصر ~~الأول كنت كمن طلب الشرف بالحكمة باتباع من يسمى حكيما فإن اسم الحكيم صار ~~يطلق على الطبيب والشاعر والمنجم في هذا العصر وذلك بالغفلة عن تبديل ~~الألفاظ اللفظ الخامس وهو الحكمة فإن اسم الحكيم صار يطلق على الطبيب ~~والشاعر والمنجم حتى على الذي يدحرج القرعة على أكف السوادية في شوارع ~~الطرق # والحكمة هي التي أثنى الله عز وجل عليها فقال تعالى {يؤتى الحكمة من يشاء ~~ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا} وقال صلى الله عليه وسلم كلمة من ~~الحكمة يتعلمها الرجل خير له من الدنيا وما فيها (2) فانظر ما الذي كانت ~~الحكمة عبارة ms0061 عنه وإلى ماذا نقل وقس به بقية الألفاظ واحترز عن الاغترار ~~بتلبيسات علماء السوء فإن شرهم على الدين أعظم من شر الشياطين إذ الشيطان ~~بواسطتهم يتدرج إلى انتزاع الدين من قلوب الخلق ولهذا لما سئل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن شر الخلق أبى وقال اللهم اغفر حتى كرروا عليه فقال ~~هم علماء السوء (3) فقد عرفت العلم المحمود والمذموم ومثار الالتباس وإليك ~~الخيرة في أن تنظر لنفسك فتقتدي بالسلف أو تتدلى بحبل الغرور وتتشبه بالخلف ~~فكل ما ارتضاه السلف من العلوم قد اندرس وما أكب الناس عليه فأكثره مبتدع ~~ومحدث وقد صح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ الإسلام غريبا وسيعود ~~غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء فقيل ومن الغرباء قال الذين يصلحون ما أفسده ~~الناس من سنتي والذين يحيون ما أماتوه من سنتي (4) وفي آخر هم المتمسكون ~~بما أنتم عليه اليوم (5) وفي حديث آخر الغرباء ناس قليل صالحون بين ناس ~~كثير ومن يبغضهم في الخلق أكثر ممن يحبهم (6) وقد صارت تلك العلوم غريبة ~~بحيث يمقت ذاكرها ولذلك قال الثوري رحمه الله إذا رأيت العالم كثير ~~الأصدقاء فاعلم أنه مخلط لأنه إن نطق بالحق أبغضوه ### |||| بيان القدر المحمود من العلوم المحمودة # اعلم أن العلم بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام قسم هو مذموم قليله وكثيره وقسم ~~هو محمود قليله وكثيره وكلما كان أكثر كان أحسن وأفضل وقسم يحمد منه مقدار ~~الكفاية ولا يحمد الفاضل عليه والاستقصاء فيه وهو مثل PageV01P038 # أحوال البدن فإن منها ما يحمد قليله وكثيره كالصحة والجمال ومنها ما يذم ~~قليله وكثيره كالقبح وسوء الخلق ومنها ما يحمد الاقتصاد فيه كبذل المال فإن ~~التبذير لا يحمد فيه وهو بذل وكالشجاعة فإن التهور لا يحمد فيها وإن كان من ~~جنس الشجاعة فكذلك العلم # فالقسم المذموم منه قليله وكثيره هو ما لا فائدة فيه في دين ولا دنيا إذ ~~فيه ضرر يغلب نفعه كعلم السحر والطلسمات والنجوم فبعضه لا فائدة فيه أصلا ~~وصرف العمر الذي هو أنفس ما يملكه الإنسان ms0062 إليه إضاعة وإضاعة النفيس مذمومة # ومنه ما فيه ضرر يزيد على ما يظن أنه يحصل به من قضاء وطر في الدنيا فإن ~~ذلك لا يعتد به بالإضافة إلى الضرر الحاصل عنه # وأما القسم المحمود إلى أقصى غايات الاستقصاء فهو العلم بالله تعالى ~~وبصفاته وأفعاله وسنته في خلقه وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا فإن هذا ~~علم مطلوب لذاته وللتوصل به إلى سعادة الآخرة وبذل المقدور فيه إلى أقصى ~~الجهد قصور عن حد الواجب فإنه البحر الذي لا يدرك غوره وإنما يحوم الحائمون ~~على سواحله وأطرافه بقدر ما يسر لهم وما خاض أطرافه إلا الأنبياء والأولياء ~~والراسخون في العلم على اختلاف درجاتهم بحسب اختلاف قوتهم وتفاوت تقدير ~~الله تعالى في حقهم وهذا هو العلم المكنون الذي لا يسطر في الكتب ويعين على ~~التنبه له التعلم ومشاهدة أحوال علماء الآخرة كما سيأتي علامتهم هذا في أول ~~الأمر ويعين عليه في الآخرة المجاهدة والرياضة وتصفية القلب وتفريغه عن ~~علائق الدنيا والتشبه فيها بالأنبياء والأولياء ليتضح منه لكل ساع إلى طلبه ~~بقدر الرزق لا بقدر الجهد ولكن لا غنى فيه عن الاجتهاد فالمجاهدة مفتاح ~~الهداية لا مفتاح لها سواها وأما العلوم التي لا يحمد منها إلا مقدار مخصوص ~~فهي العلوم التي أوردناها في فروض الكفايات فإن في كل علم منها اقتصارا وهو ~~الأقل واقتصادا وهو الوسط واستقصاء وراء ذلك الاقتصاد لا مرد له إلى آخر ~~العمر فكن أحد رجلين إما مشغولا بنفسك وإما متفرغا لغيرك بعد الفراغ من ~~نفسك وإياك أن تشتغل بما يصلح غيرك قبل إصلاح نفسك فإن كنت المشغول بنفسك ~~فلا تشتغل إلا بالعلم الذي هو فرض عليك بحسب ما يقتضيه حالك وما يتعلق منه ~~بالأعمال الظاهرة من تعلم الصلاة والطهارة والصوم وإنما الأهم الذي أهمله ~~الكل علم صفات القلب وما يحمد منها وما يذم إذ لا ينفك بشر عن الصفات ~~المذمومة مثل الحرص والحسد والرياء والكبر والعجب وأخواتها وجميع ذلك ~~مهلكات وإهمالها من الواجبات مع أن الاشتغال بالأعمال الظاهرة يضاهي ~~الاشتغال ms0063 بطلاء ظاهر البدن عند التأذي بالجرب والدماميل والتهاون بإخراج ~~المادة بالفصد والإسهال وحشوية العلماء يشيرون بالأعمال الظاهرة كما يشير ~~الطرقية من الأطباء بطلاء ظاهر البدن وعلماء الآخرة لا يشيرون إلا بتطهير ~~الباطن وقطع مواد الشر بإفساد منابتها وقلع مغارسها من القلب وإنما فزع ~~الأكثرون إلى الأعمال الظاهرة عن تطهير القلوب لسهولة أعمال الجوارح ~~واستصعاب أعمال القلوب كما يفزع إلى طلاء الظاهر من يستصعب شرب الأدوية ~~المرة فلا يزال يتعب في الطلاء ويزيد في المواد وتتضاعف به الأمراض فإن كنت ~~مريدا للآخرة وطالبا للنجاة وهاربا من الهلاك الأبدي فاشتغل بعلم العلل ~~الباطنة وعلاجها على ما فصلناه في ربع المهلكات ثم ينجر بك ذلك إلى ~~المقامات المحمودة المذكورة في ربع المنجيات لا محالة فإن القلب إذا فرغ من ~~المذموم امتلأ بالمحمود والأرض إذا نقيت من الحشيش نبت فيها أصناف الزرع ~~والرياحين وإن لم تفرغ من ذلك لم تنبت ذاك فلا تشتغل بفروض الكفاية لا سيما ~~وفي زمرة الخلق من قد قام بها فإن مهلك نفسه فيما به صلاح غيره سفيه فما ~~أشد حماقة من دخلت الأفاعي والعقارب تحت ثيابه وهمت بقتله وهو يطلب مذبة ~~يدفع بها الذباب عن غيره ممن لا يغنيه ولا ينجيه مما يلاقيه من تلك الحيات ~~والعقارب إذا همت به # وإن تفرغت من نفسك وتطهيرها وقدرت على ترك ظاهر الإثم وباطنه وصار ذلك ~~ديدنا PageV01P039 # لك وعادة متيسرة فيك وما أبعد ذلك منك فاشتغل بفروض الكفايات وراع ~~التدريج فيها فابتدىء بكتاب الله تعالى ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم بعلم التفسير وسائر علوم القرآن من علم الناسخ والمنسوخ والمفصول ~~والموصول والمحكم والمتشابه وكذلك في السنة ثم اشتغل بالفروع وهو علم ~~المذهب من علم الفقه دون الخلاف ثم بأصول الفقه وهكذا إلى بقية العلوم على ~~ما يتسع له العمر ويساعد فيه الوقت ولا تستغرق عمرك في فن واحد منها طلبا ~~للاستقصاء فإن العلم كثير والعمر قصير وهذه العلوم آلات ومقدمات وليست ~~مطلوبة لعينها بل لغيرها وكل ما يطلب ms0064 لغيره فلا ينبغي أن ينسى فيه المطلوب ~~ويستكثر منه فاقتصر من شائع علم اللغة على ما تفهم منه كلام العرب وتنطق به ~~ومن غريبه على غريب القرآن وغريب الحديث ودع التعمق فيه واقتصر من النحو ~~على ما يتعلق بالكتاب والسنة فما من علم إلا وله اقتصار واقتصاد واستقصاء # ونحن نشير إليها في الحديث والتفسير والفقه والكلام لتقيس بها غيرها ~~فالاقتصار في التفسير ما يبلغ ضعف القرآن في المقدار كما صنفه علي الواحدي ~~النيسابوري وهو الوجيز والاقتصاد ما يبلغ ثلاثة أضعاف القرآن كما صنفه من ~~الوسيط فيه وما وراء ذلك استقصاء مستغنى عنه فلا مرد له إلى انتهاء العمر # وأما الحديث فالاقتصار فيه تحصيل ما في الصحيحين بتصحيح نسخة على رجل ~~خبير بعلم متن الحديث # وأما حفظ أسامي الرجال فقد كفيت فيه بما تحمله عنك من قبلك ولك أن تعول ~~على كتبهم وليس يلزمك حفظ متون الصحيحين ولكن تحصله تحصيلا تقدر منه على ~~طلب ما تحتاج إليه عند الحاجة وأما الاقتصاد فيه فأن تضيف إليهما ما خرج ~~عنهما مما ورد في المسندات الصحيحة # وأما الاستقصاء فما وراء ذلك إلى استيعاب كل ما نقل من الضعيف والقوي ~~والصحيح والسقيم مع معرفة الطرق الكثيرة في النقل ومعرفة أحوال الرجال ~~وأسمائهم وأوصافهم # وأما الفقه فالاقتصار فيه على ما يحويه مختصر المزني رحمه الله وهو الذي ~~رتبناه في خلاصة المختصر والاقتصاد فيه ما يبلغ ثلاثة أمثاله وهو القدر ~~الذي أوردناه في الوسيط من المذهب والاستقصاء ما أوردناه في البسيط إلى ما ~~وراء ذلك من المطولات # وأما الكلام فمقصوده حماية المعتقدات التي نقلها أهل السنة من السلف ~~الصالح لا غير وما وراء ذلك طلب لكشف حقائق الأمور من غير طريقتها ومقصود ~~حفظ السنة تحصيل رتبة الاقتصار منه بمعتقد مختصر وهو القدر الذي أوردناه في ~~كتاب قواعد العقائد من جملة هذا الكتاب والاقتصاد فيه ما يبلغ قدر مائة ~~ورقة وهو الذي أوردناه في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد ويحتاج إليه لمناظرة ~~مبتدع ومعارضة بدعته بما يفسدها وينزعها عن ms0065 قلب العامي وذلك لا ينفع إلا مع ~~العوام قبل اشتداد تعصبهم وأما المبتدع بعد أن يعلم من الجدل ولو شيئا ~~يسيرا فقلما ينفع معه الكلام فإنك إن أفحمته لم يترك مذهبه وأحال بالقصور ~~على نفسه وقدر أن عند غيره جوابا ما وهو عاجز عنه وإنما أنت ملبس عليه بقوة ~~المجادلة # وأما العامي إذا صرف عن الحق بنوع جدل يمكن أن يرد إليه بمثله قبل أن ~~يشتد التعصب للأهواء فإذا اشتد تعصبهم وقع اليأس منهم إذ التعصب سبب يرسخ ~~العقائد في النفوس وهو من آفات علماء السوء فإنهم يبالغون في التعصب للحق ~~وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار فتنبعث منهم الدعوى ~~بالمكافأة والمقابلة والمعاملة وتتوفر بواعثهم على طلب نصرة الباطل ويقوى ~~غرضهم في التمسك بما نسبوا إليه ولو جاءوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في ~~الخلوة لا في معرض التعصب والتحقير لا نجحوا فيه ولكن لما كان الجاه لا ~~يقوم إلا بالاستتباع ولا يستميل الأتباع مثل التعصب واللعن والشتم للخصوم ~~اتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم وسموه ذبا عن الدين ونضالا عن المسلمين وفيه ~~على التحقيق هلاك الخلق ورسوخ البدعة PageV01P040 # في النفوس # وأما الخلافيات التي أحدثت في هذه الأعصار المتأخرة وأبدع فيها من ~~التحريرات والتصنيفات والمجادلات ما لم يعهد مثلها في السلف فإياك وأن تحوم ~~حولها واجتنبها اجتناب السم القاتل فإنها الداء العضال وهو الذي رد الفقهاء ~~كلهم إلى طلب المنافسة والمباهاة على ما سيأتيك تفصيل غوائلها وآفاتها # وهذا الكلام ربما يسمع من قائله فيقال الناس أعداء ما جهلوا فلا تظن ذلك ~~فعلى الخبير سقطت # فاقبل هذه النصيحة ممن ضيع العمر فيه زمانا وزاد فيه على الأولين تصنيفا ~~وتحقيقا وجدلا وبيانا ثم ألهمه الله رشده وأطلعه على عيبه فهجره واشتغل ~~بنفسه فلا يغرنك قول من يقول الفتوى عماد الشرع ولا يعرف علله إلا بعلم ~~الخلاف فإن علل المذهب مذكورة في المذهب والزيادة عليها مجادلات لم يعرفها ~~الأولون ولا الصحابة وكانوا أعلم بعلل الفتاوى من غيرهم بل هي مع أنها غير ~~مفيدة في علم ms0066 المذهب ضارة مفسدة لذوق الفقه فإن الذي يشهد له حدس المفتي ~~إذا صح ذوقه في الفقه لا يمكن تمشيته على شروط الجدل في أكثر الأمر فمن ألف ~~طبعه رسوم الجدل أذعن ذهنه لمقتضيات الجدل وجبن عن الإذعان لذوق الفقه ~~وإنما يشتغل به من يشتغل لطلب الصيت والجاه ويتعلل بأنه يطلب علل المذهب ~~وقد ينقضي عليه العمر ولا تنصرف همته إلى علم المذهب فكن من شياطين الجن في ~~أمان واحترز من شياطين الإنس فإنهم أراحوا شياطين الجن من التعب في الإغواء ~~والإضلال وبالجملة فالمرضي عند العقلاء أن تقدر نفسك في العالم وحدك مع ~~الله وبين يديك الموت والعرض والحساب والجنة والنار وتأمل فيما يعنيك مما ~~بين يديك ودع عنك ما سواه والسلام # وقد رأى بعض الشيوخ بعض العلماء في المنام فقال له ما خبر تلك العلوم ~~التي كنت تجادل فيها وتناظر عليها فبسط يده ونفخ فيها وقال طاحت كلها هباء ~~منثورا وما انتفعت إلا بركعتين خلصتا لي في جوف الليل # وفي الحديث ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل (1) ثم قرأ ما ~~ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون وفي الحديث في معنى قوله تعالى {فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ} الآية هم أهل الجدل الذين عناهم الله بقوله تعالى ~~فاحذرهم (2) وقال بعض السلف يكون في آخر الزمان قوم يغلق عليهم باب العمل ~~ويفتح لهم باب الجدل # وفي بعض الأخبار إنكم في زمان ألهمتم فيه العمل وسيأتي قوم يلهمون الجدل ~~(3) وفي الخبر المشهور أبغض الخلق إلى الله تعالى الألد الخصم (4) وفي ~~الخبر ما أتى قوم المنطق إلا منعوا العمل (5) والله أعلم ### ||| الباب الرابع في سبب إقبال الخلق على علم الخلاف وتفصيل آفات المناظرة والجدل وشروط إباحتها # اعلم أن الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تولاها الخلفاء ~~الراشدون المهديون وكانوا أئمة علماء بالله تعالى فقهاء في أحكامه وكانوا ~~مستقلين بالفتاوى في الأقضية فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا نادرا في ~~وقائع لا يستغنى فيها عن المشاورة فتفرغ العلماء ms0067 لعلم الآخرة وتجردوا لها ~~وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا وأقبلوا على ~~الله تعالى بكنه اجتهادهم كما نقل من سيرهم فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى ~~أقوام تولوها PageV01P041 # بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام اضطروا إلى الاستعانة ~~بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في مجاري أحكامهم وكان ~~قد بقي من علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول وملازم صفو الدين ~~ومواظب على سمت علماء السلف فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا فاضطر الخلفاء ~~إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات فرأى أهل تلك الأعصار عز ~~العلماء وإقبال الأئمة والولاة عليهم مع إعراضهم عنهم فاشرأبوا لطلب العلم ~~توصلا إلى نيل العز ودرك الجاه من قبل الولاة فأكبوا على علم الفتاوى ~~وعرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم وطلبوا الولايات والصلات منهم ~~فمنهم من حرم ومنهم من أنجح والمنجح لم يخل من ذل الطلب ومهانة الابتذال ~~فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن ~~السلاطين أذلة بالإقبال عليهم إلا من وفقه الله تعالى في كل عصر من علماء ~~دين الله وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأعصار على علم الفتاوى والأقضية ~~لشدة الحاجة إليها في الولايات والحكومات ثم ظهر بعدهم من الصدور والأمراء ~~من يسمع مقالات الناس في قواعد العقائد ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيها ~~فعلمت رغبته إلى المناظرة والمجادلة في الكلام فأكب الناس على علم الكلام ~~وأكثروا فيه التصانيف ورتبوا فيه طرق المجادلات واستخرجوا فنون المناقضات ~~في المقالات وزعموا أن غرضهم الذب عن دين الله والنضال عن السنة وقمع ~~المبتدعة كما زعم من قبلهم أن غرضهم بالاشتغال بالفتاوى الدين وتقلد أحكام ~~المسلمين إشفاقا على خلق الله ونصيحة لهم # ثم ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب الخوض في الكلام وفتح باب ~~المناظرة فيه لما كان قد تولد من فتح بابه من التعصبات الفاحشة والخصومات ~~الفاشية المفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد ومالت نفسه إلى المناظرة ~~في الفقه وبيان الأولى من مذهب ms0068 الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما على ~~الخصوص فترك الناس الكلام وفنون العلم وانثالوا على المسائل الخلافية بين ~~الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد ~~رحمهم الله تعالى وغيرهم وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع وتقرير علل ~~المذهب وتمهيد أصول الفتاوى وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات ورتبوا ~~فيها أنواع المجادلات والتصنيفات وهم مستمرون عليه إلى الآن ولسنا ندري ما ~~الذي يحدث الله فيما بعدنا من الأعصار فهذا هو الباعث على الإكباب على ~~الخلافيات والمناظرات لا غير ولو مالت نفوس أرباب الدنيا إلى الخلاف مع ~~إمام آخر من الأئمة أو إلى علم آخر من العلوم لمالوا أيضا معهم ولم يسكنوا ~~عن التعلل بأن ما اشتغلوا به هو علم الدين وأن لا مطلب لهم سوى التقرب إلى ~~رب العالمين ### |||| بيان التلبيس في تشبيه هذه المناظرات بمشاورات الصحابة ومفاوضات السلف # أعلم أن هؤلاء قد يستدرجون الناس إلى ذلك بأن غرضنا من المناظرات ~~المباحثة عن الحق ليتضح فإن الحق مطلوب والتعاون على النظر في العلم وتوارد ~~الخواطر مفيد ومؤثر هكذا كان عادة الصحابة رضي الله عنهم في مشاوراتهم ~~كتشاورهم في مسألة الجد والأخوة وحد شرب الخمر ووجوب الغرم على الإمام إذا ~~أخطأ كما تقل من إجهاض المرأة جنينها خوفا من عمر رضي الله عنه وكما نقل من ~~مسائل الفرائض وغيرها وما نقل عن الشافعي وأحمد ومحمد بن الحسن ومالك وأبي ~~يوسف وغيرهم من العلماء رحمهم الله تعالى # ويطلعك على هذا التلبيس ما أذكره وهو أن التعاون على طلب الحق من الدين ~~ولكن له شروط وعلامات ثمان الأول أن لا يشتغل به وهو من PageV01P042 # فروض الكفايات من لم يتفرغ من فروض الأعيان ومن عليه فرض عين فاشتغل بفرض ~~كفاية وزعم أن مقصده الحق فهو كذاب # ومثاله من يترك الصلاة في نفسه ويتجرد في تحصيل الثياب ونسجها ويقول عرضي ~~أستر عورة من يصلي عريانا ولا يجد ثوبا فإن ذلك ربما يتفق ووقوعه ممكن كما ~~يزعم الفقيه أن وقوع النوادر التي عنها البحث ms0069 في الخلاف ممكن # والمشتغلون بالمناظرة مهملون لأمور هي فرض عين بالاتفاق ومن توجه عليه رد ~~وديعة في الحال فقام وأحرم بالصلاة التي هي أقرب القربات إلى الله تعالى ~~عصى به فلا يكفي في كون الشخص مطيعا كون فعله من جنس الطاعات ما لم يراع ~~فيه الوقت والشروط والترتيب # الثاني أن لا يرى فرض كفاية أهم من المناظرة فإن رأى ما هو أهم وفعل غيره ~~عصى بفعله وكان مثاله مثال من يرى جماعة من العطاش أشرفوا على الهلاك وقد ~~أهملهم الناس وهو قادر على إحيائهم بأن يسقيهم الماء فاشتغل بتعلم الحجامة ~~وزعم أنه من فروض الكفايات ولو خلا البلد عنها لهلك الناس وإذا قيل له في ~~البلد جماعة من الحجامين وفيهم غنية فيقول هذا لا يخرج هذا الفعل عن كونه ~~فرض كفاية # فحال من يفعل هذا ويهمل الاشتغال بالواقعة الملمة بجماعة العطاش من ~~المسلمين كحال المشتغل بالمناظرة وفي البلد فروض كفايات مهملة لا قائم بها ~~فأما الفتوى فقد قام بها جماعة ولا يخلو بلد من جملة الفروض المهملة ولا ~~يلتفت الفقهاء إليها وأقربها الطب إذ لا يوجد في أكثر البلاد طبيب مسلم ~~يجوز اعتماد شهادته فيما يعول فيه على قول الطبيب شرعا ولا يرغب أحد من ~~الفقهاء في الاشتغال به وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو من فروض ~~الكفايات وربما يكون المناظر في مجلس مناظرته مشاهدا للحرير ملبوسا ومفروشا ~~وهو ساكت ويناظر في مسألة لا يتفق وقوعها قط وإن وقعت قام بها جماعة من ~~الفقهاء ثم يزعم أنه يريد أن يتقرب إلى الله تعالى بفروض الكفايات # وقد روى أنس رضي الله عنه أنه قيل يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر فقال عليه السلام إذا ظهرت المداهنة في خياركم والفاحشة ~~في شراركم وتحول الملك في صغاركم والفقه في أراذلكم (1) # الثالث أن يكون المناظر مجتهدا يفتي برأيه لا بمذهب الشافعي وأبي حنيفة ~~وغيرهما حتى إذا ظهر له الحق من مذهب أبي حنيفة ترك ما يوافق رأي الشافعي ~~وأفتى ms0070 بما ظهر له كما كان يفعله الصحابة رضي الله عنهم والأئمة # فأما من ليس له رتبة الاجتهاد وهو حكم كل أهل العصر وإنما يفتي فيما يسأل ~~عنه ناقلا عن مذهب صاحبه فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يجز له أن يتركه فأي ~~فائدة له في المناظرة ومذهبه معلوم وليس له الفتوى بغيره وما يشكل عليه ~~يلزمه أن يقول لعل عند صاحب مذهبي جوابا عن هذا فإني لست مستقلا بالاجتهاد ~~في أصل الشرع ولو كانت مباحثته عن المسائل التي فيها وجهان أو قولان لصاحبه ~~لكان أشبه فإنه ربما يفتي بأحدهما فيستفيد من البحث ميلا إلى أحد الجانبين ~~ولا يرى المناظرات جارية فيها قط بل ربما ترك المسألة التي فيها وجهان أو ~~قولان وطلب مسألة يكون الخلاف فيها مبتوتا # الرابع أن لا يناظر إلا في مسألة واقعة أو قريبة الوقوع غالبا فإن ~~الصحابة رضي الله عنهم ما تشاوروا إلا فيما تجدد من الوقائع أو ما يغلب ~~وقوعه كالفرائض ولا نرى المناظرين يهتمون بانتقاد المسائل التي تعم البلوى ~~بالفتوى فيها بل يطلبون الطبوليات التي تسمع فيتسع مجال الجدل فيها كيفما ~~كان الأمر PageV01P043 # وربما يتركون ما يكثر وقوعه ويقولون هذه مسألة خبرية أو هي من الزوايا ~~وليست من الطبوليات فمن العجائب أن يكون المطلب هو الحق ثم يتركون المسألة ~~لأنها خبرية ومدرك الحق فيها هو الإخبار أو لأنها ليست من الطبول فلا نطول ~~فيها الكلام # والمقصود في الحق أن يقصر الكلام ويبلغ الغاية على القرب لا أن يطول # الخامس أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه وأهم من المحافل وبين أظهر ~~الأكابر والسلاطين فإن الخلوة أجمع للفهم وأحرى بصفاء الذهن والفكر ودرك ~~الحق وفي حضور الجمع ما يحرك دواعي الرياء ويوجب الحرص على نصرة كل واحد ~~نفسه محقا كان أو مبطلا وأنت تعلم أن حرصهم على المحافل والمجامع ليس لله ~~وأن الواحد منهم يخلو بصاحبه مدة طويلة فلا يكلمه وربما يقترح عليه فلا ~~يجيب وإذا ظهر مقدم أو انتظم مجمع لم يغادر في قوس ms0071 الاحتيال منزعا حتى يكون ~~هو المتخصص بالكلام # السادس أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على ~~يده أو على يد من يعاونه ويرى رفيقه معينا لا خصما ويشكره إذا عرفه الخطأ ~~وأظهر له الحق كما لو أخذ طريقا في طلب ضالته فنبهه صاحبه على ضالته في ~~طريق آخر فإنه كان يشكره ولا يذمه ويكرمه ويفرح به فهكذا كانت مشاورات ~~الصحابة رضي الله عنهم حتى أن امرأة ردت على عمر رضي الله عنه ونبهته على ~~الحق وهو في خطبته على ملأ من الناس فقال أصابت امرأة وأخطأ رجل # وسأل رجل عليا رضي الله عنه فأجابه فقال ليس كذلك يا أمير المؤمنين ولكن ~~كذا كذا فقال أصبت وأخطأت وفوق كل ذي علم عليم # واستدرك ابن مسعود على أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما فقال أبو موسى لا ~~تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم # وذلك لما سئل أبو موسى عن رجل قاتل في سبيل الله فقتل فقال هو في الجنة ~~وكان أمير الكوفة فقام ابن مسعود فقال أعده على الأمير فلعله لم يفهم ~~فأعادوا عليه فأعاد الجواب فقال ابن مسعود وأنا أقول إن قتل فأصاب الحق فهو ~~في الجنة فقال أبو موسى الحق ما قال وهكذا يكون إنصاف طلب الحق ولو ذكر مثل ~~هذا الآن لأقل فقيه لأنكره واستبعده وقال لا يحتاج إلى أن يقال أصاب الحق ~~فإن ذلك معلوم لكل أحد # فانظر إلى مناظري زمانك اليوم كيف يسود وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان ~~خصمه وكيف يخجل به وكيف يجهد في مجاحدته بأقصى قدرته وكيف يذم من أفحمه طول ~~عمره ثم لا يستحي من تشبيه نفسه بالصحابة رضي الله عنهم في تعاونهم على ~~النظر في الحق السابع أن لا يمنع معينه في النظر من الانتقال من دليل إلى ~~دليل ومن إشكال إلى إشكال فهكذا كانت مناظرات السلف ويخرج من كلامه جميع ~~دقائق الجدل المبتدعة فيما له وعليه كقوله هذا لا يلزمني ذكره وهذا يناقض ms0072 ~~كلامك الأول فلا يقبل منك فإن الرجوع إلى الحق مناقض للباطل ويجب قبوله # وأنت ترى أن جميع المجالس تنقضي في المدافعات والمجادلات حتى يقيس ~~المستدل على أصل بعلة يظنها فيقال له ما الدليل على أن الحكم في الأصل معلل ~~بهذه العلة فيقول هذا ما ظهر لي فإن ظهر لك ما هو أوضح منه وأولى فاذكره ~~حتى أنظر فيه # فيصر المعترض ويقول فيه معان سوى ما ذكرته وقد عرفتها ولا أذكرها إذ لا ~~يلزمني ذكرها ويقول المستدل عليك إيراد ما تدعيه وراء هذا ويصر المعترض على ~~أنه لا يلزمه ويتوخى مجالس المناظرة بهذا الجنس من السؤال وأمثاله ولا يعرف ~~هذا المسكين أن قوله إني أعرفه ولا أذكره إذ لا يلزمني كذب على الشرع فإنه ~~إن كان لا يعرف معناه وإنما يدعيه ليعجز خصمه فهو فاسق كذاب عصى الله تعالى ~~وتعرض لسخطه بدعواه معرفة هو خال عنها وإن كان صادقا فقد فسق بإخفائه ما ~~عرفه من أمر الشرع # وقد سأله أخوه المسلم ليفهمه وينظر فيه فإن كان قويا رجع إليه وإن كان ~~ضعيفا أظهر له ضعفه وأخرجه عن ظلمة الجهل إلى نور العلم # ولا خلاف أن إظهار PageV01P044 # ما علم من علوم الدين بعد السؤال عنه واجب لازم فمعنى قوله لا يلزمني أي ~~في شرع الجدل الذي أبدعناه بحكم التشهي والرغبة في طريق الاحتيال والمصارعة ~~بالكلام لا يلزمني وإلا فهو لازم بالشرع فإنه بامتناعه عن الذكر إما كاذب ~~وإما فاسق فتفحص عن مشاورات الصحابة ومفاوضات السلف رضي الله عنهم هل سمعت ~~فيها ما يضاهي هذا الجنس وهل منع أحد من الانتقال من دليل إلى دليل ومن ~~قياس إلى أثر ومن خبر إلى آية بل جميع مناظراتهم من هذا الجنس إذ كانوا ~~يذكرون كل ما يخطر لهم كما يخطر وكانوا ينظرون فيه # الثامن أن يناظر من يتوقع الاستفادة منه ممن هو مشتغل بالعلم # والغالب أنهم يحترزون من مناظرة الفحول والأكابر خوفا من ظهور الحق على ~~ألسنتهم فيرغبون فيمن دونهم طمعا في ترويج الباطل عليهم ms0073 ووراء هذه شروط ~~دقيقة كثيرة ولكن في هذه الشروط الثمانية ما يهديك إلى من يناظر لله ومن ~~يناظر لعلة # واعلم بالجملة أن من لا يناظر الشيطان وهو مستول على قلبه وهو أعدى عدو ~~له ولا يزال يدعوه إلى هلاكه ثم يشتغل بمناظرة غيره في المسائل التي ~~المجتهد فيها مصيب أو مساهم للمصيب في الأجر فهو ضحكة الشيطان وعبرة ~~للمخلصين ولذلك شمت الشيطان به لما غمسه فيه من ظلمات الآفات التي نعددها ~~ونذكر تفاصيلها فنسأل الله حسن العون والتوفيق ### |||| بيان آفات المناظرة وما يتولد منها من مهلكات الأخلاق # اعلم وتحقق أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام وإظهار الفضل ~~والشرف والتشدق عند الناس وقصد المباهاة والمماراة واستمالة وجوه الناس هي ~~منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله المحمودة عند عدو الله إبليس # ونسبتها إلى الفواحش الباطنة من الكبر والعجب والحسد والمنافسة وتزكية ~~النفس وحب الجاه وغيرها كنسبة شرب الخمر إلى الفواحش الظاهرة من الزنا ~~والقذف والقتل والسرقة # وكما أن الذي خير بين الشرب والفواحش وسائر الفواحش استصغر الشرب فأقدم ~~عليه فدعاه ذلك إلى ارتكاب بقية الفواحش في سكره فكذلك من غلب عليه حب ~~الإفحام والغلبة في المناظرة وطلب الجاه والمباهاة دعاه ذلك إلى إضمار ~~الخبائث كلها في النفس وهيج فيه جميع الأخلاق المذمومة # وهذه الأخلاق ستأتي أدلة مذمتها من الأخبار والآيات في ربع المهلكات # ولكنا نشير الآن إلى مجامع ما تهيجه المناظرة فمنها الحسد وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب (1) ولا ~~ينفك المناظر عن الحسد فإنه تارة يغلب وتارة يغلب وتارة يحمد كلامه وأخرى ~~يحمد كلام غيره # فما دام يبقى في الدنيا واحد يذكره بقوة العلم والنظر أو يظن أنه أحسن ~~منه كلاما وأقوى نظرا فلا بد أن يحسده ويحب زوال النعم عنه وانصراف القلوب ~~والوجوه عنه إليه # والحسد نار محرقة فمن بلي به فهو في العذاب في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد ~~وأعظم ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما خذوا العلم حيث وجدتموه ms0074 ولا ~~تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض فإنهم يتغايرون كما تتغاير التيوس في ~~الزريبة # ومنها التكبر والترفع على الناس فقد قال صلى الله عليه وسلم من تكبر وضعه ~~الله ومن تواضع رفعه الله (2) وقال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى ~~العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما قصمته (3) ولا ينفك المناظر ~~عن التكبر على PageV01P045 # الأقران والأمثال والترفع إلى فوق قدره حتى إنهم ليتقاتلون على مجلس من ~~المجالس يتنافسون فيه في الارتفاع والانخفاض والقرب من وسادة الصدر والبعد ~~منها والتقدم في الدخول عند مضايق الطرق وربما يتعلل الغبي والمكار الخداع ~~منهم بأنه يبغي صيانة عز العلم وأن المؤمن منهي عن الإذلال لنفسه (1) فتعبر ~~عن التواضع الذي أثنى الله عليه وسائر أنبيائه بالذل وعن التكبر الممقوت ~~عند الله بعز الدين تحريفا للاسم وإضلالا للخلق به كما فعل في اسم الحكمة ~~والعلم وغيرهما # ومنها الحقد فلا يكاد المناظر يخلو عنه # وقد قال صلى الله عليه وسلم المؤمن ليس بحقود (2) وورد في ذم الحقد ما لا ~~يخفى # ولا ترى مناظرا يقدر على أن لا يضمر حقدا على من يحرك رأسه من كلام خصمه ~~ويتوقف في كلامه فلا يقابله بحسن الإصغاء بل يضطر إذا شاهد ذلك إلى إضمار ~~الحقد وتربيته في نفسه وغاية تماسكه الإخفاء بالنفاق ويترشح منه إلى الظاهر ~~لا محالة في غالب الأمر # وكيف ينفك عن هذا ولا يتصور اتفاق جميع المستمعين على ترجيح كلامه ~~واستحسان جميع أحواله في إيراده وإصداره بل لو صدر من خصمه أدنى سبب فيه ~~قلة مبالاة بكلامه انغرس في صدره حقد لا يقلعه مدى الدهر إلى آخر العمر # ومنها الغيبة وقد شبهها الله بأكل الميتة ولا يزال المناظر مثابرا على ~~أكل الميتة فإنه لا ينفك عن حكاية كلام خصمه ومذمته وغاية تحفظه أن يصدق ~~فيما يحكيه عليه ولا يكذب في الحكاية عنه فيحكي عنه لا محالة ما يدل على ~~قصور كلامه وعجزه ونقصان فضله وهو الغيبة فأما الكذب فبهتان وكذلك لا يقدر ~~على أن يحفظ لسانه ms0075 عن التعرض لعرض من يعرض عن كلامه ويصغي إلى خصمه ويقبل ~~عليه حتى ينسبه إلى الجهل والحماقة وقلة الفهم والبلادة # ومنها تزكية النفس قال الله سبحانه وتعالى فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن ~~اتقى وقيل لحكيم ما الصدق القبيح فقال ثناء المرء على نفسه # ولا يخلو المناظر من الثناء على نفسه بالقوة والغلبة والتقدم على الأقران ~~ولا ينفك في أثناء المناظرة عن قوله لست ممن يخفى عليه أمثال هذه الأمور ~~وأنا المتفنن في العلوم والمستقل بالأصول وحفظ الأحاديث وغير ذلك مما يتمدح ~~به تارة على سبيل الصلف وتارة للحاجة إلى ترويج كلامه # ومعلوم أن الصلف والتمدح مذمومان شرعا وعقلا ومنها التجسس وتتبع عورات ~~الناس وقد قال تعالى ولا تجسسوا والمناظر لا ينفك عن طلب عثرات أقرانه ~~وتتبع عورات خصومه حتى إنه ليخبر بورود مناظر إلى بلده فيطلب من يخبر بواطن ~~أحواله ويستخرج بالسؤال مقابحه حتى يعدها ذخيرة لنفسه في إفضاحه وتخجيله ~~إذا مست إليه حاجة حتى إنه ليستكشف عن أحوال صباه وعن عيوب بدنه فعساه يعثر ~~على هفوة أو على عيب به من قرع أو غيره ثم إذا أحس بأدنى غلبة من جهته عرض ~~به إن كان متماسكا ويستحسن ذلك منه ويعد من لطائف التسبب ولا يمتنع عن ~~الإفصاح به إن كان متبجحا بالسفاهة والاستهزاء كما حكي عن قوم من أكابر ~~المناظرين المعدودين من فحولهم # ومنها الفرح لمساءة الناس والغم لمسارهم ومن لا يحب لأخيه المسلم ما يحب ~~لنفسه فهو بعيد من أخلاق المؤمنين فكل من طلب المباهاة بإظهار الفضل يسره ~~لا محالة ما يسوء أقرانه واشكاله الذين يسامونه في الفضل ويكون التباغض ~~بينهم كما بين الضرائر فكما أن إحدى الضرائر إذا رأت صاحبتها من بعيد ~~ارتعدت فرائصها واصفر لونها فكذا ترى المناظر إذا رأى مناظرا تغير لونه ~~واضطرب عليه فكره فكأنه يشاهد شيطانا ماردا أو سبعا ضاريا فأين الاستئناس ~~والاسترواح الذي كان يجري بين علماء الدين عند اللقاء وما نقل عنهم من ~~المؤاخاة والتناصر والتساهم في السراء PageV01P046 # والضراء حتى ms0076 قال الشافعي رضي الله عنه العلم بين أهل الفضل والعقل رحم ~~متصل فلا أدري كيف يدعي الاقتداء بمذهبه جماعة صار العلم بينهم عداوة قاطعة ~~فهل يتصور أن ينسب الأنس بينهم مع طلب الغلبة والمباهاة هيهات هيهات وناهيك ~~بالشر شرا أن يلزمك أخلاق المنافقين ويبرئك عن أخلاق المؤمنين والمتقين # ومنها النفاق فلا يحتاج إلى ذكر الشواهد في ذمه وهم مضطرون إليه فإنهم ~~يلقون الخصوم ومحبيهم وأشياعهم ولا يجدون بدا من التودد إليهم باللسان ~~وإظهار الشوق والاعتداد بمكانهم وأحوالهم ويعلم ذلك المخاطب والمخاطب وكل ~~من يسمع منهم أن ذلك كذب وزور ونفاق وفجور فإنهم متوددون بالألسنة متباغضون ~~بالقلوب نعوذ بالله العظيم منه فقد قال صلى الله عليه وسلم إذا تعلم الناس ~~العلم وتركوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا في الأرحام ~~لعنهم الله عند ذلك فأصمهم وأعمى أبصارهم (1) رواه الحسن وقد صح ذلك ~~بمشاهدة هذه الحالة # ومنها الاستكبار عن الحق وكراهته والحرص على المماراة فيه حتى إن أبغض ~~شيء إلى المناظر أن يظهر على لسان خصمه الحق ومنهما ظهر تشمر لجحده وإنكاره ~~بأقصى جهده وبذل غاية إمكانه في المخادعة والمكر والحيلة لدفعه حتى تصير ~~المماراة فيه عادة طبيعية فلا يسمع كلاما إلا وينبعث من طبعه داعية ~~الاعتراض عليه حتى يغلب ذلك على قلبه في أدلة القرآن وألفاظ الشرع فيضرب ~~البعض منها بالبعض والمراء في مقابلة الباطل محذور إذ ندب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى ترك المراء بالحق على الباطل # قال صلى الله عليه وسلم من ترك المراء وهو مبطل بنى الله له بيتا في ربض ~~الجنة ومن ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتا في أعلى الجنة (2) وقد سوى ~~الله تعالى بين من افترى على الله كذبا وبين من كذب بالحق فقال تعالى ومن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه وقال تعالى فمن أظلم ~~ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه ومنها الرياء وملاحظة الخلق والجهد ~~في استمالة قلوبهم وصرف وجوههم # والرياء هو ms0077 الداء العضال الذي يدعو إلى أكبر الكبائر كما سيأتي في كتاب ~~الرياء والمناظر لا يقصد إلا الظهور عند الخلق وانطلاق ألسنتهم بالثناء ~~عليه فهذه عشر خصال من أمهات الفواحش الباطنة سوى ما يتفق لغير المتماسكين ~~منهم من الخصام المؤدي إلى الضرب واللكم واللطم وتمزيق الثياب والأخذ ~~باللحى وسب الوالدين وشتم الأستاذين والقذف الصريح فإن أولئك ليسوا معدودين ~~في زمرة الناس المعتبرين وإنما الأكابر والعقلاء منهم هم الذين لا ينفكون ~~عن هذه الخصال العشر نعم قد يسلم بعضهم من بعضها مع من هو ظاهر الانحطاط ~~عنه أو ظاهر الارتفاع عليه أو هو بعيد عن بلده وأسباب معيشته ولا ينفك أحد ~~منهم عنه مع أشكاله المقارنين له في الدرجة # ثم يتشعب من كل واحدة من هذه الخصال العشر عشر أخرى من الرذائل لم نطول ~~بذكرها وتفصيل آحادها مثل الأنفة والغضب والبغضاء والطمع وحب طلب المال ~~والجاه للتمكن من الغلبة والمباهاة والأشر والبطر وتعظيم الأغنياء ~~والسلاطين والتردد إليهم والأخذ من حرامهم والتجمل بالخيول والمراكب ~~والثياب المحظورة والاستحقار للناس بالفخر والخيلاء والخوض فيما لا يعني ~~وكثرة الكلام وخروج الخشية والخوف والرحمة من القلب واستيلاء الغفلة عليه ~~حتى لا يدري المصلي منهم في صلاته ما صلى وما الذي يقرأ ومن الذي يناجيه ~~ولايحس بالخشوع من قلبه مع استغراق العمر في العلوم التي تعين في المناظرة ~~مع أنها لا تنفع في الآخرة من تحسين العبارة وتسجيع اللفظ PageV01P047 # وحفظ النوادر إلى غير ذلك من أمور لا تحصى # والمناظرون يتفاوتون فيها على حسب درجاتهم ولهم درجات شتى ولا ينفك ~~أعظمهم دينا وأكثرهم عقلا عن جمل من مواد هذه الأخلاق وإنما غايته إخفاؤها ~~ومجاهدة النفس بها # واعلم أن هذه الرذائل لازمة للمشتغل بالتذكير والوعظ أيضا إذا كان قصده ~~طلب القبول وإقامة الجاه ونيل الثروة والعزة وهي لازمة أيضا للمشتغل بعلم ~~المذهب والفتاوى إذا كان قصده طلب القضاء وولاية الأوقاف والتقدم على ~~الأقران # وبالجملة هي لازمة لكل من يطلب بالعلم غير ثواب الله تعالى في الآخرة ~~فالعلم لا يهمل العالم ms0078 بل يهلكه هلاك الأبد أو يحييه حياة الأبد ولذلك قال ~~صلى الله عليه وسلم أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لا ينفعه الله بعلمه ~~فلقد ضره مع أنه لم ينفعه وليته نجا منه رأسا برأس وهيهات هيهات فخطر العلم ~~عظيم وطالبه طلب الملك المؤبد والنعيم السرمد فلا ينفك عن الملك أو الهلك ~~وهو كطالب الملك في الدنيا فإن لم يتفق له الإصابة في الأموال لم يطمع في ~~السلامة من الإذلال بل لا بد من لزوم أفضح الأحوال فإن قلت في الرخصة في ~~المناظرة فائدة وهي ترغيب الناس في طلب العلم إذ لولا حب الرياسة لاندرست ~~العلوم فقد صدقت فيما ذكرته من وجه ولكنه غير مفيد إذ لولا الوعد بالكرة ~~والصولجان واللعب بالعصافير ما رغب الصبيان في المكتب وذلك لا يدل على أن ~~الرغبة فيه محمودة ولولا حب الرياسة لاندرس العلم # ولا يدل ذلك على أن طالب الرياسة ناج بل هو من الذين قال صلى الله عليه ~~وسلم فيهم إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم (1) وقال صلى الله ~~عليه وسلم إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر (2) فطالب الرياسة في ~~نفسه هالك وقد يصلح بسببه غيره إن كان يدعو إلى ترك الدنيا وذلك فيمن كان ~~ظاهر حاله في ظاهر الأمر ظاهر حال علماء السلف ولكنه يضمر قصد الجاه فمثاله ~~مثال الشمع الذي يحترق في نفسه ويستضيء به غيره فصلاح غيره في هلاكه فأما ~~إذا كان يدعو إلى طلب الدنيا فمثاله مثال النار المحرقة التي تأكل نفسها ~~وغيرها # فالعلماء ثلاثة إما مهلك نفسه وغيره وهم المصرحون بطلب الدنيا والمقبلون ~~عليها وإما مسعد نفسه وغيره وهم الداعون الخلق إلى الله سبحانه ظاهرا ~~وباطنا وإما مهلك نفسه مسعد غيره وهو الذي يدعو إلى الآخرة وقد رفض الدنيا ~~في ظاهره وقصده في الباطن قبول الخلق وإقامة الجاه فانظر من أي الأقسام أنت ~~ومن الذي اشتغلت بالاعتداد له فلا تظنن أن الله تعالى يقبل غير الخالص ~~لوجهه تعالى من العلم والعمل # وسيأتيك في ms0079 كتاب الرياء بل في جميع ربع المهلكات ما ينفي عنك الريبة فيه ~~إن شاء الله تعالى ### ||| الباب الخامس في آداب المتعلم والمعلم # أما المتعلم فآدابه ووظائفه # الظاهرة كثيرة ولكن تنظم تفاريقها عشر جمل الوظيفة الأولى تقديم طهارة ~~النفس عن رذائل الأخلاق ومذموم الأوصاف إذ العلم عبادة القلب وصلاة السر ~~وقربة الباطن إلى الله تعالى وكما لا تصح الصلاة التي هي وظيفة الجوارح ~~الظاهرة إلا بتطهير الظاهر عن الأحداث والأخباث فكذلك لا تصح عبادة الباطن ~~وعمارة القلب بالعلم إلا بعد طهارته عن خبائث الأخلاق وأنجاس PageV01P048 # الأوصاف # قال صلى الله عليه وسلم بنى الدين على النظافة (1) وهو كذلك باطنا وظاهرا ~~قال الله تعالى إنما المشركون نجس تنبيها للعقول على الطهارة والنجاسة غير ~~مقصورة على الظواهر بالحس فالمشرك قد يكون نظيف الثوب مغسول البدن ولكنه ~~نجس الجوهر أي باطنه ملطخ بالخبائث # والنجاسة عبارة عما يجتنب ويطلب البعد منه وخبائث صفات الباطن أهم ~~بالاجتناب فإنها مع خبثها في الحال مهلكات في المآل # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب (2) والقلب ~~بيت هو منزل الملائكة ومهبط أثرهم ومحل استقرارهم والصفات الرديئة مثل ~~والغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب وأخواتها كلاب نابحة فأنى ~~تدخله الملائكة وهو مشحون بالكلاب ونور العلم لا يقذفه الله تعالى في القلب ~~إلا بواسطة الملائكة وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ~~أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء وهكذا ما يرسل من رحمة العلوم إلى ~~القلوب إنما تتولاها الملائكة الموكلون بها وهم المقدسون المطهرون المبرءون ~~عن الصفات المذمومات فلا يلاحظون إلا طيبا ولا يعمرون بما عندهم من خزائن ~~رحمة الله إلا طيبا طاهرا # ولست أقول المراد بلفظ البيت هو القلب وبالكلب هو الغضب والصفات المذمومة ~~ولكني أقول هو تنبيه عليه وفرق بين تعبير الظواهر إلى البواطن وبين التنبيه ~~للبواطن من ذكر الظواهر مع تقرير الظواهر ففارق الباطنية بهذه الدقيقة فإن ~~هذه طريق الاعتبار وهو مسلك العلماء والأبرار إذ معنى الاعتبار أن ms0080 يعبر ما ~~ذكر إلى غيره فلا يقتصر عليه كما يرى العاقل مصيبة لغيره فيكون فيها له ~~عبرة بأن يعبر منها إلى التنبه لكونه أيضا عرضة للمصائب وكون الدنيا بصدد ~~الانقلاب فعبوره من غيره إلى نفسه ومن نفسه إلى أصل الدنيا عبرة محمودة ~~فاعبر أنت أيضا من البيت الذي هو بناء الخلق إلى القلب الذي هو بيت من بناء ~~الله تعالى ومن الكلب الذي ذم لصفته لا لصورته وهو ما فيه من سبعية ونجاسة ~~إلى الروح الكلبية وهي السبعية # واعلم أن القلب المشحون بالغضب والشره إلى الدنيا والتكلب عليها والحرص ~~على التمزيق لأعراض الناس كلب في المعنى وقلب في الصورة فنور البصيرة يلاحظ ~~المعاني لا الصور # والصور في هذا العالم غالبة على المعاني والمعاني باطنة فيها # وفي الآخرة تتبع الصور المعاني وتغلب المعاني # فلذلك يحشر كل شخص على صورته المعنوية فيحشر الممزق لأعراض الناس كلبا ~~ضاريا والشره إلى أموالهم ذئبا عاديا والمتكبر عليهم في صورة نمر وطالب ~~الرياسة في صورة أسد (3) وقد وردت بذلك الأخبار وشهد به الاعتبار عند ذوي ~~البصائر والأبصار فإن قلت كم من طالب رديء الأخلاق حصل العلوم فهيهات ما ~~أبعده عن العلم الحقيقي النافع في الآخرة الجالب للسعادة فإن من أوائل ذلك ~~العلم أن يظهر له أن المعاصي سموم قاتلة مهلكة وهل رأيت من يتناول سما مع ~~علمه بكونه سما قاتلا إنما الذي تسمعه من المترسمين حديث يلفقونه بألسنتهم ~~مرة ويرددونه بقلوبهم أخرى وليس ذلك من العلم في شيء # قال ابن مسعود رضي الله عنه ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم نور يقذف ~~في القلب # وقال بعضهم إنما العلم الخشية لقوله تعالى إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء وكأنه أشار إلى أخص ثمرات العلم # ولذلك قال بعض المحققين معنى قولهم تعلمنا العلم لغير الله فأبى العلم أن ~~يكون إلا لله أن العلم أبى وامتنع علينا فلم تنكشف لنا حقيقته وإنما حصل ~~لنا PageV01P049 # حديثه وألفاظه فإن قلت أرى جماعة من العلماء والفقهاء المحققين برزوا في ~~الفروع والأصول وعدوا ms0081 من جملة الفحول وأخلاقهم ذميمة لم يتطهروا منها فيقال ~~إذا عرفت مراتب العلوم وعرفت علم الآخرة استبان لك أن ما اشتغلوا به قليل ~~الغناء من حيث كونه علما وإنما غناؤه من حيث كونه عملا لله تعالى إذا قصد ~~به التقرب إلى الله تعالى وقد سبقت إلى هذا إشارة # وسيأتيك فيه مزيد بيان وإيضاح إن شاء الله تعالى # الوظيفة الثانية أن يقلل علائقه من الاشتغال بالدنيا ويبعد عن الأهل ~~والوطن فإن العلائق شاغلة وصارفة ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ومهما ~~توزعت الفكرة قصرت عن درك الحقائق ولذلك قيل العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيك ~~كلك فإذا أعطيته كلك فأنت من إعطائه إياك بعضه على خطر والفكرة المتوزعة ~~على أمور متفرقة كجدول تفرق ماؤه فنشفت الأرض بعضه واختطف الهواء بعضه فلا ~~يبقى منه ما يجتمع ويبلغ المزدرع # الوظيفة الثالثة أن لا يتكبر على العلم ولا يتأمر على معلم بل يلقي إليه ~~زمام أمره بالكلية في كل تفصيل ويذعن لنصيحته إذعان المريض الجاهل للطبيب ~~المشفق الحاذق # وينبغي أن يتواضع لمعلمه ويطلب الثواب والشرف بخدمته # قال الشعبي صلى زيد بن ثابت على جنازة فقربت إليه بغلته ليركبها فجاء ابن ~~عباس فأخذ بركابه فقال زيد خل عنه يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال ابن عباس هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء فقبل زيد بن ثابت يده ~~وقال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم (1) وقال صلى ~~الله عليه وسلم ليس من أخلاق المؤمن التملق إلا في طلب العلم (2) فلا ينبغي ~~لطالب العلم أن يتكبر على المعلم ومن تكبره على المعلم أن يستنكف عن ~~الاستفادة إلا من المرموقين المشهورين وهو عين الحماقة فإن العلم سبب ~~النجاة والسعادة ومن يطلب مهربا من سبع ضار يفترسه لم يفرق بين أن يرشده ~~إلى الهرب مشهور أو خامل وضراوة سباع النار بالجهال بالله تعالى أشد من ~~ضراوة كل سبع فالحكمة ضالة المؤمن يغتنمها حيث يظفر بها ويتقلد المنة لمن ms0082 ~~ساقها إليه كائنا من كان فلذلك قيل # العلم حرب للفتى المتعالي ... كالسيل حرب للمكان العالي # فلا ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع قال الله تعالى {إن في ذلك ~~لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} ومعنى كونه ذا قلب أن يكون ~~قابلا للعلم فهما ثم لا تعينه القدرة على الفهم حتى يلقي السمع وهو شهيد ~~حاضر القلب ليستقيل كل ما ألقى إليه بحسن الإصغاء والضراعة والشكر والفرح ~~وقبول المنة # فليكن المتعلم لمعلمه كأرض دمثة نالت مطرا غزيرا فتشربت جميع أجزائها ~~وأذعنت بالكلية لقبوله # ومهما أشار عليه المعلم بطريق في التعلم فليقلده وليدع رأيه فإن خطأ ~~مرشده أنفع له من صوابه في نفسه إذ التجربة تطلع على دقائق يستغرب سماعها ~~مع أنه يعظم نفعها فكم من مريض محرور يعالجة الطبيب في بعض أوقاته بالحرارة ~~ليزيد في قوته إلى حد يحتمل صدمة العلاج فيعجب منه من لا خبرة له به وقد ~~نبه الله تعالى بقصة الخضر وموسى عليهما السلام حيث قال الخضر {إنك لن ~~تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} ثم شرط عليه السكوت ~~والتسليم فقال {فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} ثم لم ~~يصبر ولم يزل في مراودته إلى أن كان ذلك سبب الفراق بينهما # وبالجملة كل متعلم استبقى لنفسه رأيا واختيارا PageV01P050 # دون اختيار المعلم فاحكم عليه بالإخفاق والخسران # فإن قلت فقد قال الله تعالى {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ~~فالسؤال مأمور به فاعلم أنه كذلك ولكن فيما يأذن المعلم في السؤال عنه فإن ~~السؤال عما لم تبلغ مرتبتك إلى فهمه مذموم ولذلك منع الخضر موسى عليه ~~السلام من السؤال أي دع السؤال قبل أوانه فالمعلم أعلم بما أنت أهل له ~~وبأوان الكشف # وما لم يدخل أوان الكشف في كل درجة من مراقي الدرجات لا يدخل أوان السؤال ~~عنه # وقد قال علي رضي الله عنه أن من حق العالم أن لا تكثر عليه بالسؤال ولا ~~تعنته ms0083 في الجواب ولا تلح عليه إذا كسل ولا تأخذ بثوبه إذا نهض ولا تفشي له ~~سرا ولا تغتابن أحدا عنده ولا تطلبن عثرته وإن زل قبلت معذرته وعليك أن ~~توقره وتعظمه لله تعالى ما دام يحفظ أمر الله تعالى ولا تجلس أمامه وإن ~~كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته # الوظيفة الرابعة أن يحترز الخائض في العلم في مبدإ الأمر عن الإضغاء إلى ~~اختلاف الناس سواء كان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو من علوم الآخرة فإن ~~ذلك يدهش عقله ويحير ذهنه ويفتر رأيه ويؤيسه عن الإدراك والاطلاع بل ينبغي ~~أن يتقن أولا الطريق الحميدة الواحدة المرضية عند أستاذه ثم بعد ذلك يصغي ~~إلى المذاهب والشبه # وإن لم يكن أستاذه مستقلا باختيار رأي واحد وإنما عادته نقل المذاهب وما ~~قيل فيها فليحذر منه فإن إضلاله أكثر من إرشاده فلا يصلح الأعمى لقود ~~العميان وإرشادهم ومن هذا حاله يعد في عمى الحيرة وتيه الجهل ومنع المبتدىء ~~عن الشبه يضاهي منع الحديث العهد بالإسلام عن مخالطة الكفار وندب القوى إلى ~~النظر في الاختلافات يضاهي حث القوى على مخالطة الكفار ولهذا يمنع الجبان ~~عن التهجم على صف الكفار ويندب الشجاع له # ومن الغفلة عن هذه الدقيقة ظن بعض الضعفاء أن الاقتداء بالأقوياء فيما ~~ينقل عنهم من المساهلات جائز ولم يدر أن وظائف الأقوياء تخالف وظائف ~~الضعفاء # وفي ذلك قال بعضهم من رآني في البداية صار صديقا ومن رآني في النهاية صار ~~زنديقا إذ النهاية ترد الأعمال إلى الباطن وتسكن الجوارح إلا عن رواتب ~~الفرائض فيتراءى للناظرين أنها بطالة وكسل وإهمال وهيهات فذلك مرابطة القلب ~~في عين الشهود والحضور وملازمة الذكر الذي هو أفضل الأعمال على الدوام ~~وتشبه الضعيف بالقوي فيما يرى من ظاهره أنه هفوة يضاهي اعتذار من يلقى ~~نجاسة يسيرة في كوز ماء ويتعلل بأن أضعاف هذه النجاسة قد يلقى في البحر ~~والبحر أعظم من الكوز فما جاز للبحر فهو للكوز أجوز # ولا يدري المسكين أن البحر بقوته يحيل النجاسة ماء ms0084 فتنقلب عين النجاسة ~~باستيلائه إلى صفته والقليل من النجاسة يغلب على الكوز ويحيله إلى صفته ~~ولمثل هذا جوز للنبي صلى الله عليه وسلم ما لم يجوز لغيره حتى أبيح له تسع ~~نسوة (1) إذ كان له من القوة ما يتعدى منه صفة العدل إلى نسائه وإن كثرن ~~وأما غيره فلا يقدر على بعض العدل بل يتعدى ما بينهن من الضرار إليه حتى ~~ينجر إلى معصية الله تعالى في طلبه رضاهن # فما أفلح من قاس الملائكة بالحدادين # الوظيفة الخامسة أن لا يدع طالب العلم فنا من العلوم المحمودة ولا نوعا ~~من أنواعه إلا وينظر فيه نظرا يطلع به على مقصده وغايته ثم إن ساعده العمر ~~طلب التبحر فيه وإلا اشتغل بالأهم منه واستوفاه وتطرف من البقية فإن العلوم ~~متعاونة وبعضها مرتبط ببعض ويستفيد منه في الحال الانفكاك عن عداوة ذلك ~~العلم بسبب PageV01P051 # جهله فإن الناس أعداء ما جهلوا قال تعالى وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا ~~إفك قديم قال الشاعر # ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا # فالعلوم على درجاتها إما سالكة بالعبد إلى الله تعالى أو معينة على ~~السلوك نوعا من الإعانة ولها منازل مرتبة في القرب والبعد من المقصود ~~والقوام بها حفظة كحفاظ الرباطات والثغور ولكل واحد رتبة وله بحسب درجته ~~أجر في الآخرة إذا قصد به وجه الله تعالى # الوظيفة السادسة أن لا يخوض في فن من فنون العلم دفعة بل يراعي الترتيب ~~ويبتدىء بالأهم فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالبا فالحزم أن ~~يأخذ من كل شيء أحسنه ويكتفي منه بشمه ويصرف جمام قوته في الميسور من علمه ~~إلى استكمال العلم الذي هو أشرف العلوم وهو علم الآخرة أعني قسمي المعاملة ~~والمكاشفة فغاية المعاملة المكاشفة # وغاية المكاشفة معرفة الله تعالى ولست أعني به الاعتقاد الذي يتلقفه ~~العامي وراثة أو تلقفا ولا طريق تحرير الكلام والمجادلة في تحصين الكلام عن ~~مراوغات الخصوم كما هو غاية المتكلم بل ذلك نوع يقين هو ثمرة نور ms0085 يقذفه ~~الله تعالى في قلب عبد طهر بالمجاهدة باطنه عن الخبائث حتى ينتهي إلى رتبة ~~إيمان أبي بكر رضي الله عنه الذي لو وزن بإيمان العالمين لرجح (1) كما شهد ~~له به سيد البشر صلى الله عليه وسلم فما عندي أن ما يعتقده العامي ويرتبه ~~المتكلم الذي لا يزيد على العامي إلا في صنعة الكلام ولأجله سميت صناعته ~~كلاما وكان يعجز عنه عمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة رضي الله عنهم حتى كان ~~يفضلهم أبو بكر بالسر الذي وقر في صدره # والعجب ممن يسمع مثل هذه الأقوال من صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه ~~ثم يزدري ما يسمعه على وفقه ويزعم أنه من ترهات الصوفية وأن ذلك غير معقول ~~فينبغي أن تتئد في هذا فعنده ضيعت رأس المال فكن حريصا على معرفة ذلك السر ~~الخارج عن بضاعة الفقهاء والمتكلمين ولا يرشدك إليه إلا حرصك في الطلب # وعلى الجملة فأشرف العلوم وغايتها معرفة الله عز وجل وهو بحر لا يدرك ~~منتهى غوره وأقصى درجات البشر فيه رتبة الأنبياء ثم الأولياء ثم الذين ~~يلونهم # وقد روي أنه رؤي صورة حكيمين من الحكماء المتقدمين في مسجد وفي يد أحدهما ~~رقعة فيها إن أحسنت كل شيء فلا تظنن أنك أحسنت شيئا حتى تعرف الله تعالى ~~وتعلم أنه مسبب الأسباب وموجد الأشياء # وفي يد الآخر كنت قبل أن أعرف الله تعالى أشرب وأظمأ حتى إذا عرفته رويت ~~بلا شرب # الوظيفة السابعة أن لا يخوض في فن حتى يستوفي الفن الذي قبله فإن العلوم ~~مرتبة ترتيبا ضروريا وبعضها طريق إلى بعض والموفق من راعى ذلك الترتيب ~~والتدريج # قال الله تعالى {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} أي لا يجاوزون ~~فنا حتى يحكموه علما وعملا وليكن قصده في كل علم يتحراه الترقي إلى ما هو ~~فوقه فينبغي ألا يحكم على علم بالفساد لوقوع الخلف بين أصحابه فيه ولا بخطأ ~~واحد أو آحاد فيه ولا بمخالفتهم موجب علمهم بالعمل فترى جماعة تركوا النظر ~~في العقليات والفقهيات متعللين فيها بأنها لو ms0086 كان لها أصل لأدركه أربابها ~~وقد مضى كشف هذه الشبه في كتاب معيار العلم وترى طائفة يعتقدون بطلان الطب ~~لخطأ شاهدوه من طبيب وطائفة اعتقدوا صحة النجوم لصواب اتفق لواحد وطائفة ~~اعتقدوا بطلانه لخطأ اتفق لآخر # والكل خطأ بل PageV01P052 # ينبغي أن يعرف الشيء في نفسه فلا كل علم يستقل بالإحاطة به كل شخص ولذلك ~~قال علي رضي الله عنه لا تعرف الحق بالرجال اعرف الحق تعرف أهله # الوظيفة الثامنة أن يعرف السبب الذي به يدرك أشرف العلوم وأن ذلك يراد به ~~شيئان أحدهما شرف الثمرة والثاني وثاقة الدليل وقوته وذلك كعلم الدين وعلم ~~الطب فإن ثمرة أحدهما الحياة الأبدية وثمرة الآخر الحياة الفانية فيكون علم ~~الدين أشرف # ومثل علم الحساب وعلم النجوم فإن علم الحساب أشرف لوثاقة أدلته وقوتها ~~وإن نسب الحساب إلى الطب كان الطب أشرف باعتبار ثمرته والحساب أشرف باعتبار ~~أدلته وملاحظة الثمرة أولى ولذلك كان الطب أشرف وإن كان أكثره بالتخمين # وبهذا تبين أن أشرف العلوم العلم بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله ~~والعلم بالطريق الموصل إلى هذه العلوم فإياك أن ترغب إلا فيه وأن تحرص إلا ~~عليه # الوظيفة التاسعة أن يكون قصد المتعلم في الحال تحلية باطنه وتجميله ~~بالفضيلة وفي المآل القرب من الله سبحانه والترقي إلى جوار الملأ الأعلى من ~~الملائكة والمقربين ولا يقصد به الرياسة والمال والجاه ومماراة السفهاء ~~ومباهاة الأقران وإن كان هذا مقصده طلب لا محالة الأقرب إلى مقصوده وهو علم ~~الآخرة ومع هذا فلا ينبغي له أن ينظر بعين الحقارة إلى سائر العلوم أعني ~~علم الفتاوى وعلم النحو واللغة المتعلقين بالكتاب والسنة وغير ذلك مما ~~أوردناه في المقدمات والمتممات من ضروب العلوم التي هي فرض كفاية ولا تفهمن ~~من غلونا في الثناء على علم الآخرة تهجين هذه العلوم فالمتكفلون بالعلوم ~~كالمتكفلين بالثغور والمرابطين بها والغزاة المجاهدين في سبيل الله فمنهم ~~المقاتل ومنهم الردء ومنهم الذي يسقيهم الماء ومنهم الذي يحفظ دوابهم ~~ويتعهدهم ولا ينفك أحد منهم عن أجر إذا كان قصده ms0087 إعلاء كلمة الله تعالى دون ~~حيازة الغنائم فكذلك العلماء قال الله تعالى {يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات} وقال تعالى {هم درجات عند الله} والفضيلة نسبية # واستحقارنا للصيارفة عند قياسهم بالملوك لا يدل على حقارتهم إذا قيسوا ~~بالكناسين فلا تظن أن ما نزل عن الرتبة القصوى ساقط القدر بل الرتبة العليا ~~للأنبياء ثم الأولياء ثم العلماء الراسخين في العلم ثم للصالحين على تفاوت ~~درجاتهم وبالجملة {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره} ومن قصد الله تعالى بالعلم أي علم كان نفعه ورفعه لا محالة # الوظيفة العاشرة أن يعلم نسبة العلوم إلى المقصد كيما يؤثر الرفيع القريب ~~على البعيد والمهم على غيره ومعنى المهم ما يهمك ولا يهمك إلا شأنك في ~~الدنيا والآخرة # وإذا لم يمكنك الجمع بين ملاذ الدنيا ونعيم الآخرة كما نطق به القرآن ~~وشهد له من نور البصائر ما يجري مجرى العيان فالأهم ما يبقى أبد الآباد ~~وعند ذلك تصير الدنيا منزلا والبدن مركبا والأعمال سعيا إلى المقصد ولا ~~مقصد إلا لقاء الله تعالى ففيه النعيم كله وإن كان لا يعرف في هذا العالم ~~قدره إلا الأقلون # والعلوم بالإضافة إلى سعادة لقاء الله سبحانه والنظر إلى وجهه الكريم ~~أعني النظر الذي طلبه الأنبياء وفهموه دون ما سبق إلى فهم العوام ~~والمتكلمين على ثلاث مراتب تفهمها بالموازنة بمثال وهو أن العبد الذي علق ~~عتقه وتمكينه من الملك بالحج وقيل له إن حججت وأتممت وصلت إلى العتق والملك ~~جميعا وإن ابتدأت بطريق الحج والاستعداد له وعافك في الطريق مانع ضروري فلك ~~العتق والخلاص من شقاء الرق فقط دون سعادة الملك فله ثلاثة أصناف من الشغل # الأول تهيئة الأسباب بشراء الناقة وخرز الراوية وإعداد الزاد والراحلة # والثاني السلوك ومفارقة الوطن بالتوجه إلى الكعبة منزلا بعد منزل # والثالث الاشتغال بأعمال الحج ركنا بعد ركن ثم بعد الفراغ والنزوع عن ~~هيئة الإحرام وطواف الوداع استحق التعرض للملك والسلطنة وله في كل مقام ~~منازل من أول ms0088 إعداد الأسباب إلى آخره PageV01P053 # من أول سلوك البوادي إلى آخره ومن أول أركان الحج إلى آخره # وليس قرب من ابتدأ بأركان الحج من السعادة كقرب من هو بعد في إعداد الزاد ~~والراحلة ولا كقرب من ابتدأ بالسلوك بل هو أقرب منه فالعلوم أيضا ثلاثة ~~أقسام قسم يجري مجرى إعداد الزاد والراحلة وشراء الناقة وهو علم الطب ~~والفقه وما يتعلق بمصالح البدن في الدنيا # وقسم يجري مجرى سلوك البوادي وقطع العقبات وهو تطهير الباطن عن كدورات ~~الصفات وطلوع تلك العقبات الشامخة التي عجز عنها الأولون والآخرون إلا ~~الموفقين فهذا سلوك الطريق وتحصيل علمه كتحصيل علم جهات الطريق ومنازله ~~وكما لا يغني علم المنازل وطرق البوادي دون سلوكها كذلك لا يغني علم تهذيب ~~الأخلاق دون مباشرة التهذيب ولكن المباشرة دون العلم غير ممكن # وقسم ثالث يجري مجرى نفس الحج وأركانه وهو العلم بالله تعالى وصفاته ~~وملائكته وأفعاله وجميع ما ذكرناه في تراجم المكاشفة وههنا نجاة وفوز ~~بالسعادة والنجاة حاصلة لكل سالك للطريق إذا كان غرضه المقصد الحق وهو ~~السلامة # وأما الفوز بالسعادة فلا يناله إلا العارفون بالله تعالى وهم المقربون ~~المنعمون في جوار الله تعالى بالروح والريحان وجنة النعيم وأما الممنوعون ~~دون ذروة الكمال فلهم النجاة والسلامة كما قال الله عز وجل {فأما إن كان من ~~المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من ~~أصحاب اليمين} وكل من لم يتوجه إلى المقصد ولم ينتهض له أو انتهض إلى جهته ~~لا على قصد الامتثال والعبودية بل لغرض عاجل فهو من أصحاب الشمال ومن ~~الضالين فله نزل من حميم وتصلية جحيم # واعلم أن هذا هو حق اليقين عند العلماء الراسخين أعني أنهم أدركوه ~~بمشاهدة من الباطن هي أقوى وأجلى من مشاهدة الأبصار وترقوا فيه عن حد ~~التقليد لمجرد السماع وحالهم حال من أخبر فصدق ثم شاهد فحقق وحال غيرهم حال ~~من قبل بحسن التصديق والإيمان ولم يحظ بالمشاهدة والعيان # فالسعادة وراء علم المكاشفة وعلم المكاشفة وراء علم المعاملة ms0089 التي هي ~~سلوك طريق الآخرة وقطع عقبات الصفات # وسلوك طريق محو الصفات المذمومة وراء علم الصفات وعلم طريق المعالجة ~~وكيفية السلوك في ذلك وراء علم سلامة البدن ومساعدة أسباب الصحة # وسلامة البدن بالاجتماع والتظاهر والتعاون الذي يتوصل به إلى الملبس ~~والمطعم والمسكن وهو منوط بالسلطان وقانونه في ضبط الناس على منهج العدل ~~والسياسة في ناصية الفقيه # وأما أسباب الصحة ففي ناصية الطبيب ومن قال العلم علمان علم الأبدان وعلم ~~الأديان وأشار به إلى الفقه أراد به العلوم الظاهرة الشائعة لا للعلوم ~~العزيزة الباطنة # فإن قلت لم شبهت علم الطب والفقه بإعداد الزاد والراحلة فاعلم أن الساعي ~~إلى الله تعالى لينال قربه هو القلب دون البدن ولست أعني بالقلب اللحم ~~المحسوس بل هو من أسرار الله عز وجل لا يدركه الحس ولطيفة من لطائفه تارة ~~يعبر عنه بالروح وتارة بالنفس المطمئنة والشرع يعبر عنه بالقلب لأنه المطية ~~الأولى لذلك السر وبواسطته صار جميع البدن مطية وآلة لتلك اللطيفة وكشف ~~الغطاء عن ذلك السر من علم المكاشفة وهو مضنون به بل لا رخصة في ذكره وغاية ~~المأذون فيه أن يقال هو جوهر نفيس ودر عزيز اشرف من هذه الأجرام المرئية ~~وإنما هو أمر إلهي كما قال تعالى ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ~~وكل المخلوقات منسوبة إلى الله تعالى ولكن نسبته أشرف من نسبة سائر أعضاء ~~البدن فلله الخلق والأمر جميعا والأمر أعلى من الخلق # وهذه الجوهرة النفيسة الحاملة لأمانة الله تعالى المتقدمة بهذه الرتبة ~~على السموات والأرضين والجبال إذ أبين أن يحملنها وأشفقن منها من عالم ~~الأمر ولا يفهم من هذا أنه تعريض بقدمها فإن القائل بقدم الأرواح مغرور ~~جاهل لا يدري ما يقول فلنقبض عنان البيان عن هذا الفن فهو وراء ما نحن ~~بصدده # والمقصود أن هذه اللطيفة هي الساعية إلى قرب الرب لأنها من أمر الرب فمنه ~~مصدرها وإليه PageV01P054 # مرجعها وأما البدن فمطيتها التي تركبها وتسعى بواسطتها فالبدن لها في ~~طريق الله تعالى كالناقة للبدن في طريق ms0090 الحج وكالراوية الخازنة للماء الذي ~~يفتقر إليه البدن فكل علم مقصده مصلحة البدن فهو من جملة مصالح المطية # ولا يخفى أن الطب كذلك فإنه قد يحتاج إليه في حفظ الصحة على البدن ولو ~~كان الإنسان وحده لاحتاج إليه والفقه يفارقه في أنه لو كان الإنسان وحده ~~ربما كان يستغني عنه ولكنه خلق على وجه لا يمكنه أن يعيش وحده إذ لا يستقل ~~بالسعي وحده في تحصيل طعامه بالحراثة والزرع والخبز والطبخ وفي تحصيل ~~الملبس والمسكن وفي إعداد آلات ذلك كله فاضطر إلى المخالطة والاستعانة # ومهما اختلط الناس وثارت شهواتهم تجاذبوا أسباب الشهوات وتنازعوا ~~وتقاتلوا وحصل من قتالهم هلاكهم بسبب التنافس من خارج كما يحصل هلاكهم بسبب ~~تضاد الأخلاط من داخل وبالطب يحفظ الاعتدال في الأخلاط المتنازعة من داخل ~~وبالسياسة والعدل يحفظ الاعتدال في التنافس من خارج وعلم طريق اعتدال ~~الأخلاط طب وعلم طريق اعتدال أحوال الناس في المعاملات والأفعال فقه # وكل ذلك لحفظ البدن الذي هو مطية فالمتجرد لعلم الفقه أو الطب إذا لم ~~يجاهد نفسه ولا يصلح قلبه كالمتجرد لشراء الناقة وعلفها وشراء الراوية ~~وخرزها إذا لم يسلك بادية الحج # والمستغرق عمره في دقائق الكلمات التي تجري في مجادلات الفقه كالمستغرق ~~عمره في دقائق الأسباب التي بها تستحكم الخيوط التي تخرز بها الراوية للحج # ونسبة هؤلاء من السالكين لطريق إصلاح القلب الموصل إلى علم المكاشفة ~~كنسبة أولئك إلى سالكي طريق الحج أو ملابسي أركانه فتأمل هذا أولا واقبل ~~النصيحة مجانا ممن قام عليه ذلك غالبا ولم يصل إليه إلا بعد جهد جهيد ~~وجراءة تامة على مباينة الخلق العامة والخاصة في النزوع من تقليدهم بمجرد ~~الشهوة فهذا القدر كاف في وظائف المتعلم ### |||| بيان وظائف المرشد المعلم # اعلم أن للإنسان في علمه أربعة أحوال كحالة في اقتناء الأموال إذ لصاحب ~~المال حال استفادة فيكون مكتسبا وحال ادخار لما اكتسبه فيكون به غنيا عن ~~السؤال وحال إنفاق على نفسه فيكون منتفعا وحال بذل لغيره فيكون به سخيا ~~متفضلا وهو أشرف أحواله # فكذلك ms0091 العلم يقتنى كما يقتنى المال فله حال طلب واكتساب وحال تحصيل يغني ~~عن السؤال وحال استبصار وهو التفكر في المحصل والتمتع به وحال تبصير وهو ~~أشرف الأحوال فمن علم وعمل وعلم فهو الذي يدعى عظيما في ملكوت السموات فإنه ~~كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة في نفسها وكالمسك الذي يطيب غيره وهو طيب # والذي يعلم ولا يعمل به كالدفتر الذي يفيد غيره وهو خال عن العلم وكالمسن ~~الذي يشحذ غيره ولا يقطع والإبرة التي تكسو غيرها وهي عارية وذبالة المصباح ~~تضيء لغيرها وهي تحترق كما قيل # ما هو إلا ذبالة وقدت ... تضيء للناس وهي تحترق # ومهما اشتغل بالتعليم فقد تقلد أمرا عظيما وخطرا جسيما فليحفظ آدابه ~~ووظائفه # الوظيفة الأولى الشفقة على المتعلمين وأن يجريهم مجرى بنيه قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إنما أنا لكم مثل الوالد لولده (1) بأن يقصد إنقاذهم من ~~نار الآخرة وهو أهم من إنقاذ الوالدين ولدهما من نار الدنيا ولذلك صار حق ~~المعلم أعظم من حق الوالدين فإن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية ~~والمعلم سبب الحياة الباقية # ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم وإنما المعلم ~~هو المفيد للحياة الأخروية الدائمة أعني معلم علوم الآخرة أو علوم ~~PageV01P055 # الدنيا على قصد الآخرة لا على قصد الدنيا فأما التعليم على قصد الدنيا ~~فهو هلاك وإهلاك نعوذ بالله منه # وكما أن حق أبناء الرجل الواحد أن يتحابوا ويتعاونوا على المقاصد كلها ~~فكذلك حق تلامذة الرجل الواحد التحاب والتوادد ولا يكون إلا كذلك إن كان ~~مقصدهم الآخرة ولا يكون إلا التحاسد والتباغض إن كان مقصدهم الدنيا # فإن العلماء وأبناء الآخرة مسافرون إلى الله تعالى وسالكون إليه الطريق ~~من الدنيا وسنوها وشهورها منازل الطريق # والترافق في الطريق بين المسافرين إلى الأمصار سبب التواد والتحاب فكيف ~~السفر إلى الفردوس الأعلى والترافق في طريقه ولا ضيق في سعادة الآخرة فلذلك ~~لا يكون بين أبناء الآخرة تنازع ولا سعة في سعادات الدنيا فلذلك لا ينفك عن ~~ضيق التزاحم # والعادلون ms0092 إلى طلب الرياسة بالعلوم خارجون عن موجب قوله تعالى {إنما ~~المؤمنون إخوة} وداخلون في مقتضى قوله تعالى {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو ~~إلا المتقين} الوظيفة الثانية أن يقتدى بصاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه ~~فلا يطلب على إفادة العلم أجرا ولا يقصد به جزاء ولا شكرا بل يعلم لوجه ~~الله تعالى وطلبا للتقرب إليه ولا يرى لنفسه منة عليهم وإن كانت المنة ~~لازمة عليهم بل يرى الفضل لهم إذ هذبوا قلوبهم لأن تتقرب إلى الله تعالى ~~بزراعة العلوم فيها كالذي يعيرك الأرض لتزرع فيها لنفسك زراعة فمنفعتك بها ~~تزيد على منفعة صاحب الأرض فكيف تقلده منه وثوابك في التعليم أكثر من ثواب ~~المتعلم عند الله تعالى ولولا المتعلم ما نلت هذا الثواب فلا تطلب الأجر ~~إلا من الله تعالى كما قال عز وجل {ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري ~~إلا على الله} فإن المال وما في الدنيا خادم البدن والبدن مركب النفس ~~ومطيتها والمخدوم هو العلم إذ به شرف النفس # فمن طلب بالعلم المال كان كمن مسح أسفل مداسه بوجهه لينظفه فجعل المخدوم ~~خادما والخادم مخدوما وذلك هو الانتكاس على أم الرأس ومثله هو الذي يقوم في ~~العرض الأكبر مع المجرمين ناكسي رءوسهم عند ربهم # وعلى الجملة فالفضل والمنة للمعلم فانظر كيف انتهى أمر الدين إلى قوم ~~يزعمون أن مقصودهم التقرب إلى الله تعالى بما هم فيه من علم الفقه والكلام ~~والتدريس فيهما وفي غيرهما فإنهم يبذلون المال والجاه ويتحملون أصناف الذل ~~في خدمة السلاطين لاستطلاق الجرايات ولو تركوا ذلك لتركوا ولم يختلف إليهم ~~ثم يتوقع المعلم من المتعلم أن يقوم له في كل نائبة وينصر وليه ويعادي عدوه ~~وينتهض جهارا له في حاجاته ومسخرا بين يديه في أوطاره فإن قصر في حقه ثار ~~عليه وصار من أعدى أعدائه فأخسس بعالم يرضى لنفسه بهذه المنزلة ثم يفرح بها ~~ثم لا يستحي من أن يقول غرضي من التدريس نشر العلم تقربا إلى الله تعالى ~~ونصرة لدينه فانظر إلى الأمارات ms0093 حتى ترى ضروب الاغترارات # الوظيفة الثالثة أن لا يدع من نصح المتعلم شيئا وذلك بأن يمنعه من التصدي ~~لرتبة قبل استحقاقها والتشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من الجلي ثم ينبهه على ~~أن الغرض بطلب العلوم القرب إلى الله تعالى دون الرياسة والمباهاة ~~والمنافسة ويقدم تقبيح ذلك في نفسه بأقصى ما يمكن فليس ما يصلحه العالم ~~الفاجر بأكثر مما يفسده فإن علم من باطنه أنه لا يطلب العلم إلا للدنيا نظر ~~إلى العلم الذي يطلبه فإن كان هو علم الخلاف في الفقه والجدل في الكلام ~~والفتاوى في الخصومات والأحكام فيمنعه من ذلك فإن هذه العلوم ليست من علوم ~~الآخرة ولا من العلوم التي قيل فيها تعلمنا العلم لغير الله فأبى العلم أن ~~يكون إلا لله وإنما ذلك علم التفسير وعلم الحديث وما كان الأولون يشتغلون ~~به من علم الآخرة ومعرفة أخلاق النفس وكيفية تهذيبها فإذا تعلمه الطالب ~~وقصد به الدنيا فلا بأس أن يتركه فإنه يثمر له طمعا في الوعظ والاستتباع ~~ولكن قد يتنبه في أثناء الأمر أو آخره إذ فيه العلوم المخوفة من الله تعالى ~~المحقرة للدنيا المعظمة للآخرة وذلك PageV01P056 # يوشك أن يؤدي إلى الصواب في الآخرة حتى يتعظ بما يعظ به غيره # ويجري حب القبول والجاه مجرى الحب الذي ينثر حوالي الفخ ليقتنص به الطير ~~وقد فعل الله ذلك بعباده إذ جعل الشهوة ليصل الخلق بها إلى بقاء النسل # وخلق أيضا حب الجاه ليكون سببا لإحياء العلوم وهذا متوقع في هذه العلوم ~~فأما الخلافيات المحضة ومجادلات الكلام ومعرفة التفاريع الغريبة فلا يزيد ~~التجرد لها مع الإعراض عن غيرها إلا قسوة القلب وغفلة عن الله تعالى ~~وتماديا في الضلال وطلبا للجاه إلا من تداركه الله تعالى برحمته أو مزج به ~~غيره من العلوم الدينية # ولا برهان على هذا كالتجربة والمشاهدة فانظر واعتبر واستبصر لتشاهد تحقيق ~~ذلك في العباد والبلاد والله المستعان # وقد رؤي سفيان الثوري رحمه الله حزينا فقيل له ما لك فقال صرنا متجرا ~~لأبناء الدنيا يلزمنا أحدهم حتى ms0094 إذا تعلم جعل قاضيا أو عاملا أو قهرمانا # الوظيفة الرابعة وهي من دقائق صناعة التعليم أن يزجر المتعلم عن سوء ~~الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ ~~فإن التصريح يهتك حجاب الهيئة ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف ويهيج الحرص ~~على الإصرار إذ قال صلى الله عليه وسلم وهو مرشد كل معلم لو منع الناس عن ~~فت البعر لفتوه وقالوا ما نهينا عنه إلا وفيه شيء (1) وينبهك على هذا قصة ~~آدم وحواء عليهما السلام وما نهيا عنه فما ذكرت القصة معك لتكون سمرا بل ~~لتتنبه بها على سبيل العبرة ولأن التعريض أيضا يميل النفوس الفاضلة ~~والأذهان الذكية إلى استنباط معانيه فيفيد فرح التفطن لمعناه رغبة في العلم ~~به ليعلم أن ذلك مما لا يعزب عن فطنته # الوظيفة الخامسة أن المتكفل ببعض العلوم ينبغي أن لا يقبح في نفس المتعلم ~~العلوم التي وراءه كمعلم اللغة إذ عادته تقبيح علم الفقه # ومعلم الفقه عادته تقبيح علم الحديث والتفسير وأن ذلك نقل محض وسماع وهو ~~شأن العجائز ولا نظر للعقل فيه ومعلم الكلام ينفر عن الفقه ويقول ذلك فروع ~~وهو كلام في حيض النسوان فأين ذلك من الكلام في صفة الرحمن فهذه أخلاق ~~مذمومة للمعلمين ينبغي أن تجتنب بل المتكفل بعلم واحد ينبغي أن يوسع على ~~المتعلم طريق التعلم في غيره وإن كان متكفلا بعلوم فينبغي أن يراعي التدريج ~~في ترقية المتعلم من رتبة إلى رتبة # الوظيفة السادسة أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقى إليه ما لا ~~يبلغه عقله فينفره أو يخبط عليه عقله اقتداء في ذلك بسيد البشر صلى الله ~~عليه وسلم حيث قال نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونكلمهم ~~على قدر عقولهم (2) فليبث إليه الحقيقة إذا علم أنه يستقل بفهمها وقال صلى ~~الله عليه وسلم ما أحد يحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة على ~~بعضهم وقال علي رضي الله عنه وأشار إلى صدره إن ههنا لعلوما جمة لو وجدت ms0095 ~~لها حملة وصدق رضي الله عنه فقلوب الأبرار قبور الأسرار # فلا ينبغي أن يفشي العالم كل ما يعلم إلى كل أحد هذا إذا كان يفهمه ~~المتعلم ولم يكن أهلا للانتفاع به فكيف فيما لا يفهمه وقال عيسى عليه ~~السلام لا تعلقوا الجواهر في أعناق الخنازير فإن الحكمة خير من الجوهر ومن ~~كرهها فهو شر من الخنازير ولذلك قيل كل لكل عبد بمعيار عقله وزن له بميزان ~~فهمه حتى تسلم منه وينتفع بك وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار وسئل بعض ~~العلماء عن شيء فلم يجب فقال السائل أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال من كتم علما نافعا جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار (3) فقال ~~PageV01P057 # اترك اللجام واذهب فإن جاء من يفقه وكتمته فليلجمني فقد قال الله تعالى ~~{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} تنبيها على أن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى ~~وليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق # أأنثر درا بين سارحة النعم ... فأصبح مخزونا براعية الغنم # لأنهم أمسوا بجهل لقدره ... فلا أنا أضحى أن أطوقه البهم # فإن لطف الله اللطيف بلطفه ... وصادفت أهلا للعلوم وللحكم # نشرت مفيدا واستفدت مودة ... وإلا فمخزون لدي ومكتتم # فمن منج الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم # الوظيفة السابعة أن المتعلم القاصر ينبغي أن يلقى إليه الجلى اللائق به ~~ولا يذكر له وراء هذا تدقيقا وهو يدخره عنه فإن ذلك يفتر رغبته في الجلى ~~ويشوش عليه قلبه ويوهم إليه البخل به عنه إذ يظن كل أحد أنه أهل لكل علم ~~دقيق # فما من أحد إلا وهو راض عن الله سبحانه في كمال عقله وأشدهم حماقة ~~وأضعفهم عقلا هو أفرحهم بكمال عقله # وبهذا يعلم أن من تقيد من العوام بقيد الشرع ورسخ في نفسه العقائد ~~المأثورة عن السلف من غير تشبيه ومن غير تأويل وحسن مع ذلك سريرته ولم ~~يحتمل عقله أكثر من ذلك فلا ينبغي أن يشوش عليه اعتقاده بل ينبغي أن يخلى ~~وحرفته فإنه لو ms0096 ذكر له تأويلات الظاهر اتحل عنه قيد العوام ولم يتيسر قيده ~~بقيد الخوض فيرتفع عنه السد الذي بينه وبين المعاصي وينقلب شيطانا مريدا ~~بهلك نفسه وغيره بل لا ينبغي أن يخاض مع العوام في حقائق العلوم الدقيقة بل ~~يقتصر معهم على تعليم العبادات وتعليم الأمانة في الصناعات التي هم بصددها ~~ويملأ قلوبهم من الرغبة والرهبة في الجنة والنار كما نطق به القرآن ولا ~~يحرك عليهم شبهة فإنه ربما تعلقت الشبهة بقلبه ويعسر عليه حلها فيشقى ويهلك ~~وبالجملة لا ينبغي أن يفتح للعوام باب البحث فإنه يعطل عليهم صناعاتهم التي ~~بها قوام الخلق ودوام عيش الخواص # الوظيفة الثامنة أن يكون المعلم عاملا بعلمه فلا يكذب قوله فعله لأن ~~العلم يدرك بالبصائر والعمل يدرك بالأبصار وأرباب الأبصار أكثر # فإذا خالف العمل العلم منع الرشد وكل من تناول شيئا وقال للناس لا ~~تتناولوه فإنه سم مهلك سخر الناس به واتهموه وزاد حرصهم على ما نهوا عنه ~~فيقولون لولا أنه أطيب الأشياء وألذها لما كان يستأثر به # ومثل المعلم المرشد من المسترشدين مثل النقش من الطين والظل من العود ~~فكيف ينتقش الطين بما لا نقش فيه ومتى استوى الظل والعود أعوج ولذلك قيل في ~~المعنى # لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم # وقال الله تعالى {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} ولذلك كان وزر ~~العالم في معاصيه أكثر من وزر الجاهل إذ يزل بزلته عالم كثير ويقتدون به # ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها # ولذلك قال علي رضي الله عنه قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك ~~فالجاهل يغر الناس بتنسكه والعالم يغرهم بتهتكه والله أعلم ### ||| الباب السادس في آفات العلم وبيان علامات علما الآخرة والعلماء السوء # قد ذكرنا ما ورد من فضائل العلم والعلماء وقد ورد في العلماء السوء ~~تشديدات عظيمة دلت على أنهم أشد الخلق عذابا يوم القيامة # فمن المهمات العظيمة معرفة العلامات الفارقة بين علماء الدنيا وعلماء ~~الآخرة ونعني بعلماء الدنيا PageV01P058 # علماء السوء الذين ms0097 قصدهم من العلم التنعم بالدنيا والتوصل إلى الجاه ~~والمنزلة عند أهلها قال صلى الله عليه وسلم إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~عالم لم ينفعه الله بعلمه وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يكون المرء ~~عالما حتى يكون بعلمه عاملا (1) وقال صلى الله عليه وسلم العلم علمان علم ~~على اللسان فذلك حجة الله تعالى على خلقه وعلم في القلب فذلك العلم النافع ~~(2) وقال صلى الله عليه وسلم يكون في آخر الزمان عباد جهال وعلماء فساق (3) ~~وقال صلى الله عليه وسلم لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولتماروا به ~~السفهاء ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم فمن فعل ذلك فهو في النار (4) وقال ~~صلى الله عليه وسلم من كتم علما عنده ألجمه الله بلجام من نار وقال صلى ~~الله عليه وسلم لأنا من غير الدجال أخوف عليكم من الدجال فقيل وما ذلك فقال ~~من الأئمة المضلين (5) وقال صلى الله عليه وسلم من ازداد علما ولم يزدد هدى ~~لم يزدد من الله إلا بعدا (6) وقال عيسى عليه السلام إلى متى تصفون الطريق ~~للمدلجين وأنتم مقيمون مع المتحيرين فهذا وغيره من الأخبار يدل على عظيم ~~خطر العلم فإن العالم إما متعرض لهلاك الأبد أو لسعادة الأبد وإنه بالخوض ~~في العلم قد حرم السلامة إن لم يدرك السعادة # وأما الآثار فقد قال عمر رضي الله عنه إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة ~~المنافق العليم # قالوا وكيف يكون منافقا عليما # قال عليم اللسان جاهل القلب والعمل # وقال الحسن رحمه الله لا تكن ممن يجمع علم العلماء وطرائف الحكماء ويجري ~~في العمل مجرى السفهاء # وقال رجل لأبي هريرة رضي الله عنه أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه ~~فقال كفى بترك العلم إضاعة له # وقيل لإبراهيم بن عيينة أي الناس أطول ندما قال أما في عاجل الدنيا فصانع ~~المعروف إلى من لا يشكره وأما عند الموت فعالم مفوط # وقال الخليل بن أحمد الرجال أربعة رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم ~~فاتبعوه ورجل يدري ms0098 ولا يدري أنه يدري فذلك نائم فأيقظوه ورجل لا يدري ويدري ~~أنه لا يدري فذلك مسترشد فأرشدوه ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك ~~جاهل فارفضوه # وقال سفيان الثوري رحمه الله يهتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل # وقال ابن المبارك لا يزال المرء عالما ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم ~~فقد جهل # وقال الفضيل ابن عياض رحمه الله إني لأرحم ثلاثة عزيز قوم ذل وغني قوم ~~افتقر وعالما تلعب به الدنيا # وقال الحسن عقوبة العلماء موت القلب وموت القلب طلب الدنيا بعمل الآخرة ~~وأنشدوا # عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... ومن يشتري دنياه بالدين أعجب # واعجب من هذين من باع دينه ... بدنيا سواه فهو من ذين أعجب PageV01P059 # وقال صلى الله عليه وسلم إن العالم ليعذب عذابا يطيف به أهل النار ~~استعظاما لشدة عذابه (1) أراد به العالم الفاجر # وقال أسامة بن زيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يؤتى بالعالم ~~يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار ~~بالرحى فيطيف به أهل النار فيقولون ما لك فيقول كنت آمر بالخير ولا آتيه ~~وأنهى عن الشر وآتيه (2) وإنما يضاعف عذاب العالم في معصيته لأنه عصى من ~~علم ولذلك قال الله عز وجل إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار لأنهم ~~جحدوا بعد العلم وجعل اليهود شرا من النصارى مع أنهم ما جعلوا لله سبحانه ~~ولدا ولا قالوا إنه ثالث ثلاثة إلا أنهم أنكروا بعد المعرفة إذ قال الله ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وقال تعالى فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة ~~الله على الكافرين وقال تعالى في قصة بلعام بن باعوراء واتل عليهم نبأ الذي ~~آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين حتى قال فمثله ~~كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث فكذلك العالم الفاجر فإن بلعام ~~أوتي كتاب الله تعالى فأخلد إلى الشهوات فشبه بالكلب أي سواء أوتي الحكمة ~~أو لم يؤت فهو يلهث إلى الشهوات # وقال عيسى ms0099 عليه السلام مثل علماء السوء كمثل صخرة وقعت على فم النهر لا ~~هي تشرب الماء ولا هي تترك الماء يخلص إلى الزرع ومثل علماء السوء مثل قناة ~~الحش ظاهرها جص وباطنها نتن ومثل القبور ظاهرها عامر وباطنها عظام الموتى ~~فهذه الأخبار والآثار تبين أن العالم الذي هو من أبناء الدنيا أخس حالا ~~وأشد عذابا من الجاهل # وأن الفائزين المقربين هم علماء الآخرة ولهم علامات فمنها أن لا يطلب ~~الدنيا بعلمه فإن أقل درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخستها وكدورتها ~~وانصرامها وعظم الآخرة ودوامها وصفاء نعيمها وجلالة ملكها ويعلم أنهما ~~متضادتان وأنهما كالضرتين مهما أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى وأنهما ككفتي ~~الميزان مهما رجحت إحداهما خفت الأخرى وأنهما كالمشرق والمغرب مهما قربت من ~~أحدهما بعدت عن الآخر وأنهما كقدحين أحدهما مملوء والآخر فارغ فبقدر ما تصب ~~منه في الآخر حتى يمتلىء يفرغ الآخر # فإن من لا يعرف حقارة الدنيا وكدورتها وامتزاج لذاتها بألمها ثم انصرام ~~ما يصفو منها فهو فاسد العقل # فإن المشاهدة والتجربة ترشد إلى ذلك فكيف يكون من العلماء من لا عقل له ~~ومن لا يعلم عظم أمر الآخرة ودوامها فهو كافر مسلوب الإيمان فكيف يكون من ~~العلماء من لا إيمان له ومن لا يعلم مضادة الدنيا للآخرة وأن الجمع بينهما ~~طمع في غير مطمع فهو جاهل بشرائع الأنبياء كلهم بل هو كافر بالقرآن كله من ~~أوله إلى آخر فكيف يعد من زمرة العلماء ومن علم هذا كله ثم لم يؤثر الآخرة ~~على الدنيا فهو أسير الشيطان قد أهلكته شهوته وغلبت عليه شقوته فكيف يعد من ~~حزب العلماء من هذه درجته وفي أخبار داود عليه السلام حكاية عن الله تعالى ~~إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي يا ~~داود لا تسأل عني عالما قد أسكرته الدنيا فيصدك عن طريق محبتي أولئك قطاع ~~الطريق على عبادي يا داود إذا رأيت لي طالبا فكن له خادما يا داود من رد ~~إلي هاربا كتبته جهبذا ms0100 ومن كتبته جهبذا لم أعذبه أبدا ولذلك قال الحسن رحمه ~~الله عقوبة العلماء موت القلب وموت القلب طلب الدنيا بعمل الآخرة # ولذلك قال يحيى بن معاذ إنما يذهب بهاء العلم والحكمة إذا طلب بهما ~~الدنيا # وقال سعيد بن المسيب رحمه الله إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء ~~PageV01P060 # فهو لص وقال عمر رضي الله عنه إذا رأيتم للعالم محبا للدنيا فاتهموه على ~~دينكم فإن كل محب يخوض فيما أحب وقال مالك بن دينار رحمه الله قرأت في بعض ~~الكتب السالفة إن الله تعالى يقول إن أهون ما أصنع بالعالم إذا أحب الدنيا ~~أن أخرج حلاوة مناجاتي من قلبه # وكتب رجل إلى أخ له إنك قد أوتيت علما فلا تطفئن نور علمك بظلمة الذنوب ~~فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم وكان يحيى بن معاذ الرازي ~~رحمه الله يقول لعلماء الدنيا يا أصحاب العلم قصوركم قيصرية وبيوتكم كسروية ~~واثوابكم ظاهرية وأخفافكم جالوتية ومراكبكم قارونية وأوانيكم فرعونية ~~ومآثمكم جاهلية ومذاهبكم شيطانية فأين الشريعة المحمدية قال الشاعر # وراعي الشاة يحمي الذئب عنها ... فكيف إذا الرعاة لها ذئاب # وقال الآخر # يا معشر القراء يا ملح البلد ... مايصلح الملح إذا الملح فسد # وقيل لبعض العارفين أترى أن من تكون المعاصي قرة عينه لا يعرف الله قال ~~لا شك أن من تكون الدنيا عنده آثر من الآخرة أنه لا يعرف الله تعالى # وهذا دون ذلك بكثير ولا تظنن أن ترك المال يكفي في اللحوق بعلماء الآخرة ~~فإن الجاه أضر من المال ولذلك قال بشر حدثنا باب من أبواب الدنيا فإذا سمعت ~~الرجل يقول حدثنا فإنما يقول أوسعوا لي # ودفن بشر بن الحرث بضعة عشر ما بين قمطرة وقوصرة من الكتب وكان يقول أنا ~~أشتهي أن أحدث ولو ذهبت عني شهوة الحديث لحدثت وقال هو وغيره إذا اشتهيت أن ~~تحدث فاسكت فإذا لم تشته فحدث # وهذا لأن التلذذ بجاه الإفادة ومنصب الإرشاد أعظم لذة من كل تنعم في ~~الدنيا فمن أجاب شهوته فيه فهو من أبناء ms0101 الدنيا # ولذلك قال الثوري فتنة الحديث أشد من فتنة الأهل والمال والولد وكيف لا ~~تخاف فتنته وقد قيل لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ولولا أن ثبتناك لقد ~~كدت تركن إليهم شيئا قليلا وقال سهل رحمه الله العلم كله دنيا والآخرة منه ~~العمل به والعمل كله هباء إلا الإخلاص # وقال الناس كلهم موتى إلا العلماء والعلماء سكارى إلا العاملين والعاملون ~~كلهم مغرورون إلا المخلصين والمخلص على وجل حتى يدري ماذا يختم له به # وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله إذا طلب الرجل الحديث أو تزوج أو ~~سافر في طلب المعاش فقد ركن إلى الدنيا وإنما أراد به طلب الأسانيد العالية ~~أو طلب الحديث الذي لا يحتاج إليه في طلب الآخرة وقال عيسى عليه السلام كيف ~~يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته وهو مقبل على طريق دنياه وكيف يكون ~~من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به لا ليعمل به وقال صالح بن كيسان ~~البصري أدركت الشيوخ وهم يتعوذون بالله من الفاجر العالم بالسنة # وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~طلب علما مما يبتغي به وجه الله تعالى ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف ~~الجنة يوم القيامة (1) وقد وصف الله علماء السوء بأكل الدنيا بالعلم ووصف ~~علماء الآخرة بالخشوع والزهد فقال عز وجل في علماء الدنيا وإذ أخذ الله ~~ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم ~~واشتروا به ثمنا قليلا وقال تعالى في علماء الآخرة وإن من أهل الكتاب لمن ~~يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ~~ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم وقال بعض السلف العلماء يحشرون في ~~زمرة الأنبياء والقضاة يحشرون في زمرة السلاطين # وفي معنى القضاة كل فقيه قصده طلب الدنيا بعلمه # وروى PageV01P061 # أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أوحى الله ~~عز وجل إلى بعض الأنبياء ms0102 قل للذين يتفقهون لغير الدين ويتعلمون لغير العمل ~~ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة يلبسون للناس مسوك الكباش وقلوبهم كقلوب الذئاب ~~ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر إياي يخادعون وبي يستهزئون ~~لأفتحن لهم فتنة تذر الحليم حيران (1) وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم علماء هذه الأمة رجلان رجل ~~آتاه الله علما فبذله للناس ولم يأخذ عليه طمعا ولم يشتر به ثمنا فذلك يصلي ~~عليه طير السماء وحيتان الماء ودواب الأرض والكرام الكاتبون يقدم على الله ~~عز وجل يوم القيامة سيدا شريفا حتى يوافق المرسلين ورجل آتاه الله علما في ~~الدنيا فضن به على عباد الله وأخذ عليه طمعا واشترى به ثمنا فذلك يأتي يوم ~~القيامة ملجما بلجام من نار ينادي مناد على رؤوس الخلائق هذا فلان بن فلان ~~آتاه الله علما في الدنيا فضن به على عباده وأخذ به طمعا واشترى به ثمنا ~~فيعذب حتى يفرغ من حساب الناس (2) واشد من هذا ما روي أن رجلا كان يخدم ~~موسى عليه السلام فجعل يقول حدثني موسى صفي الله حدثني موسى نجي الله حدثني ~~موسى كليم الله حتى أثرى وكثر ماله ففقده موسى عليه السلام فجعل يسأل عنه ~~ولا يحس له خبرا حتى جاءه رجل ذات يوم وفي يده خنزير وفي عنقه حبل أسود ~~فقال له موسى عليه السلام أتعرف فلانا قال نعم قال هو هذا الخنزير فقال ~~موسى يا رب أسألك أن ترده إلى حاله حتى أسأله بم أصابه هذا فأوحى الله عز ~~وجل إليه لو دعوتني بالذي دعاني به آدم فمن دونه ما أجبتك فيه ولكن أخبرك ~~لم صنعت هذا به لأنه كان يطلب الدنيا بالدين وأغلظ من هذا ما روى معاذ بن ~~جبل رضي الله عنه موقوفا ومرفوعا في رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع (3) وفي الكلام تنميق ~~وزيادة ولا يؤمن على صاحبه الخطأ وفي الصمت سلامة ms0103 وعلم ومن العلماء من يخزن ~~علمه فلا يحب أن يوجد عند غيره فذلك في الدرك الأول من النار ومن العلماء ~~من يكون في علمه بمنزلة السلطان إن رد عليه شيء من علمه أو تهوون بشيء من ~~حقه غضب فذلك في الدرك الثاني من النار # ومن العلماء من يجعل علمه وغرائب حديثه لأهل الشرف واليسار ولا يرى أهل ~~الحاجة له أهلا فذلك في الدرك الثالث من النار # ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا فيفتي بالخطأ والله تعالى يبغض ~~المتكلفين فذلك في الدرك الرابع من النار # ومن العلماء من يتكلم بكلام اليهود والنصارى ليغزر به علمه فذلك في الدرك ~~الخامس من النار # ومن العلماء من يتخذ علمه مروءة ونبلا وذكرا في الناس فذلك في الدرك ~~السادس من النار # ومن العلماء من يستفزه الزهو والعجب فإن وعظ عنف وإن وعظ أنف فذلك في ~~الدرك السابع من النار # فعليك يا أخي بالصمت فيه تغلب الشيطان وإياك أن تضحك من غير عجب أو تمشي ~~في غير أرب # وفي خبر آخر إن العبد لينشر له من الثناء ما يملأ ما بين المشرق والمغرب ~~وما يزن عند الله جناح بعوضة (4) وروى أن الحسن حمل إليه رجل من خراسان ~~كيسا بعد انصرافه من مجلسه فيه خمسة آلاف درهم وعشرة أثواب من رقيق البز ~~وقال يا أبا سعيد هذه نفقة وهذه كسوة فقال الحسن عافاك الله تعالى ضم إليك ~~نفقتك وكسوتك فلا حاجة لنا بذلك إنه من PageV01P062 # جلس مثل مجلسي هذا وقبل من الناس مثل هذا لقي الله تعالى يوم القيامة ولا ~~خلاق له # وعن جابر رضي الله عنه موقوفا ومرفوعا قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا تجلسوا عند كل عالم إلا إلى عالم يدعوكم من خمس إلى خمس من الشك ~~إلى اليقين ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الرغبة إلى الزهد ومن الكبر إلى ~~التواضع ومن العداوة إلى النصيحة (1) وقال تعالى فخرج على قومه في زينته ~~قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما ms0104 أوتي قارون إنه لذو حظ ~~عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن الآية فعرف أهل ~~العلم بإيثار الآخرة على الدنيا # ومنها أن لا يخالف فعله قوله بل لا يأمر بالشيء ما لم يكن هو أول عامل به ~~قال الله تعالى أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وقال تعالى كبر مقتا عند ~~الله أن تقولوا ما لا تفعلون وقال تعالى في قصة شعيب وما أريد أن أخالفكم ~~إلى ما أنهاكم عنه وقال تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله وقال تعالى واتقوا ~~الله واعلموا واتقوا الله واسمعوا وقال تعالى لعيسى عليه السلام يا ابن ~~مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت من ~~أنتم فقالوا كنا نأمر بالخير ولا نأتيه وننهى عن الشر ونأتيه (2) وقال صلى ~~الله عليه وسلم هلاك أمتي عالم فاجر وعابد جاهل وشر الشرار شرار العلماء ~~وخير الخيار خيار العلماء (3) وقال الأوزاعي رحمه الله شكت النواويس ما تجد ~~من نتن جيف الكفار فأوحى الله إليها بطون علماء السوء أنتن مما أنتم فيه # وقال الفضيل بن عياض رحمه الله بلغني أن الفسقة من العلماء يبدأ بهم يوم ~~القيامة قبل عبدة الأوثان # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه ويل لمن لا يعلم مرة وويل لمن يعلم ولا ~~يعمل سبع مرات # وقال الشعبي يطلع يوم القيامة قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار ~~فيقولون لهم ما أدخلكم النار وإنما أدخلنا الله الجنة بفضل تأديبكم ~~وتعليمكم فيقولون إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله وننهى عن الشر ونفعله # وقال حاتم الأصم رحمه الله ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علم الناس ~~علما فعملوا به ولم يعمل هو به ففازوا بسببه وهلك هو # وقال مالك بن دينار إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب ~~كما يزل القطر عن الصفا وأنشدوا # يا واعظ الناس قد أصبحت متهما ... إذ ms0105 عبت منهم أمورا أنت تأتيها # أصبحت تنصحهم بالوعظ مجتهدا ... فالموبقات لعمري أنت جانيها # تعيب دنيا وناسا راغبين لها ... وأنت أكثر منهم رغبة فيها # وقال آخر # لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم # وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله مررت بحجر بمكة مكتوب عليه اقلبني تعتبر ~~فقلبته فإذا عليه مكتوب أنت بما تعلم لا تعمل فكيف تطلب علم ما لم تعلم ~~وقال ابن السماك رحمه الله كم من مذكر بالله ناس لله وكم من مخوف بالله ~~جريء على الله وكم من مقرب إلى الله بعيد من الله وكم من داع إلى الله فار ~~من الله وكم من تال كتاب الله منسلخ عن آيات الله وقال إبراهيم بن أدهم ~~رحمه الله لقد أعربنا في كلامنا فلم نلحن ولحنا في أعمالنا فلم نعرب # وقال الأوزاعي إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع # وروى مكحول عن عبد الرحمن بن غنم أنه قال حدثني عشرة PageV01P063 # من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا كنا ندرس العلم في مسجد ~~قباء إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعلموا ما شئتم أن ~~تعلموا فلن يأجركم الله حتى تعملوا (1) وقال عيسى عليه السلام مثل الذي ~~يتعلم العلم ولا يعمل به كمثل امرأة زنت في السر فحملت فظهر حملها فافتضحت ~~فكذلك من لا يعمل بعلمه يفضحه الله تعالى يوم القيامة على رءوس الأشهاد # وقال معاذ رحمه الله احذروا زلة العالم لأن قدره عند الخلق عظيم فيتبعونه ~~على زلته # وقال عمر رضي الله عنه إذا زل العالم زل بزلته عالم من الخلق وقال عمر ~~رضي الله عنه ثلاث بهن ينهدم الزمان إحداهن زلة العالم # وقال ابن مسعود سيأتي على الناس زمان تملح فيه عذوبة القلوب فلا ينتفع ~~بالعلم يومئذ عالمه ولا متعلمه فتكون قلوب علمائهم مثل السباخ من ذوات ~~الملح ينزل عليها قطر السماء فلا يوجد لها عذوبة وذلك إذا مالت قلوب ~~العلماء إلى حب الدنيا وإيثارها على الآخرة فعند ذلك يسلبها الله تعالى ms0106 ~~ينابيع الحكمة ويطفىء مصابيح الهدى من قلوبهم فيخبرك عالمهم حين تلقاه أنه ~~يخشى الله بلسانه والفجور ظاهر في عمله فما أخصب الألسن يومئذ وما أجدب ~~القلوب فوالله الذي لا إله إلا هو ما ذلك إلا لأن المعلمين علموا لغير الله ~~تعالى والمتعلمين تعلموا لغير الله تعالى # وفي التوراة والإنجيل مكتوب لا تطلبوا علم ما لم تعلموا حتى تعملوا بما ~~علمتم # وقال حذيفة رضي الله عنه إنكم في زمان من ترك فيه عشر ما يعلم هلك وسيأتي ~~زمان من عمل فيه بعشر ما يعلم نجا وذلك لكثرة البطالين # واعلم أن مثل العالم مثل القاضي وقد قال صلى الله عليه وسلم القضاة ثلاثة ~~قاض قضى بالحق وهو يعلم فذلك في الجنة وقاض قضى بالجور وهو يعلم أو لا يعلم ~~فهو في النار وقاض قضى بغير ما أمر الله به فهو في النار (2) وقال كعب رحمه ~~الله يكون في آخر الزمان علماء يزهدون الناس في الدنيا ولا يزهدون ويخوفون ~~الناس ولا يخافون وينهون عن غشيان الولاة ويأتونهم ويؤثرون الدنيا على ~~الآخرة يأكلون بألسنتهم يقربون الأغنياء دون الفقراء يتغايرون على العلم ~~كما تتغاير النساء على الرجال يغضب أحدهم على جليسه إذا جالس غيره أولئك ~~الجبارون أعداء الرحمن # وقال صلى الله عليه وسلم إن الشيطان ربما يسوفكم بالعلم فقيل يا رسول ~~الله وكيف ذلك قال صلى الله عليه وسلم يقول اطلب العلم ولا تعمل حتى تعلم ~~فلا يزال للعلم قائلا وللعمل مسوفا حتى يموت وما عمل (3) وقال سرى السقطي ~~اعتزل رجل للتعبد كان حريصا على طلب علم الظاهر فسألته فقال رأيت في النوم ~~قائلا يقول لي إلى كم تضيع العلم ضيعك الله فقلت إني لأحفظه فقال حفظ العلم ~~العمل به فتركت الطلب وأقبلت على العمل # وقال ابن مسعود رضي الله عنه ليس العلم بكثرة الرواية إنما العلم الخشية ~~وقال الحسن تعلموا ما شئتم أن تعلموا فوالله لا يأجركم الله حتى تعملوا فإن ~~السفهاء همتهم الرواية والعلماء همتهم الرعاية وقال مالك رحمه الله إن طلب ~~العلم ms0107 لحسن وإن نشره لحسن إذا صحت فيه النية ولكن انظر ما يلزمك من حين ~~تصبح إلى حين تمسي فلا تؤثرن عليه شيئا # وقال ابن مسعود رضي الله عنه أنزل القرآن ليعمل به فاتخذتم دراسته عملا ~~وسيأتي قوم يثقفونه مثل القناة ليسوا بخياركم والعالم الذي لا يعمل كالمريض ~~الذي يصف الدواء وكالجائع الذي يصف لذائذ الأطعمة ولا يجدها # وفي مثله قوله تعالى ولكم الويل مما تصفون وفي الخبر إنما أخاف على أمتي ~~زلة عالم PageV01P064 # وجدال منافق في القرآن (1) ومنها أن تكون عنايته بتحصيل العلم النافع في ~~الآخرة المرغب في الطاعات مجتنبا للعلوم التي يقل نفعها ويكثر فيها الجدال ~~والقيل والقال # فمثال من يعرض عن علم الأعمال ويشتغل بالجدال مثل رجل مريض به علل كثيرة ~~وقد صادف طبيبا حاذقا في وقت ضيق يخشى فواته فاشتغل بالسؤال عن خاصية ~~العقاقير والأدوية وغرائب الطب وترك مهمه الذي هو مؤاخذ به وذلك محض السفه # وقد روي أن رجلا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علمني من غرائب ~~العلم فقال له ما صنعت في رأس العلم فقال وما رأس العلم فقال صلى الله عليه ~~وسلم هل عرفت الرب تعالى قال نعم قال فما صنعت في حقه قال ما شاء الله فقال ~~صلى الله عليه وسلم هل عرفت الموت قال نعم قال فما أعددت له قال ما شاء ~~الله قال صلى الله عليه وسلم إذهب فأحكم ما هناك ثم تعال نعلمك من غرائب ~~العلم (2) بل ينبغي أن يكون المتعلم من جنس ما روي عن حاتم الأصم تلميذ ~~شقيق البلخي رضي الله عنهما أنه قال له شقيق منذ كم صحبتني قال حاتم منذ ~~ثلاث وثلاثين سنة قال فما تعلمت مني في هذه المدة قال ثماني مسائل قال شقيق ~~له إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل قال ~~يا أستاذ لم أتعلم غيرها وإني لا أحب أن أكذب فقال هات هذه الثماني مسائل ~~حتى أسمعها قال حاتم نظرت إلى هذا الخلق ms0108 فرأيت كل واحد يحب محبوبا فهو مع ~~محبوبه إلى القبر فإذا وصل إلى القبر فارقه فجعلت الحسنات محبوبي فإذا دخلت ~~القبر دخل محبوبي معي فقال أحسنت يا حاتم فما الثانية فقال نظرت في قول ~~الله عز وجل وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ~~فعلمت أن قوله سبحانه وتعالى هو الحق فأجهدت نفسي في دفع الهوى حتى استقرت ~~على طاعة الله تعالى # الثالثة أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل ممن معه شيء له قيمة ومقدار ~~رفعه وحفظه ثم نظرت إلى قول الله عز وجل ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ~~فكلما وقع معي شيء له قيمة ومقدار وجهته إلى الله ليبقى عنده محفوظا # الرابعة أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يرجع إلى المال وإلى ~~الحسب والشرف والنسب فنظرت فيها فإذا هي لا شيء ثم نظرت إلى قول الله تعالى ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم فعملت في التقوى حتى أكون عند الله كريما # الخامسة أني نظرت إلى هذا الخلق وهم يطعن بعضهم في بعض ويلعن بعضهم بعضا ~~وأصل هذا كله الحسد ثم نظرت إلى قول الله عز وجل نحن قسمنا بينهم معيشتهم ~~في الحياة الدنيا فتركت الحسد واجتنبت الخلق وعلمت أن القسمة من عند الله ~~سبحانه وتعالى فتركت عداوة الخلق عني # السادسة نظرت إلى هذا الخلق يبغي بعضهم على بعض ويقاتل بعضهم بعضا فرجعت ~~إلى قول الله عز وجل إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا فعاديته وحده واجتهدت ~~في أخذ حذري منه لأن الله تعالى شهد عليه أنه عدو لي فتركت عداوة الخلق ~~غيره # السابعة نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يطلب هذه الكسرة فيذل ~~فيها نفسه ويدخل فيما لا يحل له ثم نظرت إلى قوله تعالى وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها فعلمت أني واحد من هذه الدواب التي على الله ~~رزقها فاشتغلت بما لله تعالى علي وتركت ما لي عنده # الثامنة نظرت إلى ms0109 هذا الخلق فرأيتهم كلهم متوكلين على مخلوق هذا على ~~ضيعته وهذا على تجارته وهذا على صناعته وهذا على صحة بدنه وكل مخلوق متوكل ~~على مخلوق مثله فرجعت إلى PageV01P065 # قوله تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه فتوكلت على الله عز وجل فهو حسبي ~~قال شقيق يا حاتم وفقك الله تعالى فإني نظرت في علوم التوراة والإنجيل ~~والزبور والفرقان العظيم فوجدت جميع أنواع الخير والديانة وهي تدور على هذه ~~الثمان مسائل فمن استعملها فقد استعمل الكتب الأربعة فهذا الفن من العلم لا ~~يهتم بإدراكه والتفطن له إلا علماء الآخرة فأما علماء الدنيا فيشتغلون بما ~~يتيسر به اكتساب المال والجاه ويهملون أمثال هذه العلوم التي بعث الله بها ~~الأنبياء كلهم عليهم السلام وقال الضحاك بن مزاحم أدركتهم وما يتعلم بعضهم ~~من بعض إلا الورع وهم اليوم ما يتعلمون إلا الكلام ومنها أن يكون غير مائل ~~إلى الترفه في المطعم والمشرب والتنعم في الملبس والتجمل في الأثاث والمسكن ~~بل يؤثر الاقتصاد في جميع ذلك ويتشبه فيه بالسلف رحمهم الله تعالى ويميل ~~إلى الاكتفاء بالأقل في جميع ذلك وكلما زاد إلى طرف القلة ميله ازداد من ~~الله قربه وارتفع في علماء الآخرة حزبه # ويشهد لذلك ما حكى عن أبي عبد الله الخواص وكان من أصحاب حاتم الأصم قال ~~دخلت مع حاتم إلى الري ومعنا ثلثمائة وعشرون رجلا يريد الحج وعليهم ~~الزرمانقات وليس معهم جراب ولا طعام فدخلنا على رجل من التجار متقشف يحب ~~المساكين فأضافنا تلك الليلة فلما كان من الغد قال لحاتم ألك حاجة فإني ~~أريد أن أعود فقيها لنا هو عليل قال حاتم عيادة المريض فيها فضل والنظر إلى ~~الفقيه عبادة وأنا أيضا أجيء معك # وكان العليل محمد بن مقاتل قاضي الري فلما جئنا إلى الباب فإذا قصر مشرف ~~حسن فبقي حاتم متفكرا يقول باب عالم على هذه الحالة ثم أذن لهم فدخلوا فإذا ~~دار حسناء فوراء واسعة نزهة وإذا بزة وستور فبقي حاتم متفكرا ثم دخلوا إلى ~~المجلس الذي هو فيه ms0110 وإذا بفرش وطيئة وهو راقد عليها وعند رأسه غلام وبيده ~~مذبة فقعد الزائر عند رأسه وسأل عن حاله وحاتم قائم فأومأ إليه ابن مقاتل ~~أن اجلس فقال لا أجلس فقال لعل لك حاجة فقال نعم قال وما هي قال مسئلة ~~أسألك عنها قال سل قال قم فاستو جالسا حتى أسألك # فاستوى جالسا قال حاتم علمك هذا من أين أخذته فقال من الثقات حدثوني به ~~قال عمن قال عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عمن قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عمن قال عن جبرائيل عليه السلام عن الله عز وجل # قال حاتم ففيما أداه جبرائيل عليه السلام عن الله عز وجل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأداه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وأصحابه ~~إلى الثقات وأداه الثقات إليك هل سمعت فيه من كان في داره إشراف وكانت ~~سعتها أكثر كان له عند الله عز وجل المنزلة أكبر قال لا قال فكيف سمعت قال ~~سمعت أنه من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة وأحب المساكين وقدم لآخرته كانت ~~له عند الله المنزلة قال له حاتم فأنت بمن اقتديت ابالنبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه رضي الله عنهم والصالحين رحمهم الله أم بفرعون ونمروذ أول من ~~بنى بالجص والآجر يا علماء السوء مثلكم يراه الجاهل المتكالب على الدنيا ~~الراغب فيها فيقول العالم على هذه الحالة أفلا أكون أنا شرا منه وخرج من ~~عنده فازداد ابن مقاتل مرضا وبلغ أهل الري ما جرى بينه وبين ابن مقاتل ~~فقالوا له إن الطنافسي بقزوين أكثر توسعا منه # فسار حاتم متعمدا فدخل عليه فقال رحمك الله أنا رجل أعجمي أحب أن تعلمني ~~مبتدأ ديني ومفتاح صلاتي كيف أتوضأ للصلاة قال نعم وكرامة يا غلام هات إناء ~~فيه ماء # فأتى به فقعد الطنافسي فتوضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال هكذا فتوضأ فقال حاتم ~~مكانك ms0111 حتى أتوضأ بين يديك فيكون أوكد لما أريد فقام الطنافسي وقعد حاتم ~~فتوضأ ثم غسل ذراعيه أربعا أربعا فقال الطنافسي يا هذا أسرفت قال له حاتم ~~فبماذا قال غسلت ذراعيك أربعا فقال حاتم يا سبحان الله العظيم أنا في كف من ~~ماء أسرفت وأنت في جميع هذا كله لم تسرف فعلم الطنافسي PageV01P066 # أنه قصد ذلك دون التعلم فدخل منزله فلم يخرج إلى الناس أربعين يوما فلما ~~دخل حاتم بغداد اجتمع إليه أهل بغداد فقالوا يا أبا عبد الرحمن أنت رجل ~~ولكن أعجمي وليس يكلمك أحد إلا قطعته قال معي ثلاث خصال أظهر بهن على خصمي ~~أفرح إذا أصاب خصمي وأحزن إذا أخطأ وأحفظ نفسي أن لا أجهل عليه # فبلغ ذلك الإمام أحمد بن حنبل فقال سبحان الله ما أعقله قوموا بنا إليه # فلما دخلوا عليه قال له يا أبا عبد الرحمن ما السلامة من الدنيا قال يا ~~أبا عبد الله لا تسلم من الدنيا حتى يكون معك أربع خصال تغفر للقوم جهلهم ~~وتمنع جهلك منهم وتبذل لهم شيئك وتكون من شيئهم آيسا فإذا كنت هكذا سلمت ثم ~~سار إلى المدينة فاستقبله أهل المدينة فقال يا قوم أية مدينة هذه قالوا ~~مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأين قصر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى أصلي فيه قالوا ما كان له قصر إنما كان له بيت لاطىء بالأرض قال ~~فأين قصور أصحابه رضي الله عنهم قالوا ما كان لهم قصور إنما كان لهم بيوت ~~لاطئة بالأرض قال حاتم يا قوم فهذه مدينة فرعون فأخذوه وذهبوا به إلى ~~السلطان وقالوا هذا العجمي يقول هذه مدينة فرعون قال الوالي ولم ذلك قال ~~حاتم لا تعجل علي أنا رجل أعجمي غريب دخلت البلد فقلت مدينة من هذه فقالوا ~~مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت فأين قصر وقص القصة ثم قال وقد ~~قال الله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة فأنتم بمن تأسيتم ~~أبرسول الله صلى الله ms0112 عليه وسلم أم بفرعون أول من بنى بالجص والآجر فخلوا ~~عنه وتركوه # فهذه حكاية حاتم الأصم رحمه الله تعالى # وسيأتي من سيرة السلف في البذاذة وترك التجمل ما يشهد لذلك في مواضعه ~~والتحقيق فيه أن التزين بالمباح ليس بحرام ولكن الخوض فيه يوجب الأنس به ~~حتى يشق تركه واستدامة الزينة لا تمكن إلا بمباشرة أسباب في الغالب يلزم من ~~مراعاتها ارتكاب المعاصي من المداهنة ومراعاة الخلق ومراءاتهم وأمور أخر هي ~~محظورة والحزم اجتناب ذلك لأن من خاض في الدنيا لا يسلم منها ألبتة ولو ~~كانت السلامة مبذولة مع الخوض فيها لكان صلى الله عليه وسلم لا يبالغ في ~~ترك الدنيا حتى نزع القميص المطرز بالعلم (1) ونزع خاتم الذهب في أثناء ~~الخطبة (2) إلى غير ذلك مما سيأتي بيانه # وقد حكي أن يحيى بن يزيد النوفلي كتب إلى مالك ابن أنس رضي الله عنهما ~~بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على رسوله محمد في الأولين والآخرين من ~~يحيى ابن يزيد بن عبد الملك إلى مالك بن أنس أما بعد فقد بلغني أنك تليس ~~الدقاق وتأكل الرقاق وتجلس على الوطىء وتجعل على بابك حاجبا وقد جلست مجلس ~~العلم وقد ضربت إليك المطى وارتحل إليكالناس واتخذوك إماما ورضوا بقولك ~~فاتق الله تعالى يا مالك وعليك بالتواضع كتبت إليك بالنصيحة مني كتابا ما ~~اطلع عليه غير الله سبحانه وتعالى والسلام فكتب إليه مالك بسم الله الرحمن ~~الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم من مالك بن أنس إلى يحيى ~~بن يزيد سلام الله عليك أما بعد فقد وصل إلي كتابك فوقع مني موقع النصيحة ~~والشفقة والأدب أمتعك الله بالتقوى وجزاك بالنصيحة خيرا وأسأل الله تعالى ~~التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فأما ما ذكرت لي أني آكل ~~الرقاق وألبس الدقاق وأحتجب وأجلس على الوطىء فنحن نفعل ذلك ونستغفر الله ~~تعالى فقد قال الله تعالى {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات ~~من الرزق} وإني لأعلم أن ترك ذلك ms0113 خير من الدخول فيه ولا تدعنا من كتابك ~~فلسنا ندعك من كتابنا والسلام فانظر إلى إنصاف مالك إذ اعترف أن ~~PageV01P067 # ترك ذلك خير من الدخول فيه وأفتى بأنه مباح وقد صدق فيهما جميعا ومثل ~~مالك في منصبه إذا سمحت نفسه بالإنصاف والاعتراف في مثل هذه النصيحة فتقوى ~~أيضا نفسه على الوقوف على حدود المباح حتى لا يحمله ذلك على المراءاة ~~والمداهنة والتجاوز إلى المكروهات وأما غيره فلا يقدر عليه فالتعريج على ~~التنعم بالمباح خطر عظيم وهو بعيد من الخوف والخشية وخاصية علماء الله ~~تعالى الخشية وخاصية الخشية التباعد من مظان الخطر # ومنها أن يكون مستقصيا عن السلاطين فلا يدخل عليهم ألبتة ما دام يجد إلى ~~الفرار عنهم سبيلا بل ينبغي أن يحترز عن مخالطتهم وإن جاءوا إليه فإن ~~الدنيا حلوة خضرة وزمامها بأيدي السلاطين # والمخالط لا يخلو عن تكلف في طيب مرضاتهم واستمالة قلوبهم مع أنهم ظلمة # ويجب على كل متدين الإنكار عليهم وتضييق صدرهم بإظهار ظلمهم وتقبيح فعلهم ~~فالداخل عليهم إما أن يلتفت إلى تجملهم فيزدري نعمة الله عليه أو يسكت عن ~~الإنكار عليهم فيكون مداهنا لهم أو يتكلف في كلامه كلاما لمرضاتهم وتحسين ~~حالهم وذلك هو البهت الصريح أو أن يطمع في أن ينال من دنياهم وذلك هو السحت ~~وسيأتي في كتاب الحلال والحرام ما يجوز أن يؤخذ من أموال السلاطين وما لا ~~يجوز من الإدرار والجوائز وغيرها # وعلى الجملة فمخالطتهم مفتاح للشرور وعلماء الآخرة طريقهم الاحتياط # وقال صلى الله عليه وسلم من بدا جفا يعني من سكن البادية جفا ومن اتبع ~~الصيد غفل ومن أتى السلطان افتتن (1) وقال صلى الله عليه وسلم سيكون عليكم ~~أمراء تعرفون منهم وتنكرون فمن أنكر فقد برىء ومن كره فقد سلم ولكن من رضي ~~وتابع أبعده الله تعالى قيل أفلا نقاتلهم قال صلى الله عليه وسلم لا ما ~~صلوا (2) وقال سفيان في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك # وقال حذيفة إياك ومواقف الفتن قيل وما هي قال أبواب الأمراء يدخل ms0114 أحدكم ~~على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول فيه ما ليس فيه # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم العلماء أمناء الرسل على عباد الله ~~تعالى ما لم يخالطوا السلاطين فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم ~~واعتزلوهم (3) رواه أنس # وقيل للأعمش ولقد أحييت العلم لكثرة من يأخذه عنك فقال لا تعجلوا ثلث ~~يموتون قبل الإدراك وثلث يلزمون أبواب السلاطين فهم شر الخلق والثلث الباقي ~~لا يفلح منه إلا القليل ولذلك قال سعيد ابن المسيب رحمه الله إذا رأيتم ~~العالم يغشى الأمراء فاحترزوا منه فإنه لص # وقال الأوزاعي ما من شيء أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور عاملا # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم شرار العلماء الذين يأتون الأمراء ~~وخيار الأمراء الذين يأتون العلماء (4) وقال مكحول الدمشقي رحمه الله من ~~تعلم القرآن وتفقه في الدين ثم صحب السلطان تملقا إليه وطمعا فيما لديه خاض ~~في بحر من نار جهنم بعدد خطاه # وقال سمنون ما أسمج بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيسئل عنه فيقال ~~هو عند الأمير قال وكنت أسمع أنه يقال إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه ~~على دينكم حتى جربت ذلك إذ ما دخلت قط على هذا السلطان إلا وحاسبت نفسي بعد ~~الخروج فأرى عليها الدرك وأنتم ترون ما ألقاه به من الغلظة والفظاظة وكثرة ~~المخالفة لهواه ولوددت أن أنجو من الدخول عليه كفافا مع أني لا أخذ منه ~~شيئا ولا أشرب له شربة ماء # ثم قال وعلماء زماننا شر من علماء بني إسرائيل يخبرون السلطان بالرخص ~~وبما يوافق PageV01P068 # هواه ولو أخبروه بالذي عليه وفيه نجاته لاستثقلهم وكره دخولهم عليه وكان ~~ذلك نجاة لهم عند ربهم # وقال الحسن كان فيمن كان قبلكم رجل له قدم في الإسلام وصحبة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن المبارك عنى به سعد بن أبي وقاص رضي ~~الله عنه قال وكان لا يغشى السلاطين وينفر عنهم فقال له بنوه يأتي هؤلاء من ~~ليس هو مثلك في الصحبة والقدم ms0115 في الإسلام فلو أتيتهم فقال يا بني آتي جيفة ~~قد أحاط بها قوم والله لئن استطعت لا أشاركهم فيها قالوا يا أبانا إذن نهلك ~~هزالا قال يا بني لأن أموت مؤمنا مهزولا أحب إلي من أن أموت منافقا سمينا ~~قال الحسن خصمهم والله إذ علم أن التراب يأكل اللحم والسمن دون الإيمان # وفي هذا إشارة إلى أن الداخل على السلطان لا يسلم من النفاق ألبتة وهو ~~مضاد للإيمان # وقال أبو ذر لسلمة يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين فإنك لا تصيب شيئا من ~~دنياهم إلا أصابوا من دينك أفضل منه # وهذه فتنة عظيمة للعلماء وذريعة صعبة للشيطان عليهم لا سيما من له لهجة ~~مقبولة وكلام حلو إذ لا يزال الشيطان يلقي إليه أن في وعظك لهم ودخولك ~~عليهم ما يزجرهم عن الظلم ويقيم شعائر الشرع إلى أن يخيل إليه أن الدخول ~~عليهم من الدين ثم إذا دخل لم يلبث أن يتلطف في الكلام ويداهن ويخوض في ~~الثناء والإطراء وفيه هلاك الدين # وكان يقال العلماء إذا علموا عملوا فإذا عملوا شغلوا فإذا شغلوا فقدوا ~~فإذا فقدوا طلبوا فإذا طلبوا هربوا وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى ~~الحسن أما بعد فأشر علي بأقوام أستعين بهم على أمر الله تعالى فكتب إليه ~~أما أهل الدين فلا يريدونك وأما أهل الدنيا فلن تريدهم ولكن عليك بالأشراف ~~فإنهم يصونون شرفهم أن يدنسوه بالخيانة # هذا في عمر بن عبد العزيز رحمه الله وكان أزهد أهل زمانه فإذا كان شرط ~~أهل الدين الهرب منه فكيف يستنسب طلب غيرهم ومخالطته ولم يزل السلف العلماء ~~مثل الحسن والثوري وابن المبارك والفضيل وإبراهيم بن أدهم ويوسف بن أسباط ~~يتكلمون في علماء الدنيا من أهل مكة والشام وغيرهم إما لميلهم إلى الدنيا ~~وإما لمخالطتهم السلاطين منها أن لا يكون مسارعا إلى الفتيا بل يكون متوقفا ~~ومحترزا ما وجد إلى الخلاص سبيلا # فإن سئل عما يعلمه تحقيقا بنص كتاب الله أو بنص حديث أو إجماع أو قياس ~~جلي أفتى وإن ms0116 سئل عما يشك فيه قال لا أدري وإن سئل عما يظنه باجتهاد وتخمين ~~احتاط ودفع عن نفسه وأحال على غيره إن كان في غيره غنية هذا هو الحزم لأن ~~تقلد خطر الاجتهاد عظيم وفي الخبر العلم ثلاثة كتاب ناطق وسنة قائمة ولا ~~أدري (1) قال الشعبي لا أدري نصف العلم # ومن سكت حيث لا يدري لله تعالى فليس بأقل أجرا ممن نطق لأن الاعتراف ~~بالجهل أشد على النفس فهكذا كانت عادة الصحابة والسلف رضي الله عنهم # كان ابن عمر إذا سئل عن الفتيا قال اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمور ~~الناس فضها في عنقه وقال ابن مسعود رضي الله عنه إن الذي يفتي الناس في كل ~~ما يستفتونه لمجنون وقال جنة العالم لا أدري فإن أخطأها فقد أصيبت مقاتله # وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله ليس شيء أشد على الشيطان من عالم يتكلم ~~بعلم ويسكت بعلم يقول انظروا إلى هذا سكوته أشد علي من كلامه # ووصف بعضهم الأبدال فقال أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة أي لا ~~يتكلمون حتى يسألوا وإذا سئلوا ووجدوا من يكفيهم سكتوا فإن اضطروا أجابوا ~~وكانوا يعدون الابتداء قبل السؤال من الشهوة الخفية للكلام # ومر علي وعبد الله رضي الله عنهما برجل يتكلم على الناس فقال هذا يقول ~~اعرفوني # وقال بعضهم إنما العالم الذي إذا سئل عن المسئلة فكأنما يقلع ضرسه # وكان ابن عمر يقول تريدون PageV01P069 # أن تجعلونا جسرا تعبرون علينا إلى جهنم # وقال أبو حفص النيسابوري العالم هو الذي يخاف عند السؤال أن يقال له يوم ~~القيامة من أين أجبت وكان إبراهيم التيمي إذا سئل عن مسئلة يبكي ويقول لم ~~تجدوا غيري حتى احتجتم إلي # وكان أبو العالية الرياحي وإبراهيم بن أدهم والثوري يتكلمون على الاثنين ~~والثلاثة والنفر اليسير فإذا كثروا انصرفوا # وقال صلى الله عليه وسلم ما أدري أعزير نبي أم لا وما أدري أتبع ملعون أم ~~لا وما أدري ذو القرنين نبي أم لا (1) ولما سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن ms0117 خير البقاع في الأرض وشرها قال لا أدري حتى نزل عليه جبريل عليه ~~السلام فسأله فقال لا أدري إلى أن أعلمه الله عز وجل أن خير البقاع المساجد ~~وشرها الأسواق (2) وكان ابن عمر رضي الله عنهما يسئل عن عشر مسائل فيجيب عن ~~واحدة ويسكت عن تسع وكان ابن عباس رضي الله عنهما يجيب عن تسع ويسكت عن ~~واحدة # وكان في الفقهاء من يقول لا أدري أكثر مما يقول أدري منهم سفيان الثوري ~~ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل والفضيل ابن عياض وبشر بن الحرث # وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم أحد يسئل عن حديث أو فتيا إلا ود أن ~~أخاه كفاه ذلك # وفي لفظ آخر كانت المسئلة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر ويردها الآخر ~~إلى الآخر حتى تعود إلى الأول وروي أن أصحاب الصفة أهدى إلى واحد منهم رأس ~~مشوي وهو في غاية الضر فأهداه إلى الآخر وأهداه الآخر إلى الآخر هكذا دار ~~بينهم حتى رجع إلى الأول # فانظر الآن كيف انعكس أمر العلماء فصار المهروب منه مطلوبا والمطلوب ~~مهروبا عنه ويشهد لحسن الاحتراز من تقلد الفتاوي ما روي مسندا عن بعضهم أنه ~~قال لايفتى الناس إلا ثلاثة أمير أو مأمور أو متكلف # وقال بعضهم كان الصحابة يتدافعون أربعة أشياء الإمامة والوصية والوديعة ~~والفتيا # وقال بعضهم كان أسرعهم إلى الفتيا أقلهم علما وأشدهم دفعا لها أورعهم # وكان شغل الصحابة والتابعين رضي الله عنهم في خمسة أشياء قراءة القرآن ~~وعمارة المساجد وذكر الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك لما ~~سمعوه من قوله صلى الله عليه وسلم كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ثلاثة ~~أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله تعالى (3) وقال تعالى لا خير في ~~كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس الآية # ورأى بعض العلماء بعض أصحاب الرأي من أهل ms0118 الكوفة في المنام فقال ما رأيت ~~فيما كنت عليه من الفتيا والرأي فكره وجهه وأعرض عنه وقال ما وجدناه شيئا ~~وما حمدنا عافيته # وقال ابن حصين إن أحدهم ليفتي في مسئلة لو وردت على عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه لجمع لها أهل بدر # فلم يزل السكوت دأب أهل العلم إلا عند الضرورة # وفي الحديث إذا رأيتم الرجل قد أوتي صمتا وزهدا فاقتربوا منه فإنه يلقن ~~الحكمة (4) وقيل العالم إما عالم عامة وهو المفتي وهم أصحاب السلاطين أو ~~عالم خاصة وهو العالم بالتوحيد وأعمال القلوب وهم أصحاب الزوايا المتفرقون ~~المنفردون # وكان يقال مثل أحمد بن حنبل مثل دجلة كل أحد يغترف منها ومثل بشر بن ~~الحرث مثل بئر عذبة مغطاة لا يقصدها إلا واحد بعد واحد # وكانوا يقولون فلان عالم PageV01P070 # وفلان متكلم وفلان أكثر كلاما وفلان أكثر عملا وقال أبو سليمان المعرفة ~~إلى السكوت أقرب منها إلى الكلام وقيل إذا كثر العلم قل الكلام وإذا كثر ~~الكلام قل العلم وكتب سلمان إلى أبي الدرداء رضي الله عنهما وكان قد آخى ~~بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) يا أخي بلغني أنك قعدت طبيبا ~~تداوي المرضى فانظر فإن كنت طبيبا فتكلم فإن كلامك شفاء وإن كنت متطببا ~~فالله الله لا تقتل # مسلما فكان أبو الدرداء يتوقف بعد ذلك إذا سئل وكان أنس رضي الله عنه إذا ~~سئل يقول سلوا مولانا الحسن # وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا سئل يقول سلوا حارثة ابن زيد وكان ابن ~~عمر رضي الله عنهما يقول سلوا سعيد بن المسيب # وحكي أنه روى صحابي في حضرة الحسن عشرين حديثا فسئل عن تفسيرها فقال ما ~~عندي إلا ما رويت فأخذ الحسن في تفسيرها حديثا حديثا فتعجبوا من حسن تفسيره ~~وحفظه فأخذ الصحابي كفا من حصى ورماهم به وقال تسألوني عن العلم وهذا الحبر ~~بين أظهركم # ومنها أن يكون أكثر اهتمامه بعلم الباطن ومراقبة القلب ومعرفة طريق ~~الآخرة وسلوكه وصدق الرجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة والمراقبة فإن ms0119 ~~المجاهدة تفضي إلى المشاهدة ودقائق علوم القلب تنفجر بها ينابيع الحكمة من ~~القلب وأما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد ~~إنما تتفتح بالمجاهدة والمراقبة ومباشرة الأعمال الظاهرة والباطنة والجلوس ~~مع الله عز وجل في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة والانقطاع إلى الله ~~تعالى عما سواه فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف فكم من متعلم طال تعلمه ولم ~~يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة وكم من مقتصر على المهم في التعلم ومتوفر على ~~العمل ومراقبة القلب فتح الله له من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوي ~~الألباب ولذلك قال صلى الله عليه وسلم من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم ~~يعلم (2) من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم أخرجه أبو نعيم في ~~الحلية من حديث أنس وضعفه (3) حديث لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا متفق عليه من حديث أبي هريرة بلفظ سمعه ~~وبصره وهو في الحلية كما ذكره المؤلف من حديث أنس بسند ضعيف // فكم من معان ~~دقيقة من أسرار القرآن تخطر على قلب المتجردين للذكر والفكر تخلو عنها كتب ~~التفاسير ولا يطلع عليها أفاضل المفسرين وإذا انكشف ذلك للمريد المراقب ~~وعرض على المفسرين استحسنوه وعلموا أن ذلك من تنبيهات القلوب الزكية وألطاف ~~الله تعالى بالهمم العالية المتوجهة إليه # وكذلك في علوم المكاشفة وأسرار علوم المعاملة ودقائق خواطر القلوب فإن كل ~~علم من هذه العلوم بحر لا يدرك عمقه وإنما يخوضه كل طالب بقدر ما رزق منه ~~وبحسب ما وفق له من حسن العمل وفي وصف هؤلاء العلماء قال علي رضي الله عنه ~~في حديث طويل القلوب أوعية وخيرها أوعاها للخير والناس ثلاثة عالم رباني ~~ومتعلم على سبيل النجاة وهمج رعاع اتباع لكل ناعق يميلون مع كل ريح لم ~~يستضيئوا PageV01P071 # بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت ~~تحرس المال # والعلم يزكو على الإنفاق والمال ينقصه الإنفاق ms0120 والعلم دين يدان به تكتسب ~~به الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته العلم حاكم والمال محكوم عليه ~~ومنفعة المال تزول بزواله مات خزان الأموال وهم أحياء والعلماء أحياء باقون ~~ما بقي الدهر ثم تنفس الصعداء وقال هاه إن ههنا علما جما لو وجدت له حملة ~~بل أجد طالبا غير مأمون يستعمل آلة الدين في طلب الدنيا ويستطيل بنعم الله ~~على أوليائه ويستظهر بحجته على خلقه أو منقادا لأهل الحق لكن ينزرع الشك في ~~قلبه بأول عارض من شبهة لا بصيرة له لا ذا ولا ذاك أو منهوما باللذات سلس ~~القياد في طلب الشهوات أو مغرى بجمع الأموال والادخار منقادا لهواه أقرب ~~شبها بهم الأنعام السائمة اللهم هكذا يموت العلم إذا مات حاملوه ثم لا تخلو ~~الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهر مكشوف وإما خائف مقهور لكيلا تبطل حجج ~~الله تعالى وبيناته وكم وأين أولئك هم الأقلون عددا الأعظمون قدرا أعيانهم ~~مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة يحفظ الله تعالى بهم حججه حتى يودعوها من ~~وراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا ~~روح اليقين فاستلانوا ما استوعر منه المترفون وأنسوا بما استوحش منه ~~الغافلون صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك أولياء ~~الله عز وجل من خلقه وأمناؤه وعماله في أرضه والدعاة إلى دينه ثم بكى وقال ~~واشوقاه إلى رؤيتهم فهذا الذي ذكره أخيرا هو وصف علماء الآخرة وهو العلم ~~الذي يستفاد أكثره من العمل والمواظبة على المجاهدة # ومنها أن يكون شديد العناية بتقوية اليقين فإن اليقين هو رأس مال الدين ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اليقين الإيمان كله (1) فلا بد من تعلم ~~علم اليقين أعني أوائله ثم ينفتح للقلب طريقه ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ~~تعلموا اليقين (2) ومعناه جالسوا الموقنين واستمعوا منهم علم اليقين ~~وواظبوا على الاقتداء بهم ليقوى يقينكم كما قوي يقينهم وقليل من اليقين خير ~~من كثير من العمل # وقال صلى الله عليه وسلم لما قيل له رجل ms0121 حسن اليقين كثير الذنوب ورجل ~~مجتهد في العبادة قليل اليقين فقال صلى الله عليه وسلم ما من آدمي إلا وله ~~ذنوب ولكن من كان غريزته العقل وسجيته اليقين لم تضره الذنوب لأنه كلما ~~أذنب تاب واستغفر وندم فتكفر ذنوبه ويبقى له فضل يدخل به الجنة (3) ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطي حظه ~~منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار (4) وفي وصية لقمان ~~لابنه يا بني لا يستطاع العمل إلا باليقين ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه ~~ولا يقصر عامل حتى ينقص يقينه وقال يحيى بن معاذ إن للتوحيد نورا وللشرك ~~نارا وإن نور التوحيد أحرق لسيئات الموحدين من نار الشرك لحسنات المشركين ~~وأراد به اليقين وقد أشار الله تعالى في القرآن إلى ذكر الموقنين في مواضع ~~دل بها على أن اليقين هو الرابطة للخيرات والسعادات # فإن قلت فما معنى اليقين وما معنى قوته وضعفه فلا بد من فهمه أولا ثم ~~الاشتغال بطلبه وتعلمه فإن ما لا تفهم صورته لا يمكن طلبه فاعلم أن اليقين ~~لفظ مشترك يطلقه فريقان لمعنيين مختلفين أما النظار والمتكلمون فيعبرون به ~~عن عدم الشك إذ ميل النفس إلى التصديق بالشيء له أربع مقامات الأول أن ~~يعتدل التصديق والتكذيب ويعبر عنه بالشك كما إذا سئلت عن PageV01P072 # شخص معين أن الله تعالى يعاقبه أم لا وهو مجهول الحال عندك فإن نفسك لا ~~تميل إلى الحكم فيه بإثبات ولا نفى بل يستوي عندك إمكان الأمرين فيسمى هذا ~~شكا # الثاني أن تميل نفسك إلى أحد الأمرين مع الشعور بإمكان نقيضه ولكنه إمكان ~~لا يمنع ترجيح الأول كما إذا سئلت عن رجل تعرفه بالصلاح والتقوى أنه بعينه ~~لو مات على هذه الحالة هل يعاقب فإن نفسك تميل إلى أنه لايعاقب أكثر من ~~ميلها إلى العقاب وذلك لظهور علامات الصلاح # ومع هذا فأنت تجوز اختفاء أمر موجب للعقاب في باطنه وسريرته فهذا التجويز ~~مساو لذلك الميل ولكنه غير دافع رجحانه ms0122 فهذه الحالة تسمى ظنا # الثالث أن تميل النفس إلى التصديق بشيء بحيث يغلب عليها ولا يخطر بالبال ~~غيره ولو خطر بالبال تأبى النفس عن قبوله ولكن ليس ذلك مع معرفة محققة إذ ~~لو أحسن صاحب هذا المقام التأمل والإصغاء إلى التشكيك والتجويز اتسعت نفسه ~~للتجويز وهذا يسمى اعتقادا مقاربا لليقين وهو اعتقاد العوام في الشرعيات ~~كلها إذ رسخ في نفوسهم بمجرد السماع حتى إن كل فرقة تثق بصحة مذهبها وإصابة ~~إمامها ومتبوعها ولو ذكر لأحدهم إمكان خطأ إمامه نفر عن قبوله # الرابع المعرفة الحقيقية الحاصلة بطريق البرهان الذي لا يشك فيه ولا ~~يتصور الشك فيه فإذا امتنع وجود الشك وإمكانه يسمى يقينا عند هؤلاء ومثاله ~~أنه إذا قيل للعاقل هل في الوجود شيء هو قديم فلا يمكنه التصديق به ~~بالبديهة لأن القديم غير محسوس لا كالشمس والقمر فإنه يصدق بوجودهما بالحس ~~وليس العلم بوجوده شيء قديم أزلي ضروريا مثل العلم بأن الاثنين أكثر من ~~الواحد ومثل العلم بأن حدوث حادث بلا سبب محال فإن هذا أيضا ضروري فحق ~~غريزة العقل أن تتوقف عن التصديق بوجود القديم على الارتجال والبديهة ثم من ~~الناس من يسمع ذلك ويصدق بالسماع تصديقا جزما ويستمر عليه وذلك هو الاعتقاد ~~وهو حال جميع العوام # ومن الناس من يصدق به بالبرهان وهو أن يقال له إن لم يكن في الوجود قديم ~~فالموجودات كلها حادثة فإن كانت كلها حادثة فهي حادثة بلا سبب أو فيها حادث ~~بلا سبب وذلك محال فالمؤدى إلى المحال محال فيلزم في العقل التصديق بوجود ~~شيء قديم بالضرورة لأن الأقسام ثلاثة وهي أن تكون الموجودات كلها قديمة أو ~~كلها حادثة أو بعضها قديمة وبعضها حادثة فإن كانت كلها قديمة فقد حصل ~~المطلوب إذ ثبت على الجملة قديم وإن كان الكل حادثا فهو محال إذ يؤدي إلى ~~حدوث بغير سبب فيثبت القسم الثالث أو الأول # وكل علم حصل على هذا الوجه يسمى يقينا عند هؤلاء سواء حصل بنظر مثل ما ~~ذكرناه أو حصل بحس أو ms0123 بغريزة العقل كالعلم باستحالة حادث بلا سبب أو بتواتر ~~كالعلم بوجود مكة أو بتجربة كالعلم بأن السقمونيا المطبوخ مسهل أو بدليل ~~كما ذكرنا فشرط إطلاق هذا الاسم عندهم عدم الشك فكل علم لا شك فيه يسمى ~~يقينا عند هؤلاء وعلى هذا لا يوصف اليقين بالضعف إذ لا تفاوت في نفي الشك # الاصطلاح الثاني اصطلاح الفقهاء والمتصوفة وأكثر العلماء وهو أن لا يلتفت ~~فيه إلى اعتبار التجويز والشك بل إلى استيلائه وغلبته على العقل حتى يقال ~~فلان ضعيف اليقين بالموت مع أنه لا شك فيه ويقال فلان قوي اليقين في إتيان ~~الرزق مع أنه قد يجوز أنه لا يأتيه فمهما مالت النفس إلى التصديق بشيء وغلب ~~ذلك على القلب واستولى حتى صار هو المتحكم والمتصرف في النفس بالتجويز ~~والمنع سمي ذلك يقينا ولا شك في أن الناس يشتركون في القطع بالموت ~~والانفكاك عن الشك فيه ولكن فيهم من لا يلتفت إليه ولا إلى الاستعداد له ~~وكأنه غير موقن به # ومنهم من استولى ذلك على قلبه حتى استغرق جميع همه بالاستعداد له ولم ~~يغادر فيه متسعا لغيره فيعبر عن مثل هذه الحالة بقوة اليقين ولذلك قال ~~بعضهم ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من PageV01P073 # الموت وعلى هذا الاصطلاح يوصف اليقين بالضعف والقوة ونحن إنما أردنا ~~بقولنا إن من شأن علماء الآخرة صرف العناية إلى تقوية اليقين بالمعنيين ~~جميعا وهو نفي الشك ثم تسليط اليقين على النفس حتى يكون هو الغالب المتحكم ~~عليها المتصرف فيها # فإذا فهمت هذا علمت أن المراد من قولنا إن اليقين ينقسم ثلاثة أقسام ~~بالقوة والضعف والكثرة والقلة والخفاء والجلاء فأما بالقوة والضعف فعلى ~~الإصطلاح الثاني وذلك في الغلبة والاستيلاء على القلب ودرجات معاني اليقين ~~في القوة والضعف لا تتناهى وتفاوت الخلق في الاستعداد للموت بحسب تفاوت ~~اليقين بهذه المعاني وأما التفاوت بالخفاء والجلاء في الاصطلاح الأول فلا ~~ينكر أيضا أما فيما يتطرق إليه التجويز فلا ينكر أعني الاصطلاح الثاني ~~وفيما انتفى الشك أيضا ms0124 عنه لا سبيل إلى إنكاره فإنك تدرك تفرقة بين تصديقك ~~بوجود مكة ووجود فدك مثلا وبين تصديقك بوجود موسى ووجود يوشع عليهما السلام ~~مع أنك لا تشك في الآمرين جميعا فمستندهما جميعا التواتر ولكن ترى أحدهما ~~أجلى وأوضح في قلبك من الثاني لأن السبب في أحدهما أقوى وهو كثرة المخبرين ~~وكذلك يدرك الناظر هذا في النظريات المعروفة بالأدلة فإنه ليس وضوح ما لاح ~~له بدليل واحد كوضوح ما لاح له بالأدلة الكثيرة مع تساويهما في نفي الشك ~~وهذا قد ينكره المتكلم الذي يأخذ العلم من الكتب والسماع ولا يراجع نفسه ~~فيما يدركه من تفاوت الأحوال # وأما القلة والكثرة فذلك بكثرة متعلقات اليقين كما يقال فلان أكثر علما ~~من فلان أي معلوماته أكثر # ولذلك قد يكون العالم قوى اليقين في جميع ما ورد الشرع به وقد يكون قوى ~~اليقين في بعضه فإن قلت قد فهمت اليقين وقوته وضعفه وكثرته وقلته وجلاءه ~~وخفاءه بمعنى نفي الشك أو بمعنى الاستيلاء على القلب فما معنى متعلقات ~~اليقين ومجاريه وفي ماذا يطلب اليقين فإني ما لم أعرف ما يطلب فيه اليقين ~~لم أقدر على طلبه فاعلم أن جميع ما ورد به الأنبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم من أوله إلى آخره هو من مجاري اليقين فإن اليقين عبارة عن معرفة ~~مخصوصة ومتعلقة المعلومات التي وردت بها الشرائع فلا مطمع في إحصائها ولكني ~~أشير إلى بعضها وهي أمهاتها فمن ذلك التوحيد وهو أن يرى الأشياء كلها من ~~مسبب الأسباب ولا يلتفت إلى الوسائط بل يرى الوسائط مسخرة لا حكم لها ~~فالمصدق بهذا موقن فإن انتفى عن قلبه مع الإيمان إمكان الشك فهو موقن بأحد ~~المعنيين فإن غلب على قلبه مع الإيمان غلبة أزالت عنه الغضب على الوسائط ~~والرضا عنهم والشكر لهم ونزل الوسائط في قلبه منزلة القلم واليد في حق ~~المنعم بالتوقيع فإنه لا يشكر القلم ولا اليد ولا يغضب عليهما بل يراهما ~~آلتين مسخرتين وواسطتين فقد صار موقنا بالمعنى الثاني وهو الإشراف وهو ثمرة ~~اليقين الأول ms0125 وروحه وفائدته # ومهما تحقق أن الشمس والنجوم والجمادات والنبات والحيوان وكل مخلوق فهي ~~مسخرات بأمره حسب تسخير القلم في يد الكاتب وأن القدرة الأزلية هي المصدر ~~للكل استولى على قلبه غلبة التوكل والرضا والتسليم وصار موقنا بريئا من ~~الغضب والحقد والحسد وسوء الخلق فهذا أحدد أبواب اليقين # ومن ذلك الثقة بضمان الله سبحانه بالرزق في قوله تعالى {وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها} واليقين بان ذلك يأتيه وأن ما قدر له سيساق إليه ~~ومهما غلب ذلك على قلبه كان مجملا في الطلب ولم يشتد حرصه وشرهه وتأسفه على ~~ما فاته وأثمر هذا اليقين أيضا جملة من الطاعات والأخلاق الحميدة # ومن ذلك أن يغلب على قلبه أن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره وهو اليقين بالثواب والعقاب حتى يرى نسبة الطاعات إلى الثواب ~~كنسبة الخبز إلى الشبع ونسبة المعاصي إلى العقاب كنسبة السموم والأفاعي إلى ~~الهلاك فكما يحرص على التحصيل للخبز طلبا للشبع فيحفظ قليله وكثيره فكذلك ~~يحرص على الطاعات كلها قليلها PageV01P074 # وكثيرها وكما يجتنب قليل السموم وكثيرها فكذلك يجتنب المعاصي قليلها ~~وكثيرها وصغيرها وكبيرها فاليقين بالمعنى الأول قد يوجد لعموم المؤمنين أما ~~بالمعنى الثاني فيختص به المقربون وثمرة هذا اليقين صدق المراقبة في ~~الحركات والسكنات الخطرات والمبالغة في التقوى والتحرز عن كل السيئات وكلما ~~كان اليقين أغلب كان الاحتراز أشد والتشمير أبلغ # ومن ذلك اليقين بأن الله تعالى مطلع عليك في كل حال ومشاهد لهواجس ضميرك ~~وخفايا خواطرك وفكرك فهذا متيقن عند كل مؤمن بالمعنى الأول وهو عدم الشك ~~وأما بالمعنى الثاني وهو المقصود فهو عزيز يختص به الصديقون وثمرته أن يكون ~~الإنسان في خلوته متأدبا في جميع أحواله كالجالس بمشهد ملك معظم ينظر إليه ~~فإنه لا يزال مطرقا متأدبا في جميع أعماله متماسكا محترزا عن كل حركة تخالف ~~هيئة الأدب ويكون في فكرته الباطنة كهو في أعماله الظاهرة إذ يتحقق أن الله ~~تعالى مطلع على سريرته كما يطلع الخلق على ms0126 ظاهره فتكون مبالغته في عمارة ~~باطنه وتطهيره وتزيينه بعين الله تعالى الكائنة أشد من مبالغته في تزيين ~~ظاهره لسائر الناس وهذا المقام في اليقين يورث الحياء والخوف والانكسار ~~والذل والاستكانة والخضوع وجملة من الأخلاق المحمودة وهذه الأخلاق تورث ~~أنواعا من الطاعات رفيعة فاليقين في كل باب من هذه الأبواب مثل الشجرة وهذه ~~الأخلاق في القلب مثل الأغصان المتفرعة منها وهذه الأعمال والطاعات الصادرة ~~من الأخلاق كالثمار وكالأنوار المتفرعة من الأغصان فاليقين هو الأصل ~~والأساس وله مجار وأبواب أكثر مما عددناه وسيأتي ذلك في ربع المنجيات إن ~~شاء الله تعالى # وهذا القدر كاف في معنى اللفظ الآن # ومنها أن يكون حزينا منكسرا مطرقا صامتا يظهر أثر الخشية على هيئته ~~وكسوته وسيرته وحركته وسكونه ونطقه وسكوته لا ينظر إليه ناظر إلا وكان نظره ~~مذكرا لله تعالى وكانت صورته دليلا على عمله فالجواد عينه مرآته وعلماء ~~الآخرة يعرفون بسيماهم في السكينة والذلة والتواضع وقد قيل ما ألبس الله ~~عبدا لبسة أحسن من خشوع في سكينة فهي لبسة الأنبياء وسيما الصالحين ~~والصديقين والعلماء وأما التهافت في الكلام والتشدق والاستغراق في الضحك ~~والحدة في الحركة والنطق فكل ذلك من آثار البطر والأمن والغفلة عن عظيم ~~عقاب الله تعالى وشديد سخطه وهو دأب أبناء الدنيا الغافلين عن الله دون ~~العلماء به وهذا لأن العلماء ثلاثة كما قال سهل التستري رحمة الله عالم ~~بأمر الله تعالى لا بأيام الله وهم المفتون في الحلال والحرام وهذا العلم ~~لا يورث الخشية وعالم بالله تعالى لا بأمر الله ولا بأيام الله وهم عموم ~~المؤمنين وعالم بالله تعالى وبأمر الله تعالى وبأيام الله تعالى وهم ~~الصديقون والخشية والخشوع إنما تغلب عليهم وأراد بأيام الله أنواع عقوباته ~~الغامضة ونعمه الباطنة التي أفاضها على القرون السالفة واللاحقة فمن أحاط ~~علمه بذلك عظم خوفه وظهر خشوعه # وقال عمر رضي الله عنه تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والوقار ~~والحلم وتواضعوا لمن تتعلمون منه وليتواضع لكم من يتعلم منكم ولا تكونوا من ~~جبابرة العلماء فلا يقوم ms0127 علمكم بجهلكم # ويقال ما آتى الله عبدا علما إلا آتاه معه حلما وتواضعا وحسن خلق ورفقا ~~فذلك هو العلم النافع # وفي الأثر من آتاه الله علما وزهدا وتواضعا وحسن خلق فهو إمام المتقين # وفي الخبر إن من خيار أمتي قوما يضحكون جهرا من سعة رحمة الله ويبكون سرا ~~من خوف عذابه أبدانهم في الأرض وقلوبهم في السماء أرواحهم في الدنيا ~~وعقولهم في الآخرة يتمشون بالسكينة ويتقربون بالوسيلة (1) وقال الحسن الحلم ~~وزير العلم والرفق أبوه والتواضع سرباله # وقال بشر بن الحارث من طلب PageV01P075 # الرياسة بالعلم فتقرب إلى الله تعالى ببغضه فإنه ممقوت في السماء والأرض # ويروى في الإسرائيليات أن حكيما صنف ثلثمائة وستين مصنفا في الحكمة حتى ~~وصف بالحكيم فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل لفلان قد ملأت الأرض نفاقا ولم ~~تردني من ذلك بشيء وإني لا أقبل من نفاقك شيئا فندم الرجل وترك ذلك وخالط ~~العامة في الأسواق وواكل بني إسرائيل وتواضع في نفسه فأوحى الله تعالى إلى ~~نبيهم قل له الآن وفقت لرضاي # وحكى الأوزاعي رحمه الله عن بلال بن سعد أنه كان يقول ينظر أحدكم إلى ~~الشرطي فيستعيذ بالله منه وينظر إلى علماء الدنيا المتصنعين للخلق ~~المتشوفين إلى الرياسة فلا يمقتهم وهم أحق بالمقت من ذلك الشرطي # وروى أنه قيل يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال اجتناب المحارم ولا يزال ~~فوك رطبا من ذكر الله تعالى قيل فأي الأصحاب خير قال صلى الله عليه وسلم ~~صاحب إن ذكرت الله أعانك وإن نسيته ذكرك قيل فأي الأصحاب شر قال صلى الله ~~عليه وسلم صاحب إن نسيت لم يذكرك وإن ذكرت لم يعنك قيل فأي الناس أعلم قال ~~أشدهم لله خشية قيل فأخبرنا بخيارنا نجالسهم قال صلى الله عليه وسلم الذين ~~إذا رؤوا ذكر الله قيل فأي الناس شر قال اللهم غفرا قالوا أخبرنا يا رسول ~~الله قال العلماء إذا فسدوا (1) وقال صلى الله عليه وسلم إن أكثر الناس ~~أمانا يوم القيامة أكثرهم فكرا في الدنيا وأكثر الناس ضحكا ms0128 في الآخرة ~~أكثرهم بكاء في الدنيا وأشد الناس فرحا في الآخرة أطولهم حزنا في الدنيا ~~(2) وقال علي رضي الله عنه في خطبة له ذمتي رهينة وأنا به زعيم إنه لا يهيج ~~على التقوى زرع قوم ولا يظمأ على الهدى سنخ أصل وإن أجهل الناس من لا يعرف ~~قدره وإن أبغض الخلق إلى الله تعالى رجل قمش علما أغار به في أغباش الفتنة ~~سماه أشباه له من الناس وأرذالهم عالما ولم يعش في العلم يوما سالما تكثر ~~واستكثر فما قل منه وكفى خير مما كثر وألهى حتى إذا ارتوى من ماء آجن وأكثر ~~من غير طائل جلس للناس معلما لتخليص ما التبس على غيره فإن نزلت به إحدى ~~المهمات هيأ لها من رأيه حشو الرأي فهو ومن قطع الشبهات في مثل نسج ~~العنكبوت لا يدري أخطأ أم أصاب ركاب جهالات خباط عشوات لا يعتذر مما لا ~~يعلم فيسلم ولا يعض على العلم بضرس قاطع فيغنم تبكي منه الدماء وتستحل ~~بقضائه الفروج الحرام لا ملىء والله بإصدار ما ورد عليه ولا هو أهل لما فوض ~~إليه أولئك الذين حلت عليهم المثلات وحقت عليهم النياحة والبكاء أيام حياة ~~الدنيا # وقال علي رضي الله عنه إذا سمعتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بهزل ~~فتمجه القلوب # وقال بعض السلف العالم إذا ضحك ضحكة مج من العلم مجة # وقيل إذا جمع المعلم ثلاثا تمت النعمة بها على المتعلم الصبر والتواضع ~~وحسن الخلق وإذا جمع المتعلم ثلاثا تمت النعمة بها على المعلم العقل والأدب ~~وحسن الفهم # وعلى الجملة فالأخلاق التي ورد بها القرآن لا ينفك عنها علماء الآخرة ~~لأنهم يتعلمون القرآن للعمل لا للرياسة # وقال ابن عمر رضي الله عنهما لقد عشنا برهة من الدهر وإن أحدنا يؤتى ~~الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة فيتعلم حلالها وحرامها وأوامرها وزواجرها ~~وما ينبغي أن يقف عنده منها ولقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان ~~فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته لايدرى ما آمره وما زاجره وما ينبغي ~~أن ms0129 يقف عنده ينثره الدقل (3) وفي خبر آخر بمثل معناه كنا أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم PageV01P076 # أوتينا الإيمان قبل القرآن وستأتي بعدكم قوم يؤتون القرآن قبل الإيمان ~~يقيمون حروفه ويضيعون حدوده وحقوقه يقولون قرأنا فمن أقرأ منا وعلمنا فمن ~~أعلم منا فذلك حظهم (1) # وفي لفظ أولئك شرار هذه الأمة # وقيل خمس من الأخلاق هي من علامات علماء الآخرة مفهومة من خمس آيات من ~~كتاب الله عز وجل الخشية والخشوع والتواضع وحسن الخلق وإيثار الآخرة على ~~الدنيا وهو الزهد فأما الخشية فمن قوله تعالى إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء وأما الخشوع فمن قوله تعالى خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا ~~قليلا وأما التواضع فمن قوله تعالى واخفض جناحك للمؤمنين وأما حسن الخلق ~~فمن قوله تعالى فبما رحمة من الله لنت لهم وأما الزهد فمن قوله تعالى وقال ~~الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولما تلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام فقيل له ما هذا الشرح فقال إن النور إذا قذف في القلب انشرح له ~~الصدر وانفسح قيل فهل لذلك من علامة قال صلى الله عليه وسلم نعم التجافي عن ~~دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله (2) ومنها ~~أن يكون أكثر بحثه عن علم الأعمال وعما يفسدها ويشوش القلوب ويهيج الوسواس ~~ويثير الشر فإن أصل الدين التوقي من الشر ولذلك قيل # عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ... # ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه ... # ولأن الأعمال الفعلية قريبة وأقصاها بل أعلاها المواظبة على ذكر الله ~~تعالى بالقلب واللسان وإنما الشأن في معرفة ما يفسدها ويشوشها وهذا مما ~~تكثر شعبه ويطول تفريعه وكل ذلك مما يغلب مسيس الحاجة إليه وتعم به البلوى ~~في سلوك طريق الآخرة وأما علماء الدنيا فإنهم يتبعون غرائب التفريعات في ~~الحكومات والأقضية ويتعبون في وضع صور تنقضي الدهور ولا تقع أبدا وإن وقعت ~~فإنما تقع لغيرهم ms0130 لا لهم وإذا وقعت كان في القائمين بها كثرة ويتركون ما ~~يلازمهم ويتكرر عليهم آناء الليل وأطراف النهار في خواطرهم ووساوسهم ~~وأعمالهم وما أبعد عن السعادة من باع مهم نفسه اللازم يمهم غيره النادر ~~إيثارا للتقرب والقبول من الخلق على التقرب من الله سبحانه # وشرها في أن يسميه البطالون من أبناء الدنيا فاضلا محققا عالما بالدقائق ~~وجزاؤه من الله أن لا ينتفع في الدنيا بقبول الخلق بل يتكدر عليه صفوه ~~بنوائب الزمان ثم يرد القيامة مفلسا متحسرا على ما يشاهده من ربح العاملين ~~وفوز المقربين وذلك هو الخسران المبين ولقد كان الحسن البصري رحمه الله ~~أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأقربهم هديا من ~~الصحابة رضي الله عنهم اتفقت الكلمة في حقه على ذلك وكان أكثر كلامه في ~~خواطر القلوب وفساد الأعمال ووساس النفوس والصفات الخفية الغامضة من شهوات ~~النفس وقد قيل له يا أبا سعيد إنك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك فمن أين ~~أخذته قال من حذيفة بن اليمان # وقيل لحذيفة نراك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك من الصحابة فمن أين أخذته ~~قال خصني به رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الناس يسألونه عن الخير وكنت ~~أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه وعلمت أن الخير لا يسبقني علمه (3) وقال ~~مرة فعلمت أن من PageV01P077 # لا يعرف الشر لا يعرف الخير # وفي لفظ آخر كانوا يقولون يا رسول الله ما لمن عمل كذا وكذا يسألونه عن ~~فضائل الأعمال وكنت أقول يا رسول الله ما يفسد كذا وكذا فلما رآني أسأله عن ~~آفات الأعمال خصني بهذا العلم # وكان حذيفة رضي الله عنه أيضا قد خص بعلم المنافقين وأفرد بمعرفة علم ~~النفاق وأسبابه ودقائق الفتن فكان عمر وعثمان وأكابر الصحابة رضي الله عنهم ~~يسألونه عن الفتن العامة والخاصة وكان يسأل عن المنافقين فيخبر بعدد من بقي ~~منهم ولا يخبر بأسمائهم وكان عمر رضي الله عنه يسأل عن نفسه هل يعلم فيه ~~شيئا من النفاق فبرأه من ذلك ms0131 وكان عمر رضي الله عنه إذا دعى إلى جنازة ~~ليصلي عليها نظر فإن حضر حذيفة صلى عليها وإلا ترك وكان يسمى صاحب السر # فالعناية بمقامات القلب وأحواله دأب علماء الآخرة لأن القلب هو الساعي ~~إلى قرب الله تعالى وقد صار هذا الفن غريبا مندرسا وإذا تعرض العالم لشيء ~~منه استغرب واستبعد وقيل هذا تزويق المذكرين فأين التحقيق ويرون أن التحقيق ~~في دقائق المجادلات ولقد صدق من قال # الطرق شتى وطرق الحق مفردة ... والسالكون طريق الحق أفراد # لا يعرفون ولا تدري مقاصدهم ... فهم على مهل يمشون قصاد # والناس في غفلة عما يراد بهم ... فجلهم عن سبيل الحق رقاد # وعلى الجملة فلا يميل أكثر الخلق إلا إلى الأسهل والأوفق لطباعهم فإن ~~الحق مر والوقوف عليه صعب وإدراكه شديد وطريقه مستوعر ولا سيما معرفة صفات ~~القلب وتطهيره عن الأخلاق المذمومة فإن ذلك نزع للروح على الدوام وصاحبه ~~ينزل منزلة الشارب للدواء يصبر على مرارته رجاء الشفاء وينزل منزلة من جعل ~~مدة العمر صومه فهو يقاسي الشدائد ليكون فطره عند الموت ومتى تكثر الرغبة ~~في هذا الطريق ولذلك قيل إنه كان في البصرة مائة وعشرين متكلما في الوعظ ~~والتذكير ولم يكن من يتكلم في علم اليقين وأحوال القلوب وصفات الباطن إلا ~~ثلاثة منهم سهل التستري والصبيحي وعبد الرحيم وكان يجلس إلى أولئك الخلق ~~الكثير الذي لا يحصى وإلى هؤلاء عدد يسير قلما يجاوز العشرة لأن النفيس ~~العزيز لا يصلح إلا لأهل الخصوص وما يبذل للعموم فأمره قريب # ومنها أن يكون اعتماده في علومه على بصيرته وإدراكه بصفاء قلبه لا على ~~الصحف والكتب ولا على تقليد ما يسمعه من غيره وإنما المقلد صاحب الشرع ~~صلوات الله عليه وسلامه فيما أمر به وقاله وإنما يقلد الصحابة رضي الله ~~عنهم من حيث إن فعلهم يدل على سماعهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم # ثم إذا قلد صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم في تلقي أقواله وأفعاله ~~بالقبول فينبغي أن يكون حريصا على فهم أسراره فإن المقلد ms0132 إنما يفعل الفعل ~~لأن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم فعله وفعله لا بد وأن يكون لسر فيه ~~فينبغي أن يكون شديد البحث عن أسرار الأعمال والأقوال فإنه إن اكتفى بحفظ ~~ما يقال كان وعاء للعلم ولا يكون عالما # ولذلك كان يقال فلان من أوعية العلم فلا يسمى عالما إذا كان شأنه الحفظ ~~من غير اطلاع على الحكم والأسرار # ومن كشف عن قلبه الغطاء واستنار بنور الهداية صار في نفسه متبوعا مقلدا ~~فلا ينبغي أن يقلد غيره # ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما ما من أحد إلا يؤخذ من علمه ويترك إلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) وقد كان تعلم من زيد بن ثابت الفقه وقرأ ~~على أبي بن كعب ثم خالفهما في الفقه PageV01P078 # والقراءة جميعا # وقال بعض السلف ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلناه على ~~الرأس والعين وما جاءنا عن الصحابة رضي الله عنهم فنأخذ منه ونترك وما ~~جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال وإنما فضل الصحابة لمشاهدتهم قرائن ~~أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتلاق قلوبهم أمورا أدركت بالقرائن ~~فسددهم ذلك إلى الصواب من حيث لا يدخل في الرواية والعبارة إذ فاض عليهم من ~~نور النبوة ما يحرسهم في الأكثر عن الخطأ # وإذا كان الاعتماد على المسموع من الغير تقليدا غير مرضي فالاعتماد على ~~الكتب والتصانيف أبعد # بل الكتب والتصانيف محدثة لم يكن شيء منها في زمن الصحابة وصدر التابعين ~~وإنما حدثت بعد سنة مائة وعشرين من الهجرة وبعد وفاة جميع الصحابة وجملة ~~التابعين رضي الله عنهم وبعد وفاة سعيد بن المسيب والحسن وخيار التابعين بل ~~كان الأولون يكرهون كتب الأحاديث وتصنيف الكتب لئلا يشتغل الناس بها عن ~~الحفظ وعن القرآن وعن التدبر والتذكر وقالوا احفظوا كما كنا نحفظ # ولذلك كره أبو بكر وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم تصحيف القرآن في مصحف ~~وقالوا كيف نفعل شيئا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وخافوا اتكال ~~الناس على المصاحف ms0133 وقالوا نترك القرآن يتلقاه بعضهم من بعض بالتلقين ~~والإقراء ليكون هذا شغلهم وهمهم حتى أشار عمر رضي الله عنه وبقية الصحابة ~~بكتب القرآن خوفا من تخاذل الناس وتكاسلهم وحذرا من أن يقع نزاع فلا يوجد ~~أصل يرجع إليه في كلمة أو قراءة من المتشابهات فانشرح صدر أبي بكر رضي الله ~~عنه لذلك فجمع القرآن في مصحف واحد # وكان أحمد بن حنبل ينكر على مالك في تصنيفه الموطأ ويقول ابتدع ما لم ~~تفعله الصحابة رضي الله عنهم وقيل أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج ~~في الآثار وحروف التفاسير عن مجاهد وعطاء وأصحاب ابن عباس رضي الله عنهم ~~بمكة # ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن جمع فيه سننا مأثورة نبوية ثم كتاب ~~الموطأ بالمدينة لمالك بن أنس ثم جامع سفيان الثوري # ثم في القرن الرابع حدثت مصنفات الكلام وكثر الخوض في الجدال والغوص في ~~إبطال المقالات ثم مال الناس إليه وإلى القصص والوعظ بها فأخذ علم اليقين ~~في الاندراس من ذلك الزمان فصار بعد ذلك يستغرب علم القلوب والتفتيش عن ~~صفات النفس ومكايد الشيطان وأعرض عن ذلك إلا الأقلون فصار يسمى المجادل ~~المتكلم عالما والقاص المزخرف كلامه بالعبارات المسجعة عالما وهذا لأن ~~العوام هم المستمعون إليهم فكان لا يتميز لهم حقيقة العلم من غيره ولم تكن ~~سيرة الصحابة رضي الله عنهم وعلومهم ظاهرة عندهم حتى كانوا يعرفون بها ~~مباينة هؤلاء لهم فاستمر عليهم اسم العلماء وتوارث اللقب خلف عن سلف وأصبح ~~علم الآخرة مطويا وغاب عنهم الفرق بين العلم والكلام إلا عن الخواص منهم ~~كانوا إذا قيل لهم فلان أعلم أم فلان يقولون فلان أكثر علما وفلان أكثر ~~كلاما # فكان الخواص يدركون الفرق بين العلم وبين القدرة على الكلام # هكذا ضعف الدين في قرون سالفة فكيف الظن بزمانك هذا وقد انتهى الأمر إلى ~~أن مظهر الإنكار يستهدف لنسبته إلى الجنون فالأولى أن يشتغل الإنسان بنفسه ~~ويسكت # ومنها أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور وإن اتفق عليها الجمهور فلا ms0134 ~~يغرنه إطباق الخلق على ما أحدث بعد الصحابة رضي الله عنهم وليكن حريصا على ~~التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم وما كان فيه أكثر همهم أكان في ~~التدريس والتصنيف والمناظرة والقضاء والولاية وتولى الأوقاف والوصايا وأكل ~~مال الأيتام ومخالطة السلاطين ومجاملتهم في العشرة أم كان في الخوف والحزن ~~والتفكر المجاهدة ومراقبة الظاهر والباطن واجتناب دقيق الإثم وجليله والحرص ~~على إدراك خفايا شهوات النفوس ومكايد الشيطان إلى غير ذلك PageV01P079 # من علوم الباطن واعلم تحقيقا أن أعلم أهل الزمان وأقربهم إلى الحق أشبههم ~~بالصحابة وأعرفهم بطريق السلف فمنهم أخذ الدين # ولذلك قال علي رضي الله عنه خيرنا أتبعنا لهذا الدين لما قيل له خالفت ~~فلانا فلا ينبغي أن يكترث بمخالفة أهل العصر في موافقة أهل عصر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإن الناس رأوا رأيا فيما هم فيه لميل طباعهم إليه ولم ~~تسمح نفوسهم بالاعتراف بأن ذلك سبب الحرمان من الجنة فادعوا أنه لا سبيل ~~إلى الجنة سواه # ولذلك قال الحسن محدثان أحدثا في الإسلام رجل ذو رأي سيىء زعم أن الجنة ~~لمن رأى مثل رأيه ومترف يعبد الدنيا لها يغضب ولها يرضى وإياها يطلب ~~فارفضوهما إلى النار # وإن رجلا أصبح في هذه الدنيا بين مترف يدعوه إلى دنياه وصاحب هوى يدعوه ~~إلى هواه وقد عصمه الله تعالى منهما يحن إلى السلف الصالح يسأل عن أفعالهم ~~ويقتفي آثارهم متعرض لأجر عظيم فكذلك كونوا # وقد روي عن ابن مسعود موقوفا ومسندا أنه قال إنما هما اثنتان الكلام ~~والهدى فأحسن الكلام كلام الله تعالى وأحسن الهدى هدى رسول الله تعالى صلى ~~الله عليه وسلم ألا وإياكم ومحدثات الأمور فإن شر الأمور محدثاتها وإن كل ~~محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم ألا ~~كل ما هو آت قريب ألا إن البعيد ما ليس بآت (1) وفي خطبة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق من مال اكتسبه من ~~غير معصية وخالط أهل ms0135 الفقه والحكم وجانب أهل الزلل والمعصية طوبى لمن ذل في ~~نفسه وحسنت خليقته وصلحت سريرته وعزل عن الناس شره طوبى لمن عمل بعلمه ~~وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته السنة ولم يعدها إلى بدعة ~~(2) وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول حسن الهدى في آخر الزمان خير من كثير ~~من العمل وقال أنتم في زمان خيركم فيه المسارع في الأمور وسيأتي بعدكم زمان ~~يكون خيرهم فيه المتثبت المتوقف لكثرة الشبهات # وقد صدق فمن لم يتوقف في هذا الزمان ووافق الجماهير فيما هم عليه وخاض ~~فيما خاضوا فيه هلك كما هلكوا # وقال حذيفة رضي الله عنه أعجب من هذا أن معروفكم اليوم منكر زمان قد مضى ~~وأن منكركم اليوم معروف زمان قد أتى وإنكم لا تزالون بخير ما عرفتم الحق ~~وكان العالم فيكم غير مستخف به # ولقد صدق فإن أكثر معروفات هذه الأعصار منكرات في عصر الصحابة رضي الله ~~عنهم إذ من غرر المعروفات في زماننا تزيين المساجد وتنجيدها وإنفاق الأموال ~~العظيمة في دقائق عماراتها وفرش البسط الرفيعة فيها ولقد كان يعد فرش ~~البواري في المسجد بدعة وقيل إنه من محدثات الحجاج # فقد كان الأولون قلما يجعلون بينهم وبين التراب حاجزا وكذلك الاشتغال ~~بدقائق الجدل والمناظرة من أجل علوم أهل الزمان ويزعمون أنه من أعظم ~~القربات وقد كان من المنكرات # ومن ذلك التلحين في القرآن والأذان # ومن ذلك التعسف في النظافة والوسوسة في الطهارة وتقدير الأسباب البعيدة ~~في نجاسة الثياب مع التساهل في حل الأطعمة وتحريمها إلى نظائر ذلك # ولقد صدق ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال أنتم اليوم في زمان الهوى فيه ~~تابع للعلم وسيأتي عليكم زمان يكون العلم فيه تابعا للهوى # وقد كان أحمد بن حنبل يقول تركوا العلم وأقبلوا على الغرائب ما أقل العلم ~~فيهم والله المستعان # وقال مالك بن أنس رحمه الله لم تكن الناس فيما مضى يسألون عن هذه الأمور ~~كما يسأل الناس اليوم ولم يكن العلماء يقولون حرام ولا حلال ولكن ms0136 أدركتهم ~~يقولون مستحب ومكروه PageV01P080 # ومعناه أنهم كانوا ينظرون في دقائق الكراهة والاستحباب فأما الحرام فكان ~~فحشه ظاهرا وكان هشام بن عروة يقول لا تسألوهم اليوم عما أحدثوه بأنفسهم ~~فإنهم قد أعدوا له جوابا ولكن سلوهم عن السنة فإنهم لا يعرفونها # وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله يقول لا ينبغي لمن ألهم شيئا من ~~الخير أن يعمل به حتى يسمع به في الأثر فيحمد الله تعالى إذا وافق ما في ~~نفسه وإنما قال هذا لأن ما قد أبدع من الآراء قد قرع الأسماع وعلق بالقلوب ~~وربما يشوش صفاء القلب فيتخيل بسببه الباطل حقا فيحتاط فيه بالاستظهار ~~بشهادة الآثار # ولهذا لما أحدث مروان المنبر في صلاة العيد عند المصلى قام إليه أبو سعيد ~~الخدري رضي الله عنه فقال يا مروان ما هذه البدعة فقال إنها ليست ببدعة ~~إنها خير مما تعلم إن الناس قد كثروا فأردت أن يبلغهم الصوت فقال أبو سعيد ~~والله لا تأتون بخير مما أعلم أبدا ووالله لا صليت وراءك اليوم وإنما أنكر ~~ذلك عليه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوكأ في خطبة العيد ~~والاستسقاء على قوس أو عصا لا على المنبر (1) وفي الحديث المشهور من أحدث ~~في ديننا ما ليس منه فهو رد (2) وفي خبر آخر من غش أمتي فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين قيل يا رسول الله وما غش أمتك قال أن يبتدع بدعة ~~يحمل الناس عليها (3) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله عز وجل ~~ملكا ينادي كل يوم من خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تنله ~~شفاعته (4) ومثال الجاني على الدين بإبداع ما يخالف السنة بالنسبة إلى من ~~يذنب ذنبا مثال من عصى الملك في قلب دولته بالنسبة إلى من خالف أمره في ~~خدمة معينة وذلك قد يغفر له فأما في قلب الدولة فلا # وقال بعض العلماء ما تكلم فيه السلف فالسكوت عنه جفاء وما سكت عنه السلف ~~فالكلام فيه تكلف # وقال غيره الحق ثقيل من ms0137 جاوزه ظلم ومن قصر عنه عجز ومن وقف معه اكتفى # وقال صلى الله عليه وسلم عليكم بالنمط الأوسط الذي يرجع إليه العالي ~~ويرتفع إليه التالي (5) وقال ابن عباس رضي الله عنهما الضلالة لها حلاوة في ~~قلوب أهلها قال الله تعالى {وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا} وقال تعالى ~~{أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} فكل ما أحدث بعد الصحابة رضي الله عنهم ~~مما جاوز قدر الضرورة والحاجة فهو من اللعب واللهو # وحكي عن إبليس لعنه الله أنه بث جنوده في وقت الصحابة رضي الله عنهم ~~فرجعوا إليه محسورين فقال ما شأنكم قالوا ما رأينا مثل هؤلاء ما نصيب منهم ~~شيئا وقد أتعبونا فقال إنكم لا تقدرون عليهم قد صحبوا نبيهم وشهدوا تنزيل ~~ربهم ولكن سيأتي بعدهم قوم تنالون منهم حاجتكم # فلما جاء التابعون بث جنوده فرجعوا إليه منكسين فقالوا ما رأينا أعجب من ~~هؤلاء نصبب منهم الشيء بعد الشيء من الذنوب فإذا كان آخر النهار أخذوا في ~~الاستغفار فيبدل الله سيئاتهم حسنات فقال إنكم لن تنالوا من هؤلاء شيئا ~~لصحة توحيدهم واتباعهم لسنة نبيهم ولكن سيأتي بعد هؤلاء قوم تقر أعينكم بهم ~~تلعبون بهم لعبا وتقودونهم بأزمة أهوائهم كيف شئتم إن استغفروا لم يغفر لهم ~~ولا يتوبون فيبدل الله سيئاتهم PageV01P081 # حسنات قال فجاء قوم بعد القرن الأول فبث فيهم الأهواء وزين لهم البدع ~~فاستحلوها واتخذوها دينا لا يستغفرون الله منها ولا يتوبون عنها فسلط عليهم ~~الأعداء وقادوهم أين شاءوا # فإن قلت من أين عرف قائل هذا ما قاله إبليس ولم يشاهد إبليس ولا حدثه ~~بذلك فاعلم أن أرباب القلوب يكاشفون بأسرار الملكوت تارة على سبيل الإلهام ~~بأن يخطر لهم على سبيل الورود عليهم من حيث لا يعلمون وتارة على سبيل ~~الرؤيا الصادقة وتارة في اليقظة على سبيل كشف المعاني بمشاهدة الأمثلة كما ~~يكون في المنام وهذا أعلى الدرجات وهي من درجات النبوة العالية كما أن ~~الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة # فإياك أن يكون حظك من ms0138 هذا العلم إنكار ما جاوز حد قصورك ففيه هلك ~~المتحذلقون من العلماء الزاعمون أنهم أحاطوا بعلوم العقول فالجهل خير من ~~عقل يدعو إلى إنكار مثل هذه الأمور لأولياء الله تعالى ومن أنكر ذلك ~~للأولياء لزمه إنكار الأنبياء وكان خارجا عن الدين بالكلية # قال بعض العارفين إنما انقطع الأبدال في أطراف الأرض واستتروا عن أعين ~~الجمهور لأنهم لا يطيقون النظر إلى علماء الوقت لأنهم عندهم جهال بالله ~~تعالى وهم عند أنفسهم وعند الجاهلين علماء # قال سهل التستري رضي الله عنه أن من أعظم المعاصي الجهل بالجهل والنظر ~~إلى العامة واستماع كلام أهل الغفلة # وكل عالم خاض في الدنيا فلا ينبغي أن يصغى إلى قوله بل ينبغي أن يتهم في ~~كل ما يقول لأن كل إنسان يخوض فيما أحب ويدفع ما لا يوافق محبوبه ولذلك قال ~~الله عز وجل {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} ~~والعوام العصاة أسعد حالا من الجهال بطريق الدين المعتقدين أنهم من العلماء ~~لأن العامي العاصي معترف بتقصيره فيستغفر ويتوب وهذا الجاهل الظان أنه عالم ~~وأن ما هو مشتغل به من العلوم التي هي وسائله إلى الدنيا عن سلوك طريق ~~الدين فلا يتوب ولا يستغفر بل لا يزال مستمرا عليه إلى الموت # وإذ غلب هذا على أكثر الناس إلا من عصمه الله تعالى وانقطع الطمع من ~~إصلاحهم فالأسلم لذي الدين المحتاط العزلة والانفراد عنهم كما سيأتي في ~~كتاب العزلة بيانه إن شاء الله تعالى ولذلك كتب يوسف بن أسباط إلى حذيفة ~~المرعشي ما ظنك بمن بقي لا يجد أحدا يذكر الله تعالى معه إلا كان آثما أو ~~كانت مذاكرته معصية وذلك أنه لا يجد أهله ولقد صدق فإن مخالطة الناس لا ~~تنفك عن غيبة أو سماع غيبة أو سكوت على منكر وأن أحسن أحواله أن يفيد علما ~~أو يستفيده ولو تأمل هذا المسكين وعلم أن إفادته لا تخلو عن شوائب الرياء ~~وطلب الجمع والرياسة علم أن المستفيد إنما يريد أن يجعل ذلك ms0139 آلة إلى طلب ~~الدنيا ووسيلة إلى الشر فيكون هو معينا له على ذلك وردءا وظهيرا ومهيئا ~~لأسبابه كالذي يبيع السيف من قطاع الطريق # فالعلم كالسيف وصلاحه للخير كصلاح السيف للغزو ولذلك لا يرخص له في البيع ~~ممن يعلم بقرائن أحواله أنه يريد به الاستعانة على قطع الطريق # فهذه اثنتا عشرة علامة من علامات علماء الآخرة تجمع كل واحدة منها جملة ~~من أخلاق علماء السلف فكن أحد رجلين إما متصفا بهذه الصفات أو معترفا ~~بالتقصير مع الإقرار به وإياك أن تكون الثالث فتلبس على نفسك بأن تبدل آلة ~~الدنيا بالدين وتشبه سيرة البطالين بسيرة العلماء الراسخين وتلتحق بجهلك ~~وإنكارك بزمرة الهالكين الآيسين # نعوذ بالله من خدع الشيطان فبها هلك الجمهور # فنسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن لا تغره الحياة الدنيا ولا يغره بالله ~~الغرور PageV01P082 ### ||| الباب السابع في العقل وشرفه وحقيقته وأقسامه ### |||| بيان شرف العقل # اعلم أن هذا مما لا يحتاج إلى تكلف في إظهاره لا سيما وقد ظهر شرف العلم ~~من قبل العقل والعقل منبع العلم ومطلعه وأساسه والعلم يجري منه مجرى الثمرة ~~من الشجرة والنور من الشمس والرؤية من العين فكيف لا يشرف ما هو وسيلة ~~السعادة في الدنيا والآخرة أو كيف يستراب فيه والبهيمة مع قصور تمييزها ~~تحتشم العقل حتى إن أعظم البهائم بدنا وأشدها ضراوة وأقواها سطوة إذا رأى ~~صورة الإنسان احتشمه وهابه لشعوره باستيلائه عليه لما خص به من إدراك الحيل # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم الشيخ في قومه كالنبي في أمته (1) وليس ذلك ~~لكثرة ماله ولا لكبر شخصه ولا لزيادة قوته بل لزيادة تجربته التي هي ثمرة ~~عقله # ولذلك ترى الأتراك والأكراد وأجلاف العرب وسائر الخلق مع قرب منزلتهم من ~~رتبة البهائم يوقرون المشايخ بالطبع # ولذلك حين قصد كثير من المعاندين قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ~~وقعت أعينهم عليه واكتحلوا بغرته الكريمة هابوه وتراءى لهم ما كان يتلألأ ~~على ديباجة وجهه من نور النبوة وإن كان ذلك باطنا في نفسه بطون العقل ms0140 فشرف ~~العقل ما يدرك بالضرورة وإنما القصد أن نورد ما وردت به الأخبار والآيات في ~~ذكر شرفه وقد سماه الله نورا في قوله تعالى الله نور السموات والأرض مثل ~~نوره كمشكاة وسمى العلم المستفاد منه روحا ووحيا وحياة فقال تعالى {وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا} وقال سبحانه أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له ~~نورا يمشي به في الناس وحيث ذكر النور والظلمة أراد به العلم والجهل كقوله ~~{يخرجهم من الظلمات إلى النور} وقال صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس ~~اعقلوا عن ربكم وتواصوا بالعقل تعرفوا ما أمرتم به وما نهيتم عنه واعلموا ~~أنه ينجدكم عند ربكم واعلموا أن العاقل من أطاع الله وإن كان دميم المنظر ~~حقير الخطر دنيء المنزلة رث الهيئة وأن الجاهل من عصى الله تعالى وإن كان ~~جميل المنظر عظيم الخطر شريف المنزلة حسن الهيئة فصيحا نطوقا فالقردة ~~والخنازير أعقل عند الله تعالى ممن عصاه ولا تغتر بتعظيم أهل الدنيا إياهم ~~فإنهم من الخاسرين (2) # وقال صلى الله عليه وسلم أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل ثم ~~قال له أدبر فأدبر ثم قال الله عز وجل وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم على ~~منك بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب (3) # فإن قلت فهذا العقل إن كان عرضا فكيف خلق قبل الأجسام وإن كان جوهرا فكيف ~~يكون جوهر قائم بنفسه ولا يتحيز فاعلم أن هذا من علم المكاشفة فلا يليق ~~ذكره بعلم المعاملة وغرضنا الآن ذكر علوم المعاملة # وعن أنس رضي الله عنه قال أثنى قوم على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~حتى بالغوا فقال صلى الله عليه وسلم كيف عقل الرجل فقالوا نخبرك عن اجتهاده ~~في العبادة وأصناف الخير وتسألنا عن عقله فقال صلى الله عليه وسلم إن ~~الأحمق يصيب بجهله أكثر من فجور PageV01P083 # الفاجر وإنما يرتفع العباد غدا في الدرجات الزلفى من ربهم على قدر عقولهم ~~(1) # وعن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ms0141 وسلم ما اكتسب رجل ~~مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى وما تم إيمان عبد ولا استقام ~~دينه حتى يكمل عقله (2) وقال صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليدرك بحسن خلقه ~~درجة الصائم القائم ولا يتم لرجل حسن خلقه حتى يتم عقله فعند ذلك تم إيمانه ~~وأطاع ربه وعصى عدوه إبليس (3) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله فبقدر عقله ~~تكون عبادته أما سمعتم قول الفجار في النار لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير (4) وعن عمر رضي الله عنه أنه قال لتميم الداري ما السودد ~~فيكم قال العقل قال صدقت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتك فقال ~~كما قلت ثم قال سألت جبريل عليه السلام ما السودد فقال العقل (5) وعن ~~البراء بن عازب رضي الله عنه قال كثرت المسائل يوما على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا أيها الناس إن لكل شيء مطية ومطية المرء العقل وأحسنكم ~~دلالة ومعرفة بالحجة أفضلكم عقلا (6) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما ~~رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة أحد سمع الناس يقولون فلان أشجع ~~من فلان وفلان أبلى ما لم يبل فلان ونحو هذا فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أما هذا فلا علم لكم به قالوا وكيف ذلك يا رسول الله فقال صلى الله ~~عليه وسلم إنهم قاتلوا على قدر ما قسم الله لهم من العقل وكانت نصرتهم ~~ونيتهم على قدر عقولهم فأصيب منهم من أصيب على منازل شتى فإذا كان يوم ~~القيامة اقتسموا المنازل على قدر نياتهم وقدر عقولهم (7) وعن البراء بن ~~عازب أنه صلى الله عليه وسلم قال جد الملائكة واجتهدوا في طاعة الله سبحانه ~~وتعالى بالعقل وجد المؤمنون من بني آدم على قدر عقولهم فأعملهم بطاعة الله ~~عز وجل أوفرهم عقلا (8) وعن عائشة رضي الله عنها قالت قلت ms0142 يا رسول الله بم ~~يتفاضل الناس في الدنيا قال بالعقل قلت وفي الآخرة قال بالعقل قلت أليس ~~إنما يجزون بأعمالهم فقال صلى الله عليه وسلم يا عائشة وهل عملوا إلا بقدر ~~ما أعطاهم عز وجل من العقل فبقدر ما أعطوا من العقل كانت أعمالهم وبقدر ما ~~عملوا يجزون (9) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لكل شيء آلة وعدة وإن آلة المؤمن العقل ولكل شيء مطية ومطية ~~المرء العقل ولكل شيء دعامة ودعامة الدين العقل ولكل قوم غاية وغاية العباد ~~العقل ولكل قوم داع وداعي العابدين العقل ولكل تاجر بضاعة وبضاعة المجتهدين ~~العقل ولكل أهل بيت قيم وقيم بيوت الصديقين العقل ولكل خراب PageV01P084 # عمارة وعمارة الآخرة العقل ولكل امرىء عقب ينسب إليه ويذكر به وعقب ~~الصديقين الذيينسبون إليه ويذكرون به العقل ولكل سفر فسطاط وفسطاط المؤمنين ~~العقل (1) وقال صلى الله عليه وسلم إن أحب المؤمنين إلى الله عز وجل من نصب ~~في طاعة الله عز وجل ونصح لعباده وكمل عقله ونصح نفسه فأبصر وعمل به أيام ~~حياته فأفلح وأنجح (2) وقال صلى الله عليه وسلم أتمكم عقلا أشدكم لله تعالى ~~خوفا وأحسنكم فيما أمركم به ونهى عنه نظرا وإن كان أقلكم تطوعا (3) ### |||| بيان حقيقة العقل وأقسامه # اعلم أن الناس اختلفوا في حد العقل وحقيقته وذهل الأكثرون عن كون هذا ~~الاسم مطلقا على معان مختلفة فصار ذلك سبب اختلافهم # والحق الكاشف للغطاء فيه أن العقل اسم يطلق بالاشتراك على أربعة معان كما ~~يطلق اسم العين مثلا على معان عدة وما يجري هذا المجرى فلا ينبغي أن يطلب ~~لجميع أقسامه حد واحد بل يفرد كل قسم بالكشف عنه فالأول الوصف الذي يفارق ~~الإنسان به سائر البهائم وهو الذي استعد به لقبول العلوم النظرية وتدبير ~~الصناعات الخفية الفكرية وهو الذي أراده الحارث بن أسد المحاسبي حيث قال في ~~حد العقل إنه غريزة يتهيأ بها إدراك العلوم النظرية وكأنه نور يقذف في ~~القلب به يستعد لإدراك الأشياء ولم ms0143 ينصف من أنكر هذا ورد العقل إلى مجرد ~~العلوم الضرورية فإن الغافل عن العلوم والنائم يسميان عاقلين باعتبار وجود ~~هذه الغريزة فيهما مع فقد العلوم وكما أن الحياة غريزة بها يتهيأ الجسم ~~للحركات الاختيارية والإدراكات الحسية فكذلك العقل غريزة بها تتهيأ بعض ~~الحيوانات للعلوم النظرية ولو جاز أن يسوى بين الإنسان والحمار في الغريزة ~~والإدراكات الحسية # فيقال لا فرق بينهما إلا أن الله تعالى بحكم إجراء العادة يخلق في ~~الإنسان علوما وليس يخلقها في الحمار والبهائم لجاز أن يسوي بين الحمار ~~والجماد في الحياة ويقال لا فرق ألا إن الله عز وجل يخلق في الحمار حركات ~~مخصوصة بحكم إجراء العادة # فإنه لو قدر الحمار جمادا ميتا لوجب القول بأن كل حركة تشاهد منه فالله ~~سبحانه وتعالى قادر على خلقها فيه على الترتيب المشاهد # وكما وجب أن يقال لم يكن مفارقته للجماد في الحركات إلا بغريزة اختصت به ~~عبر عنها بالحياة فكذا مفارقة الإنسان البهيمة في إدراك العلوم النظرية ~~بغريزة يعبر عنها بالعقل وهو كالمرآة التي تفارق غيرها من الأجسام في حكاية ~~الصور والألوان بصفة اختصت بها وهي الصقالة # وكذلك العين تفارق الجبهة في صفات وهيئات بها استعدت للرؤية فنسبة هذه ~~الغريزة إلى العلوم كنسبة العين إلى الرؤية ونسبة القرآن والشرع إلى هذه ~~الغريزة في سياقها إلى انكشاف العلوم لها كنسبة نور الشمس إلى البصر فهكذا ~~ينبغي أن تفهم هذه الغريزة # الثاني هي العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز بجواز ~~الجائزات واستحالة المستحيلات كالعلم بأن الاثنين أكثر من الواحد وأن الشخص ~~الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد وهو الذي عناه بعض المتكلمين حيث قال ~~في حد العقل إنه بعض العلوم الضرورية كالعلم بجواز الجائزات واستحالة ~~المستحيلات وهو أيضا صحيح في نفسه لأن هذه العلوم موجودة وتسميتها عقلا ~~ظاهر وإنما الفاسد أن تنكر تلك الغريزة ويقال لا موجود إلا هذه العلوم # الثالث علوم تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال فإن من حنكته التجارب ~~وهذبته المذاهب يقال إنه عاقل ms0144 في العادة ومن لا يتصف بهذه الصفة فيقال ~~PageV01P085 # إنه غبي غمر جاهل فهذا نوع آخر من العلوم يسمى عقلا # الرابع أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور ويقمع الشهوة ~~الداعية إلى اللذة العاجلة ويقهرها فإذا حصلت هذه القوة سمى صاحبها عاقلا ~~من حيث إن إقدامه وإحجامه بحسب ما يقتضيه النظر في العواقب لا بحكم الشهوة ~~العاجلة وهذه أيضا من خواص الإنسان التي بها يتميز عن سائر الحيوان فالأول ~~هو الأس والسنخ والمنبع # والثاني هو الفرع الأقرب إليه # والثالث فرع الأول والثاني إذ بقوة الغريزة والعلوم الضرورية تستفاد علوم ~~التجارب # والرابع هو الثمرة الأخيرة وهو الغاية القصوى فالأولان بالطبع والأخيران ~~بالاكتساب # ولذلك قال علي كرم الله وجهه # رأيت العقل عقلين ... فمطبوع ومسموع # ولا ينفع مسموع ... إذا لم يك مطبوع # كما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع # والأول هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم ما خلق الله عز وجل خلقا أكرم ~~عليه من العقل (1) والأخير هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم إذا تقرب ~~الناس بأبواب البر والأعمال الصالحة فتقرب أنت بعقلك (2) وهو المراد بقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء رضي الله عنه ازدد عقلا تزدد من ~~ربك قربا فقال بأبي أنت وأمي وكيف لي بذلك فقال اجتنب محارم الله تعالى وأد ~~فرائض الله سبحانه تكن عاقلا واعمل بالصالحات من الأعمال تزدد في عاجل ~~الدنيا رفعة وكرامة وتنل في آجل العقبى بها من ربك عز وجل القرب والعز (3) ~~وعن سعيد بن المسيب أن عمر وأبي بن كعب وأبا هريرة رضي الله عنهم دخلوا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أعلم الناس فقال صلى ~~الله عليه وسلم العاقل قالوا فمن أعبد الناس قال العاقل قالوا فمن أفضل ~~الناس قال العاقل قالوا اليس العاقل من تمت مروءته وظهرت فصاحته وجادت كفه ~~وعظمت منزلته فقال صلى الله عليه وسلم {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ~~والآخرة عند ربك للمتقين} إن العاقل ms0145 هو المتقي وإن كان في الدنيا خسيسا ~~ذليلا (4) قال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر إنما العاقل من آمن بالله ~~وصدق رسله وعمل بطاعته (5) ويشبه أن يكون أصل الاسم في أصل اللغة لتلك ~~الغريزة وكذلك في الاستعمال وإنما أطلق على العلوم من حيث إنها ثمرتها كما ~~يعرف الشيء بثمرته فيقال العلم هو الخشية والعالم من يخشى الله تعالى # فإن الخشية ثمرة العلم فتكون كالمجاز لغير تلك الغريزة ولكن ليس الغرض ~~البحث عن اللغة # والمقصود أن هذه الأقسام الأربعة موجودة والاسم يطلق على جميعها ولا خلاف ~~في وجود جميعها إلا في القسم الأول والصحيح وجودها بل هي الأصل # وهذه العلوم كأنها مضمنة في تلك الغريزة بالفطرة ولكن تظهر في الوجود إذا ~~جرى سبب يخرجها إلى الوجود حتى كأن هذه العلوم ليست بشيء وارد عليها من ~~خارج وكأنها كانت مستكنة فيها فظهرت ومثاله الماء في الأرض فإنه يظهر بحفر ~~البئر ويجتمع ويتميز بالحس لا بأن يساق إليها شيء جديد وكذلك الدهن في ~~اللوز وماء الورد في الورد ولذلك قال تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم PageV01P086 # ألست بربكم قالوا بلى فالمراد به إقرار نفوسهم لا إقرار الألسنة فإنهم ~~انقسموا في إقرار الألسنة حيث وجدت الألسنة والأشخاص إلى مقر وإلى جاحد ~~ولذلك قال تعالى ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله معناه إن اعتبرت أحوالهم ~~شهدت بذلك نفوسهم وبواطنهم فطرة الله التي فطر الناس عليها أي كل آدمي فطر ~~على الإيمان بالله عز وجل بل على معرفة الأشياء على ما هي عليه أعني أنها ~~كالمضمنة فيها لقرب استعدادها للإدراك # ثم لما كان الإيمان مركوزا في النفوس بالفطرة انقسم الناس إلى قسمين إلى ~~من أعرض فنسي وهم الكفار وإلى من أجال خاطره فتذكر فكان كمن حمل شهادة ~~فنسيها بغفلة ثم تذكرها # ولذلك قال عز وجل لعلهم يتذكرون وليتذكر أولوا الألباب واذكروا نعمة الله ~~عليكم وميثاقه الذي واثقكم به ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر وتسمية ~~هذا النمط ms0146 تذكرا ليس ببعيد فكأن التذكر ضربان أحدهما # أن يذكر صورة كانت حاضرة الوجود في قلبه لكن غابت بعد الوجود الآخر # والآخر أن يذكر صورة كانت مضمنة فيه بالفطرة # وهذه حقائق ظاهرة للناظر بنور البصيرة ثقيلة على من يستروجه (1) السماع ~~والتقليد دون الكشف والعيان # ولذلك تراه يتخبط في مثل هذه الآيات ويتعسف وفي تأويل التذكر بإقرار ~~النفوس أنواعا من التعسفات ويتخايل إليه في الأخبار والآيات ضروب من ~~المناقضات وربما يغلب ذلك عليه حتى ينظر إليها بعين الاستحقار ويعتقد فيها ~~التهافت # ومثاله مثال الأعمى الذي يدخل دارا فيعثر فيها بالأواني المصفوفة في ~~الدار فيقول ما لهذه الأواني لا ترفع من الطريق وترد إلى مواضعها فيقال له ~~إنها في مواضعها وإنما الخلل في بصرك # فكذلك خلل البصيرة يجري مجراه وأطم منه وأعظم إذ النفس كالفارس والبدن ~~كالفرس وعمى الفارس أضر من عمى الفرس ولمشابهة بصيرة الباطن لبصيرة الظاهر ~~قال الله تعالى ما كذب الفؤاد ما رأى وقال تعالى وكذلك نرى إبراهيم ملكوت ~~السموات والأرض الآية وسمي ضده عمى فقال تعالى فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمي القلوب التي في الصدور وقال تعالى ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة ~~أعمى وأضل سبيلا وهذه الأمور التي كشفت للأنبياء بعضها كان بالبصر وبعضها ~~كان بالبصيرة وسمي الكل رؤية # وبالجملة من لم تكن بصيرته الباطنة ثاقبة لم يعلق به من الدين إلا قشوره ~~وأمثلته دون لبابه وحقائقه # فهذه أقسام ما ينطلق اسم العقل عليها ### |||| بيان تفاوت النفوس في العقل # قد اختلف الناس في تفاوت العقل ولا معنى للاشتغال بنقل كلام من قل تحصيله ~~بل الأولى والأهم المبادرة إلى التصريح بالحق # والحق الصريح فيه أن يقال إن التفاوت يتطرق إلى الأقسام الأربعة سوى ~~القسم الثاني وهو العلم الضروري بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات # فإن من عرف أن الاثنين أكثر من الواحد عرف أيضا استحالة كون الجسم في ~~مكانين وكون الشيء الواحد قديما حادثا وكذا سائر النظائر وكل ما يدركه ~~إدراكا محققا من غير شك وأما الأقسام الثلاثة ms0147 فالتفاوت يتطرق إليها أما ~~القسم الرابع وهو استيلاء القوة على قمع الشهوات فلا يخفى تفاوت الناس فيه ~~بل لا يخفى تفاوت أحوال الشخص الواحد فيه وهذا التفاوت يكون تارة لتفاوت ~~الشهوة إذ قد يقدر العاقل ترك بعض الشهوات دون بعض ولكن غير مقصور عليه # فإن الشاب قد يعجز عن ترك الزنا وإذا كبر وتم عقله قدر عليه وشهوة الرياء ~~والرياسة تزداد قوة بالكبر لا ضعفا وقد يكون سببه التفاوت في العلم المعرف ~~لغائلة تلك الشهوة ولهذا يقدر الطبيب على الاحتماء عن بعض الأطعمة المضرة ~~وقدم من يساويه في العقل على ذلك PageV01P087 # إذا لم يكن طبيبا وإن كان يعتقد على الجملة فيه مضرة لكن إذا كان علم ~~الطبيب أتم كان خوفه أشد فيكون الخوف جندا للعقل وعدة له في قمع الشهوات ~~وكسرها # وكذلك يكون العالم أقدر على ترك المعاصي من الجاهل لقوة علمه بضرر ~~المعاصي وأعني به العالم الحقيقي دون أرباب الطيالسة وأصحاب الهذيان # فإن كان التفاوت من جهة الشهوة لم يرجع إلى تفاوت العقل وإن كان من جهة ~~العلم فقد سمينا هذا الضرب من العلم عقلا أيضا فإنه يقوي غريزة العقل فيكون ~~التفاوت فيما رجعت التسمية إليه وقد يكون بمجرد التفاوت في غريزة العقل ~~فإنها إذا قويت كان قمعها للشهوة لا محالة أشد # وأما القسم الثالث وهو علوم التجارب فتفاوت الناس فيها لا ينكر فإنهم ~~يتفاوتون بكثرة الإصابة وسرعة الإدراك ويكون سببه إما تفاوتا في الغريزة ~~وإما تفاوتا في الممارسة فأما الأول وهو الأصل أعني الغريزة فالتفاوت فيه ~~لا سبيل إلى جحده فإنه مثل نور يشرق على النفس ويطلع صبحه ومبادىء إشراقه ~~عند سن التمييز ثم لا يزال ينمو ويزداد نموا خفي التدريج إلى أن يتكامل ~~بقرب الأربعين سنة ومثاله نور الصبح فإن أوائله تخفى خفاء يشق إدراكه ثم ~~يتدرج إلى الزيادة إلى أن يكمل بطلوع قرص الشمس # وتفاوت نور البصيرة كتفاوت نور البصر والفرق مدرك بين الأعمش وبين حاد ~~البصر بل سنة الله عز وجل جارية في جميع خلقه ms0148 بالتدريج في الإيجاد حتى إن ~~غريزة الشهوة لا تظهر في الصبي عند البلوغ دفعة وبغتة بل تظهر شيئا فشيئا ~~على التدريج وكذلك جميع القوى والصفات ومن أنكر تفاوت الناس في هذه الغريزة ~~فكأنه منخلع عن ربقة العقل ومن ظن أن عقل النبي صلى الله عليه وسلم مثل عقل ~~آحاد السوادية وأجلاف البوادي فهو أخس في نفسه من آحاد السوادية وكيف ينكر ~~تفاوت الغريزة ولولاه لما اختلف الناس في فهم العلوم ولما انقسموا إلى بليد ~~لا يفهم بالتفهيم إلا بعد تعب طويل من المعلم وإلى ذكي يفهم بأدنى رمز ~~وإشارة وإلى كامل تنبعث من نفسه حقائق الأمور بدون التعليم كما قال تعالى ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور وذلك مثل الأنبياء عليهم ~~السلام إذ يتضح لهم في بواطنهم أمور غامضة من غير تعلم وسماع ويعبر عن ذلك ~~بالإلهام وعن مثله عبر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال إن روح القدس نفث ~~في روعي أحبب من أحببت فإنك مفارقه وعش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك ~~مجزي به (1) وهذا النمط من تعريف الملائكة للأنبياء يخالف الوحي الصريح ~~الذي هو سماع الصوت بحاسة الأذن ومشاهدة الملك بحاسة البصر ولذلك أخبر عن ~~هذا بالنفث في الروع ودرجات الوحي كثيرة والخوض فيها لا يليق بعلم المعاملة ~~بل هو من علم المكاشفة # ولا تظنن أن معرفة درجات الوحي تستدعي منصب الوحي إذ لا يبعد أن يعرف ~~الطبيب المريض درجات الصحة ويعلم العالم الفاسق درجات العدالة وإن كان ~~خاليا عنها فالعلم شيء ووجود المعلوم شيء آخر فلا كل من عرف النبوة ~~والولاية كان نبيا ولا وليا ولا كل من عرف التقوى والورع ودقائقه كان تقيا # وانقسام الناس إلى من يتنبه من نفسه ويفهم وإلى من لا يفهم إلا بتنبيه ~~وتعليم وإلى من لا ينفعه التعليم أيضا ولا التنبيه كانقسام الأرض إلى ما ~~يجتمع فيه الماء فيقوى فيتفجر بنفسه عيونا وإلى ما يحتاج إلى الحفر ليخرج ~~إلى القنوات وإلى ما لا ms0149 ينفع فيه الحفر وهو اليابس وذلك لاختلاف جواهر ~~الأرض في صفاتها فكذلك اختلاف النفوس في غريزة العقل # ويدل على تفاوت العقل من جهة النقل ما روي أن عبد الله بن سلام رضي الله ~~عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل في آخره وصف عظم العرش وأن ~~الملائكة قالت يا ربنا هل خلقت شيئا أعظم من العرش PageV01P088 # قال نعم العقل قالوا وما بلغ من قدره قال هيهات لا يحاط بعلمه هل لكم علم ~~بعدد الرمل قالوا لا قال الله عز وجل فإني خلقت العقل أصنافا شتى كعدد ~~الرمل فمن الناس من أعطي حبة ومنهم من أعطي حبتين ومنهم من أعطي الثلاث ~~والأربع ومنهم من أعطي فرقا ومنهم من أعطي وسقا ومنهم من أعطي أكثر من ذلك ~~(1) # فإن قلت فما بال أقوام من المتصوفة يذمون العقل بالمعقول فاعلم أن السبب ~~فيه أن الناس نقلوا اسم العقل المعقول إلى المجادلة والمناظرة بالمناقضات ~~والإلزامات وهو صنعة الكلام فلم يقدروا على أن يقرروا عندهم أنكم أخطأتم في ~~التسمية إذ كان لا ينمحي عن قلوبهم بعد تداول الألسنة به ورسوخه في القلوب ~~فذموا العقل والمعقول وهو المسمى به عندهم # فأما نور البصيرة التي بها يعرف الله تعالى ويعرف صدق رسله فكيف يتصور ~~ذمه وقد أثنى الله تعالى عليه وإن ذم فما الذي بعده يحمد فإن كان المحمود ~~هو الشرع فبم علم صحة الشرع فإن علم بالعقل المذموم الذي لا يوثق به فيكون ~~الشرع أيضا مذموما ولا يلتفت إلى من يقول إنه يدرك بعين اليقين ونور ~~الإيمان لا بالعقل فإنا نريد بالعقل ما يريده بعين اليقين ونور الإيمان وهي ~~الصفة الباطنة التي يتميز بها الآدمي عن البهائم حتى أدرك بها حقائق الأمور ~~وأكثر هذه التخبيطات إنما ثارت من جهل أقوام طلبوا الحقائق من الألفاظ ~~فتخبطوا فيها لتخبط اصطلاحات الناس في الألفاظ فهذا القدر كاف في بيان ~~العقل والله أعلم # تم كتاب العلم بحمد الله تعالى ومنه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى كل ~~عبد ms0150 مصطفى من أهل الأرض والسماء # يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب قواعد العقائد # والحمد لله وحده أولا وآخرا # بسم الله الرحمن الرحيم ### || كتاب قواعد العقائد وفيه أربعة فصول ### ||| الفصل الأول في ترجمة عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة التي هي أحد مباني الإسلام # فنقول وبالله التوفيق الحمد لله المبدىء المعيد الفعال لما يريد ذي العرش ~~المجيد والبطش الشديد الهادي صفوة العبيد إلى المنهج الرشيد والمسلك السديد ~~المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد بحراسة عقائدهم عن ظلمات التشكيك والترديد ~~السالك بهم إلى اتباع رسوله المصطفى واقتفاء آثار صحبه الأكرمين المكرمين ~~بالتأييد والتسديد المتجلي لهم في ذاته وأفعاله بمحاسن أوصافه التي لا ~~يدركها إلا من ألقى السمع وهو شهيد المعرف إياهم أنه في ذاته واحد لا شريك ~~له فرد لا مثيل له صمد لا ضد له منفرد لا ند له وأنه واحد قديم لا أول له ~~أزلي لا بداية له مستمر الوجود لا آخر له أبدي لا نهاية له قيوم لا انقطاع ~~له دائم لا انصرام له لم يزل ولا يزال موصوفا بنعوت الجلال PageV01P089 # لا يقضى عليه بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الآجال بن هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم # التنزيه وأنه ليس بجسم مصور ولا جوهر محدود مقدر وأنه لا يماثل والأجسام ~~ولا في التقدير ولا في قبول الانقسام وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر ولا ~~بعرض ولا تحله الأعراض بل لا يماثل موجودا ولا يماثله موجود ليس كمثله شيء ~~ولا هو مثل شيء # وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه ~~الأرضون ولا السموات # وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواء ~~منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل ~~العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته # وهو فوق العرش والسماء وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقية لا تزيده قربا ~~إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعدا عن الأرض والثرى بل هو رفيع الدرجات ms0151 ~~عن العرش والسماء كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى # وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على ~~كل شيء شهيد إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام ~~وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدس عن أن ~~يحده زمان بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان # وأنه بائن عن خلقه بصفاته ليس في ذاته سواه ولا في سواه ذاته وأنه مقدس ~~عن التغير والانتقال لا تحله الحوادث ولا تعتريه العوارض بل لا يزال في ~~نعوت جلاله منزها عن الزوال وفي صفات كماله مستغنيا عن زيادة الاستكمال # وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول مرئي الذات بالأبصار نعمة منه ولطفا ~~بالأبرار في دار القرار وإتماما منه للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم # الحياة والقدرة وأنه تعالى حي قادر جبار قاهر لا يعتريه قصور ولا عجز ولا ~~تأخذه سنة ولا نوم ولا يعارضه فناء ولا موت وأنه ذو الملك والملكوت والعزة ~~والجبروت له السلطان والقهر والخلق والأمر والسموات مطويات بيمينه والخلائق ~~مقهورون في قبضته # وأنه المنفرد بالخلق والاختراع المتوحد بالإيجاد والإبداع خلق الخلق ~~وأعمالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم لا يشذ عن قبضته مقدور ولا يعزب عن قدرته ~~تصاريف الأمور لا تحصى مقدوراته ولا تتباهى معلوماته # العلم وأنه عالم بجميع المعلومات محيط بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى ~~السموات وأنه عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء بل ~~يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويدرك حركة ~~الذر في جو الهواء ويعلم السر وأخفى ويطلع على هواجس الضمائر وحركات ~~الخواطر وخفيات السرائر بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفا به في أزل الآزال لا ~~بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال # الإرادة وأنه تعالى مريد للكائنات مدبر للحادثات فلا يجري في الملك ~~والملكوت قليل أو كثير صغير أو كبير خير ms0152 أو شر نفع أو ضر إيمان أو كفر ~~عرفان أو نكر فوز أو خسران زيادة أو نقصان طاعة أو عصيان إلا بقضائه وقدره ~~وحكمته ومشيئته # فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة ~~خاطر بل هو المبدىء المعيد الفعال لما يريد لا راد لأمره ولا معقب لقضائه ~~ولا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته # ولا قوة له على طاعته إلا بمشيئته وإرادته فلو اجتمع الإنس والجن ~~والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ~~ومشيئته لعجزوا عن ذلك # وأن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته لم يزل كذلك موصوفا بها PageV01P090 # مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها فوجدت في أوقاتها كما ~~أراده في أزله من غير تقدم ولا تأخر بل وقعت على وفق علمه وإرادته من غير ~~تبدل ولا تغير # دبر الأمور لا بترتيب أفكار ولا تربص زمان فلذلك لم يشغله شأن عن شأن # السمع والبصر وأنه تعالى سميع بصير يسمع ويرى ولا يعرب عن سمعه مسموع وإن ~~خفي # ولا يغيب عن رؤيته مرئي وإن دق # ولا يحجب سمعه بعد ولا يدفع رؤيته ظلام # يرى من غير حدقة وأجفان ويسمع من غير أصمخة وآذان كما يعلم بغير قلب ~~ويبطش بغير جارحة ويخلق بغير آلة إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق كما لا تشبه ~~ذاته ذوات الخلق # الكلام وأنه تعالى متكلم آمرناه واعد متوعد بكلام أزلي قديم قائم بذاته ~~لا يشبه كلام الخلق فليس بصوت يحدث من انسلال هواه أو اصطكاك أجرام ولا ~~بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان # وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله عليهم ~~السلام # وأن القرآن مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب وأنه مع ذلك ~~قديم قائم بذات الله تعالى لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى ~~القلوب والأوراق وأن موسى صلى الله عليه وسلم سمع كلام الله بغير صوت ولا ~~حرف كما يرى الأبرار ذات الله تعالى ms0153 في الآخرة من غير جوهر ولا عرض # وإذا كانت له هذه الصفات كان حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما ~~بالحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام لا بمجرد الذات # الأفعال وأنه سبحانه وتعالى لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله وفائض من ~~عدله على أحسن الوجوه وأكملها وأتمها وأعدلها وأنه حكيم في أفعاله عادل في ~~أقضيته لا يقاس عدله بعدل العباد إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك ~~غيره # ولا يتصور الظلم من الله تعالى فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه ~~فيه ظلما فكل ما سواه من إنس وجن وملك وشيطان وسماء وارض وحيوان ونبات ~~وجماد وجوهر وعرض ومدرك ومحسوس حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا ~~وأنشأه إنشاء بعد أن لم يكن شيئا إذ كان موجودا وحده ولم يكن معه غيره ~~فأحدث الخلق بعد ذلك إظهارا لقدرته وتحقيقا لما سبق من إرادته ولما حق في ~~الأزل من كلمته لا لافتقاره إليه وحاجته # وأنه متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لا عن وجوب ومتطول بالإنعام ~~والإصلاح لا عن لزوم فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان إذ كان قادرا ~~على أن يصب على عباده أنواع العذاب ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب ولو فعل ~~ذلك لكان منه عدلا ولم يكن منه قبيحا ولا ظلما # وأنه عز وجل يثبت عباده المؤمنين على الطاعات بحكم الكرم والوعد لا بحكم ~~الاستحقاق واللزوم له إذ لا يجب عليه لأحد فعل ولا يتصور منه ظلم ولا يجب ~~لأحد عليه حق # وأن حقه في الطاعات وجب على الخلق بإيجابه على ألسنة أنبيائه عليهم ~~السلام لا بمجرد العقل ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة ~~فبلغوا أمره ونهيه ووعده ووعيده فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاءوا به # معنى الكلمة الثانية وهي الشهادة للرسل بالرسالة وأنه بعث النبي الأمي ~~القرشي محمدا صلى الله عليه وسلم برسالته إلى كافة العرب والعجم والجن ~~والإنس فنسخ بشريعته الشرائع إلا ما قرره منها # وفضله على سائر الأنبياء وجعله سيد البشر # ومنع كمال الإيمان بشهادة التوحيد ms0154 وهو قول لا إله إلا الله ما لم تقترن ~~بها شهادة الرسول وهو قولك محمد رسول الله وألزم الخلق تصديقه في جميع ما ~~أخبر عنه من أمور الدنيا والآخرة # وأنه لا يتقبل PageV01P091 # إيمان عبد حتى يؤمن بما أخبر به بعد الموت وأوله سؤال منكر ونكير وهما ~~شخصان مهيبان هائلان يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد فيسألانه عن ~~التوحيد والرسالة ويقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك (1) وهما فتانا ~~القبر (2) وسؤالهما أول فتنة بعد الموت (3) # وأن يؤمن بعذاب القبر (4) وأنه حق وحكمه عدل على الجسم والروح على ما ~~يشاء # وأن يؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان وصفته في العظم أنه مثل طبقات ~~السموات والأرض توزن الأعمال بقدرة الله تعالى والصنج يومئذ مثاقيل الذر ~~والخردل تحقيقا لتمام العدل وتوضح صحائف الحسنات في صورة حسنة في كفة النور ~~فيثقل بها الميزان على قدر درجاتها عند الله بفضل الله وتطرح صحائف السيئات ~~في صورة قبيحة في كفة الظلمة فيخف بها الميزان بعدل الله (5) # وأن يؤمن بأن الصراط حق وهو جسر ممدود على متن جهنم أحد من السيف وأدق من ~~الشعرة تزل عليه أقدام الكافرين بحكم الله سبحانه فتهوي بهم إلى النار ~~وتثبت عليه أقدام المؤمنين بفضل الله فيساقون إلى دار القرار (6) # وأن يؤمن بالحوض المورود حوض محمد صلى الله عليه وسلم يشرب منه المؤمنون ~~قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط (7) من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ~~عرضه مسيرة شهر ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل حوله أباريق عددها ~~بعدد نجوم السماء (8) حديث فيه ميزابان يصبان من الكوثر أخرجه مسلم من حديث ~~ثوبان يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورق // # وأن يؤمن بالحساب وتفاوت الناس فيه إلى مناقش في الحساب وإلى مسامح فيه ~~وإلى من يدخل PageV01P092 # الجنة بغير حساب وهم المقربون فيسأل الله تعالى (1) من شاء من الأنبياء ~~عن تبليغ الرسالة ومن شاء من الكفار عن تكذيب المرسلين (2) ويسأل المبتدعة ~~عن السنة (3) ويسأل المسلمين ms0155 عن الأعمال (4) # وأن يؤمن بإخراج الموحدين من النار بعد الانتقام حتى لا يبقى في جهنم ~~موحد بفضل الله تعالى فلا يخلد في النار موحد (5) # وأن يؤمن بشفاعة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ثم سائر المؤمنين على ~~حسب جاهه ومنزلته عند الله تعالى ومن بقي من المؤمنين ولم يكن له شفيع أخرج ~~بفضل الله عز وجل فلا يخلد في النار مؤمن بل يخرج منها من كان في قلبه ~~مثقال ذرة من الإيمان (6) # وأن يعتقد فضل الصحابة رضي الله عنهم وترتيبهم وأن أفضل الناس بعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم (7) # وأن يحسن الظن بجميع الصحابة ويثني عليهم كما أثنى الله عز وجل ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم عليهم أجمعين (8) فكل ذلك مما وردت به الأخبار وشهدت به ~~الآثار فمن اعتقد جميع ذلك موقنا به كان من أهل الحق وعصابة السنة وفارق ~~رهط الضلال وحزب البدعة # فنسأل الله كمال اليقين وحسن الثبات في الدين لنا ولكافة المسلمين برحمته ~~إنه أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى كل عبد مصطفى PageV01P093 ### ||| الفصل الثاني في وجه التدريج إلى الإرشاد وترتيب درجات الاعتقاد # اعلم أن ما ذكرناه في ترجمة العقيدة ينبغي أن يقدم إلى الصبي في أول نشوه ~~ليحفظه حفظا ثم لا يزال ينكشف له معناه في كبره شيئا فشيئا فابتداؤه الحفظ ~~ثم الفهم ثم الاعتقاد والإيقان والتصديق به وذلك مما يحصل في الصبي بغير ~~برهان # فمن فضل الله سبحانه على قلب الإنسان أن شرحه في أول نشوه للإيمان من غير ~~حاجة إلى حجة وبرهان وكيف ينكر ذلك وجميع عقائد العوام مباديها التلقين ~~المجرد والتقليد المحض نعم يكون الاعتقاد الحاصل بمجرد التقليد غير خال عن ~~نوع من الضعف في الابتداء على معنى أنه يقبل الإزالة بنقيضه لو ألقى إليه ~~فلا بد من تقويته وإثباته في نفس الصبي والعامي حتى يترسخ ولا يتزلزل # وليس الطريق في تقويته وإثباته إن يعلم صنعة الجدل والكلام بل يشتغل ~~بتلاوة ms0156 القرآن وتفسيره وقراءة الحديث ومعانيه # ويشتغل بوظائف العبادات فلا يزال اعتقاده يزداد رسوخا بما يقرع سمعه من ~~أدلة القرآن وحججه وبما يرد عليه من شواهد الأحاديث وفوائدها وبما يسطع ~~عليه من أنوار العبادات ووظائفها وبما يسري إليه من مشاهدة الصالحين ~~ومجالستهم وسيماهم وسماعهم وهيآتهم في الخضوع لله عز وجل والخوف منه ~~والاستكانة له فيكون أول التلقين كإلقاء بذر في الصدر وتكون هذه الأسباب ~~كالسقي والتربية له حتى ينمو ذلك البذر يقوى ويرتفع شجرة طيبة راسخة أصلها ~~ثابت وفرعها في السماء # وينبغي أن يحرس سمعه من الجدل والكلام غاية الحراسة فإن ما يشوشه الجدل ~~أكثر مما يمهده وما يفسده أكثر مما يصلحه بل تقويته بالجدل تضاهي ضرب ~~الشجرة بالمدقة من الحديد رجاء تقويتها بأن تكثر أجزاؤها وربما يفتتها ذلك ~~ويفسدها وهو الأغلب # والمشاهدة تكفيك في هذا بيانا فناهيك بالعيان برهانا # فقس عقيدة أهل الصلاح والتقى من عوام الناس بعقيدة المتكلمين والمجادلين ~~فترى اعتقاد العامي في الثبات كالطود الشامخ لا تحركه الدواهي والصواعق ~~وعقيدة المتكلم الحارس اعتقاده بتقسيمات الجدل كخيط مرسل في الهواء تفيئه ~~الرياح مرة هكذا ومرة هكذا إلا من سمع منهم دليل الاعتقاد فتلقفه تقليدا ~~كما تلقف نفس الاعتقاد تقليدا إذ لا فرق في التقليد بين تعليم الدليل أو ~~تعلم المدلول فتلقين الدليل شيء والاستدلال بالنظر شيء آخر بعيد عنه # ثم الصبي إذا وقع نشوه على هذه العقيدة إن اشتغل بكسب الدنيا لم ينفتح له ~~غيرها ولكنه يسلم في الآخرة باعتقاد أهل الحق إذ لم يكلف الشرع أجلاف العرب ~~أكثر من التصديق الجازم بظاهر هذه العقائد فأما البحث والتفتيش وتكلف نظم ~~الأدلة فلم يكلفوه أصلا # وإن أراد أن يكون من سالكي طريق الآخرة وساعده التوفيق حتى اشتغل بالعمل ~~ولازم التقوى ونهى النفس عن الهوى واشتغل بالرياضة والمجاهدة انفتحت له ~~أبواب من الهداية تكشف عن حقائق هذه العقيدة بنور إلهي يقذف في قلبه بسبب ~~المجاهدة تحقيقا لوعده عز وجل إذ قال والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ~~وإن الله لمع المحسنين وهو ms0157 الجوهر النفيس الذي هو غاية إيمان الصديقين ~~والمقربين وإليه الإشارة بالسر الذي وقر في صدر أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه حيث فضل به الخلق # وانكشاف ذلك السر بل تلك الأسرار له درجات بحسب درجات المجاهدة ودرجات ~~الباطن في النظافة والطهارة عما سوى الله تعالى وفي الاستضاءة بنور اليقين ~~وذلك كتفاوت الخلق في اسرار الطب والفقه وسائر العلوم إذ يختلف ذلك باختلاف ~~الاجتهاد واختلاف الفطرة في الذكاء والفطنة وكما لا تنحصر تلك الدرجات ~~فكذلك هذه مسألة فإن قلت تعلم الجدل والكلام مذموم كتعلم النجوم أو هو PageV01P094 # مباح أو مندوب إليه فاعلم أن للناس في هذا غلوا وإسرافا في أطراف فمن ~~قائل إنه بدعة أو حرام وأن العبد إن لقي الله عز وجل بكل ذنب سوى الشرك خير ~~له من أن يلقاه بالكلام ومن قائل إنه واجب وفرض إما على الكفاية أو على ~~الأعيان وأنه أفضل الأعمال وأعلى القربات فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن ~~دين الله تعالى # وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أهل الحديث ~~من السلف # قال ابن عبد الأعلى رحمه الله سمعت الشافعي رضي الله عنه يوم ناظر حفصا ~~الفرد وكان من متكلمي المعتزلة يقول لأن يلقى الله عز وجل العبد بكل ذنب ما ~~خلا الشرك بالله خير من أن يلقاه بشيء من علم الكلام ولقد سمعت من حفص ~~كلاما لا أقدر أن أحكيه وقال أيضا قد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننته ~~قط ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر ~~في الكلام # وحكى الكرابيسي أن الشافعي رضي الله عنه سئل عن شيء من الكلام فغضب وقال ~~سل عن هذا حفصا الفرد وأصحابه أخزاهم الله ولما مرض الشافعي رضي الله عنه ~~دخل عليه حفص الفرد فقال له من أنا فقال حفص الفرد لا حفظك الله ولا رعاك ~~حتى تتوب مما أنت فيه # وقال أيضا لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا ms0158 منه فرارهم من ~~الأسد وقال أيضا إذا سمعت الرجل يقول الاسم هو المسمى أو غير المسمى فاشهد ~~بأنه من أهل الكلام ولا دين له # قال الزعفراني قال الشافعي حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف ~~بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في ~~الكلام وقال أحمد بن حنبل لا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا تكاد ترى أحدا نظر ~~في الكلام إلا وفي قلبه دغل وبالغ في ذمه حتى هجر الحارث المحاسبي مع زهده ~~وورعه بسبب تصنيفه كتابا في الرد على المبتدعة وقال له ويحك ألست تحكي ~~بدعتهم أولا ثم ترد عليهم ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة ~~والتفكر في تلك الشبهات فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث وقال أحمد رحمه الله ~~علماء الكلام زنادقة # وقال مالك رحمه الله أرأيت إن جاءه من هو أجدل منه أيدع دينه كل يوم لدين ~~جديد يعني أن أقوال المتجادلين تتفاوت # وقال مالك رحمه الله أيضا لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء فقال بعض ~~أصحابه في تأويله أنه أراد بأهل الأهواء أهل الكلام على أي مذهب كانوا # وقال أبو يوسف من طلب العلم بالكلام تزندق # وقال الحسن لا تجادلوا أهل الأهواء ولا تجالسوهم ولا تسمعوا منهم وقد ~~اتفق أهل الحديث من السلف على هذا # ولا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه وقالوا ما سكت عنه الصحابة مع ~~أنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم إلا لعلمهم بما يتولد ~~منه من الشر # ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك ~~المتنطعون (1) أي المتعمقون في البحث والاستقصاء # واحتجوا أيضا بأن ذلك لو كان من الدين لكان ذلك أهم ما يأمر به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ويعلم طريقه ويثني عليه وعلى أربابه فقد علمهم ~~الاستنجاء (2) وندبهم إلى علم الفرائض وأثنى عليهم (3) ونهاهم عن الكلام في ~~القدر وقال أمسكوا (4) عن القدر # وعلى هذا استمر الصحابة رضي الله عنهم فالزيادة على الأستاذ طغيان وظلم # وهم الأستاذون ms0159 والقدوة ونحن الأتباع والتلامذة # وأما الفرقة الأخرى فاحتجوا بأن قالوا إن المحذور من الكلام إن كان هو ~~لفظ الجوهر والعرض وهذه الاصطلاحات الغريبة التي لم تعهدها الصحابة ~~PageV01P095 # رضي الله عنهم فالأمر فيه قريب إذا ما من علم إلا وقد أحدث فيه اصطلاحات ~~لأجل التفهيم كالحديث والتفسير والفقه ولو عرض عليهم عبارة النقض والكسر ~~والتركيب والتعدية وفساد الوضع إلى جميع الأسئلة التي تورد على القياس لما ~~كانوا يفقهونه # فإحداث عبارة للدلالة بها على مقصود صحيح كإحداث آنية على هيئة جديدة ~~لاستعمالها في مباح وإن كان المحذور هو المعنى فنحن لا نعني به إلا معرفة ~~الدليل على حدوث العالم ووحدانية الخالق وصفاته كما جاء في الشرع فمن أين ~~تحرم معرفة الله تعالى بالدليل وإن كان المحذور هو التشعب والتعصب والعداوة ~~والبغضاء وما يفضي إليه الكلام فذلك محرم ويجب الاحتراز عنه كما أن الكبر ~~والعجب والرياء وطلب الرياسة مما يفضي إليه علم الحديث والتفسير والفقه وهو ~~محرم يجب الاحتراز عنه ولكن لا يمنع من العلم لأجل أدائه إليه وكيف يكون ~~ذكر الحجة والمطالبة بها والبحث عنها محظورا وقد قال الله تعالى قل هاتوا ~~برهانكم وقال عز وجل ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وقال تعالى ~~هل عندكم من سلطان بهذا أي حجة وبرهان وقال تعالى قل فلله الحجة البالغة ~~وقال تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه إلى قوله فبهت الذي كفر إذ ~~ذكر سبحانه احتجاج إبراهيم ومجادلته وإفحامه خصمه في معرض الثناء عليه وقال ~~عز وجل وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه وقال تعالى قالوا يا نوح قد ~~جادلتنا فأكثرت جدالنا وقال تعالى في قصة فرعون وما رب العالمين إلى قوله ~~أولوا جئتك بشيء مبين وعلى الجملة فالقرآن من أوله إلى آخره محاجة مع ~~الكفار فعمدة أدلة المتكلمين في التوحيد قوله تعالى {لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا} وفي النبوة {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة ~~من مثله} وفي البعث {قل ms0160 يحييها الذي أنشأها أول مرة} إلى غير ذلك من الآيات ~~والأدلة # ولم تزل الرسل صلوات الله عليهم يحاجون المنكرين ويجادلونهم قال تعالى ~~{وجادلهم بالتي هي أحسن} فالصحابة رضي الله عنهم أيضا كانوا يحاجون ~~المنكرين ويجادلون ولكن عند الحاجة # وكانت الحاجة إليه قليلة في زمانهم وأول من سن دعوة المبتدعة بالمجادلة ~~إلى الحق علي ابن أبي طالب رضي الله عنه إذ بعث ابن عباس رضي الله عنهما ~~إلى الخوارج فكلمهم فقال ما تنقمون على إمامكم قالوا قاتل ولم يسب ولم يغنم ~~فقال ذلك في قتال الكفار أرأيتم لو سببت عائشة رضي الله عنها في سهم أحدكم ~~أكنتم تستحلون منها ما تستحلون من ملككم وهي أمكم في نص الكتاب فقالوا لا ~~فرجع منهم إلى الطاعة بمجادلته ألفان # وروي أن الحسن ناظر قدريا فرجع عن القدر # وناظر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه رجلا من القدرية # وناظر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يزيد بن عميرة في الإيمان قال عبد ~~الله لو قلت إني مؤمن لقلت إني في الجنة فقال له يزيد بن عميرة يا صاحب ~~رسول الله هذه زلة منك وهل الإيمان إلا أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~والبعث والميزان وتقيم الصلاة والصوم والزكاة ولنا ذنوب لو نعلم أنها تغفر ~~لنا لعلمنا أننا من أهل الجنة فمن أجل ذلك نقول إنا مؤمنون ولا نقول إنا من ~~أهل الجنة # فقال ابن مسعود صدقت والله إنها مني زلة فينبغي أن يقال كان خوضهم فيه ~~قليلا لا كثيرا وقصيرا لا طويلا وعند الحاجة لا بطريق التصنيف والتدريس ~~واتخاذه صناعة فيقال أما قلة خوضهم فيه فإنه كان لقلة الحاجة إذا لم تكن ~~البدعة تظهر في ذلك الزمان وأما القصر فقد كان الغاية إفحام الخصم واعترافه ~~وانكشاف الحق وإزالة الشبهة فلو طال إشكال الخصم أو لجاجه لطال لا محالة ~~إلزامهم # وما كانوا يقدرون قدر الحاجة بميزان ولا مكيال بعد الشروع فيها وأما عدم ~~تصديهم للتدريس والتصنيف فيه فهكذا كان دأبهم في الفقه والتفسير والحديث ms0161 ~~أيضا فإن جاز تصنيف الفقه ووضع الصور النادرة التي لا تتفق إلا على الندور ~~إما إدخار اليوم وقوعها وإن كان نادرا أو تشحيذا للخواطر فنحن أيضا نرتب ~~طرق PageV01P096 # المجادلة لتوقع وقوع الحاجة بثوران شبهة أو هيجان مبتدع أو لتشحيذ الخاطر ~~أو لادخار الحجة حتى لا يعجز عنها عند الحاجة على البديهة والارتجال كمن ~~يعد السلاح قبل القتال ليوم القتال فهذا ما يمكن أن يذكر للفريقين # فإن قلت فما المختار عندك فيه فاعلم أن الحق فيه أن إطلاق القول بذمه في ~~كل حال أو بحمده في كل حال خطأ بل لا بد فيه من تفصيل # فاعلم أولا أن الشيء قد يحرم لذاته كالخمر والميتة وأعني بقولي لذاته أن ~~علة تحريمه وصف في ذاته وهو الإسكار والموت # وهذا إذا سئلنا عنه أطلقنا القول بأنه حرام ولا يلتفت إلى إباحة الميتة ~~عند الاضطرار وإباحة تجرع الخمر إذا غص الإنسان بلقمة ولم يجد ما يسيغها ~~سوى الخمر وإلى ما يحرم لغيره كالبيع على بيع أخيك المسلم في وقت الخيار ~~والبيع وقت النداء وكأكل الطين فإنه يحرم لما فيه من الإضرار وهذا ينقسم ~~إلى ما يضر قليله وكثيره فيطلق القول عليه بأنه حرام كالسم الذي يقتل قليله ~~وكثيره وإلى ما يضر عند الكثرة فيطلق القول عليه بالإباحة كالعسل فإن كثيره ~~يضر بالمحرور وكأكل الطين # وكأن إطلاق التحريم على الطين والخمر والتحليل على العسل التفات إلى أغلب ~~الأحوال فإن تصدى شيء تقابلت فيه الأحوال فالأولى والأبعد عن الالتباس أن ~~يفصل فنعود إلى علم الكلام ونقول إن فيه منفعة وفيه مضرة فهو باعتبار ~~منفعته في وقت الانتفاع حلال أو مندوب إليه أو واجب كما يقتضيه الحال وهو ~~باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام أما مضرته فإثارة الشبهات ~~وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم فذلك مما يحصل في الابتداء ~~ورجوعها بالدليل مشكوك فيه ويختلف فيه الإشخاص فهذا ضرره في الاعتقاد الحق # وله ضرر آخر في تأكيد اعتقاد المبدعة للبدعة وتثبيته في صدورهم بحيث ~~تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم ms0162 على الإصرار عليه ولكن هذا الضرر بواسطة التعب ~~الذي يثور من الجدل ولذلك ترى المبتدع العامي يمكن أن يزول اعتقاده باللطف ~~في أسرع زمان إلا إذا كان نشؤه في بلد يظهر فيها الجدل والتعصب فإنه لو ~~اجتمع عليه الأولون والآخرون لم يقدروا على نزع البدعة من صدره بل الهوى ~~والتعصب وبغض خصوم المجادلين وفرقة المخالفين يستولي على قلبه ويمنعه من ~~إدراك الحق حتى لو قيل له هل تريد أن يكشف الله تعالى لك الغطاء ويعرفك ~~بالعيان أن الحق مع خصمك لكره ذلك خيفة من أن يفرح به خصمه وهذا هو الداء ~~العضال الذي استطار في البلاد والعباد وهو نوع فساد أثاره المجادلون ~~بالتعصب فهذا ضرره # وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه ~~وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف ولعل التخبيط والتضليل فيه ~~أكثر من الكشف والتعريف وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن ~~الناس أعداء ما جهلوا فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة ~~وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم ~~أخر تناسب نوع الكلام وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه ~~مسدود # ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على الندور ~~في أمور جلية تكاد تفهم قبل التعمق في صنعة الكلام بل منفعته شيء واحد وهو ~~حراسة العقيدة التي ترجمناها على العوام وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع ~~الجدل فإن العامي ضعيف يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسدا ومعارضة الفاسد ~~بالفاسد تدفعه # والناس متعبدون بهذه العقيدة التي قدمناها إذ ورد الشرع بها لما فيها من ~~صلاح دينهم ودنياهم وأجمع السلف الصالح عليها والعلماء يتعبدون بحفظها على ~~العوام من تلبيسات المبتدعة كما تعبد السلاطين بحفظ أموالهم عن تهجمات ~~الظلمة والغصاب وإذا وقعت الإحاطة بضرره ومنفعته فينبغي أن يكون كالطبيب ~~الحاذق في استعمال الدواء الخطر إذ لا يضعه إلا في موضعه وذلك في وقت ~~الحاجة ms0163 وعلى قدر الحاجة # وتفصيله أن العوام المشتغلين بالحرف والصناعات يجب أن يتركوا على سلامة ~~عقائدهم PageV01P097 # التي اعتقدوها مهما تلقنوا الاعتقاد الحق الذي ذكرناه فإن تعليمهم الكلام ~~ضرر محض في حقهم إذ ربما يثير لهم شكا ويزلزل عليهم الاعتقاد ولا يمكن ~~القيام بعد ذلك بالإصلاح # وأما العامي المعتقد للبدعة فينبغي أن يدعى إلى الحق بالتلطف لا بالتعصب ~~وبالكلام اللطيف المقنع للنفس المؤثر في القلب القريب من سياق أدلة القرآن ~~والحديث الممزوج بفن من الوعظ والتحذير فإن ذلك أنفع من الجدال الموضوع على ~~شرط المتكلمين إذ العامي إذا سمع ذلك اعتقد أنه نوع صنعة من الجدل تعلمها ~~المتكلم ليستدرج الناس إلى اعتقاده فإن عجز عن الجواب قدر أن المجادلين من ~~أهل مذهبه أيضا يقدرون على دفعه # فالجدل مع هذا ومع الأول حرام وكذلك مع من وقع في شك إذ يجب إزالته ~~باللطف والوعظ والأدلة القريبة المقبولة البعيدة عن تعمق الكلام # واستقصاء الجدل إنما ينفع في موضع واحد وهو أن يفرض عامي اعتقد البدعة ~~بنوع جدل سمعه فيقابل ذلك الجدل بمثله فيعود إلى اعتقاد الحق وذلك فيمن ظهر ~~له من الأنس بالمجادلة ما يمنعه عن القناعة بالمواعظ والتحذيرات العامية ~~فقد انتهى هذا إلى حالة لا يشفيه منها إلا دواء الجدل فجاز أن يلقى إليه # وأما في بلاد تقل فيها البدعة ولا تختلف فيها المذاهب فيقتصر فيها على ~~ترجمة الاعتقاد الذي ذكرناه ولا يتعرض للأدلة ويتربص وقوع شبهة فإن وقعت ~~ذكر بقدر الحاجة فإن كانت البدعة شائعة وكان يخاف على الصبيان أن يخدعوا ~~فلا بأس أن يعلموا القدر الذي أودعناه كتاب الرسالة القدسية ليكون ذلك سببا ~~لدفع تأثير مجادلات المبتدعة إن وقعت إليهم وهذا مقدار مختصر وقد أودعناه ~~هذا الكتاب لاختصاره فإن كان فيه ذكاء وتنبه بذكائه لموضع سؤال أو ثارت في ~~نفسه شبهة فقد بدت العلة المحذورة وظهر الداء فلا بأس أن يرقى منه إلى ~~القدر الذي ذكرناه في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد وهو قدر خمسين ورقة وليس ~~فيه خروج عن النظر في ms0164 قواعد العقائد إلى غير ذلك من مباحث المتكلمين # فإن اقنعه ذلك كف عنه وإن لم يقنعه ذلك فقد صارت العلة مزمنة والداء ~~غالبا والمرض ساريا فليتلطف به الطبيب بقدر إمكانه وينتظر قضاء الله تعالى ~~فيه إلى أن ينكشف له الحق بتنبيه من الله سبحانه أو يستمر على الشك والشبهة ~~إلى ما قدر له فالقدر الذي يحويه ذلك الكتاب وجنسه من المصنفات هو الذي ~~يرجى نفعه # فأما الخارج منه فقسمان أحدهما بحث عن غير قواعد العقائد كالبحث عن ~~الاعتمادات وعن الأكوان وعن الإدراكات وعن الخوض في الرؤية هل لها ضد يسمى ~~المنع أو العمى وإن كان فذلك واحد هو منع عن جميع ما لا يرى أو ثبت لكل ~~مرئي يمكن رؤيته منع بحسب عدده إلى غير ذلك من الترهات المضلات # والقسم الثاني زيادة تقرير لتلك الأدلة في غير تلك القواعد وزيادة أسئلة ~~وأجوبة وذلك أيضا استقصاء لا يزيد إلا ضلالا وجهلا في حق من لم يقنعه ذلك ~~القدر فرب كلام يزيده الإطناب والتقرير غموضا # ولو قال قائل البحث عن حكم الإدراكات والاعتمادات فيه فائدة تشحيذ ~~الخواطر # والخاطر آلة الدين كالسيف آلة الجهاد فلا بأس بتشحيذه كان كقوله لعب ~~الشطرنج يشحذ الخاطر فهو من الدين أيضا وذلك هوس فإن الخاطر يتشحذ بسائر ~~علوم الشرع ولا يخاف فيها مضرة فقد عرفت بهذا القدر المذموم والقدر المحمود ~~من الكلام والحال التي يذم فيها والحال التي يحمد فيها والشخص الذي ينتفع ~~به والشخص الذي لا ينتفع به # فإن قلت مهما اعترفت بالحاجة إليه في دفع المبتدعة والآن قد ثارت البدع ~~وعمت البلوى وأرهقت الحاجة فلا بد أن يصير القيام بهذا العلم من فروض ~~الكفايات كالقيام بحراسة الأموال وسائر الحقوق كالقضاء والولاية وغيرهما ~~وما لم يشتغل العلماء بنشر ذلك والتدريس فيه والبحث عنه لا يدوم ولو ترك ~~بالكلية لاندرس وليس في مجرد الطباع كفاية لحل شبه المبتدعة ما لم PageV01P098 # يتعلم فينبغي أن يكون التدريس فيه والبحث عنه أيضا من فروض الكفايات ~~بخلاف زمن الصحابة رضي الله ms0165 عنهم فإن الحاجة ما كانت ماسة إليه # فاعلم أن الحق أنه لا بد في كل بلد من قائم بهذا العلم مستقل يدفع شبه ~~المبتدعة التي ثارت في تلك البلدة وذلك يدوم بالتعليم ولكن ليس من الصواب ~~تدريسه على العموم كتدريس الفقه والتفسير فإن هذا مثل الدواء والفقه مثل ~~الغذاء وضرر الغذاء لا يحذر وضرر الدواء محذور لما ذكرنا فيه من أنواع ~~الضرر # فالعالم الذي ينبغي أن يخصص بتعليم هذا العلم من فيه ثلاث خصال إحداها ~~التجرد للعلم والحرص عليه فإن المحترف يمنعه الشغل عن الاستتمام وإزالة ~~الشكوك إذا عرضت # الثانية الذكاء والفطنة والفصاحة فإن البليد لا ينتفع بفهمه والفدم لا ~~ينتفع بحجاجه فيخاف عليه من ضرر الكلام ولا يرجى فيه نفعه # الثالثة أن يكون في طبعه الصلاح والديانة والتقوى ولا تكون الشهوات غالبة ~~عليه فإن الفاسق بأدنى شبهة ينخلع عن الدين فإن ذلك يحل عنه الحجر ويرفع ~~للسد الذي بينه وبين الملاذ فلا يحرص على إزالة الشبهة بل يغتنمها ليتخلص ~~من أعباء التكليف فيكون ما يفسده مثل هذا المتعلم أكثر مما يصلحه # وإذا عرفت هذه الانقسامات اتضح لك أن هذه الحجة المحمودة في الكلام إنما ~~هي من جنس حجج القرآن من الكلمات اللطيفة المؤثرة في القلوب المقنعة للنفوس ~~دون التغلغل في التقسيمات والتدقيقات التي لا يفهمها أكثر الناس وإذا ~~فهموها اعتقدوا أنها شعوذة وصناعة تعلمها صاحبها للتلبيس فإذا قابله مثله ~~في الصنعة قاومه # وعرفت أن الشافعي وكافة السلف إنما منعوا عن الخوض فيه والتجرد له لما ~~فيه من الضرر الذي نبهنا عليه # وأن ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما من مناظرة الخوارج وما نقل عن علي ~~رضي الله عنه من المناظرة في القدر وغيره كان من الكلام الجلي الظاهر وفي ~~محل الحاجة وذلك محمود في كل حال # نعم قد تختلف الأعصار في كثرة الحاجة وقلتها فلا يبعد أن يختلف الحكم ~~لذلك فهذا حكم العقيدة التي تعبد الخلق بها وحكم طريق النضال عنها وحفظها ~~فأما إزالة الشبهة وكشف الحقائق ms0166 ومعرفة الأشياء على ما هي عليه وإدراك ~~الأسرار التي يترجمها ظاهر ألفاظ هذه العقيدة فلا مفتاح له إلا المجاهدة ~~وقمع الشهوات والإقبال بالكلية على الله تعالى وملازمة الفكر الصافي عن ~~شوائب المجادلات وهي رحمة من الله عز وجل تفيض على من يتعرض لنفحاتها بقدر ~~الرزق وبحسب التعرض وبحسب قبول المحل وطهارة القلب وذلك البحر الذي لا يدرك ~~غوره ولا يبلغ ساحله # مسألة فإن قلت هذا الكلام يشير إلى أن هذه العلوم لها ظواهر وأسرار ~~وبعضها جلي يبدو أولا وبعضها خفي يتضح بالمجاهدة والرياضة والطلب الحثيث ~~والفكر الصافي والسر الخالي عن كل شيء من أشغال الدنيا سوى المطلوب وهذا ~~يكاد يكون مخالفا للشرع إذ ليس للشرع ظاهر وباطن وسر وعلن بل الظاهر ~~والباطن والسر والعلن واحد فيه فاعلم أن انقسام هذه العلوم إلى خفية وجلية ~~لا ينكرها ذو بصيرة وإنما ينكرها القاصرون الذي تلقفوا في أوائل الصبا شيئا ~~وجمدوا عليه فلم يكن لهم ترق إلى شأو العلاء ومقامات العلماء والأولياء ~~وذلك ظاهر من أدلة الشرع قال صلى الله عليه وسلم إن للقرآن ظاهرا وباطنا ~~وحدا ومطلعا (1) وقال علي رضي الله عنه وأشار إلى صدره إن ههنا علوما جمة ~~لو وجدت لها حملة # وقال صلى الله عليه وسلم نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر ~~عقولهم (2) وقال صلى الله عليه وسلم ما حدث أحد قوما بحديث لم تبلغه عقولهم ~~إلا كان فتنة عليهم (3) وقال الله تعالى {وتلك الأمثال نضربها للناس وما ~~يعقلها إلا العالمون} وقال PageV01P099 # صلى الله عليه وسلم إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العالمون ~~بالله تعالى (1) الحديث إلى آخره كما أوردناه في كتاب العلم # وقال صلى الله عليه وسلم لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ~~(2) فليت شعري إن لم يكن ذلك سرا منع من إفشائه لقصور الأفهام عن إدراكه أو ~~لمعنى آخر فلم لم يذكره لهم ولا شك أنهم كانوا يصدقونه لو ذكره لهم وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل ms0167 الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض ~~مثلهن يتنزل الأمر بينهن لو ذكرت تفسيره لرجمتموني # وفي لفظ آخر لقلتم إنه كافر وقال أبو هريرة رضي الله عنه حفظت من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعاءين أما أحدهما فبثثته وأما الآخر لو بثثته ~~لقطع هذا الحلقوم # وقال صلى الله عليه وسلم ما فضلكم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولكن بسر ~~وقر في صدره (3) رضي الله عنه ولا شك في أن ذلك السر كان متعلقا بقواعد ~~الدين غير خارج منها وما كان من قواعد الدين لم يكن خافيا بظواهره على غيره ~~وقال سهل التستري رضي الله عنه للعالم ثلاثة علوم علم ظاهر يبذله لأهل ~~الظاهر وعلم باطن لا يسعه إظهاره إلا لأهله وعلم هو بينه وبين الله تعالى ~~لا يظهره لأحد # وقال بعض العارفين إفشاء سر الربوبية كفر # وقال بعضهم للربوبية سر لو أظهر لبطلت النبوة وللنبوة سر لو كشف لبطل ~~العلم وللعلماء بالله سر لو أظهروه لبطلت الأحكام وهذا القائل إن لم يرد ~~بذلك بطلان النبوة في حق الضعفاء لقصور فهمهم فما ذكره ليس بحق بل الصحيح ~~أنه لا تناقص فيه وأن الكامل من لا يطفي نور معرفته نور ورعه وملاك الورع ~~النبوة # مسألة فإن قلت هذه الآيات والأخبار يتطرق إليها تأويلات فبين لنا كيفية ~~اختلاف الظاهر والباطن فإن الباطن إن كان مناقضا للظاهر ففيه إبطال الشرع ~~وهو قول من قال إن الحقيقة خلاف الشريعة وهو كفر لأن الشريعة عبارة عن ~~الظاهر والحقيقة عبارة عن الباطن وإن كان لا يناقضه ولا يخالفه فهو هو ~~فيزول به الانقسام ولا يكون للشرع سر لا يفشى بل يكون الخفي والجلي واحد ~~فاعلم أن هذا السؤال يحرك خطبا عظيما وينجر إلى علوم المكاشفة ويخرج عن ~~مقصود علم المعاملة وهو غرض هذه الكتب فإن العقائد التي ذكرناها من أعمال ~~القلوب وقد تعبدنا بتلقينها بالقبول والتصديق بعقد القلب عليها لا بأن ~~يتوصل إلى أن ينكشف لنا حقائقها فإن ذلك لم يكلف به كافة الخلق ولولا ms0168 أنه ~~من الأعمال لما أوردناه في هذا الكتاب ولولا أنه عمل ظاهر القلب لا عمل ~~باطنه لما أوردناه في الشطر الأول من الكتاب وإنما الكشف الحقيقي هو صفة سر ~~القلب وباطنه ولكن إذا انجر الكلام إلى تحريك خيال في مناقضة الظاهر للباطن ~~فلا بد من كلام وجيز في حله # فمن قال إن الحقيقة تخالف الشريعة أو الباطن يناقض الظاهر فهو إلى الكفر ~~أقرب منه إلى الإيمان بل الأسرار التي يختص بها المقربون بدركها ولا ~~يشاركهم الأكثرون في علمها ويمتنعون عن إفشائها إليهم ترجع إلى خمسة أقسام ~~القسم الأول أن يكون الشيء في نفسه دقيقا تكل أكثر الأفهام عن دركه فيختص ~~بدركه الخواص وعليهم أن لا يفشوه إلى غير أهله فيصير ذلك فتنة عليهم حيث ~~تقصر أفهامهم عن الدرك # وإخفاء سر الروح وكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيانه (4) من هذا ~~القسم فإن حقيقته بما تكل الأفهام عن دركه وتقصر الأوهام عن تصور كنهه # ولا تظنن أن ذلك لم يكن مكشوفا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن من لم ~~يعرف الروح فكأنه لم يعرف نفسه ومن لم يعرف نفسه PageV01P100 # فكيف يعرف ربه سبحانه ولا يبعد أن يكون ذلك مكشوفا لبعض الأولياء ~~والعلماء وإن لم يكونوا أنبياء ولكنهم يتأدبون بآداب الشرع فيسكتون عما سكت ~~عنه بل في صفات الله عز وجل من الخفايا ما تقصر أفهام الجماهير عن دركه ولم ~~يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم منها إلا الظواهر للأفهام من العلم ~~والقدرة وغيرهما حتى فهمها الخلق بنوع مناسبة توهموها إلى علمهم وقدرتهم إذ ~~كان لهم من الأوصاف ما يسمى علما وقدرة فيتوهمون ذلك بنوع مقايسة # ولو ذكر من صفاته ما ليس للخلق مما يناسبه بعض المناسبة شيء لم يفهموه بل ~~لذة الجماع إذا ذكرت للصبي أو العنين لم يفهمها إلا بمناسبة إلى لذة ~~المطعوم الذي يدركه ولا يكون ذلك فهما على التحقيق # والمخالفة بين علم الله تعالى وقدرته وعلم الخلق وقدرتهم أكثر من ~~المخالفة بين لذة الجماع ms0169 والأكل # وبالجملة فلا يدرك الإنسان إلا نفسه وصفات نفسه مما هي حاضرة له في الحال ~~أو مما كانت له من قبل ثم بالمقايسة إليه يفهم ذلك لغيره ثم قد يصدق بأن ~~بينهما تفاوتا في الشرف والكمال فليس في قوة البشر إلا أن يثبت لله تعالى ~~ما هو ثابت لنفسه من الفعل والعلم والقدرة وغيرها من الصفات مع التصديق بأن ~~ذلك أكمل وأشرف فيكون معظم تحريمه على صفات نفسه لا على ما اختص الرب تعالى ~~به من الجلال # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ~~(1) وليس المعنى أني أعجز عن التعبير عما أدركته بل هو اعتراف بالقصور عن ~~إدراك كنه جلاله # ولذلك قال بعضهم ما عرف الله بالحقيقة سوى الله عز وجل # وقال الصديق رضي الله عنه الحمد لله الذي لم يجعل للخلق سبيلا إلى معرفته ~~إلا بالعجز عن معرفته # ولنقبض عنان الكلام عن هذا النمط ولنرجع إلى الغرض وهو أن أحد الأقسام ما ~~تكل الأفهام عن إدراكه ومن جملته الروح ومن جملته بعض صفات الله تعالى # ولعل الإشارة إلى مثله في قوله صلى الله عليه وسلم إن لله سبحانه وتعالى ~~سبعين حجابا من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره (2) # القسم الثاني من الخفيات التي تمتنع الأنبياء والصديقون عن ذكرها ما هو ~~مفهوم في نفسه لا يكل الفهم عنه لكن ذكره يضر بأكثر المستمعين ولا يضر ~~بالأنبياء والصديقين # وسر القدر الذي منع أهل العلم من إفشائه من هذا القسم فلا يبعد أن يكون ~~ذكر بعض الحقائق مضرا ببعض الخلق كما يضر نور الشمس بأبصار الخفافيش وكما ~~تضر رياح الورد بالجعل وكيف يبعد هذا وقولنا إن الكفر والزنا والمعاصي ~~والشرور كله بقضاء الله تعالى وإرادته ومشيئته حق في نفسه وقد أضر سماعه ~~بقوله إذ أوهم ذلك عندهم أنه دلالة على السفه ونقيض الحكمة والرضا بالقبيح ~~والظلم وقد ألحد ابن الراوندي وطائفة من المخذولين بمثل ذلك # وكذلك سر القدر لو أفشي ms0170 لأوهم عند أكثر الخلق عجزا إذ تقصر أفهامهم عن ~~إدراك ما يزيل ذلك الوهم عنهم ولو قال قائل إن القيامة لو ذكر ميقاتها ~~وأنها بعد ألف سنة أو أكثر أو أقل لكان مفهوما ولكن لم يذكر لمصلحة العباد ~~وخوفا من الضرر فلعل المدة إليها بعيدة فيطول الأمد وإذا استبطأت النفوس ~~وقت العقاب قل اكتراثها ولعلها كانت قريبة في علم الله سبحانه ولو ذكرت ~~لعظم الخوف وأعرض الناس عن الأعمال وخربت الدنيا فهذا المعنى لو اتجه وصح ~~فيكون مثالا لهذا القسم PageV01P101 # القسم الثالث أن يكون الشيء بحيث لو ذكر صريحا لفهم ولم يكن فيه ضرر ولكن ~~يكنى عنه على سبيل الاستعارة والرمز ليكون وقعه في قلب المستمع أغلب وله ~~مصلحة في أن يعظم وقت ذلك الأمر في قلبه كما لو قال قائل رأيت فلانا يقلد ~~الدر في أعناق الخنازير فكنى به عن إفشاء العلم وبث الحكمة إلى غير أهلها ~~فالمستمع قد يسبق إلى فهمه ظاهر اللفظ والمحقق إذا نظر وعلم أن ذلك الإنسان ~~لم يكن معه در ولا كان في موضعه خنزير تفطن لدرك السر والباطن فيتفاوت ~~الناس في ذلك ومن هذا قال الشاعر # رجلان خياط وآخر حائك ... متقابلان على السماك الأعزل # لا زال ينسج ذاك خرقة مدبر ... ويخيط صاحبه ثياب المقبل # فإنه عبر عن سبب سماوي في الإقبال والإدبار برجلين صانعين وهذا النوع ~~يرجع إلى التعبير عن المعنى بالصورة التي تتضمن عين المعنى أو مثله ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة على ~~النار (1) وأنت ترى أن ساحة المسجد لا تنقبض بالنخامة ومعناه أن روح المسجد ~~كونه معظما ورمى النخامة فهو تحقير له فيضاد معنى المسجدية مضادة النار ~~لاتصال أجزاء الجلدة وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم أما يخشى الذي يرفع ~~رأسه قبل الإمام أن يحول رأسه رأس حمار (2) وذلك من حيث الصورة لم يكن قط ~~ولا يكون ولكن من حيث المعنى هو كائن إذ رأس الحمار لم يكن بحقيقته لكونه ~~وشكله بل ms0171 بخاصيته وهي البلادة والحمق ومن رفع رأسه قبل الإمام فقد صار رأسه ~~رأس حمار في معنى البلادة والحمق وهو المقصود دون الشكل الذي هو قالب ~~المعنى # إذ من غاية الحمق أن يجمع بين الاقتداء وبين التقدم فإنهما متناقضان # وإنما يعرف أن هذا السر على خلاف الظاهر إما بدليل عقلي أو شرعي أما ~~العقلي فأن يكون حمله على الظاهر غير ممكن كقوله صلى الله عليه وسلم قلب ~~المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن (3) إذ لو فتشنا عن قلوب المؤمنين لم ~~نجد فيها أصابع فعلم أنها كناية عن القدرة التي هي سر الأصابع وروحها الخفي ~~وكنى بالأصابع عن القدرة لأن ذلك أعظم وقعا في تفهم تمام الاقتدار # ومن هذا القبيل في كنايته عن الاقتدار قوله تعالى إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون فإن ظاهره ممتنع إذ قوله كن إن كان خطابا للشيء ~~قبل وجوده فهو محال إذا المعدوم لا يفهم الخطاب حتى يمثل وإن كان بعد ~~الوجود فهو مستغن عن التكوين # ولكن لما كانت هذه الكناية أوقع في النفوس في تفهيم غاية الاقتدار عدل ~~إليها وأما المدرك بالشرع فهو أن يكون إجراؤه على الظاهر ممكنا ولكنه يروى ~~أنه أريد به غير الظاهر كما ورد في تفسير قوله تعالى أنزل من السماء ماء ~~فسالت أودية بقدرها الآية وأن معنى الماء ههنا هو القرآن ومعنى الأودية هي ~~القلوب وأن بعضها احتملت شيئا كثيرا وبعضها قليلا وبعضها لم يحتمل # والزبد مثل الكفر والنفاق فإنه وإن ظهر وطفا على رأس الماء فإنه لا يثبت ~~والهداية التي تنفع الناس تمكث # وفي هذا القسم تعمق جماعة فأولوا ما ورد في الآخرة من الميزان والصراط ~~وغيرهما وهو بدعة إذ لم ينقل ذلك بطريق الرواية وإجراؤه على الظاهر غير ~~محال فيجب إجراؤه على الظاهر # القسم الرابع أن يدرك الإنسان الشيء جملة ثم يدركه تفصيلا بالتحقيق ~~والذوق بأن يصير حالا ملابسا له فيتفاوت العلمان ويكون الأول كالقشر ~~والثاني كاللباب والأول كالظاهر والثاني كالباطن PageV01P102 # وذلك كما يتمثل للإنسان ms0172 في عينه شخص في الظلمة أو على البعد فيحصل له نوع ~~علم فإذا رآه بالقرب أو بعد زوال الظلام أدرك تفرقة بينهما ولا يكون الأخير ~~ضد الأول بل هو استكمال له # فكذلك العلم والإيمان والتصديق إذ قد يصدق الإنسان بوجود العشق والمرض ~~والموت قبل وقوعه ولكن تحققه به عند الوقوع أكمل من تحققه قبل الوقوع بل ~~للإنسان في الشهوة والعشق وسائر الأحوال ثلاثة أحوال متفاوتة وإدراكات ~~متباينة # الأول تصديقه بوجوده قبل وقوعه # والثاني عند وقوعه # والثالث بعد تصرفه # فإن تحققك بالجوع بعد زواله يخالف التحقيق قبل الزوال وكذلك من علوم ~~الدين ما يصير ذوقا فيكمل فيكون ذلك كالباطن بالإضافة إلى ما قبل ذلك ففرق ~~بين علم المريض بالصحة وبين علم الصحيح بها # ففي هذه الأقسام الأربعة تتفاوت الخلق وليس في شيء منها باطن يناقض ~~الظاهر بل يتممه ويكمله كما يتمم اللب القشر والسلام # الخامس أن يعبر بلسان المقال عن لسان الحال فالقاصر الفهم يقف على الظاهر ~~ويعتقده نطقا والبصير بالحقائق يدرك السر فيه وهذا كقول القائل قال الجدار ~~للوتد لم تشقني قال سل من يدقني فلم يتركني ورائي الحجر الذي ورائي فهذا ~~تعبير عن لسان الحال بلسان المقال ومن هذا قوله تعالى ثم استوى إلى السماء ~~وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فالبليد ~~يفتقر في فهمه إلى أن يقدر لهما حياة وعقلا وفهما للخطاب وخطابا هو صوت ~~وحرف تسمعه السماء والأرض فتجيبان بحرف وصوت وتقولان أتينا طائعين والبصير ~~يعلم أن ذلك لسان الحال وأنه إنباء عن كونهما مسخرتين بالضرورة ومضطرتين ~~إلى التسخير # ومن هذا قوله تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده فالبليد يفتقر فيه إلى أن ~~يقدر للجمادات حياة وعقلا ونطقا بصوت وحرف حتى يقول سبحان الله ليتحقق ~~تسبيحه # والبصير يعلم أنه ما أريد به نطق اللسان بل كونه مسبحا بوجوده ومقدسا ~~بذاته وشاهدا بوحدانية الله سبحانه كما يقال # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد # وكما يقال هذه الصنعة المحكمة ms0173 تشهد لصانعها بحسن التدبير وكمال العلم لا ~~بمعنى أنها تقول أشهد بالقول ولكن بالذات والحال # وكذلك ما من شيء إلا وهو محتاج في نفسه إلى موجد يوجده ويبقيه ويديم ~~أوصافه ويردده في أطواره فهو بحاجته يشهد لخالقه بالتقديس يدرك شهادته ذوو ~~البصائر دون الجامدين على الظواهر # ولذلك قال تعالى ولكن لا تفقهون تسبيحهم وأما القاصرون فلا يفقهون أصلا ~~وأما المقربون والعلماء الراسخون فلا يفقهون كنهه وكماله إذ لكل شيء شهادات ~~شتى على تقديس الله سبحانه وتسبيحه ويدرك كل واحد بقدر عقله وبصيرته وتعداد ~~تلك الشهادات لا يليق بعلم المعاملة # فهذا الفن أيضا مما يتفاوت أرباب الظواهر وأرباب البصائر في علمه وتظهر ~~به مفارقة الباطن للظاهر # وفي هذا المقام لأرباب المقامات إسراف واقتصاد فمن مسرف في رفع الظواهر ~~انتهى إلى تغيير جميع الظواهر والبراهين أو أكثرها حتى حملوا قوله تعالى ~~وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم وقوله تعالى وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ~~قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وكذلك المخاطبات التي تجري من منكر ~~ونكير وفي الميزان والصراط والحساب ومناظرات أهل النار وأهل الجنة في قولهم ~~أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله زعموا أن ذلك كله بلسان الحال # وغلا آخرون في حسم الباب منهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه حتى منع تأويل ~~قوله كن فيكون وزعموا أن ذلك خطاب بحرف وصوت يوجد من الله تعالى في كل لحظة ~~بعدد كون مكون حتى سمعت بعض أصحابه يقول إنه حسم باب التأويل إلا لثلاثة ~~ألفاظ قوله PageV01P103 # صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود يمين الله في أرضه (1) وقوله صلى الله ~~عليه وسلم قلب المؤمنين بين إصبعين من أصابع الرحمن وقوله صلى الله عليه ~~وسلم إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمين (2) ومال إلى حسم الباب أرباب ~~الظواهر # والظن بأحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه علم أن الاستواء ليس هو الاستقرار ~~والنزول ليس هو الانتقال ولكنه منع من التأويل حسما للباب ورعاية لصلاح ~~الخلق # فإنه إذا فتح الباب اتسع الخرق وخرج ms0174 الأمر عن الضبط وجاوز حد الاقتصاد إذ ~~حد ما جاوز الاقتصاد لا ينضبط فلا بأس بهذا الزجر ويشهد له سيرة السلف ~~فإنهم كانوا يقولون أمروها كما جاءت حتى قال مالك رحمه الله لما سئل عن ~~الاستواء الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه ~~بدعة # وذهبت طائفة إلى الاقتصاد وفتحوا باب التأويل في كل ما يتعلق بصفات الله ~~سبحانه وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها ومنعوا التأويل فيه وهم ~~الأشعرية # وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا من صفاته تعالى الرؤية وأولوا كونه سميعا ~~بصيرا وأولوا المعراج وزعموا أنه لم يكن بالجسد وأولوا عذاب القبر والميزان ~~والصراط وجملة من أحكام الآخرة ولكن أقروا بحشر الأجساد وبالجنة واشتمالها ~~على المأكولات والمشمومات والمنكوحات والملاذ المحسوسة وبالنار واشتمالها ~~على جسم محسوس يحرق بحرق الجلود ويذيب الشحوم # ومن ترقيهم إلى هذا الحد زاد الفلاسفة فأولوا كل ما ورد في الآخرة وردوه ~~إلى آلام عقلية وروحانية ولذات عقلية وأنكروا حشر الأجساد وقالوا ببقاء ~~النفوس وأنها تكون إما معذبة وإما منعمة بعذاب ونعيم لا يدرك بالحس وهؤلاء ~~هم المسرفون # وحد الاقتصاد بين هذا الانحلال كله وبين جمود الحنابلة دقيق غامض لا يطلع ~~عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي لا بالسماع ثم إذا انكشفت ~~لهم أسرار الأمور على ما هي عليه نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة فما ~~وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه وما خالف أولوه # فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد فلا يستقر له فيها قدم ~~ولا يتعين له موقف # والألبق بالمقتصر على السمع المجرد مقام أحمد بن حنبل رحمة الله # والآن فكشف الغطاء عن حد الاقتصاد في هذه الأمور داخل في علم المكاشفة ~~والقول فيه يطول فلا نخوض فيه والغرض بيان موافقة الباطن الظاهر وأنه غير ~~مخالف له فقد انكشف بهذه الأقسام الخمسة أمور كثيرة # وإذا رأينا أن نقتصر بكافة العوام على ترجمة العقيدة التي حررناها وأنهم ~~لا يكلفون غير ذلك في الدرجة الأولى إلا إذا كان خوف تشويش لشيوع البدعة ms0175 ~~فيرقى في الدرجة الثانية إلى عقيدة فيها لوامع من الأدلة مختصرة من غير ~~تعمق # فلنورد في هذا الكتاب تلك اللوامع ولنقتصر فيها على ما حررناه لأهل القدس ~~وسميناه الرسالة القدسية في قواعد العقائد وهي مودعة في هذا الفصل الثالث ~~من هذا الكتاب ### ||| الفصل الثالث من كتاب قواعد العقائد في لوامع الأدلة للعقيدة التي ترجمناها بالقدس # فنقول بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي ميز عصابة السنة بأنوار اليقين وآثر رهط الحق بالهداية ~~إلى دعائم الدين وجنبهم زيغ الزائغين وضلال الملحدين ووفقهم للاقتداء بسيد ~~المرسلين وسددهم للتأسي بصحبة الأكرمين ويسر لهم اقتفاء آثار السلف ~~PageV01P104 # الصالحين حتى اعتصموا من مقتضيات العقول بالحبل المتين ومن سير الأولين ~~وعقائدهم بالمنهج المبين فجمعوا بالقول بين نتائج العقول وقضايا الشرع ~~المنقول وتحققوا أن النطق بما تعبدوا به من قول لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله ليس له طائل ولا محصول إن لم تتحقق الإحاطة بما تدور عليه هذه الشهادة ~~من الأقطاب والأصول وعرفوا أن كلمتي الشهادة على إيجازها تتضمن إثبات ذات ~~الإله وإثبات صفاته وإثبات أفعاله وإثبات صدق الرسول وعلموا أن بناء ~~الإيمان على هذه الأركان وهي أربعة ويدور كل ركن منها على عشرة أصول # الركن الأول في معرفة ذات الله تعالى ومداره على عشرة أصول وهي العلم ~~بوجود الله تعالى وقدمه وبقائه وأنه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض وأنه سبحانه ~~ليس مختصا بجهة ولا مستقرا على مكان وأنه يرى وأنه واحد # الركن الثاني في صفاته ويشتمل على عشرة أصول وهو العلم بكونه حيا عالما ~~قادرا مريدا سميعا بصيرا متكلما منزها عن حلول الحوادث وأنه قديم الكلام ~~والعلم والإرادة # الركن الثالث في أفعاله تعالى ومداره على عشرة أصول وهي أن أفعال العباد ~~مخلوقة لله تعالى وأنها مكتسبة للعباد وأنها مرادة لله تعالى وأنه متفضل ~~بالخلق والاختراع وأن له تعالى تكليف ما لا يطاق وأن له إيلام البريء ولا ~~يجب عليه رعاية الأصلح وأنه لا واجب إلا بالشرع وأن بعثة الأنبياء جائزة ~~وأن نبوة نبينا ms0176 محمد صلى الله عليه وسلم ثابتة مؤيدة بالمعجزة # الركن الرابع في السمعيات ومداره على عشرة أصول وهي إثبات الحشر والنشر ~~وسؤال منكر ونكير وعذاب القبر والميزان والصراط وخلق الجنة والنار وأحكام ~~الإمامة وأن فضل الصحابة على حسب ترتيبهم وشروط الإمامة ### |||| فأما الركن الأول من أركان الإيمان في معرفة ذات الله سبحانه وتعالى وأن الله تعالى واحد ومداره على عشرة أصول # الأصل الأول معرفة وجوده تعالى وأول ما يستضاء به من الأنوار ويسلك من ~~طريق الاعتبار ما أرشد إليه القرآن فليس بعد بيان الله سبحانه بيان وقد قال ~~تعالى ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم ~~سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا ~~وجعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا ~~وجنات ألفافا وقال تعالى إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب ~~المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون وقال تعالى ألم تروا كيف خلق ~~الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا والله أنبتكم ~~من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا وقال تعالى أفرأيتم ما تمنون ~~أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون إلى قوله للمقوين فليس يخفي على من معه أدنى ~~مسكة من عقل إذا تأمل بأدنى فكرة مضمون هذه الآيات وأدار نظره على عجائب ~~خلق الله في الأرض والسموات وبدائع فطرة الحيوان والنبات أن هذا الأمر ~~العجيب والترتيب المحكم لا يستغني عن صانع يدبره وفاعل يحكمه ويقدره بل ~~تكاد فطرة النفوس تشهد بكونها مقهورة تحت تسخيره ومصرفة بمقتضى تدبيره # ولذلك قال الله تعالى أفي الله شك فاطر السموات والأرض ولهذا بعث ~~الأنبياء صلوات الله عليهم لدعوة الخلق إلى التوحيد ليقولوا لا إله إلا ~~الله وما أمروا أن يقولوا لنا إله وللعالم إله # فإن ذلك كان مجبولا ms0177 في فطرة عقولهم من مبدأ نشؤهم وفي عنفوان شبابهم # ولذلك قال عز وجل ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله وقال ~~تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي PageV01P105 # فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم فإذا في فطرة ~~الإنسان وشواهد القرآن ما يغني عن إقامة البرهان # ولكنا على سبيل الاستظهار والاقتداء بالعلماء النظار نقول من بدائة ~~العقول أن الحادث لا يستغني في حدوثه عن سبب يحدثه والعالم حادث فإذا لا ~~يستغني في حدوثه عن سبب # أما قولنا أن الحادث لا يستغني في حدوثه عن سبب فجلي فإن كل حادث مختص ~~بوقت يجوز في العقل تقدير تقديمه وتأخيره فاختصاصه بوقته دون ما قبله وما ~~بعده يفتقر بالضرورة إلى المخصص وأما قولنا العالم حادث فبرهانه أن أجسام ~~العالم لا تخلو عن الحركة والسكون وهما حادثان وما لا يخلو عن الحوادث فهو ~~حادث # ففي هذا البرهان ثلاث دعاوى الأولى قولنا إن الأجسام لا تخلو عن الحركة ~~والسكون وهذه مدركة بالبديهة والاضطرار فلا يحتاج فيها إلى تأمل وافتكار ~~فإن من عقل جسما لا ساكنا ولا متحركا كان لمتن الجهل راكبا وعن نهج العقل ~~ناكبا # الثانية قولنا إنهما حادثان ويدل على ذلك تعاقبهما ووجود البعض منهما بعد ~~البعض وذلك مشاهد في جميع الأجسام ما شوهد منها وما لم يشاهد فما من ساكن ~~إلا والعقل قاض بجواز حركته وما من متحرك إلا والعقل قاض بجواز سكونه ~~فالطارىء منهما حادث لطريانه والسابق حادث لعدمه لأنه لو ثبت قدمه لاستحال ~~عدمه على ما سيأتي بيانه وبرهانه في إثبات بقاء الصانع تعالى وتقدس # الثالثة قولنا ما لايخلو عن الحوادث فهو حادث وبرهانه أنه لو لم يكن كذلك ~~لكان قبل كل حادث حوادث لا أول لها ولو لم تنقض تلك الحوادث بجملتها لا ~~تنتهي النوبة إلى وجود الحادث الحاضر في الحال وانقضاء ما لا نهاية له محال ~~ولأنه لو كان للفلك دورات لا نهاية لها لكان لا يخلو عددها عن أن تكون شفعا ~~أو وترا ms0178 أو شفعا ووترا جميعا أو لا شفعا ولا وترا ومحال أن يكون شفعا ووترا ~~جميعا أو لا شفعا ولا وترا # فإن ذلك جمع بين النفي والإثبات إذ في إثبات أحدهما نفي الآخر وفي نفي ~~أحدهما إثبات الآخر # ومحال أن يكون شفعا لأن الشفع يصير وترا بزيادة واحد # وكيف يعوز ما لا نهاية له واحد ومحال أن يكون وترا إذ الوتر يصير شفعا ~~بواحد فكيف يعوزها واحد مع أنه لا نهاية لأعدادها # ومحال أن يكون لا شفعا ولا وترا إذ له نهاية # فتحصل من هذا أن العالم لا يخلو عن الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو ~~إذن حادث # وإذا ثبت حدوثه كان افتقاره إلى المحدث من المدركات بالضرورة # الأصل الثاني العلم بأن الله تعالى قديم لم يزل أزلي ليس لوجوده أول بل ~~هو أول كل شيء وقبل كل ميت وحي # وبرهانه أنه لو كان حادثا ولم يكن قديما لافتقر هو أيضا إلى محدث وافتقر ~~محدثه إلى محدث وتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية وما تسلسل لم يتحصل أو ينتهي ~~إلى محدث قديم هو الأول وذلك هو المطلوب الذي سميناه صانع العالم ومبدئه ~~وبارئه ومحدثه ومبدعه الأصل الثالث العلم بأنه تعالى مع كونه أزليا أبديا ~~ليس لوجوده آخر فهو الأول والآخر والظاهر والباطن لأن ما ثبت قدمه استحال ~~عدمه وبرهانه أنه لو انعدم لكان لا يخلو إما أن ينعدم بنفسه أو بمعدم يضاده ~~ولو جاز أن ينعدم شيء يتصور دوامه لجاز أن يوجد شيء يتصور عدمه بنفسه فكما ~~يحتاج طريان الوجود إلى سبب فكذلك يحتاج طريان العدم إلى سبب # وباطل أن ينعدم بمعدم يضاده لأن ذلك المعدم لو كان قديما لما تصور الوجود ~~معه # وقد ظهر بالأصلين السابقين وجوده وقدمه فكيف كان وجوده في القدم ومعه ضده ~~فإن كان الضد المعدم حادثا كان محالا إذ ليس الحادث في مضادته للقديم حتى ~~يقطع وجوده بأولى من القديم في مضادته للحادث حتى يدفع وجوده بل الدفع أهون ~~من القطع والقديم أقوى وأولى من ms0179 الحادث # الأصل الرابع العلم بأنه تعالى ليس بجوهر يتحيز بل يتعالى ويتقدس عن ~~مناسبة الحيز # وبرهانه أن كل جوهر متحيز فهو مختص بحيزه ولا يخلو من أن يكون ساكنا فيه ~~أو متحركا عنه فلا يخلو عن الحركة أو السكون PageV01P106 # وهما حادثان وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث # ولو تصور جوهر متحيز قديم لكان يعقل قدم جواهر العالم فإن سماه مسم جوهرا ~~ولم يرد به المتحيز كان مخطئا من حيث اللفظ لا من حيث المعنى # الأصل الخامس العلم بأنه تعالى ليس بجسم مؤلف من جواهر إذ الجسم عبارة عن ~~المؤلف من الجواهر وإذا بطل كونه جوهرا مخصوصا بحيز بطل كونه جسما لأن كل ~~جسم مختص بحيز ومركب من جوهر فالجوهر يستحيل خلوه عن الافتراق والاجتماع ~~والحركة والسكون والهيئة والمقدار وهذه سمات الحدوث # ولو جاز أن يعتقد أن صانع العالم جسم لجاز أن يعتقد الإلهية للشمس والقمر ~~أو لشيء آخر من أقسام الأجسام # فإن تجاسر متجاسر على تسميته تعالى جسما من غير إرادة التأليف من الجواهر ~~كان ذلك غلطا في الاسم مع الإصابة في نفي معنى الجسم # الأصل السادس العلم بأنه تعالى ليس بعرض قائم بجسم أو حال في محل لأن ~~العرض ما يحل في الجسم فكل جسم فهو حادث لا محالة ويكون محدثه موجودا قبله ~~فكيف يكون حالا في الجسم وقد كان موجودا في الأزل وحده وما معه غيره ثم ~~أحدث الأجسام والأعراض بعده ولأنه عالم قادر مريد خالق كما سيأتي بيانه ~~وهذه الأوصاف تستحيل على الأعراض بل لا تعقل إلا لموجود قائم بنفسه مستقل ~~بذاته # وقد تحصل من هذه الأصول أنه موجود قائم بنفسه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض # وأن العالم كله جواهر وأعراض وأجسام فإذا لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء بل ~~هو الحي القيوم الذي ليس كمثله شيء وأنى يشبه المخلوق خالقه والمقدور مقدره ~~والمصور مصوره # والأجسام والأعراض كلها من خلقه وصنعه فاستحال القضاء عليها بمماثلته ~~ومشابهته # الأصل السابع العلم بأن الله تعالى منزه الذات عن ms0180 الاختصاص بالجهات فإن ~~الجهة إما فوق وإما أسفل وإما يمين وإما شمال أو قدام أو خلف وهذه الجهات ~~هو الذي خلقها وأحدثها بواسطة خلق الإنسان إذ خلق له طرفين أحدهما يعتمد ~~على الأرض ويسمى رجلا والآخر يقابله ويسمى رأسا # فحدث اسم الفوق لما يلي جهة الرأس واسم السفل لما يلي جهة الرجل حتى إن ~~النملة التي تدب منكسة تحت السقف تنقلب جهة الفوق في حقها تحتا وإن كان في ~~حقنا فوقا # وخلق للإنسان اليدين وإحداهما أقوى من الأخرى في الغالب فحدث اسم اليمين ~~للأقوى واسم الشمال لما يقابله وتسمى الجهة التي تلي اليمين يمينا والأخرى ~~شمالا وخلق له جانبين يبصر من أحدهما ويتحرك إليه فحدث اسم القدام للجهة ~~التي يتقدم إليها بالحركة واسم الخلف لما يقابلها فالجهات حادثة بحدوث ~~الإنسان ولو لم يخلق الإنسان بهذه الخلقة بل خلق مستديرا كالكرة لم يكن ~~لهذه الجهات وجود ألبتة # فكيف كان في الأزل مختصا بجهة والجهة حادثة وكيف صار مختصا بجهة بعد أن ~~لم يكن له أبأن خلق العالم فوقه ويتعالى عن أن يكون له فوق إذ تعالى أن ~~يكون له رأس والفوق عبارة عما يكون جهة الرأس أو خلق العالم تحته فتعالى عن ~~أن يكون له تحت إذ تعالى عن أن يكون له رجل والتحت عبارة عما يلي جهة الرجل ~~وكل ذلك مما يستحيل في العقل ولأن المعقول من كونه مختصا بجهة أنه مختص ~~بحيز اختصاص الجواهر أو مختص بالجواهر اختصاص العرض وقد ظهر استحالة كونه ~~جوهرا أو عرضا فاستحال كونه مختصا بالجهة وإن أريد بالجهة غير هذين ~~المعنيين كان غلطا في الاسم مع المساعدة على المعنى ولأنه لو كان فوق ~~العالم لكان محاذيا له وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو ~~أكبر وكل ذلك تقدير محوج بالضرورة إلى مقدر ويتعالى عنه الخالق الواحد ~~المدبر فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء # وفيه أيضا إشارة إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والكبرياء ms0181 تنبيها بقصد ~~جهة العلو على صفة المجد والعلاء فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر ~~والاستيلاء # الأصل PageV01P107 # الثامن العلم بأنه تعالى مستو على عرشه بالمعنى الذي أراد الله تعالى ~~بالاستواء وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء ولا يتطرق إليه سمات الحدوث ~~والفناء وهو الذي أريد بالاستواء إلى السماء حيث قال في القرآن ثم استوى ~~إلى السماء وهي دخان وليس ذلك إلا بطريق القهر والاستيلاء كما قال الشاعر # قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق # واضطر أهل الحق إلى هذا التأويل كما التأويل كما اضطر أهل الباطن إلى ~~تأويل قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم إذ حمل ذلك بالاتفاق على الإحاطة ~~والعلم وحمل قوله صلى الله عليه وسلم قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع ~~الرحمن على القدرة والقوة وحمل قوله صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود يمين ~~الله في أرضه على التشريف والإكرام لأنه لو ترك على ظاهره للزم منه المحال ~~فكذا الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن لزم منه كون المتمكن جسما ~~مماسا للعرش إما مثله أو أكبر منه أو أصغر وذلك محال وما يؤدي إلى المحال ~~فهو محال # الأصل التاسع العلم بأنه تعالى مع كونه منزها عن الصورة والمقدار مقدسا ~~عن الجهات والأقطار مرئي بالأعين والأبصار في الدار الآخرة دار القرار ~~لقوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ولا يرى في الدنيا تصديقا ~~لقوله عز وجل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ولقوله تعالى في خطاب موسى ~~عليه السلام لن تراني وليت شعري كيف عرف المعتزل من صفات رب الأرباب ما ~~جهله موسى عليه السلام وكيف سأل موسى عليه السلام الرؤية مع كونها محالا ~~ولعل الجهل بذوي البدع والأهواء من الجهلة الأغبياء أولى من الجهل ~~بالأنبياء صلوات الله عليهم وأما وجه إجراء آية الرؤية على الظاهر فهو أنه ~~غير مؤد إلى المحال فإن الرؤية نوع كشف وعلم إلا أنه أتم وأوضح من العلم ~~فإذا جاز تعلق العلم به وليس في جهة جاز تعلق الرؤية به وليس ms0182 بجهة وكما ~~يجوز أن يرى الله تعالى الخلق وليس في مقابلتهم جاز أن يراه الخلق من غير ~~مقابلة وكما جاز أن يعلم من غير كيفية وصورة جاز أن يرى كذلك # الأصل العاشر العلم بأن الله عز وجل واحد لا شريك له فرد لا ند له انفرد ~~بالخلق والإبداع واستند بالإيجاد والاختراع لا مثل له يساهمه ويساويه ولا ~~ضد له فينازعه ويناويه وبرهانه قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا وبيانه أنه لو كانا اثنين وأراد أحدهما أمرا فالثاني إن كان مضطرا ~~إلى مساعدته كان هذا الثاني مقهورا عاجزا ولم يكن إلها قادرا وإن كان قادرا ~~على مخالفته ومدافعته كان الثاني قويا قاهرا والأول ضعيفا قاصرا ولم يكن ~~إلها قادرا ### |||| الركن الثاني العلم بصفات الله تعالى ومداره على عشرة أصول # الأصل الأول العلم بأن صانع العالم قادر وأنه تعالى في قوله وهو على كل ~~شيء قدير صادق لأن العالم محكم في صنعته مرتب في خلقته ومن رأى ثوبا من ~~ديباج حسن النسج والتأليف متناسب التطريز والتطريف ثم توهم صدور نسجه عن ~~ميت لا استطاعة له أو عن إنسان لا قدرة له كان منخلعا عن غريزة العقل ~~ومنخرطا في سلك أهل الغباوة والجهل # الأصل الثاني العلم بأنه تعالى عالم بجميع الموجودات ومحيط بكل المخلوقات ~~لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء صادق في قوله وهو بكل ~~شيء عليم ومرشد إلى صدقه بقوله تعالى ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ~~أرشدك إلى الاستدلال بالخلق على العلم بأنك لا تستريب في دلالة الخلق ~~اللطيف والصنع المزين بالترتيب ولو في الشيء الحقير الضعيف على علم الصانع ~~بكيفية الترتيب والترصيف فما ذكره الله سبحانه هو المنتهى في الهداية ~~والتعريف # الأصل الثالث العلم بكونه عز وجل حيا فإن من ثبت PageV01P108 # علمه وقدرته ثبت بالضرورة حياته ولو تصور قادر وعالم فاعل مدبر دون أن ~~يكون حيا لجاز أن يشك في حياة الحيوانات عند ترددها في الحركات والسكنات بل ~~في حياة أرباب ms0183 الحرف والصناعات وذلك انغماس في غمرة الجهالات والضلالات # الأصل الرابع العلم بكونه تعالى مريدا لأفعاله فلا موجود إلا وهو مستند ~~إلى مشيئته وصادر عن إرادته فهو المبدىء المعيد والفعال لما يريد وكيف لا ~~يكون مريدا وكل فعل صدر منه أمكن أن يصدر منه ضده وما لا ضد له أمكن أن ~~يصدر منه ذلك بعينه قبله أو بعده # والقدرة تناسب الضدين والوقتين مناسبة واحدة فلا بد من إرادة صارفة ~~للقدرة إلى أحد المقدورين # ولو أغنى العلم عن الإرادة في تخصيص المعلوم حتى يقال إنما وجد في الوقت ~~الذي سبق بوجوده لجاز أن يغني عن القدرة حتى يقال وجد بغير قدرة لأنه سبق ~~العلم بوجوده فيه # الأصل الخامس العلم بأنه تعالى سميع بصير لا يعزب عن رؤيته هواجس الضمير ~~وخفايا الوهم والتفكير ولا يشذ عن سمعه صوت دبيب النملة السوداء في الليلة ~~الظلماء على الصخرة الصماء وكيف لا يكون سميعا بصيرا والسمع والبصر كمال لا ~~محالة وليس بنقص فكيف يكون المخلوق أكمل من الخالق والمصنوع أسنى وأتم من ~~الصانع وكيف تعتدل القسمة مهما وقع النقص في جهته والكمال في خلقه وصنعته ~~أو كيف تستقيم حجة إبراهيم صلى الله عليه وسلم على أبيه إذ كان يعبد ~~الأصنام جهلا وغيا فقال له لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ~~ولو انقلب ذلك عليه في معبوده لأضحت حجته داحضة ودلالته ساقطة ولم يصدق ~~قوله تعالى وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه وكما عقل كونه فاعلا بلا ~~جارحة وعالما بلا قلب ودماغ فليعقل كونه بصيرا بلا حدقة وسميعا بلا اذن إذ ~~لا فرق بينهما # الأصل السادس أنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام وهو وصف قائم بذاته ليس بصوت ~~ولا حرف بل لا يشبه كلامه كلام غيره كما لا يشبه وجوده وجود غيره # والكلام بالحقيقة كلام النفس وإنما الأصوات قطعت حروفا للدلالات كما يدل ~~عليها تارة بالحركات والإشارات وكيف التبس هذا على طائفة من الأغبياء ولم ~~يلتبس على جهلة الشعراء حيث قال قائلهم # إن ms0184 الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # ومن لم يعقله عقله ولا نهاه نهاه عن أن يقول لساني حادث ولكن ما يحدث فيه ~~بقدرتي الحادثة قديم فاقطع عن عقلة طمعك وكف عن خطابه لسانك # ومن لم يفهم أن القديم عبارة عما ليس قبله شيء # وأن الباء قبل السين في قولك بسم الله فلا يكون السين المتأخر عن الباء ~~قديما فنزه عن الالتفات إليه قلبك فلله سبحانه سر في إبعاد بعض العباد ومن ~~يضلل الله فما له من هاد ومن استبعد أن يسمع موسى عليه السلام في الدنيا ~~كلاما ليس بصوت ولا حرف فليستنكر أن يرى في الآخرة موجودا ليس بجسم ولا لون ~~وإن عقل أن يرى ما ليس بلون ولا جسم ولا قدر ولا كمية وهو إلى الآن لم ير ~~غيره فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر # وإن عقل على أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات فليعقل صفة ~~واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه من العبارات # وإن عقل كون السموات السبع وكون الجنة والنار مكتوبة في ورقة صغيرة ~~ومحفوظة في مقدار ذرة من القلب وأن كل ذلك مرئي في مقدار عدسة من الحدقة من ~~غير أن تحل ذات السموات والأرض والجنة والنار في الحدقة والقلب والورقة ~~فليعقل كون الكلام مقروءا بالألسنة محفوظا في القلوب مكتوبا في المصاحف من ~~غير حلول ذات الكلام فيها إذ لو حلت بكتاب الله ذات الكلام في الورق لحل ~~ذات الله تعالى بكتابة اسمه في الورق وحلت ذات النار بكتابه اسمها في الورق ~~ولاحترق # الأصل السابع أن الكلام القائم بنفسه قديم وكذا جميع صفاته إذ يستحيل أن ~~يكون محلا PageV01P109 # للحوادث داخلا تحت التغير بل يجب للصفات من نعوت القدم ما يجب للذات فلا ~~تعتريه التغيرات ولا تحله الحادثات بل لم يزل في قدمه موصوفا بمحامد الصفات ~~ولا يزل في أبده كذلك منزها عن تغير الحالات لأن ما كان محل الحوادث لا ~~يخلو عنها وما لا يخلو ms0185 عن الحوادث فهو حادث # وإنما ثبت نعت الحدوث للأجسام من حيث تعرضها للتغير وتقلب الأوصاف فكيف ~~يكون خالقها مشاركا لها في قبول التغير وينبني على هذا أن كلامه قديم قائم ~~بذاته وإنما الحادث هي الأصوات الدالة عليه وكما عقل قيام طلب التعلم ~~وإرادته بذات الوالد للولد قبل أن يخلق ولده حتى إذا خلق ولده وعقل وخلق ~~الله له علما متعلقا بما في قلب أبيه من الطلب صار مأمورا بذلك الطلب الذي ~~قام بذات أبيه ودام وجوده إلى وقت معرفة ولده له فليعقل قيام الطلب الذي دل ~~عليه قوله عز وجل اخلع نعليك بذات الله ومصير موسى عليه السلام مخاطبا به ~~بعد وجوده إذ خلقت له معرفة بذلك الطلب وسمع لذلك الكلام القديم # الأصل الثامن أن علمه قديم فلم يزل عالما بذاته وصفاته وما يحدثه من ~~مخلوقاته # ومهما حدثت المخلوقات لم يحدث له علم بها بل حصلت مكشوفة له بالعلم ~~الأزلي إذ لو خلق لنا علم به بقدوم زيد عند طلوع الشمس ودام ذلك العلم ~~تقديرا حتى طلعت الشمس لكان قدوم زيد عند طلوع الشمس معلوما لنا بذلك العلم ~~من غير تجدد علم آخر # فهكذا ينبغي أن يفهم قدم علم الله تعالى # الأصل التاسع أن إرادته قديمة وهي في القدم تعلقت بإحداث الحوادث في ~~أوقاتها اللائقة بها على وفق سبق العلم الأزلي إذ لو كانت حادثة لصار محل ~~الحوادث ولو حدثت في غير ذاته لم يكن هو مريدا لها كما لا تكون أنت متحركا ~~بحركة ليست في ذاتك وكيفما قدرت فيفتقر حدوثها إلى إرادة أخرى وكذلك ~~الإرادة الأخرى تفتقر إلى أخرى ويتسلسل الأمر إلى غير نهاية ولو جاز أن ~~يحدث إرادة بغير إرادة لجاز أن يحدث العالم بغير إرادة # الأصل العاشر أن الله تعالى عالم بعلم حي بحياة قادر بقدرة ومريد بإرادة ~~ومتكلم بكلام وسميع بسمع وبصير ببصر وله هذه الأوصاف من هذه الصفات القديمة # وقول القائل عالم بلا علم كقوله غني بلا مال وعلم بلا عالم وعالم بلا ~~معلوم فإن ms0186 العلم والمعلوم والعالم متلازمة كالقتل والمقتول والقاتل وكما لا ~~يتصور قاتل بلا قتل ولا قتيل ولا يتصور قتيل بلا قاتل ولا قتل كذلك لا ~~يتصور عالم بلا علم ولا علم بلا معلوم ولا معلوم بلا عالم بل هذه الثلاثة ~~متلازمة في العقل لا ينفك بعض منها عن البعض فمن جوز انفكاك العالم عن ~~العلم فليجوز انفكاكه عن المعلوم وانفكاك العلم عن العالم إذ لا فرق بين ~~هذه الأوصاف ### |||| الركن الثالث العلم بأفعال الله تعالى ومداره على عشرة أصول # الأصل الأول العلم بأن كل حادث في العالم فهو فعله وخلقه واختراعه لا ~~خالق له سواه ولا محدث له إلا إياه # خلق الخلق وصنعهم وأوجد قدرتهم وحركتهم فجميع أفعال عبادة مخلوقة له ~~ومتعلقة بقدرته تصديقا له في قوله تعالى الله خالق كل شيء وفي قوله تعالى ~~والله خلقكم وما تعملون وفي قوله تعالى وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم ~~بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير أمر العباد بالتحرز في ~~أقوالهم وأفعالهم وإسرارهم وإضمارهم لعلمه بموارد أفعالهم # واستدل على العلم بالخلق وكيف لا يكون خالقا لفعل العبد وقدرته تامة لا ~~قصور فيها وهي متعلقة بحركة أبدان العباد والحركات متماثلة وتعلق القدرة ~~بها لذاتها فما الذي يقصر تعلقها عن بعض الحركات دون البعض مع تماثلها أو ~~كيف يكون الحيوان مستبدا بالاختراع ويصدر من العنكبوت والنحل وسائر ~~الحيوانات من لطائف الصناعات ما يتحير فيه عقول ذوي الألباب فكيف انفردت هي ~~باختراعها دون رب الأرباب وهي غير عالمة بتفصيل ما يصدر منها من الاكتساب ~~هيهات هيهات ذلت المخلوقات وتفرد بالملك والملكوت PageV01P110 # جبار الأرض والسموات # الأصل الثاني أن انفراد الله سبحانه باختراع حركات العباد لا يخرجها عن ~~كونها مقدورة للعباد على سبيل الاكتساب بل الله تعالى خلق القدرة والمقدور ~~جميعا وخلق الاختيار والمختار جميعا # فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب سبحانه وليست بكسب له # وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له فإنها خلقت مقدورة بقدرة ~~هي وصفه وكانت للحركة نسبة إلى ms0187 صفة أخرى تسمى قدرة فتسمى باعتبار تلك ~~النسبة كسبا وكيف تكون جبرا محضا وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة ~~المقدورة والرعدة الضرورية أو كيف يكون خلقا للعبد وهو لا يحيط علما ~~بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وأعدادها وإذا بطل الطرفان لم يبق إلا ~~الاقتصاد في الاعتقاد وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعا وبقدرة ~~العبد على وجه آخر من التعليق يعبر عنه بالاكتساب # وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالاختراع فقط إذ قدره الله ~~تعالى في الأزل قد كانت متعلقة بالعالم ولم يكن الاختراع حاصلا بها وهي عند ~~الاختراع متعلقة به نوعا آخر من التعلق فيه يظهر أن تعلق القدرة ليس مخصوصا ~~بحصول المقدور بها # الأصل الثالث أن فعل العبد وإن كان كسبا للعبد فلا يخرج عن كونه مرادا ~~لله سبحانه # فلا يجري في الملك والملكوت طرفة عين ولا لفتة خاطر ولا فلتة ناظر إلا ~~بقضاء الله وقدرته وبإرادته ومشيئته # ومنه الشر والخير والنفع والضر والإسلام والكفر والعرفان والنكر والفوز ~~والخسران والغواية والرشد والطاعة والعصيان والشرك والإيمان لا راد لقضائه ~~ولا معقب لحكمه يضل من يشاء ويهدي من يشاء لا يسئل عما يفعل وهم يسألون ~~ويدل عليه من النقل قول الأمة قاطبة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وقول ~~الله عز وجل أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا وقوله تعالى ولو شئنا لآتينا ~~كل نفس هداها ويدل عليه من جهة العقل أن المعاصي والجرائم إن كان الله ~~يكرهها ولا يريدها وإنما هي جارية على وفق إرادة العدو إبليس لعنه الله مع ~~أنه عدو لله سبحانه والجاري على وفق إرادة العدو أكثر من الجاري على وفق ~~إرادته تعالى فليت شعري كيف يستجيز المسلم أن يرد ملك الجبار ذي الجلال ~~والإكرام إلى رتبة لو ردت إليها رياسة زعيم ضيعة لاستنكف منها إذ لو كان ما ~~يستمر لعدو الزعيم في القرية أكثر مما يستقيم له لاستنكف من زعامته وتبرأ ~~عن ولايته # والمعصية هي الغالبة على الخلق وكل ذلك جار ms0188 عند المبتدعة على خلاف إرادة ~~الحق تعالى وهذا غاية الضعف والعجز تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين علوا ~~كبيرا # ثم مهما ظهر أن أفعال العباد مخلوقة لله صح أنها مرادة له # فإن قيل فكيف ينهى عما يريد ويأمر بما لا يريد قلنا الأمر غير الإرادة # ولذلك إذا ضرب السيد عبده فعاتبه السلطان عليه فاعتذر بتمرد عبده عليه ~~فكذبه السلطان فأراد إظهار حجته بأن يأمر العبد بفعل ويخالفه بين يديه فقال ~~له أسرج هذه الدابة بمشهد من السلطان فهو يأمره بما لايريد امتثاله ولو لم ~~يكن آمرا لما كان عذره عند السلطان ممهدا ولو كان مريدا لامتثاله لكان ~~مريدا لهلاك نفسه وهو محال # الأصل الرابع أن الله تعالى متفضل بالخلق والاختراع ومتطول بتكليف العباد ~~ولم يكن الخلق والتكليف واجبا عليه # وقالت المعتزلة وجب عليه ذلك لما فيه من مصلحة العباد وهو محال إذ هو ~~الموجب والآمر والناهي وكيف يتهدف لإيجاب أو يتعرض للزوم وخطاب والمراد ~~بالواجب أحد أمرين إما الفعل الذي في تركه ضرر إما آجل كما يقال يجب على ~~العبد أن يطيع الله حتى لا يعذبه في الآخرة بالنار أو ضرر عاجل كما يقال ~~يجب على العطشان أن يشرب حتى لا يموت # وإما أن يراد به الذي يؤدي عدمه إلى محال كما يقال وجود المعلوم واجب إذ ~~عدمه يؤدي إلى محال وهو أن يصير العلم جهلا فإن أراد الخصم بأن الخلق واجب ~~على الله بالمعنى الأول PageV01P111 # فقد عرضه للضرر وإن أراد به المعنى الثاني فهو مسلم إذ بعد سبق العلم لا ~~بد من وجود المعلوم وإن أراد به معنى ثالثا فهو غير مفهوم # وقوله يجب لمصلحة عباده كلام فاسد فإنه إذا لم يتضرر بترك مصلحة العباد ~~لم يكن للوجوب في حقه معنى # ثم إن مصلحة العباد في أن يخلقهم في الجنة فأما أن يخلقهم في دار البلايا ~~ويعرضهم للخطايا ثم يهدفهم لخطر العقاب وهول العرض والحساب فما في ذلك غبطة ~~عند ذوي الألباب # الأصل الخامس أنه يجوز على الله سبحانه ms0189 أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه ~~خلافا للمعتزلة ولو لم يجز ذلك لاستحال سؤال دفعه وقد سألوا ذلك فقالوا ~~ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ولأن الله تعالى أخبر نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بأن أبا جهل لا يصدقه ثم أمره بأن يأمره بأن يصدقه في جميع ~~أقواله وكان من جملة أقواله أنه لا يصدقه فكيف يصدقه في أنه لا يصدقه وهل ~~هذا إلا محال وجوده # الأصل السادس أن لله عز وجل إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق ومن ~~غير ثواب لاحق خلافا للمعتزلة لأنه متصرف في ملكه ولا يتصور أن يعدو تصرفه ~~ملكه والظلم هو عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه وهو محال على الله ~~تعالى فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه فيه ظلما ويدل على جواز ذلك ~~وجوده فإن ذبح البهائم إيلام لها وما صب عليها من أنواع العذاب من جهة ~~الآدميين لم يتقدمها جريمة # فإن قيل إن الله تعالى يحشرها ويجازيها على قدر ما قاسته من الآلام ويجب ~~ذلك على الله سبحانه فقول من زعم أنه يجب على الله إحياء كل نملة وطئت وكل ~~بقة عركت حتى يثيبها على آلامها فقد خرج عن الشرع والعقل إذ يقال وصف ~~الثواب والحشر بكونه واجبا عليه إن كان المراد به أن يتضرر بتركه فهو محال ~~وإن أريد به غيره فقد سبق أنه غير مفهوم إذ خرج عن المعاني المذكورة للواجب # الأصل السابع أنه تعالى يفعل بعباده ما يشاء فلا يجب عليه رعاية الأصلح ~~لعباده لما ذكرناه من أنه لا يجب عليه سبحانه شيء بل لا يعقل في حقه الوجوب ~~فإنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وليت شعري بما يجيب المعتزلي في قوله إن ~~الأصلح واجب عليه في مسألة نعرضها عليه وهو أن يفرض مناظرة في الآخرة بين ~~صبي وبين بالغ ماتا مسلمين فإن الله سبحانه يزيد في درجات البالغ ويفضله ~~على الصبي لأنه تعب بالإيمان والطاعات بعد البلوغ ويجب عليه ذلك عند ms0190 ~~المعتزلي فلو قال الصبي يا رب لم رفعت منزلته علي فيقول لأنه بلغ واجتهد في ~~الطاعات ويقول الصبي أنت أمتني في الصبا فكان يجب عليك أن تديم حياتي حتى ~~أبلغ فأجتهد فقد عدلت عن العدل في التفضل عليه بطول العمر له دوني فلم ~~فضلته فيقول الله تعالى لأني علمت أنك لو بلغت لأشركت أو عصيت فكان الأصلح ~~لك الموت في الصبا هذا عذر المعتزلي عن الله عز وجل وعند هذا ينادى الكفار ~~من دركات لظى ويقولون يا رب أما علمت أننا إذا بلغنا أشركنا فهلا أمتنا في ~~الصبا فإنا رضينا بما دون منزلة الصبي المسلم فبماذا يجاب عن ذلك وهل يجب ~~عند هذا إلا القطع بأن الأمور الإلهية تتعالى بحكم الجلال عن أن توزن ~~بميزان أهل الاعتزال # فإن قيل مهما قدر على رعاية الأصلح للعباد ثم سلط عليهم أسباب العذاب كان ~~ذلك قبحا لا يليق بالحكمة قلنا القبح ما لا يوافق الغرض حتى إنه قد يكون ~~الشيء قبيحا عند شخص حسنا عند غيره إذا وافق غرض أحدهما دون الآخر حتى ~~يستقبح قتل الشخص أولياؤه ويستحسنه أعداؤه # فإن أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الباري سبحانه فهو محال إذ لا غرض له ~~فلا يتصور منه قبح كما لا يتصور منه ظلم إذ لا يتصور منه التصرف في ملك ~~الغير # وإن أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الغير فلم قلتم إن ذلك عليه محال وهل ~~هذا إلا مجرد تشه يشهد بخلافه ما قد فرضناه من مخاصمة أهل النار ثم الحكيم ~~معناه العالم بحقائق الأشياء القادر على إحكام فعلها على وفق إرادته وهذا ~~من أين يوجب رعاية PageV01P112 # الأصلح وأما الحكيم منا يراعي الأصلح نظرا لنفسه ليستفيد به في الدنيا ~~ثناء وفي الآخرة ثوابا أو يدفع به عن نفسه آفة # وكل ذلك محال على الله سبحانه وتعالى # الأصل الثامن أن معرفة الله سبحانه وطاعته واجبة بإيجاب الله تعالى وشرعه ~~لا بالعقل خلافا للمعتزلة لأن العقل وإن أوجب الطاعة فلا يخلو إما أن ~~يوجبها لغير ms0191 فائدة وهو محال فإن العقل لا يوجب العبث وإما أن يوجبها لفائدة ~~وغرض وذلك لا يخلو إما أن يرجع إلى المعبود وذلك محال في حقه تعالى فإنه ~~يتقدس عن الأغراض والفوائد بل الكفر والإيمان والطاعة والعصيان في حقه ~~تعالى سيان وإما أن يرجع ذلك إلى عرض العبد وهو أيضا محال لأنه لا غرض له ~~في الحال بل يتعب به وينصرف عن الشهوات لسببه وليس في المآل إلا الثواب ~~والعقاب # ومن أين يعلم أن الله تعالى يثيب على المعصية والطاعة ولا يعاقب عليهما ~~مع أن الطاعة والمعصية في حقه يتساويان إذ ليس له إلى أحدهما ميل ولا به ~~لأحدهما اختصاص وإنما عرف تمييز ذلك بالشرع ولقد زل من أخذ هذا من المقايسة ~~بين الخالق والمخلوق حيث يفرق بين الشكر والكفران لما له من الارتياح ~~والاهتزاز والتلذذ بأحدهما دون الآخر # فإن قيل فإذا لم يجب النظر والمعرفة إلا بالشرع والشرع لا يستقر ما لم ~~ينظر المكلف فيه فإذا قال المكلف للنبي إن العقل ليس يوجب على النظر والشرع ~~لا يثبت عندي إلا بالنظر ولست أقدم على النظر أدى ذلك إلى إفحام الرسول صلى ~~الله عليه وسلم قلنا هذا يضاهي قول القائل للواقف في موضع من المواضع إن ~~وراءك سبعا ضاريا فإن لم تبرح عن المكان قتلك وإن التفت وراءك ونظرت عرفت ~~صدقي فيقول الواقف لا يثبت صدقك ما لم ألتفت ورائي ولا ألتفت ورائي ولا ~~أنظر ما لم يثبت صدقك فيدل هذا على حماقة هذا القائل وتهدفه للهلاك ولا ضرر ~~فيه على الهادي المرشد فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن وراءكم ~~الموت ودونه السباع الضارية والنيران المحرقة إن لم تأخذوا منها حذركم ~~وتعرفوا لي صدقي بالالتفات إلى معجزتي وإلا هلكتم فمن التفت عرف واحترز ~~ونجا ومن لم يلتفت وأصر هلك وتردى ولا ضرر على إن هلك الناس كلهم أجمعون ~~وإنما على البلاغ المبين فالشرع يعرف وجود السباع الضارية بعد الموت والعقل ~~يفيد فهم كلامه والإحاطة بإمكان ما يقوله في المستقبل ms0192 # والطبع يستحث على الحذر من الضرر ومعنى كون الشيء واجبا أن في تركه ضررا ~~ومعنى كون الشرع موجبا أنه معرف للضرر المتوقع فإن العقل لا يهدي إلى ~~التهدف للضرر بعد الموت عند اتباع الشهوات فهذا معنى الشرع والعقل ~~وتأثيرهما في تقدير الواجب ولولا خوف العقاب على ترك ما أمر به لم يكن ~~الوجوب ثابتا إذ لا معنى للواجب إلا ما يرتبط بتركه ضرر في الآخرة # الأصل التاسع أنه ليس يستحيل بعثه الأنبياء عليهم السلام خلافا للبراهمة ~~حيث قالوا لا فائدة في بعثتهم إذ في العقل مندوحة عنهم لأن العقل لا يهدي ~~إلى الأفعال المنجية في الآخرة كما لا يهدي إلى الأدوية المفيدة للصحة ~~فحاجة الخلق إلى الأنبياء كحاجتهم إلى الأطباء ولكن يعرف صدق الطبيب ~~بالتجربة ويعرف صدق النبي بالمعجزة # الأصل العاشر أن الله سبحانه قد أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم خاتما ~~للنبيين وناسخا لما قبله من شرائع اليهود والنصارى والصابئين وأيده ~~بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة كانشقاق القمر (1) وتسبيح الحصى (2) ~~وإنطاق العجماء (3) وما تفجر من بين أصابعه من الماء # ومن آياته الظاهرة التي تحدى بها مع كافة العرب القرآن العظيم ~~PageV01P113 # فإنهم مع تمييزهم بالفصاحة والبلاغة تهدفوا لسبه ونهيه وقتله وإخراجه كما ~~أخبر الله عز وجل عنهم ولم يقدروا على معارضته بمثل القرآن إذ لم يكن في ~~قدرة البشر الجمع بين جزالة القرآن ونظمه هذا مع ما فيه من أخبار الأولين ~~مع كونه أميا غير ممارس للكتب والإنباء عن الغيب في أمور تحقق صدقه فيها في ~~الاستقبال كقوله تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين ~~رؤوسكم ومقصرين وكقوله ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون في بضع سنين ووجه دلالة المعجزة على صدق الرسل أن كل ما عجز عنه ~~البشر لم يكن إلا فعلا لله تعالى # فمهما كان مقرونا بتحدي النبي صلى الله عليه وسلم ينزل منزلة قوله صدقت ~~وذلك مثل القائل بين يدي 2 الملك المدعي على رعيته أنه رسول الملك إليهم ~~فإنه مهما ms0193 قال لذلك إن كنت صادقا فقم على سريرك ثلاثا واقعد على خلاف عادتك ~~ففعل الملك ذلك حصل للحاضرين علم ضروري بأن ذلك نازل منزلة قوله صدقت ### |||| الركن الرابع في السمعيات وتصديقه صلى الله عليه وسلم فيما أخبر عنه ومداره على عشرة أصول # الأصل الأول الحشر والنشر (1) وقد ورد بهما الشرع وهو حق والتصديق بهما ~~واجب لأنه في العقل ممكن ومعناه الإعادة بعد الإفناء وذلك مقدور لله تعالى ~~كابتداء الإنشاء قال الله تعالى قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها ~~الذي أنشأها أول مرة فاستدل بالابتداء على الإعادة وقال عز وجل ما خلقكم ~~ولا بعثكم إلا كنفس واحدة والإعادة ابتداء ثان فهو ممكن كالابتداء الأول # الأصل الثاني سؤال منكر ونكير (2) وقد وردت به الأخبار فيجب التصديق به ~~لأنه ممكن إذ ليس يستدعي إلا إعادة الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به فهم ~~الخطاب وذلك ممكن في نفسه ولا يدفع ذلك ما يشاهد من سكون أجزاء الميت وعدم ~~سماعنا للسؤال له فإن النائم ساكن بظاهره ويدرك بباطنه من الآلام واللذات ~~ما يحس بتأثيره عند التنبه وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع كلام ~~جبريل عليه السلام ويشاهده ومن حوله لا يسمعونه ولا يرونه (3) ولا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شاء فإذا لم يخلق لهم السمع والرؤية لم يدركوه # الأصل الثالث عذاب القبر وقد ورد الشرع به قال الله تعالى النار يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب واشتهر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح الاستعاذة من عذاب القبر (4) ~~وهو ممكن فيجب التصديق به ولا يمنع من التصديق به تفرق أجزاء الميت في بطون ~~السباع وحواصل الطيور فإن المدرك لألم العذاب من الحيوان أجزاء مخصوصة يقدر ~~الله تعالى على إعادة الإدراك إليها # الأصل الرابع الميزان وهو حق قال الله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة وقال تعالى فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه ~~الآية ووجهها أن الله تعالى ms0194 يحدث في صحائف الأعمال وزنا بحسب درجات الأعمال ~~عند الله تعالى فتصير مقادير أعمال العباد معلومة PageV01P114 # للعباد حتى يظهر لهم العدل في العقاب أو الفضل في العفو وتضعيف الثواب # الأصل الخامس الصراط وهو جسر ممدود على متن جهنم أرق من الشعرة وأحد من ~~السيف قال الله تعالى فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسئولون وهذا ~~ممكن فيجب التصديق به فإن القادر على أن يطير الطير في الهواء قادر على أن ~~يسير الإنسان على الصراط # الأصل السادس أن الجنة والنار مخلوقتان قال الله تعالى وسارعوا إلى مغفرة ~~من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فقوله تعالى أعدت دليل على ~~أنها مخلوقة فيجب إجراؤه على الظاهر إذ لا استحالة فيه ولا يقال لا فائدة ~~في خلقهما قبل يوم الجزاء لأن الله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # الأصل السابع أن الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ~~ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم ولم يكن نص رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على إمام أصلا إذ لو كان لكان أولى بالظهور من نصبه آحاد الولاة ~~والأمراء على الجنود في البلاد ولم يخف ذلك فكيف خفي هذا وإن ظهر فكيف ~~اندرس حتى لم ينقل إلينا فلم يكن أبو بكر إماما إلا بالاختيار والبيعة وأما ~~تقدير النص على غيره فهو نسبة للصحابة كلهم إلى مخالفة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وخرق الإجماع وذلك مما لا يستجرىء على اختراعه إلا الروافض ~~واعتاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم كما أثنى الله سبحانه ~~وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم # وما جرى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما كان مبنيا على الاجتهاد لا ~~منازعة من معاوية في الإمامة إذ ظن علي رضي الله عنه أن تسليم قتلة عثمان ~~مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة في بدايتها ~~فرأى التأخير أصوب وظن معاوية أن تأخير أمرهم مع عظم جنايتهم يوجب الإغراء ~~بالأئمة ويعرض الدماء ms0195 للسفك # وقد قال أفاضل العلماء كل مجتهد مصيب # وقال قائلون المصيب واحد ولم يذهب إلى تخطئة على ذو تحصيل أصلا # الأصل الثامن أن فضل الصحابة رضي الله عنهم على ترتيبهم في الخلافة إذ ~~حقيقة الفضل ما هو فضل عند الله عز وجل وذلك لا يطلع عليه إلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # وقد ورد في الثناء على جميعهم آيات وأخبار كثيرة (1) وإنما يدرك دقائق ~~الفضل والترتيب فيه المشاهدون للوحي والتنزيل بقرائن الأحوال ودقائق ~~التفصيل فلولا فهمهم ذلك لما رتبوا الأمر كذلك إذ كانوا لا تأخذهم في الله ~~لومة لائم ولا يصرفهم عن الحق صارف # الأصل التاسع أن شرائط الإمامة بعد الإسلام والتكليف خمسة الذكورة والورع ~~والعلم والكفاية ونسبة قريش لقوله صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش (2) ~~وإذا اجتمع عدد من الموصوفين بهذه الصفات فالإمام من انعقدت له البيعة من ~~أكثر الخلق والمخالف للأكثر باغ يجب رده إلى الانقياد إلى الحق # الأصل العاشر أنه لو تعذر وجود الورع والعلم فيمن يتصدى للإمامة وكان في ~~صرفه إثارة فتنة لا تطاق حكمنا بانعقاد إمامته لأنا بين أن نحرك فتنة ~~بالاستبدال فما يلقى المسلمون فيه من الضرر يزيد على ما يفوتهم من نقصان ~~هذه الشروط التي أثبتت لمزية المصلحة فلا يهدم أصل المصلحة شغفا بمزاياها ~~كالذي يبني قصرا ويهدم مصرا وبين أن نحكم بخلو البلاد عن الإمام وبفساد ~~الأقضية وذلك محال # ونحن نقضي بنفوذ قضاء أهل البغي في بلادهم لمسيس حاجتهم فكيف لا نقضي ~~بصحة الإمامة عند الحاجة والضرورة فهذه الأركان الأربعة الحاوية للأصول ~~الأربعين هي قواعد العقائد فمن اعتقدها كان موافقا لأهل السنة ومباينا لرهط ~~البدعة # فالله تعالى يسددنا بتوفيقه ويهدينا إلى الحق وتحقيقه بمنه وسعة جوده ~~وفضله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وكل عبد مصطفى PageV01P115 ### ||| الفصل الرابع من قواعد العقائد في الإيمان والإسلام وما بينهما من الاتصال وما يتطرق إليه من الزيادة والنقصان ووجه استثناء السلف فيه وفيه ثلاث مسائل ### |||| مسألة # اختلفوا في أن الإسلام هو الإيمان أو ms0196 غيره وإن كان غيره فهل هو ~~منفصل عنه يوجد دونه أو مرتبط به يلازمه فقيل إنهما شيء واحد وقيل إنهما ~~شيئان لا يتواصلان وقيل إنهما شيئان ولكن يرتبط أحدهما بالآخر # وقد أورد أبو طالب المكي في هذا كلاما شديد الاضطراب كثير التطويل فلنهجم ~~الآن على التصريح بالحق من غير تعريج على نقل ما لا تحصيل له فنقول في هذا ~~ثلاثة مباحث بحث عن موجب اللفظين في اللغة وبحث عن المراد بهما في إطلاق ~~الشرع وبحث عن حكمهما في الدنيا والآخرة والبحث الأول لغوي والثاني تفسيري ~~والثالث فقهي شرعي # البحث الأول في موجب اللغة والحق فيه أن الإيمان عبارة عن التصديق قال ~~الله تعالى وما أنت بمؤمن لنا أي بمصدق والإسلام عبارة عن التسليم ~~والاستسلام بالإذعان والانقياد وترك التمرد والإباء والعناد وللتصديق محل ~~خاص وهو القلب واللسان ترجمان # وأما التسليم فإنه عام في القلب واللسان والجوارح فإن كل تصديق بالقلب ~~فهو تسليم وترك الإباء والجحود وكذلك الاعتراف باللسان وكذلك الطاعة ~~والانقياد بالجوارح # فموجب اللغة أن الإسلام أعم والإيمان أخص فكان الإيمان عبارة عن أشرف ~~أجزاء الإسلام فإذن كل تصديق تسليم وليس كل تسليم تصديقا # البحث الثاني عن إطلاق الشرع والحق فيه أن الشرع قد ورد باستعمالهما على ~~سبيل الترادف والتوارد وورد على سبيل الاختلاف وورد على سبيل التداخل أما ~~الترادف ففيقوله تعالى فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير ~~بيت من المسلمين ولم يكن بالاتفاق إلا بيت واحد وقال تعالى يا قوم إن كنتم ~~آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين وقال صلى الله عليه وسلم بني ~~الإسلام على خمس (1) # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة عن الإيمان فأجاب بهذه الخمس (2) ~~وأما الاختلاف فقوله تعالى {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا} ومعناه استسلمنا في الظاهر فأراد بالإيمان ههنا التصديق بالقلب فقط ~~وبالإسلام الاستسلام ظاهرا باللسان والجوارح وفي حديث جبرائيل عليه السلام ~~لما سأله عن الإيمان فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ms0197 الآخر ~~وبالبعث بعد الموت وبالحساب وبالقدر خيره وشره فقال فما الإسلام فأجاب بذكر ~~الخصال الخمس (3) فعبر بالإسلام عن تسليم الظاهر بالقول والعمل # وفي الحديث عن سعد أنه صلى الله عليه وسلم أعطى رجلا عطاء ولم يعط الآخر ~~فقال له سعد يا رسول الله تركت فلانا لم تعطه وهو مؤمن فقال صلى الله عليه ~~وسلم أو مسلم فأعاد عليه فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث سعد أعطى ~~رجلا عطاء ولم يعط الآخر فقال له سعد يا رسول الله تركت فلانا لم تعطه وهو ~~مؤمن فقال أو مسلم الحديث أخرجاه بنحوه // وأما التداخل فما روى أيضا أنه ~~PageV01P116 # سئل فقيل أي الأعمال أفضل فقال صلى الله عليه وسلم الإسلام فقال أي ~~الإسلام أفضل فقال صلى الله عليه وسلم الإيمان (1) وهذا دليل على الاختلاف ~~وعلى التداخل وهو أوفق الاستعمالات في اللغة لأن الإيمان عمل من الأعمال ~~وهو أفضلها والإسلام هو تسليم إما بالقلب وإما باللسان وإما بالجوارح ~~وأفضلها الذي بالقلب وهو التصديق الذي يسمى إيمانا والاستعمال لهما على ~~سبيل الاختلاف وعلى سبيل التداخل وعلى سبيل الترادف كله غير خارج عن طريق ~~التجوز في اللغة # أما الاختلاف فهو أن يجعل الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب فقط وهو موافق ~~للغة والإسلام عبارة عن التسليم ظاهرا وهو أيضا موافق للغة فإن التسليم ~~ببعض محال التسليم ينطلق عليه اسم التسليم فليس من شرط حصول الاسم عموم ~~المعنى لكل محل يمكن أن يوجد المعنى فيه فإن من لمس غيره ببعض بدنه يسمى ~~لامسا وإن لم يستغرق جميع بدنه فإطلاق اسم الإسلام على التسليم الظاهر عند ~~عدم تسليم الباطن مطابق للسان وعلى هذا الوجه جرى قوله تعالى {قالت الأعراب ~~آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ~~سعد أو مسلم لأنه فضل أحدهما على الآخر ويريد بالاختلاف تفاضل المسميين # وأما التداخل فموافق أيضا للغة في خصوص الإيمان وهو أن يجعل الإسلام ~~عبارة عن التسليم بالقلب والقول والعمل جميعا والإيمان عبارة عن بعض ms0198 ما دخل ~~في الإسلام وهو التصديق بالقلب وهو الذي عنيناه بالتداخل وهو موافق للغة في ~~خصوص الإيمان وعموم الإسلام للكل وعلى هذا خرج قوله {الإيمان} في جواب قول ~~السائل أي الإسلام أفضل لأنه جعل الإيمان خصوصا من الإسلام فأدخله فيه وأما ~~استعماله فيه على سبيل الترادف بأن يجعل الإسلام عبارة عن التسليم بالقلب ~~والظاهر جميعا فإن كل ذلك تسليم وكذا الإيمان ويكون التصرف في الإيمان على ~~الخصوص بتعميمه وإدخال الظاهر في معناه وهو جائز لأن تسليم الظاهر بالقول ~~والعمل ثمرة تصديق الباطن ونتيجته وقد يطلق اسم الشجر ويراد به الشجر مع ~~ثمره على سبيل التسامح فيصير بهذا القدر من التعميم مرادفا لاسم الإسلام ~~ومطابقا له فلا يزيد عليه ولا ينقص وعليه خرج قوله {فما وجدنا فيها غير بيت ~~من المسلمين} # البحث الثالث عن الحكم الشرعي # والإسلام والإيمان حكمان أخروي ودنيوي # أما الأخروي فهو الإخراج من النار ومنع التخليد إذ قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان (2) وقد ~~اختلفوا في أن هذا الحكم على ماذا يترتب وعبروا عنه بأن الإيمان ماذا هو ~~فمن قائل إنه مجرد العقد ومن قائل يقول إنه عقد بالقلب وشهادة باللسان ومن ~~قائل يزيد ثالثا وهو العمل بالأركان ونحن نكشف الغطاء عنه ونقول من جمع بين ~~هذه الثلاثة فلا خلاف في أن مستقره الجنة وهذه درجة # الدرجة الثانية أن يوجد اثنان وبعض الثالث وهو القول والعقد وبعض الأعمال ~~ولكن ارتكب صاحبه كبيرة أو بعض الكبائر فعند هذا قالت المعتزلة خرج بهذا عن ~~الإيمان ولم يدخل في الكفر بل اسمه فاسق وهو على منزلة بين المنزلتين وهو ~~مخلد في النار وهذا باطل كما سنذكره # الدرجة الثالثة أن يوجد التصديق بالقلب والشهادة باللسان دون الأعمال ~~بالجوارح وقد PageV01P117 # اختلفوا في حكمه فقال أبو طالب المكي العمل بالجوارح من الإيمان ولا يتم ~~دونه وادعى الإجماع فيه واستدل بأدلة تشعر بنقيض غرضه كقوله تعالى {الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات} إذ هذا يدل ms0199 على أن العمل وراء الإيمان لا من نفس ~~الإيمان وإلا فيكون العمل في حكم المعاد والعجب أنه ادعى الإجماع في هذا ~~وهو مع ذلك ينقل قوله صلى الله عليه وسلم لا يكفر أحد إلا بعد جحوده لما ~~أقر به (1) وينكر على المعتزلة قولهم بالتخليد في النار بسبب الكبائر ~~والقائل بهذا قائل بنفس مذهب المعتزلة إذ يقال له من صدق بقلبه وشهد بلسانه ~~ومات في الحال فهل هو في الجنة فلا بد أن يقول نعم وفيه حكم بوجود الإيمان ~~دون العمل فنزيد ونقول لو بقي حيا حتى دخل عليه وقت صلاة واحدة فتركها ثم ~~مات أو زنى ثم مات فهل يخلد في النار فإن قال نعم فهو مراد المعتزلة وإن ~~قال لا فهو تصريح بأن العمل ليس ركنا من نفس الإيمان ولا شرطا في وجوده ولا ~~في استحقاق الجنة به وإن قال أردت به أن يعيش مدة طويلة ولا يصلي ولا يقدم ~~على شيء من الأعمال الشرعية فنقول فما ضبط تلك المدة وما عدد تلك الطاعات ~~التي بتركها يبطل الإيمان وما عدد الكبائر التي بارتكابها يبطل الإيمان ~~وهذا لا يمكن التحكم بتقديره ولم يصر إليه صائر أصلا # الدرجة الرابعة أن يوجد التصديق بالقلب قبل أن ينطق باللسان أو يشتغل ~~بالأعمال ومات فهل نقول مات مؤمنا بينه وبين الله تعالى وهذا مما اختلف فيه ~~ومن شرط القول لتمام الإيمان يقول هذا مات قبل الإيمان وهو فاسد إذ قال صلى ~~الله عليه وسلم يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان وهذا ~~قلبه طافح بالإيمان فكيف يخلد في النار ولم يشترط في حديث جبريل عليه ~~السلام للإيمان إلا التصديق بالله تعالى وملائكته وكتبه واليوم الآخر كما ~~سبق # الدرجة الخامسة أن يصدق بالقلب ويساعده من العمر مهلة النطق بكلمتي ~~الشهادة وعلم وجوبها ولكنه لم ينطق بها فيحتمل أن يجعل امتناعه عن النطق ~~كامتناعه عن الصلاة ونقول هو مؤمن غير مخلد في النار والإيمان هو التصديق ~~المحض واللسان ترجمان الإيمان فلا بد ms0200 أن يكون الإيمان موجودا بتمامه قبل ~~اللسان حتى يترجمه اللسان وهذا هو الأظهر إذ لا مستند إلا اتباع موجب ~~الألفاظ ووضع اللسان أن الإيمان هو عبارة عن التصديق بالقلب # وقد قال صلى الله عليه وسلم يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة ولا ينعدم ~~الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق الواجب كما لا ينعدم بالسكوت عن الفعل ~~الواجب وقال قائلون القول ركن إذ ليس كلمتا الشهادة إخبارا عن القلب بل هو ~~إنشاء عقد آخر وابتداء شهادة والتزام والأول أظهر وقد غلا في هذا طائفة ~~المرجئة فقالوا هذا لا يدخل النار أصلا وقالوا إن المؤمن وإن عصى فلا يدخل ~~النار وسنبطل ذلك عليهم # الدرجة السادسة ان يقول بلسانه لا إله إلا الله محمد رسول الله ولكن لم ~~يصدق بقلبه فلا نشك في أن هذا في حكم الآخرة من الكفار وأنه مخلد في النار ~~ولا نشك في أنه في حكم الدنيا للذي يتعلق بالأئمة والولاة من المسلمين لأن ~~قلبه لا يطلع عليه وعلينا أن نظن به أنه ما قاله بلسانه إلا وهو منطو عليه ~~في قلبه وإنما نشك في أمر ثالث وهو الحكم الدنيوي فيما بينه وبين الله ~~تعالى # وذلك بأن يموت له في الحال قريب مسلم ثم يصدق بعد ذلك بقلبه ثم يستفتي ~~ويقول كنت غير مصدق بالقلب حالة الموت والميراث الآن في يدي فهل يحل لي ~~بيني وبين الله تعالى أو نكح مسلمة ثم صدق بقلبه هل تلزمه إعادة النكاح هذا ~~محل نظر فيحتمل أن يقال أحكام الدنيا منوطة بالقول الظاهر ظاهرا وباطنا ~~ويحتمل أن يقال تناط بالظاهر في حق غيره لأن باطنه غير ظاهر لغيره وباطنه ~~ظاهر له في نفسه بينه وبين الله تعالى والأظهر والعلم عند الله PageV01P118 # تعالى أنه لا يحل له ذلك الميراث ويلزمه إعادة النكاح ولذلك كان حذيفة ~~رضي الله عنه لا يحضر جنازة من يموت من المنافقين وعمر رضي الله عنه كان ~~يراعي ذلك منه فلا يحضر إذا لم يحضر حذيفة رضي الله عنه والصلاة ms0201 فعل ظاهر ~~في الدنيا وإن كانت من العبادات # والتوقي عن الحرام أيضا من جملة ما يجب لله كالصلاة لقوله صلى الله عليه ~~وسلم طلب الحلال فريضة بعد فريضة وليس هذا مناقضا لقولنا إن الإرث حكم ~~الإسلام وهو الاستسلام بل الاستسلام التام هو ما يشمل الظاهر والباطن وهذه ~~مباحث فقهية ظنية تبنى على ظواهر الألفاظ والعمومات والأقيسة فلا ينبغي أن ~~يظن القاصر في العلوم أن المطلوب فيه القطع من حيث جرت العادة بإيراده في ~~فن الكلام الذي يطلب فيه القطع فما أفلح من نظر إلى العادات والمراسم في ~~العلوم # فإن قلت فما شبهة المعتزلة والمرجئة وما حجة بطلان قولهم فأقول شبهتهم ~~عمومات القرآن أما المرجئة فقالوا لا يدخل المؤمن النار وإن أتى بكل ~~المعاصي لقوله عز وجل {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا} ولقوله ~~سبحانه وتعالى {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} الآية ولقوله ~~تعالى كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها إلى قوله فكذبنا وقلنا ما نزل الله ~~من شيء فقوله {كلما ألقى فيها فوج} عام فينبغي أن يكون من ألقي في النار ~~مكذبا ولقوله تعالى {لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى} وهذا حصر وإثبات ~~ونفي ولقوله تعالى {من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون} ~~فالإيمان رأس الحسنات ولقوله تعالى {والله يحب المحسنين} وقال تعالى {إنا ~~لا نضيع أجر من أحسن عملا} ولا حجة لهم في ذلك فإنه حيث ذكر الإيمان في هذه ~~الآيات أريد به الإيمان مع العمل إذ بينا أن الإيمان قد يطلق ويراد به ~~الإسلام وهو الموافقة بالقلب والقول والعمل ودليل هذا التأويل أخبار كثيرة ~~في معاقبة العاصين ومقادير العقاب وقوله صلى الله عليه وسلم يخرج من النار ~~من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فكيف يخرج إذا لم يدخل ومن القرآن قوله ~~تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} والاستثناء ~~بالمشيئة يدل على الانقسام وقوله تعالى {ومن يعص الله ورسوله فإن ms0202 له نار ~~جهنم خالدين فيها} وتخصيصه بالكفر تحكم وقوله تعالى {ألا إن الظالمين في ~~عذاب مقيم} وقال تعالى {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} فهذه ~~العمومات في معارضة عموماتهم ولا بد من تسليط التخصص والتأويل على الجانبين ~~لأن الأخبار مصرحة بأن العصاة يعذبون (1) بل قوله تعالى وإن منكم إلا ~~واردها كالصريح في أن ذلك لا بد منه للكل إذ لا يخلو مؤمن عن ذنب يرتكبه ~~وقوله تعالى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى أراد به من جماعة مخصوصين ~~أو أراد بالأشقى شخصا معينا أيضا وقوله تعالى كلما ألقى فيها فوج سألهم ~~خزنتها أي فوج من الكفار وتخصيص العمومات قريب # ومن هذه الآية وقع للأشعري وطائفة من المتكلمين إنكار صيغ العموم وأن هذه ~~الألفاظ يتوقف فيها إلى ظهور قرينة تدل على معناها # وأما المعتزلة فشبهتهم قوله تعالى وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى وقوله تعالى والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وقوله تعالى وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا {ثم قال} ~~ثم ننجي الذين اتقوا وقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم وكل ~~آية ذكر الله عز وجل العمل الصالح فيها مقرونا بالإيمان وقوله تعالى ومن ~~يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وهذه العمومات أيضا مخصوصة بدليل ~~قوله تعالى PageV01P119 # ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فينبغي أن تبقى له مشيئة في مغفرة ما سوى ~~الشرك # وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة ~~من إيمان وقوله تعالى إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا وقوله تعالى إن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين فكيف يضيع أجر أصل الإيمان وجميع الطاعات بمعصية واحدة ~~وقوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا أي لإيمانه وقد ورد على مثل هذا السبب # فإن قلت فقد مال الاختيار إلى أن الإيمان حاصل دون العمل # وقد اشتهر عن السلف قولهم الإيمان عقد وقول وعمل فما معناه قلنا ms0203 لا يبعد ~~أن يعد العمل من الإيمان لأنه مكمل له ومتمم كما يقال الرأس واليدان من ~~الإنسان ومعلوم أنه يخرج عن كونه إنسانا بعدم الرأس ولا يخرج عنه بكونه ~~مقطوع اليد وكذلك يقال التسبيحات والتكبيرات من الصلاة وإن كانت لا تبطل ~~بفقدها فالتصديق بالقلب من الإيمان كالرأس من وجود الإنسان إذ ينعدم بعدمه ~~وبقية الطاعات كالأطراف بعضها أعلى من بعض وقد قال صلى الله عليه وسلم لا ~~يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن (1) والصحابة رضي الله عنهم ما اعتقدوا مذهب ~~المعتزلة في الخروج عن الإيمان بالزنا ولكن معناه غير مؤمن حقا إيمانا تاما ~~كاملا كما يقال للعاجز المقطوع الأطراف هذا ليس بإنسان أي ليس له الكمال ~~الذي هو وراء حقيقة الإنسانية ### |||| مسألة # فإن قلت فقد اتفق السلف على أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعة ~~وينقص بالمعصية فإذا كان التصديق هو الإيمان فلا يتصور فيه زيادة ولا نقصان ~~فأقول السلف هم الشهود العدول وما لأحد عن قولهم عدول فما ذكروه حق وإنما ~~الشأن في فهمه وفيه دليل على أن العمل ليس من أجزاء الإيمان وأركان وجوده ~~بل هو مزيد عليه يزيد به والزائد موجود والناقص موجود والشيء لا يزيد بذاته ~~فلا يجوز أن يقال الإنسان يزيد برأسه بل يقال يزيد بلحيته وسمنه ولا يجوز ~~أن يقال الصلاة تزيد بالركوع والسجود بل تزيد بالآداب والسنن فهذا تصريح ~~بأن الإيمان له وجود ثم بعد الوجود يختلف حاله بالزيادة والنقصان # فإن قلت فالإشكال قائم في أن التصديق كيف يزيد وينقص وهو خصلة واحدة ~~فأقول إذا تركنا المداهنة ولم نكترث بتشغيب من تشغب وكشفنا الغطاء ارتفع ~~الإشكال فنقول الإيمان اسم مشترك يطلق من ثلاثة أوجه الأول أنه أنه يطلق ~~للتصديق بالقلب على سبيل الاعتقاد والتقليد من غير كشف وانشراح صدر وهو ~~إيمان العوام بل إيمان الخلق كلهم إلا الخواص وهذا الاعتقاد عقدة عن القلب ~~تارة تشتد وتقوى وتارة تضعف وتسترخي كالعقدة على الخيط مثلا ولا تستبعد هذا ~~واعتبره باليهودي وصلابته في عقيدته التي لا يمكن ms0204 نزوعه عنها بتخويف وتحذير ~~ولا بتخييل ووعظ ولا تحقيق وبرهان وكذلك النصراني والمبتدعة وفيهم من يمكن ~~تشكيكه بأدنى كلام ويمكن استنزاله عن اعتقاده بأدنى استمالة أو تخويف مع ~~أنه غير شاك في عقده كالأول ولكنهما متفاوتان في شدة التصميم # وهذا موجود في الاعتقاد الحق أيضا والعمل يؤثر في نماء هذا التصميم ~~وزيادته كما يؤثر سقي الماء في نماء الأشجار ولذلك قال الله تعالى فزادتهم ~~إيمانا وقال تعالى ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم وقال صلى الله عليه وسلم ~~فيما يروى في بعض الأخبار الإيمان يزيد وينقص (2) وذلك بتأثير الطاعات في ~~القلب وهذا لا يدركه إلا من راقب أحوال نفسه في أوقات المواظبة على العبادة ~~والتجرد لها بحضور القلب مع أوقات الفتور وإدراك التفاوت في السكون إلى ~~عقائد الإيمان في هذه الأحوال حتى يزيد عقده استعصاء على من يريد حله ~~بالتشكيك بل من يعتقد في اليتيم معنى الرحمة إذا عمل بموجب اعتقاده فمسح ~~رأسه وتلطف به أدرك PageV01P120 # من باطنه تأكيد الرحمة وتضاعفها بسبب العمل وكذلك معتقد التواضع إذا عمل ~~بموجبه عملا مقبلا أو ساجدا لغيره أحس من قلبه بالتواضع عند إقدامه على ~~الخدمة # وهكذا جميع صفات القلب تصدر منها أعمال الجوارح ثم يعود أثر الأعمال ~~عليها فيؤكدها ويزيدها وسيأتي هذا في ربع المنجيات والمهلكات عند بيان وجه ~~تعلق الباطن بالظاهر والأعمال بالعقائد والقلوب فإن ذلك من جنس تعلق الملك ~~بالملكوت وأعني بالملك عالم الشهادة المدرك بالحواس وبالملكوت عالم الغيب ~~المدرك بنور البصيرة والقلب من عالم الملكوت والأعضاء وأعمالها من عالم ~~الملك # ولطف الارتباط ودقته بين العالمين انتهى إلى حد ظن بعض الناس اتحاد ~~أحدهما بالآخر وظن آخرون أنه لا عالم إلا عالم الشهادة وهو هذه الأجسام ~~المحسوسة # ومن أدرك الأمرين وأدرك تعددهما ثم ارتباطهما عبر عنه فقال # رق الزجاج ورقت الخمر ... وتشابها فتشاكل الأمر # فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر # ولنرجع إلى المقصود فإن هذا العلم خارج عن علم المعاملة ولكن بين العلمين ~~أيضا اتصال وارتباط فلذلك ترى علوم المكاشفة تتسلق ms0205 كل ساعة على علوم ~~المعاملة إلى أن تنكشف عنها بالتكليف فهذا وجه زيادة الإيمان بالطاعة بموجب ~~هذا الإطلاق ولهذا قال علي كرم الله وجهه إن الإيمان ليبدو لمعة بيضاء فإذا ~~عمل العبد الصالحات نمت فزادت حتى يبيض القلب كله وإن النفاق ليبدو نكتة ~~سوداء فإذا انتهك الحرمات نمت وزادت حتى يسود القلب كله فيطبع عليه فذلك هو ~~الختم وتلا قوله تعالى كلا بل ران على قلوبهم الآية # الإطلاق الثاني أن يراد به التصديق والعمل جميعا كما قال صلى الله عليه ~~وسلم الإيمان بضع وسبعون بابا (1) وقال صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني ~~حين يزني وهو مؤمن وإذا دخل العمل في مقتضى لفظ الإيمان لم تخف زيادته ~~ونقصانه وهل يؤثر ذلك في زيادة الإيمان الذي هو مجرد التصديق هذا فيه نظر ~~وقد أشرنا إلى أنه يؤثر فيه # الإطلاق الثالث أن يراد به التصديق اليقيني على سبيل الكشف وانشراح الصدر ~~والمشاهدة بنور البصيرة وهذا أبعد الأقسام عن قبول الزيادة ولكني أقول ~~الأمر اليقيني الذي لا شك فيه تختلف طمأنينة النفس إليه فليس طمأنينة النفس ~~إلى أن الاثنين أكثر من الواحد كطمأنينتها إلى أن العالم مصنوع حادث وإن ~~كان لا شك في واحد منهما فإن اليقينيات تختلف في درجات الإيضاح ودرجات ~~طمأنينة النفس إليها وقد تعرضنا لهذا في فصل اليقين من كتاب العلم في باب ~~علامات علماء الآخرة فلا حاجة إلى الإعادة # وقد ظهر في جميع الإطلاقات أن ما قالوه من زيادة الإيمان ونقصانه حق وكيف ~~وفي الأخبار أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان وفي بعض ~~المواضع في خبر آخر مثقال دينار (2) فأي معنى لاختلاف مقاديره إن كان ما في ~~القلب لا يتفاوت ### |||| مسألة # فإن قلت ما وجه قول السلف أنا مؤمن إن شاء الله والاستثناء شك ~~والشك في الإيمان كفر وقد كانوا كلهم يمتنعون عن جزم الجواب بالإيمان ~~ويحترزون عنه # فقال سفيان الثوري رحمه الله من قال أنا مؤمن عند الله فهو من الكذابين ~~ومن ms0206 قال أنا مؤمن حقا فهو بدعة فكيف يكون كاذبا وهو يعلم أنه مؤمن في نفسه ~~ومن كان مؤمنا في نفسه كان مؤمنا عند الله كما أن من كان طويلا وسخيا في ~~نفسه وعلم ذلك كان كذلك عند الله وكذا من PageV01P121 # كان مسرورا أو حزينا أو سميعا أو بصيرا ولو قيل للإنسان هل أنت حيوان لم ~~يحسن أن يقول أنا حيوان إن شاء الله # ولما قال سفيان ذلك قيل له فماذا نقول قال قولوا آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا وأي فرق بين أن يقول آمنا بالله وما أنزل إلينا وبين أن يقول أنا ~~مؤمن وقيل للحسن أمؤمن أنت فقال إن شاء الله فقيل له لم تستثني يا أبا سعيد ~~في الإيمان فقال أخاف أن أقول نعم فيقول الله سبحانه كذبت يا حسن فتحق علي ~~الكلمة # وكان يقول ما يؤمنني أن يكون الله سبحانه قد اطلع علي في بعض ما يكره ~~فمقتني وقال اذهب لا قبلت لك عملا فأنا أعمل في غير معمل # وقال إبراهيم بن أدهم إذا قيل لك أمؤمن أنت فقل لا إله إلا الله وقال مرة ~~قل أنا لا أشك في الإيمان وسؤالك إياي بدعة # وقيل لعلقمة أمؤمن أنت قال أرجو إن شاء الله # وقال الثوري نحن مؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله وما ندري ما نحن عند ~~الله تعالى فما معنى هذه الاستثناءات فالجواب أن هذا الاستثناء صحيح وله ~~أربعة أوجه وجهان مستندان إلى الشك لا في أصل الإيمان ولكن في خاتمته أو ~~كماله ووجهان لا يستندان إلى الشك # الوجه الأول الذي لا يستند إلى معارضة الشك الاحتراز من الجزم خيفة ما ~~فيه من تزكية النفس قال الله تعالى فلا تزكوا أنفسكم {وقال} ألم تر إلى ~~الذين يزكون أنفسهم وقال تعالى انظر كيف يفترون على الله الكذب وقيل لحكيم ~~ما الصدق القبيح فقال ثناء المرء على نفسه # والإيمان من أعلى صفات المجد والجزم تزكية مطلقة وصيغة الاستثناء كأنها ~~ثقل من عرف التزكية كما يقال للإنسان أنت طبيب أو فقيه ms0207 أو مفسر فيقول نعم ~~إن شاء الله لا في معرض التشكيك ولكن لإخراج نفسه عن تزكية نفسه فالصيغة ~~صيغة الترديد والتضعيف لنفس الخبر ومعناه التضعيف اللازم من لوازم الخبر ~~وهو التزكية # وبهذا التأويل لو سئل عن وصف ذم لم يحسن الاستثناء # الوجه الثاني التأدب بذكر الله تعالى في كل حال وإحالة الأمور كلها إلى ~~مشيئة الله سبحانه فقد أدب الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ~~ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ثم لم يقتصر على ذلك ~~فيما لا يشك فيه بل قال تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ~~محلقين رءؤسكم ومقصرين وكان الله سبحانه عالما بأنهم يدخلون لا محالة وأنه ~~شاءه ولكن المقصود تعليمه ذلك فتأدب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما ~~كان يخبر عنه معلوما كان أو مشكوكا حتى قال صلى الله عليه وسلم لما دخل ~~المقابر السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون (1) ~~واللحوق بهم غير مشكوك فيه ولكن مقتضى الأدب ذكر الله تعالى وربط الأمور به # وهذه الصيغة دالة عليه حتى صار بعرف الاستعمال عبارة عن إظهار الرغبة ~~والتمني فإذا قيل لك إن فلانا يموت سريعا فتقول إن شاء الله فيفهم منه ~~رغبتك لا تشككك وإذا قيل لك فلان سيزول مرضه ويصح فتقول إن شاء الله بمعنى ~~الرغبة فقد صارت الكلمة معدولة عن معنى التشكيك إلى معنى الرغبة وكذلك ~~العدول إلى معنى التأدب لذكر الله تعالى كيف كان الأمر # الوجه الثالث مستنده الشك ومعناه أنا مؤمن حقا إن شاء الله إذ قال الله ~~تعالى لقوم مخصوصين بأعيانهم أولئك هم المؤمنون حقا فانقسموا إلى قسمين ~~ويرجع هذا إلى الشك في كمال الإيمان لا في أصله وكل إنسان شاك في كمال ~~إيمانه وذلك ليس بكفر # والشك في كمال الإيمان حق من وجهين أحدهما من حيث إن النفاق يزيل كمال ~~الإيمان وهو خفي لا تتحقق البراءة منه # والثاني أنه يكمل بأعمال الطاعات ولا يدري ms0208 وجودها على الكمال أما العمل ~~فقد قال الله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون {فيكون} ~~PageV01P122 # الشك في هذا الصدق وكذلك قال الله تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم ~~الآخر والملائكة والكتاب والنبيين فشرط عشرين وصفا كالوفاء بالعهد والصبر ~~على الشدائد # ثم قال تعالى أولئك الذين صدقوا وقد قال تعالى يرفع الله الذين آمنوا ~~منكم والذين أوتوا العلم درجات وقال تعالى لا يستوي منكم من أنفق من قبل ~~الفتح وقاتل الآية وقد قال تعالى هم درجات عند الله وقال صلى الله عليه ~~وسلم الإيمان عريان ولباسه التقوى (1) الحديث وقال صلى الله عليه وسلم ~~الإيمان بضع وسبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن الطريق فهذا ما يدل على ~~ارتباط كمال الإيمان بالأعمال وأما ارتباطه بالبراءة عن النفاق والشرك ~~الخفي فقوله صلى الله عليه وسلم أربع من كن فيه فهو منافق خالص وإن صام ~~وصلى وزعم أنه مؤمن من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وإذا خاصم ~~فجر (2) وفي بعض الروايات وإذا عاهد غدر وفي حديث أبي سعيد الخدري القلوب ~~أربعة قلب أجرد وفيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق ~~فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء العذب ومثل النفاق فيه كمثل ~~القرحة يمدها القيح والصديد فأي المادتين غلب عليه حكم له بها (3) وفي لفظ ~~آخر غلبت عليه ذهبت به وقال عليه السلام أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها (4) ~~وفي حديث الشرك أخفى في أمتى من دبيب النمل على الصفا (5) وقال حذيفة رضي ~~الله عنه كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصير بها منافقا إلى أن يموت وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات (6) ~~وقال بعض العلماء أقرب الناس من النفاق من يرى أنه بريء من النفاق # وقال حذيفة المنافقون اليوم أكثر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~فكانوا إذ ذاك يخفونه وهم اليوم يظهرونه ms0209 وهذا النفاق يضاد صدق الإيمان ~~وكماله وهو خفي وأبعد الناس منه من يتخوفه وأقربهم منه من يرى أنه بريء منه # فقد قيل للحسن البصري يقولون أن لا نفاق اليوم فقال يا أخي لو هلك ~~المنافقون لاستوحشتم في الطريق # وقال هو أو غيره لو نبتت للمنافقين أذناب ما قدرنا أن نطأ على الأرض ~~بأقدامنا وسمع ابن عمر رضي الله عنه رجلا يتعرض للحجاج فقال أرأيت لو كان ~~حاضرا يسمع أكنت تتكلم فيه فقال لا فقال كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (7) وقال صلى الله عليه وسلم من كان ذا لسانين في ~~الدنيا جعله الله ذا لسانين في الآخرة وقال أيضا صلى الله عليه وسلم شر ~~الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه وقيل للحسن إن ~~قوما يقولون إنا لا نخاف النفاق فقال والله لأن أكون أعلم أني بريء من ~~النفاق أحب إلي من تلاع الأرض ذهبا # وقال الحسن إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب والسر والعلانية والمدخل ~~والمخرج # وقال رجل لحذيفة رضي الله عنه إني أخاف أن أكون منافقا فقال لو كنت ~~منافقا ما خفت النفاق إن المنافق قد أمن النفاق # وقال ابن أبي مليكة أدركت PageV01P123 # ثلاثين ومائة وفي رواية خمسين ومائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~كلهم يخافون النفاق # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا في جماعة من أصحابه ~~فذكروا رجلا وأكثروا الثناء عليه فبيناهم كذلك إذ طلع عليهم الرجل ووجهه ~~يقطر ماء من أثر الوضوء وقد علق نعله بيده وبين عينيه أثر السجود فقالوا يا ~~رسول الله هذا هو الرجل الذي وصفناه فقال صلى الله عليه وسلم أرى على وجهه ~~سفعة من الشيطان فجاء الرجل حتى سلم وجلس مع القوم فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم نشدتك الله هل حدثت نفسك حين أشرفت على القوم أنه ليس فيهم خير ~~منك فقال اللهم نعم (1) فقال صلى الله عليه وسلم في دعائه اللهم إني ~~أستغفرك لما ms0210 علمت ولما لم أعلم فقيل له أتخاف يا رسول الله فقال وما يؤمنني ~~والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وقد قال سبحانه {وبدا ~~لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} (2) قيل في التفسير عملوا أعمالا ظنوا ~~أنها حسنات فكانت في كفة السيئات # وقال سري السقطي لو أن إنسانا دخل بستانا فيه من جميع الأشجار عليها من ~~جميع الطيور فخاطبه كل طير منها بلغة فقال السلام عليك يا ولي الله فسكنت ~~نفسه إلى ذلك كان أسيرا في يديها فهذه الأخبار والآثار تعرفك خطر الأمر ~~بسبب دقائق النفاق والشرك الخفي وأنه لا يؤمن منه حتى كان عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه يسأل حذيفة عن نفسه وأنه هل ذكر في المنافقين وقال أبو سليمان ~~الداراني سمعت من بعض الأمراء شيئا فأردت أن أنكره فخفت أن يأمر بقتلي ولم ~~أخف من الموت ولكن خشيت أن يعرض لقلبي التزين للخلق عند خروج روحي فكففت # وهذا من النفاق الذي يضاد حقيقة الإيمان وصدقه وكماله وصفاءه لا أصله # فالنفاق نفاقان أحدهما يخرج من الدين ويلحق بالكافرين ويسلك في زمرة ~~المخلدين في النار # والثاني يفضي بصاحبه إلى النار مدة أو ينقص من درجات عليين ويحط من رتبة ~~الصديقين وذلك مشكوك فيه ولذلك حسن الاستثناء فيه # وأصل هذا النفاق تفاوت بين السر والعلانية والأمن من مكر الله والعجب ~~وأمور أخر لا يخلو عنها إلا الصديقون # الوجه الرابع وهو أيضا مستند إلى الشك وذلك من خوف الخاتمة فإنه لا يدري ~~أيسلم له الإيمان عند الموت أم لا فإن ختم له بالكفر حبط عمله السابق لأنه ~~موقوف على سلامة الآخر ولو سئل الصائم ضحوة النهار عن صحة صومه فقال أنا ~~صائم قطعا فلو أفطر في أثناء نهاره بعد ذلك لتبين كذبه إذ كانت الصحة ~~موقوفة على التمام إلى غروب الشمس من آخر النهار # وكما أن النهار ميقات تمام الصوم فالعمر ميقات تمام صحة الإيمان ووصفه ~~بالصحة قبل آخره بناء على الاستصحاب وهو مشكوك فيه والعاقبة مخوفة وللها ms0211 ~~كان بكاء أكثر الخائفين لأجل أنها ثمرة القضية السابقة والمشيئة الأزلية ~~التي لا تظهر إلا بظهور المقضي به ولا مطلع عليه لأحد من البشر فخوف ~~الخاتمة كخوف السابقة وربما يظهر في الحال ما سبقت الكلمة بنقيضه فمن الذي ~~يدري أنه من الذين سبقت لهم من الله الحسنى وقيل في معنى قوله تعالى {وجاءت ~~سكرة الموت بالحق} أي بالسابقة يعني أظهرتها # وقال بعض السلف إنما يوزن من الأعمال خواتيمها # وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يحلف بالله ما من أحد يأمن أن يسلب إيمانه ~~إلا سلبه # وقيل من الذنوب ذنوب عقوبتها سوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك # وقيل هي عقوبات دعوى الولاية والكرامة بالافتراء # وقال بعض العارفين لو عرضت علي الشهادة عند باب الدار والموت على التوحيد ~~PageV01P124 # عند باب الحجرة لاخترت الموت على التوحيد عند باب الحجرة لأني لا أدري ما ~~يعرض لقلبي من التغيير عن التوحيد إلى باب الدار وقال بعضهم لو عرفت واحدا ~~بالتوحيد خمسين سنة ثم حال بيني وبينه سارية ومات لم أحكم أنه مات على ~~التوحيد # وفي الحديث من قال أنا مؤمن فهو كافر ومن قال أنا عالم فهو جاهل (1) وقيل ~~في قوله تعالى وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا صدقا لمن مات على الإيمان وعدلا ~~لمن مات على الشرك وقد قال تعالى {ولله عاقبة الأمور} فمهما كان الشك بهذه ~~المثابة كان الاستثناء واجبا لأن الإيمان عبارة عما يفيد الجنة كما أن ~~الصوم عبارة عما يبرىء الذمة # وما فسد قبل الغروب لا يبرىء الذمة فيخرج عن كونه صوما فكذلك الإيمان بل ~~لا يبعد أن يسأل عن الصوم الماضي الذي لا يشك فيه بعد الفراغ منه فيقال ~~أصمت بالأمس فيقول نعم إن شاء الله تعالى إذ الصوم الحقيقي هو المقبول ~~والمقبول غائب عنه لا يطلع عليه إلا الله تعالى فمن هذا حسن الاستثناء في ~~جميع أعمال البر ويكون ذلك شكا في القبول إذ يمنع من القبول بعد جريان ظاهر ~~شروط الصحة أسباب خفيفة لا يطلع عليها إلا رب الأرباب ms0212 جل جلاله فيحسن الشك ~~فيه # فهذه وجوه حسن الاستثناء في الجواب عن الإيمان وهي آخر ما نختم به كتاب ~~قواعد العقائد # تم الكتاب بحمد الله تعالى وصلى الله عليه وسلم على سيدنا محمد وعلى كل ~~عبد مصطفى ### || كتاب أسرار الطهارة وهو الكتاب الثالث من ربع العبادات # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي تلطف بعباده فتعبدهم بالنظافة وأفاض على قلوبهم تزكية ~~لسرائرهم أنواره وألطافه وأعد لظواهرهم تطهيرا لها الماء المخصوص بالرقة ~~واللطافة وصلى الله على النبي محمد المستغرق بنور الهدى أطراف العالم ~~وأكنافه وعلى آله الطيبين الطاهرين صلاة تنجينا بركاتها يوم المخافة وتنتصب ~~جنة بيننا وبين كل آفة # أما بعد # فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم بنى الدين على النظافة (2) وقال صلى ~~الله عليه وسلم مفتاح الصلاة الطهور (3) وقال الله تعالى {فيه رجال يحبون ~~أن يتطهروا والله يحب المطهرين} وقال النبي صلى الله عليه وسلم الطهور نصف ~~الإيمان (4) وقال الله تعالى {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم} فتفطن ذوو البصائر بهذه الظواهر أن أهم الأمور تطهير السرائر إذ ~~يبعد أن يكون المراد بقوله صلى الله عليه وسلم الطهور نصف الإيمان عمارة ~~الظاهر بالتنظيف بإفاضة الماء وإلقائه وتخريب الباطن وإبقائه مشحونا ~~بالأخباث والأقذار هيهات PageV01P125 # هيهات والطهارة لها أربع مراتب # المرتبة الأولى تطهير الظاهر عن الأحداث وعن الأخباث والفضلات # المرتبة الثانية تطهير الجوارح عن الجرائم والآثام # المرتبة الثالثة تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة # المرتبة الرابعة تطهير السر عما سوى الله تعالى وهي طهارة الأنبياء صلوات ~~الله عليهم والصديقين والطهارة في كل رتبة نصف العمل الذي فيها فإن الغاية ~~القصوى في عمل السر أن ينكشف له جلال الله تعالى وعظمته ولن تحل معرفة الله ~~تعالى بالحقيقة في السر ما لم يرتحل ما سوى الله تعالى عنه # ولذلك قال الله عز وجل {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} لأنهما لا ~~يجتمعان في قلب وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وأما عمل القلب فالغاية ~~القصوى ms0213 عمارته بالأخلاق المحمودة والعقائد المشروعة ولن يتصف بها ما لم ~~ينظف عن نقائضها من العقائد الفاسدة والرذائل الممقوتة فتطهيره أحد الشطرين ~~وهو الشطر الأول الذي هو شرط في الثاني فكان الطهور شطر الإيمان بهذا ~~المعنى وكذلك تطهير الجوارح عن المناهي أحد الشطرين وهو الشطر الأول الذي ~~هو شرط في الثاني فتطهيره أحد الشطرين وهو الشطر الأول وعمارتها بالطاعات ~~الشطر الثاني فهذه مقامات الإيمان ولكل مقام طبقة ولن ينال العبد الطبقة ~~العالية إلا أن يجاوز الطبقة السافلة فلا يصل إلى طهارة السر عن الصفات ~~المذمومة وعمارته بالمحمودة ما لم يفرغ من طهارة القلب عن الخلق المذموم ~~وعمارته بالخلق المحمود ولن يصل إلى ذلك من لم يفرغ عن طهارة الجوارح عن ~~المناهي وعمارتها بالطاعات وكلما عز المطلوب وشرف صعب مسلكه وطال طريقه ~~وكثرت عقباته فلا تظن أن هذا الأمر يدرك وينال بالهوينى نعم من عميت بصيرته ~~عن تفاوت هذه الطبقات لم يفهم من مراتب الطهارة إلا الدرجة الأخيرة التي هي ~~كالقشرة الأخيرة الظاهرة بالإضافة إلى اللب المطلوب فصار يمعن فيها ويستقصى ~~في مجاريها ويستوعب جميع أوقاته في الاستنجاء وغسل الثياب وتنظيف الظاهر ~~وطلب المياه الجارية الكثيرة ظنا منه بحكم الوسوسة وتخيل العقل أن الطهارة ~~المطلوبة الشريفة هي هذه فقط وجهالة بسيرة الأولين واستغراقهم جميع الهم ~~والفكر في تطهير القلب وتساهلهم في أمر الظاهر حتى إن عمر رضي الله عنه مع ~~علو منصبه توضأ من ماء في جرة نصرانية وحتى إنهم ما كانوا يغسلون اليد من ~~الدسومات والأطعمة بل كانوا يمسحون أصابعهم بأخمص أقدامهم وعدوا الأشنان من ~~البدع المحدثة ولقد كانوا يصلون على الأرض في المساجد ويمشون حفاة في ~~الطرقات ومن كان لا يجعل بينه وبين الأرض حاجزا في مضجعه كان من أكابرهم ~~وكانوا يقتصرون على الحجارة في الاستنجاء # وقال أبو هريرة وغيره من أهل الصفة كنا نأكل الشواء فتقام الصلاة فندخل ~~أصابعنا في الحصى ثم نفركها بالتراب ونكبر (1) وقال عمر رضي الله عنه ما ~~كنا نعرف الأشنان في عصر رسول الله صلى ms0214 الله عليه وسلم وإنما كانت مناديلنا ~~بطون أرجلنا (2) كنا إذا أكلنا الغمر مسحنا بها ويقال أول ما ظهر من البدع ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع المناخل والأشنان والموائد والشبع # فكانت عنايتهم كلها بنظافة الباطن حتى قال بعضهم الصلاة في النعلين أفضل ~~لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزع نعليه في صلاته بإخبار جبريل ~~عليه السلام له أن بهما نجاسة وخلع الناس نعالهم قال صلى الله عليه وسلم لم ~~خلعتم نعالكم (3) وقال النخعي في الذين يخلعون نعالهم وددت لو أن محتاجا ~~جاء إليها فأخذها منكرا لخلع النعال # فهكذا كان تساهلهم في هذه الأمور بل كانوا يمشون في طين الشوارع حفاة ~~ويجلسون عليها ويصلون PageV01P126 # في المساجد على الأرض ويأكلون من دقيق البر والشعير وهو يداس بالدواب ~~وتبول عليه ولا يحترزون من عرق الإبل والخيل مع كثرة تمرغها في النجاسات ~~ولم ينقل قط عن أحد منهم سؤال في دقائق النجاسات فهكذا كان تساهلهم فيها # وقد انتهت النوبة الآن إلى طائفة يسمون الرعونة نظافة فيقولون هي مبنى ~~الدين فأكثر أوقاتهم في تزيينهم الظواهر كفعل الماشطة بعروسها والباطن خراب ~~مشحون بخبائث الكبر والعجب والجهل والرياء والنفاق ولا يستنكرون ذلك ولا ~~يتعجبون منه ولو اقتصر مقتصر على الاستنجاء بالحجر أو مشى على الأرض حافيا ~~أو صلى على الأرض أو على بواري المسجد من غيرسجادة مفروشة أو مشى على الفرش ~~من غير غلاف للقدم من أدم أو توضأ من آنية عجوز أو رجل غير متقشف أقاموا ~~عليه القيامة وشدوا عليه النكير ولقيوه بالقذر وأخرجوه من زمرتهم واستنكفوا ~~عن مؤاكلته ومخالطته # فسموا البذاذة التي هي من الإيمان قذارة والرعونة نظافة فانظر كيف صار ~~المنكر معروفا والمعروف منكرا وكيف اندرس من الدين رسمه كما اندرس حقيقته ~~وعلمه # فإن قلت أفتقول إن هذه العادات التي أحدثها الصوفية في هيئاتهم ونظافتهم ~~من المحظورات أو المنكرات فأقول حاش لله أن أطلق القول فيه من غير تفصيل ~~ولكني أقول إن هذا التنظيف والتكلف وإعداد الأواني والآلات واستعمال غلاف ms0215 ~~القدم والإزار المقنع به لدفع الغبار وغير ذلك من هذه الأسباب إن وقع النظر ~~إلى ذاتها على سبيل التجرد فهي من المباحات وقد يقترن بها أحوال ونيات ~~تلحقها تارة بالمعروفات وتارة بالمنكرات فأما كونها مباحة في نفسها فلا ~~يخفى أن صاحبها متصرف بها في ماله وبدنه وثيابه فيفعل بها ما يريد إذا لم ~~يكن فيه إضاعة وإسراف وأما مصيرها منكرا فبأن يجعل ذلك أصل الدين ويفسر به ~~قوله صلى الله عليه وسلم بنى الدين على النظافة حتى ينكر به على من يتساهل ~~فيه الأولين أو يكون القصد به تزيين الظاهر للخلق وتحسين موقع نظرهم فإن ~~ذلك هو الرياء المحظور فيصير منكرا بهذين الاعتبارين أما كونه معروفا فبأن ~~يكون القصد منه الخير دون التزين وأن لا ينكر على من ترك ذلك ولا يؤخر ~~بسببه الصلاة عن أوائل الأوقات ولا يشتغل به عن عمل هو أفضل منه أو عن علم ~~أو غيره فإذا لم يقترن به شيء من ذلك فهو مباح يمكن أن يجعل قربة بالنية ~~ولكن لا يتيسر ذلك إلا للبطالين الذين لو لم يشتغلوا بصرف الأوقات فيه ~~لاشتغلوا بنوم أو حديث فيما لا يعني فيصير شغلهم به أولى لأن الاشتغال ~~بالطهارات يجدد ذكر الله تعالى وذكر العبادات فلا بأس به إذا لم يخرج إلى ~~منكر أو إسراف # وأما أهل العلم والعمل فلا ينبغي أن يصرفوا من أوقاتهم إليه إلا قدر ~~الحاجة فالزيادة عليه منكر في حقهم وتضييع العمر الذي هو أنفس الجواهر ~~وأعزها في حق من قدر على الانتفاع به # ولا يتعجب من ذلك فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين # ولا ينبغي للبطال أن يترك النظافة وينكر على المتصوفة ويزعم أنه يتشبه ~~بالصحابة إذ التشبه بهم في أن لا يتفرغ إلا لما هو أهم منه كما قيل لداود ~~الطائي لم لا تسرح لحيتك قال إني إذن لفارغ # فلهذا لا أرى للعالم ولا للمتعلم ولا للعامل أن يضيع وقته في غسل الثياب ~~إحترازا من أن يلبس الثياب المقصورة وتوهما بالقصار تقصيرا في ms0216 الغسل فقد ~~كانوا في العصر الأول يصلون في الفراء المدبوغة ولم يعلم منهم من فرق بين ~~المقصورة والمدبوغة في الطهارة والنجاسة بل كانوا يجتنبون النجاسة إذا ~~شاهدوها ولا يدققون نظرهم في استنباط الاحتمالات الدقيقة بل كانوا يتأملون ~~في دقائق الرياء والظلم حتى قال سفيان الثوري لرفيق له كان يمشي معه فنظر ~~إلى باب دار مرفوع معمور لا تفعل ذلك فإن الناس لو لم ينظروا إليه لكان ~~صاحبه لا يتعاطى هذا الإسراف # فالناظر إليه معين له على الإسراف # فكانوا يعدون جمام الذهن لاستنباط مثل هذه الدقائق لا في احتمالات ~~النجاسة # فلو وجد العالم عاميا PageV01P127 # يتعاطى له غسل الثياب محتاطا فهو أفضل فإنه بالإضافة إلى التساهل خير # وذلك العامي ينتفع بتعاطيه إذ يشغل نفسه الأمارة بالسوء بعمل المباح في ~~نفسه فيمتنع عليه المعاصي في تلك الحال # والنفس إن لم تشغل بشيء شغلت صاحبها وإذا قصد به التقرب إلى العالم صار ~~ذلك عنده من أفضل القربات # فوقت العالم أشرف من أن يصرفه إلى مثله فيبقى محفوظا عليه وأشرف وقت ~~العامي أن يشتغل بمثله فيتوفر الخير عليه من الجوانب كلها # وليتفطن بهذا المثل لنظائره من الأعمال وترتيب فضائلها ووجه تقديم البعض ~~منها على بعض فتدقيق الحساب في حفظ لحظات العمر بصرفها إلى الأفضل أهم من ~~التدقيق في أمور الدنيا بحذافيرها # وإذا عرفت هذه المقدمة واستبنت أن الطهارة لها أربع مراتب # فاعلم أنا في هذا الكتاب لسنا نتكلم إلا في المرتبة الرابعة وهي نظافة ~~الظاهر لأنا في الشطر الأول من الكتاب لا نتعرض قصدا إلا للظواهر # فنقول طهارة الظاهر ثلاثة أقسام طهارة عن الخبث وطهارة عن الحدث وطهارة ~~عن فضلات البدن وهي التي تحصل بالقلم والاستحداد واستعمال النورة والختان ~~وغيره ### ||| القسم الأول في طهارة الخبث والنظر فيه يتعلق بالمزال والمزال به والإزالة ### |||| الطرف الأول في المزال # وهي النجاسة # والأعيان ثلاثة جمادات وحيوانات وأجزاء حيوانات # أما الجمادات فطاهرة كلها إلا الخمر وكل منتبذ مسكر والحيوانات طاهرة ~~كلها إلا الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما ms0217 # فإذا ماتت فكلها نجسة إلا خمسة الآدمي والسمك والجراد ودود التفاح وفي ~~معناه كل ما يستحيل من الأطعمة وكل ما ليس له نفس سائلة كالذباب والخنفساء ~~وغيرهما فلا ينجس الماء بوقوع شيء منها فيه # وأما أجزاء الحيوانات فقسمان أحدهما ما يقطع منه وحكمه حكم الميت # والشعر لا ينجس بالجز والموت والعظم ينجس # الثاني الرطوبات الخارجة من باطنه فكل ما ليس مستحيلا ولا له مقر فهو ~~طاهر كالدمع والعرق واللعاب والمخاط وما له مقر وهو مستحيل فنجس إلا ما هو ~~مادة الحيوان كالمني والبيض # والقيح والدم والروث والبول نجس من الحيوانات كلها # ولا يعفى عن شيء من هذه النجاسات قليلها وكثيرها إلا عن خمسة الأول أثر ~~النجو بعد الاستجمار بالأحجار يعفى عنه ما لم يعد المخرج # والثاني طين الشوارع وغبار الروث في الطريق يعفى عنه مع تيقن النجاسة ~~بقدر ما يتعذر الاحتراز عنه وهو الذي لا ينسب المتلطخ به إلى تفريط أو سقطة # الثالث ما على أسفل الخف من نجاسة لا يخلو الطريق عنها فيعفى عنه بعد ~~الدلك للحاجة # الرابع دم البراغيث ما قل منه أو كثر إلا إذا جاوز حد العادة سواء كان في ~~ثوبك أو في ثوب غيرك فلبسته # الخامس دم البثرات وما ينفصل منها من قيح وصديد # ودلك ابن عمر رضي الله عنه بثرة على وجهه فخرج منها الدم وصلى ولم يغتسل # وفي معناه ما يترشح من لطخات الدماميل التي تدوم غالبا وكذلك أثر الفصد ~~إلا ما يقع نادرا من خراج أو غيره فيلحق بدم الاستحاضة ولا يكون في معنى ~~البثرات التي لا يخلو الإنسان عنها في أحواله # ومسامحة الشرع في هذه النجاسات الخمس تعرفك أن أمر الطهارة على التساهل ~~وما ابتدع فيها وسوسة لا أصل لها ### |||| الطرف الثاني في المزال به # وهو إما جامد وإما مائع أما الجامد فحجر الاستنجاء وهو مطهر تطهير تخفيف ~~بشرط أن يكون صلبا طاهرا منشفا غير محترم وأما المائعات فلا تزال النجاسات ~~بشيء منها إلا الماء ولا كل ماء بل الطاهر الذي ms0218 لم يتفاحش PageV01P128 # تغيره بمخالطة ما يستغنى عنه # ويخرج الماء عن الطهارة بأن يتغير بملاقاة النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه # فإن لم يتغير وكان قريبا من مائتين وخمسين منا وهو خمسمائة رطل برطل ~~العراق لم ينجس لقوله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ~~(1) وإن كان دونه صار نجسا عند الشافعي رضي الله عنه هذا في الماء الراكد # وأما الماء الجاري إذا تغير بالنجاسة فالجرية المتغيرة نجسة دون ما فوقها ~~وما تحتها لأن جريات الماء متفاصلات # وكذا النجاسة الجارية إذا جرت بمجرى الماء فالنجس موقعها من الماء وما عن ~~يمينها وشمالها إذا تقاصر عن قلتين # وإن كان جري الماء أقوى من جري النجاسة فما فوق النجاسة طاهر وما سفل ~~عنها فنجس وإن تباعد وكثر إلا إذا اجتمع في حوض قدر قلتين # وإذا اجتمع قلتان من ماء نجس طهر ولا يعود نجسا بالتفريق # هذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه # وكنت أود أن يكون مذهبه كمذهب مالك رضي الله عنه في أن الماء وإن قل لا ~~ينجس إلا بالتغير إذ الحاجة ماسة إليه ومثار الوسواس اشترط القلتين ولأجله ~~شق على الناس ذلك وهو لعمري سبب المشقة ويعرفه من يجربه ويتأمله # ومما لا أشك فيه أن ذلك لو كان مشروطا لكان أولى المواضع بتعسر الطهارة ~~مكة والمدينة إذ لا يكثر فيهما المياه الجارية ولا الراكدة الكثيرة # ومن أول عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر عصر أصحابه لم تنقل ~~واقعة في الطهارة ولا سؤال عن كيفية حفظ الماء عن النجاسات # وكانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن ~~النجاسات # وقد توضأ عمر رضي الله عنه بماء في جرة نصرانية وهذا كالصريح في أنه لم ~~يعول إلا على عدم تغير الماء وإلا فنجاسة النصرانية وإنائها غالبة تعلم بظن ~~قريب فإذا عسر القيام بهذا المذهب # وعدم وقوع السؤال في تلك الأعصار دليل أول # وفعل عمر رضي الله عنه دليل ثان # والدليل الثالث إصغاء رسول الله صلى ms0219 الله عليه وسلم الإناء للهرة (2) ~~وعدم تغطية الأواني منها بعد أن يرى أنها تأكل الفأرة ولم يكن في بلادهم ~~حياض تلغ السنانير فيها وكانت لا تنزل الآبار # والرابع أن الشافعي رضي الله عنه نص على أن غسالة النجاسة طاهرة إذا لم ~~تتغير ونجسة إن تغيرت وأي فرق بين أن يلاقي الماء النجاسة بالورود عليها أو ~~بورودها عليه وأي معنى لقول القائل إن قوة الورود تدفع النجاسة مع ان ~~الورود لم يمنع مخالطة النجاسة وإن أحيل ذلك على الحاجة فالحاجة أيضا ماسة ~~إلى هذا فلا فرق بين طرح الماء في إجانة فيها ثوب نجس أو طرح الثوب النجس ~~في الإجانة وفيها ماء وكل ذلك معتاد في غسل الثياب والأواني والخامس أنهم ~~كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة ولا خلاف في مذهب الشافعي ~~رضي الله عنه أنه إذا وقع بول في ماء جار ولم يتغير أنه يجوز التوضؤ به وإن ~~كان قليلا # وأي فرق بين الجاري والراكد وليت شعري هل الحوالة على عدم التغير أولى أو ~~على قوة الماء بسبب الجريان ثم ما حد تلك القوة أتجري في المياه الجارية في ~~أنابيب الحمامات أم لا فإن لم تجر فما الفرق وإن جرت فما الفرق بين ما يقع ~~فيها وبين ما يقع في مجرى الماء من الأواني على الأبدان وهي أيضا جارية ثم ~~البول أشد اختلاطا بالماء الجاري من نجاسة جامدة ثابتة إذا قضى بأن ما يجري ~~عليها وإن لم يتغير نجس أن يجتمع في مستنقع قلتان فأي فرق بين الجامد ~~والمائع والماء واحد والاختلاط أشد من المجاورة # والسادس أنه إذا وقع رطل من البول في قلتين ثم فرقتا فكل كوز يغترف منه ~~طاهر ومعلوم أن البول منتشر فيه وهو قليل وليت شعري هل تعليل طهارته بعدم ~~التغير أولى أو بقوة الماء بعد انقطاع الكثرة وزوالها مع PageV01P129 # تحقق بقاء أجزاء النجاسة فيها # والسابع أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ فيها المتقشفون ~~ويغمسون الأيدي والأواني في تلك الحياض مع قلة الماء ms0220 ومع العلم بأن الأيدي ~~النجسة والطاهرة كانت تتوارد عليها # فهذه الأمور مع الحاجة الشديدة تقوى في النفس أنهم كانوا ينظرون إلى عدم ~~التغير معولين على قوله صلى الله عليه وسلم خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء ~~إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه (1) وهذا فيه تحقيق وهو أن طبع كل مائع أن ~~يقلب إلى صفة نفسه كل ما يقع فيه وكان مغلوبا من جهته فكما ترى الكلب يقع ~~في المملحة فيستحيل ملحا ويحكم بطهارته بصيرورته ملحا وزوال صفة الكلبية ~~عنه فكذلك الخل يقع في الماء وكذا اللبن يقع فيه وهو قليل فتبطل صفته ~~ويتصور بصفة الماء وينطبع بطبعه إلا إذا كثر وغلب وتعرف غلبته بغلبة طعمه ~~أو لونه أو ريحه فهذا المعيار # وقد أشار الشرع إليه في الماء القوي على إزالة النجاسة وهو جدير بأن يعول ~~عليه فيندفع به الحرج ويظهر به معنى كونه طهورا إذ يغلب عليه فيطهره كما ~~صار كذلك فيما بعد القلتين وفي الغسالة وفي الماء الجاري وفي إصغاء الإناء ~~للهرة ولا تظن ذلك عفوا إذ لو كان كذلك لكان كأثر الاستنجاء ودم البراغيث ~~حتى يصير الماء الملاقي له نجسا ولا ينجس بالغسالة ولا بولوغ السنور في ~~الماء القليل # وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا يحمل خبثا فهو في نفسه مبهم فإنه يحمل ~~إذا تغير # فإن قيل أراد به إذا لم يتغير فيمكن أن يقال إنه أراد به أنه في الغالب ~~لا يتغير بالنجاسات المعتادة ثم هو تمسك بالمفهوم فيما إذا لم يبلغ قلتين ~~وترك المفهوم بأقل من ألأدلة التي ذكرناها ممكن وقوله لا يحمل خبثا ظاهره ~~نفي الحمل أي يقلبه إلى صفة نفسه كما يقال للمملحة لا تحمل كلبا ولا غيره ~~أي ينقلب وذلك لأن الناس قد يستنجون في المياه القليلة وفي الغدران ويغمسون ~~الأواني النجسة فيها ثم يترددون في أنها تغيرت تغيرا مؤثر أم لا فتبين أنه ~~إذا كان قلتين لا يتغير بهذه النجاسة المعتادة # فإن قلت فقد قال النبي صلى الله عليه ms0221 وسلم لا يحمل خبثا ومهما كثرت حملها ~~فهذا ينقلب عليك فإنها مهما كثرت حملها حكما كما حملها حسا # فلا بد من التخصيص بالنجاسات المعتادة على المذهبين جميعا # وعلى الجملة فميلي في أمور النجاسات المعتادة إلى التساهل فهما من سيرة ~~الأولين وحسما لمادة الوسواس وبذلك أفتيت بالطهارة فيما وقع الخلاف فيه في ~~مثل هذه المسائل ### |||| الطرف الثالث في كيفية الإزالة # والنجاسة إن كانت حكمية وهي التي ليس لها جرم محسوس فيكفي إجراء الماء ~~على جميع مواردها وإن كانت عينية فلا بد من إزالة العين وبقاء الطعم يدل ~~على بقاء العين وكذا بقاء اللون إلا فيما يلتصق به فهو معفو عنه بعد الحت ~~والقرص # أما الرائحة فبقاؤها يدل على بقاء العين ولا يعفى عنها إلا إذا كان الشيء ~~له رائحة فائحة يعسر إزالتها فالدلك والعصر مرات متواليات يقوم مقام الحت ~~والقرص في اللون والمزيل للوسواس أن يعلم أن الأشياء خلقت طاهرة بيقين فما ~~لا يشاهد عليه نجاسة ولا يعلمها يقينا يصلي معه ولا ينبغي أن يتوصل ~~بالاستنباط إلى تقدير النجاسات ### ||| القسم الثاني طهارة الأحداث ومنها الوضوء والغسل والتيمم ويتقدمها الاستنجاء # فلنورد كيفيتها على الترتيب مع آدابها وسننها مبتدئين بسبب الوضوء وآداب ~~قضاء الحاجة إن شاء الله تعالى ### |||| باب آداب قضاء الحاجة # ينبغي أن يبعد عن أعين الناظرين في الصحراء وأن يستتر بشيء إن وجده وأن ~~لا يكشف عورته قبل الانتهاء PageV01P130 # إلى موضع الجلوس وأن لا يستقبل الشمس والقمر وأن لا يستقبل القبلة ولا ~~يستدبرها إلا إذا كان في بناء والعدول أيضا عنها في البناء أحب وإن استتر ~~في الصحراء براحلته جاز وكذلك بذيله وأن يتقي الجلوس في متحدث الناس وأن لا ~~يبول في الماء الراكد ولا تحت الشجرة المثمرة ولا في الجحر وأن يتقي الموضع ~~الصلب ومهاب الرياح في البول استنزاها من رشاشه وأن يتكىء في جلوسه على ~~الرجل اليسرى وإن كان في بنيان يقدم الرجل اليسرى في الدخول واليمنى في ~~الخروج ولا يبول قائما # قالت عائشة رضي الله عنها من حدثكم ms0222 أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول ~~قائما فلا تصدقوه (1) وقال عمر رضي الله عنه رآني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأنا أبول قائما فقال يا عمر لا تبل قائما (2) قال عمر فما بلت قائما ~~بعد وفيه رخصة إذ روى حذيفة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام بال ~~قائما فأتيته بوضوء فتوضأ ومسح على خفيه (3) ولا يبول في المغتسل قال صلى ~~الله عليه وسلم عامة الوسواس منه (4) وقال ابن المبارك قد وسع في البول في ~~المغتسل إذا جرى الماء عليه ذكره الترمذي وقال عليه الصلاة والسلام لا ~~يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه وقال ابن المبارك ~~إن كان الماء جاريا فلا باس به ولا يستصحب شيئا عليه اسم الله تعالى أو ~~رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يدخل بيت الماء حاسر الرأس # وأن يقول عند الدخول بسم الله أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث المخبث ~~الشيطان الرجيم وعند الخروج الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى علي ~~ما ينفعني ويكون ذلك خارجا عن بيت الماء وأن يعد النبل قبل الجلوس وأن لا ~~يستنجي بالماء في موضع الحاجة وأن يستبرىء من البول بالتنحنح والنثر ثلاثا ~~وإمرار اليد على أسفل القضيب ولا يكثر التفكر في الاستبراء فيتوسوس ويشق ~~عليه الأمر وما يحس به من بلل فليقدر أنه بقية الماء # فإن كان يؤذيه ذلك فليرش عليه الماء حتى يقوى في نفسه ذلك ولا يتسلط عليه ~~الشيطان بالوسواس # وفي الخبر أنه صلى الله عليه وسلم فعله أعني رش الماء (5) وقد كان أخفهم ~~استبراء أفقههم فتدل الوسوسة فيه على قلة الفقه # وفي حديث سلمان رضي الله عنه علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء ~~حتى الخراءة فأمرنا أن لا نستنجي بعظم ولاروث ونهانا أن نستقبل القبلة ~~بغائط أو بول (6) وقال رجل لبعض الصحابة من الأعراب وقد خاصمه لا أحسبك ~~تحسن الخراء قال بلى وأبيك إني لأحسنها وإني بها لحاذق أبعد الأثر وأعد ~~المدر وأستقبل ms0223 الشيح وأستدبر الريح وأقعي إقعاء الظبي وأجفل إجفال النعام ~~الشيح نبت طيب الرائحة بالبادية والإقعاء ههنا أن يستوفز على صدور قدميه ~~والإجفال أن يرفع عجزه # ومن الرخصة أن يبول الإنسان قريبا من صاحبه مستترا عنه (7) فعل ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مع شدة حيائه ليبين للناس ذلك PageV01P131 ### |||| كيفية الاستنجاء # ثم يستنجي لمقعدته بثلاثة أحجار فإن أنقى وإلا استعمل رابعا فإن أنقى ~~وإلا استعمل خامسا لأن الإنقاء واجب والإيتار مستحب # قال صلى الله عليه وسلم من استجمر فليوتر (1) ويأخذ الحجر بيساره ويضعه ~~على مقدم المقعدة قبل موضع النجاسة ويمره بالمسح والإدارة إلى المؤخر ويأخذ ~~الثاني ويضعه على المؤخر كذلك ويمره إلى المقدمة ويأخذ الثالث فيديره حول ~~المسربة إدارة فإن عسرت الإدارة ومسح من المقدمة إلى المؤخرة أجزأه ثم يأخذ ~~حجرا كبيرا بيمينه والقضيب بيساره ويمسح الحجر بقضيبه ويحرك اليسار فيمسح ~~ثلاثا في ثلاثة مواضع أوفى ثلاثة أحجار أو في ثلاثة مواضع من جدار إلى أن ~~لا يرى الرطوبة في محل المسح فإن حصل ذلك بمرتين أتى بالثالثة ووجب ذلك إن ~~أراد الاقتصار على الحجر وإن حصل بالرابعة استحب الخامسة للإيتار # ثم ينتقل من ذلك الموضع إلى موضع آخر ويستنجي بالماء بأن يفيضه باليمنى ~~على محل النجو ويدلك باليسرى حتى لا يبقى أثر يدركه الكف بحس اللمس ويدرك ~~الاستقصاء فيه بالتعرض للباطن فإن ذلك منبع الوسواس وليعلم أن كل ما لا يصل ~~إليه الماء فهو باطن ولا يثبت حكم النجاسة للفضلات الباطنة ما لم تظهر وكل ~~ما هو ظاهر وثبت له حكم النجاسة فحد ظهوره أن يصل الماء إليه فيزيله ولا ~~معنى للوسواس # ويقول عند الفراغ من الاستنجاء اللهم طهر قلبي من النفاق وحصن فرجي من ~~الفواحش ويدلك يده بحائط أو بالأرض إزالة للرائحة إن بقيت # والجمع بين الماء والحجر مستحب فقد روي أنه لما نزل قوله تعالى {فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأهل قباء ما هذه الطهارة التي أثنى ms0224 الله بها عليكم قالوا كنا نجمع بين ~~الماء والحجر (2) ### |||| كيفية الوضوء # إذا فرغ من الاستنجاء اشتغل بالوضوء فلم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قط خارجا من الغائط إلا توضأ ويبتدىء بالسواك فقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك (3) فينبغي أن ينوي عند ~~السواك تطهير فمه لقراءة القرآن وذكر الله تعالى في الصلاة وقال صلى الله ~~عليه وسلم صلاة على أثر سواك أفضل من خمس وسبعين صلاة بغير سواك {حديث} ~~صلاة على أثر سواك أفضل من خمس وسبعين صلاة بغير سواك رواه أبو نعيم في ~~كتاب السواك من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف ورواه أبو داود والحاكم وصححه ~~والبيهقي وضعفه من حديث عائشة وضعفه بلفظ من سبعين صلاة (4) حديث لولا أن ~~أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة متفق عليه من حديث أبي هريرة (5) ~~حديث ما لي أراكم تدخلون علي قلحا استاكوا أخرجه البزار والبيهقي من حديث ~~العباس بن عبد المطلب وأبو داود والبغوي من حديث تمام بن العباس والبيهقي ~~من حديث عبد الله بن عباس وهو مضطرب (6) حديث كان يستاك من الليل مرارا ~~أخرجه مسلم من حديث ابن عباس (7) حديث ابن عباس لم يزل يأمرنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالسواك حتى ظننا أنه سينزل عليه فيه شيء رواه أحمد // ~~وقال عليه السلام عليكم بالسواك فإنه PageV01P132 # مطهرة للفم ومرضاة للرب (1) وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه السواك ~~يزيد في الحفظ ويذهب البلغم (2) وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~يروحون والسواك على آذانهم # وكيفيته أن يستاك بخشب الأراك أو غيره من قضبان الأشجار مما يخشن ويزيل ~~القلح ويستاك عرضا وطولا وإن اقتصر فعرضا # ويستحب السواك عند كل صلاة وعند كل وضوء وإن لم يصل عقيبه وعند تغير ~~النكهة بالنوم أو طول الأزم أو كل ما تكره رائحته ثم عند الفراغ من السواك ~~يجلس للوضوء مستقبل القبلة ويقول بسم الله الرحمن الرحيم قال صلى الله عليه ~~وسلم لا ms0225 وضوء لمن لم يسم الله تعالى (3) أي لا وضوء كامل # ويقول عند ذلك أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون ثم يغسل ~~يديه ثلاثا قبل أن يدخلهما الإناء ويقول اللهم إني أسألك اليمن والبركة ~~وأعوذ بك من الشؤم والهلكة ثم ينوي رفع الحدث أو استباحة الصلاة ويستديم ~~النية إلى غسل الوجه فإن نسيها عند الوجه لم يجزه ثم يأخذ غرفة لفيه بيمينه ~~فيتمضمض بها ثلاثا ويغرغر بأن يرد الماء إلى الغلصمة إلا أن يكون صائما ~~فيرفق ويقول اللهم أعني على تلاوة كتابك وكثرة الذكر لك ثم يأخذ غرفة لأنفه ~~ويستنشق ثلاثا ويصعد الماء بالنفس إلى خياشيمه ويستنثر ما فيها ويقول في ~~الاستنشاق اللهم أوجد لي رائحة الجنة وأنت عني راض وفي الاستنثار اللهم إني ~~أعوذ بك من روائح النار ومن سوء الدار لأن الاستنشاق إيصال والاستنثار ~~إزالة ثم يغرف غرفة لوجهه فيغسله من مبدإ سطح الجبهة إلى منتهى ما يقبل من ~~الذقن في الطول ومن الأذن إلى الأذن في العرض ولا يدخل في حد الوجه ~~النزعتان اللتان على طرفي الجبينين فهما من الرأس ويوصل الماء إلى موضع ~~التحذيف وهو ما يعتاد النساء تنحية الشعر عنه وهو القدر الذي يقع في جانب ~~الوجه مهما وضع طرف الخيط على رأس الأذن والطرف الثاني على زاوية الجبين ~~ويوصل الماء إلى منابت الشعور الأربعة الحاجبان والشاربان والعذاران ~~والأهداب لأنها خفيفة في الغالب # والعذاران هما ما يوازيان الأذنين من مبدإ اللحية # ويجب إيصال الماء إلى منابت اللحية الخفيفة أعني ما يقبل من الوجه وأما ~~الكثيفة فلا وحكم العنفقة حكم اللحية في الكثافة والخفة ثم يفعل ذلك ثلاثا ~~ويفيض الماء على ظاهر ما استرسل من اللحية ويدخل الأصابع في محاجر العينين ~~وموضع الرمص ومجتمع الكحل وينقيهما # فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك (4) ويأمل عند ذلك خروج الخطايا ~~من عينيه وكذلك عند كل عضو ويقول عنده اللهم بيض وجهي بنورك يوم تبيض وجوه ~~أوليائك ولا تسود وجهي بظلماتك يوم تسود وجوه ms0226 أعدائك ويخلل اللحية الكثيفة ~~عند غسل الوجه فإنه مستحب ثم يغسل يديه إلى مرفقيه ثلاثا ويحرك الخاتم ~~ويطيل الغرة ويرفع الماء إلى أعلى العضد فإنهم يحشرون يوم القيامة غرا ~~محجلين من آثار الوضوء كذلك ورد الخبر # قال صلى الله عليه وسلم من استطاع أن PageV01P133 # يطيل غرته فليفعل (1) وروي أن الحلية تبلغ مواضع الوضوء (2) ويبدأ ~~باليمنى ويقول اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا ويقول عند غسل ~~الشمال اللهم إني أعوذ بك أن تعطيني كتابي بشمالي أو من وراء ظهري ثم ~~يستوعب رأسه بالمسح بأن يبل يديه ويلصق رءوس أصابع يديه اليمنى باليسرى ~~ويضعهما على مقدمة الرأس ويمدهما إلى القفا ثم يردهما إلى المقدمة وهذه ~~مسحة واحدة يفعل ذلك ثلاثا ويقول اللهم اغشني برحمتك وأنزل علي من بركاتك ~~وأظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما بماء ~~جديد بأن يدخل مسبحتيه في صماخي أذنيه ويدير إبهاميه على ظاهر أذنيه ثم يضع ~~الكف على الأذنين استظهارا ويكرره ثلاثا ويقول اللهم اجعلني من الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه اللهم اسمعني منادي الجنة مع الأبرار ثم يمسح ~~رقبته بماء جديد لقوله صلى الله عليه وسلم مسح الرقبة أمان من الغل يوم ~~القيامة (3) ويقول اللهم فك رقبتي من النار وأعوذ بك من السلاسل والأغلال ~~ثم يغسل رجله اليمنى ثلاثا ويخلل باليد اليسرى من أسفل أصابع الرجل اليمنى ~~ويبدأ بالخنصر من الرجل اليمنى ويختم بالخنصر من الرجل اليسرى ويقول اللهم ~~ثبت قدمي على الصراط المستقيم يوم تزل الأقدام في النار ويقول عند غسل ~~اليسرى أعوذ بك أن تزل قدمي عن الصراط يوم تزل فيه أقدام المنافقين ويرفع ~~الماء إلى أنصاف الساقين # فإذا فرغ رفع رأسه إلى السماء وقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت ~~سوءا وظلمت نفسي أستغفرك اللهم وأتوب إليك فاغفر لي وتب على إنك أنت التواب ~~الرحيم اللهم اجعلني من التوابين ms0227 واجعلني من المتطهرين واجعلني من عبادك ~~الصالحين واجعلني عبدا صبورا شكورا واجعلني أذكرك كثيرا وأسبحك بكرة وأصيلا ~~يقال إن من قال هذا بعد الوضوء ختم على وضوئه بخاتم ورفع له تحت العرش فلم ~~يزل يسبح الله تعالى ويقدسه ويكتب له ثواب ذلك إلى يوم القيامة # ويكره في الوضوء أمور منها أن يزيد على الثلاث فمن زاد فقد ظلم وأن يسرف ~~في الماء توضأ عليه السلام ثلاثا وقال من زاد فقد ظلم وأساء (4) وقال سيكون ~~قوم من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور (5) ويقال من وهن علم الرجل ~~ولوعه بالماء في الطهور (6) وقال إبراهيم بن أدهم يقال إن أول ما يبتدىء ~~الوسواس من قبل الطهور وقال الحسن إن شيطانا يضحك بالناس في الوضوء يقال له ~~الولهان # ويكره أن ينفض اليد فيرش الماء وأن يتكلم في أثناء الوضوء وأن يلطم وجهه ~~بالماءلطما # وكره قوم التنشيف وقالوا الوضوء يوزن قاله سعيد بن المسيب والزهري لكن ~~روى معاذ رضي الله عنه أنه عليه السلام مسح وجهه بطرف ثوبه (7) وروت عائشة ~~رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كانت له منشفة (8) ولكن طعن في هذه ~~الرواية عن عائشة # ويكره أن يتوضأ من إناء صفر وأن يتوضأ بالماء المشمس وذلك من جهة الطب # وقد روي عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما كراهية إناء الصفر وقال ~~بعضهم أخرجت لشعبة ماء في إناء صفر فأبى أن يتوضأ منه # ونقل كراهية PageV01P134 # ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما # ومهما فرغ من وضوئه وأقبل على الصلاة فينبغي أن يخطر بباله أنه طهر ظاهره ~~وهو موضع نظر الخلق أن يستحي من مناجاة الله تعالى من غير تطهير قلبه وهو ~~موضع نظر الرب سبحانه # وليحقق طهارة القلب بالتوبة # والخلو عن الأخلاق المذمومة والتخلق بالأخلاق الحميدة أولى # وأن من يقتصر على طهارة الظاهر كمن يدعو ملكا إلى بيته فتركه مشحونا ~~بالقاذورات واشتغل بتجصيص ظاهر الباب البراني من الدار # وما أجدر مثل هذا الرجل بالتعرض للمقت والبوار والله سبحانه ms0228 وتعالى أعلم ### |||| فضيلة الوضوء # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من توضأ فأحسن الوضوء وصلى ركعتين لم ~~يحدث نفسه فيهما بشيء من الدنيا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه (1) وفي لفظ ~~آخر ولم يسه فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه وقال صلى الله عليه وسلم أيضا ~~ألا أنبئكم بما يكفر الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على ~~المكاره ونقل الأقدام إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط ~~ثلاث مرات (2) وتوضأ صلى الله عليه وسلم مرة مرة وقال هذا وضوء لا يقبل ~~الله الصلاة إلا به وتوضأ مرتين مرتين وقال من توضأ مرتين مرتين أتاه الله ~~أجره مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء ~~خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام (3) وقال صلى الله عليه وسلم من ذكر الله ~~عند وضوئه طهر الله جسده كله ومن لم يذكر الله لم يطهر منه إلا ما أصاب ~~الماء (4) وقال صلى الله عليه وسلم من توضأ على طهر كتب الله له به عشر ~~حسنات (5) وقال صلى الله عليه وسلم الوضوء على الوضوء نور على نور (6) وهذا ~~كله حث على تجديد الوضوء وقال عليه السلام إذا توضأ العبد المسلم فتمضمض ~~خرجت الخطايا من فيه فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه فإذا غسل وجهه خرجت ~~الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه فإذا غسل يديه خرجت الخطايا ~~من يديه حتى تخرج من تحت أظفاره فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى ~~تخرج من تحت أذنيه وإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت ~~أظفار رجليه ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له (7) ويروى إن الطاهر ~~كالصائم (8) قال صلى الله عليه وسلم من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع طرفه إلى ~~السماء فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء (9) وقال عمر رضي ~~الله عنه PageV01P135 # إن ms0229 الوضوء الصالح يطرد عنك الشيطان # وقال مجاهد من استطاع أن لا يبيت إلا طاهرا ذاكرا مستغفرا فليفعل فإن ~~الأرواح تبعث على ما قبضت عليه ### |||| كيفية الغسل # وهو أن يضع الإناء عن يمينه ثم يسمي الله تعالى ويغسل يديه ثلاثا ثم ~~يستنجي كما وصفت لك ويزيل ما على بدنه من نجاسة إن كانت ثم يتوضأ وضوءه ~~للصلاة كما وصفنا إلا غسل القدمين فإنه يؤخرهما فإن غسلهما ثم وضعهما على ~~الأرض كان إضاعة للماء ثم يصب الماء على رأسه ثلاثا ثم على شقه الأيمن ~~ثلاثا ثم على شقه الأيسر ثلاثا ثم يدلك ما أقبل من بدنه ويخلل شعر الرأس ~~واللحية ويوصل الماء إلى منابت ما كثف منه أو خف وليس على المرأة نقض ~~الضفائر إلا إذا علمت أن الماء لا يصل إلى خلال الشعر ويتعهد معاطف البدن ~~وليتق أن يمس ذكره في أثناء ذلك فإن فعل ذلك فليعد الوضوء وإن توضأ قبل ~~الغسل فلا يعيده بعد الغسل # فهذه سنن الوضوء والغسل ذكرنا منها ما لا بد لسالك طريق الآخرة من علمه ~~وعمله وما عداه من المسائل التي يحتاج إليها في عوارض الأحوال فليرجع فيها ~~إلى كتب الفقه # والواجب من جملة ما ذكرناه في الغسل أمران النية واستيعاب البدن بالغسل # وفروض الوضوء النية وغسل الوجه وغسل اليدين إلى المرفقين ومسح ما ينطلق ~~عليه الاسم من الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين والترتيب # وأما الموالاة فليست بواجبة # والغسل الواجب بأربعة بخروج المني والتقاء الختانين والحيض والنفاس وما ~~عداه من الأغسال سنة كغسل العيدين والجمعة والأعياد والإحرام والوقوف بعرفة ~~ومزدلفة ولدخول مكة وثلاثة أغسال أيام التشريق ولطواف الوداع على قول ~~والكافر إذا أسلم غير جنب والمجنون إذا أفاق ولمن غسل ميتا فكل ذلك مستحب ### |||| كيفية التيمم # من تعذر عليه استعمال الماء لفقده بعد الطلب أو بمانع له عن الوصول إليه ~~من سبع أو حابس أو كان الماء الحاضر يحتاج إليه لعطشه أو لعطش رفيقه أو كان ~~ملكا لغيره ولم يبعه إلا بأكثر من ثمن المثل أو ms0230 كان به جراحة أو مرض وخاف ~~من استعماله فساد العضو أو شدة الضنا فينبغي أن يصبر حتى يدخل عليه وقت ~~الفريضة ثم يقصد صعيدا طيبا عليه تراب طاهر خالص لين بحيث يثور منه غبار ~~ويضرب عليه كفيه ضاما بين أصابعه ويمسح بهما جميع وجهه مرة واحدة وينوي عند ~~ذلك استباحة الصلاة ولا يكلف إيصال الغبار إلى ما تحت الشعور خفت أو كثفت ~~ويجتهد أن يستوعب بشرة وجهه بالغبار ويحصل ذلك بالضربة الواحدة فإن عرض ~~الوجه لا يزيد على عرض الكفين ويكفي في الاستيعاب غالب الظن ثم ينزع خاتمة ~~ويضرب ضربة ثانية يفرج فيها بين أصابعه ثم يلصق ظهور يده اليمنى ببطون ~~أصابع يده اليسرى بحيث لا يجاوز أطراف الأنامل من إحدى الجهتين عرض المسبحة ~~من الأخرى ثم يمر يده اليسرى من حيث وضعها على ظاهر ساعده الأيمن إلى ~~المرفق ثم يقلب بطن كفه اليسرى على باطن ساعده الأيمن ويمرها إلى الكوع ~~ويمر بطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى ثم يفعل باليسرى كذلك # ثم يمسح كفيه ويخلل بين أصابعه وغرض هذا التكليف تحصيل الاستيعاب إلى ~~المرفقين بضربة واحدة فإن عسر عليه ذلك فلا بأس بأن يستوعب بضربتين وزيادة # وإذا صلى به الفرض فله أن يتنفل كيف شاء فإن جمع بين فريضتين فينبغي أن ~~يعيد التيمم للثانية # وهكذا يفرد كل فريضة بتيمم والله أعلم PageV01P136 ### ||| القسم الثالث من النظافة التنظيف عن الفضلات الظاهرة وهي نوعان أوساخ وأجزاء ### |||| النوع الأول الأوساخ والرطوبات المترشحة وهي ثمانية # الأول ما يجتمع في شعر الرأس من الدرن والقمل فالتنظيف عنه مستحب بالغسل ~~والترجيل والتدهين إزالة للشعث عنه وكان صلى الله عليه وسلم يدهن الشعر ~~ويرجله غبا ويأمر به (1) ويقول صلى الله عليه وسلم ادهنوا غبا (2) وقال صلى ~~الله عليه وسلم من كان له شعرة فليكرمها (3) أي ليصنها عن الأوساخ ودخل ~~عليه رجل ثائر الرأس أشعث اللحية فقال أما كان لهذا دهن يسكن به شعره ثم ~~قال يدخل أحدكم كأنه شيطان (4) # الثاني ما يجتمع من الوسخ في معاطف ms0231 الأذن والمسح يزيل ما يظهر منه وما ~~يجتمع في قعر الصماخ فينبغي أن ينظف برفق عند الخروج من الحمام فإن كثرة ~~ذلك ربما تضر بالسمع # الثالث ما يجتمع في داخل الأنف من الرطوبات المنعقدة الملتصقة بجوانبه ~~ويزيلها بالاستنشاق والاستنثار # الرابع ما يجتمع على الأسنان وطرف اللسان من القلح فيزيله السواك ~~والمضمضة وقد ذكرناهما # الخامس ما يجتمع في اللحية من الوسخ والقمل إذا لم يتعهد ويستحب إزالة ~~ذلك بالغسل والتسريح بالمشط # وفي الخبر المشهور أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يفارقه المشط والمدرى ~~والمرآة في سفر ولا حضر (5) وهي سنة العرب وفي خبر غريب أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يسرح لحيته في اليوم مرتين (6) وكان صلى الله عليه وسلم كث اللحية ~~(7) وكذلك كان أبو بكر وكان عثمان طويل اللحية رقيقها وكان على عريض اللحية ~~قد ملأت ما بين منكبيه # وفي حديث أغرب منه قالت عائشة رضي الله عنها اجتمع قوم بباب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فرأيته يطلع في الحب يسوي من رأسه ولحيته ~~(8) فقلت أوتفعل ذلك يا رسول الله فقال نعم إن الله يحب من عبده أن يتجمل ~~لإخوانه إذا خرج إليهم والجاهل ربما يظن أن ذلك من حب التزين للناس قياسا ~~على أخلاق غيره وتشبيها للملائكة بالحدادين وهيهات فقد كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مأمورا بالدعوة وكان من وظائفه أن يسعى في تعظيم أمر نفسه ~~في قلوبهم كيلا تزدريه نفوسهم ويحسن صورته في أعينهم كيلا تستصغره أعينهم ~~فينفرهم ذلك ويتعلق المنافقون بذلك في تنفيرهم # وهذا القصد واجب على كل عالم تصدي لدعوة الخلق إلى الله عز وجل وهو أن ~~يراعي من ظاهره ما لا يوجب نفرة الناس عنه # والاعتماد في مثل هذه الأمور على النية فإنها أعمال في أنفسها تكتسب ~~الأوصاف من المقصود فالتزين PageV01P137 # على هذا القصد محبوب وترك الشعث في اللحية إظهارا للزهد وقلة المبالاة ~~بالنفس محذور وتركه شغلا بما هو أهم منه محبوب # وهذه أحوال باطنة بين العبد وبين الله ms0232 عز وجل # والناقد بصير والتلبيس غير رائج عليه بحال وكم من جاهل يتعاطى هذه الأمور ~~التفاتا إلى الخلق وهو يلبس على نفسه وعلى غيره ويزعم أن قصده الخير فترى ~~جماعة من العلماء يلبسون الثياب الفاخرة ويزعمون أن قصدهم إرغام المبتدعة ~~والمجادلين والتقرب إلى الله تعالى به # وهذا أمر ينكشف يوم تبلى السرائر ويوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في ~~الصدور فعند ذلك تتميز السبيكة الخالصة من البهرجة فنعوذ بالله من الخزي ~~يوم العرض الأكبر # السادس وسخ البراجم وهي معاطف ظهور الأنامل كانت العرب لا تكثر غسل ذلك ~~لتركها غسل اليد عقيب الطعام فيجتمع في تلك الغضون وسخ فأمرهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بغسل البراجم (1) # السابع تنظيف الرواجب (2) أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العرب ~~بتنظيفها وهي رءوس الأنامل وما تحت الأظفار من الوسخ لأنها كانت لا يحضرها ~~المقراض في كل وقت فتجتمع فيها أوساخ فوقت لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قلم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أربعين يوما (3) لكنه أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بتنظيف ما تحت الأظفار (4) وجاء في الأثر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم استبطأ الوحي فلما هبط عليه جبريل عليه السلام قال له ~~كيف ننزل عليكم وأنتم لا تغسلون براجمكم ولا تنظفون رواجبكم (5) وقلحا لا ~~تستاكون مر أمتك بذلك والاف وسخ الظفر والتف وسخ الأذن وقوله عز وجل {فلا ~~تقل لهما أف} تعبهما أي بما تحت الظفر من الوسخ وقيل لا تتأذ بهما كما ~~تتأذى بما تحت الظفر # الثامن الدرن الذي يجتمع على جميع البدن برشح العرق وغبار الطريق وذلك ~~يزيله الحمام ولا بأس بدخول الحمام دخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حمامات الشام وقال بعضهم نعم البيت بيت الحمام يطهر البدن ويذكر النار روي ~~ذلك عن أبي الدرداء وأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهما # وقال بعضهم بئس البيت بيت الحمام يبدي العورة ويذهب الحياء فهذا تعرض ~~لآفته وذاك تعرض لفائدته ولا بأس بطلب فائدته عند ms0233 الاحتراز من آفته # ولكن على داخل الحمام وظائف من السنن والواجبات فعليه واجبان في عورته ~~وواجبان في عورة غيره # أما الواجبان في عورته فهو أن يصونها عن نظر الغير ويصونها عن مس الغير ~~فلا يتعاطى أمرها وإزالة وسخها إلا بيده ويمنع الدلاك من مس الفخذ وما بين ~~السرة إلى العانة وفي إباحة مس ما ليس بسوءة لإزالة الوسخ احتمال ولكن ~~الأقيس التحريم إذألحق مس السوأتين في التحريم بالنظر فكذلك ينبغي أن تكون ~~بقية العورة أعني الفخذين # والواجبان في عورة الغير أن يغض بصر نفسه عنها وأن ينهى عن كشفها لأن ~~النهي عن المنكر واجب وعليه ذكر ذلك وليس عليه القبول ولا يسقط عنه وجوب ~~الذكر إلا لخوف ضرب أو شتم أو ما يجري عليه مما هو حرام في نفسه فليس عليه ~~أن ينكر حراما يرهق المنكر عليه إلى مباشرة حرام آخر # فأما قوله أعلم أن ذلك لا يفيد ولا يعمل به فهذا PageV01P138 # لا يكون عذرا بل لا بد من الذكر فلا يخلو قلب عن التأثر من سماع الإنكار ~~واستشعار الاحتراز عند التعبير بالمعاصي وذلك يؤثر في تقبيح الأمر في عينه ~~وتنفير نفسه فلا يجوز تركه ولمثل هذا صار الحزم ترك دخول الحمام في هذه ~~الأوقات إذ لا تخلو عن عورات مكشوفة لا سيما ما تحت السرة إلى ما فوق ~~العانة إذ الناس لا يعدونها عورة وقد ألحقها الشرع بالعورة وجعلها كالحريم ~~لها ولهذا يستحب تخلية الحمام # وقال بشر بن الحرث ما أعنف رجلا لا يملك إلا درهما دفعه ليخلي له الحمام # ورؤي ابن عمر رضي الله عنهما في الحمام ووجهه إلى الحائط وقد عصب عينيه ~~بعصابة وقال بعضهم لا بأس بدخول الحمام ولكن بإزارين إزار للعورة وإزار ~~للرأس يتقنع به ويحفظ عينيه وأما السنن فعشرة فالأول النية وهو أن لا يدخل ~~لعاجل دنيا ولا عابثا لأجل هوى بل يقصد به التنظف المحبوب تزينا للصلاة ثم ~~يعطي الحمامي الأجرة قبل الدخول فإن ما يستوفيه مجهول وكذا ما ينتظره ~~الحمامي فتسليم الأجرة ms0234 قبل الدخول دفع للجهالة من أحد العوضين وتطييب لنفسه ~~ثم يقدم رجله اليسرى عند الدخول ويقول بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ بالله ~~من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ثم يدخل وقت الخلوة أو يتكلف ~~تخلية الحمام فإنه إن لم يكن في الحمام إلا أهل الدين والمحتاطين للعورات ~~فالنظر إلى الأبدان مكشوفة فيه شائبة من قلة الحياء وهو مذكر للنظر في ~~العورات ثم لا يخلو الإنسان في الحركات عن انكشاف العورات بانعطاف في أطراف ~~الإزار فيقع البصر على العورة من حيث لا يدري ولأجله عصب ابن عمر رضي الله ~~عنهما عينيه ويغسل الجناحين عند الدخول ولا يعجل بدخول البيت الحار حتى ~~يعرق في الأول وأن لا يكثر صب الماء بل يقتصر على قدر الحاجة فإنه المأذون ~~فيه بقرينة الحال والزيادة عليه لو علمه الحمامي لكرهه لا سيما الماء الحار ~~فله مئونة وفيه تعب وأن يتذكر حر النار بحرارة الحمام ويقدر نفسه محبوسا في ~~البيت الحار ساعة ويقيسه إلى جهنم فإنه أشبه بيت بجهنم النار من تحت ~~والظلام من فوق نعوذ بالله من ذلك بل العاقل لا يغفل عن ذكر الآخرة في لحظة ~~فإنها مصيره ومستقره فيكون له في كل ما يراه من ماء أو نار أو غيرهما عبرة ~~وموعظة فإن المرء ينظر بحسب همته # فإذا دخل بزاز ونجار وبناء وحائك دارا معمورة مفروشة فإذا تفقدتهم رأيت ~~البزاز ينظر إلى الفرش يتأمل قيمتها والحائك ينظر إلى الثياب يتأمل نسجها ~~والنجار ينظر إلى السقف يتأمل كيفية تركيبها والبناء ينظر إلى الحيطان ~~يتأمل كيفية إحكامها واستقامتها # فكذلك سالك طريق الآخرة لا يرى من الأشياء شيئا إلا ويكون له موعظة وذكرى ~~للآخرة بل لا ينظر إلى شيء إلا ويفتح الله عز وجل له طريق عبرة فإن نظر إلى ~~سواد تذكر ظلمة اللحد وإن نظر إلى حية تذكر أفاعي جهنم وإن نظر إلى صورة ~~قبيحة شنيعة تذكر منكرا ونكيرا والزبانية وإن سمع صوتا هائلا تذكر نفخة ~~الصور وإن رأى شيئا حسنا تذكر نعيم الجنة وإن ms0235 سمع كلمة رد أو قبول في سوق ~~أو دار تذكر ما ينكشف من آخر أمره بعد الحساب من الرد والقبول وما أجدر أن ~~يكون هذا هو الغالب على قلب العاقل إلا لا يصرفه عنه إلا مهمات الدنيا فإذا ~~نسب مدة المقام في الدنيا إلى مدة المقام في الآخرة استحقرها إن لم يكن ممن ~~أغفل قلبه وأعميت بصيرته # ومن السنن أن لا يسلم عند الدخول وإن سلم عليه لم يجب بلفظ السلام بل ~~يسكت إن أجاب غيره وإن أحب قال عافاك الله ولا بأس بأن يصافح الداخل ويقول ~~عافاك الله لابتداء الكلام # ثم لا يكثر الكلام في الحمام ولا يقرأ القرآن إلا سرا ولا بأس بإظهار ~~الاستعاذة من الشيطان ويكره دخول الحمام بين العشاءين وقريبا من الغروب فإن ~~ذلك وقت انتشار الشياطين ولا بأس أن يدلكه غيره فقد نقل ذلك عن يوسف بن ~~أسباط أوصى بأن يغسله إنسان لم يكن من أصحابه وقال إنه دلكني في الحمام مرة ~~فأردت أن أكافئه بما يفرح به وإنه PageV01P139 # ليفرح بذلك # ويدل على جوازه ما روى بعض الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل ~~منزلا في بعض أسفاره فنام على بطنه وعبد أسود يغمز ظهره فقلت ما هذا يا ~~رسول الله فقال إن الناقة تقحمت بي (1) ثم مهما فرغ من الحمام شكر الله عز ~~وجل على هذه النعمة # فقد قيل الماء الحار في الشتاء من النعيم الذي يسأل عنه # وقال ابن عمر رضي الله عنهما الحمام من النعيم الذي أحدثوه # هذا من جهة الشرع # أما من جهة الطب فقد قيل الحمام بعد النورة أمان من الجذام وقيل النورة ~~في كل شهر مرة تطفىء المرة الصفراء وتنقي اللون وتزيد في الجماع # وقيل بولة في الحمام قائما في الشتاء أنفع من شربة دواء # وقيل نومة في الصيف بعد الحمام تعدل شربة دواء # وغسل القدمين بماء بارد بعد الخروج من الحمام أمان من النقرس # ويكره صب الماء البارد على الرأس عند الخروج وكذا شربه هذا حكم ms0236 الرجال ~~وأما النساء فقد قال صلى الله عليه وسلم لا يحل للرجل أن يدخل حليلته ~~الحمام (2) وفي البيت مستحم والمشهور أنه حرام على الرجال دخول الحمام إلا ~~بمئزر (3) وحرام على المرأة دخول الحمام إلا نفساء أو مريضة # ودخلت عائشة رضي الله عنها حماما من سقم بها # فإن دخلت لضرورة فلا تدخل إلا بمئزر سابغ ويكره للرجل أن يعطيها أجرة ~~الحمام فيكون معينا لها على المكروه ### |||| النوع الثاني فيما يحدث في البدن من الأجزاء وهي ثمانية # الأول شعر الرأس ولا بأس بحلقه لمن أراد التنظيف ولا بأس بتركه لمن يدهنه ~~ويرجله إلا إذا تركه قزعا أي قطعا وهو دأب أهل الشطارة أو أرسل الذوائب على ~~هيئة أهل الشرف حيث صار ذلك شعارا لهم فإنه إذا لم يكن شريفا كان ذلك ~~تلبيسا # الثاني شعر الشارب وقد قال صلى الله عليه وسلم قصوا الشارب وفي لفظ آخر ~~جزوا الشوارب وفي لفظ آخر حفوا الشوارب وأعفوا اللحى (4) أي اجعلوها حفاف ~~الشفة أي حولها وحفاف الشيء حوله ومنه {وترى الملائكة حافين من حول العرش} ~~وفي لفظ آخر احفوا وهذا يشعر بالاستئصال وقوله حفوا يدل على ما دون ذلك # وقال الله عز وجل أن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا أي يستقصى عليكم وأما الحلق ~~فلم يرد # والإحفاء القريب من الحلق نقل عن الصحابة نظر بعض التابعين إلى رجل أحفى ~~شاربه فقال ذكرتني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم # وقال المغيرة بن شعبة نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد طال ~~شاربي فقال تعال فقصه لي على سواك (5) ولا بأس بترك سباليه وهما طرفا ~~الشارب فعل ذلك عمر وغيره لأن ذلك لا يستر الفم ولا يبقى فيه غمر الطعام إذ ~~لا يصل إليه وقوله صلى الله عليه وسلم اعفوا اللحى أي كثروها وفي الخبر إن ~~اليهود يعفون شواربهم PageV01P140 # ويقصون لحاهم فخالفوهم (1) وكره بعض العلماء الحلق ورآه بدعة # الثالث شعر الإبط ويستحب نتفه في كل أربعين يوما مرة وذلك سهل على من ~~تعود نتفه في الابتداء فأما ms0237 من تعود الحلق فيكفيه الحلق إذ في النتف تعذيب ~~وإيلام والمقصود النظافة وأن لا يجتمع الوسخ في خللها ويحصل ذلك بالحلق # الرابع شعر العانة ويستحب إزالة ذلك إما بالحلق أو بالنورة ولا ينبغي أن ~~تتأخر عن أربعين يوما # الخامس الأظفار وتقليمها مستحب لشناعة صورتها إذا طالت ولما يجتمع فيها ~~من الوسخ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة أقلم أظفارك فإن ~~الشيطان يقعد على ما طال منها (2) ولو كان تحت الظفر وسخ فلا يمنع ذلك صحة ~~الوضوء لأنه لا يمنع وصول الماءولأنه يتساهل فيه للحاجة لا سيما في أظفار ~~الرجل وفي الأوساخ التي تجتمع على البراجم وظهور الأرجل والأيدي من العرب ~~وأهل السواد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالقلم وينكر عليهم ~~ما يرى تحت أظفارهم من الأوساخ ولم يأمرهم بإعادة الصلاة ولو أمر به لكان ~~فيه فائدة أخرى وهو التغليظ والزجر عن ذلك # ولم أر في الكتب خبرا مرويا في ترتيب قلم الأظفار ولكن سمعت أنه صلى الله ~~عليه وسلم بدأ بمسبحته اليمنى وختم بإبهامه اليمنى وابتدأ في اليسرى ~~بالخنصر إلى الإبهام (3) ولما تأملت في هذا خطر لي من المعنى ما يدل على أن ~~الرواية فيه صحيحة إذ مثل هذا المعنى لا ينكشف ابتداء إلا بنور النبوة وأما ~~العالم ذو البصيرة فغايته أن يستنبطه من العقل بعد نقل الفعل إليه # فالذي لاح لي فيه والعلم عند الله سبحانه أنه لا بد من قلم أظفار اليد ~~والرجل واليد أشرف من الرجل فيبدأ بها ثم اليمنى أشرف من اليسرى فيبدأ بها ~~ثم على اليمنى خمسة أصابع والمسبحة أشرفها إذ هي المشيرة في كلمتي الشهادة ~~من جملة الأصابع ثم بعدها ينبغي أن يبتدىء بما على يمينها إذ الشرع يستحب ~~إدارة الطهور وغيره على اليمين وإن وضعت ظهر الكف على الأرض فالإبهام هو ~~اليمين وإن وضعت بطن الكف فالوسطى هي اليمنى واليد إذا تركت بطبعها كان ~~الكف مائلا إلى جهة الأرض إذ جهة حركة اليمين إلى اليسار واستتمام ms0238 الحركة ~~إلى اليسار يجعل ظهر الكف عاليا فما يقتضيه الطبع أولى ثم إذا وضعت الكف ~~على الكف صارت الأصابع في حكم حلقة دائرة فيقتضي ترتيب الدور الذهاب عن ~~يمين المسبحة إلى أن يعود إلى المسبحة فتقع البداءة بخنصر اليسرى والختم ~~بإبهامها ويبقى إبهام اليمنى فيختم به التقليم # وإنما قدرت الكف موضوعة على الكف حتى تصير الأصابع كأشخاص في حلقة ليظهر ~~ترتيبها # وتقدير ذلك أولى من تقدير وضع الكف على ظهر الكف أو وضع ظهر الكف على ظهر ~~الكف فإن ذلك لا يقتضيه الطبع # وأما أصابع الرجل فالأولى عندي إن لم يثبت فيها نقل أن يبدأ بخنصر اليمنى ~~ويختم بخنصر اليسرى كما في التخليل فإن المعاني التي ذكرها في اليد لا تتجه ~~ههنا إذ لا مسبحة في الرجل # وهذه الأصابع في حكم صف واحد ثابت على الأرض فيبدأ من جانب اليمنى فإن ~~تقديرها حلقة بوضع الأخمص على الأخمص يأباه الطبع بخلاف اليدين # وهذه الدقائق في الترتيب تنكشف بنور النبوة في لحظة واحدة وإنما يطول ~~التعب علينا # ثم لو سئلنا ابتداء عن الترتيب في ذلك ربما لم يخطر لنا # وإذا ذكرنا فعله صلى الله عليه وسلم PageV01P141 # وترتيبه ربما تيسر لنا مما عاينه صلى الله عليه وسلم بشهادة الحكم ~~وتنبيهه على المعنى استنباط المعنى ولا تظنن أن أفعاله صلى الله عليه وسلم ~~في جميع حركاته كانت خارجة عن وزن وقانون وترتيب بل جميع الأمور الاختيارية ~~التي ذكرناها يتردد فيها الفاعل بين قسمين أو أقسام كان لا يقدم على واحد ~~معين بالاتفاق بل بمعنى يقتضي الإقدام والتقديم فإن الاسترسال مهملا كما ~~يتفق سجية البهائم وضبط الحركات بموازين المعاني سجية أولياء الله تعالى # وكلما كانت حركات الإنسان وخطراته إلى الضبط أقرب وعن الإهمال وتركه سدى ~~أبعد كانت مرتبته إلى رتبة الأنبياء والأولياء أكثر وكان قربه من الله عز ~~وجل أظهر إذ القريب من النبي صلى الله عليه وسلم هو القريب من الله عز وجل ~~والقريب من الله لا بد أن يكون قريبا فالقريب من القريب ms0239 قريب بالإضافة إلى ~~غيره فنعوذ بالله أن يكون زمام حركاتنا وسكناتنا في يد الشيطان بواسطة ~~الهوى # واعتبر في ضبط الحركات باكتحاله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يكتحل في ~~عينه اليمنى ثلاثا وفي اليسرى اثنين (1) فيبدأ باليمنى لشرفها # وتفاوته بين العينين لتكون الجملة وترا فإن للوتر فضلا عن الزوج فإن الله ~~سبحانه وتر يحب الوتر فلا ينبغي أن يخلو فعل العبد من مناسبة لوصف من أوصاف ~~الله تعالى # ولذلك استحب الإيتار في الاستجمار # وإنما لم يقتصر على الثلاث وهو وتر لأن اليسرى لا يخصها إلا واحدة ~~والغالب أن الواحدة لا تستوعب أصول الأجفان بالكحل وإنما خصص اليمين ~~بالثلاث لأن التفضيل لا بد منه للإيتار واليمين أفضل فهي بالزيادة أحق # فإن قلت فلم اقتصر على اثنين لليسرى وهي زوج فالجواب أن ذلك ضرورة إذ لو ~~جعل لكل واحدة وتر لكان المجموع زوجا إذ الوتر مع الوتر زوج ورعايته ~~الإيتار في مجموع الفعل وهو في حكم الخصلة الواحدة أحب من رعايته في الآحاد # ولذلك أيضا وجه وهو أن يكتحل في كل واحدة ثلاثا على قياس الوضوء (2) وقد ~~نقل ذلك في الصحيح وهو الأولى # ولو ذهبت أستقصي دقائق ما راعاه صلى الله عليه وسلم في حركاته لطال الأمر ~~فقس بما سمعته ما لم تسمعه # واعلم أن العالم لا يكون وارثا للنبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا اطلع ~~على جميع معاني الشريعة حتى لا يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا درجة واحدة وهي درجة النبوة وهي الدرجة الفارقة بين الوارث والموروث إذ ~~الموروث هو الذي حصل المال له واشتغل بتحصيله واقتدر عليه والوارث هو الذي ~~لم يحصل ولم يقدر عليه ولكن انتقل إليه وتلقاه منه بعد حصوله له فأمثال هذه ~~المعاني مع سهولة أمرها بالإضافة إلى الأغوار والأسرار لا يستقل بدركها ~~ابتداء إلا الأنبياء ولا يستقل باستنباطها تلقيا بعد تنبيه الأنبياء عليها ~~إلا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء عليهم السلام # السادس والسابع زيادة السرة وقلفة الحشفة أما السرة فتقطع في ms0240 أول الولادة ~~وأما التطهير بالختان فعادة اليهود في اليوم السابع من الولادة ومخالفتهم ~~بالتأخير إلى أن يثغر الولد أحب وأبعد عن الخطر قال صلى الله عليه وسلم ~~الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء (3) وينبغي أن لا يبالغ في خفض المرأة قال ~~صلى الله عليه وسلم لأم عطية وكانت تخفض يا أم عطية أشمي ولا تنهكي فإنه ~~أسرى للوجه وأحظى عند الزوج (4) أي أكثر لماء الوجه ودمه وأحسن في جماعها ~~فانظر إلى جزالة لفظه صلى الله عليه وسلم في الكناية وإلى إشراق نور النبوة ~~من مصالح الآخرة التي هي أهم مقاصد النبوة إلى PageV01P142 # مصالح الدنيا حتى انكشف له وهو أمي من هذا الأمر النازل قدره ما لو وقعت ~~الغفلة عنه خيف ضرره فسبحان من أرسله رحمة للعالمين ليجمع لهم بيمن بعثته ~~مصالح الدنيا والدين صلى الله عليه وسلم # الثامنة ما طال من اللحية وإنما أخرناها لنلحق بها ما في اللحية من السنن ~~والبدع إذ هذا أقرب موضع يليق به ذكرها وقد اختلفوا فيما طال منها فقيل إن ~~قبض الرجل على لحيته وأخذ ما فضل عن القبضة فلا بأس فقد فعله ابن عمر ~~وجماعة من التابعين واستحسنه الشعبي وابن سيرين وكرهه الحسن وقتادة وقالا ~~تركها عافية أحب لقوله صلى الله عليه وسلم اعفوا اللحى والأمر في هذا قريب ~~إن لم ينته إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب فإن الطول المفرط قد يشوه ~~الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنبذ إليه فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه ~~النية # وقال النخعي عجبت لرجل عاقل طويل اللحية كيف لا يأخذ من لحيته ويجعلها ~~بين لحيتين فإن التوسط في كل شيء حسن ولذلك قيل كلما طالت اللحية تشمر ~~العقل ### |||| فصل # وفي اللحية عشر خصال مكروهة وبعضها أشد كراهة من بعض خضابها # بالسواد وتبييضها بالكبريت ونتفها ونتف الشيب منها والنقصان منها ~~والزيادة وتسريحها تصنعا لأجل الرياء وتركها شعثة إظهارا للزهد والنظر إلى ~~سوادها عجبا بالشباب وإلى بياضها تكبرا بعلو السن وخضابها بالحمرة والصفرة ~~من غير نية تشبها بالصالحين # أما الأول ms0241 وهو الخضاب بالسواد فهو منهي عنه لقوله صلى الله عليه وسلم خير ~~شبابكم من تشبه بشيوخكم وشر شيوخكم من تشبه بشبابكم (1) والمراد بالتشبه ~~بالشيوخ في الوقار لا في تبييض الشعر ونهى عن الخضاب بالسواد (2) وقال هو ~~خضاب أهل النار (3) وفي لفظ آخر الخضاب بالسواد خضاب الكفار وتزوج رجل على ~~عهد عمر رضي الله عنه وكان يخضب بالسواد فنصل خضابه وظهرت شيبته فرفعه أهل ~~المرأة إلى عمر رضي الله عنه فرد نكاحه وأوجعه ضربا وقال غررت القوم ~~بالشباب ولبست عليهم شيبتك ويقال أول من خضب بالسواد فرعون لعنه الله وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يكون في آخر ~~الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة (4) # الثاني الخضاب بالصفرة والحمرة وهو جائز تلبيسا للشيب على الكفار في ~~الغزو والجهاد فإن لم يكن على هذه النية بل للتشبه بأهل الدين فهو مذموم ~~وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفرة خضاب المسلمين والحمرة خضاب ~~المؤمنين (5) وكانوا يخضبون بالحناء للحمرة وبالخلوق والكتم للصفرة وخضب ~~بعض العلماء بالسواد لأجل الغزو وذلك لا بأس به إذا صحت النية ولم يكن فيه ~~هوى وشهوة # الثالث تبييضها بالكبريت استعجالا لإظهار علو السن توصلا إلى التوقير ~~وقبول الشهادة والتصديق بالرواية عن الشيوخ وترفعا عن الشباب وإظهارا لكثرة ~~العلم ظنا بأن كثرة الأيام تعطيه فضلا وهيهات فلا يزيد كبر السن للجاهل إلا ~~جهلا فالعلم ثمرة العقل وهي غريزة ولا يؤثر الشيب فيها ومن كانت غريزته ~~الحمق فطول المدة يؤكد حماقته وقد كان الشيوخ يقدمون الشباب PageV01P143 # بالعلم # كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم ابن عباس وهو حديث السن على أكابر ~~الصحابة ويسأله دونهم # وقال ابن عباس رضي الله عنهما ما آتى الله عز وجل عبدا علما إلا شابا ~~والخير كله في الشباب ثم تلا قوله عز وجل {قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له ~~إبراهيم} وقوله تعالى {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى} وقوله تعالى ~~{وآتيناه الحكم صبيا} ms0242 وكان أنس رضي الله عنه يقول قبض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء فقيل له يا أبا حمزة فقد ~~أسن فقال لم يشنه الله بالشيب فقيل أهو شين فقال كلكم يكرهه (1) ويقال إن ~~يحيى بن أكثم ولي القضاء وهو ابن إحدى وعشرين سنة فقال له رجل في مجلسه ~~يريد أن يخجله بصغر سنه كم سن القاضي أيده الله فقال مثل سن عتاب بن أسيد ~~حين ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إمارة مكة وقضاءها فأفحمه (2) وروي ~~عن مالك رحمه الله أنه قال قرأت في بعض الكتب لا تغرنكم اللحى فإن التيس له ~~لحية وقال أبو عمرو بن العلاء إذا رأيت الرجل طويل القامة صغير الهامة عريض ~~اللحية فاقض عليه بالحمق ولو كان أمية بن عبد شمس وقال أيوب السختياني ~~أدركت الشيخ ابن ثمانين سنة يتبع الغلام يتعلم منه # وقال علي بن الحسين من سبق فيه العلم قبلك فهو إمامك فيه وإن كان أصغر ~~سنا منك وقيل لأبي عمرو بن العلاء أيحسن من الشيخ أن يتعلم من الصغير فقال ~~إن كان الجهل يقبح به فالتعلم يحسن به وقال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل وقد ~~رآه يمشي خلف بغلة الشافعي يا أبا عبد الله تركت حديث سفيان بعلوه وتمشي ~~خلف بغلة هذا الفتى وتسمع منه فقال له أحمد لو عرفت لكنت تمشي من الجانب ~~الآخر إن علم سفيان إن فاتني بعلو أدركته بنزول وإن عقل هذا الشاب إن فاتني ~~لم أدركه بعلو ولا نزول # الرابع نتف بياضها استنكافا من الشيب وقد نهى عليه السلام عن نتف الشيب ~~وقال هو نور المؤمن (3) وهو في معنى الخضاب بالسواد وعلة الكراهية ما سبق ~~والشيب نور الله تعالى والرغبة عنه رغبة عن النور # الخامس نتفها أو نتف بعضها بحكم العبث والهوس وذلك مكروه ومشوه للخلقة ~~ونتف الفنيكين بدعة وهما جانبا العنفقة # شهد عند عمر بن عبد العزيز رجل كان ينتف فنيكيه فرد شهادته ورد عمر بن ~~الخطاب ms0243 رضي الله عنه وابن أبي ليلى قاضي المدينة شهادة من كان ينتف لحيته ~~وأما نتفها في أول النبات تشبها بالمرد فمن المنكرات الكبار فإن اللحية ~~زينة الرجال فإن لله سبحانه ملائكة يقسمون والذي زين بني آدم باللحى وهو من ~~تمام الخلق وبها يتميز الرجال عن النساء وقيل في غريب التأويل اللحية هي ~~المراد بقوله تعالى {يزيد في الخلق ما يشاء} قال أصحاب الأحنف بن قيس وددنا ~~أن نشتري للأحنف لحية ولو بعشرين ألفا وقال شريح القاضي وددت أن لي لحية ~~ولو بعشرة آلاف وكيف تكره اللحية وفيها تعظيم الرجل والنظر إليه بعين العلم ~~والوقار والرفع في المجالس وإقبال الوجوه إليه والتقديم على الجماعة ووقاية ~~العرض فإن من يشتم يعرض باللحية إن كان للمشتوم لحية وقد قيل إن أهل الجنة ~~مرد إلا هارون أخا موسى صلى الله عليهما وسلم فإن له لحية إلى سرته تخصيصا ~~له وتفضيلا # السادس تقصيصها كالتعبية طاقة على طاقة PageV01P144 # للتزين للنساء والتصنع قال كعب يكون في آخر الزمان أقوام يقصون لحاهم ~~كذنب الحمامة ويعرقبون نعالهم كالمناجل أولئك لا خلاق لهم # السابع الزيادة فيها وهو أن يزيد في شعر العارضين من الصدغين وهو من شعر ~~الرأس حتى يجاوز عظم اللحى وينتهي إلى نصف الخد وذلك يباين هيئة أهل الصلاح # الثامن تسريحها لأجل الناس قال بشر في اللحية شركان تسريحها لأجل الناس ~~وتركها متفتلة لإظهار الزهد # التاسع والعاشر النظر في سوادها أو في بياضها بعين العجب وذلك مذموم في ~~جميع أجزاء البدن بل في جميع الأخلاق والأفعال على ما سيأتي بيانه فهذا ما ~~أردنا أن نذكره من أنواع التزين والنظافة وقد حصل من ثلاثة أحاديث من سنن ~~الجسد اثنتا عشرة خصلة خمس منها في الرأس وهي فرق شعر الرأس (1) والمضمضة ~~والاستنشاق (2) وقص الشارب والسواك وثلاثة في اليد والرجل وهي القلم وغسل ~~البراجم وتنظيف الرواجب (3) وأربعة في الجسد وهي نتف الإبط والاستحداد ~~والختان والاستنجاء بالماء فقد وردت الأخبار بمجموع ذلك وإذا كان غرض هذا ~~الكتاب التعرض للطهارة الظاهرة دون الباطنة ms0244 فلنتقصر على هذا وليتحقق أن ~~فضلات الباطن وأوساخه التي يجب التنظيف منها أكثر من أن تحصى وسيأتي ~~تفصيلها في ربع المهلكات مع تعريف الطرق في إزالتها وتطهير القلب منها إن ~~شاء الله عز وجل # تم كتاب أسرار الطهارة بحمد الله تعالى وعونه # ويتلوه إن شاء الله تعالى كتاب أسرار الصلاة والحمد لله وحده وصلى الله ~~على سيدنا محمد وعلى كل عبد مصطفى ### || كتاب أسرار الصلاة ومهماتها # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي غمر العباد بلطائفه وعمر قلوبهم بأنوار الدين ووظائفه ~~التي تنزل عن عرش الجلال إلى السماء الدنيا من درجات الرحمة إحدى عواطفه ~~فارق الملوك مع التفرد بالجلال والكبرياء بترغيب الخلق في السؤال والدعاء ~~فقال هل من داع فأستجيب له وهل من مستغفر فأغفر له وباين السلاطين بفتح ~~الباب ورفع الحجاب فرخص للعباد في المناجاة بالصلوات كيفما تقلبت بهم ~~الحالات في الجماعات والخلوات ولم يقتصر على الرخصة بل تلطف بالترغيب ~~والدعوة وغيره من ضعفاء الملوك لا يسمح بالخلوة إلا بعد تقديم الهدية ~~والرشوة فسبحانه ما أعظم شأنه وأقوى سلطانه وأتم لطفه وأعم إحسانه والصلاة ~~على محمد نبيه المصطفى ووليه المجتبى وعلى آله وأصحابه مفاتيح الهدى ~~ومصابيح الدجى وسلم تسليما # أما بعد فإن الصلاة عماد الدين وعصام اليقين ورأس القربات وغرة الطاعات ~~وقد استقصينا في فن الفقه في بسيط المذهب ووسيطه ووجيزه أصولها وفروعها ~~صارفين جمام العناية إلى تفاريعها النادرة # ووقائعها الشاذة لتكون خزانة للمفتي منها يستمد ومعولا له إليها يفزع ~~ويرجع # ونحن الآن PageV01P145 # في هذا الكتاب نقتصر على ما لا بد للمريد منه من أعمالها الظاهرة ~~وأسرارها الباطنة وكاشفون من دقائق معانيها الخفية في معاني الخشوع ~~والإخلاص والنية ما لم تجر العادة بذكره في فن الفقه ومرتبون الكتاب على ~~سبعة أبواب # الباب الأول في فضائل الصلاة # الباب الثاني في تفضيل الأعمال الظاهرة من الصلاة # الباب الثالث في تفضيل الأعمال الباطنة منها # الباب الرابع في الإمامة والقدوة # الباب الخامس في صلاة الجمعة وأدابها # الباب السادس في مسائل متفرقة تعم بها ms0245 البلوى يحتاج المريد إلى معرفتها # الباب السابع في التطوعات وغيرها ### ||| الباب الأول في فضائل الصلاة السجود والجماعة والأذان وغيرها ### |||| فضيلة الأذان # قال صلى الله عليه وسلم ثلاثة يوم القيامة على كثيب من مسك أسود لا ~~يهولهم حساب ولا ينالهم فزع حتى يفرغ مما بين الناس رجل قرأ القرآن ابتغاء ~~وجه الله عز وجل وأم بقوم وهم به راضون ورجل أذن في مسجد ودعا إلى الله عز ~~وجل ابتغاء وجه الله ورجل ابتلي بالرزق في الدنيا فلم يشغله ذلك عن عمل ~~الآخرة (1) وقال صلى الله عليه وسلم لا يسمع نداء المؤذن جن ولا إنس ولا ~~شيء إلا شهد له يوم القيامة (2) وقال صلى الله عليه وسلم يد الرحمن على رأس ~~المؤذن حتى يفرغ من أذانه (3) وقيل في تفسير قوله عز وجل ومن أحسن قولا ممن ~~دعا إلى الله وعمل صالحا نزلت في المؤذنين وقال صلى الله عليه وسلم إذا ~~سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن (4) وذلك مستحب إلا في الحيعلتين ~~فإنه يقول فيهما لا حول ولا قوة إلا بالله وفي قوله قد قامت الصلاة أقامها ~~الله وأدامها ما دامت السموات والأرض وفي التثويب صدقت وبررت ونصحت وعند ~~الفراغ يقول اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة ~~والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف ~~الميعاد # وقال سعيد بن المسيب من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك ~~فإن أذن وأقام صلى وراءه أمثال الجبال من الملائكة ### |||| فضيلة المكتوبة # قال الله تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا وقال صلى الله ~~عليه وسلم خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئا ~~استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له ~~عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة (5) وقال صلى الله عليه وسلم ~~مثل الصلوات الخمس كمثل نهر عذب غمر بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس ms0246 مرات ~~فما ترون ذلك يبقي من درنه قالوا لا شيء قال صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P146 # فإن الصلوات الخمس تذهب الذنوب كما يذهب الماء الدرن (1) وقال صلى الله ~~عليه وسلم إن الصلوات كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر (2) وقال صلى الله ~~عليه وسلم بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما (3) ~~وقال صلى الله عليه وسلم من لقي الله وهو مضيع للصلاة لم يعبأ الله بشيء من ~~حسناته (4) وقال صلى الله عليه وسلم الصلاة عماد الدين فمن تركها فقد هدم ~~الدين (5) وسئل صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل فقال الصلاة لمواقيتها ~~(6) وقال صلى الله عليه وسلم من حافظ على الخمس بإكمال طهورها ومواقيتها ~~كانت له نورا وبرهانا يوم القيامة ومن ضيعها حشر مع فرعون وهامان (7) وقال ~~صلى الله عليه وسلم مفتاح الجنة الصلاة (8) وقال ما افترض الله على خلقه ~~بعد التوحيد أحب إليه من الصلاة ولو كان شيء أحب إليه منها لتعبد به ~~ملائكته فمنهم راكع ومنهم ساجد ومنهم قائم وقاعد (9) وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم من ترك صلاة متعمدا فقد كفر (10) أي قارب أن ينخلع عن الإيمان ~~بانحلال عروته وسقوط عماده كما يقال لمن قارب البلدة إنه بلغها ودخلها # وقال صلى الله عليه وسلم من ترك صلاة متعمدا فقد برىء من ذمة محمد عليه ~~السلام (11) وقال أبو هريرة رضي الله عنه من توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا ~~إلى الصلاة فإنه في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة وأنه يكتب له بإحدى خطوتيه ~~حسنة وتمحى عنه بالأخرى سيئة فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا ينبغي له أن يتأخر ~~فإن أعظمكم أجرا أبعدكم دارا قالوا لم يا أبا هريرة قال من أجل كثرة الخطا # ويروى إن أول ما ينظر فيه من عمل العبد يوم القيامة الصلاة (12) فإن وجدت ~~تامة قبلت منه وسائر عمله وإن وجدت ناقصة ردت عليه وسائر عمله وقال صلى ~~الله عليه وسلم يا أبا هريرة مر أهلك بالصلاة فإن الله يأتيك بالرزق من حيث ~~لا تحتسب (13) وقال ms0247 بعض العلماء مثل المصلي مثل التاجر الذي لا يحصل له ~~الربح حتى يخلص له رأس المال وكذلك المصلي لا تقبل له نافلة حتى يؤدي ~~الفريضة # وكان أبو بكر رضي الله عنه يقول إذا حضرت الصلاة قوموا إلى ناركم التي ~~أوقدتموها فأطفئوها ### |||| فضيلة إتمام الأركان # قال صلى الله عليه وسلم مثل الصلاة المكتوبة كمثل الميزان من أوفى استوفى ~~(14) وقال يزيد الرقاشي كانت PageV01P147 # صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مستوية كأنها موزونة (1) وقال صلى ~~الله عليه وسلم إن الرجلين من أمتي ليقومان إلى الصلاة وركوعهما وسجودهما ~~واحد وإن ما بين صلاتيهما ما بين السماء والأرض (2) وأشار إلى الخشوع وقال ~~صلى الله عليه وسلم لا ينظر الله يوم القيامة إلى العبد لا يقيم صلبه بين ~~ركوعه وسجوده (3) وقال صلى الله عليه وسلم أما يخاف الذي يحول وجهه في ~~الصلاة أن يحول الله وجهه وجه حمار (4) وقال صلى الله عليه وسلم من صلى ~~صلاة لوقتها وأسبغ وضوءها وأتم ركوعها وسجودها وخشوعها عرجت وهي بيضاء ~~مسفرة تقول حفظك الله كما حفظتني ومن صلى لغير وقتها ولم يسبغ وضوءها ولم ~~يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها عرجت وهي سوداء مظلمة تقول ضيعك الله كما ~~ضيعتني حتى إذا كانت حيث شاء الله لفت كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجهه ~~(5) وقال صلى الله عليه وسلم أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته (6) وقال ~~ابن مسعود رضي الله عنه وسلمان رضي الله عنه الصلاة مكيال فمن أوفى استوفى ~~ومن طفف فقد علم ما قال الله في المطففين ### |||| فضيلة الجماعة # قال صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ~~(7) وروى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم فقد ناسا في بعض الصلوات فقال ~~لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها فأحرق ~~عليهم بيوتهم (8) وفي رواية أخرى ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها فآمر بهم ~~فتحرق عليهم بيوتهم بحزم الحطب ولو علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو ~~مرماتين ms0248 لشهدها يعني صلاة العشاء # وقال عثمان رضي الله عنه مرفوعا من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة ومن ~~شهد الصبح فكأنما قام ليلة (9) وقال صلى الله عليه وسلم من صلى صلاة في ~~جماعة فقد ملأ نحره عبادة (10) وقال سعيد بن المسيب ما أذن مؤذن منذ عشرين ~~سنة إلا وأنا في المسجد # وقال محمد بن واسع ما أشتهي من الدنيا إلا ثلاثة أخا إنه إن تعوجت قومني ~~وقوتا من الرزق عفوا من غير تبعة وصلاة في جماعة يرفع عني سهوها ويكتب لي ~~فضلها # وروي أن أبا عبيدة بن الجراح أم قوما مرة فلما انصرف قال ما زال الشيطان ~~بي آنفا حتى أريت أن لي فضلا عن غيري لا أؤم أبدا # وقال الحسن لا تصلوا خلف رجل لا يختلف إلى العلماء # وقال النخعي مثل الذي يؤم الناس بغير علم مثل الذي يكيل الماء في البحر ~~لا يدري PageV01P148 # زيادته من نقصانه وقال حاتم الأصم فاتتني الصلاة في الجماعة فعزاني أبو ~~إسحاق البخاري وحده ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشر آلاف لأن مصيبة ~~الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا # وقال ابن عباس رضي الله عنهما من سمع المنادي فلم يجب لم يرد خيرا لم يرد ~~به خير # وقال أبو هريرة رضي الله عنه لأن تملأ أذن ابن آدم رصاصا مذابا خير له من ~~أن يسمع النداء ثم لا يجيب # وروي أن ميمون بن مهران أتى المسجد فقيل له إن الناس قد انصرفوا فقال إنا ~~لله وإنا إليه راجعون لفضل هذه الصلاة أحب إلي من ولاية العراق # وقال صلى الله عليه وسلم من صلى أربعين يوما الصلوات في جماعة لا تفوته ~~فيها تكبيرة الإحرام كتب الله له براءتين براءة من النفاق وبراءة من النار ~~(1) ويقال إنه إذا كان يوم القيامة يحشر قوم وجوههم كالكوكب الدري فتقول ~~لهم الملائكة ما كانت أعمالكم فيقولون كنا إذا سمعنا الأذان قمنا إلى ~~الطهارة لا يشغلنا غيرها ثم تحشر طائفة وجوههم كالأقمار فيقولون بعد السؤال ~~كنا نتوضأ ms0249 قبل الوقت ثم تحشر طائفة وجوههم كالشمس فيقولون كنا نسمع الأذان ~~في المسجد # وروي أن السلف كانوا يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى ~~ويعزون سبعا إذا فاتتهم الجماعة ### |||| فضيلة السجود # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقرب العبد إلى الله بشيء أفضل من ~~سجود خفي (2) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مسلم يسجد لله سجدة ~~إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها سيئة (3) وروي أن رجلا قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ادع الله أن يجعلني من أهل شفاعتك وأن يرزقني مرافقتك ~~في الجنة فقال صلى الله عليه وسلم أعني بكثرة السجود (4) وقيل إن أقرب ما ~~يكون العبد من الله تعالى أن يكون ساجدا (5) وهو معنى قوله عز وجل واسجد ~~واقترب وقال عز وجل سيماهم في وجوههم من أثر السجود فقيل هو ما يلتصق ~~بوجوههم من الأرض عند السجود وقيل هو نور الخشوع فإنه يشرق من الباطن على ~~الظاهر وهو الأصح وقيل هي الغرر التي تكون في وجوههم يوم القيامة من أثر ~~الوضوء وقال صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان ~~يبكي ويقول يا ويلاه أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت أنا بالسجود ~~فعصيت فلي النار (6) ويروى عن علي بن عبد الله بن عباس أنه كان يسجد في كل ~~يوم ألف سجدة وكانوا يسمونه السجاد # ويروى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان لا يسجد إلا على التراب # وكان يوسف بن أسباط يقول يا معشر الشباب بادروا بالصحة قبل المرض فما بقي ~~أحد أحسده إلا رجل يتم ركوعه وسجوده وقد حيل بيني وبين ذلك # وقال سعيد بن جبير ما آسى على شيء من الدنيا إلا على السجود # وقال عقبة بن مسلم ما من خصلة في العبد أحب إلى الله عز وجل من رجل يحب ~~لقاء الله عز وجل وما من ساعة العبد فيها أقرب إلى الله عز وجل PageV01P149 # منه حيث يخر ساجدا # وقال ms0250 أبو هريرة رضي الله عنه أقرب ما يكون للعبد إلى الله عز وجل إذا سجد ~~فأكثروا الدعاء عند ذلك ### |||| فضيلة الخشوع # قال الله تعالى وأقم الصلاة لذكري وقال تعالى ولا تكن من الغافلين وقال ~~عز وجل لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون قيل سكارى من ~~كثرة الهم وقيل من حب الدنيا # وقال وهب المراد به ظاهره ففيه تنبيه على سكر الدنيا إذ بين فيه العلة ~~فقال حتى تعلموا ما تقولون وكم من مصل لم يشرب خمرا وهو لا يعلم ما يقول في ~~صلاته # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من صلى ركعتين لم يحدث نفسه فيهما بشيء من ~~الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه (1) وقال صلى الله عليه وسلم إنما الصلاة ~~تمسكن وتواضع وتضرع وتأوه وتنادم وتضع يديك فتقول اللهم اللهم فمن لم يفعل ~~فهي خداج (2) وروي عن الله سبحانه في الكتب السالفة أنه قال ليس كل مصل ~~أتقبل صلاته إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يتكبر على عبادي وأطعم ~~الفقير الجائع لوجهي وقال صلى الله عليه وسلم إنما فرضت الصلاة وأمر بالحج ~~والطواف وأشعرت المناسك لإقامة ذكر الله تعالى فإذا لم يكن في قلبك للمذكور ~~الذي هو المقصود والمبتغى عظمة ولا هيبة فما قيمة ذكرك (3) وقال صلى الله ~~عليه وسلم للذي أوصاه وإذا صليت فصل صلاة مودع (4) أي مودع لنفسه مودع ~~لهواه مودع لعمره سائر إلى مولاه كما قال عز وجل {يا أيها الإنسان إنك كادح ~~إلى ربك كدحا فملاقيه} وقال تعالى {واتقوا الله ويعلمكم الله} وقال تعالى ~~{واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه} وقال صلى الله عليه وسلم من لم تنهه ~~صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا (5) والصلاة مناجاة ~~فكيف تكون مع الغفلة وقال بكر بن عبد الله يا ابن آدم إذاشئت أن تدخل على ~~مولاك بغير إذن وتكلمه بلا ترجمان دخلت قيل وكيف ذلك قال تسبغ وضوءك وتدخل ~~محرابك فإذا أنت قد دخلت على مولاك بغير إذن فتكلمه بغير ms0251 ترجمان # وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا ~~ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه (6) اشتغالا بعظمة الله ~~عز وجل وقال صلى الله عليه وسلم لا ينظر الله إلى صلاة لا يحضر الرجل فيها ~~قلبه مع بدنه (7) وكان إبراهيم الخليل إذا قام إلى الصلاة يسمع وجيب قلبه ~~على ميلين # وكان سعيد التنوخي إذا صلى لم تنقطع الدموع من خديه على لحيته ~~PageV01P150 # ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال لو ~~خشع قلب هذا لخشعت جوارحه (1) ويروى أن الحسن نظر إلى رجل يعبث بالحصى ~~ويقول اللهم زوجني الحور العين فقال بئس الخاطب أنت تخطب الحور العين وأنت ~~تعبث بالحصى # وقيل لخلف بن أيوب ألا يؤذيك الذباب في صلاتك فتطردها قال لا أعود نفسي ~~شيئا يفسد على صلاتي قيل له وكيف تصبر على ذلك قال بلغني أن الفساق يصبرون ~~تحت أسواط السلطان ليقال فلان صبور ويفتخرون بذلك فأنا قائم بين يدي ربي ~~أفأتحرك لذبابة ويروى عن مسلم بن يسار أنه كان إذا أراد الصلاة قال لأهله ~~تحدثوا أنتم فإني لست أسمعكم # ويروى عنه أنه كان يصلي يوما في جامع البصرة فسقطت ناحية من المسجد ~~فاجتمع الناس لذلك فلم يشعر به حتى انصرف من الصلاة # وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه إذا حضر وقت الصلاة يتزلزل ~~ويتلون وجهه فقيل له مالك يا أمير المؤمنين فيقول جاء وقت أمانة عرضها الله ~~على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها # ويروى عن علي بن الحسين أنه كان إذا توضأ اصفر لونه فيقول له أهله ما هذا ~~الذي يعتريك عند الوضوء فيقول أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم ويروى عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنه قال قال داود عليه السلام في مناجاته إلهي من يسكن ~~بيتك وممن تتقبل الصلاة فأوحى الله إليه يا داود إنما يسكن بيتي وأقبل ~~الصلاة منه من تواضع لعظمتي وقطع ms0252 نهاره بذكري وكف نفسه عن الشهوات من أجلي ~~يطعم الجائع ويؤوي الغريب ويرحم المصاب فذلك الذي يضيء نوره في السموات ~~كالشمس إن دعاني لبيته وإن سألني أعطيته أجعل له في الجهل حلما وفي الغفلة ~~ذكرا وفي الظلمة نورا وإنما مثله في الناس كالفردوس في أعلى الجنان لا نيبس ~~أنهارها ولا تتغير ثمارها ويروى عن حاتم الأصم رضي الله عنه أنه سئل عن ~~صلاته فقال إذا حانت الصلاة أسبغت الوضوء وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة ~~فيه فأقعد فيه حتى تجتمع جوارحي ثم أقوم إلى صلاتي وأجعل الكعبة بين حاجبي ~~والصراط تحت قدمي والجنة عن يميني والنار عن شمالي وملك الموت ورائي أظنها ~~آخر صلاتي ثم أقوم بين الرجاء والخوف وأكبر تكبيرا بتحقيق وأقرأ قراءة ~~بترتيل وأركع ركوعا بتواضع وأسجد سجودا بتخشع وأقعد على الورك الأيسر وأفرش ~~ظهر قدمها وأنصب القدم اليمنى على الإبهام وأتبعها الإخلاص ثم لا أدري ~~أقبلت مني أم لا وقال ابن عباس رضي الله عنهما ركعتان مقتصدتان في تفكر خير ~~من قيام ليلة والقلب ساه ### |||| فضيلة المسجد وموضع الصلاة # قال الله عز وجل {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} وقال ~~صلى الله عليه وسلم من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له قصرا في ~~الجنة (2) وقال صلى الله عليه وسلم من ألف المسجد ألفه الله تعالى (3) وقال ~~صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس (4) ~~وقال صلى الله عليه وسلم لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد (5) وقال صلى ~~الله عليه وسلم الملائكة تصلي على أحدكم ما دام PageV01P151 # في مصلاه الذي يصلي فيه تقول اللهم صل عليه اللهم ارحمه اللهم اغفر له ما ~~لم يحدث أو يخرج من المسجد (1) وقال صلى الله عليه وسلم يأتي في آخر الزمان ~~ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقا حلقا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا ~~لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة (2) وقال صلى الله عليه وسلم قال الله عز ~~وجل في بعض ms0253 الكتب إن بيوتي في أرضي المساجد وإن زواري فيها عمارها فطوبى ~~لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره (3) وقال ~~صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان (4) ~~وقال سعيد بن المسيب من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه فما حقه أن يقول إلا ~~خيرا # ويرى في الأثر أو الخبر الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهائم ~~الحشيش (5) وقال النخعي كانوا يرون أن المشي في الليلة المظلمة إلى المسجد ~~موجب للجنة وقال أنس بن مالك من أسرج في المسجد سراجا لم تزل الملائكة ~~وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوءه # وقال علي كرم الله وجهه إذا مات العبد يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد ~~عمله من السماء ثم قرأ {فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين} ~~وقال ابن عباس تبكي عليه الأرض أربعين صباحا # وقال عطاء الخراساني ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا ~~شهدت له يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت # وقال أنس بن مالك ما من بقعة يذكر الله تعالى عليها بصلاة أو ذكر إلا ~~افتخرت على ما حولها من البقاع واستبشرت بذكر الله عز وجل إلى منتهاها من ~~سبع أرضين وما من عبد يقوم يصلي إلا تزخرفت له الأرض ويقال ما من منزل ينزل ~~فيه قوم إلا أصبح ذلك المنزل يصلي عليهم أو يلعنهم ### ||| الباب الثاني في كيفية الأعمال الظاهرة من الصلاة والبداءة بالتكبير وما قبله # ينبغي للمصلي إذا فرغ من الوضوء والطهارة من الخبث في البدن والمكان ~~والثياب وستر العورة من السرة إلى الركبة أن ينتصب قائما متوجها إلى القبلة ~~ويزاوج بين قدميه ولا يضمهما فإن ذلك مما كان يستدل به على فقه الرجل وقد ~~نهى صلى الله عليه وسلم عن الصفن والصفد في الصلاة (6) والصفد هو اقتران ~~القدمين معا ومنه قوله تعالى {مقرنين في الأصفاد} والصفن هو رفع إحدى ~~الرجلين ومنه قوله عز وجل {الصافنات ms0254 الجياد} هذا ما يراعيه في رجليه عند ~~القيام ويراعى في ركبتيه ومعقد نطاقه الانتصاب وأما رأسه إن شاء تركه على ~~استواء القيام وإن شاء أطرق والإطراق أقرب للخشوع وأغض للبصر وليكن بصره ~~محصورا على مصلاه الذي يصلي عليه فإن لم يكن له PageV01P152 # مصلى فليقرب من جدار الحائط أو ليخط خطا فإن ذلك يقصر مسافة البصر ويمنع ~~تفوق الفكر وليحجر على بصره أن يجاوز أطراف المصلى وحدود الخط وليدم على ~~هذا القيام كذلك إلى الركوع من غير التفات # هذا أدب القيام فإذا استوى قيامه واستقباله وإطراقه كذلك فليقرأ {قل أعوذ ~~برب الناس} تحصنا به من الشيطان ثم ليأت بالإقامة وإن كان يرجو حضور من ~~يقتدي به فليؤذن أولا ثم ليحضر النية وهو أن ينوي في الظهر مثلا ويقول ~~بقلبه أؤدي فريضة الظهر لله ليميزها بقوله أؤدى عن القضاء وبالفريضة عن ~~النفل وبالظهر عن العصر وغيره ولتكن معاني هذه الألفاظ حاضرة في قلبه فإنه ~~هو النية والألفاظ مذكرات وأسباب لحضورها ويجتهد أن يستديم ذلك إلى آخر ~~التكبير حتى لا يعزب فإذا حضر في قلبه ذلك فليرفع يديه إلى حذو منكبيه بعد ~~إرسالهما بحيث يحاذي بكفيه منكبيه وبإبهاميه شحمتي أذنيه وبرؤوس أذنيه (1) ~~ليكون جامعا بين الأخبار الواردة فيه ويكون مقبلا بكفيه وإبهاميه إلى ~~القبلة ويبسط الأصابع ولا يقبضها ولا يتكلف فيها تفريجا ولا ضما بل يتركها ~~على مقتضى طبعها إذ نقل في الأثر النشر والضم (2) وهذا بينهما فهو أولى ~~وإذا استقرت اليدان في مقرهما ابتدأ التكبير مع إرسالهما وإحضار النية ثم ~~يضع اليدين على ما فوق السرة وتحت الصدر ويضع اليمنى على اليسرى إكراما ~~لليمنى بأن تكون محمولة وينشر المسبحة والوسطى من اليمنى على طول الساعد ~~ويقبض بالإبهام والخنصر والبنصر على كوع اليسرى وقد روي أن التكبير مع رفع ~~اليدين (3) مع استقرارهما (4) ومع الإرسال (5) فكل ذلك لا حرج فيه وأراه ~~بالإرسال أليق فإنه كلمة العقد ووضع إحدى اليدين على الأخرى في صورة العقد ~~ومبدؤه الإرسال وآخره الوضع # ومبدأ التكبير الألف وآخره الراء فيليق ms0255 مراعاة التطابق بين الفعل والعقد ~~وأما رفع اليد فكالمقدمة لهذه البداية # ثم لا ينبغي أن يرفع يديه إلى قدام رفعا عند التكبير ولا يردهما إلى خلف ~~منكبيه ولا ينفضهما عن يمين وشمال نفضا إذا فرغ من التكبير ويرسلهما إرسالا ~~خفيفا رفيقا ويستأنف وضع اليمين على الشمال بعد الإرسال وفي بعض الروايات ~~أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر أرسل يديه وإذا أراد أن يقرأ وضع ~~اليمنى على اليسرى (6) فإن صح هذا فهو أولى مما ذكرناه # وأما التكبير فينبغي أن يضم الهاء من قوله الله ضمة خفيفة من غير مبالغة ~~ولا يدخل بين الهاء والألف شبه الواو وذلك ينساق إليه بالمبالغة ولا يدخل ~~بين باء أكبر ورائه ألفا كأنه يقول أكبار ويجزم راء التكبير ولا يضمها فهذه ~~هيئة التكبير وما معه ### |||| القراءة # ثم يبتدىء بدعاء الاستفتاح وحسن أن يقول عقب قوله الله أكبر الله أكبر ~~كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان PageV01P153 # الله بكرة وأصيلا (1) وجهت وجهي إلى قوله وأنا من المسلمين (2) ثم يقول ~~سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ولا إله غيرك (3) ~~ليكون جامعا بين متفرقات ما ورد في الأخبار # وإن كان خلف الإمام اختصر إن لم يكن للإمام سكتة طويلة يقرأ فيها ثم يقول ~~أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يقرأ الفاتحة يبتدىء فيها ب بسم الله ~~الرحمن الرحيم بتمام تشديداتها وحروفها ويجتهد في الفرق بين الضاد والظاء ~~ويقول آمين في آخر الفاتحة ويمدها مدا ولا يصل آمين بقوله ولا الضالين وصلا # ويجهر بالقراءة في الصبح والمغرب والعشاء إلا أن يكون مأموما ويجهر ~~بالتأمين # ثم يقرأ السورة أو قدر ثلاث آيات من القرآن فما فوقها ولا يصل آخر السورة ~~بتكبير الهوى بأن يفصل بينهما بقدر قوله سبحان الله ويقرأ في الصبح من ~~السور الطوال من المفضل وفي المغرب من قصاره وفي الظهر والعصر والعشاء نحوه ~~والسماء ذات البروج وما قاربها # وفي الصبح في السفر قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد وكذلك في ركعتي ~~الفجر والطواف ms0256 والتحية وهو في جميع ذلك مستديم للقيام ووضع اليدين كما ~~وصفنا في أول الصلاة ### |||| الركوع ولواحقه # ثم يركع ويراعي فيه أمورا وهو أن يكبر للركوع وأن يرفع يديه مع تكبيرة ~~الركوع وأن يمد التكبير مدا إلى الانتهاء إلى الركوع وأن يضع راحتيه على ~~ركبتيه في الركوع وأصابعه منشورة موجهة نحو القبلة على طول الساق وأن ينصب ~~ركبتيه ولا يثنيهما وأن يمد ظهره مستويا وأن يكون عنقه ورأسه مستويين مع ~~ظهره كالصفيحة الواحدة لا يكون رأسه أخفض ولا أرفع وأن يجافي مرفقيه عن ~~جنبيه # وتضم المرأة مرفقيها إلى جنبيها # وأن يقول سبحان ربي العظيم ثلاثا والزيادة إلى السبعة وإلى العشرة حسن إن ~~لم يكن إماما ثم يرتفع من الركوع إلى القيام ويرفع يديه ويقول سمع الله لمن ~~حمده ويطمئن في الاعتدال ويقول ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ~~ما شئت من شيء بعد ولا يطول هذا القيام إلا في صلاة التسبيح والكسوف والصبح # ويقنت في الصبح في الركعة الثانية بالكلمات المأثورة قبل ### |||| السجود # (4) # السجود # ثم يهوي إلى السجود مكبرا فيضع ركبتيه على الأرض ويضع جبهته وأنفه وكفيه ~~مكشوفة ويكبر عند الهوي ولا يرفع يديه في غير الركوع وينبغي أن يكون أول ما ~~يقع منه على الأرض ركبتاه وأن يضع بعدهما يديه ثم يضع بعدهما وجهه وأن يضع ~~جبهته وأنفه على الأرض وأن يجافي مرفقيه عن جنبيه ولا تفعل المرأة ذلك # وأن يفرج بين رجليه ولا تفعل المرأة ذلك # وأن يكون في سجوده مخويا على الأرض ولا تكون المرأة مخوية PageV01P154 # والتخوية رفع البطن عن الفخذين والتفريج بين الركبتين # وأن يضع يديه على الأرض حذاء منكبيه ولا يفرج بين أصابعهما بل يضمهما ~~ويضم الإبهام إليهما وإن لم يضم الإبهام فلا بأس ولا يفترش ذراعيه على ~~الأرض كما يفترش الكلب (1) فإنه منهي عنه # وأن يقول سبحان ربي الأعلى ثلاثا فإن زاد فحسن إلا أن يكون إماما # ثم يرفع من السجود فيطمئن جالسا معتدلا فيرفع رأسه مكبرا ويجلس على رجله ~~اليسرى وينصب قدمه ms0257 اليمنى ويضع يديه على فخذيه والأصابع منشورة ولا يتكلف ~~ضمها ولا تفريجها # ويقول رب اغفر لي وارحمني وارزقني واهدني واجبرني وعافني واعف عني ولا ~~يطول هذه الجلسة إلا في سجود التسبيح # ويأتي بالسجدة الثانية كذلك ويستوي منها جالسا جلسة خفيفة للاستراحة في ~~كل ركعة لا تشهد عقيبها # ثم يقوم فيضع اليد على الأرض ولا يقدم إحدى رجليه في حال الارتفاع ويمد ~~التكبير حتى يستغرق ما بين وسط ارتفاعه من القعود إلى وسط ارتفاعه إلى ~~القيام # بحيث تكون الهاء من قوله الله عند استوائه جالسا وكاف أكبر عند اعتماده ~~على اليدللقيام وراء أكبر في وسط ارتفاعه إلى القيام ويبتدىء في وسط ~~ارتفاعه إلى القيام حتى يقع التكبير في وسط انتقاله ولا يخلو عنه إلا طرفاه ~~وهو أقرب إلى التعميم # ويصلي الركعة الثانية كالأولى ويعيد التعوذ كالابتداء # التشهد # ثم يتشهد في الركعة الثانية التشهد الأول # ثم يصلي عى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله ويضع يده اليمنى على ~~فخذه اليمنى ويقبض أصابعه اليمنى إلا المسبحة ولا بأس بإرسال الإبهام أيضا ~~ويشير بمسبحة يمناه وحدها عند قوله إلا الله لا عند قوله لا إله ويجلس في ~~هذا التشهد على رجله اليسرى كما بين السجدتين # وفي التشهد الأخير يستكمل الدعاء المأثور (2) بعد الصلاة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وسننه كسنن ### |||| التشهد # الأول لكن يجلس في الأخير على وركه الأيسر لأنه ليس مستوفزا للقيام بل هو ~~مستقر ويضجع رجله اليسرى خارجة من تحته وينصب اليمنى ويضع رأس الإبهام إلى ~~جهة القبلة إن لم يشق عليه # ثم يقول السلام عليكم ورحمة الله ويلتفت يمينا بحيث يرى خده الأيمن من ~~وراءه من الجانب اليمين ويلتفت شمالا كذلك # ويسلم تسليمة ثانية وينوي الخروج من الصلاة بالسلام وينوي بالسلام من على ~~يمينه الملائكة والمسلمين في الأولى وينوي مثل ذلك في الثانية # ويجزم التسليم (3) ولا يمده مدا فهو السنة # وهذه هيئة صلاة المنفرد ويرفع صوته بالتكبيرات ولا يرفع صوته إلا بقدر ما ~~يسمع نفسه وينوي الإمام الإمامة ms0258 لينال الفضل فإن لم ينو صحت صلاة القوم إذا ~~نووا الاقتداء ونالوا فضل الجماعة ويسر بدعاء الاستفتاح والتعوذ كالمنفرد ~~ويجهر بالفاتحة والسورة في جميع الصبح وأوليي العشاء والمغرب وكذلك المنفرد # ويجهر بقوله آمين في الصلاة الجهرية وكذلك المأموم # ويقرن المأموم تأمينه بتأمين الإمام معا لا تعقيبا # ويسكت الإمام سكتة عقيب الفاتحة ليثوب إليه نفسه ويقرأ المأموم الفاتحة ~~في الجهرية في هذه السكتة ليتمكن من الاستماع عند قراءة الإمام # ولايقرأ المأموم السور في الجهرية إلا إذا لم يسمع صوت الإمام # ويقول الإمام سمع الله لمن حمده عند رفع رأسه من الركوع وكذا المأموم # ولا يزيد الإمام على الثلاث في تسبيحات الركوع والسجود ولا يزيد ~~PageV01P155 # في التشهد الأول بعد قوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ويقتصر في ~~الركعتين الأخيرتين على الفاتحة ولا يطول على القوم ولا يزيد في دعائه في ~~التشهد الأخير على قدر التشهد والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم # وينوي عند السلام السلام على القوم والملائكة # وينوي القوم بتسليمهم جوابه ويثبت الإمام ساعة حتى يفرغ الناس من السلام ~~ويقبل على الناس بوجهه # والأولى أن يثبت إن كان خلف الرجال نساء لينصرفن قبله # ولا يقوم واحد من القوم حتى يقوم # وينصرف الإمام حيث يشاء عن يمينه وشماله واليمين أحب إلي # ولا يخص الإمام نفسه بالدعاء في قنوت الصبح بل يقول اللهم اهدنا ويجهر به ~~ويؤمن القوم ويرفعون أيديهم حذاء الصدور ويمسح لوجه عند ختم الدعاء # لحديث نقل فيه وإلا فالقياس أن لا يرفع اليد كما في آخر التشهد المنهيات # نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصفن في الصلاة والصفد وقد ~~ذكرناهما وعن الإقعاء (1) وعن السدل (2) والكفت (3) وعن الاختصار (4) وعن ~~الصلب (5) وعن المواصلة (6) وعن صلاة الحاقن (7) والحاقب (8) والحازق (9) ~~وعن صلاة الجائع والغضبان والمتلثم (10) وهو ستر الوجه # أما الإقعاء فهو عند أهل اللغة أن يجلس على وركيه وينصب ركبتيه ويجعل ~~يديه على الأرض كالكلب # وعند أهل الحديث أن يجلس على ساقيه جاثيا وليس على الأرض منه إلا ms0259 رؤوس ~~أصابع الرجلين والركبتين # وأما السدل فمذهب أهل الحديث فيه أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل ~~فيركع ويسجد كذلك # وكان هذا فعل اليهود في صلاتهم فنهوا عن التشبه بهم # والقميص في معناه فلا ينبغي أن يركع ويسجد ويداه في بدن القميص # وقيل معناه أن يضع وسط الإزار على رأسه ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من ~~غير أن يجعلهما على كتفيه # والأول أقرب # وأما الكف فهو أن يرفع ثيابه من بين يديه أو من خلفه إذا أراد السجود # وقد يكون الكف في شعر الرأس فلا يصلين وهو عاقص شعره والنهى للرجال # وفي الحديث {أمرت} PageV01P156 # أن أسجد على سبعة أعضاء ولا أكفت شعرا ولا ثوبا (1) وكره أحمد بن حنبل ~~رضي الله عنه إن يأتزر فوق القميص في الصلاة ورآه من الكفت وأما الاختصار ~~فأن يضع يديه على خاصرتيه # وأما الصلب فأن يضع يديه على خاصرتيه في القيام ويجافي بين عضديه في ~~القيام # وأما المواصلة فهي خمسة اثنان على الإمام أن لا يصل قراءته بتكبيرة ~~الإحرام ولا ركوعه بقراءته واثنان على المأموم أن لا يصل تكبيرة الإحرام ~~بتكبيرة الإمام ولا تسليمه بتسليمه وواحدة بينهما أن لا يصل تسليمة الفرض ~~بالتسليمة الثانية وليفصل بينهما # وأما الحاقن فمن البول والحاقب من الغائط والحازق صاحب الخف الضيق # فإن كل ذلك يمنع من الخشوع # وفي معناه الجائع والمهتم # وفهم نهي الجائع من قوله صلى الله عليه وسلم إذا حضر العشاء وأقيمت ~~الصلاة فابدءوا بالعشاء إلا أن يضيق الوقت أو يكون ساكن القلب (2) وفي ~~الخبر لا يدخلن أحدكم الصلاة وهو مقطب ولا يصلين أحدكم وهو غضبان (3) وقال ~~الحسن كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع # وفي الحديث سبعة أشياء في الصلاة من الشيطان الرعاف والنعاس والوسوسة ~~والتثاؤب والحكاك والالتفات والعبث بالشيء (4) وزاد بعضهم السهو والشك وقال ~~بعض السلف أربعة في الصلاة من الجفاء الالتفات ومسح الوجه وتسوية الحصى وأن ~~تصلي بطريق من يمر بين يديك ونهى أيضا عن أن يشبك أصابعه (5) أو يفرقع ~~أصابعه ms0260 (6) أو يستر وجهه (7) أو يضع إحدى كفيه على الأخرى يدخلهما بين ~~فخذيه في الركوع (8) وقال بعض الصحابة رضي الله عنهم كنا نفعل ذلك فنهينا ~~عنه # ويكره أيضا أن ينفخ في الأرض عند السجود للتنظيف وأن يسوي الحصى بيده ~~فإنها أفعال مستغنى عنها ولا يرفع إحدى قدميه فيضعها على فخذه ولا يستند في ~~قيامه إلى حائط فإن استند بحيث لو سل ذلك الحائط لسقط فالأظهر بطلان صلاته ~~والله أعلم ### |||| تمييز الفرائض والسنن # جملة ما ذكر يشتمل على فرائض وسنن وآداب وهيئات مما ينبغي لمريد طريق ~~الآخرة أن يراعي جميعها # فالفرض من جملتها اثنتا عشرة خصلة النية والتكبير والقيام والفاتحة ~~والانحناء في الركوع إلى أن تنال راحتاه ركبتيه مع الطمأنينة والاعتدال عنه ~~قائما والسجود مع الطمأنينة ولا يجب وضع اليدين والاعتدال عنه قاعدا ~~والجلوس للتشهد الأخير والتشهد الأخير والصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم والسلام الأول # فأما نية الخروج فلا تجب وما عدا هذا فليس بواجب بل هي سنن وهيئات فيها ~~وفي الفرائض أما السنن فمن الأفعال أربعة رفع اليدين في تكبيرة الإحرام ~~وعند الهوي إلى الركوع وعند الارتفاع إلى القيام والجلسة للتشهد الأول # فأما ما ذكرناه من كيفية PageV01P157 # نشر الأصابع وحد رفعها فهي هيئات تابعة لهذه السنة والتورك والافتراش ~~هيئات تابعة للجلسة والإطراق وترك الالتفات هيئات للقيام وتحسين صورته ~~وجلسة الاستراحة لم نعدها من أصول السنة في الأفعال لأنها كالتحسين لهيئة ~~الارتفاع من السجود إلى القيام لأنها ليست مقصودة في نفسها ولذلك لم تفرد ~~بذكر # وأما السنن من الأذكار فدعاء الاستفتاح ثم التعوذ ثم قوله آمين فإنه سنة ~~مؤكدة ثم قراءة السورة ثم تكبيرات الانتقالات ثم الذكر في الركوع والسجود ~~والاعتدال عنهما ثم التشهد الأول والصلاة فيه على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم الدعاء في آخر التشهد الأخير ثم التسليمة الثانية وإن جمعناها في اسم ~~السنة فلها درجات متفاوتة إذ تجبر أربعة منها بسجود السهو # وأما من الأفعال فواحدة وهي الجلسة الأولى للتشهد الأول فإنها مؤثرة في ~~ترتيب نظم ms0261 الصلاة في أعين الناظرين حتى يعرف بها أنها رباعية أم لا بخلاف ~~رفع اليدين فإنه لا يؤثر في تغيير النظم فعبر عن ذلك بالبعض # وقيل الأبعاض تجبر بالسجود وأما الأذكار فكلها لا تقتضي سجود السهو إلا ~~ثلاثة القنوت والتشهد الأول والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه ~~بخلاف تكبيرات الانتقالات وأذكار الركوع والسجود والاعتدال عنهما لأن ~~الركوع والسجود في صورتهما مخالفان للعادة ويحصل بهما معنى العبادة مع ~~السكوت عن الأذكار وعن تكبيرات الانتقالات فعدم تلك الأذكار لا تغير صورة ~~العبادة # وأما الجلسة للتشهد الأول ففعل معتاد وما زيدت إلا للتشهد فتركها ظاهر ~~التأثير # وأما دعاء الاستفتاح والسورة فتركهما لا يؤثر مع أن القيام صار معمورا ~~بالفاتحة ومميزا عن العادة بها وكذلك الدعاء في التشهد الأخير والقنوت أبعد ~~ما يجبر بالسجود ولكن شرع مد الاعتدال في الصبح لأجله فكان كمد جلسة ~~الاستراحة إذ صارت بالمد مع التشهد جلسة للتشهد الأول # فبقي هذا قياما ممدودا معتادا ليس فيه ذكر واجب وفي الممدود احتراز عن ~~غير الصبح وفي خلوه عن ذكر واجب احتراز عن أصل القيام في الصلاة # فإن قلت تمييز السنن عن الفرائض معقول إذ تفوت الصحة بفوت الفرض دون ~~السنة ويتوجه العقاب به دونها فأما تمييز سنة عن سنة والكل مأمور به على ~~سبيل الاستحباب ولا عقاب في ترك الكل والثواب موجود على الكل فما معناه ~~فاعلم أن اشتراكهما في الثواب والعقاب والاستحباب لا يرفع تفاوتهما ولنكشف ~~ذلك لك بمثال وهو أن الإنسان لا يكون إنسانا موجودا كاملا إلا بمعنى باطن ~~وأعضاء ظاهرة فالمعنى الباطن هو الحياة والروح والظاهر أجسام أعضائه # ثم بعض تلك الأعضاء ينعدم الإنسان بعدمها كالقلب والكبد والدماغ وكل عضو ~~تفوت الحياة بفواته وبعضها لا تفوت بها الحياة ولكن يفوت بها مقاصد الحياة ~~كالعين واليد والرجل واللسان وبعضها لا يفوت بها الحياة ولا مقاصدها ولكن ~~يفوت بها الحسن كالحاجبين واللحية والأهداب وحسن اللون وبعضها لا يفوت بها ~~أصل الجمال ولكن كماله كاستقواس الحاجبين وسواد شعر اللحية والأهداب ms0262 وتناسب ~~خلقة الأعضاء وامتزاج الحمرة بالبياض في اللون فهذه درجات متفاوتة فكذلك ~~العبادة صورة صورها الشرع وتعبدنا باكتسابها فروحها وحياتها الباطنة الخشوع ~~والنية وحضور القلب والإخلاص كما سيأتي ونحن الآن في أجزائها الظاهرة ~~فالركوع والسجود والقيام وسائر الأركان تجري منها مجرى القلب والرأس والكبد ~~إذ يفوت وجود الصلاة بفواتها # والسنن التي ذكرناها من رفع اليدين ودعاء الاستفتاح والتشهد الأول تجري ~~منها مجرى اليدين والعينين والرجلين ولا تفوت الصحة بفواتها كما لا تفوت ~~الحياة بفوات هذه الأعضاء ولكن يصير الشخص بسبب فواتها مشوه الخلقة مذموما ~~غير مرغوب فيه فكذلك من اقتصر على أقل ما يجزي من الصلاة كان كمن أهدى إلى ~~ملك من الملوك عبدا حيا مقطوع الأطراف # وأما الهيئات وهي ما وراء السنن فتجري مجرى أسباب الحسن من الحاجبين ~~واللحية والأهداب PageV01P158 # وحسن اللون وأما وظائف الأذكار في تلك السنن فهي مكملات للحسن كاستقواس ~~الحاجبين واستدارة اللحية وغيرهما # فالصلاة عندك قربة وتحفة تتقرب بها إلى حضرة ملك الملوك كوصيفة يهديها ~~طالب القربة من السلاطين إليهم وهذه التحفة تعرض على الله عز وجل # ثم ترد عليك يوم العرض الأكبر فإليك الخيرة في تحسين صورتها وتقبيحها # فإن أحسنت فلنفسك وإن أسأت فعليها # ولا ينبغي أن يكون حظك من ممارسة الفقه أن يتميز لك السنة عن الفرض فلا ~~يعلق بفهمك من أوصاف السنة إلا أنه يجوز تركها فتتركها فإن ذلك يضاهي قول ~~الطبيب إن فقء العين لا يبطل وجود الإنسان ولكن يخرجه عن أن يصدق رجاء ~~المتقرب في قبول السلطان إذا أخرجه في معرض الهدية فهكذا ينبغي أن تفهم ~~مراتب السنن والهيئات والآداب فكل صلاة لم يتم الإنسان ركوعها وسجودها فهي ~~الخصم الأول على صاحبها تقول ضيعك الله كما ضيعتني # فطالع الأخبار التي أوردناها في كمال أركان الصلاة ليظهر لك وقعها ### ||| الباب الثالث في الشروط الباطنة من أعمال القلب # ولنذكر في هذا الباب ارتباط الصلاة بالخشوع وحضور القلب # ثم نذكر المعاني الباطنة وحدودها وأسبابها وعلاجها # ثم لنذكر تفصيل ما ينبغي أن يحضر في كل ms0263 ركن من أركان الصلاة لتكون صالحة ~~لزاد الآخرة ### |||| بيان اشتراط الخشوع وحضور القلب # اعلم أن أدلة ذلك كثيرة فمن ذلك قوله تعالى أقم الصلاة لذكري وظاهر الأمر ~~الوجوب والغفلة تضاد الذكر فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيما للصلاة ~~لذكره وقوله تعالى ولا تكن من الغافلين نهي وظاهره التحريم وقوله عز وجل ~~حتى تعلموا ما تقولون تعليل لنهي السكران وهو مطرد في الغافل المستغرق الهم ~~بالوسواس وأفكار الدنيا وقوله صلى الله عليه وسلم إنما الصلاة تمسكن وتواضع ~~حصر بالألف واللام وكلمة إنما للتحقيق والتوكيد وقد فهم الفقهاء من قوله ~~صلى الله عليه وسلم إنما الشفعة فيما لم يقصر الحصر والإثبات والنفي وقوله ~~صلى الله عليه وسلم من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله ~~إلا بعدا وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء والمنكر وقال صلى الله عليه وسلم ~~كم من قائم حظه من صلاته التعب والنصب (1) وما أراد به إلا الغافل وقال صلى ~~الله عليه وسلم ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها (2) والتحقيق فيه أن ~~المصلي مناج ربه عز وجل (3) كما ورد به الخبر والكلام مع الغفلة ليس ~~بمناجاة ألبتة وبيانه أن الزكاة إن غفل الإنسان عنها مثلا فهي في نفسها ~~مخالفة للشهوة شديدة على النفس وكذا الصوم قاهر للقوى كاسر لسطوة الهوى ~~الذي هو آلة للشيطان عدو الله فلا يبعد أن يحصل منها مقصود مع الغفلة وكذلك ~~الحج أفعاله شاقة شديدة وفيه من المجاهدة ما يحصل به PageV01P159 # الإيلام كان القلب حاضرا مع أفعاله أو لم يكن أما الصلاة فليس فيها إلا ~~ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود فأما الذكر فإنه مجاورة ومناجاة مع ~~الله عز وجل فأما أن يكون المقصود منه كونه خطابا ومحاورة أو المقصود منه ~~الحروف والأصوات امتحانا للسان بالعمل كما تمتحن المعدة والفرج بالإمساك في ~~الصوم وكما يمتحن البدن بمشاق الحج ويمتحن بمشقة إخراج الزكاة واقتطاع ~~المال المعشوق # ولا شك أن هذا القسم باطل فإن تحريك اللسان بالهذيان ما أخفه ms0264 على الغافل ~~فليس فيه امتحان من حيث أنه عمل بل المقصود الحروف من حيث أنه نطق ولا يكون ~~نطقا إلا إذا أعرب عما في الضمير ولا يكون معربا إلا بحضور القلب فأي سؤال ~~في قوله اهدنا الصراط المستقيم إذا كان القلب غافلا وإذا لم يقصد كونه ~~تضرعا ودعاء فأي مشقة في تحريك اللسان به مع الغفلة لا سيما بعد الاعتياد ~~هذا حكم الأذكار بل أقول لو حلف الإنسان وقال لأشكرن فلانا وأثني عليه ~~وأسأله حاجة ثم جرت الألفاظ الدالة على هذه المعاني على لسانه في النوم لم ~~يبر في يمينه ولو جرت على لسانه في ظلمة وذلك الإنسان حاضر وهو لا يعرف ~~حضوره ولا يراه لا يصير بارا في يمينه إذ لا يكون كلامه خطابا ونطقا معه ما ~~لم يكن هو حاضرا في قلبه فلو كانت تجري هذه الكلمات على لسانه وهو حاضر إلا ~~أنه في بياض النهار غافل لكونه مستغرق الهم بفكر من الأفكار ولم يكن له قصد ~~توجيه الخطاب إليه عند نطقه لم يصر بارا في يمينه # ولا شك أن المقصود من القراءة والأذكار الحمد والثناء والتضرع والدعاء ~~والمخاطب هو الله عز وجل وقلبه بحجاب الغفلة محجوب عنه فلا يراه ولا يشاهده ~~بل هو غافل عن المخاطب ولسانه يتحرك بحكم العادة فما أبعد هذا عن المقصود ~~بالصلاة التي شرعت لتصقيل القلب وتجديد ذكر الله عز وجل ورسوخ عقد الإيمان ~~به هذا حكم القراءة والذكر # وبالجملة فهذه الخاصية لا سبيل إلى إنكارها في النطق وتمييزها عن الفعل # وأما الركوع والسجود فالمقصود بهما التعظيم قطعا ولو جاز أن يكون معظما ~~لله عز وجل بفعله وهو غافل عنه لجاز أن يكون معظما لصنم موضوع بين يديه وهو ~~غافل عنه أو يكون معظما للحائط الذي بين يديه وهو غافل عنه وإذا خرج عن ~~كونه تعظيما لم يبق إلا مجرد حركة الظهر والرأس وليس فيه من المشقة ما يقصد ~~الامتحان به ثم يجعله عماد الدين والفاصل بين الكفر والإسلام ويقدم على ~~الحج وسائر ms0265 العبادات ويجب القتل بسبب تركه على الخصوص وما أرى أن هذه ~~العظمة كلها للصلاة من حيث أعمالها الظاهرة إلا أن يضاف إليها مقصود ~~المناجاة فإن ذلك يتقدم على الصوم والزكاة والحج وغيره بل الضحايا ~~والقرابين التي هي مجاهدة للنفس بتنقيص المال قال الله تعالى لن ينال الله ~~لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم أي الصفة التي استولت على القلب ~~حتى حملته على امتثال الأوامر هي المطلوبة فكيف الأمر في الصلاة ولا أرب في ~~أفعالها فهذا ما يدل من حيث المعنى على اشتراط حضور القلب # فإن قلت إن حكمت ببطلان الصلاة وجعلت حضور القلب شرطا في صحتها خالفت ~~إجماع الفقهاء فإنهم لم يشترطوا إلا حضور القلب عند التكبير فاعلم أنه قد ~~تقدم في كتاب العلم أن الفقهاء لا يتصرفون في الباطن ولا يشقون عن القلوب ~~ولا في طريق الآخرة بل يبنون أحكام الدين على ظاهر أعمال الجوارح وظاهر ~~الأعمال كاف لسقوط القتل وتعزير السلطان فأما أنه ينفع في الآخرة فليس هذا ~~من حدود الفقه على أنه لا يمكن أن يدعى الإجماع # فقد نقل عن بشر بن الحارث فيما رواه عنه أبو طالب المكي عن سفيان الثوري ~~أنه قال من لم يخشع فسدت صلاته وروي عن الحسن أنه قال كل صلاة لا يحضر فيها ~~القلب فهي إلى العقوبة أسرع # وعن معاذ بن جبل من عرف من على يمينه وشماله متعمدا وهو في الصلاة فلا ~~صلاة له # وروي أيضا مسندا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P160 # إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها وإنما يكتب للعبد من ~~صلاته ما عقل منها (1) وهذا لو نقل عن غيره لجعل مذهبا فكيف لا يتمسك به ~~وقال عبد الواحد بن زيد أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما ~~عقل منها فجعله إجماعا وما نقل من هذا الجنس عن الفقهاء المتورعين وعن ~~علماء الآخرة أكثر من أن يحصى # والحق الرجوع إلى أدلة الشرع والأخبار والآثار ظاهرة في هذا الشرط إلا ms0266 أن ~~مقام الفتوى في التكليف الظاهر يتقدر بقدر قصور الخلق # فلا يمكن أن يشترط على الناس إحضار القلب في جميع الصلاة فإن ذلك يعجز ~~عنه كل البشر إلا الأقلين وإذا لم يمكن اشتراط الاستيعاب للضرورة فلا مرد ~~له إلا أن يشترط منه ما يطلق عليه الاسم ولو في اللحظة الواحدة وأولى ~~اللحظات به لحظة التكبير فاقتصرنا على التكليف بذلك # ونحن مع ذلك نرجو أن لا يكون حال الغافل في جميع صلاته مثل حال التارك ~~بالكلية # فإنه على الجملة أقدم على العمل ظاهرا وأحضر القلب لحظة # وكيف لا والذي صلى مع الحدث ناسيا صلاته باطلة عند الله تعالى ولكن له ~~أجر ما يحسب فعله وعلى قدر قصوره وعذره ومع هذا الرجاء فيخشى أن يكون حاله ~~أشد من حال التارك وكيف لا والذي يحضر الخدمة ويتهاون بالحضرة ويتكلم بكلام ~~الغافل المستحقر أشد حالا من الذي يعرض عن الخدمة وإذا تعارض أسباب الخوف ~~والرجاء وصار الأمر مخطرا في نفسه فإليك الخيرة بعده في الاحتياط والتساهل # ومع هذا فلا مطمع في مخالفة الفقهاء فيما أفتوا به من الصحة مع الغفلة ~~فإن ذلك من ضرورة الفتوى كما سبق التنبيه عليه ومن عرف سر الصلاة علم أن ~~الغفلة تضادها # ولكن قد ذكرنا في باب الفرق بين العلم الباطن والظاهر في كتاب قواعد ~~العقائد أن قصور الخلق أحد الأسباب المانعة عن التصريح بكل ما ينكشف من ~~أسرار الشرع # فلنقتصر على هذا القدر من البحث فإن فيه مقنعا للمريد الطالب لطريق ~~الآخرة # وأما المجادل المشغب فلسنا نقصد مخاطبته الآن وحاصل الكلام أن حضور القلب ~~هو روح الصلاة وأن أقل ما يبقى به رمق الروح الحضور عند التكبير # فالنقصان منه هلاك وبقدر الزيادة عليه تنبسط الروح في أجزاء الصلاة # وكم من حي لا حراك به قريب من ميت فصلاة الغافل في جميعها إلا عند ~~التكبير كمثل حي لا حراك به نسأل الله حسن العون ### |||| بيان المعاني الباطنة التي تتم بها حياة الصلاة # إعلم أن هذه المعاني تكثر العبارات عنها ms0267 ولكن يجمعها ست جمل وهي حضور ~~القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء # فلنذكر تفاصيلها ثم أسبابها ثم العلاج في اكتسابها # أما التفاصيل فالأول حضور القلب ونعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ~~ملابس له ومتكلم به فيكون العلم بالفعل والقول مقرونا بهما ولا يكون الفكر ~~جائلا في غيرهما ومهما انصرف في الفكر عن غير ما هو فيه وكان في قلبه ذكر ~~لما هو فيه ولم يكن فيه غفلة عن كل شيء فقد حصل حضور القلب ولكن التفهم ~~لمعنى الكلام أمر وراء حضور القلب فربما يكون القلب حاضرا مع اللفظ ولا ~~يكون حاضرا مع معنى اللفظ فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو الذي ~~أردناه بالتفهم # وهذا مقام يتفاوت الناس فيه إذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرآن ~~والتسبيحات # وكم من معان لطيفة يفهمها المصلي في أثناء الصلاة ولم يكن قد خطر بقلبه ~~ذلك قبله ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر فإنها تفهم ~~أمورا تلك الأمور تمنع عن الفحشاء لا محالة # وأما التعظيم فهو أمر وراء حضور القلب والفهم إذ الرجل يخاطب عبده بكلام ~~هو حاضر القلب PageV01P161 # فيه ومتفهم لمعناه ولا يكون معظما له فالتعظيم زائد عليهما # وأما الهيبة فزائدة على التعظيم بل هي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم لأن من ~~لا يخاف لا يسمى هائبا والمخافة من العقرب وسوء خلق العبد وما يجري مجراه ~~من الأسباب الخسيسة لا تسمى مهابة بل الخوف من السلطان المعظم يسمى مهابة ~~والهيبة خوف مصدرها الإجلال # وأما الرجا فلا شك أنه زائد فكم من معظم ملكا من الملوك يهابه أو يخاف ~~سطوته ولكن لا يرجو مثوبته # والعبد ينبغي أن يكون راجيا بصلاته ثواب الله عز وجل كما أنه خائف ~~بتقصيره عقاب الله عز وجل وأما الحياء فهو زائد على الجملة لأن مستنده ~~استشعار تقصير وتوهم ذنب ويتصور التعظيم والخوف والرجاء من غير حياء حيث لا ~~يكون توهم تقصير وارتكاب ذنب # وأما أسباب هذه المعاني الستة فاعلم أن حضور القلب ms0268 سببه الهمة فإن قلبك ~~تابع لهمتك فلا يحضر إلا فيما يهمك # ومهما أهمك أمر حضر القلب فيه شاء أم أبى فهو مجبول على ذلك ومسخر فيه # والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلا بل جائلا فيما الهمة مصروفة ~~إليه من أمور الدنيا فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى ~~الصلاة والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين أن الغرض المطلوب منوط بها وذلك ~~هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى وأن الصلاة وسيلة إليها فإذا ~~أضيف هذا إلى حقيقة العلم بحقارة الدنيا ومهماتها حصل من مجموعها حضور ~~القلب في الصلاة وبمثل هذه العلة يحضر قلبك إذا حضرت بين يدي بعض الأكابر ~~ممن لا يقدر على مضرتك ومنفعتك فإذا كان لا يحضر عند المناجاة مع ملك ~~الملوك الذي بيده الملك والملكوت والنفع والضر فلا تظنن أن له سببا سوى ضعف ~~الإيمان فاجتهد الآن في تقوية الإيمان وطريقه يستقصى في غير هذا الموضع ~~وأما التفهم فسببه بعد حضور القلب إدمان الفكر وصرف الذهن إلى إدراك المعنى ~~وعلاجه ما هو علاج إحضار القلب مع الإقبال على الفكر والتشمر لدفع الخواطر # وعلاج دفع الخواطر الشاغلة قطع موادها أعني النزوع عن تلك الأسباب التي ~~تنجذب الخواطر إليها وما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر فمن ~~أحب شيئا أكثر ذكره فذكر المحبوب يهجم على القلب بضرورة لذلك ترى أن من أحب ~~غير الله لا تصفو له صلاة عن الخواطر # وأما التعظيم فهي حالة للقلب تتولد من معرفتين إحداهما معرفة جلال الله ~~عز وجل وعظمته وهو من أصول الإيمان فإن من لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس ~~لتعظيمه # الثانية معرفة حقارة النفس وخستها وكونها عبدا مسخرا مربوبا حتى يتولد من ~~المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله سبحانه فيعبر عنه بالتعظيم وما ~~لم تمتزج معرفة حقارة النفس بمعرفة جلال الله لا تنتظم حالة التعظيم ~~والخشوع فإن المستغني عن غيره الآمن على نفسه يجوز أن يعرف من غيره صفات ~~العظمة ولا يكون الخشوع ms0269 والتعظيم حاله لأن القرينة الأخرى وهي معرفة حقارة ~~النفس وحاجتها لم تقترن إليه وأما الهيبة والخوف فحالة للنفس تتولد من ~~المعرفة بقدرة الله وسطوته ونفوذ مشيئته فيه مع قلة المبالاة به وأنه لو ~~أهلك الأولين والآخرين لم ينقص من ملكه ذرة هذا مع مطالعة ما يجري على ~~الأنبياء والأولياء من المصائب وأنواع البلاء مع القدرة على الدفع على خلاف ~~ما يشاهد من ملوك الأرض # وبالجملة كلما زاد العلم بالله زادت الخشية والهيبة وسيأتي أسباب ذلك في ~~كتاب الخوف من ربع المنجيات وأما الرجاء فسببه معرفة لطف الله عز وجل وكرمه ~~وعميم إنعامه ولطائف صنعه ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة فإذا حصل ~~اليقين بوعده والمعرفة بلطفه انبعث من مجموعهما الرجاء لا محالة وأما ~~الحياء فباستشعاره التقصير في العبادة وعلمه بالعجز عن القيام بعظيم حق ~~الله عز وجل ويقوي ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها وقلة إخلاصها وخبث ~~دخلتها وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعالها مع العلم بعظيم ما يقتضيه ~~جلال الله عز وجل والعلم PageV01P162 # بأنه مطلع على السر وخطرات القلب وإن دقت وخفيت وهذه المعارف إذا حصلت ~~يقينا انبعث منها بالضرورة حالة تسمى الحياء فهذه أسباب هذه الصفات وكل ما ~~طلب تحصيله فعلاجه إحضار سببه ففي معرفة السبب معرفة العلاج # ورابطة جميع هذه الأسباب الإيمان # واليقين أعني به هذه المعارف التي ذكرناها ومعنى كونها يقينا انتفاء الشك ~~واستيلاؤها على القلب كما سبق في بيان اليقين من كتاب العلم وبقدر اليقين ~~يخشع القلب ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة كأنه لم يعرفنا ولم نعرفه وقد روي أن ~~الله سبحانه أوحى إلى موسى عليه السلام يا موسى إذا ذكرتني فاذكرني وأنت ~~تنتفض أعضاؤك وكن عند ذكري خاشعا مطمئنا وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء ~~قلبك وإذا قمت بين يدي فقم قيام العبد الذليل وناجني بقلب وجل ولسان صادق ~~وروي أن الله تعالى أوحى إليه قل لعصاة أمتك لا يذكروني فإني ms0270 آليت على نفسي ~~أن من ذكرني ذكرته فإذا ذكروني ذكرتهم باللعنة هذا في عاص غير غافل في ذكره ~~فكيف إذا اجتمعت الغفلة والعصيان وباختلاف المعاني التي ذكرناها في القلوب ~~انقسم الناس إلى غافل يتمم صلاته ولم يحضر قلبه في لحظة منها وإلى من يتمم ~~ولم يغب قلبه في لحظة بل ربما كان مستوعب الهم بها بحيث لا يحس بما يجري ~~بين يديه # ولذلك لم يحس مسلم بن يسار بسقوط الاسطوانة في المسجد اجتمع الناس عليها # وبعضهم كان يحضر الجماعة مدة ولم يعرف قط من على يمينه ويساره # ووجيب قلب إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه كان يسمع على ميلين # وجماعة كانت تصفر وجوههم وترتعد فرائصهم # وكل ذلك غير مستبعد فإن أضعافه مشاهد في همم أهل الدنيا وخوف ملوك الدنيا ~~مع عجزهم وضعفهم وخساسة الحظوظ الحاصلة منهم حتى يدخل الواحد على ملك أو ~~وزير ويحدثه بمهمته ثم يخرج ولو سئل عمن حواليه أو عن ثوب الملك لكان لا ~~يقدر على الإخبار عنه لاشتغال همه به عن ثوبه وعن الحاضرين حواليه ولكل ~~درجات مما عملوا فحظ كل واحد من صلاته بقدر خوفه وخشوعه وتعظيمه فإن موضع ~~نظر الله سبحانه القلوب دون ظاهر الحركات # ولذلك قال بعض الصحابة رضي الله عنهم يحشر الناس يوم القيامة على مثال ~~هيئتهم في الصلاة من الطمأنينة والهدوء ومن وجود النعيم بها واللذة ولقد ~~صدق فإنه يحشر كل على ما مات عليه ويموت على ما عاش عليه ويراعى في ذلك حال ~~قلبه لا حال شخصه فمن صفات القلوب تصاغ الصور في الدار الآخرة ولا ينجو إلا ~~من أتى الله بقلب سليم نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه ### |||| بيان الدواء النافع في حضور القلب # اعلم أن المؤمن لا بد أن يكون معظما لله عز وجل وخائفا منه وراجيا له ~~ومستحييا من تقصيره فلا ينفك عن هذه الأحوال بعد إيمانه وإن كانت قوتها ~~بقدر قوة يقينه فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلا تفرق الفكر وتقسيم ~~الخاطر وغيبة القلب عن ms0271 المناجاة والغفلة عن الصلاة # ولا يلهي عن الصلاة إلا الخواطر الواردة الشاغلة فالدواء في إحضار القلب ~~هو دفع تلك الخواطر ولا يدفع الشيء إلا بدفع سببه فلتعلم سببه # وسبب موارد الخواطر إما أن يكون أمرا خارجا أو أمرا في ذاته باطنا # أما الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر فإن ذلك قد يختطف الهم حتى ~~يتبعه ويتصرف فيه ثم تنجر منه الفكرة إلى غيره ويتسلسل ويكون الإبصار سببا ~~للافتكار ثم تصير بعض تلك الأفكار سببا للبعض # ومن قويت نيته وعلت همته لم يلهه ما جرى على حواسه ولكن الضعيف لا بد وأن ~~يتفرق به فكره # وعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره أو يصلي في بيت مظلم أو لا يترك بين ~~يديه ما يشغل حسه ويقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره ويحترز ~~من الصلاة على الشوارع PageV01P163 # وفي المواضع المنقوشة المصنوعة وعلى الفرش المصبوغة # ولذلك كان المتعبدون يتعبدون في بيت صغير مظلم سعته قدر السجود ليكون ذلك ~~أجمع للهم # والأقوياء منهم كانوا يحضرون المساجد ويغضون البصر ولا يجاوزون به موضع ~~السجود ويرون كمال الصلاة في أن لا يعرفوا من على يمينهم وشمالهم # وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يدع في موضع الصلاة مصحفا ولا سيفا إلا ~~نزعه ولا كتابا إلا محاه # وأما الأسباب الباطنة فهي أشد فإن من تشعبت به الهموم في أودية الدنيا لا ~~ينحصر فكره في فن واحد بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب وغض البصر لا ~~يغنيه فإن ما وقع في القلب من قبل كاف للشغل فهذا طريقه أن يرد النفس قهرا ~~إلى فهم ما يقرؤه في الصلاة ويشغلها به عن غيره ويعينه على ذلك أن يستعد له ~~قبل التحريم بأن يحدد على نفسه ذكر الآخرة وموقف المناجاة وخطر المقام بين ~~يدي الله سبحانه وهو المطلع ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة عما يهمه فلا ~~يترك لنفسه شغلا يلتفت إليه خاطره # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي شيبة ms0272 إني نسيت أن أقول ~~لك أن تخمر القدر الذي في البيت (1) فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء ~~يشغل الناس عن صلاتهم فهذا طريق تسكين الأفكار # فإن كان لا يسكن هوائج أفكاره بهذا الدواء المسكن فلا ينجيه إلا المسهل ~~الذي يقمع مادة الداء من أعماق العروق وهو أن ينظر في الأمور الصارفة ~~الشاغلة عن إحضار القلب ولا شك أنها تعود إلى مهماته وأنها إنما صارت مهمات ~~لشهواته فيعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات وقطع تلك العلائق فكل ما يشغله ~~عن صلاته فهو ضد دينه وجند إبليس عدوه فإمساكه أضر عليه من إخراجه فيتخلص ~~منه بإخراجه كما روي أنه صلى الله عليه وسلم لما لبس الخميصة التي أتاه بها ~~أبو جهم وعليها علم وصلى بها نزعها بعد صلاته وقال صلى الله عليه وسلم ~~اذهبوا بها إلى أبي جهم فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي وائتوني بأنبجانية أبي ~~جهم (2) # وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجديد شراك نعله ثم نظر إليه في ~~صلاته إذ كان جديدا فأمر أن ينزع منها ويرد الشراك الخلق (3) # وكان صلى الله عليه وسلم قد احتذى نعلا فأعجبه حسنها فسجد وقال تواضعت ~~لربي عز وجل كي لا يمقتني ثم خرج بها فدفعها إلى أول سائل لقيه ثم أمر عليا ~~رضي الله عنه أن يشتري له نعلين سبتيتين جرداوين فلبسهما (4) # وكان صلى الله عليه وسلم في يده خاتم من ذهب قبل التحريم وكان على المنبر ~~فرماه وقال شغلني هذا نظرة إليه ونظرة إليكم (5) وروي أن أبا طلحة صلى في ~~حائط وفيه شجر فأعجبه دبسي طار في الشجر يلتمس مخرجا فأتبعه بصره ساعة ثم ~~لم يدركم صلى فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصابه من الفتنة ثم ~~قال يا رسول الله هو صدقة فضعه حيث شئت (6) # وعن رجل آخر أنه صلى في حائط له والنخل مطوقة بثمرها فنظر إليها فأعجبته ~~ولم يدر كم صلى فذكر ذلك لعثمان رضي الله عنه وقال هو صدقة فاجعله في سبيل ~~الله ms0273 عز وجل PageV01P164 # فباعه عثمان بخمسين ألفا # فكانوا يفعلون ذلك قطعا لمادة الفكر وكفارة لما جرى من نقصان الصلاة وهذا ~~هو الدواء القاطع لمادة العلة ولا يغني غيره # فأما ما ذكرناه من التلطف بالتسكين والرد إلى فهم الذكر فذلك ينفع في ~~الشهوات الضعيفة والهمم التي لا تشغل إلا حواشي القلب # فأما الشهوة القوية المرهقة فلا ينفع فيها التسكين بل لا تزال تجاذبها ~~وتجاذبك ثم تغلبك وتنقضي جميع صلاتك في شغل المجاذبة # ومثاله رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره وكانت أصوات العصافير تشوش ~~عليه فلم يزل يطيرها بخشبة في يده ويعود إلى فكره فتعود العصافير فيعود إلى ~~التنفير بالخشبة فقيل له إن هذا أسير السواني ولا ينقطع فإن أردت الخلاص ~~فاقطع الشجرة # فكذلك شجرة الشهوات إذا تشعبت وتفرعت أغصانها انجذبت إليها الأفكار ~~انجذاب العصافير إلى الأشجار وانجذاب الذباب إلى الأقذار والشغل يطول في ~~دفعها فإن الذباب كلما ذب آب ولأجله سمي ذبابا # فكذلك الخواطر وهذه الشهوات كثيرة وقلما يخلو العبد عنها ويجمعها أصل ~~واحد وهو حب الدنيا وذلك رأس كل خطيئة وأساس كل نقصان ومنبع كل فساد # ومن انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى شيء منها لا ليتزود منها ولا ~~ليستعين بها على الآخرة فلا يطمعن في أن تصفو له لذة المناجاة في الصلاة # فإن من فرح بالدنيا لا يفرح بالله سبحانه وبمناجاته # وهمة الرجل مع قرة عينه فإن كانت قرة عينه في الدنيا انصرف لا محالة ~~إليها همه ولكن مع هذا فلا ينبغي أن يترك المجاهدة ورد القلب إلى الصلاة ~~وتقليل الأسباب الشاغلة فهذا هو الدواء المر ولمرارته استبشعته الطباع ~~وبقيت العلة مزمنة وصار الداء عضالا حتى إن الأكابر اجتهدوا أن يصلوا ~~ركعتين لا يحدثوا أنفسهم فيها بأمور الدنيا فعجزوا عن ذلك فإذن لا مطمع فيه ~~لأمثالنا وليته سلم لنا من الصلاة شطرها أو ثلثها من الوسواس لنكون ممن خلط ~~عملا صالحا وآخر سيئا # وعلى الجملة فهمة الدنيا وهمة الآخرة في القلب مثل الماء الذي يصب في ms0274 قدح ~~مملوء بخل فبقدر ما ندخل فيه من الماء يخرج منه من الخل لا محالة ولا ~~يجتمعان ### |||| بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة # فنقول حقك إن كنت من المريدين للآخرة أن لا تغفل أولا عن التنبيهات التي ~~في شروط الصلاة وأركانها # أما الشروط السوابق فهي الأذان والطهارة وستر العورة واستقبال القبلة ~~والانتصاب قائما والنية # فإذا سمعت نداء المؤذن فأحضر في قلبك هول النداء يوم القيامة وتشمر ~~بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة فإن المسارعين إلى هذا النداء هم الذين ~~ينادون باللطف يوم العرض الأكبر فاعرض قلبك على هذا النداء فإن وجدته ~~مملوءا بالفرح والاستبشار مشحونا بالرغبة إلى الابتدار فاعلم أنه يأتيك ~~النداء بالبشرى والفوز يوم القضاء # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أرحنا يا بلال (1) أي أرحنا بها وبالنداء ~~إليها إذ كان قرة عينه فيها صلى الله عليه وسلم # وأما الطهارة فإذا أتيت بها في مكانك وهو ظرفك الأبعد ثم في ثيابك وهي ~~غلافك الأقرب ثم في بشرتك وهي قشرك الأدنى فلا تغفل عن لبك الذي هو ذاتك ~~وهو قلبك فاجتهد له تطهيرا بالتوبة والندم على ما فرطت وتصميم العزم على ~~الترك في المستقبل فطهر بها باطنك فإنه موضع نظر معبودك # وأما ستر العورة فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق فإن ~~ظاهر بدنك مرتع لنظر الخلق فما بالك في عورات باطنك وفضائح سرائرك التي لا ~~يطلع عليها إلا ربك عز وجل فأحضر تلك الفضائح ببالك وطالب نفسك بسترها ~~وتحقق أنه لا يستر عن عين الله سبحانه PageV01P165 # ساتر # وإنما يغفرها الندم والحياء والخوف فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث جنود ~~الخوف والحياء من مكامنهما فتدل بها بنفسك ويستكين تحت الخجلة قلبك وتقوم ~~بين يدي الله عز وجل قيام العبد المجرم المسيء الآبق الذي ندم فرجع إلى ~~مولاه ناكسا رأسه من الحياء والخوف # وأما الاستقبال فهو صرف ظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله تعالى ~~أفترى أن صرف القلب عن سائر ms0275 الأمور إلى الله عز وجل ليس مطلوبا منك هيهات ~~فلا مطلوب سواه # وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في ~~جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب فإنها إذا بغت وظلمت في حركاتها والتفاتها ~~إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه الله عز وجل فليكن وجه قلبك مع ~~وجه بدنك # فاعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها فلا ~~ينصرف القلب إلى الله عز وجل إلا بالتفرغ عما سواه وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم إذا قام العبد إلى صلاته فكان هواه ووجهه وقلبه إلى الله عز وجل انصرف ~~كيوم ولدته أمه (1) وأما الاعتدال قائما فإنما هو مثول بالشخص والقلب بين ~~يدي الله عز وجل فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مطرقا مطأطئا متنكسا وليكن ~~وضع الرأس عن ارتفاعه تنبيها على إلزام القلب التواضع والتذلل والتبري عن ~~الترؤس والتكبر وليكن على ذكرك ههنا خطر القيام بين يدي الله عز وجل في هول ~~المطلع عند العرض للسؤال # واعلم في الحال أنك قائم بين يدي الله عز وجل وهو مطلع عليك فقم بين يديه ~~قيامك بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله بل قدر في ~~دوام قيامك في صلاتك أنك ملحوظ ومرقوب بعين كالئة من رجل صالح من أهلك أو ~~ممن ترغب في أن يعرفك بالصلاح فإنه تهدأ عند ذلك أطرافك وتخشع جوارحك وتسكن ~~جميع أجزائك خيفة أن ينسبك ذلك العاجز المسكين إلى قلة الخشوع # وإذا أحسست من نفسك بالتماسك عند ملاحظة عبد مسكين فعاتب نفسك وقل لها ~~إنك تدعين معرفة الله وحبه أفلا تستحين من استجرائك عليه مع توقيرك عبدا من ~~عباده أو تخشين الناس ولا تخشينه وهو أحق أن يخشى ولذلك لما قال أبو هريرة ~~كيف الحياء من الله فقال صلى الله عليه وسلم تستحي منه كما تستحي من الرجل ~~الصالح من قومك (2) وروي من أهلك وأما النية فاعزم على إجابة الله عز وجل ~~في امتثال ms0276 أمره بالصلاة وإتمامها والكف عن نواقضها ومفسداتها وإخلاص جميع ~~ذلك لوجه الله سبحانه رجاء لثوابه وخوفا من عقابه وطلبا للقربة منه متقلدا ~~للمنة منه بإذنه إياك في المناجاة مع سوء أدبك وكثرة عصيانك وعظم في نفسك ~~قدر مناجاته وانظر من تناجي وكيف تناجي وبماذا تناجي وعند هذا ينبغي أن ~~يعرق جبينك من الخجل وترتعد فرائصك من الهيبة ويصفر وجهك من الخوف # وأما التكبير فإذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذبه قلبك فإن كان في قلبك ~~شيء هو أكبر من الله سبحانه فالله يشهد إنك لكاذب وإن كان الكلام صدقا كما ~~شهد على المنافقين في قولهم أنه صلى الله عليه وسلم رسول الله # فإن كان هواك أغلب عليك من أمر الله عز وجل فأنت أطوع له منك لله تعالى ~~فقد اتخذته إلهك وكبرته فيوشك أن يكون قولك الله أكبر كلاما باللسان المجرد ~~وقد تخلف القلب عن مساعدته وما أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار ~~وحسن الظن بكرم الله تعالى وعفوه # وأما دعاء الاستفتاح فأول كلماته قولك وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ~~وليس المراد بالوجه الوجه الظاهر فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة والله ~~سبحانه يتقدس PageV01P166 # عن أن تحده الجهات حتى تقبل بوجه بدنك عليه # وإنما وجه القلب هو الذي تتوجه به إلى فاطر السماوات والأرض فانظر إليه ~~أمتوجه هو إلى أمانيه وهمه في البيت والسوق ومتبع للشهوات أو مقبل على فاطر ~~السموات وإياك أن تكون أول مفاتحتك للمناجاة بالكذب والاختلاق # ولن ينصرف الوجه إلى الله تعالى إلا بانصرافه عما سواه فاجتهد في الحال ~~في صرفه إليه وإن عجزت عنه على الدوام فليكن قولك في الحال صادقا # وإذا قلت حنيفا مسلما فينبغي أن يخطر ببالك أن المسلم هو الذي سلم ~~المسلمون من لسانه ويده فإن لم تكن كذلك كنت كاذبا فاجتهد في أن تعزم عليه ~~في الاستقبال وتندم على ما سبق من الأحوال # وإذا قلت وما أنا من المشركين فأخطر ببالك الشرك الخفي فإن قوله تعالى ~~فمن كان يرجو ms0277 لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا نزل ~~فيمن يقصد بعبادته وجه الله وحمد الناس وكن حذرا مشفقا من هذا الشرك ~~واستشعر الخجلة في قلبك إن وصفت نفسك بأنك لست من المشركين من غير براءة عن ~~هذا الشرك فإن اسم الشرك يقع على القليل والكثير منه # وإذا قلت محياي ومماتي لله فاعلم أن هذا حال عبد مفقود لنفسه موجود لسيده ~~وأنه إن صدر ممن رضاه وغضبه وقيامه وقعوده ورغبته في الحياة ورهبته من ~~الموت لأمور الدنيا لم يكن ملائما للحال # وإذا قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فاعلم أنه عدوك ومترصد لصرف قلبك ~~عن الله عز وجل حسدا لك على مناجاتك مع الله عز وجل وسجودك له مع أنه لعن ~~بسبب سجدة واحدة تركها ولم يوفق لها وأن استعاذتك بالله سبحانه منه بترك ما ~~يحبه وتبديله بما يحب الله عز وجل لا بمجرد قولك فإن من قصده سبع أو عدو ~~ليفترسه أو يقتله فقال أعوذ منك بذلك الحصن الحصين وهو ثابت على مكانه فإن ~~ذلك لا ينفعه بل لا يعيذه إلا تبديل المكان فكذلك من يتبع الشهوات التي هي ~~محاب الشيطان ومكاره الرحمن فلا يغنيه مجرد القول فليقترن قوله بالعزم على ~~التعوذ بحصن الله عز وجل عن شر الشيطان وحصنه لا إله إلا الله إذ قال عز ~~وجل فيما أخبر عنه نبينا صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله حصني فمن دخل ~~حصني أمن من عذابي (1) والمتحصن به لا معبود له سوى الله سبحانه فأما من ~~اتخذ إلهه هواه فهو في ميدان الشيطان لا في حصن الله عز وجل # واعلم أن من مكايده أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات ~~ليمنعك عن فهم ما تقرأ # فاعلم أن كل ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك فهو وسواس فإن حركة اللسان غير ~~مقصودة بل المقصود معانيها فأما القراءة فالناس فيها ثلاثة رجل يتحرك لسانه ~~وقلبه غافل ورجل يتحرك لسانه وقلبه يتبع اللسان فيفهم ويسمع منه كأنه ms0278 يسمعه ~~من غيره وهي درجات أصحاب اليمين ورجل يسبق قلبه إلى المعاني أولا ثم يخدم ~~اللسان القلب فيترجمه # ففرق بين أن يكون اللسان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب والمقربون ~~لسانهم ترجمان يتبع القلب ولا يتبعه القلب # وتفصيل ترجمة المعاني أنك إذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم فانو به التبرك ~~لابتداء القراءة لكلام الله سبحانه وافهم أن الأمور كلها بالله سبحانه # وأن المراد بالاسم ههنا هو المسمى # وإذا كانت الأمور بالله سبحانه فلا جرم كان الحمد لله ومعناه أن الشكر ~~لله إذ النعم من الله # ومن يرى من غير الله نعمة أو يقصد غير الله سبحانه بشكر لا من حيث إنه ~~مسخر من الله عز وجل ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير الله ~~تعالى # فإذا قلت الرحمن الرحيم فأحضر في قلبك جميع أنواع لطفه لتتضح لك رحمته ~~فينبعث بها رجاؤك # ثم استثر من قلبك التعظيم والخوف بقولك مالك يوم الدين أما العظمة فلأنه ~~لا ملك إلا له PageV01P167 # وأما الخوف فلهول يوم الجزاء والحساب الذي هو مالكه # ثم جدد الإخلاص بقولك إياك نعبد وجدد العجز والاحتياج والتبري من الحول ~~والقوة بقولك وإياك نستعين وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته وأن له ~~المنة إذ وفقك لطاعته واستخدمك لعبادته وجعلك أهلا لمناجاته # ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين مع الشيطان اللعين # ثم إذا فرغت من التعوذ ومن قولك بسم الله الرحمن الرحيم ومن التحميد ومن ~~إظهار الحاجة إلى الإعانة مطلقا فعين سؤالك ولا تطلب إلا أهم حاجاتك وقل ~~اهدنا الصراط المستقيم الذي يسوقنا إلى جوارك ويفضي بنا إلى مرضاتك # وزده شرحا وتفصيلا وتأكيدا واستشهادا بالذين أفاض عليهم نعمة الهداية من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين دون الذين غضب عليهم من الكفار ~~والزائغين من اليهود والنصارى والصابئين ثم التمس الإجابة وقل آمين فإذا ~~تلوت الفاتحة كذلك فيشبه أن تكون من الذين قال الله تعالى فيهم فيما أخبر ~~عنه النبي صلى الله عليه وسلم قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ~~ونصفها ms0279 لعبدي ولعبدي ما سأل (1) يقول العبد الحمد لله رب العالمين فيقول ~~الله عز وجل حمدني عبدي وأثنى علي # وهو معنى قوله سمع الله لمن حمده الحديث الخ فلو لم يكن لك من صلاتك حظ ~~سوى ذكر الله لك في جلاله وعظمته فناهيك بذلك غنيمة فكيف بما ترجوه من ~~ثوابه وفضله وكذلك ينبغي أن تفهم ما تقرؤه من السور كما سيأتي في كتاب ~~تلاوة القرآن فلا تغفل عن أمره ونهيه ووعده ووعيده ومواعظه وأخبار أنبيائه ~~وذكر مننه وإحسانه # ولكل واحد حق فالرجاء حق الوعد والخوف حق الوعيد والعزم حق الأمر والنهي ~~والاتعاظ حق الموعظة والشكر حق ذكر المنة والاعتبار حق إخبار الأنبياء # وروى أن زرارة بن أوفى لما انتهى إلى قوله تعالى {فإذا نقر في الناقور} ~~خر ميتا وكان إبراهيم النخعي إذا سمع قوله تعالى {إذا السماء انشقت} اضطرب ~~حتى تضطرب أوصاله # وقال عبد الله بن واقد رأيت ابن عمر يصلي مغلوبا عليه وحق له أن يحترق ~~قلبه بوعد سيده ووعيده فإنه عبد مذنب ذليل بين يدي جبار قاهر # وتكون هذه المعاني بحسب درجات الفهم ويكون الفهم بحسب وفور العلم وصفاء ~~القلب # ودرجات ذلك لا تنحصر # والصلاة مفتاح القلوب فيها تنكشف أسرار الكلمات فهذا حق القراءة وهو حق ~~الأذكار والتسبيحات أيضا # ثم يراعي الهيبة في القراءة فيرتل ولا يسرد فإن ذلك أيسر للتأمل # ويفرق بين نغماته في آية الرحمة والعذاب والوعد والوعيد والتحميد ~~والتعظيم والتمجيد # كان النخعي إذا مر بمثل قوله عز وجل {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من ~~إله} يخفض صوته كالمستحيي عن أن يذكره بكل شيء لا يليق به # وروي أنه يقال لقارىء القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا (2) ~~وأما دوام القيام فإنه تنبيه على إقامة القلب مع الله عز وجل على نعت واحد ~~من الحضور قال صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل مقبل على المصلي ما لم ~~يلتفت (3) وكما تجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات فكذلك تجب ~~حراسة ms0280 السر عن الالتفات إلى غير الصلاة # فإذا التفت إلى غيره فذكره باطلاع الله عليه وبقبح التهاون بالمناجى عند ~~غفلة المناجي ليعود إليه # وألزم لخشوع القلب فإن الخلاص عن الالتفات باطنا وظاهرا ثمرة الخشوع # ومهما خشع الباطن خشع الظاهر قال صلى الله عليه وسلم وقد رأى رجلا مصليا ~~يعبث بلحيته أما هذا PageV01P168 # لو خشع قلبه لخشعت جوارحه فإن الرعية بحكم الراعي # ولهذا ورد في الدعاء اللهم أصلح الراعي والرعية (1) وهو القلب والجوارح # وكان الصديق رضي الله عنه في صلاته كأنه وتد # وابن الزبير رضي الله عنه كأنه عود # وبعضهم كان يسكن في ركوعه بحيث تقع العصافير عليه كأنه جماد وكل ذلك ~~يقتضيه الطبع بين يدي من يعظم من أبناء الدنيا فكيف لا يتقاضاه بين يدي ملك ~~الملوك عند من يعرف ملك الملوك وكل من يطمئن بين يدي غير الله عز وجل خاشعا ~~وتضطرب أطرافه بين يدي الله عابثا فذلك لقصور معرفته عن جلال الله عز وجل ~~وعن إطلاعه على سره وضميره # وقال عكرمة في قوله عز وجل الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين قال ~~قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه # وأما الركوع والسجود فينبغي أن تجدد عندهما ذكر كبرياء الله سبحانه وترفع ~~يديك مستجيرا بعفو الله عز وجل من عقابه بتجديد نية ومتبعا سنة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم # ثم تستأنف له ذلا وتواضعا بركوعك وتجتهد في ترقيق قلبك وتجديد خشوعك ~~وتستشعر ذلك وعز مولاك واتضاعك وعلو ربك # وتستعين على تقرير ذلك في قلبك بلسانك فتسبح ربك وتشهد له بالعظمة وأنه ~~أعظم من كل عظيم وتكرر ذلك على قلبك لتؤكده بالتكرار # ثم ترتفع من ركوعك راجيا أنه راحم لك ومؤكدا للرجاء في نفسك بقولك سمع ~~الله لمن حمده أي أجاب لمن شكره # ثم تردف ذلك الشكر المتقاضي للمزيد فتقول ربنا لك الحمد وتكثر الحمد ~~بقولك ملء السموات وملء الأرض ثم تهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة ~~فتمكن أعز أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب # وإن أمكنك أن لا تجعل ms0281 بينهما حائلا فتسجد على الأرض فافعل فإنه أجلب ~~للخشوع وأدل على الذل # وإذا وضعت نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها موضعها ورددت الفرع إلى أصله ~~فإنك من التراب خلقت وإليه تعود فعند هذا جدد على قلبك عظمة الله وقل سبحان ~~ربي الأعلى وأكده بالتكرار فإن الكرة الواحدة ضعيفة الأثر فإذا رق قلبك ~~وظهر ذلك فلتصدق رجاءك في رحمة الله فإن رحمته تتسارع إلى الضعف والذل لا ~~إلى التكبر والبطر فارفع رأسك مكبرا وسائلا حاجتك وقائلا رب اغفر وارحم ~~وتجاوز عما تعلم أو ما أردت من الدعاء # ثم أكد التواضع بالتكرار فعد إلى السجود ثانيا كذلك # وأما التشهد فإذا جلست له فاجلس متأدبا وصرح بأن جميع ما تدلي به من ~~الصلوات والطيبات أي من الأخلاق الطاهرة لله # وكذلك الملك لله وهو معنى التحيات وأحضر في قلبك النبي صلى الله عليه ~~وسلم وشخصه الكريم وقل سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وليصدق ~~أملك في أنه يبلغه ويرد عليك ما هو أوفى منه # ثم تسلم على نفسك وعلى جميع عباد الله الصالحين # ثم تأمل أن يرد الله سبحانه عليك سلاما وافيا بعدد عباده الصالحين # ثم تشهد له تعالى بالوحدانية ولمحمد نبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة ~~مجددا عهد الله سبحانه بإعادة كلمتي الشهادة ومستأنفا للتحصن بها ثم ادع في ~~آخر صلاتك بالدعاء المأثور مع التواضع والخشوع والضراعة والابتهال وصدق ~~الرجاء بالإجابة # وأشرك في دعائك أبويك وسائر المؤمنين # واقصد عند التسليم السلام على الملائكة والحاضرين وانو ختم الصلاة به # واستشعر شكر الله سبحانه على توفيقه لإتمام هذه الطاعة # وتوهم أنك مودع لصلاتك هذه وأنك ربما لا تعيش لمثلها # وقال صلى الله عليه وسلم للذي أوصاه صل صلاة مودع ثم أشعر قلبك الوجل ~~والحياء من التقصير في االصلاة وخف أن لا تقبل صلاتك وأن تكون ممقوتا بذنب ~~ظاهر أو باطن فترد صلاتك في وجهك وترجو مع ذلك أن يقلبها بكرمه وفضله # كان يحيى بن وثاب إذا صلى مكث ما شاء الله تعرف عليه كآبة ms0282 الصلاة ~~PageV01P169 # وكان إبراهيم يمكث بعد الصلاة ساعة كأنه مريض # فهذا تفصيل صلاة الخاشعين الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم على ~~صلواتهم يحافظون والذين هم على صلاتهم دائمون # والذين هم يناجون الله على قدر استطاعتهم في العبودية فليعرض الإنسان ~~نفسه على هذه الصلاة فبالقدر الذي يسر له منه ينبغي أن يفرح وعلى ما يفوته ~~ينبغي أن يتحسر وفي مداراة ذلك ينبغي أن يجتهد # وأما صلاة الغافلين فهي مخطرة إلا أن يتغمده الله برحمته والرحمة واسعة ~~والكرم فائض فنسأل الله أن يتغمدنا برحمته ويغمرنا بمغفرته إذ لا وسيلة لنا ~~إلا الاعتراف بالعجز عن القيام بطاعته # واعلم ان تخليص الصلاة عن الآفات وإخلاصها لوجه الله عز وجل وأداءها ~~بالشروط الباطنة التي ذكرناها من الخشوع والتعظيم والحياء سبب لحصول أنوار ~~في القلب تكون تلك الأنوار مفاتيح علوم المكاشفة # فأولياء الله المكاشفون بملكوت السموات والأرض وأسرار الربوبية إنما ~~يكاشفون في الصلاة لا سيما في السجود إذ يتقرب العبد من ربه عز وجل بالسجود # ولذلك قال تعالى واسجد واقترب وإنما تكون مكاشفة كل مصل على قدر صفائه عن ~~كدورات الدنيا ويختلف ذلك بالقوة والضعف والقلة والكثرة وبالجلاء والخفاء ~~حتى ينكشف لبعضهم الشيء بعينه وينكشف لبعضهم الشيء بمثاله كما كشف لبعضهم ~~الدنيا في صورة جيفة والشيطان في صورة كلب جاثم عليها يدعو إليها # ويختلف أيضا بما فيه المكاشفة فبعضهم ينكشف له من صفات الله تعالى وجلاله ~~ولبعضهم من أفعاله ولبعضهم من دقائق علوم المعاملة # ويكون لتعين تلك المعاني في كل وقت أسباب خفية لا تحصى وأشدها مناسبة ~~الهمة فإنها إذا كانت مصروفة إلى شيء معين كان ذلك أولى بالانكشاف ولما ~~كانت هذه الأمور لا تتراءى إلا في المرائي الصقيلة وكانت المرآة كلها صدئة ~~فاحتجبت عنها الهداية لا لبخل من جهة المنعم بالهداية بل لخبث متراكم الصدإ ~~على مصب الهداية تسارعت الألسنة إلى إنكار مثل ذلك إذ الطبع مجبول على ~~إنكار غير الحاضر ولو كان للجنين عقل لأنكر إمكان وجود الإنسان في متسع ~~الهواء ولو كان للطفل ms0283 تمييز ما ربما أنكر ما يزعم العقلاء إدراكه من ملكوت ~~السموات والأرض وهكذا الإنسان في كل طور يكاد ينكر ما بعده # ومن أنكر طور الولاية لزمه أن ينكر طور النبوة وقد خلق الخلق أطوارا فلا ~~ينبغي أن ينكر كل واحد ما وراء درجته نعم لما طلبوا هذا من المجادلة ~~والمباحثة المشوشة ولم يطلبوها من تصفية القلوب عما سوى الله عز وجل فقدوه ~~فأنكروه # ومن لم يكن من أهل المكاشفة فلا أقل من أن يؤمن بالغيب ويصدق به إلى أن ~~يشاهد بالتجربة ففي الخبر إن العبد إذا قام في الصلاة رفع الله سبحانه ~~الحجاب بينه وبين عبده وواجهه بوجهه وقامت الملائكة من لدن منكبيه إلى ~~الهواء بصلاته ويؤمنون على دعائه وإن المصلي لينثر عليه البر من عنان ~~السماء إلى مفرق رأسه وينادي مناد لو علم هذا المناجي ما التفت وإن أبواب ~~السماء تفتح للمصلين # وإن الله عز وجل يباهي ملائكته بعبده المصلي (1) ففتح أبواب السماء ~~ومواجهة الله تعالى إياه بوجهه كناية عن الكشف الذي ذكرناه # وفي التوراة مكتوب يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يدي مصليا باكيا فأنا ~~الله الذي اقتربت من قلبك وبالغيب رأيت نوري قال فكنا نرى أن تلك الرقة ~~والبكاء والفتوح الذي يجده المصلي في قلبه من دنو الرب سبحانه من القلب # وإذا لم يكن هذا الدنو هو القرب بالمكان فلا معنى له إلا الدنو بالهداية ~~والرحمة وكشف الحجاب # ويقال إن العبد إذا صلى ركعتين عجب منه عشرة صفوف من الملائكة كل صف منهم ~~عشرة آلاف وباهى الله به مائة ألف ملك # وذلك أن العبد قد جمع في الصلاة بين القيام والقعود والركوع والسجود وقد ~~فرق الله ذلك على أربعين ألف ملك فالقائمون PageV01P170 # لا يركعون إلى يوم القيامة والساجدون لا يرفعون إلى يوم القيامة وهكذا ~~الراكعون والقاعدون فإن ما رزق تعالى الملائكة من القرب والرتبة لازم مستمر ~~على حال واحد لا يزيد ولا ينقص لذلك أخبر الله عنهم أنهم قالوا وما منا إلا ~~له مقام معلوم ms0284 وفارق الإنسان الملائكة في الترقي من درجة إلى درجة فإنه لا ~~يزال يتقرب إلى الله تعالى فيستفيد مزيد قربه وباب المزيد مسدود على ~~الملائكة عليهم السلام وليس لكل واحد إلا رتبته التي هي وقف عليه # وعبادته التي هو مشغول بها لا ينتقل إلى غيرها ولا يفتر عنها لا يستكبرون ~~عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ومفتاح مزيد ~~الدرجات هي الصلوات # قال الله عز وجل قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون فمدحهم بعد ~~الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع # ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضا فقال تعالى والذين هم على صلواتهم ~~يحافظون ثم قال تعالى في ثمرة تلك الصفات أولئك هم الوارثون الذين يرثون ~~الفردوس هم فيها خالدون فوصفهم بالفلاح أولا وبوراثة الفردوس آخرا وما عندي ~~أن هذرمة اللسان مع غفلة القلب تنتهي إلى هذا الحد ولذلك قال الله عز وجل ~~في أضدادهم ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين فالمصلون هم ورثة ~~الفردوس وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتمتعون بقربه ودنوه من قلوبهم # نسأل الله أن يجعلنا منهم وأن يعيذنا من عقوبة من تزينت أقواله وقبحت ~~أفعاله إنه الكريم المنان القديم الإحسان وصلى الله على كل عبد مصطفى ### |||| حكايات وأخبار في صلاة الخاشعين رضي الله عنهم # اعلم أن الخشوع ثمرة الإيمان ونتيجة اليقين الحاصل بجلال الله عز وجل ومن ~~رزق ذلك فإنه يكون خاشعا في الصلاة وفي غير الصلاة بل في خلوته وفي بيت ~~المال عند الحاجة فإن موجب الخشوع معرفته اطلاع الله تعالى على العبد ~~ومعرفة جلاله ومعرفة تقصير العبد فمن هذه المعارف يتولد الخشوع وليست مختصة ~~بالصلاة ولذلك روي عن بعضهم أنه لم يرفع رأسه إلى السماء أربعين سنة حياء ~~من الله سبحانه وخشوعا له وكان الربيع بن خيثم من شدة غضه لبصره وإطراقه ~~يظن بعض الناس أنه أعمى وكان يختلف إلى منزل ابن مسعود عشرين سنة فإذا رأته ~~جاريته قالت لابن مسعود صديقك الأعمى قد جاء فكان يضحك ابن مسعود ms0285 من قولها ~~وكان إذا دق الباب تخرج الجارية إليه فتراه مطرقا غاضا بصره وكان ابن مسعود ~~إذا نظر إليه يقول وبشر المخبتين أما والله لو رآك محمد صلى الله عليه وسلم ~~لفرح بك وفي لفظ آخر لأحبك وفي لفظ آخر لضحك ومشى ذات يوم مع ابن مسعود في ~~الحدادين فلما نظر إلى الأكوار تنفخ وإلى النار تلتهب صعق وسقط مغشيا عليه ~~وقعد ابن مسعود عند رأسه إلى وقت الصلاة فلم يفق فحمله على ظهره إلى منزله ~~فلم يزل مغشيا عليه إلى مثل الساعة التي صعق فيها ففاتته خمس صلوات وابن ~~مسعود عند رأسه يقول هذا والله هو الخوف # وكان الربيع يقول ما دخلت في صلاة قط فأهمني فيها إلا ما أقول وما يقال ~~لي وكان عامر بن عبد الله من خاشعي المصلين وكان إذا صلى ربما ضربت ابنته ~~بالدف وتحدث النساء بما يردن في البيت ولم يكن يسمع ذلك ولا يعقله وقيل له ~~ذات يوم هل تحدثك نفسك في الصلاة بشيء قال نعم بوقوفي بين يدي الله عز وجل ~~ومنصرفي إحدى الدارين قيل فهل تجد شيئا مما نجد من أمور الدنيا فقال لأن ~~تختلف الأسنة في أحب إلي من أن أجد في صلاتي ما تجدون وكان يقول لو كشف ~~الغطاء ما ازددت يقينا # وقد كان مسلم بن يسار منهم وقد نقلنا أنه لم يشعر بسقوط اسطوانة في ~~المسجد وهو في الصلاة # وتأكل طرف من أطراف بعضهم واحتيج فيه إلى القطع فلم يمكن منه فقيل إنه في ~~الصلاة لا يحس بما يجري عليه فقطع وهو في الصلاة # وقال بعضهم الصلاة من الآخرة فإذا دخلت فيها PageV01P171 # خرجت من الدنيا وقيل لآخر هل تحدث نفسك بشيء من الدنيا في الصلاة فقال لا ~~في الصلاة ولا في غيرها # وسئل بعضهم هل تذكر في الصلاة شيئا فقال وهل شيء أحب إلي من الصلاة ~~فأذكره فيها وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول من فقه الرجل أن يبدأ ~~بحاجته قبل دخوله في الصلاة ليدخل في الصلاة ms0286 وقلبه فارغ # وكان بعضهم يخفف الصلاة خيفة الوسواس وروي أن عمار بن ياسر صلى صلاة ~~فأخفها فقيل له خففت يا أبا اليقظان فقال هل رأيتموني نقصت من حدودها شيئا ~~قالوا لا قال إني بادرت سهو الشيطان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له نصفها ولا ثلثها ولا ربعها ولا خمسها ولا ~~سدسها ولا عشرها وكان يقول إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها (1) ويقال ~~إن طلحة والزبير وطائفة من الصحابة رضي الله عنهم كانوا أخف الناس صلاة ~~وقالوا نبادر بها وسوسة الشيطان # وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال على المنبر إن الرجل ليشيب ~~عارضاه في الإسلام وما أكمل لله تعالى صلاة قيل وكيف ذلك قال لا يتم خشوعها ~~وتواضعها وإقباله على الله عز وجل فيها وسئل أبو العالية عن قوله تعالى ~~الذين هم عن صلاتهم ساهون قال هو الذي يسهو في صلاته فلا يدري على كم ينصرف ~~أعلى شفع أم على وتر وقال الحسن هو الذي يسهو عن وقت الصلاة حتى تخرج وقال ~~بعضهم هو الذي إن صلاها في أول الوقت لم يفرح وإن أخرها عن الوقت لم يحزن ~~فلا يرى تعجيلها خيرا ولا تأخيرا إثما واعلم أن الصلاة قد يحسب بعضها ويكتب ~~بعضها دون بعض كما دلت الأخبار عليه وإن كان الفقيه يقول إن الصلاة في ~~الصحة لا تتجزأ ولكن ذلك له معنى آخر ذكرناه وهذا المعنى دلت عليه الأحاديث ~~إذ ورد جبر نقصان الفرائض بالنوافل (2) وفي الخبر قال عيسى عليه السلام ~~يقول الله تعالى بالفرائض نجا مني عبدي وبالنوافل تقرب إلى عبدي وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى لا ينجو مني عبدي إلا بأداء ما افترضته ~~عليه (3) وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة فترك من قراءتها آية ~~فلما انفتل قال ماذا قرأت فسكت القوم فسأل أبي بن كعب رضي الله عنه فقال ~~قرأت سورة كذا وتركت آية كذا فما ندري ms0287 أنسخت أم رفعت فقال أنت لها يا أبي ~~ثم أقبل على الآخرين فقال ما بال أقوام يحضرون صلاتهم ويتمون صفوفهم ونبيهم ~~بين أيديهم لا يدرون ما يتلو عليهم من كتاب ربهم ألا إن بني إسرائيل كذا ~~فعلوا فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن قل لقومك تحضروني أبدانكم وتعطوني ~~ألسنتكم وتغيبون عني بقلوبكم باطل ما تذهبون إليه (4) وهذا يدل على أن ~~استماع ما يقرأ الإمام وفهمه يدل على قراءة السور بنفسه وقال بعضهم إن ~~الرجل يسجد السجدة عنده أنه تقرب بها إلى الله عز وجل ولو قسمت ذنوبه في ~~سجدته على أهل مدينته لهلكوا قيل وكيف يكون ذلك قال يكون ساجدا عند الله ~~وقلبه مصغ إلى هوى ومشاهد لباطل قد استولى عليه # فهذه صفة الخاشعين # فدلت هذه الحكايات والأخبار مع ما سبق على أن الأصل في الصلاة الخشوع ~~وحضور القلب وأن مجرد الحركات مع الغفلة قليل الجدوى في المعاد والله أعلم # نسأل الله حسن التوفيق PageV01P172 ### ||| الباب الرابع في الإمامة والقدوة وعلى الإمام وظائف قبل الصلاة وفي القراءة وفي أركان الصلاة وبعد السلام # أما الوظائف التي هي قبل الصلاة فستة أولها أن لا يتقدم للإمامة على قوم ~~يكرهونه فإن اختلفوا كان النظر إلى الأكثرين فإن كان الأقلون هم أهل الخير ~~والدين فالنظر إليهم أولى وفي الحديث ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رءوسهم العبد ~~الآبق وامرأة زوجها ساخط عليها وإمام أم قوما وهم له كارهون (1) وكما ينهى ~~عن تقدمه مع كراهيتهم فكذلك ينهى عن التقدمة إن كان وراء من هو أفقه منه ~~إلا إذا امتنع من هو أولى منه فله التقدم فإن لم يكن شيء من ذلك فليتقدم ~~مهما قدم وعرف من نفسه القيام بشروط الإمامة # ويكره عند ذلك المدافعة فقد قيل إن قوما تدافعوا الإمامة بعد إقامة ~~الصلاة فخسف بهم # وما روى من مدافعة الإمامة بين الصحابة رضي الله عنهم فسببه إيثارهم من ~~رأوه أنه أولى بذلك أو خوفهم على أنفسهم السهو وخطر ضمان صلاتهم فإن الأئمة ~~ضمناء وكأن من لم يتعود ms0288 ذلك ربما يشتغل قلبه ويتشوش عليه الإخلاص في صلاته ~~حياء من المقتدين لا سيما في جهره بالقراءة فكان لاحتراز من احترز أسباب من ~~هذا الجنس # الثانية إذا خير المرء بين الأذان والإمامة فينبغي أن يختار الإمامة فإن ~~لكل واحد منهما فضلا ولكن الجمع مكروه بل ينبغي أن يكون الإمام غير المؤذن ~~وإذا تعذر الجمع فالإمامة أولى # وقال قائلون الأذان أولى لما نقلناه من فضيلة الأذان ولقوله صلى الله ~~عليه وسلم الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن (2) فقالوا فيها خطر الضمان وقال صلى ~~الله عليه وسلم الإمام أمين فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا (3) وفي ~~الحديث فإن أتم فله ولهم وإن نقص فعليه لا عليهم (4) ولأنه صلى الله عليه ~~وسلم قال اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (5) والمغفرة أولى بالطلب فإن ~~الرشد يراد للمغفرة وفي الخبر من أم في مسجد سبع سنين وجبت له الجنة بلا ~~حساب ومن أذن أربعين عاما دخل الجنة بغير حساب (6) ولذلك نقل عن الصحابة ~~رضي الله عنهم أنهم كانوا يتدافعون الإمامة والصحيح أن الإمامة أفضل إذ ~~واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ~~والأئمة بعدهم # نعم فيها خطر الضمان والفضيلة مع الخطر كما أن رتبة الإمارة أفضل لقوله ~~صلى الله عليه وسلم ليوم من سلطان عادل أفضل من عبادة سبعين سنة (7) ولكن ~~فيها خطر ولذلك وجب تقديم الأفضل PageV01P173 # والأفقه فقد قال صلى الله عليه وسلم أئمتكم شفعاؤكم أو قال وفدكم إلى ~~الله فإن أردتم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم (1) وقال بعض السلف ليس بعد ~~الأنبياء أفضل من العلماء ولا بعد العلماء أفضل من الأئمة المصلين لأن ~~هؤلاء قاموا بين يدي الله عز وجل وبين خلقه هذا بالنبوة وهذا بالعلم وهذا ~~بعماد الدين وهو الصلاة # وبهذه الحجة احتج الصحابة في تقديم أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعنهم ~~للخلافة إذ قالوا نظرنا فإذا الصلاة عماد الدين فاخترنا لدنيانا من رضيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا (2) وما قدموا بلالا احتجاجا بأنه ~~رضيه ms0289 للأذان (3) وما روي أنه قال له رجل يا رسول الله دلني على عمل أدخل به ~~الجنة قال كن مؤذنا قال لا أستطيع قال كن إماما قال لا أستطيع قال صل بإزاء ~~الإمام (4) فلعله ظن أنه لا يرضى بإمامته إذ الأذان إليه والإمامة إلى ~~الجماعة وتقديمهم له # ثم بعد ذلك توهم أنه ربما يقدر عليها الثالثة أن يراعي الإمام أوقات ~~الصلوات فيصلي في أوائلها ليدرك رضوان الله سبحانه ففضل أول الوقت على آخره ~~كفضل الآخرة على الدنيا (5) هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ~~الحديث إن العبد ليصلي الصلاة في آخر وقتها ولم تفته ولما فاته من أول ~~وقتها خير له من الدنيا وما فيها (6) ولا ينبغي أن يؤخر الصلاة لانتظار ~~كثرة الجماعة بل عليهم المبادرة لحيازة فضيلة أول الوقت فهي أفضل من كثرة ~~الجماعة ومن تطويل السورة # وقد قيل كانوا إذا حضر اثنان في الجماعة لم ينتظروا الثالث وإذا حضر ~~أربعة في الجنازة لم ينتظروا الخامس وقد تأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن صلاة الفجر وكانوا في سفر وإنما تأخر للطهارة فلم ينتظر وقدم عبد الرحمن ~~بن عوف فصلى بهم حتى فاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة فقام يقضيها ~~قال فأشفقنا من ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أحسنتم هكذا ~~فافعلوا (7) وقد تأخر في صلاة الظهر فقدموا أبا بكر رضي الله عنه حتى جاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فقام إلى جانبه (8) وليس على ~~الإمام انتظار المؤذن وإنما على المؤذن انتظار الإمام للإقامة فإذا حضر فلا ~~ينتظر غيره الرابعة أن يؤم مخلصا لله عز وجل ومؤديا أمانة الله تعالى في ~~طهارته وجميع شروطصلاته # أما الإخلاص PageV01P174 # فبأن لا يأخذ عليها أجرة فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن ~~أبي العاص الثقفي وقال اتخذ مؤذنا لا يأخذ على الأذان أجرا (1) فالأذان ~~طريق إلى الصلاة فهي أولى بأن لا يؤخذ عليها أجر فإن أخذ رزقا من ms0290 مسجد قد ~~وقف على من يقوم بإمامته أو من السلطان أو آحاد الناس فلا يحكم بتحريمه ~~ولكنه مكروه # والكراهية في الفرائض أشد منها في التراويح وتكون أجرة له على مداومته ~~على حضور الموضع ومراقبة مصالح المسجد في إقامة الجماعة لا على نفس الصلاة # وأما الأمانة فهي الطهارة باطنا عن الفسق والكبائر والإصرار على الصغائر ~~فالمترشح للإمامة ينبغي أن يحترز عن ذلك بجهده فإنه كالوفد والشفيع للقوم ~~فينبغي أن يكون خير القوم وكذا الطهارة ظاهرا عن الحدث والخبث فإنه لا يطلع ~~عليه سواه فإن تذكر في أثناء صلاته حدثا أو خرج منه ريح فلا ينبغي أن يستحي ~~بل يأخذ بيد من يقرب منه ويستخلفه فقد تذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الجنابة في أثناء الصلاة فاستخلف واغتسل ثم رجعودخل في الصلاة (2) وقال ~~سفيان صل خلف كل بر وفاجر إلا مدمن خمر أو معلن بالفسوق أو عاق لوالديه أو ~~صاحب بدعة أو عبد آبق # الخامسة أن لا يكبر حتى تستوي الصفوف فليلتفت يمينا وشمالا فإن رأى خللا ~~أمر بالتسوية # قيل كانوا يتحاذون بالمناكب ويتضامون بالكعاب # ولا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة # والمؤذن يؤخر الإقامة عن الأذان بقدر استعداد الناس في الصلاة # ففي الخبر ليتمهل المؤذن بين الأذان والإقامة بقدر ما يفرغ الآكل من ~~طعامه والمعتصر من اعتصاره (3) وذلك لأنه نهى عن مدافعة الأخبثين (4) وأمر ~~بتقديم العشاء على العشاء (5) طلبا لفراغ القلب # السادسة أن يرفع صوته بتكبيرة الإحرام وسائر التكبيرات ولا يرفع المأموم ~~صوته إلا بقدر ما يسمع نفسه # وينوي الإمامة لينال الفضل فإن لم ينو صحت صلاته وصلاة القوم إذا نووا ~~الاقتداء # ونالوا فضل القدوة وهو لا ينال فضل الإمامة وليؤخر المأموم تكبيره عن ~~تكبيرة الإمام فيبتدىء بعد فراغه والله أعلم # وأما وظائف القراءة فثلاثة # أولها أن يسر بدعاء الاستفتاح والتعوذ كالمنفرد ويجهر بالفاتحة والسورة ~~بعدها في جميع الصبح وأوليي العشاء والمغرب وكذلك المنفرد # ويجهر بقوله {آمين} في الصلاة الجهرية وكذا المأموم ويقرن المأموم تأمينه ~~بتأمين الإمام معا لا تعقيبا ms0291 (6) ويجهر ب {بسم الله الرحمن الرحيم} ~~والأخبار فيه متعارضة (7) واختيار الشافعي رضي الله عنه الجهر الثانية أن ~~يكون للإمام في القيام ثلاث سكتات (8) هكذا رواه سمرة بن جندب وعمران بن ~~الحصين عن PageV01P175 # رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاهن إذا كبر وهي الطولى منهن مقدار ما ~~يقرأ من خلفه فاتحة الكتاب وذلك وقت قراءته لدعاء الاستفتاح فإنه إن لم ~~يسكت يفوتهم الاستماع فيكون عليه ما نقص من صلاتهم فإن لم يقرءوا الفاتحة ~~في سكوته واشتغلوا بغيرها فذلك علية لا عليهم # السكتة الثانية إذا فرغ من الفاتحة ليتم من يقرأ الفاتحة في السكتة ~~الأولى فاتحته وهي كنصف السكتة الأولى # السكتة الثالثة إذا فرغ من السورة قبل أن يركع وهي أخفها وذلك بقدر ما ~~تنفصل القراءة عن التكبير فقد نهى عن الوصل فيه # ولا يقرأ المأموم وراء الإمام إلا الفاتحة فإن لم يسكت الإمام قرأ فاتحة ~~الكتاب معه والمقصر هو الإمام # وإن لم يسمع المأموم في الجهرية لبعده أو كان في السرية فلا بأس بقراءة ~~السورة # الوظيفة الثالثة أن يقرأ في الصبح سورتين من المثاني ما دون المائة فإن ~~الإطالة في قراءة الفجر والتغليس بها سنة ولا يضره الخروج منها مع الإسفار ~~ولا بأس بأن يقرأ في الثانية بأواخر السور نحو الثلاثين أو العشرين إلى أن ~~يختمها لأن ذلك لا يتكرر على الأسماع كثيرا فيكون أبلغ في الوعظ وأدعى إلى ~~التفكر وإنما كره بعض العلماء قراءة بعض أول السور وقطعها # وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ بعض سورة يونس فلما انتهى إلى ذكر ~~موسى وفرعون قطع فركع (1) وروي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر آية من ~~البقرة (2) وهي قوله قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وفي الثانية ربنا ~~آمنا بما أنزلت وسمع بلالا يقرأ من ههنا وههنا فسأله عن ذلك فقال أخلط ~~الطيب بالطيب فقال أحسنت (3) ويقرأ في الظهر بطوال المفصل إلى ثلاثين آية ~~وفي العصر بنصف ذلك وفي المغرب بأواخر المفصل # وآخر صلاة صلاها رسول الله صلى ms0292 الله عليه وسلم المغرب قرأ فيها سورة ~~المرسلات ما صلى بعدها حتى قبض (4) # وبالجملة التخفيف أولى لا سيما إذا كثر الجمع قال صلى الله عليه وسلم في ~~هذه الرخصة إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والكبير وذا ~~الحاجة وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء (5) وقد كان معاذ بن جبل يصلي بقوم ~~العشاء فقرأ البقرة فخرج رجل من الصلاة وأتم لنفسه فقالوا نافق الرجل ~~فتشاكيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزجر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم معاذا فقال أفتان أنت يا معاذ اقرأ سورة سبح والسماء والطارق والشمس ~~وضحاها (6) # وأما وظائف الأركان فثلاثة # أولها أن يخفف الركوع والسجود فلا يزيد في التسبيحات على ثلاث فقد روي عن ~~أنس أنه قال ما رأيت أخف صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام (7) ~~نعم روي أيضا أن أنس بن مالك لما صلى خلف عمر بن عبد العزيز وكان أميرا ~~بالمدينة قال ما صليت وراء أحد أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P176 # من هذا الشاب قال وكنا نسبح وراءه عشرا عشرا (1) وروي مجملا أنهم قالوا ~~كنا نسبح وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركوع والسجود عشرا عشرا ~~(2) وذلك حسن ولكن الثلاث إذا كثر الجمع أحسن # فإذا لم يحضر إلا المتجردون للدين فلا بأس بالعشر هذا وجه الجمع بين ~~الروايات # وينبغي أن يقول الإمام عند رفع رأسه من الركوع سمع الله لمن حمده # الثانية في المأموم ينبغي أن لا يساوي الإمام في الركوع والسجود بل يتأخر ~~فلا يهوي للسجود إلا إذا وصلت جبهة الإمام إلى المسجد هكذا كان اقتداء ~~الصحابة برسول الله صلى الله عليه وسلم (3) ولا يهوي للركوع حتى يستوي ~~الإمام راكعا # وقد قيل إن الناس يخرجون من الصلاة على ثلاثة أقسام طائفة بخمس وعشرين ~~صلاة وهم الذين يكبرون ويركعون بعد الإمام وطائفة بصلاة واحدة وهم الذين ~~يساوونه وطائفة بلا صلاة وهم الذين يسابقون الإمام # وقد اختلف في أن الإمام في الركوع ms0293 هل ينتظر لحوق من يدخل لينال فضل ~~الجماعة وإدراكهم لتلك الركعة ولعل الأولى أن ذلك مع الإخلاص لا بأس به إذا ~~لم يظهر تفاوت ظاهر للحاضرين فإن حقهم مرعي في ترك التطويل عليهم # الثالثة لا يزيد في دعاء التشهد على مقدار التشهد حذرا من التطويل ولا ~~يخص نفسه في الدعاء بل يأتي بصيغة الجمع فيقول اللهم اغفر لنا ولا يقول ~~{اغفر لي} فقد كره للإمام أن يخص نفسه ولا بأس أن يستعيذ في التشهد ~~بالكلمات الخمس المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول نعوذ بك من ~~عذاب جهنم وعذاب القبر ونعوذ بك من فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح ~~الدجال وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين (4) وقيل سمي مسيحا ~~لأنه يمسح الأرض بطولها وقيل لأنه ممسوح العين أي مطموسها وأما وظائف ~~التحلل فثلاثة أولها أن ينوي بالتسليمتين السلام على القوم والملائكة # الثانية أن يثبت عقيب السلام كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو ~~بكر وعمر رضي الله عنهما فيصلي النافلة في موضع آخر # فإن كان خلفه نسوة لم يقم حتى ينصرفن (5) وفي الخبر المشهور أنه صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن يقعد إلا قدر قوله اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ~~يا ذا الجلال والإكرام (6) # الثالثة إذا وثب فينبغي أن يقبل بوجهه على الناس ويكره للمأموم القيام ~~قبل انتقال الإمام # فقد روي عن طلحة والزبير رضي الله عنهما أنهما صليا خلف إمام فلما سلما ~~قالا للإمام ما أحسن صلاتك وأتمها إلا شيئا واحدا أنك لما سلمت لم تتفتل ~~بوجهك # ثم قالا للناس ما أحسن صلاتكم إلا أنكم انصرفتم قبل أن ينفتل إمامكم # ثم ينصرف الإمام حيث شاء من يمينه وشماله واليمين أحب هذه وظيفة الصلوات ~~وأما الصبح فزيد فيها القنوت فيقول اللهم اهدنا ولا يقول اللهم اهدني ويؤمن ~~المأموم فإذا انتهى إلى قوله إنك تقضي ولا يقضى عليك فلا يليق به التأمين ~~وهو ثناء فيقرأ معه فيقول مثل قوله أو يقول بلى وأنا على ms0294 ذلك من الشاهدين ~~أو صدقت وبررت وما أشبه ذلك # وقد روي حديث في رفع اليدين في القنوت (7) فإذا صح PageV01P177 # الحديث استحب ذلك وإن كان على خلاف الدعوات في آخر التشهد إذ لا يرفع ~~بسببها اليد بل التعويل على التوقيف وبينهما أيضا فرق أن للأيدي وظيفة في ~~التشهد وهو الوضع على الفخذين على هيئة مخصوصة ولا وظيفة لهما ههنا فلا ~~يبعد أن يكون رفع اليدين هو الوظيفة في القنوت فإنه لائق بالدعاء والله ~~أعلم # فهذه جمل آداب القدوة والإمامة والله الموفق ### ||| الباب الخامس فضل الجمعة وآدابها وسننها وشروطها ### |||| فضيلة الجمعة # اعلم أن هذا يوم عظيم عظم الله به الإسلام وخصص به المسلمين # قال الله تعالى {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع} فحرم الاشتغال بأمور الدنيا وبكل صارف عن السعي إلى الجمعة # وقال صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل فرض عليكم الجمعة في يومي هذا في ~~مقامي هذا (1) وقال صلى الله عليه وسلم من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر طبع ~~الله على قلبه (2) وفي لفظ آخر فقد نبذ الإسلام وراء ظهره (3) واختلف رجل ~~إلى ابن عباس يسأله عن رجل مات لم يكن يشهد جمعة ولا جماعة فقال في النار ~~فلم يزل يتردد إليه شهرا يسأله عن ذلك وهو يقول في النار وفي الخبر إن أهل ~~الكتابين أعطوا يوم الجمعة فاختلفوا فيه فصرفوا عنه وهدانا الله تعالى له ~~وأخره لهذه الأمة وجعله عيدا لهم فهم أولى الناس به سبقا وأهل الكتابين لهم ~~تبع (4) وفي حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أتاني جبريل ~~عليه السلام في كفه مرآة بيضاء وقال هذه الجمعة يفرضها عليك ربك لتكون لك ~~عيدا ولأمتك من بعدك قلت فما لنا فيها قال لكم فيها خير ساعة من دعا فيها ~~بخير قسم له أعطاه الله سبحانه إياه أو ليس له قسم ذخر له ما هو أعظم منه ~~أو تعوذ من شر مكتوب عليه إلا أعاذه الله عز وجل ms0295 من أعظم منه وهو سيد ~~الأيام عندنا ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد قلت ولم قال إن ربك عز وجل ~~اتخذ في الجنة واديا أفيح من المسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة نزل تعالى من ~~عليين على كرسيه فيتجلى لهم حتى ينظروا إلى وجهه الكريم (5) وقال صلى الله ~~عليه وسلم خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم عليه السلام ~~وفيه أدخل الجنة وفيه أهبط إلى الأرض وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم ~~الساعة وهو عند الله يوم المزيد كذلك تسميه الملائكة في السماء وهو يوم ~~النظر إلى الله تعالى في الجنة (6) وفي الخبر إن لله عز وجل في كل جمعة ~~ستمائة ألف عتيق من النار (7) وفي حديث أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P178 # قال إذا سلمت الجمعة سلمت الأيام (1) وقال صلى الله عليه وسلم إن الجحيم ~~تسعر في كل يوم قبل الزوال عند استواء الشمس في كبد السماء فلا تصلوا في ~~هذه الساعة إلا يوم الجمعة فإنه صلاة كله وإن جهنم لا تسعر فيه (2) وقال ~~كعب إن الله عز وجل فضل من البلدان مكة ومن الشهور رمضان ومن الأيام الجمعة ~~ومن الليالي ليلة القدر ويقال إن الطير والهوام يلقى بعضها بعضا في يوم ~~الجمعة فتقول سلام سلام يوم صالح وقال صلى الله عليه وسلم من مات يوم ~~الجمعة أو ليلة الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقي فتنة القبر // حديث من ~~مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقي فتنة القبر أخرجه أبو نعيم في ~~الحلية من حديث جابر روى الزندي نحوه مختصرا من حديث عبد الله بن عمر وقال ~~غريب ليس إسناده بمتصل قلت وصله الترمذي الحكيم في النوادر ### |||| بيان شروط الجمعة # اعلم أنها تشارك جميع الصلوات في الشروط وتتميز عنها بستة شروط # {الأول} الوقت فإن وقعت تسليمة الإمام في وقت العصر فاتت الجمعة وعليه أن ~~يتمها ظهرا أربعا والمسبوق إذا وقعت ركعته الأخيرة خارجا من الوقت ففيه ~~خلاف # الثاني المكان ms0296 فلا تصح في الصحاري والبراري وبين الخيام بل لا بد من بقعة ~~جامعة لأبنية لا تنقل يجمع أربعين ممن تلزمهم الجمعة والقرية فيه كالبلد ~~ولا يشترط فيه حضور السلطان ولا إذنه ولكن الأحب استئذانه # الثالث العدد فلا تنعقد بأقل من أربعين ذكورا مكلفين أحرارا مقيمين لا ~~يظعنون عنها شتاء ولا صيفا فإن انفضوا حتى نقص العدد إما في الخطبة أو في ~~الصلاة لم تصح الجمعة بل لا بد منهم من الأول إلى الآخر # الرابع الجماعة فلو صلى أربعون في قرية أو في بلد متفرقين لم تصح جمعتهم # ولكن المسبوق إذا أدرك الركعة الثانية جاز له الانفراد بالركعة الثانية # وإن لم يدرك ركوع الركعة الثانية اقتدى ونوى الظهر وإذا سلم الإمام تممها ~~ظهرا # الخامس أن لا تكون الجمعة مسبوقة بأخرى في ذلك البلد # فإن تعذر اجتماعهم في جامع واحد جاز في جامعين وثلاثة وأربعة بقدر الحاجة ~~وإن لم تكن حاجة فالصحيح الجمعة التي يقع بها التحريم أولا وإذا تحققت ~~الحاجة فالأفضل الصلاة خلف الأفضل من الإمامين فإن تساويا فالمسجد الأقدم ~~فإن تساويا ففي الأقرب ولكثرة الناس أيضا فضل يراعى # السادس الخطبتان فهما فريضتان والقيام فيهما فريضة والجلسة بينهما فريضة # وفي الأولى أربع فرائض التحميد وأقله الحمد لله # والثانية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم # والثالثة الوصية بتقوى الله سبحانه وتعالى # والرابعة قراءة آية من القرآن # وكذا فرائض الثانية أربعة إلا أنه يجب فيها الدعاء بدل القراءة # واستماع الخطبتين واجب من الأربعين # وأما السنن فإذا زالت الشمس وأذن المؤذن وجلس الإمام على المنبر انقطعت ~~الصلاة سوى التحية والكلام لا ينقطع إلا بافتتاح الخطبة # ويسلم الخطيب على الناس إذا أقبل عليهم بوجهه ويردون عليه السلام فإذا ~~فرغ المؤذن قام مقبلا على الناس بوجهه لا يلتفت يمينا ولا شمالا ويشغل يديه ~~بقائم السيف أو العنزة والمنبر كي لا يعبث بهما أو يضع إحداهما على الأخرى # ويخطب خطبتين بينهما جلسة خفيفة # ولا يستعمل غريب اللغة ولا يمطط ولا يتغنى # وتكون الخطبة قصيرة بليغة جامعة ms0297 # ويستحب أن يقرأ آية في الثانية أيضا ولا يسلم من دخل والخطيب يخطب فإن ~~سلم لم يستحق جوابا والإشارة بالجواب حسن ولا يشمت العاطسين أيضا # هذه شروط الصحة # فأما شروط الوجوب فلا تجب الجمعة إلا على ذكر بالغ عاقل مسلم حر مقيم في ~~قرية تشتمل على أربعين جامعين PageV01P179 # لهذه الصفات أو في قرية من سواد البلد يبلغها نداء البلد من طرف بابها ~~والأصوات ساكنة والمؤذن رفيع الصوت لقوله تعالى {إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} ويرخص لهؤلاء في ترك الجمعة لعذر ~~المطر والوحل والفزع والمرض والتمريض إذا لم يكن للمريض قيم غيره # ثم يستحب لهم أعني أصحاب الأعذار تأخير الظهر إلى أن يفرغ الناس من ~~الجمعة فإن حضر الجمعة مريض أو مسافر أو عبد أو امرأة صحت جمعتهم وأجزأت عن ~~الظهر والله أعلم ### |||| بيان آداب الجمعة على ترتيب العادة وهي عشر جمل # {الأول} أن يستعد لها يوم الخميس عزما عليها واستقبالا لفضلها فيشتغل ~~بالدعاء والاستغفار والتسبيح بعد العصر يوم الخميس لأنها ساعة قوبلت ~~بالساعة المبهمة في يوم الجمعة # قال بعض السلف إن لله عز وجل فضلا سوى أرزاق العباد لا يعطى من ذلك الفضل ~~إلا من سأله عشية الخميس ويوم الجمعة ويغسل في هذا اليوم ثيابه ويبيضها ~~ويعد الطيب إن لم يكن عنده ويفرغ قلبه من الأشغال التي تمنعه من البكور إلى ~~الجمعة وينوي في هذه الليلة صوم يوم الجمعة فإن له فضلا وليكن مضموما إلى ~~يوم الخميس أو السبت لا مفردا فإنه مكروه ويشتغل بإحياء هذه الليلة بالصلاة ~~وختم القرآن فلها فضل كثير وينسحب عليها فضل يوم الجمعة # ويجامع أهله في هذه الليلة أو في يوم الجمعة فقد استحب ذلك قوم حملوا ~~عليه قوله صلى الله عليه وسلم رحم الله من بكر وابتكر وغسل واغتسل (1) وهو ~~حمل الأهل على الغسل وقيل معناه غسل ثيابه فروي بالتخفيف واغتسل لجسده ~~وبهذا تتم آداب الاستقبال ويخرج من زمرة الغافلين الذين إذا أصبحوا قالوا ~~ما هذا اليوم ms0298 قال بعض السلف أوفى الناس نصيبا من الجمعة من انتظرها ورعاها ~~من الأمس وأخفهم نصيبا من إذا أصبح يقول أيش اليوم وكان بعضهم يبيت ليلة ~~الجمعة في الجامع لأجلها # الثاني إذا أصبح ابتدأ بالغسل بعد طلوع الفجر وإن كان لا يبكر فأقربه إلى ~~الرواح أحب ليكون أقرب عهدا بالنظافة فالغسل مستحب استحبابا مؤكدا وذهب بعض ~~العلماء إلى وجوبه قال صلى الله عليه وسلم غسل الجمعة واجب على كل محتلم ~~(2) والمشهور من حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما من أتى الجمعة ~~فليغتسل (3) وقال صلى الله عليه وسلم من شهد الجمعة من الرجال والنساء ~~فليغتسل (4) وكان أهل المدينة إذا تساب المتسابان يقول أحدهما للآخر لأنت ~~أشر ممن لا يغتسل يوم الجمعة # وقال عمر لعثمان رضي الله عنهما لما دخل وهو يخطب أهذه الساعة منكرا عليه ~~ترك البكور فقال ما زدت بعد أن سمعت الأذان على أن توضأت وخرجت فقال ~~والوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا بالغسل ~~(5) وقد عرف جواز ترك الغسل بوضوء عثمان رضي الله تعالى عنه وبما روي أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل ~~أفضل (6) ومن اغتسل للجنابة فليفض الماء على بدنه مرة أخرى PageV01P180 # على نية غسل الجمعة فإن اكتفى بغسل واحد أجزأه وحصل له الفضل إذا نوى ~~كليهما ودخل غسل الجمعة في غسل الجنابة وقد دخل بعض الصحابة على ولده وقد ~~اغتسل فقال له أللجمعة فقال بل عن الجنابة فقال أعد غسلا ثانيا وروى الحديث ~~في غسل الجمعة على كل محتلم # وإنما أمره به لأنه لم يكن نواه # وكان لا يبعد أن يقال المقصود النظافة وقد حصلت دون النية ولكن هذا ينقدح ~~في الوضوء أيضا وقد جعل في الشرع قربة فلا بد من طلب فضلها # ومن اغتسل ثم أحدث توضأ ولم يبطل غسله والأحب أن يحترز عن ذلك # {الثالثة} الزينة وهي مستحبة في هذا اليوم وهي ثلاثة الكسوة والنظافة ~~وتطييب الرائحة # أما ms0299 النظافة فبالسواك وحلق الشعر وقلم الظفر وقص الشارب وسائر ما سبق في ~~كتاب الطهارة # قال ابن مسعود من قلم أظفاره يوم الجمعة أخرج الله عز وجل منه داء وأدخل ~~فيه شفاء فإن كان قد دخل الحمام في الخميس أو الأربعاء فقد حصل المقصود ~~فليتطيب في هذا اليوم بأطيب طيب عنده ليغلب بها الروائح الكريهة ويوصل بها ~~الروح والرائحة إلى مشام الحاضرين في جواره وأحب طيب الرجال ما ظهر ريحه ~~وخفي لونه وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه (1) وروي ذلك في الأثر # وقال الشافعي رضي الله عنه من نظف ثوبه قل همه ومن طاب ريحه زاد عقله # وأما الكسوة فأحبها البياض من الثياب إذ أحب الثياب إلى الله تعالى البيض ~~ولا يلبس ما فيه شهرة # ولبس السواد ليس من السنة ولا فيه فضل بل كره جماعة النظر إليه لأنه بدعة ~~محدثة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم والعمامة مستحبة في هذا اليوم # وروى واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله ~~وملائكته يصلون على أصحاب العمائم يوم الجمعة (2) فإن أكربه الحر فلا بأس ~~بنزعها قبل الصلاة وبعدها ولكن لا ينزع في وقت السعي من المنزل إلى الجمعة ~~ولا في وقت الصلاة ولا عند صعود الإمام المنبر وفي خطبته # الرابع البكور إلى الجامع ويستحب أن يقصد الجامع من فرسخين وثلاث وليبكر ~~ويدخل وقت البكور بطلوع الفجر وفضل البكور عظيم # وينبغي أن يكون في سعيه إلى الجمعة خاشعا متواضعا ناويا للاعتكاف في ~~المسجد إلى وقت الصلاة قاصدا للمبادرة إلى جواب نداء الله عز وجل إلى ~~الجمعة إياه والمسارعة إلى مغفرته ورضوانه وقد قال صلى الله عليه وسلم من ~~راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة ~~الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ~~ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما أهدى دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة ~~فكأنما أهدى بيضة فإذا خرج الإمام طويت الصحف ورفعت ms0300 الأقلام واجتمعت ~~الملائكة عند المنبر يستمعون الذكر فمن جاء بعد ذلك فأنما جاء لحق الصلاة ~~ليس له من الفضل شيء (3) والساعة الأولى طلوع الشمس والثانية إلى ارتفاعها ~~والثالثة إلى انبساطها حين ترمض الأقدام والرابعة والخامسة بعد الضحى ~~الأعلى إلى الزوال وفضلها قليل ووقت الزوال حق الصلاة ولا فضل فيه # وقال صلى الله عليه وسلم ثلاث لو يعلم الناس ما فيهن لركضوا ركض الإبل في ~~طلبهن الأذان والصف الأول والغدو إلى الجمعة (4) وقال أحمد بن حنبل رضي ~~الله عنه أفضلهن الغدو إلى الجمعة # وفي الخبر PageV01P181 # إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد بأيديهم صحف من فضة ~~وأقلام من ذهب يكتبون الأول فالأول على مراتبهم (1) وجاء في الخبر إن ~~الملائكة يتفقدون الرجل إذا تأخر عن وقته يوم الجمعة فيسأل بعضهم بعضا عنه ~~ما فعل فلان وما الذي أخره عن وقته فيقولون اللهم إن كان أخره فقر فأغنه ~~وإن كان أخره مرض فاشفه وإن كان أخره شغل ففرغه لعبادتك وإن كان أخره لهو ~~فأقبل بقلبه إلى طاعتك (2) وكان يرى في القرن الأول سحرا وبعد الفجر ~~الطرقات مملوءة من الناس يمشون في السرج ويزدحمون بها إلى الجامع كأيام ~~العيد حتى اندرس ذلك فقيل أول بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع # وكيف لا يستحي المسلمون من اليهود والنصارى وهم يبكرون إلى البيع ~~والكنائس يوم السبت والأحد وطلاب الدنيا كيف يبكرون إلى رحاب الأسواق للبيع ~~والشراء والربح فلم لا يسابقهم طلاب الآخرة ويقال إن الناس يكونون في قربهم ~~عند النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى على قدر بكورهم إلى الجمعة # ودخل ابن مسعود رضي الله عنه بكرة الجامع فرأى ثلاثة نفر قد سبقوه ~~بالبكور فاغتم لذلك وجعل يقول في نفسه معاتبا لها رابع أربعة وما رابع ~~أربعة من البكور ببعيد # الخامس في هيئة الدخول ينبغي أن لا يتخطى رقاب الناس ولا يمر بين أيديهم ~~والبكور يسهل ذلك عليه فقد ورد وعيد شديد في تخطي الرقاب وهو أنه يجعل جسرا ~~يوم القيامة يتخطاه ms0301 الناس (3) وروى ابن جريج مرسلا أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ رأى رجلا يتخطى رقاب الناس حتى تقدم ~~فجلس فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته عارض الرجل حتى لقيه فقال يا ~~فلان ما منعك أن تجمع اليوم معنا قال يا نبي الله قد جمعت معكم فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ألم نرك تتخطى رقاب الناس (4) أشار به إلى أنه أحبط ~~عمله # وفي حديث مسند أنه قال ما منعك أن تصلي معنا قال أو لم ترني يا رسول الله ~~فقال صلى الله عليه وسلم رأيتك تأنيت وآذيت (5) أي تأخرت عن البكور وآذيت ~~الحضور # ومهما كان الصف الأول متروكا خاليا فله أن يتخطى رقاب الناس لأنهم ضيعوا ~~حقهم وتركوا موضع الفضيلة # قال الحسن تخطوا رقاب الناس الذين يقعدون على أبواب الجوامع يوم الجمعة ~~فإنه لا حرمة لهم # وإذا لم يكن في المسجد إلا من يصلي فينبغي أن لا يسلم لأنه تكليف جواب في ~~غير محله # السادس أن لا يمر بين يدي الناس ويجلس حيث هو إلى قرب أسطوانة أو حائط ~~حتى لا يمرون بين يديه أعني بين يدي المصلي فإن ذلك لا يقطع الصلاة ولكنه ~~منهي عنه قال صلى الله عليه وسلم لأن يقف أربعين عاما خير له من أن يمر بين ~~يدي المصلي (6) وقال صلى الله عليه وسلم لأن يكون الرجل رمادا أو رميما ~~PageV01P182 # تذروه الرياح خير من أن يمر بين يدي المصلي (1) وقد روي في حديث آخر في ~~المار والمصلي حيث صلى على الطريق أو قصر في الدفع فقال لو يعلم المار بين ~~يدي المصلى والمصلي ما عليهما في ذلك لكان أن يقف أربعين سنة خيرا له من أن ~~يمر بين يديه (2) والأسطوانة والحائط والمصلى المفروش حد للمصلي فمن اجتاز ~~به فينبغي أن يدفعه قال صلى الله عليه وسلم ليدفعه فإن أبى فليدفعه فإن أبى ~~فليقاتله فإنه شيطان (3) وكان أبو سعيد الخدري رضي الله عنه يدفع من يمر ~~بين يديه ms0302 حتى يصرعه فربما تعلق به الرجل فاستعدى عليه عند مروان فيخبره أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمره بذلك فإن لم يجد أسطوانة فلينصب بين يديه ~~شيئا طوله قدر ذراع ليكون ذلك علامة لحدة # السابع أن يطلب الصف الأول فإن فضله كثير كما رويناه وفي الحديث من غسل ~~واغتسل وبكر وابتكر ودنا من الإمام واستمع كان ذلك له كفارة لما بين ~~الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام (4) وفي لفظ آخر غفر الله له إلى الجمعة الأخرى ~~وقد اشترط في بعضها ولم يتخط رقاب الناس (5) ولا يغفل في طلب الصف الأول عن ~~ثلاثة أمور أولها أنه إذا كان يرى بقرب الخطيب منكرا يعجز عن تغييره من لبس ~~حرير من الإمام أو غيره أو صلى في سلاح كثير ثقيل شاغل أو سلاح مذهب أو غير ~~ذلك مما يجب فيه الإنكار فالتأخر له أسلم وأجمع للهم فعل ذلك جماعة من ~~العلماء طلبا للسلامة # قيل لبشر بن الحرث نراك تبكر وتصلي في آخر الصفوف فقال إنما يراد قرب ~~القلوب قرب الأجساد # وأشار به إلى أن ذلك أقرب لسلامة قلبه # ونظر سفيان الثوري إلى شعيب بن حرب عند المنبر يسمع إلى الخطبة من أبي ~~جعفر المنصور فلما فرغ من الصلاة قال شغل قلبي قربك من هذا هل أمنت أن تسمع ~~كلاما يجب عليك إنكاره فلا تقوم به ثم ذكر ما أحدثوا من لبس السواد فقال يا ~~أبا عبد الله أليس في الخبر أدن واستمع (6) فقال ويحك ذاك للخلفاء الراشدين ~~المهديين فأما هؤلاء فكلما بعدت عنهم ولم تنظر إليهم كان أقرب إلى الله عز ~~وجل # وقال سعيد بن عامر صليت إلى جنب أبي الدرداء فجعل يتأخر في الصفوف حتى ~~كنا في آخر صف فلما صلينا قلت له أليس يقال خير الصفوف أولها قال نعلم إلا ~~أن هذه الأمة مرحومة منظور إليها من بين الأمم (7) فإن الله تعالى إذا نظر ~~إلى عبد في الصلاة غفر له ولمن وراءه من الناس فإنما تأخرت رجاء أن يغفر لي ~~بواحد منهم ينظر ms0303 الله إليه # وروى بعض الرواة أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك فمن ~~تأخر على هذه النية إيثارا وإظهارا لحسن الخلق فلا بأس وعند هذا يقال ~~الأعمال بالنيات ثانيها إن لم تكن مقصورة عند الخطيب مقتطعة عن المسجد ~~للسلاطين فالصف الأول محبوب وإلا فقد كره بعض العلماء دخول المقصورة # كان الحسن وبكر المزني لا يصليان في المقصورة ورأيا أنها قصرت على ~~السلاطين وهي بدعة أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المساجد # والمسجد مطلق لجميع الناس وقد اقتطع ذلك على خلافة # وصلى أنس بن مالك PageV01P183 # وعمران بن حصين في المقصورة ولم يكرها ذلك لطلب القرب # ولعل الكراهية تختص بحالة التخصيص والمنع فأما مجرد المقصورة إذا لم يكن ~~منع فلا يوجد كراهة وثالثها أن المنبر يقطع بعض الصفوف وإنما الصف الأول ~~الواحد المتصل الذي في فناء المنبر وما على طرفيه مقطوع # وكان الثوري يقول الصف الأول هو الخارج بين يدي المنبر وهو متجه لأنه ~~متصل ولأن الجالس فيه يقابل الخطيب ويسمع منه # ولا يبعد أن يقال الأقرب إلى القبلة هو الصف الأول ولا يراعى هذا المعنى # وتكره الصلاة في الأسواق والرحاب الخارجة عن المسجد وكان بعض الصحابة ~~يضرب الناس ويقيمهم من الرحاب # الثامن أن يقطع الصلاة عند خروج الإمام ويقطع الكلام أيضا بل يشتغل بجواب ~~المؤذن ثم باستماع الخطبة # وقد جرت عادة بعض العوام بالسجود عند قيام المؤذنين ولم يثبت له أصل في ~~أثر ولا خبر ولكنه إن وافق سجود تلاوة فلا بأس بها للدعاء لأنه وقت فاضل ~~ولا يحكم بتحريم هذا السجود فإنه لا سبب لتحريمه وقد روي عن علي وعثمان رضي ~~الله عنهما أنهما قالا من استمع وأنصت فله أجران ومن لم يستمع وأنصت فله ~~أجر ومن سمع ولغا فعليه وزران ومن لم يستمع ولغا فعليه وزر واحد # وقال صلى الله عليه وسلم من قال لصاحبه والإمام يخطب أنصت أو مه فقد لغا ~~ومن لغا والإمام يخطب فلا جمعة له (1) وهذا يدل على ms0304 أن الإسكات ينبغي أن ~~يكون بإشارة أو رمي حصاة لا بالنطق # وفي حديث أبي ذر أنه لما سأل أبيا والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال ~~متى أنزلت هذه السورة فأومأ إليه أن أسكت فلما نزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال له أبي اذهب فلا جمعة لك فشكاه أبو ذر إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال صدق أبي (2) وإن كان بعيدا من الإمام فلا ينبغي أن يتكلم في ~~العلم وغيره بل يسكت لأن كل ذلك يتسلل ويفضي إلى هينمة حتى ينتهي إلى ~~المستمعين ولا يجلس في حلقة من يتكلم فمن عجز عن الاستماع بالبعد فلينصت ~~فهو المستحب # وإذا كان تكره الصلاة في وقت خطبة الإمام فالكلام أولى بالكراهية # وقال علي كرم الله وجهه تكره الصلاة في أربع ساعات بعد الفجر وبعد العصر ~~ونصف النهار والصلاة والإمام يخطب # التاسع أن يراعي في قدوة الجمعة ما ذكرناه في غيرها فإذا سمع قراءة ~~الإمام لم يقرأ سوى الفاتحة # فإذا فرغ من الجمعة قرأ الحمد لله سبع مرات قبل أن يتكلم وقل هو الله أحد ~~والمعوذتين سبعا سبعا وروى بعض السلف أن من فعله عصم من الجمعة إلى الجمعة ~~وكان حرزا له من الشيطان ويستحب أن يقول بعد الجمعة اللهم يا غني يا حميد ~~يا مبدىء يا معيد يا رحيم يا ودود أغنني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك ~~يقال من داوم على هذا الدعاء أغناه الله سبحانه عن خلقه ورزقه من حيث لا ~~يحتسب ثم يصلي بعد الجمعة ست ركعات فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين (3) وروى أبو هريرة أربعا (4) ~~وروى علي وعبد الله ابن عباس رضي الله عنهم ستا (5) والكل صحيح في أحوال ~~مختلفة والأكمل أفضل PageV01P184 # العاشر: أن يلازم المسجد حتى يصلي العصر فإن أقام إلى المغرب فهو الأفضل ~~يقال من صلى العصر في الجامع كان له ثواب الحج ومن صلى المغرب فله ثواب حجة ~~وعمرة فإن لم ms0305 يأمن التصبع ودخول الآفة عليه من نظر الخلق إلى اعتكافه أو ~~خاف الخوض فيما لا يعني فالأفضل أن يرجع إلى بيته ذاكرا الله عز وجل مفكرا ~~في آلائه شاكر الله تعالى على توفيقه خائفا من تقصيره مراقبا لقلبه ولسانه ~~إلى غروب الشمس حتى لا تفوته الساعة الشريفة ولا ينبغي أن يتكلم في الجامع ~~وغيره من المساجد بحديث الدنيا قال صلى الله عليه وسلم يأتي على الناس زمان ~~يكون حديثهم في مساجدهم أمر دنياهم ليس لله تعالى فيهم حاجة فلا تجالسوهم ~~(1) ### |||| بيان الآداب والسنن الخارجة عن الترتيب السابق الذي يعم جميع النهار # وهي سبعة أمور # الأول: أن يحضر مجالس العلم بكرة أو بعد العصر ولا يحضر مجالس القصاص فلا ~~خير في كلامهم # ولا ينبغي أن يخلو المريد في جميع يوم الجمعة عن الخيرات والدعوات حتى ~~توافيه الساعة الشريفة وهو في خير ولا ينبغي أن يحضر الحلق قبل الصلاة وروى ~~عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحلق ~~يوم الجمعة قبل الصلاة (2) # إلا أن يكون عالما بالله يذكر بأيام الله ويفقه في دين الله يتكلم في ~~الجامع بالغداة فيجلس إليه فيكون جامعا بين البكور وبين الاستماع واستماع ~~العلم النافع في الآخرة أفضل من اشتغاله بالنوافل فقد روى أبو ذر إن حضور ~~مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة (3) # قال أنس بن مالك في قوله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ~~وابتغوا من فضل الله أما إنه ليس بطلب دنيا لكن عيادة مريض وشهود جنازة ~~وتعلم علم وزيارة أخ في الله عز وجل # وقد سمى الله عز وجل العلم فضلا في مواضع قال تعالى وعلمك ما لم تكن تعلم ~~وكان فضل الله عليك عظيما وقال تعالى ولقد آتينا داود منا فضلا يعني العلم ~~فتعلم العلم في هذا اليوم وتعليمه من أفضل القربات # والصلاة أفضل من مجالس القصاص إذ كانوا يرونه بدعة ويخرجون القصاص من ~~الجامع بكر ابن عمر رضي الله عنهما إلى مجلسه في ms0306 المسجد الجامع فإذا قاص في ~~موضعه فقال قم عن مجلسي فقال لا أقوم وقد جلست وسبقتك إليه فأرسل ابن عمر ~~إلى صاحب الشرطة فأقامه، فلو كان ذلك من السنة لما جازت إقامته فقد قال صلى ~~الله عليه وسلم لا يقيمن أحدكم أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا ~~وتوسعوا (4) # وكان ابن عمر إذا قام الرجل له من مجلسه لم يجلس فيه حتى يعود إليه # وروى أن قاصا كان يجلس بفناء حجرة عائشة رضي الله عنها فأرسلت إلى ابن ~~عمر إن هذا قد آذاني بقصصه وشغلني عن سبحتي فضربه ابن عمر حتى كسر عصاه على ~~ظهره ثم طرده # الثاني: أن يكون حسن المراقبة للساعة الشريفة ففي الخبر المشهور إن في ~~الجمعة ساعة لايوافقها عبد مسلم يسأل الله عز وجل فيها شيئا إلا أعطاه (5) ~~وفي خبر آخر لا يصادفها عبد يصلي (6) # واختلف فيها فقيل إنها عند طلوع الشمس وقيل عند الزوال وقيل مع الأذان ~~وقيل إذا صعد الإمام المنبر وأخذ في الخطبة وقيل إذا قام PageV01P185 # الناس إلى الصلاة وقيل آخر وقت العصر أعني وقت الاختيار وقيل قبل غروب ~~الشمس وكانت فاطمة رضي الله عنها تراعي ذلك الوقت وتأمر خادمتها أن تنظر ~~إلى الشمس فتؤذنها بسقوطها فتأخذ في الدعاء والاستغفار إلى أن تغرب الشمس ~~وتخبر بأن تلك الساعة هي المنتظرة وتؤثره عن أبيها صلى الله عليه وسلم ~~وعليها (1) وقال بعض العلماء هي مبهمة في جميع اليوم مثل ليلة القدر تتوفر ~~الدواعي على مراقبتها # وقيل إنها تنتقل في ساعات يوم الجمعة كتنقل ليلة القدر وهذا هو الأشبه ~~وله سر لا يليق بعلم المعاملة ذكره ولكن ينبغي أن يصدق بما قال صلى الله ~~عليه وسلم إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها (2) ويوم الجمعة ~~من جملة تلك الأيام فينبغي أن يكون العبد في جميع نهاره متعرضا لها بإحضار ~~القلب وملازمة الذكر والنزوع عن وساوس الدنيا فعساه يحطى بشيء من تلك ~~النفحات # وقد قال كعب الأحبار إنها في آخر ساعة من يوم الجمعة ms0307 وذلك عند الغروب ~~فقال أبو هريرة وكيف تكون آخر ساعة وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول لا يوافقها عبد يصلي ولات حين صلاة فقال كعب ألم يقل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من قعد ينتظر الصلاة فهو في الصلاة (3) قال بلى قال فذلك ~~صلاة فسكت أبو هريرة # وكان كعب مائلا إلى أنها رحمة من الله سبحانه للقائمين بحق هذا اليوم ~~وأوان إرسالها عند الفراغ من تمام العمل # وبالجملة هذا وقت شريف مع وقت صعود الإمام المنبر فليكثر الدعاء فيهما # الثالث يستحب أن يكثر الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا ~~اليوم فقد قال صلى الله عليه وسلم من صلى علي في يوم الجمعة ثمانين مرة غفر ~~الله له ذنوب ثمانين سنة قيل يا رسول الله كيف الصلاة عليك قال تقول اللهم ~~صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي وتعقد واحدة وإن قلت اللهم صلي ~~على محمد وعلى آل محمد صلاة تكون لك رضاء ولحقه أداء وأعطه الوسيلة وابعثه ~~المقام المحمود الذي وعدته واجزه عنا ما هو أهله واجزه أفضل ما جازيت نبيا ~~عن أمته وصل عليه وعلى جميع إخوانه من النبيين والصالحين يا أرحم الراحمين ~~(4) تقول هذا سبع مرات فقد قيل من قالها في سبع جمع في كل جمعة سبع مرات ~~وجبت له شفاعته صلى الله عليه وسلم # وإن أراد أن يزيد أتى بالصلاة المأثورة فقال اللهم اجعل فضائل صلواتك ~~ونوامي بركاتك وشرائف زكواتك ورأفتك ورحمتك وتحيتك على محمد سيد المرسلين ~~وإمام المتقين وخاتم النبيين ورسول رب العالمين قائد الخير وفاتح البر ونبي ~~الرحمة وسيد الأمة اللهم ابعثه مقاما محمودا تزلف به قربه وتقر به عينه ~~يغبطه به الأولون وألاخرون اللهم أعطه الفضل والفضيلة والشرف والوسيلة ~~والدرجة الرفيعة والمنزلة الشامخة المنيفة اللهم أعط محمدا سؤله وبلغه ~~مأموله واجعله أول شافع وأول مشفع اللهم عظم برهانه وثقل ميزانه وأبلج حجته ~~وارفع في أعلى المقربين درجته اللهم احشرنا في زمرته واجعلنا من أهل شفاعته ms0308 ~~وأحينا على سنته وتوفنا على ملته PageV01P186 # وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه غير خزايا ولا نادمين ولا شاكين ولا مبدلين ~~ولا فاتنين ولا مفتونين آمين يا رب العالمين (1) # وعلى الجملة فكل ما أتى به من ألفاظ الصلاة ولو بالمشهورة في التشهد كان ~~مصليا # وينبغي أن يضيف إليه الاستغفار فإن ذلك أيضا مستحب في هذا اليوم # الرابع قراءة القرآن فليكثر منه وليقرأ سورة الكهف خاصة # فقد روي عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما إن من قرأ سورة الكهف ~~ليلة الجمعة أو ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أعطي نورا من حيث يقرؤها إلى مكة ~~وغفر له إلى يوم الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام وصلى عليه سبعون ألف ملك ~~حتى يصح وعوفي من الداء والدبيلة وذات الجنب والبرص والجذام وفتنة الدجال ~~(2) ويستحب أن يختم القرآن في يوم الجمعة وليلتها إن قدر وليكن ختمه للقرآن ~~في ركعتي الفجر إن قرأ بالليل أو في ركعتي المغرب أو بين الإذان والإقامة ~~للجمعة فله فضل عظيم # وكان العابدون يستحبون أن يقرءوا يوم الجمعة قل هو الله أحد ألف مرة # ويقال إن من قرأها في عشر ركعات أو عشرين فهو أفضل من ختمة وكانوا يصلون ~~على النبي صلى الله عليه وسلم ألف مرة وكانوا يقولون سبحان الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر ألف مرة وإن قرأ المسبعات الست في يوم الجمعة ~~أو ليلتها فحسن # وليس يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ سورا بأعيانها إلا ~~في يوم الجمعة وليلتها كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة قل يا أيها ~~الكافرون وقل هو الله أحد وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة ~~سورة الجمعة والمنافقين (3) وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرؤهما في ~~ركعتي الجمعة # وكان يقرأ في الصبح يوم الجمعة سورة سجدة لقمان وسورة هل أتى على الإنسان ~~(4) # الخامس الصلوات يستحب إذا دخل الجامع أن لا يجلس حتى يصلي أربع ركعات ~~يقرأ فيهن قل هو الله أحد مائتي مرة في ms0309 كل ركعة خمسين مرة (5) فقد نقل عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من فعله لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو ~~يرى له ولا يدع ركعتي التحية وإن كان الإمام يخطب ولكن يخفف # أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك (6) وفي حديث غريب أنه صلى الله ~~عليه وسلم سكت للداخل حتى صلاهما (7) فقال الكوفيون إن سكت له الإمام ~~صلاهما # ويستحب في هذا اليوم أو في ليلته أن يصلي أربع ركعات بأربع سور الأنعام ~~والكهف وطه ويس # فإن لم يحسن قرأ يس وسورة سجدة لقمان وسورة الدخان وسورة الملك # ولا يدع قراءة هذه الأربع سور في ليلة الجمعة ففيها فضل كثير # ومن لا يحسن القرآن قرأ ما يحسن فهو له بمنزلة الختمة # ويكثر من قراءة سورة الإخلاص # ويستحب أن يصلي صلاة التسبيح كما سيأتي في باب التطوعات كيفيتها لأنه صلى ~~الله عليه وسلم قال لعمه العباس صلها في كل جمعة (8) وكان ابن عباس رضي ~~الله عنهما لا يدع هذه الصلاة يوم الجمعة بعد الزوال PageV01P187 # وكان يخبر عن جلالة فضلها # والأحسن أن يجعل وقته إلى الزوال للصلاة وبعد صلاة الجمعة إلى العصر ~~لاستماع العلم وبعد العصر إلى المغرب للتسبيح والاستغفار # السادس الصدقة مستحبة في هذا اليوم خاصة فإنها تتضاعف إلا على من سأل ~~والإمام يخطب وكان يتكلم في كلام الإمام فهذا مكروه # وقال صالح بن محمد سأل مسكين يوم الجمعة والإمام يخطب وكان إلى جانب أبي ~~فأعطى رجل أبي قطعة ليناوله إياها فلم يأخذها منه أبي # وقال ابن مسعود إذا سأل الرجل في المسجد فقد استحق أن لا يعطى وإذا سأل ~~على القرآن فلا تعطوه # ومن العلماء من كره الصدقة على السؤال في الجامع الذين يتخطون رقاب الناس ~~إلا أن يسأل قائما أو قاعدا في مكانه من غير تخط # وقال كعب الأحبار من شهد الجمعة ثم انصرف فتصدق بشيئين مختلفين من الصدقة ~~ثم رجع فركع ركعتين يتم ركوعهما وسجودهما وخشوعهما ثم يقول اللهم إني أسألك ~~باسمك بسم الله ms0310 الرحمن الرحيم وباسمك الذي لا إله إلا الله هو الحي القيوم ~~الذي لا تأخذه سنة ولا نوم لم يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه # وقال بعض السلف # من أطعم مسكينا يوم الجمعة ثم غدا وابتكر ولم يؤذ أحدا ثم قال حين يسلم ~~الإمام بسم الله الرحمن الرحيم الحي القيوم أسألك أن تغفر لي وترحمني ~~وتعافيني من النار ثم دعا بما بدا له استجيب له # السابع أن يجعل يوم الجمعة للآخرة فيكف فيه عن جميع أشغال الدنيا ويكثر ~~فيه الأوراد ولا يبتدىء فيه السفر فقد روي أنه من سافر في ليلة الجمعة دعا ~~عليه ملكاه (1) وهو بعد طلوع الفجر حرام إلا إذا كانت الرفقة تفوت # وكره بعض السلف شراء الماء في المسجد من السقاء ليشربه أو يسبله حتى لا ~~يكون مبتاعا في المسجد فإن البيع والشراء في المسجد مكروه # وقالوا لا بأس لو أعطى القطعة خارج المسجد ثم شرب أو سبل في المسجد # وبالجملة ينبغي أن يزيد في الجمعة في أوراده وأنواع خيراته فإن الله ~~سبحانه إذا أحب عبدا استعمله في الأوقات الفاضلة بفواضل الأعمال وإذا مقته ~~استعمله في الأوقات الفاضلة بسيء الأعمال ليكون ذلك أوجع في عقابه وأشد ~~لمقته لحرمانه بركة الوقت وانتهاكه حرمة الوقت # ويستحب في الجمعة دعوات وسيأتي ذكرها في كتاب الدعوات إن شاء الله تعالى # وصلى الله على كل عبد مصطفى ### ||| الباب السادس في مسائل متفرقة تعم بها البلوى ويحتاج المريد إلى معرفتها # فأما المسائل التي تقع نادرة فقد استقصيناها في كتب الفقه # مسألة الفعل القليل وإن كان لا يبطل الصلاة فهو مكروه إلا لحاجة وذلك في ~~دفع المار وقتل العقرب التي تخاف ويمكن قتلها بضربة أو ضربتين فإذا صارت ~~ثلاثة فقد كثرت وبطلت الصلاة وكذلك القملة والبرغوث مهما تأذى بهما كان له ~~دفعهما وكذلك حاجته إلى الحك الذي يشوش عليه الخشوع # كان معاذ يأخذ القملة والبرغوث في الصلاة # وابن عمر كان يقتل القملة في الصلاة حتى يظهر الدم على يده # وقال النخعي يأخذها ويوهنها ولا شيء ms0311 عليه إن قتلها # وقال ابن المسيب يأخذها ويخدرها ثم يطرحها # وقال مجاهد الأحب إلى أن يدعها إلا أن تؤذيه فتشغله عن صلاته فيوهنها قدر ~~ما لا تؤذي ثم يلقيها # وهذه رخصة وإلا فالكمال الاحتراز عن الفعل وإن قل # ولذلك كان بعضهم لا يطرد الذباب وقال لا أعود نفسي ذلك فأفسد على صلاتي # وقد سمعت أن الفساق بين يدي PageV01P188 # الملوك يصبرون على أذى كثير ولا يتحركون # ومهما تثاءب فلا بأس أن يضع يده على فيه وهو الأولى # وإن عطس حمد الله عز وجل في نفسه ولا يحرك لسانه # وإن تجشأ فينبغي أن لا يرفع رأسه إلى السماء وإن سقط رداؤه فلا ينبغي أن ~~يسويه وكذلك أطراف عمامته فكل ذلك مكروه إلا لضرورة # مسألة الصلاة في النعلين جائزة وإن كان نزع النعلين سهلا وليست الرخصة في ~~الخف لعسر النزع بل هذه النجاسة معفو عنها # وفي معناها المداس صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نعليه ثم نزع ~~فنزع الناس نعالهم فقال لم خلعتم نعالكم قالوا رأيناك خلعت فخلعنا قال صلى ~~الله عليه وسلم أن جبرائيل عليه السلام أتاني فأخبرني أن بهما خبثا فإذا ~~أراد أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ~~وليصل فيهما (1) وقال بعضهم الصلاة في النعلين أفضل لأنه صلى الله عليه ~~وسلم قال لم خلعتم نعالكم وهذه مبالغة فإنه صلى الله عليه وسلم سألهم ليبين ~~لهم سبب خلعه إذ علم أنهم خلعوا على موافقته # وقد روى عبد الله بن السائب أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه (2) ~~فإذن قد فعل كليهما فمن خلع فلا ينبغي أن يضعهما عن يمينه ويساره فيضيق ~~الموضع ويقطع الصف بل يضعهما بين يديه ولا يتركهما وراءه فيكون قلبه ملتفتا ~~إليهما # ولعل من رأى الصلاة فيهما أفضل راعي هذا المعنى وهو التفات القلب إليهما # روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا صلى ~~أحدكم فليجعل نعليه بين رجليه (3) وقال أبو هريرة لغيره اجعلهما بين ms0312 رجليك ~~ولا تؤذ بهما مسلما # ووضعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم على يساره وكان إماما (4) فللإمام ~~أن يفعل ذلك إذ لا يقف أحد على يساره # والأولى أن لا يضعهما بين قدميه فتشغلانه ولكن قدام قدميه ولعله المراد ~~بالحديث # وقد قال جبير بن مطعم وضع الرجل نعليه بين قدميه بدعة # مسألة إذا بزق في صلاته لم تبطل صلاته لأنه فعل قليل # وما لا يحصل به صوت لا يعد كلاما وليس على شكل حروف الكلام إلا أنه مكروه ~~فينبغي أن يحترز منه إلا كما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه إذ روى ~~بعض الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في القبلة نخامة فغضب ~~غضبا شديدا ثم حكها بعرجون كان في يده وقال ائتوني بعبير فلطخ أثرها ~~بزعفران ثم التفت إلينا وقال أيكم يحب أن يبزق في وجهه فقلنا لا أحد قال ~~فإن أحدكم إذا دخل في الصلاة فإن الله عز وجل بينه وبين القبلة (5) وفي لفظ ~~آخر واجهه الله تعالى فلا يبزقن أحدكم تلقاء وجهه ولا عن يمينه ولكن عن ~~شماله أو تحت قدمه اليسرى فإن بدرته بادرة فليبصق في ثوبه وليقل به هكذا ~~ودلك بعضه ببعض # مسألة لوقوف المقتدى سنة وفرض أما السنة فأن يقف الواحد عن يمين الإمام ~~متأخرا عنه قليلا والمرأة الواحدة تقف خلف الإمام فإن وقفت بجنب الإمام لم ~~يضر ذلك ولكن خالفت السنة # فإن كان معها رجل PageV01P189 # وقف الرجل عن يمين الإمام وهي خلف الرجل # ولا يقف أحد خلف الصف منفردا بل يدخل في الصف أو يجر إلى نفسه واحدا من ~~الصف # فإن وقف منفردا صحت صلاته مع الكراهية # وأما الفرض # فاتصال الصف وهو أن يكون بين المقتدي والإمام رابطة جامعة فإنهما في ~~جماعة فإن كانا في مسجد كفى ذلك جامعا لأنه بنى له فلا يحتاج إلى اتصال صف ~~بل إلى أن يعرف أفعال الإمام صلى أبو هريرة رضي الله عنه على ظهر المسجد ~~بصلاة الإمام # وإذا كان الماموم على فناء ms0313 المسجد في طريق أو صحراء مشتركة وليس بينهما ~~اختلاف بناء مفرق فيكفي القرب بقدر غلوة سهم وكفى بها رابطة إذ يصل فعل ~~أحدهما إلى الآخر # وإنما يشترط إذا وقف في صحن دار على يمين المسجد أو يساره وبابها لاطىء ~~في المسجد فالشرط أن يمد صف المسجد في دهليزها من غير انقطاع إلى الصحن # ثم تصح صلاة من في ذلك الصف ومن خلفه دون من تقدم عليه وهكذا حكم الأبنية ~~المختلفة فأما البناء الواحد والعرصة الواحدة فكالصحراء # مسألة المسبوق إذا أدرك آخر صلاة الإمام فهو أول صلاته فليوافق الإمام ~~وليبن عليه وليقنت في الصبح في آخر صلاة نفسه # وإن قنت مع الإمام وإن أدرك مع الإمام بعض القيام فلا يشتغل بالدعاء ~~وليبدأ بالفاتحة وليخففها # فإن ركع الإمام قبل تمامها وقدر على لحوقه في اعتداله من الركوع فليتم # فإن عجز وافق الإمام وركع وكان لبعض الفاتحة حكم جميعها فتسقط عنه بالسبق # وإن ركع الإمام وهو في السورة فليقطعها # وإن أدرك الإمام في السجود أو التشهد كبر للإحرام ثم جلس ولم يكبر بخلاف ~~ما إذا أدركه في الركوع فإنه يكبر ثانيا في الهوي لأن ذلك انتقال محسوب له # والتكبيرات للانتقالات الأصلية في الصلاة لا للعوارض بسبب القدوة # ولا يكون مدركا الركعة ما لم يطمئن راكعا في الركوع والإمام بعد في حد ~~الراكعين # فإن لم يتم طمأنينته إلا بعد مجاوزة الإمام حد الراكعين فاتته تلك الركعة # مسألة من فاتته صلاة الظهر إلى وقت العصر فليصل الظهر أولا ثم العصر فإن ~~ابتدأ بالعصر أجزأه ولكن ترك الأولى واقتحم شبهة الخلاف # فإن وجد إماما فليصل العصر ثم ليصل الظهر بعده فإن الجماعة بالأداء أولى # فإن صلى منفردا في أول الوقت ثم أدرك جماعة صلى في الجماعة ونوى صلاة ~~الوقت والله يحتسب أيهما شاء # فإن نوى فائتة أو تطوعا جاز # وإن كان قد صلى في الجماعة فأدرك جماعة أخرى فلينو الفائتة أو النافلة ~~فإعادة المؤداة بالجماعة مرة أخرى لا وجه له وإنما احتمل ذلك لدرك فضيلة ~~الجماعة ms0314 # مسألة من صلى ثم رأى على ثوبه نجاسة فالأحب قضاء الصلاة ولا يلزمه # ولو رأى النجاسة في أثناء الصلاة رمى بالثوب وأتم والأحب الاستئناف # وأصل هذا قصة خلع النعلين حين أخبر جبرائيل عليه السلام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأن عليهما نجاسة فإنه صلى الله عليه وسلم لم يستأنف الصلاة # مسألة من ترك التشهد الأول أو القنوت أو ترك الصلاة على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في التشهد الأول أو فعل فعلا سهوا وكانت تبطل الصلاة بتعمده ~~أو شك فلا يدر أصلى ثلاثا أو أربعا أخذ باليقين وسجد سجدتي السهو قبل ~~السلام # فإن نسي فبعد السلام مهما تذكر على القرب # فإن سجد بعد السلام وبعد أن أحدث بطلت صلاته # فإنه لما دخل في السجود كأنه جعل سلامه نسيانا في غير محله فلا يحصل ~~التحلل به وعاد إلى الصلاة فلذلك يستأنف السلام بعد السجود # فإن تذكر سجود السهو بعد خروجه من المسجد أو بعد طول الفصل فقد فات # مسألة الوسوسة في نية الصلاة سببها خبل في العقل أو جهل بالشرع لأن ~~امتثال أمر الله عز وجل مثل PageV01P190 # امتثال أمر غيره وتعظيمه كتعظيم غيره في حق القصد # ومن دخل عليه عالم فقام له فلو قال نويت أن أنتصب قائما تعظيما لدخول زيد ~~الفاضل لأجل فضله مقبلا عليه بوجهي كان سفها في عقله بل كما يراه ويعلم ~~فضله تنبعث داعية التعظيم فتقيمه ويكون معظما إلا إذا قام لشغل آخر أو في ~~غفلة # واشتراط كون الصلاة ظهرا أداء فرضا في كونه امتثالا كاشتراط كون القيام ~~مقرونا بالدخول مع الإقبال بالوجه على الداخل وانتفاء باعث آخر سواه # وقصد التعظيم به ليكون تعظيما # فإنه لو قام مدبرا عنه أو صبر فقام بعد ذلك بمدة لم يكن معظما # ثم هذه الصفات لا بد وأن تكون معلومة وأن تكون مقصودة ثم لا يطول حضورها ~~في النفس في لحظة واحدة وإنما يطول نظم الألفاظ الدالة عليها إما تلفظا ~~باللسان وإما تفكرا بالقلب # فمن لم يفهم نية الصلاة ms0315 على هذا الوجه فكأنه لم يفهم النية # فليس فيه إلا أنك دعيت إلى أن تصلي في وقت فأجبت وقمت فالوسوسة محض الجهل # فإن هذه القصود وهذه العلوم تجتمع في النفس في حالة واحدة ولا تكون مفصلة ~~الآحاد في الذهن بحيث تطالعها النفس وتتأملها # وفرق بين حضور الشيء في النفس وبين تفصيله بالفكر # والحضور مضاد للعزوب والغفلة وإن لم يكن مفصلا # فإن من علم الحادث مثلا فيعلمه بعلم واحد في حالة واحدة وهذا العلم يتضمن ~~علوما هي حاضرة وإن لم تكن مفصلة فإن من علم الحادث فقد علم الموجود ~~والمعدوم والتقدم والتأخر والزمان وأن التقدم للعدم وأن التأخر للوجود فهذه ~~العلوم منطوية تحت العلم بالحادث بدليل أن العالم بالحادث إذا لم يعلم غيره ~~لو قيل له هل علمت التقدم فقط أو التأخر أو العدم أو تقدم العدم أو تأخر ~~الوجود أو الزمان المنقسم إلى المتقدم والمتأخر فقال ما عرفته قط كان كاذبا ~~وكان قوله مناقضا لقوله إني أعلم الحادث # ومن الجهل بهذه الدقيقة يثور الوسواس فإن الموسوس يكلف نفسه أن يحضر في ~~قلبه الظهرية والأدائية والفرضية في حالة واحدة مفصلة بألفاظها وهو يطالعها ~~وذلك محال # ولو كلف نفسه ذلك في القيام لأجل العالم لتعذر عليه # فبهذه المعرفة يندفع الوسواس وهو أن امتثال أمر الله سبحانه في النية ~~كامتثال أمر غيره ثم أزيد على سبيل التسهيل والترخص # وأقول لو لم يفهم الموسوس النية إلا بإحضار هذه الأمور مفصلة ولم يمثل في ~~نفسه الامتثال دفعة واحدة وأحضر جملة ذلك في أثناء التكبير من أوله إلى ~~آخره بحيث لا يفرغ من التكبير إلا وقد حصلت النية كفاه ذلك ولا نكلفه أن ~~يقرن الجميع بأول التكبير أو آخره فإن ذلك تكليف شطط # ولو كان مأمورا به لوقع للأولين سؤال عنه ولوسوس واحد من الصحابة في ~~النية فعدم وقوع ذلك دليل على أن الأمر على التساهل فكيفما تيسرت النية ~~للموسوس ينبغي أن يقنع به حتى يتعود ذلك وتفارقه الوسوسة ولا يطالب نفسه ~~بتحقيق ذلك فإن التحقيق ms0316 يزيد في الوسوسة # وقد ذكرنا في الفتاوي وجوها من التحقيق في تحقيق العلوم # والقصود المتعلقة بالنية تفتقر العلماء إلى معرفتها أما العامة فربما ~~ضرها سماعها ويهيج عليها الوسواس فلذلك تركناها # مسألة ينبغي أن لا يتقدم المأموم على الإمام في الركوع والسجود والرفع ~~منهما ولا في سائر الأعمال ولا ينبغي أن يساويه بل يتبعه ويقفو أثره فهذا ~~معنى الاقتداء فإن ساواه عمدا لم تبطل صلاته كما لو وقف بجنيه غير متأخر ~~عنه # فإن تقدم عليه ففي بطلان صلاته خلاف ولا يبعد أن يقضي بالبطلان تشبيها ~~بما لو تقدم في الموقف على الإمام بل هذا أولى لأن الجماعة اقتداء في الفعل ~~لا في الموقف فالتبعية في الفعل أهم # وإنما شرط ترك التقدم في الموقف تسهيلا للمتابعة في الفعل وتحصيلا لصورة ~~التبعية إذ اللائق بالمقتدى به أن يتقدم فالتقدم عليه في الفعل لا وجه له ~~إلا أن يكون سهوا # ولذلك شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم النكير فيه فقال أما يخشى PageV01P191 # الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار (1) وأما التاخر ~~عنه بركن واحد فلا يبطل الصلاة وذلك بأن يعتدل الإمام عن ركوعه وهو بعد لم ~~يركع ولكن التأخر إلى هذا الحد مكروه فإن وضع الإمام جبهته على الأرض وهو ~~بعد لم ينته إلى حد الراكعين بطلت صلاته # وكذا إن وضع الإمام جبهته للسجود الثاني وهو بعد لم يسجد السجود الأول # مسألة حق على من حضر الصلاة إذا رأى من غيره إساءة في صلاته أن يغيره ~~وينكر عليه # وإن صدر من جاهل رفق بالجاهل وعلمه # فمن ذلك الأمر بتسوية الصفوف ومنع المنفرد بالوقوف خارج الصف والإنكار ~~على من يرفع رأسه قبل الإمام إلى غير ذلك من الأمور # فقد قال صلى الله عليه وسلم ويل للعالم من الجاهل حيث لا يعلمه (2) وقال ~~ابن مسعود رضي الله عنه من رأى من يسيء صلاته فلم ينهه فهو شريكه في وزرها # وعن بلال بن سعد أنه قال الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا ms0317 صاحبها فإذا أظهرت ~~فلم تغير أضرت بالعامة # وجاء في الحديث أن بلالا كان يسوي الصفوف ويضرب عراقيبهم بالدرة (3) وعن ~~عمر رضي الله عنه قال تفقدوا إخوانكم في الصلاة فإذا فقدتموهم فإن كانوا ~~مرضى فعودوهم وإن كانوا أصحاء فعاتبوهم # والعتاب إنكار على من ترك الجماعة ولا ينبغي أن يتساهل فيه # وقد كان الأولون يبالغون فيه حتى كان بعضهم يحمل الجنازة إلى بعض من تخلف ~~عن الجماعة إشارة إلى أن الميت هو الذي يتأخر عن الجماعة دون الحي # ومن دخل المسجد ينبغي أن يقصد يمين الصف ولذلك تزاحم الناس عليه في زمن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قيل له تعطلت الميسرة فقال صلى الله عليه ~~وسلم من عمر ميسرة المسجد كان له كفلان من الأجر (4) ومهما وجد غلاما في ~~الصف ولم يجد لنفسه مكانا فله أن يخرجه إلى خلف ويدخل فيه أعني إذا لم يكن ~~بالغا وهذا ما أردنا أن نذكره من المسائل التي تعم بها البلوى # وسيأتي أحكام الصلوات المتفرقة في كتاب الأوراد إن شاء الله تعالى ### ||| الباب السابع في النوافل من الصلوات # اعلم أن ما عدا الفرائض # من الصلوات ينقسم إلى ثلاثة أقسام سنن ومستحبات وتطوعات # ونعني بالسنن ما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المواظبة عليه ~~كالرواتب عقيب الصلوات وصلاة الضحى والوتر والتهجد وغيرها لأن السنة عبارة ~~عن الطريق المسلوكة # ونعني بالمستحبات ما ورد الخبر بفضله ولم ينقل المواظبة عليه كما سننقله ~~في صلوات الأيام والليالي في الأسبوع وكالصلاة عند الخروج من المنزل ~~والدخول فيه وأمثاله # ونعني بالتطوعات ما وراء ذلك مما لم يرد في عينه أثر ولكنه تطوع به العبد ~~من حيث رغب في مناجاة الله عز وجل بالصلاة التي ورد الشرع بفضلها مطلقا ~~فكأنه متبرع به إذا لم يندب إلى تلك الصلاة بعينها وإن ندب إلى الصلاة ~~مطلقا والتطوع عبارة عن التبرع # وسميت الأقسام الثلاثة نوافل من حيث إن النفل هو الزيادة وجملتها زائد ~~على الفرائض # فلفظ النافلة والسنة والمستحب والتطوع أردنا الاصطلاح ms0318 عليه لتعريف هذه ~~المقاصد # ولا حرج على من يغير هذا الاصطلاح فلا مشاحة في الألفاظ بعد فهم المقاصد # وكل قسم من هذه الأقاسم تتفاوت درجاته في PageV01P192 # الفضل بحسب ما ورد فيها من الأخبار والآثار المعرفة لفضلها وبحسب طول ~~مواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها وبحسب صحة الأخبار الواردة فيها ~~واشتهارها ولذلك يقال سنن الجماعات أفضل من سنن الانفراد # وأفضل سنن الجماعات صلاة العيد ثم الكسوف ثم الاستسقاء # وأفضل سنن الانفراد الوتر ثم ركعتا الفجر ثم ما بعدهما من الرواتب على ~~تفاوتها # واعلم أن النوافل باعتبار الإضافة إلى معلقاتها تنقسم إلى ما يتعلق ~~بأسباب كالكسوف والاستسقاء وإلى ما يتعلق بأوقات والمتعلق بالأوقات ينقسم ~~إلى ما يتكرر بتكرر اليوم والليلة أو بتكرر الأسبوع أو بتكرر السنة فالجملة ~~أربعة أقسام ### |||| القسم الأول ما يتكرر بتكرر الأيام والليالي وهي ثمانية خمسة هي رواتب الصلوات الخمس وثلاثة وراءها وهي صلاة الضحى وإحياء ما بين العشاءين والتهجد # الأولى راتبة الصبح وهي ركعتان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتا ~~الفجر خير من الدنيا وما فيها (1) ويدخل وقتها بطلوع الفجر الصادق وهو ~~المستطير دون المستطيل # وإدراك ذلك بالمشاهدة عسير في أوله إلا أن يتعلم منازل القمر أو يعلم ~~اقتراع طلوعه بالكواكب الظاهرة للبصر فيستدل بالكواكب عليه ويعرف بالقمر في ~~ليلتين من الشهر فإن القمر يطلع مع الفجر في ليلة ست وعشرين ويطلع الصبح مع ~~غروب القمر ليلة اثني عشر من الشهر هذا هو الغالب ويتطرق إليه تفاوت في بعض ~~البروج وشرح ذلك يطول # وتعلم منازل القمر من المهمات للمريد حتى يطلع به على مقادير الأوقات ~~بالليل وعلى الصبح ويفوت وقت ركعتي الفجر بفوات وقت فريضة الصبح وهو طلوع ~~الشمس ولكن السنة أداؤهما قبل الفرض فإن دخل المسجد وقد قامت الصلاة ~~فليشتغل بالمكتوبة فإنه صلى الله عليه وسلم قال إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة ~~إلا المكتوبة (2) ثم إذا فرغ من المكتوبة قام إليهما وصلاهما # والصحيح أنهما أداء ما وقعتا قبل طلوع الشمس لأنهما تابعتان للفرض ms0319 في ~~وقته وإنما الترتيب بينهما سنة في التقديم والتأخير إذا لم يصادف جماعة ~~فإذا صادف جماعة انقلب الترتيب وبقيتا أداء # والمستحب أن يصليهما في المنزل ويخففهما ثم يدخل المسجد ويصلي ركعتين ~~تحية المسجد ثم يجلس ولا يصلي إلى أن يصلي المكتوبة وفيما بين الصبح إلى ~~طلوع الشمس الأحب فيه الذكر والفكر والاقتصار على ركعتي الفجر والفريضة # الثانية راتبة الظهر وهي ست ركعات ركعتان بعدها وهي أيضا سنة مؤكدة وأربع ~~قبلها وهي أيضا سنة وإن كانت دون الركعتين الأخيرتين روى أبو هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من صلى أربع ركعات بعد زوال ~~الشمس يحسن قراءتهن وركوعهن وسجودهن صلى معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى ~~الليل (3) من حديث أبي مسعود ولم أره من حديث أبي هريرة وكان صلى الله عليه ~~وسلم لا يدع أربعا بعد الزوال يطيلهن ويقول إن أبواب السماء تفتح في هذه ~~الساعة فأحب أن يرفع لي فيها عمل (4) رواه أبو أيوب الأنصاري وتفرد به ودل ~~عليه أيضا ما روت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من صلى في ~~كل يوم اثنتي عشرة ركعة غير المكتوبة بني له بيت في الجنة PageV01P193 # ركعتين قبل الفجر وأربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين قبل العصر ~~وركعتين بعد المغرب (1) وقال ابن عمر رضي الله عنهما حفظت من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في كل يوم عشر ركعات (2) فذكر ما ذكرته أم حبيبة رضي الله ~~عنها إلا ركعتي الفجر فإنه قال تلك ساعة لم يكن يدخل فيها على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولكن حدثتني أختي حفصة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يصلي ركعتين في بيتها ثم يخرج # وقال في حديثه ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد العشاء فصارت الركعتان قبل ~~الظهر آكد من جملة الأربعة # ويدخل وقت ذلك بالزوال # والزوال يعرف بزيادة ظل الأشخاص المنتصبة مائلة إلى جهة الشرق إذ يقع ~~للشخص ظل عند الطلوع في جانب ms0320 المغرب يستطيل فلا تزال الشمس ترتفع والظل ~~ينقص وينحرف عن جهة المغرب إلى أن تبلغ الشمس منتهى ارتفاعها وهو قوس نصف ~~النهار فيكون ذلك منتهى نقصان الظل # فإذا زالت الشمس عن منتهى الارتفاع أخذ الظل في الزيادة فمن حيث صارت ~~الزيادة مدركة بالحس دخل وقت الظهر # ويعلم قطعا أن الزوال في علم الله سبحانه وقع قبله ولكن التكاليف لا ~~ترتبط إلا بما يدخل تحت الحس # والقدر الباقي من الظل الذي منه يأخذ في الزيادة يطول في الشتاء ويقصر في ~~الصيف ومنتهى طوله بلوغ الشمس أول الجدي ومنتهى قصره بلوغها أول السرطان # ويعرف ذلك بالأقدام والموازين # ومن الطرق القريبة من التحقيق لمن أحسن مراعاته أن يلاحظ القطب الشمالي ~~بالليل ويضع على الأرض لوحا مربعا وضعا مستويا بحيث يكون أحد أضلاعه من ~~جانب القطب بحيث لو توهمت سقوط حجر من القطب إلى الأرض ثم توههمت خطا من ~~مسقط الحجر إلى الضلع الذي يليه من اللوح لقام الخط على الضلع على زاويتين ~~قائمتين أي لا يكون الخط مائلا إلى أحد الضلعين ثم تنصب عمودا على اللوح ~~نصبا مستويا في موضع علامة 5 وهو بإزاء القطب فيقع ظله على اللوح في أول ~~النهار مائلا إلى جهة المغرب في صوب خط أثم لا يزال يميل على أن ينطبق على ~~خط ب بحيث لو مد رأسه لانتهى على الاستقامة إلى مسقط الحجر ويكون موازيا ~~للضلع الشرقي والغربي غير مائل إلى أحدهما فإذا بطل ميله إلى الجانب الغربي ~~فالشمس في منتهى الارتفاع فإذا انحرف الظل عن الخط الذي على اللوح إلى جانب ~~الشرق فقد زالت الشمس # وهذا يدرك بالحس تحقيقا في وقت هو قريب من أول الزوال في علم الله تعالى ~~ثم يعلم على رأس الظل عند انحرافه علامة فإذا صار الظل من تلك العلامة مثل ~~العمود دخل وقت العصر فهذا القدر لا بأس بمعرفته في علم الزوال وهذه صورته # الثالثة راتبة العصر وهي أربع ركعات قبل العصر # روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ms0321 الله عليه وسلم أنه قال رحم ~~الله عبدا صلى قبل العصر أربعا (3) ففعل ذلك على رجاء الدخول في دعوة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مستحب استحبابا مؤكدا فإن دعوته تستجاب لا محالة ~~له ولم تكن مواظبته على السنة قبل العصر كمواظبته على ركعتين قبل الظهر # الرابعة راتبة المغرب وهما ركعتان بعد الفريضة لم PageV01P194 # تختلف الرواية فيهما وأما ركعتان قبلهما بين أذان المؤذن وإقامة المؤذن ~~على سبيل المبادرة فقد نقل عن جماعة من الصحابة كأبي بن كعب وعبادة بن ~~الصامت وأبي ذر وزيد بن ثابت وغيرهم قال عبادة أو غيره كان المؤذن إذا أذن ~~لصلاة المغرب ابتدر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم السواري يصلون ~~ركعتين (1) وقال بعضهم كنا نصلي الركعتين قبل المغرب حتى يدخل الداخل فيحسب ~~أنا صلينا فيسأل أصليتم المغرب (2) وذلك يدخل في عموم قوله صلى الله عليه ~~وسلم بين كل أذانين صلاة لمن شاء (3) وكان أحمد بن حنبل يصليهما فعابه ~~الناس فتركهما فقيل له في ذلك فقال لم أر الناس يصلونهما فتركتهما وقال لئن ~~صلاهما الرجل في بيته أو حيث لا يراه الناس فحسن # ويدخل وقت المغرب بغيبوبة الشمس عن الأبصار في الأراضي المستوية التي ~~ليست محفوفة بالجبال فإن كانت محفوفة بها في جهة المغرب فيتوقف إلى أن يرى ~~إقبال السواد من جانب المشرق قال صلى الله عليه وسلم إذا أقبل الليل من ~~ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم (4) والأحب المبادرة في صلاة ~~المغرب خاصة وإن أخرت وصليت قبل غيبوبة الشفق الأحمر وقعت أداء ولكنه مكروه # وأخر عمر رضي الله عنه صلاة المغرب ليلة حتى طلع نجم فأعتق رقبة وأخرها ~~ابن عمر حتى طلع كوكبان فأعتق رقبتين # الخامسة راتبة العشاء الآخرة أربع ركعات بعد الفريضة # قالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بعد ~~العشاء الآخرة أربع ركعات ثم ينام (5) واختار بعض العلماء من مجموع الأخبار ~~أن يكون عدد الرواتب سبع عشرة كعدد المكتوبة ركعتان قبل الصبح وأربع قبل ms0322 ~~الظهر وركعتان بعدها وأربع قبل العصر وركعتان بعد المغرب وثلاث بعد العشاء ~~الآخرة وهي الوتر (6) ومهما عرفت الأحاديث الواردة فيه فلا معنى للتقدير ~~فقد قال صلى الله عليه وسلم الصلاة خير موضع فمن شاء أكثر ومن شاء أقل (7) ~~فإذا اختيار كل مريد من هذه الصلاة بقدر رغبته في الخير فقد ظهر فيما ~~ذكرناه أن بعضها آكد من بعض وترك الآكد أبعد لا سيما والفرائض تكمل ~~بالنوافل فمن لم يستكثر منها يوشك أن لا تسلم له فريضة من غير جابر # السادسة الوتر قال أنس بن مالك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر ~~بعد العشاء بثلاث ركعات يقرأ في الأولى سبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية قل ~~يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد (8) وجاء في الخبر أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالسا وفي بعضها متربعا (9) وفي ~~بعض الأخبار إذا أراد أن يدخل فراشه زحف إليه وصلى فوقه ركعتين قبل أن يرقد ~~يقراء فيهما إذا زلزلت الأرض وسورة التكاثر (10) وفي رواية أخرى قل يا أيها ~~الكافرون ويجوز الوتر مفصولا وموصولا بتسليمة واحدة PageV01P195 # وتسليمتين وقد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم بركعة (1) وثلاث (2) ~~وخمس (3) وهكذا بالأوتار (4) إلى إحدى عشرة ركعة (5) والرواية مترددة في ~~ثلاث عشرة (6) وفي حديث شاذ سبع عشرة ركعة (7) وكانت هذه الركعات أعني ما ~~سمينا جملتها وترا صلاة بالليل وهو التهجد والتهجد بالليل سنة مؤكدة وسيأتي ~~ذكر فضائلها في كتاب الأوراد وفي الأفضل خلاف فقيل إن الإيتار بركعة فردة ~~أفضل إذ صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يواظب على الإيتار بركعة فردة وقيل ~~الموصولة أفضل للخروج عن شبهة الخلاف لا سيما الإمام إذ قد يقتدي به من لا ~~يرى الركعة الفردة صلاة فإن صلى موصولا نوى بالجميع الوتر وإن اقتصر على ~~ركعة واحدة بعد ركعتي العشاء أو بعد فرض العشاء نوى الوتر وصح # لأن شرط الوتر أن يكون في نفسه وترا وأن يكون موترا لغيره مما سبق قبله ~~وقد أوتر ms0323 الفرض ولو أوتر قبل العشاء لم يصح أي لا ينال فضيلة الوتر الذي هو ~~خير له من حمر النعم (8) كما ورد به الخبر # وإلا فركعة فردة صحيحة في أي وقت كان وإنما لم يصح قبل العشاء لأنه خرق ~~إجماع الخلق في الفعل ولأنه لم يتقدم ما يصير به وترا # فأما إذا أراد أن يوتر بثلاث مفصولة ففي نيته في الركعتين نظر # فإنه إن نوى بهما التهجد أو سنة العشاء لم يكن هو من الوتر # وإن نوى الوتر لم يكن هو في نفسه وترا وإنما الوتر ما بعده ولكن الأظهر ~~أن ينوي الوتر كما ينوي في الثلاث الموصولة الوتر ولكن للوتر معنيان أحدهما ~~أن يكون في نفسه وترا والآخر أن ينشأليجعل وترا بما بعده فيكون مجموع ~~الثلاثة وترا والركعتان من جملة الثلاث إلا أن وتريته موقوفة على الركعة ~~الثالثة # وإذا كان هو على عزم أن يوترهما بثالثة كان له أن ينوي بهما الوتر # والركعة الثالثة وتر بنفسها وموترة لغيرها # والركعتان لا يوتران غيرهما وليستا وترا بأنفسهما ولكنهما موترتان ~~بغيرهما # والوتر ينبغي أن يكون آخر صلاة الليل فيقع بعد التهجد # وسيأتي فضائل الوتر والتهجد وكيفية الترتيب بينهما في كتاب ترتيب الأوراد # السابعة صلاة الضحى فالمواظبة عليها من عزائم الأفعال وفواضلها أما عدد ~~ركعاتها فأكثر ما نقل فيه ثمان ركعات # روت أم هانىء أخت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم ~~صلى الضحى ثماني ركعات أطالهن وحسنهن (9) ولم ينقل هذا القدر غيرها # فأما عائشة رضي الله عنها فإنها ذكرت أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي ~~الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله سبحانه (10) فلم تحد الزيادة إلى أنه كان ~~يواظب على الأربعة ولا ينقص منها وقد يزيد زيادات # وروي في حديث مفرد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ست ركعات ~~(11) وأما وقتها فقد روى علي رضي الله عنه أنه PageV01P196 # صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ستا في وقتين إذا أشرقت الشمس وارتفعت ~~قام وصلى ms0324 ركعتين وهو أول الورد الثاني من أوراد النهار كما سيأتي وإذا ~~انبسطت الشمس وكانت في ربع السماء من جانب الشرق صلى أربعا (1) فالأول إنما ~~يكون إذا ارتفعت الشمس قيد نصف رمح والثاني إذا مضى من النهار ربعه بإزاء ~~صلاة العصر فإن وقته أن يبقى من النهار ربعه والظهر على منتصف النهار ويكون ~~الضحى على منتصف ما بين طلوع الشمس إلى الزوال كما أن العصر على منتصف ما ~~بين الزوال إلى # الغروب وهذا أفضل الأوقات # ومن وقت ارتفاع الشمس إلى ما قبل الزوال وقت للضحى على الجملة # الثامنة إحياء ما بين العشاءين وهي سنة مؤكدة ومما نقل عدده من فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بين العشاءين ست ركعات (2) ولهذه الصلاة فضل عظيم # وقيل إنها المراد بقوله عز وجل تتجافى جنوبهم عن المضاجع وقد روي عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال من صلى بين المغرب والعشاء فإنها من صلاة الأوابين ~~(3) وقال صلى الله عليه وسلم من عكف نفسه فيما بين المغرب والعشاء في مسجد ~~جماعة لم يتكلم إلا بصلاة أو بقرآن كان حقا على الله أن يبني له قصرين في ~~الجنة مسيرة كل قصر منهما مائة عام ويغرس له بينهما غراسا لوطافة أهل الأرض ~~لوسعهم (4) وسيأتي بقية فضائلها في كتاب الأوراد إن شاء الله تعالى ### |||| القسم الثاني ما يتكرر بتكرر الأسابيع وهي صلاة أيام الأسبوع ولياليه لكل يوم ولكل ليلة # أما الأيام فنبدأ فيها بيوم الأحد # يوم الأحد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال من صلى يوم الأحد أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وآمن ~~الرسول مرة كتب الله له بعدد كل نصراني ونصرانية حسنات وأعطاه الله ثواب ~~نبي وكتب له حجة وعمرة وكتب له بكل ركعة ألف صلاة وأعطاه الله في الجنة بكل ~~حرف مدينة من مسك أذفر (5) وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال وحدوا الله بكثرة ms0325 الصلاة يوم الأحد فإنه سبحانه ~~واحد لا شريك له فمن صلى يوم الأحد بعد صلاة الظهر أربع ركعات بعد الفريضة ~~والسنة يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وتنزيل السجدة وفي الثانية فاتحة ~~الكتاب وتبارك الملك ثم تشهد وسلم ثم قام فصلى ركعتين أخريين يقرأ فيهما ~~فاتحة الكتاب وسورة الجمعة وسأل الله سبحانه حاجته كان حقا على الله أن ~~يقضي حاجته (6) # يوم الاثنين روى جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من صلى ~~يوم الاثنين عند ارتفاع النهار ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة ~~وآية الكرسي مرة وقل هو الله أحد والمعوذتين مرة مرة فإذا سلم PageV01P197 # استغفر الله عشر مرات وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم عشر مرات غفر ~~الله تعالى له ذنوبه كلها (1) وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال من صلى يوم الاثنين ثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة ~~الكتاب وآية الكرسي مرة فإذا فرغ قرأ قل هو الله أحد اثنتي عشرة واستغفر ~~اثنتي عشرة مرة ينادى به يوم القيامة أين فلان بن فلان ليقم فليأخذ ثوابه ~~من الله عز وجل فأول ما يعطى من الثواب ألف حلة ويتوج ويقال له ادخل الجنة ~~فيستقبله مائة ألف ملك مع كل ملك هدية يشيعونه حتى يدور على ألف قصر من نور ~~يتلألأ (2) # يوم الثلاثاء روى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال قال صلى الله عليه ~~وسلم من صلى يوم الثلاثاء عشر ركعات عند انتصاف النهار (3) وفي حديث آخر ~~عند ارتفاع النهار يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وآية الكرسي مرة وقل هو ~~الله أحد ثلاث مرات لم تكتب عليه خطيئة إلى سبعين يوما فإن مات إلى سبعين ~~يوما مات شهيدا وغفر له ذنوب سبعين سنة # يوم الأربعاء روى أبو إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى يوم الأربعاء ثنتي عشرة ركعة عند ~~ارتفاع النهار يقرأ في ms0326 كل ركعة فاتحة الكتاب وآية الكرسي مرة وقل هو الله ~~أحد ثلاث مرات والمعوذتين ثلاث مرات نادى مناد عند العرش يا عبد الله ~~استأنف العمل فقد غفر لك ما تقدم من ذنبك ورفع الله سبحانه عنك عذاب القبر ~~وضيقه وظلمته ورفع عنك شدائد القيامة ورفع له من يومه عمل نبي (4) # يوم الخميس عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من صلى يوم الخميس بين الظهر والعصر ركعتين يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب ~~وآية الكرسي مائة مرة وفي الثانية فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد مائة مرة ~~ويصلي على محمد مائة مرة أعطاه الله ثواب من صام رجب وشعبان ورمضان وكان له ~~من الثواب مثل حاج البيت وكتب له بعدد كل من آمن بالله سبحانه وتوكل عليه ~~حسنه (5) # يوم الجمعة روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال يوم الجمعة صلاة كله ما من عبد مؤمن قام إذا استقلت الشمس ~~وارتفعت قدر رمح أو أكثر من ذلك فتوضأ ثم أسبغ الوضوء فصلى سبحة الضحى ~~ركعتين إيمانا واحتسابا إلا كتب الله له مائتي حسنة ومحا عنه مائتي سيئة ~~ومن صلى أربع ركعات رفع الله سبحانه له في الجنة أربعمائة درجة ومن صلى ~~ثماني ركعات رفع الله تعالى له في الجنة ثمانمائة درجة وغفر له ذنوبه كلها ~~ومن صلى ثنتي عشرة ركعة كتب الله له ألفين ومائتي حسنة ومحا عنه ألفين ~~ومائتي سيئة ورفع له في الجنة ألفين ومائتي درجة (6) وعن نافع عن ابن عمر ~~رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من دخل الجامع ~~PageV01P198 # يوم الجمعة فصلى أربع ركعات قبل صلاة الجمعة يقرأ في كل ركعة الحمد لله ~~وقل هو الله أحد خمسين مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له (1) # يوم السبت روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من صلى يوم ~~السبت أربع ركعات يقرأ ms0327 في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وقل هو الله أحد ثلاث ~~مرات فإذا فرغ قرأ آية الكرسي كتب الله له بكل حرف حجة وعمرة ورفع له بكل ~~حرف أجر سنة صيام نهارها وقيام ليلها وأعطاه الله عز وجل بكل حرف ثواب شهيد ~~وكان تحت ظل عرش الله مع النبيين والشهداء (2) # وأما الليالي # ليلة الأحد روى أنس بن مالك في ليلة الأحد أنه صلى الله عليه وسلم قال من ~~صلى ليلة الأحد عشرين ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد ~~خمسين مرة والمعوذتين مرة مرة واستغفر الله عز وجل مائة مرة واستغفر لنفسه ~~ولوالديه مائة مرة وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم مائة مرة وتبرأ من ~~حوله وقوته والتجأ الله إلى ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن آدم ~~صفوة الله وفطرته وإبراهيم خليل الله وموسى كليم الله وعيسى روح الله ~~ومحمدا حبيب الله كان له من الثواب بعدد من دعا لله ولدا ومن لم يدع لله ~~ولدا وبعثه الله عز وجل يوم القيامة مع الآمنين وكان حقا على الله تعالى أن ~~يدخله الجنة مع النبيين (3) # ليلة الإثنين روى الأعمش عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~صلى ليلة الإثنين أربع ركعات يقرأ في الركعة الأولى الحمد لله وقل هو الله ~~أحد عشر مرات وفي الركعة الثانية الحمد لله وقل هو الله أحد عشر مرات وفي ~~الركعة الثانية الحمد لله وقل هو الله أحد عشرين مرة وفي الثالثة الحمد لله ~~وقل هو الله أحد ثلاثين مرة وفي الرابعة الحمد لله وقل هو الله أحد أربعين ~~مرة ثم يسلم ويقرأ قل هو الله أحد خمسا وسبعين مرة واستغفر الله لنفسه ~~ولوالديه خمسا وسبعين مرة ثم سأل الله حاجته كان حقا على الله أن يعطيه ~~سؤله ما سأل (4) وهي صلاة الحاجة # ليلة الثلاثاء من صلى ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله ~~أحد والمعوذتين خمس عشرة مرة ويقرأ ms0328 بعد التسليم خمس عشرة مرة آية الكرسي ~~واستغفر الله تعالى خمس عشرة مرة كان له ثواب عظيم وأجر جسيم # وروي عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من صلى ~~ليلة الثلاثاء ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وإنا أنزلناه وقل ~~هو الله أحد سبع مرات أعتق الله رقبته من النار ويكون له يوم القيامة قائده ~~ودليله إلى الجنة (5) # ليلة الأربعاء روت فاطمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال من صلى ليلة الأربعاء ركعتين يقرأ في الأول فاتحة الكتاب وقل أعوذ برب ~~الفلق عشر مرات وفي الثانية بعد الفاتحة قل أعوذ برب الناس عشر مرات ~~PageV01P199 # ثم إذا سلم استغفر الله عشر مرات ثم يصلي على محمد صلى الله عليه وسلم ~~عشر مرات نزل من كل سماء سبعون ألف ملك يكتبون ثوابه إلى يوم القيامة (1) ~~وفي حديث آخر ست عشرة ركعة يقرأ بعد الفاتحة ما شاء الله ويقرأ في آخر ~~الركعتين آية الكرسي ثلاثين مرة وفي الأوليين ثلاثين مرة قل هو الله أحد ~~يشفع في عشرة من أهل بيته كلهم وجبت عليهم النار وروت فاطمة رضي الله عنها ~~أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى ليلة الأربعاء ست ركعات ~~قرأ في ركعة بعد الفاتحة قل اللهم مالك الملك إلى آخر الآية فإذا فرغ من ~~صلاته يقول جزى الله محمدا عنا ما هو أهله غفر له ذنوب سبعين سنة وكتب له ~~براءة من النار (2) # ليلة الخميس قال أبو هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم من ~~صلى ليلة الخميس ما بين المغرب والعشاء ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة ~~الكتاب وآية الكرسي خمس مرات وقل هو الله أحد خمس مرات والمعوذتين خمس مرات ~~فإذا فرغ من صلاته استغفر الله تعالى خمس عشرة مرة وجعل ثوابه لوالديه فقد ~~أدى حق والديه عليه وإن كان عاقا لهما وأعطاه الله تعالى ما يعطي الصديقين ~~والشهداء (3) # ليلة ms0329 الجمعة قال جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى ليلة ~~الجمعة بين المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب ~~مرة وقل هو الله أحد إحدى عشرة مرة فكأنما عبد الله تعالى اثنتي عشرة سنة ~~صيام نهارها وقيام ليلها (4) وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم من صلى ~~ليلى الجمعة صلاة العشاء الآخرة في جماعة وصلى ركعتي السنة ثم صلى بعدهما ~~عشر ركعات قرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد والمعوذتين مرة مرة ~~ثم أوتر بثلاث ركعات ونام على جنبه الأيمن وجهه إلى القبلة فكأنما أحيا ~~ليلة القدر (5) وقال صلى الله عليه وسلم أكثروا من الصلاة علي في الليلة ~~الغراء واليوم الأزهر ليلة الجمعة ويوم الجمعة (6) # ليلة السبت قال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى ليلة السبت ~~بين المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة بنى له قصر في الجنة وكأنما تصدق على ~~كل مؤمن ومؤمنة وتبرا من اليهود وكان حقا على الله أن يغفر له (7) ### |||| القسم الثالث ما يتكرر بتكرر السنين # وهي أربعة صلاة العيدين والتراويح وصلاة رجب وشعبان # الأولى صلاة العيدين وهي سنة مؤكدة وشعار من شعائر الدين وينبغي أن يراعى ~~فيها سبعة أمور الأول التكبير ثلاثا نسقا فيقول الله أكبر الله أكبر ~~PageV01P200 # الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له مخلصين له الدين ولو كره الكافرون يفتتح بالتكبير ~~ليلة الفطر إلى الشروع في صلاة العيد وفي العيد الثاني يفتتح التكبير عقيب ~~الصبح يوم عرفة إلى آخر النهار يوم الثالث عشر وهذا أكمل الأقاويل # ويكبر عقيب الصلوات المفروضة وعقيب النوافل وهو عقيب الفرائض آكد # الثاني إذا أصبح يوم العيد يغتسل ويتزين ويتطيب كما ذكرناه في الجمعة ~~والرداء والعمامة هو الأفضل للرجال وليجنب الصبيان الحرير والعجائز التزين ~~عند الخروج # الثالث أن يخرج من طريق ويرجع من طريق آخر (1) هكذا فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان ms0330 صلى الله عليه وسلم يأمر بإخراج العواتق وذوات الخدور ~~(2) # الرابع المستحب الخروج إلى الصحراء إلا بمكة وبيت المقدس فإن كان يوم مطر ~~فلا بأس بالصلاة في المسجد ويجوز في يوم الصحو أن يأمر الإمام رجلا يصلي ~~بالضعفة في المسجد ويخرج بالأقوياء مكبرين # الخامس يراعي الوقت فوقت صلاة العيد ما بين طلوع الشمس إلى الزوال # ووقت الذبح للضحايا ما بين ارتفاع الشمس بقدر خطبتين وركعتين إلى آخر ~~اليوم الثالث عشر # ويستحب تعجيل صلاة الأضحى لأجل الذبح وتأخير صلاة الفطر لأجل تفريق صدقة ~~الفطر قبلها # هذه سنة رسول الله (3) # السادس في كيفية الصلاة فليخرج الناس مكبرين في الطريق # وإذا بلغ الإمام المصلى لم يجلس ولم يتنفل ويقطع الناس التنفل # ثم ينادي مناد الصلاة جامعة # ويصلي الإمام بهم ركعتين يكبر في الأولى سوى تكبيرة الإحرام والركوع سبع ~~تكبيرات يقول بين كل تكبيرتين سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر ويقول وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض عقيب تكبيرة الافتتاح ~~ويؤخر الاستعاذة إلى ما وراء الثامنة ويقرأ سورة ق في الأولى بعد الفاتحة ~~واقتربت في الثانية # والتكبيرات الزائدة في الثانية خمس سوى تكبيرتي القيام والركوع # وبين كل تكبيرتين ما ذكرناه # ثم يخطب خطبتين بينهما جلسة ومن فاتته صلاة العيد قضاها # السابع أن يضحي بكبش ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين ~~وذبح بيده وقال بسم الله والله أكبر هذا عني وعمن لم يضح من أمتي (4) وقال ~~صلى الله عليه وسلم من رأى هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ~~ولا من أظفاره شيئا (5) قال أبو أيوب الأنصاري كان الرجل يضحي على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالشاة عن أهل بيته ويأكلون ويطعمون (6) # وله أن يأكل من الضحية بعد ثلاثة أيام فما فوق وردت فيه الرخصة بعد النهي ~~عنه # وقال سفيان الثوري يستحب أن يصلي بعد عيد الفطر اثنتي عشرة ركعة وبعد عيد ~~الأضحى ست ركعات (7) وقال هو من السنة # الثانية التراويح وهي عشرون ركعة ms0331 PageV01P201 # وكيفيتها مشهورة وهي سنة مؤكدة وإن كانت دون العيدين واختلفوا في أن ~~الجماعة فيها أفضل أم الانفراد وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ~~ليلتين أو ثلاثا للجماعة ثم لم يخرج وقال أخاف أن توجب عليكم (1) وجمع عمر ~~رضي الله عنه الناس عليها في الجماعة حيث أمن من الوجوب بانقطاع الوحي فقيل ~~إن الجماعة أفضل لفعل عمر رضي الله عنه ولأن الاجتماع بركة وله فضيلة بدليل ~~الفرائض ولأنه ربما يكسل في الانفراد وينشط عند مشاهدة الجمع # وقيل الانفراد أفضل لأن هذه سنة ليست من الشعائر كالعيدين فإلحاقها بصلاة ~~الضحى وتحية المسجد أولى ولم تشرع فيها جماعة # وقد جرت العادة بأن يدخل المسجد جمع معا ثم لم يصلوا التحية بالجماعة ~~ولقوله صلى الله عليه وسلم فضل صلاة التطوع في بيته على صلاته في المسجد ~~كفضل صلاة المكتوبة في المسجد على صلاته في البيت (2) وروي أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال صلاة في مسجدي هذا أفضل من مائة صلاة في غيره من المساجد ~~وصلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة في مسجدي وأفضل من ذلك كله رجل ~~يصلي في زاوية بيته ركعتين لا يعلمهما إلا الله عز وجل (3) وهذا لأن الرياء ~~والتصنع ربما يتطرق إليه في الجمع ويأمن منه في الوحدة فهذا ما قيل فيه # والمختار أن الجماعة أفضل كما رآه عمر رضي الله عنه # فإن بعض النوافل قد شرعت فيها الجماعة وهذا جدير بأن يكون من الشعائر ~~التي تظهر # وأما الالتفات إلى الرياء في الجمع والكسل في الإنفراد عدول عن مقصود ~~النظر في فضيلة الجمع من حيث إنه جماعة وكأن قائله يقول الصلاة خير من ~~تركها بالكسل والإخلاص خير من الرياء # فلنفرض المسألة فيمن يثق بنفسه أنه لا يكسل لو انفرد ولا يرائي لو حضر ~~الجمع فأيهما أفضل له فيدور النظر بين بركة الجمع وبين مزيد قوة الإخلاص ~~وحضور القلب في الوحدة فيجوز أن يكون في تفضيل أحدهما على الآخر تردد ومما ~~يستحب القنوت في الوتر في النصف ms0332 الأخير من رمضان # أما صلاة رجب فقد روي بإسناد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ~~من أحد يصوم أول خميس من رجب ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة اثنتي عشرة ~~ركعة يفصل بين كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة وإنا ~~أنزلناه في ليلة القدر ثلاث مرات وقل هو الله أحد اثنتي عشرة مرة فإذا فرغ ~~من صلاته صلى علي سبعين مرة يقول اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آله ~~ثم يسجد ويقول في سجوده سبعين مرة سبوح قدوس رب الملائكة والروح ثم يرفع ~~رأسه ويقول سبعين مرة رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم ~~ثم يسجد سجدة أخرى ويقول فيها مثل ما قال في السجدة الأولى ثم يسأل حاجته ~~في سجوده فإنها تقضى (4) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي أحد هذه ~~الصلاة إلا غفر PageV01P202 # الله تعالى له جميع ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وعدد الرمل ووزن الجبال ~~وورق الأشجار ويشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته ممن قد استوجب ~~النار فهذه صلاة مستحبة وإنما أوردناها في هذا القسم لأنها تتكرر بتكرر ~~السنين وإن كانت رتبتها لا تبلغ رتبة التراويح وصلاة العيد لأن هذه الصلاة ~~نقلها الآحاد ولكني رأيت أهل القدس بأجمعهم يواظبون عليها ولا يسمحون ~~بتركها فأحببت إيرادها # وأما صلاة شعبان فليلة الخامس عشر منه يصلي مائة ركعة كل ركعتين بتسليمة ~~يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة وإن شاء صلى عشر ~~ركعات يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة مائة مرة قل هو الله أحد فهذا أيضا مروي ~~في جملة الصلوات كان السلف يصلون هذه الصلاة ويسمونها صلاة الخير ويجتمعون ~~فيها وربما صلوها جماعة # روي عن الحسن أنه قال حدثني ثلاثون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~من صلى هذه الصلاة في هذه الليلة نظر الله إليه سبعين نظرة وقضى له بكل ~~نظرة سبعين حاجة ms0333 أدناها المغفرة (1) ### |||| القسم الرابع من النوافل ما يتعلق بأسباب عارضة ولا يتعلق بالمواقيت # وهي تسعة: صلاة الخسوف والكسوف والاستسقاء وتحية المسجد وركعتي الوضوء ~~وركعتين بين الأذان والإقامة وركعتين عند الخروج من المنزل والدخول فيه # ونظائر ذلك فنذكر منها ما يحضرنا الآن # الأولى صلاة الخسوف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشمس والقمر ~~آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا ~~إلى ذكر الله والصلاة (2) قال ذلك لما مات ولده إبراهيم صلى الله عليه وسلم ~~وكسفت الشمس فقال الناس إنما كسفت لموته # والنظر في كيفيتها ووقتها أما الكيفية فإذا كسفت الشمس في وقت الصلاة فيه ~~مكروهة أو غير مكروهة نودي الصلاة جامعة وصلى الإمام بالناس في المسجد ~~ركعتين وركع في كل ركعة ركوعين أوائلهما أطول من أواخرهما # ولا يجهر فيقرأ في الأولى من قيام الركعة الأولى الفاتحة والبقرة وفي ~~الثانية الفاتحة وآل عمران وفي الثالثة الفاتحة وسورة النساء وفي الرابعة ~~الفاتحة وسورة المائدة أو مقدار ذلك من القرآن من حيث أراد ولو اقتصر على ~~الفاتحة في كل قيام أجزأه ولو اقتصر على سور قصار فلا بأس # ومقصود التطويل دوام الصلاة إلى الإنجلاء # ويسبح في الركوع الأول قدر مائة آية وفي الثاني قدر ثمانين وفي الثالث ~~قدر سبعين وفي الرابع قدر خمسين # وليكن السجود على قدر الركوع في كل ركعة # ثم يخطب خطبتين بعد الصلاة بينهما جلسة ويأمر الناس بالصدقة والعتق ~~والتوبة # وكذلك يفعل بخسوف القمر إلا أنه يجر فيها لأنها ليلية # فأما وقتها فعند ابتداء الكسوف إلى تمام الإنجلاء ويخرج وقتها بأن تغرب ~~الشمس كاسفة # وتفوت صلاة خسوف القمر بأن يطلع قرص الشمس إذ يبطل سلطان الليل ولا تفوت ~~بغروب القمر خاسفا لأن الليل كله سلطان القمر فإن انجلى في أثناء الصلاة ~~أتمها مخففة # ومن أدرك الركوع الثاني مع الإمام فقد فاتته تلك الركعة لأن الأصل هو ~~الركوع الأول # الثانية صلاة الاستسقاء فإذا غارت الأنهار وانقطعت الأمطار أو إنهارت ~~قناة فيستحب للإمام أن ms0334 يأمر الناس أولا بصيام ثلاثة أيام وما أطاقوا من ~~الصدقة والخروج من المظالم والتوبة من المعاصي ثم يخرج بهم في اليوم الرابع ~~وبالعجائز والصبيان متنظفين في ثياب بذلة واستكانة متواضعين بخلاف العيد ~~وقيل يستحب PageV01P203 # إخراج الدواب لمشاركتها في الحاجة ولقوله صلى الله عليه وسلم لولا صبيان ~~رضع ومشايخ ركع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا (1) ولو خرج أهل الذمة ~~أيضا متميزين لم يمنعوا فإذا اجتمعوا في المصلى الواصل من الصحراء نودي ~~الصلاة جامعة فصلى بهم الإمام ركعتين مثل صلاة العيد بغير تكبير ثم يخطب ~~خطبتين وبينهما جلسة خفيفة وليكن الاستغفار معظم الخطبتين وينبغي في وسط ~~الخطبة الثانية أن يستدبر الناس ويستقبل القبلة ويحول رداءه في هذه الساعة ~~تفاؤلا بتحويل الحال (2) هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجعل ~~أعلاه أسفله وما على اليمين على الشمال وما على الشمال وما على اليمين # وكذلك يفعل الناس ويدعون في هذه الساعة سرا ثم يستقبلهم فيختم الخطبة ~~ويدعون أرديتهم محولة كما هي حتى ينزعوها متى نزعوا الثياب # ويقول في الدعاء اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك فقد دعوناك كما ~~أمرتنا فأجبنا كما وعدتنا اللهم فامنن علينا بمغفرة ما قارفنا وإجابتك في ~~سقيانا وسعة أرزاقنا # ولا بأس بالدعاء أدبار الصلوات في الأيام الثلاثة قبل الخروج ولهذا ~~الدعاء آداب وشروط باطنة من التوبة ورد المظالم وغيرها وسيأتي ذلك في كتاب ~~الدعوات # الثالثة صلاة الجنائز وكيفيتها مشهورة وأجمع دعاء مأثور ما روي في الصحيح ~~عن عوف بن مالك قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فحفظت ~~من دعائه اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله ~~واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من ~~الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه ~~وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار (3) حتى قال عوف تمنيت أن ~~أكون أنا ذلك الميت # ومن أدرك التكبيرة الثانية فينبغي أن يراعي ترتيب الصلاة ms0335 في نفسه ويكبر ~~مع تكبيرات الإمام فإذا سلم الإمام قضى تكبيرة الذي فات كفعل المسبوق فإنه ~~لو بادر التكبيرات لم تبق للقدوة في هذه الصلاة معنى فالتكبيرات هي الأركان ~~الظاهرة وجدير بأن تقام مقام الركعات في سائر الصلوات هذا هو الأوجه عندي ~~وإن كان غيره محتملا # والأخبار الواردة في فضل صلاة الجنازة وتشييعها مشهورة فلا نطيل بإيرادها ~~وكيف لا يعظم فضلها وهي من فرائض الكفايات وإنما تصير نفلا في حق من لم ~~تتعين عليه بحضور غيره ثم ينال بها فضل فرض الكفاية وإن لم يتعين لأنهم ~~بجملتهم قاموا بما هو فرض الكفاية وأسقطوا الحرج عن غيرهم فلا يكون ذلك ~~كنفل لا يسقط به فرض عن أحد ويستحب طلب كثرة الجمع تبركا بكثرة الهمم ~~والأدعية واشتماله على ذي دعوة مستجابة لما روى كريب عن ابن عباس أنه مات ~~له ابن فقال يا كريب انظر ما اجتمع له من الناس قال فخرجت فإذا ناس قد ~~اجتمعوا له فأخبرته فقال تقول هم أربعون قلت نعم قال أخرجوه فإني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون ~~رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله عز وجل فيه (4) وإذا شيع الجنازة ~~فوصل المقابر أو دخلها ابتداء قال السلام عليكم أهل هذه الديار من المؤمنين ~~والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون # والأولى أن لا ينصرف حتى يدفن الميت فإذا سوي على الميت قبره قام عليه ~~وقال اللهم عبدك رد إليك فارأف به وارحمه اللهم جاف الأرض عن جنبيه وافتح ~~أبواب السماء لروحه وتقبله منك بقول حسن اللهم PageV01P204 # إن كان محسنا فضاعف له في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عنه # الرابعة تحية المسجد ركعتان فصاعدا سنة مؤكدة حتى أنها لا تسقط وإن كان ~~الإمام يخطب يوم الجمعة مع تؤكد وجوب الإصغاء إلى الخطيب # وإن اشتغل بفرض أو قضاء تأدى به التحية وحصل الفضل إذ المقصود أن لا يخلو ~~ابتداء دخوله عن ms0336 العبادة الخاصة بالمسجد قياما بحق المسجد # ولهذا يكره أن يدخل المسجد على غير وضوء فإن دخل لعبور أو جلوس فليقل ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر يقولها أربع مرات يقال ~~إنها عدل ركعتين في الفضل # ومذهب الشافعي رحمه الله أنه لا تكره التحية في أوقات الكراهية وهي بعد ~~العصر وبعد الصبح ووقت الزوال ووقت الطلوع والغروب لما روي أنه صلى الله ~~عليه وسلم صلى ركعتين بعد العصر فقيل له أما نهيتنا عن هذا فقال هما ركعتان ~~كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني عنهما الوفد (1) فأفاد هذا الحديث فائدتين ~~إحداهما أن الكراهية مقصورة على صلاة لا سبب لها ومن أضعف الأسباب قضاء ~~النوافل إذ اختلف العلماء في أن النوافل هل تقضى وإذا فعل مثل ما فاته هل ~~يكون قضاء وإذا انتفت الكراهية بأضعف الأسباب فبأحرى أن تنتفي بدخول المسجد ~~وهو سبب قوي # ولذلك لا تكره صلاة الجنازة إذا حضرت ولا صلاة الخسوف والاستسقاء في هذه ~~الأوقات لأن لها أسبابا # الفائدة الثانية قضاء النوافل إذ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ~~ولنا فيه أسوة حسنة # وقالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا غلبه نوم أو مرض فلم يقم تلك الليلة صلى من أول ~~النهار اثنتي عشرة ركعة (2) وقد قال العلماء من كان في الصلاة ففاته جواب ~~المؤذن فإذا سلم قضى وأجاب وإن كان المؤذن سكت ولا معنى الآن لقول من يقول ~~إن ذلك مثل الأول وليس يقضي إذ لو كان كذلك لما صلاها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في وقت الكراهة # نعم من كان له ورد فعاقه عن ذلك عذر فينبغي أن لا يرخص لنفسه في تركه بل ~~يتداركه في وقت آخر حتى لا تميل نفسه إلى الدعة والرفاهية # وتداركه حسن على سبيل مجاهدة النفس ولأنه صلى الله عليه وسلم قال أحب ~~الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل (3) فيقصد به أن لا يفتر ms0337 في دوام ~~عمله وروت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من عبد ~~الله عز وجل بعبادة ثم تركها ملالة مقته الله عز وجل (4) فليحذر أن يدخل ~~تحت الوعيد # وتحقيق هذا الخبر # أنه مقته الله تعالى بتركها ملالة فلولا المقت والإبعاد لما سلطت الملالة ~~عليه # الخامسة ركعتان بعد الوضوء مستحبتان لأن الوضوء قربة ومقصودها الصلاة ~~والأحداث عارضة فربما يطرأ الحدث قبل صلاة فينتقض الوضوء ويضيع السعي ~~فالمبادرة إلى ركعتين استيفاء المقصود الوضوء قبل الفوات # وعرف ذلك بحديث بلال إذ قال صلى الله عليه وسلم دخلت الجنة فرأيت بلالا ~~فيها فقلت لبلال بم سبقتني إلى الجنة فقال بلال لا أعرف شيئا إلا أني لا ~~أحدث وضوءا إلا أصلي عقيبه ركعتين (5) # السادسة ركعتان عند دخول المنزل وعند الخروج منه روى أبو هريرة رضي الله ~~عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين ~~يمنعانك مخرج السوء وإذا دخلت إلى منزلك فصل ركعتين PageV01P205 # يمنعانك مدخل السوء (1) وفي معنى هذا كل أمر يبتدأ به مما له وقع ولذلك ~~ورد ركعتان عند الإحرام (2) وركعتان عند ابتداء السفر (3) وركعتان عند ~~الرجوع من السفر (4) في المسجد قبل دخول البيت فكل ذلك مأثور من فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # وكان بعض الصالحين إذا أكل أكلة صلى ركعتين وإذا شرب شربة صلى ركعتين ~~وكذلك في كل أمر يحدثه # وبداية الأمور ينبغي أن يتبرك فيها بذكر الله عز وجل وهي على ثلاث مراتب ~~بعضها يتكرر مرارا كالأكل والشرب فيبدأ فيه باسم الله عز وجل وقال صلى الله ~~عليه وسلم كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر (5) # الثانية ما لا يكثر تكرره وله وقع كعقد النكاح وابتداء النصيحة والمشورة ~~فالمستحب فيها أن يصدر بحمد الله فيقول المزوج الحمد لله والصلاة على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم زوجتك ابنتي ويقول القابل الحمد لله والصلاة على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلت ms0338 النكاح وكانت عادة الصحابة رضي الله ~~عنهم في ابتداء أداء الرسالة والنصيحة والمشورة تقديم التحميد # الثالثة ما لا يتكرر كثيرا وإذا وقع دام وكان له وقع كالسفر وشراء دار ~~جديدة والإحرام وما يجري مجراه فيستحب تقديم ركعتين عليه وأدناه الخروج من ~~المنزل والدخول إليه فإنه نوع سفر قريب # السابعة صلاة الاستخارة فمن هم بأمر وكان لا يدري عاقبته ولا يعرف أن ~~الخير في تركه أو في الإقدام عليه فقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأن يصلي ركعتين يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون وفي ~~الثانية الفاتحة وقل هو الله أحد فإذا فرغ دعا وقال اللهم إني أستخيرك ~~بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا ~~أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ~~ودنياي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فاقدره لي وبارك لي فيه ثم يسره لي وإن ~~كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري وعاجله وآجله ~~فاصرفني عنه واصرفه عني واقدر لي الخير أينما كان إنك على كل شيء قدير (6) ~~رواه جابر بن عبد الله قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا ~~الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن وقال صلى الله عليه ~~وسلم إذا هم أحدكم بأمر فليصل ركعتين ثم ليسم الأمر ويدعو بما ذكرناه وقال ~~بعض الحكماء من أعطي أربعا لم يمنع أربعا من أعطي الشكر لم يمنع المزيد ومن ~~أعطي التوبة لم يمنع القبول ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة ومن أعطي ~~المشورة لم يمنع الصواب # الثامنة صلاة الحاجة (7) فمن ضاق عليه الأمر ومسته حاجة في صلاح دينه ~~ودنياه إلى أمر تعذر عليه فليصل هذه الصلاة فقد روي عن وهيب بن الورد أنه ~~قال إن من الدعاء الذي لا يرد أن يصلي العبد ثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ~~ركعة PageV01P206 # بأم الكتاب وآية الكرسي وقل هو الله أحد فإذا فرغ خر ms0339 ساجدا ثم قال سبحان ~~الذي لبس العز وقال به سبحان الذي تعطف بالمجد وتكرم به سبحان الذي أحصى كل ~~شيء بعلمه سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له سبحان ذي المن والفضل سبحان ~~ذي العز والكرم سبحان ذي الطول أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من ~~كتابك وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامات العامات التي لا يجاوزهن ~~بر ولا فاجر أن تصلي على محمد وعلى آل محمد ثم يسال حاجته التي لا معصية ~~فيها فيجاب إن شاء الله عز وجل # قال وهيب بلغنا أنه كان يقال لا تعلموها لسفهائكم فيتعاونون بها على ~~معصية الله عز وجل # التاسعة صلاة التسبيح وهذه الصلاة مأثورة على وجها ولا تختص بوقت ولا ~~بسبب ويستحب أن لا يخلو الأسبوع عنها مرة واحدة أو الشهر مرة # فقد روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله منها أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~للعباس بن عبد المطلب ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك بشيء إذا أنت فعلته ~~غفر الله لك ذنبك أوله وآخره قديمه وحديثه خطأه وعمده سره وعلانيته تصلي ~~أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغت من القراءة في ~~أول ركعة وأنت قائم تقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~أكبر # خمس عشرة مرة ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشر مرات ثم ترفع من الركوع ~~فتقولها قائما عشرا ثم تسجد فتقولها عشرا ثم ترفع من السجود فتقولها جالسا ~~عشرا ثم تسجد فتقولها وأنت ساجد عشرا ثم ترفع من السجود فتقولها عشرا فذلك ~~خمس وسبعون في كل ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات إن استطعت أن تصليها في كل ~~يوم مرة فافعل فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة فإن ~~لم تفعل ففي السنة مرة (1) وفي رواية أخرى أنه يقول في أول الصلاة سبحانك ~~اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك وتقدست أسماؤك ولا إله غيرك ثم يسبح ~~خمس عشرة تسبيحة قبل القراءة وعشرا ms0340 بعد القراءة والباقي كما سبق عشرا عشرا ~~ولا يسبح بعد السجود الأخير قاعدا وهذا هو الأحسن وهو اختيار ابن المبارك # والمجموع من الروايتين ثلثمائة تسبيحة فإن صلاها نهارا فبتسليمة واحدة ~~وإن صلاها ليلا فبتسليمتين أحسن إذ ورد # أن صلاة الليل مثنى مثنى (2) وإن زاد بعد التسبيح قوله لا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم فهو حسن فقد ورد ذلك في بعض الروايات فهذه الصلوات ~~المأثورة # ولا يستحب شيء من هذه النوافل في الأوقات المكروهة إلا تحية المسجد وما ~~أوردناه بعد التحية من ركعتي الوضوء وصلاة السفر والخروج من المنزل ~~والاستخارة فلا لأن النهي مؤكد وهذه الأسباب ضعيفة فلا تبلغ درجة الخسوف ~~والاستسقاء والتحية # وقد رأيت بعض المتصوفة يصلي في الأوقات المكروهة ركعتي الوضوء وهو في ~~غاية البعد لأن الوضوء لا يكون سببا الصلاة بل الصلاة سبب الوضوء # فينبغي أن يتوضأ ليصلي لا أنه يصلي لأنه توضأ # وكل محدث يريد أن يصلي في وقت الكراهية فلا سبيل له إلا أن يتوضأ ويصلي ~~فلا يبقى للكراهية معنى # ولا ينبغي أن ينوي ركعتي الوضوء كما ينوي ركعتي التحية بل إذا توضأ صلى ~~ركعتين تطوعا كيلا يتعطل وضوءه كما كان يفعله بلال فهو تطوع محض يقع عقيب ~~الوضوء # وحديث بلال لم يدل على أن الوضوء سبب كالخسوف والتحية حتى ينوي ركعتي ~~الوضوء فيستحيل أن ينوي بالصلاة الوضوء بل ينبغي أن ينوي بالوضوء الصلاة # وكيف ينتظم أن يقول في وضوئه أتوضأ لصلاتي وفي صلاته يقول أصلي لوضوئي بل ~~من أراد أن يحرس وضوءه عن التعطيل في وقت الكراهية فلينو قضاء إن كان يجوز ~~أن يكون في ذمته صلاة تطرق إليها خلل لسبب من الأسباب فإن قضاء الصلوات في ~~أوقات الكراهية غير مكروه فأمانية التطوع فلا وجه لها # ففي النهي في أوقات الكراهية مهمات ثلاثة PageV01P207 # أحدها التوقي من مضاهاة عبدة الشمس # والثاني الاحتراز من انتشار الشياطين إذ قال صلى الله عليه وسلم إن الشمس ~~لتطلع ومعها قرن الشيطان فإذا طلعت قارنها وإذا ارتفعت فارقها فإن ms0341 استوت ~~قارنها فإذا زالت فارقها فإذا تضيفت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها (1) ~~ونهى عن الصلوات في هذه الأوقات ونبه به على العلة # والثالث أن سالكي طريق الآخرة لا يزالون يواظبون على الصلوات في جميع ~~الأوقات # والمواظبة على نمط واحد من العبادات يورث الملل # ومهما منع منها ساعة زاد النشاط وانبعثت الدواعي والإنسان حريص على ما ~~منع منه ففي تعطيل هذه الأوقات زيادة تحريض وبعث على انتظار انقضاء الوقت ~~فخصصت هذه الأوقات بالتسبيح والاستغفار حذرا من الملل بالمداومة وتفرجا ~~بالانتقال من نوع عبادة إلى نوع آخر # ففي الاستطراف والاستجداد لذة ونشاط وفي الاستمرار على شيء واحد استثقال ~~وملالا ولذلك لم تكن الصلاة سجودا مجردا ولا ركوعا مجردا ولا قياما مجردا ~~بل رتبت العبادات من أعمال مختلفة وأذكار متباينة فإن القلب يدرك من كل عمل ~~منهما لذة جديدة عند الانتقال إليها ولو واظب على الشيء الواحد لتسارع إليه ~~الملل # فإذا كانت هذه أمورا مهمة في النهي عن ارتكاب أوقات الكراهة إلى غير ذلك ~~من أسرار أخرى ليس في قوة البشر الاطلاع عليها والله ورسوله أعلم بها # فهذه المهمات لا تترك إلا بأسباب مهمة في الشرع مثل قضاء الصلوات وصلاة ~~الاستسقاء والخسوف وتحية المسجد # فأما ما ضعف عنها فلا ينبغي أن يصادم به مقصود النهي # هذا هو الأوجه عندنا والله أعلم # كمل كتاب أسرار الصلاة من كتاب إحياء علوم الدين # يتلوه إن شاء الله كتاب أسرار الزكاة # بحمد الله وعونه وحسن توفيقه # والحمد لله وحده وصلاته على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا ### || كتاب أسرار الزكاة # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أسعد وأشقى وأمات وأحيا وأضحك ~~وأبكى وأوجد وأفنى وأفقر وأغنى وأضر وأقنى الذي خلق الحيوان من نطفة تمنى ~~ثم تفرد عن الخلق بوصف الغنى ثم خصص بعض عباده بالحسنى فأفاض عليهم من نعمة ~~ما أيسر به من شاء واستغنى وأحوج إليه من أخفق في رزقه وأكدى إظهارا ~~للامتحان والابتلا # ثم جعل الزكاة للدين أساسا ومبنى وبين أن ms0342 بفضله تزكى من عباده من تزكى ~~ومن غناه زكى ماله من زكى والصلاة على محمد المصطفى سيد الورى وشمس الهدى ~~وعلى آله واصحابه المخصوصين بالعلم والتقى # أما بعد فإن الله تعالى جعل الزكاة إحدى مباني الإسلام وأردف بذكرها ~~الصلاة التي هي أعلى الأعلام فقال تعالى {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ~~وقال صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة (2) وشدد الوعيد على ~~المقصرين فيها فقال {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ~~فبشرهم بعذاب أليم} ومعنى الإنفاق في سبيل الله إخراج حق الزكاة قال ~~PageV01P208 # الأحنف بن قيس كنت في نفر من قريش فمر أبو ذر فقال بشر الكانزين بكي في ~~ظهورهم يخرج من جنوبهم وبكي في أقفائهم يخرج من جباههم # وفي رواية أنه يوضع على حلمة ثدي أحدهم فيخرج من نغض كتفيه ويوضع على نغض ~~كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل وقال أبو ذر انتهيت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال هم الأخسرون ورب ~~الكعبة فقلت ومن هم قال الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا من بين يديه ~~ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم ~~لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها ~~وتطؤه بأظلافها كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس (1) ~~وإذا كان هذا التشديد مخرجا في الصحيحين فقد صار من مهمات الدين الكشف عن ~~أسرار الزكاة وشروطها الجلية والخفية ومعانيها الظاهرة والباطنة مع ~~الاقتصار على ما لا يستغنى عن معرفته مؤدي الزكاة وقابضها وينكشف ذلك في ~~أربعة فصول # الفصل الأول في أنواع الزكاة وأسباب وجوبها # الثاني آدابها وشروطها الباطنة والظاهرة # الثالث في القابض وشروط استحقاقه وآداب قبضه # الرابع في صدقة التطوع وفضلها ### ||| الفصل الأول في أنواع الزكاة وأسباب وجوبها والزكوات باعتبار متعلقاتها ستة أنواع ms0343 زكاة النعم والنقدين والتجارة وزكاة الركاز والمعادن وزكاة المعشرات وزكاة الفطر ### |||| النوع الأول زكاة النعم # ولا تجب هذه الزكاة وغيرها إلا على حر مسلم # ولا يشترط البلوغ بل تجب في مال الصبي والمجنون هذا شرط من عليه # وأما المال فشروطه خمسة أن يكون نعما سائمة باقية حولا نصابا كاملا ~~مملوكا على الكمال # الشرط الأول كونه نعما فلا زكاة إلا في الإبل والبقر والغنم # أما الخيل والبغال والحمير والمتولد من بين الظباء والغنم فلا زكاة فيها # الثاني السوم فلا زكاة في معلوفة وإذا أسيمت في وقت وعلفت في وقت تظهر ~~بذلك مؤنتها فلا زكاة فيها # الثالث الحول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا زكاة في مال حتى يحول ~~عليه الحول (2) ويستثنى من هذا نتاج الحول # الرابع كمال الملك والتصرف فتجب الزكاة في الماشية المرهونة لأنه الذي ~~حجر على نفسه فيه ولا تجب في الضال والمغصوب إلا إذا عاد بجميع نمائه فيجب ~~زكاة ما مضى عند عوده ولو كان عليه دين يستغرق ماله فلا زكاة عليه فإنه ليس ~~غنيا به إذ الغنى ما يفضل عن الحاجة # الخامس كمال النصاب # أما الإبل فلا شيء فيها حتى تبلغ خمسا ففيها جذعة من الضأن والجذعة هي ~~التي تكون في السنة الثانية أو ثنية من المعز وهي التي تكون في السنة ~~الثالثة # وفي عشر شاتان وفي خمس عشرة ثلاث شياه # وفي عشرين أربع شياه # وفي خمس وعشرين بنت مخاض وهي التي في السنة الثانية فإن لم يكن في ماله ~~بنت مخاض فابن لبون ذكر وهو الذي في السنة الثالثة يؤخذ إن كان قادرا على ~~شرائها وفي ست وثلاثين ابنة لبون # ثم إذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة وهي التي في السنة الرابعة # فإذا صارت إحدى وستين ففيها جذعة وهي التي في السنة الخامسة # فإذا صارت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون # فإذا صارت إحدى وتسعين ففيها حقتان # فإذا صارت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون # فإذا صارت مائة وثلاثين فقد استقر الحساب ففي كل ms0344 خمسين حقة وفي كل أربعين ~~بنت لبون PageV01P209 # وأما البقر فلا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين ففيها تبيع وهو الذي في السنة ~~الثانية # ثم في أربعين مسنة وهي التي في السنة الثالثة # ثم في ستين تبيعان # واستقر الحساب بعد ذلك # ففي كل أربعين مسنة # وفي كل ثلاثين تبيع # وأما الغنم فلا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين ففيها شاة جذعة من الضأن أو ~~ثنية من المعز # ثم لا شيء فيها حتى تبلغ مائة وعشرين وواحدة ففيها شاتان # إلى مائتي شاة وواحدة فيها ثلاث شياه إلى أربعمائة ففيها أربع شياه # ثم استقر الحساب في كل مائة شاة # وصدقة الخليطين كصدقة المالك الواحد في النصاب فإذا كان بين رجلين أربعون ~~من الغنم ففيها شاة # وإن كان بين ثلاثة نفر مائة شاة وعشرون ففيها شاة واحدة # على جميعهم # وخلطة الجوار كخلطة الشيوع ولكن يشترط أن يريحا معا ويسقيا معا ويحلبا ~~معا ويسرحا معا ويكون المرعى معا ويكون إنزاء الفحل معا # وأن يكونا جميعا من أهل الزكاة ولا حكم للخلطة مع الذمي والمكاتب # ومهما نزل في واجب الإبل عن سن إلى سن فهو جائز ما لم يجاوز بنت مخاض في ~~النزول # ولكن تضم إليه جبران السن لسنة واحدة شاتين أو عشرين درهما # ولسنتين أربع شياه أو أربعين درهما # وله أن يصعد في السن ما لم يجاوز الجذعة في الصعود ويأخذ الجبران من ~~الساعين من بيت المال # ولا تؤخذ في الزكاة مريضة إذا كان بعض المال صحيحا ولو واحدة # ويؤخذ من الكرائم كريمة ومن اللئام لئيمة # ولا يؤخذ من المال الأكولة ولا الماخض ولا الربا ولا الفحل ولا غراء ~~المال ### |||| النوع الثاني زكاة المعشرات # فيجب العشر في كل مستنبت مقتات بلغ ثمانمائة من ولا شيء فيما دونها ولا ~~في الفواكه والقطن ولكن في الحبوب التي تقتات وفي التمر والزبيب # ويعتبر أن تكون ثمانمائة من تمرا أو زبيبا لا رطبا وعنبا ويخرج ذلك بعد ~~التجفيف # ويكمل مال أحد الخليطين بمال الآخر في خلطة الشيوع كالبستان المشترك بين ~~ورثة ms0345 لجميعهم ثمانمائة من من زبيب فيجب على جميعهم ثمانون منا من زبيب بقدر ~~حصصهم # ولا يعتبر خلطة الجوار فيه # ولا يكمل نصاب الحنطة بالشعير # ويكمل نصاب الشعير بالسلت فإنه نوع منه هذا قدر الواجب إن كان يسقى بسيح ~~أو قناة فإن كان يسقى بنضح أو دالية فيجب نصف العشر فإن اجتمعا فالأغلب ~~يعتبر # وأما صفة الواجب فالتمر والزبيب اليابس والحب اليابس بعد التنقية # ولا يؤخذ عنب ولا رطب إلا إذا حلت بالأشجار آفة وكانت المصلحة في قطعها ~~قبل تمام الإدراك فيؤخذ الرطب فيكال تسعة للمالك وواحد للفقير # ولا يمنع من هذه القسمة قولنا إن القسمة بيع بل يرخص في مثل هذا للحاجة # ووقت الوجوب أن يبدو الصلاح في الثمار وأن يشتد الحب # ووقت الأداء بعد الجفاف ### |||| النوع الثالث زكاة النقدين # فإذا تم الحول على وزن مائتي درهم بوزن مكة نقرة خالصة ففيها خمسة دراهم ~~وهو ربع العشر وما زاد فبحسابه ولو درهما # ونصاب الذهب عشرون مثقالا خالصا بوزن مكة ففيها ربع العشر وما زاد ~~فبحسابه وإن نقص من النصاب حبة فلا زكاة # وتجب على من معه دراهم مغشوشة إذا كان فيها هذا المقدار من النقرة ~~الخالصة # وتجب الزكاة في التبر وفي الحلي المحظور كأواني الذهب والفضة ومراكب ~~الذهب للرجال # ولا تجب في الحلي المباح # وتجب في الدين الذي هو على ملىء ولكن تجب عند الاستيفاء وإن كان مؤجلا ~~فلا تجب إلا عند حلول الأجل PageV01P210 ### |||| النوع الرابع زكاة التجارة # وهي كزكاة النقدين وإنما ينعقد الحول من وقت ملك النقد الذي به اشترى ~~البضاعة إن كان النقد نصابا فإن كان ناقصا أو اشترى بعرض على نية التجارة ~~فالحول من وقت الشراء # وتؤدى الزكاة من نقد البلد وبه يقوم # فإن كان ما به الشراء نقدا وكان نصابا كاملا كان التقويم به أولى من نقد ~~البلد # ومن نوى التجارة من مال قنية فلا ينعقد الحول بمجرد نيته حتى يشتري به ~~شيئا ومهما قطع نية التجارة قبل تمام الحول سقطت الزكاة # والأولى أن تؤدى زكاة ms0346 تلك السنة وما كان من ربح في السلعة في آخر الحول ~~وجبت الزكاة فيه بحول رأس المال ولم يستأنف له حولا كما في النتاج # وأموال الصيارفة لا ينقطع حولها بالمبادلة الجارية بينهم كسائر التجارات ~~وزكاة ربح مال القراض على العامل وإن كان قبل القسمة هذا هو الأقيس ### |||| النوع الخامس الركاز والمعدن # والركاز مال دفن في الجاهلية ووجد في أرض لم يجر عليها في الإسلام ملك ~~فعلى واجده في الذهب والفضة منه الخمس والحول غير معتبر # والأولى أن لا يعتبر النصاب أيضا لأن إيجاب الخمس يؤكد شبهه بالغنيمة ~~واعتباره أيضا ليس ببعيد لأن مصرف الزكاة ولذلك يخصص على الصحيح بالنقدين # وأما المعادن فلا زكاة فيما استخرج منها سوى الذهب والفضة ففيها بعد ~~الطحن والتخليص ربع العشر على أصح القولين وعلى هذا يعتبر النصاب # وفي الحول قولان وفي قول يجب الخمس فعلى هذا لا يعتبر # وفي النصاب قولان والأشبه والعلم عند الله تعالى أن يلحق في قدر الواجب ~~بزكاة التجارة فإنه نوع اكتساب # وفي الحول بالمعشرات فلا يعتبر لأنه عين الرفق ويعتبر النصاب كالمعشرات ~~والاحتياط أن يخرج الخمس من القليل والكثير ومن عين النقدين أيضا خروجا عن ~~شبهة هذه الاختلافات فإنها ظنون قريبة من التعارض وجزم الفتوى فيها خطر ~~لتعارض الاشتباه ### |||| النوع السادس في صدقة الفطر # وهي واجبة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل مسلم فضل عن ~~قوته وقوت من يقوته يوم الفطر وليلته صاع مما يقتات (1) بصاع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو منوان وثلثا من يخرجه من جنس قوته أو من أفضل منه # فإن اقتات بالحنطة لم يجز الشعير # وإن اقتات حبوبا مختلفة اختار خيرها ومن أيها أخرج أجزأه # وقسمتها كقسمة زكاة الأموال فيجب فيها استيعاب الأصناف ولا يجوز إخراج ~~الدقيق والسويق # ويجب على الرجل المسلم فطرة زوجته ومماليكه وأولاده وكل قريب هو في نفقته ~~أعني من تجب عليه نفقته من الآباء والأمهات والأولاد قال صلى الله عليه ~~وسلم أدوا صدقة الفطر عمن تمونون (2) وتجب ms0347 صدقة العبد المشترك على الشريكين ~~ولا تجب صدقة العبد الكافر # وإن تبرعت الزوجة بالإخراج عن نفسها أجزأها وللزوج الإخراج عنها دون ~~إذنها # وإن فضل عنه ما يؤدى عن بعضهم أدى عن بعضهم وأولاهم بالتقديم من كانت ~~نفقته آكد # وقد PageV01P211 # قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة الولد على نفقة الزوجة ونفقتها ~~على نفقة الخادم (1) فهذه أحكام فقهية لا بد للغني من معرفتها وقد تعرض له ~~وقائع نادرة خارجة عن هذا فله أن يتكل فيها على الاستفتاء عند نزول الواقعة ~~بعد إحاطته بهذا المقدار ### ||| الفصل الثاني في الأداء وشروطه الباطنة والظاهرة # اعلم أنه يجب على مؤدى الزكاة خمسة أمور # الأول النية وهو أن ينوي بقلبه زكاة الفرض ويسن عليه تعيين الأموال # فإن كان له مال غائب فقال هذا عن مالي الغائب إن كان سالما وإلا فهو ~~نافلة جاز لأنه إن لم يصرح به فكذلك يكون عند إطلاقه # ونية الولي تقوم مقام نية المجنون والصبي # ونية السلطان تقوم مقام نية المالك الممتنع عن الزكاة ولكن في ظاهر حكم ~~الدنيا أعني في قطع المطالبة عنه أما في الآخرة فلا بل تبقى ذمته مشغولة ~~إلى أن يستأنف الزكاة وإذا وكل بأداء الزكاة ونوى عند التوكيل أو وكل ~~الوكيل بالنية كفاه لأن توكيله بالنية نية # الثاني البدار عقيب الحول وفي زكاة الفطر لا يؤخرها عن يوم الفطر # ويدخل وقت وجوبها بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان ووقت تعجيلها شهر ~~رمضان كله # ومن أخر زكاة ماله مع التمكن عصى ولم يسقط عنه بتلف ماله وتمكنه بمصادقة ~~المستحق # وإن أخر لعدم المستحق فتلف ماله سقطت الزكاة عنه # وتعجيل الزكاة جائز بشرط أن يقع بعد كمال النصاب وانعقاد الحول # ويجوز تعجيل زكاة حولين # ومهما عجل فمات المسكين قبل الحول أو ارتد أو صار غنيا بغير ما عجل إليه ~~أو تلف مال المالك أو مات فالمدفوع ليس بزكاة واسترجاعه غير ممكن إلا إذا ~~قيد الدفع بالاسترجاع فليكن المعجل مراقبا آخر الأمور وسلامة العاقبة # الثالث أن لا ms0348 يخرج بدلا باعتبار القيمة بل يخرج المنصوص عليه فلا يجزىء ~~ورق عن ذهب ولا ذهب عن ورق وإن زاد عليه في القيمة # ولعل بعض من لا يدرك غرض الشافعي رضي الله عنه يتساهل في ذلك ويلاحظ ~~المقصود من سد الخلة وما أبعده عن التحصيل فإن سد الخلة مقصود وليس هو كل ~~المقصود بل واجبات الشرع ثلاثة أقسام قسم هو تعبد محض لا مدخل للحظوظ ~~والأغراض فيه # وذلك كرمي الجمرات مثلا إذ لا حظ للجمرة في وصول الحصى إليها فمقصود ~~الشرع فيه الابتلاء بالعمل ليظهر العبد رقه وعبودته بفعل ما لا يعقل له ~~معنى لأن ما يعقل معناه فقد يساعده الطبع عليه ويدعوه إليه فلا يظهر به ~~خلوص الرق والعبودية إذ العبودية تظهر بأن تكون الحركة لحق أمر المعبود فقط ~~لا لمعنى آخر وأكثر أعمال الحج كذلك ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في ~~إحرامه لبيك بحجة حقا تعبدا ورقا (2) تنبيها على أن ذلك إظهار للعبودية ~~بالانقياد لمجرد الأمر وامتثاله كما أمر من غير استئناس العقل منه بما يميل ~~إليه ويحث عليه # القسم الثاني من واجبات الشرع ما المقصود منه حظ معقول وليس يقصد منه ~~التعبد كقضاء دين الآدميين ورد المغصوب فلا جرم لا يعتبر فيه فعله ونيته # ومهما وصل الحق إلى مستحقه بأخذ المستحق أو ببدل عنه عند رضاه تأدى ~~الوجوب وسقط خطاب الشرع # فهذان قسمان لا تركيب فيهما يشترك في دركهما جميع الناس # والقسم الثالث هو المركب الذي يقصد منه الأمران جميعا وهو حظ العباد ~~وامتحان المكلف بالاستعباد فيجتمع فيه تعبد رمي الجمار وحظ رد الحقوق فهذا ~~قسم في نفسه معقول فإن ورد الشرع به وجب الجمع بين المعنيين ولا ينبغي أن ~~PageV01P212 # ينسى أدق المعنيين وهو التعبد والاسترقاق بسبب أجلاهما ولعل الأدق هو ~~الأهم والزكاة من هذا القبيل ولم ينتبه له غير الشافعي رضي الله عنه فحظ ~~الفقير مقصود في سد الخلة وهو جلي سابق إلى الأفهام وحق التعبد في اتباع ~~التفاصيل مقصود للشرع # وباعتباره صارت الزكاة قرينة للصلاة ms0349 والحج في كونها من مباني الإسلام # ولا شك في أن على المكلف تعبا في تمييز أجناس ماله وإخراج حصة كل مال من ~~نوعه وجنسه وصفته ثم توزيعه على الأصناف الثمانية كما سيأتي والتساهل فيه ~~غير قادح في حظ الفقير لكنه قادح في التعبد # ويدل على أن التعبد مقصود بتعيين الأنواع أمور ذكرناها في كتب الخلاف من ~~الفقهيات # ومن أوضحها أن الشرع أوجب في خمس من الإبل شاة فعدل من الإبل إلى الشاة ~~ولم يعدل إلى النقدين والتقويم وإن قدر أن ذلك لقلة النقود في أيدي العرب ~~بطل بذكره عشرين درهما في الجبران مع الشاتين فلم يذكر في الجبران قدر ~~النقصان من القيمة ولمقدر بعشرين درهما وشاتين وإن كانت الثياب والأمتعة ~~كلها في معناها # فهذا وأمثاله من التخصيصات يدل على أن الزكاة لم تترك خالية عن التعبدات ~~كما في الحج ولكن جمع بين المعنيين والأذهان الضعيفة تقصر عن درك المركبات ~~فهذا شأن الغلط فيه # الرابع أن لا ينقل الصدقة إلى بلد آخر فإن أعين المساكين في كل بلدة تمتد ~~إلى أموالها وفي النقل تخييب للظنون فإن فعل ذلك أجزأه في قول ولكن الخروج ~~عن شبهة الخلاف أولى فليخرج زكاة كل مال في تلك البلدة ثم لا بأس أن يصرف ~~إلى الغرباء في تلك البلدة # الخامس أن يقسم ماله بعدد الأصناف الموجودين في بلده فإن استيعاب الأصناف ~~واجب وعليه يدل ظاهر قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية فإنه ~~يشبه قول المريض إنما ثلث مال للفقراء والمساكين وذلك يقتضي التشريك في ~~التمليك # والعبادات ينبغي أن يتوقى عن الهجوم فيها على الظواهر # وقد عدم من الثمانية صنفان في أكثر البلاد وهم المؤلفة قلوبهم والعاملون ~~على الزكاة # ويوجد في جميع البلاد أربعة أصناف الفقراء والمساكين والغارمون ~~والمسافرون أعني أبناء السبيل وصنفان يوجدان في بعض البلاد دون البعض وهم ~~الغزاة والمكاتبون # فإن وجد خمسة أصناف مثلا قسم بينهم زكاة ماله بخمسة أقسام متساوية أو ~~متقاربة وعين لكل صنف قسم ثم قسم كل قسم ثلاثة أسهم ms0350 فما فوقه إما متساوية ~~أو متفاوتة وليس عليه التسوية بين آحاد الصنف فإن له أن يقسمه على عشرة ~~وعشرين فينقص نصيب كل واحد # وأما الأصناف فلا تقبل الزيادة والنقصان فلاينبغي أن ينقص في كل صنف عن ~~ثلاثة إن وجد ثم لو لم يجب إلا صاع للفطرة ووجد خمسة أصناف فعليه أن يوصله ~~إلى خمسة عشر نفرا ولو نقص منهم واحد مع الإمكان غرم نصيب ذلك الواحد فإن ~~عسر عليه ذلك لقلة الواجب فليتشارك جماعة ممن عليهم الزكاة وليخلط مال نفسه ~~بمالهم وليجمع المستحقين وليسلم إليهم حتى يتساهموا فيه فإن ذلك لا بد منه ### |||| بيان دقائق الآداب الباطنة في الزكاة # اعلم أن على مريد طريق الآخرة بزكاته وظائف الوظيفة الأولى فهم وجوب ~~الزكاة ومعناها ووجه الامتحان فيها وأنها لم جعلت من مباني الإسلام مع أنها ~~تصرف مالي وليست من عبادة الأبدان وفيه ثلاث معان الأول أن التلفظ بكلمتي ~~الشهادة التزام للتوحيد وشهادة بإفراد المعبود وشرط تمام الوفاء به أن لا ~~يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد فإن المحبة لا تقبل الشركة والتوحيد ~~باللسان قليل الجدوى وإنما يمتحن به درجة المحب بمفارقة المحبوب والأموال ~~محبوبة عند الخلائق لأنها آلة تمتعهم بالدنيا وبسببها يأنسون بهذا العالم ~~وينفرون عن الموت مع أن فيه لقاء المحبوب فامتحنوا بتصديق دعواهم في ~~المحبوب واستنزلوا عن المال الذي هو مرموقهم ومعشوقهم ولذلك قال PageV01P213 # {الله تعالى} إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~وذلك بالجهاد وهو مسامحة بالمهجة شوقا إلى لقاء الله عز وجل والمسامحة ~~بالمال أهون # ولما فهم هذا المعنى في بذل الأموال انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام قسم ~~صدقوا التوحيد ووفوا بعهدهم ونزلوا عن جميع أموالهم فلم يدخروا دينارا ولا ~~درهما فأبوا أن يتعرضوا لوجوب الزكاة عليهم حتى قيل لبعضهم كم يجب من ~~الزكاة في مائتي درهم فقال أما على العوام بحكم الشرع فخمسة دراهم وأما نحن ~~فيجب علينا بذل الجميع ولهذا تصدق أبو بكر رضي الله عنه بجميع ماله وعمر ~~رضي الله عنه ms0351 بشطر ماله فقال صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك فقال مثله ~~وقال لأبي بكر رضي الله عنه ما أبقيت لأهلك قال الله ورسوله فقال صلى الله ~~عليه وسلم بينكما ما بين كلمتيكما (1) فالصديق وفي بتمام الصدق فلم يمسك ~~سوى المحبوب عنده وهو الله ورسوله # القسم الثاني درجتهم دون درجة هذا وهم الممسكون أموالهم المراقبون ~~لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات فيكون قصدهم في الادخار الإنفاق على قدر ~~الحاجة دون التنعم وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر مهما ظهر وجوهها ~~وهؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة # وقد ذهب جماعة من التابعين إلى أن في المال حقوقا سوى الزكاة كالنخعي ~~والشعبي وعطاء ومجاهد قال الشعبي بعد أن قيل له هل في المال حق سوى الزكاة ~~قال نعم أما سمعت قوله عز وجل وآتى المال على حبه ذوي القربى الآية ~~واستدلوا بقوله عز وجل ومما رزقناهم ينفقون وبقوله تعالى وأنفقوا مما ~~رزقناكم وزعموا أن ذلك غير منسوخ بآية الزكاة بل هو داخل في حق المسلم على ~~المسلم ومعناه أنه يجب على الموسر مهما وجد محتاجا أن يزيل حاجته فضلا عن ~~مال الزكاة والذي يصح في الفقه من هذا الباب أنه مهما أرهقته حاجته كانت ~~إزالتها فرض كفاية إذ لا يجوز تضييع مسلم ولكن يحتمل أن يقال ليس على ~~الموسر إلا تسليم ما يزيل الحاجة فرضا ولا يلزمه بذله بعد أن أسقط الزكاة ~~عن نفسه ويحتمل أن يقال يلزمه بذله في الحال ولا يجوز له الاقتراض أي لا ~~يجوز له تكليف الفقير قبول القرض وهذا مختلف فيه والاقتراض نزول إلى الدرجة ~~الأخيرة من درجات العوام وهي درجة القسم الثالث الذين يقتصرون على أداء ~~الواجب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون عنه وهي أقل الرتب وقد اقتصر جميع ~~العوام عليه لبخلهم بالمال وميلهم إليه وضعف حبهم للآخرة قال الله تعالى إن ~~يسألكموها فيحفكم تبخلوا يحفكم أي يستقص عليكم فكم بين عبد اشترى منه ماله ~~ونفسه بأن له الجنة وبين عبد لا يستقصي عليه لبخله فهذا أحد ms0352 معاني أمر الله ~~سبحانه عباده ببذل الأموال # المعنى الثاني التطهير من صفة البخل فإنه من المهلكات قال صلى الله عليه ~~وسلم ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه (2) وقال تعالى ومن ~~يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وسيأتي في ربع المهلكات وجه كونه مهلكا ~~وكيفية التقصي منه وإنما تزول صفة البخل بأن تتعود بذل المال فحب الشيء لا ~~ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته حتى يصير ذلك اعتيادا فالزكاة بهذا ~~المعنى طهرة أي تطهر صاحبها عن خبث البخل المهلك وإنما طهارته بقدر بذله ~~وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره بصرفه إلى الله تعالى # المعنى الثالث شكر النعمة فإن لله عز وجل على عبده نعمة في نفسه وفي ماله ~~فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن والمالية شكر لنعمة المال وما أخس من ~~ينظر إلى الفقير وقد ضيق عليه الرزق وأحوج إليه ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي ~~شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه بربع العشر أو العشر ~~من ماله PageV01P214 # الوظيفة الثانية في وقت الأداء ومن آداب ذوي الدين التعجيل عن وقت الوجوب ~~إظهارا للرغبة في الامتثال بإيصال السرور إلى قلوب الفقراء ومبادرة لعوائق ~~الزمان أن تعوقه عن الخيرات وعلما بأن في التأخير آفات مع ما يتعرض العبد ~~له من العصيان لو أخر عن وقت الوجوب # ومهما ظهرت داعية الخير من الباطن فينبغي أن يغتنم فإن ذلك لمة الملك ~~وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن فما أسرع تقلبه والشيطان يعد الفقر ~~ويأمر بالفحشاء والمنكر وله لمة عقيب لمة الملك فليغتنم الفرصة فيه وليعين ~~لزكاتها إن كان يؤديها جميعا شهرا معلوما وليجتهد أن يكون من أفضل الأوقات ~~ليكون ذلك سببا لنماء قريته وتضاعف زكاته وذلك كشهر المحرم فإنه أول السنة ~~وهو من الأشهر الحرم أو رمضان فقد كان صلى الله عليه وسلم أجود الخلق وكان ~~في رمضان كالريح المرسلة لا يمسك فيه شيئا (1) ولرمضان فضيلة ليلة القدر ~~وأنه أنزل فيه القرآن # وكان مجاهد يقول لا تقولوا رمضان فإنه اسم ms0353 من أسماء الله تعالى ولكن ~~قولوا شهر رمضان # وذو الحجة أيضا من الشهور الكثيرة الفضل فإنه شهر حرام وفيه الحج الأكبر ~~وفيه الأيام المعلومات وهي العشر الأول والأيام المعدودات وهي أيام التشريق ~~وأفضل أيام شهر رمضان العشر الأواخر وأفضل أيام ذي الحجة العشر الأول # الوظيفة الثالثة الإسرار فإن ذلك أبعد عن الرياء والسمعة قال صلى الله ~~عليه وسلم أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر (2) وقال بعض العلماء ثلاث ~~من كنوز البر منها إخفاء الصدقة (3) وقد روي أيضا مسندا # وقال صلى الله عليه وسلم إن العبد ليعمل عملا في السر فيكتبه الله له سرا ~~فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية فإن تحدث به نقل من السر والعلانية ~~وكتب رياء (4) وفي الحديث المشهور سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله أحدهم ~~رجل تصدق بصدقة فلم تعلم شماله بما أعطت يمينه (5) وفي الخبر صدقة السر ~~تطفىء غضب الرب (6) وقال تعالى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ~~وفائدة الإخفاء الخلاص من آفات الرياء والسمعة فقد قال صلى الله عليه وسلم ~~لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان والمتحدث بصدقته يطلب السمعة ~~والمعطي في ملأ من الناس يبغي الرياء والإخفاء والسكوت هو المخلص منه (7) ~~وقد بالغ في فضل الإخفاء جماعة حتى اجتهدوا أن لا يعرف القابض المعطي فكان ~~بعضهم يلقيه في يد أعمى وبعضهم يلقيه في طريق الفقير وفي موضع جلوسه حيث ~~يراه ولا يرى المعطي وبعضهم كان يصره في ثوب الفقير وهو نائم وبعضهم كان ~~يوصل إلى يد الفقير على يد غيره بحيث لا يعرف المعطي وكان يستكتم المتوسط ~~شأنه ويوصيه بأن لا يفشيه كل ذلك توصلا إلى إطفاء غضب الرب سبحانه واحترازا ~~من الرياء والسمعة # ومهما لم يتمكن إلا بأن يعرفه شخص واحد فتسليمه إلى وكيل ليسلم إلى ~~المسكين والمسكين لا يعرف أولى إذ في معرفة المسكين الرياء والمنة جميعا ~~وليس في معرفة المتوسط إلا الرياء ومهما كانت الشهرة مقصودة له PageV01P215 # حبط عمله لأن الزكاة ms0354 إزالة للبخل وتضعيف لحب المال وحب الجاه أشد استيلاء ~~على النفس من حب المال وكل واحد منهما مهلك في الآخرة ولكن صفة البخل تنقلب ~~في القبر في حكم المثال عقربا لادغا وصفة الرياء تقلب في القبر أفعى من ~~الأفاعي وهو مأمور بتضعيفها أو قتلهما لدفع أذاهما أو تخفيف أذاهما فمهما ~~قصد الرياء والسمعة فكأنه جعل بعض أطراف العقرب مقويا للحية فبقدر ما ضعف ~~من العقرب زاد في قوة الحية ولو ترك الأمر كما كان لكان الأمر أهون عليه # وقوة هذه الصفات التي بها قوتها العمل بمقتضاها وضعفت هذه الصفات ~~بمجاهدتها ومخالفتها والعمل بخلاف مقتضاها فأي فائدة في أن يخالف دواعي ~~البخل ويجيب دواعي الرياء فيضعف الأدنى ويقوي الأقوى وستأتي أسرار هذه ~~المعاني في ربع المهلكات # الوظيفة الرابعة أن يظهر حيث يعلم أن في إظهاره ترغيبا للناس في الاقتداء ~~ويحرس سره من داعية الرياء بالطريق الذي سنذكره في معالجة الرياء في كتاب ~~الرياء فقد قال الله عز وجل إن تبدوا الصدقات فنعما هي وذلك حيث يقتضي ~~الحال الإبداء إما للاقتداء وإما لأن السائل إنما سأل على ملأ من الناس فلا ~~ينبغي أن يترك التصدق خيفة من الرياء في الإظهار بل ينبغي أن يتصدق ويحفظ ~~سره عن الرياء بقدر الإمكان وهذا لأن في الإظهار محذورا ثالثا سوى المن ~~والرياء وهو هتك ستر الفقير فإنه ربما يتأذى بأن يرى في صورة المحتاج فمن ~~أظهر السؤال فهو الذي هتك ستر نفسه فلا يحذر هذا المعنى في إظهاره وهو ~~كإظهار الفسق على من تستر به فإنه محظور والتجسس فيه والاعتياد بذكره منهي ~~عنه فأما من أظهره فإقامة الحد عليه إشاعة ولكن هو السبب فيها وبمثل هذا ~~المعنى قال صلى الله عليه وسلم من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له (1) وقد ~~قال الله تعالى وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ندب إلى العلانية أيضا لما ~~فيها من فائدة الترغيب فليكن العبد دقيق التأمل في وزن هذه الفائدة ~~بالمحذور الذي فيه فإن ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص فقد يكون ms0355 الإعلان في ~~بعض الأحوال لبعض الأشخاص أفضل ومن عرف الفوائد والغوائل ولم ينظر بعين ~~الشهوة اتضح له الأولى والأليق بكل حال # الوظيفة الخامسة أن لا يفسد صدقته بالمن والأذى قال الله تعالى لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى واختلفوا في حقيقة المن والأذى فقيل المن أن يذكرها ~~والأذى أن يظهرها وقال سفيان من من فسدت صدقته فقيل له كيف المن فقال أن ~~يذكره ويتحدث به وقيل المن أن يستخدمه بالعطاء والأذى أن يعيره بالفقر وقيل ~~المن أن يتكبر عليه لأجل عطائه والأذى أن ينتهره أو يوبخه بالمسألة # وقد قال صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صدقة منان (2) وعندي أن المن له ~~أصل ومغرس وهو من أحوال القلب وصفاته ثم يتفرع عليه أحوال ظاهرة على اللسان ~~والجوارح فأصله أن يرى نفسه محسنا إليه ومنعما عليه وحقه أن يرى الفقير ~~محسنا إليه بقبول حق الله عز وجل منه الذي هو طهرته ونجاته من النار وأنه ~~لو يقبله لبقي مرتهنا به فحقه أن يتقلد منه الفقير إذ جعل كفه نائبا عن ~~الله عز وجل في قبض حق الله عز وجل # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الصدقة تقع بيد الله عز وجل قبل أن ~~تقع في يد السائل (3) فليتحقق أنه مسلم إلى الله عز وجل حقه والفقير آخذ من ~~الله تعالى رزقه بعد صيرورته إلى الله عز وجل # ولو كان عليه دين لإنسان فأحال به عبده أو خادمه الذي هو متكفل برزقه ~~PageV01P216 # لكان اعتقاد مؤدى الدين كون القابض تحت منته سفها وجهلا فإن المحسن إليه ~~هو المتكفل برزقه # أما هو فإنما يقضي الذي لزمه بشراء ما أحبه فهو ساع في حق نفسه فلم يمن ~~به على غيره # ومهما عرف المعاني الثلاثة التي ذكرناها في فهم وجوب الزكاة أو أحدها لم ~~ير نفسه محسنا إلا إلى نفسه إما ببذل ماله إظهارا لحب الله تعالى أو تطهيرا ~~لنفسه عن رذيلة البخل أو شكرا على نعمة المال طلبا للمزيد # وكيفما كان فلا معاملة بينه ms0356 وبين الفقير حتى يرى نفسه محسنا إليه ومهما ~~حصل هذا الجهل بأن رأى نفسه محسنا إليه تفرع منه على ظاهره ما ذكر في معنى ~~المن وهو التحدث به وإظهاره وطلب المكافأة منه بالشكر والدعاء والخدمة ~~والتوقير والتعظيم والقيام بالحقوق والتقديم في المجالس والمتابعة في ~~الأمور فهذه كلها ثمرات المنة ومعنى المنة في الباطن ما ذكرناه # وأما الأذى فظاهره التوبيخ والتعيير وتخشين الكلام وتقطيب الوجه وهتك ~~الستر بالإظهار وفنون الاستخفاف وباطنه وهو منبعه أمران أحدهما كراهيته ~~لرفع اليد عن المال وشدة ذلك على نفسه فإن ذلك يضيق الخلق لا محالة # والثاني رؤيته أنه خير من الفقير وأن الفقير لسبب حاجته أخس منه وكلاهما ~~منشؤه الجهل # أما كراهية تسليم المال فهو حمق لأن من كره بذل درهم في مقابلة ما يساوي ~~ألفا فهو شديد الحمق # ومعلوم أنه يبذل المال لطلب رضا الله عز وجل والثواب في الدار الآخرة ~~وذلك أشرف مما بذله أو يبذله لتطهير نفسه عن رذيلة البخل أو شكرا لطلب ~~المزيد وكيفما فرض فالكراهة لا وجه لها # وأما الثاني فهو أيضا جهل لأنه لو عرف فضل الفقر على الغنى وعرف خطر ~~الأغنياء لما استحقر الفقير بل تبرك به وتمنى درجته فصلحاء الأغنياء يدخلون ~~الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام ولذلك قال صلى الله عليه وسلم هم الأخسرون ~~ورب الكعبة فقال أبو ذر من هم قال هم الأكثرون أموالا الحديث ثم كيف يستحقر ~~الفقير وقد جعله الله تعالى متجرة له إذ يكتسب المال بجهدك ويستكثر منه ~~ويجتهد في حفظه بمقدار الحاجة وقد ألزم أن يسلم إلى الفقير قدر حاجته ويكف ~~عنه الفاضل الذي يضره لو سلم إليه فالغني مستخدم للسعي في رزق الفقير ~~ويتميز عليه بتقليد المظالم والتزام المشاق وحراسة الفضلات إلى أن يموت ~~فيأكله أعداؤه فإن مهما انتقلت الكراهية وتبدلت بالسرور والفرح بتوفيق الله ~~تعالى له أداء الواجب وتفضيله الفقير حتى يخلصه عن عهدته بقبوله منه انتفى ~~الأذى والتوبيخ وتقطيب الوجه وتبدل بالاستبشار والثناء وقبول المنة فهذا ~~منشأ المن والأذى # فإن ms0357 قلت فرؤيته نفسه في درجة المحسن أمر غامض فهل من علامة يمتحن بها ~~قلبه فيعرف بها أنه لم ير نفسه محسنا فاعلم أن له علامة دقيقة واضحة وهو أن ~~يقدر أن الفقير لو جنى عليه جناية أو مالا عدوا له عليه مثلا هل كان يزيد ~~في استنكاره واستبعاده له على استنكاره قبل التصدق فإن زاد لم تخل صدقته عن ~~شائبة المنة لأنه توقع بسببه ما لم يكن يتوقع قبل ذلك # فإن قلت فهذا أمر غامض ولا ينفك قلب أحد عنه فما دواؤه فاعلم أن له دواء ~~باطنا ودواء ظاهرا أما الباطن فالمعرفة بالحقائق التي ذكرناها في فهم ~~الوجوب وأن الفقير هو المحسن إليه في تطهيره بالقبول # وأما الظاهر فالأعمال التي يتعاطاها متقلد المنة فإن الأفعال التي تصدر ~~عن الأخلاق تصبغ القلب بالأخلاق كما سيأتي أسراره في الشطر الأخير من ~~الكتاب ولهذا كان بعضهم يضع الصدقة بين يدي الفقير ويتمثل قائما بين يديه ~~حتى يسأله قبولها حتى يكون هو في صورة السائلين وهو يستشعر مع ذلك كراهية ~~لو رده وكان بعضهم يبسط كفه ليأخذ الفقير من كفه وتكون يد الفقير هي العليا # وكانت عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما إذا أرسلتا معروفا إلى فقير قالتا ~~للرسول احفظ ما يدعو به ثم كانتا تردان عليه مثل قوله وتقولان هذا بذاك حتى ~~تخلص لنا صدقتنا فكانوا لا يتوقعون الدعاء لأنه شبه المكافأة وكانوا ~~يقابلون الدعاء PageV01P217 # بمثله وهكذا فعل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما وهكذا كان ~~أرباب القلوب يداوون قلوبهم ولا دواء من حيث الظاهر إلا هذه الأعمال الدالة ~~على التذلل والتواضع وقبول المنة ومن حيث الباطن المعارف التي ذكرناها هذا ~~من حيث العمل وذلك من حيث العلم # ولا يعالج القلب إلا بمعجون العلم والعمل وهذه الشريطة من الزكوات تجري ~~مجرى الخشوع من الصلاة وثبت ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم ليس للمرء من ~~صلاته إلا ما عقل منها (1) وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم لا يتقبل الله ~~صدقة منان ms0358 وكقوله عز وجل لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى وأما فتوى الفقيه ~~بوقوعها موقعها وبراءة ذمته عنها دون هذا الشرط فحديث آخر وقد أشرنا إلى ~~معناه في كتاب الصلاة # الوظيفة السادسة أن يستصغر العطية فإنه إن استعظمها أعجب بها والعجب من ~~المهلكات وهو محبط للأعمال قال تعالى ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن ~~عنكم شيئا ويقال إن الطاعة كلما استصغرت عظمت عند الله عز وجل # والمعصية كلما استعظمت صغرت عند الله عز وجل # وقيل لا يتم المعروف إلا بثلاثة أمور تصغيره وتعجيله وستره وليس ~~الاستعظام هو المن والأذى فإنه لو صرف ماله إلى عمارة مسجد أو رباط أمكن ~~فيه الاستعظام ولا يمكن فيه المن والأذى بل العجب والاستعظام يجري في جميع ~~العبادات ودواؤه علم وعمل # امام العلم فهو أن يعلم أن العشر أو ربع العشر قليل من كثير وأنه قد قنع ~~لنفسه بأخس درجات البذل كما ذكرنا في فهم الوجوب فهو جدير بأن يستحيي منه ~~فكيف يستعظمه وإن ارتقى إلى الدرجة العليا فبذل كل ماله أو أكثره فليتأمل ~~أنه من أين له المال وإلى ماذا يصرفه فالمال لله عز وجل وله المنة عليه إذ ~~أعطاه ووفقه لبذله فلم يستعظم في حق الله تعالى ما هو عين حق الله سبحانه ~~وإن كان مقامه يقتضي أن ينظر إلى الآخرة وأنه يبذله للثواب فلم يستعظم بذل ~~ما ينتظر عليه أضعافه # وأما العمل فهو أن يعطيه عطاء الخجل من بخل بإمساك بقية ماله عن الله عز ~~وجل فتكون هيئته الانكسار والحياء كهيئة من يطالب برد وديعة فيمسك بعضها ~~ويرد البعض لأن المال كله لله عز وجل وبذل جميعه هو الأحب عند الله سبحانه ~~وإنما لم يأمر به عبده لأنه يشق عليه بسبب بخله كما قال الله عز وجل فيحفكم ~~تبخلوا # الوظيفة السابعة أن ينتقي من ماله أجوده وأحبه إليه وأجله وأطيبه فإن ~~الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإذا كان المخرج من شبهة فربما لا يكون ~~ملكا له مطلقا فلا يقع الموقع # وفي ms0359 حديث أبان عن أنس بن مالك طوبى لعبد أنفق من مال اكتسبه من غير معصية ~~(2) وإذا لم يكن المخرج من جيد المال فهو من سوء الأدب إذ قد يمسك الجيد ~~لنفسه أو لعبده أو لأهله فيكون قد آثر على الله عز وجل غيره ولو فعل هذا ~~بضيفه وقدم إليه أردأ طعام في بيته لأوغر بذلك صدره هذا إن كان نظره إلى ~~الله عز وجل وإن كان نظره إلى نفسه وثوابه في الآخرة فليس بعاقل من يؤثر ~~غيره على نفسه وليس له من ماله إلا ما تصدق به فأبقى أو اكل فأفني والذي ~~يأكله قضاء وطر في الحال فليس من العقل قصر النظر على العاجلة وترك الادخار ~~وقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن ~~تغمضوا فيه أي لا تأخذوه إلا مع كراهية وحياء وهو معنى الإغماض فلا تؤثروا ~~به ربكم # وفي الخبر سبق درهم مائة ألف درهم (3) PageV01P218 # وذلك بأن يخرجه الإنسان وهو من أحل ماله وأجوده فيصدر ذلك عن الرضا ~~والفرح بالبذل وقد يخرج مائة ألف درهم مما يكره من ماله فيدل ذلك على أنه ~~ليس يؤثر الله عز وجل بشيء مما يحبه # وبذلك ذم الله تعالى قوما جعلوا لله ما يكرهون فقال تعالى ويجعلون لله ما ~~يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا وقف بعض القراء على النفي ~~تكذيبا لهم ثم ابتدأ وقال جرم أن لهم النار أي كسب لهم جعلهم لله ما يكرهون ~~النار # الوظيفة الثامنة أن يطلب لصدقته من تزكو به الصدقة ولا يكتفي بأن يكون من ~~عموم الأصناف الثمانية فإن في عمومهم خصوص صفات فليراع خصوص تلك الصفات وهي ~~ستة # الأولى أن يطلب الأتقياء المعرضين عن الدينا المتجردين لتجارة الآخرة قال ~~صلى الله عليه وسلم لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي (1) وهذا ~~لأن التقي يستعين به على التقوى فتكون شريكا في طاعته ms0360 بإعانتك إياه وقال ~~صلى الله عليه وسلم أطعموا طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين (2) ~~وفي لفظ آخر أضف بطعامك من تحبه في الله تعالى (3) وكان بعض العلماء يؤثر ~~بالطعام فقراء الصوفية دون غيرهم فقيل له لو عممت بمعروفك جميع الفقراء ~~لكان أفضل فقال لا هؤلاء قوم همهم لله سبحانه فإذا طرقتهما فاقة تشتت هم ~~أحدهم فلأن أرد همة واحد إلى الله عز وجل أحب إلي من أن أعطي ألفا ممن همته ~~الدنيا فذكر هذا الكلام للجنيد فاستحسنه وقال هذا ولي من أولياء الله تعالى ~~وقال ما سمعت منذ زمان كلاما أحسن من هذا ثم حكى أن هذا الرجل اختل حاله ~~وهم بترك الحانوت فبعث إليه الجنيد مالا وقال اجعله بضاعتك ولا تترك ~~الحانوت فإن التجارة لا تضر مثلك وكان هذا الرجل بقالا لا يأخذ من الفقراء ~~ثمن ما يبتاعون منه # الصفة الثانية أن يكون من أهل العلم خاصة فإن ذلك إعانة له على العلم ~~والعلم أشرف العبادات مهما صحت فيه النية # وكان ابن المبارك يخصص بمعروفه أهل العلم فقيل له لو عممت فقال إني لا ~~أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء فإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجته لم ~~يتفرغ للعلم ولم يقبل على التعلم فتفريغهم للعلم أفضل # الصفة الثالثة أن يكون صادقا في تقواه وعلمه بالتوحيد # وتوحيده أنه إذا أخذ العطاء حمد الله عز وجل وشكره ورأى أن النعمة منه ~~ولم ينظر إلى واسطة فهذا هو أشكر العباد لله سبحانه وهو أن يرى أن النعمة ~~كلها منه # وفي وصية لقمان لابنه لا تجعل بينك وبين الله منعما واعدد نعمة غيره عليك ~~مغرما # ومن شكر غير الله سبحانه فكأنه لم يعرف المنعم ولم يتيقن أن الواسطة ~~مقهور مسخر بتسخير الله عز وجل إذ سلط الله تعالى عليه دواعي الفعل ويسر له ~~الأسباب فأعطى وهو مقهور ولو أراد تركه لم يقدر عليه بعد أن ألقى الله عز ~~وجل في قلبه أن صلاح دينه ودنياه في فعله # فمهما قوي الباعث أوجب ذلك جزم ms0361 الإرادة وانتهاض القدرة ولم يستطع العبد ~~مخالفة الباعث القوي الذي لا تردد فيه والله عز وجل خالق للبواعث ومهيجها ~~ومزيل للضعف والتردد عنها ومسخر القدرة للانتهاض بمقتضى البواعث فمن تيقن ~~هذا لم يكن له نظر إلا إلى مسبب الأسباب وتيقن مثل هذا العبد أنفع للمعطي ~~من ثناء غيره وشكره فذلك حركة لسان يقل في الأكثر جدواه وإعانة مثل هذا ~~العبد الموحد لا تضيع وأما الذي يمدح بالعطاء ويدعو بالخير فسيذم بالمنع ~~ويدعو بالشر عند الإيذاء وأحواله متفاوتة # وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم بعث معروفا إلى بعض الفقراء وقال للرسول ~~احفظ ما يقول فلما أخذ قال الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره ولا يضيع من ~~شكره ثم قال اللهم إنك لم تنس فلانا يعني نفسه فاجعل فلانا لا ينساك يعني ~~بفلان نفسه فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك PageV01P219 # فسر وقال صلى الله عليه وسلم علمت أنه يقول ذلك (1) فانظر كيف قصر ~~التفاته على الله وحده وقال صلى الله عليه وسلم لرجل تب فقال أتوب إلى الله ~~وحده ولا أتوب إلى محمد فقال صلى الله عليه وسلم عرف الحق لأهله (2) ولما ~~نزلت براءة عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك قال أبو بكر رضي الله عنه ~~قومي فقبلي رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت والله لا أفعل ولا أحمد ~~إلا الله فقال صلى الله عليه وسلم دعها يا أبا بكر (3) وفي لفظ آخر أنها ~~رضي الله عنها قالت لأبي بكر رضي الله عنه بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد ~~صاحبك فلم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها ذلك مع أن الوحي وصل ~~إليها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم # ورؤية الأشياء من غير الله سبحانه وصف الكافرين قال الله تعالى {وإذا ذكر ~~الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا ~~هم يستبشرون} ومن لم يصف باطنه عن رؤية الوسائط إلا من حيث أنهم وسائط ~~فكأنه ms0362 لم ينفك عن الشرك الخفي سره # فليتق الله سبحانه في تصفية توحيده عن كدورات الشرك وشوائبه # الصفة الرابعة أن يكون مستترا مخفيا حاجته لا يكثر البث والشكوى أو يكون ~~من أهل المروءة ممن ذهبت نعمته وبقيت عادته فهو يتعيش في جلباب التجمل قال ~~الله تعالى {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون ~~الناس إلحافا} أي لا يلحون في السؤال لأنهم أغنياء بيقينهم أعزة بصبرهم ~~وهذا ينبغي أن يطلب بالتفحص عن أهل الدين في كل محلة ويستكشف عن بواطن أحول ~~أهل الخير والتجمل فثواب صرف المعروف إليهم أضعاف ما يصرف إلى المجاهرين ~~بالسؤال # الصفة الخامسة أن يكون معيلا أو محبوسا بمرض أو بسبب من الأسباب فيوجد ~~فيه معنى قوله عز وجل {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} أي حبسوا في ~~طريق الآخرة بعيلة أو ضيق معيشة أو إصلاح قلب {لا يستطيعون ضربا في الأرض} ~~لأنهم مقصوصوا الجناح مقيدوا الأطراف # فبهذه الأسباب كان عمر رضي الله عنه يعطي أهل البيت القطيع من الغنم ~~العشرة فما فوقها وكان صلى الله عليه وسلم يعطي العطاء على مقدار العيلة ~~(4) وسأل عمر رضي الله عنه عن جهد البلاء فقال كثرة العيال وقلة المال # الصفة السادسة أن يكون من الأقارب وذوي الأرحام فتكون صدقة وصلة رحم وفي ~~صلة الرحم من الثواب ما لا يحصى قال علي رضي الله عنه لأن أصل أخا من ~~إخواني بدرهم أحب إلي من أن أتصدق بعشرين درهما ولأن أصله بعشرين درهما أحب ~~إلي من أن أتصدق بمائة درهم ولأن أصله بمائة درهم أحب إلي من أن أعتق رقبة # والأصدقاء وإخوان الخير أيضا PageV01P220 # يقدمون على المعارف كما يتقدم الأقارب على الأجانب فليراع هذه الدقائق ~~فهذه هي الصفات المطلوبة وفي كل صفة درجات فينبغي أن يطلب أعلاها فإن وجد ~~من جمع جملة من هذه الصفات فهي الذخيرة الكبرى والغنيمة العظمى # ومهما اجتهد في ذلك وأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد فإن أحد أجريه ~~في الحال تطهيره نفسه عن صفة البخل ms0363 وتأكيد حب الله عز وجل في قلبه واجتهاده ~~في طاعته وهذه الصفات هي التي تقوي في قلبه فتشوقه إلى لقاء الله عز وجل ~~والأجر الثاني ما يعود إليه من فائدة دعوة الآخذ وهمته فإن قلوب الأبرار ~~لها آثار في الحال والمآل فإن أصاب حصل الأجران وإن أخطأ حصل الأول دون ~~الثاني فبهذا يضاعف أجر المصيب في الاجتهاد ههنا وفي سائر المواضع والله ~~أعلم ### ||| الفصل الثالث في القابض وأسباب استحقاقه ووظائف قبضه ### |||| بيان أسباب الاستحقاق # اعلم أنه لا يستحق الزكاة إلا حر مسلم ليس بهاشمي ولا مطلبي اتصف بصفة من ~~صفات الأصناف الثمانية المذكورين في كتاب الله عز وجل # ولا تصرف زكاة إلى كافر ولا إلى عبد ولا إلى هاشمي ولا إلى مطلبي # أما الصبي والمجنون فيجوز الصرف إليهما إذا قبض وليهما فلنذكر صفات ~~الأصناف الثمانية # الصنف الأول الفقراء والفقير هو الذي ليس له مال ولا قدرة له على الكسب ~~فإن كان معه قوت يومه وكسوة حاله فليس بفقير ولكنه مسكين وإن كان معه نصف ~~قوت يومه فهو فقير وإن كان معه قميص وليس معه منديل ولا خف ولا سراويل ولم ~~تكن قيمة القميص بحيث تفي بجميع ذلك كما يليق بالفقراء فهو فقير لأنه في ~~الحال قد عدم ما هو محتاج إليه وما هو عاجز عنه فلا ينبغي أن يشترط في ~~الفقير أن لا يكون له كسوة سوى ساتر العورة فإن هذا غلو والغالب أنه لا ~~يوجد مثله ولا يخرجه عن الفقر كونه معتادا للسؤال فلا يجعل السؤال كسبا ~~بخلاف ما لو قدر على كسب فإن ذلك يخرجه عن الفقر فإن قدر على الكسب بآلة ~~فهو فقير ويجوز أن يشتري له آلة وإن قدر على كسب لا يليق بمروءة وبحال مثله ~~فهو فقير وإن كان متفقها ويمنعه الاشتغال بالكسب عن التفقه فهو فقير ولا ~~تعتبر قدرته وإن كان متعبدا يمنعه الكسب من وظائف العبادات وأوراد الأوقات ~~فليكتسب لأن الكسب أولى من ذلك قال صلى الله عليه وسلم طلب الحلال فريضة ~~بعد ms0364 الفريضة (1) وأراد به السعي في الاكتساب وقال عمر رضي الله عنه كسب في ~~شبهة خير من مسألة وإن كان مكتفيا بنفقة أبيه أو من تجب عليه نفقته فهذا ~~أهون من الكسب فليس بفقير # الصنف الثاني المساكين والمسكين هو الذي لا يفي دخله بخرجه فقد يملك ألف ~~درهم وهو مسكين وقد لا يملك إلا فأسا وحبلا وهو غني والدويرة التي يسكنها ~~والثوب الذي يستره على قدر حاله لا يسلبه اسم المسكين وكذا أثاث البيت أعني ~~ما يحتاج إليه وذلك ما يليق به وكذا كتب الفقه لا تخرجه عن المسكنة وإذا لم ~~يملك إلا الكتب فلا تلزمه صدقة الفطر # وحكم الكتاب حكم الثوب وأثاث البيت فإنه محتاج إليه ولكن ينبغي أن يحتاط ~~في قطع الحاجة بالكتاب فالكتاب محتاج إليه لثلاثة أغراض التعليم والاستفادة ~~والتفرج بالمطالعة # أما حاجة التفرج فلا تعتبر كاقتناء كتب الأشعار وتواريخ الأخبار وأمثال ~~ذلك مما لا ينفع في الآخرة ولا يجري في الدنيا إلا مجرى التفرج والاستئناس ~~فهذا يباع في الكفارة وزكاة الفطر وتمنع اسم المسكنة # وأما حاجة التعليم إن كان لأجل الكسب كالمؤدب والمعلم والمدرس بأجره فهذه ~~آلته فلا تباع في الفطرة كأدوات الخياط وسائر المحترفين وإن كان يدرس ~~للقيام بفرض PageV01P221 # الكفاية فلا تباع ولا يسلبه ذلك اسم المسكين لأنها حاجة مهمة # وأما حاجة الاستفادة والتعلم من الكتاب كادخاره كتب طب ليعالج بها نفسه ~~أو كتاب وعظ ليطالع فيه ويتعظ به فإن كان في البلد طبيب وواعظ فهذا مستغنى ~~عنه وإن لم يكن فهو محتاج إليه ثم ربما لا يحتاج إلى مطالعة الكتاب إلا بعد ~~مدة فينبغي أن يضبط مدة الحاجة والأقرب أن يقال ما لا يحتاج إليه في السنة ~~فهو مستغنى عنه فإن من فضل من قوت يومه شيء لزمته الفطرة فإذا قدرنا القوت ~~باليوم فحاجة أثاث البيت وثياب البدن ينبغي أن تقدر بالسنة فلا تباع ثياب ~~الصيف في الشتاء والكتب بالثياب والأثاث أشبه وقد يكون له من كتاب نسختان ~~فلا حاجة إلى إحداهما # فإن قال إحداهما ms0365 أصح والأخرى أحسن فأنا محتاج إليهما قلنا اكتف بالأصح ~~وبع الأحسن ودع التفرج والترفه وإن كان نسختان من علم واحد إحداهما بسيطة ~~والأخرى وجيزة فإن كان مقصوده الاستفادة فليكتف بالبسيطة وإن كان قصده ~~التدريس فيحتاج إليهما إذ في كل واحدة فائدة ليست في الأخرى # وأمثال هذه الصور لا تنحصر ولم يتعرض له في فن الفقه وإنما أوردناه لعموم ~~البلوى والتنبيه بحسن هذا النظر على غيره فإن استقصاء هذه الصور غير ممكن ~~إذ يتعدى مثل هذا النظر في أثاث البيت في مقدارها وعددها ونوعها وفي ثياب ~~البدن وفي الدار وسعتها وضيقها وليس لهذه الأمور حدود محدودة ولكن الفقيه ~~يجتهد فيها برأيه ويقرب في التحديدات بما يراه ويقتحم فيه خطر الشبهات # والمتورع يأخذ فيه بالأحوط ويدع ما يريبه إلى ما لا يريبه والدرجات ~~المتوسطة المشكلة بين الأطراف المتقابلة الجلية كثيرة ولا ينجي منها إلا ~~الاحتياط والله أعلم # الصنف الثالث العاملون وهم السعاة الذين يجمعون الزكوات سوى الخليفة ~~والقاضي ويدخل فيه العريف والكاتب والمستوفى والحافظ والنقال ولا يزاد واحد ~~منهم على أجرة المثل فإن فضل شيء من الثمن عن أجر مثلهم رد على بقية ~~الأصناف وإن نقص كمل من مال المصالح # الصنف الرابع المؤلفة قلوبهم على الإسلام وهم الأشراف الذين أسلموا وهم ~~مطاعون في قومهم وفي إعطائهم تقريرهم على الإسلام وترغيب نظائرهم وأتباعهم # الصنف الخامس المكاتبون فيدفع إلى السيد سهم المكاتب وإن دفع إلى المكاتب ~~جاز ولا يدفع السيد زكاته إلى مكاتب نفسه لأنه يعد عبدا له # الصنف السادس الغارمون والغارم هو الذي استقرض في طاعة أو مباح وهو فقير ~~فإن استقرض في معصية فلا يعطى إلا إذا تاب وإن كان غنيا لم يقض دينه إلا ~~إذا كان قد استقرض لمصلحة أو إطفاء فتنة # الصنف السابع الغزاة الذين ليس لهم مرسوم في ديوان المرتزقة فيصرف إليهم ~~سهم وإن كانوا أغنياء إعانة لهم على الغزو # الصنف الثامن ابن السبيل وهو الذي شخص من بلده ليسافر في غير معصية أو ~~اجتاز بها فيعطى إن كان ms0366 فقيرا وإن كان له مال ببلد آخر أعطي بقدر بلغته # فإن قلت فبم تعرف هذه الصفات قلنا أما الفقر والمسكنة فبقول الآخذ ولا ~~يطالب ببينة ولا يحلف بل يجوز اعتماد قوله إذا لم يعلم كذبه # وأما الغزو والسفر فهو أمر مستقبل فيعطى بقوله إني غاز فإن لم يف به ~~استرد وأما بقية الأصناف فلا بد فيها من البينة فهذه شروط الاستحقاق وأما ~~مقدار ما يصرف إلى كل واحد فسيأتي ### |||| بيان وظائف القابض وهي خمسة # الأولى أن يعلم إن الله عز وجل أوجب صرف الزكاة إليه ليكفي همه ويجعل ~~همومه هما واحدا فقد تعبد الله عز وجل الخلق بأن يكون همهم واحدا وهو الله ~~سبحانه واليوم الآخر وهو المعني بقوله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون} ولكن لما اقتضت الحكمة أن يسلط على العبد الشهوات والحاجات وهي ~~تفرق همه PageV01P222 # اقتضى الكرم إفاضة نعمة تكفي الحاجات فأكثر الأموال وصبها في أيدي عباده ~~لتكون آلة لهم في دفع حاجاتهم ووسيلة لتفرغهم لطاعاتهم فمنهم من أكثر ماله ~~فتنة وبلية فأقحمه في الخطر ومنهم من أحبه فحماه عن الدنيا كما يحمي المشفق ~~مريضه فزوى عنه فضولها وساق إليه قدر حاجته على يد الأغنياء ليكون سهل ~~الكسب والتعب في الجمع والحفظ عليهم وفائدته تنصب إلى الفقراء فيتجردون ~~لعبادة الله والاستعداد لما بعد الموت فلا تصرفهم عنها فضول الدنيا ولا ~~تشغلهم عن التأهب الفاقة وهذا منتهى النعمة فحق الفقير أن يعرف قدر نعمة ~~الفقر ويتحقق أن فضل الله عليه فيما زواه عنه أكثر من فضله فيما أعطاه كما ~~سيأتي في كتاب الفقر تحقيقه وبيانه إن شاء الله تعالى فليأخذ ما يأخذه من ~~الله سبحانه رزقا له وعونا له على الطاعة ولتكن نيته فيه أن يتقوى به على ~~طاعة الله فإن لم يقدر عليه فليصرفه إلى ما أباحه الله عز وجل فإن استعان ~~به على معصية الله كان كافرا لأنعم الله عز وجل مستحقا للبعد والمقت من ~~الله سبحانه # الثانية أن يشكر المعطي ويدعو له ويثني عليه ms0367 ويكون شكره ودعاؤه بحيث لا ~~يخرجه عن كونه واسطة ولكنه طريق وصول نعمة الله سبحانه إليه وللطريق حق من ~~حيث جعله الله طريقا وواسطة وذلك لا ينافي رؤية النعمة من الله سبحانه فقد ~~قال صلى الله عليه وسلم من لم يشكر الناس لم يشكر الله (1) وقد أثنى الله ~~عز وجل على عباده في مواضع على أعمالهم وهو خالقها وفاطر القدرة عليها نحو ~~قوله تعالى {نعم العبد إنه أواب} إلى غير ذلك # وليقل القابض في دعائه طهر الله قلبك في قلوب الأبرار وزكى عملك في عمل ~~الأخيار وصلى على روحك في أرواح الشهداء وقد قال صلى الله عليه وسلم من ~~أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد ~~كافأتموه (2) ومن تمام الشكر أن يستر عيوب العطاء إن كان فيه عيب ولا يحقره ~~ولا يذمه ولا يعيره بالمنع إذا منع ويفخم عند نفسه وعند الناس صنيعه # فوظيفة المعطي الاستصغار ووظيفة القابض تقلد المنة والاستعظام وعلى كل ~~عبد القيام بحقه وذلك لا تناقض فيه إذ موجبات التصغير والتعظيم تتعارض # والنافع للمعطي ملاحظة أسباب التصغير ويضره خلافه والآخذ بالعكس منه وكل ~~ذلك لا يناقض رؤية النعمة من الله عز وجل فإن من لا يرى الواسطة واسطة فقد ~~جهل وإنما المنكر أن يرى الواسطة أصلا # الثالثة أن ينظر فيما يأخذه فإن لم يكن من حل تورع عنه {ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} ولن يعدم المتورع عن الحرام فتوحا ~~من الحلال فلا يأخذ من أموال الأتراك والجنود وعمال السلاطين ومن أكثر كسبه ~~من الحرام إلا إذا ضاق الأمر عليه وكان ما يسلم إليه لا يعرف له مالكا ~~معينا فله أن يأخذ بقدر الحاجة فإن فتوى الشرع في مثل هذا أن يتصدق به على ~~ما سيأتي بيانه في كتاب الحلال والحرام وذلك إذا عجز عن الحلال فإذا أخذ لم ~~يكن أخذه أخذ زكاة إذ لا يقع زكاة عن مؤديه وهو حرام # الرابعة أن يتوقى مواقع الريبة ms0368 والاشتباه في مقدار ما يأخذه فلا يأخذ إلا ~~المقدار المباح ولا يأخذ إلا إذا تحقق أنه موصوف بصفة الاستحققا فإن كان ~~يأخذه بالكتابة والغرامة فلا يزيد على مقدار الدين وإن كان يأخذ بالعمل فلا ~~يزيد على أجرة المثل وإن أعطى زيادة أبى وامتنع إذ ليس المال للمعطي حتى ~~يتبرع به وإن كان مسافرا لم يزد على الزاد وكراء الدابة إلى مقصده وإن كان ~~غازيا لم يأخذ إلا ما يحتاج إليه للغزو خاصة من خيل وسلاح ونفقة # وتقدير ذلك بالاجتهاد وليس له حد وكذا زاد السفر والورع ترك ما يريبه إلى ~~ما لا يريبه # وإن أخذ بالمسكنة فلينظر أولاالى أثاث بيته وثيابه PageV01P223 # وكتبه هل فيها ما يستغنى عنه بعينه أو يستغنى عن نفاسته فيمكن أن يبدل ~~بما يكفي ويفضل بعض قيمته وكل ذلك إلى اجتهاده وفيه طرف ظاهر يتحقق معه أنه ~~مستحق وطرف آخر مقابل يتحقق معه أنه غير مستحق وبينهما أوساط مشتبهة ومن ~~حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه والاعتماد في هذا على قول الآخذ ظاهرا ~~وللمحتاج في تقدير الحاجات مقامات في التضييق والتوسيع ولا تحصر مراتبه ~~وميل الورع إلى التضييق وميل المتساهل إلى التوسيع حتى يرى نفسه محتاجا إلى ~~فنون من التوسع وهو ممقوت في الشرع # ثم إذا تحققت حاجته فلا يأخذن مالا كثيرا بل ما يتمم كفايته من وقت أخذه ~~إلى سنة # فهذا أقصى ما يرخص فيه من حيث أن السنة إذا تكررت تكررت أسباب الدخل ومن ~~حيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ادخر لعياله قوت سنة (1) فهذا أقرب ما ~~يحد به حد الفقير والمسكين ولو اقتصر على حاجة شهره أو حاجة يومه فهو أقرب ~~للتقوى # ومذاهب العلماء في قدر المأخوذ بحكم الزكاة والصدقة مختلفة فمن مبالغ في ~~التقليل إلى حد أوجب الاقتصار على قدر قوت يومه وليلته وتمسكوا بما روى سهل ~~بن الحنظلية أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن السؤال مع الغنى فسئل عن غناه ~~فقال صلى الله عليه وسلم غداؤه وعشاؤه (2) وقال ms0369 آخرون يأخذ إلى حد الغنى # حد الغنى نصاب الزكاة إذ لم يوجب الله تعالى الزكاة إلا على الأغنياء ~~فقالوا له أن يأخذ بنفسه ولكل واحد من عياله نصاب زكاة وقال آخرون حد الغنى ~~خمسون درهما أو قيمتها من الذهب لما روى ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال من سال وله مال يغنيه جاء يوم القيامة وفي وجهه خموش فسئل وما غناه قال ~~خمسون درهما أو قيمتها من الذهب (3) وقيل راويه ليس بقوي وقال قوم أربعون ~~لما رواه عطاء بن يسار منقطعا أنه صلى الله عليه وسلم قال من سال وله أوقية ~~فقد ألحف في السؤال (4) وبالغ آخرون في التوسيع فقالوا له أن يأخذ مقدار ما ~~يشتري به ضيعة فيستغني به طول عمره أو يهيىء بضاعة ليتجر بها ويستغني بها ~~طول عمره لأن هذا هو الغنى وقد قال عمر رضي الله عنه إذا أعطيتم فأغنوا حتى ~~ذهب قوم إلى أن من افتقر فله أن يأخذ بقدر ما يعود به إلى مثل حاله ولو ~~عشرة آلاف درهم إلا إذا خرج عن حد الاعتدال # ولما شغل أبو طلحة ببستانه عن الصلاة قال جعلته صدقة # فقال صلى الله عليه وسلم اجعله في قرابتك فهو خير لك (5) فأعطاه حسان ~~وأبا قتادة # فحائط من نخل لرجلين كثير مغن وأعطى عمر رضي الله عنه أعرابيا ناقة معها ~~ظئر لها فهذا ما حكي فيه فأما التقليل إلى قوت اليوم أو الأوقية فذلك ورد ~~في كراهية السؤال والتردد على الأبواب وذلك مستنكر وله حكم آخر بل التجويز ~~إلى أن يشتري ضيعة فيستغني بها أقرب إلى الاحتمال وهو أيضا مائل إلى ~~الإسراف # والأقرب إلى الاعتدال كفاية سنة فما وراءه فيه خطر وفيما دونه تضييق # وهذه الأمور إذا لم يكن فيها تقدير جزم بالتوقيف فليس للمجتهد إلا الحكم ~~بما يقع # له ثم يقال للورع استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك (6) كما قاله صلى الله ~~عليه وسلم إذ الإثم حزاز القلوب فإذا وجد القابض في نفسه شيئا مما يأخذه ~~فليتق الله ms0370 فيه ولا يترخص تعللا بالفتوى من PageV01P224 # علماء الظاهر فإن لفتواهم قيودا ومطلقات من الضرورات وفيها تخمينات ~~واقتحام شبهات # والتوقي من الشبهات من شيم ذوي الدين وعادات السالكين لطريق الآخرة # الخامسة أن يسأل صاحب المال عن قدر الواجب عليه فإن كان ما يعطيه فوق ~~الثمن فلا يأخذه منه فإنه لا يستحق مع شريكه إلا الثمن فلينقص من الثمن ~~مقدار ما يصرف إلى اثنين من صنفه وهذا السؤال واجب على أكثر الخلق فإنهم لا ~~يراعون هذه القسمة إما لجهل وإما لتساهل وإنما يجوز ترك السؤل عن مثل هذه ~~الأمور إذا لم يغلب على الظن احتمال التحريم وسيأتي ذكر مظان السؤال ودرجة ~~الاحتمال في كتاب الحلال والحرام إن شاء الله تعالى ### ||| الفصل الرابع في صدقة التطوع وفضلها وآداب أخذها وإعطائها ### |||| بيان فضيلة الصدقة # من الأخبار قوله صلى الله عليه وسلم تصدقوا ولو بتمرة فإنها تسد من ~~الجائع وتطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار (1) وقال صلى الله عليه وسلم ~~اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة (2) وقال صلى الله عليه ~~وسلم ما من عبد مسلم يتصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا إلا ~~كان الله آخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فصيله حتى تبلغ التمرة مثل ~~أحد (3) وقال صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها ~~ثم انظر إلى أهل بيت من جيرانك فأصبهم منه بمعروف (4) وقال صلى الله عليه ~~وسلم ما أحسن عبد الصدقة إلا أحسن الله عز وجل الخلافة على تركته (5) وقال ~~صلى الله عليه وسلم كل امرىء في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس (6) وقال صلى ~~الله عليه وسلم الصدقة تسد سبعين بابا من الشر (7) وقال صلى الله عليه وسلم ~~صدقة السر تطفىء غضب الرب عز وجل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~الذي أعطى من سعة بأفضل أجرا من الذي يقبل من حاجة (8) ولعل المراد به الذي ~~يقصد من دفع حاجته التفرغ للدين فيكون مساويا للمعطي الذي يقصد بإعطائه ms0371 ~~عمارة دينه # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أفضل قال أن تصدق وأنت صحيح ~~تأمل البقاء وتخشى الفاقة ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ~~ولفلان كذا وقد كان لفلان (9) وقد قال صلى الله عليه وسلم يوما لأصحابه ~~تصدقوا فقال رجل إن عندي دينارا فقال أنفقه على نفسك فقال إن عندي آخر قال ~~أنفقه PageV01P225 # على زوجتك قال إن عندي آخر قال أنفقه على ولدك قال إن عندي آخر قال أنفقه ~~على خادمك قال إن عندي آخر قال صلى الله عليه وسلم أنت أبصربه (1) وقال صلى ~~الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لآل محمد إنما هي أوساخ الناس (2) وقال ردوا ~~مذمة السائل ولو بمثل رأس الطائر من الطعام (3) وقال صلى الله عليه وسلم لو ~~صدق السائل ما أفلح من رده (4) وقال عيسى عليه السلام # من رد سائلا خائبا من بيته لم تغش الملائكة ذلك البيت سبعة أيام وكان ~~نبينا صلى الله عليه وسلم لا يكل خصلتين إلى غيره كان يضع طهوره بالليل ~~ويخمره وكان يناول المسكين بيده (5) وقال صلى الله عليه وسلم ليس المسكين ~~الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما المسكين المتعفف اقرءوا ~~إن شئتم لا يسألون الناس إلحافا (6) وقال صلى الله عليه وسلم ما من مسلم ~~يكسو مسلما إلا كان في حفظ الله عز وجل ما دامت عليه منه رقعة (7) # الآثار قال عروة بن الزبير لقد تصدقت عائشة رضي الله عنها بخمسين ألفا ~~وإن درعها لمرقع وقال مجاهد في قول الله عز وجل ويطعمون الطعام على حبه ~~مسكينا ويتيما وأسيرا فقال وهم يشتهونه وكان عمر رضي الله عنه يقول اللهم ~~اجعل الفضل عند خيارنا لعلهم يعودون به على ذوي الحاجة منا وقال عمر عبد ~~العزيز الصلاة تبلغك نصف الطريق والصوم يبلغك باب الملك والصدقة تدخلك عليه ~~وقال ابن أبي الجعد إن الصدقة لتدفع سبعين بابا من السوء وفضل سرها على ~~علانيتها بسبعين ضعفا وإنها لتفك لحيى سبعين شيطانا # وقال ابن مسعود إن رجلا عبد ms0372 الله سبعين سنة ثم أصاب فاحشة فأحبط عمله ثم ~~مر بمسكين فتصدق عليه برغيف فغفر الله له ذنبه ورد عليه عمل السبعين سنة # وقال لقمان لابنه إذا أخطأت خطيئة فأعط الصدقة وقال يحيى بن معاذ ما أعرف ~~حبة تزن جبال الدنيا إلا الحبة من الصدقة # وقال عبد العزيز بن أبي رواد كان يقال ثلاثة من كنوز الجنة كتمان المرض ~~وكتمان الصدقة وكتمان المصائب # وروى مسندا وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن الأعمال تباهت فقالت ~~الصدقة أنا أفضلكن # وكان عبد الله بن عمر يتصدق بالسكر ويقول سمعت الله يقول لن تنالوا البر ~~حتى تنفقوا مما تحبون والله يعلم أني أحب السكر # وقال النخعي إذا كان الشيء لله عز وجل لا يسرني أن يكون فيه عيب # وقال عبيد بن عمير يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط وأعطش ما ~~كانووا قط وأعرى ما كانوا قط فمن أطعم لله عز وجل أشبعه الله ومن سقى لله ~~عز وجل سقاه الله ومن كسا لله عز وجل كساه الله وقال الحسن لو شاء الله ~~لجعلكم أغنياء لا فقير فيكم ولكنه ابتلى بعضكم ببعض # وقال الشعبي من لم ير نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته فقد ~~أبطل صدقته وضرب بها وجهه # وقال مالك لا نرى بأسا بشرب المؤمن من الماء الذي يتصدق به ويسقى في ~~المسجد لأنه إنما جعل للعطشان من كان ولم يرد به أهل الحاجة والمسكنة على ~~الخصوص ويقال إن الحسن مر به نخاس PageV01P226 # ومعه جارية فقال للنخاس أترضى في ثمنها الدرهم والدرهمين قال لا قال ~~فاذهب فإن الله عز وجل رضي في الحور العين بالفلس واللقمة ### |||| بيان إخفاء الصدقة وإظهارها # قد اختلف طريق طلاب الإخلاص في ذلك فمال قوم إلى أن الإخفاء أفضل ومال ~~قوم إلى أن الإظهار أفضل ونحن نشير إلى ما في كل واحد من المعاني والآفات ~~ثم نكشف الغطاء عن الحق فيه # أما الإخفاء ففيه خمسة معان # الأول أنه أبقى للستر على الآخذ فإن ms0373 أخذه ظاهرا هتك لستر المروءة وكشف عن ~~الحاجة وخروج عن هيئة التعفف والتصون المحبوب الذي يحسب الجاهل أهله أغنياء ~~من التعفف # الثاني أنه أسلم لقلوب الناس وألسنتهم فإنهم ربما يحسدون أو ينكرون عليه ~~أخذه ويظنون أنه أخذ مع الاستغناء أو ينسبونه إلى أخذ زيادة # والحسد وسوء الظن والغيبة من الذنوب الكبائر وصيانتهم عن هذه الجرائم ~~أولى # وقال أبو أيوب السختياني إني لأترك لبس الثوب الجديد خشية أن يحدث في ~~جيران حسدا # وقال بعض الزهاد ربما تركت استعمال الشيء لأجل إخواني يقولون من أين له ~~هذا وعن إبراهيم التيمي أنه رؤي عليه قميص جديد فقال بعض إخوانه من أين لك ~~هذا فقال كسانيه أخي خيثمة ولو علمت أن أهله علموا به ما قبلته # الثالث إعانة المعطي على إسرار العمل فإن فضل السر على الجهر في الإعطاء ~~أكثر والإعانة على إتمام المعروف معروف والكتمان لا يتم إلا باثنين فمهما ~~أظهر هذا انكشف أمر المعطي ودفع رجل إلى بعض العلماء شيئا ظاهرا فرده إليه ~~ودفع إليه آخر شيئا في السر فقبله فقيل له في ذلك فقال إن هذا عمل الأدب في ~~إخفاء معروفه فقبلته وذاك أساء أدبه في عمله فرددته عليه وأعطى رجل لبعض ~~الصوفية شيئا في الملأ فرده فقال له لم ترد على الله عز وجل ما أعطاك فقال ~~إنك أشركت غير الله سبحانه فيما كان لله تعالى ولم تقنع بالله عز وجل فرددت ~~عليك شركك # وقبل بعض العارفين في السر شيئا كان رده في العلانية فقيل له في ذلك فقال ~~عصيت الله بالجهر فلم أك عونا لك على المعصية وأطعته بالإخفاء فأعنتك على ~~برك # وقال الثوري لو علمت أن أحدكم لا يذكر صدقته ولا يتحدث بها لقبلت صدقته # الرابع أن في إظهار الأخذ ذلا وامتهانا وليس للمؤمن أن يذل نفسه # كان بعض العلماء يأخذ في السر ولا يأخذ في العلانية ويقول إن في إظهاره ~~إذلالا للعلم وامتهانا لأهله فما كنت بالذي أرفع شيئا من الدنيا بوضع العلم ~~وإذلال أهله # الخامس الاحتراز ms0374 عن شبهة الشركة قال صلى الله عليه وسلم من أهدي له هدية ~~وعنده قوم فهم شركاؤه فيها (1) وبأن يكون ورقا أو ذهبا لا يخرج عن كونه ~~هدية قال صلى الله عليه وسلم أفضل ما يهدي الرجل إلى أخيه ورقا أو يطعمه ~~خبزا (2) فجعل الورق هدية بانفراده فما يعطى في الملأ مكروه إلا برضا ~~جميعهم ولا يخلو عن شبهة فإذا انفرد سلم من هذه الشبهة # أما الإظهار والتحدث به ففيه معان أربعة # الأول الإخلاص والصدق والسلامة عن تلبيس الحال والمراءاة # والثاني إسقاط الجاه والمنزلة وإظهار العبودية والمسكنة والتبري عن ~~الكبرياء ودعوى الاستغناء وإسقاط النفس من أعين الخلق # قال بعض العارفين لتلميذه أظهر الأخذ على كل حال إن كنت آخذ فإنك لا تخلو ~~عن أحد رجلين PageV01P227 # رجل تسقط من قلبه إذا فعلت ذلك فذلك هو المراد لأنه أسلم لدينك وأقل ~~لآفات نفسك أو رجل تزداد في قلبه بإظهارك الصدق فذلك الذي يريده أخوك لأنه ~~يزداد ثوابا بزيادة حبه لك وتعظيمه إياك فتؤجر أنت إذ كنت سبب مزيد ثوابه # الثالث هو أن العارف لا نظر له إلا إلى الله عز وجل والسر والعلانية في ~~حقه واحد فاختلاف الحال شرك في التوحيد قال بعضهم كنا لا نعبأ بدعاء من ~~يأخذ في السر ويرد في العلانية # والالتفات إلى الخلق حضروا أم غابوا نقصان في الحال بل ينبغي أن يكون ~~النظر مقصور على الواحد الفرد # حكي أن بعض الشيوخ كان كثير الميل إلى واحد من جملة المريدين فشق على ~~الآخرين فأراد أن يظهر لهم فضيلة ذلك المريد فأعطى كل واحد منهم دجاجة وقال ~~لينفرد كل واحد منكم بها وليذبحها حيث لا يراه أحد فانفرد كل واحد وذبح إلا ~~ذلك المريد فإنه رد الدجاجة فسألهم فقالوا فعلنا ما أمرنا به الشيخ فقال ~~الشيخ للمريد ما لك لم تذبح كما ذبح أصحابك فقال ذلك المريد لم أقدر على ~~مكان لا يراني فيه أحد فإن الله يراني في كل موضع فقال الشيخ لهذا أميل ~~إليه لأنه لا يلتفت لغير ms0375 الله عز وجل # الرابع أن الإظهار إقامة لسنة الشكر وقد قال تعالى وأما بنعمة ربك فحدث ~~والكتمان كفران النعمة وقد ذم الله عز وجل من كتم ما أتاه الله عز وجل ~~وقرنه بالبخل فقال تعالى الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما ~~آتاهم الله من فضله وقال صلى الله عليه وسلم إذا أنعم الله علي عبد نعمة ~~أحب أن ترى نعمته عليه (1) وأعطى رجل بعض الصالحين شيئا في السر فرفع به ~~يده وقال هذا من الدنيا والعلانية فيها أفضل والسر في أمور الآخرة أفضل ~~ولذلك قال بعضهم إذا أعطيت في الملأ فخذ ثم اردد في السر والشكر فيه محثوث ~~عليه # قال صلى الله عليه وسلم من لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل (2) والشكر ~~قائم مقام المكافأة حتى قال صلى الله عليه وسلم من أسدى إليكم معروفا ~~فكافئوه فإن لم تستطيعوا فأثنوا عليه به خيرا وادعوا له حتى تعلموا أنكم قد ~~كافأتموه ولما قال المهاجرين في الشكر يا رسول الله ما رأينا خيرا من قوم ~~نزلنا عندهم قاسمونا الأموال حتى خفنا أن يذهبوا بالأجر كله فقال صلى الله ~~عليه وسلم كل ما شكرتم لهم وأثنيتم عليهم به فهو مكافأة (3) # فالآن إذا عرفت هذه المعاني فاعلم أن ما نقل من اختلاف الناس فيه ليس ~~اختلافا في المسئلة بل هو اختلاف حال فكشف الغطاء في هذا أنا لا نحكم حكما ~~بتا بأن الإخفاء أفضل في كل حال أو الإظهار أفضل بل يختلف ذلك باختلاف ~~النيات وتختلف النيات باختلاف الأحول والأشخاص فينبغي أن يكون المخلص ~~مراقبا لنفسه حتى لا يتدلى بحبل الغرور ولا ينخدع بتلبيس الطبع ومكر ~~الشيطان والمكر والخداع أغلب في معاني الإخفاء منه في الإظهار مع أن له ~~دخلا في كل واحد منهما # فأما مدخل الخداع في الإسرار فمن ميل الطبع إليه لما فيه من في خفض الجاه ~~والمنزلة وسقوط القدر عن أعين الناس ونظر الخلق إليه بعين الازدراء وإلى ~~المعطي بعين المنعم المحسن فهذا هو الداء الدفين ويستكن في ms0376 النفس وللشيطان ~~بواسطته يظهر معاني الخير حتى يتعلل بالمعاني الخمسة التي ذكرناها # ومعيار كل ذلك ومحكه أمر واحد وهو أن يكون تألمه بانكشاف أخذه الصدقة ~~كتألمه بانكشاف صدقة أخذها بعض نظرائه وأمثاله فإنه إن كان يبغي صيانة ~~الناس عن الغيبة والحسد وسوء الظن أو يتقي PageV01P228 # انتهاك الستر أو إعانة المعطي على الإسرار أو صيانة العلم عن الابتذال ~~فكل ذلك مما يحصل بانكشاف صدقة أخيه فإن كان انكشاف أمره أثقل عليه من ~~انكشاف أمر غيره فتقديره الحذر من هذه المعاني أغاليظ وأباطيل من مكر ~~الشيطان وخدعه فإن إذلال العلم محذور من حيث إنه علم لا من حيث إنه علم زيد ~~أو علم عمرو # والغيبة محذورة من حيث إنها تعرض لعرض مصون لا من حيث إنها تعرض لعرض زيد ~~على الخصوص ومن أحسن من ملاحظة مثل هذا ربما يعجز الشيطان عنه وإلا فلا ~~يزال كثير العمل قليل الحظ # وأما جانب الإظهار فميل الطبع إليه من حيث إنه تطييب لقلب المعطي ~~واستحثاث له على مثله وإظهاره عند غيره أنه من المبالغين في الشكر حتى ~~يرغبوا في إكرامه وتفقده وهذا داء دفين في الباطن والشيطان لا يقدر على ~~المتدين إلا بأن يروج عليه هذا الخبث في معرض السنة ويقول له الشكر من ~~السنة والإخفاء من الرياء ويورد عليه المعاني التي ذكرناها ليحمله على ~~الإظهار وقصده الباطن ما ذكرناه ومعيار ذلك ومحكه أن ينظر إلى ميل نفسه إلى ~~الشكر حيث لا ينتهي الخبر إلى المعطي ولا إلى من يرغب في عطائه وبين يدي ~~جماعة يكرهون إظهار العطية ويرغبون في إخفائها وعادتهم أنهم لا يعطون إلا ~~من يخفي ولا يشكر # فإن استوت هذه الأحوال عنده فليعلم أن باعثه هو إقامة السنة في الشكر ~~والتحدث بالنعمة وإلا فهو مغرور # ثم إذا علم أن باعثه السنة في الشكر فلا ينبغي أن يغفل عن قضاء حق المعطي ~~فينظر فإن كان هو ممن يحب الشكر والنشر فينبغي أن يخفى ولا يشكر لأن قضاء ~~حقه أن لا ينصره على الظلم وطلبه ms0377 الشكر ظلم # وإذا علم من حاله أنه لا يحب الشكر ولايقصده فعند ذلك يشكره ويظهر صدقته ~~ولذلك قال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي مدح بين يديه ضربتم عنقه لو سمعها ~~ما أفلح (1) مع أنه صلى الله عليه وسلم كان يثني على قوم في وجوههم لثقته ~~بيقينهم وعلمه بأن ذلك لا يضرهم بل يزيد في رغبتهم في الخير فقال لواحد إنه ~~سيد أهل الوبر (2) وقال صلى الله عليه وسلم في آخر إذا جاءكم كريم قوم ~~فأكرموه (3) وسمع كلام رجل فأعجبه فقال صلى الله عليه وسلم إن من البيان ~~لسحرا (4) وقال صلى الله عليه وسلم إذا علم أحدكم من أخيه خيرا فليخبره ~~فإنه يزداد رغبة في الخير (5) وقال صلى الله عليه وسلم إذا مدح المؤمن ربا ~~الإيمان في قلبه (6) وقال الثوري من عرف نفسه لم يضره مدح الناس وقال أيضا ~~ليوسف بن أسباط إذا أوليتك معروفا كنت أنا أسر به منك ورأيت ذلك نعمة من ~~الله عز وجل علي فاشكر وإلا فلا تشكر # ورقائق هذه المعاني ينبغي أن يلحظها من يراعي قلبه فإن أعمال الجوارح مع ~~إهمال هذه الدقائق ضحكة للشيطان وشماته له لكثرة التعب وقلة النفع ومثل هذا ~~العلم هو الذي يقال فيه إن تعلم مسألة واحدة منه أفضل من عبادة سنة إذ بهذا ~~العلم تحيا عبادة العمل وبالجهل به تموت عبادة العمل كله وتتعطل وعلى ~~الجملة فالأخذ في الملأ والرد في السر أحسن المسالك وأسلمها فلا ينبغي أن ~~يدفع بالتزويقات إلا أن تكمل المعرفة PageV01P229 # بحيث يستوي السر والعلانية وذلك هو الكبريت الأحمر الذي يتحدث به ولا يرى ~~نسأل الله الكريم حسن العون والتوفيق ### |||| بيان الأفضل من أخذ الصدقة أو الزكاة # كان إبراهيم الخواص والجنيد وجماعة يرون أن الأخذ من الصدقة أفضل فإن في ~~أخذ الزكاة مزاحمة للمساكين وتضييقا عليهم ولأنه ربما لا يكمل في أخذه صفة ~~الاستحقاق كما وصف في الكتاب العزيز وأما الصدقة فالأمر فيها أوسع وقال ~~قائلون بأخذ الزكاة دون الصدقة لأنها إعانة على الواجب ولو ترك ms0378 المساكين ~~كلهم أخذ الزكاة لأثموا ولأن الزكاة لامنه فيها وإنما هو حق واجب لله ~~سبحانه رزقا لعباده المحتاجين ولأنه أخذ بالحاجة والإنسان يعلم حاجة نفسه ~~قطعا وأخذ الصدقة أخذ بالدين فإن الغالب أن المتصدق يعطي من يعتقد فيه خيرا ~~ولأن مرافقة المساكين أدخل في الذل والمسكنة وأبعد من التكبر إذ قد يأخذ ~~الإنسان الصدقة في معرض الهدية فلا تتميز عنه وهذا تنصيص على ذل الآخذ ~~وحاجته # والقول الحق في هذا يختلف بأحوال الشخص وما يغلب عليه وما يحضره من النية ~~فإن كان في شبهة من اتصافه بصفة الاستحقاق فلا ينبغي أن يأخذ الزكاة فإذا ~~علم أنه مستحق قطعا إذا حصل عليه دين صرفه إلى خير وليس له وجه في قضائه ~~فهو مستحق قطعا فإذا خير هذا بين الزكاة وبين الصدقة فإذا كان صاحب الصدقة ~~لا يتصدق بذلك المال لو لم يأخذه هو فليأخذ الصدقة فإن الزكاة الواجبة ~~يصرفها صاحبها إلى مستحقها ففي ذلك تكثير للخير وتوسيع على المساكين # وإن كان المال معرضا للصدقة ولم يكن في أخذ الزكاة تضييق على المساكين ~~فهو مخير والأمر فيهما يتفاوت وأخذ الزكاة أشد في كسر النفس وإذلالها في ~~أغلب الأحوال والله أعلم # كمل كتاب أسرار الزكاة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه ويتلوه إن شاء الله ~~تعالى ### || كتاب أسرار الصوم # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى جميع الأنبياء ~~والمرسلين وعلى الملائكة والمقربين من أهل السموات والأرضين وعلى آله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين والحمد لله وحده وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل # كتاب أسرار الصوم # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أعظم على عباده المنة بما دفع ~~عنهم كيد الشيطان وفنه ورد أمله وخيب ظنه إذ جعل الصوم حصنا لأوليائه وجنة ~~وفتح لهم به أبواب الجنة وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهوات ~~المستكنة وإن بقمعها تصبح النفس المطمئنة ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية ~~المنة والصلاة على محمد قائد الخلق وممهد السنة وعلى آله وأصحابه ذوي ~~الأبصار الثاقبة ms0379 والعقول المرجحة وسلم تسليما كثيرا # أما بعد فإن الصوم ربع الإيمان بمقتضى قوله صلى الله عليه وسلم الصوم نصف ~~الصبر (1) وبمقتضى قوله صلى الله عليه وسلم الصبر نصف PageV01P230 # {الإيمان} (1) ثم هو متميز بخاصية النسبة إلى الله تعالى من بين سائر ~~الأركان إذ قال الله تعالى فيما حكاه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم كل حسنة ~~بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به (2) وقد قال ~~الله تعالى {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} والصوم نصف الصبر فقد ~~جاوز ثوابه قانون التقدير والحساب وناهيك في معرفة فضله قوله صلى الله عليه ~~وسلم والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يقول ~~الله عز وجل إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه لأجلي فالصوم لي وأنا أجزي به ~~(3) وقال صلى الله عليه وسلم للجنة باب يقال له الريال لا يدخله إلا ~~الصائمون وهو موعود بلقاء الله تعالى في جزء صومه (4) وقال صلى الله عليه ~~وسلم للصائم فرحتان فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه (5) وقال صلى الله ~~عليه وسلم لكل شيء باب وباب العبادة الصوم (6) وقال صلى الله عليه وسلم نوم ~~الصائم عبادة (7) وروي أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ~~ونادى مناد يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر (8) وقال وكيع في قوله ~~تعالى {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} هي أيام الصيام ~~إذ تركوا فيها الأكل والشرب وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رتبة ~~المباهاة بين الزهد في الدنيا وبين الصوم فقال إن الله تعالى يباهي ملائكته ~~بالشاب العابد فيقول أيها الشاب التارك شهوته لأجلي المبذل شبابه لي أنت ~~عندي كبعض ملائكتي (9) وقال صلى الله عليه وسلم في الصائم يقول الله عز وجل ~~انظروا يا ملائكتي إلى عبدي ترك شهوته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي (10) ~~وقيل في قوله تعالى {فلا تعلم نفس ms0380 ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا ~~يعملون} قيل كان عملهم الصيام لأنه قال {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب} فيفرغ للصائم جزاؤه إفراغا ويجازف جزافا فلا يدخل تحت وهم وتقدير ~~وجدير بأن يكون كذلك لأن الصوم إنما كان له ومشرفا بالنسبة إليه وإن كانت ~~العبادات كلها له كما شرف البيت بالنسبة إلى نفسه والأرض كلها له لمعنيين # أحدهما أن الصوم كف وترك وهو في نفسه سر ليس فيه عمل يشاهد # وجميع أعمال الطاعات بمشهد من الخلق ومرأى والصوم لا يراه إلا الله عز ~~وجل فإنه عمل في الباطن بالصبر المجرد # والثاني أنه قهر لعدو الله عز وجل فإن وسيلة الشيطان لعنة الله الشهوات ~~وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب ولذلك قال صلى الله عليه وسلم {إن ~~الشيطان} PageV01P231 # ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع (1) ولذلك قال صلى الله ~~عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها داومي قرع باب الجنة قالت بماذا قال صلى ~~الله عليه وسلم بالجوع (2) وسيأتي فضل الجوع في كتاب شره الطعام وعلاجه من ~~ربع المهلكات فلما كان الصوم على الخصوص قمعا للشيطان وسدا لمسالكه وتضييقا ~~لمجاريه استحق التخصيص بالنسبة إلى الله عز وجل ففي قمع عدو الله نصرة لله ~~سبحانه وناصر الله تعالى موقوف على النصرة له قال الله تعالى {إن تنصروا ~~الله ينصركم ويثبت أقدامكم} فالبداية بالجهد من العبد والجزاء بالهداية من ~~الله عز وجل ولذلك قال تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} وقال ~~تعالى {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وإنما التغير تكثير ~~الشهوات فهي مرتع الشياطين ومرعاهم فما دامت مخصبة لم ينقطع ترددهم وما ~~داموا يترددون لم ينكشف للعبد جلال الله سبحانه وكان محجوبا عن لقائه # وقال صلى الله عليه وسلم لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم ~~لنظروا إلى ملكوت السموات (3) فمن هذا الوجه صار الصوم باب العبادة وصار ~~جنة وإذا عظمت فضيلته إلى هذا الحد فلا بد من بيان شروطه الظاهرة والباطنة ~~بذكر أركانه ms0381 وسننه وشروطه الباطنة ونبين ذلك بثلاثة فصول ### ||| الفصل الأول في الواجبات والسنن الظاهرة واللوازم بإفساده ### |||| أما الواجبات الظاهرة فستة # الأول مراقبة أول شهر رمضان وذلك برؤية الهلال فإن غم فاستكمال ثلاثين ~~يوما من شعبان # ونعني بالرؤية العلم ويحصل ذلك بقول عدل واحد ولا يثبت هلال شوال إلا ~~بقول عدلين احتياطا للعبادة # ومن سمع عدلا ووثق بقوله وغلب على ظنه صدقه لزمه الصوم وإن لم يقض القاضي ~~به فليتبع كل عبد في عبادته موجب ظنه وإذا رؤي الهلال ببلدة ولم ير بأخرى ~~وكان بينهما أقل من مرحلتين وجب الصوم على الكل وإن كان أكثر كان لكل بلدة ~~حكمها ولا يتعدى الوجوب # الثاني النية ولا بد لكل ليلة من نية مبيتة معينة جازمة فلو نوى أن يصوم ~~شهر رمضان دفعة واحدة لم يكفه وهو الذي عنينا بقولنا كل ليلة ولو نوى ~~بالنهار لم يجزه صوم رمضان ولا صوم الفرض إلا التطوع وهو الذي عنينا بقولنا ~~مبيتة ولو نوى الصوم مطلقا أو الفرض مطلقا لم يجزه حتى ينوي فريضة الله عز ~~وجل صوم رمضان ولو نوى ليلة الشك أن يصوم غدا إن كان من رمضان لم يجزه ~~فإنها ليست جازمة إلا أن تستند نيته إلى قول شاهد عدل واحتمال غلط العدل أو ~~كذبه لايبطل الجزم أو يستند إلى استصحاب حال كالشك في الليلة الأخيرة من ~~رمضان فذلك لا يمنع جزم النية أو يستند إلى اجتهاد كالمحبوس في المطمورة ~~إذا غلب على ظنه دخول رمضان باجتهاده فشكه لا يمنعه من النية # ومهما كان شاكا ليلة الشك لم ينفعه جزمه النية باللسان فإن النية محلها ~~القلب # ولا يتصور فيه جزم القصد مع الشك كما لو قال في وسط رمضان أصوم غدا إن ~~كان من رمضان فإن ذلك لايضره لأنه ترديد لفظ ومحل النية لا يتصور فيه تردد ~~بل هو قاطع بأنه من رمضان ومن نوى ليلا ثم أكل لم تفسد نيته ولو نوت امرأة ~~في الحيض ثم طهرت قبل الفجر صح صومها # الثالث الإمساك عن ms0382 إيصال شيء إلى الجوف عمدا مع ذكر الصوم فيفسد صومه ~~بالأكل والشرب والسعوط والحقنة # ولا يفسد بالفصد والحجامة PageV01P232 # والاكتحال وإدخال الميل في الأذن والإحليل إلا أن يقطر فيه ما يبلغ ~~المثانة وما يصل بغير قصد من غبار الطريق أو ذبابة تسبق إلى جوفه أو ما ~~يسبق إلى جوفه في المضمضة فلا يفطر إلا إذا بالغ في المضمضة فيفطر لأنه ~~مقصر وهو الذي أردنا بقولنا عمدا فأما ذكر الصوم فأردنا به الاحتراز عن ~~الناسي فإنه لايفطر # أما من أكل عامدا في طرفي النهار ثم ظهر له أنه أكل نهارا بالتحقيق فعليه ~~القضاء وإن بقي على حكم ظنه واجتهاده فلا قضاء عليه ولا ينبغي أن يأكل في ~~طرفي النهار إلا بنظر واجتهاد # الرابع الإمساك عن الجماع وحده مغيب الحشفة وإن جامع ناسيا لم يفطر وإن ~~جامع ليلا أو احتلم فأصبح جنبا لم يفطر وإن طلع الفجر وهو مخالط أهله فنزع ~~في الحال صح صومه فإن صبر فسد ولزمته الكفارة # الخامس الإمساك عن الاستمناء وهو إخراج المني قصدا بجماع أو بغير جماع ~~فإن ذلك يفطر ولا يفطر بقبلة زوجته ولا بمضاجعتها ما لم ينزل لكن يكره ذلك ~~إلا أن يكون شيخا أو مالكا لإربه فلا بأس بالتقبيل وتركه أولى # وإذا كان يخاف من التقبيل أن ينزل فقبل وسبق المني أفطر لتقصيره # السادس الإمساك عن إخراج القيء فالاستقاء يفسد الصوم وإن ذرعه القيء لم ~~يفسد صومه وإذا ابتلع نخامة من حلقه أو صدره لم يفسد صومه رخصة لعموم ~~البلوى به إلا أن يبتلعه بعد وصوله إلى فيه فإنه يفطر عند ذلك ### |||| وأما لوازم الإفطار فأربعة # القضاء والكفارة والفدية وإمساك بقية النهار تشبيها بالصائمين # أما القضاء فوجوبه عام على كل مسلم مكلف ترك الصوم بعذر أو بغير عذر ~~فالحائض تقضي الصوم وكذا المرتد وأما الكافر والصبي والمجنون فلا قضاء ~~عليهم ولا يشترط التتابع في قضاء رمضان ولكن يقضي كيف شاء متفرقا ومجموعا # وأما الكفارة فلا تجب إلا بالجماع وأما الاستمناء والأكل والشرب وما عدا ~~الجماع ms0383 لا يجب به كفارة فالكفارة عتق رقبة فإن أعسر فصوم شهرين متتابعين ~~وإن عجز فإطعام ستين مسكينا مدا مدا # وأما إمساك بقية النهار فيجب على من عصى بالفطر أو قصر فيه ولا يجب على ~~الحائض إذا طهرت إمساك بقية نهارها ولا على المسافر إذا قدم مفطرا من سفر ~~بلغ مرحلتين ويجب الإمساك إذا شهد بالهلال عدل واحد يوم الشك والصوم في ~~السفر أفضل من الفطر إلا إذا لم يطق ولا يفطر يوم يخرج وكان مقيما في أوله ~~ولا يوم يقدم إذا قدم صائما # وأما الفدية فتجب على الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على ولديهما لكل ~~يوم مد حنطة لمسكين واحد مع القضاء والشيخ الهرم إذا لم يصم تصدق عن كل يوم ~~مدا # وأما السنن فست تأخير السحور وتعجيل الفطر بالتمر أو الماء قبل الصلاة ~~وترك السواك بعد الزوال والجود في شهر رمضان لما سبق من فضائله في الزكاة ~~ومدارسة القرآن والاعتكاف في المسجد لا سيما في العشر الأخير فهو عادة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر طوى الفراش وشد المئزر ~~ودأب وأدأب أهله (1) أي أداموا النصب في العبادة إذ فيها ليلة القدر ~~والأغلب أنها في أوتارها وأشبه الأوتار ليلة إحدى وثلاث وخمس وسبع # والتتابع في هذا الاعتكاف أولى فإن نذر اعتكافا متتابعا أو نواه انقطع ~~تتابعه بالخروج من PageV01P233 # غير ضرورة كما لو خرج لعيادة أو شهادة أو جنازة أو زيارة أو تجديد طهارة ~~وإن خرج لقضاء الحاجة لم ينقطع وله أن يتوضأ في البيت ولا ينبغي أن يعرج ~~على شغل آخر كان صلى الله عليه وسلم لا يخرج إلا لحاجة الإنسان ولا يسأل عن ~~المريض إلا مارا (1) ويقطع التتابع بالجماع ولا ينقطع بالتقبيل ولا بأس في ~~المسجد بالطيب وعقد النكاح وبالأكل والنوم وغسل اليد في الطست فكل ذلك قد ~~يحتاج إليه في التتابع ولا ينقطع التتابع بخروج بعض بدنه كان صلى الله عليه ~~وسلم يدني رأسه فترجله عائشة رضي الله عنها وهي في الحجرة (2) ومهما ms0384 خرج ~~المعتكف لقضاء حاجته فإذا عاد ينبغي أن يستأنف النية إلا إذا كان قد نوى ~~أولا عشرة أيام مثلا والأفضل مع ذلك التجديد ### ||| الفصل الثاني في أسرار الصوم وشروطه الباطنة # اعلم أن الصوم ثلاث درجات صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص # وأما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق تفصيله # وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح ~~عن الآثام # وما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهضم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه ~~عما سوى الله عز وجل بالكلية ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى ~~الله عز وجل واليوم الآخر وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين فإن ذلك ~~من زاد الآخرة وليس من الدنيا حتى قال أرباب القلوب من تحركت همته بالتصرف ~~في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة فإن ذلك من قلة الوثوق بفضل ~~الله عز وجل وقلة اليقين برزقه الموعود وهذه رتبة الأنبياء والصديقين ~~والمقربين ولا يطول النظر في تفصيلها قولا ولكن في تحقيقها عملا فإنه إقبال ~~بكنه الهمة على الله عز وجل وانصراف عن غير الله سبحانه وتلبس بمعنى قوله ~~عز وجل قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون # وأما صوم الخصوص وهو صوم الصالحين فهو كف الجوارح عن الآثام وتمامه بستة ~~أمور # الأول غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره وإلى كل ما ~~يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله عز وجل قال صلى الله عليه وسلم النظرة سهم ~~مسموم من سهام إبليس لعنه الله فمن تركها خوفا من الله أتاه الله عز وجل ~~إيمانا يجد حلاوته في قلبه (3) وروى جابر عن أنس عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال خمس يفطرن الصائم الكذب والغيبة والنميمة واليمين ~~الكاذبة والنظر بشهوة (4) # الثاني حفظ اللسان عن الهذبان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء ~~والخصومة والمراء وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله سبحانه وتلاوة القرآن ~~فهذا صوم اللسان # وقد قال سفيان الغيبة ms0385 تفسد الصوم رواه بشر بن الحارث عنه # وروى ليث عن مجاهد خصلتان يفسدان الصيام الغيبة والكذب # وقال صلى الله عليه وسلم إنما الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ~~ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم (5) وجاء في ~~الخبر إن امرأتين صامتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجهدهما ~~الجوع والعطش من آخر النهار حتى كادتا أن تتلفا فبعثتا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يستأذناه في الإفطار فأرسل إليهما قدحا وقال صلى الله عليه ~~وسلم قل لهما PageV01P234 # قيئا فيه ما أكلتما فقاءت إحداهما نصفه دما عبيطا ولحما غريضا وقاءت ~~الأخرى مثل ذلك حتى ملأتاه فعجب الناس من ذلك فقال صلى الله عليه وسلم هتان ~~صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله تعالى عليهما قعدت ~~إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يغتابان الناس فهذا ما أكلتا من لحومهم (1) # الثالث كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء ~~إليه ولذلك سوى الله عز وجل بين المستمع وأكل السحت فقال تعالى سماعون ~~للكذب أكالون للسحت وقال عز وجل لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم ~~الإثم وأكلهم السحت فالسكوت على الغيبة حرام وقال تعالى إنكم إذا مثلهم ~~ولذلك قال صلى الله عليه وسلم المغتاب والمستمع شريكان في لإثم (2) # الرابع كف بقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل عن المكاره وكف البطن ~~عن الشبهات وقت الإفطار # فلا معنى للصوم وهو الكف عن الطعام الحلال ثم الإفطار على الحرام فمثال ~~هذا الصائم مثال من يبني قصرا ويهدم مصرا فإن الطعام الحلال إنما يضر ~~بكثرته لا بنوعه فالصوم لتقليله # وتارك الاستكثار من الدواء خوفا من ضرره إذا عدل إلى تناول السم كان ~~سفيها والحرام سم مهلك للدين والحلال دواء ينفع قليله ويضر كثيره وقصد ~~الصوم تقليله وقد قال صلى الله عليه وسلم كم من صائم ليس له من صومه إلا ~~الجوع والعطش (3) فقيل هو الذي يفطر على الحرام وقيل هو ms0386 الذي يمسك عن ~~الطعام الحلال ويفطر على لحوم الناس بالغيبة وهو حرام وقيل هو الذي لا يحفظ ~~جوارحه عن الآثام # الخامس أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلىء جوفه فما ~~من وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن مليء من حلال # وكيف يستفاد من الصوم قهر عدو الله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند ~~فطره ما فاته ضحوة نهاره وربما يزيد عليه في ألوان الطعام حتى استمرت ~~العادات بأن تدخر جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في ~~عدة أشهر # ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء وكسر الهوى لتقوى النفس على التقوى وإذا ~~دفعت المعدة من ضحوة نهار إلى العشاء حتى هاجت شهوتها وقويت رغبتها ثم ~~أطعمت من اللذات وأشبعت زادت لذتها وتضاعفت قوتها وانبعث من الشهوات ما ~~عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها # فروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور ~~ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو ~~لم يصم فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلا فلم ينتفع ~~بصومه بل من الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار حتى يحس بالجوع والعطش ~~ويستشعر ضعف القوي فيصفو عند ذلك قلبه ويستديم في كل ليلة قدرا من الضعف ~~حتى يخف عليه تهجده وأوراده فعسى الشيطان أن لا يحوم على قلبه فينظر إلى ~~ملكوت السماء # وليلة القدر عبارة عن الليلة التي ينكشف فيها شيء من الملكوت وهو المراد ~~بقوله تعالى إنا أنزلناه في ليلة القدر ومن جعل بين قلبه وبين صدره مخلاة ~~من الطعام فهو عنه محجوب ومن أخلى معدته فلا يكفيه ذلك لرفع الحجاب ما لم ~~يخل همته عن غير الله عز وجل وذلك هو الأمر كله ومبدأ جميع ذلك تقليل ~~الطعام وسيأتي له مزيد بيان في كتاب الأطعمة إن شاء الله عز وجل # السادس أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقا مضطربا بين الخوف والرجاء إذ ms0387 ليس ~~يدري أيقبل صومه فهو من المقربين أو يرد عليه فهو من الممقوتين وليكن كذلك ~~في آخر كل عبادة يفرغ PageV01P235 # منها فقد روي عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه مر بقوم وهم يضحكون فقال ~~إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه لطاعته فسبق قوم ~~ففازوا وتخلف أقوام فخابوا فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي ~~فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون # أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته أي كان ~~سرور المقبول يشغله عن اللعب وحسرة المردود تسد عليه باب الضحك وعن الأحنف ~~بن قيس أنه قيل له إنك شيخ كبير وإن الصيام يضعفك فقال إني أعده لسفر طويل ~~والصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه فهذه هي المعاني ~~الباطنة في الصوم # فإن قلت فمن اقتصر على كف شهوة البطن والفرج وترك هذه المعاني فقد قال ~~الفقهاء # صومه صحيح فما معناه فاعلم أن فقهاء الظاهر يثبتون شروط الظاهر بأدلة هي ~~أضعف من هذه الأدلة التي أوردناها في هذه الشروط الباطنة لا سيما الغيبة ~~وأمثالها ولكن ليس إلى فقهاء الظاهر من التكليفات إلا ما يتيسر على عموم ~~الغافلين المقبلين على الدنيا الدخول تحته # فأما علماء الآخرة فيعنون بالصحة القبول وبالقبول الوصول إلى المقصود ~~ويفهمون أن المقصود من الصوم التخلق بخلق من أخلاق الله عز وجل وهو الصمدية ~~والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات بحسب الإمكان فإنهم منزهون عن ~~الشهوات # والإنسان رتبته فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته ودون ~~رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلى بمجاهدتها فكلما انهمك في ~~الشهوات انحط إلى أسفل السافلين والتحق بغمار البهائم وكلما قمع الشهوات ~~ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة # والملائكة مقربون من الله عز وجل والذي يقتدي بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب ~~من الله عز وجل كقربهم فإن الشبيه من القريب قريب وليس القريب ثم بالمكان ~~بل بالصفات # وإذا كان هذا سر الصوم عند أرباب الألباب وأصحاب القلوب فأي ms0388 جدوى لتأخير ~~أكلة وجمع أكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات الأخر طول النهار ولو ~~كان لمثله جدوى فأي معنى لقوله صلى الله عليه وسلم كم من صائم ليس له من ~~صومه إلا الجوع والعطش ولهذا قال أبو الدرداء يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم ~~كيف لا يعيبون صوم الحمقى وسهرهم ولذرة من ذوي يقين وتقوى أفضل وأرجح من ~~أمثال الجبال عبادة من المغتربين ولذلك قال بعض العلماء كم من صائم مفطر ~~وكم من مفطر صائم # والمفطر الصائم هو الذي يحفظ جوارحه عن الآثام ويأكل ويشرب والصائم ~~المفطر هو الذي يجوع ويعطش ويطلق جوارحه # ومن فهم معنى الصوم وسره علم أن مثل من كف عن الأكل والجماع وأفطر ~~بمخالطة الآثام كمن مسح على عضو من أعضائه في الوضوء ثلاث مرات فقد وافق في ~~الظاهر العدد إلا أنه ترك المهم وهو الغسل فصلاته مردودة عليه بجهله ومثل ~~من أفطر بالأكل وصام بجوارحه عن المكاره كمن غسل أعضاؤه مرة مرة فصلاته ~~متقبلة إن شاء الله لإحكامه الأصل وإن ترك الفضل # ومثل من جمع بينهما كمن غسل كل عضو ثلاث مرات فجمع بين الأصل والفضل وهو ~~الكمال وقد قال صلى الله عليه وسلم إن الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته (1) ~~ولما تلا قوله عز وجل إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وضع يده ~~على سمعه وبصره فقال السمع أمانة والبصر أمانة (2) ولولا أنه من أمانات ~~الصوم لما قال صلى الله عليه وسلم فليقل إني صائم أي إني أودعت لساني ~~لأحفظه فكيف أطلقه بجوابك فإذن قد ظهر أن لكل عبادة ظاهرا وباطنا ~~PageV01P236 # وقشرا ولبا ولقشرها درجات ولكل درجة طبقات فإليك الخيرة الآن في أن تقنع ~~بالقشر عن اللباب أو تتحيز إلى غمار أرباب الألباب ### ||| الفصل الثالث في التطوع بالصيام وترتيب الأوراد فيه # اعلم أن استحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة وفواضل الأيام بعضها يوجد ~~في كل سنة وبعضها يوجد في كل شهر وبعضها في كل أسبوع # أما في السنة بعد أيام رمضان فيوم عرفة ms0389 ويوم عاشوراء والعشر الأول من ذي ~~الحجة والعشر الأول من المحرم وجميع الأشهر الحرم مظان الصوم وهي أوقات ~~فاضلة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر صوم شعبان حتى كان يظن أنه ~~في رمضان (1) وفي الخبر أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم (2) ~~لأنه ابتداء السنة فبناؤها على الخير أحب وأرجى لدوام بركته # وقال صلى الله عليه وسلم صوم يوم من شهر حرام أفضل من ثلاثين من غيره ~~وصوم يوم من رمضان أفضل من ثلاثين من شهر حرام (3) # وفي الحديث من صام ثلاثة أيام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت كتب ~~الله له بكل يوم عبادة تسعمائة عام (4) # وفي الخبر إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان (5) ولهذا يستحب أن ~~يفطر قبل رمضان أياما فإن وصل شعبان برمضان فجائز (6) فعل ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مرة وفصل مرارا كثيرة (7) ولا يجوز أن يقصد استقبال ~~رمضان بيومين أو ثلاثة إلا أن يوافق وردا له وكره بعض الصحابة أن يصام رجب ~~كله حتى لا يضاهى بشهر رمضان # فالأشهر الفاضلة ذو الحجة والمحرم ورجب وشعبان # والأشهر الحرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب واحد فرد وثلاثة سرد # وأفضلها ذو الحجة لأن فيه الحج والأيام المعلومات والمعدودات وذو القعدة ~~من الأشهر الحرم وهو من أشهر الحج وشوال من أشهر الحج وليس من الحرم ~~والمحرم ورجب ليسا من أشهر الحج وفي الخبر ما من أيام العمل فيهن أفضل وأحب ~~إلى الله عز وجل من أيام عشر ذي الحجة إن صوم يوم منه يعدل صيام سنة وقيام ~~ليلة منه تعدل قيام ليلة القدر قيل ولا الجهاد في سبيل الله تعالى قال ولا ~~الجهاد في سبيل الله عز وجل إلا من عقر جواده وأهريق دمه (8) # وأما ما يتكرر في الشهر فأول الشهر وأوسطه وآخره ووسطه الأيام البيض وهي ~~الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر # وأما في الأسبوع فالاثنين والخميس والجمعة فهذه هي الأيام الفاضلة فيستحب ~~فيها الصيام وتكثير الخيرات لتضاعف أجورها ms0390 ببركة هذه الأوقات # وأما صوم الدهر فإنه PageV01P237 # شامل للكل وزيادة وللسالكين فيه طرق فمنهم من كره ذلك إذ وردت أخبار تدل ~~على كراهته # والصحيح أنه إنما يكره لشيئين أحدهما أن لا يفطر في العيدين وأيام ~~التشريق فهو الدهر كله (1) والآخر أن يرغب عن السنة في الإفطار ويجعل الصوم ~~حجرا على نفسه مع أن الله سبحانه يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه # فإذا لم يكن شيء من ذلك ورأى صلاح نفسه في صوم الدهر فليفعل ذلك فقد فعله ~~جماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم # وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو موسى الأشعري من صام الدهر كله ~~ضيقت عليه جهنم وعقد تسعين (2) ومعناه لم يكن له فيها موضع ودونه درجة أخرى ~~وهو صوم نصف الدهر بأن يصوم يوما ويفطر يوما وذلك أشد على النفس وأقوى في ~~قهرها وقد ورد في فضله أخبار كثيرة لأن العبد فيه بين صوم يوم وشكر يوم فقد ~~قال صلى الله عليه وسلم عرضت علي مفاتيح خزائن الدنيا وكنوز الأرض فرددتها ~~وقلت أجوع يوما وأشبع يوما أحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت (3) وقال ~~صلى الله عليه وسلم أفضل الصيام صوم أخي داود كان يصوم ويفطر يوما (4) ومن ~~ذلك منازلته صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في الصوم ~~وهو يقول إني أطيق أكثر من ذلك فقال صلى الله عليه وسلم صم يوما وأفطر يوما ~~فقال إني أريد أفضل من ذلك قال صلى الله عليه وسلم لا أفضل من ذلك (5) وقد ~~روي أنه صلى الله عليه وسلم ما صام شهرا كاملا قط إلا رمضان (6) بل كان ~~يفطر منه ومن لا يقدر على صوم نصف الدهر فلا بأس بثلثه وهو أن يصوم ويفطر ~~يومين # وإذا صام ثلاثة من من أول الشهر وثلاثة من الوسط وثلاثة من الآخر فهو ثلث ~~وواقع في الأوقات الفاضلة # وإن صام الاثنين والخميس والجمعة فهو قريب من الثلث # وإذا ظهرت أوقات الفضيلة فالكمال في أن ms0391 يفهم الإنسان معنى الصوم وأن ~~مقصوده تصفية القلب وتفريغ الهم لله عز وجل # والفقيه بدقائق الباطن ينظر إلى أحواله فقد يقتضي حاله دوام الصوم وقد ~~يقتضي دوام الفطر وقد يقتضي مزج الإفطار بالصوم # وإذا فهم المعنى وتحقق حده في سلوك طريق الآخرة بمراقبة القلب لم يخف ~~عليه صلاح قلبه وذلك لا يوجب ترتيبا مستمرا ولذلك روي أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يصوم حتى يقال لا يفطر ويفطر حتى يقال لا يصوم وينام حتى يقال لا ~~يقوم ويقوم حتى يقال لا ينام (7) وكان ذلك بحسب ما ينكشف له بنور النبوة من ~~القيام بحقوق الأوقات # وقد كره العلماء أن يوالى بين الإفطار أكثر من أربعة أيام تقديرا بيوم ~~العيد وأيام التشريق وذكروا أن ذلك يقسي القلب ويولد رديء العادات ويفتح ~~أبواب الشهوات ولعمري هو كذلك في حق أكثر الخلق لا سيما من يأكل في اليوم ~~والليل مرتين فهذا ما أردنا ذكره من ترتيب الصوم المتطوع به والله أعلم ~~بالصواب # تم كتاب أسرار الصوم والحمد لله بجميع محامده كلها ما علمنا منها وما لم ~~نعلم على جميع نعمه كلها ما علمنا منها PageV01P238 # وما لم نعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وكرم وعلى كل عبد ~~مصطفى من أهل الأرض والسماء يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب أسرار الحج # والله المعين لا رب غيره وما توفيقي إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل ### || كتاب أسرار الحج # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل كلمة التوحيد لعباده حرزا ~~وحصنا وجعل البيت العتيق مثابة للناس وأمنا وأكرمه بالنسبة إلى نفسه تشريفا ~~وتحصينا ومنا وجعل زيارته والطواف به حجابا بين العبد وبين العذاب ومجنا ~~والصلاة على محمد نبي الرحمة وسيد الأمة وعلى آله وصحبه قادة الحق وسادة ~~الخلق وسلم تسليما كثيرا # أما بعد فإن الحج من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر وختام الأمر ~~وتمام الإسلام وكمال الدين فيه أنزل الله عز وجل {اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} ms0392 وفيه قال صلى الله عليه وسلم ~~من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا (1) فأعظم بعبادة يعدم ~~الدين بفقدها الكمال ويساوي تاركها اليهود والنصارى في الضلال وأجدر بها أن ~~تصرف العناية إلى شرحها وتفصيل أركانها وسننها وآدابها وفضائلها وأسرارها # وجملة ذلك ينكشف بتوفيق الله عز وجل في ثلاثة أبواب # الباب الأول في فضائلها وفضائل مكة والبيت العتيق وجمل أركان وشرائط وجوبها # الباب الثاني في أعمالها الظاهرة على الترتيب من مبدأ السفر إلى الرجوع # الباب الثالث في آدابها الدقيقة وأسرارها الخفية وأعمالها الباطنة فلنبدأ ~~بالباب الأول وفيه فصلان ### ||| ### |||| الفصل الأول في فضائل الحج وفضيلة البيت ومكة والمدينة حرسهما الله تعالى وشد الرحال إلى المساجد ### ||||| فضيلة الحج # قال الله عز وجل {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من ~~كل فج عميق} وقال قتادة لما أمر الله عز وجل إبراهيم صلى الله عليه وسلم ~~وعلى نبينا وعلى كل عبد مصطفى أن يؤذن في الناس بالحج نادى يا أيها الناس ~~إن الله عز وجل بنى بيتا فحجوه وقال تعالى {ليشهدوا منافع لهم} قيل التجارة ~~في الموسم والأجر في الآخرة # ولما سمع بعض السلف هذا قال غفر لهم ورب الكعبة وقيل في تفسير قوله عز ~~وجل {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} أي طريق مكة يقعد الشيطان عليها ليمنع ~~الناس منها وقال صلى الله عليه وسلم من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ~~ذنوبه كيوم ولدته أمه (2) وقال أيضا صلى الله عليه وسلم ما رؤي PageV01P239 # الشيطان في يوم أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة (1) وما ~~ذلك إلا لما يرى من نزول الرحمة وتجاوز الله سبحانه عن الذنوب العظام إذ ~~يقال إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة (2) وقد أسنده جعفر بن ~~محمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم # وذكر بعض المكاشفين من المقربين أن إبليس لعنه الله عليه ظهر له في صورة ~~شخص بعرفة فإذا هو ناحل الجسم مصفر اللون باكي ms0393 العين مقصوف الظهر فقال له ~~ما الذي أبكى عينك قال خروج الحاج إليه بلا تجارة أقول قد قصدوه أخاف أن لا ~~يخيبهم فيحزنني ذلك قال فما الذي أنحل جسمك قال صهيل الخيل في سبيل الله عز ~~وجل ولو كانت في سبيلي كان أحب إلي قال فما الذي غير لونك قال تعاون ~~الجماعة على الطاعة ولو تعاونوا على المعصية كان أحب إلي قال فما الذي قصف ~~ظهرك قال قول العبد أسألك حسن الخاتمة أقول يا ويلتى متى يعجب هذا بعمله ~~أخاف أن يكون قد فطن وقال صلى الله عليه وسلم من خرج من بيته حاجا أو ~~معتمرا فمات أجري له أجر الحاج المعتمر إلى يوم القيامة ومن مات في أحد ~~الحرمين لم يعرض ولم يحاسب وقيل له ادخل الجنة (3) وقال صلى الله عليه وسلم ~~حجة مبرورة خير من الدنيا وما فيها وحجة مبرورة ليس لها جزاء إلا الجنة (4) ~~وقال صلى الله عليه وسلم الحجاج والعمار وفد الله عز وجل وزواره إن سألوه ~~أعطاهم وإن استغفروه غفر لهم وإن دعوا استجيب لهم وإن شفعوا شفعوا (5) وفي ~~حديث مسند من طريق أهل البيت عليهم السلام أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة ~~فظن أن الله تعالى لم يغفر له (6) وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ينزل على هذا البيت في كل يوم مائة وعشرون رحمة ~~ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين (7) وفي الخبر استكثروا من ~~الطواف بالبيت فإنه من أجل شيء تجدونه في صحفكم يوم القيامة وأغبط عمل ~~تجدونه (8) ولهذا يستحب الطواف ابتداء من غير حج ولا عمرة وفي الخبر من طاف ~~أسبوعا حافيا حاسرا كان له كعتق رقبة ومن طاف أسبوعا في المطر غفر له ما ~~سلف من ذنبه (9) ويقال إن الله عز وجل إذا غفر لعبد ذنبا في الموقف غفره ~~لكل من أصابه في ذلك الموقف # وقال بعض السلف إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غفر لكل أهل عرفة وهو أفضل ~~PageV01P240 # يوم في الدنيا ms0394 وفيه حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وكان ~~واقفا إذ نزل قوله عز وجل {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الإسلام دينا} (1) قال أهل الكتاب لو أنزلت هذه الآية علينا لجعلناها ~~يوم عيد فقال عمر رضي الله عنه أشهد لقد نزلت هذه الآية في يوم عيدين اثنين ~~يوم عرفة ويوم جمعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة # وقال صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج (2) ~~ويروى أن علي بن موفق حج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حججا قال فرأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي يا ابن موفق حججت عني قلت ~~نعم قال ولبيت عني قلت نعم # قال فإني أكافئك بها يوم القيامة آخذ بيدك في الموقف فأدخلك الجنة ~~والخلائق في كرب الحساب # وقال مجاهد وغيره من العلماء إن الحجاج إذا قدموا مكة تلقتهم الملائكة ~~فسلموا على ركبان الإبل وصافحوا ركبان الحمر واعتنقوا المشاة اعتناقا # وقال الحسن من مات عقيب رمضان أو عقيب غزو أو عقيب حج مات شهيدا # وقال عمر رضي الله عنه الحاج مغفور له ولمن يستغفر له في شهر ذي الحجة ~~والمحرم وصفر وعشرين من ربيع الأول # وقد كان من سنة السلف رضي الله عنهم أن يشيعوا الغزاة وأن يستقبلوا الحاج ~~ويقبلوا بين أعينهم ويسألوهم الدعاء ويبادرون ذلك قبل أن يتدنسوا بالآثام # ويروى عن علي بن موفق قال حججت سنة فلما كان ليلة عرفة نمت بمنى في مسجد ~~الخيف فرأيت في المنام كأن ملكين قد نزلا من السماء عليهما ثياب خضر فنادى ~~أحدهما صاحبه يا عبد الله فقال الآخر لبيك يا عبد الله قال تدري كم حج بيت ~~ربنا عز وجل في هذه السنة قال لا أدري قال حج بيت ربنا ستمائة ألف أفتدري ~~كم قبل منهم قال لا قال ستة أنفس قال ثم ارتفعا في الهواء فغابا عني ~~فانتبهت فزعا واغتممت غما شديدا وأهمني أمري فقلت ms0395 إذا قبل حج ستة أنفس فأين ~~أكون أنا في ستة أنفس فلما أفضت من عرفة قمت عند المشعر الحرام فجعلت أفكر ~~في كثرة الخلق وفي قلة من قبل منهم فحملني النوم فإذا الشخصان قد نزلا على ~~هيئتهما فنادى أحدهما صاحبه وأعاد الكلام بعينه ثم قال أتدري ماذا حكم ربنا ~~عز وجل في هذه الليلة قال لا قال فإنه وهب لكل واحد من الستة مائة ألف قال ~~فانتبهت وبي من السرور ما يجل عن الوصف # وعنه أيضا رضي الله عنه قال حججت سنة فلما قضيت مناسكي تفكرت فيمن لا ~~يقبل حجه فقلت اللهم إني قد وهبت حجتي وجعلت ثوابها لمن لم تقبل حجته قال ~~فرأيت رب العزة في النوم جل جلاله فقال لي يا علي تتسخى علي وأنا خلقت ~~السخاء والأسخياء وأنا أجود الأجودين وأكرم الأكرمين وأحق بالجود والكرم من ~~العالمين قد وهبت كل من لم أقبل حجة لمن قبلته ### ||||| فضيلة البيت ومكة المشرفة # قال صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل قد وعد هذا البيت أن يحجه كل سنة ~~ستمائة ألف فإن نقصوا أكملهم الله عز وجل من الملائكة (3) وإن الكعبة تحشر ~~كالعروس المزفوفة وكل من حجها يتعلق بأستارها يسعون حولها حتى تدخل الجنة ~~فيدخلون معها وفي الخبر إن الحجر الأسود ياقوتة من يواقيت الجنة وإنه يبعث ~~يوم القيامة له عينان ولسان ينطق PageV01P241 # به يشهد لكل من استلمه بحق وصدق (1) وكان صلى الله عليه وسلم يقبله كثيرا ~~(2) وروي أنه صلى الله عليه وسلم سجد عليه وكان يطوف على الراحلة فيضع ~~المحجن عليه ثم يقبل طرف المحجن (3) وقبله عمر رضي الله عنه ثم قال إني ~~لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع (4) ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقبلك ما قبلتك ثم بكى حتى علا نشيجه فالتفت إلى ورائه فرأى عليا كرم ~~الله وجهه ورضي الله عنه فقال يا أبا الحسن ههنا تسكب العبرات وتستجاب ~~الدعوات فقال علي رضي الله عنه يا أمير المؤمنين بل هو يضر ms0396 وينفع قال وكيف ~~قال إن الله تعالى لما أخذ الميثاق على الذرية كتب عليهم كتابا ثم ألقمه ~~هذا الحجر فهو يشهد للمؤمن بالوفاء ويشهد على الكافر بالجحود قيل فذلك هو ~~معنى قول الناس عند الاستلام اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك # وروي عن الحسن البصري رضي الله عنه أن صوم يوم فيها بمائة ألف يوم وصدقة ~~درهم بمائة ألف درهم وكذلك كل حسنة بمائة الف ويقال طواف سبعة أسابيع أيام ~~يعدل عمرة وثلاث عمر تعدل حجة # وفي الخبر الصحيح عمرة في رمضان كحجة معي (5) وقال صلى الله عليه وسلم ~~أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي ثم آتي أهل مكة ~~فأحشر بين الحرمين (6) # وفي الخبر إن آدم صلى الله عليه وسلم لما قضى مناسكه لقيته الملائكة ~~فقالوا بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام (7) # وجاء في الأثر إن الله عز وجل ينظر في كل ليلة إلى أهل الأرض فأول من ~~ينظر إليه أهل الحرم وأول من ينظر إليه من أهل الحرم أهل المسجد الحرام فمن ~~رآه طائفا غفر له ومن رآه مصليا غفر له ومن رآه قائما مستقبل الكعبة غفر له # وكوشف بعض الأولياء رضي الله عنهم قال إني رأيت الثغور كلها تسجد لعبادان ~~ورايت عبادان ساجدة لجدة # ويقال لا تغرب الشمس من يوم إلا ويطوف بهذا البيت رجل من الأبدال ولا ~~يطلع الفجر من ليلة إلا طاف به واحد من الأوتاد وإذا انقطع ذلك كان سبب ~~رفعه من الأرض فيصبح الناس وقد رفعت الكعبة لا يرى الناس لها أثرا وهذا إذا ~~أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد ثم يرفع القرآن من المصاحف فيصبح الناس ~~فإذا الورق أبيض يلوح ليس فيه حرف ثم ينسخ القرآن من القلوب فلا يذكر منه ~~كلمة ثم يرجع الناس إلى الأشعار والأغاني وأخبار الجاهلية ثم يخرج الدجال ~~وينزل عيسى عليه السلام فيقتله والساعة عند ذلك بمنزلة الحامل المقرب التي ~~تتوقع ولادتها # وفي الخبر استكثروا ms0397 من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع فقد هدم مرتين ~~ويرفع في الثالثة (8) # وروي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قال ~~PageV01P242 # الله تعالى إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتي فخربته ثم أخرب الدنيا ~~على أثره (1) ### ||||| فضيلة المقام بمكة حرسها الله تعالى وكراهيته # كره الخائفون المحتاطون من العلماء المقام بمكة لمعان ثلاثة # الأول خوف التبرم والأنس بالبيت فإن ذلك ربما يؤثر في تسكين حرقة القلب ~~في الاحترام وهكذا كان عمر رضي الله عنه يضرب الحجاج إذا حجوا ويقول يا أهل ~~اليمن يمنكم ويا أهل الشام شامكم ويا أهل العراق عراقكم ولذلك هم عمر رضي ~~الله عنه بمنع الناس من كثرة الطواف وقال خشيت أن يأنس الناس بهذا البيت # الثاني تهييج الشوق بالمفارقة لتنبعث داعية العودة فإن الله تعالى جعل ~~البيت مثابة للناس وأمنا أي يثوبون ويعودون إليه مرة بعد أخرى ولا يقضون ~~منه وطرا # وقال بعضهم تكون في بلد وقلبك مشتاق إلى مكة متعلق بهذا البيت خير لك من ~~أن تكون فيه وأنت متبرم بالمقام وقلبك في بلد آخر # وقال بعض السلف كم من رجل بخراسان هو أقرب إلى هذا البيت ممن يطوف به ~~ويقال إن لله تعالى عبادا تطوف بهم الكعبة تقربا إلى الله عز وجل # الثالث الخوف من ركوب الخطايا والذنوب بها فإن ذلك مخطر وبالحري أن يورث ~~مقت الله عز وجل لشرف الموضع # وروي عن وهيب بن الورد المكي قال كنت ذات ليلة في الحجر أصلي فسمعت كلاما ~~بين الكعبة والأستار يقول إلى الله أشكو ثم إليك يا جبرائيل ما ألقى من ~~الطائفين حولي من تفكرهم في الحديث ولغوهم ولهوهم لئن لم ينتهوا عن ذلك ~~لأنتفضن انتفاضة يرجع كل حجر مني إلى الجبل الذي قطع منه # وقال ابن مسعود رضي الله عنه ما من بلد يؤاخذ فيه العبد بالنية قبل العمل ~~إلا مكة وتلا قوله تعالى ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم أي أنه ~~على مجرد الإرادة ms0398 # ويقال إن السيئات تضاعف بها كما تضاعف الحسنات وكان ابن عباس رضي الله ~~عنه يقول الاحتكار بمكة من الإلحاد في الحرم وقيل الكذب أيضا وقال ابن عباس ~~لأن أذنب سبعين ذنبا بركية أحب إلي من أن أذنب ذنبا واحدا بمكة وركية منزل ~~بين مكة والطائف والخوف ذلك انتهى بعض المقيمين إلى أن لم يقض حاجته في ~~الحرم بل كان يخرج إلى الحل عند قضاء الحاجة # وبعضهم أقام شهرا وما وضع جنبه على الأرض # وللمنع من الإقامة كره بعض العلماء أجور دور مكة ولا تظنن أن كراهة ~~المقام يناقض فضل البقعة لأن هذه كراهة علتها ضعف الخلق وقصورهم عن القيام ~~بحق الموضع فمعنى قولنا إن ترك المقام به أفضل أي بالإضافة إلى مقام مع ~~التقصير والتبرم أما أن يكون أفضل من المقام مع الوفاء بحقه فهيهات وكيف لا ~~ولما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة استقبل الكعبة وقال إنك ~~لخير أرض الله عز وجل وأحب بلاد الله تعالى إلي ولولا أني أخرجت منك لما ~~خرجت (2) وكيف لا والنظر إلى البيت عبادة والحسنات فيها مضاعفة كما ذكرناه ### ||||| فضيلة المدينة الشريفة على سائر البلاد # ما بعد مكة بقعة أفضل من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأعمال ~~فيها أيضا مضاعفة قال صلى الله عليه وسلم صلاة في مسجدي هذا خير من ألف ~~صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام (3) وكذلك كل عمل بالمدينة بألف ~~PageV01P243 # وبعد مدينته الأرض المقدسة فإن الصلاة فيها بخمسمائة صلاة فيما سواها إلا ~~المسجد الحرام وكذلك سائر الأعمال # وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صلاة في مسجد المدينة ~~بعشرة آلاف صلاة وصلاة في المسجد الأقصى بألف صلاة وصلاة في المسجد الحرام ~~بمائة ألف صلاة (1) وقال صلى الله عليه وسلم من صبر على شدتها ولأوائها كنت ~~له شفيعا يوم القيامة (2) وقال صلى الله عليه وسلم من استطاع أن يموت ~~بالمدينة فليمت فإنه لن يموت بها أحد إلا كنت له شفيعا يوم القيامة (3) وما ms0399 ~~بعد هذه البقاع الثلاث فالمواضع فيها متساوية إلا الثغور فإن المقام بها ~~للمرابطة فيها فيه فضل عظيم # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد ~~الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى (4) وقد ذهب بعض العلماء إلى الاستدلال ~~بهذا الحديث في المنع من الرحلة لزيارة المشاهد وقبور العلماء والصلحاء وما ~~تبين لي أن الأمر كذلك بل الزيارة مأمور بها قال صلى الله عليه وسلم كنت ~~نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا (5) والحديث إنما ورد في ~~المساجد وليس في معناها المشاهد لأن المساجد بعد المساجد الثلاثة متماثلة ~~ولا بلد إلا وفيه مسجد فلا معنى للرحلة إلى مسجد آخر وأما المشاهد فلا ~~تتساوى بل بركة زيارتها على قدر درجاتهم عند الله عز وجل نعم لو كان في ~~موضع لا مسجد فيه فله أن يشد الرحال إلى موضع فيه مسجد وينتقل إليه بالكلية ~~إن شاء ثم ليت شعري هل يمنع هذا القائل من شد الرحال إلى قبور الأنبياء ~~عليهم السلام مثل إبراهيم وموسى ويحيى وغيرهم عليهم السلام فالمنع من ذلك ~~في غاية الإحالة فإذا جوز هذا فقبور الأولياء والعلماء والصلحاء في معناها ~~فلا يبعد أن يكون ذلك من أغراض الرحلة كما أن زيارة العلماء في الحياة من ~~المقاصد هذا في الرحلة أما المقام فالأولى بالمريد أن يلازم مكانه إذا لم ~~يكن قصده من السفر استفادة العلم مهما سلم له حاله في وطنه فإن لم يسلم ~~فيطلب من المواضع ما هو أقرب إلى الخمول وأسلم للدين وأفرغ للقلب وأيسر ~~للعبادة فهو أفضل المواضع له قال صلى الله عليه وسلم البلاد بلاد الله عز ~~وجل والخلق عباده فأي موضع رأيت فيه رفقا فأقم واحمد الله تعالى (6) وفي ~~الخبر من بورك له في شيء فليلزمه ومن جعلت معيشته في شيء فلا ينتقل عنه حتى ~~يتغير عليه (7) وقال أبو نعيم رأيت سفيان الثوري وقد جعل جرابه على كتفه ~~وأخذ نعليه بيده فقلت إلى أين يا أبا عبد الله قال إلى بلد ms0400 أملأ فيه جرابي ~~بدرهم # وفي حكاية أخرى بلغني عن قرية فيها رخص أقيم فيها قال فقلت وتفعل هذا يا ~~أبا عبد الله فقال نعم إذا سمعت برخص في بلد فاقصده فإنه أسلم لدينك وأقل ~~لهمك وكان يقول هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخاملين فكيف PageV01P244 # بالمشهورين هذا زمان تنقل يتنقل الرجل من قرية إلى قرية يفر بدينه من ~~الفتن # ويحكى عنه أنه قال والله ما أدري أي البلاد أسكن فقيل له خراسان فقال ~~مذاهب مختلفة وآراه فاسدة قيل فالشام قال يشار إليك بالأصابع أراد الشهرة ~~قيل فالعراق قال بلد الجبابرة قيل مكة قال مكة تذيب الكيس والبدن وقال له ~~رجل غريب عزمت على المجاورة بمكة فأوصني قال أوصيك بثلاث لا تصلين في الصف ~~الأول ولا تصحبن قرشيا ولا تظهرن صدقة وإنما كره الصف الأول لأنه يشتهر ~~فيفتقد إذا غاب فيختلط بعمله التزين والتصنع ### |||| الفصل الثاني في شروط وجوب الحج وصحة أركانه وواجباته ومحظوراته # أما الشرائط فشرط صحة الحج اثنان الوقت والإسلام فيصح حج الصبي ويحرم ~~بنفسه إن كان مميزا ويحرم عنه وليه إن كان صغيرا ويفعل به ما يفعل في الحج ~~من الطواف والسعي وغيره # وأما الوقت فهو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم ~~النحر فمن أحرم بالحج في غير هذه المدة فهي عمرة وجميع السنة وقت العمرة ~~ولكن من كان معكوفا على النسك أيام منى فلا ينبغي أن يحرم بالعمرة لأنه لا ~~يتمكن من الاشتغال عقيبه لاشتغاله بأعمال منى # وأما شروط وقوعه عن حجة الإسلام فخمسة الإسلام والحرية والبلوغ والعقل ~~والوقت # فإن أحرم الصبي أو العبد ولكن عتق العبد وبلغ الصبي بعرفة أو بمزدلفة ~~وعاد إلى عرفة قبل طلوع الفجر أجزأهما عن حجة الإسلام لأن الحج عرفة وليس ~~عليهما دم إلا شاة # وتشترط هذه الشرائط في وقوع العمرة عن فرض الإسلام إلا الوقت وأما شروط ~~وقوع الحج نفلا عن الحر البالغ فهو بعد براءة ذمته عن حجة الإسلام فحج ~~الإسلام متقدم ثم ms0401 القضاء لمن أفسده في حالة الوقوف ثم النذر ثم النيابة ثم ~~النفل وهذا الترتيب مستحق وكذلك يقع وإن نوى خلافه # وأما شروط لزوم الحج فخمسة البلوغ والإسلام والعقل والحرية والاستطاعة # ومن لزمه فرض الحج لزمه فرض العمرة ومن أراد دخول مكة لزيارة أو تجارة ~~ولم يكن حطابا لزمه الإحرام على قول ثم يتحلل بعمل عمرة أو حج # وأما الاستطاعة فنوعان أحدهما المباشرة وذلك له أسباب أما في نفسه ~~فبالصحة وأما في الطريق فبأن تكون خصبة آمنة بلا بحر مخطر ولا عدو قاهر ~~وأما في المال فبأن يجد نفقة ذهابه وإيابه إلى وطنه كان له أهل أو لم يكن ~~لأن مفارقة الوطن شديدة وأن يملك نفقة من تلزمه نفقته في هذه المدة وأن ~~يملك ما يقضي به ديونه وأن يقدر على راحلة أو كرائها بمحمل أو زاملة إن ~~استمسك على الزاملة # وأما النوع الثاني فاستطاعة المغضوب بماله وهو أن يستأجر من يحج عنه بعد ~~فراغ الأجير عن حجة الإسلام لنفسه ويكفي نفقة الذهاب بزاملة في هذا النوع ~~والابن إذا عرض طاعته على الأب الزمن صار به مستطيعا ولو عرض ماله لم يصر ~~به مستطيعا لأن الخدمة بالبدن فيها شرف للولد وبذل المال فيه منة على ~~الوالد # ومن استطاع لزمه الحج وله التأخير ولكنه فيه على خطر فإن تيسر له ولو في ~~آخر عمره سقط عنه # وإن مات قبل الحج لقي الله عز وجل عاصيا بترك الحج وكان الحج في تركته ~~يحج عنه وإن لم يوص كسائر ديونه # وإن استطاع في سنة فلم يخرج مع الناس وهلك ماله في تلك السنة قبل حج ~~الناس ثم مات لقي الله عز وجل ولا حج عليه # ومن مات ولم يحج مع اليسار فأمره شديد عند الله تعالى قال عمر رضي الله ~~عنه لقد هممت أن أكتب في الأمصار بضرب الجزية على من لم يحج ممن يستطيع ~~إليه سبيلا # وعن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس لو علمت رجلا غنيا وجب ~~عليه الحج ثم مات ms0402 قبل أن يحج ما صليت عليه وبعضهم كان له جار موسر فمات ولم ~~يحج فلم يصل عليه # وكان ابن عباس يقول من مات ولم يزك ولم يحج سأل الرجعة إلى الدنيا وقرأ ~~قوله عز وجل رب أرجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت {قال} PageV01P245 # الحج # وأما الأركان التي لا يصح الحج بدونها فخمسة الإحرام والطواف والسعي بعده ~~والوقوف بعرفة والحلق بعده على قول وأركان العمرة كذلك إلا الوقوف # والواجبات المجبورة بالدم ست الإحرام من الميقات فمن تركه وجاوز الميقات ~~محلا فعليه شاة والرمي فيه الدم قولا واحدا وأما الصبر بعرفة إلى غروب ~~الشمس والمبيت بمزدلفة والمبيت بمنى وطواف الوداع فهذه الأربعة يجبر تركها ~~بالدم على أحد القولين وفي القول الثاني فيها دم على وجه الاستحباب # وأما وجوه أداء الحج والعمرة فثلاثة # الأول الإفراد وهو الأفضل وذلك أن يقدم الحج وحده فإذا فرغ خرج إلى الحل ~~فأحرم واعتمر وأفضل الحل لإحرام العمرة الجعرانة ثم التنعيهم ثم الحديبية ~~وليس على المفرد دم إلا أن يتطوع # الثاني القران وهو أن يجمع فيقول لبيك بحجة وعمرة معا فيصير محرما بهما ~~ويكفيه أعمال الحج وتندرج العمرة تحت الحج كما يندرج الوضوء تحت الغسل إلا ~~أنه إذا طاف وسعى قبل الوقوف بعرفة فسعيه محسوب من النسكين وأما طوافه فغير ~~محسوب لأن شرط الطواف الفرض في الحج أن يقع بعد الوقوف وعلى القارن دم شاة ~~إلا أن يكون مكيا فلا شيء عليه لأنه لم يترك ميقاته إذ ميقاته مكة # الثالث التمتع وهو أن يجاوز الميقات محرما بعمرة ويتحلل بمكة ويتمتع ~~بالمحظورات إلى وقت الحج ثم يحرم بالحج ولا يكون متمتعا إلا بخمس شرائط # أحدها أن لا يكون من حاضري المسجدد الحرام وحاضره من كان منه على مسافة ~~لا تقصر فيها الصلاة # الثاني أن يقدم العمرة على الحج # الثالث أن تكون عمرته في أشهر الحج # الرابع أن لا يرجع إلى ميقات الحج ولا إلى مثل مسافته لإحرام الحج # الخامس أن يكون حجه وعمرته عن شخص واحد فإذا وجدت هذه ms0403 الأوصاف كان متمتعا ~~ولزمه دم شاة فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم النحر متفرقة أو ~~متتابعة وسبعة إذا رجع إلى الوطن وإن لم يصم الثلاثة حتى رجع إلى الوطن صام ~~العشرة تتابعا أو متفرقا وبدل دم القران والتمتع سواء # والأفضل الإفراد ثم التمتع ثم القرن # وأما محظورات الحج والعمرة فستة # الأول اللبس للقميص والسراويل والخف والعمامة بل ينبغي أن يلبس إزارا ~~ورداء ونعلين فإن لم يجد نعلين فمكعبين فإن لم يجد إزارا فسراويل ولا بأس ~~بالمنطقة والاستظلال في المحمل ولكن لا ينبغي أن يغطي رأسه فإن إحرامه في ~~الرأس وللمرأة أن تلبس كل مخيط بعد أن لا تستر وجهها بما يماسه فإن إحرامها ~~في وجهها # الثاني الطيب فليجتنب كل ما يعده العقلاء طيبا فإن تطيب أو لبس فعليه دم ~~شاة # الثالث الحلق والقلم وفيهما الفدية أعني دم شاة ولا بأس بالكحل ودخول ~~الحمام والفصد والحجامة وترجيل الشعر # الرابع الجماع وهو مفسد قبل التحلل الأول وفيه بدنة أو بقرة أو سبع شياه ~~وإن كان بعد التحلل الأول لزمه البدنة ولم يفسد حجه # والخامس مقدمات الجماع كالقبلة والملامسة التي تنقض الطهر مع النساء فهو ~~محرم وفيه شاة وكذا في الاستمناء ويحرم النكاح والإنكاح ولا دم فيه لأنه لا ~~ينعقد # السادس قتل صيد البر أعني ما يؤكل أو هو متولد من الحلال والحرام فإن قتل ~~صيدا فعليه مثله من النعم يراعى فيه التقارب في الخلقة وصيد البحر حلال ولا ~~جزاء فيه ### ||| الباب الثاني في ترتيب الأعمال الظاهرة من أول السفر إلى الرجوع وهي عشر جمل ### |||| الجملة الأولى في السير من أول الخروج إلى الإحرام # وهي ثمانية الأولى في المال فينبغي أن يبدأ بالتوبة ورد المظالم وقضاء ~~الديون وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع ويرد ما عنده من ~~الودائع ويستصحب من المال الحلال الطيب ما يكفيه لذهابه وإيابه من غير PageV01P246 # تقتير بل على وجه يمكنه معه التوسع في الزاد والرفق بالضعفاء والفقراء # ويتصدق بشيء قبل خروجه ويشتري ms0404 لنفسه دابة قوية على الحمل لا تضعف أو ~~يكتريها فإن اكترى فليظهر للمكاري كل ما يريد أن يحمله من قليل أو كثير ~~ويحصل رضاه فيه # الثانية في الرفيق ينبغي أن يلتمس رفيقا صالحا محبا للخير معينا عليه إن ~~نسي ذكره وإن ذكر أعانه وإن جبن شجعه وإن عجز قواه وإن ضاق صدره صبره # ويودع رفقاءه المقيمين وإخوانه وجيرانه فيودعهم ويلتمس أدعيتهم فإن الله ~~تعالى جاعل في أدعيتهم خيرا والسنة في الوداع أن يقول أستودع الله دينك ~~وأمانتك وخواتيم عملك (1) وكان صلى الله عليه وسلم يقول لمن أراد السفر في ~~حفظ الله وكنفه زودك الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك للخير أينما كنت (2) # الثالثة في الخروج من الدار ينبغي إذا هم بالخروج أن يصلي ركعتين أولا ~~يقرأ في الأولى بعد الفاتحة قل يا أيها الكافرون وفي الثانية الإخلاص فإذا ~~فرغ رفع يديه ودعا الله سبحانه عن إخلاص صاف ونية صادقة وقال اللهم أنت ~~الصاحب في السفر وأنت الخليفة في الأهل والمال والولد والأصحاب احفظنا ~~وإياهم من كل آفة وعاهة اللهم إنا نسألك في مسيرنا هذا البر والتقوى ومن ~~العمل ما ترضى اللهم إنا نسألك أن تطوي لنا الأرض وتهون علينا السفر وأن ~~ترزقنا في سفرنا سلامة البدن والدين والمال وتبلغنا حج بيتك وزيارة قبر ~~نبيك محمد صلى الله عليه وسلم اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة ~~المنظر وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد والأصحاب اللهم اجعلنا وإياهم ~~في جوارك ولا تسلبنا وإياهم نعمتك ولا تغير ما بنا وبهم من عافيتك # الرابعة إذا حصل على باب الدار قال بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله أعوذ بالله رب أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أذل أو أذل أو أزل ~~أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي اللهم إني لم أخرج أشرا ولا ~~بطرا ولا رياء ولا سمعة بل خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك وقضاء فرضك ~~واتباع سنة نبيك وشوقا إلى لقائك فإذا ms0405 مشى قال اللهم بك انتشرت وعليك توكلت ~~وبك اعتصمت وإليك توجهت اللهم أنت ثقتي وأنت رجائي فاكفني ما أهمني وما لا ~~أهتم به وما أنت أعلم به مني عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك اللهم زودني ~~التقوى واغفر لي ذنبي ووجهني للخير أينما توجهت ويدعو بهذا الدعاء في كل ~~منزل يدخل عليه # الخامسة في الركوب فإذا ركب الراحلة يقول بسم الله وبالله والله أكبر ~~توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ما شاء الله كان ~~وما لم يشأ لم يكن سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا ~~لمنقلبون اللهم إني وجهت وجهي إليك وفوضت أمري كله إليك وتوكلت في جميع ~~أموري عليك أنت حسبي ونعم الوكيل # فإذا استوى على الراحلة واستوت تحته قال سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر سبع مرات وقال الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا ~~لنهتدي لولا أن هدانا الله اللهم أنت الحامل على الظهر وأنت المستعان على ~~الأمور # السادسة في النزول والسنة أن لا ينزل حتى يحمى النهار ويكون أكثر سيره ~~بالليل قال صلى الله عليه وسلم عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوي بالليل ما لا ~~تطوي بالنهار (3) وليقلل نومه بالليل حتى يكون PageV01P247 # عونا على السير # ومهما أشرف على المنزل فليقل اللهم رب السموات السبع وما أظللن ورب ~~الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما ذرين ورب ~~البحار وما جرين أسالك خير هذا المنزل وخير أهله وأعوذ بك من شره وشر ما ~~فيه اصرف عني شر شرارهم # فإذا نزل المنزل صلى ركعتين فيه ثم قال أعوذ بكلمات الله التامات التي لا ~~يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق # فإذا جن عليه الليل يقول يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما ~~فيك وشر ما دب عليك أعوذ بالله من شر كل أسد وأسود وحية وعقرب ومن شر ساكن ~~البلد ووالد وما ولد وله ما ms0406 سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم # السابعة في الحراسة ينبغي أن يحتاط بالنهار فلا يمشي منفردا خارج القافلة ~~لأنه ربما يغتال أو ينقطع ويكون بالليل متحفظا عند النوم فإن نام في ابتداء ~~الليل افترش ذراعه وإن نام في آخر الليل نصب ذراعه نصبا وجعل رأسه في كفه ~~هكذا كان ينام رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره (1) لأنه ربما استثقل ~~النوم فتطلع الشمس وهو لا يدري فيكون ما يفوته من الصلاة أفضل مما يناله من ~~الحج والأحب في الليل أن يتناوب الرفيقان في الحراسة فإن نام أحدهما حرس ~~الآخر (2) فهو السنة فإن قصده عدو أو سبع في ليل أو نهار فليقرأ آية الكرسي ~~وشهد الله والإخلاص والمعوذتين وليقل بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا ~~بالله حسبي الله توكلت على الله ما شاء الله لا يأتي بالخير إلا الله ما ~~شاء الله لا يصرف السوء إلا الله حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعا ليس وراء ~~الله منتهى ولا دون الله ملجأ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ~~تحصنت بالله العظيم واستغثت بالحي الذي لا يموت اللهم احرسنا بعينك التي لا ~~تنام واكنفنا بركنك الذي لا يرام اللهم ارحمنا بقدرتك علينا فلا نهلك وأنت ~~ثقتنا ورجاؤنا اللهم أعطف علينا قلوب عبادك وإمائك برأفة ورحمة إنك أنت ~~أرحم الراحمين # الثامنة مهما علا نشزا من الأرض في الطريق فيستحب أن يكبر ثلاثا ثم يقول ~~اللهم لك الشرف على كل شرف ولك الحمد على كل حال ومهما هبط سبح ومهما خاف ~~الوحشة في سفره قال سبحان الله الملك القدوس رب الملائكة والروح جللت ~~السموات بالعزة والجبروت ### |||| الجملة الثانية في آداب الإحرام من الميقات إلى دخول مكة # وهي خمسة الأول أن يغتسل وينوي به غسل الإحرام أعني إذا انتهى إلى ~~الميقات المشهور الذي يحرم الناس منه ويتمم غسله بالتنظيف ويسرح لحيته ~~ورأسه ويقلم أظفاره ويقص شاربه ويستكمل النظافة التي ذكرناها في الطهارة # الثاني أن يفارق الثياب المخيطة ويلبس ms0407 ثوبي الإحرام فيرتدي ويتزر بثوبين ~~أبيضين فالأبيض هو أحب الثياب إلى الله عز وجل ويتطيب في ثيابه وبدنه ولا ~~بأس بطيب يبقي جرمه بعد الإحرام فقد رؤي بعض المسك على مفرق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد الإحرام مما كان استعمله قبل الإحرام (3) # الثالث أن يصبر بعد لبس الثياب حتى تنبعث به راحلته إن كان راكبا أو يبدأ ~~بالسير إن كان راجلا فعند ذلك ينوي الإحرام بالحج أو بالعمرة PageV01P248 # قرانا أو إفرادا كما أراد # ويكفي مجرد النية لانعقاد الإحرام ولكن السنة أن يقرن بالنية لفظ التلبية ~~فيقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا ~~شريك لك وإن زاد قال لبيك وسعديك والخير كله بيديك والرغباء إليك لبيك بحجة ~~حقا تعبدا ورقا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد # الرابع إذا انعقد إحرامه بالتلبية المذكورة فيستحب أن يقول اللهم إني ~~أريد الحج فيسره لي وأعني على أداء فرضه وتقبله مني اللهم إني نويت أداء ~~فريضتك في الحج فاجعلني من الذين استجابوا لك وآمنوا بوعدك واتبعوا أمرك ~~واجعلني من وفدك الذين رضيت عنهم وارتضيت وقبلت منهم اللهم فيسر لي أداء ما ~~نويت من الحج اللهم قد أحرم لك لحمي وشعري ودمي وعصبي ومخي وعظامي وحرمت ~~على نفسي النساء والطيب ولبس المخيط ابتغاء وجهك والدار الآخرة # ومن وقت الإحرام حرم عليه المحظورات الستة التي ذكرناها من قبل فليجتنبها # الخامس يستحب تجديد التلبية في دوام الإحرام خصوصا عند اصطدام الرفاق ~~وعند اجتماع الناس وعند كل صعود وهبوط وعند كل ركوب ونزول رافعا بها صوته ~~بحيث لا يبح حلقه ولا ينبهر فإنه لا ينادي أصم ولا غائبا (1) كما ورد في ~~الخبر # ولا بأس برفع الصوت بالتلبية في المساجد الثلاثة فإنها مظنة المناسك أعني ~~المسجد الحرام ومسجد الخيف ومسجد الميقات وأما سائر المساجد فلا بأس فيها ~~بالتلبية من غير رفع صوت وكان صلى الله عليه وسلم إذا أعجبه شيء قال لبيك ~~إن العيش عيش الآخرة (2) ### |||| الجملة الثالثة في ms0408 آداب دخول مكة إلى الطواف # وهي ستة الأول أن يغتسل بذي طوى لدخول مكة # والاغتسالات المستحبة المسنونة في الحج تسعة # الأول للإحرام من الميقات ثم لدخول مكة ثم لطواف القدوم ثم للوقوف بعرفة ~~ثم للوقوف بمزدلفة ثم ثلاثة أغسال لرمي الجمار الثلاث ولا غسل لرمي جمرة ~~العقبة ثم لطواف الوداع ولم ير الشافعي رضي الله عنه في الجديد الغسل لطواف ~~الزيارة ولطواف الوداع فتعود إلى سلعة # الثاني أن يقول عند الدخول في أول الحرم وهو خارج مكة اللهم هذا حرمك ~~وأمنك فحرم لحمي ودمي وشعري وبشري على النار وآمني من عذابك يوم تبعث عبادك ~~واجعلني من أوليائك وأهل طاعتك # الثالث أن يدخل مكة من جانب الأبطح وهو ثنية كدا بفتح الكاف عدل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من جادة الطريق إليها (3) فالتأسي به أولى وإذا ~~خرج خرج من ثنية كدى بضم الكاف وهي الثنية السفلى والأولى هي العليا # الرابع إذا دخل مكة وانتهى إلى راس الردم فعنده يقع بصره على البيت فليقل ~~لا إله إلا الله والله أكبر اللهم أنت السلام ومنك السلام ودارك دار السلام ~~تباركت يا ذا الجلال والإكرام اللهم إن هذا بيتك عظمته وكرمته وشرفته اللهم ~~فزده تعظيما وزده تشريفا وتكريما وزده مهابة وزد من حجه برا وكرامة اللهم ~~افتح لي أبواب رحمتك وأدخلني جنتك وأعذني من الشيطان الرجيم # الخامس إذا دخل المسجد الحرام فليدخل من باب بني شيبة وليقل بسم الله ~~وبالله ومن الله وإلى وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإذا قرب من البيت قال الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى اللهم ~~PageV01P249 # صل على محمد عبدك ورسولك وعلى إبراهيم خليلك وعلى جميع أنبيائك ورسلك ~~وليرفع يديه وليقل اللهم إني أسألك في مقامي هذا في أول مناسكي أن تتقبل ~~توبتي وأن تتجاوز عن خطيئتي وتضع عني وزري الحمد لله الذي بلغني بيته ~~الحرام الذي جعله مثابة للناس وأمنا وجعله مباركا وهدى للعالمين اللهم إني ~~عبدك والبلد بلدك والحرم حرمك ms0409 والبيت بيتك جئتك أطلب رحمتك وأسألك مسألة ~~المضطر الخائف من عقوبتك الراجي لرحمتك الطالب مرضاتك # السادس أن تقصد الحجر الأسود بعد ذلك وتمسه بيدك اليمنى وتقبله وتقول ~~اللهم أمانتي اديتها وميثاقي وفيته اشهد لي بالموافاة فإن لم يستطيع ~~التقبيل وقف في مقابلته ويقول ذلك ثم لا يعرج على شيء دون الطواف وهو طواف ~~القدوم إلا أن يجد الناس في المكتوبة فيصلي معهم ثم يطوف ### |||| الجملة الرابعة في الطواف # فإذا أراد افتتاح الطواف إما للقدوم وإما لغيره فينبغي أن يراعي أمورا ~~ستة # الأول أن يراعي شروط الصلاة من طهارة الحدث والخبث في الثوب والبدن ~~والمكان وستر العورة # فالطواف بالبيت صلاة ولكن الله سبحانه أباح فيه الكلام وليضطبع قبل ~~ابتداء الطواف وهو أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه اليمنى ويجمع طرفيه على ~~منكبه الأيسر فيرخي طرفا وراء ظهره وطرفا على صدره ويقطع التلبية عند ~~ابتداء الطواف ويشتغل بالأدعية التي سنذكرها # الثاني إذا فرغ من الاضطباع فليجعل البيت على يساره وليقف عند الحجر ~~الأسود وليتنح عنه قليلا ليكون الحجر قدامه فيمر بجميع الحجر بجميع بدنه في ~~ابتداء طوافه # وليجعل بينه وبين البيت قدر ثلاث خطوات ليكون قريبا من البيت فإنه أفضل ~~ولكيلا يكون طائفا على الشاذروان فإنه من البيت وعند الحجر الأسود قد يتصل ~~الشاذروان بالأرض ويلتبس به والطائف عليه لا يصح طوافه لأنه طائف في البيت ~~والشاذروان هو الذي فضل عن عرض جدار البيت بعد أن ضيق أعلى الجدار ثم من ~~هذا الموقف يبتدىء الطواف # الثالث أن يقول قبل مجاوزة الحجر بل في ابتداء الطواف بسم الله والله ~~أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد ~~صلى الله عليه وسلم ويطوف # فأول ما يجاوز الحجر ينتهي إلى باب البيت فيقول اللهم هذا البيت بيتك ~~وهذا الحرم حرمك وهذا الأمن أمنك وهذا مقام العائذ بك من النار # وعند ذكر المقام يشير بعينه إلى مقام إبراهيم عليه السلام اللهم إن بيتك ~~عظيم ووجهك كريم وأنت أرحم الراحمين فأعذني من النار ms0410 ومن الشيطان الرجيم ~~وحرم لحمي ودمي على النار وآمني من أهوال يوم القيامة واكفني مؤنة الدنيا ~~والآخرة # ثم يسبح الله تعالى ويحمده حتى يبلغ الركن العراقي فعنده يقول اللهم إني ~~أعوذ بك من الشرك الشك والكفر والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق وسوء المنظر في ~~الأهل والمال والولد # فإذا بلغ الميزاب قال اللهم أظلنا تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك اللهم ~~اسقني بكأس محمد صلى الله عليه وسلم شربة لا أظمأ بعدها أبدا # فإذا بلغ الركن الشامي قال اللهم اجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا ~~مغفورا وتجارة لن تبور يا عزيز يا غفور رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك ~~أنت الأعز الأكرم فإذا بلغ الركن اليماني قال اللهم إني أعوذ بك من الكفر ~~وأعوذ بك من الفقر ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من ~~الخزي في الدنيا والآخرة ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود اللهم ربنا ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا برحمتك فتنة القبر وعذاب النار ~~فإذا بلغ الحجر الأسود قال اللهم اغفر لي برحمتك أعوذ برب هذا الحجر من ~~الدين والفقر وضيق الصدر وعذاب القبر وعند ذلك قد تم شوط واحد فيطوف كذلك ~~سبعة أشواط فيدعو بهذه الأدعية في كل شوط # الرابع أن يرمل في ثلاثة أشواط ويمشي في الأربعة الأخر PageV01P250 # على الهيئة المعتادة # ومعنى الرمل الإسراع في المشي مع تقارب الخطا وهو دون العدو وفوق المشي ~~المعتاد # والمقصود منه ومن الاضطباع إظهار الشطارة والجلادة والقوة هكذا كان القصد ~~أولا قطعا لطمع الكفار وبقيت تلك السنة (1) والأفضل الرمل مع الدنو من ~~البيت فإن لم يمكنه للزحمة فالرمل مع البعد أفضل فيخرج إلى حاشية المطاف ~~وليرمل ثلاثا ثم ليقرب إلى البيت في المزدحم وليمش أربعا # وإن أمكنه استلام الحجر في كل شوط فهو الأحب وإن منعه الزحمة أشار باليد ~~وقبل يده وكذلك استلام الركن اليماني يستحب من سائر الأركان # وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يستلم الركن اليماني (2) ويقبله (3) ~~ويضع خده عليه (4) ومن ms0411 أراد تخصيص الحجر بالتقبيل واقتصر في الركن اليماني ~~على الاستلام أغنى عن اللمس باليد فهو أولى # الخامس إذا تم الطواف سبعا فليأت الملتزم وهو بين الحجر والباب وهو موضع ~~استجابة الدعوة وليلتزق بالبيت وليتعلق بالأستار وليلصق بطنه بالبيت وليضع ~~عليه خده الأيمن وليبسط عليه ذراعيه وكفيه وليقل اللهم يا رب البيت العتيق ~~أعتق رقبتي من النار وأعذني من الشيطان الرجيم وأعذني من كل سوء وقنعني بما ~~رزقتني وبارك لي فيما آتيتني اللهم إن هذا البيت بيتك والعبد عبدك وهذا ~~مقام العائذ بك من النار اللهم اجعلني من أكرم وفدك عليك ثم ليحمد الله ~~كثيرا في هذا الموضع وليصل على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الرسل ~~كثيرا وليدع بحوائجه الخاصة وليستغفر من ذنوبه # كان بعض السلف في هذا الموضع يقول لمواليه تنحوا عني حتى أقر لربي بذنوبي # السادس إذا فرغ من ذلك ينبغي أن يصلي خلف المقام ركعتين يقرأ في الأولى ~~قل يا أيها الكافرون وفي الثانية الإخلاص وهما ركعتا الطواف # قال الزهري مضت السنة أن يصلي لكل سبع ركعتين (5) وإن قرن بين أسابيع ~~وصلى ركعتين جاز (6) فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل أسبوع طواف # وليدع بعد ركعتي الطواف وليقل اللهم يسر لي اليسرى وجنبني العسرى واغفر ~~لي في الآخرة والأولى واعصمني بألطافك حتى لا أعصيك وأعني على طاعتك ~~بتوفيقك وجنبني معاصيك واجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك ورسلك ويحب عبادك ~~الصالحين اللهم حببني إلى ملائكتك ورسلك وإلى عبادك الصالحين اللهم فكما ~~هديتني إلى الإسلام فثبتني عليه بألطافك وولايتك واستعملني لطاعتك وطاعة ~~رسولك وأجرني من مضلات PageV01P251 # الفتن # ثم ليعد إلى الحجر وليستلمه وليختم به الطواف قال صلى الله عليه وسلم من ~~طاف بالبيت أسبوعا وصلى ركعتين فله من الأجر كعتق رقبة (1) وهذه كيفية ~~الطواف # والواجب من جملته بعد شروط الصلاة أن يستكمل عدد الطواف سبعا بجميع البيت ~~وأن يبتدىء بالحجر الأسود ويجعل البيت على يساره وأن يطوف داخل المسجد ~~وخارج البيت لا على الشاذروان ولا في الحجر ms0412 وأن يوالي بين الأشواط ولا ~~يفرقها تفريقا خارجا عن المعتاد وما عدا هذا فهو سنن وهيئات ### |||| الجملة الخامسة في السعي # فإذا فرغ من الطواف فليخرج من باب الصفا وهو في محاذاة الضلع الذي بين ~~الركن اليماني والحجر فإذا خرج من ذلك الباب وانتهى إلى الصفا وهو جبل ~~فيرقى فيه درجات في حضيض الجبل بقدر قامة الرجل رقى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى بدت له الكعبة (2) # وابتداء السعي من أصل الجبل كاف وهذه الزيادة مستحبة ولكن بعض تلك الدرج ~~مستحدثة فينبغي أن لا يخلفها وراء ظهره فلا يكون متمما للسعي وإذا ابتدأ من ~~ههنا سعى بينه وبين المروة سبع مرات # وعند رقية في الصفا ينبغي أن يستقبل البيت ويقول الله أكبر الله أكبر ~~الحمد لله على ما هدانا الحمد لله بمحامده كلها على جميع نعمه كلها لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو ~~على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم ~~الأحزاب وحده لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون لا إله إلا ~~الله مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون ومن آياته أن ~~خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون اللهم إني أسألك إيمانا دائما ~~ويقينا صادقا وعلما نافعا وقلبا خاشعا ولسانا ذاكرا وأسألك العفو والعافية ~~والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة ويصلي على محمد صلى الله عليه وسلم ~~ويدعو الله عز وجل بما شاء من حاجته عقيب هذا الدعاء # ثم ينزل ويبتدىء السعي وهو يقول رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت ~~الأعز الأكرم اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ~~ويمشي على هينة حتى ينتهي إلى الميل الأخضر وهو أول ما يلقاه ms0413 إذا نزل من ~~الصفا وهو على زاوية المسجد الحرام فإذا بقي بينه وبين محاذاة الميل ستة ~~أذرع أخذ في السير السريع وهو الرمل حتى ينتهي إلى الميلين الأخضرين # ثم يعود إلى الهينة فإذا انتهى إلى المروة صعدها كما صعد الصفا وأقبل ~~بوجهه على الصفا ودعا بمثل ذلك الدعاء وقد حصل السعي مرة واحدة فإذا عاد ~~إلى الصفا حصلت مرتان يفعل ذلك سبعا ويرمل في موضع الرمل في كل مرة ويسكن ~~في موضع السكون كما سبق وفي كل نوبة يصعد الصفا والمروة فإذا فعل ذلك فقد ~~فرغ من طواف القدوم والسعي وهما سنتان # والطهارة مستحبة للسعي وليست بواجبة بخلاف الطواف وإذا سعى فينبغي أن لا ~~يعيد السعي بعد الوقوف ويكتفي بهذا ركنا فإنه ليس من شروط السعي أن يتأخر ~~عن الوقوف وإنما ذلك شرط في طواف الركن نعم شرط كل سعي أن يقع بعد طواف أي ~~طواف كان PageV01P252 ### |||| الجملة السادسة في الوقوف وما قبله # الحاج إذا انتهى يوم عرفة إلى عرفات يتفرغ لطواف القدوم ودخول مكة قبل ~~الوقوف وإذا وصل قبل ذلك بأيام فطاف طواف القدوم فيمكث محرما إلى اليوم ~~السابع من ذي الحجة فيخطب الإمام بمكة خطبة بعد الظهر عند الكعبة ويأمر ~~الناس بالاستعداد للخروج إلى منى يوم التروية والمبيت بها وبالغدو منها إلى ~~عرفة لإقامة فرض الوقوف بعد الزوال إذ وقت الوقوف من الزوال إلى طلوع الفجر ~~الصادق من يوم النحر فينبغي أن يخرج إلى منى ملبيا ويستحب له المشي من مكة ~~في المناسك إلى انقضاء حجته إن قدر عليه والمشي من مسجد إبراهيم عليه ~~السلام إلى الموقف أفضل وآكد # فإذا انتهى إلى منى قال اللهم هذه منى فامنن علي بما مننت به على أوليائك ~~وأهل طاعتك وليمكث هذه الليلة بمنى وهو مبيت منزل لا يتعلق به نسك فإذا ~~أصبح يوم عرفة صلى الصبح فإذا طلعت الشمس على ثبير سار إلى عرفات ويقول ~~اللهم أجعلها خير غدوة غدوتها قط واقربها من رضوانك وأبعدها من سخطك اللهم ~~إليك غدوت وإياك ms0414 رجوت وعليك اعتمدت ووجهك أردت فاجعلني ممن تباهي به اليوم ~~من هو خير مني وأفضل # فإذا أتى عرفات فليضرب خباءه بنمرة قريبا من المسجد فثم ضرب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قبته (1) ونمرة هي بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة ~~وليغتسل للوقوف فإذا زالت الشمس خطب الإمام خطبة وجيزة وقعد وأخذ المؤذن في ~~المؤذن في الأذان والإمام في الخطبة الثانية ووصل الإقامة بالأذان وفرغ ~~الإمام مع تمام إقامة المؤذن ثم جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين وقصر ~~الصلاة وراح إلى الموقف فليقف بعرفة ولا يقفن في وادي عرنة وأما مسجد ~~إبراهيم عليه السلام فصدره في الوادي وأخرياته من عرفة فمن وقف في صدر ~~المسجد لم يحصل له الوقوف بعرفة # ويتميز مكان عرفة من المسجد بصخرات كبار فرشت ثم # والأفضل أن يقف عند الصخرات بقرب الإمام مستقبلا للقبلة راكبا وليكثر من ~~أنواع التحميد والتسبيح والتهليل والثناء على الله عز وجل والدعاء والتوبة # ولا يصوم في هذا اليوم ليقوى على المواظبة على الدعاء # ولا يقطع التلبية يوم عرفة بل الأحب أن يلبي تارة ويكب على الدعاء أخرى # وينبغي أن لا ينفصل من طرف عرفة إلا بعد الغروب ليجمع في عرفة بين الليل ~~والنهار وإن أمكنه الوقوف يوم الثامن ساعة عند إمكان الغلط في الهلال فهو ~~الحزم وبه الأمن من الفوات # ومن فاته الوقوف حتى طلع الفجر يوم النحر فقد فاته الحج فعليه أن يتحلل ~~عن إحرامه بأعمال العمرة ثم يريق دما لأجل الفوات ثم يقضي العام الآتي ~~وليكن أهم اشتغاله في هذا اليوم الدعاء ففي مثل تلك البقعة ومثل ذلك الجمع ~~ترجى إجابة الدعوات # والدعاء المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) وعن السلف ~~PageV01P253 # في يوم عرفة أول ما يدعو به فليقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له ~~الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير # اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا وفي لساني ms0415 نورا # اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري وليقل # اللهم رب الحمد لك الحمد كما تقول وخيرا مما نقول لك صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي وإليك مآبي وإليك ثوابي # اللهم إني أعوذ بك من وساوس الصدر وشتات الأمر وعذاب القبر # اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل ومن شر ما يلج في النهار ومن شر ~~ما تهب به الرياح ومن شر بوائق الدهر # اللهم إني أعوذ بك من تحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك # اللهم اهدني بالهدى واغفر لي في الآخرة والأولى يا خير مقصود وأسنى منزول ~~به وأكرم مسئول ما لديه أعطني العشية أفضل ما أعطيت أحدا من خلقك وحجاج ~~بيتك يا أرحم الراحمين # اللهم يا رفيع الدرجات ومنزل البركات ويا فاطر الأرضين والسموات ضجت إليك ~~الأصوات بصنوف اللغات يسألونك الحاجات وحاجتي إليك أن لا تنساني في دار ~~البلاء إذا نسيني أهل الدنيا # اللهم إنك تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سري وعلانيتي ولا يخفى عليك شيء ~~من أمري أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المعترف بذنه ~~أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل وأدعوك دعاء الخائف ~~الضرير دعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عبرته وذل لك جسده ورغم لك أنفه # اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا وكن بي رءوفا رحيما يا خير المسئولين ~~وأكرم المعطين # إلهي من مدح لك نفسه فإني لائم نفسي # إلهي أخرست المعاصي لساني فما لي وسيلة عن عمل ولا شفيع سوى الأمل # إلهي إني أعلم أن ذنوبي لم تبق لي عندك جاها ولا للاعتذار وجها ولكنك ~~أكرم الأكرمين # إلهي إن لم أكن أهلا أن أبلغ رحمتك فإن رحمتك أهل أن تبلغني ورحمتك وسعت ~~كل شيء وأنا شيء # إلهي إن ذنوبي وإن كانت عظاما ولكنها صغار في جنب عفوك فاغفرها لي يا ~~كريم # إلهي أنت أنت وأنا أنا أنا العواد إلى الذنوب وأنت العواد إلى المغفرة # إلهي إن كنت لا ترحم إلا أهل طاعتك فإلى من يفزع المذنبون # إلهي تجنبت عن ms0416 طاعتك عمدا وتوجهت إلى معصيتك قصدا فسبحانك ما أعظم حجتك ~~علي وأكرم عفوك عني فبوجوب حجتك علي وانقطاع حجتي عنك وفقري إليك وغناك عني ~~إلا غفرت لي يا خير من دعاه داع وأفضل من رجاه راج بحرمة الإسلام وبذمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم أتوسل إليك فاغفر لي جميع ذنوبي واصرفني من موقفي ~~هذا مقضي الحوائج وهب لي ما سالت وحقق رجائي فيما تمنيت # إلهي دعوتك بالدعاء الذي علمتنيه فلا تحرمني الرجاء الذي عرفتنيه # إلهي ما أنت صانع العشية بعبد مقر لك بذنبه خاشع لك بذلته مستكين بجرمه ~~متضرع إليك من عمله تائب إليك من اقترافه مستغفر لك من ظلمه مبتهل إليك في ~~العفو عنه طالب إليك نجاح حوائجه راج إليك في موقفه مع كثرة ذنوبه فيا ملجأ ~~كل حي وولي كل مؤمن من أحسن فبرحمتك يفوز ومن أخطأ فبخطيئته يهلك # اللهم إليك خرجنا وبفنائك أنخنا وإياك أملنا وما عندك طلبنا ولإحسانك ~~تعرضنا ورحمتك رجونا ومن عذابك أشفقنا وإليك بأثقال الذنوب هربنا ولبيتك ~~الحرام حججنا يا من يملك حوائج السائلين ويعلم ضمائر الصامتين يا من ليس ~~معه رب يدعى ويا من ليس فوقه خالق يخشى ويا من ليس له وزير يؤتى ولا حاجب ~~يرشى يا من لا يزداد على كثرة السؤال إلا جودا وكرما وعلى كثرة الحوائج إلا ~~تفضلا وإحسانا # اللهم إنك جعلت لكل ضيف قرى ونحن أضيافك فاجعل قرانا منك الجنة # اللهم إن لكل وفد جائزة ولكل زائر كرامة ولكل سائل عطية ولكل راج ثوابا ~~ولكل ملتمس لم عندك جزاء ولكل PageV01P254 # مسترحم عندك رحمة ولكل راغب إليك زلفى ولكل متوسل إليك عفوا وقد وفدنا ~~إلى بيتك الحرام ووقفنا بهذه المشاعر العظام وشهدنا هذه المشاهد الكرام ~~رجاء لما عندك فلا تخيب رجاءنا # إلهنا تابعت النعم حتى اطمأنت الأنفس بتتابع نعمك وأظهرت العبر حتى نطقت ~~الصوامت بحجتك وظاهرت المنن حتى اعترف أولياؤك بالتقصير عن حقك وأظهرت ~~الآيات حتى أفصحت السموات والأرضون بأدلتك وقهرت بقدرتك حتى خضع كل شيء ~~لعزتك وعنت الوجوه ms0417 لعظمتك إذا أساءت عبادك حلمت وأمهلت وإن أحسنوا تفضلت ~~وقبلت وإن عصوا سترت وإن أذنبوا عفوت وغفرت وإذا دعونا أجبت وإذا نادينا ~~سمعت وإذا أقبلنا إليك قربت وإذا ولينا عنك دعوت # إلهنا إنك قلت في كتابك المبين لمحمد خاتم النبيين {قل للذين كفروا إن ~~ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} فأرضاك عنهم بالإقرار بكلمة التوحيد بعد الجحود ~~وإنا نشهد لك بالتوحيد مخبتين ولمحمد بالرسالة مخلصين فاغفر لنا بهذه ~~الشهادة سوالف الإجرام ولا تجعل حظنا فيه أنقص من حظ من دخل في الإسلام # إلهنا إنك أحببت التقرب إليك بعتق ما ملكت أيماننا ونحن عبيدك وأنت أولى ~~بالتفضل فأعتقنا # وإنك أمرتنا أن نتصدق على فقرائنا ونحن فقراؤك وأنت أحق بالتطول فتصدق ~~علينا # ووصيتنا بالعفو عمن ظلمنا وقد ظلمنا أنفسنا وأنت أحق بالكرم فاعف عنا # ربنا اغفر لنا وارحمنا أنت مولانا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا برحمتك عذاب النار # وليكثر من دعاء الخضر عليه السلام وهو أن يقول يا من لا يشغله شأن عن شأن ~~ولا سمع عن سمع ولا تشتبه عليه الأصوات يا من لا تغلطه المسائل ولا تختلف ~~عليه اللغات يا من لا يبرمه إلحاح الملحين ولا تضجره مسألة السائلين أذقنا ~~برد عفوك وحلاوة مناجاتك # وليدع بما بدا له وليستغفر له ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات وليلح ~~في الدعاء وليعظم المسألة فإن الله لا يتعاظمه شيء وقال مطرف بن عبد الله ~~هو بعرفة اللهم لا ترد الجميع من أجلي # وقال بكر المزني قال رجل لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غفر لهم ~~لولا أني كنت فيهم ### |||| الجملة السابعة في بقية أعمال الحج بعد الوقوف من المبيت والرمي والنحر والحلق والطواف # فإذا أفاض من عرفة بعد غروب الشمس فينبغي أن يكون على السكينة والوقار ~~وليجتنب وجيف الخيل وإيضاع الإبل كما يعتاده بعض الناس فإن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن وجيف الخيل وإيضاع الإبل وقال اتقوا الله وسيروا ~~سيرا جميلا لا تطأوا ضعيفا ولا تؤذوا ms0418 مسلما (1) # فإذا بلغ المزدلفة اغتسل لها لأن المزدلفة من الحرم فليدخله بغسل وإن قدر ~~على دخوله ماشيا فهو أفضل وأقرب إلى توقير الحرم ويكون في الطريق رافعا ~~صوته بالتلبية فإذا بلغ المزدلفة قال اللهم إن هذه مزدلفة جمعت فيها ألسنة ~~مختلفة تسألك حوائج مؤتنفه فاجعلني ممن دعاك فاستجبت له وتوكل عليك فكفيته ~~ثم يجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة في وقت العشاء قاصرا له بأذان وإقامتين ~~ليس بينهما نافلة ولكن يجمع نافلة المغرب والعشاء والوتر بعد الفريضتين ~~ويبدأ بنافلة المغرب ثم بنافلة العشاء كما في الفريضتين فإن ترك النوافل في ~~السفر خسران ظاهر وتكليف إيقاعها في الأوقات إضرار وقطع للتبعية بينهما ~~وبين الفرائض فإذا جاز أن يؤدي النوافل مع الفرائض بتيمم واحد بحكم التبعية ~~فبأن يجوز أداؤهما على حكم الجمع بالتبعية أولى ولا يمنع من هذا مفارقة ~~النفل للفرض في جواز أدائه على الراحلة لما أو مأنا إليه من التبعية ~~والحاجة # ثم يمكث تلك الليلة PageV01P255 # بمزدلفة وهو مبيت نسك ومن خرج منها في النصف الأول من الليل ولم يبت ~~فعليه دم وإحياء هذه الليلة الشريفة من محاسن القربات لمن يقدر عليه ثم إذا ~~انتصف الليل يأخذ في التأهب للرحيل ويتزود الحصى منها ففيها أحجار رخوة ~~فليأخذ سبعين حصاة فإنها قدر الحاجة ولا بأس بأن يستظهر بزيادة فربما يسقط ~~منه بعضها ولتكن الحصى خفافا بحيث يحتوي عليه أطراف البراجم # ثم ليغلس بصلاة الصبح وليأخذ في المسير حتى إذا انتهى إلى المشعر الحرام ~~وهو آخر المزدلفة فيقف ويدعو إلى الإسفار ويقول اللهم بحق المشعر الحرام ~~والبيت الحرام والشهر الحرام والركن والمقام أبلغ روح محمد منا التحية ~~والسلام وأدخلنا دار السلام يا ذا الجلال والإكرام ثم يدفع منها قبل طلوع ~~الشمس حتى ينتهي إلى موضع يقال له وادي محسر فيستحب له أن يحرك دابته حتى ~~يقطع عرض الوادي وإن كان راجلا أسرع في المشي # ثم إذا أصبح يوم النحر خلط التلبية بالتكبير فيلبي تارة ويكبر أخرى ~~فينتهي إلى منى ومواضع الجمرات وهي ثلاثة فيتجاوز ms0419 الأولى والثانية فلا شغل ~~له معهما يوم النحر حتى ينتهي إلى جمرة العقبة وهي على يمين مستقبل القبلة ~~في الجادة والمرمى مرتفع قليلا في سفح الجبل وهو ظاهر بمواقع الجمرات ويرمي ~~جمرة العقبة بعد طلوع الشمس بقدر رمح وكيفيته أن يقف مستقبلا القبلة وإن ~~استقبل الجمرة فلا بأس ويرمي سبع حصيات رافعا يده ويبدل التلبية بالتكبير ~~ويقول مع كل حصاة الله أكبر على طاعة الرحمن ورغم الشيطان اللهم تصديقا ~~بكتابك واتباعا لسنة نبيك فإذا رمى قطع التلبية والتكبير إلا التكبير عقيب ~~فرائض الصلوات من ظهر يوم النحر إلى عقيب الصبح من آخر أيام التشريق ولا ~~يقف في هذا اليوم للدعاء بل يدعو في منزله # وصفة التكبير أن يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا والحمد لله ~~كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصين له ~~الدين ولو كره الكافرون لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم ~~الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر ثم ليذبح الهدي إن كان معه ~~والأولى أن يذبح بنفسه وليقل بسم الله والله أكبر اللهم منك وبك وإليك تقبل ~~مني كما تقبلت من خليلك إبراهيم والتضحية بالبدن أفضل ثم بالبقر ثم بالشاة ~~والشاة أفضل من مشاركة ستة في البدنة أو البقرة والضأن أفضل من المعز قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الأضحية الكبش الأقرن والبيضاء أفضل من ~~الغبراء والسوداء (1) وقال أبو هريرة البيضاء أفضل في الأضحى من دم سوداوين ~~وليأكل منه إن كانت من هدي التطوع ولا يضحين بالعرجاء والجدعاء والعضباء ~~والجرباء والشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة والعجفاء والجدع في الأنف ~~والأذن للقطع منهما والعضب في القرن وفي نقصان القوائم والشرقاء المشقوقة ~~الأذن من فوق والخرقاء من أسفل والمقابلة المخروقة في الأذن من قدام ~~والمدابرة من خلف والعجفاء المهزولة التي لا تنقى أي لا مخ فيها من الهزال ~~ثم ليحلق بعد ذلك والسنة أن يستقبل القبلة ويبتدىء بمقدم رأسه فيحلق الشق ~~الأيمن إلى العظمين ms0420 المشرفين على القفا ثم ليحلق الباقي ويقول اللهم أثبت ~~لي بكل شعرة حسنة وامح عني بها سيئة وارفع لي بها عندك درجة والمرأة تقصر ~~الشعر والأصلع يستحب له إمرار الموسى على رأسه ومهما حلق بعد رمي الجمرة ~~فقد حصل له التحلل الأول وحل له كل المحذورات إلا النساء والصيد # ثم يفيض إلى مكة ويطوف كما وصفناه وهذا الطواف طواف ركن في الحج ويسمى ~~طواف الزيارة وأول وقته بعد نصف الليل من ليلة النحر وأفضل وقته يوم النحر ~~ولا آخر لوقته بل له أن يؤخر إلى أي وقت شاء ولكن يبقى مقيدا بعلقة الإحرام ~~فلا تحل له النساء إلى أن يطوف فإذا طاف تم التحلل وحل الجماع وارتفع ~~الإحرام بالكلية ولم يبق PageV01P256 # إلا رمي أيام التشريق والمبيت بمنى وهي واجبات بعد زوال الإحرام على سبيل ~~الإتباع للحق وكيفية هذا الطواف مع الركعتين كما سبق في طواف القدوم فإذا ~~فرغ من الركعتين فليسع كما وصفنا إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم وإن كان قد ~~سعى فقد وقع ذلك ركنا فلا ينبغي أن يعيد السعي # وأسباب التحلل ثلاثة الرمي والحلق والطواف الذي هو ركن # ومهما أتى باثنين من هذه الثلاثة فقد تحلل أحد التحللين ولا حرج عليه في ~~التقديم والتأخير بهذه الثلاث مع الذبح ولكن الأحسن أن يرمي ثم يذبح ثم ~~يحلق ثم يطوف # والسنة للإمام في هذا اليوم أن يخطب بعد الزوال وهي خطبة وداع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ففي الحج أربع خطب خطبة يوم السابع وخطبة يوم عرفة ~~وخطبة يوم النحر (1) وخطبة يوم النفر الأول وكلها عقيب الزوال وكلها إفراد ~~إلا خطبة يوم عرفة فإنها خطبتان بينهما جلسة # ثم إذا فرغ من الطواف عاد إلى منى للمبيت والرمي فيبيت تلك الليلة بمنى ~~وتسمى ليلة القر لأن الناس في غد يقرون بمنى ولا ينفرون # فإذا أصبح اليوم الثاني من العيد وزالت الشمس اغتسل للرمي وقصد الجمرة ~~الأولى التي تلي عرفة وهي على يمين الجادة ويرمى إليها بسبع حصيات فإذا ms0421 ~~تعداها انحرف قليلا عن يمين الجادة ووقف مستقبل القبلة وحمد الله تعالى ~~وهلل وكبر ودعا مع حضور القلب وخشوع الجوارح ووقف مستقبل القبلة قدر قراءة ~~سورة البقرة مقبلا على الدعاء ثم يتقدم إلى الجمرة الوسطى ويرمي كما رمى ~~الأولى ويقف كما وقف للأولى ثم يتقدم إلى جمرة العقبة ويرمي سبعا ولا يعرج ~~على شغل بل يرجع إلى منزله ويبيت تلك الليلة بمنى وتسمى هذه الليلة ليلة ~~النفر الأول ويصبح فإذا صلى الظهر في اليوم الثاني من أيام التشريق رمى في ~~هذا اليوم إحدى وعشرين حصاة كاليوم الذي قبله # ثم هو مخير بين المقام بمنى وبين العود إلى مكة # فإن خرج من منى قبل غروب الشمس فلا شيء عليه وإن صبر إلى الليل فلا يجوز ~~له الخروج بل لزمه المبيت حتى يرمي في يوم النفر الثاني أحدا وعشرين حجرا ~~كما سبق # وفي ترك المبيت والرمي إراقة دم وليتصدق باللحم # وله أن يزور البيت في ليالي منى بشرط أن لا يبيت إلا بمنى كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك (2) ولا يتركن حضور الفرائض مع الإمام في مسجد ~~الخيف فإن فضله عظيم فإذا أفاض من منى فالأولى أن يقيم بالمحصب من منى ~~ويصلي العصر والمغرب والعشاء ويرقد رقدة (3) فهو السنة # رواه جماعة من الصحابة رضي الله عنهم فإن لم يفعل ذلك فلا شيء عليه ### |||| الجملة الثامنة في صفة العمرة وما بعدها إلى طواف الوداع # من أراد أن يعتمر قبل حجه أو بعده كيفما أراد فليغتسل ويلبس ثياب الإحرام ~~كما سبق في الحج ويحرم بالعمرة من ميقاتها وأفضل مواقيتها الجعرانة ثم ~~التنعيم ثم الحديبية # وينوي العمرة ويلبي ويقصد مسجد عائشة رضي الله PageV01P257 # عنها ويصلي ركعتين ويدعو بما شاء ثم يعود إلى مكة وهو يلبي حتى يدخل ~~المسجد الحرام فإذا دخل المسجد ترك التلبية وطاف سبعا وسعى سبعا كما وصفنا ~~فإذا فرغ حلق رأسه وقد تمت عمرته والمقيم بمكة ينبغي أن يكثر الاعتمار ~~والطواف وليكثر النظر إلى البيت فإذا دخله فليصل ركعتين ms0422 بين العمودين فهو ~~الأفضل وليدخله حافيا موقرا # قيل لبعضهم هل دخلت بيت ربك اليوم فقال والله ما أرى هاتين القدمين أهلا ~~للطواف حول بيت ربي فكيف أراهما أهلا لأن أطأ بهما بيت ربي وقد علمت حيث ~~مشيتا وإلى أين مشيتا وليكثر شرب ماء زمزم وليستق بيده من غير استنابة إن ~~أمكنه وليرتو منه حتى يتضلع وليقل اللهم اجعله شفاء من كل داء وسقم وارزقني ~~الإخلاص واليقين والمعافاة في الدنيا والآخرة قال صلى الله عليه وسلم ماء ~~زمزم لما شرب له (1) أي يشفي ما قصد به ### |||| الجملة التاسعة في طواف الوداع # مهما عن له الرجوع إلى الوطن بعد الفراغ من إتمام الحج والعمرة فلينجز ~~أولا أشغاله وليشد رحاله وليجعل آخر أشغاله وداع البيت ووداعه بأن يطوف به ~~سبعا ما سبق ولكن من غير رمل واضطباع فإذا فرغ منه صلى ركعتين خلف المقام ~~وشرب من ماء زمزم ثم يأتي الملتزم ويدعو ويتضرع ويقول اللهم إن البيت بيتك ~~والعبد عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك حتى سيرتني ~~في بلادك وبلغتني بنعمتك حتى أعنتني على قضاء مناسكك فإن كنت رضيت عني ~~فازدد عني رضا وإلا فمن الآن قبل تباعدي عن بيتك هذا أوان انصرافي إن أذنت ~~لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك # اللهم أصحبني العافية في بدني والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني ~~طاعتك أبدا ما أبقيتني واجمع لي خير الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير # اللهم لا تجعل هذا آخر عهدي ببيتك الحرام وإن جعلته آخر عهدي فعوضني عنه ~~الجنة والأحب أن لا يصرف بصره عن البيت حتى يغيب عنه ### |||| الجملة العاشرة في زيارة المدينة وآدابها # قال صلى الله عليه وسلم من زارني بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي (2) ~~وقال صلى الله عليه وسلم من وجد سعة ولم يفد إلي فقد جفاني (3) وقال صلى ~~الله عليه وسلم من جاءني زائرا لا يهمه إلا زيارتي كان حقا على الله سبحانه ~~أن ms0423 أكون له شفيعا (4) فمن قصد زيارة المدينة فليصل على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في طريقه كثيرا # فإذا وقع بصره على حيطان المدينة وأشجاره قال اللهم هذا حرم رسولك فاجعله ~~لي وقاية من النار وأمانا من العذاب وسوء الحساب وليغتسل قبل الدخول من بئر ~~الحرة وليتطيب وليلبس أنظف ثيابه فإذا دخلها فليدخلها PageV01P258 # متواضعا معظما وليقل بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم رب ~~أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ثم يقصد ~~المسجد ويدخله ويصلي بجنب المنبر ركعتين ويجعل عمود المنبر حذاء منكبه ~~الأيمن ويستقبل السارية التي إلى جانبها الصندوق وتكون الدائرة التي في ~~قبلة المسجد بين عينيه فذلك موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يغير ~~المسجد وليجتهد أن يصلي في المسجد الأول قبل أن يزاد فيه ثم يأتي قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيقف عند وجهه وذلك بأن يستدبر القبلة ويستقبل جدار ~~القبر على نحو من أربعة أذرع من السارية التي في زاوية جدار القبر ويجعل ~~القنديل على رأسه وليس من السنة أن يمس الجدار ولا أن يقبله بل الوقوف من ~~بعد أقرب للإحترام فيقف ويقول السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا نبي ~~الله السلام عليك يا أمين الله السلام عليك يا حبيب الله السلام عليك يا ~~صفوة الله السلام عليك يا خيرة الله السلام عليك يا أحمد السلام السلام ~~عليك يا محمد السلام عليك يا أبا القاسم السلام عليك يا ماحي السلام عليك ~~يا عاقب السلام عليك يا حاشر السلام عليك يا بشير السلام عليك يا نذير ~~السلام عليك يا طهر السلام عليك يا طاهر السلام عليك يا أكرم ولد آدم ~~السلام عليك يا سيد المرسلين السلام عليك يا خاتم النبيين السلام عليك يا ~~رسول رب العالمين السلام عليك يا قائد الخير السلام عليك يا فاتح البر ~~السلام عليك يا نبي الرحمة السلام عليك يا هادي الأمة السلام عليك يا قائد ~~الغر المحجلين ms0424 السلام عليك وعلى أهل بيتك الذين أذهب الله عنهم الرجس ~~وطهرهم تطهيرا السلام عليك وعلى أصحابك الطيبين وعلى أزواجك الطاهرات أمهات ~~المؤمنين جزاك الله عنا أفضل ما جزى نبيا عن قومه ورسولا عن أمته وصلى عليك ~~كلما ذكرك الذاكرون وكلما غفل عنك الغافلون وصلى عليك في الأولين والآخرين ~~أفضل وأكمل وأعلى وأجل وأطيب وأطهر ما صلى على أحد من خلقه كما استنقذنا بك ~~من الضلالة وبصرنا بك من العماية وهدانا بك من الجهالة أشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أنك عبده ورسوله وأمينه وصفيه وخيرته من خلقه ~~وأشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت عدوك وهديت ~~أمتك وعبدت ربك حتى أتاك اليقين فصلى الله عليك وعلى أهل بيتك الطيبين وسلم ~~وشرف وكرم وعظم وإن كان قد أوصي بتبليغ سلام فيقول السلام عليك من فلان ~~السلام عليك من فلان # ثم يتأخر قدر ذراع ويسلم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأن رأسه عند ~~منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأس عمر رضي الله عنه عند منكب أبي بكر ~~رضي الله عنه # ثم يتأخر قدر ذراع ويسلم على الفاروق عمر رضي الله عنه ويقول السلام ~~عليكما يا وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعاونين له على القيام ~~بالدين ما دام حيا والقائمين في أمته بعده بأمور الدين تتبعان في ذلك آثاره ~~وتعملان بسنته فجزاكما الله خير ما جزى وزيري نبي عن دينه ثم يرجع فيقف عند ~~رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بين القبر والاسطوانة اليوم ويستقبل ~~القبلة وليحمد الله عز وجل وليمجده وليكثر من الصلاة على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم يقول اللهم إنك قد قلت وقولك الحق ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ~~اللهم إنا قد سمعنا قولك وأطعنا أمرك وقصدنا نبيك متشفعين به إليك في ~~ذنوبنا وما أثقل ظهورنا من أوزارنا تائبين من زللنا معترفين بخطايانا ms0425 ~~وتقصيرنا فتب اللهم علينا وشفع نبيك هذا فينا وارفعنا بمنزلته عندك وحقه ~~عليك # اللهم اغفر للمهاجرين والأنصار واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان اللهم لا تجعله آخر العهد من قبر نبيك ومن حرمك يا أرحم الراحمين # ثم يأتي الروضة فيصلي فيها ركعتين ويكثر من الدعاء ما استطاع لقوله صلى ~~الله عليه وسلم PageV01P259 # ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي (1) ويدعو عند ~~المنبر ويستحب أن يضع يده على الرمانة السفلى التي كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يضع يده عليها عند الخطبة (2) ويستحب له أن يأتي أحدا يوم الخميس ~~ويزور قبور الشهداء فيصلي الغداة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخرج ~~ويعود إلى المسجد لصلاة الظهر فلا يفوته فريضة في الجماعة في المسجد # ويستحب أن يخرج كل يوم إلى البقيع بعد السلام على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويزور قبر عثمان رضي الله عنه وقبر الحسن بن علي رضي الله عنهما ~~وفيه أيضا قبر علي ابن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد رضي الله عنهم ~~ويصلي في مسجد فاطمة رضي الله عنها ويزور قبر إبراهيم ابن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقبر صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك كله ~~بالبقيع # ويستحب له أن يأتي مسجد قباء في كل سبت ويصلي فيه لما روي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال من خرج من بيته حتى يأتي مسجد قباء ويصلي فيه كان ~~له عدل عمرة (3) ويأتي بئر أريس يقال أن النبي صلى الله عليه وسلم تفل فيها ~~وهي عند المسجد فيتوضأ منها ويشرب من مائها (4) ويأتي مسجد الفتح وهو على ~~الخندق # وكذا يأتي سائر المساجد والمشاهد ويقال إن جميع المشاهد والمساجد ~~بالمدينة ثلاثون موضعا يعرفها أهل البلد فيقصد ما قدر عليه وكذلك يقصد ~~الآبار التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ منها ويغتسل ويشرب ~~منها (5) وهي سبع آبار طلبا للشفاء PageV01P260 # وتبركا به صلى الله عليه وسلم ms0426 وإن أمكنه الإقامة بالمدينة مع مراعاة ~~الحرمة فلها فضل عظيم قال صلى الله عليه وسلم لا يصبر على لأوائها وشدتها ~~أحد إلا كنت له شفيعا يوم القيامة (1) وقال صلى الله عليه وسلم من استطاع ~~أن يموت بالمدينة فليمت فإنه لن يموت بها أحد إلا كنت له شفيعا أو شهيدا ~~يوم القيامة (2) ثم إذا فرغ من أشغاله وعزم على الخروج من المدينة فالمستحب ~~أن يأتي القبر الشريف ويعيد دعاء الزيارة كما سبق ويودع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويسأل الله عز وجل أن يرزقه العودة إليه ويسأل السلامة في سفره # ثم يصلي ركعتين في الروضة الصغيرة وهي موضع مقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قبل أن زيدت المقصورة في المسجد فإذا خرج فليخرج رجله اليسرى أولا ثم ~~اليمنى وليقل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ولا تجعله آخر العهد بنبيك ~~وحط أوزاري بزيارته وأصحبني في سفري السلامة ويسر رجوعي إلى أهلي ووطني ~~سالما يا أرحم الراحمين وليتصدق على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بما قدر عليه وليتتبع المساجد التي بين المدينة ومكة فيصلي فيها وهي عشرون ~~موضعا ### |||| فصل في سنن الرجوع من السفر # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا # قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على رأس كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ~~ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده ~~وهزم الأحزاب وحده (3) وفي بعض الروايات وكل شيء هالك إلا وجهه له الحكم ~~وإليه ترجعون فينبغي أن يستعمل هذه السنة في رجوعه # وإذا أشرف على مدينته يحرك الدابة ويقول اللهم اجعل لنا بها قرارا ورزقا ~~حسنا # ثم ليرسل إلى أهله من يخبرهم بقدومه كي لا يقدم عليهم بغتة فذلك هو السنة ~~(4) ولا ينبغي أن يطرق أهله ليلا فإذا دخل البلد فليقصد المسجد أولا وليصل ~~ركعتين فهو السنة (5) كذلك كان يفعل ms0427 رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا دخل ~~بيته قال توبا توبا لربنا أو با لا يغادر علينا حوبا فإذا استقر في منزله ~~فلا ينبغي أن ينسى ما أنعم الله به عليه من زيارة بيته وحرمه وقبر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم فيكفر تلك النعمة بأن يعود إلى الغفلة واللهو والخوض في ~~المعاصي فما ذلك علامة الحج المبرور بل علامته أن يعود زاهدا في الدنيا ~~راغبا في الآخرة متأهبا للقاء رب البيت بعد لقاء البيت ### ||| الباب الثالث في الآداب الدقيقة والأعمال الباطنة ### |||| بيان دقائق الآداب وهي عشرة # الأول أن تكون النفقة حلالا وتكون اليد خالية من تجارة تشغل القلب وتفرق ~~الهم حتى يكون الهم مجردا PageV01P261 # لله تعالى والقلب مطمئنا منصرفا إلى ذكر الله تعالى وتعظيم شعائره # وقد روي في خبر من طريق أهل البيت إذا كان آخر الزمان خرج الناس إلى الحج ~~أربعة أصناف سلاطينهم للنزهة وأغنياؤهم للتجارة وفقراؤهم للمسألة وقراؤهم ~~للسمعة (1) وفي الخبر إشارة إلى جملة أغراض الدنيا التي يتصور أن تتصل ~~بالحج فكل ذلك مما يمنع فضيلة الحج ويخرجه عن حيز حج الخصوص لا سيما إذا ~~كان متجردا بنفس الحج بأن يحج لغيره بأجرة فيطلب الدنيا بعمل الآخرة # وقد كره الورعون وأرباب القلوب ذلك إلا أن يكون قصده المقام بمكة ولم يكن ~~له ما يبلغه فلا بأس أن يأخذ ذلك على هذا القصد لا ليتوصل بالدين إلى ~~الدنيا بل بالدنيا إلى الدين # فعند ذلك ينبغي أن يكون قصده زيارة بيت الله عز وجل ومعاونة أخيه المسلم ~~بإسقاط الفرض عنه # وفي مثله ينزل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الله سبحانه بالحجة ~~الواحدة ثلاثة الجنة الموصي بها والمنفذ لها ومن حج بها عن أخيه (2) ولست ~~أقول لا تحل الأجرة أو يحرم ذلك بعد أن أسقط فرض الإسلام عن نفسه ولكن ~~الأولى أن لا يفعل ولا يتخذ ذلك مكسبه ومتجره فإن الله عز وجل يعطي الدنيا ~~بالدين ولا يعطي الدين بالدنيا # وفي الخبر مثل الذي يغزو في سبيل ms0428 الله عز وجل ويأخذ أجرا مثل أم موسى ~~عليه السلام ترضع ولدها وتأخذ أجرها (3) فمن كان مثاله في أخذ الأجرة على ~~الحج مثال أم موسى فلا بأس بأخذه فإنه يأخذ ليتمكن من الحج والزيارة فيه ~~وليس يحج ليأخذ الأجرة بل يأخذ الأجرة ليحج كما كانت تأخذ أم موسى ليتيسر ~~لها الإرضاع بتلبيس حالها عليهم # الثاني أن لا يعاون أعداء الله سبحانه بتسليم المكس وهم الصادون عن ~~المسجد الحرام من أمراء مكة والأعراب المترصدين في الطريق # فإن تسليم المال إليهم إعانة على الظلم وتيسير لأسبابه عليهم فهو ~~كالإعانة بالنفس فليتلطف في حيلة الخلاص فإن لم يقدر فقد قال بعض العلماء ~~ولا بأس بما قاله إن ترك التنفل بالحج والرجوع عن الطريق أفضل من إعانة ~~الظلمة فإن هذه بدعة أحدثت وفي الانقياد لها ما يجعلها سنة مطردة وفيه ذل ~~وصغار على المسلمين ببذل جزية # ولا معنى لقول القائل إن ذلك يؤخذ مني وأنا مضطر فإنه لو قعد في البيت أو ~~رجع من الطريق لم يؤخذ منه شيء بل ربما يظهر أسباب الترفه فتكثر مطالبته ~~فلو كان في زي الفقراء لم يطالب فهو الذي ساق نفسه إلى حالة الاضطرار # الثالث التوسع في الزاد وطيب النفس بالبذل والإنفاق من غير تقتير ولا ~~إسراف بل على اقتصاد وأعني بالإسراف التنعم بأطيب الأطعمة والترفه بشرب ~~أنواعها على عادة المترقين # فأما كثرة البذل فلا سرف فيه إذ لا خير في السرف ولا سرف في الخير كما ~~قيل وبذل الزاد في طريق الحج نفقته في سبيل عز وجل والدرهم بسبعمائة درهم # قال ابن عمر رضي الله عنهما من كرم الرجل طيب زاده في سفره وكان يقول ~~أفضل الحاج أخلصهم نية وأزكاهم نفقة وأحسنهم يقينا وقال صلى الله عليه وسلم ~~الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة فقيل له يا رسول الله ما بر الحج فقال ~~طيب الكلام وإطعام الطعام (4) # الرابع ترك الرفث والفسوق PageV01P262 # والجدال كما نطق به القرآن # والرفث اسم جامع لكل لغو وخنى وفحش من الكلام ويدخل ms0429 فيه مغازلة النساء ~~ومداعبتهن والتحدث بشأن الجماع ومقدماته فإن ذلك يهيج داعية الجماع المحظور ~~والداعي إلى المحظور محظور # والفسق اسم جامع لكل خروج عن طاعة الله عز وجل # والجدال هو المبالغة في الخصومة والمماراة بما يورث الضغائن ويفرق في ~~الحال الهمة ويناقض حسن الخلق وقد قال سفيان من رفث فسد حجه # وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب الكلام مع إطعام الطعام من بر ~~الحج # والمماراة تناقض طيب الكلام فلا ينبغي أن يكون كثير الاعتراض على رفيقه ~~وجماله وعلى غيره من أصحابه بل يلين جانبه ويخفض جناحه للسائرين إلى بيت ~~الله عز وجل ويلزم حسن الخلق وليس حسن الخلق كف الأذى بل احتمال الأذى وقيل ~~سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال ولذلك قال عمر رضي الله عنه لمن ~~زعم أنه يعرف رجلا هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق قال ~~لا فقال ما أراك تعرفه # الخامس أن يحج ماشيا إن قدر عليه فذلك الأفضل أوصى عبد الله بن عباس رضي ~~الله عنهما بنيه عند موته فقال يا بني حجوا مشاة فإن للحاج الماشي بكل خطوة ~~يخطوها سبعمائة حسنة من حسنات الحرم قيل وما حسنات الحرم قال الحسنة بمائة ~~ألف والاستحباب في المشي في المناسك والتردد من مكة إلى الموقف وإلى منى ~~آكد منه في الطريق # وإن أضاف إلى المشي الإحرام من دويرة أهله فقد قيل إن ذلك من إتمام الحج ~~قاله عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم في معنى قوله عز وجل وأتموا الحج ~~والعمرة لله وقال بعض العلماء الركوب أفضل لما فيه من الإنفاق والمؤنة ~~ولأنه أبعد عن ضجر النفس وأقل لأذاه وأقرب إلى سلامته وتمام حجه # وهذا عند التحقيق ليس مخالفا للأول بل ينبغي أن يفصل ويقال من سهل عليه ~~المشي فهو أفضل فإن كان يضعف ويؤدي به ذلك إلى سوء الخلق وقصور عن عمل ~~فالركوب له أفضل كما أن الصوم للمسافر أفضل وللمريض ما لم يفض إلى ضعف وسوء ms0430 ~~خلق # وسئل بعض العلماء عن العمرة أيمشي فيها أو يكتري حمارا بدرهم فقال إن كان ~~وزن الدرهم أشد عليه فالكراء أفضل من المشي وإن كان المشي أشد عليه ~~كالأغنياء فالمشي له أفضل فكأنه ذهب فيه إلى طريق مجاهدة النفس وله وجه # ولكن الأفضل له أن يمشي ويصرف ذلك الدرهم إلى خير فهو أولى من صرفه إلى ~~المكاري عوضا عن ابتذال الدابة فإذا كانت لا تتسع نفسه للجمع بين مشقة ~~النفس ونقصان المال فما ذكره غير بعيد فيه # السادس أن لا يركب إلا زاملة أما المحمل فليجتنبه إلا إذا كان يخاف على ~~الزاملة أن لا يستمسك عليها لعذر وفيه معنيان أحدهما التخفيف على البعير ~~فإن المحمل يؤذيه # والثاني اجتنات زي المترفين المتكبرين حج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على راحلة وكان تحته رحل رث وقطيفة خلقة قيمتها أربعة دراهم (1) وطاف على ~~الراحلة لينظر الناس إلى هديه وشمائله (2) وقال صلى الله عليه وسلم خذوا ~~عني مناسككم (3) وقيل إن هذه المحامل أحدثها الحجاج وكان العلماء في وقته ~~ينكرونها فروى سفيان الثوري عن أبيه أنه قال برزت من الكوفة إلى القادسية ~~للحج ووافيت الرفاق من البلدان فرأيت الحاج كلهم على زوامل وجوالقات ورواحل ~~وما رأيت في جميعهم إلا محملين # وكان ابن عمر إذا نظر إلى ما أحدث الحجاج من الزي والمحامل يقول الحاج ~~قليل والركب كثير ثم نظر إلى رجل مسكين رث الهيئة تحته جوالق فقال هذا نعم ~~من الحجاج PageV01P263 # السابع أن يكون رث الهيئة أشعث أغبر غير مستكثر من الزينة ولا مائل إلى ~~أسباب التفاخر والتكاثر فيكتب في ديوان المتكبرين المترفهين ويخرج عن حزب ~~الضعفاء والمساكين وخصوص الصالحين فقد أمر صلى الله عليه وسلم بالشعث ~~والاختفاء (1) ونهى عن التنعم والرفاهية (2) في حديث فضالة بن عبيد وفي ~~الحديث إنما الحاج الشعث النفث (3) ويقول الله تعالى انظروا إلى زوار بيتي ~~قد جاءوني شعثا غبرا من كل فج عميق (4) وقال تعالى ثم ليقضوا تفثهم والتفث ~~الشعث والاغبرار وقضاؤه بالحلق وقص الشارب والأظفار # وكتب عمر بن ms0431 الخطاب رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد اخلولقوا واخشوشنوا ~~أي البسوا الخلقان واستعملوا الخشونة في الأشياء وقد قيل زين الحجيج أهل ~~اليمن لأنهم على هيئة التواضع والضعف وسيرة السلف # فينبغي أن يجتنب الحمرة في زيه على الخصوص والشهرة كيفما كانت على العموم ~~فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم كان في سفر فنزل أصحابه منزلا فسرحت الإبل ~~فنظر إلى أكسية حمر على الأقتاب فقال صلى الله عليه وسلم أرى هذه الحمرة قد ~~غلبت عليكم (5) قالوا فقمنا إليها ونزعناها عن ظهورها حتى شرد بعض الإبل # الثامن أن يرفق بالدابة فلا يحملها ما لا تطيق والمحمل خارج عن حد طاقتها ~~والنوم عليها يؤذيها ويثقل عليها كان أهل الورع لا ينامون على الدواب إلا ~~غفوة عن قعود وكانوا لا يقفون عليها الوقوف الطويل قال صلى الله عليه وسلم ~~لا تتخذوا ظهور دوابكم كراسي (6) ويستحب أن ينزل عن دابته غدوة وعشية ~~يروحها بذلك فهو سنة (7) وفيه آثار عن السلف # وكان بعض السلف يكتري بشرط أن لا ينزل ويوفي الأجرة ثم كان ينزل عنها ~~ليكون بذلك محسنا إلى الدابة فيكون في حسناته ويوضع في ميزانه لا في ميزان ~~المكاري # وكل من آذى بهيمة وحملها ما لا تطيق طولب به يوم القيامة قال أبو الدرداء ~~لبعير له عند الموت يا أيها البعير لا تخاصمني إلى ربك فإني لم أكن أحملك ~~فوق طاقتك # وعلى الجملة في كل كبد حراء أجر فليراع حق الدابة وحق المكاري جميعا وفي ~~نزوله ساعة ترويح الدابة وسرور قلب المكاري # قال رجل لابن المبارك احمل لي هذا الكتاب معك لتوصله فقال حتى استأمر ~~الجمال فإني قد اكتريت # فانظر كيف تورع من استصحاب كتاب لا وزن له وهو طريق الحزم في الورع فإنه ~~إذا فتح باب القليل انجر إلى الكثير يسيرا يسيرا # التاسع أن يتقرب بإراقة دم وإن لم يكن واجبا عليه ويجتهد أن يكون من سمين ~~النعم ونفيسه وليأكل منه إن كان تطوعا ولا يأكل منه إن كان واجبا قيل في ~~تفسير قوله ms0432 تعالى ذلك ومن يعظم شعائر الله إنه تحسينه وتسمينه # وسوق الهدي من الميقات أفضل إن كان لا يجهده ولا يكده وليترك المكاس في ~~شرائه فقد كانوا يغالون في ثلاث ويكرهون PageV01P264 # المكاس فيهن الهدي والأضحية والرقبة فإن أفضل ذلك أغلاه ثمنا وأنفسه عند ~~أهله وروى ابن عمر أن عمر رضي الله عنهما أهدى بختية فطلبت منه بثلثمائة ~~دينار فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشتري بثمنها بدنا ~~فنهاه عن ذلك وقال بل أهدها (1) وذلك لأن القليل الجيد خير من الكثير الدون ~~وفي ثلثمائة دينار قيمة ثلاثين بدنة وفيها تكثير اللحم ولكن ليس المقصود ~~اللحم إنما المقصود تزكية النفس وتطهيرها عن صفة البخل وتزيينها بجمال ~~التعظيم لله عز وجل ف {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى ~~منكم} وذلك يحصل بمراعاة النفاسة في القيمة كثر العدد أو قل وسأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما بر الحج فقال العج والثج (2) والعج هو رفع الصوت ~~بالتلبية والثج هو نحر البدن # وروت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما عمل ~~آدمي يوم النحر أحب إلى الله عز وجل من إهراقه دما وأنها لتأتي يوم القيامة ~~بقرونها وأظلافها وإن الدم يقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع بالأرض ~~فطيبوا بها نفسا (3) وفي الخبر لكم بكل صوفة من جلدها حسنة وكل قطرة من ~~دمها حسنة وإنها لتوضع في الميزان فابشروا (4) وقال صلى الله عليه وسلم ~~استنجدوا هداياكم فإنها مطاياكم يوم القيامة # العاشر أن يكون طيب النفس بما أنفقه من نفقة وهدي وبما أصابه من خسران ~~ومصيبة في مال أو بدن إن أصابه ذلك فإن ذلك من دلائل قبول حجه فإن المصيبة ~~في طريق الحج تعدل النفقة في سبيل الله عز وجل الدرهم بسبعمائة درهم بمثابة ~~الشدائد في طريق الجهاد فله بكل أذى احتمله وخسران أصابه ثواب فلا يضيع منه ~~شيء عند الله عز وجل # ويقال إن من علامة قبول الحج أيضا ترك ms0433 ما كان عليه من المعاصي وأن يتبدل ~~بإخوانه البطالين إخوانا صالحين وبمجالس اللهو والغفلة مجالس الذكر واليقظة ### |||| بيان الأعمال الباطنة ووجه الإخلاص في النية وطريق الاعتبار بالمشاهد # الشريفة وكيفية الافتكار فيها والتذكر لأسرارها ومعانيها من أول الحج إلى ~~آخره # اعلم أن أول الحج الفهم أعني فهم موقع الحج في الدين ثم الشوق إليه ثم ~~العزم عليه ثم قطع العلائق المانعة منه ثم شراء ثوب الإحرام ثم شراء الزاد ~~ثم اكتراء الراحلة ثم الخروج ثم المسير في البادية ثم الإحرام من الميقات ~~بالتلبية ثم دخول مكة ثم استتمام الأفعال كما سبق # وفي كل واحد من هذه الأمور تذكرة للمتذكر وعبرة للمعتبر وتنبيه للمريد ~~الصادق وتعريف وإشارة للفطن # فلنرمز إلى مفاتحها حتى إذا انفتح بابها وعرفت أسبابها انكشفت لكل حاج من ~~أسرارها ما يقتضيه صفاء قلبه وطهارة باطنه وغزارة فهمه # أما الفهم اعلم أنه لا وصول إلى الله سبحانه وتعالى إلا بالتنزه عن ~~الشهوات والكف عن اللذات والاقتصار على الضرورات فيها والتجرد لله سبحانه ~~في جميع الحركات والسكنات # ولأجل هذا انفرد الرهبانيون في الملل السالفة PageV01P265 # عن الخلق وانحازوا إلى قلل الجبال وآثروا التوحش عن الخلق لطلب الأنس ~~بالله عز وجل فتركوا لله عز وجل اللذات الحاضرة وألزموا أنفسهم المجاهدات ~~الشاقة طمعا في الآخرة وأثنى الله عز وجل عليهم في كتابه فقال {ذلك بأن ~~منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون} فلما اندرس ذلك وأقبل الخلق على ~~اتباع الشهوات وهجروا التجرد لعبادة الله عز وجل وفتروا عنه بعث الله عز ~~وجل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم لإحياء طريق الآخرة وتجديد سنة المرسلين ~~في سلوكها # فسأله أهل الملل عن الرهبانية والسياحة في دينه فقال صلى الله عليه وسلم ~~أبدلنا الله بها الجهاد والتكبير على كل شرف (1) يعني الحج # وسئل صلى الله عليه وسلم عن السائحين فقال هم الصائمون (2) فأنعم الله عز ~~وجل على هذه الأمة بأن جعل الحج رهبانية لهم فشرف البيت العتيق بالإضافة ~~إلى نفسه تعالى # ونصبه مقصدا لعباده وجعل ما حواليه حرما ms0434 لبيته تفخيما لأمره # وجعل عرفات كالميزاب على فناء حوضه وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره # ووضعه على مثال حضرة الملوك يقصده الزوار من كل فج عميق ومن كل أوب سحيق ~~شعثا غبرا متواضعين لرب البيت ومستكينين له خضوعا لجلاله واستكانة لعزته مع ~~الاعتراف بتنزيهه عن أن يحويه بيت أو يكتنفه بلد ليكون ذلك أبلغ في رقهم ~~وعبوديتهم وأتم في إذعانهم وانقيادهم # ولذلك وظف عليهم فيها أعمالا لا تأنس بها النفوس ولا تهتدي إلى معانيها ~~العقول كرمي الجمار بالأحجار والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار # وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية # فإن الزكاة إرفاق ووجهه مفهوم وللعقل إليه ميل # والصوم كسر للشهوة التي هي آلة عدو الله وتفرغ للعبادة بالكف عن الشواغل # والركوع والسجود في الصلاة تواضع لله عز وجل بأفعال هي هيئة التواضع ~~وللنفوس أنس بتعظيم الله عز وجل # فأما ترددات السعي ورمي الجمار وأمثال هذه الأعمال فلا حظ للنفوس ولا أنس ~~فيها ولا اهتداء للعقل إلى معانيها فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلا ~~الأمر المجرد وقصد الامتثال للأمر من حيث إنه أمر واجب الاتباع فقط وفيه ~~عزل للعقل عن تصرفه وصرف النفس والطبع عن محل أنسه فإن كل ما أدرك العقل ~~معناه مال الطبع إليه ميلا ما فيكون ذلك الميل معينا للأمر وباعثا معه على ~~الفعل فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ~~في الحج على الخصوص لبيك بحجة حقا تعبدا ورقا (3) ولم يقل ذلك في صلاة ولا ~~غيرها # وإذا اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالهم على ~~خلاف هوى طباعهم وأن يكون زمامها بيد الشرع فيترددون في أعمالهم على سنن ~~الانقياد وعلى مقتضى الاستعباد كان ما لا يهتدي إلى معانيه أبلغ أنواع ~~التعبدات في تزكية النفوس وصرفها عن مقتضى الطباع والأخلاق مقتضى الاسترقاق # وإذا تفطنت لهذا فهمت أن تعجب النفوس من هذه الأفعال العجيبة مصدره ~~الذهول عن أسرار التعبدات وهذا القدر كاف في تفهم أصل ms0435 الحج إن شاء الله ~~تعالى # وأما الشوق فإنما ينبعث بعد الفهم والتحقق بأن البيت بيت الله عز وجل ~~وأنه وضع على مثال حضرة الملوك PageV01P266 # فقاصده قاصد إلى الله عز وجل وزائر له وأن من قصد البيت في الدنيا جدير ~~بأن لا يضيع زيارته فيرزق مقصود الزيارة في ميعاده المضروب له وهو النظر ~~إلى وجه الله الكريم في دار القرار من حيث إن العين القاصرة الفانية في دار ~~الدنيا لا تتهيألقبول النظر إلى وجه الله عز وجل ولا تطيق احتماله ولا ~~تستعد للاكتحال به لقصورها وأنها إن أمدت في الدار الآخرة بالبقاء ونزهت عن ~~أسباب التغير والفناء استعدت للنظر والإبصار ولكنها بقصد البيت والنظر إليه ~~تستحق لقاء رب البيت بحكم الوعد الكريم # فالشوق إلى لقاء الله عز وجل يشوقه إلى أسباب اللقاء لا محالة هذا مع أن ~~المحب مشتاق إلى كل ماله إلى محبوبه إضافة والبيت مضاف إلى الله عز وجل ~~فبالحري أن يشتاق إليه لمجرد هذه الإضافة فضلا عن الطلب لنيل ما وعد عليه ~~من الثواب الجزيل # وأما العزم فليعلم أنه بعزمه قاصدا إلى مفارقة الأهل والوطن ومهاجرة ~~الشهوات واللذات متوجها إلى زيارة بيت الله عز وجل وليعظم في نفسه قدر ~~البيت وقدر رب البيت وليعلم أنه عزم على أمر رفيع شأنه خطير أمره وأن من ~~طلب عظيما خاطر بعظيم # وليجعل عزمه خالصا لوجه الله سبحانه بعيدا عن شوائب الرياء والسمعة ~~وليتحقق أنه لا يقبل من قصده وعمله إلا الخالص وإن من أفحش الفواحش أن يقصد ~~بيت الله وحرمه والمقصود غيره # فليصحح مع نفسه العزم وتصحيحه بإخلاصه وإخلاصه باجتناب كل ما فيه رياء ~~وسمعة فليحذر أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير # وأما قطع العلائق فمعناه رد المظالم والتوبة الخالصة لله تعالى عن جملة ~~المعاصي فكل مظلمة علاقة وكل علاقة مثل غريم حاضر متعلق بتلابيبه ينادي ~~عليه ويقول إلى أين تتوجه أتقصد بيت ملك الملوك وأنت مضيع أمره في منزلك ~~هذا ومستهين به ومهمل له أولا تستحي أن تقدم ms0436 عليه قدوم العبد العاصي فيردك ~~ولا يقبلك فإن كنت راغبا في قبول زيارتك فنفذ أوامره ورد المظالم وتب إليه ~~أولا من جميع المعاصي واقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى ما وراءك لتكون ~~متوجها إليه بوجه قلبك كما أنك متوجه إلى بيته بوجه ظاهرك # فإن لم تفعل ذلك لم يكن لك من سفرك أولا إلا النصب والشقاء وآخرا إلا ~~الطرد والرد # وليقطع العلائق عن وطنه انقطع من قطع عنه وقدر أن لا يعود إليه وليكتب ~~وصيته لأولاده وأهله فإن المسافر وماله لعلى خطر إلا من وقى الله سبحانه # وليتذكر عند قطعه العلائق لسفر الحج قطع العلائق لسفر الآخرة فإن ذلك بين ~~يديه على القرب وما يقدمه من هذا السفر طمع في تيسير ذلك السفر فهو المستقر ~~وإليه المصير # فلا ينبغي أن يغفل عن ذلك السفر عند الاستعداد بهذا السفر # وأما الزاد فليطلبه من موضع حلال وإذا أحس من نفسه الحرص على استكثاره ~~وطلب ما يبقى منه على طول السفر ولا يتغير ولا يفسد قبل بلوغ المقصد ~~فليتذكر أن سفر الآخرة أطول من هذا السفر وأن زاده التقوى وأن ما عداه مما ~~يظن أنه زاده يتخلف عنه عند الموت ويخونه فلا يبقى معه كالطعام الرطب الذي ~~يفسد في أول منازل السفر فيبقى وقت الحاجة متحير محتاجا لا حيلة له # فليحذر أن تكون أعماله التي هي زاده إلى الآخرة لا تصحبه بعد الموت بل ~~يفسدها شوائب الرياء وكدورات التقصير # وأما الراحلة إذا أحضرها فليشكر الله بقلبه على تسخير الله عز وجل له ~~الدواب لتحمل عنه الأذى وتخفف عنه المشقة # وليتذكر عنده المركب الذي يركبه إلى دار الآخرة وهي الجنازة التي يحمل ~~عليها فإن أمر الحج من وجه يوازي أمر السفر إلى الآخرة ولينظر أيصلح سفره ~~على هذا المركب لأن يكون زادا له لذلك السفر على ذلك المركب فما أقرب ذلك ~~منه وما يدريه لعل الموت قريب ويكون ركوبه للجنازة قبل ركوبه للجمل وركوب PageV01P267 # الجنازة مقطوع به وتيسر أسباب السفر مشكوك فيه فكيف يحتاط ms0437 في أسباب السفر ~~المشكوك فيه ويستظهر في زاده وراحلته ويهمل أمر السفر المستيقن # وأما شراء ثوبي الإحرام فليتذكر عنده الكفن ولفه فيه فإنه فيه سيرتديه ~~ويتزر بثوبي الإحرام عند القرب من بيت الله عز وجل وربما لا يتم سفره إليه ~~وأنه سيلقى الله عز وجل ملفوفا في ثياب الكفن لا محالة فكما لا يلقى بيت ~~الله عز وجل إلا مخالفا عاداته في الزي والهيئة فلا يلقى الله عز وجل بعد ~~الموت إلا في زي مخالف لزي الدنيا وهذا الثوب قريب من ذلك الثوب إذ ليس فيه ~~مخيط كما في الكفن # وأما الخروج من البلد فليعلم عنده أنه فارق الأهل والوطن متوجها إلى الله ~~عز وجل في سفر لا يضاهي أسفار الدنيا فليحضر في قلبه أنه ماذا يريد وأين ~~يتوجه وزيارة من يقصد وأنه متوجه إلى ملك الملوك في زمرة الزائرين له الذين ~~نودوا فأجابوا وشوقوا فاشتاقوا واستنهضوا فنهضوا وقطعوا العلائق وفارقوا ~~الخلائق واقبلوا على بيت الله عز وجل الذي فخم أمره وعظم شأنه ورفع قدره ~~تسليا بلقاء البيت عن لقاء رب البيت إلى أن يرزقوا منتهى مناهم ويسعدوا ~~بالنظر إلى مولاهم وليحضر في قلبه رجاء الوصول والقبول لا إدلالا بأعماله ~~في الارتحال ومفارقة الأهل والمال ولكن ثقة بفضل الله عز وجل ورجاء لتحقيقه ~~وعده لمن زار بيته وليرج أنه إن لم يصل إليه وأدركته المنية في الطريق لقي ~~الله عز وجل وافدا إليه إذ قال جل جلاله {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ~~ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} # وأما دخول البادية إلى الميقات ومشاهدة تلك العقبات فليتذكر فيها ما بين ~~الخروج من الدنيا بالموت إلى ميقات يوم القيامة وما بينهما من الأهوال ~~والمطالبات وليتذكر من هول قطاع الطريق هول سؤال منكر ونكير ومن سباع ~~البوادي عقارب القبر وديدانه وما فيه من الأفاعي والحيات ومن انفراده من ~~أهله وأقاربه وحشة القبر وكربته ووحدته وليكن في هذه المخاوف في أعماله ~~وأقواله متزودا لمخاوف القبر # وأما الإحرام والتلبية ms0438 من الميقات فليعلم أن معناه إجابة نداء الله عز ~~وجل فارج أن تكون مقبولا واخش أن يقال لك لا لبيك ولا سعديك فكن بين الرجاء ~~والخوف مترددا وعن حولك وقوتك متبرئا وعلى فضل الله عز وجل وكرمه متكلا فإن ~~وقت التلبية هو بداية الأمر وهي محل الخطر # قال سفيان بن عيينة حج علي بن الحسين رضي الله عنهما فلما أحرم واستوت به ~~راحلته اصفر لونه وانتفض ووقعت عليه الرعدة ولم يستطع أن يلبي فقيل له لم ~~لا تلبي فقال أخشى أن يقال لي لا لبيك ولا سعديك فلما لبى غشي عليه ووقع عن ~~راحلته فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه وقال أحمد بن أبي الحواري كنت مع ~~أبي سليمان الداراني رضي الله عنه حين أراد الإحرام فلم يلب حتى سرنا ميلا ~~فأخذته الغشية ثم أفاق وقال يا أحمد إن الله سبحانه أوحى إلى موسى عليه ~~السلام مر ظلمة بني إسرائيل أن يقلوا من ذكري فإني أذكر من ذكرني منهم ~~باللعنة ويحك يا أحمد بلغني أن من حج من غير حله ثم لبى قال الله عز وجل لا ~~لبيك ولا سعديك حتى ترد ما في يديك فما نأمن أن يقال لنا ذلك # وليتذكر الملبي عند رفع الصوت بالتلبية في الميقات إجابته لنداء الله عز ~~وجل إذ قال {وأذن في الناس بالحج} ونداء الخلق بنفخ الصور وحشرهم من القبور ~~وازدحامهم في عرصات القيامة مجيبين لنداء الله سبحانه ومنقسمين إلى مقربين ~~وممقوتين ومقبولين ومردودين ومترددين في أول الأمر بين الخوف والرجاء تردد ~~الحاج في الميقات حيث لا يدرون أيتيسر لهم إتمام الحج وقبوله أم لا PageV01P268 # وأما دخول مكة فليتذكر عندها أنه قد انتهى إلى حرم الله تعالى آمنا وليرج ~~عنده أن يأمن بدخوله من عقاب الله عز وجل وليخش أن لا يكون أهلا للقرب ~~فيكون بدخوله الحرم خائبا ومستحقا للمقت وليكن رجاؤه في جميع الأوقات غالبا ~~فالكرم عميم والرب رحيم وشرف البيت عظيم وحق الزائر مرعي وذمام المستجير ~~اللائذ غير مضيع # وأما ms0439 وقوع البصر على البيت فينبغي أن يحضر عنده عظمة البيت في القلب ~~ويقدر كأنه مشاهد لرب البيت لشدة تعظيمه إياه وارج أن يرزقك الله تعالى ~~النظر إلى وجهه الكريم كما رزقك الله النظر إلى بيته العظيم واشكر الله ~~تعالى على تبليغه إياك هذه الرتبة وإلحاقه إياك بزمرة الوافدين عليه واذكر ~~عند ذلك انصباب الناس في القيامة إلى جهة الجنة آملين لدخولها كافة ثم ~~انقسامهم إلى مأذونين في الدخول ومصروفين انقسام الحاج إلى مقبولين ~~ومردودين ولا تغفل عن تذكر أمور الآخرة في شيء مما تراه فإن كل أحوال الحاج ~~دليل على أحوال الآخرة # وأما الطواف بالبيت فاعلم أنه صلاة فأحضر في قلبك فيه من التعظيم والخوف ~~والرجاء والمحبة ما فصلناه في كتاب الصلاة واعلم أنك بالطواف متشبه ~~بالملائكة المقربين الحافين حول العرش الطائفين حوله ولا تظنن أن المقصود ~~طواف جسمك بالبيت بل المقصود طواف قلبك بذكر رب البيت حتى لا تبتدىء الذكر ~~إلا منه ولا تختم إلا به كما تبتدىء الطواف من البيت وتختم بالبيت # واعلم أن الطواف الشريف هو طواف القلب بحضرة الربوبية وأن البيت مثال ~~ظاهر في عالم الملك لتلك الحضرة التي لا تشاهد بالبصر وهي عالم الملكوت كما ~~أن البدن مثال ظاهر في عالم الشهادة للقلب الذي لا يشاهد بالبصر وهو في ~~عالم الغيب # وأن عالم الملك والشهادة مدركة إلى عالم الغيب والملكوت لمن فتح الله له ~~الباب وإلى هذه الموازنة وقعت الإشارة بأن البيت المعمور في السموات بإزاء ~~الكعبة فإن طواف الملائكة به كطواف الأنس بهذا البيت ولما قصرت رتبة أكثر ~~الخلق عن مثل ذلك الطواف أمروا بالتشبه بهم بحسب الإمكان ووعدوا بأن من ~~تشبه بقوم فهو منهم (1) والذي يقدر على مثل ذلك الطواف هو الذي يقال إن ~~الكعبة تزوره وتطوف به على ما رآه بعض المكاشفين لبعض أولياء الله سبحانه ~~وتعالى # وأما الاستلام فاعتقد عنده أنك مبايع لله عز وجل على طاعته فصمم عزيمتك ~~على الوفاء ببيعتك فمن غدر في المبايعة استحق المقت وقد روى ابن ms0440 عباس رضي ~~الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الحجر الأسود يمين الله ~~عز وجل في الأرض يصافح بها خلقه كما يصافح الرجل أخاه (2) # وأما التعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم فلتكن نيتك في الالتزام ~~طلب القرب حبا وشوقا للبيت ولرب البيت وتبركا بالمماسة ورجاء للتحصن عن ~~النار في كل جزء من بدنك لا في البيت ولتكن نيتك في التعلق بالستر الإلحاح ~~في طلب المغفرة وسؤال الأمان كالمذنب المتعلق بثياب من أذنب إليه المتضرع ~~إليه في عفوه عنه المظهر له أنه لا ملجأ له منه إلا إليه ولا مفزع له إلا ~~كرمه وعفوه وأنه لا يفارق ذيله إلا بالعفو وبذل الأمن في المستقبل # وأما السعي بين الصفا والمروة في فناء البيت فإنه يضاهي تردد العبد بفناء ~~دار الملك جائيا وذاهبا مرة بعد أخرى PageV01P269 # إظهارا للخلوص في الخدمة ورجاء للملاحظة بعين الرحمة كالذي دخل على الملك ~~وخرج وهو لا يدري ما الذي يقضي به الملك في حقه من قبول أو رد فلا يزال ~~يتردد على فناء الدار مرة بعد أخرى يرجو أن يرحم في الثانية إن لم يرحم في ~~الأولى وليتذكر عند تردده بين الصفا والمروة تردده بين كفتي الميزان في ~~عرصات القيامة وليمثل الصفا بكفة الحسنات والمروة بكفة السيئات وليتذكر ~~تردده بين الكفتين ناظرا إلى الرجحان والنقصان مترددا بين العذاب والغفران # وأما الوقوف بعرفة فاذكر بما ترى من ازدحام الخلق وارتفاع الأصوات ~~وباختلاف اللغات واتباع الفرق أئمتهم في الترددات على المشاعر اقتفاء لهم ~~وسيرا بسيرهم عرصات القيامة واجتماع الأمم مع الأنبياء والأئمة واقتفاء كل ~~أمة نبيها وطمعهم في شفاعتهم وتحيرهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرد ~~والقبول وإذا تذكرت ذلك فألزم قلبك الضراعة والابتهال إلى الله عز وجل ~~فتحشر في زمرة الفائزين المرحومين وحقق رجاءك بالإجابة فالموقف شريف ~~والرحمة إنما تصل من حضرة الجلال إلى كافة الخلق بواسطة القلوب العزيزة من ~~أوتاد الأرض # ولا ينفك الموقف عن طبقة من الأبدال والأوتاد وطبقة من الصالحين وأرباب ~~القلوب فإذا ms0441 اجتمعت هممهم وتجردت للضراعة والابتهال قلوبهم وارتفعت إلى ~~الله سبحانه أيديهم وامتدت إلى أعناقهم وشخصت نحو السماء أبصارهم مجتمعين ~~بهمة واحدة على طلب الرحمة فلا تظنن أنه يخيب أملهم ويضيع سعيهم ويدخر عنهم ~~رحمة تغمرهم ولذلك قيل إن من أعظم الذنوب أن يحضر عرفات ويظن أن الله تعالى ~~لم يغفر له وكأن اجتماع الهمم والاستظهار بمجاورة الأبدال والأوتاد ~~المجتمعين من أقطار البلاد هو سر الحج وغاية مقصوده فلا طريق إلى استدرار ~~رحمة الله سبحانه مثل اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد # وأما رمي الجمار فاقصد به الانقياد للأمر إظهارا للرق والعبودية وانتهاضا ~~لمجرد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس فيه ثم اقصد به التشبه بإبراهيم ~~عليه السلام حيث عرض له إبليس لعنه الله تعالى في ذلك الموضع ليدخل على حجه ~~شبهة أو يفتنه بمعصية فأمره الله عز وجل أن يرميه بالحجارة طردا له وقطعا ~~لأمله # فإن خطر لك أن الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه وأما أنا فليس يعرض لي ~~الشيطان فاعلم أن هذا الخاطر من الشيطان وأنه الذي ألقاه في قلبك ليفتر ~~عزمك في الرمي ويخيل إليك أنه فعل لا فائدة فيه وأنه يضاهي اللعب فلم تشتغل ~~به فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير في الرمي فيه برغم أنف الشيطان # واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة وفي الحقيقة ترمي به وجه ~~الشيطان وتقصم به ظهره إذ لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله سبحانه ~~وتعالى تعظيما له بمجرد الأمر من غير حظ للنفس والعقل فيه # وأما ذبح الهدي فاعلم أنه تقرب إلى الله تعالى بحكم الامتثال فأكمل الهدي ~~وارج أن يعتق الله بكل جزء منه جزءا منك من النار (1) فهكذا ورد الوعد ~~فكلما كان الهدي أكبر وأجزاؤه أوفر كان فداؤك من النار أعم # وأما زيارة المدينة فإذا وقع بصرك على حيطانها فتذكر أنها البلدة التي ~~اختارها الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم وجعل إليها هجرته وأنها داره ~~التي شرع فيها فرائض ربه عز وجل ms0442 وسنته وجاهد عدوه وأظهر بها دينه إلى أن ~~PageV01P270 # توفاه الله عز وجل ثم جعل تربته فيها وتربة وزيريه القائمين بالحق بعده ~~رضي الله عنهما # ثم مثل في نفسك مواقع أقدام رسول الله صلى الله عليه وسلم عند تردداته ~~فيها وأنه ما من موضع قدم تطؤه إلا وهو موضع أقدامه العزيزة فلا تضع قدمك ~~عليه إلا عن سكينة ووجل # وتذكر مشيه وتخطيه في سككها وتصور خشوعه وسكينته في المشي وما استودع ~~الله سبحانه قلبه من عظيم معرفته ورفعة ذكره مع ذكره تعالى حتى قرنه بذكر ~~نفسه وإحباطه عمل من هتك حرمته ولو برفع صوته فوق صوته # ثم تذكر ما من الله تعالى به على الذين أدركوا صحبته وسعدوا بمشاهدته ~~واستماع كلامه وأعظم تأسفك على ما فاتك من صحبته وصحبة أصحابه رضي الله ~~عنهم # ثم اذكر أنك قد فاتتك رؤيته في الدنيا وأنك من رؤيته في الآخرة على خطر ~~وأنك ربما لا تراه إلا بحسرة وقد حيل بينك وبين قبوله إياك بسوء عملك كما ~~قال صلى الله عليه وسلم يرفع الله إلي أقواما فيقولون يا محمد فأقول يا رب ~~أصحابي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول بعدا وسحقا (1) فإن تركت ~~حرمة شريعته ولو في دقيقة من الدقائق فلا تأمن أن يحال بينك وبينه بعدولك ~~عن محجته # وليعظم مع ذلك رجاؤك أن لا يحول الله تعالى بينك وبينه بعد أن رزقك ~~الإيمان وأشخصك من وطنك لأجل زيارته من غير تجارة ولا حظ في الدنيا بل لمحض ~~حبك له وشوقك إلى أن تنظر إلى آثاره وإلى حائط قبره إذ سمحت نفسك بالسفر ~~بمجرد ذلك لما فاتتك رؤيته فما أجدرك بأن ينظر الله تعالى إليك بعين الرحمة # فإذا بلغت المسجد فاذكر أنها العرصة التي اختارها الله سبحانه لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم ولأول المسلمين وأفضلهم عصابة وأن فرائض الله سبحانه أول ما ~~أقيمت في تلك العرصة وأنها جمعت أفضل خلق الله حيا وميتا فليعظم أملك في ~~الله سبحانه أن يرحمك بدخولك إياه فادخله ms0443 خاشعا معظما # وما أجدر هذا المكان بأن يستدعي الخشوع من قلب كل مؤمن كما حكي عن أبي ~~سليمان أنه قال حج أويس القرني رضي الله عنه ودخل المدينة فلما وقف على باب ~~المسجد قيل له هذا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فغشي عليه فلما أفاق قال ~~أخرجوني فليس يلذ لي بلد فيه محمد صلى الله عليه وسلم مدفون # وأما زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم فينبغي أن تقف بين يديه كما ~~وصفنا وتزوره ميتا كما تزوره حيا ولا تقرب من قبره إلا كما كنت تقرب من ~~شخصه الكريم لو كان حيا # وكما كنت ترى الحرمة في ان لا تمس شخصه ولا تقبله بل تقف من بعد ماثلا ~~بين يديه فكذلك فافعل فإن المس والتقبيل للمشاهد عادة النصارى واليهود # واعلم أنه عالم بحضورك وقيامك وزيارتك وأنه يبلغه سلامك وصلاتك فمثل ~~صورته الكريمة في خيالك موضوعا في اللحد بإزائك وأحضر عظيم رتبته في قلبك ~~فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى وكل بقبره ملكا يبلغه سلام ~~من سلم عليه من أمته (2) وهذا في حق من لم يحضر قبره فكيف بمن فارق الوطن ~~وقطع البوادي شوقا إلى لقائه واكتفى بمشاهدة مشهده الكريم إذ فاته مشاهدة ~~غرته الكريمة وقد قال صلى الله عليه وسلم من صلى علي مرة واحدة صلى الله ~~عليه عشرا (3) فهذا جزاءه في الصلاة عليه بلسانه فكيف بالحضور لزيارته ~~ببدنه ثم ائت منبر الرسول صلى الله عليه وسلم وتوهم صعود النبي صلى الله ~~عليه وسلم المنبر ومثل في قلبك طلعته البهية كأنها على المنبر PageV01P271 # وقد أحدق به المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم وهو صلى الله عليه وسلم ~~يحثهم على طاعة الله عز وجل بخطبته وسل الله عز وجل أن لا يفرق في القيامة ~~بينك وبينه فهذه وظيفة القلب في أعمال الحج # فإذا فرغ منها كلها فينبغي أن يلزم قلبه الحزن والهم والخوف وأنه ليس ~~يدري أقبل منه حجه وأثبت في زمرة المحبوبين أم رد حجه وألحق ms0444 بالمطرودين ~~وليتعرف ذلك من قلبه وأعماله فإن صادف قلبه قد ازداد تجافيا عن دار الغرور ~~وانصرافا إلى دار الأنس بالله تعالى ووجد أعماله قد اتزنت بميزان الشرع ~~فليثق بالقبول فإن الله تعالى لا يقبل إلا من أحبه ومن أحبه تولاه وأظهر ~~عليه آثار محبته وكف عنه سطوة عدوه إبليس لعنه الله # فإذا ظهر ذلك عليه دل على القبول وإن كان الأمر الآخر بخلافه فيوشك أن ~~يكون حظه من سفره العناء والتعب نعوذ بالله سبحانه وتعالى من ذلك # تم كتاب أسرار الحج يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب آداب تلاوة القرآن ### || كتاب آداب تلاوة القرآن # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي امتن على عباده بنبيه المرسل صلى الله عليه وسلم وكتابه ~~المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ~~حتى اتسع على أهل الأفكار طريق الاعتبار بما فيه من القصص والأخبار واتضح ~~به سلوك المنهج القويم والصراط المستقيم بما فصل فيه من الأحكام وفرق بين ~~الحلال والحرام فهو الضياء والنور وبه النجاة من الغرور وفيه شفاء لما في ~~الصدور ومن خالفه من الجبابرة قصمه الله ومن ابتغى العلم في غيره أضله الله ~~هو حبل الله المتين ونوره المبين والعروة الوثقى والمعتصم الأوفى وهو ~~المحيط بالقليل والكثير والصغير والكبير لا تنقضي عجائبه ولا تتناهى غرائبه ~~لا يحيط بفوائده عند أهل العلم تحديد ولا يخلقه عند أهل التلاوة كثرة ~~الترديد هو الذي أرشد الأولين والآخرين ولما سمعه الجن لم يلبثوا أن ولوا ~~إلى قومهم منذرين {فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ~~ولن نشرك بربنا أحدا} فكل من آمن به فقد وفق ومن قال به فقد صدق ومن تمسك ~~به فقد هدي ومن عمل به فقد فاز وقال تعالى {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون} ومن أسباب حفظه في القلوب والمصاحف استدامة تلاوته والمواظبة على ~~دراسته مع القيام بآدابه وشروطه والمحافظة على ما فيه من الأعمال الباطنة ~~والآداب الظاهرة وذلك لا ms0445 بد من بيانه وتفصيله وتنكشف مقاصده في أربعة أبواب # الباب الأول في فضل القرآن وأهله # الباب الثاني في آداب التلاوة في الظاهر # الباب الثالث في الأعمال الباطنة عند التلاوة # الباب الرابع في فهم القرآن وتفسيره بالرأي وغيره ### ||| الباب الأول في فضل القرآن وأهله وذم المقصرين في تلاوته ### |||| فضيلة القرآن # قال صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن ثم رأى أن أحدا أوتي أفضل مما أوتي ~~فقد استصغر ما عظمه الله PageV01P272 # تعالى (1) # وقال صلى الله عليه وسلم ما من شفيع أفضل منزلة عند الله تعالى من القرآن ~~لا نبي ولا ملك ولا غيره (2) # وقال صلى الله عليه وسلم لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار (3) # وقال صلى الله عليه وسلم أفضل عبادة أمتي تلاوة القرآن (4) # وقال صلى الله عليه وسلم أيضا إن الله عز وجل قرأ طه ويس قبل أن يخلق ~~الخلق بألف عام فلما سمعت الملائكة القرآن قالت طوبى لأمة ينزل عليهم هذا ~~وطوبى لأجواف تحمل هذا وطوبى لألسنة تنطق بهذا (5) # وقال صلى الله عليه وسلم خيركم من تعلم القرآن وعلمه (6) # وقال صلى الله عليه وسلم يقول الله تبارك وتعالى من شغله قراءة القرآن عن ~~دعائي ومسألتي أعطيته أفضل ثواب الشاكرين (7) # وقال صلى الله عليه وسلم ثلاثة يوم القيامة على كثيب من مسك أسود لا ~~يهولهم فزع ولا ينالهم حساب حتى يفرغ ما بين الناس رجل قرأ القرآن ابتغاء ~~وجه الله عز وجل والخ أم به قوما وهم به راضون (8) # وقال صلى الله عليه وسلم أهل القرآن أهل الله وخاصته (9) # وقال صلى الله عليه وسلم إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد فقيل يا رسول ~~الله وما جلاؤها فقال تلاوة القرآن وذكر الموت (10) # وقال صلى الله عليه وسلم لله أشد أذنا إلى قارىء القرآن من صاحب القينة ~~إلى قينته (11) # الآثار قال أبو أمامة الباهلي اقرءوا القرآن ولا تغرنكم هذه المصاحف ~~المعلقة فإن الله لا يعذب قلبا هو وعاء للقرآن # وقال ابن مسعود إذا أردتم العلم فانثروا القرآن فإن فيه علم ms0446 الأولين ~~والآخرين # وقال أيضا اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه بكل حرف منه عشر حسنات أما ~~إني لا أقول الحرف ألم ولكن الألف حرف واللام حرف والميم حرف # وقال أيضا لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن ويعجبه ~~فهو يحب الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم وإن كان يبغض القرآن فهو ~~يبغض الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم # وقال عمرو بن العاص كل آية في القرآن درجة في الحنة ومصباح في بيوتكم ~~وقال أيضا من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه # وقال أبو هريرة PageV01P273 # إن البيت الذي يتلى فيه القرآن اتسع بأهله وكثر خيره وحضرته الملائكة ~~وخرجت منه الشياطين وإن البيت الذي لايتلى فيه كتاب الله عز وجل ضاق بأهله ~~وقل خيره وخرجت منه الملائكة وحضرته الشياطين # وقال أحمد بن حنبل رأيت الله عز وجل في المنام فقلت يا رب ما أفضل ما ~~تقرب به المتقربون إليك قال بكلامي يا أحمد قال قلت يا رب بفهم أو بغير فهم ~~قال بفهم وبغير فهم # وقال محمد بن كعب القرظي إذا سمع الناس القرآن من الله عز وجل يوم ~~القيامة فكأنهم لم يسمعوه قط # وقال الفضيل بن عياض ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له إلى أحد حاجة ولا ~~إلى الخلفاء فمن دونهم فينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه # وقال أيضا حامل القرآن حامل راية الإسلام فلا ينبغي أن يلهو مع من يلهو ~~ولا يسهو مع من يسهو ولا يلغو مع من يلغو تعظيما لحق القرآن # وقال سفيان الثوري إذا قرأ الرجل القرآن قبل الملك بين عينيه # وقال عمرو بن ميمون من نشر مصحفا حين يصلي الصبح فقرأ منه مائة آية رفع ~~الله عز وجل له مثل عمل جميع أهل الدنيا # ويروى أن خالد بن عقبة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اقرأ ~~علي القرآن فقرأ عليه إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى الآية ~~فقال له ms0447 فأعاد فقال والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمورق ~~وإن أعلاه لمثمر وما يقول هذا بشر (1) # وقال الحسن والله ما دون القرآن من غنى ولا بعده من فاقة # وقال الفضيل من قرأ خاتمة سورة الحشر حين يصبح ثم مات من يومه ختم له ~~بطابع الشهداء ومن قرأها حين يمسي ثم مات من ليلته ختم له بطابع الشهداء # وقال القاسم بن عبد الرحمن قلت لبعض النساك ما ههنا أحد نستأنس به فمد ~~يده إلى المصحف ووضعه على حجره وقال هذا # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثلاث يزدن في الحفظ ويذهبن البلغم ~~السواك والصيام وقراءة القرآن ### |||| في ذم تلاوة الغافلين # قال أنس بن مالك رب تال للقرآن والقرآن يلعنه وقال ميسرة الغريب هو ~~القرآن في جوف الفاجر وقال أبو سليمان الداراني الزبانية أسرع إلى حملة ~~القرآن الذين يعصون الله عز وجل منهم إلى عبدة الأوثان حين عصوا الله ~~سبحانه بعد القرآن # وقال بعض العلماء إذا قرأ ابن آدم القرآن ثم خلط ثم عاد فقرأ قيل له مالك ~~ولكلامي وقال ابن الرماح ندمت على استظهاري القرآن لأنه بلغني أن أصحاب ~~القرآن يسألون عما يسأل عنه الأنبياء يوم القيامة # وقال ابن مسعود ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس ينامون ~~وبنهاره إذا الناس يفرطون وبحزنه إذا الناس يفرحون وببكائه إذا الناس ~~يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا الناس يختالون وينبغي لحامل ~~القرآن أن يكون مستكينا لينا ولاينبغي له أن يكون جافيا ولا مماريا ولا ~~صياحا ولا صخابا ولا حديدا # وقال صلى الله عليه وسلم أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها (2) وقال صلى الله ~~عليه وسلم اقرأ القرآن ما نهاك فإن لم ينهك فلست تقرؤه (3) وقال صلى الله ~~عليه وسلم ما آمن بالقرآن من استحل محارمه (4) وقال بعض السلف PageV01P274 # إن العبد ليفتتح سورة فتصلي عليه الملائكة حتى يفرغ منها وإن العبد ~~ليفتتح سورة فتلعنه حتى يفرغ منها فقيل له وكيف ذلك فقال إذا أحل حلالها ~~وحرم حرامها صلت ms0448 عليه وإلا لعنته # وقال بعض العلماء إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم يقول ~~{ألا لعنة الله على الظالمين} وهو ظالم نفسه ألا لعنة الله على الكاذبين ~~وهو منهم # وقال الحسن إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل وجعلتم الليل جملا فأنتم ~~تركبونه فتقطعون به مراحله وإن من كان قبلكم رأوه رسائل من ربهم فكانوا ~~يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار # وقال ابن مسعود أنزل القرآن عليهم ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملا إن ~~أحدكم ليقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل ~~به # وفي حديث ابن عمر وحديث جندب رضي الله عنهما لقد عشنا دهرا طويلا وأحدنا ~~يؤتى الإيمان قبل القرآن فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم ~~حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها # ثم لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحة ~~الكتاب إلى خاتمته لا يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه ~~ينثره نثر الدقل (1) وقد ورد في التوراة يا عبدي أما تستحي مني يأتيك كتاب ~~من بعض إخوانك وأنت في الطريق تمشي فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرؤه ~~وتتدبره حرفا حرفا حتى لا يفوتك شيء منه وهذا كتابي أنزلته إليك انظر كم ~~فصلت لك فيه من القول وكم كررت عليك فيه لتتأمل طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه ~~أفكنت أهون عليك من بعض إخوانك يا عبدي يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه ~~بكل وجهك وتصغي إلى حديثه بكل قلبك فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه ~~أومأت إليه أن كف وها أنا ذا مقبل عليك ومحدث لك وأنت معرض بقلبك عني ~~أفجعلتني أهون عندك من بعض إخوانك ### ||| الباب الثاني في ظاهر آداب التلاوة وهي عشرة # الأول في حال القارىء وهو أن يكون على الوضوء واقعا على هيئة الأدب ~~والسكون إما قائما وإما جالسا مستقبل القبلة مطرقا رأسه غير متربع ولا ~~متكىء ولا جالس على هيئة التكبر ويكون جلوسه ms0449 وحده كجلوسه بين يدي أستاذه # وأفضل الأحوال أن يقرأ في الصلاة قائما وأن يكون في المسجد فذلك من أفضل ~~الأعمال # فإن قرأ على غير وضوء وكان مضطجعا في الفراش فله أيضا فضل ولكنه دون ذلك ~~قال الله تعالى الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في ~~خلق السموات والأرض فأثنى على الكل ولكن قدم القيام في الذكر ثم القعود ثم ~~الذكر مضطجعا # قال علي رضي الله عنه من قرأ القرآن وهو قائم في الصلاة كان له بكل حرف ~~مائة حسنة ومن قرأه وهو جالس في الصلاة فله بكل حرف خمسون حسنة ومن قرأه في ~~غير صلاة وهو على وضوء فخمس وعشرون حسنة ومن قرأه على غير وضوء فعشر حسنات # وما كان من القيام بالليل فهو أفضل لأنه أفرغ للقلب قال أبو ذر الغفاري ~~رضي الله عنه أن كثرة السجود بالنهار وإن طول القيام بالليل أفضل # الثاني في مقدار القرآن وللقراء عادات مختلفة في الاستكثار والاختصار ~~فمنهم من يختم القرآن في اليوم والليلة مرة وبعضهم مرتين وانتهى بعضهم إلى ~~ثلاث ومنهم من يختم في الشهر مرة وأولى ما يرجع إليه في التقديرات قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقهه (2) وذلك ~~لأن الزيادة عليه تمنعه الترتيل وقد قالت عائشة PageV01P275 # رضي الله تعالى عنها لما سمعت رجلا يهذر القرآن هذرا إن هذا ما قرأ ~~القرآن ولا سكت وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما إن يختم القرآن في كل سبع (1) وكذلك كان جماعة من الصحابة رضي الله ~~عنهم يختمون القرآن في كل جمعة كعثمان وزيد بن ثابت وابن مسعود وأبي بن كعب ~~رضي الله عنهم ففي الختم أربع درجات الختم في يوم وليلة وقد كرهه جماعة ~~والختم في كل شهر كل يوم جزء من ثلاثين جزءا وكأنه مبالغة في الاقتصار كما ~~أن الأول مبالغة في الاستكثار وبينهما درجتان معتدلتان إحداهما في الأسبوع ~~مرة والثانية في الأسبوع مرتين ms0450 تقريبا من الثلاث # والأحب أن يختم ختمة بالليل وختمة بالنهار ويجعل ختمه بالنهار يوم ~~الإثنين في ركعتي الفجر أو بعدهما ويجعل ختمه بالليل ليلة الجمعة في ركعتي ~~المغرب أو بعدهما ليستقبل أول النهار وأول الليل بختمته فإن الملائكة عليهم ~~السلام تصلي عليه إن كانت ختمته ليلا حتى يصبح وإن كان نهارا حتى يمسي ~~فتشمل بركتهما جميع الليل والنهار # والتفصيل في مقدار القراءة أنه إن كان من العابدين السالكين طريق العمل ~~فلا ينبغي أن ينقص عن ختمتين في الأسبوع # وإن كان من السالكين بأعمال القلب وضروب الفكر أو من المشتغلين بنشر ~~العلم فلا بأس أن يقتصر في الأسبوع على مرة وإن كان نافذ الفكر في معاني ~~القرآن فقد يكتفي في الشهر بمرة لكثرة حاجته إلى كثرة الترديد والتأمل # الثالث في وجه القسمة أما من ختم في الأسبوع مرة فيقسم القرآن سبعة أحزاب ~~فقد حزب الصحابة رضي الله عنهم أحزابا (2) فروي أن عثمان رضي الله عنه كان ~~يفتتح ليلة الجمعة بالبقرة إلى المائدة وليلة السبت بالأنعام إلى هود وليلة ~~الأحد بيوسف إلى مريم وليلة الاثنين بطه إلى طسم موسى وفرعون وليلة ~~الثلاثاء بالعنكبوت إلى ص وليلة الأربعاء بتنزيل إلى الرحمن ويختم ليلة ~~الخميس # وابن مسعود كان يقسمه أقساما لا على هذا الترتيب وقيل أحزاب القرآن سبعة ~~فالحزب الأول ثلاث سور والحزب الثاني خمس سور والحزب الثالث سبع سور ~~والرابع تسع سور والخامس إحدى عشرة سورة والسادس ثلاث عشرة سورة والسابع ~~المفصل من ق إلى آخره # فهكذا حزبه الصحابة رضي الله عنهم وكانوا يقرءونه كذلك وفيه خبر عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهذا قبل أن تعمل الأخماس والأعشار والأجزاء فما ~~سوى هذا محدث # الرابع في الكتابة يستحب تحسين كتابة القرآن وتبيينه ولا بأس بالنقط ~~والعلامات بالحمرة وغيرها فإنها تزيين وتبيين وصد عن الخطأ واللحن لمن ~~يقرؤه وقد كان الحسن وابن سيرين ينكرون الأخماس والعواشر والأجزاء # وروي عن الشعبي وإبراهيم كراهية النقط بالحمرة وأخذ الأجرة على ذلك ~~وكانوا يقولون جردوا القرآن والظن ms0451 بهؤلاء أنهم كرهوا فتح هذا الباب خوفا من ~~أن يؤدي إلى إحداث زيادات وحسما للباب وتشوقا إلى حراسة القرآن عما يطرق ~~إليه تغييرا وإذا لم يؤد إلى محظور واستقر أمر الأمة فيه على ما يحصل به ~~مزيد معرفة فلا باس به ولا يمنع من ذلك كونه محدثا فكم من محدث حسن كما قيل ~~في إقامة الجماعات في التراويح إنها من محدثات عمر رضي الله عنه وأنها بدعة ~~حسنة إنما البدعة المذمومة ما يصادم السنة القديمة أو يكاد يفضي إلى ~~تغييرها # وبعضهم كان يقول أقرأ من المصحف في المنقوط ولا أنقطه بنفسي وقال ~~الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير كان القرآن مجردا في المصاحف فاول ما أحدثوا ~~فيه النقط على الباء والتاء وقالوا PageV01P276 # لا بأس به فإنه نور له # ثم أحدثوا بعده نقطا كبارا عند منتهى الآي فقالوا لا بأس به يعرف به رأس ~~الآية # ثم أحدثوا بعد ذلك الخواتم والفواتح # قال أبو بكر الهذلي سألت الحسن عن تنقيط المصاحف بالأحمر فقال وما ~~تنقيطها قال يعربون الكلمة بالعربية قال أما إعراب القرآن فلا بأس به وقال ~~خالد الحذاء دخلت على ابن سيرين فرأيته يقرأ في مصحف منقوط وقد كان يكره ~~النقط # وقيل إن الحجاج هو الذي أحدث ذلك وأحضر القراء حتى عدوا كلمات القرآن ~~وحروفه وسووا أجزاءه وقسموه إلى ثلاثين جزءا وإلى أقسام أخر # الخامس الترتيل هو المستحب في هيئة القرآن لأنا سنبين أن المقصود من ~~القراءة التفكر والترتيل معين عليه # ولذلك نعتت أم سلمة رضي الله عنها قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا (1) وقال ابن عباس رضي الله عنه لأن ~~أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ القرآن هذرمة # وقال أيضا لأن أقرأ إذا زلزلت والقارعة أتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ ~~البقرة وآل عمران تهذيرا # وسئل مجاهد عن رجلين دخلا في الصلاة فكان قيامهما واحدا إلا أن أحدهما ~~قرأ البقرة فقط والآخر القرآن كله فقال هما في ms0452 الأجر سواء # واعلم أن الترتيل مستحب لا لمجرد التدبر فإن العجمي الذي لا يفهم معنى ~~القرآن يستحب له في القراءة أيضا الترتيل والتؤدة لأن ذلك أقرب إلى التوقير ~~والاحترام وأشد تأثيرا في القلب من الهذرمة والاستعجال # السادس البكاء البكاء مستحب مع القراءة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا (2) وقال صلى الله عليه وسلم ليس ~~منا من لم يتغن بالقرآن (3) وقال صالح المري قرأت القرآن على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في المنام فقال لي يا صالح هذه القراءة فأين البكاء وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى ~~تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه وإنما طريق تكلف البكاء أن يحضر ~~قلبه الحزن فمن الحزن ينشأ البكاء قال صلى الله عليه وسلم إن القرآن نزل ~~بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا (4) ووجه إحضار الحزن أن يتأمل ما فيه من ~~التهديد والوعيد والمواثيق والعهود ثم يتأمل تقصيره في أوامره وزواجره ~~فيحزن لا محالة ويبكي فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر أرباب القلوب ~~الصافية فليبك على فقد الحزن والبكاء فإن ذلك أعظم المصائب # السابع أن يراعي حق الآيات فإذا مر بآية سجدة سجد وكذلك إذا سمع من غيره ~~سجدة سجد إذا سجد التالي ولا يسجد إلا إذا كان على طهارة وفي القرآن أربع ~~عشرة سجدة وفي الحج سجدتان وليس في ص سجدة وأقله أن يسجد بوضع جبهته على ~~الأرض وأكمله أن يكبر فيسجد ويدعو في سجوده بما يليق بالآية التي قرأها مثل ~~أن يقرأ قوله تعالى {خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} فيقول ~~اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من ~~المستكبرين عن أمرك أو على أوليائك وإذا قرأ قوله تعالى {ويخرون للأذقان ~~يبكون ويزيدهم خشوعا} فيقول اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك ~~وكذلك كل سجدة ويشترط في هذه السجدة شروط الصلاة من ستر العورة واستقبال ~~القبلة وطهارة الثوب والبدن ms0453 من الحدث والخبث # ومن لم يكن على طهارة عند السماع فإذا تطهر يسجد وقد قيل في كمالها إنه ~~يكبر رافعا يديه لتحريمه ثم يكبر للهوي للسجود ثم يكبر للارتفاع ثم يسلم ~~وزاد زائدون PageV01P277 # التشهد ولا أصل لهذا إلا القياس على سجود الصلاة وهو بعيد فإنه ورد الأمر ~~في السجود فليتبع فيه الأمر وتكبيرة الهوى أقرب للبداية وما عدا ذلك ففيه ~~بعد # ثم المأموم ينبغي أن يسجد عند سجود الإمام ولا يسجد لتلاوة نفسه إذا كان ~~مأموما # الثامن أن يقول في مبتدأ قراءته أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ~~الرجيم {رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون} وليقرأ قل ~~أعوذ برب الناس وسورة الحمد لله وليقل عند فراغه من القراءة صدق الله تعالى ~~وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم انفعنا به وبارك لنا فيه الحمد ~~لله رب العالمين وأستغفر الله الحي القيوم # وفي أثناء القراءة إذا مر بآية تسبيح سبح وكبر وإذا مر بآية دعاء ~~واستغفار دعا واستغفر وإن مر بمرجو سأل وإن مر بمخوف استعاذ يفعل ذلك ~~بلسانه أو بقلبه فيقول سبحان الله نعوذ بالله اللهم ارزقنا اللهم ارحمنا # قال حذيفة صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأ سورة البقرة فكان ~~لا يمر بآية رحمة إلا سأل ولا بآية عذاب إلا استعاذ ولا بآية تنزيه إلا سبح ~~(1) فإذا فرغ قال ما كان يقول صلوات الله وسلامه عند ختم القرآن اللهم ~~ارحمني بالقرآن واجعله لي إماما ونورا وهدى ورحمة اللهم ذكرني منه ما نسيت ~~وعلمني منه ما جهلت وارزقني تلاوته آناء الليل وأطراف النهار واجعله لي حجة ~~يا رب العالمين (2) # التاسع في الجهر بالقراءة ولا شك في أنه لا بد أن يجهر به إلى حد يسمع ~~نفسه إذ القراءة عبارة عن تقطيع الصوت بالحروف ولا بد من صوت فأقله ما يسمع ~~نفسه فإن لم يسمع نفسه لم تصح صلاته # فأما الجهر بحيث يسمع غيره فهو محبوب على وجه ومكروه على وجه آخر ويدل ms0454 ~~على استحباب الإسرار ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال فضل قراءة السر على ~~قراءة العلانية كفضل صدقة السر على صدقة العلانية وفي لفظ آخر الجاهر ~~بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر به كالمسر بالصدقة (3) وفي الخبر العام ~~يفضل عمل السر على العلانية سبعين ضعفا (4) وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم ~~خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي (5) وفي الخبر لا يجهر بعضكم على بعض ~~في القراءة بين المغرب والعشاء (6) # وسمع سعيد بن المسيب ذات ليلة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر ~~بن عبد العزيز يجهر بالقراءة في صلاته وكان حسن الصوت فقال لغلامه اذهب إلى ~~هذا المصلى فمره أن يخفض صوته فقال الغلام إن المسجد ليس لنا وللرحل فيه ~~نصيب فرفع سعيد صوته وقال يا أيها المصلي إن كنت تريد الله عز وجل بصلاتك ~~فاخفض صوتك وإن كنت تريد الناس فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا فسكت عمر ~~بن عبد العزيز وخفف ركعته فلما سلم أخذ نعليه وانصرف وهو يومئذ أمير ~~المدينة # ويدل على استحباب الجهر ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع جماعة من ~~أصحابه يجهرون في صلاة الليل فصوب ذلك (7) وقد قال صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P278 # إذا قام أحدكم من الليل يصلي فليجهر بالقراءة فإن الملائكة وعمار الدار ~~يستمعون قراءته ويصلون بصلاته (1) # ومر صلى الله عليه وسلم بثلاثة من أصحابه رضي الله عنهم مختلفي الأحوال ~~فمر على أبي بكر رضي الله عنه وهو يخافت فسأله عن ذلك فقال إن الذي أناجيه ~~هو يسمعني ومر على عمر رضي الله عنه وهو يجهر فسأله عن ذلك فقال أوقط ~~الوسنان وأزجر الشيطان ومر على بلال وهو يقرأ آيا من هذه السورة وآيا من ~~هذه السورة فسأله عن ذلك فقال أخلط الطيب بالطيب فقال صلى الله عليه وسلم ~~كلكم قد أحسن وأصاب (2) # فالوجه في الجمع بين هذه الأحاديث أن الإسرار أبعد عن الرياء والتصنع فهو ~~أفضل في حق من يخاف ذلك على نفسه فإن لم يخف ms0455 ولم يكن في الجهر ما يشوش ~~الوقت على مصل آخر فالجهر أفضل لأن العمل فيه أكثر ولأن فائدته أيضا تتعلق ~~بغيره فالخير المتعدى أفضل من اللازم ولأنه يوقظ قلب القارىء ويجمع همه إلى ~~الفكر فيه ويصرف إليه سمعه ولأنه يطرد النوم في رفع الصوت ولأنه يزيد في ~~نشاطه للقراءة ويقلل من كسله ولأنه يرجو بجهره تيقظ نائم فيكون هو سبب ~~إحيائه ولأنه قد يراه بطال غافل فينشط بسبب نشاطه ويشتاق إلى الخدمة فمتى ~~حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل # وإن اجتمعت هذه النيات تضاعف الأجر وبكثرة النيات تزكو أعمال الأبرار ~~وتتضاعف أجورهم فإن كان في العمل الواحد عشر نيات كان فيه عشر أجور ولهذا ~~نقول قراءة القرآن في المصاحف أفضل إذ يزيد في العمل النظر وتأمل المصحف ~~وحمله فيزيد الأجر بسببه وقد قيل الختمة في المصحف بسبع لأن النظر في ~~المصحف أيضا عبادة # وخرق عثمان رضي الله عنه مصحفين لكثرة قراءته منهما فكان كثير من الصحابة ~~يقرؤون في المصاحف ويكرهون أن يخرج يوم ولم ينظروا في المصحف # ودخل بعض فقهاء مصر على الشافعي رضي الله عنه في السحر وبين يديه مصحف ~~فقال له الشافعي شغلكم الفكر عن القرآن إني لأصلي العتمة وأضع المصحف بين ~~يدي فما أطبقه حتى أصبح # العاشر تحسين القراءة وترتيلها بترديد الصوت من غير تمطيط مفرط يغير ~~النظم فذلك سنة قال صلى الله عليه وسلم زينوا القرآن بأصواتكم (3) وقال ~~عليه السلام ما أذن الله لشيء إذنه لحسن الصوت بالقرآن (4) وقال صلى الله ~~عليه وسلم ليس منا من لم يتغن بالقرآن فقيل أراد به الاستغناء وقيل أراد به ~~الترنم وترديد الألحان به وهو أقرب عند أهل اللغة # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ليلة ينتظر عائشة رضي الله ~~عنها فأبطأت عليه فقال صلى الله عليه وسلم ما حبسك قالت يا رسول الله كنت ~~أستمع قراءة رجل ما سمعت أحسن صوتا منه فقام صلى الله عليه وسلم حتى استمع ~~إليه طويلا ثم رجع فقال صلى ms0456 الله عليه وسلم هذا سالم مولى أبي حذيفة الحمد ~~لله الذي جعل في أمتي مثله (5) واستمع صلى الله عليه وسلم أيضا ذات ليلة ~~إلى عبد الله بن مسعود ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فوقفوا طويلا ثم ~~قال PageV01P279 # صلى الله عليه وسلم من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه ~~على قراءة ابن أم عبد (1) وقال صلى الله عليه وسلم لابن مسعود اقرأ علي ~~فقال يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل فقال صلى الله عليه وسلم إني أحب ~~أن أسمعه من غيري فكان يقرأ وعينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تفيضان (2) ~~واستمع صلى الله عليه وسلم إلى قراءة أبي موسى فقال لقد أوتي هذا من مزامير ~~آل داود فبلغ ذلك أبا موسى فقال يا رسول الله لو علمت أنك تسمع لحبرته لك ~~تحبيرا (3) ورأى هيثم القارىء رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام قال ~~فقال لي أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك قلت نعم قال جزاك الله خيرا # وفي الخبر كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا ~~أحدهم أن يقرأ سورة من القرآن وقد كان عمر يقول لأبي موسى رضي الله عنهما ~~ذكرنا ربنا فيقرأ عنده حتى يكاد وقت الصلاة أن يتوسط فيقال يا أمير ~~المؤمنين الصلاة الصلاة فيقول أولسنا في صلاة إشارة إلى قوله عز وجل ولذكر ~~الله أكبر وقال صلى الله عليه وسلم من استمع إلى آية من كتاب الله عز وجل ~~كانت له نورا يوم القيامة (4) وفي الخبر كتب له عشر حسنات ومهما عظم اجر ~~الاستماع وكان التالي هو السبب فيه كان شريكا في الأجر إلا أن يكون قصده ~~الرياء والتصنع ### ||| الباب الثالث في أعمال الباطن في التلاوة وهي عشرة # فهم أصل الكلام ثم التعظيم ثم حضور القلب ثم التدبر ثم التفهم ثم التخلي ~~عنموانع الفهم ثم التخصيص ثم التأثر ثم الترقي ثم التبري # فالأول فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله سبحانه وتعالى ولطفه بخلقه في ~~نزوله ms0457 عن عرش جلاله إلى درجة إفهام خلقه # فلينظر كيف لطف بخلقه في إيصال معاني كلامه الذي هو صفة قديمة قائمة ~~بذاته إلى أفهام خلقه وكيف تجلت لهم تلك الصفة في طي حروف وأصوات هي صفات ~~البشر إذ يعجز البشر عن الوصول إلى فهم صفات الله عز وجل إلا بوسيلة صفات ~~نفسه # ولولا استتار كنه جلالة كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع الكلام عرش ولا ~~ثري ولتلاشي ما بينهما من عظمة سلطانه وسبحات نوره ولولا تثبيت الله عز وجل ~~لموسى عليه السلام لما أطاق لسماع كلامه كما لم يطق الجبل مبادي تجليه حيث ~~صار دكا ولا يمكن تفهيم عظمة الكلام إلا بأمثلة على حد فهم الخلق # ولهذا عبر بعض العارفين عنه فقال إن كل حرف من كلام الله عز وجل في اللوح ~~المحفوظ أعظم من جبل قاف وإن الملائكة عليهم السلام لو اجتمعت على الحرف ~~الواحد أن يقلوه ما أطاقوه حتى يأتي إسرافيل عليه السلام وهو ملك اللوح ~~فيرفعه فيقله بإذن الله عز وجل ورحمته لا بقوته وطاقته ولكن الله عز وجل ~~طوقه ذلك واستعمله به ولقد تألق بعض الحكماء في التعبير عن وجه اللطف في ~~إيصال معاني الكلام مع علو درجته إلى فهم الإنسان وتثبيته مع قصور رتبته ~~وضرب له مثلا لم يقصر فيه وذلك أنه دعا PageV01P280 # بعض الملوك حكيم إلى شريعة الأنبياء عليهم السلام فسأله الملك عن أمور ~~فأجاب بما لا يحتمله فهمه فقال الملك أرأيت ما تأتي به الأنبياء إذا ادعت ~~أنه ليس بكلام الناس وأنه كلام الله عز وجل فيكف يطيق الناس حمله فقال ~~الحكيم إنا رأينا الناس لما أرادوا أن يفهموا بعض الدواب والطير ما يريدون ~~من تقديمها وتأخيرها وإقبالها وإدبارها ورأوا الدواب يقصر تمييزها عن فهم ~~كلامهم الصادر عن أنوار عقولهم مع حسنه وتزيينه وبديع نظمه فنزلوا إلى درجة ~~تمييز البهائم وأوصلوا مقاصدهم إلى بواطن البهائم بأصوات يضعونها لائقة بهم ~~من النقر والصفير والأصوات القريبة من أصواتها لكي يطيقوا حملها وكذلك ~~الناس يعجزون عن حمل ms0458 كلام الله عز وجل بكنهه وكمال صفاته فصاروا بما ~~تراجعوا بينهم من الأصوات التي سمعوا بها الحكمة كصوت النقر والصفير الذي ~~سمعت به الدواب من الناس # ولم يمنع ذلك معاني الحكمة المخبوءة في تلك الصفات من أن شرف الكلام أي ~~الأصوات لشرفها وعظم لتعظيمها فكان الصوت للحكمة جسدا ومسكنا والحكمة للصوت ~~نفسا وروحا # فكما أن أجساد البشر تكرم وتعز لمكان الروح فكذلك أصوات الكلام تشرف ~~للحكمة التي فيها # والكلام على المنزلة رفيع الدرجة قاهر السلطان نافذ الحكم في الحق ~~والباطل وهو القاضي العدل والشاهد المرتضى يأمر وينهى ولا طاقة للباطل أن ~~يقوم قدام كلام الحكمة كما لا يستطيع الظل أن يقول قدام شعاع الشمس ولا ~~طاقة للبشر أن ينفذوا غور الحكمة كما لا طاقة لهم أن ينفذوا بأبصارهم ضوء ~~عين الشمس ولكنهم ينالون من ضوء عين الشمس ما تحيا به أبصارهم ويستدلون به ~~على حوائجهم فقط # فالكلام كالملك المحجوب الغائب وجهه النافذ أمره وكالشمس الغزيرة الظاهرة ~~مكنون عنصرها وكالنجوم الزهرة التي قد يهتدى بها من لا يقف على سيرها فهو ~~مفتاح الخزائن النفيسة وشراب الحياة الذي من شرب منه لم يمت ودواء الأسقام ~~الذي من سقي منه لم يسقم فهذا الذي ذكره الحكيم نبذة من تفهيم معنى الكلام ~~والزيادة عليه لا تليق بعلم المعاملة فينبغي أن يقتصر عليه # الثاني التعظيم للمتكلم فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر ~~في قلبه عظمة المتكلم ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر وأن في تلاوة ~~كلام الله عز وجل غاية الخطر فإنه تعالى قال {لا يمسه إلا المطهرون} وكما ~~أن ظاهر جلد المصحف وورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهرا ~~فباطن معناه أيضا بحكم عزه وجلاله محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان متطهرا ~~عن كل رجس ومستنيرا بنور التعظيم والتوقير وكما لا يصلح لمس جلد المصحف كل ~~يد فلا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان ولا لنيل معانيه كل قلب ولمثل هذا ~~التعظيم كان عكرمة بن أبي جهل ms0459 إذا نشر المصحف غشى عليه ويقول هو كلام ربي ~~هو كلام ربي فتعظيم الكلام تعظيم المتكلم ولن تحضره عظمة المتكلم ما لم ~~يتفكر في صفاته وجلاله وأفعاله فإذا حضر بباله العرش والكرسي والسموات ~~والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار وعلم أن الخالق لجميعها ~~والقادر عليها والرازق لها واحد وأن الكل في قبضة قدرته مترددون بين فضله ~~ورحمته وبين نقمته وسطوته إن أنعم فبفضله وإن عاقب فبعدله وأنه الذي يقول ~~هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي وهذا غاية العظمة ~~والتعالي فبالتفكر في أمثال هذا يحضر تعظيم المتكلم ثم تعظيم الكلام # الثالث حضور القلب وترك حديث النفس قيل في تفسير {يا يحيى خذ الكتاب ~~بقوة} أي بجد واجتهاد وأخذه بالجد أن يكون متجردا له عند قراءته منصرف ~~الهمة إليه عن غيره وقيل لبعضهم إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء فقال أو ~~شيء أحب إلي من القران حتى أحدث به نفسي وكان بعض السلف إذا قرأ آية لم يكن ~~قلبه فيها أعادها ثانية وهذه الصفة تتولد عما قبلها من التعظيم فإن المعظم ~~للكلام الذي يتلوه يستبشر به ويستأنس ولا يغفل عنه ففي القرآن ما يستأنس به ~~القلب إن كان التالي أهلا له فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره وهو في متنزه ~~ومتفرج PageV01P281 # والذي يتفرج في المتنزهات لا يتفكر في غيرها فقد قيل إن في القرآن ميادين ~~وبساتين ومقاصير وعرائس وديابيج ورياضا وخانات فالميمات ميادين القرآن ~~والراءات بساتين القرآن والحاءات مقاصيره والمسبحات عرائس القرآن ~~والحاميمات ديابيج القرآن والمفصل رياضه والخانات ما سوى ذلك فإذا دخل ~~القارىء الميادين وقطف من البساتين ودخل المقاصير وشهد العرائس ولبس ~~الديابيج وتنزه في الرياض وسكن غرف الخانات استغرقه ذلك وشغله عما سواه فلم ~~يعزب قلبه ولم يتفرق فكره # الرابع التدبر وهو وراء حضور القلب فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن ولكنه ~~يقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبره # والمقصود من القراءة التدبر ولذلك سن لأن الترتيل فيه الترتيل في الظاهر ms0460 ~~ليتمكن من التدبر بالباطن # قال علي رضي الله عنه لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبر ~~فيها # وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد فليردد إلا أن يكون خلف إمام فإنه لو ~~بقي في تدبر آية وقد اشتغل الإمام بآية أخرى كان مسيئا مثل من يشتغل ~~بالتعجب من كلمة واحدة ممن يناجيه عن فهم بقية كلامه وكذلك إن كان في تسبيح ~~الركوع وهو متفكر في آية قرأها إمامه فهذا وسواس فقد روي عن عامر بن عبد ~~قيس أنه قال الوسواس يعتريني في الصلاة فقيل في أمر الدنيا فقال لأن تختلف ~~في الأسنة أحب إلي من ذلك ولكن يشتغل قلبي بموقفي بين يدي ربي عز وجل وأني ~~كيف انصرف فعد ذلك وسواسا وهو كذلك فإنه يشغله عن فهم ما هو فيه والشيطان ~~لا يقدر على مثله إلا بأن يشغله بمهم ديني ولكن يمنعه به عن الأفضل ولما ~~ذكر ذلك للحسن قال إن كنتم صادقين عنه فما اصطنع الله ذلك عندنا ويروى أنه ~~صلى الله عليه وسلم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فرددها عشرين مرة (1) وإنما ~~رددها صلى الله عليه وسلم لتدبره في معانيها # وعن أبي ذر قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا ليلة فقام بآية ~~يرددها وهي إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم (2) الآية وقام تميم الداري ~~ليلة بهذه الآية {أم حسب الذين اجترحوا السيئات} الآية # وقام سعيد بن جبير ليلة يردد هذه الآية وامتازوا اليوم أيها المجرمون ~~وقال بعضهم إني لأفتتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى ~~يطلع الفجر وكان بعضهم يقول آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أعد لها ~~ثوابا وحكي عن أبي سليمان الداراني أنه قال إني لأتلو الآية فأقيم فيها ~~أربع ليال أو خمس ليال ولولا أني أقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها # وعن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها ولا يفرغ من التدبر ~~فيها # وقال بعض ms0461 العارفين لي في كل جمعة ختمة وفي كل شهر ختمة وفي كل سنة ختمة ~~ولي ختمه منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد وذلك بحسب درجات تدبره وتفتيشه ~~وكان هذا أيضا يقول أقمت نفسي مقام الأجراء فأنا أعمل مياومة ومجامعة ~~ومشاهرة ومسانهة # الخامس التفهم وهو أن يستوضح من كل آية ما يليق بها إذ القرآن يشتمل على ~~ذكر صفات الله عز وجل وذكر أفعاله وذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام وذكر ~~أحوال المكذبين لهم وأنهم كيف أهلكوا وذكر أوامره وزواجره وذكر الجنة ~~والنار # أما صفات الله عز وجل فكقوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ~~وكقوله تعالى الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ~~فليتأمل معاني هذه الأسماء والصفات لينكشف له أسرارها فتحتها معان ~~PageV01P282 # مدفونة لا تنكشف إلا للموفقين وإليه أشار علي رضي الله عنه بقوله ما أسر ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا كتمه عن الناس إلا أن يؤتى الله عز ~~وجل عبدا فهما في كتابه فليكن حريصا على طلب ذلك الفهم (1) وقال ابن مسعود ~~رضي الله عنه من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن وأعظم علوم ~~القرآن تحت أسماء الله عز وجل وصفاته إذ لم يدرك أكثر الخلق منها إلا أمورا ~~لائقة بأفهامهم ولم يعثروا على أغوارها # وأما أفعاله تعالى فكذكره خلق السموات والأرض وغيرها فليفهم التالي منها ~~صفات الله عز وجل وجلاله إذا الفعل يدل على الفاعل فتدل عظمته على عظمته ~~فينبغي أن يشهد في العقل الفاعل دون الفعل فمن عرف الحق رآه في كل شيء إذ ~~كل شيء فهو منه وإليه وبه وله فهو الكل على التحقيق ومن لا يراه في كل ما ~~يراه فكأنه ما عرفه ومن عرفه عرف أن كل شيء ما خلا الله باطل وأن كل شيء ~~هالك إلا وجهه لا أنه سيبطل في ثاني الحال بل هو الآن باطل إن اعتبر ذاته ~~من حيث هو إلا أن يعتبر وجوده من حيث إنه موجود بالله عز وجل وبقدرته فيكون ~~له ms0462 بطريق التبعية ثبات وبطريق الاستقلال بطلان محض وهذا مبدأ من مبادىء علم ~~المكاشفة ولهذا ينبغي إذا قرأ التالي قوله عز وجل أفرأيتم ما تحرثون ~~أفرأيتم ما تمنون أفرأيتم الماء الذي تشربون أفرأيتم النار التي تورون فلا ~~يقصر نظره على الماء والنار والحرث والمني بل يتأمل في المني وهو نطفة ~~متشابهة الأجزاء ثم ينظر في كيفية انقسامها إلى اللحم والعظم والعروق ~~والعصب وكيفية تشكل أعضائها بالأشكال المختلفة من الرأس واليد والرجل ~~والكبد والقلب وغيرها ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات الشريفة من السمع ~~والبصر والعقل وغيرها ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات المذمومة من الغضب ~~والشهوة والكبر والجهل والتكذيب والمجادلة كما قال تعالى أولم ير الإنسان ~~أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين فليتأمل هذه العجائب ليترقى منها إلى ~~عجب العجائب وهو الصفة التي منها صدرت هذه الأعاجيب فلا يزال ينظر إلى ~~الصنعة فيرى الصانع # وأما أحوال الأنبياء عليهم السلام فإذا سمع منها كيف كذبوا وضربوا وقتل ~~بعضهم فليفهم منه صفة الاستغناء لله عز وجل عن الرسل والمرسل إليهم وأنه لو ~~أهلك جميعهم لم يؤثر في ملكه شيئا وإذا سمع نصرتهم في آخر الأمر فليفهم ~~قدرة الله عز وجل وإرادته لنصرة الحق # وأما أحوال المكذبين كعاد وثمود وما جرى عليهم فليكن فهمه منه استشعار ~~الخوف من سطوته ونقمته وليكن حظه منه الاعتبار في نفسه وأنه إن غفل وأساء ~~الأدب واغتر بما أمهل فربما تدركه النقمة وتنفذ فيه القضية وكذلك إذا سمع ~~وصف الجنة والنار وسائر ما في القرآن فلا يمكن استقصاء ما يفهم منه لأن ذلك ~~لا نهاية له وإنما لكل عبد بقدر رزقه فلا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين قل ~~لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا ولذلك قال علي رضي الله عنه لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير ~~فاتحة الكتاب # فالغرض مما ذكرناه التنبيه على طريق التفهيم لينفتح بابه فأما الاستقصاء ~~فلا مطمع ms0463 فيه ومن لم يكن له فهم ما في القرآن ولو في أدنى الدرجات دخل في ~~قوله تعالى ومنهم من يستمع إليك حتى إذا PageV01P283 # خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع ~~الله على قلوبهم والطابع هي الموانع التي سنذكرها في موانع الفهم وقد قيل ~~لا يكون المريد مريدا حتى يجد في القرآن كل ما يريد ويعرف منه النقصان من ~~المزيد ويستغني بالمولى عن العبيد # السادس التخلي عن موانع الفهم فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن ~~لأسباب وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن قال ~~صلى الله عليه وسلم لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ~~الملكوت (1) ومعاني القرآن من جملة الملكوت وكل ما غاب عن الحواس ولم يدرك ~~إلا بنور البصيرة فهو من الملكوت # وحجب الفهم أربعة أولها أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق الحروف بإخراجها ~~من مخارجها وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام ~~الله عز وجل فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف يخيل إليهم أنه لم يخرج من ~~مخرجه # فهذا يكون تأمله مقصورا على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني وأعظم ~~ضحكة للشيطان من كان مطيعا لمثل هذا التلبيس # ثانيها أن يكون مقلدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب ~~له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة فهذا شخص قيده ~~معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده فصار نظره موقوفا ~~على مسموعه فإن لمع برق على بعد وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه ~~حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك ~~فيرى أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه ويحترز عن مثله # ولمثل هذا قالت الصوفية إن العلم حجاب وأرادوا بالعلم العقائد التي استمر ~~عليها أكثر الناس بمجرد التقليد أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون ~~للمذاهب وألقوها إليهم # فأما العلم الحقيقي الذي هو الكشف ms0464 والمشاهدة بنور البصيرة فكيف يكون ~~حجابا وهو منتهى المطلب وهذا التقليد قد يكون باطلا فيكون مانعا كمن يعتقد ~~في الاستواء على العرش التمكن والاستقرار فإن خطر له مثلا في القدوس أنه ~~المقدس عن كل ما يجوز على خلقه لم يمكنه تقليده من أن يستقر ذلك في نفسه ~~ولو استقر في نفسه لانجر إلى كشف ثاني وثالث ولتواصل ولكن يتسارع إلى دفع ~~ذلك عن خاطره لمناقضته تقليده بالباطل وقد يكون حقا ويكون أيضا مانعا من ~~الفهم والكشف لأن الحق الذي كلف الخلق اعتقاده له مراتب ودرجات وله مبدأ ~~ظاهر وغور باطن وجمود الطبع على الظاهر يمنع من الوصول إلى الغور الباطن ~~كما ذكرناه في الفرق بين العلم الظاهر والباطن في كتاب قواعد العقائد # ثالثها أن يكون مصرا على ذنب أو متصفا بكبر أو مبتلى في الجملة بهوى في ~~الدنيا مطاع فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه وهو كالخبث على المرآة فيمنع ~~جلية الحق من أن يتجلى فيه وهو أعظم حجاب للقلب وبه حجب الأكثرون # وكلما كانت الشهوات أشد تراكما كما كانت معاني الكلام أشد احتجابا وكلما ~~خف عن القلب أثقال الدنيا قرب تجلى المعنى فيه # فالقلب مثل المرآة والشهوات مثل الصدإ ومعاني القرآن مثل الصور التي ~~تتراءى في المرآة # والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل تصقيل الجلاء للمرآة ولذلك قال صلى ~~الله عليه وسلم إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم نزع منها هيبة الإسلام وإذا ~~تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرموا بركة الوحي (2) قال الفضيل ~~يعني حرموا فهم القرآن # وقد شرط الله عز وجل الإنابة في الفهم والتذكير فقال تعالى {تبصرة وذكرى ~~لكل عبد منيب} وقال عز وجل {وما يتذكر إلا من ينيب} وقال تعالى {إنما يتذكر ~~أولوا الألباب} فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة PageV01P284 # فليس من ذوي الألباب ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب # رابعها أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن ~~إلا ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما وأن ما وراء ذلك ms0465 تفسير ~~بالرأي وأن من فسر القرآن برأيه فقد تبوأ مقعده من النار فهذا أيضا من ~~الحجب العظيمة # وسنبين معنى التفسير بالرأي في الباب الرابع وأن ذلك لا يناقض قول علي ~~رضي الله عنه إلا أن يؤتى الله عبدا فهما في القرآن وأنه لو كان المعنى هو ~~الظاهر المنقول لما اختلفت الناس فيه # السابع التخصيص وهو أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن فإن سمع أمرا ~~أو نهيا قدر أنه المنهي والمأمور وإن سمع وعدا أو وعيدا فكمثل ذلك وإن سمع ~~قصص الأولين والأنبياء علم أن السمر غير مقصود وإنما المقصود ليعتبر به ~~وليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج إليه فما من قصة في القرآن إلا وسياقها لفائدة ~~في حق النبي صلى الله عليه وسلم وأمته ولذلك قال تعالى {ما نثبت به فؤادك} ~~فليقدر العبد أن الله ثبت فؤاده بما يقصه عليه من أحوال الأنبياء وصبرهم ~~على الإيذاء وثباتهم في الدين لانتظار نصر الله تعالى # وكيف لا يقدر هذا والقرآن ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لرسول الله خاصة بل هو شفاء وهدى ورحمة ونور للعالمين ولذلك أمر الله تعالى ~~الكافة بشكر نعمة الكتاب فقال تعالى {واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل ~~عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} وقال عز وجل لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ~~ذكركم أفلا تعقلون وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم كذلك يضرب ~~الله للناس أمثالهم واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم هذا بصائر للناس ~~وهدى ورحمة لقوم يوقنون هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين وإذا قصد ~~بالخطاب جميع الناس فقد قصد الآحاد فهذا القارىء الواحد مقصود فما له ~~ولسائر الناس فليقدر أنه المقصود قال الله تعالى وأوحي إلي هذا القرآن ~~لأنذركم به ومن بلغ قال محمد بن كعب القرظي من بلغه القرآن فكأنما كلمه ~~الله وإذا قدر ذلك لم يتخذ دراسة القرآن عمله بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب ~~مولاه الذي كتبه إليه ليتأمله ويعمل بمقتضاه ولذلك قال بعض العلماء ms0466 هذا ~~القرآن رسائل أتتنا من قبل ربنا عز وجل بعهوده نتدبرها في الصلوات ونقف ~~عليها في الخلوات وننفذها في الطاعات والسنن المتبعات # وكان مالك بن دينار يقول ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن إن ~~القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض # وقال قتادة لم يجالس أحد هذا القرآن إلا قام بزيادة أو نقصان قال تعالى ~~هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # الثامن التأثر وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون ~~له بحسب كل فهم حال ووجد يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيره # ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه فإن التضييق غالب ~~على آيات القرآن فلا يرى ذكر المغفرة والرحمة إلا مقرونا بشروط يقصر العارف ~~عن نيلها كقوله عز وجل وإني لغفار ثم أتبع ذلك بأربعة شروط لمن تاب وآمن ~~وعمل صالحا ثم اهتدى وقوله تعالى والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ذكر أربعة شروط وحيث ~~اقتصر ذكر شرطا جامعا فقال تعالى إن رحمة الله قريب من المحسنين فالإحسان ~~يجمع الكل وهكذا من يتصفح القرآن من أوله إلى آخره # ومن فهم ذلك فجدير بأن يكون حاله الخشية والحزن ولذلك قال الحسن والله ما ~~أصبح اليوم عبد يتلو القرآن يؤمن به إلا كثر حزنه وقل فرحه وكثر بكاؤه وقل ~~ضحكه وكثر نصبه وشغله وقلت راحته وبطالته # وقال وهيب بن الورد نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئا أرق ~~للقلوب ولا أشد استجلابا للحزن من قراءة القرآن وتفهمه وتدبره # فتأثر العبد بالتلاوة أن يصير بصفة الآية المتلوة فعند الوعيد وتقييد ~~المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت وعند التوسع ووعد المغفرة ~~يستبشر كأنه يطير من PageV01P285 # الفرح وعند ذكر الله وصفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعا لجلاله واستشعارا ~~لعظمته وعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله عز وجل كذكرهم لله عز وجل ولدا ~~وصاحبة يغض صوته ويكسر في باطنه حياء قبح مقالتهم ms0467 وعند وصف الجنة ينبعث ~~بباطنه شوقا إليها وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفا منها ولما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود اقرأ علي (1) قال فافتتحت سورة النساء ~~فلما بلغت {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} رأيت ~~عينيه تذرفان بالدمع فقال لي حسبك الآن وهذا لأن مشاهدة تلك الحالة استغرقت ~~قلبه بالكلية # ولقد كان في الخائفين من خر مغشيا عليه عند آيات الوعيد # ومنهم من مات في سماع الآيات فمثل هذه الأحوال يخرجه عن أن يكون حاكيا في ~~كلامه فإذا قال إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ولم يكن خائفا كان ~~حاكيا # وإذا قال عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ولم يكن حاله التوكل ~~والإنابة كان حاكيا # وإذا قال ولنصبرن على ما آذيتمونا فليكن حاله الصبر أو العزيمة عليه حتى ~~يجد حلاوة التلاوة # فإن لم يكن بهذه الصفات ولم يتردد قلبه بين هذه الحالات كان حظه من ~~التلاوة حركة اللسان مع صريح اللعن على نفسه في قوله تعالى إلا لعنة الله ~~على الظالمين وفي قوله تعالى كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون وفي ~~قوله عز وجل وهم في غفلة معرضون وفي قوله فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد ~~إلا الحياة الدنيا وفي قوله تعالى ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون إلى غير ~~ذلك من الآيات وكان داخلا في معنى قوله عز وجل ومنهم أميون لا يعلمون ~~الكتاب إلا أماني يعني التلاوة المجردة وقوله عز وجل وكأين من آية في ~~السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون لأن القرآن هو المبين لتلك ~~الآيات في السموات والأرض ومهما تجاوزها ولم يتأثر بها كان معرضا عنها ~~ولذلك قيل إن من لم يكن متصفا بأخلاق القرآن فإذا قرأ القرآن ناداه الله ~~تعالى مالك ولكلامي وأنت معرض عني دع عنك كلامي إن لم تتب إلي # ومثال العاصي إذا قرأ القرآن وكرره مثال من يكرر كتاب الملك في كل يوم ~~مرات وقد ms0468 كتب إليه في عمارة مملكته وهو مشغول بتخريبها ومقتصر على دراسة ~~كتابه فلعله لو ترك الدراسة عند المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء واستحقاق ~~المقت # ولذلك قال يوسف بن أسباط إني لأهم بقراءة القرآن فإذا ذكرت ما فيه خشيت ~~المقت فاعدل إلى التسبيح والاستغفار # والمعرض عن العمل به أريد بقوله عز وجل فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ~~ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرءوا ~~القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ولانت له جلودكم فإذا اختلفتم فلستم تقرءونه ~~وفي بعضها فإذا اختلفتم فقوموا عنه (2) قال الله تعالى الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون وقال ~~صلى الله عليه وسلم إن أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ رأيت ~~أنه يخشى الله تعالى (3) وقال صلى الله عليه وسلم لا يسمع القرآن من أحد ~~أشهى ممن يخشى الله عز وجل (4) يراد لاستجلاب هذه الأحوال إلى القلب والعمل ~~به وإلا فالمؤنة في تحريك اللسان بحروفه خفيفة ولذلك قال بعض القراء قرأت ~~القرآن على شيخ لي ثم رجعت لأقرأ ثانيا فانتهرني وقال جعلت القرآن علي عملا ~~اذهب فاقرأ على الله عز وجل فانظر بماذا يأمرك وبماذا ينهاك # وبهذا كان شغل PageV01P286 # الصحابة رضي الله عنهم في الأحوال والأعمال فمات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن عشرين ألفا من الصحابة لم يحفظ القرآن منهم إلا ستة اختلف في اثنين ~~منهم # وكان أكثرهم يحفظ السورة والسورتين وكان الذي يحفظ البقرة والأنعام من ~~علمائهم (1) ولما جاء واحد ليتعلم القرآن فانتهى إلى قوله عز وجل {فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} (2) قال يكفي هذا وانصرف ~~فقال صلى الله عليه وسلم انصرف الرجل وهو فقيه وإنما العزيز مثل تلك الحالة ~~التي من الله عز وجل بها على قلب المؤمن عقيب فهم الآية # فأما مجرد حركة اللسان فقليل الجدوى بل التالي باللسان المعرض عن العمل ~~جدير بأن يكون هو المراد بقوله ms0469 تعالى {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى} وبقوله عز وجل {كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك ~~اليوم تنسى} أي تركتها ولم تنظر إليها ولم تعبأ بها فإن المقصر في الأمر ~~يقال إنه نسي الأمر وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل ~~والقلب فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل وحظ العقل تفسير المعاني وحظ ~~القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار # فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ # التاسع الترقي وأعني به أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من الله عز وجل لا ~~من نفسه فدرجات القراءة ثلاث أدناها ان يقدر العبد كأنه يقرؤه على الله عز ~~وجل واقفا بين يديه وهو ناظر إليه ومستمع منه فيكون حاله عند هذا التقدير ~~السؤال والتملق والتضرع والابتهال # الثانية أن يشهد بقلبه كان الله عز وجل يراه ويخاطبه بألطافه ويناجيه ~~بإنعامه وإحسانه فمقامه الحياء والتعظيم والإصغاء والفهم # الثالثة أن يرى في الكلام المتكلم وفي الكلمات الصفات فلا ينظر إلى نفسه ~~ولا إلى قراءته ولا إلى تعلق الإنعام به من حيث إنه منعم عليه بل يكون ~~مقصور الهم على المتكلم موقوف الفكر عليه كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم عن ~~غيره # وهذه درجة المقربين وما قبله درجة أصحاب اليمين وما خرج عن هذا فهو درجات ~~الغافلين # وعن الدرجة العليا أخبر جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه قال والله لقد ~~تجلى الله عز وجل لخلقه في كلامه ولكنهم لا يبصرون وقال أيضا وقد سألوه عن ~~حالة لحقته في الصلاة حتى خر مغشيا عليه فلما سري عنه قيل له في ذلك فقال ~~ما زلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم PageV01P287 # بها فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته ففي مثل هذه الدرجة تعظم الحلاوة ولذة ~~المناجاة ولذلك قال بعض الحكماء كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة حتى ~~تلوته كأني أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوه على أصحابه ثم ~~رفعت إلى مقام فوقه كنت أتلوه كأني أسمعه من جبريل عليه السلام ms0470 يلقيه على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء الله بمنزلة أخرى فأنا الآن أسمعه من ~~المتكلم به فعندها وجدت له لذة ونعيما لا أصبر عنه # وقال عثمان وحذيفة رضي الله عنهما لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة ~~القرآن وإنما قالوا ذلك لأنها بالطهارة تترقى إلى مشاهدة المتكلم في الكلام ~~ولذلك قال ثابت البناني كابدت القرآن عشرين سنة وتنعمت به عشرين سنة ~~وبمشاهدة المتكلم دون ما سواه يكون العبد ممتثلا لقوله عز وجل ففروا إلى ~~الله ولقوله ولا تجعلوا مع الله إلها آخر فمن لم يره في كل شيء فقد رأى ~~غيره وكل ما التفت إليه العبد سوى الله تعالى تضمن التفاته شيئا من الشرك ~~الخفي بل التوحيد الخالص أن لا يرى في كل شيء إلا الله عز وجل # العاشر التبري وأعني به أن يتبرأ من حوله وقوته والالتفات إلى نفسه بين ~~الرضا والتزكية فإذا تلا بآيات الوعد والمدح للصالحين فلا يشهد نفسه عند ~~ذلك بل يشهد الموقنين والصديقين فيها ويتشوف إلى أن يلحقه الله عز وجل بهم ~~وإذا تلا آيات المقت وذم العصاة والمقصرين شهد على نفسه هناك وقدر أنه ~~المخاطب خوفا وإشفاقا ولذلك كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول اللهم إني ~~أستغفرك لظلمي وكفري فقيل له هذا الظلم فما بال الكفر فتلا قوله عز وجل إن ~~الإنسان لظلوم كفار وقيل ليوسف ابن أسباط إذا قرأت القرآن بماذا تدعو فقال ~~بماذا أدعو أستغفر الله عز وجل من تقصيري سبعين مرة فإذا رأى نفسه بصورة ~~التقصير في القراءة كان رؤيته سبب قربه فإن من شهد البعد في القرب لطف به ~~في الخوف حتى يسوقه الخوف إلى درجة أخرى في القرب وراءها ومن شهد القرب في ~~البعد مكربه بالأمن الذي يفضيه إلى درجة أخرى في البعد أسفل مما هو فيه ~~ومهما كان مشاهدا نفسه بعين الرضا صار محجوبا بنفسه فإذا جاوز حد الالتفات ~~إلى نفسه ولم يشاهد إلا الله تعالى في قراءته كشف له سر الملكوت # قال أبو ms0471 سليمان الداراني رضي الله عنه وعد ابن ثوبان أخا له أن يفطر عنده ~~فأبطأ عليه حتى طلع الفجر فلقيه أخوه من الغد فقال له وعدتني أنك تفطر عندي ~~فأخلفت فقال لولا ميعادي معك ما أخبرتك الذي حبسني عنك إني لما صليت العتمة ~~قلت أوتر قبل أن أجيئك لأني لا آمن ما يحدث من الموت فلما كنت في الدعاء من ~~الوتر رفعت إلى روضة خضراء فيها أنواع الزهر من الجنة فما زلت أنظر إليها ~~حتى أصبحت # وهذه المكاشفات لا تكون إلا بعد التبري عن النفس وعدم الالتفات إليها ~~وإلى هواها ثم تخصص هذه المكاشفات بحسب أحوال المكاشف فحيث يتلو آيات ~~الرجاء ويغلب على حاله الاستبشار تنكشف له صورة الجنة فيشاهدها كأنه يراها ~~عيانا وإن غلب عليه الخوف كوشف بالنار حتى يرى أنواع عذابها وذلك لأن كلام ~~الله عز وجل يشتمل على السهل اللطيف والشديد العسوف والمرجو والمخوف وذلك ~~بحسب أوصافه إذ منها الرحمة واللطف والانتقام والبطش فبحسب مشاهدة الكلمات ~~والصفات يتقلب في اختلاف الحالات وبحسب كل حالة منها يستعد للمكاشفة بأمر ~~يناسب تلك الحالة ويقاربها إذ يستحيل أن يكون حالة المستمع واحدا والمسموع ~~مختلفا إذ فيه كلام راض وكلام غضبان وكلام منعم وكلام منتقم وكلام جبار ~~متكبر لا يبالي وكلام حنان متعطف لا يهمل ### ||| الباب الرابع في فهم القرآن وتفسيره بالرأي من غير نقل # لعلك تقول عظمت الأمر فيما سبق في فهم أسرار القرآن وما ينكشف لأرباب ~~القلوب الزكية من معانيه PageV01P288 # فكيف يستحب ذلك وقد قال صلى الله عليه وسلم من فسر القرآن برأيه فليتبوأ ~~مقعده من النار (1) وعن هذا شنع أهل العلم بظاهر التفسير على أهل التصوف من ~~المقصرين المنسوبين إلى التصوف في تأويل كلمات في القرآن على خلاف ما نقل ~~عن ابن عباس وسائر المفسرين وذهبوا إلى أنه كفر فإن صح ما قاله أهل التفسير ~~فما معنى فهم القرآن سوى حفظ تفسيره وإن لم يصح ذلك فما معنى قوله صلى الله ~~عليه وسلم من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده ms0472 من النار فاعلم أن من زعم أن ~~لا معنى للقرآن إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه وهو مصيب في ~~الإخبار عن نفسه ولكنه مخطئ في الحكم برد الخلق كافة إلى درجته التي هي حده ~~ومحطه بل الأخبار والآثار تدل على أن في معاني القرآن متسعا لأرباب الفهم ~~(2) قال علي رضي الله عنه إلا أن يؤتى الله عبدا فهما في القرآن فإن لم يكن ~~سوى الترجمة المنقولة فما ذلك الفهم وقال صلى الله عليه وسلم إن للقرآن ~~ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا (3) ويروى أيضا عن ابن مسعود موقوفا عليه وهو من ~~علماء التفسير فما معنى الظهر والبطن والحد والمطلع وقال علي كرم الله وجهه ~~لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب فما معناه وتفسير ظاهرها ~~في غاية الاقتصار وقال أبو الدرداء لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجوها # وقد قال بعض العلماء لكل آية ستون ألف فهم وما بقي من فهمها أكثر وقال ~~آخرون القرآن يحوي سبعة وسبعين ألف علم ومائتي علم إذ كل كلمة علم ثم ~~يتضاعف ذلك أربعة أضعاف إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومطلع وترديد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم عشرين مرة (4) لا يكون إلا ~~لتدبره باطن معانيها وإلا فترجمتها وتفسيرها ظاهر لا يحتاج مثله إلى تكرير ~~وقال ابن مسعود رضي الله عنه من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن ~~وذلك لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر وبالجملة فالعلوم كلها داخلة في أفعال ~~الله عز وجل وصفاته وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته وهذه العلوم لا ~~نهاية لها وفي القرآن إشارة إلى مجامعها والمقامات في التعمق في تفصيله ~~راجع إلى فهم القرآن ومجرد ظاهره التفسير لا يشير إلى ذلك بل كل ما أشكل ~~فيه على النظار واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات ففي القرآن إليه ~~رموز ودلالات عليه يختص أهل الفهم بدركها فيكف يفي بذلك ترجمة ظاهره ~~وتفسيره ولذلك قال صلى الله عليه وسلم اقرءوا القرآن والتمسوا غرائبه ms0473 (5) ~~وقال صلى الله عليه وسلم في حديث علي كرم الله وجهه والذي بعثني بالحق نبيا ~~ليفترقن أمتي عن أصل دينها وجماعتها على اثنتين وسبعين فرقة كلها ضالة مضلة ~~يدعون إلى النار فإذا كان ذلك فعليكم بكتاب الله عز وجل فإن فيه نبأ من كان ~~قبلكم ونبأ ما يأتي بعدكم وحكم ما بينكم من خالفه من الجبابرة قصمه الله عز ~~وجل ومن ابتغى العلم في غيره أضله الله عز وجل وهو حبل الله المتين ونوره ~~المبين وشفاؤه النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه لا يموج فيقوم ولا ~~يزيغ فيستقيم ولا تنقضي عجائبه ولا يخلقه كثرة الترديد (6) PageV01P289 # الحديث وفي حديث حذيفة لما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاختلاف ~~والفرقة بعده قال فقلت يا رسول الله فماذا تأمرني إن أدركت ذلك فقال تعلم ~~كتاب الله واعمل بما فيه فهو المخرج من ذلك قال فأعدت عليه ذلك ثلاثا فقال ~~صلى الله عليه وسلم ثلاثا تعلم كتاب الله عز وجل واعمل بما فيه ففيه النجاة ~~(1) وقال علي كرم الله وجهه من فهم القرآن فسر به جمل العلم أشار به إلى أن ~~القرآن يشير إلى مجامع العلوم كلها وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ~~تعالى ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا يعني الفهم في القرآن وقال عز ~~وجل ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما سمى ما آتاهما علما وحكما وخصص ~~ما انفرد به سليمان بالتفطن له باسم الفهم وجعله مقدما على الحكم والعلم ~~فهذه الأمور تدل على أن في فهم معاني القرآن مجالا رحبا ومتسعا بالغا وأن ~~المنقول من ظاهر التفسير ليس منتهى الإدراك فيه # فأما قوله صلى الله عليه وسلم من فسر القرآن برأيه ونهيه عنه (2) صلى ~~الله عليه وسلم وقول أبي بكر رضي الله عنه أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا ~~قلت في القرآن برأيي إلى غير ذلك مما ورد في الأخبار والآثار في النهي عن ~~تفسير القرآن بالرأي فلا يخلو إما أن يكون المراد به ms0474 الاقتصار على النقل ~~والمسموع وترك الاستنباط والاستقلال بالفهم أو المراد به أمرا آخر وباطل ~~قطعا أن يكون المراد به أن لا يتكلم أحد في القرآن إلا بما يسمعه لوجوه # أحدها أنه يشترط أن يكون ذلك مسموعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومسندا إليه وذلك مما لا يصادف إلا في بعض القرآن فأما ما يقوله ابن عباس ~~وابن مسعود من أنفسهم فينبغي أن لا يقبل ويقال هو تفسير بالرأي لأنهم لم ~~يسمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا غيرهم من الصحابة رضي الله ~~عنهم # والثاني أن الصحابة والمفسرين اختلفوا في تفسير بعض الآيات فقالوا فيها ~~أقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها وسماع جميعها من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم محال ولو كان الواحد مسموعا لرد الباقي فتبين على القطع أن كل ~~مفسر قال في المعنى بما ظهر له باستنباطه حتى قالوا في الحروف التي في ~~أوائل السور سبعة أقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها فقيل إن الر هي حروف ~~من الرحمن وقيل إن الألف الله واللام لطيف والراء رحيم وقيل غير ذلك والجمع ~~بين الكل غير ممكن فكيف يكون الكل مسموعا # والثالث أنه صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس رضي الله عنه وقال اللهم ~~فقه في الدين وعلمه التأويل (3) فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل ومحفوظا ~~مثله فما معنى تخصيصه بذلك # والرابع أنه قال عز وجل لعلمه الذي يستنبطونه منهم فأثبت لأهل العلم ~~استنباطا ومعلوم أنه وراء السماع # وجملة ما نقلناه من الآثار في فهم القرآن يناقض هذا الخيال فبطل أن يشترط ~~السماع في التأويل وجاز لكل واحد أن يستنبط من القرآن بقدر فهمه وحد عقله ~~وأما النهي فإنه ينزل على أحد وجهين أحدهما أن يكون له في الشيء رأي وإليه ~~ميل من طبعه وهواه فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه وليحتج على تصحيح غرضه ~~ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى وهذا ~~تارة يكون مع العلم كالذي ms0475 يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته وهو يعلم ~~أنه ليس المراد بالآية ذلك ولكن يلبس به على خصمه وتارة يكون مع الجهل ولكن ~~إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي PageV01P290 # يوافق غرضه ويرجح ذلك الجانب برأيه وهواه فيكون قد فسر برأيه أي رأيه هو ~~الذي حمله على ذلك التفسير ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه وتارة ~~قد يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرآن ويستدل عليه مما يعلم أنه ما ~~أريد به كمن يدعو إلى الاستغفار بالأسحار فيستدل بقوله صلى الله عليه وسلم ~~تسحروا فإن في السحور بركة (1) ويزعم أن المراد به التسحر بالذكر وهو يعلم ~~أن المراد به الأكل وكالذي يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول قال الله عز ~~وجل اذهب إلى فرعون إنه طغى ويشير إلى قلبه ويومئ إلى أنه المراد بفرعون ~~وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة تحسينا للكلام ~~وترغيبا للمستمع وهو ممنوع وقد تستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة لتغرير ~~الناس ودعوتهم إلى مذهبهم الباطل فينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على ~~أمور يعلمون قطعا أنها غير مرادة به فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير ~~بالرأي ويكون المراد بالرأي الرأي الفاسد الموافق للهوى دون الاجتهاد ~~الصحيح والرأي يتناول الصحيح والفاسد والموافق للهوى قد يخصص باسم الرأي # والوجه الثاني أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار ~~بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة ~~والمبدلة وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير فمن لم ~~يحكم بظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه ~~ودخل في زمرة من يفسر بالرأي # فالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أولا ليتقي به مواضع الغلط ثم ~~بعد ذلك يتسع التفهم والاستنباط والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة ~~ونحن نرمز إلى جمل منها ليستدل بها على أمثالها ويعلم أنه لا يجوز التهاون ~~بحفظ التفسير الظاهر أولا ولا مطمع في الوصول ms0476 إلى الباطن قبل إحكام الظاهر # ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن يدعي البلوغ ~~إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب أو يدعي فهم مقاصد الأتراك من كلامهم وهو ~~لا يفهم لغة الترك فإن ظاهر التفسير يجري مجرى تعليم اللغة التي لا بد منها ~~للفهم وما لا بد فيه من السماع فنون كثيرة منها الإيجار بالحذف والإضمار ~~كقوله تعالى وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها معناه آية مبصرة فظلموا ~~أنفسهم بقتلها فالناظر إلى ظاهر العربية يظن أن المراد به أن الناقة كانت ~~مبصرة ولم تكن عمياء ولم يدر أنهم بماذا ظلموا غيرهم أو أنفسهم وقوله تعالى ~~وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم أي حب العجل فحذف الحب وقوله عز وجل إذا ~~لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات أي ضعف عذاب الأحياء وضعف عذاب الموتى فحذف ~~العذاب وأبدل الأحياء والموتى بذكر الحياة والموت وكل ذلك جائز في فصيح ~~اللغة # وقوله تعالى واسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها أي أهل ~~العير فالأهل فيهما محذوف مضمر وقوله عز وجل ثقلت في السموات والأرض معناه ~~خفيت على أهل السموات والأرض والشيء إذا خفي ثقل فأبدل اللفظ به وأقيم في ~~مقام على وأضمر الأهل وحذف # وقوله تعالى وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون أي شكر رزقكم وقوله عز وجل وآتنا ~~ما وعدتنا على رسلك أي على ألسنة رسلك فحذف ألسنة وقوله تعالى إنا أنزلناه ~~في ليلة القدر أراد القرآن وما سبق له ذكر # وقال عز وجل حتى توارت الحجاب أراد الشمس وما سبق لها ذكر وقوله تعالى ~~والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى أي ~~يقولون ما نعبدهم # وقوله عز وجل فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ما أصابك من حسنة ~~فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك معناه لا يفقهون حديثا يقولون ما ~~أصابك من حسنة فمن الله فإن لم يرد هذا كان مناقضا لقوله قل كل من عند الله ~~وسبق إلى الفهم منه مذهب ms0477 القدرية ومنها المنقول المنقلب كقوله تعالى وطور ~~سينين أي طور PageV01P291 # سيناء سلام على آل ياسين أي على الياس وقيل إدريس لأن في حرف ابن مسعود ~~سلام على إدراسين ومنها المكرر القاطع لوصل الكلام في الظاهر كقوله عز وجل ~~وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وقوله عز وجل ~~قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم معناه الذين ~~استكبروا لمن آمن من الذين استضعفوا ومنها المقدم والمؤخر وهو مظنة الغلط ~~كقوله عز وجل ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى معناه لولا ~~الكلمة وأجل مسمى لكان لزاما ولولاه لكان نصبا كاللزام وقوله تعالى يسألونك ~~كأنك حفي عنها أي يسألونك عنها كأنك حفي بها وقوله عز وجل لهم مغفرة ورزق ~~كريم كما أخرجك ربك من بيتك بالحق فهذا الكلام غير متصل وإنما هو عائد إلى ~~قوله السابق قل الأنفال لله والرسول كما أخرجك ربك من بيتك بالحق أي فصارت ~~أنفال الغنائم لك إذ أنت راض بخروجك وهم كارهون فاعترض بين الكلام الأمر ~~بالتقوى وغيره ومن هذا النوع قوله عز وجل حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول ~~إبراهيم لأبيه الآية ومنها المبهم وهو اللفظ المشترك بين معن من كلمة أو ~~حرف أما الكلمة فكالشيء والقرين والأمة والروح ونظائرها قال الله تعالى ضرب ~~الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء أراد به النفقة مما رزق وقوله عز ~~وجل وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء أي الأمر بالعدل ~~والاستقامة وقوله عز وجل فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء أراد به من صفات ~~الربوبية وهو العلوم التي لا يحل السؤال عنها حتى يبتدئ بها العارف في أوان ~~الاستحقاق # وقوله عز وجل أم خلقوا من غير شي أم هم الخالقون أي من غير خالق فربما ~~يتوهم به أنه يدل على أنه لا يخلق شيء إلا من شيء # وأما القرين فكقوله عز وجل وقال قرينه هذا ما لدي عتيد ألقيا في جهنم ms0478 كل ~~كفار أراد به الملك الموكل به وقوله تعالى قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن ~~كان أراد به الشيطان # وأما الأمة فتطلق على ثمانية أوجه الأمة الجماعة كقوله تعالى وجد عليه ~~أمة من الناس يسقون وأتباع الأنبياء كقولك عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ورجل جامع للخير يقتدى به كقوله تعالى إن إبراهيم كان أمة قانتا لله والأمة ~~الدين كقوله عز وجل إنا وجدنا آباءنا على أمة والأمة الحين والزمان كقوله ~~عز وجل إلى أمة معدودة وقوله عز وجل وادكر بعد أمة والأمة القامة يقال فلان ~~حسن الأمة أي القامة وأمة رجل منفرد بدين لا يشركه فيه أحد قال صلى الله ~~عليه وسلم يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده (1) والأمة يقال هذه أمة زيد ~~أي أم زيد والروح أيضا ورد في القرآن على معان كثيرة فلا نطول بإيرادها ~~وكذلك قد يقع الإبهام في الحروف مثل قوله عز وجل قأثرن به نقعا فوسطن به ~~جمعا فالهاء الأولى كناية عن الحوافر وهي الموريات أي أثرن بالحوافر نقعا ~~والثانية كناية عن الإغارة وهي المغيرات صبحا فوسطن به جمعا جمع المشركون ~~فأغاروا بجمعهم وقوله تعالى فأنزلنا به الماء يعني السحاب فأخرجنا به من كل ~~الثمرات يعني الماء وأمثال هذا في القرآن لا ينحصر ومنها التدريج في البيان ~~كقوله عز وجل شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إذ لم يظهر به أنه ليل أو ~~نهار وبان بقوله عز وجل إنا أنزلناه في ليلة مباركة ولم يظهر به أي ليلة ~~فظهر بقوله تعالى إنا أنزلناه في ليلة القدر وربما يظن في الظاهر الاختلاف ~~بين هذه الآيات فهذا وأمثاله مما لا يغني فيه إلا النقل والسماع فالقرآن من ~~أوله إلى آخره غير خال عن هذا الجنس لأنه أنزل بلغة العرب فكان مشتملا على ~~أصناف كلامهم من إيجاز وتطويل وإضمار وحذف وإبدال وتقديم وتأخير ليكون ذلك ~~مفحما لهم ومعجزا في حقهم فكل من اكتفى بفهم ظاهر العربية وبادر إلى تفسير ~~القرآن ولم يستظهر بالسماع والنقل ms0479 في هذه الأمور فهو داخل فيمن فسر القرآن ~~برأيه مثل أن يفهم من الأمة المعنى الأشهر منه فيميل طبعه ورأيه إليه فإذا ~~سمعه في موضع آخر مال برأيه إلى ما سمعه من مشهور PageV01P292 # معناه وترك تتبع النقل في كثير معانيه فهذا ما يمكن أن يكون منهيا عنه ~~دون التفهم لأسرار المعاني كما سبق فإذا حصل السماع بأمثال هذه الأمور علم ~~ظاهر التفسير وهو ترجمة الألفاظ ولا يكفي ذلك في فهم حقائق المعاني ويدرك ~~الفرق بين حقائق المعاني وظاهر التفسير بمثال وهو إن الله عز وجل قال وما ~~رميت إذ رميت ولكن الله رمى فظاهره تفسير واضح وحقيقة معناه غامض فإنه ~~إثبات للرمي ونفي له وهما متضادان في الظاهر ما لم يفهم أنه رمي من وجه ولم ~~يرم من وجه ومن الوجه الذي لم يرم رماه الله عز وجل # وكذلك قال تعالى قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم فإذا كانوا هم المقاتلين ~~كيف يكون الله سبحانه هو المعذب وإن كان الله تعالى هو المعذب بتحريك ~~أيديهم فما معنى أمرهم بالقتال فحقيقة هذا يستمد من بحر عظيم من علوم ~~المكاشفات لا يغني عنه ظاهر التفسير وهو أن يعلم وجه ارتباط الأفعال ~~بالقدرة الحادثة ويفهم وجه ارتباط القدرة بقدرة الله عز وجل حتى ينكشف بعد ~~إيضاح أمور كثيرة غامضة صدق قوله عز وجل وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ~~ولعل العمر لو أنفق في استكشاف أسرار هذا المعنى وما يرتبط بمقدماته ~~ولواحقه لانقضى العمر قبل استيفاء جميع لواحقه وما من كلمة من القرآن إلا ~~وتحقيقها محوج إلى مثل ذلك وإنما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بقدر ~~غزارة علومهم وصفاء قلوبهم وتوفر دواعيهم على التدبر وتجردهم للطلب ويكون ~~لكل واحد حد في الترقي إلى درجة أعلى منه فأما الاستيفاء فلا مطمع فيه ولو ~~كان البحر مدادا والأشجار أقلاما فأسرار كلمات الله لا نهاية لها فتنفد ~~الأبحر قبل أن تنفد كلمات الله عز وجل # فمن هذا الوجه تتفاوت الخلق في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ms0480 ظاهر التفسير ~~وظاهر التفسير لا يغني عنه ومثاله فهم بعض أرباب القلوب من قوله صلى الله ~~عليه وسلم في سجوده أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك ~~منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (1) أنه قبل له اسجد واقترب ~~فوجد القرب في السجود فنظر إلى الصفات فاستعاذ ببعضها من بعض فإن الرضا ~~والسخط وصفان ثم زاد قربه فاندرج القرب الأول فيه فرقي إلى الذات فقال أعوذ ~~بك منك ثم زاد قربه بما استحيا به من الاستعاذة على بساط القرب فالتجأ إلى ~~الثناء فأثنى بقوله لا أحصي ثناء عليك ثم علم أن ذلك قصور فقال أنت كما ~~أثنيت على نفسك فهذه خواطر تفتح لأرباب القلوب ثم لها أغوار وراء هذا وهو ~~فهم معنى القرب واختصاصه بالسجود ومعنى الاستعاذة من صفة بصفة ومنه به # وأسرار ذلك كثيرة ولا يدل تفسير ظاهر عليه وليس اللفظ هو مناقضا لظاهر ~~التفسير بل هو استكمال له ووصول إلى لبابه عن ظاهره فهذا ما نورده لفهم ~~المعاني الباطنة لا ما يناقض الظاهر والله أعلم # تم كتاب آداب التلاوة والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد ~~خاتم النبيين وعلى كل عبد مصطفى من كل العالمين وعلى آل محمد وصحبه وسلم # يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب الأذكار والدعوات # والله المستعان لا رب سواه ### || كتاب الأذكار والدعوات # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الشاملة # رأفته العامة رحمته الذي جازى عباده عن ذكرهم بذكرهم فقال تعالى فاذكروني ~~أذكركم PageV01P293 # ورغبهم في السؤال والدعاء بأمره فقال ادعوني أستجب لكم فأطمع المطيع ~~والعاصي والداني والقاصي في الانبساط إلى حضرة جلاله برفع الحاجات والأماني ~~بقوله فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان والصلاة على محمد سيد أنبيائه ~~وعلى آله وأصحابه خيرة أصفيائه وسلم تسليما كثيرا # أما بعد # فليس بعد تلاوة كتاب الله عز وجل عبادة تؤدى باللسان أفضل من ذكر الله ~~تعالى ورفع الحاجات بالأدعية الخالصة إلى الله تعالى فلا بد من شرح فضيلة ~~الذكر على الجملة ms0481 ثم على التفصيل في أعيان الأذكار # وشرح فضيلة الدعاء وشروطه وآدابه ونقل المأثور من الدعوات الجامعة لمقاصد ~~الدين والدنيا والدعوات الخاصة لسؤال المغفرة والاستعاذة وغيرها # ويتحرر المقصود من ذلك بذكر أبواب خمسة # الباب الأول في فضيلة الذكر وفائدته جملة وتفصيلا # الباب الثاني في فضيلة الدعاء وآدابه وفضيلة الاستغفار والصلاة على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # الباب الثالث في أدعية مأثورة ومعزية إلى أصحابها وأسبابها # الباب الرابع في أدعية منتخبة محذوفة الإسناد من الأدعية الماثورة # الباب الخامس في الأدعية المأثورة عند حدوث الحوادث ### ||| الباب الأول في فضيلة الذكر وفائدته على الجملة والتفصيل من الآيات والأخبار والآثار # ويدل على فضيلة الذكر على الجملة من الآيات قوله سبحانه وتعالى فاذكروني ~~أذكركم قال ثابت البناني رحمه الله إني أعلم متى يذكرني ربي عز وجل ففزعوا ~~منه وقالوا كيف تعلم ذلك فقال إذا ذكرته ذكرني وقال تعالى اذكروا الله ذكرا ~~كثيرا وقال تعالى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ~~واذكروه كما هداكم وقال عز وجل فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم ~~آباءكم أو أشد ذكرا وقال تعالى الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ~~وقال تعالى فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما أي بالليل والنهار في البر والبحر والسفر والحضر ~~والغنى والفقر والمرض والصحة والسر والعلانية # وقال تعالى في ذم المنافقين ولا يذكرون الله إلا قليلا وقال عز وجل واذكر ~~ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من ~~الغافلين وقال تعالى ولذكر الله أكبر قال ابن عباس رضي الله عنهما له وجهان ~~أحدهما أن ذكر الله تعالى لكم أعظم من ذكرككم إياه والآخر أن ذكر الله أعظم ~~من كل عبادة سواه إلى غير ذلك من الآيات # وأما الأخبار فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاكر الله في ~~الغافلين كالشجرة في وسط الهشيم (1) وقال صلى الله عليه وسلم ذاكر الله في ~~الغافلين كالمقاتل بين الفارين ms0482 وقال صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل ~~أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت شفتاه بي (2) وقال صلى الله عليه وسلم ما عمل ~~ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله عز وجل قالوا يا رسول ~~الله ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا أن تضرب ~~بسيفك حتى ينقطع ثم PageV01P294 # تضرب به حتى ينقطع ثم تضرب به حتى ينقطع (1) فقال صلى الله عليه وسلم من ~~أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله عز وجل (2) وسئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل فقال أن تموت ولسانك رطب بذكر الله عز وجل ~~(3) وقال صلى الله عليه وسلم أصبح وأمس ولسانك رطب بذكر الله تصبح وتمسي ~~وليس عليك خطيئة (4) وقال صلى الله عليه وسلم لذكر الله عز وجل بالغداة ~~والعشي أفضل من حطم السيوف في سبيل الله ومن إعطاء المال سحا (5) وقال صلى ~~الله عليه وسلم يقول الله تبارك وتعالى إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في ~~نفسي وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه وإذا تقرب مني شبرا تقربت ~~منه ذراعا وإذا تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا وإذا مشى إلي هرولت إليه (6) ~~يعني بالهرولة سرعة الإجابة # وقال صلى الله عليه وسلم سبعة يظلهم الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ~~ظله من جملتهم رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه من خشية الله (7) وقال أبو ~~الدرداء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها ~~عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الورق والذهب وخير لكم من ~~أن تلقوا عدوكم فتضربون أعناقهم ويضربون أعناقكم قالوا وما ذاك يا رسول ~~الله قال ذكر الله عز وجل دائما (8) وقال صلى الله عليه وسلم قال الله عز ~~وجل من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين (9) وأما الآثار ~~فقد قال الفضيل بلغنا إن الله عز وجل قال عبدي ms0483 اذكرني بعد الصبح ساعة وبعد ~~العصر ساعة أكفك ما بينهما # وقال بعض العلماء إن الله عز وجل يقول أيما عبد اطلعت على قلبه فرأيت ~~الغالب عليه التمسك بذكرى توليت سياسته وكنت جليسه ومحادثه وأنيسه # وقال الحسن الذكر ذكران ذكر الله عز وجل بين نفسك وبين الله عز وجل ما ~~أحسنه وأعظم أجره وأفضل من ذلك ذكر الله سبحانه عند ما حرم الله عز وجل # ويروى إن كل نفس تخرج من الدنيا عطشى إلا ذاكر الله عز وجل وقال معاذ بن ~~جبل رضي الله عنه ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم ~~يذكروا الله سبحانه فيها والله تعالى أعلم PageV01P295 ### |||| فضيلة مجالس الذكر # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله عز وجل ~~إلا حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله تعالى فيمن عنده (1) وقال ~~صلى الله عليه وسلم ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله تعالى لا يريدون بذلك ~~إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء قوموا مغفورا لكم قد بدلت لكم سيئاتكم ~~حسنات (2) وقال أيضا صلى الله عليه وسلم ما قعد قوم مقعدا لم يذكروا الله ~~سبحانه وتعالى فيه ولم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم ألا كان عليهم ~~حسرة يوم القيامة (3) وقال داود صلى الله عليه وسلم إلهي إذا رأيتني أجاوز ~~مجالس الذاكرين إلى مجالس الغافلين فاكسر رجلي دونهم فإنها نعمة تنعم بها ~~علي # وقال صلى الله عليه وسلم المجلس الصالح يكفر عن المؤمن ألفي ألف مجلس من ~~مجالس السوء (4) وقال أبو هريرة رضي الله عنه إن أهل السماء ليتراءون بيوت ~~أهل الأرض التي يذكر فيها اسم الله تعالى كما تتراءى النجوم # وقال سفيان بن عيينة رحمه الله إذا اجتمع قوم يذكرون الله تعالى اعتزل ~~الشيطان والدنيا فيقول الشيطان للدنيا ألا ترين ما يصنعون فتقول الدنيا ~~دعهم فإنهم إذا تفرقوا أخذت بأعناقهم إليك # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه إذا دخل السوق وقال أراكم ههنا وميراث ~~رسول الله ms0484 صلى الله عليه وسلم يقسم في المسجد فذهب الناس إلى المسجد وتركوا ~~السوق فلم يروا ميراثا فقالوا يا أبا هريرة ما رأينا ميراثا يقسم في المسجد ~~قال فماذا رأيتم قالوا رأينا قوما يذكرون الله عز وجل ويقرءون القرآن قال ~~فذلك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) وروى الأعمش عن أبي صالح عن ~~أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إن لله عز وجل ~~ملائكة سياحين في الأرض فضلا عن كتاب الناس فإذا وجدوا قوما يذكرون الله عز ~~وجل تنادوا هلموا بغيتكم فيجيئون فيحفون بهم إلى السماء فيقول الله تبارك ~~وتعالى أي شيء تركتم عبادي يصنعونه فيقولون تركناهم يحمدونك ويمجدونك ~~ويسبحونك فيقول الله تبارك وتعالى وهل رأوني فيقولون لا فيقول جل جلاله كيف ~~لو رأوني فيقولون لو رأوك لكانوا أشد تسبيحا وتحميدا وتمجيدا فيقول لهم من ~~أي شيء يتعوذون فيقولون من النار فيقول تعالى وهل رأوها فيقولون لا فيقول ~~الله عز وجل فكيف لو رأوها فيقولون لو رأوها لكانوا أشد هربا منها وأشد ~~نفورا فيقول الله عز وجل وأي شيء يطلبون فيقولون الجنة فيقول تعالى وهل ~~رأوها فيقولون لا فيقول تعالى فكيف لو رأوها فيقولون لو رأوها لكانوا أشد ~~عليها حرصا فيقول جل جلاله إني أشهدكم أني قد غفرت لهم فيقولون كان فيهم ~~فلان لم يردهم إنما جاء لحاجة فيقول الله عز وجل هم القوم لا يشقى جليسهم ~~(6) PageV01P296 ### |||| فضيلة التهليل # قال صلى الله عليه وسلم أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له (1) وقال صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كل يوم مائة مرة ~~كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له ~~حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد ~~عمل أكثر من ذلك (2) وقال صلى ms0485 الله عليه وسلم ما من عبد توضأ فأحسن الوضوء ~~ثم رفع طرفه إلى السماء فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء (3) ~~وقال صلى الله عليه وسلم ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا ~~في نشورهم كأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رؤوسهم من التراب ويقولون ~~الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (4) وقال صلى الله عليه ~~وسلم أيضا لأبي هريرة يا أبا هريرة إن كل حسنة تعملها توزن يوم القيامة إلا ~~شهادة أن لا إله إلا الله فإنها لا توضع في ميزان لأنها لو وضعت في ميزان ~~من قالها صادقا ووضعت السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن كان لا إله ~~إلا الله أرجح من ذلك (5) وقال صلى الله عليه وسلم لو جاء قائل لا إله إلا ~~الله صادقا بقراب الأرض ذنوبا لغفر الله له ذلك (6) وقال صلى الله عليه ~~وسلم يا أبا هريرة لقن الموتى شهادة أن لا إله إلا الله فإنها تهدم الذنوب ~~هدما قلت يا رسول الله هذا للموتى فكيف للأحياء قال صلى الله عليه وسلم هي ~~أهدم وأهدم (7) وقال صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل ~~الجنة (8) وقال صلى الله عليه وسلم لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى وشرد عن ~~الله عز وجل شراد البعير عن أهله فقيل يا رسول الله من الذي يأبى ويشرد عن ~~الله قال من لم يقل لا إله إلا الله (9) فأكثروا من قول لا إله إلا الله ~~قبل أن PageV01P297 # يحال بينكم وبينها فإنها كلمة التوحيد وهي كلمة الإخلاص وهي كلمة التقوى ~~وهي كلمة طيبة وهي دعوة الحق وهي العروة الوثقى وهي ثمن الجنة وقال الله عز ~~وجل {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} فقيل الإحسان في الدنيا قول لا إله إلا ~~الله وفي الآخرة الجنة وكذا قوله تعالى {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} وروى ms0486 ~~البراء بن عازب أنه صلى الله عليه وسلم قال من قال لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كانت له عدل رقبة ~~أو قال نسمة (1) وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من قال في يوم مائتي مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لم يسبقه أحد كان قبله ولا ~~يدركه أحد بعده إلا من عمل بأفضل من عمله (2) وقال صلى الله عليه وسلم من ~~قال في سوق من الأسواق لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ~~يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف الف ~~سيئة وبنى له بيتا في الجنة ويروى إن العبد إذا قال لا إله إلا الله أتت ~~إلى صحيفته فلا تمر على خطيئة إلى محتها حتى تجد حسنة مثلها فتجلس إلى ~~جنبها (3) وفي الصحيح عن أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قال ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ~~عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل صلى الله عليه وسلم (4) ~~وفي الصحيح أيضا عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~من تعار من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم قال اللهم اغفر لي غفر له أو ~~دعا استجيب له فإن توضأ وصلى قبلت صلاته (5) ### |||| فضيلة التسبيح والتحميد وبقية الأذكار # قال صلى الله عليه وسلم من سبح دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد ثلاثا ~~وثلاثين وكبر ms0487 ثلاثا وثلاثين وختم المائة بلا إله إلا الله لا شريك له له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر ~~(6) وقال صلى الله عليه وسلم من قال سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة ~~حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر (7) وروي أن رجلا جاء إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال تولت عني الدنيا وقلت ذات PageV01P298 # يدي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح ~~الخلائق وبها يرزقون قال فقلت وماذا يا رسول الله قال قل سبحان الله وبحمده ~~سبحان الله العظيم استغفر الله مائة مرة ما بين طلوع الفجر إلى أن تصلي ~~الصبح تأتيك الدنيا راغمة صاغرة ويخلق الله عز وجل من كل كلمة ملكا يسبح ~~الله تعالى إلى يوم القيامة لك ثوابه (1) وقال صلى الله عليه وسلم إذا قال ~~العبد الحمد لله ملأت ما بين السماء والأرض فإذا قال الحمد لله الثانية ~~ملأت ما بين السماء السابعة إلى الأرض السفلى فإذا قال الحمد لله الثالثة ~~قال الله عز وجل سل تعط (2) وقال رفاعة الزرقي كنا يوما نصلي وراء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه من الركوع وقال سمع الله لمن حمده ~~قال رجل وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا ~~مباركا فيه فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاته قال من ~~المتكلم آنفا قال أنا يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم لقد رأيت بضعة ~~وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أولا (3) وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الباقيات الصالحات هن لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله ~~أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله (4) وقال صلى الله عليه وسلم ما على الأرض ~~رجل يقول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله إلا غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد ms0488 البحر (5) رواه ابن عمر ~~وروى النعمان بن بشير عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال الذين يذكرون من جلال ~~الله وتسبيحه وتكبيره وتحميده ينعطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل يذكرون ~~بصاحبهن أو لا يحب أحدكم أن لا يزال عند الله ما يذكر به (6) وروى أبو ~~هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس (7) وفي رواية أخرى زاد ~~لا حول ولا قوة إلا بالله وقال هي خير من الدنيا وما فيها وقال صلى الله ~~عليه وسلم أحب الكلام إلى الله تعالى أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت (8) رواه سمرة بن جندب PageV01P299 # وروى أبو مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول الطهور ~~شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والله أكبر يملآن ما بين ~~السماء والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو ~~عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو مشتر نفسه فمعتقها (1) وقال أبو ~~هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان ~~في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم (2) ~~وقال أبو ذر رضي الله عنه قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكلام أحب ~~إلى الله عز وجل قال صلى الله عليه وسلم ما اصطفى الله سبحانه لملائكته ~~سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم (3) وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن الله تعالى اصطفى من الكلام سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر (4) فإذا قال العبد سبحان الله كتبت له عشرون حسنة ~~وتحط عنه عشرون سيئة وإذا قال الله أكبر فمثل ذلك وذكر إلى آخر الكلمات # وقال جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال سبحان الله وبحمده ~~غرست له نخلة في الجنة (5) وعن أبي ذر ms0489 رضي الله عنه أنه قال قال الفقراء ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ~~ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم فقال أو ليس قد جعل لكم ما تصدقون ~~به إن بكل تسبيحة صدقة وتحميدة صدقة وتهليلة صدقة وتكبيرة صدقة وأمر بمعروف ~~صدقة ونهي عن منكر صدقة ويضع أحدكم اللقمة في في أهله فهي له صدقة وفي بضع ~~أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال صلى ~~الله عليه وسلم أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر قالوا نعم قال ~~كذلك إن وضعها في الحلال كان له فيها أجر (6) # وقال أبو ذر رضي الله عنه قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سبق أهل ~~الأموال بالأجر يقولون كما نقول وينفقون ولا ننفق فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أفلا أدلك على عمل إذا أنت عملته أدركت من قبلك وفقت من بعدك إلا ~~من قال مثل قولك تسبح الله بعد كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمده ثلاثا وثلاثين ~~وتكبر أربعا وثلاثين (7) وروت بسرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس فلا تغفلن واعقدن بالأنامل فإنها ~~مستنطقات (8) يعني بالشهادة في القيامة # وقال ابن عمر رأيته صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح (9) وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم فيما شهد عليه أبو هريرة وأبو سعيد الخدري إذا قال العبد لا ~~إله إلا الله والله أكبر قال الله عز وجل صدق عبدي لا إله إلا أنا وأنا ~~أكبر وإذا قال العبد لا إله إلا الله وحده لا شريك له قال تعالى صدق عبدي ~~لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي وإذا قال لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة ~~PageV01P300 # إلا بالله يقول الله سبحانه صدق عبدي لا حول ولا قوة إلا بي ومن قالهن ~~عند الموت لم تمسه النار (1) وروى مصعب بن سعد عن أبيه عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال أيعجز أحدكم ms0490 أن يكسب كل يوم ألف حسنة فقيل كيف ذلك يا رسول ~~الله فقال صلى الله عليه وسلم يسبح الله مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة ~~ويحط عنه ألف سيئة (2) وقال صلى الله عليه وسلم يا عبد الله بن قيس أو يا ~~أبا موسى أولا أدلك على كنز من كنوز الجنة قال بلى قال قل لا حول ولا قوة ~~إلا بالله (3) وفي رواية أخرى ألا أعلمك كلمة من كنز تحت العرش لا حول ولا ~~قوة إلا بالله وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أدلك ~~على عمل من كنوز الجنة من تحت العرش قول لا حول ولا قوة إلا بالله يقول ~~الله تعالى أسلم عبدي واستسلم (4) قال صلى الله عليه وسلم من قال حين يصبح ~~رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبمحمد صلى الله عليه وسلم ~~نبيا رسولا كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة (5) وفي رواية من قال ~~ذلك رضي الله عنه وقال مجاهد إذا خرج الرجل من بيته فقال بسم الله قال ~~الملك هديت فإذا قال توكلت على الله قال الملك كفيت وإذا قال لا حول ولا ~~قوة إلا بالله قال الملك وقيت فتتفرق عنه الشياطين فيقولون ما تريدون من ~~رجل قد هدي وكفي ووقي لا سبيل لكم إليه # فإن قلت فما بال ذكر الله سبحانه مع خفته على اللسان وقلة التعب فيه صار ~~أفضل وأنفع من جملة العبادات مع كثرة المشقات فيها فاعلم أن تحقيق هذا لا ~~يليق إلا بعلم المكاشفة # والقدر الذي يسمح بذكره في علم المعاملة أن المؤثر النافع هو الذكر على ~~الدوام مع حضور القلب فأما الذكر باللسان والقلب لاه فهو قليل الجدوى # وفي الأخبار ما يدل عليه أيضا (6) وحضور القلب في لحظة بالذكر والذهول عن ~~الله عز وجل مع الاشتغال بالدنيا أيضا قليل الجدوى بل حضور القلب مع الله ~~تعالى على الدوام أو في أكثر الأوقات هو المقدم على العبادات بل به تشرف ~~سائر العبادات وهو غاية ثمرة ms0491 العبادات العملية # وللذكر أول وآخر فأوله يوجب الأنس والحب لله وآخره يوجب الأنس والحب ~~ويصدر عنه والمطلوب ذلك الأنس والحب فإن المريد في بداية أمره قد يكون ~~متكلفا بصرف قلبه ولسانه عن الوسواس إلى ذكر الله عز وجل فإن وفق للمداومة ~~أنس به وانغرس في قلبه حب المذكور ولا ينبغي أن يتعجب من هذا فإن من ~~المشاهد في العادات أن تذكر غائبا غير مشاهد بين يدي شخص وتكرر ذكر خصاله ~~عنده فيحبه وقد يعشق بالوصف وكثرة الذكر ثم إذا عشق بكثرة الذكر المتكلف ~~أولا صار مضطرا إلى كثرة الذكر آخرا بحيث لا يصبر عنه فإن من أحب شيئا أكثر ~~من ذكره # ومن أكثر من ذكر شيء وإن كان تكلفا أحبه فكذلك أول الذكر متكلف إلى أن ~~يثمر الأنس بالمذكور والحب له ثم يمتنع الصبر عنه آخرا فيصير الموجب موجبا ~~PageV01P301 # والثمر مثمرا # وهذا معنى قول بعضهم كابدت القرآن عشرين سنة ثم تنعمت به عشرين سنة ولا ~~يصدر التنعيم إلا من الأنس والحب ولا يصدر الأنس إلا من المداومة على ~~المكابدة والتكلف مدة طويلة حتى يصير التكلف طبعا فكيف يستبعد هذا وقد ~~يتكلف الإنسان تناول طعام يستبشعه أولا ويكابد أكله ويواظب عليه فيصير ~~موافقا لطبعه حتى لا يصبر عنه فالنفس معتادة متحملة لما تتكلف # هي النفس ما عودتها تتعود ... # أي ما كلفتها أولا يصير لها طبعا آخرا # ثم إذا حصل الأنس بذكر الله سبحانه انقطع عن غير ذكر الله وما سوى الله ~~عز وجل هو الذي يفارقه عند الموت فلا يبقى معه في القبر أهل ولا مال ولا ~~ولد ولا ولاية ولا يبقى إلا ذكر الله عز وجل # فإن كان قد أنس به تمتع به وتلذذ بانقطاع العوائق الصارفة عنه إذ ضرورات ~~الحاجات في الحياة الدنيا تصد عن ذكر الله عز وجل ولا يبقى بعد الموت عائق ~~فكأنه خلى بينه وبين محبوبه فعظمت غبطته وتخلص من السجن الذي كان ممنوعا ~~فيه عما به أنسه ولذلك قال صلى الله عليه وسلم إن روح ms0492 القدس نفث في روعي ~~أحبب من أحببت فإنك مفارقه (1) أراد به كل ما يتعلق بالدنيا فإن ذلك يفنى ~~في حقه بالموت ف كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وإنما ~~تفنى الدنيا بالموت في حقه إلى أن تفنى في نفسها عند بلوغ الكتاب أجله # وهذا الأنس يتلذذ به العبد بعد موته إلى أن ينزل في جوار الله عز وجل ~~ويترقى من الذكر إلى اللقاء وذلك بعد أن يبعثر ما في القبور ويحصل ما في ~~الصدور ولا ينكر بقاء ذكر الله عز وجل معه الموت فيقول إنه أعدم فكيف يبقى ~~معه ذكر الله عز وجل فإنه لم يعدم عدما يمنع الذكر بل عدما من الدنيا وعالم ~~الملك والشهادة لا من عالم الملكوت # وإلى ما ذكرناه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم القبر إما حفرة من حفر ~~النار أو روضة من رياض الجنة (2) وبقوله صلى الله عليه وسلم أرواح الشهداء ~~في حواصل طيور خضر (3) وبقوله صلى الله عليه وسلم لقتلى بدر من المشركين يا ~~فلان ويا فلان وقد سماهم النبي صلى الله عليه وسلم هل وجدتم ما وعد ربكم ~~حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا (4) فسمع عمر رضي الله عنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف يسمعون وأنى يجيبون وقد جيفوا فقال صلى ~~الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لكلامي منهم ولكنهم لا ~~يقدرون أن يجيبوا والحديث في الصحيح هذا قوله صلى الله عليه وسلم في ~~المشركين فأما المؤمنون والشهداء فقد قال صلى الله عليه وسلم أرواحهم في ~~حواصل طيور خضر معلقة تحت العرش (5) وهذه الحالة وما أشير بهذه الألفاظ ~~إليه لا ينافي ذكر الله عز وجل وقال تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ~~ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم الآية ولأجل شرف ذكر الله عز وجل ~~عظمت رتبة الشهادة لأن المطلوب الخاتمة ونعني بالخاتمة وداع ms0493 الدنيا والقدوم ~~على الله والقلب مستغرق بالله عز وجل منقطع العلائق PageV01P302 # عن غيره # فإن قدر عبد على أن يجعل همه مستغرقا بالله عز وجل فلا يقدر على أن يموت ~~على تلك الحالة إلا في صف القتال # فإنه قطع الطمع عن مهجته وأهله وماله وولده بل من الدنيا كلها فإنه ~~يريدها لحياته وقد هون على قلبه حياته في حب الله عز وجل وطلب مرضاته فلا ~~تجرد لله أعظم من ذلك ولذلك عظم أمر الشهادة وورد فيه من الفضائل ما لا ~~يحصى # فمن ذلك أنه لما استشهد عبد الله بن عمرو الأنصاري يوم أحد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لجابر ألا أبشرك يا جابر قال بلى بشرك الله بالخير قال ~~إن الله عز وجل أحيا أباك فأقعده بين يديه وليس بينه وبينه ستر فقال تعالى ~~تمن علي يا عبدي ما شئت أعطيكه فقال يا رب إن تردني إلى الدنيا حتى أقتل ~~فيك وفي نبيك مرة أخرى فقال عز وجل سبق القضاء مني بأنهم إليها لا يرجعون ~~(1) ثم القتل سبب الخاتمة على مثل هذه الحالة فإنه لو لم يقتل وبقي مدة ~~ربما عادت شهوات الدنيا إليه وغلبت على ما استولى على قلبه من ذكر الله عز ~~وجل # ولهذا عظم خوف أهل المعرفة من الخاتمة فإن القلب وإن ألزم ذكر الله عز ~~وجل فهو متقلب لا يخلو عن الالتفات إلى شهوات الدنيا ولا ينفك عن فترة ~~تعتريه # فإذا تمثل في آخر الحال في قلبه أمر من الدنيا واستولى عليه وارتحل عن ~~الدنيا والحالة هذه فيوشك أن يبقى استيلاؤه عليه فيحن بعد الموت إليه ~~ويتمنى الرجوع إلى الدنيا # وذلك لقلة حظه في الآخرة إذ يموت المرء على ما عاش عليه ويحشر على ما مات ~~عليه # فاسلم الأحوال عن هذا الخطر خاتمة الشهادة إذ لم يكن قصد الشهيد نيل مال ~~أو أن يقال شجاع أو غير ذلك (2) كما ورد به الخبر بل حب الله عز وجل وإعلاء ~~كلمته فهذه الحالة هي التي عبر عنها ms0494 {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة} ومثل هذا الشخص هو البائع للدنيا بالآخرة # وحالة الشهيد توافق معنى قولك {لا إله إلا الله} فإنه لا مقصود له سوى ~~الله عز وجل وكل مقصود معبود وكل معبود إله فهذا الشهيد قائل بلسان حاله ~~{لا إله إلا الله} إذ لا مقصود له سواه # ومن يقول ذلك بلسانه ولم يساعده حاله فأمره في مشيئة الله عز وجل ولا ~~يؤمن في حقه الخطر # ولذلك فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم قول لا إله إلا الله على سائر ~~الأذكار (3) وذكر ذلك مطلقا في مواضع الترغيب ثم ذكر في بعض المواضع ~~الترغيب # ثم ذكر في بعض المواضع الصدق والإخلاص فقال مرة من قال لا إله إلا الله ~~مخلصا ومعنى الإخلاص مساعدة الحال للمقال # فنسأل الله تعالى أن يجعلنا في الخاتمة من أهل لا إله إلا الله حالا ~~ومقالا ظاهرا وباطنا حتى نودع الدنيا غير متلفتين إليها بل متبرمين بها ~~ومحبين للقاء الله فإن من أحب لقاء الله تعالى أحب الله لقاءه ومن كره لقاء ~~الله كره الله لقاءه فهذه مرامز إلى معاني الذكر التي لا يمكن الزيادة ~~عليها في علم المعاملة ### ||| الباب الثاني في آداب الدعاء وفضله وفضل بعض الأدعية المأثورة وفضيلة الاستغفار والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ### |||| فضيلة الدعاء # قال الله تعالى {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي} وقال تعالى PageV01P303 # {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} وقال تعالى {وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} وقال ~~عز وجل {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} ~~وروى النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الدعاء هو ~~العبادة ثم قرأ ادعوني أستجب لكم (1) الآية وقال صلى الله عليه وسلم الدعاء ~~مخ العبادة (2) وروى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال ليس شيء أكرم ~~على ms0495 الله عز وجل من الدعاء (3) وقال صلى الله عليه وسلم إن العبد لا يخطئه ~~من الدعاء إحدى ثلاث إما ذنب يغفر له وإما خير يعجل له وإما خير يدخر له ~~(4) وقال أبو ذر رضي الله عنه يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من ~~الملح وقال صلى الله عليه وسلم سلوا الله تعالى من فضله فإن الله تعالى يحب ~~أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج (5) ### |||| آداب الدعاء وهي عشرة # الأول أن يترصد لدعائه الأوقات الشريفة كيوم عرفة من السنة ورمضان من ~~الأشهر ويوم الجمعة من الأسبوع ووقت السحر من ساعات الليل قال تعالى ~~وبالأسحار هم يستغفرون وقال صلى الله عليه وسلم ينزل الله تعالى كل ليلة ~~إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول عز وجل من يدعوني فأستجيب ~~له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له (6) وقيل إن يعقوب صلى الله عليه ~~وسلم إنما قال سوف أستغفر لكم ربي ليدعو في وقت السحر فقيل إنه قام في وقت ~~السحر يدعو وأولاده يؤمنون خلفه فأوحى الله عز وجل إني قد غفرت لهم وجعلتهم ~~أنبياء # الثاني أن يغتنم الأحوال الشريفة قال أبو هريرة رضي الله عنه إن أبواب ~~السماء تفتح عند زحف الصفوف في سبيل الله تعالى وعند نزول الغيث وعند إقامة ~~الصلوات المكتوبة فاغتنموا الدعاء فيها وقال مجاهد إن الصلاة جعلت في خير ~~الساعات فعليكم بالدعاء خلف الصلوات # وقال صلى الله عليه وسلم الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد (7) وقال صلى ~~الله عليه وسلم أيضا الصائم لا ترد دعوته (8) وبالحقيقة يرجع شرف الأوقات ~~إلى شرف الحالات أيضا إذ وقت السحر وقت صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من ~~المشوشات ويوم عرفة ويوم الجمعة وقت اجتماع الهمم وتعاون القلوب على ~~استدرار رحمة الله عز وجل فهذا أحد أسباب شرف الأوقات سوى ما فيها من أسرار ~~لا يطلع البشر عليها # وحالة السجود أيضا أجدر بالإجابة قال أبو هريرة رضي الله عنه قال النبي ~~PageV01P304 # صلى الله عليه وسلم أقرب ما يكون العبد من ms0496 ربه عز وجل وهو ساجد فأكثروا ~~فيه من الدعاء (1) وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال إني نهيت أن اقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فأما الركوع فعظموا ~~فيه الرب تعالى وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء فإنه قمن أن يستجاب لكم ~~(2) # الثالث أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه وروى جابر ~~بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آتي الموقف بعرفة واستقبل ~~القبلة ولم يزل يدعو حتى غربت الشمس (3) # وقال سلمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ربكم حيي كريم يستحي من ~~عبيده إذا رفعوا أيديهم إليه أن يردها صفرا (4) # وروى أنس أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه في ~~الدعاء ولا يشير بأصبعيه (5) # وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم مر على إنسان يدعو ~~ويشير بإصبعيه السبابتين فقال صلى الله عليه وسلم أحد أحد (6) أي اقتصر على ~~الواحدة # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه ارفعوا هذه الأيدي قبل أن تغل بالأغلال ثم ~~ينبغي أن يمسح بهما وجهه في آخر الدعاء قال عمر رضي الله عنه كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا مد يديه في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه ~~(7) # وقال ابن عباس كان صلى الله عليه وسلم إذا دعا ضم كفيه وجعل بطونهما مما ~~يلي وجهه (8) # فهذه هيئات اليد ولا يرفع بصره إلى السماء قال صلى الله عليه وسلم ~~لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء أو لتخطفن أبصارهم (9) # الرابع خفض الصوت بين المخافتة والجهر لما روي أن أبا موسى الأشعري قال ~~قدمنا مع رسول الله فلما دنونا من المدينة كبر وكبر الناس ورفعوا أصواتهم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس إن الذي تدعون ليس بأصم ولا ~~غائب إن الذي تدعون بينكم وبين أعناق ركابكم (10) # وقالت عائشة رضي الله عنه في قوله عز وجل {ولا تجهر بصلاتك ms0497 ولا تخافت ~~بها} (11) أي بدعائك وقد أثنى الله عز وجل على نبيه زكرياء عليه السلام حيث ~~قال {إذ نادى ربه نداء خفيا} وقال عز وجل {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} # الخامس أن لا يتكلف السجع في الدعاء فإن حال الداعي ينبغي أن يكون حال ~~متضرع والتكلف لا يناسبه قال صلى الله عليه وسلم سيكون قوم يعتدون في ~~الدعاء (12) وقد قال عز وجل {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه} PageV01P305 # {لا يحب المعتدين} قيل معناه التكلف للأسجاع والأولى أن لا يجاوز الدعوات ~~المأثورة فإنه قد يعتدي في دعائه فيسأل ما لا تقتضيه مصلحته فما كل أحد ~~يحسن الدعاء ولذلك روي عن معاذ رضي الله عنه أن العلماء يحتاج إليهم في ~~الجنة إذ يقال لأهل الجنة تمنوا فلا يدرون كيف يتمنون حتى يتعلموا من ~~العلماء وقد قال صلى الله عليه وسلم إياكم والسجع في الدعاء حسب أحدكم أن ~~يقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار ~~وما قرب إليها من قول وعمل (1) وفي الخبر سيأتي قوم يعتدون في الدعاء ~~والطهور ومر بعض السلف بقاص يدعو بسجع فقال له أعلى الله تبالغ أشهد لقد ~~رأيت حبيبا العجمي يدعو وما يزيد على قوله اللهم اجعلنا جيدين اللهم لا ~~تفضحنا يوم القيامة اللهم وفقنا للخير والناس يدعون من كل ناحية وراءه وكان ~~يعرف بركة دعائه # وقال بعضهم ادع بلسان الذلة والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق # ويقال إن العلماء الأبدال لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات فما دونها ~~ويشهد له آخر سورة البقرة فإن الله تعالى لم يخبر في موضع من أدعية عبادة ~~أكثر من ذلك # واعلم أن المراد بالسجع هو المتكلف من الكلام فإن ذلك لا يلائم الضراعة ~~والذلة وإلا ففي الأدعية المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات ~~متوازنة لكنها غير متكلفة كقوله صلى الله عليه وسلم أسألك الأمن من يوم ~~الوعيد والجنة يوم الخلود مع المقربين الشهود والركع السجود الموفين ~~بالعهود إنك رحيم ودود وإنك تفعل ms0498 ما تريد (2) وأمثال ذلك فليقتصر على ~~المأثور من الدعوات أو ليلتمس بلسان التضرع والخشوع من غير سجع وتكلف ~~فالتضرع هو المحبوب عند الله عز وجل # السادس التضرع والخشوع والرغبة والرهبة قال الله تعالى {إنهم كانوا ~~يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا} وقال عز وجل {ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية} وقال صلى الله عليه وسلم إذا أحب الله عبدا ابتلاه حتى يسمع تضرعه ~~(3) # السابع أن يجزم الدعاء ويوقن بالإجابة ويصدق رجاءه فيه # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقل أحدكم إذا دعا اللهم اغفر لي إن ~~شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مكره له (4) وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء ~~(5) وقال صلى الله عليه وسلم ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن ~~الله عز وجل لا يستجيب دعاء من قلب غافل (6) وقال سفيان بن عيينة لا يمنعن ~~أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه فإن الله عز وجل أجاب دعاء شر الخلق إبليس ~~لعنه الله إذ قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين # الثامن أن يلح في الدعاء ويكرره ثلاثا قال ابن مسعود PageV01P306 # كان صلى الله عليه وسلم إذا دعا دعا ثلاثا وإذا سال سأل ثلاثا (1) وينبغي ~~أن لا يستبطىء الإجابة لقوله صلى الله عليه وسلم يستجاب لأحدكم ما لم يعجل ~~فيقول قد دعوت فلم يستجب لي فإذا دعوت فاسأل الله كثيرا فإنك تدعو كريما ~~(2) وقال بعضهم إني أسأل الله عز وجل منذ عشرين سنة حاجة وما أجابني وأنا ~~أرجو الإجابة سألت الله تعالى أن يوفقني لترك ما لا يعنيني # وقال صلى الله عليه وسلم إذا سأل أحدكم ربه مسألة فتعرف الإجابة فليقل ~~الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ومن أبطأ عنه من ذلك فليقل الحمد لله ~~على كل حال (3) # التاسع أن يفتتح الدعاء بذكر الله عز وجل فلا يبدأ بالسؤال قال سلمة بن ~~الأكوع ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0499 يستفتح الدعاء إلا استفتحه ~~بقول سبحان ربي العلي الأعلى الوهاب (4) قال أبو سليمان الداراني رحمه الله ~~من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~يسأله حاجته ثم يختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل ~~يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يدع ما بينهما وروي في الخبر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا سألتم الله عز وجل حاجة فابتدئوا بالصلاة ~~علي فإن الله تعالى أكرم من أن يسئل حاجتين فيقضي إحداهما ويرد الأخرى (5) ~~رواه أبو طالب المكي # العاشر وهو الأدب الباطن وهو الأصل في الإجابة التوبة ورد المظالم ~~والإقبال على الله عز وجل بكنه الهمة فذلك هو السبب القريب في الإجابة ~~فيروى عن كعب الأحبار أنه قال أصاب الناس قحط شديد على عهد موسى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فخرج موسى ببني إسرائيل يستسقي بهم فلم يسقوا حتى خرج ~~ثلاث مرات ولم يسقوا فأوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام إني لا أستجيب ~~لك ولا لمن معك وفيكم نمام فقال موسى يا رب ومن هو حتى نخرجه من بيننا ~~فأوحى الله عز وجل إليه يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نماما فقال موسى ~~لبني إسرائيل توبوا إلى ربكم بأجمعكم عن النميمة فتابوا فأرسل الله تعالى ~~عليهم الغيث # وقال سعيد بن جبير قحط الناس في زمن ملك من ملوك بني إسرائيل فاستسقوا ~~فقال الملك لبني إسرائيل ليرسلن الله تعالى علينا السماء أو لنؤذينه قيل له ~~وكيف تقدر أن تؤذيه وهو في السماء فقال أقتل أولياءه وأهل طاعته فيكون ذلك ~~أذى له فأرسل الله تعالى عليهم السماء # وقال سفيان الثوري بلغني أن بني إسرائيل قحطوا سبع سنين حتى أكلوا الميتة ~~من المزابل وأكلوا الأطفال وكانوا كذلك يخرجون إلى الجبال يبكون ويتضرعون ~~فأوحى الله عز وجل إلى أنبيائهم عليهم السلام لو مشيتم إلي باقدامكم حتى ~~تحفى ركبكم وتبلغ أيديكم عنان السماء وتكل ألسنتكم عن الدعاء فإني ms0500 لا أجيب ~~لكم داعيا ولا أرحم لكم باكيا حتى تردوا المظالم إلى أهلها ففعلوا فمطروا ~~من يومهم # وقال مالك بن دينار أصاب الناس في بني إسرائيل قحط فخرجوا مرارا فأوحى ~~الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إلي بأبدان نجسة وترفعون إلي ~~أكفا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بطونكم من الحرام الآن قد اشتد غضبي عليكم ~~ولن تزدادوا مني إلا بعدا وقال أبو الصديق الناجي خرج سليمان عليه السلام ~~يستسقي فمر بنملة ملقاة على ظهرها رافعة قوائمها PageV01P307 # إلى السماء وهي تقول اللهم إنا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن رزقك فلا ~~تهلكنا بذنوب غيرنا فقال سليمان عليه السلام ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم # وقال الأوزاعي خرج الناس يستسقون فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى ~~عليه ثم قال يا معشر من حضر ألستم مقرين بالإساءة فقالوا اللهم نعم فقال ~~اللهم إنا قد سمعناك تقول ما على المحسنين من سبيل وقد أقررنا بالإساءة فهل ~~تكون مغفرتك إلا لمثلنا اللهم فاغفر لنا وارحمنا واسقنا فرفع يديه ورفعوا ~~أيديهم فسقوا # وقيل لمالك بن دينار ادع لنا ربك فقال إنكم تستبطئون المطر وأنا أستبطىء ~~الحجارة وروي أن عيسى صلوات الله عليه وسلامه خرج يستسقي فلما ضجروا قال ~~لهم عيسى عليه السلام من أصاب منكم ذنبا فليرجع فرجعوا كلهم ولم يبق معه في ~~المفازة إلا واحد فقال له عيسى عليهم السلام أما لك من ذنب فقال والله ما ~~علمت من شيء غير أني كنت ذات يوم أصلي فمرت بي امرأة فنظرت إليها بعيني هذه ~~فلما جاوزتني أدخلت أصبعي في عيني فانتزعتها وتبعت المرأة بها فقال له عيسى ~~عليه السلام فادع الله حتى أؤمن على دعائك قال فدعا فتجللت السماء سحابا ثم ~~صبت فسقوا وقال يحيى الغساني أصاب الناس قحط على عهد داود عليه السلام ~~فاختاروا ثلاثة من علمائهم فخرجوا حتى يستسقوا بهم فقال أحدهم اللهم إنك ~~أنزلت في توراتك أن نعفو عمن ظلمنا اللهم إنا قد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا ~~وقال ms0501 الثاني اللهم إنك أنزلت في توراتك أن نعتق أرقاءنا اللهم إنا أرقاؤك ~~فأعتقنا وقال الثالث اللهم إنك أنزلت في توراتك أن لا نرد المساكين إذا ~~وقفوا بأبوابنا اللهم إنا مساكينك وقفنا ببابك فلا ترد دعاءنا فسقوا وقال ~~عطاء السلمي منعنا الغيث فخرجنا نستسقي فإذا نحن بسعدون المجنون في المقابر ~~فنظر إلي فقال يا عطاء أهذا يوم النشور أوبعثر ما في القبور فقلت لا ولكنا ~~منعنا الغيث فخرجنا نستسقي فقال يا عطاء بقلوب أرضية أم بقلوب سماوية فقلت ~~بل بقلوب سماوية فقال هيهات يا عطاء قل للمتبهرجين لا تتبهرجوا فإن الناقد ~~بصير ثم رمق السماء بطرفه وقال إلهي وسيدي ومولاي لا تهلك بلادك بذنوب ~~عبادك ولكن بالسر المكنون من أسمائك وما وارت الحجب من آلائك إلا ما سقيتنا ~~ماء غدقا فراتا تحيي به العباد وتروي به البلاد يا من هو على كل شيء قدير ~~قال عطاء فما استتم الكلام حتى أرعدت السماء وأبرقت وجادت بمطر كأفواه ~~القرب فولى وهو يقول # أفلح الزاهدون والعابدونا ... إذ لمولاهم أجاعوا البطونا # أسهروا الأعين العليلة حبا ... فانقضى ليلهم وهم ساهرونا # شغلتهم عبادة الله حتى ... حسب الناس أن فيهم جنونا # وقال ابن المبارك قدمت المدينة في عام شديد القحط فخرج الناس يستسقون ~~فخرجت معهم إذ أقبل غلام أسود عليه قطعتا خيش قد اتزر بإحداهما وألقى ~~الأخرى على عاتقه فجلس إلى جنبي فسمعته يقول إلهي أخلقت الوجوه عندك كثرة ~~الذنوب ومساوي الأعمال وقد حبست عنا غيث السماء لتؤدب عبادك بذلك فأسألك يا ~~حليما ذا أناة يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل أن تسقيهم الساعة الساعة ~~فلم يزل يقول الساعة الساعة حتى اكتست السماء بالغمام وأقبل المطر من كل ~~جانب قال ابن المبارك فجئت إلى الفضيل فقال ما لي أراك كئيبا فقلت أمر ~~سبقنا إليه غيرنا فتولاه دوننا وقصصت عليه القصة فصاح الفضيل وخر مغشيا ~~عليه # ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس رضي الله عنه فلما ~~فرغ عمر من دعائه قال العباس اللهم ms0502 إنه لم ينزل بلاء من السماء إلا بذنب ~~ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك صلى الله عليه ~~وسلم وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا بالتوبة وأنت PageV01P308 # الراعي لا تهمل الضالة ولا تدع الكبير بدار مضيعة فقد ضرع الصغير ورق ~~الكبير وارتفعت الأصوات بالشكوى وأنت تعلم السر وأخفى اللهم فأغثهم بغياثك ~~قبل أن يقنطوا فيهلكوا فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون قال ~~فما تم كلامه حتى ارتفعت السماء مثل الجبال ### |||| فضيلة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضله صلى الله عليه وسلم # قال الله تعالى {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه وسلموا تسليما} وروي أنه صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والبشرى ~~ترى في وجهه فقال صلى الله عليه وسلم أنه جاءني جبريل عليه السلام فقال أما ~~ترضى يا محمد أن لا يصلي عليك أحد من أمتك صلاة واحدة إلا صليت عليه عشرا ~~ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا (1) وقال صلى الله عليه وسلم ~~من صلى علي صلت عليه الملائكة ما صلى علي فليقلل عند ذلك أو ليكثر (2) وقال ~~صلى الله عليه وسلم إن أولى الناس بي أكثرهم علي صلاة (3) وقال صلى الله ~~عليه وسلم بحسب المؤمن من البخل أن أذكر عنده فلا يصلي علي (4) وقال صلى ~~الله عليه وسلم أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة (5) وقال صلى الله عليه ~~وسلم من صلى علي من أمتي كتبت له عشر حسنات ومحيت عنه عشر سيئات (6) وقال ~~صلى الله عليه وسلم من قال حين يسمع الأذان والإقامة اللهم رب هذه الدعوة ~~التامة والصلاة القائمة صل على محمد عبدك ورسولك وأعطه الوسيلة والفضيلة ~~والدرجة الرفيعة والشفاعة يوم القيامة حلت له شفاعتي (7) وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة يستغفرون له ما دام ~~اسمي في ذلك الكتاب (8) وقال صلى الله عليه وسلم إن في الأرض ملائكة ms0503 سياحين ~~يبلغوني عن أمتي السلام (9) وقال صلى الله عليه وسلم PageV01P309 # ليس أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام (1) وقيل له ~~يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال قولوا اللهم صل على محمد عبدك وعلى آله ~~وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه ~~وذريته كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد (2) وروي أن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه سمع بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي ~~ويقول بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد كان جذع تخطب الناس عليه فلما كثر ~~الناس اتخذت منبرا لتسمعهم فحن الجذع لفراقك حتى جعلت يدك عليه فسكن فأمتك ~~كانت أولى بالحنين إليك لما فارقتهم بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من ~~فضيلتك عنده أن جعل طاعتك طاعته فقال عز وجل من يطع الرسول فقد أطاع الله ~~بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أخبرك بالعفو عنك ~~قبل أن يخبرك بالذنب فقال تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم بأبي أنت وأمي يا ~~رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك في أولهم ~~فقال عز وجل وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم الآية ~~بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن ~~يكونوا قد أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون يقولون يا ليتنا أطعنا الله ~~وأطعنا الرسولا بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان موسى بن عمران أعطاه ~~الله حجرا تنفجر منه الأنهار فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء صلى ~~الله عليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله ~~الريح غدوها شهر ورواحها شهر فماذا بأعجب من البراق حين سريت عليه إلى ~~السماء السابعة ثم صليت الصبح من ليلتك بالأبطح صلى الله عليك بأبي أنت ~~وأمي يا رسول الله لئن كان عيسى ms0504 بن مريم أعطاه الله إحياء الموتى فماذا ~~بأعجب من الشاة المسمومة حين كلمتك وهي مشوية فقالت لك الذراع لا تأكلني ~~فإني مسمومة بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد دعا نوح على قومه فقال رب لا ~~تذر على الأرض من الكافرين ديارا ولو دعوت علينا بمثلها لهلكنا فلقد وطىء ~~ظهرك وأدمي وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا فقلت اللهم اغفر ~~لقومي فإنهم لا يعلمون بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد اتبعك في قلة سنك ~~وقصر عمرك ما لم يتبع نوحا في كثرة سنه وطول عمره ولقد آمن بك الكثير وما ~~آمن معه إلا القليل بأبي أنت وأمي يا رسول الله لو لم تجالس إلا كفؤا لك ما ~~جالستنا ولو لم تنكح إلا كفؤا لك ما نكحت إلينا ولو لم تؤاكل إلا كفؤا لك ~~ما واكلتنا فلقد والله جالستنا ونكحت إلينا وواكلتنا ولبست الصوف وركبت ~~الحمار وأردفت خلفك ووضعت طعامك على الأرض ولعقت أصابعك تواضعا منك صلى ~~الله عليه وسلم (3) وقال بعضهم كنت أكتب PageV01P310 # الحديث وأصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فيه ولا أسلم فرأيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم في المنام فقال لي أما تتم الصلاة علي في كتابك فما كتبت ~~بعد ذلك إلا صليت وسلمت عليه # وروي عن أبي الحسن قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت يا ~~رسول الله بم جوزي الشافعي عنك حيث يقول في كتابه الرسالة وصلى الله على ~~محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون فقال صلى الله عليه وسلم ~~جوزي عني أنه لا يوقف للحساب ### |||| فضيلة الاستغفار # قال عز وجل والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم وقال علقمة والأسود قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم في كتاب ~~الله عز وجل آيتان ما أذنب عبد ذنبا فقرأهما واستغفر الله عز وجل إلا غفر ~~الله تعالى له والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم الآية وقوله عز وجل ~~ومن يعمل سوءا ms0505 أو يظلم به ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما وقال عز وجل ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا وقال تعالى والمستغفرين بالأسحار ~~وكان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي ~~إنك أنت التواب الرحيم (1) وقال صلى الله عليه وسلم من أكثر من الاستغفار ~~جعل الله عز وجل له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا وارزقه من حيث لا يحتسب ~~(2) وقال صلى الله عليه وسلم إني لأستغفر الله تعالى وأتوب إليه في اليوم ~~سبعين مرة (3) هذا مع أنه صلى الله عليه وسلم غفر له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر وقال صلى الله عليه وسلم إنه ليغان على قلبي حتى إني لأستغفر الله ~~تعالى في كل يوم مائة مرة (4) وقال صلى الله عليه وسلم من قال حين يأوي إلى ~~فراشه أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث ~~مرات غفر الله له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر أو عدد رمل عالج أو عدد ورق ~~الشجر أو عدد أيام الدنيا (5) وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر من قال ~~ذلك غفرت ذنوبه وإن كان فارا من الزحف (6) وقال حذيفة كنت ذرب اللسان على ~~أهلي فقلت يا رسول الله لقد خشيت أن يدخلني لساني النار فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأين أنت من الاستغفار فإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ~~(7) وقالت عائشة رضي الله عنها قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كنت ~~ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن التوبة من الذنب الندم والاستغفار ~~(8) وكان صلى الله عليه وسلم PageV01P311 # يقول في الاستغفار اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت ~~أعلم به مني اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر ~~لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم ~~وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير (1) وقال ms0506 علي رضي الله عنه كنت رجلا إذا ~~سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله عز وجل بما شاء أن ~~ينفعني منه وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف صدقته قال وحدثني ~~أبو بكر وصدق أبو بكر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر ~~الله عز وجل إلا غفر له ثم تلا قوله عز وجل والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم (2) الآية وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر ~~صقل قلبه منها فإن زاد زادت حتى تغلف قلبه (3) فذلك الران الذي ذكره الله ~~عز وجل في كتابه {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} وروى أبو هريرة ~~رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال إن الله سبحانه ليرفع الدرجة ~~للعبد في الجنة فيقول يا رب أنى لي هذه فيقول عز وجل باستغفار ولدك لك (4) ~~وروت عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال اللهم اجعلني من ~~الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساؤوا استغفروا (5) وقال صلى الله عليه ~~وسلم إذا أذنب العبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي فيقول الله عز وجل أذنب عبدي ~~ذنبا فعلم أن له ربا يأخذ بالذنب ويغفر الذنب عبدي اعمل ما شئت فقد غفرت لك ~~(6) وقال صلى الله عليه وسلم ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ~~(7) وقال صلى الله عليه وسلم إن رجلا لم يعمل خيرا قط نظر إلى السماء فقال ~~إن لي ربا يا رب فاغفر لي فقال الله عز وجل قد غفرت لك (8) وقال صلى الله ~~عليه وسلم من أذنب ذنبا فعلم أن الله قد اطلع عليه غفر له وإن لم يستغفر ~~(9) وقال صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى يا عبادي كلكم مذنب إلا ms0507 من ~~عافيته فاستغفروني أغفر لكم ومن علم أني ذو قدرة على أن أغفر له غفرت له ~~ولا أبالي (10) وقال صلى الله عليه وسلم من قال سبحانك ظلمت نفسي وعملت ~~سوءا فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت غفرت له ذنوبه ولو كانت كمدب ~~النمل (11) وروى PageV01P312 # إن أفضل الاستغفار اللهم أنت ربي وأنا عبدك خلقتني وأنا على عهدك ووعدك ~~ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وابوء على نفسي بذنبي ~~فقد ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي ما قدمت منها وما أخرت فإنه لا ~~يغفر الذنوب جميعا إلا أنت (1) والآثار قال خالد بن معدان يقول الله عز وجل ~~إن أحب عبادي إلي المتحابون بحبي والمتعلقة قلوبهم بالمساجد والمستغفرون ~~بالأسحار أولئك الذين إذا أردت أهل الأرض بعقوبة ذكرتهم فتركتهم وصرفت ~~العقوبة عنهم # وقال قتادة رحمه الله القرآن يدلكم عن دائكم ودوائكم أما داؤكم فالذنوب ~~وأما دواؤكم فالاستغفار وقال علي كرم الله وجهه العجب ممن يهلك ومعه النجاة ~~قيل وما هي قال الاستغفار وكان يقول ما ألهم الله سبحانه عبدا الاستغفار ~~وهو يريد أن يعذبه # وقال الفضيل قول العبد أستغفر الله تفسيرها أقلني وقال بعض العلماء العبد ~~بين ذنب ونعمة لا يصلحهما إلا الحمد والاستغفار وقال الربيع بن خيثم رحمه ~~الله لا يقولن أحدكم أستغفر الله وأتوب إليه فيكون ذنبا وكذبا إن لم يفعل ~~ولكن ليقل اللهم اغفر لي وتب علي # قال الفضيل رحمه الله الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين وقالت رابعة ~~العدوية رحمها الله استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير # قال بعض الحكماء من قدم الاستغفار على الندم كان مستهزئا بالله عز وجل ~~وهو لا يعلم وسمع أعرابي وهو متعلق بأستار الكعبة يقول اللهم إن استغفاري ~~مع إصراري للؤم وإن تركي استغفارك مع علمي بسعة عفوك لعجز فكم تتحبب إلي ~~بالنعم مع غناك عني وكم أتبغض إليك بالمعاصي مع فقري إليك يا من إذا وعد ~~وفى وإذا أوعد عفا أدخل عظيم جرمي في عظيم عفوك يا ms0508 أرحم الراحمين وقال أبو ~~عبد الله الوراق لو كان عليك مثل عدد القطر وزبد البحر ذنوبا لمحيت عنك إذا ~~دعوت ربك بهذا الدعاء مخلصا إن شاء الله تعالى اللهم إني أستغفرك من كل ذنب ~~تبت إليك منه ثم عدت فيه وأستغفرك من كل ما وعدتك به من نفسي ولم أوف لك به ~~وأستغفرك من كل عمل أرد به وجهك فخالطه غيرك واستغفرك من كل نعمة أنعمت بها ~~علي فاستعنت بها على معصيتك وأستغفرك يا عالم الغيب والشهادة من كل ذنب ~~أتيته في ضياء النهار وسواد الليل في ملأ أو خلاء وسر وعلانية يا حليم ~~ويقال إنه استغفار آدم عليه السلام وقيل الخضر عليه الصلاة والسلام ### ||| الباب الثالث في أدعية مأثورة ومعزية إلى أسبابها وأربابها مما يستحب أن يدعو بها المرء صباحا ومساء وبعقب كل صلاة # فمنها دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ركعتي الفجر قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما بعثني العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته ~~ممسيا وهو في بيت خالتي ميمونة فقام يصلي من الليل فلما صلى ركعتي الفجر ~~قبل صلاة الصبح قال اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها ~~شملي وتلم بها شعثي وترد بها الفتن عني وتصلح بها ديني وتحفظ بها غائبي ~~وترفع بها شاهدي وتزكي بها عملي وتبيض بها وجهي وتلهمني بها رشدي وتعصمني ~~بها من كل سوء # اللهم أعطني إيمانا صادقا ويقينا ليس بعده كفر ورحمة أنال بها شرف كرامتك ~~في الدنيا والآخرة # اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء ومنازل الشهداء وعيش السعداء والنصر ~~على الأعداء ومرافقة الأنبياء # اللهم إني PageV01P313 # أنزل بك حاجتي وإن ضعف رأيي وقلت حيلتي وقصر عملي وافتقرت إلى رحمتك ~~فأسألك يا كافي الأمور ويا شافي الصدور كما تجير بين البحور أن تجيرني من ~~عذاب السعير ومن دعوة الثبور ومن فتنة القبور # اللهم ما قصر عنه رأيي وضعف عنه عملي ولم تبلغه نيتي وأمنيتي من خير ~~وعدته أحدا من عبادك أو خير ms0509 أنت معطيه أحدا من خلقك فإني أرغب إليك فيه ~~وأسألكه يا رب العالمين # اللهم اجعلنا هادين مهتدين غير ضالين ولا مضلين حربا لأعدائك وسلما ~~لأوليائك نحبب بحبك من أطاعك من خلقك ونعادي بعداوتك من خالفك من خلقك # اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة وهذا الجهد وعليك التكلان وإنا لله وإنا ~~إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ذي الحبل الشديد ~~والأمر الرشيد أسألك الأمن يوم الوعيد والجنة يوم الخلود مع المقربين ~~الشهود والركع السجود الموفين بالعهود إنك رحيم ودود وأنت تفعل ما تريد # سبحان الذي لبس العز وقال به سبحان الذي تعطف بالمجد وتكرم به سبحان الذي ~~لا ينبغي التسبيح إلا له سبحان ذي الفضل والنعم سبحان ذي العزة والكرم ~~سبحان الذي أحصى كل شيء بعلمه # اللهم اجعل لي نورا في قلبي ونورا في قبري ونورا في سمعي ونورا في بصري ~~ونورا في شعري ونورا في بشري ونورا في لحمي ونورا في دمي ونورا في عظامي ~~ونورا من بين يدي ونورا من خلفي ونورا عن يميني ونورا عن شمالي ونورا من ~~فوقي ونورا من تحتي اللهم زدني نورا وأعطني نورا واجعل لي نورا (1) ### |||| دعاء عائشة رضي الله عنها # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها عليك بالجوامع ~~الكوامل قولي اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم ~~أعلم وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت وما لم أعلم وأسألك الجنة ~~وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ~~وأسألك من الخير ما سألك عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم وأستعيذك مما ~~استعاذك منه عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم وأسألك ما قضيت لي من أمر ~~أن تجعل عاقبته رشدا برحمتك يا أرحم الراحمين (2) ### |||| دعاء فاطمة رضي الله عنها # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا فاطمة ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك ~~به أن تقولي يا ms0510 # حي يا قيوم برحمتك أستغيث لا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله ~~(3) ### |||| دعاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه # علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه أن يقول ~~اللهم إني أسألك بمحمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى نجيك وعيسى كلمتك وروحك ~~وبتوراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P314 # وعليهم أجمعين وبكل وحي أوحيته أو قضاء قضيته أو سائل أعطيته أو غني ~~أفقرته أو فقير أغنيته أو ضال هديته وأسألك باسمك الذي أنزلته على موسى صلى ~~الله عليه وسلم وأسألك باسمك الذي بثثت به أرزاق العباد وأسألك باسمك الذي ~~وضعته على الأرض فاستقرت وأسألك باسمك الذي وضعته على السموات فاستقلت ~~وأسألك باسمك الذي وضعته على الجبال فرست وأسالك باسمك الذي استقل به عرشك ~~وأسألك باسمك الطهر الطاهر الأحد الصمد الوتر المنزل في كتابك من لدنك من ~~النور المبين وأسألك باسمك الذي وضعته على النهار فاستنار وعلى الليل فأظلم ~~وبعظمتك وكبريائك وبنور وجهك الكريم أن ترزقني القرآن والعلم به وتخلطه ~~بلحمي ودمي وسمعي وبصري وتستعمل به جسدي بحولك وقوتك فإنه لا حول ولا قوة ~~إلا بك يا أرحم الراحمين (1) ### |||| دعاء بريدة الأسلمي رضي الله عنه # وروي أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بريدة ألا أعلمك كلمات ~~من أراد بهن خيرا علمهن إياه ثم لم ينسهن إياه أبدا قال فقلت بلى يا رسول ~~الله قال قل اللهم إني ضعيف فقو في رضاك ضعفي وخذ إلى الخير بناصيتي واجعل ~~الإسلام منتهى رضاي اللهم إني ضعيف فقوني وإني ذليل فأعزني وإني فقير ~~فأغنني يا أرحم الراحمين (2) ### |||| دعاء قبيصة بن المخارق # إذ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم علمني كلمات ينفعني الله عز وجل ~~بها فقد كبر سني وعجزت عن أشياء كثيرة كنت أعملها فقال صلى الله عليه وسلم ~~أما لدنياك فإذا صليت الغداة فقل ثلاث مرات سبحان الله وبحمده سبحان الله ~~العظيم لا حول ولا قوة إلا ms0511 بالله العلي العظيم فإنك إذا قلتهن أمنت من الغم ~~والجذام والبرص والفالج وأما لآخرتك فقل اللهم اهدني من عندك وأفض علي من ~~فضلك وانشر علي من رحمتك وأنزل علي من بركاتك ثم قال صلى الله عليه وسلم ~~أما إنه إذا وافى بهن عبد يوم القيامة لم يدعهن فتح له أربعة أبواب من ~~الجنة يدخل من أيها شاء (3) ### |||| دعاء أبي الدرداء رضي الله عنه # قيل لأبي الدرداء رضي الله عنه قد احترقت دارك وكانت النار قد وقعت في ~~محلته فقال ما كان الله ليفعل ذلك فقيل له ذلك ثلاثا وهو يقول ما كان الله ~~ليفعل ذلك ثم أتاه آت فقال يا أبا الدرداء إن النار حين دنت من دارك طفئت ~~قال قد علمت ذلك فقيل له ما ندري أي قوليك أعجب قال إني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال من يقول هؤلاء الكلمات في ليل أو نهار لم يضره شيء وقد ~~قلتهن وهي اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم ~~لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ~~أعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء ~~عددا اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي PageV01P315 # ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (1) ### |||| دعاء الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام # كان يقول إذا أصبح اللهم إن هذا خلق جديد فافتحه علي بطاعتك واختمه لي ~~بمغفرتك ورضوانك وارزقني فيه حسنة تقبلها مني وزكها وضعفها لي وما عملت فيه ~~من سيئة فاغفرها لي إنك غفور رحيم ودود كريم قال ومن دعا بهذا الدعاء إذا ~~أصبح فقد أدى شكر يومه ### |||| دعاء عيسى عليه الصلاة والسلام # كان يقول اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره ولا أملك نفع ما أرجو ~~وأصبح الأمر بيد غيري وأصبحت مرتهنا بعملي فلا فقير أفقر مني اللهم لا تشمت ~~بي عدوي ms0512 ولا تسؤ بي صديقي ولا تجعل مصيبتي في ديني ولا تجعل الدنيا أكبر ~~همي ولا تسلط علي من لا يرحمني يا حي يا قيوم ### |||| دعاء الخضر عليه السلام # يقال إن الخضر وإلياس عليهما السلام إذا التقيا في كل موسم لم يفترقا إلا ~~عن هذه الكلمات بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله ما شاء الله كل نعمة ~~من الله ما شاء الله الخير كله بيد الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا ~~الله فمن قالها ثلاث مرات إذا أصبح أمن من الحرق والغرق والسرق إن شاء الله ~~تعالى ### |||| دعاء معروف الكرخي رضي الله عنه # قال محمد بن حسان قال لي معروف الكرخي رحمه الله ألا أعلمك عشر كلمات خمس ~~للدنيا وخمس للآخرة من دعا الله عز وجل بهن وجد الله تعالى عندهن قلت ~~اكتبها لي قال لا ولكن أرددها عليك كما رددها علي بكر بن خنيس رحمه الله ~~حسبي الله لديني حسبي الله لدنياي حسبي الله الكريم لما أهمني حسبي الله ~~الحليم القوي لمن بغى علي حسبي الله الشديد لمن كادني بسوء حسبي الله ~~الرحيم عند الموت حسبي الله الرؤوف عند المسألة في القبر حسبي الله الكريم ~~عند الحساب حسبي الله اللطيف عند الميزان حسبي الله القدير عند الصراط حسبي ~~الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم وقد روي عن أبي الدرداء ~~أنه قال من قال في كل يوم سبع مرات فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو ~~عليه توكلت وهو رب العرش العظيم كفاه الله عز وجل ما أهمه من أمر آخرته ~~صادقا كان أو كاذبا ### |||| دعاء عتبة الغلام # وقد رؤي في المنام بعد موته فقال دخلت الجنة بهذه الكلمات اللهم يا هادي ~~المضلين ويا راحم المذنبين ويا مقيل عثرات العاثرين ارحم عبدك ذا الخطر ~~العظيم والمسلمين كلهم أجمعين واجعلنا مع الأخيار المرزوقين الذين أنعمت ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين يا رب العالمين ### |||| دعاء آدم عليه الصلاة والسلام ms0513 # قالت عائشة رضي الله عنها لما اراد الله عز وجل أن يتوب على آدم صلى الله ~~عليه وسلم طاف بالبيت سبعا PageV01P316 # وهو يومئذ ليس بمبني ربوة حمراء ثم قام فصلى ركعتين ثم قال اللهم إنك ~~تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي وتعلم ما في نفسي ~~فاغفر لي ذنوبي اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ويقينا صادقا حتى أعلم ~~أنه لن يصيبني إلا ما كتبته علي والرضا بما قسمته لي يا ذا الجلال والإكرام ~~فأوحى الله عز وجل إليه إني قد غفرت لك ولم يأتني أحد من ذريتك فيدعوني ~~بمثل الذي دعوتني به إلا غفرت له وكشفت غمومه وهمومه ونزعت الفقر من بين ~~عينيه واتجرت له من وراء كل تاجر وجاءته الدنيا وهي راغمة وإن كان لا ~~يريدها ### |||| دعاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه # رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تعالى يمجد نفسه كل ~~يوم ويقول إني أنا الله رب العالمين إني أنا الله لا إله إلا أنا الحي ~~القيوم إني أنا الله لا إله إلا أنا العلي العظيم إني أنا الله لا إله إلا ~~أنا لم ألد ولم أولد إني أنا الله لا إله إلا أنا العفو الغفور إني أنا ~~الله لا إله إلا أنا مبدىء كل شيء وإلي يعود العزيز الحكيم الرحمن الرحيم ~~مالك يوم الدين خالق الخير والشر خالق الجنة والنار الواحد الأحد الفرد ~~الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا الفرد الوتر عالم الغيب والشهادة الملك ~~القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارىء المصور ~~الكبير المتعال المقتدر القهار الحليم الكريم أهل الثناء والمجد أعلم السر ~~وأخفى القادر الرزاق فوق الخلق والخليقة (1) وذكر قبل كل كلمة إني أنا الله ~~لا إله إلا أنا كما أوردناه في الأول فمن دعا بهذه الأسماء فليقل إنك أنت ~~الله لا إله إلا أنت كذا وكذا فمن دعا بهن كتب من الساجدين المخبتين الذين ~~يجاورون محمدا وإبراهيم وموسى وعيسى والنبيين صلوات ms0514 الله عليهم في دار ~~الجلال وله ثواب العابدين في السموات والأرضين وصلى الله على محمد وعلى كل ~~عبد مصطفى ### |||| دعاء ابن المعتمر وهو سليمان التيمي وتسبيحاته رضي الله عنه # روي أن يونس بن عبيد رأى رجلا في المنام ممن قتل شهيدا ببلاد الروم فقال ~~ما أفضل ما رأيت ثم من الأعمال قال رأيت تسبيحات ابن المعتمر من الله عز ~~وجل بمكان وهي هذه سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عد ما خلق وعدد ما هو خالق وزنة ما خلق ~~وزنة ما هو خالق وملء ما خلق وملء ما هو خالق وملء سمواته وملء أرضه ومثل ~~ذلك وأضعاف ذلك وعدد خلقه وزنة عرشه ومنتهى رحمته ومداد كلماته ومبلغ رضاه ~~حتى يرضى وإذا رضي وعدد ما ذكره به خلقه في جميع ما مضى وعدد ما هم ذاكروه ~~فيما بقي في كل سنة وشهر وجمعة ويوم وليلة وساعة من الساعات وشم ونفس من ~~الأنفاس وأبد من الآباد من أبد إلى أبد أبد الدنيا وأبد الآخرة وأكثر من ~~ذلك لا ينقطع أوله ولاينفد آخره ### |||| دعاء إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه # روى إبراهيم بن بشار خادمه أنه كان يقول هذا الدعاء في كل يوم جمعة إذا ~~أصبح وإذا أمسى مرحبا بيوم المزيد والصبح الجديد والكاتب والشهيد يومنا هذا ~~يوم عيد اكتب لنا فيه ما نقول بسم الله الحميد المجيد الرفيع الودود الفعال ~~في خلقه ما يريد أصبحت بالله مؤمنا وبلقائه مصدقا وبحجته معترفا ومن ذنبي ~~مستغفرا ولربوبية الله خاضعا PageV01P317 # ولسوى الله في الآلهة جاحدا وإلى الله فقيرا وعلى الله متكلا وإلى الله ~~منيبا أشهد الله وأشهد ملائكته وأنبيائه ورسله وحملة عرشه ومن خلقه ومن هو ~~خالقه بأنه هو الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم وإن الجنة حق وأن النار حق والحوض حق والشفاعة ~~حق ومنكرا ونكيرا حق ووعدك حق ووعيدك ms0515 حق ولقاءك حق والساعة آتية لا ريب ~~فيها وأن الله يبعث من في القبور على ذلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعث إن ~~شاء الله # اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما ~~استطعت أعوذ بك اللهم من شر ما صنعت ومن شر كل ذي شر # اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني ~~لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف ~~سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله بيديك أنا لك وإليك أستغفرك وأتوب ~~إليك آمنت اللهم بما أرسلته من رسول وآمنت اللهم بما أنزلت من كتاب وصلى ~~الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم تسليما كثيرا خاتم كلامي ومفتاحه ~~وعلى أنبيائه ورسله أجمعين آمين يا رب العالمين # اللهم أوردنا حوض محمد واسقنا بكأسه مشربا رويا سائغا هنيا لا نظمأ بعده ~~أبدا واحشرنا في زمرته غير خزايا ولا ناكثين للعهد ولا مرتابين ولا مفتونين ~~ولا مغضوب علينا ولا ضالين # اللهم اعصمني من فتن الدنيا ووفقني لما تحب وترضى وأصلح لي شأني كله ~~وثبتني بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولا تضلني وإن كنت ظالما ~~سبحانك سبحانك يا علي يا عظيم يا بارىء يا رحيم يا عزيز يا جبار سبحان من ~~سبحت له السموات بأكنافها وسبحان من سبحت له البحار بأمواجها وسبحان من ~~سبحت له الجبال بأصدائها وسبحان من سبحت له الحيتان بلغاتها وسبحان من سبحت ~~له النجوم في السماء بأبراجها وسبحان من سبحت له الأشجار بأصولها وثمارها ~~وسبحان من سبحت له السموات السبع والأرضون السبع ومن فيهن ومن عليهن سبحان ~~من سبح له كل شيء من مخلوقاته تباركت وتعاليت سبحانك سبحانك يا حي يا قيوم ~~يا عليم يا حليم سبحانك لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك تحيي وتميت وأنت حي ~~لا تموت بيدك الخير وأنت على كل شيء قدير ### ||| الباب الرابع في أدعية مأثورة عن النبي صلى ms0516 الله عليه وسلم وعن أصحابه رضي الله عنهم # محذوفة الأسانيد منتخبة من جملة ما جمعة أبو طالب المكي وابن خزيمة وابن ~~منذر رحمهم الله # يستحب للمريد إذا أصبح أن يكون أحب أوراده الدعاء كما سيأتي ذكره في كتاب ~~الأوراد فإن كنت من المريدين لحرث الآخرة المقتدين برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيما دعا به فقل في مفتتح دعواتك (1) أعقاب صلواتك (2) سبحان ربي ~~العلي الأعلى الوهاب لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير وقل رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله ~~عليه وسلم نبيا (3) ثلاث مرات وقل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر ~~الشيطان وشركه (4) وقل اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي ~~وأهلي ومالي اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي وأقل PageV01P318 # عثراتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ ~~بك أن أغتال من تحتي (1) اللهم لا تؤمني مكرك ولا تولني غيرك ولا تنزع عني ~~سترك ولا تنسني ذكرك ولا تجعلني من الغافلين (2) وقل اللهم أنت ربي لا إله ~~إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما ~~صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ~~(3) ثلاث مرات وقل اللهم عافني في بدني وعافني في سمعي وعافني في بصري لا ~~إله إلا أنت (4) ثلاث مرات وقل اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء وبرد ~~العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك الكريم وشوقا إلى لقائك من غير ضراء ~~مضرة ولا فتنة مضلة وأعوذ بك أن أظلم أو أظلم أو أعتدي أو يعتدى علي أو ~~أكسب خطيئة أو ذنبا لا تغفره (5) اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة ~~في الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك قلبا خاشعا سليما وخلقا ~~مستقيما ولسانا صادقا وعملا ms0517 متقبلا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ~~ما تعلم وأستغفرك لما تعلم فإنك تعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب (6) اللهم ~~اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني فإنك ~~أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير وعلى كل غيب شهيد (7) اللهم ~~إني أسألك إيمانا لا يرتد ونعيما لا ينفد وقرة عين الأبد ومرافقة نبيك محمد ~~صلى الله عليه وسلم في أعلى جنة الخلد (8) اللهم إني أسألك الطيبات وفعل ~~الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين أسألك حبك وحب من أحبك وحب كل عمل يقرب ~~إلي حبك وأن تتوب علي وتغفر لي وترحمني وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك ~~غير مفتون (9) اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة ~~خيرا لي وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي أسألك خشيتك في الغيب والشهادة ~~وكلمة العدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر ولذة النظر إلى وجهك ~~والشوق إلى لقائك وأعوذ بك من ضراء مضرة وفتنة مضلة واللهم زينا ~~PageV01P319 # بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين (1) اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول ~~به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به ~~علينا مصائب الدنيا والآخرة (2) اللهم املأ وجوهنا منك حياء وقلوبنا منك ~~فرقا واسكن في نفوسنا من عظمتك ما تذلل به جوارحنا لخدمتك واجعلك اللهم أحب ~~إلينا ممن سواك واجعلنا أخشى لك ممن سواك (3) اللهم اجعل أول يومنا هذا ~~صلاحا وأوسطه فلاحا وآخره نجاحا اللهم اجعل أوله رحمة وأسطه نعمة وآخره ~~تكرمة ومغفرة (4) الحمد لله الذي تواضع كل شيء لعظمته وذل كل شيء لعزته ~~وخضع كل شيء لملكه واستسلم كل شيء لقدرته والحمد لله الذي سكن كل شيء ~~لهيبته وأظهر كل شيء بحكمته وتصاغر كل شيء لكبريائه (5) اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد وأزواج محمد وذريته وبارك على محمد وعلى آله وأزواجه وذريته ~~كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد ms0518 (6) ~~اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي رسولك الأمين وأعطه ~~المقام المحمود الذي وعدته يوم الدين (7) اللهم اجعلنا من أوليائك المتقين ~~وحزبك المفلحين وعبادك الصالحين واستعملنا لمرضاتك عنا ووفقنا لمحابك منا ~~وصرفنا بحسن اختيارك لنا (8) نسألك جوامع الخير وفواتحه وخواتمه ونعوذ بك ~~من جوامع الشر وفواتحه وخواتمه (9) اللهم بقدرتك علي تب على إنك أنت التواب ~~الرحيم وبحلمك عني اعف عني إنك أنت الغفار الحليم وبعلمك بي ارفق بي إنك ~~أنت أرحم الراحمين وبملكك لي ملكني نفسي ولا تسلطها علي إنك أنت الملك ~~الجبار (10) سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي ~~فاغفر لي ذنبي إنك أنت ربي ولا يغفر الذنوب إلا أنت (11) اللهم ألهمني رشدي ~~وقني شر نفسي (12) اللهم ارزقني حلالا لا تعاقبني عليه وقنعني بما رزقتني ~~PageV01P320 # واستعملني به صالحا تقبله مني (1) اللهم إني أسألك العفو والعافية وحسن ~~اليقين والمعافاة في الدنيا والآخرة (2) يا من لا تضره الذنوب ولا تنقصه ~~المغفرة هب لي ما لا يضرك وأعطني ما لا ينقصك ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا ~~مسلمين أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين # أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا ~~حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ~~ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر ~~لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ~~وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ~~ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا ربنا آتنا في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان إلى ~~قوله عز وجل إنك لا تخلف الميعاد ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ~~إلى آخر السورة (3) رب اغفر لي ولوالدي وارحمهما كما ربياني صغيرا ms0519 واغفر ~~للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات (4) رب اغفر ~~وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم وأنت خير الراحمين وأنت خير ~~الغافرين وإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على محمد خاتم النبيين وآله ~~وصحبه وسلم تسليما كثيرا (5) ### |||| أنواع الاستعاذة المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم # اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك من أن أرد إلى ~~ارذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر (6) اللهم إني ~~أعوذ بك من طبع يهدي إلى طمع ومن طمع في غير مطمع ومن PageV01P321 # طمع حيث لا مطمع (1) اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ~~ودعاء لا يسمع ونفس لا تشبع وأعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ومن الخيانة ~~فإنها بئست البطانة ومن الكسل والبخل والجبن والهرم ومن أن أرد إلى ارذل ~~العمر ومن فتنة الدجال وعذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات اللهم إنا ~~نسألك قلوبا أواهة مخبتة منيبة في سبيلك اللهم إني أسألك عزائم مغفرتك ~~وموجبات رحمتك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة ~~من النار (2) اللهم إني أعوذ بك من التردي وأعوذ بك من الغم والغرق والهدم ~~وأعوذ بك من أن أموت في سبيلك مدبرا وأعوذ بك من أن أموت في تطلب الدنيا ~~(3) اللهم إني أعوذ بك شر ما علمت ومن شر ما لم أعلم (4) اللهم جنبني ~~منكرات الأخلاق والأعمال والأدواء والأهواء (5) اللهم إني أعوذ بك من جهد ~~البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء (6) اللهم إني أعوذ بك من ~~الكفر والدين والفقر وأعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من فتنة الدجال (7) ~~اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وبصري وشر لساني وقلبي وشر منيي (8) اللهم ~~إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول (9) اللهم ~~إني أعوذ بك من القسوة والغفلة والعيلة والذلة والمسكنة ms0520 وأعوذ بك من الكفر ~~والفقر والفسوق والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق وضيق الأرزاق والسمعة والرياء ~~وأعوذ بك من الصمم والبكم والعمى والجنون والجذام والبرص وسيىء الأسقام ~~(10) اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك ومن تحول عافيتك ومن فجأة نقمتك ومن ~~جميع سخطك (11) اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار وفتنة النار وعذاب القبر ~~وشر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر وشر فتنة PageV01P322 # المسيح الدجال وأعوذ بك من المغرم والمأثم (1) اللهم إني أعوذ بك من نفس ~~لا تشبع وقلب لا يخشع وصلاة لا تنفع ودعوة لا تستجاب وأعوذ بك من شر الغم ~~وفتنة الصدر (2) اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو وشماتة ~~الأعداء (3) وصلى الله على محمد وعلى كل عبد مصطفى من كل العالمين آمين ### ||| الباب الخامس في الأدعية المأثورة عند حدوث كل حادث من الحوادث # إذا أصبحت وسمعت الأذان فيستحب لك جواب المؤذن وقد ذكرناه وذكرنا أدعية ~~دخول الخلاء والخروج منه وأدعية الوضوء في كتاب الطهارة فإذا خرجت إلى ~~المسجد فقل اللهم اجعل في قلبي نورا وفي لساني نورا واجعل في سمعي نورا ~~واجعل في بصري نورا واجعل خلفي نورا وأمامي نورا واجعل من فوقي نورا اللهم ~~أعطني (4) نورا وقل أيضا اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا ~~إليك (5) فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك ~~وابتغاء مرضاتك فأسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت # فإن خرجت من المنزل لحاجة فقل بسم الله رب أعوذ بك أن أظلم أو أظلم أو ~~أجهل أو يجهل علي (6) بسم الله الرحمن الرحيم لا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم بسم الله التكلان على الله (7) # فإذا انتهيت إلى المسجد تريد دخوله فقل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ~~وسلم اللهم اغفر لي جميع ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك (8) وقدم رجلك اليمنى ~~في الدخول فإذا رأيت في المسجد من يبيع أو يبتاع فقل لا أربح الله تجارتك ms0521 ~~(9) وإذا رأيت من ينشد ضالة في المسجد فقل لا ردها الله عليك أمر به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (10) فإذا صليت ركعتي الصبح فقل بسم الله اللهم ~~إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي الدعاء إلى آخره (11) PageV01P323 # كما أوردناه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فإذا ركعت فقل في ركوعك اللهم لك ركعت ولك خشعت وبك آمنت ولك أسلمت وعليك ~~توكلت أنت ربي خشع سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وما استقلت به قدمي لله رب ~~العالمين (1) وإن أحببت فقل سبحان ربي العظيم ثلاث مرات (2) أو سبوح قدوس ~~رب الملائكة والروح (3) فإذا رفعت رأسك من الركوع فقل سمع الله لمن حمده ~~ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء ~~والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ~~ولا ينفع ذا الجد منك الجد (4) وإذا سجدت فقل اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك ~~أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين ~~اللهم سجد لك سوادي وخيالي وآمن بك فؤادي أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي وهذا ~~ما جنيت على نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت (5) أو تقول سبحان ~~ربي الأعلى ثلاث مرات (6) فإذا فرغت من الصلاة فقل اللهم أنت السلام ومنك ~~السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام (7) وتدعو بسائر الأدعية التي ذكرناها # فإذا قمت من المجلس وأردت دعاء يكفر لغو المجلس فقل سبحانك اللهم وبحمدك ~~أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي ~~فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت (8) # فإذا دخلت السوق فقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ~~يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير (9) بسم الله ~~اللهم إني أسألك خير هذه السوق وخير ما فيها اللهم إني أعوذ بك من شرها ms0522 وشر ~~ما فيها اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرة أو صفقة خاسرة (10) # فإن كان عليك دين فقل اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك ~~(11) # فإذا لبست ثوبا جديدا فقل اللهم كسوتني هذا الثوب فلك الحمد أسألك من ~~خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له (12) # وإذا PageV01P324 # رأيت شيئا من الطيرة تكرهه فقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب ~~بالسيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله (1) # وإذا رأيت الهلال فقل اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والبر والسلامة ~~والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى والحفظ عمن تسخط ربي وربك الله (2) ويقول ~~هلال رشد وخير آمنت بخالقك (3) اللهم إني أسألك خير هذا الشهر وخير القدر ~~وأعوذ بك من شر يوم الحشر (4) وتكبر قبله أولا ثلاثا # وإذا هبت الريح فقل اللهم إني أسألك خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما ~~أرسلت به ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها ومن شر ما أرسلت به (5) # وإذا بلغك وفاة أحد فقل إنا لله وإنا إليه راجعون وإنا إلى ربنا لمنقلبون ~~اللهم اكتبه في المحسنين واجعل كتابه في عليين واخلفه على عقبه في الغابرين ~~اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله (6) # وتقول عند التصدق {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} # وتقول عند الخسران {عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون} # وتقول عند ابتداء الأمور ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا ~~رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري # وتقول عند النظر إلى السماء ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب ~~النار تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا # وإذا سمعت صوت الرعد فقل سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ~~(7) # فإن رأيت الصواعق فقل اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا ~~قبل ذلك (8) قاله كعب # فإذا أمطرت السماء فقل اللهم سقيا هنيئا وصيبا نافعا (9) اللهم اجعله ms0523 صيب ~~رحمة ولا تجعله صيب عذاب (10) # فإذا غضبت فقل اللهم اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي PageV01P325 # وأجرني من الشيطان الرجيم (1) # فإذا خفت قوما فقل اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم (2) # فإذا غزوت فقل اللهم أنت عضدي ونصيري وبك أقاتل (3) # وإذا طنت أذنك فصل على محمد صلى الله عليه وسلم وقل ذكر الله من ذكرني ~~بخير (4) # فإذا رأيت استجابة دعائك فقل الحمد لله الذي بعزته وجلاله تتم الصالحات # وإذا أبطأت فقل الحمد لله على كل حال (5) # وإذا سمعت أذان المغرب فقل اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات ~~دعاتك وحضور صلواتك أسألك أن تغفر لي (6) # وإذا أصابك هم فقل اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض ~~في حكمك عدل في قضاؤك أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك ~~أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ~~ربيع قلبي ونور صدري وجلاء غمي وذهاب حزني وهمي (7) قال صلى الله عليه وسلم ~~ما أصاب أحدا حزن فقال ذلك إلا أذهب الله همه وأبدله مكانه فرحا فقيل له يا ~~رسول الله أفلا نتعلمها فقال صلى الله عليه وسلم بلى ينبغي لمن سمعها أن ~~يتعلمها # وإذا وجدت وجعا في جسدك أو جسد غيرك فارقة برقية رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا اشتكى الإنسان قرحة أو جرحا وضع سبابته على الأرض ثم رفعها ~~وقال بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا (8) # وإذا وجدت وجعا في جسدك فضع يدك على الذي يتألم من جسدك وقل بسم الله ~~ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (9) # فإذا أصابك كرب فقل لا إله إلا الله العلي الحليم لا إله إلا الله رب ~~العرش العظيم لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب العرش الكريم (10) # فإن أردت النوم فتوضأ أولا ثم توسد على يمينك مستقبل القبلة ثم كبر الله ~~تعالى أربعا وثلاثين ms0524 وسبحه ثلاثا وثلاثين واحمده ثلاثا وثلاثين (11) ثم قل ~~اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك اللهم إني ~~لا أستطيع أن أبلغ ثناء عليك ولو حرصت ولكن أنت كما أثنيت على نفسك (12) ~~اللهم باسمك أحيا وأموت (13) اللهم رب السموات ورب الأرض ورب كل شيء ومليكه ~~فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل PageV01P326 # والقرآن أعوذ بك من شر كل ذي شر ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها أنت ~~الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ~~وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر (1) اللهم إنك ~~خلقت نفسي وأنت تتوفاها لك مماتها ومحياها اللهم إن أمتها فاغفر لها وإن ~~أحييتها فاحفظها اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة (2) باسمك ربي ~~وضعت جنبي فاغفر لي ذنبي (3) اللهم قني عذابك يوم تجمع عبادك (4) اللهم ~~أسلمت لك نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك والجأت ظهري إليك رغبة ~~ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك ~~الذي أرسلت (5) # ويكون هذا آخر دعائك فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وليقل ~~قبل ذلك اللهم أيقظني في أحب الساعات إليك واستعملني بأحب الأعمال إليك ~~تقربني إليك زلفى وتبعدني من سخطك بعدا أسألك فتعطيني وأستغفرك فتغفر لي ~~وأدعوك فتستجيب لي (6) # فإذا استيقظت من نومك عند الصباح فقل الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا ~~وإليه النشور (7) أصبحنا وأصبح الملك لله والعظمة والسلطان لله والعزة ~~والقدرة لله (8) أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص وعلى دين نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم وملة أبينا إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (9) ~~اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير (10) اللهم إني ~~أسألك أن تبعثنا في هذا اليوم إلى كل خير ونعوذ بك أن نجترح فيه سوءا أو ~~نجره إلى مسلم فإنك قلت {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ~~ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى} ms0525 (11) اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا ~~والشمس والقمر حسبانا أسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه وأعوذ بك من شره وشر ~~ما فيه (12) بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله ما شاء الله ~~PageV01P327 # كل نعمة من الله ما شاء الله الخير كله بيد الله ما شاء الله لا يصرف ~~السوء إلا الله (1) رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه ~~وسلم نبيا ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (2) وإذا أمسى قال ~~ذلك إلا أنه يقول أمسينا ويقول مع ذلك أعوذ بكلمات الله التامات وأسمائه ~~كلها من شر ما ذرأ وبرأ ومن شر كل ذي شر ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها ~~إن ربي على صراط مستقيم (3) وإسناده جيد ولمسلم من حديث أبي هريرة في ~~الدعاء عند النوم أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها وللطبراني في ~~الدعاء من حديث أبي الدرداء (4) وإذا نظر في المرآة قال الحمد لله الذي سوى ~~خلقي فعدله وكرم صورة وجهي وحسنها وجعلني من المسلمين (5) وإذا اشتريت ~~خادما أو غلاما أو دابة فخذ بناصيته وقل اللهم إني أسألك خيره وخير ما جبل ~~عليه وأعوذ بك من شره وشر ما جبل عليه (6) وإذا هنأت بالنكاح فقل بارك الله ~~فيك وبارك عليك وجمع بينكما في خير (7) وإذا قضيت الدين فقل للمقضي له بارك ~~الله لك في أهلك ومالك إذ قال صلى الله عليه وسلم وإنما جزاء السلف الحمد ~~والأداء (8) # فهذه أدعية لا يستغني المريد عن حفظها وما سوى ذلك من أدعية السفر ~~والصلاة والوضوء ذكرناها في كتاب الحج والصلاة والطهارة فإن قلت فما فائدة ~~الدعاء والقضاء لا مرد له فاعلم أن من القضاء رد البلاء بالدعاء فالدعاء ~~سبب PageV01P328 # لرد البلاء واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لرد السهم والماء سبب لخروج ~~النبات من الأرض فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان فكذلك الدعاء والبلاء ~~يتعالجان وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى أن لا يحمل السلاح وقد قال ~~تعالى {خذوا حذركم} وأن ms0526 لا يسقي الأرض بعد بث البذر فيقال إن سبق القضاء ~~بالنبات نبت البذر وإن لم يسبق لم ينبت بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء ~~الأول الذي هو كلمح البصر أو هو أقرب وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل ~~الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر والذي قدر الخير قدره بسبب والذي ~~قدر الشر قدر لدفعه سببا فلا تناقض بين هذه الأمور عند من انفتحت بصيرته ثم ~~في الدعاء من الفائدة ما ذكرناه في الذكر فإنه يستدعي حضور القلب مع الله ~~وهو منتهى العبادات ولذلك قال صلى الله عليه وسلم الدعاء مخ العبادة (1) ~~والغالب على الخلق أنه لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر الله عز وجل إلا عند إلمام ~~حاجة وإرهاق ملمة فإن الإنسان إذا مسه الشر فذو دعاء عريض فالحاجة تحوج إلى ~~الدعاء والدعاء يرد القلب إلى الله عز وجل بالتضرع والاستكانة فيحصل به ~~الذكر الذي هو أشرف العبادات ولذلك صار البلاء موكلا بالأنبياء عليهم ~~السلام ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل لأنه يرد القلب بالافتقار والتضرع ~~إلى الله عز وجل ويمنع من نسيانه وأما الغنى فسبب للبطر في غالب الأمور فإن ~~الإنسان ليطغى أن رآه استغنى فهذا ما أردنا أن نورده من جملة الأذكار ~~والدعوات والله الموفق للخير وأما بقية الدعوات في الأكل والسفر وعيادة ~~المريض وغيرها فستأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى وعلى الله التكلان نجز ~~كتاب الأذكار والدعوات بكماله يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب الأوراد والحمد ~~لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ### || كتاب ترتيب الأوراد وتفصيل إحياء الليل وهو الكتاب العاشر من إحياء علوم الدين وبه اختتام ربع العبادات نفع الله به المسلمين # بسم الله الرحمن الرحيم # نحمد الله على آلائه حمدا كثيرا ونذكره ذكرا لا يغادر في القلب استكبارا ~~ولا نفورا ونشكره إذ جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد ~~شكورا ونصلي على نبيه الذي بعثه بالحق بشيرا ونذيرا وعلى آله الطاهرين ~~وصحبه الأكرمين الذين اجتهدوا في عبادة الله ms0527 غدوة وعشيا وبكرة وأصيلا حتى ~~أصبح كل واحد منهم نجما في الدين هاديا وسراجا منيرا # أما بعد فإن الله تعالى جعل الأرض ذلولا لعباده إلا ليستقروا في مناكبها ~~بل ليتخذوها منزلا فيتزودوا منها زادا يحملهم في سفرهم إلى أوطانهم ~~ويكتنزون منها تحفا لنفوسهم عملا وفضلا محترزين من مصايدها ومعاطبها ~~ويتحققون أن العمر يسير بهم سير السفينة براكبها فالناس في هذا العالم سفر ~~وأول منازلهم المهد وآخرها اللحد والوطن هو الجنة أو النار والعمر مسافة ~~السفر فسنوه مراحله وشهوره فراسخه وأيامه أمياله وأنفاسه خطواته وطاعته ~~بضاعته وأوقاته رءوس أمواله وشهواته وأغراضه قطاع طريقه وربحه الفوز بلقاء ~~الله تعالى في دار السلام مع الملك PageV01P329 # الكبير والنعيم المقيم وخسرانه البعد من الله تعالى مع الأنكال والأغلال ~~والعذاب الأليم في دركات الجحيم # فالغافل في نفس من أنفاسه حتى ينقضي في غير طاعة تقربه إلى الله زلفى ~~متعرض في يوم التغابن لغبينة وحسرة ما لها منتهى ولهذا الخطر العظيم والخطب ~~الهائل شمر الموفقون عن ساق الجد وودعوا بالكلية ملاذ النفس واغتنموا بقايا ~~العمر ورتبوا بحسب تكرر الأوقات وظائف الأوراد حرصا على إحياء الليل ~~والنهار في طلب القرب من الملك الجبار والسعي إلى دار القرار فصار من مهمات ~~علم طريق الآخرة تفصيل القول في كيفية قسمة الأوراد وتوزيع العبادات التي ~~سبق شرحها على مقادير الأوقات ويتضح هذا المهم بذكر بابين # الباب الأول في فضيلة الأوراد وترتيبها في الليل والنهار # الباب الثاني في كيفية إحياء الليل وفضيلته وما يتعلق به ### ||| الباب الأول في فضيلة الأوراد وترتيبها وأحكامها ### |||| فضيلة الأوراد وبيان أن المواظبة عليها هي الطريق إلى الله تعالى # اعلم أن الناظرين بنور البصيرة علموا أنه لا نجاة إلا في لقاء الله تعالى ~~وأنه لا سبيل إلى اللقاء إلا بأن يموت العبد محبا لله تعالى وعارفا بالله ~~سبحانه # وأن المحبة والأنس لا تحصل إلا من دوام ذكر المحبوب والمواظبة عليه وأن ~~المعرفة به لا تحصل إلا بدوام الفكر فيه وفي صفاته وأفعاله وليس في الوجود ~~سوى الله تعالى ms0528 وأفعاله ولن يتيسر دوام الذكر والفكر إلا بوداع الدنيا ~~وشهواتها والاجتزاء منها بقدر البلغة والضرورة وكل ذلك لا يتم إلا باستغراق ~~أوقات الليل والنهار في وظائف الأذكار والأفكار والنفس لما جبلت عليه من ~~السآمة والملال لا تصبر على فن واحد من الأسباب المعينة على الذكر والفكر ~~بل إذا ردت إلى نمط واحد أظهرت الملال والاستثقال وأن الله تعالى لا يمل ~~حتى تملوا فمن ضرورة اللطف بها أن تروح بالتنقل من فن إلى فن ومن نوع إلى ~~نوع بحسب كل وقت لتغزر بالانتقال لذتها وتعظم باللذة رغبتها وتدوم بدوام ~~الرغبة مواظبتها فلذلك تقسم الأوراد قسمة مختلفة فالذكر والفكر ينبغي أن ~~يستغرقا جميع الأوقات أو أكثرها فإن النفس بطبعها مائلة إلى ملاذ الدنيا ~~فإن صرف العبد شطر أوقاته إلى تدبيرات الدنيا وشهواتها المباحة مثلا والشطر ~~الآخر إلى العبادات رجح جانب الميل إلى الدنيا لموافقتها الطبع إذ يكون ~~الوقت متساويا فأنى يتقاومان والطبع لأحدهما مرجح إذ الظاهر والباطن ~~يتساعدان على أمور الدنيا ويصفو في طلبها القلب ويتجرد وأما الرد إلى ~~العبادات فمتكلف ولا يسلم إخلاص القلب فيه وحضوره إلا في بعض الأوقات فمن ~~أراد أن يدخل الجنة بغير حساب فليستغرق أوقاته في الطاعة ومن أراد أن تترجح ~~كفة حسناته وتثقل موازين خيراته فليستوعب في الطاعة أكثر أوقاته فإن خلط ~~عملا صالحا وآخر سيئا فأمره مخطر ولكن الرجاء غير منقطع والعفو من كرم الله ~~منتظر فعسى الله تعالى أن يغفر له بجوده وكرمه فهذا ما انكشف للناظرين بنور ~~البصيرة فإن لم تكن من أهله فانظر إلى خطاب الله تعالى لرسوله واقتبسه بنور ~~الإيمان فقد قال الله تعالى لأقرب عباده إليه وأرفعهم درجة لديه {إن لك في ~~النهار سبحا طويلا واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} وقال تعالى {واذكر اسم ~~ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا} وقال تعالى {وسبح ~~بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود} وقال ~~سبحانه {وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه ms0529 وإدبار النجوم} وقال تعالى ~~{إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا} وقال تعالى {ومن آناء الليل فسبح ~~وأطراف النهار لعلك ترضى} وقال عز وجل {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من ~~الليل أن الحسنات يذهبن السيئات} ثم انظر كيف وصف الفائزين من عباده وبماذا ~~وصفهم فقال تعالى {أم من هو قانت} PageV01P330 # {آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون} وقال تعالى {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا} وقال عز وجل {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} وقال عز وجل ~~{كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون} وقال عز وجل ~~{فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} وقال تعالى {ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} فهذا كله يبين لك أن الطريق إلى تعالى ~~مراقبة الأوقات وعمارتها بالأوراد على سبيل الدوام # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أحب عباد الله إلى الله الذين يراعون الشمس ~~والقمر والأظلة لذكر الله تعالى (1) وقد قال تعالى {الشمس والقمر بحسبان} ~~وقال تعالى {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا ~~الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا} وقال تعالى {والقمر قدرناه ~~منازل} وقال تعالى {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر ~~والبحر} فلا تظنن أن المقصود من سير الشمس والقمر بحسبان منظوم مرتب ومن ~~خلق الظل والنور والنجوم أن يستعان بها على أمور الدنيا بل لتعرف بها ~~مقادير الأوقات فتشتغل فيها بالطاعات والتجارة للدار الآخرة يدلك عليه قوله ~~تعالى {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} ~~أي يخلف أحدهما الآخر ليتدارك في أحدهما ما فات في الآخر وبين أن ذلك للذكر ~~والشكر لا غير وقال تعالى {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل ~~وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين ~~والحساب} وإنما الفضل المبتغى هو الثواب والمغفرة ونسأل الله حسن التوفيق ~~لما يرضيه ms0530 ### |||| بيان أعداد الأوراد وترتيبها # اعلم أن أوراد النهار سبعة فما بين طلوع الصبح إلى طلوع قرص الشمس ورد ~~وما بين طلوع الشمس إلى الزوال وردان وما بين الزوال إلى وقت العصر وردان ~~وما بين العصر إلى المغرب وردان والليل ينقسم إلى أربعة أوراد وردان من ~~المغرب إلى وقت نوم الناس ووردان من النصف الأخير من الليل إلى طلوع الفجر ~~فلنذكر فضيلة كل ورد ووظيفته وما يتعلق به # فالورد الأول ما بين طلوع الصبح إلى طلوع الشمس وهو وقت شريف ويدل على ~~شرفه وفضله إقسام الله تعالى به إذ قال {والصبح إذا تنفس} وقدحه به إذ قال ~~{فالق الإصباح} وقال تعالى {قل أعوذ برب الفلق} وإظهاره القدرة بقبض الظل ~~فيه إذ قال تعالى {ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا} وهو وقت قبض ظل الليل ببسط ~~نور الشمس وإرشاده الناس إلى التسبيح فيه بقوله تعالى {فسبحان الله حين ~~تمسون وحين تصبحون} وبقوله تعالى فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ~~وقوله عز وجل {ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى} وقوله تعالى ~~{واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا} # فأما ترتيبه فليأخذ من وقت انتباهه من النوم فإذا انتبه فينبغي أن يبتدىء ~~بذكر الله تعالى فيقول الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ~~إلى آخر الأدعية والآيات التي ذكرناها في دعاء الاستيقاظ من كتاب الدعوات ~~PageV01P331 # وليلبس ثوبه وهو في الدعاء وينوي به ستر عورته امتثالا لأمر الله تعالى ~~واستعانة به على عبادته من غير قصد رياء ولا رعونة ثم يتوجه إلى بيت الماء ~~إن كان به حاجة إلى بيت الماء ويدخل أولا رجله اليسرى ويدعو بالأدعية التي ~~ذكرناها فيه في كتاب الطهارة عند الدخول والخروج ثم يستاك على السنة كما ~~سبق ويتوضأ مراعيا لجميع السنن والأدعية التي ذكرناها في الطهارة فإنا إنما ~~قدمنا آحاد العبادات لكي نذكر في هذا الكتاب وجه التركيب والترتيب فقط فإذا ~~فرغ من الوضوء صلى ركعتي الفجر أعني السنة في منزله (1) كذلك كان يفعل رسول ~~الله صلى ms0531 الله عليه وسلم ويقرأ بعد الركعتين سواء أداهما في البيت أو ~~المسجد الدعاء الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما ويقول اللهم إني أسألك ~~رحمة من عندك تهدي بها قلبي إلا آخر الدعاء (2) ثم يخرج من البيت متوجها ~~إلى المسجد ولا ينسى دعاء الخروج إلى المسجد لا يسعى إلى الصلاة سعيا بل ~~يمشي وعليه السكينة والوقار (3) كما ورد به الخبر ولا يشبك بين أصابعه ~~ويدخل المسجد ويقدم رجله اليمنى ويدعو بالدعاء المأثور لدخول المسجد (4) ثم ~~يطلب من المسجد الصف الأول إن وجد متسعا ولا يتخطى رقاب الناس ولا يزاحم ~~كما سبق ذكره في كتاب الجمعة ثم يصلي ركعتي الفجر إن لم يكن صلاهما في ~~البيت ويشتغل بالدعاء المذكور بعدهما وإن كان قد صلى ركعتي الفجر صلى ركعتي ~~التحية وجلس منتظرا للجماعة والأحب التغليس بالجماعة فقد كان صلى الله عليه ~~وسلم يغلس بالصبح (5) ولا ينبغي أن يدع الجماعة في الصلاة عامة وفي الصبح ~~والعشاء خاصة فلهما زيادة فضل # فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال في صلاة الصبح من توضأ ثم توجه إلى المسجد ليصلي فيه الصلاة كان له بكل ~~خطوة حسنة ومحي عنه سيئة والحسنة بعشر أمثالها فإذا صلى ثم انصراف عند طلوع ~~الشمس كتب له بكل شعرة في جسده حسنة وانقلب بحجة مبرورة فإن جلس حتى يركع ~~الضحى كتب له بكل ركعة ألفا ألف حسنة ومن صلى العتمة فله مثل ذلك وانقلب ~~بعمرة مبرورة (6) وكان من عادة السلف دخول المسجد قبل طلوع الفجر # قال رجل من التابعين دخلت المسجد قبل طلوع الفجر فلقيت أبا هريرة قد ~~سبقني فقال لي يا ابن أخي لأي شيء خرجت من منزلك في هذه الساعة فقلت لصلاة ~~الغداة فقال أبشر فإنا كنا نعد خروجنا وقعودنا في المسجد في هذه الساعة ~~بمنزلة غزوة في سبيل الله تعالى (7) أو قال مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله ms0532 عليه وسلم طرقه وفاطمة رضي ~~الله عنهما وهما نائمان فقال ألا تصليان قال علي فقلت يا رسول الله إنما ~~أنفسنا بيد الله تعالى فإذا شاء أن يبعثها بعثها فانصرف صلى الله عليه وسلم ~~فسمعته وهو منصرف يضرب فخذه ويقول وكان الإنسان أكثر شيء جدلا (8) ثم ينبغي ~~أن يشتغل بعد ركعتي الفجر ودعائه بالاستغفار والتسبيح إلى أن تقام الصلاة ~~فيقول أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه سبعين مرة ~~PageV01P332 # وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مائة مرة ثم يصلي ~~الفريضة مراعيا جميع ما ذكرناه من الآداب الباطنة والظاهرة في الصلاة ~~والقدوة فإذا فرغ منها قعد في المسجد إلى طلوع الشمس في ذكر الله تعالى كما ~~سنرتبه فقد قال صلى الله عليه وسلم لأن أقعد في مجلسي أذكر الله تعالى فيه ~~من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب (1) وروي أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الغداة قعد في مصلاه حتى تطلع الشمس وفي ~~بعضها ويصلي ركعتين (2) أي بعد الطلوع وقد ورد في فضل ذلك ما لا يحصى وروى ~~الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيما يذكره من رحمة ربه يقول ~~إنه قال يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الفجر ساعة وبعد صلاة العصر ساعة أكفك ~~ما بينهما (3) وإذا ظهر فضل ذلك فليقعد ولا يتكلم إلى طلوع الشمس بل ينبغي ~~أن تكون وظيفته إلى الطلوع أربعة أنواع أدعية وأذكار ويكررها في سبحة ~~وقراءة قرآن وتفكر # أما الأدعية فكلما يفرغ من صلاته فليبدأ وليقل اللهم صلي على محمد وعلى ~~آل محمد وسلم اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام حينا ربنا ~~بالسلام وأدخلنا دار السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ثم يفتتح الدعاء ~~بما كان يفتتح به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قوله سبحان ربي العلي ~~الأعلى الوهاب لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ~~ويميت ms0533 وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله أهل ~~النعمة والفضل والثناء الحسن لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له ~~الدين ولو كره الكافرون (4) ثم يبدأ بالأدعية التي أوردناها في الباب ~~الثالث والرابع من كتاب الأدعية فيدعو بجميعها إن قدر عليه أو يحفظ من ~~جملتها ما يراه أوفق بحاله وأرق لقلبه وأخف على لسانه # وأما الأذكار المكررة فهي كلمات ورد في تكرارها فضائل لم نطول بإيرادها ~~وأقل ما ينبغي أن يكرر كل واحد منها ثلاثا أو سبعا وأكثره مائة أو سبعون ~~وأوسطه عشر فليكررها بقدر فراغه وسعة وقته وفضل الأكثر أكثروالأوسط الأقصد ~~أن يكررها عشر مرات فهو أجدر بأن يدوم عليه خير الأمور أدومها وإن قل وكل ~~وظيفة لا يمكن المواظبة على كثيرها فقليلها مع المداومة أفضل وأشد تأثيرا ~~في القلب مع كثيرها مع الفترة ومثال القليل الدائم كقطرات ماء تتقاطر على ~~الأرض على التوالي فتحدث فيها حفيرة ولو وقع ذلك على الحجر ومثال الكثير ~~المتفرق ماء يصب دفعة أو دفعات متفرقة متباعدة الأوقات فلا يبين لها أثر ~~ظاهر وهذه الكلمات عشرة الأولى قوله لا إله إلا الله وحده لا شريك له له ~~الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير ~~(5) # الثانية قوله سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله PageV01P333 # العلي العظيم (1) الثالثة قوله سبوح قدوس رب الملائكة والروح (2) الرابعة ~~قوله سبحان الله العظيم وبحمده (3) الخامسة قوله أستغفر الله العظيم الذي ~~لا إله إلا هو الحي القيوم وأسأله التوبة (4) السادسة قوله اللهم لا مانع ~~لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد (5) السابعة قوله ~~لا إله إلا الله الملك الحق المبين (6) الثامنة قوله بسم الله الذي لا يضر ~~مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم (7) التاسعة اللهم ~~صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي ms0534 وعلى آله وصحبه وسلم (8) ~~العاشرة قوله أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم رب أعوذ بك من ~~همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون (9) فهذه العشر كلمات إذا كرر كل ~~واحدة عشر مرات حصل له مائة مرة فهو أفضل من أن يكرر ذكرا واحدا مائة مرة ~~لأن لكل واحدة من هؤلاء الكلمات فضلا على حياله وللقلب بكل واحد نوع تنبه ~~وتلذذ وللنفس في الانتقال من كلمة إلى كلمة نوع استراحة وأمن من الملل # فأما القراءة فيستحب له قراءة جملة من الآيات PageV01P334 # وردت الأخبار بفضلها وهو أن يقرأ سورة الحمد (1) وآية الكرسي (2) وخاتمة ~~البقرة (3) من قوله آمن الرسول وشهد الله (4) وقل اللهم مالك الملك الآيتين ~~(5) وقوله تعالى {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} إلى آخرها (6) وقوله تعالى ~~{لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} إلى آخرها (7) وقوله سبحانه الحمد لله ~~الذي لم يتخذ ولدا (8) الآية وخمس آيات من أول الحديد (9) وثلاثا من آخر ~~سورة الحشر (10) وإن قرأ المسبعات العشر التي أهداها الخضر عليه السلام إلى ~~إبراهيم التيمي رحمه الله ووصاه أن يقولها غدوة وعشية فقد استكمل الفضل ~~وجمع له ذلك فضيلة جملة الأدعية المذكورة # فقد روي عن كرز بن وبرة رحمه الله وكان من الأبدال قال أتاني أخ لي من ~~أهل الشام فأهدى لي هدية وقال يا كرز اقبل مني هذه الهدية فإنها نعمت ~~الهدية فقلت يا أخي ومن أهدى لك هذه الهدية قال أعطانيها إبراهيم التيمي ~~قلت أفلم تسأل إبراهيم من أعطاه إياها قال كنت جالسا في فناء الكعبة وأنا ~~في التهليل والتسبيح والتحميد والتمجيد فجاءني رجل فسلم علي وجلس عن يميني ~~فلم أر في زماني أحسن منه وجها ولا أحسن منه ثيابا ولا أشد بياضا ولا أطيب ~~ريحا منه فقلت يا عبد الله من أنت ومن أين جئت فقال أنا الخضر فقلت في أي ~~شيء جئتني فقال جئتك للسلام عليك وحبا لك في الله وعندي هدية أريد أن ~~أهديها لك فقلت ما هي قال أن تقول PageV01P335 # قبل طلوع الشمس وقبل انبساطها ms0535 على الأرض وقبل الغروب سورة الحمد وقل أعوذ ~~برب الناس وقل أعوذ برب الفلق وقل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون وآية ~~الكرسي كل واحدة سبع مرات وتقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر سبعا وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم سبعا وتستغفر لنفسك ~~ولوالديك والمؤمنين وللمؤمنات سبعا وتقول اللهم افعل بي وبهم عاجلا وآجلا ~~في الدين والدنيا والآخرة ما أنت له أهل ولا تفعل بنا يا مولانا ما نحن له ~~أهل إنك غفور حليم جواد كريم رءوف رحيم سبع مرات وانظر أن لا تدع ذلك غدوة ~~وعشية فقلت أحب أن تخبرني من أعطاك هذه العطية العظيمة فقال أعطانيها محمد ~~صلى الله عليه وسلم (1) فقلت أخبرني بثواب ذلك فقال إذا لقيت محمدا صلى ~~الله عليه وسلم فاسأله عن ثوابه فإنه يخبرك بذلك فذكر إبراهيم التيمي أنه ~~رأى ذات يوم في منامه كأن الملائكة جاءته فاحتملته حتى أدخلوه الجنة فرأى ~~ما فيها ووصف أمورا عظيمة مما رآه في الجنة قال فسألت الملائكة فقلت لمن ~~هذا فقالوا للذي يعمل مثل عملك وذكر أنه أكل من ثمرها وسقوه من شرابها قال ~~قال فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم ومعه سبعون نبيا وسبعون صفا من ~~الملائكة كل صف مثل ما بين المشرق والمغرب فسلم علي وأخذ بيدي فقلت يا رسول ~~الله الخضر أخبرني أنه سمع منك هذا الحديث فقال صدق الخضر صدق الخضر وكل ما ~~يحكيه فهو حق وهو عالم أهل الأرض وهو رئيس الأبدال وهو من جنود الله تعالى ~~في الأرض فقلت يا رسول الله فمن فعل هذا أو عمله ولم ير مثل الذي رأيت في ~~منامي هل يعطى شيئا مما أعطيته فقال والذي بعثني بالحق نبيا إنه ليعطى ~~العامل بهذا وإن لم يرني ولم ير الجنة إنه ليغفر له جميع الكبائر التي ~~عملها ويرفع الله تعالى عنه غضبه ومقته ويأمر صاحب الشمال أن لا يكتب عليه ~~خطيئة من السيئات إلى سنة والذي بعثني بالحق نبيا ما ms0536 يعمل بهذا إلا من خلقه ~~الله سعيدا ولا يتركه إلا من خلقه الله شقيا وكان إبراهيم التيمي يمكث ~~أربعة أشهر لم يطعم ولم يشرب فلعله كان بعد هذه الرؤيا فهذه وظيفة القراءة ~~فإن أضاف إليها شيئا مما انتهى إليه ورده من القرآن أو اقتصر عليه فهو حسن ~~فإن القرآن جامع لفضل الذكر والفكر والدعاء مهما كان بتدبر كما ذكرنا فضله ~~وآدابه في باب التلاوة وأما الأفكار فليكن ذلك إحدى وظائفه وسيأتي تفصيل ما ~~يتفكر فيه وكيفيته في كتاب التفكر من ربع المنجيات ولكن مجامعة ترجع إلى ~~فنين أحدهما أن يتفكر فيما ينفعه من المعاملة بأن يحاسب نفسه فيما سبق من ~~تقصيره ويرتب وظائفه في يومه الذي بين يديه ويدبر في دفع الصوارف والعوائق ~~الشاغلة له عن الخير ويتذكر تقصيره وما يتطرق إليه الخلل من أعماله ليصلحه ~~ويحضر في قلبه النيات الصالحة من أعماله في نفسه وفي معاملته للمسلمين ~~والفن الثاني فيما ينفعه في علم المكاشفة وذلك بأن يتفكر مرة في نعم الله ~~تعالى وتواتر آلاته الظاهرة والباطنة لتزيد معرفته بها ويكثر شكره عليها أو ~~في عقوباته ونقماته لتزيد معرفته بقدرة الإله واستغنائه ويزيد خوفه منها ~~ولكل واحد من هذه الأمور شعب كثيرة يتسع التفكر فيها على بعض الخلق دون ~~البعض وإنما نستقضي ذلك في كتاب التفكر ومهما تيسر الفكر فهو أشرف العبادات ~~إذ فيه معنى الذكر لله تعالى وزيادة أمرين أحدهما زيادة المعرفة إذ الفكر ~~مفتاح المعرفة والكشف والثاني زيادة المحبة إذ لا يحب القلب إلا من اعتقد ~~تعظيمه ولا تنكشف عظمة الله سبحانه وجلاله إلا بمعرفة صفاته ومعرفة قدرته ~~وعجائب أفعاله فيحصل من الفكر المعرفة ومن المعرفة التعظيم ومن التعظيم ~~المحبة والذكر أيضا يورث الأنس وهو نوع من المحبة ولكن المحبة التي سببها ~~المعرفة PageV01P336 # أقوى وأثبت وأعظم ونسبة محبة العارف إلى أنس الذاكر من غير تمام ~~الاستبصار كنسبة عشق من شاهد جمال شخص بالعين واطلع على حسن أخلاقه وأفعاله ~~وفضائله وخصاله الحميدة بالتجربة إلى أنس من كرر على سمعه ms0537 وصف شخص غائب عن ~~عينه بالحسن في الخلق والخلق مطلقا من غير تفصيل وجوه الحسن فيهما فليس ~~محبته له كمحبة المشاهد وليس الخبر كالمعاينة فالعباد المواظبون على ذكر ~~الله بالقلب واللسان الذين يصدقون بما جاءت به الرسل بالإيمان التقليدي ليس ~~معهم من محاسن صفات الله تعالى إلا أمور جميلة اعتقدوها بتصديق عن وصفها ~~لهم والعارفون هم الذين شاهدوا ذلك الجلال والجمال بعين البصيرة الباطنة ~~التي هي أقوى من البصر الظاهر لأن أحدا لم يحط بكنه جلاله وجماله فإن ذلك ~~غير مقدور لأحد من الخلق ولكن كل واحد شاهد بقدر ما رفع له من الحجاب ولا ~~نهاية لجمال حضرة الربوبية ولا لحجبها وإنما عدد حجبها التي استحقت أن تسمى ~~نورا وكاد يظن الواصل إليها أنه قد تم وصوله إلى الأصل سبعون حجابا # قال صلى الله عليه وسلم إن لله سبعين حجابا من نور لو كشفها لأحرقت سبحات ~~وجهه كل ما أدرك بصره (1) وتلك الحجب أيضا مترتبة وتلك الأنوار متفاوتة في ~~الرتب تفاوت الشمس والقمر والكواكب ويبدو في الأول أصغرها ثم ما يليه وعليه ~~أول بعض الصوفية درجات ما كان يظهر لإبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم في ~~ترقيه وقال {فلما جن عليه الليل} أي أظلم عليه الأمر {رأى كوكبا} أي وصل ~~إلى حجاب من حجب النور فعبر عنه بالكوكب وما أريد به هذه الأجسام المضيئة ~~فإن آحاد العوام لا يخفى عليهم أن الربوبية لا تليق بالأجسام بل يدركون ذلك ~~بأوائل نظرهم فما لا يضلل العوام لا يضلل الخليل عليه السلام والحجب ~~المسماة أنوارا ما أريد بها الضوء المحسوس بالبصر بل أريد بها ما أريد ~~بقوله تعالى الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح الآية ~~ولنتجاوز هذه المعاني فإنها خارجة عن علم المعاملة ولا يوصل إلى حقائقها ~~إلا الكشف التابع للفكر الصافي وقل من ينفتح له بابه والمتيسر على جماهير ~~الخلائق الفكر فيما يفيد في علم المعاملة وذلك أيضا مما تغزر فائدته ويعظم ~~نفعه فهذه الوظائف الأربعة أعني الدعاء والذكر ms0538 والقراءة والفكر ينبغي أن ~~تكون وظيفة المريد بعد صلاة الصبح بل في كل ورد بعد الفراغ من وظيفة الصلاة ~~فليس بعد الصلاة وظيفة سوى هذه الأربع ويقوى على ذلك بأن يأخذ سلاحه ومجنته ~~والصوم هو الجنة التي تضيق مجاري الشيطان المعادي الصارف له على سبيل ~~الرشاد وليس بعد طلوع الصبح صلاة سوى ركعتي الفجر وفرض الصبح إلى طلوع ~~الشمس وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم يشتغلون في ~~هذا الوقت بالأذكار (2) وهو الأولى إلى أن يغلبه النوم قبل الفرض ولم يندفع ~~إلا بالصلاة فلو صلى لذلك فلا بأس به # الورد الثاني ما بين طلوع الشمس إلى ضحوة النهار وأعني بالضحوة منتصف ما ~~بين طلوع الشمس إلى الزوال وذلك بمضي ثلاث ساعات من النهار إذا فرض النهار ~~اثنتي عشرة ساعة وهو الربع وفي هذا الربع من النهار وظيفتان زائدتان ~~إحداهما صلاة الضحى وقد ذكرناها في كتاب الصلاة وأن الأولى أن يصلي ركعتين ~~عند الإشراق وذلك إذا انبسطت الشمس وارتفعت قدر نصف رمح ويصلي أربعا أو ستا ~~أو ثمانيا إذا رمضت الفصال وضحيت الأقدام بحر الشمس فوقت الركعتين هو الذي ~~أراد الله تعالى بقوله {يسبحن بالعشي والإشراق} فإنه وقت إشراق الشمس وهو ~~ظهور تمام نورها بارتفاعها عن موازات البخارات والغبارات التي على وجه ~~الأرض PageV01P337 # فإنها تمنع إشرافها التام ووقت الركعات الأربع هو الضحى الأعلى الذي أقسم ~~الله تعالى به فقال {والضحى والليل إذا سجى} وخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على أصحابه وهم يصلون عند الإشراق فنادى بأعلى صوته ألا إن صلاة ~~الأوابين إذا رمضت الفصال (1) فلذلك نقول إذا كان يقتصر على مرة واحدة في ~~الصلاة فهذا الوقت أفضل لصلاة الضحى وإن كان أصل الفضل يحصل بالصلاة بين ~~طرفي وقتي الكراهة وهو ما بين ارتفاع الشمس بطلوع نصف رمح بالتقريب إلى ما ~~قبل الزوال في ساعة الاستواء واسم الضحى ينطلق على الكل وكأن ركعتي الإشراق ~~تقع في مبتدأ وقت الإذن في الصلاة وانقضاء الكراهة إذ قال صلى ms0539 الله عليه ~~وسلم إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها (2) فأقل ~~ارتفاعها أن ترتفع عن بخارات الأرض وغبارها وهذا يراعى بالتقريب # الوظيفة الثانية في هذا الوقت الخيرات المتعلقة بالناس التي جرت بها ~~العادات بكرة من عيادة مريض وتشييع جنازة ومعاونة على بر وتقوى وحضور مجلس ~~علم وما يجري مجراه من قضاء حاجة لمسلم وغيرها فإن لم يكن شيء من ذلك عاد ~~إلى الوظائف الأربع التي قدمناها من الأدعية والذكر والقراءة والفكر ~~والصلوات المتطوع بها إن شاء فإنها مكروهة بعد صلاة الصبح وليست مكروهة ~~الآن فتصير الصلاة قسما خامسا من جملة وظائف هذا الوقت لمن أراده أما بعد ~~فريضة الصبح فتكره كل صلاة لا سبب لها وبعد الصبح الأحب أن يقتصر على ركعتي ~~الفجر وتحية المسجد ولا يشتغل بالصلاة بل بالأذكار والقراءة والدعاء والفكر # الورد الثالث من ضحوة النهار إلى الزوال ونعني بالضحوة المنتصف وما قبله ~~بقليل وإن كان بعد كل ثلاث ساعات أمر بصلاة فإذا انقضى ثلاث ساعات بعد ~~الطلوع فعندها وقبل مضيها صلاة الضحى فإذا مضت ثلاث ساعات أخرى فالظهر فإذا ~~مضت ثلاث ساعات أخرى فالعصر فإذا مضت ثلاث أخرى فالمغرب ومنزلة الضحى بين ~~الزوال والطلوع كمنزلة العصر بين الزوال والغروب إلا أن الضحى لم تفرض لأنه ~~وقت انكباب الناس على أشغالهم فخفف عنهم الوظيفة الرابعة في هذا الوقت ~~الأقسام الأربعة وزيد أمران أحدهما الاشتغال بالكسب وتدبير المعيشة وحضور ~~السوق فإن كان تاجرا فينبغي أن يتجر بصدق وأمانة وإن كان صاحب صناعة فبنصح ~~وشفقة ولا ينسى ذكر الله تعالى في جميع أشغاله ويقتصر من الكسب على قدر ~~حاجته ليومه مهما قدر على أن يكتسب في كل يوم لقوته فإذا حصل كفاية يومه ~~فليرجع إلى بيت ربه وليتزود لآخرته فإن الحاجة إلى زاد الآخرة أشد والتمتع ~~به أدوم فاشتغاله بكسبه أهم من طلب الزيادة على حاجة الوقت فقد قيل لا يوجد ~~المؤمن إلا في ثلاث مواطن مسجد يعمره أو بيت يستره أو حاجة لا بد له منها ~~وقل ms0540 من يعرف القدر فيما لا بد منه بل أكثر الناس يقدرون فيما عنه بد أنه لا ~~بد لهم منه وذلك لأن الشيطان يعدهم الفقر ويأمرهم بالفحشاء فيصغون إليه ~~ويجمعون ما لا يأكلون خيفة الفقر والله يعدهم مغفرة منه وفضلا فيعرضون عنه ~~ولا يرغبون فيه الأمر الثاني القيلولة وهي سنة يستعان بها على قيام الليل ~~كما أن التسحر سنة يستعان به على صيام النهار فإن كان لا يقوم بالليل لكن ~~لو لم ينم لم يشتغل بخير وربما خالط أهل الغفلة وتحدث معهم فالنوم أحب له ~~إذا كان لا ينبعث نشاطه للرجوع إلى الأذكار والوظائف المذكورة إذ في النوم ~~الصمت والسلامة وقد قال بعضهم يأتي على الناس زمان الصمت والنوم فيه أفضل ~~أعمالهم وكم من عابد أحسن أحواله النوم وذلك إذا كان يرائي بعبادته ولا ~~يخلص فيها فكيف بالغافل PageV01P338 # الفاسق قال سفيان الثوري رحمه الله كان يعجبهم إذا تفرغوا أن يناموا طلبا ~~للسلامة فإذا كان نومه على قصد طلب السلامة ونية قيام الليل كان نومه قربة ~~ولكن ينبغي أن يتنبه قبل الزوال بقدر الاستعداد للصلاة بالوضوء وحضور ~~المسجد قبل دخول وقت الصلاة فإن ذلك من فضائل الأعمال وإن لم ينم ولم يشتغل ~~بالكسب واشتغل بالصلاة والذكر فهو أفضل أعمال النهار لأنه وقت غفلة الناس ~~عن الله عز وجل واشتغالهم بهموم الدنيا فالقلب المتفرغ لخدمة ربه عند إعراض ~~العبيد عن بابه جدير بأن يزكيه الله تعالى ويصطفيه لقربه ومعرفته وفضل ذلك ~~كفضل إحياء الليل فإن الليل وقت الغفلة بالنوم وهذا وقت الغفلة باتباع ~~الهوى والاشتغال بهموم الدنيا وأحد معنى قوله تعالى {وهو الذي جعل الليل ~~والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر} أي يخلف أحدهما الآخر في الفضل والثاني أنه ~~يخلفه فيتدارك فيه ما فات في أحدهما # الورد الرابع ما بين الزوال إلى الفراغ من صلاة الظهر وراتبته وهذا أقصر ~~أوراد النهار وأفضلها فإذا كان قد توضأ قبل الزوال وحضر المسجد فمهما زالت ~~الشمس وابتدأ المؤذن الأذان فليصبر إلى الفراغ من جواب أذانه ثم ms0541 ليقم إلى ~~إحياء ما بين الأذان والإقامة فهو وقت الإظهار الذي أراده الله تعالى بقوله ~~{وحين تظهرون} وليصل في هذا الوقت أربع ركعات لا يفصل بينهن بتسليمة واحدة ~~(1) وهذه الصلاة وحدها من بين سائر صلوات النهار نقل بعض العلماء أنه ~~يصليها بتسليمة واحدة ولكن طعن في تلك الرواية ومذهب الشافعي رضي الله عنه ~~أنه يصلي مثنى مثنى كسائر النوافل ويفصل بتسليمة (2) وهو الذي صحت به ~~الأخبار وليطول هذه الركعات إذ فيها تفتح أبواب السماء كما أوردنا الخبر ~~فيه في باب صلاة التطوع وليقرأ فيها سورة البقرة أو سورة من المئين أو ~~أربعا من المثاني فهذه ساعات يستجاب فيها الدعاء وأحب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يرتفع له فيها عمل ثم يصلي الظهر بجماعة بعد أربع ركعات طويلة ~~كما سبق أو قصيرة لا ينبغي أن يدعها ثم ليصل بعد الظهر ركعتين ثم أربعا فقد ~~كره ابن مسعود أن تتبع الفريضة بمثلها من غير فاصل ويستحب أن يقرأ في هذه ~~النافلة آية الكرسي وآخر سورة البقرة والآيات التي أوردناها في الورد الأول ~~ليكون ذلك جامعا له بين الدعاء والذكر والقراءة والصلاة والتحميد والتسبيح ~~مع شرف الوقت # الورد الخامس ما بعد ذلك إلى العصر ويستحب فيه العكوف في المسجد مشتغلا ~~بالذكر والصلاة أو فنون الخير ويكون في انتظار الصلاة معتكفا فمن فضائل ~~الأعمال انتظار الصلاة بعد الصلاة وكان ذلك سنة السلف كان الداخل يدخل ~~المسجد بين الظهر والعصر فيسمع للمصلين دويا كدوي النحل من التلاوة فإن كان ~~بيته أسلم لدينه وأجمع لهمه فالبيت أفضل في حقه فإحياء هذا الورد وهو أيضا ~~وقت غفلة الناس كإحياء الورد الثالث في الفضل وفي هذا الوقت يكره النوم لمن ~~نام قبل الزوال إذ يكره نومتان بالنهار قال بعض العلماء ثلاث يمقت الله ~~عليها الضحك بغير عجب والأكل من غير جوع والنوم بالنهار من غير سهر بالليل ~~والحد في النوم أن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة فالاعتدال في نومه ثمان ~~ساعات في الليل والنهار جميعا فإن ms0542 نام هذا القدر بالليل فلا معنى للنوم ~~بالنهار وإن نقص منه مقدارا استوفاه بالنهار فحسب ابن آدم إن عاش ستين سنة ~~أن ينقص من عمره عشرون سنة ومهما نام ثمان ساعات وهو الثلث فقد نقص من عمره ~~الثلث ولكن لما كان النوم غذاء الروح كما أن الطعام غذاء الأبدان ~~PageV01P339 # وكما أن العلم والذكر غذاء القلب لم يمكن قطعه عنه وقدر الاعتدال هذا ~~والنقصان منه ربما يفضي إلى اضطراب البدن إلا من يتعود السهر تدريجا فقد ~~يمرن نفسه عليه من غير اضطراب وهذا الورد من أطول الأوراد وأمتعها للعباد ~~وهو أحد والآصال التي ذكرها الله تعالى إذ قال ولله يسجد من في السموات ~~والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال وإذا سجد لله عز وجل الجمادات ~~فكيف يجوز أن يغفل العبد العاقل عن أنواع العبادات # الورد السادس إذا دخل وقت العصر دخل وقت الورد السادس وهو الذي أقسم الله ~~تعالى به فقال تعالى {والعصر} هذا أحد معنيي الآية وهو المراد بالآصال في ~~أحد التفسيرين وهو العشي المذكور في قوله {وعشيا} وفي قوله {بالعشي ~~والإشراق} وليس في هذا الورد صلاة إلا أربع ركعات بين الأذان والإقامة كما ~~سبق في الظهر ثم يصلي الفرض ويشتغل بالأقسام الأربعة المذكورة في الورد ~~الأول إلى أن ترتفع الشمس إلى رءوس الحيطان وتصفر والأفضل فيه إذ منع عن ~~الصلاة تلاوة القرآن بتدبر وتفهم إذ يجمع ذلك بين الذكر والدعاء والفكر ~~فيندرج في هذا القسم أكثر مقاصد الأقسام الثلاثة # الورد السابع إذا اصفرت الشمس بأن تقرب من الأرض بحيث يغطي نورها ~~العبارات والبخارات التي على وجه الأرض ويرى صفرة في ضوئها دخل وقت هذا ~~الورد وهو مثل الورد الأول من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لأنه قبل الغروب ~~كما أن ذلك قبل الطلوع وهو المراد بقوله تعالى {فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون} وهذا هو الطرف الثاني المراد بقوله تعالى {فسبح وأطراف النهار} قال ~~الحسن كانوا أشد تعظيما للعشي منهم لأول النهار وقال بعض السلف كانوا ~~يجعلون أول النهار ms0543 للدنيا وآخره للآخرة فيستحب في هذا الوقت التسبيح ~~والاستغفار خاصة وسائر ما ذكرناه في الورد الأول مثل أن يقول أستغفر الله ~~الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأسأله التوبة وسبحان الله العظيم وبحمده ~~مأخوذ من قوله تعالى {واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} ~~والاستغفار على الأسماء التي في القرآن أحب كقوله أستغفر الله إنه كان ~~غفارا أستغفر الله إنه كان توابا رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين فاغفر ~~لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ويستحب ~~أن يقرأ قبل غروب الشمس والشمس وضحاها والليل إذا يغشى والمعوذتين ولتغرب ~~الشمس عليه وهو في الاستغفار فإذا سمع الأذان قال اللهم هذا إقبال ليلك ~~وإدبار نهارك وأصوات دعاتك كما سبق ثم يجيب المؤذن ويشتغل بصلاة المغرب ~~وبالغروب قد انتهت أوراد النهار فينبغي أن يلاحظ العبد أحواله ويحاسب نفسه ~~فقد انقضى من طريقه مرحلة فإن ساوى يومه أمسه فيكون مغبونا وإن كان شرا منه ~~فيكون معلونا فقد قال صلى الله عليه وسلم لا بورك لي في يوم لا أزداد فيه ~~خيرا (1) فإن رأى نفسه متوفرا على الخير جميع نهاره مترفها عن التجشم كانت ~~بشارة فليشكر الله تعالى على توفيقه وتسديده إياه لطريقه وإن تكن الأخرى ~~فالليل خلفه النهار فليعزم على تلافي ما سبق من تفريطه فإن الحسنات يذهبن ~~السيئات وليشكر الله تعالى على صحة جسمه وبقاء بقية من عمره طول ليله ~~ليشتغل بتدارك تقصيره وليحضر في قلبه أن نهار العمر له آخر تغرب فيه شمس ~~الحياة فلا يكون لها بعدها طلوع وعند ذلك يغلق باب التدارك والاعتذار فليس ~~العمر إلا أياما معدودة تنقضي لا محالة جملتها بانقضاء آحادها PageV01P340 ### |||| بيان أوراد الليل وهي خمسة # الأول إذا غربت الشمس صلى المغرب واشتغل بإحياء ما بين العشاءين فآخر هذا ~~الورد عند غيبوبة الشفق أعني الحمرة التي بغيبوبتها يدخل وقت العتمة وقد ~~أقسم الله تعالى به فقال {فلا أقسم بالشفق} والصلاة فيه هي ناشئة الليل ~~لأنه أول نشوء ساعاته وهو آن من ms0544 الآناء المذكورة في قوله تعالى {ومن آناء ~~الليل فسبح} وهي صلاة الأوابين وهي المراد بقوله تعالى {تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع} روي ذلك عن الحسن وأسنده ابن أبي زياد إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية فقال صلى الله عليه وسلم الصلاة بين ~~العشاءين ثم قال صلى الله عليه وسلم عليكم بالصلاة بين العشاءين فإنها تذهب ~~بملاغات النهار وتهذب آخره (1) والملاغات جمع ملغاة من اللغو وسئل أنس رحمه ~~الله عمن ينام بين العشاءين فقال لا تفعل فإنها الساعة المعنية بقوله تعالى ~~{تتجافى جنوبهم عن المضاجع} وسيأتي فضل إحياء ما بين العشاءين في الباب ~~الثاني وترتيب هذا الورد أن يصلي بعد المغرب ركعتين أولا يقرأ فيهما قل يا ~~أيها الكافرون وقل هو الله أحد ويصليهما عقيب المغرب من غير تخلل كلام ولا ~~شغل ثم يصلي أربعا يطيلها ثم يصلي إلى غيبوبة الشفق ما تيسر له وإن كان ~~المسجد قريبا من المنزل فلا بأس أن يصليها في بيته إن لم يكن عزمه العكوف ~~في المسجد وإن عزم على العكوف في انتظار العتمة فهو الأفضل إذا كان آمنا من ~~التصنع والرياء # والورد الثاني يدخل بدخول وقت العشاء الآخرة إلى حد نومة الناس وهو أول ~~استحكام الظلام وقد أقسم الله تعالى به إذ قال {والليل وما وسق} أي وما جمع ~~من ظلمته وقال {إلى غسق الليل} فهناك يغسق الليل وتستوسق ظلمته وترتيب هذا ~~الورد بمراءة ثلاثة أمور الأول أن يصلي سوى فرض العشاء عشر ركعات أربعا قبل ~~الفرض إحياء لما بين الأذانين وستا بعد الفرض ركعتين ثم أربعا ويقرأ فيها ~~من القرآن الآيات المخصوصة كآخر البقرة وآية الكرسي وأول الحديد وآخر الحشر ~~وغيرها والثاني أن يصلي ثلاث عشرة ركعة آخرهن الوتر فإنه أكثر ما روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم صلى بها من الليل (2) والأكياس يأخذون أوقاتهم من ~~أول الليل والأقوياء من آخره والحزم التقديم فإنه ربما لا يستيقظ أو يثقل ~~عليه القيام إلا إذا صار ذلك عادة له ms0545 فآخر الليل أفضل ثم ليقرأ في هذه ~~الصلاة قدر ثلثمائة آية من السور المخصوصة التي كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يكثر قراءتها مثل يس وسجدة لقمان وسورة الدخان وتبارك الملك والزمر ~~والواقعة (3) فإن لم يصل فلا يدع قراءة هذه السور أو بعضها PageV01P341 # قبل النوم فقد روي في ثلاث أحاديث ما كان يقرؤه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في كل ليلة أشهرها السجدة وتبارك الملك (1) والزمر والواقعة وفي رواية ~~الزمر وبني إسرائيل (2) وكان العلماء يجعلونها ستا فيزيدون سبح اسم ربك ~~الأعلى إذ في الخبر أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب سبح اسم ربك الأعلى ~~وكان يقرأ في ثلاث ركعات الوتر ثلاث سور سبح اسم ربك الأعلى (3) وقل يا ~~أيها الكافرون والإخلاص (4) فإذا فرغ قال سبحان الملك القدوس ثلاث مرات # الثالث الوتر وليوتر قبل النوم إن لم يكن عادته القيام قال أبو هريرة رضي ~~الله عنه أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أنام إلا على وتر (5) ~~وإن كان معتادا صلاة الليل فالتأخير أفضل قال صلى الله عليه وسلم صلاة ~~الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة (6) وقالت عائشة رضي الله عنها ~~أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم أول الليل وأوسطه وآخره وانتهى وتره إلى ~~السحر (7) وقال علي رضي الله عنه الوتر على ثلاثة أنحاء إن شئت أوترت أول ~~الليل ثم صليت ركعتين ركعتين يعني أنه يصير وترا بما مضى وإن شئت أوترت ~~بركعة فإذا استيقظت شفعت إليها أخرى ثم أوترت من آخر الليل وإن شئت أخرت ~~الوتر ليكون آخر صلاتك هذا ما روي عنه والطريق الأول والثالث لا بأس به ~~وأما نقض الوتر فقد صح فيه نهي فلا ينبغي أن ينقض (8) وروي مطلقا أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال لا وتران في ليلة (9) ولمن يتردد في استيقاظه تلطف ~~استحسنه بعض العلماء وهو أن يصلي بعد الوتر ركعتين جالسا على فراشه عند ~~النوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزحف إلى فراشه ويصليهما ويقرأ ms0546 ~~فيهما إذا زلزلت وألهاكم (10) لما فيهما من التحذير والوعيد وفي رواية قل ~~يا أيها الكافرون لما فيها من التبرئة وإفراد العبادة لله تعالى فقيل إن ~~استيقظ قامتا مقام ركعة واحدة وكان له أن يوتر بواحدة في آخر صلاة الليل ~~وكأنه صار ما مضى شفعا بهما وحسن استئناف الوتر واستحسن هذا أبو طالب المكي ~~وقال فيه ثلاثة أعمال قصر الأمل وتحصيل الوتر والوتر آخر الليل وهو كما ~~PageV01P342 # ذكره لكن ربما يخطر أنهما لو شفعتا ما مضى لكان كذلك وإن لم يستيقظ وأبطل ~~وتره الأول فكونه شافعا إن استيقظ غير مشفع إن نام فبه نظر إلا أن يصح من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إيتاره قبلهما وإعادته الوتر فيفهم منه أن ~~الركعتين شفع بصورتهما وتر بمعناهما فيحسب وترا إن لم يستيقظ وشفعا إن ~~استيقط # ثم يستحب بعد التسليم من الوتر أن يقول سبحان الملك القدوس رب الملائكة ~~والروح جللت السموات والأرض بالعظمة والجبروت وتعززت بالقدرة وقهرت العباد ~~بالموت روي أنه صلى الله عليه وسلم ما مات حتى كان أكثر صلاته جالسا إلا ~~المكتوبة (1) وقد قال للقاعد نصف أجر القائم وللنائم نصف أجر القاعد (2) ~~وذلك يدل على صحة النافلة دائما # الورد الثالث النوم ولا بأس أن يعد ذلك في الأوراد فإنه إذا روعيت آدابه ~~احتسب عبادة فقد قيل إن للعبد إذا نام على طهارة وذكر الله تعالى يكتب ~~مصليا حتى يستيقظ ويدخل في شعاره ملك فإن تحرك في نومه فذكر الله تعالى دعا ~~له الملك واستغفر له الله (3) وفي الخبر إذا نام على طهارة رفع روحه إلى ~~العرش (4) هو ضعيف (5) حديث نوم العالم عبادة ونفسه تسبيح قلت المعروف فيه ~~الصائم دون العالم وقد تقدم في الصوم (6) حديث قال معاذ لأبي موسى كيف تصنع ~~في قيام الليل فقال أقوم الليل أجمع لا أنام منه شيئا وأتفوق القرآن تفوقا ~~قال معاذ لكني أنام ثم أقوم واحتسب في نومتي ما أحتسب في قومتي فذكر ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فقال معاذ أفقه منك متفق ms0547 عليه بنحوه من حديث أبي ~~سعيد وليس فيه أنهما ذكرا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ولا قوله معاذ أفقه ~~منك وإنما زاد فيه الطبراني فكان معاذ أفضل منه (7) حديث إذا نام العبد على ~~طهارة عرج بروحه إلى العرش فكانت رؤياه صادقة الحديث تقدم (8) حديث أنه كان ~~يستاك في كل ليلة مرارا عند كل نومة وعند التنبه منها تقدم في الطهارة (9) ~~حديث من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى يصبح ~~كتب له ما نوى وكان نومه صدقة من الله عليه أخرجه النسائي وابن ماجه من ~~حديث أبي الدرداء (10) الثالث أن لا يبيت من له وصية إلا ووصيته مكتوبة عند ~~رأسه فإنه لا يأمن PageV01P343 # القبض في النوم فإن من مات من غير وصية لم يؤذن له في الكلام بالبرزخ إلى ~~يوم القيامة يتزاوره الأموات ويتحدثون وهو لا يتكلم فيقول بعضهم لبعض هذا ~~المسكين مات من غير وصية وذلك مستحب خوف موت الفجأة وموت الفجأة تخفيف إلا ~~لمن ليس مستعدا للموت بكونه مثقل الظهر بالمظالم الرابع أن ينام تائبا من ~~كل ذنب سليم القلب لجميع المسلمين لا يحدث نفسه بظلم أحد ولا يعزم على ~~معصية إن استيقظ قال صلى الله عليه وسلم من أوى إلى فراشه لا ينوي ظلم أحد ~~ولا يحقد على أحد غفر له ما اجترم (1) الخامس أن لا يتنعم بتمهيد الفرش ~~الناعمة بل يترك ذلك أو يقتصد فيه كان بعض السلف يكره التمهيد للنوم ويرى ~~ذلك تكلفا وكان أهل الصفة لا يجعلون بينهم وبين التراب حاجزا ويقولون منها ~~خلقنا وإليها نرد وكانوا يرون ذلك أرق لقلوبهم وأجدر بتواضع نفوسهم فمن لم ~~تسمح بذلك نفسه فليقتصد السادس أن لا ينام ما لم يغلبه النوم ولا يتكلف ~~استجلابه إلا إذا قصد به الاستعانة على القيام في آخر الليل فقد كان نومهم ~~غلبة وأكلهم فاقة وكلامهم ضرورة ولذلك وصفوا بأنهم كانوا قليلا من الليل ما ~~يهجعون وإن غلبة النوم عن الصلاة والذكر وصار لا يدري ما ms0548 يقول فلينم حتى ~~يعقل ما يقول وكان ابن عباس رضي الله عنه يكره النوم قاعدا وفي الخبر لا ~~تكابدوا الليل (2) وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن فلانة تصلي ~~بالليل فإذا غلبها النوم تعلقت بحبل فنهى عن ذلك وقال ليصل أحدكم من الليل ~~ما تيسر له فإذا غلبه النوم فليرقد (3) وقال صلى الله عليه وسلم تكلفوا من ~~العمل ما تطيقون فإن الله لن يمل حتى تملوا (4) وقال صلى الله عليه وسلم ~~خير هذا الذين أيسره (5) وقيل له صلى الله عليه وسلم إن فلانا يصلي فلا ~~ينام ويصوم فلا يفطر فقال لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر هذه سنتي فمن رغب ~~عنها فليس مني (6) وقال صلى الله عليه وسلم لا تشادوا هذا الدين فإنه متين ~~فمن يشاده يغلبه فلا تبغض إلى نفسك عبادة الله (7) السابع أن ينام مستقبل ~~القبلة والاستقبال على ضربين أحدهما استقبال المحتضر وهو المستلقي على قفاه ~~فاستقباله أن يكون وجهه وأخمصاه إلى القبلة والثاني استقبال اللحد وهو أن ~~ينام على جنب بأن يكون وجهه إليها مع قبالة بدنه إذا نام على شقه الأيمن ~~الثامن الدعاء عند النوم فيقول باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه إلى آخر ~~الدعوات المأثورة التي أوردناها في كتاب الدعوات (8) ويستحب أن يقرأ الآيات ~~المخصوصة مثل آية الكرسي وآخر البقرة وغيرهما وقوله تعالى وإلهكم إله واحد ~~لا إله إلا هو إلى قوله لقوم يعقلون يقال إن من قرأها عند النوم حفظ الله ~~عليه القرآن فلم ينسه ويقرأ من سورة الأعراف هذه الآية إن ربكم الله الذي ~~خلق السموات والأرض في ستة أيام إلى قوله PageV01P344 # قريب من المحسنين وآخر بني آسرائيل قل ادعوا الله الآيتين فإنه يدخل في ~~شعاره ملك يوكل بحفظه فيستغفر له ويقرأ المعوذتين وينفث بهن في يديه ويمسح ~~بهما وجهه وسائر جسده كذلك روي من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ~~وليقرأ عشرا من أول الكهف وعشرا من آخرها وهذه الآي للاستيقاظ لقيام الليل ~~وكان علي كرم الله وجهه يقول ما أرى ms0549 أن رجلا مستكملا عقله ينام قبل أن يقرأ ~~الآيتين من آخر سورة البقرة وليقل خمسا وعشرين مرة سبحان الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر ليكون مجموع هذه الكلمات الأربع مائة مرة ~~التاسع أن يتذكر عند النوم أن النوم نوع وفاة والتيقظ نوع بعث قال الله ~~تعالى الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها {وقال} وهو الذي ~~يتوفاكم بالليل فسماه توفيا وكما أن المستيقظ تنكشف له مشاهدات لا تناسب ~~أحواله في النوم فكذلك المبعوث يرى ما لم يخطر قط بباله ولا شاهده حسه ومثل ~~النوم بين الحياة والموت مثل البزخ بين الدنيا والآخرة وقال لقمان لابنه يا ~~بني إن كنت تشك في الموت فلا تنم فكما أنك تنام كذلك تموت وإن كنت تشك في ~~البعث فلا تنتبه فكما أنك تنتبه بعد نومك فكذلك تبعث بعد موتك وقال كعب ~~الأحبار إذا نمت فاضطجع على شقك الأيمن واستقبل القبلة بوجهك فإنها وفاة ~~وقالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر ما يقول ~~حين ينام وهو واضع خده على يده اليمنى وهو يرى أنه ميت في ليلته تلك اللهم ~~رب السموات السبع ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء ومليكه (2) الدعاء إلى ~~آخره كما ذكرناه في كتاب الدعوات فحق على العبد أن يفتش عن ثلاثة عند نومه ~~أنه على ماذا ينام وما الغالب عليه حب الله تعالى وحب لقائه أو حب الدنيا ~~وليتحقق أنه يتوفى على ما هو الغالب عليه ويحشر على ما يتوفى عليه فإن ~~المرء مع من أحب ومع ما أحب # العاشر الدعاء عن التنبه فليقل في تيقظاته وتقلباته مهما تنبه ما كان ~~يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله الواحد القهار رب ~~السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار (3) وليجتهد أن يكون آخر ما يجري ~~على قلبه عند النوم ذكر الله تعالى وأول ما يرد على قلبه عند التيقظ ذكر ~~الله تعالى فهو علامة الحب ولا يلازم ms0550 القلب في هاتين الحالتين إلا ما هو ~~الغالب عليه فليجرب قلبه به فهو علامة الحب فإنها علامة تكشف من باطن القلب ~~وإنما استحبت هذه الأذكار لتستجر القلب إلى ذكر الله تعالى فإذا استيقظ ~~ليقوم قال الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور إلى آخر ما ~~أوردناه من أدعية التيقظ # الورد الرابع يدخل بمضي النصف الأول من الليل إلى أن يبقى من الليل سدسه ~~وعند ذلك يقوم العبد للتهجد فاسم التهجد يختص بما بعد الهجود والهجوع وهو ~~النوم وهذا وسط الليل ويشبه الورد الذي بعد الزوال وهو وسط النهار وبه أقسم ~~الله تعالى فقال والليل إذا سجى أي إذا سكن وسكونه هدوه في هذا الوقت فلا ~~تبقى عين إلا نائمة سوى الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم وقيل إذا ~~سجى إذا امتد وطال وقيل إذا أظلم وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ~~الليل أسمع فقال جوف الليل (4) وقال داود صلى الله عليه وسلم إلهي إني أحب ~~أن أتعبد لك فأي وقت أفضل فأوحى الله تعالى إليه يا داود لا تقم أول الليل ~~ولا آخره فإن من قام PageV01P345 # أوله نام آخره ومن قام آخره لم يقم أوله ولكن قم وسط الليل حتى تخلو بي ~~وأخلو بك وارفع إلي جوائجك وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الليل ~~أفضل فقال نصف الليل الغابر (1) يعني الباقي وفي آخر الليل وردت الأخبار ~~باهتزاز العرش وانتشار الرياح من جنات عدن ومن نزول الجبار تعالى إلى سماء ~~الدنيا (2) وغير ذلك من الأخبار وترتيب هذا الورد أنه بعد الفراغ من ~~الأدعية التي للاستيقاظ يتوضأ وضوءا كما سبق بسننه وآدابه وأدعيته ثم يتوجه ~~إلى مصلاه ويقوم مستقبلا القبلة ويقول الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا ~~وسبحان الله بكرة وأصيلا ثم يسبح عشرا وليحمد الله عشرا ويهلل عشرا وليقل ~~الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة والجلال والقدرة وليقل ~~هذه الكلمات فإنها مأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامه للتهجد ms0551 ~~اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ولك الحمد أنت بهاء السموات والأرض ~~ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن ~~فيهن ومن عليهن أنت الحق ومنك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والنشور ~~حق والنبيون حق ومحمد صلى الله عليه وسلم حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك ~~توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما ~~أسررت وما أعلنت وأسرفت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت (3) اللهم ~~آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها (4) اللهم اهدني ~~لأحسن الأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها ~~إلا أنت (5) أسألك مسألة البائس المسكين وأدعوك دعاء المفتقر الذليل فلا ~~تجعلني بدعائك رب شقيا وكن بي رءوفا رحيما يا خير المسئولين وأكرم المعطين ~~(6) وقالت عائشة رضي الله عنها كان صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل ~~افتتح صلاته قال اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض ~~عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما ~~اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيما (7) ثم يفتتح ~~الصلاة ويصلي ركعتين خفيفتين ثم يصلي مثنى مثنى ما تيسر له ويختم بالوتر إن ~~لم يكن قد صلى الوتر ويستحب أن يفصل بين الصلاتين عند تسليمه بمائة تسبيحة ~~ليستريح ويزيد نشاطه للصلاة وقد صح في صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالليل أنه صلى أولا ركعتين خفيفتين ثم ركعتين طويلتين ثم ركعتين دون ~~اللتين قبلهما ثم لم يزل يقصر بالتدريج إلى ثلاث عشرة PageV01P346 # ركعة (1) وسئلت عائشة رضي الله عنها أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يجهر في قيام الليل أم يسر فقالت ربما جهر وربما أسر (2) وقال صلى الله ~~عليه وسلم صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة (3) وقال صلاة ~~المغرب أوترت صلاة النهار فأوتروا صلاة الليل (4) وأكثر ما صح عن ms0552 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في قيام الليل ثلاث عشرة ركعة (5) ويقرأ في هذه الركعات ~~من ورده من القرآن أو من السور المخصوصة ما خف عليه وهو في حكم هذا الورد ~~قريب من السدس الأخير من الليل # الورد الخامس السدس الأخير من الليل وهو وقت السحر فإن الله تعالى قال ~~{وبالأسحار هم يستغفرون} قيل يصلون لما فيها من الاستغفار وهو مقارب للفجر ~~الذي هو وقت انصراف ملائكة الليل وإقبال ملائكة النهار وقد أمر بهذا الورد ~~سلمان أخاه أبا الدرداء رضي الله عنهما ليلة زاره (6) في حديث طويل قال في ~~آخره فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم فقال له سلمان نم فنام ثم ذهب ~~ليقوم فقال له نم فنام فلما كان عند الصبح قال له سلمان قم الآن فقاما ~~فصليا فقال إن لنفسك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا فأعط ~~كل ذي حق حقه وذلك أن امرأة أبي الدرداء أخبرت سلمان أنه لا ينام الليل قال ~~فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال صدق سلمان وهذا هو الورد ~~الخامس وفيه يستحب السحور وذلك عند خوف طلوع الفجر والوظيفة في هذين ~~الوردين الصلاة فإذا طلع الفجر انقضت أوراد الليل ودخلت أوراد النهار فيقوم ~~ويصلي ركعتي الفجر وهو المراد بقوله تعالى ومن الليل فسبحه وأدبار النجوم ~~ثم يقرأ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة إلى آخرها ثم يقول وأنا أشهد ~~بما شهد الله به لنفسه وشهدت به ملائكته وأولو العلم من خلقه وأستودع الله ~~هذه الشهادة وهي لي عند الله تعالى وديعة وأسأله حفظها حتى يتوفاني عليها ~~اللهم احطط عني بها وزرا واجعلها لي عندك ذخرا واحفظها علي وتوفني عليها ~~حتى ألقاك بها غير مبدل تبديلا فهذا ترتيب الأوراد للعباد وقد كانوا ~~يستحبون أن يجمعوا مع ذلك في كل يوم بين أربعة أمور صوم وصدقة وإن قلت ~~وعيادة مريض وشهود جنازة ففي الخبر من جمع بين هذه الأربع في يوم غفر له ms0553 ~~(7) وفي رواية دخل الجنة فإن أنفق بعضها وعجز عن الآخر كان له أجر الجميع ~~بحسب نيته وكانوا يكرهون أن ينقضي اليوم ولم يتصدقوا فيه بصدقة ولو بتمرة ~~أو بصلة أو كسرة خبز لقوله صلى الله عليه وسلم الرجل في ظل صدقته حتى يقضى ~~بين الناس (8) ولقوله صلى الله عليه وسلم اتقوا النار ولو بشق تمرة (9) ~~ودفعت عائشة رضي الله عنها إلى سائل عنبة واحدة فأخذها فنظر من كان عندها ~~بعضهم إلى بعض فقالت ما لكم إن فيها لمثاقيل ذر كثير وكانوا لا يستحبون رد ~~السائل إذ كان من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك PageV01P347 # ما سأله أحد شيئا فقال لا ولكنه إن لم يقدر عليه سكت (1) وفي الخبر يصبح ~~ابن آدم وعلى كل سلامى من جسده صدقة يعني المفصل وفي جسده ثلثمائة وستون ~~مفصلا فأمرك بالمعروف صدقة ونهيك عن المنكر صدقة وحملك عن الضعيف صدقة ~~وهدايتك إلى الطريق صدقة وإماطتك الأذى صدقة حتى ذكر التسبيح والتهليل ثم ~~قال وركعتا الضحى تأتي على ذلك كله أو تجمعن لك ذلك كله (2) ### |||| بيان اختلاف الأوراد باختلاف الأحوال # اعلم أن المريد لحرث الآخرة السالك لطريقها لا يخلو عن ستة أحوال فإنه ~~إما عابد وإما عالم وإما متعلم وإما وال وإما محترف وإما موحد مستغرق ~~بالواحد الصمد عن غيره الأول العابد وهو المتجرد للعبادة الذي لا شغل له ~~غيرها أصلا ولو ترك العبادة لجلس بطالا فترتيب أوراده ما ذكرناه نعم لا ~~يبعد أن تختلف وظائفه بأن يستغرق أكثر أوقاته إما في الصلاة أو القراءة أو ~~في التسبيحات فقد كان في الصحابة رضي الله عنهم من ورده في اليوم اثنا عشر ~~ألف تسبيحة وكان فيهم من ورده ثلاثون ألفا وكان فيهم من ورده ثلثمائة ركعة ~~إلى ستمائة وإلى ألف ركعة وأقل ما نقل في أورادهم من الصلاة مائة ركعة في ~~اليوم والليلة وكان بعضهم أكثر ورده القرآن وكان يختم الواحد منهم في اليوم ~~مرة وروى مرتين عن بعضهم وكان بعضهم يقضي اليوم أو الليل ms0554 في التفكر في آية ~~واحدة يرددها وكان كرز بن وبرة مقيما بمكة فكان يطوف في كل يوم سبعين ~~أسبوعا وفي كل ليلة سبعين أسبوعا وكان مع ذلك يختم القرآن في اليوم والليلة ~~مرتين فحسب ذلك فكان عشرة فراسخ ويكون مع كل أسبوع ركعتان فهو مائتان ~~وثمانون ركعة وختمتان وعشرة فراسخ فإن قلت فما الأولى أن يصرف إليه أكثر ~~الأوقات من هذه الأوراد فاعلم أن قراءة القرآن في الصلاة قائما مع التدبر ~~يجمع الجميع ولكن ربما تعسر المواظبة عليه فالأفضل يختلف باختلاف حال الشخص ~~ومقصود الأوراد تزكية القلب وتطهيره وتحليته بذكر الله تعالى وإيناسه به ~~فلينظر المريد إلى قلبه فما يراه أشد تأثيرا فيه فليواظب عليه فإذا أحس ~~بملالة منه فلينتقل إلى غيره ولذلك نرى الأصوب لأكثر الخلق توزيع هذه ~~الخيرات المختلفة على الأوقات كما سبق والانتقال فيها من نوع إلى نوع لأن ~~الملال هو الغالب على الطبع وأحوال الشخص الواحد في ذلك أيضا تختلف ولكن ~~إذا فهم فقه الأوراد وسرها فليتبع المعنى فإن سمع تسبيحة مثلا وأحس لها ~~بوقع قلبه فليواظب على تكرارها ما دام يجد لها وقعا وقد روي عن إبراهيم بن ~~أدهم عن بعض الأبدال أنه قام ذات ليلة يصلي على شاطىء البحر فسمع صوتا ~~عاليا بالتسبيح ولم ير أحدا فقال من أنت أسمع صوتك ولا أرى شخصك فقال أنا ~~ملك من الملائكة موكل بهذا البحر أسبح الله تعالى بهذا التسبيح منذ خلقت ~~قلت فما اسمك قال مهلهيائيل قلت فما ثواب من قاله قال من قاله مائة مرة لم ~~يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له والتسبيح هو قوله سبحان الله العلي ~~الديان سبحان الله الشديد الأركان سبحان من يذهب بالليل ويأتي بالنهار ~~سبحان من لا يشغله شأن عن شأن سبحان الله الحنان المنان سبحان الله المسبح ~~في كل مكان فهذا وأمثاله إذا سمعه المريد ووجد له في قلبه وقعا فليلازمه ~~وأيا ما وجد القلب عنده وفتح له فيه خير فليواظب عليه الثاني العالم الذي ~~ينفع ms0555 الناس بعلمه في فتوى أو تدريس أو تصنيف فترتيبه الأوراد يخالف ترتيب ~~العابد فإنه يحتاج إلى المطالعة للكتب وإلى التصنيف والإفادة ويحتاج إلى ~~مدة لها لا محالة فإن أمكنه استغراق الأوقات فيه فهو أفضل ما يشتغل ~~PageV01P348 # به بعد المكتوبات ورواتبها ويدل على ذلك جميع ما ذكرناه في فضيلة التعليم ~~والتعلم في كتاب العلم وكيف لا يكون كذلك وفي العلم المواظبة على ذكر الله ~~تعالى وتأمل ما قال الله تعالى وقال رسوله وفيه منفعة الخلق وهدايتهم إلى ~~طريق الآخرة ورب مسألة واحدة يتعلمها المتعلم فيصلح بها عبادة عمره ولو لم ~~يتعلمها لكان سعيه ضائعا وإنما نعني بالعلم المقدم على العبادة العلم الذي ~~يرغب الناس في الآخرة ويزهدهم في الدنيا أو العلم الذي يعينهم على سلوك ~~طريق الآخرة إذا تعلموه على قصد الاستعانة به على السلوك دون العلوم التي ~~تزيد بها الرغبة في المال والجاه وقبول الخلق والأولى بالعالم أن يقسم ~~أوقاته أيضا فإن استغراق الأوقات في ترتيب العلم لا يحتمله الطبع فينبغي أن ~~يخصص ما بعد الصبح إلى طلوع الشمس بالأذكار والأوراد كما ذكرناه في الورد ~~الأول وبعد الطلوع إلى ضحوة النهار في الإفادة والتعليم إن كان عنده من ~~يستفيد علما لأجل الآخرة وإن لم يكن فيصرفه إلى الفكر ويتفكر فيما يشكل ~~عليه من علوم الدين فإن صفاء القلب بعد الفراغ من الذكر وقبل الاشتغال ~~بهموم الدنيا يعين على التفطن للمشكلات ومن ضحوة النهار إلى العصر للتصنيف ~~والمطالعة لا يتركها إلا في وقت أكل وطهارة ومكتوبة وقيلولة خفيفة إن طال ~~النهار ومن العصر إلى الاصفرار يشتغل بسماع ما يقرأ بين يديه من تفسير أو ~~حديث أو علم نافع ومن الاصفرار إلى الغروب يشتغل بالذكر والاستغفار ~~والتسبيح فيكون ورده الأول قبل طلوع الشمس في عمل اللسان وورده الثاني في ~~عمل القلب بالفكر إلى الضحوة وورده الثالث إلى العصر في عمل العين واليد ~~بالمطالعة والكتابة وورده الرابع بعد العصر في عمل السمع ليروح فيه العين ~~واليد فإن المطالعة والكتابة بعد العصر ربما أضرا ms0556 بالعين وعند الاصفرار ~~يعود إلى ذكر اللسان فلا يخلو جزء من النهار عن عمل له بالجوارح مع حضور ~~القلب في الجميع وأما الليل فأحسن قسم فيه قسمة الشافعي رضي الله عنه إذ ~~كان يقسم الليل ثلاثة أجزاء ثلثا للمطالعة وترتيب العلم وهو الأول وثلثا ~~للصلاة وهو الوسط وثلثا للنوم وهو الأخير وهذا يتيسر في ليالي الشتاء ~~والصيف ربما لا يحتمل ذلك إلا إذا كان أكثر النوم بالنهار فهذا ما نستحبه ~~من ترتيب أوراد العالم الثالث المتعلم والاشتغال بالتعلم أفضل من الاشتغال ~~بالأذكار والنوافل فحكمه حكم العالم في ترتيب الأوراد ولكن يشتغل ~~بالاستفادة حيث يشتغل العالم بالإفادة وبالتعليق والنسخ حيث يشتغل العالم ~~بالتصنيف ويرتب أوقاته كما ذكرنا وكل ما ذكرناه في فضيلة التعلم والعلم من ~~كتاب العلم يدل على أن ذلك أفضل بل إن لم يكن متعلما على معنى أنه يعلق ~~ويحصل ليصير عالما بل كان من العوام فحضوره مجالس الذكر والوعظ والعلم أفضل ~~من اشتغاله بالأوراد التي ذكرناها بعد الصبح وبعد الطلوع وفي سائر الأوقات ~~ففي حديث أبي ذر رضي الله عنه أن حضور مجلس ذكر أفضل من صلاة ألف ركعة ~~وشهود ألف جنازة وعيادة ألف مريض (1) وقال صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم ~~رياض الجنة فارتعوا فيها فقيل يا رسول الله وما رياض الجنة قال حلق الذكر ~~(2) وقال كعب الأحبار رضي الله عنه لو أن ثواب مجالس العلماء بدا للناس ~~لاقتتلوا عليه حتى يترك كل ذي إمارة إمارته وكل ذي سوق سوقه وقال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أن الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبال ~~تهامة فإذا سمع العالم خاف واسترجع عن ذنوبه وانصرف إلى منزله وليس عليه ~~ذنب فلا تفارقوا مجالس العلماء فإن الله عز وجل لم يخلق على وجه الأرض تربة ~~أكرم من مجالس العلماء وقال رجل للحسن رحمه الله أشكو إليك قساوة قلبي فقال ~~أدنه من مجالس الذكر PageV01P349 # ورأى عمار الزاهدي مسكينة الطفاوية في المنام وكانت من المواظبات على حلق ~~الذكر فقال ms0557 مرحبا يا مسكينة فقالت هيهات هيهات ذهبت المسكنة وجاء الغنى ~~فقال هيه فقالت ما تسأل عمن أبيح لها الجنة بحذافيراها قال وبم ذلك قالت ~~بمجالسة أهل الذكر وعلى الجملة فما ينحل عن القلب من عقد حب الدنيا بقول ~~واعظ حسن الكلام زكي السيرة أشرف وأنفع من ركعات كثيرة مع اشتمال القلب على ~~حب الدنيا الرابع المحترف الذي يحتاج إلى الكسب لعياله فليس له أن يضيع ~~العيال ويستغرق الأوقات في العبادات بل ورده في وقت الصناعة حضور السوق ~~والاشتغال بالكسب ولكن ينبغي أن لا ينسى ذكر الله تعالى في صناعته بل يواظب ~~على التسبيحات الأذكار وقراءة القرآن فإن ذلك يمكن أن يجمع إلى العمل وإنما ~~لا يتيسر مع العمل الصلاة إلا أن يكون ناظورا فإنه لا يعجز عن إقامة أوراد ~~الصلاة معه ثم مهما فرغ من كفايته ينبغي أن يعود إلى ترتيب الأوراد وإن ~~داوم على الكسب وتصدق بما فضل عن حاجته فهو أفضل من سائر الأوراد التي ~~ذكرناها لأن العبادات المتعدية فائدتها أنفع من اللازمة والصدقة والكسب على ~~هذه النية عبادة له في نفسه تقربه إلى الله تعالى ثم يحصل به فائدة للغير ~~وتتجذب إليه بركات دعوات المسلمين ويتضاعف به الأجر الخامس الوالي مثل ~~الإمام والقاضي والمتولي في أمور المسلمين فقيامه بحاجات المسلمين وأغراضهم ~~على وفق الشرع وقصد الإخلاص أفضل من الأوراد المذكورة فحقه أن يشتغل بحقوق ~~الناس نهارا ويقتصر على المكتوبة ويقيم الأوراد المذكورة بالليل كما كان ~~عمر رضي الله عنه يفعله إذ قال مالي وللنوم فلو نمت بالنهار ضيعت المسلمين ~~ولو نمت بالليل ضيعت نفسي وقد فهمت بما ذكرناه أنه يقدم على العبادات ~~البدنية أمران أحدهما العلم والآخر الرفق بالمسلمين لأن كل واحد من العلم ~~وفعل المعروف عمل في نفسه وعبادة تفضل سائر العبادات يتعدى فائدته وانتشار ~~جدواه فكانا مقدمين عليه السادس الموحد المستغرق بالواحد الصمد الذي أصبح ~~وهمومه هم واحد فلا يحب إلا الله تعالى ولا يخاف إلا منه ولا يتوقع الرزق ~~من غيره ولا ينظر في ms0558 شيء إلا ويرى الله تعالى فيه فمن ارتفعت رتبته إلى هذه ~~الدرجة لم يفتقر إلى تنويع الأوراد واختلافها بل كان ورده بعد المكتوبات ~~واحد وهو حضور القلب مع الله تعالى في كل حال فلا يخطر بقلوبهم أمر ولا ~~يقرع سمعهم قارع ولا يلوح لأبصارهم لائح إلا كان لهم فيه عبرة وفكر ومزيد ~~فلا محرك لهم ولا مسكن إلا الله تعالى فهؤلاء جميع أحوالهم تصلح أن تكون ~~سببا لازيادهم فلا تتميز عندهم عبادة عن عبادة وهم الذين فروا إلى الله عز ~~وجل كما قال تعالى لعلكم تذكرون ففروا إلى الله وتحقق فيهم قوله تعالى وإذ ~~اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ~~وإليه الإشارة بقوله إني ذاهب إلى ربي سيهدين وهذه منتهى درجات الصديقين ~~ولا وصول إليها إلا بعد ترتيب الأوراد والمواظبة عليها دهرا طويلا فلا ~~ينبغي أن يغتر المريد بما سمعه من ذلك فيدعيه لنفسه ويفتر عن وظائف عبادته ~~فذلك علامته أن لا يهجس في قلبه وسواس ولا يخطر في قلبه معصية ولا ترعجه ~~هواجم الأهوال ولا تستفزه عظائم الأشغال وأنى ترزق هذه الرتبة لكل أحد ~~فيتعين على الكافة ترتيب الأوراد كما ذكرناه وجميع ما ذكرناه طرق إلى الله ~~تعالى قال تعالى قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا فكلهم ~~مهتدون وبعضهم أهدى من بعض وفي الخبر الإيمان ثلاث وثلاثون وثلثمائة طريقة ~~من لقي الله تعالى بالشهادة على طريق منها دخل الجنة (1) وقال بعض العلماء ~~الإيمان ثلثمائة وثلاثة عشر خلقا PageV01P350 # بعدد الرسل فكل مؤمن على خلق منها فهو سألك الطريق إلى الله # فإذن الناس وإن اختلفت طرقهم في العبادة فكلهم على الصواب أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب وإنما يتفاوتون في درجات القرب لا ~~في أصله وأقربهم إلى الله تعالى أعرفهم به وأعرفهم به لا بد وأن يكون ~~أعبدهم له فمن عرفه لم يعبد غيره والأصل في الأوراد في حق كل صنف من الناس ~~المداومة فإن المراد ms0559 منه تغيير الصفات الباطنة وآحاد الأعمال يقل آثارها بل ~~لا يحس بآثارها وإنما يترتب الأثر على المجموع فإذا لم يعقب العمل الواحد ~~أثرا محسوسا ولم يردف بثان وثالث على القرب انمحى الأثر الأول وكان كالفقيه ~~يريد أن يكون فقيه النفس فإنه لا يصير فقيه النفس إلا بتكرار كثير فلو بالغ ~~ليلة في التكرار وترك شهرا أو أسبوعا ثم عاد وبالغ ليلة لم يؤثر هذا فيه ~~ولو وزع ذلك القدر على الليالي المتواصلة لأثر فيه ولهذا السر قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل (1) وسئلت ~~عائشة رضي الله عنها عن عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان عمله ~~ديمة وكان إذا عمل عملا أثبته (2) ولذلك قال صلى الله عليه وسلم من عوده ~~الله عبادة فتركها ملالة مقته الله (3) وهذا كان السبب في صلاته بعد العصر ~~تداركا لما فاته من ركعتين شغله عنهما الوفد ثم لم يزل بعد ذلك يصليهما بعد ~~العصر ولكن في منزله لا في المسجد كيلا يقتدى به (4) روته عائشة وأم سلمة ~~رضي الله عنهما فإن قلت فهل لغيره أن يقتدي به في ذلك مع أن الوقت وقت ~~كراهية فاعلم أن المعاني الثلاثة التي ذكرناها في الكراهية من الاحتراز عن ~~التشبه بعبدة الشمس أو السجود وقت ظهور قرن الشيطان أو الاستراحة عن ~~العبادة حذرا من الملال لا يتحقق في حقه فلا يقاس عليه في ذلك غيره ويشهد ~~لذلك فعله في المنزل حتى لا يقتدى به صلى الله عليه وسلم ### ||| الباب الثاني في الأسباب الميسرة لقيام الليل وفي الليالي التي يستحب إحياؤها وفي فضيلة إحياء الليل وما بين العشاءين وكيفية قسمة الليل ### |||| فضيلة إحياء ما بين العشاءين # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روت عائشة رضي الله عنها إن أفضل ~~الصلوات عند الله صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر ولا عن مقيم فتح بها فقضى ~~صلاة الليل وختم بها صلاة النهار فمن صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين بنى ~~الله ms0560 له قصر في الجنة # الباب الثاني في الأسباب الميسرة لقيام الليل حديث عائشة إن أفضل # الصلاة عند الله صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر ولا عن مقيم الحديث رواه ~~أبو الوليد يونس بن عبيد الله الصفار في كتاب الصلاة ورواه الطبراني في ~~الأوسط مختصرا وإسناده ضعيف (5) حديث أم سلمة عن أبي هريرة من صلى ست ركعات ~~بعد المغرب عدلت له عبادة سنة أو كأنه صلى ليلة القدر أخرجه الترمذي وابن ~~ماجه بلفظ اثنتي عشرة سنة وضعفه الترمذي وأما قوله كأنه صلى ليلة القدر فهو ~~من قول كعب الأحبار كما رواه أبو الوليد الصفار ولأبي منصور الديلمي في ~~مسند الفردوس من حديث ابن عباس من صلى أربع ركعات بعد المغرب قبل أن يكلم ~~أحدا وضعت له في عليين وكان كمن أدرك ليلة القدر في المسجد الأقصى وسنده ~~ضعيف // وعن سعيد بن جبير عن ثوبان PageV01P351 # قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عكف نفسه فيما بين المغرب ~~والعشاء في مسجد جماعة لم يتكلم إلا بصلاة أو قرآن كان حقا على الله أن ~~يبني له قصرين في الجنة مسيرة كل قصر منهما مائة عام ويغرس له بينهما غراسا ~~لو طافه أهل الدنيا لوسعهم (1) وقال صلى الله عليه وسلم من ركع عشر ركعات ~~ما بين المغرب والعشاء بنى الله له قصرا في الجنة فقال عمر رضي الله عنه ~~إذا تكثر قصورنا يا رسول الله فقال الله أكثر وأفضل أو قال أطيب (2) وعن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى ~~المغرب في جماعة ثم صلى بعدها ركعتين ولم يتكلم بشيء فيما بين ذلك من أمر ~~الدنيا ويقرأ في الركعة الأولى فاتحة الكتاب وعشر آيات من أول سورة البقرة ~~وآيتين من وسطها وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم إن في خلق ~~السموات والأرض إلى آخر الآية وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة ثم يركع ويسجد ~~فإذا قام في الركعة الثانية قرأ ms0561 فاتحة الكتاب وآية الكرسي وآيتين بعدها إلى ~~قوله أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون وثلاث آيات من آخر سورة البقرة من ~~قوله لله ما في السموات وما في الأرض إلى آخرها وقل هو الله أحد خمس عشرة ~~مرة (3) وصف من ثوابه في الحديث ما يخرج عن الحصر وقال كرز بن وبرة وهو من ~~الأبدال قلت للخضر عليه السلام علمني شيئا أعمله في كل ليلة فقال إذا صليت ~~المغرب فقم إلى وقت صلاة العشاء مصليا من غير أن تكلم أحدا وأقبل على صلاتك ~~التي أنت فيها وسلم من كل ركعتين واقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وقل هو ~~الله أحد ثلاثا فإن فرغت من صلاتك انصرف إلى منزلك ولا تكلم أحدا وصل ~~ركعتين واقرأ فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد سبع مرات في كل ركعة ثم اسجد ~~بعد تسليمك واستغفر الله تعالى سبع مرات وقل سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم سبع مرات ثم ~~ارفع رأسك من السجود واستو جالسا وارفع يديك وقل يا حي يا قيوم يا ذا ~~الجلال والإكرام يا إله الأولين والآخرين يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ~~يا رب يا رب يا رب يا الله يا الله يا الله ثم قم وأنت رافع يديك وادع بهذا ~~الدعاء ثم نم حيث شئت مستقبل القبلة على يمينك وصل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأدم الصلاة عليه حتى يذهب بك النوم فقلت له أحب أن تعلمني ممن سمعت ~~هذا فقال إني حضرت محمدا صلى الله عليه وسلم حيث علم هذا الدعاء وأوحي إليه ~~به فكنت عنده وكان ذلك بمحضر مني فتعلمته ممن علمه إياه (4) ويقال إن هذا ~~الدعاء وهذه الصلاة من داوم عليهما بحسن يقين وصدق نية رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في منامه قبل أن يخرج من الدنيا وقد فعل ذلك بعض الناس فرأى ~~أنه أدخل الجنة ورأى فيها الأنبياء ورأى فيها رسول الله ms0562 صلى الله عليه وسلم ~~وكلمه وعلمه وعلى الجملة ما ورد في فضل إحياء ما بين العشاءين كثير حتى قيل ~~لعبيد الله مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم هل كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يأمر بصلاة غير المكتوبة قال ما بين المغرب والعشاء (5) وقال صلى ~~الله عليه وسلم من صلى ما بين المغرب والعشاء تلك PageV01P352 # صلاة الأوابين (1) وقال الأسود ما أتيت ابن مسعود رضي الله عنه في هذا ~~الوقت إلا ورأيته يصلي فسألته فقال نعم هي ساعة الغفلة وكان أنس رضي الله ~~عنه يواظب عليها ويقول هي ناشئة الليل ويقول فيها نزل قوله تعالى {تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع} وقال أحمد بن أبي الحواري قلت لأبي سليمان الداراني ~~أصوم النهار وأتعشى بين المغرب والعشاء أحب إليك أو أفطر بالنهار وأحيي ما ~~بينهما فقال اجمع بينهما فقلت إن لم يتيسر قال أفطر وصل ما بينهما ### |||| فضيلة قيام الليل # أما من الآيات فقوله تعالى {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل} ~~الآية وقوله تعالى {إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا} وقوله سبحانه ~~وتعالى {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} وقوله تعالى أمن هو قانت آناء الليل ~~الآية وقوله عز وجل {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} وقوله تعالى ~~{واستعينوا بالصبر والصلاة} قيل هي قيام الليل يستعان بالصبر عليه على ~~مجاهدة النفس ومن الأخبار قوله صلى الله عليه وسلم يعقد الشيطان على قافية ~~رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد فإن ~~استيقظ وذكر الله تعالى انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقدة ~~فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان (2) وفي الخبر أنه ذكر ~~عنده رجل ينام كل الليل حتى يصبح فقال ذاك رجل بال الشيطان في ادنه (3) وفي ~~الخبر إن للشيطان سعوطا ولعوقا وذرورا فإذا أسعط العبد ساء خلقه وإذا ألعقه ~~ذرب لسانه بالشر وإذا ذره نام الليل حتى يصبح (4) وقال صلى الله عليه وسلم ~~ركعتان يركعهما العبد ms0563 في جوف الليل خير له من الدنيا وما فيها ولولا أن أشق ~~على أمتي لفرضتهما عليهم (5) وفي الصحيح عن جابر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إن من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى خيرا إلا ~~أعطاه إياه وفي رواية يسأل الله تعالى خيرا من الدنيا والآخرة وذلك في كل ~~ليلة وقال المغيرة بن شعبة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تفطرت ~~قدماه فقيل له أما قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال أفلا أكون ~~عبدا شكورا (6) ويظهر من معناه أن ذلك كناية عن زيادة الرتبة فإن الشكر سبب ~~المزيد قال تعالى {لئن شكرتم لأزيدنكم} وقال صلى الله عليه وسلم يا أبا ~~هريرة أتريد أن تكون رحمة الله عليك حيا وميتا ومقبورا ومبعوثا قم من الليل ~~فصل وأنت تريد رضا ربك يا أبا هريرة صل في زوايا بيتك يكن نور بيتك في ~~السماء كنور الكواكب والنجم عند أهل الدنيا (7) وقال صلى الله عليه وسلم ~~عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم فإن قيام الليل قربة إلى الله ~~عز وجل وتكفير للذنوب PageV01P353 # ومطردة للداء عن الجسد ومنهاة عن الإثم (1) وقال صلى الله عليه وسلم ما ~~من امرئ تكون له صلاة بالليل فغلبه عليها النوم إلا كتب له أجر صلاته وكان ~~نومه صدقة عليه (2) وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر لو أردت سفرا أعددت له ~~عدة قال نعم قال فكيف سفر طريق القيامة ألا أنبئك يا أبا ذر بما ينفعك ذلك ~~اليوم قال بلى بأبي أنت وأمي قال صم يوما شديد الحر ليوم النشور وصل ركعتين ~~في ظلمة الليل لوحشة القبور وحج حجة لعظائم الأمور وتصدق بصدقة على مسكين ~~أو كلمة حق تقولها أو كلمة شر تسكت عنها (3) وروي أنه كان على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم رجل إذا أخذ الناس مضاجعهم وهدأت العيون قام يصلي ويقرأ ~~القرآن ويقول يا رب النار أجرني منها فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه ms0564 وسلم ~~فقال إذا كان ذلك فآذنوني فأتاه فاستمع فلما أصبح قال يا فلان هلا سألت ~~الله الجنة قال يا رسول الله إني لست هناك ولا يبلغ عملي ذاك فلم يلبث إلا ~~يسيرا حتى نزل جبرائيل عليه السلام وقال أخبر فلانا أن الله قد أجاره من ~~النار وأدخله الجنة (4) ويروى أن جبرائيل عليه السلام قال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم نعم الرجل ابن عمر لو كان يصلي بالليل فأخبره النبي صلى الله ~~عليه وسلم بذلك فكان يداوم بعده على قيام الليل (5) قال نافع كان يصلي ~~بالليل ثم يقول يا نافع أسحرنا فأقول لا فيقوم لصلاته ثم يقول يا نافع ~~أسحرنا فأقول نعم فيقعد فيستغفر الله تعالى حتى يطلع الفجر وقال علي بن أبي ~~طالب شبع يحيى بن زكريا عليهما السلام من خبز شعير فنام عن ورده حتى أصبح ~~فأوحى الله تعالى إليه يا يحيى أوجدت دارا خيرا لك من داري أم وجدت جوارا ~~خيرا لك من جواري فوعزتي وجلالي يا يحيى لو اطلعت إلى الفردوس اطلاعه لذاب ~~شحمك ولزهقت نفسك اشتياقا ولو اطلعت إلى جهنم اطلاعة لذاب شحمك ولبكيت ~~الصديد بعد الدموع ولبست الجلد بعد المسوح وقيل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق فقال سينهاه ما يعمل (6) وقال صلى ~~الله عليه وسلم رحم الله رجلا قام من الليل فصلى ثم أيقظ امرأته فصلت فإن ~~أبت نضح في وجهها الماء (7) وقال صلى الله عليه وسلم رحم الله امرأة قامت ~~من الليل فصلت ثم أيقظت زوجها فصلى فإن أبى نضحت في وجهه الماء وقال صلى ~~الله عليه وسلم من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كتبا من ~~الذاكرين الله كثيرا والذاكرات (8) وقال صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة ~~بعد المكتوبة قيام الليل (9) وقال PageV01P354 # عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم من نام عن حزبه أو عن ~~شيء منه بالليل فقرأه بين صلاة الفجر والظهر كتب له كأنما قرأه من الليل ~~(1) الآثار ms0565 روي أن عمر رضي الله عنه كان يمر بالآية من ورده بالليل فيسقط ~~حتى يعاد منها أياما كثيرة كما يعاد المريض وكان ابن مسعود رضي الله عنه ~~إذا هدأت العيون قام فيسمع له دوي كدوي النحل حتى يصبح ويقال إن سفيان ~~الثوري رحمه الله شبع ليلة فقال إن الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله ~~فقام تلك الليلة حتى أصبح وكان طاوس رحمه الله إذا اضطجع على فراشه يتقلى ~~عليه كما تتقلى الحبة على المقلاة ثم يثب ويصلي إلى الصباح ثم يقول طير ذكر ~~جهنم نوم العابدين وقال الحسن رحمه الله ما نعلم عملا أشد من مكابدة الليل ~~ونفقة هذا المال فقيل له ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها قال لأنهم ~~خلوا بالرحمن بالرحمن فألبسهم نورا من نوره وقدم بعض الصالحين من سفره فمهد ~~له فراش فنام عليه حتى فاته ورده فحلف أن لا ينام بعدها على فراش أبدا وكان ~~عبد العزيز بن رواد إذا جن عليه الليل يأتي فراشه فيمو يده عليه ويقول إنك ~~للين ووالله إن في الجنة لألين منك ولا يزال يصلي الليل كله وقال الفضيل ~~إني لأستقبل الليل من أوله فيهولني طوله فأفتتح القرآن فأصبح وما قضيت ~~نهمتي وقال الحسن إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل وقال الفضيل ~~إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم وقد كثرت خطيئتك ~~وكان صلة بن أشيم رحمه الله يصلي الليل كله فإذا كان في السحر قال إلهي ليس ~~مثلي يطلب الجنة ولكن أجرني برحمتك من النار وقال رجل لبعض الحكماء إني ~~لأضعف عن قيام الليل فقال له يا أخي لا تعص الله تعالى ولا تقم بالليل وكان ~~للحسن بن صالح جارية فباعها من قوم فلما كان في جوف الليل قامت الجارية ~~فقالت يا أهل الدار الصلاة الصلاة فقالوا أصبحنا أطلع الفجر فقالت وما ~~تصلون إلا المكتوبة قالوا نعم فرجعت إلى الحسن فقالت يا مولاي بعتني من قوم ~~لا يصلون إلا المكتوبة ردني ms0566 فردها وقال الربيع بت في منزل الشافعي رضي الله ~~عنه ليالي كثيرة فلم يكن ينام من الليل إلا يسيرا وقال أبو الجويرية لقد ~~صحبت أبا حنيفة رضي الله عنه ستة أشهر فما فيها ليلة وضع جنبه على الأرض ~~وكان أبو حنيفة يحيي نصف الليل فمر بقوم فقالوا إن هذا يحيي الليل كله فقال ~~إني أستحي أن أوصف بما لا أفعل فكان بعد ذلك يحيى الليل كله ويروى أنه ما ~~كان له فراش بالليل ويقال إن مالك بن دينار رضي الله عنه بات يردد هذه ~~الآية ليلة حتى أصبح أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات الآية وقال المغيرة بن حبيب رمقت مالك بن دينار فتوضأ بعد ~~العشاء ثم قام إلى مصلاه فقبض على لحيته فخنقته العبرة فجعل يقول حرم شيبة ~~مالك على النار إلهي قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار فأي الرجلين مالك ~~وأي الدارين دار مالك فلم يزل ذلك قوله حتى طلع الفجر وقال مالك بن دينار ~~شهوت ليلة عن وردي ونمت فإذا أنا في المنام بجارية كأحسن ما يكون وفي يدها ~~رقعة فقالت لي أتحسن تقرأ فقلت نعم فدفعت إلي الرقعة فإذا فيها # أألهتك اللذائذ والأماني ... عن البيض الأوانس في الجنان # تعيش مخلدا لا موت فيها ... وتلهو في الجنان مع الحسان # تنبه من منامك إن خيرا ... من النوم التهجد بالقران # وقيل حج مسروق فما بات ليلة إلا ساجدا ويروى عن أزهر بن مغيث وكان من ~~القوامين أنه قال رأيت في PageV01P355 # المنام امرأة لا تشبه نساء أهل الدنيا فقلت لها من أنت قالت حوراء فقلت ~~زوجيني نفسك فقالت اخطبني إلى سيدي وأمهرني فقلت وما مهرك قالت طول التهجد ~~وقال يوسف بن مهران بلغني أن تحت العرش ملكا في صورة ديك براثنه من لؤلؤ ~~وصئصئه من زبرجد أخضر فإذا مضى ثلث الليل الأول ضرب بجناحيه وزقا وقال ليقم ~~القائمون فإذا مضى نصف الليل ضرب بجناحيه وزقا وقال ليقم المتهجدون فإذا ~~مضى ثلثا الليل ضرب بجناحيه ms0567 وزقا وقال ليقم المصلون فإذا طلع الفجر ضرب ~~بجناحيه وزقا وقال ليقم الغافلون وعليهم أوزارهم وقبل أن وهب بن منبه ~~اليماني ما وضع جنبه إلى الأرض ثلاثين سنة وكان يقول لأن أرى في بيتي ~~شيطانا أحب إلي من أن أرى في بيتي وسادة لأنها تدعو إلى النوم وكانت له ~~مسورة من أدم إذا غلبه النوم وضع صدره عليها وخفق خفقات ثم يفزع إلى الصلاة ~~وقال بعضهم رأيت رب العزة في النوم فسمعته يقول وعزتي وجلالي لأكرمن مثوى ~~سليمان التيمي فإنه صلى لي الغداة بوضوء العشاء أربعين سنة ويقال كان مذهبه ~~أن النوم إذا خامر القلب بطل الوضوء وروي في بعض الكتب القديمة عن الله ~~تعالى أنه قال إن عبدي الذي هو عبدي حقا الذي لا ينتظر بقيامه صياح الديكة ### |||| بيان الأسباب التي بها يتيسر قيام الليل # اعلم أن قيام الليل عسير على الخلق إلا على من وفق للقيام بشروطه الميسرة ~~له ظاهرا وباطنا فأما الظاهرة فأربعة أمور الأول أن لا يكثر الأكل فيكثر ~~الشرب فيغلبه النوم ويثقل عليه القيام كان بعض الشيوخ يقف على المائدة كل ~~ليلة ويقول معاشر المريدين لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فترقدوا كثيرا ~~فتتحسروا عند الموت كثيرا وهذا هو الأصل الكبير وهو تخفيف المعدة عن ثقل ~~الطعام الثاني أن لا يتعب نفسه بالنهار في الأعمال التي تعيا بها الجوارح ~~وتضعف بها الأعصاب فإن ذلك أيضا مجلبة للنوم الثالث أن لا يترك القيلولة ~~بالنهار فإنها سنة للاستعانة على قيام الليل (1) الرابع أن لا يحتقب ~~الأوزار بالنهار فإن ذلك مما يقسي القلب ويحول بينه وبين أسباب الرحمة قال ~~رجل للحسن يا أبا سعيد إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأعد طهوري فما بالي ~~لا أقوم فقال ذنوبك قيدتك وكان الحسن رحمة الله إذا دخل السوق فسمع لغطهم ~~ولغوهم يقول أظن أن ليل هؤلاء ليل سوء فإنهم لا يقيلون وقال الثوري حرمت ~~قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته قيل وما ذاك الذنب قال رأيت رجلا يبكي ~~فقلت في نفسي ms0568 هذا مراء وقال بعضهم دخلت على كرز بن وبرة وهو يبكي فقلت أتاك ~~نعي بعض أهلك فقال اشد فقلت وجع يؤلمك قال أشد قلت فما ذاك قال بابي مغلق ~~وستري مسبل ولم أقرأ حزبي البارحة وما ذاك إلا بذنب أحدثته وهذا لأن الخير ~~يدعو إلى الخير والشر يدعو إلى الشر والقليل من كل واحد منهما يجر إلى ~~الكثير ولذلك قال أبو سليمان الداراني لا تفوت أحدا صلاة الجماعة إلا بذنب ~~وكان يقول الاحتلام بالليل عقوبة والجنابة بعد وقال بعض العلماء إذا صمت يا ~~مسكين فانظر عند من تفطر وعلى أي شيء تفطر فإن العبد ليأكل أكلة فينقلب ~~قلبه عما كان عليه ولا يعود إلى حالته الأولى فالذنوب كلها تورث قساوة ~~القلب وتمنع من قيام الليل وأخصها بالتأثير تناول الحرام وتؤثر اللقمة ~~الحلال في تصفية القلب وتحريكه إلى الخير ما لا يؤثر غيرها ويعرف ذلك أهل ~~المراقبة للقلوب بالتجربة بعد شهادة الشرع له ولذلك قال بعضهم كم من أكلة ~~منعت قيام ليلة وكم من نظرة منعت قراءة سورة وإن العبد ليأكل أكلة أو يفعل ~~فعلة فيحرم بها قيام سنة وكما إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر فكذلك ~~الفحشاء تنهى عن الصلاة وسائر الخيرات وقال بعض السجانين PageV01P356 # كنت سجانا نيفا وثلاثين سنة أسأل كل مأخوذ بالليل أنه هل صلى العشاء في ~~جماعة فكانوا يقولون لا وهذا تنبيه على أن بركة الجماعة تنهى عن تعاطي ~~الفحشاء والمنكر # وأما الميسرات الباطنة فأربعة أمور الأول سلامة القلب عن الحقد على ~~المسلمين وعن البدع وعن فضول هموم الدنيا فالمستغرق الهم بتدبير الدنيا لا ~~يتيسر له القيام وإن قام فلا يتفكر في صلاته إلا في مهماته ولا يجول إلا في ~~وساوسه وفي مثل ذلك يقال # يخبرني البواب أنك نائم ... وأنت إذا استيقظت أيضا فنائم # الثاني خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل فإنه إذا تفكر في أهوال الآخرة ~~ودركات جهنم طار نومه وعظم حذره كما قال طاوس إن ذكر جهنم طير نوم العابدين ~~وكما حكي أن غلاما ms0569 بالبصرة اسمه صهيب كان يقوم الليل كله فقالت له سيدته إن ~~قيامك بالليل يضر بعملك بالنهار فقال إن صهيبا إذا ذكر النار لا يأتيه ~~النوم وقيل لغلام آخر وهو يقوم كل الليل فقال إذا ذكرت النار اشتد خوفي ~~وإذا ذكرت الجنة اشتد شوقي فلا أقدر أن أنام وقال ذو النون المصري رحمه ~~الله # منع القرآن بوعده ووعيده ... مقل العيون بليلها أن تهجعا # فهموا عن الملك الجليل كلامه ... فرقابهم ذلت إليه تخضعا # وأنشدوا أيضا # يا طويل الرقاد والغفلات ... كثرة النوم تورث الحسرات # إن في القبر إن نزلت إليه ... لرقادا يطول بعد الممات # ومهادا ممهدا لك فيه ... بذنوب عملت أو حسنات # أأمنت البيات من ملك المو ... ت وكم نال آمنا ببيات # وقال ابن المبارك # إذا ما الليل أظلم كابدوه ... فيسفر عنهم وهم ركوع # أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأمن في الدنيا هجوع # الثالث أن يعرف فضل قيام الليل بسماع الآيات والأخبار والآثار حتى يستحكم ~~به رجاؤه وشوقه إلى ثوابه فيهيجه الشوق لطلب المزيد والرغبة في درجات ~~الجنان كما حكي أن بعض الصالحين رجع من غزوته فمهدت امرأته فراشها وجلست ~~تنتظره فدخل المسجد ولم يزل يصلي حتى أصبح فقالت له زوجته كنا ننتظرك مدة ~~فلما قدمت صليت إلى الصبح قال والله إني كنت أتفكر في حوراء من حور الجنة ~~طول الليل فنسيت الزوجة والمنزل فقمت طول ليلتي شوقا إليها # الرابع وهو أشرف البواعث الحب لله وقوة الإيمان بأنه في قيامه لا يتكلم ~~بحرف إلا وهو مناج ربه وهو مطلع عليه مع مشاهدة ما يخطر بقلبه وأن تلك ~~الخطرات من الله تعالى خطاب معه فإذا أحب الله تعالى أحب لا محالة الخلوة ~~به وتلذذ بالمناجاة فتحمله لذة المناجاة بالحبيب على طول القيام ولا ينبغي ~~أن يستبعد هذه اللذة إذ يشهد لها العقل والنقل فأما العقل فليعتبر حال ~~المحب لشخص بسبب جماله أو لملك بسبب إنعامه وأمواله أنه كيف يتلذذ به في ~~الخلوة ومناجاته حتى لا يأتيه النوم طول ليله فإن قلت إن الجميل يتلذذ ms0570 ~~بالنظر إليه وإن الله تعالى لا يرى فاعلم PageV01P357 # أنه لو كان الجميل المحبوب وراء ستر أو كان في بيت مظلم لكان المحب يتلذذ ~~بمجاورته المجردة دون النظر ودون الطمع في أمر آخر سواه وكان يتنعم بإظهار ~~حبه عليه وذكره بلسانه بمسمع منه وإن كان ذلك أيضا معلوما عنده فإن قلت إنه ~~ينتظر جوابه فليتلذذ بسماع جوابه وليس يسمع كلام الله تعالى فاعلم أنه إن ~~كان يعلم أنه لا يجيبه ويسكت عنه فقد بقيت له أيضا لذة في عرض أحواله عليه ~~ورفع سريرته إليه كيف والموقن يسمع من الله تعالى كل ما يرد على خاطره في ~~أثناء مناجاته فيتلذذ به وكذا الذي يخلو بالملك ويعرض عليه حاجاته في جنح ~~الليل يتلذذ به في رجاء إنعامه والرجاء في حق الله تعالى أصدق وما عند الله ~~خير وأبقى وأنفع مما عند غيره فكيف لا يتلذذ بعرض الحاجات عليه في الخلوات ~~وأما النقل فيشهد له أحوال قوام الليل في تلذذهم بقيام الليل واستقصارهم له ~~كما يستقصر المحب ليلة وصال الحبيب حتى قيل لبعضهم كيف أنت والليل قال ما ~~راعيته قط يريني وجهه ثم ينصرف وما تأملته بعد وقال آخر أنا والليل فرسا ~~رهان مرة يسبقني إلى الفجر ومرة يقطعني عن الفكر وقيل لبعضهم كيف الليل ~~عليك فقال ساعة أنا فيها بين حالتين أفرح بظلمته إذا جاء وأغتم بفجره إذا ~~طلع ما تم فرحي به قط وقال علي بن بكار منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء سوى ~~طلوع الفجر وقال الفضيل بن عياض إذا غربت الشمس فرحت بالظلام لخلوتي بربي ~~وإذا طلعت حزنت لدخول الناس علي وقال أبو سليمان أهل الليل في ليلهم ألذ من ~~أهل اللهو في لهوهم ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا وقال أيضا لو ~~عوض الله أهل الليل من ثواب أعمالهم ما يجدونه من اللذة لكان ذلك أكثر من ~~ثواب أعمالهم وقال بعض العلماء ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ~~ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل ms0571 من حلاوة المناجاة وقال بعضهم لذة ~~المناجاة ليست من الدنيا إنما هي من الجنة أظهرها الله تعالى لأوليائه لا ~~يجدها سواهم وقال ابن المنكدر ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث قيام الليل ~~ولقاء الإخوان والصلاة في الجماعة وقال بعض العارفين إن الله تعالى ينظر ~~بالأسحار إلى قلوب المتيقظين فيملؤها أنوارا فترد الفوائد على قلوبهم ~~فتستنير ثم تنتشر من قلوبهم العوافي إلى قلوب الغافلين وقال بعض العلماء من ~~القدماء أن الله تعالى أوحى إلى بعض الصديقين إن لي عبادا من عبادي أحبهم ~~ويحبونني ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم ويذكرونني وأذكرهم وينظرون إلي وأنظر ~~إليهم فإن حذوت طريقهم أحببتك وإن عدلت عنهم مقتك قال يا رب وما علامتهم ~~قال يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي غنمه ويحنون إلى غروب الشمس ~~كما تحن الطير إلى أوكارها فإذا جنهم الليل واختلط الظلام وخلا كل حبيب ~~بحبيبه نصبوا إلى أقدامهم وافترشوا إلى وجوههم وناجوني بكلامي وتملقوا إلي ~~بإنعامي فبين صارخ وباكي وبين متأوه وشاكي بعيني ما يتحملون من أجلي وبسمعي ~~ما يشتكون من حبي أول ما أعطيهم أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما ~~أخبر عنهم والثانية لو كانت السموات السبع والأرضون السبع وما فيهما من ~~موازينهم لاستقللتها لهم والثالثة أقبل بوجهي عليهم أفترى من أقبلت بوجهي ~~عليه أيعلم أحد ما أريد أن أعطيه وقال مالك بن دينار رحمه الله إذا قام ~~العبد يتهجد من الليل قرب منه الجبار عز وجل وكانوا يرون ما يجدون من الرقة ~~والحلاوة في قلوبهم والأنوار من قرب الرب تعالى من القلب وهذا له سر وتحقيق ~~ستأتي الإشارة إليه في كتاب المحبة وفي الأخبار عن الله عز وجل أي عبدي أنا ~~الله الذي اقتربت من قلبك وبالغيب رأيت نوري وشكا بعض المريدين إلى أستاذه ~~طول سهر الليل وطلب حيلة يجلب بها النوم فقال أستاذه يا بني إن لله نفحات ~~في الليل والنهار تصيب القلوب المتيقظة تحظىء القلوب النائمة فتعرض لتلك ~~النفحات فقال يا سيدي تركتني لا أنام بالليل ولا ms0572 بالنهار PageV01P358 # واعلم أن هذه النفحات بالليل أرجى لما في قيام الليل من صفاء القلب ~~واندفاع الشواغل وفي الخبر الصحيح عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال إن من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله ~~تعالى خيرا إلا أعطاه إياه (1) وفي رواية أخرى يسأل الله خيرا من أمر ~~الدنيا والآخرة إلا أعطاه وذلك كل ليلة ومطلوب القائمين تلك الساعة وهي ~~مهمة في جملة الليل كليلة القدر في شهر رمضان وكساعة يوم الجمعة وهي ساعة ~~النفحات المذكورة والله أعلم ### |||| بيان طرق القسمة لأجزاء الليل # اعلم أن إحياء الليل من حيث المقدار له سبع مراتب الأولى إحياء كل الليل ~~وهذا شأن الأقوياء الذين تجردوا لعبادة الليل وتلذذوا بمناجاته وصار ذلك ~~غذاء لهم وحياة لقلوبهم فلم يتعبوا بطول القيام وردوا المنام إلى النهار ~~وفي وقت اشتغال الناس وقد كان ذلك طريق جماعة من السلف كانوا يصلون الصبح ~~بوضوء العشاء حكى أبو طالب المكي أن ذلك حكي على سبيل التواتر والاشتهار عن ~~أربعين من التابعين وكان فيهم من واظب عليه أربعين سنة قال منهم سعيد بن ~~المسيب وصفوان بن سليم المدنيان وفضيل بن عياض ووهيب بن الورد المكيان ~~وطاوس ووهب بن منبه اليمانيان والربيع بن خيثم والحكم الكوفيان وأبو سليمان ~~الداراني وعلي بن بكار الشاميان وأبو عبد الله الخواص وأبو عاصم العباديان ~~وحبيب أبو محمد وأبو جابر السلماني الفارسيان ومالك بن دينار سليمان التيمي ~~ويزيد الرقاشي وحبيب بن أبي ثابت ويحيى البكاء البصريون وكهمس بن المنهال ~~وكان يختم في الشهر تسعين ختمة وما لم يفهمه رجع وقرأه مرة أخرى وأيضا من ~~أهل المدينة أبو حازم ومحمد بن المنكدر في جماعة يكثر عددهم المرتبة ~~الثانية أن يقوم نصف الليل وهذا لا ينحصر عدد المواظبين عليه من السلف ~~وأحسن فيه أن ينام الثلث الأول من الليل والسدس الأخير منه حتى يقع قيامه ~~في جوف الليل ووسطه فهو الأفضل المرتبة الثالثة أن يقوم ثلث الليل فينبغي ~~أن ينام النصف ms0573 الأول والسدس الأخير وبالجملة نوم آخر الليل محبوب لأنه يذهب ~~النعاس بالغداة وكانوا يكرهون ذلك ويقلل صفرة الوجه والشهرة به فلو قام ~~أكثر الليل ونام سحرا قلت صفرة وجهه وقل نعاسه وقالت عائشة رضي الله عنها ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوتر من آخر الليل فإن كانت له حاجة ~~إلى أهله دنا منهن وإلا اضطجع في مصلاه حتى يأتيه بلال فيؤذنه للصلاة (2) ~~وقالت أيضا رضي الله عنها ما ألفيته بعد السحر إلا نائما (3) حتى قال بعض ~~السلف هذه الضجعة قبل الصبح سنة منهم أبو هريرة رضي الله عنه وكان نوم هذا ~~الوقت سببا للمكاشفة والمشاهدة من وراء حجب الغيب وذلك لأرباب القلوب وفيه ~~استراحة PageV01P359 # تعين على الورد الأول من أوراد النهار وقيام ثلث الليل من النصف الأخير ~~ونوم السدس الأخير قيام داود صلى الله عليه وسلم المرتبة الرابعة أن يقوم ~~سدس الليل أو خمسه وأفضله أن يكون في النصف الأخير وقبل السدس الأخير منه ~~المرتبة الخامسة أن لا يراعي التقدير فإن ذلك إنما يتيسر لنبي يوحى إليه أو ~~لمن يعرف منازل القمر ويوكل به من يراقبه ويواظبه ويوقظه ثم ربما يضطرب في ~~ليالي الغيم ولكنه يقوم من أول الليل إلى أن يغلبه النوم فإذا انتبه قام ~~فإذا غلبه النوم عاد إلى النوم فيكون له في الليل نومتان وقومتان وهو من ~~مكابدة الليل وأشد الأعمال وأفضلها وقد كان هذا من أخلاق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (1) وهو طريقة ابن عمر وأولي العزم من الصحابة وجماعة من ~~التابعين رضي الله عنهم وكان بعض السلف يقول هي أول نومة فإذا انتبهت ثم ~~عدت إلى النوم فلا أنام الله لي عينا فأما قيام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من حيث المقدار فلم يكن على ترتيب واحد بل ربما كان يقوم نصف الليل أو ~~ثلثه أو سدسه (2) يختلف ذلك في الليالي ودل عليه قوله تعالى في الموضعين من ~~سورة المزمل إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه ms0574 وثلثه فأدنى من ~~ثلثي الليل كأنه بصفه ونصف سدسه فإن كسر قوله ونصفه وثلثه كان نصف الثلثين ~~فيقرب من الثلث والربع وإن نصب كان نصف الليل وقالت عائشة رضي الله عنها ~~كان صلى الله عليه وسلم يقوم إذا سمع الصارخ (3) يعني الديك وهذا يكون ~~السدس فما دونه وروى غير واحد أنه قال راعيت صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في السفر ليلا فنام بعد العشاء زمانا ثم استيقظ فنظر في الأفق فقال ~~ربنا ما خلقت هذا باطلا حتى بلغ إنك لا تخلف الميعاد ثم استل من فراشه ~~سواكا فاستاك به وتوضأ وصلى حتى قلت صلى مثل الذي نام ثم اضطجع حتى قلت نام ~~مثل ما صلى ثم استيقظ فقال ما قال أول مرة وفعل ما فعل أول مرة (4) المرتبة ~~السادسة وهي الأقل أن يقوم مقدار أربع ركعات أو ركعتين أو تتعذر عليه ~~الطهارة فيجلس مستقبل القبلة ساعة مشتغلا بالذكر والدعاء فيكتب في جملة ~~قوام الليل برحمة الله وفضله وقد جاء في الأثر صل من الليل ولو قدر حلب شاة ~~(5) فهذه طرق القسمة فليختر المريد لنفسه ما يراه أيسر عليه وحيث يتعذر ~~عليه القيام في وسط الليل فلا ينبغي أن يهمل إحياء ما بين العشاءين والورد ~~الذي بعد العشاء ثم يقوم قبل الصبح وقت السحر فلا يدركه الصبح PageV01P360 # نائما ويقوم بطرفي الليل وهذه هي المرتبة السابعة ومهما كان النظر إلى ~~المقدار فترتيب هذه المراتب بحسب طول الوقت وقصره وأما في الرتبة الخامسة ~~والسابعة لم ينظر فيهما إلى القدر فليس يجري أمرهما في التقدم والتأخر على ~~الترتيب المذكور إذ السابعة ليست دون ما ذكرناه في السادسة ولا الخامسة دون ~~الرابعة ### |||| بيان الليالي والأيام الفاضلة # اعلم أن الليالي المخصوصة بمزيد الفضل التي يتأكد فيها استحباب الإحياء ~~في السنة خمس عشرة ليلة لا ينبغي أن يغفل المريد عنها فإنها مواسم الخيرات ~~ومظان التجارات ومتى غفل التاجر عن المواسم لم يربح ومتى غفل المريد عن ~~فضائل الأوقات لم ينجح فستة من هذه الليالي في ms0575 شهر رمضان خمس في أوتار ~~العشر الأخير إذ فيها يطلب ليلة القدر وليلة سبع عشرة من رمضان فهي ليلة ~~صبيحتها يوم الفرقان يوم التقى الجمعان فيه كانت وقعة بدر وقال ابن الزبير ~~رحمه الله هي ليلة القدر وأما التسع الأخر فأول ليلة من المحرم وليلة ~~عاشوراء وأول ليلة من رجب وليلة النصف منه وليلة سبع وعشرين منه وهي ليلة ~~المعراج وفيها صلاة مأثورة فقد قال صلى الله عليه وسلم للعامل في هذه ~~الليلة حسنات مائة سنة (1) فمن صلى في هذه الليلة اثنتي عشرة ركعة يقرأ في ~~كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة من القرآن ويتشهد في كل ركعتين ويسلم في آخرهن ~~ثم يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مائة مرة ثم ~~يستغفر الله مائة مرة ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مائة مرة ويدعو ~~لنفسه بما شاء من أمر دنياه وآخرته ويصبح صائما فإن الله يستجيب دعاءه كله ~~إلا أن يدعو في معصية وليلة النصف من شعبان ففيها مائة ركعة يقرأ في كل ~~ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص عشر مرات كانوا لا يتركونها كما أوردناه في ~~صلاة التطوع وليلة عرفة وليلتا العيدين قال صلى الله عليه وسلم من أحيا ~~ليلتي العيدين لم يمت قلبه يوم تموت القلوب (2) وأما الأيام الفاضلة فتسعة ~~عشر يستحب مواصلة الأوراد فيها يوم عرفة ويوم عاشوراء ويوم سبعة وعشرين من ~~رجب له شرف عظيم روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من صام ~~يوم سبع وعشرين من رجب كتب الله له صيام ستين شهرا (3) وهو اليوم الذي أهبط ~~الله فيه جبرائيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة ويوم ~~سبعة عشر من رمضان وهو يوم وقعة بدر ويوم النصف من شعبان ويوم الجمعة ويوما ~~العيدين والأيام المعلومات وهي عشر من ذي الحجة والأيام المعدودات وهي أيام ~~التشريق وقد روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا سلم يوم ~~الجمعة سلمت الأيام ms0576 وإذا سلم شهر رمضان سلمت السنة (4) وقال بعض العلماء من ~~أخذه مهناة في الأيام الخمسة في الدنيا لم ينل مهناة في الآخرة وأراد به ~~العيدين والجمعة وعرفة وعاشوراء ومن فواضل الأيام في الأسبوع يوم الخميس ~~والاثنين ترفع فيهما الأعمال إلى الله تعالى وقد ذكرنا فضائل الأشهر ~~والأيام للصيام في كتاب الصوم فلا حاجة إلى الإعادة والله أعلم وصلى الله ~~على كل عبد مصطفى من كل العالمين PageV01P361 ### | # بسم الله الرحمن الرحيم ### || كتاب آداب الأكل وهو الكتاب الأول من ربع العادات من كتاب إحياء العلوم # الحمد لله الذي أحسن تدبير الكائنات فخلق الأرض والسماوات # وأنزل الماء الفرات من المعصرات فأخرج به الحب والنبات # وقدر الأرزاق والأفوات # وحفظ بالمأكولات قوى الحيوانات وأعان على الطاعات والأعمال الصالحات بأكل ~~الطيبات والصلاة على محمد ذي المعجزات الباهرات وعلى آله وأصحابه صلاة ~~تتوالى على ممر الأوقات وتتضاعف بتعاقب الساعات وسلم تسليما كثيرا # أما بعد فإن مقصد ذوي الألباب لقاء الله تعالى في دار الثواب ولا طريق ~~إلى الوصول للقاء الله إلى بالعلم والعمل ولا تمكن المواظبة عليهما إلا ~~بسلامة البدن ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات والتناول منها ~~بقدر الحاجة على تكرر الأوقات فمن هذا الوجه قال بعض السلف الصالحين إن ~~الأكل من الدين وعليه نبه رب العالمين بقوله وهو أصدق القائلين كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا فمن يقدم على الأكل ليستعين به على العلم والعمل ~~ويقوي به على التقوى فلا ينبغي أن يترك نفسه مهملا سدى يسترسل في الأكل ~~استرسال البهائم في المرعى فإن ما هو ذريعة إلى الدين ووسيلة إليه ينبغي أن ~~تظهر أنوار الدين عليه # وإنما أنوار الدين آدابه وسننه التي يزم العبد بزمامها ويلجم المتقي ~~بلجامها حتى يتزن بميزان الشرع شهوة الطعام في إقدامها وإحجامها فيصير ~~بسببها مدفعة للوزر ومجلبة للأجر وإن كان فيها أوفى حظ للنفس # قال صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليؤجر حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه ~~والى في امعليه السلام رأته (1) # وإنما ذلك إذا رفعها بالدين وللدين ms0577 مراعيا فيه آدابه ووظائفه # وها نحن نرشد إلى وظائف الدين في الأكل فرائضها وسننها وآدابها ومروءاتها ~~وهيئاتها في أربعة أبواب وفصل في آخرها # الباب الأول فيما لا بد للآكل من مراعاته وإن انفرد بالأكل # الباب الثاني فيما يزيد من الآداب بسبب الاجتماع على الأكل # الباب الثالث فيما يخص تقديم الطعام إلى الإخوان الزائرين # الباب الرابع فيما يخص الدعوة والضيافة وأشباهها PageV02P002 ### ||| الباب الأول فيما لابد للمنفرد منه وهو ثلاثة أقسام قسم قبل الأكل وقسم مع الأكل وقسم بعد الفراغ منه ### |||| القسم الأول في الآداب التي تتقدم على الأكل وهي # الأول أن يكون الطعام بعد كونه حلالا في نفسه طيبا في جهة مكسبه موافقا ~~للسنة والورع لم يكتسب بسبب مكروه في الشرع ولا بحكم هوى ومداهنة في دين ~~على ما سيأتي في معنى الطيب المطلق في كتاب الحلال والحرام وقد أمر الله ~~تعالى بأكل الطيب وهو الحلال وقدم النهي عن الأكل بالباطل على القتل تفخيما ~~لأمر الحرام وتعظيما لبركة الحلال فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلى قوله ولا تقتلوا أنفسكم الآية فالأصل في ~~الطعام كونه طيبا وهو من الفرائض وأصول الدين # الثاني غسل اليد قال صلى الله عليه وسلم الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر ~~وبعده ينفي اللمم (1) # وفي رواية ينفي الفقر قبل الطعام وبعده ولأن اليد لا تخلو عن لوث في ~~تعاطي الأعمال فغسلها أقرب إلى النظافة والنزاهة # ولأن الأكل لقصد الاستعانة على الدين عبادة فهو جدير بأن يقدم عليه ما ~~يجري منه مجرى الطهارة من الصلاة # الثالث أن يوضع الطعام على السفرة الموضوعة على الأرض فهو أقرب إلى فعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من رفعه على المائدة كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا أتى بطعام وضعه على الأرض (2) حديث أنس ما أكل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة الحديث رواه البخاري // # قيل فعلى ماذا كنتم تأكلون قال على السفرة وقيل أربع أحدثت بعد رسول الله ~~صلى ms0578 الله عليه وسلم الموائد والمناخل والأشنان والشبع واعلم أنا وإن قلنا ~~الأكل على السفرة أولى فلسنا نقول الأكل على المائدة منهي عنه نهي كراهة أو ~~تحريم إذا لم يثبت فيه نهي # وما يقال إنه أبدع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس كل ما أبدع ~~منهيا بل المنهي بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمرا من الشرع مع بقاء علته بل ~~الإبداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب وليس في المائدة إلا رفع ~~الطعام عن الأرض لتيسير الأكل وأمثال ذلك مما لا كراهة فيه # والأربع التي جمعت في أنها مبدعة ليست متساوية بل الأشنان حسن لما فيه من ~~النظافة فإن الغسل مستحب للنظافة والأشنان أتم في التنظيف وكانوا لا ~~يستعملونه لأنه ربما كان لا يعتاد عندهم أو لا يتيسر أو كانوا مشغولين ~~بأمور أهم من المبالغة في النظافة فقد كانوا لا يغسلون اليد أيضا وكانت ~~مناديلهم أخمص أقدامهم وذلك لا يمنع كون الغسل PageV02P003 # مستحبا # وأما المنخل فالمقصود منه تطييب الطعام وذلك مباح ما لم ينته إلى التنعم ~~المفرط # وأما المائدة فتيسير للأكل وهو أيضا مباح ما لم ينته إلى الكبر والتعاظم # وأما الشبع فهو أشد هذه الأربعة فإنه يدعو إلى تهييج الشهوات وتحريك ~~الأدواء في البدن فلتدرك التفرقة بين هذه المبدعات # الرابع أن يحسن الجلسة على السفرة في أول جلوسه ويستديمها كذلك كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ربما جثا للأكل على ركبتيه وجلس على ظهر قدميه ~~وربما نصب رجله اليمنى وجلس على اليسرى (1) # وكان يقول لا آكل متكئا # حديث كان يقول لا آكل متكئا أخرجه البخاري من حديث أبي جحيفة # إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد # حديث إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد تقدم قبله من ~~حديث أنس بلفظ وأفعل بدل وأجلس ورواه البزار من حديث ابن عمر دون قوله ~~وأجلس (2) حديث ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه الحديث أخرجه الترمذي وقال ~~حسن والنسائي ms0579 وابن ماجه من حديث المقداد بن معد يكرب # ومن ضرورة هذه النية أن لا يمد اليد إلى الطعام إلا وهو جائع فيكون الجوع ~~أحد ما لا بد من تقديمه على الأكل # ثم ينبغي أن يرفع اليد قبل الشبع ومن فعل ذلك استغنى عن الطبيب وسيأتي ~~فائدة قلة الأكل وكيفية التدريج في التقليل منه في كتاب كسر شهوة الطعام من ~~ربع المهلكات # السادس أن يرضى بالموجود من الرزق والحاضر من الطعام ولا يجتهد في التنعم ~~وطلب الزيادة وانتظار الأدم بل من كرامة الخبز أن لا ينتظر به الأدم وقد ~~ورد الأمر بإكرام الخبز (3) # فكل ما يديم الرمق ويقوي على العبادة فهو خير كثير لا ينبغي أن يستحقر بل ~~لا ينتظر بالخبز الصلاة إن حضر وقتها إذا كان في الوقت متسع # قال صلى الله عليه وسلم إذا حضر العشاء والعشاء فابدءوا بالعشاء (4) # وكان ابن عمر رضي الله عنهما ربما سمع قراءة الإمام ولا يقوم من عشائه # ومهما كانت النفس لا تتوق إلى الطعام ولم يكن في تأخير الطعام ضرر ~~فالأولى تقديم الصلاة # فأما إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة وكان في التأخير ما يبرد الطعام أو ~~يشوش أمره فتقديمه أحب عند اتساع الوقت تاقت النفس أو لم تتق لعموم الخبر ~~ولأن القلب لا يخلو عن الإلتفات إلى الطعام الموضوع وإن لم يكن الجوع غالبا ~~PageV02P004 # السابع أن يجتهد في تكثير الأيدي على الطعام ولو من أهله وولده # قال صلى الله عليه وسلم اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه (1) # وقال أنس رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل وحده ~~(2) # وقال صلى الله عليه وسلم خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي ### |||| القسم الثاني في آداب حالة الأكل # وهو أن يبدأ ب بسم الله في أوله وب الحمد لله في أخره # ولو قال مع كل لقمة بسم الله فهو حسن حتى لا يشغله الشره عن ذكر الله ~~تعالى ويقول مع اللقمة الأولى بسم الله ومع الثانية بسم الله الرحمن ومع ~~الثالثة بسم ms0580 الله الرحمن الرحيم ويجهر به ليذكر غيره # ويأكل باليمنى ويبدأ بالملح ويختم به ويصغر اللقمة ويجود مضغها وما لم ~~يبتلعها لم يمد اليد إلى الأخرى فإن ذلك عجلة في الأكل وأن لا يذم مأكولا ~~كان صلى الله عليه وسلم لا يعيب مأكولا كان إذا أعجبه أكله وإلا تركه (3) # وأن يأكل مما يليه إلا الفاكهة فإن له أن يجيل يده فيها قال صلى الله ~~عليه وسلم كل مما يليك (4) حديث كان يدور على الفاكهة وقال ليس هو نوعا ~~واحدا أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عكراش بن دويب وفيه وجالت يد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الطبق فقال يا عكراش كل من حيث شئت فإنه غير ~~لون واحد قال الترمذي غريب ورواه ابن حبان في الضعفاء (5) حديث النهي عن ~~قطع الخبز بالسكين رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أبي هريرة وفيه نوح ~~ابن أبي مريم وهو كذاب ورواه البيهقي في الشعب من حديث أم سلمة بسند ضعيف ~~(6) # ولا يوضع على الخبز قصعة ولا غيرها إلا ما يأكل به قال صلى الله عليه ~~وسلم أكرموا الخبز فإن الله تعالى أنزله من بركات السماء ولا يمسح يده ~~بالخبز # وقال صلى الله عليه وسلم إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها وليمط ما كان بها ~~من أذى ولا يدعها للشيطان ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه فإنه لا ~~يدري في أي طعامه البركة (7) # ولا ينفخ في الطعام الحار (8) # فهو منهي عنه بل يصبر إلى إن يسهل أكله ويأكل من التمر وترا سبعا أو إحدى ~~عشرة أو إحدى وعشرين أو ما اتفق ولا يجمع بين التمر والنوى في طبق ولا يجمع ~~في كفه بل يضع النواة من فيه على ظهر كفه ثم يلقيها وكذا كل ماله عجم وثفل # وأن لا يترك ما استرذله من الطعام ويطرحه في القصعة بل يتركه مع الثفل ~~حتى لا يلتبس على غيره فيأكله # وأن لا يكثر الشرب في أثناء الطعام إلا إذا غص بلقمة أو صدق عطشه فقد ms0581 قيل ~~إن ذلك مستحب في الطب وإنه دباغ المعدة # وأما الشرب فأدبه أن يأخذ الكوز بيمينه ويقول بسم الله ويشربه مصا لا عبا ~~قال صلى الله عليه وسلم PageV02P005 # مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا فإنه الكباد من العب (1) # ولا يشرب قائما ولا مضطجعا فإنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب قائما ~~(2) # وروي أنه صلى الله عليه وسلم شرب قائما (3) # ولعله كان لعذر # ويراعي أسفل الكوز حتى لا يقطر عليه وينظر في الكوز قبل الشرب ولا يتجشأ ~~ولا يتنفس في الكوز بل ينحيه عن فمه بالحمد ويرده بالتسمية # وقد قال صلى الله عليه وسلم بعد الشرب الحمد لله الذي جعله عذبا فراتا ~~برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا (4) # والكوز وكل ما يدار على القوم يدار يمنة وقد شرب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لبنا وأبو بكر رضي الله عنه عن شماله وأعرابي عن يمينه وعمر ناحيته ~~فقال عمر رضي الله عنه أعط أبا بكر فناول الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن ~~ويشرب في ثلاثة أنفاس يحمد الله في أواخرها ويسمي الله في أوائلها ويقول في ~~آخر النفس الأول الحمد لله وفي الثاني رب العالمين وفي الثالث يزيد الرحمن ~~الرحيم فهذا قريب من عشرين أدبا في حالة الأكل والشرب دلت عليها الأخبار ~~والآثار ### |||| القسم الثالث ما يستحب بعد الطعام # وهو أن يمسك قبل الشبع ويلعق أصابعه ثم يمسح بالمنديل ثم يغسلها ويلتقط ~~فتات الطعام قال صلى الله عليه وسلم من أكل ما يسقط من المائدة عاش في سعة ~~وعوفي في ولده (5) # ويتخلل ولا يبتلع كل ما يخرج من بين أسنانه بالخلال إلا ما يجمع من أصول ~~أسنانه بلسانه أما المخرج بالخلال فيرميه وليتمضمض بعد الخلال ففيه أثر عن ~~أهل البيت عليهم السلام # وأن يلعق القصعة ويشرب ماءها # ويقال من لعق القصعة وغسلها وشرب ماءها كان له عتق رقبة # وأن التقاط الفتات مهور الحور العين وأن يشكر الله تعالى بقلبه على ما ~~أطعمه فيرى الطعام نعمة منه قال الله تعالى كلوا من طيبات ms0582 ما رزقناكم ~~واشكروا لله ومهما أكل حلالا قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتنزل ~~البركات اللهم أطعمنا طيبا واستعملنا صالحا # وإن أكل شبهة فليقل الحمد لله على كل حال اللهم لا تجعله قوة لنا على ~~معصيتك ويقرأ بعد الطعام قل هو الله أحد ولإيلاف قريش # ولا يقوم عن المائدة حتى ترفع أولا فإن أكل طعام الغير فليدع له وليقل ~~اللهم أكثر خيره وبارك له فيما رزقته ويسر له أن يفعل فيه خيرا وقنعه بما ~~أعطيته واجعلنا وإياه من الشاكرين # وإن أفطر عند قوم فليقل أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت ~~عليكم الملائكة # وليكثر الاستغفار والحزن على ما أكل من شبهة ليطفيء بدموعه وحزنه حر ~~النار التي تعرض لها لقوله صلى الله عليه وسلم كل لحم نبت من حرام فالنار ~~أولى به (6) حديث القوم عند أكل اللبن اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وزدنا ~~منه أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث ابن عباس إذا أكل ~~أحدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ومن سقاه الله لبنا ~~فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه // # فإن أكل غيره قال اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وارزقنا خيرا PageV02P006 # منه فذلك الدعاء مما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن لعموم ~~نفعه # ويستحب عقيب الطعام أن يقول الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا ~~سيدنا ومولانا يا كافي من كل شيء ولا يكفى منه شيء أطعمت من جوع وآمنت من ~~خوف فلك الحمد آويت من يتم وهديت من ضلالة وأغنيت من عيلة فلك الحمد حمدا ~~كثيرا دائما طيبا نافعا مباركا فيه كما أنت أهله ومستحقه اللهم أطعمتنا ~~طيبا فاستعملنا صالحا واجعله عونا لنا عن طاعتك ونعوذ بك أن نستعين به على ~~معصيتك وأما غسل اليدين بالأشنان فكيفيته أن يجعل الأشنان في كفه اليسرى ~~ويغسل الأصابع الثلاث من اليد اليمنى أولا ويضرب أصابعه على الأشنان اليابس ~~فيمسح به شفتيه ثم ينعم غسل الفم بإصبعه ويدلك ظاهر أسنانه وباطنها ms0583 والحنك ~~واللسان ثم يغسل أصابعه من ذلك بالماء ثم يدلك ببقية الأشنان اليابس أصابعه ~~ظهرا وبطنا ويستغني بذلك عن إعادة الأشنان إلى الفم وإعادة غسله ### ||| الباب الثاني فيما يزيد بسبب الاجتماع والمشاركة في الأكل وهي سبعة # الأول أن لا يبتدئ بالطعام ومعه من يستحق التقديم بكبر سن أو زيادة فضل ~~إلا أن يكون هو المتبوع والمقتدى به فحينئذ ينبغي أن لا يطول عليهم ~~الانتظار إذا اشرأبوا للأكل واجتمعوا له # الثاني أن لا يسكتوا على الطعام فإن ذلك من سيرة العجم ولكن يتكلمون ~~بالمعروف ويتحدثون بحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها # الثالث أن يرفق برفيقه في القصعة فلا يقصد أن يأكل زيادة على ما يأكله ~~فإن ذلك حرام إن لم يكن موافقا لرضا رفيقه مهما كان الطعام مشتركا # بل ينبغي أن يقصد الإيثار ولا يأكل تمرتين في دفعة إلا إذا فعلوا ذلك أو ~~استأذنهم # فإن قلل رفيقه نشطه ورغبه في الأكل وقال له كل ولا يزيد في قوله كل على ~~ثلاث مرات فإن ذلك إلحاح وإفراط # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خوطب في شيء ثلاثا لم يراجع بعد ~~ثلاث # حديث كان إذا خوطب في شيء ثلاثا لم يراجع بعد ثلاث أخرجه أحمد من حديث ~~جابر في حديث طويل ومن حديث أبي حدرد أيضا وإسنادهما حسن (1) حديث كان يكرر ~~الكلمة ثلاثا أخرجه البخاري من حديث أنس كان يعيد الكلمة ثلاثا // # فليس من الأدب الزيادة عليه # فأما الحلف عليه بالأكل فممنوع قال الحسن بن علي رضي الله عنهما الطعام ~~أهون من أن يحلف عليه # الرابع أن لا يحوج رفيقه إلى أن يقول له كل # قال بعض الأدباء أحسن الآكلين أكلا من لا يحوج صاحبه إلى أن يتفقده في ~~الأكل وحمل عن أخيه مؤنة القول # ولا ينبغي أن يدع شيئا مما يشتهيه لأجل نظر الغير إليه فإن ذلك تصنع بل ~~يجري على المعتاد ولا ينقص من عادته شيئا في الوحدة ولكن يعود نفسه حسن ~~الأدب في الوحدة حتى لا يحتاج إلى التصنع ms0584 عند الاجتماع # نعم لو قلل من أكله إيثارا لإخوانه ونظرا لهم عند الحاجة إلى ذلك فهو حسن ~~وإن زاد في الأكل على نية المساعدة وتحريك نشاط القوم في الأكل فلا بأس به ~~بل هو حسن وكان ابن المبارك يقدم فاخر الرطب إلى إخوانه ويقول من أكل أكثر ~~أعطيته بكل نواة درهما # وكان يعد النوى ويعطي كل من له فضل نوى بعدده دراهم وذلك لدفع الحياء ~~وزيادة النشاط في الإنبساط وقال جعفر بن محمد رضي الله عنهما # أحب إخواني إلي أكثرهم أكلا وأعظمهم لقمة وأثقلهم على من يحوجني إلى ~~تعهده في الأكل # وكل هذا إشارة إلى الجري على المعتاد وترك التصنع # وقال جعفر رحمه الله أيضا تتبين جودة محبة الرجل لأخيه بجودة أكله في ~~منزله # الخامس أن غسل اليد في الطست لا بأس به وله أن يتنخم فيه PageV02P007 # إن أكل وحده وإن أكل مع غيره فلا ينبغي أن يفعل ذلك # فإذا قدم الطست إليه غيره إكراما له فليقبله # اجتمع أنس بن مالك وثابت البناني رضي الله عنهما على طعام فقدم أنس الطست ~~إليه فامتنع ثابت فقال أنس إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها فإنما ~~يكرم الله عز وجل وروي أن هارون الرشيد دعا أبا معاوية الضرير فصب الرشيد ~~على يده في الطست فلما فرغ قال يا أبا معاوية تدري من صب على يدك فقال لا ~~قال صبه أمير المؤمنين فقال # يا أمير المؤمنين إنما أكرمت العلم وأجللته فأجلك الله وأكرمك كما أجللت ~~العلم وأهله # ولا بأس أن يجتمعوا على غسل اليد في الطست في حالة واحدة فهو أقرب إلى ~~التواضع وأبعد عن طول الإنتظار # فإن لم يفعلوه فلا ينبغي أن يصب ماء كل واحد بل يجمع الماء في الطست قال ~~صلى الله عليه وسلم أجمعوا وضوءكم جمع الله شملكم (1) # قيل إن المراد هذا # وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار لا يرفع الطست من بين يدي قوم إلا ~~مملوءة ولا تشبهوا بالعجم # وقال ابن مسعود اجتمعوا على غسل اليد في ms0585 طست واحد ولا تستنوا بسنة ~~الأعاجم # والخادم الذي يصب الماء على اليد كره بعضهم أن يكون قائما وأحب أن يكون ~~جالسا لأنه أقرب إلى التواضع وكره بعضهم جلوسه فروي أنه صب الماء على يد ~~واحد خادم جالسا فقام المصبوب عليه فقيل له لم قمت فقال أحدنا لا بد وأن ~~يكون قائما # وهذا أولى لأنه أيسر للصب وللغسل وأقرب إلى تواضع الذي يصب وإذا كان له ~~نية فيه فتمكينه من الخدمة ليس فيه تكبر فإن العادة جارية بذلك ففي الطست ~~إذا سبعة آداب أن لا يبزق فيه وأن يقدم به المتبوع وأن يقبل الإكرام ~~بالتقديم وأن يدار يمنة وأن يجتمع فيه جماعة وأن يجمع الماء فيه وأن يكون ~~الخادم قائما وأن يمج الماء من فيه ويرسله من يده برفق حتى لا يرش على ~~الفراش وعلى أصحابه وليصب صاحب المنزل بنفسه الماء على يد ضيفه هكذا فعل ~~مالك بالشافعي رضي الله عنهما في أول نزوله عليه وقال لا يروعك ما رأيت مني ~~فخدمة الضيف فرض # السادس أن لا ينظر إلى أصحابه ولا يراقب أكلهم فيستحيون بل يغض بصره عنهم ~~ويشتغل بنفسه ولا يمسك قبل إخوانه إذا كانوا يحتشمون الأكل بعده بل يمد ~~اليد ويقبضها ويتناول قليلا قليلا إلى أن يستوفوا فإن كان قليل الأكل توقف ~~في الابتداء وقلل الأكل حتى إذا توسعوا في الطعام أكل معهم أخيرا فقد فعل ~~ذلك كثير من الصحابة رضي الله عنهم فإن امتنع لسبب فليعتذر إليهم دفعا ~~للخجلة عنهم # السابع أن لا يفعل ما يستقذره غيره فلا ينفض يده في القصعة ولا يقدم ~~إليها رأسه عند وضع اللقمة في فيه وإن أخرج شيئا من فيه صرف وجهه عن الطعام ~~وأخذه بيساره ولا يغمس اللقمة الدسمة في الخل ولا الخل في الدسومة فقد ~~يكرهه غيره واللقمة التي قطعها بسنه لا يغمس بقيتها في المرقة والخل ولا ~~يتكلم بما يذكر المستقذرات ### ||| الباب الثالث في آداب تقديم الطعام إلى الإخوان الزائرين # تقديم الطعام إلى الإخوان فيه فضل كثير # قال جعفر ms0586 بن محمد رضي الله عنهما إذا قعدتم مع الإخوان على المائدة ~~فأطيلوا الجلوس فإنها ساعة لا تحسب عليكم من أعماركم # وقال الحسن رحمه الله كل نفقة ينفقها الرجل على نفسه وأبويه فمن دونهم ~~يحاسب عليها البتة إلا نفقة الرجل على إخوانه في الطعام فإن الله يستحي أن ~~يسأل عن ذلك # هذا مع ما ورد من الأخبار في الإطعام قال صلى الله عليه وسلم لا تزال ~~الملائكة تصلي على أحدكم ما دامت مائدته موضوعة PageV02P008 # بين يديه حتى ترفع (1) # وروي عن بعض علماء خراسان أنه كان يقدم إلى إخوانه طعاما كثيرا لا يقدرون ~~على أكل جميعه وكان يقول بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن ~~الإخوان إذا رفعوا أيديهم عن الطعام لم يحاسب من أكل فضل ذلك (2) # فأنا أحب أن أستكثر مما أقدمه إليكم لنأكل فضل ذلك # وفي الخبر لا يحاسب العبد على ما يأكله مع إخوانه (3) # وكان بعضهم يكثر الأكل مع الجماعة لذلك ويقلل إذا أكل وحده وفي الخبر ~~ثلاثة لا يحاسب عليها العبد أكلة السحور وما أفطر عليه وما أكل مع الإخوان ~~(4) # وقال علي رضي الله عنه لأن أجمع إخواني على صاع من طعام أحب إلي من أن ~~أعتق رقبة # وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول من كرم المرء طيب زاده في سفره وبذله ~~لأصحابه وكان الصحابة رضي الله عنهم يقولون الاجتماع على الطعام من مكارم ~~الأخلاق وكانوا رضي الله عنهم يجتمعون على قراءة القرآن ولا يتفرقون إلا عن ~~ذواق # وقيل اجتماع الإخوان على الكفاية مع الأنس والألفة ليس هو من الدنيا # وفي الخبر يقول الله تعالى للعبد يوم القيامة يا ابن آدم جعت فلم تطعمني ~~فيقول كيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول جاع أخوك المسلم فلم تطعمه ولو ~~أطعمته كنت أطعمتني (5) # وقال صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم الزائر فأكرموه (6) # وقال صلى الله عليه وسلم إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها ~~من ظاهرها هي لمن ألان الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل ms0587 والناس نيام (7) # وقال صلى الله عليه وسلم خيركم من أطعم الطعام (8) # وقال صلى الله عليه وسلم من أطعم أخاه حتى يشبعه وسقاه حتى يرويه بعده ~~الله من النار بسبع خنادق ما بين كل خندقين مسيرة خمسمائة عام (9) # وأما آدابه فبعضها في الدخول وبعضها في تقديم الطعام # أما الدخول فليس من السنة أن يقصد قوما متربصا لوقت طعامهم فيدخل عليهم ~~وقت الأكل فإن ذلك من المفاجأة وقد نهي عنه قال الله تعالى {لا تدخلوا بيوت ~~النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه} يعني منتظرين حينه ونضجه # وفي الخبر من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقا وأكل حراما (10) # ولكن حق الداخل إذا لم يتربص وأتفق أن صادفهم على طعام أن لا يأكل ما لم ~~يؤذن له فإذا قيل له كل # نظر فإن علم أنهم يقولونه على محبة لمساعدته فليساعد وإن PageV02P009 # كانوا يقولونه حياء منه فلا ينبغي أن يأكل بل ينبغي أن يتعلل أما إذا كان ~~جائعا فقصد بعض إخوانه ليطعمه ولم يتربص به وقت أكله فلا بأس به # قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما منزل أبي ~~الهيثم بن التيهان وأبي أيوب الأنصاري لأجل طعام يأكلونه وكانوا جياعا (1) # والدخول على مثل هذه الحالة إعانة لذلك المسلم على حيازة ثواب الإطعام ~~وهي عادة السلف # وكان عون بن عبد الله المسعودي له ثلاثمائة وستون صديقا يدور عليهم في ~~السنة # ولآخر ثلاثون يدور عليهم في الشهر # ولآخرة سبعة يدور عليهم في الجمعة # فكان إخوانهم معلومهم بدلا عن كسبهم وكان قيام أولئك بهم على قصد التبرك ~~عبادة لهم فإن دخل ولم يجد صاحب الدار وكان واثقا بصداقته عالما بفرحه إذا ~~أكل من طعامه فله أن يأكل بغير إذنه إذ المراد من الإذن الرضا لا سيما في ~~الأطعمة وأمرها على السعة # فرب رجل يصرح بالإذن ويحلف وهو غير راض فأكل طعامه مكروه # ورب غائب لم يأذن وأكل طعامه محبوب # وقد قال تعالى {أو صديقكم} ودخل رسول ms0588 الله صلى الله عليه وسلم دار بريرة ~~وأكل طعامها وهي غائبة وكان الطعام من الصدقة فقال بلغت الصدقة محلها (2) # وذلك لعلمه بسرورها بذلك # لذلك يجوز أن يدخل الدار بغير استئذان اكتفاء بعلمه بالإذن فإن لم يعلم ~~فلا بد من الاستئذان أولا ثم الدخول # وكان محمد بن واسع وأصحابه يدخلون منزل الحسن فيأكلون ما يجدون بغير إذن # وكان الحسن يدخل ويرى ذلك فيسر به ويقول هكذا كنا # وروي عن الحسن رضي الله عنه أنه كان قائما يأكل من متاع بقال في السوق ~~يأخذ من هذه الجونة تينة ومن هذه قسبة فقال له هشام ما بدا لك يا أبا سعيد ~~في الورع تأكل متاع الرجل بغير إذنه فقال # يا لكع اتل علي آية الأكل فتلا إلى قوله تعالى {أو صديقكم} فقال # فمن الصديق يا أبا سعيد قال من استروحت إليه النفس واطمأن إليه القلب # ومشى قوم إلى منزل سفيان الثوري فلم يجدوه ففتحوا الباب وأنزلوا السفرة ~~وجعلوا يأكلون فدخل الثوري وجعل يقول ذكرتموني أخلاق السلف هكذا كانوا # وزار قوم بعض التابعين ولم يكن عنده ما يقدمه إليهم فذهب إلى منزل بعض ~~إخوانه فلم يصادفه في المنزل فدخل فنظر إلى قدر قد طبخها وإلى خبز قد خبزه ~~وغير ذلك فحمله كله فقدمه إلى أصحابه وقال # كلوا فجاء رب المنزل فلم ير شيئا فقيل له # قد أخذ فلان فقال قد أحسن فلما لقيه قال يا أخي إن عادوا فعد # فهذه آداب الدخول # وأما آداب التقديم فترك التكلف أولا وتقديم ما حضر فإن لم يحضره شيء ولم ~~يملك فلا يستقرض لأجل ذلك فيشوش على نفسه # وإن حضره ما هو محتاج إليه لقوته ولم تسمح نفسه بالتقديم فلا ينبغي أن ~~يقدم # دخل بعضهم على زاهد وهو يأكل فقال لولا أني أخذته بدين لأطعمتك منه وقال ~~بعض السلف في تفسير التكلف # أن تطعم أخاك مالا تأكله أنت بل تقصد زيادة عليه في الجودة والقيمة # وكان الفضيل يقول إنما تقاطع الناس بالتكلف يدعو أحدهم أخاه فيتكلف له ~~فيقطعه ms0589 عن الرجوع إليه # وقال بعضهم # ما أبالي بمن أتاني من إخواني فإني لا أتكلف له إنما أقرب ما عندي ولو ~~تكلفت له لكرهت مجيئه ومللته وقال بعضهم كنت أدخل على أخ لي فيتكلف لي فقلت ~~له إنك لا تأكل وحدك هذا ولا أنا فما بالنا إذا اجتمعنا أكلناه فإما أن ~~تقطع هذا التكلف أو أقطع المجيء فقطع PageV02P010 # التكلف ودام اجتماعنا بسببه ومن التكلف أن يقدم جميع ما عنده فيجحف ~~بعياله ويؤذي قلوبهم # روي أن رجلا دعا عليا رضي الله عنه فقال علي أجيبك على ثلاث شرائط لا ~~تدخل من السوق شيئا ولا تدخر ما في البيت ولا تجحف بعيالك # وكان بعضهم يقدم من كل ما في البيت فلا يترك نوعا إلا ويحضر شيئا منه # وقال بعضهم دخلنا على جابر بن عبد الله فقدم إلينا خبزا وخلا وقال لولا ~~أنا نهينا عن التكلف لتكلفت لكم (1) # وقال بعضهم إذا قصدت للزيارة فقدم ما حضر وإن استزرت فلا تبق ولا تذر # وقال سلمان أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نتكلف للضيف ما ليس ~~عندنا وأن نقدم إليه ما حضرنا (2) # وفي حديث يونس النبي صلى الله عليه وسلم أنه زاره إخوانه فقدم إليهم كسرا ~~وجز لهم بقلا كان يزرعه ثم قال لهم كلوا لولا أن الله لعن المتكلفين لتكلفت ~~لكم # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه وغيره من الصحابة أنهم كانوا يقدمون ما حضر ~~من الكسر اليابسة وحشف التمر ويقولون لا ندري أيهما أعظم وزرا الذي يحتقر ~~ما يقدم إليه أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدمه # الأدب الثاني وهو للزائر أن لا يقترح ولا يتحكم بشيء بعينه فربما يشق على ~~المزور إحضاره فإن خيره أخوه بين طعامين فليتخير أيسرهما عليه كذلك السنة ~~ففيالخبر أنه ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين شيئين إلا اختار ~~أيسرهما (3) # وروى الأعمش عن أبي وائل أنه قال مضيت مع صاحب لي نزور سلمان فقدم إلينا ~~خبز شعير وملحا جريشا فقال صاحبي لو ms0590 كان في هذا الملح سعترا كان أطيب فخرج ~~سلمان فرهن مطهرته وأخذ سعترا فلما أكلنا قال صاحبي الحمد لله الذي قنعنا ~~بما رزقنا فقال سلمان لو قنعت بما رزقت لم تكن مطهرتي مرهونة # هذا إذا توهم تعذر ذلك على أخيه أو كراهته له فإن علم أنه يسر باقتراحه ~~ويتيسر عليه ذلك فلا يكره له الاقتراح فعل الشافعي رضي الله عنه ذلك مع ~~الزعفراني إذ كان نازلا عنده ببغداد وكان الزعفراني يكتب كل يوم رقعة بما ~~يطبخ من الألوان ويسلمها إلى الجارية فأخذ الشافعي الرقعة في بعض الأيام ~~وألحق بها لونا آخر بخطه فلما رأى الزعفراني ذلك اللون أنكر وقال ما أمرت ~~بهذا فعرضت عليه الرقعة ملحقا فيها خط الشافعي فلما وقعت عينه على خطه فرح ~~بذلك وأعتق الجارية سرورا باقتراح الشافعي عليه # وقال أبو بكر الكتاني دخلت على السري فجاء بفتيت وأخذ يجعل نصفه في القدح ~~فقلت له أي شيء تعمل وأنا أشربه كله في مرة واحدة فضحك وقال هذا أفضل لك من ~~حجة # وقال بعضهم الأكل على ثلاثة أنواع مع الفقراء بالإيثار ومع الإخوان ~~بالانبساط ومع أبناء الدنيا بالأدب # الأدب الثالث أن يشهي المزور أخاه الزائر ويلتمس منه الاقتراح مهما كانت ~~نفسه طيبة بفعل ما يقترح فذلك حسن وفيه أجر وفضل جزيل # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صادف من أخيه شهوة غفر له ومن سر ~~أخاه المؤمن فقد سر الله تعالى (4) # وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه جابر من لذذ أخاه بما يشتهي كتب الله ~~له ألف ألف حسنة ومحى عنه ألف ألف سيئة PageV02P011 # ورفع له ألف ألف درجة وأطعمه الله من ثلاث جنات جنة الفردوس وجنة عدن ~~وجنة الخلد (1) # الأدب الرابع أن لا يقول له هل أقدم لك طعاما بل ينبغي أن يقدم إن كان # قال الثوري إذا زارك أخوك فلا تقل له أتأكل أو أقدم إليك ولكن قدم فإن ~~أكل وإلا فارفع # وإن كان يريد أن يطعمهم طعاما فلا ينبغي أن يظهرهم عليه ms0591 أو يصفه لهم # قال الثوري إذا أردت أن لا تطعم عيالك مما تأكله فلا تحدثهم به ولا يرونه ~~معك # وقال بعض الصوفية إذا دخل عليكم الفقراء فقدموا إليهم طعاما وإذا دخل ~~الفقهاء فسلوهم عن مسألة فإذا دخل القراء فدلوهم على المحراب ### ||| الباب الرابع في آداب الضيافة # ومظان الآداب فيها ستة الدعوة أولا ثم الإجابة ثم الحضور ثم تقديم الطعام ~~ثم الأكل ثم الانصراف ولنقدم على شرحها إن شاء الله تعالى # فضيلة الضيافة قال صلى الله عليه وسلم لا تكلفوا للضيف فتبغضوه فإنه من ~~أبغض الضيف فقد أبغض الله ومن أبغض الله أبغضه الله (2) # وقال صلى الله عليه وسلم لا خير فيمن لا يضيف (3) # ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل له إبل وبقر كثيرة فلم يضيفه ومر ~~بامرأة لها شويهات فذبحت له # فقال صلى الله عليه وسلم انظروا إليهما إنما هذه الأخلاق بيد الله فمن ~~شاء أن يمنحه خلقا حسنا فعل (4) # وقال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نزل به صلى الله ~~عليه وسلم ضيف فقال # قل لفلان اليهودي نزل بي ضيف فأسلفني شيئا من الدقيق إلى رجب فقال ~~اليهودي والله ما أسلفه إلا برهن فأخبرته فقال والله إني لأمين في السماء ~~أمين في الأرض ولو أسلفني لأديته فاذهب بدرعي وارهنه عنده (5) # وكان إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه إذا أراد ان يأكل خرج ميلا ~~أو ميلين يلتمس من يتغدى معه وكان يكنى أبا الضيفان ولصدق نيته فيه دامت ~~ضيافته في مشهده إلى يومنا هذا فلا تنقضي ليلة إلا ويأكل عنده جماعة من بين ~~ثلاثة إلى عشرة إلى مائة # وقال قوام الموضع إنه لن يخل إلى الآن ليلة عن ضيف وسئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما الإيمان فقال إطعام الطعام وبذل السلام (6) # وقال صلى الله عليه وسلم في الكفارات والدرجات إطعام الطعام والصلاة ~~بالليل والناس نيام (7) PageV02P012 # وسئل عن الحج المبرور فقال إطعام الطعام وطيب الكلام (1) # وقال أنس رضي الله عنه كل بيت لا ms0592 يدخله ضيف لا تدخله الملائكة # والأخبار الواردة في فضل الضيافة والإطعام لا تحصى فلنذكر آدابها # أما الدعوة فينبغي للداعي أن يعمد بدعوته الأتقياء دون الفساق قال صلى ~~الله عليه وسلم أكل طعامك الأبرار (2) # في دعائه لبعض من دعا له وقال صلى الله عليه وسلم لا تأكل إلا طعام تقي ~~ولا يأكل طعامك إلا تقي (3) # ويقصد الفقراء دون الأغنياء على الخصوص # قال صلى الله عليه وسلم شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء دون ~~الفقراء (4) # وينبغي أن لا يهمل أقاربه في ضيافته فإن إهمالهم إيحاش وقطع رحم وكذلك ~~يراعي الترتيب في أصدقائه ومعارفه فإن في تخصيص البعض إيحاشا لقلوب الباقين # وينبغي أن لا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب الإخوان ~~والتسنن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطعام الطعام وإدخال السرور ~~على قلوب المؤمنين # وينبغي أن لا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة وإذا حضر تأذى بالحاضرين ~~بسبب من الأسباب # وينبغي أن لا يدعو إلا من يحب إجابته قال سفيان من دعا أحدا إلى طعام وهو ~~يكره الإجابة فعليه خطيئة فإن أجاب المدعو فعليه خطيئتان # لأنه حمله على الأكل مع كراهة ولو علم ذلك لما كان يأكله # وإطعام التقي إعانة على الطاعة وإطعام الفاسق تقوية على الفسق # قال رجل خياط لابن المبارك أنا أخيط ثياب السلاطين فهل تخاف أن أكون من ~~أعوان الظلمة قال لا إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة أما أنت ~~فمن الظلمة نفسهم # وأما الإجابة فهي سنة مؤكدة وقد قيل بوجوبها في بعض المواضع # قال صلى الله عليه وسلم لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع لقبلت ~~(5) # وللإجابة خمسة آداب # الأول أن لا يميز الغني بالإجابة عن الفقير فذلك هو التكبر المنهي عنه ~~ولأجل ذلك امتنع بعضهم عن أصل الإجابة وقال انتظار المرقة ذل وقال آخر إذا ~~وضعت يدي في قصعة غيري فقد ذلت له رقبتي ومن المتكبرين من يجيب الأغنياء ~~دون الفقراء وهو خلاف السنة # كان رسول الله صلى ms0593 الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد ودعوة المسكين (6) # ومر الحسن بن علي رضي الله عنهما بقوم من المساكين الذين يسألون الناس ~~على الطريق وقد نشروا كسرا على الأرض في الرمل وهم يأكلون وهو على بغلته ~~فسلم عليهم فقالوا له هلم إلى الغداء يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال نعم إن الله لا يحب المستكبرين فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل ثم ~~سلم عليهم وركب وقال قد أجبتكم فأجيبوني قالوا نعم فوعدهم وقتا معلوما ~~فحضروا فقدم إليهم فاخر الطعام وجلس يأكل معهم # وأما قول القائل إن من وضعت يدي في قصعته فقد ذلت له رقبتي فقد قال بعضهم ~~هذا خلاف السنة وليس كذلك فإنه ذل إذا كان الداعي لا يفرح بالإجابة ولا ~~يتقلد منة وكان يرى ذلك يدا له على المدعو # ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحضر لعلمه أن الداعي له يتقلد منة ~~ويرى ذلك شرفا وذخرا لنفسه في الدنيا والآخرة فهذا يختلف باختلاف الحال فمن ~~ظن به أنه يستثقل الإطعام وإنما يفعل ذلك مباهاة أو تكلفا فليس من السنة ~~إجابته (7) # بل الأولى التعلل ولذلك قال بعض الصوفية # لا تجب إلا دعوة من يرى أنك أكلت رزقك وأنه PageV02P013 # سلم إليك وديعة كانت لك عنده ويرى لك الفضل عليه في قبول تلك الوديعة منه # وقال سري السقطي رحمه الله آه على لقمة ليس على الله فيها تبعة ولا ~~لمخلوق فيها منه # فإذا علم المدعو أنه لا منة في ذلك فلا ينبغي أن يرد # وقال أبو تراب النخشي رحمة الله عليه عرض علي طعام فامتنعت فابتليت ~~بالجوع أربعة عشر يوما فعلمت أنه عقوبته # وقيل لمعروف الكرخي رضي الله عنه كل من دعاك تمر إليه فقال أنا ضيف أنزل ~~حيث أنزلوني # الثاني أنه لا ينبغي أن يمتنع عن الإجابة لبعد المسافة كما لا يمتنع لفقر ~~الداعي وعدم جاهه بل كل مسافة يمكن احتمالها في العادة لا ينبغي أن يمتنع ~~لأجل ذلك # يقال في التوراة أو بعض الكتب سر ms0594 ميلا عد مريضا سر ميلين شيع جنازة سر ~~ثلاثة أميال أجب دعوة سر أربعة أميال زر أخا في الله # ولإنما قدم إجابة الدعوة والزيارة لأن فيه قضاء حق الحي فهو أولى من ~~الميت وقال صلى الله عليه وسلم لو دعيت إلى كراع بالغميم لأجبت (1) # وهو موضع على أميال من المدينة أفطر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~رمضان (2) # لما بلغه وقصر عنده في سفره (3) # الثالث أن لا يمتنع لكونه صائما بل يحضر فإن كان يسر أخاه إفطاره فليفطر ~~وليحتسب في إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه ما يحتسب في الصوم وأفضل ~~وذلك في صوم التطوع وإن لم يتحقق سرور قلبه فليصدقه بالظاهر وليفطر وإن ~~تحقق أنه متكلف فليتعلل # وقد قال صلى الله عليه وسلم لمن امتنع بعذر الصوم تكلف لك أخوك وتقول إني ~~صائم (4) # وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما من أفضل الحسنات إكرام الجلساء بالإفطار ~~فالإفطار عبادة بهذه النية وحسن خلق فثوابه فوق ثواب الصوم # ومهما لم يفطر فضيافته الطيب والمجمرة والحديث الطيب # وقد قيل الكحل والدهن أحد القراءين # الرابع أن يمتنع من الإجابة إن كان الطعام طعام شبهة أو الموضع أو البساط ~~المفروش من غير حلال أو كان يقام في الموضع منكر من فرش ديباج أو إناء فضة ~~أو تصوير حيوان على سقف أو حائط أو سماع شيء من المزامير والملاهي أو ~~التشاغل بنوع من اللهو والعزف والهزل واللعب واستماع الغيبة والنميمة ~~والزور والبهتان والكذب وشبه ذلك مما يمنع الإجابة واستحبابها ويوجب ~~تحريمها أو كراهيتها وكذلك إذا كان الداعي ظالما أو مبتدعا أو فاسقا أو ~~شريرا أو متكلفا طلبا للمباهاة والفخر # الخامس أن لا يقصد بالإجابة قضاء شهوة البطن فيكون عاملا في أبواب الدنيا ~~بل يحسن نيته ليصير بالإجابة عاملا للآخرة وذلك بأن تكون نيته الاقتداء ~~بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لو دعيت إلى كراع لأجبت وينوي ~~الحذر من معصية الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم من لم يجب ms0595 الداعي فقد ~~عصى الله ورسوله (5) # وينوي إكرام أخيه المؤمن اتباعا لقوله صلى الله عليه وسلم من أكرم أخاه ~~المؤمن فكأنما أكرم الله (6) # وينوي إدخال السرور على قلبه امتثالا لقوله PageV02P014 # صلى الله عليه وسلم من سر مؤمنا فقد سر الله (1) # وينوي مع ذلك زيارته ليكون من المتاحبين في الله إذ شرط رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيه التزاور والتباذل لله (2) # وقد حصل البذل من أحد الجانبين فتحصل الزيارة من جانبه أيضاوينوي صيانة ~~نفسه عن أن يساء به الظن في امتناعه ويطلق اللسان فيه بأن يحمل على تكبر أو ~~سوء خلق أو اسحتقار أخ مسلم أو ما يجري مجراه # فهذه ست نيات تلحق إجابته بالقربات آحادها فكيف مجموعها وكان بعض السلف ~~يقول أنا أحب أن يكون لي في كل عمل نية حتى في الطعام والشراب وفي مثل هذا ~~قال صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى فمن ~~كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى ~~دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه (3) # والنية إنما تؤثر في المباحات والطاعات أما المنهيات فلا # فإنه لو نوى أن يسر إخوانه بمساعدتهم على شرب الخمر أو حرام آخر لم تنفع ~~النية ولم يجز أن يقال الأعمال بالنيات # بل لو قصد بالغزو الذي هو طاعة المباهاة وطلب المال انصرف عن جهة الطاعة # وكذلك المباح المردد بين وجوه الخيرات وغيرها يلتحق بوجوه الخيرات بالنية ~~فتؤثر النية في هذين القسمين لا في القسم الثالث # وأما الحضور فأدبه أن يدخل الدار ولا يتصدر فيأخذ أحسن الأماكن بل يتواضع ~~ولا يطول الانتظار عليهم ولا يعجل بحيث يفاجئهم قبل تمام الاستعداد ولا ~~يضيق المكان على الحاضرين بالزحمة بل إن أشار إليه صاحب المكان بموضع لا ~~يخالفه البتة فإنه قد يكون رتب في نفسه موضع كل واحد فمخالفته تشوش عليه ~~وإن أشار إليه بعض الضيفان بالارتفاع إكراما فليتواضع قال صلى الله عليه ~~وسلم إن من التواضع لله الرضا بالدون ms0596 من المجلس (4) # ولا ينبغي أن يجلس في مقابلة باب الحجرة التي للنساء وسترهم # ولا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام فإنه دليل على الشره # ويخص بالتحية والسؤال من يقرب منه إذا جلس # وإذا دخل ضيف للمبيت فليعرفه صاحب المنزل عند الدخول القبلة وبيت الماء ~~وموضع الوضوء كذلك فعل مالك بالشافعي رضي الله عنهما # وغسل مالك يده قبل الطعام قبل القوم وقال الغسل قبل الطعام لرب البيت أول ~~لأنه يدعو الناس إلى كرمه فحكمه أن يتقدم بالغسل وفي آخر الطعام يتأخر ~~بالغسل لينتظر أن يدخل من يأكل فيأكل معه # وإذا دخل فرأى منكرا غيره إن قدر وإلا أنكر بلسانه وانصرف # والمنكر فرش الديباج واستعمال أواني الفضة والذهب والتصوير على الحيطان ~~وسماع الملاهي والمزامير وحضور النسوة المتكشفات الوجوه وغير ذلك من ~~المحرمات حتى قال أحمد رحمه الله إذا رأى مكحلة رأسها مفضض ينبغي أن يخرج ~~ولم يأذن في الجلوس إلا في ضبة وقال إذا رأى كلة فينبغي أن يخرج فإن ذلك ~~تكلف لا فائدة فيه ولا تدفع حرا ولا بردا ولا تستر شيئا وكذلك قال يخرج إذا ~~رأى حيطان البيت مستورة بالديباج كما تستر الكعبة # وقال إذا اكترى بيتا فيه صورة أو دخل الحمام ورأى صورة فينبغي أن يحكها ~~فإن لم يقدر خرج # وكل ما ذكره صحيح وإنما النظر في الكلة وتزيين الحيطان بالديباج فإن ذلك ~~لا ينتهي إلى التحريم إذ الحرير يحرم على الرجال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها (5) # وما على PageV02P015 # الحائط ليس منسوبا إلى الذكور ولو حرم هذا لحرم تزيين الكعبة بل الأولى ~~إباحته لموجب قوله {قل من حرم زينة الله} لا سيما في وقت الزينة إذا لم ~~يتخذ عادة للتفاخر # وإن تخيل أن الرجال ينتفعون بالنظر إليه ولا يحرم على الرجال الانتفاع ~~بالنظر إلى الديباج مهما لبسه الجواري والنساء # والحيطان في معنى النساء إذ لسن موصوفات بالذكورة # وأما إحضار الطعام فله آداب خمسة # الأول تعجيل الطعام فذلك من ms0597 إكرام الضيف وقد قال صلى الله عليه وسلم من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه (1) # ومهما حضر الأكثرون وغاب واحد أو اثنان وتأخروا عن الوقت الموعود فحق ~~الحاضر في التعجيل أولى من حق أولئك في التأخير إلا أن يكون المتأخر فقيرا ~~أو ينكسر قلبه بذلك فلا بأس في التأخير وأحد المعنيين في قوله تعالى {هل ~~أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين} أنهم أكرموا بتعجيل الطعام إليهم دل عليه ~~قوله تعالى {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} وقوله {فراغ إلى أهله فجاء بعجل ~~سمين} والروغان الذهاب بسرعة وقيل في خفية وقيل جاء بفخذ من لحم وإنما سمي ~~عجلا لأنه عجله ولم يلبث # قال حاتم الأصم العجلة من الشيطان إلا في خمسة فإنها من سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إطعام الضيف وتجهيز الميت وتزويج البكر وقضاء الدين ~~والتوبة من الذنب (2) # ويستحب التعجيل في الوليمة قيل الوليمة في أول يوم سنة وفي الثاني معروف ~~وفي الثالث رياء # الثاني ترتيب الأطعمة بتقديم الفاكهة أولا إن كانت فذلك أوفق في الطب ~~فإنها أسرع استحالة فينبغي أن تقع في أسفل المعدة # وفي القرآن تنبيه على تقديم الفاكهة في قوله تعالى وفاكهة مما يتخيرون ~~{ثم قال} ولحم طير مما يشتهون ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم والثريد ~~فقد قال صلى الله عليه وسلم فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر ~~الطعام فإن جمع إليه حلاوة بعده فقد جمع الطيبات # ودل على حصول الإكرام باللحم قوله تعالى في ضيف إبراهيم إذ أحضر العجل ~~الحنيذ أي المحنوذ وهو الذي أجيد نضجه وهو أحد معنى الإكرام أعني تقديم ~~اللحم # وقال تعالى في وصف الطيبات وأنزلنا عليكم المن والسلوى المن العسل ~~والسلوى اللحم سمي سلوى لأنه يتسلى به عن جميع الإدام ولا يقوم غيره مقامه ~~ولذلك قال صلى الله عليه وسلم سيد الإدام اللحم ثم قال بعد ذكر المن ~~والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم فاللحم والحلاوة من الطيبات # قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه أكل ms0598 الطيبات يورث الرضا عن الله # وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد وصب الماء الفاتر على اليد عند الغسل # قال المأمون شرب الماء بثلج يخلص الشكر # وقال بعض الأدباء إذا دعوت إخوانك فأطعمتهم حصرمية وبورانية وسقيتهم ماء ~~باردا فقد أكملت الضيافة # وأنفق بعضهم دراهم في ضيافة فقال بعض الحكماء لم نكن نحتاج إلى هذا إذا ~~كان خبزك جيدا وماؤك باردا وخلك حامضا فهو كفاية # وقال بعضهم الحلاوة بعد الطعام خير من كثرة الألوان والتمكن على المائدة ~~خير من زيادة لونين PageV02P016 # ويقال أن الملائكة تحضر المائدة إذا كان عليها بقل فذلك أيضا مستحب ولما ~~فيه من التزين بالخضرة # وفي الخبر إن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل كان عليها من كل البقول ~~إلا الكراث # وكان عليها سمكة عند رأسها خل وعند ذنبها ملح وسبعة أرغفة على كل رغيف ~~زيتون وحب رمان فهذا إذا اجتمع حسن للموافقة # الثالث أن يقدم من الألوان ألطفها حتى يستوفي منها من يريد ولا يكثر ~~الأكل بعده وعادة المترفين تقديم الغليظ ليستأنف حركة الشهوة بمصادفة ~~اللطيف بعده وهو خلاف السنة فإنه حيلة في استكثار الأكل # وكان من سنة المتقدمين أن يقوموا جملة الألوان دفعة واحدة ويصففون القصاع ~~من الطعام على المائدة ليأكل كل واحد مما يشتهي # وإن لم يكن عنده إلا لون واحد ذكره ليستوفوا منه ولا ينتظروا أطيب منه # ويحكى عن بعض أصحاب المروءات أنه كان يكتب نسخة بما يستحضر من الألوان ~~ويعرض على الضيفان # وقال بعض الشيوخ قدم إلى بعض المشايخ لونا بالشام فقلت عندنا بالعراق ~~إنما يقدم هذا آخرا فقال وكذا عندنا بالشام ولم يكن له لون غيره فخجلت منه # وقال آخر كنا جماعة في ضيافة فقدم إلينا ألوان من الرءوس المشوية طبيخا ~~وقديدا فكنا لا نأكل ننتظر بعدها لونا أو حملا فجاءنا بالطست ولم يقدم ~~غيرها فنظر بعضنا إلى بعض فقال بعض الشيوخ وكان مزاحا إن الله تعالى يقدر ~~أن يخلق رءوسا بلا أبدان قال وبتنا تلك الليلة جياعا نطلب فتيتا إلى السحور # فلهذا ms0599 يستحب أن يقدم الجميع أو يخبر بما عنده # الرابع أن لا يبادر إلى رفع الألوان قبل تمكنهم من الاستيفاء حتى يرفعوا ~~الأيدي عنها فلعل منهم من يكون بقية ذلك اللون أشهى عنده مما استحضروه أو ~~بقيت فيه حاجة إلى الأكل فيتنغض عليه بالمبادرة وهي من التمكن على المائدة ~~التي يقال إنها خير من لونين فيحتمل أن يكون المراد به قطع الاستعجال ~~ويحتمل أن يكون أراد به سعة المكان # حكى عن الستوري وكان صوفيا مزاحا فحضر عند واحد من أبناء الدنيا على ~~مائدة فقدم إليهم حمل وكان صاحب المائدة بخل فلما رأى القوم مزقوا الحمل كل ~~ممزق ضاق صدره وقال يا غلام ارفع إلى الصبيان فرفع الحمل إلى داخل الدار ~~فقام الستوري يعدو خلف الحمل فقيل له إلى أين فقال آكل مع الصبيان فاستحيا ~~الرجل وأمر برد الحمل # ومن هذا الفن أن لا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم فإنهم يستحيون بل ~~ينبغي أن يكون آخرهم أكلا # كان بعض الكرام يخبر القوم بجميع الألوان ويتركهم يستوفون فإذا قاربوا ~~الفراغ جثا على ركبتيه ومد يده إلى الطعام وأكل وقال # بسم الله ساعدوني بارك الله فيكم وعليكم وكان السلف يستحسنون ذلك منه # الخامس أن يقدم من الطعام قدر الكفاية فإن التقليل عن الكفاية نقص في ~~المروءة والزيادة عليه تصنع ومراءاة لا سيما إذا كانت نفسه لا تسمح بأن ~~يأكلوا الكل إلا أن يقدم الكثير وهو طيب النفس لو أخذوا الجميع ونوى أن ~~يتبرك بفضلة طعامهم إذ في الحديث لا يحاسب عليه # أحضر إبراهيم بن أدهم رحمه الله طعاما كثيرا على مائدته فقال له سفيان يا ~~أبا إسحاق أما تخاف أن يكون هذا سرفا فقال إبراهيم ليس في الطعام سرف # فإن لم تكن هذه النية فالتكثير تكلف # قال ابن مسعود رضي الله عنه نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه وكره ~~جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة # ومن ذلك كان لا يرفع من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلة طعام ~~قط ms0600 لأنهم كانوا لا يقدمون إلا قدر الحاجة ولا يأكلون تمام الشبع # وينبغي أن يعزل أولا نصيب أهل البيت حتى لا تكون أعينهم طامحة إلى رجوع ~~شيء منه فلعله لا يرجع فتضيق صدورهم وتنطلق في الضيفان ألسنتهم ويكون قد ~~أطعم الضيفان ما يتبعه كراهية قوم وذلك خيانة في حقهم # وما بقي من الأطعمة فليس للضيفان أخذه وهو الذي تسميه الصوفية الزلة إلا ~~إذا صرح PageV02P017 # صاحب الطعام بالإذن فيه عن قلب راض أو علم ذلك بقرينة حاله وأنه يفرح به ~~فإن كان يظن كراهيته # فلا ينبغي أن يؤخذ وإذا علم رضاه فينبغي مراعاة العدل والنصفة مع الرفقاء ~~فلا ينبغي أن يأخذ الواحد إلا ما يخصه أو ما يرضى به رفيقه عن طوع لا عن ~~حياء # فأما الانصراف فله ثلاثة آداب # الأول أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار وهو سنة وذلك من إكرام الضيف وقد ~~أمر بإكرامه قال صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ~~ضيفه وقال صلى الله عليه وسلم إن من سنة الضيف أن يشيع إلى باب الدار قال ~~أبو قتادة قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام يخدمهم ~~بنفسه فقال له أصحابه نحن نكفيك يا رسول الله فقال كلا إنهم كانوا لأصحابي ~~مكرمين وأنا أحب أن أكافئهم وتمام الإكرام طلاقة الوجه وطيب الحديث عند ~~الدخول والخروج وعلى المائدة # قيل للأوزاعي رضي الله عنه ما كرامة الضيف قال طلاقة الوجه وطيب الحديث # وقال يزيد بن أبي زياد ما دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى إلا حدثنا ~~حديثا حسنا وأطعمنا طعاما حسنا # الثاني أن ينصرف الضيف طيب النفس وإن جرى في حقه تقصير فذلك من حسن الخلق ~~والتواضع قال صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم ~~القائم ودعي بعض السلف برسول فلم يصادفه الرسول فلما سمع حضر وكانوا قد ~~تفرقوا وفرغوا وخرجوا فخرج إليه صاحب المنزل وقال قد خرج القوم فقال هل بقي ~~بقية قال لا قال فكسرة ms0601 إن بقيت قال لم تبق قال فالقدر أمسحها قال قد غسلتها ~~فانصرف يحمد الله تعالى فقيل له في ذلك فقال قد أحسن الرجل دعانا بنية ~~وردنا بنية فهذا هو معنى التواضع وحسن الخلق # وحكى أن أستاذ أبى القاسم الجنيد دعاه صبي إلى دعوة أبيه أربع مرات فرده ~~الأب في المرات الأربع وهو يرجع في كل مرة تطييبا لقلب الصبي بالحضور ولقلب ~~الأب بالانصراف فهذه نفوس قد ذللت بالتواضع لله تعالى واطمأنت بالتوحيد ~~وصارت تشاهد في كل رد وقبول عبرة فيما بينها وبين ربها فلا تنكسر بما يجري ~~من العباد من الإذلال كما لا تستبشر بما يجري منهم من الإكرام بل يرون الكل ~~من الواحد القهار # ولذلك قال بعضهم أنا لا أجيب الدعوة إلا لأني أتذكر بها طعام الجنة أي هو ~~طعام طيب يحمل عنا كده ومؤنته وحسابه # الثالث أن لا يخرج إلا برضا صاحب المنزل وإذنه ويراعي قلبه في قدر ~~الإقامة وإذا نزل ضيفا فلا يزيد على ثلاثة أيام فربما يتبرم به ويحتاج إلى ~~إخراجه قال صلى الله عليه وسلم الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فصدفة (1) # نعم لو ألح رب البيت عليه عن خلوص قلب فله المقام إذ ذاك ويستحب أن يكون ~~عنده فراش للضيف النازل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فراش للرجل وفراش ~~للمرأة وفراش للضيف والرابع للشيطان (2) ### ||| فصل يجمع آدابا ومناهي طيبة وشرعية متفرقة # الأول حكي عن إبراهيم النخعي أنه قال الأكل في السوق دناءة (3) # وأسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناده قريب # وقد نقل ضده عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال كنا نأكل عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم PageV02P018 # ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام (1) # ورؤي بعض المشايخ من المتصوفة المعروفين يأكل في السوق فقيل له في ذلك ~~فقال ويحك أجوع في السوق وآكل في البيت فقيل تدخل المسجد قال أستحي أن أدخل ~~بيته للأكل فيه # ووجه الجمع أن الأكل في السوق تواضع وترك تكلف من بعض الناس فهو حسن وخرق ms0602 ~~مروءة من بعضهم فهو مكروه وهو مختلف بعادات البلاد وأحوال الأشخاص فمن لا ~~يليق ذلك بسائر أعماله حمل ذلك على قلة المروءة وفرط الشره ويقدح ذلك في ~~الشهادة ومن يليق ذلك بجميع أحواله وأعمالهفي ترك التكلف كان ذلك منه ~~تواضعا # الثاني قال علي رضي الله عنه من ابتدأ غذاءه بالملح أذهب الله عنه سبعين ~~نوعا من البلاء ومن أكل في يوم سبع تمرات عجوة قتلت كل دابة في بطنه ومن ~~أكل كل يوم إحدى وعشرين زبيبة حمرا لم ير في جسده شيئا يكرهه واللحم ينبت ~~اللحم والثريد طعام العرب والبسقارجات تعظم البطن وترخي الأليتين ولحم ~~البقر داء ولبنها شفاء وسمنها دواء والشحم يخرج مثله من الداء ولن تستشفي ~~النفساء بشيء أفضل من الرطب والسمك يذيب الجسد وقراءة القرآن والسواك ~~يذهبان البلغم ومن أراد البقاء ولا بقاء فليباكر بالغداء وليكرر العشاء ~~وليلبس الحذاء ولن يتداوى الناس بشيء مثل السمن وليقل غشيان النساء وليخف ~~الرداء وهو الدين # الثالث قال الحجاج لبعض الأطباء صف لي صفة آخذ بها ولا أعدوها قال # لا تنكح من النساء إلا فتاة ولا تأكل من اللحم إلا فتيا ولا تأكل المطبوخ ~~حتى يتم نضجه ولا تشربن دواء إلا من علة ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها ~~ولا تأكلن طعاما إلا أجدت مضغه وكل ما أحببت من الطعام ولا تشربن عليه فإذا ~~شربت فلا تأكلن عليه شيئا ولا تحبس الغائط والبول وإذا أكلت بالنهار فنم ~~وإذا أكلت بالليل فامش قبل أن تنام ولو مائة خطوة # وفي معناه قول العرب تغد تمد تعش تمش يعني تمدد كما قال الله تعال ثم ذهب ~~إلى أهله يتمطى أي يتمطط # ويقال إن حبس البول يفسد الجسد كما يفسد النهر ما حوله إذا سد مجراه # الرابع في الخبر قطع العروق مسقمة وترك العشاء مهرمة (2) # والعرب تقول ترك الغداء يذهب بشحم الكاذة يعني الآلية وقال بعض الحكماء ~~لابنه يا بني لا تخرج من منزلك حتى تأخذ حلمك أي تتغذى إذ به يبقى الحلم ~~ويزول الطيش ms0603 وهو أيضا أقل لشهوته لما يرى في السوق # وقال حكيم لسمين أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك فمم هي قال من أكل لباب ~~البر وصغار المعز وأدهن بجام بنفسج وألبس الكتان # الخامس الحمية تضر بالصحيح كما يضر تركها بالمريض هكذا قيل # وقال بعضهم من احتمى فهو على يقين من المكروه وعلى شك من العوافي وهذا ~~حسن في حال الصحة ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صهيبا يأكل تمرا وإحدى ~~عينيه رمداء فقال # أتأكل التمر وأنت رمد فقال يا رسول الله إنما آكل بالشق الآخر (3) # يعني جانب السليمة فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم # السادس أنه يستحب أن يحمل طعام إلى أهل الميت ولما جاء نعي جعفر بن أبي ~~طالب قال صلى الله عليه وسلم إن آل جعفر شغلوا بميتهم عن صنع طعامهم ~~فاحملوا إليهم ما يأكلون (4) # فذلك سنة # وإذا قدم ذلك إلى الجمع حل الأكل منه ما يهيأ للنوائح والمعينات عليه ~~بالبكاء والجزع PageV02P019 # فلا ينبغي أن يؤكل معهم # السابع لا ينبغي أن يحضر طعام ظالم فإن أكره فليقلل الأكل ولا يقصد ~~الطعام الأطيب رد بعض المزكين شهادة من حضر طعام سلطان فقال كنت مكرها فقال ~~رأيتك تقصد الأطيب وتكبر اللقمة وما كنت مكرها عليه وأجبر السلطان هذا ~~المزكي على الأكل فقال إما أن آكل وأخلي التزكية أو أزكي ولا آكل فلم يجدوا ~~بدا من تزكيته فتركوه # وحكي أن ذا النون المصري حبس ولم يأكل أياما في السجن فكانت له أخت في ~~الله فبعثت إليه طعاما من مغزلها على يد السجان فامتنع فلم يأكل فعاتبته ~~المرأة بعد ذلك فقال كان حلالا ولكن جاءني على طبق ظالم وأشار به إلى يد ~~السجان وهذا غاية الورع # الثامن حكي عن فتح الموصلي رحمه الله أنه دخل على بشر الحافي زائرا فأخرج ~~بشر درهما فدفعه لأحمد الجلاء خادمه وقال اشتر به طعاما جيدا وأدما طيبا ~~قال فاشتريت خبزا نظيفا وقلت لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لشيء ~~اللهم بارك لنا فيه ms0604 وزدنا منه (1) # سوى اللبن فاشتريت اللبن واشتريت تمرا جيدا فقدمت إليه فأكل وأخذ الباقي # فقال بشر أتدرون لم قلت اشتر طعاما طيبا لأن الطعام الطيب يستخرج خالص ~~الشكر أتدرون لم لم يقل لي كل لأنه ليس للضيف أن يقول لصاحب الدار كل ~~أتدرون لم حمل ما بقي لأنه إذا صح التوكل لم يضر الحمل # وحكى أبو علي الروذباري رحمه الله تعالى أنه اتخذ ضيافة فأوقد فيها ألف ~~سراج فقال له رجل قد أسرفت فقال له ادخل فكل ما أوقدته لغير الله فأطفئه ~~فدخل الرجل فلم يقدر على إطفاء واحد منها فانقطع # واشترى أبو علي الروذباري أحمالا من السكر وأمر الحلاويين حتى بنوا جدارا ~~من السكر عليه شرف ومحاريب على أعمدة منقوشة كلها من سكر ثم دعا الصوفية ~~حتى هدموها وانتهبوها # التاسع قال الشافعي رضي الله عنه الأكل على أربعة أنحاء: الأكل بإصبع من ~~المقت وبإصبعين من الكبر وبثلاث أصابع من السنة (2) # وبأربع وخمس من الشره وأربعة أشياء تقوي البدن: أكل اللحم وشم الطيب ~~وكثرة الغسل من غير جماع ولبس الكتان # وأربعة توهن البدن: كثرة الجماع وكثرة الهم وكثرة شرب الماء على الريق ~~وكثرة أكل الحموضة # وأربعة تقوي البصر: الجلوس تجاه القبلة والكحل عند النوم والنظر إلى ~~الخضرة وتنظيف الملبس # وأربعة توهن البصر: النظر إلى القذر والنظر إلى المصلوب والنظر إلى فرج ~~المرأة والقعود في استدبار القبلة # وأربعة تزيد في الجماع: أكل العصافير وأكل الإطريفل الأكبر وأكل الفستق ~~وأكل الجرجير # والنوم على أربعة أنحاء # فنوم على القفا وهو نوم الأنبياء عليهم السلام يتفكرون في خلق السموات ~~والأرض ونوم على اليمين وهو نوم العلماء والعباد ونوم على الشمال وهو نوم ~~الملوك ليهضمهم طعامهم ونوم على الوجه وهو نوم الشياطين # وأربعة تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام والسواك ومجالسة الصالحين ~~والعلماء # وأربعة هن من العبادة: لا يخطو خطوة إلا على وضوء وكثرة السجود ولزوم ~~المساجد وكثرة قراءة القرآن وقال أيضا عجبت لمن يدخل الحمام على الريق ثم ~~يؤخر الأكل بعد أن يخرج ms0605 كيف لا يموت وعجبت لمن احتجم ثم يبادر الأكل كيف لا ~~يموت وقال: لم أر شيئاانفع في الوباء من البنفسج يدهن به ويشرب # والله اعلم بالصواب PageV02P020 ### || كتاب آداب النكاح وهو الكتاب الثاني من ربع العادات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي لا تصادف سهام الأوهام في عجائب صنعه مجرى ولا ترجع ~~العقول عن أوائل بدائعها إلا والهة حيرى ولا تزال لطائف نعمه على العالمين ~~تترى فهي تتوالى عليهم اختيارا وقهرا # ومن بدائع ألطافه أن خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وسلط على الخلق ~~شهوة اضطرهم بها الحراثة جبرا واستبقى بهم نسلهم إقهارا وقسرا # ثم عظم أمر الأنساب وجعل لها قدرا فحرم بسببها السفاح وبالغ في تقبيحه ~~ردعا وزجرا وجعل اقتحامه جريمة فاحشة وأمر إمرا وندب إلى النكاح وحث عليه ~~استحبابا وأمرا فسبحان من كتب الموت على عباده فأذلهم به هدما وكسرا ثم بث ~~بذور النطف في أراضي الأرحام وأنشأ منها خلقا وجعله لكسر الموت جبرا تنبيها ~~على أن بحار المقادير فياضة على العالمين نفعا وضرا وخيرا وشرا وعسرا ويسرا ~~وطيا ونشرا والصلاة والسلام على محمد المبعوث بالإنذار والبشرى وعلى آله ~~وأصحابه صلاة لا يستطيع لها الحساب عدا ولا حصرا وسلم تسليما كثيرا # أما بعد فإن النكاح معين على الدين ومهين للشياطين وحصن دون عدو الله ~~حصين وسبب للتكثير الذي به مباهاة سيد المرسلين لسائر النبيين فما أحراه ~~بأن تتحرى أسبابه وتحفظ سننه وآدابه وتشرح مقاصده وآرابه وتفصل فصوله ~~وأبوابه # والقدر المهم من أحكامه ينكشف في ثلاثة أبواب # الباب الأول في الترغيب فيه وعنه # الباب الثاني في الآداب المرعية في العقد والعاقدين # الباب الثالث في آداب المعاشرة بعد العقد إلى الفراق ### ||| الباب الأول في الترغيب في النكاح والترغيب عنه # اعلم أن العلماء قد اختلفوا في فضل النكاح فبالغ بعضهم فيه حتى زعم أنه ~~أفضل من التخلي لعبادة الله واعترف آخرون بفضله ولكن قدموا عليه التخلي ~~لعبادة الله مهما لم تتق النفس إلى النكاح توقانا ms0606 يشوش الحال ويدعو إلى ~~الوقاع # وقال آخرون الأفضل تركه في زماننا هذا وقد كان له فضيلة من قبل إذ لم تكن ~~الأكساب محظورة وأخلاق النساء مذمومة # ولا ينكشف الحق فيه إلا بان نقدم أولا ما ورد من الأخبار والآثار في ~~الترغيب فيه والترغيب عنه ثم نشرح فوائد النكاح وغوائله حتى يتضح منها ~~فضيلة النكاح وتركه في حق كل من سلم من غوائله أو لم يسلم منه ### |||| ا الترغيب في النكاح # أما من الآيات فقد قال تعالى وانكحوا الأيامى منكم وهذا أمر وقال تعالى ~~فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن وهذا منع من العضل ونهي عنه # وقال تعالى في وصف الرسل ومدحهم ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم ~~أزواجا وذرية فذكر ذلك في معرض الامتنان وإظهار الفضل # ومدح أولياءه بسؤال ذلك في الدعاء فقال والذين يقولون ربنا هب لنا من ~~أزواجنا وذرياتنا قرة أعين الآية ويقال أن الله تعالى لم يذكر PageV02P021 # في كتابه من الأنبياء إلا المتأهلين فقالوا إن يحيى صلى الله عليه وسلم ~~قد تزوج ولم يجامع قيل إنما فعل ذلك لنيل الفضل وإقامة السنة وقيل لغض ~~البصر وأما عيسى عليه السلام فإنه سينكح إذا نزل الأرض ويولد له # وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فقد ~~رغب عني وقال صلى الله عليه وسلم النكاح سنتي فمن أحب فطرتي فليستن بسنتي ~~(1) # وقال أيضا صلى الله عليه وسلم تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم ~~القيامة حتى بالسقط (2) # وقال أيضا صلى الله عليه وسلم من رغب عن سنتي فليس مني وإن من سنتي ~~النكاح فمن أحبني فليستن بسنتي (3) # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منا (4) # وهذا ذم لعلة الامتناع لا لأصل الترك وقال صلى الله عليه وسلم من كان ذا ~~طول فليتزوج (5) # وقال من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لا ~~فليصم فإن الصوم له وجاء (6) # وهذا يدل على أن سبب الترغيب فيه خوف الفساد ms0607 في العين والفرج # والوجاء هو عبارة عن رض الخصيتين للفحل حتى تزول فحولته فهو مستعار للضعف ~~عن الوقاع في الصوم # وقال صلى الله عليه وسلم إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا ~~تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (7) # وهذا أيضا تعليل الترغيب لخوف الفساد # وقال صلى الله عليه وسلم من نكح لله وأنكح لله استحق ولاية الله (8) # وقال صلى الله عليه وسلم من تزوج فقد أحرز شطر دينه فليتق الله في الشطر ~~الثاني (9) # وهذا أيضا إشارة إلى أن فضيلته لأجل التحرز من المخالفة تحصنا من الفساد ~~فكأن المفسد لدين المرء في الأغلب فرجه وبطنه وقد كفى بالتزويج أحدهما # وقال صلى الله عليه وسلم كل عمل ابن آدم ينقطع إلا ثلاث ولد صالح يدعو له ~~(10) # الحديث # ولا يوصل إلى هذا إلا بالنكاح PageV02P022 # وأما الآثار فقال عمر رضي الله عنه لا يمنع من النكاح إلا عجز أو فجور # فبين أن الدين غير مانع منه وحصر المانع في أمرين مذمومين # وقال ابن عباس رضي الله عنهما لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج # يحتمل أن جعله من النسك وتتمة له # ولكن الظاهر أنه أراد به أنه لا يسلم قلبه لغلبة الشهوة إلا بالتزويج ولا ~~يتم النسك إلا بفراغ القلب ولذلك كان يجمع غلمانه لما أدركوا عكرمة وكريبا ~~وغيرهما ويقول إن أردتم النكاح أنكحتكم فإن العبد إذا زنى نزع الإيمان من ~~قلبه # وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام ~~لأحببت أن أتزوج لكيلا ألقى الله عزبا ومات امرأتان لمعاذ بن جبل رضي الله ~~عنه في الطاعون وكان هو أيضا مطعونا فقال زوجوني فإني أكره أن ألقى الله ~~عزبا # وهذا منهما يدل على أنهما رأيا في النكاح فضلا لا من حيث التحرز عن غائلة ~~الشهوة # وكان عمر رضي الله عنه يكثر النكاح ويقول ما أتزوج إلا لأجل الولد وكان ~~بعض الصحابة قد انقطع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدمه ويبيت عنده ~~لحاجة إن طرقته ms0608 فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تتزوج فقال يا ~~رسول الله إني فقير لا شيء لي وأنقطع عن خدمتك فسكت # ثم عاد ثانيا فأعاد الجواب # ثم تفكر الصحابي وقال والله لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما ~~يصلحني في دنياي وآخرتي وما يقربني إلى الله مني ولئن قال لي الثالثة ~~لأفعلن # فقال له الثالثة ألا تتزوج قال فقلت يا رسول الله زوجني قال # اذهب إلى بني فلان فقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ~~تزوجوني فتاتكم قال فقلت يا رسول الله لا شيء لي فقال لأصحابه اجمعوا ~~لأخيكم وزن نواة من ذهب فجمعوا له فذهبوا به إلى القوم فأنكحوه فقال له ~~أولم وجمعوا له من الأصحاب شاة للوليمة (1) # وهذا التكرير يدل على فضل في نفس النكاح ويحتمل أنه توسم فيه الحاجة إلى ~~النكاح # وحكى أن بعض العباد في الأمم السالفة فاق أهل زمانه في العبادة فذكر لنبي ~~زمانه حسن عبادته فقال نعم الرجل هو لولا أنه تارك لشيء من السنة فاغتم ~~العابد لما سمع ذلك فسأل النبي عن ذلك فقال أنت تارك للتزويج فقال لست ~~أحرمه ولكني فقير وأنا عيال على الناس قال أنا أزوجك ابنتي فزوجه النبي ~~عليه السلام ابنته # وقال بشر بن الحرث فضل علي أحمد بن حنبل بثلاث بطلب الحلال لنفسه ولغيره ~~وأنا أطلبه لنفسي فقط ولاتساعه في النكاح وضيقي عنه ولأنه نصب إماما للعامة # ويقال إن أحمد رحمه الله تزوج في اليوم الثاني لوفاة أم ولده عبد الله ~~وقال أكره أن أبيت عزبا # وأما بشر فإنه لما قيل له # إن الناس يتكلمون فيك لتركك النكاح ويقولون هو تارك للسنة فقال قولوا لهم ~~هو مشغول بالفرض عن السنة # وعوتب مرة أخرى فقال ما يمنعني من التزويج إلا قوله تعالى {ولهن مثل الذي ~~عليهن بالمعروف} فذكر ذلك لأحمد فقال وأين مثل بشر إنه قعد على مثل حد ~~السنان # ومع ذلك فقد روي انه رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله ms0609 بك فقال رفعت ~~منازلي في الجنة وأشرف بي على مقامات الأنبياء ولم أبلغ منازل المتأهلين # وفي رواية قال لي ما كنت أحب أن تلقاني عزبا قال فقلنا له ما فعل أبو نصر ~~التمار فقال رفع فوقي بسبعين درجة قلنا بماذا فقد كنا نراك فوقه قال بصبره ~~على بنياته والعيال # وقال سفيان بن عيينة كثرة النساء ليست من الدنيا لأن عليا رضي الله عنه ~~كان أزهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له أربع نسوة وسبع عشرة ~~سرية # فالنكاح سنة ماضية وخلق من أخلاق الأنبياء # وقال رجل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله طوبى لك فقد تفرغت للعبادة بالعزوبة ~~فقال لروعة منك بسبب العيال أفضل من جميع ما أنا فيه قال فما الذي ~~PageV02P023 # يمنعك من النكاح فقال مالي حاجة في إمرأة وما أريد أن أغر امرأة بنفسي # وقد قيل فضل المتأهل على العزب كفضل المجاهد على القاعد # وركعة من متأهل افضل من سبعين ركعة من عزب # وأما ما جاء في الترهيب عن النكاح فقد قال صلى الله عليه وسلم خير الناس ~~بعد المائتين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد (1) # وقال صلى الله عليه وسلم يأتي على الناس زمان يكون هلاك الرجل على يد ~~زوجته وأبويه وولده يعيرونه بالفقر ويكلفونه ما لا يطيق فيدخل المداخل التي ~~يذهب فيها دينه فيهلك (2) # وفي الخبر قلة العيال أحد اليسارين وكثرتهم أحد الفقرين (3) # وسئل أبو سليمان الداراني عن النكاح فقال الصبر عنهن خير من الصبر عليهن ~~والصبر عليهن خير من الصبر على النار # وقال أيضا الوحيد يجد من حلاوة العمل وفراغ القلب ما لا يجد المتأهل # وقال مرة ما رأيت أحدا من أصحابنا تزوج فثبت على مرتبته الأولى # وقال أيضا ثلاث من طلبهن فقد ركن إلى الدنيا من طلب معاشا أو تزوج امرأة ~~أو كتب الحديث # وقال الحسن رحمه الله إذا أراد الله بعبد خيرا لم يشغله بأهل ولا مال ~~وقال ابن أبي الحواري تناظر جماعة في هذا الحديث فاستقر رأيهم على أنه ms0610 ليس ~~معناه أن لا يكونا له بل أن يكونا له ولا يشغلانه وهو إشارة إلى قول أبي ~~سليمان الداراني ما شغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك مشئوم وبالجملة ~~لم ينقل عن أحد الترغيب عن النكاح مطلقا إلا مقرونا بشرط # وأما الترغيب في النكاح فقد ورد مطلقا ومقرونا بشرط فلنكشف الغطاء عنه ~~بحصر آفات النكاح وفوائده # آفات النكاح وفوائده وفيه فوائد خمسة الولد وكسر الشهوة وتدبير المنزل # وكثرة العشيرة ومجاهدة النفس بالقيام بهن # الفائدة الأولى الولد وهو الأصل وله وضع النكاح # والمقصود إبقاء النسل وأن لا يخلو العالم عن جنس الإنس # وإنما الشهوة خلقت باعثة مستحثة كالموكل بالفحل في إخراج البذر وبالأنثى ~~في التمكين من الحرث تلطفا بهما في السياقة إلى اقتناص الولد بسبب الوقاع ~~كالتلطف بالطير في بث الحب الذي يشتهيه ليساق إلى الشبكة وكانت القدرة ~~الأزلية غير قاصرة عن اختراع الأشخاص ابتداء من غير حراثة وازدواج ولكن ~~الحكمة اقتضت ترتيب المسببات على الأسباب مع الاستغناء عنها إظهارا للقدرة ~~وإتماما لعجائب الصنعة وتحقيقا لما سبقت به المشيئة وحقت به الكلمة وجرى به ~~القلم # وفي التوصل إلى الولد قربة من أربعة أوجه هي الأصل في الترغيب فيه عند ~~الأمن من غوائل الشهوة حتى لم يحب أحدهم أن يلقى الله عزبا # الأول موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان # والثاني طلب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكثير من مباهاته # والثالث طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده # والرابع طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله # أما الوجه الأول فهو أدق الوجوه وأبعدها عن إفهام الجماهير وهو أحقها ~~وأقواها عند ذوي البصائر النافذة في عجائب صنع الله تعالى ومجاري حكمه # وبيانه أن السيد إذا سلم إلى عبده البذر وآلات الحرث وهيأ له أرضا مهيأة ~~للحراثة وكان العبد قادرا على الحراثة ووكل به من يتقاضاه عليها فإن تكاسل ~~وعطل آلة الحرث وترك البذر ضائعا PageV02P024 # حتى فسد ودفع الموكل عن نفسه بنوع من الحيلة كان مستحقا ms0611 للمقت والعتاب من ~~سيده # والله تعالى خلق الزوجين وخلق الذكر والأنثيين وخلق النطفة في الفقار ~~وهيأ لها في الأنثيين عروقا ومجاري وخلق الرحم قرارا ومستودعا للنطفة وسلط ~~متقاضى الشهوة على كل واحد من الذكر والأنثى فهذه الأفعال والآلات تشهد ~~بلسان ذلق في الإعراب عن مراد خالقها وتنادى أرباب الألباب بتعريف ما أعدت ~~له # هذا إن لم يصرح به الخالق تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بالمراد حيث قال تناكحوا تناسلوا فكيف وقد صرح بالأمر وباح بالسر فكل ممتنع ~~عن النكاح معرض عن الحراثة مضيع للبذر معطل لما خلق الله من الآلات المعدة ~~وجان على مقصود الفطرة والحكمة المفهومة من شواهد الخلقة المكتوبة على هذه ~~الأعضاء بخط إلهي ليس برقم حروف وأصوات يقرؤه كل من له بصيرة ربانية نافذة ~~في إدراك دقائق الحكمة الأزلية ولذلك عظم الشرع الأمر في القتل للأولاد وفي ~~الوأد لأنه منع لتمام الوجود وإليه أشار من قال العزل أحد الوأدين فالناكح ~~ساع في إتمام ما أحب الله تعالى تمامه والمعرض معطل ومضيع لما كره الله ~~ضياعه ولأجل محبة الله تعالى لبقاء النفوس أمر بالإطعام وحث عليه وعبر عنه ~~بعبادة القرض فقال من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فإن قلت قولك إن بقاء ~~النسل والنفس محبوب يوهم أن فناءها مكروه عند الله وهو فرق بين الموت ~~والحياة بالإضافة إلى إرادة الله تعالى ومعلوم أن الكل بمشيئة الله وأن ~~الله غني عن العالمين فمن أين يتميز عنده موتهم عن حياتهم أو بقاؤهم عن ~~فنائهم فأعلم أن هذه الكلمة حق أريد بها باطل فإن ما ذكرناه لا ينافي إضافة ~~الكائنات كلها إلى إرادة الله خيرها وشرها ونفعها وضرها ولكن المحبة ~~والكراهية يتضادان وكلاهما لا يضادان الإرادة فرب مراد مكروه ورب مراد ~~محبوب فالمعاصي مكروهة وهي مع الكراهة مرادة والطاعات مرادة ومزمع كونها ~~مرادة محبوبة ومرضية أما الكفر والشر فلا نقول إنه مرضي ومحبوب بل هو مراد # وقد قال الله تعالى ولا يرضى لعباده الكفر فكيف يكون الفناء ms0612 بالإضافة إلى ~~محبة الله وكراهته كالبقاء فإنه تعالى يقول ما ترددت في شيء كترددي في قبض ~~روح عبدي المسلم هو يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له من الموت (1) # فقوله لا بد له من الموت إشارة إلى سبق الإرادة والتقدير المذكور في قوله ~~تعالى نحن قدرنا بينكم الموت وفي قوله تعالى الذي خلق الموت والحياة ولا ~~مناقضة بين قوله تعالى نحن قدرنا بينكم الموت وبين قوله وأنا أكره مساءته ~~ولكن إيضاح الحق في هذا يستدعي تحقيق معنى الإرادة والمحبة والكراهة وبيان ~~حقائقها فإن السابق إلى الإفهام منها أمور تناسب إرادة الخلق ومحبتهم ~~وكراهتهم وهيهات فبين صفات الله تعالى وصفات الخلق من البعد ما بين ذاته ~~العزيز وذاتهم وكما أن ذوات الخلق جوهر وعرض وذات الله مقدس عنه ولا يناسب ~~ما ليس بجوهر وعرض الجوهر والعرض فكذا صفاته لا تناسب صفات الخلق وهذه ~~الحقائق داخلة في علم المكاشفة ووراء سر القدر الذي منع من إفشائه فلنقصر ~~عن ذكره ولنقتصر على ما نبهنا عليه من الفرق بين الإقدام على النكاح ~~والإحجام عنه فإن أحدهما مضيع نسلا أدام الله وجوده من آدم صلى الله عليه ~~وسلم عقبا بعد عقب إلى أن انتهى إليه فالممتنع عن النكاح قد حسم الوجود ~~المستدام من لدن وجود آدم عليه السلام على نفسه فمات أبتر لا عقب له ولو ~~كان الباعث على النكاح مجرد دفع الشهوة لما قال معاذ في الطاعون زوجوني لا ~~ألقى الله عزبا فإن قلت فما كان معاذ يتوقع ولدا في ذلك الوقت فما وجه ~~رغبته فيه فأقول الولد يحصل بالوقاع PageV02P025 # بباعث الشهوة وذلك أمر لا يدخل في الاختيار وإنما المعلق باختيار العبد ~~إحضار المحرك للشهوة وذلك متوقع في كل حال فمن عقد فقد أدى ما عليه وفعل ما ~~إليه والباقي خارج عن اختياره ولذلك يستحب النكاح للعنين أيضا فإن نهضات ~~الشهوة خفية لا يطلع عليها حتى إن الممسوح الذي لا يتوقع له ولد لا ينقطع ~~الاستحباب أيضا في حقه على الوجه الذي يستحب ms0613 للأصلع إمرار الموسى على رأسه ~~إقتداء بغيره وتشبها بالسلف الصالحين وكما يستحب الرمل والاضطباع في الحج ~~الآن وقد كان المراد منه أولا إظهار الجلد للكفار # فصار الاقتداء والتشبه بالذين أظهروا الجلد سنة في حق من بعدهم ويضعف هذا ~~الاستحباب بالإضافة إلى الاستحباب في حق القادر على الحرث وربما يزداد ضعفا ~~بما يقابله من كراهة تعطيل المرأة وتضييعها فيما يرجع إلى قضاء الوطر فإن ~~ذلك لا يخلو عن نوع من الخطر فهذا المعنى هو الذي ينبه على شدة إنكارهم ~~لترك النكاح مع فتور الشهوة # الوجه الثاني السعي في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه بتكثير ~~ما به مباهاته إذ قد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ويدل على ~~مراعاة أمر الولد جملة بالوجوه كلها ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان ~~ينكح كثيرا ويقول إنما أنكح للولد # وما روي من الأخبار في مذمة المرأة العقيم إذ قال عليه السلام لحصير في ~~ناحية البيت خير من امرأة لا تلد (1) # وقال خير نسائكم الولود الودود (2) # وقال سوداء ولود خير من حسناء لا تلد (3) # وهذا يدل على أن طلب الولد أدخل في اقتضاء فضل النكاح من طلب دفع غائلة ~~الشهوة لأن الحسناء أصلح للتحصين وغض البصر وقطع الشهوة # الوجه الثالث أن يبقى بعده ولدا صالحا يدعو له كما ورد في الخبر أن جميع ~~عمل إبن آدم منقطع إلا ثلاثا فذكر الولد الصالح # وفي الخبر إن الأدعية تعرض على الموتى على أطباق من نور (4) # وقول القائل إن الولد ربما لم يكن صالحا لا يؤثر فإنه مؤمن والصلاح هو ~~الغالب على أولاد ذوي الدين لا سيما إذا عزم على تربيته وحمله على الصلاح ~~وبالجملة دعاء المؤمن لأبويه مفيد برا كان أو فاجرا فهو مثاب على دعواته ~~وحسناته فإنه من كسبه وغير مؤاخذ بسيئاته فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى ولذلك ~~قال تعالى ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء أي ما نقصناهم ~~من أعمالهم وجعلنا أولادهم مزيدا في ms0614 إحسانهم # الوجه الرابع أن يموت الولد قبله فيكون له شفيعا فقد روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الطفل يجر بأبويه إلى الجنة (5) # وفي بعض الأخبار يأخذ بثوبه كما أنا الآن آخذ بثوبك (6) # وقال أيضا صلى الله عليه وسلم إن المولود يقال ادخل الجنة فيقف على باب ~~الجنة فيظل محبنطئا أي ممتلئا غيظا وغضبا ويقول لا أدخل الجنة إلا وأبواي ~~معي فيقال أدخلوا أبويه معه الجنة (7) # وفي خبر آخر إن الأطفال PageV02P026 # يجتمعون في موقف القيامة عند عرض الخلائق للحساب فيقال للملائكة اذهبوا ~~بهؤلاء إلى الجنة فيقفون على باب الجنة فيقال لهم مرحبا بذراري المسلمين ~~ادخلوا لا حساب عليكم فيقولون فأين آباؤنا وأمهاتنا فيقول الخزنة إن آباءكم ~~وأمهاتكم ليسوا مثلكم إنه كانت لهم ذنوب وسيئات فهم يحاسبون عليها ويطالبون # قال فيتضاغون ويضجون على أبواب الجنة ضجة واحدة فيقول الله سبحانه وهو ~~أعلم بهم ما هذه الضجة فيقولون ربنا أطفال المسلمين قالوا لا ندخل الجنة ~~إلا مع آبائنا فيقول الله تعالى تخللوا الجمع فخذوا بأيدي آبائهم فأدخلوهم ~~الجنة (1) # وقال صلى الله عليه وسلم من مات له اثنان من الولد فقد احتظر بحظار من ~~النار (2) # وقال صلى الله عليه وسلم من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث أدخله الله ~~الجنة بفضل رحمته إياهم قيل يا رسول الله واثنان قال واثنان (3) # وحكي أن بعض الصالحين كان يعرض عليه التزويج فيأبى برهة من دهره قال ~~فانتبه من نومه ذات يوم وقال زوجوني زوجوني فزوجوه فسئل عن ذلك فقال لعل ~~الله يرزقني ولدا ويقبضه فيكون لي مقدمة في الآخرة ثم قال رأيت في المنام ~~كأن القيامة قد قامت وكأني في جملة الخلائق في الموقف وبي من العطش ما كاد ~~أن يقطع عنقي وكذا الخلائق في شدة العطش والكرب فنحن كذلك إذ ولدان يتخللون ~~الجمع عليهم مناديل من نور وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب وهم يسقون ~~الواحد بعد الواحد يتخللون الجمع ويتجاوزون أكثر الناس فمددت يدي إلى أحدهم ~~وقلت اسقني فقد ms0615 أجهدني العطش فقال ليس لك فينا ولد إنما نسقي آباءنا فقلت ~~ومن أنتم فقالوا نحن من مات من أطفال المسلمين # وأحد المعاني المذكورة في قوله تعالى {فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا ~~لأنفسكم} تقديم الأطفال إلى الآخرة فقد ظهر بهذه الوجوه الأربعة أن أكثر ~~فضل النكاح لأجل كونه سببا للولد # الفائدة الثانية التحصن من الشيطان وكسر التوقان ودفع غوائل الشهوة وغض ~~البصر وحفظ الفرج وإليه الإشارة بقوله عليه السلام من نكح فقد حصن نصف دينه ~~فليتق الله في الشطر الآخر وإليه الإشارة بقوله عليكم بالباءة فمن لم يستطع ~~فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء وأكثر ما نقلناه من الآثار والأخبار إشارة ~~إلى هذا المعنى وهذا المعنى دون الأول لأن الشهوة موكلة بتقاضي تحصيل الولد ~~فالنكاح كاف لشغله دافع لجعله وصارف لشر سطوته وليس من يجيب مولاه رغبة في ~~تحصيل رضاه كمن يجيب لطلب الخلاص عن غائلة التوكيل فالشهوة والولد مقدران ~~وبينهما ارتباط وليس يجوز أن يقال المقصود اللذة والولد لازم منها كما يلزم ~~مثلا قضاء الحاجة منالأكل وليس مقصودا في ذاته بل الولد هو المقصود بالفطرة ~~والحكمة والشهوة باعثة عليه ولعمري في الشهوة حكمة أخرى سوى الإرهاق إلى ~~الإيلاد وهو ما في قضائها من اللذة التي لا توازيها لذة لو دامت فهي منبهه ~~على اللذات الموعودة في الجنان إذ الترغيب في لذة لم يجد لها ذواقا لا ينفع ~~فلو رغب العنين في لذة الجماع أو الصبي في لذة PageV02P027 # الملك والسلطنة لم ينفع الترغيب وإحدى فوائد لذات الدنيا الرغبة في ~~دوامها في الجنة ليكون باعثا على عبادة الله # فانظر إلى الحكمة ثم إلى الرحمة ثم إلى التعبية الإلهية كيف عبيت تحت ~~شهوة واحدة حياتان حياة ظاهرة وحياة باطنة فالحياة الظاهرة حياة المرء ~~ببقاء نسله فإنه نوع من دوام الوجود والحياة الباطنة هي الحياة الأخروية ~~فإن هذه اللذة الناقصة بسرعة الانصرام تحرك الرغبة في اللذة الكاملة بلذة ~~الدوام فيستحث على العبادة الموصلة إليها فيستفيد العبد بشدة الرغبة فيها ~~تيسر المواظبة على ما يوصله ms0616 إلى نعيم الجنان وما من ذرة من ذرات بدن ~~الإنسان باطنا وظاهرا بل ذرات ملكوت السموات والأرض إلا وتحتها من لطائف ~~الحكمة وعجائبها ما تحار العقول فيها ولكن إنما ينكشف للقلوب الطاهرة بقدر ~~صفائها بقدر رغبتها عن زهرة الدنيا وغرورها وغوائلها فالنكاح بسبب دفع ~~غائلة الشهوة مهم في الدين لكل من لا يؤتى عن عجز وعنة وهم غالب الخلق فإن ~~الشهوة إذا غلبت ولم يقاومها قوة التقوى جرت إلى اقتحام الفواحش وإليه أشار ~~بقوله عليه الصلاة والسلام عن الله تعالى {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض ~~وفساد كبير} وإن كان ملجما بلجام التقوى فغايته أن يكف الجوارح عن إجابة ~~الشهوة فيغض البصر ويحفظ الفرج فأما حفظ القلب عن الوسواس والفكر فلا يدخل ~~تحت اختياره بل لا تزال النفس تجاذبه وتحدثه بأمور الوقاع ولا يفتر عنه ~~الشيطان الموسوس إليه في أكثر الأوقات وقد يعرض له ذلك في أثناء الصلاة حتى ~~يجري على خاطره من أمور الوقاع ما لو صرح به بين يدي أخس الخلق لاستحى منه ~~والله مطلع على قلبه والقلب في حق الله كاللسان في حق الخلق ورأس الأمور ~~للمريد في سلوك طريق الآخرة قلبه والمواظبة على الصوم لا تقطع مادة الوسوسة ~~في حق أكثر الخلق إلا أن ينضاف إليه ضعف في البدن وفساد في المزاج ولذلك ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما لا يتم نسك الناسك إلا بالنكاح # وهذه محنة عامة قل من يتخلص منها # قال قتادة في معنى قوله تعالى {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} هو الغلمة # وعن عكرمة ومجاهد أنهما قالا في معنى قوله تعالى {وخلق الإنسان ضعيفا} ~~أنه لا يصبر عن النساء وقال فياض بن نجيح # إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله # وبعضهم يقول ذهب ثلث دينه # وفي نوادر التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما {ومن شر غاسق إذا وقب} قال ~~قيام الذكر وهذه يلية غالبة إذا هاجت لا يقاومها عقل ولا دين وهي مع أنها ~~صالحة لأن تكون باعثة على الحياتين ms0617 كما سبق فهي أقوى آلة الشيطان على بني ~~آدم وإليه أشار صلى الله عليه وسلم بقوله ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب ~~لذوي الألباب منكن (1) # وإنما ذلك لهيجان الشهوة وقال صلى الله عليه وسلم في دعائه اللهم إني ~~أعوذ بك من شر سمعي وبصري وقلبي وشر مني (2) # وقال أسألك أن تطهر قلبي وتحفظ فرجي (3) # فما يستعيذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يجوز التساهل فيه لغيره ~~وكان بعض الصالحين يكثر النكاح حتى لا يكاد يخلو من اثنتين وثلاث فأنكر ~~عليه بعض الصوفية فقال هل يعرف أحد منكم أنه جلس بين يدي الله تعالى جلسة ~~أو وقف بين يديه موقفا في معاملة فخطر على قلبه خاطر شهوة فقالوا يصيبنا من ~~ذلك كثير فقال لو رضيت في عمري كله بمثل حالكم في وقت واحد لما تزوجت لكني ~~ما خطر على قلبي خاطر يشغلني عن حالي إلا نفذته فأستريح وأرجع إلى شغلي ~~ومنذ أربعين سنة ما خطر على قلبي معصية # وأنكر بعض الناس حال الصوفية فقال له PageV02P028 # بعض ذوي الدين ما الذي تنكر منهم قال يأكلون كثيرا # قال وأنت أيضا لو جعت كما يجوعون لأكلت كما يأكلون قال ينكحون كثيرا # قال وأنت أيضا لو حفظت عينيك وفرجك كما يحفظون لنكحت كما ينكحون # وكان الجنيد يقول أحتاج إلى الجماع كما أحتاج إلى القوت فالزوجة على ~~التحقيق قوت وسبب لطهارة القلب ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ~~من وقع نظره على امرأة فتاقت إليها نفسه أن يجامع أهله (1) # لأن ذلك يدفع الوسواس عن النفس # وروى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى إمرأة فدخل على ~~زينب فقضى حاجته وخرج # وقال صلى الله عليه وسلم إن المرأة إذا أقبلت أقبلت بصورة شيطان فإذا رأى ~~أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله معها مثل الذي معها (2) # وقال عليه السلام لا تدخلوا على المغيبات وهي التي غاب زوجها عنها فإن ~~الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم قلنا ومنك قال ومني ms0618 ولكن الله أعانني عليه ~~فأسلم (3) # قال سفيان بن عيينة فأسلم معناه فأسلم أنا منه هذا معناه فإن الشيطان لا ~~يسلم وكذلك حكى على ابن عمر رضي الله عنهما وكان من زهاد الصحابة وعلمائهم ~~أنه كان يفطر من الصوم على الجماع قبل الأكل وربما أنه جامع ثلاثا من ~~جواريه في شهر رمضان قبل العشاء الأخير # وقال ابن عباس خير هذه الأمة أكثرها نساء (4) # ولما كانت الشهوة أغلب على مزاج العرب كان استكثار الصالحين منهم لنكاح ~~أشد ولأجل فراغ القلب أبيح نكاح الأمة عند خوف العنت مع أن فيه إرقاق الولد ~~وهو نوع إهلاك وهو محرم على كل من قدر على حرة ولكن إرقاق الولد أهون من ~~إهلاك الدين وليس فيه إلا تنغيص الحياة على الولد مدة وفي اقتحام الفاحشة ~~تفويت الحياة الأخروية التي تستحقر الأعمار الطويلة بالإضافة إلى يوم من ~~أيامها # وروي أنه انصرف الناس ذات يوم من مجلس ابن عباس وبقي شاب لم يبرح فقال له ~~ابن عباس هل لك من حاجة قال نعم أردت أن اسأل مسألة فاستحييت من الناس وأنا ~~الآن أهابك وأجلك فقال ابن عباس إن العالم بمنزلة الوالد فما كنت أفضيت به ~~إلى أبيك فأفض إلي به فقال إني شاب لا زوجة لي وربما خشيت العنت على نفسي ~~فربما استمنيت بيدي فهل في ذلك معصية فأعرض عنه ابن عباس ثم قال أف وتف ~~نكاح الأمة خير منه وهو خير من الزنا فهذا تنبيه على أن العزب المغتلم مردد ~~بين ثلاثة شرور أدناها نكاح الأمة وفيه إرقاق الولد وأشد منه الاستمناء ~~باليد وأفحشه الزنا ولم يطلق ابن عباس الإباحة في شيء منه لأنهما محذوران ~~يفزع إليهما حذرا من الوقوع في محذور أشد منه كما يفزع إلى تناول الميتة ~~حذرا من هلاك النفس فليس ترجيح أهون الشرين في معنى الإباحة المطلقة ولا في ~~معنى الخير المطلق وليس قطع اليد المتآكلة من الخيرات وإن كان يؤذن فيه عند ~~إشراف النفس على الهلاك فإذا في النكاح فضل من هذا الوجه ms0619 ولكن هذا لا يعم ~~الكل بل الأكثر فرب شخص فترت شهوته لكبر سن أو مرض أو غيره فينعدم هذا ~~الباعث في حقه ويبقى ما سبق من أمر الولد # فإن ذلك عام إلا للممسوح PageV02P029 # وهو نادر ومن الطباع ما تغلب عليها الشهوة بحيث لا تحصنه المرأة الواحدة ~~فيستحب لصاحبها الزيادة على الواحدة إلى الأربع فإن يسر الله له مودة ورحمة ~~واطمأن قلبه بهن وإلا فيستحب له الاستبدال فقد نكح علي رضي الله عنه بعد ~~وفاة فاطمة عليها السلام بسبع ليال ويقال إن الحسن بن علي كان منكاحا حتى ~~نكح زيادة على مائتي امرأة وكان ربما عقد على أربع في وقت واحد وربما طلق ~~أربعا في وقت واحد واستبدل بهن وقد قال صلى الله عليه وسلم للحسن أشبهت ~~خلقي وخلقي (1) # وقال صلى الله عليه وسلم حسن مني وحسين من علي (2) # فقال إن كثرة نكاحه أحد ما أشبه به خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتزوج المغيرة بن شعبة بثمانين امرأة وكان في الصحابة من له الثلاث والأربع ~~ومن كان له اثنتان لا يحصى ومهما كان الباعث معلوما فينبغي أن يكون العلاج ~~بقدر العلة فالمراد تسكين النفس فلينظر إليه في الكثرة والقلة # الفائدة الثالثة ترويح النفس وإيناسها بالمجالسة والنظر والملاعبة إراحة ~~للقلب وتقوية له على العبادة فإن النفس ملول وهي عن الحق نفور لأنه على ~~خلاف طبعها فلو كلفت المداومة بالإكراه على ما يخالفها جمحت وثابت وإذا ~~روحت باللذات في بعض الأوقات قويت ونشطت وفي الاستئناس بالنساء من ~~الاستراحة ما يزيل الكرب ويروح القلب وينبغي أن يكون لنفوس المتقين ~~استراحات بالمباحات ولذلك قال الله تعالى {ليسكن إليها} وقال علي رضي الله ~~عنه روحوا القلوب ساعة فإنها إذا أكرهت عميت # وفي الخبر على العاقل أن يكون له ثلاث ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة ~~يحاسب فيها نفسه وساعة يخلو فيها مطعمه ومشربه فإن في هذه الساعة عونا على ~~تلك الساعات (3) # ومثله بلفظ آخر لا يكون العاقل ظاعنا إلا في ثلاث تزود لمعاد أو ms0620 مرمة ~~لمعاش أو لذة في غير محرم (4) # وقال صلى الله عليه وسلم لكل عامل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى ~~سنتي فقد اهتدى (5) # والشرة الجد والمكابدة بحدة وقوة وذلك في ابتداء الإرادة والفترة الوقوف ~~للإستراحة وكان أبو الدرداء يقول إني لأستجم نفسي بشيء من اللهو لأتقوى ~~بذلك فيما بعد على الحق # وفي بعض الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال شكوت إلى جبريل ~~عليه السلام ضعفي عن الوقاع فدلني على الهريسة حديث شكوت إلى جبريل ضعفي عن ~~الوقاع فدلني على الهريسة أخرجه ابن عدي من حديث حذيفة وابن عباس والعقيلي ~~من حديث معاذ وجابر بن سمرة وابن حبان في الضعفاء من حديث حذيفة والأزدي في ~~الضعفاء من حديث أبي هريرة بطرق كلها ضعيفة قال ابن عدي موضوع وقال العقيلي ~~باطل (6) حديث حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة رواه ~~النسائي والحاكم من حديث أنس بإسناد جيد وضعفه العقيلي // # فهذه أيضا فائدة لا ينكرها من جرب إتعاب نفسه في الأفكار والأذكار وصنوف ~~الأعمال وهي خارجة عن PageV02P030 # الفائدتين السابقتين حتى إنها تطرد في حق الممسوح ومن لا شهوة له إلا أن ~~هذه الفائدة تجعل للنكاح فضيلة بالإضافة إلى هذه النية وقل من يقصد بالنكاح ~~ذلك # وأما قصد الولد وقصد دفع الشهوة وأمثالها فهو مما يكثر ثم رب شخص يستأنس ~~بالنظر إلى الماء الجاري والخضرة وأمثالها ولا يحتاج إلى ترويح النفس ~~بمحادثة النساء وملاعبتهن # فيختلف هذا باختلاف الأحوال والأشخاص فليتنبه له # الفائدة الرابعة تفريغ القلب عن تدبير المنزل والتكفل بشغل الطبخ والكنس ~~والفرش وتنظيف الأواني وتهيئة أسباب المعيشة فإن الإنسان لو لم يكن له شهوة ~~الوقاع لتعذر عليه العيش في منزله وحده إذ لو تكفل بجميع أشغال المنزل لضاع ~~أكثر أوقاته ولم يتفرغ للعلم والعمل فالمرأة الصالحة للمنزل عون على الدين ~~بهذه الطريق واختلال هذه الأسباب شواغل ومشوشات للقلب ومنغصات للعيش ولذلك ~~قال أبو سليمان الداراني رحمه الله الزوجة الصالحة ليست من الدنيا فإنها ~~تفرغك ms0621 للآخرة وإنما تفريغها بتدبير المنزل وبقضاء الشهوة جميعا # وقال محمد بن كعب القرظي في معنى قوله تعالى ربنا آتنا في الدنيا حسنة ~~قال المرأة الصالحة # وقال صلى الله عليه وسلم ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة ~~مؤمنة صالحة تعينه على آخرته (1) # فانظر كيف جمع بينها وبين الذكر والشكر # وفي بعض التفاسير في قوله تعالى فلنحيينه حياة طيبة قال الزوجة الصالحة ~~وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول ما أعطى العبد بعد الإيمان بالله ~~خيرا من امرأة صالحة وإن منهن غنما لا يحذى منه ومنهن غلالا يفدى منه # وقوله لا يحذى أن يعتاض عنه بعطاء # وقال صلى الله عليه وسلم فضلت على آدم بخصلتين كانت زوجته عونا له على ~~المعصية وأزواجي أعوان لي على الطاعة وكان شيطانه كافرا وشيطاني مسلم لا ~~يأمر إلا بخير (2) # فعد معاونتها على الطاعة فضيلة فهذه أيضا من الفوائد التي يقصدها ~~الصالحون إلا أنها تخص بعض الأشخاص الذين لا كافل لهم ولا مدبر ولا تدعو ~~إلى امرأتين بل الجمع ربما ينغص المعيشة ويضطرب به أمور المنزل ويدخل في ~~هذه الفائدة قصد الاستكثار بعشيرتها وما يحصل من القوة بسبب تداخل العشائر ~~فإن ذلك مما يحتاج إليه في دفع الشرور وطلب السلامة ولذلك قيل ذل من لا ~~ناصر له ومن وجد من يدفع عنه الشرور سلم حاله وفرغ قلبه للعبادة فإن الذل ~~مشوش للقلب والعز بالكثرة دافع بالذل # الفائدة الخامسة مجاهدة النفس ورياضتها بالرعاية والولاية والقيام بحقوق ~~الأهل والصبر على أخلاقهن واحتمال الأذى منهن والسعي في إصلاحهن وإرشادهن ~~إلى طريق الدين والاجتهاد في كسب الحلال لأجلهن والقيام بتربيته لأولاده ~~فكل هذه أعمال عظيمة الفضل فإنها رعاية وولاية والأهل والولد رعية وفضل ~~الرعاية عظيم إنما يحترز منها من يحترز خيفة من القصور عن القيام بحقها ~~وإلا فقد قال صلى الله عليه وسلم يوم من وال عادل أفضل من عبادة سبعين سنة ~~{ثم قال} ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (3) # وليس من اشتغل PageV02P031 # بإصلاح نفسه وغيره كمن اشتغل ms0622 بإصلاح نفسه فقط ولا من صبر على الأذى كمن ~~رفه نفسه وأراحها فمقاساة الأهل والولد بمنزلة الجهاد في سبيل الله ولذلك ~~قال بشر فضل علي أحمد بن حنبل بثلاث إحداها أنه يطلب الحلال لنفسه ولغيره ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم ما أنفقه الرجل على أهله فهو صدقة وإن الرجل ~~ليؤجر في اللقمة يرفعها إلي في امرأته (1) # وقال بعضهم لبعض العلماء من كل عمل أعطاني الله نصيبا حتى ذكر الحج ~~والجهاد وغيرهما فقال له أين أنت من عمل الأبدان قال وما هو قال كسب الحلال ~~والنفقة على العيال # وقال ابن المبارك وهو مع إخوانه في الغزو تعلمون عملا أفضل مما نحن فيه ~~قالوا ما نعلم ذلك # قال أنا أعلم قالوا فما هو قال رجل متعفف ذو عائلة قام من الليل فنظر إلى ~~صبيانه نياما متكشفين فسترهم وغطاهم بثوبه فعمله أفضل مما نحن فيه # وقال صلى الله عليه وسلم من حسنت صلاته وكثر عياله وقل ماله ولم يغتب ~~المسلمين كان معي في الجنة كهاتين (2) # وفي حديث آخر إن الله يحب الفقير المتعفف أبا العيال (3) # وفي الحديث إذا كثرت ذنوب العبد ابتلاه الله بهم العيال ليكفرها عنه (4) # وقال بعض السلف # من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الغم بالعيال وفيه أثر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم بطلب المعيشة ~~(5) # وقال صلى الله عليه وسلم من كان له ثلاث بنات فأنفق عليهن وأحسن إليهن ~~حتى يغنيهن الله عنه أوجب الله له الجنة ألبتة ألبتة إلا أن يعمل عملا لا ~~يغفر له (6) # وكان ابن عباس إذا حدث بهذا قال # والله هو من غرائب الحديث وغرره # وروي أن بعض المتعبدين كان يحسن القيام على زوجته إلى أن ماتت # فعرض عليه التزويج فامتنع وقال الوحدة أروح لقلبي وأجمع لهمي ثم قال رأيت ~~في المنام بعد جمعة من وفاتها كأن أبواب السماء فتحت وكأن رجالا ينزلون ~~ويسيرون في الهواء يتبع بعضهم بعضا فكلما نزل واحد نظر إلي وقال ms0623 لمن وراءه ~~هذا هو المشئوم فيقول الآخر نعم ويقول الثالث كذلك ويقول الرابع نعم فخفت ~~أن أسألهم هيبة من ذلك إلى أن مر بي آخرهم وكان غلاما فقلت له يا هذا من ~~هذا المشئوم الذي تؤمئون إليه فقال أنت # فقلت ولم ذاك قال كنا نرفع عملك في أعمال المجاهدين في سبيل الله فمنذ ~~جمعة أمرنا أن نضع عملك مع الخالفين فما ندري ما أحدثت فقال لإخوانه زوجوني ~~زوجوني فلم يكن تفارقه زوجتان أو ثلاث # وفي أخبار الأنبياء عليهم السلام أن قوما دخلوا على يونس النبي عليه ~~السلام فأضافهم فكان يدخل ويخرج إلى منزله فتؤذيه امرأته وتستطيل عليه وهو ~~ساكت فتعجبوا من ذلك فقال لا تعجبوا فإني سألت الله تعالى وقلت ما أنت ~~معاقب لي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا فقال إن عقوبتك بنت فلان تتزوج ~~بها فتزوجت بها وأنا صابر على ما ترون منها وفي الصبر على ذلك رياضة النفس ~~وكسر الغضب PageV02P032 # وتحسين الخلق فإن المنفرد بنفسه أو المشارك لمن حسن خلقه لا تترشح منه ~~خبائث النفس الباطنة ولا تنكشف بواطن عيوبه فحق على سالك الطريق الآخرة أن ~~يجرب نفسه بالتعرض لأمثال هذه المحركات واعتياد الصبر عليها لتعتدل أخلاقه ~~وترتاض نفسه ويصفو عن الصفات الذميمة باطنه والصبر على العيال مع أنه رياضة ~~ومجاهدة تكفل لهم وقيام بهم وعبادة في نفسها فهذه أيضا من الفوائد ولكنه لا ~~ينتفع بها إلا أحد رجلين إما رجل قصد المجاهدة والرياضة وتهذيب الأخلاق ~~لكونه في بداية الطريق فلا يبعد أن يرى هذا طريقا في المجاهدة وترتاض به ~~نفسه # وإما رجل من العابدين ليس له سير بالباطن وحركة بالفكر والقلب وإنما عمله ~~عمل الجوارح بالصلاة أو حج أو غيره فعمله لأهله وأولاده بكسب الحلال لهم ~~والقيام بتربيتهم أفضل له من العبادات اللازمة لبدنه التي لا يتعدى خيرها ~~إلى غيرها فأما الرجل المهذب الأخلاق إما بكفاية في أصل الخلقة أو بمجاهدة ~~سابقة إذا كان له سير في الباطن وحركة بفكر القلب في العلوم والمكاشفات فلا ms0624 ~~ينبغي أن يتزوج لهذا الغرض فإن الرياضة هو مكفي فيها # وأما العبادة في العمل بالكسب لهم فالعلم أفضل من ذلك لأنه أيضا عمل ~~وفائدته أكثر من ذلك وأعم وأشمل لسائر الخلق من فائدة الكسب على العيال ~~فهذه فوائد النكاح في الدين التي بها يحكم له بالفضيلة # أما آفات النكاح فثلاث # الأولى وهي أقواها العجز عن طلب الحلال فإن ذلك لا يتيسر لكل أحد لا سيما ~~في هذه الأوقات مع اضطراب المعايش فيكون النكاح سببا في التوسع للطلب ~~والإطعام من الحرام وفيه هلاكه وهلاك أهله والمتعزب في أمن من ذلك وأما ~~المتزوج ففي الأكثر يدخل في مداخل السوء فيتبع هوى زوجته ويبيع آخرته ~~بدنياه # وفي الخبر إن العبد ليوقف عند الميزان وله من الحسنات أمثال الجبال فيسأل ~~عن رعاية عائلته والقيام بهم وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه حتى يستغرق ~~بتلك المطالبات كل أعماله فلا تبقى له حسنة فتنادي الملائكة هذا الذي أكل ~~عياله حسناته في الدنيا وارتهن اليوم بأعماله (1) # ويقال إن أول ما يتعلق بالرجل في القيامة أهله وولده فيوقفونه بين يدي ~~الله تعالى ويقولون يا ربنا خذ لنا بحقنا منه فإنه ما علمنا ما نجهل وكان ~~يطعمنا الحرام ونحن لا نعلم فيقتص لهم منه # وقال بعض السلف إذا أراد الله بعبد شرا سلط عليه في الدنيا أنيابا تنهشه ~~يعني العيال # وقال صلى الله عليه وسلم لا يلقى الله أحد بذنب أعظم من جهالة أهله (2) # فهذه آفة عامة قل من يتخلص منها إلا من له مال موروث أو مكتسب من حلال ~~يفي به وبأهله وكان له من القناعة ما يمنعه من الزيادة فإن ذاك يتخلص من ~~هذه الآفة أو من هو محترف ومقتد على كسب حلال من المباحات باحتطاب أو ~~اصطياد أو كان في صناعة لا تتعلق بالسلاطين ويقدر على أن يعامل به أهل ~~الخير ومن ظاهره السلامة وغالب ماله الحلال وقال ابن سالم رحمه الله وقد ~~سئل عن التزويج فقال هو أفضل في زماننا هذا لمن أدركه شبق ms0625 غالب مثل ~~الحماريري الأتان فلا ينتهي عنها بالضرب ولا يملك نفسه فإن ملك نفسه فتركه ~~أولى # الآفة الثانية القصور عن القيام بحقهن والصبر على أخلاقهن واحتمال الأذى ~~منهن وهذه دون الأولى في العموم فإن القدرة على هذا أيسر من القدرة على ~~الأولى وتحسين الخلق مع النساء والقيام بحظوظهن أهون من طلب الحلال وفي هذا ~~أيضا خطر لأنه راع ومسئول عن رعيته # وقال صلى الله عليه وسلم كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول (3) ~~PageV02P033 # وروي أن الهارب من عياله بمنزلة العبد الهارب الآبق لا تقبل له صلاة ولا ~~صيام حتى يرجع إليهم ومن يقصر عن القيام بحقهن وإن كان حاضرا فهو بمنزلة ~~هارب فقد قال تعالى {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} أمرنا أن نقيهم النار كما ~~نقي أنفسنا والإنسان قد يعجز عن القيام بحق نفسه وإذا تزوج تضاعف عليه الحق ~~وانضافت إلى نفسه نفس أخرى والنفس أمارة بالسوء إن كثرت عليها الحقوق كثر ~~الأمر بالسوء غالبا ولذلك اعتذر بعضهم من التزويج وقال أنا مبتلي بنفسي ~~وكيف أضيف إليها نفسا أخرى كما قيل # لن يسع الفأرة جحرها ... علقت المكنس في دبرها # وكذلك اعتذر إبراهيم بن أدهم رحمه الله وقال لا أغر امرأة بنفسي ولا حاجة ~~لي فيهن أي من القيام بحقهن وتحصينهن وإمتاعهن وأنا عاجز عنه وكذلك اعتذر ~~بشر وقال يمنعني من النكاح قوله تعالى {ولهن مثل الذي عليهن} وكان يقول لو ~~كنت أعول دجاجة لخفت أن أصير جلادا على الجسر # ورؤي سفيان ابن عيينة رحمه الله على باب السلطان فقيل له ما هذا موقفك ~~فقال وهل رأيت ذا عيال أفلح وكان سفيان يقول # يا حبذا العزبة والمفتاح ... ومسكن تخرقه الرياح ... لا صخب فيه ولا صياح # فهذه آفة عامة أيضا وإن كانت دون عموم الأولى لا يسلم منها إلا حكيم عاقل ~~حسن الأخلاق بصير بعادات النساء صبور على لسانهن وقاف عن اتباع شهواتهن ~~حريص على الوفاء بحقهن يتغافل عن زللهن ويداري بعقله أخلاقهن والأغلب على ~~الناس السفه والفظاظة والحدة والطيش وسوء الخلق وعدم ms0626 الإنصاف مع طلب تمام ~~الإنصاف ومثل هذا يزداد بالنكاح فسادا من هذا الوجه لا محالة فالوحدة أسلم ~~له # الآفة الثالثة وهي دون الأولى والثانية أن يكون الأهل والولد شاغلا له عن ~~الله تعالى وجاذبا له إلى طلب الدنيا وحسن تدبير المعيشة للأولاد بكثرة جمع ~~المال وادخاره لهم وطلب التفاخر والتكاثر بهم وكل ما شغل عن الله من أهل ~~ومال وولد فهو مشئوم على صاحبه ولست أعني بهذا أن يدعو إلى محظور فإن ذلك ~~مما اندرج تحت تحت الآفة الأولى والثانية بل أن يدعوه إلى التنعم بالمباح ~~بل إلى الإغراق في ملاعبة النساء ومؤانستهن والإمعان في التمتع بهن ويثور ~~من النكاح أنواع من الشواغل من هذا الجنس تستغرق القلب فينقضي الليل ~~والنهار ولا يتفرغ المرء فيهما للتفكر في الآخرة والاستعداد لها ولذلك قال ~~إبراهيم بن أدهم رحمه الله من تعود أفخاد النساء لم يجيء منه شيء # وقال أبو سليمان رحمه الله # من تزوج فقد ركن إلى الدنيا أي يدعوه ذلك إلى الركون إلى الدنيا فهذه ~~مجامع الآفات والفوائد فالحكم على شخص واحد بأن الأفضل له النكاح أو ~~العزوبة مطلقا قصور عن الإحاطة بمجامع هذه الأمور بل تتخذ هذه الفوائد ~~والآفات معتبرا ومحكما ويعرض المريد عليه نفسه فإن انتفت في حقه الآفات ~~واجتمعت الفوائد بأن كان له مال حلال وخلق حسن وجد في الدين تام لا يشغله ~~النكاح عن الله وهو مع ذلك شاب محتاج إلى تسكين الشهوة ومنفرد يحتاج إلى ~~تدبير المنزل والتحصن بالعشيرة فلا يماري في أن النكاح أفضل له مع ما فيه ~~من السعي في تحصيل الولد فإن انتفت الفوائد واجتمعت الآفات فالعزوبة أفضل ~~له وإن تقابل الأمران وهو الغالب فينبغي أن يوزن بالميزان القسط حظ تلك ~~الفائدة في الزيادة من دينه وحظ تلك الآفات في النقصان منه فإذا غلب على ~~الظن رجحان أحدهما حكم به وأظهر الفوائد الولد وتسكين الشهوة وأظهر الآفات ~~الحاجة إلى كسب الحرام والاشتغال عن الله فلنفرض تقابل هذه الأمور فنقول من ~~لم يكن في ms0627 أذية من الشهوة وكانت فائدة نكاحه في السعي لتحصيل PageV02P034 # الولد وكانت الآفة الحاجة إلى كسب الحرام والاشتغال عن الله فالعزوبة له ~~أولى فلا خير فيما يشغل عن الله ولا خير في كسب الحرام ولا يفي بنقصان هذين ~~الأمرين أمر الولد فإن النكاح للولد سعي في طلب حياة للولد موهومة وهذا ~~نقصان في الدين ناجز فحفظه لحياة نفسه وصونها عن الهلاك أهم من السعي في ~~الولد وذلك ربح والدين رأس مال # وفي فساد الدين بطلان الحياة الأخروية وذهاب رأس المال ولا تقاوم هذه ~~الفائدة إحدى هاتين الآفتين # وأما إذا انضاف إلى أمر الولد حاجة كسر الشهوة لتوقان النفس إلى النكاح ~~نظر فإن لم يقو لجام التقوى في رأسه وخاف على نفسه الزنا فالنكاح له أولى ~~لأنه متردد بين أن يقتحم الزنا أو يأكل الحرام والكسب الحرام أهون الشرين ~~وإن كان يثق بنفسه أنه لا يزني ولكن لا يقدر مع ذلك على غض البصر عن الحرام ~~فترك النكاح أولى لأن النظر حرام والكسب من غير وجهه حرام والكسب يقع دائما ~~وفيه عصيانه وعصيان أهله والنظر يقع أحيانا وهو يخصه وينصرم على قرب والنظر ~~زنا العين ولكن إذا لم يصدقه الفرج فهو إلى العفو أقرب من أكل الحرام إلا ~~أن يخاف إفضاء النظر إلى معصية الفرج فيرجع ذلك إلى خوف العنت وإذا ثبت هذا ~~فالحالة الثالثة وهو أن يقوى على غض البصر ولكن لا يقوى على دفع الأفكار ~~الشاغلة للقلب فذلك أولى بترك النكاح لأن عمل القلب إلى العفو أقرب إنما ~~يراد فراغ القلب للعبادة ولا تتم عبادة مع الكسب الحرام وأكله وإطعامه ~~فهكذا ينبغي أن توزن هذه الآفات بالفوائد ويحكم بحسبها ومن أحاط بهذا لم ~~يشكل عليه شيء مما نقلنا عن السلف من ترغيب في النكاح مرة ورغبة عنه أخرى ~~إذ ذلك بحسب الأحوال صحيح # فإن قلت فمن أمن الآفات فما الأفضل له التخلي لعبادة الله أو النكاح ~~فأقول يجمع بينهما لأن النكاح ليس مانعا من التخلي لعبادة الله من حيث إنه ms0628 ~~عقد ولكن من حيث الحاجة إلى الكسب فإن قدر على الكسب الحلال فالنكاح أيضا ~~أفضل لأن الليل وسائر أوقات النهار يمكن التخلي فيه للعبادة والمواظبة على ~~العبادة من غير استراحة غير ممكن فإن فرض كونه مستغرقا بالكسب حتى لا يبقى ~~له وقت سوى أوقات المكتوبة والنوم والأكل وقضاء الحاجة فإن كان الرجل ممن ~~لا يسلك سبيل الآخرة إلا بالصلاة النافلة أو الحج وما يجري مجراه من ~~الأعمال البدنية فالنكاح له أفضل لأن في كسب الحلال والقيام بالأهل والسعي ~~في تحصيل الولد والصبر على أخلاق النساء أنواعا من العبادات لا يقصر فضلها ~~عن نوافل العبادات وإن كان عبادته بالعلم والفكر وسير الباطن والكسب يشوش ~~عليه ذلك فترك النكاح أفضل # فإن قلت فلم ترك عيسى عليه السلام النكاح مع فضله وإن كان الأفضل التخلي ~~لعبادة الله فلم استكثر رسولنا صلى الله عليه وسلم من الأزواج فاعلم أن ~~الأفضل الجمع بينهما في حق من قدر ومن قويت منته وعلت همته فلا يشغله عن ~~الله شاغل ورسولنا صلى الله عليه وسلم أخذ بالقوة وجمع بين فضل العبادة ~~والنكاح ولقد كان مع تسع من النسوة (1) # متخليا لعبادة الله وكان قضاء الوطر بالنكاح في حقه غير مانع كما لا يكون ~~قضاء الحاجة في حق المشغولين بتدبيرات الدنيا مانعا لهم عن التدبير حتى ~~يشتغلون في الظاهر بقضاء الحاجة وقلوبهم مشغوفة بهممهم غير غافلة عن ~~مهماتهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلو درجته لا يمنعه أمر هذا ~~العالم عن حضور القلب مع الله تعالى فكان ينزل عليه الوحي وهو في فراش ~~امرأته (2) # ومتى سلم مثل هذا المنصب لغيره فلا يبعد أن يغير السواقي PageV02P035 # ما لا يغير البحر الخضم فلا ينبغي أن يقاس عليه غيره # وأما عيسى صلى الله عليه وسلم فإنه أخذ بالحزم لا بالقوة واحتاط لنفسه ~~ولعل حالته كانت حالة يؤثر فيها الاشتغال بالأهل أو يتعذر معها طلب الحلال ~~أو لا يتيسر فيها الجمع بين النكاح والتخلي للعبادة فآثر التخلي للعبادة ~~وهم أعلم بأسرار أحوالهم ms0629 وأحكام أعصارهم في طيب المكاسب وأخلاق النساء وما ~~على الناكح من غوائل النكاح وما له فيه ومهما كانت الأحوال منقسمة حتى يكون ~~النكاح في بعضها أفضل وتركه في بعضها أفضل فحقنا أن ننزل أفعال الأنبياء ~~على الأفضل في كل حال والله أعلم ### ||| الباب الثاني فيما يراعى حالة العقد من أحوال المرأة وشروط العقد # أما العقد فأركانه وشروطه لينعقد ويفيد الحل أربعة # الأول إذن الولي فإن لم يكن فالسلطان # الثاني رضا المرأة إن كانت ثيبا بالغا أو كانت بكرا بالغا ولكن يزوجها ~~غير الأب والحد # الثالث حضور شاهدين ظاهري العدالة فإن كانا مستورين حكمنا بالانعقاد ~~للحاجة # الرابع إيجاب وقبول متصل به بلفظ الإنكاح أو التزويج أو معناهما الخاص ~~بكل لسان من شخصين مكلفين ليس فيهما امرأة سواء كان هو الزوج أو الولي أو ~~وكيلهما # وأما آدابه # فتقديم الخطبة مع الولي لا في حال عدة المرأة بل بعد انقضائها إن كانت ~~معتدة ولا في حال سبق غيره بالخطبة إذ نهى عن الخطبة على الخطبة (1) حديث ~~عائشة تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وبنى بي في شوال رواه ~~مسلم // # وأما المنكوحة فيعتبر فيها نوعان أحدهما للحل # والثاني لطيب المعيشة وحصول المقاصد # النوع الأول ما يعتبر فيها للحل وهو أن تكون خلية عن موانع النكاح ~~والموانع تسعة عشر الأول أن # تكون منكوحة للغير # الثاني أن تكون معتدة للغير سواء كانت عدة وفاة أو طلاق أو وطء شبهة أو ~~كانت في استبراء وطء عن ملك يمين # الثالث أن تكون مرتدة عن الدين لجريان كلمة على لسانها من كلمات الكفر # الرابع أن تكون مجوسية # الخامس أن تكون وثنية أو زنديقة لا تنسب إلى نبي وكتاب ومنهن المعتقدات ~~لمذهب الإباحة فلا يحل نكاحهن وكذلك كل معتقدة مذهبا فاسدا يحكم بكفر ~~معتقده # السادس أن تكون كتابية قد دانت بدينهم بعد التبديل أو بعد مبعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومع ذلك فليست من نسب بني إسرائيل فإذا عدمت كلتا ~~الخصلتين PageV02P036 # لم يحل نكاحها وإن ms0630 عدمت النسب فقط ففيه خلاف # السابع أن تكون رقيقة والناكح حرا قادرا على طول الحرة أو غير خائف من ~~العنت # الثامن أن تكون كلها أو بعضها مملوكا للناكح ملك يمين # التاسع أن تكون قريبة للزوج بأن تكون من أصوله أو فصوله أو فصول أول ~~أصوله أو من أول فصل من كل أصل بعده أصل وأعني بالأصول الأمهات والجدات ~~وبفصوله الأولاد والأحفاد وبفصول أول أصوله الإخوة وأولادهم وبأول فصل من ~~كل أصل بعده أصل العمات والخالات دون أولادهن # العاشر أن تكون محرمة بالرضاع ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب من ~~الأصول والفصول كما سبق ولكن المحرم خمس رضعات وما دون ذلك لا يحرم # الحادي عشر المحرم بالمصاهرة وهو أن يكون الناكح قد نكح ابنتها أو جدتها ~~أو ملك بعقد أو شبهة عقد من قبل أو وطئهن بالشبهة في عقد أو وطيء أمها أو ~~إحدى جداتها بعقد أو شبهة عقد فمجرد العقد على المرأة يحرم أمهاتها ولا ~~يحرم فروعها إلا بالوطء أو يكون قد نكحها أبوه أو ابنه قبل # الثاني عشر أن تكون المنكوحة خامسة أي يكون تحت الناكح أربع سواها إما في ~~نفس النكاح أو في عدة الرجعة فإن كانت في عدة بينونة لم تمنع الخامسة # الثالث عشر أن يكون تحت الناكح أختها أو عمتها أو خالتها فيكون بالنكاح ~~جامعا بينهما وكل شخصين بينهما قرابة لو كان أحدهما ذكرا والآخرة أنثى لم ~~يجز بينهما النكاح فلا يجوز أن يجمع بينهما # الرابع عشر أن يكون هذا الناكح قد طلقها ثلاثا فهي لا تحل له ما لم يطأها ~~زوج غيره في نكاح صحيح # الخامس عشر أن يكون الناكح قد لاعنها فإنها تحرم عليه أبدا بعد اللعان # السادس عشر أن تكون محرمة بحج أو عمرة أو كان الزوج كذلك فلا ينعقد ~~النكاح إلا بعد تمام التحلل # السابع عشر أن تكون ثيبا صغيرة فلا يصح نكاحها إلا بعد البلوغ # الثامن عشر أن تكون يتيمة فلا يصح نكاحها إلا بعد البلوغ # التاسع عشر أن تكون ms0631 من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن توفى عنها ~~أو دخل بها فإنهن أمهات المؤمنين وذلك لا يوجد في زماننا فهذه هي الموانع ~~المحرمة # أما الخصال المطيبة للعيش التي لا بد من مراعاتها في المرأة ليدوم العقد ~~وتتوفر مقاصده ثمانية الدين والخلق والحسن وخفة المهر والولادة والبكارة ~~والنسب وأن لا تكون قرابة قريبة # الأولى أن تكون صالحة ذات دين فهذا هو الأصل وبه ينبغي أن يقع الاعتناء ~~فإنها إن كانت ضعيفة الدين في صيانة نفسها وفرجها أزرت بزوجها وسودت بين ~~الناس وجهه وشوشت بالغيرة قلبه وتتغص بذلك عيشه فإن سلك سبيل الحمية ~~والغيرة لم يزل في بلاء ومحنة وإن سلك سبيل التساهل كان متهاونا بدينه ~~وعرضه ومنسوبا إلى قلة الحمية والأنفة وإذا كانت مع الفساد جميلة كان ~~بلاؤها أشد إذ يشق على الزوج مفارقتها فلا يصبر عنها ولا يصبر عليها ويكون ~~كالذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إن لي امرأة ~~لا ترد يد لامس # قال طلقها فقال إني أحبها # قال أمسكها (1) # وإنما أمره بإمساكها خوفا عليه بأنه إذا طلقها أتبعها نفسه وفسد هو أيضا ~~معها فرأى ما في دوام نكاحه من دفع الفساد عنه من ضيق قلبه أولى وإن كانت ~~فاسدة الدين باستهلاك ماله أو بوجه آخر لم يزل العيش مشوشا معه # فإن سكت ولم ينكره كان شريكا في المعصية مخالفا لقوله تعالى قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا وإن أنكر وخاصم تنغص العمر ولهذا بالغ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في التحريض على ذات الدين فقال تنكح المرأة لمالها وجمالها ~~وحسبها PageV02P037 # ودينها فعليك بذات الدين تربت يداك (1) # وفي حديث آخر من نكح المرأة لمالها وجمالها حرم جمالها ومالها ومن نكحها ~~لدينها رزقه الله مالها وجمالها (2) وقال صلى الله عليه وسلم لا تنكح ~~المرأة لجمالها فلعل جمالها يرديها ولا لمالها فلعل مالها يطغيها وانكح ~~المرأة لدينها 3 حديث لا تنكح المرأة لجمالها فلعل جمالها يرديهاأخرجه ابن ~~ماجة من حديث عبد الله بن ms0632 عمرو بسند ضعيف # وإنما بالغ في الحث على الدين لأن مثل هذه المرأة تكون عونا على الدين ~~فأما إذا لم تكن متدينة كانت شاغلة عن الدين ومشوشة له # الثانية حسن الخلق وذلك أصل مهم في طلب الفراغة والاستعانة على الدين ~~فإنها إذا كانت سليطة بذية اللسان سيئة الخلق كافرة للنعم كان الضرر منها ~~أكثر من النفع والصبر على لسان النساء مما يمتحن به الأولياء # قال بعض العرب # لا تنكحوا من النساء ستة لا أنانة ولا منانة ولا حنانة ولا تنكحوا حداقة ~~ولا براقة ولا شداقة # أما الأنانة فهي التي تكثر الأنين والتشكي وتعصب رأسها كل ساعة فنكاح ~~الممراضة أو نكاح المتمارضة لا خير فيه والمنانة التي تمن على زوجها فتقول ~~فعلت لأجلك كذا وكذا والحنانة التي تحن إلى زوج آخر أو ولدها من زوج آخر ~~وهذا أيضا مما يجب اجتنابه والحداقة التي ترمي إلى كل شيء بحدقتها فتشتهيه ~~وتكلف الزوج شراءه والبراقة تحتمل معنيين # أحدهما أن تكون طول النهار في تصقيل وجهها وتزيينه ليكون لوجهها بريق ~~محصل بالصنع # والثاني أن تغضب على الطعام فلا تأكل إلا وحدها وتستقل نصيبها من كل شيء ~~وهذه لغة يمانية يقولون برقت المرأة وبرق الصبي الطعام إذا غضب عنده ~~والشداقة المتشدقة الكثيرة الكلام ومنه قوله صلى الله عليه وسلم إن الله ~~تعالى يبغض الثرثارين المتشدقين (3) # وحكي أن السائح الأزدي لقي إلياس عليه السلام في سياحته فأمره بالتزوج ~~ونهاه عن التبتل ثم قال لا تنكح أربعا المختلعة والمبارية والعاهرة والناشز ~~فأما المختلعة فهي التي تطلب الخلع كل ساعة من غير سبب والمبارية المباهية ~~بغيرها المفاخرة بأسباب الدنيا والعاهرة الفاسقة التي تعرف بخليل وخدن وهي ~~التي قال الله تعالى {ولا متخذات أخدان} والناشز التي تعلو على زوجها ~~بالفعال والمقال # والنشز العالي من الأرض وكان علي رضي الله عنه يقول شر خصال الرجال خير ~~خصال النساء # البخل والزهو والجبن فإن المرأة إذا كانت بخيلة حفظت مالها ومال زوجها ~~وإذا كانت مزهوة استنكفت أن تكلم كل أحد بكلام لين ms0633 مريب وإذا كانت جبانة ~~فرقت من كل شيء فلم تخرج من بيتها واتقت مواضع التهمة خيفة من زوجها فهذه ~~الحكايات ترشد إلى مجامع الأخلاق المطلوبة في النكاح # الثالثة حسن الوجه فذلك أيضا مطلوب إذ به يحصل التحصن والطبع لا يكتفي ~~بالدميمة غالبا كيف والغالب أن حسن الخلق والخلق لا يفترقان # وما نقلناه من الحث على الدين وأن المرأة لا تنكح لجمالها ليس زاجر عن ~~رعاية الجمال بل هو زجر عن النكاح لأجل الجمال المحض مع الفساد في الدين ~~فإن الجمال وحده في غالب الأمر يرغب في النكاح ويهون أمر الدين ويدل على ~~الالتفات إلى معنى الجمال أن الألفة والمودة تحصل به غالبا وقد ندب الشرع ~~إلى مراعاة أسباب الألفة ولذلك استحب النظر فقال إذا أوقع الله في نفس ~~PageV02P038 # أحدكم من امرأة فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما (1) # أي يؤلف بينهما من وقوع الأدمة على الأدمة وهي الجلدة الباطنة # والبشرة الجلدة الظاهرة وإنما ذكر ذلك للمبالغة في الائتلاف # وقال صلى الله عليه وسلم إن في أعين الأنصار شيئا فإذا أراد أحدكم أن ~~يتزوج منهن فلينظر إليهن (2) # قيل كان في أعينهن عمش # وقيل صغر وكان بعض الورعين لا ينكحون كرائمهم إلا بعد النظر احترازا من ~~الغرور # قال الأعمش # كل تزويج يقع على غير نظر فآخره هم وغم # ومعلوم أن النظر لا يعرف الخلق والدين والمال وإنما يعرف الجمال من القبح # وروي أن رجلا تزوج على عهد عمر رضي الله عنه وكان قد خضب فنصل خضابه ~~فاستعدى عليه أهل المرأة إلى عمر وقالوا حسبناه شابا فأوجعه عمر ضربا وقال ~~غررت القوم وروي أن بلالا وصهيبا أتيا أهل بيت من العرب فخطبا إليهم فقيل ~~لهما من أنتما فقال بلال أنا بلال وهذا أخي صهيب كنا ضالين فهدانا الله ~~وكنا مملوكين فأعتقنا الله وكنا عائلين فأغنانا الله فإن تزوجونا فالحمد ~~لله وإن تردونا فسبحان الله فقالوا بل تزوجان والحمد لله # فقال صهيب لو ذكرت مشاهدنا وسوابقنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال ms0634 اسكت فقد صدقت فأنكحك الصدق # والغرور يقع في الجمال والخلق جميعا فيستحب إزالة الغرور في الجمال ~~بالنظر وفي الخلق بالوصف والإستيصاف فينبغي أن يقدم ذلك على النكاح ولا ~~يستوصف في أخلاقها وجمالها إلا من هو بصير صادق خبير بالظاهر والباطن ولا ~~يميل إليها فيفرط في الثناء ولا يحسدها فيقصر فالطباع مائلة في مبادي ~~النكاح ووصف المنكوحات إلى الإفراط والتفريط وقل من يصدق فيه ويقتصد بل ~~الخداع والإغراء أغلب والاحتياط فيه مهم لمن يخشى على نفسه التشوف إلى غير ~~زوجته # فأما من أراد من الزوجة مجرد السنة أو الولد أو تدبير المنزل فلو رغب عن ~~الجمال فهو إلى الزهد أقرب لأنه على الجملة باب من الدنيا وإن كان قد يعين ~~على الدين في حق بعض الأشخاص # قال أبو سليمان الداراني الزهد في كل شيء حتى في المرأة يتزوج الرجل ~~العجوز إيثارا للزهد في الدنيا # وقد كان مالك بن دينار رحمه الله يقول # يترك أحدكم أن يتزوج يتيمة فيؤجر فيها إن أطعمها وكساها تكون خفيفة ~~المؤنة ترضى باليسير ويتزوج بنت فلان وفلان يعني أبناء الدنيا فتشتهي عليه ~~الشهوات وتقول اكسني كذا وكذا واختار أحمد بن حنبل عوراء على أختها وكانت ~~أختها جميلة فسأل من أعقلهما فقيل العوراء فقال زوجوني إياها فهذا دأب من ~~لم يقصد التمتع فأما من لا يأمن على دينه ما لم يكن له مستمتع فليطلب ~~الجمال فالتلذذ بالمباح حصن للدين # وقد قيل إذا كانت المرأة حسناء خيرة الأخلاق سوداء الحدقة والشعر كبيرة ~~العين شديدة بيضاء اللون محبة لزوجها قاصرة الطرف عليه فهي على صورة الحور ~~العين فإن الله تعالى وصف نساء أهل الجنة بهذه الصفة في قوله {خيرات حسان} ~~أراد بالخيرات حسنات الأخلاق وفي قوله {قاصرات الطرف} وفي قوله {عربا ~~أترابا} العروب هي العاشقة لزوجها المشتهية للوقاع وبه تتم اللذة والحور ~~البياض والحوراء شديدة بياض العين شديدة سوادها في سواد الشعر والعيناء ~~الواسعة العين # وقال صلى الله عليه وسلم خير نسائكم من إذا نظر إليها زوجها سرته وإذا ~~أمرها ms0635 أطاعته وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله (3) # وإنما يسر بالنظر إليها إذا كانت محبة للزوج # الرابعة أن تكون خفيفة المهر PageV02P039 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير النساء أحسنهن وجوها وأرخصهن مهورا ~~(1) # وقد نهى عن المغالاة في المهر (2) # تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض نسائه على عشرة دراهم وأثاث بيت ~~وكان رحى يد وجرة ووسادة من أدم حشوها ليف (3) # وعلى وأولم على بعض نسائه بمدين من شعير (4) # وعلى أخرى بمدين من تمر ومدين من سويق (5) # وكان عمر رضي الله عنه ينهي عن المغالاة في الصداق ويقول ما تزوج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولا زوج بناته بأكثر من أربعمائة درهم (6) # ولو كانت المغالاة بمهور النساء مكرمة لسبق إليها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد تزوج بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على نواة من ~~ذهب قيمتها خمسة دراهم (7) # وزوج سعيد بن المسيب ابنته من أبي هريرة رضي الله عنه على درهمين ثم ~~حملها هو إليه ليلا فأدخلها هو من الباب ثم انصرف ثم جاءها بعد سبعة أيام ~~فسلم عليها ولو تزوج على عشرة دراهم للخروج من خلاف العلماء فلا بأس به # وفي الخبر من بركة المرأة سرعة تزويجها وسرعة رحمها أي الولادة ويسر ~~مهرها (8) # وقال أيضا أبركهن أقلهن مهرا (9) # وكما تكره المغالاة في المهر من جهة المرأة فيكره السؤال عن مالها من جهة ~~الرجل # ولا ينبغي أن ينكح طمعا في المال # قال النوري إذا تزوج وقال أي شيء للمرأة فأعلم أنه لص وإذا أهدى إليهم ~~فلا ينبغي أن يهدي ليضطرهم إلى المقابلة بأكثر منه وكذلك إذا أهدوا إليه ~~فنية طلب الزيادة نية فاسدة فأما التهادي فمستحب وهو سبب المودة # قال صلى الله عليه وسلم تهادوا تحابوا (10) # وأما طلب الزيادة فداخل في قوله تعالى ولا تمنن تستكثر أي تعطي لتطلب ~~أكثر وتحت قوله تعالى وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فإن الربا هو ~~الزيادة وهذا طلب زيادة على الجملة وإن لم ms0636 يكن في الأموال الربوية فكل ذلك ~~مكروه وبدعة في النكاح يشبه التجارة والقمار ويفسد مقاصد النكاح # الخامسة أن تكون المرأة ولودا فإن عرفت بالعقر فليمتنع عن تزوجها # قال صلى الله عليه وسلم عليكم PageV02P040 # بالولود الودود (1) # فإن لم يكن لها زوج ولم يعرف حالها فيراعي صحتها وشبابها فإنها تكون ~~ولودا في الغالب مع هذين الوصفين # السادسة أن تكون بكرا قال صلى الله عليه وسلم لجابر وقد نكح ثيبا هلا ~~بكرا تلاعبها وتلاعبك (2) # في البكارة ثلاث فوائد # إحداها أن تحب الزوج وتألفه فيؤثر في معنى الود وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم عليكم بالودود والطباع مجبولة على الأنس بأول مألوف # وأما التي اختبرت الرجال ومارست الأحوال فربما لا ترضى بعض الأوصاف التي ~~تخالف ما ألفته فتقلي الزوج # الثانية أن ذلك أكمل في مودته لها فإن الطبع ينفر عن التي مسها غير الزوج ~~نفرة ما وذلك يثقل على الطبع مهما يذكر وبعض الطباع في هذا أشد نفورا # الثالثة أنها لا تحن إلى الزوج الأول وآكد الحب ما يقع مع الحبيب الأول ~~غالبا # السابعة أن تكون نسيبة أعني أن تكون من أهل بيت الدين والصلاح فإنها ~~ستربي بناتها وبنيها فإذا لم تكن مؤدبة لم تحسن التأديب والتربية ولذلك قال ~~صلى الله عليه وسلم إياكم وخضراء الدمن فقيل ما خضراء الدمن قال المرأة ~~الحسناء في المنبت السوء (3) # وقال صلى الله عليه وسلم تخيروا لنطفكم فإن العرق نزاع (4) # الثامنة أن لا تكون من القرابة القريبة فإن ذلك يقلل الشهوة قال صلى الله ~~عليه وسلم لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويا (5) # أي نحيفا وذلك لتأثيره في تضعيف الشهوة فإن الشهوة إنما تنبعث بقوة ~~الإحساس بالنظر واللمس وإنما يقوى الإحساس بالأمر الغريب الجديد فأما ~~المعهود الذي دام النظر إليه مدة فإنه يضعف الحس عن تمام إدراكه والتأثر به ~~ولا تنبعث به الشهوة فهذه هي الخصال المرغبة في النساء ويجب على الولي أيضا ~~أن يراعي خصال الزوج ولينظر لكريمته فلا يزوجها ممن ساء خلقه أو خلقه أو ms0637 ~~ضعف دينه أو قصر عن القيام بحقها أو كان لا يكافئها في نسبها قال صلى الله ~~عليه وسلم النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته (6) # والاحتياط في حقها أهم لأنها رقيقة بالنكاح لا مخلص لها والزوج قادر على ~~الطلاق بكل حال ومهما زوج ابنته ظالما أو فاسقا أو مبتدعا أو شارب خمر فقد ~~جنى على دينه وتعرض لسخط الله لما قطع من حق الرحم وسوء الاختيار # وقال رجل للحسن قد خطب ابنتي جماعة فمن أزوجها قال ممن يتقي الله فإن ~~أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها # وقال صلى الله عليه وسلم من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها (7) ~~PageV02P041 ### ||| الباب الثالث في آداب المعاشرة وما يجري في دوام النكاح # والنظر فيما على الزوج وفيما على الزوجة # أما الزوج فعليه مراعاة الاعتدال والأدب في اثني عشر أمرا في الوليمة ~~والمعاشرة والدعابة والسياسة والغيرة والنفقة والتعليم والقسم والتأديب في ~~النشوز والوقاع والولادة والمفارقة بالطلاق # الأدب الأول الوليمة وهي مستحبة قال أنس رضي الله عنه رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أثر صفرة فقال {ما هذا} ~~فقال تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب # فقال بارك الله لك أولم ولو بشاة (1) # وأولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية بتمر وسويق (2) # وقال صلى الله عليه وسلم طعام أول يوم حق وطعام الثاني سنة وطعام الثالث ~~سمعة ومن سمع سمع الله به (3) # ولم يرفعه إلا زياد بن عبد الله وهو غريب # وتستحب تهنئته فيقول من دخل على الزوج بارك الله لك وبارك عليك وجمع ~~بينكما في خير (4) # وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم أمر بذلك ويستحب ~~إظهار النكاح # قال صلى الله عليه وسلم فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت (5) # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد ~~واضربوا عليه بالدفوف (6) # وعن الربيع بنت معوذ قالت جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل ms0638 غداة ~~بنى بي فجلس على فراشي وجويريات لنا يضربن بدفهن ويندبن من قتل من آبائي ~~إلى أن قالت إحداهن وفينا نبي يعلم ما في غد فقال لها اسكتي عن هذه وقولي ~~الذي كنت تقولين قبلها (7) # الأدب الثاني حسن الخلق معهن واحتمال الأذى منهن ترحما عليهن لقصور عقلهن # وقال الله تعالى وعاشروهن بالمعروف وقال في تعظيم حقهن وأخذن منكم ميثاقا ~~غليظا {وقال} والصاحب بالجنب قيل هي المرأة وآخر ما وصى به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثلاث كان يتكلم بهم حتى تلجلج لسانه وخفي كلامه جعل يقول ~~الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم ما لا يطيقون # الله الله فإنهن عوان في أيديكم يعني أسراء أخذتموهن بأمانة الله ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله (8) # وقال صلى الله عليه وسلم من صبر على سوء خلق امرأته PageV02P042 # أعطاه الله من الأجر مثل ما أعطى أيوب على بلائه ومن صبرت على سوء خلق ~~زوجها أعطاها الله مثل ثواب آسية امرأة فرعون (1) حديث كان أزواجه صلى الله ~~عليه وسلم يراجعنه الحديث وتهجره الواحدة منهن يوما إلى الليل متفق عليه من ~~حديث عمر في الحديث الطويل في قوله تعالى فان تظاهرا عليه # وراجعت امرأة عمر رضي الله عنه عمر في الكلام فقال أتراجعيني يالكعاء ~~فقالت إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجعنه وهو خير منك (2) حديث ~~دفعت إحداهن في صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم فزبرتها أمها فقال صلى ~~الله عليه وسلم دعيها فنهن يصنعن أكثر من ذلك لم اقف له على أصل (3) حديث ~~جرى بينه وبين عائشة كلام حتى أدخل بينهما أبا بكر حكماالحديث أخرجه ~~الطبراني في الأوسط والخطيب في التاريخ من حديث عائشة بسند ضعيف (4) حديث ~~قالت له عائشة مرة غضبت عنده وأنت الذي تزعم أنك نبي فتبسم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أخرجه أبو يعلى في مسنده وأبو الشيخ في كتاب الأمثال من ~~حديث عائشة وفيه ابن اسحق وقد عنعنه (5) حديث كان يقول لعائشة إني لأعرف ~~غضبك من رضاك الحديث ms0639 متفق عليه سن حديثها (6) حديث أول حب وقع في الإسلام ~~حب النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رواه الشيخان من حديث عمرو بن العاص أنه ~~قال أي الناس أحب إليك يا رسول الله قال عائشة الحديث وأما كونه أول فرواه ~~ابن الجوزي في الموضوعات من حديث أنس ولعله أراد بالمدينة كما في الحديث ~~الآخر أن ابن الزبير أول مولود ولد في الإسلام يريد بالمدينة وإلا فمحبة ~~النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة أمر معروف تشهد له الأحاديث الصحيحة (7) ~~حديث كان يقول لعائشة كنت لك كأبي زرع لأم زرع غير أني لا أطلقك متفق عليه ~~من حديث عائشة دون الاستثناء ورواه بهذه الزيادة الزبير بن بكار والخطيب ~~(8) حديث لا تؤذوني في عائشة فإنه والله ما أنزل علي الوحي وأنا في لحاف ~~امرأة منكن غيرها رواه البخاري من حديث عائشة (9) حديث أنس كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالنساء والصبيان رواه مسلم بلفظ ما رأيت ~~أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد علي بن عبد ~~العزيز والبغوي والصبيان // PageV02P043 # الثالث أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزح والملاعبة فهي التي ~~تطيب قلوب النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح معهن وينزل ~~إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق حتى روي أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~يسابق عائشة في العدو فسبقته يوما وسبقها في بعض الأيام فقال صلى الله عليه ~~وسلم هذه بتلك (1) # وفي الخبر أنه كان صلى الله عليه وسلم من أفكه الناس مع نسائه (2) # وقالت عائشة رضي الله عنها سمعت أصوات أناس من الحبشة وغيرهم وهم يلعبون ~~في يوم عاشوراء فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أتحبين أن تري لعبهم ~~قالت قلت نعم فأرسل إليهم فجاؤا وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~البابين فوضع كفه على الباب ومد يده ووضعت ذقني على يده وجعلوا يلعبون ~~وأنظر وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول {حسبك} وأقول اسكت ms0640 مرتين أو ~~ثلاثا ثم قال يا عائشة حسبك فقلت نعم فأشار إليهم فانصرفوا (3) # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ~~وألطفهم بأهله (4) # وقال صلى الله عليه وسلم خيركم خيركم لنسائه وأنا خيركم لنسائي (5) # وقال عمر رضي الله عنه مع خشونته ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي ~~فإذا التمسوا ما عنده وجد رجلا # وقال لقمان رحمه الله ينبغي للعاقل أن يكون في أهله كالصبي وإذا كان في ~~القوم وجد رجلا # وفي تفسير الخبر المروي إن الله يبغض الجعظري الجواظ (6) # قيل هو الشديد على أهله المتكبر في نفسه وهو أحد ما قيل في معنى قوله ~~تعالى عتل قيل العتل هو اللفظ اللسان الغليظ القلب على أهله # وقال صلى الله عليه وسلم لجابر هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك (7) # ووصفت أعرابية زوجها وقد مات فقالت والله لقد كان ضحوكا إذا ولج سكيتا ~~إذا خرج آكلا ما وجد # غير مسائل عما فقد # الرابع أن لا يتبسط في الدعابة وحسن الخلق والموافقة باتباع هواها إلى حد ~~يفسد خلقها ويسقط بالكلية هيبته عندها بل يراعي الاعتدال فيه فلا يدع ~~الهيبة والانقباض مهما رأى منكرا ولا يفتح باب المساعدة على المنكرات البتة ~~بل مهما رأى ما يخالف الشرع والمروءة تنمر وامتعض # قال الحسن والله ما أصبح رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا كبه الله في ~~النار # وقال عمر رضي الله عنه خالفوا النساء فإن في خلافهن البركة # وقد قيل شاوروهن وخالفوهن # وقد قال صلى الله عليه وسلم تعس عبد الزوجة (8) # وإنما قال ذلك لأنه إذا أطاعها في هواها فهو عبدها PageV02P044 # وقد تعس فإن الله ملكه المرأة فملكها نفسه فقد عكس الأمر وقلب القضية ~~وأطاع الشيطان لما قال ولآمرنهم فليغيرن خلق الله إذ حق الرجل أن يكون ~~متبوعا لا تابعا وقد سمى الله الرجال قوامين على النساء وسمى الزوج سيدا ~~فقال تعالى وألفيا سيدها لدى الباب فإذا انقلب السيد مسخرا فقد بدل نعمة ~~الله كفرا ونفس المرأة على مثال نفسك إن أرسلت عنانها ms0641 قليلا جمحت بك طويلا ~~وإن أرخيت عذارها فترا جذبتك ذراعا وإن كبحتها وشددت يدك عليها في محل ~~الشدة ملكتها # قال الشافعي رضي الله عنه ثلاثة إن أكرمتهم أهانوك وإن أهنتهم أكرموك ~~المرأة والخادم والنبطي أراد به إن محضت الإكرام ولم تمزج غلظك بلينك ~~وفظاظتك برفقك # وكانت نساء العرب يعلمن بناتهن اختبار الأزواج وكانت المرأة تقول لابنتها ~~اختبري زوجك قبل الإقدام والجراءة عليه انزعي زج رمحه فإن سكت فقطعي اللحم ~~على ترسه فإن سكت فكسري العظام بسيفه فإن سكت فاجعلي الإكاف على ظهره ~~وامتطيه فإنما هو حمارك # وعلى الجملة فبالعدل قامت السموات والأرض فكل ما جاوز حده انعكس على ضده ~~فينبغي أن تسلك سبيل الاقتصاد في المخالفة والموافقة وتتبع الحق في جميع ~~ذلك لتسلم من شرهن فإن كيدهن عظيم وشرهن فاش والغالب عليهن سوء الخلق ~~وركاكة العقل ولا يعتدل ذلك منهن إلا بنوع لطف ممزوج بسياسة # وقال صلى الله عليه وسلم مثل المرأة الصالحة في النساء كمثل الغراب ~~الأعصم بين مائة غراب (1) # والأعصم يعني الأبيض البطن # وفي وصية لقمان لابنه يا بني اتق المرأة السوء فإنها تشيبك قبل الشيب ~~واتق شرار النساء فإنهن لا يدعون إلى خير وكن من خيارهن على حذر # وقال صلى الله عليه وسلم استعيذوا من الفواقر الثلاث (2) # وعد منهن المرأة السوء فإنها المشيبة قبل الشيب # وفي لفظ آخر إن دخلت عليها سبتك وإن غبت عنها خانتك وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم في خيرات النساء إنكن صواحبات يوسف (3) # يعني إن صرفكن أبا بكر عن التقدم في الصلاة ميل منكن عن الحق إلى الهوى # قال الله تعالى حين أفشين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم إن تتوبا إلى ~~الله فقد صغت قلوبكما أي مالت وقال ذلك في خير أزواجه (4) # وقال صلى الله عليه وسلم لا يفلح قوم تملكهم امرأة (5) حديث نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن تتبع عورات النساء رواه الطبراني في الأوسط من ~~حديث جابر نهى أن تتطلب عثرات النساء والحديث عند مسلم بلفظ ms0642 نهى أن يطرق ~~الرجل أهله ليلا يخونهم أو يطلب عثراتهم واقتصر البخاري منه على ذكر النهي ~~عن الطروق ليلا # وفي لفظ آخر PageV02P045 # أن تبغت النساء # ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره قال قبل دخول المدينة لا ~~تطرقوا النساء ليلا فخالفه رجلان فسبقا فرأى كل واحد في منزله ما يكره (1) # وفي الخبر المشهور المرأة كالضلع إن قومته كسرته فدعه تستمتع به على عوج ~~(2) # وهذا في تهذيب أخلاقها # وقال صلى الله عليه وسلم إن من الغيرة غيرة يبغضها الله عز وجل وهي غيرة ~~الرجل على أهله من غير ريبة (3) # لأن ذلك من سوء الظن الذي نهينا عنه فإن بعض الظن إثم # وقال علي رضي الله عنه لا تكثر الغيرة على أهلك فترمي بالسوء من أجلك # وأما الغيرة في محلها فلا بد منها وهي محمودة # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يغار والمؤمن يغار ~~وغيرة الله تعالى أن يأتي الرجل المؤمن ما حرم الله عليه (4) # وقال صلى الله عليه وسلم أتعجبون من غيرة سعد أنا والله أغير منه والله ~~أغير مني (5) # ولأجل غيرة الله تعالى حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه ~~العذر من الله ولذلك بعث المنذرين والمبشرين ولا أحد أحب إليه المدح من ~~الله ولأجل ذلك وعد الجنة # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ليلة أسري بي في الجنة قصرا ~~وبفنائه جارية فقلت لمن هذا القصر فقيل لعمر فأردت أن أنظر إليها فذكرت ~~غيرتك يا عمر فبكى عمر وقال أعليك أغار يا رسول الله (6) # وكان الحسن يقول أتدعون نساءكم ليزاحمن العلوج في الأسواق قبح الله من لا ~~يغار وقال عليه الصلاة والسلام إن من الغيرة ما يحبه الله ومنها ما يبغضه ~~الله ومن الخيلاء ما يحبه الله ومنها ما يبغضه الله فأما الغيرة التي يحبها ~~الله فالغيرة في الريبة والغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة ~~والاختيال الذي يحبه الله اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند ms0643 الصدمة ~~والاختيال الذي يبغضه الله الاختيال في الباطل (7) # وقال صلى الله عليه وسلم إني لغيور وما من امرئ لا يغار إلا منكوس القلب ~~(8) # والطريق المغني عن الغيرة أن لا يدخل عليها الرجال وهي لا تخرج إلى ~~الأسواق # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة عليها السلام أي شيء خير ~~للمرأة قالت أن لا ترى رجلا ولا يراها رجل فضمها إليه وقال ذرية بعضها من ~~بعض (9) # فاستحسن قولها # وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسدون الكوى والثقب في الحيطان ~~لئلا تطلع النسوان إلى الرجال # ورأى معاذ امرأته تطلع في الكوة فضربها ورأى امرأته قد دفعت إلى غلامه ~~تفاحة قد أكلت منها فضربها # وقال عمر رضي الله عنه أعروا النساء يلزمن الحجال وإنما قال ذلك لأنهن لا ~~يرغبن في PageV02P046 # الخروج في الهيئة الرثة # وقال عودوا نساءكم لا وكان قد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء ~~في حضور المسجد (1) # والصواب الآن المنع إلا العجائز بل استصوب ذلك في زمان الصحابة حتى قالت ~~عائشة رضي الله عنها لو علم النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدثت النساء بعده ~~لمنعهن من الخروج (2) # ولما قال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتمنعوا إماء الله ~~مساجد الله فقال بعض ولده بلى والله لنمنعهن فضربه وغضب عليه وقال تسمعني ~~أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا فتقول بلى (3) # وإنما استجرأ على المخالفة لعلمه بتغير الزمان وإنما غضب عليه لإطلاقه ~~اللفظ بالمخالفة ظاهرا من غير إظهار العذر وكذلك كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد أذن لهن في الأعياد خاصة أن يخرجن (4) # ولكن لا يخرجن إلا برضا أزواجهن والخروج الآن مباح للمرأة العفيفة برضا ~~زوجها ولكن القعود أسلم وينبغي أن لا تخرج إلا لمهم فإن الخروج للنظارات ~~والأمور التي ليست مهمة تقدح في المروءة وربما تفضي إلى الفساد فإذا خرجت ~~فينبغي أن تغض بصرها عن الرجال ولسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه ~~المرأة ms0644 في حقه بل هو كوجه الصبي الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر عند خوف ~~الفتنة فقط فإن لم تكن فتنة فلا إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي ~~الوجوه والنساء يخرجن منتقبات ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء ~~لأمروا بالتنقب أو منعن من الخروج إلا لضرورة # السادس الاعتدال في النفقة فلا ينبغي أن يقتر عليهن في الإنفاق ولا ينبغي ~~أن يسرف بل يقتصد # قال تعالى {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} وقال تعالى {ولا تجعل يدك مغلولة ~~إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيركم ~~خيركم لأهله (5) # وقال صلى الله عليه وسلم دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في ~~رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي ~~أنفقته على أهلك (6) # وقيل كان لعلي رضي الله عنه أربع نسوة فكان يشتري لكل واحدة في كل أربعة ~~أيام لحما بدرهم وقال الحسن رضي الله عنه كانوا في الرجال مخاصيب والإناث ~~والثياب مجاديب # وقال ابن سيرين يستحب للرجل أن يعمل لأهله في كل جمعة فالوذجة وكأن ~~الحلاوة وإن لم تكن من المهمات ولكن تركها بالكلية تقتير في العادة وينبغي ~~أن يأمرها بالتصدق ببقايا الطعام وما يفسد لو ترك فهذا أقل درجات الخير ~~وللمرأة أن تفعل ذلك بحكم الحال من غير صريح إذن من الزوج ولا ينبغي أن ~~يستأثر عن أهله بمأكول طيب فلا يطعمهم منه فإن ذلك مما يوغر الصدور ويبعد ~~عن المعاشرة بالمعروف فإن كان مزمعا على ذلك فليأكله بخفية بحيث لا يعرف ~~أهله ولا ينبغي أن يصف عندهم طعاما ليس يريد إطعامهم إياه وإذا أكل فيقعد ~~العيال كلهم على مائدته فقد قال سفيان رضي الله عنه بلغنا أن الله وملائكته ~~يصلون على أهل بيت يأكلون جماعة وأهم ما يجب عليه مراعاته في الإنفاق أن ~~يطعمها من الحلال ولا يدخل مداخل السوء لأجلها فإن ذلك جناية عليها لا ~~مراعاة لها وقد أوردنا الأخبار الواردة في ذلك عند ذكر ms0645 آفات النكاح ~~PageV02P047 # السابع أن يتعلم المتزوج من علم الحيض وأحكامه ما يحترز به الاحتراز ~~الواجب ويعلم زوجته أحكام الصلاة وما يقضى منها في الحيض وما لا يقضى فإنه ~~أمر بأن يقيها النار بقوله تعالى {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} فعليه أن ~~يلقنها اعتقاد أهل السنة ويزيل عن قلبها كل بدعة إن استمعت إليها ويخوفها ~~في الله إن تساهلت في أمر الدين ويعلمها من أحكام الحيض والاستحاضة ما ~~تحتاج إليه وعلم الاستحاضة يطول فأما الذي لا بد من إرشاد النساء إليه في ~~أمر الحيض بيان الصلوات التي تقضيها فإنها مهما انقطع دمها قبيل المغرب ~~بمقدار ركعة فعليها قضاء الظهر والعصر وإذا انقطع قبل الصبح بمقدار ركعة ~~فعليها قضاء المغرب والعشاء وهذا أقل ما يراعيه النساء فإن كان الرجل قائما ~~بتعليمها فليس لها الخروج لسؤال العلماء وإن قصر علم الرجل ولكن ناب عنها ~~في السؤال فأخبرها بجواب المفتي فليس لها خروج فإن لم يكن ذلك فلها الخروج ~~للسؤال بل عليها ذلك ويعصي الرجل بمنعها ومهما تعلمت ما هو من الفرائض ~~عليها فليس لها أن تخرج إلى مجلس ذكر ولا إلى تعلم فضل إلا برضاه ومهما ~~أهملت المرأة حكما من أحكام الحيض والاستحاضة ولم يعلمها الرجل حرج الرجل ~~معها وشاركها في الإثم # الثامن إذا كان له نسوة فينبغي أن يعدل بينهن ولا يميل إلى بعضهن فإن خرج ~~إلى سفر وأراد استصحاب واحدة أقرع بينهن (1) # كذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ظلم امرأة بليلتها قضى ~~لها فإن القضاء واجب عليه وعند ذلك يحتاج إلى معرفة أحكام القسم وذلك يطول ~~ذكره وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان له امرأتان فمال إلى ~~إحداهما دون الأخرى وفي لفظ ولم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ~~مائل (2) # وإنما عليه العدل في العطاء والمبيت وأما في الحب والوقاع فذلك لا يدخل ~~تحت الاختيار # قال الله تعالى {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} أي أن ~~تعدلوا في شهوة القلب وميل ms0646 النفس ويتبع ذلك التفاوت في الوقاع # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدل بينهن في العطاء والبيتوتة في ~~الليالي ويقول اللهم هذا جهدي فيما أملك ولا طاقة لي فيما تملك ولا أملك ~~(3) # يعني الحب # وقد كانت عائشة رضي الله عنها أحب نسائه إليه (4) # وسائر نسائه يعرفن ذلك # وكان يطاف به محمولا في مرضه في كل يوم وكل ليلة فيبيت عند كل واحدة منهن ~~ويقول أين أنا غدا ففطنت لذلك امرأة منهن فقالت إنما يسأل عن يوم عائشة ~~فقلن يا رسول الله قد أذنا لك أن تكون في بيت عائشة فإنه يشق عليك أن تحمل ~~في كل ليلة فقال وقد رضيتن بذلك فقلن نعم قال فحولوني إلى بيت عائشة (5) # ومهما وهبت واحدة ليلتها لصاحبتها ورضي الزوج بذلك ثبت الحق لها # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فقصد أن يطلق سودة بنت ~~زمعة لما كبرت PageV02P048 # فوهبت ليلتها لعائشة وسألته أن يقرها على الزوجية حتى تحشر في زمرة نسائه ~~فتركها وكان لا يقسم لها ويقسم لعائشة ليلتين ولسائر أزواجه ليلة ليلة (1) # ولكنه صلى الله عليه وسلم عدله وقوته كان إذا تاقت نفسه إلى واحدة من ~~النساء في غير نوبتها فجامعها طاف في يومه أو ليلته على سائر نسائه فمن ذلك ~~ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على ~~نسائه في ليلة واحدة (2) # وعن أنس أنه صلى الله عليه وسلم طاف على تسع نسوة في ضحوة نهار (3) # التاسع في النشوز ومهما وقع بينهما خصام ولم يلتئم أمرهما فإن كان من ~~جانبهما جميعا أو من الرجل فلا تسلط الزوجة على زوجها ولا يقدر على إصلاحها ~~فلا بد من حكمين أحدهما من أهله والآخر من أهلها لينظرا بينهما ويصلحا ~~أمرهما {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} وقد بعث عمر رضي الله عنه حكما ~~إلى زوجين فعاد ولم يصلح أمرهما فعلاه بالدرة وقال إن الله تعالى يقول {إن ~~يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} فعاد ms0647 الرجل وأحسن النية وتلطف بهما فأصلح ~~بينهما # وأما إذا كان النشوز من المرأة خاصة فالرجال قوامون على النساء فله أن ~~يؤدبها ويحملها على الطاعة قهرا وكذا إذا كانت تاركة للصلاة فله حملها على ~~الصلاة قهرا ولكن ينبغي أن يتدرج في تأديبها وهو أن يقدم أولا الوعظ ~~والتحذير والتخويف فإن لم ينجح ولاها ظهره في المضجع أو انفرد عنها بالفراش ~~وهجرها وهو في البيت معها من ليلة إلى ثلاث ليال # فإن لم ينجح ذلك فيها ضربها ضربا غير مبرح بحيث يؤلمها ولا يكسر لها عظما ~~ولا يدمي لها جسم # ولا يضرب وجهها فذلك منهي عنه # وقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما حق المرأة على الرجل قال ~~يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى ولا يقبح الوجه ولا يضرب إلا ضربا غير ~~مبرح ولا يهجرها إلا في المبيت (4) # وله أن يغضب عليها ويهجرها في أمر من أمور الدين إلى عشر وإلى عشرين وإلى ~~شهر # فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أرسل إلى زينب بهدية فردتها ~~عليه # فقالت له التي هو في بيتها لقد أقمأتك إذ ردت عليك هديتك (5) # أي أذلتك واستصغرتك # فقال صلى الله عليه وسلم أنتن أهون على الله أن تقمئنني ثم غضب عليهن ~~كلهن شهرا إلى أن عاد إليهن # العاشر في آداب الجماع # ويستحب أن يبدأ باسم الله تعالى ويقرأ قل هو الله أحد أولا ويكبر ويهلل ~~ويقول بسم الله العلي العظيم # اللهم اجعلها ذرية طيبة إن كنت قدرت أن تخرج ذلك من صلبي # وقال صلى الله عليه وسلم لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال اللهم جنبني ~~الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا # فإن كان بينهما ولد لم يضره PageV02P049 # {الشيطان} (1) # وإذا قربت من الإنزال فقل في نفسك ولا تحرك شفتيك الحمد لله الذي خلق من ~~الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا # وكان بعض أصحاب الحديث يكبر حتى يسمع أهل الدار صوته ثم ينحرف عن القبلة ~~ولا يستقبل القبلة بالوقاع إكراما للقبلة وليغط نفسه ms0648 وأهله بثوب كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يغطي رأسه ويغض صوته ويقول للمرأة عليك بالسكينة ~~(2) # وفي الخبر إذا جامع أحدكم أهله فلا يتجردان تجرد العيرين (3) # أي الحمارين وليقدم التلطف بالكلام والتقبيل قال صلى الله عليه وسلم لا ~~يقعن أحدكم على امرأته كما تقع البهيمة وليكن بينهما رسول قيل وما الرسول ~~يا رسول الله قال القبلة والكلام (4) # وقال صلى الله عليه وسلم ثلاث من العجز في الرجل أن يلقى من يحب معرفته ~~فيفارقه قبل أن يعلم اسمه ونسبه والثاني أن يكرمه أحد فيرد عليه كرامته ~~والثالث أن يقارب الرجل جاريته أو زوجته فيصيبها قبل أن يحدثها ويؤانسها ~~ويضاجعها فيقضي حاجته منها قبل أن تقضي حاجتها منه (5) # ويكره له الجماع في ثلاث ليال من الشهر الأول والآخر والنصف # يقال إن الشيطان يحضر الجماع في هذه الليالي ويقال إن الشياطين يجامعون ~~فيها وروي كراهة ذلك عن علي ومعاوية وأبي هريرة رضي الله عنهم # ومن العلماء من استحب الجماع يوم الجمعة وليلته تحقيقا لأحد التأويلين من ~~قوله صلى الله عليه وسلم رحم الله من غسل واغتسل (6) # الحديث # ثم إذا قضى وطره فليتمهل على أهله حتى تقضي هي أيضا نهمتها فإن إنزالها ~~ربما يتأخر فيهيج شهوتها ثم القعود عنها إيذاء لها والاختلاف في طبع ~~الإنزال يوجب التنافر مهما كان الزوج سابقا إلى الإنزال والتوافق في وقت ~~الإنزال ألذ عندها ليشتغل الرجل بنفسه عنها فإنها ربما تستحي # وينبغي أن يأتيها في كل أربع ليال مرة فهو أعدل إذ عدد النساء أربعة فجاز ~~التأخير إلى هذا الحد نعم ينبغي أن يزيد أو ينقص بحسب حاجتها في التحصين ~~فإن تحصينها واجب عليه وإن كان لا يثبت المطالبة بالوطء فذلك لعسر المطالبة ~~والوفاء بها ولا يأتيها في المحيض ولا بعد انقضائه وقبل الغسل فهو محرم بنص ~~الكتاب وقيل إن ذلك يورث الجذام في الولد وله أن يستمتع بجميع بدن الحائض ~~ولا يأتيها في غير المأتى إذ حرم غشيان الحائض لأجل الأذى والأذى غير ~~المأتى دائم فهو أشد ms0649 تحريما من إتيان الحائض # وقوله تعالى فأتوا حرثكم أنى شئتم أي أي وقت شئتم وله أن يستمني بيديها ~~وأن يستمتع بما تحت الإزار بما يشتهي سوى الوقاع # وينبغي أن تتزر المرأة بإزار من حقوها إلى فوق الركبة في حال الحيض فهذا ~~من الأدب وله أن يؤاكل الحائض ويخالطها في المضاجعة وغيرها وليس عليه ~~اجتنابها وإن أراد أن يجامع ثانيا بعد أخرى فليغسل فرجه أولا وإن احتلم فلا ~~يجامع حتى يغسل فرجه أو يبول ويكره الجماع في أول الليل حتى لا ينام على ~~غير طهارة فإن أراد النوم أو الأكل فليتوضأ أولا وضوء الصلاة فذلك سنة # قال ابن عمر قلت للنبي صلى الله عليه وسلم أينام أحدنا وهو جنب قال نعم ~~إذا توضأ (7) # ولكن قد وردت فيه رخصة قالت عائشة رضي الله PageV02P050 # عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام جنبا لم يمس ماء (1) # ومهما عاد إلى فراشه فليمسح وجه فراشه أو لينفضه فإنه لا يدري ما حدث ~~عليه بعده ولا ينبغي أن يحلق أو يقلم أو يستحد أو يخرج الدم أو يبين من ~~نفسه جزءا وهو جنب إذ ترد إليه سائر أجزائه في الآخرة فيعود جنبا ويقال إن ~~كل شعرة تطالبه بجنابتها ومن الآداب أن لا يعزل بل لا يسرح إلا إلى محل ~~الحرث وهو الرحم فما من نسمة قدر الله كونها إلا وهي كائنة (2) # هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن عزل فقد اختلف العلماء في ~~إباحته وكراهته على أربع مذاهب فمن مبيح مطلقا بكل حال ومن محرم بكل حال ~~ومن قائل يحل برضاها ولا يحل دون رضاها وكأن هذا القائل يحرم الإيذاء دون ~~العزل ومن قائل يباح في المملوكة دون الحرة # والصحيح عندنا أن ذلك مباح وأما الكراهية فإنها تطلق لنهي التحريم ولنهي ~~التنزيه ولترك الفضيلة فهو مكروه بالمعنى الثالث أي فيه ترك فضيلة كما يقال ~~يكره للقاعد في المسجد أن يقعد فارغا لا يشتغل بذكر أو صلاة ويكره للحاضر ~~في مكة مقيما بها أن لا ms0650 يحج كل سنة والمراد بهذه الكراهية ترك الأولى ~~والفضيلة فقط وهذا ثابت لما بيناه من الفضيلة في الولد ولما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليجامع أهله فيكتب له بجماعه أجر ولد ذكر قاتل ~~في سبيل الله فقتل (3) # وإنما قال ذلك لأنه لو ولد له مثل هذا الولد لكان له أجر التسبب إليه مع ~~أن الله تعالى خالقه ومحييه ومقويه على الجهاد والذي إليه من التسبب فقد ~~فعله وهو الوقاع وذلك عند الإمناء في الرحم # وإنما قلنا لا كراهة بمعنى التحريم والتنزيه لأن إثبات النهي إنما يمكن ~~بنص أو قياس على منصوص ولا نص ولا أصل يقاس عليه بل ههنا أصل يقاس عليه وهو ~~ترك النكاح أصلا أو ترك الجماع بعد النكاح أو ترك الإنزال بعد الإيلاج فكل ~~ذلك ترك للأفضل وليس بارتكاب نهي ولا فرق إذ الولد يتكون بوقوع النطفة في ~~الرحم ولها أربعة أسباب النكاح ثم الوقاع ثم الصبر إلى الإنزال بعد الجماع ~~ثم الوقوف لينصب المني في الرحم وبعض هذه الأسباب أقرب من بعض فالامتناع عن ~~الرابع كالامتناع عن الثالث وكذا الثالث كالثاني والثاني كالأول وليس هذا ~~كالإجهاض والوأد لأن ذلك جناية على موجود حاصل وله أيضا مراتب وأول مراتب ~~الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة ~~وإفساد ذلك جناية فإن صارت مضغة وعلقة كانت الجناية أفحش وإن نفخ فيه الروح ~~واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشا ومنتهى التفاحش في الجناية بعد ~~الانفصال حيا # وإنما قلنا مبدأ سبب الوجود من حيث وقوع المني في الرحم لا من حيث الخروج ~~من الإحليل لأن الولد لا يخلق من مني الرجل وحده بل من الزوجين جميعا إما ~~من مائه ومائها أو من مائه ودم الحيض قال بعض أهل التشريح إن المضغة تخلق ~~بتقدير الله من دم الحيض وإن الدم منها كاللبن من الرائب وإن النطفة من ~~الرجل شرط في خثور دم الحيض وانعقاده كالأنفحة للبن إذ بها ينعقد الرائب ~~وكيفما كان فماء المرأة ms0651 ركن في الانعقاد فيجري الماءان مجرى الإيجاب ~~والقبول في الوجود الحكمي في العقود فمن أوجب ثم رجع قبل القبول لا يكون ~~جانيا على العقد بالنقض والفسخ ومهما اجتمع الإيجاب والقبول كان الرجوع ~~بعده رفعا وفسخا وقطعا وكما أن النطفة في الفقار لا يتخلق منها الولد فكذا ~~بعد الخروج من الإحليل ما لم يمتزج بماء المرأة ودمها فهذا هو القياس الجلي ~~PageV02P051 # فإن قلت فإن لم يكن العزل مكروها من حيث أنه دفع لوجود الولد فلا يبعد أن ~~يكره لأجل النية الباعثة عليه إذ لا يبعث عليه إلا نية فاسدة فيها شيء من ~~شوائب الشرك الخفي فأقول النيات الباعثة على العزل خمس # الأولى في السراري وهو حفظ الملك عن الهلاك باستحقاق العتاق وقصد استبقاء ~~الملك بترك الإعتاق ودفع أسبابه ليس بمنهي عنه # الثانية استبقاء جمال المرأة وسمنها لدوام التمتع واستبقاء حياتها خوفا ~~من خطر الطلق وهذا أيضا ليس منهيا عنه # الثالثة الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد والاحتراز من الحاجة إلى ~~التعب في الكسب ودخول مداخل السوء وهذا أيضا غير منهي عنه فإن قلة الحرج ~~معين على الدين نعم الكمال والفضل في التوكل والثقة بضمان الله حيث قال ~~{وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} ولا جرم فيه سقوط عن ذروة ~~الكمال وترك الأفضل ولكن النظر إلى العواقب وحفظ المال وادخاره مع كونه ~~مناقضا للتوكل لا نقول إنه منهي عنه # الرابعة الخوف من الأولاد الإناث لما يعتقد في تزويجهن من المعرة كما ~~كانت من عادة العرب في قتلهم الإناث فهذه نية فاسدة لو ترك بسببها أصل ~~النكاح أو أصل الوقاع أثم بها لا بترك النكاح والوطء فكذا في العزل والفساد ~~في اعتقاد المعرة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد وينزل منزلة ~~امرأة تركت النكاح استنكافا من أن يعلوها رجل فكانت تتشبه بالرجال ولا ترجع ~~الكراهة إلى عين ترك النكاح # الخامسة أن تمتنع المرأة لتعززها ومبالغتها في النظافة والتحرز من الطلق ~~والنفاس والرضاع وكان ذلك عادة نساء ms0652 الخوارج لمبالغتهن في استعمال المياه ~~حتى كن يقضين صلوات أيام الحيض ولا يدخلن الخلاء إلا عراة فهذه بدعة تخالف ~~السنة فهي نية فاسدة واستأذنت واحدة منهن على عائشة رضي الله عنها لما قدمت ~~البصرة فلم تأذن لها فيكون القصد هو الفاسد دون منع الولادة # فإن قلت فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من ترك النكاح مخافة العيال ~~فليس منا ثلاثا (1) # قلت فالعزل كترك النكاح # وقوله ليس منا أي ليس موافقا لنا على سنتنا وطريقتنا وسنتنا فعل الأفضل # فإن قلت فقد قال صلى الله عليه وسلم في العزل ذاك الوأد الخفي وقرأ وإذا ~~الموءودة سئلت (2) # وهذا في الصحيح # قلنا وفي الصحيح أيضا أخبار صحيحة (3) # في الإباحة وقوله الوأد الخفي كقوله الشرك الخفي وذلك يوجب كراهة لا ~~تحريما # فإن قلت فقد قال ابن عباس العزل هو الوأد الأصغر فإن الممنوع وجوده به هو ~~الموءودة الصغرى # قلنا هذا قياس منه لدفع الوجود على قطعه وهو قياس ضعيف ولذلك أنكره عليه ~~علي رضي الله عنه لما سمعه قال ولا تكون موءودة إلا بعد سبع أي بعد الأخرى ~~سبعة أطوار وتلا الآية الواردة في أطوار الخلقة وهي قوله تعالى ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين إلى قوله ثم أنشأناه ~~خلقا آخر أي نفخنا فيه الروح ثم تلا قوله تعالى في الآية وإذا الموءودة ~~سئلت وإذا نظرت إلى ما قدمناه في طريق القياس والاعتبار ظهر لك تفاوت منصب ~~علي وابن عباس رضي الله عنهما في الغوص على المعاني ودرك PageV02P052 # العلوم كيف وفي المتفق عليه في الصحيحين على جابر أنه قال كنا نعزل على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل وفي لفظ آخر كنا نعزل فبلغ ~~ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا (1) # وفيه أيضا عن جابر أنه قال إن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال إن لي جارية خادمتنا وساقيتنا في النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل ~~فقال صلى ms0653 الله عليه وسلم اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها فلبث ~~الرجل ما شاء الله ثم أتاه فقال إن الجارية قد حملت فقال قد قلت سيأتيها ما ~~قدر لها (2) # كل ذلك في الصحيحين # الحادي عشر في آداب الولادة وهي خمسة # الأول أن لا يكثر فرحه بالذكر وحزنه بالأنثى فإنه لا يدري الخيرة في ~~أيهما فكم من صاحب ابن يتمنى أن لا يكون له أو يتمنى أن يكون بنتا بل ~~السلامة منهن أكثر والثواب فيهن اجزل قال صلى الله عليه وسلم من كان له ~~ابنة فأدبها فأحسن تأديبها وغذاها فأحسن غذائها وأسبغ عليها من النعمة التي ~~أسبغ الله عليه كانت له ميمنة وميسرة من النار إلى الجنة (3) # وقال ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من ~~أحد يدرك ابنتين فيحسن إليهما ما صحبتاه إلا أدخلتاه الجنة (4) # وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت له ابنتان أو أختان ~~فأحسن إليهما ما صحبتاه كنت أنا وهو في الجنة كهاتين (5) # وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من خرج إلى سوق من أسواق ~~المسلمين فاشترى شيئا فحمله إلى بيته فخص به الإناث دون الذكور نظر الله ~~إليه ومن نظر الله إليه لم يعذبه (6) # وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حمل طرفة من السوق إلى ~~عياله فكأنما حمل إليهم صدقة حتى يضعها فيهم وليبدأ بالإناث قبل الذكور ~~فإنه من فرح أنثى فكأنما بكى من خشية الله ومن بكى من خشيته حرم الله بدنه ~~على النار (7) # وقال أبو هريرة قال صلى الله عليه وسلم من كانت له ثلاث بنات أو أخوات ~~فصبر على لأوائهن وضرائهن أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهن فقال رجل ~~وثنتان يا رسول الله قال وثنتان فقال رجل أو واحدة فقال وواحدة (8) # الأدب الثاني أن يؤذن في أذن الولد روى رافع عن أبيه قال رأيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد أذن في أذن ms0654 الحسين حين ولدته فاطمة رضي الله عنها (9) # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ولد له مولود فأذن في أذنه ~~اليمنى وأقام في أذنه اليسرى دفعت عنه أم الصبيان (10) # ويستحب أن يلقنوه أول انطلاق لسانه PageV02P053 # لا إله إلا الله ليكون أول حديثه والختان في اليوم السابع ورد به خبر (1) # الأدب الثالث أن تسميه اسما حسنا فذلك من حق الولد # وقال صلى الله عليه وسلم إذا سميتم فعبدوا (2) # وقال صلى الله عليه وسلم أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن (3) # وقال سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي (4) قال العلماء كان ذلك في عصره صلى ~~الله عليه وسلم إذ كان ينادى يا أبا القاسم والآن فلا بأس نعم لا يجمع بين ~~اسمه وكنيته وقد قال صلى الله عليه وسلم لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي # وقيل إن هذا أيضا كان في حياته وتسمى رجل أبا عيسى فقال صلى الله عليه ~~وسلم إن عيسى لا أب له (5) # فيكره ذلك والسقط ينبغي أن يسمى # قال عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية بلغني أن السقط يصرخ يوم القيامة وراء ~~أبيه فيقول أنت ضيعتني وتركتني لا اسم لي فقال عمر بن عبد العزيز كيف وقد ~~لا يدري إنه غلام أو جارية فقال عبد الرحمن من الأسماء ما يجمعهما كحمزة ~~وعمارة وطلحة وعتبة وقال صلى الله عليه وسلم إنكم تدعون يوم القيامة ~~بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم (6) # ومن كان له اسم يكره يستحب تبديله أبدل رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم ~~العاص بعبد الله (7) # وكان اسم زينب برة فقال صلى الله عليه وسلم تزكي نفسها فسماها زينب (8) # وكذلك ورد النهي في تسمية أفلح ويسار ونافع وبركة (9) # لأنه يقال أثم بركة فيقال لا # الرابع العقيقة عن الذكر بشاتين وعن الأنثى بشاة ذكرا كان أو أنثى # وروت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر في الغلام ~~أن يعق بشاتين مكافئتين وفي الجارية بشاة (10) # وروي أنه عق عن الحسن بشاة (11) # وهذا رخصة ms0655 في الاقتصار على واحدة وقال صلى الله عليه وسلم مع الغلام ~~عقيقته فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى (12) # ومن السنة أن يتصدق بوزن شعره ذهبا أو فضة فقد ورد فيه خبر أنه صلى الله ~~عليه وسلم أمر فاطمة رضي الله عنها يوم سابع حسين أن تحلق شعره وتتصدق بزنة ~~شعره فضة (13) PageV02P054 # قالت عائشة رضي الله عنهما لا يكسر للعقيقة عظم # الخامس أن يحنكه بتمرة أو حلاوة وروي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله ~~عنهما قالت ولدت عبد الله بن الزبير بقباء ثم أتيت به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فوضعته في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه (1) # فكان أول شيء دخل جوفه ربق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حنكه بتمرة ~~ثم دعا له وبرك عليه وكان أول مولود ولد في الإسلام ففرحوا به فرحا شديدا ~~لأنهم قيل لهم إن اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم # الثاني عشر في الطلاق وليعلم أنه مباح ولكنه أبغض المباحات إلى الله ~~تعالى وإنما يكون مباحا إذا لم يكن فيه إيذاء بالباطل ومهما طلقها فقد ~~آذاها ولا يباح إيذاء الغير إلا بجناية من جانبها أو بضرورة من جانبه قال ~~الله تعالى {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا} أي لا تطلبوا حيلة للفراق ~~وإن كرهها أبوه فليطلقها # قال ابن عمر رضي الله عنهما كان تحتي امرأة أحبها وكان أبي يكرهها ~~ويأمرني بطلاقها فراجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن عمر طلق ~~امرأتك (2) # فهذا يدل على أن حق الوالد مقدم ولكن والد يكرهها لا لغرض فاسد مثل عمر ~~ومهما آذت زوجها وبذت على أهله فهي جانية وكذلك مهما كانت سيئة الخلق أو ~~فاسدة الدين # قال ابن مسعود في قوله تعالى {ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} مهما ~~بذت على أهله وآذت زوجها فهو فاحشة وهذا أريد به في العدة ولكنه تنبيه على ~~المقصود # وإن كان الأذى من الزوج فلها أن تفتدي ببذل مال يكره للرجل أن ms0656 يأخذ منها ~~أكثر مما أعطى فإن ذلك إجحاف بها وتحامل عليها وتجارة على البضع # قال تعالى {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} فرد ما أخذته فما دونه لائق ~~بالفداء فإن سألت الطلاق بغير ما بأس فهي آثمة قال صلى الله عليه وسلم أيما ~~امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس لم ترح رائحة الجنة (3) # وفي لفظ آخر فالجنة عليها حرام وفي لفظ آخر أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~المختلعات هن المنافقات (4) # ثم ليراع الزوج في الطلاق أربعة أمور # الأول أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه فإن الطلاق في الحيض أو الطهر ~~الذي جامع يدعى حرام وإن كان واقعا لما فيه من تطويل العدة عليها فإن فعل ~~ذلك فليراجعها طلق ابن عمر زوجته في الحيض فقال صلى الله عليه وسلم لعمر ~~مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلقها وإن شاء أمسكها ~~فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء (5) # وإنما أمره بالصبر بعد الرجعة طهرين لئلا يكون مقصود الرجعة الطلاق فقط # الثاني أن يقتصر على طلقة واحدة فلا يجمع بين الثلاث لأن الطلقة الواحدة ~~بعد العدة تفيد المقصود ويستفيد بها الرجعة إن ندم في العدة وتجديد النكاح ~~إن أراد بعد العدة وإذا طلق ثلاثا ربما ندم فيحتاج إلى أن يتزوجها محلل ~~وإلى الصبر مدة وعقد المحلل منهي عنه ويكون هو الساعي فيه ثم يكون قلبه ~~معلقا بزوجة الغير وتطليقه أعني زوجة المحلل بعد أن زوج منه ثم يورث ذلك ~~تنفيرا من الزوجة وكل ذلك ثمرة الجمع وفي الواحدة PageV02P055 # كفاية في المقصود من غير محذور ولست أقول الجمع حرام لكنه مكروه بهذه ~~المعاني وأعني بالكراهة تركه النظر لنفسه # الثالث أن يتلطف في التعلل بتطليقها من غير تعنيف واستخفاف وتطييب قلبها ~~بهدية على سبيل الإمتاع والجبر لما فجعها به من أذى الفراق # قال تعالى {ومتعوهن} وذلك واجب مهما لم يسم لها مهر في أصل النكاح # كان الحسن بن علي رضي الله عنهما مطلاقا ومنكاحا ms0657 ووجه ذات يوم بعض أصحابه ~~لطلاق امرأتين من نسائه وقال قل لهما اعتدا وأمره أن يدفع إلى كل واحدة ~~عشرة آلاف درهم ففعل فلما رجع إليه قال ماذا فعلتا قال أما إحداهما فنكست ~~رأسها وتنكست وأما الأخرى فبكت وانتحبت وسمعتها تقول متاع قليل من حبيب ~~مفارق فأطرق الحسن وترحم لها وقال لو كنت مراجعا امرأة بعد ما فارقتها ~~لراجعتها ودخل الحسن ذات يوم على عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقيه ~~المدينة ورئيسها ولم يكن له بالمدينة نظير وبه ضربت المثل عائشة رضي الله ~~عنها حيث قالت لو لم أسر مسيري ذلك لكان أحب إلي من أن يكون لي ستة عشرا ~~ذكرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ~~فدخل عليه الحسن في بيته فعظمه عبد الرحمن وأجلسه في مجلسه وقال ألا أرسلت ~~إلي فكنت أجيئك فقال الحاجة لنا # قال وما هي قال جئتك خاطبا ابنتك فأطرق عبد الرحمن ثم رفع رأسه وقال ~~والله ما على وجه الأرض أحد يمشي عليها أعز علي منك ولكنك تعلم أن ابنتي ~~بضعة مني يسوءني ما ساءها ويسرني ما سرها وأنت مطلاق فأخاف أن تطلقها وإن ~~فعلت خشيت أن يتغير قلبي في محبتك وأكره أن يتغير قلبي عليك فأنت بضعة من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن شرطت أن لا تطلقها زوجتك فسكت الحسن وقام ~~وخرج وقال بعض أهل بيته # سمعته وهو يمشي ويقول ما أراد عبد الرحمن إلا أن يجعل ابنته طوقا في عنقي # وكان علي رضي الله عنه يضجر من كثرة تطليقه فكان يعتذر منه على المنبر ~~ويقول في خطبته إن حسنا مطلاقا فلا تنكحوه حتى قام رجل من همدان فقال والله ~~يا أمير المؤمنين لننكحنه ما شاء فإن أحب أمسك وإن شاء ترك فسر ذلك عليا ~~وقال # لو كنت بوابا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلي بسلام # وهذا تنبيه على أن من طعن في حبيبه من أهل وولد بنوع حياء فلا ينبغي أن ms0658 ~~يوافق عليه فهذه الموافقة قبيحة بل الأدب المخالفة ما أمكن فإن ذلك أسر ~~لقلبه وأوفق لباطن ذاته والقصد من هذا بيان أن الطلاق مباح وقد وعد الله ~~الغنى في الفراق والنكاح جميعا فقال {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من ~~عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} وقال سبحانه وتعالى ~~{وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} # الرابع أن لا يفشي سرها لا في الطلاق ولا عند النكاح فقد ورد في إفشاء سر ~~النساء في الخبر الصحيح وعيد عظيم (1) # ويروى عن بعض الصالحين أنه أراد طلاق امرأة فقيل له ما الذي يريبك فيها ~~فقال العاقل لا يهتك ستر امرأته فلما طلقها قيل له # لم طلقتها فقال مالي ولا مرأة غيري فهذا بيان ما على الزوج ### |||| القسم الثاني من هذا الباب النظر في حقوق الزوج عليها # والقول الشافي فيه أن النكاح نوع رق فهي رقيقة له فعليها طاعة الزوج ~~مطلقا في كل ما طلب منها في نفسها مما لا معصية فيه وقد ورد في تعظيم حق ~~الزوج عليها أخبار كثيرة قال صلى الله عليه وسلم أيما امرأة PageV02P056 # ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة (1) # وكان رجل قد خرج إلى سفر وعهد إلى امرأته أن لا تنزل من العلو إلى السفل ~~وكان أبوها في الأسفل فمرض فأرسلت المرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تستأذن في النزول إلى أبيها فقال صلى الله عليه وسلم أطيعي زوجك فمات ~~فاستأمرته فقال أطيعي زوجك فدفن أبوها فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليها يخبرها أن الله قد غفر لأبيها بطاعتها لزوجها (2) # وقال صلى الله عليه وسلم إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها ~~وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها (3) # وأضاف طاعة الزوج إلى مباني الإسلام وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~النساء فقال حاملات والدات مرضعات رحيمات بأولادهن لولا ما يأتين إلى ~~أزواجهن دخل مصلياتهن الجنة (4) # وقال صلى الله عليه وسلم اطلعت في النار فإذا أكثر أهلها النساء فقلن لم ~~يا رسول الله ms0659 قال يكثرن اللعن ويكفرن العشير (5) # يعني الزوج المعاشر # وفي خبر آخر اطلعت في الجنة فإذا أقل أهلها النساء فقلت أين النساء قال ~~شغلهن الأحمران الذهب والزعفران (6) # يعني الحلي ومصبغات الثياب وقالت عائشة رضي الله عنها أتت فتاة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني فتاة أخطب فأكره التزويج فما حق ~~الزوج على المرأة قال لو كان من فرقه إلى قدمه صديد فلحسته ما أدت شكره ~~قالت أفلا أتزوج قال بلى تزوجي فإنه خير (7) # قال ابن عباس أتت امرأة من خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ~~إني امرأة أيم وأريد أن تزوج فما حق الزوج قال إن من حق الزوج على الزوجة ~~إذا أرادها فراودها عن نفسها وهي على ظهر بعير لا تمنعه ومن حقه أن لا تعطي ~~شيئا من بيته إلا بإذنه فإن فعلت ذلك كان الوزر عليها والأجر له ومن حقه أن ~~لا تصوم تطوعا إلا بإذنه فإن فعلت جاعت وعطشت ولم يتقبل منها وإن خرجت من ~~بيتها بغير إذنه لعنتها الملائكة حتى ترجع إلى بيته أو تتوب (8) # وقال صلى الله عليه وسلم لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد ~~لزوجها من عظم حقه عليها (9) # وقال صلى الله عليه وسلم أقرب ما تكون المرأة من وجه ربها إذا كانت في ~~قعر بيتها وإن صلاتها في صحن دارها أفضل من صلاتها في المسجد وصلاتها في ~~بيتها أفضل من صلاتها في صحن دارها وصلاتها PageV02P057 # في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها (1) # والمخدع بيت في بيت وذلك للستر ولذلك قال صلى الله عليه وسلم والمرأة ~~عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان (2) # وقال أيضا للمرأة عشر عورات فإذا تزوجت ستر الزوج عورة واحدة فإذا ماتت ~~ستر القبر العشر عورات (3) # فحقوق الزوج على الزوجة كثيرة وأهمها أمران أحدهما الصيانة والستر # والآخر ترك المطالبة بما وراء الحاجة والتعفف عن كسبه إذا كان حراما ~~وهكذا كانت عادة النساء في السلف كان الرجل إذا خرج من منزله تقول ms0660 له ~~امرأته أو ابنته إياك وكسب الحرام فإنا نصبر على الجوع والضر ولا نصبر على ~~النار # وهم رجل من السلف بالسفر فكره جيرانه سفره فقالوا لزوجته لم ترضين بسفره ~~ولم يدع لك نفقة فقالت زوجي منذ عرفته عرفته أكالا وما عرفته رزاقا ولي رب ~~رزاق يذهب الأكال ويبقى الرزاق # وخطبت رابعة بنت إسماعيل أحمد بن أبي الحواري فكره ذلك لما كان فيه من ~~العبادة وقال لها والله مالي همة في النساء لشغلي بحالي فقالت إني لأشغل ~~بحالي منك ومالي شهوة ولكن ورثت مالا جزيلا من زوجي فأردت أن تنفقه على ~~إخوانك وأعرف بك الصالحين فيكون لي طريقا إلى الله عز وجل فقال حتى استأذن ~~أستاذي فرجع إلى أبي سليمان الداراني قال وكان ينهاني عن التزويج ويقول ما ~~تزوج أحد من أصحابنا إلا تغير فلما سمع كلامها قال تزوج بها فإنها ولية لله ~~هذا كلام الصديقين قال فتزوجتها فكان في منزلنا كن من جص ففني من غسل أيدي ~~المستعجلين للخروج بعد الأكل فضلا عمن غسل بالأشنان # قال وتزوجت عليها ثلاث نسوة فكانت تطعمني الطيبات وتطيبني وتقول اذهب ~~بنشاطك وقوتك إلى أزواجك وكانت رابعة هذه تشبه في أهل الشام برابعة العدوية ~~بالبصرة # ومن الواجبات عليها أن لا تفرط في ماله بل تحفظه عليه # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل لها أن تطعم من بيته إلا بإذنه ~~إلا الرطب من الطعام الذي يخاف فساده فإن أطعمت عن رضاه كان لها مثل أجره ~~وإن أطعمت بغير إذنه كان له الأجر وعليها الوزر (4) # ومن حقها على الوالدين تعليمها حسن المعاشرة وآداب العشرة مع الزوج كما ~~روي أن أسماء بنت خارجة الفزاري قالت لأبنتها عند التزوج إنك خرجت من العش ~~الذي فيه درجت فصرت إلى فراش لم تعرفيه وقرين لم تألفيه فكوني له أرضا يكن ~~لك سماء وكوني له مهادا يكن لك عمادا وكوني له أمة يكن لك عبدا لا تلحفي به ~~فيقلاك ولا تباعدي عنه فينساك إن دنا منك فاقربي منه وإن ms0661 نأى فابعدي عنه ~~واحفظي أنفه وسمعه وعينه فلا يشمن منك إلا طيبا ولا يسمع إلا حسنا ولا ينظر ~~إلا جميلا # وقال رجل لزوجته # خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب ~~PageV02P058 # ولا تنقريني نقرك الدف مرة ... فإنك لا تدرين كيف المغيب # ولا تكثري الشكوى فتذهب بالهوى ... ويأباك قلبي والقلوب تقلب # فإني رأيت الحب في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب # فالقول الجامع في آداب المرأة من غير تطويل أن تكون قاعدة في قعر بيتها ~~لازمة لمغزلها لا يكثر صعودها واطلاعها قليلة الكلام لجيرانها لا تدخل ~~عليهم إلا في حال يوجب الدخول تحفظ بعلها في غيبته وتطلب مسرته في جميع ~~أمورها ولا تخونه في نفسها وماله ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه فإن خرجت ~~بإذنه فمختفية في هيئة رئة تطلب المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق ~~محترزة من أن يسمع غريب صوتها أو يعرفها بشخصها لا تتعرف إلى صديق بعلها في ~~حاجاتها بل تتنكر على من تظن أنه يعرفها أو تعرفه همها صلاح شأنها وتدبير ~~بيتها مقبلة على صلاتها وصيامها وإذا استأذن صديق لبعلها على الباب وليس ~~البعل حاضرا لم تستفهم ولم تعاوده في الكلام غيرة على نفسها وبعلها وتكون ~~قانعة من زوجها بما رزق الله وتقدم حقه على حق نفسها وحق سائر أقاربها ~~منتظفة في نفسها مستعدة في الأحوال كلها للتمتع بها إن شاء مشفقة على ~~أولادها حافظة للستر عليهم قصيرة اللسان عن سب الأولاد ومراجعة الزوج # وقد قال صلى الله عليه وسلم أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين في الجنة ~~امرأة آمت من زوجها وحبست نفسها على بناتها حتى ثابوا أو ماتوا (1) # وقال صلى الله عليه وسلم حرم الله على كل آدمي الجنة يدخلها قبلي غير أني ~~أنظر عن يميني فإذا امرأة تبادرني إلى باب الجنة فأقول ما لهذه تبادرني ~~فيقال لي يا محمد هذه امرأة كانت حسناء جميلة وكان عندها يتامى لها فصبرت ~~عليهن حتى بلغ أمرهن الذي بلغ فشكر الله لها ذلك (2) # ومن آدابها ms0662 أن لا تتفاخر على الزوج بجمالها ولا تزدري زوجها لقبحه فقد ~~روي أن الأصمعي قال دخلت البادية فإذا أنا بامرأة من أحسن الناس وجها تحت ~~رجل من أقبح الناس وجها فقلت لها يا هذه أترضين لنفسك أن تكوني تحت مثله ~~فقالت يا هذا اسكت فقد أسأت في قولك لعله أحسن فيما بينه وبين خالقه فجعلني ~~ثوابه أو لعلي أسأت فيما بيني وبين خالقي فجعله عقوبتي أفلا أرضى بما رضي ~~الله لي فأسكتتني # وقال الأصمعي رأيت في البادية امرأة عليها قميص أحمر وهي مختضبة وبيدها ~~سبحة فقلت ما أبعد هذا من هذا فقالت # ولله مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والبطالة جانب # فعلمت أنها امرأة صالحة لها زوج تتزين له # ومن آداب المرأة ملازمة الصلاح والانقباض في غيبة زوجها والرجوع إلى ~~اللعب والانبساط وأسباب اللذة في حضور زوجها ولا ينبغي أن تؤذي زوجها بحال # روي عن معاذ ابن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تؤذي امرأة ~~زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله فإنما ~~هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا (3) # ومما يجب عليها من حقوق النكاح إذا مات عنها زوجها أن لا تحد عليه أكثر ~~من أربعة أشهر وعشر وتتجنب الطيب والزينة في هذه المدة قالت زينب بنت أبي ~~سلمة دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفى أبوها أبو ~~سفيان بن حرب PageV02P059 # فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت به جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت ~~والله ما لي بالطيب من حاجة غير إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت أكثر من ثلاثة ~~أيام إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا (1) # ويلزمها لزوم مسكن النكاح إلى آخر العدة وليس لها الانتقال إلى أهلها ولا ~~الخروج إلا لضرورة ومن آدابها أن تقوم بكل خدمة في الدار تقدر عليها فقد ~~روي عن أسماء بنت ms0663 أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أنها قالت تزوجني الزبير ~~وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه وناضحه فكنت أعلف فرسه ~~وأكفيه مؤنته وأسوسه وأدق النوى لناضحه وأعلفه وأستقي الماء وأخرز غربه ~~وأعجن وكنت أنقل النوى على رأسي من ثلثي فرسخ حتى أرسل إلى أبو بكر بجارية ~~فكفتني سياسة الفرس فكأنما أعتقني (2) # ولقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ومعه أصحابه والنوى على رأسي ~~فقال صلى الله عليه وسلم أخ أخ لينيخ ناقته ويحملني خلفه فاستحييت أن أسير ~~مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس فعرف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إني قد استحييت فجئت الزبير فحكيت له ما جرى فقال والله لحملك ~~النوى على رأسك أشد علي من ركوبك معه # تم كتاب آداب النكاح بحمد الله ومنه وصلى الله على كل عبد مصطفى ### || كتاب آداب الكسب والمعاش وهو الكتاب الثالث من ربع العادات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # نحمد الله حمد موحد انمحق في توحيده ما سوى الواحد الحق وتلاشر # ونمجده تمجيد من يصرح بأن كل شيء ما سوى الله باطل ولا يتحاشى # وأن كل من في السموات والأرض لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ولا فراشا # ونشكره إذ رفع السماء لعباده سقفا مبنيا ومهد الأرض بساطا لهم وفراشا # وكور الليل على النهار فجعل الليل لباسا والنهار معاشا # لينتشروا في إبتغاء فضله وينتعشوا به عن ضراعة الحاجات انتعاشا ونصلي على ~~رسوله الذي يصدر المؤمنون عن حوضه رواء بعد ورودهم عليه عطاشا # وعلى آله وأصحابه الذين لم يدعوا في نصرة دينه تشمرا وانكماشا # وسلم تسليما كثيرا # أما بعد فإن رب الأرباب ومسبب الأسباب # جعل الآخرة دار الثواب والعقاب والدنيا دار التمحل والاضطراب # والتشمر والاكتساب # وليس التشمر في الدنيا مقصورا على المعاد دون المعاش بل المعاش ذريعة إلى ~~المعاد ومعين عليه فالدنيا مزرعة الآخرة ومدرجة إليها # والناس ثلاثة رجل شغله معاشه عن معاده فهو من الفائزين والأقرب إلى ~~الاعتدال ms0664 هو الثالث الذي شغله معاشه لمعاده فهو من المفتصدين # ولن ينال رتبة PageV02P060 # الاقتصاد من لم يلازم في طلب المعيشة منهج السداد ولن ينتهض من طلب ~~الدنيا وسيلة إلى الآخرة وذريعة ما لم يتأدب في طلبها بآداب الشريعة وها ~~نحن نورد آداب التجارات والصناعات وضروب الاكتسابات وسننها ونشرحها في خمسة ~~أبواب # الباب الأول فضل الكسب والحث عليه # الباب الثاني في علم صحيح البيع والشراء والمعاملات # الباب الثالث في بيان العدل في المعاملة # الباب الرابع في بيان الإحسان فيها # الباب الخامس في شفقة التاجر على نفسه ودينه ### ||| الباب الأول في فضل الكسب والحث عليه # أما من الكتاب فقوله تعالى وجعلنا النهار معاشا فذكره في معرض الامتنان # وقال تعالى وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون فجعلها ربك نعمة وطلب ~~الشكر عليها # وقال تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم وقال تعالى وآخرون ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وقال تعالى فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله وأما الأخبار فقد قال صلى الله عليه وسلم من الذنوب ذنوب لا ~~يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة (1) # وقال صلى الله عليه وسلم التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع الصديقين ~~والشهداء (2) # وقال صلى الله عليه وسلم من طلب الدنيا حلالا وتعففا عن المسئلة وسعيا ~~على عياله وتعطفا على جاره لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر (3) # وكان صلى الله عليه وسلم جالسا مع أصحابه ذات يوم فنظروا إلى شاب ذي جلد ~~وقوة وقد بكر يسعى فقالوا ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل الله فقال ~~صلى الله عليه وسلم لا تقولوا هذا فإنه إن كان يسعى على نفسه ليكفها عن ~~المسئلة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل الله وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين ~~أو ذرية ضعاف ليغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل الله وإن كان يسعى تفاخرا ~~وتكاثرا فهو في سبيل الشيطان (4) # وقال صلى الله عليه وسلم إن الله يحب العبد يتخذ المهنة ليستغني بها عن ~~الناس ويبغض العبد يتعلم العلم يتخذه ms0665 مهنة (5) # وفي الخبر إن الله تعالى يحب المؤمن المحترف (6) # وقال صلى الله عليه وسلم أحل ما أكل الرجل من كسبه وكل بيع مبرور (7) ~~PageV02P061 # وفي خبر آخر أحل ما أكل العبد كسب يد الصانع إذا نصح (1) # وقال صلى الله عليه وسلم عليكم بالتجارة فإن فيها تسعة أعشار الرزق (2) # وروي أن عيسى عليه السلام رأى رجلا فقال ما تصنع قال أتعبد قال من يعولك ~~قال أخي # قال أخوك أعبد منك # وقال نبينا صلى الله عليه وسلم إني لا أعلم شيئا يقربكم من الجنة ويبعدكم ~~من النار إلا أمرتكم به وإني لا أعلم شيئا يبعدكم من الجنة ويقربكم من ~~النار إلا نهيتكم عنه وإن الروح الأمين نفث في روعى إن نفسا لن تموت حتى ~~تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب أمر بالإجمال في ~~الطلب ولم يقل اتركوا الطلب ثم قال في آخره ولا يحملنكم استبطاء شيء من ~~الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله تعالى فإن الله لا ينال ما عنده بمعصيته ~~(3) # وقال صلى الله عليه وسلم الأسواق موائد الله تعالى فمن أتاها أصاب منها ~~(4) # وقال صلى الله عليه وسلم لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير من أن ~~يأتي رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله له أعطاه أو منعه (5) # وقال من فتح على نفسه بابا من السؤال فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر ~~(6) # وأما الآثار فقد قال لقمان الحكيم لابنه يا بني استغن بالكسب الحلال عن ~~الفقر فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال رقة في دينه وضعف في عقله ~~وذهاب مروءته وأعظم من هذه الثلاث استخفاف الناس به # وقال عمر رضي الله عنه لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق يقول اللهم ارزقني فقد ~~علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة # وكان زيد بن مسلمة يغرس في أرضه فقال له عمر رضي الله عنه أصبت استغن عن ~~الناس يكن أصون لدينك وأكرم لك عليهم كما قال صاحبكم أحيحة # فلن أزال على الزوراء أغمرها ... إن ms0666 الكريم على الإخوان ذو المال # وقال ابن مسعود رضي الله عنه إني لأكره أن أرى الرجل فارغا لا في أمر ~~دنياه ولا في أمر آخرته # وسئل إبراهيم عن التاجر الصدوق أهو أحب إليك أم المتفرغ للعبادة قال ~~التاجر الصدوق أحب إلي لأنه في جهاد يأتيه الشيطان من طريق المكيال ~~والميزان ومن قبل الأخذ والعطاء فيجاهده وخالفه الحسن البصري في هذا # وقال عمر رضي الله عنه ما من موضع يأتيني الموت فيه أحب إلي من موطن ~~أتسوق فيه لأهلي أبيع وأشتري # وقال الهيثم ربما يبلغني عن الرجل يقع في فأذكر استغنائي عنه فيهون ذلك ~~علي # وقال أيوب كسب فيه شيء أحب إلي من سؤال الناس # وجاءت ريح عاصفة في البحر فقال أهل السفينة لإبراهيم بن أدهم رحمه الله ~~وكان معهم فيها أما ترى هذه الشدة فقال ما هذه الشدة وإنما الشدة الحاجة ~~إلى الناس # وقال أيوب قال لي أبو قلابة الزم السوق فإن الغنى من العافية يعني الغنى ~~عن الناس # وقيل لأحمد ما تقول فيمن جلس في بيته PageV02P062 # أو مسجده وقال لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي فقال أحمد هذا رجل جهل العلم ~~أما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي (1) # وقوله صلى الله عليه وسلم حين ذكر الطير فقال تغذو خماصا وتروح بطانا (2) # فذكر أنها تغدو في طلب الرزق وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم # وقال أبو قلابة لرجل لأن أراك تطلب معاشك أحب إلي من أن أراك في زاوية ~~المسجد # وروي أن الأوزاعي لقي إبراهيم بن أدهم رحمهم الله وعلى عنقه حزمة حطب ~~فقال له يا أبا إسحق إلى متى هذا إخوانك يكفونك فقال دعني عن هذا يا أبا ~~عمرو فإنه بلغني أنه من وقف موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة # وقال أبو سليمان الداراني ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يقوت لك ~~ولكن ابدأ برغيفيك فأحرزهما ثم ms0667 تعبد # وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه ينادي مناد يوم القيامة أين بغضاء الله في ~~أرضه فيقوم سؤال المساجد فهذه مذمة الشرع للسؤال والاتكال على كفاية ~~الأغيار # ومن ليس له مال موروث فلا ينجيه من ذلك إلا الكسب والتجارة # فإن قلت فقد قال صلى الله عليه وسلم ما أوحي إلي أن أجمع المال وكن من ~~التاجرين ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين (3) # وقيل لسلمان الفارسي أوصنا فقال من استطاع منكم أن يموت حاجا أو غازيا أو ~~عامرا لمسجد ربه فليفعل ولا يموتن تاجرا ولا خائنا فالجواب أن وجه الجمع ~~بين هذه الأخبار تفصيل الأحوال فنقول لسنا نقول التجارة أفضل مطلقا من كل ~~شيء ولكن التجارة إما أن تطلب بها الكفاية أو الثروة أو الزيادة على ~~الكفاية فإن طلب منها الزيادة على الكفاية لاستكثار المال وادخاره لا ليصرف ~~إلى الخيرات والصدقات فهي مذمومة لأنه إقبال على الدنيا التي حبها رأس كل ~~خطيئة فإن كان مع ذلك ظالما خائنا فهو ظلم وفسق وهذا ما أراده سلمان بقوله ~~لا تمت تاجرا ولا خائنا وأراد بالتاجر طالب الزيادة فأما إذا طلب بها ~~الكفاية لنفسه وأولاده وكان يقدر على كفايتهم بالسؤال فالتجارة تعففا عن ~~السؤال أفضل وإن كان لا يحتاج إلى السؤال وكان يعطى عن غير سؤال فالكسب ~~أفضل لأنه إنما يعطى لأنه سائل بلسان حاله ومناد بين الناس بفقره فالتعفف ~~والتستر أوفى من البطالة بل من الاشتغال بالعبادات البدنية وترك الكسب أفضل ~~لأربعة عابد بالعبادات البدنية أو رجل له سير بالباطن وعمل بالقلب في علوم ~~الأحوال والمكاشفات أو عالم مشتغل بتربية علم الظاهر مما ينتفع الناس به في ~~دينهم كالمفتي والمفسر والمحدث وأمثالهم أو رجل مشتغل بمصالح المسلمين وقد ~~تكفل بأمورهم كالسلطان والقاضي والشاهد فهؤلاء إذا كانوا يكفون من الأموال ~~المرصدة للمصالح أو الأوقاف المسبلة على الفقراء أو العلماء # فإقبالهم على ما هم فيه أفضل من اشتغالهم بالكسب ولهذا أوحي إلى رسول ~~الله صلى ms0668 الله عليه وسلم إن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين ولم يوح إليه أن ~~كن من التاجرين لأنه كان جامعا لهذه المعاني الأربعة إلى زيادات لا يحيط ~~بها الوصف ولهذا أشار الصحابة على أبي بكر رضي الله عنهم بترك التجارة لما ~~ولي الخلافة إذ كان ذلك يشغله عن المصالح وكان يأخذ كفايته من مال المصالح ~~ورأى ذلك أولى ثم لما توفي أوصى برده إلى بيت المال ولكنه رآه في الابتداء ~~أولى ولهؤلاء الأربعة حالتان أخريان # أحداهما PageV02P063 # أن تكون كفايتهم عند ترك المكسب من أيدي الناس وما يتصدق به عليهم من ~~زكاة أو صدقة من غير حاجة إلى سؤال فترك الكسب والاشتغال بما هم فيه أولى ~~إذ فيه إعانة الناس على الخيرات وقبول منهم لما هو حق عليهم وأفضل لهم # الحالة الثانية الحاجة إلى السؤال وهذا في محل النظر والتشديدات التي ~~رويناها في السؤال وذمه تدل ظاهرا على أن التعفف عن السؤال أولى وإطلاق ~~القول فيه من غير ملاحظة الأحوال والأشخاص عسير بل هو موكول إلى اجتهاد ~~العبد ونظره لنفسه بأن يقابل ما يلقي في السؤال من المذلة وهتك المروءة ~~والحاجة إلى التثقيل والإلحاح بما يحصل من اشتغاله بالعلم والعمل من ~~الفائدة له ولغيره فرب شخص تكثر فائدة الخلق وفائدته في اشتغاله بالعلم أو ~~العمل ويهون عليه بأدنى تعريض في السؤال تحصيل الكفاية وربما يكون بالعكس ~~وربما يتقابل المطلوب والمحذور فينبغي أن يستفتي المريد فيه قلبه وإن أفتاه ~~المفتون فإن الفتاوى لا تحيط بتفاصيل الصور ودقائق الأحوال ولقد كان في ~~السلف من له ثلثمائة وستون صديقا ينزل على كل واحد منهم ليلة ومنهم من له ~~ثلاثون وكانوا يشتغلون بالعبادة لعملهم بأن المتكلفين بهم يتقلدون منة من ~~قبولهم لمبراتهم فكان قبولهم لمبراتهم خيرا مضافا لهم إلى عباداتهم فينبغي ~~أن يدقق النظر في هذه الأمور فإن أجر الآخذ كأجر المعطي مهما كان الآخذ ~~يستعين به على الدين والمعطي يعطيه عن طيب قلب # ومن اطلع على هذه المعاني أمكنه أن يتعرف حال نفسه ويستوضح ms0669 من قلبه ما هو ~~الأفضل له بالإضافة إلى حاله ووقته فهذه فضيلة الكسب وليكن العقد الذي به ~~الاكتساب جامعا لأربعة أمور الصحة والعدل والإحسان والشفقة على الدين # ونحن نعقد في كل واحد بابا ونبتدئ بذكر أسباب الصحة في الباب الثاني ### ||| الباب الثاني في علم الكسب بطريق البيع والربا والسلم والإجارة والقراض والشركة وبيان شروط الشرع في صحة هذه التصرفات التي هي مدار المكاسب في الشرع # اعلم أن تحصيل علم هذا الباب واجب على كل مسلم مكتسب لأن طلب العلم فريضة ~~على كل مسلم وإنما هو طلب العلم المحتاج إليه والمكتسب يحتاج إلى علم الكسب ~~ومهما حصل علم هذا الباب وقف على مفسدات المعاملة فيتقيها وما شذ عنه من ~~الفروع المشكلة فيقع على سبب إشكالها فيتوقف فيها إلى أن يسأل فإنه إذا لم ~~يعلم أسباب الفساد بعلم جملي فلا يدري متى يجب عليه التوقف والسؤال ولو قال ~~لا أقدم العلم ولكني أصبر إلى أن تقع لي الواقعة فعندها أتعلم وأستفتي ~~فيقال له وبم تعلم وقوع الواقعة مهما لم تعلم جمل مفسدات العقود فإنه يستمر ~~في التصرفات ويظنها صحيحة مباحة فلا بد له من هذا القدر من علم التجارة ~~ليتميز له المباح عن المحظور وموضع الإشكال عن موضع الوضوح ولذلك روي عن ~~عمر رضي الله عنه أنه كان يطوف السوق ويضرب بعض التجار بالدرة ويقول لا ~~يبيع في سوقنا إلا من يفقه وإلا أكل الربا شاء أم أبى وعلم العقود كثير ~~ولكن هذه العقود الستة لا تنفك المكاسب عنها وهي البيع والربا والسلم ~~والإجارة والشركة والقراض فلنشرح شروطها ### |||| العقد الأول البيع # وقد أحله الله تعالى وله ثلاثة أركان العاقد والمعقود عليه واللفظ # الركن الأول العاقد ينبغي للتاجر أن لا يعامل بالبيع أربعة الصبي ~~والمجنون والعبد والأعمى لأن الصبي غير مكلف وكذا المجنون وبيعهما باطل فلا ~~يصح بيع الصبي وإن أذن له فيه الولي عند الشافعي وما أخذه منهما مضمون عليه ~~لهما PageV02P064 # وما سلمه في المعاملة إليهما فضاع في أيديهما فهو المضيع له ms0670 # وأما العبد العاقل فلا يصح بيعه وشراؤه إلا بإذن سيده فعلى البقال ~~والخباز والقصاب وغيرهم أن لا يعاملوا العبيد ما لم تأذن لهم السادة في ~~معاملتهم وذلك بأن يسمعه صريحا أو ينتشر في البلد أنه مأذون له في الشراء ~~لسيده وفي البيع له فيعول على الاستفاضة أو على قول عدل يخبره بذلك فإن ~~عامله بغير إذن السيد فعقده باطل وما أخذه منه مضمون عليه لسيده وما تسلمه ~~إن ضاع في يد العبد لا يتعلق برقبته ولا يضمنه سيده بل ليس له إلا المطالبة ~~إذا عتق # وأما الأعمى فإنه يبيع ويشتري ما لا يرى فلا يصح ذلك فليأمره بأن يوكل ~~وكيلا بصيرا ليشتري له أو يبيع فيصح توكيله ويصح بيع وكيله فإن عامله ~~التاجر بنفسه فالمعاملة فاسدة وما أخذه منه مضمون عليه بقيمته وما سلمه ~~إليه أيضا مضمون له بقيمته # وأما الكافر فتجوز معاملته لكن لا يباع منه المصحف ولا العبد المسلم ولا ~~يباع منه السلاح إن كان من أهل الحرب فإن فعل فهي معاملات مردودة وهو عاص ~~بها ربه # وأما الجندية من الأتراك والتركمانية والعرب والأكراد والسراق والخونة ~~وأكلة الربا والظلمة وكل من أكثر ماله حرام فلا ينبغي أن يتملك مما في ~~أيديهم شيئا لأجل أنها حرام إلا إذا عرف شيئا بعينه أنه حلال وسيأتي تفصيل ~~ذلك في كتاب الحلال والحرام # الركن الثاني في المعقود عليه وهو المال المقصود نقله من أحد العاقدين ~~إلى الآخر ثمنا كان أو مثمنا فيعتبر فيه ستة شروط # الأول أن لا يكون نجسا في عينه فلا يصح بيع كلب وخنزير ولا بيع زبل وعذرة ~~ولا بيع العاج والأواني المتخذة منه فإن العظم ينجس بالموت ولا يطهر الفيل ~~بالدبح ولا يطهر عظمه بالتذكية ولا يجوز بيع الخمر ولا بيع الودك النجس ~~المستخرج من الحيوانات التي لا تؤكل وإن كان يصلح للاستصباح أو طلاء السفن ~~ولا بأس ببيع الدهن الطاهر في عينه الذي نجس بوقوع نجاسة أو موت فأرة فيه ~~فإنه يجوز الانتفاع به في غير الأكل ms0671 وهو في عينه ليس بنجس وكذلك لا أرى ~~بأسا ببيع بزر القز فإنه أصل حيوان ينتفع به تشبيهه بالبيض وهو أصل حيوان ~~أولى من تشبيهه بالروث # ويجوز بيع فأرة المسك ويقضى بطهارتها إذا انفصلت من الظبية في حالة ~~الحياة # الثاني أن يكون منتفعا به فلا يجوز بيع الحشرات ولا الفأرة ولا الحية ولا ~~التفات إلى انتفاع المشعبذ بالحية وكذا لاالتفات إلى انتفاع أصحاب الحلق ~~بإخراجها من السلة وعرضها على الناس ويجوز بيع الهرة والنحل وبيع الفهد ~~والأسد وما يصلح لصيد أو ينتفع بجلده ويجوز بيع الفيل لأجل الحمل ويجوز بيع ~~الطوطي وهي الببغاء والطاوس والطيور المليحة الصور وإن كانت لا تؤكل فإن ~~التفرج بأصواتها والنظر إليها غرض مقصود مباح وإنما الكلب هو الذي لا يجوز ~~أن يقتني إعجابا بصورته لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه (1) # ولا يجوز بيع العود والصنج والمزامير والملاهي فإنه لا منفعة لها شرعا ~~وكذا بيع الصور المصنوعة من الطين كالحيوانات التي تباع في الأعياد للعب ~~الصبيان فإن كسرها واجب شرعا وصور الأشجار متسامح بها وأما الثياب والأطباق ~~وعليها صور الحيوانات فيصح بيعها وكذا الستور وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها اتخذي منها نمارق (2) # ولا يجوز استعمالها منصوبة ويجوز موضوعة وإذا جاز الانتفاع من وجه صح ~~البيع لذلك الوجه # الثالث أن يكون المتصرف فيه مملوكا للعاقد أو مأذونا من جهة المالك ولا ~~يجوز أن يشتري من غير المالك انتظارا للإذن من المالك بل لو رضي بعد ذلك ~~وجب استئناف العقد ولا ينبغي أن يشتري من الزوجة مال PageV02P065 # الزوج ولا من الزوج مال الزوجة ولا من الوالد مال الولد ولا من الولد مال ~~الوالد # اعتمادا على أنه لو عرف لرضي فإنه إذا لم يكن الرضا متقدما لم يصح البيع ~~وأمثال ذلك مما يجري في الأسواق فواجب على العبد المتدين أن يحترز منه # الرابع أن يكون المعقود عليه مقدورا على تسليمه شرعا وحسا فما لا يقدر ~~على تسليمه حسا لا يصح ms0672 بيعه كالآبق والسمك في الماء والجنين في البطن وعسب ~~الفحل وكذلك بيع الصوف على ظهر الحيوان واللبن في الضرع لا يجوز فإنه يتعذر ~~تسليمه لاختلاط غير المبيع بالمبيع والمعجوز عن تسليمه شرعا كالمرهون ~~والموقوف والمستولدة فلا يصح بيعها أيضا وكذا بيع الأم دون الولد إذا كان ~~الولد صغيرا وكذا بيع الولد دون الأم لأن تسليمه تفريق بينهما وحرام فلا ~~يصح التفريق بينهما بالبيع # الخامس أن يكون المبيع معلوم العين والقدر والوصف أما العلم بالعين فبأن ~~يشير إليه بعينه فلو قال بعتك شاة من هذا القطيع أي شاة أردت أو ثوبا من ~~هذه الثياب التي بين يديك أو ذراعا من هذا الكرباس وخذه من أي جانب شئت أو ~~عشرة أذرع من هذه الأرض وخذه من أي طرف شئت فالبيع باطل وكل ذلك مما يعتاده ~~المتساهلون في الدين إلا أن يبيع شائعا مثل أن يبيع نصف الشيء أو عشره فإن ~~ذلك جائز # وأما العلم بالقدر فإنما يحصل بالكيل أو الوزن أو النظر إليه فلو قال ~~بعتك هذا الثوب بما باع به فلان ثوبه وهما لا يدريان ذلك فهو باطل ولو قال ~~بعتك بزنة هذه الصنجة فهو باطل إذا لم تكن الصنجة معلومة ولو قال بعتك هذه ~~الصبرة من الحنطة فهو باطل أو قال بعتك بهذه الصرة من الدراهم أو بهذه ~~القطعة من الذهب وهو يراها # صح البيع وكان تخمينه بالنظر كافيا في معرفة المقدار # وأما العلم بالوصف فيحصل بالرؤية في الأعيان ولا يصح بيع الغائب إلا إذا ~~سبقت رؤيته مذ مدة لا يغلب التغير فيها والوصف لا يقوم مقام العيان هذا أحد ~~المذهبين ولا يجوز بيع الثوب في المنسج اعتمادا على الرقوم ولا بيع الحنطة ~~في سنبلها ويجوز بيع الأرز في قشرته التي يدخر فيها وكذا بيع الجوز واللوز ~~في القشرة السفلى ولا يجوز في القشرتين ويجوز بيع الباقلاء الرطب في قشرته ~~للحاجة ويتسامح ببيع الفقاع لجريان عادة الأولين به ولكن نجعله إباحة بعوض ~~فإن اشتراه ليبيعه فالقياس بطلانه لأنه ليس مستترا ms0673 ستر خلقة ولا يبعد أن ~~يتسامح به إذ في إخراجه إفساده كالرمان وما يستر بستر خلق معه # السادس أن يكون المبيع مقبوضا إن كان قد استفاد ملكه بمعاوضة وهذا شرط ~~خاص وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض (1) # ويستوي فيه العقار والمنقول فكل ما اشتراه أو باعه قبل القبض فبيعه باطل ~~وقبض المنقول بالنقل وقبض العقار بالتخلية وقبض ما ابتاعه بشرط الكيل لا ~~يتم إلا بأن يكتاله وأما بيع الميراث والوصية والوديعة وما لم يكن الملك ~~حاصلا فيه بمعاوضة فهو جائز قبل القبض # الركن الثالث لفظ العقد فلا بد من جريان إيجاب وقبول متصل به بلفظ دال ~~على المقصود مفهم إما صريح أو كناية فلو قال أعطيتك هذا بذاك بدل قوله بعتك ~~فقال قبلته جاز مهما قصدا به البيع لأنه قد يحتمل الإعارة إذا كان في ثوبين ~~أو دابتين والنية تدفع الاحتمال والصريح أقطع للخصومة ولكن الكناية تفيد ~~الملك أيضا والحل فيما يختاره ولا ينبغي أن يقرر بالبيع شرطا على خلاف ~~مقتضى العقدة فلو شرط أن يزيد شيئا آخر وأن يحمل المبيع إلى داره أو اشترى ~~الحطب بشرط النقل إلى داره كل ذلك فاسد إلا إذا أفرد استئجاره على النقل ~~بأجرة معلومة منفردة عن الشراء للمنقول ومهما لم يجر بينهما إلا المعاطاة ~~بالفعل دون التلطف باللسان لم ينعقد البيع PageV02P066 # عند الشافعي أصلا وانعقد عند أبي حنيفة إن كان في المحقرات ثم ضبط ~~المحقرات عسير فإن رد الأمر إلى العادات فقد جاوز الناس المحقرات في ~~المعاطاة إذ يتقدم الدلال إلى البزاز يأخذ منه ثوبا ديباجا قيمته عشرة ~~دنانير مثلا ويحمله إلى المشتري ويعود إليه بأنه ارتضاه فيقول له خذ عشرة ~~فيأخذ من صاحبه العشرة ويحملها ويسلمها إلى البزاز فيأخذها ويتصرف فيها ~~ومشترى الثوب يقطعه ولم يجر بينهما إيجاب وقبول أصلا وكذلك يجتمع المجهزون ~~على حانوت البياع فيعرض متاعا قيمته مائة دينار مثلا فيمن يزيد فيقول أحدهم ~~هذا علي بتسعين ويقول الآخر هذا علي بخمسة وتسعين ms0674 ويقول الآخر هذا بمائة ~~فيقال له زن فيزن ويسلم ويأخذ المتاع من غير إيجاب وقبول فقد استمرت به ~~العادات وهذه من المعضلات التي ليست تقبل العلاج إذ الاحتمالات ثلاثة إما ~~فتح باب المعاطاة مطلقا في الحقير والنفيس وهو محال إذ فيه نقل الملك من ~~غير لفظ دال عليه وقد أحل الله البيع والبيع اسم للإيجاب والقبول ولم يجر ~~ولم ينطلق اسم البيع على مجرد فعل بتسليم وتسلم فبماذا يحكم بانتقال الملك ~~من الجانبين لا سيما في الجواري والعبيد والعقارات والدواب النفيسة وما ~~يكثر التنازع فيه إذ للمسلم أن يرجع ويقول قد ندمت وما بعته إذ لم يصدر مني ~~إلا مجرد تسليم وذلك ليس ببيع # الاحتمال الثاني أن نسد الباب بالكلية كما قال الشافعي رحمه الله من ~~بطلان العقد وفيه إشكال من وجهين # أحدهما أنه يشبه أن يكون ذلك في المحقرات معتادا في زمن الصحابة ولو ~~كانوا يتكلفون الإيجاب والقبول من البقال والخباز والقصاب لثقل عليهم فعله ~~ولنقل ذلك نقلا منتشرا ولكان يشتهر وقت الإعراض بالكلية عن تلك العادة فإن ~~الأعصار في مثل هذا تتفاوت # والثاني أن الناس الآن قد انهمكوا فيه فلا يشتري الإنسان شيئا من الأطعمة ~~وغيرها إلى ويعلم أن البائع قد ملكه بالمعاطاة فأي فائدة في تلفظه بالعقد ~~إذا كان الأمر كذلك # الاحتمال الثالث أن يفصل بين المحقرات وغيرها كما قاله أبو حنيفة رحمه ~~الله وعند ذلك يتعسر الضبط في المحقرات ويشكل وجه نقل الملك من غير لفظ يدل ~~عليه وقد ذهب ابن سريج إلى تخريج قول للشافعي رحمه الله على وفقه وهو أقرب ~~الاحتمالات إلا الاعتدال فلا بأس لو ملنا إليه لمسيس الحاجات ولعموم ذلك ~~بين الخلق ولما يغلب على الظن بأن ذلك كان معتادا في الأعصار الأولى # فأما الجواب عن الإشكالين فهو أن نقول أما الضبط في الفصل بين المحقرات ~~وغيرها فليس علينا تكلفة بالتقدير فإن ذلك غير ممكن بل له طرفان واضحان إذ ~~لا يخفى أن شراء البقل وقليل من الفواكه والخبز واللحم من المعدود ms0675 من ~~الحقرات التي لا يعتاد فيها إلا المعاطاة وطالب الإيجاب والقبول فيه يعد ~~مستقصيا ويستبرد تكليفه لذلك ويستثقل وينسب إلى أنه يقيم الوزن لأمر حقير ~~ولى وجه له هذا طرف الحقارة والطرف الثاني الدواب والعبيد والعقارات ~~والثياب النفيسة فذلك مما لا يستبعد تكلف الإيجاب والقبول فيها وبينهما ~~أوساط متشابهة يشك فيها هي في محل الشبهة فحق ذي الدين أن يميل فيها إلى ~~الاحتياط وجميع ضوابط الشرع فيما يعلم بالعادة كذلك ينقسم إلى أطراف واضحة ~~وأوساط مشكلة # وأما الثاني وهو طلب سبب لنقل الملك فهو أن يجعل الفعل باليد أخذا ~~وتسليما سببا لعينه بل لدلالته وهذا الفعل قد دل على مقصود البيع دلالة ~~مستمرة في العادة وانضم إليه مسيس الحاجة وعادة الأولين واطراد جميع ~~العادات بقبول الهدايا من غير إيجاب وقبول مع التصرف فيها وأي فرق بين أن ~~يكون فيه عوض أو لا يكون إذ الملك لا بد من نقله في الهبة أيضا إلا أن ~~العادة السالفة لم تفرق في الهدايا بين الحقير والنفيس بل كان طلب الإيجاب ~~والقبول يستقبح فيه كيف كان وفي المبيع لم يستقبح في غير المحقرات هذا ما ~~نراه أعدل الاحتمالات وحق الورع المتدين أن لا يدع الإيجاب والقبول للخروج ~~عن شبهة الخلاف فلا ينبغي أن يمتنع من ذلك لأجل PageV02P067 # أن البائع قد تملكه بغير إيجاب وقبول فإن ذلك لا يعرف تحقيقا فربما ~~اشتراه بقبول وإيجاب فإن كان حاضرا عند شرائه أو أقر البائع به فيمتنع منه ~~وليشتر من غيره فإن كان الشيء محقرا وهو إليه محتاج فليتلفظ بالإيجاب ~~والقبول فإنه يستفيد به قطع الخصومة في المستقبل معه إذ الرجوع من اللفظ ~~الصريح غير ممكن ومن الفعل ممكن # فإن قلت فإن أمكن هذا فيما يشتريه فكيف يفعل إذا حضر في ضيافة أو على ~~مائدة وهو يعلم أن أصحابها يكتفون بالمعاطاة في البيع والشراء أو سمع منهم ~~ذلك أو رآه أيجب عليه الامتناع من الأكل فأقول يجب عليه الامتناع من الشراء ~~إذا كان ذلك الشيء الذي اشتروه مقدارا ms0676 نفيسا ولم يكن من المحقرات # وأما الأكل فلا يجب الامتناع منه فإني أقول إن ترددنا في جعل الفعل دلالة ~~على نقل الملك فلا ينبغي أن لا نجعله دلالة على الإباحة فإن أمر الإباحة ~~أوسع وأمر نقل الملك أضيق فكل مطعوم جرى فيه بيع معاطاة فتسليم البائع إذن ~~في الأكل يعلم ذلك بقرينة الحال كإذن الحمامي في دخول الحمام والإذن في ~~الإطعام لمن يريده المشتري فينزل منزلة ما لو قال أبحت لك أن تأكل هذا ~~الطعام أو تطعم من أردت فإنه يحل له ولو صرح وقال كل هذا الطعام ثم أغرم لي ~~عوضه لحل الأكل ويلزمه الضمان بعد الأكل هذا قياس الفقه عندي ولكنه بعد ~~المعاطاة آكل ملكه ومتلفا له فعليه الضمان وذلك في ذمته والثمن الذي سلمه ~~إن كان مثل قيمته فقد ظفر المستحق بمثل حقه فله أن يتملكه مهما عجز عن ~~مطالبة من عليه وإن كان قادرا على مطالبته فإنه لا يتملك ما ظفر به من ملكه ~~لأنه ربما لا يرضى بتلك العين أن يصرفها إلى دينه فعليه المراجعة # وأما ههنا فقد عرف رضاه بقرينة الحال عند التسليم فلا يبعد أن يجعل الفعل ~~دلالة على الرضاء بأن يستوفي دينه مما يسلم إليه فيأخذه بحقه لكن على كل ~~الأحوال جانب البائع أغمض لأن ما أخذه قد يريد المالك ليتصرف فيه ولا يمكنه ~~التملك إلا إذا أتلف عين طعامه في يد المشتري ثم ربما يفتقر إلى استئناف ~~قصد التملك ثم يكون قد تملك بمجرد رضا استفاده من الفعل دون القول # وأما جانب المشتري للطعام وهو لا يريد إلا الأكل فهين فإن ذلك يباح ~~بالإباحة المفهومة من قرينة الحال ولكن ربما يلزم من مشاورته أن الضيف يضمن ~~ما أتلفه وإنما يسقط الضمان عنه إذا تملك البائع ما أخذه من المشتري فيسقط ~~فيكون كالقاضي دينه والمتحمل عنه فهذا ما نراه في قاعدة المعاطاة على ~~غموضها والعلم عند الله وهذه احتمالات وظنون رددناها ولا يمكن بناء الفتوى ~~إلا على هذه الظنون وأما الورع فإنه ms0677 ينبغي أن يستفتى قلبه ويتقي مواضع ~~الشبه ### |||| العقد الثاني عقد الربا # وقد حرمه الله تعالى وشدد الأمر فيه ويجب الاحتراز منه على الصيارفة ~~المتعاملين على النقدين وعلى المتعاملين على الأطعمة إذ لا ربا إلا في نقد ~~أو في طعام # وعلى الصيرفي أن يحترز من النسيئة والفضل # أما النسيئة فأن لا يبيع شيئا من جواهر النقدين بشيء من جواهر النقدين ~~إلا يدا بيد وهو أن يجري التقابض في المجلس وهذا احتراز من النسيئة وتسليم ~~الصيارفة الذهب إلى دار الضرب وشراء الدنانير المضروبة حرام من حيث النساء ~~ومن حيث إن الغالب أن يجري فيه تفاضل إذ لا يرد المضروب بمثل وزنه # وأما الفضل فيحترز منه في ثلاثة أمور في بيع المكسر بالصحيح فلا تجوز ~~المعاملة فيهما إلا مع المماثلة # وفي بيع الجيد بالرديء فلا ينبغي أن يشتري رديئا بجيد دونه في الوزن أو ~~يبيع رديئا بجيد فوقه في الوزن أعني إذا باع الذهب بالذهب والفضة بالفضة ~~فإن اختلف الجنسان فلا حرج في الفضل # والثالث في المركبات من الذهب والفضة كالدنانير المخلوطة من الذهب والفضة ~~إن كان PageV02P068 # مقدرا الذهب مجهولا لم تصح المعاملة عليها أصلا إلا إذا كان ذلك نقدا ~~جاريا في البلد فإنا نرخص في المعاملة عليه إذا لم يقابل بالنقد وكذا ~~الدراهم المغشوشة بالنحاس إن لم تكن رائجة في البلد لم تصح المعاملة عليها ~~لأن المقصود منها النقرة وهي مجهولة وإن كان نقدا رائجا في البلد رخصنا في ~~المعاملة لأجل الحاجة وخروج النقرة عن أن يقصد استخراجها ولكن لا يقابل ~~بالنقرة أصلا وكذلك كل حلي مركب من ذهب وفضة فلا يجوز شراؤه لا بالذهب ولا ~~بالفضة بل ينبغي أن يشتري بمتاع آخر إن كان قدر الذهب منه معلوما إلا إذا ~~كان مموها بالذهب تمويها لا يحصل منه ذهب مقصود عند العرض على النار فيجوز ~~بيعها بمثلها من النقرة بما أريد من غير النقرة وكذلك لا يجوز للصيرفي أن ~~يشتري قلادة فيها خرز وذهب بذهب ولا أن يبيعه بل بالفضة يدا بيد ms0678 إن لم يكن ~~فيها فضة ولا يجوز شراء ثوب منسوج بذهب يحصل منه ذهب مقصود عند العرض على ~~النار بذهب ويجوز بالفضة غيرها وأما المتعاملون على الأطعمة فعليهم التقابض ~~في المجلس اختلف جنس الطعام المبيع والمشترى أو لم يختلف فإن اتحد الجنس ~~فعليهم التقابض ومراعاة المماثلة والمعتاد في هذا معاملة القصاب بأن يسلم ~~إليه الغنم ويشتري بها اللحم نقدا أو نسيئة فهو حرام ومعاملة الخباز بأن ~~يسلم إليه الحنطة ويشتري بها الخبز نسيئة أو نقدا فهو حرام ومعاملة العصار ~~بإن يسلم إليه البزر والسمسم والزيتون ليأخذ منه الأدهان فهو حرام وكذا ~~اللبان يعطي اللبن ليؤخذ منه الجبن والسمن والزبد وسائر أجراء اللبن فهو ~~أيضا حرام ولا يباع الطعام بغير جنسه من الطعام إلا نقدا وبجنسه إلا نقدا ~~ومتماثلا وكل ما يتخذ من الشيء المطعوم فلا يجوز أن يباع به متماثلا ولا ~~متفاضلا فلا يباع بالحنطة دقيق وخبز وسويق ولا بالعنب والتمر دبس وخل وعصير ~~ولا باللبن سمن وزبد ومخيض ومصل وجبن والمماثلة لا تفيد إذا لم يكن الطعام ~~في حال كمال الادخار فلا يباع الرطب بالرطب والعنب بالعنب متفاضلا ومتماثلا ~~فهذه جمل مقنعة في تعريف البيع والتنبيه على ما يشعر التاجر بمثارات الفساد ~~حتى يستفتي فيها إذا تشكك والتبس عليه شيء منها وإذا لم يعرف هذا لم يتفطن ~~لمواضع السؤال واقتحم الربا والحرام وهو لا يدري ### |||| العقد الثالث السلم # وليراع التاجر فيه عشرة شروط # الأول أن يكون رأس المال معلوما على مثله حتى لو تعذر تسليم المسلم فيه ~~أمكن الرجوع إلى قيمة رأس المال فإن أسلم كفا من الدراهم جزافا في كر حنطة ~~لم يصح في أحد القولين # الثاني أن يسلم رأس المال في مجلس العقد قبل التفرق فلو تفرقا قبل القبض ~~انفسخ السلم # الثالث أن يكون المسلم فيه مما يمكن تعريف أوصافه كالحبوب والحيوانات ~~والمعادن والقطن والصوف والابريسم والألبان واللحوم ومتاع العطارين ~~وأشباهها ولا يجوز في المعجونات والمركبات وما تختلف أجزاؤه كالقسي المنوعة ~~والنبل المعمول والخفاف والنعال المختلفة أجزاؤها ms0679 وصنعتها وجلود الحيوانات # ويجوز السلم في الخبز # وما يتطرق إليه من اختلاف قدر الملح والماء بكثرة الطبخ وقلته يعفى عنه ~~ويتسامح فيه # الرابع أن يستقصي وصف هذه الأمور القابلة للوصف حتى لا يبقى وصف تتفاوت ~~به القيمة تفاوتا لا يتغابن بمثله الناس إلا ذكره # فإن ذلك الوصف هو القائم مقام الرؤية في البيع # الخامس أن يجعل الأجل معلوما إن كان مؤجلا فلا يؤجل إلى الحصاد ولا إلى ~~إدراك انثمار بل إلى الأشهر والأيام فإن الإدراك قد يتقدم وقد يتأخر # السادس إن يكون المسلم فيه مما يقدر على تسليمه وقت المحل ويؤمن فيه ~~وجوده غالبا # فلا ينبغي إن يسلم في العنب إلى أجل لا يدرك فيه # وكذا سائر الفواكه فإن كان الغالب وجوده وجاء المحل وعجز عن التسليم بسبب ~~آفة فله أن يمهله إن شاء أو يفسخ ويرجع في رأس المال PageV02P069 # إن شاء # السابع أن يذكر مكان التسليم فيما يختلف الغرض به كي لا يثير ذلك نزاعا # الثامن أن لا يعلقه بمعين فيقول من حنطة هذا الزرع أو ثمرة هذا البستان ~~فإن ذلك يبطل كونه دينا # نعم لو أضاف إلى ثمرة بلد أو قرية كبيرة لم يضر ذلك # التاسع أن لا يسلم في شيء نفيس عزيز الوجود مثل درة موصوفة يعز وجود ~~مثلها أو جارية حسناء معها ولدها أو غير ذلك مما لا يقدر عليه غالبا # العاشر أن لا يسلم في طعام مهما كان رأس المال طعاما سواء كان من جنسه أو ~~لم يكن ولا يسلم في نقد إذا كان رأس المال نقدا وقد ذكرنا هذا في الربا ### |||| العقد الرابع الإجارة # وله ركنان الأجرة والمنفعة فأما العاقد واللفظ فيعتبر فيه ما ذكرناه في ~~البيع والأجرة كالثمن فينبغي أن يكون معلوما وموصوفا بكل ما شرطناه في ~~المبيع إن كان عينا فإن كان دينا فينبغي أن يكون معلوم الصفة والقدر ~~وليحترز فيه عن أمور جرت العادة بها وذلك مثل كراء الدار بعمارتها فذلك ~~باطل إذ قدر العمارة مجهول # ولو قدر دراهم وشرط على ms0680 المكتري أن يصرفها إلى العمارة لم يجز لأن عمله ~~في الصرف إلى العمارة مجهول # ومنها استئجار السلاخ على أن يأخذ الجلد بعد السلخ واستئجار حمال الجيف ~~بجلد الجيفة واستئجار الطحان بالنخالة أو بعض الدقيق فهو باطل وكذلك كل ما ~~يتوقف حصوله وانفصاله على عمل الأجير فلا يجوز أن يجعل أجرة # ومنها أن يقدر في إجارة الدور والحوانيت مبلغ الأجر فلو قال لكل شهر ~~دينار ولم يقدر أشهر الإجارة كانت المدة مجهولة ولم تنعقد الإجارة # الركن الثاني المنفعة المقصودة بالإجارة وهي العمل وحده إن كان عمل مباح ~~معلوم يلحق العامل فيه كلفة ويتطوع به الغير عن الغير فيجوز الاستئجار عليه ~~وجملة فروع الباب تندرج تحت هذه الرابطة ولكنا لا نطول بشرحها فقد طولنا ~~القول فيها في الفقهيات وإنما نشير إلى ما تعم به البلوى فليراع في العمل ~~المستأجر عليه خمسة أمور # الأول أن يكون متقوما بأن يكون فيه كلفة وتعب # فلو استأجر طعاما ليزين به الدكان # أو أشجارا ليجفف عليها الثياب أو دراهم ليزين بها الدكان # لم يجز فإن هذه المنافع تجري مجرى حبة سمسم وحبة بر من الأعيان وذلك لا ~~يجوز بيعه وهي كالنظر في مرآة الغير والشرب من بئره والاستظلال بجداره ~~والاقتباس من ناره ولهذا لو استأجر بياعا على أن يتكلم بكلمة يروج بها ~~سلعته لم يجز # وما يأخذه البياعون عوضا عن حشمتهم وجاههم وقبول قولهم في ترويج السلع ~~فهو حرام إذ ليس يصدر منهم إلا كلمة لا تعب فيها ولا قيمة لها وإنما يحل ~~لهم ذلك إذ تعبوا بكثرة التردد أو بكثرة الكلام في تأليف أمر المعاملة # ثم لا يستحقون إلا أجرة المثل فأما ما تواطأ عليه الباعة فهو ظلم وليس ~~مأخوذا بالحق # الثاني أن لا تتضمن الإجارة استيفاء عين مقصودة فلا يجوز إجارة الكرم ~~لارتفاقه # ولا إجارة المواشي للبنها # ولا إجارة البساتين لثمارها # ويجوز استئجار المرضعة ويكون اللبن تابعا لأن إفراده غير ممكن # وكذا يتسامح بحبر الورق وخيط الخياط # لأنهما لا يقصدان على حيالهما # الثالث أن يكون ms0681 العمل مقدورا على تسليمه حسا وشرعا # فلا يصح استئجار الضعيف على عمل لا يقدر عليه # ولا استئجار الأخرس على التعليم ونحوه وما يحرم فعله فالشرع يمنع من ~~تسليمه # كالاستئجار على قلع سن سليمة أو قطع عضو لا يرخص الشرع في قطعه أو ~~استئجار الحائض على كنس المسجد # أو المعلم على تعليم السحر أو الفحش # أو استئجار زوجة الغير على الإرضاع دون إذن زوجها # أو استئجار المصور على تصوير الحيوانات # أو استئجار الصائغ على صيغة الأواني من الذهب والفضة فكل ذلك باطل # الرابع أن لا يكون العمل واجبا على الأجير # أو لا يكون بحيث لا تجري PageV02P070 # النيابة فيه عن المستأجر # فلا يجوز أخذ الأجرة على الجهاد ولا سائر العبادات التي لا نيابة فيها # إذ لا يقع ذلك عن المستأجر # ويجوز عن الحج وغسل الميت وحفر القبور ودفن الموتى وحمل الجنائز # وفي أخذ الأجرة على إمامة صلاة التراويح وعلى الأذان وعلى التصدي للتدريس ~~وإقراء القرآن خلاف # أما الاستئجار على تعليم مسئلة بعينها أو تعليم سورة بعينها لشخص معين ~~فصحيح # الخامس أن يكون العمل والمنفعة معلوما # فالخياط يعرف عمله بالثوب # والمعلم يعرف عمله بتعيين السورة ومقدارها # وحمل الدواب يعرف بمقدار المحمول وبمقدار المسافة # وكل ما يثير خصومة في العادة فلا يجوز إهماله # وتفصيل ذلك يطول # وإنما ذكرنا هذا القدر ليعرف به جليات الأحكام ويتفطن به لمواقع الإشكال # فيسأل # فإن الاستقصاء شأن المفتي لا شأن العوام ### |||| العقد الخامس القراض # وليراع فيه ثلاثة أركان # الركن الأول رأس المال وشرطه أن يكون نقدا معلوما مسلما إلى العامل فلا ~~يجوز القراض على الفلوس ولا على العروض فإن التجارة تضيق فيه # ولا يجوز على صرة من الدراهم لأن قدر الربح لا يتبين فيه ولو شرط مالك ~~اليد لنفسه لم يجز لأن فيه تضييق طريق التجارة # الركن الثاني الربح وليكن معلوما بالجزئية بأن يشترط له الثلث أو النصف ~~أو ما شاء فلو قال على أن لك من الربح مائة والباقي لي لم يجز إذ ربما لا ~~يكون الربح أكثر ms0682 من مائة فلا يجوز تقديره بمقدار معين بل بمقدار شائع # الثالث العمل الذي على العامل وشرطه أن يكون تجارة غير مضيقة عليه بتعيين ~~وتأقيت فلو شرط أن يشتري بالمال ماشية ليطلب نسلها فيتقاسمان النسل أو حنطة ~~فيخبزها ويتقاسمان الربح لم يصح لأن القراض مأذون فيه في التجارة وهو البيع ~~والشراء وما يقع من ضرورتهما فقط وهذا حرف أعني الخبز ورعاية المواشي ولو ~~ضيق عليه وشرط أن لا يشتري إلا من فلان أو لا يتجر إلا في الخز الأحمر أو ~~شرط ما يضيق باب التجارة فسد العقد ثم مهما انعقد فالعامل وكيل فيتصرف ~~بالغبطة تصرف الوكلاء ومهما أراد المالك الفسخ فله ذلك فإذا فسخ في حالة ~~والمال كله فيها نقد لم يخف وجه القسمة وإن كان عروضا ولا ربح فيه رد عليه ~~ولم يكن للمالك تكليفه أن يرده إلى النقد لأن العقد قد انفسخ وهو لم يلتزم ~~شيئا وإن قال العامل أبيعه وأبي المالك فالمتبوع رأى المالك إلا إذا وجد ~~العامل زبونا يظهر بسببه ربح على رأس المال ومهما كان ربح فعلى العامل بيع ~~مقدار رأس المال بجنس رأس المال لا بنقد آخر حتى يتميز الفاضل ربحا ~~فيشتركان فيه وليس عليهم بيع الفاضل على رأس المال ومهما كان رأس السنة ~~فعليهم تعرف قيمة المال لأجل الزكاة فإذا كان قد ظهر من الربح شيء فالأقيس ~~أن زكاة نصيب العامل على العامل وأنه يملك الربح بالظهور وليس للعامل أن ~~يسافر بمال القراض دون إذن المالك فإن فعل صحت تصرفاته ولكنه إذا فعل ضمن ~~الأعيان والأثمان جميعا لأن عدوانه بالنقل يتعدى إلى ثمن المنقول وإن سافر ~~بالإذن جاز ونفقة النقل وحفظ المال على مال القراض كما أن نفقة الوزن ~~والكيل والحمل الذي لا يعتاد التاجر مثله على رأس المال فأما نشر الثوب ~~وطيه والعمل اليسير المعتاد فليس له أن يبذل عليه أجرة # وعلى العامل نفقته وسكناه في البلد وليس عليه أجرة الحانوت # ومهما تجرد في السفر لمال القراض فنفقته في السفر على مال القراض ms0683 فإذا ~~رجع فعليه أن يرد بقايا آلات السفر من المطهرة والسفرة وغيرها PageV02P071 ### |||| العقد السادس الشركة # وهي أربعة أنواع ثلاثة منها باطلة # الأول شركة المفاوضة وهو أن يقولا تفاوضنا لنشترك في كل مالنا وعلينا ~~ومالاهما ممتازان فهي باطلة # الثاني شركة الأبدان وهو أن يتشارطا الاشتراك في أجرة العمل فهي باطلة # الثالث شركة الوجوه وهو أن يكون لأحدهما حشمة وقول مقبول فيكون من جهته ~~التنفيل ومن جهة غيره العمل فهذا أيضا باطل # وإنما الصحيح العقد الرابع المسمى شركة العنان وهو أن يختلط مالاهما بحيث ~~يتعذر التمييز بينهما إلا بقسمه ويأذن كل منهما لصاحبه في التصرف ثم حكمهما ~~توزيع الربح والخسران على قدر المالين ولا يجوز أن يغير ذلك بالشرط ثم ~~بالعزل يمتنع التصرف عن المعزول وبالقسمة ينفصل الملك عن الملك والصحيح أنه ~~يجوز عقد الشركة على العروض المشتراة ولا يشترط النقد بخلاف القراض # فهذا القدر من علم الفقه يجب تعلمه على كل مكتسب وإلا اقتحم الحرام من ~~حيث لا يدري # وأما معاملة القصاب والخباز والبقال فلا يستغني عنها المكتسب وغير ~~المكتسب والخلل فيها من ثلاثة وجوه من إهمال شروط البيع أو إهمال شروط ~~السلم أو الاقتصار على المعاطاة إذ العادات جارية بكتبه الخطوط على هؤلاء ~~بحاجات كل يوم ثم المحاسبة في كل مدة ثم التقويم بحسب ما يقع عليه التراضي ~~وذلك مما نرى القضاء بإباحته للحاجة ويحمل تسليمهم على إباحة التناول مع ~~انتظار العوض فيحل أكله ولكن يجب الضمان بأكله وتلزم قيمته يوم الإتلاف ~~فتجتمع في الذمة تلك القيم فإذا وقع التراضي على مقدار ما فينبغي أن يلتمس ~~منهم الإبراء المطلق لا تبقي عليه عهدة إن تطرق إليه تفاوت في التقويم فهذا ~~ما تجب القناعة به فإن تكليف وزن الثمن لكل حاجة من الحوائج في كل يوم وكل ~~ساعة تكليف شطط وكذا تكليف الإيجاب والقبول وتقدير ثمن كل قدر يسير منه فيه ~~عسر وإذا كثر كل نوع سهل تقويمه والله الموفق ### ||| الباب الثالث في بيان العدل واجتناب الظلم في المعاملة # اعلم أن ms0684 المعاملة قد تجري على وجه يحكم المفتي بصحتها وانعقادها ولكنها ~~تشتمل على ظلم يتعرض به المعامل لسخط الله تعالى إذ ليس كل نهي يقتضي فساد ~~العقد وهذا الظلم يعني به ما استضر به الغير وهو منقسم إلى ما يعم ضرره ~~وإلى ما يخص المعامل ### |||| القسم الأول فيما يعم ضرره وهو أنواع # النوع الأول الاحتكار فبائع الطعام يدخر الطعام ينتظر به غلاء الأسعار ~~وهو ظلم عام وصاحبه مذموم في الشرع # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من احتكر الطعام أربعين يوما ثم تصدق ~~به لم تكن صدقته كفارة لاحتكاره (1) # وروى ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من احتكر الطعام أربعين ~~يوما فقد برئ من الله وبرئ الله منه (2) # وقيل فكأنما قتل الناس جميعا وعن علي رضي الله عنه من احتكر الطعام ~~أربعين يوما PageV02P072 # قسا قلبه # وعنه أيضا أنه أحرق طعام محتكر بالنار # وروي في فضل ترك الاحتكار عنه صلى الله عليه وسلم من جلب طعاما فباعه ~~بسعر يومه فكأنما تصدق به وفي لفظ آخر فكأنما أعتق رقبة (1) # وقيل في قوله تعالى {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} إن ~~الاحتكار من الظلم وداخل تحته في الوعيد # وعن بعض السلف أنه كان بواسط فجهز سفينة حنطة إلى البصرة وكتب إلى وكيله ~~بع هذا الطعام يوم يدخل البصرة ولا تؤخره إلى غد فوافق سعة في السعر فقال ~~له التجار لو أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه فأخره جمعة فربح فيه أمثاله وكتب ~~إلى صاحبه بذلك فكتب إليه صاحب الطعام يا هذا إنا كنا قنعنا بربح يسير مع ~~سلامة ديننا وإنك قد خالفت وما نحب أن نربح أضعافه بذهاب شيء من الدين فقد ~~جنيت علينا جناية فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال كله فتصدق به على فقراء ~~البصرة وليتني أنجو من إثم الاحتكار كفافا لا علي ولا لي # واعلم أن النهي مطلق ويتعلق النظر به في الوقت والجنس أما الجنس فيطرد ~~النهي في أجناس الأقوات أما ما ليس بقوت ms0685 ولا هو معين على القوت كالأدوية ~~والعقاقير والزعفران وأمثاله فلا يتعدى النهي إليه وإن كان مطعوما # وأما ما يعين على القوت كاللحم والفواكه وما يسد مسدا يغني عن القوت في ~~بعض الأحوال وأن كان لا يمكن المداومة عليه فهذا في محل النظر فمن العلماء ~~من طرد التحريم في السمن والعسل والشيرج والجبن والزيت وما يجري مجراه وأما ~~الوقت فيحتمل أيضا طرد النهي في جميع الأوقات وعليه تدل الحكاية التي ذكرنا ~~في الطعام الذي صادف بالبصرة سعة في السعر ويحتمل أن يخصص بوقت قلة الأطعمة ~~وحاجة الناس إليه حتى يكون في تأخير بيعه ضر ما فأما إذا اتسعت الأطعمة ~~وكثرت واستغنى الناس عنها ولم يرغبوا فيها إلا بقيمة قليلة فانتظر صاحب ~~الطعام ذلك ولم ينتظر قحطا فليس في هذا إضرار # وإذا كان الزمان زمان قحط كان في ادخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها ~~إضرار فينبغي أن يقضى بتحريمه ويعول في نفي التحريم وإثباته على الضرار ~~فإنه مفهوم قطعا من تخصيص الطعام وإذا لم يكن ضرار فلا يخلو احتكار الأقوات ~~عن كراهية فإنه ينتظر مبادئ الضرار وهو ارتفاع الأسعار وانتظار مبادئ ~~الضرار محذور كانتظار عين الضرار ولكنه دونه وانتظار عين الضرار أيضا هو ~~دون الإضرار فبقدر درجات الإضرار تتفاوت درجات الكراهية والتحريم # وبالجملة التجارة في الأقوات مما لا يستحب لأنه طلب ربح والأقوات أصول ~~خلقت قواما والربح من المزايا فينبغي أن يطلب الربح فيما خلق من جملة ~~المزايا التي لا ضرورة للخلق إليها ولذلك أوصى بعض التابعين رجلا وقال لا ~~تسلم ولدك في بيعتين ولا في صنعتين بيع الطعام وبيع الأكفان فإنه يتمنى ~~الغلاء وموت الناس # والصنعتان أن يكون جزارا فإنها صنعة تقسي القلب أو صواغا فإنه يزخرف ~~الدنيا بالذهب والفضة # النوع الثاني ترويج الزيف من الدراهم في أثناء النقد فهو ظلم إذ يستضر به ~~المعامل إن لم يعرف وإن عرف فسيروجه على غيره فكذلك الثالث والرابع ولا ~~يزال يتردد في الأيدي ويعمم الضرر ويتسع الفساد ويكون وزر الكل ووباله ~~راجعا عليه فإنه ms0686 هو الذي فتح هذا الباب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من سن سنة سيئة فعمل بها من بعده كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها لا ~~ينقص من أوزارهم شيئا (2) # وقال بعضهم إنفاق درهم PageV02P073 # زيف أشد من سرقة مائة درهم لأن السرقة معصية واحدة وقد تمت وانقطعت ~~وإنفاق الزيف بدعة أظهرها في الدين وسنة سيئة يعمل بها من بعده فيكون عليه ~~وزرها بعد موته إلى مائة سنة أو مائتي سنة إلى أن يفنى ذلك الدرهم ويكون ~~عليه ما فسد من أموال الناس بسنته وطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه والويل ~~الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مائة سنة ومائتي سنة أو أكثر يعذب بها في قبره ~~ويسئل عنها إلى آخر انقراضها وقال تعالى {ونكتب ما قدموا وآثارهم} أي نكتب ~~أيضا ما أخروه من آثار أعمالهم كما نكتب ما قدموه وفي مثله قوله تعالى ~~{ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} وإنما أخر آثار أعماله من سنة سيئة عمل ~~بها غيره # وليعلم أن في الزيف خمسة أمور # الأول أنه إذا رد عليه شيء منه فينبغي أن يطرحه في بئر بحيث لا تمتد إليه ~~اليد وإياه أن يروجه في بيع آخر # وإن أفسده بحيث لا يمكن التعامل به جاز # الثاني أنه يجب على التاجر تعلم النقد لا ليستقصي لنفسه ولكن لئلا يسلم ~~إلى مسلم زيفا وهو لا يدري فيكون آثما بتقصيره في تعلم ذلك العلم # فكل علم عمل به يتم نصح المسلمين # فيجب تحصيله ولمثل هذا كان السلف يتعلمون علامات النقد نظرا لدينهم لا ~~لدنياهم # الثالث أنه إن سلم وعرف المعامل أنه زيف لم يخرج عن الإثم # لأنه ليس يأخذه إلا ليروجه على غيره ولا يخبره ولو لم يعزم على ذلك لكان ~~لا يرغب في أخذه أصلا # فإنما يتخلص من إثم الضرر الذي يخص معامله فقط # الرابع أن يأخذ الزيف ليعمل بقوله صلى الله عليه وسلم رحم الله امرأ سهل ~~البيع سهل الشراء سهل القضاء سهل الاقتضاء (1) # فهو داخل في ms0687 بركة هذا الدعاء إن عزم على طرحه في بئر # وإن كان عازما على أن يروجه في معاملة فهذا شر روجه الشيطان عليه في معرض ~~الخير فلا يدخل تحت من تساهل في الاقتضاء # الخامس أن الزيف نعني به ما لا نقره فيه أصلا بل هو مموه # أو ما لا ذهب فيه أعني في الدنانير # أما ما فيه نقرة فإن كان مخلوطا بالنحاس وهو نقد البلد فقد اختلف العلماء ~~في المعاملة عليه وجل رأينا الرخصة فيه إذا كان ذلك نقد البلد سواء علم ~~مقدار النقرة أو لم يعلم وإن لم يكن هو نقد البلد لم يجز إلا إذا علم قدر ~~النقرة فإن كان في ماله قطعة نقرتها ناقصة عن نقد البلد فعليه أن يخبر به ~~معامله وأن لا يعامل به إلا من لا يستحل الترويج في جملة النقد بطريق ~~التلبيس فأما من يستحل ذلك فتسليمه إليه تسليط له على الفساد فهو كبيع ~~العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمرا وذلك محظور وإعانة على الشر ومشاركة فيه ~~وسلوك طريق الحق بمثال هذا في التجارة أشد من المواظبة على نوافل العبادات ~~والتخلي لها ولذلك قال بعضهم التاجر الصدوق أفضل عند الله من المتعبد وقد ~~كان السلف يحتاطون في مثل ذلك حتى روي عن بعض الغزاة في سبيل الله أنه قال ~~حملت على فرسي لأقتل علجا فقصر بي فرسي فرجعت ثم دنا مني العلج فحملت ثانية ~~فقصر فرسي فرجعت ثم حملت الثالثة فنفر مني فرسي وكنت لا أعتاد ذلك منه ~~فرجعت حزينا وجلست منكس الرأس منكسر القلب لما فاتني من العلج وما ظهر لي ~~من خلق الفرس فوضعت رأسي على عمود الفسطاط وفرسي قائم فرأيت في النوم كأن ~~الفرس يخاطبني ويقول لي بالله عليك أردت أن تأخذ على العلج ثلاث مرات وأنت ~~بالأمس اشتريت لي علفا ودفعت في ثمنه درهما زائفا لا يكون هذا أبدا # قال فانتبهت فزعا فذهبت إلى العلاف وأبدلت ذلك الدرهم فهذا مثال ما يعم ~~ضرره وليقس عليه أمثاله ### |||| القسم الثاني ما يخص ms0688 ضرره المعامل # فكل ما يستضر به المعامل فهو ظلم وإنما العدل لا يضر بأخيه المسلم ~~والضابط الكلي فيه أن لا يحب PageV02P074 # لأخيه إلا ما يحب لنفسه فكل ما لو عومل به شق عليه وثقل على قلبه فينبغي ~~أن لا يعامل غيره به بل ينبغي أن يستوي عنده درهمه ودرهم غيره # قال بعضهم من باع أخاه شيئا بدرهم وليس يصلح له لو اشتراه لنفسه إلا ~~بخمسة دوانق فإنه قد ترك النصح المأمور به في المعاملة ولم يحب لأخيه ما ~~يحب لنفسه هذه جملته # فأما تفصيله ففي أربعة أمور # أن لا يثني على السلعة بما ليس فيها وأن لا يكتم من عيوبها وخفايا صفاتها ~~شيئا أصلا وأن لا يكتم في وزنها ومقدارها شيئا وأن لا يكتم من سعرها ما لو ~~عرفه المعامل لامتنع عنه # أما الأول فهو ترك الثناء فإن وصفه للسلعة إن كان بما ليس فيها فهو كذب ~~فإن قبل المشتري ذلك فهو تلبيس وظلم مع كونه كذبا وإن لم يقبل فهو كذب ~~وإسقاط مروءة إذ الكذب الذي لا يروج قد لا يقدح في ظاهر المروءة وإن أثنى ~~على السلعة بما فيها فهو هذيان وتكلم بكلام لا يعنيه وهو محاسب على كل كلمة ~~تصدر منه أنه لم تكلم بها # قال الله تعالى {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} إلا أن يثني على ~~السلعة بما فيها مما لا يعرفه المشتري ما لم يذكره كما يصفه من خفى أخلاق ~~العبيد والجواري والدواب فلا بأس بذكر القدر الموجود منه من غير مبالغة ~~وإطناب وليكن قصده منه أن يعرفه أخوه المسلم فيرغب فيه وتنقضي بسببه حاجته ~~ولا ينبغي أن يحلف عليه البتة فإنه إن كان كاذبا فقد جاء باليمين الغموس ~~وهي من الكبائر التي تذر الديار بلاقع وإن كان صادقا فقد جعل الله تعالى ~~عرضة لأيمانه وقد أساء فيه إذ الدنيا أخس من أن يقصد ترويجها بذكر اسم الله ~~من غير ضرورة وفي الخبر ويل للتاجر من بلى والله ولا والله وويل للصانع ms0689 من ~~غد وبعد (1) # وفي الخبر اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للبركة (2) # وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاثة ~~لا ينظر الله إليهم يوم القيامة عتل مستكبر ومنان بعطيته ومنفق سلعته ~~بيمينه (3) # فإذا كان الثناء على السلعة مع الصدق مكروها من حيث إنه فضول لا يزيد في ~~الرزق فلا يخفى التغليظ في أمر اليمين وقد روي عن يونس بن عبيد وكان خزازا ~~أنه طلب منه خز للشراء فأخرج غلامه سقط الخز ونشره ونظر إليه وقال اللهم ~~ارزقنا الجنة فقال لغلامه رده إلى موضعه ولم يبعه وخاف أن يكون ذلك تعريضا ~~بالثناء على السلعة فمثل هؤلاء الذين اتجروا في الدنيا ولم يضيعوا دينهم في ~~تجاراتهم بل علموا أن ربح الآخرة أولى بالطلب من ربح الدنيا # الثاني أن يظهر جميع عيوب المبيع خفيها وجليها ولا يكتم منها شيئا فذلك ~~واجب فإن أخفاه كان ظالما غاشا والغش حرام وكان تاركا للنصح في المعاملة ~~والنصح واجب ومهما أظهر أحسن وجهي الثوب وأخفى الثاني كان غاشا وكذلك إذا ~~عرض الثياب في المواضع المظلمة وكذلك إذا عرض أحسن فردي الخف أو النعل ~~وأمثاله ويدل على تحريم الغش ما روي أنه مر صلى الله عليه وسلم برجل يبيع ~~طعاما فأعجبه فأدخل يده فيه فرأى بللا فقال {ما هذا} قال أصابته السماء ~~فقال فهلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس من غشنا فليس منا (4) # ويدل على وجوب النصح بإظهار العيوب ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما بايع جريرا على الإسلام ذهب PageV02P075 # لينصرف فجذب ثوبه واشترط عليه النصح لكل مسلم (1) # فكان جرير إذا قام إلى السلعة يبيعها بصر عيوبها ثم خيره وقال إن شئت فخذ ~~وإن شئت فاترك فقيل له إنك إذا فعلت مثل هذا لم ينفذ لك بيع فقال إنا ~~بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم # وكان واثلة بن الأسقع واقفا فباع رجل ناقة له بثلثمائة درهم فغفل واثلة ~~وقد ذهب الرجل بالناقة ms0690 فسعى وراءه وجعل يصيح به يا هذا أشتريتها للحم أو ~~للظهر فقال بل للظهر فقال إن بخفها نقبا قد رأيته وإنها لا تتابع السير ~~فعاد فردها فنقصها البائع مائة درهم وقال لواثلة رحمك الله أفسدت علي بيعي ~~فقال إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم وقال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل لأحد يبيع بيعا إلا أن يبين ~~آفته ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا تبيينه (2) # فقد فهموا من النصح أن لا يرضى لأخيه إلا ما يرضاه لنفسه ولم يعتقدوا أن ~~ذلك من الفضائل وزيادة المقامات بل اعتقدوا أنه من شروط الإسلام الداخلة ~~تحت بيعتهم وهذا أمر يشق على أكثر الخلق فلذلك يختارون التخلي للعبادة ~~والاعتزال عن الناس لأن القيام بحقوق الله مع المخالطة والمعاملة مجاهدة لا ~~يقوم بها إلا الصديقون ولن يتيسر ذلك على العبد إلا بأن يعتقد أمرين # أحدهما أن تلبيسه العيوب وترويجه السلع لا يزيد في رزقه بل يمحقه ويذهب ~~ببركته وما يجمعه من مفرقات التلبيسات يهلكه الله دفعة واحدة فقد حكي أن ~~واحدا كان له بقرة يحلبها ويخلط بلبنها الماء ويبيعه فجاء سيل فغرق البقرة ~~فقال بعض أولاده إن تلك المياه المتفرقة التي صببناها في اللبن اجتمعت دفعة ~~واحدة وأخذت البقرة # كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم البيعان إذا صدقا ونصحا بورك لهما في ~~بيعهما وإذا كتما وكذبا نزعت بركة بيعهما (3) # وفي الحديث يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا فإذا تخاونا رفع يده ~~عنهما (4) # فإذا لا يزيد مال من خيانة كما لا ينقص من صدقة من لا يعرف الزيادة ~~والنقصان إلا بالميزان لم يصدق بهذا الحديث # ومن عرف أن الدرهم الواحد قد يبارك فيه حتى يكون سببا لسعادة الإنسان في ~~الدنيا والدين والآلاف المؤلفة قد ينزع الله البركة منها حتى تكون سببا ~~لهلاك مالكها بحيث يتمنى الإفلاس منها ويراه أصلح له في بعض أحواله فيعرف ~~معنى قولنا إن الخيانة لا تزيد في المال والصدقة لا ms0691 تنقص منه # والمعنى الثاني الذي لا بد من اعتقاده ليتم له النصح ويتيسر عليه أن يعلم ~~أن ربح الآخرة وغناها خير من ربح الدنيا وأن فوائد أموال الدنيا تنقضي ~~بانقضاء العمر وتبقى مظالمها وأوزارها فكيف يستجيز العاقل أن يستبدل الذي ~~هو أدنى بالذي هو خير والخير كله في سلامة الدين قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن الخلق سخط الله ما لم يؤثروا ~~صفقة دنياهم على آخرتهم (5) # وفي لفظ آخر ما لم يبالوا ما نقص من دنياهم بسلامة دينهم فإذا فعلوا ذلك ~~وقالوا لا إله إلا الله قال الله تعالى كذبتم لستم بها صادقين وفي حديث آخر ~~من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة # قيل # وما إخلاصه قال # أن يحرزه عما حرم الله (6) # وقال أيضا # ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ومن علم PageV02P076 # أن هذه الأمور قادحة في إيمانه وأن إيمانه رأس ماله في الآخرة لم يضيع ~~رأس ماله المعد لعمر لا آخر له بسبب ربح ينتفع به أياما معدودة # وعن بعض التابعين أنه قال لو دخلت الجامع ومع وهو غاص بأهله وقيل لي من ~~خير هؤلاء لقلت من أنصحهم لهم فإذا قالوا هذا قلت هو خيرهم # ولو قيل لي من شرهم قلت من أغشهم لهم فإذا قيل هذا قلت هو شرهم # والغش حرام في البيوع والصنائع جميعا ولا ينبغي أن يتهاون الصانع بعمله ~~على وجه لو عامله به غيره لما ارتضاه لنفسه بل ينبغي أن يحسن الصنعة ~~ويحكمها ثم يبين عيبها إن كان فيها عيب فبذلك يتخلص # وسأل رجل حداء بن سالم فقال كيف لي أن أسلم في بيع النعال فقال اجعل ~~الوجهين سواء ولا تفضل اليمنى على الأخرى وجود الحشو وليكن شيئا واحدا تاما ~~وقارب بين الخرز ولا تطبق إحدى النعلين على الأخرى # ومن هذا الفن ما سئل عنه أحمد بن حنبل رحمه الله من الرفو بحيث لا يتبين ~~قال لا يجوز لمن يبيعه أن يخفيه وإنما يحل ms0692 للرفا إذا علم أنه يظهره أو أنه ~~لا يريده للبيع # فإن قلت فلا تتم المعاملة مهما وجب على الإنسان أن يذكر عيوب المبيع ~~فأقول ليس كذلك إذ شرط التاجر أن لا يشتري للبيع إلا الجيد الذي يرتضيه ~~لنفسه لو أمسكه ثم يقنع في بيعه بربح يسير فيبارك الله له فيه ولا يحتاج ~~إلى تلبيس وإنما تعذر هذا لأنهم لا يقنعون بالربح اليسير وليس يسلم الكثير ~~إلا بتلبيس فمن تعود هذا لم يشتر المعيب فإن وقع في يده معيب نادرا فليذكره ~~وليقنع بقيمته # باع ابن سيرين شاة فقال للمشتري أبرأ إليك من عيب فيها أنها تقلب العلف ~~برجلها # وباع الحسن بن صالح جارية فقال للمشتري إنها تنخمت مرة عندنا دما فهكذا ~~كانت سيرة أهل الدين فمن لا يقدر عليه فليترك المعاملة أو ليوطن نفسه على ~~عذاب الآخرة # الثالث إلا يكتم في المقدار شيئا وذلك بتعديل الميزان والاحتياط فيه وفي ~~الكيل فينبغي أن يكيل كما يكتال قال الله تعالى ويل للمطففين الذين إذا ~~اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ولا يخلص من هذا ~~إلا بأن يرجع إذا أعطى وينقص إذا أخذ إذ العدل الحقيقي قلما يتصور فليستظهر ~~بظهور الزيادة والنقصان فإن من استقصى حقه بكماله يوشك أن يتعداه # وكان بعضهم يقول لا أشتري الويل من الله بحبة فكان إذا أخذ نقص نصف حبة ~~وإذا أعطى زاد حبة وكان يقول ويل لمن باع بحبة جنة عرضها السموات والأرض ~~وما أخسر من باع طوبى بويل # وإنما بالغوا في الاحتراز من هذا وشبهه لأنها مظالم لا يمكن التوبة منها ~~إذ لا يعرف أصحاب الحبات حتى يجمعهم ويؤدى حقوقهم ولذلك لما اشترى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم شيئا قال للوزان لما كان يزن ثمنه زن وأرجح (1) # ونظر فضيل إلى ابنه وهو يغسل دينارا يريد أن يصرفه ويزيل تكحيله وينقيه ~~حتى لا يزيد وزنه بسبب ذلك فقال يا بني فعلك هذا أفضل من حجتين وعشرين عمرة # وقال بعض السلف عجبت للتاجر والبائع كيف ms0693 ينجو يزن ويحلف بالنهار وينام ~~بالليل # وقال سليمان عليه السلام لابنه يا بني كما تدخل الحبة بين الحجرين كذلك ~~تدخل الخطيئة بين المتبايعين # وصلى بعض الصالحين على مخنث فقيل له إنه كان فاسقا فسكت فأعيد عليه فقال ~~كأنك قلت لي كان صاحب ميزانين يعطي بأحدهما ويأخذ بالأخر أشار به إلى أن ~~فسقه مظلمة بينه وبين الله تعالى وهذا من مظالم العباد والمسامحة والعفو ~~فيه أبعد والتشديد في أمر الميزان عظيم والخلاص منه يحصل بحبة ونصف حبة # وفي قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لا تطغوا في الميزان وأقيموا ~~الوزن باللسان ولا تخسروا الميزان أي لسان الميزان فإن النقصان والرجحان ~~PageV02P077 # يظهر بميله وبالجملة كل من ينتصف لنفسه من غيره ولو في كلمة ولا ينصف ~~بمثل ما ينتصف فهو داخل تحت قوله تعالى ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على ~~الناس يستوفون الآيات فإن تحريم ذلك في المكيل ليس لكونه مكيلا بل لكونه ~~أمرا مقصودا ترك العدل والنصفة فيه فهو جار في جميع الأعمال فصاحب الميزان ~~في خطر الويل وكل مكلف فهو صاحب موازين في أفعاله وأقواله وخطراته فالويل ~~له إن عدل عن العدل ومال عن الاستقامة ولولا تعذر هذا واستحالته لما ورد ~~قوله تعالى وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا فلا ينفك عبد ليس ~~معصوما عن الميل عن الاستقامة إلا أن درجات الميل تتفاوت تفاوتا عظيما ~~فلذلك تتفاوت مدة مقامهم في النار إلى أوان الخلاص حتى لا يبقى بعضهم إلا ~~بقدر تحلة القسم ويبقى بعضهم ألفا وألوف سنين فنسأل الله تعالى أن يقربنا ~~من الاستقامة والعدل فإن الاشتداد على متن الصراط المستقيم من غير ميل عنه ~~غير مطموع فيه فإنه أدق من الشعرة وأحد من السيف ولولاه لكان المستقيم عليه ~~لا يقدر على جواز الصراط الممدود على متن النار الذي من صفته أنه أدق من ~~الشعرة وأحد من السيف وبقدر الاستقامة على هذا الصراط المستقيم يخف العبد ~~يوم القيامة على الصراط وكل من خلط بالطعام ترابا أو ms0694 غيره ثم كاله فهو من ~~المطففين في الكيل وكل قصاب وزن مع اللحم عظما لم تجر العادة بمثله فهو من ~~المطففين في الوزن وقس على هذا سائر التقديرات حتى في الذرع الذي يتعاطاه ~~البزاز فإنه إذا اشترى أرسل الثوب في وقت الذرع ولم يمده مدا وإذا باعه مده ~~في الذرع ليظهر تفاوتا في القدر فكل ذلك من التطفيف المعرض صاحبه للويل # الرابع أن يصدق في سعر الوقت ولا يخفي منه شيئا فقد نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن تلقي الركبان (1) # ونهى عن النجش (2) # أما تلقي الركبان فهو أن يستقبل الرفقة ويتلقى المتاع ويكذب في سعر البلد ~~فقد قال صلى الله عليه وسلم لا تتلقوا الركبان ومن تلقاها فصاحب السلعة ~~بالخيار بعد أن يقدم السوق وهذا الشراء منعقد ولكنه إن ظهر كذبه ثبت للبائع ~~الخيار وإن كان صادقا ففي الخيار خلاف لتعارض عموم الخبر مع زوال التلبيس ~~ونهى أيضا أن يبيع حاضر لباد (3) # وهو أن يقدم البدوي البلد ومعه قوت يريد أن يتسارع إلى بيعه فيقول له ~~الحضري اتركه عندي حتى أغالي في ثمنه وأنتظر ارتفاع سعره وهذا في القوت ~~محرم وفي سائر السلع خلاف والأظهر تحريمه لعموم النهي ولأنه تأخير للتضييق ~~على الناس على الجملة من غير فائدة للفضولي المضيق ونهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن النجش # وهو أن يتقدم إلى البائع بين يدي الراغب المشتري ويطلب السلعة بزيادة وهو ~~لا يريدها وإنما يريد تحريك رغبة المشتري فيها فهذا إن لم تجر مواطأة مع ~~البائع فهو فعل حرام من صاحبه والبيع منعقد وإن جرى مواطأة ففي ثبوت الخيار ~~خلاف والأولى إثبات الخيار لأنه تغرير بفعل يضاهي التغرير في المصراة وتلقي ~~الركبان فهذه المناهي تدل على أنه لا يجوز أن يلبس على البائع والمشتري في ~~سعر الوقت ويكتم منه أمرا لو علمه لما أقدم على العقد ففعل هذا من الغش ~~الحرام المضاد للنصح الواجب فقد حكي عن رجل من التابعين أنه كان بالبصرة ~~وله غلام بالسوس يجهز ms0695 إليه السكر فكتب إليه غلامه إن قصب السكر قد أصابته ~~آفة في هذه السنة فاشتر السكر قال فاشترى سكرا كثيرا فلما جاء وقته ربح فيه ~~ثلاثين ألفا فانصرف إلى منزله فأفكر PageV02P078 # ليلته وقال ربحت ثلاثين ألفا وخسرت نصح رجل من المسلمين فلما أصبح غدا ~~إلى بائع السكر فدفع إليه ثلاثين ألفا وقال بارك الله لك فيها فقال ومن أين ~~صارت لي فقال إني كتمتك حقيقة الحال وكان السكر قد غلا في ذلك الوقت فقال ~~رحمك الله قد أعلمتني الآن وقد طيبتها لك قال فرجع بها إلى منزله وتفكر ~~وبات ساهرا وقال ما نصحته فلعله استحيا مني فتركها لي فبكر إليه من الغد ~~وقال عافاك الله خذ مالك إليك فهو أطيب لقلبي فاخذ منه ثلاثين ألفا # فهذه الأخبار في المناهي والحكايات تدل على أنه ليس له أن يغتنم فرصة ~~وينتهز غفلة صاحب المتاع ويخفي من البائع غلاء السعر أو من المشتري تراجع ~~الأسعار فإن فعل ذلك كان ظالما تاركا للعدل والنصح للمسلمين ومهما باع ~~مرابحة بأن يقول بعت بما قام علي أو بما اشتريته فعليه أن يصدق ثم يجب عليه ~~أن يخبر بما حدث بعد العقد من عيب أو نقصان ولو اشترى إلى أجل وجب ذكره ولو ~~اشترى مسامحة من صديقه أو ولده يجب ذكره # لأن المعامل يعول على عادته في الاستقصاء أنه لا يترك النظر لنفسه فإذا ~~تركه بسبب من الأسباب فيجب إخباره إذ الاعتماد فيه على أمانته ### ||| الباب الرابع في الإحسان في المعاملة # وقد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان جميعا والعدل سبب النجاة فقط وهو ~~يجري من التجارة مجرى رأس المال # والإحسان سبب الفوز ونيل السعادة وهو يجري من التجارة مجرى الربح ولا يعد ~~من الغفلاء من قنع في معاملات الدنيا برأس ماله فكذا في معاملات الآخرة فلا ~~ينبغي للمتدين أن يقتصر على العدل واجتناب الظلم ويدع أبواب الإحسان وقد ~~قال الله وأحسن كما أحسن الله إليك وقال عز وجل إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وقال سبحانه إن رحمت ms0696 الله قريب من المحسنين ونعني بالإحسان فعل ما ~~ينتفع به المعامل وهو غير واجب عليه ولكنه تفضل منه فإن الواجب يدخل في باب ~~العدل وترك الظلم وقد ذكرناه وتنال رتبة الإحسان بواحد من ستة أمور # الأول في المغابنة فينبغي أن لا يغبن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة ~~فأما أصل المغابنة فمأذون فيه لأن البيع للربح ولا يمكن ذلك إلا بغبن ما ~~ولكن يراعي فيه التقريب فإن بذل المشتري زيادة على الربح المعتاد إما لشدة ~~رغبته أو لشدة حاجته في الحال إليه فينبغي أن يمتنع من قبوله فذلك من ~~الإحسان # ومهما لم يكن تلبيس لم يكن أخذ الزيادة ظلما وقد ذهب بعض العلماء إلى أن ~~الغبن بما يزيد على الثلث يوجب الخيار ولسنا نرى ذلك ولكن من الإحسان أن ~~يحط ذلك الغبن # يروى أنه كان عند يونس بن عبيد حلل مختلفة الأثمان ضرب قيمة كل حلة منها ~~أربعمائة وضرب كل حلة قيمتها مائتان فمر إلى الصلاة وخلف ابن أخيه في ~~الدكان فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين ~~فاستحسنها ورضيها فاشتراها فمضى بها وهي على يديه فاستقبله يونس فعرف حلته ~~فقال للأعرابي بكم اشتريت فقال بأربعمائة فقال لا تساوي أكثر من مائتين ~~فارجع حتى تردها فقال هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا أرتضيها فقال له ~~يونس انصرف فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها ثم رده إلى الدكان ~~ورد عليه مائتي درهم وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله وقال أما استحييت أما ~~اتقيت الله تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين فقال والله ما أخذها إلا ~~وهو راض بها # قال فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك وهذا إن كان فيه إخفاء سعر وتلبيس فهو ~~من PageV02P079 # باب الظلم وقد سبق وفي الحديث غبن المسترسل حرام (1) # وكان الزبير بن عدي يقول أدركت ثمانية عشر من الصحابة ما منهم أحد يحسن ~~يشتري لحما بدرهم فغبن مثل هؤلاء المسترسلين ظلم إن كان من غير تلبيس فهو ~~من ترك الإحسان ms0697 وقلما يتم هذا إلا بنوع تلبيس وإخفاء سعر الوقت # وإنما الإحسان المحض ما نقل عن السري السقطي أنه اشترى كر لوز بستين ~~دينارا وكتب في روزنامجه ثلاثة دنانير ربحه وكأنه رأى أن يربح على العشرة ~~نصف دينار فصار اللوز بتسعين فأتاه الدلال وطلب اللوز فقال خذه قال بكم ~~فقال # بثلاثة وستين فقال الدلال وكان من الصالحين فقد صار اللوز بتسعين فقال ~~السري قد عقدت عقدا لا أحله لست أبيعه إلا بثلاثة وستين فقال الدلال وأنا ~~عقدت بيني وبين الله أن لا أغش مسلما لست آخذ منك إلا بتسعين # قال فلا الدلال اشترى منه ولا السري باعه فهذا محض الإحسان من الجانبين ~~فإنه مع العلم بحقيقة الحال # وروي عن محمد بن المنكدر أنه كان له شقق بعضها بخمسة وبعضها بعشرة فباع ~~غلامه في غيبته شقة من الخمسيات بعشرة فلما عرف لم يزل يطلب ذلك الأعرابي ~~المشتري طول النهار حتى وجده فقال له إن الغلام قد غلط فباعك ما يساوي خمسة ~~بعشرة فقال يا هذا قد رضيت فقال وإن رضيت فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه ~~لأنفسنا فاختر إحدى ثلاث خصال إما أن تأخذ شقة من العشريات بدراهمك وإما أن ~~نرد عليك خمسة وإما أن ترد شقتنا وتأخذ دراهمك فقال أعطني خمسة فرد عليه ~~خمسة وانصرف الأعرابي يسأل ويقول من هذا الشيخ فقيل له هذا محمد بن المنكدر ~~فقال لا إله إلا الله هذا الذي نستسقي به في البوادي إذا قحطنا # فهذا إحسان في أن لا يربح على العشرة إلا نصفا أو واحد على ما جرت به ~~العادة في مثل ذلك المتاع في ذلك المكان ومن قنع بربح قليل كثرت معاملاته ~~واستفاد من تكررها ربحا كثيرا وبه تظهر البركة # كان علي رضي الله عنه يدور في سوق الكوفة بالدرة ويقول معاشر التجار خذوا ~~الحق تسلموا لا تردوا قليل الربح فتحرموا كثيره # قيل لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ما سبب يسارك قال ثلاث ما رددت ربحا ~~قط ولا طلب مني ms0698 حيوان فأخرت بيعه ولا بعت بنسيئة # ويقال إنه باع ألف ناقة فما ربح إلا عقلها باع كل عقال بدرهم فربح فيها ~~ألفا وربح من نفقته عليها ليومه ألفا # الثاني في احتمال الغبن والمشتري إن اشترى طعاما من ضعيف أو شيئا من فقير ~~فلا بأس أن يحتمل الغبن ويتساهل ويكون به محسنا وداخلا في قوله صلى الله ~~عليه وسلم رحم الله امرءا سهل البيع سهل الشراء فأما إذا اشترى من غني تاجر ~~يطلب الربح زيادة على حاجته فاحتمال الغبن منه ليس محمودا بل هو تضييع مال ~~من غير أجر ولا حمد فقد ورد في حديث من طريق أهل البيت المغبون في الشراء ~~لا محمود ولا مأجور (2) # وكان إياس ابن معاوية بن قرة قاضي البصرة وكان من عقلاء التابعين يقول ~~لست بخب والخب لا يغبنني ولا يغبن ابن سيرين ولكن يغبن الحسن ويغبن أبي ~~يعني معاوية بن قرة والكمال في أن لا يغبن ولا يغبن كما وصف بعضهم عمر ~~PageV02P080 # رضي الله عنه فقال كان أكرم من أن يخدع وأعقل من أن يخدع # وكان الحسن والحسين وغيرهما من خيار السلف يستقصون في الشراء ثم يهبون مع ~~ذلك الجزيل من المال فقيل لبعضهم تستقصي في شرائك على اليسير ثم تهب الكثير ~~ولا تبالي فقال إن الواهب يعطي فضله وإن المغبون يغبن عقله # وقال بعضهم إنما أغبن عقلي وبصري فلا أمكن الغابن منه وإذا وهبت أعطي لله ~~ولا أستكثر منه شيئا # الثالث في استيفاء الثمن وسائر الديون والإحسان فيه مرة بالمسامحة وحط ~~البعض ومرة بالإمهال والتأخير ومرة بالمساهلة في طلب جودة النقد وكل ذلك ~~مندوب إليه ومحثوث عليه قال النبي صلى الله عليه وسلم رحم الله امرءا سهل ~~البيع سهل الشراء سهل الاقتضاء (1) فليغتنم دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم # وقال صلى الله عليه وسلم اسمح يسمح لك (2) # وقال صلى الله عليه وسلم من أنظر معسرا أو ترك له حاسبه الله حسابا يسيرا ~~وفي لفظ آخر أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ms0699 ظله (3) # وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا كان مسرفا على نفسه حوسب فلم ~~يوجد له حسنة فقيل له هل عملت خيرا قط فقال لا إلا أني كنت رجلا أداين ~~الناس فأقول لفتياني # سامحوا الموسر وانظروا المعسر (4) # وفي لفظ آخر وتجاوزوا عن المعسر فقال الله تعالى نحن أحق بذلك منه فتجاوز ~~الله عنه وغفر له وقال صلى الله عليه وسلم من أقرض دينارا إلى أجل فله بكل ~~يوم صدقة إلى أجله فإذا حل الأجل فأنظره بعده فله بكل يوم مثل ذلك الدين ~~صدقة (5) # وقد كان من السلف من لا يحب أن يقضي غريمه الدين لأجل هذا الخبر حتى يكون ~~كالمتصدق بجميعه في كل يوم # وقال صلى الله عليه وسلم رأيت على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها ~~والقرض بثمان عشرة (6) # فقيل في معناه إن الصدقة تقع في يد المحتاج وغير المحتاج ولا يحتمل ذل ~~الاستقراض إلا محتاج # ونظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل يلازم رجلا بدين فأومأ إلى صاحب ~~الدين بيده أن ضع الشطر ففعل فقال للمديون قم فأعطه (7) # وكل من باع شيئا وترك ثمنه في الحال ولم يرهق إلى طلبه فهو في معنى ~~المقرض # وروي أن الحسن البصري باع بغلة له بأربعمائة درهم فلما استوجب المال قال ~~له المشتري اسمح يا أبا سعيد # قال قد أسقطت عنك مائة قال له فأحسن يا أبا سعيد فقال قد وهبت لك مائة ~~أخرى فقبض من حقه مائتي درهم # فقيل له يا أبا سعيد هذا نصف الثمن فقال هكذا يكون الإحسان وإلا فلا # وفي الخبر خذ حقك في كفاف وعفاف واف أو غير واف يحاسبك الله حسابا يسيرا ~~(8) PageV02P081 # الرابع في توفية الدين # ومن الإحسان فيه حسن القضاء وذلك بأن يمشي إلى صاحب الحق ولا يكلفه أن ~~يمشي إليه يتقاضاه فقد قال صلى الله عليه وسلم خيركم أحسنكم قضاء (1) # ومهما قدر على قضاء الدين فليبادر إليه ولو قبل وقته وليسلم أجود مما شرط ~~عليه وأحسن وإن عجز فلينو قضاءه مهما قدر ms0700 # قال صلى الله عليه وسلم من أدان دينا وهو ينوي قضاءه وكل الله به ملائكة ~~يحفظونه ويدعون له حتى يقضيه (2) # وكان جماعة من السلف يستقرضون من غير حاجة لهذا الخبر ومهما كلمه صاحب ~~الحق بكلام خشن فليحتمله وليقابله باللطف اقتداء برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذ جاءه صاحب الدين عند حلول الأجل ولم يكن قد اتفق قضاؤه فجعل الرجل ~~يشدد الكلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم به أصحابه فقال دعوه فإن ~~لصاحب الحق مقالا (3) # ومهما دار الكلام بين المستقرض والمقرض فالإحسان أن يكون الميل الأكثر ~~للمتوسطين إلى من عليه الدين فإن المقرض يقرض عن غنى والمستقرض يستقرض عن ~~حاجة وكذلك ينبغي أن تكون الإعانة للمشتري أكثر فإن البائع راغب عن السلعة ~~يبغي ترويجها والمشتري محتاج إليها هذا هو الأحسن إلا أن يتعدى من عليه ~~الدين حده فعند ذلك نصرته في منعه عن تعد به وإعانة صاحبه إذ قال صلى الله ~~عليه وسلم انصر أخاك ظالما أو مظلوما فقيل كيف ننصره ظالما فقال منعك إياه ~~من الظلم نصرة له (4) # الخامس أن يقيل من يستقيله فإنه لا يستقيل إلا متندم مستضر بالبيع ولا ~~ينبغي أن يرضى لنفسه أن يكون سبب استضرار أخيه قال صلى الله عليه وسلم من ~~أقال نادما صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة (5) # أو كما قال # السادس أن يقصد في معاملته جماعة من الفقراء بالنسيئة وهو في الحال عازم ~~على أن لا يطالبهم إن لم تظهر لهم ميسرة فقد كان في صالحي السلف من له ~~دفتران للحساب أحدهما ترجمته مجهولة فيه أسماء من لا يعرفه من الضعفاء ~~والفقراء وذلك أن الفقير كان يرى الطعام أو الفاكهة فيشتهيه فيقول أحتاج ~~إلى خمسة أرطال مثلا من هذا وليس معي ثمنه فكان يقول خذه واقض ثمنه عند ~~الميسرة ولم يكن يعد هذا من الخيار بل عد من الخيار من لم يكن يثبت اسمه في ~~الدفتر أصلا ولا يجعله دينا لكن يقول خذ ما تريد فإن يسر لك فاقض ms0701 وإلا فأنت ~~في حل منه وسعة فهذه طرق تجارات السلف وقد اندرست والقائم به محي لهذه ~~السنة وبالجملة التجارة محك الرجال وبها يمتحن دين الرجل وورعه ولذلك قيل # لا يغرنك من المرء قميص رقعه ... أو إزارا فوق كعب الساق منه رفعه # أو جبين لاح فيه أثر قد قلعه ... ولدى الدرهم فانظر غيه أو ورعه # ولذلك قيل إذا أثنى على الرجل جيرانه في الحضر وأصحابه في السفر ومعاملوه ~~في الأسواق فلا تشكوا في صلاحه # وشهد عند عمر رضي الله عنه شاهد فقال ائتني بمن يعرفك فأتاه برجل فأثنى ~~عليه خيرا فقال عمر أنت PageV02P082 # جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه قال لا فقال كنت رفيقه في السفر الذي ~~يستدل به على مكارم الأخلاق فقال لا قال فعاملته بالدينار والدرهم الذي ~~يستبين به ورع الرجل قال لا قال أظنك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن ~~يخفض رأسه طورا ويرفعه أخرى قال نعم فقال اذهب فلست تعرفه # وقال للرجل # اذهب فائتني بمن يعرفك ### ||| الباب الخامس في شفقة التاجر على دينه فيما يخصه ويعم آخرته # ولا ينبغي للتاجر أن يشغله معاشه عن معاده فيكون عمره ضائعا وصفقته خاسرة ~~وما يفوته من الربح في الآخرة لا يفي به ما ينال في الدنيا فيكون اشترى ~~الحياة الدنيا بالآخرة بل العاقل ينبغي أن يشفق على نفسه وشفقته على نفسه ~~يحفظ رأس ماله ورأس ماله دينه وتجارته فيه # قال بعض السلف أولي الأشياء بالعاقل أحوجه إليه في العاجل وأحوج شيء إليه ~~في العاجل أحمده عاقبة في الآجل # وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه في وصيته إنه لا بد لك من نصيبك في الدنيا ~~وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه فإنك ستمر على ~~نصيبك من الدنيا فتنظمه # قال الله تعالى ولا تنس نصيبك من الدنيا أي لا تنس في الدنيا نصيبك منها ~~للآخرة فإنها مزرعة الآخرة وفيها تكتسب الحسنات # وإنما تتم شفقة التاجر على دينه بمراعاة سبعة أمور # الأول حسن النية والعقيدة في ابتداء ms0702 التجارة فلينو بها الاستعفاف عن ~~السؤال وكف الطمع عن الناس استغناء بالحلال عنهم واستعانة بما يكسبه على ~~الدين وقياما بكفاية العيال ليكون من جملة المجاهدين به ولينو النصح ~~للمسلمين وأن يحب لسائر الخلق ما يحب لنفسه ولينو اتباع طريق العدل ~~والإحسان في معاملته كما ذكرناه ولينو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ~~كل ما يراه في السوق فإذا أضمر هذه العقائد والنيات كان عاملا في طريق ~~الآخرة فإن استفاد مالا فهو مزيد وإن خسر في الدنيا ربح في الآخرة # الثاني أن يقصد القيام في صنعته أو تجارته بفرض من فروض الكفايات فإن ~~الصناعات والتجارات لو تركت بطلت المعايش وهلك أكثر الخلق # فانتظام أمر الكل بتعاون الكل وتكفل كل فريق بعمل ولو أقبل كلهم على صنعة ~~واحدة لتعطلت البواقي وهلكوا وعلى هذا حمل بعض الناس قوله صلى الله عليه ~~وسلم اختلاف أمتي رحمة (1) # أي اختلاف همهم في الصناعات والحرف # ومن الصناعات ما هي مهمة ومنها ما يستغنى عنها لرجوعها إلى طلب النعم ~~والتزين في الدنيا فليشتغل بصناعة مهمة ليكون في قيامه بها كافيا عن ~~المسلمين مهما في الدين وليجتنب صناعة النقش والصياغة وتشييد البنيان بالجص ~~وجميع ما تزخرف به الدنيا فكل ذلك كرهه ذوو الدين فأما عمل الملاهي والآلات ~~التي يحرم استعمالها فاجتناب ذلك من قبيل ترك الظلم ومن جملة ذلك خياطة ~~الخياط القباء من الإبر يسم للرجال وصياغة الصائغ مراكب الذهب أو خواتيم ~~الذهب للرجال فكل ذلك من المعاصي والأجرة المأخوذة عليه حرام ولذلك أوجبنا ~~الزكاة فيها وإن كنا لا نوجب الزكاة في الحلي لأنها إذا قصدت للرجال فهي ~~محرمة وكونها مهيأة للنساء لا يلحقها بالحلي المباح ما لم يقصد ذلك بها ~~فيكتسب حكمها من القصد # وقد ذكرنا أن بيع الطعام وبيع الأكفان مكروه لأنه يوجب انتظار موت الناس ~~وحاجتهم بغلاء السعر PageV02P083 # ويكره أن يكون جزارا لما فيه من قساوة القلب وأن يكون حجاما أو كناسا لما ~~فيه من مخامرة النجاسة وكذا الدباغ وما في معناه وكره ابن سيرين الدلالة ms0703 ~~وكره قتادة أجرة الدلال ولعل السبب فيه قلة استغناء الدلال عن الكذب ~~والإفراط في الثناء على السلعة لترويجها ولأن العمل فيه لا يتقدر فقد يقل ~~وقد يكثر ولا ينظر في مقدار الأجرة إلى عمله بل إلى قدر قيمة الثوب هذا هو ~~العادة وهو ظلم بل ينبغي أن ينظر إلى قدر التعب وكرهوا شراء الحيوان ~~للتجارة لأن المشتري يكره قضاء الله فيه وهو الموت الذي بصدده لا محالة ~~وحلوله # وقيل بع الحيوان واشتر الموتان وكرهوا الصرف لأن الاحتراز فيه عن دقائق ~~الربا عسير ولأنه طلب لدقائق الصفات فيما لا يقصد أعيانها وإنما يقصد ~~رواجها وقلما يتم للصيرفي ربح إلا باعتماد جهالة معامله بدقائق النقد فقلما ~~يسلم الصيرفي وإن احتاط ويكره للصيرفي وغيره كسر الصحيح والدنانير إلا عند ~~الشك في جودته أو عند ضرورة # قال أحمد بن حنبل رحمة الله ورد نهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) # وعن أصحابه في الصياغة من الصحاح وأنا أكره الكسر وقال يشتري بالدنانير ~~دراهم ثم يشتري بالدرهم ذهبا ويصوغه واستحبوا تجارة البز # قال سعيد بن المسيب ما من تجارة أحب إلي من البز ما لم يكن فيها أيمان # وقد روي خير تجارتكم البز وخير صنائعكم الخرز (2) # وفي حديث آخر لو اتجر أهل الجنة لاتجروا في البز ولو اتجر أهل النار ~~لاتجروا في الصرف (3) # وقد كان غالب أعمال الأخيار من السلف عشر صنائع الخرز والتجارة والحمل ~~والخياطة والحذو والقصارة وعمل الخفاف وعمل الحديد وعمل المغازل ومعالجة ~~صيد البر والبحر والوراقة قال عبد الوهاب الوراق # قال لي أحمد بن حنبل ما صنعتك قلت الوراقة قال كسب طيب ولو كنت صانعا ~~بيدي لصنعت صنعتك ثم قال لي لا تكتب إلا مواسطة واستبق الحواشي وظهور ~~الأجزاء # وأربعة من الصناع موسومون عند الناس بضعف الرأي الحاكة والقطانون ~~والمغازليون والمعلمون # ولعل ذلك لأن أكثر مخالطتهم مع النساء والصبيان ومخالطة ضعفاء العقول ~~تضعف العقل كما أن مخالطة العقلاء تزيد في العقل # وعن مجاهد أن مريم عليها السلام مرت في طلبها لعيسى ms0704 عليه السلام بحاكة ~~فطلبت الطريق فأرشدوها غير الطريق فقالت اللهم انزع البركة من كسبهم وأمتهم ~~فقراء وحقرهم في أعين الناس فاستجيب دعاؤها # وكره السلف أخذ الأجرة على كل ما هو من قبيل العبادات وفروض الكفايات ~~كغسل الموتى ودفنهم وكذا الأذان وصلاة التراويح وإن حكم بصحة الاستئجار ~~عليه وكذا تعليم القرآن وتعليم علم الشرع فإن هذه أعمال حقها أن يتجر فيها ~~للآخرة وأخذ الأجرة عليها استبدال بالدنيا عن الآخرة ولا يستحب ذلك # الثالث أن يمنعه سوق الدنيا عن سوق الآخرة وأسواق الآخرة المساجد # قال الله تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وقال الله تعالى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ~~فينبغي أن يجعل أول النهار إلى وقت دخول السوق لآخرته فيلازم المسجد ويواظب ~~على الأوراد # كان عمر رضي الله عنه يقول للتجار اجعلوا أول نهاركم لآخرتكم وما بعده ~~لدنياكم # وكان صالحو السلف يجعلون أول PageV02P084 # النهار وآخره للآخرة والوسط للتجارة ولم يكن يبيع الهريسة والرءوس بكرة ~~إلا الصبيان وأهل الذمة لأنهم كانوا في المساجد بعد # وفي الخبر إن الملائكة إذا صعدت بصحيفة العبد وفيها في أول النهار وفي ~~آخره ذكر الله وخير كفر الله عنهما ما بينهما من سيئ الأعمال (1) # وفي الخبر تلتقي ملائكة الليل والنهار عند طلوع الفجر وعند صلاة العصر ~~فيقول الله تعالى وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهو يصلون ~~وجئناهم وهم يصلون فيقول الله سبحانه وتعالى أشهدكم أني قد غفرت لهم (2) # ثم مهما سمع الأذان في وسط النهار للأولى والعصر فينبغي أن لا يعرج على ~~شغل وينزعج عن مكانه ويدع كل ما كان فيه فما يفوته من فضيلة التكبيرة ~~الأولى مع الإمام في أول الوقت لا توازيها الدنيا بما فيها ومهما لم يحضر ~~الجماعة عصى عند بعض العلماء # وقد كان السلف يبتدرون عند الأذان ويخلون الأسواق للصبيان وأهل الذمة ~~وكانوا يستأجرون بالقراريط لحفظ الحوانيت في أوقات الصلوات وكان ذلك معيشة ~~لهم # وقد جاء في تفسير ms0705 قوله تعالى {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} أنهم ~~كانوا حدادين وخرازين فكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الإشفى فسمع ~~الأذان لم يخرج الإشفى من المغرز ولم يوقع المطرقة ورمى بها وقام إلى ~~الصلاة # الرابع أن لا يقتصر على هذا بل يلازم ذكر الله سبحانه في السوق ويشتغل ~~بالتهليل والتسبيح فذكر الله في السوق بين الغافلين أفضل # قال صلى الله عليه وسلم ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين ~~وكالحي بين الأموات وفي لفظ آخر كالشجرة الخضراء بين الهشيم وقال صلى الله ~~عليه وسلم من دخل السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله ~~الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله ~~له ألف ألف حسنة (3) # وكان ابن عمر وسالم بن عبد الله ومحمد بن واسع وغيرهم يدخلون السوق ~~قاصدين لنيل فضيلة هذا الذكر # وقال الحسن ذاكر الله في السوق يجيء يوم القيامة له ضوء كضوء القمر ~~وبرهان كبرهان الشمس ومن استغفر الله في السوق غفر الله له بعدد أهلها # وكان عمر رضي الله عنه إذا دخل السوق قال اللهم إني أعوذ بك من الكفر ~~والفسوق ومن شر ما أحاطت به السوق اللهم إني أعوذ بك من يمين فاجرة وصفقة ~~خاسرة # وقال أبو جعفر الفرغاني كنا يوما عند الجنيد فجرى ذكر ناس يجلسون في ~~المساجد ويتشبهون بالصوفية ويقصرون عما يجب عليهم من حق الجلوس ويعيبون من ~~يدخل السوق فقال الجنيد كم ممن هو في السوق حكمه أن يدخل المسجد ويأخذ بإذن ~~بعض من فيه فيخرجه ويجلس مكانه وإني لأعرف رجلا يدخل السوق ورده كل يوم ~~ثلثمائة ركعة وثلاثون ألف تسبيحة # قال فسبق إلى وهمي أنه يعني نفسه فهكذا كانت تجارة من يتجر لطلب الكفاية ~~لا للتنعم في الدنيا فإن من يطلب الدنيا للاستعانة بها على الآخرة كيف يدع ~~ربح الآخرة والسوق والمسجد والبيت له حكم واحد وإنما النجاة بالتقوى # قال صلى الله عليه وسلم اتق ms0706 الله حيثما كنت (4) # فوظيفة التقوى لا تنقطع عن المتجردين للدين كيفما تقلبت بهم الأحوال وبه ~~تكون حياتهم وعيشتهم إذ فيه يرون تجارتهم وربحهم وقد قيل من أحب الآخرة عاش ~~ومن أحب الدنيا طاش والأحمق يغدو ويروح في لاش والعاقل عن عيوب نفسه فتاش ~~PageV02P085 # الخامس أن لا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة وذلك بأن يكون أول داخل ~~وآخر خارج وبأن يركب البحر في التجارة فهما مكروهان يقال إن من ركب البحر ~~فقد استقصى في طلب الرزق # وفي الخبر لا يركب البحر إلا لحج أو عمرة أو غزو (1) # وكان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول لا تكن أول داخل في ~~السوق ولا آخر خارج منها فإن بها باض الشيطان وفرخ # روي عن معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر إن إبليس يقول لولده زلنبور سر ~~بكتائبك فأت أصحاب الأسواق زين لهم الكذب والحلف والخديعة والمكر والخيانة ~~وكن مع أول داخل وآخر خارج منها # وفي الخبر شر البقاع الأسواق وشر أهلها أولهم دخولا وآخرهم خروجا (2) # وتمام هذا الاحتراز أن يراقب وقت كفايته فإذا حصل كفاية وقته انصرف ~~واشتغل بتجارة الآخرة هكذا كان صالحو السلف فقد كان منهم من إذا ربح دانقا ~~انصرف قناعة به # وكان حماد بن سلمة يبيع الخز في سفط بين يديه فكان إذا ربح حبتين رفع ~~سفطه وانصرف # وقال إبراهيم بن بشار قلت لإبراهيم بن أدهم رحمه الله أمر اليوم أعمل في ~~الطين فقال يا ابن بشار إنك طالب ومطلوب يطلبك من لا تفوته وتطلب ما قد ~~كفيته أما رأيت حريصا محروما وضعيفا مرزوقا فقلت إن لي دانقا عند البقال ~~فقال عز علي بك تملك دانقا وتطلب العمل وقد كان فيهم من ينصرف بعد الظهر ~~ومنهم بعد العصر ومنهم من لا يعمل في الأسبوع إلا يوما أو يومين وكانوا ~~يكتفون به # السادس أن لا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتقي مواقع الشبهات ومظان الريب ~~ولا ينظر إلى الفتاوى بل يستفتي قلبه فإذا وجد فيه حزازة ms0707 اجتنبه وإذا حمل ~~إليه سلعة رابه أمرها سأل عنها حتى يعرف وإلا أكل الشبهة وقد حمل إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لبن فقال من أين لكم هذا فقالوا من الشاة فقال ومن ~~أين لكم هذه الشاة فقيل من موضع كذا فشرب منه ثم قال إنا معاشر الأنبياء ~~أمرنا أن لا نأكل إلا طيبا ولا نعمل إلا صالحا (3) # وقال إن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال {يا أيها ~~الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} (4) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ~~(5) حديث كان لا يسأل عن كل ما يحمل إليه رواه أحمد من حديث جابر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مروا بامرأة فذبحت لهم شاة الحديث فأخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لقمة فلم يستطع أن يسيغها فقال هذه شاة ذبحت ~~بغير إذن أهلهاالحديث وله من حديث أبي هريرة كان إذا أتى بطعام من غير أهله ~~سأل عنهالحديث وإسنادهما جيد وفي هذا أنه كان لا يسأل عما أتي به من عند ~~أهله والله أعلم // # وإنما الواجب أن ينظر التاجر إلى من يعامله فكل منسوب إلى ظلم أو خيانة ~~أو سرقة أو ربا فلا يعامله وكذا الأجناد والظلمة لا يعاملهم البتة ولا ~~يعامل أصحابهم وأعوانهم لأنه معين بذلك على الظلم # وحكي عن رجل أنه تولى عمارة سور لثغر من الثغور # قال فوقع في نفسي من ذلك شيء وإن كان ذلك العمل من الخيرات بل من فرائض ~~الإسلام ولكن كان الأمير الذي تولى في محلته من الظلمة # قال فسألت سفيان رضي الله PageV02P086 # عنه فقال لا تكن عونا لهم على قليل ولا كثير فقلت هذا سور في سبيل الله ~~للمسلمين فقال نعم ولكن أقل ما يدخل عليك أن تحب بقاءهم ليوفوك أجرك فتكون ~~قد أحببت بقاء من يعصي الله # وقد جاء في الخبر من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله في أرضه (1) # وفي الحديث إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق (2) # وفي حديث آخر ms0708 من أكرم فاسقا فقد أعان على هدم الإسلام (3) # ودخل سفيان على المهدي وبيده درج أبيض فقال يا سفيان أعطني الدواة حتى ~~أكتب فقال أخبرني أي شيء تكتب فإن كان حقا أعطيتك # وطلب بعض الأمراء من بعض العلماء المحبوسين عنده أن يناوله طينا ليختم به ~~الكتاب فقال ناولني الكتاب أولا حتى أنظر ما فيه فهكذا كانوا يحترزون عن ~~معاونة الظلمة ومعاملتهم أشد أنواع الإعانة فينبغي أن يجتنبها ذوو الدين ما ~~وجدوا إليه سبيلا # وبالجملة فينبغي أن ينقسم الناس عنده إلى من يعامل ومن لا يعامل وليكن من ~~يعامله أقل ممن لا يعامله في هذا الزمان قال بعضهم أتى على الناس زمان كان ~~الرجل يدخل السوق ويقول من ترون لي أن أعامل من الناس فيقال له عامل من شئت # ثم أتى زمان آخر كانوا يقولون عامل من شئت إلا فلانا وفلانا ثم أتى زمان ~~آخر فكان يقال لا تعامل أحدا إلا فلانا وفلانا وأخشى أن يأتي زمان يذهب هذا ~~أيضا # وكأنه قد كان الذي كان يحذر أن يكون إنا لله وإنا إليه راجعون # السابع ينبغي أن يراقب جميع مجاري معاملته مع واحد من معامليه فإنه مراقب ~~ومحاسب فليعد الجواب ليوم الحساب والعقاب في كل فعلة وقولة إنه لم أقدم ~~عليها ولأجل ماذا فإنه يقال إنه يوقف التاجر يوم القيامة مع كل رجل كان ~~باعه شيئا وقفة ويحاسب عن كل واحد فهو محاسب على عدد من عامله # قال بعضهم رأيت بعض التجار في النوم فقلت ماذا فعل الله بك فقال نشر علي ~~خمسين ألف صحيفة فقلت هذه كلها ذنوب فقال هذه معاملات الناس بعدد كل إنسان ~~عاملته في الدنيا لكل إنسان صحيفة مفردة فيما بيني وبينه من أول معاملته ~~إلى آخرها فهذا ما على المكتسب في عمله من العدل والإحسان والشفقة على ~~الدين فإن اقتصر على العدل كان من الصالحين وإن أضاف إليه الإحسان كان من ~~المقربين وإن راعى مع ذلك وظائف الدين كما ذكر في الباب الخامس كان من ~~الصديقين والله أعلم ms0709 بالصواب # تم كتاب الكسب والمعيشة بحمد الله ومنه PageV02P087 ### || كتاب الحلال والحرام وهو الكتاب الرابع من ربع العادات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي خلق الإنسان من طين لازب وصلصال ثم ركب صورته في أحسن ~~تقويم وأتم اعتدال ثم غذاه في أول نشوه بلبن استصفاه من بين فرث ودم سائغا ~~كالماء الزلال ثم حماه بما آتاه من طيبات الرزق عن دواعي الضعف والانحلال ~~ثم قيد شهوته المعادية له عن السطوة والصيال وقهرها بما افترضه عليه من طلب ~~القوت الحلال وهزم بكسرها جند الشيطان المتشمر للإضلال ولقد كان يجري من ~~ابن آدم مجرى الدم السيال فضيق عليه عزة الحلال المجرى والمجال إذ كان لا ~~يبذرقه إلى أعماق العروق إلا الشهوة الماثلة إلى الغلبة والاسترسال فبقي ~~لما زمت بزمام الحلال خائبا خاسرا ما له من ناصر ولا وال # والصلاة على محمد الهادي من الضلال وعلى آله خير آل وسلم تسليما كثيرا # أما بعد فقد قال صلى الله عليه وسلم طلب الحلال فريضة على كل مسلم (1) # رواه ابن مسعود رضي الله عنه وهذه الفريضة من بين سائر الفرائض أعصاها ~~على العقول فهما وأثقلها على الجوارح فعلا ولذلك اندرس بالكلية علما وعملا ~~وصار غموض علمه سببا لاندراس عمله إذ ظن الجهال أن الحلال مفقود وأن السبيل ~~دون الوصول إليه مسدود وانه لم يبق من الطيبات إلا الماء الفرات والحشيش ~~النابت في الموات وما عداه فقد أخبثته الأيدي العادية وأفسدته المعاملات ~~الفاسدة وإذا تعذرت القناعة بالحشيش من النبات لم يبق وجه سوى الاتساع في ~~المحرمات فرفضوا هذا القطب من الدين أصلا ولم يدركوا بين الأموال فرقا ~~وفصلا وهيهات هيهات فالحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ولا تزال ~~هذه الثلاثة مقترنات كيفما تقلبت الحالات # ولما كانت هذه بدعة عم في الدين ضررها واستطار في الخلق شررها وجب كشف ~~الغطاء عن فسادها بالإرشاد إلى مدرك الفرق بين الحلال والحرام والشبهة على ~~وجه التحقيق والبيان ولا يخرجه التضييق عن حيز الإمكان # ونحن ms0710 نوضح ذلك في سبعة أبواب # الباب الأول في فضيلة طلب الحلال ومذمة الحرام ودرجات الحلال والحرام # الباب الثاني في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها عن الحلال والحرام # الباب الثالث في البحث والسؤال والهجوم والإهمال ومظانها في الحلال ~~والحرام # الباب الرابع في كيفية خروج التائب عن المظالم المالية # الباب الخامس في إدرارات السلاطين وصلاتهم وما يحل منها وما يحرم # الباب السادس في الدخول على السلاطين ومخالطتهم # الباب السابع في مسائل متفرقة PageV02P088 ### ||| الباب الأول في فضيلة الحلال ومذمة الحرام وبيان أصناف الحلال ودرجاته وأصناف الحرام ودرجات الورع فيه ### |||| فضيلة الحلال ومذمة الحرام # قال الله تعالى كلوا من الطيبات واعملوا صالحا أمر بالأكل من الطيبات قبل ~~العمل # وقيل إن المراد به الحلال # وقال تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وقال تعالى إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما الآية # وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين {ثم قال} فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله {ثم قال} ~~وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم {ثم قال} ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون جعل آكل الربا أول الأمر مؤذنا بمحاربة الله وفي آخره متعرضا للنار ~~والآيات الواردة في الحلال والحرام لا تحصى # وروى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال طلب ~~الحلال فريضة على كل مسلم ولما قال صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على ~~كل مسلم (1) # قال بعض العلماء أراد به طلب علم الحلال والحرام وجعل المراد بالحديثين ~~واحدا # وقال صلى الله عليه وسلم من سعى على عياله من حله فهو كالمجاهد في سبيل ~~الله ومن طلب الدنيا حلالا في عفاف كان في درجة الشهداء (2) # وقال صلى الله عليه وسلم من أكل الحلال أربعين يوما نور الله قلبه وأجرى ~~ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه (3) # وفي رواية زهده الله في الدنيا وروي أن سعدا سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يسأل الله تعالى أن يجعله مجاب ms0711 الدعوة فقال له أطب طعمتك تستجب ~~دعوتك (4) # ولما ذكر صلى الله عليه وسلم الحريص على الدنيا قال رب أشعث أغبر مشرد في ~~الأسفار مطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام يرفع يديه فيقول يا رب يا رب ~~فأنى يستجاب لذلك (5) # وفي حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم إن لله ملكا على بيت ~~المقدس ينادي كل ليلة من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل (6) # فقيل الصرف النافلة والعدل الفريضة # وقال صلى الله عليه وسلم من اشترى ثوبا PageV02P089 # بعشرة دراهم وفي ثمنه درهم حرام لم يقبل الله صلاته ما دام عليه منه شيء ~~(1) # وقال صلى الله عليه وسلم كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به (2) # وقال صلى الله عليه وسلم من لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال الله من ~~أين أدخله النار (3) # وقال صلى الله عليه وسلم العبادة عشرة أجزاء تسعة منها في طلب الحلال (4) # روي هذا مرفوعا وموقوفا على بعض الصحابة أيضا # وقال صلى الله عليه وسلم من أمسى وانيا من طلب الحلال بات مغفورا له ~~وأصبح والله عنه راض (5) # وقال صلى الله عليه وسلم من أصاب مالا من مأثم فوصل به رحما أو تصدق به ~~أو أنفقه في سبيل الله جمع الله ذلك جميعا ثم قذفه في النار (6) # وقال عليه السلام خير دينكم الورع (7) # وقال صلى الله عليه وسلم من لقي الله ورعا أعطاه الله ثواب الإسلام كله ~~(8) # ويروى أن الله تعالى قال في بعض كتبه وأما الورعون فأنا أستحي أن أحاسبهم # وقال صلى الله عليه وسلم درهم من ربا أشد عند الله من ثلاثين زنية في ~~الإسلام (9) # وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة ~~فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة وإذا سقمت صدرت بالسقم (10) # ومثل الطعمة من الدين مثل الأساس من البنيان فإذا ثبت الأساس وقوي استقام ~~البنيان وارتفع وإذا ضعف الأساس واعوج انهار البنيان ووقع # وقال الله عز وجل أفمن أسس بنيانه على تقوى من ms0712 الله الآية # وفي الحديث من اكتسب مالا من حرام فإن تصدق به لم يقبل منه وإن تركه ~~وراءه كان زاده إلى النار (11) # وقد ذكرنا جملة من الأخبار في كتاب آداب الكسب تكشف عن فضيلة الكسب ~~الحلال # وأما الآثار فقد ورد أن الصديق رضي الله عنه شرب لبنا من كسب عبده ثم سأل ~~عبده فقال تكهنت لقوم فأعطوني فأدخل أصابعه في فيه وجعل يقيء حتى ظننت أن ~~نفسه ستخرج ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء ~~(12) # وفي بعض الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال أو علمتم # أن الصديق PageV02P090 # لا يدخل جوفه إلا طيبا وكذلك شرب عمر رضي الله عنه من لبن إبل الصدقة ~~غلطا فأدخل إصبعه وتقيأ وقالت عائشة رضي الله عنها إنكم لتغفلون عن أفضل ~~العبادة هو الورع وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه لو صليتم حتى تكونوا ~~كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار لم يقبل ذلك منكم إلا بورع حاجز # وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله ما أدرك من أدرك إلا من كان يعقل ما يدخل ~~جوفه # وقال الفضيل من عرف ما يدخل جوفه كتبه الله صديقا فانظر عند من تفطر يا ~~مسكين وقيل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله لم لا تشرب من ماء زمزم فقال لو كان ~~لي دلو شربت منه # وقال سفيان الثوري رضي الله عنه من أنفق من الحرام في طاعة الله كان كمن ~~طهر الثوب النجس بالبول والثوب النجس لا يطهره إلا الماء والذنب لا يكفره ~~إلا الحلال # وقال يحيى بن معاذ الطاعة خزانة من خزائن الله إلا أن مفتاحها الدعاء ~~وأسنانه لقم الحلال # وقال ابن عباس رضي الله عنهما لا يقبل الله صلاة امرىء في جوفه حرام وقال ~~سهل التستري لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون فيه أربع خصال أداء ~~الفرائض بالسنة وأكل الحلال بالورع واجتناب النهي من الظاهر والباطن والصبر ~~على ذلك إلى الموت # وقال من أحب أن يكاشف بآيات الصديقين فلا يأكل إلا ms0713 حلالا ولا يعمل إلا في ~~سنة أو ضرورة # ويقال من أكل الشبهة أربعين يوما أظلم قلبه وهو تأويل قوله تعالى {كلا بل ~~ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} وقال ابن المبارك رد درهم من شبهة أحب إلي ~~من أن أتصدق بمائة ألف درهم ومائة ألف ومائة ألف حتى بلغ إلى ستمائة ألف # وقال بعض السلف إن العبد يأكل أكله فيتقلب قلبه فينغل كما ينغل الأديم ~~ولا يعود إلى حاله أبدا # وقال سهل رضي الله عنه من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى علم أو لم ~~يعلم # ومن كانت طعمته حلالا أطاعته جوارحه ووفقت للخيرات وقال بعض السلف إن أول ~~لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه ومن أقام نفسه مقام ذل ~~في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كتساقط ورق الشجر # وروي في آثار السلف أن الواعظ كان إذا جلس للناس قال العلماء تفقدوا منه ~~ثلاثا فإن كان معتقدا لبدعة فلا تجالسوه فإنه عن لسان الشيطان ينطق وإن كان ~~سيء الطعمة فعن الهوى ينطق فإن لم يكن مكين العقل فإنه يفسد بكلامه أكثر ~~مما يصلح فلا تجالسوه # وفي الأخبار المشهورة عن على عليه السلام وغيره إن الدنيا حلالها حساب ~~وحرامها عذاب # وزاد آخرون وشبهتها عتاب # وروي أن بعض الصالحين دفع طعاما إلى بعض الأبدال فلم يأكل فسأله عن ذلك ~~فقال نحن لا نأكل إلا حلالا فلذلك تستقيم قلوبنا ويدوم حالنا ونكاشف ~~الملكوت ونشاهد الآخرة ولو أكلنا مما تأكلون ثلاثة أيام لما رجعنا إلى شيء ~~من علم اليقين ولذهب الخوف والمشاهدة من قلوبنا فقال له الرجل فإني أصوم ~~الدهر وأختم القرآن في كل شهر ثلاثين مرة فقال له البدل هذه الشربة التي ~~رأيتني شربتها من الليل أحب إلى من ثلاثين ختمة في ثلثمائة ركعة من أعمالك ~~وكانت شربته من لبن ظبية وحشية # وقد كان بين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين صحبة طويلة فهجره أحمد إذ سمعه ~~يقول إني لا أسأل أحدا شيئا ولو أعطاني الشيطان شيئا ms0714 لأكلته حتى اعتذر يحيى ~~وقال كنت أمزح فقال تمزح بالدين أما علمت أن الأكل من الدين قدمه الله ~~تعالى على العمل الصالح فقال {كلوا من الطيبات واعملوا صالحا} وفي الخبر ~~أنه مكتوب في التوراة من لم يبال من أين مطعمه لم يبال الله من أي أبواب ~~النيران أدخله وعن علي رضي الله عنه أنه لم يأكل بعد قد قتل عثمان ونهب ~~الدار طعاما إلا مختوما حذرا من الشبهة # واجتمع الفضيل بن عياض وابن عيينة وابن المبارك عند وهيب بن الورد بمكة ~~فذكروا الرطب فقال وهيب هو من أحب الطعام إلي إلا أني لا آكله لاختلاط رطب ~~مكة ببساتين زبيدة وغيرها فقال له PageV02P091 # ابن المبارك إن نظرت في مثل هذا ضاق عليك الخبز # قال وما سببه قال إن أصول الضياع قد اختلط بالصوافي فغشي على وهيب فقال ~~سفيان قتلت الرجل فقال ابن المبارك ما أردت إلا أن أهون عليه فلما أفاق قال ~~لله على أن لا آكل خبزا أبدا حتى ألقاه # قال فكان يشرب اللبن قال فأتته أمه بلبن فسألها فقالت هو من شاة بني فلان ~~فسأل عن ثمنها وأنه من أين كان لهم فذكرت فلما أدناه من فيه قال بقي أنها ~~من أين كانت ترعى فسكتت فلم يشرب لأنها كانت ترعى من موضع فيه حق للمسلمين ~~فقالت أمه اشرب فإن الله يغفر لك فقال ما أحب أن يغفر لي وقد شربته فأنال ~~مغفرته بمعصيته # وكان بشر الحافي رحمه الله من الورعين فقيل له من أين تأكل فقال من حيث ~~تأكلون ولكن ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك # وقال يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة وهكذا كانوا يحترزون من الشبهات ### |||| أصناف الحلال ومداخله # اعلم أن تفصيل الحلال والحرام إنما يتولى بيانه كتب الفقه ويستغني المريد ~~عن تطويله بأن يكون له طعمة معينة يعرف بالفتوى حلها لا يأكل من غيرها فأما ~~من يتوسع في الأكل من وجوه متفرقة فيفتقر إلى علم الحلال والحرام كله كما ~~فصلناه في ms0715 كتب الفقه # ونحن الآن نشير إلى مجامعه في سياق تقسيم وهو أن المال إنما يحرم إما ~~لمعنى في عينه أو لخلل في جهة اكتسابه ### ||||| القسم الأول الحرام لصفة في عينه كالخمر والخنزير وغيرهما # وتفصيله أن الأعيان المأكولة على وجه الأرض لا تعدو ثلاثة أقسام فإنها ~~إما أن تكون من المعادن كالملح والطين وغيرهما أو من النبات أو من ~~الحيوانات # أما المعادن فهي أجزاء الأرض وجميع ما يخرج منها فلا يحرم أكله إلا من ~~حيث أنه يضر بالآكل وفي بعضها ما يجري مجرى السم والخبز لو كان مضرا لحرم ~~أكله والطين الذي يعتاد أكله لا يحرم إلا من حيث الضرر # وفائدة قولنا إنه لا يحرم مع أنه لا يؤكل أنه لو وقع شيء منها في مرقة أو ~~طعام مائع لم يصر به محرما # وأما النبات فلا يحرم منه إلا ما يزيل العقل أو يزيل الحياة أو الصحة ~~فمزيل العقل البنج والخمر وسائر المسكرات ومزيل الحياة السموم ومزيل الصحة ~~الأدوية في غير وقتها وكأن مجموع هذا يرجع إلى الضرر إلا الخمر والمسكرات ~~فإن الذي لا يسكر منها أيضا حرام مع قلته لعينه ولصفته وهي الشدة المطربة # وأما السم فإذا خرج عن كونه مضرا لقلته أو لعجنه بغيره فلا يحرم # وأما الحيوانات فتنقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل وتفصيله في كتاب ~~الأطعمة والنظر يطول في تفصيله لا سيما في الطيور الغريبة وحيوانات البر ~~والبحر وما يحل أكله منها فإنما يحل إذا ذبح ذبحا شرعيا روعي فيه شروط ~~الذابح والآلة والذبح وذلك مذكور في # كتاب الصيد والذبائح وما لم يذبح ذبحا شرعيا أو مات فهو حرام ولا يحل # إلا ميتتان السمك والجراد وفي معناهما ما يستحيل من الأطعمة كدود التفاح ~~والخل والجبن فإن الاحتراز منهما غير ممكن فأما إذا أفردت وأكلت فحكمها حكم ~~الذباب والخنفساء والعقرب وكل ما ليس له نفس سائلة لا سبب في تحريمها إلا ~~الاستقذار ولو لم يكن لكان لا يكره فإن وجد شخص لا يستقذره لم يلتفت إلى ms0716 ~~خصوص طبعه فإنه التحق بالخبائث لعموم الاستقذار فيكره أكله كما لو جمع ~~المخاط وشربه كره PageV02P092 # ذلك وليست الكراهة لنجاستها فإن الصحيح أنها لا تنجس بالموت إذ أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بأن يمقل الذباب في الطعام إذا وقع فيه (1) # وربما يكون حارا ويكون ذلك سبب موته ولم تهرت نملة أو ذبابة في قدر لم ~~يجب إراقتها إذ المستقذر هو جرمه إذا بقي له جرم ولم ينجس حتى يحرم ~~بالنجاسة وهذا يدل على أن تحريمه للاستقذار ولذلك نقول لو وقع جزء من آدمي ~~ميت في قدر ولو وزن دانق حرم الكل لا لنجاسته فإن الصحيح أن الآدمي لا ينجس ~~بالموت ولكن لأن أكله محرم احتراما لا استقذارا # وأما الحيوانات المأكولة إذا ذبحت بشرط الشرع فلا تحل جميع أجزائها بل ~~يحرم منها الدم والفرث وكل ما يقضى بنجاسته منها بل تناول النجاسة مطلقا ~~محرم ولكن ليس في الأعيان شيء محرم نجس إلا من الحيوانات # وأما من النبات فالمسكرات فقط دون ما يزيل العقل ولا يسكر كالبنج فإن ~~نجاسة المسكر تغليظ للذجر عنه لكونه في مظنة التشوف ومهما وقعت قطرة من ~~النجاسة أو جزء من نجاسة جامدة في مرقة أو طعام أو دهن حرم أكل جميعه ولا ~~يحرم الانتفاع به لغير الأكل فيجوز الاستصباح بالدهن النجس وكذا طلاء السفن ~~والحيوانات وغيرها فهذه مجامع ما يحرم لصفة في ذاته ### ||||| القسم الثاني ما يحرم لخلل في جهة إثبات اليد عليه # وفيه يتسع النظر فنقول أخذ المال إما أن يكون باختيار المالك أو بغير ~~اختياره فالذي يكون بغير اختياره كالإرث والذي يكون باختياره إما أن لا ~~يكون من مالك كنيل المعادن أو يكون من مالك والذي أخذ من مالك فإما أن يؤخذ ~~قهرا أو يؤخذ تراضيا والمأخوذ قهرا إما أن يكون لسقوط عصمة المالك كالغنائم ~~أو لاستحقاق الأخذ كزكاة الممتنعين والنفقات الواجبة عليهم والمأخوذ تراضيا ~~إما أن يؤخذ بعوض كالبيع والصداق والأجرة وإما أن يؤخذ بغير عوض كالهبة ~~والوصية فيحصل من هذا السياق ستة ms0717 أقسام # الأول ما يؤخذ من غير مالك كنيل المعادن وإحياء الموات والاصطياد ~~والاحتطاب والاستقاء من الأنهار والاحتشاش فهذا حلال بشرط أن لا يكون ~~المأخوذ مختصا بذي حرمة من الآدميين فإذا انفك من الاختصاصات ملكها آخذها # وتفصيل ذلك في كتاب إحياء الموات # الثاني المأخوذة قهرا ممن لا حرمة له وهو الفيء والغنيمة وسائر أموال ~~الكفار والمحاربين وذلك حلال للمسلمين إذا أخرجوا منها الخمس وقسموها بين ~~المستحقين بالعدل ولم يأخذوها من كافر له حرمة وأمان وعهد # وتفصيل هذه الشروط في كتاب السير من كتاب الفيء والغنيمة وكتاب الجزية # الثالث ما يؤخذ قهرا باستحقاق عند امتناع من وجب عليه فيؤخذ دون رضاه ~~وذلك حلال إذا تم سبب الاستحقاق وتم وصف المستحق الذي به استحقاقه واقتصر ~~على القدر المستحق واستوفاه ممن يملك الاستيفاء من قاض أو سلطان أو مستحق ~~وتفصيل ذلك في # كتاب تفريق الصدقات وكتاب الوقف وكتاب النفقات إذ فيها النظر في صفة # المستحقين للزكاة والوقف والنفقة وغيرها من الحقوق فإذا استوفيت شرائطها ~~كان المأخوذ حلالا # الرابع ما يؤخذ تراضيا بمعاوضة وذلك حلال إذا روعي شرط العوضين وشرط ~~العاقدين وشرط اللفظين أعني الإيجاب والقبول مع ما تعبد الشرع به من اجتناب ~~الشروط المفسدة # وبيان ذلك في كتاب البيع والسلم والإجارة والحوالة والضمان والقراض ~~والشركة والمساقاة والشفعة والصلح والخلع والكتابة والصداق PageV02P093 # وسائر المعاوضات # الخامس ما يؤخذ عن رضا من غير عوض وهو حلال إذا روعي فيه شرط المعقود ~~عليه وشرط العاقدين وشرط العقد ولم يؤد إلى ضرر بوارث أو غيره وذلك مذكور ~~في كتاب الهبات والوصايا والصدقات # السادس # ما يحصل بغير اختيار كالميراث وهو حلال إذا كان الموروث قد اكتسب المال ~~من بعض الجهات الخمس على وجه حلال ثم كان ذلك بعد قضاء الدين وتنفيذ ~~الوصايا وتعديل القسمة بين الورثة وإخراج الزكاة والحج والكفارة إن كان ~~واجبا وذلك مذكور في كتاب الوصايا والفرائض فهذه مجامع مداخل الحلال ~~والحرام أومأنا إلى جملتها ليعلم المريد أنه إن كانت طعمته متفرقة لا من ~~جهة معينة فلا يستغني ms0718 عن علم هذه الأمور فكل ما يأكله من جهة من الجهات ~~ينبغي أن يستفتي فيه أهل العلم ولا يقدم عليه بالجهل فإنه كما يقال للعالم ~~لم خالفت علمك يقال للجاهل لم لازمت جهلك ولم تتعلم بعد أن قبل لك طلب ~~فريضة على كل مسلم ### |||| درجات الحلال والحرام # اعلم أن الحرام كله خبيث لكن بعضه أخبث من بعض والحلال كله طيب ولكن بعضه ~~أطيب من بعض وأصفى من بعض وكما أن الطبيب يحكم على كل حلو بالحرارة ولكن ~~يقول بعضها حار في الدرجة الأولى كالسكر وبعضها حار في الثانية كالفانيذ ~~وبعضها حار في الثالثة كالدبس وبعضها حار في الرابعة كالعسل # كذلك الحرام بعضه خبيث حار في الدرجة الأولى وبعضه الثانية أو الثالثة أو ~~الرابعة وكذا الحلال تتفاوت درجات صفاته وطيبه فلنقتد بأهل الطب في ~~الاصطلاح على أربع درجات تقريبا # وإن كان التحقيق لا يوجب هذا الحصر إذ يتطرق إلى كل درجة من الدرجات أيضا ~~تفاوت لا ينحصر فإن من السكر ما هو أشد حرارة من سكر آخر وكذا غيره فلذلك ~~نقول الورع عن الحرام على أربع درجات # الأولى ورع العدول وهو الذي يجب الفسق باقتحامه وتسقط العدالة به ويثبت ~~اسم العصيان والتعرض للنار بسببه وهو الورع عن كل ما تحرمه فتاوى الفقهاء # الثانية ورع الصالحين وهو الامتناع عما يتطرق إليه احتمال التحريم ولكن ~~المفتي يرخص في التناول بناء على الظاهر فهو من مواقع الشبهة على الجملة ~~فلنسم التحرج عن ذلك ورع الصالحين وهو في الدرجة الثانية # الثالثة مالا تحرمه الفتوى ولا شبهة في حله ولكن يخاف منه أداؤه إلى محرم ~~وهو ترك ما لا بأس به مخافة مما به باس وهذا ورع المتيقن # قال صلى الله عليه وسلم لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع مالا بأس به ~~مخافة ما به بأس (1) # الرابعة ما لا بأس به أصلا ولا يخاف منه أن يؤدي إلى ما به بأس ولكنه ~~يتناول لغير الله وعلى غير نية التقوي به على عبادة الله أو تتطرق ms0719 إلى ~~أسبابه المسهلة له كراهية أو معصية والامتناع منه ورع الصديقين فهذه درجات ~~الحلال جملة إلى أن نفصلها بالأمثلة والشواهد # وأما الحرام الذي ذكرناه في الدرجة الأولى هو الذي يشترط التورع عنه في ~~العدالة وإطراح سمة الفسق فهو أيضا على درجات في الخبث فالمأخوذ بعقد فاسد ~~كالمعاطاة مثلا فيما لا يجوز فيه المعاطاة حرام ولكن ليس في درجة المغصوب ~~على سبيل القهر بل المغصوب أغلظ إذ فيه ترك طريق الشرع في الاكتساب وإيذاء ~~الغير PageV02P094 # وليس في المعاطاة إيذاء وإنما فيه ترك طريق التعبد فقط ثم ترك طريق ~~التعبد بالمعاطاة أهون من تركه بالربا وهذا التفاوت يدرك بتشديد الشرع ~~ووعيده وتأكيده في بعض المناهى على ما سيأتي في كتاب التوبة عند ذكر الفرق ~~بين الكبيرة والصغيرة بل المأخوذ ظلما من فقير أو صالح أو من يتيم أخبث ~~وأعظم من المأخوذ من قوي أو غني أو فاسق لأن درجات الإيذاء تختلف باختلاف ~~درجات المؤذي فهذه دقائق في تفاصيل الخبائث لا ينبغي أن يذهل عنها فلولا ~~اختلاف درجات العصاة لما اختلفت درجات النار وإذا عرفت مثارات التغليظ فلا ~~حاجة إلى حصره في ثلاث درجات أو أربعة فإن ذلك جار مجرى التحكم والتشهي وهو ~~طلب حصر فيما لا حاصر له ويدلك على اختلاف درجات الحرام في الخبث ما سيأتي ~~في تعارض المحذورات وترجيح بعضها على بعض حتى إذا اضطر إلى أكل ميتة أو أكل ~~طعام الغير أو أكل صيد الحرم فإنا نقدم بعض هذا على بعض ### |||| أمثلة الدرجات الأربع في الورع وشواهدها # أما الدرجة الأولى وهي ورع العدول فكل ما اقتضى الفتوى تحريمه مما يدخل ~~في المداخل الستة التي ذكرناها من مداخل الحرام لفقد شرط من الشروط فهو ~~الحرام المطلق الذي ينسب مقتحمه إلى الفسق والمعصية وهو الذي نريده بالحرام ~~المطلق ولا يحتاج إلى أمثلة وشواهد # وأما الدرجة الثانية فأمثلتها كل شبهة لا توجب اجتنابها ولكن يستجب ~~اجتنابها كما سيأتي في باب الشبهات إذ من الشبهات ما يجب اجتنابها فتلحق ~~بالحرام ومنها ما يكره ms0720 اجتنابها فالورع عنها ورع الموسوسين كمن يمتنع من ~~الاصطياد خوفا من أن يكون الصيد قد أفلت من إنسان أخذه وملكه وهذا وسواس # ومنها # ما يستحب اجتنابها ولا يجب وهو الذي ينزل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ~~دع ما يريبك إلى مالا يريبك (1) # ونحمله على نهي التنزيه وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم كل ما أصميت ودع ~~ما أنميت (2) # والإنماء أن يجري الصيد فيغيب عنه ثم يدركه ميتا إذ يحتمل أنه مات بسقطة ~~أو بسبب آخر والذي نختاره كما سيأتي أن هذا ليس بحرام ولكن تركه من ورع ~~الصالحين # وقوله دع ما يريبك أمر تنزيه إذ ورد في بعض الروايات كل منه وإن غاب عنك ~~ما لم تجد فيه أثرا غير سهمك ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم في ~~الكلب المعلم وإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه على ~~سبيل التنزيه لأجل الخوف # إذ قال لأبي ثعلبة الخشني كل منه فقال وإن أكل منه فقال وإن أكل (3) # وذلك لأن حالة أبي ثعلبة وهو فقير مكتسب لا تحتمل هذا الورع وحال عدي كان ~~يحتمله # يحكى عن ابن سيرين أنه ترك لشريك له أربعة آلاف درهم لأنه حاك في قلبه ~~شيء مع اتفاق العلماء على أنه لا بأس به فأمثلة هذه الدرجة نذكرها في ~~التعرض لدرجات الشبهة فكل ما هو شبهة لا يجب اجتنابه فهو مثال هذه الدرجة # أما الدرجة الثالثة وهي ورع المتقين فيشهد لها قوله صلى الله عليه وسلم ~~لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس وقال عمر ~~رضي الله عنه # كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام PageV02P095 # وقيل إن هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما # وقال أبو الدرداء إن من تمام التقوى أن يتقي العبد في مثال ذرة حتى يترك ~~بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما حتى يكون حجابا بينه وبين النار ~~ولهذا كان لبعضهم مائة ms0721 درهم على إنسان فحملها إليه فأخذ تسعة وتسعين وتورع ~~عن استيفاء الكل خيفة الزيادة # وكان بعضهم يتحرز فكل ما يستوفيه يأخذه ينقصان حبة وما يعطيه يوفيه ~~بزيادة حبة ليكون ذلك حاجزا من النار ومن هذه الدرجة الاحتراز عما يتسامح ~~به الناس فإن ذلك حلال في الفتوى ولكن يخاف من فتح بابه أن ينجر إلى غيره ~~وتألف النفس الاسترسال وتترك الورع فمن ذلك ما روي عن علي بن معبد أنه قال ~~كنت ساكنا في بيت بكراء فكتبت كتابا وأردت أن آخذ من تراب الحائط لأتربه ~~وأجففه ثم قلت الحائط ليس لي فقالت لي نفسي وما قدر تراب من حائط فأخذت من ~~التراب حاجتي فلما نمت فإذا أنا بشخص واقف يقول يا علي بن معبد سيعلم غدا ~~الذي يقول وما قدر تراب من حائط ولعل معنى ذلك انه يرى كيف يحط من منزلته ~~فإن للتقوى درجة تفوت بفوات ورع المتقين وليس المراد به أن يستحق عقوبة على ~~فعله # ومن ذلك ما روي أن عمر رضي الله عنه وصله مسك من البحرين فقال وددت لو أن ~~امرأة وزنت حتى أقسمه بين المسلمين فقالت امرأته عاتكة أنا أجيد الوزن فسكت ~~عنها ثم أعاد القول فأعادت الجواب فقال لا أحببت أن تضعيه بكفة ثم تقولين ~~فيها أثر الغبار فتمسحين بها عنقك فأصيب بذلك فضلا على المسلمين # وكان يوزن بين يدي عمر بن عبد العزيز مسك للمسلمين # فأخذ بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة وقال وهل ينتفع منه إلا بريحه لما ~~استعبد ذلك منه # وأخذ الحسن رضي الله عنه تمرة من تمر الصدقة وكان صغيرا فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم كخ كخ // حديث أخذ الحسن بن علي تمرة من الصدقة وكان ضغيرا ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم كخ كخ ألقها أخرجه البخاري من حديث أبي ~~هريرة # أي ألقها # ومن ذلك ما روي بعضهم أنه كان عند محتضر فمات ليلا فقال أطفئوا السراج قد ~~حدث للورثة حق في الدهن # وروى سليمان التيمي عن نعيمة العطارة قالت ms0722 كان عمر رضي الله عنه يدفع إلى ~~امرأته طيبا من طيب المسلمين لتبيعه فباعتني طيبا فجعلت تقوم وتزيد وتنقص ~~وتكسر بأسنانها فتعلق بإصبعها شيء منه فقالت به هكذا بإصبعها ثم مسحت به ~~خمارها فدخل عمر رضي الله عنه فقال ما هذه الرائحة فأخبرته فقال طيب ~~المسلمين تأخذينه فانتزع الخمار من رأسها وأخذ جرة من الماء فجعل يصب على ~~الخمار ثم يدلكه في التراب ثم يشمه ثم يصب الماء ثم يدلكه في التراب ويشمه ~~حتى لم يبق له ريح قالت ثم أتيتها مرة أخرى فلما وزنت علق منه شيء بإصبعها ~~فأدخلت إصبعها في فيها ثم مسحت به التراب فهذا من عمر رضي الله عنه ورع ~~التقوى لخوف أداء ذلك إلى غيره وإلا فغسل الخمار ما كان يعيد الطبيب إلى ~~المسلمين ولكن أتلفه عليها زجرا وردعا واتقاء من أن يتعدى الأمر إلى غيره # ومن ذلك ما سئل أحمد بن حنبل رحمة الله عن رجل يكون في المسجد يحمل مجمرة ~~لبعض السلاطين ويبخر المسجد بالعود فقال ينبغي أن يخرج من المسجد فإنه لا ~~ينتفع من العود إلا برائحته وهذا قد يقارب الحرام فإن القدر الذي يعبق ~~بثوبه من رائحة الطيب قد يقصد وقد يبخل به فلان يدري أنه يتسامح به أم لا # وسئل أحمد بن حنبل عمن سقطت منه ورقة فيها أحاديث فهل لمن وجدها أن يكتب ~~منها ثم يردها فقال لا بل يستأذن ثم يكتب وهذا أيضا قد يشك في أن صاحبها هل ~~يرضى به أم لا فما هو في محل الشك والأصل تحريمه فهو حرام وتركه من الدرجة ~~الأولى # ومن ذلك التورع عن الزينة لأنه يخاف منها أن تدعو إلى غيرها وإن كانت ~~الزينة مباحة في نفسها # وقد سئل أحمد بن حنبل عن النعال السبتية فقال أما أنا فلا استعملها ولكن ~~إن كان للطين فأرجو وأما من أراد الزينة فلا ومن ذلك أن عمر PageV02P096 # رضي الله عنه لما ولى الخلافة له زوجة يحبها فطلقها خفية أن تشير عليه ~~بشفاعة في باطل ms0723 فيعطيها ويطلب رضاها وهذا من ترك مالا بأس به مخافة مما به ~~البأس أي مخافة من أن يفضي إليه وأكثر المباحات داعية إلى المحظورات حتى ~~استكثار الأكل واستعمال الطيب للمتعزب فإنه يحرك الشهوة ثم الشهوة تدعو إلى ~~الفكر والفكر يدعو إلى النظر والنظر يدعو إلى غيره وكذلك النظر إلى دور ~~الأغنياء وتجملهم مباح في نفسه ولكن يهيج الحرص ويدعوا إلى طلب مثله ويلزم ~~منه ارتكاب ما لا يحل في تحصيله وهكذا المباحات كلها إذا لم تؤخذ بقدر ~~الحاجة في وقت الحاجة مع التحرز من غوائها بالمعرفة أولا ثم ثانيا فقلما ~~تخلو عاقبتها عن خطر وكذا كل ما أخذ بالشهوة فقلما يخلو عن خطر حتى كره ~~احمد بن حنبل تجصيص الحيطان وقال أما تجصيص الأرض فيمنع التراب وأما تجصيص ~~الحيطان فزينة لا فائدة فيه حتى أنكر تجصيص المساجد وتزيينها واستدل بما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أن يكحل المسجد فقال لاعريش كعريش ~~موسى (1) # وإنما هو شيء مثل الكحل يطلى به فلم يرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيه وكره السلف الثوب الرقيق وقالوا من رق ثوبه رق دينه وكل ذلك خوفا من ~~سريان اتباع الشهوات في المباحات إلى غيرها فإن المحظور والمباح تشتهيهما ~~النفس بشهوة واحدة وإذا تعودت الشهوة المسامحة استرسلت فاقتضى خوف التقوى ~~الورع عن هذا كله فكل حلال انفك عن مثل هذه المخافة فهو الحلال الطيب في ~~الدرجة الثالثة وهو كل ما لا يخاف أداؤه إلى معصية البتة # أما الدرجة الرابعة وهو ورع الصديقين فالحلال عندهم كل ما لا تتقدم في ~~أسبابه معصية ولا يستعان به على معصية ولا يقصد منه في الحال والمال قضاء ~~وطر بل يتناول لله تعالى فقد وللتقوي على عبادته واستبقاء الحياة لأجله ~~وهؤلاء هم الذين يرون كل ما ليس لله حراما امتثالا لقوله تعالى {قل الله ثم ~~ذرهم في خوضهم يلعبون} وهذه رتبة الموحدين المتجردين عن حظوظ أنفسهم ~~المنفردين لله تعالى بالقصد ولا شك في أن من يتورع عما ms0724 يوصل إليه أو يستعان ~~عليه بمعصية ليتورع عما يقترن بسبب اكتسابه معصية أو كراهية فمن ذلك ما روي ~~عن يحيى بن كثير أنه شرب الدواء فقالت له امرأته لو تمشيت في الدار قليلا ~~حتى يعمل الدواء فقال هذه مشية لا أعرفها وأنا أحاسب نفسي منذ ثلاثين سنة ~~فكأنه لم تحضره نية في هذه المشية تتعلق بالدين فلم يجز الإقدام عليها # وعن سري رحمه الله أنه قال انتهيت إلى حشيش في جبل وماء يخرج منه فتناولت ~~من الحشيش وشربت من الماء وقلت في نفسي إن كنت قد أكلت يوما حلالا طيبا فهو ~~هذا اليوم فهتف بي هاتف إن القوة التي أوصلتك إلى هذا الموضع من أين هي ~~فرجعت وندمت # ومن هذا ما روي عن ذي النون المصري أنه كان جائعا محبوسا فبعثت إليه ~~امرأة صالحة طعاما على يد السجان فلم يأكل ثم اعتذر وقال جاءني على طبق ~~ظالم يعني أن القوة التي أوصلت الطعام إلي لم تكن طيبة وهذه الغاية القصوى ~~في الورع # ومن ذلك أن بشرا رحمه الله كان لا يشرب الماء من الأنهار التي حفرها ~~الأمراء فإن النهر سبب لجريان الماء ووصوله إليه وإن كان الماء مباحا في ~~نفسه فيكون كالمنتفع بالنهر المحفور بأعمال الأجراء وقد أعطوا الأجرة من ~~الحرام ولذلك امتنع بعضهم من العنب الحلال من كرم حلال وقال لصاحبه # أفسدته إذ سقيته من الماء الذي يجري في النهر الذي حفرته الظلمة وهذا ~~أبعد عن الظلم من شرب نفس الماء لأنه احتراز من استمداد العنب من ذلك الماء # وكان بعضهم إذا مر في طريق الحج لم يشرب من المصانع التي عملتها الظلمة ~~مع أن الماء مباح ولكنه بقي محفوظا PageV02P097 # بالمصنع الذي عمل به بمال حرام فكأنه انتفاع به # وامتناع ذي النون من تناول الطعام من يد السجان أعظم من هذا كله لأن يد ~~السجان لا توصف بأنها حرام بخلاف الطبق المغصوب إذا حمل عليه ولكنه وصل ~~إليه بقوة اكتسبت بالغذاء الحرام ولذلك تقيأ الصديق رضي الله عنه من ms0725 اللبن ~~خيفة من أن يحدث الحرام فيه قوة مع أنه شربه عن جهل وكان لا يجب إخراجه ~~ولكن تخلية البطن عن الخبيث من ورع الصديقين ومن ذلك التورع من كسب حلال ~~اكتسبه خياط يخيط في المسجد فإن أحمد رحمه الله كره جلوس الخياط في المسجد # وسئل عن المغازلي يجلس في قبة في المقابر وفي وقت يخاف من المطر فقال # إنما هي من أمر الآخرة وكره جلوسه فيها # وأطفأ بعضهم سراجا أسرجه غلامه من قوم يكره ما لهم # وامتنع من تسجير تنور للخبز وقد بقي فيه جمر من حطب مكروه # وامتنع بعضهم من أن يحكم شسع نعله في مشعل السلطان فهذه دقائق الورع عند ~~سالكي طريق الآخرة # والتحقيق فيه أن الورع له أول وهو الامتناع عما حرمته الفتوى وهو ورع ~~العدول وله غاية وهو ورع الصديقين وذلك هو الامتناع من كل ما ليس له مما ~~أخذ بشهوة أو توصل إليه بمكروه أو اتصل بسببه مكروه وبينهما درجات في ~~الاحتياط فكلما كان العبد أشد تشديدا على نفسه كان أخف ظهرا يوم القيامة ~~وأسرع جوازا على الصراط وأبعد عن أن تترجح كفة سيئاته على كفة حسناته ~~وتتفاوت المنازل في الآخرة بحسب تفاوت هذه الدرجات في الورع كما تتفاوت ~~درجات النار في حق الظلمة بحسب تفاوت درجات الحرام في الخبث وإذا علمت ~~حقيقة الأمر فإليك الخيار فإن شئت فاستكثر من الاحتياط وإن شئت فرخص فلنفسك ~~تحتاط وعلى نفسك ترخص والسلام ### ||| الباب الثاني في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها عن الحلال والحرام # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور ~~مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ~~ومن وقع في الشبهات واقع الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه (1) # فهذا الحديث نص في إثبات الأقسام الثلاثة والمشكل منها القسم المتوسط ~~الذي لا يعرفه كثير من الناس وهو الشبهة فلا بد من بيانها وكشف الغطاء عنها ~~فإن ما لا يعرفه الكثير فقد يعرف القليل فنقول ms0726 # الحلال المطلق هو الذي خلا عن ذاته الصفات الموجبة للتحريم في عينه وانحل ~~عن أسبابه ما تطرق إليه تحريم أو كراهية ومثاله الماء الذي يأخذه الإنسان ~~من المطر قبل أن يقع على ملك أحد يكون هو واقفا عند جمعه وأخذه من الهواء ~~في ملك نفسه أو في أرض مباحة # والحرام المحض هو ما فيه صفة محرمة لا يشك فيها كالشدة المطربة في الخمر ~~والنجاسة في البول # أو حصل بسبب منهي عنه قطعا كالمحصل بالظلم والربا ونظائره فهذان طرفان ~~ظاهران ويلتحق بالطرفين ما تحقق أمره ولكنه احتمل تغيره ولم يكن لذلك ~~الاحتمال سبب يدل عليه فإن صيد البر والبحر حلال ومن أخذ ظبية فيحتمل أن ~~يكون قد ملكها صياد ثم أفلتت منه وكذلك السمك يحتمل أن يكون قد تزلق من ~~الصياد بعد وقوعه في يده وخريطته فمثل هذا الاحتمال لا يتطرق إلى ماء المطر ~~المختطف من الهواء ولكنه في معنى ماء المطر PageV02P098 # والاحتراز منه وسواس ولنسم هذا الفن ورع الموسوسين حتى تلتحق به أمثاله ~~وذلك لأن هذا وهم مجرد لا دلالة عليه نعم لو دل عليه دليل فإن كان قاطعا ~~كما لو وجد حلقة في أذن السمكة أو كان محتملا كما لو وجد على الظبية جراحة ~~يحتمل أن يكون كيا لا يقدر عليه إلا بعد الضبط # ويحتمل أن يكون جرحا فهذا موضع الورع وإذا انتفت الدلالة من كل وجه ~~فالاحتمال المعدوم دلالته كإحتمال المعدوم في نفسه ومن هذا الجنس من يستعير ~~دارا فيغيب عنه المعير فيخرج ويقول لعله مات وصار الحق للوارث فهذا وسواس ~~إذ لم يدل على موته سبب قاطع أو مشكك إذ الشبهة المحذورة ما تنشأ من الشك ~~والشك عبارة عن اعتقادين متقابلين نشآ عن سببين فما لا سبب له لا يثبت عقده ~~في النفس حتى يساوي العقد المقابل له فيصير شكا ولهذا نقول من شك أنه صلى ~~ثلاثا أو أربعا أخذ بالثلاث إذ الأصل عدم الزيادة # ولو سئل إنسان أن صلاة الظهر التي أداها قبل هذا بعشر سنين ms0727 كانت ثلاثا أو ~~أربعا لم يتحقق قطعا أنها أربعة وإذا لم يقطع جوز أن تكون ثلاثة وهذا ~~التجويز لا يكون شكا إذ لم يحضره سبب أوجب اعتقاد كونها ثلاثا فلتفهم حقيقة ~~الشك حتى لا يشتبه الوهم والتجويز بغير سبب فهذا يلتحق بالحلال المطلق # ويلتحق بالحرام المحض ما تحقق تحريمه وإن أمكن طريان محلل ولكن لم يدل ~~عليه سبب كمن في يدل طعام لمورثه الذي لا وارث له سواه فغاب عنه فقال يحتمل ~~أنه مات وقد انتقل الملك إلي فآكله فإقدامه عليه إقدام على حرام محض لأنه ~~احتمال لا مستند له فلا ينبغي أن يعد هذا النمط من أقسام الشبهات وإنما ~~الشبهة نعني بها ما اشتبه علينا أمره بأن تعارض لنا فيه اعتقادان صدرا عن ~~سببين مقتضيين للاعتقادين # ومثارات الشبهة خمسة ### |||| المثار الأول الشك في السبب المحلل والمحرم # وذلك لا يخلو إما أن يكون متعادلا أو غلب أحد الاحتمالين فإن تعادل ~~الاحتمالان كان الحكم لما عرف قبله فيستصحب ولا يترك بالشك وإن غلب أحد ~~الاحتمالين عليه بأن صدر عن دلالة معتبرة كان الحكم للغالب ولا يتبين هذا ~~إلا بالأمثال والشواهد فلنقسمه إلى أقسام أربعة # القسم الأول أن يكون التحريم معلوما من قبل ثم يقع الشك في المحل فهذه ~~شبهة يجب اجتنابها ويحرم الإقدام عليها # مثاله أن يرمي إلى صيد فيجرحه ويقع في الماء فيصادفه ميتا ولا يدري أنه ~~مات بالغرق أو بالجرح فهذا حرام لأن الأصل التحريم إلا إذ مات بطريق معين ~~وقد وقع الشك في الطريق فلا يترك اليقين بالشك كما في الأحداث والنجاسات ~~وركعات الصلاة وغيرها وعلى هذا ينزل قوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم ~~لا تأكله فلعله قتله غير كلبك (1) # فلذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا أتي بشيء اشتبه عليه أنه صدقة أو هدية ~~سأل عنه حتى يعلم أيهما هو (2) # وروي أنه صلى الله عليه وسلم أرق ليلة فقالت له بعض نسائه أرقت يا رسول ~~الله فقال أجل وجدت تمرة فخشيت أن تكون من الصدقة ms0728 (3) # وفي رواية فأكلتها فخشيت أن تكون من الصدقة ومن ذلك ما روي عن بعضهم أنه ~~قال كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابنا الجوع فنزلنا ~~منزلا PageV02P099 # كثير الضباب فبينا القدور تغلي بها إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمة مسخت من بني إسرائيل أخشى أن تكون هذه فأكفأنا القدور (1) # ثم أعمله الله بعد ذلك أنه لم يمسخ الله خلقا فجعل له نسلا (2) # وكان امتناعه أولا لأن الأصل عدم الحل وشك في كون الذبح محللا # القسم الثاني أن يعرف الحل ويشك في المحرم فالأصل الحل وله الحكم # كما إذا نكح امرأتين رجلان وطار طائر فقال أحدهما إن كان هذا غرابا ~~فامرأتي طالق وقال الآخر إن لم يكن غرابا فامرأتي طالق # والتبس أمر الطائر فلا يقضى بالتحريم في واحدة منهما ولا يلزمهما ~~اجتنابهما ولكن الورع اجتنابهما وتطليقهما حتى يحلا لسائر الأزواج وقد أمر ~~مكحول بالاجتناب في هذه المسئلة وأفتى الشعبي بالاجتناب في رجلين كانا قد ~~تنازعا فقال أحدهما للآخر أنت حسود فقال الآخر أحسدنا زوجته طالق ثلاثا ~~فقال الآخر نعم وأشكل الأمر وهذا إن أراد به اجتناب الورع فصحيح وإن أراد ~~التحريم المحقق فلا وجه له إذ ثبت في المياه والنجاسات والأحداث والصلوات ~~أن اليقين لا يجب تركه بالشك وهذا في معناه # فإن قلت وأي مناسبة بين هذا وبين ذلك فاعلم أنه لا يحتاج إلى المناسبة ~~فإنه لازم من غير ذلك في بعض الصور فإنه مهما تيقن طهارة الماء ثم شك في ~~نجاسته جاز له أن يتوضأ به فكيف لا يجوز أن يشربه وإذا جوز الشرب فقد سلم ~~أن اليقين لا يزال بالشك إلا أن ههنا دقيقة وهو أن وزان الماء أن يشك في ~~أنه طلق زوجته أم لا فيقال الأصل أنه ما طلق ووزان مسئلة الطائر أن يتحقق ~~نجاسة أحد الإناءين ويشتبه عينه فلا يجوز أن يستعمل أحدهما بغير اجتهاد ~~لأنه قابل يقين النجاسة بيقين الطهارة فيبطل الاستصحاب فكذلك ههنا قد وقع ~~الطلاق على إحدى ms0729 الزوجين قطعا والتبس عين المطلقة بغير المطلقة فنقول اختلف ~~أصحاب الشافعي في الإناءين على ثلاثة أوجه فقال قوم يستصحب بغير اجتهاد ~~وقال قوم بعد حصول يقين النجاسة في مقابلة يقين الطهارة يجب الاجتناب ولا ~~يغني الاجتهاد # وقال المقتصدون يجتهد وهو الصحيح ولكن وزانه أن تكون له زوجتان فيقول إن ~~كان غرابا فزينب طلق وإن لم يكن فعمرة طالق فلا جرم لا يجوز له غشيانهما ~~بالاستصحاب ولا يجوز الاجتهاد إذ لا علامة ونحرمهما عليه لأنه لو وطئهما ~~كان مقتحما للحرام قطعا وإن وطيء إحداهما وقال أقتصر على هذه كان متحكما ~~بتعيينها من غير ترجيح # ففي هذا افترق حكم شخص واحد أو شخصين لأن التحريم على شخص واحد متحقق ~~بخلاف الشخصين # إذ كل واحد شك في التحريم في حق نفسه # فإن قيل فلو كان الإناء أن لشخصين فينبغي أن يستغني عن الاجتهاد ويتوضأ ~~كل واحد بإنائه لأنه تيقن طهارته وقد شك الآن فيه فنقول هذا محتمل في الفقه ~~والأرجح في ظني المنع وأن تعدد الشخصين ههنا كاتحاده لأن صحة الوضوء لا ~~تستدعي ملكا بل وضوء الإنسان بماء غيره في رفع الحدث كوضوئه بماء نفسه فلا ~~يتبين لاختلاف الملك واتحاده أثر بخلاف الوطء لزوجة الغير فإنه لا يحل ولأن ~~للعلامات مدخلا في النجاسات والاجتهاد فيه ممكن بخلاف الطلاق فوجب تقوية ~~الاستصحاب بعلامة ليدفع بها قوة يقين النجاسة المقابلة ليقين الطهارة ~~وأبواب الاستصحاب والترجيحات من غوامض الفقه ودقائقه وقد استقصيناه في كتب ~~الفقه ولسنا نقصد الآن إلا التنبيه على قواعدها PageV02P100 # القسم الثالث أن يكون الأصل التحريم ولكن طرأ ما أوجب تحليله بظن غالب ~~فهو مشكوك فيه والغالب حله فهذا ينظر فيه فإن استند غلبة الظن إلى سبب ~~معتبر شرعا فالذي نختاره فيه أنه يحل واجتنابه من الورع # مثاله أن يرمي إلى صيد فيغيب ثم يدركه ميتا وليس عليه أثر سوى سهمه ولكن ~~يحتمل أنه مات بسقطة أو بسبب آخر فإن ظهر عليه أثر صدمة أو جراحة أخرى ~~التحق بالقسم الأول # وقد اختلف قول الشافعي ms0730 رحمه الله في هذا القسم والمختار أنه حلال لأن ~~الجرح سبب ظاهر وقد تحقق والأصل أنه لم يطرأ غيره عليه فطريانه مشكوك فيه ~~فلا يدع اليقين بالشك # فإن قيل فقد قال ابن عباس كل ما أصميت ودع ما أنميت # وروت عائشة رضي الله عنها أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأرنب ~~فقال رميتى فعرفت فيها سمهي فقال أصميت أو أنميت فقال بل أنميت قال إن ~~الليل خلق من خلق الله لا يقدر قدره إلا الذي خلقه فلعله أعان على قتله شيء ~~(1) # وكذلك قال صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم في كلبه المعلم وإن أكل فلا ~~تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه (2) # والغالب أن الكلب المعلم لا يسئ خلقه ولا يمسك إلا على صاحبه ومع ذلك نهى ~~عنه وهذا التحقيق وهو أن الحل إنما يتحقق إذا تحقق تمام السبب وتمام السبب ~~بأن يفضي إلى الموت سليما من طريان غيره عليه وقد شك فيه فهو شك في تمام ~~السبب حتى اشتبه أن موته على الحل أو على الحرمة فلا يكون هذا في معنى ما ~~تحقق موته على الحل في ساعته ثم شك فيما يطرأ عليه فالجواب أن نهي ابن عباس ~~ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمول على الورع والتنزيه بدليل ما روي ~~في بعض الروايات أنه قال كل منه وإن غاب عنك ما لم تجد فيه أثرا غير سهمك ~~(3) # وهذا تنبيه على المعنى الذي ذكرناه وهو أنه إن وجد أثرا آخر فقد تعارض ~~السببان بتعارض الظن وإن لم يجد سوى جرحه حصل غلبة الظن فيحكم به على ~~الاستصحاب كما يحكم على الاستصحاب بخبر الواحد والقياس المظنون والعمومات ~~المظنونة وغيرها # وأما قول القائل إنه لم يتحقق موته على الحل في ساعة فيكون شكا في السبب ~~فليس كذلك بل السبب قد تحقق إذ الجرح سبب الموت فطربان الغير شك فيه ويدل ~~على صحة هذا الإجماع على أن من جرح وغاب فوجد ميتا فيجب القصاص على جارحه ms0731 ~~بل إن لم يغب يحتمل أن يكون موته بيهجان خلط في باطنه كما يموت الإنسان ~~فجأة فينبغي أن لا يجب القصاص إلا بحز الرقبة والجرح المذفف لأن العلل ~~القاتلة في الباطن لا تؤمن ولأجلها يموت الصحيح فجأة ولا قائل بذلك مع أن ~~القصاص مبناه على الشبهة وكذلك جنين المذكاة حلال ولعله مات قبل ذبح الأصل ~~لا بسبب ذبحه أو لم ينفخ فيه الروح وغرة الجنين تجب ولعل الروح لم ينفخ فيه ~~أو كان قد مات قبل الجناية بسبب آخر ولكن يبني على الأسباب الظاهرة فإن ~~الاحتمال الآخر إذا لم يستند إلى دلالة تدل عليه التحق بالوهم والوسواس كما ~~ذكرناه فكذلك هذا # وأما قوله صلى الله عليه وسلم أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه فللشافعي ~~رحمه الله PageV02P101 # في هذه الصورة قولان والذي نختاره الحكم بالتحريم لأن السبب قد تعارض إذ ~~الكلب المعلم كالآلة والوكيل يمسك على صاحبه فيحل ولو استرسل المعلم بنفسه ~~فأخذ لم يحل لأنه يتصور منه أن يصطاد لنفسه ومهما انبعث بإشارته ثم أكل دل ~~ابتداء انبعاثه على أنه نازل منزلة آلته وأنه يسعى في وكالته ونيابته ودل ~~أكله آخرا على أنه أمسك لنفسه لا لصاحبه فقد تعارض السبب الدال فيتعارض ~~الاحتمال والأصل التحريم فيستصحب ولا يزال بالشك وهو كما لو وكل رجلا بأن ~~يشتري له جارية فاشترى له جارية ومات قبل أن يبين أنه اشتراها لنفسه أو ~~لموكله يحل للموكل وطؤها لأن للوكيل قدرة على الشراء لنفسه ولموكله جميعا ~~ولا دليل مرجح والأصل التحريم فهذا يلتحق بالقسم الأول لا بالقسم الثالث # القسم الرابع أن يكون الحل معلوما ولكن يغلب على الظن طريان محرم بسبب ~~معتبر في غلبة الظن شرعا فيرفع الاستصحاب ويقضي بالتحريم إذ بان لنا أن ~~الاستصحاب ضعيف ولا يبقى له حكم مع غالب الظن ومثاله أن يؤدي اجتهاده إلى ~~نجاسة أحد الإناءين بالاعتماد على علامة معينة توجب غلبة الظن فتوجب تحريم ~~شربه كما أوجبت منع الوضوء به وكذا إذا قال إن قتل زيد عمرا أو ms0732 قتل زيد ~~صيدا منفردا بقتله فامرأتي طالق فجرحه وغاب عنه فوجد ميتا حرمت زوجته لأن ~~الظاهر أنه منفرد بقتله كما سبق وقد نص الشافعي رحمه الله أن من وجد في ~~الغدران ماء متغيرا احتمل أن يكون تغيره بطول المكث أو بالنجاسة فيستعمله ~~ولو رأى ظبية بالت فيه ثم وجده متغيرا واحتمل أن يكون بالبول أو بطول المكث ~~لم يجز استعماله إذ صار البول المشاهد دلالة مغلبة لاحتمال النجاسة وهو ~~مثال ما ذكرناه وهذا في غلبة ظن استند إلى علامة متعلقة بعين الشيء فأما ~~غلبة الظن لا من جهة علامة تتعلق بعين الشيء فقد اختلف قول الشافعي رضي ~~الله عنه في أن أصل الحل هل يزال به إذا اختلف قوله في التوضؤ من أواني ~~المشركين ومدمن الخمر والصلاة في المقابر المنبوشة والصلاة مع طين الشوارع ~~أعنى المقدار الزائد على ما يتعذر الاحتراز عنه وعبر الأصحاب عنه بأنه إذا ~~تعارض الأصل والغالب فأيهما يعتبر وهذا جار في حل الشرب من أواني مدمن ~~الخمر والمشركين لأن النجس لا يحل شربه فإذن مأخذ النجاسة والحل واحد ~~فالتردد في أحدهما يوجب التردد في الآخر والذي أختاره أن الأصل هو المعتبر ~~وأن العلامة إذا لم تتعلق بعين المتناول لم توجب رفع الأصل وسيأتي بيان ذلك ~~وبرهانه في المثار الثاني للشبهة وهي شبهة الخلط فقد اتضح من هذا حكم حلال ~~شك في طريان محرم عليه أو ظن وحكم حرام شك في طريان محلل عليه أو ظن وبان ~~الفرق بين ظن يستند إلى علامة في عين الشيء وبين ما لا يستند إليه وكل ما ~~حكمنا في هذه الأقسام الأربعة بحله فهو حلال في الدرجة الأولى والاحتياط ~~تركه فالمقدم عليه لا يكون من زمرة المتقين والصالحين بل من زمرة العدول ~~الذين لا يقضى في فتوى الشرع بفسقهم وعصيانهم واستحقاقهم العقوبة إلا ما ~~ألحقناه برتبة الوسواس فإن الاحتراز عنه ليس من الورع أصلا ### |||| المثار الثاني للشبهة شك منشؤه الاختلاط # وذلك بأن يختلط الحرام بالحلال ويشتبه الأمر ولا يتميز والخلط لا ms0733 يخلو ~~إما أن يقع بعدد لا يحصر من الجانبين أو من أحدهما أو بعدد محصور فإن اختلط ~~بمحصور فلا يخلو إما أن يكون اختلاط امتزاج بحيث لا يتميز بالإشارة كاختلاط ~~المائعات # أو يكون اختلاط استبهام مع التميز للأعيان كاختلاط الأعبد والدور ~~والأفراس والذي يختلط بالاستيهام فلا يخلو إما أن يكون مما يقصد عينه ~~كالعروض أو لا يقصد كالنقود PageV02P102 # فيخرج من هذا التقسيم ثلاثة أقسام # القسم الأول أن تستبهم العين بعدد محصور كما لو اختلطت الميتة بمذكاة أو ~~بعشر مذكيات أو اختلطت رضيعة بعشر نسوة أو يتزوج إحدى الأختين ثم تلتبس ~~فهذه شبهة يجب اجتنابها بالإجماع لأنه لا مجال للاجتهاد والعلامات في هذا ~~وإذا اختلطت بعدد محصور صارت الجملة كالشيء الواحد فتقابل فيه يقين التحريم ~~والتحليل ولا فرق في هذا بين أن يثبت حل فيطرأ اختلاط بمحرم كما لو أوقع ~~الطلاق على إحدى زوجتين في مسئلة الطائر أو يختلط قبل الاستحلال كما لو ~~اختلطت رضيعة بأجنبية فأراد استحلال واحدة وهذا قد يشكل في طريان التحريم ~~كطلاق إحدى الزوجتين لما سبق من الاستصحاب # وقد نبهنا على وجه الجواب وهو أن يقين التحريم قابل يقين الحل فضعف ~~الاستصحاب وجانب الحظر أغلب في نظر الشرع فلذلك ترجح وهذا إذا اختلط حلال ~~محصور بحرام محصور # فإن اختلط حلال محصور بحرام غير محصور فلا يخفى أن وجوب الاجتناب أولى # القسم الثاني حرام محصور بحلال غير محصور كما لو اختلطت رضيعة أو عشر ~~رضائع بنسوة بلد كبير فلا يلزم بهذا اجتناب نكاح نساء أهل البلد بل له أن ~~ينكح من شاء منهن وهذا لا يجوز أن يعلل بكثرة الحلال إذ يلزم عليه أن يجوز ~~النكاح إذا اختلطت واحدة حرام بتسع حلال ولا قائل به بل العلة الغلبة ~~والحاجة جميعا إذ كل من ضاع له رضيع أو قريب أو محرم بمصاهرة أو سبب من ~~الأسباب فلا يمكن أن يسد عليه باب النكاح وكذلك من علم أن مال الدنيا خالطه ~~حرام قطعا لا يلزمه ترك الشراء والأكل فإن ذلك ms0734 حرج وما في الدين من حرج # ويعلم هذا بأنه لما سرق في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم مجن (1) # وغل واحد في الغنيمة عباءة (2) # لم يمتنع أحد من شراء المجان والعباء في الدنيا وكذلك كل ما سرق وكذلك ~~كان يعرف أن في الناس من يربي في الدراهم والدنانير # وما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الناس الدراهم والدنانير ~~بالكلية (3) # وبالجملة إنما تنفك الدنيا عن الحرام إذا عصم الخلق كلهم عن المعاصي وهو ~~محال # وإذا لم يشترط هذا في الدنيا لم يشترط أيضا في بلد إلا إذا وقع بين جماعة ~~محصورين بل اجتناب هذا من ورع الموسوسين إذا لم ينقل ذلك عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة ولا يتصور الوفاء به في ملة من الملل ~~ولا في عصر من الأعصار # فإن قلت فكل عدد محصور في علم الله # فما حد المحصور ولو أراد الإنسان أن يحصر أهل بلد لقدر عليه أيضا إن تمكن ~~منه فاعلم أن تحديد أمثال هذه الأمور غير ممكن وإنما يضبط بالتقريب # فنقول كل عدد لو اجتمع على صعيد واحد لعسر على الناظر عدهم بمجرد النظر ~~كالألف والألفين فهو غير محصور وما سهل كالعشرة والعشرين فهو محصور وبين ~~الطرفين أوساط متشابهة تحلق بأحد الطرفين بالظن وما وقع الشك فيه استفتى ~~فيه القلب فإن الإثم حزاز القلوب # وفي مثل هذا المقام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوابصة استفت قلبك ~~وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك (4) # وكذا الأقسام الأربعة التي ذكرناها في المثال الأول يقع فيها أطراف ~~متقابلة واضحة في النفي والإثبات وأوساط متشابهة فالمفتي يفتي بالظن وعلى ~~المستفتي أن يستفتي PageV02P103 # قلبه فإن حاك في صدره شيء فهو الآثم بينه وبين الله فلا ينجيه في الآخرة ~~فتوى المفتي فإنه يفتي بالظاهر والله يتولى السرائر # القسم الثالث أن يختلط حرام لا يحصر بحلال لا يحصر كحكم الأموال في ~~زماننا هذا فالذي يأخذ الأحكام من الصور قد يظن أن نسبة غير المحصور إلى ms0735 ~~غير المحصور كنسبة المحصور إلى المحصور وقد حكمنا ثم بالتحريم فلنحكم هنا ~~به والذي نختاره خلاف ذلك وهو أنه لا يحرم بهذا الاختلاط أن يتناول شيء ~~بعينه احتمل أنه حرام وأنه حلال إلا أن يقترن بتلك العين علامة تدل على أنه ~~من الحرام فإن لم يكن في العين علامة تدل على أنه من الحرام فتركه ورع ~~وأخذه حلال لا يفسق به آكله # ومن العلامات أن يأخذه من يد سلطان ظالم إلى غير ذلك من العلامات التي ~~سيأتي ذكرها ويدل عليه الأثر والقياس فأما الأثر # فما علم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده إذ ~~كانت أثمان الخمور ودراهم الربا من أيدي أهل الذمة مختلطة بالأموال وكذا ~~غلول الأموال وكذا غلول الغنيمة ومن الوقت الذي نهى صلى الله عليه وسلم عن ~~الربا إذ قال أول ربا أضعه ربا العباس (1) # ما ترك الناس الربا بأجمعهم كما لم يتركوا شرب الخمور وسائر المعاصي حتى ~~روي أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باع الخمر فقال عمر رضي الله ~~عنه # لعن الله فلاناهو أول من سن بيع الخمر إذ لم يكن قد فهم أن تحريم الخمر ~~تحريم لثمنها # وقال صلى الله عليه وسلم إن فلانا يجر في النار عباءة قد غلها (2) # وقتل رجل ففتشوا متاعه فوجدوا فيه خرزات من خرز اليهود لا تساوي درهمين ~~قد غلها (3) # وكذلك أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمراء الظلمة ولم يمتنع ~~أحد منهم عن الشراء والبيع في السوق بسبب نهب المدينة وقد نهبها أصحاب يزيد ~~ثلاثة أيام وكان من يمتنع من تلك الأموال مشارا إليه في الورع والأكثرون لم ~~يمتنعوا مع الاخلاط وكثرة الأموال المنهوبة في أيام الظلمة # ومن أوجب ما لم يوجبه السلف الصالح وزعم أنه تفطن من الشر ما لم يتفطنوا ~~له فهو موسوس مختل العقل ولو جاز أن يزاد عليهم في أمثال هذا لجاز مخالفتهم ~~في مسائل لا مستند فيها سوى اتفاقهم كقولهم إن الجدة كالأم في التحريم ms0736 وابن ~~الابن كالابن وشعر الخنزير وشحمه كاللحم المذكور تحريمه في القرآن والربا ~~جار فيما عدا الأشياء الستة وذلك محال فإنهم أولى بفهم الشرع من غيرهم وأما ~~القياس فهو أنه لو فتح هذا الباب لانسد باب جميع التصرفات وخرب العالم إذ ~~الفسق يغلب على الناس ويتساهلون بسببه في شروط الشرع في العقود ويؤدي ذلك ~~لا محالة إلى الاختلاط # فإن قيل قد نقلتم أنه صلى الله عليه وسلم امتنع من الضب وقال أخشى أن ~~يكون مما مسخه الله وهو في اختلاط غير المحصور قلنا يحمل ذلك على التنزه ~~والورع أو نقول الضب شكل غريب ربما يدل على أنه من المسخ فهي دلالة في عين ~~المتناول # فإن قيل هذا معلوم في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان الصحابة ~~بسبب الربا والسرقة والنهب وغلوك الغنيمة وغيرها ولكن كانت هي الأقل ~~بالإضافة إلى الحلال فما تقول في زماننا وقد صار الحرام أكثر ما في أيدي ~~الناس لفساد المعاملات وإهمال شروطها وكثرة الربا وأموال السلاطين الظلمة ~~فمن أخذ مالا لم يشهد PageV02P104 # عليه علامة معينة في عينة للتحريم فهل هو حرام أم لا # فأقول ليس ذلك حراما وإنما الورع تركه وهذا الورع أهم من الورع إذا كان ~~قليلا # ولكن الجواب عن هذا أن قول القائل أكثر الأموال حرام في زماننا غلط محض ~~ومنشؤه الغفلة عن الفرق بين الكثير والأكثر فأكثر الناس بل أكثر الفقهاء ~~يظنون أن ما ليس بنادر فهو الأكثر ويتوهمون أنهما قسمان متقابلان ليس ~~بينهما ثالث وليس كذلك بل الأقسام ثلاثة قليل وهو النادر وكثير وأكثر ~~ومثاله أن الخنثى فيما بين الخلق نادر وإذا أضيف إليه المريض وجد كثيرا ~~وكذا السفر حتى يقال المرض والسفر من الأعذار العامة والاستحاضة من الأعذار ~~النادرة ومعلوم أن المرض ليس بنادر وليس بالأكثر أيضابل هو كثير والفقيه ~~إذا تساهل وقال المرض والسفر غالب وهو عذر عام أراد به أنه ليس بنادر فإن ~~لم يرد هذا فهو غلط والصحيح والمقيم هو الأكثر والمسافر والمريض كثير ~~والمستحاضة والخنثى نادر ms0737 فإذا فهم هذا فنقول: قول القائل الحرام أكثر باطل ~~لأن مستند هذا القائل إما أن يكون كثرة الظلمة والجندية أو كثرة الربا ~~والمعاملات الفاسدة أو كثرة الأيدي التي تكررت من أول الإسلام إلى زماننا ~~هذا على أصول الأموال الموجودة اليوم أما المستند الأول فباطل فإن الظالم ~~كثير وليس هو بالأكثر فإنهم الجندية إذ لا يظلم إلا ذو غلبة وشوكة وهم إذا ~~أضيفوا إلى كل العالم لم يبلغوا عشر عشيرهم فكل سلطان يجتمع عليه من الجنود ~~مائة ألف مثلا فيملك إقليمايجمع ألف ألف وزيادة ولعل بلدة واحدة من بلاد ~~مملكته يزيد عددها على جميع عسكره ولو كان عدد السلاطين أكثر من عدد ~~الرعايا لهلك الكل إذ كان يجب على كل واحد من الرعية أن يقوم بعشرة منهم ~~مثلا مع تنعمهم في المعيشة ولا يتصور ذلك بل كفاية الواحد كان منهم تجمع من ~~ألف من الرعية وزيادة وكذا القول في السراق فإن البلدة الكبيرة تشتمل منهم ~~على قدر قليل # وأما المستند الثاني وهو كثرة الربا والمعاملات الفاسدة فهي أيضا كثيرة ~~وليست بالأكثر إذ أكثر المسلمين يتعاملون بشروط الشرع فعدد هؤلاء أكثر ~~والذي يعامل بالربا أو غيره فلو عددت معاملاته وحده لكان عدد الصحيح منها ~~يزيد على الفاسد إلا أن يطلب الإنسان بوهمه في البلد مخصوصا بالمجانة ~~والخبث وقلة الدين حتى يتصور أن يقال معاملاته الفاسدة أكثر ومثل ذلك ~~المخصوص نادر وإن كان كثيرا فليس بالأكثر لو كان كل معاملاته فاسدة كيف ولا ~~يخلو هو أيضا عن معاملات صحيحة تساوي الفاسدة أو تزيد عليها وهذا مقطوع به ~~لمن تأمله وإنما غلب هذا على النفوس لاستكثار النفوس الفساد واستبعادها ~~إياه واستعظامها له وإن كان نادراحتى ربما يظن أن الربا وشرب الخمر قد شاع ~~كما شاع الحرام فيتخيل أنهم الأكثرون وهو خطأ فإنهم الأقلون وإن كان فيهم ~~كثرة # وأما المستند الثالث وهو أخيلها أن يقال الأموال إنما تحصل من المعادن ~~والنبات والحيوان والنبات والحيوان حاصلان بالتوالد فإذا نظرنا إلى شاة ~~مثلا وهي تلد في كل ms0738 سنة فيكون عدد أصولها إلى زمان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قريبا من خمسمائة ولا يخلو هذا أن يتطرق إلى أصل من تلك الأصول غصب أو ~~معاملة فاسدة فكيف يقدر أن تسلم أصولها عن تصرف باطل إلى زماننا هذا وكذا ~~بذور الحبوب والفواكه تحتاج إلى خمسمائة أصل أو ألف أصل مثلا إلى أول زمان ~~الشرع ولا يكون هذا حلالا ما لم يكن أصله وأصل أصله كذلك إلى أول زمان ~~النبوة حلالا وأما المعادن فهي التي يمكن نيلها على سبيل الابتداء وهي أقل ~~الأموال وأكثر ما يستعمل منها الدراهم والدنانير ولا تخرج إلا من دار الضرب ~~وهي في أيدي الظلمة مثل المعادن في أيديهم يمنعون الناس منها ويلزمون ~~الفقراء استخراجها بالأعمال الشاقة ثم يأخذونها منهم غصبا فإذا نظر إلى هذا ~~علم أن بقاء دينار واحد بحيث لا يتطرق إليه عقد فاسد PageV02P105 # ولا ظلم وقت النيل ولا وقت الضرب في دار الضرب ولا بعده في معاملات الصرف ~~والربا بعيد نادر أو محال فلا يبقى إذن حلال إلا الصيد والحشيش في الصحاري ~~الموات والمفاوز والحطب المباح ثم من يحصله لا يقدر على أكله فيفتقر إلى أن ~~يشتري به الحبوب والحيوانات التي لا تحصل إلا بالاستنبات والتوالد فيكون قد ~~بذل حلالا في مقابلة حرام فهذا هو أشد الطرق تخيلا # والجواب أن هذه الغلبة لم تنشأ من كثرة الحرام المخلوط بالحلال فخرج عن ~~النمط الذي نحن فيه والتحق بما ذكرناه من قبل وهو تعارض الأصل والغالب إذ ~~الأصل في هذه الأموال قبولها للتصرفات وجواز التراضي عليها وقد عارضه سبب ~~غالب يخرجه عن الصلاح له فيصاهي هذا محل القولين للشافعي رضي الله عنه في ~~حكم النجاسات والصحيح عندنا أنه تجوز الصلاة في الشوارع إذا لم يجد فيها ~~نجاسة فإن طين الشوارع طاهر وأن الوضوء من أواني المشركين جائز وأن الصلاة ~~في المقابر المنبوشة جائزة فثبت هذا أولاثم نقيس ما نحن فيه عليه ويدل على ~~ذلك توضؤ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مزادة مشركة ms0739 وتوضؤ عمر رضي الله ~~عنه من جرة نصرانية مع أن مشربهم الخمر ومطعمهم الخنزير ولا يحترزون عما ~~نجسه شرعنا فكيف تسلم أوانيهم من أيديهم بل نقول نعلم قطعا أنهم كانوا ~~يلبسون الفراء المدبوغة والثياب المصبوغة والمقصورة ومن تأمل أحول الدباغين ~~والقصارين والصباغين علم أن الغالب عليهم النجاسة وأن الطهارة في تلك ~~الثياب محال أو نادر بل نقول نعلم أنهم كانوا يأكلون خبز البر والشعير ولا ~~يغسلونه مع أنه يداس بالبقر والحيوانات وهي تبول عليه وتروث وقلما يخلص ~~منها وكانوا يركبون الدواب وهي تعرق وما كانوا يغسلون ظهورها مع كثرة ~~تمرغها في النجاسات بل كل دابة تخرج من بطن أمها وعليها رطوبات نجسة قد ~~تزيلها الأمطار وقد لا تزيلها وما كان يحترز عنها وكانوا يمشون حفاة في ~~الطرق وبالنعال ويصلون معها ويجلسون على التراب ويمشون في الطين من غير ~~حاجة وكانوا لا يمشون في البول والعذرة ولا يجلسون عليهما ويستنزهون منه ~~ومتى تسلم الشوارع عن النجاسات مع كثرة الكلاب وأبوالها وكثرة الدواب ~~وأرواثها ولا ينبغي أن نظن أن الأعصار أو الأمصار تختلف في مثل هذا حتى يظن ~~أن الشوارع كانت تغسل في عصرهم أو كانت تحرس من الدواب هيهات فذلك معلوم ~~استحالته بالعادة قطعا فدل على أنهم لم يحترزوا إلا من نجاسة مشاهدة أو ~~علامة على النجاسة دالة على العين # فأما الظن الغالب الذي يستثار من رد الدراهم إلى مجاري الأحوال فلم ~~يعتبروه وهذا عند الشافعي رحمه الله وهو يرى أن الماء القليل ينجس من غير ~~تغير واقع إذ لم يزل الصحابة يدخلون الحمامات ويتوضئون من الحياض وفيها ~~المياه القليلة والأيدي المختلفة تغمس فيها على الدوام وهذا قاطع في هذا ~~الغرض ومهما ثبت جواز التوضؤ من جرة نصرانية ثبت جواز شربه والتحق حكم الحل ~~بحكم النجاسة # فإن قيل لا يجوز قياس الحل على النجاسة إذ كانوا يتوسعون في أمور ~~الطهارات ويحترزون من شبهات الحرام غاية التحرز فكيف يقاس عليها قلنا إن ~~أريد به أنهم صلوا معها مع النجاسة والصلاة معصية وهي ms0740 عماد الدين فبئس الظن ~~بل يجب أن نعتقد فيهم أنهم احترزوا عن كل نجاسة وجب اجتنابها وإنما تسامحوا ~~حيث لم يجب وكان في محل تسامحهم هذه الصورة التي تعارض فيها الأصل والغالب ~~فبان أن الغالب الذي لا يستند إلى علامة تتعلق بعين ما فيه النظر مطرح وأما ~~تورعهم في الحلال فكان بطريق التقوى وهو ترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس ~~لأن أمر الأموال مخوف والنفس تميل إليها إن لم تضبط عنها وأمر الطهارة ليس ~~كذلك فقد امتنع طائفة منهم عن الحلال المحض خيفة أن يشغل قلبه وقد حكي عن ~~واحد منهم أنه احترز من الوضوء بماء البحر وهو الطهور المحض فالافتراق في ~~ذلك لا يقدح في الغرض الذي أجمعنا فيه على أنا نجري في هذا المستند PageV02P106 # على الجواب الذي قدمنا في المستندين السابقين ولا نسلم ما ذكروه من أن ~~الأكثر هو الحرام لأن المال وإن كثرت أصوله فليس بواجب أن يكون في أصوله ~~حرام بل الأموال الموجودة اليوم مما تطرق الظلم إلى أصول بعضها دون بعض ~~وكما أن الذي يبتدأ غصبه اليوم هو الأقل بالإضافة إلى ما لا يغصب ولا يسرق ~~فهكذا كل مال في كل عصر وفي كل أصل فالمغصوب من مال الدنيا والمتناول في كل ~~زمان بالفساد بالإضافة إلى غيره أقل ولسنا ندري أن هذا الفرع بعينه من أي ~~القسمين فلا نسلم أن الغالب تحريمه فإنه كما يزيد المغصوب بالتوالد يزيد ~~غير المغصوب بالتوالد فيكون فرع الأكثر لا محالة في كل عصر وزمان أكثر بل ~~الغالب أن الحبوب المغصوبة تغصب للأكل لا للبذر وكذا الحيوانات المغصوبة ~~أكثرها يؤكل ولا يقتنى للتوالد فكيف يقال إن فروع الحرام أكثر ولم تزل أصول ~~الحلال أكثر من أصول الحرام وليتفهم المسترشد من هذا طريق معرفة الأكثر ~~فإنه مزلة قدم وأكثر العلماء يغلطون فيه فكيف العوام هذا في المتولدات من ~~الحيوانات والحبوب فأما المعادن فإنها مخلاة مسبلة يأخذها في بلاد الترك ~~وغيرها من شاء ولكن قد يأخذ السلاطين بعضها منهم ms0741 أو يأخذون الأقل لا محالة ~~لا الأكثر ومن حاز من السلاطين معدنا فظلمه يمنع الناس منه فأما ما يأخذه ~~الآخذ منه فيأخذه من السلطان بأجرة والصحيح أنه يجوز الاستنابة في إثبات ~~اليد على المباحات والاستئجار عليها فالمستأجر على الاستقاء إذا حاز الماء ~~دخل في ملك المستقي له واستحق الأجرة فكذلك النيل فإذا فرعنا على هذا لم ~~تحرم عين الذهب إلا أن يقدر ظلمه بنقصان أجرة العمل وذلك قليل بالإضافة ثم ~~لا يوجب تحريم عين الذهب بل يكون ظالما ببقاء الأجرة في ذمته وأما دار ~~الضرب فليس الذهب الخارج منها من أعيان ذهب السلطان الذي غصبه وظلم به ~~الناس بل التجار يحملون إليهم الذهب المسبوك أو النقد الرديء ويستأجرونهم ~~على السبك والضرب ويأخذون مثل وزن ما سلموه إليهم إلا شيئا قليلا يتركونه ~~أجرة لهم على العمل وذلك جائز وإن فرض دنانير مضروبة من دنانير السلطان فهو ~~بالإضافة إلى مال التجار أقل لا محالة نعم السلطان يظلم أجراء دار الضرب ~~بأن يأخذ منهم ضريبة لأنه خصصهم بها من بين سائر الناس حتى توفر عليهم مال ~~بحشمة السلطان فما يأخذه السلطان عوض من حشمته وذلك من باب الظلم وهو قليل ~~بالإضافة إلى ما يخرج من دار الضرب فلا يسلم لأهل دار الضرب والسلطان من ~~جملة ما يخرج منه من المائة واحد وهو عشر العشير فكيف يكون هو الأكثر فهذه ~~أغاليط سبقت إلى القلوب بالوهم وتشمر لتزيينها جماعة ممن رق دينهم حتى ~~قبحوا الورع وسدوا بابه واستقبحوا تمييز من يميز بين مال ومال وذلك عين ~~البدعة والضلال # فإن قيل: فلو قدر غلبة الحرام وقد اختلط غير محصور بغير محصور فماذا ~~تقولون فيه إذا لم يكن في العين المتناولة علامة خاصة فنقول الذي نراه أن ~~تركه ورع وأن أخذه ليس بحرام لأن الأصل الحل ولا يرفع إلا بعلامة معينة كما ~~في طين الشوارع ونظائرها بل أزيد وأقول لو طبق الحرام الدنيا حتى علم يقينا ~~أنه لم يبق في الدنيا حلال لكنت أقول نستأنف تمهيد الشروط ms0742 من وقتنا ونعفو ~~عما سلف ونقول ما جاوز حده انعكس إلى ضده فمهما حرم الكل حل الكل وبرهانه ~~أنه إذا وقعت هذه الواقعة فالاحتمالات خمسة أحدها أن يقال يدع الناس الأكل ~~حتى يموتوا من عند آخرهم # الثاني أن يقتصروا منها على قدر الضرورة وسد الرمق يزجون عليها أياما إلى ~~الموت # الثالث أن يقال يتناولون قدر الحاجة كيف شاءوا سرقة وغصبا وتراضيا من غير ~~تمييز بين مال ومال وجهة وجهة # الرابع أن يتبعوا شروط الشرع ويستأنفوا قواعده من غير اقتصار على قدر ~~الحاجة # الخامس PageV02P107 # أن يقتصروا مع شروط الشرع على قدر الحاجة # أما الأول فلا يخفى بطلانه # وأما الثاني فباطل قطعا لأنه إذا اقتصر الناس على سد الرمق وزجوا أوقاتهم ~~على الضعف فشا فيهم الموتان وبطلت الأعمال والصناعات وخربت الدنيا بالكلية ~~وفي خراب الدنيا خراب الدين لأنها مزرعة الآخرة وأحكام الخلافة والقضاء ~~والسياسات بل أكثر أحكام الفقه مقصودها حفظ مصالح الدنيا ليتم بها مصالح ~~الدين # وأما الثالث وهو الاقتصار على قدر الحاجة من غير زيادة عليه مع التسوية ~~بين مال ومال بالغضب والسرقة والتراضي وكيفما اتفق فهو رفع لسد الشرع بين ~~المفسدين وبين أنواع الفساد فتمتد الأيدي بالغصب والسرقة وأنواع الظلم ولا ~~يمكن زجرهم منه إذ يقولون ليس يتميز صاحب اليد باستحقاق عنا فإنه حرام عليه ~~وعلينا وذو اليد له قدر الحاجة فقط فإن كان هو محتاجا فإنا أيضا محتاجون ~~وإن كان الذي أخذته في حقي زائدا على الحاجة فقد سرقته ممن هو زائد على ~~حاجته يومه وإذا لم يراع حاجة اليوم والسنة فما الذي نراعي وكيف يضبط وهذا ~~يؤدي إلى بطلان سياسة الشرع وإغراء أهل الفساد بالفساد فلا يبقى إلا ~~الاحتمال الرابع وهو أن يقال كل ذي يد على ما في يده وهو أولى به لا يجوز ~~أن يؤخذ منه سرقة وغصبا بل يؤخذ برضاه والتراضي هو طريق الشرع وإذ لم يجز ~~إلا بالتراضي فللتراضي أيضا منهاج في الشرع تتعلق به المصالح فإن لم يعتبر ~~فلم يتعين أصل التراضي وتعطل ms0743 تفصيله وأما الاحتمال الخامس وهو الاقتصار على ~~قدر الحاجة مع الاكتساب بطريق الشرع من أصحاب الأيدي فهو الذي نراه لائقا ~~بالورع لمن يريد سلوك طريق الآخر ولكن لا وجه لإيجابه على الكافة ولا ~~لإدخاله في فتوى العامة لأن أيدي الظلمة تمتد إلى الزيادة على قدر الحاجة ~~في أيدي الناس وكذا أيدي السراق وكل من غلب سلب وكل من وجد فرصة سرق ويقول ~~لا حق له إلا في قدر الحاجة وأنا محتاج ولا يبقى إلا أن يجب على السلطان أن ~~يخرج كل زيادة على قدر الحاجة من أيدي الملاك ويستوعب بها أهل الحاجة ويدر ~~على الكل الأموال يوما فيوما أو سنة فسنة وفيه تكليف شطط وتضييع أموال أما ~~تكليف الشطط فهو أن السلطان لا يقدر على القيام بهذا مع كثرة الخلق بل لا ~~يتصور ذلك أصلا وأما التضييع فهو أن ما فضل عن الحاجة من الفواكه واللحوم ~~والحبوب ينبغي أن يلقى في البحر أو يترك حتى يتعفن فإن الذي خلقه الله من ~~الفواكه والحبوب زائد عن قدر توسع الخلق وترفههم فكيف على قدر حاجتهم ثم ~~يؤدي ذلك إلى سقوط الحج والزكاة والكفارات المالية وكل عبادة نيطت بالغنى ~~عن الناس إذا أصبح الناس لا يملكون إلا قدر حاجتهم وهو في غاية القبح بل ~~أقول لو ورد نبي في مثل هذا الزمان لوجب عليه أن يستأنف الأمر ويمهد تفصيل ~~أسباب الأملاك بالتراضي وسائر الطرق ويفعل ما يفعله لو وجد جميع الأموال ~~حلالا من غير فرق # وأعني بقولي يجب عليه إذا كان النبي ممن بعث لمصلحة الخلق في دينهم ~~ودنياهم إذ لا يتم الصلاح برد الكافة إلى قدر الضرورة والحاجة إليه فإن لم ~~يبعث للصلاح لم يجب هذا # ونحن نجوز أن يقدر الله سببا يهلك به الخلق عن آخرهم فيفوت دنياهم ويضلون ~~في دينهم فإنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء ويميت من يشاء ويحيي من يشاء ~~ولكنا نقدر الأمر جاريا على ما ألف من سنة الله تعالى في بعثة الأنبياء ~~لصلاح الدين والدنيا ms0744 # وما لي أقدر هذا وقد كان ما أقدره فلقد بعث الله نبينا صلى الله عليه ~~وسلم على فترة من الرسل وكان شرع عيسى عليه السلام قد مضى عليه قريب من ~~ستمائة سنة والناس منقسمون إلى مكذبين له من اليهود وعبدة الأوثان وإلى ~~مصدقين له قد شاع الفسق فيهم كما شاع في زماننا الآن والكفار مخاطبون بفروع ~~الشريعة # والأموال كانت في أيدي المكذبين له والمصدقين أما المكذبون فكانوا ~~يتعاملون بغير شرع عيسى عليه السلام وأما المصدقون فكان يتساهلون مع أصل ~~التصديق PageV02P108 # كما يتساهل الآن المسلمون مع أن العهد بالنبوة أقرب فكانت الأموال كلها ~~أو أكثرها أو كثير منها حراما وعفا صلى الله عليه وسلم عما سلف ولم يتعرض ~~له وخصص أصحاب الأيدي بالأموال ومهد الشرع وما ثبت تحريمه في شرع لا ينقلب ~~حلالا لبعثة رسول ولا ينقلب حلالا بأن بسلم الذي في يده الحرام فإنا لا ~~نأخذ في الجزية من أهل الذمة ما نعرفه بعينه أنه ثمن خمر أو مال ربا فقد ~~كانت أموالهم في ذلك الزمان كأموالنا الآن وأمر العرب كان أشد لعموم النهب ~~والغارة فيهم # فبان أن الاحتمال الرابع متعين في الفتوى والاحتمال الخامس هو طريق الورع ~~بل تمام الورع الاقتصار في المباح على قدر الحاجة وترك التوسع في الدنيا ~~بالكلية وذلك طريق الآخرة # ونحن الآن نتكلم في الفقه المنوط بمصالح الخلق وفتوى الظاهر له حكم ~~ومنهاج على حسب مقتضى المصالح وطريق الدين الذي لا يقدر على سلوكه إلا ~~الآحاد ولو اشتغل الخلق كلهم به لبطل النظام وخرب العالم فإن ذلك طلب ملك ~~كبير في الآخرة ولو اشتغل كل الخلق بطلب ملك الدنيا وتركوا الحرف الدنيئة ~~والصناعات الخسيسة لبطل النظام ثم يبطل ببطلانه الملك أيضا # فالمحترفون إنما سخروا لينتظم الملك للملوك وكذلك المقبلون على الدنيا ~~سخروا ليسلم طريق الدين لذوي الدين وهو ملك الآخرة ولولاه لما سلم لذوي ~~الدين أيضا دينهم فشرط سلامة الدين لهم أن يعرض الأكثرون عن طريقهم ~~ويشتغلوا بأمور الدنيا وذلك قسمة سبقت بها المشيئة الأزلية ms0745 وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا} # فإن قيل: لا حاجة إلى تقدير عموم التحريم حتى لا يبقى حلال فإن ذلك غير ~~واقع وهو معلوم ولا شك في أن البعض حرام وذلك البعض هو الأقل أو الأكثر فيه ~~نظر وما ذكرتموه من أنه الأقل بالإضافة إلى الكل جلي ولكن لا بد من دليل ~~محصل على تجويزه ليس من المصالح المرسلة وما ذكرتموه من التقسيمات كلها ~~مصالح مرسلة فلا بد لها من شاهد معين تقاس عليه حتى يكون الدليل مقبولا ~~بالاتفاق فإن بعض العلماء لا يقبل المصالح المرسلة # فأقول: إن سلم أن الحرام هو الأقل فيكفينا برهانا عصر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والصحابة مع وجود الربا والسرقة والغلول والنهب وإن قدر زمان ~~يكون الأكثر الحرام هو فيحل التناول أيضا فبرهانه ثلاثة أمور: # {الأول} التقسيم الذي حصرناه وأبطلنا منه أربعة وأثبتنا القسم الخامس فإن ~~ذلك إذا أجرى فيما إذا كان الكل حراما كان أحرى فيما إذا كان الحرام هو ~~الأكثر أو الأقل وقول القائل هو مصلحة مرسلة: هوس فإن ذلك إنما تخيل من ~~تخيله في أمور مظنونة وهذا مقطوع به فإنا لا نشك في أن مصلحة الدين والدنيا ~~مراد الشرع وهو معلوم بالضرورة إلى وليس بمظنون ولا شك في أن رد كافة الناس ~~إلى قدر الضرورة أو الحاجة أو الحشيش والصيد مخرب للدنيا أولا وللدين ~~بواسطة الدنيا ثانيا فما لا يشك فيه لا يحتاج إلى أصل يشهد له وإنما يستشهد ~~على الخيالات المظنونة المتعلقة بآحاد الأشخاص # البرهان الثاني أن يعلل بقياس محرر مردود إلى أصل يتفق الفقهاء الآنسون ~~بالأقيسة الجزئية عليه وإن كانت الجزئيات مستحقرة عند المحصلين بالإضافة ~~إلى مثل ما ذكرناه من الأمر الكلي الذي هو ضرورة النبي لو بعث في زمان عم ~~التحريم فيه حتى لو حكم بغيره لخرب العالم والقياس المحرر الجزئي هو أنه قد ~~تعارض أصل وغالب فيما انقطعت فيه العلامات المعينة من ms0746 الأمور التي ليس ~~محصورة فيحكم بالأصل لا بالغالب قياسا على طين الشوارع وجرة النصرانية ~~وأواني المشركين وذلك قد أثبتناه من قبل بفعل الصحابة وقولنا انقطعت ~~العلامات المعينة احتراز عن الأواني التي يتطرق الاجتهاد إليها وقولنا ليست ~~محصورة احتراز عن التباس الميتة والرضيعة بالذكية والأجنبية PageV02P109 # فإن قيل: كون الماء طهورا مستيقن وهو الأصل ومن يسلم أن الأصل في الأموال ~~الحل بل الأصل فيها التحريم # فنقول: الأمور لا تحرم لصفة في عينها حرمة الخمر والخنزير خلقت على صفة ~~تستعد لقبول المعاملات بالتراضي كما خلق الماء مستعدا للوضوء وقد وقع الشك ~~في بطلان هذا الاستعداد منهما فلا فرق بين الأمرين فإنها تخرج عن قبول ~~المعاملة بالتراضي بدخول الظلم عليها كما يخرج الماء عن قبول الوضوء بدخول ~~النجاسة عليه ولا فرق بين الأمرين # والجواب الثاني: أن اليد دلالة ظاهرة دالة على الملك نازلة منزلة ~~الاستصحاب وأقوى منه بدليل ان الشرع ألحقه به إذ من ادعى عليه دين فالقول ~~قوله لأن الأصل براءة ذمته وهذا استصحاب # ومن ادعى عليه ملك في يده فالقول أيضا قوله إقامة لليد مقام الاستصحاب ~~فكل ما وجد في يد إنسان فالأصل أنه ملكه ما لم يدل على خلافه علامة معينة # البرهان الثالث هو أن كل ما دل على جنس لا يحصر ولا يدل على معين لم ~~يعتبر وإن كان قطعا فبأن لا يعتبر إذا دل بطريق الظن أولى وبيانه أن ما علم ~~أنه ملك زيد فحقه يمنع من التصرف فيه بغير إذنه ولو علم أن له مالكا في ~~العالم ولكن وقع اليأس عن الوقوف عليه وعلى وارثه فهو مال مرصد لمصالح ~~المسلمين يجوز التصرف فيه بحكم المصلحة ولو دل على أن له مالكا محصورا في ~~عشرة مثلا أو عشرين امتنع التصرف فيه بحكم المصلحة فالذي يشك في أن له ~~مالكا سوى صاحب اليد أم لا لا يزيد على الذي يتيقن قطعا أن له مالكا ولكن ~~لا يعرف عينه فليجز التصرف فيه بالمصلحة والمصلحة ما ذكرناه في الأقسام ~~الخمسة فيكون هذا ms0747 الأصل شاهدا له وكيف لا وكل مال ضائع فقد مالكه يصرفه ~~السلطان إلى المصالح ومن المصالح الفقراء وغيرهم فلو صرف إلى فقير ملكه ~~ونفذ فيه تصرفه فلو سرقه منه سارق قطعت يده فكيف نفذ تصرفه في ملك الغير ~~ليس ذلك إلا لحكمنا بأن المصلحة تقتضي أن ينتقل الملك إليه ويحل له فقضينا ~~بموجب المصلحة # فإن قيل: ذلك يختص بالتصرف فيه السلطان # فنقول: والسلطان لم يجوز له التصرف في ملك غيره بغير إذنه لا سبب له إلا ~~المصلحة وهو أنه لو ترك لضاع فهو مردد بين تضييعه وصرفه إلى مهم والصرف إلى ~~مهم أصلح من التضييع فرجح عليه والمصلحة فيما يشك فيه ولا يعلم تحريمه أن ~~يحكم فيه بدلالة اليد ويترك على أرباب الأيدي إذ انتزاعها بالشك وتكليفهم ~~الاقتصار على الحاجة يؤدي إلى الضرر الذي ذكرناه وجهات المصلحة تختلف فإن ~~السلطان تارة يرى أن المصلحة أن يبني بذلك المال قنطرة وتارة أن يصرفه إلى ~~جند الإسلام وتارة إلى الفقراء ويدور مع المصلحة كيفما دارت وكذلك الفتوى ~~في مثل هذا تدور على المصلحة وقد خرج من هذا أن الخلق غير مأخوذين في أعيان ~~الأموال بظنون لا تستند إلى خصوص دلالة في ملك الأعيان كما لم يؤاخذ ~~السلطان والفقراء الآخذون منه بعلمهم أن المال له مالك حيث لم يتعلق العلم ~~بعين مالك مشار إليه ولا فرق بين عين المالك وبين عين الأملاك في هذا ~~المعنى فهذا بيان شبهة الاختلاط ولم يبق إلا النظر في امتزاج المائعات ~~والدراهم والعروض في يد مالك واحد وسيأتي بيانه في باب تفصيل طريق الخروج ~~من المظالم ### |||| المثار الثالث للشبهة أن يتصل بالسبب المحلل معصية # إما في قرائنه وإما في لواحقه وإما في سوابقه أو في عوضه وكانت من ~~المعاصي التي لا توجب فساد العقد وإبطال السبب المحلل # مثال المعصية في القرائن: البيع في وقت النداء يوم الجمعة والذبح بالسكين ~~المغصوبة والاحتطاب بالقدوم المغصوب PageV02P110 # والبيع على بيع الغير والسوم على سومه فكل نهي ورد في العقود ولم يدل على ms0748 ~~فساد العقد فإن الامتناع من جميع ذلك ورع وإن لم يكن المستفاد بهذه ~~الأساليب محكوما بتحريمه # وتسمية هذا النمط شبهة فيه تسامح لأن الشبهة في غالب الأمر تطلق لإرادة ~~الاشتباه والجهل ولا اشتباه ههنا بل العصيان بالذبح بسكين الغير معلوم وحل ~~الذبيحة أيضا معلوم ولكن قد تشتق الشبهة من المشابهة وتناول الحاصل من هذه ~~الأمور مكروه والكراهة تشبه التحريم فإن أريد بالشبهة هذا فتسمية هذا شبهة ~~له وجه وإلا فينبغي أن يسمى هذا كراهة لا شبهة وإذا عرف المعنى فلا مشاحة ~~في الأسامي فعادة الفقهاء التسامح في الإطلاقات # ثم اعلم أن هذه الكراهة لها ثلاث درجات: الأولى منها تقرب من الحرام ~~والورع عنه مهم والأخيرة تنتهي إلى نوع من المبالغة تكاد تلتحق بورع ~~الموسوسين وبينهما أوساط نازعة إلى الطرفين فالكراهة في صيد كلب مغصوب أشد ~~منها في الذبيحة بسكين مغصوب أو المقتنص بسهم مغصوب إذ الكلب له اختيار وقد ~~اختلف في أن الحاصل به لمالك الكلب أو للصياد ويليه شبه البذر المزروع في ~~الأرض المغصوبة فإن الزرع لمالك البذر ولكن فيه شبهة ولو أثبتنا حق الحبس ~~لمالك الأرض في الزرع لكان كالثمن الحرام ولكن الأقيس أن لا يثبت حق حبس ~~كما لو طحن بطاحونة مغصوبة واقتنص بشبكة مغصوبة إذا لا يتعلق حق صاحب ~~الشبكة في منفعتها بالصيد ويليه الاحتطاب بالقدوم المغصوب ثم ذبحه ملك نفسه ~~بالسكين المغصوب إذ لم يذهب أحد إلى تحريم الذبيحة ويليه البيع في وقت ~~النداء فإنه ضعيف التعلق بمقصود العقد وإن ذهب قوم إلى فساد العقد إذ ليس ~~فيه إلا أنه اشتغل بالبيع عن واجب آخر كان عليه ولو أفسد البيع بمثله لأفسد ~~بيع كل من عليه درهم زكاة أو صلاة فائتة وجوبها على الفور أو في ذمته مظلمة ~~دانق فإن الاشتغال بالبيع مانع له عن القيام بالواجبات فليس للجمعة إلا ~~الوجوب بعد النداء وينجر ذلك إلى أن لا يصح نكاح أولاد الظلمة وكل من في ~~ذمته درهم لأنه اشتغل بقوله عن الفعل الواجب عليه إلا ms0749 من حيث ورد في يوم ~~الجمعة نهي على الخصوص ربما سبق إلى الأفهام خصوصية فيه فتكون الكراهة أشد ~~ولا بأس بالحذر منه ولكن قد ينجر إلى الوسواس حتى يتحرج عن نكاح بنات أرباب ~~المظالم وسائر معاملاتهم # وقد حكي عن بعضهم أنه اشترى شيئا من رجل فسمع أنه اشتراه يوم الجمعة فرده ~~خيفة أن يكون ذلك مما اشتراه وقت النداء وهذا غاية المبالغة أنه رد بالشك # ومثل هذا الوهم في تقدير المناهي أو المفسدات لا ينقطع عن يوم السبت ~~وسائر الأيام والورع حسن والمبالغة فيه أحسن ولكن إلى حد معلوم فقد قال صلى ~~الله عليه وسلم هلك المتنطعون (1) فليحذر من أمثال هذه المبالغات فإنها وإن ~~كانت لا تضر صاحبها ربما أوهم عند الغير أن مثل ذلك مهم ثم يعجز عما هو ~~أيسر منه فيترك أصل الورع وهو مستند أكثر الناس في زماننا هذا إذ ضيق عليهم ~~الطريق فأيسوا عن القيام به فاطرحوه فكما أن الموسوس في الطهارة قد يعجز عن ~~الطهارة فيتركها فكذا بعض الموسوسين في الحلال سبق إلى أوهامهم أن مال ~~الدنيا كله حرام فتوسعوا فتركوا التمييز وهو عين الضلال # وأما مثال اللواحق: فهو كل تصرف يفضي في سياقه إلى معصية وأعلاه بيع ~~العنب من الخمار وبيع الغلام من المعروف بالفجور بالغلمان وبيع السيف من ~~قطاع الطريق # وقد اختلف العلماء في صحة ذلك وفي حل الثمن المأخوذ منه # والأقيس أن ذلك صحيح والمأخوذ حلال والرجل عاص بعقده كما يعصى بالذبح ~~بالسكين المغصوب والذبيحة حلال ولكنه يعصى عصيان الإعانة على المعصية إذ لا ~~يتعلق ذلك بعين العقد فالمأخوذ من هذا مكروه كراهية شديدة وتركه من الورع ~~المهم وليس بحرام ويليه في الرتبة بيع العنب ممن يشرب الخمر ولم يكن خمارا ~~وبيع السيف ممن PageV02P111 # يغزو ويظلم أيضا لأن الاحتمال قد تعارض # وقد كره السلف بيع السيف في وقت الفتنة خيفة أن يشتريه ظالم فهذا ورع فوق ~~الأول والكراهية فيه أخف ويليه ما هو مبالغة ويكاد يلتحق بالوسواس وهو قول ~~جماعة أنه لا ms0750 تجوز معاملة الفلاحين بآلات الحارث لأنهم يستعينون بها على ~~الحراثة ويبيعون الطعام من الظلمة ولا يباع منهم البقر والفدان وآلات الحرث ~~وهذا ورع الوسوسة إذ ينجر إلى أن لا يباع من الفلاح طعام لأنه يتقوى به على ~~الحراثة ولا يسقى من الماء العام لذلك وينتهي هذا حد التنطع المنهي عنه وكل ~~متوجه إلى شيء على قصد خير لا بد وأن يسرف إن لم يذمه العلم المحقق وربما ~~يقدم على ما يكون بدعة في الدين ليستضر الناس بعده بها وهو يظن أنه مشغول ~~بالخير ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى ~~رجل من أصحابي (1) والمتنطعون هم الذين يخشى عليهم أن يكونوا ممن قيل فيهم ~~الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وبالجملة لا ~~ينبغي للإنسان أن يشتغل بدقائق الورع إلا بحضرة عالم متقن فإنه إذا جاوز ما ~~رسم وتصرف بذهنه من غير سماع كان ما يفسده أكثر مما يصلحه وقد روي عن سعد ~~بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه أحرق كرمه خوفا من أن يباع العنب ممن يتخذه ~~خمرا وهذا لا أعرف له وجها إن لم يعرف هو سببا خاصا يوجب الإحراق إذا ما ~~أحرق كرمه ونخله من كان أرفع قدرامنه من الصحابة # ولو جاز هذا لجاز قطع الذكر خيفة من الزنا وقطع اللسان خيفة من الكذب إلى ~~غير ذلك من الإتلافات # وأما المقدمات: فلتطرق المعصية إليها ثلاث درجات: الدرجة العليا التي ~~يشتد الكراهة فيها: ما بقي أثره في المتناول كالأكل من شاة علفت بعلف مغصوب ~~أو رعت في مرعى حرام فإن ذلك معصية وقد كان سببا لبقائها وربما يكون الباقي ~~من دمها ولحمها وأجزائها من ذلك العلف وهذا الورع مهم وإن لم يكن واجبا ~~ونقل ذلك عن جماعة من السلف # وكان لأبي عبد الله الطوسي التروغندي شاة يحملها على رقبته كل يوم إلى ~~الصحراء ويرعاها وهو يصلي وكان يأكل من لبنها فغفل عنها ساعة فتناولت من ~~ورق كرم على ms0751 طرف بستان فتركها في البستان ولم يستحل أخذها # فإن قيل: فقد روي عن عبد الله بن عمر وعبيد الله أنهما اشتريا إبلا ~~فبعثاها إلى الحمى فرعته إبلهما حتى سمنت فقال عمر رضي الله عنه: أرعيتماها ~~في الحمى فقالا: نعم فشاطرهما # وفهذا يدل على أنه رأى اللحم الحاصل من العلف لصاحب العلف فليوجب هذا ~~تحريما # قلنا: ليس كذلك فإن العلف يفسد بالأكل واللحم خلق جديد وليس عين العلف ~~فلا شركة لصاحب العلف شرعا ولكن عمر غرمهما قيمة الكلأ ورأى ذلك مثل شطر ~~الإبل فأخذ الشطر بالاجتهاد كما شاطر سعد بن أبي وقاص ماله لما أن قدم من ~~الكوفة وكذلك شاطر أبا هريرة رضي الله عنه إذ رأى أن كل ذلك لا يستحقه ~~العامل ورأى شطر ذلك كافيا على حق عملهم وقدره بالشطر اجتهادا # الرتبة الوسطى ما نقل عن بشر بن الحارث من امتناعه عن الماء المساق في ~~نهر احتفره الظلمة لأن النهر موصل إليه وقد عصى الله بحفره # وامتنع آخر عن عنب كرم يسقى بماء يجري في نهر حفر ظلما وهو أرفع منه ~~وأبلغ في الورع # وامتنع آخر من الشرب من مصانع السلاطين في الطرق # وأعلى من ذلك امتناع ذي النون من طعام حلال أوصل إليه على يد سجان وقوله: ~~إنه جاءني على يد ظالم ودرجات هذه الرتب لا تنحصر # الرتبة الثالثة وهي قريب من الوسواس والمبالغة أن يمتنع من حلال وصل على ~~يد رجل عصى الله بالزنا أو القذف وليس هو كما لو عصى بأكل PageV02P112 # الحرام فإن الموصل قوته الحاصلة من الغذاء الحرام والزنا والقذف لا يوجب ~~قوة يستعان بها على الحمل بل الامتناع من أخذ حلال وصل على يد كافر وسواس ~~بخلاف أكل الحرام إذ الكفر لا يتعلق بحمل الطعام وينجر هذا إلى أن لا يؤخذ ~~من يد من عصى الله ولو بغيبة أو كذبة وهو غاية التنطع والإسراف فليضبط ما ~~عرف من ورع ذي النون وبشر بالمعصية في السبب الموصل كالنهر وقوة اليد ~~المستفادة بالغذاء الحرام # ولو امتنع ms0752 عن الشرب بالكوز لأن صانع الفخار الذي عمل الكوز كان قد عصى ~~الله يوما بضرب إنسان أو شتمه لكان هذا وسواسا # ولو امتنع من لحم شاة ساقها آكل حرام فهذا أبعد من يد السجان لأن الطعام ~~يسوقه قوة السجان والشاة تمشي بنفسها والسائق يمنعها عن العدول في الطريق ~~فقط فهذا قريب من الوسواس # فانظر كيف تدرجنا في بيان ما تتداعى إليه هذه الأمور # واعلم أن كل هذا خارج عن فتوى علماء الظاهر فإن فتوى الفقيه تختص بالدرجة ~~الأولى التي يمكن تكليف عامة الخلق بها ولو اجتمعوا عليه لم يخرب العالم ~~دون ما عداه من ورع المتقين والصالحين # والفتوى في هذا ما قاله صلى الله عليه وسلم لوابصة إذ قال: استفت قلبك ~~وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك وعرف ذلك إذ قال الإثم حزاز القلوب (1) # وكل ما حاك في صدر المريد من هذه الأسباب فلو أقدم عليه مع حزازة القلب ~~استضربه وأظلم قلبه بقدر الحزازة التي يجدها بل لو أقدم على حرام في علم ~~الله وهو يظن أنه حلال لم يؤثر ذلك في قساواة قلبه ولو أقدم على ما هو حلال ~~في فتوى علماء الظاهر ولكنه يجد حزازة في قلبه فذلك يضره # وإنما الذي ذكرناه في النهي عن المبالغة أردنا به أن القلب الصافي ~~المعتدل هو الذي لا يجد حزاز في مثل تلك الأمور فإن مال قلب موسوس عن ~~الاعتدال ووجد الحزازة فأقدم مع ما يجد في قلبه فذلك يضره لأنه مأخوذ في حق ~~نفسه بينه وبين الله تعالى بفتوى قلبه # وكذلك يشدد على الموسوس في الطهارة ونية الصلاة فإنه إذا غلب على قلبه أن ~~الماء لم يصل إلى جميع أجزائه بثلاث مرات لغلبة الوسوسة عليه فيجب عليه أن ~~يستعمل الرابعة وصار ذلك حكما في حقه وإن كان مخطئا في نفسه أولئك قوم ~~شددوا فشدد الله عليهم ولذلك شدد على قوم موسى عليه السلام لما استقصوا في ~~السؤال عن البقرة ولو أخذوا أولا بعموم لفظ البقرة وكل ما ينطلق عليه الاسم ~~لأجزأهم ذلك ms0753 # فلا تغفل عن هذه الدقائق التي رددناها نفيا وإثباتا فإن من لا يطلع على ~~كنه الكلام ولا يحيط بمجامعه يوشك أن يزل في درك مقاصده # وأما المعصية في العوض فله أيضا درجات الدرجة العليا التي تشتد الكراهة ~~فيها أن يشتري شيئا في الذمة ويقضي ثمنه من غصب أو مال حرام فينظر فإن سلم ~~إليه البائع الطعام قبل قبض الثمن بطيب قلبه فأكله قبل قضاء الثمن فهو حلال ~~وتركه ليس بواجب بالإجماع أعني قبل قضاء الثمن ولا هو أيضا من الورع المؤكد ~~فإن قضى الثمن بعد الأكل من الحرام فكأنه لم يقض الثمن ولو لم يقضه أصلا ~~لكان متقلدا للمظلمة بترك ذمته مرتهنة بالدين ولا ينقلب ذلك حراما # فإن قضى الثمن من الحرام وأبرأه البائع مع العلم بأنه حرام فقد برئت ذمته ~~ولم يبق عليه إلا مظلمة تصرفه في الدراهم الحرام بصرفها إلى البائع وإن ~~أبرأه على ظن أن الثمن حلال فلا تحصل البراءة لأنه يبرئه مما أخذه إبراء ~~استيفاء ولا يصلح ذلك للإيفاء # هذا حكم المشتري والأكل منه وحكم الذمة وإن لم يسلم إليه بطيب قلب ولكن ~~أخذه فأكله حرام سواء أكله قبل توفية الثمن من الحرام أو بعده لأن الذي ~~تومئ الفتوى به ثبوت حق الحبس للبائع حتى يتعين ملكه بإقباض النقد كما تعين ~~ملك المشتري وإنما يبطل حق حبسه إما بالإبراء PageV02P113 # أو الاستيفاء ولم يجر شيء منهما ولكنه أكل ملك نفسه وهو عاص به عصيان ~~الراهن للطعام إذا أكله بغير إذن المرتهن وبينه وبين أكل طعام الغير فرق ~~ولكن أصل التحريم شامل هذا كله إذا قبض قبل توفية الثمن إما بطيبة قلب ~~البائع أو من غير طيبة قلبه # فأما إذا وفى الثمن الحرام أولا ثم قبض فإن كان البائع عالما بأن الثمن ~~حرام ومع هذا أقبض المبيع بطل حق حبسه وبقي له الثمن في ذمته إذ ما أخذه ~~ليس بثمن ولا يصير أكل المبيع حراما بسبب بقاء الثمن فأما إذا لم يعلم أنه ~~حرام وكانت بحيث لو علم ms0754 لما رضي به ولا أقبض المبيع فحق حبسه لا يبطل بهذا ~~التلبيس فأكله حرام تحريم أكله المرهون إلى أن يبرئه أو يوفى من حلال أو ~~يرضى هو بالحرام ويبرئ فيصح إبراؤه ولا يصح رضاه بالحرام فهذا مقتضى الفقه ~~وبيان الحكم في الدرجة الأولى من الحلل والحرمة فأما الامتناع عنه فمن ~~الورع المهم لأن المعصية إذا تمكنت من السبب الموصل إلى الشيء تشتد ~~الكراهية فيه كما سبق وأقوى الأسباب الموصلة الثمن ولولا الثمن الحرام لما ~~رضي الله البائع بتسلميه إليه فرضاه لا يخرجه عن كونه مكروها كراهية شديدة ~~ولكن العدالة لا تنخرم به وتزول به درجة التقوى والورع # ولو اشترى سلطان مثلا ثوبا أو أرضا في الذمة وقبضه برضا البائع قبل توفية ~~الثمن وسلمه إلى فقيه أو غيره صلة أو خلعة وهو شاك في أنه سيقضي ثمنه من ~~الحلال أو الحرام فهذا أخف إذ وقع الشك في تطرق المعصية إلى الثمن وتفاوت ~~خفته بتفاوت كثرة الحرام وقلته في مال ذلك السلطان وما يغلب على الظن فيه ~~وبعضه أشد من بعض والرجوع فيه إلى ما ينقدح في القلب # الرتبة الوسطى أن لا يكون العوض غصبا ولا حراما ولكن يتهيأ لمعصية كما لو ~~سلم عوضا عن الثمن عنبا والآخذ شارب الخمر أو سيفا وهو قاطع طريق فهذا لا ~~يوجب تحريما في مبيع اشتراه في الذمة ولكن يقتضي فيه كراهية دون الكراهية ~~التي في الغصب وتتفاوت درجات هذه الرتبة أيضا بتفاوت غلبة المعصية على قابض ~~الثمن وندوره ومهما كان العوض حراما فبذله حرام وإن احتمل تحريمه ولكن أبيح ~~بظن فبذله مكروه وعليه ينزل عندي النهي عن كسب الحجام وكراهته (1) # إذ نهى عنه عليه السلام مرات ثم أمر بأن يعلف الناضح (2) # وما سبق إلى الوهم من أن سببه مباشرة النجاسة والقذر فاسد إذ يجب طرده في ~~الدباغ والكناس ولا قائل به وإن قيل به فلا يمكن طرده في القصاب إذ كيف ~~يكون كسبه مكروها وهو بدل عن اللحم واللحم في نفسه غير مكروه ومخامرة ~~القصاب ms0755 النجاسة أكثر منه للحجام والفصاد فإن الحجام يأخذ الدم بالمحجمة ~~ويمسحه بالقطنة ولكن السبب أن في الحجامة والفصد تخريب بنية الحيوان ~~وإخراجها لدمه وبه قوام حياته والأصل فيه التحريم وإنما يحل بضرورة وتعلم ~~الحاجة والضرورة بحدس واجتهاد وربما يظن نافعا ويكون ضارا فيكون حراما عند ~~الله تعالى ولكن يحكم بحله بالظن والحدس # ولذلك لا يجوز للفصاد فصد صبي وعبد ومعتوه إلا بإذن وليه وقول طبيب ولولا ~~أنه حلال في الظاهر لما أعطي عليه السلام أجرة الحجام (3) # ولولا أنه يحتمل التحريم لما نهى عنه فلا يمكن الجمع بين إعطائه ونهيه ~~إلا باستنباط هذا المعنى # وهذا كان ينبغي أن نذكره في القرائن المقرونة بالسبب فإنه أقرب إليه # الرتبة السفلى وهي درجة الموسوسين وذلك أن يحلف إنسان على PageV02P114 # أن لا يلبس من غزل أمه فباع غزلها واشترى به ثوبا فهذا لا كراهية فيه ~~والورع عنه وسوسة # وروي عن المغيرة أنه قال في هذه الواقعة: لا يجوز واستشهد بأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الخمور فباعوها وأكلوا ~~أثمانها (1) # وهذا غلط لأن بيع الخمور باطل إذ لم يبق للخمر منفعة في الشرع وثمن البيع ~~الباطل حرام وليس هذا من ذلك بل مثال هذا أن يملك الرجل جارية هي أخته من ~~الرضاع فتباع بجارية أجنبية فليس لأحد أن يتورع منه وتشبيه ذلك ببيع الخمر ~~غاية السرف في هذا الطرف # وقد عرفنا جميع الدرجات وكيفية التدريج فيها وإن كان تفاوت هذه الدرجات ~~لا ينحصر في ثلاث أو أربع ولا في عدد ولكن المقصود من التعديد التقريب ~~والتفهيم # فإن قيل: فقد قال صلى الله عليه وسلم من اشترى ثوبا بعشرة دراهم فيها ~~درهم حرام لم يقبل الله له صلاة ما كان عليه (2) # ثم أدخل ابن عمر أصبعيه في أذنيه وقال: صمتا إن لم أكن سمعته منه قلنا ~~ذلك محمول على ما لو أشترى بعشرة بعينها لا في الذمة وإذا اشترى في الذمة ~~فقد حكمنا بالتحريم في أكثر الصور فليحمل عليها ثم كم ms0756 من ملك يتوعد عليه ~~بمنع قبول الصلاة لمعصية تطرقت إلى سببه وإن لم يدل ذلك على فساد العقد ~~كالمتشري في الوقت النداء وغيره ### |||| المثار الرابع الاختلاف في الأدلة # فإن ذلك كالاختلاف في السبب لأن السبب سبب لحكم الحل والحرمة # والدليل سبب لمعرفة الحل والحرمة فهو السبب في حق المعرفة ولم يثبت في ~~معرفة الغير فلا فائدة لثبوته في نفسه وإن جرى سببه في علم الله وهو إما أن ~~يكون لتعارض أدلة الشرع أو لتعارض العلامات الدالة أو لتعارض التشابه # القسم الأول: أن تتعارض أدلة الشرع مثل تعارض عمومين من القرآن أو السنة ~~أو التعارض قياسين أو تعارض قياس وعموم # وكل ذلك يورث الشك ويرجع فيه إلى الاستصحاب أو الأصل المعلوم قبله إن لم ~~يكن ترجيح فإن ظهر ترجيح في جانب الحظر وجب الأخذ به وإن ظهر في جانب الحل ~~جاز الأخذ به ولكن الورع تركه # واتقاء مواضع الخلاف مهم في الورع في حق المفتي والمقلد وإن كان المقلد ~~يجوز له أن يأخذ بما أفتى له مقلده الذي يظن أنه أفضل علماء بلده ويعرف ذلك ~~بالتسامع كما يعرف أفضل أطباء البلد بالتسامع والقرائن وإن كان لا يحسن ~~الطب # وليس للمستفتي أن ينتقد من المذاهب أوسعها عليه بل عليه أن يبحث حتى يغلب ~~على ظنه الأفضل ثم يتبعه فلا يخالفه أصلا نعم إن أفتى له إمامه بشيء ~~ولإمامه فيه مخالف فالفرار من الخلاف إلى الإجماع من الورع المؤكد وكذا ~~المجتهد إذا تعارضت عنده الأدلة ورجح جانب الحل بحدس وتخمين وظن فالورع له ~~الاجتناب # فلقد كان المفتون يفتون بحل أشياء لا يقدمون عليها قط تورعا منها وحذرا ~~من الشبهة فيها فلنقسم هذا أيضا على ثلاثة مراتب # الرتبة الأولى ما يتأكد الاستحباب في التورع عنه وهو ما يقوى فيه دليل ~~المخالف ويدق وجه ترجيح المذهب الآخر عليه # فمن المهمات التورع عن فريسة الكلب المعلم إذا أكل منها وإن أفتى المفتي ~~بأنه حلال لأن الترجيح فيه غامض وقد اخترنا أن ذلك حرام وهو أقيس قولي ms0757 ~~الشافعي رحمه الله # ومهما وجد للشافعي PageV02P115 # قول جديد موافق لمذهب أبي حنيفة رحمه الله أو غيره من الأئمة كان الورع ~~فيه مهما وإن أفتى المفتي بالقول الآخر # ومن ذلك الورع عن متروك التسمية وإن لم يختلف فيه قول الشافعي رحمه الله ~~لأن الآية ظاهرة في إيجابها والأخبار متواترة فيه فإنه صلى الله عليه وسلم ~~قال لكل من سأله عن الصيد إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت عليه اسم الله فكل ~~(1) # ونقل ذلك على التكرر وقد شهر الذبح بالبسملة (2) # وكل ذلك يقوي دليل الاشتراط ولكن لما صح قوله صلى الله عليه وسلم المؤمن ~~يذبح على اسم الله تعالى سمى أو لم يسم (3) # واحتمل أن يكون هذا عاما موجبا لصرف الآية وسائر الأخبار عن ظواهرها ~~ويحتمل أن يخصص هذا بالناسي ويترك الظواهر ولا تأويل وكان حمله على الناس ~~ممكنا تمهيدا لعذره في ترك التسمية بالنسيان وكان تعميمه وتأويل الآية ~~ممكنا إمكانا أقرب رجحنا ذلك ولا ننكر رفع الاحتمال المقابل له فالورع عن ~~مثل هذا مهم واقع في الدرجة الأولى # الرتبة الثانية وهي مزاحمة لدرجة الوسواس أن يتورع الإنسان عن أكل الجنين ~~الذي يصادف في بطن الحيوان المذبوح وعن الضب # وقد صح في الصحاح من الأخبار حديث الجنين إن ذكاته ذكاة أمه (4) # صحة لا يتطرق احتمال إلى متنه ولا ضعف إلى سنده وكذلك صح أنه أكل الضب ~~على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) # وقد نقل ذلك في الصحيحين # وأظن أن أبا حنيفة لم تبلغه هذه الأحاديث ولو بلغته لقال بها وإن أنصف ~~وإن لم ينصف منصف فيه كان خلافه غلط لا يعتد به ولا يورث شبهة كما لو لم ~~يخالف وعلم الشيء بخبر الواحد # الرتبة الثالثة أن لا يشتهر في المسألة خلاف أصلا ولكن يكون الحل معلوما ~~بخبر الواحد فيقول القائل قد اختلف الناس في خبر الواحد فمنهم من لا يقبله ~~فأنا أتورع # فإن النقلة وإن كانوا عدولا فالغلط جائز عليهم والكذب لغرض خفي جائز ~~عليهم لأن العدل أيضا قد يكذب والوهم ms0758 جائز عليه فإنه قد يسبق إلى سمعهم ~~خلاف ما يقوله القائل وكذا إلى فهمهم فهذا ورع لم ينقل مثله عن الصحابة ~~فيما كانوا يسمعونه من عدل تسكن نفوسهم إليه # وأما إذا تطرقت شبهة بسبب خاص ودلالة معينة في حق الراوي فللتوقف وجه ~~ظاهر وإن كان عدلا # وخلاف من خالف في أخبار الآحاد غير معتد به وهو كخلاف النظام في أصل ~~الإجماع # وقوله إنه ليس بحجة ولو جاز مثل هذا الورع لكان من الورع أن يمتنع ~~الإنسان من أن يأخذ ميراث الجد أبي الأب ويقول ليس في كتاب الله ذكر إلا ~~للبنين وإلحاق ابن الابن بالابن بإجماع الصحابة وهم غير معصومين والغلط ~~عليهم جائز إذ خالف النظام فيه وهذا هوس ويتداعى إلى أن يترك ما علم ~~بعمومات القرآن إذ من المتكلمين من ذهب إلى أن PageV02P116 # العمومات لا صيغ لها وإنما يحتج بما فهمه الصحابة منها بالقرائن ~~والدلالات وكل ذلك وسواس # فإذن لا طرف من أطراف الشبهات إلا وفيها غلو وإسراف فليفهم ذلك # ومهما أشكل أمر من هذه الأمور فليستفت فيه القلب وليدع الورع ما يريبه ~~إلى ما لا يربيه وليترك حزاز القلوب وحكاكات الصدور وذلك يختلف بالأشخاص ~~والوقائع ولكن ينبغي أن يحفظ قلبه عن دواعي الوسواس حتى لا يحكم إلا بالحق ~~فلا ينطوي على حزازة في مظان الوسواس ولا يخلو عن الحزازة في مظان الكراهة ~~وما أعز مثل هذا القلب ولذلك لم يرد عليه السلام كل أحد إلى فتوى القلب ~~وإنما قال ذلك لوابصة لما كان قد عرف من حاله (1) # القسم الثاني: تعارض العلامات الدالة على الحل والحرمة فإنه قد ينهب نوع ~~من المتاع في وقت ويندر وقوع مثله من غير النهب فيرى مثلا في يد رجل من أهل ~~الصلاح فيدل صلاحه على أنه حلال ويدل نوع المتاع وندوره من غير المنهوب على ~~أنه حرام فيتعارض الأمران # وكذلك يخبر عدل أنه حرام وآخر أنه حلال أو تتعارض شهادة فاسقين أو قول ~~صبي وبالغ فإن ظهر ترجيح حكم به والورع الاجتناب وإن ms0759 لم يظهر ترجيح وجب ~~التوقف وسيأتي تفصيله في باب التعرف والبحث والسؤال # القسم الثالث: تعارض الأشباه في الصفات التي تناط بها الأحكام # مثاله أن يوصى بمال للفقهاء فيعلم أن الفاضل في الفقه داخل فيه وأن الذي ~~ابتدأ التعلم من يوم أو شهر لا يدخل فيه وبينهما درجات لا تحصى يقع الشك ~~فيها فالمفتي يفتي بحسب الظن والورع الاجتناب وهذ أغمض مثارات الشبهة فإن ~~فيها صورا يتحير المفتي فيها تحيرا لازما لا حيلة له فيه إذ يكون المتصف ~~بصفة في درجة متوسطة بين الدرجتين المتقابلتين لا يظهر له ميله إلى أحدهما # وكذلك الصدقات المصروفة إلى المحتاجين فإن مما لا شيء له معلوم أنه محتاج ~~ومن له مال كثير معلوم أنه غني ويتصد بينهما مسائل غامضة كمن له دار وأثاث ~~وثياب وكتب فإن قدر الحاجة منه لا يمنع من الصرف إليه والفاضل يمنع والحاجة ~~ليست محدودة وإنما تدرك بالتقريب ويتعدى منه النظر في مقدار سعة الدار ~~وأبنيتها ومقدار قيمتها لكونها في وسط البلد ووقوع الاكتفاء بدار دونها ~~وكذلك في نوع أثاث البيت إذا كان من الصفر لا من الخزف وكذلك في عددها ~~وكذلك في قيمتهما وكذلك فيما لا يحتاج إليه كل يوم وما يحتاج إليه كل سنة ~~من آلات الشتاء وما لا يحتاج إليه إلا في سنين وشيء من ذلك لا حد له # والوجه في هذا ما قاله عليه السلام دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (2) # كل ذلك في محل الريب إن توقف المفتي فلا وجهه إلا التوقف وهو أهم مواقع ~~الورع # وكذلك ما يجب بقدر الكفاية من نفقة الأقارب وكسوة الزوجات وكفاية الفقهاء ~~والعلماء على بيت المال إذ فيه طرفان يعلم أن أحدهما قاصر وأن الآخر زائد ~~وبينهما أمور متشابهة تختلف باختلاف الشخص والحال # والمطلع على الحاجات هو الله تعالى وليس للبشر وقوف على حدودها فما دون ~~الرطل المكي في اليوم قاصر عن كفاية الرجل الضخم وما فوق ثلاثة أرطال زائد ~~على الكفاية وما بينهما لا يتحقق له حد # فليدع ms0760 الورع ما يريبه وهذا جار في كل حكم نيط السبب يعرف ذلك بلفظ العرب ~~إذ العرب وسائر أهل اللغات لم يقدروا متضمنات اللغات بحدود محدودة تنقطع ~~أطرافها عن مقابلاتها كلفظ الستة فإنه لا يحتمل ما دونها وما فوقها من ~~الأعداد وسائر ألفاظ الحساب والتقديرات فليست الألفاظ اللغوية كذلك فلا لفظ ~~في كتاب الله وسنة رسول الله PageV02P117 # صلى الله عليه وسلم إلا ويتطرق الشك إلى أوساط في مقتضياتها تدور بين ~~أطراف متقابلة فتعظم الحاجة إلى هذا الفن في الوصايا والأوقاف على الصوفية ~~مثلامما يصح ومن الداخل تحت موجب هذا اللفظ هذا من الغوامض فكذلك سائر ~~الألفاظ # وسنشير إلى مقتضى لفظ الصوفي على الخصوص ليعلم به طريق التصرف في الألفاظ ~~وإلا فلا مطمع في استيفائها فهذه اشتباهات تثور من علامات متعارضة تجذب إلى ~~طرفين متقابلين وكل ذلك من الشبهات يجب اجتنابها إذا لم يترجح جانب الحل ~~بدلالة تغلب على الظن أو باستصحاب بموجب قوله صلى الله عليه وسلم دع ما ~~يريبك إلى ما لا يريبك وبموجب سائر الأدلة التي سبق ذكرها # فهذه مثارات الشبهات وبعضها أشد من بعض ولو تظاهرت شبهات شتى على شيء ~~واحد كان الأمر أغلظ مثل أن يأخذ طعاما مختلفا فيه عوضا عن عنب باعه من ~~خمار بعد النداء يوم الجمعة والبائع قد خالط ماله حرام وليس هو أكثر ماله ~~ولكنه صار مشتبها به فقد يؤدي ترادف الشبهات إلى أن يشتد الأمر في اقتحامها ~~فهذه مراتب عرفنا طريق الوقوف عليها وليس في قوة البشر حصرها فما اتضح من ~~هذا الشرح أخذ به وما التبس فليجتنب فإن الإثم حزاز القلب # وحيث قضينا باستفتاء القلب أردنا به حيث أباح المفتي أما حيث حرمه فيجب ~~الامتناع # ثم لا يعول على كل قلب فرب موسوس ينفر عن كل شيء ورب شره متساهل يطمئن ~~إلى كل شيء ولا اعتبار بهذين القلبين وإنما الاعتبار بقلب العالم الموفق ~~المراقب لدقائق الأحوال وهو المحك الذي يمتحن به خفايا الأمور وما أعز هذا ~~القلب في القلوب فمن لم ms0761 يثق بقلب نفسه فليلتمس النور من قلب هذه الصفة ~~وليعرض عليه واقعته وجاء في الزبور أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه ~~السلام: قل لبني إسرائيل إني لا أنظر إلى صلاتكم ولا صيامكم ولكن أنظر إلى ~~من شك في شيء فتركه لأجلي فذاك الذي أنظر إليه وأؤيده بنصري وأباهي به ~~ملائكتي ### ||| الباب الثالث: في البحث والسؤال والهجوم والإهمال ومظانها # اعلم أن كل من قدم إليك طعاما أو هدية أو أردت أن تشتري منه أو تتهب فليس ~~لك أن تفتش عنه وتسأل وتقول: هذا مما لا أتحقق حله فلا آخذه بل أفتش عنه # وليس لك أيضا أن تترك البحث فتأخذ كل ما لا تتيقن تحريمه بل السؤال واجب ~~مرة وحرام مرة ومندوب مرة ومكروه مرة فلا بد من تفصيله والقول الشافي فيه ~~هو أن مظنة السؤال مواقع الريبة ومنشأ الريبة ومثارها إما أمر يتعلق بالمال ~~أو يتعلق بصاحب المال ### |||| المثار الأول: أحوال المالك # وله بالإضافة إلى معرفتك ثلاثة أحوال: إما أن يكون مجهولا أو مشكوكا فيه ~~أو معلوما بنوع ظن يستند إلى دلالة # الحالة الأولى: أن يكون مجهولا والمجهول هو الذي ليس معه قرينة تدل على ~~فساده وظلمه كزي الأجناد ولا ما يدل على صلاحه كثياب أهل التصوف والتجارة ~~والعلم وغيرها من العلامات # فإذا دخلت قرية لا تعرفها فرأيت رجلا لا تعرف من حاله شيئا ولا عليه ~~علامة تنسبه إلى أهل صلاح أو أهل فساد فهو مجهول وإذا دخلت بلدة غريبا ~~ودخلت سوقا ووجدت رجلا خبازا أو قصابا أو غيره ولا علامة تدل على كونه ~~مريبا أو خائنا ولا ما يدل على نفيه فهو مجهول ولا يدرى حاله ولا نقول إنه ~~مشكوك فيه لأن الشك عبارة عن اعتقادين متقابلين لهما سببان متقابلان وأكثر ~~الفقهاء لا يدركون الفرق بين ما لا يدري وبين ما يشك فيه وقد عرفت مما سبق ~~أن الورع ترك ما لا يدرى # قال يوسف بن أسباط منذ ثلاثين سنة ما حاك في قلبي شيء إلا تركته # وتكلم جماعة ms0762 في أشق الأعمال PageV02P118 # فقالوا هو الورع فقال لهم حسان بن أبي سنان ما شيء عندي أسهل من الورع ~~إذا حاك في صدري شيء تركته # فهذا شرط الورع وإنما نذكر الآن حكم الظاهر فنقول حكم هذه الحالة أن ~~المجهول إن قدم إليك طعاما أو حمل إليك هدية أو أردت أن تشتري من دكانه ~~شيئا فلا يلزمك السؤال بل يده وكونه مسلما دلالتان كافيتان في الهجوم على ~~أخذه # وليس لك أن تقول الفساد والظلم غالب على الناس فهذه وسوسة وسوء ظن بهذا ~~المسلم بعينه وإن بعض الظن إثم # وهذا المسلم يستحق بإسلامه عليك أن لا تسيء الظن به فإن أسأت الظن به في ~~عينه لأنك رأيت فسادا من غيره فقد جنيت عليه وأثمت به في الحال نقدا من غير ~~شك ولو أخذت المال لكان كونه حراما مشكوكا فيه # ويدل عليه أنا نعلم ان الصحابة رضي الله عنهم في غزواتهم واسفارهم كانوا ~~ينزلون في القرى ولا يردون القرى ويدخلون البلاد ولا يحترزون من الأسواق ~~وكان الحرام أيضا موجودا في زمانهم وما نقل عنهم سؤال إلا عن ريبة إذ كان ~~صلى الله عليه وسلم لا يسأل عن كل ما يحمل إليه بل سأل في أول قدومه إلى ~~المدينة عما يحمل إليه أصدقة أم هدية (1) # لأن قرينة الحال تدل وهو دخول المهاجرين المدينة وهم فقراء فغلب على الظن ~~أن ما يحمل إليهم بطريق الصدقة ثم إسلام المعطي ويده لا يدلان على أنه ليس ~~بصدقة # وكان يدعى إلى الضيافات فيجيب ولا يسأل أصدقة أم لا (2) إذ العادة ما جرت ~~بالتصدق بالضيافة # ولذلك دعته أم سليم (3) # ودعاه الخياط (4) # كما في الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه وقدم إليه طعاما فيه ~~قرع ودعاه الرجل الفارسي فقال عليه الصلاة والسلام أنا وعائشة فقال: لا ~~فقال: {فلا} ثم أجابه بعد فذهب هو وعائشة يتساوقان فقرب إليهما إهالة (5) # ولم ينقل السؤال في شيء من ذلك وسأل أبو بكر رضي الله عنه عبده عن كسبه ~~لما رابه من أمره ms0763 وسأل عمر رضي الله عنه الذي سقاه من لبن إبل الصدقة إذ ~~رابه وكان أعجبه طعمه ولم يكن على ما كان يألفه كل مرة # وهذه أسباب الريبة وكل من وجد ضيافة عند رجل مجهول لم يكن عاصيا بإجابته ~~من غير تفتيش بل لو رأى في داره تجملا ومالا كثيرا فليس له أن يقول الحلال ~~عزيز وهذا كثير فمن أين يجتمع هذا من الحلال بلى هذا الشخص بعينه يحتمل ان ~~يكون ورث مالا أو اكتسبه فهو بعينه يستحق إحسان الظن به وأزيد على هذا ~~وأقول: ليس له أن يسأله بل إن كان يتورع فلا يدخل جوفه إلا ما يدري من أين ~~هو فهو حسن فليتلطف في الترك وإن كان لا بدله من أكله فليأكل بغير سؤال إذ ~~السؤال إيذاء وهتك ستر وإيحاش وهو حرا م بلا شك # فإن قلت لعله لا يتأذى فأقول: لعله يتأذى فأنت تسأل حذرا من لعل فإن قنعت ~~فلعل ماله حلال وليس الإثم المحذور في إيذاء مسلم بأقل من الإثم في أكل ~~الشبهة والحرام والغالب على الناس الاستيحاش بالتفتيش ولا يجوز له أن يسأل ~~من غيره من حيث يدري هو به لأن الإيذاء في ذلك اكثر وإن سأل من حيث لا يدري ~~هو ففيه إساءة ظن وهتك ستر وفيه تجسس وفيه تشبث بالغيبة وإن لم يكن ذلك ~~صريحا # وكل ذلك منهي عنه في آية PageV02P119 # عليه السلام واحدة قال الله تعالى اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ~~ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا وكم زاهد جاهل يوحش القلوب في التفتيش ~~ويتكلم الكلام الخشن المؤذي وإنما يحسن الشيطان ذلك عنده طلبا للشهرة بأكل ~~الحلال ولو كان باعثه محض الدين لكان خوفه على قلب مسلم أن يتأذى أشد من ~~خوفه على بطنه أن يدخله ما لا يدري وهو غير مؤاخذ بما لا يدري إذ لم يكن ثم ~~علامة توجب الاجتناب فليعلم أن طريق الورع الترك دون التجسس وإذا لم يكن بد ~~من الأكل فالورع الأكل وإحسان الظن # هذا ms0764 هو المألوف من الصحابة رضي الله عنهم ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال ~~مبتدع وليس بمتبع فلن يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه ولو انفق ما في الأرض ~~جميعا كيف وقد أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام بريرة فقيل: إنه صدقة ~~فقال: هو لها صدقة ولنا هدية (1) # ولم يسأل على المتصدق عليها فكان مجهولا عنده ولم يمتنع # الح الة الثانية أن يكون مشكوكا فيه بسبب دلالة أورثت ريبة فلنذكر صورة ~~ريبة ثم حكمها # أما الخلقة فبأن يكون على خلقه الأتراك والبوادي والمعروفين بالظلم وقطع ~~الطريق وأن يكون طويل الشارب وأن يكون الشعر مفرقا على رأسه على دأب أهل ~~الفساد # وأما الثياب: فالقباء والقلنسوة وزي أهل الظلم والفساد من الأجناد وغيرهم # وأما الفعل والقول: فهو إن يشاهد منه الإقدام على ما لا يحل فإن ذلك يدل ~~على أنه يتساهل أيضا في المال ويأخذ ما لا يحل فهذه مواضع الريبة # فإذا أراد أن يشتري من مثل هذا شيئا ويأخذ منه هدية أو يجيبه إلى ضيافة ~~وهو غريب مجهول عنده لم يظهر له منه إلا هذه العلامات فيحتمل أن يقال إن ~~اليد تدل على الملك وهذه الدلالات ضعيفة فالإقدام جائز والترك من الورع # ويحتمل أن يقال إن اليد دلالة ضعيفة وقد قابلها مثل هذه الدلالة فأورثت ~~ريبة فالهجوم غير جائز وهو الذي نختاره ونفتي به لقوله صلى الله عليه وسلم ~~دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (2) # فظاهره أمر وإن كان يحتمل الاستحباب لقوله صلى الله عليه وسلم الإثم حزاز ~~القلوب (3) # وهذا له وقع في القلب لا ينكر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل: أصدقة ~~هو أهدية وسأل أبو بكر رضي الله عنه غلامه # وسأل عمر رضي الله عنه # وكل ذلك كان في موضع الريبة وحمله على الورع وإن كان ممكنا ولكن لا يحمل ~~عليه إلا بقياس حكمي والقياس ليس يشهد بتحليل هذا فإن دلالة اليد والإسلام ~~وقد عارضتها هذه الدلالات أورثت ريبة فإذا تقابلا فالاستحلال لا مستند له ms0765 # وإنما لا يترك حكم اليد والاستصحاب بشك لا يستند إلى علامة كما إذا وجدنا ~~الماء متغيرا واحتمل أن يكون بطول المكث فإن رأينا ظبية بالت فيه ثم احتمل ~~أن التغيير به تركنا الاستصحاب وهذا قريب منه # ولكن بين هذه الدلالات تفاوت فإن طول الشوارب ولبس القباء وهيئة الأجناد ~~يدل على الظلم بالمال # أما القول والفعل المخالفان للشرع إن تعلقا بظلم المال فهو أيضا دليل ~~ظاهر كما لو سمعه يأمر بالغصب والظلم أو يعقد عقد الربا # فأما إذا رآه قد شتم غيره في غضبه أو اتبع نظره امرأة مرت به فهذه ~~الدلالة ضعيفة فكم من إنسان يتحرج في طلب المال ولا يكتسب إلا الحلال ومع ~~ذلك فلا يملك نفسه عند هيجان الغضب والشهوة فليتنبه لهذا التفاوت ولا يمكن ~~أن يضبط هذا بحد فليستفت العبد في مثل ذلك قلبه # وأقول إن هذا إن رآه من مجهول فله حكم وإن رآه ممن عرفه بالورع في ~~الطهارة والصلاة وقراءة القرآن فله حكم آخر إذ تعارضت PageV02P120 # الدلالات بالإضافة إلى المال وتساقطنا وعاد الرجل كالمجهول إذ ليست إحدى ~~الدلالتين تناسب المال على الخصوص فكم من متحرج في المال لا يتحرج في غيره ~~وكم من محسن للصلاة والوضوء والقراءة ويأكل من حيث يجد فالحكم في هذه ~~المواقع ما يميل إليه القلب فإن هذا أمر بين العبد وبين الله فلا يبعد أن ~~يناط بسبب خفي لا يطلع عليه إلا هو ورب الأرباب وهو حكم حزازة القلب # ثم ليتنبه لدقيقة أخرى وهو أن هذه الدلالة ينبغي أن تكون بحيث تدل على أن ~~أكثر ماله حرام بأن يكون جنديا أو عامل سلطان أو نائحة أو مغنية فإن دل على ~~أن في ماله حراما قليلا لم يكن السؤال واجبا بل كان السؤال من الورع # الحالة الثالثة أن تكون الحالة معلومة بنوع خبرة وممارسة بحيث يوجب ذلك ~~ظنا في حل المال أو تحريمه مثل أن يعرف صلاح الرجل وديانته وعدالته في ~~الظاهر وجوز أن يكون الباطن بخلافه فههنا لا يجب السؤال ولا ms0766 يجوز كما في ~~المجهول فالأولى الإقدام # والإقدام ههنا أبعد عن الشبهة من الإقدام على طعام المجهول فإن ذلك بعيد ~~عن الورع وإن لم يكن حراما # وأما أكل طعام أهل الصلاح فدأب الأنبياء والأولياء قال صلى الله عليه ~~وسلم لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي (1) # فإما إذا علم بالخبرة أنه جندي أو مغن أو مرب واستغنى عن الاستدلال عليه ~~بالهيئة والشكل والثيابفههنا السؤال واجب لا محالة كما في موضع الريبة بل ~~أولى ### |||| المثار الثاني ما يستند الشك فيه إلى سبب المال لا في حال المالك # وذلك بأن يختلط الحلال بالحرام كما إذا طرح في سوق أحمال من طعام غصب ~~واشتراها أهل السوق فليس يجب على من يشتري في تلك البلدة وذلك السوق أن ~~يسأل عما يشتريه إلا أن يظهر أن أكثر ما في أيديهم حرام فعند ذلك يجب ~~السؤال فإن لم يكن هو الأكثر فالتفتيش من الورع وليس بواجب # والسوق الكبير حكمه حكم بلد والدليل على أنه لا يجب السؤال والتفتيش إذا ~~لم يكن الأغلب الحرام أن الصحابة رضي الله عنهم لم يمتنعوا من الشراء من ~~الأسواق وفيها دراهم الربا وغلول الغنيمة وغيرها وكانوا لا يسألون في كل ~~عقد وإنما السؤال نقل عن آحادهم نادرافي بعض الأحوال وهي محال الريبة في حق ~~ذلك الشخص المعين وكذلك كانوا يأخذون الغنائم من الكفار الذين كانوا قد ~~قاتلوا المسلمين وربما أخذوا أموالهم واحتمل أن يكون في تلك الغنائم شيء ~~مما أخذوه من المسلمين وذلك لا يحل أخذه مجانا بالاتفاق بل يرد على صاحبه ~~عند الشافعي رحمه الله وصاحبه أولى به بالثمن عند أبي حنيفة رحمه الله ولم ~~ينقل قط التفتيش عن هذا وكتب عمر رضي الله عنه إلى أذربيجان إنكم في بلاد ~~تذبح فيها الميتة فانظروا ذكيه من ميته أذن في السؤال وأمر به ولم يأمر ~~بالسؤال عن الدراهم التي هي أثمانها لأن أكثر دراهمهم لم تكن أثمان الجلود ~~وإن كانت هي أيضا تباع وأكثر الجلود كان كذلك وكذلك قال ms0767 ابن مسعود رضي الله ~~عنه إنكم في بلاد أكثر قصابيها المجوس فانظروا الذكي من الميتة فخص بالأكثر ~~الأمر بالسؤال ولا يتضح مقصود هذا الباب إلا بذكر صور وفرض مسائل يكثر ~~وقوعها في العادات فلنفرضها # مسألة شخص معين خالط ماله الحرام مثل أن يباع على دكان طعام مغصوب أو مال ~~منهوب ومثل أن يكون القاضي أو الرئيس أو العامل أو الفقيه الذي له إدرار ~~على سلطان ظالم له أيضا مال موروث ودهقنة أو تجارة أو رجل PageV02P121 # تاجر يعامل بمعاملات صحيحة ويربي أيضا فإن كان الأكثر من ماله حراما لا ~~يجوز الأكل من ضيافته ولا قبول هديته ولا صدقته الا بعد التفتيش فإن ظهر أن ~~المأخوذ من وجه حلال فذاك وإلا ترك وإن كان الحرام أقل والمأخوذ مشتبه فهذا ~~في محل النظر لأنه على رتبة بين الرتبتين إذ قضينا بأنه لو اشتبه ذكية بعشر ~~ميتات مثلا وجب اجتناب الكل وهذا يشبهه من وجه من حيث إن مال الرجل الواحد ~~كالمحصور ولا سيما إذا لم يكن كثير المال مثل السلطان ويخالفه من وجه إذ ~~الميتة يعلم وجودها في الحال يقينا والحرام الذي خالط ماله يحتمل أن يكون ~~قد خرج من يده وليس موجودأ في الحال وإن كان المال قليلا وعلم قطعا أن ~~الحرام موجود في الحال فهو ومسألة اختلاط الميتة واحد وإن كثر المال واحتمل ~~أن يكون الحرام غير موجود في الحال فهذا أخف من ذلك ويشبه من وجه الاختلاط ~~بغير محصور كما في الأسواق والبلاد ولكنه أغلظ منه لاختصاصه بشخص واحد ولا ~~يشك في أن الهجوم عليه بعيد من الورع جدا ولكن النظر في كونه فسقا مناقض ~~للعدالة وهذا من حيث النقل أيضا غامض لتجاذب الأشياء ومن حيث النقل أيضا ~~غامض لأن ما ينقل فيه عن الصحابة من الامتناع في مثل هذا وكذا عن التابعين ~~يمكن حمله على الورع ولا يصادف فيه نص على التحريم وما ينقل من إقدام على ~~الأكل كأكل أبي هريرة رضي الله عنه طعام معاوية مثلا إن قدر ms0768 في جملة ما في ~~يده حرام فذلك أيضا يحتمل أن يكون إقدامه بعد التفتيش واستبانة أن عين ما ~~يأكله من وجه مباح فالأفعال في هذا ضعيفة الدلالة ومذاهب العلماء المتأخرين ~~مختلفة حتى قال بعضهم لو أعطاني السلطان شيئا لأخذته وطرد الإباحة فيما إذا ~~كان الأكثر أيضا حراما مهما لم يعرف عين المأخوذ واحتمل أن يكون حلالا ~~واستدل بأخذ بعض السلف جوائز السلاطين كما سيأتي في باب بيان أموال ~~السلاطين فأما إذا كان الحرام هو الأقل واحتمل أن لا يكون موجودا في الحال ~~لم يكن الأكل حراما وإن تحقق وجوده في الحال كما في مسألة اشتباه الذكية ~~بالميتة فهذا مما لا أدري ما أقول فيه وهو من المتشابهات التي يتحير المفتي ~~فيها لأنها مترددة بين مشابهة المحصور وغير المحصور والرضيعة إذا اشتبهت ~~بقرية فيها عشر نسوة وجب الاجتناب وإن كانت ببلدة فيها عشرة آلاف لم يجب ~~وبينهما أعداد ولو سئلت عنها لكنت لا أدري ما أقول فيها ولقد توقف العلماء ~~في مسائل هي أوضح من هذه إذ سئل أحمد بن حنبل رحمة الله عن رجل رمى صيدا ~~فوقع في ملك غيره أيكون الصيد للرامي أو لمالك الأرض فقال لا أدري فروجع ~~فيه مرات فقال لا أدري وكثيرا من ذلك حكيناه عن السلف في كتاب العلم فليقطع ~~المفتي طمعه عن درك الحكم في جميع الصور وقد سأل ابن المبارك صاحبه من ~~البصرة عن معاملته قوما يعاملون السلاطين فقال إن لم يعاملوا سوى السلطان ~~فلا تعاملهم وإن عاملوا السلطان وغيره فعاملهم وهذا يدل على المسامحة في ~~الأقل ويحتمل المسامحة في الأكثر أيضا وبالجملة فلم ينقل عن الصحابة أنهم ~~كانوا يهجرون بالكلية معاملة القصاب والخباز والتاجر لتعاطيه عقدا واحدا ~~فاسدا أو لمعاملة السلطان مرة وتقدير ذلك فيه بعد والمسألة مشكلة في نفسها # فإن قيل فقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه رخص فيه وقال خذ ما ~~يعطيك السلطان فإنما يعطيك من الحلال وما يأخذ من الحلال أكثر من الحرام ~~وسئل ms0769 ابن مسعود رضي الله عنه ذلك فقال له السائل إن لي جارا لا أعلمه إلا ~~خبيثا يدعونا أو نحتاج فنستسلفه فقال إذا دعاك فأجبه وإذا احتجت فاستسلفه ~~فإن لك المهنأ وعليه المأثم وأفتي سلمان بمثل ذلك وقد علل علي الكثرة وعلل ~~ابن مسعود رضي الله عنه بطريق الإشارة بأن عليه المأثم لأنه يعرفه ولك ~~المهنأ أي أنت # لا تعرفه وروي أنه قال رجل لابن مسعود PageV02P122 # رضي الله عنه أن لي جارا يأكل الربا فيدعونا إلى طعامه أفنأتيه فقال نعم # وروي في ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه روايات كثيرة مختلفة وأخذ الشافعي ~~ومالك رضي الله عنهما جوائز الخلفاء والسلاطين مع العلم بأنه قد خالط مالهم ~~الحرام قلنا أما ما روي عن علي رضي الله عنه فقد اشتهر من ورعه ما يدل على ~~خلاف ذلك فإنه كان يمتنع من مال بيت المال حتى يبيع سيفه ولا يكون له إلا ~~قميص واحد في وقت واحد في وقت الغسل لا يجد غيره ولست أنكر أن رخصته صريح ~~في الجواز وفعله محتمل للورع ولكنه لو صح فمال السلطان له حكم آخر فإنه ~~بحكم كثرته يكاد يلتحق بما لا يحصر وسيأتي بيان ذلك وكذا فعل الشافعي ومالك ~~رضي الله عنهما متعلق بمال السلطان وسيأتي حكمه وإنما كلامنا في آحاد الخلق ~~وأموالهم قريبة من الحصر وأما قول ابن مسعود رضي الله عنه فقيل إنه إنما ~~نقله خوات التيمي وإنه ضعيف الحفظ والمشهور عنه ما يدل على توفي الشبهات إذ ~~قال لا يقولن أحدكم أخاف وأرجو فإن الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور ~~مشتبهات فدع مايريبك إلى ما لا يريبك وقال اجتنبوا الحكاكات ففيها الإثم ~~فإن قيل فلم قلتم إذا كان الأكثر حراما لم يجز الأخذ مع أن المأخوذ ليس فيه ~~علامة تدل على تحريمه على الخصوص واليد علامة على الملك حتى أن من سرق مال ~~مثل هذا الرجل قطعت يده والكثرة توجب ظنا مرسلا لا يتعلق بالعين فليكن ~~كغالب الظن في طين الشوارع وغالب ms0770 الظن في الاختلاط بغير محصور إذا كان ~~الأكثر هو الحرام ولايجوز أن يستدل على هذا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم ~~دع مايريبك إلى ما لا يريبك لأنه مخصوص ببعض المواضع بالاتفاق وهو أن يريبه ~~بعلامة في عين الملك بدليل اختلاط القليل بغير المحصور فإن ذلك يوجب ريبة ~~ومع ذلك قطعتم بأنه لا يحرم فالجواب إن اليد دلالة ضعيفة كالاستصحاب وإنما ~~تؤثر إذا سلمت عن معارض قوي # فإذا تحققنا الاختلاط وتحققنا إن الحرام المخالط موجود في الحال والمال ~~غير خال عنه وتحققنا أن الأكثر هو الحرام وذلك في حق شخص معين يقرب ماله من ~~الحصر ظهر وجوب الإعراض عن مقتضى اليد وإن لم يحمل عليه قوله عليه السلام ~~دع مايريبك إلى ما لا يريبك لا يبقى له محمل إذ لا يمكن أن يحمل على اختلاط ~~قليل بحلال غير محصور إذ كان ذلك موجودا في زمانه وكان لا يدعه وعلى أي ~~موضع حمل هذا كان هذا في معناه # وحمله على التنزيه صرف له عن ظاهره بغير قياس فإن تحريم هذا غير بعيد عن ~~قياس العلامات والاستصحاب وللكثرة تأثير في تحقيق الظن وكذا للحصر وقد ~~اجتمعا حتى قال أبو حنيفة رضي الله عنه لا تجتهد في الأواني إلا إذا كان ~~الطاهر هو الأكثر فاشترط اجتماع الاستصحاب والاجتهاد بالعلامة وقوة الكثرة ~~ومن قال يأخذ أي آنية أراد بلا اجتهاد بناء على مجرد الاستصحاب فيجوز الشرب ~~أيضا فيلزمه التجويز ههنا بمجرد علامة اليد ولا يجري ذلك في بول اشتبه بماء ~~إذ لا استصحاب فيه ولا نطرده أيضا في ميتة اشتبهت بذكية إذ لا استصحاب في ~~الميتة واليد لا تدل على أنه غير ميتة وتدل في الطعام المباح على أنه ملك ~~فههنا أربع متعلقات استصحاب وقلة في المخلوط أو كثرة وانحصار أو اتساع في ~~المخلوط وعلامة خاصة في عين الشيء يتعلق بها الاجتهاد فمن يغفل عن مجموع ~~الأربعة ربما يغلط فيشبه بعض المسائل بما لايشبهه فحصل مما ذكرناه ان ~~المختلط في ملك شخص واحد إما ms0771 أن يكون الحرام أكثره أو اقله وكل واحد إما أن ~~يعلم بيقين أو بظن عن علامة أو توهم فالسؤال يجب في موضعين وهو أن يكون ~~الحرام أكثر يقينا أو ظنا كما لو رأى تركيا مجهولا يحتمل أن يكون كل ماله ~~من غنيمة وإن كان الأقل معلوما باليقين فهو محل التوقف وتكاد تسير سير أكثر ~~السلف وضرورة الأحوال إلى الميل إلى الرخصة وأما الأقسام الثلاثة الباقية PageV02P123 # فالسؤال واجب فيها أصلا مسألة إذا حضر طعام إنسان علم أنه دخل في يده ~~حرام من إدرار كان قد أخذه أو وجه آخر ولا يدري أنه بقي إلى الآن أم لا قله ~~الأكل ولايلزمه التفتيش وإنما التفتيش فيه من الورع ولو علم أنه قد بقي منه ~~شيء ولكن لم يدر أنه الأ قل أو الأكثر فله أن يأخذ بأنه الأقل وقد سبق أن ~~أمر الأقل مشكل وهذا يقرب منه مسألة إذا كان يد المتولى للخيرات أو الأوقاف ~~أو الوصايا مالان يستحق هو أحدهما ولا يستحق الثاني لأنه غير موصوف بتلك ~~الصفة فهل له أن يأخذ ما يسلمه إليه صاحب الوقف نظرفإن كانت تلك الصفة ~~ظاهرة يعرفها المتولي وكان المتولي ظاهر العدالة فله أن يأخذ بغير بحث لأن ~~الظن بالمتولي أنه لا يصرف إليه ما يصرفه إلا من المال الذي يستحقه وإن ~~كانت الصفة خفية وإن كان المتولي ممن عرف حاله أنه يخلط ولا يبالي كيف يفعل ~~فعليه السؤال إذ ليس ههنا يد ولا استصحاب يعول عليه وهو وزان سؤال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الصدقة والهدية عند تردده فيهما لأن اليد لا ~~تخصص الهدية عن الصدقة ولا الاستصحاب فلا ينجي منه إلا السؤال فإن السؤال ~~حيث أسقطناه في المجهول أسقطناه بعلامة اليد والإسلام حتى لو لم يعلم أنه ~~مسلم وأراد أن يأخذ من يده لحما من ذبيحته واحتمل أن يكون مجوسيا لم يجر له ~~ما لم يعرف أنه مسلم إذ اليد لا تدل في الميتة ولا الصورة تدل على الإسلام ~~إلا إذا كان ms0772 أكثر أهل البلدة مسلمين فيجوز أن يظن بالذي ليس عليه علامة ~~الكفر أنه مسلم وإن كان الخطأ ممكنا فيه فلا ينبغي أن تلتبس المواضع التي ~~تشهد فيها اليد والحال بالتي لا تشهد # مسألة له أن يشتري في البلد دارا وإن علم أنها تشتمل على دور مغصوبة لأن ~~ذلك الاختلاط بغير محصور ولكن السؤال احتياط وورع وإن كان في سكة عشر دور ~~مثلا إحداها مغصوب أو وقف لم يجز الشراء ما لم يتميز ويجب البحث عنه ومن ~~دخل بلدة وفيها رباطات خصص بوقفها أرباب المذاهب وهو على مذهب واحد من جملة ~~تلك المذاهب فليس له أن يسكن أيها شاء ويأكل من وقفها بغير سؤال لأن ذلك من ~~باب اختلاط المحصور فلا بد من التمييز ولا يجوز الهجوم مع الإبهام لأن ~~الرباطات والمدارس في البلد لابد أن تكون محصورة # مسألة حيث جعلنا السؤال من الورع فليس له أن يسأل صاحب الطعام والمال إذا ~~لم يأمن غضبه وإنما أوجبنا السؤال إذا تحقق أن أكثر ماله حرام وعند ذلك لا ~~يبالي بغضب مثله إذ يجب إيذاء الظالم بأكثر من ذلك والغالب أن مثل هذا لا ~~يغضب من السؤال نعم إن كان يأخذ من يد وكيله أو غلامه أو تلميذه أو بعض ~~أهله ممن هو تحت رعايته فله أن يسأل مهما استراب لأنهم لا يغضبون من سؤاله ~~ولأن عليه أن يسأل ليعلمهم طريق الحلال ولذلك سأل أبو بكر رضي الله عنه ~~غلامه وسأل عمر من سقاه من إبل الصدقة وسأل أبا هريرة رضي الله عنه أيضا ~~لما أن قدم عليه بمال كثير فقال ويحك أكل هذا طيب من حيث إنه تعجب من كثرته ~~وكان هو من رعيته لا سيما وقد رفق في صيغة السؤال وكذك قال علي رضي الله ~~عنه ليس شيء أحب إلى الله تعالى من عدل إمام ورفقه ولا شيء أبغض إليه من ~~جوره وخرقه # مسألة قال الحارث المحاسبي رحمه الله لو كان له صديق أو أخ وهو يأمن غضبه ~~لو سأله فلا ms0773 ينبغي أن يسأله لأجل الورع لأنه ربما يبدو له ما كان مستورا ~~عنه فيكون قد حمله على هتك الستر ثم يؤدي ذلك إلى البغضاء وما ذكره حسن لأن ~~السؤال إذا كان من الورع لا من الوجوب فالورع في مثل هذه الأمور الاحتراز ~~عن هتك الستر وإثارة البغضاء أهم وزاد على هذا فقال وإن رابه منه شيء أيضا ~~لم يسأله ويظن به أنه يطعمه من الطيب PageV02P124 # ويجنبه الخبيث فإن كان لا يطمئن قلبه إليه فيحترز متلطفا ولا يهتك ستره ~~بالسؤال قال لأني لم أر أحدا من العلماء فعله فهذا منه مع ما اشتهر به من ~~الزهد يدل على مسامحة فيما إذا خالط المال الحرام القليل ولكن ذلك عند ~~التوهم لا عند التحقيق لأن لفظ الريبة يدل على التوهم بدلالة تدل عليه ولا ~~يوجب اليقين فليراع هذه الدقائق بالسؤال # مسألة ربما يقول القائل أي فائدة في السؤال ممن بعض ماله حرام ومن يستحل ~~المال الحرام ربما يكذب فإن وثق بأمانته فليثق بديانته في الحلال فأقول ~~مهما علم مخالطة الحرام لمال إنسان وكان له غرض في حضورك ضيافته أو قبولك ~~هديته فلا تحصل الثقة بقوله فلا فائدة للسؤال منه فينبغي أن يسأل من غيره ~~وكذا إن كان بياعا وهو يرغب في البيع لطلب الربح فلا تحصل الثقة بقوله إنه ~~حلال ولا فائدة في السؤال منه وإنما يسأل من غيره وإنما يسأل من صاحب اليد ~~إذا لم يكن متهما كما يسأل المتولي على المال الذي يسلمه أنه من أي جهة ~~وكما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهدية والصدقة فإن ذلك لا يؤذي ~~ولا يتهم القائل فيه وكذلك إذا اتهمه بأنه ليس يدري طريق كسب الحلال فلا ~~يتهم في قوله إذا أخبر عن طريق صحيح وكذلك يسأل عبده وخادمه ليعرف طريق ~~اكتسابه فههنا يفيد السؤال فإذا كان صاحب المال متهما فليسأل من غيره فإذا ~~أخبره عدل واحد قبله وإن أخبره فاسق يعلم من قرينة حاله أنه لا يكذب حيث لا ~~غرض له ms0774 فيه جاز قبوله لأن هذا أمر بينه وبين الله تعالى والمطلوب ثقة النفس ~~وقد يحصل من الثقة بقول الفاسق ما لا يحصل بقول عدل في بعض الأحوال وليس كل ~~من فسق يكذب ولا كل من ترى العدالة في ظاهره يصدق وإنما نيطت الشهادة ~~بالعدالة الظاهرة لضرورة الحكم فإن البواطن لا يطلع عليها وقد قبل أبو ~~حنيفة رحمه الله شهادة الفاسق وكم من شخص تعرفه وتعرف أنه قد يقتحم المعاصي ~~ثم إذا أخبرك بشيء وثقت به وكذلك إذا أخبر به صبي مميز ممن عرفته بالتثبت ~~فقد تحصل الثقة بقوله فيحل الاعتماد عليه فأما إذا أخبر به مجهول لا يدري ~~من حاله شيء أصلا فهذا ممن جوزنا الأكل من يده لأن يده دلالة ظاهرة على ~~ملكه # وربما يقال إسلامه دلالة ظاهرة على صدقه وهذا فيه نظر ولا يخلو قوله عن ~~أثر ما في النفس حتى لو اجتمع منهم جماعة تفيد ظنا قويأ إلا أن أثر الواحد ~~فيه في غاية الضعف فلينظر إلى حد تأثيره في القلب فإن المفتي هو القلب في ~~مثل هذا الموضع وللقلب التفاتات إلى قرائن خفية يضيق عنها نطاق النطق ~~فليتأمل فيه ويدل على وجوب الالتفات إليه ما روي عن عقبة بن الحارث أنه جاء ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني تزوجت امرأة فجاءت أمة سوداء ~~فزعمت أنها قد أرضعتنا وهي كاذبة فقال دعها فقال إنها سوداء يصغر من شأنها ~~فقال عليه السلام فكيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما لا خير لك فيها دعها عنك ~~(1) # وفي لفظ آخر كيف وقد قيل ومهما لم يعلم كذب المجهول ولم تظهر أمارة غرض ~~له فيه كان له وقع في القلب لا محالة فلذلك يتأكد الأمر بالاحتراز فإن ~~اطمأن إليه القلب كان الاحتراز حتما واجبا # مسألة حيث يجب السؤال فلو تعارض قول عدلين تساقطا وكذا قول فاسقين ويجوز ~~أن يترجح في قلبه قول أحد العدلين أو أحد الفاسقين ويجوز أن يرجح أحد ~~الجانبين بالكثرة أو بالاختصاص بالخبرة والمعرفة وذلك مما ms0775 يتشعب تصويره # مسألة لو نهب متاع مخصوص فصادف من ذلك النوع متاعا في يد إنسان وأراد أن ~~يشتريه واحتمل أن لا يكون PageV02P125 # من المغصوب فإن كان ذلك الشخص ممن عرفه بالصلاح جاز الشراء وكان تركه من ~~الورع وإن كان الرجل مجهولا لا يعرف منه شيئا فإن كان يكثر نوع ذلك المتاع ~~من غير المغصوب فله أن يشتري وإن كان لا يوجد ذلك المتاع في تلك البقعة إلا ~~نادرا وإنما كثر بسبب الغصب فليس بدل على الحل إلا اليد وقد عارضته علامة ~~خاصة من شكل المتاع ونوعه فالامتناع عن شرائه من الورع المهم ولكن الوجوب ~~فيه نظر فإن العلامة متعارضة ولست أقدر على أن أحكم فيه بحكم إلا أرده إلى ~~قلب المستفتي لينظر ما الأقوى في نفسه فإن كان الأقوى أنه مغصوب لزمه تركه ~~وإلا حل له شراؤه وأكثر هذه الوقائع يلتبس الأمر فيها فهي من المتشابهات ~~التي لا يعرفها كثير الناس فمن توقاها فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن اقتحمها ~~فقد حام حول الحمى وخاطر بنفسه # مسألة لو قال قائل قد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبن قدم إليه ~~فذكر أنه من شاة فسأل عن الشاة من أين هي فذكر له فسكت عن السؤال (1) فيجب ~~السؤال عن أصل المال أم لا وإن وجب فعن أصل واحد أو اثنين أو ثلاثة وما ~~الضبط فيه فأقول لا ضبط فيه ولا تقدير بل ينظر إلى الريبة المقتضية للسؤال ~~إما وجوبا أو ورعا ولا غاية للسؤال إلا حيث تنقطع الريبة المقتضية له وذلك ~~يختلف باختلاف الأحوال فإن كانت التهمة من حيث لا يدري صاحب اليد كيف طريق ~~الكسب الحلال فإن قال اشتريت انقطع بسؤال واحد وإن قال من شاتي وقع الشك في ~~الشاة فإذا قال اشتريت انقطع وإن كانت الريبة من الظلم وذلك مما في أيدي ~~العرب ويتوالد في أيديهم المغصوب فلا تنقطع الريبة بقوله إنه من شاتي ولا ~~بقوله إن الشاة ولدتها شاتي فإن أسنده إلى الوراثة من أبيه وحالة أبيه ms0776 ~~مجهولة انقطع السؤال وإن كان يعلم أن جميع مال أبيه حرام فقد ظهر التحريم ~~وإن كان يعلم أن أكثره حرام فبكثرة التوالد وطول الزمان وتطرق الإرث إليه ~~لا يغير حكمه فلينظر في هذه المعاني # مسألة سئلت عن جماعة من سكان خانقاه الصوفية وفي يد خادمهم الذي يقدم ~~إليهم الطعام وقف على ذلك المسكن ووقف آخر على جهة أخرى غير هؤلاء وهو يخلط ~~الكل وينفق على هؤلاء وهؤلاء فأكل طعامه حلال أو حرام أو شبهة فقلت إن هذا ~~يلتفت إلى سبعة أصول # الأصل الأول أن الطعام الذي يقدم إليهم في الغالب يشتريه بالمعاطاة والذي ~~اخترناه صحة المعاطاة لا سيما في الأطعمة والمستحقرات فليس في هذا إلا شبهة ~~الخلاف # الأصل الثاني أن ينظر أن الخادم هل يشتريه بعين المال الحرام أو في الذمة ~~فإن اشتراه بعين المال الحرام فهو حرام وإن لم يعرف فالغالب أنه يشتري في ~~الذمة ويجوز الأخذ بالغالب ولا ينشأ من هذا تحريم بل شبهة احتمال بعيد وهو ~~شراؤه بعين مال حرام # الأصل الثالث أنه من أين يشتريه فإن اشترى ممن أكثر ماله حرام لم يجز وإن ~~كان أقل ماله ففيه نظر قد سبق وإذا لم يعرف جاز له الأخذ بأنه يشتريه ممن ~~ماله حلال أو ممن لا يدري المشتري حاله بيقين كالمجهول وقد سبق جواز الشراء ~~من المجهول لأن ذلك هو الغالب فلا ينشأ من هذا تحريم بل شبهة احتمال # الأصل الرابع أن يشتريه لنفسه أو للقوم فإن المتولي والخادم كالنائب وله ~~أن يشتري له ولنفسه ولكن يكون ذلك بالنية أو صريح اللفظ وإذا كان الشراء ~~يجري بالمعاطاة فلا يجري اللفظ والغالب أنه لا ينوي عند المعاطاة والقصاب ~~والخباز ومن يعامله يعول عليه ويقصد البيع منه لا ممن لا يحضرون فيقع عن ~~جبهته ويدخل في ملكه وهذا الأصل ليس فيه تحريم ولا شبهة ولكن يثبت أنهم ~~يأكلون من ملك الخادم PageV02P126 # الأصل الخامس أن الخادم يقدم الطعام إليهم فلا يمكن أن يجعل ضيافة وهدية ~~بغير عوض فإنه لا يرضى ms0777 بذلك وإنما يقدم اعتمادا على عوضه من الوقف فهو ~~معاوضة ولكن ليس ببيع ولا إقراض لأنه لو انتهض لمطالبتهم بالثمن استبعد ذلك ~~وقرينة الحال لا تدل عليه فأشبه أصل ينزل عليه هذه الحالة الهبة بشرط ~~الثواب أعني هدية لا لفظ فيها من شخص تقتضي قرينة حاله أنه يطمع في ثواب ~~وذلك صحيح والثواب لازم وههنا ما طمع الخادم في أن يأخذ ثوابا فيما قدمه ~~إلا حقهم من الوقف ليقضي به دينه من الخباز والقصاب والبقال فهذا ليس فيه ~~شبهة إذ لا يشترط لفظ في الهدية ولا في تقديم الطعام وإن كان مع انتظار ~~الثواب ولا مبالاة بقول من لا يصحح هدية في انتظار ثواب # الأصل السادس أن الثواب الذي يلزم فيه خلاف فقيل إنه أقل متمول وقيل قدر ~~القيمة وقيل ما يرضى به الواهب حتى له أن لا يرضى بأضعاف القيمة والصحيح ~~أنه يتبع رضاه فإذا لم يرض يرد عليه وههنا الخادم قد رضي بما يأخذ من حق ~~السكان على الوقف فإن كان لهم من الحق بقدر ما أكلوه فقد تم الأمر وإن كان ~~ناقصا ورضي به الخادم صح أيضا وإن علم أن الخادم لا يرضى لولا أن في يده ~~الوقف الآخر الذي يأخذه بقوة هؤلاء السكان فكأنه رضي في الثواب بمقدار بعضه ~~حلال وبعضه حرام والحرام لم يدخل في أيدي السكان فهذا كالخلل المتطرق إلى ~~الثمن وقد ذكرنا حكمه من قبل وأنه متى يقتضي التحريم ومتى يقتضي الشبهة ~~وهذا لا يقتضي تحريما على ما فصلناه فلا تنقلب الهدية حراما يتوصل المهدي ~~بسبب الهدية إلى حرام # الأصل السابع أنه يقضي دين الخباز والقصاب والبقال من ريع الواقفين فإن ~~وفى ما أخذ من حقهم بقيمة ما أطعمهم فقد صح الأمر وإن قصر عنه فرضي القصاب ~~والخباز بأي ثمن كان حراما أو حلالا فهذا خلل تطرق إلى ثمن الطعام أيضا ~~فليلتفت إلى ما قدمنا من الشراء في الذمة ثم قضاء الثمن من الحرام هذا إذا ~~علم أنه قضاه من حرام فإن احتمل ms0778 ذلك واحتمل غيره فالشبهة أبعدوقد خرج من ~~هذا أن أكل هذا ليس بحرام ولكنه أكل شبهة وهو بعيد من الورع لأن هذه الأصول ~~إذا كثرت وتطرق إلى كل واحد احتمال صار احتمال الحرام بكثرته أقوى في النفس ~~كما أن الخبر إذا طال إسناده صار احتمال الكذب والغلط فيه أقوى مما إذا قرب ~~إسناده فهذا حكم هذه الواقعة وهي من الفتاوى وإنما أوردناها ليعرف كيفية ~~تخريج الوقائع الملتفة الملتبسة وأنها كيف ترد إلى الأصول فإن ذلك مما يعجز ~~عنه أكثر المفتين ### ||| الباب الرابع في كيفة خروج التائب عن المظالم المالية # اعلم أن من تاب وفي يده مختلط فعليه وظيفة في تمييز الحرام وإخراجه ~~ووظيفة أخرى في مصرف المخرج فلينظر فيهم ### |||| ا النظر الأول في كيفية التمييز ~~والإخراج اعلم أن كل من تاب وفي يده ما هو حرام معلوم العين من غصب أو ~~وديعة أو غيره فأمره سهل فعليه تمييز الحرام وإن كان ملتبسا مختلطا فلا ~~يخلو إما أن يكون في مال هو من ذوات الأمثال كالحبوب والنقود والأدهان وإما ~~أن يكون في أعيان متمايزة كالعبيد والدور والثياب # فإن كان في المتماثلات أو كان شائعا في كله كمن اكتسب المال بتجارة يعلم ~~أنه قد كذب في بعضها في المرابحة وصدق في بعضها أو من غصب دهنا وخلطه بدهن ~~نفسه أو فعل ذلك في الحبوب أوالدراهم والدنانير فلا يخلو ذلك إما أن يكون ~~معلوم القدر أو مجهولا فإن كان معلوم القدر PageV02P127 # مثل أن يعلم أن قدر النصف من جملة ماله حرام فعليه تمييز النصف وإن شكل ~~فله طريقان أحدهما الأخذ باليقين والآخر الأخذ بغالب الظن وكلاهما قد قال ~~به العلماء في اشتباه ركعات الصلاة ونحن لا نجوز في الصلاة إلا الأخذ ~~باليقين فإن الأصل اشتغال الذمة فيستصحب ولا يغير إلا بعلامة قوية وليس في ~~أعداد الركعات علامات يوثق بها وأما ههنا فلا يمكن أن يقال الأصل أن ما في ~~يده حرام بل هو مشكل فيجوز له الأخذ بغالب الظن اجتهادا ولكن الورع في ms0779 ~~الأخذ باليقين فإن أراد الورع فطريق التحري والاجتهاد أن لا يستبقي إلا ~~القدر الذي يتيقن أنه حلال وإن أراد الأخذ بالظن فطريقه مثلا أن يكون في ~~يده مال تجارة فسد بعضها فيتيقن أن النصف حلال وأن الثلث مثلا حرام ويبقى ~~سدس يشك فيه فيحكم فيه بغالب الظن وهكذا طريق التحري في كل مال وهو أن ~~يقتطع القدر المتيقن من الجانبين في الحل والحرمة والقدر المتردد فيه إن ~~غلب على ظنه التحريم أخرجه وإن غلب الحل جاز له الإمساك والورع إخراجه وإن ~~شك فيه جاز الإمساك والورع إخراجه وهذا الورع آكد لأنه صار مشكوكا فيه وجاز ~~إمساكه اعتمادا على أنه في يده فيكون الحل أغلب عليه وقد صار ضعيفا بعد ~~يقين اختلاط الحرام ويحتمل أن يقال الأصل التحريم ولا يأخذ إلا ما يغلب على ~~ظنه أنه حلال وليس أحد الجانبين بأولى من الآخر وليس يتبين لي في الحال ~~ترجيح وهو من المشكلات # فإن قيل هب أنه أخذ باليقين لكن الذي يخرجه ليس يدري أنه عين الحرام فلعل ~~الحرام ما بقي في يده فكيف يقدم عليه ولو جاز هذا لجاز أن يقال إذا اختلطت ~~ميتة بتسع مذكاة فهي العشر فله أن يطرح واحدة أي واحدة كانت ويأخذ الباقي ~~ويستحله ولكن يقال لعل الميتة فيما استبقاه بل لو طرح التسع واستبقى واحدة ~~لم تحل لاحتمال أنها الحرام فنقول هذه الموازنة كانت تصح لولا أن المال يحل ~~بإخراج البدل لتطرق المعاوضة إليه وأما الميتة فلا تتطرق المعاوضة إليها ~~فليكشف الغطاء عن هذا الأشكال بالفرض في درهم معين اشتبه بدرهم آخر فيمن له ~~درهمان أحدهما حرام قد اشتبه عينه وقد سئل أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن ~~مثل هذا فقال يدع الكل حتى يتبين وكان قد رهن آنية فلما قضى الدين حمل إليه ~~المرتهن آنيتين وقال لا أدري أيتهما آنيتك فتركهما فقال المرتهن هذا الذي ~~هو لك وإنما كنت أختبرك فقضى دينه ولم يأخذ الرهن وهذا ورع ولكنا نقول إنه ~~غير واجب فلنفرض المسألة ms0780 في درهم له مالك معين حاضر فنقول إذا رد أحد ~~الدرهمين عليه ورضي به مع العلم بحقيقة الحال حل له الدرهم الآخر لأنه لا ~~يخلو إما أن يكون المردود في علم الله هو المأخوذ فقد حصل المقصود وإن كان ~~غير ذلك فقد حصل لكل واحد درهم في يد صاحبه فالاحتياط أن يتبايعا باللفظ ~~فإن لم يفعلا وقع التقاص والتبادل بمجرد المعاطاة وإن كان المغصوب منه قد ~~فات له درهم في يد الغاصب وعسر الوصول إلى عينه واستحق ضمانه فلما أخذه وقع ~~عن الضمان بمجرد القبض وهذا في جانبه واضح فإن المضمون له يملك الضمان ~~بمجرد القبض من غير لفظ والإشكال في الجانب الآخر أنه لم يدخل في ملكه ~~فنقول لأنه أيضا إن كان قد تسلم درهم نفسه فقد فات له أيضا درهم في يد ~~الآخر فليس يمكن الوصول إليه فهو كالغائب فيقع هذا بدلا عنه في علم الله إن ~~كان الأمر كذلك ويقع هذا التبادل في علم الله كما يقع التقاص لو أتلف رجلان ~~كل واحد منهما درهما على صاحبه بل في عين مسألتنا لو ألقى كل واحد ما في ~~يده في البحر أو أحرقه كأن قد أتلفه ولم يكن عليه عهدة للآخر بطريق التاقص ~~فكذا إذا لم يتلف فإن القول بهذا أولى من المصير إلى ان من يأخذ درهما ~~حراما ويطرحه في ألف ألف درهم لرجل آخر يصير كل المال محجورا عليه لا يجوز ~~التصرف PageV02P128 # فيه وهذا المذهب يؤدي إليه فانظر ما في هذا من البعد وليس فيما ذكرناه ~~إلا ترك اللفظ والمعاطاة بيع ومن لا يجعلها بيعا فحيث يتطرق إليها احتمال ~~إذ الفعل يضعف دلالته وحيث يمكن التلفظ وههنا هذا التسليم والتسلم للمبادلة ~~قطعا والبيع غير ممكن لأن المبيع غير مشار إليه ولا معلوم في عينه وقد يكون ~~مما لا يقبل البيع كما لو خلط رطل دقيق بألف رطل دقيق لغيره وكذا الدبس ~~والرطب وكل ما لا يباع البعض منه بالبعض # فإن قيل فأنتم جوزتم تسليم قدر حقه ms0781 في مثل هذه الصورة وجعلتموه بيعا قلنا ~~لا نجعله بيعا بل نقول هو بدل عما فات في يده فيملكه كما يملك المتلف عليه ~~من الرطب إذا أخذ مثله هذا إذا ساعده صاحب المال فإن لم يساعده واضر به ~~وقال لا آخذ درهما أصلا إلا عين ملكي فإن استهم فأتركه ولا أهبه وأعطل عليك ~~مالك # فأقول على القاضي أن ينوب عنه في القبض حتى يطيب للرجل ماله فإن هذا محض ~~التعنت والتضييق والشرع لم يرد به فإن عجز عن القاضي ولم يجده فليحكم رجلا ~~متدينا ليقبض عنه فإن عجز فيتولى هو بنفسه ويفرد على نية الصرف إليه درهما ~~ويتعين ذلك له ويطيب له الباقي وهذا في خلط المائعات أظهر وألزم # فإن قيل فينبغي أن يحل له الأخذ وينتقل الحق إلى ذمته فأي حاجة إلى ~~الإخراج أولا ثم التصرف في الباقي قلنا قال قائلون يحل له أن يأخذ ما دام ~~يبقى قدر الحرام ولا يجوز أن يأخذ الكل ولو أخذ لم يجز له ذلك وقال آخرون ~~ليس له أن يأخذ ما لم يخرج قدر الحرام بالتوبة وقصد الإبدال وقال آخرون ~~يجوز للآخذ في التصرف أن يأخذ منه وأما هو فلا يعطي فإن أعطى عصى هو دون ~~الآخذ منه وما جوز أحد أخذ الكل وذلك لأن المالك لو ظهر فله أن يأخذ حقه من ~~هذه الجملة إذ يقول لعل المصروف إلي يقع عين حقي وبالتعيين وإخراج حق الغير ~~وتمييزه يندفع هذا الاحتمال فهذا المال يترجح بهذا الاحتمال على غيره وما ~~هو أقرب إلى الحق مقدم كما يقدم المثل على القيمة والعين على المثل فكذلك ~~ما يحتمل فيه رجوع المثل مقدم على ما يحتمل فيه رجوع القيمة وما يحتمل فيه ~~رجوع العين يقدم على ما يحتمل فيه رجوع المثل ولو جاز لهذا أن يقول ذلك ~~لجاز لصاحب الدرهم الآخر أن يأخذ الدرهمين ويتصرف فيهما ويقول على قضاء حقك ~~من موضع آخر إذ الاختلاط من الجانبين وليس ملك أحدهما بأن يقدر فائتا بأولى ~~من الآخر ms0782 إلا أن ينظر إلى الأقل فيقدر أنه فائت فيه أو ينظر إلى الذي خلط ~~فيجعل بفعله متلفا لحق غيره وكلاهما بعيدان جدا وهذا واضح في ذوات الأمثال ~~فإنها تقع عوضا في الإتلافات من غير عقد فأما إذا اشتبه دار بدور أو عبد ~~بعبيد فلا سبيل إلى المصالحة والتراضي فإن أبى أن يأخذ إلا عين حقه ولم ~~يقدر عليه وأراد الآخر أن يعوق عليه جميع ملكه فإن كانت متماثلة القيم ~~فالطريق أن يبيع القاضي جميع الدور ويوزع عليهم الثمن بقدر النسبة وإن كانت ~~متفاوتة أخذ من طالب البيع قيمة أنفس الدور وصرف إلى الممتنع منه مقدار ~~قيمة الأقل ويوقف قدر التفاوت إلى البيان أو الإصلاح لأنه مشكل وإن لم يوجد ~~القاضي فللذي يريد الخلاص وفي يده الكل أن يتولى ذلك بنفسه هذه هي المصلحة ~~وما عداها من الاحتمالات ضعيفة لا نختارها وفيما سبق تنبيه على العلة وهذا ~~في الحنطة ظاهر وفي النقود دونه وفي العروض أغمض إذ لا يقع البعض بدلا عن ~~البعض فذلك احتيج إلى البيع ولترسم مسائل يتم بها البيان هذا الأصل # مسألة إذا ورث مع جماعة وكان السلطان قد غصب ضيعة لمورثهم فرد عليه قطعة ~~معينة فهي لجميع الورثة ولو رد من الضيعة نصفا وهو قدر حقه ساهمه الورثة ~~فإن النصف الذي له لا يتميز حتى يقال هو المردود والباقي هو المغصوب ولا ~~يصير مميزا بنية السلطان وقصده حصر الغصب في نصيب الآخرين PageV02P129 # مسألة # إذا وقع في يده مال أخذه من سلطان ظالم ثم تاب والمال عقار وكان قد حصل ~~منه انتفاع فينبغي أن يحسب أجر مثله لطول تلك المدة وكذلك كل مغصوب له ~~منفعة أو حصل منه زيادة فلا تصح توبته مالم يخرج أجرة المغصوب وكذلك كل ~~زيادة حصلت منه وتقدير أجرة العبيد والثياب والأواني وأمثال ذلك مما لا ~~يعتاد إجارتها مما يعسر ولا يدرك ذلك إلا باجتهاد وتخمين وهكذا كل ~~التقويمات تقع بالاجتهاد وطريق الورع الأخذ بالأقصى وما ربحه على المال ~~المغصوب في عقود عقدها على ms0783 الذمة وقضى الثمن منه فهو ملك له ولكن فيه شبهة ~~إذ كان ثمنه حراما كما سبق حكمه وإن كان بأعيان تلك الأموال فالعقود كانت ~~فاسدة وقد قيل تنفذ بإجازة المغصوب منه للمصلحة فيكون المغصوب منه أولى به ~~والقياس أن تلك العقود تفسخ وتسترد الثمن وترد الأعواض فإن عجز عنه لكثرته ~~فهي أموال حرام حصلت في يده فللمغصوب منه قدر رأس ماله والفضل حرام يجب ~~إخراجه لتتصدق به ولا يحل للغاصب ولا للمغصوب منه بل حكمه حكم كل حرام يقع ~~في يده # مسألة من ورث مالا ولم يدر أن مورثه من أين اكتسبه أمن حلال أم من حرام ~~ولم يكن ثم علامة فهو حلال باتفاق العلماء وإن علم أن فيه حراما وشك في ~~قدره أخرج مقدار الحرام بالتحري فإن لم يعلم ذلك ولكن علم أن مورثه كان ~~يتولى أعمالا للسلاطين واحتمل انه لم يكن] خذ في عمله شيئا أو كان قد أخذ ~~ولم يبق في يده منه شيء لطول المدة فهذه شبهة يحسن التورع عنها ولا يجب وإن ~~علم أن بعض ماله كان من الظلم فيلزمه إخراج ذلك القدر بالاجتهاد وقال بعض ~~العلماء لا يلزمه والإثم على المورث واستدل بما روي أن رجلا ممن ولي عمل ~~السلطان مات فقال صحابي الآن طاب ماله أي لوارثه وهذا ضعيف لأنه لم يذكر ~~اسم الصحابي ولعله صدر من متساهل فقد كان في الصحابة من يتساهل ولكن لا ~~نذكره لحرمة الصحبة وكيف يكون موت الرجل مبيحا للحرام المتيقن المختلط ومن ~~أين يؤخذ هذا نعم إذا لم يتيقن يجوز أن يقال هو غير مأخوذ بما لا يدري ~~فيطيب لوارث لا يدري أن فيه حراما يقينا ### |||| النظر الثاني في المصرف # فإذا أخرج الحرام فله ثلاثة أحوال # إما أن يكون له مالك معين فيجب الصرف إليه أو إلى وارثه وإن كان غائبا ~~فينتظر حضوره أو الإيصال إليه وإن كانت له زيادة ومنفعة فلتجمع فوائده إلى ~~وقت حضوره # وإما أن يكون لمالك غير معين وقع اليأس من الوقوف على ms0784 عيبه ولا يدري أنه ~~مات عن وارث أم لا فهذا لا يمكن الرد فيه للمالك ويوقف حتى يتضح الأمر فيه ~~وربما لا يمكن الرد لكثرة الملاك كغلول الغنيمة فإنها بعد تفرق الغزاة كيف ~~يقدر على جمعهم وإن قدر فكيف يفرق دينارا واحد مثلا على ألف أو ألفين فهذا ~~ينبغي أن يتصدق به # وإما من مال الفئ والأموال المرصدة لمصالح المسلمين كافة فيصرف ذلك إلى ~~القناطر والمساجد والرباطات ومصانع طريق مكة وأمثال هذه الأمور التي يشترك ~~في الانتفاع بها كل من يمر بها من المسلمين ليكون عاما للمسلمين وحكم القسم ~~الأول لا شبهة فيه أما التصدق وبناء القناطر فينبغي أن يتولاه القاضي فيسلم ~~إليه المال إن وجد قاضيا متدينا وإن كان القاضي مستحلا فهو بالتسليم إليه ~~ضامن لو ابتدأ به فيما لا يضمنه فكيف يسقط عنه به ضمان قد استقر عليه بل ~~يحكم من أهل البلد عالما متدينا فإن التحكيم أولى من الانفراد فإن عجز ~~فليتول PageV02P130 # ذلك بنفسه فإن المقصود الصرف # وأما عين الصارف فإنما نطلبه لمصارف دقيقة في المصالح فلا يترك أصل الصرف ~~بسبب العجز عن صارف هو أولى عند القدرة عليه # فإن قيل ما دليل جواز التصدق بما هو حرام وكيف يتصدق بما لا يملك وقد ذهب ~~جماعة إلى أن ذلك غير جائز لأنه حرام وحكي عن الفضيل أنه وقع في يده درهمان ~~فلما علم أنهما من غير وجههما رماهما بين الحجارة وقال لا أتصدق إلا بالطيب ~~ولا أرضى لغيري مالا أرضاه لنفسي فنقول نعم ذلك له وجه واحتمال وإنما ~~اخترنا خلافه للخبر والأثر والقياس أما الخير فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالتصدق بالشاة المصلية التي قدمت إليه فكلمته بأنها حرام إذ قال صلى ~~الله عليه وسلم أطعموها الأسارى (1) # ولما نزل قوله تعالى {ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون} كذبه المشركون وقالوا للصحابة ألا ترون ما يقول صاحبكم يزعم أن ~~الروم ستغلب فخاطرهم أبو بكر رضي الله عنه بإذن رسول الله صلى ms0785 الله عليه ~~وسلم فلما حقق الله صدقه وجاء أبو بكر رضي الله عنه بما قامرهم به قال عليه ~~الصلاة والسلام هذا سحت فتصدق به وفرح المؤمنون بنصر الله وكان قد نزل ~~تحريم القمار بعد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في المخاطرة مع ~~الكفار (2) # وأما الأثر فإن ابن مسعود رضي الله عنه اشترى جارية فلم يظفر بمالكها ~~لينقده الثمن فطلبه كثيرا فلم يجده فتصدق بالثمن وقال اللهم هذا عنه إن رضي ~~وإلا فالأجر لي # وسئل الحسن رضي الله عنه عن توبة الغال وما يؤخذ منه بعد تفرق الجيش فقال ~~يتصدق به # وروي أن رجلا سولت له نفسه فغل مائة دينار من الغنيمة ثم أتى أميره ~~ليردها عليه فأبى أن يقبضها وقال له تفرق الناس فأتى معاوية فأبى أن يقبض ~~فأتى بعض النساك فقال ادفع خمسها إلى معاوية وتصدق بما يبقى فبلغ معاوية ~~قوله فتلهف إذا لم يخطر له ذلك وقد ذهب أحمد بن حنبل والحارس المحاسبي ~~وجماعة من الورعين إلى ذلك # وأما القياس فهو أن يقال إن هذا المال مردد بين أن يضيع وبين أن يصرف إلى ~~خير إذ قد وقع اليأس من مالكه وبالضرورة يعلم أن صرفه إلى خير أولى من ~~إلقائه في البحر فإنا إن رميناه في البحر فقد فوتناه على أنفسنا وعلى ~~المالك ولم تحصل منه فائدة وإذا رميناه في يد فقير يدعو لمالكه حصل للمالك ~~بركة دعائه وحصل للفقير سد حاجته وحصول الأجر للمالك بغير اختياره في ~~التصدق لا ينبغي أن ينكر فإن في الخبر الصحيح إن للزارع والغارس أجرا في كل ~~ما يصيبه الناس والطيور من ثماره وزرعه (3) # وذلك بغير اختياره وأما قول القائل لا نتصدق إلا بالطيب فذلك إذا طلبنا ~~الأجر لأنفسنا ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر PageV02P131 # وترددنا بين التضييع وبين التصدق ورجحنا جانب التصدق على جانب التضييع # وقول القائل لا نرضى لغيرنا مالا نرضاه لأنفسنا فهو كذلك ولكنه علينا ~~حرام لاستغنائنا عنه وللفقير حلال إذ أحله دليل الشرع ms0786 وإذا اقتضت المصلحة ~~التحليل وجب التحليل وإذا حل فقد رضينا له الحلال ونقول إن له أن يتصدق على ~~نفسه وعياله إذا كان فقيرا # أما عياله وأهله فلا يخفى لأن الفقر لا ينتفي عنهم بكونهم من عياله وأهله ~~بل هم أولى من يتصدق عليهم وأما هو فله أن يأخذ منه قدر حاجته لأنه أيضا ~~فقير ولو تصدق به على فقير لجاز وكذا إذا كان هو الفقير ولنرسم في بيان هذا ~~الأصل أيضا مسائل # مسألة إذا وقع في يده مال من يد سلطان قال قوم يرد إلى السلطان فهو أعلم ~~بما تولاه فيقلده ما تقلده وهو خير من أن يتصدق به واختار المحاسبي ذلك ~~وقال كيف يتصدق به فلعل له مالكا معينا ولو جاز ذلك لجاز أن يسرق من ~~السلطان ويتصدق به وقال قوم يتصدق به إذا علم أن السلطان لا يرده إلى ~~المالك لأن ذلك إعانة للظالم وتكثير لأسباب ظلمه فالرد إليه تضييع لحق ~~المالك والمختار أنه إذا علم من عادة السلطان انه لا يرده إلى مالكه فيتصدق ~~به عن مالكه فهو خير للمالك إن كان له مالك معين من أن يرد على السلطان ~~لأنه ربما لا يكون له مالك معين ويكون حق المسلمين فرده على السلطان تضييع ~~فإن كان له مالك معين فالرد على السلطان تضييع وإعانة للسلطان الظالم ~~وتفويت لبركة دعاء الفقير على المالك وهذا ظاهر فإذا وقع في يده من ميراث ~~ولم يتعد هو بالأخذ من للسلطان فإنه شبيه باللقطة التي أيس عن معرفة صاحبها ~~إذا لم يكن له أن يتصرف فيها بالتصدق عن المالك ولكن له أن يتملكها ثم وإن ~~كان غنيا من حيث إنه اكتسبه من وجه مباح وهو الالتقاط وههنا لم يحصل المال ~~من وجه مباح فيؤثر في منعه من التملك ولا يؤثر في المنع من التصدق # مسألة إذا حصل في يده مال لا مالك له وجوزنا له أن يأخذ قدر حاجته لفقره ~~ففي قدر حاجته نظر ذكرناه في كتاب أسرار الزكاة فقد قال قوم ms0787 يأخذ كفاية سنة ~~لنفسه وعياله وإن قدر على شراء ضيعة أو تجارة يكتسب بها للعائلة فعل وهذا ~~ما اختاره المحاسبي ولكنه قال الأولى أن يتصدق بالكل إن وجد من نفسه قوة ~~التوكل وينتظر لطف الله تعالى في الحلال فإن لم يقدر فله أن يشتري ضيعة أو ~~يتخذ رأس مال يتعيش بالمعروف منه وكل يوم وجد فيه حلالا أمسك ذلك اليوم عنه ~~فإذا فني عاد إليه فإذا وجد حلالا معينا تصدق بمثل ما أنفقه من قبل ويكون ~~ذلك قرضا عنده ثم إنه يأكل الخبز ويترك اللحم إن قوي عليه وإلا أكل اللحم ~~من غير تنعم وتوسع وما ذكره لا مزيد عليه ولكن جعل ما أنفقه قرضا عنده فيه ~~نظر ولا شك في أن الورع ان يجعله قرضا فإذا وجد حلالا تصدق بمثله ولكن مهما ~~لم يجب ذلك على الفقير الذي يتصدق به عليه فلا يبعد ان لا يجب عليه أيضا ~~إذا أخذه لفقره لا سيما إذا وقع في يده من ميراث ولم يكن متعديا بغصبه ~~وكسبه حتى يغلظ الأمر عليه فيه # مسألة إذا كان في يده حلال وحرام أو شبهة وليس يفضل الكل عن حاجته فإذا ~~كان له عيال فليخص نفسه بالحلال لأن الحجة عليه أوكد في نفسه منه في عبده ~~وعياله وأولاده الصغار والكبار من الأولاد يحرسهم من الحرام إن كان لا يفضي ~~بهم إلى ما هو أشد منه فإن أفضى فيطعمهم بقدر الحاجة # وبالجملة ما يحذره في غيره فهو محذور في نفسه وزيادة وهو أنه يتناول مع ~~العلم والعيال ربما تعذر إذا لم تعلم إذ لم تتول الأمر بنفسها فليبدأ ~~بالحلال بنفسه ثم بمن يعول وإذا تردد في حق نفسه بين ما يخص قوته وكسوته ~~وبين غيره من المؤن كأجرة الحجام والصباغ والقصار والحمال والاطلاء بالنورة ~~والدهن وعمارة المنزل وتعهد الدابة وتسجير التنور وثمن الحطب ودهن السراج ~~فليخص PageV02P132 # بالحلال قوته ولباسه فإن ما يتعلق ببدنه ولا غنى به عنه هو أولى بأن يكون ~~طيبا وإذا دار الأمر بين القوت ms0788 واللباس فيحتمل أن يقال يخص القوت بالحلال ~~لأنه ممتزج بلحمه ودمه وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به # وأما الكسوة ففائدتها ستر عورته ودفع الحر والبرد والأبصار عن بشرته وهذا ~~هو الأظهر عندي # وقال الحارث المحاسبي يقدم اللباس لأنه يبقى عليه مدة والطعام لا يبقى ~~عليه لما روي أنه لا يقبل الله صلاة من عليه ثوب اشتراه بعشرة دراهم فيها ~~درهم حرام (1) # وهذا محتمل ولكن أمثال هذا قد ورد فيمن في بطنه حرام ونبت لحمه من حرام ~~(2) # فمراعاة اللحم والعظم أن ينبته من الحلال أولى ولذلك تقيأ الصديق رضي ~~الله عنه ما شربه مع الجهل حتى لا ينبت منه لحم يثبت ويبقى # فإن قيل فإذا كان الكل منصرفا إلى أغراضه فأي فرق بين نفسه وغيره وبين ~~جهة وجهة وما مدرك هذا الفرق قلنا عرف ذلك بما روي أن رافع بن خديج رحمه ~~الله مات وخلف ناضحا وعبدا حجاما فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فنهى عن كسب الحجام فروجع مرات فمنع منه فقيل إن له أيتاما فقال أعلفوه ~~الناضح (3) # فهذا يدل على الفرق بين مايأكله هو أو دابته فإذا انفتح سبيل الفرق فقس ~~عليه التفصيل الذي ذكرناه # مسألة الحرام الذي في يده لو تصدق به على الفقراء فله يوسع عليهم وإذا ~~أنفق على نفسه فليضيق ما قدر وما أنفق على عياله فليقتصد وليكن وسطا بين ~~التوسيع والتضييق فيكون الأمر على ثلاث مراتب فإن أنفق على ضيف قدم عليه ~~وهو فقير فليوسع عليه وإن كان غنيا فلا يطعمه إلا إذا كان في برية أو قدم ~~ليلا ولم يجد شيئا فإنه في ذلك الوقت فقير وإن كان الفقير الذي حضر ضيفا ~~تقيا لو علم ذلك لتورع عنه فليعرض الطعام وليخبره جمعا بين حق الضيافة وترك ~~الخداع فلا ينبغي أن يكرم أخاه بما يكره ولا ينبغي أن يعول على أنه لا يدري ~~فلا يضره فإن الحرام إذا حصل في المعدة أثر في قساوة القلب وإن لم يعرفه ~~صاحبه ولذلك ms0789 تقيأ أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وكانا قد شربا على جهل وهذا ~~وإن أفتينا بإنه حلال للفقراء أحللناه بحكم الحاجة إليه فهو كالخنزير ~~والخمر إذا أحللناهما بالضرورة فلا يلتحق بالطيبات # مسألة إذا كان الحرام أو الشبهة في يد أبويه فليمتنع عن مؤاكلتهما فإن ~~كانا يسخطان فلا يوافقهما على الحرام المحض بل ينهاهما فلا طاعة لمخلوق في ~~معصية الله تعالى فإن كان شبهة وكان امتناعه للورع فهذا قد عارضه أن الورع ~~طلب رضاهما بل هو واجب فليتلطف في الامتناع فإن لم يقدر فليوافق وليقلل ~~الأكل بأن يصغر اللقمة ويطيل المضغ ولا يتوسع فإن ذلك عدوان والأخ والأخت ~~قريبان من ذلك لأن حقهما أيضا مؤكد وكذلك إذا ألبسته أمه ثوبا من شبهة ~~وكانت تسخط برده فليقبل وليلبس بين يديها ولينزع في غيبتها وليجتهد أن لا ~~يصلي فيه إلا عند حضورها فيصلي فيه صلاة المضطر وعند تعارض أسباب الورع ~~ينبغي أن يتفقد هذه الدقائق # وقد حكي عن بشر رحمه الله أنه سلمت إليه أمه رطبة وقالت بحقي عليك أن ~~تأكلها وكان يكرهه فأكل ثم صعد غرفة فصعدت PageV02P133 # أمه وراءه فرأته يتقيأ وإنما فعل ذلك لأنه أراد أن يجمع بين رضاها وبين ~~صيانة المعدة # وقد قيل لأحمد بن حنبل سئل بشر هل للوالدين طاعة في الشبهة فقال لا فقال ~~أحمد هذا شديد # فقيل له سئل محمد بن مقاتل العباداني عنها فقال بر والديك فماذا تقول ~~فقال للسائل أحب أن تعفيني فقد سمعت ما قالا ثم قال ما أحسن أن تداريهما # مسألة من في يده مال حرام محض فلا حج عليه ولا يلزمه كفارة مالية لأنه ~~مفلس ولا تجب عليه الزكاة إذ معنى الزكاة وجوب إخراج ربع العشر مثلا وهذا ~~يجب عليه إخراج الكل إما ردا على المالك إن عرفه أو صرفا إلى الفقراء إن لم ~~يعرف المالك وأما إذا كان مال شبهة يحتمل أنه حلال فإذا لم يخرجه من يده ~~لزمه الحج لأن كونه حلالا ممكن ولا يسقط الحج إلا بالفقر ولم يتحقق ms0790 فقره ~~وقد قال الله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وإذا وجب ~~عليه التصدق بما يزيد على حاجته حيث يغلب على ظنه تحريمه فالزكاة أولى ~~بالوجوب وإن لزمته كفارة فليجمع بين الصوم والإعتاق ليتخلص بيقين # وقد قال قوم يلزمه الصوم دون الإطعام إذ ليس له يسار معلوم # وقال المحاسبي يكفيه الإطعام # والذي نختاره أن كل شبهة حكمنا بوجوب اجتنابها وألزمناه إخراجها من يده ~~لكون احتمال الحرام أغلب على ما ذكرناه فعليه الجمع بين الصوم والإطعام أما ~~الصوم فلأنه مفلس حكما وأما الإطعام فلأنه قد وجب عليه التصدق بالجميع ~~ويحتمل أن يكون له فيكون اللزوم من جهة الكفارة # مسألة من في يده مال حرام امسكه للحاجة فأراد أن يتطوع بالحج فإن كان ~~ماشيا فلا بأس له لأنه سيأكل هذا المال في غير عبادة فأكله في عبادة أولى # وإن كان لا يقدر على أن يمشي ويحتاج إلى زيادة للمركوب فلا يجوز الأخذ ~~لمثل هذه الحاجة في الطريق كما لا يجوز شراء المركوب في البلد # وإن كان يتوقع القدرة على حلال لو أقام بحيث يستغني به عن بقية الحرام ~~فالإقامة في انتظاره أولى من الحج ماشيا بالمال الحرام # مسألة من خرج لحج واجب بمال فيه شبهة فليجتهد أن يكون قوته من الطيب فإن ~~لم يقدر في قوت الإحرام إلى التحلل فإن لم يقدر فليجتهد يوم عرفة أن لا ~~يكون قيامه بين يدي الله ودعاؤه في وقت مطعمه حرام وملبسه حرام فليجتهد أن ~~لا يكون في بطنه حرام ولا على ظهره حرام فإنا وإن جوزنا هذا بالحاجة فهو ~~نوع ضرورة وما ألحقناه بالطيبات فإن لم يقدر فليلازم قلبه الخوف والغم لما ~~هو مضطر إليه من تناول ما ليس بطيب فعساه ينظر إليه بعين الرحمة ويتجاوز ~~عنه بسبب حزنه وخوفه وكراهته # مسألة سئل أحمد بن حنبل رحمة الله فقال له قائل مات أبي وترك مالا وكان ~~يعامل من تكره معاملته فقال تدع من ماله بقدر ما ربح فقال له دين وعليه ms0791 دين ~~فقال تقضي وتقتضى فقال افترى ذلك فقال أفتدعه محتبسا بدينه وما ذكره صحيح ~~وهو يدل على أنه رأى التحري بإخراج مقدار الحرام إذ قال يخرج قدر الربح ~~وائه رأى أن أعيان أمواله ملك له بدلا عما بذله في المعاوضات الفاسدة بطريق ~~التقاص والتقابل مهما كثر التصرف وعسر الرد وعول في قضاء دينه على أنه يقين ~~فلا يترك بسبب الشبهة PageV02P134 ### ||| الباب الخامس في إدرارات السلاطين وصلاتهم وما يحل منها وما يحرم # اعلم أن من أخذ مالا من سلطان فلا بد له من النظر في ثلاثة أمور في مدخل ~~ذلك إلى يد السلطان من أين هو وفي صفته التي بها يستحق الأخذ # وفي المقدار الذي يأخذه هل يستحقه إذا أضيف إلى حاله وحال شركائه في ~~الاستحقاق ### |||| النظر الأول في جهات الدخل للسلطان # وكل ما يحل للسلطان سوى الإحياء وما يشترك فيه الرعية قسمان # مأخوذ من الكفار وهو الغنيمة المأخوذة بالقهر والفيء وهو الذي حصل من ~~مالهم في يده من غير قتال والجزية وأموال المصالحة وهي التي تؤخذ بالشروط ~~والمعاقدة # والقسم الثاني المأخوذ من المسلمين فلا يحل منه إلا قسمان المواريث وسائر ~~الأمور الضائعة التي لا يتعين لها مالك والأوقاف التي لا متولي لها أما ~~الصدقات فليست توجد في هذا الزمان # وما عدا ذلك من الخراج المضروب على المسلمين والمصادرات وأنواع الرشوة ~~كلها حرام # فإذا كتب لفقيه أو غيره إدرار أو صلة أو خلعة على جهة فلا يخلو من أحوال ~~ثمانية فإنه إما أن يكتب له ذلك على الجزية أو على المواريث أو على الأوقاف ~~أو على ملك أحياء السلطان أو على ملك اشتراه أو على عامل خراج المسلمين أو ~~على بياع من جملة التجار أو على الخزانة # فالأول هو الجزية وأربعة أخماسها للمصالح وخمسها لجهات معينة # فما يكتب على الخمس من تلك الجهات أو على الأخماس الأربعة لما فيه مصلحة ~~وروعي فيه الاحتياط في القدر فهو حلال بشرط أن لا تكون الجزية إلا مضروبة ~~على وجه شرعي ليس فيها زيادة على ms0792 دينار أو على أربعة دنانير فإنه أيضا في ~~محل الاجتهاد وللسلطان أن يفعل ما هو في محل الاجتهاد وبشرط أن يكون الذمي ~~الذي تؤخذ الجزية منه مكتسبا من وجه لا يعلم تحريمه فلا يكون عامل سلطان ~~ظالما ولا بياع خمر ولا صبيا ولا امرأة إذ لا جزية عليهما # فهذه أمور تراعى في كيفية ضرب الجزية ومقدارها وصفة من تصرف أليه ومقدار ~~ما يصرف فيجب النظر في جميع ذلك # الثاني المواريث والأموال الضائعة فهي للمصالح والنظر أن الذي خلفه هل ~~كان ماله كله حراما أو أكثره أو أقله وقد سبق حكمه فإن لم يكن حراما بقي ~~النظر في صفة من يصرف إليه بأن يكون في الصرف إليه مصلحة ثم في المقدار ~~المصروف # الثالث الأوقاف وكذا يجري النظر فيها كما يجري في الميراث مع زيادة أمر ~~وهو شرط المواقف حتى يكون المأخوذ موافقا له في جميع شرائطه # الرابع ما أحياه السلطان وهذا لا يعتبر فيه شرط إذ له أن يعطى من ملكه ~~لمن شاء أي قدر شاء # وإنما النظر في أن الغالب أنه أحياه بإكراه الأجراء أو بأداء أجرتهم من ~~حرام # فإن الإحياء يحصل بحفر القناة والأنهار وبناء الجدران وتسوية الأرض ولا ~~يتولاه السلطان بنفسه # فإن كانوا مكرهين على الفعل لم يملكه السلطان وهو حرام وإن كانوا ~~مستأجرين ثم قضيت أجورهم من الحرام فهذا يورث شبهة قد نبهنا عليها في تعلق ~~الكرامة بالأعواض PageV02P135 # الخامس ما اشتراه السلطان في الذمة من أرض أو ثياب خلعة أو فرس أو غيره ~~فهو ملكه وله أن يتصرف فيه ولكنه سيقضي ثمنه من حرام وذلك يوجب التحريم ~~تارة والشبهة أخرى وقد سبق تفصيله # السادس أن يكتب على عامل خراج المسلمين أو من يجمع أمواله القسمة ~~والمصادرة وهو الحرام السحت الذي لا شبهة فيه وهو أكثر الإدرارات في هذا ~~الزمان إلا ما على أراضي العراق فإنها وقف عند الشافعي رحمه الله على مصالح ~~المسلمين # السابع ما يكتب على بياع يعامل السلطان فإن كان لا يعامل غيره فماله له ms0793 ~~كمال خزانة السلطان # وإن كان يعامل غير السلاطين أكثر فما يعطيه قرض على السلطان وسيأخذ بدله ~~من الخزانة فالخلل يتطرق إلى العوض # وقد سبق حكم الثمن الحرام # الثامن ما يكتب على الخزانة أو على عامل يجتمع عنده من الحلال والحرام ~~فإن لم يعرف للسلطان دخل إلا من الحرام فهو سحت محض وإن عرف يقينا أن ~~الخزانة تشتمل على مال حلال ومال حرام واحتمل ان يكون ما يسلم إليه بعينه ~~من الحلال احتمالا قريبا له وقع في النفس واحتمل أن يكون من الحرام وهو ~~الأغلب لأن أغلب أموال السلاطين حرام في هذه الأعصار والحلال في أيديهم ~~معدوم أو عزيز فقد اختلف الناس في هذا فقال قوم كل ما لا أتيقن أنه حرام ~~فلي أن آخذه وقال آخرون لا يحل أن يؤخذ مالم يتحقق أنه حلال فلا تحل شبهة ~~أصلا # وكلاهما إسراف والاعتدال ما قدمنا ذكره وهو الحكم بأن الأغلب إذا كان ~~حراما حرم وإن كان الأغلب حلالا وفيه يقين حرام فهو موضع توقفنا فيه كما ~~سبق # لقد احتج من جوز اخذ أموال السلاطين إذا كان فيها حرام وحلال مهما لم ~~يتحقق أن عين المأخوذ حرام بما روي عن جماعة من الصحابة أنهم أدركوا أيام ~~الأئمة الظلمة وأخذوا الأموال منهم أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وزيد بن ~~ثابت وأبو أيوب الأنصاري وجرير بن عبد الله وجابر وأنس بن مالك والمسور بن ~~مخرمة # فأخذ أبو سعيد وأبو هريرة من مروان ويزيد بن عبد الملك # وأخذ ابن عمر وابن عباس من الحجاج # وأخذ كثير من التابعين منهم كالشعبي وإبراهيم والحسن وابن أبي ليلى # وأخذ الشافعي من هرون الرشيد ألف دينار في دفعة # وأخذ مالك من الخلفاء أموالا جمة وقال علي رضي الله عنه خذ ما يعطيك ~~السلطان فإنما يعطيك من الحلال وما يأخذ من الحلال أكثر # وإنما ترك من ترك العطاء منهم تورعا مخافة على دينه أن يحمل على مالا يحل # ألا ترى قول أبي ذر للأحنف بن قيس خذ العطاء ما كان نحلة ms0794 فإذا كان أثمان ~~دينكم فدعوه وقال أبو هريرة رضي الله عنه إذا أعطينا قبلنا وإذا منعنا لم ~~نسأل # وعن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رضي الله عنه كان إذا أعطاه معاوية سكت ~~وإن منعه وقع فيه # وعن الشعبي عن مسروق لا يزال العطاء بأهل العطاء حتى يدخلهم النار أي ~~يحمله ذلك على الحرام لا انه في نفسه حرام وروى نافع عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما أن المختار كان يبعث إليه المال فيقبله ثم يقول لا أسأل أحدا ولا أرد ~~ما رزقني الله # وأهدى إليه ناقة فقبلها وكان يقال لها ناقة المختار ولكن هذا يعارضه ما ~~روي أن ابن عمر رضي الله عنهما لم يرد هدية أحد إلا هدية المختار والإسناد ~~في رده أثبت # وعن نافع أنه قال بعث ابن معمر إلى ابن عمر بستين ألفا فقسمها على الناس ~~ثم جاءه سائل فاستقرض له من بعض من أعطاه وأعطى السائل # ولما قدم الحسن بن علي رضي الله عنهما على معاوية رضي الله عنه فقال ~~لأجيزك بجائزة لم أجزها أحدا قبلك من العرب ولا أجيزها أحدا بعدك من العرب ~~قال فأعطاه أربعمائة ألف درهم فأخذها # وعن حبيب PageV02P136 # ابن أبي ثابت قال لقد رأيت جائزة المختار لابن عمر وابن عباس فقبلاها ~~فقيل ما هي قال مال وكسوة # وعن الزبير بن عدي أنه قال قال سلمان إذا كان لك صديق عامل أو تاجر يقارف ~~الربا فدعاك إلى طعام أو نحوه أو أعطاك شيئا فاقبل فإن المهنأ لك وعليه ~~الوزر # فإن ثبت هذا في المربي فالظالم في معناه # وعن جعفر عن أبيه أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا يقبلان جوائز ~~معاوية # وقال حكيم بن جبير مررنا على سعيد بن جبير وقد جعل عاملا على أسفل الفرات ~~فأرسل إلى العشارين أطعمونا مما عندكم فأرسلوا بطعام فأكل وأكلنا معه وقال ~~العلاء بن زهير الأزدي أتى إبراهيم أبي وهو عامل على حلوان فأجازه فقبل ~~وقال إبراهيم لا بأس بجائزة العمال إن للعمال مؤنة ورزقا # ويدخل بيت ms0795 ماله الخبيث والطيب فما أعطاك فهو من طيب ماله # فقد أخذ هؤلاء كلهم جوائز السلاطين الظلمة وكلهم طعنوا على من أطاعهم في ~~معصية الله تعالى # وزعمت هذه الفرقة أن ما ينقل من امتناع جماعة من السلف لا يدل على ~~التحريم بل على الورع كالخلفاء الراشدين وأبي ذر وغيرهم من الزهاد فإنهم ~~امتنعوا من الحلال المطلق زهدا ومن الحلال الذي يخاف إفضاؤه إلى محذور ورعا ~~وتقوى # فإقدام هؤلاء يدل على الجواز وامتناع أولئك لا يدل على التحريم # وما نقل عن سعيد بن المسيب أنه ترك عطاءه في بيت المال حتى اجتمع بضعة ~~وثلاثين ألفا وما نقل عن الحسن من قوله لا أتوضأ من ماء صيرفي ولو ضاق وقت ~~الصلاة لأني لا أدري أصل ماله كل ذلك ورع لا ينكر واتباعهم عليه أحسن من ~~اتباعهم على الاتساع ولكن لا يحرم اتباعهم على الاتساع أيضا # فهذه هي شبهة من يجوز أخذ مال السلطان الظالم # والجواب أن ما نقل من أخذ هؤلاء محصور قليل بالإضافة إلى ما نقل من ردهم ~~وإنكارهم وإن كان يتطرق إلى امتناعهم احتمال الورع فيتطرق إلى أخذ من أخذ ~~ثلاثة احتمالات متفاوتة في الدرجة بتفاوتهم في الورع فإن للورع في حق ~~السلاطين أربع درجات # الدرجة الأولى أن لا يأخذ من أموالهم شيئا أصلا كما فعله الورعون منهم ~~وكما كان يفعله الخلفاء الراشدون حتى أن أبا بكر رضي الله عنه حسب جميع ما ~~كان أخذه من بيت المال فبلغ ستة آلاف درهم فغرمها لبيت المال وحتى أن عمر ~~رضي الله عنه كان يقسم مال بيت المال يوما فدخلت ابنة له وأخذت درهما من ~~المال فنهض عمر في طلبها حتى سقطت الملحفة من أحد منكبيه ودخلت الصبية إلى ~~بيت أهلها تبكي وجعلت الدرهم في فيها فأدخل عمر إصبعه فأخرجه من فيها وطرحه ~~على الخراج وقال أيها الناس ليس لعمر ولا لآل عمر إلا ما للمسلمين قريبهم ~~وبعيدهم # وكسح أبو موسى الأشعري بيت المال فوجد درهما فمر بني لعمر رضي الله عنه ~~فأعطاه ms0796 إياه فرأى عمر ذلك في يد الغلام فسأله عنه فقال أعطانيه أبو موسى ~~فقال # يا أبا موسى ما كان في أهل المدينة بيت أهون عليك من آل عمر أردت أن لا ~~يبقى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أحد إلا طلبنا بمظلمة ورد الدرهم إلى ~~بيت المال # هذا مع أن المال كان حلالا ولكن خاف أن لا يستحق هو ذلك القدر فكان ~~يستبريء لدينه ويقتصر على الأقل امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم دع ما ~~يريبك إلى ما لا يريبك (1) # ولقوله ومن تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه (2) # ولما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من التشديدات في الأموال ~~السلطانية حتى قال صلى الله عليه وسلم حين PageV02P137 # بعث عبادة بن الصامت إلى الصدقة اتق الله يا أبا الوليد لا تجيء يوم ~~القيامة ببعير تحمله على رقبتك له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها تؤاج ~~فقال يا رسول الله أهكذا يكون قال نعم والذي نفسي بيده إلا من رحم الله # قال فوالذي بعثك بالحق لا أعمل على شيء أبدا (1) # وقال صلى الله عليه وسلم إني لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي إنما أخاف ~~عليكم أن تنافسوا (2) # وإنما خاف التنافس في المآل # ولذلك قال عمر رضي الله عنه في حديث طويل يذكر فيه مال بيت المال إني لم ~~أجد نفسي فيه إلا كالوالى مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت ~~بالمعروف # وروي أن ابنا لطاوس افتعل كتابا عن لسانه إلى عمر بن عبد العزيز فأعطاه ~~ثلثمائة دينار فباع طاوس ضيعة له وبعث من ثمنها إلى عمر بثلثمائة دينار هذا ~~مع أن السلطان ليس مثل عمر بن عبد العزيز # فهذه الدرجة العليا في الورع # الدرجة الثانية هو أن يأخذ مال السلطان ولكن إنما يأخذ إذا علم أن ما ~~يأخذه من جهة حلال فاشتمال يد السلطان على حرام آخر لا يضره وعلى هذا ينزل ~~جميع ما نقل من الآثار أو أكثرها أو ما اختص منها بأكابر الصحابة والورعين ~~منهم ms0797 مثل ابن عمر فإنه كان من المبالغين في الورع فكيف يتوسع في مال ~~السلطان وقد كان من أشدهم إنكارا عليهم وأشدهم ذما لأموالهم وذلك أنهم ~~اجتمعوا عند ابن عامر وهو في مرضه وأشفق على نفسه من ولايته وكونه مأخوذا ~~عند الله تعالى بها فقالوا له إنا لنرجو لك الخير حفرت الآبار وسقيت الحاج ~~وصنعت وصنعت وابن عمر ساكت فقال ماذا تقول يا ابن عمر فقال أقول ذلك إذا ~~طاب المكسب وزكت النفقة وسترد فترى # وفي حديث آخر أنه قال إن الخبيث لا يكفر الخبيث وإنك قد وليت البصرة ولا ~~أحسبك إلا قد أصبت منها شرا # فقال له ابن عامر ألا تدعو لي فقال ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول لا يقبل الله صلاة بغير طهورا ولا صدقة من غلول (3) # وقد وليت البصرة فهذا قوله فيما صرفه إلى الخيرات # وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال في أيام الحجاج ما شبعت من الطعام ~~منذ انتهبت الدار إلى يومي هذا وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان له سويق ~~في إناء مختوم يشرب منه فقيل أتفعل هذا بالعراق مع كثرة طعامه فقال أما إني ~~لا أختمه بخلابه ولكن أكره أن يجعل فيه ما ليس منه وأكره أن يدخل بطني غير ~~طيب فهذا هو المألوف منهم وكان ابن عمر لا يعجبه شيء إلا خرج عنه فطلب منه ~~نافع بثلاثين ألفا فقال إني أخاف أن تقتنى دراهم ابن عامر وكان هو الطالب ~~اذهب فأنت حر # وقال أبو سعيد الخدري ما منا أحد إلا مالت به الدنيا إلا ابن عمر فبهذا ~~يتضح أنه لا يظن به وبمن كان في منصبه أنه أخذ مالا يدري أنه حلال # الدرجة الثالثة أن يأخذ ما أخذه من السلطان ليتصدق به على الفقراء أو ~~يفرقه على المستحقين فإن ما لا يتعين مالكه هذا حكم الشرع فيه # فإذا كان السلطان إن لم يأخذ منه لم يفرقه واستعان به على ظلم فقد نقول ~~أخذه منه وتفرقته ms0798 أولى من تركه في يده وهذا قد رآه بعض العلماء وسيأتي وجهه # وعلى هذا ينزل ما أخذه أكثرهم ولذلك قال ابن المبارك إن الذين يأخذون ~~الجوائز اليوم ويحتجون بابن عمر وعائشة ما يقتدون بهما لأن ابن عمر فرق ما ~~أخذ حتى استقرض في مجلسه بعد تفرقته ستين ألفا وعائشة فعلت مثل ذلك وجابر ~~بن زيد جاءه مال فتصدق به وقال رأيت أن آخذه منهم وأتصدق أحب إلي من أن ~~أدعها في أيديهم وهكذا فعل الشافعي رحمه الله بما قبله PageV02P138 # من هرون الرشيد فإنه فرقه على قرب حتى لم يمسك لنفسه حبة واحدة # الدرجة الرابعة أن لا يتحقق انه حلال ولا يفرق بل يستبقي ولكن يأخذ من ~~سلطان أكثر ماله حلال وهكذا كان الخلفاء في زمان الصحابة رضي الله عنهم ~~والتابعين بعد الخلفاء الراشدين ولم يكن أكثر مالهم حراما # ويدل عليه تعليل علي رضي الله عنه حيث قال فإن ما يأخذه من الحلال أكثر # فهذا مما قد جوزه جماعة من العلماء تعويلا على الأكثر # ونحن إنما توقفنا فيه في حق آحاد الناس ومال السلطان أشبه بالخروج عن ~~الحصر فلا يبعد أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى جواز أخذ ما لم يعلم أنه حرام ~~اعتمادا على الأغلب وإنما منعناه إذا كان الأكثر حراما فإذا فهمت هذه ~~الدرجات تحققت أن ادرارات الظلمة في زماننا لا تجري مجرى ذلك وأنها تفارقه ~~من وجهين قاطعين # أحدهما أن أموال السلاطين في عصرنا حرام كلها أو أكثرها وكيف لا والحلال ~~هو الصدقات والفيء والغنيمة لا وجود لها وليس يدخل منها شيء في يد السلطان ~~ولم يبق إلا الجزية وأنها تؤخذ بأنواع من الظلم لا يحل أخذها به فإنهم ~~يجاوزون حدود الشرع في المأخوذ والمأخوذ منه والوفاء له بالشرط ثم إذا نسبت ~~ذلك إلى ما ينصب إليهم من الخراج المضروب على المسلمين ومن المصادرات ~~والرشا وصنوف الظلم لم يبلغ عشر معشار عشيره # والوجه الثاني أن الظلمة في العصر الأول لقرب عهدهم بزمان الخلفاء ~~الراشدين كانوا مستشعرين من ظلمهم ومتشوفين ms0799 إلى استمالة قلوب الصحابة ~~والتابعين وحريصين على قبولهم عطاياهم وجوائزهم وكانوا يبعثون إليهم من غير ~~سؤال وإذلال بل كانوا يتقلدون المنة بقبولهم ويفرحون به وكانوا يأخذون منهم ~~ويفرقون ولا يطيعون السلاطين في أغراضهم ولا يغشون مجالسهم ولا يكثرون ~~جمعهم ولا يحبون بقاءهم بل يدعون عليهم ويطلقون اللسان فيهم وينكرون ~~المنكرات منهم عليهم فما كان يحذر أن يصيبوا من دينهم بقدر ما أصابوا من ~~دنياهم ولم يكن يأخذهم بأس فأما الآن فلا تسمح نفوس السلاطين بعطية إلا لمن ~~طمعوا في استخدامهم والتكثر بهم والاستعانة بهم على أغراضهم والتجمل بغشيان ~~مجالسهم وتكليفهم المواظبة على الدعاء والثناء والتزكية والإطراء في حضورهم ~~ومغيبهم # فلو لم يذل الآخذ نفسه بالسؤال أولا وبالتردد في الخدمة ثانيا وبالثناء ~~والدعاء ثالثا وبالمساعدة له على أغراضه عند الاستعانة رابعا وبتكثير جمعه ~~في مجلسه وموكبه خامسا وبإظهار الحب والموالاة والمناصرة له على أعدائه ~~سادسا وبالستر على ظلمه ومقابحه ومساوي أعماله سابعا لم ينعم عليه بدرهم ~~واحد ولو كان في فضل الشافعي رحمه الله مثلا فإذا لا يجوز أن يؤخذ منهم في ~~هذا الزمان ما يعلم أنه حلال لإفضائه إلى هذه المعاني فكيف ما يعلم أنه ~~حرام أو يشك فيه فمن استجرأ على أموالهم وشبه نفسه بالصحابة والتابعين فقد ~~قاس الملائكة بالحدادين # ففي أخذ الأموال منهم حاجة إلى مخالطتهم ومراعاتهم وخدمة عمالهم واحتمال ~~الذل منهم والثناء عليهم والتردد إلى أبوابهم وكل ذلك معصية على ما سنبين ~~في الباب الذي يلي هذا فإذا قد تبين مما تقدم مداخل أموالهم وما يحل منها ~~وما لا يحل # فلو تصور أن يأخذ الإنسان منها ما يحل بقدر استحقاقه وهو جالس في بيته ~~يساق إليه ذلك لا يحتاج فيه إلى تفقد عامل وخدمته ولا إلى الثناء عليهم ~~وتزكيتهم ولا إلى مساعدتهم فلا يحرم الأخذ ولكن يكره لمعان وسننبه عليها في ~~الباب الذي يلي هذا ### |||| النظر الثاني من هذا الباب في قدر المأخوذ وصفة الآخذ # ولنفرض المال من أموال المصالح كأربعة أخماس الفيء والمواريث فإن ما عداه ms0800 ~~مما قد تعين مستحقه إن كان من وقف أو صدقة أو خمس فيء أو خمس غنيمة وما كان ~~من ملك السلطان مما أحياه أو اشتراه فله أن يعطي PageV02P139 # ما شاء لمن شاء # وإنما النظر في الأموال الضائعة ومال المصالح فلا يجوز صرفه إلا إلى من ~~فيه مصلحة عامة أو هو محتاج إليه عاجز عن الكسب فأما الغني الذي لا مصلحة ~~فيه فلا يجوز صرف مال من بيت المال إليه هذا هو الصحيح وإن كان العلماء قد ~~اختلفوا فيه # وفي كلام عمر رضي الله عنه ما يدل على أن لكل مسلم حقا في بيت المال ~~لكونه مسلما مكثرا جمع الإسلام ولكنه مع هذا ما كان يقسم المال على ~~المسلمين كافة بل على مخصوصين بصفات # فإذا ثبت هذا فكل من يتولى أمرا يقوم به تتعدى مصلحته إلى المسلمين ولو ~~اشتغل بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه فله في بيت المال حق الكفاية # ويدخل فيه العلماء كلهم أعني العلوم التي تتعلق بمصالح الدين من علم ~~الفقه والحديث والتفسير والقراءة حتى يدخل فيه المعلمون والمؤذنون # وطلبة هذه العلوم أيضا يدخلون فيه فإنهم إن لم يكفوا لم يتمكنوا من الطلب # ويدخل فيه العمال وهم الذين ترتبط مصالح الدنيا بأعمالهم وهم الأجناد ~~المرتزقة الذين يحرسون المملكة بالسيوف عن أهل العداوة وأهل البغي وأعداء ~~الإسلام # ويدخل فيه الكتاب والحساب والوكلاء وكل من يحتاج إليه في ترتيب ديوان ~~الخراج أعني العمال على الأموال الحلال لا على الحرام فإن هذا المال ~~للمصالح # والمصلحة إما أن تتعلق بالدين أو بالدنيا فبالعلماء حراسة الدين ~~وبالأجناد حراسة الدنيا # والدين والملك توأمان فلا يستغني أحدهما عن الآخر # والطبيب وإن كان لا يرتبط بعلمه أمر ديني ولكن يرتبط به صحة الجسد والدين ~~يتبعه فيجوز أن يكون له ولمن يجري مجراه في العلوم المحتاج إليها في مصلحة ~~الأبدان أو مصلحة البلاد إدرار من هذه الأموال ليتفرغوا لمعالجة المسلمين ~~أعني من يعالج منهم بغير أجرة وليس يشترط في هؤلاء الحاجة بل يجوز أن يعطوا ~~مع من ms0801 الغنى # فإن الخلفاء الراشدين كانوا يعطون المهاجرين والأنصار ولم يعرفوا بالحاجة # وليس يتقدر أيضا بمقدار بل هو إلى اجتهاد الإمام وله أن يوسع ويغني وله ~~أن يقتصر على الكفاية على ما يقتضيه الحال وسعة المال # فقد أخذ الحسن عليه السلام من معاوية في دفعة واحدة أربعمائة ألف درهم # وقد كان عمر رضي الله عنه يعطي لجماعة اثني عشر ألف درهم نقرة في السنة # وأثبتت عائشة رضي الله عنها في هذه الجريدة ولجماعة عشرة آلاف ولجماعة ~~ستة آلاف وهكذا # فهذا مال هؤلاء فيوزع عليهم حتى لا يبقى منه شيء # فإن خص واحدا منه بمال كثير فلا بأس # وكذلك للسلطان أن يخص من هذا المال ذوي الخصائص بالخلع والجوائز فقد كان ~~يفعل ذلك في السلف ولكن ينبغي أن يلتفت فيه إلى المصلحة # ومهما خص عالم أو شجاع بصلة كان فيه بعث للناس وتحريض على الاشتغال ~~والتشبه به فهذه فائدة الخلع والصلات وضروب التخصيصات وكل ذلك منوط باجتهاد ~~السلطان # وإنما النظر في السلاطين الظلمة في شيئين أحدهما أن السلطان الظالم عليه ~~أن يكف عن ولايته وهو إما معزول أو واجب العزل فكيف يجوز أن يأخذ من يده ~~وهو على التحقيق ليس بسلطان والثاني أنه ليس يعمم بماله جميع المستحقين ~~فكيف يجوز للآحاد أن يأخذوا أفيجوز لهم الأخذ بقدر حصصهم أم لا يجوز أصلا ~~أم يجوز أن يأخذ كل واحد ما أعطى # أما الأول: فالذي نراه أنه لا يمنع أخذ الحق لأن السلطان الظالم الجاهل ~~مهما ساعدته الشوكة وعسر خلعه وكان في الاستبدال به فتنة ثائرة لا تطاق وجب ~~تركه ووجبت الطاعة له كما تجب طاعة الأمراء إذ قد ورد في الأمر بطاعة ~~الأمراء (1) # والمنع من سل اليد عن مساعدتهم // حديث المنع من سل اليد عن مساعدتهم ~~أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ~~ميتة جاهلية ولمسلم من حديث أبي هريرة من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات ~~مات ميتة جاهلية وله من حديث ابن عمر من ms0802 خلع يدا من طاعة لقي الله يوم ~~القيامة ولا حجة له # أوامر وزواجر # فالذي نراه أن الخلافة منعقدة للمتكفل PageV02P140 # بها من بني العباس رضي الله عنه # وأن الولاية نافذة للسلاطين في أقطار البلاد والمبايعين للخليفة وقد ~~ذكرنا في كتاب المستظهري المستنبط من كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار تأليف ~~القاضي أبي الطيب في الرد على أصناف الروافض من الباطنية ما يشير إلى وجه ~~المصلحة فيه والقول الوجيز أنا نراعي الصفات والشروط في السلاطين تشوفا إلى ~~مزايا المصالح # ولو قضينا ببطلان الولايات الآن لبطلت المصالح رأسا فكيف يفوت رأس المال ~~في طلب الربح بل الولاية الآن لا تتبع إلا الشوكة # فمن بايعه صاحب الشوكة فهو الخليفة # ومن استبد بالشوكة وهو مطيع للخليفة في أصل الخطبة والسكة فهو سلطان نافذ ~~الحكم والقضاء في أقطار الأرض ولاية نافذة الأحكام # وتحقيق هذا قد ذكرناه في أحكام الإمامة من كتاب الاقتصاد في الاعتقاد ~~فلسنا نطول الآن به # وأما الإشكال الآخر وهو أن السلطان إذا لم يعمم بالعطاء كل مستحق فهل ~~يجوز للواحد أن يأخذ منه فهذا مما اختلف العلماء فيه على أربع مراتب فغلا ~~بعضهم # وقال كل ما يأخذه فالمسلمون كلهم فيه شركاء ولا يدري أن حصته منه دانق أو ~~حبة فليترك الكل وقال قوم له أن يأخذ قدر قوت يومه فقط فإن هذا القدر ~~يستحقه لحاجته على المسلمين وقال قوم له قوت سنة فإن أخذ الكفاية كل يوم ~~عسير وهو ذو حق في هذا المال فكيف يتركه وقال قوم # وقال قوم إنه يأخذ ما يعطى والمظلوم هم الباقون # وهذا هو القياس لأن المال ليس مشتركا بين المسلمين كالغنيمة بين الغانمين ~~ولا كالميراث بين الورثة لأن ذلك صار ملكا لهم # وهذا لو لم يتفق قسمه حتى مات هؤلاء لم يجب التوزيع على ورثتهم بحكم ~~الميراث # بل هذا الحق غير متعين وإنما يتعين بالقبض # بل هو كالصدقات ومهما أعطي الفقراء حصتهم من الصدقات وقع ذلك ملكا لهم ~~ولم يمتنع بظلم المالك بقية الأصناف بمنع حقهم هذا إذا ms0803 لم يصرف إليه كل ~~المال بل صرف إليه من المال ما لو صرف إليه بطريق الإيثار والتفضيل مع ~~تعميم الآخرين لجاز له أن يأخذه والتفضيل جائز في العطاء # سوى أبو بكر رضي الله عنه فراجعه عمر رضي الله عنه فقال إنما فضلهم عند ~~الله وإنما الدنيا بلاغ # وفضل عمر رضي الله عنه في زمانه فأعطى عائشة اثني عشر ألفا وزينب عشرة ~~آلاف وجويرية ستة آلاف وكذا صفية # وأقطع عمر لعلي خاصة رضي الله عنهما # وأقطع عثمان أيضا من السواد خمس جنات وآثر عثمان عليا رضي الله عنهما بها ~~فقبل ذلك منه ولم ينكر # وكل ذلك جائز في محل الاجتهاد وهو من المجتهدات التي أقول فيها إن كل ~~مجتهد مصيب وهي كل مسألة لا نص على عينها ولا على مسألة تقرب منها فتكون في ~~معناها بقياس جلي كهذه المسألة ومسألة حد الشرب فإنهم جلدوا أربعين وثمانين ~~والكل سنة وحق وأن كل واحد من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مصيب باتفاق ~~الصحابة رضي الله عنهم إذ المفضول ما رد في زمان عمر شيئا إلى الفاضل مما ~~قد كان أخذه في زمان أبي بكر ولا الفاضل امتنع من قبول الفضل في زمان عمر ~~واشترك في ذلك كل الصحابة واعتقدوا أن كل واحد من الرأيين حق # فليؤخذ هذا الجنس دستورا للخلافات التي يصوب فيها كل مجتهد # فأما كل مسألة شذ عن مجتهد فيها نص أو قياس جلي بغفلة أو سوء رأي وكان في ~~القوة بحيث ينقض حكم المجتهد فلا نقول فيها إن كل واحد مصيب بل المصيب من ~~أصاب النص أو ما في معنى النص # وقد تحصل من مجموع هذا أن من وجد من أهل الخصوص الموصوفين بصفة تتعلق بها ~~مصالح الدين أو الدنيا وأخذ من السلطان خلعة أو إدرارا على التركات أو ~~الجزية لم يصر فاسقا بمجرد أخذه وإنما يفسق بخدمته لهم ومعانته إياهم ~~ودخوله PageV02P141 # عليهم وثنائه وإطرائه لهم إلى غير ذلك من لوازم لا يسلم المال غالبا إلا ~~بها كما سنبينه ms0804 ### ||| الباب السادس فيما يحل من مخالطة السلاطين الظلمة وما يحرم وحكم غشيان مجالسهم والدخول عليهم والإكرام لهم # اعلم أن لك مع الأمراء والعمال الظلمة ثلاثة أحوال # الحالة الأولى وهي شرها أن تدخل عليهم # والثانية وهي دونها أن يدخلوا عليك والثالثة وهي الأسلم أن تعتزل عنهم ~~فلا تراهم ولا يرونك # أما الحالة الأولى وهي الدخول عليهم فهو مذموم جدا في الشرع وفيه تغليظات ~~وتشديدات تواردت بها الأخبار والآثار فننقلها لتعرف ذم الشرع له ثم نتعرض ~~لما يحرم منه وما يباح وما يكره على ما تقتضيه الفتوى في ظاهر العلم # أما الأخبار فإنه لما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمراء الظلمة ~~قال فمن نابذهم نجا ومن اعتزلهم سلم أو كاد أن يسلم ومن وقع معهم في دنياهم ~~فهو منهم (1) # وذلك لأن من اعتزلهم سلم من إممهم ولكن لم يسلم من عذاب يعمه معهم إن نزل ~~بهم لتركه المنابذة والمنازعة # وقال صلى الله عليه وسلم سيكون من بعدي أمراء يكذبون ويظلمون فمن صدقهم ~~يكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولم يرد علي الحوض (2) # وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم أبغض القراء إلى ~~الله تعالى الذين يزورون الأمراء (3) # وفي الخبر خير الأمراء الذين يأتون العلماء وشر العلماء الذين يأتون ~~الأمراء # وفي الخبر العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان فإذا ~~فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم (4) # رواه أنس رضي الله عنه # وأما الآثار فقد قال حذيفة إياكم ومواقف الفتن قيل وما هي قال أبواب ~~الأمراء يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول ما ليس فيه # وقال أبو ذر لسلمة يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين فإنك لا تصيب من دنياهم ~~شيئا إلا أصابوا من دينك أفضل منه وقال سفيان في جهنم واد لا يسكنه إلا ~~القراء الزوارون للملوك # وقال الأوزاعي ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا # وقال سمنون ما أسمج بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا ms0805 يوجد فيسأل عنه فيقال ~~عند الأمير # وكنت أسمع أنه يقال إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه على دينكم حتى ~~جربت ذلك إذ ما دخلت قط على هذا السلطان إلا وحاسبت نفسي بعد الخروج فأرى ~~عليها الدرك مع ما أواجههم به من الغلظة والمخالفة لهواهم # وقال عبادة بن الصامت حب القاريء الناسك الأمراء نفاق وحبه الأغنياء رياء # وقال أبو ذر من كثر سواد قوم فهو منهم أي من كثر سواد الظلمة # وقال ابن مسعود رضي الله عنه إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه فيخرج ~~ولا دين له قيل له ولم قال لأنه يرضيه بسخط الله # واستعمل عمر بن PageV02P142 # عبد العزيز رجلا فقيل كان عاملا للحجاج فعزله فقال الرجل إنما عملت له ~~شيء يسير فقال له عمر حسبك بصحبته يوما أو بعض يوم شؤما وشرا # وقال الفضيل ما ازداد رجل من ذي سلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا # وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت ويقول إن في هذا لغنى عن هؤلاء ~~السلاطين وقال وهيب هؤلاء الذين يدخلون على الملوك لهم أضر على الأمة من ~~المقامرين # وقال محمد بن سلمة الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء # ولما خالط الزهري السلطان كتب أخ له في الدين إليه # عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن ~~يدعوا لك الله ويرحمك أصبحت شيخا كبيرا قد أثقلتك نعم الله لما فهمك من ~~كتابه وعلمك من سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وليس كذلك أخذ الله ~~الميثاق على العلماء قال الله تعالى {لتبيننه للناس ولا تكتمونه} واعلم أن ~~أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم وسهلت سبيل البغي ~~بدنوك ممن لم يؤد حقا ولم يترك باطلا حين أدناك اتخذوك قطبا تدور عليك رحى ~~ظلمهم وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم وسلما يصعدون فيه إلى ضلالهم ويدخلون ~~بك الشك على العلماء ويصادون بك قلوب الجهلاء فما أيسر ما عمروا في جنب ما ~~خربوا عليك ms0806 وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك فما يؤمنك أن ~~تكون ممن قال الله تعالى فيهم {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة} الآية ~~وإنك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل فداو دينك فقد دخله سقم وهيء ~~رادك فقد حضر سفر بعيد {وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء} ~~والسلام # فهذه الأخبار والآثار تدل على ما في مخالطة السلاطين من الفتن وأنواع ~~الفساد ولكن نفصل ذلك تفضيلا فقيها تميز فيه المحظور عن المكروه والمباح # فنقول الداخل على السلطان متعرض لأن يعصي الله تعالى إما بفعله أو بسكوته ~~وإما بقوله وإما باعتقاده فلا ينفك عن أحد هذه الأمور # أما الفعل فالدخول عليهم في غالب الأحوال يكون إلى دور مغصوبة وتخطيها ~~والدخول فيها بغير إذن الملاك حرام ولا يغرنك قول القائل إن ذلك مما يتسامح ~~به الناس كتمرة أو فتات خبز ذلك صحيح في غير المغصوب أما المغصوب فلا # لأنه إن قيل إن كل جلسة خفيفة لا تنقص الملك فهي في محل التسامح وكذلك ~~الاجتياز فيجري هذا في كل واحد فيجري أيضا في المجموع والغصب إنما تم بفعل ~~الجميع وإنما يتسامح به إذا انفرد إذ لو علم المالك به ربما لم يكرهه فأما ~~إذا كان ذلك طريقا إلى الاستغراق بالاشتراك فحكم التحريم ينسحب على الكل ~~فلا يجوز أن يؤخذ ملك الرجل طريقا اعتمادا على أن كل واحد من المارين إنما ~~يخطو خطوة لا تنقص الملك لان المجموع مفتوت للملك وهو كضربة خفيفة في ~~التعليم تباح ولكن بشرط الانفراد فلو اجتمع جماعة بضربات توجب القتل وجب ~~القصاص على الجميع مع أن كل واحدة من الضربات لو انفردت لكانت لا توجب ~~قصاصا # فإن فرض كون الظالم في موضع غير مغصوب كالموات مثلا فإن كان تحت خيمة أو ~~مظلة من ماله فهو حرام والدخول إليه غير جائز لأنه انتفاع بالحرام واستظلال ~~به # فإن فرض كل ذلك حلالا فلا يعصى بالدخول من حيث إنه دخول ولا بقوله ms0807 السلام ~~عليكم ولكن إن سجد أو ركع أو مثل قائما في سلامه وخدمته كان مكرما للظالم ~~بسبب ولايته التي هي آلة ظلمه والتواضع للظالم معصية # بل من تواضع لغني ليس يظالم لأجل غناه لا لمعنى آخر اقتضى التواضع نقص ~~ثلثا دينه فكيف إذا تواضع للظالم فلا يباح إلا مجرد السلام فأما تقبيل اليد ~~والانحناء في الخدمة فهو معصية إلا عند الخوف أو الأمام عادل أو لعالم أو ~~لمن يستحق ذلك بأمر ديني # قبل PageV02P143 # أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه يد علي كرم الله وجهه لما أن لقيه ~~بالشام فلم ينكر عليه # وقد بالغ بعض السلف حتى امتنع عن رد جوابهم في السلام والإعراض عنهم ~~استحقارا لهم وعد ذلك من محاسن القربات # فأما السكوت عن رد الجواب ففيه نظر لأن ذلك واجب فلا ينبغي أن يسقط ~~بالظلم # فإن ترك الداخل جميع ذلك واقتصر على السلام فلا يخلو من الجلوس على ~~بساطهم وإذا كان أغلب أموالهم حراما فلا يجوز الجلوس على فرشهم هذا من حيث ~~الفعل # فأما السكوت فهو أنه سيرى في مجلسهم من الفرش الحرير وأواني الفضة ~~والحرير الملبوس عليهم وعلى غلمانهم ما هو حرام # وكل من رأى سيئة وسكت عليها فهو شريك في تلك السيئة # بل يسمع من كلامهم ما هو فحش وكذب وشتم وإيذاء والسكوت على جميع لك حرام ~~بل يراهم لابسين الثياب الحرام وآكلين الطعام الحرام وجميع ما في أيديهم ~~حرام والسكوت على ذلك غير جائز فيجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~بلسانه إن لم يقدر بفعله # فإن قلت إنه يخاف على نفسه فهو معذور في السكوت فهذا حق ولكنه مستغن عن ~~أن يعرض نفسه لارتكاب مالا يباح إلا بعذر فإنه لو لم يدخل ولم يشاهد لم ~~يتوجه عليه الخطاب بالحسبة حتى يسقط عنه بالعذر # وعند هذا أقول من علم فسادا في موضع وعلم أنه لا يقدر على إزالته فلا ~~يجوز له أن يحضر ليجري ذلك بين يديه وهو يشاهده ويسكت بل ينبغي أن يحترز عن ms0808 ~~مشاهدته # وأما القول فهو أن يدعو للظالم أو يثني عليه أو يصدقه فيما يقول من باطل ~~بصريح قوله أو بتحريك رأسه أو باستبشار في وجهه أو يظهر له الحب والموالاة ~~والاشتياق إلى لقائه والحرص على طول عمره وبقائه فإنه في الغالب لا يقتصر ~~على السلام بل يتكلم ولا يعدو كلامه هذه الأقسام # أما الدعاء له فلا يحل إلا أن يقول أصلحك الله أو وفقك الله للخيرات أو ~~طول الله عمرك في طاعته أو ما يجري هذا المجرى # فأما الدعاء بالحراسة وطول البقاء وإسباغ النعمة مع الخطاب بالمولى وما ~~في معناه فغير جائز قال صلى الله عليه وسلم من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب ~~أن يعصي الله في أرضه (1) # فإن جاوز الدعاء إلى الثناء فسيذكر ما ليس فيه فيكون به كاذبا ومنافقا ~~ومكرما لظالم وهذه ثلاث معاص # وقد قال صلى الله عليه وسلم إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق (2) # وفي خبر آخر من أكرم فاسقا فقد أعان على هدم الإسلام (3) # فإن جاوز ذلك إلى التصديق له فيما يقول والتزكية والثناء على ما يعمل كان ~~عاصيا بالتصديق والإعانة فإن التزكية والثناء إعانة على المعصية وتحريك ~~للرغبة فيه كما أن التكذيب والذمة والتقبيح زجر عنه وتضعيف لدواعيه # والإعانة على المعصية معصية ولو بشطر كلمة # ولقد سئل سفيان الثوري رضي الله عنه عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل ~~يسقى شربة ماء فقال لا دعه حتى يموت فإن ذلك إعانة له # وقال غيره يسقى إلى أن تثوب إليه نفسه ثم يعرض عنه # فإن جاوز ذلك إلى إظهار الحب والشوق إلى لقائه وطول بقائه فإن كان كاذبا ~~عصى معصية الكذب والنفاق وإن كان صادقا عصى بحبه بقاء الظالم وحقه أن يبغضه ~~في الله ويمقته # فالبغض في الله واجب ومحب المعصية والراضي بها عاص ومن أحب ظالما فإن ~~أحبه لظلمه فهو عاص لمحبته وإن احبه لسبب آخر فهو عاص من حيث إنه لم يبغضه ~~وكان الواجب عليه أن يبغضه # وإن اجتمع في شخص خير وشر ms0809 وجب أن يحب لأجل ذلك الخير ويبغض لأجل ذلك الشر # وسيأتي PageV02P144 # في كتاب الإخوة والمتحابين في الله وجه الجمع بين البغض والحب # فإن سلم من ذلك كله وهيهات فلا يسلم من فساد يتطرق إلى قلبه فإنه ينظر ~~إلى توسعه في النعمة ويزدري نعم الله عليه ويكون مقتحما نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حيث قال يا معشر المهاجرين لا تدخلوا على أهل الدنيا فإنها ~~مسخطة للرزق (1) # وهذا مع ما فيه من اقتداء غيره به في الدخول ومن تكثيره سواد الظلمة ~~بنفسه وتجميله إياهم إن كان ممن يتجمل به وكل ذلك إما مكروهات أو محظورات # دعي سعيد بن المسيب إلى البيعة للوليد وسليمان ابني عبد الملك بن مروان ~~فقال # لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن بيعتين (2) # فقال ادخل من الباب واخرج من الباب الآخر فقال لا والله لا يتقدى بي أحد ~~من الناس فجلد مائة وألبس المسوح # ولا يجوز الدخول عليهم إلا بعذرين أحدهما أن يكون من جهتهم أمر إلزام لا ~~أمر إكرام وعلم أنه لو امتنع أوذى أو فسد عليهم طاعة الرعية واضطرب عليهم ~~أمر السياسة فيجب عليه الإجابة لا طاعة لهم بل مراعاة لمصلحة الخلق حتى لا ~~تضطرب الولاية # والثاني أن يدخل عليهم في دفع ظلم عن مسلم سواه أو عن نفسه إما بطريق ~~الحسبة أو بطريق التظلم فذلك رخصة بشرط أن لا يكذب ولا يثني ولا يدع نصيحة ~~يتوقع لها قبولا فهذا حكم الدخول # الحالة الثانية أن يدخل عليك السلطان الظالم زائرا فجواب السلام لا بد ~~منه # وأما القيام والإكرام له فلا يحرم مقابلة له على إكرامه # فإنه بإكرام العلم والدين مستحق للإحماد كما أنه بالظلم مستحق للإبعاد # فالإكرام بالإكرام والجواب بالسلام # ولكن الأولى أن لا يقوم إن كان معه في خلوة ليظهر له بذلك عز الدين ~~وحقارة الظلم ويظهر غضبه للدين وإعراضه عمن أعرض عن الله فأعرض الله تعالى ~~عنه # وإن كان الداخل عليه في جمع فمراعاة ms0810 حشمة أرباب الولايات فيما بين ~~الرعايا مهم فلا بأس بالقيام على هذه النية # وإن علم أن ذلك لا يورث فسادا في الرعية ولا يناله أذى من غضبه فترك ~~الإكرام بالقيام أولى ثم يجب عليه بعد أن وقع اللقاء أن ينصحه فإن كان قارف ~~ما لا يعرف تحريمه وهو يتوقع أن يتركه إذا عرف فليعرفه فذلك واجب # وأما ذكر تحريم ما يعلم تحريمه من السرف والظلم فلا فائدة فيه بل عليه أن ~~يخوفه فيما يرتكبه من المعاصي مهما ظن أن التخويف يؤثر فيه # وعليه أن يرشده إلى طريق المصلحة إن كان يعرف طريقا على وفق الشرع بحيث ~~يحصل بها غرض الظالم من غير معصية ليصده بذلك عن الوصول إلى غرضه بالظلم # فإذا يجب عليه التعريف في محل جهله والتخويف فيما هو مستجرئ عليه ~~والإرشاد إلى ما هو غافل عنه مما يغنيه عن الظلم فهذه ثلاثة أمور تلزمه إذا ~~توقع للكلام فيه أثرا وذلك أيضا لازم على كل من اتفق له دخول على السلطان ~~بعذر أو بغير عذر # وعن محمد بن صالح قال كنت عند حماد بن سلمة وإذا ليس في البيت إلا حصير ~~وهو جالس عليه ومصحف يقرأ فيه وجراب فيه علمه ومطهرة يتوضأ منها فبينا أنا ~~عنده إذ دق داق الباب فإذا هو محمد بن سليمان فأذن له فدخل وجلس بين يديه ~~ثم قال له مالى إذا رأيتك امتلأت منك رعبا قال حماد لأنه قال عليه السلام ~~إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء وإن أراد أن يكنز به الكنوز ~~هاب من كل شيء (3) # ثم عرض عليه أربعين ألف درهم وقال تأخذها وتستعين بها قال ارددها على من ~~ظلمته بها PageV02P145 # قال والله ما أعطيتك إلا مما ورثته قال لا حاجة لي بها فتأخذها فتقسمها ~~قال لعلي إن عدلت في قسمتها أخاف أن يقول بعض من لم يرزق منها إنه لم يعدل ~~في قسمتها فيأثم فازوها عني # الحالة الثالثة أن يعتزلهم فلا يراهم ولا يرونه وهو الواجب إذ ms0811 لا سلامة ~~إلا فيه فعليه أن يعتقد بغضهم على ظلمهم ولا يحب بقاءهم ولا يثني عليهم ولا ~~يستخبر عن أحوالهم ولا يتقرب إلى المتصلين بهم ولا يتأسف على ما يفوت بسبب ~~مفارقتهم وذلك إذا خطر بباله أمرهم وإن غفل عنهم فهو الأحسن # وإذا خطر بباله تنعمهم فليذكر ما قاله حاتم الأصم إنما بيني وبين الملوك ~~يوم واحد فأما أمس فلا يجدون لذته وإني وإياهم في غد لعلى وجل وإنما هو ~~اليوم وما عسى أن يكون في اليوم وما قاله أبو الدرداء إذ قال أهل الأموال ~~يأكلون ونأكل ويشربون ونشرب ويلبسون ونلبس ولهم فضول أموال ينظرون إليها ~~وننظر معهم إليها وعليهم حسابها ونحن منها براء # وكل من أحاط علمه بظلم ظالم ومعصية عاص فينبغي أن يحط ذلك من درجته في ~~قلبه # فهذا واجب عليه لأن من صدر منه ما يكره نقص ذلك من رتبته في القلب لا ~~محالة # والمعصية ينبغي أن تكره فإنه إما أن يغفل عنها أو يرضى بها أو يكره ولا ~~غفلة مع العلم ولا وجه للرضا فلا بد من الكراهة فليكن جناية كل أحد على حق ~~الله كجنايته على حقك # فإن قلت الكراهة لا تدخل تحت الاختيار فكيف تجب قلنا ليس كذلك فإن المحب ~~يكره بضرورة الطبع ما هو مكروه عند محبوبه ومخالف له فإن من لا يكره معصية ~~الله لا يحب الله وإنما لا يحب الله من لا يعرفه والمعرفة واجبة والمحبة ~~لله واجبة # وإذا أحبه كره ما كرهه واحب ما أحبه وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب المحبة ~~والرضا # فإن قلت فقد كان علماء السلف يدخلون على السلاطين فأقول نعم تعلم الدخول ~~منهم ثم ادخل كما حكي أن هشام بن عبد الملك قدم حاجا إلى مكة فلما دخلها ~~قال ائتوني برجل من الصحابة فقيل يا أمير المؤمنين قد تفانوا فقال من ~~التابعين فأتي بطاوس اليماني فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ولم ~~يسلم عليه بإمرة المؤمنين ولكن قال السلام عليك يا هشام ولم يكنه وجلس ~~بإزائه ms0812 وقال كيف أنت يا هشام فغضب هشام غضبا شديدا حتى هم بقتله فقيل له ~~أنت في حرم الله وحرم رسوله ولا يمكن ذلك فقال يا طاوس ما الذي حملك على ما ~~صنعت قال وما الذي صنعت فازداد غضبا وغيظا قال خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم ~~تقبل يدي ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي بغير إذني ~~وقلت كيف أنت يا هشام قال أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك فإني ~~أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب علي وأما ~~قولك لم تقبل يدي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~يقول لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا امرأته من شهوة أو ولده من رحمة وأما ~~قولك لم تسلم علي بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك فكرهت أن أكذب ~~وأما قولك لم تكنني فإن الله تعالى سمى أنبياءه وأولياءه فقال يا يحيى يا ~~عيسى وكنى أعداءه فقال {تبت يدا أبي لهب} وأما قولك جلست بإزائي فإني سمعت ~~أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه يقول إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل ~~النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام # فقال له هشام عظني فقال سمعت من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يقول إن ~~في جهنم حيات كالقلال وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته # ثم قام وهرب # وعن سفيان الثوري رضي الله عنه قال أدخلت على أبي جعفر المنصور بمنى فقال ~~لي ارفع إلينا حاجتك فقلت له اتق الله فقد ملأت الأرض ظلما وجورا # قال فطأطأ رأسه ثم رفعه فقال ارفع إلينا PageV02P146 # حاجتك فقلت إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار وأبناؤهم ~~يموتون جوعا فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم فطأطأ رأسه ثم رفعه فقال ارفع ~~إلينا حاجتك فقلت حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لخازنه كم أنفقت قال ~~بضعة عشر درهما وأرى ههنا أموالا لا تطيق الجمال حملها وخرج ms0813 فهكذا كانوا ~~يدخلون على السلاطين إذا ألزموا وكانوا يغررون بأرواحهم للانتقام لله من ~~ظلمهم # ودخل ابن أبي شميلة على عبد الملك بن مروان فقال له تكلم فقال له إن ~~الناس لا ينجون في القيامة من غصصها ومراراتها ومعاينة الردى فيها إلا من ~~أرضى الله بسخط نفسه فبكى عبد الملك وقال لأجعلن هذه الكلمة مثالا نصب عيني ~~ما عشت # ولمال استعمل عثمان بن عفان رضي الله عنه عبد الله بن عامر أتاه أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبطأ عنه أبو ذر وكان له صديقا فعاتبه فقال ~~أبو ذر # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أن الرجل إذا ولى ولايته تباعد ~~الله عنه (1) # ودخل مالك بن دينار على أمير البصرة فقال أيها الأمير قرأت في بعض الكتب ~~إن الله تعالى يقول ما أحمق من سلطان وما أجهل ممن عصاني ومن اعز ممن اعتز ~~بي أيها الراعي السوء دفعت إليك غنما سمانا صحاحا فأكلت اللحم ولبست الصوف ~~وتركها عظاما تتقعقع فقال له والي البصرة أندري ما الذي يجرئك علينا ~~ويجنبنا عنك قال لا قال قلة الطمع فينا وترك الإمساك لما في أيدينا # وكان عمر بن عبد العزيز واقفا مع سليمان ابن عبد الملك فسمع سليمان صوت ~~الرعد فجزع ووضع صدره على مقدمة لرحل فقال له عمر هذا صوت رحمته فكيف إذا ~~سمعت صوت عذابه ثم نظر سليمان إلى الناس فقال ما أكثر الناس فقال عمر ~~خصماؤك يا أمير المؤمنين فقال له سليمان ابتلاك الله بهم # وحكي أن سليمان بن عبد الملك قدم المدينة وهو يريد مكة فأرسل إلى أبي ~~حازم فدعاه فلما دخل عليه قال له سليمان يا أبا حازم ما لنا نكره الموت ~~فقال لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى ~~الخراب فقال يا أبا حازم كيف القدوم على الله قال يا أمير المؤمنين أما ~~المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه فبكى ~~سليمان وقال ليت شعري ما لي عند ms0814 الله قال أبو حازم اعرض نفسك على كتاب الله ~~تعالى حيث قال {إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} قال فأين رحمة ~~الله قال قريب من المحسنين ثم قال سليمان يا أبا حازم أي عباد الله أكرم ~~قال أهل البر والتقوى قال فأي الأعمال أفضل قال أداء الفرائض مع اجتناب ~~المحارم قال فأي الكلام أسمع قال قول الحق عند من تخاف وترجوا قال فأي ~~المؤمنين أكيس قال رجل عمل بطاعة الله ودعا الناس إليها قال فأي المؤمنين ~~أخسر قال رجل خطا في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال سليمان ~~ما تقول فيما نحن فيه قال أو تعفيني قال لا بد فإنها نصيحة تلقيها إلي قال ~~يا أمير المؤمنين إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة من ~~غير مشورة من المسلمين ولا رضا منهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة وقد ~~ارتحلوا فلو شعرت مما قالوا وما قيل لهم فقال له رجل من جلسائه بئسما قلت ~~قال أبو حازم إن الله قد أخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا ~~يكتمونه # قال وكيف لنا أن نصلح هذا الفساد قال أن تأخذه من حله فتضعه في حقه فقال ~~سليمان ومن يقدر على ذلك فقال من يطلب الجنة ويخاف من النار # فقال سليمان ادع لي # فقال أبو حازم اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخيري الدنيا والآخرة وإن ~~كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى فقال سليمان أوصني فقال أوصيك وأوجز ~~عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك # وقال عمر PageV02P147 # ابن عبد العزيز لأبي حازم عظني فقال اضطجع ثم اجعل الموت عند رأسك ثم ~~انظر إلى ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فخذ به الآن وما تكره أن يكون فيك ~~تلك الساعة فدعه الآن فلعل تلك الساعة قريبة # ودخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك فقال تكلم يا أعرابي فقال يا أمير ~~المؤمنين إني مكلمك بكلام فاحتمله وإن كرهته فإن وراءه ما تحب ms0815 إن قبلته ~~فقال يا أعرابي إنا لنجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه ولا تأمن غشه ~~فكيف بمن نأمن غشه ونرجو نصحه فقال الأعرابي يا أمير المؤمنين إنه قد تكنفك ~~رجال اساءوا الاختيار لأنفسهم وابتاعوا دنياهم بدينهم ورضاك بسخط ربهم ~~خافوك في الله تعالى ولم يخافوا الله فيك حرب الآخرة سلم الدنيا فلا ~~تأتمنهم على ما ائتمنك الله تعالى عليه فإنهم لم يألوا في الأمانة تضييعا ~~وفي الأمة خسفا وعسفا وأنت مسؤل عما اجترحوا وليسوا بمسؤولين عما اجترحت ~~فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك فإن أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره ~~فقال له سليمان يا أعرابي أما إنك قد سللت لسانك وهو أقطع سيفيك قال أجل يا ~~أمير المؤمنين ولكن لك لا عليك # وحكي أن أبا بكرة دخل على معاوية فقال اتق الله يا معاوية واعلم أنك في ~~كل يوم يخرج عنك وفي كل ليلة تأتي عليك لا تزداد من الدنيا إلا بعدا ومن ~~الآخرة إلا قربا وعلى أثرك طالب لا تفوته وقد نصب لك علما لا تجوزه فما ~~أسرع ما تبلغ العلم وما أوشك ما يلحق بك الطالب وإنا وما نحن فيه زائل وفي ~~الذي نحن إليه صائرون باق إن خيرا فخير وإن شرا فشر # فهكذا كان دخول أهل العلم على السلاطين أعني علماء الآخرة فأما علماء ~~الدنيا فيدخلون ليتقربوا إلى قلوبهم فيدلونهم على الرخص ويستنبطون لهم ~~بدقائق الحيل طرق السعة فيما يوافق أغراضهم # وإن تكلموا بمثل ما ذكرناه في معرض الوعظ لم يكن قصدهم الإصلاح بل اكتساب ~~الجاه والقبول عندهم # وفي هذا غروران يغتر بهم الحمقى أحدهما أن يظهر أن قصدي في الدخول عليهم ~~إصلاحهم بالوعظ # وربما يلبسون على انفسهم بذلك وإنما الباعث لهم شهوة خفية للشهرة وتحصيل ~~المعرفة عندهم وعلامة الصدق في طلب الإصلاح انه لو تولى ذلك الوعظ غيره ممن ~~هو من أقرانه في العلم ووقع موقع القبول وظهر به أثر الصلاح فينبغي أن يفرح ~~به ويشكر الله تعالى على كفايته هذا المهم كمن ms0816 وجب عليه أن يعالج مريضا ~~ضائعا فقام بمعاجلته غيره فإنه يعظم به فرحه # فإن كان يصادف في قلبه ترجيحا لكلامه على كلام غيره فهو مغرور الثاني أن ~~يزعم أني أقصد الشفاعة لمسلم في دفع ظلامة # وهذا أيضا مظنة الغرور ومعياره ما تقدم ذكره # وإذا ظهر طريق الدخول عليهم فلنرسم في الأحوال العارضة في مخالطة ~~السلاطين ومباشرة أموالهم مسائل # مسألة إذا بعث إليك السلطان مالا لتفرقه على الفقراء فإن كان له مالك ~~معين فلا يحل أخذه وإن لم يكن بل كان حكمه انه يحب التصدق به على المساكين ~~كما سبق فلك أن تأخذه وتتولى التفرقة ولا تعصى بأخذه ولكن من العلماء من ~~امتنع عنه فعند هذا ينظر في الأولى فنقول # الأولى أن تأخذه إن أمنت ثلاث غوائل # الغائلة الأولى أن يظن السلطان بسبب أخذك أن ماله طيب ولولا أنه طيب لما ~~كنت تمد يدك إليه ولا تدخله في ضمانك فإن كان كذلك فلا تأخذه فإن ذلك محذور ~~ولا يفي الخير في مباشرتك التفرقة بما يحصل لك من الجراءة على كسب الحرام # الغائلة الثانية أن ينظر إليك غيرك من العلماء والجهال فيعتقدون أنه حلال ~~فيقتدون بك في الأخذ ويستدلون به PageV02P148 # على جوازه ثم لا يفرقون فهذا أعظم من الأول فإن جماعة يستدلون بأخذ ~~الشافعي رضي الله عنه على جواز الأخذ ويغفلون عن تفرقته وأخذه على نية ~~التفرقة فالمقتدي والمتشبه به ينبغي أن يحترز عن هذا غاية الاحتراز فإنه ~~يكون فعله سبب ضلال خلق كثير # وقد حكى وهب بن منبه إن رجلا أتي به إلى ملك بمشهد من الناس ليكرهه على ~~أكل لحم الخنزير فلم يأكل فقدم إليه لحم غنم وأكره بالسيف فلم يأكل فقيل له ~~في ذلك فقال إن الناس قد اعتقدوا أني طولبت بأكل لحم الخنزير فإذا خرجت ~~سالما وقد أكلت فلا يعلمون ماذا أكلت فيضلون # ودخل وهب ابن منبه وطاوس على محمد بن يوسف أخي الحجاج وكان عاملا وكان في ~~غداة باردة في مجلس بارز فقال لغلامه هلم ذلك الطيلسان ms0817 وألقه على أبي عبد ~~الرحمن أي طاوس وكان قد قعد على كرسي فألقي عليه فلم يزل يحرك كتفيه حتى ~~ألقى الطيلسان عنه فغضب محمد بن يوسف فقال وهب كنت غنيا عن أن تغضبه لو ~~أخذت الطيلسان وتصدقت به قال نعم لولا أن يقول من بعدي إنه أخذه طاوس ولا ~~يصنع به ما أصنع به إذن لفعلت # الغائلة الثانية أن يتحرك قلبك إلى حبك لتخصيصه إياك وإثاره لك بما أنفذه ~~إليك فإن كان كذلك فلا تقبل ذلك هو السم القاتل والداء الدفين أعني ما يحبب ~~الظلمة إليك فإن من أحببته لا بد أن تحرص عليه وتداهن فيه # قالت عائشة رضي الله عنها جبلت النفوس على حب من أحسن إليها # وقال عليه السلام اللهم لا تجعل لفاجر عندي يدا فيحبه قلبي (1) # بين صلى الله عليه وسلم إن القلب لا يكاد يمتنع من ذلك # وروي أن بعض الأمراء أرسل إلى مالك بن دينار بعشرة آلاف درهم فأخرجها ~~كلها فأتاه محمد بن واسع فقال ما صنعت بما أعطاك هذا المخلوق قال سل أصحابي ~~فقالوا أخرجه كله فقال # أنشدك الله أقلبك أشد حبا له الآن أم قبل أن أرسل إليك لا بل الآن قال ~~إنما كنت أخاف هذا # وقد صدق فإنه إذا أحبه أحب بقاءه وكره وعزله ونكبته وموته وأحب اتساع ~~ولايته وكثرة ماله وكل ذلك حب لأسباب الظلم وهو مذموم # قال سلمان وابن مسعود رضي الله عنهما من رضي بأمر وإن غاب عنه كان كمن ~~شهده قال تعالى {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} قيل لا ترضوا بأعمالهم فإن ~~كنت في القوة بحيث لا تزداد حبالهم بذلك فلا بأس بالأخذ # وقد حكي عن بعض عباد البصرة أنه كان يأخذ أموالا ويفرقها فقيل له ألا ~~تخاف أن تحبهم فقال لو أخذ رجل بيدي وأدخلني الجنة ثم عصى ربه ما أحبه قلبي ~~لأن ما الذي سخره للأخذ بيدي هو الذي أبغضه لأجله شكرا له على تصخيره إياه # وبهذا تبين أخذ المال الآن منهم وإن كان ذلك المال ms0818 بعينه من وجه حلال ~~محذور ومذموم لأنه لا ينفك عن هذه الغوائل # مسألة إن قال قائل إذا جاز أخذ ماله وتفرقته فهل يجوز أن يسرق ماله أو ~~تخفى وديعته وتنكر وتفرق على الناس فنقول ذلك غير جائز لأنه ربما يكون له ~~مالك معين وهو على عزم أن يرده عليه وليس هذا كما لو بعثه إليك فإن العاقل ~~لا يظن به أنه يتصدق بما يعلم مالكه فيدل تسليمه على أنه لا يعرف مالكه فإن ~~كان ممن يشكل عليه مثله فلا يجوز أن يقبل منه المال مالم يعرف ذلك ثم كيف ~~يسرق ويحتمل أن يكون ملكه قد حصل له بشراء في ذمته فإن اليد دلالة على ~~الملك # فهذا لا سبيل إليه بل لو وجد لقطة وظهر أن صاحبها جندي واحتمل أن تكون له ~~بشراء في الذمة أو غيره وجب الرد عليه # فإذا لا يجوز سرقة مالهم لا منهم ولا ممن أودع عنده # ولا يجوز إنكار وديعتهم ويجب الحد على سارق ما لهم إلا إذا ادعى السارق ~~أنه ليس ملكا لهم فعند ذلك يسقط الحد بالدعوى PageV02P149 # مسألة المعاملة معهم حرام لأن اكثر ما لهم حرام فما يؤخذ عوضا فهو حرام ~~فإن أدى الثمن من موضع يعلم حله فيبقى النظر فيما سلم إليهم فإن علم أنهم ~~يعصون الله به كبيع الديباج منهم وهو يعلم أنهم يلبسونه فذلك حرام كبيع ~~العنب من الخمار وإنما الخلاف فى الصحة وإن أمكن ذلك وأمكن أن يلبسها نساءه ~~فهو شبهة مكروهه هذا فيما يعصى في عينه من الأموال # وفي معناه بيع الفرس منهم لا سيما في وقت ركوبهم إلى قتال المسلمين أو ~~جباية أموالهم فإن ذلك إعانة لهم بفرسه وهي محظورة # فأما بيع الدراهم والدنانير منهم وما يجري مجراها مما لا يعصى في عينه بل ~~يتوصل بها فهو مكروه لما فيه من إعانتهم على الظلم لأنهم يستعينون على ~~ظلمهم بالأموال والدواب وسائر الأسباب وهذه الكراهة جارية في الإهداء إليهم ~~وفي العمل لهم من غير أجرة حتى في تعليمهم وتعليم ms0819 أولادهم الكناية والترسل ~~والحساب وأما تعليم القرآن فلا يكره إلا من حيث أخذ الأجرة فإن ذلك حرام ~~إلا من وجه يعلم حله ولو انتصب وكيلا لهم يشتري لهم في الأسواق من غير جعل ~~أو أجرة فهو مكروه من حيث الإعانة وإن اشترى لهم ما يعلم أنهم يقصدون به ~~المعصية كالغلام والديباج للعرش واللبس والفرس للركوب إلى الظلم والقتل ~~فذلك حرام # فمهما ظهر قصد المعصية بالمبتاع حصل التحريم ومهما لم يظهر واحتمل بحكم ~~الحال ودلالتها عليه حصلت الكراهة # مسألة الأسواق التي بنوها بالمال الحرام تحرم التجارة فيها ولا يجوز ~~سكناها فإن سكنها تاجر واكتسب بطريق شرعي لم يحرم كسبه وكان عاصيا بسكناه ~~وللناس أن يشتروا منهم ولكن لو وجدوا سوقا أخرى فالأولى الشراء منها فإن ~~ذلك إعانة لسكناهم وتكثير لكراء حوانيتهم وكذلك معاملة السوق التي لا خراج ~~لهم عليها أحب من معاملة سوق لهم عليها خراج وقد بالغ قوم حتى تحرزوا من ~~معاملة الفلاحين وأصحاب الأراضي التي لهم عليها الخراج فإنهم ربما يصرفون ~~ما يأخذون إلى الخراج فيحصل به الإعانة وهذا غلو في الدين وحرج على ~~المسلمين فإن الخراج قد عم الأراضي ولا غنى بالناس عن إرتفاق الأرض ولا ~~معنى للمنع منه ولو جاز هذا لحرم على المالك زراعة الأرض حتى لا يطلب ~~خراجها # وذلك مما يطول ويتداعى إلى حسم باب المعاش # مسألة معاملة قضاتهم وعمالهم وخدمهم حرام كمعاملتهم بل أشد # أما القضاة فلأنهم يأخذون من أموالهم الحرام الصريح ويكثرون جمعهم ويغرون ~~الخلق يزنهم فإنهم على زي العلماء ويختلطون بهم ويأخذون من أموالهم والطباع ~~مجبولة على التشبه والاقتداء بذوي الجاه والحشمة # فهم سبب انقياد الخلق إليهم # وأما الخدم والحشم فأكثر أموالهم من الغصب الصريح ولا يقع في أيديهم مال ~~مصلحة وميراث وجزية ولا وجه حلال حتى تضعف الشبهة باختلاط الحلال بمالهم # قال طاوس لا أشهد عندهم وإن تحققت لأني أخاف تعديهم على من شهدت عليه # وبالجملة إنما فسدت الرعية بفساد الملوك وفساد الملوك بفساد العلماء ~~فلولا القضاة السوء والعلماء السوء لقل ms0820 فساد الملوك خوفا من إنكارهم # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وكنفه ما ~~يمالئ قراؤها أمراءها (1) # وإنما ذكر القراء لأنهم كانوا هم العلماء وإنما كان علمهم بالقرآن ~~ومعانيه المفهومة بالسنة # وما وراء ذلك من العلوم فهي محدثة بعدهم # وقد قال سفيان لا تخالط السلطان ولا من يخالطه # وقال صاحب القلم وصاحب الدواة وصاحب القرطاس وصاحب الليطة بعضهم شركاء ~~بعض # وقد صدق فإن رسول الله PageV02P150 # صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشرة حتى العاصر والمعتصر (1) # وقال ابن مسعود رضي الله عنه آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه ملعونون ~~على لسان محمد صلى الله عليه وسلم (2) # وكذا رواه جابر وعمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) # وقال ابن سيرين لا تحلم للسلطان كتابا حتى تعلم ما فيه وامتنع سفيان رحمه ~~الله من مناولة الخليفة في زمانه دواة بين يديه وقال حتى أعلم ما تكتب بها ~~فكل من حواليهم من خدمهم وأتباعهم ظلمة مثلهم يجب بغضهم في الله جميعا # روى عن عثمان بن زائدة أنه سأله رجل من الجند وقال أين الطريق فسكت وأظهر ~~الصمم وخاف أن يكون متوجها إلى ظلم فيكون هو بإرشاده إلى الطريق معينا # وهذه المبالغة لم تنقل عن السلف مع الفساق من التجار والحاكة والحجامين ~~وأهل الحمامات والصاغة والصباغين وأرباب الحرف مع غلبة الكذب والفسق عليهم ~~بل مع الكفار من أهل الذمة وإنما هذا في الظلمة خاصة الآكلين لأموال ~~اليتامى والمساكين والمواظبين على إيذاء المسلمين الذين تعاونوا على طمس ~~رسوم الشريعة وشعائرها # وهذا لأن المعصية تنقسم إلى لازمة ومتعدية والفسق لازم لا يتعدى وكذا ~~الكفر وهو جناية على حق الله تعالى وحسابه على الله وأما معصية الولاة ~~بالظلم وهو متعد فإنما يغلظ أمرهم لذلك وبقدر عموم الظلم وعموم التعدي ~~يزدادون عند الله مقتا فيجب أن يزداد منهم اجتنابا ومن معاملتهم احترازا ~~فقد قال صلى الله عليه وسلم يقال للشرطي دع سوطك وادخل النار (4) # وقال صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة ms0821 رجال معهم سياط كأذناب البقر ~~(5) # فهذا حكمهم ومن عرف بذلك منهم فقد عرف ومن لم يعرف فعلامته القباء وطول ~~الشوارب وسائر الهيئات المشهورة # فمن رؤى على تلك الهيئة تعين اجتنابه ولا يكون ذلك من سوء الظن لأنه الذي ~~جنى على نفسه إذ تزيا بزيهم ومساواة الزي تدل على مساواة القلب ولا يتجانن ~~إلا مجنون ولا يتشبه بالفساق إلا فاسق نعم الفاسق قد يلتبس بأهل الصلاح ~~فأما الصالح فليس له أن يتشبه بأهل الفساد لان ذلك تكثير لسوادهم وإنما نزل ~~قوله تعالى إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم في قوم من المسلمين ~~كانوا يكثرون جماعة المشركين بالمخالطة وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى ~~يوشع ابن نون إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم ~~فقال ما بال الأخيار قال إنهم لا يغضبون لغضبي فكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم # وبهذا يتبين أن بعض الظلمة والغضب لله عليهم واجب وروى ابن مسعود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لعن علماء بني إسرائيل إذ خالطوا ~~الظالمين في معاشهم (6) PageV02P151 # مسألة المواضع التي بناها الظلمة كالقناطر والرباطات والمساجد والسقايات ~~ينبغي أن يحتاط فيها وينظر أما القنطرة فيجوز العبور عليها للحاجة والورع ~~الاحتراز ما أمكن وإن وجد عنه معدلا تأكد الورع # وإنما جوزنا العبور وإن وجد معدلا لأنه إذا لم يعرف الأعيان مالكا كان ~~حكمها أن ترصد للخيرات وهذا خير فأما إذا عرف أن الآجر والحجر قد نقل من ~~دار معلومة أو مقبرة أو مسجد معين فهذا لا يحل العبور عليه أصلا إلا لضرورة ~~يحل بها مثل ذلك من مال الغير ثم يجب عليه الاستحلال من المالك الذي يعرفه # وأما المسجد فإن بني في أرض مغضوبة أو بخشب مغصوب من مسجد آخر أو ملك ~~معين فلا يجوز دخوله أصلا ولا للجمعة بل لو وقف الإمام فيه فليصل هو خلف ~~الإمام وليقف خارج المسجد فإن الصلاة في الأرض المغصوبة تسقط الفرض وتنعقد ~~في حق الاقتداء فلذلك جوزنا للمقتدي الاقتداء بمن صلى في الأرض ms0822 المغصوبة ~~وإن عصى صاحبه بالوقوف في الغصب # وإن كان من مال لا يعرف مالكه فالورع العدول إلى مسجد آخر إن وجد فإن لم ~~يجد غيره فلا يترك الجمعة والجماعة به لأنه يحتمل أن يكون من الملك الذي ~~بناه ولو على بعد وإن لم يكن له مالك معين فهو لمصالح المسلمين # ومهما كان في المسجد الكبير بناء لسلطان ظالم فلا عذر لمن يصلي فيه مع ~~اتساع المسجد أعني في الورع قيل لأحمد بن حنبل ما حجتك في ترك الخروج إلى ~~الصلاة في جماعة ونحن بالعسكر فقال # حجتي أن الحسن وإبراهيم التيمي خافا أن يفتنهما الحجاج وأنا أخاف أن أفتن ~~أيضا # وأما الخلوق والتجصيص فلا يمنع من الدخول لأنه غير منتفع به في الصلاة ~~وإنما هو زينة والأولى أنه لا ينظر إليه وأما البواري التي فرشوها فإن كان ~~لها مالك معين فيحرم الجلوس عليها وإلا فبعد أن أرصدت لمصلحة عامة جاز ~~افتراشها ولكن الورع العدول عنها فإنها محل شبهة # وأما السقاية فحكمها ما ذكرناه وليس عن الورع الوضوء والشرب منها والدخول ~~إليها إذا كان يخاف فوات الصلاة فيتوضأ وكذا مصانع طريق مكة # وأما الرباطات والمدارس فإن كانت رقبة الأرض مغصوبة أو الآجر منقولا من ~~موضع معين يمكن الرد إلى مستحقه فلا رخصة للدخول فيه وإن التبس المالك فقد ~~أرصد لجهة من الخير والورع اجتنابه ولكن لا يلزم الفسق بدخوله # وهذه الأبنية إن أرصدت من خدم السلاطين فالأمر فيها أشد إذ ليس لهم صرف ~~الأموال الضائعة إلى المصالح ولأن الحرام أغلب على أموالهم إذ ليس لهم أخذ ~~مال المصالح وإنما يجوز ذلك للولاة وأرباب الأمر # مسألة الأرض المغصوبة إذا جعلت شارعا لم يجز أن يتخطى فيه البتة وإن لم ~~يكن له مالك معين جاز والورع العدول إن أمكن فإن كان الشارع مباحا وفوقه ~~ساباط جاز العبور وجاز الجلوس تحت الساباط على وجه لا يحتاج فيه إلى السقف ~~كما يقع في الشارع لشغل فإذا انتفع بالسقف في دفع حر الشمس أو المطر أو ~~غيره ms0823 فهو حرام لأن السقف لا يراد إلا لذلك وهكذا حكم من يدخل مسجدا أو أرضا ~~مناحة سقف أو حوط بغصب فإنه بمجرد التخطي لا يكون منتفعا بالحيطان والسقف ~~إلا إذا كان له فائدة في الحيطان والسقف لحر أو برد تستر عن بصر أو غيره ~~فذلك حرام لأنه انتفاع بالحرام إذا لم يحرم الجلوس على الغصب لما فيه من ~~المماسة بل للانتفاع والأرض تراد للاستقرار عليها والسقف للاستظلال به فلا ~~فرق بينهما PageV02P152 ### ||| الباب السابع في مسائل متفرقة يكثر مسيس الحاجة إليها وقد سئل عنها في الفتاوي # مسألة سئل عن خادم الصوفية يخرج إلى السوق ويجمع طعاما أو نقدا ويشتري به ~~طعاما فمن الذي يحل له أن يأكل منه وهل يختص بالصوفية أم لا أما الصوفية ~~فلا شبهة في حقهم إذا أكلوه وأما غيرهم فيحل لهم إذا أكلوه برضا الخادم ~~ولكن لا يخلو عن شبهة أما الحل فلأن ما يعطى خادم الصوفية إنما يعطى بسبب ~~الصوفية وله أن يطعم غير العيال إذ يبعد أن يقال لم يخرج عن ملك المعطي ولا ~~يتسلط الخادم على الشراء به التصرف فيه لأن ذلك مصير إلى أن المعاطاة لا ~~تكفي وهو ضعيف ثم لا صائر إليه في الصدقات والهدايا ويبعد أن يقال زال ~~الملك إلى الصوفية الحاضرين الذين هم وقت سؤاله في الخانقاه إذ لا خلاف أن ~~له يطعم منه من يقدم بعدهم ولو ماتوا كلهم أو واحد منهم لا يجب صرف نصيبه ~~إلى وارثه ولا يمكن أن يقال إنه وقع لجهة التصوف ولا يتعين له مستحق لأن ~~إزالة الملك إلى الجهة لا توجب تسليط الآحاد على التصرف فإن الداخلين فيه ~~لا ينحصرون بل يدخل فيه من يولد إلى يوم القيامة وإنما يتصرف فيه الولاة ~~والخادم لا يجوز له أن ينتصب نائبا عن الجهة فلا وجه إلا أن يقال هو ملكه ~~وإنما يطعم الصوفية بوفاء شرط التصوف والمروءة فإن منعهم عنه منعوه عن أن ~~يظهر نفسه في معرض التكفل بهم حتى ينقطع وقفه كما ينقطع عمن ms0824 مات عياله # مسألة سئل عن مال أوصى به للصوفية فمن الذي يجوز أن يصرف إليه فقلت ~~التصوف أمر باطن لا يطلع عليه ولا يمكن ضبط الحكم بحقيقته بل بأمور ظاهرة ~~يعول عليها أهل العرف في إطلاق اسم الصوفي والضابط الكلي أن كل من هو بصفة ~~إذا نزل في خانقاه الصوفية لم يكن نزوله فيها واختلاطه بهم منكرا عندهم فهو ~~داخل في غمارهم # والتفصيل أن يلاحظ فيه خمس صفات الصلاح والفقر وزي الصوفية وأن لا يكون ~~مشتغلا بحرفة وأن يكون مخالطا لهم بطريق المساكنة في الخانقاه # ثم بعض هذه الصفات مما يوجب زوالها زوال الاسم وبعضها ينجبر بالبعض ~~فالفسق يمنع الاستحقاق لأن الصوفي بالجملة عبارة عن رجل من أهل الصلاح بصفة ~~مخصوصة فالذي يظهر فسقه وإن كان على زيهم لا يستحق ما أوصى به للصوفية ~~ولسنا نعتبر فيه الصغائر # وأما الحرفة والاشتغال بالكسب فإنه يمنع هذا الاستحقاق فالدهقان والعامل ~~والتاجر والصانع في حانوته أو داره والأجير الذي يخدم بأجرة كل هؤلاء لا ~~يستحقون ما أوصى به للصوفية ولا ينجبر هذا بالزي والمخالطة فأما الوراقة ~~والخياطة وما يقرب منهما مما يليق بالصوفية تعاطيها فإذا تعاطاها لا في ~~حانوت ولا على جهة اكتساب وحرفة فذلك لا يمنع الاستحقاق وكان ذلك ينجبر ~~بمساكنته إياهم مع بقية الصفات وأما القدرة على الحرف من غير مباشرة فلا ~~تمنع وأما الوعظ والتدريس فلا ينافى اسم التصوف إذا وجدت بقية الخصال من ~~الزي والمساكنة والفقر إذ لا يتناقض أن يقال صوفي مقرئ وصوفي واعظ وصوفي ~~عالم أو مدرس ويتناقض أن يقال صوفي تاجر وصوفي عامل وأما الفقر فإن زال ~~بغنى مفرط ينسب الرجل إلى الثروة الظاهرة فلا يجوز معه أخذ وصية الصوفية ~~وإن كان له مال ولا يفي دخله بخرجه لم يبطل حقه وكذا إذا كان له مال قاصر ~~عن وجوب الزكاة وإن لم يكن له خرج وهذه أمور لا دليل لها إلا العادات # وأما المخالطة لهم ومساكنتهم فلها أثر ولكن من لا يخالطهم وهو في داره أو ms0825 ~~في مسجد على زيهم ومتخلق بأخلاقهم فهو شريك في سهمهم وكأن ترك المخالطة ~~يجبرها ملازمة الزي فإن لم يكن على زيهم ووجد فيه بقية الصفات PageV02P153 # فلا يستحق إلا إذا كان مساكنا لهم في الرباط فينسحب عليه حكمهم بالتبعية # فالمخالطة والزي ينوب كل واحد منهما عن الآخر # والفقيه الذي ليس على زيهم هذا حكمه فإن كان خارجا لم يعد صوفيا وإن كان ~~ساكنا معهم ووجدت بقية الصفات لم يبعد أن ينسحب بالتبعية عليه حكمهم # وأما لبس المرقعة من يد شيخ من مشايخهم فلا يشترط ذلك في الاستحقاق وعدمه ~~لا يضره مع وجود الشرائط المذكورة # وأما المتأهل المتردد بين الرباط والمسكن فلا يخرج بذلك عن جملتهم # مسألة ما وقف على رباط الصوفية وسكانه فالأمر فيه أوسع مما أوصى لهم به ~~لأن معنى الوقف الصرف إلى مصالحهم فلغير الصوفي أن يأكل معهم برضاهم على ~~مائدتهم مرة أو مرتين فإن أمر الأطعمة مبناه على التسامح حتى جاز الانفراد ~~بها في الغنائم المشتركة وللقوال أن يأكل معهم في دعوتهم من ذلك الوقف وكان ~~ذلك من مصالح معايشهم وما أوصى به للصوفية لا يجوز أن يصرف إلى قوال ~~الصوفية بخلاف الوقف وكذلك من أحضروه من العمال والتجار والقضاة والفقهاء ~~ممن لهم غرض في استمالة قلوبهم يحل لهم الأكل برضاهم فإن الواقف لا يقف إلا ~~معتقدا فيه ما جرت به عادات الصوفية فينزل على العرف ولكن ليس هذا على ~~الدوام فلا يجوز لمن ليس صوفيا أن يسكن معهم على الدوام ويأكل وإن رضوا به ~~إذ ليس لهم تغيير شرط الواقف بمشاركة غير جنسهم # وأما الفقيه إذا كان على زيهم وأخلاقهم فله النزول عليهم وكونه فقيها لا ~~ينافي كونه صوفيا والجهل ليس بشرط في التصوف عند من يعرف التصوف ولا يلتفت ~~إلى خرافات بعض الحمقى بقولهم إن العلم حجاب فإن الجهل هو الحجاب # وقد ذكرنا تأويل هذه الكلمة في كتاب العلم وأن الحجاب هو العلم المذموم ~~دون المحمود وذكرنا المحمود والمذموم وشرحهما # وأما الفقيه إذا لم يكن على ms0826 زيهم وأخلاقهم فلهم منعه من التزول عليهم فإن ~~رضوا بنزوله فيحل له الأكل معهم بطريق التبعية فكان عدم الزي تجبره ~~المساكنة ولكن برضا أهل الزي وهذه أمور تشهد لها العادات وفيها أمور ~~متقابلة لا يخفى أطرافها في النفي والإثبات ومتشابه أوساطها فمن احترز في ~~مواضع الاشتباه فقد استبرأ لدينه كما نبهنا عليه في أيواب الشبهات # مسألة سئل عن الفرق بين الرشوة والهدية مع أن كل واحد منهما يصدر عن ~~الرضا ولا يخلو عن غرض وقد حرمت إحداهما دون الأخرى # فقلت باذل المال لا يبذله قط إلا لغرض ولكن الغرض إما آجل كالثواب وإما ~~عاجل والعاجل إما مال وإما فعل وإعانة على مقصود معين وإما تقرب إلى قلب ~~المهدي إليه بطلب محبته إما للمحبة في عينها وإما للتوصل بالمحبة إلى غرض ~~وراءها فالأقسام الحاصلة من هذه خمسة # الأول ما غرضه الثواب في الآخرة وذلك إما أن يكون لكون المصروف إليه ~~محتاجا أو عالما أو منتسبا بنسب ديني أو صالحا في نفسه متدينا # فما علم الآخذ أنه يعطاه لحاجته لا يحل له أخذه إن لم يكن محتاجا وما علم ~~أنه يعطاه لشرف نسبه لا يحل له أن علم أنه كاذب في دعوى النسب وما يعطى ~~لعلمه فلا يحل له أن يأخذه إلا أن يكون في العلم كما يعتقده المعطي فإن كان ~~خيل إليه كمالا في العلم حتى بعثه بذلك على التقرب ولم يكن كاملا لم يحل له ~~وما يعطى لدينه وصلاحه لا يحل له أن يأخذه إن كان فاسقا في الباطن فسقا لو ~~علمه المعطي ما أعطاه # وقلما يكون الصالح بحيث لو انكشف باطنه لبقيت القلوب مائلة إليه وإنما ~~ستر الله الجميل هو الذي يحبب الخلق إلى الخلق # وكان المتورعون يوكلون في الشراء من لا يعرف أنه وكيلهم حتى لا يتسامحوا ~~في المبيع خيفة من أن يكون ذلك أكلا بالدين فإن ذلك مخطر والتقي خفي لا ~~كالعلم والنسب والفقر فينبغي أن يجتنب الأخذ بالدين ما أمكن PageV02P154 # القسم الثاني ما يقصد به في ms0827 العاجل غرض معين كالفقير يهدي إلى الغني طعما ~~في خلعته فهذه هبة بشرط الثواب لا يخفى حكمها وإنما تحل عند الوفاء بالثواب ~~المطموع فيه وعند وجود شروط العقود # الثالث أن يكون المراد إعانة بفعل معين كالمحتاج إلى السلطان يهدي إلى ~~وكيل السلطان وخاصته ومن له مكانة عنده فهذه هدية بشرط ثواب يعرف بقرينة ~~الحال فلينظر في ذلك العمل الذي هو الثواب فإن كان حراما كالسعي في تنجيز ~~إدرار حرام أو ظلم إنسان أو غيره حرم الأخذ وإن كان واجبا كدفع ظلم متعين ~~على كل من يقدر عليه أو شهادة متعينة فيحرم عليه ما يأخذه وهي الرشوة التي ~~لا يشك في تحريمها وإن كان مباحا لا واجبا ولا حراما وكان فيه تعب بحيث لو ~~عرف لجاز الاستئجار عليه فما يأخذه حلال معها وفي الغرض وهو جار مجرى ~~الجعالة كقوله أوصل هذه القصة إلى يد فلان أو يد السلطان ولك دينار وكان ~~بحيث يحتاج إلى تعب وعمل متقوم أو قال اقترح على فلان أن يعينني في غرض كذا ~~أو ينعم علي بكذا وافتقر في تنجيز غرضه إلى كلام طويل فذلك جعل كما يأخذه ~~الوكيل بالخصومة بين يدي القاضي فليس بحرام إذا كان لا يسعى في حرام وان ~~كان مقصود يحصل بكلمة لا تعب فيها ولكن تلك الكلمة من ذي الجاه أو تلك ~~الفعلة من ذي الجاه تفيد كقوله للبواب لا تغلق دونه باب السلطان أو كوضعه ~~قصة بين يدي السلطان فقط فهذا حرام لأنه عوض من الجاه ولم يثبت في الشرع ~~جواز ذلك بل ثبت ما يدل على النهي عنه كما سيأتي في هدايا الملوك وإذا كان ~~لا يجوز العوض عن إسقاط الشفعة والرد بالعيب ودخول الأغصان في هواه الملك ~~وجملة من الأعراض مع كونها مقصودة فكيف يؤخذ عن الجاه ويقرب من هذا أخذ ~~الطبيب العوض على كلمة واحدة ينبه بها على دواء ينفرد بمعرفته كواحد ينفرد ~~بالعلم بنبت يقلع البواسير أو غيره فلا يذكره إلا بعوض فإن عمله بالتلفظ ~~غير متقوم ms0828 كحبة من سمسم فلا يجوز أخذ العوض عليه ولا على علمه # إذ ليس ينتقل علمه إلى غيره وإنما يحصل لغيره مثل علمه ويبقى هو عالما به ~~ودون هذا الحاذق في الصناعة كالصيقلي مثلا الذي يزيل اعوجاج السيف أو ~~المرآة بدقة واحدة لحسن معرفته بموضع الخلل ولحذقه بإصابته فقد يزيد بدقة ~~واحدة مال كثير في قيمة السيف والمرآة فهذا لا أرى بأسا بأخذ الأجرة عليه ~~لأن مثل هذه الصناعات يتعب الرجل في تعلمها ليكتسب بها ويخفف عن نفسه كثرة ~~العمل # الرابع ما يقصد به المحبة وجلبها من قبل المهدي إليه لا لغرض معين ولكن ~~طلبا للاستئناس وتأكيد للصحبة وتوددا إلى القلوب فذلك مقصود للعقلاء ومندوب ~~إليه في الشرع قال صلى الله عليه وسلم تهادوا تحابوا // حديث تهادوا تحابوا ~~أخرجه البيهقي من حديث أبي هريرة وضعفه ابن عدي # وعلى الجملة فلا يقصد الإنسان في الغالب أيضا محبة غيره لعين المحبة بل ~~لفائدة في محبته ولكن إذا لم تتعين تلك الفائدة ولم يتمثل في نفسه غرض معين ~~يبعثه في الحال أو المآل سمي ذلك هدية وحل أخذها # الخامس أن يطلب التقرب إلى قلبه وتحصيل محبته لا لمحبته ولا للأنس به من ~~حيث إنه أنس فقط بل ليتوصل بجاهه إلى أغراض له ينحصر جنسها وإن لم ينحصر ~~عينها وكان لولا جاهه وحشمته لكان لا يهدي إليه فإن كان جاهه لأجل علم أو ~~نسب فالأمر فيه أخف وأخذه مكروه فإن فيه مشابهة الرشوة ولكنها هدية في ~~ظاهرها فإن كان جاهه بولاية تولاها من قضاء أو عمل أو ولاية صدقة أو جباية ~~مال أو غيره من الأعمال السلطانية حتى ولاية الأوقاف مثلا وكان لولا تلك ~~الولاية لكان لا يهدي إليه فهذه رشوة عرضت في معرض الهدية إذ القصد PageV02P155 # بها في الحال طلب التقرب واكتساب المحبة ولكن الأمر ينحصر في جنسه إذ ما ~~يمكن التوصل إليه بالآيات لا يخفى وآية أنه لا يبغي المحبة أنه لو ولى في ~~الحال غيره لسلم المال إلى ذلك الغير فهذا مما ms0829 اتفقوا على أن الكراهة فيه ~~شديدة واختلفوا في كونه حراما والمعنى فيه متعارضا فإنه دائر بين الهدية ~~المحصنة وبين الرشوة المبذولة في مقابلة جاه في غرض معين وإذا تعارضت ~~المشابهة القياسية وعضدت الأخبار والآثار أحمدهما تعين الميل إليه وقد دلت ~~الأخبار على تشديد الأمر في ذلك قال صلى الله عليه وسلم يأتي على الناس ~~زمان يستحل فيه السحت بالهدية والقتل بالموعظة يقتل البريء لتوعظ به العامة ~~(1) وسئل ابن مسعود رضي الله عنه عن السحت فقال يقضي الرجل الحاجة فتهدى له ~~الهدية ولعله أراد قضاء الحاجة بكلمة لا تعب فيها أو تبرع بها لا على قصد ~~أجرة فلا يجوز أن يأخذ بعده شيئا في معرض العوض شفع مسروق شفاعة فأهدى إليه ~~المشفوع له جارية فغضب وردها وقال لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ~~ولا أتكلم فيما بقي منها وسئل طاوس عن هدايا السلطان فقال سحت وأخذ عمر رضي ~~الله عنه ربح مال القراض الذي أخذه ولداه من بيت المال وقال إنما أعطيتما ~~لمكانكما مني إذ علم أنهما أعطيا لأجل جاه الولاية وأهدت امرأة أبي عبيدة ~~بن الجراح إلى خاتون ملكة الروم خلوقا فكافأتها بجوهر فأخذه عمر رضي الله ~~عنه فباعه وأعطاها ثمن خلوقها ورد باقيه إلى بيت مال المسلمين وقال جابر ~~وأبو هريرة رضي الله عنهما هدايا الملوك غلول ولما رد عمر بن عبد العزيز ~~الهدية قيل له كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية فقال كان ذلك ~~له هدية وهو لنا رشوة (2) أي كان يتقرب إليه لنبوته لا لولايته ونحن إنما ~~نعطى للولاية وأعظم من ذلك كله ما روى أبو حميد الساعدي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعث واليا على صدقات الأزد فلما جاء إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمسك بعض ما معه وقال هذا لكم وهذا لي هدية فقال عليه السلام ألا ~~جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا ثم قال مالي ~~أستعمل الرجل منكم ms0830 فيقول هذا لكم وهذا لي هدية ألا جلس في بيت أمه ليهدى له ~~والذي نفسي بيده لا يأخذ منكم أحد شيئا بغير حقه إلا أتى الله يحمله فلا ~~يأتين أحدكم يوم القيامة ببعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم ~~رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه ثم قال اللهم هل بلغت (3) وإذا ثبتت هذه ~~التشديدات فالقاضي والولي ينبغي أن يقدر نفسه في بيت أمه وأبيه فما كان ~~يعطى بعد العزل وهو في بيت أمه يجوز له أن يأخذه في ولايته وما يعلم أنه ~~إنما يعطاه لولايته فحرام أخذه وما أشكل عليه في هدايا أصدقائه أنهم هل ~~كانوا يعطونه لو كان معزولا فهو شبهة فليجتنبه تم كتاب الحلال والحرام بحمد ~~الله ومنه وحسن توفيقه والله أعلم PageV02P156 ### || كتاب آداب الألفة والأخوة والصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق وهو الكتاب الخامس من ربع العادات الثاني # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي غمر صفوة عباده بلطائف التخصيص طولا وامتنانا وألف بين ~~قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا ونزع الغل من صدورهم فظلوا في الدنيا أصدقاء ~~وأخدانا وفي الآخرة رفقاء وخلانا # والصلاة والسلام على محمد المصطفى وعلى آله وأصحابه الذين اتبعوه واقتدوا ~~به قولا وفعلا وعدلا وإحسانا # أما بعد فإن التحاب في الله تعالى والأخوة في دينه من أفضل القربات وألطف ~~ما يستفاد من الطاعات في مجاري العادات ولها شروط بها يلتحق المتصاحبون ~~بالمتحابين في الله تعالى وفيها حقوق بمراعاتها تصفو الأخوة عن شوائب ~~الكدورات ونزغات الشيطان فبالقيام بحقوقها يتقرب إلى الله زلفى وبالمحافظة ~~عليها تنال الدرجات العلى ونحن نبين مقاصد هذا الكتاب في ثلاثة أبواب # الباب الأول في فضيلة الألفة والأخوة في الله تعالى وشروطها ودرجاتها ~~وفوائدها # الباب الثاني في حقوق الصحبة وآدابها وحقيقتها ولوازمها # الباب الثالث في حق المسلم والرحم والجوار والملك وكيفية المعاشرة مع من ~~قد بلي بهذه الأسباب ### ||| الباب الأول في فضيلة الألفة والأخوة وفي شروطها ودرجاتها وفوائدها ### |||| فضيلة الألفة والأخوة # اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق والتفرق ثمرة سوء ms0831 الخلق فحسن الخلق يوجب ~~التحاب والتآلف والتوافق وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر ومهما ~~كان المثمر محمودا كانت الثمرة محمودة وحسن الخلق لا تخفى في الدين فضيلته ~~وهو الذي مدح الله سبحانه به نبيه عليه السلام إذ قال {وإنك لعلى خلق عظيم} ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن ~~الخلق (1) وقال أسامة بن شريك قلنا يا رسول الله ما خير ما أعطى الإنسان ~~فقال خلق حسن (2) وقال صلى الله عليه وسلم بعثت لأتمم محاسن الأخلاق (3) ~~وقال صلى الله عليه وسلم أثقل ما يوضع في الميزان خلق حسن (4) وقال صلى ~~الله عليه وسلم ما حسن الله خلق امريء وخلقه فيطعمه النار (5) وقال صلى ~~الله عليه وسلم يا أبا هريرة عليك بحسن الخلق PageV02P157 # قال أبو هريرة رضي الله عنه وما حسن الخلق يا رسول الله قال تصل من قطعك ~~وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك (1) # ولا يخفى أن ثمرة الخلق الحسن الألفة وانقطاع الوحشة ومهما طاب المثمر ~~طابت الثمرة وكيف وقد ورد في الثناء على نفس الألفة سيما إذا كانت الرابطة ~~هي التقوى والدين وحب الله من الآيات والأخبار والآثار ما فيه كفاية ومقنع ~~قال الله تعالى مظهرا عظيم منته على الخلق بنعمة الألفة {لو أنفقت ما في ~~الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} وقال {فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا} أي بالألفة ثم ذم التفرقة وزجر عنها فقال عز من قائل واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا إلى لعلكم تهتدون وقال صلى الله عليه وسلم إن أقربكم ~~مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون (2) # وقال صلى الله عليه وسلم المؤمن آلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ~~حديث والمؤمن آلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف رواه أحمد والطبراني ~~من حديث سهل بن سعد والحاكم من حديث أبي هريرة وصححه (3) حديث من أراد الله ~~به خيرا رزقه أخا صالحا إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه غريب بهذا ms0832 اللفظ ~~والمعروف أن ذلك في الأمير ورواه أبو داود من حديث عائشة إذا أراد الله ~~بالأمير خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه الحديث ضعفه ابن ~~عدي ولأبي عبد الرحمن السلمى في آداب الصحبة من حديث على من سعادة المرء أن ~~يكون إخوانه صالحين (4) حديث مثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل ~~إحدهما الأخرى الحديث رواه السلمى في آداب الصحبة وأبو منصور الديلمي في ~~مسند الفردوس من حديث انس وفيه احمد بن محمد بن غالب الباهلي كذاب وهو من ~~قول سلمان الفارسي في الأول من الحزبيات (5) حديث من آخى أخا في الله عز ~~وجل رفعه الله درجة في الجنة لا ينالها بشيء من عمله أخرجه ابن أبي الدنيا ~~في كتاب الإخوان من حديث أنس ما أحدث عبد أخا في الله إلا أحدث الله له ~~درجة في الجنة وإسناده ضعيف (6) حديث قال أبو إدريس الخولاني لمعاذ إني ~~أحبك في الله فقال أبشر ثم أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول تنصب لطائفة من الناس كراسي حول العرش يوم القيامة الحديث أخرجه أحمد ~~والحاكم في حديث طويل أن أبا إدريس قال قلت والله إني لأحبك في الله قال ~~فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أن المتحابين بجلال الله في ~~ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين وهو عند ~~الترمذي من رواية أبي مسلم الخولاني عن معاذ بلفظ المتحابون في جلالى لهم ~~منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء قال حديث حسن صحيح ولأحمد من حديث ~~أبي مالك ألاشعري أن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء ~~والشهداء على منازلهم وقربهم من الله الحديث {وفيه} تحابوا في الله وتصافوا ~~به يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فتجعل وجوههم نورا وثيابهم نورا ~~يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون وفيه شهر بن حوشب مختلف فيه // # ورواه أبو ms0833 هريرة رضي الله عنه وقال فيه إن حول العرش منابر من نور عليها ~~قوم لباسهم نور ووجوههم نورا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون ~~والشهداء فقالوا يا رسول الله صفهم لنا فقال هم المتحابون في الله ~~والمتجالسون في الله PageV02P158 # والمتزاورون في الله (1) # وقال صلى الله عليه وسلم ما تحاب اثنان في الله إلا كان أحبهما إلى الله ~~أشدهما حبا لصاحبه (2) # ويقال إن الأخوين في الله إذا كان أحدهما أعلى مقاما من الآخر رفع الآخر ~~معه إلى مقامه وإنه يلتحق به كما تلتحق الذرية بالأبوين والأهل بعضهم ببعض ~~لأن الأخوة إذا اكتسبت في الله لم تكن دون أخوة الولادة # قال عز وجل ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء وقال صلى ~~الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول حقت محبتي للذين يتزاورون من أجلي وحقت ~~محبتي للذين يتحابون من أجلي وحقت محبتي للذين يتباذلون من أجلي وحقت محبتي ~~للذين يتناصرون من أجلي (3) # وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول يوم القيامة أين المتحابون ~~بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي (4) # وقال صلى الله عليه وسلم سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام ~~عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود ~~إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ورجل ذكر الله خاليا ~~ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال فقال إني أخاف الله تعالى ورجل ~~تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه (5) # وقال صلى الله عليه وسلم ما زار رجل رجلا في الله شوقا إليه ورغبة في ~~لقائه إلا ناداه ملك من خلقه طبت وطاب ممشاك وطابت لك الجنة (6) # وقال صلى الله عليه وسلم إن رجلا زار أخا له في الله فأرصد الله له ملكا ~~فقال أين تريد قال أريد أن أزور أخي فلانا فقال لحاجة لك عنده قال لا قال ~~لقرابة بينك وبينه قال لا قال ms0834 فبنعمة له عندك قال لا قال فبم قال أحبه في ~~الله قال # فإن الله أرسلني إليك يخبرك بأنه يحبك لحبك إياه وقد أوجب لك الجنة (7) # وقال صلى الله عليه وسلم أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ~~(8) # فلهذا يجب أن يكون للرجل أعداء يبغضهم في الله كما يكون له أصدقاء وإخوان ~~يحبهم في الله # ويروى أن الله تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء أما زهدك في الدنيا فقد ~~تعجلت الراحة وأما انقطاعك إلي فقد تعززت بي ولكن هل عاديت في عدوا أو هل ~~واليت في وليا # وقال صلى الله عليه وسلم اللهم لا تجعل لفاجر علي منة فترزقه مني محبة ~~(9) # ويروى أن الله تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام لو أنك عبدتني بعبادة أهل ~~السموات والأرض وحب في الله ليس وبغض في الله ليس ما أغنى عنك ذلك شيئا ~~وقال عيسى عليه السلام تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وتقربوا إلى الله ~~بالتباعد منهم والتمسوا رضا الله بسخطهم قالوا يا روح الله فمن نجالس قال ~~جالسوا من تذكركم الله رؤيته ومن يزيد في عملكم كلامه ومن يرعبكم في الآخرة ~~عمله # وروي في الأخبار السالفة إن الله عز وجل أوحى إلى موسى PageV02P159 # عليه السلام # يا ابن عمران كن يقظانا وارتد لنفسك إخوانا وكل خدن وصاحب لا يوازرك على ~~مسرتي فهو لك عدو وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام فقال يا داود مالي ~~أراك منتبذا وحيدا قال إلهي قليت الخلق من أجلك فقال يا داود كن يقظانا ~~وارتد لنفسك أخدانا وكل خدن لا يوافقك على مسرتي فلا تصاحبه فإنه لك عدو ~~يقسي قلبك ويباعدك مني # وفي أخبار داود عليه السلام أنه قال يا رب كيف لي أن يحبني الناس كلهم ~~وأسلم فيما بيني وبينك قال خالق الناس بأخلاقهم وأحسن فيما بيني وبينك # وفي بعضها خالق أهل الدنيا بأخلاق الدنيا وخالق أهل الآخرة بأخلاق الآخرة # وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن أحبكم إلى الله الذين يألفون ويؤلفون ~~وإن أبغضكم ms0835 إلى الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الإخوان (1) # وقال صلى الله عليه وسلم إن الله ملكا نصفه من النار ونصفه من الثلج يقول ~~اللهم كما ألفت بين الثلج والنار كذلك ألف بين قلوب عبادك الصالحين (2) # وقال أيضا ما أحدث عبد أخا في الله إلا أحدث له درجة في الجنة (3) # وقال صلى الله عليه وسلم المتحابون في الله على عمود من ياقوتة حمراء في ~~رأس العمود سبعون ألف غرفة يشرفون على أهل الجنة يضيء حسنهم لأهل الجنة كما ~~تضيء الشمس لأهل الدنيا فيقول أهل الجنة انطلقوا بنا ننظر إلى المتحابين في ~~الله فيضيء حسنهم لأهل الجنة كما تضيء الشمس عليهم ثياب سندس خضر مكتوب على ~~جباههم المتحابون في الله (4) # الآثار قال علي رضي الله عنه عليكم بالإخوان فإنهم عدة في الدنيا والآخرة ~~ألا تسمع إلى قول أهل النار فمالنا من شافعين ولا صديق حميم وقال عبد الله ~~بن عمر رضي الله عنهما والله لو صمت النهار لا أفطره وقمت الليل لا أنامه ~~وأنفقت مالي غلقا غلقا في سبيل الله أموت يوم أموت وليس في قلبي حب لأهل ~~طاعة الله وبغض لأهل معصية الله ما نفعني ذلك شيئا # وقال ابن السماك عند موته اللهم إنك تعلم أني إذا كنت أعصيك كنت أحب من ~~يطيعك فاجعل ذلك قربة لي إليك # وقال الحسن على ضده يا ابن آدم لا يغرنك قول من يقول المرء مع من أحب ~~فإنك لن تلحق الأبرار إلا بأعمالهم فإن اليهود والنصارى يحبون أنبياءهم ~~وليسوا معهم # وهذه إشارة إلى أن مجرد ذلك من غير موافقة في بعض الأعمال أو كلها لا ~~ينفع وقال الفضيل في بعض كلامه هاه تريد أن تسكن الفردوس وتجاور الرحمن في ~~داره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بأي عمل عملته بأي شهوة ~~تركتها بأي غيظ كظمته بأي رحم قاطع وصلتها بأي زلة لأخيك غفرتها بأي قريب ~~باعدته في الله بأي بعيد قاربته في الله ويروى أن الله تعالى أوحى إلى موسى ~~عليه السلام هل عملت لي عملا ms0836 قط فقال إلهي إني صليت لك وصمت وتصدقت وزكيت ~~فقال إن الصلاة لك برهان والصوم جنة والصدقة ظل والزكاة نور فأي عمل عملت ~~لي قال يا موسى إلهي دلني على عمل هو لك قال موسى هل واليت لي وليا قط وهل ~~عاديت في عدوا قط فعلم موسى أن أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله # وقال ابن مسعود رضي الله عنه لو أن رجلا قام بين الركن والمقام يبعد الله ~~سبعين سنة لبعثه الله يوم القيامة مع من يحب # وقال الحسن رضي الله عنه مصارمة الفاسق قربان إلى الله وقال رجل لمحمد بن ~~واسع إني لأحبك في الله فقال أحبك ما الذي أحببتني له # ثم حول وجهه وقال اللهم أني PageV02P160 # أعوذ بك أن أحب فيك وأنت لي مبغض # ودخل رجل على داود الطائي فقال له ما حاجتك فقال زيارتك فقال أما أنت فقد ~~عملت خيرا حين زرت ولكن انظر ماذا ينزل بي أنا إذا قيل لي من أنت فتزار أمن ~~الزهاد أنت لا والله أمن العباد أنت لا والله أمن الصالحين أنت لا والله # ثم أقبل يوبخ نفسه ويقول كنت في الشبيبة فاسقا فلما شخت صرت مرائيا والله ~~للمرائي شر من الفاسق وقال عمر رضي الله عنه إذا أصاب أحدكم ودا من أخيه ~~فليتمسك به فقلما يصيب ذلك # وقال مجاهد المتحابون في الله إذا التقوا فكشر بعضهم إلى بعض تتحات عنهم ~~الخطايا كما يتحات ورق الشجر في الشتاء إذا يبس # وقال الفضيل نظر الرجل إلى وجه أخيه على المودة والرحمة عبادة ### |||| بيان معنى الأخوة في الله وتمييزها من الأخوة في الدنيا # اعلم أن الحب في الله والبغض في الله غامض وينكشف الغطاء عنه نما نذكره ~~وهو أن الصحبة تنقسم إلى ما يقع بالاتفاق كالصحبة بسبب الجوار أو بسبب ~~الاجتماع في المكتب أو في المدرسة أو في السوق أو على باب السلطان أو في ~~الأسفار وإلى ما ينشأ اختيارا ويقصد وهو الذي نريد بيانه إذ الأخوة في ~~الدين واقعة في ms0837 هذا القسم لا محالة إذ لا ثواب إلا على الأفعال الاختيارية ~~ولا ترغيب إلا فيها # والصحبة عبارة عن المجالسة والمجاورة # وهذه الأمور لا يقصد الإنسان بها غيره إلا إذا أحبه فإن غير المحبوب ~~يجتنب ويباعد ولا تقصد مخالطته والذي يحب فإما أن يحب لذاته لا ليتوصل به ~~إلى محبوب ومقصود وراءه وإما أن يحب للتوصل به إلى مقصود وذلك المقصود إما ~~أن يكون مقصورا على الدنيا وحظوظها وإما أن يكون متعلقا بالآخرة وإما أن ~~يكون متعلقا بالله تعالى فهذه أربعة أقسام # أما القسم الأول وهو حبك الإنسان لذاته فذلك ممكن وهو أن يكون في ذاته ~~محبوبا عندك على معنى أنك تلتذ برؤيته ومعرفته ومشاهدة أخلاقه لاستحسانك له ~~فإن كل جميل لذيذ في حق من أدرك جماله وكل لذيذ محبوب # واللذة تتبع الاستحسان والاستحسان يتبع المناسبة والملاءمة والموافقة بين ~~الطباع ثم ذلك المستحسن إما أن يكون هو الصورة الظاهرة أعني حسن الخلقة ~~وإما أن يكون هو الصورة الباطنة أعني كمال العقل وحسن الأخلاق ويتبع حسن ~~الأخلاق حسن الأفعال لا محالة ويتبع كمال العقل غزارة العلم وكل ذلك مستحسن ~~عند الطبع السليم والعقل المستقيم وكل مستحسن فمستلذ به ومحبوب بل في ~~ائتلاف القلوب أمر أغمض من هذا فإنه قد تستحكم المودة بين شخصين من غير ~~ملاحة في صورة ولا حسن في خلق وخلق ولكن لمناسبة توجب الألفة والموافقة فإن ~~شبه الشيء ينجذب إليه بالطبع والأشياء الباطنة خفية ولها أسباب دقيقة ليس ~~في قوة البشر الاطلاع عليها عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك حيث ~~قال الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف (1) # فالتناكر نتيجة التباين والائتلاف نتيجة التناسب الذي عبر عنه بالتعارف # وفي بعض الألفاظ الأرواح جنود مجندة تلتقي فتتشام في الهواء (2) # وقد كنى بعض العلماء عن هذا بأن قال أن الله تعالى خلق الأرواح ففلق ~~بعضها فلقا وأطافها حول العرش فأي روحين من فلقتين تعارفا هناك فالتقيا ~~تواصلا في الدنيا # وقال صلى الله عليه وسلم ms0838 إن أرواح المؤمنين ليلتقيان على مسيرة يوم وما ~~رأى أحدهما صاحبه قط (3) # وروي أن امرأة بمكة كانت تضحك PageV02P161 # أحياء علوم الدين تم تدقيق من قبل لبنى حسونه النساء وكانت بالمدينة أخرى ~~فنزلت المكية على المدنية فدخلت على عائشة رضي الله عنها فأضحكتها فقالت ~~أين نزلت فذكرت لها صاحبتها فقالت صدق الله ورسوله (1) # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الأرواح جنود مجندة الحديث والحق ~~في هذا أن المشاهدة والتجربة تشهد للائتلاف عند التناسب والتناسب في الطباع ~~والأخلاق باطنا وظاهر أمر مفهوم # وأما الأسباب التي أوجبت تلك المناسبة فليس في قوة البشر الاطلاع عليها ~~وغاية هذيان المنجم أن يقول إذا كان طالعه على تسديس طالع غيره أو تثليلثه ~~فهذا نظر الموافقة والمودة فتقضي التناسب والتواد وإذا كان على مقابلته أو ~~تربيعه اقتضى التباغض والعداوة # فهذا لو صدق بكونه كذلك في مجاري سنة الله في خلق السموات والأرض لكن ~~الإشكال فيه أكثر من الإشكال في أصل التناسب فلا معنى للخوض فيما لم يكشف ~~سره للبشر فما أوتينا من العلم إلا قليلا ويكفينا في التصديق بذلك التجربة ~~والمشاهدة فقد ورد الخبر به قال صلى الله عليه وسلم لو أن مؤمنا دخل إلى ~~مجلس فيه مائة منافق واحد لجاء حتى يجلس إليه ولو أم منافقا دخل إلى مجلس ~~فيه مائة ومؤمن ومنافق واحد لجاه حتى يجلس إليه # وهذا يدل على أن شبه الشيء منجذب إليه بالطبع وإن كان هو لا يشعر به وكان ~~مالك بن دينار يقول لا يتفق اثنان في عشرة إلا وفي أحدهما وصف من الآخر وإن ~~أجناس الناس كأجناس الطير ولا يتفق نوعان من الطير في الطيران إلا وبينهما ~~مناسبة قال فرأى يوما غرابا مع حمامة فعجب من ذلك فقال اتفقا وليسا من شكل ~~واحد ثم طارا فإذا هما أعرجان فقال من ههنا اتفقا ولذلك قال بعض الحكماء كل ~~إنسان يأنس إلى شكله كما أن كل طير يطير مع جنسه وإذا اصطحب اثنان برهة من ~~زمان ولم يتشاكلا في الحال ms0839 فلا بد أن يتفرقا وهذا معنى خفي تفطن له الشعراء ~~حتى قال قائلهم # وقائل كيف تفارقتما ... فقلت قولا فيه إنصاف # لم يك من شكلي ففارقته ... والناس أشكال وألاف # فقد ظهر من هذا أن الإنسان قد يحب لذاته لا لفائدة تنال منه في حال أو ~~مآل بل لمجرد المجانسة والمناسبة في الطباع الباطنة والأخلاق الخفية # ويدخل في هذا القسم الحب للجمال إذا لم يكن المقصود قضاء الشهوة فإن ~~الصور الجميلة مستلذة في عينها وإن قدر فقد أصل الشهوة حتى يستلذ النظر إلى ~~الفواكه والأنوار والأزهار والتفاح المشرب بالحمرة وإلى الماء الجاري ~~والخضرة من غير غرض سوى عينها وهذا الحب لا يدخل فيه الحب لله بل هو حب ~~بالطبع وشهوة النفس ويتصور ذلك ممن لا يؤمن بالله إلا أنه إن اتصل به غرض ~~مذموم صار مذموم كحب الصورة الجميلة لقضاء الشهوة حيث لا يحل قضاؤها # وإن لم يتصل به غرض مذموم فهو مباح لا يوصف بحمد ولا ذم إذا الحب إما ~~محمود وإما مذموم وإما مباح لا يحمد ولا يذم # القسم الثاني أن يحبه لينال من ذاته غير ذاته فيكون وسيلة إلى محبوب غيره ~~والوسيلة إلى المحبوب محبوب وما يجب لغيره كان ذلك الغير هو المحبوب ~~بالحقيقة # ولكن الطريق إلى المحبوب محبوب ولذلك أحب الناس الذهب PageV02P162 # والفضة ولا غرض فيهما إذ لا يطعم ولا يلبس ولكنهما وسيلة إلى المحبوبات ~~فمن الناس من يحب كما يحب الذهب والفضة من حيث إنه وسيلة إلى المقصود إذ ~~يتوصل به إلى نيل جاه أو مال أو علم كما يحب الرجل سلطانا لانتفاعه بماله ~~أو جاهه ويحب خواصه لتحسينهم حاله عنده وتمهيدهم أمره في قلبه فالمتوسل ~~إليه إن كان مقصور الفائدة على الدنيا لم يكن حبه من جملة الحب في الله وإن ~~لم يكن مقصور الفائدة على الدنيا ولكنه ليس يقصد به إلا الدنيا كحب التلميذ ~~لأستاذه فهو أيضا خارج عن الحب لله فإنه إنما يحبه ليحصل منه العلم لنفسه ~~فمحبوبه العلم فإذا كان لا يقصد العلم ms0840 للتقرب إلى الله بل لينال به الجاه ~~والمال والقبول عند الخلق فمحبوبه الجاه والقبول والعلم وسيلة إليه ~~والأستاذ وسيلة إلى العلم فليس في شيء من ذلك حب لله إذ لا يتصور كل ذلك ~~ممن لا يؤمن بالله تعالى أصلا # ثم ينقسم هذا أيضا إلى مذموم ومباح فإن كان يقصد به التوصل إلى مقاصد ~~مذمومة من قهر الأقران وحيازة أموال اليتامى وظلم الرعاة بولاية القضاء أو ~~غيره كان كالحب مذموما وإن كان يقصد به التوصل إلى مباح وإنما تكتسب ~~الوسيلة الحكم والصفة من المقصد المتوصل إليه فإنها تابعة له غير قائمة ~~بنفسها # القسم الثالث أن يحبه لا لذاته بل لغيره وذلك الغير ليس راجعا إلى حظوظه ~~في الدنيا بل يرجع إلى حظوظه في الآخرة فهذا أيضا ظاهر لا غموض فيه وذلك ~~كمن يحب أستاذه وشيخه لأنه يتوصل به إلى تحصيل العلم وتحسين العمل ومقصوده ~~من العلم والعمل الفوز في الآخرة فهذا من جملة المحبين في الله وكذلك من ~~يحب تلميذه لأنه يتلقف منه العلم وينال بواسطته رتبة التعليم ويرقى به إلى ~~درجة التعظيم في ملكوت السماء إذ قال عيسى صلى الله عليه وسلم من علم وعمل ~~وعلم فذلك يدعى عظيما في ملكوت السماء # ولا يتم التعلم إلا بمتعلم فهو إذن آلة في تحصيل هذا الكمال فإن أحبه ~~لأنه آلة له إذ جعل صدره مزرعة لحرثه الذي هو سبب ترقية إلى رتبة التعظيم ~~في ملكوت السماء فهو محب في الله بل الذي يتصدق بأمواله لله ويجمع الضيفان ~~ويهي لهم الأطعمة اللذيذة الغريبة تقربا إلى الله فأجد طباخا لحسن صنعته في ~~الطبخ فهو من جملة المحبين في الله وكذا لو أحب من يتولى له إيصال الصدقة ~~إلى المستحقين فقد أحبه في الله بل تزيد على هذا ونقول إذا أحب من يخدمه ~~بنفسه في غسل ثيابه وكنس بيته وطبخ طعامه ويفرغه بذلك للعلم أو العمل ~~ومقصوده من استخدامه في هذه الأعمال الفراغ للعبادة فهو محب في الله بل ~~نزيد عليه ونقول إذا أحب من ms0841 ينفق عليه من ماله ويواسيه بكسوته وطعامه ~~ومسكنه وجميع أغراضه التي يقصدها في دنياه ومقصوده من جملة ذلك الفراغ ~~للعلم والعمل المقرب إلى الله فهو محب في الله # فقد كان جماعة من السلف تكفل بكفايتهم جماعة من أولي الثروة وكان المواسي ~~والمواسى جميعا من المتحابين في الله بل نزيد عليه ونقول من نكح امرأة ~~صالحة ليتحصن بها عن وسواس الشيطان يصون بها دينه أو ليولد منها له ولد ~~صالح يدعو له وأحب زوجته لأنها آلة إلى هذه المقاصد الدينية فهو محب في ~~الله # ولذلك وردت الأخبار بوفور الأجر والثواب على الإنفاق على العيال حتى ~~اللقمة يضعها الرجل في في امرأته (1) # بل نقول كل من استهتر بحب الله وحب رضاه وحب لقائه في الدار الآخرة فإذا ~~أحب غيره كان محبا في الله لأنه لا يتصور أن يحب شيئا إلا لمناسبته لما هو ~~محبوب عنده وهو رضا الله عز وجل بل أزيد على هذا وأقول إذا اجتمع في قبله ~~محبتان محبة الله ومحبة الدنيا واجتمع في شخص واحد لمعنيان جميعا حتى صلح ~~لأن يت وسل به إلى الله وإلى الدنيا فإذا أحبه لصلاحه للأمرين فهو من ~~المحيين في الله كمن يحب أستاذه الذي يعلمه الدين ويكفيه مهمات الدنيا ~~بالمواساة في المال فأحبه من حيث إن في طبعه طلب الراحة في الدنيا ~~PageV02P163 # والسعادة في الآخرة فهو وسيلة إليهما فهو محب في الله وليس من شرط حب ~~الله أن لا يحب في العاجل حظا البتة إذ الدعاء الذي أمر به الأنبياء صلوات ~~الله عليهم وسلامه فيه جمع بين الدنيا والآخرة ومن ذلك قولهم ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقال عيسى عليه السلام في دعائه اللهم لا تشمت ~~بي عدوي ولا تسؤ بي صديقي ولا تجعل مصيبتي لديني ولا تجعل الدنيا أكبر همي ~~فدفع شماتة الأعداء من حظوظ الدنيا ولم يقل ولا تجعل الدنيا أصلا من همي بل ~~قال لا تجعلها أكبر همي # وقال نبينا صلى الله عليه وسلم في دعائه اللهم ms0842 إني أسألك رحمة أنال بها ~~شرف كرامتك في الدنيا والآخرة (1) # وقال اللهم عافني من بلاء الدنيا وبلاء الآخرة (2) # وعلى الجملة فإذا لم يكن حب السعادة في الآخرة مناقضا لحب الله تعالى فحب ~~السلامة والصحة والكفاية والكرامة في الدنيا كيف يكون مناقضا لحب الله ~~والدنيا والآخرة عبارة عن حالتين إحداهما أقرب من الأخرى فكيف يتصور أن يحب ~~الإنسان حظوظ نفسه غدا ولا يحبها اليوم وإنما يحبها غدا لأن الغد سيصير ~~حالا راهنة فالحالة الراهنة لا بد إلا أن تكون مطلوبة أيضا إلا أن الحظوظ ~~العاجلة منقسمة إلى ما يضاد حظوظ الآخرة ويمنع منها وهي التي احترز عنها ~~الأنبياء والأولياء وأمروا بالاحتراز عنها وإلى ما لا يضاد وهي التي لم ~~يمتنعوا منها كالنكاح الصحيح وأكل الحلال وغير ذلك فما يضاد حظوظ الآخرة ~~فحق العاقل أن يكرهه ولا يحبه أعني أن يكرهه بعقله لا بطبعه كما يكره ~~التناول من طعام لذيذ لملك من الملوك يعلم أنه لو أقدم عليه لقطعت يده أو ~~حزت رقبته لا بمعنى أن الطعام اللذيذ يصير بحيث لا يشتهيه بطبعه ولا يستلذه ~~لو أكله فإن ذلك محال ولكن على معنى أنه يزجره عقله عن الإقدام عليه وتحصل ~~فيه كراهة الضرر المتعلق به # والمقصود من هذا أنه لو أحب أستاذه لأنه يواسيه ويعلمه أو تلميذه لأنه ~~يتعلم منه ويخدمه وأحدهما حظ عاجل والآخر آجل لكان في زمرة المتحابين في ~~الله ولكن بشرط واحد وهو أن يكون بحيث لو منعه العلم مثلا أو تعذر عليه ~~تحصيله منه لنقص حبه بسببه فالقدر الذي ينقص بسبب فقده هو لله تعالى وله ~~على ذلك القدر ثواب الحب في الله وليس بمستنكر أن يشتد حبك لإنسان لجملة ~~أغراض ترتبط لك به فإن امتنع بعضها نقص حبك وإن زاد زاد الحب فليس حبك ~~الذهب كحبك للفضة إذا تساوى مقدارهما لأن الذهب يوصل إلى أغراض هي أكثر مما ~~توصل إليه الفضة فإذن يزيد الحب بزيادة الغرض ولا يستحيل اجتماع الأغراض ~~الدنيوية والأخروية فهو داخل في جملة الحب ms0843 لله # وحده هو أن كل حب لولا الإيمان بالله واليوم الآخر لم يتصور وجوده فهو حب ~~في الله وكذلك كل زيادة في الحب لولا الإيمان بالله لم تكن تلك الزيادة ~~فتلك الزيادة من الحب في الله فذلك وإن دق فهو عزيز # قال الجريري تعامل الناس في القرن الأول بالدين حتى رق الدين وتعاملوا في ~~القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء وفي الثالث بالمروءة حتى ذهبت المروءة ~~ولم يبق إلا الرهبة والرغبة # القسم الرابع أن يحب لله وفي الله لا لينال منه علما أو عملا أو يتوسل به ~~إلى أمر وراء ذاته وهذا أعلى الدرجات وهو أدقها وأغمضها وهذا القسم أيضا ~~ممكن فإن من آثار غلبة الحب أن يتعدى من المحبوب إلى كل من يتعلق بالمحبوب ~~ويناسبه ولو من بعد فمن أحب إنسانا حبا شديدا أحب محب ذلك الإنسان وأحب ~~محبوبه وأحب من يخدم من يخدمه وأحب من يثني عليه محبوبه وأحب من يتسارع إلى ~~رضا محبوبه حتى قال بقية بن الوليد إن المؤمن إذا أحب المؤمن أحب كلبه وهو ~~كما قال ويشهد له التجربة في أحوال العشاق ويدل عليه أشعار الشعراء ولذلك ~~يحفظ PageV02P164 # ثوب المحبوب ويخفيه تذكرة من جهته ويحب منزله ومحلته وجيرانه حتى قال ~~مجنون بني عامر # أمر على الديار ديار للى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا # وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا # فإذن المشاهدة والتجربة تدل على أن الحب يتعدى من ذات المحبوب إلى ما ~~يحيط به ويتعلق بأسبابه ويناسبه ولو من بعد ولكن ذلك من خاصية فرط المحبة ~~فأصل المحبة لا يكفي فيه ويكون اتساع الحب في تعديه من المحبوب إلى ما ~~يكتنفه ويحيط به ويتعلق بأسبابه بحسب إفراط المحبة وقوتها وكذلك حب الله ~~سبحانه وتعالى إذا قوي وغلب على القلب واستولى عليه حتى انتهى إلى حد ~~الاستهتار فيتعدى إلى كل موجود سواه فإن كل موجود سواه أثر من آثار قدرته ~~ومن أحب إنسانا أحب صنعته وخطه وجميع أفعاله ولذلك كان صلى الله ms0844 عليه وسلم ~~إذا حمل إليه باكورة من الفواكه مسح بها عينيه وأكرمها وقال إنه قريب العهد ~~بربنا (1) # وحب الله تعالى تارة يكون لصدق الرجاء في مواعيده وما يتوقع في الآخرة من ~~نعيمه وتارة لما سلف من أياديه وصنوف نعمته وتارة لذاته لا لأمر آخر وهو ~~أدق ضرب المحبة وأعلاها وسيأتي تحقيقها في كتاب المحبة من ربع المنجيات إن ~~شاء الله تعالى وكيفما اتفق حب الله فإذا قوي تعدى إلى كل متعلق به ضربا من ~~التعلق حتى يتعدى إلى ما هو في نفسه مؤلم مكروه ولكن فرط الحب يضعف الإحساس ~~بالألم والفرح بفعل المحبوب وقصده إياه بالإيلام يغمر إدراك الألم وذلك ~~كالفرح بضربة من المحبوب أو قرصة فيها نوع معاتبة فإن قوة المحبة تثير فرحا ~~يغمر إدراك الألم فيه وقد انتهت محبة الله بقوم إلى أن قالوا لا نفرق بين ~~البلاء والنعمة فإن الكل من الله ولا نفرح إلا بما فيه رضاه حتى قال بعضهم ~~لا أريد أن أنال مغفرة الله بمعصية الله # وقال سمنون # وليس لي في سواك حظ ... فكيفما شئت فاختبرني # وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب المحبة # والمقصود أن أحب الله إذ قوي أثمر حب كل من يقوم بحق عبادة الله في علم ~~أو عمل وأثمر حب كل من فيه صفة مرضية عند الله من خلق حسن أو تأدب بآداب ~~الشرع # وما من محب للآخرة ومحب لله إلا إذا أخبر عن حال رجلين أحدهما عالم عابد ~~والآخرة جاهل فاسق إلا وجد في نفسه ميلا إلى العالم العابد ثم يضعف ذلك ~~الميل ويقوى بحسب ضعف إيمانه وقوته وبحسب ضعف حبه لله وقوته وهذا الميل ~~حاصل وإن كانا غائبين عنه بحيث يعلم إنه لا يصيبه منهما خير ولا شر في ~~الدنيا ولا في الآخرة فذلك الميل هو حب في الله ولله من غير حظ فإنه إنما ~~يحبه لأن الله يحبه ولأنه مرضي عند الله تعالى ولأنه يحب الله تعالى ولأنه ~~مشغول بعبادة الله تعالى إلا أنه إذا ضعف لم يظهر أثر ms0845 ولا يظهر به ثواب ولا ~~أجر فإذا قوي حمل على الموالاة والنصرة والذب بالنفس والمال واللسان ~~وتتفاوت الناس فيه بحسب تفاوتهم في حب الله عز وجل ولو كان الحب مقصورا على ~~حظ ينال من المحبوب في الحال أو المآل لما تصور حب الموتى من العلماء ~~والعباد ومن الصحابة والتابعين بل من الأنبياء المنقرضين صلوات الله عليهم ~~وسلامه وحب جميعهم مكنون في قلب كل مسلم متدين ويتبين ذلك بغضبه عند طعن ~~أعدائهم في واحد منهم ويفرحه عند الثناء عليهم وذكر محاسنهم وكل ذلك حب لله ~~لأنهم خواص عباد الله PageV02P165 # ومن أحب ملكا أو شخصا جميلا أحب خواصه وخدمه وأحب من أحبه إلا أنه يمتحن ~~الحب بالمقابلة بحظوظ النفس وقد يغلب بحيث لا يبقى لنفس حظ إلا فيما هو حظ ~~المحبوب وعنه عبر قول من قال # أريد وصاله ويريد هجري ... فأترك ما أريد لما يريد # وقول من قال وما لجرح إذا أرضاكم ألم وقد يكون الحب بحيث يترك به بعض ~~الحظوظ دون بعض كمن تسمح نفسه بأن يشاطر محبوبه في نصف ماله أو في ثلثه أو ~~في عشره فمقادير الأموال موازين المحبة إذ لا تعرف درجة المحبوب إلا بمحبوب ~~يترك في مقابلته فمن استغرق الحب جميع قلبه لم يبق له محبوب سواه فلا يمسك ~~لنفسه شيئا مثل أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه لم يترك لنفسه أهلا ولا ~~مالا فسلم ابنته التي هي قرة عينه وبذل جميع ماله # قال ابن عمر رضي الله عنهما بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ~~وعنده أبو بكر وعليه عباءة قد خللها على صدره بخلال إذ نزل جبريل عليه ~~السلام فأقرأه عن الله السلام وقال له يا رسول الله مالي أرى أبا بكر عليه ~~عباءة قد خللها على صدره بخلال فقال أنفق ماله علي قبل الفتح قال فأقره من ~~الله السلام وقل له يقول لك ربك أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط قال ~~فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر ms0846 وقال يا أبا بكر هذا جبريل ~~يقرئك السلام من الله ويقول أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط قال فبكى أبو ~~بكر رضي الله عنه وقال أعلى ربي أسخط أنا عن ربي راض (1) # فحصل من هذا أن كل من أحب عالما أو عابدا أو أحب شخصا راغبا في علم أو في ~~خير فإنما أحبه في الله ولله وله فيه من الأجر والثواب بقدر قوة حبه فهذا ~~شرح الحب في الله ودرجاته وبهذا يتضح البغض في الله أيضا ولكن نزيده بيانا ### |||| بيان البغض في الله # اعلم أن كل من يحب في الله لا بد أن يبغض في الله فإنك إن أحببت إنسانا ~~لأنه مطيع لله ومحبوب عند الله فإن عصاه فلا بد أن تبغضه لأنه عاص لله ~~وممقوت عند الله ومن أحب بسبب فبالضرورة يبغض لضده وهذان متلازمان لا ينفصل ~~أحدهما عن الآخر وهو مطرد في الحب والبغض في العادات ولكن كل واحد من الحب ~~والبغض داء دفين في القلب وإنما يترشح عند الغلبة ويترشح بظهور أفعال ~~المحبين والمبغضين في المقاربة والمباعدة وفي المخالفة والموافقة فإذا ظهر ~~في الفعل سمي موالاة ومعاداة ولذلك قال الله تعالى هل واليت في وليا وهل ~~عاديت في عدوا كما نقلناه وهذا واضح في حق من لم يظهر لك إلا طاعاته تقدر ~~على أن تحبه أو لم يظهر لك إلا فسقه وفجوره وأخلاقه المسيئة فتقدر على أن ~~تبغضه وإنما المشكل إذا اختلطت الطاعات بالمعاصي فإنك تقول كيف أجمع بين ~~البغض والمحبة وهما متناقضان وكذلك تتناقض ثمرتهما من الموافقة والمخالفة ~~والموالاة والمعاداة وأقول ذلك غير متناقض في حق الله تعالى كما لا يتناقض ~~في الحظوظ البشرية فإنه مهما اجتمع في شخص واحد خصال يحب بعضها ويكره بعضها ~~فإنك تحبه من وجه وتبغضه من وجه فمن زوجة حسناء فاجرة أو ولد ذكي خدوم ~~ولكنه فاسق فإنه يحبه من وجه ويبغضه من وجه ويكون معه على حالة بين حالتين ~~إذ لو فرض له ثلاثة أولاد أحدهم ذكي بار ms0847 والآخر بليد عاق والآخر بليد بار ~~أو ذكي عاق فإنه يصادف نفسه معهم على ثلاثة أحوال متفاوتة بحسب تفاوت ~~خصالهم فكذلك ينبغي أن تكون حالك بالإضافة إلى من غلب عليه الفجور ومن غلبت ~~PageV02P166 # عليه الطاعة ومن اجتمع فيه كلاهما متفاوتة على ثلاث مراتب وذلك بأن تعطى ~~كل صفة حظها من البغض والحب والإعراض والإقبال والصحبة والقطيعة وسائر ~~الأفعال الصادرة منه # فإن قلت كل مسلم فإسلامه طاعة منه فكيف أبغضه مع الإسلام فأقول تحبه ~~لإسلامه وتبغضه لمعصيته وتكون معه على حالة لو قستها بحال كافر أو فاجر ~~أدركت تفرقة بينهما وتلك التفرقة حب للإسلام وقضاء لحقه وقدر الجناية على ~~حق الله والطاعة له كالجناية على حقك والطاعة لك # فمن وافقك على غرض وخالفك في آخر فكن معه على حالة متوسطة بين الانقباض ~~والاسترسال وبين الإقبال والإعراض وبين التودد إليه والتوحش عنه ولا تبالغ ~~في إكرامه مبالغتك في إكرام من يوافقك على جميع أغراضك ولا تبالغ في إهانته ~~مبالغتك في إهانة من خالفك في جميع أغراضك # ثم ذلك التوسط تارة يكون ميله إلى طرف الإهانة عند غلبة الجناية وتارة ~~إلى طرف المجاملة والإكرام عند غلبة الموافقة فهكذا ينبغي أن يكون فيمن ~~يطيع الله تعالى ويعصيه ويتعرض لرضاه مرة ولسخطه أخرى # فإن قلت فيماذا يمكن إظهار البغض فأقول أما في القول فبكف اللسان عن ~~مكالمته ومحادثته مرة وبالاستخفاف والتغليظ في القول أخرى # وأما في الفعل فبقطع السعي في إعانته مرة وبالسعي في إساءته وإفساده ~~مآربه أخرى # وبعض هذا أشد من بعض وهي بحسب درجات الفسق والمعصية الصادرة منه # أما ما يجري مجرى الهفوة التي يعلم أنه متندم عليها ولا يصر عليها ~~فالأولى فيه الستر والإغماض # أما ما أصر عليه من صغيرة أو كبيرة فإن كان ممن تأكدت بينك وبينه مودة ~~وصحبة وأخوة فله حكم آخر وسيأتي وفيه خلاف بين العلماء وأما إذا لم تتأكد ~~أخوة وصحبة فلا بد من إظهار أثر البغض إما في الإعراض والتباعد عنه وقلة ~~الالتفات إليه وإما في الاستخفاف ms0848 وتغليظ القول عليه # وهذا أشد من الإعراض وهو بحسب غلظ المعصية وخفتها وكذلك في الفعل أيضا ~~رتبتان إحداهما قطع المعونة والرفق والنصرة عنه وهو أقل الدرجات والأخرى ~~السعي في إفساد أغراضه عليه كفعل الأعداء المبغضين وهذا لا بد منه ولكن ~~فيما يفسد عليه طريق المعصية # أما ما لا يؤثر فيه فلا مثاله رجل عصى الله بشرب الخمر وقد خطب امرأة لو ~~تيسر له نكاحها لكان مغبوطا بها بالمال والجمال والجاه إلا أن ذلك لا يؤثر ~~في منعه من شرب الخمر ولا في بعث وتحريض عليه فإذا قدرت على إعانته ليتم له ~~غرضه ومقصوده وقدرت على تشويشه ليفوته غرضه فليس لك السعي في تشويشه # أما الإعانة فلو تركتها إظهارا للغضب عليه في فسقه فلا بأس وليس يجب ~~تركها إذ ربما يكون لك نية في أن تتلطف بإعانته وإظهار الشفقة عليه ليعتقد ~~مودتك ويقبل نصحك فهذا حسن وإن لم يظهر لك ولكن رأيت أن تعينه على غرضه ~~قضاء لحق إسلامه فذلك ليس بممنوع بل هو الأحسن إن كانت معصيته بالجناية على ~~حقك أو حق من يتعلق بك # وفيه نزل قوله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة إلى قوله تعالى ~~{ألا تحبون أن يغفر الله لكم} إذ تكلم مسطح بن أثاثة في واقعة الإفك (1) # فحلف أبو بكر أن يقطع عنه رفقه وقد كان يواسيه بالمال فنزلت الآية مع عظم ~~معصية مسطح وأية معصية تزيد على التعرض لحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإطالة اللسان في مثل عائشة رضي الله عنها إلا أن الصديق رضي الله عنه كان ~~كالمجني عليه في نفسه بتلك الواقعة والعفو عمن ظلم والإحسان إلى من أساء من ~~أخلاق الصديقين # وإنما يحسن الإحسان إلى من ظلمك فأما من ظلم غيرك وعصى الله به فلا يحسن ~~إحسانك إليه لأن في الإحسان إلى الظالم إساءة إلى المظلوم PageV02P167 # وحق المظلوم أولى بالمراعاة وتقوية قلبه بالإعراض عن الظالم أحب إلى الله ~~من تقوية قلب الظالم فأما إذا كنت أنت المظلوم فالأحسن في ms0849 حقك العفو والصفح ~~وطرق السلف قد اختلفت في إظهار البغض مع أهل المعاصي وكلهم اتفقوا على ~~إظهار البغض للظلمة والمبتدعة وكل من عصى الله بمعصية متعدية منه إلى غيره ~~فأما من عصى الله في نفسه فمنهم من نظر بعين الرحمة إلى العصاة كلهم ومنهم ~~من شدد الإنكار واختار المهاجرة # فقد كان أحمد بن حنبل يهجر الأكابر في أدنى كلمة حتى هجر يحيى بن معين ~~لقوله إني لا أسأل أحدا شيئا ولو حمل السلطان إلي شيئا لأخذته # وهجر الحارث المحاسبي في تصنيفه في الرد على المعتزلة وقال إنك لا بد ~~تورد أولا شبهتهم وتحمل الناس على التفكر فيها ثم ترد عليهم وهجر أبا ثور ~~في تأويله قوله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورته (1) # وهذا أمر يختلف باختلاف النية وتختلف النية باختلاف الحال فإن كان الغالب ~~على القلب النظر إلى اضطرار الخلق وعجزهم وأنهم مسخرون لما قدروا له أورث ~~هذا تساهلا في المعاداة والبغض وله وجه ولكن قد تلتبس به المداهنة فأكثر ~~البواعث على الإغضاء عن المعاصي المداهنة ومراعاة القلوب والخوف من وحشتها ~~ونفارها وقد يلبس الشيطان ذلك على الغبي الأحمق بأنه ينظر بعين الرحمة ومحك ~~ذلك أن ينظر إليه بعين الرحمة إن جنى على خاص حقه ويقول إنه قد سخر له ~~والقدر لا ينفع منه الحذر وكيف لا يفعله وقد كتب عليه فمثل هذا قد تصح له ~~نية في الإغماض عن الجناية على حق الله وإن كان يغتاظ عند الجناية على حقه ~~ويترحم عند الجناية على حق الله فهذا مداهن مغرور بمكيدة من مكايد الشيطان ~~فليتنبه له # فإن قلت فأقل الدرجات في إظهار البغض الهجر والإعراض وقطع الرفق والإعانة ~~فهل يجب ذلك حتى يعصي العبد بتركه # فأقول لا يدخل ذلك في ظاهر العلم تحت التكليف والإيجاب فإنا نعلم أن ~~الذين شربوا الخمر وتعاطوا الفواحش في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة ما كانوا يهجرون بالكلية بل كانوا منقسمين فيهم إلى من يغلظ القول ~~عليه ويظهر ms0850 البعض له وإلى من يعرض عنه ولا يتعرض له وإلى من ينظر إليه بعين ~~الرحمة ولا يؤثر المقاطعة والتباعد # فهذه دقائق دينية تختلف فيها طرق السالكين لطريق الآخرة ويكون عمل كل ~~واحد على ما يقتضيه حاله ووقته ومقتضى الأحوال في هذه الأمور إما مكروهة أو ~~مندوبة فتكون في رتبة الفضائل ولا تنتهي إلى التحريم والإيجاب فإن الداخل ~~تحت التكليف أصل المعرفة لله تعالى وأصل الحب وذلك قد لا يتعدى من المحبوب ~~إلى غيره وإنما المتعدي إفراط الحب واستيلاؤه وذلك لا يدخل في الفتوى وتحت ~~ظاهر التكليف في حق عوام الخلق أصلا ### |||| بيان مراتب الذين يبغضون في الله وكيفية معاملتهم # فإن قلت إظهار البغض والعداوة بالفعل إن لم يكن واجبا فلا شك أنه مندوب ~~إليه والعصاة والفساق على مراتب مختلفة فكيف ينال الفضل بمعاملتهم وهل يسلك ~~بجميعهم مسلكا واحدا أم لا فاعلم أن المخالف لأمر الله سبحانه لا يخلو إما ~~أن يكون مخالفا في عقده أو في عمله والمخالف في العقد إما مبتدع أو كافر ~~والمبتدع إما داع إلى بدعته أو ساكت والساكت إما بعجزه أو باختياره فأقسام ~~الفساد في الاعتقاد ثلاثة # الأول الكفر فالكافر إن كان محاربا فهو يستحق القتل والإرقاق وليس بعد ~~هذين إهانة وأما الذمي فإنه لا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه والتحقير له ~~بالاضرار إلى أضيق الطريق وبترك المفاتحة بالسلام فإذا قال PageV02P168 # السلام عليك قلت وعليك # والأولى الكف عن مخالطته ومعاملته ومواكلته وأما الانبساط معه والاسترسال ~~إليه كما يسترسل إلى الأصدقاء فهو مكروه كراهة شديدة يكاد ينتهي ما يقوى ~~منها إلى حد التحريم قال تعالى {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم} الآية وقال صلى ~~الله عليه وسلم المسلم والمشرك لا تتراءى ناراهما (1) # وقال عز وجل {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} الآية # الثاني المبتدع الذي يدعو إلى بدعته # فإن كانت البدعة بحيث يكفر بها فأمره أشد من الذمي لأنه لا يقر بجزية ولا ms0851 ~~يسامح بعقد ذمة وإن كان ممن لا يكفر به فأمره بينه وبين الله أخف من أمر ~~الكافر لا محالة ولكن الأمر في الإنكار عليه أشد منه على الكافر لأن شر ~~الكافر غير متعد فإن المسلمين اعتقدوا كفره فلا يلتفتون إلى قوله إذ لا ~~يدعي لنفسه الإسلام واعتقاد الحق # أما المبتدع الذي يدعوا إلا البدعة ويزعم أن ما يدعو إليه حق فهو سبب ~~لغواية الخلق فشره متعد فالاستحباب في إظهار بغضه ومعاداته والانقطاع عنه ~~وتحقيره والتشنيع عليه ببدعته وتنفير الناس عنه أشد وإن سلم في خلوة فلا ~~بأس برد جوابه وإن علمت أن الإعراض عنه والسكوت عن جوابه يقبح في نفسه ~~بدعته ويؤثر في زجره فترك الجواب أولى لأن جواب الإسلام وإن كان واجبا ~~فيسقط بأذني غرض فيه مصلحة حتى يسقط بكون الإنسان في الحمام أو في قضاء ~~حاجته وغرض الزجر أهم من هذه الأغراض وإن كان في ملأ فترك الجواب أول ~~تنفيرا للناس عنه وتقبيحا لبدعته في أعينهم وكذلك الأولى كف الإحسان إليه ~~والإعانة له لا سيما فيما يظهر للخلق قال عليه السلام من انتهر صاحب بدعة ~~ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا ومن أهان صاحب بدعة أمنه الله يوم الفزع الأكبر ~~من ألان له وأكرمه أو لقيه ببشر فقد استخف بما أنزل الله على محمد صلى الله ~~عليه وسلم (2) # الثالث المبتدع العامي الذي لا يقدر على الدعوة ولا يخاف الاقتداء به ~~فأمره أهون فالأولى أن لا يقابح بالتغليظ والإهانة بل يتلطف به في النصح ~~فإن قلوب العوام سريعة التقلب فإن لم ينفع النصح وكان في الإعراض عنه تقبيح ~~لبدعته في عينه تأكد الاستحباب في الإعراض وإن علم أن ذلك لا يؤثر فيه ~~لجمود طبعه ورسوخ عقده في قلبه فالإعراض أولى لأن البدعة إذا لم يبالغ في ~~تقبيحها شاعت بين الخلق وعم فسادها # وأما العاصي بفعله وعمله لا باعتقاده فلا يخلو إما أن يكون بحيث يتأذى به ~~غيره كالظلم والغضب وشهادة الزور والغيبة والتضريب بين الناس والمشي ~~بالنميمة وأمثالها # أو كان ms0852 مما لا يقتصر عليه ويؤذي غيره وذلك ينقسم إلى ما يدعو غيره إلى ~~الفساد كصاحب الماخور الذي يجمع بين الرجال والنساء ويهيء أسباب الشرب ~~والفساد لأهل الفساد أو لا يدعو غيره إلى فعله كالذي يشرب ويزني وهذا الذي ~~لا يدعو غيره إما أن يكون عصيانه بكبيرة أو بصغيرة وكل واحد فإما أن يكون ~~مصرا عليه أو غير مصر فهذه التقسيمات يتحصل منها ثلاثة أقسام ولكل قسم منها ~~رتبة وبعضها أشد من بعض ولا نسلك بالكل مسلكا واحدا # القسم الأول وهو أشدها ما يتضرر به الناس كالظلم والغصب وشهادة الزور ~~والغيبة والنميمة فهؤلاء الأولى الإعراض عنهم وترك مخالطتهم والانقباض عن ~~معاملتهم لأن المعصية شديدة فيما يرجع إلى إيذاء الخلق # ثم هؤلاء PageV02P169 # ينقسمون إلى من يظلم في الدماء وإلى من يظلم في الأموال وإلى من يظلم في ~~الأعراض وبعضها أشد من بعض فالاستحباب في إهانتهم والإعراض عنهم مؤكد جدا ~~ومهما كان يتوقع من الإهانة زجرا لهم أو لغيرهم كان الأمر فيه آكد وأشد # الثاني صاحب الماخور الذي يهيء أسباب الفساد ويسهل طرقه على الخلق فهذا ~~لا يؤذي الخلق في دنياهم ولكن يختلس بفعله دينهم وإن كان وفق رضاهم فهو ~~قريب من الأول ولكنه أخف منه فإن المعصية بين العبد وبين الله تعالى إلى ~~العفو أقرب ولكن من حيث إنه متعد على الجملة إلى غيره فهو شديد وهذا أيضا ~~يقتضي الإهانة والإعراض والمقاطعة وترك جواب السلام إذا ظن أن فيه نوعا من ~~الزجر له أو لغيره # الثالث الذي يفسق في نفسه بشرب خمر أو ترك واجب أو مقارفة محظور يخصه ~~فالأمر فيه أخف ولكنه في وقت مباشرته إن صودف يجب منعه بما يمتنع به منه ~~ولو بالضرب والاستخفاف فإن النهي عن المنكر واجب وإذا فرغ منه وعلم أن ذلك ~~من عادته وهو مصر عليه فإن تحقق أن نصحه يمنعه عن العود إليه وجب النصح وإن ~~لم يتحقق ولكنه كان يرجو فالأفضل النصح والزجر بالتلطف أو بالتغليظ إن كان ~~هو الأنفع فأما الإعراض عن ms0853 جواب سلامه والكف عن مخالطته حيث يعلم أنه يصر ~~وأن النصح ليس ينفعه فهذا فيه نظر وسير العلماء فيه مختلفة والصحيح أن ذلك ~~يختلف باختلاف نية الرجل فعند هذا يقال الأعمال بالنيات إذ في الرفق والنظر ~~بعين الرحمة إلى الخلق نوع من التواضع وفي العنف والإعراض نوع من الزجر ~~والمستفتى فيه القلب فما يراه أميل إلى هواه ومقتضى طبعه فالأولى ضده إذ قد ~~يكون استخفافه وعنفه عن كبر وعجب والتذاذ بإظهار العلو والإدلال بالصلاح ~~وقد يكون رفقه عن مداهنة واستمالة قلب للوصول به إلى غرض أو الخوف من تأثير ~~وحشته ونفرته في جاه أو مال بظن قريب أو بعيد وكل ذلك مردد على إشارات ~~الشيطان وبعيد عن أعمال أهل الآخرة وكل راغب في أعمال الدين مجتهد مع نفسه ~~في التفتيش عن هذه الدقائق ومراقبة هذه الأحوال والقلب هو المفتى فيه وقد ~~يصيب الحق في اجتهاده وقد يخطيء وقد يقدم على اتباع هواه وهو عالم به وقد ~~يقدم وهو بحكم الغرور ظان أنه عامل لله وسالك طريق الآخرة # وسيأتي بيان هذه الدقائق في كتاب الغرور من ربع المهلكات # ويدل على تخفيف الأمر في الفسق القاصر الذي هو بين العبد وبين الله ما ~~روي أن شارب خمر ضرب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعود فقال ~~واحد من الصحابة # لعنه الله ما أكثر ما يشرب فقال صلى الله عليه وسلم لا تكن عونا للشيطان ~~على أخيك (1) # أو لفظا هذا معناه وكأن هذا إشارة إلى أن الرفق أولى من العنف والتغليظ ### |||| بيان الصفات المشروطة فيمن تختار صحبته # اعلم أنه لا يصلح للصحبة كل إنسان # قال صلى الله عليه وسلم المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل (2) # ولا بد أن يتميز بخصال وصفات يرغب بسببها في صحبته وتشترط تلك الخصال ~~بحسب الفوائد المطلوبة من الصحبة إذ معنى الشرط مالا بد منه للوصول إلى ~~المقصود فبالإضافة إلى المقصود تظهر الشروط # ويطلب من الصحبة فوائد دينية ودنيوية أما الدنيوية فكالانتفاع بالمال أو ms0854 ~~الجاه أو مجرد الاستئناس بالمشاهدة والمجاورة وليس ذلك من أغراضنا # وأما الدينية فيجتمع فيها أيضا أغراض مختلفة إذ منها الاستفادة من العلم ~~والعمل ومنها الاستفادة من الجاه تحصنا به عن إيذاء من يشوش القلب ويصد عن ~~العبادة ومنها استفادة المال للاكتفاء به عن تضييع الأوقات PageV02P170 # في طلب القوت ومنها الاستعانة في المهمات فيكون عدة في المصائب وقوة في ~~الأحوال ومنها التبرك بمجرد الدعاء ومنها انتظار الشفاعة في الآخرة فقد قال ~~السلف استكثروا من الإخوان فإن لكل مؤمن شفاعة فلعلك تدخل في شفاعة أخيك # وروي في غريب التفسير في قوله تعالى {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ويزيدهم من فضله} قال يشفعهم في إخوانهم فيدخلهم الجنة معهم # ويقال إذا غفر الله للعبد شفع في إخوانه ولذلك حث جماعة من السلف على ~~الصحبة والألفة والمخالطة وكرهوا العزلة والانفراد فهذه فوائد تستدعي كل ~~فائدة شروطا لا تحصل إلا بها ونحن نفصلها أما على الجملة فينبغي أن يكون ~~فيمن تؤثر صحبته خمس خصال أن يكون عاقلا حسن الخلق غير فاسق ولا مبتدع ولا ~~حريص على الدنيا # أما العقل فهو رأس المال وهو الأصل فلا خير في صحبة الأحمق فإلى الوحشة ~~والقطيعة ترجع عاقبتها وإن طالت # قال علي رضي الله عنه # فلا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه ... فكم من جاهل أردى حليما حين آخاه # يقاس المرء بالمرء إذا ما المرء ما شاه ... وللشيء من الشيء مقاييس ~~وأشباه # وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه # كيف والأحمق قد يضرك وهو يريد نفعك وإعانتك من حيث لا يدري ولذلك قال ~~الشاعر # إني لآمن من عدو عاقل ... وأخاف خلا يعتريه جنون # فالعقل فن واحد وطريقه ... أدرى فأرصد والجنون فنون # ولذلك قيل مقاطعة الأحمق قربان إلى الله # وقال الثوري النظر إلى وجه الأحمق خطيئة مكتوبة ونعني بالعاقل الذي يفهم ~~الأمور على ما هي عليه إما بنفسه وإما إذا فهم # وأما حسن الخلق فلا بد منه إذ رب عاقل يدرك الأشياء على ما هي عليه ولكن ~~إذا غلبه غضب أو شهوة أو ms0855 بخل أو جبن أطاع هواه وخالف ما هو المعلوم عنده ~~لعجزه عن قهر صفاته وتقويم أخلاقه فلا خير في صحبته # وأما الفاسق المصر على الفسق فلا فائدة في صحبته لأن من يخاف الله لا يصر ~~على كبيرة ومن لا يخاف الله لا تؤمن غائلته ولا يوثق بصداقته بل يتغير ~~بتغير الأغراض # وقال تعالى {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} وقال تعالى ~~{فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه} وقال تعالى فأعرض عمن تولى عن ~~ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا وقال {واتبع سبيل من أناب إلي} وفي مفهوم ~~ذلك زجر عن الفاسق # وأما المبتدع ففي صحبته خطر سراية البدعة وتعدي شؤمها إليه فالمبتدع ~~مستحق للهجر والمقاطعة فكيف تؤثر صحبته وقد قال عمر رضي الله عنه في الحث ~~على طلب التدين في الصديق فيما رواه سعيد بن المسيب قال عليك بإخوان الصدق ~~تعش في أكنافهم فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء وضع أمر أخيك على ~~أحسنه حتى يجيئك ما يغلبك منه واعتزل عدوك واحذر صديقك إلا الأمين من القوم ~~ولا أمين إلا من خشي الله فلا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره ولا تطعه على ~~سرك واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى # وأما حسن الخلق فقد جمعه علقمة العطاردي في وصيته لابنه حين حضرته الوفاة ~~قال يا بني إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك وإن ~~صحبته زانك وإن قعدت بك مؤنة مانك اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها وإن رأى ~~منك حسنة عدها وإن رأى سيئة سدها اصحب من إذا سألته أعطاك وإن سكت ابتداك ~~وإن نزلت بك نازلة واساك اصحب من إذا قلت صدق قولك وإن حاولتما أمرا أمرك ~~وإن تنازعتما آثرك فكأنه جمع بهذا جميع حقوق الصحبة وشرط أن يكون قائما ~~بجميعها # قال ابن أكثم قال المأمون فأبن هذا فقيل له أتدري لم أوصاه بذلك # قال PageV02P171 # لا # قال لأنه أراد أن لا يصحب أحدا # وقال بعض ms0856 الأدباء لا تصحب من الناس إلا من يكتم سرك ويستر عيبك فيكون معك ~~في النوائب ويؤثرك بالرغائب وينشر حسنتك ويطوي سيئتك فإن لم تجده فلا تصحب ~~إلا نفسك # وقال علي رضي الله عنه # إن أخاك الحق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك # ومن إذا ريب زمان صدعك ... شتت فيه شمله ليجمعك # وقال بعض العلماء لا تصحب إلا أحد رجلين رجل تتعلم منه شيئا في أمر دينك ~~فينفعك أو رجل تعلمه شيئا في أمر دينه فيقبل منك والثالث فاهرب منه وقال ~~بعضهم الناس أربعة فواحد حلو كله فلا يشبع منه # وآخر مر كله فلا يؤكل منه وآخر فيه حموضة فخذ من هذا قبل أن يأخذ منك ~~وآخر فيه ملوحة فخذ منه وقت الحاجة فقط # وقال جعفر الصادق رضي الله عنه لا تصحب خمسة الكذاب فإنك منه على غرور ~~وهو مثل السراب يقرب منك البعيد ويبعد منك القريب والأحمق فإنك لست منه على ~~شيء يريد أن ينفعك فيضرك # والبخيل فإنه يقطع بك أحوج ما تكون إليه والجبان فإنه يسلمك ويفر عند ~~الشدة والفاسق فإنه يبيعك بأكلة أو أقل منها فقيل وما أقل منها قال الطمع ~~فيها ثم لا ينالها # وقال الجنيد لأن يصحبني فاسق حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني قاريء سيء ~~الخلق # وقال ابن أبي الحواري قال لي أستاذي أبو سليمان يا أحمد لا تصحب إلا أحد ~~رجلين رجلا ترتفق به في أمر دنياك أو رجلا تزيد معه وتنتفع به في أمر آخرتك ~~والاشتغال بغير هذين حمق كبير # وقال سهل بن عبد الله اجتنب صحبة ثلاثة من أصناف الناس الجبابرة الغافلين ~~والقراء المداهنين والمتصوفة الجاهلين # واعلم أن هذه الكلمات أكثرها غير محيط بجميع أغراض الصحبة والمحيط ما ~~ذكرناه من ملاحظة المقاصد ومراعاة الشروط بالإضافة إليها فليس ما يشترط ~~للصحبة في مقاصد الدنيا مشروطا للصحبته في الآخرة والأخوة كما قال بشر ~~الإخوان ثلاثة أخ لآخرتك وأخ لدنياك وأخ لتأنس به # وقلما تجتمع هذه المقاصد في واحد بل تتفرق على جمع ms0857 فتتفرق الشروط فيهم لا ~~محالة # وقد قال المأمون الإخوان ثلاثة أحدهم مثله مثل الغذاء لا يستغنى عنه ~~والآخر مثله مثل الدواء يحتاج إليه في وقت دون وقت والثالث مثله مثل الداء ~~لا يحتاج إليه قط ولكن العبد قد يبتلي به وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع # وقد قيل مثل جملة الناس كمثل الشجر والنبات فمنها ما له ظل وليس له ثمر ~~وهو مثل الذي ينتفع به في الدنيا دون الآخرة فإن نفع الدنيا كالظل السريع ~~الزوال ومنها ما له ثمر وليس له ظل وهو مثل الذي يصلح للآخرة دون الدنيا ~~ومنها ما له ثمر وظل جميعا ومنها ما ليس له واحد منهما كأم غيلان تمزق ~~الثياب ولا طعم فيهما ولا شراب ومثله من الحيوانات الفأرة والعقرب كما قال ~~تعالى {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير} وقال الشاعر # الناس شتى إذا ما أنت ذقتهم ... لا يستوون كما لا يستوي الشجر # هذا له ثمر حلو مذاقته ... وذاك ليس له طعم ولا ثمر # فإذا لم يجد رفيقا يؤاخيه ويستفيد به أحد هذه المقاصد فالوحدة أولى به # قال أبو ذر رضي الله عنه الوحدة خير من الجليس السوء والجليس الصالح خير ~~من الوحدة ويروى مرفوعا # وأما الديانة وعدم الفسق فقد قال الله تعالى {واتبع سبيل من أناب إلي} ~~ولأن مشاهدة الفسق والفساق تهون أمر المعصية على القلب وتبطل نفرة القلب ~~عنها # قال سعيد بن المسيب لا تنظروا إلى الظلمة فتحبط أعمالكم الصالحة بل هؤلاء ~~لا سلامة في مخالطتهم وإنما PageV02P172 # السلامة في الانقطاع عنهم # قال الله تعالى {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} أي سلامة والألف بدل ~~من الهاء ومعناه إنا سلمنا من إثمكم وأنتم سلمتم من شرنا فهذا ما أردنا أن ~~نذكره من معاني الأخوة وشروطها وفوائدها فلنرجع في ذكر حقوقها ولوازمها ~~وطرق القيام بحقها # وأما الحريص على الدنيا فصحبته سم قاتل لأن الطباع مجبولة على التشبه ~~والاقتداء بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه فمجالسة الحريص ms0858 على ~~الدنيا تحرك الحرص ومجالسة الزاهد تزهد في الدنيا فلذلك تكره صحبة طلاب ~~الدنيا ويستحب صحبة الراغبين في الآخرة # قال علي عليه السلام أحيوا الطاعات بمجالسة من يستحيا منه # وقال أحمد بن حنبل رحمه الله ما أوقعني في بلية إلا صحبة من لا أحتشمه # وقال لقمان يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن القلوب لتحيا ~~بالحكمة كما تحيا الأرض الميتة بوابل القطر ### ||| الباب الثاني في حقوق الأخوة والصحبة # اعلم أن عقد الأخوة رابطة بين الشخصين كعقد النكاح بين الزوجين وكما ~~يقتضي النكاح حقوقا يجب الوفاء بها قياما بحق النكاح كما سبق ذكره في كتاب ~~آداب النكاح فكذا عقد الأخوة فلأخيك عليك حق في المال والنفس وفي اللسان ~~والقلب بالعفو والدعاء وبالإخلاص والوفاء وبالتخفيف وترك التكلف والتكليف ~~وذلك يجمعه ثمانية حقوق ### |||| الحق الأول في المال # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما ~~الأخرى (1) # وإنما شبههما باليدين لا باليد والرجل لأنهما يتعاونان على غرض واحد فكذا ~~الأخوان إنما تتم أخوتهما إذا ترافقا في مقصد واحد فهما من وجه كالشخص ~~الواحد وهذا يقتضي المساهمة في السراء والضراء والمشاركة في المآل والحال ~~وارتفاع الاختصاص والاستئثار # والمواساة بالمال مع الأخوة على ثلاث مراتب # أدناها أن تنزله منزلة عبدك أو خادمك فتقوم بحاجته من فضلة مالك فإذا ~~سنحت له حاجة وكانت عندك فضلة عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال ~~فإن أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حق الأخوة # الثانية أن تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك ونزوله منزلتك ~~حتى تسمح بمشاطرته في المال قال الحسن كان أحدهم يشق إزاره بينه وبين أخيه # الثالثة وهي العليا أن تؤثره على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك وهذه مرتبة ~~الصديقين ومنتهى درجات المتحابين ومن ثمار هذه الرتبة الإيثار بالنفس أيضا ~~كما روي أنه سعى بجماعة من الصوفية إلى بعض الخلفاء فأمر بضرب رقابهم وفيهم ~~أبو الحسين النوري فبادر السياف ليكون هو أول مقتول فقيل له في ذلك فقال ~~أحببت ms0859 أن أوثر إخواني بالحياة في هذه اللحظة فكان ذلك سبب نجاة جميعهم في ~~حكاية طويلة فإن لم تصادف نفسك في رتبة من هذه الرتب مع أخيك فاعلم أن عقد ~~الأخوة لم ينعقد بعد في الباطن وإنما الجاري بينكما مخالطة رسمية لا وقع ~~لها في العقل والدين فقد قال ميمون بن مهران من رضي من الإخوان بترك ~~الإفضال فليؤاخ أهل القبور # وأما الدرجة الدنيا فليست أيضا مرضية عند ذوي الدين روي أن عتبة الغلام ~~جاء إلى منزل رجل PageV02P173 # كان قد آخاه فقال أحتاج من مالك إلى أربعة آلاف فقال خذ ألفين فأعرض عنه ~~وقال آثرت الدنيا على الله أما استحييت أن تدعي الأخوة في الله وتقول هذا ~~ومن كان في الدرجة الدنيا من الأخوة ينبغي أن لا تعامله في الدنيا قال أبو ~~حازم إذا كان لك أخ في الله فلا تعامله في أمور دنياك وإنما أراد به من كان ~~في هذه الرتبة # وأما الرتبة العليا فهي التي وصف الله تعالى المؤمنين بها في قوله ~~{وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} أي كانوا خلطاء في الأموال لا ~~يميز بعضهم رحله عن بعض وكان منهم من لا يصحب من قال نعلي لأنه أضافه إلى ~~نفسه # وجاء فتح الموصلي إلى منزل لأخ له وكان غائبا فأمر أهله فأخرجت صندوقه ~~ففتحه وأخذ حاجته فأخبرت الجارية مولاها فقال إن صدقت فأنت حرة لوجه الله ~~سرورا بما فعل # وجاء رجل إلى أبي هريرة رضي الله عنه وقال إني أريد أن أواخيك في الله ~~فقال أتدري ما حق الإخاء قال عرفني قال أن لا تكون أحق بدينارك ودرهمك مني ~~قال لم أبلغ هذه المنزلة بعد قال فاذهب عني # وقال علي بن الحسين رضي الله عنهما لرجل هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه ~~وكيسه فيأخذ منه ما يريد بغير إذنه قال لا # قال فلستم بإخوان # ودخل قوم على الحسن رضي الله عنه فقالوا يا أبا سعيد أصليت قال نعم قالوا ~~فإن أهل السوق لم يصلوا بعد قال ومن ms0860 يأخذ دينه من أهل السوق بلغني أن أحدهم ~~يمنع أخاه الدرهم قاله كالمتعجب منه # وجاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم رحمه الله وهو يريد بيت المقدس فقال إني ~~أريد أن أرافقك فقال له إبراهيم على أن أكون أملك لشيئك منك قال لا قال ~~أعجبني صدقك قال فكان إبراهيم بن أدهم رحمه الله إذا رافقه رجل لم يخالفه ~~وكان لا يصحب إلا من يوافقه وصحبه رجل شراك فأهدى رجل إلى إبراهيم في بعض ~~المنازل قصعة من ثريد ففتح جراب رفيقه وأخذ حزمة من شراك وجعلها في القصعة ~~وردها إلى صاحب الهدية فلما جاء رفيقه قال أين الشراك قال ذلك الثريد الذي ~~أكلته إيش كان قال كنت تعطيه شراكين أو ثلاثة # قال اسمح يسمح لك # وأعطى مرة حمارا كان لرفيقه بغير إذنه رجلا رآه راجلا فلما جاء رفيقه سكت ~~ولم يكره ذلك # قال ابن عمر رضي الله عنهما أهدي لرجل دمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رأس شاة فقال أخي فلان أحوج مني إليه فبعث به إليه فبعثه ذلك الإنسان ~~إلى آخر فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى رجع إلى الأول بعد أن تداوله ~~سبعة # وروي أن مسروقا أدان دينا ثقيلا وكان على أخيه خيثمة دين قال فذهب مسروق ~~فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم ولما ~~آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع ~~آثره بالمال والنفس فقال عبد الرحمن بارك الله لك فيهما (1) # فآثره بما آثره به وكأنه قبله ثم آثره به وذلك مساواة والبداية إيثار ~~والإيثار أفضل من المساواة # وقال أبو سليمان الدارني لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من ~~إخواني لاستقللتها له # وقال أيضا إني لألقم اللقمة أخا من إخواني فأجد طعمها في حلقي # كان الإنفاق على الإخوان أفضل من الصدقات على الفقراء قال علي رضي الله ~~تعالى عنه لعشرون درهما أعطيها أخي في الله أحب إلي ms0861 من أن أتصدق بمائة درهم ~~على المساكين وقال أيضا لأن أصنع صاعا من طعام وأجمع عليه إخواني في الله ~~أحب إلي من أن أعتق رقبة # واقتداء الكل في الإيثار برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه دخل غيضة مع ~~بعض أصحابه فاجتنى منها سواكين أحدهما معوج والآخر مستقيم إلى صاحبه فقال ~~له يا رسول الله كنت والله أحق بالمستقيم مني فقال ما من صاحب يصحب صاحبا ~~ولو ساعة من النهار إلا سئل عن صحبته هل أقام فيها حق الله أم أضاعه (2) # فأشار بهذا إلى أن الإيثار PageV02P174 # هو القيام بحق الله في الصحبة # وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر يغتسل عندها فأمسك حذيفة بن ~~اليمان الثوب وقام يستر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اغتسل ثم جلس ~~حذيفة ليغتسل فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الثوب وقام يستر حذيفة ~~عن الناس فأبى حذيفة وقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا تفعل فأبى عليه ~~السلام إلا أن يستره بالثوب حتى اغتسل (1) # وقال صلى الله عليه وسلم ما اصطحب اثنان قط إلا كان أحبهما إلى الله ~~أرفقهما بصاحبه (2) # وروي أن مالك بن دينار ومحمد بن واسع دخلا منزل الحسن وكان غائبا فأخرج ~~محمد بن واسع سلة فيها طعام من تحت سرير الحسن فجعل يأكل فقال له مالك كف ~~يدك حتى يجيء صاحب البيت فلم يلتفت محمد إلى قوله وأقبل على الأكل وكان ~~مالك أبسط منه وأحسن خلقا فدخل الحسن وقال يا مويلك هكذا كنا لا يحتشم ~~بعضنا بعضا حتى ظهرت أنت وأصحابك # وأشار بهذا إلى أن الانبساط في بيوت الإخوان من الصفاء في الأخوة كيف وقد ~~قال الله تعالى {أو صديقكم} وقال {أو ما ملكتم مفاتحه} إذ كان الأخ يدفع ~~مفاتيح بيته إلى أخيه ويفوض له التصرف كما يريد وكان أخوه يتحرج عن الأكل ~~بحكم التقوى حتى أنزل الله تعالى هذه الآية وأذن لهم في الانبساط في طعام ~~الإخوان والأصدقاء ### |||| الحق الثاني في الإعانة بالنفس في قضاء ms0862 الحاجات والقيام بها قبل السؤال وتقديمها على الحاجات الخاصة # وهذه أيضا لها درجات كما للمواساة بالمال فأدناها القيام بالحاجة عند ~~السؤال والقدرة ولكن مع البشاشة والاستبشار وإظهار الفرح وقبول المنة # قال بعضهم إذا استقضيت أخاك حاجة فلم يقضها فذكره ثانية فلعله أن يكون قد ~~نسي فإن لم يقضها فكبر عليه واقرأ هذه الآية والموتى يبعثهم الله وقضى ابن ~~شبرمة حاجة لبعض إخوانه كبيرة فجاء بهدية فقال ما هذا قال لما أسديته الي ~~فقال خذ مالك عافاك الله إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ ~~للصلاة وكبر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى # قال جعفر بن محمد إني لأتسارع إلى قضاء حوائج أعدائي مخافة أن أردهم ~~فيستغنوا عني # هذا في الأعداء فكيف في الأصدقاء وكان في السلف من يتفقد عيال أخيه ~~وأولاده بعد موته أربعين سنة يقوم بحاجتهم ويتردد كل يوم إليهم ويمونهم من ~~ماله فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا عينه بل كانوا يرون منه ما لم يروا من ~~أبيهم في حياته وكان الواحد منهم يتردد إلى باب دار أخيه ويسأل ويقول هل ~~لكم زيت هل لكم ملح هل لكم حاجة وكان يقوم بها حيث لا يعرفه أخوه # وبهذا تظهر الشفقة والأخوة فإذا لم تثمر الشفقة حتى يشفق على أخيه كما ~~يشفق على نفسه فلا خير فيها # قال ميمون ابن مهران من لم تنتفع بصداقته لم تضرك عداوته # وقال صلى الله عليه وسلم ألا وإن لله أواني في أرضه وهي القلوب فأحب ~~الأواني إلى الله تعالى أصفاها وأصلبها وأرقها أصفاها من الذنوب وأصلبها في ~~الدين وأرقها على الإخوان (3) # وبالجملة فينبغي أن تكون حاجة أخيك مثل حاجتك أو أهم من حاجتك وأن تكون ~~متفقدا لأوقات الحاجة غير غافل عن أحواله كما لا تغفل عن أحوال نفسك وتغنيه ~~عن السؤال وإظهار الحاجة إلى الاستعانة بل PageV02P175 # تقوم بحاجته كأنك لا تدري أنك قمت بها ولا ترى لنفسك حقا بسبب قيامك بها ~~بل تتقلد منة بقبوله سعيك في حقه وقيامك بأمره ms0863 # ولا ينبغي أن تقتصر على قضاء الحاجة بل تجتهد في البداية بالإكرام في ~~الزيادة والإيثار والتقديم على الأقارب والولد # كان الحسن يقول إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا لأن أهلنا يذكروننا ~~بالدنيا وإخواننا يذكروننا بالآخرة # وقال الحسن من شيع أخاه في الله بعث الله ملائكة من تحت عرشه يوم القيامة ~~يشيعونه إلى الجنة # وفي الأثر ما زار رجل أخا في الله شوقا إلى لقائه إلا ناداه ملك من خلفه ~~طبت وطابت لك الجنة (1) # وقال عطاء تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث فإن كانوا مرضى فعودوهم أو مشاغيل ~~فأعينوهم أو كانوا نسوا فذكروهم # وروي أن ابن عمر كان يلتفت يمينا وشمالا بين يدي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسأله عن ذلك فقال أحببت رجلا فأنا أطلبه ولا أراه فقال إذا أحببت ~~أحدا فسله عن اسمه واسم أبيه وعن منزله فإن كان مريضا عدته وإن كان مشغولا ~~أعنته (2) # وفي رواية وعن اسم جده وعشيرته # وقال الشعبي في الرجل يجالس الرجل فيقول أعرف وجهه ولا أعرف اسمه تلك ~~معرفة النوكي # وقيل لابن عباس من أحب الناس إليك قال جليسي وقال ما اختلف رجل إلى مجلسي ~~ثلاثا من غير حاجة له إلي فعلمت ما مكافأته من الدنيا # وقال سعيد بن العاص لجليسي علي ثلاث إذا دنا رحبت به وإذا حدث أقبلت عليه ~~وإذا جلس أوسعت له # وقد قال تعالى {رحماء بينهم} إشارة إلى الشفقة والإكرام # ومن تمام الشفقة أن لا ينفرد بطعام لذيذ أو بحضور في مسرة دونه بل يتنغض ~~لفراقه ويستوحش بانفراده عن أخيه ### |||| الحق الثالث في اللسان بالسكوت مرة وبالنطق أخرى # أما السكوت فهو أن يسكت عن ذكر عيوبه في غيبته وحضرته بل يتجاهل عنه ~~ويسكت عن الرد عليه فيما يتكلم به ولا يماريه ولا يناقشه وأن يسكت عن ~~التجسس والسؤال عن أحواله وإذا رآه في طريق أو حاجة لم يفاتحه بذكر غرضه من ~~مصدره ومورده ولا يسأله عنه فربما يثقل عليه ذكره أو يحتاج إلى أن يكذب فيه ~~وليسكت عن أسراره التي ms0864 بثها إليه ولا يبثها إلى غيره البتة ولا إلى أخص ~~أصدقائه ولا يكشف شيئا منها ولو بعد القطيعة والوحشة فإن ذلك من لؤم الطبع ~~وخبث الباطن وأن يسكت عن القدح في أحبابه وأهله وولده وأن يسكت عن حكاية ~~قدح غيره فيه فإن الذي سبك من بلغك # وقال أنس كان صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحدا بشيء يكرهه // حديث أنس ~~كان لا يواجه احد بشىء يكرهه أخرجه أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي ~~في اليوم والليلة بسند ضعيف # والتأذي يحصل أولا من المبلغ ثم من القائل نعم لا ينبغي أن يخفي ما يسمع ~~من الثناء عليه فإن السرور به أولا يحصل من المبلغ للمدح ثم من القائل ~~وإخفاء ذلك من الحسد # وبالجملة فليسكت عن كل كلام يكرهه جملة وتفصيلا إلا إذا وجب عليه النطق ~~في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ولم يجد رخصة في السكوت فإذ ذاك لا يبالي ~~بكراهته فإن ذلك إحسان إليه في التحقيق وإن كان يظن أنها إساءة في الظاهر # أما ذكر مساوية وعيوبه ومساوي أهله فهو من الغيبة وذلك حرام في حق كل ~~مسلم ويزجرك عنه أمران # أحدهما أن تطالع أحوال نفسك فإن وجدت فيها شيئا واحدا مذموما فهون على ~~نفسك ما تراه من أخيك PageV02P176 # وقدر أنه عاجز عن قهر نفسه في تلك الخصلة الواحدة كما أنك عاجز عما أنت ~~مبتلى به ولا تستثقله بخصلة واحدة مذمومة فأي الرجال المهذب وكل ما لا ~~تصادفه من نفسك في حق الله فلا تنتظره من أخيك في حق نفسك فليس حقك عليه ~~بأكثر من حق الله عليك # والأمر الثاني أنك تعلم أنك لو طلبت منزها عن كل عيب اعتزلت عن الخلق ~~كافة ولن تجد من تصاحبه أصلا فما من أحد من الناس إلا وله محاسن ومساو فإذا ~~غلبت المحاسن المساوي فهو الغاية والمنتهى فالمؤمن الكريم أبدا يحضر في ~~نفسه محاسن أخيه لينبعث من قلبه التوقير والود والاحترام وأما المنافق ~~اللئيم فإنه أبدا يلاحظ المساوي والعيوب # قال ابن المبارك ms0865 المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العثرات # وقال الفضيل الفتوة العفو عن زلات الإخوان ولذلك قال عليه السلام ~~استعيذوا بالله من جار السوء الذي إن رأى خيرا ستره وإن رأى شرا أظهره (1) # وما من شخص إلا ويمكن تحسين حاله بخصال فيه ويمكن تقبيحه أيضا # روي أن رجلا أثنى على رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان من ~~الغد ذمه فقال عليه السلام أنت بالأمس تثني عليه واليوم تذمه فقال والله ~~لقد صدقت عليه بالأمس وما كذبت عليه اليوم إنه أرضاني بالأمس فقلت أحسن ما ~~علمت فيه وأغضبني اليوم فقلت أقبح ما علمت فيه فقال عليه السلام إن من ~~البيان لسحرا (2) # وكأنه كره ذلك فشبهه بالسحر ولذلك قال في خبر آخر البذاء والبيان شعبتان ~~من النفاق (3) # وفي الحديث الآخر إن الله يكره لكم البيان كل البيان وكذلك قال الشافعي ~~رحمه الله ما أحد من المسلمين يطيع الله ولا يعصيه ولا أحد يعصي الله ولا ~~يطيعه # فمن كانت طاعته أغلب من معاصيه فهو عدل وإذا جعل مثل هذا عدلا في حق الله ~~فبأن تراه عدلا في حق نفسك ومقتضى أخوتك أولى # وكما يجب عليك السكوت بلسانك عن مساويه يجب عليك السكوت بقلبك وذلك بترك ~~إساءة الظن فسوء الظن غيبة بالقلب وهو منهي عنه أيضا وحده أن لا تحمل فعله ~~على وجه فاسد ما أمكن أن تحمله على وجه حسن # فأما ما انكشف بيقين ومشاهدة فلا يمكنك أن لا تعلمه وعليك أن تحمل ما ~~تشاهد على سهو ونسيان إن أمكن وهذا الظن ينقسم إلى ما يسمى تفرسا وهو الذي ~~يستند إلى علامة فإن ذلك يحرك الظن تحريكا ضروريا لا يقدر على دفعه والى ما ~~منشؤه سوء اعتقادك فيه حتى يصدر منه فعل له وجهان فيحملك سوء الاعتقاد فيه ~~على أن تنزله على الوجه الأدرإ من غير علامة تخصه به وذلك جناية عليه ~~بالباطن وذلك حرام في حق كل مؤمن # إذ قال صلى الله عليه وسلم إن الله قد حرم على المؤمن ms0866 من المؤمن دمه ~~وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء (4) # وقال صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث (5) # وسوء الظن PageV02P177 # يدعو إلى التحسس والتحسن وقد قال صلى الله عليه وسلم لا تحسسوا ولا ~~تجسسوا ولا تقاطعوا ولاتدابروا وكونوا عباد الله إخوانا (1) # والتجسس في تطلع الأخبار والتحسس بالمراقبة بالعين # فستر العيوب والتجاهل والتغافل عنها شيمة أهل الدين # ويكفيك تنبيها على كمال الرتبة في ستر القبيح وإظهار الجميل أن الله ~~تعالى وصف به في الدعاء فقيل يا من أظهر الجميل وستر القبيح # والمرضي عند الله من تخلق بأخلاقه فإنه ستار العيوب وغفار الذنوب ومتجاوز ~~عن العبيد فكيف لا تتجاوز أنت عمن هو مثلك أو فوقك وما هو بكل حال عبدك ولا ~~مخلوقك وقد قال عيسى عليه السلام للحواريين كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم ~~نائما وقد كشف الريح ثوبه عنه قالوا نستره ونغطيه قال بل تكشفون عورته ~~قالوا سبحان الله من يفعل هذا فقال أحدكم يسمع بالكلمة في أخيه فيزيد عليها ~~ويشيعها بأعظم منها واعلم أنه لا يتم إيمان المرء ما لم يحب لأخيه ما يحب ~~لنفسه وأقل درجات الأخوة أن يعامل أخاه بما يحب أن يعامله به ولا شك أنه ~~ينتظر منه ستر العورة والسكوت على المساوي والعيوب ولو ظهر له منه نقيض ما ~~ينتظره اشتد عليه غيظه وغضبه فما أبعده إذا كان ينتظر منه ما لا يضمره له ~~ولا يعزم عليه لأجله وويل له في نص كتاب الله تعالى حيث قال ويل للمطففين ~~الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون وكل من ~~يلتمس من الإنصاف أكثر مما تسمح به نفسه فهو داخل تحت مقتضى هذه الآية # ومنشأ التقصير في ستر العورة أو السعي في كشفها الداء الدفين في الباطن ~~وهو الحقد والحسن فإن الحقود الحسود يملأ باطنه بالخبث ولكن يحبسه في باطنه ~~ويخفيه ولا يبديه مهما لم يجد له مجالا وإذا وجد فرصة انحلت الرابطة وارتفع ~~الحياء ويترشح الباطن بخبثه الدفين # ومهما انطوى الباطن ms0867 على حقد وحسد فالانقطاع أولى قال بعض الحكماء ظاهر ~~العتاب خير من مكنون الحقد ولا يزيد لطف الحقود إلا وحشة منه ومن في قلبه ~~سخيمة على مسلم فإيمانه ضعيف وأمره مخطر وقلبه خبيث لا يصلح للقاء الله # وقد روى عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه أنه قال كنت باليمن ولي جار ~~يهودي يخبرني عن التوراة فقدم علي اليهودي من سفر فقلت إن الله قد بعث فينا ~~نبيا فدعانا إلى الإسلام فأسلمنا وقد أنزل علينا كتابا مصدقا للتوراة فقال ~~اليهودي صدقت ولكنكم لا تستطيعون أن تقوموا بما جاءكم به إنا نجد نعته ونعت ~~أمته في التوراة إنه لا يحل لامريء أن يخرج من عتبة بابه وفي قلبه سخيمة ~~على أخيه المسلم # ومن ذلك أن يسكت عن إفشاء سره الذي استودعه وله أن ينكره وإن كان كاذبا ~~فليس الصدق واجبا في كل مقام فإنه كما يجوز للرجل أن يخفي عيوب نفسه ~~وأسراره وإن احتاج إلى الكذب فله أن يفعل ذلك في حق أخيه فإن أخاه نازل ~~منزلته وهما كشخص واحد لا يختلفان إلا بالبدن # هذه حقيقة الأخوة وكذلك لا يكون بالعمل بين يديه مرائيا وخارجا عن أعمال ~~السر إلى أعمال العلانية فإن معرفة أخيه بعمله كمعرفته بنفسه من غير فرق ~~وقد قال عليه السلام من ستر عورة 4 أخيه ستره الله تعالى في الدنيا الآخرة ~~(2) # وفي خبر آخر فكأنما أحيا موءودة (3) # وقال عليه السلام إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهو أمانة (4) # وقال المجالس بالأمانة PageV02P178 # إلا ثلاثة مجالس مجلس يسفك فيه دم حرام ومجلس يستحل فيه فرج حرام ومجلس ~~يستحل فيه مال من غير حلة (1) # وقال صلى الله عليه وسلم إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة ولا يحل ~~لأحدهما أن يفشي على صاحبه ما يكره (2) # قيل لبعض الأدباء كيف حفظك للسر قال # أنا قبره # وقد قيل صدور الأحرار قبور الأسرار # وقيل إن قلب الأحمق في فيه ولسان العاقل في قلبه أي لا يستطيع الأحمق ~~إخفاء ما في نفسه فيبديه من حيث لا ms0868 يدري به # فمن هذا يجب مقاطعة الحمقى والتوقي عن صحبتهم بل عن مشاهدتهم # وقد قيل لآخر # كيف تحفظ السر قال أجحد المخبر وأحلف للمستخبر # وقال آخر وأستر أني أستره وعبر عنه ابن المعتز فقال # ومستودعي سرا تبوأت كتمه ... فأودعته صدري فصار له قبرا # وقال آخر وأراد الزيادة عليه # وما السر في صدري كثاو بقبره ... لأني أرى المقبور ينتظر النشرا # ولكنني أنساه حتى كأنني ... بما كان منه لم أحط ساعة خبرا # ولو جاز كتم السر بيني وبينه ... عن السر والأحشاء لم تعلم السرا # وأفشى بعضهم سرا له إلى أخيه ثم قال له # حفظت فقال بل نسيت # وكان أبو سعيد الثوري يقول إذا أردت أن تواخي رجلا فأغضبه ثم دس عليه من ~~يسأله عنك وعن أسرارك فإن قال خيرا وكتم سرك فاصحبه # وقيل لأبي يزيد من تصحب من الناس قال من يعلم منك ما يعلم الله ثم يستر ~~عليك كما يستره الله # وقال ذو النون لا خير في صحبة من لا يحب أن يراك إلا معصوما ومن أفشى ~~السر عند الغضب فهو اللئيم لأن إخفاءه عند الرضا تقتضيه الطباع السليمة ~~كلها # وقد قال بعض الحكماء # لا تصحب من يتغير عليك عند أربع عند غضبه ورضاه وعند طمعه وهواه # بل ينبغي أن يكون صدق الأخوة ثابتا على اختلاف هذه الأحوال ولذلك قيل # وترى الكريم إذا تصرم وصله ... يخفي القبيح ويظهر الإحسانا # وترى اللئيم إذا تقضى وصله ... يخفي الجميل ويظهر البهتانا # وقال العباس لابنه عبد الله إني أرى هذا الرجل يعني عمر رضي الله عنه ~~يقدمك على الأشياخ فاحفظ عني خمسا لا تفشين له سرا ولا تغتابن عنده أحدا ~~ولا تجرين عليه كذبا ولا تعصين له أمرا ولا يطلعن منك على خيانة فقال ~~الشعبي كل كلمة من هذه الخمس خير من ألف # ومن ذلك السكوت عن المماراة والمدافعة في كل ما يتكلم به أخوك قال ابن ~~عباس لا تمار سفيها فيؤذيك ولا حليما فيقليك # وقد قال صلى الله عليه وسلم من ترك المراء وهو ms0869 مبطل بني له بيت في ربض ~~الجنة ومن ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة // حديث من ترك ~~المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة الحديث تقدم في العلم # هذا مع أن تركه مبطلا واجب وقد جعل ثواب النفل أعظم لأن السكوت عن الحق ~~أشد على النفس من السكوت على الباطل وإنما الأجر على قدر النصب # وأشد الأسباب لإثارة نار الحقد بين الإخوان المماراة والمنافسة فإنها عين ~~التدابر والتقاطع فإن التقاطع PageV02P179 # يقع أولا بالآراء ثم بالأقوال ثم بالأبدان # وقال عليه السلام لا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تقاطعوا وكونوا ~~عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحرمه ولا يخذله بحسب ~~المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم (1) # وأشد الاحتقار المماراة فإن من رد على غيره كلامه فقد نسبة إلى الجهل ~~والحمق أو إلى الغفلة والسهو عن فهم الشيء على ما هو عليه وكل ذلك استحقار ~~وإيغار للصدر وإيحاش # وفي حديث أبي أمامة الباهلي قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونحن نتمارى فغضب وقال ذروا المراء ذروا المراء لقلة خيره وذروا المراء فإن ~~نفعه قليل وإنه يهي 4 ج العداوة بين الإخوان حديث أبي أمامة خرج علينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتمارى فغضب وقال ذروا المراء لقلة خيره ~~وذروا المراء فإن نفعه قليل وإنه يهيج العداوة بين الإخوان (2) حديث ابن ~~عباس لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه أخرجه الترمذي وقال ~~غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه يعنى من حديث ليث بن أبى سليم وضعفه ~~الجمهور (3) حديث إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه ~~وحسن الخلق أخرجه أبو يعلى الموصلى والطبراني في مكارم الأخلاق وابن عدى في ~~الكامل وضعفه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة // # والمماراة مضادة لحسن الخلق # وقد انتهى السلف في الحذر عن المماراة والحض على المساعدة إلى حد لم يروا ~~السؤال أصلا # وقالوا إذا قلت ms0870 لأخيك قم فقال إلى أين فلا تصحبه بل قالوا ينبغي أن يقوم ~~ولا يسأل # وقال أبو سليمان الداراني كان لي أخ بالعراق فكنت أجيئه في النوائب فأقول ~~أعطني من مالك شيئا فكان يلقي إلي كيسه فآخذ منه ما أريد فجئته ذات يوم ~~فقلت أحتاج إلى شيء # فقال كم تريد فخرجت حلاوة إخائه من قلبي # وقال آخر إذا طلبت من أخيك مالا فقال ماذا تصنع به فقد ترك حق الإخاء # واعلم أن قوام الأخوة في الكلام والفعل والشفقة # قال أبو عثمان الحيري موافقة الإخوان خير من الشفقة عليهم وهو كما قال ### |||| الحق الرابع على اللسان بالنطق # فإن الأخوة كما تقتضي السكوت عن المكاره تقتضي أيضا النطق بالمحاب بل هو ~~أخص بالأخوة لأن من قنع بالسكوت صحب أهل القبور وإنما تراد الإخوان ليستفاد ~~منهم لا ليتخلص عن أذاهم والسكوت معناه كف الأذى فعليه أن يتودد إليه ~~بلسانه ويتفقده في أحواله التي يجب أن يتفقد فيها كالسؤال عن عارض إن عرض ~~وإظهار شغل القلب بسببه واستبطاء العافية عنه وكذا جملة أحواله التي يكرهها ~~ينبغي أن يظهر بلسانه وأفعاله كراهتها وجملة أحواله التي يسر بها ينبغي أن ~~يظهر بلسانه مشاركته له في السرور بها # فمعنى الأخوة المساهمة في السراء والضراء وقد PageV02P180 # قال عليه السلام إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره (1) # وإنما أمر بالإخبار لأن ذلك يوجب زيادة حب فإن عرف أنك تحبه أحبك بالطبع ~~لا محالة فإذا عرفت أنه أيضا يحبك زاد حبك لا محالة فلا يزال الحب يتزايد ~~من الجانبين ويتضاعف # والتحاب بين المؤمنين مطلوب في الشرع ومحبوب في الذين ولذلك علم فيه ~~الطريق فقال تهادوا تحابوا (2) # ومن ذلك أن يدعوه بأحب أسمائه إليه في غيبته وحضوره # قال عمر رضي الله عنه ثلاث يصفين لك ود أخيك أن تسلم عليه إذا لقيته أولا ~~وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب أسمائه إليه # ومن ذلك أن تثني عليه بما تعرف من محاسن أحواله عند من يؤثر هو الثناء ~~عنده فإن ذلك من أعظم الأسباب في جلب ms0871 المحبة وكذلك الثناء على أولاده وأهله ~~وصنعته وفعله حتى على عقله وخلقه وهيئته وخطه وشعره وتصنيفه وجميع ما يفرح ~~به وذلك من غير كذب وإفراط ولكن تحسين ما يقبل التحسين لا بد منه وآكد من ~~ذلك أن تبلغه ثناء من أثنى عليه مع إظهار الفرح فإن إخفاء ذلك محض الحسد ~~ومن ذلك تشكره على صنيعه في حقك بل على نيته وإن لم يتم ذلك # قال علي رضي الله عنه من لم يحمد أخاه على حسن النية لم يحمده على حسن ~~الصنيعة وأعظم من ذلك تأثيرا في جلب المحبة الذب عنه في غيبته مهما قصد ~~بسوء أو تعرض لعرضه بكلام صريح أو تعريض فحق الأخوة التشمير في الحماية ~~والنصرة وتبكيت المتعنت وتغليظ القول عليه والسكوت عن ذلك موغر للصدر ومنفر ~~للقلب وتقصير في حق الأخوة # وإنما شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخوين باليدين تغسل إحداهما ~~الأخرى لينضر أحدهما الآخر وينوب عنه (3) # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا ~~يخدله ولا يثلمه (4) # وهذا من الانثلام والخذلان فإن إهماله لتمزيق عرضه كإهماله لتمزيق لحمه # فأخسس بأخ يراك والكلاب تفترسك وتمزق لحومك وهو ساكت لا تحركه الشفقة ~~والحمية للدفع عنك وتمزيق الأعراض أشد على النفوس من تمزيق اللحوم ولذلك ~~شبهه الله تعالى بأكل لحوم الميتة فقال {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا} ~~والملك الذي يمثله في المنام ما تطالعه الروح من اللوح المحفوظ بالأمثلة ~~المحسوسة يمثل الغيبة بأكل لحوم الميتة حتى أن من يرى أنه يأكل لحم ميتة ~~فإنه يغتاب الناس لأن ذلك الملك في تمثيله يراعي المشاركة والمناسبة بين ~~الشيء وبين مثاله في المعنى الذي يجري من المثال مجرى الروح لا في ظاهر ~~الصور # فإذن حماية الأخوة بدفع ذم الأعداء وتعنت المتعنتين واجب في عقد الأخوة # وقد قال مجاهد لا تذكر أخاك في غيبته إلا كما تحب أن يذكرك في غيبتك # فإذن لك فيه معياران أحدهما أن تقدر أن الذي قيل فيه لو ms0872 قيل فيك وكان ~~أخوك حاضرا ما الذي كنت تحب أن يقوله أخوك فيك فينبغي أن تعامل المتعرض ~~لعرضه به # والثاني أن تقدر أنه حاضر من وراء جدار يسمع قولك ويظن أنك لا تعرف حضوره ~~فما كان يتحرك في قلبك من النصرة له بمسمع منه ومرأى فينبغي أن يكون في ~~مغيبه كذلك فقد قال بعضهم ما ذكر أخ لي بغيب إلا تصورته جالسا فقلت فيه ما ~~يحب أن يسمعه لو حضر وقال آخر ما ذكر أخ لي إلا تصورت نفسي في صورته فقلت ~~فيه مثل ما أحب أن يقال في # وهذا من صدق الإسلام وهو أن لا يرى لأخيه إلا ما يراه لنفسه # وقد نظر أبو الدرداء إلى ثورين يحرثان في فدان فوقف أحدهما يحك جسمه فوقف ~~الآخر فبكى وقال هكذا الإخوان في الله يعملان لله فإذا وقف أحدهما وافقه ~~الآخر # وبالموافقة يتم الإخلاص ومن لم يكن مخلصا في إخائه فهو منافق # والإخلاص استواء الغيب والشهادة PageV02P181 # واللسان والقلب والسر والعلانية والجماعة والخلوة والاختلاف والتفاوت في ~~شيء من ذلك مماذقة في المودة وهو دخل في الدين ووليجة في طريق المؤمنين ومن ~~لا يقدر من نفسه على هذا فالانقطاع والعزلة أولى به من المؤاخاة والمصاحبة ~~فإن حق الصحبة ثقيل لا يطيقه إلا محقق فلا جرم أجره جزيل لا يناله إلا موفق # ولذلك قال عليه السلام أبا هر أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما وأحسن ~~مصاحبة صاحبك تكن مؤمنا (1) # فانظر كيف جعل الإيمان جزاء الصحبة والإسلام جزاء الجوار فالفرق بين فضل ~~الإسلام على حد الفرق بين المشقة في القيام بحق الجوار والقيام بحق الصحبة # فإن الصحبة تقتضي حقوقا كثيرة في أحوال متقاربة مترادفة على الدوام ~~والجوار لا يقتضي إلا حقوقا قريبة في أوقات متباعدة لا تدوم # ومن ذلك التعليم والنصيحة فليس حاجة أخيك إلى العلم بأقل من حاجته إلى ~~المال فإن كنت غنيا بالعلم فعليك مواساته من فضلك وإرشاده إلى كل ما ينفعه ~~في الدين والدنيا فإن علمته وأرشدته ولم يعمل بمقتضى العلم فعليك ms0873 النصيحة ~~وذلك بأن تذكر آفات ذلك الفعل وفوائد تركه وتخوفه بما يكرهه في الدنيا ~~والآخرة لينزجر عنه وتنبهه على عيوبه وتقبح القبيح في عينه وتحسن الحسن ~~ولكن ينبغي أن يكون ذلك في سر لا يطلع عليه أحد فما كان على الملأ فهو ~~توبيخ وفضيحة وما كان في السر فهو شفقة ونصيحة إذ قال صلى الله عليه وسلم ~~المؤمن مرآة المؤمن (2) # أي يرى منه ما لا يرى من نفسه فيستفيد المرء بأخيه معرفة عيوب نفسه ولو ~~انفرد لم يستفد كما يستفيد بالمرآة الوقوف على عيوب صورته الظاهرة # وقال الشافعي رضي الله عنه من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه ومن وعظه ~~علانية فقد فضحه وشانه # وقيل لمسعر أتحب من يخبرك بعيوبك فقال إن نصحني فيما بيني وبينه فنعم وإن ~~قرعني بين الملأ فلا # وقد صدق فإن النصح على الملأ فضيحة والله تعالى يعاتب المؤمن يوم القيامة ~~تحت كنفه في ظل ستره فيوقفه على ذنوبه سرا وقد يدفع كتاب عمله مختوما إلى ~~الملائكة الذين يحفون به إلى الجنة فإذا قاربوا باب الجنة أعطوه الكتاب ~~مختوما ليقرأه وأما أهل المقت فينادون على رءوس الأشهاد وتستنطق جوارحهم ~~بفضائحهم فيزدادون بذلك خزيا وافتضاحا ونعوذ بالله من الخزي يوم العرض ~~الأكبر # فالفرق بين التوبيخ والنصيحة بالإسرار والإعلان كما أن الفرق بين ~~المداراة والمداهنة بالغرض الباعث على الإغضاء # فإن أغضيت لسلامة دينك ولما ترى من إصلاح أخيك بالإغضاء فأنت مدار وإن ~~أغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن # وقال ذو النون لا تصحب مع الله إلا بالموافقة ولا مع الخلق إلا بالمناصحة ~~ولا مع النفس إلا بالمخالفة ولا مع الشيطان إلا بالعداوة # فإن قلت فإذا كان في النصح ذكر العيوب ففيه إيحاش القلب فكيف يكون ذلك من ~~حق الأخوة فاعلم أن الإيحاش إنما يحصل بذكر عيب يعلمه أخوك من نفسه فأما ~~تنبيهه على ما لا يعمله فهو عين الشفقة وهو استمالة القلوب أعني قلوب ~~العقلاء وأما الحمقى فلا يلتفت إليهم فإن من ينبهك على فعل ms0874 مذموم تعاطيته ~~أو صفة مذمومة اتصفت بها لتزكي نفسك عنها كان كمن ينبهك على حية أو عقرب ~~تحت ذيلك وقد همت بإهلاكك فإن كنت تكره ذلك فما أشد حمقك والصفات الذميمة ~~عقارب وحيات وهي في الآخرة مهلكات فإنها تلذغ القلوب والأرواح وألمها أشد ~~مما يلدغ الظواهر والأجساد وهي مخلوقة من نار الله الموقدة ولذلك كان عمر ~~رضي الله عنه PageV02P182 # يستهدي ذلك من إخوانه ويقول رحم الله امرأ أهدى إلى أخيه عيوبه ولذلك قال ~~عمر لسلمان وقد قدم عليه ما الذي بلغك عني مما تكره فاستعفى فألح عليه فقال ~~بلغني أن لك حلتين تلبس إحداهما بالنهار والأخرى بالليل وبلغني أنك تجمع ~~بين إدامين على مائدة واحدة فقال عمر رضي الله عنه أما هذان فقد كفيتهما ~~فهل بلغك غيرهما فقال لا # وكتب حذيفة المرعشي إلى يوسف بن أسباط بلغني أنك بعت دينك بحبتين وقفت ~~على صاحب لبن فقلت بكم هذا فقال بسدس فقلت له لا بثمن فقال هو لك وكان ~~يعرفك # اكشف عن رأسك قناع الغافلين وانتبه عن رقدة الموتى واعلم أن من قرأ ~~القرآن ولم يستغن وآثر الدنيا لم آمن أن يكون بآيات الله من المستهزئين وقد ~~وصف الله تعالى الكاذبين ببعضهم للناصحين إذ قال {ولكن لا تحبون الناصحين} ~~وهذا في عيب هو غافل عنه فأما ما علمت أنه يعلمه من نفسه فإنما هو مقهور ~~عليه من طبعه فلا ينبغي أن يكشف فيه ستره إن كان يخفيه وإن كان يظهره فلا ~~بد من التلطف في النصح بالتعريض مرة وبالتصريح أخرى إلى حد لا يؤدي إلى ~~الإيحاش فإن علمت أن النصح غير مؤثر فيه وأنه مضطر من طبعه إلى الإصرار ~~عليه فالسكوت عنه أولى وهذا كله فيما يتعلق بمصالح أخيك في دينه أو دنياه ~~أما ما يتعلق بتقصيره في حقك فالواجب فيه الاحتمال والعفو والصفح والتعامي ~~عنه والتعرض لذلك ليس من النصح في شيء نعم إن كان بحيث يؤدي استمراره عليه ~~إلى القطيعة فالعتاب في السر خير من القطيعة والتعريض به خير ms0875 من التصريح ~~والمكاتبة خير من المشافهة والاحتمال خير من الكل إذ ينبغي أن يكون قصدك من ~~أخيك إصلاح نفسك بمراعاتك إياه وقيامك بحقه واحتمالك تقصيره لا الاستعانة ~~به والاسترفاق منه # قال أبو بكر الكتاني صحبني رجل وكان على قلبي ثقيلا فوهبت له يوما شيئا ~~على أن يزول ما في قلبي فلم يزل فأخذت بيده يوما إلى البيت وقلت له ضع رجلك ~~على خدي فأبى فقلت لا بد ففعل فزال ذلك من قلبي # وقال أبو علي الرباطي صحبت عبد الله الرازي وكان يدخل البادية فقال على ~~أن تكون أنت الأمير أو أنا فقلت بل أنت فقال وعليك الطاعة فقلت نعم فأخذ ~~مخلاة ووضع فيها الزاد وحملها على ظهره فإذا قلت له أعطني قال ألست قلت أنت ~~الأمير فعليك الطاعة فأخذنا المطر ليلة فوقف على رأسي إلى الصباح وعليه ~~كساء وأنا جالس يمنع عني المطر فكنت أقول مع نفسي ليتني مت ولم أقل أنت ~~الأمير ### |||| الحق الخامس العفو عن الزلات والهفوات # وهفوة الصديق لا تخلو إما أن تكون في دينه بارتكاب معصية أو في حقك ~~بتقصيره في الأخوة # أما ما يكون في الدين من ارتكاب معصية والإصرار عليها فعليك التلطف في ~~نصحه بما يقوم أوده ويجمع شمله ويعيد إلى الصلاح والورع حاله # فإن لم تقدر وبقي مصرا فقد اختلفت طرق الصحابة والتابعين في إدامة حق ~~مودته أو مقاطعته # فذهب أبو ذر رضي الله عنه إلى الانقطاع وقال إذا انقلب أخوك عما كان عليه ~~فأبغضه من حيث أحببته ورأى ذلك من مقتضى الحب في الله والبغض في الله # وأما أبو الدرداء وجماعة من الصحابة فذهبوا إلى خلافه فقال أبو الدرداء ~~إذا تغير أخوك وحال عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك فإن أخاك يعوج مرة ~~ويستقيم أخرى # وقال إبراهيم النخعي لا تقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب بذنبه فإنه يرتكبه ~~اليوم ويتركه غدا # وقال أيضا لا تحدثوا الناس بزلة العالم فإن العالم يزل الزلة ثم يتركها ~~وفي الخبر اتقوا زلة العالم ولا تقطعوه ms0876 وانتظروا فيئته (1) # وفي حديث عمر وقد سأل عن أخ كان آخاه فخرج إلى الشام فسأل عنه بعض من قدم ~~عليه وقال PageV02P183 # ما فعل أخي قال ذلك أخو الشيطان قال مه قال إنه قارف الكبائر حتى وقع في ~~الخمر # قال إذا أردت الخروج فآذني فكتب عند خروجه إليه بسم الله الرحمن الرحيم ~~{حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد ~~العقاب} الآية ثم عاتبه تحت ذلك وعذله # فلما قرأ الكتاب بكى وقال صدق الله ونصح لي عمر فتاب ورجع # وحكي أن أخوين ابتلى أحدهما بهوى فأظهر عليه أخاه وقال إني قد اعتللت فإن ~~شئت أن لا تعقد على صحبتي لله فافعل فقال ما كنت لأحل عقد أخوتك لأجل ~~خطيئتك أبدا ثم عقد أخوه بينه وبين الله بأن لا يأكل ولا يشرب حتى يعافى ~~الله أخاه من هواه فطوى أربعين يوما في كلها يسأله عن هواه فكان يقول القلب ~~مقيم على حاله # وما زال هو ينحل من الغم والجوع حتى زال الهوى عن قلب أخيه بعد الأربعين ~~فأخبره بذلك فأكل وشرب بعد أن كاد يتلفت هزالا وضرا # وكذلك حكي عن أخوين من السلف انقلب أحدهما عن الاستقامة فقيل لأخيه ألا ~~تقطعه وتهجره فقال أحوج ما كان إلي في هذا الوقت لما وقع في عثرته أن ~~آخذبيده وأتلطف له في المعاتبة وأدعو له بالعود إلى ما كان عليه # وروي في الإسرائيليات أن أخوين عابدين كانا في جبل نزل أحدهما ليشتري من ~~المصر لحما بدرهم فرأى بغيا عند اللحام فرمقها وعشقها واجتذبها إلى خلوة ~~وواقعها ثم أقام عندها ثلاثا واستحيا أن يرجع إلى أخيه حياء من جنايته # قال فافتقده أخوه واهتم بشأنه فنزل إلى المدينة فلم يزل يسأل عنه حتى دل ~~عليه فدخل إليه وهو جالس معها فاعتنقه وجعل يقبله ويلتزمه وأنكر الآخر أنه ~~يعرفه قط لفرط استحيائه منه فقال قم يا أخي فقد علمت شأنك وقصتك وما كنت قد ~~أحب إلي ولا أعز من ساعتك هذه فلما رأى أن ms0877 ذلك لم يسقطه من عينه قام فانصرف ~~معه # فهذه طريقة قوم وهي ألطف وأفقه من طريقة أبي ذر رضي الله عنه وطريقته ~~أحسن وأسلم # فإن قلت ولم قلت هذا ألطف وأفقه ومقارف هذه المعصية لا تجوز مؤاخاته ~~ابتداء فتجب مقاطعته انتهاء لأن الحكم إذا ثبت بعلة فالقياس أن يزول ~~بزوالها وعلة عقد الأخوة التعاون في الدين ولا يستمر ذلك مم مقارفة المعصية ~~فأقول أما كونه ألطف فلما فيه من الرفق والاستمالة والتعطف المفضي إلى ~~الرجوع والتوبة لاستمرار الحياء عند دوام الصحبة ومهما قوطع وانقطع طمعه عن ~~الصحبة أصر واستمر # وأما كونه أفقه فمن حيث إن الأخوة عقد ينزل منزلة القرابة فإذا انعقدت ~~تأكد الحق ووجب الوفاء بموجب العقد ومن الوفاء به أن لا يهمل أيام حاجته ~~وفقره وفقر الدين أشد من فقر المال وقد أصابته جائحة وألمت به آفة افتقر ~~بسببها في دينه فينبغي أن يراقب ويراعي ولا يهمل بل لا يزال يتلطف به ليعان ~~على الخلاص من تلك الوقعة التي ألمت به # فالأخوة عدة للنائبات وحوادث الزمان وهذا من أشد النوائب والفاجر إذا صحب ~~تقيا وهو ينظر إلى خوفه ومداومته فسيرجع على قرب ويستحي من الإصرار بل ~~الكسلان يصحب الحريص في العمل فيحرص حياء منه # قال جعفر بن سليمان مهما فترت في العمل نظرت إلى محمد بن واسع وإقباله ~~على الطاعة فيرجع إلي نشاطي في العبادة وفارقني الكسل وعملت عليه أسبوعا ~~وهذا التحقيق وهو أن الصداقة لحمة كلحمة النسب والقريب لا يجوز أن يهجر ~~بالمعصية ولذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في عشيرته {فإن ~~عصوك فقل إني بريء مما تعملون} ولم يقل إني بريء منكم مراعاة لحق القرابة ~~ولحمة النسب # وإلى هذا أشار أبو الدرداء لما قيل له ألا تبغض أخاك وقد فعل كذا فقال ~~إنما أبغض عمله وإلا فهو أخي وأخوة الدين أوكد من أخوة القرابة # ولذلك قيل لحكيم أيما احب إليك أخوك أو صديقك فقال إنما أحب أخي إذا كان ~~صديقا لي # وكان الحسن ms0878 يقول كم من أخ لم تلده أمك ولذلك قيل PageV02P184 # القرابة تحتاج إلى مودة والمودة لا تحتاج إلى قرابة وقال جعفر الصادق رضي ~~الله عنه مودة يوم صلة ومودة شهر قرابة ومودة سنة رحم مائية من قطعها قطعه ~~الله # فإذن الوفاء بعقد الأخوة إذا سبق انعقادها واجب # وهذا جوابنا عن ابتداء المؤاخاة مع الفاسق فإنه لم يتقدم له حق فإن تقدمت ~~له قرابة فلا جرم لا ينبغي أن يقاطع بل يجامل # والدليل عليه أن ترك المؤاخاة والصحبة ابتداء ليس مذموما ولا مكروها بل ~~قال قائلون الانفراد أولى فأما قطع الأخوة عن دوامها فمنهي عنه ومذموم في ~~نفسه ونسبته إلى تركها ابتداء كنسبة الطلاق إلى ترك النكاح والطلاق أبغض ~~إلى الله تعالى من ترك النكاح قال صلى الله عليه وسلم شرار عباد الله ~~المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة (1) # وقال بعض السلف في ستر زلات الإخوان ود الشيطان أن يلقى على أخيكم مثل ~~هذا حتى تهجروه وتقطعوه فماذا اتقيتم من محبة عدوكم # وهذا لأن التفريق بين الأحباب من محاب الشيطان كما أن مقارفة العصيان من ~~محابه فإذا حصل للشيطان أحد غرضيه فلا ينبغي أن يضاف إليه الثاني وإلى هذا ~~أشار عليه السلام في الذي شتم الرجل الذي أتى فاحشة إذ قال مه وزبره وقال ~~لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم (2) # فبهذا كله يتبين الفرق بين الدوام والابتداء لأن مخالطة الفساق محذورة ~~ومفارقة الأحباب والإخوان أيضا محذورة وليس من سلم عن معارضة غيره كالذي لم ~~يسلم وفي الابتداء قد سلم فرأينا أن المهاجرة والتباعد هو الأولى وفي ~~الدوام تعارضا فكان الوفاء بحق الأخوة أولى هذا كله في زلته في دينه # أما زلته في حقه بما يوجب إيحاشه فلا خلاف في أن الأولى العفو والاحتمال ~~بل كل ما يحتمل تنزيله على وجه حسن ويتصور تمهيد عذر فيه قريب أو بعيد فهو ~~واجب بحق الأخوة فقد قيل ينبغي أن تستنبط لزلة أخيك سبعين عذرا فإن لم ~~يقبله قلبك فرد اللوم على نفسك فتقول لقلبك ما أقساك ms0879 يعتذر إليك أخوك سبعين ~~عذرا فلا تقبله فأنت المعيب لا أخوك فإن ظهر بحيث لم يقبل التحسين فينبغي ~~أن لا تغضب إن قدرت ولكن ذلك لا يمكن وقد قال الشافعي رحمه الله من استغضب ~~فلم يغضب فهو حمار ومن استرضى فلم يرضى فهو شيطان # فلا تكن حمارا ولا شيطانا واسترض قلبك بنفسك نيابة عن أخيك واحترز أن ~~تكون شيطانا إن لم تقبل # قال الأحنف حق الصديق أن تحتمل منه ثلاثا ظلم الغضب وظلم الدالة وظلم ~~الهفوة # وقال آخر ما شتمت أحدا قط لأنه إن شتمني كريم فأنا أحق من غفرها له أو ~~لئيم فلا أجعل عرضي له غرضا ثم تمثل وقال # وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما # وقد قيل # خذ من خليلك ما صفا ... ودع الذي فيه الكدر # فالعمر أقصر من معا ... تبة الخليل على الغير # ومهما اعتذر إليك أخوك كاذبا كان أو صادقا فاقبل عذره # قال عليه السلام من اعتذر إليه أخوه فلم يقبل عذره فعليه مثل إثم صاحب ~~المكس (3) # وقال عليه السلام المؤمن سريع الغضب سريع الرضا (4) # فلم يصفه بأنه PageV02P185 # لا يغضب # وكذلك قال الله تعالى والكاظمين الغيظ ولم يقل والفاقدين الغيظ وهذا لأن ~~العادة لا تنتهي إلى أن يجرح الإنسان فلا يتألم بل تنتهي إلى أن يصبر عليه ~~ويحتمل وكما أن التألم بالجرح مقتضى طبع البدن فالتألم بأسباب الغضب طبع ~~القلب ولا يمكن قلعه ولكن ضبطه وكظمه والعمل بخلاف مقتضاه فإنه يقتضي ~~التشفي والانتقام والمكافأة وترك العمل بمقتضاه ممكن وقد قال الشاعر # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب # قال أبو سليمان الداراني لأحمد بن أبي الحواري إذا واخيت أحدا في هذا ~~الزمان فلا تعاتبه على ما تكرهه فإنك لا تأمن من أن ترى في جوابك ما هو شر ~~من الأول قال فجربته فوجدته كذلك # وقال بعضهم الصبر على مضض الأخ خير من معاتبته والمعاتبة خير من القطيعة ~~والقطيعة خير من الوقيعة # وينبغي أن لا يبالغ في البغضة عند الوقيعة # قال ms0880 الله تعالى {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة} ~~وقال عليه السلام أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما وأبغض ~~بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما (1) # وقال عمر رضي الله عنه لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا وهو أن تحب تلف ~~صاحبك مع هلاكك ### |||| الحق السادس # الدعاء للأخ في حياته وبعد مماته بكل ما يحبه لنفسه ولأهله وكل متعلق به ~~فتدعو له كما تدعو لنفسك ولا تفرق بين نفسك وبينه فإن دعاءك له دعاء لنفسك ~~على التحقيق فقد قال صلى الله عليه وسلم إذا دعا الرجل لأخيه في ظهر الغيب ~~قال الملك ولك مثل ذلك (2) # وفي لفظ آخر يقول الله تعالى بك أبدا يا عبدي (3) # وفي الحديث يستجاب للرجل في أخيه ما لا يستجاب له في نفسه (4) # وفي الحديث دعوة الرجل لأخته في ظهر الغيب لا ترد (5) # وكان أبو الدرداء يقول إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي أسميهم ~~بأسمائهم # وكان محمد بن يوسف الأصفهاني يقول وأين مثل الأخ الصالح أهلك يقتسمون ~~ميراثك ويتنعمون بما خلفت وهو منفرد بحزنك مهتم مما قدمت وما صرت إليه يدعو ~~لك في ظلمة الليل وأنت تحت أطباق الثرى وكان الأخ الصالح يقتدي بالملائكة ~~إذ جاء في الخبر إذا مات العبد قال الناس ما خلفت وقال الملائكة ما قدم (6) # يفرحون له بما قدم ويسألون عنه ويشفقون عليه ويقال من بلغه موت أخيه ~~فترحم عليه وأستغفر له كتب له كأنه شهد جنازته وصلى عليه # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال مثل الميت في قبره مثل ~~الغريق يتعلق بكل شيء ينتظر دعوة من ولد أو والد أو أخ أو قريب (7) # وأنه ليدخل على قبور الأموات من دعاء الأحياء من الأنوار مثل الجبال # وقال بعض السلف الدعاء للأموات بمنزلة الهدايا للأحياء فيدخل الملك على ~~الميت ومعه طبق من نور عليه منديل من نور فيقول هذه PageV02P186 # هدية لك من عند أخيك فلان من عند قريبك ms0881 فلان # قال فيفرح بذلك كما يفرح الحي بالهدية ### |||| الحق السابع الوفاء والإخلاص # ومعنى الوفاء الثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه وبعد الموت مع ~~أولاده وأصدقائه فإن الحب إنما يراد للآخرة فإن انقطع قبل الموت حبط العمل ~~وضاع السعي ولذلك قال عليه السلام في السبعة الذين يظلهم الله في ظله ~~ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه (1) # وقال بعضهم قليل الوفاء بعد الوفاء خير من كثيره في حال الحياة ولذلك روي ~~أنه صلى الله عليه وسلم أكرم عجوزا دخلت عليه فقيل له في ذلك فقال إنها ~~كانت تأتينا أيام خديجة وإن كرم العهد من الدين (2) # فمن الوفاة للأخ مراعاة جميع أصدقائه وأقاربه والمتعلقين به ومراعاتهم ~~أوقع في قلب الصديق من مراعاة الأخ في نفسه فإن فرحه بتفقد من يتعلق به ~~أكثر إذ لا يدل على قوة الشفقة والحب إلا تعديهما من المحبوب إلى كل من ~~يتعلق به حتى الكلب الذي على باب داره ينبغي أن يميز في القلب عن سائر ~~الكلاب ومهما انقطع الوفاء بدوام المحبة شمت به الشيطان فإنه لا يحسد ~~متعاونين على بركما يحسد متواخيين في الله ومتحابين فيه فإنه يجهد نفسه ~~لإفساد ما بينهما قال الله تعالى وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن ~~الشيطان ينزغ بينهم وقال مخبرا عن يوسف من بعد إن نزغ الشيطان بيني وبين ~~إخوتي ويقال ما تواخى اثنان في الله فتفرق بينهما إلا بذنب يرتكبه أحدهما # وكان بشر يقول إذا قصر العبد في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه # وذلك لأن الإخوان مسلاة للهموم وعون على الدين # ولذلك قال ابن المبارك ألذ الأشياء مجالسة الإخوان والانقلاب إلى كفاية ~~والمودة الدائمة هي التي تكون في الله وما يكون لغرض يزول بزوال ذلك الغرض # ومن ثمرات المودة في الله أن لا تكون مع حسد في دين ودنيا وكيف يحسده وكل ~~ما هو لأخيه فإليه ترجع فائدته وبه وصف الله تعالى المحبين في الله تعالى ~~فقال ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ms0882 ويؤثرون على أنفسهم ووجود الحاجة ~~هو الحسد # ومن الوفاء أن لا يتغير حاله في التواضع مع أخيه وإن ارتفع شأنه واتسعت ~~ولايته وعظم جاهه فالترفع على الإخوان بما يتجدد من الأحوال لؤم # قال الشاعر # إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن # وأوصى بعض السلف ابنه فقال يا بني لا تصحب من الناس إلا من إذا افتقرت ~~إليه قرب منك وإن استغنيت عنه لم يطمع فيك وإن علت مرتبته لم يرتفع عليك # وقال بعض الحكماء إذا ولي أخوك ولاية فثبت على نصف مودته لك فهو كثير # وحكى الربيع أن الشافعي رحمه الله آخى رجلا ببغداد ثم إن أخاه ولى ~~السيبين فتغير له عما كان عليه فكتب إليه الشافعي بهذه الأبيات # اذهب فودك من فؤادي طالق ... أبدا وليس طلاق ذات البين # فإن ارعويت فإنها تطليقة ... ويدوم ودك لي على ثنتين # وإن امتنعت شفعتها بمثالها ... فتكون تطليقين في حيضين # وإذا الثلاث أتتك مني بتة ... لم تغن عنك ولاية السيبين PageV02P187 # واعلم أنه ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق في أمر يتعلق ~~بالدين بل الوفاء له المخالفة فقد كان الشافعي رضي الله عنه آخى محمد بن ~~عبد الحكم وكان يقربه ويقبل عليه ويقول ما يقيمني بمصر غيره فاعتل محمد ~~فعاده الشافعي رحمه الله تعالى فقال # مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من حذري عليه # وأتى الحبيب يعودني ... فبرئت من نظري إليه # وظن الناس لصدق مودتهما أنه يفوض أمر حلقته إليه بعد وفاته فقيل للشافعي ~~في علته التي مات فيها رضي الله تعالى عنه إلى من نجلس بعدك يا أبا عبد ~~الله فاستشرف له محمد بن عبد الحكم وهو عند رأسه ليومئ إليه فقال الشافعي ~~سبحان الله أيشك في هذا أبو يعقوب البويطي فانكسر لها محمد ومال أصحابه إلى ~~البويطي مع أن محمدا كان قد حمل عنه مذهبه كله لكن كان البويطي أفضل وأقرب ~~إلى الزهد والورع # فنصح الشافعي لله وللمسلمين وترك المداهنة ولم يؤثر رضا الخلق على رضا ~~الله تعالى ms0883 فلما توفي انقلب محمد بن عبد الحكم عن مذهبه ورجع إلى مذهب أبيه ~~ودرس كتب مالك رحمه الله وهو من كبار أصحاب مالك رحمه الله # وآثر البويطي الزهد والخمول ولم يعجبه الجمع والجلوس في الحلقة واشتغل ~~بالعبادة وصنف كتاب الأم الذي ينسب الآن إلى الربيع بن سليمان ويعرف به ~~وإنما صنفه البويطي ولكن لم يذكر نفسه فيه ولم ينسبه إلى نفسه فزاد الربيع ~~فيه وتصرف وأظهره # والمقصود أن الوفاء بالمحبة من تمامها النصح لله # قال الأحنف الإخاء جوهرة رقيقة إن لم تحرسها كانت معرضة للآفات فاحرسها ~~بالكظم حتى تعتذر إلى من ظلمك وبالرضا حتى لا تستكثر من نفسك الفضل ولا من ~~أخيك التقصير # ومن آثار الصدق والإخلاص وتمام الوفاء أن تكون شديد الجزع من المفارقة ~~نفور الطبع عن أسبابها كما قيل # وجدت مصيبات الزمان جميعها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب # وأنشد ابن عيينة هذا البيت وقال لقد عهدت أقواما فارقتهم منذ ثلاثين سنة ~~ما يخيل إلي أن حسرتهم ذهبت من قلبي # ومن الوفاء أن لا يسمع بلاغات الناس على صديقه لاسيما من يظهر أولا أنه ~~محب لصديقه كيلا يتهم ثم يلقي الكلام عرضا وينقل عن الصديق ما يوغر القلب ~~فذلك من دقائق الجيل في التضريب ومن لم يحترز منه لم تدم مودته أصلا # قال واحد لحكيم قد جئت خاطبا لمودتك قال إن جعلت مهرها ثلاثا فعلت قال ~~وما هي قال لا تسمع علي بلاغة ولا تخالفني في أمر ولا توطئني عشوة # ومن الوفاء أن لا يصادق عدو صديقه # قال الشافعي رحمه الله إذا أطاع صديقك عدوك فقد اشتركا في عدواتك ### |||| الحق الثامن التخفيف وترك التكلف والتكليف # وذلك بأن لا يكلف أخاه ما يشق عليه بل يروح سره من مهماته وحاجاته ويرفهه ~~عن أن يحمله شيئا من أعبائه فلا يستمد منه من جاه ومال ولا يكلف التواضع له ~~والتفقد لأحواله والقيام بحقوقه بل لا يقصد بمحبته إلا الله تعالى تبركا ~~بدعائه واستئناسا بلقائه واستعانة به على دينه وتقربا إلى الله تعالى ms0884 ~~بالقيام بحقوقه وتحمل مؤنته # قال بعضهم من اقتضى من إخوانه ما لا يقضونه فقد ظلمهم ومن اقتضى منهم مثل ~~ما يقتضونه فقد أتعبهم ومن لم يقتض فهو المتفضل عليهم # وقال بعض الحكماء من جعل نفسه عند الإخوان فوق قدره أثم وأثموا ومن جعل ~~نفسه في قدره تعب وأتعبهم ومن جعلها دون قدره سلم وسلموا تمام التخفيف بطي ~~بساط التكليف PageV02P188 # حتى لا يستحي منه فيما لا يستحي من نفسه # وقال الجنيد ما تواخى اثنان في الله فاستوحش أحدهما من صاحبه أو احتشم ~~إلا لعلة في أحدهما # وقال علي عليه السلام شر الأصدقاء من تكلف لك ومن أحوجك إلى مداراة ~~وألجأك إلى اعتذار # وقال الفضيل إنما تقاطع الناس بالتكلف يزور أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه ~~ذلك عنه # وقالت عائشة رضي الله عنها المؤمن أخو المؤمن لا يغتنمه ولا يحتشمه # وقال الجنيد صبحت أربع طبقات من هذه الطائفة كل طبقة ثلاثون رجلا حارثا ~~المحاسبي وطبقته وحسنا المسوحي وطبقته وسريا السقطي وطبقته وابن الكريبي ~~وطبقته فما تواخى اثنان في الله واحتشم أحدهما من صاحبه أو استوحش إلا لعلة ~~في أحدهما # وقيل لبعضهم من نصحب قال من يرفع عنك ثقل التكلف وتسقط بينك وبينه مؤنة ~~التحفظ # وكان جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما يقول أثقل إخواني علي من يتكلف ~~لي وأتحفظ منه وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي # وقال بعض الصوفية لا تعاشر من الناس إلا من لا تزيد عنده ببر ولا تنقص ~~عنده بإثم يكون ذلك لك وعليك وأنت عنده سواء وإنما قال هذا لأن به يتخلص عن ~~التكلف والتحفظ # وإلا فالطبع يحمله على أن يتحفظ منه إذا علم أن ذلك ينقصه عنده # وقال بعضهم كن مع أبناء الدنيا بالأدب ومع أبناء الآخرة بالعلم ومع ~~العارفين كيف شئت وقال آخر لا تصحب إلا من يتوب عنك إذا أذنبت يعتذر إليك ~~إذا أسأت ويحمل مؤنة نفسك ويكفيك مؤنة نفسه # وقائل هذا قد ضيق طريق الأخوة على الناس وليس الأمر كذلك بل ms0885 ينبغي أن ~~يواخى كل متدين عاقل ويعزم على أن يقوم بهذه الشرائط ولا يكلف غيره هذه ~~الشروط حتى تكثر إخوانه إذ به يكون مواخيا في الله وإلا كانت مواخاته لحظوظ ~~نفسه فقط # ولذلك قال رجل للجنيد قد عز الإخوان في هذا الزمان أين أخ لي في الله ~~فأعرض الجنيد حتى أعاده ثلاثا فلما أكثر قال له الجنيد إن أردت أخا يكفيك ~~مؤنتك ويحتمل أذاك فهذا لعمري قليل وإن أردت أخا في الله تحمل أنت مؤنته ~~وتصبر على أذاه فعندي جماعة أعرفهم لك # فسكت الرجل # واعلم أن الناس ثلاثة رجل تنتفع بصحبته ورجل تقدر على أن تنفعه ولا تضرر ~~به ولكن لا تنتفع به # ورجل لا تقدر أيضا على أن تنفعه وتضرر به وهو الأحمق أو السيء الخلق فهذا ~~الثالث ينبغي أن تتجنبه فأما الثاني فلا تجتنبه لأنك تنتفع في الآخرة ~~بشفاعته وبدعائه وبثوابك على القيام به وقد أوحى الله تعالى إلى موسى عليه ~~السلام أن أطعتني فما أكثر إخوانك أي إن واسيتهم واحتملت منهم ولم تحسدهم ~~وقد قال بعضهم صحبت الناس خمسين سنة فما وقع بيني وبينهم خلاف فإني كنت ~~معهم على نفسي ومن كانت هذه شيمته كثر إخوانه # ومن التخفيف وترك التكلف أن لا يعترض في نوافل العبادات # كان طائفة من الصوفية يصطحبون على شرط المساواة بين أربع معان إن أكل ~~أحدهم النهار كله لم يقل له صاحبه صم وإن صام الدهر كله لم يقل له أفطر وإن ~~نام الليل كله لم يقل له قم وإن صلى الليل كله لم يقل له نم وتستوي حالاته ~~عنده بلا مزيد ولا نقصان لأن ذلك إن تفاوت حرك الطبع إلى الرياء والتحفظ لا ~~محالة # وقد قيل من سقطت كلفته دامت ألفته من خفت مؤنته دامت مودته # وقال بعض الصحابة إن الله لعن المتكلفين وقال صلى الله عليه وسلم أنا ~~والأتقياء من أمتي براء من التكلف (1) # وقال بعضهم إذا عمل الرجل في بيت أخيه أربع خصال فقد تم أنسه به (2) # إذا أكل عنده ms0886 ودخل الخلاء وصلى ونام # فذكر ذلك لبعض المشايخ فقال بقيت خامسة وهو أن يحضر مع الأهل في بيت أخيه ~~ويجامعها لأن البيت يتخذ للاستخفاء في الأمور الخمس PageV02P189 # وإلا فالمساجد أروح لقلوب المتعبدين فإذا فعل هذه الخمس فقد تم الإخاء ~~وارتفعت الحشمة وتأكد الانبساط # وقول العرب في تسليمهم يشير إلى ذلك إذ يقول أحدهم لصاحبه مرحبا وأهلا ~~وسهلا أي لك عندنا مرحب وهو السعة في القلب والمكان ولك عندنا أهل تأنس بهم ~~بلا وحشة لك منا ولك عندنا سهولة في ذلك كله أي لا يشتد علينا مما تريد # ولا يتم التخفيف وترك التكلف إلا بأن يرى نفسه دون إخوانه ويحسن الظن بهم ~~ويسيء الظن بنفسه فإذا رآهم خيرا من نفسه فعند ذلك يكون هو خيرا منهم وقال ~~أبو معاوية الأسود إخواني كلهم خير مني قيل وكيف ذلك قال كلهم يرى لي الفضل ~~عليه ومن فضلني على نفسه فهو خير مني وقد قال صلى الله عليه وسلم المرء على ~~دين خليله ولا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما ترى له (1) # فهذه أقل الدرجات وهو النظر بعين المساواة والكمال في رؤية الفضل للأخ # ولذلك قال سفيان إذا قيل لك ياشر الناس فغضبت فأنت شر الناس أي ينبغي أن ~~تكون معتقدا ذلك في نفسك أبدا # وسيأتي وجه ذلك في كتاب الكبر والعجب # وقد قيل في معنى التواضع ورؤية الفضل للإخوان أبيات # تذلل لمن إن تذللت له ... يرى ذاك للفضل لا للبله # وجانب صداقة من لا يزا ... ل على الأصدقاء يرى الفضل له # وقال آخر # كم صديق عرفته بصديق ... صار أحظى من الصديق العتيق # ورفيق رأيته في طريق ... صار عندي هو الصديق الحقيقي # ومهما رأى الفضل لنفسه فقد احتقر أخاه وهذا في عموم المسلمين مذموم # قال صلى الله عليه وسلم بحسب المؤمن من الشر أن يحقر أخاه المسلم (2) # ومن تتمة الانبساط وترك التكلف أن يشاور إخوانه في كل ما يقصده ويقبل ~~إشاراتهم فقد قال تعالى وشاورهم في الأمر وينبغي أن لا يخفي ms0887 عنهم شيئا من ~~أسراره كما روي أن يعقوب ابن أخي معروف قال جاء أسود بن سالم إلى عمي معروف ~~وكان مواخيا له فقال إن بشر بن الحرث يحب مؤاخاتك وهو يستحي أن يشافهك بذلك ~~وقد أرسلني إليك يسألك أن تعقد له فيما بينك وبينه أخوة يحتسبها ويعتد بها ~~إلا أنه يشترط فيها شروطا لا يحب أن يشتهر بذلك ولا يكون بينك وبينه مزاورة ~~ولا ملاقاة فإنه يكره كثرة الالتقاء فقال معروف أما أنا لو آخيت أحدا لم ~~أحب مفارقته ليلا ولا نهارا ولزرته في كل وقت وآثرته على نفسي في كل حال ثم ~~ذكر من فضل الأخوة والحب في الله أحاديث كثيرة ثم قال فيها # وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فشاركه في العلم (3) # وقاسمه في البدن (4) # وأنكحه أفضل بناته وأحبهن إليه وخصه بذلك لمؤاخاته (5) # وأنا PageV02P190 # أشهدك أني قد عقدت له أخوة بيني وبينه وعقدت إخاءه في الله لرسالتك ~~ولمسألته على أن لا يزورني إن كره ذلك ولكني أزوره متى أحببت ومره أن ~~يلقاني في مواضع نلتقي بها ومره أن لا يخفي علي شيئا من شأنه وأن يطلعني ~~على جميع أحواله فأخبر ابن سالم بشرا بذلك فرضى وسلا به # فهذا جامع حقوق الصحبة وقد أجملناه مرة وفصلناه أخرى ولا يتم ذلك إلا بأن ~~تكون على نفسك للإخوان ولا تكون لنفسك عليهم وأن تنزل نفسك منزلة الخادم ~~لهم فتقيد بحقوقهم جميع جوارك # أما البصر فبأن تنظر إليهم نظر مودة يعرفونها منك وتنظر إلى محاسنهم ~~وتتعامى عن عيوبهم ولا تصرف بصرك عنهم في وقت إقبالهم عليك وكلامهم معك # روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يعطي كل من جلس إليه نصيبا من وجهه وما ~~استصغاه أحد إلا ظن أنه أكرم الناس عليه حتى كان مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف ~~مسألته وتوجهه للجالس إليه (1) # وكان مجلسه مجلس حياء وتواضع وأمانة وكان عليه السلام أكثر الناس تبسما ~~وضحكا في وجوه أصحابه وتعجبا مما يحدثونه به وكان ضحك أصحابه عنده التبسم ~~اقتداء منهم ms0888 بفعله وتوقيرا له عليه السلام # وأما السمع فبأن تسمع كلامه متلذذا بسماعه ومصدقا به ومظهرا للاستبشار به ~~ولا تقطع حديثهم عليهم بمرادة ولا منازعة ومداخلة واعتراض فإن أرهقك عارض ~~اعتذرت إليهم وتحرس سمعك عن سماع ما يكرهون # وأما اللسان فقد ذكرنا حقوقه فإن القول فيه يطول ومن ذلك أن لا يرفع صوته ~~عليهم ولا يخاطبهم إلا بما يفقهون # وأما اليدان فأن لا يقبضهما عن معاونتهم في كل ما يتعاطى باليد # وأما الرجلان فأن يمشي بهما وراءهم مشي الأتباع لا مشي المتبوعين ولا ~~يتقدمهم إلا بقدر ما يقدمونه ولا يقرب منهم إلا بقدر ما يقربونه ويقوم لهم ~~إذا أقبلوا ولا يقعد إلا بقعودهم ويقعد متواضعا حيث يقعد # ومهما تم الاتحاد خف حمله من هذه الحقوق مثل القيام والاعتذار والثناء ~~فإنها من حقوق الصحبة وفي ضمنها نوع من الأجنبية والتكلف فإذا تم الاتحاد ~~انطوى بساط التكلف بالكلية فلا يسلك به إلا مسلك نفسه لأن هذه الآداب ~~الظاهرة عنوان آداب الباطن وصفاء القلب # ومهما صفت القلوب استغنى عن تكلف إظهار ما فيها ومن كان نظره إلى صحبة ~~الخلق فتارة يعوج وتارة يستقيم ومن كان نظره إلى الخالق لزم الاستقامة ~~ظاهرا وباطنا وزين باطنه بالحب لله ولخلقه وزين ظاهره بالعبادة لله والخدمة ~~لعباده فإنها أعلى أنواع الخدمة لله إذ لا وصول إليه إلا بحسن الخلق ويدرك ~~العبد بحسن خلقه درجة القائم الصائم وزيادة PageV02P191 ### |||| خاتمة لهذا الباب نذكر فيها جملة آداب العشرة والمجالسة مع أصناف الخلق ملتقطة من كلام بعض الحكماء # إن أردت حسن العشرة فالق صديقك وعدوك بوجه الرضا من غير ذلة لهم ولا هيبة ~~منهم وتوقير من غير كبر وتواضع مي غير مذلة # وكن في جميع أمورك في أوسطها فكلا طرفي قصد الأمور ذميم # ولا تنظر في عطفيك ولا تكثر الالتفات ولا تقف على الجماعات وإذا جلست فلا ~~تستوفز وتحفظ من تشبيك أصابعك والعبث بلحيتك وخاتمك وتخليل أسنانك وإدخال ~~أصبعك في أنفك وكثرة بصاقك وتنخمك وطرد الذباب من وجهك وكثر التمطي ~~والتثاؤب في ms0889 وجوه الناس وفي الصلاة وغيرهما وليكن مجلسك هاديا وحديثك ~~منظوما مرتبا وأصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك من غير إظهار تعجب مفرط ولا ~~تسأله إعادته واسكت عن المضاحك والحكايات ولا تحدث عن إعجابك بولدك ولا ~~جاريتك ولا شعرك ولا تصنيفك وسائر ما يخصك ولا تتصنع تصنع المرأة في التزين ~~ولا تتبذل تبذل العبد وتوق كثرة الكحل والإسراف في الدهن ولا تلح في ~~الحاجات ولا تشجع أحدا على الظلم ولا تعلم أهلك وولدك فضلا عن غيرهم مقدار ~~مالك فإنهم إن رأوه قليلا هنت عندهم وإن كان كثيرا لم تبلغ قط رضاهم وخوفهم ~~من غير عنف ولن لهم من غير ضعف ولا تهازل أمتك ولا عبدك فيسقط وقارك وإذا ~~خاصمت فتوقر وتحفظ من جهلك وتجنب عجلتك وتفكر في حجتك ولا تكثر الإشارة ~~بيديك ولا تكثر الالتفات إلى من وراءك ولا تجث على ركبتيك وإذا هدأ غيظك ~~فتكلم وإن قربك سلطان فكن منه على مثل حد السنان فإن استرسل عليك فلا تأمن ~~انقلابه علبك وارفق به رفقك بالصبي وكلمه بما يشتهيه ما لم يكن معصية ولا ~~يحملنك لطفه بك أن تدخل بينه وبين أهله وولده وحشمه وإن كنت لذلك مستحقا ~~عنده فإن سقطة الداخل بين الملك وبين أهله سقطة لا تنعش وزلة لا تقال وإياك ~~وصديق العافية فإنه أعدى الأعداء ولا تجعل مالك أكرم من عرضك وإذا دخلت ~~مجلسا فالأدب فيه البداية بالتسليم وترك التخطي لمن سبق والجلوس حيث اتسع ~~وحيث يكون أقرب إلى التواضع وأن تحيي بالسلام من قرب منك عند الجلوس # ولا تجلس على الطريق فإن جلست فأدبه غض البصر ونصرة المظلوم وإغاثة ~~الملهوف وعون الضعيف وإرشاد الضال ورد السلام وإعطاء السائل والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والارتياد لموضع البصاق ولا تبصق في جهة القبلة ~~ولا عن يمينك ولكن عن يسارك وتحت قدمك اليسرى # ولا تجالس الملوك فإن فعلت فأدبه ترك الغيبة ومجانبة الكذب وصيانة السر ~~وقلة الحوائج وتهذيب الألفاظ والإعراب في الخطاب والمذاكرة بأخلاق الملوك ~~وقلة المداعبة وكثرة الحذر منهم ms0890 وإن ظهرت لك المودة وإن لا تتجشأ بحضرتهم ~~ولا تخلل بعد الأكل عنده وعلى الملك أن يحتمل كل شي إلا إفشاء السر والقدح ~~في الملك والتعرض للحرم # ولا تجالس العامة فإن فعلت فأدبه ترك الخوض في حديثهم وقلة الإصغاء إلى ~~أراجيفهم والتغافل عما يجري من سوء ألفاظهم وقلة اللقاء لهم مع الحاجة ~~إليهم # وإياك أن تمازح لبيبا أو غير لبيب فإن اللبيب يحقد عليك والسفيه يجتريء ~~عليك لأن المزاح يخرق الهيبة ويسقط ماء الوجه ويعقب الحقد ويذهب بحلاوة ~~الود ويشين فقه الفقيه ويجريء PageV02P192 # السفيه ويسقط المنزلة عند الحكيم ويمقته المتقون وهو يميت القلب ويباعد ~~عن الرب تعالى ويكسب الغفلة ويورث الذلة وبه تظلم السرائر وتموت الخواطر ~~وبه تكثر العيوب وتبين الذنوب # وقد قيل لا يكون المزاح إلا من سخف أو بطر # ومن بلي في مجلس بمزاح أو لغط فليذكر الله عند قيامه قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم من جلس في مجلس فكثر به لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك ~~سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ~~ما كان في مجلسه ذلك (1) ### ||| الباب الثالث في حق المسلم والرحم والجوار والملك وكيفية المعاشرة مع من يدلي بهذه الأسباب # اعلم أن الإنسان إما أن يكون وحده أو مع غيره وإذا تعذر عيش الإنسان إلا ~~بمخالطة من هو من جنسه لم يكن له بد من تعلم آداب المخالطة # وكل مخالط ففي مخالطته أدب والأدب على قدر حقه وحقه على قدر رابطته التي ~~بها وقعت المخالطة # والرابطة إما القرابة وهي أخصها أو أخوة الإسلام وهي أعمها وينطوي في ~~معنى الأخوة الصداقة والصحبة وإما الجوار وإما صحبة السفر والمكتب والدرس ~~وإما الصداقة أو الأخوة # ولكل واحد من هذه الروابط درجات # فالقرابة لها حق ولكن حق الرحم المحرم آكد وللمحرم حق ولكن حق الوالدين ~~آكد # وكذلك حق الجار ولكن يختلف بحسب قربه من الدار وبعده ويظهر التفاوت عند ~~النسبة حتى إن البلدي في بلاد الغربة يجري ms0891 مجرى القريب في الوطن لاختصاصه ~~بحق الجوار في البلد # وكذلك حق المسلم يتأكد بتأكد المعرفة # وللمعارف درجات فليس حق الذي عرف بالمشاهدة كحق الذي عرف بالسماع بل آكد ~~منه والمعرفة بعد وقوعها تتأكد بالاختلاط # وكذلك الصحبة تتفاوت درجاتها فحق الصحبة في الدرس والمكتب آكد من حق صحبة ~~السفر # وكذلك الصداقة تتفاوت فإنها إذا قويت صارت أخوة فإن ازدادت صارت محبة فإن ~~ازدادت صارت خلة والخليل أقرب من الحبيب فالمحبة ما تتمكن من حبة القلب ~~والخلة ما تتخلل سر القلب فكل خليل حبيب وليس كل حبيب خليلا وتفاوت درجات ~~الصداقة لا يخفى بحكم المشاهدة والتجربة فأما كون الخلة فوق الأخوة فمعناه ~~أن لفظ الخلة عبارة عن حالة هي أتم من الأخوة وتعرفه من قوله صلى الله عليه ~~وسلم لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله (2) # إذا الخليل هو الذي يتخلل الحب جميع أجزاء قلبه ظاهرا وباطنا ويستوعبه ~~ولم يستوعب قلبه عليه السلام سوى حب الله وقد منعته الخلة عن الاشتراك فيه ~~مع أنه اتخذ عليا رضي الله عنه أخا فقال علي مني بمنزلة هرون من موسى إلا ~~النبوة (3) # فعدل بعلي عن النبوة كما عدل بأبي بكر عن الخلة فشارك أبو بكر عليا رضي ~~الله عنهما في الأخوة وزاد عليه بمقاربة الخلة وأهليته لها لو كان للشركة ~~في الخلة مجال فإنه نبه عليه بقوله لاتخذت أبا بكر خليلا وكان صلى الله ~~عليه وسلم حبيب الله وخليله وقد روي أنه صعد المنبر يوما مستبشرا فرحا فقال ~~إن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا فأنا حبيب الله وأنا خليل ~~الله تعالى (4) # فإذن ليس قبل PageV02P193 # المعرفة رابطة ولا بعد الخلة درجة وما سواهما من الدرجات بينهما # وقد ذكرنا حق الصحبة والأخوة ويدخل فيهما ما وراءهما من المحبة والخلة ~~وإنما تتفاوت الرتب في تلك الحقوق كما سبق بحسب تفاوت المحبة والأخوة حتى ~~ينتهي أقصاها إلى أن يوجب الإيثار بالنفس والمال كما آثر أبو بكر رضي الله ~~عنه نبينا صلى ms0892 الله عليه وسلم وكما آثره طلحة ببدنه إذ جعل نفسه وقاية ~~لشخصه العزيز صلى الله عليه وسلم فنحر الآن نريد أن نذكر حق أخوة الإسلام ~~وحق الرحم وحق الوالدين وحق الجوار وحق الملك أعني ملك اليمين فإن ملك ~~النكاح قد ذكرنا حقوقه في كتاب آداب النكاح ### |||| حقوق المسلم # هي أن تسلم عليه إذا لقيته وتجيبه إذا دعاك وتشمته إذا عطس وتعوده إذا ~~مرض وتشهد جنازته إذا مات وتبر قسمه إذا أقسم عليك وتنصح له إذا استنصحك ~~وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب عنك وتحب له ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره ~~لنفسك (1) # ورد جميع ذلك في أخبار وآثار # وقد روى أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أربع ~~من حق المسلمين عليك أن تعين محسنهم وأن تستغفر لمذنبهم وأن تدعو لمدبرهم ~~وأن تحب تائبهم (2) # وقال ابن عباس رضي الله عنهما في معنى قوله تعالى رحماء بينهم قال يدعو ~~صالحهم لطالحهم وطالحهم لصالحهم فإذا نظر الطالح إلى الصالح من أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم قال اللهم بارك له فيما قسمت له من الخير وثبته عليه ~~وانفعنا به إذا نظر الصالح إلى الطالح قال اللهم اهده وتب عليه واغفر له ~~عثرته # ومنها أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه قال النعمان ~~بن بشير سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مثل المؤمنين في توادهم ~~وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمى والسهر (3) # وروى أبو موسى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال المؤمن للمؤمن كالبنيان ~~يشد بعضه بعضا (4) # ومنها أن لا يؤذي أحدا من المسلمين بفعل ولا قول قال صلى الله عليه وسلم ~~المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (5) # وقال صلى الله عليه وسلم في حديث طويل يأمر فيه بالفضائل فإن لم تقدر فدع ~~الناس من الشر فإنها صدقة تصدقت بها على نفسك (6) # وقال أيضا أفضل المسلمين من سلم المسلمون من لسانه ويده (7) # وقال صلى الله ms0893 عليه وسلم أتدرون من المسلم فقالوا الله ورسوله أعلم قال ~~المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده قالوا فمن المؤمن قال من أمنه ~~المؤمنين على أنفسهم وأموالهم قالوا فمن المهاجر قال من هجر السوء واجتنبه ~~(8) # وقال رجل يا رسول الله ما الإسلام PageV02P194 # قال أن يسلم قلبك لله ويسلم المسلمون من لسانك ويدك وقال مجاهد يسلط على ~~أهل النار الجرب فيحتكون حتى يبدو عظم أحدهم من جلده فينادي يا فلان هل ~~يؤذيك هذا فيقول نعم فيقول هذا بما كنت تؤذي المؤمنين # وقال صلى الله عليه وسلم لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها عن ~~ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين (1) # وقال أبو هريرة رضي الله عنه يا رسول الله علمني شيئا أنتفع به # قال اعزل الأذى عن طريق المسلمين (2) # وقال صلى الله عليه وسلم من زحرج عن طريق المسلمين شيئا يؤذيهم كتب الله ~~له به حسنة ومن كتب الله له حسنة أوجب له بها الجنة (3) # وقال صلى الله عليه وسلم لا يحل لمسلم أن يشير إلى أخيه بنظرة تؤذيه وقال ~~لا يحل لمسلم أن يروع مسلما (4) # وقال صلى الله عليه وسلم إن الله يكره أذى المؤمنين (5) # وقال الربيع ابن خيثم الناس رجلان مؤمن فلا تؤذه وجاهل فلا تجاهله # ومنها أن يتواضع لكل مسلم ولا يتكبر عليه فإن الله لا يحب كل مختال فخور # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا حتى ~~لا يفخر أحد على أحد (6) # ثم إن تفاخر عليه غيره فليحتمل قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~{خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} وعن ابن أبي أوفى كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يتواضع لكل مسلم ولا يأنف ولا يتكبر أن يمشي مع الأرملة ~~والمسكين فيقضي حاجته (7) # ومنها أن لا يسمع بلاغات الناس بعضهم على بعض ولا يبلغ بعضهم ما يسمع من ~~بعض # قال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة قتات (8) # وقال الخليل بن أحمد من نم ms0894 لك نم عليك ومن أخبرك بخير غيرك أخبر غيرك ~~بخبرك # ومنها أن لا يزيد في الهجر لمن يعرفه على ثلاثة أيام مهما غضب عليه # قال أبو أيوب الأنصاري قال صلى الله عليه وسلم لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه ~~فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام (9) # وقد قال صلى الله عليه وسلم من أقال مسلما عثرته أقاله الله يوم القيامة ~~(10) # قال عكرمة قال الله تعالى ليوسف بن يعقوب بعفوك عن إخوانك رفعت ذكرك في ~~الدارين # قالت عائشة رضي الله عنها ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه ~~قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله (11) # وقال ابن عباس رضي الله عنهما ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا # وقال PageV02P195 # صلى الله عليه وسلم ما نقص مال من صدقة وما زاد الله رجلا بعفو إلا عزا ~~وما من أحد تواضع لله إلا رفعه الله (1) # ومنها أن يحسن إلى كل من قدر عليه منهم ما استطاع لا يميز بين الأهل وغير ~~الأهل # روى علي بن الحسين على أبيه عن جده رضي الله عنهم قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اصنع المعروف في أهله وفي غير أهله فإن أصبت أهله فهو أهله ~~وإن لم تصب أهله فأنت من أهله (2) # وعنه بإسناده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس العقل بعد الدين ~~التودد إلى الناس واصطناع المعروف إلى كل بر وفاجر (3) # قال أبو هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ أحد بيده فينزع ~~يده حتى يكون الرجل هو الذي يرسلها ولم تكن ترى ركبته خارجة عن ركبة جليسه ~~ولم يكن أحد يكلمه إلا أقبل عليه بوجهه ثم لم يصرفه عنه حتى يفرغ من كلامه ~~(4) # ومنها أن لا يدخل على أحد منهم إلا بإذنه بل يستأذن ثلاثا فإن لم يؤذن له ~~انصرف # قال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستئذان ~~ثلاث فالأولى يستنصتون ms0895 والثانية يستصلحون والثالثة يأذنون أو يردون (5) # ومنها أن يخالق الجميع بخلق حسن ويعاملهم بحسب طريقته فإنه إن أراد لقاء ~~الجاهل بالعلم والأمي بالفقه والعيي بالبيان آذى وتأذى # ومنها أن يوقر المشايخ ويرحم الصبيان قال جابر رضي الله عنه قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم يوقر كبيرنا ولم يرحم صغيرنا (6) # وقال صلى الله عليه وسلم من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم (7) # ومن تمام توقير المشايخ أن لا يتكلم بين أيديهم إلا بالإذن وقال جابر قدم ~~وفد جهينة على النبي صلى الله عليه وسلم فقام غلام ليتكلم فقال صلى الله ~~عليه وسلم مه فأين الكبير (8) # وفي الخبر وما وقر شاب شيخا إلا قيض الله له في سنه من يوقره (9) # وهذه بشارة بدوام الحياة فليتنبه لها فلا يوفق لتوقير المشايخ إلا من قضى ~~الله له بطول العمر وقال صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يكون الولد ~~غيظا والمطر قيظا وتفيض اللئام فيضا وتغيض الكرام غيضا ويجتريء الصغير على ~~الكبير واللئيم على الكريم (10) # والتلطف بالصبيان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم (11) # كان صلى الله عليه وسلم يقدم من السفر فيتلقاه الصبيان فيقف عليهم ثم ~~يأمر بهم فيرفعون إليه فيرفع منهم بين يديه ومن خلفه PageV02P196 # ويأمر أصحابه أن يحملوا بعضهم (1) # فربما تفاخر الصبيان بعد ذلك فيقول بعضهم لبعض حملني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين يديه وحملك أنت وراءه ويقول بعضهم أمر أصحابه أن يحملوك ~~وراءهم وكان يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة وليسميه فيأخذه فيضعه في ~~حجره فربما بال الصبي فيصيح به بعض من يراه فيقول لا تزرموا الصبي بوله ~~فيدعه حتى يقضي بوله ثم يفرغ من دعائه له وتسميته ويبلغ سرور أهله فيه لئلا ~~يروا أنه تأذى ببوله فإذا انصرفوا غسل ثوبه بعده (2) # ومنها أن يكون مع كافة الخلق مستبشرا طلق الوجه رفيقا # قال صلى الله عليه وسلم أتدرون على من حرمت النار قالوا الله ورسوله أعلم ~~قال على اللين الهين السهل ms0896 القريب (3) # وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ~~يحب السهل الطلق الوجه (4) # وقال بعضهم يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة فقال إن من موجبات ~~المغفرة بذل السلام وحسن الكلام (5) # وقال عبد الله بن عمر إن البر شيء هين وجه طليق وكلام لين وقال صلى الله ~~عليه وسلم اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة (6) # وقال صلى الله عليه وسلم إن في الجنة لغرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها ~~من ظهورها فقال أعرابي لمن هي يا رسول الله قال لمن أطاب الكلام وأطعم ~~الطعام وصلى بالليل والناس نيام (7) # وقال معاذ بن جبل قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصيك بتقوى الله ~~وصدق الحديث ووفاء العهد وأداء الأمانة وترك الخيانة وحفظ الجار ورحمة ~~اليتيم ولين الكلام وبذل السلام وخفض الجناح (8) # وقال أنس رضي الله عنه عرضت لنبي الله صلى الله عليه وسلم امرأة وقالت لي ~~معك حاجة وكان معه ناس من أصحابه فقال اجلسي في أي نواحي السكك شئت أجلس ~~إليك ففعلت فجلس إليها حتى قضت حاجتها (9) # وقال وهب بن منبه أن رجلا من بني إسرائيل صام سبعين سنة يفطر في كل سبعة ~~أيام فسأل الله تعالى انه يريه كيف يغوي الشيطان الناس فلما طال عليه ذلك ~~ولم يجب قال لو اطلعت على خطيئتي وذنبي PageV02P197 # بيني وبين ربي لكان خيرا لي من هذا الأمر الذي طلبته فأرسل الله إليه ~~ملكا فقال له إن الله أرسلني إليك وهو يقول لك إن كلامك هذا الذي تكلمت به ~~أحب إلي مما مضى من عبادتك وقد فتح الله بصرك فانظر فنظر فإذا جنود إبليس ~~قد أحاطت بالأرض وإذا ليس أحد من الناس إلا والشياطين حوله كالذئاب فقال أي ~~رب من ينجو من هذا قال الورع اللين # ومنها أن لا يعد مسلما بوعد إلا ويفي به قال صلى الله عليه وسلم العدة ~~عطية (1) # وقال العدة دين (2) # وقال ثلاث في المنافق إذا حدث ms0897 كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان (3) # وقال ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى (4) # وذكر ذلك ومنها أن ينصف الناس من نفسه ولا يأتي إليهم إلا بما يحب أن ~~يؤتى إليه قال صلى الله عليه وسلم لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون فيه ~~ثلاث خصال الإنفاق من الإقتار والإنصاف من نفسه وبذل السلام (5) # وقال عليه السلام من سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو ~~يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وليؤت إلى الناس ما يحب أن ~~يؤتى إليه (6) # وقال صلى الله عليه وسلم يا أبا الدرداء أحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمنا ~~وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما (7) # قال الحسن أوحى الله تعالى إلى آدم صلى الله عليه وسلم بأربع خصال وقال ~~فيهن جماع الأمر لك ولولدك واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة ~~بينك وبين الخلق فأما التي لي تعبدني ولا تشرك بي شيئا وأما التي لك فعملك ~~أجزيك به أفقر ما تكون إليه وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي ~~الإجابة وأما التي بنيك وبين الناس فتصحبهم بالذي تحب أن يصحبوك به وسأل ~~موسى عليه السلام الله تعالى فقال أي رب أي عبادك أعدل قال من أنصف من نفسه # ومنها أن يزيد في توقير من تدل هيئته وثيابه على علو منزلته فينزل الناس ~~منازلهم # روي أن عائشة رضي الله عنها كانت في سفر فنزلت منزلا فوضعت طعامها فجاء ~~سائل فقالت عائشة ناولوا هذا المسكين قرصا ثم مر رجل على دابة فقالت ادعوه ~~إلى الطعام # فقيل لها تعطين المسكين وتدعين هذا الغني فقالت إن الله تعالى أنزل الناس ~~منازل لا بد لنا من أن ننزلهم تلك المنازل هذا المسكين يرضى بقرص وقبيح بنا ~~أن نعطي هذا الغني على هذه الهيئة قرصا # وروي أنه صلى الله عليه وسلم دخل بعض بيوته فدخل عليه أصحابه حتى غص ~~المجلس وامتلأ فجاء جرير بن عبد الله البجلي فلم يجد مكانا فقعد ms0898 على الباب ~~فلف رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه فألقاه إليه وقال له اجلس على هذا ~~فأخذه جرير ووضعه على وجهه وجعل يقبله ويبكي ثم لفه ورمى به إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال ما كنت لأجلس على ثوبك أكرمك الله كما أكرمتني فنظر ~~النبي صلى الله عليه وسلم يمينا وشمالا ثم قال إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ~~(8) # وكذلك كل من له عليه حق قديم PageV02P198 # فليكرمه # روي أن ظئر رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته جاءت إليه فبسط لها ~~رداءه ثم قال لها مرحبا بأمي ثم أجلسها على الرداء ثم قال لها اشفعي تشفعي ~~وسلي تعطي فقالت قومي فقال أما حقي وحق بني هاشم فهو ذلك فقام الناس من كل ~~ناحية وقالوا وحقنا يا رسول الله ثم وصلها بعد وأخدمها ووهب لها سهمانه ~~بحنين (1) # فبيع ذلك من عثمان بن عفان رضي الله عنه بمائة ألف درهم ولربما أتاه من ~~يأتيه وهو على وسادة جالس ولا يكون فيها سعة يجلس معه فينزعها ويضعها تحت ~~الذي يجلس إليه فإن ابي عزم عليه حتى يفعل (2) # ومنها أن يصلح ذات البين بين المسلمين مهما وجد إليه سبيلا # قال صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة ~~قالوا بلى قال إصلاح ذات البين وفساد ذات البين هي الحالقة (3) # وقال صلى الله عليه وسلم أفضل الصدقة إصلاح ذات البين (4) # وعن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس رضي الله عنه قال بينما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ ضحك حتى بدت ثناياه فقال عمر رضي الله عنه ~~يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما الذي أضحك قال رجلان من أمتي جثيا بين يدي ~~رب العزة فقال أحدهما يا رب خذ لي مظلمتي من هذا فقال الله تعالى رد على ~~أخيك مظلمته # فقال يا رب لم يبق لي من حسناتي شيء فقال الله تعالى للطالب كيف تصنع ~~بأخيك ولم يبق له من حسناته شيء فقال يا ms0899 رب فليحمل عني من أوزاري # ثم فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء فقال إن ذلك ليوم ~~عظيم يوم يحتاج الناس فيه إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم قال فيقول الله ~~تعالى أي للمتظلم ارفع بصرك فانظر في الجنان فقال يا رب أرى مدائن من فضة ~~وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا أو لأي صديق أو لأي شهيد قال الله ~~تعالى هذا لمن أعطى الثمن قال يا رب ومن يملك ذلك قال أنت تملكه قال بماذا ~~يا رب قال بعفوك عن أخيك قال يا رب قد عفوت عنه فيقول الله تعالى خذ بيد ~~أخيك فأدخله الجنة # ثم قال صلى الله عليه وسلم اتقوا وأصلحوا ذات بينكم فإن الله تعالى يصلح ~~بين المؤمنين يوم القيامة (5) # وقد قال صلى الله عليه وسلم ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا (6) # وهذا يدل على وجوب الإصلاح بين الناس لأن ترك الكذب واجب ولا يسقط الواجب ~~إلا بواجب آكد منه قال صلى الله عليه وسلم كل الكذب مكتوب إلا أن يكذب ~~الرجل في الحرب (7) # فإن الحرب خدعة أو يكذب بين اثنين فيصلح بينهما أو يكذب لامرأته ليرضيها ~~ومنها أن يستر عورات المسلمين كلهم قال صلى الله عليه وسلم من ستر على مسلم ~~ستره الله PageV02P199 # تعالى في الدنيا والآخرة (1) حديث لا يستر عبد عبدا إلا ستره الله يوم ~~القيامة رواه مسلم من حديث أبي هريرة أيضا (2) حديث أبي سعيد الخدري لا يرى ~~امرؤ من أخيه عورة فيسترها عليه إلا دخل الجنة رواه الطبراني في الأوسط ~~والصغير والخرائطي في مكارم الأخلاق واللفظ له بسند ضعيف (3) حديث لو سترته ~~بثوبك كان خيرا لك رواه أبو داود والنسائي من حديث نعيم بن هزال والحاكم من ~~حديث هزال نفسه وقال صحيح الإسناد ونعيم مختلف في صحبته # فإذن على المسلم أن يستر عورة نفسه فحق إسلامه واجب عليه كحق إسلام غيره # قال أبو بكر رضي الله عنه لو وجدت شاربا لأحببت أن يستره الله ولو وجدت ms0900 ~~سارقا لأحببت أن يستره الله # وروى أن عمر رضي الله عنه كان يعس بالمدينة ذات ليلة فرأى رجلا وامرأة ~~على فاحشة فلما أصبح قال للناس أرأيتم لو أن إماما رأى رجلا وامرأة على ~~فاحشة فأقام عليهما الحد ما كنتم فاعلين قالوا إنما أنت إمام فقال علي رضي ~~الله عنه ليس ذلك لك إذا يقام عليك الحد إن الله لم يأمن على هذا الأمر أقل ~~من أربعة شهود ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم ثم سألهم فقال القوم مقالتهم ~~الأولى فقال علي رضي الله عنه مثل مقالته الأولى # وهذا يشير إلى أن عمر رضي الله عنه كان مترددا في أن الوالي هل له أن ~~يقضي بعلمه في حدود الله فلذلك راجعهم في معرض التقدير لا في معرض الإخبار ~~خيفة من أن لا يكون له ذلك فيكون قاذفا بإخباره ومال رأي علي إلى أنه ليس ~~له ذلك # وهذا من أعظم الأدلة على طلب الشرع لستر الفواحش فإن أفحشها الزنا وقد ~~نيط بأربعة من العدول يشاهدون ذلك منه في ذلك منها كالمرود في المكحلة وهذا ~~قط لا يتفق # وإن علمه القاضي تحقيقا لم يكن له أن يكشف عنه # فانظر إلى الحكمة في حسم باب الفاحشة بإيجاب الرجم الذي هو أعظم العقوبات # ثم انظر إلى كثيف ستر الله كيف أسبله على العصاة من خلقه بتضييق الطريق ~~في كشفه فنرجو أن لا نحرم هذا الكرم يوم تبلى السرائر ففي الحديث إن الله ~~إذا ستر على عبد عورته في الدنيا فهو أكرم من أن يكشفها في الآخرة وإن ~~كشفها في الدنيا فهو أكرم من أن يكشفها مرة أخرى (4) # وعن عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه قال خرجت مع عمر رضي الله عنه ليلة ~~في المدينة فبينما نحن نمشي إذ ظهر لنا سراج فانطلقنا نؤمه فلما دنونا منه ~~إذا باب مغلق على قوم لهم أصوات ولغط فأخذ عمر بيدي وقال أتدري بيت من هذا ~~قلت لا فقال هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم ms0901 الآن شرب فما ترى قلت أرى ~~أنا قد أتينا ما نهانا الله عنه قال الله تعالى {ولا تجسسوا} فرجع عمر رضي ~~الله عنه وتركهم وهذا يدل على وجوب الستر وترك التتبع وقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لمعاوية إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت ~~تفسدهم (5) حديث يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا ~~المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم الحديث أخرجه أبو داود من حديث أبي برزة ~~بإسناد جيد وللترمذي من حديث ابن عمر وحسنه # وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لو رأيت أحدا على حد من حدود الله ~~تعالى PageV02P200 # ما أخذته ولا دعوت له أحدا حتى يكون معي غيري # وقال بعضهم كنت قاعدا مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذ جاءه رجل ~~بآخر فقال هذا نشوان فقال عبد الله بن مسعود استنكهوه فاستنكهوه فوجده ~~نشوانا فحبسه حتى ذهب سكره ثم دعا بسوط فكسر ثمره ثم قال للجلاد اجلد وارفع ~~يدك وأعط كل عضو حقه فجلده وعليه قباء أو مرط فلما فرغ قال للذي جاء به ما ~~أنت منه قال عمه قال عبد الله ما أدبت فأحسنت الأدب ولا سترت الحرمة إنه ~~ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد أن يقيمه وإن الله عفو يحب العفو ثم قرأ ~~{وليعفوا وليصفحوا} ثم قال إني لأذكر أول رجل قطعه النبي صلى الله عليه ~~وسلم أتي بسارق فقطعه فكأنما أسف وجهه فقالوا يا رسول الله كأنك كرهت قطعه ~~فقال وما يمنعني لا تكونوا عونا للشياطين على أخيكم فقالوا ألا عفوت عنه ~~فقال إنه ينبغي للسلطان إذا انتهى إليه حد أن يقيمه إن الله عفو يجب العفو ~~وقرأ {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} (1) # وفي رواية فكأنما سفي في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم رماد لشدة ~~تغيره وروى أن عمر رضي الله عنه كان يعس بالمدينة من الليل فسمع صوت رجل في ~~بيت يتغنى فتسور عليه فوجده عنده امرأة ms0902 وعنده خمر فقال يا عدو الله أظننت ~~أن الله يسترك وأنت على معصيته فقال وأنت يا أمير المؤمنين فلا تعجل فإن ~~كنت قد عصيت الله واحدة فقد عصيت الله في ثلاثا قال الله تعالى {ولا ~~تجسسوا} وقد تجسست وقال الله تعالى {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} ~~وقد تسورت علي وقد قال الله تعالى {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم} الآية وقد ~~دخلت بيتي بغير إذن ولا سلام فقال عمر رضي الله عنه # هل عندك من خير إن عفوت عنك قال نعم والله يا أمير المؤمنين لئن عفوت عني ~~لا أعود إلى مثلها أبدا فعفا عنه وخرج وتركه # وقال رجل لعبد الله بن عمر # يا أبا عبد الرحمن كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى ~~يوم القيامة قال سمعته يقول إن الله ليدني منه المؤمن فيضع عليه كنفه ~~ويستره من الناس فيقول أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا فيقول نعم يارب حتى إذا ~~قرره بذنوبه فرأى في نفسه أنه قد هلك قال له يا عبدي إني لم أسترها عليك في ~~الدنيا إلا وأنا أريد أن أغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته # وأما الكافرون والمنافقون فتقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا ~~لعنة الله على الظالمين (2) # وقال صلى الله عليه وسلم كل أمتي معافى إلا المجاهرين (3) # وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل السوء سرا ثم يخبر به وقال صلى الله عليه ~~وسلم من استمع خبر قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك يوم القيامة (4) # ومنها أن يتقي مواضع التهم صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن ولألسنتهم عن ~~العيبة فإنهم إذا عصوا الله بذكره وكان هو السبب فيه كان شريكا قال الله ~~تعالى ولا تسبوا الذي يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم وقال ~~صلى الله عليه وسلم كيف ترون من يسب أبويه فقالوا وهل من أحد يسب أبويه ~~فقال نعم يسب أبوي غيره فيسبون أبويه (5) # وقد روي عن أنس بن مالك رضي الله ms0903 عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كلم إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا ~~فلان هذه زوجتي صفية {فقال} PageV02P201 # يا رسول الله من كنت أظن فيه فإني لم أكن أظن فيك فقال إن الشيطان يجري ~~من ابن آدم مجرى الدم (1) # وزاد في رواية إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا وكانا رجلين فقال على ~~رسلكما إنها صفية الحديث (2) # وكانت قد زارته في العشر الأواخر من رمضان وقال عمر رضي الله عنه من أقام ~~نفسه مقام التهم فلا يلومن من أساء به الظن # ومر برجل يكلم امرأة على ظهر الطريق فعلاه بالدرة فقال يا أمير المؤمنين ~~إنها امرأتي فقال هلا حيث لا يراك أحد من الناس ومنها أن يشفع لكل من له ~~حاجة من المسلمين إلى من له عنده منزلة ويسعى في قضاء حاجته بما يقدر عليه ~~قال صلى الله عليه وسلم إني أوتى وأسأل وتطلب إلي الحاجة وأنتم عندي ~~فاشفعوا لتؤجروا ويقضى الله على يدي نبيه ما أحب (3) # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشفعوا إلي لتؤجروا إني أريد الأمر ~~وأؤخره كي تشفعوا إلي فتؤجروا وقال صلى الله عليه وسلم ما من صدقة أفضل من ~~صدقة اللسان قيل وكيف ذلك قال الشفاعة يحقن بها الدم وتجر بها المنفعة إلى ~~آخر ويدفع بها المكروه عن آخر (4) # وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن زوج بريرة كان عبدا يقال له ~~مغيث كأني أنظر إليه خلفها وهو يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال صلى الله ~~عليه وسلم للعباس ألا تعجب من شدة حب مغيث لبريرة وشدة بغضها له فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لو راجعته فإنه أبو ولدك فقالت يا رسول الله أتأمرني ~~فأفعل فقال # لا إنما أنا شافع (5) # ومنها أن يبدأ كل مسلم منهم بالسلام قبل الكلام ويصافحه عند السلام قال ~~صلى الله عليه وسلم من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه حتى يبدأ بالسلام ~~(6) # وقال بعضهم دخلت على ms0904 رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أسلم ولم أستأذن ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم ارجع فقل السلام عليكم أأدخل (7) # وروى جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلتم ~~بيوتكم فسلموا على أهلها فإن الشيطان إذا سلم أحدكم لم يدخل بيته (8) حديث ~~أنس خدمت النبي صلى الله عليه وسلم ثماني حجج فقال لي يا أنس أسبغ الوضوء ~~يزد من عمرك وسلم على من لقيته من أمتي تكثر حسناتك وإذا دخلت بيتك فسلم ~~على أهل بيتك يكثر خير بيتك أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق واللفظ له ~~والبيهقي في الشعب وإسناده ضعيف وللترمذي وصححه إذا دخلت على أهلك فسلم ~~يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك # وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقى المؤمنان فتصافحا ~~قسمت بينهما سبعون مغفرة تسع وستون لأحسنهما بشرا وقال تعالى {وإذا حييتم ~~بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} وقال صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ~~لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على عمل إذا ~~عملتموه تحاببتم قالوا # بلى يا رسول الله PageV02P202 # قال أفشوا السلام بينكم (1) # وقال أيضا إذا سلم المسلم على المسلم فرد عليه صلت عليه الملائكة سبعين ~~مرة (2) # وقال صلى الله عليه وسلم إن الملائكة تعجب من المسلم يمر على المسلم ولا ~~يسلم عليه (3) حديث يسلم الراكب على الماشي وإذا سلم من القوم أحد أجزأ ~~عنهم رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم مرسلا ولأبي داود من حديث علي ~~يجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزي عن الجلوس أن يرد أحدهم وفي ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة يسلم الراكب على الماشي الحديث وسيأتي في بقية ~~الباب (4) حديث جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال سلام عليك فقال ~~صلى الله عليه وسلم عشر حسنات الحديث أخرجه أبو داود والترمذي من حديث ~~عمران ابن حصين قال الترمذي حسن غريب وقال البيهقي في الشعب إسناده حسن (5) ~~حديث أنس ms0905 كان يمر على الصبيان فيسلم عليهم ورفعه متفق عليه # ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك # وروى عبد الحميد ابن بهرام أنه صلى الله عليه وسلم مر في المسجد يوما ~~وعصبة من الناس قعود فأومأ بيده بالسلام وأشار عبد الحميد بيده إلى الحكاية ~~(6) # فقال صلى الله عليه وسلم لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام وإذا ~~لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه (7) # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~تصافحوا أهل الذمة ولا تبدءوهم بالسلام فإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم ~~إلى أضيق الطرق # قالت عائشة رضي الله عنها إن رهطا من اليهود دخلوا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا السام عليك فقال النبي صلى الله عليه وسلم {عليكم} ~~قالت عائشة رضي الله عنها فقلت بل عليكم السام واللعنة فقال عليه السلام يا ~~عائشة إن الله يحب الرفق في كل شيء قالت عائشة ألم تسمع ما قالوا قال فقد ~~قلت عليكم (8) # وقال صلى الله عليه وسلم يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد ~~والقليل على الكثير والصغير على الكبير (9) حديث لا تشبهوا باليهود ~~والنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى الإشارة بالأكف ~~أخرجه الترمذي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقال إسناده ضعيف // # قال أبو عيسى إسناده ضعيف # وقال صلى الله عليه وسلم إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلم فإن بدا له أن ~~يجلس فليجلس ثم إذا قام فليسلم فليست PageV02P203 # الأولى بأحق من الأخيرة (1) # وقال أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقى ~~المؤمنان فتصافحا قسمت بينهما سبعون مغفرة تسعة وستون لأحسنهما بشرا (2) # وقال عمر رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا التقى ~~المسلمان وسلم كل واحد منهما على صاحبه وتصافحا نزلت بينهما مائة رحمة ~~للبادئ تسعون وللمصافح عشرة (3) # وقال الحسن المصافحة تزيد في الود # وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ms0906 صلى الله عليه وسلم تمام ~~تحياتكم المصافحة (4) # وقال صلى الله عليه وسلم قبلة المسلم أخاه المصافحة (5) # ولا بأس بقبلة يد المعظم في الدين تبركا به وتوقيرا له # وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قبلنا يد النبي صلى الله عليه وسلم ~~(6) # وعن كعب بن مالك قال لما نزلت توبتي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقبلت ~~يده (7) # وروي أن أعرابيا قال يا رسول الله ائذن لي فأقبل رأسك ويدك قال فأذن له ~~ففعل (8) # ولقي أبو عبيدة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فصافحه وقبل يده وتنحيا ~~يبكيان وعن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه سلم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى فرغ من وضوئه فرد عليه ومد يده إليه ~~فصافحه فقال يا رسول الله ما كنت أرى هذا إلا من أخلاق الأعاجم فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن المسلمين إذا التقيا فتصافحا تحاتت ذنوبهما (9) # وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا مر الرجل بالقوم فسلم عليهم فردوا ~~عليه كان له عليهم فضل درجة لأنه ذكرهم السلام وإن لم يردوا عليه رد عليه ~~ملأ خير منهم وأطيب أو قال وأفضل (10) # والانحناء عند السلام منهي عنه قال أنس رضي الله عنه قلنا يا رسول الله ~~أينحني بعضنا لبعض قال {لا} قال فيقبل بعضنا بعضا قال {لا} قال فيصافح ~~بعضنا بعضا قال {نعم} (11) # والالتزام والتقبيل قد ورد به الخبر عند القدوم من السفر (12) # وقال أبو ذر رضي الله عنه ما لقيته صلى الله عليه وسلم إلا صافحني وطلبني ~~يوما فلم أكن في البيت فلما أخبرت جئت وهو على سرير فالتزمني فكانت أجود ~~وأجود (13) PageV02P204 # والأخذ بالركاب في توقير العلماء ورد به الأثر فعل ابن عباس ذلك بركاب ~~زيد بن ثابت (1) # وأخذ عمر يغرز زيد حتى رفعه وقال هكذا فافعلوا بزيد وأصحاب زيد # والقيام مكروه على سبيل الإعظام لا على سبيل الإكرام قال أنس ما كان شخص ~~أحب إلينا من رسول الله صلى ms0907 الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما ~~يعلمون من كراهيته لذلك (2) # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال مرة إذا رأيتموني فلا تقوموا كما تصنع ~~الأعاجم (3) # وقال صلى الله عليه وسلم من سره أن يمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده ~~من النار (4) # وقال صلى الله عليه وسلم لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن ~~توسعوا وتفسحوا (5) # وكانوا يحترزون عن ذلك لهذا النهي # وقال صلى الله عليه وسلم إذا أخذ القوم مجالسهم فإن دعا أحد أخاه فأوسع ~~له فليأته فإنما هي كرامة أكرمه بها أخوه فإن لم يوسع له فلينظر إلى أوسع ~~مكان يجده فيجلس فيه (6) # وروي أنه سلم رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبول فلم يجب (7) # فيكره السلام على من يقضي حاجته ويكره أن يقول ابتداء عليك السلام فإنه ~~قاله رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم إن عليك ~~السلام تحية الموتى قالها ثلاثا ثم قال إذا لقي أحدكم أخاه فليقل السلام ~~عليكم ورحمة الله (8) # ويستحب للداخل إذا سلم ولم يجد مجلسا أن لا ينصرف بل يقعد وراء الصف # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد إذ أقبل ثلاثة نفر ~~فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما أحدهما فوجد فرجة فجلس ~~فيها وأما الثاني فجلس خلفهم وأما الثالث فأدبر ذاهبا فلما فرغ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم عن النفر الثلاثة # أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله ~~منه وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه (9) # وقال صلى الله عليه وسلم ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما ~~قبل أن يتفرقا (10) # وسلمت أم هانئ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال {من هذه} فقيل له أم ~~هانئ فقال صلى الله عليه وسلم مرحبا بأم هانئ (11) # ومنها أن يصون عرض أخيه المسلم ونفسه وماله عن ظلم غيره مهما قدر ويرد ~~عنه ويناضل دونه ms0908 وينصره فإن ذلك يجب عليه بمقتضى أخوة الإسلام # روى أبو الدرداء أن رجلا نال من رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV02P205 # فرد عنه رجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم من رد عن عرض أخيه كان له ~~حجابا من النار (1) # وقال صلى الله عليه وسلم ما من امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا ~~على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة (2) # وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ذكر عنده أخوه ~~المسلم وهو يستطيع نصره فلم ينصره أذله الله بها في الدنيا والآخرة ومن ذكر ~~عنده أخوه المسلم فنصره نصره الله تعالى في الدنيا والآخرة (3) # وقال صلى الله عليه وسلم من حمى عن عرض أخيه المسلم في الدنيا بعث الله ~~تعالى له ملكا يحميه يوم القيامة من النار (4) # وقال جابر وأبو طلحة سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من امرئ ~~مسلم ينصر مسلما في موضع ينتهك فيه عرضه ويستحل حرمته إلا نصره الله في ~~موطن يحب فيه نصره وما من امرئ خذل مسلما في موطن ينتهك فيه حرمته إلا خذله ~~الله في موضع يحب فيه نصرته (5) # ومنها تشميت العاطس # قال صلى الله عليه وسلم في العاطس يقول الحمد لله على كل حال ويقول الذي ~~يشمته يرحمكم الله ويرد عليه العاطس فيقول يهديكم الله ويصلح بالكم (6) # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا ~~يقول إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله رب العالمين فإذا قال ذلك فليقل من ~~عنده يرحمك الله فإذا قالوا ذلك فليقل يغفر الله لي ولكم (7) # وشمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عاطسا ولم يشمت آخر فسأله عن ذلك فقال ~~إنه حمد الله وأنت سكت (8) # وقال صلى الله عليه وسلم يشمت العاطس المسلم إذا عطس ثلاثا فإن زاد فهو ~~زكام (9) # وروي أنه شمت عاطسا ثلاثا فعطس أخرى فقال إنك مزكوم (10) # وقال أبو هريرة كان رسول ms0909 الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس غض صوته واستتر ~~بثوبه أو يده (11) # وروي خمر وجهه # وقال أبو موسى الأشعري كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجاء أن يقول يرحمكم الله فكان يقول يهديكم الله (12) # وروى عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أن رجلا عطس خلف النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الصلاة فقال الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يرضى ~~ربنا ويرضى والحمد لله على كل حال PageV02P206 # فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال من صاحب الكلمات فقال أنا يا رسول ~~الله ما أردت بهن إلا خيرا فقال لقد رأيت اثنى عشر ملكا كلهم يبتدرونها ~~أيهم يكتبها (1) # وقال صلى الله عليه وسلم من عطس عنده فسبق إلى الحمد لم يشتك خاصرته (2) # وقال صلى الله عليه وسلم العطاس من الله والتثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب ~~أحدكم فليضع يده على فيه فإذا قال ها ها فإن الشيطان يضحك من جوفه (3) # وقال إبراهيم النخعي إذا عطس في قضاء الحاجة فلا بأس بأن يذكر الله # وقال الحسن يحمد الله في نفسه # وقال كعب قال موسى عليه السلام يا رب أقريب أنت فأناجيك إم بعيد فأناديك ~~فقال أنا جليس من ذكرني فقال فإنا نكون على حال نجلك أن نذكرك عليها ~~كالجنابة والغائط فقال اذكرني على كل حال # ومنها أنه إذا بلي بذي شر فينبغي أن يتحمله ويتقيه قال بعضهم خالص المؤمن ~~مخالصة وخالق الفاجر مخالفة فإن الفاجر يرضى بالخلق الحسن في الظاهر # وقال أبو الدرداء إنا لنبش في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم وهذا معنى ~~المداراة وهي مع من يخاف شره قال الله تعالى {ادفع بالتي هي أحسن السيئة} ~~قال ابن عباس في معنى قوله {ويدرؤون بالحسنة السيئة} أي الفحش والأذى ~~بالسلام والمداراة # وقال في قوله تعالى {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} قال بالرغبة ~~والرهبة والحياء والمداراة # وقالت عائشة رضي الله عنها استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال ائذنوا له ms0910 فبئس رجل العشيرة هو فلما دخل ألان له القول حتى أن له عنده ~~منزلة فلما خرج قلت له لما دخل قلت الذي قلت ثم ألنت له القول فقال يا ~~عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه ~~(4) # وفي الخبر ما وقى الرجل به عرضه فهو له صدقة (5) # وفي الأثر # خالطوا الناس بأعمالكم وزايلوهم بالقلوب # وقال محمد بن الحنفية رضي الله عنه ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا ~~يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله له منه فرجا # ومنها أن يجتنب مخالطة الأغنياء ويختلط بالمساكين ويحسن إلى الأيتام كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني ~~في زمرة المساكين (6) # وقال كعب الأحبار # كان سليمان عليه السلام في ملكه إذا دخل المسجد فرأى مسكينا جلس إليه ~~وقال مسكين جالس مسكينا # وقيل ما كان من كلمة تقال لعيسى عليه السلام أحب إليه من أن يقال له يا ~~مسكين # وقال كعب الأحبار ما في القرآن من {يا أيها الذين آمنوا} فهو في التوراة ~~يا أيها المساكين وقال عبادة بن الصامت # إن للنار سبعة أبواب ثلاثة للأغنياء وثلاثة للنساء وواحد للفقراء ~~والمساكين وقال الفضيل بلغني أن نبيا من الأنبياء قال يا رب كيف لي أن أعلم ~~رضاك عني قال انظر كيف رضا المساكين عنك # وقال صلى الله عليه وسلم إياكم ومجالسة الموتى قيل ومن الموتى يا رسول ~~الله قال الأغنياء (7) # وقال موسى إلهي أين أبغيك قال عند المكسرة قلوبهم # وقال صلى الله عليه وسلم لا تغبطن فاجرا PageV02P207 # بنعمة فإنك لا تدري إلى ما يصير بعد الموت فإن من ورائه طالبا حثيثا (1) # وأما اليتيم فقال صلى الله عليه وسلم من ضم يتيما من أبوين مسلمين حتى ~~يستغني فقد وجبت له الجنة ألبتة (2) # وقال صلى الله عليه وسلم أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وهو يشير ~~بأصبعيه (3) # وقال صلى الله عليه وسلم من وضع يده على رأس يتيم ترحما كانت له بكل شعرة ~~تمر ms0911 عليها يده حسنة (4) # وقال صلى الله عليه وسلم خير بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه وشر ~~بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه (5) # ومنها النصيحة لكل مسلم والجهد في إدخال السرور على قلبه قال صلى الله ~~عليه وسلم المؤمن يحب للمؤمن كما يحب لنفسه (6) # وقال صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وقال ~~صلى الله عليه وسلم إن أحدكم مرآة أخيه فإذا رأى فيه شيئا فليمطه عنه (7) # وقال صلى الله عليه وسلم من قضى حاجة لأخيه فكأنما خدم الله عمره (8) # وقال صلى الله عليه وسلم من أقر عين مؤمن أقر الله عينه يوم القيامة وقال ~~صلى الله عليه وسلم من مشى في حاجة أخيه ساعة من ليل أو نهار قضاها أو لم ~~يقضها كان خيرا له من اعتكاف شهرين (9) # وقال صلى الله عليه وسلم من فرج عن مؤمن مغموم أو أعان مظلوما غفر الله ~~له ثلاثا وسبعين مغفرة (10) # وقال صلى الله عليه وسلم انصر أخاك ظالما أو مظلوما فقيل كيف ينصره ظالما ~~قال يمنعه من الظلم (11) # وقال صلى الله عليه وسلم إن من أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على ~~قلب المؤمن أو أن يفرج عنه غما أو يقضي عنه دينا أو يطعمه من جوع (12) # وقال صلى الله عليه وسلم من حمى مؤمنا من منافق يعنته بعث الله إليه ملكا ~~يوم القيامة يحمي لحمه من نار جهنم وقال صلى الله عليه وسلم خصلتان ليس ~~فوقهما شيء من الشر الشرك بالله والضر لعباد الله وخصلتان ليس فوقهما شيء ~~من البر الإيمان بالله والنفع لعباد الله (13) # وقال صلى الله عليه وسلم من لم يهتم للمسلمين فليس منهم (14) # وقال معروف الكرخي من قال كل يوم اللهم ارحم أمة محمد كتبه الله من ~~الأبدال وفي رواية PageV02P208 # أخرى اللهم أصلح أمة محمد اللهم فرج عن أمة محمد كل يوم ثلاث مرات كتبه ~~الله من الأبدال وبكى علي بن الفضيل يوما فقيل له ما يبكيك قال أبكي ms0912 على من ~~ظلمني إذا وقف غدا بين يدي الله تعالى وسئل عن ظلمه ولم تكن له حجة # ومنها أن يعود مرضاهم فالمعرفة والإسلام كافيان في إثبات هذا الحق ونيل ~~فضله وأدب العائد خفة الجلسة وقلة السؤال وإظهار الرقة والدعاء بالعافية ~~وغض البصر عن عورات الموضع # وعند الاستئذان لا يقابل الباب ويدق برفق ولا يقول أنا إذا قيل له من ولا ~~يقول يا غلام ولكن يحمد ويسبح وقال صلى الله عليه وسلم تمام عيادة المريض ~~أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده ويسأله كيف هو وتمام تحياتكم ~~المصافحة وقال صلى الله عليه وسلم من عاد مريضا قعد في مخارف الجنة حتى إذا ~~قام وكل به سبعون ألف ملك يصلون عليه حتى الليل (1) # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عاد الرجل المريض خاض في الرحمة ~~فإذا قعد عنده قرت فيه (2) # وقال صلى الله عليه وسلم إذا عاد المسلم أخاه أوزاره قال الله تعالى طبت ~~وطاب ممشاك وتبوأت منزلا في الجنة (3) # وقال صلى الله عليه وسلم إذا مرض العبد بعث الله تبارك وتعالى إليه ملكين ~~فقال انظرا ماذا يقول لعواده فإن هو إذا جاءوه حمد الله وأثنى عليه رفعا ~~ذلك إلى الله وهو أعلم فيقول لعبدي علي إن توفيته أن أدخله الجنة وإن أنا ~~شفيته أن أبدل له لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه وأن أكفر عنه سيئاته ~~(4) # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يصب منه (5) # وقال عثمان رضي الله عنه مرضت فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~بسم الله الرحمن الرحيم أعيذك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم ~~يكن له كفوا أحد من شر ما تجد قالها مرارا (6) # ودخل صلى الله عليه وسلم على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو مريض فقال ~~له قل اللهم إني أسألك تعجيل عافيتك أو صبرا على بليتك أو خروجا من الدنيا ~~إلى رحمتك فإنك ستعطي إحداهن (7) # ويستحب ms0913 للعليل أيضا أن يقول أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا شكا أحدكم بطنه فليسأل امرأته ~~شيئا من صداقها ويشتري به عسلا ويشربه بماء السماء فيجتمع له الهنيء ~~والمريء والشفاء PageV02P209 # والمبارك # وقال صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة ألا أخبرك بأمر هو حق من تكلم به ~~في أول مضجعه من مرضه نجاه الله من النار قلت بلى يا رسول الله قال يقول لا ~~إله إلا الله يحيي ويميت وهو حي لا يموت سبحان الله رب العباد والبلاد ~~والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه على كل حال # الله أكبر كبيرا إن كبرياء ربنا وجلاله وقدرته بكل مكان # اللهم إن أنت أمرضتني لتقبض روحي في مرضي هذا فاجعل روحي في أرواح من ~~سبقت لهم منك الحسنى وباعدني من النار كما باعدت أولياءك الذين سبقت لهم ~~منك الحسنى (1) # وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم عيادة المريض بعد ثلاث فواق ناقة (2) # وقال طاوس أفضل العيادة أخفها # وقال ابن عباس رضي الله عنهما عيادة المريض مرة سنة فما ازدادت فنافلة ~~وقال بعضهم عيادة المريض بعد ثلاث # وقال صلى الله عليه وسلم أغبوا في العيادة وأربعوا فيها (3) # وجملة أدب المريض حسن الصبر وقلة الشكوى والضجر والفزع إلى الدعاء ~~والتوكل بعد الدواء على خالق الدواء # ومنها أن يشيع جنائزهم قال صلى الله عليه وسلم من شيع جنازة فله قيراط من ~~الأجر فإن وقف حتى تدفن فله قيراطان (4) # وفي الخبر القيراط مثل أحد (5) # ولما روى أبو هريرة هذا الحديث وسمعه ابن عمر قال لقد فرطنا إلى الآن في ~~قراريط كثيرة # والقصد من التشييع قضاء حق المسلمين والاعتبار # وكان مكحول الدمشقي إذا رأى جنازة قال اغدوا فإنا رائحون # موعظة بليغة وغفلة سريعة يذهب الأول والآخر لا عقل له # وخرج مالك بن دينار خلف جنازة أخيه وهو يبكي ويقول والله لا تقر عيني حتى ~~أعلم إلى ما صرت ولا والله لا أعلم ما دمت حيا # وقال ms0914 الأعمش كنا نشهد الجنائز فلا ندري لمن نعزي لحزن القوم كلهم ونظر ~~إبراهيم الزيات إلى قوم يترحمون على ميت فقال لو ترحمون أنفسكم لكان أولى ~~إنه نجا من أهوال ثلاث وجه ملك الموت قد رأى ومرارة الموت قد ذاق وخوف ~~الخاتمة قد أمن # وقال صلى الله عليه وسلم يتبع الميت ثلاث فيرجع اثنان ويبقى واحد يتبعه ~~أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله (6) # ومنها أن يزور قبورهم والمقصود من ذلك الدعاء والاعتبار وترقيق القلب قال ~~صلى الله عليه وسلم ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه (7) # وقال عمر رضي الله عنه خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى ~~المقابر فجلس إلى قبر وكنت أدنى القوم منه # فبكى وبكينا فقال ما يبكيكم قلنا بكينا لبكائك # قال هذا قبر آمنة بنت وهب استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي واستأذنته في ~~أن أستغفر لها فأبى علي فأدركني ما يدرك الولد من الرقة (8) # وكان عمر رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى تبتل لحيته ويقول سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه ~~صاحبه فما بعده أيسر وإن لم ينج منه فما بعده أشد (9) # وقال مجاهد # أول PageV02P210 # ما يكلم ابن آدم حفرته فتقول أنا بيت الدود وبيت الوحدة وبيت الغربة وبيت ~~الظلمة # فهذا ما أعددت لك فما أعددت لي وقال أبو ذر ألا أخبركم بيوم فقري يوم ~~أوضع في قبري # كان أبو الدرداء يقعد إلى القبور فقيل له في ذلك فقال أجلس إلى قوم ~~يذكرونني معادي وإن قمت عنهم لم يغتابوني # وقال حاتم الأصم من مر بالمقابر فلم يتفكر لنفسه ولم يدع لهم فقد خان ~~نفسه وخانهم # وقال صلى الله عليه وسلم ما من ليلة إلا وينادي مناد يا أهل القبور من ~~تغبطون قالوا نغبط أهل المساجد لأنهم يصومون ولا نصوم ويصلون ولا نصلي ~~ويذكرون الله ولا نذكره (1) # وقال سفيان من أكثر ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة ومن غفل ms0915 عن ذكره ~~وجده حفرة من حفر النار # وكان الربيع بين خيثم قد حفر في داره قبرا فكان إذا وجد في قلبه قساوة ~~دخل فيه فاضطجع فيه ومكث ساعة ثم قال {رب أرجعون لعلي أعمل صالحا فيما ~~تركت} ثم يقول يا ربيع قد أرجعت فاعمل الآن قبل أن لا ترجع # وقال ميمون بن مهران خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة فلما نظر إلى ~~القبور بكى وقال يا ميمون هذه قبور آبائي بني أمية كأنهم لم يشاركوا أهل ~~الدنيا في لذاتهم أما تراهم صرعى قد خلت بهم المثلات وأصاب الهوام من ~~أبدانهم ثم بكى وقال والله ما أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد ~~أمن من عذاب الله # وآداب المعزي خفض الجناح وإظهار الحزن وقلة الحديث وترك التبسم # وآداب تشييع الجنازة لزوم الخشوع وترك الحديث وملاحظة الميت والتفكر في ~~الموت والاستعداد له وأن يمشي أمام الجنازة بقربها والإسراع بالجنازة سنة ~~(2) # فهذه جمل آداب تنبه على آداب المعاشرة مع عموم الخلق # والجملة الجامعة فيه أن لا تستصغر منهم أحدا حيا كان أو ميتا فتهلك لأنك ~~لا تدري لعله خير منك فإنه وإن كان فاسقا فلعله يختم لك بمثل حاله ويختم له ~~بالصلاح ولا تنظر إليهم بعين التعظيم لهم في حال دنياهم فإن الدنيا صغيرة ~~عند الله صغير ما فيها # ومهما عظم أهل الدنيا في نفسك فقد عظمت الدنيا فتسقط من عين الله # ولا تبذل لهم دينك لتنال من دنياهم فتصغر في أعينهم ثم تحرم دنياهم فإن ~~لم تحرم كنت قد استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير # ولا تعادهم بحيث تظهر العداوة فيطول الأمر عليك في المعاداة ويذهب دينك ~~ودنياك فيهم ويذهب دينهم فيك إلا إذا رأيت منكرا في الدين فتعادي أفعالهم ~~القبيحة وتنظر إليهم بعين الرحمة لهم لتعرضهم لمقت الله وعقوبته بعصيانهم ~~فحسبهم جهنم يصلونها فمالك تحقد عليهم ولا تسكن إليهم في مودتهم لك وثنائهم ~~عليك في وجهك وحسن بشرهم لك فإنك إن طلبت حقيقة ذلك لم تجد ms0916 في المائة إلا ~~واحدا وربما لا تجده # ولا تشك إليهم أحوالك فيكلك الله إليهم ولا تطمع أن يكونوا لك في الغيب ~~والسر كما في العلانية فذلك طمع كاذب وأنى تظفر به ولا تطمع فيما في أيديهم ~~فتستعجل الذل ولا تنال الغرض # ولا تعل عليهم تكبرا لاستغنائك عنهم فإن الله يلجئك إليهم عقوبة على ~~التكبر بإظهار الاستغناء # وإذا سألت أخا منهم حاجة فقضاها فهو أخ مستفاد وإن لم يقض فلا تعاتبه ~~فيصير عدوا تطول عليك مقاساته # ولا تشتغل بوعظ من لا ترى فيه مخايل القبول فلا يسمع منك ويعاديك وليكن ~~وعظك عرضا واسترسالا من غير تنصيص على الشخص # ومهما رأيت منهم كرامة وخيرا فاشكر الله الذي سخرهم لك واستعذ بالله أن ~~يكلك إليهم # وإذا بلغك عنهم غيبة أو رأيت منهم شرا أو أصابك منهم ما يسوءك فكل أمرهم ~~إلى الله واستعذ بالله من شرهم # ولا تشغل نفسك بالمكافأة فيزيد الضرر ويضيع العمر بشغله # ولا تقل لهم لم تعرفوا موضعي PageV02P211 # وأعتقد أنك لو استحقيت ذلك لجعل الله لك موضعا في قلوبهم فالله المحبب ~~والمبغض إلى القلوب وكن فيهم سميعا لحقهم أصم عن باطلهم نطوقا بحقهم صموتا ~~عن باطلهم # واحذر صحبة أكثر الناس فإنهم لا يقيلون عثرة ولا يغفرون زلة ولا يسترون ~~عورة ويحاسبون على النقير والقطمير ويحسدون على القليل والكثير ينتصفون ولا ~~ينصفون ويؤاخذون على الخطأ والنسيان ولا يعفون يغرون الإخوان على الإخوان ~~بالنميمة والبهتان فصحبة أكثرهم خسران وقطيعتهم رجحان إن رضوا فظاهرهم ~~الملق وإن سخطوا فباطنهم الحنق لا يؤمنون في حنقهم ولا يرجون في ملقهم ~~ظاهرهم ثياب وباطنهم ذئاب يقطعون بالظنون ويتغامزون وراءك بالعيون ويتربصون ~~بصديقهم من الحسد ريب المنون يحصون عليك العثرات في صحبتهم ليواجهوك بها في ~~غضبهم ووحشتهم ولا تعول على مودة من لم تخبره حق الخبرة بأن تصحبه مدة في ~~دار أو موضع واحد فتجربه في عزله وولايته وغناه وفقره أو تسافر معه أو ~~تعامله في الدينار والدرهم أو تقع في شدة فتحتاج إليه فإن رضيته في الأحوال ms0917 ~~فاتخذه أبا لك إن كان كبيرا أو ابنا لك إن كان صغيرا أو أخاك إن كان مثلك # فهذه جملة آداب المعاشرة مع أصناف الخلق ### |||| حقوق الجوار # اعلم أن الجوار يقضي حقا وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام # فيستحق الجار المسلم ما يستحقه كل مسلم وزيادة إذ قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم الجيران ثلاثة جار له حق واحد وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق ~~فالجار الذي له ثلاثة حقوق الجار المسلم ذو الرحم فله حق الجوار وحق ~~الإسلام وحق الرحم وأما الذي له حقان فالجار المسلم له حق الجوار وحق ~~الإسلام وأما الذي له حق واحد فالجار المشرك (1) # فانظر كيف أثبت للمشرك حقا بمجرد الجوار وقد قال صلى الله عليه وسلم أحسن ~~مجاورة من جاورك تكن مسلما (2) # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ~~سيورثه (3) # وقال صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره (4) # وقال صلى الله عليه وسلم لا يؤمن عبد حتى يأمن جاره بوائقه (5) # وقال صلى الله عليه وسلم أول خصمين يوم القيامة جاران (6) # وقال صلى الله عليه وسلم إذا أنت رميت كلب جارك فقد آذيته (7) # ويروى أن رجلا جاء إلى ابن مسعود رضي الله عنه فقال له إن لي جارا يؤذيني ~~ويشتمني ويضيق علي فقال اذهب فإن هو عصى الله فيك فأطع الله فيه # وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل ~~وتؤذي جيرانها فقال صلى الله عليه وسلم هي في النار (8) # وجاء رجل إليه صلى الله عليه وسلم يشكو جاره فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم {اصبر} ثم قال له في الثالثة أو الرابعة اطرح متاعك في الطريق قال ~~فجعل الناس يمرون به ويقولون مالك فيقال آذاه جاره قال فجعلوا يقولون لعنه ~~الله فجاءه جاره فقال له رد متاعك فوالله لا أعود (9) PageV02P212 # وروى الزهري أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يشكو جاره فأمره ~~النبي صلى الله ms0918 عليه وسلم أن ينادي على باب المسجد ألا إن أربعين دارا جار ~~(1) # قال الزهري أربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا وأومأ ~~إلى أربع جهات # وقال صلى الله عليه وسلم اليمن والشؤم في المرأة والمسكن والفرس فيمن ~~المرأة خفة مهرها ويسر نكاحها وحسن خلقها وشؤمها غلاء مهرها وعسر نكاحها ~~وسوء خلقها # ويمن المسكن سعته وحسن جوار أهله # وشؤمه ضيقه وسوء جوار أهله # ويمن الفرس ذله وحسن خلقه وشؤمه صعوبته وسوء خلقه (2) # واعلم أنه ليس حق الجوار كف الأذى فقط بل احتمال الأذى فإن الجار أيضا قد ~~كف أذاه فليس في ذلك قضاء حق ولا يكفي احتمال الأذى بل لابد من الرفق ~~وإسداء الخير والمعروف إذ يقال إن الجار الفقير يتعلق بجاره الغني يوم ~~القيامة فيقول يارب سل هذا لم منعني معروفه وسد بابه دوني # وبلغ ابن المقفع أن جارا له يبيع داره في دين ركبه وكان يجلس في ظل داره ~~فقال ما قمت إذا بحرمة ظل داره إن باعها معدما فدفع إليه ثمن الدار وقال لا ~~تبعها # وشكا بعضهم كثرة الفأر في داره فقيل له لو اقتنيت هرا فقال أخشى أن يسمع ~~الفأر صوت الهر فيهرب إلى دور الجيران فأكون قد أحببت لهم ما لا أحب لنفسي # وجملة حق الجار أن يبدأه بالسلام ولا يطيل معه الكلام ولا يكثر عن حاله ~~السؤال ويعوده في المرض ويعزيه في المصيبة ويقوم معه في العزاء ويهنئه في ~~الفرح ويظهر الشركة في السرور معه ويصفح عن زلاته ولا يتطلع من السطح إلى ~~عوراته ولا يضايقه في وضع الجذع على جداره ولا في مصب الماء في ميزابه ولا ~~في مطرح التراب في فنائه ولا يضيق طرقه إلى الدار ولا يتبعه النظر فيما ~~يحمله إلى داره ويستر ما ينكشف له من عوراته وينعشه من صرعته إذا نابته ~~نائبة ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته ولا يسمع عليه كلاما ويغض بصره عن ~~حرمته ولا يديم النظر إلى خادمته ويتلطف بولده في كلمته ويرشده إلى ما ms0919 ~~يجهله من أمر دينه ودنياه # هذا إلى جملة الحقوق التي ذكرناها لعامة المسلمين وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم أتدرون ما حق الجار إن استعان بك أعنته وإن استنصرك نصرته وإن استقرضك ~~أقرضته وإن افتقر عدت عليه وإن مرض عدته وإن مات تبعت جنازته وإن أصابه خير ~~هنأته وإن أصابته مصيبة عزيته ولا تستعل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا ~~بإذنه وإذا اشتريت فاكهة فاهد له فإن لم تفعل فأدخلها سرا ولا يخرج بها ~~ولدك ليغيظ بها ولده ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ثم قال ~~أتدرون ما حق الجار والذي نفسي بيده لا يبلغ حق الجار إلا من PageV02P213 # رحمه الله (1) # هكذا رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~مجاهد كنت عند عبد الله بن عمر وغلام له يسلخ شاة فقال يا غلام إذا سلخت ~~فابدأ بجارنا اليهودي حتى قال ذلك مرارا فقال له كم تقول هذا فقال أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يوصينا بالجار حتى خشينا أنه سيورثه (2) # وقال هشام كان الحسن لا يرى بأسا أن تطعم الجار اليهودي والنصراني من ~~أضحيتك وقال أبو ذر رضي الله عنه # أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم وقال إذا طبخت قدرا فأكثر ماءها ثم انظر ~~بعض أهل بيت في جيرانك فاغرف لهم منها (3) # وقالت عائشة رضي الله عنها قلت يا رسول الله إن لي جارين أحدهما مقبل على ~~بابه والآخر ناء ببابه عني وربما كان الذي عندي لا يسعهما فأيهما أعظم حقا ~~فقال المقبل عليك ببابه (4) # ورأى الصديق ولده عبد الرحمن وهو يناصي جارا له فقال لا تناص جارك فإن ~~هذا يبقى والناس يذهبون # وقال الحسن بن عيسى النيسابوري سألت عبد الله بن المبارك فقلت الرجل ~~المجاور يأتيني فيشكو غلامي أنه أتى إليه أمرا والغلام ينكره فأكره أن ~~أضربه ولعله بريء وأكره أن أدعه فيجد علي جاري فكيف أصنع قال إن غلامك لعله ~~أن يحدث حدثا يستوجب ms0920 فيه الأدب فاحفظه عليه فإذا شكاه جارك فأدبه على ذلك ~~الحدث فتكون قد أرضيت جارك وأدبته على ذلك الحدث وهذا تلطف في الجمع بين ~~الحقين # وقالت عائشة رضي الله عنها خلال المكارم عشر تكون في الرجل ولا تكون في ~~أبيه وتكون في العبد ولا تكون في سيده يقسمها الله تعالى لمن أحب صدق ~~الحديث وصدق الناس وإعطاء السائل والمكافأة بالصنائع وصلة الرحم وحفظ ~~الأمانة والتذمم للجار والتذمم للصاحب وقرى الضيف ورأسهن الحياء # وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر ~~المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة (5) # قال صلى الله عليه وسلم إن من سعادة المرء المسلم المسكن الواسع والجار ~~الصالح والمركب الهني (6) # وقال عبد الله قال رجل يا رسول الله كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أو أسأت ~~قال إذا سمعت جيرانك يقولون قد أحسنت فقد أحسنت وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت ~~فقد أسأت (7) # وقال جابر رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم من كان له جار في ~~حائط أو شريك فلا يبعه حتى يعرضه عليه (8) # وقال أبو هريرة رضي الله عنه قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الجار ~~يضع جذعه في حائط جاره شاء أم أبى // حديث أبي هريرة قضى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن الجار يضع جذعه في حائط جاره شاء أم أبى رواه الخرائطي ~~في مكارم الأخلاق هكذا وهو متفق عليه بلفظ لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز ~~خشبة في حائطه رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف واتفق عليه الشيخان من حديث أبي ~~هريرة # وقال PageV02P214 # ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنعن ~~أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول مالي ~~أراكم عنها معرضين والله لأرمينها بين أكنافكم # وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب ذلك # وقال صلى الله عليه وسلم من أراد الله به خيرا عسله قيل وما عسله قال ms0921 ~~يحببه إلى جيرانه (1) ### |||| حقوق الأقارب والرحم # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى أنا الرحمن وهذه الرحم ~~شققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته (2) # وقال صلى الله عليه وسلم من سره أن ينسأ له في أثره ويوسع عليه في رزقه ~~فليصل رحمه (3) # وفي رواية أخرى من سره أن يمد له في عمره ويوسع له في رزقه فليتق الله ~~وليصل رحمه وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أفضل قال أتقاهم ~~لله وأوصلهم لرحمه وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر (4) # وقال أبو ذر رضي الله عنه أوصاني خليلي عليه السلام بصلة الرحم وإن أدبرت ~~وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا (5) # وقال صلى الله عليه وسلم إن الرحم معلقة بالعرش وليس الواصل بالمكافئ ~~ولكن الواصل الذي إذا انقطعت رحمه وصلها (6) # وقال صلى الله عليه وسلم إن أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم حتى إن أهل ~~البيت ليكونون فجارا فتنموا أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم (7) # وقال زيد بن أسلم لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة عرض له ~~رجل فقال إن كنت تريد النساء البيض والنوق الأدم فعليك ببني مدلج فقال صلى ~~الله عليه وسلم إن الله قد منعني من بني مدلج بصلتهم الرحم (8) # وقالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قدمت علي أمي فقلت يا رسول الله ~~إن أمي قدمت علي وهي مشركة أفأصلها قال {نعم} (9) # وفي رواية أفأعطيها قال نعم صليها # وقال صلى الله عليه وسلم الصدقة على المساكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان ~~(10) # ولما أراد أبو طلحة أن يتصدق بحائط كان له يعجبه عملا بقوله تعالى {لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (11) قال PageV02P215 # يا رسول الله هو في سبيل الله وللفقراء والمساكين فقال صلى الله عليه ~~وسلم وجب أجرك على الله قسمه في أقاربك وقال صلى الله عليه وسلم أفضل ~~الصدقة على ذي الرحم الكاشح (1) # وهو في معنى قوله أفضل الفضائل أن تصل من قطعك وتعطي ms0922 من حرمك وتصفح عمن ~~ظلمك (2) # وروى أن عمر رضي الله عنه كتب إلى عماله مروا الأقارب أن يتزاوروا ولا ~~يتجاوروا وإنما قال ذلك لأن التجاور يورث التزاحم على الحقوق وربما يورث ~~الوحشة وقطيعة الرحم ### |||| حقوق الوالدين والولد # لا يخفى أنه إذا تأكد حق القرابة والرحم فأخص الأرحام وأمسها الولادة ~~فيتضاعف تأكد الحق فيها # وقد قال صلى الله عليه وسلم لن يجزي ولد والده حتى يجده مملوكا فيشتريه ~~فيعتقه (3) # وقد قال صلى الله عليه وسلم بر الوالدين أفضل من الصلاة والصدقة والصوم ~~والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله (4) # وقد قال صلى الله عليه وسلم من أصبح مرضيا لأبويه أصبح له بابان مفتوحان ~~إلى الجنة ومن أمسى فمثل ذلك وإن كان واحدا فواحدا وإن ظلما وإن ظلما وإن ~~ظلما # ومن أصبح مسخطا لأبويه أصبح له بابان مفتوحان إلى النار ومن أمسى مثل ذلك ~~وإن كان واحدا فواحدا وإن ظلما وإن ظلما وإن ظلما (5) # وقال صلى الله عليه وسلم إن الجنة يوجد ريحها من مسيرة خمسمائة عام ولا ~~يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم (6) # وقال صلى الله عليه وسلم بر أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك (7) # ويروى أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام يا موسى إنه من بر والديه ~~وعقني كتبته بارا ومن برني وعق والديه كتبته عاقا # وقيل لما دخل يعقوب على يوسف عليهما السلام لم يقم له فأوحى الله إليه ~~أتتعاظم أن تقوم لأبيك وعزتي وجلالي لا أخرجت من صلبك نبيا # وقال صلى الله عليه وسلم ما على أحد إذا أراد أن يتصدق بصدقة أن يجعلها ~~لوالديه إذا كانا مسلمين فيكون لوالديه أجرها ويكون له مثل أجورهما من غير ~~أن ينقص من أجورهما شيء (8) # وقال مالك بن ربيعة بينما نحن PageV02P216 # عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال يا رسول ~~الله هل بقي علي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد وفاتهما قال نعم الصلاة ~~عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة ms0923 الرحم التي لا ~~توصل إلا بهما (1) # وقال صلى الله عليه وسلم إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن ~~يولي الأب (2) # وقال صلى الله عليه وسلم بر الوالدة على الولد ضعفان (3) # وقال صلى الله عليه وسلم دعوة الوالدة أسرع إجابة # قيل يا رسول الله ولم ذاك قال هي أرحم من الأب ودعوة الرحم لا تسقط (4) # وسأله رجل فقال يا رسول الله من أبر فقال بر والديك فقال ليس لي والدان ~~فقال بر ولدك كما أن لوالديك عليك حقا كذلك لولدك عليك حق (5) # وقال صلى الله عليه وسلم رحم الله والدا أعان ولده على بره (6) # أي لم يحمله على العقوق بسوء عمله # وقال صلى الله عليه وسلم ساووا بين أولادكم في العطية وقد قيل ولدك ~~ريحانتك تشمها سبعا وخادمك سبعا ثم هو عدوك أو شريكك وقال أنس رضي الله عنه ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم الغلام يعق عنه يوم السابع ويسمى ويماط عنه ~~الأذى فإذا بلغ ست سنين أدب فإذا بلغ تسع سنين عزل فراشه فإذا بلغ ثلاث ~~عشرة سنة ضرب على الصلاة فإذا بلغ ست عشرة سنة زوجه أبوه ثم أخذ بيده وقال ~~قد أدبتك وعلمتك وأنكحتك أعوذ بالله من فتنتك في الدنيا وعذابك في الآخرة ~~(7) # وقال صلى الله عليه وسلم من حق الوالد على الولد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه ~~(8) # وقال صلى الله عليه وسلم كل غلام رهين أو رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم ~~السابع ويحلق رأسه (9) # وقال قتادة إذا ذبحت العقيقة أخذت صوفة منها فاستقبلت بها أوداجها ثم ~~توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل عنه مثل الخيط ثم يغسل رأسه ويحلق بعد # وجاء رجل إلى عبد الله بن المبارك فشكا إليه بعض ولده فقال هل دعوت عليه ~~قال نعم # قال أنت أفسدته # ويستحب الرفق بالولد رأى الأقرع بن حابس النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~يقبل ولده الحسن فقال إن لي PageV02P217 # عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم فقال صلى الله عليه وسلم ms0924 إن من لا يرحم ~~لا يرحم (1) # وقالت عائشة رضي الله عنها قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ~~اغسلي وجه أسامة فجعلت أغسله وأنا أنفة فضرب يدي ثم أخذه فغسل وجهه ثم قبله ~~ثم قال قد أحسن بنا إذ لم يكن جارية (2) # وتعثر الحسن والنبي صلى الله عليه وسلم على منبره فنزل فحمله وقرأ قوله ~~{إنما أموالكم وأولادكم فتنة} (3) # وقال عبد الله بن شداد بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس ~~إذ جاءه الحسين فركب عنقه وهو ساجد فأطال السجود بالناس حتى ظنوا أنه قد ~~حدث أمر فلما قضى صلاته قالوا قد أطلت السجود يا رسول الله حتى ظننا أنه قد ~~حدث أمر فقال إن ابني قد ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته (4) # وفي ذلك فوائد إحداها القرب من الله تعالى فإن العبد أقرب ما يكون من ~~الله تعالى إذا كان ساجدا وفيه الرفق بالولد والبر وتعليم لأمته وقال صلى ~~الله عليه وسلم ريح الولد من ريح الجنة (5) # وقال يزيد بن معاوية أرسل أبي إلى الأحنف بن قيس فلما وصل إليه قال له يا ~~أبا بحر ما تقول في الولد قال يا أمير المؤمنين ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا ~~ونحن لهم أرض ذليلة وسماء ظليلة وبهم نصول على كل جليلة فإن طلبوا فأعطهم ~~وإن غضبوا فأرضهم يمنحوك ودهم ويحبوك جهدهم ولا تكن عليهم ثقلا ثقيلا ~~فيملوا حياتك ويودوا وفاتك ويكرهوا قربك فقال له معاوية لله أنت يا أحنف ~~لقد دخلت علي وأنا مملوء غضبا وغيظا على يزيد # فلما خرج الأحنف من عنده رضي عن يزيد وبعث إليه بمائتي ألف درهم ومائتي ~~ثوب فأرسل يزيد إلى الأحنف بمائة ألف درهم ومائة ثوب فقاسمه إياها على ~~الشطر # فهذه هي الأخبار الدالة على تأكد حق الوالدين وكيفية القيام بحقهما تعرف ~~مما ذكرناه في حق الأخوة فإن هذه الرابطة آكد من الأخوة بل يزيد ههنا أمران # أحدهما أن أكثر العلماء على أن طاعة الأبوين واجبة في الشبهات وإن لم تجب ms0925 ~~في الحرام المحض حتى إذا كانا يتنغصان بانفرادك عنهما بالطعام فعليك أن ~~تأكل معهما لأن ترك الشبهة ورع ورضا الوالدين حتم # وكذلك ليس لك أن تسافر في مباح أو نافلة إلا بإذنهما والمبادرة إلى الحج ~~الذي هو فرض الإسلام نفل لأنه على التأخير # والخروج لطلب العلم نفل إلا إذا كنت تطلب علم الفرض من الصلاة والصوم ولم ~~يكن في بلدك من يعلمك وذلك كمن يسلم ابتداء في بلد ليس فيها من يعلمه شرع ~~الإسلام فعليه الهجرة ولا يتقيد بحق الوالدين # قال أبو سعيد الخدري هاجر رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن ~~وأراد الجهاد فقال صلى الله عليه وسلم هل باليمن أبواك قال نعم قال هل أذنا ~~لك قال لا فقال صلى الله عليه وسلم فارجع إلى أبويك PageV02P218 # فاستأذنهما فإن فعلا فجاهد وإلا فبرهما ما استطعت فإن ذلك خير ما تلقى ~~الله به بعد التوحيد (1) # وجاء آخر إليه صلى الله عليه وسلم ليستشيره في الغزو فقال ألك والدة قال ~~نعم # قال فألزمها فإن الجنة عند رجليها (2) # وجاء آخر يطلب البيعة على الهجرة وقال ما جئتك حتى أبكيت والدي فقال ارجع ~~إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما (3) # وقال صلى الله عليه وسلم حق كبير الإخوة على صغيرهم كحق الوالد عن ولده ~~(4) # وقال صلى الله عليه وسلم إذا استصعبت على أحدكم دابته أو ساء خلق زوجته ~~أو أحد من أهل بيته فليؤذن في أذنه (5) ### |||| حقوق المملوك # اعلم أن ملك النكاح قد سبقت حقوقه في آداب النكاح فأما ملك اليمين فهو ~~أيضا يقتضي حقوقا في المعاشرة لا بد من مراعاتها فقد كان من آخر ما أوصى به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم أطعموهم ~~مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون فما ~~أحببتم فأمسكوا وما كرهتم فبيعوا ولا تعذبوا خلق الله فإن الله ملككم إياهم ~~ولو شاء لملكهم إياكم (6) # وقال صلى الله عليه وسلم للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف ms0926 من ~~العمل ما لا يطيق (7) # وقال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة خب ولا متكبر ولا خائن ولا سيئ ~~الملكة (8) # وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جاء رجل إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا رسول الله كم نعفو عن الخادم فصمت عنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم PageV02P219 # {ثم قال} اعف عنه في كل يوم سبعين مرة (1) # وكان عمر رضي الله عنه يذهب إلى العوالي في كل يوم سبت فإذا وجد عبدا في ~~عمل لا يطيقه وضع عنه منه # ويروى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه رأى رجلا على دابته وغلامه يسعى ~~خلفه فقال له يا عبد الله احمله خلفك فإنما هو أخوك روحه مثل روحك فحمله ثم ~~قال لا يزال العبد يزداد من الله بعدا ما مشى خلفه # وقالت جارية لأبي الدرداء إني سممتك منذ سنة فما عمل فيك شيئا فقال لم ~~فعلت ذلك فقالت أردت الراحة منك فقال اذهبي فأنت حرة لوجه الله # وقال الزهري متى قلت للمملوك أخزاك الله فهو حر # وقيل للأحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم قال من قيس بن عاصم قيل فما بلغ من ~~حلمه قال بينما هو جالس في داره إذا أتته خادمة له بسفود عليه شواء فسقط ~~السفود من يدها على ابن له فعقره فمات فدهشت الجارية فقال ليس يسكن روع هذه ~~الجارية إلا العتق فقال لها أنت حرة لا بأس عليك # وكان عون ابن عبد الله إذا عصاه غلامه قال ما أشبهك بمولاك مولاك يعصي ~~مولاه وأنت تعصي مولاك فأغضبه يوما فقال إنما تريد أن أضربك اذهب فأنت حر # وكان عند ميمون بن مهران ضيف فاستعجل على جاريته بالعشاء فجاءت مسرعة ~~ومعها قصعة مملوءة فعثرت وأراقتها على رأس سيدها ميمون فقال يا جارية ~~أحرقتني قالت يا معلم الخير ومؤدب الناس ارجع إلى ما قال الله تعالى قال ~~وما قال الله تعالى قالت قال والكاظمين الغيظ قال قد كظمت غيظي قالت ~~والعافين عن الناس قال ms0927 قد عفوت عنك قالت زد فإن الله تعالى يقول والله يحب ~~المحسنين قال أنت حرة لوجه الله تعالى # وقال ابن المنكدر أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب ~~عبدا له فجعل العبد يقول أسألك بالله أسألك بوجه الله فلم يعفه فسمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صياح العبد فانطلق إليه فلما رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمسك يده فقال رسول الله سألك بوجه الله فلم تعفه فلما ~~رأيتني أمسكت يدك قال فإنه حر لوجه الله يا رسول الله فقال لو لم تفعل ~~لسفعت وجهك النار (2) # وقال صلى الله عليه وسلم العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره ~~مرتين (3) # ولما أعتق أبو رافع بكى وقال كان لي أجران فذهب أحدهما # وقال صلى الله عليه وسلم عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول ثلاثة ~~يدخلون النار فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد وعبد مملوك أحسن عبادة ~~ربه ونصح لسيده وعفيف متعفف ذو عيال وأول ثلاثة يدخلون النار أمير مسلط وذو ~~ثروة لا يعطي حق الله وفقير فخور (4) # وعن أبي مسعود الأنصاري قال بينا أنا أضرب غلاما لي إذ سمعت صوتا من خلفي ~~اعلم يا أبا مسعود مرتين فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقيت ~~السوط من يدي فقال والله لله أقدر عليك منك على هذا (5) # وقال صلى الله عليه وسلم إذا ابتاع أحدكم الخادم فليكن أول شيء يطعمه ~~الحلو فإنه أطيب لنفسه (6) # رواه معاذ PageV02P220 # وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى ~~أحدكم خادمه بطعامه فليجلسه وليأكل معه فإن لم يفعل فليناوله لقمة (1) # وفي رواية إذا كفى أحدكم مملوكه صنعة طعامه فكفاه حره ومؤنته وقربه إليه ~~فليجلسه وليأكل معه فإن لم يفعل فليناوله أو ليأخذ أكلة فليروغها وأشار ~~بيده وليضعها في يده وليقل كل هذه ودخل على سلمان رجل وهو يعجن فقال يا أبا ~~عبد الله ما هذا فقال بعثنا الخادم في شغل فكرهنا ms0928 أن نجمع عليه عملين # وقال صلى الله عليه وسلم من كانت عنده جارية فصانها وأحسن إليها ثم ~~أعتقها وتزوجها فذلك له أجران (2) # وقد قال صلى الله عليه وسلم كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (3) # فجملة حق المملوك أن يشركه في طعمته وكسوته ولا يكلفه فوق طاقته ولا ينظر ~~إليه بعين الكبر والازدراء وأن يعفو عن زلته ويتفكر عند غضبه عليه بهفوته ~~أو بجنايته في معاصيه وجنايته على حق الله تعالى وتقصيره في طاعته مع أن ~~قدرة الله عليه فوق قدرته # وروى فضالة بن عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا يسئل عنهم ~~رجل فارق الجماعة ورجل عصى إمامه فمات عاصيا فلا يسأل عنهما وامرأة غاب ~~عنها زوجها وقد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده فلا يسأل عنها # وثلاثة لا يسأل عنهم رجل ينازع الله رداءه ورداؤه الكبرياء وإزاره العز ~~ورجل في شك من الله وقنوط من رحمة الله (4) # تم كتاب آداب الصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق ### || كتاب آداب العزلة وهو الكتاب السادس من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أعظم النعمة على خيرة خلقه وصفوته بأن صرف هممهم إلى ~~مؤانسته وأجزل حظهم من التلذذ بمشاهدة آلائه وعظمته وروح أسرارهم بمناجاته ~~وملاطفته وحقر في قلوبهم النظر الى متاع الدنيا وزهرتها حتى اغتبط بعزلته ~~كل من طويت الحجب عن مجاري فكرته فاستأنس بمطالعة سبحات وجهه تعالى في ~~خلوته واستوحش بذلك عن الأنس بالأنس وإن كان من أخص خاصته والصلاة على ~~سيدنا محمد سيد أنبيائه وخيرته وعلى آله وصحابته سادة الحق وأئمته # أما بعد فإن للناس اختلافا كثيرا في العزلة والمخالطة وتفضيل إحداهما على ~~الأخرى ومع أن كل واحدة منهما لا تنفك عن غوائل تنفر عنها وفوائد تدعو الى ~~إليها وميل أكثر العباد والزهاد الى اختيار العزلة وتفضيلها على المخالطة ~~وما ذكرناه في كتاب الصحبة من فضيلة المخالطة والمؤاخاة والمؤالفة يكاد ~~يناقض ما مال إليه الأكثرون من اختيار الإستيحاش والخلوة فكشف الغطاء عن ms0929 ~~الحق في ذلك مهم # ويحصل ذلك برسم بابين # الباب الأول في نقل المذاهب والحجج فيها # الباب الثاني في كشف الغطاء عن الحق بحصر الفوائد والغوائل PageV02P221 ### ||| الباب الأول في نقل المذاهب والأقاويل وذكر حجج الفريقين في ذلك # أما المذاهب فقد اختلف فيها وظهر هذا الاختلاف بين التابعين # فذهب الى اختيار العزلة وتفضيلها على المخالطة سفيان الثوري وابراهيم بن ~~أدهم وداود الطائي وفضيل بن عياض وسليمان الخواص ويوسف بن أسباط وحذيفة ~~المرعشي وبشر الحافي # وقال أكثر التابعين باستحباب المخالطة واستكثار المعارف والإخوان والتآلف ~~والتحبب إلى المؤمنين والاستعانة بهم في الدين تعاونا على البر والتقوى ~~ومال الى هذا سعيد بن المسيب والشعبي وابن أبي ليلى وهشام بن عروة وابن ~~شبرمة وشريح وشريك بن عبد الله وابن عيينة وابن المبارك والشافعي وأحمد بن ~~حنبل وجماعة # والمأثور عن العلماء من الكلمات ينقسم الى كلمات مطلقة تدل على الميل إلى ~~أحد الرأيين والى كلمات مقرونة بما يشير إلى علة الميل # فلننقل الآن مطلقات تلك الكلمات لنبين المذاهب فيها وما هو مقرون بذكر ~~العلة نورده عند التعرض للغوائل والفوائد فنقول قد روي عن عمر رضي الله عنه ~~أنه قال خذوا بحظكم من العزلة # وقال ابن سيرين العزلة عبادة # وقال الفضيل كفى بالله محبا وبالقرآن مؤنسا وبالموت واعظا # وقيل اتخذ الله صاحبا ودع الناس جانبا # وقال أبو الربيع الزاهد لداود الطائي عظني قال صم عن الدنيا واجعل فطرك ~~الآخرة وفر من الناس فرارك من الأسد # وقال الحسن رحمه الله كلمات أحفظهن من التوراة قنع ابن آدم فاستغنى اعتزل ~~الناس فسلم ترك الشهوات فصار حرا وترك الحسد فظهرت مروءته صبر قليلا فتمتع ~~طويلا # وقال وهيب ابن الورد بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت ~~والعاشر في عزلة الناس # وقال يوسف بن مسلم لعلي بن بكار ما أصبرك على الوحدة وقد كان لزم البيت ~~فقال كنت وأنا شاب أصبر على أكثر من هذا كنت أجالس الناس ولا أكلمهم # وقال سفيان الثوري هذا وقت السكوت وملازمة البيوت # وقال بعضهم ms0930 كنت في سفينة ومعنا شاب من العلوية فمكث معنا سبعا لا نسمع له ~~كلاما فقلنا له يا هذا قد جمعنا الله وإياك منذ سبع ولا نراك تخالطنا ولا ~~تكلمنا فأنشأ يقول # قليل الهم لا ولد يموت ... ولا أمر يحاذره يفوت # قضى وطر الصبا وأفاد علما ... فغايته التفرد والسكوت # وقال إبراهيم النخعي لرجل تفقه ثم اعتزل وكذا قال الربيع بن خثيم # وقيل كان مالك بن أنس يشهد الجنائز ويعود المرضى ويعطي الإخوان حقوقهم ~~فترك ذلك واحدا واحدا حتى تركها كلها وكان يقول لا يتهيأ للمرء أن يحبر كل ~~عذر له # وقيل لعمر بن عبد العزيز لو تفرغت لنا فقال ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند ~~الله تعالى وقال الفضيل إني لأجد للرجل عندي يدا إذا لقيني أن لا يسلم علي ~~وإذا مرضت أن لا يعودني # وقال أبو سليمان الداراني بينما الربيع ابن خثيم جالس على باب داره إذ ~~جاءه حجر فصك جبهته فشجه فجعل يمسح الدم ويقول لقد وعظت يا ربيع فقام ودخل ~~داره فما جلس بعد ذلك على باب داره حتى أخرجت جنازته # وكان سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد لزما بيوتهما بالعقيق فلم يكونا ~~يأتيان المدينة لجمعة ولا غيرها حتى ماتا بالعقيق # وقال يوسف بن أسباط سمعت سفيان الثوري يقول والله الذي لا إله إلا هو لقد ~~حلت العزلة وقال بشر بن عبد الله أقل من معرفة الناس فإنك لا تدري ما يكون ~~يوم القيامة فإن تكن PageV02P222 # فضيحة كان من يعرفك قليلا # ودخل بعض الأمراء على حاتم الأصم فقال له # ألك حاجة قال نعم قال وما هي قال أن لا تراني ولا أراك ولا تعرفني # وقال رجل لسهل أريد أن اصحبك فقال إذا مات أحدنا فمن يصحب الآخر قال الله ~~قال فليصحبه الآن # وقيل للفضيل إن عليا ابنك يقول لوددت أني في مكان أرى الناس ولا يروني ~~فبكى الفضيل وقال يا ويح على أفلا أتمها فقال لا أراهم ولا يروني وقال ~~الفضيل أيضا من سخافة عقل الرجل كثرة ms0931 معارفه # وقال ابن عباس رضي الله عنهما أفضل المجالس مجلس في قعر بيتك لا ترى ولا ~~ترى # فهذه أقاويل المائلين الى العزلة ### |||| ذكر حجج المائلين إلى المخالطة ووجه ضعفها # احتج هؤلاء بقوله تعالى {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} الآية ~~وبقوله تعالى {فألف بين قلوبكم} أمتن على الناس بالسبب المؤلف وهذا ضعيف ~~لأن المراد به تفرق الآراء واختلاف المذاهب في معاني كتاب الله وأصول ~~الشريعة # والمراد بالألفة نزع الغوائل من الصدور وهي الأسباب المثيرة للفتن ~~المحركة للخصومات والعزلة لا تنافى ذلك # واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم المؤمن آلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ~~ولا يؤلف (1) # وهذا ضعيف لأنه إشارة إلى مذمة سوء الخلق تمتنع بسببه المؤالفة ولا يدخل ~~تحته الحسن الخلق الذي إن خالط ألف وألف ولكنه ترك المخالطة اشتغالا بنفسه ~~وطلبا للسلامة من غيره # واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم من فارق الجماعة شبرا خلع ربقة الإسلام ~~من عنقه وقال من فارق الجماعة فمات فميتته جاهلية (2) # وبقوله صلى الله عليه وسلم من شق عصا المسلمين والمسلمون في إسلام دامج ~~فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه (3) # وهذا ضعيف لأن المراد به الجماعة التي اتفقت آراؤهم على إمام بعقد البيعة ~~فالخروج عليهم بغى وذلك مخالفة بالرأي وخروج عليهم وذلك محظور لاضطرار ~~الخلق إلى إمام مطاع يجمع رأيهم ولا يكون ذلك إلا بالبيعة من الأكثر ~~فالمخالفة تشويش مثير للفتنة فليس في هذا تعرض للعزلة # واحتجوا بنهيه صلى الله عليه وسلم عن الهجر فوق ثلاث إذ قال من هجر أخاه ~~فوق ثلاث فمات دخل النار (4) # وقال صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرئ مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ~~والسابق بالصلح يدخل الجنة (5) # وقال من هجر أخاه سنة فهو كسافك دمه (6) # قالوا والعزلة هجره بالكلية # وهذا ضعيف لأن المراد به الغضب على الناس واللجاج فيه بقطع الكلام ~~والسلام والمخالطة المعتادة فلا يدخل فيه ترك المخالطة أصلا من غير غضب # مع أن الهجر فوق ثلاث جائز في موضعين # أحدهما أن يرى فيه إصلاحا ms0932 للمهجور في الزيادة # الثاني أن يرى لنفسه سلامة فيه PageV02P223 # والنهي وان كان عاما فهو محمول على ما وراء الموضعين المخصوصين بدليل ما ~~روي عن عائشة رضي الله عنها # أن النبي صلى الله عليه وسلم هجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر (1) # وروى عن عمر أنه صلى الله عليه وسلم اعتزل نساءه وآلى منهن شهرا وصعد إلى ~~غرفة له وهى خزانته فلبث تسعا وعشرين يوما فلما نزل قيل له إنك كنت فيها ~~تسعا وعشرين فقال الشهر قد يكون تسعا وعشرين (2) # وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لمسلم ~~أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام إلا أن يكون ممن لا تؤمن بوائقه (3) # فهذا صريح في التخصيص وعلى هذا ينزل قول الحسن رحمه الله حيث قال هجران ~~الأحمق قربة إلى الله فإن ذلك يدوم إلى الموت إذ الحماقة لا ينتظر علاجها # وذكر عند محمد بن عمر الواقدي رجل هجر رجلا حتى مات فقال هذا شيء قدم ~~تقدم فيه قوم سعد بن أبي وقاص كان مهاجرا لعمار بن ياسر حتى مات وعثمان بن ~~عفان كان مهاجرا لعبد الرحمن بن عوف وعائشة كانت مهاجرة لحفصة # وكان طاوس مهاجرا لوهب بن منبه حتى ماتا # وكل ذلك يحمل على رؤيتهم سلامتهم في المهاجرة # واحتجوا بما روى أن رجلا أتى الجبل ليتعبد فيه فجيء به إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال لا تفعل أنت ولا أحد منكم لصبر أحدكم في بعض مواطن ~~الإسلام خير له من عبادة أحدكم وحده أربعين عاما (4) # والظاهر أن هذا إنما كان لما فيه من ترك الجهاد مع شدة وجوبة في ابتداء ~~الإسلام بدليل ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال غزونا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فمررنا بشعب فيه عيينة طيبة الماء فقال واحد من ~~القوم لو اعتزلت الناس في هذا الشعب ولن أفعل ذلك حتى أذكره لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم لا تفعل ms0933 فان مقام أحدكم في سبيل ~~الله خير من صلاته في أهله ستين عاما ألا تحبون أن يغفر الله لكم وتدخلون ~~الجنة اغزوا في سبيل الله فانه من قاتل في سبيل الله فواق ناقة أدخله الله ~~الجنة (5) # واحتجوا بما روى معاذ بن جبل أنه صلى الله عليه وسلم قال ان الشيطان ذئب ~~الإنسان كذئب الغنم يأخذ القاصية والناحية والشاردة وإياكم والشعاب وعليكم ~~بالعامة والجماعة والمساجد (6) # وهذا إنما أراد به من اعتزل قبل تمام الغلم وسيأتي بيان ذلك وأن ذلك ينهى ~~عنه إلا لضرورة ### |||| ذكر حجج المائلين إلى تفضيل العزلة # احتجوا بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام {وأعتزلكم وما تدعون من ~~دون الله وأدعو ربي} الآية ثم قال تعالى فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون ~~الله وهبنا له إسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا إشارة إلى أن ذلك ببركة العزلة # وهذا ضعيف لأن مخالطة الكفار لا فائدة فيها إلا دعوتهم الى الدين # وعند اليأس من إجابتهم فلا وجه PageV02P224 # إلا هجرهم وإنما الكلام في مخالطة المسلمين وما فيها من البركة لما روي ~~أنه قيل يا رسول الله الوضوء من جر مخمر أحب إليك أو من هذه المطاهر التي ~~يتطهر منها الناس فقال بل من هذه المطاهر التماسا لبركة أيدي المسلمين (1) # وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما طاف بالبيت عدل الى زمزم ليشرب منها ~~فإذا التمر المنقع في حياض الأدم وقد مغثه الناس بأيديهم وهم يتناولون منه ~~ويشربون فاستسقى منه وقال أسقوني فقال العباس إن هذا النبيذ شراب قد مغث ~~وخيض بالأيدي أفلا آتيك بشراب أنظف من هذا من جر مخمر في البيت فقال أسقوني ~~من هذا الذي يشرب منه الناس ألتمس بركة أيدي المسلمين فشرب منه (2) # فإذن كيف يستدل باعتزال الكفار والأصنام على اعتزال المسلمين مع كثرة ~~البركة فيهم # واحتجوا أيضا بقول موسى عليه السلام {وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون} وأنه ~~فزع إلى العزلة عند اليأس منهم وقال تعالى في أصحاب الكهف وإذا اعتزلتموهم ~~وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر ms0934 لكم ربكم من رحمته أمرهم بالعزلة # وقد اعتزل نبينا صلى الله عليه وسلم قريشا لما آذوه وجفوه ودخل الشعب ~~وامر أصحابه باعتزالهم والهجرة الى أرض الحبشة (3) ثم تلاحقوا به الى ~~المدينة بعد أن أعلى الله كلمته وهذا أيضا اعتزال عن الكفار بعد اليأس منهم ~~فإنه صلى الله عليه وسلم لم يعتزل المسلمين ولا من توقع إسلامه من الكفار ~~وأهل الكهف لم يعتزل بعضهم بعضا وهم مؤمنون وإنما اعتزلوا الكفار وإنما ~~النظر في العزلة من المسلمين # واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عامر الجهني لما قال يا ~~رسول الله ما النجاة قال ليسعك بيتك وأمسك عليك لسانك وآبك على خطيئتك وروي ~~أنه قيل له صلى الله عليه وسلم أي الناس أفضل قال مؤمن مجاهد بنفسه وماله ~~في سبيل الله تعالى قيل ثم من قال رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ~~ويدع الناس من شره # وقال صلى الله عليه وسلم إن الله يحب العبد التقي النقي الخفي (4) # وفي الإحتجاج بهذه الأحاديث نظر فأما قوله لعبد الله بن عامر فلا يمكن ~~تنزيله إلا على ما عرفه صلى الله عليه وسلم بنور النبوة من حاله وإن لزوم ~~البيت كان أليق به وأسلم له من المخالطة فإنه لم يأمر جميع الصحابة بذلك ~~ورب شخص تكون سلامته في العزلة لا في المخالطة كما قد تكون سلامته في ~~القعود في البيت وأن لا يخرج الى الجهاد PageV02P225 # وذلك لا يدل على أن ترك الجهاد أفضل # وفي مخالطة الناس مجاهدة ومقاساة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم الذي ~~يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على ~~أذاهم (1) # وعلى هذا ينزل قوله صلى الله عليه وسلم رجل معتزل يعبد ربه ويدع الناس من ~~شره فهذا إشارة الى شرير بطبعه تتأذى الناس بمخالطته # وقوله إن الله يحب التقي الخفي إشارة الى إيثار الخمول وتوقي الشهرة # وذلك لا يتعلق بالعزلة فكم من راهب معتزل تعرفه كافة الناس وكم من مخالط ~~خامل ms0935 لا ذكر له ولا شهرة فهذا تعرض لأمر لا يتعلق بالعزلة # واحتجوا بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ألا أنبئكم بخير ~~الناس قالوا بلى يا رسول الله فأشار بيده نحو المغرب وقال رجل آخذ بعنان ~~فرسه في سبيل الله ينتظر أن يغير أو يغار عليه ألا أنبئكم بخير الناس بعده ~~وأشار بيده نحو الحجاز وقال رجل في غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعلم حق ~~الله في ماله اعتزل شرور الناس (2) # فإذا ظهر أن هذه الأدلة لا شفاء فيها من الجانبين فلا بد من كشف الغطاء ~~بالتصريح بفوائد العزلة وغوائلها ومقايسة بعضها بالبعض ليتبين الحق فيها ### ||| الباب الثاني في فوائد العزلة وغوائلها وكشف الحق في فضلها # اعلم أن اختلاف الناس في هذا يضاهي اختلافهم في فضيلة النكاح والعزوبة # وقد ذكرنا أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص بحسب ما فصلناه من آفات ~~النكاح وفوائده فكذلك القول فيما نحن فيه # فلنذكر أولا فوائد العزلة وهي تنقسم الى فوائد دينية ودنيوية # والدينية تنقسم إلى ما يمكن من تحصيل الطاعات في الخلوة والمواظبة على ~~العبادة والفكر وتربية العلم وإلى تخلص من ارتكاب المناهي التي يتعرض ~~الإنسان لها بالمخالطة كالرياء والغيبة والسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر ومسارقة الطبع من الأخلاق الرديئة والأعمال الخبيثة من جلساء ~~السوء # وأما الدنيوية فتنقسم إلى ما يمكن من التحصيل بالخلوة كتمكن المحترف في ~~خلوته إلى ما يخلص من محذورات يتعرض لها بالمخالطة كالنظر إلى زهرة الدنيا ~~وإقبال الخلق عليها وطمعه في الناس وطمع الناس فيه وانكشاف ستر مروءته ~~بالمخالطة والتأذي بسوء خلق الجليس في مرائه أو سوء ظنه أو نميمته أو ~~محاسدته أو التأذي بثقله وتشويه خلقته # وإلى هذا ترجع مجامع فوائد العزلة فلنحصرها في ست فوائد ### |||| الفائدة الأولى # التفرغ للعبادة والفكر والإستئناس بمناجاة الله # تعالى عن مناجاة الخلق والإشتغال باستكشاف أسرار الله تعالى في أمر ~~الدنيا والآخرة وملكوت السموات والأرض فإن ذلك يستدعي فراغا ولا فراغ مع ~~المخالطة فالعزلة وسيلة اليه # ولهذا قال بعض الحكماء ms0936 لا يتمكن أحد من الخلوة إلا بالتمسك بكتاب الله ~~تعالى # والمتمسكون بكتاب الله تعالى هم الذين استراحوا من الدنيا بذكر الله ~~الذاكرون الله بالله عاشوا بذكر الله وماتوا بذكر الله ولقوا الله ~~PageV02P226 # بذكر الله # ولا شك في أن هؤلاء تمنعهم المخالطة عن الفكر والذكر فالعزلة أولى بهم # ولذلك كان صلى الله عليه وسلم في ابتداء أمره يتبتل في جبل حراء وينعزل ~~إليه حتى قوي فيه نور النبوة (1) # فكان الخلق لا يحجبونه عن الله فكان ببدنه مع الخلق وبقلبه مقبلا على ~~الله تعالى حتى كان الناس يظنون أن أبا بكر خليله # فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن استغراق همه بالله فقال لو كنت متخذا ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله (2) # ولن يسع الجمع بين مخالطة الناس ظاهرا والإقبال على الله سرا إلا قوة ~~النبوة فلا ينبغي أن يغتر كل ضعيف بنفسه فيطمع في ذلك ولا يبعد أن تنتهي ~~درجة بعض الأولياء إليه # فقد نقل عن الجنيد أنه قال أنا أكلم الله منذ ثلاثين سنة والناس يظنون ~~أني أكلمهم # وهذا إنما يتيسر للمستغرق بحب الله استغراقا لا يبقي لغيره فيه متسع وذلك ~~غير منكر ففي المشتهرين بحب الخلق من يخالط الناس ببدنه وهو لا يدري ما ~~يقول ولا ما يقال له لفرط عشقه لمحبوبه # بل الذي دهاه ملم يشوش عليه أمرا من أمور دنياه فقد يستغرقه الهم بحيث ~~يخالط الناس ولا يحس بهم ولا يسمع أصواتهم لشدة استغراقه # وأمر الآخرة أعظم عند العقلاء فلا تستحيل ذلك فيه ولكن الأولى بالأكثرين ~~الاستعانة بالعزلة # ولذلك قيل لبعض الحكماء ما الذي أرادوا بالخلوة واختيار العزلة فقال ~~يستدعون بذلك دوام الفكرة وتثبت العلوم في قلوبهم ليحيوا حياة طيبة ويذوقوا ~~حلاوة المعرفة # وقيل لبعض الرهبان ما أصبرك على الوحدة فقال ما أنا وحدي أنا جليس الله ~~تعالى إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه وإذا شئت أن أناجيه صليت # وقيل لبعض الحكماء إلى أي شيء أفضى بكم الزهد والخلوة فقال إلى الأنس ~~بالله # وقال ms0937 سفيان بن عيينة لقيت إبراهيم ابن أدهم رحمه الله في بلاد الشام فقلت ~~له يا إبراهيم تركت خراسان فقال ما تهنأت بالعيش إلا ههنا أفر بديني من ~~شاهق الى شاهق فمن يراني يقول موسوس أو حمال أو ملاح # وقيل لغزوان الرقاشي هبك لا تضحك فما يمنعك من مجالسة إخوانك قال إني ~~أصيب راحة قلبي في مجالسة من عنده حاجتي # وقيل للحسن يا أبا سعيد ههنا رجل لم تره قط جالسا إلا وحده خلف سارية # فقال الحسن إذا رأيتموه فأخبروني به فنظروا إليه ذات يوم فقالوا للحسن ~~هذا الرجل الذي أخبرناك به وأشاروا إليه فمضى إليه الحسن وقال له # يا عبد الله أراك قد حببت إليك العزلة فما يمنعك من مجالسة الناس فقال ~~أمر شغلني عن الناس قال فما يمنعك أن تأتي هذا الرجل الذي يقال له الحسن ~~فتجلس إليه فقال أمر شغلني عن الناس # وعن الحسن فقال له الحسن وما ذاك الشغل يرحمك الله فقال إني أصبح وأمسي ~~بين نعمة وذنب فرأيت أن أشغل نفسي بشكر الله تعالى على النعمة والإستغفار ~~من الذنب فقال له الحسن أنت يا عبد الله أفقه عندي من الحسن فالزم ما أنت ~~عليه # وقيل بينما أويس القرني جالس إذ أتاه هرم بن حيان فقال له أويس ما جاء بك ~~قال جئت لآنس بك فقال أويس ما كنت أرى أن أحدا يعرف ربه فيأنس بغيره وقال ~~الفضيل إذا رأيت الليل مقبلا فرحت به وقلت أخلو بربي وإذا رأيت الصبح ~~أدركني استرجعت كراهية لقاء الناس وأن يجيئني من يشغلني عن ربي # وقال عبد الله بن زيد طوبى لمن عاش في الدنيا وعاش في الآخرة قيل له وكيف ~~ذلك قال يناجي الله في الدنيا ويجاوره في الآخرة # وقال ذو النون المصري سرور المؤمن ولذته في الخلوة بمناجاة ربه # وقال مالك بن دينار من لم يأنس بمحادثة الله عز وجل عن محادثة المخلوقين ~~فقد قل علمه وعمى PageV02P227 # قلبه وضيع عمره # وقال ابن المبارك ما أحب حال من انقطع إلى ms0938 الله تعالى ويروى عن بعض ~~الصالحين أنه قال بينما أنا أسير في بعض بلاد الشام إذا أنا بعابد خارج من ~~بعض تلك الجبال فلما نظر إلي تنحى الى أصل شجرة وتستر بها فقلت سبحان الله ~~تبخل علي بالنظر إليك فقال هذا إني أقمت في هذا الجبل دهرا طويلا أعالج ~~قلبي في الصبر عن الدنيا وأهلها فطال في ذلك تعبي وفني فيه عمري فسألت الله ~~تعالى أن لا يجعل حظي من أيامي في مجاهدة قلبي فسكنه الله عن الإضطراب ~~وألفه الوحدة والإنفراد فلما نظرت إليك خفت أن أقع في الأمر الأول فإليك ~~عني فإني أعوذ من شرك برب العارفين وحبيب القانتين ثم صاح واغماه من طول ~~المكث في الدنيا ثم حول وجهه عني ثم نفض يديه وقال إليك عني يا دنيا لغيري ~~فتزيني وأهلك فغري ثم قال سبحان من أذاق قلوب العارفين من لذة الخدمة ~~وحلاوة الإنقطاع إليه ما ألهى قلوبهم عن ذكر الجنان وعن الحور الحسان وجمع ~~همهم في ذكره فلا شيء ألذ عندهم من مناجاته # ثم مضى وهو يقول قدوس قدوس # فإذا في الخلوة أنس بذكر الله واستكثار من معرفة الله وفي مثل ذلك قيل # وإني لأستغشى وما بي غشوة ... لعل خيالا منك يلقى خياليا # وأخرج من بين الجلوس لعلني ... أحدث عنك النفس بالسر خاليا # ولذلك قال بعض الحكماء إنما يستوحش الإنسان من نفسه لخلو ذاته عن الفضيلة ~~فيكثر حينئذ ملاقاة الناس ويطرد الوحشة عن نفسه بالكون معهم فإذا كانت ذاته ~~فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ويستخرج العلم والحكمة # وقد قيل الإستئناس من علامات الإفلاس فإذا هذه فائدة جزيلة ولكن في حق ~~بعض الخواص ومن يتيسر له بدوام الذكر الأنس بالله أو بدوام الفكر التحقق في ~~معرفة الله فالتجرد له أفضل من كل ما يتعلق بالمخالطة # فإن غاية العبادات وثمرة المعاملات أن يموت الإنسان محبا لله عارفا بالله ~~ولا محبة إلا بالأنس الحاصل بدوام الذكر ولا معرفة إلا بدوام الفكر # وفراغ القلب شرط في كل واحد منهما ms0939 ولا فراغ مع المخالطة ### |||| الفائدة الثانية # التخلص بالعزلة عن المعاصي التي يتعرض الإنسان لها # غالبا بالمخالطة ويسلم منها في الخلوة وهي أربعة الغيبة والنميمة والرياء ~~والسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومسارقة الطبع من الأخلاق ~~الرديئة والأعمال الخبيثة التي يوجبها الحرص على الدنيا # أما الغيبة فإذا عرفت من كتاب آفات اللسان من ربع المهلكات وجوهها عرفت ~~أن التحرز عنها مع المخالطة عظيم لا ينجو منها إلا الصديقون # فإن عادة الناس كافة التمضمض بأعراض الناس والتفكه بها والتنفل بحلاوتها ~~وهي طعمتهم ولذتهم وإليها يستروحون من وحشتهم في الخلوة # فإن خالطتهم ووافقتهم أثمت وتعرضت لسخط الله تعالى وإن سكت كنت شريكا ~~والمستمع أحد المغتابين وإن أنكرت أبغضوك وتركوا ذلك المغتاب واغتابوك ~~فازدادوا غيبة إلى غيبة وربما زادوا على الغيبة وانتهوا إلى الإستخفاف ~~والشتم # وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو من أصول الدين وهو واجب كما ~~سيأتي بيانه في آخر هذا الربع ومن خالط الناس فلا يخلو عن مشاهدة المنكرات ~~فإن سكت عصى الله به وإن أنكر تعرض لأنواع من الضرر إذ ربما يجره طلب ~~الخلاص عنها إلى معاص هي أكبر مما نهى عنه ابتداء # وفي العزلة خلاص من هذا فإن الأمر في إهماله شديد والقيام به شاق # وقدم قام أبو بكر رضي الله عند خطيبا وقال أيها الناس إنكم تقرءون هذه ~~الآية PageV02P228 # {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} وإنكم ~~تضعونها في غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ~~رأى الناس المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب (1) # وقد قال صلى الله عليه وسلم إن الله ليسأل العبد حتى يقول له ما منعك إذا ~~رأيت المنكر أن تنكره فإذا لقن الله لعبد حجته قال يا رب رجوتك وخفت الناس ~~(2) # وهذا إذا خاف من ضرب أو أمر لا يطاق # ومعرفة حدود ذلك مشكلة وفيه خطر # وفي العزلة خلاص وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إثارة للخصومات ~~وتحريك لغوائل الصدور كما ms0940 قيل # وكم سقت في آثاركم من نصيحة ... وقد يستفيد البغضة المتنصح # ومن جرب الأمر بالمعروف ندم عليه غالبا فإنه كجدار مائل يريد الإنسان أن ~~يقيمه فيوشك أن يسقط عليه فإذا سقط عليه يقول يا ليتني تركته مائلا # نعم لو وجد أعوانا أمسكوا الحائط حتى يحكمه بدعامة لاستقام وأنت اليوم لا ~~تجد الأعوان فدعهم وانج بنفسك # وأما الرياء فهو الداء العضال الذي يعسر على الأبدال والأوتاد الاحتراز ~~عنه # وكل من خالط الناس داراهم ومن داراهم راءاهم ومن راءاهم وقع فيما وقعوا ~~فيه وهلك كما هلكوا # وأقل ما يلزم فيه النفاق فإنك إن خالطت متعاديين ولم تلق كل واحد منهما ~~بوجه يوافقه صرت بغيضا إليهما جميعا وإن جاملتهما كنت من شرار الناس # وقال صلى الله عليه وسلم تجدون من شرار الناس ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه ~~وهؤلاء بوجه (3) # وقال صلى الله عليه وسلم إن من شر الناس ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه ~~وهؤلاء بوجه (4) # وأقل ما يجب في مخالطة الناس إظهار الشوق والمبالغة فيه ولا يخلو ذلك عن ~~كذب إما في الأصل وإما في الزيادة وإظهار الشفقة بالسؤال عن الأحوال بقولك ~~كيف أنت وكيف أهلك وأنت في الباطن فارغ القلب من همومه وهذا نفاق محض # قال سرى لو دخل أخ لي فسويت لحيتي بيدي لدخوله لخشيت أن أكتب في جريدة ~~المنافقين # وكان الفضيل جالسا وحده في المسجد الحرام فجاء إليه أخ له فقال له ما جاء ~~بك قال المؤانسة يا أبا علي فقال هي والله بالمواحشة أشبه هل تريد إلا أن ~~تتزين لي وأتزين لك وتكذب لي وأكذب لك إما أن تقوم عني أو أقوم عنك # وقال بعض العلماء ما أحب الله عبدا إلا أحب أن لا يشعر به # ودخل طاوس على الخليفة هشام فقال كيف أنت يا هشام فغضب عليه وقال لم لم ~~تخاطبني بأمير المؤمنين فقال لأن جميع المسلمين ما اتفقوا على خلافتك فخشيت ~~أن أكون كاذبا # فمن أمكنه أن يحترز هذا الإحتراز فليخالط الناس وإلا فليرض بإثبات اسمه ~~في ms0941 جريدة المنافقين # فقد كان السلف يتلاقون ويحترزون في قولهم كيف أصبحت وكيف أمسيت وكيف أنت ~~وكيف حالك وفي الجواب عنه # فكان سؤالهم عن أحوال الدين لا عن أحوال الدنيا # قال حاتم الأصم لحامد اللفاف كيف أنت في نفسك قال سالم معافى فكره حاتم ~~جوابه وقال يا حامد السلامة من وراء الصراط والعافية في الجنة # وكان إذا قيل لعيسى صلى الله عليه وسلم كيف أصبحت قال أصبحت لا أملك ~~تقديم ما أرجو ولا أستطيع دفع ما أحاذر وأصبحت مرتهنا بعملي والخير كله في ~~يد غيري ولا فقير أفقر مني PageV02P229 # وكان الربيع بن خثيم إذا قيل له كيف أصبحت قال أصبحت من ضعفاء مذنبين ~~نستوفي أرزاقنا وننتظر آجالنا # وكان أبو الدرداء إذا قيل له كيف أصبحت قال أصبحت بخير إن نجوت من النار # وكان سفيان الثوري إذا قيل له كيف أصبحت يقول أصبحت أشكر ذا الى ذا وأذم ~~ذا الى ذا وأفر من ذا الى ذا وقيل لأويس القرني كيف أصبحت قال كيف يصبح رجل ~~إذا أمسى لا يدري أنه يصبح وإذا أصبح لا يدري أنه يمسي وقيل لمالك بن دينار ~~كيف أصبحت قال أصبحت في عمر ينقص وذنوب تزيد # وقيل لبعض الحكماء كيف أصبحت قال أصبحت لا أرضى حياتي لمماتي ولا نفسي ~~لربي # وقيل لحكيم كيف أصبحت قال أصبحت آكل رزق ربي وأطيع عدوه إبليس # وقيل لمحمد بن واسع كيف أصبحت قال ما ظنك برجل يرتحل كل يوم إلى الآخرة ~~مرحلة # وقيل لحامد اللفاف كيف أصبحت قال أصبحت أشتهي عافية يوم الى الليل فقيل ~~له ألست في عافية في كل الأيام فقال # العافية يوم لا أعصى الله تعالى فيه # وقيل لرجل وهو يجود بنفسه ما حالك فقال وما حال من يريد سفرا بعيدا بلا ~~زاد ويدخل قبرا موحشا بلا مؤنس وينطلق إلى ملك عدل بلا حجة # وقيل لحسان ابن أبي سنان ما حالك قال ما حال من يموت ثم يبعث ثم يحاسب # وقال ابن سيرين لرجل كيف حالك فقال وما حال ms0942 من عليه خمسمائة درهم دينا ~~وهو معيل فدخل ابن سيرين منزله فأخرج له ألف درهم فدفعها إليه وقال خمسمائة ~~اقض بها دينك وخمسمائة عد بها على نفسك وعيالك ولم يكن عنده غيرها ثم قال ~~والله لا أسأل أحدا عن حاله أبدا # وإنما فعل ذلك لأنه خشي أن يكون سؤاله من غير اهتمام بأمره فيكون بذلك ~~مرائيا منافقا # فقد كان سؤالهم عن أمور الدين وأحوال القلب في معاملة الله وإن سألوا عن ~~أمور الدنيا فعن اهتمام وعزم على القيام بما يظهر لهم من الحاجة # وقال بعضهم إني لأعرف أقواما كانوا لا يتلاقون ولو حكم أحدهم على صاحبه ~~بجميع ما يملكه لم يمنعه وأرى الآن أقواما يتلاقون ويتساءلون حتى عن ~~الدجاجة في البيت # ولو انبسط أحدهم لحبة من مال صاحبه لمنعه فهل هذا إلا مجرد الرياء ~~والنفاق وآية ذلك أنك ترى هذا يقول كيف أنت ويقول الآخر كيف أنت فالسائل لا ~~ينتظر الجواب والمسئول يشتغل بالسؤال ولا يجيب وذلك لمعرفتهم بأن ذلك عن ~~رياء وتكلف # ولعل القلوب لا تخلو عن ضغائن وأحقاد والألسنة تنطق بالسؤال # قال الحسن إنما كانوا يقولون السلام عليكم إذا سلمت والله القلوب وأما ~~الآن فكيف أصبحت عافاك الله كيف أنت أصلحك الله فإن أخذنا بقولهم كانت بدعة ~~لا كرامة فإن شاءوا غضبوا علينا وإن شاءوا لا # وإنما قال ذلك لأن البداية بقولك كيف أصبحت بدعة # وقال رجل لأبي بكر بن عياش كيف أصبحت فما أجابه # وقال دعونا من هذه البدعة # وقال إنما حدث هذا في زمان الطاعون الذي كان يدعى طاعون عمواس بالشام من ~~الموت الذريع كان الرجل يلقاه أخوه غدوة فيقول كيف أصبحت من الطاعون ويلقاه ~~عشية فيقول كيف أمسيت والمقصود أن الالتقاء في غالب العادات ليس يخلو عن ~~أنواع من التصنع والرياء والنفاق وكل ذلك مذموم بعضه محظور وبعضه مكروه # وفي العزلة الخلاص من ذلك فإن من لقي الخلق ولم يخالقهم بأخلاقهم مقتوه ~~واستثقلوه واغتابوه وتشمروا لإيذائه فيذهب دينهم فيه ويذهب دينه ودنياه في ~~الإنتقام منهم ms0943 # وأما مسارقة الطبع مما يشاهده من أخلاق الناس وأعمالهم فهو داء دفين قلما ~~يتنبه له العقلاء فضلا عن الغافلين فلا يجالس الإنسان فاسقا مدة مع كونه ~~منكرا عليه في باطنه إلا ولو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لأدرك بينهما ~~تفرقة في النفرة عن الفساد واستثقاله إذ يصير للفساد بكثرة المشاهدة هينا ~~على الطبع فيسقط وقعه واستعظامه له PageV02P230 # وإنما الوازع عنه شدة وقعه في القلب فإذا صار مستصغرا بطول المشاهدة أوشك ~~أن تنحل القوة الوازعة ويذعن الطبع للميل إليه أو لما دونه # ومهما طالت مشاهدته للكبائر من غيره استحقر الصغائر من نفسه ولذلك يزدري ~~الناظر إلى الأغنياء نعمة الله عليه فتؤثر مجالستهم في أن يستصغر ما عنده ~~وتؤثر مجالسة الفقراء في استعظام ما أتيح له من النعم # وكذلك النظر إلى المطيعين والعصاة هذا تأثيره في الطبع من يقصر نظره على ~~ملاحظة أحوال الصحابة والتابعين في العبادة والتنزه عن الدنيا فلا يزال ~~ينظر إلى نفسه بعين الإستصغار وإلى عبادته بعين الإستحقار وما دام يرى نفسه ~~مقصرا فلا يخلو عن داعية الاجتهاد رغبة في الاستكمال واستتماما للاقتداء # ومن نظر الى الأحوال الغالبة على أهل الزمان وإعراضهم عن الله وإقبالهم ~~على الدنيا واعتيادهم المعاصي استعظم أمر نفسه بأدنى رغبة في الخير يصادفها ~~في قلبه وذلك هو الهلاك # ويكفي في تغيير الطبع مجرد سماع الخير والشر فضلا عن مشاهدته # وبهذه الدقيقة يعرف سر قوله صلى الله عليه وسلم عند ذكر الصالحين تنزل ~~الرحمة (1) # وإنما الرحمة دخول الجنة ولقاء الله وليس ينزل عند الذكر عين ذلك ولكن ~~سببه وهو انبعاث الرغبة من القلب وحركة الحرص على الإقتداء بهم والاستنكاف ~~عما هو ملابس له من القصور والتقصير # ومبدأ الرحمة فعل الخير ومبدأ فعل الخير الرغبة ومبدأ الرغبة ذكر أحوال ~~الصالحين فهذا معنى نزول الرحمة # والمفهوم من فحوى هذا الكلام عند الفطن كالمفهوم من عكسه وهو أن عند ذكر ~~الفاسقين تنزل اللعنة لأن كثرة ذكرهم تهون على الطبع أمر المعاصي واللعنة ~~هي البعد # ومبدأ البعد من الله ms0944 هو المعاصي والإعراض عن الله بالإقبال على الحظوظ ~~العاجلة والشهوات الحاضرة لا على الوجه المشروع # ومبدأ المعاصي سقوط ثقلها وتفاحشها عن القلب # ومبدأ سقوط الثقل وقوع الأنس بها بكثرة السماع # إذا كان هذا حال ذكر الصالحين والفاسقين فما ظنك بمشاهدتهم بل قد صرح ~~بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال مثل الجليس السوء كمثل الكير إن ~~لم يحرقك بشرره علق بك من ريحه (2) # فكما أن الريح يعلق بالثوب ولا يشعر به فكذلك يسهل الفساد على القلب وهو ~~لا يشعر به # وقال مثل الجليس الصالح مثل صاحب المسك إن لم يهب لك منه تجد ريحه ولهذا ~~أقول من عرف من عالم زلة حرم عليه حكايتها لعلتين إحداهما أنها غيبة ~~والثانية وهي أعظمهما # أن حكايتها تهون على المستمعين أمر تلك الزلة ويسقط من قلوبهم استعظامهم ~~الإقدام عليها فيكون ذلك سببا لتهوين تلك المعصية فإنه مهما وقع فيها ~~فاستنكر ذلك دفع الاستنكار وقال كيف يستبعد هذا منا وكلنا مضطرون الى مثله ~~حتى العلماء والعباد ولو اعتقد أن مثل ذلك لا يقدم عليه عالم ولا يتعاطاه ~~موفق معتبر لشق عليه الإقدام فكم من شخص يتكالب على الدنيا ويحرص عل جمعها ~~ويتهالك على حب الرياسة وتزيينها ويهون على نفسه قبحها ويزعم أن الصحابة ~~رضي الله عنهم لم ينزهوا أنفسهم عن حب الرياسة وربما يستشهد عليه بقتال علي ~~ومعاوية ويخمن في نفسه أن ذلك لم يكن لطلب الحق بل لطلب الرياسة فهذا ~~الاعتقاد خطأ يهون عليه أمر الرياسة ولوازمها من المعاصي # والطبع اللئيم يميل إلى اتباع الهفوات والإعراض عن الحسنات بل الى تقدير ~~الهفوة فيما لا هفوة فيه بالتنزيل على مقتضى الشهوة ليتعلل به وهو من دقائق ~~مكايد الشيطان ولذلك وصف الله المراغمين للشيطان فيها بقوله {الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه} وضرب صلى الله عليه وسلم لذلك مثلا وقال مثل الذي ~~يجلس يستمع الحكمة ثم لا يعمل إلا بشر ما يستمع كمثل رجل أتى راعيا فقال له ~~يا راعي اجرر لي شاة من غنمك ms0945 فقال اذهب فخذ خير شاة فيها فذهب PageV02P231 # عليه السلام فأخذ بأذن كلب الغنم (1) # وكل من ينقل هفوات الأئمة فهذا مثاله أيضا # ومما يدل على سقوط وقع الشيء عن القلب بسبب تكرره ومشاهدته أن أكثر الناس ~~إذا رأوا مسلما أفطر في نهار رمضان استبعدوا ذلك منه استبعادا يكاد يفضي ~~الى اعتقادهم كفره وقد يشاهدون من يخرج الصلوات عن أوقاتها ولا تنفر عنه ~~طباعهم كنفرتهم عن تأخير الصوم مع أن صلاة واحدة يقتضى تركها الكفر عند قوم ~~وحز الرقبة عند قوم وترك صوم رمضان كله لا يقتضيه ولا سبب له إلا أن الصلاة ~~تتكرر والتساهل فيها مما يكثر فيسقط وقعها بالمشاهدة عن القلب # ولذلك لو لبس الفقيه ثوبا من حرير أو خاتما من ذهب أو شرب من إناء فضة ~~استبعدته النفوس واشتد إنكارها وقد يشاهد في مجلس طويل لا يتكلم إلا بما هو ~~اغتياب للناس ولا يستبعد منه ذلك # والغيبة أشد من الزنا فكيف لا تكون أشد من لبس الحرير ولكن كثرة سماع ~~الغيبة ومشاهدة المغتابين أسقط وقعها عن القلوب وهون على النفس أمرها فتفطن ~~لهذه الدقائق وفر من الناس فرارك من الأسد لأنك لا تشاهد منهم إلا ما يزيد ~~في حرصك على الدنيا وغفلتك عن الآخرة ويهون عليك المعصية ويضعف رغبتك في ~~الطاعة # فإن وجدت جليسا يذكرك الله رؤيته وسيرته فالزمه ولا تفارقه واغتنمه ولا ~~تستحقره فإنها غنيمة العاقل وضالة المؤمن # وتحقق أن الجليس الصالح خير من الوحدة وأن الوحدة خير من الجليس السوء # ومهما فهمت هذه المعاني ولاحظت طبعك والتفت إلى حال من أردت مخالطته لم ~~يخف عليك أن الأولى التباعد بالعزلة أو التقرب إليه بالخلطة # وإياك أن تحكم مطلقا على العزلة أو الخلطة بأن إحداهما أولى إذ كل مفصل ~~فإطلاق القول فيه بلا أو نعم خلف من القول محض ولا حق في المفصل إلا ~~التفصيل ### |||| الفائدة الثالثة # الخلاص من الفتن والخصومات وصيانة الدين والنفس عن # الخوض فيها والتعرض لأخطارها وقلما تخلو البلاد عن تعصبات وفتن وخصومات ~~فالمعتزل عنهم في ms0946 سلامة منها # قال عبد الله بن عمرو بن العاص لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الفتن ووصفها وقال إذا رأيت الناس مرجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا ~~وشبك بين أصابعه قلت فما تأمرني فقال الزم بيتك واملك عليك لسانك وخذ ما ~~تعرف ودع ما تنكر وعليك بأمر الخاصة ودع عنك أمر العامة (2) # وروى أبو سعيد الخدري أنه صلى الله عليه وسلم قال يوشك أن يكون خير مال ~~المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن من شاهق ~~الى شاهق (3) # وروى عبد الله ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال سيأتي على الناس ~~زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من قرية الى قرية ومن شاهق الى ~~شاهق ومن جحر الى جحر كالثعلب الذي يروغ قيل له ومتى ذلك يا رسول الله قال ~~إذا لم تنل المعيشة إلا بمعاصي الله تعالى فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة ~~قالوا وكيف يا رسول الله وقد أمرتنا بالتزويج قال إذا كان ذلك الزمان كان ~~هلاك الرجل على يد أبويه فإن لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته وولده فإن لم ~~يكن فعلى يدي قرابته قالوا وكيف ذلك يا رسول الله قال يعيرونه بضيق اليد ~~فيتكلف ما لا يطيق حتى يورده ذلك موارد الهلكة (4) # وهذا الحديث وإن كان في العزوبة فالعزلة مفهومة منه إذ لا يستغني المتأهل ~~عن PageV02P232 # المعيشة والمخالطة ثم لا ينال المعيشة إلا بمعصية الله تعالى ولست أقول ~~هذا أو أن ذلك الزمان فلقد كان هذا بإعصار قبل هذا العصر ولأجله قال سفيان ~~والله لقد حلت العزلة # وقال ابن مسعود رضي الله عنه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام ~~الفتنة وأيام الهرج قلت وما الهرج قال حين لا يأمن الرجل جليسه قلت فبم ~~تأمرني إن أدركت ذلك الزمان قال كف نفسك ويدك وادخل دارك قال قلت يا رسول ~~الله أرأيت إن دخل على داري قال فادخل بيتك قلت فإن دخل على ms0947 بيتي قال فادخل ~~مسجدك واصنع هكذا وقبض على الكوع وقل ربي الله حتى تموت (1) # وقال سعد لما دعي الى الخروج أيام معاوية لا إلا أن تعطوني سيفا له عينان ~~بصيرتان ولسان ينطق بالكافر فأقتله وبالمؤمن فأكف عنه وقال مثلنا ومثلكم ~~كمثل قوم كانوا على محجة بيضاء فبينما هم كذلك يسيرون إذ هاجت ريح عجاجة ~~فضلوا الطريق فالتبس عليهم فقال بعضهم الطريق ذات اليمين فأخذوا فيها ~~فتاهوا وضلوا وقال بعضهم ذات الشمال فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا وأناخ آخرون ~~وتوقفوا حتى ذهبت الريح وتبينت الطريق فسافروا # فاعتزل سعد وجماعة معه فارقوا الفتن ولم يخالطوا إلا بعد زوال الفتن # وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه لما بلغه أن الحسين رضي الله عنه توجه ~~الى العراق تبعه فلحقه على مسيرة ثلاثة أيام فقال له أين تريد فقال العراق # فإذا معه طوامير وكتب فقال هذه كتبهم وبيعتهم فقال لا تنظر الى كتبهم ولا ~~تأتهم فأبى فقال إني أحدثك حديثا جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فخيره ~~بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة على الدنيا وإنك بضعة من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والله لا يليها أحد منكم أبدا وما صرفها عنكم إلا للذي هو ~~خير لكم فأبى أن يرجع فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال استودعك الله من قتيل أو ~~أسير (2) # وكان في الصحابة عشرة آلاف فما خف أيام الفتنة أكثر من أربعين رجلا # وجلس طاوس في بيته فقيل له في ذلك فقال فساد الزمان وحيف الأئمة # ولما بنى عروة قصره بالعقيق ولزمه قيل له لزمت القصر وتركت مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال رأيت مساجدكم لاهية وأسواقكم لاغية والفاحشة ~~في فجاجكم عالية وفيما هناك عما أنتم فيه عافية # فإذن الحذر من الخصومات ومثارات الفتن إحدى فوائد العزلة ### |||| الفائدة الرابعة الخلاص من شر الناس # فإنهم يؤذونك مرة بالغيبة ومرة بسوء الظن والتهمة بالاقتراحات والأطماع ~~الكاذبة التي يعسر الوفاء بها وتارة بالنميمة أو الكذب فربما يرون منك من ~~الأعمال أو الأقوال ما لا ms0948 تبلغ عقولهم كنهه فيتخذون ذلك ذخيرة عندهم ~~يدخرونها لوقت تظهر فرصة للشر فإذا اعتزلتهم استغنيت من التحفظ عن جميع ذلك # ولذلك قال بعض الحكماء لغيره أعلمك بيتين خير من عشرة آلاف درهم ما هما ~~قال # اخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل المقال # ليس للقول رجعة حين يبدو ... بقبيح يكون أو بجمال # ولا شك أن من اختلط بالناس وشاركهم في أعمالهم لا ينفك من حاسد وعدو يسيء ~~الظن به ويتوهم أنه يستعد PageV02P233 # لمعاداته ونصب المكيدة عليه وتدسيس غائلة وراءه فالناس مهما اشتد حرصهم ~~على أمر {يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم} وقد اشتد حرصهم على ~~الدنيا فلا يظنون بغيرهم إلا الحرص عليها قال المتنبي # إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم # وعادى محبيه بقول عداته ... فأصبح في ليل من الشك مظلم # وقد قيل معاشرة الأشرار تورث سوء الظن بالأبرار # وأنواع الشر الذي يلقاه الإنسان من معارفه وممن يختلط به كثيرة ولسنا ~~نطول بتفصيلها ففيما ذكرناه إشارة إلى مجامعها وفي العزلة خلاص من جميعها # والى هذا أشار الأكثر ممن اختار العزلة # فقال أبو الدرداء أخبر تقله يروى مرفوعا # وقال الشاعر # من حمد الناس ولم يبلهم ... ثم بلاهم ذم من يحمد # وصار بالوحدة مستأنسا ... يوحشه الأقرب والأبعد # وقال عمر رضي الله عنه في العزلة راحة من القرين السوء # وقيل لعبد الله بن الزبير ألا تأتي المدينة فقال ما بقي فيها إلا حاسد ~~نعمة أو فرح بنقمة # وقال ابن السماك كتب صاحب لنا أما بعد فإن الناس كانوا دواء يتداوى به ~~فصاروا داء لا دواء له ففر منهم فرارك من الأسد # وكان بعض الأعراب يلازم شجرا ويقول هو نديم فيه ثلاث خصال إن سمع مني لم ~~ينم علي وإن تفلت في وجهه احتمل مني وإن عربدت عليه لم يغضب فسمع الرشيد ~~ذلك فقال زهدنى في الندماء وكان بعضهم قد لزم الدفاتر والمقابر فقيل له ذلك ~~فقال لم أر أسلم من وحدة ولا أوعظ من قبر ولا جليسا ms0949 أمتع من دفتر وقال ~~الحسن رضي الله عنه أردت الحج فسمع ثابت البناني بذلك وكان أيضا من أولياء ~~الله فقال بلغني أنك تريد الحج فأحببت أن أصحبك فقال له الحسن ويحك دعنا ~~نتعاشر بستر الله علينا إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت ~~عليه # وهذه إشارة إلى فائدة أخرى في العزلة وهو بقاء الستر على الدين والمروءة ~~والأخلاق والفقر وسائر العورات # وقد مدح الله سبحانه المتسترين فقال {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} ~~وقال الشاعر # ولا عار إن زالت عن الحر نعمة ... ولكن عارا أن يزول التجمل # ولا يخلو الإنسان في دينه ودنياه وأخلاقه وأفعاله عن عورات الأولى في ~~الدين والدنيا سترها ولا تبقى السلامة مع انكشافها # وقال أبو الدرداء كان الناس ورقا لا شوك فيه فالناس اليوم شوكا لا ورق ~~فيه # إذا كان هذا حكم زمانه وهو في أواخر القرن الأول فلا ينبغي أن يشك في أن ~~الأخير شر # وقال سفيان بن عيينة قال لي سفيان الثوري في اليقظة في حياته وفي المنام ~~بعد وفاته أقلل من معرفة الناس فإن التخلص منهم شديد ولا أحسب أني رأيت ما ~~أكره إلا ممن عرفت # وقال بعضهم جئت الى مالك بن دينار وهو قاعد وحده وإذا كلب قد وضع حنكه ~~على ركبته # فذهب أطرده فقال دعه يا هذا هذا لا يضر ولا يؤذي وهو خير من جليس السوء # وقيل لبعضهم ما حملك على أن تعتزل الناس قال خشيت أن أسلب ديني ولا أشعر # وهذه إشارة إلى مسارقة الطبع من أخلاق القرين السوء # وقال أبو الدرداء اتقوا الله واحذروا الناس فإنهم ما ركبوا ظهر بعير إلا ~~أدبروه ولا ظهر جواد إلا عقروه ولا قلب مؤمن إلا خربوه # وقال بعضهم أقلل المعارف فإنه أسلم لدينك وقلبك وأخف لسقوط الحقوق عنك ~~لأنه كلما كثرت المعارف كبرت الحقوق وعسر القيام بالجميع # وقال بعضهم أنكر من تعرف ولا تتعرف الى من لا تعرف PageV02P234 ### |||| الفائدة الخامسة # أن ينقطع طمع الناس عنك وينقطع طمعك عن الناس # فأما ms0950 انقطاع طمع الناس عنك ففيه فوائد فإن رضا الناس غاية لا تدرك ~~فاشتغال المرء بإصلاح نفسه أولى ومن أهون الحقوق وأيسرها حضور الجنازة ~~وعيادة المريض وحضور الولائم والإملاكات وفيها تضييع الأوقات وتعرض للآفات ~~ثم قد تعوق عن بعضها العوائق وتستقبل فيها المعاذير ولا يمكن إظهار كل ~~الأعذار فيقولون له قمت بحق فلان وقصرت في حقنا ويصير ذلك سبب عداوة فقد ~~قيل من لم يعد مريضا في وقت العيادة اشتهى موته خيفة من تخجيله إذا صح على ~~تقصيره # ومن عمم الناس كلهم بالحرمان رضوا عنه كلهم ولو خصص استوحشوا # وتعميمهم بجميع الحقوق لا يقدر عليه المتجرد له طول الليل والنهار فكيف ~~من له مهم يشغله في دين أو دنيا قال عمرو بن العاص كثرة الأصدقاء كثرة ~~الغرماء # وقال ابن الرومي # عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب # فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب # وقال الشافعي رحمه الله أصل كل عداوة اصطناع المعروف الى اللئام # وأما انقطاع طمعك عنهم فهو أيضا فائدة جزيلة فإن من نظر الى زهرة الدنيا ~~وزينتها تحرك حرصه وانبعث بقوة الحرص طمعه ولا يرى إلا الخيبة في أكثر ~~الأحوال فيتأذى بذلك # ومهما اعتزل لم يشاهد وإذا لم يشاهد لم يشته ولم يطمع ولذلك قال الله ~~تعالى {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم} وقال صلى الله عليه ~~وسلم انظروا الى من هو دونكم ولا تنظروا الى من هو فوقكم فإنه أجدر أن لا ~~تزدروا نعمة الله عليكم (1) # وقال عون بن عبد الله كنت أجالس الأغنياء فلم أزل مغموما كنت أرى ثوبا ~~أحسن من ثوبي ودابة أفره من دابتي فجالست الفقراء فاسترحت # وحكى أن المزني رحمه الله خرج من باب جامع الفسطاط وقد أقبل ابن عبد ~~الحكم في موكبه فبهره ما رأى من حسن حاله وحسن هيئته فتلا قوله تعالى ~~{وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون} ثم قال بلى أصبر وأرضى وكان فقيرا مقلا # فالذي هو في بيته لا يبتلى بمثل هذه الفتن ms0951 # فإن من شاهد زينة الدنيا فأما أن يقوى دينه ويقينه فيصبر الى أن يتجرع ~~مرارة الصبر وهو أمر من الصبر أو تنبعث رغبته فيحتال في طلب الدنيا فيهلك ~~هلاكا مؤبدا أما في الدنيا فبالطمع الذي يخيب في أكثر الأوقات فليس كل من ~~يطلب الدنيا تتيسر له وأما في الآخرة فإيثاره متاع الدنيا على ذكر الله ~~تعالى والتقرب إليه # ولذلك قال ابن الإعرابي # إذا كان باب الذل من جانب الغنى ... سموت الى العلياء من جانب الفقر # أشار الى أن الطمع يوجب في الحال ذلا ### |||| الفائدة السادسة # الخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقى ومقاساة حمقهم # وأخلاقهم فإن رؤية الثقيل هي العمى الأصغر # قيل للأعمش مم عمشت عيناك قال من النظر الى الثقلاء # ويحكى أنه دخل عليه أبو حنيفة فقال في الخبر {أن من} PageV02P235 # سلب الله كريمتيه عوضه الله عنهما ما هو خير منهما (1) # فما الذي عوضك فقال في معرض المطايبة عوضني الله منهما أنه كفاني رؤية ~~الثقلاء وأنت منهم # وقال ابن سيرين سمعت رجلا يقول نظرت الى ثقيل مرة فغشى علي # وقال جالينوس لكل شيء حمى وحمى الروح النظر الى الثقلاء # وقال الشافعي رحمه الله ما جالست ثقيلا إلا وجدت الجانب الذي يليه من ~~بدني كأنه أثقل علي من الجانب الآخر # وهذه الفوائد ما سوى الأوليين متعلقة بالمقاصد الدنيوية الحاضرة ولكنها ~~أيضا تتعلق بالدين # فإن الإنسان مهما تأذى برؤية ثقيل لم يأمن أن يغتابه وأن يستنكر ما هو ~~صنع الله فإذا تأذى من غيره بغيبة أو سوء ظن أو محاسدة أو نميمة أو غير ذلك ~~لم يصبر عن مكافأته # وكل ذلك يجر الى فساد الدين وفي العزلة سلامة عن جميع ذلك فليفهم ### |||| آفات العزلة # اعلم أن من المقاصد الدينية والدنيوية ما يستفاد بالاستعانة بالغير ولا ~~يحصل ذلك إلا بالمخالطة # فكل ما يستفاد من المخالطة يفوت بالعزلة وفواته من آفات العزلة # فانظر الى فوائد المخالطة والدواعي اليها ما هي وهي التعليم والتعلم ~~والنفع والانتفاع والتأديب والتأدب والاستيناس والإيناس ونيل الثواب ~~وإنالته في القيام بالحقوق ms0952 واعتياد التواضع واستفادة التجارب من مشاهدة ~~الأحوال والاعتبار بها # فلنفصل ذلك فإنها من فوائد المخالطة وهي سبع ### ||||| الفائدة الأولى التعليم والتعلم # وقد ذكرنا فضلهما في كتاب العلم وهما أعظم العبادات في الدنيا # ولا يتصور ذلك إلا بالمخالطة إلا أن العلوم كثيرة وعن بعضها مندوحة ~~وبعضها ضروري في الدنيا # فالمحتاج إلى التعلم لما هو فرض عليه عاص بالعزلة # وإن تعلم الفرض وكان لا يتأتى منه الخوض في العلوم ورأى الإشتغال ~~بالعبادة فليعتزل # وإن كان يقدر على التبرز في علوم الشرع والعقل فالعزلة في حقه قبل التعلم ~~غاية الخسران # ولهذا قال النخعي وغيره تفقه ثم اعتزل فمن اعتزل قبل التعلم فهو في ~~الأكثر مضيع أوقاته بنوم أو فكر في هوس وغايته أن يستغرق الأوقات بأوراد ~~يستوعبها ولا ينفك في أعماله بالبدن والقلب عن أنواع من الغرور يخيب سعيه ~~ويبطل عمله بحيث لا يدري ولا ينفك اعتقاده في الله وصفاته عن أوهام يتوهمها ~~ويأنس بها وعن خواطر فاسدة تعتريه فيها فيكون في أكثر أحواله ضحكة للشيطان ~~وهو يرى نفسه من العباد # فالعلم هو أصل الدين فلا خير في عزلة العوام والجهال أعني من لا يحسن ~~العبادة في الخلوة ولا يعرف جميع ما يلزم فيها # فمثال النفس مثال مريض يحتاج الى طبيب متلطف يعالجه فالمريض الجاهل إذا ~~خلا بنفسه عن الطبيب قبل أن يتعلم الطب تضاعف لا محالة مرضه # فلا تليق العزلة إلا بالعالم وأما التعليم ففيه ثواب عظيم مهما صحت نية ~~المعلم والمتعلم # ومهما كان القصد إقامة الجاه والاستكثار بالأصحاب والأتباع فهو هلاك ~~الدين # وقد ذكرنا وجه ذلك في كتاب العلم # وحكم في العالم في هذا الزمان إن يعتزل إن أراد سلامة دينه # فإنه لا يرى مستفيدا يطلب فائدة لدينه بل لا طالب إلا لكلام مزخرف يستميل ~~به العوام في معرض الوعظ أو الجدل معقد يتوصل به الى إفحام الأقران ويتقرب ~~به الى السلطان ويستعمل في معرض المنافسة والمباهاة وأقرب علم مرغوب فيه ~~المذهب ولا يطلب غالبا إلا للتوصل الى التقدم على الأمثال ms0953 وتولي الولايات ~~واجتلاب الأموال # فهؤلاء كلهم يقتضي الدين والحزم الإعتزال عنهم PageV02P236 # فإن صودف طالب لله ومتقرب بالعلم الى الله فأكبر الكبائر الإعتزال عنه ~~وكتمان العلم منه وهذا لا يصادف في بلدة كبيرة أكثر من واحد أو اثنين إن ~~صودف # ولا ينبغي أن يغتر الإنسان بقول سفيان تعلمنا العلم لغير الله فأبى العلم ~~أن يكون إلا لله فإن الفقهاء يتعلمون لغير الله ثم يرجعون الى الله # وانظر الى أواخر أعمار الأكثرين منهم واعتبرهم أنهم ماتوا وهم هلكى على ~~طلب الدنيا ومتكالبون عليها أو راغبون عنها وزاهدون فيها وليس الخبر ~~كالمعاينة # واعلم أن العلم الذي أشار اليه سفيان هو علم الحديث وتفسير القرآن ومعرفة ~~سير الأنبياء والصحابة فإن فيها التخويف والتحذير وهو سبب لإثارة الخوف من ~~الله فإن لم يؤثر في الحال أثر في المآل # وأما الكلام والفقه المجرد الذي يتعلق بفتاوى المعاملات وفصل الخصومات ~~المذهب منه والخلاف لا يرد الراغب فيه للدنيا الى الله بل لا يزال متماديا ~~في حرصه الى آخر عمره # ولعل ما أودعناه هذا الكتاب إن تعلمه المتعلم رغبة في الدنيا فيجوز أن ~~يرخص فيه إذ يرجى أن ينزجر به في آخر عمره فإنه مشحون بالتخويف بالله ~~والترغيب في الآخرة والتحذير من الدنيا وذلك مما يصادف في الأحاديث وتفسير ~~القرآن ولا يصادف في كلام ولا في خلاف ولا في مذهب # فلا ينبغي أن يخادع الإنسان نفسه فإن المقصر العالم بتقصيره أسعد حالا من ~~الجاهل المغرور أو المتجاهل المغبون وكل عالم اشتد حرصه على التعليم يوشك ~~أن يكون غرضه القبول والجاه وحظه تلذذ النفس في الحال باستشعار الإدلال على ~~الجهال والتكبر عليهم فآفة العلم الخيلاء (1) # كما قال صلى الله عليه وسلم # ولذلك حكي عن بشر أنه دفن سبعة عشر قمطرا من كتب الأحاديث التي سمعها ~~وكان لا يحدث ويقول أني أشتهي أن أحدث فلذلك لا أحدث ولو اشتهيت أن لا أحدث ~~لحدثت ولذلك قال حدثنا باب من أبواب الدنيا وإذا قال الرجل حدثنا فإنما ~~يقول أوسعوا لي # وقالت رابعة ms0954 العدوية لسفيان الثوري نعم الرجل أنت لولا رغبتك في الدنيا ~~قال وفيماذا رغبت قالت في الحديث # ولذلك قال أبو سليمان الداراني من تزوج أو طلب الحديث أو اشتغل بالسفر ~~فقد ركن إلى الدنيا # فهذه آفات قد نبهنا عليها في كتاب العلم والحزم الاحتراز بالعزلة وترك ~~الاستكثار من الأصحاب ما أمكن بل الذي يطلب الدنيا بتدريسه وتعليمه فالصواب ~~له إن كان غافلا في مثل هذا الزمان أن يتركه # فلقد صدق أبو سليمان الخطابي حيث قال دع الراغبين في صحبتك والتعلم منك ~~فليس لك منهم مال ولا جمال إخوان العلانية أعداء السر إذا لقوك تملقوك وإذا ~~غبت عنهم سلقوك من أتاك منهم كان عليك رقيبا وإذا خرج كان عليك خطيبا أهل ~~نفاق ونميمة وغل وخديعة فلا تغتر باجتماعهم عليك فما غرضهم العلم بل الجاه ~~والمال وأن يتخذوك سلما الى أوطارهم وأغراضهم وحمارا في حاجاتهم إن قصرت في ~~غرض من أغراضهم كانوا أشد أعدائك ثم يعدون ترددهم إليك دالة عليك ويرونه ~~حقا واجبا لديك ويفرضون عليك أن تبذل عرضك وجاهك ودينك لهم فتعادي عدوهم ~~وتنصر قريبهم وخادمهم ووليهم وتنتهض لهم سفيها وقد كنت فقيها وتكون لهم ~~تابعا خسيسا بعد أن كنت متبوعا رئيسا # ولذلك قيل اعتزال العامة مروءة تامة # فهذا معنى كلامه وإن خالف بعض ألفاظه وهو حق وصدق # فإنك ترى المدرسين في رق دائم وتحت حق لازم ومنة ثقيلة ممن يتردد اليهم ~~فكأنه يهدي تحفة اليهم ويرى حقه واجبا عليهم # وربما لا يختلف اليه ما لم يتكفل برزق له على الإدرار # ثم إن المدرس المسكين قد يعجز عن القيام بذلك من ماله فلا يزال مترددا ~~الى أبواب السلاطين ويقاسي الذل والشدائد مقاساة الذليل PageV02P237 # المهين حتى يكتب له على بعض وجوه السحت مال حرام ثم لا يزال العامل ~~يسترقه ويستخدمه ويمتهنه ويستذله الى أن يسلم إليه ما يقدره نعمة مستأنفة ~~من عنده عليه ثم يبقى في مقاساة القسمة على أصحابه إن سوى بينهم مقته ~~المميزون ونسبوه الى الحمق وقلة التمييز والقصور عن درك ms0955 مصارفات الفضل ~~والقيام بمقادير الحقوق بالعدل وإن فاوت بينهم سلقه السفهاء بألسن حداد ~~وثاروا عليه ثوران الأساود والآساد فلا يزال في مقاساتهم في الدنيا وفي ~~مطالبة ما يأخذه ويفرقه عليهم في العقبى # والعجب أنه مع هذا البلاء كله يمني نفسه بالأباطيل ويدليها بحبل الغرور ~~ويقول لها لا تفتري عن صنيعك فإنما أنت بما تفعلينه مريدة وجه الله تعالى ~~ومذيعة شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم وناشرة علم دين الله وقائمة ~~بكفاية طلاب العلم من عباد الله وأموال السلاطين لا مالك لها وهي مرصدة ~~للمصالح وأي مصلحة أكبر من تكثير أهل العلم فبهم يظهر الدين ويتقوى أهله # ولو لم يكن ضحكة للشيطان لعلم بأدنى تأمل أن فساد الزمان لا سبب له إلا ~~كثرة أمثال أولئك الفقهاء الذين يأكلون ما يجدون ولا يميزون بين الحلال ~~والحرام فتلحظهم أعين الجهال ويستجرئون على المعاصي باستجرائهم اقتداء بهم ~~واقتفاء لآثارهم # ولذلك قيل ما فسدت الرعية إلا بفساد الملوك وما فسدت الملوك إلا بفساد ~~العلماء # فنعوذ بالله من الغرور والعمى فإنه الداء الذي ليس له دواء ### ||||| الفائدة الثانية النفع والإنتفاع # أما الإنتفاع بالناس فبالكسب والمعاملة # وذلك لا يتأتى إلا بالمخالطة والمحتاج إليه مضطر الى ترك العزلة فيقع في ~~جهاد من المخالطة أن طلب موافقة الشرع فيه كما ذكرناه في كتاب الكسب فإن ~~كان معه مال لو اكتفى به قانعا لأقنعه فالعزلة أفضل له إذا انسدت طرق ~~المكاسب في الأكثر إلى من المعاصي إلا أن يكون غرضه الكسب للصدقة # فإذا اكتسب من وجهه وتصدق به فهو أفضل من العزلة للاشتغال بالنافلة وليس ~~بأفضل من العزلة للاشتغال بالتحقق في معرفة الله ومعرفة علوم الشرع ولا من ~~الإقبال بكنه الهمة على الله تعالى والتجرد بها لذكر الله أعني من حصل له ~~أنس بمناجاة الله عن كشف وبصيرة لا عن أوهام وخيالات فاسدة # وأما النفع فهو أن ينفع الناس إما بماله أو ببدنه فيقوم بحاجاتهم على ~~سبيل الحسبة # ففي النهوض بقضاء حوائج المسلمين ثواب وذلك لا ينال إلا بالمخالطة ms0956 # ومن قدر عليها مع القيام بحدود الشرع فهي أفضل له من العزلة إن كان لا ~~يشتغل في عزلته إلا بنوافل الصلوات والأعمال البدنية وإن كان ممن انفتح له ~~طريق العمل بالقلب بدوام ذكر أو فكر فذلك لا يعدل به غيره ألبتة ### ||||| الفائدة الثالثة التأديب والتأدب # ونعني به الارتياض بمقاساة الناس والمجاهدة في تحمل أذاهم كسرا للنفس ~~وقهرا للشهوات # وهي من الفوائد التي تستفاد بالمخالطة وهي أفضل من العزلة في حق من لم ~~تتهذب أخلاقه ولم تذعن لحدود الشرع شهواته ولهذا انتدب خدام الصوفية في ~~الرباطات فيخالطون الناس بخدمتهم وأهل السوق للسؤال منهم كبرا لرعونة النفس ~~واستمدادا من بركة دعاء الصوفية المنصرفين بهممهم الى الله سبحانه # وكان هذا هو المبدأ في الأعصار الخالية والآن قد خالطته الأغراض الفاسدة ~~ومال ذلك عن القانون كما مالت سائر شعائر الدين فصار يطلب من التواضع ~~بالخدمة التكثير بالاستتباع والتذرع الى جمع المال والاستظهار بكثرة ~~الأتباع فإن كانت النية هذه فالعزلة خير من ذلك ولو الى القبر وإن كانت ~~النية رياضة النفس فهي خير من العزلة في حق المحتاج الى الرياضة وذلك مما ~~يحتاج إليه في بداية الإرادة فبعد حصول الارتياض ينبغي أن يفهم أن الدابة ~~لا يطلب من رياضتها عين رياضتها بل المراد منها أن تتخذ PageV02P238 # مركبا يقطع به المراحل ويطوى على ظهره الطريق والبدن مطية للقلب يركبها ~~ليسلك بها طريق الآخرة وفيها شهوات إن لم يكسرها جمحت به في الطريق فمن ~~اشتغل طول العمر بالرياضة كان كمن اشتغل طول عمر الدابة برياضتها ولم ~~يركبها فلا يستفيد منها إلا الخلاص في الحال في عضها ورفسها ورمحها وهي ~~لعمري فائدة مقصودة ولكن مثلها حاصل في البهيمة الميتة وإنما ترد الدابة ~~لفائدة تحصل من حياتها فكذلك الخلاص من ألم الشهوات في الحال يحصل بالنوم ~~والموت ولا ينبغي أن يقنع به كالراهب الذي قيل له يا راهب فقال ما أنا راهب ~~إنما أنا كلب عقور حبست نفسي حتى لا أعقر الناس وهذا حسن بالإضافة الى من ~~يعقر الناس ms0957 ولكن لا ينبغي أن يقتصر عليه فإن من قتل نفسه أيضا لم يعقر ~~الناس بل ينبغي أن يتشوف إلى الغاية المقصودة بها # ومن فهم ذلك واهتدى الى الطريق وقدر على السلوك استبان له أن العزلة أعون ~~له من المخالطة # فأفضل لمثل هذا الشخص المخالطة أولا والعزلة آخرا # وأما التأديب فإنما نعني به أن يروض غيره وهو حال شيخ الصوفية معهم فإنه ~~لا يقدر على تهذيبهم إلا بمخالطتهم وحاله حال المعلم وحكمه ويتطرق اليه من ~~دقائق الآفات والرياء ما يتطرق الى نشر العلم إلا أن مخايل طلب الدنيا من ~~المريدين الطالبين للارتياض أبعد منها من طلبه العلم ولذلك يرى فيهم قلة ~~وفي طلبة العلم كثرة # فينبغي أن يقيس ما تيسر له من الخلوة بما تيسر له من المخالطة وتهذيب ~~القوم وليقابل أحدهما بالآخر وليؤثر الأفضل وذلك يدرك بدقيق الاجتهاد ~~ويختلف بالأحوال والأشخاص فلا يمكن الحكم عليه مطلقا بنفي ولا إثبات ### ||||| الفائدة الرابعة الاستئناس والإيناس # وهو غرض من يحضر الولائم والدعوات ومواضع المعاشرة والأنس وهذا يرجع الى ~~حظ النفس في الحال # وقد يكون ذلك على وجه حرام بمؤانسة من لا تجوز مؤانسته أو على وجه مباح # وقد يستحب ذلك الأمر الدين وذلك فيمن تستأنس بمشاهدة أحواله وأقواله في ~~الدين كالأنس بالمشايخ الملازمين لسمت التقوى # وقد يتعلق بحظ النفس ويستحب إذا كان الغرض منه ترويح القلب لتهييج دواعي ~~النشاط في العبادة فإن القلوب إذا أكرهت عميت ومهما كان في الوحدة وحشة وفي ~~المجالسة أنس يروح القلب فهي أولى إذ الوفق في العبادة من حزم العبادة ~~ولذلك قال صلى الله عليه وسلم إن الله لا يمل حتى تملوا (1) # وهذا أمر لا يستغنى عنه فإن النفس لا تألف الحق على الدوام ما لم تروح ~~وفي تكليفها الملازمة داعية للفترة وهذا عني بقوله صلى الله عليه وسلم إن ~~هذا الدين متين فأوغل فيه برفق والإيغال فيه برفق دأب المستبصرين ولذلك قال ~~ابن عباس لولا مخافة الوسواس لم أجالس الناس وقال مرة لدخلت بلادا لا أنيس ~~بها ms0958 وهل يفسد الناس إلا الناس فلا يستغني المعتزل إذا عن رفيق يستأنس ~~بمشاهدته ومحادثته في اليوم والليلة ساعة فليجتهد في طلب من لا يفسد عليه ~~في ساعته تلك سائر ساعاته فقد قال صلى الله عليه وسلم المرء على دين خليله ~~فلينظر أحدكم من يخالل (2) # وليحرص أن يكون حديثه عند اللقاء في أمور الدين وحكاية أحوال القلب ~~وشكواه وقصوره عن الثبات على الحق والاهتداء الى الرشد ففي ذلك متنفس ~~ومتروح للنفس فيه مجال رحب لكل مشغول بإصلاح نفسه فإنه لا تنقطع شكواه ولو ~~عمر أعمارا طويلة والراضي عن نفسه مغرور قطعا # فهذا النوع من الاستئناس في بعض أوقات النهار ربما يكون أفضل من العزلة ~~في حق بعض الأشخاص PageV02P239 # فليتفقد فيه أحوال القلب وأحوال الجليس أولا ثم ليجالس ### ||||| الفائدة الخامسة في نيل الثواب وإنالته # أما النيل فبحضور الجنائز وعيادة المريض وحضور العيدين وأما حضور الجمعة ~~فلا بد منه # وحضور الجماعة في سائر الصلوات أيضا لا رخصة في تركه إلا لخوف ضرر ظاهر ~~يقاوم ما يفوت من فضيلة الجماعة ويزيد عليه وذلك لا يتفق إلا نادرا # وكذلك في حضور الإملاكات والدعوات ثواب من حيث إنه إدخال سرور على قلب ~~مسلم # وأما إنالته فهو أن يفتح الباب لتعوده الناس أو ليعزوه في المصائب أو ~~يهنوه على النعم فإنهم ينالون بذلك ثوابا وكذلك إذا كان من العلماء وإذن ~~لهم في الزيارة نالوا ثواب الزيارة وكان هو بالتمكين سببا فيه فينبغي أن ~~يزن ثواب هذه المخالطات بآفاتها التي ذكرناها وعند ذلك قد ترجح العزلة وقد ~~ترجح المخالطة # فقد حكي عن جماعة من السلف مثل مالك وغيره ترك إجابة الدعوات وعيادة ~~المرضى وحضور الجنائز بل كانوا أحلاس بيوتهم لا يخرجون إلا الى الجمعة أو ~~زيارة القبور وبعضهم فارق الأمصار وانحاز الى قلل الجبال تفرغا للعبادة ~~وفرارا من الشواغل ### ||||| الفائدة السادسة # من المخالطة التواضع فإنه من أفضل المقامات ولا # يقدر عليه في الوحدة وقد يكون الكبر سببا في اختيار العزلة # فقد روي في الإسرائيليات أن حكيما من الحكماء ms0959 صنف ثلثمائة وستين مصحفا في ~~الحكمة حتى ظن أنه قد نال عند الله منزلة فأوحى الله الى نبيه قل لفلان إنك ~~قد ملأت الأرض نفاقا وإني لا أقبل من نفاقك شيئا قال فتخلى وانفرد في سرب ~~تحت الأرض وقال الآن قد بلغت رضا ربي فأوحى الله الى نبيه قل له إنك لن ~~تبلغ رضاي حتى تخالط الناس وتصبر على أذاهم فخرج فدخل الأسواق وخالط الناس ~~وجالسهم وواكلهم وأكل الطعام بينهم ومشى في الأسواق معهم فأوحى الله تعالى ~~إلى نبيه الآن قد بلغ رضاي # فكم من معتزل في بيته وباعثه الكبر ومانعه عن المحافل أن لا يوقر أو لا ~~يقدم أو يرى الترفع عن مخالطتهم أرفع لمحله وأتقى لطراوة ذكره بين الناس ~~وقد يعتزل خيفة من أن تظهر مقابحه لو خالط فلا يعتقد فيه الزهد والإشتغال ~~بالعبادة فيتخذ البيت سترا على مقابحه إبقاء على اعتقاد الناس في زهده ~~وتعبده من غير استغراق وقت الخلوة بذكر أو فكر وعلامة هؤلاء أنهم يحبون أن ~~يزاروا ولا يحبون أن يزوروا ويفرحون بتقرب العوام والسلاطين إليهم ~~واجتماعهم على بابهم وطرقهم وتقبيلهم أيديهم على سبيل التبرك ولو كان ~~الاشتغال بنفسه هو الذي يبغض إليه المخالطة وزيارة الناس لبغض إليه ~~زياراتهم له كما حكيناه عن الفضيل حيث قال وهل جئتني إلا لأتزين لك وتتزين ~~لي # وعن حاتم الأصم أنه قال للأمير الذي زاره حاجتي أن لا أراك ولا تراني # فمن ليس مشغولا مع نفسه بذكر الله فاعتزاله عن الناس سببه شدة اشتغاله ~~بالناس لأن قلبه متجرد للالتفات إلى نظرهم إليه بعين الوقار والاحترام # والعزلة بهذا السبب جهل من وجوه أحدها أن التواضع والمخالطة لا تنقص من ~~منصب من هو متكبر بعلمه أو دينه إذ كان علي رضي الله عنه يحمل التمر والملح ~~في ثوبه ويده ويقول # لا ينقص الكامل من كماله ... ما جر من نفع إلى عياله # وكان أبو هريرة وحذيفة وأبي وابن مسعود رضي الله عنهم يحملون حزم الحطب ~~وجرب الدقيق على أكتافهم PageV02P240 # وكان أبو هريرة ms0960 رضي الله عنه يقول وهو والي المدينة والحطب على رأسه ~~طرقوا لأميركم # وكان سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم يشتري الشيء فيحمله الى بيته بنفسه ~~فيقول له صاحبه أعطني أحمله فيقول صاحب الشيء أحق بحمله (1) # وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما يمر بالسؤال وبين أيديهم كسر فيقولون ~~هلم إلى الغداء يا ابن رسول الله فكان ينزل ويجلس على الطريق ويأكل معهم ~~ويركب ويقول إن الله لا يحب المستكبرين الوجه الثاني أن الذي شغل نفسه بطلب ~~رضا الناس عنه وتحسين اعتقادهم فيه مغرور لأنه لو عرف الله حق المعرفة علم ~~أن الخلق لا يغنون عنه من الله شيئا وأن ضرره ونفعه بيد الله ولا نافع ولا ~~ضار سواه وأن من طلب رضا الناس ومحبتهم بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه ~~الناس بل رضا الناس غاية لا تنال فرضا الله أولى بالطلب # ولذلك قال الشافعي ليونس بن عبد الأعلى والله ما أقول لك إلا نصحا إنه ~~ليس إلى السلامة من الناس من سبيل فانظر ماذا يصلحك فافعله ولذلك قيل # من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور # ونظر سهل الى رجل من أصحابه فقال له اعمل كذا وكذا لشيء أمره به فقال يا ~~أستاذ لا أقدر عليه لأجل الناس فالتفت إلى أصحابه وقال لا ينال عبد حقيقة ~~من هذا الأمر حتى يكون بأحد وصفين عبد تسقط الناس من عينه فلا يرى في ~~الدنيا إلا خالقه وأن أحدا لا يقدر على أن يضره ولا ينفعه # وعبد سقطت نفسه عن قلبه فلا يبالي بأي حال يرونه # وقال الشافعي رحمه الله ليس من أحد إلا وله محب ومبغض فإذا كان هكذا فكن ~~مع أهل طاعة الله وقيل للحسن يا أبا سعيد إن قوما يحضرون مجلسك ليس بغيتهم ~~إلا تتبع سقطات كلامك وتعنيتك بالسؤال فتبسم وقال للقائل هون على نفسك فإني ~~حدثت نفسي بسكنى الجنان ومجاورة الرحمن فطمعت وما حدثت نفسي بالسلامة من ~~الناس لأني قد علمت أن خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم لم يسلم ms0961 منهم # وقال موسى عليه السلام يا رب احبس عني ألسنة الناس فقال يا موسى هذا شيء ~~لم اصطفه نفسي فكيف أفعله بك وأوحى الله سبحانه وتعالى إلى عزير إن لم تطب ~~نفسا بأني اجعلك علكا في أفواه الماضغين لم أكتبك عندي من المتواضعين # فإذن من حبس نفسه في البيت ليحسن اعتقادات الناس وأقوالهم فيه فهو في ~~عناء حاضر في الدنيا {ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} فإذن لا تستحب ~~العزلة إلا لمستغرق الأوقات بربه ذكرا وفكرا وعبادة وعلما بحيث لو خالطه ~~الناس لضاعت أوقاته وكثرت آفاته ولتشوشت عليه عباداته # فهذه غوائل خفية في اختيار العزلة ينبغي أن تتقي فإنها مهلكات في صور ~~منجيات ### ||||| الفائدة السابعة التجارب # فإنها تستفاد من المخالطة للخلق ومجاري أحوالهم # والعقل الغريزي ليس كافيا في تفهم مصالح الدين والدنيا # وإنما تفيدها التجربة والممارسة ولا خير في عزلة من لم تحنكه التجارب ~~فالصبي إذا اعتزل بقي غمرا جاهلا بل ينبغي أن يشتغل بالتعلم ويحصل له في ~~مدة التعلم ما يحتاج إليه من التجارب ويكفيه ذلك ويحصل بقية التجارب بسماع ~~الأحوال ولا يحتاج الى المخالطة # ومن أهم التجارب أن يجرب نفسه وأخلاقه وصفات باطنه وذلك لا يقدر عليه في ~~الخلوة فإن كل مجرب في الخلاء يسر وكل غضوب أو حقود أو حسود إذا خلا بنفسه ~~لم يترشح منه خبثه وهذه الصفات مهلكات في أنفسها يجب إماطتها وقهرها ولا ~~يكفي تسكينها بالتباعد عما يحركها # فمثال القلب المشحون PageV02P241 # بهذه الخبائث مثال دمل ممتلىء بالصديد والمدة وقد لا يحس صاحبه بألمه ما ~~لم يتحرك أو يمسه غيره فإن لم يكن له يد تمسه أو عين تبصر صورته ولم يكن من ~~يحركه ربما ظن بنفسه السلامة ولم يشعر بالدمل في نفسه وأعتقد فقده ولكن لو ~~حركة محرك أو إصابة مشرط حجام لانفجر منه الصديد وفار فوران الشيء المختنق ~~إذا حبس عن الإسترسال فكذلك القلب المشحون بالحقد والبخل والحسد والغضب ~~وسائر الأخلاق الذميمة إنما تتفجر منه خبائثه إذا حرك # وعن هذا كان السالكون لطريق ms0962 الآخرة الطالبون لتزكية القلوب يجربون أنفسهم # فمن كان يستشعر في نفسه كبرا سعى في إماطته حتى كان بعضهم يحمل قربة ماء ~~على ظهره بين الناس أو حزمة حطب على رأسه ويتردد في الأسواق ليجرب نفسه ~~بذلك فإن غوائل النفس ومكايد الشيطان خفية قل من يتفطن لها ولذلك حكي عن ~~بعضهم أنه قال اعدت صلاة ثلاثين سنة مع أني كنت أصليها في الصف الأول ولكن ~~تخلفت يوما بعذر فما وجدت موضعا في الصف الأول فوقفت في الصف الثاني فوجدت ~~نفسي تستشعر خجلة من نظر الناس إلي وقد سبقت الى الصف الأول فعلمت أن جميع ~~صلواتي التي كنت أصليها كانت مشوبة بالرياء ممزوجة بلذة نظر الناس إلي ~~ورؤيتهم إياي في زمرة السابقين الى الخير # فالمخالطة لها فائدة ظاهرة عظيمة في استخراج الخبائث وإظهارها # ولذلك قيل السفر يسفر عن الأخلاق فإنه نوع من المخالطة الدائمة # وستأتي غوائل هذه المعاني ودقائقها في ربع المهلكات فإن بالجهل بها يحبط ~~العمل الكثير وبالعلم بها يزكو العمل القليل ولولا ذلك ما فضل العلم على ~~العمل إذ يستحيل أن يكون العلم بالصلاة ولا يراد للصلاة إلا أفضل من الصلاة ~~فإنا نعلم أن ما يراد لغيره فإن ذلك الغير أشرف منه وقد قضى الشرع بتفضيل ~~العالم على العابد حتى قال صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلي ~~على أدنى رجل من أصحابي (1) # فمعنى تفضيل العلم يرجع إلى ثلاثة أوجه # أحدها ما ذكرناه # والثاني عموم النفع لتعدى فائدته والعمل لا تتعدى فائدته # والثالث أن يراد به العلم بالله وصفاته وأفعاله فذلك أفضل من كل عمل بل ~~مقصود الأعمال صرف القلوب عن الخلق الى الخالق لتنبعث بعد الإنصراف اليه ~~لمعرفته ومحبته فالعمل وعلم العمل مرادان لهذا العلم وهذا العلم غاية ~~المريدين والعمل كالشرط له وإليه الإشارة بقوله تعالى {إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه} فالكلم الطيب هو هذا العلم والعمل كالحمال ~~الرافع له الى مقصده فيكون المرفوع أفضل من الرافع # وهذا كلام معترض لا يليق بهذا الكلام # فلنرجع ms0963 الى المقصود فنقول إذا عرفت فوائد العزلة وغوائلها تحققت أن الحكم ~~عليها مطلقا بالتفضيل نفيا وإثباتا خطأ بل ينبغي أن ينظر الى الشخص وحاله ~~والى الخليط وحاله والى الباعث على مخالطته والى الفائت بسبب مخالطته من ~~هذه الفوائد المذكورة ويقاس الفائت بالحاصل فعند ذلك يتبين الحق ويتضح ~~الأفضل وكلام الشافعي رحمه الله هو فصل الخطاب إذ قال يا يونس الإنقباض عن ~~الناس مكسبة للعداوة والإنبساط اليهم مجلبة لقرناء السوء فكن بين المنقبض ~~والمنبسط # فلذلك يجب الاعتدال في المخالطة والعزلة ويختلف ذلك بالأحوال # وبملاحظة الفوائد والآفات يتبين الأفضل # هذا هو الحق الصراح وكل ما ذكر سوى هذا فهو قاصر # وإنما هو إخبار كل واحد عن حالة خاصة هو فيها ولا يجوز أن يحكم بها على ~~غيره والمخالف له في الحال # والفرق بين العالم والصوفي في ظاهر العلم يرجع الى هذا وهو أن الصوفي لا ~~يتكلم إلا عن حاله فلا جرم تختلف اجوبتهم في المسائل والعالم هو الذي يدرك ~~الحق على ما هو عليه ولا ينظر الى حال نفسه فيكشف الحق فيه وذلك مما لا ~~يختلف فيه فإن الحق واحد أبداوالقاصر عن الحق كثير لا يحصى # ولذلك سئل الصوفية عن الفقر فما من واحد إلا وأجاب بجواب غير جواب الآخر ~~وكل ذلك حق PageV02P242 # بالإضافة إلى حاله وليس بحق في نفسه إذ الحق لا يكون إلا واحدا # ولذلك قال أبو عبد الله الجلاء وقد سئل عن الفقر فقال اضرب بكميك الحائط ~~وقل ربى الله فهو الفقر # وقال الجنيد الفقير هو الذي لا يسأل احدا ولا يعارض وإن عورض سكت # وقال سهل بن عبد الله الفقير الذي لا يسأل ولا يدخر # وقال آخر هو أن لا يكون لك فإن كان لك فلا يكون لك من حيث لم يكن لك # وقال إبراهيم الخواص هو ترك الشكوى وإظهار أثر البلوى # والمقصود أنه لو سئل منهم مائة لسمع منهم مائة جواب مختلفة قلما يتفق ~~منها اثنان وذلك كله حق من وجه فإنه خبر كل واحد عن حاله ms0964 وما غلب على قلبه # ولذلك لا نرى اثنين منهم يثبت أحدهما لصاحبه قدما في التصوف أو يثنى عليه ~~بل كل واحد منهم يدعى أنه الواصل إلى الحق والواقف عليه لأن أكثر ترددهم ~~على مقتضى 2 الأحوال التي تعرض لقلوبهم فلا يشتغلون إلا بأنفسهم ولا ~~يلتفتون إلى غيرهم # ونور العلم إذا أشرق أحاط بالكل وكشف الغطاء ورفع الاختلاف # ومثال نظر هؤلاء ما رأيت من نظر قوم في أدلة الزوال بالنظر في الظل فقال ~~بعضهم هو في الصيف قدمان وحكى عن آخر أنه نصف قدم وآخر يرد عليه وأنه في ~~الشتاء سبعة أقدام وحكى عن آخر أنه خمسة أقدام وآخر يرد عليه فهذا يشبه ~~أجوبة الصوفية واختلافهم فإن كل واحد من هؤلاء أخبر عن الظل الذي رآه ببلد ~~نفسه فصدق في قوله وأخطأ في تخطئته صاحبه إذ ظن أن العالم كله بلده أو هو ~~مثل بلده كما أن الصوفي لا يحكم على العالم إلا بما هو حال نفسه والعالم ~~بالزوال هو الذي يعرف علة طول الظل وقصره وعلة اختلافه بالبلاد فيخبر ~~بأحكام مختلفة في بلاد مختلفة ويقول في بعضها لا يبقى ظل وفي بعضها يطول ~~وفي بعضها يقصر فهذا ما أردنا أن نذكره من فضيلة العزلة والمخالطة # فإن قلت فمن آثر العزلة ورآها أفضل له وأسلم فما آدابه في العزلة فنقول ~~إنما يطول النظر في آداب المخالطة وقد ذكرناها في # كتاب آداب الصحبة وأما آداب العزلة فلا تطول فينبغي للمعتزل أن # ينوي بعزلته كف شر نفسه عن الناس أولا # ثم طلب السلامة من شر الأشرار ثانيا # ثم الخلاص من آفة القصور عن القيام بحقوق المسلمين ثالثا # ثم التجرد بكنه الهمة لعبادة الله رابعا فهذه آداب نيته # ثم ليكن في خلوته مواظبا على العلم والعمل والذكر والفكر ليجتني ثمرة ~~العزلة وليمنع الناس عن أن يكثروا غشيانه وزيارته فيشوش أكثر وقته # وليكف عن السؤال عن أخبارهم وعن الإصغاء إلى أراجيف البلد وما الناس ~~مشغولون به فإن كل ذلك ينغرس في القلب حتى ينبعث في ms0965 أثناء الصلاة أو الفكر ~~من حيث لا يحتسب فوقوع الأخبار في السمع كوقوع البذر في الأرض فلا بد أن ~~ينبت وتتفرع عروقه وأغصانه ويتداعى بعضها إلى بعض # وأحد مهمات المعتزل قطع الوساوس الصارفة عن ذكر الله # والأخبار ينابيع الوساوس وأصولها # وليقنع باليسير من المعيشة وإلا اضطره التوسع إلى الناس واحتاج إلى ~~مخالطتهم # وليكن صبورا على ما يلقاه من أذى الجيران وليسد سمعه عن الإصغاء إلى ما ~~يقال فيه من ثناء عليه بالعزلة أو قدح فيه بترك الخلطة فإن كل ذلك يؤثر في ~~القلب ولو مدة يسيرة وحال اشتغال القلب به لا بد أن يكون واقفا عن سيره إلى ~~طريق الآخرة فإن السير إما بالمواظبة على ورد وذكر مع حضور قلب وإما بالفكر ~~في جلال الله وصفاته وأفعاله وملكوت سمواته وأرضه وإما بالتأمل في دقائق ~~الأعمال ومفسدات القلوب وطلب طرق التحصن منها # وكل ذلك يستدعي الفراغ والإصغاء إلى جميع ذلك مما يشوش القلب في الحال # وقد يتجدد ذكره في دوام الذكر من حيث لا ينتظر # وليكن له أهل صالحة أو جليس صالح لتستريح نفسه إليه في اليوم ساعة من كد ~~المواظبة ففيه عون على بقية الساعات # ولا يتم له الصبر في العزلة إلا بقطع الطمع عن الدنيا PageV02P243 # وما الناس منهمكون فيه ولا ينقطع طمعه إلا بقصر الأمل بأن لا يقدر لنفسه ~~عمرا طويلا بل يصبح على أنه لا يمسي ويمسي على أنه لا يصبح فيسهل عليه صبر ~~يوم ولا يسهل عليه العزم على الصبر عشرين سنة لو قدر تراخى الأجل # وليكن كثير الذكر للموت ووحدة القبر مهما ضاق قلبه من الوحدة # وليتحقق أن من لم يحصل في قلبه من ذكر الله ومعرفته ما يأنس به فلا يطيق ~~وحشه الوحدة بعد الموت # وأن من أنس بذكر الله ومعرفته فلا يزيل الموت أنسه إذ لا يهدم الموت محل ~~الأنس والمعرفة بل يبقى حيا بمعرفته وأنسه فرحا بفضل الله عليه ورحمته كما ~~قال الله تعالى في الشهداء {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ms0966 أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله} وكل متجرد لله في ~~جهاد نفسه فهو شهيد مهما أدركه الموت مقبلا غير مدبر فالمجاهد من جاهد نفسه ~~وهواه (1) # كما صرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم # والجهاد الأكبر جهاد النفس كما قال بعض الصحابة رضي الله عنهم رجعنا من ~~الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر يعنون جهاد النفس # تم # كتاب العزلة ويتلوه كتاب آداب السفر والحمد لله وحده ### || كتاب آداب السفر وهو الكتاب السابع من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي فتح بصائر أوليائه بالحكم والعبر واستخلص همهم لمشاهدة ~~عجائب صنعه في الحضر والسفر فأصبحوا راضين بمجاري القدر منزهين قلوبهم عن ~~التلفت إلى متنزهات البصر إلا على سبيل الاعتبار بما يسبح في مسارح النظر ~~ومجاري الفكر فاستوى عندهم البر والبحر والسهل والوعر والبد والحضر # والصلاة على محمد سيد البشر وعلى صحبه المقتفين لآثاره في الأخلاق والسير ~~وسلم كثيرا # أما بعد فإن السفر وسيلة إلى الخلاص عن مهروب عنه أو الوصول إلى مطلوب ~~ومرغوب فيه # والسفر سفران سفر بظاهر البدن عن المستقر والوطن إلى الصحارى والفلوات ~~وسفر بسير القلب عن أسفل السافلين إلى ملكوت السموات # وأشرف السفرين السفر الباطن # فإن الواقف على الحالة التي نشأ عليها عقيب الولادة الجامد على ما تلقفه ~~بالتقليد من الآباء والأجداد لازم درجة القصور وقانع بمرتبة النقص ومستبدل ~~بمتسع فضاء جنة عرضها السماوات والأرض ظلمة السجن وضيق الحبس ولقد صدق ~~القائل # ولم أر في عيوب الناس عيبا ... كنقص القادرين على التمام # إلا أن هذا السفر لما كان مقتحمه في خطب خطير لم يستغن فيه عن دليل وخفير ~~فاقتضى غموض السبيل وفقد الخفير والدليل وقناعة السالكين عن الحظ الجزيل ~~بالنصيب النازل القليل اندرس مسالكه # فانقطع فيه الرفاق وخلا عن الطائفين متنزهات الأنفس والملكوت والآفاق # وإليه دعا الله سبحانه بقوله {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} ~~وبقوله تعالى {وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون} وعلى ms0967 ~~القعود عن هذا السفر وقع الإنكار بقوله تعالى {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ~~وبالليل أفلا تعقلون} وبقوله سبحانه {وكأين} PageV02P244 # {من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون} فمن يسر له هذا ~~السفر لم يزل في سيره متنزها في جنة عرضها السماوات والأرض وهو ساكن بالبدن ~~مستقر في الوطن # وهو السفر الذي لا تضيق فيه المناهل والموارد ولا يضر فيه التزاحم ~~والتوارد بل تزيد بكثرة المسافرين غنائمه وتتضاعف ثمراته وفوائده فغنائمه ~~دائمة غير ممنوعة وثمراته متزايدة غير مقطوعة إلا إذا بدا للمسافر فترة في ~~سفره ووقفة في حركته فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم وما الله بظلام للعبيد ولكنهم يظلمون أنفسهم ومن لم ~~يؤهل للجولان في هذا الميدان والتطواف في متنزهات هذا البستان ربما سافر ~~بظاهر بدنه في مدة مديدة فراسخ معدودة مغتنما بها تجارة للدنيا أو ذخيرة ~~للآخرة فإن كان مطلبه العلم والدين أو الكفاية للاستعانة على الدين كان من ~~سالكي سبيل الآخرة وكان له في سفره شروط وآداب إن أهملها كان من عمال ~~الدنيا وأتباع الشيطان وإن واظب عليها لم يخل سفره عن فوائد تلحقه بعمال ~~الآخرة ونحن نذكر آدابه وشروطه في بابين إن شاء الله تعالى # الباب الأول في الآداب من أول النهوض إلى آخر الرجوع وفي نية السفر # وفائدته وفيه فصلان # الباب الثاني فيما لا بد للمسافر من تعلمه من رخص السفر وأدلة القبلة ~~والأوقات ### ||| الباب الأول في الآداب من أول النهوض إلى آخر الرجوع وفي نية السفر وفائدته وفيه فصلان ### |||| الفصل الأول في فوائد السفر وفضله ونيته # اعلم أن السفر نوع حركة ومخالطة وفيه فوائد وله آفات كما ذكرناه في # كتاب الصحبة والعزلة والفوائد الباعثة على السفر لا تخلو من هرب أو طلب # فإن المسافر إما أن يكون له مزعج عن مقامه ولولاه لما كان له مقصد يسافر ~~إليه وإما أن يكون له مقصد ومطلب # والمهروب عنه إما أمر له نكاية في الأمور الدنيوية # كالطاعون والوباء ms0968 إذا ظهر ببلد أو خوف سببه فتنة أو خصومة أو غلاء سعر # وهو إما عام كما ذكرناه أو خاص كمن يقصد بأذية في بلدة فيهرب منها # وإما أمر له نكاية في الدين كمن ابتلى في بلده بجاه ومال واتساع أسباب ~~تصده عن التجرد لله فيؤثر الغربة والخمول ويجتنب السعة والجاه أو كمن يدعى ~~إلى بدعة قهرا أو إلى ولاية عمل لا تحل مباشرته فيطلب الفرار منه # وأما المطلوب فهو إما دنيوي كالمال والجاه أو ديني والديني إما علم وإما ~~عمل # والعلم إما علم من العلوم الدينية وإما علم بأخلاق نفسه وصفاته على سبيل ~~التجربة وأما علم بآيات الأرض وعجائبها كسفر ذي القرنين وطوافه في نواحي ~~الأرض # والعمل إما عبادة وإما زيارة # والعبادة هو الحج والعمرة والجهاد # والزيارة أيضا من القربات وقد يقصد بها مكان كمكة والمدينة وبيت المقدس # والثغور فإن الرباط بها قربة # وقد يقصد بها الأولياء والعلماء وهم إما موتى فتزار قبورهم وإما أحياء ~~فيتبرك بمشاهدتهم ويستفاد من النظر إلى أحوالهم قوة الرغبة في الإقتداء بهم # فهذه هي أقسام الأسفار ويخرج من هذه القسمة أقسام # القسم الأول السفر في طلب العلم وهو إما واجب وإما نفل وذلك بحسب كون ~~العلم واجبا أو نفلا # وذلك PageV02P245 # العلم إما علم بأمور دينه أو بأخلاقه في نفسه أو بآيات الله في أرضه # وقد قال صلى الله عليه وسلم من خرج من بيته في طلب العلم فهو في سبيل ~~الله حتى يرجع (1) # وفي خبر آخر من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة ~~(2) # وكان سعيد بن المسيب يسافر الأيام في طلب الحديث الواحد # وقال الشعبي لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدله على هدى ~~أو ترده عن ردى ما كان سفره ضائعا # ورحل جابر بن عبد الله من المدينة إلى مصر مع عشرة من الصحابة فساروا ~~شهرا في حديث بلغهم عن عبد الله أنيس الأنصاري يحدث به عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى سمعوه ms0969 (3) # وكل مذكور في العلم محصل له من زمان الصحابة إلى زماننا هذا لم يحصل ~~العلم إلا بالسفر وسافر لأجله وأما علمه بنفسه وأخلاقه فذلك أيضا مهم فإن ~~طريق الآخرة لا يمكن سلوكها إلا بتحسين الخلق وتهذيبه ومن لا يطلع على ~~أسرار باطنه وخبائث صفاته لا يقدر على تطهير القلب منها # وإنما السفر هو الذي يسفر عن أخلاق الرجال وبه يخرج الله الخبء في ~~السماوات والأرض وإنما سمى السفر سفرا لأنه يسفر عن الأخلاق ولذلك قال عمر ~~رضي الله عنه للذي زكى عنده بعض الشهود هل صحبته في السفر الذي يستدل به ~~على مكارم أخلاقه فقال لا فقال ما أراك تعرفه # وكان بشر يقول يا معشر القراء سيحوا تطيبوا فإن الماء إذا ساح طاب وإذا ~~طال مقامه في موضع تغير # وبالجملة فإن النفس في الوطن مع مواتاة الأسباب لا تظهر خبائث أخلاقها ~~لاستئناسها بما يوافق طبعها من المألوفات المعهودة فإذا حملت وعثاء السفر ~~وصرفت عن مألوفاتها المعتادة وامتحنت بمشاق الغربة انكشفت غوائلها ووقع ~~الوقوف على عيوبها فيمكن الاشتغال بعلاجها # وقد ذكرنا في # كتاب العزلة فوائد المخالطة والسفر مخالطة مع زيادة اشتغال واحتمال مشاق # وأما آيات الله في أرضه ففي مشاهدتها فوائد للمستبصر ففيها قطع متجاورات ~~وفيها الجبال والبراري والبحار وأنواع الحيوان والنبات وما من شيء منها إلا ~~وهو شاهد لله بالوحدانية ومسبح له بلسان ذلق لا يدركه إلا من ألقى السمع ~~وهو شهيد # وأما الجاحدون والغافلون والمغترون بلامع السراب من زهرة الدنيا فإنهم لا ~~يبصرون ولا يسمعون لأنهم عن السمع معزولون وعن آيات ربهم محجوبون {يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} وما أريد بالسمع السمع ~~الظاهر فإن الذينأريدوا به ما كانوا معزولين عنه وإنما أريد به السمع ~~الباطن ولا يدرك بالسمع الظاهر إلا الأصوات # ويشارك الإنسان فيه سائر الحيوانات # فأما السمع الباطن فيدرك به لسان الحال الذي هو نطق وراء نطق المقال يشبه ~~قول القائل حكاية لكلام الوتد والحائط قال الجدار للوتد لم تشقني فقال سل ~~من ms0970 يدقنى ولم يتركني ورائي الحجر الذي ورائي # وما من ذرة في السماوات والأرض إلا ولها أنواع شاهدات لله تعالى ~~بالوحدانية هي توحيدها وأنواع شاهدات لصانعها بالتقدس هي تسبيحها ولكن لا ~~يفقهون تسبيحها لأنهم لم يسافروا من مضيق سمع الظاهر إلى فضاء سمع الباطن ~~ومن ركاكة لسان المقال PageV02P246 # إلى فصاحة لسان الحال ولو قدر كل عاجز على مثل هذا السير لما كان سليمان ~~عليه السلام مختصا بفهم منطق الطير ولما كان موسى عليه السلام مختصا بسماع ~~كلام الله تعالى الذي يجب تقديسه عن مشابهة الحروف والأصوات # ومن يسافر ليستقرئ هذه الشهادات من الأسطر المكتوبة بالخطوط الإلهية على ~~صفحات الجمادات لم يطل سفره بالبدن بل يستقر في موضع ويفرغ قلبه للتمتع ~~بسماع نغمات التسبيحات من آحاد الذرات فماله وللتردد في الفلوات وله غنية ~~في ملكوت السماوات فالشمس والقمر والنجوم بأمره مسخرات # وهي إلى أبصار ذوى البصائر مسافرات في الشهر والسنة مرات بل هي دائبة في ~~الحركة على توالى الأوقات # فمن الغرائب أن يدأب في الطواف بآحاد المساجد من أمرت الكعبة أن تطوف به ~~ومن الغرائب أن يطوف في أكناف الأرض من يطوف به أقطار السماء # ثم ما دام المسافر مفتقرا إلى أن يبصر عالم الملك والشهادة بالبصر الظاهر ~~فهو بعد في المنزل الأول من منازل السائرين إلى الله والمسافرين إلى حضرته ~~وكأنه معتكف على باب الوطن لم يفض به المسير إلى متسع الفضاء ولا سبب لطول ~~المقام في هذا المنزل إلا الجبن والقصور # ولذلك قال بعض أرباب القلوب إن الناس ليقولون افتحوا أعينكم حتى تبصروا ~~وأنا أقول غمضوا أعينكم حتى تبصروا وكل واحد من القولين حق إلا أن الأول ~~خبر عن المنزل الأول القريب من الوطن والثاني خبر عما بعده من المنازل ~~البعيدة عن الوطن التي لا يطؤها إلا مخاطر بنفسه والمجاوز إليها ربما يتيه ~~فيها سنين وربما يأخذ التوفيق بيده فيرشده الى سواء السبيل والهالكون في ~~التيه هم الأكثرون من ركاب هذه الطريق ولكن السائحون بنور التوفيق فازوا ~~بالنعيم والملك المقيم ms0971 وهم الذين سبقت لهم من الله الحسنى واعتبر هذا الملك ~~بملك الدنيا فإنه يقل بالإضافة الى كثرة الخلق طلابه ومهما عظم المطلوب قل ~~المساعد # ثم الذي يهلك أكثر من الذي يملك # ولا يتصدى لطلب الملك العاجز الجبان لعظيم الخطر وطول التعب # وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام # وما أودع الله العز والملك في الدين والدنيا إلا في حيز الخطر # وقد يسمى الجبان الجبن والقصور باسم الحزم والحذر كما قيل # ترى الجبناء أن الجبن حزم ... وتلك خديعة الطبع اللئيم # فهذا حكم السفر الظاهر إذا أريد به السفر الباطن بمطالعة آيات الله في ~~الأرض # فلنرجع الى الغرض الذي كنا نقصده ولنبين القسم الثاني وهو أن يسافر لأجل ~~العبادة إما لحج أو جهاد وقد ذكرنا فضل ذلك وآدابه وأعماله الظاهرة ~~والباطنة في # كتاب أسرار الحج ويدخل في جملته زيارة قبور الأنبياء عليهم السلام # وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء وكل من يتبرك ~~بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد وفاته # ويجوز شد الرحال لهذا الغرض ولا يمنع من هذا قوله صلى الله عليه وسلم لا ~~تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ~~(1) # لأن ذلك في المساجد فإنها متماثلة بعد هذه المساجد وإلا فلا فرق بين ~~زيارة قبور الأنبياء والأولياء والعلماء في أصل الفضل وإن كان يتفاوت في ~~الدرجات تفاوتا عظيما بحسب اختلاف درجاتهم عند الله # وبالجملة زيارة الأحياء أولى من زيارة الأموات # والفائدة من زيارة الأحياء طلب بركة الدعاء وبركة النظر إليهم ~~PageV02P247 # فإن النظر الى وجوه العلماء والصلحاء عبادة # وفيه أيضا حركة للرغبة في الإقتداء بهم والتخلق بأخلاقهم وآدابهم هذا سوى ~~ما ينتظر من الفوائد العلمية المستفادة من أنفاسهم وأفعالهم كيف ومجرد ~~زيارة الأخوان في الله فيه فضل كما ذكرناه في # كتاب الصحبة وفي التوراة سر أربعة أميال زر أخا في الله وأما # البقاع فلا معنى لزيارتها سوى المساجد الثلاثة وسوى الثغور للرباط بها ~~فالحديث ظاهر في أنه لا تشد الرحال لطلب بركة البقاع إلا الى ms0972 المساجد ~~الثلاثة # وقد ذكرنا فضائل الحرمين في # كتاب الحج وبيت المقدس أيضا له فضل كبير خرج ابن عمر من # المدينة قاصدا بيت المقدس حتى صلى فيه الصلوات الخمس ثم كرراجعا من الغد ~~الى المدينة # وقد سأل سليمان عليه السلام ربه عز وجل أن من قصد هذا المسجد لا يعنيه ~~إلا الصلاة فيه أن لا تصرف نظرك عنه ما دام مقيما فيه حتى يخرج منه وأن ~~تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه فأعطاه الله ذلك # القسم الثالث أن يكون السفر للهرب من سبب مشوش للدين # وذلك أيضا حسن فالفرار مما لا يطاق من سنن الأنبياء والمرسلين # ومما يجب الهرب منه الولاية والجاه وكثرة العلائق والأسباب فإن كل ذلك ~~يشوش فراغ القلب والدين لا يتم إلا بقلب فارغ عن غير الله فإن لم يتم فراغه ~~فلا يتصور أن يشتغل بالدين # ولا يتصور فراغ القلب في الدنيا عن مهمات الدنيا والحاجات الضرورية ولكن ~~يتصور تخفيفها وتثقيلها وقد نجا المخفون وهلك المثقلون # والحمد لله الذي لم يعلق النجاة بالفراغ المطلق عن جميع الأوزار والأعباء ~~بل قبل المخف بفضله وشمله بسعة رحمته # والمخف هو الذي ليست الدنيا أكبر همه وذلك لا يتيسر في الوطن لمن اتسع ~~جاهه وكثرت علائقه فلا يتم مقصوده إلا بالغربة والخمول وقطع العلائق التي ~~لا بد عنها حتى يروض نفسه مدة مديدة # ثم ربما يمده الله بمعونته فينعم عليه بما يقوي به يقينه ويطمئن به قلبه ~~فيستوي عنده الحضر والسفر ويتقارب عنده وجود الأسباب والعلائق وعدمها فلا ~~يصده شيء منها عما هو بصدده من ذكر الله وذلك مما يعز وجوده جدا بل الغالب ~~على القلوب الضعف والقصور عن الاتساع للخلق والخالق وإنما يسعد بهذه القوة ~~الأنبياء والأولياء والوصول اليها بالكسب شديد وإن كان للاجتهاد والكسب ~~فيها مدخل أيضا # ومثال تفاوت القوة الباطنة فيه كتفاوت القوة الظاهرة في الاعضاء فرب رجل ~~قوى ذى مرة سوى شديد الأعصاب محكم البنية يستقل بحمل ما وزنه ألف رطل مثلا ~~فلو أراد الضعيف المريض أن ينال ms0973 رتبته بممارسة الحمل والتدريج فيه قليلا ~~قليلا لم يقدر عليه ولكن الممارسة والجهد يزيد في قوته زيادة ما وإن كان ~~ذلك لا يبلغه درجته فلا ينبغي أن يترك الجهد عند اليأس عن الرتبة العليا ~~فإن ذلك غاية الجهل ونهاية الضلال # وقد كان من عادة السلف رضي الله عنهم مفارقة الوطن خيفة من الفتن # وقال سفيان الثوري هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخامل فكيف على ~~المشتهرين هذا زمان رجل ينتقل من بلد الى بلد كلما عرف في موضع تحول الى ~~غيره # وقال أبو نعيم رأيت سفيان الثوري وقد علق قلته بيده ووضع جرابه على ظهره ~~فقلت إلى أين يا أبا عبد الله قال بلغني عن قرية فيها رخص أريد أن أقيم بها ~~فقلت له وتفعل هذا قال نعم إذا بلغك أن قرية فيها رخص فأقم بها فإنه أسلم ~~لدينك وأقل لهمك وهذا هرب من غلاء السعر # وكان سرى السقطي يقول للصوفية إذا خرج الشتاء فقد خرج أذار وأورقت ~~الأشجار وطاب الإنتشار فانتشروا # وقد كان الخواص لا يقيم ببلد أكثر من أربعين يوما # وكان من المتوكلين ويرى الإقامة اعتمادا على الأسباب قادحا في التوكل # وسيأتي أسرار PageV02P248 # الإعتماد على الأسباب في كتاب التوكل إن شاء الله تعالى # القسم الرابع السفر هربا مما يقدح # في البدن كالطاعون أو في المال كغلاء السعر أو ما يجري مجراه # ولا حرج في ذلك بل ربما يجب الفرار في بعض المواضع وربما يستحب في بعض ~~بحسب وجوب ما يترتب عليه من الفوائد واستحبابه ولكن يستثنى منه الطاعون فلا ~~ينبغي أن يفر منه لورود النهي فيه # قال أسامة بن زيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا الوجع أو ~~السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم ثم بقي بعد في الأرض منه (1) # وقالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فناء ~~أمتي بالطعن والطاعون فقلت هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون قال غدة كعدة ~~البعير تأخذهم في مراقهم المسلم الميت ms0974 منه شهيد والمقيم عليه المحتسب ~~كالمرابط في سبيل الله والفار منه كالفار من الزحف (2) # وعن مكحول عن أم أيمن قالت # أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه لا تشرك بالله شيئا وإن ~~عذبت أو حرقت وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من كل شيء هو لك فاخرج منه # ولا تترك الصلاة عمدا فإن من ترك الصلاة عمدا فقد برئت ذمة الله منه ~~وإياك والخمر فإنها مفتاح كل شر وإياك والمعصية فإنها تسخط الله ولا تفر من ~~الزحف وإن أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبت فيهم أنفق من طولك على أهل ~~بيتك ولا ترفع عصاك عنهم أخفهم بالله (3) # فهذه الأحاديث تدل على أن الفرار من الطاعون منهي عنه وكذلك القدوم عليه # وسيأتي شرح ذلك في # كتاب التوكل فهذه أقسام الأسفار وقد خرج منه أن السفر ينقسم الى # مذموم والى محمود والى مباح # والمذموم ينقسم الى حرام كإباق العبد وسفر العاق والى مكروه كالخروج من ~~بلد الطاعون # والمحمود ينقسم الى واجب كالحج وطلب العلم الذي هو فريضة على كل مسلم ~~والى مندوب اليه كزيارة العلماء وزيارة مشاهدهم # ومن هذه الأسباب تتبين النية في السفر فإن معنى النية الانبعاث للسبب ~~الباعث والانتهاض لاجابة الداعية # ولتكن نيته الآخرة في جميع أسفاره وذلك ظاهر في الواجب والمندوب ومحال في ~~المكروه والمحظور # وأما المباح فمرجعه إلى النية # فمهما كان قصده بطلب المال مثلا التعفف عن السؤال ورعاية ستر المروءة على ~~الأهل والعيال والتصدق بما يفضل عن مبلغ الحاجة صار هذا المباح بهذه النية ~~من أعمال الآخرة # ولو خرج إلى الحج وباعثه الرياء والسمعة لخرج عن كونه من أعمال الآخرة ~~لقوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات (4) # فقوله صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات عام في الواجبات والمندوبات ~~والمباحات دون المحظورات فإن النية لا تؤثر في إخراجها عن كونها من ~~المحظورات وقد قال بعض السلف إن الله تعالى قد وكل بالمسافرين ملائكة ~~ينظرون الى مقاصدهم فيعطي كل واحد على قدر نيته # فمن كانت نيته ms0975 الدنيا أعطي منها ونقص من آخرته أضعافه وفرق عليه همه وكثر ~~بالحرص والرغبة شغله # ومن كانت نيته الآخرة أعطي من البصيرة والحكمة والفطنة وفتح له من ~~التذكرة والعبرة بقدر نيته وجمع له همه ودعت له الملائكة واستغفرت له # وأما النظر في أن السفر هو الأفضل أو الإقامة فذلك يضاهي النظر في أن ~~الأفضل هو العزلة أو المخالطة PageV02P249 # وقد ذكر منهاجه في # كتاب العزلة فليفهم هذا منه فإن السفر نوع مخالطة مع زيادة تعب ومشقة # تفرق الهم وتشتت القلب في حق الأكثرين # والأفضل في هذا ما هو الأعون على الدين ونهاية ثمرة الدين في الدنيا ~~تحصيل معرفة الله تعالى وتحصيل الأنس بذكر الله تعالى والأنس يحصل بدوام ~~الذكر والمعرفة تحصل بدوام الفكر # ومن لم يتعلم طريق الفكر والذكر لم يتمكن منهما # والسفر هو المعين على التعلم في الابتداء # والإقامة هي المعينة على العمل بالعلم في الانتهاء وأما السياحة في الأرض ~~على الدوام فمن المشوشات للقلب إلا في حق الأقوياء فإن المسافر وماله لعلى ~~قلق إلا ما وقى الله فلا يزال المسافر مشغول القلب تارة بالخوف على نفسه ~~وماله وتارة بمفارقة ما ألفه واعتاده في إقامته # وإن لم يكن معه مال يخاف عليه فلا يخلو عن الطمع والاستشراف الى الخلق ~~فتارة يضعف قلبه بسبب الفقر وتارة يقوى باستحكام أسباب الطمع # ثم الشغل بالحط والترحال مشوش لجميع الأحوال فلا ينبغي أن يسافر المريد ~~إلا في طلب علم أو مشاهدة شيخ يقتدي به في سيرته وتستفاد الرغبة في الخير ~~من مشاهدته فان اشتغل بنفسه واستبصر وانفتح له طريق الفكر أو العمل فالسكون ~~أولى به إلا أن أكثر متصوفة هذه الأعصار لما خلت بواطنهم عن لطائف الأفكار ~~ودقائق الأعمال ولم يحصل لهم أنس بالله تعالى وبذكره في الخلوة وكانوا ~~بطالين غير محترفين ولا مشغولين قد ألفوا البطالة واستثقلوا العمل ~~واستوعروا طريق الكسب واستلانوا جانب السؤال والكدية واستطابوا الرباطات ~~المبنية لهم في البلاد واستسخروا الخدم المنتصبين للقيام بخدمة القوم ~~واستخفوا عقولهم وأديانهم من حيث لم يكن ms0976 قصدهم من الخدمة إلا الرياء ~~والسمعة وانتشار الصيت واقتناص الأموال بطريق السؤال تعللا بكثرة الأتباع ~~فلم يكن لهم في الخانقاهات حكم ناقذ ولا تأديب للمريد بن نافع ولا حجر ~~عليهم قاهر فبسوا المرقعات واتخذوا في الخانقاهات متنزهات وربما تلقفوا ~~ألفاظا مزخرفة من أهل الطامات فينظرون الى أنفسهم وقد تشبهوا بالقوم في ~~خرقتهم وفي سياحتهم وفي لفظهم وعبارتهم وفي آداب ظاهرة من سيرتهم فيظنون ~~بأنفسهم خيرا ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ويعتقدون أن كل سوداء تمرة ويتوهمون ~~أن المشاركة في الظاهر توجب المساهمة في الحقائق وهيهات فما أغزر حماقة من ~~لا يميز بين الشحم والورم فهؤلاء بغضاء الله فإن الله تعالى يبغض الشاب ~~الفارغ # ولم يحملهم على السياحة إلا الشباب والفراغ إلا من سافر لحج أو عمرة في ~~غير رياء ولا سمعة أو سافر لمشاهدة شيخ يقتدي به في علمه وسيرته وقد خلت ~~البلاد عنه الآن # والأمور الدينية كلها قد فسدت وضعفت إلا التصوف فإنه قد انمحق بالكلية ~~وبطل لأن العلوم لم تندرس بعد والعالم وإن كان عالم سوء فإنما فساده في ~~سيرته لا في علمه فيبقى عالما غير عامل بعلمه والعمل غير العلم # وأما التصوف فهو عبارة عن تجرد القلب لله تعالى واستحقار ما سوى الله # وحاصله يرجع الى عمل القلب والجوارح # ومهما فسد العمل فات الأصل # وفي أسفار هؤلاء نظر للفقهاء من حيث أنه إتعاب للنفس بلا فائدة وقد يقال ~~إن ذلك ممنوع # ولكن الصواب عندنا أن نحكم بالإباحة فإن حظوظهم التفرج عن كرب البطالة ~~بمشاهدة البلاد المختلفة وهذه الحظوظ وإن كانت خسيسة فنفوس المتحركين لهذه ~~الحظوظ أيضا خسيسة ولا بأس بإتعاب حيوان خسيس لحظ خسيس يليق به ويعود إليه ~~فهو المتأذي والمتلذذ # والفتوى تقتضي تشتيت العوام في المباحات التي لا نفع فيها ولا ضرر ~~فالسابحون في غير مهم في الدين والدنيا بل لمحض التفرج في البلاد كالبهائم ~~المترددة في الصحارى فلا بأس بسياحتهم ما كفوا عن الناس شرهم ولم يلبسوا ~~على الخلق حالهم وإنما عصيانهم في التلبيس والسؤال على ms0977 اسم التصوف والأكل ~~من الأوقاف التي وقفت على الصوفية لأن الصوفي عبارة عن رجل صالح عدل في ~~دينه مع صفات أخر PageV02P250 # وراء الصلاح ومن أقل صفات أحوال هؤلاء أكلهم أموال السلاطين وأكل الحرام ~~من الكبائر فلا تبقى معه العدالة والصلاح ولو تصور صوفي فاسق لتصور صوفي ~~كافر وفقيه يهودي # وكما أن الفقيه عبارة عن مسلم مخصوص فالصوفي عبارة عن عدل مخصوص لا يقتصر ~~في دينه على القدر الذي يحصل به العدالة # وكذلك من نظر الى ظواهرهم ولم يعرف بواطنهم وأعطاهم من ماله على سبيل ~~التقرب إلى الله تعالى حرم عليهم الأخذ وكان ما أكلوه سحتا وأعني به إذا ~~كان المعطي بحيث لو عرف بواطن أحوالهم ما أعطاهم فأخذ المال بإظهار التصوف ~~من غير اتصاف بحقيقته كأخذه بإظهار نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~سبيل الدعوى ومن زعم أنه علوى وهو كاذب وأعطاه مسلم مالا لحبه أهل البيت ~~ولو علم أنه كاذب لم يعطه شيئا فأخذه على ذلك حرام وكذلك الصوفي # ولهذا احترز المحتاطون عن الأكل بالدين فإن المبالغ في الاحتياط لدينه لا ~~ينفك في باطنه عن عورات لو انكشفت للراغب في مواساته لفترت رغبته عن ~~المواساة # فلا جرم كانوا لا يشترون شيئا بأنفسهم مخافة أن يسامحوا لأجل دينهم ~~فيكونوا قد أكلوا بالدين # وكانوا يوكلون من يشتري لهم ويشترطون على الوكيل أن لا يظهر أنه لمن ~~يشتري # نعم إنما يحل أخذ ما يعطي لأجل الدين إذا كان الأخذ بحيث لو علم المعطي ~~من باطنه ما يعلمه الله تعالى لم يقتض ذلك فتورا في رأيه فيه والعاقل ~~المنصف يعلم من نفسه أن ذلك ممتنع أو عزيز والمغرور الجاهل بنفسه أحرى بأن ~~يكون جاهلا بأمر دينه فإن أقرب الأشياء الى قالبه قلبه فإذا التبس عليه أمر ~~قلبه فكيف ينكشف له غيره ومنعرف هذه الحقيقة لزمه لا محالة أن لا يأكل إلا ~~من كسبه ليأمن من هذه الغائلة أو لا يأكل إلا من مال من يعلم قطعا أنه لو ~~انكسف له عورات ms0978 باطنه لم يمنعه ذلك عن مواساته # فإن اضطر طالب الحلال ومريد طريق الآخرة الى أخذ مال غيره فليصرح له ~~وليقل إنك إن كنت تعطيني لما تعتقده في من الدين فلست مستحقا لذلك ولو كشف ~~الله تعالى ستري لم ترني بعين التوقير بل اعتقدت أبي شر الخلق أو من شرارهم ~~فإن أعطاه مع ذلك فليأخذ فإنه ربما يرضى منه هذه الخصلة وهو اعترافه على ~~نفسه بركاكة الدين وعدم استحقاقه لما يأخذه # ولكن ههنا مكيدة للنفس بينة ومخادعة فليتفطن لها وهو أنه قد يقول ذلك ~~مظهرا أنه متشبه بالصالحين في ذمهم نفوسهم واستحقارهم لها ونظرهم اليها ~~بعين المقت والازدراء فتكون صورة الكلام صورة القدح والإزدراء وباطنه وروحه ~~هو عين المدح والإطراء فكم من ذام نفسه وهو لها مادح بعين ذمه فذم النفس في ~~الخلوة مع النفس هو المحمود # وأما الذم في الملأ فهو عين الرياء إلا إذا أورده إيرادا يحصل للمستمع ~~يقينا بأنه مقترف للذنوب ومعترف بها # وذلك مما يمكن تفهيمه بقرائن الأحوال ويمكن تلبيسه بقرائن الأحوال # والصادق بينه وبين الله تعالى يعلم أن مخادعته لله عز وجل أو مخادعته ~~لنفسه محال فلا يتعذر عليه الاحتراز عن أمثال ذلك # فهذا هو القول في أقسام السفر ونية المسافر وفضيلته ### |||| الفصل الثاني في آداب المسافر من أول نهوضه إلى آخر رجوعه وهي أحد عشر آدبا # الأول أن يبدأ برد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لمن تلزمه نفقته ~~وبرد الودائع إن كانت عنده ولا يأخذ لزاده إلا الحلال الطيب وليأخذ قدرا ~~يوسع به على رفقائه # قال ابن عمر رضي الله عنهما من كرم الرجل طيب زاده في سفره # ولا بد في السفر من طيب الكلام وإطعام الطعام وإظهار مكارم الأخلاق في ~~السفر فإنه يخرج خبايا الباطن # ومن صلح لصحبة السفر صلح لصحبة الحضر وقد يصلح في الحضر من لا يصلح في ~~السفر # ولذلك PageV02P251 # قيل إذا أثنى على الرجل معاملوه في الحضر ورفقاؤه في السفر فلا تشكوا في ~~صلاحه # والسفر من أسباب الضجر ومن أحسن خلقه ms0979 في الضجر فهو الحسن الخلق وإلا فعند ~~مساعدة الأمور على وفق الغرض قلما يظهر سوء الخلق # وقد قيل ثلاثة لا يلامون على الضجر الصائم والمريض والمسافر وتمام حسن ~~خلق المسافر الإحسان الى المكاري ومعاونة الرفقة بكل ممكن والرفق بكل منقطع ~~بأن لا يجاوزه إلا بالإعانة بمركوب أو زاد أو توقف لأجله # وتمام ذلك مع الرفقاء بمزاح ومطايبة في بعض الأوقات من غير فحش ولا معصية ~~ليكون ذلك شفاء لضجر السفر ومشاقه # الثاني أن يختار رفيقا فلا يخرج وحده فالرفيق ثم الطريق # وليكن رفيقه ممن يعينه على الدين فيذكره إذا نسي ويعينه ويساعده إذا ذكر ~~فإن المرء على دين خليله ولا يعرف الرجل إلا برفيقه # وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن أن يسافر الرجل وحده (1) # وقال الثلاثة نفر (2) # وقال أيضا إذا كنتم ثلاثة في السفر فأمروا أحدكم (3) # وكانوا يفعلون ذلك ويقولون هذا أميرنا أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(4) # وليؤمروا أحسنهم أخلاقا وأرفقهم بالأصحاب وأسرعهم إلى الإيثار وطلب ~~الموافقة # وإنما يحتاج إلى الأمير لأن الآراء تختلف في تعيين المنازل والطرق ومصالح ~~السفر ولا نظام إلا في الوحدة ولا فساد إلا في الكثرة # وإنما انتظم أمر العالم لأن مدبر الكل واحد {لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا} ومهما كان المدبر واحدا انتظم أمر التدبير # وإذا كثر المدبرون فسدت الأمور في الحضر والسفر إلا أن مواطن الإقامة لا ~~تخلو عن أمير عام كأمير البلد # وأمير خاص كرب الدار # وأما السفر فلا يتعين له أمير إلا بالتأمير # فلهذا وجب التأمير ليجتمع شتات الآراء # ثم على الأمير أن لا ينظر إلا لمصلحة القوم وأن يجعل نفسه وقاية لهم كما ~~نقل عن عبد الله المروزي أنه صحبه أبو على الرباطي فقال على أن تكون أنت ~~الأمير أو أنا فقال بل أنت فلم يزل يحمل الزاد لنفسه ولأبي علي على ظهره ~~فأمطرت السماء ذات ليلة فقام عبد الله طول الليل على رأس رفيقه وفي يده كسا ~~يمنع عنه المطر فكلما قال له عبد الله ms0980 لا تفعل يقول ألم تقل إن الإمارة ~~مسلمة لي فلا تتحكم علي ولا ترجع عن قولك حتى قال أبو علي وددت أني مت ولم ~~أقل له أنت الأمير فهكذا ينبغي أن يكون الأمير # وقد قال صلى الله عليه وسلم خير الأصحاب أربعة (5) # وتخصيص الأربعة من بين سائر الأعداد لا بد أن يكون له فائدة والذي ينقدح ~~فيه أن المسافر لا يخلو عن رجل يحتاج الى حفظه وعن حاجة يحتاج الى التردد ~~فيها ولو كانوا ثلاثة لكان المتردد في الحاجة واحدا فيبقى في السفر بلا ~~رفيق فلا يخلو عن خطر وعن ضيق قلب لفقد أنس الرفيق ولو تردد في الحاجة ~~اثنان لكان الحافظ للرحل واحدا فلا يخلو أيضا عن الخطر وعن ضيق الصدر # فإذن ما دون الأربعة لا يفي بالمقصود وما فوق الأربعة يزيد فلا تجمعهم ~~رابطة واحدة فلا ينعقد بينهم الترافق لأن الخامس زيادة بعد الحاجة ومن ~~يستغني عنه لا تنصرف الهمة اليه فلا تتم المرافقة معه # نعم في كثرة الرفقاء فائدة للأمن من المخاوف PageV02P252 # ولكن الأربعة خير للرفاقة الخاصة لا للرفاقة العامة # وكم من رفيق في الطريق عند كثرة الرفاق لا يكلم ولا يخالط الى آخر الطريق ~~للاستغناء عنه # الثالث أن يودع رفقاء الحضر والأهل والأصدقاء وليدع عند الوداع بدعاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # قال بعضهم صحبت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما من مكة الى المدينة حرسها ~~الله فلما أردت أن افارقه شيعني وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول قال لقمان إن الله تعالى إذا استودع شيئا حفظه وإني أستودع الله دينك ~~وأمانتك وخواتيم عملك (1) # وروى زيد بن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أراد ~~أحدكم سفرا فليودع أخوانه فإن الله تعالى جاعل له في دعائهم البركة (2) # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا ودع رجلا قال زودك الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك الى الخير حيث توجهت ms0981 ~~(3) # فهذا دعاء المقيم للمودع # وقال موسى بن وردان أتيت أبا هريرة رضي الله عنه أودعه لسفر أردته # فقال ألا أعلمك يا ابن أخي شيئا علمنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ~~الوداع فقلت بلى قال قل أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه (4) # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~إني أريد سفرا فأوصني فقال له في حفظ الله وفي كنفه زودك الله التقوى وغفر ~~ذنبك ووجهك للخير حيث كنت أو أينما كنت (5) # شك فيه الراوي # وينبغي إذا استودع الله تعالى ما يخلفه أن يستودع الجمع ولا يخصص # فقد روي أن عمر رضي الله عنه كان يعطي الناس عطاياهم إذ جاءه رجل معه ابن ~~له فقال له عمر ما رأيت أشبه بأحد من هذا بك فقال له الرجل أحدثك عنه يا ~~أمير المؤمنين بأمر إني أردت أن أخرج الى سفر وأمه حامل به فقالت تخرج ~~وتدعني على هذه الحالة فقلت أستودع الله ما في بطنك فخرجت ثم قدمت فإذا هي ~~قد ماتت فجلسنا نتحدث فإذا نار على قبرها فقلت للقوم ما هذه النار فقالوا ~~هذه النار من قبر فلانة نراها كل ليلة فقلت والله إنها كانت لصوامة قوامة ~~فأخذت المعول حتى انتهينا الى القبر فحفرنا فإذا سراج وإذا هذا الغلام يدب ~~فقيل لي أن هذه وديعتك ولو كنت استودعت أمه لوجدتها فقال عمر رضي الله عنه ~~لهو أشبه بك من الغراب بالغراب # الرابع أن يصلي قبل سفره صلاة الإستخارة كما وصفناها في # كتاب الصلاة ووقت الخروج يصلي لأجل السفر فقد روى أنس بن مالك رضي # الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني نذرت سفرا وقد ~~كتبت وصيتي فالى أي الثلاثة أدفعها الى ابني أم أخي أم أبي فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما استخلف عبد في أهله من خليفة أحب إلى الله من أربع ركعات ~~يصليهن في بيته إذا شد عليه ثياب سفره يقرأ فيهن ms0982 بفاتحة الكتاب وقل هو الله ~~أحد ثم يقول اللهم إني أتقرب بهن إليك فاخلفني بهن في أهلي ومالي فهي ~~خليفته في أهله وماله وحرز حول داره حتى يرجع الى أهله (6) PageV02P253 # الخامس إذا حصل على باب الدار فليقل بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله رب أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو ~~أجهل أو يجهل علي فإذا مشى قال اللهم بك انتشرت وعليك توكلت وبك اعتصمت ~~وإليك توجهت اللهم أنت ثقتي وأنت رجائي فاكفني ما أهمني وما لا أهتم به وما ~~أنت أعلم به مني عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك اللهم زودني التقوى واغفر ~~لي ذنبي ووجهني للخير أينما توجهت # وليدع بهذا الدعاء في كل منزل يرحل عنه # فإذا ركب الدابة فليقل بسم الله وبالله والله أكبر توكلت على الله ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ما شاءالله كان وما لم يشأ لم يكن ~~سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون # فإذا استوت الدابة تحته فليقل {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي ~~لولا أن هدانا الله} اللهم أنت الحامل على الظهر وأنت المستعان على الأمور # السادس أن يرحل عن المنزل بكرة # روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم رحل يوم الخميس وهو يريد تبوك وقال ~~اللهم بارك لأمتي في بكورها (1) # ويستحب أن يبتدئ بالخروج يوم الخميس فقد روى عبد الله بن كعب بن مالك عن ~~أبيه قال قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج الى سفر إلا يوم ~~الخميس (2) # وروى أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم ~~السبت وكان صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية بعثها أول النهار (3) # وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال اللهم بارك ~~لأمتي في بكورها يوم خميسها (4) # وقال عبد الله بن عباس إذا كان لك الى ms0983 رجل حاجة فاطلبها منه نهارا ولا ~~تطلبها ليلا واطلبها بكرة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~اللهم بارك لأمتي في بكورها (5) # ولا ينبغي أن يسافر بعد طلوع الفجر من يوم الجمعة فيكون عاصيا بترك ~~الجمعة واليوم منسوب اليها فكان أوله من أسباب وجوبها # والتشييع للوداع مستحب وهو سنة قال صلى الله عليه وسلم لأن أشيع مجاهدا ~~في سبيل الله فأكتنفه على رحله غدوة أو روحه أحب الى من الدنيا وما فيها ~~(6) # السابع أن لا ينزل حتى يحمى النهار فهي السنة ويكون أكثر سيره بالليل # قال صلى الله عليه وسلم عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوي بالليل ما لا تطوي ~~بالنهار (7) # ومهما أشرف على المنزل فليقل اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب ~~الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما ذرين ورب ~~البحار وما جرين أسالك خير هذا المنزل وخير أهله وأعوذ بك من شر هذا المنزل ~~وشر ما فيه اصرف عني شر شرارهم # فإذا نزل المنزل فليصل فيه ركعتين ثم ليقل اللهم إني أعوذ بكلمات الله ~~التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق # فإذا جن عليه الليل فليقل يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك ومن شر ~~ما فيك وشر ما دب عليك أعوذ بالله PageV02P254 # من شر كل أسد وأسود وحية وعقرب ومن شر ساكني البلد ووالد وما ولد {وله ما ~~سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم} ومهما علا شرفا من الأرض في وقت ~~السير فينبغي أن يقول اللهم لك الشرف على كل شرف ولك الحمد على كل حال ~~ومهما هبط سبح ومهما خاف الوحشة في سفره قال سبحان الملك القدوس رب ~~الملائكة والروح جللت السماوات بالعزة والجبروت # الثامن أن يحتاط بالنهار فلا يمشي منفردا خارج القافلة لأنه ربما يغتال ~~أو ينقطع ويكون بالليل متحفظا عند النوم # كان صلى الله عليه وسلم إذا نام في ابتداء الليل في السفر افترش ذراعيه ~~وإن نام في آخر الليل نصب ms0984 ذراعيه نصبا وجعل رأسه في كفه (1) # والغرض من ذلك أن لا يستثقل في النوم فتطلع الشمس وهو نائم لا يدري فيكون ~~ما يفوته من الصلاة أفضل مما يطلبه بسفره # والمستحب بالليل أن يتناوب الرفقاء في الحراسة فإذا نام واحد حرس آخر (2) # فهذه السنة # ومهما قصده عدو أو سبع في ليل أو نهار فليقرأ آية الكرسي وشهد الله وسور ~~الإخلاص والمعوذتين # وليقل بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله حسبي الله توكلت على الله ~~ما شاء الله لا يأتي بالخيرات إلا الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله ~~حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعا ليس وراء الله منتهى ولا دون الله ملجأ ~~كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز تحصنت بالله العظيم واستعنت ~~بالحي القيوم الذي لا يموت اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام واكنفنا بركنك ~~الذي لا يرام اللهم ارحمنا بقدرتك علينا فلا تهلك وانت ثقتنا ورجاؤنا اللهم ~~أعطف علينا قلوب عبادك وإمائك برأفة ورحمة إنك أنت أرحم الراحمين # التاسع أن يرفق بالدابة إن كان راكبا فلا يحملها ما لا تطيق # ولا يضربها في وجهها فإنه منهي عنه ولا ينام عليها فإنه يثقل بالنوم ~~وتتأذى به الدابة كان أهل الورع لا ينامون على الدواب إلا غفوة وقال صلى ~~الله عليه وسلم لا تتخذوا ظهور دوابكم كراسي (3) # ويستحب أن ينزل عن الدابة غدوة وعشية يروحها بذلك (4) # فهو سنة وفيه آثار عن السلف # وكان بعض السلف يكتري بشرط أن لا ينزل ويوفي الأجرة # ثم كان ينزل ليكون بذلك محسنا إلى الدابة فيوضع في ميزان حسناته لا في ~~ميزان حسنات المكارى # ومن آذى بهيمة بضرب أو حمل ما لا تطيق طولب به يوم القيامة إذ في كل كبد ~~حراء أجر # قال أبو الدرداء رضي الله عنه لبعير له عند الموت أيها البعير لا تخاصمني ~~إلى ربك فإني لم أك أحملك فوق طاقتك # وفي النزول ساعة صدقتان إحداهما ترويح الدابة والثانية إدخال السرور على ~~قلب المكاري # وفي ms0985 فائدة أخرى وهي رياضة البدن وتحريك الرجلين # والحذر من خدر الأعضاء بطول الركوب # وينبغي أن يقرر مع المكاري ما يحمله عليها شيئا شيئا ويعرضه عليه ويستأجر ~~الدابة بعقد صحيح لئلا يثور بينهما نزاع يؤذي القلب ويحمل على الزيادة في ~~الكلام فما يلفظ العبد من قول إلا لديه رقيب عتيد # فليحترز عن كثرة الكلام واللجاج مع المكارى فلا ينبغي أن يحمل فوق ~~المشروط شيئا وإن خف # فإن القليل يجر الكثير ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه # قال رجل لابن المبارك وهو على دابة احمل لي هذه الرقعة إلى فلان فقال حتى ~~أستأذن المكاري فإني لم أشارطه على هذه الرقعة # فانظر كيف لم يلتفت إلى قول الفقهاء إن هذا مما يتسامح فيه ولكن ~~PageV02P255 # سلك طريق الورع # العاشر ينبغي أن يستصحب ستة أشياء # قالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر حمل ~~معه خمسة أشياء # المرآة والمكحلة والمقراض والسواك والمشط (1) # وفي رواية أخرى عنها ستة أشياء المرآة والقارورة والمقراض والسواك ~~والمكحلة والمشط # وقالت أم سعد الأنصارية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفارقه في ~~السفر المرآة والمكحلة (2) # وقال صهيب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بالإثمد عند مضجعكم ~~فإنه مما يزيد في البصر وينبت الشعر (3) # وروي أنه كان يكتحل ثلاثا ثلاثا وفي رواية أنه اكتحل لليمنى ثلاثا ~~ولليسرى ثنتين (4) # وقد زاد الصوفية الركوة والحبل # وقال بعض الصوفية إذا لم يكن مع الفقير ركوة وحبل دل على نقصان دينه # وإنما زادوا هذا لما رأوه من الإحتياط في طهارة الماء وغسل الثياب ~~فالركوة لحفظ الماء الطاهر والحبل لتجفيف الثوب المغسول ولنزع الماء من ~~الآبار # وكان الأولون يكتفون بالتيمم ويغنون أنفسهم عن نقل الماء # ولا يبالون بالوضوء من الغدران ومن المياه كلها ما لم يتيقنوا نجاستها ~~حتى توضأ عمر رضي الله عنه من ماء في جرة نصرانية # وكانوا يكتفون بالأرض والجبال عن الحبل فيفرشون الثياب المغسولة عليها # فهذه بدعة إلا أنها بدعة حسنة وإنما ms0986 البدعة المذمومة ما تضاد السنن ~~الثابتة وأما ما يعين على الإحتياط في الدين فمستحسن # وقد ذكرنا أحكام المبالغة في الطهارات في # كتاب الطهارة وأن المتجرد لأمر الدين لا ينبغي أن يؤثر طريق الرخصة # بل يحتاط في الطهارة ما لم يمنعه ذلك عن عمل أفضل منه # وقيل كان الخواص من المتوكلين وكان لا يفارقه أربعة أشياء في السفر ~~والحضر الركوة والحبل والإبرة بخيوطها والمقراض وكان يقول هذه ليست من ~~الدنيا # الحادي عشر في آداب الرجوع من السفر كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~قفل من غزو أو حج أو عمرة أو غيره يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ~~ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده ~~وهزم الأحزاب وحده (5) # وإذا أشرف على مدينته فليقل اللهم اجعل لنا بها قرارا ورزقا حسنا # ثم ليرسل الى أهله من يبشرهم بقدومه كيلا يقدم عليهم بغتة فيرى ما يكرهه ~~ولا ينبغي له أن يطرقهم ليلا (6) # فقد ورد النهي عنه # وكان صلى الله عليه وسلم إذا قدم دخل المسجد أولا وصلى ركعتين ثم دخل ~~البيت (7) # وإذا دخل قال توبا توبا لربنا أوبا أوبا لا يغادر علينا حوبا (8) ~~PageV02P256 # وينبغي أن يحمل لأهل بيته وأقاربه تحفة من مطعوم أو غيره على قدر إمكانه ~~فهو سنة # فقد روي أنه إن لم يجد شيئا فليضع في مخلاته حجرا (1) # وكأن هذا مبالغة في الإستحثاث على هذه المكرمة لأن الأعين تمتد إلى ~~القادم من السفر والقلوب تفرح به فيتأكد الاستحباب في تأكيد فرحهم وإظهار ~~التفات القلب في السفر إلى ذكرهم بما يستصحبه في الطريق لهم فهذه جملة من ~~الآداب الظاهرة # وأما الآداب الباطنة ففي الفصل الأول بيان جملة منها # وجملته أن لا يسافر إلا إذا كان زيادة دينه في السفر # ومهما وجد قلبه متغيرا الى نقصان فيقف ولينصرف ولا ينبغي أن يجاوز همه ~~منزله بل ينزل حيث ينزل ms0987 قلبه وينوي في دخول كل بلدة أن يرى شيوخها ويجتهد ~~أن يستفيد من كل واحد منهم أدبا أو كلمة لينتفع بها لا ليحكي ذلك ويظهر أنه ~~لقى المشايخ # ولا يقيم ببلدة أكثر من أسبوع أو عشرة أيام إلا أن يأمره الشيخ المقصود ~~بذلك # ولا يجالس في مدة الإقامة إلا الفقراء الصادقين وإن كان قصده زيارة أخ ~~فلا يزيد على ثلاثة أيام فهو حد الضيافة إلا إذا شق على أخيه مفارقته # وإذا قصد زيارة شيخ فلا يقيم عنده أكثر من يوم وليلة # ولا يشغل نفسه بالعشرة فإن ذلك يقطع بركة سفره # وكلما دخل بلدا لا يشتغل بشيء سوى زيارة الشيخ بزيارة منزله فإن كان في ~~بيته فلا يدق عليه بابه ولا يستأذن عليه إلى أن يخرج فإذا خرج تقدم إليه ~~بأدب فسلم عليه ولا يتكلم بين يديه إلا أن يسأله فإن سأله أجاب بقدر السؤال ~~ولا يسأله عن مسألة ما لم يستأذن أولا # وإذا كان في السفر فلا يكثر ذكر أطعمة البلدان وأسخيائها ولا ذكر أصدقائه ~~فيها وليذكر مشايخها وفقراءها # ولا يهمل في سفره زيارة قبور الصالحين بل يتفقدها في كل قرية وبلدة # ولا يظهر حاجته إلا بقدر الضرورة ومع من يقدر على إزالتها # ويلازم في الطريق الذكر وقراءة القرآن بحيث لا يسمع غيره # وإذا كلمه إنسان فليترك الذكر وليجبه ما دام يحدثه ثم ليرجع إلى ما كان ~~عليه # فإن تبرمت نفسه بالسفر أو بالإقامة فليخالفها فالبركة في مخالفة النفس # وإذا تيسرت له خدمة قوم صالحين فلا ينبغي له أن يسافر تبرما بالخدمة فذلك ~~كفران نعمة # ومهما وجد نفسه في نقصان عما كان عليه في الحضر فليعلم أن سفره معلول ~~وليرجع إذ لو كان لحق لظهر أثره # قال رجل لأبي عثمان المغربي خرج فلان مسافرا فقال السفر غربة والغربة ذلة ~~وليس للمؤمن أن يذل نفسه وأشار به إلى أن من ليس له في السفر زيادة دين فقد ~~أذل نفسه وإلا فعز الدين لا ينال إلا بذلة الغربة # فليكن سفر المريد من ms0988 وطن هواه ومراده وطبعه حتى يعز في هذه الغربة ولا ~~يذل فإن من اتبع هواه في سفره ذل لا محالة إما عاجلا وإما آجلا ### ||| الباب الثاني فيما لا بد للمسافر من تعلمه من رخص السفر وأدلة القبلة والأوقات # اعلم أن المسافر يحتاج في أول سفره الى أن يتزود لدنياه ولآخرته # أما زاد الدنيا فالطعام والشراب وما يحتاج إليه من نفقة # فإن خرج متوكلا من غير زاد فلا بأس به إذا كان سفره في قافلة أو بين قرى ~~متصلة # وإن ركب البادية وحده أو مع قوم لا طعام معهم ولا شراب فإن كان ممن يصبر ~~على الجوع أسبوعا أو عشرا مثلا أو يقدر على أن يكتفي بالحشيش فله ذلك # وإن لم يكن له قوة الصبر على الجوع ولا القدرة على الاجتزاء بالحشيش ~~فخروجه منغير زاد معصية فإنه ألقى نفسه بيده إلى التهلكة ولهذا سر سيأتي في ~~كتاب التوكل PageV02P257 # وليس معنى التوكل التباعد عن الأسباب بالكلية ولو كان كذلك لبطل التوكل ~~بطلب الدلو والحبل ونزع الماء من البئر ولوجب أن يصبر حتى يسخر الله له ~~ملكا أو شخصا آخر حتى يصب الماء في فيه # فإن كان حفظ الدلو والحبل لا يقدح في التوكل وهو آلة الوصول إلى المشروب ~~فحمل عين المطعوم والمشروب حيث لا ينتظر له وجود أولى بأن لا يقدح فيه # وستأتي حقيقة التوكل في موضعها فإنه يلتبس إلا على المحققين من علماء ~~الدين # وأما زاد الآخرة فهو العلم الذي يحتاج إليه في طهارته وصومه وصلاته ~~وعبادته فلا بد وأن يتزود منه إذ السفر تارة يخفف عنه أمورا فيحتاج الى ~~معرفة القدر الذي يخففه السفر كالقصر والجمع والفطر وتارة يشدد عليه أمورا ~~كان مستغنيا عنها في الحضر كالعلم بالقبلة وأوقات الصلوات فإنه في البلد ~~يكتفي بغيره من محاريب المساجد وأذان المؤذنين وفي السفر قد يحتاج الى أن ~~يتعرف بنفسه # فإذن ما يفتقر الى تعلمه ينقسم الى قسمين ### |||| القسم الأول العلم برخص السفر # والسفر يفيد في الطهارة رخصتين مسح الخفين والتيمم وفي ms0989 صلاة الفرض رخصتين ~~القصر والجمع وفي النفل رخصتين أداؤه على الراحلة وأداؤه ماشيا وفي الصوم ~~رخصة واحدة وهي الفطر فهذه سبع رخص # الرخصة الأولى المسح على الخفين قال صفوان بن عسال أمرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أو سفر أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ~~ولياليهن (1) # فكل من لبس الخف على طهارة مبيحة للصلاة ثم أحدث فله أن يمسح على خفه من ~~وقت حدثه ثلاثة أيام ولياليهن إن كان مسافرا أو يوما وليلة إن كان مقيما ~~ولكن بخمسة شروط # الأول أن يكون اللبس بعد كمال الطهارة فلو غسل الرجل اليمنى وأدخلها في ~~الخف ثم غسل اليسرى فأدخلها في الخف لم يجز له المسح عند الشافعي رحمه الله ~~حتى ينزع اليمنى ويعيد لبسه # الثاني أن يكون الخف قويا يمكن المشي فيه ويجوز المسح على الخف وإن لم ~~يكن منعلا إذ العادة جارية بالتردد فيه في المنازل لأن فيه قوة على الجملة ~~بخلاف جورب الصوفية فإنه لا يجوز المسح عليه وكذا الجرموق الضعيف # الثالث أن لا يكون في موضع فرض الغسل خرق فإن تخرق بحيث انكشف محل الفرض ~~لم يجز المسح عليه # وللشافعي قول قديم إنه يجوز ما دام يستمسك على الرجل وهو مذهب مالك رضي ~~الله عنه # ولا بأس به لمسيس الحاجة إليه وتعذر الخرز في السفر في كل وقت # والمداس المنسوج يجوز المسح عليه مهما كان ساترا لا تبدو بشرة القدم من ~~خلاله وكذا المشقوق الذي يرد على محل الشق بشرج لأن الحاجة تمس الى جميع ~~ذلك فلا يعتبر إلا أن يكون ساتراإلى ما فوق الكعبين كيفما كان # فأما إذا ستر بعض ظهر القدم وستر الباقي باللفافة لم يجز المسح عليه # الرابع أن لا ينزع الخف بعد المسح عليه فإن نزع فالأولى له استئناف ~~الوضوء فإن اقتصر على غسل القدمين جاز # الخامس أن يمسح على الموضع المحاذي لمحل فرض الغسل لا على الساق وأقله ما ~~يسمى مسحا على ظهر القدم PageV02P258 # من الخف # وإذا مسح بثلاث أصابع ms0990 أجزأه والأولى أن يخرج من شبهة الخلاف وأكمله أن ~~يمسح أعلاه وأسفله دفعة واحدة من غير تكرار (1) كذلك فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # ووصفه أن يبل اليدين ويضع رءوس أصابع اليمنى من يده على رءوس أصابع ~~اليمنى من رجله ويمسحه بأن يجر أصابعه الى جهة نفسه ويضع رءوس أصابع يده ~~اليسرى على عقبه من أسفل الخف ويمرها الى رأس القدم # ومهما مسح مقيما ثم سافر أو مسافرا ثم أقام غلب حكم الإقامة فليقتصر على ~~يوم وليلة # وعدد الأيام الثلاثة محسوب من وقت حدثه بعد المسح على الخف فلو لبس الخف ~~في الحضر ومسح في الحضر ثم خرج وأحدث في السفر وقت الزوال مثلا مسح ثلاثة ~~أيام ولياليهن من وقت الزوال الى الزوال من اليوم الرابع فإذا زالت الشمس ~~من اليوم الرابع لم يكن له أن يصلي إلا بعد غسل الرجلين فيغسل رجليه ويعيد ~~لبس الخف ويراعي وقت الحدث ويستأنف الحساب من وقت الحدث # ولو أحدث بعد لبس الخف في الحضر ثم خرج بعد الحدث فله أن يمسح ثلاثة أيام ~~لأن العادة قد تقتضي اللبس قبل الخروج ثم لا يمكن الاحتراز من الحدث # فأما إذا مسح في الحضر ثم سافر اقتصر على مدة المقيمين # ويستحب لكل من يريد لبس الخف في حضر أو سفر أن ينكس الخف وينفض ما فيه ~~حذرا من حية أو عقرب أو شوكة # فقد روي عن أبي أمامة أنه قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخفيه ~~فلبس أحدهما فجاء غراب فاحتمل الآخر ثم رمى به فخرجت منه حية فقال صلى الله ~~عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما (2) # الرخصة الثانية التيمم بالتراب بدلا عن الماء عند العذر إنما يتعذر الماء ~~بأن يكون بعيدا عن المنزل بعدا لو مشى إليه لم يلحقه غوث القافلة إن صاح أو ~~استغاث وهو البعد الذي لا يعتاده أهل المنزل في تردادهم لقضاء الحاجة ~~التردد إليه # وكذا إن نزل على الماء عدو أو ms0991 سبع فيجوز التيمم وإن كان الماء قريبا # وكذا إن احتاج إليه لعطشه في يومه أو بعد يومه لفقد الماء بين يديه فله ~~التيمم وكذا إن احتاج إليه لعطش أحد رفقائه فلا يجوز له الوضوء ويلزمه بذله ~~إما بثمن أو بغير ثمن ولو كان يحتاج إليه لطبخ مرقة أو لحم أو لبل فتيت ~~يجمعه به لم يجز له التيمم بل عليه أن يجتزي بالفتيت اليابس ويترك تناول ~~المرقة # ومهما وهب له الماء وجب قبوله وإن وهب له ثمنه لم يجب قبوله لما فيه من ~~المنة # وإن بيع بثمن المثل لزمه الشراء وإن بيع بغبن لم يلزمه # فإذا لم يكن معه ماء وأراد أن يتيمم فأول ما يلزمه طلب الماء مهما جوز ~~الوصول إليه بالطلب وذلك بالتردد حوالي المنزل وتفتيش الرحل وطلب البقايا ~~من الأواني والمطاهر # فإن نسي الماء في رحله أو نسي بئرا بالقرب منه لزمه إعادة الصلاة لتقصيره ~~في الطلب # وإن علم أنه سيجد الماء في آخر الوقت فالأولى أن يصلي بالتيمم في أول ~~الوقت فإن العمر لا يوثق به # وأول الوقت رضوان الله # تيمم ابن عمر رضي الله عنهما فقيل له أتتيمم وجدران المدينة تنظر إليك ~~فقال أو أبقى الى أن أدخلها ومهما وجد الماء بعد الشروع في الصلاة لم تبطل ~~صلاته ولم يلزمه الوضوء # وإذا وجده قبل الشروع في الصلاة لزمه الوضوء # ومهما طلب فلم يجد فليقصد صعيدا طيبا عليه تراب يثور منه غبار وليضرب ~~عليه كفيه بعد ضم أصابعهما PageV02P259 # ضربة فيمسح بها وجهه ويضرب ضربة أخرى بعد نزع الخاتم ويفرج الأصابع ويمسح ~~بها يديه الى مرفقيه فإن لم يستوعب بضربة واحدة جميع يديه ضرب ضربة أخرى ~~وكيفية التلطف فيه ما ذكرناه في # كتاب الطهارة فلا نعيده ثم اذا صلى به فريضة واحدة فله ان يتنفل # ما شاء بذلك التيمم # وان اراد الجمع بين فريضتين فعليه أن يعيد التيمم للصلاة الثانية فلا ~~يصلى فريضتين الا بتيممين # ولا ينبغي ان يتيمم لصلاة قبل دخول وقتها فإن فعل وجب عليه ms0992 اعادة التيمم # ولينو عند مسح الوجه استباحة الصلاة # ولو وجد من الماء ما يكفيه لبعض طهارته فيستعمله ثم ليتيمم بعده تيمما ~~تاما # الرخصة الثالثة في الصلاة المفروضة القصر وله أن يقتصر في كل واحدة من ~~الظهر والعصر والعشاء على ركعتين ولكن بشروط ثلاثة # الأول أن يؤديها في أوقاتها فلو صارت قضاء فالأظهر لزوم الاتمام # الثاني أى ينوي القصر فلو نوى الإتمام لزمه الإتمام ولو شك في أنه نوى ~~القصر أو الإتمام لزمه الإتمام # الثالث أي لا يقتدي بمقيم ولا بمسافر متم فإن فعل لزمه الإتمام بل إن شك ~~في ان إمامه مقيم أو مسافر لزمه الإتمام وان تيقن بعده أنه مسافر لان شعار ~~المسافر لا تخفى فليكن متحققا عند النية وان شك في أن إمامه هل نوى القصر ~~أم لا بعد أن عرف أنه مسافر لم يضره ذلك لان النيات لا يطلع عليها # وهذا كله إذا كان في سفر طويل مباح # وحد السفر من جهة البداية والنهاية فيه إشكال فلا بد من معرفته # والسفر هو الانتقال من موضع الإقامة مع ربط القصد بمقصد معلوم فالهائم ~~وراكب التعاسيف ليس له الترخص وهو الذي لا يقصد موضعا معينا ولا يصير ~~مسافرا ما لم يفارق عمران البلد ولا يشترط أن يجاوز خراب البلدة وبساتينها ~~التى يخرج أهل البلدة إليها للتنزه # وأما القرية فالمسافر منها ينبغي أن يجاوز البساتين المحوطة دون التى ~~ليست بمحوطة # ولو رجع المسافر إلى البلد لأخذ شىء نسيه لم يترخص إن كان ذلك وطنه ما لم ~~يجاوز العمران وإن لم يكن ذلك هو الوطن فله الترخص إذ صار مسافرا بالانزعاج ~~والخروج منه # وأما نهاية السفر فبأحد أمور ثلاثة # الاول الوصول إلى العمران من البلد الذي عزم على الإقامة به # الثاني العزم على الإقامة ثلاثة أيام فصاعدا إما في بلد أو في صحراء # الثالث صورة الاقامة وأن لم يعزم كما إذا أقام على موضع واحد ثلاثة أيام ~~سوى يوم الدخول لم يكن له الترخص بعده وإن لم يعزم على الإقامة وكان ms0993 له شغل ~~وهو يتوقع كل يوم إنجازه ولكنه يتعوق عليه ويتاخر فله أن يترخص وإن طالت ~~المدة على أقيس القولين لأنه منزعج بلقبه ومسافر عن الوطن بصورته ولا ~~مبالاة بصورة الثبوت على موضع واحد مع انزعاج القلب ولا فرق بين أن يكون ~~هذا الشغل قتالا أو غيره ولا بين أن تطول المدة أو تقصر ولا بين أن يتأخر ~~الخروج لمطر لا يعلم بقاؤه ثلاثة أيام أو لغيره إذ ترخص رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقصر فى بعض الغزوات ثمانية عشر يوما على موضع واحد (1) # وظاهر الأمر أنه لو تمادى القتال لتمادى ترخصه إذ لا معنى للتقدير ~~بثمانية عشر يوما # والظاهر أن قصره كان لكونه مسافرا لا لكونه غازيا مقاتلا هذا معنى القصر # وأما معنى التطويل فهو أن يكون مرحلتين كل مرحلة ثمانية فراسخ وكل فرسخ ~~ثلاثة أميال وكل ميل PageV02P260 # أربعة آلاف خطوة وكل خطوة ثلاثة أقدام # ومعنى المباح أن لا يكون عاقا لوالديه هاربا منهما ولا هاربا من مالكه ~~ولا تكون المرأة هاربة من زوجها ولا أن يكون من عليه الدين هاربا من ~~المستحق مع اليسار ولا يكون متوجها في قطع طريق إو قتل إنسان أو طلب إدرار ~~حرام من سلطان ظالم أو سعى بالفساد بين المسلمين # وبالجملة فلا يسافر الإنسان إلا فى غرض والغرض هو المحرك # فإن كان تحصيل ذلك الغرض حراما ولولا ذلك الغرض لكان لا ينبعث لسفره ~~فسفره معصية ولا يجوز فيه الترخص # واما الفسق في السفر بشرب الخمر وغيره فلا يمنع الرخصة # بل كل سفر ينهى الشرع عنه فلا يعين عليه بالرخصة ولو كان له باعثان ~~أحدهما مباح والاخر محظور وكان بحيث لو لم يكن الباعث له المحظور لكان ~~المباح مستقلا بتحريكه ولكان لا محالة يسافر لأجله فله الترخص # والمتصوفة الطوافون في البلاد من غير غرض صحيح سوى التفرج لمشاهدة البقاع ~~المختلفة في ترخصهم خلاف والمختار أن لهم الترخص # الرخصة الرابعة الجمع بين الظهر والعصر في وقتيهما وبين المغرب والعشاء ~~في وقتيهما فذلك أيضا جائز ms0994 في كل سفر طويل مباح وفي جوازه في السفر القصير ~~قولان # ثم إن قدم العصر إلى الظهر فلينو الجمع بين الظهر والعصر في وقتيهما قبل ~~الفراغ من الظهر وليؤذن للظهر وليقم وعند الفراغ يقيم للعصر ويجدد التيمم ~~أولا ان كان فرضه التيمم ولا يفرق بينهما بأكثر من تيمم واقامة فان قدم ~~العصر لم يجز وان نوى الجمع عند التحرم بصلاة العصر جاز عند المزنى وله وجه ~~فى القياس إذ لا مستند لا لايجاب تقديم النية بل الشرع جوز الجمع وهذا جمع ~~وإنما الرخصة فى العصر فتكفى النية فيها وأما الظهر فجار على القانون # ثم إذا فرغ من الصلاتين فينبغي أن يجمع بين سنن الصلاتين أما العصر فلا ~~سنة بعدها ولكن السنة التى بعد الظهر يصليها بعد الفراغ من العصر إما راكبا ~~أو مقيما لأنه لو صلى راتبة الظهر قبل العصر لانقطعت الموالاة وهي واجبة ~~على وجه ولو أراد أن يقيم الأربع المسنونة قبل الظهر والأربع المسنونة قبل ~~العصر فليجمع بينهن قبل الفريضتين فيصلى سنة الظهر أولا ثم سنة العصر ثم ~~فريضة الظهر ثم فريضة العصر ثم سنة الظهر الركعتان اللتان هما بعد الفرض ~~ولا ينبغي أن يهمل النوافل فى السفر فما يفوته من أبوابها أكثر مما يناله ~~من الربح لا سيما وقد خفف الشرع عليه وجوز له أداءها على الراحلة كي لا ~~يتعوق عن الرفقة بسببها # وإن أخر الظهر إلى العصر فيجري على هذا الترتيب ولا يبالي بوقوع راتبة ~~الظهر بعد العصر فى الوقت المكروه لأن ما له سبب لا يكره فى هذا الوقت ~~وكذلك يفعل في المغرب والعشاء والوتر # وإذا قدم أو أخر فبعد الفراغ من الفرض يشتغل بجميع الرواتب ويختم الجميع ~~بالوتر # وإن خطر له ذكر الظهر قبل خروج وقته فليعزم على أدائه مع العصر جميعا فهو ~~نية الجمع لأنه إنما يخلو عن هذه النية إما بنية الترك أو بنية التأخير عن ~~وقت العصر وذلك حرام والعزم عليه حرام # وإن لم يتذكر الظهر حتى خرج وقته إما لنوم ms0995 أو لشغل فله أن يؤدى الظهر مع ~~العصر ولا يكون عاصيا لأن السفر كما يشغل عن فعل الصلاة فقد يشغل عن ذكرها # ويحتمل أن يقال إن الظهر إنما تقع أداء إذا عزم على فعلها قبل خروج وقتها ~~ولكن الأظهر أن وقت الظهر والعصر صار مشتركا فى السفر بين الصلاتين ولذلك ~~يجب على الحائض قضاء الظهر إذا طهرت قبل الغروب # ولذلك ينقدح أن لا تشترط الموالاة ولا الترتيب بين الظهر والعصر عند ~~تأخير الظهر أما إذا قدم العصر على الظهر لم يجز لأن ما بعد الفراغ من ~~الظهر هو الذى جعل وقتا للعصر إذ يبعد أن يشتغل بالعصر من هو عازم على ترك ~~الظهر أو على تأخيره # وعذر المطر مجوز للجمع كعذر السفر # وترك الجمعة أيضا من رخص السفر وهي متعلقة أيضا بفرائض الصلوات # ولو نوى PageV02P261 # الإقامة بعد أن صلى العصر فأدرك وقت العصر في الحضر فعليه أداء العصر وما ~~مضى إنما كان مجزئا بشرط أن يبقى العذر إلى خروج وقت العصر # الرخصة الخامسة التنفل راكبا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على ~~راحلته أينما توجهت به دابته (1) # وأوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الراحلة # وليس على المتنفل الراكب في الركوع والسجود إلا الايماء # وينبغي أن يجعل سجوده أخفض من ركوعه ولا يلزمه الانحناء إلى حد يتعرض به ~~لخطر بسبب الدابة # فإن كان في مرقد فليتم الركوع والسجود فإنه قادر عليه # وأما استقبال القبلة فلا يجب لا في ابتداء الصلاة ولا في دوامها ولكن صوب ~~الطريق يدل عن القبلة # فليكن في جميع صلاته إما مستقبلا للقبلة أو متوجها في صوب الطريق لتكون ~~له جهة يثبت فيها فلو حرف دابته عن الطريق قصدا بطلت صلاته إلا إذا حرفها ~~إلى القبلة # ولو حرفها ناسيا وقصر الزمان لم تبطل صلاته وإن طال ففيه خلاف وإن جمحت ~~به الدابة فانحرفت لم تبطل صلاته لأن ذلك مما يكثر وقوعه وليس عليه سجود ~~سهو إذ الجماح غير منسوب إليه بخلاف ما لو حرف ms0996 ناسيا فإنه يسجد للسهو ~~بالايماء # الرخصة السادسة التنفل للماشى جائز في السفر ويومئ بالركوع والسجود ولا ~~يقعد للتشهد لأن ذلك يبطل فائدة الرخصة وحكمه حكم الراكب لكن ينبغي أن ~~يتحرم بالصلاة مستقبلا للقبلة لأن الانحراف في لحظة لا عسر عليه فيه بخلاف ~~الراكب فان في تحريف الدابة وإن كان العنان بيده نوع عسر وربما تكثر الصلاة ~~فيطول عليه ذلك # ولا ينبغي أن يمشى في نجاسة رطبة عمدا فإن فعل بطلت صلاته بخلاف ما لو ~~وطئت دابة الراكب نجاسة # وليس عليه أن يشوش المشي على نفسه بالاحتراز من النجاسات التي لا تخلو ~~الطريق عنها غالبا # وكل هارب من عدو أو سيل أو سبع فله أن يصلي الفريضة راكبا أو ماشيا كما ~~ذكرناه في التنفل # الرخصة السابعة الفطر وهو في الصوم # فللمسافر أن يفطر إلا إذا أصبح مقيما ثم سافر فعليه إتمام ذلك اليوم # وإن أصبح مسافرا صائما ثم أقام فعليه الإتمام # وإن أقام مفطر فليس عليه الإمساك بقية النهار # وإن أصبح مسافرا على عزم الصوم لم يلزمه بل له أن يفطر إذا أراد والصوم ~~أفضل من الفطر # والقصر أفضل من الإتمام للخروج عن شبهة الخلاف ولأنه ليس فى عهدة القضاء ~~بخلاف المفطر فإنه في عهدة القضاء وربما يتعذر عليه ذلك بعائق فيبقى في ~~ذمته إلا إذا كان الصوم يضر به فالإفطار أفضل # فهذه سبع رخص تتعلق ثلاث منها بالسفر الطويل وهى القصر والفطر والمسح ~~ثلاثة أيام # وتتعلق اثنتان منها بالسفر طويلا كان أو قصيرا وهما سقوط الجمعة وسقوط ~~القضاء عند أداء الصلاة بالتيمم # وأما صلاة النافلة ماشيا وراكبا ففيه خلاف والأصح جوازه في القصير # والجمع بين الصلاتين فيه خلاف والأظهر اختصاصه بالطويل # وأما صلاة الفرض راكبا وماشيا للخوف فلا تتعلق بالسفر وكذا أكل الميتة ~~وكذا أداء الصلاة في الحال بالتيمم عند فقد الماء بل يشترك فيها الحضر ~~والسفر مهما وجدت أسبابها # فإن قلت # فالعلم بهذه الرخص هل يجب على المسافر تعلمه قبل السفر أم يستحب له ذلك ~~فاعلم أنه إن كان ms0997 عازما على ترك المسح والقصر والجمع والفطر وترك التنفل ~~راكبا وماشيا لم يلزمه علم شروط الترخص في ذلك لآن الترخص ليس بواجب عليه # وأما علم رخصة التيمم فيلزمه لآن فقد الماء ليس إليه إلا أن يسافر على ~~شاطىء نهر PageV02P262 # يوثق ببقاء مائه أو يكون معه في الطريق عالم يقدر على استفتائه عند ~~الحاجة فله أن يؤخر إلى وقت الحاجة # إما إذا كان يظن عدم الماء ولم يكن معه فيلزمه التعلم لا محالة # فإن قلت التيمم يحتاج إليه لصلاة لم يدخل بعد وقتها فكيف يجب علم الطهارة ~~لصلاة بعد لم تجب وربما لا تجب فأقول من بينه وبين الكعبة مسافة لا تقطع ~~إلا في سنة فيلزمه قبل أشهر الحج إبتداء السفر # ويلزمه تعلم المناسك لا محالة إذا كان يظن أنه لا يجد في الطريق من يتعلم ~~منه لأن الأصل الحياة واستمرارها # وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب # وكل ما يتوقع وجوبه توقعا ظاهرا على الظن وله شرط لا يتوصل إليه إلا ~~بتقديم ذلك الشرط على وقت الوجوب فيحب تقديم تعلم الشرط لا محالة كعلم ~~المناسك قبل وقت الحج وقبل مباشرته # فلا يحل إذن للمسافر أن ينشىء السفر ما لم يتعلم هذا القدر من علم التيمم # وإن كان عازما على سائر الرخص فعليه أن يتعلم أيضا القدر الذي ذكرناه من ~~علم التيمم وسائر الرخص فإنه إذا لم يعلم القدر الجائز لرخصة السفر لم ~~يمكنه الاقتصار عليه # فإن قلت إنه إن لم يتعلم كيفية التنفل راكبا وماشيا ماذا يضره وغايته إن ~~صلى أن تكون صلاته فاسدة وهي غير واجبة فكيف يكون علمها واجبا فأقول من ~~الواجب أن لا يصلى النفل على نعت الفساد فالتنفل مع الحدث والنجاسة وإلى ~~غير القبلة ومن غير إتمام شروط الصلاة وأركانها حرام فعليه أن يتعلم ما ~~يحترز به عن النافلة الفاسدة حذرا عن الوقوع في المحظورات # فهذا بيان علم ما خفف عن المسافر في سفره ### |||| القسم الثاني ما يتجدد من الوظيفة بسبب السفر # وهو علم ms0998 القبلة والأوقات وذلك أيضا واجب في الحضر ولكن في الحضر من يكفيه ~~من محراب متفق عليه يغنيه عن طلب القبلة ومؤذن يراعي الوقت فيغنيه عن طلب ~~علم الوقت # والمسافر قد تشتبه عليه القبلة وقد يلتبس عليه الوقت فلا بد له من العلم ~~بأدلة القبلة والمواقيت # أما أدلة القبلة فهي ثلاثة أقسام أرضية كالاستدلال بالجبال والقرى ~~والأنهار # وهوائية كالاستدلال بالرياح شمالها وجنوبها وصباها ودبورها # وسماوية وهي النجوم # فأما الأرضية والهوائية فتخلف باختلاف البلاد فرب طريق فيه جبل مرتفع ~~يعلم أنه على يمين المستقبل أو شماله أو ورائه أو قدامه فليعلم ذلك وليفهمه # وكذلك الرياح قد تدل في بعض البلاد فليفهم ذلك # ولسنا نقدر على استقصاء ذلك إذ لكل بلد وإقليم حكم آخر # وأما السماوية فأدلتها تنقسم إلى نهارية وإلى ليلية # أما النهارية فالشمس فلا بد أن يراعى قبل الخروج من البلد أن الشمس عند ~~الزوال أين تقع منه أهي بين الحاجبين او على العين اليمنى او اليسرى أو ~~تميل إلى الجبين ميلاأكثر من ذلك فإن الشمس لا تعدو في البلاد الشمالية هذه ~~المواقع # فإذا حفظ ذلك فمهما عرف الزوال بدليله الذي سنذكره عرف القبلة به # وكذلك يراعي مواقع الشمس منه وقت العصر # فإنه في هذين الوقتين يحتاج إلى القبلة بالضرورة # وهذا أيضا لما كان يختلف بالبلاد فليس يمكن إستقصاؤه # وأما القبلة وقت المغرب فإنها تدرك بموضع الغروب # وذلك بأن يحفظ أن الشمس تغرب عن يمين المستقبل أو هي مائلة إلى وجهه أو ~~قفاه # وبالشفق أيضا تعرف القبلة للعشاء الأخيرة PageV02P263 # وبمشرق الشمس تعرف القبلة لصلاة الصبح # فكأن الشمس تدل على القبلة في الصلوات الخمس ولكن يختلف ذلك بالشتاء ~~والصيف # فإن المشارق والمغارب كثيرة وإن كانت محصورة في جهتين فلا بد من تعلم ذلك ~~أيضا # ولكن قد يصلى المغرب والعشاء بعد غيبوبة الشفق فلا يمكنه أن يستدل على ~~القبلة به # فعليه أن يراعي موضع القطب # وهو الكوكب الذي يقال له الجدى فإنه كوكب كالثابت لا تظهر حركته عن موضعه ~~وذلك إما أن يكون ms0999 على قفا المستقبل أو على منكبه الأيمن من ظهره أو منكبه ~~الأيسر في البلاد الشمالية من مكة # وفي البلاد الجنوبية كاليمن وما والاها فيقع فى مقابلة المستقبل فيتعلم ~~ذلك وما عرفه في بلده فليعول عليه في الطريق كله إلا إذا طال السفر فإن ~~المسافة إذ بعدت اختلف موقع الشمس وموقع القطب وموقع المشارق والمغارب إلا ~~أن ينتهي في أثناء سفره إلى بلاد فينبغي أن يسأل أهل البصيرة # أو يراقب هذه الكواكب وهو مستقبل محراب جامع البلد حتى يتضح له ذلك # فمهما تعلم هذه الأدلة فله أن يعول عليها # فإن بان له أنه أخطأ من جهة القبلة إلى جهة أخرى من الجهات الأربع فينبغي ~~أن يقضي # وإن انحرف عن حقيقة محاذاة القبلة ولكن لم يخرج عن جهتها لم يلزمه القضاء # وقد أورد الفقهاء خلافا في أن المطلوب جهة الكعبة أو عينها وأشكل معنى ~~ذلك على قوم إذ قالوا إن قلنا إن المطلوب العين فمتى يتصور هذا مع بعد ~~الديار وإن قلنا إن المطلوب الجهة فالواقف في المسجد إن استقبل جهة الكعبة ~~وهو خارج ببدنه عن موازاة الكعبة لا خلاف في أنه لا تصح صلاته # وقد طولوا في تأويل معنى الخلاف في الجهة والعين # ولا بد أولا من فهم معنى مقابلة العين ومقابلة الجهة # فمعنى مقابلة العين أن يقف موقفا لو خرج خط مستقيم من بين عينيه إلى جدار ~~الكعبة لا تصل به وحصل من جانبي الخط زاويتان متساويتان وهذه صورته والخط ~~الخارج من موقف المصلى يقدر أنه خارج من بين عينيه فهذه صورة مقابلة العين # وأما مقابلة الجهة # فيجوز فيها أن يتصل طرف الخط الخارجي من بين العينين إلى الكعبة من غير ~~أن يتساوى الزاويتان عن جهتى الخط بل لا يتساوى الزاويتان إلا إذا انتهى ~~الخط إلى نقطة معينة هي واحدة # فلو مد هذا الخط على الاستقامة إلى سائر النقط من يمينها أو شمالها كانت ~~إحدى الزاويتان أضيق فيخرج عن مقابلة العين ولكن لا يخرج عن مقابلة الجهة ~~كالخط الذي كتبنا ms1000 عليه مقابلة الجهة فإنه لو قدر الكعبة على طرف ذلك الخط ~~لكان الواقف مستقبلا لجهة الكعبة لا لعينها # وحد تلك الجهة ما يقع بين خطين يتوهمهما الواقف مستقبلا لجهة خارجين من ~~العينين فيلتقي طرفاهما في داخل الرأس بين العينين على زاوية قائمة فما يقع ~~بين الخطين الخارجين من العينين فهو داخل في الجهة # وسعة ما بين الخطين تتزايد بطول الخطين وبالبعد عن الكعبة وهذه صورته PageV02P264 # عليه السلام # فإذا فهم معنى العين والجهة فأقول # الذى يصح عندنا في الفتوى أن المطلوب العين إن كانت الكعبة مما يمكن ~~رؤيتها وإن كان يحتاج إلى الاستدلال عليها لتعذر رؤيتها فيكفي استقبال ~~الجهة # فأما طلب العين عند المشاهدة فمجمع عليه # وأما الاكتفاء بالجهة عند تعذر المعاينة فيدل عليه الكتاب والسنة وفعل ~~الصحابة رضي الله عنهم والقياس # أما الكتاب فقوله تعالى وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره أي نحوه # ومن قابل جهة الكعبة يقال قد ولى وجهه شطرها # وأما السنة فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأهل ~~المدينة ما بين المغرب والمشرق قبلة (1) # والمغرب يقع على يمين أهل المدينة والمشرق على يسارهم # فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع ما يقع بينهما قبلة ومساحة ~~الكعبة لا تفي بما بين المشرق والمغرب وإنما يفى بذلك جهتها # وروى هذا اللفظ أيضا عن عمر وابنه رضى الله عنهما # وأما فعل الصحابة رضي الله عنهم فما روى أن مسجد قباء كانوا فى صلاة ~~الصبح بالمدينة مستقبلين لبيت المقدس مستدبرين الكعبة لأن المدينة بينهما ~~فقيل لهم الآن قد حولت القبلة إلى الكعبة # فاستداروا في أثناء الصلاة من غير طلب دلالة (2) # ولم ينكر عليهم # وسمي مسجدهم ذا القبلتين ومقابلة العين من المدينة إلى مكة لا تعرف إلا ~~بأدلة هندسية يطول النظر فيها فكيف أدركوا ذلك على البديهة في أثناء الصلاة ~~وفي ظلمة الليل ويدل أيضا من فعلهم أنهم بنوا المساجد حوالي مكة وفي سائر ~~بلاد الإسلام ولم يحضروا قط مهندسا عند تسوية المحاريب ومقابلة العين لا ~~تدرك ms1001 إلا بدقيق النظر الهندسي # وأما القياس فهو أن الحاجة تمس إلى الاستقبال وبناء المساجد في جميع ~~أقطار الأرض ولا يمكن مقابلة العين إلا بعلوم هندسية لم يرد الشرع بالنظر ~~فيها بل ربما يزجر عن التعمق في علمها فكيف ينبنى أمر الشرع عليها فيجب ~~الاكتفاء بالجهة للضرورة # وأما دليل صحة الصورة التى صورناها وهو حصر جهات العالم في أربع جهات ~~فقوله صلى الله عليه وسلم فى آداب قضاء الحاجة لا تستقبلوا بها القبلة ولا ~~تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا (3) # وقال # هذا بالمدينة والمشرق على يسار المستقبل بها والمغرب على يمينه فنهى عن ~~جهتين ورخص فى جهتين # ومجموع ذلك أربع جهات # ولم يخطر ببال أحد أن جهات العالم يمكن أن تفرض في ست أو سبع أو عشر # وكيفما كان فما حكم الباقي بل الجهات تثبت في الاعتقادات بناء على خلقه ~~الإنسان وليس له إلا أربع جهات قدام وخلف ويمين وشمال فكانت الجهات ~~بالإضافة الى الإنسان في ظاهر النظر أربعا # والشرع لا يبنى إلا على مثل هذه الإعتقادات فظهر أن المطلوب الجهة وذلك ~~يسهل أمر الإجتهاد فيها وتعلم به أداة القبلة # فأما مقابلة العين فإنها تعرف بمعرفة مقدار عرض مكة عن خط الإستواء ~~ومقدار درجات طولها وهو بعدها عن أول عمارة في المشرق # ثم يعرف ذلك أيضا في موقف المصلي ثم يقابل أحدهما بالآخر # ويحتاج فيه الى آلات وأسباب طويلة والشرع غير مبني عليها قطعا # فإذن القدر الذي PageV02P265 # عليه السلام # لا بد من تعلمه من أدلة القبلة موقع المشرق والمغرب في الزوال وموقع ~~الشمس وقت العصر # فبهذا يسقط الوجوب # فإن قلت فلو خرج المسافر من غير تعلم ذلك هل يعصى فأقول إن كان طريقه على ~~قرى متصلة فيها محاريب أو كان معه في الطريق بصير بأدلة القبلة موثوق ~~بعدالته وبصيرته ويقدر على تقليده فلا يعصى # وإن لم يكن معه شيء من ذلك عصى # لأنه سيتعرض لوجوب الاستقبال ولم يكن قد حصل علمه فصار ذلك كعلم التيمم ~~وغيره # فإن تعلم هذه الأدلة واستبهم عليه ms1002 الأمر بغيم مظلم # أو ترك التعلم ولم يجد في الطريق من يقلده فعليه أن يصلي في الوقت على ~~حسب حاله ثم عليه القضاء سواء أصاب أم أخطأ # والأعمى ليس له إلا التقليد فليقلد من يوثق بدينه وبصيرته إن كان مقلده ~~مجتهدا في القبلة وإن كانت القبلة ظاهرة فله اعتماد قول كل عدل يخبره بذلك ~~في حضر أو سفر وليس للأعمى ولا للجاهل أن يسافر في قافلة ليس فيها من يعرف ~~أدلة القبلة حيث يحتاج الى الإستدلال كما ليس للعامي أن يقيم ببلدة ليس ~~فيها فقيه عالم بتفصيل الشرع بل يلزمه الهجرة الى حيث يجد من يعلمه دينه ~~وكذا إن لم يكن في البلد إلا فقيه فاسق فعليه الهجرة أيضا إذ لا يجوز له ~~اعتماد فتوى الفاسق بل العدالة شرط لجواز قبول الفتوى كما في الرواية وإن ~~كان معروفا بالفقه مستور الحال في العدالة والفسق فله القبول مهما لم يجد ~~من له عدالة ظاهرة لأن المسافر في البلاد لا يقدر أن يبحث عن عدالة المفتين # فإن رآه لابسا للحرير أو ما يغلب عليه الإبريسم أو راكبا لفرس عليه مركب ~~ذهب فقد ظهر فسقه وامتنع عليه قبول قوله فليطلب غيره # وكذلك إذا رآه يأكل على مائدة سلطان أغلب ماله حرام أو يأخذ منه إدرارا ~~أو صلة من غير أن يعلم أن الذي يأخذه من وجه حلال فكل ذلك فسق يقدح في ~~العدالة ويمنع من قبول الفتوى والرواية والشهادة # وأما معرفة أوقات الصلوات الخمس فلا بد منها # فوقت الظهر يدخل بالزوال فإن كل شخص لا بد أن يقع له في ابتداء النهار ظل ~~مستطيل في جانب المغرب ثم لا يزال ينقص إلى وقت الزوال ثم يأخذ في الزيادة ~~في جهة المشرق ولا يزال يزيد الى الغروب # فليقم المسافر في موضع أو لينصب عودا مستقيما وليعلم على رأس الظل ثم ~~لينظر بعد ساعة فإن رآه في النقصان فلم يدخل بعد وقت الظهر # وطريقه في معرفة ذلك أن ينظر في البلد وقت آذان المؤذن المعتمد ms1003 ظل قامته ~~فإن كان مثلا ثلاثة أقدام بقدمه فمهما صار كذلك في السفر وأخذ في الزيادة ~~صلى # فإن زاد عليه ستة أقدام ونصفا بقدمه دخل وقت العصر إذ ظل كل شخص بقدمه ~~ستة أقدام ونصف بالتقريب # ثم ظل الزوال يزيد كل يوم إن كان سفره من أول الصيف # وإن كان من أول الشتاء فينقص كل يوم # وأحسن ما يعرف به ظل الزوال الميزان فليستصحبه المسافر # وليتعلم اختلاف الظل به في كل وقت # وإن عرف موقع الشمس من مستقبل القبلة وقت الزوال وكان في السفر في موضع ~~ظهرت القبلة فيه بدليل آخر فيمكنه أن يعرف الوقت بالشمس بأن تصير بين عينيه ~~مثلا إن كانت كذلك في البلد # وأما وقت المغرب فيدخل بالغروب ولكن قد تحجب الجبال المغرب عنه فينبغي أن ~~ينظر الى جانب المشرق فمهما ظهر سواد في الأفق مرتفع من الأرض قدر رمح فقد ~~دخل وقت المغرب # وأما العشاء فيعرف بغيبوبة الشفق وهو الحمرة فإن كانت محجوبة عنه بجبال ~~فيعرفه بظهور والكواكب الصغار وكثرتها فإن ذلك يكون بعد غيبوبة الحمرة # وأما الصبح فيبدو في الأول مستطيلا كذنب السرحان فلا يحكم به الى أن ~~ينقضي زمان # ثم يظهر بياض PageV02P266 # معترض لا يعسر إدراكه بالعين لظهوره فهذا أول الوقت # قال صلى الله عليه وسلم ليس الصبح هكذا وجمع بين كفيه وإنما الصبح هكذا ~~ووضع أحدى سبابتيه على الأخرى وفتحهما (1) # وأشار به الى انه معترض # وقد يستدل عليه بالمنازل وذلك تقريب لا تحقيق فيه بل الإعتماد على مشاهدة ~~انتشار البياض عرضا لأن قوما ظنوا أن الصبح يطلع قبل الشمس بأربع منازل ~~وهذا خطأ لأن ذلك هو الفجر الكاذب # والذي ذكره المحققون أنه يتقدم على الشمس بمنزلتين وهذا تقريب ولكن لا ~~اعتماد عليه فإن بعض المنازل تطلع معترضة منحرفة فيقصر زمان طلوعها وبعضها ~~منتصبة فيطول زمان طلوعها ويختلف ذلك في البلد اختلافا يطول ذكره # نعم تصلح المنازل لأن يعلم بها قرب وقت الصبح وبعده فأما حقيقة أول الصبح ~~فلا يمكن ضبطه بمنزلتين أصلا # وعلى ms1004 الجملة فإذا بقيت أربع منازل الى طلوع قرن الشمس بمقدار منزلة يتيقن ~~أنه الصبح الكاذب وإذا بقي قريب من منزلتين يتحقق طلوع الصبح الصادق ويبقى ~~بين الصبحين قدر ثلثي منزلة بالتقريب يشك فيه أنه من وقت الصبح الصادق أو ~~الكاذب وهو مبدأ ظهور البياض وانتشاره قبل اتساع عرضه # فمن وقت الشك ينبغي أن يترك الصائم السحور ويقدم القائم الوتر عليه ولا ~~يصلي صلاة الصبح حتى تنقضي مدة الشك فإذا تحقق صلى # ولو أراد مريد أن يقدر على التحقيق وقتا معينا يشرب فيه متسحرا ويقوم ~~عقبيه ويصلي الصبح متصلا به لم يقدر على ذلك فليس معرفة ذلك في قوة البشر ~~أصلا بل لا بد من مهلة للتوقف والشك # ولا اعتماد إلا على العيان ولا اعتماد في العيان إلا على أن يصير الضوء ~~منشرا في العرض حتى تبدو مبادي الصفرة # وقد غلط في هذا جمع من الناس كثير يصلون قبل الوقت # ويدل عليه ما روي ابو عيسى الترمذي في جامعه باسناده عن طلق بن علي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كلوا واشربوا ولا يهيبنكم الساطع المصعد ~~وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر (2) # وهذا صريح في رعاية الحمرة # قال أبو عيسى وفي الباب عن عدي بن حاتم وأبي ذر وسمرة بن جندب وهو حديث ~~حسن غريب والعمل على هذا عند أهل العلم # وقال ابن عباس رضي الله عنهما كلوا واشربوا ما دام الضوء ساطعا # قال صاحب الغريبين أي مستطيلا # فإذا لا ينبغي أن يعول إلا على ظهور الصفرة وكأنها مبادي الحمرة # وإنما يحتاج المسافر الى معرفة الأوقات لأنه قد يبادر بالصلاة قبل الرحيل ~~حتى لا يشق عليه النزول أو قبل النوم حتى يستريح # فإن وطن نفسه على تأخير الصلاة الى أن يتيقن فتسمح نفسه بفوات فضيلة أول ~~الوقت ويتجشم كلفة النزول وكلفة تأخير النوم الى التيقن استغنى عن تعلم علم ~~الأوقات # فإن المشكل أوائل الأوقات لا أوساطها PageV02P267 ### || كتاب آداب السماع والوجد وهو الكتاب الثامن من ربع العادات من كتب إحياء ms1005 علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أحرق قلوب أوليائه بنار محبته واسترق هممهم وأرواحهم ~~بالشوق الى لقائه ومشاهدته ووقف أبصارهم وبصائرهم على ملاحظة جمال حضرته ~~حتى أصبحوا من تنسم روح الوصال سكرى وأصبحت قلوبهم من ملاحظة سبحات الجلال ~~والهة حيرى فلم يروا في الكونين شيئا سواه ولم يذكروا في الدارين إلا إياه ~~إن سنحت لأبصارهم صورة عبرت الى المصور بصائرهم وإن قرعت أسماعهم نغمة سبقت ~~الى المحبوب سرائرهم وإن ورد عليهم صوت مزعج أو مقلق أو مطرب أو محزن أو ~~مهيج أو مشوق أو مهيج لم يكن انزعاجهم إلا إليه ولا طربهم إلا به ولا قلقهم ~~إلا عليه ولا حزنهم إلا فيه ولا شوقهم إلا إلى ما لديه ولا انبعاثهم إلا له ~~ولا ترددهم إلا حواليه # فمنه سماعهم وإليه استماعهم فقد أقفل عن غيره أبصارهم وأسماعهم أولئك ~~الذين اصطفاهم الله لولايته واستخلصهم من بين أصفيائه وخاصته # والصلاة على محمد المبعوث برسالته وعلى آله وأصحابه أئمة الحق وقادته ~~وسلم كثيرا # أما بعد فإن القلوب والسرائر خزائن الأسرار ومعادن الجواهر وقد طويت فيها ~~جواهرها كما طويت النار في الحديد والحجر كما أخفى الماء تحت التراب والمدر ~~ولا سبيل الى استثارة خفاياها إلا بقوادح السماع ولا منفذ الى القلوب الى ~~من دهليز الأسماع فالنغمات الموزونة المستلذة تخرج ما فيها وتظهر محاسنها ~~أو مساويها فلا يظهر من القلب عند التحريك إلا ما يحويه # كما لا يرشح الإناء إلا بما فيه فالسماع للقلب محك صادق ومعيار ناطق فلا ~~يصل نفس السماع إليه إلا وقد تحرك فيه ما هو الغالب عليه وإذا كانت القلوب ~~بالطباع مطيعة للأسماع حتى أبدت بوارداتها مكامنها وكشفت بها عن مساويها ~~وأظهرت محاسنها وجب شرح القول في السماع والوجد وبيان ما فيهما من الفوائد ~~والآفات وما يستحب فيهما من الآداب والهيئات وما يتطرق إليهما من خلاف ~~العلماء في أنهما من المحظورات أو المباحات # ونحن نوضح ذلك في بابين # الباب الأول في إباحة السماع # الباب الثاني في آداب السماع وآثاره ms1006 في القلب بالوجد وفي الجوارح بالرقص ~~والزعق وتمزيق الثياب ### ||| الباب الأول في ذكر اختلاف العلماء في إباحة السماع وكشف الحق فيه ### |||| بيان أقاويل العلماء والمتصوفة في تحليله وتحريمه # اعلم أن السماع هو أول الأمر ويثمر السماع حالة في القلب تسمى الوجد ~~ويثمر الوجد تحريك الأطراف إما بحركة غير موزونة فتسمى الإضطراب وإما ~~موزونة فتسمى التصفيق والرقص فلنبدأ بحكم السماع وهو الأول وننقل فيه ~~الأقاويل المعربة عن المذاهب فيه # ثم نذكر الدليل على إباحته ثم نردفه بالجواب عما تمسك به القائلون ~~بتحريمه # فأما نقل المذاهب فقد حكى القاضي أبو الطيب الطبري عن الشافعي ومالك وأبي ~~حنيفة وسفيان وجماعة من PageV02P268 # العلماء ألفاظا يستدل بها على أنهم رأوا تحريمه # وقال الشافعي رحمه الله في # كتاب آداب القضاء إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه # فهو سفيه ترد شهادته # وقال القاضي أبو الطيب استماعة من المرأة التي ليست بمحرم له لا يجوز عند ~~أصحاب الشافعي رحمه الله بحال سواء كانت مكشوفة أو من وراء حجاب وسواء كانت ~~حرة أو مملوكة وقال قال الشافعي رضي الله عنه صاحب الجارية إذا جمع الناس ~~لسماعها فهو سفيه ترد شهادته وقال وحكي عن الشافعي أنه كان يكره الطقطقة ~~بالقضيب ويقول وضعته الزنادقة ليشتغلوا به عن القرآن # وقال الشافعي رحمه الله ويكره من جهة الخبر اللعب بالنرد أكثر مما يكره ~~اللعب بشيء من الملاهي ولا أحب اللعب بالشطرنج وأكره كل ما يلعب به الناس ~~لأن اللعب ليس من صنعة أهل الدين ولا المروءة # وأما مالك رحمه الله فقد نهى عن الغناء وقال إذا اشترى جارية فوجدها ~~مغنية كان له ردها # وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا ابن سعد وحده # وأما أبو حنيفة رضي الله عنه فإنه كان يكره ذلك ويجعل سماع الغناء من ~~الذنوب وكذلك سائر أهل الكوفة سفيان الثوري وحماد وإبراهيم والشعبي وغيرهم # فهذا كله نقله القاضي أبو الطيب الطبري # ونقل أبو طالب المكي إباحة السماع من جماعة فقال سمع من الصحابة عبد الله ~~بن جعفر ms1007 وعبد الله بن الزبير والمغيرة بن شعبة ومعاوية وغيرهم وقال قد فعل ~~ذلك كثير من السلف الصالح صحابي وتابعي بإحسان وقال لم يزل الحجازيون عندنا ~~بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهى الايام المعدودات التي أمر الله ~~عباده فيها بذكره كأيام التشريق ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكة على ~~السماع إلى زماننا هذا فأدركنا أبا مروان القاضي وله جوار يسمعن الناس ~~التلحين قد أعدهن للصوفية قال وكان لعطاء جاريتان يلحنان فكان إخوانه ~~يستمعون إليهما قال وقيل لأبي الحسن بن سالم كيف تنكر السماع وقد كان ~~الجنيد وسرى السقطى وذو النون يستمعون فقال وكيف أنكر السماع وقد أجازه ~~وسمعه من هو خير مني فقد كان عبد الله بن جعفر الطيار يسمع وإنما أنكر ~~اللهو واللعب في السماع # وروي عن يحيى بن معاذ أنه قال فقدنا ثلاثة أشياء فما نراها ولا أراها ~~تزداد إلا قلة حسن الوجه مع الصيانة وحسن القول مع الديانة وحسن الإخاء مع ~~الوفاء # ورأيت في بعض الكتب هذا محكيا بعينه عن الحارث المحاسبي وفيه ما يدل على ~~تجويزه السماع مع زهده وتصاونه وجده في الدين وتشميره # قال وكان ابن مجاهد لا يجيب دعوة إلا أن يكون فيه سماع # وحكي غير واحد أنه قال اجتمعنا في دعوة ومعنا أبو القاسم ابن بنت منيع ~~وأبو بكر ابن داود وابن مجاهد في نظرائهم فحضر سماع فجعل ابن مجاهد يحرض ~~ابن بنت منيع على ابن داود في أن يسمع فقال ابن داود حدثني أبي عن أحمد بن ~~حنبل أنه كره السماع وكان أبي يكرهه وأنا على مذهب أبي فقال أبو القاسم ابن ~~بنت منيع أما جدى احمد ابن بنت منيع فحدثني عن صالح بن أحمد أن أباه كان ~~يسمع قول ابن الخبازة فقال ابن مجاهد لابن داود دعني أنت من أبيك وقال لابن ~~بنت منيع دعني أنت من جدك أي شيء تقول يا أبا بكر فيمن أنشد بيت شعر أهو ~~حرام فقال ابن داود لا قال فإن كان حسن الصوت ms1008 حرم عليه إنشاده قال لا قال ~~فإن أنشده وطوله وقصر منه الممدود ومد منه المقصور أيحرم عليه قال أنا لم ~~أقو لشيطان واحد فكيف PageV02P269 # أقوى لشيطانين قال وكان أبو الحسن العسقلاني الأسود من الأولياء يسمع ~~ويوله عند السماع وصنف فيه كتابا ورد فيه على منكريه وكذلك جماعة منهم ~~صنفوا في الرد على منكريه # وحكي عن بعض الشيوخ أته قال رأيت أبا العباس الخضر عليه السلام فقلت له ~~ما تقول في هذا السماع الذي اختلف فيه أصحابنا فقال هو الصفو الزلال الذي ~~لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء # وحكي عن ممشاد الدينوري أنه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ~~فقلت يا رسول الله هل تنكر من هذا السماع شيئا فقال ما أنكر منه شيئا ولكن ~~قل لهم يفتتحون قبلة بالقرآن ويختمون بعده بالقرآن # وحكي عن طاهر بن بلال الهمداني الوراق وكان من أهل العلم أنه قال كنت ~~معتكفا في جامع جدة على البحر فرأيت يوما طائفة يقولون في جانب منه قولا ~~ويستمعون فأنكرت ذلك بقلبي وقلت في بيت من بيوت الله يقولون الشعر قال ~~فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة وهو جالس في تلك الناحية والى ~~جنبة أبو بكر الصديق رضي الله عنه وإذا أبو بكر يقول شيئا من القول والنبي ~~صلى الله عليه وسلم يستمع إليه ويضع يده على صدره كالواجد بذلك فقلت في ~~نفسي ما كان ينبغي لي أن أنكر على أولئك الذين كانوا يستمعون وهذا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يستمع وابو بكر يقول فالتفت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال هذا حق بحق أو قال حق من حق أنا أشك فيه # وقال الجنيد تنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواضع عند الأكل لأنهم ~~لا يأكلون إلا عن فاقة وعند المذاكرة لأنهم لا يتحاورون إلا في مقامات ~~الصديقين وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقا # وعن ابن جريج أنه كان يرخص في السماع فقيل له أيؤتى يوم القيامة في ms1009 جملة ~~حسناتك أو سيئاتك فقال لا في الحسنات ولا في السيئات لأنه شبيه باللغو وقال ~~الله تعالى {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} # هذا ما نقل من الأقاويل # ومن طلب الحق في التقليد فمهما استقصى تعارضت عنده هذه الأقاويل فيبقى ~~متحيرا أومائلا إلى بعض الأقاويل بالتشهي وكل ذلك قصور بل ينبغي أن يطلب ~~الحق بطريقه وذلك بالبحث عن مدارك الحظر والإباحة كما سنذكره ### |||| بيان الدليل على إباحة السماع # اعلم أن قول القائل السماع حرام معناه أن الله تعالى يعاقب عليه وهذا أمر ~~لا يعرف بمجرد العقل بل بالسمع ومعرفة الشرعيات محصورة في النص أو القياس ~~على المنصوص # وأعني بالنص ما أظهره صلى الله عليه وسلم بقوله أو فعله وبالقياس المعنى ~~المفهوم من ألفاظه وأفعاله # فإن لم يكن فيه نص ولم يستقم فيه قياس على منصوص بطل القول بتحريمه وبقى ~~فعلا لا حرج فيه كسائر المباحات # ولا يدل على تحريم السماع نص ولا قياس ويتضح ذلك في جوابنا عن أدلة ~~المائلين إلى التحريم # ومهما تم الجواب عن أدلتهم كان ذلك مسلكا كافيا في إثبات هذا الغرض لكن ~~نستفتح ونقول قد دل النص والقياس جميعا على إباحته # أما القياس فهو أن الغناء اجتمعت فيه معان ينبغي أن يبحث عن أفرادها ثم ~~عن مجموعها فإن فيه سماع صوت طيب موزون مفهوم المعنى محرك للقلب فالوصف ~~الأعم أنه صوت طيب # ثم الطيب ينقسم إلى الموزون وغيره # والموزون ينقسم إلى المفهوم كالأشعار والى غير المفهوم كأصوات الجمادات ~~وسائر الحيوانات # أما سماع الصوت الطيب من حيث إنه طيب فلا ينبغي أن يحرم بل هو حلال بالنص ~~والقياس أما القياس فهو أنه يرجع إلى تلذذ حاسة السمع بإدراك ما هو مخصوص ~~به وللإنسان عقل وخمس حواس ولكل حاسة إدراك PageV02P270 # وفي مدركات تلك الحاسة ما يستلذ فلذة النظر في المبصرات الجميلة كالخضرة ~~والماء الجاري والوجه الحسن وبالجملة سائر الألوان الجميلة وهي في مقابلة ~~ما يكره من الألوان الكدرة القبيحة # وللشم الروائح الطيبة وهي في مقابلة الأنتان المستكرهة # وللذوق ms1010 الطعوم اللذيذة كالدسومة والحلاوة والحموضة وهي في مقابلة المرارة ~~المستبشعة # وللمس لذة اللين والنعومة والملاسة وهي في مقابلة الخشونة والضراسة # وللعقل لذة العلم والمعرفة وهي في مقابلة الجهل والبلادة # فكذلك الأصوات المدركة بالسمع تنقسم إلى مستلذة كصوت العنادل والمزامير ~~ومستكرهة كنهيق الحمير وغيرها # فما أظهر قياس هذه الحاسة ولذتها على سائر الحواس ولذاتها # أما النص فيدل على إباحة سماع الصوت الحسن امتنان الله تعالى على عباده ~~إذ قال {يزيد في الخلق ما يشاء} فقيل هو الصوت الحسن وفي الحديث ما بعث ~~الله نبيا إلا حسن الصوت (1) # وقال صلى الله عليه وسلم لله أشد أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب ~~القينة لقينته (2) وفي الحديث في معرض المدح لداود عليه السلام # أنه كان حسن الصوت في النياحة على نفسه وفي تلاوة الزبور حتى كان يجتمع ~~الإنس والجن والوحوش والطير لسماع صوته وكان يحمل في مجلسه أربعمائة جنازة ~~وما يقرب منها في الأوقات (3) # وقال صلى الله عليه وسلم في مدح أبي موسى الأشعري لقد أعطى مزمارا من ~~مزامير آل داود (4) # وقول الله تعالى {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} يدل بمفهومه على مدح ~~الصوت الحسن # ولو جاز أن يقال إنما أبيح ذلك بشرط أن يكون في القرآن للزمه أن يحرم ~~سماع صوت العندليب لأنه ليس من القرآن # وإذا جاز سماع صوت غفل لا معنى له فلم لا يجوز سماع صوت يفهم منه الحكمة ~~والمعاني الصحيحة وإن من الشعر لحكمة # فهذا نظر في الصوت من حيث أنه طيب حسن # الدرجة الثانية النظر في الصوت الطيب الموزون فإن الوزن وراء الحسن فكم ~~من صوت حسن خارج عن الوزن وكم من صوت موزون غير مستطاب # والأصوات الموزونه باعتبار مخارجها ثلاثة فإنها إما أن تخرج من جماد كصوت ~~المزامير والأوتار وضرب القضيب والطبل وغيره وإما أن تخرج من حنجرة حيوان ~~وذلك الحيوان إما إنسان أو غيره كصوت العنادل والقمارى وذات السجع من ~~الطيور فهي مع طيبها موزونة متناسبة المطالع والمقاطع فلذلك يستلذ سماعها # والأصل في الأصوات حناجر ms1011 الحيوانات وإنما وضعت المزامير على أصوات ~~الحناجر وهو تشبيه للصنعة بالخلقة # وما من شيء توصل أهل الصناعات بصناعتهم إلى تصويره إلا وله مثال في ~~الخلقة التي استأثر الله تعالى باختراعها فمنه تعلم الصناع وبه قصدوا ~~الإقتداء وشرح ذلك يطول # فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيبة أو موزونة فلا ذاهب إلى ~~تحريم صوت العندليب وسائر الطيور PageV02P271 # ولا فرق بين حنجرة وحنجرة ولا بين جماد وحيوان # فينبغي أن يقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة من سائر الأجسام ~~باختيار الآدمى كالذي يخرج من حلقه أو من القضيب والطبل والدف وغيره # ولا يستثنى من هذه إلا الملاهي والأوتار والمزامير التي ورد الشرع بالمنع ~~منها (1) لا للذتها إذ لو كان للذة لقيس عليها كل ما يلتذ به الإنسان # ولكن حرمت الخمور واقتضت ضراوة الناس بها المبالغة في الفطام عنها حتى ~~انتهى الأمر في الابتداء إلى كسر الدنان فحرم معها ما هو شعار أهل الشرب ~~وهي الأوتار والمزامير فقط وكان تحريمها من قبل الأتباع كما حرمت الخلوة ~~بالأجنبية لأنها مقدمة الجماع وحرم النظر إلى الفخذ لاتصاله بالسوأتين وحرم ~~قليل الخمر وإن كان لا يسكر لأنه يدعو إلى السكر وما من حرام إلا وله حريم ~~يطيف به وحكم الحرمة ينسحب على حريمه ليكون حمى للحرام ووقاية له وحظارا ~~مانعا حوله كما قال صلى الله عليه وسلم إن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه ~~(2) فهي محرمة تبعا لتحريم الخمر لثلاث علل # إحداها أنها تدعو إلى شرب الخمر فإن اللذة الحاصلة بها إنما تتم بالخمر ~~ولمثل هذه العلة حرم قليل الخمر # الثانية أنها في حق قريب العهد بشرب الخمر تذكر مجالس الأنس بالشرب فهي ~~سبب الذكر والذكر سبب انبعاث الشوق وانبعاث الشوق إذا قوى فهو سبب الإقدام # ولهذه العلة نهى عن الانتباذ في المزفت والحنتم والنقير (3) # وهي الآواني التي كانت مخصوصة بها # فمعنى هذا أن مشاهدة صورتها تذكرها وهذه العلة تفارق الأولى إذ ليس فيها ~~اعتبار لذة في الذكر إذ لا لذة في رؤية القنينة وأواني ms1012 الشرب لكن من حيث ~~التذكر بها فإن كان السماع يذكر الشرب تذكيرا يشوق إلى الخمر عند من ألف ~~ذلك مع الشرب فهو منهى عن السماع لخصوص هذه العلة فيه # الثالثة الاجتماع عليها لما أن صار من عادة أهل الفسق فيمنع من التشبه ~~بهم لأن من تشبه بقوم فهو منهم # وبهذه العلة نقول بترك السنة مهما صارت شعارا لأهل البدعة خوفا من التشبه ~~بهم # وبهذه العلة يحرم ضرب الكوبة وهو طبل مستطيل دقيق الوسط واسع الطرفين ~~وضربها عادة المخنثين ولولا ما فيه من التشبه لكان مثل طبل الحجيج والغزو ~~وبهذه العلة نقول لو اجتمع جماعة وزينوا مجلسا وأحضروا آلات الشرب وأقداحه ~~وصبوا فيها السكنجبين ونصبوا ساقيا يدور عليهم ويسقيهم فيأخذون من الساقي ~~ويشربون ويحيي بعضهم بعضا بكلماتهم المعتادة بينهم حرم ذلك عليهم وإن كان ~~المشروب مباحا في نفسه لأن في هذا تشبها بأهل الفساد بل لهذا ينهى عن لبس ~~القباء وعن ترك الشعر على الرأس قزعا في بلاد صار القباء فيها من لباس أهل ~~الفساد ولا ينهى عن ذلك فيما وراء النهر لاعتياد أهل الصلاح ذلك فيهم # فبهذه المعاني حرم المزمار العراقي والأوتار كلها كالعود والصنج والرباب ~~والبربط وغيرها # وما عدا ذلك فليس في معناها كشاهين الرعاة والحجيج وشاهين الطبالين ~~وكالطبل والقضيب وكل آلة يستخرج منها صوت مستطاب موزون سوى ما يعتاده أهل ~~الشرب لأن كل ذلك لا يتعلق بالخمر ولا يذكر بها ولا يشوق إليها ولا يوجب ~~التشبه بأربابها PageV02P272 # فلم يكن في معناها فبقي على أصل الإباحة قياسا على أصوات الطيور وغيرها ~~بل أقول سماع الأوتار ممن يضربها على غير وزن متناسب مستلذ حرام أيضا # وبهذا يتبين أنه ليست العلة في تحريمها مجرد اللذة الطيبة بل القياس ~~تحليل الطيبات كلها إلا ما في تحليله فساد # قال الله تعالى {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق} فهذه الأصوات لا تحرم من حيث إنها أصوات موزونة وإنما تحرم بعارض ~~آخر # كما سيأتي في العوارض المحرمة # الدرجة الثالثة الموزون ms1013 والمفهوم وهو الشعر وذلك لا يخرج إلا من حنجرة ~~الإنسان فيقطع بإباحة ذلك لأنه ما زاد إلا كونه مفهوما والكلام المفهوم غير ~~حرام والصوت الطيب الموزون غير حرام فإذا لم يحرم الآحاد فمن أين يحرم ~~المجموع نعم ينظ فيما يفهم منه فإن كان فيه أمر محظور حرم نثره ونظمه وحرم ~~النطق به سواء كان بألحان أو لم يكن والحق فيه ما قاله الشافعي رحمه الله ~~إذ قال الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح # ومهما جاز إنشاد الشعر بغير صوت وألحان جاز إنشاده مع الألحان # فإن أفراد المباحات إذا اجتمعت كان ذلك المجموع مباحا # ومهما انضم مباح إلى مباح لم يحرم إلا إذا تضمن المجموع محظورا لا تتضمنه ~~الآحاد # ولا محظور ههنا وكيف ينكر إنشاد الشعر وقد أنشد بين يدي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (1) # وقال صلى الله عليه وسلم إن من الشعر لحكمة (2) # وأنشدت عائشة رضي الله عنها # ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب # وروى في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لما قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال رضي الله عنهما وكان بها ~~وباء فقلت يا أبت كيف تجدك ويا بلال كيف تجدك فكان أبو بكر رضي الله عنه ~~إذا أخذته الحمى يقول # كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله # وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل # وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل # قالت عائشة رضي الله عنها فأخبرت بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد (3) # وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل اللبن مع القوم في بناء ~~المسجد وهو يقول PageV02P273 # هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر # وقال أيضا صلى الله عليه وسلم مرة أخرى # لا هم إن العيش عيش الآخرة ... فارحم الأنصار ms1014 والمهاجره (1) وليس البيت ~~الثانى موزونا وفي الصحيحين أيضا أنه قال في حفر الخندق بلفظ فبارك في ~~الأنصار والمهاجره وفي رواية فاغفر وفي رواية لمسلم فأكرم ولهما من حديث ~~سهل بن سعد فاغفر للمهاجرين والأنصار # وهذه في الصحيحين # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه ~~قائما يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينافح ويقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (2) # ولما أنشده النابغة شعره قال له صلى الله عليه وسلم لا يفضض الله فاك (3) # وقالت عائشة رضي الله عنها كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتناشدون عنده الأشعار وهو يتبسم (4) # وعن عمرو بن الشريد عن أبيه قال أنشدت رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة ~~قافية من قول أمية بن أبي الصلت كل ذلك يقول هيه هيه {ثم قال} إن كاد في ~~شعره ليسلم (5) # وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدى له في السفر # وإن أنجشة كان يحدو بالنساء والبراء بن مالك كان يحدو بالرجال فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير (6) # ولم يزل الحداء وراه الجمال من عادة العرب في زمان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وزمان الصحابة رضي الله عنهم وما هو إلا أشعار تؤدى بأصوات طيبة ~~وألحان موزونة ولم ينقل عن أحد من الصحابة إنكاره بل ربما كانوا يلتمسون ~~PageV02P274 # ذلك تارة لتحريك الجمال وتارة للاستلذاذ # فلا يجوز أن يحرم من حيث إنه كلام مفهوم مستلذ مؤدى بأصوات طيبة وألحان ~~موزونة # الدرجة الرابعة النظر فيه من حيث أنه محرك للقلب ومهيج لما هو الغالب ~~عليه # فأقول لله تعالى سر في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح حتى إنها لتؤثر ~~فيها تأثيرا عجيبا # فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما يحزن ومنها ما ينوم ومنها ما يضحك ويطرب ~~ومنها ما يستخرج من الأعضاء ms1015 حركات على وزنها باليد والرجل والرأس # ولا ينبغي أن يظن أن ذلك لفهم معاني الشعر بل جار في الأوتار حتى قيل من ~~لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج # وكيف يكون ذلك لفهم المعنى وتأثيره مشاهد في الصبي في مهده فإنه يسكنه ~~الصوت الطيب عن بكائه وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه # والجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثرا يستخف معه الأحمال الثقيلة # ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة وينبعث فيه من النشاط ما ~~يسكره ويولهه فتراها إذا طالت عليها البوادي واعتراها الإعياء والكلال تحت ~~المحامل والأحمال إذا سمعت منادي الحداء تمد أعناقها وتصغي إلى الحادي ~~ناصية آذانها وتسرع في سيرها حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها وربما تتلف ~~أنفسها من شدة السير وثقل الحمل وهي لا تشعر به لنشاطها # فقد حكى أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالرقى رضي الله عنه قال ~~كنت بالبادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب فأضافني رجل منهم وأدخلني خباءه ~~فرأيت في الخباء عبدا أسود مقيدا بقيد ورأيت جمالا قد ماتت بين يدي البيت ~~وقد بقي منها جمل وهو ناحل ذابل كأنه ينزع روحه فقال لي الغلام أنت ضيف ولك ~~حق فتشفع في إلى مولاي فإنه مكرم لضيفه فلا يرد شفاعتك في هذا القدر فعساه ~~يحل القيد عني قال # فلما أحضروا الطعام امتنعت وقلت لا آكل ما لم أشفع في هذا العبد فقال إن ~~هذا العبد قد أفقرني وأهلك جميع مالي فقلت # ماذا فعل فقال # إن له صوتا طيبا وإني كنت أعيش من ظهور هذه الجمال فحملها أحمالا ثقالا ~~وكان يحدو بها حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة من طيب نغمته فلما ~~حطت أحمالها ماتت كلها إلا هذا الجمل الواحد ولكن أنت ضيفي فلكرامتك قد ~~وهبته لك قال فأحببت أن أسمع صوته فلما أصبحنا أمره أن يحدو على جمل يستقى ~~الماء من بئر هناك فلما رفع صوته هام ذلك الجمل وقطع حباله ووقعت أنا على ~~وجهي ms1016 فما أظن أني سمعت قط صوتا أطيب منه # فإذن تأثير السماع في القلب محسوس # ومن لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال بعيد عن الروحانية زائد ~~في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور بل على جميع البهائم فإن جميعها ~~تتأثر بالنغمات الموزونة # ولذلك كانت الطيور تقف على رأس داود عليه السلام لاستماع صوته # ومهما كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلب لم يجز أن يحكم فيه ~~مطلقا بإباحة ولا تحريم بل يختلف ذلك بالأحوال والأشخاص واختلاف طرق ~~النغمات فحكمه حكم ما في القلب # قال أبو سليمان السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه ولكن يحرك ما هو فيه ~~فالترنم بالكلمات المسجعة الموزونة معتاد في مواضع لأغراض مخصوصة ترتبط بها ~~آثار في القلب وهي سبعة مواضع # الأول غناء الحجيج فإنهم أولا يدورون في البلاد بالطبل والشاهين والغناء ~~وذلك مباح لأنها أشعار نظمت في وصف الكعبة والمقام والحطيم وزمزم وسائر ~~المشاعر ووصف البادية وغيرها وأثر ذلك يهيج الشوق إلى حج بيت الله تعالى ~~واشتعال نيرانه إن كان ثم شوق حاصل أو استثارة الشوق واجتلابه إن لم يكن ~~حاصلا # وإذا كان الحج قربة والشوق إليه محمودا كان التشويق إليه بكل ما يشوق ~~محمودا # وكما يجوز للواعظ أن ينظم كلامه PageV02P275 # في الوعظ ويزينه بالسجع ويشوق الناس إلى الحج بوصف البيت والمشاعر ووصف ~~الثواب عليه جاز لغيره ذلك على نظم الشعر فإن الوزن إذا انضاف إلى السجع ~~صار الكلام أوقع في القلب فإذا أضيف إليه صوت طيب ونغمات موزونة زاد وقعه ~~فإن أضيف إليه الطبل والشاهين وحركات الإيقاع زاد التأثير # وكل ذلك جائز ما لم يدخل فيه المزامير والأوتار التي هي من شعار الأشرار ~~نعم إن قصد به تشويق من لا يجوز له الخروج إلى الحج كالذي أسقط الفرض عن ~~نفسه ولم يأذن له أبواه في الخروج فهذا يحرم عليه الخروج # فيحرم تشويقه إلى الحج بالسماع بكل كلام يشوق إلى الخروج فإن التشويق إلى ~~الحرام حرام # وكذلك إن كانت الطريق غير آمنة ms1017 وكان الهلاك غالبا لم يجز تحريك القلوب ~~ومعالجتها بالتشويق # الثاني ما يعتاده الغزاة لتحريض الناس على الغزو # وذلك أيضا مباح كما للحاج ولكن ينبغي أن تخالف أشعارهم وطرق ألحانهم ~~أشعار الحاج وطرق ألحانهم لأن استثارة داعية الغزو بالتشجيع وتحريك الغيظ ~~والغضب فيه على الكفار وتحسين الشجاعة واستحقار النفس والمال بالإضافة إليه ~~بالأشعار المشجعة # مثل قول المتنبي # فإن لا تمت تحت السيوف مكرما ... تمت وتقاس الذل غير مكرم # وقوله أيضا # يرى الجبناء أن الجبن حزم ... وتلك خديعة الطبع اللئيم # وأمثال ذلك # وطرق الأوزان المشجعة تخالف الطرق المشوقة # وهذا أيضا مباح في وقت يباح فيه الغزو # ومندوب إليه وقت يستحب فيه الغزو ولكن في حق من يجوز له الخروج إلى الغزو # الثالث الرجزيات التي يستعملها الشجعان في وقت اللقاء والغرض منها ~~التشجيع للنفس وللأنصار وتحريك النشاط فيهم للقتال وفيه التمدح بالشجاعة ~~والنجدة وذلك إذا كان بلفظ رشيق وصوت طيب كان أوقع في النفس وذلك مباح في ~~كل قتال مباح ومندوب في قتال مندوب ومحظور في قتال المسلمين وأهل الذمة # وكل قتال محظور لأن تحريك الدواعي إلى المحظور محظور # وذلك منقول عن شجعان الصحابة رضي الله عنهم كعلي وخالد رضي الله عنهما ~~وغيرهما # ولذلك نقول ينبغي أن يمنع من الضرب بالشاهين في معسكر الغزاة فإن صوته ~~مرقق محزن يحلل عقدة الشجاعة ويضعف صرامة النفس ويشوق إلى الأهل والوطن ~~ويورث الفتور في القتال وكذا سائر الأصوات والألحان المرققة للقلب فالألحان ~~المرققة المحزنة تباين الألحان المحركة المشجعة فمن فعل ذلك على قصد تغيير ~~القلوب وتفتير الآراء عن القتال الواجب فهو عاص ومن فعله على قصد التفتير ~~عن القتال المحظور فهو بذلك مطيع # الرابع أصوات النياحة ونغماتها وتأثيرها في تهييج الحزن والبكاء وملازمة ~~الكآبة والحزن قسمان محمود ومذموم # فأما المذموم فكالحزن على ما فات قال الله تعالى لكيلا تأسوا على ما ~~فاتكم والحزن على الأموات من هذا القبيل فإنه تسخط لقضاء الله تعالى وتأسف ~~على ما لا تدارك له # فهذا الحزن لما كان مذموما كان تحريكه ms1018 بالنياحة مذموما فلذلك ورد النهي ~~الصريح عن النياحة (1) # وأما الحزن المحمود فهو حزن الإنسان على تقصيره في أمر دينه وبكاؤه على ~~خطاياه # والبكاء والتباكي PageV02P276 # والحزن والتحازن على ذلك محمود وعليه بكاء آدم عليه السلام # وتحريك هذا الحزن وتقويته محمود لأنه يبعث على التشمير للتدارك ولذلك ~~كانت نياحة داود عليه السلام محمودة إذ كان ذلك مع دوام الحزن وطول البكاء ~~بسبب الخطايا والذنوب فقد كان عليه السلام يبكي ويبكي ويحزن حتى كانت ~~الجنائز ترفع من مجالس نياحته # وكان يفعل ذلك بألفاظه وألحانه وذلك محمود لأن المفضى إلى المحمود محمود # وعلى هذا لا يحرم على الواعظ الطيب الصوت أن ينشد على المنبر بألحانه ~~الأشعار المحزنة المرققة للقلب ولا أن يبكي ويتباكى ليتوصل به إلى تبكية ~~غيره وإثارة حزنه # الخامس السماع في أوقات السرور تأكيدا للسرور وتهييجا له وهو مباح إن كان ~~ذلك السرور مباحا كالغناء في أيام العيد وفي العرس وفي وقت قدوم الغائب وفي ~~وقت الوليمة والعقيقة وعند ولادة المولود وعند ختانه وعند حفظه القرآن ~~العزيز # وكل ذلك مباح لأجل إظهار السرور به # ووجه جوازه أن من الألحان ما يثير الفرح والسرور والطرب فكل ما جاز ~~السرور به جاز إثاره السرور فيه # ويدل على هذا من النقل إنشاد النساء على السطوح بالدف والألحان عند قدوم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) # طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع # وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع # فهذا إظهار السرور لقدومه صلى الله عليه وسلم وهو سرور محمود فإظهاره ~~بالشعر والنغمات والرقص والحركات أيضا محمود # فقد نقل عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم حجلوا في سرور أصابهم ~~(2) # كما سيأتي في أحكام الرقص وهو جائز في قدوم كل قادم يجوز الفرح به وفي كل ~~سبب مباح من أسباب السرور # ويدل على هذا ما روي في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لقد ~~رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون ~~في المسجد حتى أكون أنا الذي ms1019 أسأمه (3) # فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو إشارة إلى طول مدة ~~وقوفها # وروى البخاري ومسلم أيضا في صحيحيهما حديث عقيل عن الزهري عن عروة عن ~~عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في ~~أيام منى تدففان وتضربان والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه فانتهرهما ~~أبو بكر رضي الله عنه فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه وقال دعهما يا ~~أبا بكر فإنها أيام عيد وقالت عائشة رضي الله عنها رأيت صلى الله عليه وسلم ~~يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر رضي ~~الله عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمنا يا بني أرفدة (4) # يعني من الأمن ومن حديث عمرو بن الحرث عن ابن شهاب نحوه وفيه تغنيان ~~وتضربان (5) # وفي حديث أبي طاهر PageV02P277 # عن ابن وهب والله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب ~~حجرتي والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يسترني بثوبه أو بردائه لكي أنظر إلى لعبهم ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا ~~الذي أنصرف (1) # وروى عن عائشة رضي الله عنها قالت كنت ألعب بالبنات عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قالت وكان يأتيني صواحب لي فكن يتقنعن من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسر لمجيئهن إلي فيلعبن ~~معي (2) # وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يوما ما هذا قالت بناتي ~~قال فما هذا الذي أرى في وسطهن قالت فرس قال ما هذا الذي عليه قالت جناحان ~~قال فرس له جناحان قالت أو ما سمعت أنه كان لسليمان بن داود عليه السلام ~~خيل لها أجنحة قالت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ~~والحديث محمول عندنا على عادة الصبيان في اتخاذ الصورة من الخزف والرقاع من ~~غير تكميل صورته بدليل ما روى في بعض الروايات أن ms1020 الفرس كان له جناحان من ~~رقاع # وقالت عائشة رضي الله عنها دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي ~~جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه فدخل أبو بكر رضي ~~الله عنه فانتهرنى وقال مزمار الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال دعهما فلما غفل غمزتهما ~~فخرجتا (3) # وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدرق والحراب فإما سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأما قال تشتهين تنظرين فقلت نعم فأقامني وراءه وخدي على ~~خده ويقول دونكم يا بني أرفدة حتى إذا مللت قال حسبك قلت نعم قال فاذهبي ~~وفي صحيح مسلم فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا الذي ~~انصرفت # فهذه الأحاديث كلها في الصحيحين وهو نص صريح في أن الغناء واللعب ليس ~~بحرام # وفيها دلالة على أنواع من الرخص # الأول اللعب ولا يخفى عادة الحبشة في الرقص واللعب # والثاني فعل ذلك في المسجد # والثالث قوله صلى الله عليه وسلم دونكم يا بني أرفدة وهذا أمر باللعب ~~والتماس له فكيف يقدر كونه حراما # والرابع منعه لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما عن الإنكار والتغيير وتعليله ~~بأنه يوم عيد أي هو وقت سرور وهذا من أسباب السرور # والخامس وقوفه طويلا في مشاهدة ذلك وسماعه لموافقة عائشة رضي الله عنها # وفيه دليل على أن حسن الخلق في تطييب قلوب النساء والصبيان بمشاهدة اللعب ~~أحسن من خشونة الزهد والتقشف في الامتناع والمنع منه # والسادس قوله صلى الله عليه وسلم ابتداء لعائشة أتشتهين أن تنظري ولم يكن ~~ذلك عن اضطرار إلى مساعدة الأهل خوفا من غضب أو وحشة فإن الإلتماس إذا سبق ~~ربما كان الرد سبب وحشة وهو محذور فيقدم محذور على محذور # فأما ابتداء السؤال فلا حاجة فيه # والسابع الرخصة في الغناء والضرب بالدف من الجاريتين مع أنه شبه ذلك ~~بمزمار الشيطان وفيه بيان أن المزمار المحرم غير ذلك # والثامن أن رسول الله صلى الله عليه ms1021 وسلم كان يقرع سمعه صوت الجاريتين ~~وهو مضطجع ولو كان يضرب بالأوتار في موضع لما جوز الجلوس ثم لقرع صوت ~~الأوتار سمعه # فيدل هذا على أن صوت النساء غير محرم تحريم صوت المزامير بل إنما يحرم ~~عند خوف الفتنة PageV02P278 # فهذه المقاييس والنصوص تدل على إباحة الغناء والرقص والضرب بالدف واللعب ~~بالدرق والحراب والنظر إلى رقص الحبشة والزنوج في أوقات السرور كلها قياسا ~~على يوم العيد فإنه وقت سرور وفي معناه يوم العرس والوليمة والعقيقة ~~والختان ويوم القدوم من السفر وسائر أسباب الفرح وهو كل ما يجوز به الفرح ~~شرعا ويجوز الفرح بزيارة الإخوان ولقائهم واجتماعهم في موضع واحد على طعام ~~أو كلام فهو أيضا مظنة السماع # السادس سماع العشاق تحريكا للشوق وتهييجا للعشق وتسلية للنفس # فإن كان في مشاهدة المعشوق فالغرض تأكيد اللذة وإن كان مع المفارقة ~~فالغرض تهييج الشوق # والشوق وإن كان ألما ففيه نوع لذة إذا انضاف إليه رجاء الوصال فإن الرجاء ~~لذيذ واليأس مؤلم وقوة لذة الرجاء بحسب قوة الشوق والحب للشيء المرجو # ففي هذا السماع تهييج العشق وتحريك الشوق وتحصيل لذة الرجاء المقدر في ~~الوصال مع الإطناب في وصف حسن المحبوب # وهذا حلال إن كان المشتاق إليه ممن يباح وصاله كمن يعشق زوجته أو سريته ~~فيصغي إلى غنائها لتضاعف لذته في لقائها # فيحظى بالمشاهدة البصر وبالسماع الأذن ويفهم لطائف معاني الوصال والفراق ~~القلب فتترادف أسباب اللذة فهذه أنواع تمتع من جملة مباحات الدنيا ومتاعها ~~وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وهذا منه # وكذلك إن غضبت منه جارية أو حيل بينه وبينها بسبب من الأسباب فله أن يحرك ~~بالسماع شوقه وأن يستثير به لذة رجاء الوصال فإن باعها أو طلقها حرم عليه ~~ذلك بعده # إذ لا يجوز تحريك الشوق حيث لا يجوز تحقيقه بالوصال واللقاء # وأما من يتمثل في نفسه صورة صبي أو امرأة لا يحل له النظر إليها وكان ~~ينزل ما يسمع على ما تمثل في نفسه فهذا حرام لأنه محرك للفكر في الأفعال ~~المحظورة ومهيج ms1022 للداعية إلى ما لا يباح الوصول إليه # وأكثر العشاق والسفهاء من الشباب في وقت هيجان الشهوة لا ينفكون عن إضمار ~~شيء من ذلك وذلك ممنوع في حقهم لما فيه من الداء الدفين لا لأمر يرجع إلى ~~نفس السماع # ولذلك سئل حكيم عن العشق فقال # دخان يصعد إلى دماغ الإنسان يزيله الجماع ويهيجه السماع # السابع سماع من أحب الله وعشقه واشتاق إلى لقائه فلا ينظر إلى شيء إلا ~~رآه فيه سبحانه ولا يقرع سمعه قارع إلا سمعه منه أو فيه فالسماع في حقه ~~مهيج لشوقه ومؤكد لعشقه وحبه ومور زناد قلبه ومستخرج منه احوالا من ~~المكاشفات والملاطفات لا يحيط الوصف بها يعرفها من ذاقها وينكرها من كل حسه ~~عن ذوقها # وتسمى تلك الأحوال بلسان الصوفية وجدا مأخوذ من الوجود والمصادفة أي صادف ~~من نفسه أحوالا لم يكن يصادفها قبل السماع # ثم تكون تلك الأحوال أسبابا لروادف وتوابع لها تحرق القلب بنيرانها ~~وتنقيه من الكدورات كما تنقى النار الجواهر المعروضة عليها من الخبث ثم ~~يتبع الصفاء الحاصل به مشاهدات ومكاشفات وهي غاية مطالب المحبين لله تعالى ~~ونهاية ثمرة القربات كلها فالمفضى إليها من جملة القربات لا من جملة ~~المعاصي والمباحات # وحصول هذه الأحوال للقلب بالسماع سببه سر الله تعالى في مناسبة النغمات ~~الموزونة للأرواح وتسخير الأرواح لها وتأثرها بها شوقا وفرحا وحزنا ~~وانبساطا وانقباضا # ومعرفة السبب في تأثر الأرواح بالأصوات من دقائق علوم المكاشفات # والبليد الجامد القاسي القلب المحروم عن لذة السماع يتعجب من التذاذ ~~المستمع ووجده واضطراب حاله وتغير لونه تعجب البهيمة من لذة اللوزينج وتعجب ~~العنين من لذة المباشرة وتعجب الصبي من لذة الرياسة واتساع أسباب الجاه ~~وتعجب الجاهل من لذة معرفة الله تعالى ومعرفة جلاله وعظمته وعجائب صنعه # ولكل ذلك سبب واحد وهو أن اللذة نوع إدراك والإدراك يستدعي مدركا ويستدعي ~~قوة مدركة # فمن لم تكمل قوة إدراكه لم يتصور منه التلذذ فكيف يدر لذة الطعوم من فقد ~~الذوق وكيف يدرك لذة الألحان من فقد السمع ولذة المعقولات من ms1023 فقد العقل ~~وكذلك ذوق السماع PageV02P279 # بالقلب بعد وصول الصوت إلى السمع يدرك بحاسة باطنة في القلب فمن فقدها ~~عدم لا محالة لذته # ولعلك تقول كيف يتصور العشق في حق الله تعالى حتى يكون السماع محركا له ~~فاعلم أن من عرف الله أحبه لا محالة ومن تأكدت معرفته تأكدت محبته بقدر ~~تأكد معرفته # والمحبة إذا تأكدت سميت عشقا فلا معنى للعشق إلا محبة مؤكدة مفرطة # ولذلك قالت العرب إن محمدا قد عشق ربه # لما رأوه يتخلى للعبادة في جبل حراء # واعلم أن كل جمال محبوب عند مدرك ذلك الجمال والله تعالى جميل يحب الجمال # ولكن الجمال إن كان بتناسب الخلقة وصفاء اللون أدرك بحاسة البصر # وإن كان الجمال بالجلال والعظمة وعلو الرتبة وحسن الصفات والأخلاق وإرادة ~~الخيرات لكافة الخلق وإفاضتها عليهم على الدوام إلى غير ذلك من الصفات ~~الباطنة أدرك بحاسة القلب # ولفظ الجمال قد يستعار أيضا لها فيقال إن فلانا حسن وجميل ولا تراد صورته # وإنما يعنى به أنه جميل الأخلاق محمود الصفات حسن السيرة حتى قد يحب ~~الرجل بهذه الصفات الباطنة استحسانا لها كما تحب الصورة الظاهرة # وقد تتأكد هذه المحبة فتسمى عشقا # وكم من الغلاة في حب أرباب المذاهب كالشافعي ومالك وأبي حنيفة رضي الله ~~عنهم حتى يبذلوا أموالهم وأرواحهم في نصرتهم وموالاتهم ويزيدوا على كل عاشق ~~في الغلو والمبالغة # ومن العجب أن يعقل عشق شخص لم تشاهد قط صورته أجميل هو أم قبيح وهو الآن ~~ميت ولكن لجمال صورته الباطنة وسيرته المرضية والخيرات الحاصلة من عمله ~~لأهل الدين وغير ذلك من الخصال # ثم لا يعقل عشق من ترى الخيرات منه # بل على التحقيق من لا خير ولا جمال ولا محبوب في العالم إلا وهو حسنة من ~~حسناته وأثر من آثار كرمه وغرفة من بحر جوده بل كل حسن وجمال في العالم ~~أدرك بالعقول والأبصار والأسماع وسائر الحواس من مبتدإ العالم إلى منقرضه ~~ومن ذروة الثريا إلى منتهى الثرى فهو ذرة من خزائن قدرته ولمعة من أنوار ~~حضرته ms1024 فليت شعري كيف لا يعقل حب من هذا وصفه وكيف لا يتأكد عند العارفين ~~بأوصافه حبه حتى يجاوز حدا يكون إطلاق اسم العشق عليه ظلما في حقه لقصوره ~~عن الإنباء عن فرط محبته فسبحان من احتجب عن الظهور بشدة ظهوره واستتر عن ~~الأبصار بإشراق نوره ولولا احتجابه بسبعين حجابا من نوره لأحرقت سبحات وجهه ~~أبصار الملاحظين لجمال حضرته ولولا أن ظهوره سبب خفائه لبهتت العقول ودهشت ~~القلوب وتخاذلت القوى وتنافرت الأعضاء ولوركبت القلوب من الحجارة والحديد ~~لأصبحت تحت مبادى أنوار تجليله دكادكا فأنى تطيق كنه نور الشمس أبصار ~~الخفافيش # وسيأتي تحقيق هذه الإشارة في كتاب المحبة ويتضح أن محبة غير الله تعالى ~~قصور وجهل بل المتحقق # بالمعرفة لا يعرف غير الله تعالى إذ ليس في الوجود تحقيقا إلا الله ~~وأفعاله # ومن عرف الأفعال من حيث إنها أفعال لم يجاوز معرفة الفاعل إلى غيره # فمن عرف الشافعي مثلا رحمه الله وعلمه وتصنيفه من حيث إنه تصنيفه لا من ~~حيث إنه بياض وجلد وحبر وورق وكلام منظوم ولغة عربية فلقد عرفه ولم يجاوز ~~معرفة الشافعي إلى غيره ولا جاوزت محبته إلى غيره فكل موجود سوى الله تعالى ~~فهو تصنيف الله تعالى وفعله وبديع أفعاله فمن عرفها من حيث هي صنع الله ~~تعالى فرأى من الصنع صفات الصانع كما يرى من حسن التصنيف فضل المصنف وجلالة ~~قدره كانت معرفته ومحبته مقصورة على الله تعالى غير مجاوزة إلى سواه # ومن حد هذا العشق أنه لا يقبل الشركة وكل ما سوى هذا العشق فهو قابل ~~للشركة إذ كل محبوب سواه يتصور له نظير إما في الوجود وإما في الإمكان # فأما هذا الجمال فلا يتصور له ثان لا في الإمكان ولا في الوجود # فكان اسم العشق على حب غيره مجازا محضالا حقيقة # نعم الناقص القريب في نقصانه من البهيمة قد لا يدرك من لفظة العشق إلا ~~طلب الوصال الذي هو عبارة عن تماس PageV02P280 # ظواهر الأجسام وقضاء شهوة الوقاع # فمثل هذا الحمار ينبغي أن لا يستعمل معه ms1025 لفظه العشق والشوق والوصال ~~والأنس بل يجنب هذه الألفاظ والمعاني كما تجنب البهيمة النرجس والريحان ~~وتخصص بالفت والحشيش وأوراق القضبان # فإن الألفاظ إنما يجوز إطلاقها في حق الله تعالى إذا لم تكن موهمة معنى ~~يجب تقديس الله تعالى عنه # والأوهام تختلف باختلاف الأفهام فليتنبه لهذه الدقيقة في أمثال هذه ~~الألفاظ بل لا يبعد أن ينشأ من مجرد السماع لصفات الله تعالى وجد غالب يقطع ~~بسببه نياط القلب # فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ~~غلاما كان في بني إسرائيل على جبل فقال لأمه من خلق السماء قالت الله عز ~~وجل قال فمن خلق الأرض قالت الله عز وجل قال فمن خلق الجبال قالت الله عز ~~وجل قال فمن خلق الغيم قالت الله عز وجل قال إني لأسمع لله شأنا # ثم رمى بنفسه من الجبل فتقطع (1) # وهذا كأنه سمع ما دل على جلال الله تعالى وتمام قدرته فطرب لذلك ووجد ~~فرمى بنفسه من الوجد # وما أنزلت الكتب إلا ليطربوا بذكر الله تعالى # قال بعضهم رأيت مكتوبا في الإنجيل غنينا لكم فلم تطربوا وزمرنا لكم فلم ~~ترقصا # أي شوقناكم بذكر الله تعالى فلم تشتاقوا # فهذا ما أردنا أن نذكره من أقسام السماع وبواعثه ومقتضياته وقد ظهر على ~~القطع إباحته في بعض المواضع والندب إليه في بعض المواضع # فإن قلت فهل له حالة يحرم فيها فأقول إنه يحرم بخمسة عوارض عارض في ~~المسمع وعارض في آلة الإسماع وعارض في نظم الصوت وعارض في نفس المستمع أو ~~في مواظبته وعارض في كون الشخص من عوام الخلق لأن أركان السماع هي المسمع ~~والمستمع وآلة الإسماع # العارض الأول أن يكون المسمع امرأة لا يحل النظر إليها وتخشى الفتنة من ~~سماعها وفي معناها الصبي الأمرد الذي تخشى فتنته وهذا حرام لما فيه من خوف ~~الفتنة وليس ذلك لأجل الغناء بل لو كانت المرأة بحيث يفتتن بصوتها في ~~المحاورة من غير ألحان فلا يجوز محاورتها ومحادثتها ولا سماع صوتها ms1026 في ~~القرآن أيضا وكذلك الصبي الذي تخاف فتنته # فإن قلت فهل تقول إن ذلك حرام بكل حال حسما للباب أو لا يحرم إلا حيث ~~تخاف الفتنة في حق من يخاف العنت # فأقول هذه مسألة محتملة من حيث الفقه يتجاذبها أصلان أحدهما أن الخلوة ~~بالأجنبية والنظر إلى وجهها حرام سواء خيفت الفتنة أو لم تخف لأنها مظنة ~~الفتنة على الجملة # فقضى الشرع بحسم الباب من غير التفات إلى الصور والثاني أن النظر إلى ~~الصبيان مباح إلا عند خوف الفتنة فلا يلحق الصبيان بالنساء في عموم الحسم ~~بل يتبع فيه الحال وصوت المرأة دائر بين هذين الأصلين فإن قسناه على النظر ~~إليها وجب حسم الباب وهو قياس قريب ولكن بينهما فرق إذ الشهوة تدعو إلى ~~النظر في أول هيجانها ولا تدعو إلى سماع الصوت وليس تحريك النظر لشهوة ~~المماسة كتحريك السماع بل هو أشد # وصوت المرأة في غير الغناء ليس بعورة فلم تزل النساء في زمن الصحابة رضي ~~الله عنهم يكلمن الرجال في السلام والاستفتاء والسؤال والمشاورة وغير ذلك # ولكن للغناء مزيد أثر في تحريك الشهوة # فقياس هذا على النظر إلى الصبيان أولى لأنهم لم يؤمروا بالاحتجاب كما لم ~~تؤمر النساء بستر الأصوات # فينبغي أن يتبع مثار الفتن ويقصر التحريم عليه # هذا هو الأقيس عندي ويتأيد بحديث الجاريتين المغنيتين في بيت عائشة رضي ~~الله عنها إذ يعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يسمع أصواتهما ولم يحترز منه ~~ولكن لم تكن PageV02P281 # الفتنة مخوفة عليه فلذلك لم يحترز # فإذن يختلف هذا بأحوال المرأة وأحوال الرجل في كونه شابا وشيخا ولا يبعد ~~أن يختلف الأمر في مثل هذا بالأحوال # فإنا نقول للشيخ أن يقبل زوجته وهو صائم وليس للشاب ذلك لأن القبلة تدعو ~~إلى الوقاع في الصوم وهو محظور والسماع يدعو إلى النظر والمقاربة وهو حرام ~~فيختلف ذلك أيضا بالأشخاص # العارض الثاني في الآلة بأن تكون من شعار أهل الشرف أو المخنثين وهي ~~المزامير والأوتار وطبل الكوبة # فهذه ثلاثة أنواع ممنوعة # وما عدا ذلك ms1027 يبقى على أصل الإباحة كالدف وإن كان فيه الجلاجل وكالطبل ~~والشاهين والضرب بالقضيب وسائر الآلات # العارض الثالث في نظم الصوت وهو الشعر فإن كان فيه شيء من الخنا والفحش ~~والهجو أو ما هو كذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم أو على ~~الصحابة رضي الله عنهم كما رتبه الروافض في هجاء الصحابة وغيرهم فسماع ذلك ~~حرام بألحان وغير ألحان والمستمع شريك للقائل # وكذلك ما فيه وصف امرأة بعينها فإنه لا يجوز وصف المرأة بين الرجال # وأما هجاء الكفار وأهل البدع فذلك جائز # فقد كان حسان بن ثابت رضي الله عنه ينافح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ويهاجي الكفار وأمره صلى الله عليه وسلم بذلك (1) # فأما النسيب وهو التشبيه بوصف الخدود والأصداغ وحسن القد والقامة وسائر ~~أوصاف النساء فهذا فيه نظر # والصحيح أنه لا يحرم نظمه وإنشاده بلحن وغير لحن # وعلى المستمع أن لا ينزله على امرأة معينة فإن نزله فلينزله على من يحل ~~له من زوجته وجاريته فإن نزله على أجنبية فهو العاصي بالتنزيل وإحالة الفكر ~~فيه # ومن هذا وصفه فينبغي أن يجتنب السماع رأسا فإن من غلب عليه عشق نزل كل ما ~~يسمعه عليه سوء كان اللفظ مناسبا له أو لم يكن إذ ما من لفظ إلا ويمكن ~~تنزيله على معان بطريق الاستعارة فالذي يغلب على قلبه حب الله تعالى يتذكر ~~بسواد الصدغ مثلا ظلمة الكفر وبنضارة الخد نور الإيمان وبذكر الوصال لقاء ~~الله تعالى وبذكر الفراق الحجاب عن الله تعالى في زمرة المردودين وبذكر ~~الرقيب المشوش لروح الوصال عوائق الدنيا وآفاتها المشوشة لدوام الأنس بالله ~~تعالى ولا يحتاج في تنزيل ذلك عليه إلى استنباط وتفكر ومهلة بل تسبق ~~المعاني الغالبة على القلب إلى فهمه مع اللفظ # كما روي عن بعض الشيوخ أنه مر في السوق فسمع واحدا يقول الخيار عشرة بحبة ~~فغلبه الوجد فسئل عن ذلك فقال إذا كان الخيار عشرة بحبة فما قيمة الأشرار ~~واجتاز بعضهم في السوق فسمع قائلا يقول يا ms1028 سعتر برى فغلبه الوجد فقيل له ~~على ماذا كان وجدك فقال سمعته كأنه يقول اسع ترى برى حتى إن العجمى قد يغلب ~~عليه الوجد على الأبيات المنظومة بلغة العرب فإن بعض حروفها يوازن الحروف ~~العجمية فيفهم منها معان آخر # أنشد بعضهم # وما زارني في الليل إلا خياله ... # فتواجد عليه رجل أعجمي # فسئل عن سبب وجده فقال إنه يقول ما زاريم # وهو كما يقول فإن لفظ زار يدل في العجمية على المشرف على الهلاك فتوهم ~~أنه يقول كلنا مشرفون على الهلاك فاستشعر عند ذلك خطر هلاك الآخرة # والمحترق في حب الله تعالى وجده بحسب فهمه وفهمه بحسب تخيله وليس من شرط ~~تخيله أن يوافق مراد PageV02P282 # الشاعر ولغته # فهذا الوجد حق وصدق # ومن استشعر خطر هلاك الآخرة فجدير بأن يتشوش عليه عقله وتضطرب عليه ~~أعضاؤه # فإذن ليس في تغيير أعيان الألفاظ كبير فائدة بل الذي غلب عشق مخلوق ينبغي ~~أن يحترز من السماع بأي لفظ كان والذي غلب عليه حب الله تعالى فلا تضره ~~الألفاظ ولا تمنعه عن فهم المعاني اللطيفة المتعلقة بمجاري همته الشريفة # العارض الرابع في المستمع وهو أن تكون الشهوة غالبة عليه وكان في غرة ~~الشباب وكانت هذه الصفة أغلب عليه من غيرها فالسماع حرام عليه سواء غلب على ~~قلبه حب شخص معين أو لم يغلب فإنه كيفما كان فلا يسمع وصف الصدغ والخد ~~والفراق والوصال إلا ويحرك ذلك شهوته وينزله على صورة معينة ينفخ الشيطان ~~بها في قلبه فتشتعل فيه نار الشهوة وتحتد بواعث الشر # وذلك هو النصرة لحزب الشيطان والتخذيل للعقل المانع منه الذي هو حزب ~~اللهتعالى والقتال في القلب دائم جنود الشيطان وهي الشهوات وبين حزب الله ~~تعالى وهو نور العقل إلا في قلب قد فتحه أحد الجندين واستولى عليه بالكلية # وغالب القلوب الآن قد فتحها جند الشيطان وغلب عليها فتحتاج حينئذ إلى أن ~~تستأنف أسباب القتال لإزعاجها فكيف يجوز تكثير أسلحتها وتشحيذ سيوفها ~~وأسنتها والسماع مشحذ لأسلحة جند الشيطان في حق مثل هذا الشخص # فليخرج ms1029 مثل هذا عن مجمع السماع فإنه يستضر به # العارض الخامس أن يكون الشخص من عوام الخلق ولم يغلب عليه حب الله تعالى ~~فيكون السماع له محبوبا ولو غلبت عليه شهوة فيكون في حقه محظورا # ولكنه أبيح في حقه كسائر أنواع اللذات المباحة إلا أنه إذا اتخذه ديدنه ~~وهجيراه وقصر عليه أكثر أوقاته فهذا هو السفيه الذي ترد شهادته فإن ~~المواظبة على اللهو جناية # وكما أن الصغيرة بالإصرار والمداومة تصير كبيرة فكذلك بعض المباحات ~~بالمداومة تصير صغيرة وهو كالمواظبة على متابعة الزنوج والحبشة والنظر إلى ~~لعبهم على الدوام فإنه ممنوع وإن لم يكن أصله ممنوعا إذ فعله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # ومن هذا القبيل اللعب بالشطرنج فإنه مباح ولكن المواظبة عليه مكروهة ~~كراهة شديدة # ومهما كان الغرض اللعب والتلذذ باللهو فذلك إنما يباح لما فيه من ترويح ~~القلب إذ راحة القلب معالجة له في بعض الأوقات لتنبعث دواعيه فيشتغل في ~~سائر الأوقات بالجد الدنيا كالكسب والتجارة أو في الدين كالصلاة والقراءة # واستحسان ذلك فيما بين تضاعيف الجد كاستحسان الخال على الخد ولو استوعبت ~~الخيلان في الوجه لشوهته فما أقبح ذلك فيعود الحسن قبحا بسبب الكثرة فما كل ~~حسن يحسن كثيره ولا كل مباح يباح كثيره بل الخبز مباح والاستكثار منه حرام # فهذا المباح كسائر المباحات # فإن قلت فقد أدى مساق هذا الكلام إلى أنه مباح في بعض الأحوال دون بعض ~~فلم أطلقت القول أولا بالإباحة إذ إطلاق القول في المفصل بلا أو بنعم خلف ~~وخطأ فاعلم أن هذا غلط لأن الإطلاق إنما يمتنع لتفصيل ينشأ من غير ما فيه ~~النظر فأما ما ينشأ من الأحوال العارضة المتصلة به من خارج فلا يمنع ~~الإطلاق ألا ترى أنا إذا سئلنا عن العسل أهو حلال أم لا قلنا إنه حلال على ~~الإطلاق مع أنه حرام على المحرور الذي يستضر به وإذا سئلنا عن الخمر قلنا # إنها حرام # مع إنها تحل لمن غص بلقمة أن يشربها مهما لم يجد غيرها ولكن هي من ms1030 حيث ~~أنها خمر حرام وإنما أبيحت لعارض الحاجة # والعسل من حيث إنه عسل حلال وإنما حرم لعارض الضرر وما يكون لعارض فلا ~~يلتفت إليه فإن البيع حلال ويحرم بعارض الوقوع في وقت النداء يوم الجمعة ~~ونحوه من العوارض والسماع من جملة المباحات من حيث إنه سماع صوت طيب موزون ~~مفهوم وإنما تحريمه لعارض خارج PageV02P283 # عن حقيقة ذاته # فإذا انكشف الغطاء عن دليل الإباحة فلا نبالي بمن يخالف بعد ظهور الدليل # وأما الشافعي رضي الله عنه فليس تحريم الغناء من مذهبه أصلا # وقد نص الشافعي وقال في الرجل يتخذه صناعة لا تجوز شهادته # وذلك لأنه من اللهو المكروه الذي يشبه الباطل ومن اتخذه صنعة كان منسوبا ~~إلى السفاهة وسقوط المروءة وإن لم يكن محرما بين التحريم # فإن كان لا ينسب نفسه إلى الغناء ولا يؤتى لذلك ولا يأتى لأجله وإنما ~~يعرف بأنه قد يطرب في الحال فيترنم بها لم يسقط هذا مروءته ولم يبطل شهادته # واستدل بحديث الجاريتين اللتين كانتا تغنيان في بيت عائشة رضي الله عنها ~~وقال يونس بن عبد الأعلى سألت الشافعي رحمه الله عن إباحة أهل المدينة ~~للسماع فقال الشافعي # لا أعلم أحدا من علماء الحجاز كره السماع إلا ما كان منه في الأوصاف فأما ~~الحداء وذكر الأطلال والمرابع وتحسين الصوت بألحان الأشعار فمباح # وحيث قال إنه لهو مكروه يشبه الباطل فقوله لهو صحيح # ولكن اللهو من حيث إنه لهو ليس بحرام فلعب الحبشة ورقصهم لهو وقد كان صلى ~~الله عليه وسلم ينظر إليه ولا يكرهه # بل اللهو واللغو لا يؤاخذ الله تعالى به إن عنى به أنه فعل ما لا فائدة ~~فيه # فإن الإنسان لو وظف على نفسه أن يضع يده على رأسه في اليوم مائة مرة فهذا ~~عبث لا فائدة له ولا يحرم # قال الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم فإذا كان ذكر اسم الله ~~تعالى على الشيء على طريق القسم من غير عقد عليه ولا تصميم والمخالفة فيه ~~مع أنه لا فائدة فيه ms1031 لا يؤاخذ فكيف يؤاخذ به بالشعر والرقص # وأما قوله يشبه الباطل فهذا لا يدل على اعتقاد تحريمه بل لو قال هو باطل ~~صريحا # لما دل على التحريم وإنما يدل على خلوه عن الفائدة فالباطل ما لا فائدة ~~فيه # فقول الرجل لامرأته مثلا بعت نفسي منك وقولها اشتريت عقد باطل مهما كان ~~القصد اللعب والمطايبة وليس بحرام إلا إذا قصد به التمليك المحقق منع الشرع ~~منه # وأما قوله مكروه فينزل بعض المواضع التي ذكرتها لك أو ينزل على التنزيه ~~فإنه نص على إباحة لعب الشطرنج وذكر أني أكره لعب وتعليله يدل عليه فإنه ~~قال ليس ذلك من عادة ذوي الدين والمروءة # فهذا يدل على التنزيه # ورده الشهادة بالمواظبة عليه لا يدل على تحريمه أيضا بل قد ترد الشهادة ~~بالأكل في السوق وما يحرم المروءة بل الحياكة مباحة وليست من صنائع ذوي ~~المروءة وقد ترد شهادة المحترف بالحرفة الخسيسة فتعليله يدل على أنه أراد ~~بالكراهة التنزيه # وهذا هو الظن أيضا بغيره من كبار الأئمة # وإن أرادوا التحريم فما ذكرناه حجة عليهم ### |||| بيان حجج القائلين بتحريم السماع والجواب عنها # احتجوا بقوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث قال ابن مسعود والحسن ~~البصري والنخعي رضي الله عنهم أن لهو الحديث هو الغناء # وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى ~~حرم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها (1) # فنقول أما القينة فالمراد بها الجارية التي تغني للرجال في مجلس الشرب # وقد ذكرنا أن غناء الأجنبية للفساق ومن يخاف عليهم الفتنة حرام وهم لا ~~يقصدون بالفتنة إلا ما هو محظور فأما غناء الجارية لمالكها فلا يفهم تحريمه ~~من هذا الحديث بل لغير مالكها سماعها عند عدم الفتنة # بدليل ما روي في الصحيحين من غناء الجاريتين في بيت عائشة رضي الله عنها # وأما شراء لهو الحديث بالدين استبدالا به ليضل به عن سبيل الله ~~PageV02P284 # فهو حرام مذموم وليس النزاع فيه وليس كل غناء بدلا عن الدين مشترى به ~~ومضلا عن سبيل ms1032 الله تعالى وهو المراد في الآية # ولو قرأ القرآن ليضل به عن سبيل الله لكان حراما # حكى عن بعض المنافقين أنه كان يؤم الناس ولا يقرأ إلا سورة عبس لما فيها ~~من العتاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم عمر بقتله ورأى فعله حراما ~~لما فيه من الإضلال # فالإضلال بالشعر والغناء أولى بالتحريم # واحتجوا بقوله تعالى أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم ~~سامدون قال ابن عباس رضي الله عنهما هو الغناء بلغة حمير يعني السمد فنقول ~~ينبغي أن يحرم الضحك وعدم البكاء أيضا لآن الآية تشتمل عليه # فإن قيل إن ذلك مخصوص بالضحك على المسلمين لإسلامهم فهذا أيضا مخصوص ~~بأشعارهم وغنائهم في معرض الاستهزاء بالمسلمين كما قال تعالى والشعراء ~~يتبعهم الغاوون وأراد به شعراء الكفار # ولم يدل ذلك على تحريم نظم الشعر في نفسه # واحتجوا بما روى جابر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال كان إبليس ~~أول من ناح وأول من تغنى (1) # فقد جمع بين النياحة والغناء قلنا لا جرم كما استثنى منه نياحة داود عليه ~~السلام ونياحة المذنبين على خطاياهم فكذلك يستثنى الغناء الذي يراد به ~~تحريك السرور والحزن والشوق حيث يباح تحريكه بل كما استثنى غناء الجاريتين ~~يوم العيد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغناؤهن عند قدومه صلى الله ~~عليه وسلم بقولهن # طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع # واحتجوا بما روى أبو إمامة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما رفع أحد ~~صوته بغناء إلا بعث الله له شيطانين على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره ~~حتى يمسك (2) # قلنا هو منزل على بعض أنواع الغناء الذي قدمناه وهو الذي يحرك من القلب ~~ما هو مراد الشيطان من الشهوة وعشق المخلوقين فأما ما يحرك الشوق إلى الله ~~أو السرور بالعيد أو حدوث الولد أو قدوم الغائب فهذا كله يضاد مراد الشيطان # بدليل قصة الجاريتين والحبشة والأخبار التي نقلناها من الصحاح فالتجويز ~~في موضع واحد نص في الإباحة والمنع في ms1033 ألف موضع محتمل للتأويل ومحتمل ~~للتنزيل # أما الفعل فلا تأويل له إذ ما حرم فعله إنما يحل بعارض الإكراه فقط وما ~~أبيح فعله يحرم بعوارض كثيرة حتى النيات والقصود # واحتجوا بما روى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل شيء ~~يلهو به الرجل فهو باطل إلا تأديبه فرسه ورميه بقوسه وملاعبته لامرأته (3) # قلنا فقوله باطل لا يدل على التحريم بل يدل على عدم الفائدة وقد يسلم ذلك # على أن التلهي بالنظر إلى الحبشة خارج عن هذه الثلاثة وليس بحرام بل يلحق ~~بالمحصور غير المحصور قياسا كقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم ~~إلا بإحدى ثلاث (4) # فإنه يلحق به رابع وخامس فكذلك ملاعبة امرأته لا فائدة له إلا التلذذ # وفي هذا دليل على أن التفرج في البساتين وسماع أصوات الطيور وأنواع ~~المداعبات مما يلهو به الرجل لا يحرم عليه شيء منها وإن جاز وصفه بأنه باطل ~~PageV02P285 # واحتجوا بقول عثمان رضي الله عنه ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري ~~بيميني مذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم # قلنا فليكن التمني ومس الذكر باليمنى حراما إن كان هذا دليل تحريم الغناء ~~فمن أين يثبت أن عثمان رضي الله عنه كان لا يترك إلا الحرام # واحتجوا بقول ابن مسعود رضي الله عنه الغناء ينبت في القلب النفاق وزاد ~~بعضهم كما ينبت الماء البقلحديث ابن مسعود الغناء ينبت النفاق في القلب ما ~~ينبت الماء البقل قال المصنف والمرفوع غير صحيح لأن في إسناده من لم يسم ~~رواه أبو داود وهو في رواية ابن العبد ليس في رواية اللؤلؤى ورواه البيهقى ~~مرفوعا وموقوفا ورفعه بعضهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غير صحيح # قالوا ومر على ابن عمر رضي الله عنهما قوم محرمون وفيهم رجل يتغنى فقال ~~ألا لا أسمع الله لكم ألا لا أسمع الله لكم # وعن نافع أنه قال كنت مع ابن عمر رضي الله عنهما في طريق فسمع زمارة راع ~~فوضع ms1034 أصبعيه في أذنيه ثم عدل عن الطريق فلم يزل يقول يا نافع أتسمع ذلك حتى ~~قلت لا فأخرج أصبعيه وقال # هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنعحديث نافع كنت وابن عمر في ~~طريق فسمع زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنية الحديث ورفعه أبو داود وقال هذا ~~حديث منكر # وقال الفضيل بن عياض رحمه الله الغناء رقية الزنا # وقال بعضهم الغناء رائد من رواد الفجور # وقال يزيد بن الوليد إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزيد الشهوة ويهدم ~~المروءة وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعله السكر فإن كنتم لا بد فاعلين ~~فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنا # فنقول قول ابن مسعود رضي الله عنه ينبت النفاق أراد به في حق المغني فإنه ~~في حقه ينبت النفاق إذ غرضه كله أن يعرض نفسه على غيره ويروج صوته عليه ولا ~~يزال ينافق ويتودد إلى الناس ليرغبوا في غنائه وذلك أيضا لا يوجب تحريما # فإن لبس الثياب الجميلة وركوب الخيل المهملجة وسائر أنواع الزينة ~~والتفاخر بالحرث والأنعام والزرع وغير ذلك ينبت في القلب النفاق والرياء ~~ولا يطلق القول بتحريم ذلك كله # فليس السبب في ظهور النفاق في القلب المعاصي فقط بل المباحات التي هي ~~مواقع نظر الخلق أكثر تأثيرا # ولذلك نزل عمر رضي الله عنه عن فرس هملج تحته وقطع ذنبه لأنه استشعر في ~~نفسه الخيلاء لحسن مطيته # فهذا النفاق من المباحات # وأما قول ابن عمر رضي الله عنهما ألا لا أسمع الله لكم # فلا يدل على التحريم من حيث إنه غناء بل كانوا محرمين ولا يليق بهم الرفث ~~وظهر له من مخايلهم أن سماعهم لم يكن لوجد وشوق إلى زيارة بيت الله تعالى ~~بل لمجرد اللهو فأنكر ذلك عليهم لكونه منكرا بالإضافة إلى حالهم وحال ~~الإحرام # وحكايات الأحوال تكثر فيها وجوه الاحتمال # وأما وضعه أصبعيه في أذنيه فيعارضه أنه لم يأمر نافعا بذلك ولا أنكر عليه ~~سماعه وإنما فعل ذلك هو لأنه رأى أن ينزه سمعه في الحال وقلبه عن صوت ms1035 ربما ~~يحرك اللهو ويمنعه عن فكر كان فيه أو ذكر هو أولى منه # وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يمنع ابن عمر لا يدل ~~أيضا على التحريم بل يدل على أن الأولى تركه # ونحن نرى أن الأولى تركه في أكثر الأحوال بل أكثر مباحات الدنيا الأولى ~~تركها إذا علم أن ذلك يؤثر في القلب # فقد خلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من الصلاة ثوب أبي جهم ~~إذ كانت عليه أعلام شغلت قلبه (1) # أفترى أن ذلك يدل على تحريم الأعلام على الثوب فلعله صلى الله عليه وسلم ~~كان في حالة كان صوت زمارة الراعي يشغله عن تلك الحالة كما شغله العلم عن ~~الصلاة # بل الحاجة إلى استثارة الأحوال الشريفة من القلب بحيلة السماع قصور ~~بالإضافة إلى من هو دائم الشهود للحق وإن كان كمالا بالإضافة إلى غيره # ولذلك قال الحصري ماذا أعمل بسماع ينقطع إذا مات من PageV02P286 # يسمع منه إشارة إلى أن السماع من الله تعالى هو الدائم # فالأنبياء عليهم السلام على الدوام في لذة السمع والشهود فلا يحتاجون إلى ~~التحريك بالحيلة # وأما قول الفضيل هو رقية الزنا # وكذلك ما عداه من الأقاويل القريبة منه # فهو منزل على سماع الفساق والمغتلمين من الشبان # ولو كان ذلك عاما لما سمع من الجاريتين في بيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # وأما القياس فغاية ما يذكر فيه أن يقاس على الأوتار وقد سبق الفرق أو ~~يقال هو لهو ولعب وهو كذلك ولكن الدنيا كلها لهو ولعب # قال عمر رضي الله عنه لزوجته إنما أنت لعبة في زاوية البيت # وجميع الملاعبة مع النساء لهو إلا الحراثة التي هي سبب وجود الولد # وكذلك المزح الذي لا فحش فيه حلال # نقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة كما سيأتي تفصيله ~~في # كتاب آفات اللسان إن شاء الله (1) # وأي لهو يزيد على لهو الحبشة والزنوج في لعبهم وقد ثبت بالنص إباحته على ~~أني أقول اللهو ms1036 مروح للقلب ومخفف عنه أعباء الفكر والقلوب إذا أكرهت عميت ~~وترويحها إعانة لها على الجد فالمواظب على التفقه مثلا ينبغي أن يتعطل يوم ~~الجمعة لأن عطلة يوم تبعث على النشاط في سائر الأيام والمواظب على نوافل ~~الصلوات في سائر الأوقات ينبغي أن يتعطل في بعض الأوقات ولأجله كرهت الصلاة ~~في بعض الأوقات # فالعطلة معونة على العمل واللهو معين على الجد ولا يصبر على الجد المحض ~~والحق المر إلا نفوس الأنبياء عليهم السلام # فاللهو دواء القلب من داء الإعياء والملال فينبغي أن يكون مباحا ولكن لا ~~ينبغي أن يستكثر منه كما لا يستكثر من الدواء فإذا اللهو على هذه النية ~~يصير قربة هذا في حق من لا يحرك السماع من قلبه صفة محمودة يطلب تحريكها بل ~~ليس له إلا اللذة والاستراحة المحضة فينبغي أن يستحب له ذلك ليتوصل به إلى ~~المقصود الذي ذكرناه # نعم هذا يدل على نقصان عن ذروة الكمال فإن الكامل هو الذي لا يحتاج أن ~~يروح نفسه بغير الحق ولكن حسنات الأبرار سيئات المقربين ومن أحاط بعلم علاج ~~القلوب ووجوه التلطف بها لسياقتها إلى الحق علم قطعا أن ترويحها بأمثال هذه ~~الأمور دواء نافع لا غنى عنه ### ||| الباب الثاني آثار السماع وآدابه # اعلم أن أول درجة السماع فهم المسموع وتنزيله على معنى يقع للمستمع ثم ~~يثمر الفهم الوجد ويثمر الوجد الحركة بالجوارح # فلينظر في هذه المقامات الثلاثة # المقام الأول في الفهم وهو يختلف باختلاف أحوال المستمع # وللمستمع أربعة أحوال إحداها أن يكون سماع بمجرد الطبع أي لاحظ له في ~~السماع إلا استلذاذ الألحان والنغمات وهذا مباح وهو أخسر رتب السماع إذ ~~الإبل شريكه له فيه وكذا سائر البهائم بل لا يستدعى هذا الذوق إلا الحياة ~~فلكل حيوان نوع تلذذ بالأصوات الطيبة # الحالة الثانية أن يسمع بفهم ولكن ينزله على صورة مخلوق إما معينا وإما ~~غير معين وهو سماع الشباب وأرباب الشهوات ويكون تنزيلهم للمسموع على حسب ~~شهواتهم ومقتضى أحوالهم وهذه الحالة أخس من أن نتكلم فيها إلا ببيان ms1037 خستها ~~والنهي عنها # الحالة الثالثة أن ينزل ما يسمعه على أحوال نفسه في معاملته لله تعالى ~~وتقلب أحواله في التمكن مرة والتعذر أخرى وهذا سماع المريدين لا سيما ~~المبتدئين فإن للمريد لا محالة مرادا هو مقصده ومقصده معرفة الله سبحانه ~~PageV02P287 # ولقاؤه والوصول إليه بطريق المشاهدة بالسر وكشف الغطاء وله في مقصده طريق ~~هو سالكه ومعاملات هو مثابر عليها وحالات تستقبله في معاملاته # فإذا سمع ذكر عتاب أو خطاب أو قبول أو رد أو وصل أو هجر أو قرب أو بعد أو ~~تلهف على فائت أو تعطش إلى منتظر أو شوق إلى وارد أو طمع أو يأس أو وحشة أو ~~استئناس أو وفاء بالوعد أو نقض للعهد أو خوف فراق أو فرح بوصال أو ذكر ~~ملاحظة الحبيب ومدافعة الرقيب أو همول العبرات أو ترادف الحسرات أو طول ~~الفراق أو عدة الوصال أو غير ذلك مما يشتمل على وصفه الأشعار فلا بد أن ~~يوافق بعضها حال المريد في طلبه فيجري ذلك مجرى القدح الذي يورى زناد قلبه ~~فتشتعل به نيرانه ويقوى به انبعاث الشوق وهيجانه ويهجم عليه بسببه أحوال ~~مخالفة لعادته ويكون له مجال رحب في تنزيل الألفاظ على أحواله # وليس على المستمع مراعاة مراد الشاعر من كلامه بل لكل كلام وجوه ولكل ذي ~~فهم في اقتباس المعنى منه حظوظ # ولنضرب لهذه التنزيلات والفهوم أمثلة كي لا يظن الجاهل أن المستمع لأبيات ~~فيها ذكر الفم والخد والصدغ إنما يفهم منها ظواهرها # ولا حاجة بنا إلى ذكر كيفية فهم المعاني من الأبيات ففي حكايات أهل ~~السماع ما يكشف عن ذلك # فقد حكى أن بعضهم سمع قائلا يقول # قال الرسول غدا تزور ... فقلت تعقل ما تقول # فاستفزه اللحن والقول وتواجد وجعل يكرر ذلك ويجعل مكان التاء نونا فيقول ~~قال الرسول غدا نزور حتى غشى عليه من شدة الفرح واللذة والسرور # فلما أفاق سئل عن وجده مم كان فقال ذكرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم ~~إن أهل الجنة يزورون ربهم في كل يوم جمعة ms1038 مرة (1) # وحكى الرقى عن ابن الدراج أنه قال كنت أنا وابن الفوطى مارين على دجلة ~~بين البصرة والأبلة فإذا بقصر حسن له منظرة وعليه رجل بين يديه جارية تغني ~~وتقول # كل يوم تتلون ... غير هذا بك أحسن # فإذا شاب حسن تحت المنظرة وبيده ركوة وعليه مرقعة يستمع فقال يا جارية ~~بالله وبحياة مولاك إلا أعدت علي هذا البيت # فأعادت فكان الشاب يقول هذا والله تلوني مع الحق في حالي فشهق شهقة ومات # قال فقلنا قد استقبلنا فرض # فوقفنا فقال صاحب القصر للجارية أنت حرة لوجه الله تعالى قال ثمإن أهل ~~البصرة خرجوا وهذا القصر للسبيل قال ثم رمى بثيابه واتزر بإزار وارتدى بآخر ~~ومر على وجهه والناس ينظرون إليه حتى غاب عن أعينهم وهم يبكون # فلم يسمع له بعد خبر # والمقصود أن هذا الشخص كان مستغرق الوقت بحاله مع الله تعالى ومعرفة عجزه ~~عن الثبوت على حسن الأدب في المعاملة وتأسفه على تقلب قلبه وميله عن سنن ~~الحق فلما قرع سمعه ما يوافق حاله سمعه من الله تعالى كأنه يخاطبه ويقول له # كل يوم تتلون ... غير هذا بك أحسن # ومن كان سماعه من الله تعالى وعلى الله وفيه # فينبغي أن يكون قد أحكم قانون العلم في معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته # وإلا خطر له من السماع في حق الله تعالى ما يستحيل عليه ويكفر به # ففي سماع المريد المبتدئ خطر إلا إذا PageV02P288 # لم ينزل ما يسمع إلا على حاله من حيث لا يتعلق بوصف الله تعالى # ومثال الخطأ فيه هذا البيت بعينه فلو سمعه في نفسه وهو يخاطب به ربه عز ~~وجل فيضيف التلون إلى الله تعالى فيكفر وهذا قد يقع عن جهل محض مطلق غير ~~ممزوج بتحقيق وقد يكون عن جهل ساقه إليه نوع من التحقيق وهو أن يرى تقلب ~~أحوال قلبه بل تقلب أحوال سائر العالم من الله وهو حق فإنه تارة يبسط قلبه ~~وتارة يقبضه وتارة ينوره وتارة يظلمه وتارة يقسيه وتارة يلينه وتارة يثبته ~~على طاعته ms1039 ويقويه عليها وتارة يسلط الشيطان عليه ليصرفه عن سنن الحق وهذا ~~كله من الله تعالى # ومن يصدر منه أحوال مختلفة في أوقات متقاربة فقد يقال له في العادة إنه ~~ذو بداوات وإنه متلون # ولعل الشاعر لم يرد به إلا نسبة محبوبة إلى التلون في قبوله ورده وتقريبه ~~وإبعاده وهذا هو المعنى # فسماع هذا كذلك في حق الله تعالى كفر محض بل ينبغي أن يعلم أنه سبحانه ~~وتعالى يلون ولا يتلون ويغير ولا يتغير بخلاف عباده # وذلك العلم يحصل للمريد باعتقاد تقليدي إيماني # ويحصل للعارف البصير بيقين كشفي حقيقي # وذلك من أعاجيب أوصاف الربوبية وهو المغير من غير تغير ولا يتصور ذلك إلا ~~في حق الله تعالى بل كل مغير سواه فلا يغير ما لم يتغير # ومن أرباب الوجد من يغلب عليه حال مثل السكر المدهش فيطلق لسانه بالعتاب ~~مع الله تعالى ويستنكر اقتهاره للقلوب وقسمته للأحوال الشريفة على تفاوت # فإنه المستصفى لقلوب الصديقين والمبعد لقلوب الجاحدين والمغرورين فلا ~~مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولم يقطع التوفيق عن الكفار لجناية متقدمة ~~ولا أمد الأنبياء عليهم السلام بتوفيقه ونور هدايته لوسيلة سابقة ولكنه قال ~~ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين وقال عز وجل ولكن حق القول مني لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين وقال تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون فإن خطر ببالك أنه لم اختلفت السابقة وهم في ربقه ~~العبودية مشتركون نوديت من سرادقات الجلال لا تجاوز حد الأدب فإنه لا يسئل ~~عما يفعل وهم يسئلون ولعمري تأدب اللسان والظاهر مما يقدر عليه الأكثرون # فأما تأدب السر عن إضمار الاستبعاد بهذا الاختلاف الظاهر في التقريب ~~والإبعاد والإشقاء والإسعاد مع بقاء السعادة والشقاوة أبد الآباد فلا يقوى ~~عليه إلا العلماء الراسخون في العلم # ولهذا قال الخضر عليه السلام لما سئل عن السماع في المنام إنه الصفو ~~الزلال الذي لا يثبت عليه إلا أقدام العلماء لأنه محرك لأسرار القلوب ~~ومكامنها ومشوش لها تشويش السكر المدهش الذي يكاد يحل ms1040 عقدة الأدب عن السر ~~إلا ممن عصمه الله تعالى بنور هدايته ولطيف عصمته # ولذلك قال بعضهم ليتنا نجونا من هذا السماع رأسا برأس # ففي هذا الفن من السماع خطر يزيد على خطر السماع المحرك للشهوة فإن غاية ~~ذلك معصية وغاية الخطأ ههنا كفر # واعلم أن الفهم قد يختلف بأحوال المستمع فيغلب الوجد على مستمعين لبيت ~~واحد وأحدهما مصيب في الفهم والآخر مخطىءأو كلاهما مصيبان وقد فهما معنيين ~~مختلفين متضادين ولكنه بالإضافة إلى اختلاف أحوالهما لا يتناقض # كما حكى عن عتبة الغلام أنه سمع رجلا يقول # سبحان جبار السما ... إن المحب لفي عنا # فقال صدقت # وسمعه رجل آخر فقال كذبت # فقال بعض ذوي البصائر أصابا جميعا وهو الحق فالتصديق كلام محب غير ممكن ~~من المراد بل مصدود متعب بالصد والهجر # والتكذيب كلام مستأنس بالحب مستلذ لما يقاسيه بسبب فرط حبه غير متأثر به ~~أو كلام محب غير مصدود عن مراده في الحال ولا مستشعر بخطر PageV02P289 # الصد في المآل # وذلك لاستيلاء الرجاء وحسن الظن على قلبه # فباختلاف هذه الأحوال يختلف الفهم # وحكى عن أبي القاسم بن مروان وكان قد صحب أبا سعيد الخراز رحمه الله وترك ~~حضور السماع سنين كثيرة فحضر دعوة وفيها إنسان يقول # واقف في الماء عطشان ... ولكن ليس يسقى # فقام القوم وتواجدوا فلما سكنوا سألهم عن معنى ما وقع لهم من معنى البيت ~~فأشاروا إلى التعطش إلى الأحوال الشريفة والحرمان منها مع حضور أسبابها فلم ~~يقنعه ذلك فقالوا له فماذا عندك فيه فقال أن يكون في وسط الأحوال ويكرم ~~بالكرامات ولا يعطى منها ذرة # وهذه إشارة إلى إثبات حقيقة وراء الأحوال والكرامات والأحوال سوابقها ~~والكرامات تسنح في مباديها والحقيقة بعد لم يقع الوصول إليها # ولا فرق بين المعنى الذي فهمه وبين ما ذكروه إلا في تفاوت رتبة المتعطش ~~إليه فإن المحروم عن الأحوال الشريفة أولا يتعطش إليها فإن مكن منها تعطش ~~إلى ما وراءها فليس بين المعنيين اختلاف في الفهم بل الاختلاف بين الرتبتين # وكان الشبلي رحمه الله كثيرا ms1041 ما يتواجد على هذا البيت # ودادكم هجر وحبكم قلى ... ووصلكم صرم وسلمكم حرب # وهذا البيت يمكن سماعه على وجوه مختلفة وبعضها حق وبعضها باطل وأظهرها أن ~~يفهم هذا في الخلق بل في الدنيا بأسرها بل في كل ما سوى الله تعالى # فإن الدنيا مكارة خداعة قتالة لأربابها معادية لهم في الباطن ومظهرة صورة ~~الود فما امتلأت منها دار حبرة إلا امتلأت عبرة (1) # كما ورد في الخبر وكما قال الثعلبي في وصف الدنيا # تنح عن الدنيا فلا تخطبنها ... ولا تخطبن قتالة من تناكح # فليس يفي مرجوها بمخوفها ... ومكروهها أما تأملت راجح # لقد قال فيها الواصفون فأكثروا ... وعندي لها وصف لعمري صالح # سلاف قصاراها زعاف ومركب ... شهى إذا استذللته فهو جامح # وشخص جميل يؤثر الناس حسنه ... ولكن له أسرار سوء قبائح # والمعنى الثاني # أن ينزله على نفسه في حق الله تعالى فإنه إذا تفكر فمعرفته جهل إذ ما ~~قدروا الله حق قدره # وطاعته رياء إذ لا يتقي الله حق تقاته وحبه معلول إذ لا يدع شهوة من ~~شهواته في حبه # ومن أراد الله به خيرا بصره بعيوب نفسه فيرى مصداق هذا البيت في نفسه وإن ~~كان على المرتبة بالإضافة إلى الغافلين ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لا ~~أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (2) # وقال صلى الله عليه وسلم إني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ~~(3) # وإنما كان استغفاره عن أحوال هي درجات بعد بالإضافة إلى ما بعدها وإن ~~كانت قربا بالإضافة إلى ما قبلها فلا قرب إلا ويبقى وراءه قرب لا نهاية له ~~إذ سبيل السلوك إلى الله تعالى غير متناه والوصول إلى أقصى درجات القرب ~~محال # والمعنى الثالث أن ينظر في مبادئ أحواله فيرتضيها ثم ينظر في عوافيها ~~فيزدريها لإطلاعه على خفايا الغرور فيها فيرى ذلك من الله تعالى فيستمع ~~البيت في حق الله تعالى شكاية من القضاء والقدر وهذا كفر كما سبق بيانه وما ~~من بيت إلا ويمكن تنزيله على معان وذلك بقدر غزارة علم PageV02P290 # المستمع ms1042 وصفاء قلبه # الحالة الرابعة سماع من جاوز الأحوال والمقامات فعزب عن فهم ما سوى الله ~~تعالى حتى عزب عن نفسه وأحوالها ومعاملاتها وكان كالمدهوش الغائص في بحر ~~عين الشهود الذي يضاهي حاله حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن في مشاهدة جمال ~~يوسف عليه السلام حتى دهشن وسقط إحساسهن # وعن مثل هذه الحالة تعبر الصوفية بأنه قد فنى عن نفسه # ومهما فنى عن نفسه فهو عن غيره أفنى فكأنه فنى عن كل شيء إلا عن الواحد ~~المشهود # وفنى أيضا عن الشهود فإن القلب أيضا إذا التفت إلى الشهود وإلى نفسه بأنه ~~مشاهد فقد غفل عن المشهود # فالمستهتر بالمرئي لا التفات له في حال استغراقه إلى رؤيته ولا إلى عينه ~~التي بها رؤيته ولا إلى قلبه الذي به لذته فالسكران لا خبر له من سكره ~~والمتلذذ لا خبر له من التذاذه وإنما خبره من المتلذذ به فقط # ومثاله العلم بالشيء فإنه مغاير للعلم في حق المخلوق وتطرأ أيضا في حق ~~الخالق ولكنها في الغالب تكن كالبرق الخاطف الذي لا يثبت ولا يدوم وإن دام ~~لم تطقه القوة البشرية فربما اضطرب تحت أعبائه اضطرابا تهلك به نفسه # كما روي عن أبي الحسن النوري أنه حضر مجلسا فسمع هذا البيت # ما زلت أنزل من ودادك منزلا ... تتحير الألباب عند نزوله # فقام وتواجد وهام على وجهه # فوقع في أجمة قصب قد قطع وبقيت أصوله مثل السيوف فصار يعدو فيها ويعيد ~~البيت إلى الغداة والدم يخرج من رجليه حتى ورمت قدماه وساقاه وعاش بعد ذلك ~~أياما ومات رحمه الله # فهذه درجة الصديقين في الفهم والوجد فهي أعلى الدرجات لأن السماع على ~~الأحوال نازل عن درجات الكمال وهي ممتزجة بصفات البشرية وهو نوع قصور وإنما ~~الكمال أن يفنى بالكلية عن نفسه وأحواله أعني أنه ينساها فلا يبقى له ~~التفات إليها كما لم يكن للنسوة التفات إلى الأيدي والسكاكين # فيسمع لله وبالله وفي الله ومن الله وهذه رتبة من خاض لجة الحقائق وعبر ~~ساحل الأحوال والأعمال واتحد بصفاء التوحيد ms1043 وتحقق بمحض الإخلاص فلم يبق فيه ~~منه شيء أصلا بل خمدت بالكلبة بشريته وفنى التفاته إلى صفات البشرية رأسا ~~ولست أعني بفنائه فناء جسده بل فناء قلبه ولست أعني بالقلب اللحم والدم بل ~~سر لطيف له إلى القلب الظاهر نسبة خفية وراءها سر الروح الذي هو من أمر ~~الله عز وجل عرفها من عرفها وجهلها من جهلها ولذلك السر وجود # وصورة ذلك الوجود ما يحضر فيه فإذا حضر فيه غيره فكأنه لا وجود إلا ~~للحاضر # ومثاله المرآة المجلوة إذ ليس لها لون في نفسها بل لونها لون الحاضر فيها ~~وكذلك الزجاجة فإنها تحكى لون قرارها ولونها لون الحاضر فيها # وليس لها في نفسها صورة بل صورتها قبول الصور ولونها هو هيئة الاستعداد ~~لقبول الألوان ويعرب عن هذه الحقيقة أعني سر القلب بالإضافة إلى ما يحضر ~~فيه قول الشاعر # رق الزجاج ورقت الخمر ... فتشابها فتشاكل الأمر # فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر # وهذا مقام من مقامات علوم المكاشفة منه نشأ خيال من ادعى الحلول والاتحاد ~~وقال أنا الحق وحوله يدندن كلام النصارى في دعوى اتحاد اللاهوت بالناسوت أو ~~تدرعها بها أو حلولها فيها على ما اختلف فيهم عباراتهم وهو غلط محض يضاهي ~~غلط من يحكم على المرآة بصورة الحمرة إذ ظهر فيها لون الحمرة مقابلها وإذا ~~كان هذا لا غير لائق PageV02P291 # بعلم المعاملة فلنرجع إلى الغرض فقد ذكرنا تفاوت الدرجات في فهم ~~المسموعات # المقام الثاني بعد الفهم والتنزيل الوجد وللناس كلام طويل في حقيقة الوجد ~~أعني الصوفية والحكماء الناظرين في وجه مناسبة السماع للأرواح فلننقل من ~~أقوالهم الفاظا ثم لنكشف عن الحقيقة فيه # أما الصوفية فقد قال ذو النون المصري رحمه الله في السماع إنه وارد حق ~~جاء يزعج القلوب إلى الحق فمن أصغى إليه بحق تحقق ومن أصغى إليه بنفس تزندق # فكأنه عبر عن الوجد بانزعاج القلوب إلى الحق وهو الذي يجده عند ورود وارد ~~السماع إذ سمي السماع وارد حق # وقال أبو الحسين الدراج مخبرا عما وجده ms1044 في السماع الوجد عبارة عما يوجد ~~عند السماع وقال جال بي السماع في ميادين البهاء فاوجدني وجود الحق عند ~~العطاء فسقاني بكأس الصفاء فادركت به منازل الرضاء وأخرجني إلى رياض التنزه ~~والفضاء # وقال الشبلي رحمه الله السماع ظاهره فتنة وباطنه عبرة فمن عرف الإشارة حل ~~له استماع العبارة وإلا فقد استدعى الفتنة وتعرض للبلية # وقال بعضهم السماع غذاء الأرواح لأهل المعرفة لأنه وصف يدق عن سائر ~~الأعمال ويدرك برقة الطبع لرقته وبصفاء السر لصفائه ولطفه عند أهله # وقال عمرو بن عثمان المكي لا يقع على كيفية الوجد عبارة لأنه سر الله عند ~~عباده المؤمنين الموقنين وقال بعضهم الوجد مكاشفات من الحق # وقال أبو سعيد بن الأعرابي الوجد رفع الحجاب ومشاهدة الرقيب وحضور الفهم ~~وملاحظة الغيب ومحادثة السر وإيناس المفقود وهو فناؤك من حيث أنت وقال أيضا ~~الوجد أول درجات الخصوص وهو ميراث التصديق بالغيب فلما ذاقوه وسطع في ~~قلوبهم نوره زال عنهم كل شك وريب # وقال أيضا الذي يحجب عن الوجد رؤية آثار النفس والتعلق بالعلائق والأسباب ~~لأن النفس محجوبة بأسبابها فإذا انقطعت الأسباب وخلص الذكر وصحا القلب ورق ~~وصفا ونجحت الموعظة فيه وحل من المناجاة في محل قريب وخوطب وسمع الخطاب ~~بأذن واعية وقلب شاهد وسر ظاهر فشاهد ما كان منه خاليا فذلك هو الوجد لأنه ~~قد وجد ما كان معدوما عنده # وقال أيضا الوجد ما يكون عند ذكر مزعج أو خوف مقلق أو توبيخ على زلة أو ~~محادثة بلطيفة أو إشارة إلى فائدة أو شوق إلى غائب أو أسف على فائت أو ندم ~~على ماض أو استجلاب إلى حال أو داع إلى واجب أو مناجاة بسر وهو مقابلة ~~الظاهر بالظاهر والباطن بالباطن والغيب بالغيب والسر بالسر واستخراج مالك ~~بما عليك مما سبق للسعي فيه فيكتب ذلك لك بعد كونه منك فيثبت لك قدم بلا ~~قدم وذكر بلا ذكر إذ كان هو المبتدئ بالنعم والمتولى وإليه يرجع الأمر كله ~~فهذا ظاهر علم الوجد وأقوال الصوفية من هذا الجنس في ms1045 الوجد كثيرة # وأما الحكماء فقال بعضهم في القلب فضيلة شريفة لم تقدر قوة النطق على ~~إخراجها باللفظ فأخرجتها النفس بالألحان فلما ظهرت سرت وطربت إليها ~~فاستمعوا من النفس وناجوها ودعوا مناجاة الظواهر # وقال بعضهم نتائج السماع استنهاض العاجز من الرأي واستجلاب العازب من ~~الأفكار وحدة الكال من الأفهام والآراء حتى يثوب ما عزب وينهض ما عجز ويصفو ~~ما كدر ويمرح في كل رأي ونية فيصيب ولا يخطىء ويأتي ولا يبطىء # وقال آخر كما إن الفكر يطرق العلم إلى المعلوم فالسماع يطرق القلب إلى ~~العالم الروحاني # وقال بعضهم وقد سئل عن سبب حركة الأطراف بالطبع على وزن الألحان ~~والإيقاعات فقال ذلك عشق عقلي والعاشق العقلي لا يحتاج إلى أن يناغي معشوقه ~~بالمنطق الجرمي بل يناغيه ويناجيه بالتبسم واللحظ والحركة اللطيفة بالحاجب ~~والجفن والإشارة وهذه نواطق أجمع إلا أنها روحانية وأما العاشق البهيمي ~~فإنه يستعمل المنطق الجرمي ليعبر به عن ثمرة ظاهر شوقه الضعيف وعشقه PageV02P292 # الزائف # وقال آخر من حزن فليسمع الألحان # فإن النفس إذا دخلها الحزن خمد نورها وإذا فرحت اشتعل نورها وظهر فرحها ~~فيظهر الحنين بقدر قبول القابل وذلك بقدر صفائه ونقائه من الغش والدنس # والأقاويل المقررة في السماع والوجد كثيرة ولا معنى للاستكثار من إيرادها ~~فلنشتغل بتفهيم المعنى الذي الوجد عبارة عنه فنقول إنه عبارة عن حالة ~~يثمرها السماع وهو وارد حق جديد عقيب السماع يجده المستمع من نفسه # وتلك الحالة لا تخلو عن قسمين فإنها إما أن ترجع إلى مكاشفات ومشاهدات هي ~~من قبيل العلوم والتنبيهات وإما أن ترجع إلى تغيرات وأحوال ليست من العلوم ~~بل هي كالشوق والخوف والحزن والقلق والسرور والأسف والندم والبسط والقبض ~~وهذه الأحوال يهيجها السماع ويقويها فإن ضعف بحيث لم يؤثر في تحريك الظاهر ~~أو تسكينه أو تغيير حاله حتى يتحرك على خلاف عادته أو يطرق أو يسكن عن ~~النظر والنطق والحركة على خلاف عادته لم يسم وجدا وإن ظهر على الظاهرسمى ~~وجدا إما ضعيفا وإما قويا بحسب ظهوره وتغييره للظاهر وتحريكه بحسب ms1046 قوة ~~وروده وحفظ الظاهر عن التغيير بحسب قوة الواجد وقدرته على ضبط جوارحه فقد ~~يقوى الوجد في الباطن ولا يتغير الظاهر لقوة صاحبه وقد لا يظهر لضعف الوارد ~~وقصوره عن التحريك وحل عقد التماسك # وإلى معنى الأول أشار أبو سعيد بن الأعرابي حيث قال في الوجد إنه مشاهدة ~~الرقيب وحضور الفهم وملاحظة الغيب ولا يبعد أن يكون السماع سببا لكشف ما لم ~~يكن مكشوفا قبله فإن الكشف يحصل بأسباب منها التنبيه والسماع منبه ومنها ~~تغير الأحوال ومشاهدتها وإدراكها فإن إدراكها نوع علم يفيد إيضاح أمور لم ~~تكن معلومة قبل الورود ومنها صفاء القلب والسماع يؤثر في تصفية القلب ~~والصفاء يسبب الكشف ومنها انبعاث نشاط القلب بقوة السماع فيقوى به على ~~مشاهدة ما كان تقصر عنه قبل ذلك قوته كما يقوى البعير على حمل ما كان لا ~~يقوى عليه قبله # وعمل القلب الاستكشاف وملاحظة أسرار الملكوت كما أن عمل البعير حمل ~~الأثقال فبواسطة هذه الأسباب يكون سببا للكشف بل القلب إذا صفا ربما يمثل ~~له الحق في صورة مشاهدة أو في لفظ منظوم يقرع سمعه يعبر عنه بصوت الهاتف ~~إذا كان في اليقظة وبالرؤيا إذا كان في المنام وذلك جزء من ستة وأربعين ~~جزءا من النبوة # وعلم تحقيق ذلك خارج عن علم المعاملة وذلك كما روي عن محمد بن مسروق ~~البغدادي أنه قال خرجت ليلة في أيام جهالتي وأنا نشوان وكنت أغني هذا البيت # بطور سيناء كرم ما مررت به ... إلا تعجبت ممن يشرب الماء # فسمعت قائلا يقول # وفي جهنم ماء ما تجرعه ... خلق فأبقى له في الجوف أمعاء # قال فكان ذلك سبب توبتي واشتغالي بالعلم والعبادة # فانظر كيف أثر الغناء في تصفية قلبه حتى تمثل له حقيقة الحق في صفة جهنم ~~في لفظ مفهوم موزون وقرع ذلك سمعه الظاهر # وروى عن مسلم العباداني أنه قال قدم علينا صالح المري وعتبة الغلام وعبد ~~الواحد بن زيد ومسلم الأسواري فنزلوا على الساحل قال فهيأت لهم ذات ليلة ~~طعاما فدعوتهم إليه فجاؤا فلما ms1047 وضعت الطعام بين أيديهم إذا بقائل يقول ~~رافعا صوته هذا البيت # وتلهيك عن دار الخلود مطاعم ... ولذة نفس غيها غير نافع # قال فصاح عتبة الغلام صيحة وخر مغشيا عليه وبكى القوم فرفعت الطعام وما ~~ذاقوا والله منه لقمة PageV02P293 # وكما يسمع صوت الهاتف عند صفاء القلب فيشاهد أيضا بالبصر صورة الخضر عليه ~~السلام فإنه يتمثل لأرباب القلوب بصور مختلفة # وفي مثل هذه الحالة تتمثل الملائكة للأنبياء عليهم السلام إما على حقيقة ~~صورتها وإما على مثال يحاكي صورتها بعض المحاكاة # وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام مرتين في صورته ~~وأخبر عنه بأنه سد الأفق (1) # وهو المراد بقوله تعالى {علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق ~~الأعلى} إلى آخر هذه الآيات # وفي مثل هذه الأحوال من الصفاء يقع الإطلاع على ضمائر القلوب وقد يعبر عن ~~ذلك الإطلاع بالتفرس # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ~~(2) # وقد حكى أن رجلا من المجوس كان يدور على المسلمين ويقول ما معنى قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن فكان يذكر له تفسيره فلا ~~يقنعه ذلك حتى انتهى إلى بعض المشايخ من الصوفية # فسأله فقال له معناه أن تقطع الزنار الذي على وسطك تحت ثوبك # فقال صدقت هذا معناه وأسلم وقال الآن عرفت أنك مؤمن وأن إيمانك حق # وكما حكى عن إبراهيم الخواص قال كنت ببغداد في جماعة من الفقراء في ~~الجامع فأقبل شاب طيب الرائحة حسن الوجه فقلت لأصحابي يقع لي أنه يهودي ~~فكلهم كرهوا ذلك فخرجت وخرج الشاب ثم رجع إليهم وقال أي شيء قال الشيخ في ~~فاحتشموه فألح عليهم فقالوا له قالإنك يهودي قال فجاءني وأكب على يدي وقبل ~~رأسي وأسلم وقال نجد في كتبنا أن الصديق لا تخطىء فراسته فقلت امتحن ~~المسلمين فتأملتهم فقلت إن كان فيهم صديق ففي هذه الطائفة لأنهم يقولون ~~حديثه سبحانه ويقرءون كلامه فلبست عليكم فلما اطلع على الشيخ وتفرس في علمت ~~أنه صديق قال ms1048 وصار الشاب من كبار الصوفية # وإلى مثل هذا الكشف الاشارة بقوله عليع السلام لولا أن الشياطين يحومون ~~على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء (3) # وإنما تحوم الشياطين على القلوب إذا كانت مشحونة بالصفات المذمومة فإنها ~~مرعى الشيطان وجنده # ومن خلص قلبه من تلك الصفات وصفاه لم يطف الشيطان حول قلبه # وإليه الإشارة بقوله تعالى إلا عبادك منهم المخلصين وبقوله تعالى {إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان} والسماع سبب لصفاء القلب وهو شبكة للحق بواسطة ~~الصفاء # وعلى هذا يدل ما روى أن ذا النون المصري رحمه الله دخل بغداد فاجتمع إليه ~~قوم من الصوفية ومعهم قوال فاستأذنوه في أن يقول لهم شيئا # فأذن لهم في ذلك فأنشأ يقول # صغير هواك عذبني ... فكيف به إذا احتنكا ... وأنت جمعت في قلبي # هوى قد كان مشتركا ... أما ترثى لمكتئب ... إذا ضحك الخلي بكى # فقام ذو النون وسقط على وجهه ثم قام رجل آخر فقال ذو النون الذي يراك حين ~~تقوم # فجلس ذلك الرجل وكان ذلك إطلاعا من ذي النون على قلبه # أنه متكلف متواجد فعرفه أن الذي يراه حين يقوم هو الخصم في قيامه لغير ~~الله تعالى ولو كان الرجل صادقا لما جلس # فإذا قد رجع حاصل الوجد إلى مكاشفات وإلى حالات واعلم أن كل واحد منهما ~~ينقسم إلى ما يمكن التعبير عنه عند الافاقة منه وإلى ما لا تمكن العبارة ~~عنه أصلا # ولعلك تستبعد حالة أو علما لا تعلم حقيقته ولا يمكن التعبير عنه عن ~~حقيقته فلا تستبعد ذلك فإنك تجد في أحوالك القريبة لذلك شواهد PageV02P294 # أما العلم فكم من فقيه تعرض عليه مسألتان متشابهتان في الصورة ويدرك ~~الفقيه بذوقه أن بينهما فرقا في الحكم وإذا كلف ذكر وجه الفرق لم يساعده ~~اللسان على التعبير وإن كان من أفصح الناس فيدرك بذوقه الفرق ولا يمكنه ~~التعبير عنه وإدراكه الفرق علم يصادفه في قلبه بالذوق ولا يشك في أن لوقوعه ~~في قلبه سببا وله عند الله تعالى حقيقة ولا يمكنه الإخبار عنه لا ms1049 لقصور في ~~لسانه بل لدقة المعنى في نفسه عن أن تناله العبارة # وهذا مما قد تفطن له المواظبون على النظر في المشكلات # وأما الحال فكم من إنسان يدرك في قلبه في الوقت الذي يصبح فيه قبضا أو ~~بسطا ولا يعلم سببه وقد يتفكر إنسان في شيء فيؤثر في نفسه اثر فينسى ذلك ~~السبب ويبقى الأثر في نفسه وهو يحس به وقد تكون الحالة التي يحسها سرورا ~~ثبت في نفسه بتفكره في سبب موجب للسرور أو حزنا فينسى المتفكر فيه ويحس ~~بالأثر عقيبه # وقد تكون تلك الحالة حالة غريبة لا يعرب عنها لفظ السرور والحزن ولا ~~يصادف لها عبارة مطابقة مفصحة عن المقصود بل ذوق الشعر الموزون والفرق بينه ~~وبين غير الموزون يختص به بعض الناس دون بعض وهي حالة يدركها صاحب الذوق ~~بحيث لا يشك فيها أعني التفرقة بين الموزون والمنزحف فلا يمكنه التعبير ~~عنها بما يتضح مقصوده لمن لا ذوق له # وفي النفس أحوال غريبة هذا وصفها بل المعاني المشهورة من الخوف والحزن ~~والسرور إنما تحصل في السماع عن غناء مفهوم وأما الأوتار وسائر النغمات ~~التي ليست مفهومة فإنها تؤثر في النفس تأثيرا عجيبا ولا يمكن التعبير عن ~~عجائب تلك الآثار وقد يعبر عنها بالشوق ولكن شوق لا يعرف صاحبه المشتاق ~~إليه فهو عجيب والذي اضطرب قلبه بسماع الأوتار أو الشاهين وما أشبهه ليس ~~يدري إلى ماذا يشتاق ويجد في نفسه حالة كأنها تتقاضى أمرا ليس يدري ما هو ~~حتى يقع ذلك للعوام ومن لا يغلب على قلبه لا حب آدمي ولا حب الله تعالى # وهذا له سر وهو أن كل شوق فله ركنان # أحدهما صفة المشتاق وهو نوع مناسبة مع المشتاق إليه # والثاني معرفة المشتاق إليه ومعرفة صورة الوصول إليه فإن وجدت الصفة التي ~~بها الشوق ووجد العلم بصورة المشتاق إليه كان الأمر ظاهرا وإن لم يوجد ~~العلم بالمشتاق ووجدت الصفة المشوقة وحركت قلبك الصفة واشتعلت نارها اورث ~~ذلك دهشة وحيرة لا محالة # ولو نشأ آدمى وحده بحيث ms1050 لم ير صورة النساء ولا عرف صورة الوقاع ثم راهق ~~الحلم وغلبت عليه الشهوة لكان يحس من نفسه بنار الشهوة ولكن لا يدري أنه ~~يشتاق إلى الوقاع لأنه ليس يدري صورة الوقاع ولا يعرف صورة النساء فكذلك في ~~نفسه الآدمي مناسبة مع العالم الأعلى واللذات التي وعد بها في سدرة المنتهى ~~والفراديس العلا إلا أنه لم يتخيل من هذا الأمور إلا الصفات والأسماء كالذي ~~سمع لفظ الوقاع واسم النساء ولم يشاهد صورة امرأة قط ولا صورة رجل ولا صورة ~~نفسه في المرآة ليعرف بالمقايسة فالسماع يحرك منه الشوق والجهل المفرط ~~والاشتغال بالدنيا قد أنساه نفسه وأنساه ربه وأنساه مستقره الذي إليه حنينه ~~واشتياقه بالطبع فيتقاضاه قلبه أمرا ليس يدري ما هو فيدهش ويتحير ويضطرب ~~ويكون كالمختنق الذي لا يعرف طريق الخلاص فهذا وأمثاله من الأحوال التي لا ~~يدرك تمام حقائقها ولا يمكن المتصف بها أن يعبر عنها # فقد ظهر انقسام الوجد إلى ما يمكن إظهاره وإلى ما لا يمكن إظهاره # واعلم أيضا أن الوجد ينقسم إلى هاجم وإلى متكلف ويسمى التواجد وهذا ~~التواجد المتكلف فمنه مذموم PageV02P295 # وهو الذي يقصد به الرياء وإظهار الأحوال الشريفة مع الإفلاس منها ومنه ما ~~هو محمود وهو التوصل إلى استدعاء الأحوال الشريفة واكتسابها واجتلابها ~~بالحيلة فإن للكسب مدخلا في جلب الأحوال الشريفة ولذلك أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من لم يحضره البكاء في قراءة القرآن أن يتباكى ويتحازن (1) # فإن هذه الأحوال قد تتكلف مباديها ثم تتحقق آواخرها # وكيف لا يكون التكلف سببا في أن يصير المتكلف في الآخرة طبعا وكل من ~~يتعلم القرآن أو لا يحفظه تكلفا ويقرؤه تكلفا مع تمام التأمل وإحضار الذهن ~~ثم يصير ذلك ديدنا للسان مطردا حتى يجري به لسانه في الصلاة وغيرها وهو ~~غافل فيقرأ تمام السورة وتثوب نفسه إليه بعد انتهائه إلى آخرها ويعلم أنه ~~قرأها في حال غفلته وكذلك الكاتب يكتب في الابتداء بجهد شديد ثم تتمرن على ~~الكتابة يده فيصير الكتب له طبعا فيكتب أوراقا ms1051 كثيرة وهو مستغرق القلب بفكر ~~آخر فجميع ما تحتمله النفس والجوارح من الصفات لا سبيل إلى اكتسابه إلا ~~بالتكلف والتصنع أولا ثم يصير بالعادة طبعا وهو المراد بقول بعضهم العادة ~~طبيعة خامسة # فكذلك الأحوال الشريفة لا ينبغي أن يقع اليأس منها عند فقدها بل ينبغي أن ~~يتكلف اجتلابها بالسماع وغيره فلقد شوهد في العادات من اشتهى أن يعشق شخصا ~~ولم يكن يعشقه فلم يزل يردد ذكره على نفسه ويديم النظر إليه ويقرر على نفسه ~~الأوصاف المحبوبة والأخلاق المحمودة فيه حتى عشقه ورسخ ذلك في قلبه رسوخا ~~خرج عن حداختياره فاشتهى بعد ذلك الخلاص منه فلم يتخلص فكذلك حب الله تعالى ~~والشوق إلى لقائه والخوف من سخطه وغير ذلك من الأحوال الشريفة إذا فقدها ~~الإنسان فينبغي أن يتكلف اجتلابها بمجالسة الموصوفين بها ومشاهدة أحوالهم ~~وتحسين صفاتهم في النفس وبالجلوس معهم في السماع وبالدعاء والتضرع إلى الله ~~تعالى في أن يرزقه تلك الحلة بأن ييسر له أسبابها # ومن أسبابها السماع ومجالسة الصالحين والخائفين والمحسنين والمشتاقين ~~والخاشعين # فمن جالس شخصا سرت إليه صفاته من حيث لا يدري # ويدل على إمكان تحصيل الحب وغيره من الأحوال بالأسباب قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في دعائه اللهم ارزقني حبك وحب من أحبك وحب من يقربني إلى ~~حبك (2) # فقد فزع صلى الله عليه وسلم إلى الدعاء في طلب الحب # فهذا بيان انقسام الوجد إلى مكاشفات وإلى أحوال وانقسامه إلى ما يمكن ~~الإفصاح عنه وإلى ما لا يمكن وانقسامه إلى المتكلف وإلى المطبوع # فإن قلت فما بال هؤلاء لا يظهر وجدهم عند سماع القرآن وهو كلام الله ~~ويظهر عند الغناء وهو كلام الشعراء فلو كان ذلك حقا من لطف الله تعالى ولم ~~يكن باطلا من غرور الشيطان لكان القرآن أولى به من الغناء فنقول الوجد الحق ~~هو ما ينشأ من فرط حب الله تعالى وصدق إرادته والشوق إلى لقائه وذلك يهيج ~~بسماع القرآن أيضا # وإنما الذي لا يهيج بسماع القرآن حب الخلق وعشق المخلوق # ويدل على ms1052 ذلك قوله تعالى {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} وقوله تعالى ~~{مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ~~الله} وكل ما يوجد عقيب السماع في النفس فهو وجد # فالطمأنينة والاقشعرار والخشية ولين القلب كل ذلك وجد # وقد قال الله تعالى {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} وقال ~~تعالى {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} ~~فالوجل والخشوع وجد من قبيل الأحوال وإن لم يكن من قبيل المكاشفات # ولكن قد يصير سببا للمكاشفات والتنبيهات ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ~~زينوا القرآن بأصواتكم (3) PageV02P296 # وقال لأبي موسى الأشعري لقد أوتى مزمارا من مزامير آل داود عليه السلام ~~(1) # وأما الحكايات الدالة على أن أرباب القلوب ظهر عليهم الوجد عند سماع ~~القرآن فكثيرة فقوله صلى الله عليه وسلم شيبتني هود وأخواتها (2) # خبر عن الوجد فإن الشيب يحصل من الحزن والخوف وذلك وجد # وروي أن ابن مسعود رضي الله عنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سورة النساء فلما انتهى إلى قوله تعالى {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} قال {حسبك} وكانت عيناه تذرفان بالدموع (3) # وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذا الآية أو قرئ عنده {إن لدينا ~~أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما} فصعق (4) # وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قرأ {إن تعذبهم فإنهم عبادك} فبكى (5) # وكان صلى الله عليه وسلم إذا مر بآية رحمة دعا واستبشر (6) # والاستبشار وجد # وقد أثنى الله تعالى على أهل الوجد بالقرآن فقال تعالى {وإذا سمعوا ما ~~أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} وروي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل (7) # وأما ما نقل من الوجد بالقرآن عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين فكثير ~~فمنهم من صعق ومنهم من بكى ومنهم من غشي عليه ومنهم من مات في غشيته # وروى أن زرارة بن ms1053 أوفى وكان من التابعين كان يؤم الناس بالرقة فقرأ {فإذا ~~نقر في الناقور} فصعق ومات في محرابه رحمه الله # وسمع عمر رضي الله عنه رجلا يقرأ إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع فصاح ~~صيحة وخر مغشيا عليه فحمل إلى بيته فلم يزل مريضا في بيته شهرا # وأبو جرير من التابعين قرأ عليه صالح المري فشهق ومات # وسمع الشافعي رحمه الله قارئا يقرأ {هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون} فغشي عليه # وسمع علي بن الفضيل قارئا يقرأ {يوم يقوم الناس لرب العالمين} فسقط مغشيا ~~عليه فقال الفضيل شكر الله لك ما قد علمه منك # وكذلك نقل عن جماعة منهم # وكذلك الصوفية فقد كان الشبلي في مسجده ليلة من رمضان وهو يصلي خلف إمام ~~له فقرأ الإمام {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} فزعق الشبلي زعقة ظن ~~الناس أنه قد طارت روحه وأحمر وجهه وارتعدت فرائصه وكان يقول بمثل هذا ~~يخاطب الأحباب يردد ذلك مرارا # وقال الجنيد دخلت على سرى السقطي فرأيت بين يديه رجلا قد غشي عليه فقال ~~لي هذا رجل قد سمع آية من القرآن فغشي عليه فقلت اقرءوا عليه تلك الآية ~~بعينها فقرئت فأفاق فقال من أين قلت هذا فقلت رأيت يعقوب عليه السلام كان ~~عماه من أجل مخلوق فبمخلوق أبصر ولو كان عماه من أجل الحق ما أبصر بمخلوق ~~فاستحسن ذلك # ويشير إلى ما قاله الجنيد قول الشاعر # وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها # وقال بعض الصوفية كنت أقرأ ليلة هذه الآية {كل نفس ذائقة الموت} فجعلت ~~أرددها فإذا هاتف يهتف بي PageV02P297 # كم تردد هذه الآية فقد قتلت أربعة من الجن ما رفعوا رءوسهم إلى السماء ~~منذ خلقوا # وقال أبو علي المغازلي للشبلي ربما تطرق سمعي آية من كتاب الله تعالى ~~فتجذبني إلى الإعراض عن الدنيا ثم أرجع إلى أحوالي وإلى الناس فلا أبقى على ~~ذلك فقال ما طرق سمعك من القرآن فاجتذبك به إليه فذلك عطف منه عليك ولطف ~~منه بك وإذا ms1054 ردك إلى نفسك فهو شفقة منه عليك فإنه لا يصلح لك إلا التبري من ~~الحول والقوة في التوجه إليه # وسمع رجل من أهل التصوف قارئا يقرأ {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ~~ربك راضية مرضية} فاستعادها من القارىء وقال # كم أقول لها ارجعي وليست ترجع وتواجد وزعق زعقة فخرجت روحه # وسمع بكر بن معاذ قارئا يقرأ {وأنذرهم يوم الآزفة} الآية فاضطرب ثم صاح ~~ارحم من أنذرته ولم يقبل إليك بعد الإنذار بطاعتك ثم غشى عليه # وكان إبراهيم ابن أدهم رحمه الله إذا سمع أحدا يقرأ {إذا السماء انشقت} ~~اضطربت أوصاله حتى كان يرتعد # وعن محمد بن صبيح قال كان رجل يغتسل في الفرات فمر به رجل على الشاطىء ~~يقرأ {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} فلم يزل الرجل يضطرب حتى غرق ومات # وذكر أن سلمان الفارسي أبصر شابا يقرأ فأتى على آية فاقشعر جلده فأحبه ~~سلمان وفقده فسأل عنه فقيل له إنه مريض فأتاه يعوده فإذا هو في الموت فقال ~~يا عبد الله أرأيت تلك القشعريرة التي كانت بي فإنها أتتني في أحسن صورة ~~فأخبرتني أن الله قد غفر لي بها كل ذنب # وبالجملة لا يخلو صاحب القلب عن وجد عند سماع القرآن فإن كان القرآن لا ~~يؤثر فيه أصلا ف مثله كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم ~~عمي فهم لا يعقلون بل صاحب القلب تؤثر فيه الكلمة من الحكمة يسمعها # قال جعفر الخلدي دخل رجل من أهل خراسان على الجنيد وعنده جماعة فقال ~~للجنيد متى يستوي عند العبد حامده وذامه فقال بعض الشيوخ إذا دخل ~~البيمارستان وقيد بقيدين فقال الجنيد ليس هذا من شأنك ثم أقبل على الرجل ~~وقال إذا تحقق أنه مخلوق فشهق الرجل شهقة ومات # فإن قلت فإن كان سماع القرآن مفيدا للوجد فما بالهم يجتمعون على سماع ~~الغناء من القوالين دون القارئين فكان ينبغي أن يكون اجتماعهم وتواجدهم في ~~حلق القراء لا حلق المغنين وكان ينبغي أن يطلب عند كل اجتماع في كل ms1055 دعوة ~~قارىء لأقوال فإن كلام الله تعالى أفضل من الغناء لا محالة فاعلم أن الغناء ~~أشد تهييجا للوجد من القرآن من سبعة أوجه # الوجه الأول أن جميع آيات القرآن لا تناسب حال المستمع ولا تصلح لفهمه ~~وتنزيله على ما هو ملابس له فمن استولى عليه حزن أو شوق أو ندم فمن أين ~~يناسب حاله قوله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} ~~وقوله تعالى {والذين يرمون المحصنات} وكذلك جميع الآيات التي فيها بيان ~~أحكام الميراث والطلاق والحدود وغيرها وإنما المحرك لما في القلب ما يناسبه # والأبيات إنما يضعها الشعراء إعرابا بها عن أحوال القلب فلا يحتاج في فهم ~~الحال منها إلى تكلف # نعم من يستولي عليه حالة غالبة قاهرة لم تبق فيه متسعا لغيرها ومعه تيقظ ~~وذكاء ثاقب يتفطن به للمعاني البعيدة من الألفاظ فقد يخرج وجده على كل ~~مسموع كمن يخطر له عند ذكر قوله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم} حالة الموت ~~المحوج إلى الوصية وأن كل إنسان لا بد أن يخلف ماله وولده وهما محبوباه من ~~الدنيا فيترك أحد المحبوبين للثاني ويهجرهما جميعا فيغلب عليه الخوف والجزع ~~أو يسمع ذكر الله في قوله {يوصيكم الله في أولادكم} فيدهش بمجرد الاسم عما ~~قبله وبعده أو يخطر له رحمة الله على عباده وشفقته بأن تولى قسم مواريثهم ~~بنفسه نظرا لهم في حياتهم وموتهم فيقول إذا نظر لأولادنا بعد موتنا فلا نشك ~~بأنه ينظر لنا فيهيج PageV02P298 # منه حال الرجاء ويورثه ذلك استبشارا وسرورا أو يخطر له من قوله تعالى ~~{للذكر مثل حظ الأنثيين} تفضيل الذكر بكونه رجلا على الأنثى وأن الفضل في ~~الآخرة لرجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # وأن من ألهاه غير الله تعالى عن الله تعالى فهو من الإناث لا من الرجال ~~تحقيقا فيخشى أن يحجب أو يؤخر في نعيم الآخرة كما أخرت الأنثى في أموال ~~الدنيا # فأمثال هذا قد يحرك الوجد ولكن لمن فيه وصفان # أحدهما حالة غالبة مستغرقة قاهرة # والآخر تفطن بليغ ms1056 وتيقظ بالغ كامل للتنبيه بالأمور القريبة على المعاني ~~البعيدة وذلك مما يعز فلأجل ذلك يفزع إلى الغناء الذي هو ألفاظ مناسبة ~~للأحوال حتى يتسارع هيجانها # وروي أن أبا الحسين النوري كان مع جماعة في دعوى فجرى بينهم مسألة في ~~العلم وأبو الحسين ساكت ثم رفع رأسه وأنشدهم # رب ورقاء هتوف في الضحى ... ذات شجو صدحت في فنن # ذكرت إلفا ودهرا صالحا ... وبكت حزنا فهاجت حزني # فبكائي ربما أرقها ... وبكاها ربما أرقني # ولقد أشكو فما أفهمها ... ولقد تشكو فما تفهمني # غير أني بالجوى أعرفها ... وهي أيضا بالجوى تعرفني # قال فما بقي أحد من القوم إلا قام وتواجد ولم يحصل لهم هذا الوجد من ~~العلم الذي خاضوا فيه وإن كان العلم جدا وحقا # الوجه الثاني أن القرآن محفوظ للأكثرين ومتكرر على الأسماع والقلوب وكلما ~~سمع أولا عظم أثره في القلوب وفي الكرة الثانية يضعف أثره وفي الثالثة يكاد ~~يسقط أثره # ولو كلف صاحب الوجد الغالب أن يحضر وجده على بيت واحد على الدوام في مرات ~~متقاربة في الزمان في يوم أو أسبوع لم يمكنه ذلك # ولو ابدل ببيت آخر لتجدد له أثر في قلبه وإن كان معربا عن عين ذلك المعنى # ولكن كون النظم واللفظ غريبا بالإضافة إلى الأولى يحرك النفس وإن كان ~~المعنى واحدا # وليس يقدر القارئ على أن يقرأ قرآنا غريبا في كل وقت ودعوة فإن القرآن ~~محصور لا يمكن الزيادة عليه وكله محفوظ متكرر وإلى ما ذكرناه أشار الصديق ~~رضي الله عنه حيث رأى الأعراب يقدمون فيسمعون القرآن ويبكون فقال كنا كما ~~كنتم ولكن قست قلوبنا ولا تظنن أن قلب الصديق رضي الله عنه كان أقسى من ~~قلوب الأجلاف من العرب وانه كان أخلى عن حب الله تعالى وحب كلامه من قلوبهم ~~ولكن التكرار على قلبه اقتضى المرون عليه وقلة التأثر به لما حصل له من ~~الأنس بكثرة استماعه إذ محال في العادات أن يسمع السامع آية لم يسمعها قبل ~~فيبكي ثم يدوم على بكائه عليها عشرين سنة ثم ms1057 يرددها ويبكي ولا يفارق الأول ~~الآخر إلا في كونه غريبا جديدا ولكل جديد لذة ولكل طارئ صدمة ومع كل مألوف ~~أنس يناقض الصدمة # ولذا هم عمر رضي الله عنه أن يمنع الناس من كثرة الطواف وقال قد خشيت أن ~~يتهاون الناس بهذا البيت أي يأنسوا به # ومن قدم حاجا فرأى البيت أولا بكى وزعق وربما غشي عليه إذ وقع عليه بصره ~~وقد يقيم بمكة شهرا ولا يحس من ذلك في نفسه بأثر فإذا المغنى يقدر على ~~الأبيات الغريبة في كل وقت ولا يقدر في كل وقت على آية غريبة # الوجه الثالث أن لوزن الكلام بذوق الشعر تأثيرا في النفس فليس الصوت ~~الموزون الطيب كالصوت الطيب الذي ليس بموزون وإنما يوجد الوزن في الشعر دون ~~الآيات ولو زحف المغني البيت الذي ينشده أو لحن فيه PageV02P299 # أو مال عن حد تلك الطريقة في اللحن لاضطرب قلب المستمع وبطل جده وسماعه ~~ونفر طبعه لعدم المناسبة # وإذا نفر الطبع اضطرب القلب وتشوش فالوزن إذن مؤثر فلذلك طاب الشعر # الوجه الرابع أن الشعر الموزون يختلف تأثيره في النفس بالألحان التي تسمى ~~الطرق والاستانات وإنما اختلاف تلك الطرق بمد المقصور وقصر المدود والوقف ~~في أثناء الكلمات والقطع والوصل في بعضها # وهذا التصرف جائز في الشعر ولا يجوز في القرآن إلا التلاوة كما أنزل ~~فقصره ومده والوقف والوصل والقطع فيه على خلاف ما تقضيه التلاوة حرام أو ~~مكروه # وإذا رتل القرآن كما أنزل سقط عنه الأثر الذي سببه وزن الألحان وهو سبب ~~مستقل بالتأثير وإن لم يكن مفهوما كما في الأوتار والمزمار والشاهين وسائر ~~الأصوات التي لا تفهم # الوجه الخامس أن الألحان الموزونة تعضد وتؤكد بإيقاعات وأصوات أخر موزونة ~~خارج الحلق كالضرب بالقضيب والدف وغيره لأن الوجد الضعيف لا يستثار إلا ~~بسبب قوي وإنما يقوى بمجموع هذه الأسباب ولكل واحد منها حظ في التأثير ~~وواجب أن يصان القرآن عن مثل هذه القرائن لأن صورتها عند عامة الخلق صورة ~~اللهو واللعب والقرآن جد كله عند كافة الخلق فلا ms1058 يجوز أن يمزج بالحق المحض ~~ما هو لهو عند العامة وصورته صورة اللهو عند الخاصة وإن كانوا لا ينظرون ~~إليها من حيث إنها لهو بل ينبغي أن يوقر القرآن فلا يقرأ على شوارع الطرق ~~بل في مجلس ساكن ولا في حال الجنابة # ولا على غير طهارة ولا يقدر على الوفاء بحق حرمة القرآن في كل حال إلا ~~المراقبون لأحوالهم فيعدل إلى الغناء الذي لا يستحق هذه المراقبة والمراعاة ~~ولذلك لا يجوز الضرب بالدف مع قراءة القرآن ليلة العرس # وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب الدف في العرس فقال أظهروا ~~النكاح ولو بضرب الغربال (1) # أو بلفظ هذا معناه وذلك جائز مع الشعر دون القرآن # ولذلك لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت الربيع بنت معوذ وعندها ~~جوار فسمع إحداهن تقول وفينا نبي يعلم ما في غد # على وجه الغناء فقال صلى الله عليه وسلم دعي هذا وقولي ما كنت تقولين (2) # وهذه شهادة بالنبوة فزجرها عنها وردها إلى الغناء الذي هو لهو لأن هذا جد ~~محض فلا يقرن بصورة اللهو # فإذا يتعذر بسببه تقوية الأسباب التي بها يصير السماع محركا للقلب فواجب ~~في الاحترام العدول إلى الغناء عن القرآن كما وجب على تلك الجارية العدول ~~عن شهادة النبوة إلى الغناء # الوجه السادس # أن المغني قد يغني ببيت لا يوافق حال السامع فيكرهه وينهاه عنه ويستدعي ~~غيره فليس كل كلام موافقا لكل حال # فلو اجتمعوا في الدعوات على القارئ فربما يقرأ آية لا توافق حالهم إذ ~~القرآن شفاء للناس كلهم على اختلاف الأحوال فآيات الرحمة شفاء الخائف وآيات ~~العذاب شفاء المغرور الآمن # وتفصيل ذلك مما يطول # فإذا لا يؤمن أن لا يوافق المقروء الحال وتكرهه النفس فيتعرض به لخطر ~~كراهة كلام الله تعالى من حيث لا يجد سبيلا إلى دفعه # فالاحتراز عن خطر ذلك حزم بالغ وحتم واجب إذ لا يجد الخلاص عنه إلا ~~بتنزيله على وفق حاله ولا يجوز تنزيل كلام الله تعالى إلا على ما أراد ms1059 الله ~~تعالى # وأما قول الشاعر فيجوز تنزيله على غير مراده ففيه خطر الكراهة أو خطر ~~التأويل الخطأ لموافقة الحال فيجب توقير كلام الله وصيانته عن ذلك وهذا ما ~~ينقدح في علل انصراف الشيوخ إلى سماع الغناء عن سماع القرآن # وههنا وجه سابع ذكره أبو نصر السراج الطوسي في الاعتذار عن ذلك فقال ~~القرآن كلام الله وصفة من PageV02P300 # صفاته وهو حق لا تطيقه البشرية لأنه غير مخلوق فلا تطيقه الصفات المخلوقة # ولو كشف للقلوب ذرة من معناه وهيبته لتصدعت ودهشت وتحيرت # والألحان الطيبة مناسبة للطباع ونسبتها نسبة الحظوظ لا نسبة الحقوق ~~والشعر نسبته نسبة الحظوظ # فإذا علقت الألحان والأصوات بما في الأبيات من الإشارات واللطائف شاكل ~~بعضها بعضاكان أقرب إلى الحظوظ وأخف على القلوب لمشاكلة المخلوق المخلوق # فما دامت البشرية باقية ونحن بصفاتنا وحظوظنا نتنعم بالنغمات الشجية ~~والأصوات الطيبة فانبساطنا لمشاهدة بقاء هذه الحظوظ إلى القصائد أولى من ~~انبساطنا إلى كلام الله تعالى الذي هو صفته وكلامه الذي منه بدأ وإليه يعود # وهذا حاصل المقصود من كلامه واعتذاره # وقد حكى عن أبي الحسن الدراج أنه قال قصدت يوسف بن الحسين الرازي من ~~بغداد للزيارة والسلام عليه فلما دخلت الرى كنت أسأل عنه فكل من سألته عنه ~~قال # أيش تعمل بذلك الزنديق فضيقوا صدري حتى عزمت على الانصراف # ثم قلت في نفسي قد جبت هذا الطريق كله فلا أقل من أن أراه # فلم أزل أسأل عنه حتى دخلت عليه في مسجد وهو قاعد في المحراب وبين يديه ~~رجل وبيده مصحف وهو يقرأ فإذا هو شيخ بهي حسن الوجه واللحية فسلمت عليه ~~فأقبل على وقال من أين أقبلت فقلت من بغداد فقال وما الذي جاء بك فقلت ~~قصدتك للسلام عليك فقال لو أن في بعض هذه البلدان قال لك إنسان أقم عندنا ~~حتى نشتري لك دارا أو جارية أكان يقعدك ذلك عن المجيء فقلت ما امتحنني الله ~~بشيء من ذلك ولو امتحنني ما كنت أدري كيف أكون ثم قال لي أتحسن أن تقول ms1060 ~~شيئا فقلت نعم فقال هات فأنشأت أقول # رأيتك تبني دائما في قطيعتي ... ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني # كأني بكم والليت أفضل قولكم ... ألا ليتنا كنا إذ الليت لا يغني # قال فأطبق المصحف ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيته وابتل ثوبه حتى رحمته من ~~كثرة بكائه ثم قال يا بني تلوم أهل الري يقولون يوسف زنديق هذا أنا من صلاة ~~الغداة أقرأ في المصحف لم تقطر من عيني قطرة وقد قامت القيامة علي لهذين ~~البيتين # فإذا القلوب وإن كانت محترقة في حب الله تعالى فإن البيت الغريب يهيج ~~منها ما لا تهيج تلاوة القرآن وذلك لوزن الشعر ومشاكلته للطباع ولكونه ~~مشاكلا للطبع اقتدر البشر على نظم الشعر وأما القرآن فنظمه خارج عن أساليب ~~الكلام ومنهاجه وهو لذلك معجز لا يدخل في قوة البشر لعدم مشاكلته لطبعه # وروي أن إسرافيل أستاذ ذي النون المصري دخل عليه رجل فرآه وهو ينكت في ~~الأرض بإصبعه ويترنم ببيت فقال هل تحسن أن تترنم بشيء فقال لا قال فأنت بلا ~~قلب إشارة إلى أن من له قلب وعرف طباعه علم أنه تحركه الأبيات والنغمات ~~تحريكا لا يصادف في غيرها فيتكلف طريق التحريك إما بصوت نفسه أو بغيره وقد ~~ذكرنا حكم المقام الأول في فهم المسموع وتنزيله وحكم المقام الثاني في ~~الوجد الذي يصادف في القلب فلنذكر الآن أثر الوجد أعني ما يترشح منه إلى ~~الظاهر من صعقة وبكاء وحركة وتمزيق ثوب وغيره فنقول ### |||| المقام الثالث من السماع # نذكر فيه آداب السماع ظاهرا وباطنا وما يحمد من آثار الوجد وما يذم # فأما الآداب فهي خمس جمل # الأول مراعاة الزمان والمكان والإخوان # قال الجنيد السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء وإلا فلا تسمع الزمان والمكان ~~والإخوان # ومعناه أن الاشتغال به في وقت حضور طعام أو خصام أو صلاة أو صارف من ~~الصوارف مع اضطراب القلب لا فائدة فيه فهذا معنى مراعاة الزمان فيراعي حالة ~~فراغ القلب له # وأما المكان فقد يكون PageV02P301 # شارعا مطروقا أو موضعا كريه الصورة ms1061 أو فيه سبب يشغل القلب فيجتنب ذلك # وأما الإخوان فسببه أنه إذا حضر غير الجنس من منكر السماع متزهد الظاهر ~~مفلس من لطائف القلوب كان مستثقلا في المجلس واشتغل القلب به # وكذلك إذا حضر متكبر من أهل الدنيا يحتاج إلى مراقبته وإلى مراعاته أو ~~متكلف متواجد من أهل التصوف يرائي بالوجد والرقص وتمزيق الثياب فكل ذلك ~~مشوشات # فترك السماع عند فقد هذه الشروط أولى ففي هذه الشروط نظر للمستمع # الأدب الثاني هو نظر الحاضرين أن الشيخ إذا كان حوله مريدون يضرهم السماع ~~فلا ينبغي أن يسمع في حضورهم فإن سمع فليشغلهم بشغل آخر والمريد الذي يستضر ~~بالسماع أحد ثلاثة # أقلهم درجة # هو الذي لم يدرك من الطريق إلا الأعمال الظاهرة ولم يكن له ذوق السماع ~~فاشتغاله بالسماع اشتغال بما لا يعنيه فإنه ليس من أهل اللهو فيلهو ولا من ~~أهل الذوق فيتنعم بذوق السماع فليشتغل بذكر أو خدمة وإلا فهو تضييع لزمانه # الثاني هو الذي له ذوق السماع ولكن فيه بقية من الحظوظ والالتفات إلى ~~الشهوات والصفات البشرية ولم ينكسر بعد انكسارا تؤمن غوائله فربما يهيج ~~السماع منه داعية اللهو والشهوة فيقطع عليه طريقه ويصده عن الاستكمال # الثالث أن يكون قد انكسرت شهوته وأمنت غائلته وانفتحت بصيرته واستولى على ~~قلبه حب الله تعالى ولكنه لم يحكم ظاهر العلم ولم يعرف أسماء الله تعالى ~~وصفاته وما يجوز عليه وما يستحيل فإذا فتح له باب السماع نزل المسموع في حق ~~الله تعالى على ما يجوز وما لا يجوز فيكون ضرره من تلك الخواطر التي هي كفر ~~أعظم من نفع السماع # قال سهل رحمه الله كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل # فلا يصلح السماع لمثل هذا ولا لمن قلبه بعد ملوث بحب الدنيا وحب المحمدة ~~والثناء ولا لمن يسمع لأجل التلذذ والاستطابة بالطبع فيصير ذلك عادة له ~~ويشغله ذلك عن عبادته ومراعاة قلبه وينقطع عليه طريقه # فالسماع مزلة قدم يجب حفظ الضعفاء عنه # قال الجنيد رأيت إبليس في النوم فقلت ms1062 له هل تظفر من أصحابنا بشيء قال نعم ~~في وقتين وقت السماع ووقت النظر فإني أدخل عليهم به # فقال بعض الشيوخ لو رأيته أنا لقلت له ما أحمقك من سمع منه إذا سمع ونظر ~~إليه إذا نظر كيف تظفر به فقال الجنيد صدقت # الأدب الثالث أن يكون مصغيا إلى ما يقول القائل حاضر القلب قليل الالتفات ~~إلى الجوانب متحرزا عن النظر إلى وجوه المستمعين وما يظهر عليهم من أحوال ~~الوجد # مشتغلا بنفسه ومراعاة قلبه ومراقبة ما يفتح الله تعالى له من رحمته في ~~سره متحفظا عن حركة تشوش على أصحابه قلوبهم # بل يكون ساكن الظاهر هادئ الأطراف متحفظا عن التنحنح والتثاؤب ويجلس ~~مطرقا رأسه كجلوسه في فكر مستغرق لقلبه متماسكا عن التصفيق والرقص وسائر ~~الحركات على وجه التصنع والتكلف والمراءاة ساكتا عن النطق في أثناء القول ~~بكل ما عنه بد فإن غلبه الوجد وحركه بغير اختيار فهو فيه معذور غير ملوم # ومهما رجع إليه الاختيار فليعد إلى هدوئه وسكونه # ولا ينبغي أن يستديمه حياء من أن يقال انقطع وجده على القرب ولا أن ~~يتواجد خوفا من أن يقال هو قاسي القلب عديم الصفاء والرقة # حكي أن شابا كان يصحب الجنيد فكان إذا سمع شيئا من الذكر يزعق فقال له ~~الجنيد يوماإن فعلت ذلك مرة PageV02P302 # أخرى لم تصحبني فكان بعد ذلك يضبط نفسه حتى يقطر من كل شعرة منه قطرة ماء ~~ولا يزعق فحكى أنه اختنق يوما لشدة ضبطه لنفسه فشهق شهقة فانشق قلبه وتلفت ~~نفسه # وروي أن موسى عليه السلام قص في بني إسرائيل فمزق واحد منهم ثوبه أو ~~قميصه فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام قل له مزق لي قلبك ولا تمزق ~~ثوبك # قال أبو القاسم النصراباذي لأبي عمرو بن عبيد أنا أقول إذا اجتمع القوم ~~فيكون معهم قوال يقول خيرا لهم من أن يغتابوا فقال أبو عمرو الرياء في ~~السماع وهو أن ترى من نفسك حالا ليست فيك شر من أن تغتاب ثلاثين سنة أو نحو ~~ذلك ms1063 # فإن قلت الأفضل هو الذي لا يحركه السماع ولا يؤثر في ظاهره أو الذي يظهر ~~عليه فاعلم أن عدم الظهور تارة يكون لضعف الوارد من الوجد فهو نقصان وتارة ~~يكون مع قوة الوجد في الباطن لكن لا يظهر لكمال القوة على ضبط الجوارح فهو ~~كمال وتارة يكون لكون حال الوجد ملازما ومصاحبا في الأحوال كلها فلا يتبين ~~للسماع مزيد تأثير وهو غاية الكمال # فإن صاحب الوجد في غالب الأحوال لا يدوم وجده فمن هو في وجد دائم ثم فهو ~~المرابط للحق والملازم لعين الشهود فهذا لا تغيره طوارق الأحوال ولا يبعد ~~أن تكون الإشارة بقول الصديق رضي الله عنه كنا كما كنتم ثم قست قلوبنا ~~معناه قويت قلوبنا واشتدت فصارت تطيق ملازمة الوجد في كل الأحوال فنحن في ~~سماع معاني القرآن على الدوام فلا يكون القرآن جديدا في حقنا طارئا علينا ~~حتى تتأثر به # فإذا قوة الوجد تحرك وقوة العقل والتماسك تضبط الظاهر وقد يغلب أحدهما ~~الآخر إما الشدة قوته وإما لضعف ما يقابله ويكون النقصان والكمال بحسب ذلك ~~فلا تظنن أن الذي يضطرب بنفسه على الأرض أتم وجدا من الساكن باضطرابه بل رب ~~ساكن أتم وجدا من المضطرب # فقد كان الجنيد يتحرك في السماع في بدايته ثم صار لا يتحرك فقيل له في ~~ذلك فقال {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن ~~كل شيء} إشارة إلى أن القلب مضطرب جائل في الملكوت والجوارح متأدبة في ~~الظاهر ساكنة # وقال أبو الحسن محمد بن أحمد وكان بالبصرة صحبت سهل بن عبد الله ستين سنة ~~فما رأيته تغير عند شيء كان يسمعه من الذكر أو القرآن فلما كان في آخر عمره ~~قرأ رجل بين يديه {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية} الآية فرأيته قد ارتعد وكاد ~~يسقط فلما عاد إلى حاله سألته عن ذلك فقال نعم يا حبيبي قد ضعفنا # وكذلك سمع مرة قوله تعالى {الملك يومئذ الحق للرحمن} فاضطرب فسأله ابن ~~سالم وكان من أصحابه فقال قد ms1064 ضعفت فقيل له فإن كان هذا من مضعف فما قوة ~~الحال فقال أن لا يرد عليه وارد إلا وهو يلتقيه بقوة حاله فلا تغيره ~~الواردات وإن كانت قوية # وسبب القدرة على ضبط الظاهر مع وجود الوجد استواء الأحوال بملازمة الشهود # كما حكي عن سهل رحمه الله تعالى أنه قال حالتي قبل الصلاة وبعدها واحدة ~~لأنه كان مراعيا للقلب حاضر الذكر مع الله تعالى في كل حال # فكذلك يكون قبل السماع وبعده إذ يكون وجده دائما وعطشه متصلا وشربه ~~مستمرا بحيث لا يؤثر السماع في زيادته # كما روى أن ممشاد الدينوري أشرف على جماعة فيهم قوال فسكنوا فقال ارجعوا ~~إلى ما كنتم فيه فلو جمعت ملاهي الدنيا في أذني ما شغل همي ولا شفي بعض ما ~~بي # وقال الجنيد رحمه الله تعالى لا يضر نقصان الوجد مع فضل العلم # وفضل العلم أتم من فضل الوجد # فإن قلت فمثل هذا لم يحضر السماع فاعلم أن من هؤلاء من ترك السماع في ~~كبره وكان لا يحضر إلا نادرا لمساعدة أخ من الإخوان وإدخالا للسرور على ~~قلبه وربما حضر ليعرف القوم كمال قوته فيعلمون أنه ليس الكمال بالوجد ~~الظاهر فيتعلمون منه ضبط الظاهر عن التكلف وإن لم يقدروا على الإقتداء به ~~في صيرورته طبعا PageV02P303 # لهم # وإن اتفق حضورهم مع غير أبناء جنسهم فيكونون معهم بأبدانهم نائين عنهم ~~بقلوبهم وبواطنهم # كما يجلسون من غير سماع مع غير جنسهم بأسباب عارضة تقتضي الجلوس معهم # وبعضهم نقل عنه ترك السماع ويظن أنه كان سبب تركه استغناءه عن السماع بما ~~ذكرناه # وبعضهم كان من الزهاد ولم يكن له حظ روحاني في السماع ولا كان من أهل ~~اللهو فتركه لئلا يكون مشغولا بما لا يعنيه # وبعضهم تركه لفقد الإخوان # قيل لبعضهم لم لا تسمع فقال ممن ومع من # الأدب الرابع أن لا يقوم ولا يرفع صوته بالبكاء وهو يقدر على ضبط نفسه ~~ولكن إن رقص أو تباكى فهو مباح إذا لم يقصد به المراءاة لأن التباكي ~~استجلاب للحزن والرقص ms1065 سبب في تحريك السرور والنشاط # فكل سرور مباح فيجوز تحريكه # ولو كان ذلك حراما لما نظرت عائشة رضي الله عنها إلى الحبشة مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهم يزفنون (1) # هذا لفظ عائشة رضي الله عنها في بعض الروايات # وقد روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم حجلوا لما ورد عليهم ~~سرور أوجب ذلك وذلك في قصة ابنة حمزة لما اختصم فيها علي بن أبي طالب وأخوه ~~جعفر وزيد بن حارثة رضي الله عنهم فتشاحوا في تربيتها فقال صلى الله عليه ~~وسلم لعلي أنت مني وأنا منك فحجل علي وقال لجعفر أشبهت خلقي وخلقي فحجل ~~وراء حجل علي وقال لزيد أنت أخونا ومولانا فحجل زيد وراء حجل جعفر ثم قال ~~صلى الله عليه وسلم هي لجعفر لأن خالتها تحته والخالة والدة (2) # وفي رواية أنه قال لعائشة رضي الله عنها أتحبين أن تنظري إلى زفن الحبشة ~~والزفن والحجل هو الرقص # وذلك يكون لفرح أو شوق فحكمه حكم مهيجه إن كان فرحه محمودا والرقص يزيده ~~ويؤكده فهو محمود وإن كان مباحا فهو مباح وإن كان مذموما فهو مذموم # نعم لا يليق اعتياد ذلك بمناصب الأكابر وأهل القدوة لأنه في الأكثر يكون ~~عن لهو ولعب وماله صورة اللعب واللهو في أعين الناس فينبغي أن يجتنبه ~~المقتدي به لئلا يصغر في أعين الناس فيترك الإقتداء به # وأما تمزيق الثياب فلا رخصة فيه إلا عند خروج الأمر عن الاختيار ولا يبعد ~~أن يغلب الوجد بحيث يمزق ثوبه وهو لا يدري لغلبة سكر الوجد عليه أو يدري ~~ولكن يكون كالمضطر الذي لا يقدر على ضبط نفسه وتكون صورته صورة المكره إذ ~~يكون له في الحركة أو التمزيق متنفس فيضطر إليه اضطرار المريض إلى الأنين ~~ولو كلف الصبر عنه لم يقدر عليه مع أنه فعل اختياري فليس كل فعل حصوله ~~بالإرادة يقدر الإنسان على تركه فالتنفس فعل يحصل بالإرادة ولو كلف الإنسان ~~أن يمسك النفس ساعة لاضطر من باطنه إلى أن يختار التنفس # فكذلك ms1066 الزعقة وتمزيق الثياب قد يكون كذلك فهذا لا يوصف بالتحريم # فقد ذكر عند السري حديث الوجد الحاد الغالب فقال نعم يضرب وجهه بالسيف ~~وهو لا يدري فروجع فيه واستبعد أن ينتهي إلى هذا الحد فأصر عليه ولم يرجع # ومعناه أنه في بعض الأحوال قد ينتهي إلى هذا الحد في بعض الأشخاص # فإن قلت فما تقول في تمزيق الصوفية الثياب الجديدة بعد سكون الوجد ~~والفراغ من السماع فإنهم يمزقونها قطعا صغارا ويفرقونها على القوم ويسمونها ~~الخرقة فاعلم أن ذلك مباح إذا قطع قطعا مربعة تصلح لترقيع الثياب والسجادات # فإن الكرباس يمزق حتى يخاط منه القميص ولا يكون ذلك تضييعا لأنه تمزيق ~~لغرض # وكذلك ترقيع الثياب لا يمكن إلا بالقطع الصغار وذلك مقصود والتفرقة على ~~الجميع ليعم ذلك الخير مقصود مباح # ولكل PageV02P304 # مالك أن يقطع كرباسه مائة قطعة ويعطيها لمائة مسكين ولكن ينبغي أن تكون ~~القطع بحيث يمكن أن ينتفع بها في الرقاع # وإنما منعنا في السماع التمزيق المفسد للثوب الذي يهلك بعضه بحيث لا يبقى ~~منتفعا به فهو تضييع محض لا يجوز بالاختيار # الأدب الخامس موافقه القوم في القيام إذا قام واحد منهم في وجد صادق من ~~غير رياء وتكلف أو قام باختيار من غير إظهار وجد وقامت له الجماعة فلا بد ~~من الموافقة فذلك من آداب الصحبة # وكذلك إن جرت عادة طائفة بتنحية العمامة على موافقة صاحب الوجد إذا سقطت ~~عمامته # أو خلع الثياب إذا سقط عنه ثوبه بالتمزيق فالموافقة في هذه الأمور من حسن ~~الصحبة والعشرة إذا المخالفة موحشة ولكل قوم رسم ولا بد من مخالقة الناس ~~بأخلاقهم (1) # كما ورد في الخبر لا سيما إذا كانت أخلاقا فيها حسن العشرة والمجاملة ~~وتطييب القلب بالمساعدة # وقول القائل إن ذلك بدعة لم يكن في الصحابة فليس كل ما يحكم بإباحته ~~منقولا عن الصحابة رضي الله عنهم وإنما المحذور ارتكاب بدعة تراغم سنة ~~مأثورة ولم ينقل النهي عن شيء من هذا # والقيام عند الدخول للداخل لم يكن من عادة العرب بل كان ms1067 الصحابة رضي الله ~~عنهم لا يقومون لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال (2) # كما رواه أنس رضي الله عنه # ولكن إذا لم يثبت فيه نهي عام فلا نرى به بأسا في البلاد التي جرت العادة ~~فبها بإكرام الداخل بالقيام فإن المقصود منه الإحترام والإكرام وتطييب ~~القلب به # وكذلك سائر أنواع المساعدات إذا قصد بها تطييب القلب واصطلح عليها جماعة ~~فلا بأس بمساعدتهم عليها بل الأحسن المساعدة إلا فيما ورد فيه نهي لا يقبل ~~التأويل ومن الأدب أن لا يقوم للرقص مع القوم إن كان يستثقل رقصه ولا يشوش ~~عليهم أحوالهم إذ الرقص من غير إظهار التواجد مباح والمتواجد هو الذي يلوح ~~للجميع منه أثر التكلف # ومن يقوم عن صدق لا تستثقله الطباع فقلوب الحاضرين إذا كانوا من أرباب ~~القلوب محك للصدق والتكلف # سئل بعضهم عن الوجد الصحيح فقال صحته قبول قلوب الحاضرين له إذا كانوا ~~أشكالا غير أضداد # فإن قلت فما بال الطباع تنفر عن الرقص ويسبق إلى الأوهام أنه باطل ولهو ~~ومخالف للدين فلا يراه ذو جد في الدين إلا وينكره # فاعلم أن الجد لا يزيد على جد رسول الله صلى الله عليه وسلم # وقد رأى الحبشة يزفنون في المسجد وما أنكره لما كان في وقت لائق به وهو ~~العيد ومن شخص لائق به وهم الحبشة # نعم نفرة الطباع عنه لأنه يرى غالبا مقرونا باللهو واللعب واللهو واللعب ~~مباح ولكن للعوام من الزنوج والحبشة ومن أشبههم # وهو مكروه لذوي المناصب لأنه لا يليق بهم وما كره لكونه غير لائق بمنصب ~~ذي المنصب فلا يجوز أن يوصف بالتحريم فمن سأل فقيرا شيئا فأعطاه رغيفا كان ~~ذلك طاعة مستحسنة ولو سأل ملكا فأعطاه رغيفا أو رغيفين لكان ذلك منكرا عند ~~الناس كافة ومكتوبا في تواريخ الأخبار من جملة مساوية ويعير به أعقابه ~~وأشياعه ومع هذا فلا يجوز أن يقال ما فعله حرام لأنه من حيث إنه أعطى خبزا ~~للفقير حسن ومن حيث أنه بالإضافة إلى منصبه كالمنع بالإضافة إلى ms1068 الفقير ~~مستقبح فكذلك الراقص وما يجري مجراه من المباحات ومباحات العوام سيئات ~~الأبرار وحسنات الأبرار PageV02P305 # سيئات المقربين ولكن هذا من حيث الالتفات إلى المناصب # وأما إذا نظر إليه في نفسه وجب الحكم بأنه هو في نفسه لا تحريم فيه والله ~~أعلم فقد خرج من جملة التفصيل السابق أن السماع قد يكون حراما محضا وقد ~~يكون مباحا وقد يكون مكروها وقد يكون مستحبا # أما الحرام فهو لأكثر الناس من الشبان ومن غلبت عليهم شهوة الدنيا فلا ~~يحرك السماع منهم إلا ما هو الغالب على قلوبهم من الصفات المذمومة # وأما المكروه فهو لمن لا ينزله على صورة المخلوقين ولكنه يتخذه عادة له ~~في أكثر الأوقات على سبيل اللهو # وأما المباح فهو لمن لا حظ له منه إلا التلذذ بالصوت الحسن # وأما المستحب فهو لمن غلب عليه حب الله تعالى ولم يحرك السماع منه إلا ~~الصفات المحمودة والحمد لله وحده وصلى الله عليه وسلم على محمد وآله ### || كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو الكتاب التاسع من ربع العادات الثاني من كتب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي لا تستفتح الكتب إلا بحمده ولا تستمنح النعم إلا بواسطة ~~كرمه ورفده والصلاة على سيد الأنبياء محمد رسوله وعبده وعلى آله الطيبين ~~وأصحابه الطاهرين من بعده # أما بعد فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين ~~وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ولو طوى بساطه وأهمل علمه ~~وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت ~~الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد وهلك العباد ولم يشعروا ~~بالهلاك إلا يوم التناد وقد كان الذي خفنا أن يكون فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه وانمحق بالكلية حقيقته ورسمه ~~فاستولت على القلوب مداهنة الخلق وانمحت عنها مراقبة الخالق واسترسل الناس ~~في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم وعز على بساط الأرض مؤمن صادق لا ~~تأخذه في الله لومة لائم فمن سعى ms1069 في تلافي هذه الفترة وسد هذه الثلمة إما ~~متكفلا بعملها أو متقلدا لتنفيذها مجددا لهذه السنة الداثرة ناهضا بأعبائها ~~ومتشمرا في إحيائها كان مستأثرا من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى ~~إماتتها ومستبدا بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها وها نحن نشرح علمه في ~~أربعة أبواب # الباب الأول في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضيلته # الباب الثاني في أركانه وشروطه # الباب الثالث في مجاريه وبيان المنكرات المألوفة في العادات # الباب الرابع في أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف ونهيهم عن المنكر ### ||| الباب الأول في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضيلته والمذمة في إهماله وإضاعته # ويدل على ذلك بعد إجماع الأمة عليه وإشارات العقول السليمة إليه الآيات ~~والأخبار والآثار # أما الآيات فقوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر وأولئك هم PageV02P306 # المفلحون ففي الآية بيان الإيجاب فإن قوله تعالى ولتكن أمر وظاهر الأمر ~~الإيجاب وفيها بيان أن الفلاح منوط به إذ حصر وقال وأولئك هم المفلحون ~~وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين وأنه إذا قام به أمة سقط الفرض عن ~~الآخرين إذ لم يقل كونوا كلكم آمرين بالمعروف بل قال ولتكن منكم أمة فإذا ~~مهما قام به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين واختص الفلاح بالقائمين به ~~المباشرين وإن تقاعد عنه الخلق أجمعون عم الحرج كافة القادرين عليه لا ~~محالة وقال تعالى ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء ~~الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد ~~الإيمان بالله واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وقال تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر ويقيمون الصلاة فقد نعت المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء ~~المؤمنين المنعوتين في هذه الآية وقال تعالى لعن الذين كفروا من ms1070 بني ~~إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا ~~يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون وهذا غاية التشديد إذ علل ~~استحقاقهم للعنة بتركهم النهي عن المنكر وقال عز وجل كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وهذا يدل على فضيلة الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر إذ بين أنهم كانوا به خير أمة أخرجت للناس وقال تعالى ~~فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون فبين أنهم استفادوا النجاة بالنهي عن السوء ~~ويدل ذلك على الوجوب أيضا وقال تعالى الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقرن ذلك بالصلاة ~~والزكاة في نعت الصالحين والمؤمنين وقال تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ~~ولا تعاونوا على الإثم والعدوان وهو أمر جزم ومعنى التعاون الحث عليه ~~وتسهيل طرق الخير وسد سبل الشر والعدوان بحسب الإمكان وقال تعالى لولا ~~ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا ~~يصنعون فبين أنهم أثموا بترك النهي وقال تعالى فلولا كان من القرون من ~~قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض الآية فبين أنه أهلك جميعهم إلا ~~قليلا منهم كانوا ينهون عن الفساد وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين وذلك هو ~~الأمر بالمعروف للوالدين والأقربين وقال تعالى لا خير في كثير من نجواهم ~~إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة ~~الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما وقال تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما الآية والإصلاح نهي عن البغي وإعادة إلى الطاعة فإن لم يفعل ~~فقد أمر الله تعالى بقتاله فقال فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ~~وذلك هو النهي عن المنكر # وأما الأخبار فمنها ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في ms1071 ~~خطبة خطبها أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتؤولونها على خلاف تأويلها ~~يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم (1) # وإني PageV02P307 # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم ~~من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده وروى ~~عن أبي ثعلبة الخشني أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله ~~تعالى لا يضركم من ضل إذا اهتديتم (1) # فقال يا أبا ثعلبة مر بالمعروف وأنه عن المنكر فإذا رأيت شحا مطاعا وهوى ~~متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك العوام إن ~~من ورائكم فتنا كقطع الليل المظلم للمتمسك فيها بمثل الذي أنتم عليه أجر ~~خمسين منكم قيل بل منهم يا رسول الله # قال لا بل منكم لأنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون عليه أعوانا وسئل ~~ابن مسعود رضي الله عنه عن تفسير هذه الآية فقال إن هذا ليس زمانها إنها ~~اليوم مقبولة ولكن قد أوشك أن يأتي زمانها تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا ~~وكذا وتقولون فلا يقبل منكم فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن ~~المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم (2) # معناه تسقط مهابتهم من أعين الأشرار فلا يخافونهم # وقال صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس إن الله يقول لتأمرن بالمعروف ~~ولتنهون عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم (3) # وقال صلى الله عليه وسلم ما أعمال البر عند الجهاد في سبيل الله إلا ~~كنفثة في بحر لجي وما جميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله عند الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجي (4) # وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى ليسأل العبد ما منعك إذ رأيت ~~المنكر أن تنكره فإذا لقن الله العبد حجته قال رب وثقت بك وفرقت من ms1072 الناس ~~(5) # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم والجلوس على الطرقات قالوا ما ~~لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها قال فإذا أبيتم إلا ذلك فأعطوا الطريق ~~حقها قالوا وما حق الطريق قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر (6) # وقال صلى الله عليه وسلم كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا أمرا بمعروف أو ~~نهيا عن منكر أو ذكرا لله تعالى (7) # وقال صلى الله عليه وسلم إن الله لا يعذب الخاصة بذنوب العامة حتى يرى ~~المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه (8) # وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كيف أنتم ~~إذا طغى نساؤكم وفسق شبانكم وتركتم جهادكم قالوا وإن ذلك لكائن يا رسول ~~الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون قالوا وما أشد PageV02P308 # منه يا رسول الله كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف ولم تنهوا عن منكر قالوا ~~وكائن ذلك يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون قالوا وما ~~أشد منه كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكراوالمنكر معروفا قالوا وكائن ذلك ~~يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون قالوا وما أشد منه ~~قال كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف قالوا وكائن ذلك يا رسول ~~الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون يقول الله تعالى بي حلفت ~~لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيها حيران (1) # وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا تقفن عند رجل يقتل مظلوما فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم يدفع ~~عنه ولا تقفن عند رجل يضرب مظلوما فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم يدفع ~~عنه (2) # قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لامرئ شهد مقاما فيه حق ~~إلا تكلم به فإنه لن يقدم أجله ولن يحرمه رزقا هو له (3) # وهذا الحديث يدل على ms1073 أنه لا يجوز دخول دور الظلمة والفسقة ولا حضور ~~المواضع التي يشاهد المنكر فيها ولا يقدر على تغييره فإنه قال اللعنة تنزل ~~على من حضر ولا يجوز له مشاهدة المنكر من غير حاجة اعتذارا بأنه عاجز # ولهذا اختار جماعة من السلف العزلة لمشاهدتهم المنكرات في الأسواق ~~والأعياد والمجامع وعجزهم عن التغيير وهذا يقتضي لزوم الهجر للخلق # ولهذا قال عمر ابن عبد العزيز رحمه الله ما ساح السواح وخلوا دورهم ~~وأولادهم إلا بمثل ما نزل بنا حين رأوا الشر قد ظهر والخير قد اندرس ورأوا ~~أنه لا يقبل ممن تكلم ورأوا الفتن ولم يأمنوا أن تعتريهم وأن ينزل العذاب ~~بأولئك القوم فلا يسلمون منه فرأوا أن مجاورة السباع وأكل البقول خير من ~~مجاورة هؤلاء في نعيمهم ثم قرأ ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين قال ~~ففر قوم فلولا ما جعل الله جل ثناؤه في النبوة من السر لقلنا ما هم بأفضل ~~من هؤلاء فيما بلغنا أن الملائكة عليهم السلام لتلقاهم وتصافحهم والسحاب ~~والسباع تمر بأحدهم فيناديها فتجيبه ويسألها أين أمرت فتخبره وليس بنبي # وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حضر ~~معصية فكرهها فكأنه غاب عنها ومن غاب عنها فأحبها فكأنه حضرها (4) # ومعنى الحديث أن يحضر لحاجة أو يتفق جريان ذلك يديه # فأما الحضور قصدا فممنوع بدليل الحديث الأول # وقال ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بعث ~~الله عز وجل نبيا إلا وله حوارى فيمكث النبي بين أظهرهم ما شاء الله تعالى ~~يعمل فيهم بكتاب الله وبأمره حتى إذا قبض الله نبيه مكث الحواريون يعملون ~~بكتاب الله وبأمره وبسنة نبيهم فإذا انقرضوا كان من بعدهم قوم يركبون رءوس ~~المنابر يقولون ما يعرفون ويعملون ما ينكرون فإذا رأيتم ذلك فحق على كل ~~مؤمن جهادهم بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وليس وراء ذلك ~~إسلام (5) PageV02P309 # وقال ابن مسعود رضي الله عنه كان أهل قرية ms1074 يعملون بالمعاصي وكان فيهم ~~أربعة نفر ينكرون ما يعملون فقام أحدهم فقال إنكم تعملون كذا وكذا فجعل ~~ينهاهم ويخبرهم بقبيح ما يصنعون فجعلوا يردون عليه ولا يرعوون عن أعمالهم ~~فسبهم فسبوه وقاتلهم فغلبوه فاعتزل ثم قال اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني ~~وسببتهم فسبوني وقاتلتهم فغلبوني ثم ذهب ثم قام الآخر فنهاههم فلم يطيعوه ~~فسبهم فسبوه فاعتزل ثم قال اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني وسببتهم فسبوني ~~ولو قاتلتهم لغلبوني ثم ذهب قام الثالث فنهاهم فلم يطيعوه فاعتزل ثم قال ~~اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني ولو سببتهم لسبوني ولو قاتلتهم لغلبوني # ثم ذهب ثم قام الرابع فقال اللهم إني لو نهيتهم لعصوني ولو سببتهم لسبوني ~~ولو قاتلتهم لغلبوني ثم ذهب قال ابن مسعود رضي الله عنه كان الرابع أدناهم ~~منزلة وقليل فيكم مثله وقال ابن عباس رضي الله عنهما قيل يا رسول الله ~~أتهلك القرية وفيها الصالحون قال نعم قيل بم يا رسول الله قال بتهاونهم ~~وسكوتهم على معاصي الله تعالى (1) # وقال جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوحى الله تبارك ~~وتعالى إلى ملك من الملائكة أن أقلب مدينة كذا وكذا على أهلها فقال يا رب ~~إن فيهم عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين قال اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم ~~يتمعر في ساعة قط (2) # وقالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عذب أهل ~~قرية فيها ثمانية عشر ألفا عملهم عمل الأنبياء قالوا يا رسول الله كيف قال ~~لم يكونوا يغضبون لله ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر (3) # وعن عروة عن أبيه قال قال موسى صلى الله عليه وسلم يا رب أي عبادك أحب ~~إليك قال الذي يتسرع إلى هواي كما يتسرع النسر إلى هواه والذي يكلف بعبادي ~~الصالحين كما يكلف الصبي بالثدي والذي يغضب إذا أتيت محارمي كما يغضب النمر ~~لنفسه فإن النمر إذا غضب لنفسه لم يبال قل الناس أم كثروا وهذا يدل على ~~فضيلة الحسبة ms1075 مع شدة الخوف وقال أبو ذر الغفاري قال أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه يا رسول الله هل من جهاد غير قتال المشركين فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نعم يا أبا بكر إن لله تعالى مجاهدين في الأرض أفضل من ~~الشهداء أحياء مرزوقين يمشون على الأرض يباهي الله بهم ملائكة السماء وتزين ~~لهم الجنة كما تزينت أم سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر ~~رضي الله عنه يا رسول الله ومن هم قال الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ~~والمحبون في الله والمبغضون في الله {ثم قال} والذي نفسي بيده إن العبد ~~منهم ليكون في الغرفة فوق الغرفات فوق غرف الشهداء للغرفة منها ثلثمائة ألف ~~باب منها الياقوت والزمرد الأخضر على كل باب نور وإن الرجل منهم ليزوج ~~بثلثمائة ألف حوراء قاصرات الطرف عين كلما التفت إلى واحدة منهن فنظر إليها ~~تقول له أتذكر يوم كذا وكذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر كلما نظر إلى ~~واحدة منهن ذكرت له مقاما أمر فيه بمعروف ونهى فيه عن منكر (4) # وقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم ~~على الله عز وجل قال رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر ~~فقتله فإن لم يقتله فإن القلم لا يجرى PageV02P310 # عليه بعد ذلك وإن عاش ما عاش (1) # وقال الحسن البصري رحمه الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل ~~شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله ~~على ذلك فذلك الشهيد منزلته في الجنة بين حمزة وجعفر (2) # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~بئس القوم قوم لا يأمرون بالقسط وبئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ~~ينهون عن المنكر (3) وأما الآثار فقد قال # أبو الدرداء رضي الله عنه لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن ~~الله عليكم سلطانا ظالما لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعوا ms1076 عليه خياركم ~~فلا يستجاب لهم وتستنصرون فلا تنصرون وتستغفرون فلا يغفر لكم # وسئل حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء فقال الذي لا ينكر المنكر بيده ~~ولا بلسانه ولا بقلبه # وقال مالك بن دينار كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى الرجال والنساء ~~منزله يعظهم ويذكرهم بأيام الله عز وجل فرأى بعض بنيه يوما وقد غمز بعض ~~النساء فقال مهلا يا بني مهلا وسقط من سريره فانقطع نخاعه وأسقطت امرأته ~~وقتل بنوه في الجيش فأوحى الله تعالى إلى نبي زمانه أن أخبر فلانا الخبر ~~أني لا أخرج من صلبك صديقا أبدا أما كان من غضبك لي إلا أن قلت مهلا يا بني ~~مهلا # وقال حذيفة يأتي على الناس زمان لأن تكون فيهم جيفة حمار أحب إليهم من ~~مؤمن يأمرهم وينهاهم وأوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون عليه السلام إني ~~مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم فقال يا رب هؤلاء ~~الأشرار فما بال الأخيار قال إنهم لم يغضبوا لغضبي وواكلوهم وشاربوهم # وقال بلال بن سعد إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها فإذا أعلنت ولم ~~تغير أضرت بالعامة وقال كعب الأحبار لأبي مسلم الخولاني كيف منزلتك من قومك ~~قال حسنة # قال كعب إن التوراة لتقول غير ذلك قال وما تقول قال تقول إن الرجل إذا ~~أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ساءت منزلته عند قومه فقال صدقت التوراة وكذب ~~أبو مسلم # وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يأتي العمال ثم قعد عنهم فقيل له لو ~~أتيتهم فلعلهم يجدون في أنفسهم فقال أرهب إن تكلمت أن يروا أن الذي بي غير ~~الذي بي وإن سكت رهبت أن آثم # وهذا يدل على أن من عجز عن الأمر بالمعروف فعليه أن يبعد عن ذلك الموضع ~~ويستتر عنه حتى لا يجري بمشهد منه وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه أول ~~ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم ثم الجهاد بألسنتكم ثم الجهاد ~~بقلوبكم فإذا لم ms1077 يعرف القلب المعروف ولم ينكر المنكر نكس فجعل أعلاه أسفله # وقال سهل بن عبد الله رحمه الله أيما عبد عمل في شيء من دينه بما أمر به ~~أو نهى عنه وتعلق به عند فساد الأمور وتنكرها وتشوش الزمان فهو ممن قد قام ~~لله في زمانه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # معناه أنه إذا لم يقدر إلا على نفسه فقام بها وأنكر أحوال الغير بقلبه ~~فقد جاء بما هو الغاية في حقه وقيل للفضيل ألا تأمر وتنهي فقال إن قوما ~~أمروا ونهوا فكفروا وذلك أنهم لم يصبروا على ما أصيبوا وقيل للثوري # ألا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فقال إذا انبثق البحر فمن يقدر أن ~~يسكره # فقد ظهر بهذه الأدلة أن الأمر بالمعروف والنهي عن PageV02P311 # المنكر واجب وأن فرضه لا يسقط مع القدرة إلا بقيام قائم به # فلنذكر الآن شروطه وشروط وجوبه ### ||| الباب الثاني في أركان الأمر بالمعروف وشروطه # اعلم أن الأركان في الحسبة التي هي عبارة شاملة للأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر أربعة المحتسب والمحتسب عليه والمحتسب فيه ونفس الاحتساب # فهذه أربعة أركان ولكل واحد منها شروطه ### |||| الركن الأول المحتسب # وله شروط وهو أن يكون مكلفا مسلما قادرا فيخرج منه المجنون والصبي ~~والكافر والعاجز ويدخل فيه آحاد الرعايا وإن لم يكونوا مأذونين ويدخل فيه ~~الفاسق والرقيق والمرأة # فلنذكر وجه اشتراط ما اشترطناه ووجه إطراح ما أطرحناه # أما الشرط الأول وهو التكليف فلا يخفى وجه اشتراطه فإن غير المكلف لا ~~يلزمه أمر وما ذكرناه أردنا به شرط الوجوب فأما إمكان الفعل وجوازه فلا ~~يستدعي إلا العقل حتى إن الصبي المراهق للبلوغ المميز وإن لم يكن مكلفا فله ~~إنكار المنكر وله أن يريق الخمر ويكسر الملاهي وإذا فعل ذلك نال به ثوابا ~~ولم يكن لأحد منعه من حيث إنه ليس بمكلف # فإن هذه قربة وهو من أهلها كالصلاة والإمامة وسائر القربات وليس حكمه حكم ~~الولايات حتى يشترط فيه التكليف ولذلك اثبتناه للعبد وآحاد الرعية # نعم في المنع بالفعل وإبطال المنكر نوع ولاية ms1078 وسلطنة ولكنها تستفاد بمجرد ~~الإيمان كقتل المشرك وإبطال أسبابه وسلب أسلحته # فإن للصبي أن يفعل ذلك حيث لا يستضر به فالمنع من الفسق كالمنع من الكفر # وأما الشرط الثاني وهو الإيمان فلا يخفى وجه اشتراطه لأن هذا نصرة للدين ~~فكيف يكون من أهله من هو جاحد لاصل الدين وعدو له # وأما الشرط الثالث وهو العدالة فقد اعتبرها قوم وقالوا ليس للفاسق أن ~~يحتسب وربما استدلوا فيه بالنكير الوارد على من يأمر بما لا يفعله مثل قوله ~~تعالى أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وقوله تعالى كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون وبما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال ~~مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت من أنتم فقالوا ~~كنا نأمر بالخير ولا نأتيه وننهى عن الشر وناتيه (1) # وبما روي أن الله تعالى أوحى إلى عيسى صلى الله عليه وسلم عظ نفسك فإن ~~اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني # وربما استدلوا من طريق القياس بأن هداية الغير فرع للاهتداء وكذلك تقويم ~~الغير فرع للاستقامة والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح فمن ليس بصالح في نفسه ~~فكيف يصلح غيره ومتى يستقيم الظل والعود اعوج وكل ما ذكروه خيالات وإنما ~~الحق أن للفاسق أن يحتسب وبرهانه هو أن نقول هل يشترط في الاحتساب أن يكون ~~متعاطيه معصوما عن المعاصي كلها فإن شرط ذلك فهو خرق للإجماع ثم حسم لباب ~~الاحتساب إذ لا عصمة للصحابة فضلا عمن دونهم والأنبياء عليهم السلام قد ~~اختلف في عصمتهم عن الخطايا # والقرآن العزيز دال على نسبة آدم عليه السلام إلى المعصية وكذا جماعة من ~~الأنبياء ولهذا قال سعيد بن PageV02P312 # جبير إن لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء لم ~~يأمر أحد بشيء فأعجب مالكا ذلك من سعيد بن جبير # وإن زعموا أن ذلك لا يشترط عن الصغائر حتى يجوز للابس الحرير أن يمنع من ~~الزنا وشرب الخمر فنقول # وهل لشارب الخمر أن يغزو ms1079 الكفار ويحتسب عليهم بالمنع من الكفر فإن قالوا ~~لا خرقوا الإجماع إذ جنود المسلمين لم تزل مشتملة على البر والفاجر وشارب ~~الخمر وظالم الأيتام ولم يمنعوا من الغزو لا في عصر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا بعده # فإن قالوا نعم فنقول شارب الخمر هل له المنع من القتل أم لا فإن قالوا لا ~~قلنا # فما الفرق بينه وبين لابس الحرير إذ جاز له المنع من الخمر والقتل كبيرة ~~بالنسبة إلى الشرب كالشرب بالنسبة إلى لبس الحرير فلا فرق # وإن قالوا نعم وفصلوا الأمر فيه بأن كل مقدم على شيء فلا يمنع عن مثله ~~ولا عما دونه وإنما يمنع عما فوقه فهذا تحكم فإنه كما لا يبعد أن يمنع ~~الشارب من الزنا والقتل فمن أين يبعد أن يمنع الزاني من الشرب بل من أين ~~يبعد أن يشرب ويمنع غلمانه وخدمه من الشرب ويقول يجب على الانتهاء والنهي ~~فمن أين يلزمني من العصيان بأحدهما أن أعصي الله تعالى بالثاني وإذا كان ~~النهي واجبا علي فمن أين يسقط وجوبه بإقدامي إذ يستحيل أن يقال يجب النهي ~~عن شرب الخمر عليه ما لم يشرب فإذا شرب سقط النهي # فإن قيل فيلزم على هذا أن يقول القائل الواجب على الوضوء والصلاة فأنا ~~أتوضأ وإن لم أصل وأتسحر وإن لم أصم لأن المستحب لي السحور والصوم جميعا ~~ولكن يقال أحدهما مرتب على الآخر فكذلك تقويم الغير مرتب على تقويمه بنفسه ~~فليبدأ نفسه ثم بمن يعول # والجواب أن التسحر يراد للصوم ولولا الصوم لما كان التسحر مستحبا وما ~~يراد لغيره لا ينفك عن ذلك الغير وإصلاح الغير لا يراد لإصلاح النفس ولا ~~إصلاح النفس لإصلاح الغير فالقول بترتب أحدهما على الآخر تحكم # وأما الوضوء والصلاة فهو لازم فلا جرم أن من توضأ ولم يصل كان مؤديا أمر ~~الوضوء وكان عقابه أقل من عقاب من ترك الصلاة والوضوء جميعا فليكن من ترك ~~النهي والانتهاء أكثر عقابا ممن نهى ولم ينته كيف والوضوء شرط لا يراد ~~لنفسه ms1080 بل للصلاة فلا حكم له دون الصلاة # وأما الحسبة فليست شرطا في الانتهاء والائتمار فلا مشابهة بينهما # فإن قيل فيلزم على هذا أن يقال إذا زنى الرجل بامرأة وهي مكرهة مستورة ~~الوجه فكشفت وجهها باختيارها فأخذ الرجل يحتسب في أثناء الزنا ويقول أنت ~~مكرهة في الزنا ومختارة في كشف الوجه لغير محرم وها أنا غير محرم لك فاسترى ~~وجهك فهذا احتساب شنيع يستنكره قلب كل عاقل ويستشنعه كل طبع سليم فالجواب ~~أن الحق قد يكون شنيعا وأن الباطل قد يكون مستحسنا بالطباع والمتبع الدليل ~~دون نفرة الأوهام والخيالات فإنا نقول قوله لها في تلك الحالة لا تكشفي ~~وجهك واجب أو مباح أو حرام فإن قلتم إنه واجب فهو الغرض لأن الكشف معصية ~~والنهي عن المعصية حق # وإن قلتم إنه مباح فإذن له أن يقول ما هو مباح فما معنى قولكم ليس للفاسق ~~الحسبة وإن قلتم إنه حرام فنقول وكان هذا واجبا فمن أين حرم بإقدامه على ~~الزنا ومن الغريب أن يصير الواجب حراما بسبب ارتكاب حرام آخر # وأما نفرة الطباع عنه واستنكارها له فهو لسببين # أحدهما أنه ترك الأهم واشتغل بما هو مهم # وكما أن الطباع تنفر عن ترك المهم إلى ما لا يعني فتنفر عن ترك الأهم PageV02P313 # والاشتغال بالمهم كما تنفر عمن يتحرج عن تناول طعام مغصوب وهو مواظب على ~~الربا وكما تنفر عمن يتصاون عن الغيبة ويشهد بالزور لأن الشهادة بالزور ~~أفحش وأشد من الغيبة التي هي إخبار عن كائن يصدق فيه المخبر وهذا الاستبعاد ~~في النفوس لا يدل على أن ترك الغيبة ليس بواجب وأنه لو اغتاب أو أكل لقمة ~~من حرام لم تزد بذلك عقوبته فكذلك ضرره في الآخرة من معصيته أكثر من ضرره ~~من معصية غيره فاشتغاله عن الأقل بالأكثر مستنكر في الطبع من حيث إنه ترك ~~الأكثر لا من حيث إنه أتى بالأقل فمن غصب فرسه ولجام فرسه فاشتغل بطلب ~~اللجام وترك الفرس نفرت عنه الطباع ويرى مسيئا إذ قد صدر منه طلب اللجام ms1081 ~~وهو غير منكر ولكن المنكر تركه لطلب الفرس بطلب اللجام فاشتد الإنكار عليه ~~لتركه الأهم بما دونه فكذلك حسبة الفاسق تستبعد من هذا الوجه وهذا لا يدل ~~على أن حسبته من حيث إنها حسبة مستنكرة # الثاني أن الحسبة تارة تكون بالنهي بالوعظ وتارة بالقهر ولا ينجع وعظ من ~~لا يتعظ أولا ونحن نقول من علم أن قوله لا يقبل في الحسبة لعلم الناس بفسقه ~~فليس عليه الحسبة بالوعظ إذ لا فائدة في وعظه فالفسق يؤثر في إسقاط فائدة ~~كلامه ثم إذا سقطت فائدة كلامه سقط وجوب الكلام فأما إذا كانت الحسبة ~~بالمنع فالمراد منه القهر وتمام القهر أن يكون بالفعل والحجة جميعا وإذا ~~كان فاسقا فإن قهر بالفعل فقد قهر بالحجة إذ يتوجه عليه أن يقال له فأنت لم ~~تقدم عليه فتنفر الطباع عن قهره بالفعل مع كونه مقهورا بالحجة وذلك لا يخرج ~~الفعل عن كونه حقا كما أن يذب الظالم عن آحاد المسلمين ويهمل أباه وهو ~~مظلوم معهم تنفر الطباع عنه ولا يخرج دفعه عن المسلم عن كونه حقا # فخرج من هذا أن الفاسق ليس عليه الحسبة بالوعظ على من يعرف فسقه لأنه لا ~~يتعظ وإذا لم يكن عليه ذلك وعلم أنه يفضى إلى تطويل اللسان في عرضه ~~بالإنكار فنقول ليس له ذلك أيضا # فرجع الكلام إلى أن أحد نوعي الاحتساب وهو الوعظ قد بطل بالفسق وصارت ~~العدالة مشروطة فيه وأما الحسبة القهرية فلا يشترط فيها ذلك فلا حرج على ~~الفاسق في إراقة الخمور وكسر الملاهي وغيرها إذا قدر وهذا غاية الإنصاف ~~والكشف في المسألة وأما الآيات التي استدلوا بها فهو إنكار عليهم من حيث ~~تركهم المعروف لا من حيث أمرهم # ولكن أمرهم دل على قوة علمهم وعقاب العالم أشد لأنه لا عذر له مع قوة ~~علمه وقوله تعالى لم تقولون ما لا تفعلون المراد به الوعد الكاذب وقوله عز ~~وجل وتنسون أنفسكم إنكار من حيث إنهم نسوا أنفسهم لا من حيث إنهم أمروا ~~غيرهم ولكن ذكر أمر الغير ms1082 استدلالا به على علمهم وتأكيدا للحجة عليهم # وقوله يا ابن مريم عظ نفسك الحديث هو في الحسبة بالوعظ # وقد سلمنا أن وعظ الفاسق ساقط الجدوى عند من يعرف فسقه # ثم قوله فاستحى مني لا يدل على تحريم وعظ الغير بل معناه استحى مني فلا ~~تترك الأهم وتشتغل بالمهم كما يقال احفظ أباك ثم جارك وإلا فاستحي # فإن قيل # فليجز للكافر الذمي أن يحتسب على المسلم إذا رآه يزني لأن قوله لا تزن حق ~~في نفسه فمحال أن يكون حراما عليه بل ينبغي أن يكون مباحا أو واجبا # قلنا الكافر إن منع المسلم بفعله فهو تسلط عليه فيمنع من حيث إنه تسلط ~~وما جعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا # وأما مجرد قوله لا تزن فليس بمحرم عليه من حيث إنه نهى عن الزنا ولكن من ~~حيث إنه إظهار دالة الاحتكام على المسلم وفيه إذلال للمحتكم عليه والفاسق ~~يستحق الإذلال ولكن لا من الكافر الذي هو أولى بالذل منه # فهذا وجه منعنا إياه من الحسبة وإلا فلسنا نقول إن الكافر يعاقب بسبب ~~قوله لا تزن من حيث إنه نهى بل نقول إنه إذا لم يقل لا تزن يعاقب عليه إن ~~رأينا خطاب الكافر PageV02P314 # بفروع الدين وفيه نظر استوفيناه في الفقهيات ولا يليق بغرضنا الآن # الشرط الرابع كونه مأذونا من جهة الأمام والوالي فقد شرط قوم هذا الشرط ~~ولم يثبتوا للآحاد من الرعية الحسبة وهذا الاشتراط فاسد فإن الآيات ~~والاخبار التي اوردناها تدل على أن كل من رأى منكرا فسكت عليه عصى إذ يجب ~~نهيه أينما رآه وكيفما رآه على العموم فالتخصيص بشرط التفويض من الإمام ~~تحكم لا أصل له # والعجب أن الروافض زادوا على هذا فقالوا لا يجوز الأمر بالمعروف ما لم ~~يخرج الإمام المعصوم وهو الإمام الحق عندهم # وهؤلاء أخس رتبة من أن يكلموا بل جوابهم أن يقال لهم إذا جاءوا إلى ~~القضاء طالبين لحقوقهم في دمائهم وأموالهم إن نصرتكم أمر بالمعروف واستخراج ~~حقوقكم من أيدي من ظلمكم نهى عن المنكر ms1083 وطلبكم لحقكم من جملة المعروف وما ~~هذا زمان النهي عن الظلم وطلب الحقوق لأن الإمام الحق بعد لم يخرج # فإن قيل في الأمر بالمعروف إثبات سلطنة وولاية واحتكام على المحكوم عليه ~~ولذلك لم يثبت للكافر على المسلم مع كونه حقا فينبغي أن لا يثبت لآحاد ~~الرعية إلا بتفويض من الوالي وصاحب الأمر فنقول أما الكافر فممنوع لما فيه ~~من السلطنة وعز الاحتكام والكافر ذليل فلا يستحق أن ينال عز التحكم على ~~المسلم وأما آحاد المسلمين فيستحقون هذا العز بالدين والمعرفة وما فيه من ~~عز السلطنة والاحتكام لا يحوج إلى تفويض كعز التعليم والتعريف إذ لا خلاف ~~في أن تعريف التحريم والايجاب لمن هو جاهل ومقدم على المنكر بجهله لا يحتاج ~~إلى إذن الوالي وفيه عز الإرشاد وعلى المعرف ذلك التجهيل وذلك يكفي فيه ~~مجرد الدين وكذلك النهي # وشرح القول في هذا أن الحسبة لها خمس مراتب كما سيأتي # أولها التعريف # والثاني الوعظ بالكلام اللطيف # والثالث السب والتعنيف ولست أعني بالسب الفحش بل أن يقول يا جاهل يا أحمق ~~ألا تخاف الله وما يجري هذا المجرى # والرابع المنع بالقهر بطريق المباشرة ككسر الملاهي وإراقة الخمر واختطاف ~~الثوب الحرير من لابسه واستلاب الثوب المغصوب منه ورده على صاحبه # والخامس التخويف والتهديد بالضرب ومباشرة الضرب له حتى يمتنع عما هو عليه ~~كالمواظب على الغيبة والقذف فإن سلب لسانه غير ممكن ولكن يحمل على اختيار ~~السكوت بالضرب # وهذا قد يحوج إلى استعانة وجمع أعوان من الجانبين ويجر ذلك إلى قتال ~~وسائر المراتب لا يخفى وجه استغنائها عن إذن الإمام إلا المرتبة الخامسة ~~فإن فيها نظرا سيأتي أما التعريف والوعظ فكيف يحتاج إلى إذن الإمام وأما ~~التجهيل والتحميق والنسبة إلى الفسق وقلة الخوف من الله وما يجري مجراه فهو ~~كلام صدق والصدق مستحق بل أفضل الدرجات كلمة حق عند إمام جائر (1) # كما ورد في الحديث فإذا جاز الحكم على الإمام على مراغمته فكيف يحتاج إلى ~~إذنه وكذلك كسر الملاهي وإراقة الخمور فإنه تعاطي ما يعرف ms1084 كونه حقا من غير ~~اجتهاد فلم يفتقر إلى الإمام # وأما جمع الأعوان وشهر الأسلحة فذلك قد يجر إلى فتنة عامة ففيه نظر سيأتي ~~واستمرار عادات السلف على الحسبة على الولاة قاطع بإجماعهم على الاستغناء ~~عن التفويض بل كل من أمر بمعروف فإن كان الوالي راضيا به فذاك وإن كان ~~ساخطا له فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه فكيف يحتاج إلى إذنه في الإنكار ~~عليه ويدل على ذلك عادة السلف في الإنكار على الأئمة # كما روي أن مروان بن الحكم خطب قبل صلاة العيد فقال له رجل إنما الخطبة ~~بعد الصلاة فقال له مروان اترك ذلك يا فلان فقال أبو سعيد أما هذا فقد قضى ~~ما عليه # قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأى PageV02P315 # منكم منكرا فلينكره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك ~~أضعف الإيمان (1) # فلقد كانوا فهموا من هذه العمومات دخول السلاطين تحتها فكيف يحتاج إلى ~~إذنهم وروي أن المهدي لما قدم مكة لبث بها ما شاء الله فلما أخذ في الطواف ~~نحى الناس عن البيت فوثب عبد الله بن مرزوق فلببه بردائه ثم هزه وقال له ~~انظر ما تصنع من جعلك بهذا البيت أحق ممن أتاه من البعد حتى إذا صار عنده ~~حلت بينه وبينه وقد قال الله تعالى سواء العاكف فيه والباد من جعل لك هذا ~~فنظر في وجهه وكان بعرفه لأنه من مواليهم فقال أعبد الله ابن مرزوق قال نعم ~~فأخذ فجىء به إلى بغداد فكره أن يعاقبه عقوبة يشنع بها عليه في العامة ~~فجعله في اصطبل الدواب ليسوس الدواب وضموا إليه فرسا عضوضا سيىء الخلق ~~ليعقره الفرس فلين الله تعالى له الفرس قال ثم صيروه إلى بيت وأغلق عليه ~~وأخذ المهدي المفتاح عنده فإذا هو قد خرج بعد ثلاث إلى البستان يأكل البقل ~~فأوذن به المهدي فقال له من أخرجك فقال الذي حبسني فضج المهدي وصاح وقال ما ~~تخاف أن أقتلك فرفع عبد الله إليه رأسه يضحك وهو يقول ms1085 لو كنت تملك حياة أو ~~موتا فما زال محبوسا حتى مات المهدي ثم خلوا عنه فرجع إلى مكة # قال وكان قد جعل على نفسه نذرا إن خلصه الله من أيديهم أن ينحر مائة بدنة ~~فكان يعمل في ذلك حتى نحرها # وروى عن حبان بن عبد الله قال تنزه هارون الرشيد بالدوين ومعه رجل من بني ~~هاشم وهو سليمان بن أبي جعفر فقال له هارون قد كانت لك جارية تغني فتحسن ~~فجئنا بها قال فجاءت فغنت فلم يحمد غناءها فقال لها ما شأنك فقالت ليس هذا ~~عودي فقال للخادم جئنا بعودها قال فجاء بالعود فوافق شيخا يلقط النوى فقال ~~الطريق يا شيخ فرفع الشيخ رأسه فرأى العود فأخذه من الخادم فضرب به الأرض ~~فأخذه الخادم وذهب به إلى صاحب الربع فقال احتفظ بهذا فإنه طلبة أمير ~~المؤمنين فقال له صاحب الربع ليس ببغداد أعبد من هذا فكيف يكون طلبة أمير ~~المؤمنين فقال له اسمع ما أقول لك ثم دخل على هارون فقال إني مررت على شيخ ~~يلقط النوى فقلت له الطريق فرفع رأسه فرأى العود فأخذه فضرب به الأرض فكسره ~~فاستشاط هارون وغضب واحمرت عيناه فقال له سليمان بن أبي جعفر ما هذا الغضب ~~يا أمير المؤمنين ابعث إلى صاحب الربع يضرب عنقه ويرم به في الدجلة فقال لا ~~ولكن نبعث إليه ونناظره أولا فجاء الرسول فقال أجب أمير المؤمنين فقال نعم ~~قال اركب قاللا فجاء يمشي حتى وقف على باب القصر فقيل لهارون قد جاء الشيخ ~~فقال للندماء أي شيء ترون نرفع ما قدامنا من المنكر حتى يدخل هذا الشيخ أو ~~نقوم إلى مجلس آخر ليس فيه منكر فقالوا له نقوم إلى مجلس آخر ليس فيه منكر ~~أصلح فقاموا إلى مجلس ليس فيه منكر ثم أمر بالشيخ فأدخل وفي كمه الكيس الذي ~~فيه النوى فقال له الخادم أخرج هذا من كمك وادخل على أمير المؤمنين فقال من ~~هذا عشائي الليلة قال نحن نعشيك # قال لا حاجة لي في عشائكم فقال ms1086 هارون للخادم أي شيء تريد منه قال في كمه ~~نوى قلت له اطرحه وادخل على أمير المؤمنين فقال دعه لا يطرحه قال فدخل وسلم ~~وجلس فقال له هارون يا شيخ ما حملك على ما صنعت قال وأي شيء صنعت وجعل ~~هارون يستحي أن يقول كسرت عودي فلما أكثر عليه قال # إني سمعت أباك وأجدادك يقرءون هذه الآية على المنبر إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي وأنا رأيت ~~منكرا فغيرته فقال # فغيره # فوالله ما قال إلا هذا فلما خرج PageV02P316 # أعطى الخليفة رجلا بدرة وقال # اتبع الشيخ فإن رأيته يقول قلت لأمير المؤمنين وقال لي فلا تعطه شيئا وإن ~~رأيته لا يكلم أحدا فأعطه البدرة # فلما خرج من القصر إذا هو بنواة في الأرض قد غاصت فجعل يعالجها ولم يكلم ~~أحدا فقال له يقول لك أمير المؤمنين خذه هذه البدرة فقال قل لأمير المؤمنين ~~يردها من حيث أخذها # ويروى أنه أقبل بعد فراغه من كلامه على النواة التي يعالج قلعها من الأرض ~~وهو يقول # أرى الدنيا لمن هي في يديه ... هموما كلما كثرت لديه # تهين المكرمين لها بصغر ... وتكرم كل من هانت عليه # إذا استغنيت عن شيء فدعه ... وخذ ما أنت محتاج إليه # وعن سفيان الثوري رحمه الله قال حج المهدي سنة ست وستين ومائة فرأيته ~~يرمي جمرة العقبة والناس يخبطون يمينا وشمالا بالسياط فوقفت فقلت يا حسن ~~الوجه حدثنا أيمن عن وائل عن قدامة بن عبد الله الكلابي قال رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة يوم النحر على جمل لا ضرب ولا طرد ولا جلد ~~ولا إليك إليك (1) # وها أنت يخبط الناس بين يديك يمينا وشمالا # فقال لرجل من هذا قال سفيان الثوري # فقال يا سفيان لو كان المنصور ما احتملك على هذا فقال لو أخبرك المنصور ~~لقى لقصرت عما أنت فيه # قال فقيل له إنه قال لك يا حسن الوجه ولم يقل لك يا أمير المؤمنين فقال ~~اطلبوه فطلب سفيان ms1087 فاختفى وقد روى عن المأمون أنه بلغه أن رجلا محتسبا يمشي ~~في الناس يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر # ولم يكن مأمورا من عنده بذلك فأمر بأن يدل عليه # فلما صار بين يديه قال له إنني بلغني أنك رأيت نفسك أهلا للأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر من غير أن نأمرك وكان المأمون جالسا على كرسي ينظر في ~~كتاب أو قصة فأغفله فوقع منه فصار تحت قدمه من حيث لم يشعر به فقال له ~~المحتسب ارفع قدمك عن أسماء الله تعالى ثم قل ما شئت فلم يفهم المأمون ~~مراده فقال ماذا تقول حتى أعاده ثلاثا فلم يفهم فقال إما رفعت أو أذنت لي ~~حتى أرفع # فنظر المأمون تحت قدمه فرأى الكتاب فأخذه وقبله وخجل # ثم عاد وقال لم تأمر بالمعروف وقد جعل الله ذلك إلينا أهل البيت ونحن ~~الذين قال الله تعالى فيهم الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقال صدقت يا أمير المؤمنين أنت ~~كما وصفت نفسك من السلطان والتمكن غير أنا أعوانك وأولياؤك فيه # ولا ينكر ذلك إلا من جهل كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال الله تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف ~~الآية # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ~~(2) # وقد مكنت في الأرض وهذا كتاب الله وسنة رسوله فإن انقدت لهما شكرت لمن ~~أعانك لحرمتهما # وإن استكبرت عنهما ولم تنقد لما لزمك منهما فإن الذي إليه أمرك وبيده عزك ~~وذلك قد شرط أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا فقل الآن ما شئت فأعجب المأمون ~~بكلامه وسر به وقال مثلك يجوز له أن يأمر بالمعروف # فامض على ما كنت عليه بأمرنا وعن رأينا # فاستمر الرجل على ذلك # ففي سياق هذه الحكايات بيان الدليل على الاستغناء عن الإذن # فإن قيل أفتثبت ولاية الحسبة للولد على الوالد والعبد على المولى والزوجة ~~على الزوج والتلميذ على الأستاذ PageV02P317 # والرعية على الوالي ms1088 مطلقا كما يثبت للوالد على الولد والسيد على العبد ~~والزوج على الزوجة والأستاذ على التلميذ والسلطان على الرعية أو بينهما فرق ~~فاعلم أن الذي نراه أنه يثبت أصل الولاية ولكن بينهما فرق في التفصيل # ولنفرض ذلك في الولد مع الوالد فنقول قد رتبنا للحسبة خمس مراتب وللولد ~~الحسبة بالرتبتين الأوليين وهما التعريف ثم الوعظ والنصح باللطف # وليس له الحسبة بالسب والتعنيف والتهديد ولا بمباشرة الضرب وهما الرتبتان ~~الأخيرتان وهل له الحسبة بالرتبة الثالثة حيث تؤدي إلى أذى الوالد وسخطه ~~هذا فيه نظر وهو بأن يكسر مثلا عوده ويريق خمره ويحل الخيوط عن ثيابه ~~المنسوجة من الحرير ويرد إلى الملاك ما يجده في بيته من المال الحرام الذي ~~غصبه أو سرقه أو أخذه عن إدرار رزق من ضريبة المسلمين إذا كان صاحبه معينا ~~ويبطل الصور المنقوشة على حيطانه والمنقورة في خشب بيته ويكسر أواني الذهب ~~والفضة فإن فعله في هذه الأمور ليس يتعلق بذات الأب بخلاف الضرب والسب ولكن ~~الوالد يتأذى به ويسخط بسببه إلا أن فعل الولد حق وسخط الأب منشؤه حبه ~~للباطل وللحرام والأظهر في القياس أنه يثبت للولد ذلك بل يلزمه أن يفعل ذلك ~~ولا يبعد أن ينظر فيه إلى قبح المنكر وإلى مقدار الأذى والسخط # فإن كان المنكر فاحشا وسخطه عليه قريبا كإراقة خمر من لا يشتد غضبه فذلك ~~ظاهر وإن كان المنكر قريبا والسخط شديدا كما لو كانت له آنية من بلور أو ~~زجاج على صور حيوان وفي كسرها خسران مال كثير فهذا مما يشتد فيه الغضب وليس ~~تجري هذه المعصية مجرى الخمر وغيره فهذا كله مجال النظر # فإن قيل ومن أين قلتم ليس له الحسبة بالتعنيف والضرب والإرهاق إلى ترك ~~الباطل والأمر بالمعروف في الكتاب والسنة ورد عاما من غير تخصيص وأما النهي ~~عن التأفيف والإيذاء فقد ورد وهو خاص فيما لا يتعلق بارتكاب المنكرات فنقول # قد ورد في حق الأب على الخصوص ما يوجب الاستثناء من العموم إذ لا خلاف في ~~أن الجلاد ليس ms1089 له أن يقتل أباه في الزنا حدا ولا له أن يباشر إقامة الحد ~~عليه بل لا يباشر قتل أبيه الكافر بل لو قطع يده لم يلزمه قصاص ولم يكن له ~~أن يؤذيه في مقابلته # وقد ورد في ذلك أخبار وثبت بعضها بالإجماع (1) # فإذا لم يجز له إيذاؤه بعقوبة هي حق على جناية سابقة فلا يجوز له إيذاؤه ~~بعقوبة هي منع عن جناية مستقبلة متوقعة بل أولى # وهذا الترتيب أيضا ينبغي أن يجري في العبد والزوجة مع السيد والزوج فهما ~~قريبان من الولد في لزوم الحق وإن كان ملك اليمين آكد من ملك النكاح # ولكن في الخبر أنه لو جاز السجود لمخلوق لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها (2) # وهذا يدل على تأكيد الحق أيضا # وأما الرعية مع السلطان فالأمر فيها أشد من الولد فليس لها معه إلا ~~التعريف والنصح فأما الرتبة الثالثة ففيها نظر من حيث إن الهجوم على أخذ ~~الأموال من خزانته وردها إلى الملاك وعلى تحليل الخيوط من ثيابه الحرير ~~وكسر آنية الخمور في بيته يكاد يفضى إلى خرق هيبته وإسقاط حشمته وذلك محظور ~~ورد النهي عنه كما ورد النهي عن السكوت على المنكر (3) # فقد تعارض فيه أيضا محذوران والأمر فيه موكول إلى اجتهاد منشؤه النظر في ~~تفاحش المنكر ومقدار PageV02P318 # ما يسقط من حشمته بسبب الهجوم عليه وذلك مما لا يمكن ضبطه # وأما التلميذ والأستاذ فالأمر فيما بينهما أخف لأن المحترم هو الأستاذ ~~المفيد للعلم من حيث الدين ولا حرمة لعالم لا يعمل بعلمه فله أن يعامله ~~بموجب علمه الذي تعلمه منه # وروي أنه سئل الحسن عن الولد كيف يحتسب على والده فقال يعظه ما لم يغضب ~~فإن غضب سكت عنه # الشرط الخامس كونه قادرا ولا يخفى أن العاجز ليس عليه حسبة إلا بقلبه إذ ~~كل من أحب الله يكره معاصيه وينكرها # وقال ابن مسعود رضي الله عنه جاهدوا الكفار بأيديكم فإن لم تستطيعوا إلا ~~أن تكفهروا في وجوههم فافعلوا # واعلم أنه لا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسي بل ms1090 يلتحق به ما يخاف عليه ~~مكروها يناله فذلك في معنى العجز وكذلك إذا لم يخف مكروها ولكن علم أن ~~إنكاره لا ينفع فليلتفت إلى معنيين أحدهما عدم إفادة الإنكار امتناعا ~~والآخر خوف مكروه # ويحصل من اعتبار المعنيين أربعة أحوال # أحدهما أن يجتمع المعنيان بأن يعلم أنه لا ينفع كلامه ويضرب إن تكلم فلا ~~تجب عليه الحسبة بل ربما تحرم في بعض المواضع # نعم يلزمه أن لا يحضر مواضع المنكر ويعتزل في بيته حتى لا يشاهد ولا يخرج ~~إلا لحاجة مهمة أو واجب ولا يلزمه مفارقة تلك البلدة والهجرة إلا إذا كان ~~يرهق إلى الفساد أو يحمل على مساعدة السلاطين في الظلم والمنكرات فيلزمه ~~الهجرة إن قدر عليها فإن الإكراه لا يكون عذرا في حق من يقدر على الهرب من ~~الإكراه # الحالة الثانية أن ينتفي المعنيان جميعا بأن يعلم أن المنكر يزول بقوله ~~وفعله ولا يقدر له على مكروه فيجب عليه الإنكار وهذه هي القدرة المطلقة # الحالة الثالثة أن يعلم أنه لا يفيد إنكاره لكنه لا يخاف مكروها فلا تجب ~~عليه الحسبة لعدم فائدتها ولكن تستحب لإظهار شعائر الإسلام وتذكير الناس ~~بأمر الدين # الحالة الرابعة عكس هذه وهو أن يعلم أنه يصاب بمكروه ولكن يبطل المنكر ~~بفعله كما يقدر على أن يرمي زجاجة الفاسق بحجر فيكسرها ويريق الخمر أو يضرب ~~العود الذي في يده ضربة مختطفة فيكسره في الحال ويتعطل عليه هذا المنكر ~~ولكن يعلم أنه يرجع إليه فيضرب رأسه فهذا ليس بواجب وليس بحرام بل هو مستحب # ويدل عليه الخبر الذي أوردناه في فضل كلمة حق عند إمام جائر ولا شك في أن ~~ذلك مظنة الخوف # ويدل عليه أيضا ما روي عن أبي سليمان الداراني رحمه الله تعالى أنه قال ~~سمعت من بعض الخلفاء كلاما فأردت أن أنكر عليه وعلمت أني أقتل ولم يمنعني ~~القتل ولكن كان في ملأ من الناس فخشيت أن يعتريني التزين للخلق فأقتل من ~~غير إخلاص في الفعل # فإن قيل فما معنى قوله تعالى ولا تلقوا ms1091 بأيديكم إلى التهلكة قلنا لا خلاف ~~في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل وإن علم أنه يقتل ~~وهذا ربما يظن أنه مخالف لموجب الآية وليس كذلك فقد قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما ليس التهلكة ذلك بل ترك النفقة في طاعة الله تعالى أي من لم يفعل ذلك ~~فقد أهلك نفسه # وقال البراء بن عازب التهلكة هو أن يذنب الذنب ثم يقول لا يتاب علي # وقال أبو عبيدة هو أن يذنب ثم لا يعمل بعده خيرا حتى يهلك وإذا جاز أن ~~يقاتل الكفار حتى يقتل جاز أيضا له ذلك في الحسبة ولكن لو علم أنه لا نكاية ~~لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجزفذلك حرام وداخل ~~تحت عموم آية التهلكة # وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه يقاتل إلى أن يقتل أو علم أنه يكسر ~~قلوب الكفار بمشاهدتهم جراءته واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة ~~وحبهم للشهادة في سبيل الله فتنكسر بذلك شوكتهم فكذلك يجوز للمحتسب بل ~~يستحب له أن يعرض نفسه للضرب وللقتل إذا كان لحسبته تأثير في رفع المنكر أو ~~في كسر جاه الفاسق أو في PageV02P319 # تقوية قلوب أهل الدين وأما إن رأى فاسقا متغلبا وعنده سيف وبيده قدح وعلم ~~أنه لو أنكر عليه لشرب القدح وضرب رقبته فهذا مما لا أرى للحسبة فيه وجها ~~وهو عين الهلاك # فإن المطلوب أن يؤثر في الدين أثرا ويفديه بنفسه فأما تعريض النفس للهلاك ~~من غير أثر فلا وجه له بل ينبغي أن يكون حراما # وإنما يستحب له الإنكار إذا قدر على إبطال المنكر أو ظهر لفعله فائدة ~~وذلك بشرط أن يقتصر المكروه عليه # فإن علم أنه يضرب معه غيره من أصحابه أو أقاربه أو رفقائه فلا تجوز له ~~الحسبة بل تحرم لأنه عجز عن دفع المنكر إلا بأن يفضى ذلك إلى منكر آخر وليس ~~ذلك من القدرة في شيء # بل لو علم أنه لو احتسب لبطل ذلك المنكر ولكن كان ذلك سببا لمنكر ms1092 آخر ~~يتعاطاه غير المحتسب عليه فلا يحل له الإفكار الأظهر لأن المقصود عدم ~~مناكير الشرع مطلقا لأمين زيد أو عمرو وذلك بأن يكون مثلا مع الإنسان شراب ~~حلال نجس بسبب وقوع نجاسة فيه وعلم أنه لو أراقه لشرب صاحبه الخمر أو تشرب ~~أولاده الخمر لإعوازهم الشراب الحلال فلا معنى لإراقة ذلك # ويحتمل أن يقال إنه يريق ذلك فيكون هو مبطلا لمنكر # وأما شرب الخمر فهو الملوم فيه والمحتسب غير قادر على منعه من ذلك المنكر ~~وقد ذهب إلى هذا ذاهبون # وليس ببعيد فإن هذه مسائل فقهية لا يمكن فيها الحكم إلا بظن ولا يبعد أن ~~يفرق بين درجات المنكر المغير والمنكر الذي تفضى إليه الحسبة والتغيير فإنه ~~إذا كان يذبح شاة لغيره ليأكلها وعلم أنه لو منعه من ذلك لذبح إنسانا وأكله ~~فلا معنى لهذه الحسبة # نعم لو كان منعه عن ذبح إنسان أو قطع طرقه يحمله على أخذ ماله فذلك له ~~وجه # فهذه دقائق واقعة في محل الاجتهاد وعلى المحتسب إتباع اجتهاده في ذلك كله ~~ولهذه الدقائق نقول العامي ينبغي له أن لا يحتسب إلا في الجليات المعلومة ~~كشرب الخمر والزنا وترك الصلاة فأما ما يعلم كونه معصية بالإضافة إلى ما ~~يطيف به من الأفعال ويفتقر فيه إلى اجتهاد فالعامي إن خاض فيه كان ما يفسده ~~أكثر مما يصلحه وعن هذا يتأكد ظن من لا يثبت ولاية الحسبة إلا بتعيين ~~الوالي إذ ربما ينتدب لها من ليس أهلا لها لقصور معرفته أو قصور ديانته ~~فيؤدي ذلك إلى وجوه من الخلل وسيأتي كشف الغطاء عن ذلك إن شاء الله # فإن قيل وحيث أطلقتم العلم بأن يصيبه مكروه أو أنه لا تفيد حسبته فلو كان ~~بدل العلم ظن فما حكمه قلنا الظن الغالب في هذه الأبواب في معنى العلم ~~وإنما يظهر الفرق عند تعارض الظن والعلم إذ يرجح العلم اليقيني على الظن ~~ويفرق بين العلم والظن في مواضع آخر وهو أنه يسقط وجوب الحسبة عنه حيث علم ~~قطعا أنه لا يفيد ms1093 فإن كان غالب ظنه أنه لا يفيد ولكن يحتمل أن يفيد وهو مع ~~ذلك لا يتوقع مكروها فقد اختلفوا في وجوبه والأظهر وجوبه إذ لا ضرر فيه ~~وحدواه متوقعة وعموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقتضي الوجوب بكل حال ~~ونحن إنما نستثني عنه بطريق التخصيص ما إذا علم أنه لا فائدة فيه إما ~~بالإجماع أو بقياس ظاهر وهو أن الأمر ليس يراد لعينه بل للمأمور فإذا علم ~~اليأس عنه فلا فائدة فيه فأما إذا لم يكن يأس فينبغي أن لا يسقط الوجوب # فإن قيل فالمكروه الذي تتوقع إصابته إن لم يكن متيقنا ولا معلوما بغالب ~~الظن ولكن كان مشكوكا فيه أو كان غالب ظنه أنه لا يصاب بمكروه ولكن احتمل ~~أن يصاب بمكروه فهذا الاحتمال هل يسقط الوجوب حتى لا يجب إلا عند اليقين ~~بأنه لا يصيبه مكروه أم يجب في كل حال إلا إذا غلب على ظنه أنه يصاب بمكروه ~~قلنا إن غلب على الظن أنه يصاب لم يجب وإن غلب أنه لا يصاب وجب ومجرد ~~التجويز لا يسقط الوجوب فإن ذلك PageV02P320 # ممكن في كل حسبة وإن شك فيه من غير رجحان فهذا محل النظر فيحتمل أن يقال ~~الأصل الوجوب بحكم العمومات وإنما يسقط بمكروه والمكروه هو الذي يظن أو ~~يعلم حتى يكون متوقعا وهذا هو الأظهر ويحتمل أن يقال إنه إنما يجب عليه إذا ~~علم أنه لا ضرر فيه عليه أو ظن أنه لا ضرر عليه والأول أصح نظرا إلى قضية ~~العمومات الموجبة للأمر بالمعروف # فإن قيل فالتوقع للمكروه يختلف بالجبن والجراءة فالجبان الضعيف القلب يرى ~~البعيد قريبا حتى كأنه يشاهده ويرتاع منه والمتهور الشجاع يبعد وقوع ~~المكروه به بحكم ما جبل عليه من حسن الأمل حتى إنه لا يصدق به إلا بعد ~~وقوعه فعلى ماذا التعويل قلنا التعويل على اعتدال الطبع وسلامة العقل ~~والمزاج فإن الجبن مرض وهو ضعف في القلب سببه قصور في القوة وتفريط والتهور ~~إفراط في القوة وخروج عن الاعتدال بالزيادة وكلاهما نقصان وإنما ms1094 الكمال في ~~الاعتدال الذي يعبر عنه بالشجاعة # وكل واحد من الجبن والتهور يصدر تارة عن نقصان العقل # وتارة عن خلل في المزاج بتفريط أو إفراط فإن من اعتدل مزاجه في صفة الجبن ~~والجراءة فقد لا يتفطن لمدارك الشر فيكون سبب جراءته جهله وقد لا يتفطن ~~لمدارك دفع الشر فيكون سبب جبنه جهله وقد يكون عالما بحكم التجربة ~~والممارسة بمداخل الشر ودوافعه ولكن يعمل الشر البعيد في تخذيله وتحليل ~~قوته في الإقدام بسبب ضعف قلبه ما يفعله الشر القريب في حق الشجاع المعتدل ~~الطبع فلا التفات إلى الطرفين # وعلى الجبان أن يتكلف إزالة الجبن بإزالة علته وعلته جهل أو ضعف ويزول ~~الجهل بالتجربة ويزول الضعف بممارسة الفعل المخفوف منه تكلفا حتى يصير ~~معتادا إذ المبتدىء في المناظرة والوعظ مثلا قد يجبن عنه طبعه لضعفه فإذا ~~مارس واعتاد فارقه الضعف فإن صار ذلك ضروريا غير قابل للزوال بحكم استيلاء ~~الضعف على القلب فحكم ذلك الضعيف يتبع حاله فيعذر كما يعذر المريض في ~~التقاعد عن بعض الواجبات ولذلك قد نقول على رأي لا يجب ركوب البحر لأجل حجة ~~الإسلام على من يغلب عليه الجبن في ركوب البحر ويجب على من لا يعظم خوفه ~~منه فكذلك الأمر في وجوب الحسبة # فإن قيل فالمكروه المتوقع ما حده فإن الإنسان قد يكره كلمة وقد يكره ضربة ~~وقد يكره طول لسان المحتسب عليه في حقه بالغيبة وما من شخص يؤمر بالمعروف ~~إلا يتوقع منه نوع من الأذى وقد يكون منه أن يسعى به إلى سلطان أو يقدح فيه ~~في مجلس يتضرر بقدحه فيه فما حد المكروه الذي يسقط الوجوب به قلنا هذا أيضا ~~فيه نظر غامض وصورته منتشرة ومجارية كثيرة ولكنا نجتهد في ضم نشره وحصر ~~أقسامه # فنقول المكروه نقيض المطلوب ومطالب الخلق في الدنيا ترجع إلى أربعة أمور ~~أما في النفس فالعلم # وأما في البدن فالصحة والسلامة # وأما في المال فالثروة # وأما في قلوب الناس فقيام الجاه فإذا المطلوب العلم 0 والصحة والثروة ~~والجاه ومعنى الجاه ms1095 ملك قلوب الناس كما أن معنى الثروة ملك الدراهم لآن ~~قلوب الناس وسيلة إلى الأعراض كما أن ملك الدراهم وسيلة إلى بلوغ الأغراض ~~وسيأتي تحقيق معنى الجاه وسبب ميل الطبع إليه في ربع المهلكات وكل واحدة من ~~هذه الأربعة يطلبها الإنسان لنفسه ولأقاربه والمختصين به # ويكره في هذه الأربعة أمران أحدهما زوال ما هو حاصل موجود والآخر امتناع ~~ما هو منتظر مفقود أعني اندفاع ما يتوقع وجوده فلا ضرر إلا في فوات حاصل ~~وزواله أو تعويق منتظر فإن المنتظر عبارة عن الممكن حصوله والممكن حصوله ~~كأنه حاصل وفوات إمكانه كأنه فوات حصوله فرجع المكروه إلى قسمين أحدهما خوف ~~امتناع المنتظر وهذا PageV02P321 # لا ينبغي أن يكون مرخصا في ترك الأمر بالمعروف أصلا # ولنذكر مثاله في المطالب الأربعة أما العلم فمثاله تركه الحسبة على من ~~يختص بأستاذه خوفا من أن يقبح حاله عنده فيمتنع من تعليمه وأما الصحة فتركه ~~الإنكار على الطبيب الذي يدخل عليه مثلا وهو لابس حريرا خوفا من أن يتأخر ~~عنه فتمتنع بسببه صحته المنتظرة # وأما المال فتركه الحسبة على السلطان وأصحابه وعلى من يواسيه من ماله ~~خيفة من أن يقطع إدراره في المستقبل ويترك مواساته # وأما الجاه فتركه الحسبة على من يتوقع منه نصرة وجاها في المستقبل خيفة ~~من أن لا يحصل له الجاه أو خيفة من أن يقبح حاله عند السلطان الذي يتوقع ~~منه ولاية # وهذا كله لا يسقط وجوب الحسبة لأن هذه زيادات امتنعت وتسمية امتناع حصول ~~الزيادات ضررا مجاز # وإنما الضرر الحقيقي فوات حاصل ولا يستثنى من هذا شيء إلا ما تدعو إليه ~~الحاجة ويكون في فواته محذور يزيد على محذور السكوت على المنكر كما إذا كان ~~محتاجا إلى الطبيب لمرض ناجز والصحة منتظرة من معالجة الطبيب ويعلم أن في ~~تأخره شدة الضنا به وطول المرض وقد يفضى إلى الموت # وأعني بالعلم الظن الذي يجوز بمثله ترك استعمال الماء والعدول إلى التيمم ~~فإذا انتهى إلى هذا الحد لم يبعد أن يرخص في ترك الحسبة # وأما ms1096 في العلم فمثل أن يكون جاهلا بمهمات دينه ولم يجد إلا معلما واحدا ~~ولا قدرة له على الرحلة إلى غيره وعلم أن المحتسب عليه قادر على أن يسد ~~عليه طريق الوصول إليه لكون العالم مطيعا له أو مستمعا لقوله فإذا الصبر ~~على الجهل بمهمات الدين محذور والسكوت على المنكر محذور ولا يبعد أن يرجح ~~أحدهما ويختلف ذلك بتفاحش المنكر وبشدة الحاجة إلى العلم لتعلقه بمهمات ~~الدين # وأما في المال فكمن يعجز عن الكسب والسؤال وليس هو قوى النفس في التوكل ~~ولا منفق عليه سوى شخص واحد ولو احتسب عليه قطع رزقه وافتقر في تحصيله إلى ~~طلب إدرار حرام أو مات جوعا فهذا أيضا إذا اشتد الأمر فيه لم يبعد أن يرخص ~~له في السكوت # وأما الجاه فهو أن يؤذيه شرير ولا يجد سبيلا إلى دفع شره إلا بجاه يكتسبه ~~من سلطان ولا يقدر على التوصل إليه إلا بواسطة شخص يلبس الحرير أو يشرب ~~الخمر ولو احتسب عليه لم يكن واسطة ووسيلة له فيمتنع عليه حصول الجاه ويدوم ~~بسببه أذى الشرير # فهذه الأمور كلها إذا ظهرت وقويت لم يبعد استثناؤها ولكن الأمر فيها منوط ~~باجتهاد المحتسب حتى يستفتى فيها قلبه ويزن أحد المحذورين بالآخر ويرجح ~~بنظر الدين لا بموجب الهوى والطبع فإن رجح بموجب الدين سمي سكوته مداراة ~~وإن رجح بموجب الهوى سمى سكوته مداهنة # وهذا أمر باطن لا يطلع عليه إلا بنظر دقيق ولكن الناقد بصير فحق على كل ~~متدين فيه أن يراقب قلبه ويعلم أن الله مطلع على باعثه وصارفه أنه الدين أو ~~الهوى وستجد كل نفس ما عملت من سوء أو خير محضرا عند الله ولو في فلتة خاطر ~~أو فلتة ناظر من غير ظلم وجور فما الله بظلام للعبيد # وأما القسم الثاني وهو فوات الحاصل فهو مكروه ومعتبر في جواز السكوت في ~~الأمور الأربعة إلا العلم فإن فواته غير مخوف إلا بتقصير منه وإلا فلا يقدر ~~أحد على سلب العلم من غيره وإن قدر على سلب الصحة ms1097 والسلامة والثروة والمال ~~وهذا أحد أسباب شرف العلم فإنه يدوم في الدنيا ويدوم ثوابه في الآخرة فلا ~~انقطاع له أبد الآباد # وأما الصحة والسلامة ففواتهما بالضرب فكل من علم أنه يضرب ضربا مؤلما ~~يتأذى به في الحسبة لم تلزمه الحسبة وإن كان يستحب له ذلك كما سبق وإذا فهم ~~هذا في الإيلام بالضرب فهو في الجرح والقطع والقتل أظهر # وأما الثروة فهو بأن يعلم أنه تنهب داره ويخرب بيته وتسلب ثيابه فهذا ~~أيضا يسقط عنه الوجوب ويبقى PageV02P322 # الاستحباب إذ لا بأس بأن يفدى دينه بدنياه ولكل واحد من الضرب والنهب حد ~~في القلة لا يكترث به كالحبة في المال واللطمة الخفيف ألمها في الضرب وحد ~~في الكثرة يتعين اعتباره ووسط يقع في محل الاشتباه والاجتهاد وعلى المتدين ~~أن يجتهد في ذلك ويرجح جانب الدين ما أمكن # وأما الجاه ففواته بأن يضرب ضربا غير مؤلم أو بسبب على ملأ من الناس أو ~~يطرح منديله في رقبته ويدار به في البلد أو يسود وجهه ويطاف به وكل ذلك من ~~غير ضرب مؤلم للبدن وهو فادح في الجاه ومؤلم للقلب # وهذا له درجات فالصواب أن يقسم إلى ما يعبر عنه بسقوط المروءة كالطواف به ~~في البلد حاسرا حافيا فهذا يرخص له في السكوت لأن المروءة مأمور بحفظها في ~~الشرع وهذا مؤلم للقلب ألما يزيد على ألم ضربات متعددة وعلى فوات دريهمات ~~قليلة فهذه درجة # الثانية ما يعبر عنه بالجاه المحض وعلو الرتبة فإن الخروج في ثياب فاخرة ~~تجمل وكذلك الركوب للخيول # فلو علم أنه لو احتسب لكلف المشي في السوق في ثياب لا يعتاد هو مثلها أو ~~كلف المشي راجلا وعادته الركوب # فهذا من جملة المزايا # وليست المواظبة على حفظها محمودة # وحفظ المروءة محمود فلا ينبغي أن يسقط وجوب الحسبة بمثل هذا القدر # وفي معنى هذا ما لو خاف أن يتعرض له باللسان إما في حضرته بالتجهيل ~~والتحميق والنسبة إلى الرياء والبهتان # وأما في غيبته بأنواع الغيبة فهذا لا يسقط الوجوب إذ ليس ms1098 فيه إلا زوال ~~فضلات الجاه التي ليس إليها كبير حاجة # ولو تركت الحسبة بلوم لائم أو باغتياب فاسق أو شتمة وتعنيفه أو سقوط ~~المنزلة عن قلبه وقلب أمثاله لم يكن للحسبة وجوب أصلا إذ لا تنفك الحسبة ~~عنه إلا إذا كان المنكر هو الغيبة وعلم أنه لو أنكر لم يسكت عن المغتاب ~~ولكن أضافه إليه وأدخله معه في الغيبة فتحرم هذه الحسبة لأنها سبب زيادة ~~المعصية وإن علم أنه يترك تلك الغيبة ويقتصر على غيبته فلا تجب عليه الحسبة ~~لأن غيبته أيضا معصية في حق المغتاب ولكن يستحب له ذلك ليفدى عرض المذكور ~~بعرض نفسه على سبيل الإيثار # وقد دلت العمومات على تأكد وجوب الحسبة وعظم الخطر في السكوت عنها فلا ~~يقابله إلا ما عظم في الدين خطره والمال والنفس والمروءة قد ظهر في الشرع ~~خطرها فأما مزايا الجاه والحشمة ودرجات التجمل وطلب ثناء الخلق فكل ذلك لا ~~خطر له # وأما امتناعه لخوف شيء من هذه المكاره في حق أولاده وأقاربه فهو في حقه ~~دونه لأن تأذيه بأمر نفسه أشد من تأذيه بأمر غيره ومن وجه الدين هو فوقه ~~لأن له أن يسامح في حقوق نفسه وليس له المسامحة في حق غيره # فإذا ينبغي أن يمتنع فإنه إن كان ما يفوت من حقوقهم يفوت على طريق ~~المعصية كالضرب والنهب فليس له هذه الحسبة لأنه دفع منكر يفضى إلى منكر وإن ~~كان يفوت لا بطريق المعصية فهو إيذاء للمسلم أيضا وليس له ذلك إلا برضاهم # فإذا كان يؤدي ذلك إلى أذى قومه فليتركه وذلك كالزاهد الذي له أقارب ~~أغنياء فإنه لا يخاف على ماله إن احتسب على السلطان ولكنه يقصد أقاربه ~~انتقاما منه بواسطته فإذا كان يتعدى الأذى من حسبته إلى أقاربه وجيرانه ~~فليتركها فإن إيذاء المسلمين محذور كما أن السكوت على المنكر محذور # نعم إن كان لا ينالهم أذى في مال أو نفس ولكن ينالهم الأذى بالشتم والسب ~~فهذا فيه نظر ويختلف الأمر فيه بدرجات المنكرات في تفاحشها ودرجات الكلام ms1099 ~~المحذور في نكايته في القلب وقدحه في العرض # فإن قيل فلو قصد الإنسان قطع طرف من نفسه وكان لا يمتنع عنه إلا بقتال ~~ربما يؤدي إلى قتله فهل يقاتل عليه فإن قلتم يقاتل فهو محال لأنه إهلاك نفس ~~خوفا من إهلاك طرف وفي إهلاك النفس إهلاك الطرف أيضا قلنا يمنعه عنه ~~ويقاتله إذ ليس غرضنا حفظ نفسه وطرفه بل الغرض حسم سبيل المنكر والمعصية ~~وقتله في الحسبة ليس بمعصية وقطع طرف نفسه معصية # وذلك كدفع الصائل على مال مسلم بما يأتي على قتله فإنه جائز لا على معنى PageV02P323 # أنا نفدى درهما من مال مسلم بروح مسلم فإن ذلك محال ولكن قصده لأخذ مال ~~المسلمين معصية وقتله في الدفع عن المعصية ليس بمعصية وإنما المقصود دفع ~~المعاصي # فإن قيل فلو علمنا أنه لو خلا بنفسه لقطع طرف نفسه فينبغي أن نقتله في ~~الحال حسما لباب المعصية قلنا ذلك لا يعلم يقينا ولا يجوز سفك دمه بتوهم ~~معصية ولكنا إذا رأيناه في حال مباشرة القطع دفعناه فإن قاتلنا قاتلناه ولم ~~نبال بما يأتي على روحه # فإذا المعصية لها ثلاثة أحوال # إحداها أن تكون متصرمة فالعقوبة على ما تصرم منها حد أو تعزير وهو إلى ~~الولاة لا إلى الآحاد # الثانية أن تكون المعصية راهنة وصاحبها مباشر لها كلبسه الحرير وإمساكه ~~العود والخمر فإبطال هذه المعصية واجب بكل ما يمكن ما لم تؤد إلى معصية ~~أفحش منها أو مثلها وذلك يثبت للآحاد والرعية # الثالثة أن يكون المنكر متوقعا كالذي يستعد بكنس المجلس وتزيينه وجمع ~~الرياحين لشرب الخمر وبعده لم يحضر الخمر فهذا مشكوك فيه إذ ربما يعوق عنه ~~عائق فلا يثبت للآحاد سلطنة على العازم على الشرب إلا بطريق الوعظ والنصح ~~فأما بالتعنيف والضرب فلا يجوز للآحاد ولا للسلطان إلا إذا كانت تلك ~~المعصية علمت منه بالعادة المستمرة وقد أقدم على السبب المؤدي إليها ولم ~~يبق لحصول المعصية إلا ما ليس له فيه إلا الانتظار وذلك كوقوف الأحداث على ~~أبواب حمامات النساء للنظر إليهن ms1100 عند الدخول والخروج فإنهم وإن لم يضيقوا ~~الطريق لسعته فتجوز الحسبة عليهم بإقامتهم من الموضع ومنعهم عن الوقوف ~~بالتعنيف والضرب وكان تحقيق هذا إذا بحث عنه يرجع إلى أن هذا الوقوف في ~~نفسه معصية وإن كان مقصد العاصي وراءه كما أن الخلوة بالأجنبية في نفسها ~~معصية لأنها مظنة وقوع المعصية وتحصيل مظنة المعصية معصية ونعني بالمظنة ما ~~يتعرض الإنسان به لوقوع المعصية غالبا بحيث لا يقدر على الإنكفاف عنها فإذا ~~هو على التحقيق حسبة على معصية راهنة لا على معصية منتظرة ### |||| الركن الثاني للحسبة ما فيه الحسبة # وهو كل منكر موجود في الحال ظاهر للمحتسب بغير تجسس معلوم كونه منكرا ~~بغير اجتهاد فهذه أربعة شروط فلنبحث عنها # الأول كونه منكرا ونعني به أن يكون محذور الوقوع في الشرع وعدلنا عن لفظ ~~المعصية إلى هذا لان المنكر أعم من المعصية إذ من رأى صبيا أو مجنونا يشرب ~~الخمر فعليه أن يريق خمره ويمنعه وكذا إن رأى مجنونا يزني بمجنونة أو بهيمة ~~فعليه أن يمنعه منه # وليس ذلك لتفاحش صورة الفعل وظهوره بين الناس بل لو صادف هذا المنكر في ~~خلوة لوجب المنع منه وهذا لا يسمى معصية في حق المجنون إذ معصية لا عاصي ~~بها محال فلفظ المنكر أدل عليه وأعم من لفظ المعصية وقد أدرجنا في عموم هذا ~~الصغيرة والكبيرة فلا تختص الحسبة بالكبائر بل كشف العورة في الحمام ~~والخلوة بالأجنبية وإتباع النظر للنسوة الأجنبيات كل ذلك من الصغائر ويجب ~~النهي عنها وفي الفرق بين الصغيرة والكبيرة نظر سيأتي في # كتاب التوبة الشرط الثاني أن يكون موجودا في الحال وهو احتراز أيضا # عن الحسبة على من فرغ من شرب الخمر فإن ذلك ليس إلى الآحاد وقد انقرض ~~المنكر واحتراز عما سيوجد في ثاني الحال كمن يعلم بقرينه حال أنه عازم على ~~الشرب في ليلته فلا حسبة عليه إلا بالوعظ وإن أنكر عزمه عليه لم يجز وعظه ~~أيضا فإن فيه إساءة ظن بالمسلم وربما صدق في قوله # وربما لا يقدم على ms1101 ما عزم عليه لعائق # وليتنبه للدقيقة التي ذكرناها وهو أن الخلوة بالأجنبية PageV02P324 # معصية ناجزة وكذا الوقوف على باب حمام النساء وما يجري مجراه # الشرط الثالث أن يكون المنكر ظاهرا للمحتسب بغير تجسس # فكل من ستر معصية في داره وأغلق بابه لا يجوز أن يتجسس عليه وقد نهى الله ~~تعالى عنه # وقصة عمر وعبد الرحمن بن عوف فيه مشهورة وقد أوردناها في # كتاب آداب الصحبة وكذلك ما روي أن عمر رضي الله عنه تسلق دار رجل # فرآه على حالة مكروهة فأنكر عليه فقال يا أمير المؤمنين إن كنت أنا قد ~~عصيت الله من وجه واحد فأنت قد عصيته من ثلاثة أوجه # فقال وما هي فقال قد قال تعالى ولا تجسسوا وقد تجسست وقال تعالى وأتوا ~~البيوت من أبوابها وقد تسورت من السطح وقال لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها وما سلمت # فتركه عمر وشرط عليه التوبة # ولذلك شاور عمر الصحابة رضي الله عنهم وهو على المنبر وسألهم عن الإمام ~~إذا شاهد بنفسه منكرا فهل له إقامة الحد فيه فأشار علي رضي الله عنه بأن ~~ذلك منوط بعدلين فلا يكفي فيه واحد # وقد أوردنا هذه الأخبار في بيان حق المسلم من # كتاب آداب الصحبة فلا نعيدها فإن قلت فما حد الظهور والاستتار # فاعلم أن من أغلق باب داره وتستر بحيطانه فلا يجوز الدخول عليه بغير إذنه ~~لنعرف المعصية إلا أن يظهر في الدار ظهورا يعرفه من هو خارج الدار كأصوات ~~المزامير والأوتار إذا ارتفعت بحيث جاوز ذلك حيطان الدار # فمن سمع ذلك فله دخول الدار وكسر الملاهي وكذا إذا ارتفعت أصوات السكارى ~~بالكلمات المألوفة بينهم بحيث يسمعها أهل الشوارع فهذا إظهار موجب للحسبة # فإذن إنما يدرك مع تخلل الحيطان صوت أو رائحة # فإذا فاحت روائح الخمر فإن احتمل أن يكون ذلك من الخمور المحترمة فلا ~~يجوز قصدها بالإراقة # وإن علم بقرينة الحال أنها فاحت لتعاطيهم الشرب فهذا محتمل # والظاهر جواز الحسبة # وقد تستر قارورة الخمر في الكم وتحت ms1102 الذيل وكذلك الملاهي فإذا رؤى فاسق ~~وتحت ذيله شيء لم يجز أن يكشف عنه ما لم يظهر بعلامة خاصة # فإن فسقه لا يدل على أن الذي معه خمر إذ الفاسق محتاج أيضا إلى الخل ~~وغيره # فلا يجوز أن يستدل بإخفائه وأنه لو كان حلالا لما أخفاه لأن الأغراض في ~~الإخفاء مما تكثر # وإن كانت الرائحة فائحة فهذا محل النظر # والظاهر أن له الاحتساب لأن هذه علامة تفيد الظن والظن كالعلم في أمثال ~~هذه الأمور # وكذلك العود ربما يعرف بشكله إذا كان الثوب السائر له رقيقا # فدلالة الشكل كدلالة الرائحة والصوت وما ظهرت دلالته فهو غير مستور بل هو ~~مكشوف وقد أمرنا بأن نستر ما ستر الله وننكر على من أبدى لنا صفحته # والإبداء له درجات فتارة يبدو لنا بحاسة السمع # وتارة بحاسة الشم # وتارة بحاسة البصر وتارة بحاسة اللمس ولا يمكن أن يخصص ذلك بحاسة البصر ~~بل المراد العلم # وهذه الحواس أيضا تفيد العلم # فإذن إنما يجوز أن يكسر ما تحت الثوب إذا علم أنه خمر # وليس له أن يقول أرني لأعلم ما فيه # هذا تجسس # ومعنى التجسس طلب الأمارات المعرفة فالأمارة المعرفة إن حصلت وأورثت ~~المعرفة جاز العمل بمقتضاها فأما طلب الأمارة المعرفة فلا رخصة فيه أصلا # الشرط الرابع أن يكون كونه منكرا معلوما بغير اجتهاد فكل ما هو في محل ~~الاجتهاد فلا حسبة # فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله الضب والضبع ومتروك التسمية # ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي شربه النبيذ الذي ليس بمسكر وتناوله ~~ميراث ذوي الأرحام وجلوسه في دار أخذها بشفعة الجوار إلى غير ذلك من مجاري ~~الاجتهاد نعم لو رأى الشافعي شافعيا يشرب النبيذ وينكح بلا ولي ويطأ زوجته ~~فهذا في محل النظر والأظهر أن له الحسبة والإنكار إذ لم يذهب أحد من ~~المحصلين إلى أن المجتهد يجوز له أن يعمل بموجب اجتهاد غيره # ولا أن PageV02P325 # الذي أدى اجتهاده في التقليد إلى شخص رآه أفضل العلماء أن له أن يأخذ ~~بمذهب غيره فينتقد من ms1103 المذاهب أطيبها عنده بل على كل مقلد إتباع مقلده في ~~كل تفصيل فإذن مخالفته للمقلد متفق على كونه منكرا بين المحصلين وهو عاص ~~بالمخالفة إلا أنه يلزم من هذا أمر أغمض منه وهو أنه يجوز للحنفي أن يعترض ~~على الشافعي إذا نكح بغير ولي بأن يقول له الفعل في نفسه حق ولكن لا في حقك ~~فأنت مبطل بالإقدام عليه مع اعتقادك أن الصواب مذهب الشافعي ومخالفة ما هو ~~صواب عندك معصية في حقك وإن كانت صوابا عند الله # وكذلك الشافعي يحتسب على الحنفي إذا شاركه في أكل الضب ومتروك التسمية ~~وغيره ويقول له إما أن تعتقد أن الشافعي أولى بالإتباع ثم تقدم عليه أو لا ~~تعتقد ذلك فلا تقدم عليه لأنه على خلاف معتقدك # ثم ينجر هذا إلى أمر آخر من المحسوسات وهو أن يجامع الأصم مثلا امرأة على ~~قصد لزنا وعلم المحتسب أن هذه امرأته زوجه أبوه إياها في صغره ولكنه ليس ~~يدري وعجز عن تعريفه ذلك لصممه أو لكونه غير عارف بلغته فهو في الإقدام مع ~~اعتقاده أنها أجنبية عاص ومعاقب عليه في الدار الآخرة # فينبغي أن يمنعها عنه مع أنها زوجته وهو بعيد من حيث إنه حلال في علم ~~الله قريب من حيث إنه حرام عليه بحكم غلطه وجهله # ولا شك في أنه لو علق طلاق زوجته على صفة في قلب المحتسب مثلا من مشيئة ~~أو غضب أو غيره وقد وجدت الصفة في قلبه وعجز عن تعريف الزوجين ذلك ولكن علم ~~وقوع الطلاق في الباطن فإذا رآه يجامعها فعليه المنع أعني باللسان لأن ذلك ~~زنا إلا أن الزاني غير عالم به والمحتسب عالم بأنها طلقت منه ثلاثا وكونهما ~~غير عاصيين لجهلهما بوجود الصفة لا يخرج الفعل عن كونه منكرا ولا يتقاعد ~~ذلك عن زنا المجنون وقد بينا أنه يمنع منه فإذا كان يمنع مما هو منكر عند ~~الله وإن لم يكن منكرا عند الفاعل ولا هو عاص به لعذر الجهل فيلزم من عكس ~~هذا أن يقال ما ms1104 ليس بمنكر عند الله إنما هو منكر عند الفاعل لجهله لا يمنع ~~منه وهذا هو الأظهر والعلم عند الله # فتحصل من هذا أن الحنفي لا يعترض على الشافعي في النكاح بلا ولي وأن ~~الشافعي يعترض على الشافعي فيه لكون المعترض عليه منكرا باتفاق المحتسب ~~والمحتسب عليه # وهذه مسائل فقهية دقيقة والاحتمالات فيها متعارضة وإنما أفتينا فيها بحسب ~~ما ترجح عندنا في الحال # ولسنا نقطع بخطأ ترجيح المخالف فيها إن رأى أنه لا يجري الاحتساب إلا في ~~معلوم على القطع وقد ذهب إليه ذاهبون وقالوا لا حسبة إلا في مثل الخمر ~~والخنزير وما يقطع بكونه حراما ولكن الأشبه عندنا أن الاجتهاد يؤثر في حق ~~المجتهد إذ يبعد غاية البعد أن يجتهد في القبلة ويعترف بظهور القبلة عنده ~~في جهة بالدلالات الظنية ثم يستدبرها ولا يمنع منه لأجل ظن غيره لأن ~~الإستدبار هو الصواب # ورأى من يرى أنه يجوز لكل مقلد أن يختار من المذاهب ما أراد غير معتد به ~~ولعله لا يصح ذهاب ذاهب إليه أصلا فهذا مذهب لا يثبت وإن ثبت فلا يعتد به # فإن قلت إذا كان لا يعترض على الحنفي في النكاح بلا ولي لأنه يرى أنه حق ~~فينبغي أن لا يعترض على المعتزلي في قوله إن الله لا يرى وقوله وإن الخير ~~من الله والشر ليس من الله وقوله كلام الله مخلوق ولا على الحشوى في قوله ~~إن الله تعالى جسم وله صورة وإنه مستقر على العرش بل لا ينبغي أن يعترض على ~~الفلسفي في قوله الأجساد لا تبعث وإنما تبعث النفوس لأن هؤلاء أيضا أدى ~~اجتهادهم إلى ما قالوه وهم يظنون أن ذلك هو الحق فإن قلت بطلان مذهب هؤلاء ~~ظاهر فبطلان مذهب من يخالف نص الحديث الصحيح أيضا ظاهر وكما ثبت بظواهر ~~النصوص أن الله تعالى يرى والمعتزلي ينكرها بالتأويل فكذلك ثبت بظواهر ~~النصوص مسائل خالف فيها الحنفي كمسألة النكاح بلا ولي ومسألة شفعة الجوار ~~ونظائرهما فاعلم أن المسائل تنقسم PageV02P326 # إلى ما يتصور أن يقال ms1105 فيه كل مجتهد مصيب # وهي أحكام الأفعال في الحل والحرمة وذلك هو الذي لا يعترض على المجتهدين ~~فيه إذ لم يعلم خطؤهم قطعا بل ظنا وإلى ما لا يتصور أن يكون المصيب فيه إلا ~~واحد كمسالة الرؤية والقدر وقدم الكلام ونفي الصورة والجسمية والاستقرار عن ~~الله تعالى فهذا مما يعلم خطأ المخطىء فيه قطعا ولا يبقى لخطئه الذي هو جهل ~~محض وجه # فإذن البدع كلها ينبغي أن تحسم أبوابها وتنكر على المبتدعين بدعهم وإن ~~اعتقدوا أنها الحق كما يرد على اليهود والنصارى كفرهم وإن كانوا يعتقدون أن ~~ذلك حق لأن خطأهم معلوم على القطع بخلاف الخطأ في مظان الاجتهاد # فإن قلت فمهما اعترضت على القدري في قوله الشر ليس من الله اعترض عليك ~~القدري أيضا في قولك الشر من الله وكذلك في قولك إن الله يرى وفي سائر ~~المسائل # إذ المبتدع محق عند نفسه والمحق مبتدع عند المبتدع وكل يدعي أنه محق ~~وينكر كونه مبتدعا فكيف يتم الاحتساب فاعلم أنا لأجل هذا التعارض نقول ينظر ~~إلى البلدة التي فيها أظهرت تلك البدعة فإن كانت البدعة غريبة والناس كلهم ~~على السنة فلهم الحسبة عليه بغير إذن السلطان وإن انقسم أهل البلد إلى أهل ~~البدعة وأهل السنة وكان في الاعتراض تحريك فتنة بالمقاتلة فليس للآحاد ~~الحسبة في المذاهب إلا بنصب السلطان # فإذا رأى السلطان الرأي الحق ونصره وأذن لواحد أن يزجر المبتدعة عن إظهار ~~البدعة كان له ذلك وليس لغيره # فإن ما يكون بإذن السلطان لا يتقابل وما يكون من جهة الآحاد فيتقابل ~~الأمر فيه # وعلى الجملة فالحسبة في البدعة أهم من الحسبة في كل المنكرات ولكن ينبغي ~~أن يراعى فيها هذا التفصيل الذي ذكرناه كيلا يتقابل الأمر ولا ينجر إلى ~~تحريك الفتنة # بل لو أذن السلطان مطلقا في منع كل من يصرح بأن القرآن مخلوق أو أن الله ~~لا يرى أو أنه مستقر على العرش مماس له أو غير ذلك من البدع لتسلط الآحاد ~~على المنع منه ولم يتقابل الأمر فيه ms1106 وإنما يتقابل عند عدم إذن السلطان فقط ### |||| الركن الثالث المحتسب عليه # وشرطه أن يكون بصفة يصير الفعل الممنوع منه في حقه منكرا وأقل ما يكفي في ~~ذلك أن يكون إنسانا ولا يشترط كونه مكلفا إذ بينا أن الصبي لو شرب الخمر ~~منع منه واحتسب عليه وإن كان قبل البلوغ ولا يشترط كونه مميزا إذ بينا أن ~~المجنون لو كان يزني بمجنونة أو يأتي بهيمة منعه منه # نعم من الأفعال ما لا يكون منكرا في حق المجنون كترك الصلاة والصوم وغيره # ولكنا لسنا نلتفت إلى اختلاف التفاصيل فإن ذلك أيضا مما يختلف فيه المقيم ~~والمسافر والمريض والصحيح # وغرضنا الإشارة إلى الصفة التي بها يتهيأ توجه أصل الإنكار عليه لا ما ~~بها يتهيأ للتفاصيل # فإن قلت فاكتف بكونه حيوانا ولا تشترط كونه إنسانا فإن البهيمة لو كانت ~~تفسد زرعا لإنسان لكنا تمنعها منه كما نمنع المجنون من الزنا وإتيان ~~البهيمة فاعلم أن تسمية ذلك حسبة لا وجه لها إذ الحسبة عبارة عن المنع عن ~~منكر لحق الله صيانة للممنوع عن مقارفة المنكر ومنع المجنون عن الزنا ~~وإتيان البهيمة لحق الله وكذا منع الصبي عن شرب الخمر # والإنسان إذا أتلف زرع غيره منع منه لحقين # أحدهما حق الله تعالى فإن فعله معصية # والثاني حق المتلف عليه فهما علتان تنفصل إحداهما عن الأخرى # فلو قطع طرف غيره بإذنه فقد وجدت المعصية وسقط حق المجني عليه بإذنه ~~فتثبت الحسبة والمنع بإحدى العلتين # والبهيمة إذا أتلفت فقد عدمت المعصية ولكن يثبت المنع بإحدى العلتين # ولكن فيه دقيقة وهو أنا لسنا نقصد بإخراج البهيمة منع البهيمة بل حفظ مال PageV02P327 # المسلم إذ البهيمة لو أكلت ميتة أو شربت من إناء فيه خمر أو ماء مشوب ~~بخمر لم نمنعها منه بل يجوز إطعام كلاب الصيد الجيف والميتات ولكن مال ~~المسلم إذا تعرض للضياع وقدرنا على حفظه بغير تعب وجب ذلك علينا حفظا للمال ~~بل لو وقعت جرة لإنسان من علو وتحتها قارورة لغيره فتدفع الجرة لحفظ ~~القارورة لا لمنع ms1107 الجرة من السقوط فإنا لا نقصد منع الجرة وحراستها من أن ~~تصير كاسرة للقارورة ونمنع المجنون من الزنا وإتيان البهيمة وشرب الخمر ~~وكذا الصبي لا صيانة للبهيمة المأتية أو الخمر المشروب بل صيانة للمجنون عن ~~شرب الخمر وتنزيها له من حيث إنه إنسان محترم # فهذه لطائف دقيقة لا يتفطن لها إلا المحققون فلا ينبغي أن يغفل عنها ثم ~~فيما يجب تنزيه الصبي والمجنون عنه نظر إذ قد يتردد في معنهما من لبس ~~الحرير وغير ذلك # وسنتعرض لما نشير إليه في الباب الثالث # فإن قلت فكل من رأى بهائم قد استرسلت في زرع إنسان فهل يجب عليه إخراجها ~~وكل من رأى مالا لمسلم أشرف على الضياع هل يجب عليه حفظه فإن قلتم إن ذلك ~~واجب فهذا تكليف شطط يؤدي إلى أن يصير الإنسان مسخرا لغيره طول عمره وإن ~~قلتم لا يجب فلم يجبالاحتساب على من يغصب مال غيره وليس له سبب سوى مراعاة ~~مال الغير فنقول هذا بحث دقيق غامض # والقول الوجيز فيه أن نقول مهما قدر على حفظه من الضياع من غير أن يناله ~~تعب في بدنه أو خسران في ماله أو نقصان جاهه وجب عليه ذلك فذلك القدر واجب ~~في حقوق المسلم بل هو أقل درجات الحقوق والأدلة الموجبة لحقوق المسلمين ~~كثيرة وهذا أقل درجاتها وهو أولى بالإيجاب من رد السلام فإن الأذى في هذا ~~أكثر من الأذى في ترك رد السلام بل لا خلاف في أن مال الإنسان إذا كان يضيع ~~بظلم ظالم وكان عند الشهادة لو تكلم بها لرجع الحق إليه وجب عليه ذلك وعصى ~~بكتمان الشهادة ففي معنى ترك الشهادة ترك كل دفع لا ضرر على الدافع فيه ~~فأما إن كان عليه تعب أو ضرر في مال أو جاه لم يلزمه السعي في ذلك ولكن إذا ~~كان لا يتعب بتنبيه صاحب الزرع من نوم أو بإعلامه يلزمه فإهمال تعريفه ~~وتنبيهه كإهماله تعريف القاضي بالشهادة وذلك لا رخصة فيه ولا يمكن أن يراعي ~~فيه الأقل والأكثر حتى ms1108 يقال إن كان لا يضيع من منفعته في مدة اشتغاله ~~بإخراج البهائم إلا قدر درهم مثلا وصاحب الزرع يفوته مال كثير فيترجح جانبه ~~لأن الدرهم الذي له هو يستحق حفظه كما يستحق صاحب الألف حفظ الألف ولا سبيل ~~للمصير إلا ذلك فأما إذا كان فوات المال بطريق هو معصية كالغصب أو قتل عبد ~~مملوك للغير فهذا يجب المنع منه وإن كان فيه تعب ما لأن المقصود حق الشرع ~~والغرض دفع المعصية وعلى الإنسان أن يتعب نفسه في دفع المعاصي كما عليه أن ~~يتعب نفسه في ترك المعاصي # والمعاصي كلها في تركها تعب وإنما الطاعة كلها ترجع إلى مخالفة النفس وهي ~~غاية التعب ثم لا يلزمه احتمال كل ضرر بل التفصيل فيه كما ذكرناه من درجات ~~المحذورات التي يخافها المحتسب # وقد اختلف الفقهاء في مسئلتين تقربان من غرضنا إحداهما أن الالتقاط هل هو ~~واجب واللقطة ضائعة والملتقط مانع من الضياع وساع في الحفظ والحق فيه عندنا ~~أن يفصل ويقال إن كانت اللقطة في موضع لو تركها فيه لم تضع بل يلتقطها من ~~يعرفها أو تترك كما لو كان في مسجد أو رباط يتعين من يدخله وكلهم أمناء فلا ~~يلزمه الالتقاط وإن كانت في مضيعة نظر فإن كان عليه تعب في حفظها كما لو ~~كانت بهيمة وتحتاج إلى علف واصطبل فلا يلزمه ذلك لأنه إنما يجب الالتقاط ~~لحق المالك # وحقه بسبب كونه إنسانا محترما والملتقط أيضا إنسان وله حق في أن لا يتعب ~~لأجل غيره كما لا يتعب غيره لأجله # فإن كانت ذهبا أو ثوبا أو شيئا لا ضرر عليه فيه إلا مجرد تعب PageV02P328 # التعريف فهذا ينبغي أن يكون في محل الوجهين فقائل يقول التعريف والقيام ~~بشرطه فيه تعب فلا سبيل إلى إلزامه ذلك إلا أن يتبرع فيلتزم طبقا للثواب # وقائل يقول إن هذا القدر من التعب مستصغر بالإضافة إلى مراعاة حقوق ~~المسلمين فينزل هذا منزلة تعب الشاهد في حضور مجلس الحكم فإنه لا يلزمه ~~السفر إلى بلدة أخرى إلا أن يتبرع ms1109 به فإذا كان مجلس القاضي في جواره لزمه ~~الحضور وكان التعب بهذه الخطوات لا يعد تعبا في غرض إقامة الشهادة وأداء ~~الأمانة وإن كان في الطرف الآخر من البلد وأحوج إلى الحضور في الهاجرة وشدة ~~الحر فهذا قد يقع في محل الاجتهاد والنظر فإن الضرر الذي ينال الساعي في ~~حفظ حق الغير له طرف في القلة لا يشك في أنه لا يبالي به وطرف في الكثرة لا ~~يشك في أنه لا يلزم احتماله ووسط يتجاذبه الطرفان ويكون أبدا في محل الشبهة ~~والنظر وهي من الشبهات المزمنة التي ليس في مقدور البشر إزالتها إذ لا علة ~~تفرق بين أجزائها المتقاربة ولكن المتقي ينظر فيها لنفسه ويدع ما يريبه إلا ~~ما لا يريبه فهذا نهاية الكشف عن هذا الأصل ### |||| الركن الرابع نفس الاحتساب # وله درجات وآداب أما الدرجات فأولها التعرف ثم التعريف ثم النهي ثم الوعظ ~~والنصح ثم السب والتعنيف ثم التغيير باليد ثم التهديد بالضرب ثم إيقاع ~~الضرب وتحقيقه ثم شهر السلاح ثم الاستظهار فيه بالأعوان وجمع الجنود # أما الدرجة الأولى وهي التعرف ونعني طلب المعرفة بجريان المنكر وذلك منهى ~~عنه وهو التجسس الذي ذكرناه فلا ينبغي أن يسترق السمع على دار غيره ليسمع ~~صوت الأوتار ولا أن يستنشق ليدرك رائحة الخمر ولا أن يمس ما في ثوبه ليعرف ~~شكل المزمار ولا أن يستخبر من جيرانه ليخبروه بما يجري في داره # نعم لو أخبره عدلان ابتداء من غير استخبار بأن فلانا يشرب الخمر في داره ~~أو بأن في داره خمرا أعده للشرب فله إذ ذاك أن يدخل داره ولا يلزم ~~الاستئذان ويكون تخطى ملكه بالدخول للتوصل إلى دفع المنكر ككسر رأسه بالضرب ~~للمنع مهما احتاج إليه # وإن أخبره عدلان أو عدل واحد وبالجملة كل من تقبل روايته لا شهادته ففي ~~جواز الهجوم على داره بقولهم فيه نظر واحتمال والأولى أن يمتنع لأن له حقا ~~في أن لا يتخطى داره بغير إذنه ولا يسقط حق المسلم عما ثبت عليه حقه إلا ~~بشاهدين ms1110 فهذا أولى ما يجعل مردا فيه وقد قيل إنه كان نقش خاتم لقمان الستر ~~لما عاينت أحسن من إذاعة ما ظننت # الدرجة الثانية التعريف فإن المنكر قد يقدم عليه المقدم بجهله وإذا عرف ~~أنه منكر تركه كالسوادي يصلي ولا يحسن الركوع والسجود فيعلم أن ذلك لجهله ~~بأن هذه ليست بصلاة ولو رضي بأن لا يكون مصليا لترك أصل الصلاة فيجب تعريفه ~~باللطف من غير عنف وذلك لأن ضمن التعريف نسبة إلى الجهل والحمق والتجهيل ~~إيذاء وقلما يرضى الإنسان بأن ينسب إلى الجهل بالأمور لا سيما بالشرع # ولذلك ترى الذي يغلب عليه الغضب كيف يغضب إذا نبه على الخطأ والجهل وكيف ~~يجتهد في مجاحدة الحق بعد معرفته خيفة من أن تنكشف عورة جهله والطباع أحرص ~~على ستر عورة الجهل منها على ستر العورة الحقيقية لأن الجهل قبح في صورة ~~النفس وسواد في وجهه وصاحبه ملوم عليه وقبح السوأتين يرجع إلى صورة البدن ~~والنفس أشرف من البدن وقبحها أشد من قبح البدن ثم هو غير ملوم عليه لأنه ~~خلقة لم يدخل تحت اختياره حصوله ولا في اختياره إزالته وتحسينه # والجهل قبح يمكن إزالته وتبديله بحسن العلم فلذلك يعظم تألم الإنسان ~~بظهور جهله ويعظم ابتهاجه في نفسه بعلمه PageV02P329 # ثم لذته عند ظهور جمال علمه لغيره # وإذا كان التعريف كشفا للعورة مؤذيا للقلب فلا بد وأن يعالج دفع أذاه ~~بلطف الرفق فنقول له إن الإنسان لا يولد عالما ولقد كنا أيضا جاهلين بأمور ~~الصلاة فعلمنا العلماء ولعل قريتك خالية عن أهل العلم أو عالمها مقصر في ~~شرح الصلاة وإيضاحها إنما شرط الصلاة الطمأنينة في الركوع والسجود # وهكذا يتلطف به ليحصل التعريف من غير إيذاء فإن إيذاء المسلم حرام محذور ~~كما أن تقريره على المنكر محذور وليس من العقلاء من يغسل الدم بالدم أو ~~بالبول ومن اجتنب محذور السكوت على المنكر واستبدل عنه محذور الإيذاء ~~للمسلم مع الاستغناء عنه فقد غسل الدم بالبول علي بالتحقيق # وأما إذا وقفت على خطأ في غير أمر الدين فلا ms1111 ينبغي أن ترده عليه فإنه ~~يستفيد منك علما ويصير لك عدوا إلا إذا علمت أنه يغتنم العلم وذلك عزيز جدا # الدرجة الثالثة النهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله تعالى وذلك فيمن يقدم ~~على الأمر وهو عالم بكونه منكرا أو فيمن أصر عليه بعد أن عرف كونه منكرا ~~كالذي يواظب على الشرب أو على الظلم أو على اغتياب المسلمين أو ما يجري ~~مجراه فينبغي أن يوعظ ويخوف بالله تعالى وتورد عليه الأخبار الواردة ~~بالوعيد في ذلك وتحكى له سيرة السلف وعبادة المتقين وكل ذلك بشفقة ولطف من ~~غير عنف وغضب بل ينظر إليه نظر المترحم عليه ويرى إقدامه على المعصية مصيبة ~~على نفسه إذ المسلمون كنفس واحدة وههنا آفة عظيمة ينبغي أن يتوقاها فإنها ~~مهلكة وهي أن العالم يرى عند التعريف عز نفسه بالعلم وذل غيره بالجهل فربما ~~يقصد بالتعريف الإدلال وإظهار التمييز بشرف العلم وإذلال صاحبه بالنسبة إلى ~~خسة الجهل # فإن كان الباعث هذا فهذا المنكر أقبح في نفسه من المنكر الذي يعترض عليه ~~ومثال هذا المحتسب مثال من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه وهو غاية في ~~الجهل # وهذه مذلة عظيمة وغائلة هائلة وغرور للشيطان يتدلى بحبله كل إنسان إلا من ~~عرفه الله عيوب نفسه وفتح بصيرته بنور هدايته فإن في الاحتكام على الغير ~~لذة للنفس عظيمة من وجهين أحدهما من جهة العلم والآخر من جهة دالة الاحتكام ~~والسلطنة # وذلك يرجع إلى الرياء وطلب الجاه وهو الشهوة الخفية الداعية إلى الشرك ~~الخفي وله محك ومعيار ينبغي أن يمتحن المحتسب به نفسه وهو أن يكون امتناع ~~ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه أو باحتساب غيره أحب إليه من امتناعه باحتسابه # فإن كانت الحسبة شاقة عليه ثقيلة على نفسه وهو يود أن يكفى بغيره فليحتسب ~~فإن باعثه هو الدين وإن كان اتعاظ ذلك العاصي بوعظه وانزجاره بزجره أحب ~~إليه من اتعاظه بوعظ غيره فما هو إلا متبع هوى نفسه ومتوسل إلى إظهار جاه ~~نفسه بواسطة حسبته فليتق الله تعالى فيه وليحتسب أولا على ms1112 نفسه # وعند هذا يقال له ما قيل لعيسى عليه السلام يا ابن مريم عظ نفسك فإن ~~اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني # وقيل لداود الطائي رحمه الله أرأيت رجلا دخل على هؤلاء الأمراء فأمرهم ~~بالمعروف ونهاهم عن المنكر فقال أخاف عليه السوط قال إنه يقوى عليه قال ~~أخاف عليه السيف قال إنه يقوى عليه قال أخاف عليه الداء الدفين وهو العجب # الدرجة الرابعة السب والتعنيف بالقول الغليظ الخشن وذلك يعدل إليه عند ~~العجز عن المنع باللطف وظهور مبادىء الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنصح وذلك ~~مثل قول إبراهيم عليه السلام أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ~~ولسنا نعني بالسب والفحش بما فيه نسبة إلى الزنا ومقدماته ولا الكذب بل أن ~~يخاطبه بما فيه مما لا يعد من جملة الفحش كقوله يا فاسق يا أحمق يا جاهل ~~ألا تخاف الله وكقوله يا سوادى يا غبي وما يجري هذا المجرى # فإن كل فاسق فهو أحمق وجاهل ولولا حمقه لما عصى الله تعالى بل كل من ليس PageV02P330 # بكيس فهو أحمق # والكيس من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكياسة حيث قال الكيس ~~من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ~~(1) # ولهذه الرتبة أدبان أحدهما أن لا يقدم عليها إلا عند الضرورة والعجز عن ~~اللطف # والثاني أن لا ينطق إلا بالصدق ولا يسترسل فيه فيطلق لسانه الطويل بما لا ~~يحتاج إليه بل يقتصر على قدر الحاجة # فإن علم أن خطابه بهذه الكلمات الزاجرة ليست تزجره فلا ينبغي أن يطلقه # بل يقتصر على إظهار الغضب والاستحقار له والازدراء بمحله لأجل معصيته وإن ~~علم أنه لو تكلم ضرب ولو اكفهر وأظهر الكراهة بوجهه لم يضرب لزمه ولم يكفه ~~الإنكار بالقلب بل يلزمه أن يقطب وجهه ويظهر الإنكار له # الدرجة الخامسة التغيير باليد وذلك ككسر الملاهي وإراقة الخمر وخلع ~~الحرير من رأسه وعن بدنه ومنعه من الجلوس عليه ودفعه عن الجلوس على مال ~~الغير وإخراجه من الدار ms1113 المغصوبة بالجر برجله وإخراجه من المسجد إذا كان ~~جالسا وهو جنب وما يجري مجراه ويتصور ذلك في بعض المعاصي دون بعض # فأما معاصي اللسان والقلب فلا يقدر على مباشرة تغييرها وكذلك كل معصية ~~تقتصر على نفس العاصي وجوارحه الباطنة # وفي هذه الدرجة أدبان أحدهما أن لا يباشر بيده التغيير ما لم يعجز عن ~~تكليف المحتسب عليه ذلك فإذا أمكنه أن يكلفه المشي في الخروج عن الأرض ~~المغصوبة والمسجدفلا ينبغي أن يدفعه أو يجره وإذا قدر على أن يكلفه إراقة ~~الخمر وكسر الملاهي وحل دروز ثوب الحرير فلا ينبغي أن يباشر ذلك بنفسه فإن ~~في الوقوف على حد الكسر نوع عسر فإذا لم يتعاط بنفسه ذلك كفى الاجتهاد فيه ~~وتولاه من لا حجر عليه في فعله # الثاني أن يقتصر في طريق التغيير على القدر المحتاج إليه وهو أن لا يأخذ ~~بلحيته في الإخراج ولا برجله إذا قدر على جره بيده فإن زيادة الأذى فيه ~~مستغنى عنه وأن لا يمزق ثوب الحرير بل يحل دروزه فقط ولا يحرق الملاهي ~~والصليب الذي أظهره النصارى بل يبطل صلاحيتها للفساد بالكسر # وحد الكسر أن يصير إلى حالة تحتاج في استئناف إصلاحه إلى تعب يساوي تعب ~~الاستئناف من الخشب ابتداء # وفي إراقة الخمور يتوقى كسر الأواني إن وجد إليه سبيلا فإن لم يقدر عليها ~~إلا بأن يرمي ظروفها بحجر فله ذلك وسقطت قيمة الظرف وتقومه بسبب الخمر إذ ~~صار حائلا بينه وبين الوصول إلى إراقة الخمر ولو ستر الخمر ببدنه لكنا نقصد ~~بدنه بالجرح والضرب لنتوصل إلى إراقة الخمر فإذن لا تزيد حرمة ملكه في ~~الظروف على حرمة نفسه # ولو كان الخمر في قوارير ضيقة الرءوس ولو اشتغل بإراقتها طال الزمان ~~وأدركه الفساق ومنعوه فله كسرها فهذا عذر # وإن كان لا يحذر ظفر الفساق به ومنعهم ولكن كان يضيع في زمانه وتتعطل ~~عليه أشغاله فله أن يكسرها فليس عليه أن يضيع منفعة بدنه وغرضه من أشغاله ~~لأجل ظرف الخمر وحيث كانت الإراقة متيسرة بلا كسر فكسره ms1114 لزمه الضمان # فإن قلت فهلا جاز الكسر لأجل الزجر وهلا جاز الجر بالرجل في الإخراج عن ~~الأرض المغصوبة ليكون ذلك أبلغ في الزجر فاعلم أن الزجر إنما يكون عن ~~المستقبل والعقوبة تكون على الماضي والدفع على الحاضر الراهن # وليس إلى آحاد الرعية إلا الدفع وهو إعدام المنكر فما زاد على قدر ~~الإعدام فهو إما عقوبة على PageV02P331 # جريمة سابقة أو زجر عن لاحق # وذلك إلى الولاة لا إلى الرعية # نعم الوالي له أن يفعل ذلك إذا رأى المصلحة فيه وأقول له أن يأمر بكسر ~~الظروف التي فيها الخمور زجرا # وقد فعل ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأكيدا للزجر (1) ولم ~~يثبت نسخه ولكن كانت الحاجة إلى الزجر والفطام شديدة فإذا رأى الوالي ~~باجتهاده مثل الحاجة جاز له مثل ذلك # وإذا كان هذا منوطا بنوع اجتهاد دقيق لم يكن ذلك لآحاد الرعية # فإن قلت فليجز للسلطان زجر الناس عن المعاصي بإتلاف أموالهم وتخريب دورهم ~~التي فيها يشربون ويعصون وإحراق أموالهم التي بها يتوصلون إلى المعاصي ~~فاعلم أن ذلك لو ورد الشرع به لم يكن خارجا عن سنن المصالح ولكنا لا نبتدع ~~المصالح بل نتبع فيها # وكسر ظروف الخمر قد ثبت عند شدة الحاجة # وتركه بعد ذلك لعدم شدة الحاجة لا يكون نسخا بل الحكم يزول بزوال العلة ~~ويعود بعودها # وإنما جوزنا ذلك للإمام بحكم الإتباع ومنعنا آحاد الرعية منه لخفاء وجه ~~الاجتهاد فيه # بل نقول لو أريقت الخمور أولا فلا يجوز كسر الأواني بعدها وإنما جاز ~~كسرها تبعا للخمر # فإذا خلت عنها فهو إتلاف مال إلا أن تكون ضاربة بالخمر لا تصلح إلا لها # فكان الفعل المنقول عن العصر الأول كان مقرونا بمعنيين أحدهما شدة الحاجة ~~إلى الزجر والآخر تبعية الظروف للخمر التي هي مشغولة بها # وهما معنيان مؤثران لا سبيل إلى حذفهما # ومعنى ثالث وهو صدوره عن رأي صاحب الأمر لعلمه بشدة الحاجة إلى الزجر وهو ~~أيضا مؤثر فلا سبيل إلى إلغائه # فهذه تصرفات دقيقة فقهية يحتاج المحتسب ms1115 لا محالة إلى معرفتها # الدرجة السادسة التهديد والتخويف كقوله دع عنك هذا أو لأكسرن رأسك أو ~~لأضربن رقبتك أو لآمرن بك وما أشبهه وهذا ينبغي أن يقدم على تحقيق الضرب ~~إذا أمكن تقديمه # والأدب في هذه الرتبة أن لا يهدده بوعيد لا يجوز له تحقيقه كقوله لأنهبن ~~دارك أو لأضربن ولدك أو لأسبين زوجتك وما يجري مجراه بل ذلك إن قاله عن عزم ~~فهو حرام وإن قاله من غير عزم فهو كذب # نعم إذا تعرض لوعيده بالضرب والاستخفاف فله العزم عليه إلى حد معلوم ~~يقتضيه الحال وله أن يزيد في الوعيد على ما هو في عزمه الباطن إذا علم أن ~~ذلك يقمعه ويردعه # وليس ذلك من الكذب المحذور بل المبالغة في مثل ذلك معتادة وهو معنى ~~مبالغة الرجل في إصلاحه بين شخصين وتأليفه بين الضرتين وذلك مما قد رخص فيه ~~للحاجة وهذا في معناه فإن القصد به إصلاح ذلك الشخص # وإلى هذا المعنى أشار بعض الناس أنه لا يقبح من الله أن يتوعد بما لا ~~يفعل لأن الخلف في الوعيد كرم وإنما يقبح أن يعد بما لا يفعل وهذا غير مرضي ~~عندنا فإن الكلام القديم لا يتطرق إليه الخلف وعدا كان أو وعيدا وإنما ~~يتصور هذا في حق العباد وهو كذلك إذ الخلف في الوعيد ليس بحرام # الدرجة السابعة مباشرة الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه شهر سلاح ~~وذلك جائز للآحاد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة في الدفع فإذا ~~اندفع المنكر فينبغي أن يكف # والقاضي قد يرهق من ثبت عليه الحق إلى الآداء بالحبس فإن أصر المحبوس ~~وعلم القاضي قدرته على أداء الحق وكونه معاندا فله أن يلزمه الأداء بالضرب ~~على التدريج كما يحتاج إليه # وكذلك المحتسب يراعي التدريج فإن احتاج إلى شهر سلاح وكان يقدر على دفع ~~المنكر بشهر السلاح وبالجرح فله أن يتعاطى ذلك ما لم تثر فتنة # كما لو قبض فاسق مثلا على امرأة أو كان يضرب بمزمار PageV02P332 # معه وبينه وبين المحتسب نهر حائل ms1116 أو جدار مانع فيأخذ قوسه ويقول له خل ~~عنها أو لأرمينك # إن لم تخل عنها فله أن يرمى وينبغي أن لا يقصد المقتل بل الساق والفخذ ~~وما أشبهه ويراعي فيه التدريج # وكذلك يسل سيفه ويقول اترك هذا المنكر أو لأضربنك # فكل ذلك دفع للمنكر ودفعه واجب بكل ممكن # ولا فرق في ذلك بين ما يتعلق بخاص حق الله وما يتعلق بالآدميين # وقالت المعتزلة ما لا يتعلق بالآدميين فلا حسبة فيه إلا بالكلام أو ~~بالضرب ولكن للإمام لا للآحاد # الدرجة الثامنة أن لا يقدر عليه بنفسه ويحتاج فيه إلى أعوان يشهرون ~~السلاح # وربما يستمد الفاسق أيضا بأعوانه ويؤدي ذلك إلى أن يتقابل الصفان ~~ويتقاتلا # فهذا قد ظهر الاختلاف في احتياجه إلى إذن الإمام # فقال قائلون لا يستقل آحاد الرعية بذلك لأنه يؤدي إلى تحريك الفتن وهيجان ~~الفساد وخراب البلاد # وقال آخرون لا يحتاج إلى الإذن وهو الأقيس لأنه إذا جاز للآحاد الأمر ~~بالمعروف وأوائل درجاته تجر إلى ثوان والثواني إلى ثوالث # وقد ينتهي لا محالة إلى التضارب # والتضارب يدعو إلى التعاون فلا ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف # ومنتهاه تجنيد الجنود في رضا الله ودفع معاصيه # ونحن نجوز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا ويقاتلوا من أرادوا من فرق الكفار ~~قمعا لأهل الكفر # فكذلك قمع أهل الفساد جائز لأن الكافر لا بأس بقتله والمسلم إن قتل فهو ~~شهيد # فكذلك الفاسق المناضل عن فسقه لا بأس بقتله # والمحتسب المحق إن قتل مظلوما فهو شهيد # وعلى الجملة فانتهاء الأمر إلى هذا من النوادر في الحسبة # فلا يغير به قانون القياس # بل يقال كل من قدر على دفع منكر فله أن يدفع ذلك بيده وبسلاحه وبنفسه ~~وبأعوانه # فالمسألة إذن محتملة كما ذكرناه فهذه درجات الحسبة فلنذكر آدابها والله ~~الموفق ### |||| باب آداب المحتسب # قد ذكرنا تفاصيل الآداب في آحاد الدرجات ونذكر # الآن جملها ومصادرها فنقول جميع آداب المحتسب مصدرها ثلاث صفات في ~~المحتسب العلم والورع وحسن الخلق # أما العلم فليعلم مواقع الحسبة وحدودها ومجاريها وموانعها ليقتصر ms1117 على حد ~~الشرع فيه # والورع ليردعه عن مخالفة معلومة فما كل من علم عمل بعلمه # بل ربما يعلم أنه مسرف في الحسبة وزائد على الحد المأذون فيه شرعا ولكن ~~يحمله عليه غرض من الأغراض # وليكن كلامه ووعظه مقبولا فإن الفاسق يهزأ به إذا احتسب ويورث ذلك جراءة ~~عليه # وأما حسن الخلق فليتمكن به من اللطف والرفق وهو أصل الباب وأسبابه # والعلم والورع لا يكفيان فيه # فإن الغضب إذا هاج لم يكف مجرد العلم والورع في قمعه ما لم يكن في الطبع ~~قبوله بحسن الخلق # وعلى التحقيق فلا يتم الورع إلا مع حسن الخلق والقدرة على ضبط الشهوة ~~والغضب # وبه يصبر المحتسب على ما أصابه في دين الله # وإلا فإذا أصيب عرضه أو ماله أو نفسه بشتم أو ضرب نسي الحسبة وغفل عن دين ~~الله واشتغل بنفسه # بل ربما يقدم عليه ابتداء لطلب الجاه والاسم # فهذه الصفات الثلاث بها تصير الحسبة من القربات وبها تندفع المنكرات # وإن فقدت لم يندفع المنكر # بل ربما كانت الحسبة أيضا منكرة لمجاوزة حد الشرع فيها ودل على هذه ~~الآداب قوله صلى الله عليه وسلم لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا ~~رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه حليم فيما يأمر به حليم فيما ينهى ~~عنه فقيه PageV02P333 # فيما يأمر به فقيه فيما ينهى عنه (1) وهذا يدل على أنه لا يشترط أن يكون ~~فقيها مطلقا بل فيما يأمر به وينهي عنه وكذا الحلم # قال الحسن البصري رحمه الله تعالى إذا كنت ممن يأمر بالمعروف فكن من آخذ ~~الناس به وإلا هلكت وقد قيل # لا تلم المرء على فعله ... وأنت منسوب إلى مثله # من ذم شيئا وأتى مثله ... فإنما يزرى على عقله # ولسنا نعني بهذا أن الأمر بالمعروف يصير ممنوعا بالفسق ولكن يسقط أثره عن ~~القلوب بظهور فسقه للناس فقد روي عن أنس رضي الله عنه قال قلنا يا رسول ~~الله لا نأمر بالمعروف حتى نعمل به كله ولا ننهى عن المنكر حتى نجتنبه كله ms1118 # فقال صلى الله عليه وسلم بل مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله وانهوا ~~عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله (2) وأوصى بعض السلف بنيه فقال إن أراد أحدكم ~~أن يأمر بالمعروف فليوطن نفسه على الصبر وليثق بالثواب من الله فمن وثق ~~بالثواب من الله لم يجد مس الأذى فإذن من آداب الحسبة توطين النفس على ~~الصبر # ولذلك قرن الله تعالى الصبر بالأمر بالمعروف # فقال حاكيا عن لقمان يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ~~واصبر على ما أصابك # ومن الآداب تقليل العلائق حتى لا يكثر خوفه وقطع الطمع عن الخلائق حتى ~~تزول عنه المداهنة فقد روي عن بعض المشايخ أنه كان له سنور وكان يأخذ من ~~قصاب في جواره كل يوم شيئا من الغدد لسنوره فرأى على القصاب منكرا فدخل ~~الدار أولا وأخرج السنور ثم جاء واحتسب على القصاب فقال له القصاب لا ~~أعطينك بعد هذا شيئا لسنورك فقال ما احتسبت عليك إلا بعد إخراج السنور وقطع ~~الطمع منك # وهو كما قال فمن لم يقطع الطمع من الخلق لم يقدر على الحسبة ومن طمع في ~~أن تكون قلوب الناس عليه طيبة وألسنتهم بالثناء عليه مطلقة لم تتيسر له ~~الحسبة # قال كعب الأحبار لأبي مسلم الخولاني كيف منزلتك بين قومك قال حسنة قال إن ~~التوراة تقول إن الرجل إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ساءت منزلته عند ~~قومه # فقال أبو مسلم صدقت التوراة وكذب أبو مسلم # ويدل على وجوب الرفق ما استدل به المأمون إذا وعظه واعظ وعنف له في القول ~~فقاليا رجل ارفق فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق ~~فقال تعالى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى فليكن اقتداء المحتسب في ~~الرفق بالأنبياء صلوات الله عليهم # فقد روى أبو إمامة أن غلاما شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~نبي الله تأذن لي في الزنا فصاح الناس به فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~قربوه أدن ms1119 فدنا حتى جلس بين يديه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أتحبه لأمك ~~فقال لا جعلني الله فداك قال كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم أتحبه لابنتك ~~قال لا جعلني الله فداك قال كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم أتحبه لأختك (3) ~~وزاد ابن عوف حتى ذكر العمة والخالة وهو يقول في كل واحد لا PageV02P334 # جعلني الله فداك # وهو صلى الله عليه وسلم يقول كذلك الناس لا يحبونه وقالا جميعا في ~~حديثهما أعني ابن عوف والراوي الآخر فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ~~على صدره وقال اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه فلم يكن شيء أبغض إليه ~~منه يعني من الزنا # وقيل للفضيل بن عياض رحمه الله إن سفيان بن عيينة قبل جوائز السلطان فقال ~~الفضيل ما أخذ منهم إلا دون حقه ثم خلا به وعذله ووبخه فقال سفيان يا أبا ~~علي إن لم نكن من الصالحين فإنا لنحب الصالحين # وقال حماد بن سلمة إن صلة بن أشيم مر عليه رجل قد أسبل إزاره فهم أصحابه ~~أن يأخذوه بشدة فقال دعوني أنا أكفيكم فقال يا ابن أخي إن لي إليك حاجة قال ~~وما حاجتك يا عم قال أحب أن ترفع من إزارك # فقال نعم وكرامة فرفع إزاره فقال لأصحابه لو أخذتموه بشدة لقال لا ولا ~~كرامة وشتمكم # وقال محمد بن زكريا الغلابي شهدت عبد الله بن محمد بن عائشة ليلة وقد خرج ~~من المسجد بعد المغرب يريد منزله وإذا في طريقه غلام من قريش سكران وقد قبض ~~على امرأة فجذبها فاستغاثت فاجتمع الناس عليه يضربونه فنظر إليه ابن عائشة ~~فعرفه فقال للناس تنحوا عن ابن أخي ثم قال إلي يا ابن أخي فاستحي الغلام ~~فجاء إليه فضمه إلى نفسه ثم قال له امض معي فمضى معه حتى صار إلى منزله ~~فأدخله الدار وقال لبعض غلمانه بيته عندك فإذا أفاق من سكره فأعلمه بما كان ~~منه ولا تدعه ينصرف حتى تأتيني به فلما أفاق ذكر له ما جرى فاستحيا منه ~~وبكى ms1120 وهم بالانصراف فقال الغلام قد أمر أن تأتيه فأدخله عليه فقال له أما ~~استحييت لنفسك أما استحييت لشرفك أما ترى من ولدك فاتق الله وانزع عما أنت ~~فيه فبكى الغلام منكسا رأسه ثم رفع رأسه وقال عاهدت الله تعالى عهدا يسألني ~~عنه يوم القيامة أني لا أعود لشرب النبيذ ولا لشيء مما كنت فيه وأنا تائب ~~فقال ادن مني فقبل رأسه وقال أحسنت يا بني فكان الغلام بعد ذلك يلزمه ويكتب ~~عنه الحديث وكان ذلك ببركة رفقه ثم قال إن الناس يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ويكون معروفهم منكرا فعليكم بالرفق في جميع أموركم تنالون به ما ~~تطلبون # وعن الفتح بن شخرف قال تعلق رجل بامرأة وتعرض لها وبيده سكين لا يدنو منه ~~أحد إلا عقره وكان الرجل شديد البدن فبينا الناس كذلك والمرأة تصيح في يده ~~إذ مر بشر بن الحارث فدنا منه وحك كتفه بكتف الرجل فوقع الرجل على الأرض ~~ومشى بشر فدنوا من الرجل وهو يترشح عرقا كثيرا ومضت المرأة لحالها فسألوه ~~ما حالك فقال ما أدري ولكن حاكني شيخ وقال لي إن الله عز وجل ناظر إليك ~~وإلى ما تعمل فضعفت لقوله قدماي وهبته هيبة شديدة ولا أدري من ذلك الرجل ~~فقالوا له هو بشر بن الحارث فقال واسوأتاه كيف ينظر إلي بعد اليوم وحم ~~الرجل من يومه ومات يوم السابع فكذا كانت عادة أهل الدين في الحسبة # وقد نقلنا فيها آثارا وأخبارا في باب البغض في الله والحب في الله من ~~كتاب آداب الصحبة فلا نطول بالإعادة # فهذا تمام النظر في درجات الحسبة وآدابها والله الموفق بكرمه والحمد لله ~~على جميع نعمه ### ||| الباب الثالث في المنكرات المألوفة في العادات فنشير إلى جمل منها ليستدل بها على أمثالها إذ لا مطمع في حصرها واستقصائها ### |||| فمن ذلك منكرات المساجد # اعلم أن المنكرات تنقسم إلى مكروهة وإلى محظورة فإذا قلنا هذا منكر مكروه # فاعلم أن المنع منه مستحب والسكوت عليه مكروه وليس بحرام إلا إذا لم يعلم ~~الفاعل ms1121 أنه مكروه فيجب ذكره له لأن الكراهة حكم في الشرع PageV02P335 # يجب تبليغه إلى من لا يعرفه # وإذا قلنا منكر محظور أو قلنا منكر مطلقا فنزيد به المحظور ويكون السكوت ~~عليه مع القدرة محظورا # فما يشاهد كثيرا في المساجد إساءة الصلاة بترك الطمأنينة في الركوع ~~والسجود وهو منكر مبطل للصلاة بنص الحديث فيجب النهي عنه إلا عند الحنفي ~~الذي يعتقد أن ذلك لا يمنع صحة الصلاة إذ لا ينفع النهي معه # ومن رأى مسيئا في صلاته فسكت عليه فهو شريكه هكذا ورد به الأثر وفي الخبر ~~ما يدل عليه إذ ورد في الغيبة أن المستمع شريك القائل (1) وكذلك كل ما يقدح ~~في صحة الصلاة من نجاسة على ثوبه لا يراها أو انحراف عن القبلة بسبب ظلام ~~أو عمى فكل ذلك تجب الحسبة فيه # ومنها قراءة القرآن باللحن يجب النهي عنه ويجب تلقين الصحيح # فإن كان المعتكف في المسجد يضيع أكثر أوقاته في أمثال ذلك ويشتغل به عن ~~التطوع والذكر فليشتغل به فإن هذا أفضل له من ذكره وتطوعه لأن هذا فرض وهي ~~قربة تتعدى فائدتها فهي أوشك من نافلة تقتصر عليه فائدتها # وإن كان ذلك يمنعه عن الوراقة مثلا أو عن الكسب الذي هو طعمته فإن كان ~~معه مقدار كفايته لزمه الاشتغال بذلك ولم يجز له ترك الحسبة لطلب زيادة ~~الدنيا وإن احتاج إلى الكسب لقوت يومه فهو عذر له فيسقط الوجوب عنه لعجزه ~~والذي يكثر اللحن في القرآن إن كان قادرا على التعلم فليمتنع من القراءة ~~قبل التعلم فإنه عاص به وإن كان لا يطاوعه اللسان فإن كان أكثر ما يقرؤه ~~لحنا فليتركه وليجتهد في تعلم الفاتحة وتصحيحها وإن كان الأكثر صحيحا وليس ~~يقدر على التسوية فلا بأس له أن يقرأ ولكن ينبغي أن يخفض به الصوت حتى لا ~~يسمع غيره # ولمنعه سرا منه أيضا وجه ولكن إذا كان ذلك منتهى قدرته وكان له أنس ~~بالقراءة وحرص عليها فلست أرى به بأسا والله أعلم # ومنها تراسل المؤذنين في الأذان وتطويلهم ms1122 بمد كلماته وانحرافهم عن صوب ~~القبلة بجميع الصدر في الحيعلتين أو انفراد كل واحد منهم بأذان ولكن من غير ~~توقف إلى انقطاع أذان الآخر بحيث يضطرب على الحاضرين جواب الأذان لتداخل ~~الأصوات # فكل ذلك منكرات مكروهة يجب تعريفها # فإن صدرت عن معرفة فيستحب المنع منها والحسبة فيها # وكذلك إذا كان للمسجد مؤذن واحد وهو يؤذن قبل الصبح فينبغي أن يمنع من ~~الأذان بعد الصبح فذلك مشوش للصوم والصلاة على الناس إلا إذا عرف أنه يؤذن ~~قبل الصبح حتى لا يعول على أذانه في صلاة وترك سحور أو كان معه مؤذن آخر ~~معروف الصوت يؤذن مع الصبح # ومن المكروهات أيضا تكثير الأذان مرة بعد أخرى بعد طلوع الفجر في مسجد ~~واحد في أوقات متعاقبة متقاربة إما من واحد أو جماعة فإنه لا فائدة فيه إذا ~~لم يبق في المسجد نائم ولم يكن الصوت مما يخرج عن المسجد حتى ينبه غيره فكل ~~ذلك من المكروهات المخالفة لسنة الصحابة والسلف # ومنها أن يكون الخطيب لابسا لثوب أسود يغلب عليه الإبريسم أو ممسكا لسيف ~~مذهب فهو فاسق والإنكار عليه واجب وأما مجرد السواد فليس بمكروه ولكنه ليس ~~بمحبوب إذ أحب الثياب إلى الله تعالى البيض # ومن قال إنه مكروه وبدعة أراد به أنه لم يكن معهودا في العصر الأول ولكن ~~إذا لم يرد فيه نهي فلا ينبغي أن يسمى بدعة ومكروها ولكنه ترك للأحب ~~PageV02P336 # ومنها كلام القصاص والوعاظ الذين يمزجون بكلامهم البدعة # فالقاص إن كان يكذب في أخباره فهو فاسق والإنكار عليه واجب وكذا الواعظ ~~المبتدع يجب منعه ولا يجوز حضور مجلسه إلا على قصد إظهار الرد عليه إما ~~للكافة إن قدر عليه أو لبعض الحاضرين حواليه فإن لم يقدر فلا يجوز سماع ~~البدع # قال الله تعالى لنبيه {فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} ومهما كان ~~كلامه مائلا إلى الإرجاء وتجرئة الناس على المعاصي وكان الناس يزدادون ~~بكلامه جراءة وبعفو الله وبرحمته وثوقا يزيد بسببه رجاؤهم على خوفهم فهو ~~منكر ويجب منعه عنه ms1123 لأن فساد ذلك عظيم بل لو رجح خوفهم على رجائهم فذلك ~~أليق وأقرب بطباع الخلق فإنهم إلى الخوف أحوج وإنما العدل تعديل الخوف ~~والرجاء كما قال عمر رضي الله عنه لو نادى مناد يوم القيامة ليدخل النار كل ~~الناس إلا رجلا واحدا لرجوت أن أكون أنا ذلك الرجل ولو نادى مناد ليدخل ~~الجنة كل الناس إلا رجلا واحدا لخفت أن أكون أنا ذلك الرجل # ومهما كان الواعظ شابا متزينا للنساء في ثيابه وهيئته كثير الأشعار ~~والإشارات والحركات وقد حضر مجلسه النساء فهذا منكر يجب المنع منه فإن ~~الفساد فيه أكثر من الصلاح ويتبين ذلك منه بقرائن أحواله بل لا ينبغي أن ~~يسلم الوعظ إلا لمن ظاهره الورع وهيئته السكينة والوقار وزيه زي الصالحين ~~وإلا فلا يزداد الناس به إلا تماديا في الضلال # ويجب أن يضرب بين الرجال والنساء حائل يمنع من النظر فإن ذلك أيضا مظنة ~~الفساد والعادات تشهد لهذه المنكرات ويجب منع النساء من حضور المساجد ~~للصلوات ومجالس الذكر إذا خيفت الفتنة بهن فقد منعتهن عائشة رضي الله عنها ~~فقيل لها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعهن من الجماعات فقالت لو ~~علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثن بعده لمنعهن (1) وأما اجتياز ~~المرأة في المسجد مستترة فلا تمنع منه إلا أن الأولى أن لا تتخذ المسجد ~~مجازا أصلا # وقراءة القراء بين يدي الوعاظ مع التمديد والألحان على وجه يغير نظم ~~القرآن ويجاوز حد التنزيل منكر مكروه شديد الكراهة أنكره جماعة من السلف # ومنها الحلق يوم الجمعة لبيع الأدوية والأطعمة والتعويذات وكقيام السؤال ~~وقراءتهم القرآن وإنشادهم الأشعار وما يجري مجراه فهذه الأشياء منها ما هو ~~محرم لكونه تلبيسا وكذبا كالكذابين من طرقية الأطباء وكأهل الشعبذة ~~والتلبيسات وكذا أرباب التعويذات في الأغلب يتوصلون إلى بيعها بتلبيسات على ~~الصبيان والسوادية فهذا حرام في المسجد وخارج المسجد ويجب المنع منه # بل كل بيع فيه كذب وتلبيس وإخفاء عيب على المشتري فهو حرام # ومنها ما هو مباح خارج المسجد ms1124 كالخياطة وبيع الأدوية والكتب والأطعمة ~~فهذا في المسجد أيضا لا يحرم إلا بعارض وهو أن يضيق المحل على المصلين ~~ويشوش عليهم صلاتهم فإن لم يكن شيء من ذلك فليس بحرام والأولى تركه ولكن ~~شرط إباحته أن يجري في أوقات نادرة وأيام معدودة فإن اتخاذ المسجد دكانا ~~على الدوام حرم ذلك ومنع منه # فمن المباحات ما يباح بشرط القلة فإن كثر صار صغيرة # كما أن من الذنوب ما يكون صغيرة بشرط عدم الإصرار فإن كان القليل من هذا ~~لو فتح بابه لخيف منه أن ينجر إلى الكثير فليمنع منه وليكن هذا المنع إلى ~~الوالي أو إلى القيم بمصالح المسجد من قبل الوالي لأنه لا يدرك ذلك ~~بالاجتهاد وليس للآحاد المنع مما هو مباح في نفسه لخوفه أن ذلك يكثر ~~PageV02P337 # ومنها دخول المجانين والصبيان والسكارى في المسجد ولا بأس بدخول الصبي ~~المسجد إذا لم يلعب ولا يحرم عليه اللعب في المسجد ولا السكوت على لعبه إلا ~~إذا اتخذ المسجد ملعبا وصار ذلك معتادا فيجب المنع منه فهذا مما يحل قليله ~~دون كثيره ودليل حل قليله ما روي في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقف لأجل عائشة رضي الله عنها حتى نظرت إلى الحبشة يزفنون ويلعبون ~~بالدرق والحراب يوم العيد في المسجد ولا شك في أن الحبشة لو اتخذوا المسجد ~~ملعبا لمنعوا منه ولم ير ذلك على الندرة والقلة منكرا حتى نظر إليه بل ~~أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبصرهم عائشة تطييبا لقلبها إذ قال ~~دونكم يا بني أرفدة كما نقلناه في كتاب السماع # وأما المجانين فلا بأس بدخولهم المسجد إلا أن يخشى تلويثهم له أو شتمهم ~~أو نطقهم مما هو فحش أو تعاطيهم لما هو منكر في صورته ككشف العورة وغيره # وأما المجنون الهادىء الساكن الذي قد علم بالعادة سكونه وسكوته فلا يجب ~~إخراجه من المسجد # والسكران في معنى المجنون فإن خيف منه القذف أعني القيء أو الإيذاء ~~باللسان وجب إخراجه # وكذا لو كان مضطرب العقل ms1125 فإنه يخاف ذلك منه وإن كان قد شرب ولم يسكر ~~والرائحة منه تفوح فهو منكر مكروه شديد الكراهة # وكيف لا ومن أكل الثوم والبصل (1) فقد نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن حضور المساجد ولكن يحمل ذلك على الكراهة والأمر في الخمر أشد # فإن قال قائل ينبغي أن يضرب السكران ويخرج من المسجد زجرا قلنا لا بل ~~ينبغي القعود في المسجد ويدعى إليه ويؤمر بترك الشرب مهما كان في الحال ~~عاقلا فأما ضربه للزجر فليس ذلك إلى الآحاد بل هو إلى الولاة وذلك عند ~~إقراره أو شهادة شاهدين فأما لمجرد الرائحة فلا # نعم إذا كان يمشي بين الناس متمايلا بحيث يعرف سكره فيجوز ضربه في المسجد ~~وغير المسجد منعا له عن إظهار أثر السكر فإن إظهار أثر الفاحشة فاحشة ~~والمعاصي يجب تركها وبعد الفعل يجب سترها وستر آثارها فإن كان مستترا مخفيا ~~لأثره فلا يجوز أن يتجسس عليه # والرائحة قد تفوح من غير شرب بالجلوس في موضع الخمر وبوصوله إلى الفم دون ~~الابتلاع فلا ينبغي أن يعول عليه ### |||| منكرات الأسواق # من المنكرات المعتادة في الأسواق الكذب في المرابحة وإخفاء العيب # فمن قال اشتريت هذه السلعة مثلا بعشرة وأربح فيها كذا وكان كاذبا فهو ~~فاسق # وعلى من عرف ذلك أن يخبر المشتري بكذبه فإن سكت مراعاة لقلب البائع كان ~~شريكا له في الخيانة وعصى بسكوته # وكذا إذا علم به عيبا فيلزمه أن ينبه المشتري عليه وإلا كان راضيا بضياع ~~مال أخيه المسلم وهو حرام وكذا التفاوت في الذراع والمكيال والميزان يجب ~~على كل من عرفه تغييره بنفسه أو رفعه إلى الوالي حتى يغيره # ومنها ترك الإيجاب والقبول والاكتفاء بالمعاطاة ولكن ذلك في محل الاجتهاد ~~فلا ينكر إلا على من اعتقد وجوبه # وكذا في الشروط الفاسدة المعتادة بين الناس يجب الإنكار فيها فإنها مفسدة ~~للعقود # وكذا في الربويات كلها وهي غالبة # وكذا سائر التصرفات الفاسدة # ومنها بيع الملاهي وبيع أشكال الحيوانات المصورة في أيام العيد لأجل ~~الصبيان فتلك يجب كسرها والمنع ms1126 من بيعها كالملاهي وكذلك بيع الأواني ~~المتخذة من الذهب والفضة وكذلك بيع ثياب الحرير وقلانس PageV02P338 # الذهب والحرير أعني التي لا تصلح إلا للرجال أو يعلم بعادة البلد أنه لا ~~يلبسه إلا الرجال فكل ذلك منكر محظور وكذلك من يعتاد بيع الثياب المبتذلة ~~المقصورة التي يلبس على الناس بقصارتها وابتذالها ويزعم أنها جديدة فهذا ~~الفعل حرام والمنع منه واجب # وكذلك تلبيس انخراق الثياب بالرفو وما يؤدي إلى الالتباس # وكذلك جميع أنواع العقود المؤدية إلى التلبيسات وذلك يطول إحصاؤه # فليقس بما ذكرناه ما لم نذكره ### |||| منكرات الشوارع # فمن المنكرات المعتادة فيها وضع الاسطوانات وبناء الدكات متصلة بالأبنية ~~المملوكة وغرس الأشجار وإخراج الرواشن والأجنحة ووضع الخشب وأحمال الحبوب ~~والأطعمة على الطرق فكل ذلك منكر إن كان يؤدي إلى تضييق الطرق واستضرار ~~المارة وإن لم يؤد إلى ضرر أصلا لسعة الطريق فلا يمنع منه نعم يجوز وضع ~~الحطب وأحمال الأطعمة في الطريق في القدر الذي ينقل إلى البيوت فإن ذلك ~~يشترك في الحاجة إليه الكافة ولا يمكن المنع منه # وكذلك ربط الدواب على الطريق بحيث يضيق الطريق وينجس المجتازين منكر يجب ~~المنع منه إلا بقدر حاجة النزول والركوب # وهذا لأن الشوارع مشتركة المنفعة وليس لأحد أن يختص بها إلا بقدر الحاجة ~~والمرعى هو الحاجة التي ترد الشوارع لأجلها في العادة دون سائر الحاجات # ومنها سوق الدواب وعليها الشوك بحيث يمزق ثياب الناس فذلك منكر إن أمكن ~~شدها وضمها بحيث لا تمزق أو أمكن العدول بها إلى موضع واسع وإلا فلا منع إذ ~~حاجة أهل البلد تمس إلى ذلك # نعم لا تترك ملقاة على الشوارع إلا بقدر مدة النقل # وكذلك تحميل الدواب من الأحمال ما لا تطيقه منكر يجب منع الملاك منه # وكذلك ذبح القصاب إذا كان يذبح في الطريق حذاء باب الحانوت ويلوث الطريق ~~بالدم فإنه منكر يمنع منه بل حقه أن يتخذ في دكانه مذبحا فإن في ذلك تضييقا ~~بالطريق وإضرارا بالناس بسبب ترشيش النجاسة وبسبب استقذار الطباع للقاذورات ~~وكذلك طرح القمامة على ms1127 جواد الطرق وتبديد قشور البطيخ أو رش الماء بحيث ~~يخشى منه التزلق والتعثر كل ذلك من المنكرات وكذلك إرسال الماء من الميازيب ~~المخرجة من الحائط في الطريق الضيقة فإن ذلك ينجس الثياب # أو يضيق الطريق فلا يمنع منه في الطرق الواسعة إذ العدول عنه ممكن فأما ~~ترك مياه المطر والأوحال والثلوج في الطرق من غير كسح فذلك منكر ولكن ليس ~~يختص به شخص معين إلا الثلج الذي يختص بطرحه على الطريق واحد والماء الذي ~~يجتمع على الطريق من ميزاب معين فعلى صاحبه على الخصوص كسح الطريق إن كان ~~من المطر فذلك حسبة عامة فعلى الولاة تكليف الناس القيام بها وليس للآحاد ~~فيها إلا الوعظ فقط وكذلك إذا كان له كلب عقور على باب داره يؤذي الناس ~~فيجب منعه منه وإن كان لا يؤذي إلا بتنجيس الطريق وكان يمكن الاحتراز عن ~~نجاسته لم يمنع منه وإن كان يضيق الطريق ببسطه ذراعيه فيمنع منه بل يمنع ~~صاحبه من أن ينام على الطريق أو يقعد قعودا يضيق الطريق فكلبه أولى بالمنع ### |||| منكرات الحمامات # منها الصورة التي تكون على باب الحمام أو داخل الحمام يجب إزالتها على كل ~~من يدخلها إن قدر فإن كان الموضع مرتفعا لا تصل إليه يده فلا يجوز له ~~الدخول إلا لضرورة فليعدل إلى حمام آخر # فإن مشاهدة المنكر غير جائزة ويكفيه أن يشوه وجهها ويبطل به صورتها ولا ~~يمنع من صور الأشجار وسائر النقوش سوى صورة الحيوان PageV02P339 # ومنها كشف العورات والنظر إليها # ومن جملتها كشف الدلاك عن الفخذ وما تحت السرة لتنحية الوسخ بل من جملتها ~~إدخال اليد تحت الإزار فإن مس عورة الغير حرام كالنظر إليها # ومنها الانبطاح على الوجه بين يدي الدلاك لتغميز الأفخاذ والأعجاز فهذا ~~مكروه إن كان مع حائل ولكن لا يكون محظورا إذا لم يخش من حركة الشهوة # وكذلك كشف العورة للحجام الذمي من الفواحش # فإن المرأة لا يجوز لها أن تكشف بدنها للذمية في الحمام فكيف يجوز لها ~~كشف العورات للرجال # ومنها غمس ms1128 اليد في الأواني النجسة في المياه القليلة وغسل الإزار والطاس ~~النجس في الحوض وماؤه قليل فإنه منجس للماء إلا على مذهب مالك فلا يجوز ~~الإنكار فيه على المالكية ويجوز على الحنفية والشافعية وإن اجتمع مالكي ~~وشافعي في الحمام فليس للشافعي منع المالكي من ذلك إلا بطريق الالتماس ~~واللطف وهو أن يقول له إنا نحتاج أن نغسل اليد أولا ثم نغمسها في الماء ~~وأما أنت فمستغن عن إيذائي وتفويت الطهارة علي وما يجري مجرى هذا فإن مظان ~~الاجتهاد لا يمكن الحسبة فيها بالقهر # ومنها أن يكون في مداخل بيوت الحمام ومجاري مياهها حجارة ملساء مزلقة ~~يزلق عليها الغافلون فهذا منكر ويجب قلعه وإزالته وينكر على الحمامي إهماله ~~فإنه يفضي إلى السقطة وقد تؤدي السقطة إلى انكسار عضو أو انخلاعه وكذلك ترك ~~السدر والصابون المزلق على أرض الحمام منكر ومن فعل ذلك وخرج وتركه فزلق به ~~إنسان وانكسر عضو من أعضائه وكان ذلك في موضع لا يظهر فيه بحيث يتعذر ~~الاحتراز عنه فالضمان متردد بين الذي تركه وبين الحمامي إذ حقه تنظيف ~~الحمام والوجه إيجاب الضمان على تاركه في اليوم الأول وعلى الحمامي في ~~اليوم الثاني إذ عادة تنظيف الحمام كل يوم معتادة والرجوع في مواقيت إعادة ~~التنظيف إلى العادات فليعتبر بها # وفي الحمام أمور أخر مكروهة ذكرناها في كتاب الطهارة فلتنظر هناك ### |||| منكرات الضيافة # فمنها فرش الحرير للرجال فهو حرام وكذلك تبخير البخور في مجمرة فضة أو ~~ذهب أو الشراب أو استعمال ماء الورد في أواني الفضة أو ما رءوسها من فضة # ومنها إسدال الستور وعليها الصور # ومنها سماع الأوتار أو سماع القينات # ومنها اجتماع النساء على السطوح للنظر إلى الرجال مهما كان في الرجال ~~شباب يخاف الفتنة منهم فكل ذلك محظور منكر يجب تغييره # ومن عجز عن تغييره لزمه الخروج ومن لم يجز له الجلوس فلا رخصة له في ~~الجلوس في مشاهدة المنكرات # وأما الصور التي على النمارق والزرابي المفروشة فليس منكرا # وكذلك على الأطباق والقصاع لا الأواني المتخذة على ms1129 شكل الصور فقد تكون ~~رءوس بعض المجامر على شكل طير فذلك حرام يجب كسر مقدار الصورة منه # وفي المكحلة الصغيرة من الفضة خلاف وقد خرج أحمد بن حنبل عن الضيافة ~~بسببها # ومهما كان الطعام حراما أو كان الموضع مغصوبا أو كانت الثياب المفروشة ~~حراما فهو من أشد المنكرات فإن كان من فيها من يتعاطى شرب الخمر وحده فلا ~~يجوز الحضور إذ لا يحل حضور مجالس الشرب وإن كان مع ترك الشرب ولا يجوز ~~مجالسة الفاسق في حالة مباشرته للفسق وإنما النظر في مجالسته بعد ذلك وأنه ~~هل يجب بغضه في الله ومقاطعته كما ذكرناه في باب الحب والبغض في الله وكذلك ~~إن كان فيهم من يلبس الحرير أو خاتم الذهب فهو فاسق لا يجوز PageV02P340 # الجلوس معه من غير ضروره # فإن كان الثوب على صبي غير بالغ فهذا في محل النظر # والصحيح أن ذلك منكر ويجب نزعه عنه إن كان مميزا لعموم قوله عليه السلام ~~هذان حرام على ذكور أمتي (1) وكما يجب منع الصبي من شرب الخمر لا لكونه ~~مكلفا لكن لأنه يأنس به فإذا بلغ عسر عليه الصبر عنه فكذلك شهوة التزين ~~بالحرير تغلب عليه إذا اعتاده فيكون ذلك بذرا للفساد يبذر في صدره فتنبت ~~منه شجرة من الشهوة راسخة يعسر قلعها بعد البلوغ # أما الصبي الذي لا يميز فيضعف معنى التحريم في حقه ولا يخلو عن احتمال ~~والعلم عند الله فيه والمجنون في معنى الصبي الذي لا يميز نعم يحل التزين ~~بالذهب والحرير للنساء من غير إسراف # ولا أرى رخصة في تثقيب أذن الصبية لأجل تعليق حلق الذهب فيها فإن هذا جرح ~~مؤلم ومثله موجب للقصاص فلا يجوز إلا لحاجة مهمة كالفصد والحجامة والختان ~~والتزين بالحلق غير مهم بل في التقريط بتعليقه على الأذن وفي المخانق ~~والأسورة كفاية عنه # فهذا وإن كان معتادا فهو حرام والمنع منه واجب والاستئجار عليه غير صحيح ~~والأجرة المأخوذة عليه حرام إلا أن يثبت من جهة النقل فيه رخصة ولم يبلغنا ~~إلى الآن فيه ms1130 رخصة # ومنها أن يكون في الضيافة مبتدع يتكلم في بدعته فيجوز الحضور لمن يقدر ~~على الرد عليه على عزم الرد فإن كان لا يقدر عليه لم يجز فإن كان المبتدع ~~لا يتكلم ببدعته فيجوز الحضور مع إظهار الكراهة عليه والإعراض عنه كما ~~ذكرناه في باب البغض في الله # وإن كان فيها مضحك بالحكايات وأنواع النوادر فإن كان يضحك بالفحش والكذب ~~لم يجز الحضور وعند الحضور يجب الإنكار عليه وإن كان ذلك بمزح لا كذب فيه ~~ولا فحش فهو مباح أعني ما يقل منه فأما اتخاذه صنعة وعادة فليس بمباح # وكل كذب لا يخفى أنه كذب ولا يقصد به التلبيس فليس من جملة المنكرات كقول ~~الإنسان مثلا طلبتك اليوم مائة مرة وأعدت عليك الكلام ألف مرة وما يجري ~~مجراه مما يعلم أنه ليس يقصد به التحقيق فذلك لا يقدح في العدالة ولا ترد ~~الشهادة به # وسيأتي حد المزاح المباح والكذب المباح في كتاب آفات اللسان من ربع ~~المهلكات # ومنها الإسراف في الطعام والبناء فهو منكر بل في المال منكران أحدهما ~~الإضاعة والآخر الإسراف # فالإضاعة تفويت مال بلا فائدة يعتد بها كإحراق الثوب وتمزيقه وهدم البناء ~~من غير غرض # والقاء المال في البحر وفي معناه صرف المال إلى النائحة والمطرب وفي ~~أنواع الفساد لأنها فوائد محرمة شرعا فصارت كالمعدومة # وأما الإسراف فقد يطلق لإرادة صرف المال إلى النائحة والمطرب والمنكرات ~~وقد يطلق على الصرف إلى المباحات في جنسها ولكن مع المبالغة # والمبالغة تختلف بالإضافة إلى الأحوال فنقول من لم يملك إلا مائة دينار ~~مثلا ومعه عياله وأولاده ولا معيشة لهم سواه فأنفق الجميع في وليمة فهو ~~مسرف يجب منعه قال تعالى ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا نزل هذا ~~في رجل بالمدينة قسم جميع ماله ولم يبق شيئا لعياله فطولب بالنفقة فلم يقدر ~~على شيء وقال تعالى ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ~~وكذلك قال عز وجل والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا فمن يسرف هذا ~~الإسراف ينكر ms1131 عليه ويجب على القاضي أن يحجر عليه إلا إذا كان الرجل وحده ~~وكان له قوة في التوكل صادقة فله أن ينفق جميع ماله في أبواب البر # ومن له عيال أو كان عاجزا عن التوكل فليس له أن يتصدق PageV02P341 # بجميع ماله # وكذلك لو صرف جميع ماله إلى نقوش حيطانه وتزيين بنيانه فهو أيضا إسراف ~~محرم وفعل ذلك ممن له مال كثير ليس بحرام لأن التزيين من الأغراض الصحيحة ~~ولم تزل المساجد تزين وتنقش أبوابها وسقوفها مع أن نقش الباب والسقف لا ~~فائدة فيه إلا مجرد الزينة فكذا الدور وكذا القول في التجمل بالثياب ~~والأطعمة فذلك مباح في جنسه ويصير إسرافا باعتبار حال الرجل وثروته وأمثال ~~هذه المنكرات كثيرة لا يمكن حصرها # فقس بهذه المنكرات المجامع ومجالس القضاة ودواوين السلاطين ومدارس ~~الفقهاء ورباطات الصوفية وخانات الأسواق فلا تخلو بقعة عن منكر مكروه أو ~~محذور واستقصاء جميع المنكرات يستدعي استيعاب جميع تفاصيل الشرع أصولها ~~وفروعها فلنقتصر على هذا القدر منها ### |||| المنكرات العامة # اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خاليا في هذا الزمان عن منكر من ~~حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف فأكثر الناس ~~جاهلون بالشرع في شروط الصلاة في البلاد فكيف في القرى والبوادي ومنهم ~~الأعراب والأكراد والتركمانية وسائر أصناف الخلق وواجب أن يكون في مسجد ~~ومحلة من البلد فقيه يعلم الناس دينهم وكذا في كل قرية وواجب على كل فقيه ~~فرع من فرض عينه وتفرغ لفرض الكفاية أن يخرج إلى من يجاور بلده من أهل ~~السواد ومن العرب والأكراد وغيرهم ويعلمهم دينهم وفرائض شرعهم ويستصحب مع ~~نفسه زادا يأكله ولا يأكل من أطعمتهم فإن أكثرها مغصوب فإن قام بهذا الأمر ~~واحد سقط الحرج عن الآخرين وإلا عم الحرج الكافة أجمعين # أما العالم فلتقصيره في الخروج # وأما الجاهل فلتقصيره في ترك التعلم # وكل عامي عرف شروط الصلاة فعليه أن يعرف غيره وإلا فهو شريك في الإثم # ومعلوم أن الإنسان لا يولد عالما بالشرع وإنما يجب التبليغ على ms1132 أهل العلم ~~فكل من تعلم مسألة واحدة فهو من أهل العلم بها # ولعمري الإثم على الفقهاء أشد لأن قدرتهم فيه أظهر وهو بصناعتهم أليق لأن ~~المحترفين لو تركوا حرفتهم لبطلت المعايش فهم قد تقلدوا أمرا لا بد منه في ~~صلاح الخلق # وشأن الفقيه وحرفته تبليغ ما بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ~~العلماء هم ورثة الأنبياء # وللإنسان أن يقعد في بيته ولا يخرج إلى المسجد لأنه يرى الناس لا يحسنون ~~الصلاة بل إذا علم ذلك وجب عليه الخروج للتعليم والنهي # وكذا كل من تيقن أن في السوق منكرا يجري على الدوام أو في وقت بعينه وهو ~~قادر على تغييره فلا يجوز له أن يسقط ذلك عن نفسه بالقعود في البيت بل ~~يلزمه الخروج فإن كان لا يقدر على تغيير الجميع وهو محترز عن مشاهدته ويقدر ~~على البعض لزمه الخروج لأن خروجه إذا كان لأجل تغيير ما يقدر عليه فلا يضره ~~مشاهدة ما لا يقدر عليه وإنما يمنع الحضور لمشاهدة المنكر من غير غرض صحيح ~~فحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه فيصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك ~~المحرمات ثم يعلم ذلك أهل بيته ثم يتعدى بعد الفراغ منهم إلى جيرانه ثم إلى ~~أهل محلته ثم إلى أهل بلده ثم إلى أهل السوادى المكتنف ببلده ثم إلى أهل ~~البوادي من الأكراد والعرب وغيرهم وهكذا إلى أقصى العالم فإن قام به الأدنى ~~سقط عن الأبعد وإلا حرج به على كل قادر عليه قريبا كان أو بعيدا ولا يسقط ~~الحرج ما دام يبقى على وجه الأرض جاهل بفرض من فروض دينه وهو قادر على أن ~~يسعى إليه بنفسه أو بغيره فيعلمه فرضه وهذا شغل شاغل لمن يهمه أمر دينه ~~يشغله عن تجزئة الأوقات في التفريعات النادرة والتعمق في دقائق العلوم التي ~~هي من فروض الكفايات ولا يتقدم على هذا إلا فرض عين أو فرض كفاية هو أهم ~~منه PageV02P342 ### ||| الباب الرابع في أمر الأمراء والسلاطين ونهيهم عن المنكر # قد ذكرنا درجات الأمر ms1133 بالمعروف وأن أوله التعريف وثانيه والوعظ وثالثه ~~التخشين في القول ورابعه المنع بالقهر في الحمل على الحق بالضرب والعقوبة # والجائز من جملة ذلك مع السلاطين الرتبتان الأوليان وهما التعريف والوعظ # وأما المنع بالقهر فليس ذلك لآحاد الرعية مع السلطان فإن ذلك يحرك الفتنة ~~ويهيج الشر ويكون ما يتولد منه من المحذور أكثر وأما التخشين في القول ~~كقوله يا ظالم يا من لا يخاف الله وما يجري مجراه فذلك إن كان يحرك فتنة ~~يتعدى شرها إلى غيره لم يجز وإن كان لا يخاف إلا على نفسه فهو جائز بل ~~مندوب إليه # فلقد كان من عادة السلف التعرض للأخطار والتصريح بالإنكار من غير مبالاة ~~بهلاك المهجة والتعرض لأنواع العذاب لعلمهم بأن ذلك شهادة # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب ثم رجل ~~قام إلى إمام فأمره ونهاه في ذات الله تعالى فقتله على ذلك (1) # وقال صلى الله عليه وسلم أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر (2) # ووصف النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال قرن من ~~حديد لا تأخذه في الله لومة لائم وتركه قوله الحق ماله من صديق (3) # ولما علم المتصلبون في الدين أن أفضل الكلام كلمة حق عند سلطان جائر وأن ~~صاحب ذلك إذا قتل فهو شهيد كما وردت به الأخبار قدموا على ذلك موطنين ~~أنفسهم على الهلاك ومحتملين أنواع العذاب وصابرين عليه في ذات الله تعالى ~~ومحتسبين لما يبذلونه من من مهجهم عند الله # وطريق وعظ السلاطين وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ما نقل علماء السلف ~~وقد أوردنا جملة من ذلك في باب الدخول على السلاطين في كتاب الحلال والحرام ~~ونقتصر الآن على حكايات يعرف وجه الوعظ وكيفية الإنكار عليهم # فمنها ما روي من إنكار أبي بكر الصديق رضي الله عنه على أكابر قريش حين ~~قصدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسوء # وذلك ما روي عن عروة رضي الله عنه قال قلت لعبد الله بن عمرو ما ms1134 أكثر ما ~~رأيت قريشا نالت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانت تظهر من عدوانه ~~فقال حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر فذكر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل سفه أحلامنا وشتم ~~أباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا ولقد صبرنا منه على أمر عظيم أو ~~كما قالوا فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت فلما مر بهم غمزوه ببعض ~~القول قال فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مضى فلما مر ~~الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجهه عليه السلام ثم مضى فمر بهم ~~الثالثة فغمزوه بمثلها حتى وقف ثم قال أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس ~~محمد بيده فقد جئتكم بالذبح قال فأطرق القوم حتى ما منهم رجل إلا كأنما على ~~رأسه طائر واقع حتى أن أشدهم فيه وطأة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من ~~القول حتى إنه ليقول انصرف PageV02P343 # يا أبا القاسم راشدا فوالله ما كنت جهولا قال فانصرف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض ~~ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه فبينما ~~هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ~~فأحاطوا به يقولون أنت الذي تقول كذا أنت الذي تقول كذا لما كان قد بلغهم ~~من عيب آلهتهم ودينهم قال فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم أنا الذي ~~أقول ذلك قال فلقد رأيت رجل منهم أخذ بمجامع ردائه قال وقام أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه دونه يقول وهو يبكي ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم ~~انصرفوا عنه وإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا بلغت منه (1) # وفي رواية أخرى عن ms1135 عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال بينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلف ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فجاء أبو بكر ~~فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أتقتلون رجلا أن ~~يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم (2) # وروي أن معاوية رضي الله عنه حبس العطاء فقام إليه أبو مسلم الخولاني ~~فقال له يا معاوية إنه ليس من كدك ولا من كد أبيك ولا من كد أمك # قال فغضب معاوية ونزل عن المنبر وقال لهم مكانكم وغاب عن أعينهم ساعة ثم ~~خرج عليهم وقد اغتسل فقال إن أبا مسلم كلمني بكلام أغضبني وإني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول الغضب من الشيطان والشيطان خلق من النار ~~وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليغتسل (3) وإني دخلت فاغتسلت ~~وصدق أبو مسلم أنه ليس من كدي ولا من كد أبي فهلموا إلى عطائكم # وروي عن ضبة بن محصن العنزي قال كان علينا أبو موسى الأشعري أميرا ~~بالبصرة فكان إذا خطبنا حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأنشأ يدعو لعمر رضي الله عنه قال فغاظني ذلك منه فقمت إليه فقلت له ~~أين أنت من صاحبه تفضله عليه فصنع ذلك جمعا ثم كتب إلى عمر يشكوني يقول إن ~~ضبة بن محصن العنزي يتعرض لي في خطبتي # فكتب إليه عمر أن أشخصه إلي # قال فاشخصني إليه فقدمت فضربت عليه الباب فخرج إلي فقال من أنت فقلت أنا ~~ضبة فقال لي لا مرحبا ولا أهلا قلت أما المرحب فمن الله وأما الأهل فلا أهل ~~لي ولا مال فبماذا استحللت يا عمر إشخاصي من مصري بلا ذنب أذنبته ولا شيء ~~أتيته فقال ما الذي شجر بينك وبين عاملي قال قلت الآن أخبرك به إنه كان إذا ~~خطبنا حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى ms1136 الله عليه وسلم ثم أنشأ يدعو ~~لك فغاظني ذلك منه فقمت إليه فقلت له أين أنت من صاحبه تفضله عليه فصنع ذلك ~~جمعا ثم كتب إليك يشكوني # قال فاندفع عمر رضي الله عنه باكيا وهو يقول أنت والله أوفق منه وأرشد ~~فهل أنت غافر لي ذنبي يغفر الله لك قال قلت غفر الله لك يا أمير المؤمنين # قال ثم اندفع باكيا وهو يقول والله لليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر وآل ~~عمر فهل لك أن أحدثك بليلته ويومه قلت نعم قال # أما الليلة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج من مكة ~~هاربا من المشركين خرج ليلا فتبعه أبو بكر فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه ~~ومرة عن يمينه ومرة عن يساره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا يا ~~أبا بكر ما أعرف هذا من أفعالك فقال يا رسول الله أذكر الرصد فأكون أمامك ~~وأذكر الطلب PageV02P344 # فأكون خلفك ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا آمن عليك # قال فمشي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت ~~فلما رأى أبو بكر أنها قد حفيت حمله على عاتقه وجعل يشتد به حتى أتى فم ~~الغار فأنزله ثم قال والذي بعثكبالحق لا تدخله حتى أدخله فإن كان فيه شيء ~~نزل بي قبلك قال فدخل فلم ير فيه شيئا فحمله فأدخله وكان في الغار خرق فيه ~~حيات وأفاع فألقمه أبو بكر قدمه مخافة أن يخرج منه شيء إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيؤذيه وجعلن يضربن أبا بكر في قدمه وجعلت دموعه تنحدر على ~~خديه من ألم ما يجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له يا أبا بكر لا ~~تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه والطمأنينة لأبي بكر فهذه ليلته # وأما يومه فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب فقال ~~بعضهم نصلي ولا نزكي فأتيته لا آلوه نصحا فقلت يا خليفة رسول الله ms1137 صلى الله ~~عليه وسلم تألف الناس وارفق بهم # فقال لي أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام فبماذا أتألفهم قبض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وارتفع الوحي فوالله لو منعوني عقالا كانوا يعطونه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه قال فقاتلنا عليه فكان والله رشيد ~~الأمر # فهذا يومه # ثم كتب إلى أبي موسى يلومه (1) # وعن الأصمعي قال دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك بن مروان وهو جالس ~~على سريره وحواليه الأشراف من كل بطن وذلك بمكة في وقت حجة في خلافته فلما ~~بصر به قام إليه وأجلسه معه على السرير وقعد بين يديه وقال له يا أبا محمد ~~ما حاجتك فقال يا أمير المؤمنين اتق الله في حرم الله وحرم رسوله فتعاهده ~~بالعمارة واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار فإنك بهم جلست هذا المجلس ~~واتق الله في أهل الثغور فإنهم حصن المسلمين وتفقد أمور المسلمين فإنك وحدك ~~المسئول عنهم واتق الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم ولا تغلق بابك دونهم # فقال له أجل أفعل ثم نهض وقام # فقبض عليه عبد الملك فقال يا أبا محمد إنما سألتنا حاجة لغيرك وقد ~~قضيناها فما حاجتك أنت فقال ما لي إلى مخلوق حاجة # ثم خرج فقال عبد الملك هذا وأبيك الشرف وقد روي أن الوليد بن عبد الملك ~~قال لحاجبه يوما قف على الباب فإذا مر بك رجل فأدخله علي ليحدثني # فوقف الحاجب على الباب مدة فمر به عطاء بن أبي رباح وهو لا يعرفه فقال له ~~يا شيخ أدخل إلى أمير المؤمنين فإنه أمر بذلك فدخل عطاء على الوليد وعنده ~~عمر بن عبد العزيز فلما دنا عطاء من الوليد قال السلام عليك يا وليد قال ~~فغضب الوليد على حاجبه وقال له # ويلك أمرتك أن تدخل إلى رجلا يحدثني ويسامرني فأدخلت إلي رجلا لم يرض أن ~~يسميني بالاسم الذي اختاره الله لي # فقال له حاجبه ما مر بي أحد غيره ثم قال لعطاء اجلس ثم أقبل عليه يحدثه ms1138 ~~فكان فيما حدثه به عطاء أن قال له بلغنا أن في جهنم واديا يقال له هبهب ~~أعده الله لكل إمام جائر في حكمه # فصعق الوليد من قوله وكان جالسا بين يدي عتبة باب المجلس فوقع على قفاه ~~إلى جوف المجلس مغشيا عليه فقال عمر لعطاء قتلت أمير المؤمنين # فقبض عطاء على ذراع عمر ابن عبد العزيز فغمزه غمرة شديدة وقال له يا عمر ~~إن الأمر جد فجد ثم قام عطاء وانصرف # فبلغنا عن عمر بن PageV02P345 # عبد العزيز رحمه الله أنه قال مكثت سنة أجد ألم غمزته في ذراعي # وكان ابن أبي شميلة يوصف بالعقل والأدب فدخل على عبد الملك بن مروان فقال ~~له عبد الملك تكلم قال بم أتكلم وقد علمت أن كل كلام تكلم به المتكلم عليه ~~وبال إلا ما كان لله فبكي عبد الملك ثم قال يرحمك الله لم يزل الناس ~~يتواعظون ويتواصون فقال الرجل يا أمير المؤمنين إن الناس في القيامة لا ~~ينجون من غصص مرارتها ومعاينة الردى فيها إلا من أرضى الله بسخط نفسه فبكي ~~عبد الملك ثم قال لا جرم لأجعلن هذه الكلمات مثالا نصب عيني ما عشت # ويروى عن ابن عائشة أن الحجاج دعا بفقهاء البصرة وفقهاء الكوفة فدخلنا ~~عليه ودخل الحسن البصري رحمه الله آخر من دخل فقال الحجاج مرحبا بأبي سعيد ~~إلي إلي ثم دعا بكرسي فوضع إلى جنب سريره فقعد عليه فجعل الحجاج يذاكرنا ~~ويسألنا إذ ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه فنال منه ونلنا منه مقاربة له ~~وفرقا من شره والحسن ساكت عاض على إبهامه فقال يا أبا سعيد مالي أراك ساكتا ~~قال ما عسيت أن أقول قال أخبرني برأيك في أبي تراب قال سمعت الله جل ذكره ~~يقول وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب ~~على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم فعلي ممن هدى الله من أهل ms1139 الإيمان فأقول ~~ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته وأحب الناس إليه وصاحب ~~سوابق مباركات سبقت له من الله لن تستطيع أنت ولا أحد من الناس أن يحظرها ~~عليه ولا يحول بينه وبينها # وأقول إن كانت لعلي هناة فالله حسبه والله ما أجد فيه قولا أعدل من هذا # فبسر وجه الحجاج وتغير وقام عن السرير مغضبا فدخل بيتا خلفه وخرجنا # قال عامر الشعبي فأخذت بيد الحسن فقلت يا أبا سعيد أغضبت الأمير وأوغرت ~~صدره فقال إليك عني يا عامر يقول الناس عامر الشعبي عالم أهل الكوفة # أتيت شيطانا من شياطين الإنس تكلمه بهواه وتقاربه في رأيه ويحك يا عامر ~~هلا اتقيت إن سئلت فصدقت أو سكت فسلمت قال عامر يا أبا سعيد قد قلتها وأنا ~~أعلم ما فيها قال الحسن فذاك أعظم في الحجة عليك وأشد في التبعة # قال وبعث الحجاج إلى الحسن فلما دخل عليه قال أنت الذي تقول قاتلهم الله ~~قتلوا عباد الله على الدينار والدرهم قال نعم قال ما حملك على هذا قال ما ~~أخذ الله على العلماء من المواثيق ليبيننه للناس ولا يكتمونه قال يا حسن ~~أمسك عليك لسانك وإياك أن يبلغني عنك ما أكره فأفرق بين رأسك وجسدك # وحكى أن حطيطا الزيات جيء به إلى الحجاج فلما دخل عليه قال أنت حطيط قال ~~نعم سل عما بدا لك فإني عاهدت الله عند المقام على ثلاث خصال إن سئلت ~~لأصدقن وإن ابتليت لأصبرن وإن عوفيت لأشكرن # قال فما تقول في قال أقول إنك من أعداء الله في الأرض تنتهك المحارم ~~وتقتل بالظنة # قال فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قال أقول إنه أعظم ~~جرما منك وإنما أنت خطيئة من خطاياه # قال فقال الحجاج ضعوا عليه العذاب # قال فانتهى به العذاب إلى أن شقق له القصب ثم جعلوه على لحمه وشدوه ~~بالحبال ثم جعلوا يمدون قصبة قصبة حتى انتحلوا لحمه فما سمعوه يقول شيئا # قال فقيل للحجاج إنه في آخر رمق ms1140 فقال أخرجوه فارموا به في السوق # قال جعفر فأتيته أنا وصاحب له فقلنا له حطيط ألك حاجة قال شربة ماء فأتوه ~~بشربة ثم مات وكان ابن ثمان عشرة سنة رحمة الله عليه # وروي أن عمر بن هبيرة دعا بفقهاء أهل البصرة وأهل الكوفة وأهل المدينة ~~وأهل الشام وقرائها فجعل يسألهم وجعل يكلم عامر الشعبي فجعل لا يسأله عن ~~شيء إلا وجد عنده منه علما ثم أقبل على الحسن البصري فسأله ثم قال هما هذان ~~هذا رجل أهل الكوفة يعني الشعبي وهذا رجل PageV02P346 # أهل البصرة يعني الحسن فأمر الحاجب فأخرج الناس وخلا بالشعبي والحسن # فأقبل على الشعبي فقال يا أبا عمرو إني أمين أمير المؤمنين على العراق ~~وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية ولزمني حقهم فأنا أحب ~~حفظهم وتعهد ما يصلحهم مع النصيحة لهم وقد يبلغني عن العصابة من أهل الديار ~~الأمر أجد عليهم فيه فأقبض طائفة من عطائهم فأضعه في بيت المال ومن نيتي أن ~~أرده عليهم فيبلغ أمير المؤمنين أني قد قبضته على ذلك النحو فيكتب إلى أن ~~لا ترده فلا أستطيع رد أمره ولا إنفاذ كتابه وإنما أنا رجل مأمور على ~~الطاعة # فهل علي في هذا تبعة وفي أشباهه من الأمور والنية فيها على ما ذكرت قال ~~الشعبي # فقلت أصلح الله الأمير إنما السلطان والد يخطىء ويصيب قال # فسر بقولي وأعجب به ورأيت البشر في وجهه وقال فلله الحمد ثم أقبل على ~~الحسن فقال ما تقول يا أبا سعيد قال قد سمعت قول الأمير يقول إنه أمين أمير ~~المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية ~~ولزمني حقهم والنصيحة لهم والتعهد لما يصلحهم وحق الرعية لازم لك وحق عليك ~~أن تحوطهم بالنصيحة وإني سمعت عبد الرحمن بن سمرة القرشي صاحب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من استرعى رعية ~~فلم يحطها بالنصيحة حرم الله عليه الجنة (1) ويقول إني ربما قبضت من عطائهم ~~إرادة صلاحهم واستصلاحهم ms1141 وأن يرجعوا إلى طاعتهم فيبلغ أمير المؤمنين أني ~~قبضتها على ذلك النحو فيكتب إلى أن لا ترده فلا أستطيع رد أمره ولا أستطيع ~~إنفاذ كتابه وحق الله ألزم من حق أمير المؤمنين والله أحق أن يطاع ولا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق فأعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله عز وجل فإن ~~وجدته موافقا لكتاب الله فخذ به وإن وجدته مخالفا لكتاب الله فانبذه يا ابن ~~هبيرة اتق الله فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين يزيلك عن سريرك ~~ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك وتقدم على ~~ربك وتنزل على عملك يا ابن هبيرة إن الله ليمنعك من يزيد ولا يمنعك يزيد من ~~الله وإن أمر الله فوق كل أمر وإنه لا طاعة في معصية الله وإني أحذرك بأسه ~~الذي لا يرد عن القوم المجرمين # فقال ابن هبيرة أربع على ظلعك أيها الشيخ وأعرض عن ذكر أمير المؤمنين فإن ~~أمير المؤمنين صاحب العلم وصاحب الحكم وصاحب الفضل وإنما ولاه الله تعالى ~~ما ولاه من أمر هذه الأمة لعلمه به وما يعلمه من فضله ونيته # فقال الحسن يا ابن هبيرة الحساب من ورائك سوط بسوط وغضب بغضب والله ~~بالمرصاد يا ابن هبيرة إنك إن تلق من ينصح لك في دينك ويحملك على أمر آخرتك ~~خير من أن تلقي رجلا يغرك ويمنيك # فقام ابن هبيرة وقد بسر وجهه وتغير لونه # قال الشعبي فقلت يا أبا سعيد أغضبت الأمير وأوغرت صدره وحرمتنا معروفه ~~وصلته فقال إليك عني يا عامر قال فخرجت إلى الحسن التحف والطرف وكانت له ~~المنزلة واستخف بنا وجفينا فكان أهلا لما أدى إليه وكنا أهلا أن يفعل ذلك ~~بنا # فما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء إلا مثل الفرس العربي بين ~~المقارف وما شهدنا مشهدا إلا برز علينا # وقال لله عز وجل وقلنا مقاربة لهم # قال عامر الشعبي وأنا أعاهد الله أن لا أشهد سلطانا بعد هذا المجلس ~~فأحابيه # ودخل محمد بن ms1142 واسع على بلال بن أبي بردة فقال له ما تقول في القدر فقال ~~جيرانك أهل القبور فتفكر فيهم فإن فيهم شغلا عن القدر # وعن الشافعي رضي الله عنه قال حدثني عمي محمد بن علي قال إني لحاضر مجلس ~~أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور PageV02P347 # وفيه ابن أبي ذؤيب وكان والي المدينة الحسن بن زيد قال فأتى الغفاريون ~~فشكوا إلى أبي جعفر شيئا من أمر الحسن بن زيد فقال الحسن يا أمير المؤمنين ~~سل عنهم ابن أبي ذؤيب قال فسأله فقال ما تقول فيهم يا ابن أبي ذؤيب فقال ~~أشهد أنهم أهل تحطم في أعراض الناس كثيرو الأذى لهم # فقال أبو جعفر قد سمعتم فقال الغفاريون يا أمير المؤمنين سله عن الحسن بن ~~زيد # فقال يا ابن أبي ذؤيب ما تقول في الحسن بن زيد فقال أشهد عليه أنه يحكم ~~بغير الحق ويتبع هواه فقال قد سمعت يا حسن ما قال فيك ابن أبي ذؤيب وهو ~~الشيخ الصالح فقال يا أمير المؤمنين أسأله عن نفسك # فقال ما تقول في قال تعفيني يا أمير المؤمنين قال أسألك بالله إلا ~~أخبرتني # قال تسألني بالله كأنك لا تعرف نفسك قال والله لتخبرني قال أشهد أنك أخذت ~~هذا المال من غير حقه فجعلته في غير أهله وأشهد أن الظلم ببابك فاش # قال فجاء أبو جعفر من موضعه حتى وضع يده في قفا ابن أبي ذؤيب فقبض عليه ~~ثم قال له أما والله لولا أني جالس ههنا لأخذت فارس والروم والديلم والترك ~~بهذا المكان منك قال فقال ابن أبي ذؤيب يا أمير المؤمنين قد ولي أبو بكر ~~وعمر فأخذا الحق وقسما بالسوية وأخذا بأقفاء فارس والروم وأصغرا آنافهم قال ~~فخلى أبو جعفر قفاه وخلى سبيله وقال والله لولا أني أعلم أنك صادق لقتلتك ~~فقال ابن أبي ذؤيب والله يا أمير المؤمنين إني لأنصح لك من ابنك المهدي قال ~~فبلغنا أن ابن أبي ذؤيب لما انصرف من مجلس المنصور لقيه سفيان الثوري فقال ~~له يا أبا الحرث لقد ms1143 سرني ما خاطبت به هذا الجبار ولكن ساءني قولك له ابنك ~~المهدي فقال يغفر الله لك يا أبا عبد الله كلنا مهدي كلنا كان في المهد # وعن الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو قال بعث إلى أبو جعفر المنصور أمير ~~المؤمنين وأنا بالساحل فأتيته فلما وصلت إليه وسلمت عليه بالخلافة رد علي ~~واستجلسني ثم قال لي ما الذي أبطأ بك عنا يا أوزاعي قال قلت وما الذي تريد ~~يا أمير المؤمنين قال أريد الأخذ عنكم والاقتباس منكم قال فقلت فانظر يا ~~أمير المؤمنين إن لا تجهل شيئا مما أقول لك قال وكيف أجهله وأنا أسألك عنه ~~وفيه وجهت إليك وأقدمتك له قال قلت أخاف أن تسمعه ثم لا تعمل به قال فصاح ~~بي الربيع وأهوى بيده إلى السيف فانتهره المنصور وقال هذا مجلس مثوبة لا ~~مجلس عقوبة (1) فطابت نفسي وانبسطت في الكلام # فقلت يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عطية بن بشر قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من الله ~~سيقت إليه فإن قبلها بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه ليزداد بها إثما ~~ويزداد الله بها سخطا عليه (2) يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عطية بن ~~ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما وال مات غاشا لرعيته حرم ~~الله عليه الجنة (3) أخرجه ابن أبي الدنيا فيه وابن عدي في الكامل في ترجمة ~~أحمد بن عبيد // # يا أمير المؤمنين من كره الحق فقد كره الله إن الله هو الحق المبين إن ~~الذي لين قلوب أمتكم لكم حين ولاكم أمورهم لقرابتكم من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد كان بهم رءوفا رحيما مواسيا لهم بنفسه في ذات يده محمودا عند ~~الله وعند الناس فحقيق بك أن تقوم له فيهم بالحق وأن تكون بالقسط له فيهم ~~قائما ولعوراتهم ساترا لاتغلق عليهم دونهم الأبواب ولا تقيم دونهم الحجاب ~~تبتهج بالنعمة عندهم وتبتئس بما أصابهم من سوء يا أمير ms1144 PageV02P348 # المؤمنين قد كنت في شغل شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت ~~تملكهم أحمرهم وأسودهم مسلمهم وكافرهم وكل له عليك نصيب من العدل فكيف بك ~~إذا انبعث منهم فئام وراء فئام وليس منهم أحد إلا وهو يشكو بلية أدخلتها ~~عليه أو ظلامة سقتها إليه يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عروة بن رويم ~~قال كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم جريدة يستاك بها ويروع بها ~~المنافقين فأتاه جبرائيل عليه السلام فقال له يا محمد ما هذه الجريدة التي ~~كسرت بها قلوب أمتك وملأت قلوبهم رعبا (1) فكيف بمن شقق أستارهم وسفك ~~دماءهم وخرب ديارهم وأجلاهم عن بلادهم وغيبهم الخوف منه يا أمير المؤمنين ~~حدثني مكحول عن زياد عن حارثة عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دعا إلى القصاص من نفسه في خدش خدشه أعرابيا لم يتعمده فأتاه جبريل ~~عليه السلام فقال يا محمد إن الله لم يبعثك جبارا ولا متكبرا # فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي فقال اقتص مني فقال الأعرابي قد ~~أحللتك بأبي أنت وأمي وما كنت لأفعل ذلك أبدا ولو أتيت على نفسي # فدعا له بخير (2) يا أمير المؤمنين رض نفسك لنفسك وخذ لها الأمان من ربك ~~وارغب في جنة عرضها السموات والأرض التي يقول فيها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لقيد قوس أحدكم من الجنة خير له من الدنيا وما فيها (3) يا أمير ~~المؤمنين إن الملك لو بقي لمن قبلك لم يصل إليك وكذا لا يبقى لك كما لم يبق ~~لغيرك # يا أمير المؤمنين أتدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك {ما لهذا ~~الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} قال الصغيرة التبسم والكبيرة ~~الضحك فكيف بما عملته الأيدي وحصدته الألسن يا أمير المؤمنين بلغني أن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه قال لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة لخشيت أن ~~أسأل عنها فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك يا أمير المؤمنين ms1145 أتدري ما جاء ~~في تأويل هذه الآية عن جدك {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} قال الله تعالى في الزبور ~~يا داود إذا قعد الخصمان بين يديك فكان لك في أحدهما هوى فلا تتمنين في ~~نفسك أن يكون الحق له فيفلح على صاحبه فأمحوك عن نبوتي ثم لا تكون خلفتي ~~ولا كرامة يا داود إنما جعلت رسلي إلى عبادي رعاء كرعاء الإبل لعلمهم ~~بالرعاية ورفقهم بالسياسة ليجبروا الكسير ويدلوا الهزيل على الكلأ والماء # يا أمير المؤمنين إنك قد بليت بأمر لو عرض على السموات والأرض والجبال ~~لأبين أن يحملنه وأشفقن منه يا أمير المؤمنين حدثني يزيد بن جابر عن عبد ~~الرحمن بن عمرة الأنصاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل رجلا من ~~الأنصار على الصدقة فرآه بعد أيام مقيما فقال له ما منعك من الخروج إلى ~~عملك أما علمت أن لك مثل أجر المجاهد في سبيل الله قال لا قال وكيف ذلك قال ~~إنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من وال يلي شيئا من أمور ~~الناس إلا أتى به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه لا يفكها إلا عدله فيوقف ~~على جسر من النار ينتفض به ذلك الجسر انتفاضة تزيل كل عضو منه عن موضعه ثم ~~يعاد فيحاسب فإن كان محسنا نجا PageV02P349 # بإحسانه وإن كان مسيئا انخرق به ذلك الجسر فيهوي به في النار سبعين خريفا ~~(1) فقال له عمر رضي الله عنه ممن سمعت هذا قال من أبي ذر وسلمان فأرسل ~~إليهما عمر فسألهما فقالا نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~عمر واعمراه من يتولاها بما فيها فقال أبو ذر رضي الله عنه من سلت الله ~~أنفه وألصق خده بالأرض # قال فأخذ المنديل فوضعه على وجهه ثم بكى وانتحب حتى أبكاني # ثم قلت يا أمير المؤمنين قد سأل جدك العباس النبي صلى الله عليه وسلم ~~إمارة مكة ms1146 أو الطائف أو اليمن فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا عباس يا ~~عم النبي نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها (2) نصيحة منه لعمه وشفقة عليه ~~وأخبره أنه لا يغني عنه من الله شيئا إذ أوحى الله إليه {وأنذر عشيرتك ~~الأقربين} فقال يا عباس ويا صفية عمي النبي ويا فاطمة بنت محمد إني لست ~~أغني عنكم من الله شيئا إن لي عملي ولكم عملكم (3) وقد قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه لا يقيم أمر الناس إلا حصيف العقل أريب العقد لا يطلع منه على ~~عورة ولا يخاف منه على حرة ولا تأخذه في الله لومة لائم # وقال الأمراء أربعة فأمير قوي ظلف نفسه وعماله فذلك كالمجاهد في سبيل ~~الله يد الله باسطة عليه بالرحمة وأمير فيه ضعف ظلف نفسه وأرتع عماله لضعفه ~~فهو على شفا هلاك إلا أن يرحمه الله وأمير ظلف عماله وأرتع نفسه فذلك ~~الحطمة الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم شر الرعاة الحطمة فهو ~~الهالك وحده (4) وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكوا جميعا # وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن جبرائيل عليه السلام أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال أتيتك حين أمر الله بمنافخ النار فوضعت على النار تسعر ليوم ~~القيامة فقال له يا جبريل صف لي النار فقال إن الله تعالى أمر بها فأوقد ~~عليها ألف عام حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف عام حتى اصفرت ثم أوقد عليها ~~ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يضيء جمرها ولا يطفأ لهبها والذي ~~بعثك بالحق لو أن ثوبا من ثياب أهل النار أظهر لأهل الأرض لماتوا جميعا ولو ~~أن ذنوبا من شرابها صب في مياه الأرض جميعا لقتل من ذاقه ولو أن ذراعا من ~~السلسلة التي ذكرها الله وضع على جبال الأرض جميعا لذابت وما استقلت ولو أن ~~رجلا أدخل النار ثم أخرج منها لمات أهل الأرض من نتن ريحه وتشويه خلقه ~~وعظمه فبكى النبي صلى الله عليه وسلم وبكى جبريل ms1147 عليه السلام لبكائه فقال ~~أتبكي يا محمد وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال أفلا أكون عبدا ~~شكورا ولم بكيت يا جبريل وأنت الروح الأمين أمين الله على وحيه قال أخاف أن ~~أبتلي بما أبتلي به هاروت وماروت فهو الذي منعني من اتكالي على منزلتي عند ~~ربي فأكون قد أمنت مكره فلم يزالا يبكيان حتى نوديا من السماء يا جبريل ويا ~~محمد إن الله قد آمنكما أن تعصياه فيعذبكما وفضل محمد على سائر الأنبياء ~~كفضل جبريل على سائر الملائكة (5) وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قال اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد PageV02P350 # الخصمان بين يدي على من مال الحق من قريب أو بعيد فلا تمهلني طرفة عين # يا أمير المؤمنين إن أشد الشدة القيام لله بحقه وإن أكرم الكرم عند الله ~~التقوى وأنه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله وأعزه ومن طلبه بمعصية الله ~~أذله الله ووضعه # فهذه نصيحتي إليك والسلام عليك # ثم نهضت فقال لي إلى أين فقلت إلى الولد والوطن بإذن أمير المؤمنين إن ~~شاء الله فقال قد أذنت لك وشكرت لك نصيحتك وقبلتها والله الموفق للخير ~~والمعين عليه وبه أستعين وعليه أتوكل وهو حسبي ونعم الوكيل فلا تخلني من ~~مطالعتك إياي بمثل هذا فإنك المقبول القول غير المتهم في النصيحة قلت أفعل ~~إن شاء الله # قال محمد بن مصعب فأمر له بمال يستعين به على خروجه فلم يقبله وقال أنا ~~في غنى عنه وما كنت لأبيع نصيحتي بعرض من الدنيا # وعرف المنصور مذهبه فلم يجد عليه في ذلك # وعن ابن المهاجر قال قدم أمير المؤمنين المنصور مكة شرفها الله حاجا فكان ~~يخرج من دار الندوة إلى الطواف في آخر الليل يطوف ويصلي ولا يعلم به فإذا ~~طلع الفجر رجع إلى دار الندوة وجاء المؤذنون فسلموا عليه وأقيمت الصلاة ~~فيصلى بالناس فخرج ذات ليلة حين أسحر فبينا هو يطوف إذ سمع رجلا عند ~~الملتزم وهو يقول ms1148 اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما ~~يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع # فأسرع المنصور في مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله ثم خرج فجلس ناحية من ~~المسجد وأرسل إليه فدعاه فأتاه الرسول وقال له أجب أمير المؤمنين فصلى ~~ركعتين واستلم الركن وأقبل مع الرسول فسلم عليه فقال له المنصور ما هذا ~~الذي سمعتك تقوله من ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله ~~من الطمع والظلم فوالله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني وأقلقني فقال يا أمير ~~المؤمنين إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها وإلا اقتصرت على ~~نفسي ففيها لي شغل شاغل فقال له أنت آمن على نفسك فقال الذي دخله الطمع حتى ~~حال بينه وبين الحق وإصلاح ما ظهر من البغي والفساد في الأرض أنت # فقال ويحك وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في يدي والحلو والحامض في ~~قبضتي قال وهل دخل أحدا من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين إن الله تعالى ~~استرعاك أمور المسلمين وأموالهم فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم وجعلت ~~بينك وبينهم حجابا من الجص والآجر وأبوابا من الحديد وحجبة معهم السلاح ثم ~~سجنت نفسك فيها منهم وبعثت عمالك في جمع الأموال وجبايتها واتخذت وزراء ~~وأعوانا ظلمة إن نسيت لم يذكروك وإن ذكرت لم يعينوك وقويتهم على ظلم الناس ~~بالأموال والكراع والسلاح وأمرت بأن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان ~~نفر سميتهم ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع ولا العاري ولا ~~الضعيف ولا الفقير ولا أحد إلا وله في هذا المال حق فلما رآك هؤلاء النفر ~~الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك وأمرت أن لا يحجبوا عنك تجبى ~~الأموال ولا تقسمها قالوا هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه وقد سخر لنا ~~فأئتمروا على أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا وأن لا ~~يخرج لك عامل فيخالف لهم أمرا إلا أقصوه حتى تسقط منزلته ويصغر قدره فلما ~~انتشر ذلك ms1149 عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم وكان أول من صانعهم عمالك ~~بالهدايا والأموال ليتقووا بهم على ظلم رعيتك ثم فعل ذلك ذوو القدرة ~~والثروة من رعيتك لينالوا ظلم من دونهم من الرعية فامتلأت بلاد الله بالطمع ~~بغيا وفسادا وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت غافل فإن جاء متظلم ~~حيل بينه وبين الدخول إليك وإن أراد رفع صوته أو قصته إليك عند ظهورك وجدك ~~قد نهيت عن ذلك ووقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم فإن جاء ذلك الرجل فبلغ ~~بطانتك سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته وإن كانت للمتظلم به حرمة ~~وإجابة لم يمكنه مما يريد خوفا منهم فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ~~ويشكو PageV02P351 # ويستغيث وهو يدفعه ويعتل عليه فإذا جهد وأخرج وظهرت صرخ بين يديك فيضرب ~~ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره وأنت تنظر ولا تنكر ولا تغير فما بقاء ~~الإسلام وأهله على هذا ولقد كانت بنو أمية وكانت العرب لا ينتهي إليهم ~~المظلوم إلا رفعت ظلامته إليهم فينصف ولقد كان الرجل يأتي من أقصى البلاد ~~حتى يبلغ باب سلطانهم فينادي يا أهل الإسلام فيبتدرونه مالك مالك فيرفعون ~~مظلمته إلى سلطانهم فينتصف ولقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى أرض الصين ~~وبها ملك فقدمتها مرة وقد ذهب سمع ملكهم فجعل يبكي فقال له وزراؤه مالك ~~تبكي لا بكت عيناك فقال أما إني لست أبكي على المصيبة التي نزلت بي ولكن ~~أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمع صوته ثم قال أما إن كان قد ذهب سمعي فإن ~~بصري لم يذهب نادوا في الناس ألا لا يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم فكان يركب ~~الفيل ويطوف طرفي النهار هل يرى مظلوما فينصفه هذا يا أمير المؤمنين مشرك ~~بالله قد غلبت رأفته بالمشركين ورقته على شح نفسه في ملكه وأنت مؤمن بالله ~~وابن عم نبي الله لا تغلبك رأفتك بالمسلمين ورقتك على شح نفسك فإنك لا تجمع ~~الأموال إلا لواحد من ثلاثة إن قلت اجمعها لولدي فقد أراك الله عبرا في ~~الطفل ms1150 الصغير يسقط من بطن أمه وماله على الأرض مال وما من مال إلا ودونه يد ~~شحيحة تحويه فما يزال الله تعالى يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه ~~ولست الذي تعطي بل الله يعطي من يشاء وإن قلت أجمع المال لأشيد سلطاني # فقد أراك الله عبرا فيمن كان قبلك ما أغنى عنهم ما جمعوه من الذهب والفضة ~~وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع وما ضرك وولد أبيك ما كنتم فيه من قلة ~~الجدة والضعف حين أراد الله بكم ما أراد # وإن قلت أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فهيا فوالله ما ~~فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح يا أمير المؤمنين هل ~~تعاقب من عصاك من رعيتك بأشد من القتل قال لا قال فكيف تصنع بالملك الذي ~~خولك الله وما أنت عليه من ملك الدنيا وهو تعالى لا يعاقب من عصاه بالقتل ~~ولكن يعاقب من عصاه بالخلود في العذاب الأليم وهو الذي يرى منك ما عقد عليه ~~قلبك وأضمرته جوارحك فماذا تقول إذا انتزع الملك الحق المبين ملك الدنيا من ~~يدك ودعاك إلى الحساب هل يغني عنك عنده شيء مما كنت فيه مما شححت عليه من ~~ملك الدنيا فبكى المنصور بكاء شديدا حتى نحب وارتفع صوته ثم قال # يا ليتني لم أخلق ولم أك شيئا ثم قال كيف احتيالي فيما خولت فيه ولم أر ~~من الناس إلا خائنا قال يا أمير المؤمنين عليك بالإئمة الأعلام المرشدين ~~قال ومن هم قال العلماء قال قد فروا مني قال هربوا منك مخافة أن تحملهم على ~~ما ظهر من طريقتك من قبل عمالك ولكن افتح الأبواب وسهل الحجاب وانتصر ~~للمظلوم من الظالم وامنع المظالم وخذ الشيء مما حل وطاب واقسمه بالحق ~~والعدل وأنا ضامن على أن من هرب منك أن يأتيك فيعاونك على صلاح أمرك ورعيتك # فقال المنصور اللهم وفقني أن أعمل بما قال هذا الرجل # وجاء المؤذنون فسلموا عليه وأقيمت الصلاة فخرج فصلى بهم ms1151 ثم قال للحرسى ~~عليك بالرجل إن لم تأتني به لأضربن عنقك واغتاظ عليه غيظا شديدا فخرج ~~الحرسى يطلب الرجل فبينا هو يطوف فإذا هو بالرجل يصلي في بعض الشعاب فقعد ~~حتى صلى ثم قال يا ذا الرجل أما تتقي الله قال بلى قال أما تعرفه قال بلى ~~قال فانطلق معي إلى الأمير فقد آلى أن يقتلني إن لم آته بك قال ليس لي إلى ~~ذلك من سبيل قال يقتلني قال لا قال كيف قال تحسن تقرأ قال لا فأخرج من مزود ~~كان معه رقا مكتوبا فيه شيء فقال خذه فاجعله في جيبك فإن فيه دعاء الفرج ~~قال وما دعاء الفرج قال لا يرزقه إلا الشهداء قلت رحمك الله قد أحسنت إلي ~~فإن رأيت أن تخبرني ما هذا الدعاء وما فضله قال من PageV02P352 # دعا به مساء وصباحا هدمت ذنوبه ودام سروره ومحيت خطاياه واستجيب دعاؤه ~~وبسط له رزقه وأعطى أمله وأعين على عدوه وكتب عند الله صديقا ولا يموت إلا ~~شهيدا تقول # اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء وعلمت ما ~~تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك وكان وساوس الصدور كالعلانية عندك وعلانية ~~القول كالسر في علمك وانقاد كل شيء لعظمتك وخضع كل ذي سلطان لسلطانك وصار ~~أمر الدنيا والآخرة كله بيدك اجعل لي من كل هم أمسيت فيه فرجا ومخرجا # اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك على قبيح عملي أطمعني أن ~~أسألك مالا أستوجبه مما قصرت فيه أدعوك آمنا وأسألك مستأنسا وإنك المحسن ~~إلي وأنا المسيء إلى نفسي فيما بيني وبينك تتودد إلي بنعمك وأتبغض إليك ~~بالمعاصي ولكن الثقة بك حملتني على الجراءة عليك فعد بفضلك وإحسانك على إنك ~~أنت التواب الرحيم # قال فأخذته فصيرته في جيبي ثم لم يكن لي هم غير أمير المؤمنين فدخلت ~~فسلمت عليه فرفع رأسه فنظر إلي وتبسم ثم قال # ويلك وتحسن السحر فقلت لا والله يا أمير المؤمنين ثم قصصت عليه أمري مع ~~الشيخ فقال هات الرق ms1152 الذي أعطاك ثم جعل يبكي وقال # وقد نجوت وأمر بنسخه وأعطاني عشرة آلاف ثم قال أتعرفه قلت لا قال ذلك ~~الخضر عليه السلام # وعن أبي عمران الجوني قال لما ولي هارون الرشيد الخلافة زاره العلماء ~~فهنوه بما صار إليه من أمر الخلافة ففتح بيوت الأموال وأقبل يجيزهم ~~بالجوائز السنية وكان قبل ذلك يجالس العلماء والزهاد وكان يظهر النسك ~~والتقشف وكان مؤاخيا لسفيان بن سعيد بن المنذر الثوري قديما فهجره سفيان ~~ولم يزره فاشتاق هرون إلى زيارته ليخلو به ويحدثه فلم يزره ولم يعبأ بموضعه ~~ولا بما صار إليه فاشتد ذلك على هرون فكتب إليه كتابا يقول فيه بسم الله ~~الرحمن الرحيم من عبد الله هرون الرشيد أمير المؤمنين إلى أخيه سفيان بن ~~سعيد بن المنذر أما بعد يا أخي قد علمت أن الله تبارك وتعالى واخى بين ~~المؤمنين وجعل ذلك فيه وله واعلم أني قد واخيتك مواخاة لم أصرم بها حبلك ~~ولم أقطع منها ودك وإني منطو لك على أفضل المحبة والإرادة ولولا هذه ~~القلادة التي قلدنيها الله لأتيتك ولو حبوا لما أجد لك في قلبي من المحبة ~~واعلم يا أبا عبد الله أنه ما بقي من إخواني وإخوانك أحد إلا وقد زارني ~~وهناني بما صرت إليه وقد فتحت بيوت الأموال وأعطيتهم من الجوائز السنية ما ~~فرحت به نفسي وقرت به عيني وإني استبطأتك فلم تأتني وقد كتبت لك كتابا شوقا ~~مني إليك شديدا وقد علمت يا أبا عبد الله ما جاء في فضل المؤمن وزيارته ~~ومواصلته فإذا ورد عليه كتابي فالعجل العجل # فلما كتب الكتاب التفت إلى من عنده فإذا كلهم يعرفون سفيان الثوري ~~وخشونته فقال علي برجل من الباب فأدخل عليه رجل يقال له عباد الطالقاني # فقال يا عباد خذ كتابي هذا فانطلق به إلى الكوفة فإذا دخلتها فسل عن ~~قبيلة بني ثور ثم سل عن سفيان الثوري فإذا رأيته فالق كتابي هذا إليه وع ~~بسمعك وقلبك جميع ما يقول فأحص عليه دقيق أمره وجليله لتخبرني به # فأخذ ms1153 عباد الكتاب وانطلق به حتى ورد الكوفة فسأل عن القبيلة فأرشد إليها ~~ثم سأل عن سفيان فقيل له هو في المسجد # قال عباد فأقبلت إلى المسجد فلما رآني قام قائما وقال أعوذ بالله السميع ~~العليم من الشيطان الرجيم وأعوذ بك اللهم من طارق يطرق إلا بخير # قال عباد فوقعت الكلمة في قلبي فجرحت فلما رآني نزلت بباب المسجد قام ~~يصلي ولم يكن وقت صلاة فربطت فرسي بباب المسجد ودخلت فإذا جلساؤه قعود قد ~~نكسوا رءوسهم كأنهم لصوص قد ورد عليهم السلطان فهم خائفون من عقوبته فسلمت ~~فما رفع أحد إلى رأسه وردوا السلام علي برءوس الأصابع فبقيت واقفا فما منهم ~~أحد يعرض على الجلوس وقد علاني من هيبتهم الرعدة PageV02P353 # ومددت عيني إليهم فقلت إن المصلي هو سفيان فرميت بالكتاب إليه # فلما رأى الكتاب ارتعد وتباعد منه كأنه حية عرضت له في محرابه فركع وسجد ~~وسلم وأدخل يده في كمه ولفها بعباءته وأخذه فقلبه بيده ثم رماه إلى من كان ~~خلفه وقال يأخذه بعضكم يقرؤه فإني أستغفر الله أن أمس شيئا مسه ظالم بيده # قال عباد فأخذه بعضهم فحله كأنه خائف من فم حية تنهشه ثم فضه وقرأه وأقبل ~~سفيان يتبسم تبسم المتعجب فلما فرغ من قراءته قال اقلبوه واكتبوا إلى ~~الظالم في ظهر كتابه فقيل له يا أبا عبد الله إنه خليفة فلو كتبت إليه في ~~قرطاس نقي # فقال اكتبوا إلى الظالم في ظهر كتابه فإن كان اكتسبه من حلال فسوف يجزى ~~به وإن كان اكتسبه من حرام فسوف يصلى به ولا يبقى شيء مسه ظالم عندنا فيفسد ~~علينا ديننا # فقيل له ما نكتب فقال اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم من العبد المذنب ~~سفيان بن سعيد بن المنذر الثوري إلى العبد المغرور بالآمال هرون الرشيد ~~الذي سلب حلاوة الإيمان # أما بعد فإني قد كتبت إليك أعرفك أني قد صرمت حبلك وقطعت ودك وقليت موضعك ~~فإنك قد جعلتني شاهدا عليك بإقرارك على نفسك في كتابك بما هجمت به على بيت ~~مال ms1154 المسلمين فأنفقته في غير حقه وأنفذته في غير حكمه ثم لم ترض بما فعلته ~~وأنت ناء عني حتى كتبت إلي تشهدني على نفسك # أما إني قد شهدت عليك أنا وإخواني الذين شهدوا قراءة كتابك وسنؤدي ~~الشهادة عليك غدا بين يدي الله تعالى يا هرون هجمت على بيت مال المسلمين ~~بغير رضاهم هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم والعاملون عليها في أرض الله تعالى ~~والمجاهدون في سبيل الله وابن السبيل أم رضي بذلك حملة القرآن وأهل العلم ~~والآرامل والأيتام أم هل رضي بذلك خلق من رعيتك فشد يا هرون مئزرك وأعد ~~للمسألة جوابا وللبلاء جلبابا واعلم أنك ستقف بين يدي الحكم العدل فقد رزئت ~~في نفسك إذ سلبت حلاوة العلم والزهد ولذيذ القرآن ومجالسة الأخيار ورضيت ~~لنفسك أن تكون ظالما وللظالمين إماما يا هرون قعدت على السرير ولبست الحرير ~~وأسبلت سترا دون بابك وتشبهت بالحجبة برب العالمين ثم أقعدت أجنادك الظلمة ~~دون بابك وسترك يظلمون الناس ولا ينصفون يشربون الخمور ويضربون من يشربها ~~ويزنون ويحدون الزاني ويسرقون ويقطعون السارق أفلا كانت هذه الأحكام عليك ~~وعليهم قبل أن تحكم بها على الناس فكيف بك يا هرون غدا إذا نادى المنادي من ~~قبل الله تعالى احشرو الذين ظلموا وأزواجهم أي الظلمة وأعوان الظلمة فقدمت ~~بين يدي الله تعالى ويداك مغلولتان إلى عنقك لا يفكهما إلا عدلك وإنصافك ~~والظالمون حولك وأنت لهم سابق وإمام إلى النار كأني بك يا هرون وقد أخذت ~~بضيق الخناق ووردت المساق وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك وسيئات غيرك في ~~ميزانك زيادة عن سيئاتك بلاء على بلاء وظلمة فوق ظلمة فاحتفظ بوصيتي واتعظ ~~بموعظتي التي وعظتك بها واعلم أني قد نصحتك وما أبقيت لك في النصح غاية ~~فاتق الله يا هرون في رعيتك واحفظ محمدا صلى الله عليه وسلم في أمته وأحسن ~~الخلافة عليهم واعلم أن هذا الأمر لو بقي لغيرك لم يصل إليك وهو صائر إلى ~~غيرك وكذا الدنيا تنتقل بأهلها واحد بعد واحد فمنهم من تزود زادا نفعه ms1155 ~~ومنهم من خسر دنياه وآخرته وإني أحسبك يا هرون ممن خسر دنياه وآخرته فإياك ~~إياك أن تكتب لي كتابا بعد هذا فلا أجيبك عنه والسلام # قال عباد فألقي إلي الكتاب منشورا غير مطوي ولا مختوم فأخذته وأقبلت إلى ~~سوق الكوفة وقد وقعت الموعظة من قلبي فناديت يا أهل الكوفة فأجابوني فقلت ~~لهم يا قوم من يشتري رجلا هرب من الله إلى الله فأقبلوا إلي بالدنانير ~~والدراهم فقلت لا حاجة لي في المال ولكن جبة صوف خشنة وعباءة قطوانية قال ~~فأتيت بذلك ونزعت ما كان علي من اللباس الذي كنت ألبسه مع أمير المؤمنين PageV02P354 # وأقبلت أقود البرذون وعليه السلاح الذي كنت أحمله حتى أتيت باب أمير ~~المؤمنين هرون حافيا راجلا فهزأ بي من كان على باب الخليفة # ثم استؤذن لي فلما دخلت عليه وبصر بي على تلك الحالة قام وقعد ثم قام ~~قائما وجعل يلطم رأسه ووجهه ويدعو بالويل والحزن ويقول انتفع الرسول وخاب ~~المرسل مالي وللدنيا ولملك يزول عني سريعا ثم ألقيت الكتاب إليه منشورا كما ~~دفع إلي # فأقبل هرون يقرؤه ودموعه تنحدر من عينيه ويقرأ ويشهق فقال بعض جلسائه يا ~~أمير المؤمنين لقد اجترأ عليك سفيان فلو وجهت إليه فأثقلته بالحديد وضيقت ~~عليه السجن وكنت تجعله عبرة لغيره # فقال هرون اتركونا يا عبيد الدنيا المغرور من غررتموه والشقي من أهلكتموه ~~وإن سفيان أمة وحده فاتركوا سفيان وشأنه # ثم لم يزل كتاب سفيان إلى جنب هرون يقرؤه عند كل صلاة حتى توفي رحمه الله # فرحم الله عبدا نظر لنفسه واتقى الله فيما يقدم عليه غدا من عمله فإنه ~~عليه يحاسب وبه يجازى والله ولي التوفيق # وعن عبد الله بن مهران قال حج الرشيد فوافى الكوفة فأقام بها أياما ثم ~~ضرب بالرحيل فخرج الناس وخرج بهلول المجنون فيمن خرج بالكناسة والصبيان ~~يؤذونه ويولعون به إذ أقبلت هوادج هرون فكف الصبيان عن الولوع به فلما جاء ~~هرون نادى بأعلى صوته يا أمير المؤمنين فكشف هرون السجاف بيده عن وجهه فقال ~~لبيك يا ms1156 بهلول فقال يا أمير المؤمنين حدثنا أيمن بن نائل عن قدامة بن عبد ~~الله العامري قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم منصرفا من عرفة على ناقة ~~له صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك (1) وتواضعك في سفرك هذا يا أمير ~~المؤمنين خير لك من تكبرك وتجبرك # قال فبكى هرون حتى سقطت دموعه على الأرض ثم قال يا بهلول زدنا رحمك الله ~~قال نعم يا أمير المؤمنين رجل آتاه الله مالا وجمالا فأنفق من ماله وعف في ~~جماله كتب في خالص ديوان الله تعالى مع الأبرار # قال أحسنت يا بهلول ودفع له جائزة فقال أردد الجائزة إلى من أخذتها منه ~~فلا حاجة لي فيها قال يا بهلول فإن كان عليك دين قضيناه قال يا أمير ~~المؤمنين هؤلاء أهل العلم بالكوفة متوافرون قد اجتمعت آراؤهم أن قضاء الدين ~~بالدين لا يجوز قال يا بهلول فنجري عليك ما يقوتك أو يقيمك قال فرفع بهلول ~~رأسه إلى السماء ثم قال يا أمير المؤمنين أنا وأنت من عيال الله فمحال أن ~~يذكرك وينساني # قال فأسبل هرون السجاف ومضى # وعن أبي العباس الهاشمي عن صالح بن المأمون قال دخلت على الحرث المحاسبي ~~رحمه الله فقلت له يا أبا عبد الله هل حاسبت نفسك فقال كان هذا مرة قلت له ~~فاليوم قال # أكاتم حالي إني لأقرأ آية من كتاب الله تعالى فأحتن بها أن تسمعها نفسي ~~ولولا أن يغلبني فيها فرح ما أعلنت بها # ولقد كنت ليلة قاعدا في محرابي فإذا أنا بفتى حسن الوجه طيب الرائحة فسلم ~~علي ثم قعد بين يدي فقلت له من أنت فقال أنا واحد من السياحين أقصد ~~المتعبدين في محاريبهم ولا أرى لك اجتهادا فأي شيء عملك قال قلت له كتمان ~~المصائب واستجلاب الفوائد قال فصاح وقال ما علمت أن أحدا بين جنبي المشرق ~~والمغرب هذه صفته قال الحرث فأردت أن أزيد عليه فقلت له أما علمت أن أهل ~~القلوب يخفون أحوالهم ويكتمون أسرارهم ويسألون الله كتمان ذلك عليهم ms1157 فمن ~~أين تعرفهم قال فصاح صيحة غشي عليه منها فمكث عندي يومين لا يعقل ثم أفاق ~~وقد أحدث في ثيابه فعلمت إزالة عقله فأخرجت له PageV02P355 # ثوبا جديدا وقلت له هذا كفني قد آثرتك به فاغتسل وأعد صلاتك فقال هات ~~الماء فاغتسل وصلى ثم التحف بالثوب وخرج فقلت له أين تريد فقال لي قم معي ~~فلم يزل يمشي حتى دخل على المأمون فسلم عليه وقال يا ظالم أنا ظالم إن لم ~~أقل لك يا ظالم أستغفر الله من تقصيري فيك أما تتقي الله تعالى فيما قد ~~ملكك وتكلم بكلام كثير ثم أقبل يريد الخروج وأنا جالس بالباب فأقبل عليه ~~المأمون وقال من أنت قال أنا رجل من السياحين فكرت فيما عمل الصديقون قبلي ~~فلم أجد لنفسي فيه حظا فتعلقت بموعظتك لعلي ألحقهم قال فأمر بضرب عنقه ~~فأخرج وأنا قاعد على الباب ملفوفا في ذلك الثوب ومناد ينادي من ولي هذا ~~فليأخذ قال الحرث فاختبأت عنه فأخذه أقوام غرباء فدفنوه وكنت معهم لا ~~أعلمهم بحاله # فأقمت في مسجد بالمقابر محزونا على الفتى فغلبتني عيناي فإذا هو بين ~~وصائف لم أر أحسن منهن وهو يقول يا حارث أنت والله من الكاتمين الذين يخفون ~~أحوالهم ويطيعون ربهم قلت وما فعلوا قال الساعة يلقونك فنظرت إلى جماعة ~~ركبان فقلت من أنتم قالوا الكاتمون أحوالهم حرك هذا الفتى كلامك له فلم يكن ~~في قلبه مما وصفت شيء فخرج للأمر والنهي وإن الله تعالى أنزله معنا وغضب ~~لعبده # وعن أحمد بن إبراهيم المقري قال كان أبو الحسين النوري رجلا قليل الفضول ~~لا يسأل عما لا يعنيه ولا يفتش عما لا يحتاج إليه وكان إذا رأى منكرا غيره ~~ولو كان فيه تلفه فنزل ذات يوم إلى مشرعة تعرف بمشرعة الفحامين يتطهر ~~للصلاة إذ رأى زورقا فيه ثلاثون دنا مكتوب عليها بالقار لطف فقرأه وأنكره ~~لأنه لم يعلم في التجارات ولا في البيوع شيئا يعبر عنه بلطف # فقال للملاح إيش في هذه الدنان قال وإيش عليك امض في شغلك ms1158 فلما سمع ~~النوري من الملاح هذا القول ازداد تعطشا إلى معرفته فقال أحب أن تخبرني إيش ~~في هذه الدنان قال وإيش عليك أنت والله صوفي فضولي هذا خمر للمعتضد يريد أن ~~يتمم به مجلسه فقال النوري وهذا خمر قال نعم فقال أحب أن نعطيني ذلك المدري ~~فاغتاظ الملاح عليه وقال لغلامه أعطه حتى انظر ما يصنع فلما صارت المدري في ~~يده صعد إلى الزورق ولم يزل يكسرها دنا دنا حتى أتى على آخرها إلا دنا ~~واحدا والملاح يستغيث إلى أن ركب صاحب الجسر وهو يومئذ ابن بشر أفلح فقبض ~~على النوري وأشخصه إلى حضرة المعتضد وكان المعتضد سيفه قبل كلامه ولم يشك ~~الناس في أنه سيقتله قال أبو الحسين فأدخلت عليه وهو جالس على كرسي حديد ~~وبيده عمود يقلبه فلما رآني قال من أنت قلت محتسب قال ومن ولاك الحسبة قلت ~~الذي ولاك الإمامة ولاني الحسبة يا أمير المؤمنين قال فأطرق إلى الأرض ساعة ~~ثم رفع رأسه إلي وقال ما الذي حملك على ما صنعت فقلت شفقة مني عليك إذ بسطت ~~يدي إلى صرف مكروه عنك فقصرت عنه # قال فأطرق مفكرا في كلامي ثم رفع رأسه إلي وقال كيف تخلص هذا الدن الواحد ~~من جملة الدنان فقلت في تخلصه علة أخبر بها أمير المؤمنين إن أذن فقال هات ~~خبرني فقلت يا أمير المؤمنين إني أقبلت على الدنان بمطالبة الحق سبحانه لي ~~بذلك وغمر قلبي شاهد الإجلال للحق وخوف المطالبة فغابت هيبة الخلق عني ~~فأقدمت عليها بهذه الحال إلى أن صرت إلى هذا الدن فاستشعرت نفسي كبرا على ~~أني أقدمت على مثلك فمنعت ولو أقدمت عليه بالحال الأول وكانت ملء الدنيا ~~دنان لكسرتها ولم أبال فقال المعتضد اذهب فقد أطلقنا يدك غير ما أحببت أن ~~تغيره من المنكر # قال أبو الحسين فقلت يا أمير المؤمنين بغض إلى التغيير لأني كنت أغير عن ~~وأنا الآن أغير عن شرطي فقال المعتضد ما حاجتك فقلت يا أمير المؤمنين تأمر ~~بإخراجي سالما فأمر له بذلك ms1159 وخرج إلى البصرة فكان أكثر أيامه بها خوفا من ~~أن يسأله أحد حاجة يسألها المعتضد فأقام بالبصرة إلى أن توفي المعتضد ثم ~~رجع إلى بغداد PageV02P356 # فهذه كانت سيرة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقلة ~~مبالاتهم بسطوة السلاطين لكونهم اتكلوا على فضل الله تعالى أن يحرسهم ورضوا ~~بحكم الله تعالى أن يرزقهم الشهادة فلما أخلصوا لله النية أثر كلامهم في ~~القلوب القاسية فلينها وأزال قساوتها # وأما الآن فقد قيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا وإن تكلموا لم تساعد ~~أقوالهم أحوالهم فلم ينجحوا ولو صدقوا وقصدوا حق العلم لأفلحوا # ففساد الرعايا بفساد الملوك وفساد الملوك بفساد العلماء وفساد العلماء ~~باستيلاء حب المال والجاه ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة ~~على الأراذل فكيف على الملوك والأكابر والله المستعان على كل حال # تم كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحمد الله وعونه وحسن توفيقه ### || كتاب آداب المعيشة وأخلاق النبوة وهو الكتاب العاشر من ربع العادات الثاني من كتب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه وترتيبه وأدب نبيه محمدا صلى الله ~~عليه وسلم فأحسن تأديبه وزكى أوصافه وأخلاقه ثم اتخذه صفيه وحبيبه ووفق ~~للاقتداء به من أراد تهذيبه وحرم عن التخلق بأخلاقه من أراد تخييبه وصلى ~~الله على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم كثيرا # أما بعد فإن آداب الظواهر عنوان آداب البواطن وحركات الجوارح ثمرات ~~الخواطر والأعمال نتيجة الأخلاق والآداب رشح المعارف وسرائر القلوب هي ~~مغارس الأفعال ومنابعها وأنوار السرائر هي التي تشرق على الظواهر فتزينها ~~وتجليها وتبدل بالمحاسن مكارهها ومساويها # ومن لم يخشع قلبه لم تخشع جوارحه # ومن لم يكن صدره مشكاة الأنوار الإلهية لم يفض على ظاهره جمال الآداب ~~النبوية ولقد كنت عزمت على أن أختم ربع العادات من هذا الكتاب بكتاب جامع ~~لآداب المعيشة لئلا يشق على طالبها استخراجها من جميع هذه الكتب ثم رأيت كل ~~كتاب من ربع العادات قد أتى على جملة ms1160 من الآداب فاستثقلت تكريرها وإعادتها ~~فإن طلب الإعادة ثقيل والنفوس مجبولة على معاداة المعادات فرأيت أن أقتصر ~~في هذا الكتاب على ذكر آداب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخلاقه المأثورة ~~عنه بالإسناد فأسردها مجموعة فصلا فصلا محذوفة الأسانيد ليجتمع فيه مع جميع ~~الآداب تجديد الإيمان وتأكيده بمشاهدة أخلاقه الكريمة التي شهد آحادها على ~~القطع بأنه أكرم خلق الله تعالى وأعلاهم رتبة وأجلهم قدرا فكيف مجموعها ثم ~~أضيف إلى ذكر أخلاقه ذكر خلقته ثم ذكر معجزاته التي صحت بها الأخبار ليكون ~~ذلك معربا عن مكارم الأخلاق والشيم ومنتزعا عن آذان الجاحدين لنبوته صمام ~~الصمم # والله تعالى ولي التوفيق للاقتداء بسيد المرسلين في الأخلاق والأحوال ~~وسائر معالم الدين فإنه دليل المتحيرين ومجيب دعوة المضطرين # ولنذكر فيه أولا بيان تأديب الله تعالى إياه بالقرآن ثم بيان جوامع من ~~محاسن أخلاقه ثم بيان جملة من آدابه وأخلاقه ثم بيان كلامه وضحكه ثم بيان ~~أخلاقه وآدابه في الطعام ثم بيان أخلاقه وآدابه في اللباس ثم بيان عفوه مع ~~القدرة ثم بيان إغضائه عما كان يكره ثم بيان سخاوته وجوده ثم بيان شجاعته ~~وبأسه ثم بيان تواضعه ثم بيان صورته وخلقته ثم بيان جوامع معجزاته وآياته ~~صلى الله عليه وسلم PageV02P357 ### ||| بيان تأديب الله تعالى حبيبه وصفيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالقرآن # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير الضراعة والابتهال دائم السؤال من ~~الله تعالى أن يزينه بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق فكان يقول في دعائه ~~اللهم حسن خلقي وخلقي (1) ويقول اللهم جنبني منكرات الأخلاق (2) فاستجاب ~~الله تعالى دعاءه وفاء بقوله عز وجل {ادعوني أستجب لكم} فأنزل عليه القرآن ~~وأدبه به فكان خلقه القرآن # قال سعد بن هشام دخلت على عائشة رضي الله عنها وعن أبيها فسألتها عن ~~أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أما تقرأ القرآن قلت بلى قالت ~~كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن (3) # وإنما أدبه القرآن بمثل قوله تعالى {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين} ms1161 وقوله {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي} وقوله {واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} ~~وقوله {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} وقوله {فاعف عنهم واصفح إن ~~الله يحب المحسنين} وقوله {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم} ~~وقوله {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} ~~وقوله {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} وقوله ~~{اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا} ~~ولما كسرت رباعيته وشج يوم أحد فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسح الدم ~~ويقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم (4) فأنزل ~~الله تعالى {ليس لك من الأمر شيء} تأديبا له على ذلك # وأمثال هذه التأديبات في القرآن لا تحصر وهو صلى الله عليه وسلم المقصود ~~الأول بالتأديب والتهذيب ثم منه يشرق النور على كافة الخلق فإنه أدب ~~بالقرآن وأدب الخلق به ولذلك قال صلى الله عليه وسلم بعثت لأتمم مكارم ~~الأخلاق (5) ثم رغب الخلق في محاسن الأخلاق بما أوردناه في كتاب رياضة ~~النفس وتهذيب الأخلاق فلا نعيده ثم لما أكمل الله تعالى خلقه أثنى عليه ~~فقال تعالى {وإنك لعلى خلق عظيم} فسبحانه ما أعظم شأنه وأتم امتنانه ثم ~~انظر إلى عميم لطفه وعظيم فضله كيف أعطى ثم أثني فهو الذي زينه بالخلق ~~الكريم ثم أضاف إليه ذلك فقال {وإنك لعلى خلق عظيم} ثم بين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للخلق أن الله يحب مكارم الأخلاق ويبغض سفسافها (6) قال علي ~~رضي الله عنه يا عجبا لرجل مسلم يجيئه أخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه ~~للخير أهلا فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لقد كان ينبغي له أن ~~يسارع إلى مكارم الأخلاق فإنها مما تدل على سبيل النجاة # فقال له رجل أسمعته من رسول الله PageV02P358 # صلى الله عليه وسلم فقال نعم وما هو خير منه ms1162 لما أتى بسبايا طيء وقفت ~~جارية في السبي فقالت يا محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب ~~فإني بنت سيد قومي وإن أبي كان يحمي الذمار ويفك العاني ويشبع الجائع ويطعم ~~الطعام ويفشي السلام ولم يرد طالب حاجة قط أنا ابنة حاتم الطائي # فقال صلى الله عليه وسلم يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا لو كان أبوك ~~مسلما لترحمنا عليه خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق وإن الله ~~يحب مكارم الأخلاق فقام أبو بردة بن نيار فقال يا رسول الله الله يحب مكارم ~~الأخلاق فقال والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة إلا حسن الأخلاق (1) وعن معاذ ~~بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله حف الإسلام بمكارم الأخلاق ~~ومحاسن الأعمال (2) ومن ذلك حسن المعاشرة وكرم الصنيعة ولين الجانب وبذل ~~المعروف وإطعام الطعام وإفشاء السلام وعيادة المريض المسلم برا كان أو ~~فاجرا وتشييع جنازة المسلم وحسن الجوار لمن جاورت مسلما كان أو كافرا ~~وتوقير ذي الشيبة المسلم وإجابة الطعام والدعاء عليه والعفو والإصلاح بين ~~الناس والجود والكرم والسماحة والابتداء بالسلام وكظم الغيظ والعفو عن ~~الناس واجتناب ما حرمه الإسلام من اللهو والباطل والغناء والمعازف كلها وكل ~~ذي وتر وكل ذي دخل والغلبة والكذب والبخل والشح والجفاء والمكر والخديعة ~~والنميمة وسوء ذات البين وقطيعة الأرحام وسوء الخلق والتكبر والفخر ~~والاختيال والاستطالة والبذخ والفحش والتفحش والحقد والحسد والطيرة والبغي ~~والعدوان والظلم # قال أنس رضي الله عنه # فلم يدع نصيحة جميلة إلا وقد دعانا إليها وأمرنا بها ولم يدع غشا أو قال ~~عيبا أو قال شينا إلا حذرناه ونهانا عنه (3) ويكفي من ذلك كله هذه الآية ~~{إن الله يأمر بالعدل والإحسان} الآية وقال معاذ أوصاني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا معاذ أوصيك باتقاء الله وصدق الحديث والوفاء بالعهد ~~وأداء الأمانة وترك الخيانة وحفظ الجار ورحمة اليتيم ولين الكلام وبذل ~~السلام وحسن العمل وقصر الأمل ولزوم الإيمان والتفقه في القرآن وحب الآخرة ~~والجزع ms1163 من الحساب وخفض الجناح وأنهاك أن تسب حكيما أو تكذب صادقا أو تطيع ~~آثما أو تعصي إماما عادلا أو تفسد أرضا وأوصيك باتقاء الله عند كل حجر وشجر ~~ومدر وأن تحدث لكل ذنب توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية (4) فهكذا أدب ~~عباد الله ودعاهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب ### ||| بيان جملة من محاسن أخلاقه التي جمعها بعض العلماء والتقطها من الأخبار # فقال كان صلى الله عليه وسلم أحلم الناس (5) # وأشجع الناس (6) # وأعدل الناس (7) # وأعف الناس لم تمس يده قط PageV02P359 # يد امرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها أو تكون ذات محرم منه (1) # وكان أسخى الناس (2) لا يبيت عنده دينار ولا درهم وإن فضل شيء ولم يجد من ~~يعطيه وفجأه الليل لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه (3) ~~لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه فقط من أيسر ما يجد من التمر والشعير ~~ويضع سائر ذلك في سبيل الله (4) لا يسأل شيئا إلا أعطاه (5) ثم يعود على ~~قوت عامه فيؤثر منه حتى أنه ربما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء ~~(6) وكان يخصف النعل ويرقع الثوب ويخدم في مهنة أهله (7) ويقطع اللحم معهن ~~(8) وكان أشد الناس حياء لا يثبت بصره في وجه أحد (9) ويجيب دعوة العبد ~~والحر (10) ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن أو فخذ أرنب ويكافيء عليها (11) ~~PageV02P360 # ويأكلها ولا يأكل الصدقة (1) ولا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين (2) ~~يغضب لربه ولا يغضب لنفسه (3) وينفذ الحق وإن عاد ذلك عليه بالضرر أو على ~~أصحابه # وعرض عليه الانتصار بالمشركين على المشركين وهو في قلة وحاجة إلى إنسان ~~واحد يزيده في عدد من معه فأبى وقال أنا لا أنتصر بمشرك (4) وجد من فضلاء ~~أصحابه وخيارهم قتيلا بين اليهود فلم يحف عليهم ولا زاد على مر الحق بل ~~وداه بمائة ناقة وإن بأصحابه لحاجة إلى بعير واحد يتقوون به (5) وكان يعصب ~~الحجر على بطنه مرة من الجوع (6) ومرة يأكل ما حضر ولا يرد ما وجد ولا ~~يتورع عن مطعم حلال ms1164 وإن وجد تمرا دون خبز أكله (7) وإن وجد شواء أكله وإن ~~وجد خبز بر أو شعير أكله وإن وجد حلوا أو عسلا أكله وإن وجد لبنا دون ~~خبزاكتفى به وإن وجد بطيخا أو رطبا أكله لا يأكل متكئا (8) ولا على خوان ~~(9) منديله باطن قدميه (10) لم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام متوالية (11) حتى ~~لقي الله تعالى إيثارا على نفسه لا فقرا ولا بخلا يجيب الوليمة (12) ~~PageV02P361 # ويعود المرضى (1) ويشهد الجنائز ويمشي وحده بين أعدائه بلا حارس (2) أشد ~~الناس تواضعا وأسكنهم في غير كبر (3) وأبلغهم في غير تطويل (4) وأحسنهم ~~بشرا (5) لا يهوله شيء من أمور الدنيا (6) ويلبس ما وجد فمرة شملة ومرة برد ~~حبرة يمانيا ومرة جبة صوف ما وجد من المباح لبس (7) وخاتمه فضة (8) يلبسه ~~في خنصره الأيمن (9) والأيسر (10) يردف خلفه عبده أو غيره (11) يركب ما ~~أمكنه مرة فرسا ومرة بعيرا ومرة بغلة شهباء ومرة حمارا ومرة يمشي راجلا ~~حافيا بلا رداء ولا عمامة ولا قلنسوة يعود المرضى في أقصى المدينة (12) يحب ~~الطيب ويكره الرائحة PageV02P362 # الرديئة (1) ويجالس الفقراء (2) ويؤاكل المساكين (3) ويكرم أهل الفضل في ~~أخلاقهم ويتألف أهل الشرف بالبر لهم (4) يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على ~~من هو أفضل منهم (5) لا يجفو على أحد (6) يقبل معذرة المعتذر إليه (7) يمزح ~~ولا يقول إلا حقا (8) يضحك من غير قهقهة (9) يرى اللعب المباح فلا ينكره ~~(10) يسابق أهله (11) وترفع الأصوات عليه فيصبر (12) وكان له لقاح وغنم ~~يتقوت هو وأهله من ألبانها (13) وكان له عبيد وإماء لا يرتفع عليهم في ~~PageV02P363 # مأكل ولا ملبس (1) ولا يمضي له وقت في غير عمل لله تعالى أو فيما لا بد ~~له منه من صلاح نفسه (2) يخرج إلى بساتين أصحابه (3) لا يحتقر مسكينا لفقره ~~وزمانته ولا يهاب ملكا لملكه يدعو هذا وهذا إلى الله دعاء مستويا (4) قد ~~جمع الله تعالى له السيرة الفاضلة والسياسة التامة وهو أمي لا يقرأ ولا ~~يكتب نشأ في بلاد الجهل والصحارى في فقره وفي رعاية الغنم يتيما لا أب له ~~ولا أم فعلمه الله ms1165 تعالى جميع محاسن الأخلاق والطرق الحميدة وأخبار الأولين ~~والآخرين وما فيه النجاة والفوز في الآخرة والغبطة والخلاص في الدنيا ولزوم ~~الواجب وترك الفضول (5) وفقنا الله لطاعته في أمره والتأسي به في فعله آمين ~~يا رب العالمين ### ||| بيان جملة أخرى من آدابه وأخلاقه # مما رواه أبو البحتري قال ما شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من ~~المؤمنين بشتيمة إلا جعل لها كفارة ورحمة (6) وما لعن امرأة قط ولا خادما ~~بلعنة (7) وقيل له وهو في القتال لو لعنتم يا رسول الله فقال إنما بعثت ~~PageV02P364 # رحمة ولم أبعث لعانا (1) وكان إذا سئل أن يدعو على أحد مسلم أو كافر عام ~~أو خاص عدل عن الدعاء عليه إلى الدعاء له (2) وما ضرب بيده أحدا قد إلا أن ~~يضرب بها في سبيل الله تعالى وما انتقم من شيء صنع إليه قط إلا أن تنتهك ~~حرمة الله وما خير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون فيه إثم أو ~~قطيعة رحم فيكون أبعد الناس من ذلك (3) وما كان يأتيه أحد حر أو عبد أو أمة ~~إلا قام معه في حاجته (4) وقال أنس رضي الله عنه والذي بعثه بالحق ما قال ~~لي في شيء قط كرهه لم فعلته ولا لامني نساؤه إلا قال دعوه إنما كان هذا ~~بكتاب وقدر (5) قالوا وما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مضجعا إن فرشوا ~~له اضطجع وإن لم يفرش له اضطجع على الأرض (6) وقد وصفه الله تعالى في ~~التوراة قبل أن يبعثه في السطر الأول فقال محمد رسول الله عبدي المختار لا ~~فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ~~مولده بمكة وهجرته بطابة وملكه بالشام يأتزر على وسطه هو ومن معه دعاة ~~للقرآن والعلم يتوضأ على أطرافه # وكذلك نعته في الإنجيل # وكان من خلقه أن يبدأ من لقيه بالسلام (7) ومن قاومه لحاجة صابره حتى ~~يكون هو المنصرف (8) وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر (9) وكان ~~إذا لقي ms1166 أحدا من أصحابه بدأه بالمصافحة ثم أخذ بيده فشابكه ثم شد قبضته ~~عليها (10) وكان لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر الله (11) وكان لا يجلس إليه ~~أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته وأقبل عليه فقال ألك حاجة PageV02P365 # فإذا فرغ من حاجته عاد إلى صلاته (1) وكان أكثر جلوسه أن ينصب ساقيه ~~جميعا ويمسك بيديه عليهما شبه الحبوة (2) ولم يكن يعرف مجلسه من مجلس ~~أصحابه (3) لأنه كان حيث انتهى به المجلس جلس (4) وما رؤي قط ماذا رجليه ~~بين أصحابه حتى لا يضيق بهما على أحد إلا أن يكون المكان واسعا لا ضيق فيه ~~وكان أكثر ما يجلس مستقبل القبلة (5) وكان يكرم من يدخل عليه حتى ربما بسط ~~ثوبه لمن ليست بينه وبينه قرابة ولا رضاع يجلسه عليه (6) وكان يؤثر الداخل ~~عليه بالوسادة التي تحته فإن أبى أن يقبلها عزم عليه حتى يفعل (7) وما ~~استصفاه أحد إلا ظن أنه أكرم الناس عليه (8) حتى يعطي كل من جلس إليه نصيبه ~~من وجهه حتى كأن مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف محاسنه وتوجهه للجالس إليه ~~ومجلسه مع ذلك مجلس حياء وتواضع وأمانة قال الله تعالى فيما رحمة من الله ~~لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ولقد كان يدعو أصحابه ~~بكناهم إكراما لهم واستمالة لقلوبهم (9) ويكني من لم تكن له كنية فكان يدعى ~~بما كناه به (10) ويكني أيضا النساء اللاتي لهن الأولاد واللاتي لم يلدن ~~يبتدئ لهن الكنى (11) PageV02P366 # ويكني الصبيان فيستلين به قلوبهم (1) وكان أبعد الناس غضبا وأسرعهم رضا ~~(2) وكان أرأف الناس بالناس وخير الناس للناس وأنفع الناس للناس (3) ولم ~~تكن ترفع في مجلسه الأصوات (4) وكان إذا قام من مجلسه قال سبحانك اللهم ~~وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك {ثم يقول} علمنيهن جبريل ~~عليه السلام (5) ### ||| بيان كلامه وضحكه صلى الله عليه وسلم # كان صلى الله عليه وسلم أفصح الناس منطقا وأحلاهم كلاما ويقول (6) أنا ~~أفصح العرب (7) وإن أهل الجنة يتكلمون فيها بلغة محمد صلى الله عليه وسلم ~~(8) وكان نزر الكلام ms1167 سمح المقالة إذا نطق ليس بمهذار وكان كلامه كخرزات ~~نظمن (9) قالت عائشة رضي الله تعالى عنها كان لا يسرد الكلام كسردكم هذا ~~كان كلامه نزرا وأنتم تنثرون الكلام نثرا (10) قالوا وكان أوجز الناس كلاما ~~وبذاك جاءه جبريل وكان مع الإيجاز يجمع كل ما أراد (11) وكان يتكلم بجوامع ~~الكلم لا فضول ولا تقصير كأنه يتبع بعضه بعضا بين كلامه توقف يحفظه سامعه ~~ويعيه (12) وكان جهير الصوت أحسن الناس نغمة (13) وكان طويل السكوت لا ~~يتكلم في غير PageV02P367 # حاجة (1) ولا يقول المنكر ولا يقول في الرضا والغضب إلا الحق (2) ويعرض ~~عمن تكلم بغير جميل (3) ويكني عما اضطره الكلام إليه مما يكره (4) وكان إذا ~~سكت تكلم جلساؤه ولا يتنازع عنده (5) في الحديث ويعظ بالجد والنصيحة (6) ~~ويقول لا تضربوا القرآن بعضه ببعض فإنه أنزل على وجوه (7) وكان أكثر الناس ~~تبسما وضحكا في وجوه أصحابه وتعجبا مما تحدثوا به وخلطا لنفسه بهم (8) ~~ولربما ضحك حتى تبدو نواجذه (9) وكان ضحك أصحابه عنده التبسم اقتداء به ~~وتوقيرا له (10) قالوا ولقد جاءه أعرابي يوما وهو عليه السلام متغير اللون ~~ينكره أصحابه فأراد أن يسأله فقالوا لا تفعل يا أعرابي فإنا ننكر لونه فقال ~~دعوني فوالذي بعثه بالحق نبيا لا أدعه حتى يتبسم فقال يا رسول الله بلغنا ~~أن المسيح يعني الدجال يأتي الناس بالثريد وقد هلكوا جوعا أفترى لي بأبي ~~أنت وأمي أن أكف عن ثريده تعففا وتنزها حتى أهلك هرالا أم أضرب في ثريده ~~حتى إذا تضلعت شبعا آمنت بالله وكفرت به قالوا فضحك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال لا بل يغنيك الله بما يغني به المؤمنين ~~(11) قالوا وكان PageV02P368 # من أكثر الناس تبسما وأطيبهم نفسا مالم ينزل عليه قرآن أو يذكر الساعة أو ~~يخطب بخطبة عظة (1) وكان إذا سر ورضي فهو أحسن الناس رضا فإن وعظ وعظ بجد ~~وإن غضب وليس يغضب إلا لله لم يقم لغضبه شيء وكذلك كان في أموره كلها (2) ~~وكان إذا نزل به الأمر فوض الأمر إلى الله ms1168 وتبرأ من الحول والقوة واستنزل ~~الهدى فيقول اللهم أرني الحق حقا فأتبعه وأرني المنكر منكرا وأرزقني ~~اجتنابه وأعذني من أن يشتبه علي فأتبع هواي بغير هدى منك واجعل هواي تبعا ~~لطاعتك وخذ رضا نفسك من نفسي في عافية واهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ~~إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم (3) ### ||| بيان أخلاقه وآدابه في الطعام # كان صلى الله عليه وسلم يأكل ما وجد (4) وكان أحب الطعام إليه ما كان على ~~ضفف (5) والضفف ما كثرت عليه الأيدي وكان إذا وضعت المائدة قال بسم الله ~~اللهم اجعلها نعمة مشكورة تصل بها نعمة الجنة (6) وكان كثيرا إذا جلس يأكل ~~يجمع بين ركبتيه وبين قدميه كما يجلس المصلي إلا أن الركبة تكون فوق الركبة ~~والقدم فوق القدم ويقول إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس ~~العبد (7) وكان لا يأكل الحار ويقول إنه غير ذي PageV02P369 # بركة وإن الله لم يطعمنا نارا فأبردوه (1) وكان يأكل مما يليه (2) ويأكل ~~بأصابعه الثلاث (3) وربما استعان بالرابعة (4) ولم يأكل بأصبعين ويقول إن ~~ذلك أكلة الشيطان (5) وجاءه عثمان بن عفان رضي الله عنه بفالوذج فأكل منه ~~وقال ما هذا يا عبد الله قال بأبي أنت وأمي نجعل السمن والعسل في البرمة ~~ونضعها على النار ثم نغليه ثم نأخذ مخ الحنطة إذا طحنت فنقليه على السمن ~~والعسل في البرمة ثم نسوطه حتى ينضج فيأتي كما ترى فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن هذا الطعام طيب (6) وكان يأكل خبز الشعير غير منخول (7) وكان ~~يأكل القثاء بالرطب (8) وبالملح (9) وكان أحب الفواكه الرطبة إليه البطيخ ~~والعنب (10) وكان يأكل البطيخ بالخبز وبالسكر (11) وربما أكله PageV02P370 # بالرطب (1) ويستعين باليدين جميعا وأكل يوما الرطب في يمينه وكان يحفظ ~~النوى في يساره فمرت شاة فأشار إليها بالنوى فجعلت تأكل من كفه اليسرى وهو ~~يأكل بيمينه حتى فرغ وانصرفت الشاة (2) وكان ربما أكل العنب خرطا يرى زؤانه ~~على لحيته كخرز اللؤلؤ (3) وكان أكثر طعامه الماء والتمر (4) وكان اللبن ~~بالتمر ويسميهما الأطيبين (5) وكان أحب الطعام ms1169 إليه اللحم ويقول هو يزيد في ~~السمع وهو سيد الطعام في الدنيا والآخرة ولو سألت ربي أن يطعمنيه كل يوم ~~لفعل (6) وكان يأكل الثريد باللحم والقرع (7) وكان يحب القرع ويقول إنها ~~شجرة أخي يونس عليه السلام (8) قالت عائشة رضي الله عنها وكان يقول عائشة ~~إذ طبختم قدرا فأكثروا فيها من الدباء فإنه يشد قلب الحزين (9) وكان يأكل ~~لحم الطير الذي يصاد (10) وكان لا يتبعه والصيد ويحب أن يصاد له ويؤتى به ~~فيأكله (11) وكان إذا أكل اللحم لم يطأطئ رأسه إليه ويرفعه إلى فيه رفعا ثم ~~ينتهشه انتهاشا (12) وكان يأكل الخبز والسمن (13) وكان يحب من الشاة الذراع ~~والكف ومن القدر الدباء ومن الصباغ الخل ومن التمر PageV02P371 # العجوة (1) ودعا في العجوة بالبركة وقال هي من الجنة وشفاء من السم ~~والسحر (2) وكان يحب من البقول الهندباء والباذروج والبقلة الحمقاء التي ~~يقال لها الرجلة (3) وكان يكره الكليتين لمكانهما من البول (4) وكان لا ~~يأكل من الشاة سبعا الذكر والأنثيين والمثانة والمرارة والغدد والحيا والدم ~~ويكره ذلك (5) وكان لا يأكل الثوم ولا البصل ولا الكراث (6) وما ذم طعاما ~~قط لكن إن أعجبه أكله وإن كرهه تركه وإن عافه لم يبغضه إلى غيره (7) وكان ~~يعاف الضب والطحال ولا يحرمهما (8) وكان يلعق بأصابعه الصحفة ويقول آخر ~~الطعام أكثر بركة (9) وكان يلعق أصابعه من الطعام حتى تحمر (10) وكان لا ~~يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه واحدة واحدة ويقول إنه لا يدري في أي ~~الطعام البركة (11) PageV02P372 # وإذا فرغ قال الحمد لله اللهم لك الحمد أطعمت فأشبعت وسقيت فأرويت لك ~~الحمد غير مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه (1) وكان إذا أكل الخبز واللحم ~~خاصة غسل يديه غسلا جيدا ثم يمسح بفضل الماء على وجهه (2) وكان يشرب في ~~ثلاث دفعات وله فيها ثلاث تسميات وفي أواخرها ثلاث تحميدات (3) وكان يمص ~~الماء مصا ولا يعب عبا (4) وكان يدفع فضل سؤره إلى من على يمينه (5) فإن ~~كان من على يساره أجل رتبة قال للذي على يمينه السنة أن تعطي فإن أحببت ~~آثرتهم (6) وربما كان ms1170 يشرب بنفس واحد حتى يفرغ (7) وكان لا يتنفس في الإناء ~~بل ينحرف عنه (8) وأتى بإناء فيه عسل ولبن فأبى أن يشربه وقال شربتان في ~~شربة وإدامان في إناء واحد (9) ثم قال صلى الله عليه وسلم لا أحرمه ولكني ~~أكره الفخر والحساب بفضول الدنيا غدا وأحب التواضع فإن من تواضع لله رفعه ~~الله وكان في بيته أشد حياء من العاتق لا يسألهم طعاما ولا يتشهاه عليهم إن ~~أطعموه أكل وما أعطوه قبل وما سقوه شرب (10) وكان ربما قام فأخذ ما يأكل ~~بنفسه أو يشرب (11) PageV02P373 ### ||| بيان آدابه وأخلاقه في اللباس # كان صلى الله عليه وسلم يلبس من الثياب ما وجد من إزار أو رداء أو قميص ~~أو جبة أو غير ذلك (1) وكان يعجبه الثياب الخضر (2) وكان أكثر لباسه البياض ~~ويقول ألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم وكان يلبس القباء المحشو للحرب ~~وغير الحرب (3) وكان له قباء سندس فيلبسه فتحسن خضرته على بياض لونه (4) ~~وكانت ثيابه كلها مشمرة فوق الكعبين ويكون الأزار فوق ذلك إلى نصف الساق ~~(5) وكان قميصه مشدود الأزرار وربما حل الأزرار في الصلاة وغيرها (6) وكانت ~~له ملحفة مصبوغه بالزعفران وربما صلى بالناس فيها وحدها (7) وربما ليس ~~الكساء وحده ما عليه غيره (8) وكان له كساء ملبد يلبسه ويقول إنما أنا عبد ~~ألبس كما يلبس العبد (9) وكان له ثوبان PageV02P374 # لجمعته خاصة سوى ثيابه في غير الجمعة (1) وربما لبس الإزار الواحد ليس ~~عليه غيره ويعقد طرفيه بين كتفيه (2) وربما أم به الناس على الجنائز (3) ~~وربما صلى في بيته في الإزار الواحد ملتحفا به مخالفا بين طرفيه ويكون ذلك ~~الإزار الذي جامع فيه يومئذ (4) وكان ربما صلى بالليل بالإزار ويرتدي ببعض ~~الثوب مما يلي هدبه ويلقى البقية على بعض نسائه فيصلي كذلك (5) ولقد كان له ~~كساء فوهبه فقالت له أم سلمة بأبي أنت وأمي ما فعل ذلك الكساء الأسود فقال ~~كسوته فقالت ما رأيت شيئا قط كان أحسن من بياضك على سواده (6) وقال أنس ~~وربما رأيته يصلي بنا الظهر في شملة عاقدا بين طرفيه (7) وكان ms1171 يتختم (8) ~~وربما خرج وفي خاتمه الخيط المربوط يتذكر به الشيء (9) وكان يختم به على ~~الكتب ويقول الخاتم على الكتاب خير من التهمة (10) وكان يلبس القلانس تحت ~~العمائم وبغير عمامة وربما نزع قلنسوته من رأسه فجعلها سترة بين يديه ثم ~~يصلى إليها (11) وربما لم تكن العمامة فيشد العصابة PageV02P375 # على رأسه وعلى جبهته (1) وكانت له عمامة تسمى السحاب فوهبها من علي فربما ~~طلع على فيها فيقول صلى الله عليه وسلم أتاكم علي في السحاب (2) وكان إذا ~~لبس ثوبا لبسه من قبل ميامنه (3) ويقول الحمد لله الذي كساني ما أواري به ~~عورتي وأتجمل به في الناس (4) وإذا نزع ثوبه أخرجه من مياسره (5) وكان إذا ~~لبس جديدا أعطى خلق ثيابه مسكينا ثم يقول ما من مسلم يكسو مسلما من سمل ~~ثيابه لا يكسوه إلا الله إلا كان في ضمان الله وحرزه وخيره ما واراه حيا ~~وميتا (6) وكان له فراش من أدم حشوه ليف طوله ذراعان أو نحوه وعرضه ذراع ~~وشبر أو نحوه (7) وكانت له عباءة تفرش له حيثما تنقل تثنى طاقين تحته (8) ~~وكان ينام على الحصير ليس تحته شيء غيره (9) وكان من خلقه تسمية دوابه ~~وسلاحه ومتاعه وكان اسم رايته العقاب # واسم سيفه الذي يشهد به الحروب ذو الفقار # وكان له سيف يقال له المخذم # وآخر يقال له الرسوب وآخر يقال له القضيب # وكانت قبضة سيفه محلاة بالفضة (10) PageV02P376 # وكان يلبس المنطقة من الآدم فيها ثلاث حلق من فضة (1) وكان اسم قوسه ~~الكتوم وجعبته الكافور (2) وكان اسم ناقته القصواء وهي التي يقال لها ~~العضبا واسم بغلته الدلدل وكان اسم حماره يعفور واسم شاته التي يشرب لبنها ~~عينة (3) وكان له مطهرة من فخار يتوضأ فيها ويشرب منها (4) فيرسل الناس ~~أولادهم الصغار الذين قد عقلوا فيدخلوه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلا يدفعون عنه فإذا وجدوا في المطهرة ماء شربوا منه ومسحوا على وجوههم ~~وأجسادهم ويبتغون بذلك البركة ### ||| بيان عفوه صلى الله عليه وسلم مع قدرته # كان صلى الله عليه وسلم أحلم الناس (5) وأرغبهم في ms1172 العفو مع القدرة حتى ~~أتى بقلائد من ذهب وفضة فقسمها بين أصحابه فقام رجل من أهل البادية فقال يا ~~محمد والله لئن أمرك الله أن تعدل فما أراك تعدل فقال ويحك فمن يعدل عليه ~~بعدي فلما ولي قال ردوه على رويدا (6) روى جابر أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~يقبض للناس يوم خيبر من فضة في ثوب بلال فقال له رجل يا رسول الله أعدل ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك فمن يعدل إذا لم أعدل فقد خبت ~~إذن وخسرت إن كنت لا أعدل فقام عمر فقال ألا أضرب عنقه فإنه منافق فقال ~~معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي (7) وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في حرب فرأوا من المسلمين غرة فجاء رجل حتى قام على رأس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالسيف فقال من يمنعك مني فقال الله فقال فسقط ~~السيف من يده فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف وقال من يمنعك مني ~~فقال كن خير آخذ قال قل أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال لا ~~غير أني لا أقاتلك ولا أكون معك PageV02P377 # ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى سبيله فجاء أصحابه فقال جئتكم من عند خير ~~الناس (1) وروى أنس أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة ~~ليأكل منها فجيء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت # أردت قتلك فقال ما كان الله ليسلطك على ذلك قالوا أفلا تقتلها فقال لا ~~(2) وسحره رجل من اليهود فأخبره جبريل عليه أفضل الصلاة والسلام بذلك حتى ~~استخرجه وحل العقد فوجد لذلك خفة وما ذكر ذلك لليهودي ولا أظهره عليه قط ~~(3) وقال علي رضي الله عنه بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا الزبير ~~والمقداد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه ~~منها فانطلقنا حتى أتينا روضة خاخ فقلنا أخرجي الكتاب فقالت ما معي من كتاب ~~فقلنا ms1173 لتخرجن الكتاب أو لننزعن الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبي ~~صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ~~بمكة يخبرهم أمرا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا حاطب ما هذا ~~قال يا رسول الله لا تعجل علي أني كنت امرأ ملصقا في قومي وكان من معك من ~~المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهلهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب منهم ~~أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي ولم أفعل ذلك كفرا ولا رضا بالكفر بعد ~~الإسلام ولا ارتدادا عن ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صدقكم ~~فقال عمر رضي الله عنه دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال صلى الله عليه وسلم ~~إنه شهد بدرا وما يدريك لعل الله عز وجل قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ~~ما شئتم فقد غفرت لكم (4) وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمة فقال رجل ~~من الأنصار هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فاحمر وجهه وقال رحم الله أخي موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر (5) ~~وكان صلى الله عليه وسلم يقول لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا ~~فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر (6) ### ||| بيان إغضائه صلى الله عليه وسلم عما كان يكرهه # كان رسول الله رقيق البشرة لطيف الظاهر والباطن يعرف في وجهه غضبه ورضاه ~~(7) وكان إذا اشتد وجده أكثر من مس لحيته الكريمة (8) وكان لا يشافه أحد ~~بما يكرهه دخل عليه رجل وعليه صفرة فكرهها فلم يقل له شيئا حتى خرج فقال ~~لبعض القوم لو قلتم لهذا أن يدع هذه (9) يعني الصفرة وبال أعرابي في المسجد ~~بحضرته فهم به PageV02P378 # الصحابة فقال صلى الله عليه وسلم لا تزرموه أي لا تقطعوا عليه البول ثم ~~قال له إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول والخلاء (1) وفي رواية ~~قربوا ولا تنفروا # وجاءه أعرابي يوما ms1174 يطلب منه شيئا فأعطاه صلى الله عليه وسلم ثم قال له ~~أحسنت إليك قال الأعرابي لا ولا أجملت قال فغضب المسلمون وقاموا إليه فأشار ~~إليهم أن كفوا ثم قام ودخل منزله وأرسل إلى الأعرابي وزاده شيئا ثم قال ~~أحسنت إليك قال نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيء من ذلك فإن أحببت فقل بين ~~أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك قال نعم فلما كان ~~الغد أو العشى جاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا الأعرابي قال ما ~~قال فزدناه فزعم أنه رضي أكذلك فقال الأعرابي نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة ~~خيرا فقال صلى الله عليه وسلم إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ~~ناقة شردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا فناداهم صاحب الناقة ~~خلوا بيني وبين ناقتي فإني أرفق بها وأعلم فتوجه لها صاحب الناقة بين يديه ~~فأخذ لها من قمام الأرض فردها هونا حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها ~~واستوى عليها وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار (2) ### ||| بيان سخاوته وجوده صلى الله عليه وسلم # كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأسخاهم وكان في شهر رمضان كالريح ~~المرسلة لا يمسك شيئا (3) وكان علي رضي الله عنه إذا وصف النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال كان أجود الناس كفا وأوسع الناس صدرا وأصدق الناس لهدة ~~وأوفاهم ذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشيرة من رآه بديهة هابه ومن خالطه ~~معرفة أحبه يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله (4) وما سئل عن شيء قط على ~~الإسلام إلا أعطاه (5) وإن رجلا أتاه فسأله فأعطاه غنما سدت ما بين جبلين ~~فرجع إلى قومه وقال أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة # وما سئل شيئا قط فقال لا (6) وحمل إليه تسعون ألف درهم فوضعها على حصير ~~ثم قام إليها فقسمها ms1175 فما رد سائلا حتى فرغ منها (7) وجاء رجل فسأله فقال ما ~~عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا جاءنا شيء قضيناه فقال عمر يا رسول الله ما ~~كلفك الله مالا تقدر عليه فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال الرجل ~~أنفق ولا تخش من ذلك العرش إقلالا فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV02P379 # وعرف السرور في وجهه (1) ولما قفل من حنين جاءت الأعراب يسألونه حتى ~~اضطروه إلى شجرة فخطفت رداءه فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ~~أعطوني ردائي لو كان لي عدد هذه العضاة نعما لقسمتها بينكم ثلا لا تجدوني ~~بخيلا ولا كذابا ولا جبانا (2) ### ||| بيان شجاعته صلى الله عليه وسلم # كان صلى الله عليه وسلم أنجد الناس وأشجعهم (3) قال علي رضي الله عنه لقد ~~رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو ~~وكان من أشد الناس يومئذ بأسا (4) وقال أيضا كنا إذا احمر البأس ولقي القوم ~~القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو ~~منه (5) قيل وكان صلى الله عليه وسلم قليل الكلام قليل الحديث فإذا أمر ~~الناس بالقتال تشمر وكان من أشد الناس بأسا (6) وكان الشجاع هو الذي يقرب ~~منه في الحرب لقربه من العدو (7) وقال عمران بن حصين ما لقى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كتيبة إلا كان أول من يضرب (8) وقالوا كان قوي البطش (9) ~~ولما غشيه المشركون نزل عن بغلته فجعل يقول # أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب # فما رؤي يومئذ أحد كان أشد منه (10) ### ||| بيان تواضعه صلى الله عليه وسلم # كان صلى الله عليه وسلم أشد الناس تواضعا في علو منصبه (11) قال ابن عامر ~~رأيته يرمي الجمرة على ناقة شهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك (12) وكان ~~يركب الحمار موكفا عليه قطيفة وكان مع ذلك يستردف (13) وكان يعود ~~PageV02P380 # المريض ويتبع الجنازة ويجيب دعوة المملوك (1) ويخصف النعل ويرقع الثوب ~~وكان يصنع في بيته مع أهله في حاجتهم (2) وكان ms1176 أصحابه لا يقومون له لما ~~عرفوا من كراهته لذلك (3) وكان يمر على الصبيان فيسلم عليهم (4) وأتى صلى ~~الله عليه وسلم برجل فأرعد من هيبته فقال له هون عليك فلست بملك إنما أنا ~~ابن امرأة من قريش تأكل القديد (5) وكان يجلس بين أصحابه مختلطا بهم كأنه ~~أحدهم فيأتي الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل عنه حتى طلبوا إليه أن يجلس ~~مجلسا يعرفه الغريب فبنوا له دكانا من طين فكان يجلس عليه (6) وقالت له ~~عائشة رضي الله عنها كل جعلني الله فداك متكئا فإنه أهون عليك قال فأصغى ~~رأسه حتى كاد أن تصيب جبهته الأرض ثم قال بل آكل كما يأكل العبد وأجلس كما ~~يجلس العبد (7) وكان لا يأكل على خوان ولا في سكرجة حتى لحق بالله تعالى ~~(8) وكان لا يدعوه أحد من أصحابه وغيرهم إلا قال لبيك (9) وكان إذا جلس مع ~~الناس إن تكلموا في معنى الآخرة أخذ معهم وإن تحدثوا في طعام أو شراب تحدث ~~معهم وإن تكلموا في الدنيا تحدث معهم رفقا بهم وتواضعا لهم (10) وكانوا ~~يتناشدون الشعر بين يديه أحيانا ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية ويضحكون ~~فتبسم هو إذا ضحكوا ولا يزجرهم إلا عن حرام (11) ### ||| بيان صورته وخلقته صلى الله عليه وسلم # وكان من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن بالطويل البائن ولا ~~بالقصير المتردد بل كان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده ومع ذلك فلم يكن ~~يماشيه أحد من الناس ينسب إلى الطول إلا طاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما فإذا فارقاه نسبا إلى الطول ونسب ~~هو صلى الله عليه وسلم إلى الربعة ويقول صلى الله عليه وسلم جعل الخير كله ~~في الربعة (12) PageV02P381 # وأما لونه فقد كان أزهر اللون ولم يكن بالآدم ولا بالشديد البياض والأزهر ~~هو الأبيض الناصع الذي لا تشوبه صفرة ولا حمرة ولا شيء من الألوان ونعته ~~عمه أبو طالب فقال # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل (1) # ونعته بعضهم بأنه مشرب ms1177 بحمرة فقالوا إنما كان المشرب منه بالحمرة ما ظهر ~~للشمس والرياح كالوجه والرقبة والأزهر الصافي عن الحمرة ما تحت الثياب منه ~~وكان عرقه صلى الله عليه وسلم في وجهه كاللؤلؤ أطيب من المسك الأذفر # وأما شعره فقد كان رجل الشعر حسنه ليس بالسبط ولا الجعد القطط وكان إذا ~~مشطه بالمشط يأتى كأنه حبك الرمل # وقيل كان شعره يضرب منكبيه وأكثر الرواية أنه كان إلى شحمة أذنيه ربما ~~جعله غدائر أربعا تخرج كل أذن من بين غديرتين # وربما جعل شعره على أذنيه فتبدوا سوالفه تتلألأ # وكان شيبه في الرأس واللحية سبع عشرة شعرة ما زاد على ذلك # وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأنورهم لم يصفه واصف إلا شبهه ~~بالقمر ليلة البدر وكان يرى رضاه وغضبه في وجهه لصفاء بشرته وكانوا يقولون ~~هو كما وصفه صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه حيث يقول # أمين مصطفى للخير يدعو ... كضوء البدر زايله الظلام # وكان صلى الله عليه وسلم واسع الجبهة أزج الحاجبين سابغهما وكان أبلج ما ~~بين الحاجبين كأن ما بينهما الفضة المخلصة وكانت عيناه نجلاوين أدعجهما ~~وكان في عينيه تمزج من حمرة وكان أهدب الأشفار حتى تكاد تلتبس من كثرتها ~~وكان أقنى العرنين أي مستوى الأنف وكان مفلج الأسنان أي متفرقها وكان إذا ~~افتر ضاحكا افتر عن مثل سنا البرق إذا تلألأ وكان من أحسن عباد الله شفتين ~~وألطفهم ختم فم وكان سهل الخدين صلبهما ليس بالطويل الوجه ولا المكلثم كث ~~اللحية وكان يعفي لحيته ويأخذ من شاربه وكان أحسن عباد الله عنقا لا ينسب ~~إلى الطول ولا إلى القصر ما ظهر من عنقه للشمس والرياح فكأنه إبريق فضة ~~مشرب ذهبا يتلألأ في بياض الفضة وفي حمرة الذهب وكان صلى الله عليه وسلم ~~عريض الصدر لا يعدو لحم بعض بدنه بعضا كالمرآة في استوائها وكالقمر في ~~بياضه موصول ما بين لبته وسرته بشعر منقاد كالقضيب لم يكن في صدره ولا بطنه ~~شعر غيره وكانت له عكن ثلاث يغطي الإزار ms1178 منها واحدة ويظهر اثنتان وكان عظيم ~~المنكبين أشعرهما ضخم الكراديس أي رءوس العظام من المنكبين والمرفقين ~~والوركين وكان واسع الظهر ما بين كتفيه خاتم النبوة وهو مما يلي منكبه ~~الأيمن فيه شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متواليات كأنها من عرف ~~فرس وكان عبل العضدين والذراعين طويل PageV02P382 # الزندين رحب الراحتين سائل الأطراف كأن أصابعه قضبان الفضة كفه ألين من ~~الخز كأن كفه كف عطار طيبا مسها بطيب أو لم يمسها يصافحه المصافح فيظل يومه ~~يجد ريحها ويضع يده على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان بريحها على رأسه ~~وكان عبل ما تحت الإزار من الفخذين والساق وكان معتدل الخلق في السمن بدن ~~في آخر زمانه وكان لحمه متماسكا يكاد يكون على الخلق الأول لم يضره السمن # وأما مشيه صلى الله عليه وسلم فكان يمشي كأنما يتقلع من صخر وينحدر من ~~صبب يخطو تكفيا ويمشي الهوينى بغير تبختر والهوينى تقارب الخطا وكان صلى ~~الله عليه وسلم يقول أنا أشبه الناس بآدم صلى الله عليه وسلم وكان أبي ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم أشبه الناس بي خلقا وخلقا وكان يقول إن لي عند ~~ربي عشرة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ~~وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد وأنا الحاشر يحشر الله العباد على قدمى وأنا ~~رسول الرحمة ورسول التوبة ورسول الملاحم والمقفى قفيت الناس جميعا وأنا قثم ~~(1) قال أبو البحتري والقثم الكامل الجامع والله أعلم ### ||| بيان معجزاته وآياته الدالة على صدقه # اعلم أن من شاهد أحواله صلى الله عليه وسلم وأصغى إلى سماع أخباره ~~المشتملة على أخلاقه وأفعاله وأحواله وعاداته وسجاياه وسياسته لأصناف الخلق ~~وهدايته إلى ضبطهم وتألفه أصناف الخلق وقوده إياهم إلى طاعته مع ما يحكى من ~~عجائب أجوبته في مضايق الأسئلة وبدائع تدبيراته في مصالح الخلق ومحاسن ~~إشاراته في تفصيل ظاهر الشرع الذي يعجز الفقهاء والعقلاء عن إدراك أوائل ~~دقائقها في طول أعمارهم لم يبق له ريب ولا شك في أن ذلك لم ms1179 يكن مكتسبا ~~بحيلة تقوم بها القوة البشرية بل لا يتصور ذلك إلا بالاستمداد من تأييد ~~سماوي وقوة إلهية وأن ذلك كله لا يتصور لكذاب ولا ملبس بل كانت شمائله ~~وأحواله شواهد قاطعة بصدقه حتى إن العربي القح كان يراه فيقول والله ما هذا ~~وجه كذاب فكان يشهد له بالصدق بمجرد شمائله فكيف من شاهد أخلاقه ومارس ~~أحواله في جميع مصادره وموارده وإنما أوردنا بعض أخلافه لتعرف محاسن ~~الأخلاق وليتنبه لصدقه صلى الله عليه وسلم وعلو منصبه ومكانته العظيمة عند ~~الله إذ آتاه الله جميع ذلك وهو رجل أمي لم يمارس العلم ولم يطالع الكتب ~~ولم يسافر قط في طلب علم ولم يزل بين أظهر الجهال من الأعراب يتيما ضعيفا ~~مستضعفا فمن أين حصل له محاسن الأخلاق والآداب ومعرفة مصالح الفقه مثلا فقط ~~دون غيرهم من العلوم فضلا عن معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه وغير ذلك من ~~خواص النبوة لولا صريح الوحي ومن أين لقوة البشر الاستقلال بذلك فلو لم يكن ~~له إلا هذه الأمور الظاهرة لكان فيه كفاية # وقد ظهر من آياته ومعجزاته مالا يستريب فيه محصل فلنذكر من جملتها ما ~~استفاضت به الأخبار واشتملت عليه الكتب الصحيحة إشارة إلى مجامعها من غير ~~تطويل بحكاية التفصيل # فقد خرق الله العادة على يده غير مرة إذ شق له القمر بمكة لما سألته قريش ~~آية (2) وأطعم النفر الكثير في PageV02P383 # منزل جابر (1) وفي منزل أبي طلحة ويوم الخندق (2) ومرة أطعم ثمانين من ~~أربعة أمداد شعير وعناق (3) وهو من أولاد المعز فوق العتود ومرة أكثر من ~~ثمانين رجلا من أقراص شعير حملها أنس في يده (4) ومرة أهل الجيش من تمر ~~يسير ساقته بنت بشير في يدها فأكلوا كلهم حتى شبعوا من ذلك وفضل لهم (5) ~~ونبع الماء من بين أصابعه عليه السلام فشرب أهل العسكر كلهم وهم عطاش ~~وتوضئوا من قدح صغير ضاق عن أن يبسط عليه السلام يده فيه (6) وأهراق صلى ~~الله عليه وسلم وضوءه في عين تبوك ولا ماء فيها ومرة أخرى في ms1180 بئر الحديبية ~~فجاشتا بالماء فشرب من عين تبوك أهل الجيش وهم ألوف حتى رووا وشرب من بئر ~~الحديبية ألف وخمسمائة ولم يكن فيها قبل ذلك ماء (7) وأمر صلى الله عليه ~~وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يزود أربعمائة راكب من تمر كان في ~~اجتماعه كربضة البعير وهو موضع بروكه فزودهم كلهم منه وبقي منه فحبسه (8) ~~ورمى الجيش بقبضة من تراب فعميت عيونهم ونزل بذلك القرآن في قوله تعالى وما ~~رميت إذ رميت ولكن الله رمى (9) وأبطل الله تعالى الكهانة بمبعثه صلى الله ~~عليه وسلم فعدمت وكان ظاهرة موجودة (10) وحن الجذع الذي كان يخطب إليه لما ~~عمل له المنبر حتى سمع منه جميع أصحابه مثل صوت الإبل فضمه إليه فسكن (11) ~~ودعا اليهود إلى تمني الموت وأخبرهم بأنهم لا يتمنونه فحيل بينهم وبين ~~النطق بذلك وعجزوا عنه (12) وهذا مذكور في سورة يقرأ بها في جميع جوامع ~~الإسلام من شرق الأرض إلى غربها يوم الجمعة PageV02P384 # جهرا تعظيما للآية التي فيها # وأخبر صلى الله عليه وسلم بالغيوب وأنذر عثمان بأن تصيبه بلوى بعدها ~~الجنة (1) وبأن عمارا تقتله الفئة الباغية (2) وأن الحسن يصلح الله به ~~فئتين من المسلمين عظيمتين (3) وأخبر صلى الله عليه وسلم عن رجل قاتل في ~~سبيل الله أنه من أهل النار (4) فظهر ذلك بأن ذلك الرجل قتل نفسه وهذه كلها ~~أشياء إلهية لا تعرف البتة بشيء من وجوه تقدمت المعرفة بها لا بنجوم ولا ~~بكشف ولا بخط ولا بزجر لكن بإعلام الله تعالى له ووحيه إليه # واتبعه سراقة بن مالك فساخت قدما فرسه في الأرض وأتبعه دخان حتى استغاثه ~~فدعا له فانطلق الفرس وأنذره بأن سيوضع في ذراعيه سوارا كسرى (5) فكان كذلك ~~وأخبر بمقتل الأسود العنسي الكذاب ليلة قتله وهو بصنعاء اليمن وأخبر بمن ~~قتله (6) وخرج على مائة من قريش ينتظرونه فوضع التراب على رءوسهم ولم يروه ~~(7) وشكا إليه البعير بحضرة أصحابه وتذلل له (8) وقال لنفر من أصحابه ~~مجتمعين أحدكم في النار ضرسه مثل أحد فماتوا كلهم على استقامة وارتد ms1181 منهم ~~واحد فقتل مرتدا (9) وقال لآخرين منهم آخركم موتا في النار فسقط آخرهم موتا ~~في النار فاحترق فيها فمات (10) ودعا شجرتين فأتتاه واجتمعتا ثم أمرهما ~~فافترقتا # وكان صلى الله عليه وسلم نحو الربعة فإذا مشى مع الطوال طالهم (11) ودعا ~~صلى الله عليه وسلم النصارى إلى المباهلة فامتنعوا فعرفهم صلى الله عليه ~~وسلم أنهم إن فعلوا ذلك هلكوا فعلموا صحة قوله فامتنعوا (12) وأتاه عامر بن ~~الطفيل بن مالك وأربد بن قيس وهما فارسا العرب وفاتكاهم عازمين على قتله ~~صلى الله عليه وسلم فحيل بينهما وبين ذلك ودعا عليهما فهلك عامر بغدة وهلك ~~أربد بصاعقة أحرقته (13) وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه يقتل PageV02P385 # أبي بن خلف الجمحي فخدشه يوم أحد خدشا لطيفا فكانت منيته فيه (1) # وأطعم صلى الله عليه وسلم السم فمات الذي أكله معه وعاش هو صلى الله عليه ~~وسلم بعده أربع سنين وكلمه الذراع المسموم (2) # وأخبر عليه السلام يوم بدر بمصارع صناديد قريش ووقفهم على مصارعهم رجلا ~~رجلا فلم يتعد واحد منهم ذلك الموضع (3) وأنذر صلى الله عليه وسلم بأن ~~طوائف من أمته يغزون في البحر فكان كذلك (4) وزويت له الأرض فأري مشارقها ~~ومغاربها وأخبر بأن ملك أمته سيبلغ ما زوي له منها فكان كذلك فقد بلغ ملكهم ~~من أول المشرق من بلاد الترك إلى آخر المغرب من بحر الأندلس وبلاد البربر ~~ولم يتسعوا في الجنوب ولا في الشمال كما أخبر صلى الله عليه وسلم سواء ~~بسواء (5) وأخبر فاطمة ابنته رضي الله عنها بأنها أول أهله لحاقا به (6) ~~فكان كذلك # وأخبر نساءه بأن أطولهن يدا أسرعهن لحاقا به فكانت زينب بنت جحش الأسدية ~~أطولهن يدا بالصدقة أولهن لحوقا به رضي الله عنها (7) # ومسح ضرع شاة حائل لا لبن لها فدرت (8) وكان ذلك سبب إسلام ابن مسعود رضي ~~الله عنه # وفعل ذلك مرة أخرى في خيمة أم معبد الخزاعية # وندرت عين بعض أصحابه فسقطت فردها صلى الله عليه وسلم بيده فكانت أصح ~~عينيه وأحسنهما (9) وتفل في عين علي رضي الله عنه ms1182 وهو أرمد يوم خيبر فصح من ~~وقته وبعثه بالراية (10) وكانوا يسمعون تسبيح الطعام بين يديه صلى الله ~~عليه وسلم (11) وأصيبت رجل بعض أصحابه صلى الله عليه وسلم فمسحها بيده ~~فبرأت من حينها (12) وقل زاد جيش كان معه صلى الله عليه وسلم فدعا بجميع ما ~~بقي فاجتمع شيء يسير جدا فدعا فيه بالبركة ثم أمرهم فأخذوا فلم يبق وعاء في ~~العسكر إلا ملىء من ذلك (13) وحكى الحكم بن العاص بن وائل قوله الحكم بن ~~العاص بن وائل هكذا في النسخ وصوابه كما في الشارح الحكم بن العاص بن أمية ~~بن عبد شمس اه مصححه مشيته PageV02P386 # صلى الله عليه وسلم مستهزئا فقال صلى الله عليه وسلم كذلك فكن فلم يزل ~~يرتعس حتى مات (1) وخطب صلى الله عليه وسلم امرأة فقال له أبوها إن بها ~~برصا امتناعا من خطبته واعتذارا ولم يكن بها برص فقال صلى الله عليه وسلم ~~فلتكن كذلك (2) فبرصت وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر # إلى غير ذلك من آياته ومعجزاته صلى الله عليه وسلم وإنما اقتصرنا على ~~المستفيض # ومن يستريب في انخراق العادة على يده ويزعم أن آحاد هذه الوقائع لم تنقل ~~تواترا بل المتواتر هو القرآن فقط كمن يستريب في شجاعة علي رضي الله عنه ~~وسخاوة حاتم الطائي ومعلوم أن آحاد وقائعهم غير متواترة ولكن مجموع الوقائع ~~يورث علما ضروريا ثم لا يتمارى في تواتر القرآن وهي المعجزة الكبرى الباقية ~~بين الخلق وليس لنبي معجزة باقية سواه صلى الله عليه وسلم إذ تحدى بها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بلغاء الخلق وفصحاء العرب وجزيرة العرب حينئذ ~~مملوءة بآلاف منهم والفصاحة صنعتهم وبها منافستهم ومباهاتهم # وكان ينادي بين أظهرهم أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا وقال ذلك ~~تعجيزا لهم فعجزوا عن ذلك وصرفوا عنه حتى عرضوا أنفسهم للقتل ونساءهم ~~وذراريهم للسبي وما استطاعوا أن يعارضوا ولا أن يقدحوا في جزالته وحسنه ثم ~~انتشر ذلك بعده في أقطار العالم شرقا وغربا قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر ms1183 وقد ~~انقرض اليوم قريب من خمسمائة سنة فلم يقدر أحد على معارضته # فأعظم بغباوة من ينظر في أحواله ثم في أقواله ثم في أفعاله ثم في أخلاقه ~~ثم في معجزاته ثم في استمرار شرعه إلى الآن ثم في انتشاره في أقطار العالم ~~ثم في إذعان ملوك الأرض له في عصره وبعد عصره مع ضعفه ويتمه ثم يتمارى في ~~ذلك في صدقه # وما أعظم توفيق من آمن به وصدقه واتبعه في كل ما ورد وصدر فنسأل الله ~~تعالى أن يوفقنا للإقتداء به في الأخلاق والأفعال والأحوال والأقوال بمنه ~~وسعة جوده تم الجزء الثاني من كتاب إحياء علوم الدين ويليه الجزء الثالث ~~ويشتمل على ربع المهلكات PageV02P387 ### | # بسم الله الرحمن الرحيم ### || كتاب شرح عجائب القلب وهو الكتاب الأول من ربع المهلكات # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي تتحير دون إدراك جلاله القلوب والخواطر وتدهش في مبادي ~~إشراق أنواره الأحداق والنواظر المطلع على خفيات السرائر العالم بمكنونات ~~الضمائر المستغني في تدبير مملكته عن المشاور والموازر مقلب القلوب وغفار ~~الذنوب وستار العيوب ومفرج الكروب # والصلاة على سيد المرسلين وجامع شمل الدين وقاطع دابر الملحدين # وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم كثيرا # أما بعد فشرف الإنسان وفضيلته التي فاق بها جملة من أصناف الخلق ~~باستعداده لمعرفة الله سبحانه التي هي في الدنيا جماله وكماله وفخره وفي ~~الآخرة عدته وذخره وإنما استعد للمعرفة بقلبه لا بجارحة من جوارحه فالقلب ~~هو العالم بالله # وهو المتقرب إلى الله وهو العامل لله وهو الساعي إلى الله وهو المكاشف ~~بما عند الله ولديه وإنما الجوارح أتباع وخدم وآلات يستخدمها القلب ~~ويستعملها استعمال المالك للعبد واستخدام الراعي للرعية والصانع للآلة ~~فالقلب هو المقبول عند الله إذا سلم من غير الله وهو المحجوب عن الله إذا ~~صار مستغرقا بغير الله وهو المطالب وهو المخاطب وهو المعاتب وهو الذي يسعد ~~بالقرب من الله فيفلح إذا زكاه وهو الذي يخيب ويشقى إذا دنسه ودساه وهو ~~المطيع بالحقيقة لله تعالى وإنما الذي ينتشر على الجوارح من ms1184 العبادات ~~أنواره وهو العاصي المتمرد على الله تعالى وإنما الساري إلى الأعضاء من ~~الفواحش آثاره وبإظلامه واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساويه إذ كل إناء ~~ينضح بما فيه وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه وإذا عرف نفسه فقد ~~عرف ربه وهو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسه وإذا جهل نفسه فقد جهل ربه ~~ومن جهل قلبه فهو بغيره أجهل إذ أكثر الخلق جاهلون بقلوبهم وأنفسهم وقد حيل ~~بينهم وبين أنفسهم فإن الله يحول بين المرء وقلبه # وحيلولته بأن يمنعه عن مشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته وكيفية تقلبه بين ~~إصبعين مع أصابع الرحمن وأنه كيف يهوى مرة إلى أسفل السافلين وينخفض إلى ~~أفق الشياطين وكيف يرتفع أخرى إلى أعلى عليين ويرتقي إلى عالم الملائكة ~~المقربين # ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه ويترصد لما يلوح من خزائن الملكوت عليه ~~وفيه فهو ممن قال الله تعالى فيه نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم ~~الفاسقون فمعرفة القلب وحقيقة أوصافه PageV03P002 # أصل الدين وأساس طريق السالكين # وإذ فرغنا من الشطر الأول من هذا الكتاب من النظر فيما يجري على الجوارح ~~من العبادات والعادات وهو العلم الظاهر ووعدنا أن نشرح في الشطر الثاني ما ~~يجري على القلب من الصفات المهلكات والمنجيات وهو العلم الباطن فلا بد أن ~~نقدم عليه كتابين كتابا في شرح عجائب صفات القلب وأخلاقه وكتابا في كيفية ~~رياضة القلب وتهذيب أخلاقه ثم نندفع بعد ذلك في تفصيل المهلكات والمنجيات # فلنذكر الآن من شرح عجائب القلب بطريق ضرب الأمثال ما يقرب من الأفهام ~~فإن التصريح بعجائبه وأسراره الداخلة في جملة عالم الملكوت مما يكل عن دركه ~~أكثر الأفهام ### ||| بيان معنى النفس والروح والقلب والعقل وما هو المراد بهذه الأسامي # اعلم أن هذه الأسماء الأربعة تستعمل في هذه الأبواب ويقل في فحول العلماء ~~من يحيط بهذه الأسامي واختلاف معانيها وحدودها ومسمياتها وأكثر الأغاليط ~~منشؤها الجهل بمعنى هذه الأسامي واشتراكها بين مسميات مختلفة ونحن نشرح في ~~معنى هذه الأسامي ما يتعلق بغرضنا # اللفظ الأول لفظ القلب ms1185 وهو يطلق لمعنيين # أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر وهو لحم ~~مخصوص وفي باطنه تجويف وفي ذلك التجويف دم أسود هو منبع الروح ومعدنه ولسنا ~~نقصد الآن شرح شكله وكيفيته إذ يتعلق به غرض الأطباء ولا يتعلق به الأغراض ~~الدينية وهذا القلب موجود للبهائم بل هو موجود للميت ونحن إذا أطلقنا لفظ ~~القلب في هذا الكتاب لم نعن به ذلك فإنه قطعة لحم لا قدر له وهو من عالم ~~الملك والشهادة إذ تدركه البهائم بحاسة البصر فضلا عن الآدميين # والمعنى الثاني هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق ~~وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان وهو المدرك العالم العارف من الإنسان وهو ~~المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب ولها علاقة مع القلب الجسماني وقد ~~تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته فإن تعلقه به يضاهي تعلق ~~الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة أو ~~تعلق المتمكن بالمكان وشرح ذلك مما نتوقاه لمعنيين # أحدهما أنه متعلق بعلوم المكاشفة وليس غرضنا من هذا الكتاب إلا علوم ~~المعاملة # والثاني أن تحقيقه يستدعي إفشاء سر الروح وذلك مما لم يتكلم فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (1) فليس لغيره أن يتكلم فيه والمقصود أنا إذا ~~أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب أردنا به هذه اللطيفة وغرضنا ذكر أوصافها ~~وأحوالها لا ذكر حقيقتها في ذاتها وعلم المعاملة يفتقر إلى معرفة صفاتها ~~وأحوالها ولا يفتقر إلى ذكر حقيقتها # اللفظ الثاني الروح وهو أيضا يطلق فيما يتعلق بجنس غرضنا لمعنيين # أحدهما جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجمساني فينشر بواسطة العروق الضوارب ~~إلى سائر أجزاء البدن وجريانه في البدن وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر ~~والسمع والشم منها على أعضائها يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في ~~زوايا البيت فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به والحياة مثالها ~~النور الحاصل في الحيطان والروح مثالها السراج وسريان الروح وحركته في ~~الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه والأطباء إذا ms1186 أطلقوا ~~لفظ PageV03P003 # الروح أرادوا به هذا المعنى وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب وليس شرحه ~~من غرضنا إذ المتعلق به غرض الأطباء الذين يعالجون الأبدان فأما غرض أطباء ~~الدين المعالجين للقلب حتى ينساق إلى جوار رب العالمين فليس يتعلق بشرح هذه ~~الروح أصلا # المعنى الثاني هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان وهو الذي شرحناه في ~~أحد معاني القلب وهو الذي أراده الله تعالى بقوله قل الروح من أمر ربي وهو ~~أمر عجيب رباني تعجز أكثر العقول والأفهام عن درك حقيقته # اللفظ الثالث النفس وهو أيضا مشترك بين معان ويتعلق بغرضنا منه معنيان # أحدهما أنه يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان على ما ~~سيأتي شرحه وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التصوف لأنهم يريدون بالنفس ~~الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فيقولون لا بد من مجاهدة النفس ~~وكسرها وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم أعدى عدوك نفسك التي بين ~~جنبيك (1) أخرجه البيهقي في كتاب الزهد من حديث ابن عباس وفيه محمد بن عبد ~~الرحمن بن غزوان أحد الوضاعين # المعنى الثاني هي اللطيفة التي ذكرناها التي هي الإنسان بالحقيقة وهي نفس ~~الإنسان وذاته ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها فإذا سكنت ~~تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة # قال الله تعالى في مثلها {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية} والنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله تعالى فإنها مبعدة ~~عن الله وهي من حزب الشيطان # وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها ~~سميت النفس اللوامة لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه # قال الله تعالى {ولا أقسم بالنفس اللوامة} وإن تركت الاعتراض وأذعنت ~~وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء # قال الله تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام أو امرأة العزيز {وما أبرئ ~~نفسي إن النفس لأمارة بالسوء} وقد يجوز أن يقال المراد بالأمارة بالسوء هي ~~النفس بالمعنى الأول فإذن النفس بالمعنى الأول ms1187 مذمومة غاية الذم وبالمعنى ~~الثاني محمودة لأنها نفس الإنسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى ~~وسائر المعلومات # اللفظ الرابع العقل وهو أيضا مشترك لمعان مختلفة ذكرناها في كتاب العلم ~~والمتعلق بغرضنا من جملتها معنيان # أحدهما أنه قد يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور فيكون عبارة عن صفة ~~العلم الذي محله القلب # والثاني أنه قد يطلق ويراد به المدرك للعلوم فيكون هو القلب أعني تلك ~~اللطيفة # ونحن نعلم أن كل عالم فله في نفسه وجود هو أصل قائم بنفسه والعلم صفة ~~حالة فيه والصفة غير الموصوف والعقل قد يطلق ويراد به صفة العالم وقد يطلق ~~ويراد به محل الإدراك أعني المدرك وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم أول ~~ما خلق الله العقل // حديث أول ما خلق الله العقل وفي الخبر أنه قال له ~~أقبل فأقبل وقال أدبر فأدبر الحديث تقدم في العلم # فإن العلم عرض لا يتصور أن يكون أول مخلوق بل لابد وأن يكون المحل مخلوقا ~~قبله أو معه ولأنه لا يمكن الخطاب معه # وفي الخبر أنه قال له تعالى أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر الحديث # فإذن قد انكشف لك أن معاني هذه الأسماء موجودة وهي القلب الجسماني والروح ~~الجسماني والنفس الشهوانية والعلوم # فهذه أربعة معان يطلق عليها الألفاظ الأربعة ومعنى خامس وهي اللطيفة ~~العالمة المدركة من الإنسان # والألفاظ الأربعة بجملتها تتوارد عليها فالمعاني خمسة والألفاظ أربعة وكل ~~لفظ أطلق لمعنيين PageV03P004 # وأكثر العلماء قد التبس عليهم اختلاف هذه الألفاظ وتواردها فتراهم ~~يتكلمون في الخواطر ويقولون هذا خاطر العقل وهذا خاطر الروح وهذا خاطر ~~القلب وهذا خاطر النفس وليس يدري الناظر اختلاف معاني هذه الأسماء ولأجل ~~كشف الغطاء عن ذلك قدمنا شرح هذه الأسامي وحيث ورد في القرآن والسنة لفظ ~~القلب فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء وقد ~~يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر لأن بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة ~~خاصة فإنها وإن كانت متعلقة بسائر البدن ومستعملة له ولكنها تتعلق به ms1188 ~~بواسطة القلب فتعلقها الأول بالقلب وكأنه محلها ومملكتها وعالمها ومطيتها ~~ولذلك شبه سهل التستري القلب بالعرش والصدر بالكرسي فقال القلب هو العرش ~~والصدر هو الكرسي ولا يظن به أنه يرى أنه عرش الله وكرسيه فإن ذلك محال بل ~~أراد به أنه مملكة الإنسان والمجرى الأول لتدبيره وتصرفه فهما بالنسبة إليه ~~كالعرش والكرسي بالنسبة إلى الله تعالى ولا يستقيم هذا التشبيه أيضا إلا من ~~بعض الوجوه وشرح ذلك أيضا لا يليق بغرضنا فلنجاوزه ### ||| بيان جنود القلب # قال الله تعالى وما يعلم جنود ربك إلا هو فلله سبحانه في القلوب والأرواح ~~وغيرها من العوالم جنود مجندة لا يعرف حقيقتها وتفصيل عددها إلا هو # ونحن الآن نشير إلى بعض جنود القلب فهو الذي يتعلق بغرضنا # وله جندان جند يرى بالأبصار وجند لا يرى إلا بالبصائر وهو في حكم الملك ~~والجنود في حكم الخدم والأعوان فهذا معنى الجند فأما جنده المشاهد بالعين ~~فهو اليد والرجل والعين والأذن واللسان وسائر الأعضاء الظاهرة والباطنة فإن ~~جميعها خادمة للقلب ومسخرة له فهو المتصرف فيها والمردد لها وقد خلقت ~~مجبولة على طاعته لا تستطيع له خلافا ولا عليه تمردا فإذا أمر العين ~~بالانفتاح انفتحت وإذا أمر الرجل بالحركة تحركت وإذا أمر اللسان بالكلام ~~وجزم الحكم به تكلم وكذا سائر الأعضاء # وتسخير الأعضاء والحواس للقلب يشبه من وجه تسخير الملائكة لله تعالى ~~فإنهم مجبولون على الطاعة لا يستطيعون له خلافا بل لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون وإنما يفترقان في شيء وهو أن الملائكة عليهم السلام ~~عالمة بطاعتها وامتثالها والأجفان تطيع القلب في الانفتاح والإنطباق على ~~سبيل التسخير ولا خبر لها من نفسها ومن طاعتها للقلب وإنما افتقر القلب إلى ~~هذه الجنود من حيث افتقاره إلى المركب والزاد لسفره الذي لأجله خلق وهو ~~السفر إلى الله سبحانه وقطع المنازل إلى لقائه فلأجله خلقت القلوب # قال الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وإنما مركبه البدن ~~وزاده العلم # وإنما الأسباب التي توصله إلى الزاد وتمكنه من التزود ms1189 منه هو العمل ~~الصالح وليس يمكن العبد أن يصل إلى الله سبحانه ما لم يسكن البدن ولم يجاوز ~~الدنيا فإن المنزل الأدنى لا بد من قطعه للوصول إلى المنزل الأقصى فالدنيا ~~مزرعة الآخرة وهي منزل من منازل الهدى وإنما سميت دنيا لأنها أدنى ~~المنزلتين فاضطر إلى أن يتزود من هذا العالم فالبدن مركبه الذي يصل به إلى ~~هذا العالم فافتقر إلى تعهد البدن وحفظه وإنما يحفظ البدن بأن يجلب إليه ما ~~يوافقه من الغذاء وغيره وأن يدفع عنه ما ينافيه من أسباب الهلاك فافتقر ~~لأجل جلب الغذاء إلى جندين باطن وهو الشهوة # وظاهر وهو اليد والأعضاء الجالبة للغذاء فخلق في القلب من الشهوات ما ~~احتاج إليه وخلقت الأعضاء التي هي آلات الشهوات فافتقر لأجل دفع المهلكات ~~إلى جندين باطن وهو الغضب الذي به يدفع المهلكات وينتقم من الأعداء # وظاهر PageV03P005 # وهو اليد والرجل للذين بهما يعمل بمقتضى الغضب وكل ذلك بأمور خارجة ~~فالجوارح من البدن كالأسلحة وغيرها ثم المحتاج إلى الغذاء ما لم يعرف ~~الغذاء لم تنفعه شهوة الغذاء وإلفه فافتقر للمعرفة إلى جندين باطن وهو ~~إدراك السمع والبصر والشم واللمس والذوق وظاهر وهو العين والأذن والأنف ~~وغيرها # وتفصيل وجه الحاجة إليها ووجه الحكمة فيها يطول ولا تحويه مجلدات كثيرة # وقد أشرنا إلى طرف يسير منها في كتاب الشكر فليقتنع به # فجملة جنود القلب تحصرها ثلاثة أصناف صنف باعث ومستحث إما إلى جلب النافع ~~الموافق كالشهوة وإما إلى دفع الضار المنافي كالغضب وقد يعبر عن هذا الباعث ~~بالإرادة # والثاني هو المحرك للأعضاء إلى تحصيل هذه المقاصد ويعبر عن هذا الثاني ~~بالقدرة وهي جنود مبثوثة في سائر الأعضاء لا سيما العضلات منها والأوتار # والثالث هو المدرك المتعرف للأشياء كالجواسيس وهي قوة البصر والسمع والشم ~~والذوق واللمس وهي مبثوثة في أعضاء معينة ويعبر عن هذا بالعلم والإدراك ومع ~~كل واحد من هذه الجنود الباطنة جنود ظاهرة وهي الأعضاء المركبة من الشحم ~~واللحم والعصب والدم والعظم التي أعدت آلات لهذه الجنود فإن قوة البطش ms1190 إنما ~~هي بالأصابع وقوة البصر إنما هي بالعين # وكذا سائر القوى ولسنا نتكلم في الجنود الظاهرة أعني الأعضاء فإنها من ~~عالم الملك والشهادة وإنما نتكلم الآن فيما أيدت به من جنود لم تروها # وهذا الصنف الثالث وهو المدرك من هذه الجملة ينقسم إلى ما قد أسكن ~~المنازل الظاهرة وهي الحواس الخمس أعني السمع والبصر والشم والذوق واللمس ~~وإلى ما أسكن منازل باطنة وهي تجاويف الدماغ وهي أيضا خمسة فإن الإنسان بعد ~~رؤية الشيء يغمض عينه فيدرك صورته في نفسه وهو الخيال ثم تبقى تلك الصورة ~~معه بسبب شيء يحفظه وهو الجند الحافظ ثم يتفكر فيما حفظة فيركب بعض ذلك إلى ~~البعض ثم يتذكر ما قد نسيه ويعود إليه ثم يجمع جملة معاني المحسوسات في ~~خياله بالحس المشترك بين المحسوسات ففي الباطن حس مشترك وتخيل وتفكر وتذكر ~~وحفظ ولولا خلق الله قوة الحفظ والفكر والذكر والتخيل لكان الدماغ يخلو عنه ~~كما تخلو اليد والرجل عنه فتلك القوى أيضا جنود باطنة وأماكنها أيضا باطنه ~~فهذه هي أقسام جنود القلب وشرح ذلك بحيث يدركه فهم الضعفاء بضرب الأمثلة ~~يطول # ومقصود مثل هذا الكتاب أن ينتفع به الأقوياء والفحول من العلماء ولكنا ~~نجتهد في تفهيم الضعفاء بضرب الأمثلة ليقرب ذلك من أفهامهم ### ||| بيان أمثلة القلب مع جنوده الباطنة # اعلم أن جندي الغضب والشهوة قد ينقادان للقلب انقيادا تاما فيعينه ذلك ~~على طريقه الذي يسلكه وتحسن مرافقتهما في السفر الذي هو بصدده وقد يستعصيان ~~عليه استعصاء بغي وتمرد حتى يملكاه ويستبعداه وفيه هلاكه وانقطاعه عن سفره ~~الذي به وصوله إلى سعادة الأبد وللقلب جند آخر وهو العلم والحكمة والتفكر ~~كما سيأتي شرحه وحقه أن يستعين بهذا الجند فإنه حزب الله تعالى على الجندين ~~الآخرين فإنهما قد يلتحقان بحزب الشيطان # فإن ترك الاستعانة وسلط على نفسه جند الغضب والشهوة هلك يقينا وخسر ~~خسرانا مبينا وذلك حالة أكثر الخلق فإن عقولهم صارت مسخرة لشهواتهم في ~~استنباط الحيل لقضاء الشهوة وكان ينبغي أن تكون الشهوة مسخرة لعقولهم فيما ms1191 ~~يفتقر العقل إليه ونحن نقرب ذلك إلى فهمك بثلاثة أمثلة # المثال الأول أن نقول مثل نفس الإنسان في بدنه أعني بالنفس اللطيفة ~~المذكورة كمثل ملك في مدينته ومملكته PageV03P006 # فإن البدن مملكة النفس وعالمها ومستقرها ومدينتها وجوارحها وقواها بمنزلة ~~الصناع والعملة والقوة العقلية المفكرة له كالمشير الناصح والوزير العاقل # والشهوة له كالعبد السوء يجلب الطعام والميرة إلى المدينة والغضب والحمية ~~له كصاحب الشرطة # والعبد الجالب للميرة كذاب مكار خداع خبيث يتمثل بصورة الناصح وتحت نصحه ~~الشر الهائل والسم القاتل وديدنه وعادته منازعة الوزير الناصح في آرائه ~~وتدبيراته حتى لا يخلو من منازعته ومعارضته ساعة كما أن الوالي في مملكته ~~إذا كان مستغنيا في تدبيراته بوزيره مستشيرا له ومعرضا عن إشارة هذا العبد ~~الخبيث مستدلا بإشارته في أن الصواب في نقيض رأيه أدبه صاحب شرطته وساسه ~~لوزيره وجعله مؤتمرا له مسلطا من جهته على هذا العبد الخبيث وأتباعه ~~وأنصاره حتى يكون العبد مسوسا لا سائسا ومأمورا مدبرا لا أميرا مدبرا ~~استقام أمر بلده وانتظم العدل بسببه فكذا النفس متى استعانت بالعقل وأدبت ~~بحمية الغضب وسلطتها على الشهوة واستعانت بإحداهما على الأخرى تارة بأن ~~تقلل مرتبة الغضب وغلوائه بمخالفة الشهوة واستدراجها وتارة بقمع الشهوة ~~وقهرها بتسليط الغضب والحمية عليها وتقبيح مقتضياتها اعتدلت قواها وحسنت ~~أخلاقها ومن عدل عن هذه الطريقة كان كمن قال الله تعالى فيه أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه وأضله الله على علم وقال تعالى واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن ~~تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث وقال عز وجل فيمن نهى النفس عن الهوى وأما من ~~خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى وسيأتي كيفية مجاهدة ~~هذه الجنود وتسليط بعضها على بعض في كتاب رياضة النفس إن شاء الله تعالى # المثال الثاني اعلم أن البدن كالمدينة والعقل أعني المدرك من الإنسان ~~كملك مدبر لها وقواه المدركة من الحواس الظاهرة والباطنة كجنوده وأعوانه ~~وأعضاؤه كرعيته والنفس الأمارة بالسوء التي هي الشهوة والغضب كعدو ينازعه ~~في مملكته ويسعى ms1192 في إهلاك رعيته فصار بدنه كرباط وثغر ونفسه كمقيم فيه ~~مرابط فإن هو جاهد عدوه وهزمه وقهره على ما يحب حمد أثره وإذا عاد إلى ~~الحضرة كما قال الله تعالى والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل ~~الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وإن ضيع ثغره وأهمل ~~رعيته ذم أثره فانتقم منه عند الله تعالى فيقال له يوم القيامة يا راعي ~~السوء أكلت اللحم وشربت اللبن ولم تأو الضالة ولم تجبر الكسير اليوم أنتقم ~~منك (1) حديث رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر أخرجه البيهقي في ~~الزهد من حديث جابر وقال هذا إسناد في ضعف # المثال الثالث مثل العقل مثل فارس متصيد وشهوته كفرسه وغضبه ككلبه فمتى ~~كان الفارس حاذقا وفرسه مروضا وكلبه مؤدبا معلما كان جديرا بالنجاح ومتى ~~كان هو في نفسه أخرق وكان الفرس جموحا والكلب عقورا فلا فرسه ينبعث تحته ~~منقادا ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعا فهو خليق بأن يعطب فضلا عن أن ينال ~~ما طلب وإنما خرق الفارس مثل جهل الإنسان وقلة حكمته وكلال بصيرته وجماح ~~الفرس مثل غلبة الشهوة خصوصا شهوة البطن والفرج وعقر الكلب مثل غلبة الغضب ~~واستيلائه # نسأل الله حسن التوفيق بلطفه ### ||| بيان خاصية قلب الإنسان # اعلم أن جملة ما ذكرناه قد أنعم الله به على سائر الحيوانات سوى الآدمي ~~إذ للحيوان الشهوة والغضب والحواس PageV03P007 # الظاهرة والباطنة أيضا حتى إن الشاة ترى الذئب بعينها فتعلم عداوته ~~بقلبها فتهرب منه فذلك هو الإدراك الباطن # فلنذكر ما يختص به قلب الإنسان ولأجله عظم شرفه واستأهل القرب من الله ~~تعالى # وهو راجع إلى علم وإرادة # أما العلم فهو العلم بالأمور الدنيوية والأخروية والحقائق العقلية فإن ~~هذه أمور وراء المحسوسات ولا يشاركه فيها الحيوانات بل العلوم الكلية ~~الضرورية من خواص العقل إذ يحكم الإنسان بأن الشخص الواحد لا يتصور أن يكون ~~في مكانين في حالة واحدة وهذا حكم منه على كل شخص # ومعلوم أنه لم يدرك بالحس إلا بعض الأشخاص فحكمه على جميع الأشخاص زائد ~~على ms1193 ما أدركه الحس # وإذا فهمت هذا في العلم الظاهر الضروري فهو في سائر النظريات أظهر # وأما الإرادة فإنه إذا أدرك بالعقل عاقبة الأمر وطريق الصلاح فيه انبعث ~~من ذاته شوق إلى جهة المصلحة وإلى تعاطي أسبابها والإرادة لها وذلك غير ~~إرادة الشهوة وإرادة الحيوانات بل يكون على ضد الشهوة # فإن الشهوة تنفر عن الفصد والحجامة والعقل يريدها ويطلبها ويبذل المال ~~فيها # والشهوة تميل إلى لذائذ الأطعمة في حين المرض والعاقل يجد في نفسه زاجرا ~~عنها وليس ذلك زاجر الشهوة # ولو خلق الله العقل المعرف بعواقب الأمور ولم يخلق هذا الباعث المحرك ~~للأعضاء على مقتضى حكم العقل لكان حكم العقل ضائعا على التحقيق # فإذن قلب الإنسان اختص بعلم وإرادة ينفك عنها سائر الحيوان بل ينفك عنها ~~الصبي في أول الفطرة وإنما يحدث ذلك فيه بعد البلوغ # وأما الشهوة والغضب والحواس الظاهرة والباطنة فإنها موجودة في حق الصبي # ثم الصبي في حصول هذه العلوم فيه له درجتان # إحداهما أن يشتمل قلبه على سائر العلوم الضرورية الأولية كالعلم باستحالة ~~المستحيلات وجواز الجائزات الظاهرة فتكون العلوم النظرية فيها غير حاصلة ~~إلا أنها صارت ممكنة قريبة الإمكان والحصول ويكون حاله بالإضافة إلى العلوم ~~كحال الكاتب الذي لا يعرف من الكتابة إلا الدواة والقلم والحروف المفردة ~~دون المركبة فإنه قد قارب الكتابة ولم يبلغها بعد # الثانية أن تتحصل له العلوم المكتسبة بالتجارب والفكر فتكون كالمخزونة ~~عنده فإذا شاء رجع إليها وحاله حال الحاذق بالكتابة إذ يقال له كاتب وإن لم ~~يكن مباشرا للكتابة بقدرته عليها # وهذه هي غاية درجة الإنسانية # ولكن في هذه الدرجة مراتب لا تحصى بتفاوت الخلق فيها بكثرة المعلومات ~~وقلتها وبشرف المعلومات وخستها وبطريق تحصيلها إذ تحصل لبعض القلوب بإلهام ~~إلهي على سبيل المبادأة والمكاشفة ولبعضهم بتعلم واكتساب وقد يكون سريع ~~الحصول وقد يكون بطئ الحصول # وفي هذا المقام تتباين منازل العلماء والحكماء والأنبياء والأولياء ~~فدرجات الترقي فيه غير محصورة إذ معلومات الله سبحانه لا نهاية لها # وأقصى الرتب رتبة النبي الذي تنكشف ms1194 له كل الحقائق أو أكثرها من غير ~~اكتساب وتكلف بكشف إلهي في أسرع وقت وبهذه السعادة يقرب العبد العبد من ~~الله تعالى قربا بالمعنى والحقيقة والصفة لا بالمكان والمسافة ومراقي هذه ~~الدرجات هي منازل السائرين إلى الله تعالى ولا حصر لتلك المنازل وإنما يعرف ~~كل سالك منزله الذي بلغه في سلوكه فيعرفه ويعرف ما خلفه من المنزل # فأما ما بين يديه فلا يحيط بحقيقته علما لكن قد يصدق به إيمانا بالغيب ~~كما أنا نؤمن بالنبوة والنبي ونصدق بوجوده ولكن لا يعرف حقيقة النبوة إلا ~~النبي وكما لا يعرف الجنين حال الطفل ولا الطفل حال المميز وما يفتح له من PageV03P008 # العلوم الضرورية ولا المميز حال العاقل وما اكتسبه من العلوم النظرية ~~فكذلك لا يعرف العاقل ما افتتح الله على أوليائه وأنبيائه من مزايا لطفه ~~ورحمته ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وهذه الرحمة مبذولة بحكم ~~الجود والكرم من الله سبحانه وتعالى غير مضنون بها على أحد ولكن إنما تظهر ~~في القلوب المتعرضة لنفحات رحمة الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم إن ~~لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها (1) حديث يقول الله عز وجل لقد ~~طال شوق الأبرار إلى لقائي الحديث لم أجد له أصلا إلا أن صاحب الفردوس خرجه ~~من حديث أبي الدرداء ولم يذكر له ولده في مسند الفردوس إسنادا # وبقوله تعالى من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا (2) حديث لولا أن ~~الشياطين يحومون على قلوب بني آدم الحديث أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة ~~بنحوه وقد تقدم في الصيام # ومن هذه الجملة يتبين أن خاصية الإنسان العلم والحكمة # وأشرف أنواع العلم هو العلم بالله وصفاته وأفعاله فبه كمال الإنسان وفي ~~كماله سعادته وصلاحه لجوار حضرة الجلال والكمال # فالبدن مركب للنفس والنفس محل للعلم والعلم هو مقصود الإنسان وخاصيته ~~التي لأجله خلق # وكما أن الفرس يشارك الحمار في قوة الحمل ويختص عنه بخاصية الكر والفر ~~وحسن الهيئة فيكون الفرس مخلوقا لأجل تلك الخاصية فإن ms1195 تعطلت منه نزل إلى ~~حضيض رتبة الحمار # وكذلك الإنسان يشارك الحمار والفرس في أمور ويفارقها في أمور هي خاصيته ~~وتلك الخاصية من صفات الملائكة المقربين من رب العالمين # والإنسان على رتبة بين البهائم والملائكة فإن الإنسان من حيث يتغذى وينسل ~~فنبات ومن حيث يحس ويتحرك بالاختيار فحيوان ومن حيث صورته وقامته فكالصورة ~~المنقوشة على الحائط وإنما خاصيته معرفة حقائق الأشياء # من استعمل جميع أعضائه وقواه على وجه الاستعانة بها على العلم والعمل فقد ~~تشبه بالملائكة فحقيق بأن يلحق بهم وجدير بأن يسمى ملكا وربانيا كما أخبر ~~الله تعالى عن صواحبات يوسف عليه السلام بقوله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك ~~كريم # ومن صرف همته إلى اتباع اللذات البدنية يأكل كما تأكل الأنعام فقد انحط ~~إلى حضيض أفق البهائم فيصير إما غمرا كثور وإما شرها كخنزير # وإما ضربا ككلب أو سنور أو حقودا كجمل # أو متكبرا كنمر أو ذا روغان كثعلب أو يجمع ذلك كله كشيطان مريد # وما من عضو من الأعضاء ولا حاسة من الحواس إلا ويمكن الاستعانة به على ~~طريق الوصول إلى الله تعالى كما سيأتي بيان طرف منه في كتاب الشكر فمن ~~استعمله فيه فقد فاز ومن عدل عنه فقد خسر وخاب # وجملة السعادة في ذلك أن يجعل لقاء الله تعالى مقصده والدار الآخرة ~~مستقره والدنيا منزله والبدن مركبه والأعضاء PageV03P009 # خدمه # فيستقر هو أعني المدرك من الإنسان في القلب الذي هو وسط مملكته كالملك ~~ويجري القوة الخيالية المودعة في مقدم الدماغ مجرى صاحب بريده إذ تجتمع ~~أخبار المحسوسات عنده ويجري القوة الحافظة التي مسكنها مؤخر الدماغ مجرى ~~خازنه ويجري اللسان مجرى ترجمانه ويجري الأعضاء المتحركة مجرى كتابه ويجري ~~الحواس الخمس مجرى جواسيسه فيوكل كل واحد منها بأخبار صقع من الأصقاع فيوكل ~~العين بعالم الألوان والسمع بعالم الأصوات والشم بعالم الروائح # وكذلك سائرها فإنها أصحاب أخبار يلتقطونها من هذه العوالم ويؤدونها إلى ~~القوة الخيالية التي هي كصاحب البريد ويسلمها صاحب البريد إلى الخازن وهي ~~الحافظة ويعرضها الخازن على ms1196 الملك فيقتبس الملك منها ما يحتاج إليه في ~~تدبير مملكته وإتمام سفره الذي هو بصدده وقمع عدوه الذي هو مبتلي به ودفع ~~قواطع الطريق عليه فإذا فعل ذلك كان موفقا سعيدا شاكرا نعمة الله وإذا عطل ~~هذه الجملة أو استعملها لكن في مراعاة أعدائه وهي الشهوة والغضب وسائر ~~الحظوظ العاجلة أو في عمارة طريقه دون منزله إذ الدنيا طريقه التي عليها ~~عبوره ووطنه ومستقره الآخرة كان مخذولا شقيا كافرا بنعمة الله تعالى مضيعا ~~لجنود الله تعالى ناصرا لأعداء الله مخذلا لحزب الله فيستحق المقت والإبعاد ~~في المنقلب والمعاد نعوذ بالله من ذلك # وإلى المثال الذي ضربناه أشار كعب الأحبار حيث قال دخلت على عائشة رضي ~~الله عنها فقلت الإنسان عيناه هاد وأذناه قمع ولسانه ترجمان ويداه جناحان ~~ورجلاه بريد والقلب منه ملك // حديث عائشة الإنسان عيناه هاد وأذناه قمع ~~ولسانه ترجمان الحديث أخرجه أو نعيم في الطب النبوي والطبراني في مسند ~~الشاميين والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة ونحوه وله ولأحمد من حديث ~~أبي ذر وأما الأذن فقمع وأما العين فمقرة لما يوعي القلب ولا يصح منها شيء # فإذا طاب الملك طابت جنوده فقالت هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول # وقال علي رضي الله عنه في تمثيل القلوب إن لله تعالى في أرضه آنية وهي ~~القلوب فأحبها إليه تعالى أرقها وأصفاها وأصلبها ثم فسره فقال أصلبها في ~~الدين وأصفاها في اليقين وأرقها على الإخوان وهو إشارة إلى قوله تعالى ~~أشداء على الكفار رحماء بينهم وقوله تعالى مثل نوره كمشكاة فيها مصباح قال ~~أبي بن كعب رضي الله عنه معناه مثل نور المؤمن وقلبه وقوله تعالى أو كظلمات ~~في بحر لجى مثل قلب المنافق # وقال زيد بن أسلم في قوله تعالى في لوح محفوظ وهو قلب المؤمن # وقال سهل مثل القلب والصدر مثل العرش والكرسي فهذه أمثلة القلب ### ||| بيان مجامع أوصاف القلب وأمثلته # اعلم أن الإنسان قد اصطحب في خلقته وتركيبه أربع شوائب فلذلك اجتمع عليه ~~أربعة ms1197 أنواع من الأوصاف وهي الصفات السبعية والبهيمية والشيطانية والربانية # فهو من حيث سلط عليه الغضب يتعاطى أفعال السباع من العداوة والبغضاء ~~والتهجم على الناس بالضرب والشتم # ومن حيث سلطت عليه الشهوة يتعاطى أفعال البهائم من الشره والحرص والشبق ~~وغيره # ومن حيث أنه في نفسه أمر رباني كما قال الله تعالى قل الروح من أمر ربي ~~فإنه يدعى لنفسه الربوبية ويحب الاستيلاء والاستعلاء والتخصص والاستبداد ~~بالأمور كلها والتفرد بالرياسة والانسلال عن ربقة العبودية والتواضع ويشتهي ~~الاطلاع على العلوم كلها بل يدعي لنفسه العلم والمعرفة والإحاطة بحقائق ~~الأمور ويفرح إذا نسب إلى العلم ويحزن إذا نسب إلى الجهل والإحاطة بجميع ~~الحقائق والاستيلاء بالقهر على جميع الخلائق من أوصاف الربوبية وفي الإنسان ~~حرص على ذلك # ومن حيث يختص من البهائم بالتمييز مع مشاركته لها في الغضب والشهوة حصلت ~~فيه شيطانية فصار شريرا يستعمل التمييز في PageV03P010 # استنباط وجوه الشر ويتوصل إلى الأغراض بالمكر والحيلة والخداع ويظهر الشر ~~في معرض الخير وهذه أخلاق الشياطين # وكل إنسان فيه شوب من هذه الأصول الأربعة أعني الربانية والشيطانية ~~والسبعية والبهيمية وكل ذلك مجموع في القلب # فكأن المجموع في إهاب الإنسان خنزير وكلب وشيطان وحكيم # فالخنزير هو الشهوة فإنه لم يكن الخنزير مذموما للونه وشكله وصورته بل ~~لجشعه وكلبه وحرصه # والكلب هو الغضب فإن السبع الضاري والكلب العقور ليس كلبا وسبعا باعتبار ~~الصورة واللون والشكل بل روح معنى السبعية الضراوة والعدوان والعقر وفي ~~باطن الإنسان ضراوة السبع وغضبه وحرص الخنزير وشبقه # فالخنزير يدعو بالشره إلى الفحشاء والمنكر والسبع بالغضب إلى الظلم ~~والإيذاء # والشيطان لا يزال يهيج شهوة الخنزير وغيظ السبع ويغري أحدهما بالآخر ~~ويحسن لهما ما هما مجبولان عليه # والحكيم الذي هو مثال العقل مأمور بأن يدفع كيد الشيطان ومكره بأن يكشف ~~عن تلبيسه ببصيرته النافذة ونوره المشرق الواضح وأن يكسر شره هذا الخنزير ~~بتسليط الكلب عليه إذ بالغضب يكسر سورة الشهوة ويدفع ضراوة الكلب بتسليط ~~الخنزير عليه ويجعل الكلب مقهورا تحت سياسته فإن فعل ذلك وقدر عليه اعتدل ms1198 ~~الأمر وظهر العدل في مملكة البدن وجرى الكل على الصراط المستقيم وإن عجز عن ~~قهرها وقهروه واستخدموه فلا يزال في استنباط الحيل وتدقيق الفكر ليشبع ~~الخنزير ويرضى الكلب فيكون دائما في عبادة كلب وخنزير # وهذا حال أكثر الناس مهما كان أكثر همتهم البطن والفرج ومنافسة الأعداء ~~والعجب منه أنه ينكر على عبدة الأصنام عبادتهم للحجارة ولو كشف الغطاء عنه ~~وكوشف بحقيقة حاله ومثل له حقيقة حاله كما يمثل للمكاشفين إما في النوم أو ~~في اليقظة لرأى نفسه ماثلا بين يدي خنزير ساجدا له مرة وراكعا أخرى ومنتظرا ~~لإشارته وأمره # فمهما هاج الخنزير لطلب شيء من شهواته انبعث على الفور في خدمته وإحضار ~~شهوته أو رأى نفسه ماثلا بين يدي كلب عقور عابدا له مطيعا سامعا لما يقتضيه ~~ويلتمسه مدققا بالفكر في حيل الوصول إلى طاعته وهو بذلك ساع في مسرة شيطانه ~~فإنه الذي يهيج الخنزير ويثير الكلب ويبعثهما على استخدامه فهو من هذا ~~الوجه يعبد الشيطان بعبادتهما فليراقب كل عبد حركاته وسكناته وسكوته ونطقه ~~وقيامه وقعوده ولينظر بعين البصيرة فلا يرى إن أنصف نفسه إلا ساعيا طول ~~النهار في عبادة هؤلاء وهذا غاية الظلم إذ جعل المالك مملوكا والرب مربوبا ~~والسيد عبدا والقاهر مقهروا إذ العقل هو المستحق للسيادة والقهر والاستيلاء ~~وقد سخره لخدمة هؤلاء الثلاثة فلا جرم ينتشر إلى قلبه من طاعة هؤلاء ~~الثلاثة صفات تتراكم عليه حتى يصير طابعا ورينا مهلكا للقلب ومميتا له أما ~~طاعة خنزير الشهوة فتصدر منها صفة الوقاحة والخبث والتبذير والتقتير ~~والرياء والهتكة والمجانة والعبث والحرص والجشع والملق والحسد والحقد ~~والشماتة وغيرها # وأما طاعة كلب الغضب فتنتشر منها إلى القلب صفة التهور والبذالة والبذخ ~~والصلف والاستشاطة والتكبر والعجب والاستهزاء والاستخفاف وتحقير الخلق ~~وإرادة الشر وشهوة الظلم وغيرها # وأما طاعة الشيطان بطاعة الشهوة والغضب فيحصل منها صفة المكر والخداع ~~والحيلة والدهاء والجراءة والتلبيس والتضريب والغش والخب والخنا وأمثالها # ولو عكس الأمر وقهر الجميع تحت سياسة الصفة الربانية لاستقر في القلب من ~~الصفات الربانية العلم والحكمة ms1199 واليقين والإحاطة بحقائق الأشياء ومعرفة ~~الأمور على ما هي عليه والاستيلاء على الكل بقوة العلم والبصيرة واستحقاق ~~التقدم على الخلق لكمال العلم وجلاله ولاستغنى عن عبادة الشهوة والغضب ~~ولانتشر إليه PageV03P011 # من ضبط خنزير الشهوة ورده إلى حد الاعتدال صفات شريفة مثل العفة والقناعة ~~والهدو والزهد والورع والتقوى والانبساط وحسن الهيئة والحياء والظرف ~~والمساعدة وأمثالها ويحصل فيه من ضبط قوة الغضب وقهرها وردها إلى حد الواجب ~~صفة الشجاعة والكرم والنجدة وضبط النفس والصبر والحلم والاحتمال والعفو ~~والثبات والنبل والشهامة والوقار وغيرها # فالقلب في حكم مرآة قد اكتنفته هذه الأمور المؤثرة فيه وهذه الآثار على ~~التواصل واصلة إلى القلب # أما الآثار المحمودة التي ذكرناها فإنها تزيد مرآة القلب جلاء وإشراقا ~~ونورا وضياء حتى يتلألأ فيه جلية الحق وينكشف فيه حقيقة الأمر المطلوب في ~~الدين وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الله ~~بعبد خيرا جعل له واعظا من قلبه (1) حديث من كان له من قلبه واعظ كان عليه ~~من الله حافظ لم أجد له أصلا # وهذا القلب هو الذي يستقر فيه الذكر قال الله تعالى ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب # وأما الآثار المذمومة فإنها مثل دخان مظلم يتصاعد إلى مرآة القلب ولا ~~يزال يتراكم عليه مرة بعد أخرى إلى أن يسود ويظلم ويصير بالكلية محجوبا عن ~~الله تعالى وهو الطبع وهو الرين قال الله تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون وقال عز وجل أن لو نشاء أصبناهم بذنبوهم ونطبع على قلوبهم فهم ~~لا يسمعون فربط عدم السماع بالطبع بالذنوب كما ربط السماع بالتقوى فقال ~~تعالى واتقوا الله واسمعوا واتقوا الله ويعلمكم الله # ومهما تراكمت الذنوب طبع على القلوب وعند ذلك يعمى القلب عن إدراك الحق ~~وصلاح الدين ويستهين بأمر الآخرة ويستعظم أمر الدنيا ويصير مقصور الهم ~~عليها # فإذا قرع سمعه أمر الآخرة وما فيها من الأخطار دخل من أذن وخرج من أذن ~~ولم يستقر في القلب ولم يحركه إلى التوبة والتدارك أولئك يئسوا من ms1200 الآخرة ~~كما يئس الكفار من أصحاب القبور وهذا هو معنى اسوداد القلب بالذنوب كما نطق ~~به القرآن والسنة # قال ميمون بن مهران إذا أذنب العبد ذنبا نكت في قلبه نكته سوداء فإذا هو ~~نزع وتاب صقل وإن عاد زيد فيها حتى يعلو قلبه فهو الران وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم قلب المؤمن أجرد فيه سراج يزهر وقلب الكافر أسود منكوس (2) ~~حديث القلوب أربعة قلب أجرد فيه سراج يزهر الحديث أخرجه أحمد والطبراني في ~~الصغير من حديث أبي سعيد الخدري وقد تقدم # فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب # ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد فأي المادتين غلبت عليه ~~حكم له بها وفي رواية ذهبت به # قال الله تعالى إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون فأخبر أن جلاء القلب وإبصاره يحصل بالذكر وأنه لا يتمكن منه إلا ~~الذين اتقوا # فالتقوى باب الذكر والذكر باب الكشف والكشف باب الفوز الأكبر وهو الفوز ~~بلقاء الله تعالى PageV03P012 ### ||| بيان مثل القلب بالإضافة إلى العلوم خاصة # اعلم أن محل العلم هو القلب أعني اللطيفة المدبرة لجميع الجوارح وهي ~~المطاعة المخدومة من جميع الأعضاء وهي بالإضافة إلى حقائق المعلومات ~~كالمرآة بالإضافة إلى صور المتلونات فكما أن للمتلون صورة ومثال تلك الصورة ~~ينطبع في المرآة ويحصل بها كذلك لكل معلوم حقيقة ولتلك الحقيقة صورة تنطبع ~~في مرآة القلب وتتضح فيها وكما أن المرآة غير وصور الأشخاص غير وحصول ~~مثالها في المرآة غير فهي ثلاثة أمور # فكذلك ههنا ثلاثة أمور القلب وحقائق الأشياء وحصول نفس الحقائق في القلب ~~وحضورها فيه # فالعالم عبارة عن القلب الذي فيه يحل مثال حقائق الأشياء والمعلوم عبارة ~~عن حقائق الأشياء # والعلم عبارة عن حصول المثال في المرآة # وكما أن القبض مثلا يستدعي قابضا كاليد ومقبوضا كالسيف ووصولا بين السيف ~~واليد بحصول السيف في اليد ويسمى قبضا فكذلك وصول مثال المعلوم إلى القلب ~~يسمى علما وقد كانت الحقيقة موجودة والقلب موجودا ولم يكن العلم ms1201 حاصلا لأن ~~العلم عبارة عن وصول الحقيقة إلى القلب كما أن السيف موجود واليد موجودة ~~ولم يكن اسم القبض والأخذ حاصلا لعدم وقوع السيف في اليد نعم القبض عبارة ~~عن حصول السيف بعينه في اليد والمعلوم بعينه لا يحصل في القلب فمن علم ~~النار لم تحصل عين النار في قلبه ولكن الحاصل حدها وحقيقتها المطابقة ~~لصورتها فتمثيله بالمرآة أولى لأن عين الإنسان لا تحصل في المرآة وإنما ~~يحصل مثال مطابق له # وكذلك حصول مثال مطابق لحقيقة المعلوم في القلب يسمى علما # وكما أن المرآة لا تنكشف فيها الصورة لخمسة أمور # أحدها نقصان صورتها كجوهر الحديد قبل أن يدور ويشكل ويصقل # والثاني لخنثه وصدئه وكدورته وإن كان تام الشكل # والثالث لكونه معدولا به عن جهة الصورة إلى غيرها كما إذا كانت الصورة ~~وراء المرآة # والرابع لحجاب مرسل بين المرآة والصورة # والخامس للجهل بالجهة التي فيها الصورة المطلوبة حتى يتعذر بسببه أن ~~يحاذى بها شطر الصورة وجهتها # فكذلك القلب مرآة مستعدة لأن ينجلى فيها حقيقة الحق في الأمور كلها وإنما ~~خلت القلوب عن العلوم التي خلت عنها لهذه الأسباب الخمسة # أولها نقصان في ذاته كقلب الصبي فإنه لا ينجلى له المعلومات لنقصانه # والثاني لكدورة المعاصي والخبث الذي يتراكم على وجه القلب من كثرة ~~الشهوات فإن ذلك يمنع صفاء القلب وجلاءه فيمتنع ظهور الحق فيه لظلمته ~~وتراكمه # وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود ~~إليه أبدا (1) {حديث} من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم رواه أبو ~~نعيم في الحلية من حديث أنس وقد تقدم في العلم PageV03P013 # الثالث أن يكون معدولا به عن جهة الحقيقة المطلوبة فإن قلب المطيع الصالح ~~وإن كان صافيا فإنه ليس يتضح فيه جلية الحق لأنه ليس يطلب الحق وليس محاذيا ~~بمرآته شطر المطلوب # بل ربما يكون متسوعب الهم بتفصيل الطاعات البدنية أو بتهيئة أسباب ~~المعيشة ولا يصرف فكره إلى التأمل في حضرة الربوبية والحقائق الخفية ~~الإلهية فلا ينكشف له ms1202 إلا ما هو متفكر فيه من دقائق آفات الأعمال وخفايا ~~عيوب النفس إن كان متفكرا فيها أو مصالح المعيشة إن كان متفكرا فيها # وإذا كان تقييد الهم بالأعمال وتفصيل الطاعات مانعا عن انكشاف جليه الحق ~~فما ظنك فيمن صرف الهم إلى الشهوات الدنيوية ولذاتها وعلائقها فكيف لا يمنع ~~عن الكشف الحقيقي # الرابع الحجاب فإن المطيع القاهر لشهواته المتجرد الفكر في حقيقة من ~~الحقائق قد لا ينكشف له ذلك لكونه محجوبا عنه باعتقاد سبق إليه منذ الصبا ~~على سبيل التقليد والقبول بحسن الظن فإن ذلك يحول بينه وبين حقيقة الحق ~~ويمنع من أن ينكشف في قلبه خلاف ما تلقفه من ظاهر التقليد وهذا أيضا حجاب ~~عظيم به حجب أكثر المتكلمين والمتعصبين للمذاهب بل أكثر الصالحين المتفكرين ~~في ملكوت السموات والأرض لأنهم محجوبون باعتقادات تقليدية جمدت في نفوسهم ~~ورسخت في قلوبهم وصارت حجابا بينهم وبين درك الحقائق # الخامس الجهل بالجهة التي يقع منها العثور على المطلوب فإن طالب العلم ~~ليس يمكنه أن يحصل العلم بالمجهول إلا بالتذكر للعلوم التي تناسب مطلوبه ~~حتى إذا تذكرها ورتبها في نفسه ترتيبا مخصوصا يعرفه العلماء بطرق الاعتبار ~~فعند ذلك يكون قد عثر على جهة المطلوب فتنجلى حقيقة المطلوب لقلبه فإن ~~العلوم المطلوبة التي ليست فطرية لا تقتنص إلا بشبكة العلوم الحاصلة بل كل ~~علم لا يحصل إلا عن علمين سابقين يأتلفا ويزدوجان على وجه مخصوص فيحصل من ~~ازدواجهما علم ثالث على مثال ما يحصل النتاج من ازدواج الفحل والأنثى # ثم كما أن من أراد أن يستنتج رمكة لم يمكنه ذلك من حمار وبعير وإنسان بل ~~من أصل مخصوص من الخيل الذكر والأنثى وذلك إذا وقع بينهما ازدواج مخصوص # فكذلك كل علم فله أصلان مخصوصان وبينهما طريق في الازدواج يحصل من ~~ازدواجهما العلم المستفاد المطلوب فالجهل بتلك الأصول وبكيفية الازدواج هو ~~المانع من العلم # ومثاله ما ذكرناه من الجهل بالجهة التي الصورة فيها بل مثاله أن يريد ~~الإنسان أن يرى قفاه مثلا بالمرآة فإنه إذا رفع المرآة ms1203 بإزاء وجهه لم يكن ~~قد حاذى بها شطر القفا فلا يظهر فيها القفا وإن رفعها وراء القفا وحاذاه ~~كان قد عدل بالمرآة عن عينه فلا يرى المرآة ولا صورة القفا فيها فيحتاج إلى ~~مرآة أخرى ينصبها وراء القفا وهذه في مقابلتها بحيث يبصرها ويراعى مناسبة ~~بين وضع المرآتين حتى تنطبع صورة القفا في المرآة المحاذية للقفا ثم تنطبع ~~صورة هذه المرآة في المرآة الأخرى التي في مقابلة العين ثم تدرك العين صورة ~~القفا فكذلك في اقتناص العلوم طرق عجيبة فيها ازورارات وتحريفات أعجب ما ~~ذكرناه في المرآة يعز على بسيط الأرض من يهتدي إلى كيفية الحيلة في تلك ~~الازورارات # فهذه هي الأسباب المانعة للقلوب من معرفة حقائق الأمور # وإلا فكل قلب فهو بالفطرة صالح لمعرفة الحقائق لأنه أمر رباني شريف فارق ~~سائر جواهر العالم بهذه الخاصية والشرف # وإليه الإشارة بقوله عز وجل إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إشارة إلى أن له ~~خاصية تميز بها عن السموات والأرض والجبال بها صار مطيقا لحمل أمانة الله ~~تعالى # وتلك الأمانة هي المعرفة والتوحيد وقلب كل آدمي مستعد لحمل الأمانة ومطيق ~~لها في الأصل ولكن يثبطه عن النهوض بأعبائها والوصول إلى تحقيقها الأسباب ~~التي ذكرناها # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه ~~يهودانه وينصرانه ويمجسانه // حديث كل مولود يولد على الفطرة الحديث متفق ~~عليه من حديث أبي هريرة # وقول رسول الله PageV03P014 # صلى الله عليه وسلم لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ~~ملكوت السماء (1) حديث ابن عمر أين الله قال في قلوب عباده المؤمنين لم ~~أجده بهذا اللفظ وللطبراني من حديث أبي عتبة الخولاني يرفعه إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال إن لله آنية من أهل الأرض وآنية ربكم قلوب عباده ~~الصالحين الحديث فيه بقية بن الوليد وهو مدلس لكنه صرح فيه بالتحديث (2) ~~حديث قال الله ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن ms1204 اللين ~~الوادع لم أر له أصلا وفي حديث أبي عتبة قبله عند الطبراني بعد قوله وآنية ~~ربكم قلوب عباده الصالحين وأحبها إليه ألينها وأرقها # وفي الخبر أنه قيل يا رسول الله من خير الناس فقال كل مؤمن مخموم القلب ~~فقيل وما مخموم القلب فقال هو التقي النقي الذي لا غش فيه ولا بغي ولا غدر ~~ولا غل ولا حسد (3) # ولذلك قال عمر رضي الله عنه رأى قلبي ربي # إذ كان قد رفع الحجاب بالتقوى ومن ارتفع الحجاب بينه وبين الله تجلى صورة ~~الملك والملكوت في قلبه فيرى جنة عرض بعضها السموات والأرض أما جملتها ~~فأكثر سعة من السموات والأرض لأن السموات والأرض عبارة عن عالم الملك ~~والشهادة وهو وإن كان واسع الأطراف متباعد الأكناف فهو متناه على الجملة ~~وأما عالم الملكوت وهي الأسرار الغائبة عن مشاهدة الأبصار المخصوصة بإدراك ~~البصائر فلا نهاية له نعم الذي يلوح للقلب منه مقدار متناه ولكنه في نفسه ~~وبالإضافة إلى علم الله لا نهاية له # وجملة عالم الملك والملكوت إذا أخذت دفعة واحدة تسمى الحضرة الربوبية لأن ~~الحضرة الربوبية محيطة بكل الموجودات إذ ليس في الوجود شيء سوى الله تعالى ~~وأفعاله ومملكته وعبيده من أفعاله فما يتجلى من ذلك للقلب هي الجنة بعينها ~~عند قوم وهو سبب استحقاق الجنة عند أهل الحق ويكون سعة ملكه في الجنة بحسب ~~سعة معرفته وبمقدار ما تجلى له من الله وصفاته وأفعاله # وإنما مراد الطاعات وأعمال الجوارح كلها تصفية القلب وتزكيته وجلاؤه {قد ~~أفلح من زكاها} ومراد تزكيته حصول أنوار الإيمان فيه أعني إشراق نور ~~المعرفة وهو المراد بقوله تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه # نعم هذا التجلي وهذا الإيمان له ثلاث مراتب # المرتبة الأولى إيمان العوام وهو إيمان التقليد المحض # والثانية إيمان المتكلمين وهو ممزوج بنوع استدلال ودرجته قريبة من درجة ~~إيمان العوام # والثالثة إيمان العارفين وهو المشاهد بنور اليقين # ونبين لك هذه المراتب بمثال ms1205 وهو أن تصديقك بكون زيد مثلا في الدار له ~~ثلاث درجات # الأولى أن يخبرك من جربته بالصدق ولم تعرفه بالكذب ولا اتهمته في القول ~~فإن قلبك يسكن إليه ويطمئن بخبره بمجرد السماع وهذا الإيمان بمجرد التقليد ~~وهو مثل إيمان العوام فإنهم لما بلغوا سن التمييز سمعوا من آبائهم وأمهاتهم ~~وجود الله تعالى وعلمه وإرادته وقدرته وسائر صفاته وبعثة الرسل وصدقهم وما ~~جاءوا به وكما سمعوا به قبلوه وثبتوا عليه واطمأنوا إليه ولم يخطر ببالهم ~~خلاف ما قالوه لهم لحسن ظنهم بآبائهم وأمهاتهم ومعلميهم وهذا الإيمان سبب ~~النجاة في الآخرة وأهله من أوائل رتب أصحاب اليمين وليسوا من المقربين لأنه ~~ليس فيه كشف وبصيرة وانشراح صدر بنور اليقين إذ الخطأ ممكن فيما سمع من ~~الآحاد بل من الأعداد فيما يتعلق PageV03P015 # بالاعتقادات فقلوب اليهود والنصارى أيضا مطمئنة بما يسمعونه من آبائهم ~~وأمهاتهم إلا أنهم اعتقدوا ما اعتقدوا خطأ لأنهم ألقي إليهم الخطأ ~~والمسلمون اعتقدوا الحق لا لاطلاعهم عليه ولكن ألقي إليهم كلمة الحق # الرتبة الثانية أن تسمع كلام زيد وصوته من داخل الدار ولكن من وراء جدار ~~فتستدل به على كونه في الدار فيكون إيمانك وتصديقك ويقينك بكونه في الدار ~~أقوى من تصديقك بمجرد السماع فإنك إذا قيل لك إنه في الدار ثم سمعت صوته ~~ازددت به يقينا لأن الأصوات تدل على الشكل والصورة عند من يسمع الصوت في ~~حال مشاهدة الصورة فيحكم قلبه بأن هذا صوت ذلك الشخص وهذا إيمان ممزوج ~~بدليل والخطأ أيضا ممكن أن يتطرق إليه إذ الصوت قد يشبه الصوت وقد يمكن ~~التكلف بطريق المحاكاة إلا أن ذلك قد لا يخطر ببال السامع لأنه ليس يجعل ~~للتهمة موضعا ولا يقدر في هذا التلبيس والمحاكاة غرضا # الرتبة الثالثة أن تدخل الدار فتنظر إليه بعينك وتشاهده وهذه هي المعرفة ~~الحقيقية والمشاهدة اليقينية وهي تشبه معرفة المقربين والصديقين لأنهم ~~يؤمنون عن مشاهدة فينطوي في إيمانهم إيمان العوام والمتكلمين ويتميزون ~~بمزية بينة يستحيل معها إمكان الخطأ # نعم وهم أيضا يتفاوتون بمقادير العلوم ms1206 وبدرجات الكشف # أما درجات الكشف فمثاله أن يبصر زيدا في الدار عن قرب وفي صحن الدار في ~~وقت إشراق الشمس فيكمل له إدراكه والآخر يدركه في بيت أو من بعد أو في وقت ~~عشية فيتمثل له في صورته ما يستيقن معه أنه هو ولكن لا يتمثل في نفسه ~~الدقائق والخفايا من صورته # ومثل هذا متصور في تفاوت المشاهدة للأمور الإلهية # وأما مقادير العلوم فهو بأن يرى في الدار زيدا وعمرا وبكرا غير ذلك وآخر ~~لا يرى إلا زيدا فمعرفة ذلك تزيد بكثرة المعلومات لا محالة # فهذا حال القلب بالإضافة إلى العلوم والله تعالى أعلم بالصواب ### ||| بيان حال القلب بالإضافة إلى أقسام العلوم العقلية والدينية والدنيوية والأخروية # اعلم أن القلب بغريزته مستعد لقبول حقائق المعلومات كما سبق ولكن العلوم ~~التي تحل فيه تنقسم إلى عقلية وإلى شرعية # والعقلية تنقسم إلى ضرورية ومكتسبة # والمكتسبة إلى دنيوية وأخروية # أما العقلية فنعني بها ما تقضي بها غريزة العقل ولا توجد بالتقليد ~~والسماع وهي تنقسم إلى ضرورية لا يدري من أين حصلت وكيف حصلت كعلم الإنسان ~~بأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين والشيء الواحد لا يكون حادثا قديما ~~موجودا معدوما معا فإن هذه علوم يجد الإنسان نفسه منذ الصبا مفطورا عليها ~~ولا يدري متى حصل له هذا العلم ولا من أين حصل له أعني أنه لا يدري له سببا ~~قريبا وإلا فليس يخفى عليه أن الله هو الذي خلقه وهداه # وإلى علوم مكتسبة وهي المستفادة بالتعلم والاستدلال وكلا القسمين قد يسمى ~~عقلا # قال علي رضي الله عنه # رأيت العقل عقلين ... فمطبوع ومسموع # ولا ينفع مسموع ... إذا لم يك مطبوع # كما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع # والأول هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم لعلي ما خلق الله خلقا أكرم ~~عليه من العقل (1) # والثاني هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه إذا تقرب ~~الناس إلى الله تعالى بأنواع البر فتقرب أنت بعقلك (2) PageV03P016 # إذ لا يمكن التقرب بالغريزة الفطرية ولا بالعلوم ms1207 الضرورية بل بالمكتسبة ~~ولكن مثل على رضي الله عنه هو الذي يقدر على التقرب باستعمال العقل في ~~اقتناص العلوم التي بها ينال القرب من رب العالمين فالقلب جار مجرى العين ~~وغريزة العقل فيه جارية مجرى قوة البصر في العين وقوة الإبصار لطيفة تفقد ~~في العمى وتوجد في البصر وإن كان قد غمض عينيه أو جن عليه الليل والعلم ~~الحاصل منه في القلب جار مجرى قوة إدراك البصر في العين ورؤيته لأعيان ~~الأشياء وتأخر العلوم عن عين العقل في مدة الصبا إلى أوان التمييز أو ~~البلوغ يضاهي تأخر الرؤية عن البصر إلى أوان إشراق الشمس وفيضان نورها على ~~المبصرات والقلم الذي سطر الله به العلوم على صفحات القلوب يجري مجرى قرص ~~الشمس وإنما لم يحصل العلم في قلب الصبي قبل التمييز لأن لوح قلبه لم يتهيأ ~~بعد لقبول نفس العلم والقلم عبارة عن خلق من خلق الله تعالى جعله سببا ~~لحصول نقش العلوم في قلوب البشر قال الله تعالى {الذي علم بالقلم علم ~~الإنسان ما لم يعلم} وقلم الله تعالى لا يشبه قلم خلقه كما لا يشبه وصفه ~~وصف خلقه فليس قلمه من قصب ولا خشب كما أنه تعالى ليس من جوهر ولا عرض ~~فالموازنة بين البصيرة الباطنة والبصر الظاهر صحيحة من هذه الوجوه إلا أنه ~~لا مناسبة بينهما في الشرف فإن البصيرة الباطنة هي عين النفس التي هي ~~اللطيفة المدركة وهي كالفارس والبدن كالفرس وعمى الفارس أضر على الفارس من ~~عمى الفرس بل لا نسبة لأحد الضررين إلى الآخر # ولموازنة البصيرة الباطنة للبصر الظاهر سماه الله تعالى باسمه فقال {ما ~~كذب الفؤاد ما رأى} سمى إدراك الفؤاد رؤية وكذلك قوله تعالى وكذلك نرى ~~إبراهيم ملكوت السموات والأرض وما أراد به الرؤية الظاهرة فإن ذلك غير ~~مخصوص بإبراهيم عليه السلام حتى يعرض في معرض الامتنان ولذلك سمي ضد إدراكه ~~عمى فقال تعالى {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور} ~~وقال تعالى {ومن كان في هذه أعمى فهو في ms1208 الآخرة أعمى وأضل سبيلا} فهذا بيان ~~العلم العقلي # أما العلوم الدينية فهي المأخوذة بطريق التقليد من الأنبياء صلوات الله ~~عليهم وسلامه وذلك يحصل بالتعلم لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وفهم معانيهما بعد السماع وبه كمال صفة القلب وسلامته عن الأدواء ~~والأمراض فالعلوم العقلية غير كافية في سلامة القلب وإن كان محتاجا إليها ~~كما أن العقل غير كاف في استدامة صحة أسباب البدن بل يحتاج إلى معرفة خواص ~~الأدوية والعقاقير بطريق التعلم من الأطباء إذ مجرد العقل لا يهتدي إليه ~~ولكن لا يمكن فهمه بعد سماعه إلا بالعقل فلا غنى بالعقل عن السماع ولا غنى ~~بالسماع عن العقل فالداعي إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل ~~والمكتفي بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور فإياك أن تكون من أحد ~~الفريقين وكن جامعا بين الأصلين فإن العلوم العقلية كالأغذية والعلوم ~~الشرعية كالأدوية والشخص المريض يستضر بالغذاء متى فاته الدواء فكذلك أمراض ~~القلوب لا يمكر علاجها إلا بالأدوية المستفادة من الشريعة وهي وظائف ~~العبادات والأعمال التي ركبها الأنبياء صلوات الله عليهم لإصلاح القلوب فمن ~~لا يداوى قلبه المريض بمعالجات العبادة الشرعية واكتفى بالعلوم العقلية ~~استضر بها كما يستضر المريض بالغذاء وظن من يظن أن العلوم العقلية مناقضة ~~للعلوم الشرعية وأن الجمع بينهما غير ممكن هو ظن صادر عن عمى في عين ~~البصيرة نعوذ بالله منه بل هذا القائل ربما يناقض عنده بعض العلوم الشرعية ~~لبعض فيعجز عن الجمع بينهما فيظن أنه تناقض في الدين فيتحير به فينسل من ~~الدين انسلال الشعرة من العجين وإنما ذلك لأن عجزه في نفسه خيل إليه نقضا ~~في الدين وهيهات وإنما مثاله مثال الأعمى الذي دخل دار قوم فتعثر فيها ~~بأواني الدار فقال لهم ما بال هذه الأواني PageV03P017 # تركت على الطريق لم لا ترد إلى مواضعها فقالوا له تلك الأواني في مواضعها ~~وإنما أنت لست تهتدي للطريق لعماك فالعجب منك أنك لا تحيل عثرتك على عماك ~~وإنما تحيلها على تقصير غيرك فهذه نسبة ms1209 العلوم الدينية إلى العلوم العقلية # والعلوم العقلية تنقسم إلى دنيوية وأخروية # فالدنيوية كعلم الطب والحساب والهندسة والنجوم وسائر الحرف والصناعات # والأخروية كعلم أحوال القلب وآفات الأعمال والعلم بالله تعالى وبصفاته ~~وأفعاله كما فصلناه في كتاب العلم وهما علمان متنافيان أعني أن من صرف ~~عنايته إلى أحدهما حتى تعمق فيه قصرت بصيرته عن الآخر على الأكثر ولذلك ضرب ~~علي رضي الله عنه للدنيا والآخرة ثلاثة أمثلة فقال هما ككفتي الميزان ~~وكالمشرق والمغرب وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى # ولذلك ترى الأكياس في أمور الدنيا وفي علم الطب والحساب والهندسة ~~والفلسفة جهالا في أمور الآخرة والأكياس في دقائق علوم الآخرة جهالا في ~~أكثر علوم الدنيا لأن قوة العقل لا تفي بالأمرين جميعا في الغالب فيكون ~~أحدهما مانعا من الكمال في الثاني ولذلك قال صلى الله عليه وسلم إن أكثر ~~أهل الجنة البله (1) أي البله في أمور الدنيا # وقال الحسن في بعض مواعظه لقد أدركنا أقواما لو رأيتموهم لقلتم مجانين ~~ولو أدركوكم لقالوا شياطين فمهما سمعت أمرا غريبا من أمور الدين جحده أهل ~~الكياسة في سائر العلوم فلا يغرنك جحودهم عن قبوله إذ من المحال أن يظفر ~~سالك طريق المشرق بما يوجد في المغرب فكذلك يجري أمر الدنيا والآخرة ولذلك ~~قال تعالى {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} ~~الآية وقال تعالى {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} ~~وقال عز وجل فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم ~~من العلم فالجمع بين كمال الاستبصار في مصالح الدنيا والدين لا يكاد يتيسر ~~إلا لمن رسخه الله لتدبير عباده في معاشهم ومعادهم وهم الأنبياء المؤيدون ~~بروح القدس المستمدون من القوة الإلهية التي تتسع لجميع الأمور ولا تضيق ~~عنها فأما قلوب سائر الخلق فإنها إذا استقلت بأمر الدنيا انصرفت عن الآخرة ~~وقصرت عن الاستكمال فيها ### ||| بيان الفرق بين الإلهام والتعلم والفرق بين طريق الصوفية في استكشاف الحق وطريق النظار # اعلم أن العلوم التي ليست ms1210 ضرورية وإنما تحصل في القلب في بعض الأحوال ~~تختلف الحال في حصولها فتارة تهجم على القلب كأنه ألقى فيه من حيث لا يدري ~~وتارة تكتسب بطريق الاستدلال والتعلم فالذي يحصل لا بطريق الاكتساب وحيلة ~~الدليل يسمى إلهاما والذي يحصل بالاستدلال يسمى اعتبارا واستبصارا ثم ~~الواقع في القلب بغير حيلة وتعلم واجتهاد من العبد ينقسم إلى ما لا يدري ~~العبد أنه كيف حصل له ومن أين حصل وإلى ما يطلع معه على السبب الذي منه ~~استفاد ذلك العلم وهو مشاهدة الملك الملقى في القلب # والأول يسمى إلهاما ونفثا في الروع # والثاني يسمى وحيا وتختص به الأنبياء # والأول يختص به الأولياء والأصفياء والذي قبله وهو المكتسب بطريق ~~الاستدلال يختص به العلماء وحقيقة القول فيه أن القلب مستعد لأن تنجلي فيه ~~حقيقة الحق في الأشياء كلها PageV03P018 # وإنما حيل بينه وبينها بالأسباب الخمسة التي سبق ذكرها فهي كالحجاب ~~المسدل الحائل بين مرآة القلب وبين اللوح المحفوظ الذي هو منقوش بجميع ما ~~قضى الله به إلى يوم القيامة # وتجلى حقائق العلوم من مرآة اللوح في مرآة القلب يضاهي انطباع صورة من ~~مرآة في مرآهتقابلها والحجاب بين المرآتين تارة يزال باليد وأخرى يزول ~~بهبوب الرياح تحركه وكذلك قد تهب رياح الألطاف وتنكشف الحجب عن أعين القلوب ~~فينجلي فيها بعض ما هو مسطور في اللوح المحفوظ ويكون ذلك تارة عند المنام ~~فيعلم به ما يكون في المستقبل وتمام ارتفاع الحجاب بالموت فبه ينكشف الغطاء ~~وينكشف أيضا في اليقظة حتى يرتفع الحجاب بلطف خفي من الله تعالى فيلمع في ~~القلوب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب العلم تارة كالبرق الخاطف وأخرى على ~~التوالي إلى حد ما # ودوامة في غاية الندور فلم يفارق الإلهام الاكتساب في نفس العلم ولا في ~~محله ولا في سببه ولكن يفارقه من جهة زوال الحجاب فإن ذلك ليس باختيار ~~العبد ولم يفارق الوحي الإلهام في شيء من ذلك بل في مشاهدة الملك المفيد ~~للعلم فإن العلم إنما يحصل في قلوبنا بواسطة الملائكة وإليه ms1211 الإشارة بقوله ~~تعالى {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء} # فإذا عرفت هذا فاعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون ~~التعليمية فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون والبحث ~~عن الأقاويل والأدلة المذكورة بل قالوا الطريق تقديم المجاهدة ومحو الصفات ~~المذمومة وقطع العلائق كلها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى ومهما حصل ~~ذلك كان الله هو المتولي لقلب عبده والمتكفل له بتنويره بأنوار العلم وإذا ~~تولى الله أمر القلب فاضت عليه الرحمة وأشرق النور في القلب وانشرح الصدر ~~وانكشف له سر الملكوت وانقشع عن وجه القلب حجاب الغرة بلطف الرحمة وتلألأت ~~فيه حقائق الأمور الإلهية فليس على العبد إلا الاستعداد بالتصفية المجردة ~~وإحضار الهمة مع الإرادة الصادقة والتعطش التام والترصد بدوام الانتظار لما ~~يفتحه الله تعالى من الرحمة # فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر وفاض على صدورهم النور لا بالتعلم ~~والدراسة والكتابة للكتب بل بالزهد في الدنيا والتبري من علائقها وتفريغ ~~القلب من شواغلها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى فمن كان لله كان الله ~~له وزعموا أن الطريق في ذلك أولا بانقطاع علائق الدنيا بالكلية وتفريغ ~~القلب منها وبقطع الهمة عن الأهل والمال والولد والوطن وعن العلم والولاية ~~والجاه بل يصير قلبه إلى حالة يستوي فيها وجود كل شيء وعدمه ثم يخلو بنفسه ~~في زواية مع الاقتصار على الفرائض والرواتب ويجلس فارغ القلب مجموع الهم ~~ولا يفرق فكره بقراءة قرآن ولا بالتأمل في تفسير ولا بكتب حديث ولا غيره بل ~~يجتهد أن لا يخطر بباله شيء سوى الله تعالى فلا يزال بعد جلوسه في الخلوة ~~قائلا بلسانه الله الله على الدوام مع حضور القلب حتى ينتهي إلى حالة يترك ~~تحريك اللسان ويرى كأن الكلمة جارية على لسانه ثم يصبر عليه إلى أن يمحى ~~أثره عن اللسان ويصادف قلبه مواظبا على الذكر ثم يواظب عليه إلى أن يمحى عن ~~القلب صورة اللفظ وحروفه وهيئة ms1212 الكلمة ويبقى معنى الكلمة مجردا في قلبه ~~حاضرا فيه كأنه لازم له لا يفارقه وله اختيار إلى أن ينتهي إلى هذا الحد ~~واختيار في استدامة هذه الحالة بدفع الوسواس وليس له اختيار في استجلاب ~~رحمة الله تعالى بل هو بما فعله صار متعرضا لنفحات رحمة الله فلا يبقى إلا ~~الانتظار لما يفتح الله من الرحمة كما فتحها على الأنبياء والأولياء بهذه ~~الطريق وعند ذلك إذا صدقت إرادته وصفت همته وحسنت مواظبته فلم تجاذبه ~~شهواته ولم يشغله حديث النفس بعلائق الدنيا تلمع لوامع الحق في قلبه ويكون ~~في ابتدائه PageV03P019 # كالبرق الخاطف لا يثبت ثم يعود وقد يتأخر وإن عاد فقد يثبت وقد يكون ~~مختطفا وإن ثبت قد يطول ثباته وقد لا يطول وقد يتظاهر أمثاله على التلاحق ~~وقد يقتصر على فن واحد ومنازل أولياء الله تعالى فيه لا تحصر كما لا يحصى ~~تفاوت خلقهم وأخلاقهم وقد رجع هذا الطريق إلى تطهير محض من جانبك وتصفية ~~وجلاء ثم استعداد وانتظار فقط # وأما النظار وذوو الاعتبار فلم ينكروا وجود هذا الطريق وإمكانه وإفضائه ~~إلى هذا المقصد على الندور فإنه أكثر أحوال الأنبياء والأولياء ولكن ~~استوعروا هذا الطريق واستبطؤا ثمرته واستبعدوا استجماع شروطه وزعموا أن محو ~~العلائق إلى ذلك الحد كالمتعذر وإن حصل في حال فثباته أبعد منه إذ أدنى ~~وسواس وخاطر يشوش القلب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب المؤمن أشد ~~تقلبا من القدر في غليانها (1) أخرجه أحمد والحاكم (2) حديث قلب المؤمن بين ~~إصبعين من أصابع الرحمن أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمر (3) وفي أثناء ~~هذه المجاهدة قد يفسد المزاج ويختلط العقل ويمرض البدن وإذا لم تتقدم رياضة ~~النفس وتهذيبها بحقائق العلوم نشبت بالقلب خيالات فاسدة تطمئن النفس إليها ~~مدة طويلة إلى أن يزول وينقضي العمر قبل النجاح فيها فكم من صوفي سلك هذا ~~الطريق ثم بقي في خيال واحد عشرين سنة ولو كان قد أتقن العلم من قبل لانفتح ~~له وجه التباس ذلك الخيال في الحال فالاشتغال بطريق ms1213 التعلم أوثق وأقرب إلى ~~الغرض وزعموا أن ذلك يضاهي ما لو ترك الإنسان تعلم الفقه وزعم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يتعلم ذلك وصار فقيها بالوحي والإلهام من غير تكرير ~~وتعليق وأنا أيضا ربما انتهت بي الرياضة والمواظبة إليه ومن ظن ذلك فقد ظلم ~~نفسه وضيع عمره بل هو كمن يترك طريق الكسب والحراثة رجاء العثور على كنز من ~~الكنوز فإن ذلك ممكن ولكنه بعيد جدا فكذلك هذا وقالوا لا بد أولا من تحصيل ~~ما حصله العلماء وفهم ما قالوه ثم لا بأس بعد ذلك بالانتظار لما لم ينكشف ~~لسائر العلماء فعساه ينكشف بعد ذلك بالمجاهدة ### ||| بيان الفرق بين المقامين بمثال محسوس # اعلم أن عجائب القلب خارجة عن مدركات الحواس لأن القلب أيضا خارج عن ~~إدراك الحس وما لبس مدركا بالحواس تضعف الأفهام عن دركه إلا بمثال محسوس ~~ونحن نقرب ذلك إلى الأفهام الضعيفة بمثالين # أحدهما أنه لو فرضنا حوضا محفورا في الأرض احتمل أن يساق الماء من فوقه ~~بأنهار تفتح فيه ويحتمل أن يحفر أسفل الحوض ويرفع منه التراب إلى أن يقرب ~~من مستقر الماء الصافي فينفجر الماء من أسفل الحوض ويكون ذلك الماء أصفى ~~وأدوم وقد يكون أغزر وأكثر فذلك القلب مثل الحوض والعلم مثل الماء وتكون ~~الحواس الخمس مثال الأنهار وقد يمكن أن تساق العلوم إلى القلب بواسطة أنهار ~~الحواس والاعتبار بالمشاهدات حتى يمتليء علما ويمكن أن تسد هذه الأنهار ~~بالخلوة والعزلة وغض البصر ويعمد إلى عمق القلب بتطهيره ورفع طبقات الحجب ~~عنه حتى تنفجر ينابيع العلم من داخله # فإن قلت فكيف يتفجر العلم من ذات القلب وهو خال عنه فاعلم أن هذا من ~~عجائب أسرارالقلب ولا يسمح بذكره في علم المعاملة بل القدر الذي يمكن ذكره ~~أن حقائق الأشياء مسطورة في اللوح المحفوظ بل في قلوب الملائكة المقربين ~~فكما أن المهندس يصور أبنية الدار في بياض ثم يخرجها إلى الوجود على وفق ~~تلك النسخة فكذلك فاطر PageV03P020 # السموات والأرض كتب نسخة العالم من أوله إلى ms1214 آخره في اللوح المحفوظ ثم ~~أخرجه إلى الوجود على وفق تلك النسخة والعالم الذي خرج إلى الوجود بصورته ~~تتأدى منه صورة أخرى إلى الحس والخيال فإن من ينظر إلى السماء والأرض ثم ~~يغض بصره يرى صورة السماء والأرض في خياله حتى كأنه ينظر إليها ولو انعدمت ~~السماء والأرض وبقي هو في نفسه لوجد صورة السماء والأرض في نفسه كأنه ~~يشاهدهما وينظر إليهما ثم يتأدى من خياله أثر إلى القلب فيحصل فيه حقائق ~~الأشياء التي دخلت في الحس والخيال والحاصل في القلب موافق للعالم الحاصل ~~في الخيال والحاصل في الخيال موافق للعالم الموجود في نفسه خارجا من خيال ~~الإنسان وقلبه والعالم الموجود موافق للنسخة الموجودة في اللوح المحفوظ # فكأن للعالم أربع درجات في الوجود وجود في اللوح المحفوظ وهو سابق على ~~وجوده الجسماني ويتبعه وجوده الحقيقي ويتبع وجوده الحقيقي وجوده الخيالي ~~أعني وجود صورته في الخيال ويتبع وجوده الخيالي وجوده العقلي أعني وجود ~~صورته في القلب # وبعض هذه الوجودات روحانية وبعضها جسمانية والروحانية بعضها أشد روحانية ~~من البعض وهذا اللطف من الحكمة الإلهية إذ جعل حدقتك على صغر حجمها بحيث ~~تنطبع صورة العالم والسموات والأرض على اتساع أكنافها فيها ثم يسري من ~~وجودها في الحس وجود إلى الخيال ثم منه وجود في القلب فإنك أبدا لا تدرك ~~إلا ما هو واصل إليك فلو لم يجعل للعالم كله مثالا في ذاتك لما كان لك خبر ~~مما يباين ذاتك فسبحان من دبر هذه العجائب في القلوب والأبصار ثم أعمى عن ~~دركها القلوب والأبصار حتى صارت قلوب أكثر الخلق جاهلة بأنفسها وبعجائبها # ولنرجع إلى الغرض المقصود فنقول القلب قد يتصور أن يحصل فيه حقيقة العالم ~~وصورته تارة من الحواس وتارة من اللوح المحفوظ كما أن العين يتصور أن يحصل ~~فيها صورة الشمس تارة من النظر إليها وتارة من النظر إلى الماء الذي يقابل ~~الشمس ويحكي صورتها فمهما ارتفع الحجاب بينه وبين اللوح المحفوظ رأى ~~الأشياء فيه وتفجر إليه العلم منه فاستغنى عن الاقتباس من ms1215 داخل الحواس ~~فيكون ذلك كتفجر الماء من عمق الأرض ومهما أقبل على الخيالات الحاصلة من ~~المحسوسات كان ذلك حجابا له عن مطالعة اللوح المحفوظ كما أن الماء إذا ~~اجتمع في الأنهار منع ذلك من التفجر في الأرض وكما أن من نظر إلى الماء ~~الذي يحكي صورة الشمس لا يكون ناظرا إلى نفس الشمس فإذن للقلب بابان باب ~~مفتوح إلى عالم الملكوت وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة وباب مفتوح إلى ~~الحواس الخمس المتمسكة بعالم الملك والشهادة وعالم الشهادة والملك أيضا ~~يحاكي عالم الملكوت نوعا من المحاكاة فأما انفتاح باب القلب إلى الاقتباس ~~من الحواس فلا يخفى عليك وأما انفتاح بابه الداخل إلى عالم الملكوت ومطالعة ~~اللوح المحفوظ فتعلمه علما يقينيا بالتأمل في عجائب الرؤيا واطلاع القلب في ~~النوم على ما سيكون في المستقبل أو كان في الماضي من غير اقتباس من جهة ~~الحواس وإنما ينفتح ذلك الباب لمن انفرد بذكر الله تعالى وقال صلى الله ~~عليه وسلم سبق المفردون قيل ومن هم المفردون يا رسول الله قال المتنزهون ~~بذكر الله تعالى وضع الذكر عنهم أوزارهم فوردوا القيامة خفافا ثم قال في ~~وصفهم إخبارا عن الله تعالى فقال ثم أقبل بوجهي عليهم أترى من واجهته بوجهي ~~يعلم أحد أي شيء أريد أن أعطيه ثم قال تعالى أول ما أعطيهم أن أقذف النور ~~في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم // حديث سبق المفردون قيل ومن هم قال ~~المستهترون بذكر الله الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مقتصرا على أول ~~الحديث وقال فيه وما المفردون قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات ورواه ~~الحاكم بلفظ قال الذين يستهترون بذكر الله وقال صحيح على شرط الشيخين وزاد ~~فيه البيهقي في الشعب يضع الذكر عنهم أثقالهم ويأتون يوم القيامة خفافا ~~ورواه هكذا الطبراني في المعجم الكبير من حديث أبي الدرداء دون الزيادة ~~التي ذكرها المصنف في آخره وكلاهما ضعيف ومدخل PageV03P021 # هذه الأخبار هو الباب الباطن فإذا الفرق بين علوم الأولياء والأنبياء ~~وبين علوم العلماء والحكماء هذا وهو ms1216 أن علومهم تأتي من داخل القلب من الباب ~~المنفتح إلى عالم الملكوت وعلم الحكمة يتأتى من أبواب الحواس المفتوحة إلى ~~عالم الملك وعجائب عالم القلب وتردده بين عالمي الشهادة والغيب لا يمكن أن ~~يستقصى في علم المعاملة فهذا مثال يعلمك الفرق بين مدخل العالمين # المثال الثاني يعرفك الفرق بين العملين أعني عمل العلماء وعمل الأولياء ~~فإن العلماء يعملون في اكتساب نفس العلوم واجتلابها إلى القلب وأولياء ~~الصوفية يعملون في جلاء القلوب وتطهيرها وتصفيتها وتصقيلها فقط فقد حكي أن ~~أهل الصين وأهل الروم تباهوا بين يدي بعض الملوك بحسن صناعة النقش والصور ~~فاستقر رأي الملك على أن يسلم إليهم صفة لينقش أهل الصين منها جانبا وأهل ~~الروم جانبا ويرخي بينهما حجاب يمنع اطلاع كل فريق على الآخر ففعل ذلك فجمع ~~أهل الروم من الأصباغ الغريبة ما لا ينحصر ودخل أهل الصين من غير صبغ ~~وأقبلوا يجلون جانبهم ويصقلونه فلما فرغ أهل الروم ادعى أهل الصين أنهم قد ~~فرغوا أيضا فعجب الملك من قولهم وأنهم كيف فرغوا من النقش من غير صبغ فقيل ~~وكيف فرغتم من غير صبغ فقالوا ما عليكم ارفعوا الحجاب فرفعوا وإذا بجانبهم ~~يتلألأ منه عجائب الصنائع الرومية مع زيادة إشراق وبريق إذ كان قد صار ~~كالمرآة المجلوة لكثرة التصقيل فازداد حسن جانبهم بمزيد التصقيل فكذلك ~~عناية الأولياء بتطهير القلب وجلائه وتزكيته وصفائه حتى يتلألأ فيه جلية ~~الحق بنهاية الإشراق كفعل أهل الصين وعناية الحكماء والعلماء بالاكتساب ~~ونقش العلوم وتحصيل نقشها في القلب كفعل أهل الروم فكيفما كان الأمر فقلب ~~المؤمن لا يموت وعلمه عند الموت لا يمحى وصفاؤه لا يتكدر وإليه أشار الحسن ~~رحمه الله عليه بقوله التراب لا يأكل محل الإيمان بل يكون وسيلة وقربة إلى ~~الله تعالى # وأما ما حصله من نفس العلم وما حصله من الصفاء والاستعداد لقبول نفس ~~العلم فلا غنى به عنه ولا سعادة لأحد إلا بالعلم والمعرفة وبعض السعادات ~~أشرف من بعض كما أنه لا غنى إلا بالمال فصاحب الدرهم غني وصاحب ms1217 الخزائن ~~المترعة غني وتفاوت درجات السعداء بحسب تفاوت المعرفة والإيمان كما تتفاوت ~~درجات الأغنياء بحسب قلة المال وكثرته فالمعارف أنوار ولا يسعى المؤمنون ~~إلى لقاء الله تعالى إلا بأنوارهم قال الله تعالى يسعى نورهم بين أيديهم ~~وبأيمانهم وقد روي في الخبر أن بعضهم يعطى نورا مثل الجبل وبعضهم أصغر حتى ~~يكون آخرهم رجلا يعطى نورا على إبهام قدميه فيضيء مرة وينطفيء أخرى فإذا ~~أضاء قدم قدميه فمشى وإذا طفيء قام ومرورهم على الصراط على قدر نورهم فمنهم ~~من يمر كطرف العين ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالسحاب ومنه من يمر ~~كانقضاض الكواكب ومنهم من يمر كالفرس إذا اشتد في ميدانه والذي أعطي نورا ~~على إبهام قدمه يحبوحبوا على وجهه ويديه ورجليه يجر يدا ويعلق أخرى ويصيب ~~جوانبه النار فلا يزال كذلك حتى يخلص (1) حديث صحيح على شرط الشيخين # الحديث فبهذا يظهر تفاوت الناس في الإيمان ولو وزن إيمان أبي بكر بإيمان ~~العالمين سوى النبيين والمرسلين لرجح فهذا أيضا يضاهي قول القائل لو وزن ~~نور الشمس بنور السرج كلها لرجح فإنما أحاد العوام نوره مثل نور السراج ~~وبعضهم نوره كنور الشمع وإيمان الصديقين نوره كنور القمر والنجوم وإيمان ~~الأنبياء كالشمس وكما ينكشف في نور الشمس صورة الآفاق مع PageV03P022 # اتساع أقطارها ولا ينكشف في نور السراج إلا زواية ضيقة من البيت فكذلك ~~تفاوت انشراح الصدر بالمعارف وانكشاف سعة الملكوت لقلوب العارفين ولذلك جاء ~~في الخبر أنه يقال يوم القيامة أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة ~~من إيمان ونصف مثقال وربع مثقال وشعيرة وذرة (1) متفق عليه (2) حديث ليس ~~شيء خيرا من ألف مثله إلا الإنسان أو المؤمن أخرجه الطبراني من حديث سلمان ~~بلفظ {الإنسان} ولأحمد من حديث ابن عمر لا نعلم شيئا خيرا من مائة مثله إلا ~~الرجل المؤمن وإسنادهما حسن (3) إشارة إلى تفضيل قلب العارف بالله تعالى ~~الموقن فإنه خير من ألف قلب من العوام وقد قال تعالى وأنتم الأعلون إن كنتم ~~مؤمنين تفضيلا للمؤمنين على المسلمين ms1218 والمراد به المؤمن العارف دون المقلد ~~وقال عز وجل يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات فأراد ~~ههنا بالذين آمنوا الذين صدقوا من غير علم وميزهم عن الذين أوتوا العلم # ويدل ذلك على أن اسم المؤمن يقع على المقلد وإن لم يكن تصديقه عن بصيرة ~~وكشف # وفسر ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى والذين أوتوا العلم درجات فقال ~~يرفع الله العالم فوق المؤمن بسبعمائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء ~~والأرض وقال صلى الله عليه وسلم أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب ~~(4) حديث فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي أخرجه ~~الترمذي من حديث أبي أمامة وصححه وقد تقدم في العلم وكذلك الرواية الثانية ~~(5) وفي رواية كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب فبهذه الشواهد يتضح ~~لك تفاوت درجات أهل الجنة بحسب تفاوت قلوبهم ومعارفهم ولهذا كان يوم ~~القيامة يوم التغابن إذ المحروم من رحمة الله عظيم الغبن والخسران والمحروم ~~يرى فوق درجته درجات عظيمة فيكون نظره إليها كنظر الغني الذي يملك عشرة ~~دراهم إلى الغني الذي يملك الأرض من المشرق إلى المغرب وكل واحد منهما غني ~~ولكن ما أعظم الفرق بينهما وما أعظم الغبن على من يخسر حظه من ذلك {وللآخرة ~~أكبر درجات وأكبر تفضيلا} ### ||| بيان شواهد الشرع على صحة طريق أهل التصوف في اكتساب المعرفة لا من التعلم ولا من الطريق المعتاد # اعلم أن من انكشف له شيء ولو الشيء اليسير بطريق الإلهام والوقوع في ~~القلب من حيث لا يدري فقد صار عارفا بصحة الطريق ومن لم يدرك ذلك من نفسه ~~قط فينبغي أن يؤمن به فإن درجة المعرفة فيه عزيزة جدا ويشهد لذلك شواهد ~~الشرع والتجارب والحكايات # أما الشواهد فقوله تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} فكل حكمة ~~تظهر من القلب بالمواظبة على العبادة من غير تعلم فهو بطريق الكشف والإلهام ~~وقال صلى الله عليه وسلم من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ووفقه ~~فيما يعمل ms1219 حتى يستوجب الجنة ومن لم يعمل بما يعلم تاه فيما يعلم ولم يوفق ~~فيما يعمل حتى يستوجب النار // حديث من عمل بما علم الحديث تقدم في العلم ~~دون قوله ووفقه فيما يعمل فلم أرها وقال الله تعالى {ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا} من الإشكالات والشبه {ويرزقه من حيث لا يحتسب} يعلمه PageV03P023 # علما من غير تعلم ويفطنه من غير تجربة وقال الله تعالى {يا أيها الذين ~~آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} قيل نورا يفرق به بين الحق والباطل ~~ويخرج به من الشبهات ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يكثر في دعائه من سؤال ~~النور فقال صلى الله عليه وسلم اللهم أعطني نورا وزدني نورا واجعل لي في ~~قلبي نورا وفي قبري نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا حتى قال في شعري وفي ~~بشري وفي لحمي ودمي وعظامي (1) متفق عليه (2) حديث سئل عن قوله تعالى أفمن ~~شرح الله صدر للإسلام الحديث وفي المستدرك من حديث ابن مسعود وقد تقدم في ~~العلم وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه ~~التأويل (3) (4) حديث علي ما عندنا شيء أسره إلينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا إن يؤتي الله عبدا فهما في كتابه تقدم في آداب تلاوة القرآن وقيل ~~في تفسير قوله تعالى {يؤتى الحكمة من يشاء} إنه الفهم في كتاب الله وقال ~~تعالى {ففهمناها سليمان} خص ما انكشف باسم الفهم وكان أبو الدرداء يقول ~~المؤمن من ينظر بنور الله من وراء ستر رقيق والله إنه للحق يقذفه الله في ~~قلوبهم ويجريه على ألسنتهم وقال بعض السلف ظن المؤمن كهانة # وقال صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى ~~(5) أخرجه الترمذي (6) حديث العلم علمان الحديث تقدم في العلم وسئل بعض ~~العلماء عن العلم الباطن ما هو فقال هو سر من أسرار الله تعالى يقذفه الله ~~تعالى في قلوب أحبابه لم يطلع عليه ملكا ولا بشرا وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم إن ms1220 من أمتي محدثين ومعلمين ومكلمين وإن عمر منهم (7) حديث إن من أمتي ~~محدثين ومكلمين وإن عمر منهم أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة لقد كان فيما ~~قبلكم من الأمم محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر ورواه مسلم من حديث ~~عائشة وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ~~ولا محدث يعني الصديقين والمحدث هو الملهم والملهم هو الذي انكشف له في ~~باطن قلبه من جهة الداخل لا من جهة المحسوسات الخارجة # والقرآن مصرح بأن التقوى مفتاح الهداية والكشف وذلك علم من غير تعلم وقال ~~الله تعالى وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون خصصها بهم ~~وقال تعالى {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} وكان أبو يزيد وغيره يقول ~~ليس العالم الذي يحفظ من كتاب فإذا نسي ما حفظه صار جاهلا إنما العالم الذي ~~يأخذ علمه من ربه أي وقت شاء بلا حفظ ولا درس وهذا هو العلم الرباني وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى {وعلمناه من لدنا علما} مع أن كل علم من لدنه ولكن ~~بعضها بوسائط تعليم الخلق فلا يسمى ذلك علما لدنيا بل اللدني الذي ينفتح في ~~سر القلب من غير سبب مألوف من خارج فهذه شواهد النقل ولو جمع كل ما ورد فيه ~~من الآيات والأخبار والآثار لخرج عن الحصر # وأما مشاهدة ذلك بالتجارب فذلك أيضا خارج عن الحصر وظهر ذلك على الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لعائشة رضي الله ~~عنها عند موته إنما هما أخواك وأختاك وكانت زوجته PageV03P024 # حاملا فولدت بنتا فكان قد عرف قبل الولادة أنها بنت وقال عمر رضي الله ~~عنه في أثناء خطبته يا سارية الجبل الجبل إذ انكشف له أن العدو قد أشرف ~~عليه فحذره لمعرفته ذلك ثم بلوغ صوته إليه من جملة الكرامات العظيمة وعن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه قال دخلت على عثمان رضي الله عنه وكنت قد لقيت ~~امرأة في طريقي فنظرت إليها شزرا ms1221 وتأملت محاسنها فقال عثمان رضي الله عنه ~~لما دخلت يدخل علي أحدكم وأثر الزنا ظاهر على عينيه أما علمت أن زنا ~~العينين النظر لتتوبن أولأعزرنك فقلت أوحي بعد النبي فقال لا ولكن بصيرة ~~وبرهان وفراسة صادقة وعن أبي سعيد الخراز قال دخلت المسجد الحرام فرأيت ~~فقيرا عليه خرقتان فقلت في نفسي هذا وأشباهه كل على الناس فناداني وقال ~~والله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه فاستغفرت الله في سري فناداني وقال {وهو ~~الذي يقبل التوبة عن عباده} ثم غاب عني ولم أره # وقال زكريا بن داود دخل أبو العباس بن مسروق على أبي الفضل الهاشمي وهو ~~عليل وكان ذا عيال ولم يعرف له سبب يعيش به قال فلما قمت قلت في نفسي من ~~أين يأكل هذا الرجل قال فصاح بي يا أبا العباس رد هذه الهمة الدنية فإن لله ~~تعالى ألطافا خفية وقال أحمد النقيب دخلت على الشبلي فقال مفتونا يا أحمد ~~فقلت ما الخبر قال كنت جالسا فجرى بخاطري أنك بخيل فقلت ما أنا بخيل فعاد ~~مني خاطري وقال بل أنت بخيل فقلت ما فتح اليوم علي بشيء إلا دفعته إلى أول ~~فقير يلقاني قال فما استتم الخاطر حتى دخل علي صاحب لمؤنس الخادم ومعه ~~خمسون دينارا فقال اجعلها في مصالحك قال وقمت فأخذتها وخرجت وإذا بفقير ~~مكفوف بين يدي مزين يحلق رأسه فتقدمت إليه وناولته الدنانير فقال أعطها ~~المزين فقلت إن جملتها كذا وكذا قال أو ليس قد قلنا لك إنك بخيل قال ~~فناولتها المزين فقال المزين قد عقدنا لما جلس هذا الفقير بين أيدينا أن لا ~~نأخذ عليه أجرا قال فرميت بها في دجلة وقلت ما أعزك أحد إلا أذله الله عز ~~وجل وقال حمزة بن عبد الله العلوي دخلت على أبي الخير النيناني واعتقدت في ~~نفسي أن أسلم عليه ولا آكل في داره طعاما فلما خرجت من عنده إذا به قد ~~لحقني وقد حمل طبقا فيه طعام وقال يا فتى كل فقد خرجت الساعة من اعتقادك ~~وكان ms1222 أبو الخير النيناني هذا مشهورا بالكرامات وقال إبراهيم الرقي قصدته ~~مسلما عليه فحضرت صلاة المغرب فلم يكد يقرأ الفاتحة مستويا فقلت في نفسي ~~ضاعت سفرتي فلما سلم خرجت إلى الطهارة فقصدني سبع فعدت إلى أبي الخير وقلت ~~قصدني سبع فخرج وصاح به وقال ألم أقل لك لا تتعرض لضيفاني فتنحى الأسد ~~فتطهرت فلما رجعت قال لي اشتغلتم بتقويم الظاهر فخفتم الأسد واشتغلنا ~~بتقويم البواطن فخافنا الأسد # وما حكي من تفرس المشايخ وإخبارهم عن اعتقادات الناس وضمائرهم يخرج عن ~~الحصر بل ما حكي عنهم من مشاهدة الخضر عليه السلام والسؤال منه ومن سماع ~~صوت الهاتف ومن فنون الكرامات خارج عن الحصر والحكاية لا تنفع الجاحد ما لم ~~يشاهد ذلك من نفسه ومن أنكر الأصل أنكر التفصيل والدليل القاطع الذي لا ~~يقدر أحد على جحده أمران أحدهما عجائب الرؤيا الصادقة فإنه ينكشف بها الغيب ~~وإذا جاز ذلك في النوم فلا يستحيل أيضا في اليقظة فلم يفارق النوم اليقظة ~~إلا في ركود الحواس وعدم اشتغالها بالمحسوسات فكم من مستيقظ غائص لا يسمع ~~ولا يبصر لاشتغاله بنفسه والثاني أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الغيب وأمور في المستقبل كما اشتمل عليه القرآن وإذا جاز ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم جاز لغيره إذ النبي عبارة عن شخص كوشف بحقائق الأمور وشغل ~~بإصلاح الخلق فلا يستحيل أن يكون في الوجود شخص مكاشف بالحقائق ولا يشتغل ~~بإصلاح الخلق وهذا PageV03P025 # لا يسمى نبيا بل يسمى وليا فمن آمن بالأنبياء وصدق بالرؤيا الصحيحة لزمه ~~لا محالة أن يقر بأن القلب له بابان باب إلى خارج وهو الحواس وباب إلى ~~الملكوت من داخل القلب وهو باب الإلهام والنفث في الروع والوحي فإذا ~~أقربهما جميعا لم يمكنه أن يحصر العلوم في التعلم ومباشرة الأسباب المألوفة ~~بل يجوز أن تكون المجاهدة سبيل إليه فهذا ما ينبه على حقيقة ما ذكرناه من ~~عجيب تردد القلب بين عالم الشهادة وعالم الملكوت وأما السبب في انكشاف ~~الأمر في المنام بالمثال المحوج إلى ms1223 التعبير وكذلك تمثل الملائكة للأنبياء ~~والأولياء بصور مختلفة فذلك أيضا من أسرار عجائب القلب ولا يليق ذلك إلا ~~بعلم المكاشفة فلنقتصر على ما ذكرناه فإنه كاف للاستحثاث على المجاهدة وطلب ~~الكشف منها فقد قال بعض المكاشفين ظهر لي الملك فسألني أملي عليه شيئا من ~~ذكري الخفي عن مشاهدتي من التوحيد وقال ما نكتب لك عملا ونحن نحب أن نصعد ~~لك بعمل تتقرب به إلى الله عز وجل فقلت ألستما تكتبان الفرائض قالا بلى قلت ~~فيكفيكما ذلك وهذه إشارة إلى أن الكرام الكاتبين لا يطلعون على أسرار القلب ~~وإنما يطلعون على الأعمال الظاهرة وقال بعض العارفين سألت بعض الأبدال عن ~~مسألة من مشاهدة اليقين فالتفت إلى شماله فقال ما تقول رحمك الله ثم التفت ~~إلى يمينه فقال ما تقول رحمك الله ثم أطرق إلى صدره وقال ما تقول رحمك الله ~~ثم أجاب بأغرب جواب سمعته فسألته عن التفاته فقال لم يكن عندي في المسألة ~~جواب عتيد فسألت صاحب الشمال فقال لا أدري فسألت صاحب اليمين وهو أعلم منه ~~فقال لا أدري فنظرت إلى قلبي وسألته فحدثني بما أجبتك فإذا هو أعلم منهما ~~وكأن هذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم إن في أمتي محدثين وإن عمر منهم # وفي الأثر إن الله تعالى يقول أيما عبد اطلعت على قلبه فرأيت الغالب عليه ~~التمسك بذكرى توليت سياسته وكنت جليسه ومحادثه وأنيسه وقال أبو سليمان ~~الداراني رحمة الله عليه القلب بمنزلة القبة المضروبة حولها أبواب مغلقة ~~فأي باب فتح له عمل فيه فقد ظهر انفتاح باب من أبواب القلب إلى جهة الملكوت ~~والملأ الأعلى وينفتح ذلك الباب بالمجاهدة والورع والإعراض عن شهوات الدنيا ~~ولذلك كتب عمر رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد احفظوا ما تسمعون من ~~المطيعين فإنهم ينجلي لهم أمور صادقة وقال بعض العلماء يد الله على أفواه ~~الحكماء لا ينطقون إلا بما هيأ الله لهم من الحق وقال آخر لو شئت لقلت إن ~~الله تعالى يطلع الخاشعين على بعض سره ### ||| بيان ms1224 تسلط الشيطان على القلب بالوساوس ومعنى الوسوسة وسبب غلبتها # اعلم أن القلب كما ذكرناه مثل قبة مضروبة لها أبواب تنصب إليه الأحوال من ~~كل باب ومثاله أيضا مثال هدف تنصب إليه السهام من الجوانب أو هو مثال مرآة ~~منصوبة تجتاز عليها أصناف الصور المختلفة فتتراءى فيها صورة بعد صورة ولا ~~تخلو عنها أو مثال حوض تنصب فيه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة إليه وإنما ~~مداخل هذه الآثار المتجددة في القلب في كل حال أما من الظاهر فالحواس الخمس ~~وأما من الباطن فالخيال والشهوة والغضب والأخلاق المركبة من مزاج الإنسان ~~فإنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب وكذلك إذا هاجت الشهوة ~~مثلا بسبب كثرة الأكل وبسبب قوة في المزاج حصل منها في القلب أثر وإن كف عن ~~الإحساس فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى وينتقل الخيال من شيء إلى شيء ~~وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال آخر والمقصود أن القلب في ~~التغير والتأثر دائما من هذه الأسباب وأخص الآثار الحاصلة في القلب هو ~~الخواطر وأعني بالخواطر ما يحصل فيه من الأفكار والأذكار وأعني به إدراكاته ~~علوما إما على سبيل التجدد وإما على سبيل التذكر فإنها تسمى خواطر من حيث ~~أنها تخطر بعد أن كان القلب غافلا عنها والخواطر هي المحركات للإرادات PageV03P026 # فإن النية والعزم والإرادة إنما تكون بعد خطور المنوى بالبال لا محالة ~~فمبدأ الأفعال الخواطر ثم الخاطر يحرك الرغبة والرغبة تحرك العزم والعزم ~~يحرك النية والنية تحرك الأعضاء والخواطر المحركة للرغبة تنقسم إلى ما يدعو ~~إلى الشر أعني إلى ما يضر في العاقبة وإلى ما يدعو إلى الخير أعني إلى ما ~~ينفع في الدار الآخرة فهما خاطران مختلفان فافتقرا إلى اسمين مختلفين ~~فالخاطر المحمود يسمى إلهاما والخاطر المذموم أعنى الداعي إلى الشر يسمى ~~وسواسا ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة ثم إن كل حادث فلا بد له من محدث ~~ومهما اختلفت الحوادث دل ذلك على اختلاف الأسباب هذا ما عرف من سنة الله ~~تعالى ms1225 في ترتيب المسببات على الأسباب # فمهما استنارت حيطان البيت بنور النار وأظلم سقفه واسود بالدخان علمت أن ~~سبب السواد غير سبب الاستنارة # وكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان فسبب الخاطر الداعي إلى الخير ~~يسمى ملكا وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا واللطف الذي يتهيأ به ~~القلب لقبول إلهام الخير يسمى توفيقا والذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان ~~يسمى إغواء وخذلانا فإن المعاني المختلفة تفتقر إلى أسامي مختلفة والملك ~~عبارة عن خلق خلقه الله تعالى شأنه إفاضة الخير وإفادة العلم وكشف الحق ~~والوعد بالخير والأمر بالمعروف وقد خلقه وسخره لذلك والشيطان عبارة عن خلق ~~شأنه ضد ذلك وهو الوعد بالشر والأمر بالفحشاء والتخويف عند الهم بالخير ~~بالفقر فالوسوسة في مقابلة الإلهام والشيطان في مقابلة الملك والتوفيق في ~~مقابلة الخذلان وإليه الإشارة بقوله تعالى {ومن كل شيء خلقنا زوجين} فإن ~~الموجودات كلها متقابلة مزدوجة إلا الله تعالى فإنه فرد لا مقابل له بل هو ~~الواحد الحق الخالق للأزواج كلها فالقلب متجاذب بين الشيطان والملك وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم في القلب لمتان لمة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ~~فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله سبحانه وليحمد الله ولمة من العدو إيعاد ~~بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم ثم تلا قوله تعالى الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء (1) أخرجه ~~الترمذي والنسائي (2) حديث قلب المؤمن بين إصبعين الحديث تقدم فالله يتعالى ~~عن أن يكون له أصبع مركبة من لحم ودم وعصب منقسمة بالأنامل ولكن روح الإصبع ~~سرعة التقليب والقدرة على التحريك والتغيير فإنك لا تريد إصبعك لشخصه بل ~~لفعله في التقليب والترديد كما أنك تتعاطى الأفعال بأصابعك والله تعالى ~~يفعل ما يفعل باستسخار الملك والشيطان وهما مسخران بقدرته في تقليب القلوب ~~كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلا والقلب بأصل الفطرة صالح ~~لقبول آثار الملك ولقبول آثار الشيطان صلاحا متساويا ليس يترجح أحدهما على ~~الآخر وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى ms1226 والإكباب على الشهوات أو ~~الإعراض عنها ومخالفتها فإن اتبع الإنسان مقتضى الغضب والشهوة ظهر تسلط ~~الشيطان بواسطة الهوى وصار القلب عش الشيطان ومعدنه لأن الهوى هو مرعى ~~الشيطان ومرتعه وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه وتشبه بأخلاق ~~الملائكة عليهم السلام صار قلبه مستقر الملائكة ومهبطهم ولما كان لا يخلو ~~قلب عن شهوة وغضب وحرص وطمع وطول أمل إلى غير ذلك من صفات البشرية المتشعبة ~~عن الهوى لا جرم لم يخل قلب عن أن يكون للشيطان فيه جولان بالوسوسة ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم ما منكم PageV03P027 # من أحد إلا وله شيطان قالوا وأنت يا رسول الله قال وأنا إلا أن الله ~~أعانني عليه فأسلم فلا يأمر إلا بخير (1) أخرجه مسلم (2) حديث ابن أبي ~~العاص إن الشيطان حال بيني وبين صلاتي الحديث أخرجه مسلم من حديث ابن أبي ~~العاص (3) # وفي الخبر إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاستعيذوا بالله منه (4) ~~أخرجه ابن ماجه والترمذي غريب وليس اسناده بالقوي (5) حديث أنس إن الشيطان ~~واضع خطمه على قلب ابن آدم الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب مكايد ~~الشيطان وأبو يعلى الموصلي وابن عدي في الكامل وضعفه وقال ابن وضاح في حديث ~~ذكره إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يتب ولم يتب مسح الشيطان وجهه بيده ~~PageV03P028 # وقال بأبى وجه من لا يفلح (1) حديث إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ~~تقدم وذلك لأن الجوع يكسر الشهوة ومجرى الشيطان الشهوات ولأجل اكتناف ~~الشهوات للقلب من جوانبه قال الله تعالى إخبارا عن إبليس لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم وقال ~~صلى الله عليه وسلم إن الشيطان قعد لابن آدم بطرق فقعد له بطريق الإسلام ~~فقال أتسلم وتترك دينك ودين آبائك فعصاه وأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال ~~أتهاجر أتدع أرضك وسمائك فعصاه وهاجر هو قعد له بطريق الجهاد فقال أتجاهد ~~وهو تلف النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح نساؤك ويقسم مالك فعصاه وجاهد (2) ~~حديث ms1227 ما من أحد إلا له شيطان الحديث تقدم # فقد اتضح بهذا النوع من الاستبصار معنى الوسوسة والإلهام والملك والشيطان ~~والتوفيق والخذلان فبعد هذا نظر من ينظر في ذات الشيطان أنه جسم لطيف أو ~~ليس بجسم وإن كان جسما فكيف يدخل بدن الإنسان ما هو جسم فهذا الآن غير ~~محتاج إليه في علم المعاملة بل مثال الباحث عن هذا مثال من دخلت في ثيابه ~~حية وهو محتاج إلى إزالتها ودفع ضررها فاشتغل بالبحث عن لونها وشكلها ~~وطولها وعرضها وذلك عين الجهل فمصادمة الخواطر الباعثة على الشر قد علمت ~~ودل ذلك على أنه عن سبب لا محالة وعلم أن الداعي إلى الشر المحذور في ~~المستقبل عدو فقد عرف العدو لا محال فينبغي أن يشتغل بمجاهدته وقد عرف الله ~~سبحانه عداوته في مواضع كثيرة من كتابه ليؤمن به ويحترز عنه فقال تعالى إن ~~الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير وقال ~~تعالى ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ~~فينبغي للعبد أن يشتغل بدفع العدو عن نفسه لا بالسؤال عن أصله ونسبه ومسكنه ~~نعم ينبغي أن يسأل عن سلاحه ليدفعه عن نفسه وسلاح الشيطان الهوى والشهوات ~~وذلك كاف للعالمين فأما معرفة ذاته وصفاته وحقيقته نعوذ بالله منه وحقيقة ~~الملائكة فذلك ميدان العارفين المتغلغلين في علوم المكاشفات فلا يحتاج في ~~علم المعاملة إلى معرفته نعم ينبغي أن يعلم أن الخواطر تنقسم إلى ما يعلم ~~قطعا أنه داع إلى الشر فلا يخفى كونه وسوسة وإلى ما يعلم أنه داع إلى الخير ~~فلا يشك في كونه إلهاما وإلى ما يتردد فيه فلا يدري أنه من لمة الملك أو من ~~لمة الشيطان فإن من مكايد الشيطان أن يعرض الشر في معرض الخير والتمييز في ~~ذلك غامض وأكثر العباد به يهلكون فإن الشيطان لا يقدر على دعائهم إلى الشر ~~الصريح فيصور الشر بصورة الخير كما يقول للعالم بطريق الوعظ أما تنظر إلى ~~الخلق وهم موتى من ms1228 الجهل هلكى من الغفلة قد أشرفوا على النار PageV03P029 # أما لك رحمة على عباد الله تنقذهم من المعاطب بنصحك ووعظك وقد أنعم الله ~~عليك بقلب بصير ولسان ذلق ولهجة مقبولة فكيف تكفر نعمة الله تعالى وتتعرض ~~لسخطه وتسكت عن إشاعة العلم ودعوة الخلق إلى الصراط المستقيم وهو لا يزال ~~يقرر ذلك في نفسه ويستجره بلطيف الحيل إلى أن يشتغل بوعظ الناس ثم يدعوه ~~بعد ذلك إلى أن يتزين لهم ويتصنع بتحسين اللفظ وإظهار الخير ويقول له إن لم ~~تفعل ذلك سقط وقع كلامك من قلوبهم ولم يهتدوا إلى الحق ولا يزال يقرر ذلك ~~عنده وهو في أثنائه يؤكد فيه شوائب الرياء وقبول الخلق ولذة الجاه والتعزز ~~بكثرة الأتباع والعلم والنظر إلى الخلق بعين الاحتقار فيستدرج المسكين ~~بالنصح إلى الهلاك فيتكلم وهو يظن أن قصده الخير وإنما قصده الجاه والقبول ~~فيهلك بسببه وهو يظن أنه عند الله بمكان وهو من الذين قال فيهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن الله ليؤيد هذا الدين بقوم لا خلاق لهم (1) حديث إن ~~الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر متفق عليه من حديث أبي هريرة وقد تقدم ~~في العلم ولذلك روي أن إبليس لعنه الله تمثل لعيسى ابن مريم صلى الله عليه ~~وسلم فقال له قل لا إله إلا الله فقال كلمة حق ولا أقولها بقولك لأن له ~~أيضا تحت الخير تلبيسات وتلبيسات الشيطان من هذا الجنس لا تتناهى وبها يهلك ~~العلماء والعباد والزهاد والفقراء والأغنياء وأصناف الخلق ممن يكرهون ظاهر ~~الشر ولا يرضون لأنفسهم الخوض في المعاصي المكشوفة # وسنذكر جملة من مكايد الشيطان في كتاب الغرور في آخر هذا الربع ولعلنا إن ~~أمهل الزمان صنفنا فيه كتابا على الخصوص نسميه تلبيس إبليس فإنه قد انتشر ~~الآن تلبيسه في البلاد والعباد لا سيما في المذاهب والاعتقادات حتى لم يبق ~~من الخيرات إلا رسمها كل ذلك إذعانا لتلبيسات الشيطان ومكايده # فحق على العبد أن يقف عند كل هم يخطر له ليعلم أنه من لمة الملك أو ms1229 من ~~لمة الشيطان وأن يمعن النظر فيه بعين البصيرة لا بهوى من الطبع ولا يطلع ~~عليه إلا بنور التقوى والبصيرة وغزارة العلم كما قال تعالى إن الذين اتقوا ~~إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا أي رجعوا إلى نور العلم فإذا هم مبصرون أي ~~ينكشف لهم الإشكال فأما من لم يرض نفسه بالتقوى فيميل طبعه إلى الإذعان ~~بتلبيسه بمتابعة الهوى فيكثر فيه غلطه ويتعجل فيه هلاكه وهو لا يشعر وفي ~~مثلهم قال سبحانه وتعالى وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون قيل هي ~~أعمال ظنوها حسنات فإذا هي سيئات وأغمض أنواع علوم المعاملة الوقوف على خدع ~~النفس ومكايد الشيطان وذلك فرض عين على كل عبد وقد أهمله الخلق واشتغلوا ~~بعلوم تستجر إليهم الوسواس وتسلط عليهم الشيطان وتنسيهم عداوته وطريق ~~الاحتراز عنه ولا ينجى من كثرة الوسواس إلا سد أبواب الخواطر وأبوابها ~~الحواس الخمس وأبوابها من داخل الشهوات وعلائق الدنيا والخلوة في بيت مظلم ~~تسد باب الحواس والتجرد عن الأهل والمال يقلل مداخل الوسواس من الباطن ~~ويبقى مع ذلك مداخل باطنة في التخيلات الجارية في القلب وذلك لا يدفع إلا ~~بشغل القلب بذكر الله تعالى ثم أنه لا يزال يجاذب القلب وينازعه ويلهيه عن ~~ذكر الله تعالى فلا بد من مجاهدته وهذه مجاهدة لا آخر لها إلا الموت إذ لا ~~يتخلص أحد من الشيطان ما دام حيا نعم قد يقوى بحيث لا ينقاد له ويدفع عن ~~نفسه شره بالجهاد ولكن لا يستغنى قط عن الجهاد والمدافعة ما دام الدم يجري ~~في بدنه فإذا ما دام حيا فأبواب الشيطان مفتوحة إلى قلبه لا تنغلق وهي ~~الشهوة والغضب والحسد والطمع والشره وغيرها كما سيأتي شرحها ومهما كان ~~الباب مفتوحا والعدو غير غافل لم يدفع إلا بالحراسة والمجاهدة PageV03P030 # قال رجل للحسن يا أبا سعيد أينام الشيطان فتبسم وقال لو نام لاسترحنا ~~فإذن لا خلاص للمؤمن منه نعم له سبيل إلى دفعه وتضعيف قوته قال صلى الله ~~عليه وسلم إن المؤمن ينضى شيطانه كما ينضى ms1230 أحدكم بعيره في سفره (1) حديث ~~ابن مسعود خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا فقال هذا سبيل الله ~~الحديث أخرجه النسائي في الكبرى والحاكم وقال صحيح الإسناد فبين صلى الله ~~عليه وسلم كثرة طرقه وقد ذكرنا مثالا للطريق الغامض من طرقه وهو الذي يخدع ~~به العلماء والعباد المالكين لشهواتهم الكافين عن المعاصي الظاهرة فلنذكر ~~مثالا لطريقه الواضح الذي لا يخفى إلا أن يضطر الآدمي إلى سلوكه وذلك كما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كان راهب في بني إسرائيل فعمد ~~الشيطان إلى جارية فخنقها وألقى في قلوب أهلها أن دواءها عند الراهب فأتوا ~~بها إليه فأبى أن يقبلها فلم يزالوا به حتى قبلها فلما كانت عنده ليعالجها ~~أتاه الشيطان فزين له مقاربتها ولم يزل به حتى واقعها فحملت منه فوسوس إليه ~~وقال الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها فإن سألوك فقل ماتت فقتلها ودفنها ~~فأتي الشيطان أهلها فوسوس إليهم وألقى في قلوبهم أنه أحبلها ثم قتلها ~~ودفنها فأتاه أهلها فسألوه عنها فقال ماتت فأخذوه ليقتلوه بها فأتاه ~~الشيطان فقال أنا الذي خنقتها وأنا الذي ألقيت في قلوب أهلها فأطعني تنج ~~وأخلصك منهم قال بماذا قال اسجد لي سجدتين فسجد له سجدتين فقال له الشيطان ~~إني بريء منك فهو الذي قال الله تعالى فيه {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان ~~اكفر فلما كفر قال إني بريء منك} (2) حديث من حام حول الحمى يوشك أن يقع ~~فيه متفق عليه من حديث النعمان ابن بشير من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ~~لفظ البخاري PageV03P031 ### ||| بيان تفصيل مداخل الشيطان إلى القلب # اعلم أن مثال القلب مثال حصن والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن فيملكه ~~ويستولي عليه ولا يقدر على حفظ الحصن من العدو إلا بحراسة أبواب الحصن ~~ومداخله ومواضع ثلمه ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يدري أبوابه فحماية ~~القلب عن وسواس الشيطان واجبة وهو فرض عين على كل عبد مكلف وما لا يتوصل ~~إلى الواجب إلا به فهو أيضا ms1231 واجب ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة ~~مداخله فصارت معرفة مداخله واجبة ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد وهي ~~كثيرة ولكنا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق عن ~~كثرة جنود الشيطان # فمن أبوابه العظيمة الغضب والشهوة فإن الغضب هو غول العقل وإذا ضعف جند ~~العقل هجم جند الشيطان ومهما غضب الإنسان لعب الشيطان به كما يلعب الصبي ~~بالكرة فقد روي أن موسى عليه السلام لقيه إبليس فقال له يا موسى أنت الذي ~~اصطفاك الله برسالته وكلمك تكليما وأنا خلق من خلق الله أذنبت وأريد أن ~~أتوب فاشفع لي إلى ربي أن يتوب علي فقال موسى نعم فلما صعد موسى الجبل وكلم ~~ربه عز وجل وأراد النزول قال له ربه أد الأمانة فقال موسى يا رب عبدك إبليس ~~يريد أن تتوب عليه فأوحى الله تعالى إلى موسى يا موسى قد قضيت حاجتك مرة أن ~~يسجد لقبر آدم حتى يتاب عليه فلقي موسى إبليس فقال له قد قضيت حاجتك أمرت ~~أن تسجد لقبر آدم حتى يتاب عليك فغضب واستكبر وقال لم أسجد له حيا أسجد له ~~ميتا ثم قال له يا موسى إن لك علي حقا بما شفعت لي إلى ربك فاذكرني عند ~~ثلاث لا أهلكك فيهن اذكرني حين تغضب فإن روحي في قلبك وعيني في عينك وأجري ~~منك مجرى الدم اذكرني إذا غضبت فإنه إذا غضب الإنسان نفخت فيه أنفه فما ~~يدري ما يصنع واذكرني حين تلقى الزحف فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف ~~فأذكره زوجته وولده وأهله حتى يولى وإياك أن تجلس إلى امرأة ليست بذات محرم ~~فإني رسولها إليك ورسولك إليها فلا أزال حتى أفتنك بها وأفتنها بك فقد أشار ~~بهذا إلى الشهوة والغضب والحرص فإن الفرار من الزحف حرص على الدنيا ~~وامتناعه من السجود لآدم ميتا هو الحسد وهو أعظم مداخله وقد ذكر أن بعض ~~الأولياء قال لإبليس أرني كيف تغلب ابن آدم فقال آخذه عند الغضب وعند الهوى ~~فقد حكي أن إبليس ms1232 ظهر لراهب فقال له الراهب أي أخلاق بني آدم أعون لك قال ~~الحدة فإن العبد إذا كان حديدا قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة وقيل إن ~~الشيطان يقول كيف يغلبني ابن آدم وإذا رضي جئت حتى أكون في قلبه وإذا غضب ~~طرت حتى أكون في رأسه # ومن أبوابه العظيمة الحسد والحرص فمهما كان العبد حريصا على كل شيء أعماه ~~حرصه وأصمه إذ قال صلى الله عليه وسلم حبك للشيء يعمي ويصم // حديث حبك ~~للشيء يعمي ويصم أخرجه أبو داود من حديث أبي الدرداء بإسناد ضعيف ونور ~~البصيرة هو الذي يعرف مداخل الشيطان فإذا غطاء الحسد والحرص لم يبصر فحينئذ ~~يجد الشيطان فرصة فيحسن عند الحريص كل ما يوصله إلى شهوته وإن كان منكرا ~~وفاحشا فقد روي أن نوحا عليه السلام لما ركب السفينة حمل فيها من كل زوجين ~~اثنين كما أمره الله تعالى فرأى في السفينة شيخا لم يعرفه فقال له نوح ما ~~أدخلك فقال دخلت لأصيب قلوب أصحابك فتكون قلوبهم معي وأبدانهم معك فقال له ~~نوح أخرج منها يا عدو الله فإنك لعين فقال له إبليس خمس أهلك بهن الناس ~~وسأحدثك منهم بثلاث ولا أحدثك باثنتين فأوحى الله تعالى إلى نوح أنه لا ~~حاجة لك بالثلاث فليحدثك بالاثنين فقال له نوح PageV03P032 # ما الاثنتان فقال هما اللتان لا تكذباني هما اللتان لا تخلفاني بهما أهلك ~~الناس الحرص والحسد فبالحسد لعنت وجعلت شيطانا رجيما وأما الحرص فإنه أبيح ~~لآدم الجنة كلها إلا الشجرة فأصبت حاجتي منه بالحرص # ومن أبوابه العظيمة الشبع من الطعام وإن كان حلالا صافيا فإن الشبع يقوي ~~الشهوات والشهوات أسلحة الشيطان فقد روي أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا ~~عليهما السلام فرأى عليه معاليق من كل شيء فقال له يا إبليس ما هذه ~~المعاليق قال هذه الشهوات التي أصبت بها ابن آدم فقال فهل فيها من شيء قال ~~ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وعن الذكر قال فهل غير ذلك قال لا قال لله على ~~أن لا أملأ بطني من ms1233 الطعام أبدا فقال له إبليس ولله على أن لا أنصح مسلما ~~أبدا ويقال في كثرة الأكل ست خصال مذمومة أولها أن يذهب خوف الله من قلبه ~~الثاني أن يذهب رحمة الخلق من قلبه لأنه يظن أنهم كلهم شباع والثالث أنه ~~يثقل عن الطاعة والرابع أنه إذا سمع كلام الحكمة لا يجد له رقة والخامس أنه ~~إذا تكلم بالموعظة والحكمة لا يقع في قلوب الناس والسادس أن يهيج فيه ~~الأمراض # ومن أبوابه حب التزين من الأثاث والثياب والدار فإن الشيطان إذا رأى ذلك ~~غالبا على قلب الإنسان باض فيه وفرخ فلا يزال يدعوه إلى عمارة الدار وتزيين ~~سقوفها وحيطانها وتوسيع أبنيتها ويدعوه إلى التزين بالثياب والدواب ~~ويستسخره فيها طول عمره وإذا أوقعه في ذلك فقد استغنى أن يعود إليه ثانية ~~فإن بعض ذلك يجره إلى البعض فلا يزال يؤديه من شيء إلى شيء إلى أن يساق ~~إليه أجله فيموت وهو في سبيل الشيطان واتباع الهوى ويخشى من ذلك سوء ~~العاقبة بالكفر نعوذ بالله منه # ومن أبوابه العظيمة الطمع في الناس لأنه إذا غلب الطمع على القلب لم يزل ~~الشيطان يحبب إليه التصنع والتزين لمن طمع فيه بأنواع الرياء والتلبيس حتى ~~المطموع فيه كأنه معبوده فلا يزال يتفكر في حيلة التودد والتحبب إليه ويدخل ~~كل مدخل للوصول إلى ذلك وأقل أحواله الثناء عليه بما ليس فيه والمداهنة له ~~بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد روى صفوان بن سليم أن إبليس تمثل ~~لعبد الله بن حنظلة فقال له يا ابن حنظلة احفظ عني شيئا أعلمك به فقال لا ~~حاجة لي به قال انظر فإن كان خيرا أخذت وإن كان شرا رددت يا ابن حنظلة لا ~~تسأل أحدا غير الله سؤال رغبة وانظر كيف تكون إذا غضبت فإني أملكك إذا غضبت # ومن أبوابه العظيمة العجلة وترك التثبت في الأمور وقال صلى الله عليه ~~وسلم العجلة من الشيطان والتأني من الله تعالى // حديث العجلة من الشيطان ~~والتأني من الله أخرجه الترمذي من حديث سهل ms1234 بن سعد بلفظ الأناة وقال حسن ~~وقال عز وجل {خلق الإنسان من عجل} وقال تعالى {وكان الإنسان عجولا} وقال ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه} ~~وهذا لأن الأعمال ينبغي أن تكون بعد التبصرة والمعرفة والتبصرة تحتاج إلى ~~تأمل وتمهل والعجلة تمنع من ذلك وعند الاستعجال يروج الشيطان شره على ~~الإنسان من حيث لا يدري فقد روي أنه لما ولد عيسى بن مريم عليه السلام أتت ~~الشياطين إبليس فقالوا أصبحت الأصنام قد نكست رءوسها فقال هذا حادث مكانكم ~~فطار حتى أتي خافقي الأرض فلم يجد شيئا ثم وجد عيسى عليه السلام قد ولد ~~وإذا الملائكة حافين به فرجع إليهم فقال إن نبيا قد ولد البارحة ما حملت ~~أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا حاضرها إلا هذا فأيسوا من أن تعبد الأصنام بعد ~~هذه الليلة ولكن ائتوا بني آدم من قبل العجلة والخفة # ومن أبوابه العظيمة الدراهم والدنانير وسائر أصناف الأموال من العروض ~~والدواب والعقار فإن كل ما يزيد PageV03P033 # على قدر القوت والحاجة فهو مستقر الشيطان فإن من معه قوته فهو فارغ القلب ~~فلو وجد مائة دينار مثلا على طريق انبعث من قلبه شهوات تحتاج كل شهوة منها ~~إلى مائة دينار أخرى فلا يكفيه ما وجد بل يحتاج إلى تسعمائة أخرى وقد كان ~~قبل وجود المائة مستغنيا فالآن لما وجد مائة ظن أنه صار بها غنيا وقد صار ~~محتاجا إلى تسعمائة ليشتري دارا يعمرها وليشتري جارية وليشتري أثاث البيت ~~ويشتري الثياب الفاخرة وكل شيء من ذلك يستدعي شيئا آخر يليق به وذلك لا آخر ~~له فيقع في هاوية آخرها عمق جهنم فلا آخر لها سواهقال ثابت البناني لما بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إبليس لشياطينه لقد حدث أمر فانظروا ما ~~هو فانطلقوا حتى أعيوا ثم جاءوا وقالوا ما ندري قال أنا آتيكم بالخبر فذهب ~~ثم جاء وقال قد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم قال فجعل يرسل شياطينه ~~إلى أصحاب ms1235 النبي صلى الله عليه وسلم فينصرفون خائبين ويقولون ما صحبنا قوما ~~قط مثل هؤلاء نصيب منهم ثم يقومون إلى صلاتهم فيمحى ذلك فقال لهم إبليس ~~رويدا بهم عسى الله أن يفتح لهم الدنيا فنصيب منهم حاجتنا (1) حديث أبي ~~أمامة إن إبليس لما نزل إلى الأرض قال يارب أنزلتني إلى الأرض وجعلتني ~~رجيما فاجعل لي بيتا قال الحمام الحديث أخرجه الطبراني في الكبير وإسناده ~~ضعيف جدا ورواه بنحوه من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف أيضا # ومن أبوابه العظيمة التوصل التعصب للمذاهب والأهواء والحقد على الخصوم ~~والنظر إليهم بعين الازدراء والاستحقار وذلك مما يهلك العباد والفساق جميعا ~~فإن الطعن في الناس والاشتغال بذكر نقصهم صفة مجبولة في PageV03P034 # الطبع من الصفات السبعية فإذا خيل إليه الشيطان أن ذلك هو الحق وكان ~~موافقا لطبعه غلبت حلاوته على قلبه فاشتغل به بكل همته وهو بذلك فرحان ~~مسرور يظن أنه يسعى في الدين وهو ساع في اتباع الشياطين فترى الواحد منهم ~~يتعصب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو آكل الحرام ومطلق اللسان بالفضول ~~والكذب ومتعاط لأنواع الفساد ولو رآه أبو بكر لكان أول عدو له إذ موالي أبي ~~بكر من أخذ سبيله وسار بسيرته وحفظ ما بين لحييه وكان من سيرته رضي الله ~~عنه أن يضع حصاة في فمه ليكف لسانه عن الكلام فيما لا يعنيه فأنى لهذا ~~الفضولي أن يدعي ولاءه وحبه ولا يسير بسيرته وترى فضوليا آخر يتعصب لعلي ~~رضي الله عنه وكان من زهد علي وسيرته أنه لبس في خلافته ثوبا اشتراه بثلاثة ~~دراهم وقطع رأس الكمين إلى الرسغ ونرى الفاسق لابسا الثياب الحرير ومتجملا ~~بأموال اكتسبها من حرام وهو يتعاطى حب علي رضي الله عنه ويدعيه وهو أول ~~خصمائه يوم القيامة وليت شعري من أخذ ولدا عزيزا لإنسان هو قرة عينه وحياة ~~قلبه فأخذ يضربه ويمزقه وينتف شعره ويقطعه بالمقراض وهو مع ذلك يدعي حب ~~أبيه وولاءه فكيف يكون حاله عنده ومعلوم أن الدين والشرع كانا أحب إلا أبي ~~بكر وعمر ms1236 وعثمان وعلي وسائر الصحابة رضي الله عنهم من الأهل والولد بل من ~~أنفسهم والمقتحمون لمعاصي الشرع هم الذين يمزقون الشرع ويقطعونه بمقاريض ~~الشهوات ويتوددون به إلى عدو الله إبليس وعدو أوليائه فترى كيف يكون حالهم ~~يوم القيامة عند الصحابة وعند أولياء الله تعالى لا بل لو كشف الغطاء وعرف ~~هؤلاء ما تحبه الصحابة في أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاستحيوا أن ~~يجروا على اللسان ذكرهم مع قبح أفعالهم ثم إن الشيطان يخيل إليهم أن من مات ~~محبا لأبي بكر وعمر فالنار لا تحوم حوله ويخيل إلى الآخر أنه إذا مات محبا ~~لعلي لم يكن عليه خوف وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لفاطمة رضي ~~الله عنها وهي بضعة منه (1) اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا // حديث ~~إني لا أغني عنك من الله شيئا قاله لفاطمة متفق عليه من حديث أبي هريرة ~~وهذا مثال أوردناه من جملة الأهواء وهكذا حكم المتعصبين للشافعي وأبي حنيفة ~~ومالك وأحمد وغيرهم من الأئمة فكل من ادعى مذهب إمام وهو ليس يسير بسيرته ~~فذلك الإمام هو خصمه يوم القيامة إذ يقول له كان مذهبي العمل دون الحديث ~~باللسان وكان الحديث باللسان لأجل العمل لا لأجل الهذيان فما بالك خالفتني ~~في العمل والسيرة التي هي مذهبي ومسلكي الذي سلكته وذهبت فيه إلى الله ~~تعالى ثم ادعيت مذهبي كاذبا وهذا مدخل عظيم من مداخل الشيطان قد أهلك به ~~أكثر العالم وقد سلمت المدارس لأقوام قل من الله خوفهم وضعفت في الدين ~~بصيرتهم وقويت في الدنيا رغبتهم واشتد على الاستتباع حرصهم ولم يتمكنوا من ~~الاستتباع وإقامة الجاه إلا بالتعصب فحبسوا ذلك في صدورهم ولم ينبهوهم على ~~مكايد الشيطان فيه بل نابوا عن الشيطان في تنفيذ مكيدته فاستمر الناس عليه ~~ونسوا أمهات دينهم فقد هلكوا وأهلكوا فالله تعالى يتوب علينا وعليهم وقال ~~الحسن بلغنا أن إبليس قال سولت لأمة محمد صلى الله عليه وسلم المعاصي ~~فقصموا ظهري بالاستغفار فسولت لهم ذنوبا لا يستغفرون الله ms1237 تعالى منها وهي ~~الأهواء وقد صدق الملعون فإنهم لا يعلمون أن ذلك من الأسباب التي تجر إلى ~~المعاصي فكيف يستغفرون منها # ومن عظيم حيل الشيطان أن يشغل الإنسان عن نفسه بالاختلافات الواقعة بين ~~الناس في المذاهب والخصومات قال عبد الله بن مسعود جلس قوم يذكرون الله ~~تعالى فأتاهم الشيطان ليقيمهم عن مجلسهم ويفرق بينهم فلم يستطع فأتى رفقة ~~أخرى يتحدثون بحديث الدنيا فأفسد بينهم فقاموا يقتتلون وليس إياهم يريد ~~فقام الذين يذكرون الله تعالى PageV03P035 # فاشتغلوا بهم يفصلون بينهم فتفرقوا عن مجلسهم وذلك مراد الشيطان منهم # ومن أبوابه حمل العوام الذين لم يمارسوا العلم ولم يتبحروا فيه على ~~التفكر في ذات الله تعالى وصفاته وفي أمور لا يبلغها حد عقولهم حتى يشككهم ~~في أصل الدين أو يخيل إليهم في الله تعالى خيالات يتعالى الله عنها يصير ~~أحدهم بها كافرا أو مبتدعا وهو به فرح مسرور مبتهج بما وقع في صدره يظن ذلك ~~هو المعرفة والبصيرة وأنه انكشف له ذلك بذكائه وزيادة عقله فأشد الناس ~~حماقة أقواهم اعتقادا في عقل نفسه وأثبت الناس عقلا أشدهم اتهاما لنفسه ~~وأكثرهم سؤالا من العلماء قالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول من خلقك فيقول الله تبارك وتعالى ~~فيقول فمن خلق الله فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل آمنت بالله ورسوله فإن ذلك ~~يذهب عنه (1) والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالبحث في علاج هذا ~~الوسواس فإن هذا وسواس يجده عوام الناس دون العلماء وإنما حق العوام أن ~~يؤمنوا ويسلموا ويشتغلوا بعبادتهم ومعايشهم ويتركوا العلم للعلماء فالعامي ~~لو يزني ويسرق كان خيرا له من أن يتكلم في العلم فإنه من تكلم في الله وفي ~~دينه من غير إتقان العلم وقع في الكفر من حيث لا يدري كمن يركب لجة البحر ~~وهو لا يعرف السباحة ومكايد الشيطان فيما يتعلق بالعقائد والمذاهب لا تحصر ~~وإنما أردنا بما أوردناه المثال # ومن أبوابه سوء الظن بالمسلمين قال الله تعالى {يا ms1238 أيها الذين آمنوا ~~اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} فمن يحكم بشر على غيره بالظن بعثه ~~الشيطان على أن يطول فيه اللسان بالغيبة فيهلك أو يقصر في القيام بحقوقه أو ~~يتوانى في إكرامه وينظر إليه بعين الاحتقار ويرى نفسه خيرا منه وكل ذلك من ~~المهلكات ولأجل ذلك منع الشرع من التعرض للتهم فقال صلى الله عليه وسلم ~~اتقوا مواضع التهم (2) حديث صفية بنت حيى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~معتكفا فأتيته فتحدثت عنده الحديث وفيه أن الشطيان يجري من ابن آدم مجرى ~~الدم متفق عليه فانظر كيف أشفق صلى الله عليه وسلم على دينهما فحرسهما وكيف ~~أشفق على أمته فعلمهم طريق الاحتراز من التهمة حتى لا يتساهل العالم الورع ~~المعروف بالدين في أحواله فيقول مثلي لا يظن به إلا الخير إعجابا منه بنفسه ~~فإن أورع الناس وأتقاهم وأعلمهم لا ينظر الناس كلهم إليه بعين واحدة بل ~~بعين الرضا بعضهم وبعين السخط بعضهم ولذلك قال الشاعر # وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا # فيجب الاحتراز عن ظن السوء وعن تهمة الأشرار فإن الأشرار لا يظنون بالناس ~~كلهم إلا الشر فمهما رأيت إنسانا يسيء الظن بالناس طالبا للعيوب فاعلم أنه ~~خبيث الباطن وأن ذلك خبثه يترشح منه وإنما رأى غيره من حيث هو فإن المؤمن ~~يطلب المعاذير والمنافق يطلب العيوب والمؤمن سليم الصدر في حق كافة الخلق ~~فهذه بعض مداخل الشيطان إلى القلب ولو أردت استقصاء جميعها لم أقدر عليه ~~وفي هذا القدر ما ينبه على غيره فليس في الآدمي صفة PageV03P036 # مذمومة إلا وهي سلاح الشيطان ومدخل من مداخله # فإن قلت فما العلاج في دفع الشيطان وهل يكفي في ذلك ذكر الله تعالى وقول ~~الإنسان لا حول ولا قوة إلا بالله فاعلم أن علاج القلب في ذلك سد هذه ~~المداخل بتطهير القلب من هذه الصفات المذمومة وذلك مما يطول ذكره وغرضنا في ~~هذا الربع من الكتاب بيان علاج الصفات المهلكات وتحتاج كل صفة إلى ms1239 كتاب ~~منفرد على ما سيأتي شرحه نعم إذا قطعت من القلب أصول هذه الصفات كان ~~للشيطان بالقلب اجتيازات وخطرات ولم يكن له استقرار ويمنعه من الاجتياز ذكر ~~الله تعالى لأن حقيقة الذكر لا تتمكن من القلب إلا بعد عمارة القلب بالتقوى ~~وتطهيره من الصفات المذمومة وإلا فيكون الذكر حديث نفس لا سلطان له على ~~القلب فلا يدفع سلطان الشيطان ولذلك قال الله تعالى {إن الذين اتقوا إذا ~~مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} خصص بذلك المتقي فمثل الشيطان ~~كمثل كلب جائع يقرب منك فإن لم يكن بين يديك خبز أو لحم فإنه ينزجر بأن ~~تقول له اخسأ فمجرد الصوت يدفعه فإن كان بين يديك لحم وهو جائع فإنه يهجم ~~على اللحم ولا يندفع بمجرد الكلام فالقلب الخالي عن قوت الشيطان ينزجر عنه ~~بمجرد الذكر فأما الشهوة إذا غلبت على القلب دفعت حقيقة الذكر إلى حواشي ~~القلب فلم يتمكن من سويدائه فيستقر الشيطان في سويداء القلب وأما قلوب ~~المتقين الخالية من الهوى والصفات المذمومة فإنه يطرقها الشيطان لا للشهوات ~~بل لخلوها بالغفلة عن الذكر فإذا عاد إلى الذكر خنس الشيطان ودليل ذلك قوله ~~تعالى {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} وسائر الأخبار والآيات الواردة في ~~الذكر # قال أبو هريرة التقى شيطان المؤمن وشيطان الكافر فإذا شيطان الكافر دهين ~~سمين كاس وشيطان المؤمن مهزول أشعث أغبر عار فقال شيطان الكافر لشيطان ~~المؤمن مالك مهزول قال أنا مع رجل إذا أكل سمى الله فأظل جائعا وإذا شرب ~~سمى الله فأظل عطشانا وإذا لبس سمى الله فأظل عريانا وإذا ادهن سمى الله ~~فأظل شعثا فقال لكني مع رجل لا يفعل شيئا من ذلك فأنا أشاركه في طعامه ~~وشرابه ولباسه وكان محمد بن واسع يقول كل يوم بعد صلاة الصبح اللهم إنك ~~سلطت علينا عدوا بصيرا بعيوبنا يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم اللهم ~~فآيسه منا كما آيسته من رحمتك وقنطه منا كما قنطته من عفوك وباعد بيننا ~~وبينه كما باعدت بينه وبين ms1240 رحمتك إنك على كل شيء قدير قال فتمثل له إبليس ~~يوما في طريق المسجد فقال له يا ابن واسع هل تعرفني قال ومن أنت قال أنا ~~إبليس فقال وما تريد قال أريد أن لا تعلم أحد هذه الاستعاذة ولا أتعرض لك ~~قال والله لا أمنعها ممن أراد فاصنع ما شئت وعن عبد الرحمن ابن أبي ليلى ~~قال كان شيطان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بيده شعلة من نار فيقوم بين ~~يديه وهو يصلي فيقرأ ويتعوذ فلا يذهب فأتاه جبرائيل عليه السلام فقال له قل ~~أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما يلج في ~~الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن فتن الليل ~~والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن فقال ذلك ~~فطفئت شعلته وخر على وجهه (1) وقال الحسن نبئت أن جبرائيل عليه السلام أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن عفريتا من الجن يكيدك فإذا أويت إلى ~~فراشك فاقرأ آية الكرسي // حديث الحسن نبئت أن جبريل أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال إن عفريتا من الجن يكيدك الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في ~~مكايد الشيطان هكذا مرسلا وقال صلى الله عليه وسلم أتاني الشيطان فنازعني ~~ثم نازعني فأخذت PageV03P037 # بحلقه فوالذي بعثني بالحق ما أرسلته حتى وجدت برد ماء لسانه على يدي ~~ولولا دعوة أخي سليمان عليه السلام لأصبح طريحا في المسجد (1) وقال صلى ~~الله عليه وسلم ما سلك عمر فجا إلا سلك الشيطان فجا غير الذي سلكه عمر (2) ~~وهذا لأن القلوب كانت مطهرة عن مرعى الشيطان وقوته وهي الشهوات فمهما طمعت ~~في أن يندفع الشيطان عنك بمجرد الذكر كما اندفع عن عمر رضي الله عنه كان ~~محالا وكنت كمن يطمع أن يشرب دواء قبل الاحتماء والمعدة مشغولة بغليظ ~~الأطعمة ويطمع أن ينفعه كما نفع الذي شربه بعد الاحتماء وتخلية المعدة ~~والذكر الدواء والتقوى احتماء وهي تخلي القلب عن الشهوات فإذا نزل الذكر ms1241 ~~قلبا فارغا عن غير الذكر اندفع الشيطان كما تندفع العلة بنزول الدواء في ~~المعدة الخالية عن الأطعمة قال الله تعالى {إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~قلب} وقال تعالى {كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} ~~ومن ساعد الشيطان بعمله فهو مواليه وإن ذكر الله بلسانه وإن كنت تقول ~~الحديث قد ورد مطلقا بأن الذكر يطرد الشيطان (3) ولم تفهم أن أكثر عمومات ~~الشرع مخصوصة بشروط نقلها علماء الدين فانظر إلى نفسك فليس الخبر كالعيان ~~وتأمل أن منتهى ذكرك وعبادتك الصلاة فراقب قلبك إذا كنت في صلاتك كيف ~~يجاذبه الشيطان إلى الأسواق وحساب العالمين وجواب المعاندين وكيف يمر بك في ~~أودية الدنيا ومهالكها حتى إنك لا تذكر ما قد نسيته من فضول الدنيا إلا في ~~صلاتك ولا يزدحم الشيطان على قلبك إلا إذا صليت فالصلاة محك القلوب فبها ~~يظهر محاسنها ومساويها فالصلاة لا تقبل من القلوب المشحونة بشهوات الدنيا ~~فلا جرم لا ينطرد عنك الشيطان بل ربما يزيد عليك الوسواس كما أن الدواء قبل ~~الاحتماء ربما يزيد عليك الضرر فإن أردت الخلاص من الشيطان فقدم الاحتماء ~~بالتقوى ثم أردفه بدواء الذكر يفر الشيطان منك كما فر من عمر رضي الله عنه ~~ولذلك قال وهب بن منبه اتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في ~~السر أي أنت مطيع له وقال بعضهم يا عجبا لمن يعصى المحسن بعد معرفته ~~بإحسانه ويطيع اللعين بعد معرفته بطغيانه وكما إن الله تعالى قال {ادعوني ~~أستجب لكم} وأنت تدعوه ولا يستجيب لك فكذلك تذكر الله ولا يهرب الشيطان منك ~~لفقد شروط الذكر والدعاء # قيل لإبراهيم بن أدهم ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا وقد قال تعالى ~~{ادعوني أستجب لكم} قال لأن قلوبكم ميتة قيل وما الذي أماتها قال ثمان خصال ~~عرفتم حق الله ولم تقوموا بحقه وقرأتم القرآن ولم تعملوا بحدوده وقلتم نحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تعملوا بسنته وقلتم نخشى الموت ولم ~~تستعدوا له وقال ms1242 تعالى إن الشيطان لكم عدوا فاتخذوه عدوا فواطأتموه على ~~المعاصي وقلتم نخاف النار وأرهقتم أبدانكم فيها وقلتم نحب الجنة ولم تعملوا ~~لها وإذا قمتم من فرشكم رميتم عيوبكم وراء ظهوركم وافترشتم عيوب الناس ~~أمامكم فأسخطتم ربكم فكيف يستجيب لكم # فإن قلت فالداعي إلى المعاصي المختلفة شيطان واحد أو شياطين مختلفون ~~فاعلم أنه لا حاجة لك إلى معرفة ذلك في المعاملة فاشتغل بدفع العدو ولا ~~تسأل عن صفته كل البقل من حيث يؤتى ولا تسأل عن المبقلة ولكن الذي ~~PageV03P038 # يتضح بنور الاستبصار في شواهد الأخبار أنهم جنود مجندة وأن لكل نوع من ~~المعاصي شيطانا يخصه ويدعو إليه فأما طريق الاستبصار فذكره يطول ويكفيك ~~القدر الذي ذكرناه وهو أن اختلاف المسببات يدل على اختلاف الأسباب كما ~~ذكرناه في نور النار وسواد الدخان # وأما الأخبار فقد قال مجاهد لإبليس خمسة من الأولاد قد جعل كل واحد منهم ~~على شيء من أمره ثبر والأعور ومبسوط وداسم وزلنبور فأما ثبر فهو صاحب ~~المصائب الذي يأمر بالثبور وشق الجيوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية وأما ~~الأعور فإنه صاحب الزنا يأمر به ويزينه وأما مبسوط فهو صاحب الكذب وأما ~~داسم فإنه يدخل مع الرجل إلى أهله يرميهم بالعيب عنده ويغضبه عليهم وأما ~~زلنبور فهو صاحب السوق فبسببه لا يزالون متظلمين وشيطان الصلاة يسمى خنزب ~~(1) وشيطان الوضوء يسمى الولهان (2) حديث أبي أمامة وكل بالمؤمن مائة وستون ~~ملكا يذبون عنه الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان والطبراني في ~~المعجم الكبير بإسناد ضعيف (3) حديث أبي الدرداء خلق الله الجن ثلاثة أصناف ~~صنف حيات وعقارب الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن حبان ~~في الضعفاء في ترجمة يزيد بن سنان وضعفه والحاكم نحوه مختصرا في الجن فقط ~~ثلاثة أصناف من حديث أبي ثعلبة الخشني وقال صحيح الإسناد وقال وهيب بن ~~الورد بلغنا أن إبليس تمثل ليحيى بن زكريا عليهما السلام وقال إني أريد أن ~~أنصحك قال لا حاجة لي في نصحك ولكن أخبرني عن بني آدم قال هم ms1243 عندنا ثلاثة ~~أصناف أما صنف منهم وهم أشد الأصناف علينا نقبل على أحدهم حتى نفتنه ونتمكن ~~منه PageV03P039 # فيفزع إلى الاستغفار والتوبة فيفسد علينا كل شيء أدركنا منه ثم نعود إليه ~~فيعود فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك منه حاجتنا فنحن منه في عناء وأما ~~الصنف الآخر فهم في أيدينا بمنزل الكرة في أيدي صبيانكم نقلبهم كيف شئنا قد ~~كفونا أنفسهم وأما الصنف الثالث فهم مثلك معصومون لا نقدر منهم على شيء # فإن قلت فكيف يتمثل الشيطان لبعض الناس دون البعض وإذا رأى صورة فهل هي ~~صورته الحقيقية أو هو مثال يمثل له به فإن كان على صورته الحقيقية فكيف يرى ~~بصور مختلفة وكيف يرى في وقت واحد في مكانين وعلى صورتين حتى يراه شخصان ~~بصورتين مختلفتين فاعلم أن الملك والشيطان لهما صورتان هي حقيقة صورتهما ~~ولا تدرك حقيقة صورتهما بالمشاهدة إلا بأنوار النبوة فما رأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم جبرائيل عليه السلام في صورته إلا مرتين (1) وذلك أنه سأله ~~أن يريه نفسه على صورته فواعده بالبقيع وظهر له بحراء فسد الأفق من المشرق ~~إلى المغرب ورآه مرة أخرى على صورته ليلة المعراج عند سدرة المنتهى وإنما ~~كان يراه في صورة الآدمي غالبا (2) فكان يراه في صورة دحية الكلبي (3) وكان ~~رجلا حسن الوجه والأكثر أنه يكاشف أهل المكاشفة من أرباب القلوب بمثال ~~صورته فيتمثل الشيطان له في اليقظة فيراه بعينه ويسمع كلامه بأذنه فيقوم ~~ذلك مقام حقيقة صورته كما ينكشف في المنام لأكثر الصالحين وإنما المكاشف في ~~اليقظة هو الذي انتهى إلى رتبة لا يمنعه اشتغال الحواس بالدنيا عن المكاشفة ~~التي تكون في المنام فيرى في اليقظة ما يراه غيره في المنام كما روي عن عمر ~~بن عبد العزيز رحمه الله أن رجلا سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من قلب ابن ~~آدم فرأى في النوم جسد رجل شبه البلور يرى داخله من خارجه ورأى الشيطان في ~~صورة ضفدع قاعد على منكبه الأيسر بين منكبه وأذنه له خرطوم طويل ms1244 دقيق قد ~~أدخله من منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه فإذا ذكر الله تعالى خنس ومثل ~~هذا قد يشاهد بعينه في اليقظة فقد رآه بعض المكاشفين في صورة كلب جاثم على ~~جيفة يدعو الناس إليها وكانت الجيفة مثال الدنيا وهذا يجري مجرى مشاهدة ~~صورته الحقيقية فإن القلب لا بد وأن تظهر فيه حقيقة من الوجه الذي يقابل ~~عالم الملكوت وعند ذلك يشرق أثره على وجهه الذي يقابل عالم الملك والشهادة ~~لأن أحدهما متصل بالآخر وقد بينا أن القلب له وجهان وجه إلى عالم الغيب وهو ~~مدخل الإلهام والوحي ووجه إلى عالم الشهادة فالذي يظهر منه في الوجه الذي ~~يلي جانب عالم الشهادة لا يكون إلا صورة متخيلة لأن عالم الشهادة كله ~~متخيلات إلا أن الخيال تارة يحصل من النظر إلى ظاهر عالم الشهادة بالحس ~~فيجوز أن لا تكون الصورة على وفق المعنى حتى يرى شخصا جميل الصورة وهو خبيث ~~الباطن قبيح السر لأن عالم الشهادة عالم كثير التلبيس # أما الصورة التي تحصل في الخيال من إشراق عالم الملكوت على باطن سر ~~القلوب فلا تكون إلا محاكية للصفة وموافقة لها لأن الشيطان في صورة كلب ~~وضفدع للصفة وموافقة لها فلا جرم لا يرى المعنى القبيح إلا بصورة قبيحة ~~فيرى الشيطان في صورة كلب وضفدع وخنزير وغيرها ويرى الملك في صورة جميلة ~~فتكون تلك الصورة عنوان المعاني ومحاكية لها بالصدق ولذلك يدل القرد ~~والخنزير في النوم على إنسان خبيث وتدل الشاة على إنسان سليم الصدر وهكذا ~~جميع أبواب الرؤيا والتعبير وهذه أسرار عجيبة وهي من أسرار عجائب القلب ولا ~~يليق ذكرها بعلم المعاملة # وإنما المقصود أن تصدق PageV03P040 # بأن الشيطان ينكشف لأرباب القلوب وكذلك الملك تارة بطريق التمثيل ~~والمحاكاة كما يكون ذلك في النوم وتارة بطريق الحقيقة والأكثر هو التمثيل ~~بصورة محاكية للمعنى هو مثال المعنى لا عين المعنى إلا أنه يشاهد بالعين ~~مشاهدة محققة وينفرد بمشاهدته المكاشف دون من حوله كالنائم ### ||| بيان ما يؤاخذ به العبد من وساوس القلوب وهمها وخواطرها وقصودها ms1245 وما يعفى عنه ولا يؤاخذ به # اعلم أن هذا أمر غامض وقد وردت فيه آيات وأخبار متعارضة يلتبس طريق الجمع ~~بينها إلا على سماسرة العلماء بالشرع فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال عفى عن أمتي ما حدثت به نفوسها ما لم تتكلم به أو تعمل به (1) وقال ~~أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول للحفظة إذا ~~هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فاكتبوها سيئة وإذا هم بحسنة لم ~~يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرا (2) وقد خرجه البخاري ومسلم ~~في الصحيحين وهو دليل على العفو عن عمل القلب وهمه بالسيئة وفي لفظ آخر من ~~هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ومن هم بحسنة فعملها كتبت له إلى سبعمائة ~~ضعف ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه وإن عملها كتبت وفي لفظ آخر وإذا ~~تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها وكل ذلك يدل على العفو ~~فأما ما يدل على المؤاخذة فقوله سبحانه إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وقوله تعالى {ولا تقف ما ليس ~~لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} فدل على أن ~~عمل الفؤاد كعمل السمع والبصر فلا يعفى عنه وقوله تعالى {ولا تكتموا ~~الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} وقوله تعالى {لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} والحق عندنا في هذه المسألة لا يوقف ~~عليه ما لم تقع الإحاطة بتفصيل أعمال القلوب من مبدأ ظهورها إلى أن يظهر ~~العمل على الجوارح فنقول أول ما يرد على القلب الخاطر كما لو خطر له مثلا ~~صورة امرأة وأنها وراء ظهره في الطريق لو التفت إليها لرآها # والثاني هيجان الرغبة إلى النظر وهو حركة الشهوة في الطبع وهذا يتولد من ~~الخاطر الأول ونسميه ميل الطبع ويسمى الأول حديث النفس # والثالث حكم القلب بأن هذا ms1246 ينبغي أن يفعل أي ينبغي أن ينظر إليها فإن ~~الطبع إذا مال لم تنبعث الهمة والنية ما لم تندفع الصوارف فإنه قد يمنعه ~~حياء أو خوف من الالتفات وعدم هذه الصوارف ربما يكون بتأمل وهو على كل حال ~~حكم من جهة العقل ويسمى هذا اعتقادا وهو يتبع الخاطر والميل # الرابع تصميم العزم على الالتفات وجزم النية فيه وهذا نسميه هما بالفعل ~~ونية وقصدا وهذا الهم قد يكون له مبدأ ضعيف ولكن إذا أصغى القلب إلى الخاطر ~~الأول حتى طالت مجاذبته للنفس تأكد هذا الهم وصار إرادة مجزومة فإذا انجزمت ~~الإرادة فربما يندم بعد الجزم فيترك العمل وربما يغفل بعارض فلا يعمل به ~~ولا يلتفت إليه وربما يعوقه عائق فيتعذر عليه العمل # فههنا أربع أحوال للقلب قبل العمل بالجارحة الخاطر وهو حديث النفس ثم ~~الميل ثم الاعتقاد ثم الهم # فنقول أما الخاطر فلا يؤاخذ به لأنه لا يدخل تحت الاختيار وكذلك الميل ~~وهيجان الشهوة لأنهما لا يدخلان PageV03P041 # أيضا تحت الاختيار وهما المرادان بقوله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه ~~وسلم عفى عن أمتي ما حدثت به نفوسها فحديث النفس عبارة عن الخواطر التي ~~تهجس في النفس ولا يتبعها عزم على الفعل فأما الهم والعزم فلا يسمى حديث ~~النفس بل حديث النفس كما روي عن عثمان بن مظعون حيث قال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم يا رسول الله نفسي تحدثني أن أطلق خولة قال مهلا إن من سنتي ~~النكاح قال نفسي تحدثني أن أجب نفسي قال مهلا خصاء أمتي دءوب الصيام قال ~~نفسي تحدثني أن أترهب قال مهلا رهبانية أمتي الجهاد والحج قال نفسي تحدثني ~~أن أترك اللحم قال مهلا فإني أحبه ولو أصبته لأكلته ولو سألت الله لأطعمنيه ~~(1) حديث قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر الحديث قال ~~المصنف إنه في الصحيح وهو كما قال في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (2) حديث ~~إنما يحشر الناس على نياتهم أخرجه ابن ماجة من حديث جابر دون قوله ms1247 {إنما} ~~وله من حديث أبي هريرة إنما يبعث الناس على نياتهم وإسنادهما حسن ومسلم من ~~حديث عائشة يبعثهم الله على نياتهم وله من حديث أم سلمة يبعثون على نياتهم ~~ونحن نعلم أن من عزم ليلا على أن يصبح ليقتل مسلما أو يزني بامرأة فمات تلك ~~PageV03P042 # الليلة مات مصرا ويحشر على نيته وقد هم بسيئة ولم يعملها # والدليل القاطع فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا ~~التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار فقيل يا رسول الله هذا ~~القاتل فما بال المقتول قال لأنه أراد قتل صاحبه (1) حديث لما نزل قوله ~~تعالى {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} جاء ناس من ~~الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا كلفنا ما لا نطيق الحديث ~~أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وابن عباس نحوه فأنزل الله الفرج بعد سنة ~~بقوله {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} فظهر به أن كل ما لا يدخل تحت الوسع ~~من أعمال القلب هو الذي لا يؤاخذ به فهذا هو كشف الغطاء عن هذا الالتباس ~~وكل من يظن أن كل ما يجري على القلب يسمى حديث النفس ولم يفرق بين هذه ~~الأقسام الثلاثة فلا بد وأن يغلط وكيف لا يؤاخذ بأعمال القلب من الكبر ~~والعجب والرياء والنفاق والحسد وجملة الخبائث من أعمال القلب بل السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا أي ما يدخل تحت الاختيار فلو وقع ~~البصر بغير اختيار على غير ذي محرم لم يؤاخذ به فإن أتبعها نظرة ثانية كان ~~مؤاخذا به لأنه مختار فكذا خواطر القلب تجري هذا المجرى بل القلب أولى ~~بمؤاخذته لأنه الأصل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم التقوى ههنا وأشار ~~إلى القلب (2) وقال الله تعالى {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم} وقال صلى الله عليه وسلم الإثم حواز القلوب (3) وقال البر ما ~~اطمأن إليه القلب وإن أفتوك وأفتوك (4) حتى إنا نقول إذا حكم ms1248 القلب المفتى ~~بإيجاب شيء وكان مخطئا فيه صار مثابا عليه بل من قد ظن أنه تطهر فعليه أن ~~يصلي فإن صلى ثم تذكر أنه لم يتوضأ كان له ثواب بفعله فإن تذكر ثم تركه كان ~~معاقبا عليه ومن وجد على فراشه امرأة فظن أنها زوجته لم يعص بوطئها وإن ~~كانت أجنبية فإن ظن أنها أجنبية ثم وطئها عصى بوطئها وإن كانت زوجته وكل ~~ذلك نظر إلى القلب دون الجوارح ### ||| بيان أن الوسواس هل يتصور أن ينقطع بالكلية عند الذكر أم لا # اعلم أن العلماء المراقبين للقلوب الناظرين في صفاتها وعجائبها اختلفوا ~~في هذه المسألة على خمس فرق # فقالت فرقة الوسوسة تنقطع بذكر الله عز وجل لأنه صلى الله عليه وسلم قال ~~فإذا ذكر الله خنس // حديث إذا ذكر الله خنس أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عدي ~~من حديث أنس في أثناء حديث إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم الحديث ~~وقد تقدم قريبا والخنس هو السكوت فكأنه يسكت PageV03P043 # وقالت فرقة لا ينعدم أصله ولكن يجري في القلب ولا يكون له أثر لأن القلب ~~إذا صار مستوعبا بالذكر كان محجوبا عن التأثر بالوسوسة كالمشغول بهمه فإنه ~~قد يتكلم ولا يفهم وإن كان الصوت يمر على سمعه # وقالت فرقة لا تسقط الوسوسة ولا أثرها أيضا ولكن تسقط غلبتها للقلب فكأنه ~~يوسوس من بعد وعلى ضعف # وقالت فرقة ينعدم عند الذكر في لحظة وينعدم الذكر في لحظه ويتعاقبان في ~~أزمنة متقاربة يظن لتقاربها أنها متساوقة وهي كالكرة التي عليها نقط متفرقة ~~فإنك إذا أدرتها بسرعة تواصلها بالحركة واستدل هؤلاء بأن الخنس قد ورد ونحن ~~نشاهد الوسوسة مع الذكر ولا وجه له إلا هذا # وقالت فرقة الوسوسة والذكر يتساوقان في الدوام على القلب تساوقا لا ينقطع ~~وكما أن الإنسان قد يرى بعينيه شيئين في حالة واحدة فكذلك القلب قد يكون ~~مجرى لشيئين فقد قال صلى الله عليه وسلم ما من عبد إلا وله أربعة أعين ~~عينان في رأسه يبصر بهما أمر دنياه وعينان ms1249 في قلبه يبصر بهما أمر دينه // ~~حديث ما من عبد إلا وله أربعة أعين عينان في رأسه يبصر بهما أمر دنياه ~~وعينان في قلبه يبصر بهما أمر دينه أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند ~~الفردوس من حديث معاذ بلفظ الآخرة مكان دينه وفيه الحسين بن أحمد بن محمد ~~الهروي السماخي الحافظ كذبه الحاكم والآفة منه وإلى هذا ذهب المحاسبي ~~والصحيح عندنا أن كل هذه المذاهب صحيحة ولكن كلها قاصرة عن الإحاطة بأصناف ~~الوسواس وإنما نظر كل واحد منهم إلى صنف واحد من الوسواس فأخبر عنه # والوسواس أصناف # الأول أن يكون من جهة التلبيس بالحق فإن الشطيان قد يلبس بالحق فيقول ~~للإنسان تترك التنعم باللذات فإن العمر طويل والصبر عن الشهوات طول العمر ~~ألمه عظيم فعند هذا إذا ذكر العبد عظيم حق الله تعالى وعظيم ثوابه وعقابه ~~وقال لنفسه الصبر عن الشهوات شديد ولكن الصبر على النار أشد منه ولا بد من ~~أحدهما فإذا ذكر العبد وعد الله تعالى ووعيده وجدد إيمانه ويقينه خنس ~~الشيطان وهرب إذ لا يستطيع أن يقول له النار أيسر من الصبر على المعاصي ولا ~~يمكنه أن يقول المعصية لا تفضي إلى النار فإن إيمانه بكتاب الله عز وجل ~~يدفعه عن ذلك فينقطع وسواسه وكذلك يوسوس إليه بالعجب بعمله فيقول أي عبد ~~يعرف الله كما تعرفه ويعبده كما تعبده فما أعظم مكانك عند الله تعالى ~~فيتذكر العبد حينئذ أن معرفته وقلبه وأعضاءه التي بها عمله وعلمه كل ذلك من ~~خلق الله تعالى فمن أين يعجب به فيخنس الشيطان إذ لا يمكنه أن يقول ليس هذا ~~من الله فإن المعرفة والإيمان يدفعه فهذا نوع من الوسواس ينقطع بالكلية عن ~~العارفين المستبصرين بنور الإيمان والمعرفة # الصنف الثاني أن يكون وسواسه بتحريك الشهوة وهيجانها وهذا ينقسم إلى ما ~~يعلم العبد يقينا أنه معصية وإلى ما يظنه بغالب الظن فإن علمه يقينا خنس ~~الشيطان عن تهييج يؤثر في تحريك الشهوة ولم يخنس عن التهييج وإن كان مظنونا ~~فربما يبقى مؤثرا بحيث ms1250 يحتاج إلى مجاهدة في دفعه فتكون الوسوسة موجودة ~~ولكنها مدفوعة غير غالبة # الصنف الثالث أن تكون وسوسة بمجرد الخواطر وتذكر الأحوال الغالبة والتفكر ~~في غير الصلاة مثلا فإذا أقبل على الذكر تصور أن يندفع ساعة ويعود ويندفع ~~ويعود فيتعاقب الذكر والوسوسة ويتصور أن يتساوقا جميعا حتى يكون الفهم ~~مشتملا على فهم معنى القراءة وعلى تلك الخواطر كأنهما في موضعين من القلب ~~وبعيد جدا أن يندفع هذا الخنس بالكلية بحيث لا يخطر ولكنه ليس محالا إذا ~~قال صلى الله عليه وسلم من صلى ركعتين لم يحدث فيهما PageV03P044 # نفسه بشيء من أمر الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه (1) فلولا أنه متصور لما ~~ذكره إلا أنه لا يتصور ذلك إلا في قلب استولى عليه الحب حتى صار كالمستهتر ~~فإنا قد نرى المستوعب القلب بعدو تأذى به قد يتفكر بمقدار ركعتين وركعات في ~~مجادلة عدوه بحيث لا يخطر بباله غير حديث عدوه وكذلك المستغرق في الحب قد ~~يتفكر في محادثة محبوبه بقلبه ويغوص في فكره بحيث لا يخطر بباله غير حديث ~~محبوبه ولو كلمه غيره لم يسمع ولو اجتاز بين يد أحد لكان كأن لا يراه وإذا ~~تصور هذا في خوف من عدو وعند الحرص على مال وجاه فكيف لا يتصور من خوف ~~النار والحرص على الجنة ولكن ذلك عزيز لضعف الإيمان بالله تعالى واليوم ~~الآخر وإذا تأملت جملة هذه الأقسام وأصناف الوسواس علمت أن لكل مذهب من ~~المذاهب وجها في محل مخصوص # وبالجملة فالخلاص من الشيطان في لحظة أو ساعة غير بعيد ولكن الخلاص منه ~~عمرا طويلا بعيد جدا ومحال في الوجود ولو تخلص أحد من وساوس الشيطان ~~بالخواطر وتهييج الرغبة لتخلص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي أنه ~~نظر إلى علم ثوبه في الصلاة فلما سلم رمى بذلك الثوب وقال شغلني عن الصلاة ~~{وقال} اذهبوا به إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيته (2) وكان في يده خاتم من ~~ذهب فنظر إليه وهو على المنبر ثم رمى به قال نظرة إليه ونظرة ms1251 إليكم // حديث ~~كان في يده خاتم من ذهب فنظر إليه على المنبر فرماه فقال نظرة إليكم أخرجه ~~النسائي من حديث ابن عباس وتقدم في الصلاة وكان ذلك لوسوسة الشيطان بتحريك ~~لذة النظر إلى خاتم الذهب وعلم الثوب وكان ذلك قبل تحريم الذهب فلذلك لبسه ~~ثم رمى به فلا تنقطع وسوسة عروض الدنيا ونقدها إلا بالرمي والمفارقة فما ~~دام يملك شيئا وراء حاجته ولو دينارا واحدا لا يدعه الشيطان في صلاته من ~~الوسوسة في الفكر في ديناره وأنه كيف يحفظه وفيماذا ينفقه وكيف يخفيه حتى ~~لا يعلم به أحد وكيف يظهره حتى يتباهى به إلى غير ذلك من الوساوس فمن أنشب ~~مخالبه في الدنيا وطمع في أن يتخلص من الشطيان كان كمن انغمس في العسل وظن ~~أن الذباب لا يقع عليه فهو محال فالدنيا باب عظيم لوسوسة الشيطان وليس له ~~باب واحد بل أبواب كثيرة قال حكيم من الحكماء الشيطان يأتي ابن آدم من قبل ~~المعاصي فإن امتنع أتاه من وجه النصيحة حتى يلقيه في بدعة فإن أبى أمره ~~بالتحرج والشدة حتى يحرم ما ليس بحرام فإن أبى شككه في وضوئه وصلاته حتى ~~يخرجه عن العلم فإن أبى خفف عليه أعمال البر حتى يراه الناس صابرا عفيفا ~~فتميل قلوبهم إليه فيعجب نفسه وبه يهلكه وعند ذلك يشتد إلحاحه فإنها آخر ~~درجة ويعلم أنه لو جاوزها أفلت منه إلى الجنة ### ||| بيان سرعة تقلب القلب وانقسام القلوب في التغير والثبات # اعلم أن القلب كما ذكرناه تكتنفه الصفات التي ذكرناها وتنصب إليه الآثار ~~والأحوال من الأبواب التي وصفناها فكأنه هدف يصاب على الدوام من كل جانب ~~فإذا أصابه شيء يتأثر به أصابه من جانب آخر ما يضاده فتتغير صفته فإن نزل ~~به الشيطان فدعاه إلى الهوى نزل به الملك وصرفه عنه وإن جذبه شيطان إلى شر ~~جذبه شيطان آخر إلى غيره وإن جذبه ملك إلى خير جذبه آخر إلى غيره فتارة ~~يكون متنازعا بين ملكين وتارة بين شيطانين وتارة بين ملك وشيطان لا يكون ms1252 قط ~~مهملا وإليه الإشارة بقوله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ولاطلاع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على عجيب صنع الله تعالى في عجائب القلب وتقلبه كان ~~يحلف PageV03P045 # به فيقول لا ومقلب القلوب (1) # وكان كثيرا ما يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قالوا أو تخاف يا ~~رسول الله قال وما يؤمنني والقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف ~~يشاء (2) وفي لفظ آخر إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه # وضرب له صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثلة فقال مثل القلب مثل العصفور ~~يتقلب في كل ساعة (3) وقال صلى الله عليه وسلم مثل القلب في تقلبه كالقدر ~~إذا استجمعت غليانا (4) وقال مثل القلب كمثل ريشة في أرض فلاة تقلبها ~~الرياح ظهرا لبطن (5) وهذه التقلبات وعجائب صنع الله تعالى في تقلبها من ~~حيث لا تهدى إليه المعرفة لا يعرفها إلا المراقبون والمراعون لأحوالهم مع ~~الله تعالى # والقلوب في الثبات على الخير والشر والتردد بينهما ثلاثة قلب عمر بالتقوى ~~وزكا بالرياضة وطهر عن خبائث الأخلاق تنقدح فيه خواطر الخير من خزائن الغيب ~~ومداخل الملكوت فينصرف العقل إلى التفكر فيما خطر له ليعرف دقائق الخير فيه ~~ويطلع على أسرار فوائده فينكشف له بنور البصيرة وجهه فيحكم بأنه لا بد من ~~فعله فيستحثه عليه ويدعوه إلى العمل به وينظر الملك إلى القلب فيجده طيبا ~~في جوهره طاهرا بتقواه مستنيرا بضياء العقل معمورا بأنوار المعرفة فيراه ~~صالحا لأن يكون له مستقرا ومهبطا فعند ذلك يمده بجنود لا ترى ويهديه إلى ~~خيرات أخرى حتى ينجر الخير إلى الخير وكذلك على الدوام ولا يتناهى إمداده ~~بالترغيب بالخير وتيسير الأمر عليه وإليه الإشارة بقوله تعالى فأما من أعطى ~~واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وفي مثل هذا القلب يشرق نور المصباح من ~~مكشاة الربوبية حتى لا يخفي فيه الشرك الخفي الذي هو أخفى من دبيب النملة ~~السوداء في الليلة الظلماء فلا يخفى على هذا النور خافية ولا يروج عليه شيء ~~من مكايد الشيطان بل يقف ms1253 الشيطان ويوحي زخرف القول غرورا فلا يلتفت إليه ~~وهذا القلب بعد طهارته من المهلكات يصير على القرب معمورا بالمنجيات التي ~~سنذكرها من الشكر والصبر والخوف والرجاء والفقر والزهد والمحبة والرضا ~~والشوق والتوكل والتفكر والمحاسبة وغير ذلك وهو القلب الذي أقبل الله عز ~~وجل بوجهه عليه وهو القلب المطمئن المراد بقوله تعالى ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب وبقوله عز وجل يا أيتها النفس المطمئنة # القلب الثاني القلب المخذول المشحون بالهوى المدنس بالأخلاق المذمومة ~~والخبائث المفتوح فيه أبواب الشياطين المسدود عنه أبواب الملائكة ومبدأ ~~الشر فيه أن ينقدح فيه خاطر من الهوى ويهجس فيه فينظر القلب إلى حاكم العقل ~~ليستفتي منه ويستكشف وجه الصواب فيه فيكون العقل قد ألف خدمة الهوى وأنس به ~~واستمر على استنباط الحيل له وعلى مساعدة الهوى فتستولي النفس وتساعد عليه ~~فينشرح الصدر بالهوى وتنبسط فيه PageV03P046 # ظلماته لانحباس جند العقل عن مدافعته # فيقوى سلطان الشيطان لاتساع مكانه بسبب انتشار الهوى فيقبل عليه بالتزيين ~~والغرور والأماني ويوحي بذلك زخرفا من القول غرورا فيضعف سلطان الإيمان ~~بالوعد والوعيد ويخبو نور اليقين لخوف الآخرة إذ يتصاعد عن الهوى دخان مظلم ~~إلى القلب يملأ جوانبه حتى تنطفيء أنواره فيصير العقل كالعين التي ملأ ~~الدخان أجفانها فلا يقدر على أن ينظر وهكذا تفعل غلبة الشهوة بالقلب حتى لا ~~يبقى للقلب إمكان التوقف والاستبصار ولو بصره واعظ وأسمعه ما هو الحق فيه ~~عمى عن الفهم وصم عن السمع وهاجت الشهوة فيه وسطا الشيطان وتحركت الجوارح ~~على وفق الهوى فظهرت المعصية إلى عالم الشهادة من عالم الغيب بقضاء من الله ~~تعالى وقدره وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله تعالى أرأيت من اتخذ إلهه ~~هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا وبقوله عز وجل لقد حق القول على أكثرهم فهم لا ~~يؤمنون وبقوله سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ورب قلب هذا ~~حاله بالإضافة إلى بعض الشهوات كالذي يتورع عن بعض ms1254 الأشياء ولكنه إذا رأى ~~وجها حسنا لم يملك عينه وقلبه وطاش عقله وسقط مساك قلبه أو كالذي لا يملك ~~نفسه فيما فيه الجاه والرياسة والكبر ولا يبقى معه مسكة للتثبت عند ظهور ~~أسبابه أو كالذي لا يملك نفسه عند الغضب مهما استحقر وذكر عيب من عيوبه أو ~~كالذي لا يملك نفسه عند القدرة على أخذ درهم أو دينار بل يتهالك عليه تهالك ~~الواله المستهتر فينسى فيه المروءة والتقوى فكل ذلك لتصاعد دخان الهوى إلى ~~القلب حتى يظلم وتنطفيء منه أنواره فينطفيء نور الحياء والمروءة والإيمان ~~ويسعى في تحصيل مراد الشيطان # القلب الثالث قلب تبدو فيه خواطر الهوى فتدعوه إلى الشر فيلحقه خاطر ~~الإيمان فيدعوه إلى الخير فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشر فتقوى ~~الشهوة وتحسن التمتع والتنعم فينبعث العقل إلى خاطر الخير ويدفع في وجه ~~الشهوة ويقبح فعلها وينسبها إلى الجهل ويشبهها بالبهيمة والسبع في تهجمها ~~على الشر وقلة اكتراثها بالعواقب فتميل النفس إلى نصح العقل فيحمل الشيطان ~~حملة على العقل فيقوي داعي الهوى ويقول ما هذا التحرج البارد ولم تمتنع عن ~~هواك فتؤذي نفسك وهل ترى أحدا من أهل عصرك يخالف هواه أو يترك غرضه أفتترك ~~لهم ملاذ الدنيا يتمتعون بها وتحجر على نفسك حتى تبقى محروما شقيا متعوبا ~~يضحك عليك أهل الزمان أفتريد أن يزيد منصبك على فلان وفلان وقد فعلوا مثل ~~ما اشتهيت ولم يمتنعوا أما ترى العالم الفلاني ليس يحترز من مثل ذلك ولو ~~كان ذلك شرا لامتنع منه فتميل النفس إلى الشيطان وتنقلب إليه فيحمل الملك ~~حملة على الشيطان ويقول هل لك إلا من اتبع لذة الحال ونسى العاقبة أفتقنع ~~بلذة يسيرة وتترك لذة الجنة ونعيمها أبد الآباد أم تستثقل ألم الصبر عن ~~شهوتك ولا تستثقل ألم النار أتغتر بغفلة الناس عن أنفسهم واتباعهم هواهم ~~ومساعدتهم الشيطان مع أن عذاب النار لا يخففه عنك معصية غيرك أرأيت لو كنت ~~في يوم صائف شديد الحر ووقف الناس كلهم في الشمس وكان لك بيت بارد أكنت ms1255 ~~تساعد الناس أو تطلب لنفسك الخلاص فكيف تخالف الناس خوفا من حر الشمس ولا ~~تخالفهم خوفا من حر النار فعند ذلك تمتثل النفس إلى قول الملك فلا يزال ~~يتردد بين الجندين متجاذبا بين الحزبين إلى أن يغلب على القلب ما هو أولى ~~به فإن كانت الصفات التي في القلب الغالب عليها الصفات الشيطانية التي ~~ذكرناها غلب الشيطان ومال القلب إلى جنسه من أحزاب الشيطان معرضا عن حزب ~~الله تعالى وأوليائه ومساعدا لحزب الشيطان وأعدائه وجرى على جوارحه بسابق ~~القدر ما هو سبب بعده عن الله تعالى وإن كان الأغلب على القلب الصفات ~~الملكية لم يصغ القلب إلى إغواء الشيطان PageV03P047 # وتحريضه إياه على العاجلة وتهوينه أمر الآخرة بل مال إلى حزب الله تعالى ~~وظهرت الطاعة بموجب ما سبق من القضاء على جوارحه فقلب المؤمن بين إصبعين من ~~أصابع الرحمن أي بين تجاذب هذين الجندين وهو الغالب أعني التقليب والانتقال ~~من حزب إلى حزب أما الثبات على الدوام مع حزب الملائكة أو مع حزب الشيطان ~~فنادر من الجانبين وهذه الطاعات والمعاصي تظهر من خزائن الغيب إلى عالم ~~الشهادة بواسطة خزانة القلب فإنه من خزائن الملكوت وهي أيضا إذا ظهرت كانت ~~علامات تعرف أرباب القلوب سابق القضاء # فمن خلق للجنة يسرت له أسباب الطاعات ومن خلق للنار يسرت له أسباب ~~المعاصي وسلط عليه أقران السوء وألقي في قلبه حكم الشيطان فإنه بأنواع ~~الحكم يغر الحمقى بقوله إن الله رحيم فلا تبال وإن الناس كلهم ما يخافون ~~الله فلا تخالفهم وإن العمر طويل فاصبر حتى تتوب غدا يعدهم ويمنيهم وما ~~يعدهم الشيطان إلا غرورا يعدهم التوبة ويمنيهم المغفرة فيهلكهم بإذن الله ~~تعالى بهذه الحيل وما يجري مجراها فيوسع قلبه لقبول الغرور ويضيقه عن قبول ~~الحق وكل ذلك بقضاء من الله وقدر فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء إن ينصركم الله ~~فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من ms1256 بعده فهو الهادي والمضل ~~يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه خلق الجنة وخلق ~~لها أهلا فاستعملهم بالطاعة وخلق النار وخلق لها أهلا فاستعمله بالمعاصي ~~وعرف الخلق علامة أهل الجنة وأهل النار فقال إن الأبرار لفي نعيم وإن ~~الفجار لفي جحيم ثم قال تعالى فيما روى عن نبيه صلى الله عليه وسلم هؤلاء ~~في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي (1) فتعالى الله الملك الحق ~~لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون # ولنقتصر على هذا القدر اليسير من ذكر عجائب القلب فإن استقصاءه لا يليق ~~بعلم المعاملة وإنما ذكرنا منه ما يحتاج إليه لمعرفة أغوار علوم المعاملة ~~وأسرارها لينتفع بها من لا يقنع بالظواهر ولا يجتزئ بالقشر عن اللباب بل ~~يتشوق إلى معرفة دقائق حقائق الأسباب وفيما ذكرناه كفاية له ومقنع إن شاء ~~الله تعالى والله ولي التوفيق # تم كتاب عجائب القلب ولله الحمد والمنة ويتلوه كتاب رياضة النفس وتهذيب ~~الأخلاق والحمد لله وحده وصلى الله على كل عبد مصطفى ### || كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق ومعالجة أمراض القلب وهو الكتاب الثاني من ربع المهلكات # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي صرف الأمور بتدبيره وعدل تركيب الخلق فأحسن في تصويره ~~وزين صورة الإنسان بحسن تقويمه وتقديره وحرسه من الزيادة والنقصان في شكله ~~ومقاديره وفوض تحسين الأخلاق إلى اجتهاد العبد وتشميره واستحثه على تهذيبها ~~بتخويفه وتحذيره وسهل على خواص عباده تهذيب الأخلاق بتوفيقه وتيسيره وامتن ~~عليهم PageV03P048 # بتسهيل صعبه وعسيرة والصلاة والسلام على محمد عبد الله ونبيه وحبيبه ~~وصفيه وبشيره ونذيره الذي كان يلوح أنوار النبوة من بين أساريره ويستشرف ~~حقيقة الحق من مخايله وتباشيره وعلى آله وأصحابه الذين طهروا وجه الإسلام ~~من ظلمة الكفر ودياجيره وحسموا مادة الباطل فلم يتدنسوا بقليله ولا بكثيره # أما بعد فالخلق الحسن صفة سيد المرسلين وأفضل أعمال الصديقين وهو على ~~التحقيق شطر الدين وثمرة مجاهدة المتقين ورياضة المتعبدين والأخلاق السيئة ~~هي السموم القاتلة والمهلكات الدامغة والمخازي الفاضحة والرذائل الواضحة ~~والخبائث المبعدة ms1257 عن جوار رب العالمين المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين ~~وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة التي تطلع على الأفئدة ~~كما أن الأخلاق الجميلة هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان ~~وجوار الرحمن والأخلاق الخبيثة أمراض القلوب وأسقام النفوس إلا أنه مرض ~~يفوت حياة الأبد وأين منه المرض الذي لا يفوت إلا حياة الجسد ومهما اشتدت ~~عناية الأطباء بضبط قوانين العلاج للأبدان وليس في مرضها إلا فوت الحياة ~~الفانية فالعناية بضبط قوانين العلاج لأمراض القلوب وفي مرضها فوت حياة ~~باقية أولى وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كل ذي لب إذ لا يخلو قلب من ~~القلوب عن أسقام لو أهملت تراكمت وترادفت العلل وتظاهرت فيحتاج العبد إلى ~~تأنق في معرفة علمها وأسبابها ثم إلى تشمير في علاجها وإصلاحها فمعالجتها ~~هو المراد بقوله تعالى قد أفلح من زكاها وإهمالها هو المراد بقوله وقد خاب ~~من دساها ونحن نشير في هذا الكتاب إلى جمل من أمراض القلوب وكيفية القول في ~~معالجتها على الجملة من غير تفصيل لعلاج خصوص الأمراض فإن ذلك يأتي في بقية ~~الكتب من هذا الربع وغرضنا الآن النظر الكلي في تهذيب الأخلاق وتمهيد ~~منهاجها ونحن نذكر ذلك ونجعل علاج البدن مثالا له ليقرب من الأفهام دركه ~~ويتضح ذلك ببيان فضيلة حسن الخلق ثم بيان حقيقة حسن الخلق ثم بيان قبول ~~الأخلاق للتغير بالرياضة ثم بيان السبب الذي به ينال حسن الخلق ثم بيان ~~الطرق التي بها يعرف تفصيل الطرق إلى تهذيب الأخلاق ورياضة النفوس ثم بيان ~~العلامات التي بها يعرف مرض القلب ثم بيان الطرق التي بها يعرف الإنسان ~~عيوب نفسه ثم بيان شواهد النقل على أن طريق المعالجة للقلوب بترك الشهوات ~~لا غير ثم بيان علامات حسن الخلق ثم بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول ~~النشو ثم بيان شروط الإرادة ومقدمات المجاهدة فهي أحد عشر فصلا يجمع ~~مقاصدها هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ### ||| بيان فضيلة حسن الخلق ومذمة سوء الخلق # قال الله تعالى ms1258 لنبيه وحبيبه مثنيا عليه ومظهرا نعمته لديه وإنك لعلى خلق ~~عظيم وقالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقه ~~القرآن (1) وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق فتلا قوله ~~تعالى {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} ثم قال صلى الله عليه وسلم ~~هو أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك (2) حديث بعثت لأتمم مكارم ~~الأخلاق أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة وتقدم في آداب ~~الصحبة وقال صلى الله عليه وسلم أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة تقوى ~~الله وحسن الخلق // حديث أثقل ما يوضع في الميزان خلق حسن أخرجه أبو داود ~~والترمذي وصححه من حديث أبي الدرداء وجاء رجل إلى رسول الله PageV03P049 # صلى الله عليه وسلم من بين يديه فقال يا رسول الله ما الدين قال حسن ~~الخلق فأتاه من قبل يمينه فقال يا رسول الله ما الدين قال حسن الخلق ثم ~~أتاه من قبل شماله فقال ما الدين فقال حسن الخلق ثم أتاه من ورائه فقال يا ~~رسول الله ما الدين فالتفت إليه وقال أما تفقه هو أن لا تغضب (1) وقيل يا ~~رسول الله ما الشؤم قال سوء الخلق (2) وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أوصني فقال اتق الله حيثما كنت قال زدني قال أتبع السيئة الحسنة تمحها ~~قال زدني قال خالق الناس بخلق حسن (3) حديث ما حسن الله خلق امرئ وخلقه ~~فتطعمه النار تقدم في آداب الصحبة (4) حديث أبي الدرداء أول ما يوضع في ~~الميزان حسن الخلق الحديث لم أقف له على أصل هكذا ولأبي داود والترمذي من ~~حديث أبي الدرداء ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق وقال غريب وقال ~~في بعض طرقه حسن صحيح وقال صلى الله عليه وسلم إن الله استخلص هذا الدين ~~لنفسه ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ألا فزينوا دينكم بهما (5) ~~حديث حسن الخلق خلق الله الأعظم أخرجه الطبراني في الأوسط ms1259 من حديث عمار ابن ~~ياسر بسند ضعيف وقيل يا رسول الله أي المؤمنين أفضل إيمانا قال أحسنهم خلقا ~~(6) حديث إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق أخرجه ~~البزار وأبو يعلى والطبراني في مكارم الأخلاق من حديث أبي هريرة وبعض طرق ~~البزار رجاله ثقات (7) حديث سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل ~~أخرجه ابن حبان في الضعفاء من حديث أبي هريرة والبيهقي في الشعب من حديث ~~ابن عباس وأبي هريرة أيضا وضعفهما ابن جرير (8) حديث إنك امرؤ قد حسن الله ~~خلقك فأحسن خلقك أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق وأبو العباس الدغولي في ~~كتاب الآداب وفيه ضعف وعن البراء بن عازب قال كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا (9) وعن أبي مسعود البدري قال كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه اللهم حسنت خلقي فحسن خلقي (10) وعن ~~عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ~~الدعاء فيقول اللهم إني أسألك PageV03P050 # الصحة والعافية وحسن الخلق (1) حديث أبي هريرة كرم المرء دينه ومروءته ~~عقله وحسن خلقه أخرجه ابن حبان والحاكم وصححه على شرط مسلم والبيهقي قلت ~~فيه مسلم بن خالد الزنجي وقد تكلم فيه قال البيهقي وروى من وجهين آخرين ~~ضعيفين ثم رواه موقوفا على عمر وقال إسناد صحيح (2) حديث أسامة بن شريك ~~شهدت الأعاريب يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير ما أعطى العبد ~~قال خلق الحسن أخرجه ابن ماجه وتقدم في آداب الصحبة (3) حديث إن أحبكم إلى ~~الله وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا أخرجه الطبراني في ~~الصغير والأوسط من حديث أبي هريرة إن أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقا ~~وللطبراني في مكارم الأخلاق من حديث جابر إن أقربكم مني مجلسا أحاسنكم ~~أخلاقا وقد تقدم الحديثان في آداب الصحبة (4) حديث ابن عباس ثلاث من لم يكن ~~فيه أو واحدة منهم فلا يعتد بشيء من عمله الحديث أخرجه الخرايطي في مكارم ms1260 ~~الأخلاق بإسناد ضعيف ورواه الطبراني في الكبير وفي مكارم الأخلاق من حديث ~~أم سلمة وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم في افتتاح الصلاة اللهم اهدني ~~لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها ~~إلا أنت (5) حديث أنس إن حسن الخلق ليذيب الخطيئة كما تذيب الشمس الجليد ~~أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق بسند ضعيف ورواه الطبراني والطيالسي ~~والبيهقي في الشعب من حديث ابن عباس وضعفه وكذا رواه من حديث أبي هريرة ~~وضعفه أيضا # وقال صلى الله عليه وسلم من سعادة المرء حسن الخلق (6) حديث اليمن حسن ~~الخلق أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق من حديث علي بإسناد ضعيف وقال صلى ~~الله عليه وسلم لأبي ذر يا أبا ذر لا عقل كالتدبير ولا حسب كحسن الخلق (7) ~~وعن أنس قال قالت أم حبيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت المرأة ~~يكون لها زوجان في الدنيا فتموت ويموتان ويدخلون الجنة لأيهما هي تكون قال ~~لأحسنهما خلقا كان عندها في الدنيا يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا ~~والآخرة (8) وقال صلى الله عليه وسلم إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصائم ~~القائم بحسن خلقه وكرم مرتبته (9) حديث عبد الرحمن بن سمرة إني رأيت ~~البارحة عجبا الحديث أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق بسند ضعيف (10) حديث ~~إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة الحديث أخرجه الطبراني ~~والخرايطي في مكارم الأخلاق وأبو الشيخ في كتاب مكارم الأخلاق وأبو الشيخ ~~في كتاب طبقات الأصبهانيين من حديث أنس بإسناد جيد // وروى أن عمر رضي الله ~~عنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده PageV03P051 # نساء من نساء قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته فلما استأذن ~~عمر رضي الله عنه تبادرن الحجاب فدخل عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يضحك فقال عمر رضي الله عنه مم تضحك بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقال عجبت ~~لهؤلاء اللاتي كن عندي لما سمعن صوتك تبادرن الحجاب فقال عمر أنت كنت أحق ~~أن يهبنك ms1261 يا رسول الله ثم أقبل عليهن عمر فقال يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا ~~تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلن نعم أنت أغلظ وأفظ من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم إيها يا ابن الخطاب والذي نفسي ~~بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك (1) وقال صلى الله ~~عليه وسلم سوء الخلق ذنب لا يغفر وسوء الظن خطيئة تفوح (2) وقال صلى الله ~~عليه وسلم إن العبد ليبلغ من سوء خلقه أسفل درك جهنم (3) # الآثار قال ابن لقمان الحكيم لأبيه يا أبت أي الخصال من الإنسان خير قال ~~الدين قال فإذا كانت اثنتين قال الدين والمال قال فإذا كانت ثلاثا قال ~~الدين والمال والحياء قال فإذا كانت أربعا قال الدين والمال والحياء وحسن ~~الخلق قال فإذا كانت خمسا قال الدين والمال والحياء وحسن الخلق والسخاء قال ~~فإذا كانت ستا قال يا بني إذا اجتمعت فيه الخمس خصال فهو نقي تقي والله ولي ~~ومن الشيطان يري وقال الحسن من ساء خلقه عذب نفسه وقال أنس بن مالك إن ~~العبد ليبلغ بحسن خلقه أعلى درجة في الجنة وهو غير عابد ويبلغ بسوء خلقه ~~أسفل درك في جهنم وهو عابد وقال يحيى بن معاذ في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق ~~وقال وهب ابن منبه مثل السيء الخلق كمثل الفخارة المكسورة لا ترقع ولا تعاد ~~طينا وقال الفضيل لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابد سيي ~~الخلق وصحب ابن المبارك رجلا سيي الخلق في سفر فكان يحتمل منه ويداريه فلما ~~فارقه بكى فقيل له في ذلك فقال بكيته رحمة له فارقته وخلقه معه لم يفارقه ~~وقال الجنيد أربع ترفع العبد إلى أعلى الدرجات وإن قل عمله وعلمه الحلم ~~والتواضع والسخاء وحسن الخلق وهو كمال الإيمان وقال الكناني التصوف خلق فمن ~~زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف وقال عمر رضي الله عنه خالطوا الناس ~~بالأخلاق وزايلوهم بالأعمال وقال يحيى بن معاذ ms1262 سوء الخلق سيئة لا تنفع معها ~~كثرة الحسنات وحسن الخلق حسنة لا تضر معها كثرة السيئات وسئل ابن عباس ما ~~الكرم فقال هو ما بين الله في كتابه العزيز إن أكرمكم عند الله أتقاكم قيل ~~فما الحسب قال أحسنكم خلقا أفضلكم حسبا وقال لكل بنيان أساس وأساس الإسلام ~~حسن الخلق وقال عطاء ما ارتفع من ارتفع إلا بالخلق الحسن ولم ينل أحد كماله ~~إلا المصطفى صلى الله عليه وسلم فأقرب الخلق إلى الله عز وجل السالكون ~~آثاره بحسن الخلق ### ||| بيان حقيقة حسن الخلق وسوء الخلق # اعلم أن الناس قد تكلموا في حقيقة حسن الخلق وأنه ما هو وما تعرضوا ~~لحقيقته وإنما تعرضوا لثمرته ثم لم يستوعبوا جميع ثمراته بل ذكر كل واحد من ~~ثمراته ما خطر له وما كان حاضرا في ذهنه ولم يصرفوا العناية إلى ذكر حده ~~وحقيقته المحيطة بجميع ثمراته على التفصيل والاستيعاب وذلك كقول الحسن حسن ~~الخلق بسط الوجه PageV03P052 # وبذل الندى وكف الأذى وقال الواسطي هو أن لا يخاصم ولا يخاصم من شدة ~~معرفته بالله تعالى وقال شاه الكرماني هو كف الأذى واحتمال المؤن وقال ~~بعضهم هو أن يكون من الناس قريبا وفيما بينهم غريبا وقال الواسطي مرة هو ~~إرضاء الخلق في السراء والضراء وقال أبو عثمان هو الرضا عن الله تعالى وسئل ~~سهل التستري عن حسن الخلق فقال أدناه الاحتمال وترك المكافأة والرحمة ~~للظالم والاستغفار له والشفقة عليه وقال مرة أن لا يتهم الحق في الرزق ويثق ~~به ويسكن إلى الوفاء بما ضمن فيطيعه ولا يعصيه في جميع الأمور فيما بينه ~~وبينه وفيما بينه وبين الناس وقال علي رضي الله عنه حسن الخلق في ثلاث خصال ~~اجتناب المحارم وطلب الحلال والتوسعة على العيال وقال الحسين بن منصور هو ~~أن لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك للحق وقال أبو سعيد الخراز هو أن لا ~~يكون لك هم غير الله تعالى فهذا وأمثاله كثير وهو تعرض لثمرات حسن الخلق لا ~~لنفسه ثم ليس هو محيطا بجميع الثمرات ms1263 أيضاوكشف الغطاء عن الحقيقة أولى من ~~نقل الأقاويل المختلفة فنقول الخلق والخلق عبارتان مستعملتان معا يقال فلان ~~حسن الخلق والخلق أي حسن الباطن والظاهر فيراد بالخلق الصورة الظاهرة ويراد ~~بالخلق الصورة الباطنة وذلك لأن الإنسان مركب من جسد مدرك بالبصر ومن روح ~~ونفس مدرك بالبصيرة ولكل واحد منهما هيئة وصورة إما قبيحة وإما جميلة ~~فالنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدرا من الجسد المدرك بالبصر ولذلك عظم الله ~~أمره بإضافته إليه إذ قال تعالى إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه ~~من روحي فقعوا له ساجدين فنبه على أن الجسد منسوب إلى الطين والروح إلى رب ~~العالمين والمراد بالروح والنفس في هذا المقام واحد فالخلق عبارة عن هيئة ~~في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية ~~فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا سميت ~~تلك الهيئة خلقا حسنا وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة ~~التي هي المصدر خلقا سيئا وإنما قلنا إنها هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل ~~المال على الندور لحاجة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ~~ثبوت رسوخ وإنما اشترطنا أن تصدر منه الأفعال بسهولة من غير روية لأن من ~~تكلف بذل المال أو السكوت عند الغضب بجهد وروية لا يقال خلقه السخاء والحلم # فههنا أربعة أمور # أحدها فعل الجميل والقبيح # والثاني القدرة عليهما # والثالث المعرفة بهما # والرابع هيئة للنفس بها تميل إلى أحد الجانبين ويتيسر عليها أحد الأمرين ~~إما الحسن وإما القبيح # وليس الخلق عبارة عن الفعل فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل إما لفقد المال ~~أو لمانع وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل إما لباعث أو لرياء وليس هو عبارة ~~عن القوة لأن نسبة القوة إلى الإمساك والإعطاء بل إلى الضدين واحد وكل ~~إنسان خلق بالفطرة قادر على الإعطاء والإمساك وذلك لا يوجب خلق البخل ولا ~~خلق السخاء وليس هو عبارة عن المعرفة فإن المعرفة تتعلق بالجميل والقبيح ms1264 ~~جميعا على وجه واحد بل هو عبارة عن المعنى الرابع وهو الهيئة التي بها ~~تستعد النفس لأن يصدر منها الإمساك أو البذل فالخلق إذا عبارة عن هيئة ~~النفس وصورتها الباطنة وكما أن حسن الصورة الظاهرة مطلقا لا يتم بحسن ~~العينين دون الأنف والفم والخد بل لا بد من حسن الجميع ليتم حسن الظاهر ~~فكذلك في الباطن أربعة أركان لا بد من الحسن في جميعها حتى يتم حسن الخلق ~~فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق وهو قوة العلم ~~وقوة الغضب وقوة الشهوة وقوة العدل بين هذه القوى الثلاث PageV03P053 # أما قوة العلم فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل بها درك الفرق بين ~~الصدق والكذب في الأقوال وبين الحق والباطل في الاعتقادات وبين الجميل ~~والقبيح في الأفعال فإذا صلحت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة والحكمة رأس ~~الأخلاق الحسنة وهي التي قال الله فيها ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا # وأما قوة الغضب فحسنها في أن يصير انقباضها وانبساطها على حد ما تقتضيه ~~الحكمة وكذلك الشهوة حسنها وصلاحها في أن تكون تحت إشارة الحكمة أعني إشارة ~~العقل والشرع # وأما قوة العدل فهو ضبط الشهوة والغضب تحت إشارة العقل والشرع # فالعقل مثاله مثال الناصح المشير # وقوة العدل هي القدرة ومثالها مثال المنفذ الممضي لإشارة العقل # والغضب هو الذي تنفد فيه الإشارة ومثاله مثال كلب الصيد فإنه يحتاج إلى ~~أن يؤدب حتى يكون استرساله وتوقفه بحسب الإشارة لا بحسب هيجان شهوة النفس ~~والشهوة مثالها مثال الفرس الذي يركب في طلب الصيد فإنه تارة يكون مروضا ~~مؤدبا وتارة يكون جموحا فمن استوت فيه هذه الخصال واعتدلت فهو حسن الخلق ~~مطلقا ومن اعتدل فيه بعضها دون البعض فهو حسن الخلق بالإضافة إلى ذلك ~~المعنى خاصة كالذي يحسن بعض أجزاء وجهه دون بعض وحسن القوة الغضبية ~~واعتدالها يعبر عنه بالشجاعة وحسن قوة الشهوة واعتدالها يعبر عنه بالعفة # فإن مالت قوة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة تسمى تهورا وإن مالت إلى ~~الضعف والنقضان ms1265 تسمى جبنا وخورا # وإن مالت قوة الشهوة إلى طرف الزيادة تسمى شرها وإن مالت إلى النقصان ~~تسمى جمودا # والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة والطرفان رذيلتان مذمومتان والعدل إذا فات ~~فليس له طرفا زيادة ونقصان بل له ضد واحد ومقابل وهو الجور # وأما الحكمة فيسمى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة خبثا وجربزة ~~ويسمى تفريطها بلها والوسط هو الذي يختص باسم الحكمة # فإذن أمهات الأخلاق وأصولها أربعة الحكمة والشجاعة والعفة والعدل ونعني ~~بالحكمة حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية # ونعني بالعدل حالة للنفس وقوة بها تسوس الغضب والشهوة وتحملهما على مقتضى ~~الحكمة وتضبطهما في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها ونعني بالشجاعة ~~كون قوة الغضب منقادة للعقل في إقدامها وإحجامها ونعني بالعفة تأدب قوة ~~الشهوة بتأديب العقل والشرع # فمن اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلها # إذ من اعتدال قوة العقل يحصل حسن التدبير وجودة الذهن وثقابة الرأي ~~وإصابة الظن والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفوس ومن إفراطها تصدر ~~الجربزة والمكر والخداع والدهاء ومن تفريطها يصدر البله والغمارة والحمق ~~والجنون وأعني بالغمارة قلة التجربة في الأمور مع سلامة التخيل فقد يكون ~~الإنسان غمرا في شيء دون شيء والفرق بين الحمق الجنون أن الأحمق مقصوده ~~صحيح ولكن سلوكه الطريق فاسد فلا تكون له روية صحيحة في سلوك الطريق الموصل ~~إلى الغرض وأما المجنون فإنه يحتار ما لا ينبغي أن يختار فيكون أصل اختياره ~~وإيثاره فاسدا # وأما خلق الشجاعة فيصدر منه الكرم والنجدة والشهامة وكسر النفس والاحتمال ~~والحلم والثبات وكظم الغيظ والوقار والتودد وأمثالها وهي أخلاق محمودة # وأما إفراطها وهو التهور فيصدر منه الصلف والبذخ PageV03P054 # والاستشاطة والتكبر والعجب وأما تفريطها فيصدر منه المهانة والذلة والجزع ~~والخساسة وصغر النفس والانقباض عن تناول الحق الواجب # وأما خلق العفة فيصدر منه السخاء والحياء والصبر والمسامحة والقناعة ~~والورع واللطافة والمساعدة والظرف وقلة الطمع وأما ميلها إلى الإفراط أو ~~التفريط فيحصل منه الحرص والشره والوقاحة والخبث والتبذير والتقتير والرياء ~~والهتكة والمجانة والعبث والملق ms1266 والحسد والشماتة والتذلل للأغنياء واستحقار ~~الفقراء وغير ذلك # فأمهات محاسن الأخلاق هذه الفضائل الأربعة وهي الحكمة والشجاعة والعفة ~~والعدل والباقي فروعها # ولم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الأربع إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والناس بعده متفاوتون في القرب والبعد منه فكل من قرب منه في هذه الأخلاق ~~فهو قريب من الله تعالى بقدر قربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من ~~جمع كمال هذه الأخلاق استحق أن يكون بين الخلق ملكا مطاعا يرجع الخلق كلهم ~~إليه ويقتدون به في جميع الأفعال ومن انفك عن هذه الأخلاق كلها واتصف ~~بأضدادها استحق أن يخرج من بين البلاد والعباد فإنه قد قرب من الشيطان ~~اللعين المبعد فينبغي أن يبعد كما أن الأول قريب من الملك المقرب فينبغي أن ~~يقتدى به ويتقرب إليه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبعث إلا ليتمم ~~مكارم الأخلاق كما قال (1) # وقد أشار القرآن إلى هذه الأخلاق في أوصاف المؤمنين فقال تعالى إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله أولئك هم الصادقون فالإيمان بالله وبرسوله من غير ارتياب هو ~~قوة اليقين وهو ثمرة العقل ومنتهى الحكمة والمجاهدة بالمال هو السخاء الذي ~~يرجع إلى ضبط قوة الشهوة # والمجاهدة بالنفس هي الشجاعة التي ترجع إلى استعمال قوة الغضب على شرط ~~العقل وحد الاعتدال فقد وصف الله تعالى الصحابة فقال أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم إشارة إلى أن للشدة موضعا وللرحمة موضعا فليس الكمال في الشدة ~~بكل حال ولا في الرحمة بكل حال فهذا بيان معنى الخلق وحسنه وقبحه وبيان ~~أركانه وثمراته وفروعه ### ||| بيان قبول الأخلاق للتغيير بطريق الرياضة # اعلم أن بعض من غلبت البطالة عليه استثقل المجاهدة والرياضة والاشتغال ~~بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق فلم تسمح نفسه بأن يكون ذلك لقصوره ونقصه وخبث ~~دخلته فزعم أن الأخلاق لا يتصور تغييرها فإن الطباع لا تتغير # واستدل فيه بأمرين # أحدهما أن الخلق هو صورة الباطن كما أن الخلق هو صورة ms1267 الظاهر فالخلقة ~~الظاهرة لا يقدر على تغييرها فالقصير لا يقدر أن يجعل نفسه طويلا ولا ~~الطويل يقدر أن يجعل نفسه قصيرا ولا القبيح يقدر على تحسين صورته فكذلك ~~القبح الباطن يجري هذا المجرى # والثاني أنهم قالوا حسن الخلق يقمع الشهوة والغضب وقد جربنا ذلك بطول ~~المجاهدة وعرفنا أن ذلك من مقتضى المزاج والطبع فإنه قط لا ينقطع عن الآدمي ~~فاشتغاله به تضييع زمان بغير فائدة فإن المطلوب هو قطع التفات القلب إلى ~~الحظوظ العاجلة وذلك محال وجوده # فنقول لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ ~~والتأديبات ولما قال رسول الله PageV03P055 # صلى الله عليه وسلم حسنوا أخلاقكم (1) وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير ~~خلق البهيمة ممكن إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس والكلب من شره ~~الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية والفرس من الجماح إلى السلاسة ~~والانقياد وكل ذلك تغيير للأخلاق والقول الكاشف للغطاء عن ذلك أن نقول ~~الموجودات منقسمة إلى ما لا مدخل للآدمي واختياره في أصله وتفصيله كالسماء ~~والكواكب بل أعضاء البدن داخلا وخارجا وسائر أجزاء الحيوانات وبالجملة كل ~~ما هو حاصل كامل وقع الفراغ من وجوده وكماله وإلى ما وجد وجودا ناقصا وجعل ~~فيه قوة لقبول الكمال بعد أن وجد شرطه وشرطه قد يرتبط باختيار العبد فإن ~~النواة ليست بتفاح ولا نخل إلا أنها خلقت خلقة يمكن أن تصير نخلة إذا انضاف ~~التربية إليها ولا تصير تفاحا أصلا ولا بالتربية فإذا صارت النواة متأثرة ~~بالاختيار حتى تقبل بعض الأحوال دون بعض فكذلك الغضب والشهوة لو أردنا ~~قمعهما وقهرهما بالكلية حتى لا يبقى لهما أثر لم نقدر عليه أصلا ولو أردنا ~~سلاستهما وقودهما بالرياضة والمجاهدة قدرنا عليه وقد أمرنا بذلك وصار ذلك ~~سبب نجاتنا ووصولنا إلى الله تعالى نعم الجبلات مختلفة بعضها سريعة القبول ~~وبعضها بطيئة القبول ولاختلافها سببان # أحدهما قوة الغريزة في أصل الجبلة وامتداد مدة الوجود فإن قوة الشهوة ~~والغضب والتكبر موجودة في الإنسان ولكن أصعبها أمرا وأعصاها على التغيير ~~قوة الشهوة فإنها أقدم ms1268 وجودا إذ الصبي في مبدإ الفطرة تخلق له الشهوة ثم ~~بعد سبع سنين ربما يخلق له الغضب وبعد ذلك يخلق له قوة التمييز # والسبب الثاني أن الخلق قد يتأكد بكثرة العمل بمقتضاه والطاعة له ~~وباعتقاد كونه حسنا ومرضيا والناس فيه على أربع مراتب # الأولى وهو الإنسان الغفل الذي لا يميز بين الحق والباطل والجميل والقبيح ~~بل بقي كما فطر عليه خاليا عن جميع الاعتقادات ولم تستتم شهوته أيضا باتباع ~~اللذات فهذا سريع القبول للعلاج جدا فلا يحتاج إلا إلى معلم ومرشد وإلى ~~باعث من نفسه يحمله على المجاهدة فيحسن خلقه في أقرب زمان # والثانية أن يكون قد عرف قبح القبيح ولكنه لم يتعود العمل الصالح بل زين ~~له سوء عمله فتعاطاه انقيادا لشهواته وإعراضا عن صواب رأيه لاستيلاء الشهوة ~~عليه ولكن علم تقصيره في عمله فأمره أصعب من الأول إذ قد تضاعفت الوظيفة ~~عليه إذ عليه قلع ما رسخ في نفسه أولا من كثرة الاعتياد للفساد والآخر أن ~~يغرس في نفسه صفة الاعتياد للصلاح ولكنه بالجملة محل قابل للرياضة إن انتهض ~~لها بجد وتشمير وحزم # والثالثة أن يعتقد في الأخلاق القبيحة أنها الواجبة المستحسنة وأنها حق ~~وجميل وتربى عليها فهذا يكاد تمتنع معالجته ولا يرجى صلاحه إلا على الندور ~~وذلك لتضاعف أسباب الضلال # والرابعة أن يكون مع نشئه على الرأي الفاسد وتربيته على العمل به يرى ~~الفضيلة في كثرة الشر واستهلاك النفوس ويباهي به ويظن أن ذلك يرفع قدره ~~وهذا هو أصعب المراتب وفي مثله قيل ومن العناء رياضة الهرم ومن التعذيب ~~تهذيب الذيب # والأول من هؤلاء جاهل فقط # والثاني جاهل وضال # والثالث جاهل وضال وفاسق # والرابع جاهل وضال وفاسق وشرير # وأما الخيال الآخر الذي استدلوا به وهو قولهم إن الآدمي ما دام حيا فلا ~~تنقطع عنه الشهوة والغضب وحب الدنيا وسائر هذه الأخلاق فهذا غلط وقع لطائفة ~~ظنوا أن المقصود من المجاهدة قمع هذه الصفات بالكلية ومحوها وهيهات فإن ~~الشهوة خلقت لفائدة وهي ضرورية في الجبلة فلو انقطعت شهوة ms1269 الطعام لهلك ~~الإنسان ولو انقطعت PageV03P056 # شهوة الوقاع لانقطع النسل ولو انعدم الغضب بالكلية لم يدفع الإنسان عن ~~نفسه ما يهلكه ولهلك # ومهما بقي أصل الشهوة فيبقى لا محالة حب المال الذي يوصله إلى الشهوة حتى ~~يحمله ذلك على إمساك المال وليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية بل المطلوب ردها ~~إلى الاعتدال الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط والمطلوب في صفة الغضب حسن ~~الحمية وذلك بأن يخلو عن التهور وعن الجبن جميعا وبالجملة أن يكون في نفسه ~~قويا ومع قوته منقادا للعقل ولذلك قال الله تعالى أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم وصفهم بالشدة وإنما تصدر الشدة عن الغضب ولو بطل الغضب لبطل الجهاد ~~وكيف يقصد قلع الشهوة والغضب بالكلية والأنبياء عليهم السلام لم ينفكوا عن ~~ذلك إذ قال صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر (1) حديث ~~أنه كان يتكلم بين يديه بما يكرهه فيغضب حتى تحمر وجنتاه ولكن لا يقول إلا ~~حقا فكان الغضب لا يخرجه عن الحق أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن الزبير ~~في قصة شراج الحرة فقال لأن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولهما من حديث أبي سعيد الخدري وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه ~~ولهما من حديث عائشة وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن ~~تنتهك حرمة الله ولمسلم ما ينال منه شيء قط فينتقم من صاحبه الحديث (2) ~~حديث خير الأمور أوساطها أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من رواية مطرف بن ~~عبد الله معضلا وهذا له سر وتحقيق وهو أن السعادة منوطة بسلامة القلب عن ~~عوارض هذا العالم قال الله تعالى إلا من أتى الله بقلب سليم والبخل من ~~عوارض الدنيا والتبذير أيضا من عوارض الدنيا وشرط القلب أن يكون سليما ~~منهما أي لا يكون ملتفتا إلى المال ولا يكون حريصا على إنفاقه ولا على ~~إمساكه فإن الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق كما أن الحريص على ~~الإمساك مصروف القلب إلى ms1270 الإمساك فكان كمال القلب أن يصفو عن الوصفين جميعا ~~وإذا لم يكن ذلك في الدنيا طلبنا ما هو الأشبه لعدم الوصفين وأبعد عن ~~الطرفين وهو الوسط فإن الفاتر لا حار ولا بارد بل هو وسط بينهما فكأنه خال ~~عن الوصفين فكذلك السخاء بين التبذير والتقتير والشجاعة بين الجبن التهور ~~والعفة بين الشره والجمود وكذلك سائر الأخلاق فكلا طرفي الأمور ذميم هذا هو ~~المطلوب وهو ممكن نعم يجب على الشيخ المرشد للمريد أن يقبح عنده الغضب رأسا ~~ويذم إمساك المال رأسا ولا يرخص له في شيء منه لأنه لو رخص له في أدنى شيء ~~اتخذ ذلك عذرا في استبقاء بخله وغضبه وظن أنه القدر المرخص فيه فإذا قصد ~~الأصل وبالغ فيه ولم يتيسر له إلا كسر PageV03P057 # سورته بحيث يعود إلى الاعتدال فالصواب له أن يقصد قلع الأصل حتى يتيسر له ~~القدر المقصود فلا يكشف هذا السر للمريد فإنه موضع غرور الحمقى إذ يظن ~~بنفسه أن غضبه بحق وأن إمساكه بحق ### ||| بيان السبب الذي به ينال حسن الخلق على الجملة # قد عرفت أن حسن الخلق يرجع إلى اعتدال قوة العقل وكمال الحكمة وإلى ~~اعتدال قوة الغضب والشهوة وكونها للعقل مطيعة وللشرع أيضا وهذا الاعتدال ~~يحصل على وجهين # أحدهما بجود إلهي وكمال فطري بحيث يخلق الإنسان ويولد كامل العقل حسن ~~الخلق قد كفي سلطان الشهوة والغضب بل خلقتا معتدلتين منقادتين للعقل والشرع ~~فيصير عالما بغير تعليم ومؤدبا بغير تأديب كعيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ~~عليهما السلام وكذا سائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ولا يبعد أن ~~يكون في الطبع والفطرة ما قد ينال بالاكتساب فرب صبي خلق صادق اللهجة سخيا ~~جريا وربما يخلق بخلافه فيحصل ذلك فيه بالاعتياد ومخالطة المتخلقين بهذه ~~الأخلاق وربما يحصل بالتعلم # والوجه الثاني اكتساب هذه الأخلاق بالمجاهدة والرياضة وأعني به حمل النفس ~~على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق ~~الجود فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجواد وهو بذل المال فلا يزال يطالب ms1271 نفسه ~~ويواظب عليه تكلفا مجاهدا نفسه فيه حتى يصير ذلك طبعا له ويتيسر عليه فيصير ~~به جوادا وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع وقد غلب عليه الكبر ~~فطريقه أن يواظب على أفعال المتواضعين مدة مديدة وهو فيها مجاهد نفسه ~~ومتكلف إلى أن يصير ذلك خلقا له وطبعا فيتيسر عليه # وجميع الأخلاق المحمودة شرعا تحصل بهذا الطريق وغايته أن يصير الفعل ~~الصادر منه لذيذا فالسخي هو الذي يستلذ بذل المال الذي يبذله دون الذي ~~يبذله عن كراهة والمتواضع هو الذي يستلذ التواضع ولن ترسخ الأخلاق الدينية ~~في النفس ما لم تتعود النفس جميع العادات الحسنة وما لم تترك جميع الأفعال ~~السيئة وما لم تواظب عليه مواظبة من يشتاق إلى الأفعال الجميلة ويتنعم بها ~~ويكره الأفعال القبيحة ويتألم بها كما قال صلى الله عليه وسلم وجعلت قرة ~~عيني في الصلاة (1) ومهما كانت العبادات وترك المحظورات مع كراهة واستثقال ~~فهو النقصان ولا ينال كمال السعادة به نعم المواظبة عليها بالمجاهدة خير ~~ولكن بالإضافة إلى تركها لا بالإضافة إلى فعلها عن طوع ولذلك قال الله ~~تعالى وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين وقال صلى الله عليه وسلم اعبد الله في ~~الرضا فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير (2) ثم لا يكن في نيل ~~السعادة الموعودة على حسن الخلق استلذاذ الطاعة واستكراه المعصية في زمان ~~دون زمان بل ينبغي أن يكون ذلك على الدوام وفي جملة العمر وكلما كان العمر ~~أطول كانت الفضيلة ارسخ وأكمل ولذلك لما سئل صلى الله عليه وسلم عن السعادة ~~فقال طول العمر في طاعة الله تعالى (3) ولذلك كره الأنبياء والأولياء الموت ~~فإن الدنيا مزرعة الآخرة وكلما كانت العبادات أكثر بطول العمر كان الثواب ~~أجزل والنفس أزكى وأطهر والأخلاق أقوى وأرسخ وإنما مقصود العبادات تأثيرها ~~في القلب وإنما يتأكد تأثيرها بكثرة المواظبة على العبادات وغاية هذه ~~الأخلاق أن ينقطع عن النفس حب الدنيا ويرسخ فيها حب الله تعالى فلا يكون ~~PageV03P058 # شيء أحب إليه من لقاء الله تعالى ms1272 عز وجل فلا يستعمل جميع ماله إلا على ~~الوجه الذي يوصله إليه وغضبه وشهوته من المسخرات له فلا يستعملهما إلا على ~~الوجه الذي يوصله إلى الله تعالى وذلك بأن يكون موزونا بميزان الشرع والعقل ~~ثم يكون بعد ذلك فرحا به مستلذا له ولا ينبغي أن يستبعد مصير الصلاة إلى حد ~~تصير هي قرة العين ومصير العبادات لذيذة فإن العادة تقتضي في النفس عجائب ~~أغرب من ذلك فإنا قد نرى الملوك والمنعمين في أحزان دائمة ونرى المقامر قد ~~يغلب عليه من الفرح واللذة بقماره وما هو فيه ما يستثقل معه فرح الناس بغير ~~قمار مع أن القمار ربما سلبه ماله وخرب بيته وتركه مفلسا ومع ذلك فهو يحبه ~~ويلتذ به وذلك لطول إلفه له وصرف نفسه إليه مدة وكذلك اللاعب بالحمام قد ~~يقف طول النهار في حر الشمس قائما على رجليه وهو لا يحس بألمها لفرحه ~~بالطيور وحركاتها وطيرانها وتحليقها في جو السماء بل نرى الفاجر العيار ~~يفتخر بما يلقاه من الضرب والقطع والصبر على السياط وعلى أن يتقدم به للصلب ~~وهو مع ذلك متبجح بنفسه وبقوته بالصبر على ذلك حتى يرى ذلك فخرا لنفسه ~~ويقطع الواحد منهم إربا إربا على أن يقر بما تعاطاه أو تعاطاه غيره فيصر ~~على الإنكار ولا يبالي بالعقوبات فرحا بما يعتقده كمالا وشجاعة ورجولية فقد ~~صارت أحواله مع ما فيها من النكال قرة عينه وسبب افتخاره بل لا حالة أخس ~~وأقبح من حال المخنث في تشبهه بالإناث في نتف الشعر ووشم الوجه ومخالطة ~~النساء فترى المخنث في فرح بحاله وافتخار بكماله في تخنثه يتباهى به مع ~~المخنثين حتى يجري بين الحجامين والكناسين التفاخر والمباهاة كما يجري بين ~~الملوك والعلماء فكل ذلك نتيجة العادة والمواظبة على نمط واحد على الدوام ~~مدة مديدة ومشاهدة ذلك في المخالطين والمعارف فإذا كانت النفس بالعادة ~~تستلذ الباطل وتميل إليه وإلى المقابح فكيف لا تستلذ الحق لو ردت إليه مدة ~~والتزمت المواظبة عليه بل ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة خارج ms1273 عن الطبع ~~يضاهي الميل إلى أكل الطين فقد يغلب على بعض الناس ذلك بالعادة فأما ميله ~~إلى الحكمة وحب الله تعالى ومعرفته وعبادته فهو كالميل إلى الطعام والشراب ~~فإنه مقتضى طبع القلب فإنه أمر رباني وميله إلى مقتضيات الشهوة غريب من ~~ذاته وعارض على طبعه وإنما غذاء القلب الحكمة والمعرفة وحب الله عز وجل ~~ولكن انصرف عن مقتضى طبعه لمرض قد حل به كما قد يحل المرض بالمعدة فلا ~~تشتهي الطعام والشراب وهما سببان لحياتها فكل قلب مال إلى حب شيء سوى الله ~~تعالى فلا ينفك عن مرض بقدر ميله إلا إذا كان أحب ذلك الشيء لكونه معينا له ~~على حب الله تعالى وعلى دينه فعند ذلك لا يدل ذلك على المرض # فإذن قد عرفت بهذا قطعا أن هذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة ~~وهي تكلف الأفعال الصادرة عنها ابتداء لتصير طبعا انتهاء وهذا من عجيب ~~العلاقة بين القلب والجوارح أعني النفس والبدن فإن كل صفة تظهر في القلب ~~يفيض أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة وكل فعل يجري ~~على الجوارح فإنه قد يرتفع منه أثر إلى القلب والأمر فيه دور ويعرف ذلك ~~بمثال وهو أن من أراد أن يصير الحذق في الكتابة له صفة نفسية حتى يصير ~~كاتبا بالطبع فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد ما يتعاطاه الكاتب ~~الحاذق ويواظب عليه مدة طويلة يحاكي الخط الحسن فإن فعل الكاتب هو الخط ~~الحسن فيتشبه بالكاتب تكلفا ثم لا يزال يواظب عليه حتى يصير صفة راسخة في ~~نفسه فيصدر منه في الآخر الخط الحسن طبعا كما كان يصدر منه في الابتداء ~~تكلفا فكان الخط الحسن هو الذي جعل خطه حسنا ولكن الأول بتكلف إلا أنه ~~ارتفع منه أثر إلى القلب ثم انخفض من القلب إلى الجارحة فصار يكتب الخط ~~الحسن بالطبع PageV03P059 # وكذلك من أراد أن يصير فقيه النفس فلا طريق له إلا أن يتعاطى أفعال ~~الفقهاء وهو التكرار للفقه حتى تنعطف منه على قلبه ms1274 صفة الفقه فيصير فقيه ~~النفس وكذلك من أراد أن يصير سخيا عفيف النفس حليما متواضعا فيلزمه أن ~~يتعاطى أفعال هؤلاء تكلفا حتى يصير ذلك طبعا له فلا علاج له إلا ذلك وكما ~~أن طالب فقه النفس لا ييأس من نيل هذه الرتبة بتعطيل ليلة ولا ينالها ~~بتكرار ليلة فكذلك طالب تزكية النفس وتكميلها وتحليتها بالأعمال الحسنة لا ~~ينالها بعبادة يوم ولا يحرم عنها بعصيان يوم وهو معنى قولنا أن الكبيرة ~~الواحدة لا توجب الشقاء المؤبد ولكن العطلة في يوم واحد تدعو إلى مثلها ثم ~~تتداعى قليلا قليلا حتى تأنس النفس بالكسل وتهجر التحصيل رأسا فيفوتها ~~فضيلة الفقه وكذلك صغائر المعاصي يجر بعضها إلى بعض حتى يفوت أصل السعادة ~~بهدم أصل الإيمان عند الخاتمة وكما أن تكرار ليلة لا يحس تأثيره في فقه ~~النفس بل يظهر فقه النفس شيئا فشيئا على التدريج مثل نمو البدن وارتفاع ~~القامة فكذلك الطاعة الواحدة لا يحس تأثيرها في تزكية النفس وتطهيرها في ~~الحال ولكن لا ينبغي أن يستهان بقليل الطاعة فإن الجملة الكثيرة منها مؤثرة ~~وإنما اجتمعت الجملة من الآحاد فلكل واحد منها تأثير فما من طاعة إلا ولها ~~أثر وإن خفي فله ثواب لا محالة فإن الثواب بإزاء الأثر وكذلك المعصية وكم ~~من فقيه يستهين بتعطيل يوم وليلة وهكذا على التوالي يسوف نفسه يوما فيوما ~~إلى أن يخرج طبعه عن قبول الفقه فكذا من يستهين صغائر المعاصي ويسوف نفسه ~~بالتوبة على التوالي إلى أن يختطفه الموت بغتة أو تتراكم ظلمة الذنوب على ~~قلبه وتتعذر عليه التوبة إذ القليل يدعو إلى الكثير فيصير القلب مقيدا ~~بسلاسل شهوات لا يمكن تخليصه من مخالبها وهو المعنى بانسداد باب التوبة وهو ~~المراد بقوله تعالى وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا الآية ولذلك ~~قال رضي الله تعالى عنه إن الإيمان ليبدو في القلب نكتة بيضاء كلما ازداد ~~الإيمان ازداد ذلك البياض فإذا استكمل العبد الإيمان أبيض القلب كله وإن ~~النفاق ليبدو في القلب نكتة سوداء كلما ازداد ms1275 النفاق ازداد ذلك السواد فإذا ~~استكمل النفاق أسود القلب كله فإذا عرفت أن الأخلاق الحسنة تارة تكون ~~بالطبع والفطرة وتارة تكون باعتياد الأفعال الجميلة وتارة بمشاهدة أرباب ~~الفعال الجميلة ومصاحبتهم وهم قرناء الخير وإخوان الصلاح إذ الطبع يسرق من ~~الطبع الشر والخير جميعا فمن تظاهرت في حقه الجهات الثلاثة حتى صار ذا ~~فضيلة طبعا واعتيادا وتعلما فهو في غاية الفضيلة ومن كان رذلا بالطبع واتفق ~~له قرناء السوء فتعلم منهم وتيسرت له أسباب الشر حتى اعتادها فهو في غاية ~~البعد من الله عز وجل وبين الرتبتين من اختلفت فيه من هذه الجهات ولكل درجة ~~في القرب والبعد بحسب ما تقتضيه صورته وحالته فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ### ||| بيان تفصيل الطريق إلى تهذيب الأخلاق # قد عرفت من قبل أن الاعتدال في الأخلاق هو صحة النفس والميل عن الاعتدال ~~سقم ومرض فيها كما أن الاعتدال في مزاج البدن هو صحة له والميل عن الاعتدال ~~مرض فيه فلنتخذ البدن مثالا فنقول # مثال النفس في علاجها بمحو الرذائل والأخلاق الرديئة عنها وجلب الفضائل ~~والأخلاق الجميلة إليها مثال البدن في علاجه بمحو العلل عنه وكسب الصحة له ~~وجلبها إليه وكما أن الغالب على أصل المزاج الاعتدال وإنما تعتري المعدة ~~المضرة بعوارض الأغذية والأهوية والأحوال فكذلك كل مولود يولد معتدلا صحيح ~~الفطرة PageV03P060 # وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه أي بالاعتياد والتعليم تكتسب ~~الرذائل وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملا وإنما يكمل ويقوى بالنشو ~~والتربية بالغذاء فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال وإنما تكمل بالتربية ~~وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم وكما أن البدن إن كان صحيحا فشأن الطبيب ~~تمهيد القانون الحافظ للصحة وإن كان مريضا فشأنه جلب الصحة إليه فكذلك ~~النفس منك إن كانت زكية طاهرة مهذبة فينبغي أن تسعى لحفظها وجلب مزيد قوة ~~إليها واكتساب زيادة صفائها وإن كانت عديمة الكمال والصفاء فينبغي أن تسعى ~~لجلب ذلك إليها وكما أن ms1276 العلة المغيرة لاعتدال البدن الموجبة المرض لا ~~تعالج إلا بضدها فإن كانت من حرارة فبالبرودة وإن كانت من برودة فبالحرارة ~~فكذلك الرذيلة التي هي مرض القلب علاجها بضدها فيعالج مرض الجهل بالتعلم ~~ومرض البخل بالتسخي ومرض الكبر بالتواضع ومرض الشره بالكف عن المشتهى تكلفا ~~وكما أنه لا بد من الاحتمال لمرارة الدواء وشدة الصبر عن المشتهيات لعلاج ~~الأبدان المريضة فكذلك لا بد من احتمال مرارة المجاهدة والصبر لمداواة مرض ~~القلب بل أولى فإن مرض البدن يخلص منه بالموت ومرض القلب والعياذ بالله ~~تعالى مرض يدوم بعد الموت أبد الآباد وكما أن كل مبرد لا يصلح لعلة سببها ~~الحرارة إلا إذا كان على حد مخصوص ويختلف ذلك بالشدة والضعف والدوام وعدمه ~~وبالكثرة والقلة ولا بد له من معيار يعرف به مقدار النافع منه فإنه إن لم ~~يحفظ معياره زاد الفساد فكذلك النقائض التي تعالج بها الأخلاق لا بد لها من ~~معيار وكما أن معيار الدواء مأخوذ من معيار العلة حتى إن الطبيب لا يعالج ~~ما لم يعرف أن العلة من حرارة أو برودة فإن كانت من حرارة فيعرف درجتها أهي ~~ضعيفة أم قوية فإذا عرف ذلك التفت إلى أحوال البدن وأحوال الزمان وصناعة ~~المريض وسنه وسائر أحواله ثم يعالج بحسبها # فكذلك الشيخ المتبوع الذي يطبب نفوس المريدين ويعالج قلوب المسترشدين ~~ينبغي أن لا يهجم عليهم بالرياضة والتكاليف في فن مخصوص وفي طريق مخصوص ما ~~لم يعرف أخلاقهم وأمراضهم وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد ~~قتل أكثرهم فكذلك الشيخ لو أشار على المريدين بنمط واحد من الرياضة أهلكهم ~~وأمات قلوبهم بل ينبغي أن ينظر في مرض المريد وفي حاله وسنه ومزاجه وما ~~تحتمله بنيته من الرياضة ويبني على ذلك رياضته فإن كان المريد مبتدئا جاهلا ~~بحدود الشرع فيعلمه أولا الطهارة والصلاة وظواهر العبادات وإن كان مشغولا ~~بمال حرام أو مقارفا لمعصية فيأمره أولا بتركها فإذا تزين ظاهره بالعبادات ~~وطهر عن المعاصي الظاهرة جوارحه نظر بقرائن الأحوال إلى باطنه ليتفطن ms1277 ~~لأخلاقه وأمراض قلبه فإن رأى معه مالا فاضلا عن قدر ضرورته أخذه منه وصرفه ~~إلى الخيرات وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه وإن رأى الرعونة والكبر وعزة ~~النفس غالبة عليه فيأمره أن يخرج إلى الأسواق للكدية والسؤال فإن عزة النفس ~~والرياسة لا تنكسر إلا بالذل ولا ذل أعظم من ذل السؤال فيكلفه المواظبة على ~~ذلك مدة حتى ينكسر كبره وعز نفسه فإن الكبر من الأمراض المهلكة وكذلك ~~الرعونة وإن رأى الغالب عليه النظافة في البدن والثياب ورأى قلبه مائلا إلى ~~ذلك فرحا به ملتفتا إليه استخدمه في تعهد بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع ~~القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان حتى تتشوش عليه رعونته في النظافة فإن ~~الذين ينظفون ثيابهم ويزينونها ويطلبون المرقعات النظيفة والسجادات الملونة ~~لا فرق بينهم وبين العروس التي تزين نفسها طول النهار فلا فرق بين أن يعبد ~~الإنسان نفسه أو يعبد صنما فمهما عبد غير الله تعالى فقد حجب عن الله ومن ~~راعى في ثوبه شيئا سوى كونه حلالا وطاهرا مراعاة يلتفت إليها قلبه فهو ~~مشغول بنفسه PageV03P061 # ومن لطائف الرياضة إذا كان المريد لا يخسو بترك الرعونة رأسا أو بترك صفة ~~أخرى ولم يسمح بضدها دفعة فينبغي أن ينقله من الخلق المذموم إلى خلق مذموم ~~آخر أخف منه كالذي يغسل الدم بالبول ثم يغسل البول بالماء إذا كان الماء لا ~~يزيل الدم كما يرغب الصبي في المكتب باللعب بالكرة والصولجان وما أشبهه ثم ~~ينقل من اللعب إلى الزينة وفاخر الثياب ثم ينقل من ذلك بالترغيب في الرياسة ~~وطلب الجاه ثم ينقل من الجاه بالترغيب في الآخرة فكذلك من لم تسمح نفسه ~~بترك الجاه دفعة فلينقل إلى جاه أخف منه وكذلك سائر الصفات وكذلك إذا رأى ~~شره الطعام غالبا عليه ألزمه الصوم وتقليل الطعام ثم يكلفه أن يهيءالأطعمة ~~اللذيذة ويقدمها إلى غيره وهو لا يأكل منها حتى يقوي بذلك نفسه فيتعود ~~الصبر وينكسر شرهه وكذلك إذا رآه شابا متشوقا إلى النكاح وهو عاجز عن الطول ~~فيأمره بالصوم وربما ms1278 لا تسكن شهوته بذلك فيأمره أن يفطر ليلة على الماء دون ~~الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم والأدم رأسا حتى تذل نفسه ~~وتنكسر شهوته فلا علاج في مبدأ الإرادة أنفع من الجوع وإن رأى الغضب غالبا ~~عليه ألزمه الحلم والسكوت وسلط عليه من يصبحه ممن فيه سوء خلق ويلزمه خدمة ~~من ساء خلقه حتى يمرن نفسه على الاحتمال معه # كما حكي عن بعضهم أنه كان يعود نفسه الحلم ويزيل عن نفسه شدة الغضب فكان ~~يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس ويكلف نفسه الصبر ويكظم غيظه حتى صار ~~الحلم عادة له بحيث كان يضرب به المثل وبعضهم كان يستشعر في نفسه الجبن ~~وضعف القلب فأراد أن يحصل لنفسه خلق الشجاعة فكان يركب البحر في الشتاء عند ~~اضطراب الأمواج وعباد الهند يعالجون الكسل عن العبادة بالقيام طول الليل ~~على نصبة واحدة وبعض الشيوخ في ابتداء إرادته كان يكسل عن القيام فألزم ~~نفسه القيام على رأسه طول الليل ليسمح بالقيام على الرجل عن طوع وعالج ~~بعضهم حب المال بأن باع جميع ماله ورمى به في البحر إذ خاف من تفرقته على ~~الناس رعونة الجود والرياء بالبذل # فهذه الأمثلة تعرفك طريق معالجة القلوب وليس غرضنا ذكر دواء كل مرض فإن ~~ذلك سيأتي في بقية الكتب وإنما غرضنا الآن التنبيه على أن الطريق الكلي فيه ~~سلوك مسلك المضاد لكل ما تهواه النفس وتميل إليه وقد جمع الله ذلك كله في ~~كتابه العزيز في كملة واحدة فقال تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن ~~الهوى فإن الجنة هي المأوى والأصل المهم في المجاهدة الوفاء بالعزم فإذا ~~عزم على ترك شهوة فقد تيسرت أسبابها ويكون ذلك ابتلاء من الله تعالى ~~واختبارا فينبغي أن يصبر ويستمر فإنه إن عود نفسه ترك العزم ألفت ذلك ففسدت ~~وإذا اتفق منه نقض عزم فينبغي أن يلزم نفسه عقوبة عليه كما ذكرناه في ~~معاقبة النفس في كتاب المحاسبة والمراقبة وإذا لم يخوف النفس بعقوبة غلبته ~~وحسنت عنده ms1279 تناول الشهوة فتفسد بها الرياضة بالكلية ### ||| بيان علامات أمراض القلوب وعلامات عودها إلى الصحة # اعلم أن كل عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاص به وإنما مرضه أن يتعذر عليه ~~فعله الذي خلق له حتى لا يصدر منه أصلا أو يصدر منه مع نوع من الاضطراب ~~فمرض اليد أن يتعذر عليها البطش ومرض العين أن يتعذر عليها الإبصار وكذلك ~~مرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خلق لأجله وهو العلم والحكمة ~~والمعرفة وحب الله تعالى وعبادته والتلذذ بذكره وإيثاره ذلك على كل شهوة ~~سواه والاستعانة بجميع الشهوات والأعضاء عليه قال الله تعالى وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون ففي كل عضو فائدة وفائدة القلب الحكمة والمعرفة وخاصة PageV03P062 # النفس التي للآدمي ما يتميز بها عن البهائم فإنه لم يتميز عنها بالقوة ~~على الأكل والوقاع والإبصار أو غيرها بل بمعرفة الأشياء على ما هي عليه ~~وأصل الأشياء وموجدها ومخترعها هو الله عز وجل الذي جعلها أشياء فلو عرف كل ~~شيء ولم يعرف الله عز وجل فكأنه لم يعرف شيئا وعلامة المعرفة المحبة فمن ~~عرف الله تعالى أحبه وعلامة المحبة أن لا يؤثر عليه الدنيا ولا غيرها من ~~المحبوبات كما قال الله تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~إلى قوله أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره فمن عنده شيء أحب إليه من الله فقلبه مريض كما أن كل معدة صار الطين ~~أحب إليها من الخبز والماء أو سقطت شهوتها عن الخبز والماء فهي مريضة فهذه ~~علامات المرض وبهذا يعرف أن القلوب كلها مريضة إلا ما شاء الله إلا أن من ~~الأمراض ما لا يعرفها صاحبها ومرض القلب مما لا يعرفه صاحبه فلذلك يغفل عنه ~~وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه فإن دواءه مخالفة الشهوات وهو نزع ~~الروح فإن وجد من نفسه قوة الصبر عليه لم يجد طبيبا حاذقا يعالجه فإن ~~الأطباء هم العلماء وقد استولى عليهم المرض فالطبيب المريض قلما ms1280 يلتفت إلى ~~علاجه فلهذا صار الداء عضالا والمرض مزمنا واندرس هذا العلم وأنكر بالكلية ~~طب القلوب وأنكر مرضها وأقبل الخلق على حب الدنيا وعلى أعمال ظاهرها عبادات ~~وباطنها عادات ومراءات فهذه علامات أصول الأمراض # وأما علامات عودها إلى الصحة بعد المعالجة فهو أن ينظر في العلة التي ~~يعالجها فإن كان يعالج داء البخل فهو المهلك المبعد عن الله عز وجل وإنما ~~علاجه ببذل المال وإنفاقه ولكنه قد يبذل المال إلى حد يصير به مبذرا فيكون ~~التبذير أيضا داء فكان كمن يعالج البرودة بالحرارة حتى تغلب الحرارة فهو ~~أيضا داء بل المطلوب الاعتدال بين الحرارة والبرودة وكذلك المطلوب الاعتدال ~~بين التبذير والتقتير حتى يكون على الوسط وفي غاية من البعد عن الطرفين إن ~~أردت أن تعرف الوسط فانظر إلى الفعل الذي يوجبه الخلق المحذور فإن كان أسهل ~~عليك وألذ من الذي يضاده فالغالب عليك ذلك الخلق الموجب له مثل أن يكون ~~إمساك المال وجمعه ألذ عندك وأيسر عليك من بذله لمستحقه فاعلم أن الغالب ~~عليك خلق البخل فزد في المواظبة على البذل فإن صار البذل على غير المستحق ~~ألذ عندك وأخف عليك من الإمساك بالحق فقد غلب عليك التبذير فارجع إلى ~~المواظبة على الإمساك فلا تزال تراقب نفسك وتستدل على خلقك بتيسير الأفعال ~~وتعسيرها حتى تنقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى المال فلا تميل إلى بذله ~~ولا إلى إمساكه بل يصير عندك كالماء فلا تطلب فيه إلا إمساكه لحاجة محتاج ~~أو بذله لحاجة محتاج ولا يترجح عندك البذل على الإمساك فكل قلب صار كذلك ~~فقد أتى الله سليما عن هذا المقام خاصة ويجب أن يكون سليما عن سائر الأخلاق ~~حتى لا يكون له علاقة بشيء مما يتعلق بالدنيا حتى ترتحل النفس عن الدنيا ~~منقطعة العلائق منها غير ملتفتة إليها ولا متشوقة إلى أسبابها فعند ذلك ~~ترجع إلى ربها رجوع النفس المطمئنة راضية مرضية داخلة في زمرة عباد الله ~~المقربين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # ولما كان الوسط الحقيقي ms1281 بين الطرفين في غاية الغموض بل هو أدق من الشعر ~~وأحد من السيف فلا جرم أن من استوى على هذا الصراط المستقيم في الدنيا جاز ~~على مثل هذا الصراط في الآخرة وقلما ينفك العبد عن ميل عن الصراط المستقيم ~~أعني الوسط حتى لا يميل إلى أحد الجانبين فيكون قلبه معلقا بالجانب الذي ~~مال إليه PageV03P063 # ولذلك لا ينفك عن عذاب ما واجتياز على النار وإن كان مثل البرق قال الله ~~تعالى وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا أي ~~الذين كان قربهم إلى الصراط المستقيم أكثر من بعدهم عنه ولأجل عسر ~~الاستقامة وجب على كل عبد أن يدعو الله تعالى في كل يوم سبع عشرة مرة في ~~قوله اهدنا الصراط المستقيم إذ وجب قراءة الفاتحة في كل ركعة # فقد روي أن بعضهم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال قد ~~قلت يا رسول الله شيبتني هود فلم قلت ذلك فقال عليه السلام لقوله تعالى ~~فاستقم كما أمرت فالاستقامة على سواء السبيل في غاية الغموض ولكن ينبغي أن ~~يجتهد الإنسان في القرب من الاستقامة إن لم يقدر على حقيقتها فكل من أراد ~~النجاة فلا نجاة له إلا بالعمل الصالح ولا تصدر الأعمال الصالحة إلا عن ~~الأخلاق الحسنة فليتفقد كل عبد صفاته وأخلاقه وليعددها وليشتغل بعلاج واحد ~~واحد فيها على الترتيب فنسأل الله الكريم أن يجعلنا من المتقين ### ||| بيان الطريق الذي يعرف به الإنسان عيوب نفسه # اعلم أن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه فمن كانت بصيرته ~~نافذة لم تخف عليه عيوبه فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج ولكن أكثر الخلق ~~جاهلون بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين ~~نفسه فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق # الأول أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس مطلع على خفايا الآفات ~~ويحكمه في نفسه ويتبع إشارته في مجاهدته وهذا شأن المريد مع شيخه والتلميذ ms1282 ~~مع أستاذه فيعرفه أستاذه وشيخه عيوب نفسه ويعرفه طريق علاجه وهذا قد عز في ~~الزمان وجوده # الثاني أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا فينصبه رقيبا على نفسه ليلاحظ ~~أحواله وأفعاله فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الباطنة والظاهرة ينبهه ~~عليه فهكذا كان يفعل الأكياس والأكابر من أئمة الدين # كان عمر رضي الله عنه يقول رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي وكان يسأل سلمان ~~عن عيوبه فلما قدم عليه قال له ما الذي بلغك عني مما تكرهه فاستعفى فألح ~~عليه فقال بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة وأن لك حلتين حلة بالنهار ~~وحلة بالليل قال وهل بلغك غير هذا قال لا فقال أما هذان فقد كفيتهما وكان ~~يسأل حذيفة ويقول له أنت صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~المنافقين فهل ترى علي شيئا من آثار النفاق فهو على جلالة قدره وعلو منصبه ~~هكذا كانت تهمته لنفسه رضي الله عنه # فكل من كان أوفر عقلا وأعلى منصبا كان أقل إعجابا وأعظم اتهاما لنفسه إلا ~~أن هذا أيضا قد عز فقل في الأصدقاء من يترك المداهنة فيخبر بالعيب أو يترك ~~الحسد فلا يزيد على قدر الواجب فلا تخلو في أصدقائك عن حسود أو صاحب غرض ~~يرى ما ليس بعيب عيبا أو عن مداهن يخفي عنك بعض عيوبك # ولهذا كان داود الطائي قد اعتزل الناس فقيل له لم لا تخالط الناس فقال ~~وماذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي فكانت شهوة ذوي الدين أن يتنبهوا ~~لعيوبهم بتنبيه غيرهم وقد آل الأمر في أمثالنا إلى أن أبغض الخلق إلينا من ~~ينصحنا ويعرفنا عيوبنا ويكاد هذا أن يكون مفصحا عن ضعف الإيمان فإن الأخلاق ~~السيئة حيات وعقارب لداغة فلو نبهنا منبه على أن تحت ثوبنا عقربا لتقلدنا ~~منه منة وفرحنا به واشتغلنا بإزالة العقرب وإبعادها وقتلها وإنما نكايتها ~~على البدن ويدوم ألمها يوما فما دونه ونكاية الأخلاق الرديئة على صميم ~~القلب أخشى أن تدوم PageV03P064 # بعد الموت أبدا وآلافا من السنين ثم إنا لا ms1283 نفرح بمن ينبهنا عليها ولا ~~نشتغل بإزالتها بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثل مقالته فنقول له وأنت أيضا ~~تصنع كيت وكيت وتشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنصحه ويشبه أن يكون ذلك من ~~قساوة القلب التي أثمرتها كثرة الذنوب وأصل كل ذلك ضعف الإيمان # فنسأل الله عز وجل أن يلهمنا رشدنا ويبصرنا بعيوبنا ويشغلنا بمداواتها ~~ويوفقنا للقيام بشكر من يطلعنا على مساوينا بمنه وفضله # الطريق الثالث أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه فإن عين السخط ~~تبدي المساويا ولعل انتفاع الإنسان بعدو مشاحن يذكره عيوبه أكثر من انتفاعه ~~بصديق مداهن يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه عيوبه إلا أن الطبع مجبول على ~~تكذيب العدو وحمل ما يقوله على الحسد ولكن البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول ~~أعدائه فإن مساويه لا بد وأن تنتشر على ألسنتهم # الطريق الرابع أن يخالط الناس فكل ما رآه مذموما فيما بين الخلق فليطالب ~~نفسه به وينسبها إليه فإن المؤمن مرآة المؤمن فيرى من عيوب غيره عيوب نفسه ~~ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى فما يتصف به واحد من الأقران لا ~~ينفك القرن الآخر عن أصله أو عن أعظم منه أو عن شيء منه فليتفقد نفسه ~~ويطهرها من كل ما يذمه من غيره وناهيك بهذا تأديبا فلو ترك الناس كلهم ما ~~يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدب # قيل لعيسى عليه السلام من أدبك قال ما أدبني أحد رأيت جهل الجاهل شينا ~~فاجتنبته وهذا كله حيل من فقد شيخا عارفا ذكيا بصيرا بعيوب النفس مشفقا ~~ناصحا في الدين فارغا من تهذيب نفسه مشتغلا بتهذيب عباد الله تعالى ناصحا ~~لهم فمن وجد ذلك فقد وجد الطبيب فليلازمه فهو الذي يخلصه من مرضه وينجيه من ~~الهلاك الذي هو بصدده ### ||| بيان شواهد النقل من أرباب البصائر وشواهد الشرع على أن الطريق في معالجة أمراض القلب ترك الشهوات وأن مادة أمراضها هي اتباع الشهوات # اعلم أن ما ذكرناه إن تأملته بعين الاعتبار انفتحت بصيرتك وانكشف لك علل ~~القلوب وأمراضها وأدويتها بنور العلم ms1284 واليقين # فإن عجزت عن ذلك فلا ينبغي أن يفوتك التصديق والإيمان على سبيل التلقي ~~والتقليد لمن يستحق التقليد فإن للإيمان درجة كما أن للعلم درجة والعلم ~~يحصل بعد الإيمان وهو وراءه قال الله تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات فمن صدق بأن مخالفة الشهوات هي الطريق إلى الله ~~عز وجل ولم يطلع على سببه وسره فهو من الذين آمنوا وإذا اطلع على ما ذكرناه ~~من أعوان الشهوات فهو من الذين أوتوا العلم وكلا وعد الله الحسنى # والذي يقتضي الإيمان بهذا الأمر في القرآن والسنة وأقاويل العلماء أكثر ~~من أن يحصر قال الله تعالى ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى وقال ~~تعالى أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى قيل نزع منها محبة الشهوات ~~وقال صلى الله عليه وسلم المؤمن بين خمس شدائد مؤمن يحسده ومنافق يبغضه ~~وكافر يقاتله وشيطان يضله ونفس تنازعه (1) فبين أن النفس عدو منازع يجب ~~عليه مجاهدتها # ويروى أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يا داود حذر وأنذر أصحابك ~~أكل الشهوات فإن القلوب PageV03P065 # المتعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة وقال عيسى عليه السلام طوبى ~~لمن ترك شهوة حاضرة لموعود غائب لم يره وقال نبينا صلى الله عليه وسلم لقوم ~~قدموا من الجهاد مرحبا بكم قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قيل ~~يا رسول الله وما الجهاد الأكبر قال جهاد النفس (1) وقال صلى الله عليه ~~وسلم المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل (2) حديث كف أذاك عن نفسك ~~ولا تتابع هواها في معصية الله الحديث لم أجده في هذا السيرة وقال سفيان ~~الثوري ما عالجت شيئا أشد علي من نفسي مرة لي ومرة علي وكان أبو العباس ~~الموصلي يقول لنفسه يا نفس لا في الدنيا مع أبناء الملوك تتنعمين ولا في ~~طلب الآخرة مع العباد تجتهدين كأني بك بين الجنة والنار تحبسين يا نفس ألا ~~تستحين وقال الحسن ما الدابة الجموح بأحوج إلى اللجام الشديد من نفسك # وقال ms1285 يحيى بن معاذ الرازي جاهد نفسك بأسياف الرياضة والرياضة على أربع ~~أوجه القوت من الطعام والغمض من المنام والحاجة من الكلام وحمل الأذى من ~~جميع الأنام فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات ومن قلة المنام صفو الإرادات ~~ومن قلة الكلام السلامة من الآفات ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات ~~وليس على العبد شيء أشد من الحلم عند الجفاء والصبر على الأذى وإذا تحركت ~~من النفس إرادة الشهوات والآثام وهاجت منها حلاوة فضول الكلام جردت سيوف ~~قلة الطعام من غمد التهجد وقلة المنام وضربتها بأيدي الخمول وقلة الكلام ~~حتى تنقطع عن الظلم والانتقام فتأمن من بوائقها من بين سائر الأنام وتصفيها ~~من ظلمة شهواتها فتنجو من غوائل آفاتها فتصير عند ذلك نظيفة ونورية خفيفة ~~روحانية فتجول في ميدان الخيرات وتسير في مسالك الطاعات كالفرس الفارة في ~~الميدان وكالملك المتنزه في البستان # وقال أيضا أعداء الإنسان ثلاثة دنياه وشيطانه ونفسه فاحترس من الدنيا ~~بالزهد فيها ومن الشيطان بمخالفته ومن النفس بترك الشهوات # قال بعض الحكماء من استولت عليه النفس صار أسيرا في حب شهواتها محصورا في ~~سجن هواها مقهورا مغلولا زمامه في يدها تجره حيث شاءت فتمنع قلبه من ~~الفوائد وقال جعفر بن حميد أجمعت العلماء والحكماء على أن النعيم لا يدرك ~~إلا بترك النعيم وقال أبو يحيى الوراق من أرضى الجوارح بالشهوات فقد غرس في ~~قلبه شجر الندامات وقال وهيب بن الورد ما زاد على الخبز فهو شهوة وقال أيضا ~~من أحب شهوات الدنيا فليتهيأ للذل # ويروى أن امرأة العزيز قالت ليوسف عليه السلام بعد أن ملك خزائن الأرض ~~وقعدت له على رابية الطريق في يوم موكبه وكان يركب في زهاء اثني عشر ألفا ~~من عظماء مملكته سبحان من جعل الملوك عبيدا بالمعصية وجعل العبيد ملوكا ~~بطاعتهم له إن الحرص والشهوة صيرا الملوك عبيدا وذلك جزاء المفسدين وإن ~~الصبر والتقوى صيرا العبيد ملوكا فقال يوسف كما أخبر الله تعالى عنه {إنه ~~من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} # وقال ms1286 الجنيد أرقت ليلة فقمت إلى وردي فلم أجد الحلاوة التي كنت أجدها ~~فأردت أن أنام فلم أقدر فجلست فلم أطق الجلوس فخرجت فإذا رجل ملتف في عباءة ~~مطروح على الطريق فلما أحس بي قال يا أبا القاسم إلى الساعة فقلت يا سيدي ~~من غير موعد قال بلى سألت الله عز وجل إن يحرك لي قلبك فقلت قد فعل فما ~~حاجتك قال فمتى يصير داء النفس دواءها فقلت إذا خالفت النفس هواها فأقبل ~~على نفسه فقال اسمعي فقد PageV03P066 # أجبتك بهذا سبع مرات فأبيت أن تسمعيه إلا من الجنيدها قد سمعتيه ثم انصرف ~~وما عرفته وقال يزيد الرقاشي إليكم عني الماء البارد في الدنيا لعلي لا ~~أحرمه في الآخرة # وقال رجل لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى متى أتكلم قال إذا اشتهيت ~~الصمت قال متى أصمت قال إذا اشتهيت الكلام # وقال علي رضي الله عنه من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات في الدنيا # وكان مالك بن دينار يطوف في السوق فإذا رأى الشيء يشتهيه قال لنفسه اصبري ~~فوالله ما أمنعك إلا من كرامتك علي # فإذن قد اتفق العلماء والحكماء على أن لا طريق إلى سعادة الآخرة إلا بنهي ~~النفس عن الهوى ومخالفة الشهوات فالإيمان بهذا واجب # وأما علم تفصيل ما يترك من الشهوات وما لا يترك فلا يدرك إلا بما قدمناه # وحاصل الرياضة وسرها أن لا تتمتع النفس بشيء مما لا يوجد في القبر إلا ~~بقدر الضرورة فيكون مقتصرا من الأكل والنكاح واللباس والمسكن وكل ما هو ~~مضطر إليه على قدر الحاجة والضرورة فإنه لو تمتع بشيء منه أنس به وألفه ~~فإذا مات تمنى الرجوع إلى الدنيا بسببه ولا يتمنى الرجوع إلى الدنيا إلا من ~~لا حظ له في الآخرة بحال ولا خلاص منه إلا بأن يكون القلب مشغولا بمعرفة ~~الله وحبه والتفكر فيه والانقطاع إليه ولا قوة على ذلك إلا بالله ويقتصر من ~~الدنيا على ما يدفع عوائق الذكر والفكر فقط # فمن لم يقدر على حقيقة ذلك فليقرب منه ms1287 والناس فيه أربعة # رجل مستغرق قلبه بذكر الله فلا يلتفت إلى الدنيا إلا في ضرورات المعيشة ~~فهو من الصديقين # ولا ينتهي إلى هذه الرتبة إلا بالرياضة الطويلة والصبر عن الشهوات مدة ~~مديدة # الثاني رجل استغرقت الدنيا قلبه ولم يبق لله تعالى ذكر في قلبه إلا من ~~حيث حديث النفس حيث يذكره باللسان لا بالقلب فهذا من الهالكين # والثالث رجل اشتغل بالدنيا والدين ولكن الغالب على قلبه هو الدين فهذا لا ~~بد له من ورود النار إلا أنه ينجو منها سريعا بقدر غلبة ذكر الله تعالى على ~~قلبه # والرابع رجل اشتغل بهما جميعا لكن الدنيا أغلب على قلبه فهذا يطول مقامه ~~في النار لكن يخرج منها لا محالة لقوة ذكر الله تعالى في قلبه وتمكنه من ~~صميم فؤاده وإن كان ذكر الدنيا أغلب على قلبه # اللهم إنا نعوذ بك من خزيك فإنك أنت المعاذ # وربما يقول القائل إن التنعم بالمباح مباح فكيف يكون التنعم سبب البعد من ~~الله عز وجل وهذا خيال ضعيف بل حب الدنيا رأس كل خطيئة وسبب إحباط كل حسنة ~~والمباح الخارج عن قدر الحاجة أيضا من الدنيا وهو سبب البعد وسيأتي ذلك في ~~كتاب ذم الدنيا وقد قال إبراهيم الخواص كنت مرة في جبل اللكام فرأيت رمانا ~~فاشتهيته فأخذت منه واحدة فشققتها فوجدتها حامضة فمضيت وتركتها فرأيت رجلا ~~مطروحا وقد اجتمعت عليه الزنابير فقلت السلام عليك فقال وعليك السلام يا ~~إبراهيم فقلت كيف عرفتني فقال من عرف الله عز وجل لم يخف عليه شيء فقلت أرى ~~لك حالا مع الله عز وجل فلو سألته أن يحميك من هذه الزنابير فقال وأرى لك ~~حالا مع الله تعالى فلو سألته أن يحميك من شهوة الرمان فإن لدغ الرمان يجد ~~الإنسان ألمه في الآخرة ولدغ الزنابير يجد ألمه في الدنيا فتركته ومضيت # وقال السري أنا منذ أربعين سنة تطالبني نفسي أن أغمس خبزة في دبس فما ~~أطعتها # فإذن لا يمكن إصلاح القلب لسلوك طريق الآخرة ما لم يمنع نفسه عن ms1288 التنعم ~~بالمباح فإن النفس إذا لم تمنع PageV03P067 # بعض المباحات طمعت في المحظورات فمن أراد حفظ لسانه عن الغيبة والفضول ~~فحقه أن يلزمه السكوت إلا عن ذكر الله وإلا عن المهمات في الدين حتى تموت ~~منه شهوة الكلام فلا يتكلم إلا بحق فيكون سكوته عبادة وكلامه عبادة # ومهما اعتادت العين رمي البصر إلى كل شيء جميل لم تتحفظ عن النظر إلى ما ~~لا يحل وكذلك سائر الشهوات لأن الذي يشتهى به الحلال هو بعينه الذي يشتهي ~~الحرام فالشهوة واحدة وقد وجب على العبد منعها من الحرام فإن لم يعودها ~~الاقتصاد على قدر الضرورة من الشهوات غلبته فهذه إحدى آفات المباحات ~~ووراءها آفات عظيمة أعظم من هذه وهو أن النفس تفرح بالتنعم في الدنيا وتركن ~~إليها وتطمئن إليها أشرا وبطرا حتى تصير ثملة كالسكران الذي لا يفيق من ~~سكره وذلك الفرح بالدنيا سم قاتل يسري في العروق فيخرج من القلب الخوف ~~والحزن وذكر الموت وأهوال يوم القيامة وهذا هو موت القلب قال الله تعالى ~~{ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} وقال تعالى {وما الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا متاع} وقال تعالى {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد} الآية وكل ذلك ذم لها فنسأل الله ~~السلامة # فأولو الحزم من أرباب القلوب جربوا قلوبهم في حال الفرح بمؤاتاة الدنيا ~~فوجدوها قاسية نفرة بعيدة التأثر عن ذكر الله واليوم الآخر وجربوها في حالة ~~الحزن فوجدوها لينة رقيقة صافية قابلة لأثر الذكر فعلموا أن النجاة في ~~الحزن الدائم والتباعد من أسباب الفرح والبطر ففطموها عن ملاذها وعودوها ~~الصبر عن شهواتها حلالها وحرامها وعلموا أن حلالها حساب وحرامها عقاب ~~ومتشابهها عتاب وهو نوع عذاب فمن نوقش الحساب في عرصات القيامة فقد عذب ~~فخلصوا أنفسهم من عذابها وتوصلوا إلى الحرية والملك الدائم في الدنيا ~~والآخرة بالخلاص من أسر الشهوات ورقها والأنس بذكر الله عز وجل والاشتغال ~~بطاعته وفعلوا بها ما يفعل بالبازي إذا قصد تأديبه ونقله من التوثب ~~والاستيحاش إلى الانقياد والتأديب ms1289 فإنه يحبس أولا في بيت مظلم وتخاط عيناه ~~حتى يحصل به الفطام عن الطيران في جو الهواء وينسى ما قد كان ألفه من طبع ~~الاسترسال ثم يرفق باللحم حتى يأنس بصاحبه ويألفه إلفا إذا دعاه أجابه ~~ومهما سمع صوته رجع إليه فكذلك النفس لا تألف ربها ولا تأنس بذكره إلا إذا ~~فطمت عن عادتها بالخلوة والعزلة أولا ليحفظ السمع والبصر عن المألوفات ثم ~~عودت الثناء والذكر والدعاء ثانيا في الخلوة حتى يغلب عليها الأنس بذكر ~~الله عز وجل عوضا عن الأنس بالدنيا وسائر الشهوات وذلك يثقل على المريد في ~~البداية ثم يتنعم به في النهاية كالصبي يفطم عن الثدي وهو شديد عليه إذا ~~كان لا يصبر عنه ساعة فلذلك يشتد بكاؤه وجزعه عند الفطام ويشتد نفوره عن ~~الطعام الذي يقدم إليه بدلا عن اللبن ولكنه إذا منع اللبن رأسا يوما فيوما ~~وعظم تعبه في الصبر عليه وغلبه الجوع تناول الطعام تكلفا ثم يصير له طبعا ~~فلورد بعد ذلك إلى الثدي لم يرجع إليه فيهجر الثدي ويعاف اللبن ويألف ~~الطعام وكذلك الدابة في الابتداء تنفر عن السرج واللجام والركوب فتحمل على ~~ذلك قهرا وتمنع عن السرج الذي ألفته بالسلاسل والقيود أولا ثم تأنس به بحيث ~~تترك في موضعها فتقف فيه من غير قيد فكذلك تؤدب النفس كما تؤدب الطير ~~والدواب وتأديبها بأن تمنع من النظر والأنس والفرح بنعيم الدنيا بل بكل ما ~~يزايلها بالموت إذ قيل له أحبب ما أحببت فإنك مفارقه فإذا علم أنه من أحب ~~شيئا يلزمه فراقه ويشقى لا محالة لفراقه شغل قلبه بحب ما لا يفارقه وهو ذكر ~~الله تعالى فإن ذلك يصحبه في القبر ولا يفارقه وكل ذلك يتم بالصبر أولا ~~أياما قلائل فإن العمر قليل بالإضافة إلى مدة حياة الآخرة وما من عاقل إلا ~~وهو راض باحتمال المشقة في سفر وتعلم صناعة وغيرها شهرا ليتنعم به سنة أو ~~دهرا وكل PageV03P068 # العمر بالإضافة إلى الأبد أقل من الشهر بالإضافة إلى عمر الدنيا فلا بد ~~من الصبر ms1290 والمجاهدة فعند الصباح يحمد القوم السرى وتذهب عنهم عمايات الكرى ~~كما قاله علي رضي الله عنه وطريق المجاهدة والرياضة لكل إنسان تختلف بحسب ~~اختلاف أحواله # والأصل فيه أن يترك كل واحد ما به فرحه من أسباب الدنيا فالذي يفرح ~~بالمال أو بالجاه أو بالقبول في الوعظ أو بالعز في القضاء والولاية أو ~~بكثرة الأتباع في التدريس والإفادة فينبغي أن يترك أولا ما به فرحه فإنه إن ~~منع عن شيء من ذلك وقيل له ثوابك في الآخرة لم ينقص بالمنع فكره ذلك وتألم ~~به فهو ممن فرح بالحياة الدنيا واطمأن بها وذلك مهلك في حقه ثم إذا ترك ~~أسباب الفرح فليعتزل الناس ولينفرد بنفسه وليراقب قلبه حتى لا يشتغل إلا ~~بذكر الله تعالى والفكر فيه وليترصد لما يبدو في نفسه من شهوة ووسواس حتى ~~يقمع مادته مهما ظهر فإن لكل وسوسة سببا ولا تزول إلا بقطع ذلك السبب ~~والعلاقة وليلازم ذلك بقية العمر فليس للجهاد آخر إلا بالموت ### ||| بيان علامات حسن الخلق # اعلم أن كل إنسان جاهل بعيوب نفسه فإذا جاهد نفسه أدنى مجاهدة حتى ترك ~~فواحش المعاصي ربما يظن بنفسه أنه هذب نفسه وحسن خلقه واستغنى عن المجاهدة ~~فلا بد من إيضاح علامة حسن الخلق فإن حسن الخلق هو الإيمان وسوء الخلق هو ~~النفاق وقد ذكر الله تعالى صفات المؤمنين والمنافقين في كتابه وهي بجملتها ~~ثمرة حسن الخلق وسوء الخلق فلنورد جملة من ذلك لتعلم آية حسن الخلق قال ~~الله تعالى {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن ~~اللغو معرضون} إلى قوله {أولئك هم الوارثون} وقال عز وجل {التائبون ~~العابدون الحامدون} إلى قوله {وبشر المؤمنين} وقال عز وجل {إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} إلى قوله {أولئك هم المؤمنون حقا} وقال ~~تعالى {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون ~~قالوا سلاما} إلى آخر السورة من أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات ~~فوجود جميع هذه الصفات علامة حسن الخلق وفقد ms1291 جميعها علامة سوء الخلق ووجود ~~بعضها دون بعض يدل على البعض دون البعض فليشتغل بتحصيل ما فقده وحفظ ما ~~وجده وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن بصفات كثيرة وأشار ~~بجميعها إلى محاسن الأخلاق فقال المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه (1) وقال ~~عليه السلام من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه (2) وقال صلى الله ~~عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره (3) وقال من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت (4) حديث أكمل المؤمنين ~~إيمانا أحسنهم خلقا تقدم غير مرة (5) حديث إذا رأيتم المؤمن صموتا وقورا ~~فادنوا منه فإنه يلقن الحكمة أخرجه ابن ماجه من حديث أبي خلاد بلفظ إذا ~~رأيتم الرجل قد أعطى زهدا في الدنيا وقلة منطق // وقال من سرته حسنته ~~PageV03P069 # وساءته سيئته فهو مؤمن (1) وقال لا يحل لمؤمن أن يشير إلى أخيه بنظرة ~~تؤذيه (2) وقال صلى الله عليه وسلم لا يحل لمسلم أن يروع مسلما (3) وقال ~~صلى الله عليه وسلم إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله عز وجل فلا يحل ~~لأحدهما أن يفشي على أخيه ما يكرهه (4) وجمع بعضهم علامات حسن الخلق فقال ~~هو أن يكون كثير الحياء قليل الأذى كثير الصلاح صدوق اللسان قليل الكلام ~~كثير العمل قليل الزلل قليل الفضول برا وصولا وقورا صبورا شكورا رضيا حليما ~~رفيقا عفيفا شفيقا لا لعانا ولا سبابا ولا نماما ولا مغتابا ولا عجولا ولا ~~حقودا ولا بخيلا ولا حسودا بشاشا هشاشا يحب في الله ويبغض في الله ويرضى في ~~الله ويغضب في الله فهذا هو حسن الخلق وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن علامة المؤمن والمنافق فقال إن المؤمن همته في الصلاة والصيام والعبادة ~~والمنافق همته في الطعام والشراب كالبهيمة (5) وقال حاتم الأصم المؤمن ~~مشغول بالفكر والعبر والمنافق مشغول بالحرص والأمل والمؤمن آيس من كل أحد ~~إلا من الله والمنافق راج كل أحد إلا الله والمؤمن آمن من كل أحد إلا من ~~الله والمنافق خائف من كل أحد إلا من ms1292 الله والمؤمن يقدم ماله دون دينه ~~والمنافق يقدم دينه دون ماله والمؤمن يحسن ويبكي والمنافق يسيء ويضحك ~~والمؤمن يحب الخلوة والوحدة والمنافق يحب الخلطة والملأ والمؤمن يزرع ويخشى ~~الفساد والمنافق يقلع ويرجو الحصاد والمؤمن يأمر وينهى للسياسة فيصلح ~~والمنافق يأمر وينهى للرياسة فيفسد # وأولى ما يمتحن به حسن الخلق الصبر على الأذى واحتمال الجفاء ومن شكا من ~~سوء خلق غيره دل ذلك على سوء خلقه فإن حسن الخلق احتمال الأذى فقد روي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يمشي ومعه أنس فأدركه أعرابي فجذبه ~~جذبا شديدا وكان عليه برد نجراني غليظ الحاشية قال أنس رضي الله عنه حتى ~~نظرت إلى عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت فيه حاشية البرد من شدة ~~جذبه فقال يا محمد هب لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وضحك ثم أمر بإعطائه (6) ولما أكثرت قريش إيذاءه وضربه قال ~~اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون (7) قيل إن هذا يوم أحد فلذلك أنزل الله ~~تعالى {وإنك لعلى خلق عظيم} ويحكى أن إبراهيم بن أدهم خرج يوما إلى بعض ~~البراري فاستقبله رجل جندي فقال أنت عبد قال نعم فقال له أين العمران فأشار ~~إلى المقبرة فقال الجندي إنما أردت العمران فقال هو المقبرة فغاظه ذلك فضرب ~~رأسه بالسوط فشجه ورده إلى البلد فاستقبله أصحابه فقالوا ما الخبر فأخبرهم ~~الجندي ما قال له فقالوا هذا إبراهيم بن أدهم فنزل الجندي عن فرسه وقبل ~~يديه ورجليه وجعل يعتذر إليه فقيل بعد ذلك له لم قلت له أنا عبد فقال إنه ~~لم يسألني عبد من أنت بل قال أنت عبد فقلت نعم لأني عبد الله فلما ضرب رأسي ~~سألت PageV03P070 # الله له الجنة قيل كيف وقد ظلمك فقال علمت أنني أوجر على ما نالني منه ~~فلم أرد يكون نصيبي منه الخير ونصيبه مني الشر # ودعى أبو عثمان الحيري إلى دعوة وكان الداعي قد أراد تجربته فلما بلغ ~~منزله قال ms1293 له ليس لي وجه فرجع أبو عثمان فلما ذهب غير بعيد دعاه ثانيا فقال ~~له يا أستاذ ارجع فرجع أبو عثمان فقال له مثل مقالته الأولى فرجع ثم دعاه ~~الثالثة وقال ارجع على ما يوجب الوقت فرجع فلما بلغ الباب فإن له مثل ~~مقالته الأولى فرجع أبو عثمان ثم جاءه الرابعة فرده حتى عامله بذلك مرات ~~وأبو عثمان لا يتغير من ذلك فأكب على رجليه وقال يا أستاذ إنما أردت أن ~~أختبرك فما أحسن خلقك فقال إن الذي رأيت مني هو خلق الكلب إن الكلب إذا دعي ~~أجاب وإذا زجر انزجر وروي عنه أيضا أنه اجتاز يوما في سكة فطرحت عليه إجانة ~~رماد فنزل عن دابته فسجد سجدة الشكر ثم جعل ينفض الرماد عن ثيابه ولم يقل ~~شيئا فقيل ألا زبرتهم فقال إن من استحق النار فصولح على الرماد لم يجز له ~~أن يغضب وروي أن علي بن موسى الرضا رحمة الله عليه كان لونه يميل إلى ~~السواد إذ كانت أمه سوداء وكان بنيسابور حمام على باب داره وكان إذا أراد ~~دخول الحمام فرغه له الحمامي فدخل ذات يوم فأغلق الحمامي الباب ومضى في بعض ~~حوائجه فتقدم رجل رستاقي إلى باب الحمام ففتحه ودخل فنزع ثيابه ودخل فرأى ~~علي بن موسى الرضا فظن أنه بعض خدام الحمام فقال له قم واحمل إلي الماء ~~فقام علي بن موسى وامتثل جميع ما كان يأمره به فرجع الحمامي فرأى ثياب ~~الرستاقي وسمع كلامه مع علي بن موسى الرضا فخاف وهرب وخلاهما فلما خرج علي ~~بن موسى سأل عن الحمامي فقيل له إنه خاف مما جرى فهرب قال لا ينبغي له أن ~~يهرب إنما الذنب لمن وضع ماءه عند أمة سوداء وروي أن أبا عبد الله الخياط ~~كان يجلس على دكانه وكان له حريف مجوسي يستعمله في الخياطة فكان إذا خاط له ~~شيئا حمل إليه دراهم زائفة فكان أبو عبد الله يأخذ منه ولا يخبره بذلك ولا ~~يردها عليه فاتفق يوما أن أبا عبد ms1294 الله قام لبعض حاجته فأتى المجوسي فلم ~~يجده فدفع إلى تلميذه الأجرة واسترجع ما قد خاطه فكان درهما زئفا فلما نظر ~~إليه التلميذ عرف أنه زائف فرده عليه فلما عاد أبو عبد الله أخبره بذلك ~~فقال بئس ما عملت هذا المجوسي يعاملني بهذه المعاملة منذ سنة وأنا أصبر ~~عليه وآخذ الدراهم منه وألقيها في البئر لئلا يغر بها مسلما وقال يوسف بن ~~أسباط علامة حسن الخلق عشر خصال قلة الخلاف وحسن الإنصاف وترك طلب العثرات ~~وتحسين ما يبدو من السيئات والتماس المعذرة واحتمال الأذى والرجوع بالملامة ~~على النفس والتفرد بمعرفة عيوب نفسه دون عيوب غيره وطلاقة الوجه للصغير ~~والكبير ولطف الكلام لمن دونه ولمن فوقه وسئل سهل عن حسن الخلق فقال أدناه ~~احتمال الأذى وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه # وقيل للأحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم فقال من قيس بن عاصم قيل ما وبلغ من ~~حلمه قال بينما هو جالس في داره إذ أتته جارية له بسفود عليه شواء فسقط من ~~يدها فوقع على ابن له صغير فمات فدهشت الجارية فقال لها لا روع عليك أنت ~~حرة لوجه الله تعالى فقيل أن أويسا القرني كان إذا رآه الصبيان يرمونه ~~بالحجارة فكان يقول لهم يا إخوتاه إن كان ولا بد فارموني بالصغار حتى لا ~~تدموا ساقي فتمنعوني عن الصلاة وشتم رجل الأحنف بن قيس وهو لا يجيبه وكان ~~يتبعه فلما قرب من الحي وقف وقال إن كان قد بقي في نفسك شيء فقله كي لا ~~يسمعك بعض سفهاء الحي فيؤذوك وروي أن عليا كرم الله وجهه دعا غلاما فلم ~~يجبه فدعاه ثانيا وثالثا فلم يجبه فقام إليه فرآه مضطجعا فقال أما تسمع يا ~~غلام قال بلى قال فما حملك على ترك إجابتي قال أمنت عقوبتك فتكاسلت فقال ~~امض فأنت حر لوجه الله تعالى وقالت امرأة لمالك بن دينار رحمه الله PageV03P071 # يا مرائي فقال يا هذه وجدت اسمي الذي أضله أهل البصرة # وكان ليحيى بن زياد الحارثي غلام سوء ms1295 فقيل له لم تمسكه فقال لأتعلم الحلم ~~عليه # فهذه نفوس قد ذللت بالرياضة فاعتدلت أخلاقها ونقيت من الغش والغل والحقد ~~بواطنها فأثمرت الرضا بكل ما قدره الله تعالى وهو منتهى حسن الخلق # فإن من يكره فعل الله تعالى ولا يرضى به فهو غاية سوء خلقه فهؤلاء ظهرت ~~العلامات على ظواهرهم كما ذكرناه # فمن لم يصادف من نفسه هذه العلامات فلا ينبغي أن يغتر بنفسه فيظن بها حسن ~~الخلق بل ينبغي أن يشتغل بالرياضة والمجاهدة إلى أن يبلغ درجة حسن الخلق ~~فإنها درجة رفيعة لا ينالها إلا المقربون والصديقون ### ||| بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول نشوهم ووجه تأديبهم وتحسين أخلاقهم # اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها والصبيان أمانة ~~عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة وهو قابل ~~لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه ~~وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبوه وكل معلم له ومؤدب وإن عود ~~الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي ~~له وقد قال الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} ~~ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى وصيانته ~~بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من القرناء السوء ولا يعوده ~~التنعم ولا يحبب إليه الزينة والرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك ~~هلاك الأبد بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه ~~إلا امرأة متدينة تأكل الحلال فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه فإذا ~~وقع عليه نشو الصبي انعجنت طينته من الخبيث فيميل طبعه إلى ما يناسب ~~الخبائث ومهما رأى فيه مخايل التمييز فينبغي أن يحسن مراقبته وأول ذلك ظهور ~~أوائل الحياء فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا ~~لإشراق نور العقل عليه حتى يرى بعض الأشياء قبيحا ومخالفا للبعض ms1296 فصار يستحي ~~من شيء دون شيء وهذه هدية من الله تعالى إليه وبشارة تدل على اعتدال ~~الأخلاق وصفاء القلب وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ فالصبي المستحي لا ~~ينبغي أن يهمل بل يستعان على تأديبه بحيائه أو تمييزه وأول ما يغلب عليه من ~~الصفات شره الطعام فينبغي أن يؤدب فيه مثل أن لا يأخذ الطعام إلا بيمينه ~~وأن يقول عليه بسم الله عند أخذه وأن يأكل مما يليه وأن لا يبادر إلى ~~الطعام قبل غيره وأن لا يحدق النظر إليه ولا إلى من يأكل وأن لا يسرع في ~~الأكل وأن يجيد المضغ وأن لا يوالي بين اللقم ولا يلطخ يده ولا ثوبه وأن ~~يعود الخبز القفار في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث يرى الأدم حتما ويقبح ~~عنده كثرة الأكل بأن يشبه كل من يكثر الأكل بالبهائم وبأن يذم بين يديه ~~الصبي الذي يكثر الأكل ويمدح عنده الصبي المتأدب القليل الأكل وأن يحبب ~~إليه الإيثار بالطعام وقلة المبالاة به والقناعة بالطعام الخشن أي طعام كان ~~وأن يحبب إليه من الثياب البيض دون الملون والإبريسم ويقرر عنده أن ذلك شأن ~~النساء والمخنثين وأن الرجال يستنكفون منه ويكرر ذلك عليه ومهما رأى على ~~صبي ثوبا من إبريسم أو ملون فينبغي أن يستنكره ويذمه ويحفظ الصبي عن ~~الصبيان الذين عودوا التنعم والرفاهية ولبس الثياب الفاخرة وعن مخالطة كل ~~من يسمعه ما يرغبه فيه فإن الصبي مهما أهمل في ابتداء نشوه خرج في الأغلب ~~رديء الأخلاق كذابا حسودا سروقا نماما لحوحا ذا فصول وضحك وكياد ومجانة ~~وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب PageV03P072 # ثم يشتغل في المكتب فيتعلم القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار ~~وأحوالهم لينغرس في نفسه حب الصالحين ويحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق ~~وأهله ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظرف ورقة الطبع ~~فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذر الفساد # ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود فينبغي أن يكرم عليه ويجازى ~~عليه بما يفرح ms1297 به ويمدح بين أظهر الناس فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة ~~واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره ولا يكاشفه ولا يظهر له أنه ~~يتصور أن يتجاسروا أحد على مثله ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه ~~فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة فعند ذلك إن ~~عاد ثانيا فينبغي أن يعاتب سرا ويعظم الأمر فيه ويقال له إياك أن تعود بعد ~~ذلك لمثل هذا وأن يطلع عليك في مثل هذا فتفتضح بين الناس ولا تكثر القول ~~عليه بالعتاب في كل حين فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح ويسقط ~~وقع الكلام من قلبه وليكن الأب حافظا هيبة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحيانا ~~والأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح وينبغي أن يمنع عن النوم نهارا فإنه ~~يورث الكسل ولا يمنع منه ليلا ولكن يمنع الفرش الوطيئة حتى تتصلب أعضاؤه ~~ولا يسمن بدنه فلا يصبر عن التنعم بل يعود الخشونة في المفرش والملبس ~~والمطعم وينبغي أن يمنع من كل ما يفعله في خفية فإنه لا يخفيه إلا وهو ~~يعتقد أنه قبيح فإذا ترك تعود فعل القبيح ويعود في بعض النهار المشي ~~والحركة والرياضة حتى لا يغلب عليه الكسل ويعود أن لا يكشف أطرافه ولا يسرع ~~المشي ولا يرخي يديه بل يضمها إلى صدره ويمنع من أن يفتخر على أقرانه بشيء ~~مما يملكه والداه أو بشيء من مطاعمه وملابسه أو لوحه ودواته بل يعود ~~التواضع والإكرام لكل من عاشره والتلطف في الكلام معهم ويمنع من أن يأخذ من ~~الصبيان شيئا بدا له حشمة إن كان من أولاد المحتشمين بل يعلم أن الرفعة في ~~الإعطاء لا في الأخذ وأن الأخذ لؤم وخسة ودناءة وإن كان من أولاد الفقراء ~~فليعلم أن الطمع والأخذ مهانة وذلة وأن ذلك من دأب الكلب فإنه يبصبص في ~~انتظار لقمة والطمع فيها # وبالجملة يقبح إلى الصبيان حب الذهب والفضة والطمع فيهما ويحذر منهما ~~أكثر مما يحذر من الحيات والعقارب فإن آفة ms1298 حب الذهب والفضة والطمع فيهما ~~أضر من آفة السموم على الصبيان بل على الأكابر أيضا وينبغي أن يعود أن لا ~~يبصق في مجلسه ولا يمتخط ولا يتثاءب بحضرة غيره ولا يستدبر غيره ولا يضع ~~رجلا على رجل ولا يضع كفه تحت ذقنه ولا يعمد رأسه بساعده فإن ذلك دليل ~~الكسل ويعلم كيفية الجلوس ويمنع كثرة الكلام ويبين له أن ذلك يدل على ~~الوقاحة وأنه فعل أبناء اللئام ويمنع اليمين رأسا صادقا كان أو كاذبا حتى ~~لا يعتاد ذلك في الصغر ويمنع أن يبتديء بالكلام ويعود أن لا يتكلم إلا ~~جوابا وبقدر السؤال وأن يحسن الاستماع مهما تكلم غيره ممن هو أكبر منه سنا ~~وأن يقوم لمن فوقه ويوسع له المكان ويجلس بين يديه ويمنع من لغو الكلام ~~وفحشه ومن اللعن والسب ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك فإن ذلك ~~يسري لا محالة من القرناء السوء وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء ~~وينبغي إذا ضربه المعلم أن لا يكثر الصراخ والشغب ولا يستشفع بأحد بل يصبر ~~ويذكر له أن ذلك دأب الشجعان والرجال وأن كثرة الصراخ دأب المماليك ~~والنسوان وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكتاب أن يلعب لعبا جميلا ~~يستريح إليه من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللعب فإن منع الصبي من اللعب ~~وإرهاقه إلى التعلم دائما يميت قلبه ويبطل ذكاءه وينغص عليه العيش حتى يطلب ~~الحيلة في الخلاص منه رأسا وينبغي أن يعلم طاعة والديه ومعلمه ومؤدبه ومن ~~هو أكبر منه سنا من قريب وأجنبي وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم وأن ~~يترك اللعب بين أيديهم ومهما بلغ سن التمييز فينبغي PageV03P073 # أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاة ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان ~~ويجنب لبس الديباج والحرير والذهب ويعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشرع # ويخوف من السرقة وأكل الحرام ومن الخيانة والكذب والفحش وكل ما يغلب على ~~الصبيان فإذا وقع نشوه كذلك في الصبا فمهما قارب البلوغ أمكن أن يعرف ms1299 أسرار ~~هذه الأمور فيذكر له أن الأطعمة أدوية وإنما المقصود منها أن يقوى الإنسان ~~بها على طاعة الله عز وجل وإن الدنيا كلها لا أصل لها إذ لا بقاء لها وإن ~~الموت يقطع نعيمها وأنها دار ممر لا دار مقر وأن الآخرة دار مقر لا دار ممر ~~وأن الموت منتظر في كل ساعة وأن الكيس العاقل من تزود من الدنيا للآخرة حتى ~~تعظم درجته عند الله تعالى ويتسع نعيمه في الجنان فإذا كان النشو صالحا كان ~~هذا الكلام عند البلوغ واقعا مؤثرا ناجعا يثبت في قلبه كما يثبت النقش في ~~الحجر وإن وقع النشو بخلاف ذلك حتى ألف الصبي اللعب والفحش والوقاحة وشره ~~الطعام واللباس والتزين والتفاخر نبا قبله عن قبول الحق نبوة الحائط عن ~~التراب اليابس فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تراعى فإن الصبي بجوهره خلق ~~قابلا للخير والشر جميعا وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين قال صلى ~~الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه ~~أو يمجسانه (1) قال سهل بن عبد الله التستري كنت وأنا ابن ثلاث سنين أقوم ~~بالليل فأنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار فقال لي يوما ألا تذكر الله الذي ~~خلقك فقلت كيف أذكره قال قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن ~~تحرك به لسانك الله معي الله ناظر إلي الله شاهدي فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته ~~فقال قل في كل ليلة سبعة مرات فقلت ذلك ثم أعلمته فقال قل ذلك كل ليلة إحدى ~~عشر مرة فقلته فوقع في قلبي حلاوته فلما كان بعد سنة قال لي خالي احفظ ما ~~علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة فلم أزل ~~على ذلك سنين فوجدت لذلك حلاوة في سري ثم قال لي خالي يوما يا سهل من كان ~~الله معه وناظرا إليه وشاهده أيعصيه إياك والمعصية فكنت أخلو بنفسي فبعثوا ~~بي إلى المكتب فقلت إني لأخشى أن يتفرق على همي ms1300 ولكن شارطوا المعلم أني ~~أذهب إليه ساعة فأتعلم ثم أرجع فمضيت إلى الكتاب فتعلمت القرآن وحفظته وأنا ~~ابن ست سنين أو سبع سنين وكنت أصوم الدهر وقوتي من خبز الشعير اثنتي عشرة ~~سنة فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فسألت أهلي أن يبعثوني إلى أهل ~~البصرة لأسأل عنها فأتيت البصرة فسألت علماءها فلم يشف أحد عني شيئا فخرجت ~~إلى عبادان إلى رجل يعرف بأبي حبيب حمزة بن أبي عبد الله العباداني فسألته ~~عنها فأجابني فأقمت عنده مدة أنتفع بكلامه وأتأدب بآدابه ثم رجعت إلى تستر ~~فجعلت قوتي اقتصادا على أن يشترى لي بدرهم من الشعير الفرق فيطحن ويخبز لي ~~فأفطر عند السحر على أوقية كل ليلة بحنا من غير ملح ولا أدم فكان يكفيني ~~ذلك الدرهم سنة ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال ثم أفطر ليلة ثم خمسا ثم ~~سبعا ثم خمسا وعشرين ليلة فكنت على ذلك عشرين سنة ثم خرجت أسيح في الأرض ~~سنين ثم رجعت إلى تستر وكنت أقوم الليل كله ما شاء الله تعالى قال أحمد فما ~~رأيته أكل الملح حتى لقي الله تعالى ### ||| بيان شروط الإرادة ومقدمات المجاهدة وتدريج المريد في سلوك سبيل الرياضة # واعلم أن من شاهد الآخرة بقلبه مشاهدة يقين أصبح بالضرورة مريدا حرث ~~الآخرة مشتاقا إليها سالكا سبلها مستهينا بنعيم الدنيا ولذاتها فإن من كانت ~~عنده خرزة فرأى جوهرة نفيسة لم يبق له رغبة في الخرزة وقويت إرادته ~~PageV03P074 # في بيعها بالجوهرة ومن ليس مريدا حرث الآخرة ولا طالبا للقاء الله تعالى ~~فهو لعدم إيمانه بالله واليوم الآخر ولست أعني بالإيمان حديث النفس وحركة ~~اللسان بكلمتي الشهادة من غير صدق وإخلاص فإن ذلك يضاهي قول من صدق بأن ~~الجوهرة خير من الخرزة إلا أنه لا يدري من الجوهرة إلا لفظها وأما حقيقتها ~~فلا ومثل هذا المصدق إذا ألف الخرزة قد لا يتركها ولا يعظم اشتياقه إلى ~~الجوهرة فإذن المانع من الوصول عدم السلوك والمانع من السلوك عدم الإرادة ~~والمانع من الإرادة ms1301 عدم الإيمان وسبب عدم الإيمان عدم الهداة والمذكرين ~~والعلماء بالله تعالى الهادين إلى طريقه والمنبهين على حقارة الدنيا ~~وانقراضها وعظم أمر الآخرة ودوامها فالخلق غافلون قد انهمكوا في شهواتهم ~~وغاصوا في رقدتهم وليس في علماء الدين من ينبههم فإن تنبه منهم متنبه عجز ~~عن سلوك الطريق لجهله فإن طلب الطريق من العلماء وجدهم مائلين إلى الهوى ~~عادلين عن نهج الطريق فصار ضعف الإرادة والجهل بالطريق ونطق العلماء بالهوى ~~سببا لخلق طريق الله تعالى عن السالكين فيه ومهما كان المطلوب محجوبا ~~والدليل مفقودا والهوى غالبا والطالب غافلا امتنع الوصول وتعطلت الطرق لا ~~محالة فإن تنبه متنبه من نفسه أو من تنبيه غيره وانبعث له إرادة في حرث ~~الآخرة وتجارتها فينبغي أن يعلم له شروطا لا بد من تقديمها في بداية ~~الإرادة وله معتصم لا بد من التمسك به وله حصن لا بد من التحصن به ليأمن من ~~الأعداء القطاع لطريقه وعليه وظائف لا بد من ملازمتها في وقت سلوك الطريق # أما الشروط التي لا بد من تقديمها في الإرادة فهي رفع السد والحجاب الذي ~~بينه وبين الحق فإن حرمان الخلق عن الحق سببه تراكم الحجب ووقوع السد على ~~الطريق قال الله تعالى {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم ~~فهم لا يبصرون} # والسد بين المريد وبين الحق أربعة المال والجاه والتقليد والمعصية وإنما ~~يرفع حجاب المال بخروجه عن ملكه حتى لا يبقى له إلا قدر الضرورة فما دام ~~يبقى له درهم يلتفت إليه فهو مقيد به محجوب عن الله عز وجل وإنما يرتفع ~~حجاب الجاه بالبعد عن موضع الجاه بالتواضع وإيثار الخمول والهرب من أسباب ~~الذكر وتعاطي أعمال تنفر قلوب الخلق عنه # وإنما يرتفع حجاب التقليد بأن يترك التعصب للمذاهب وأن يصدق بمعنى قوله ~~لا إله إلا الله محمد رسول الله تصديق إيمان ويحرض في تحقيق صدقه بأن يرفع ~~كل معبود له سوى الله تعالى وأعظم معبود له الهوى حتى إذا فعل ذلك انكشف له ~~حقيقة الأمر في معنى ms1302 اعتقاده الذي تلقفه تقليدا فينبغي أن يطلب كشف ذلك من ~~المجاهدة لا من المجادلة فإن غلب عليه التعصب لمعتقده ولم يبق في نفسه متسع ~~لغيره صار ذلك قيدا له وحجابا إذ ليس من شرط المريد الانتماء إلى مذهب معين ~~أصلا وأما المعصية فهي حجاب ولا يرفعها إلا التوبة والخروج من المظالم ~~وتصميم العزم على ترك العود وتحقيق الندم على ما مضى ورد المظالم وإرضاء ~~الخصوم فإن من لم يصحح التوبة ولم يهجر المعاصي الظاهرة وأراد أن يقف على ~~أسرار الدين بالمكاشفة كان كمن يريد أن يقف على أسرار القرآن وتفسيره وهو ~~بعد لم يتعلم لغة العرب فإن ترجمة عربية القرآن لا بد من تقديمها أولا ثم ~~الترقي منها إلى أسرار معانيه فكذلك لا بد من تصحيح الشريعة أولا وآخرا ثم ~~الترقي إلى أغوارها وأسرارها # فإذا قدم هذه الشروط الأربعة وتجرد عن المال والجاه كان كمن تطهر وتوضأ ~~ورفع الحدث وصار صالحا للصلاة فيحتاج إلى إمام يقتدى به فكذلك المريد يحتاج ~~إلى شيخ وأستاذ يقتدى به لا محالة ليهديه إلى سواء السبيل فإن سبيل الدين ~~غامض وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة فمن لم يكن له شيخ يهديه قاده الشيطان إلى ~~طرقه لا محالة فمن PageV03P075 # سلك سبل البوادي المهلكة بغير خفير قد خاطر بنفسه وأهلكها ويكون المستقل ~~بنفسه كالشجرة التي تنبت بنفسها فإنها تجف على القرب وإن بقيت مدة وأورقت ~~لم تثمر فمعتصم المريد بعد تقديم الشروط المذكورة شيخه فليتمسك به تمسك ~~الأعمى على شاطيءالنهر بالقائد بحيث يفوض أمره إليه بالكلية ولا يخالفه في ~~ورده ولا صدره ولا يبقى في متابعته شيئا ولا يذر وليعلم أن نفعه في خطأ ~~شيخه لو أخطأ أكثر من نفعه في صواب نفسه لو أصاب فإذا وجد مثل هذا المعتصم ~~وجب على معتصمه أن يحميه ويعصمه بحصن حصين يدفع عنه قواطع الطريق وهو أربعة ~~أمور الخلوة والصمت والجوع والسهر وهذا تحصن من القواطع فإن مقصود المريد ~~إصلاح قلبه ليشاهد به ربه ويصلح لقربه # أما الجوع فإنه ينقص دم ms1303 القلب ويبيضه وفي بياضه نوره ويذيب شحم الفؤاد ~~وفي ذوبانه رقته ورقته مفتاح المكاشفة كما أن قساوته سبب الحجاب ومهما نقص ~~دم القلب ضاق مسلك العدو فإن مجاريه العروق الممتلئة بالشهوات وقال عيسى ~~عليه السلام يا معشر الحواريين جوعوا بطونكم لعل قلوبكم ترى ربكم وقال سهل ~~بن عبد الله التستري ما صار الأبدال أبدالا إلا بأربع خصال بإخماص البطون ~~والسهر والصمت والاعتزال عن الناس ففائدة الجوع في تنوير القلب أمر ظاهر ~~يشهد له التجربة وسيأتي بيان وجه التدريج فيه في كتاب كسر الشهوتين # وأما السهر فإنه يجلو القلب ويصفيه وينوره فيضاف ذلك إلى الصفاء الذي حصل ~~من الجوع فيصير القلب كالكوكب الدري والمرآة المجلوة فيلوح فيه جمال الحق ~~ويشاهد فيه رفيع الدرجات في الآخرة وحقارة الدنيا وآفاتها فتتم بذلك رغبته ~~عن الدنيا وإقباله على الآخرة والسهر أيضا نتيجة الجوع فإن السهر مع الشبع ~~غير ممكن والنوم يقسي القلب ويميته إلا إذا كان بقدر الضرورة فيكون سبب ~~المكاشفة لأسرار الغيب فقد قيل في صفة الأبدال إن أكلهم فاقة ونومهم غلبة ~~وكلامهم ضرورة وقال إبراهيم الخواص رحمه الله أجمع رأى سبعين صديقا على أن ~~كثرة النوم من كثرة شرب الماء # وأما الصمت فإنه تسهله العزلة ولكن المعتزل لا يخلو عن مشاهدة من يقوم له ~~بطعامه وشرابه وتدبير أمره فينبغي أن لا يتكلم إلا بقدر الضرورة فإن الكلام ~~يشغل القلب وشره القلوب إلى الكلام عظيم فإنه يستروح إليه ويستثقل التجرد ~~للذكر والفكر فيستريح إليه فالصمت يلقح العقل ويجلب الورع ويعلم التقوى # وأما حياة الخلوة ففائدتها دفع الشواغل وضبط السمع والبصر فإنهما دهليز ~~القلب والقلب في حكم حوض تنصب إليه مياه كريهة كدرة قذرة من أنهار الحواس ~~ومقصود الرياضة تفريغ الحوض من تلك المياه ومن الطين الحاصل منها ليتفجر ~~أصل الحوض فيخرج منه الماء النظيف الطاهر وكيف يصح له أن ينزح الماء من ~~الحوض والأنهار مفتوحة إليه فيتجدد في كل حال أكثر مما ينقص فلا بد من ضبط ~~الحواس إلا عن قدر الضرورة وليس ms1304 يتم ذلك إلا بالخلوة في بيت مظلم وأن لم ~~يكن له مكان مظلم فليلف رأسه في جيبه أو يتدثر بكساء أو إزار ففي مثل هذه ~~الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد جلال الحضرة الربوبية # أما ترى أن نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه وهو على مثل هذه ~~الصفة فقيل له يا أيها المزمل يا أيها المدثر (1) PageV03P076 # فهذه الأربعة جنة وحصن بها تدفع عنه القواطع وتمنع العوارض القاطعة ~~للطريق فإذا فعل ذلك اشتغل بعده بسلوك الطريق وإنما سلوكه بقطع العقبات ولا ~~عقبة على طريق الله تعالى إلا صفات القلب التي سببها الالتفات إلى الدنيا ~~وبعض تلك العقبات أعظم من بعض والترتيب في قطعها أن يشتغل بالأسهل فالأسهل ~~وهي تلك الصفات أعني أسرار العلائق التي قطعها في أول الإرادة وآثارها أعني ~~المال والجاه وحب الدنيا والالتفات إلى الخلق والتشوف إلى المعاصي فلا بد ~~أن يخلي الباطن عن آثارها كما أخلي الظاهر عن أسبابها الظاهرة وفيه تطول ~~المجاهدة ويختلف ذلك باختلاف الأحوال فرب شخص قد كفى أكثر الصفات فلا تطول ~~عليه المجاهدة وقد ذكرنا أن طريق المجاهدة مضادة الشهوات ومخالفة الهوى في ~~كل صفة غالبة على نفس المريد كما سبق ذكره فإذا كفى ذلك أو ضعف بالمجاهدة ~~ولم يبق في قلبه علاقة شغله بعد ذلك بذكر يلزم قلبه على الدوام ويمنعه من ~~تكثير الأوراد الظاهرة بل يقتصر على الفرائض والرواتب ويكون ورده وردا ~~واحدا وهو لباب الأوراد وثمرتها أعني ملازمة القلب لذكر الله تعالى بعد ~~الخلو من ذكر غيره ولا يشغله به مادام قلبه ملتفتا إلى علائقهقال الشبلي ~~للحصري إن كان يخطر بقلبك من الجمعة التي تأتيني فيها إلى الجمعة الأخرى ~~شيء غير الله تعالى فحرام عليك أن تأتيني وهذا التجرد لا يحصل إلا مع صدق ~~الإرادة واستيلاء حب الله تعالى على القلب حتى يكون في صورة العاشق ~~المستهتر الذي ليس له إلا هم واحد فإذا كان كذلك ألزمه الشيخ زاوية ينفرد ~~بها ويوكل به من يقوم له بقدر يسير من القوت ms1305 الحلال فإن أصل طريق الدين ~~القوت الحلال وعند ذلك يلقنه ذكرا من الأذكار حتى يشغل به لسانه وقلبه ~~فيجلس ويقول مثلا الله الله أو سبحان الله سبحان الله أو ما يراه الشيخ من ~~الكلمات فلا يزال يواظب عليه حتى تسقط حركة اللسان وتكون الكلمة كأنها ~~جارية على اللسان من غير تحريك ثم لا يزال يواظب عليه حتى يسقط الأثر عن ~~اللسان وتبقى صورة اللفظ في القلب ثم لا يزال كذلك حتى يمحى عن القلب حروف ~~اللفظ وصورته وتبقى حقيقة معناه لازمة للقلب حاضرة معه غالبة عليه قد فرغ ~~عن كل ما سواه لأن القلب إذا شغل بشيء خلا عن غيره أي شيء كان فإذا اشتغل ~~بذكر الله تعالى وهو المقصود خلا لا محالة عن غيره وعند ذلك يلزمه أن يراقب ~~وساوس القلب والخواطر التي تتعلق بالدنيا وما يتذكر فيه مما قدر مضى من ~~أحواله وأحوال غيره فإنه مهما اشتغل بشيء منه ولو في لحظة خلا قلبه عن ~~الذكر في تلك اللحظة وكان أيضا نقصانا فليجتهد في دفع ذلك ومهما دفع ~~الوساوس كلها ورد النفس إلى هذه الكلمة جاءته الوساوس من هذه الكلمة وأنها ~~ما هي وما معنى قولنا الله ولأي معنى كان إلها وكان معبودا ويعتريه عند ذلك ~~خواطر تفتح عليه باب الفكر وربما يرد عليه من وساوس الشيطان ما هو كفر ~~وبدعة ومهما كان كارها لذلك ومتشمرا لإماطته عن القلب لم يضره ذلك وهي ~~منقسمة إلى ما يعلم قطعا أن الله تعالى منزه عنه ولكن الشيطان يلقي ذلك في ~~قلبه ويجريه على خاطره فشرطه أن يبالي به ويفزع إلى ذكر الله تعالى ويبتهل ~~إليه ليدفعه عنه كما قال الله تعالى {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله إنه سميع عليم} وقال تعالى {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون} وإلى ما يشك فيه فينبغي أن يعرض ذلك على شيخه بل كل ~~ما يجد في قلبه من الأحوال من فترة أو نشاط أو التفات إلى ms1306 علقة أو صدق في ~~إرادة فينبغي أن يظهر ذلك لشيخه وأن يستره عن غيره فلا يطلع عليه أحدا ثم ~~إن شيخه ينظر في حاله ويتأمل في ذكائه وكياسته فلو علم أنه لو تركه وأمره ~~بالفكر تنبه من نفسه على حقيقة الحق فينبغي أن يحيله على الفكر ويأمره ~~بملازمته حتى يقذف في قلبه من النور ما يكشف له حقيقته وإن علم PageV03P077 # أن ذلك مما لا يقوى عليه مثله رده إلى الاعتقاد القاطع بما يحتمله قلبه ~~من وعظ وذكر ودليل قريب من فهمه وينبغي أن يتأنق الشيخ ويتلطف به فإن هذه ~~مهالك الطريق ومواضع أخطارها فكم من مريد اشتغل بالرياضة فغلب عليه خيال ~~فاسد لم يقو على كشفه فانقطع عليه طريقه فاشتغل بالبطالة وسلك طريق الإباحة ~~وذلك هو الهلاك العظيم ومن تجرد للذكر ودفع العلائق الشاغلة عن قلبه لم يخل ~~عن أمثال هذه الأفكار فإنه قد ركب سفينة الخطر فإن سلم كان من ملوك الدين ~~وإن أخطأ كان من الهالكين ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عليكم بدين العجائز ~~(1) وهو تلقي أصل الإيمان وظاهر الاعتقاد بطريق التقليد والاشتغال بأعمال ~~الخير فإن الخطر في العدول عن ذلك كثير ولذلك قيل يجب على الشيخ أن يتفرس ~~في المريد فإن لم يكن ذكيا فطنا متمكنا من اعتقاد الظاهر لم يشغله بالذكر ~~والفكر بل يرده إلى الأعمال الظاهرة والأوراد المتواترة أو يشغله بخدمة ~~المتجردين للفكر لتشمله بركتهم فإن العاجز عن الجهاد في صف القتال ينبغي أن ~~يسقي القوم ويتعهد دوابهم ليحشر يوم القيامة في زمرتهم وتعمه بركتهم وإن ~~كان لا يبلغ درجتهم ثم المريد المتجرد للذكر والفكر قد يقطعه قواطع كثيرة ~~من العجب والرياء والفرح بما ينكشف له من الأحوال وما يبدو من أوائل ~~الكرامات ومهما التفت إلى شيء من ذلك وشغلت به نفسه كان ذلك فتورا في طريقه ~~ووقوفا بل ينبغي أن يلازم حاله جملة عمره ملازمة العطشان الذي لا ترويه ~~البحار ولو أفيضت عليه ويدوم على ذلك ورأس ماله الانقطاع عن الخلق إلى الحق ms1307 ~~والخلوة # قال بعض السياحين قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق كيف الطريق إلى ~~التحقيق فقال أن تكون في الدنيا كأنك عابر طريق وقال مرة قلت له دلني على ~~عمل أجد قلبي فيه مع الله تعالى على الدوام فقال لي لا تنظر إلى الخلق فإن ~~النظر إليهم ظلمة قلت لا بد لي من ذلك قال فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة ~~قلت لا بد لي من ذلك قال فلا تعاملهم فإن معاملتهم وحشة قلت أنا بين أظهرهم ~~لا بد لي من معاملتهم قال فلا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة قلت هذا ~~لعلة قال يا هذا أتنظر إلى الغافلين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين ~~وتريد أن تجد قلبك مع الله تعالى على الدوام هذا ما لا يكون أبدا # فإذا منتهى الرياضة أن يجد قلبه مع الله تعالى على الدوام ولا يمكن ذلك ~~إلا بأن يخلو عن غيره ولا يخلو عن غيره إلا بطول المجاهدة فإذا حصل قلبه مع ~~الله تعالى انكشف له جلال الحضرة الربوبية وتجلى له الحق وظهر له من لطائف ~~الله تعالى ما لا يجوز أن يوصف بل لا يحيط به الوصف أصلا وإذا انكشف للمريد ~~شيء من ذلك فأعظم القواطع عليه أن يتكلم به وعظا ونصحا ويتصدى للتذكير فتجد ~~النفس فيه لذة ليس وراءها لذة فتدعوه تلك اللذة إلى أن يتفكر في كيفية ~~إيراد تلك المعاني وتحسين الألفاظ المعبرة عنها وترتيب ذكرها وتزيينها ~~بالحكايات وشواهد القرآن والأخبار وتحسين صنعة الكلام لتميل إليه القلوب ~~والأسماع فربما يخيل إليه الشيطان أن هذا إحياء منك لقلوب الموتى الغافلين ~~عن الله تعالى وإنما أنت واسطة بين الله تعالى وبين الخلق تدعو عباده إليه ~~ومالك فيه نصيب ولا لنفسك فيه لذة ويتضح كيد الشيطان بأن يظهر في أقرانه من ~~يكون أحسن كلاما منه وأجزل لفظا وأقدر على استجلاب قلوب العوام فإنه يتحرك ~~في باطنه عقرب الحسد لا محالة إن كان محركه كيد القبول وإن PageV03P078 # كان محركه هو الحق حرصا على دعوة عباد الله ms1308 تعالى إلى صراطه المستقيم ~~فيعظم به فرحه ويقول الحمد لله الذي عضدني وأيدني بمن وازرني على إصلاح ~~عباده كالذي وجب عليه مثلا أن يحمل ميتا ليدفنه إذ وجده ضائعا وتعين عليه ~~ذلك شرعا فجاء من أعانه عليه فإنه يفرح به ولا يحسد من يعينه والغافلون ~~موتى القلوب والوعاظ هم المنبهون والمحيون لهم ففي كثرتهم استرواح وتناصر ~~فينبغي أن يعظم الفرح بذلك وهذا عزيز على الوجود جدا فينبغي أن يكون المريد ~~على حذر منه فإنه أعظم حبائل الشيطان في قطع الطريق على من انفتحت له أوائل ~~الطريق فإن إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان ولذلك قال الله تعالى ~~{بل تؤثرون الحياة الدنيا} ثم بين أن الشر قديم في الطباع وأن ذلك مذكور في ~~الكتب السالفة فقال {إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى} فهذا ~~منهاج رياضة المريد وتربيته في التدريج إلى لقاء الله تعالى فأما تفصيل ~~الرياضة في كل صفة فسيأتي فإن أغلب الصفات على الإنسان بطنه وفرجه ولسانه ~~أعني به الشهوات المتعلقة بها ثم الغضب الذي هو كالجند لحماية الشهوات ثم ~~مهما أحب الإنسان شهوة البطن والفرج وأنس بهما أحب الدنيا ولم يتمكن منها ~~إلا بالمال والجاه وإذا طلب المال والجاه حدث فيه الكبر والعجب والرياسة ~~وإذا ظهر ذلك لم تسمح نفسه بترك الدنيا رأسا وتمسك من الدين بما فيه ~~الرياسة وغلب عليه الغرور # فلهذا وجب علينا بعد تقديم هذين الكتابين أن نستكمل ربع المهلكات بثمانية ~~كتب إن شاء الله تعالى كتاب في كسر شهوة البطن والفرج وكتاب في آفات اللسان ~~وكتاب في كسر الغضب والحقد والحسد وكتاب في ذم الدنيا وتفصيل خدعها وكتاب ~~في كسر حب المال وذم البخل وكتاب في ذم الرياء وحب الجاه وكتاب في ذم الكبر ~~والعجب وكتاب في مواقع الغرور وبذكر هذه المهلكات وتعليم طرق المعالجة فيها ~~يتم غرضنا من ربع المهلكات إن شاء الله تعالى فإن ما ذكرناه في الكتاب ~~الأول هو شرح لصفات القلب الذي هو معدن المهلكات والمنجيات وما ذكرناه ms1309 في ~~الكتاب الثاني هو إشارة كلية إلى طريق تهذيب الأخلاق ومعالجة أمراض القلوب ~~أما تفصيلها فإنه يأتي في هذه الكتب إن شاء الله تعالى تم كتاب رياضة النفس ~~وتهذيب الأخلاق بحمد الله وعونه وحسن توفيقه يتلوه إن شاء الله تعالى ### || كتاب كسر الشهوتين # والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وعلى كل عبد ~~مصطفى من أهل الأرض والسماء وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب # كتاب كسر الشهوتين وهو الكتاب الثالث من ربع المهلكات بسم الله # الرحمن الرحيم # الحمد لله المنفرد بالجلال في كبريائه وتعاليه المستحق للتحميد والتقديس ~~والتسبيح والتنزيه القائم بالعدل فيما يبرمه ويقضيه المتطول بالفضل فيما ~~ينعم به ويسديه المتكفل بحفظ عبده في جميع موارده ومجاريه المنعم عليه بما ~~يزيد على مهمات مقاصده بل بما يفي بأمانيه فهو الذي يرشده ويهديه وهو الذي ~~يميته ويحييه وإذا مرض فهو يشفيه وإذا ضعف فهو يقويه وهو الذي يوفقه للطاعة ~~ويرتضيه وهو الذي يطعمه ويسقيه ويحفظه من الهلاك ويحميه ويحرسه بالطعام ~~والشراب عما يهلكه ويرديه ويمكنه من القناعة بقليل القوت ويقربه حتى تضيق ~~به مجاري الشيطان الذي يناويه ويكسر به شهوة النفس التي تعاديه فيدفع شرها ~~ثم يعبد ربه ويتقيه هذا PageV03P079 # بعد أن يوسع عليه ما يلتذ به ويشتهيه ويكثر عليه ما يهيج بواعثه ويؤكد ~~دواعيه كل ذلك يمتحنه به ويبتليه فينظر كيف يؤثره على ما يهواه وينتحيه ~~وكيف يحفظ أوامره وينتهي عن نواهيه ويواظب على طاعته وينزجر عن معاصيه ~~والصلاة على محمد عبده النبيه ورسوله الوجيه صلاة تزلفه وتحظيه وترفع ~~منزلته وتعليه وعلى الأبرار من عترته وأقربيه والأخيار من صحابته وتابعيه # أما بعد فأعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن فبها أخرج آدم عليه السلام ~~وحواء من دار القرار إلى دار الذل والافتقار إذ نهيا عن الشجرة فغلبتهما ~~شهواتهما حتى أكلا منها فبدت لهما سوآتهما والبطن على التحقيق ينبوع ~~الشهوات ومنبت الأدواء والآفات إذ يتبعها شهوة الفرج وشدة الشبق إلى ~~المنكوحات ثم تتبع شهوة الطعام والنكاح ms1310 شدة الرغبة في الجاه والمال اللذين ~~هما وسيلة إلى التوسع في المنكوحات والمطعومات ثم يتبع استكثار المال ~~والجاه أنواع الرعونات وضروب المنافسات والمحاسدات ثم يتولد بينهما آفة ~~الرياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء ثم يتداعى ذلك إلى الحقد والحسد ~~والعداوة والبغضاء ثم يفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء ~~وكل ذلك ثمرة إهمال المعدة وما يتولد منها من بطر الشبع والامتلاء ولو ذلل ~~العبد نفسه بالجوع وضيق به مجاري الشيطان لأذعنت لطاعة الله عز وجل ولم ~~تسلك سبيل البطر والطغيان ولم ينجر به ذلك إلى الانهماك في الدنيا وإيثار ~~العاجلة على العقبى ولم يتكالب كل هذا التكالب على الدنيا وإذا عظمت آفة ~~شهوة البطن إلى هذا الحد وجب شرح غوائلها وآفاتها تحذيرا منها ووجب إيضاح ~~طريق المجاهدة لها والتنبيه على فضلها ترغيبا فيها وكذلك شرح شهوة الفرج ~~فإنها تابعة لها ونحن نوضح ذلك بعون الله تعالى في فصول يجمعها بيان فضيلة ~~الجوع ثم فوائده ثم طريق الرياضة في كسر شهوة البطن بالتقليل من الطعام ~~والتأخير ثم بيان اختلاف حكم الجوع وفضيلته باختلاف أحوال الناس ثم بيان ~~الرياضة في ترك الشهوة ثم القول في شهوة الفرج ثم بيان ما على المريد في ~~ترك التزويج وفعله ثم بيان فضيلة من يخالف شهوة البطن والفرج والعين ### ||| بيان فضيلة الجوع وذم الشبع # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر ~~في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله وأنه ليس من عمل أحب إلى الله من جوع ~~وعطش (1) وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل ملكوت السماء ~~من ملأ بطنه (2) وقيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال من قل مطعمه وضحكه ~~ورضي مما يستر به عورته (3) وقال النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأعمال ~~الجوع وذل النفس لباس الصوف (4) وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم البسوا وكلوا واشربوا في أنصاف البطون فإنه جزء من النبوة ~~(5) وقال الحسن قال النبي صلى ms1311 الله عليه وسلم الفكر نصف العبادة وقلة ~~الطعام هي العبادة (6) وقال الحسن أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أفضلكم عند الله منزلة يوم القيامة أطولكم جوعا وتفكرا في الله سبحانه ~~وأبغضكم PageV03P080 # عند الله عز وجل يوم القيامة كل نئوم أكول شروب (1) وفي الخبر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يجوع من غير عوز (2) أي مختارا لذلك وقال صلى الله ~~عليه وسلم إن الله تعالى يباهي الملائكة بمن قل مطعمه ومشربه في الدنيا ~~يقول الله تعالى انظروا إلى عبدي ابتليته بالطعام والشراب في الدنيا فصبر ~~وتركهما اشهدوا يا ملائكتي ما من أكلة يدعها إلا أبدلته بها درجات في الجنة ~~(3) وقال صلى الله عليه وسلم لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب فإن ~~القلب كالزرع يموت إذا كثر عليه الماء (4) وقال صلى الله عليه وسلم ما ملأ ~~ابن آدم وعاء شرا من بطنه حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه وإن كان لا بد ~~فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه (5) وفي حديث أسامة بن زيد وحديث ~~أبي هريرة الطويل ذكر فضيلة الجوع إذ قال فيه إن أقرب الناس من الله عز وجل ~~يوم القيامة من طال جوعه وعطشه وحزنه في الدنيا الأحفياء الأتقياء الذين إن ~~شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا تعرفهم بقاع الأرض وتحف بهم ملائكة ~~السماء نعم الناس بالدنيا ونعموا بطاعة الله عز وجل افترش الناس الفرش ~~الوثيرة وافترشوا الجباه والركب ضيع الناس فعل النبيين وأخلاقهم وحفظوها هم ~~تبكي الأرض إذا فقدتهم ويسخط الجبار على كل بلدة ليس فيها منهم أحد لم ~~يتكالبوا على الدنيا تكالب الكلاب على الجيف أكلوا العلق ولبسوا الخرق شعثا ~~غبرا يراهم الناس فيظنون أن بهم داء وما بهم داء ويقال قد خولطوا فذهبت ~~عقولهم وما ذهبت عقولهم ولكن نظر القوم بقلوبهم إلى أمر الله الذي أذهب ~~عنهم الدنيا فهم عند أهل الدنيا يمشون بلا عقول عقلوا حين ذهبت عقول الناس ~~لهم الشرف في الآخرة يا أسامة إذا رأيتهم في بلدة فاعلم أنهم ms1312 أمان لأهل تلك ~~البلدة ولا يعذب الله قوما هم فيهم الأرض بهم فرحة والجبار عنهم راض اتخذهم ~~لنفسك إخوانا عسى أن تنجو بهم وإن استطعت إن يأتيك الموت وبطنك جائع وكبدك ~~ظمآن فافعل فإنك تدرك بذلك شرف المنازل وتحل مع النبيين وتفرح بقدوم روحك ~~الملائكة ويصلي عليك الجبار (6) # روى الحسن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال البسوا الصوف ~~وشمروا وكلوا في أنصاف البطون تدخلوا في ملكوت السماء (7) وقال عيسى عليه ~~السلام يا معشر الحواريين أجيعوا أكبادكم وأعروا أجسادكم لعل قلوبكم ترى ~~الله عز وجل (8) وروي ذلك أيضا عن نبينا صلى الله عليه وسلم رواه طاوس وقيل ~~مكتوب في التوراة إن الله ليبغض الحبر السمين لأن السمن يدل على الغفلة ~~وكثرة الأكل وذلك قبيح خصوصا بالحبر ولأجل ذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه ~~إن الله تعالى يبغض القارئ السمين وفي خبر مرسل {إن} PageV03P081 # الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش (1) وفي ~~الخبر إن الأكل على الشبع يورث البرص (2) وقال صلى الله عليه وسلم المؤمن ~~يأكل في معي واحد والمنافق يأكل في سبعة أمعاء (3) أي يأكل سبعة أضعاف ما ~~يأكل المؤمن أو تكون شهوته سبعة أضعاف شهوته وذكر المعي كفاية عن الشهوة ~~لأن الشهوة هي التي تقبل الطعام وتأخذه كما يأخذ المعي وليس المعنى زيادة ~~عدد معي المنافق على معي المؤمن وروى الحسن عن عائشة رضي الله تعالى عنها ~~أنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أديموا قرع باب الجنة ~~يفتح لكم فقلت كيف نديم قرع باب الجنة قال بالجوع والظمأ (4) وروي أن أبا ~~جحيفة تجشأ في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أقصر من جشائك ~~فإن أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا (5) وكانت عائشة ~~رضي الله عنها تقول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تمتليء قط شبعا ~~وربما بكيت رحمة مما أرى به من الجوع فأمسح بطنه بيدي وأقول نفسي لك ms1313 الفداء ~~لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقويك ويمنعك من الجوع فيقول يا عائشة إخواني ~~من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا مضوا على حالهم ~~فقدموا على ربهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم فأجدني أستحي إن ترفهت في معيشتي ~~أن يقصر بي غدا دونهم فالصبر أياما يسيرة أحب إلي من أن ينقص حظي غدا في ~~الآخرة وما من شيء أحب إلي من اللحوق بأصحابي وإخواني قالت عائشة فوالله ما ~~استكمل بعد ذلك جمعة حتى قبضه الله إليه (6) وعن أنس قال جاءت فاطمة رضوان ~~الله عليها بكسرة خبز إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذه الكسرة ~~قالت قرص خبزته ولم تطب نفسي حتى أتيتك منه بهذه الكسرة فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أما إنه أول طعام دخل فم أبيك مند ثلاثة أيام (7) وقال أبو ~~هريرة ما أشبع النبي صلى الله عليه وسلم أهله ثلاثة أيام تباعا من خبز ~~الحنطة حتى فارق الدنيا (8) وقال صلى الله عليه وسلم إن أهل الجوع في ~~الدنيا هم أهل الشبع في الآخرة وإن أبغض الناس إلى الله المتخمون الملأى ~~وما ترك عبد أكلة يشتهيها إلا كانت له درجة في الجنة (9) # وأما الآثار فقد قال عمر رضي الله عنه إياكم والبطنة فإنها ثقل في الحياة ~~نتن في الممات وقال شقيق البلخي العبادة حرفة حانوتها الخلوة وآلتها ~~المجاعة وقال لقمان لابنه يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست ~~الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة وكان الفضيل بن عياض يقول لنفسه أي شيء ~~تخافين أتخافين أن تجوعي لا تخافي ذلك أنت أهون على الله من ذلك إنما يجوع ~~محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكان كهمس يقول إلهي PageV03P082 # أجعتني وأعريتني وفي ظلم الليالي بلا مصباح أجلستني فبأي وسيلة بلغتني ما ~~بلغتني وكان فتح الموصلي إذا اشتد مرضه وجوعه يقول إلهي ابتليتني بالمرض ~~والجوع وكذلك تفعل بأوليائك فبأي عمل أؤدي شكر ما أنعمت به علي وقال مالك ~~بن دينار قلت ms1314 لمحمد بن واسع يا أبا عبد الله طوبى لمن كانت له غليلة تقوته ~~وتغنيه عن الناس فقال لي يا أبا يحيى طوبى لمن أمسى وأصبح جائعا وهو عن ~~الله راض وكان الفضيل بن عياض يقول إلهي أجعتني وأجعت عيالي وتركتني في ظلم ~~الليالي بلا مصباح وإنما تفعل ذلك بأوليائك فبأي منزلة نلت هذا منك وقال ~~يحيى بن معاذ جوع الراغبين منبهة وجوع التائبين تجربة وجوع المجتهدين كرامة ~~وجوع الصابرين سياسة وجوع الزاهدين حكمة وفي التوراة اتق الله وإذا شبعت ~~فاذكر الجياع وقال أبو سليمان لأن أترك لقمة من عشائي أحب إلي من قيام ليلة ~~إلى الصبح وقال أيضا الجوع عند الله في خزائنه لا يعطيه إلا من أحبه وكان ~~سهل بن عبد الله التستري يطوي نيفا وعشرين يوما لا يأكل وكان يكفيه لطعامه ~~في السنة درهم وكان يعظم الجوع ويبالغ فيه حتى قال لا يوافى القيامة عمل بر ~~أفضل من ترك فضول الطعام اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أكله وقال لم ~~ير الأكياس شيئا أنفع من الجوع للدين والدنيا وقال لا أعلم شيئا أضر على ~~طلاب الآخرة من الأكل وقال وضعت الحكمة والعلم في الجوع ووضعت المعصية ~~والجهل في الشبع وقال ما عبد الله بشيء أفضل من مخالفة الهوى في ترك الحلال ~~وقد جاء في الحديث ثلث للطعام فمن زاد عليه فإنما يأكل من حسناته (1) وسئل ~~عن الزيادة فقال لا يجد الزيادة حتى يكون الترك أحب إليه من الأكل ويكون ~~إذا جاع ليلة سأل الله أن يجعلها ليلتين فإذا كان ذلك وجد الزيادة وقال صار ~~الأبدال أبدالا إلا بإخماص البطون والسهر والصمت والخلوة وقال رأس كل بر ~~نزل من السماء إلى الأرض الجوع ورأس كل فجور بينهما الشبع وقال من جوع نفسه ~~انقطعت عنه الوساوس وقال إقبال الله عز وجل على العبد بالجوع والسقم ~~والبلاء إلا من شاء الله وقال اعلموا أن هذا زمان لا ينال أحد فيه النجاة ~~إلا بذبح نفسه وقتلها بالجوع والسهر والجهد وقال ما ms1315 مر على وجه الأرض أحد ~~شرب من هذا الماء حتى روي فسلم من المعصية وإن شكر الله تعالى فكيف الشبع ~~من الطعام وسئل حكيم بأي قيد أقيد نفسي قال قيدها بالجوع والعطش وذللها ~~بإخمال الذكر وترك العز وصغرها بوضعها تحت أرجل أبناء الآخرة واكسرها بترك ~~زي القراء عن ظاهرها وانج من آفاتها بدوام سوء الظن بها واصحبها بخلاف ~~هواها وكان عبد الواحد بن زيد يقسم بالله تعالى إن الله تعالى ما صافي أحدا ~~إلا بالجوع ولا مشوا على الماء إلا به ولا طويت لهم الأرض إلا بالجوع ولا ~~تولاهم الله تعالى إلا بالجوع وقال أبو طالب المكي مثل البطن مثل المزهر ~~وهو العود المجوف ذو الأوتار إنما حسن صوته لخفته ورقته لأنه أجوف غير ~~ممتلئ وكذلك الجوف إذا خلا كان أعذب للتلاوة وأدوم للقيام وأقل للمنام وقال ~~أبو بكر بن عبد الله المزني ثلاثة يحبهم الله تعالى رجل قليل النوم قليل ~~الأكل قليل الراحة وروي أن عيسى عليه السلام مكث يناجي ربه ستين صباحا لم ~~يأكل فخطر بباله الخبزفانقطع عن المناجاة فإذا رغيف موضوع بين يديه فجلس ~~يبكي على فقد المناجاة وإذا شيخ قد أظله فقال له عيسى بارك الله فيك يا ولي ~~الله ادع الله تعالى فإني كنت في حالة فخطر ببالي الخبز فانقطعت عني فقال ~~الشيخ اللهم إن كنت تعلم أن الخبز خطر ببالي منذ عرفتك فلا تغفر لي بل كان ~~PageV03P083 # إذا حضر لي شيء أكلته من غير فكر وخاطر وروي أن موسى عليه السلام لما ~~قربه الله عز وجل نجيا كان قد ترك الأكل أربعين يوما ثلاثين ثم عشرا على ما ~~ورد به القرآن لأنه أمسك بغير تبييت يوما فزيد عشرة لأجل ذلك ### ||| بيان فوائد الجوع وآفات الشبع # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر ~~في ذلك ولعلك تقول هذا الفضل العظيم للجوع من أين هو وما سببه وليس فيه إلا ~~إيلام المعدة ومقاساة الأذى فإن كان كذلك فينبغي أن يعظم ms1316 الأجر في كل ما ~~يتأذى به الإنسان من ضربه لنفسه وقطعه للحمه وتناوله الأشياء المكروهة وما ~~يجري مجراه فاعلم أن هذا يضاهي قول من شرب دواء فانتفع به وظن أن منفعته ~~لكراهة الدواء ومرارته فأخذ يتناول كل ما يكرهه من المذاق وهو غلظ بل نفعه ~~في خاصية في الدواء وليس لكونه مرا وإنما يقف على تلك الخاصية الأطباء ~~فكذلك لا يقف على علة نفع الجوع إلا سماسرة العلماء ومن جوع نفسه مصدقا لما ~~جاء في الشرع من مدح الجوع انتفع به وإن لم يعرف علة المنفعة كما أن من شرب ~~الدواء انتفع به وإن لم يعلم وجه كونه نافعا # ولكنا نشرح لك ذلك إن أردت أن ترتقي من درجة الإيمان إلى درجة العلم قال ~~الله تعالى {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} فنقول ~~في الجوع عشر فوائد # الفائدة الأولى صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة فإن الشبع يورث ~~البلادة ويعمي القلب ويكثر البخار في الدماغ شبه السكر حتى يحتوي على معادن ~~الفكر فيثقل القلب بسببه عن الجريان في الأفكار وعن سرعة الإدراك بل الصبي ~~إذا أكثر الأكل بطل حفظه وفسد ذهنه وصار بطيء الفهم والإدراك وقال أبو ~~سليمان الداراني عليك بالجوع فإنه مذلة للنفس ورقة للقلب وهو يورث العلم ~~السماوي وقال صلى الله عليه وسلم أحيوا قلوبكم بقلة الضحك وقلة الشبع ~~وطهروها بالجوع تصفو وترق (1) حديث من أجاع بطنه عظمت فكرته وفطن قلبه كذلك ~~لم أجد له أصلا وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم من شبع ونام ~~قسا قلبه ثم قال لكل شيء زكاة وزكاة البدن الجوع (2) وقال الشبلي ما جعت ~~لله يوما إلا رأيت في قلبي بابا مفتوحا من الحكمة والعبرة ما رأيته قط وليس ~~يخفى أن غاية المقصود من العبادات الفكر الموصل إلى المعرفة والاستبصار ~~بحقائق الحق والشبع يمنع منه والجوع يفتح بابه والمعرفة باب من أبواب الجنة ~~فبالحرى أن تكون ملازمة الجوع قرعا لباب الجنة ولهذا قال لقمان لابنه يا ~~بني ms1317 إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة ~~وقال أبو يزيد البسطامي الجوع سحاب فإذا جاع العبد أمطر القلب الحكمة وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم نور الحكمة الجوع والتباعد من الله عز وجل الشبع ~~والقربة إلى الله عز وجل حب المساكين والدنو منهم لا تشبعوا PageV03P084 # فتطفئوا نور الحكمة من قلوبكم ومن بات في خفة من الطعام بات الحور حوله ~~حتى يصبح (1) حديث أجوع يوما وأشبع يوما الحديث تقدم وهو عند الترمذي // أو ~~كما قال فالبطن والفرج باب من أبواب النار وأصله الشبع والذل والانكسار باب ~~من أبواب الجنة وأصله الجوع ومن أغلق بابا من أبواب النار فقد فتح بابا من ~~أبواب الجنة بالضرورة لأنهما متقابلان كالمشرق والمغرب فالقرب من أحدهما ~~بعد من الآخر # الفائدة الرابعة أن لا ينسى بلاء الله وعذابه ولا ينسى أهل البلاء فإن ~~الشبعان ينسى الجائع وينسى الجوع والعبد الفطن لا يشاهد بلاء من غيره إلا ~~ويتذكر بلاء الآخرة فيذكر من عطشه عطش الخلق في عرصات القيامة ومن جوعه جوع ~~أهل النار حتى إنهم ليجوعون فيطعمون الضريع والزقوم ويسقون الغساق والمهل ~~فلا ينبغي أن يغيب عن العبد عذاب الآخرة وآلامها فإنه هو الذي يهيج الخوف ~~فمن لم يكن في ذلة ولا علة ولا قلة ولا بلاء نسي عذاب الآخرة ولم يتمثل في ~~نفسه ولم يغلب على قلبه فينبغي أن يكون العبد في مقاساة بلاء أو مشاهدة ~~بلاء وأولى ما يقاسيه من البلاء الجوع فإن فيه فوائد جمة سوى تذكر عذاب ~~الآخرة وهذا أحد الأسباب الذي اقتضى اختصاص البلاء بالأنبياء والأولياء ~~والأمثل فالأمثل ولذلك قيل ليوسف عليه السلام لم تجوع وفي يديك خزائن الأرض ~~فقال أخاف أن أشبع فأنسى الجائع فذكر الجائعين والمحتاجين إحدى فوائد الجوع ~~فإن ذلك يدعو إلى الرحمة والإطعام والشفقة على خلق الله عز وجل والشبعان في ~~غفلة عن ألم الجائع # الفائدة الخامسة وهي من أكبر الفوائد كسر شهوات المعاصي كلها والاستيلاء ~~على النفس الأمارة بالسوء فإن منشأ المعاصي كلها الشهوات ms1318 والقوى ومادة ~~القوى والشهوات لا محالة الأطعمة فتقليلها يضعف كل شهوة وقوة وإنما السعادة ~~كلها في أن يملك الرجل نفسه والشقاوة في أن تملكه نفسه وكما أنك لا تملك ~~الدابة الجموح إلا بضعف الجوع فإذا شبعت قويت وشردت وجمحت فكذلك النفس كما ~~قيل لبعضهم ما بالك مع كبرك لا تتعهد بدنك PageV03P085 # وقد انهد فقال لأنه سريع المرح فاحش الأشر فأخاف أن يجمح بي فيورطني فلأن ~~أحمله على الشدائد أحب إلي من أن يحملني على الفواحش وقال ذو النون ما شبعت ~~قط إلا عصيت أو هممت بمعصية وقالت عائشة رضي الله عنها أول بدعة حدثت بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الشبع # إن القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم نفوسهم إلى هذه الدنيا وهذه ليست ~~فائدة واحدة بل هي خزائن الفوائد ولذلك قيل الجوع خزانة من خزائن الله ~~تعالى وأقل ما يندفع بالجوع شهوة الفرج وشهوة الكلام فإن الجائع لا يتحرك ~~عليه شهوة فضول الكلام فيتخلص به من آفات اللسان كالغيبة والفحش والكذب ~~والنميمة وغيرها فيمنعه الجوع من كل ذلك وإذا شبع افتقر إلى فاكهة فيتفكه ~~لا محالة بأعراض الناس ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ~~ألسنتهم # وأما شهوة الفرج فلا تخفى غائلتها والجوع يكفي شرها وإذا شبع الرجل لم ~~يملك فرجه وإن منعته التقوى فلا يملك عينه فالعين تزني كما أن الفرج يزني ~~فإن ملك عينه بغض الطرف فلا يملك فكره فيخطر له من الأفكار الرديئة وحديث ~~النفس بأسباب الشهوة ما يتشوش به مناجاته وربما عرض له ذلك في أثناء الصلاة # وإنما ذكرنا آفة اللسان والفرج مثالا وإلا فجميع معاصي الأعضاء السبعة ~~سببها القوة الحاصلة بالشبع قال حكيم كل مريد صبر على السياسة فيصبر على ~~الخبز البحت سنة لا يخلط به شيئا من الشهوات ويأكل في نصف بطنه رفع الله ~~عنه مؤنة النساء # الفائدة السادسة دفع النوم ودوام السهر فإن من شبع شرب كثيرا ومن كثر ~~شربه كثر نومه ولأجل ذلك كان بعض الشيوخ يقول عند ms1319 حضور الطعام معاشر ~~المريدين لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فترقدوا كثيرا فتخسروا كثيرا وأجمع ~~رأي سبعين صديقا على أن كثرة النوم من كثرة الشرب وفي كثرة النوم ضياع ~~العمر وفوت التهجد وبلادة الطبع وقساوة القلب والعمر أنفس الجواهر وهو رأس ~~مال العبد فيه يتجر والنوم موت فتكثيره ينقص العمر ثم فضيلة التهجد لا تخفى ~~وفي النوم فواتها ومهما غلب النوم فإن تهجد لم يجد حلاوة العبادة ثم ~~المتعزب إذا نام على الشبع احتلم ويمنعه ذلك أيضا من التهجد ويحوجه إلى ~~الغسل إما بالماء البارد فيتأذى به أو يحتاج إلى الحمام وربما لا يقدر عليه ~~بالليل فيفوته الوتر إن كان قد آخره إلى التهجد ثم يحتاج إلى مؤنة الحمام ~~وربما تقع عينه على عورة في دخول الحمام فإن فيه أخطارا ذكرناها في كتاب ~~الطهارة وكل ذلك أثر الشبع وقد قال أبو سليمان الداراني الاحتلام عقوبة ~~وإنما قال ذلك لأنه يمنع من عبادات كثيرة لتعذر الغسل في كل حال فالنوم ~~منبع الآفات والشبع مجلبة له والجوع مقطعة له # الفائدة السابعة تيسير المواظبة على العبادة فإن الأكل يمنع من كثرة ~~العبادات لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل وربما يحتاج إلى زمان في ~~شراء الطعام وطبخه ثم يحتاج إلى غسل اليد والخلال ثم يكثر ترداده إلى بيت ~~الماء لكثرة شربه والأوقات المصروفة إلى هذا لو صرفها إلى الذكر والمناجاة ~~وسائر العبادات لكثر ربحه قال السري رأيت مع علي الجرجاني سويقا يستف منه ~~فقلت ما حملك على هذا قال إني حسبت ما بين المضغ إلى الاستفاف سبعين تسبيحة ~~فما مضغت الخبز مند أربعين سنة فانظر كيف أشفق على وقته ولم يضيعه في المضغ ~~وكل نفس من العمر جوهرة نفيسة لا قيمة لها فينبغي أن يستوفى منه خزانة ~~باقية في الآخرة لا آخر لها وذلك بصرفه إلى ذكر الله وطاعته # ومن جملة ما يتعذر بكثرة الأكل الدوام على الطهارة وملازمة المسجد فإنه ~~يحتاج إلى الخروج لكثرة شرب الماء PageV03P086 # وإراقته ومن جملته الصوم فإنه يتيسر لمن ms1320 تعود الجوع فالصوم ودوام ~~الاعتكاف ودوام الطهارة وصرف أوقات شغله بالأكل وأسبابه إلى العبادة أرباح ~~كثيرة وإنما يستحقرها الغافلون الذين لم يعرفوا قدر الدين لكن رضوا بالحياة ~~الدنيا واطمأنوا بها {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم ~~غافلون} # وقد أشار أبو سليمان الداراني إلى ست آفات من الشبع فقال من شبع دخل عليه ~~ست آفات فقد حلاوة المناجاة وتعذر حفظ الحكمة وحرمان الشفقة على الخلق لأنه ~~إذا شبع ظن أن الخلق كلهم شباع وثقل العبادة وزيادة الشهوات وأن سائر ~~المؤمنين يدورون حول المساجد والشباع يدورون حول المزابل # الفائدة الثامنة يستفيد من قلة الأكل صحة البدن ودفع الأمراض فإن سببها ~~كثرة الأكل وحصول فضلة الأخلاط في المعدة والعروق ثم المرض يمنع من ~~العبادات ويشوش القلب ويمنع من الذكر والفكر وينغص العيش ويحوج إلى القصد ~~والحجامة والدواء والطبيب وكل ذلك يحتاج إلى مؤن ونفقات لا يخلو الإنسان ~~منها بعد التعب عن أنواع من المعاصي واقتحام الشهوات وفي الجوع ما يمنع ذلك ~~كله # حكي أن الرشيد جمع أربعة أطباء هندي ورومي وعراقي وسوادي وقال ليصف كل ~~واحد منكم الدواء الذي لا داء فيه فقال الهندي الدواء الذي لا داء فيه عندي ~~هو الإهليلج الأسود وقال العراقي هو حب الرشاد الأبيض وقال الرومي هو عندي ~~الماء الحار وقال السوادي وكان أعلمهم الإهليلج يعفص المعدة وهذا داء وحب ~~الرشاد يزلق المعدة وهذا داء والماء الحار يرخي المعدة وهذا داء قالوا فما ~~عندك فقال الدواء الذي لا داء معه عندي أن لا تأكل الطعام حتى تشتهيه وأن ~~ترفع يدك عنه وأنت تشتهيه فقالوا صدقت وذكر لبعض الفلاسفة من أطباء أهل ~~الكتاب قول النبي صلى الله عليه وسلم ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس ~~(1) حديث البطنة أصل الداء والحمية أصل الدواء وعودوا كل بدن بما اعتاد لم ~~أجد له أصلا (2) حديث صوموا تصحوا أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في ~~الطب النبوي من حديث أبي هريرة بسند ضعيف // ففي الصوم والجوع وتقليل ~~الطعام صحة الأجسام ms1321 وصحة القلوب من سقم الطغيان والبطر وغيرهما # الفائدة التاسعة خفة المؤونة فإن من تعود قلة الأكل كفاه من المال قدر ~~يسير والذي تعود الشبع صار بطنه غريما ملازما له آخذا بمخنقه في كل يوم ~~فيقول ماذا تأكل اليوم فيحتاج إلى أن يدخل المداخل فيكتسب من الحرام فيعصي ~~أو من الحلال فيذل وربما يحتاج إلى أن يمد أعين الطمع إلى الناس وهو غاية ~~الذل والقماءة والمؤمن خفيف المؤنة وقال بعض الحكماء إني لأقضي عامة حوائجي ~~بالترك فيكون ذلك أروح لقلبي وقال آخر إذا أردت أن أستقرض من غيري لشهوة أو ~~زيادة استقرضت من نفسي فتركت الشهوة فهي خير غريم لي وكان إبراهيم ابن أدهم ~~رحمه الله يسأل أصحابه عن سعر المأكولات فيقول إنها غالية فيقول أرخصوها ~~بالترك وقال سهل رحمه الله الأكول مذموم في ثلاثة أحوال إن كان من أهل ~~العبادة فيكسل وإن كان مكتسبا فلا يسلم من الآفات PageV03P087 # وإن كان ممن يدخل عليه شيء فلا ينصف الله تعالى من نفسه # وبالجملة سبب هلاك الناس حرصهم على الدنيا وسبب حرصهم على الدنيا البطن ~~والفرج وسبب شهوة الفرج شهوة البطن وفي تقليل الأكل ما يحسم هذه الأحوال ~~كلها وهي أبواب النار وفي حسمها فتح أبواب الجنة كما قال صلى الله عليه ~~وسلم أديموا قرع باب الجنة بالجوع فمن قنع برغيف في كل يوم قنع في سائر ~~الشهوات أيضا وصار حرا واستغنى عن الناس واستراح من التعب وتخلى لعبادة ~~الله عز وجل وتجارة الآخرة فيكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله وإنما لا تلهيهم لاستغنائهم عنها بالقناعة وأما المحتاج فتلهيه لا ~~محالة # الفائدة العاشرة أن يتمكن من الإيثار والتصدق بما فضل من الأطعمة على ~~اليتامى والمساكين فيكون يوم القيامة في ظل صدقته (1) كما ورد به الخبر فما ~~يأكله كان خزانته الكنيف وما يتصدق به كان خزانته فضل الله تعالى فليس ~~للعبد من ماله إلا ما تصدق فأبقى أو اكل فأفني أو لبس فأبلى فالتصدق بفضلات ~~الطعام أولى من التخمة ms1322 والشبع وكان الحسن رحمه الله عليه إذا تلا قوله ~~تعالى إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ~~وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا قال عرضها على السموات ~~السبع الطباق والطرائق التي زينها بالنجوم وحملة العرش العظيم فقال لها ~~سبحانه وتعالى هل تحملين الأمانة بما فيها قالت وما فيها قال إن أحسنت ~~جوزيت وإن أسأت عوقبت فقالت لا ثم عرضها كذلك على الأرض فأبت ثم عرضها على ~~الجبال الشوامخ الصلاب الصعاب فقال لها هل تحملين الأمانة بما فيها قالت ~~وما فيها فذكر الجزاء والعقوبة فقالت لا ثم عرضها على الإنسان فحملها إنه ~~كان ظلوما لنفسه جهولا بأمر ربه فقد رأيناهم والله اشتروا الأمانة بأموالهم ~~فأصابوا آلافا فماذا صنعوا فيها وسعوا بها دورهم وضيقوا بها قبورهم وأسمنوا ~~براذينهم وأهزلوا دينهم وأتعبوا أنفسهم بالغدو والرواح إلى باب السلطان ~~يتعرضون للبلاء وهم من الله في عافية يقول أحدهم تبيعني أرض كذا وكذا ~~وأزيدك كذا وكذا يتكيء على شماله ويأكل من غير ماله حديثه سخرة وماله حرام ~~حتى إذا أخذته الكظة ونزلت به البطنة قال يا غلام ائتني بشيء أهضم به طعامي ~~يالكع أطعامك تهضم إنما تهضم دينك أين الفقير أين الأرملة أين المسكين أين ~~اليتيم الذي أمرك الله تعالى بهم فهذه إشارة إلى هذه الفائدة وهو صرف فاضل ~~الطعام إلى الفقير ليدخر به الأجر فذلك خير له من أن يأكله حتى يتضاعف ~~الوزر عليه ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل سمين البطن فأومأ ~~إلى بطنه بإصبعه وقال لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك (2) أي لو قدمته ~~لآخرتك وآثرت به غيرك وعن الحسن قال والله لقد أدركت أقواما كان الرجل منهم ~~يمسي وعنده من الطعام ما يكفيه ولو شاء لأكله فيقول والله لا أجعل هذا كله ~~لبطني حتى أجعل بعضه لله # فهذه عشرة فوائد للجوع يتشعب من كل فائدة فوائد لا ينحصر عددها ولا ~~تتناهى فوائدها فالجوع خزانة عظيمة لفوائد الآخرة ولأجل هذا قال ms1323 بعض السلف ~~الجوع مفتاح الآخرة وباب الزهد والشبع مفتاح الدنيا وباب الرغبة بل ذلك ~~صريح في الأخبار التي رويناها بالوقوف على تفصيل هذه الفوائد تدرك معاني ~~تلك الأخبار إدراك علم وبصيرة فإذا لم تعرف هذا وصدقت بفضل الجوع كانت لك ~~رتبه المقلدين في الإيمان PageV03P088 # والله أعلم بالصواب ### ||| بيان طريق الرياضة في كسر شهوة البطن # اعلم أن على المريد في بطنه ومأكوله أربع وظائف الأول أن لا يأكل إلا ~~حلالا فإن العبادة مع أكل الحرام كالبناء على أمواج البحار وقد ذكرنا ما ~~تجب مراعاته من درجات الورع في كتاب الحلال والحرام وتبقى ثلاث وظائف خاصة ~~بالأكل وهو تقدير قدر الطعام في القلة والكثرة وتقدير وقته في الإبطاء ~~والسرعة وتعيين الجنس المأكول في تناول المشتهيات وتركها # أما الوظيفة الأولى في تقليل الطعام فسبيل الرياضة فيه التدريج فمن اعتاد ~~الأكل الكثير وانتقل دفعة واحدة إلى القليل لم يحتمله مزاجه وضعف وعظمت ~~مشقته فينبغي أن يتدرج إليه قليلا قليلا وذلك بأن ينقص قليلا قليلا من ~~طعامه المعتاد فإن كان يأكل رغيفين مثلا وأراد أن يرد نفسه إلى رغيف واحد ~~فينقص كل يوم ربع سبع رغيف وهو أن ينقص جزءا من ثمانية وعشرين جزءا أو جزءا ~~من ثلاثين جزءا فيرجع إلى رغيف في شهر ولا يستضر به ولا يظهر أثره فإن شاء ~~فعل في ذلك بالوزن وإن شاء بالمشاهدة فيترك كل يوم مقدار لقمة وينقصه عما ~~أكله بالأمس ثم هذا فيه أربع درجات # أقصاها أن يرد نفسه إلى قدر القوام الذي لا يبقى دونه وهو عادة الصديقين ~~وهو اختيار سهل التستري رحمة الله عليه إذ قال إن الله استعبد الخلق بثلاث ~~بالحياة والعقل والقوة فإن خاف العبد على اثنين منها وهي الحياة والعقل أكل ~~وأفطر إن كان صائما وتكلف الطلب إن كان فقيرا وإن لم يخف عليهما بل على ~~القوة قال فينبغي أن لا يبالي ولو ضعف حتى صلى قاعدا وأرى أن صلاته قاعدا ~~مع ضعف الجوع أفضل من صلاته قائما مع كثرة الأكل وسئل ms1324 سهل عن بدايته وما ~~كان يقتات به فقال كان قوتي في كل سنة ثلاثة دراهم كنت آخذ بدرهم دبسا ~~وبدرهم دقيق الأرز وبدرهم سمنا وأخلط الجميع وأسوي منه ثلثمائة وستين أكرة ~~آخذ في كل ليلة أكرة أفطر عليها فقيل له فالساعة كيف تأكل قال بغير حد ولا ~~توقيت ويحكى عن الرهابين أنهم قد يردون أنفسهم إلى مقدار درهم من الطعام # الدرجة الثانية أن يرد نفسه بالرياضة في اليوم والليلة إلى نصف مد وهو ~~رغيف وشيء مما يكون الأربعة منه منا ويشبه أن يكون هذا مقدار ثلث البطن في ~~حق الأكثرين كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وهو فوق اللقيمات لأن هذه ~~الصيغة في الجمع للقلة فهو لما دون العشرة وقد كان ذلك عادة عمر رضي الله ~~عنه إذ كان يأكل سبع لقم أو تسع لقم # الدرجة الثالثة أن يردها إلى مقدار المد وهو رغيفان ونصف وهذا يزيد على ~~ثلث البطن في حق الأكثرين ويكاد ينتهي إلى ثلثي البطن ويبقى ثلث للشراب ولا ~~يبقى شيء للذكر وفي بعض الألفاظ ثلث للذكر بدل قوله للنفس # الدرجة الرابعة أن يزيد على المد إلى المن ويشبه أن يكون ما وراء المن ~~إسرافا مخالفا لقوله تعالى {ولا تسرفوا} أعني في حق الأكثرين فإن مقدار ~~الحاجة إلى الطعام يختلف بالسن والشخص والعمل الذي يشتغل به وههنا طريق ~~خامس لا تقدير فيه ولكنه موضع غلط وهو أن يأكل إذا صدق جوعه ويقبض يده وهو ~~على شهوة صادقة بعد ولكن الأغلب أن من لم يقدر لنفسه رغيفا أو رغيفين فلا ~~يتبين له حد الجوع الصادق ويشتبه عليه ذلك بالشهوة الكاذبة PageV03P089 # وقد ذكر للجوع الصادق علامات إحداها أن لا تطلب النفس الأدم بل تأكل ~~الخبز وحده بشهوة أي خبر كان فمهما طلبت نفسه خبزا بعينه أو طلبت أدما فليس ~~ذلك بالجوع الصادق وقد قيل من علامته أن يبصق فلا يقع الذباب عليه أي لم ~~يبق فيه دهنية ولا دسومة فيدل ذلك على خلو المعدة ومعرفة ذلك غامض فالصواب ms1325 ~~للمريد أن يقدر مع نفسه القدر الذي لا يضعفه عن العبادة التي هو بصددها ~~فإذا انتهى إليه وقف وإن بقيت شهوته وعلى الجملة فتقدير الطعام لا يمكن ~~لأنه يختلف بالأحوال والأشخاص نعم قد كان قوت جماعة من الصحابة صاعا من ~~حنطة في كل جمعة فإذا أكلوا التمر اقتاتوا منه صاعا ونصفا وصاع الحنطة ~~أربعة أمداد فيكون كل يوم قريبا من نصف مد وهو ما ذكرناه أنه قدر ثلث البطن ~~واحتيج في التمر إلى زيادة لسقوط النوى منه وقد كان أبو ذر رضي الله عنه ~~يقول طعامي في كل جمعة صاع من شعير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والله لا أزيد عليه شيئا حتى ألقاه فإني سمعته يقول أقربكم مني مجلسا يوم ~~القيامة وأحبكم إلي من مات على ما هو عليه اليوم (1) وكان يقول في إنكاره ~~على بعض الصحابة قد غيرتم ينخل لكم الشعير ولم يكن ينخل وخبزتم المرقق ~~وجمعتم بين إدامين واختلف عليكم بألوان الطعام وغدا أحدكم في ثوب وراح في ~~آخر ولم يكونوا هكذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قوت أهل ~~الصفة مدا من تمر بين اثنين كل يوم (2) والمد رطل وثلث ويسقط منه النوى ~~وكان الحسن رحمة الله عليه يقول المؤمن مثل العنيزة يكفيه الكف من الحشف ~~والقبضة من السويق والجرعة من الماء والمنافق مثل السبع الضاري بلعا بلعا ~~وسرطا سرطا لا يطوي بطنه لجاره ولا يؤثر أخاه بفضله وجهوا هذه الفضول ~~أمامكم وقال سهل لو كانت الدنيا دما عبيطا لكان قوت المؤمن منها حلالا لأن ~~أكل المؤمن عند الضرورة بقدر القوام فقط # الوظيفة الثانية في وقت الأكل ومقدار تأخيره وفيه أيضا أربع درجات # الدرجة العليا أن يطوي ثلاثة أيام فما فوقها وفي المريدين من رد الرياضة ~~إلى الطي لا إلى المقدار حتى انتهى بعضهم إلى ثلاثين يوما وأربعين يوما ~~وانتهى إليه جماعة من العلماء يكثر عددهم منهم محمد بن عمرو القرني وعبد ~~الرحمن بن إبراهيم ورحيم وإبراهيم التيمي وحجاج بن ms1326 فرافصة وحفص العابد ~~المصيصي والمسلم بن سعيد وزهير وسليمان الخواص وسهل بن عبد الله التستري ~~وإبراهيم بن أحمد الخواص وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يطوي ستة ~~أيام وكان عبد الله بن الزبير يطوي سبعة أيام وكان أبو الجوزاء صاحب ابن ~~عباس يطوي سبعا وروي أن الثوري وإبراهيم بن أدهم كانا يطويان ثلاثا ثلاثا ~~كل ذلك كانوا يستعينون بالجوع على طريق الآخرة # قال بعض العلماء من طوى لله أربعين يوما ظهرت له قدرة من الملكوت أو كوشف ~~ببعض الأسرار الإلهية وقد حكي أن بعض أهل هذه الطائفة مر براهب فذاكره ~~بحاله وطمع في إسلامه وترك ما هو عليه من الغرور فكلمه في ذلك كلاما كثيرا ~~إلى أن قال له الراهب إن المسيح كان يطوي أربعين يوما وإن ذلك معجزة لا ~~تكون إلا لنبي أو صديق فقال له الصوفي فإن طويت خمسين يوما تترك ما أنت ~~عليه وتدخل في دين الإسلام وتعلم أنه حق وأنك على باطل قال نعم فجلس لا ~~يبرح إلا حيث يراه حتى طوى خمسين يوما ثم قال وأزيدك أيضا فطوى إلى تمام ~~الستين فتعجب الراهب منه وقال ما كنت أظن أن أحدا يجاوز المسيح فكان ذلك ~~سبب إسلامه PageV03P090 # وهذه درجة عظيمة قل من يبلغها إلا مكاشف محمول شغل بمشاهدة ما قطعه عن ~~طبعه وعادته واستوفى نفسه في لذته وأنساه جوعته وحاجته # الدرجة الثانية أن يطوى يومين إلى ثلاثة وليس ذلك خارجا عن العادة بل هو ~~قريب يمكن الوصول إليه بالجد والمجاهدة # الدرجة الثالثة وهي أدناها أن يقتصر في اليوم والليلة على أكلة واحدة ~~وهذا هو الأقل وما جاوز ذلك إسراف ومداومة للشبع حتى لا يكون له حالة جوع ~~وذلك فعل المترفين وهو بعيد من السنة فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تغدى لم يتعش وإذا تعشى لم يتغد (1) ~~وكان السلف يأكلون في كل يوم أكلة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة ~~إياك والسرف فإن ms1327 أكلتين في يوم من السرف وأكلة واحدة في كل يومين إقتار ~~وأكلة في كل يوم قوام بين ذلك (2) وهو المحمود في كتاب الله عز وجل ومن ~~اقتصر في اليوم على أكلة واحدة فيستحب له أن يأكلها سحرا قبل طلوع الفجر ~~فيكون أكله بعد التهجد وقبل الصبح فيحصل له جوع النهار للصيام وجوع الليل ~~للقيام وخلو القلب لفراغ المعدة ورقة الفكر واجتماع الهم وسكون النفس إلى ~~المعلوم فلا تنازعه قبل وقته وفي حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامكم هذا قط وإن ~~كان ليقوم حتى تورم قدماه وما واصل وصالكم هذا قط غير أنه قد أخر الفطر إلى ~~السحر (3) حديث كان يواصل إلى السحر لم أجده من فعله وإنما هو من قوله ~~فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر رواه البخاري من حديث أبي سعيد وأما ~~هو فكان يواصل وهو من خصائصه // فإن كان يلتفت قلب الصائم بعد المغرب إلى ~~الطعام وكان ذلك يشغله عن حضور القلب في التهجد فالأولى أن يقسم طعامه ~~نصفين فإن كان رغيفين مثلا أكل رغيفا عند الفطر ورغيفا عند السحر لتسكن ~~نفسه ويخف بدنه عند التهجد ولا يشتد بالنهار جوعه لأجل التسحر فيستعين ~~بالرغيف الأول على التهجد وبالثاني على الصوم ومن كان يصوم يوما ويفطر يوما ~~فلا بأس أن يأكل كل يوم فطره وقت الظهر ويوم صومه وقت السحر فهذه الطرق في ~~مواقيت الأكل وتباعده وتقاربه # الوظيفة الثالثة في نوع الطعام وترك الإدام وأعلى الطعام مخ البر فإن نخل ~~فهو غاية الترفه وأوسطه شعير منخول وأدناه شعير لم ينخل وأعلى الأدم اللحم ~~والحلاوة وأدناه الملح والخل وأوسطه المزورات بالأدهان من غير لحم وعادة ~~سالكي طريق الآخرة الامتناع من الإدام على الدوام بل الامتناع عن الشهوات ~~فإن كل لذيذ يشتهيه الإنسان وأكله اقتضى ذلك بطرا في نفسه وقسوة في قلبه ~~وأنسا له بلذات الدنيا حتى يألفها ويكره الموت ولقاء الله تعالى وتصير ms1328 ~~الدنيا جنة في حقه ويكون الموت سجنا له وإذا منع نفسه عن شهواتها وضيق ~~عليها وحرمها لذاتها صارت الدنيا سجنا عليه ومضيقا له فاشتهت نفسه الإفلات ~~منها فيكون الموت إطلاقها وإليه الإشارة بقول يحيى ابن معاذ حيث قال معاشر ~~الصديقين جوعوا أنفسكم لوليمة الفردوس فإن شهوة الطعام على قدر تجويع النفس ~~فكل ما ذكرناه من آفات الشبع فإنه يجري في كل الشهوات وتناول اللذات فلا ~~نطول بإعادته فلذلك يعظم الثواب PageV03P091 # في ترك الشهوات من المباحات ويعظم الخطر في تناولها حتى قال صلى الله ~~عليه وسلم شرار أمتي الذين يأكلون مخ الحنطة (1) وهذا ليس بتحريم بل هو ~~مباح على معنى أن من أكله مرة أو مرتين لم يعص ومن دام عليه أيضا فلا يعصي ~~بتناوله ولكن تتربى نفسه بالنعيم فتأنس بالدنيا وتألف اللذات وتسعى في ~~طلبها فيجرها ذلك إلى المعاصي فهم شرار الأمة لأن مخ الحنطة يقودهم إلى ~~اقتحام أمور تلك الأمور معاص # وقال صلى الله عليه وسلم شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم ونبتت عليه ~~أجسامهم (2) وإنما همتهم ألوان الطعام وأنواع اللباس ويتشدقون في الكلام ~~وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام اذكر أنك ساكن القبر فإن ذلك يمنعك ~~من كثير الشهوات وقد اشتد خوف السلف من تناول لذيذ الأطعمة وتمرين النفس ~~عليها ورأوا أن ذلك علامة الشقاوة ورأوا منع الله تعالى منه غاية السعادة ~~حتى روى أن وهب بن منبه قال التقى ملكان في السماء الرابعة فقال أحدهما ~~للآخر من أين قال أمرت بسوق حوت من البحر اشتهاه فلان اليهودي لعنه الله ~~وقال الآخر أمرت بإهراق زيت اشتهاه فلان العابد فهذا تنبيه على أن تيسير ~~أسباب الشهوات ليس من علامات الخير ولهذا امتنع عمر رضي الله عنه عن شربة ~~ماء بارد بعسل وقال اعزلوا عني حسابها فلا عبادة لله تعالى أعظم من مخالفة ~~النفس في الشهوات بالشهوات وترك اللذات كما أوردناه في كتاب رياضة النفس ~~وقد روى نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما كان مريضا فاشتهى سمكة طرية ~~فالتمست ms1329 له بالمدينة فلم توجد ثم وجدت بعد كذا وكذا فاشتريت له بدرهم ونصف ~~فشويت وحملت إليه على رغيف فقام سائل على الباب فقال للغلام لفها برغيفها ~~وادفعها إليه فقال له الغلام أصلحك الله قد اشتهيتها منذ كذا وكذا فلم ~~نجدها فلما وجدتها اشتريتها بدرهم ونصف فنحن نعطيه ثمنها فقال لفها وادفعها ~~إليه ثم قال الغلام للسائل هل لك أن تأخذ درهما وتتركها قال نعم فأعطاه ~~درهما وأخذها وأتى بها فوضعها بين يديه وقال قد أعطيته درهما وأخذتها منه ~~فقال لفها وادفعها إليه ولا تأخذ منه الدرهم فإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول أيما امريء اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر بها على نفسه غفر ~~الله له (3) وقال صلى الله عليه وسلم إذا سددت كلب الجوع برغيف وكوز من ~~الماء القراح فعلى الدنيا وأهلها الدمار (4) أشار إلى أن المقصود رد ألم ~~الجوع والعطش ودفع ضررهما دون التنعم بلذات الدنيا وبلغ عمر رضي الله عنه ~~أن يزيد بن أبي سفيان يأكل أنواع الطعام فقال عمر لمولى له إذا علمت أنه قد ~~حضر عشاؤه فأعلمني فأعلمه فدخل عليه فقرب عشاؤه فأتوه بثريد لحم فأكل معه ~~عمر ثم قرب الشواء وبسط يزيد يده وكف عمر يده وقال الله الله يا يزيد بن ~~أبي سفيان أطعام بعد طعام والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنتهم ليخالفن ~~بكم عن طريقهم وعن يسار بن عمير قال ما نخلت لعمر دقيقا قط إلا وأنا له عاص ~~وروي أن عتبة الغلام كان يعجن دقيقه ويجففه في الشمس ثم يأكله ويقول كسرة ~~وملح حتى يتهيأ في الآخرة الشواء والطعام الطيب وكان يأخذ الكوز فيغرف به ~~من جب كان في الشمس نهاره PageV03P092 # فتقول مولاة له يا عتبة لو أعطيتني دقيقك فخبزته لك وبردت لك الماء فيقول ~~لها يا أم فلان قد شردت عني كلب الجوع # قال شقيق بن إبراهيم لقيت إبراهيم بن أدهم بمكة في سوق الليل عند مولد ~~النبي صلى الله عليه وسلم يبكى وهو جالس بناحية ms1330 من الطريق فعدلت إليه وقعدت ~~عنده وقلت إيش هذا البكاء يا أبا إسحاق فقال خير فعاودته مرة واثنتين ~~وثلاثا فقال يا شقيق استر علي فقلت يا أخي قل ما شئت فقال لي اشتهت نفسي ~~منذ ثلاثين سنة سكباجا فمنعتها جهدي حتى إذا كان البارحة كنت جالسا وقد ~~غلبني النعاس إذ أنا بفتى شاب بيده قدح أخضر يعلوا منه بخار ورائحة سكباج ~~قال فاجتمعت بهمتي عنه فقربه وقال يا إبراهيم كل فقلت ما آكل قد تركته لله ~~عز وجل فقال لي قد أطعمك الله كل فما كان لي جواب إلا أني بكيت فقال لي كل ~~رحمك الله فقلت قد أمرنا أن لا نطرح في وعائنا إلا من حيث نعلم فقال كل ~~عافاك الله فإنما أعطيته فقيل لي يا خضر اذهب بهذا وأطعمه نفس إبراهيم بن ~~أدهم فقد رحمها الله من طول صبرها على ما يحملها من منعها اعلم يا إبراهيم ~~أني سمعت الملائكة يقولون من أعطى فلم يأخذ طلب فلم يعط فقلت إن كان كذلك ~~فها أنا بين يديك لأجل العقد مع الله تعالى ثم التفت فإذا أنا بفتى آخر ~~ناوله شيئا وقال يا خضر لقمه أنت فلم يزل يلقمني حتى نعست فانتبهت وحلاوته ~~في فمي قال شقيق فقلت أرني كفك فأخذت بكفه فقبلتها وقلت يا من يطعم الجياع ~~الشهوات إذا صححوا المنع يا من يقدح في الضمير اليقين يا من يشفى قلوبهم من ~~محبته أترى لشقيق عندك حالا ثم رفعت يد إبراهيم إلى السماء وقلت بقدر هذا ~~الكف عندك وبقدر صاحبه وبالجود الذي وجد منك جد على عبدك الفقير إلى فضلك ~~وإحسانك ورحمتك وإن لم يستحق ذلك قال فقام إبراهيم ومشى حتى أدركنا البيت ~~وروي عن مالك بن دينار أنه بقي أربعين سنة يشتهي لبنا فلم يأكله وأهدى إليه ~~يوما رطب فقال لأصحابه كلوا فما ذقته منذ أربعين سنة وقال أحمد بن أبي ~~الحواري اشتهى أبو سليمان الداراني رغيفا حارا بملح فجئت به إليه فعض منه ~~عضة ثم طرحه وأقبل ms1331 يبكي وقال عجلت إلى شهوتي بعد إطالة جهدي واشقوتي قد ~~عزمت على التوبة فأقلني قال أحمد فما رأيته أكل الملح حتى لقي الله تعالى ~~وقال مالك بن ضيغم مررت بالبصرة في السوق فنظرت إلى البقل فقالت لي نفسي لو ~~أطعمتني الليلة من هذا فأقسمت أن لا أطعمها إياه أربعين ليلة ومكث مالك بن ~~دينار بالبصرة خمسين سنة ما أكل رطبة لأهل البصرة ولا بسرة قط وقال يا أهل ~~البصرة عشت فيكم خمسين سنة ما أكلت لكم رطبة ولا بسرة فما زاد فيكم ما نقص ~~مني ولا نقص مني ما زاد فيكم وقال طلقت الدنيا منذ خمسين سنة اشتهت نفسي ~~لبنا منذ أربعين سنة فوالله لا أطعمها حتى ألحق بالله تعالى وقال حماد بن ~~أبي حنيفة أتيت داود الطائي والباب مغلق عليه فسمعته يقول نفسي اشتهيت جزرا ~~فأطعمتك جزرا ثم اشتهيت تمرا فآليت أن لا تأكليه أبدا فسلمت ودخلت فإذا هو ~~وحده ومر أبو حازم يوما في السوق فرأى الفاكهة فاشتهاها فقال لابنه اشتر ~~لنا من هذه الفاكهة المقطوعة الممنوعة لعلنا نذهب إلى الفاكهة التي لا ~~مقطوعة ولا ممنوعة فلما اشتراها وأتى بها إليه قال لنفسه قد خدعتيني حتى ~~نظرت واشتهيت وغلبتيني حتى اشتريت والله لأذقتيه فبعث بها إلى يتامى من ~~الفقراء وعن موسى الأشج أنه قال نفسي تشتهي ملحا جريشا منذ عشرين سنة وعن ~~أحمد بن خليفة قال نفسي تشتهي منذ عشرين سنة ما طلبت مني إلا الماء حتى ~~تروى فما أرويتها وروي أن عتبة الغلام اشتهى لحما سبع سنين فلما كان بعد ~~ذلك قال استحييت من نفسي أن أدافعها منذ سبع سنين سنة بعد سنة فاشتريت قطعة ~~لحم على خبز وشويتها PageV03P093 # وتركتها على رغيف فلقيت صبيا فقلت ألست أنت ابن فلان وقد مات أبوك قال ~~بلى فناولته إياها قالوا وأقبل يبكي ويقرأ ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ~~ويتيما وأسيرا ثم لم يذقه بعد ذلك ومكث يشتهي تمرا سنين فلما كان ذات يوم ~~اشترى تمرا بقيراط ورفعه إلى الليل ليفطر ms1332 عليه قال فهبت ريح شديدة حتى ~~أظلمت الدنيا ففزع الناس فأقبل عتبة على نفسه يقول هذا لجراءتي عليك وشرائي ~~التمر بالقيراط ثم قال لنفسه ما أظن أخذ الناس إلا بذنبك على أن لا تذوقيه ~~واشترى داود الطائي بنصف فلس بقلا وبفلس خلا وأقبل ليلته كلها يقول لنفسه ~~ويلك يا دواد ما أطول حسابك يوم القيامة ثم لم يأكل بعده إلا قفارا وقال ~~عتبة الغلام يوما لعبد الواحد بن زيد إن فلانا يصف من نفسه منزلة ما أعرفها ~~من نفسي فقال لأنك تأكل مع خبزك تمرا وهو لا يزيد على الخبز شيئا قال فإن ~~أنا تركت أكل التمر عرفت تلك المنزلة قال نعم وغيرها فأخذ يبكي فقال له بعض ~~أصحابه لا أبكى الله عينك أعلى التمر تبكي فقال عبد الواحد دعه فإن نفسه قد ~~عرفت صدق عزمه في الترك وهو إذا ترك شيئا لم يعاوده وقال جعفر بن نصر أمرني ~~الجنيد أن أشتري له التين الوزيري فلما اشتريته أخذ واحدة عند الفطور ~~فوضعها في فمه ثم ألقاها وجعل يبكي ثم قال احمله فقلت له في ذلك فقال هتف ~~بي هاتف أما تستحي تركته من أجلي ثم تعود إليه وقال صالح المري قلت لعطاء ~~السلمي إني متكلف لك شيئا فلا ترد على كرامتي فقال افعل ما تريد قال فبعثت ~~إليه مع ابني شربة من سويق قد لتته بسمن وعسل فقلت لا تبرح حتى يشربها فلما ~~كان من الغد جعلت له نحوها فردها ولم يشربها فعاتبته ولمته على ذلك وقلت ~~سبحان الله رددت على كرامتي فلما رأى وجدي لذلك قال لا يسوءك هذا إني قد ~~شربتها أول مرة وقد راودت نفسي في المرة الثانية على شربها فلم أقدر على ~~ذلك كلما أردت ذلك ذكرت قوله تعالى {يتجرعه ولا يكاد يسيغه} الآية قال صالح ~~فبكيت وقلت في نفسي أنا في واد وأنت في واد آخر وقال السري السقطي نفسي منذ ~~ثلاثين سنة تطالبني أن أغمس جزرة في دبس فما أطعمتها وقال أبو بكر الجلاء ms1333 ~~أعرف رجلا تقول له نفسه أنا أصبر لك على طي عشرة أيام وأطعمني بعد ذلك شهوة ~~أشتهيها فيقول لها لا أريد أن تطوى عشرة أيام ولكن اتركي هذه الشهوة وروي ~~أن عابدا دعا بعض إخوانه فقرب إليه رغفانا فجعل أخوه يقلب الأرغفة ليختار ~~أجودها فقال له العابد مه أي شيء تصنع أما علمت أن في الرغيف الذي رغبت عنه ~~كذا وكذا حكمة وعمل فيه كذا وكذا صانعا حتى استدار من السحاب الذي يحمل ~~الماء والماء الذي يسقي الأرض والرياح والأرض والبهائم وبني آدم حتى صار ~~إليك ثم أنت بعد هذا تقلبه ولا ترضى به # وفي الخبر لا يستدير الرغيف ويوضع بين يديك حتى يعمل فيه ثلثمائة وستون ~~صانعا أولهم ميكائيل عليه السلام الذي يكيل الماء من خزائن الرحمة ثم ~~الملائكة التي تزجي السحاب والشمس والقمر والأفلاك وملائكة الهواء ودواب ~~الأرض وآخرهم الخباز وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها // حديث لا يستدير ~~الرغيف ويوضع بين يديك حتى يعمل فيه ثلثمائة وستون صانعا أولهم ميكائيل ~~الحديث لم أجد له أصل وقال بعضهم أتيت قاسما الجرعي فسألت عن الزهد أي شيء ~~هو فقال أي شيء سمعت فيه فعددت أقوالا فسكت فقلت أي شيء تقول أنت فقال اعلم ~~أن البطن دنيا العبد فبقدر ما يملك من بطنه يملك من الزهد وبقدر ما يملكه ~~بطنه تملكه الدنيا وكان بشر بن الحرث قد اعتل مرة فأتى عبد الرحمن الطبيب ~~يسأله عن شيء يوافقه من المأكولات فقال تسألني فإذا وصفت لك لم تقبل مني ~~قال صف لي حتى أسمع قال تشرب سكنجبينا وتمص سفرجلا وتأكل PageV03P094 # بعد ذلك اسفيذباجا فقال له بشر هل تعلم شيئا اقل من السكنجبين يقوم مقامه ~~قال لا قال أنا أعرف قال ما هو قال الهندبا بالخل ثم قال أتعرف شيئا اقل من ~~السفرجل يقوم مقامه قال لا قال أنا أعرف قال ما هو قال الخرنوب الشامي قال ~~فتعرف شيئا أقل من الاسفيذباج يقوم مقامه قال لا قال أنا أعرف ماء الحمص ~~بسمن البقر ms1334 في معناه فقال له عبد الرحمن أنت أعلم مني بالطب فلم تسألني # فقد عرفت بهذا أن هؤلاء امتنعوا من الشهوات ومن الشبع من الأقوات وكان ~~امتناعهم للفوائد التي ذكرناها وفي بعض الأوقات لأنهم كانوا لا يصفو لهم ~~الحلال فلم يرخصوا لأنفسهم إلا في قدر الضرورة والشهوات ليست من الضرورات ~~حتى قال أبو سليمان الملح شهوة لأنه زيادة على الخبز وما وراء الخبز شهوة ~~وهذا هو النهاية فمن لم يقدر على ذلك فينبغي أن لا يغفل عن نفسه ولا ينهمك ~~في الشهوات فكفى بالمرء إسرافا أن يأكل كل ما يشتهيه ويفعل كل ما يهواه ~~فينبغي أن لا يواظب على أكل اللحم وقال علي كرم الله وجهه من ترك اللحم ~~أربعين يوما ساء خلقه ومن داوم عليه أربعين يوما قسا قلبه وقيل أن للمداومة ~~على اللحم ضراوة كضراوة الخمر ومهما كان جائعا وتاقت نفسه إلى الجماع فلا ~~ينبغي أن يأكل ويجامع فيعطي نفسه شهوتين فتقوى عليه وربما طلبت النفس الأكل ~~لينشط في الجماع ويستحب أن لا ينام على الشبع فيجمع بين غفلتين فيعاد ~~الفتور ويقسو قلبه لذلك ولكن ليصل أو ليجلس فيذكر الله تعالى فإنه أقرب إلى ~~الشكر وفي الحديث أذيبوا طعامكم بالذكر والصلاة ولا تناموا عليه فتقسو ~~قلوبكم (1) وأقل ذلك أن يصلي أربع ركعات أو يسبح مائة تسبيحة أو يقرأ جزءا ~~من القرآن عقيب أكله فقد كان سفيان الثوري إذا شبع ليلة أحياها وإذا شبع في ~~يوم واصله بالصلاة والذكر وكان يقول أشبع الزنجي وكده ومرة يقول أشبع ~~الحمار وكده ومهما اشتهى شيئا من الطعام وطيبات الفواكه فينبغي أن يترك ~~الخبز ويأكلها بدلا منه لتكون قوتا ولا تكون تفكها لئلا يجمع للنفس بين ~~عادة وشهوة نظر سهل إلى ابن سالم وفي يده خبز وتمر فقال له ابدأ بالتمر فإن ~~قامت كفايتك به وإلا أخذت من الخبز بعده بقدر حاجتك ومهما وجد طعاما لطيفا ~~وغليظا فليقدم اللطيف فإنه لا يشتهي الغليظ بعده ولو قدم الغليظ لأكل ~~اللطيف أيضا للطافته وكان بعضهم يقول ms1335 لأصحابه لا تأكلوا الشهوات فإن ~~أكلتموها فلا تطلبوها فإن طلبتموها فلا تحبوها وطلب بعض أنواع الخبز شهوة ~~قال عبد الله ابن عمر رحمة الله عليهما ما تأتينا من العراق فاكهة أحب ~~إلينا من الخبز فرأى ذلك الخبز فاكهة # وعلى الجملة لا سبيل إلى إهمال النفس في الشهوات المباحات وأتباعها بكل ~~حال فبقدر ما يستوفي العبد من شهوته يخشى أن يقال له يوم القيامة {أذهبتم ~~طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} وبقدر ما يجاهد نفسه ويترك شهوته ~~يتمتع في الدار الآخر بشهواته قال بعض أهل البصرة نازعتني نفسي خبز أرز ~~وسمكا فمنعتها فقويت مطالبتها واشتدت مجاهدتي لها عشرين سنة فلما مات قال ~~بعضهم رأيته في المنام فقلت ماذا فعل الله بك قال لا أحسن أن أصف ما تلقاني ~~به ربي من النعم والكرامات وكان أول شيء استقبلني به خبز أرز وسمكا وقال كل ~~اليوم شهوتك هنيئا بغير حساب وقد قال تعالى {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم ~~في الأيام الخالية} وكانوا قد أسلفوا ترك الشهوات ولذلك قال أبو سليمان ترك ~~شهوة من الشهوات أنفع للقلب من صيام سنة وقيامها وفقنا الله لما يرضيه ~~PageV03P095 ### ||| بيان اختلاف حكم الجوع وفضيلته واختلاف أحوال الناس فيه # اعلم أن المطلوب الأقصى في جميع الأمور والأخلاق الوسط إذ خير الأمور ~~أوساطها وكلا طرفي قصد الأمور ذميم وما أوردناه في فضائل الجوع ربما يوميء ~~إلى أن الإفراط فيه مطلوب وهيهات ولكن من أسرار حكمة الشريعة أن كل ما يطلب ~~الطبع فيه الطرف الأقصى وكان فيه فساد جاء الشرع بالمبالغة في المنع منه ~~على وجه يوميء عند الجاهل إلى أن المطلوب مضادة ما يقتضيه الطبع بغاية ~~الإمكان والعالم يدرك أن المقصود الوسط لأن الطبع إذا طلب غاية الشبع ~~فالشرع ينبغي أن يمدح غاية الجوع حتى يكون الطبع باعثا والشرع مانعا ~~فيتقاومان ويحصل الاعتدال فإن من يقدر على قمع الطبع بالكلية بعيد فيعلم ~~أنه لا ينتهي إلى الغاية فإنه إن أسرف مسرف في مضادة الطبع كان في الشرع ~~أيضا ما يدل ms1336 على إساءته كما أن الشرع بالغ في الثناء على قيام الليل وصيام ~~النهار ثم لما علم النبي صلى الله عليه وسلم من حال بعضهم أنه يصوم الدهر ~~كله ويقوم الليل كله نهى عنه (1) # فإذا عرفت هذا فاعلم أن الأفضل بالإضافة إلى الطبع المعتدل أن يأكل بحيث ~~لا يحس بثقل المعدة ولا يحس بألم الجوع بل ينسى بطنه فلا يؤثر فيه الجوع ~~أصلا فإن مقصود الأكل بقاء الحياة وقوة العبادة وثقل المعدة يمنع من ~~العبادة وألم الجوع أيضا يشغل القلب ويمنع منها فالمقصود أن يأكل أكلا لا ~~يبقي للمأكول فيه أثر ليكون متشبها بالملائكة فإنهم مقدسون عن ثقل الطعام ~~وألم الجوع وغاية الإنسان الاقتداء بهم وإذا لم يكن للإنسان خلاص من الشبع ~~والجوع فأبعد الأحوال عن الطرفين الوسط وهو الاعتدال # ومثال طلب الآدمي البعد عن هذه الأطراف المتقابلة بالرجوع إلى الوسط مثال ~~نملة ألقيت في وسط حلقة محمية على النار مطروحة على الأرض فإن النملة تهرب ~~من حرارة الحلقة وهي محيطة بها لا تقدر على الخروج منها فلا تزال تهرب حتى ~~تستقر على المركز الذي هو الوسط فلو ماتت ماتت على الوسط لأن الوسط هو أبعد ~~المواضع عن الحرارة التي في الحلقة المحيطة فكذلك الشهوات محيطة بالإنسان ~~إحاطة تلك الحلقة بالنملة والملائكة خارجون عن تلك الحلقة ولا مطمع للإنسان ~~في الخروج وهو يريد أن يتشبه بالملائكة في الخلاص فأشبه أحواله بهم البعد ~~وأبعد المواضع عن الأطراف الوسط فصار الوسط مطلوبا في جميع هذه الأحوال ~~المتقابلة وعنه عبر بقوله صلى الله عليه وسلم خير الأمور أوساطها (2) وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} ومهما لم يحس الإنسان بجوع ~~ولا شبع تيسرت له العبادة والفكر وخف في نفسه وقوي على العمل مع خفته ولكن ~~هذا بعد اعتدال الطبع # أما في بداية الأمر إذا كانت النفس جموحا متشوقة إلى الشهوات مائلة إلى ~~الإفراط فالاعتدال لا ينفعها بل لا بد من المبالغة في إيلامها بالجوع كما ~~يبالغ في إيلام الدابة التي ليست مروضة بالجوع ms1337 والضرب وغيره إلى أن تعتدل ~~فإذا ارتاضت واستوت ورجعت إلى الاعتدال ترك تعذيبها وإيلامها ولأجل هذا ~~السر يأمر الشيخ مريده بما لا يتعاطاه هو في نفسه فيأمره بالجوع وهو لا ~~يجوع ويمنعه الفواكه والشهوات وقد لا يمتنع هو منها لأنه قد فرغ من تأديب ~~نفسه فاستغنى عن التعذيب ولما كان أغلب أحوال النفس الشره والشهوة والجماح ~~والامتناع عن العبادة كان الأصلح لها الجوع الذي تحس بألمه في أكثر الأحوال ~~لتنكسر نفسه والمقصود أن تنكسر حتى PageV03P096 # تعتدل فترد بعد ذلك الغذاء أيضا إلى الاعتدال وإنما يمتنع من ملازمة ~~الجوع من سالكي طريق الآخرة إما صديق وإما مغرور أحمق # أما الصديق المستقيم فلاستقامة نفسه على الصراط المستقيم واستغنائه عن أن ~~يساق بسياط الجوع إلى الحق وأما المغرور فلظنه بنفسه أنه الصديق المستغني ~~عن تأديب نفسه الظان بها خيرا وهذا غرور عظيم وهو الأغلب فإن النفس قلما ~~تتأدب تأدبا كاملا وكثيرا ما تغتر فتنظر إلى الصديق ومسامحته نفسه في ذلك ~~فيسامح نفسه كالمريض ينظر إلى من قد صح من مرضه فيتناول ما يتناوله ويظن ~~بنفسه الصحة فيهلك والذي يدل على أن تقدير الطعام بمقدار يسير في وقت مخصوص ~~ونوع مخصوص ليس مقصودا في نفسه وإنما هو مجاهدة نفس متنائية عن الحق غير ~~بالغة رتبة الكمال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له تقدير وتوقيت ~~لطعامه # قالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى ~~نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم (1) وكان يدخل على أهله فيقول هل ~~عندكم من شيء فإن قالوا نعم أكل وإن قالوا لا قال إني إذن صائم (2) حديث ~~كان يقدم إليه الشيء فيقول أما إني كنت أريد الصوم أخرجه البيهقي من حديث ~~عائشة بلفظ وإن كنت قد فرضت الصوم وقال إسناد صحيح وعند مسلم قد كنت أصبحت ~~صائما (3) حديث خرج وقال إني صائم فقالت عائشة يا رسول الله قد أهدي إلينا ~~حيس فقال كنت أردت الصوم ولكن قربيه أخرجه مسلم ms1338 بلفظ قد كنت أصبحت صائما ~~وفي رواية له أدنيه فقد أصبحت صائما فأكل وفي لفظ للبيهقي إني كنت أريد ~~الصوم ولكن قربيه // # ولذلك حكي عن سهل أنه قيل له كيف كنت في بدايتك فأخبر بضروب من الرياضات ~~منها أنه كان يقتات ورق النبق مدة ومنها أنه أكل دقاق التين مدة ثلاث سنين ~~ثم ذكر أنه اقتات بثلاثة دراهم في ثلاث سنين فقيل له فكيف أنت في وقتك هذا ~~فقال آكل بلا حد ولا توقيت وليس المراد بقوله بلا حد ولا توقيت أني آكل ~~كثيرا بل أني لا أقدر بمقدار واحد ما آكله وقد كان معروف الكرخي يهدى إليه ~~طيبات الطعام فيأكل فقيل له إن أخاك بشرا لا يأكل مثل هذا فقال إن أخي بشرا ~~قبضه الورع وأنا بسطتني المعرفة ثم قال إنما أنا ضيف في دار مولاي فإذا ~~أطعمني أكلت وإذا جوعني صبرت مالي والاعتراض والتمييز ودفع إبراهيم بن أدهم ~~إلى بعض إخوانه دراهم وقال خذ لنا بهذه الدراهم زبدا وعسلا وخبزا حواريا ~~فقيل يا أبا إسحاق بهذا كله قال ويحك إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال وإذا ~~عدمنا صبرنا صبر الرجال وأصلح ذات يوم طعاما كثيرا ودعا إليه نفرا يسيرا ~~فيهم الأوزاعي والثوري فقال له الثوري يا أبا إسحاق أما تخاف أن يكون هذا ~~إسرافا فقال ليس في الطعام إسراف إنما الإسراف في اللباس والأثاث # فالذي أخذ العلم من السماع والنقل تقليدا يرى هذا من إبراهيم بن أدهم ~~ويسمع عن مالك بن دينار أنه قال ما دخل بيتي الملح منذ عشرين سنة وعن سري ~~السقطي أنه منذ أربعين سنة يشتهي أن يغمس جزرة في دبس فما فعل فيراه ~~متناقضا فيتحير أو يقطع بأن أحدهما مخطئ والبصير بأسرار القول يعلم أن كل ~~ذلك حق ولكن بالإضافة إلى PageV03P097 # اختلاف الأحوال ثم هذه الأحوال المختلفة يسمعها فطن محتاط أو غبي مغرور ~~فيقول المحتاط ما أنا من جملة العارفين حتى أسامح نفسي فليس نفسي أطوع من ~~نفس سري السقطي ومالك بن دينار وهؤلاء من ms1339 الممتنعين عن الشهوات فيقتدى بهم ~~والمغرور يقول ما نفسي بأعصى علي من نفس معروف الكرخي وإبراهيم بن أدهم ~~فاقتدى بهم وأرفع التقدير في مأكولي فأنا أيضا ضيف في دار مولاي فمالي ~~وللاعتراض ثم إنه لو قصر أحد في حقه وتوقيره أو في ماله وجاهه بطريقة واحدة ~~قامت القيامة عليه واشتغل بالاعتراض وهذا مجال رحب للشيطان مع الحمقى بل ~~رفع التقدير في الطعام والصيام وأكل الشهوات لا يسلم إلا لمن ينظر من مشكاة ~~الولاية والنبوة فيكون بينه وبين الله علامة في استرساله وانقباضه ولا يكون ~~ذلك إلا بعد خروج النفس عن طاعة الهوى والعادة بالكلية حتى يكون أكله إذا ~~أكل على نية كما يكون إمساكه بنية فيكون عاملا لله في أكله وإفطاره فينبغي ~~أن يتعلم الحزم من عمر رضي الله عنه فإنه كان يرى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يحب العسل ويأكله // حديث كان يحب العسل ويأكله متفق عليه من حديث ~~عائشة كان يحب الحلواء والعسل الحديث وفيه قصة شربه العسل عند بعض نسائه ثم ~~لم يقس نفسه عليه بل لما عرضت عليه شربة باردة ممزوجة بعسل جعل يدير الإناء ~~في يده ويقول أشربها وتذهب حلاوتها وتبقى تبعتها اعزلوا عني حسابها وتركها # وهذه الأسرار لا يجوز لشيخ أن يكاشف بها مريده بل يقتصر على مدح الجوع ~~فقط ولا يدعوه إلى الاعتدال فإنه يقصر لا محال عما يدعوه إليه فينبغي أن ~~يدعوه إلى غاية الجوع حتى يتيسر له الاعتدال # ولا يذكر له أن العارف الكامل يستغني عن الرياضة فإن الشيطان يجد متعلقا ~~من قلبه فيلقى إليه كل ساعة إنك عارف كامل وما الذي فاتك من المعرفة ~~والكمال بل كان من عادة إبراهيم الخواص أن يخوض مع المريد في كل رياضة كان ~~يأمره بها كيلا يخطر بباله أن الشيخ يأمره بما لم يفعل فينفره ذلك من ~~رياضته والقوي إذا اشتغل بالرياضة وإصلاح الغير لزمه النزول إلى حد الضعفاء ~~تشبها بهم وتلطفا في سياقتهم إلى السعادة وهذا ابتلاء عظيم للأنبياء ~~والأولياء وإذا كان ms1340 الاعتدال خفيا في حق كل شخص فالحزم والاحتياط ينبغي أن ~~لا يترك في كل حال ولذلك أدب عمر رضي الله عنه ولده عبد الله إذ دخل عليه ~~فوجده يأكل لحما مأدوما بسمن فعلاه بالدرة وقال لا أم لك كل يوما خبزا ~~ولحما ويوما خبزا ولبنا ويوما خبزا وسمنا ويوما خبزا وزيتا ويوما خبزا ~~وملحا ويوما خبزا قفارا وهذا هو الاعتدال فأما المواظبة على اللحم والشهوات ~~فإفراط وإسراف ومهاجرة اللحم بالكلية إقتار وهذا قوام بين ذلك والله تعالى ~~أعلم ### ||| بيان آفة الرياء المتطرق إلى من ترك أكل الشهوات وقلل الطعام # اعلم أنه يدخل على تارك الشهوات آفتان عظيمتان هما أعظم من أكل الشهوات # إحداهما أن لا تقدر النفس على ترك بعض الشهوات فتشتهيها ولكن لا يريد أن ~~يعرف بأنه يشتهيها فيخفي الشهوة ويأكل في الخلوة ما لا يأكل مع الجماعة ~~وهذا هو الشرك الخفي سئل بعض العلماء عن بعض الزهاد فسكت عنه فقيل له هل ~~تعلم به بأسا قال يأكل في الخلوة ما لا يأكل مع الجماعة وهذه آفة عظيمة بل ~~حق العبد إذا ابتلى بالشهوات وحبها أن يظهرها فإن هذا صدق الحال وهو بدل عن ~~فوات المجاهدات بالأعمال فإن إخفاء النقص وإظهار ضده من الكمال هو نقصانان ~~متضاعفان والكذب مع الإخفاء كذبان فيكون مستحقا لمقتين ولا يرضى منه إلا ~~بتوبتين صادقتين PageV03P098 # ولذلك شدد أمر المنافقين فقال تعالى {إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار} لأن الكافر كفر وأظهر وهذا كفر وستر فكان ستره لكفره كفرا آخر لأنه ~~استخف بنظر الله سبحانه وتعالى إلى قلبه وعظم نظر المخلوقين فمحا الكفر عن ~~ظاهره والعارفون يبتلون بالشهوات بل بالمعاصي ولا يبتلون بالرياء والغش ~~والإخفاء بل كمال العارف أن يترك الشهوات لله تعالى ويظهر من نفسه الشهوة ~~إسقاطا لمنزلته من قلوب الخلق وكان بعضهم يشتري الشهوات ويعلقها في البيت ~~وهو فيها من الزاهدين وإنما يقصد به تلبيس حاله ليصرف عنه نفسه قلوب ~~الغافلين حتى لا يشوشون عليه حاله # فنهاية الزهد الزهد في الزهد بإظهار ms1341 ضده وهذا عمل الصديقين فإنه جمع بين ~~صدقين كما أن الأول جمع بين كذبين وهذا قد حمل على النفس ثقلين وجرعها كأس ~~الصبر مرتين مرة بشربه ومرة برميه فلا جرم أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما ~~صبروا وهذا يضاهي طريق من يعطي جهرا فيأخذ ويرد سرا ليكسر نفسه بالذل جهرا ~~وبالفقر سرا فمن فاته هذا فلا ينبغي أن يفوته إظهار شهوته ونقصانه والصدق ~~فيه ولا ينبغي أن يغره قول الشيطان إنك إذا أظهرت اقتدى بك غيرك فاستره ~~إصلاحا لغيرك فإنه لو قصد إصلاح غيره لكان إصلاح نفسه أهم عليه من غيره ~~فهذا إنما يقصد الرياء المجرد ويروجه الشيطان عليه في معرض إصلاح غيره ~~فلذلك ثقل عليه ظهور ذلك منه واعلم أن من اطلع عليه ليس يقتدى به في الفعل ~~أو لا ينزجر باعتقاده أنه تارك للشهوات # الآفة الثانية أن يقدر على ترك الشهوات لكنه يفرح أن يعرف به فيشتهر ~~بالتعفف عن الشهوات فقد خالف شهوة ضعيفة وهي شهوة الأكل وأطاع شهوة هي شر ~~منها وهي شهوة الجاه وتلك هي الشهوة الخفية فمهما أحس بذلك من نفسه فكسر ~~هذه الشهوة آكد من كسر شهوة الطعام فليأكل فهو أولى له قال أبو سليمان إذا ~~قدمت إليك شهوة وقد كنت تاركا لها فأصب منها شيئا يسيرا ولا تعط نفسك مناها ~~فتكون قد أسقطت عن نفسك الشهوة وتكون قد نغصت عليها إذا لم تعطها شهوتها ~~وقال محمد بن جعفر الصادق إذا قدمت إلى شهوة نظرت إلى نفسي فإن هي أظهرت ~~شهوتها أطعمتها منها وكان ذلك أفضل من منعها وإن أخفت شهوتها وأظهرت العزوب ~~عنها عاقبتها بالترك ولم أنلها منها شيئا وهذا طريق في عقوبة النفس على هذه ~~الشهوة الخفية # وبالجملة من ترك شهوة الطعام ووقع في شهوة الرياء كان كمن هرب من عقرب ~~وفزع إلى حية لأن شهوة الرياء أضر كثيرا من شهوة الطعام والله ولي التوفيق ### ||| القول في شهوة الفرج # اعلم أن شهوة الوقاع سلطت على الإنسان لفائدتين إحداهما أن يدرك لذته ~~فيقيس به ms1342 لذات الآخرة # فإن لذة الوقاع لو دامت لكانت أقوى لذات الأجساد كما أن النار وآلامها ~~أعظم آلام الجسد والترغيب والترهيب يسوق الناس إلى سعادتهم وليس ذلك إلا ~~بألم محسوس ولذة محسوسة مدركة فإن ما لا يدرك بالذوق لا يعظم إليه الشوق # الفائدة الثانية بقاء النسل ودوام الوجود فهذه فائدتها ولكن فيها من ~~الآفات ما يهلك الدين والدنيا إن لم تضبط ولم تقهر ولم ترد إلى حد الاعتدال ~~وقد قيل في تأويل قوله تعالى {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} معناه ~~شدة الغلمة وعن ابن عباس في قوله تعالى {ومن شر غاسق إذا وقب} قال هو قيام ~~الذكر وقد أسنده بعض الرواة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه قال ~~في تفسيره الذكر إذا دخل وقد قيل إذا PageV03P099 # قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله (1) وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه ~~اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وبصري وقلبي وهني ومني (2) وقال صلى الله ~~عليه وسلم النساء حبائل الشيطان ولولا هذه الشهوة لما كان للنساء سلطنة على ~~الرجال (3) # روي أن موسى عليه السلام كان جالسا في بعض مجالسه إذا أقبل إليه إبليس ~~وعليه برنس يتلون فيه ألوانا فلما دنا منه خلع البرنس فوضعه ثم أتاه فقال ~~السلام عليك يا موسى فقال له موسى من أنت فقال أنا إبليس فقال لا حياك الله ~~ما جاء بك قال جئت لأسلم عليك لمنزلتك من الله ومكانتك منه قال فما الذي ~~رأيت عليك قال برنس أختطف به قلوب بني آدم قال فما الذي إذا صنعه الإنسان ~~استحوذت عليه قال إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله ونسي ذنوبه وأحذرك ثلاثا لا ~~تخل بامرأة لا تحل لك فإنه ما خلا رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه دون ~~أصحابي حتى أفتنه بها وأفتنها به ولا تعاهد الله عهدا إلا وفيت به ولا ~~تخرجن صدقة إلا أمضيتها فإنه ما أخرج رجل صدقة فلم يمضها إلا كنت صاحبه دون ~~أصحابي حتى أحول بينه ms1343 وبين الوفاء بها ثم ولى وهو يقول علم موسى ما يحذر به ~~بني آدم وعن سعيد بن المسيب قال ما بعث الله نبيا فيما خلا إلا لم ييأس ~~إبليس أن يهلكه بالنساء ولا شيء أخوف عندي منهن وما بالمدينة بيت أدخله إلا ~~بيتي وبيت ابنتي أغتسل فيه يوم الجمعة ثم أروح وقال بعضهم إن الشيطان يقول ~~للمرأة أنت نصف جندي وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطيء وأنت موضع سري وأنت ~~رسولي في حاجتي فنصف جنده الشهوة ونصف جنده الغضب # وأعظم الشهوات شهوة النساء وهذه الشهوة أيضا لها إفراط وتفريط واعتدال ~~فالإفراط ما يقهر العقل حتى يصرف همة الرجال إلى الاستمتاع بالنساء ~~والجواري فيحرم عن سلوك طريق الآخرة أو يقهر الدين حتى يجر إلى اقتحام ~~الفواحش وقد ينتهي إفراطها بطائفة إلى أمرين شنيعين # أحدهما أن يتناولوا ما يقوى شهواتهم على الاستكثار من الوقاع كما قد ~~يتناول بعض الناس أدوية تقوى المعدة لتعظم شهوة الطعام وما مثال ذلك إلا ~~كمن ابتلى بسباع ضارية وحيات عادية فتنام عنه في بعض الأوقات فيحتال ~~لإثارتها وتهييجها ثم يشتغل بإصلاحها وعلاجها فإن شهوة الطعام والوقاع على ~~التحقيق آلام يريد الإنسان الخلاص منها فيدرك لذة بسبب الخلاص # فإن قلت فقد روى في غريب الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~شكوت إلى جبرائيل ضعف الوقاع فأمرني بأكل الهريسة (4) فاعلم أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان تحته تسع نسوة ووجب عليه تحصينهن بالإمتاع وحرم على غيره ~~نكاحهن وإن طلقهن فكان طلبه القوة لهذا لا للتمتع # والأمر الثاني أنه قد تنتهي هذه الشهوة ببعض الضلال إلى العشق وهو غاية ~~الجهل بما وضع له الوقاع وهو مجاوزة في البهيمية لحد البهائم لأن المتعشق ~~ليس يقنع بإراقة شهوة الوقاع وهي أقبح الشهوات وأجدرها أن يستحي منه حتى ~~أعتقد أن الشهوة لا تنقضي إلا من محل واحد والبهيمة تقضي الشهوة أين اتفق ~~فتكتفي به وهذا لا يكتفي PageV03P100 # إلا بشخص واحد معين حتى يزداد به ذلا إلى ذل وعبودية إلى ms1344 عبودية وحتى ~~يستسخر العقل لخدمة الشهوة وقد خلق ليكون مطاعا لا ليكون خادما للشهوة ~~ومحتالا لأجلها وما العشق إلا سعة إفراط الشهوة وهو مرض قلب فارغ لا هم له ~~وإنما يجب الاحتراز من أوائله بترك معاودة النظر والفكر وإلا فإذا استحكم ~~عسر دفعه فكذلك عشق المال والجاه والعقار والأولاد حتى حب اللعب بالطيور ~~والنرد والشطرنج فإن هذه الأمور قد تستولي على طائفة بحيث تنغص عليهم الدين ~~والدنيا ولا يصبرون عنها البتة # ومثال من يكثر سورة العشق في أول انباعثه مثال من يصرف عنان الدابة عند ~~توجهها إلى باب لتدخله وما أهون منعها بصرف عنانها ومثال من يعالجها بعد ~~استحكامها مثل من يترك الدابة حتى تدخل وتجاوز الباب ثم يأخذ بذنبها ويجرها ~~إلى ورائها وما أعظم التفاوت بين الأمرين في اليسر والعسر فليكن الاحتياط ~~في بدايات الأمور فأما في أواخرها فلا تقبل العلاج إلا بجهد جهيد يكاد يؤدي ~~إلى نزع الروح # فإذن إفراط الشهوة أن يغلب العقل إلى هذا الحد وهو مذموم جدا وتفريطها ~~بالعنة أو بالضعف عن إمتاع المنكوحة وهو أيضا مذموم وإنما المحمود أن تكون ~~معتدلة ومطيعة للعقل والشرع في انقباضها وانبساطها ومهما أفرطت فكسرها ~~بالجوع والنكاح قال صلى الله عليه وسلم معاشر الشباب عليكم بالباءة فمن لم ~~يستطع فعليه بالصوم فالصوم له وجاء (1) ### ||| بيان ما على المريد في ترك التزويج وفعله # اعلم أن المريد في ابتداء أمره ينبغي أن لا يشغل نفسه بالتزويج فإن ذلك ~~شغل شاغل يمنعه من السلوك ويستجره إلى الأنس بالزوجة ومن أنس بغير الله ~~تعالى شغل عن الله ولا يغرنه كثرة نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ~~كان لا يشغل قلبه جميع ما في الدنيا عن الله تعالى (2) فلا تقاس الملائكة ~~بالحدادين ولذلك قال أبو سليمان الداراني من تزوج فقد ركن إلى الدنيا وقال ~~ما رأيت مريدا تزوج فثبت على حاله الأول وقيل له مرة ما أحوجك إلى امرأة ~~تأنس بها فقال لا آنسني الله بها أي أن الأنس بها يمنع الأنس ms1345 بالله تعالى ~~وقال أيضا كل ما شغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك مشئوم فكيف يقاس ~~غير رسول الله صلى الله عليه وسلم به وقد كان استغراقه بحب الله تعالى بحيث ~~كان يجد احتراقه فيه إلى حد كان يخشى منه في بعض الأحوال أن يسري ذلك إلى ~~قالبه فيهدمه فلذلك كان يضرب بيده على فخذ عائشة أحيانا ويقول كلميني يا ~~عائشة لتشغله بكلامها عن عظيم ما هو فيه لقصور طاقة قالبه عنه (3) فقد كان ~~طبعه الأنس بالله عز وجل وكان أنسه بالخلق عارضا رفقا ببدنه ثم إنه كان لا ~~يطيق الصبر مع الخلق إذا جالسهم فإذا ضاق صدره قال أرحنا بها يا بلال (4) ~~حتى يعود إلى ما هو قرة عينه // حديث أن الصلاة كانت قرة عينه تقدم أيضا ~~فالضعيف إذا لاحظ أحواله في مثل هذه الأمور فهو مغرور لأن الأفهام تقصر عن ~~الوقوف على أسرار أفعاله صلى الله عليه وسلم فشرط المريد العزبة في ~~الابتداء إلى أن يقوى في المعرفة هذا إذا لم تغلبه الشهوة فإن غلبته الشهوة ~~فليكسرها بالجوع الطويل والصوم الدائم فإن لم تنقمع الشهوة بذلك وكان بحيث ~~لا يقدر على حفظ العين مثلا وإن قدر على حفظ الفرج فالنجاح له أولى لتسكن ~~الشهوة وإلا فمهما لم يحفظ عينه لم يحفظ عليه فكره PageV03P101 # ويتفرق عليه همه وربما وقع في بلية لا يطيقها وزنا العين من كبائر ~~الصغائر وهو يؤدي إلى القرب على الكبيرة الفاحشة وهي زنا الفرج ومن لم يقدر ~~على غض بصره لم يقدر على حفظ فرجه قال عيسى عليه السلام إياكم والنظرة ~~فإنها تزرع في القلب شهوة وكفى بها فتنة وقال سعيد بن جبير إنما جاءت ~~الفتنة لداود عليه السلام من قبل النظرة ولذلك قال لابنه عليه السلام يا ~~بني امش خلف الأسد والأسود ولا تمش خلف المرأة وقيل ليحيى عليه السلام ما ~~بدء الزنا قال النظر والتمني وقال الفضيل يقول إبليس هو قوسي القديمة وسهمي ~~الذي لا أخطيء به يعني النظر وقال رسول ms1346 الله صلى الله عليه وسلم النظرة سهم ~~مسموم من سهام إبليس فمن تركها خوفا من الله تعالى أعطاه الله تعالى إيمانا ~~يجد حلاوته في قلبه (1) وقال صلى الله عليه وسلم ما تركت بعدي فتنة أضر على ~~الرجال من النساء (2) # وقال صلى الله عليه وسلم اتقوا فتنة الدنيا وفتنة النساء فإن أول فتنة ~~بني إسرائيل كانت من قبل النساء (3) وقال تعالى {قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم} الآية وقال صلى الله عليه وسلم لكل ابن آدم حظ من الزنا فالعينان ~~تزنيان وزناهما النظر واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان ~~وزناهما المشي والفم يزني وزناه القبلة والقلب يهم أو يتمنى ويصدق ذلك ~~الفرج أو يكذبه (4) وقالت أم سلمة استأذن ابن أم مكتوم الأعمى على رسول ~~الله وأنا وميمونة جالستانفقال صلى الله عليه وسلم احتجبا فقلنا أو ليس ~~بأعمى لا يبصر فقال وأنتما لا تبصرانه (5) وهذا يدل على أنه لا يجوز للنساء ~~مجالسة العميان كما جرت به العادة في المآتم والولائم فيحرم على الأعمى ~~الخلوة بالنساء ويحرم على المرأة مجالسة الأعمى وتحديق النظر إليه لغير ~~حاجة وإنما جوز للنساء محادثة الرجال والنظر إليهم لأجل عموم الحاجة وإن ~~قدر على حفظ عينه عن النساء ولم يقدر على حفظها عن الصبيان فالنكاح أولى به ~~فإن الشر في الصبيان أكثر فإنه لو مال قلبه إلى امرأة أمكنه الوصول إلى ~~استباحتها بالنكاح والنظر إلى وجه الصبي بالشهوة حرام بل كل من يتأثر قلبه ~~بجمال صورة الأمرد بحيث يدرك التفرقة بينه وبين الملتحي لم يحل له النظر ~~إليه # فإن قلت كل ذي حس يدرك التفرقة بين الجميل والقبيح لا محالة ولم تزل وجوه ~~الصبيان مكشوفة فأقول لست أعني تفرقة العين فقط بل ينبغي أن يكون إدراكه ~~التفرقة كإدراكه التفرقة بين شجرة خضراء وأخرى يابسة وبين ماء صاف وماء كدر ~~وبين شجرة عليها أزهارها وأنوارها وشجرة تساقطت أوراقها فإنه يميل إلى ~~إحداهما بعينه وطبعه ولكن ميلا خاليا عن الشهوة ولأجل ذلك لا يشتهي ملامسة ~~الأزهار والأنوار وتقبيلها ولا تقبيل الماء ms1347 الصافي وكذلك الشيبة الحسنة قد ~~تميل العين إليها وتدرك التفرقة بينها وبين الوجه القبيح ولكنها تفرقة لا ~~شهوة فيها ويعرف ذلك بميل النفس إلى القرب والملامسة فمهما وجد ذلك الميل ~~في قلبه وأدرك تفرقة بين الوجه الجميل وبين النبات الحسن والأثواب المنقشة ~~والسقوف المذهبة فنظره نظر شهوة فهو حرام وهذا مما يتهاون به الناس ويجرهم ~~ذلك إلى المعاطب وهم لا يشعرون # قال بعض التابعين ما أنا بأخوف من السبع الضاري على الشاب الناسك من غلام ~~أمرد يجلس إليه وقال PageV03P102 # سفيان لو أن رجلا عبث بغلام بين إصبعين من أصابع رجله يريد الشهوة لكان ~~لواطا وعن بعض السلف قال سيكون في هذه الأمة ثلاث أصناف لوطيون صنف ينظرون ~~وصنف يصافحون وصنف يعملون # فإذن آفة النظر إلى الأحداث عظيمة فمهما عجز المريض عن غظ بصره وضبط فكره ~~فالصواب له أن يكسر شهوته بالنكاح فرب نفس لا يسكن توقانها بالجوع # وقال بعضهم غلبت على شهوتي في بدء إرادتي بما لم أطق فأكثرت الضجيج إلى ~~الله تعالى فرأيت شخصا في المنام فقال مالك فشكوت إليه فقال تقدم إلي ~~فتقدمت إليه فوضع يده على صدري فوجدت بردها في فؤادي وجميع جسدي فأصبحت وقد ~~زال ما بي فبقيت معافى سنة ثم عاودني ذلك فأكثرت الاستغاثة فأتاني شخص في ~~المنام فقال لي أتحب أن يذهب ما تجده وأضرب عنقك قلت نعم فقال مد رقبتك ~~فمددتها فجرد سيفا من نور فضرب به عنقي فأصبحت وقد زال ما بي فبقيت معافى ~~سنة ثم عاودني ذلك أو أشد منه فرأيت كأن شخصا فيما بين جنبي وصدري يخاطبني ~~ويقول ويحك كم تسأل الله تعالى ما لا يحب رفعه قال فتزوجت فانقطع ذلك عني ~~وولد لي # ومهما احتاج المريد إلى النكاح فلا ينبغي أن يترك شرط الإرادة في ابتداء ~~النكاح ودوامه أما في ابتدائه فبالنية الحسنة وفي داومه بحسن الخلق وسداد ~~السيرة والقيام بالحقوق الواجبة كما فصلنا جميع ذلك في كتاب آداب النكاح ~~فلا نطول بإعادته وعلامة صدق إرادته أن ينكح فقيرة ms1348 متدينة ولا يطلب الغنية ~~قال بعضهم من تزوج غنية كان له منها خمس خصال مغالاة الصداق وتسويف الزفاف ~~وفوت الخدمة وكثرة النفقة وإذا أراد طلاقها لم يقدر خوفا على ذهاب مالها ~~والفقيرة بخلاف ذلك وقال بعضهم ينبغي أن تكون المرأة دون الرجل بأربع وإلا ~~استحقرته بالسن والطول والمال والحسب وأن تكون فوقه بأربع بالجمال والأدب ~~والورع والخلق وعلامة صدق الإرادة في دوام النكاح الخلق # تزوج بعض المريدين بامرأة فلم يزل يخدمها حتى استحيت المرأة وشكت ذلك إلى ~~أبيها وقالت قد تحيرت في هذا الرجل أنا في منزله منذ سنين ما ذهبت إلى ~~الخلاء قط إلا وحمل الماء قبلي إليه وتزوج بعضهم امرأة ذات جمال فلما قرب ~~زفافها أصابها الجدري فاشتد حزن أهلها لذلك خوفا من أن يستقبحها فأراهم ~~الرجل أنه قد أصابه رمد ثم اراهم أن بصره قد ذهب حتى زفت إليه فزال عنهم ~~الحزن فبقيت عنده عشرين سنة ثم توفيت ففتح عينيه حين ذلك فقيل له في ذلك ~~فقال تعمدته لأجل أهلها حتى لا يحزنوا فقيل له قد سبقت إخوانك بهذا الخلق ~~وتزوج بعض الصوفية امرأة سيئة الخلق فكان يصبر عليها فقيل له لم لا تطلقها ~~فقال أخشى أن يتزوجها من لا يصبر عليها فيتأذى بها فإن تزوج المريد فهكذا ~~ينبغي أن يكون وإن قدر على الترك فهو أولى له إذا لم يمكنه الجمع بين فضل ~~النكاح وسلوك الطريق وعلم أن ذلك يشغله عن حاله كما روي أن محمد بن سليمان ~~الهاشمي كان يملك من غلة الدنيا ثمانين ألف درهم في كل يوم فكتب إلى أهل ~~البصرة وعلمائها في امرأة يتزوجها فأجمعوا كلهم على رابعة العدوية رحمها ~~الله تعالى فكتب إليها بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الله تعالى قد ~~ملكني من غلة الدنيا ثمانين ألف درهم في كل يوم وليس تمضي الأيام والليالي ~~حتى أتمها مائة ألف وأنا أصير لك مثلها ومثلها فأجيبيني فكتبت إليه بسم ~~الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الزهد في الدنيا راحة القلب ms1349 والبدن والرغبة ~~فيها تورث الهم والحزن فإذا أتاك كتابي هذا فهيء زادك وقدم لمعادك وكن وصي ~~نفسك ولا تجعل الرجال أوصياءك فيقتسموا PageV03P103 # تراثك فصم الدهر وليكن فطرك الموت وأما أنا فلو أن الله تعالى خولني ~~أمثال الذي خولك وأضعافه ما سرني أن أشتغل عن الله طرفة عين # وهذه إشارة إلى أن كل ما يشغل عن الله تعالى فهو نقصان فلينظر المريد إلى ~~حاله وقلبه فإن وجده في العزوبة فهو الأقرب وإن عجز عن ذلك فالنكاح أولى به ~~ودواء هذه العلة ثلاثة أمور الجوع وغض البصر والاشتغال بشغل يستولي على ~~القلب فإن لم تنفع هذه الثلاثة فالنكاح هو الذي يستأصل مادتها فقط ولهذا ~~كان السلف يبادرون إلى النكاح وإلى تزويج البنات قال سعيد بن المسيب ما أيس ~~إبليس من أحد إلا وأتاه من قبل النساء وقال سعيد أيضا وهو ابن أربع وثمانين ~~سنة وقد ذهبت إحدى عينيه وهو يعشو بالأخرى ما شيء أخوف عندي من النساء وعن ~~عبد الله بن أبي وداعة قال كنت أجالس سعيد بن المسيب فتفقدني أياما فلما ~~أتيته قال أين كنت قلت توفيت أهلي فاشتغلت بها فقال هلا أخبرتنا فشهدناها ~~قال ثم أردت أن أقوم فقال هل استحدثت امرأة فقلت يرحمك الله تعالى ومن ~~يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة فقال أنا فقلت وتفعل قال نعم فحمد ~~الله تعالى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وزوجني على درهمين أو قال ~~ثلاثة قال فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح فصرت إلى منزلي وجعلت أفكر ممن ~~آخذ وممن أستدين فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلي فأسرجت وكنت صائما فقدمت ~~عشائي لأفطر وكان خبزا وزيتا وإذا بابي يقرع فقلت من هذا قال سعيد قال ~~فأفكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب وذلك أنه لم ير أربعين ~~سنة إلا بين داره والمسجد قال فخرجت إليه فإذا به سعيد بن المسيب فظننت أنه ~~قد بدا له فقلت يا أبا محمد لو أرسلت إلي لأتيتك فقال لا أنت ms1350 أحق أن تؤتى ~~قلت فما تأمر قال إنك كنت رجلا عزبا فتزوجت فكرهت أن أبيتك الليلة وحدك ~~وهذه امرأتك وإذا هي قائمة خلفه في طوله ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب ورده ~~فسقطت المرأة من الحياء فاستوثقت من الباب ثم تقدمت إلى القصعة التي فيها ~~الخبز والزيت فوضعتها في ظل السراج لكيلا تراه ثم صعدت السطح فرميت الجيران ~~فجاءوني وقالوا ما شأنك قلت ويحكم زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم وقد ~~جاء بها الليلة على غفلة فقالوا أو سعيد زوجك قلت نعم قالوا وهي في الدار ~~قلت نعم فنزلوا إليها وبلغ ذلك أمي فجاءت وقالت وجهي من وجهك حرام إن ~~مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام قال فأقمت ثلاثا ثم دخلت بها فإذا هي ~~من أجمل النساء وأحفظ الناس لكتاب الله تعالى وأعلمهم بسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأعرفهم بحق الزوج قال فمكثت شهرا لا يأتيني سعيد ولا آتيه ~~فلما كان بعد الشهر أتيته وهو في حلقته فسلمت عليه فرد علي السلام ولم ~~يكلمني حتى تفرق الناس من المجلس فقال ما حال ذلك الإنسان فقلت بخير يا أبا ~~محمد على ما يحب الصديق ويكره العدو قال إن رابك منه أمر فدونك والعصا ~~فانصرفت إلى منزلي فوجه إلي بعشرين ألف درهم قال عبد الله بن سليمان وكانت ~~بنت سعيد بن المسيب هذه قد خطبها منه عبد الملك بن مروان لابنه الوليد حين ~~ولاه العهد فأبى سعيد أن يزوجه فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه ~~مائة سوط في يوم بارد وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف فاستعجال سعيد في ~~الزفاف تلك الليلة يعرفك غائلة الشهوة ووجوب المبادرة في الدين إلى تطفئة ~~نارها بالنكاح رضي الله تعالى عنه ورحمه ### ||| بيان فضيلة من يخالف شهوة الفرج والعين # اعلم أن هذه الشهوة هي أغلب الشهوات على الإنسان وأعصاها عند الهيجان على ~~العقل إلا أن مقتضاها قبيح PageV03P104 # يستحيا منه ويخشى من اقتحامه وامتناع أكثر الناس عن مقتضاها إما لعجز ms1351 أو ~~لخوف أو لحياء أو لمحافظة على جسمه وليس في شيء من ذلك ثواب فإنه إيثار حظ ~~من حظوظ النفس على حظ آخر نعم من العصمة أن لا يقدر ففي هذه العوائق فائدة ~~وهي دفع الإثم فإن من ترك الزنا اندفع عنه إثمه بأي سبب كان تركه وإنما ~~الفضل والثواب الجزيل في تركه خوفا من الله تعالى مع القدرة وارتفاع ~~الموانع وتيسر الأسباب لا سيما عند صدق الشهوة وهذه درجة الصديقين ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم من عشق فعف فكتم فمات فهو شهيد (1) # وقال صلى الله عليه وسلم سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظل عرشه يوم لا ~~ظل إلا ظله وعد منهم رجل دعته امرأة ذات جمال وحسب إلى نفسها فقال إني أخاف ~~الله رب العالمين (2) وقصة يوسف عليه السلام وامتناعه من زليخا مع القدرة ~~ومع رغبتها معروفة وقد أثنى الله تعالى عليه بذلك في كتابه العزيز وهو إمام ~~لكل من وفق لمجاهدة الشيطان في هذه الشهوة العظيمة # وروي أن سليمان بن يسار كان من أحسن الناس وجها فدخلت عليه امرأة فسألته ~~نفسه فامتنع عليها وخرج هاربا من منزله وتركها فيه قال سليمان فرأيت تلك ~~الليلة في المنام يوسف عليه السلام وكأني أقول له أنت يوسف قال نعم أنا ~~يوسف الذي هممت وأنت سليمان الذي لم تهم أشار إلى قوله تعالى {ولقد همت به ~~وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} وعنه أيضا ما هو أعجب من هذا وذلك أنه خرج ~~من المدينة حاجا ومعه رفيق له حتى نزلا بالأبواء فقام رفيقه وأخذ السفرة ~~وانطلق إلى السوق ليبتاع شيئا وجلس سليمان في الخيمة وكان من أجمل الناس ~~وجها وأورعهم فبصرت به أعرابية من قلة الجبل وانحدرت إليه حتى وقفت بين ~~يديه وعليها البرقع والقفازان فأسفرت عن وجه لها كأنه فلقة قمر وقالت ~~أهنئني فظن أنها تريد طعاما فقام إلى فضلة السفرة ليعطيها فقالت لست أريد ~~هذا إنما أريد ما يكون من الرجل إلى أهله فقال جهزك إلى إبليس ms1352 ثم وضع رأسه ~~بين ركبتيه وأخذ في النحيب فلم يزل يبكي فلما رأت منه ذلك سدلت البرقع على ~~وجهها وانصرفت راجعة حتى بلغت أهلها وجاء رفيقه فرآه وقد انتفخت عيناه من ~~البكاء وانقطع حلقه فقال ما يبكيك قال خير ذكرت صبيتي قال لا والله إلا أن ~~لك قصة إنما عهدك بصبيتك منذ ثلاث أو نحوها فلم يزل به حتى أخبره خبر ~~الأعرابية فوضع رفيقه السفرة وجعل يبكي بكاء شديدا فقال سليمان وأنت ما ~~يبكيك قال أنا أحق بالبكاء منك لأني أخشى أن لو كنت مكانك لما صبرت عنها ~~فلم يزالا يبكيان فلما انتهى سليمان إلى مكة فسعى وطاف ثم أتى الحجر فاحتبى ~~بثوبه فأخذته عينه فنام وإذا رجل وسيم طوال له شارة حسنة ورائحة طيبة فقال ~~له سليمان رحمك الله من أنت قال له أنا يوسف قال يوسف الصديق قال نعم قال ~~إن في شأنك وشأن امرأة العزيز لعجبا فقال له يوسف شأنك وشأن صاحبة الأبواء ~~أعجب # وروي عن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~انطلق ثلاثة نفر مما كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوا فانحدرت ~~صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلى أن ~~تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم فقال رجل منهم اللهم إنك تعلم أنه كان لي ~~أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا فنأى بي طلب الشجر ~~يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما PageV03P105 # فوجدتهما نائمين فكرهت أن أغبق قبلها أهلا ومالا فلبثت والقدح في يدي ~~أنتظر استيقاظهما حتى طلع الفجر والصبية يتضاغون حول قدمي فاستيقظا فشربا ~~غبوقهما اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه ~~الصخرة فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه وقال الآخر اللهم إنك تعلم أنه ~~كان لي ابنة عم من أحب الناس إلي فراودتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت ~~بي سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها مائة ms1353 وعشرين دينارا على أن تخلي بيني ~~وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا ~~بحقه فتحرجت من الوقوع عليها فانصرفت عنها وهي من أحب الناس إلي وتركت ~~الذهب الذي أعطيتها اللهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه ~~فانفرجت الصخرة عنهم حتى أنهم لا يستطيعون الخروج منها وقال الثالث اللهم ~~إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجورهم غير رجل واحد فإنه ترك الأجر الذي له ~~وذهب فنميت له أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله ~~أعطني أجري فقلت كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال يا ~~عبد الله أتهزأ بي فقلت لا أستهزئ بك فخذه فاستاقه وأخذه كله ولم يترك منه ~~شيئا اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه فانفرجت ~~الصخرة فخرجوا يمشون (1) # فهذا فضل من تمكن من قضاء هذه الشهوة فعف وقريب منه من تمكن من قضاء شهوة ~~العين فإن العين مبدأ الزنا فحفظها مهم وهو عسر من حيث إنه قد يستهان به ~~ولا يعظم الخوف منه والآفات كلها منه تنشأ والنظرة الأولى إذا لم تقصد لا ~~يؤاخذ بها والمعاودة يؤاخذ بها قال صلى الله عليه وسلم لك الأولى وعليك ~~الثانية (2) أي النظرة وقال العلاء بن زياد لا تتبع بصرك رداء المرأة فإن ~~النظر يزرع في القلب شهوة وقلما يخلو الإنسان في ترداده عن وقوع البصر على ~~النساء والصبيان فمهما تخايل إليه الحسن تقاضى الطبع المعاودة وعنده ينبغي ~~أن يقرر في نفسه أن هذه المعاودة عين الجهل فإنه إن حقق النظر فاستحسن ثارت ~~الشهوة وعجز عن الوصول فلا يحصل له إلا التحسر وإن استقبح لم يلتذ وتألم ~~لأنه قصد الالتذاذ فقد فعل ما آلمه فلا يخلو في كلتا حالتيه عن معصية وعن ~~تألم وعن تحسر ومهما حفظ العين بهذا الطريق اندفع عن قلبه كثير من الآفات ~~فإن أخطأت عينه وحفظ الفرج مع التمكن فذلك يستدعي غاية القوة ونهاية ms1354 ~~التوفيق فقد روي عن أبي بكر بن عبد الله المزني أن قصابا أولع بجارية لبعض ~~جيرانه فأرسلها أهلها في حاجة لهم إلى قرية أخرى فتبعها وراودها عن نفسها ~~فقالت له لا تفعل لأنا أشد حبا لك منك لي ولكني أخاف الله قال فأنت تخافينه ~~وأنا لا أخافه فرجع تائبا فأصابه العطش حتى كان يهلك فإذا برسول لبعض ~~أنبياء بني إسرائيل فسأله فقال ما لك قال العطش قال تعال حتى ندعو الله بأن ~~تظلنا سحابة حتى ندخل القرية قال مالي من عمل صالح فأدعو فادع أنت قال أنا ~~أدعو وأمن أنت على دعائي فدعا الرسول وأمن هو فأظلتهما سحابة حتى انتهيا ~~إلى القرية فأخذ القصاب إلى مكانه فمالت السحابة معه فقال له الرسول صلى ~~الله عليه وسلم زعمت أن ليس لك عمل صالح وأنا الذي دعوت وأنت الذي أمنت ~~فأظلتنا سحابة ثم تبعتك لتخبرني بأمرك فأخبره فقال الرسول إن التائب عند ~~الله تعالى بمكان ليس أحد من الناس بمكانه وعن أحمد بن سعيد العابد عن أبيه ~~قال كان عندنا بالكوفة شاب متعبد لازم المسجد الجامع لا يكاد يفارقه وكان ~~حسن الوجه حسن القامة حسن السمت فنظرت إليه امرأة ذات جمال وعقل فشغفت به ~~وطال عليها ذلك فلما كان ذات يوم وقفت له على الطريق وهو يريد المسجد فقالت ~~له يا فتى اسمع مني كلمات أكلمك بها ثم اعمل ما شئت PageV03P106 # فمضى ولم يكلمها ثم وقفت له بعد ذلك على طريقه وهو يريد منزله فقالت له ~~يا فتى اسمع مني كلمات أكلمك بها فأطرق مليا وقال لها هذا موقف تهمة وأنا ~~أكره أن أكون للتهمة موضعا فقالت له والله ما وقفت موقفي هذا جهالة مني ~~بأمرك ولكن معاذ الله أن يتشوف العباد إلى مثل هذا مني والذي حملني على أن ~~لقيتك في مثل هذا الأمر بنفسي لمعرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثير ~~وأنتم معاشر العباد على مثال القوارير أدني شيء يعيبها وجملة ما أقول لك إن ~~جوارحي كلها مشغولة بك ms1355 فالله الله في أمري وأمرك قال فمضى الشباب إلى منزله ~~وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي فأخذ قرطاسا وكتب كتابا ثم خرج من منزله ~~وإذا بالمرأة واقفة في موضعها فألقى الكتاب إليها ورجع إلى منزله وكان فيه ~~بسم الله الرحمن الرحيم اعلمي أيتها المرأة إن الله عز وجل إذا عصاه العبد ~~حلم فإذا عاد إلى المعصية مرة أخرى ستره فإذا لبس لها ملابسها غضب الله ~~تعالى لنفسه غضبة تضق منها السموات والأرض والجبال والشجر والدواب فمن ذا ~~يطيق غضبه فإن كان ما ذكرت باطلا فإني أذكرك يوما تكون السماء فيه كالمهل ~~وتصير الجبال كالعهن وتجثوا الأمم لصولة الجبار العظيم وإني والله قد ضعفت ~~عن إصلاح نفسي فكيف بإصلاح غيري وإن كان ما ذكرت حقا فإني أدلك على طبيب ~~هدى يداوي الكلوم الممرضة والأوجاع المرمضة ذلك الله رب العالمين فاقصديه ~~بصدق المسألة فإني مشغول عنك بقوله تعالى {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب ~~لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين ~~وما تخفي الصدور} فأين المهرب من هذه الآية ثم جاءت بعد ذلك بأيام فوقفت له ~~على الطريق فلما رآها من بعيد أراد الرجوع إلى منزله كيلا يراها فقالت يا ~~فتى لا ترجع فلا كان الملتقى بعد هذا اليوم أبدا إلا غدا بين يدي الله ~~تعالى ثم بكت بكاء شديدا وقالت اسأل لك الله الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ~~ما قد عسر من أمرك ثم إنها تبعته وقالت امنن علي بموعظة أحملها عنك وأوصني ~~بوصية أعمل عليها فقال لها أوصيك بحفظ نفسك من نفسك وأذكرك قوله تعالى {وهو ~~الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار} قال فأطرقت وبكت بكاء شديدا ~~أشد من بكائها الأول ثم إنها أفاقت ولزمت بيتها وأخذت في العبادة فلم تزل ~~على ذلك حتى ماتت كمدا فكان الفتى يذكرها بعد موتها ثم يبكي فيقال له مم ~~بكاؤك وأنت قد أيأستها من نفسك فيقول إني قد ذبحت طمعها في أول أمرها وجعلت ~~قطيعتها ms1356 ذخيرة لي عند الله تعالى فأنا أستحي منه أن أسترد ذخيرة ادخرتها ~~عنده تعالى # تم كتاب كسر الشهوتين بحمد الله تعالى وكرمه يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب آفات اللسان # والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلاته على سيدنا محمد خير خلقه ~~وعلى كل عبد مصطفى من أهل الأرض والسماء وسلم تسليما كثيرا ### || كتاب آفات اللسان وهو الكتاب الرابع من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أحسن خلق الإنسان وعدله وألهمه نور الإيمان فزينه به ~~وجمله وعلمه البيان فقدمه به وفضله وأفاض على قلبه خزائن العلوم فأكمله ثم ~~أرسل عليه سترا من رحمته وأسبله ثم أمده بلسان يترجم به عما حواه القلب ~~وعقله ويكشف عنه ستره الذي أرسله وأطلق بالحق مقوله وأفصح بالشكر عما أولاه ~~وخوله PageV03P107 # من علم حصله ونطق سهله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن ~~محمدا عبده ورسوله الذي أكرمه وبجله ونبيه الذي أرسله بكتاب أنزله وأسمى ~~فضله وبين سبله صلى الله عليه وسلم ومن قبله ما كبر الله عبد وهلله # أما بعد فإن اللسان من نعم الله العظيمة ولطائف صنعه الغريبه فإنه صغير ~~جرمه عظيم طاعته وجرمه إذا لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان ~~وهما غاية الطاعة والعصيان ثم إنه ما من موجود أو معدوم خالق أو مخلوق ~~متخيل أو معلوم مظنون أو موهوم إلا واللسان يتناوله ويتعرض له بإثبات أو ~~نفي فإن كل ما يتناوله العلم يعرب عنه اللسان إما بحق أو باطل ولا شيء إلا ~~والعلم متناول له وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء فإن العين لا تصل إلى ~~غير الألوان والصور والآذان لا تصل إلى غير الأصوات واليد لا تصل إلى غير ~~الأجسام وكذا سائر الأعضاء واللسان رحب الميدان ليس له مرد ولا لمجاله ~~منتهى وحد له في الخير مجال رحب وله في الشر ذيل سحب فمن أطلق عذبة اللسان ~~وأهمله مرخى العنان سلك به الشيطان في كل ميدان ms1357 وساقه إلى شفا جرف هار إلى ~~أن يضطره إلى البوار ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ~~ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع فلا يطلقه إلا فيما ينفعه ~~في الدنيا والآخرة ويكفه عن كل ما يخشى غائلته في عاجله وآجله وعلم ما يحمد ~~فيه إطلاق اللسان أو يذم غامض عزيز والعمل بمقتضاه على من عرفه ثقل عسير ~~وأعصى الأعضاء على الإنسان اللسان فإنه لا تعب في إطلاقه ولا مؤنة في ~~تحريكه وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله والحذر من مصائده ~~وحبائله وإنه أعظم آلة الشيطان في استغواء الإنسان ونحن بتوفيق الله وحسن ~~تدبيره نفصل مجامع آفات اللسان ونذكرها واحدة واحدة بحدودها وأسبابها ~~وغوائلها ونعرف طريق الاحتراز عنها ونورد ما ورد من الأخبار والآثار في ~~ذمها فنذكر أولا فضل الصمت ونردفه بذكر آفة الكلام فيما لا يعني ثم آفة ~~فضول الكلام ثم آفة الخوض في الباطل ثم آفة المراء والجدال ثم آفة الخصومة ~~ثم آفة التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف السجع والفصاحة والتصنع فيه وغير ~~ذلك مما جرت به عادة المتفاصحين المدعين للخطابة ثم آفة الفحش والسب وبذاءة ~~اللسان ثم آفة اللعن إما لحيوان أو جماد أو إنسان ثم آفة الغناء بالشعر وقد ~~ذكرنا في كتاب السماع ما يحرم من الغناء وما يحل فلا نعيده ثم آفة المزاح ~~ثم آفة السخرية والاستهزاء ثم آفة إفشاء السر ثم آفة الوعد الكاذب ثم آفة ~~الكذب في القول واليمين ثم بيان التعاريض في الكذب ثم آفة الغيبة ثم آفة ~~النميمة ثم آفة ذي اللسانين الذي يتردد بين المتعاديين فيكلم كل واحد بكلام ~~يوافقه ثم آفة المدح ثم آفة الغفلة عن دقائق الخطأ في فحوى الكلام لا سيما ~~فيما يتعلق بالله وصفاته ويرتبط بأصول الدين ثم آفة سؤال العوام عن صفات ~~الله عز وجل وعن الحروف أهي قديمة أو محدثة وهي آخر الآفات وما يتعلق بذلك ~~وجملتها عشرون آفة ونسأل الله حسن التوفيق بمنه وكرمه ### ||| بيان ms1358 عظيم خطر اللسان وفضيلة الصمت # اعلم أن خطر اللسان عظيم ولا نجاة من خطره إلا بالصمت فلذلك مدح الشرع ~~الصمت وحث عليه فقال صلى الله عليه وسلم من صمت نجا (1) وقال صلى الله عليه ~~وسلم الصمت حكم وقليل فاعله (2) بلفظ حكم بدل حكمة وقال غلط فيه عثمان بن ~~سعد والصحيح رواية ثابت قال والصحيح عن أنس أن لقمان قال ورواه كذلك هو ~~وابن حبان في كتاب روضة العقلاء بسند صحيح إلى أنس أي حكمة وحزم وروي ~~PageV03P108 # عبد الله بن سفيان عن أبيه قال قلت يا رسول الله أخبرني عن الإسلام بأمر ~~لا أسأل عنه أحدا بعدك قال قل آمنت بالله ثم استقم قال قلت فما أتقي فأوما ~~بيده إلى لسانه (1) وقال عقبة بن عامر قلت يا رسول الله ما النجاة قال أمسك ~~عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك (2) وقال سهل بن سعد الساعدي # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يتكفل لي بما بين لحييه ورجليه ~~أتكفل له بالجنة (3) وقال صلى الله عليه وسلم من وقي شر قبقبه وذبذبه ~~ولقلقه فقد وقي الشر كله (4) القبقب هو البطن والذبذب الفرج واللقلق اللسان ~~فهذه الشهوات الثلاث بها يهلك أكثر الخلق ولذلك اشتغلنا بذكر آفات اللسان ~~لما فرغنا من ذكر آفة الشهوتين البطن والفرج وقد سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناسالجنة فقال تقوى الله وحسن الخلق وسئل عن ~~أكثر ما يدخل النار فقال الأجوفان الفم والفرج (5) فيحتمل أن يكون المراد ~~بالفم آفات اللسان لأنه محله ويحتمل أن يكون المراد به البطن لأنه منفذه ~~فقد قال معاذ بن جبل قلت يا رسول الله أنؤاخذ بما نقول فقال ثكلتك أمك يا ~~ابن جبل وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم (6) حديث ~~عبد الله الثقفي قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به الحديث رواه النسائي ~~قال ابن عساكر وهو خطأ والصواب سفيان بن عبد الله الثقفي كما رواه الترمذي ~~وصححه ابن ماجه وقد تقدم ms1359 قبل هذا بخمسة أحاديث (7) حديث أن معاذا قال يا ~~رسول الله أي الأعمال أفضل فأخرج لسانه ثم وضع يده عليه أخرجه الطبراني ~~وابن أبي الدنيا في الصمت قال أصبعه مكان يده (8) حديث أنس لا يستقيم إيمان ~~عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه الحديث أخرجه ابن ~~أبي الدنيا في الصمت والخرائطي في مكارم الأخلاق بسند فيه ضعف (9) حديث من ~~سره أن يسلم فليلزم الصمت أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وأبو الشيخ في ~~فضائل الأعمال والبيهقي في الشعب من حديث أنس بإسناد ضعيف (10) حديث إذا ~~أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تذكر اللسان الحديث أخرجه الترمذي من حديث ~~أبي سعيد الخدري رفعه ووقع في الإحياء عن سعيد بن جبير مرفوعا وإنما هو عن ~~سعيد بن جبير عن أبي سعيد رفعه ورواه الترمذي موقوفا على عمار بن زيد وقال ~~هذا أصح (11) حديث إن عمر اطلع على أبي بكر وهو يمد لسانه فقال ما تصنع يا ~~خليفة رسول الله قال إن هذا أوردني الموارد أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال ليس شيء من الجسد إلا يشكو إلى الله عز وجل اللسان على حدته أخرجه ~~ابن أبي الدنيا في الصمت وأبو يعلى في مسنده والدارقطني في العلل والبيهقي ~~في الشعب من رواية أسلم مولى عمر وقال الدارقطني إن المرفوع وهم على ~~الدراوردي قال وروي هذا الحديث عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر ولا علة له ~~// وعن ابن مسعود PageV03P109 # أنه كان على الصفا يلبي ويقول يا لسان قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من ~~قبل أن تندم فقيل له يا أبا عبد الرحمن أهذا شيء تقوله أو شيء سمعته فقال ~~لا بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أكثر خطايا ابن آدم في ~~لسانه (1) وقال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كف لسانه ستر ~~الله عورته ومن ملك غضبه وقاه الله عذابه ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره ms1360 ~~(2) وروي أن معاذ بن جبل قال يا رسول الله أوصني قال اعبد الله كأنك تراه ~~وعد نفسك في الموتى وإن شئت أنبأتك بما هو أملك لك من هذا كله وأشار بيده ~~إلى لسانه (3) وعن صفوان بن سليم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ~~أخبركم بأيسر العبادة وأهونها على البدن الصمت وحسن الخلق (4) حديث أبي ~~هريرة من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت متفق عليه (5) ~~حديث الحسن ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رحم الله عبدا ~~تكلم فغنم أو سكت فسلم أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والبيهقي في الشعب من ~~حديث أنس بسند فيه ضعف فإنه من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وقيل ~~لعيسى عليه السلام دلنا على عمل ندخل به الجنة قال لا تنطقوا أبدا قالوا لا ~~نستطيع ذلك فقال فلا تنطقوا إلا بخير وقال سليمان بن داود عليهما السلام إن ~~كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب وعن البراء بن عازب قال جاء أعرابي إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال دلني على عمل يدخلني الجنة قال أطعم ~~الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر فإن لم تطق فكف لسانك إلا ~~من خير (6) # وقال صلى الله عليه وسلم اخزن لسانك إلا من خير فإنك بذلك تغلب الشيطان ~~(7) وقال صلى الله عليه وسلم إن الله عند لسان كل قائل فليتق الله امرؤ علم ~~ما يقول وقال صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم المؤمن صموتا وقورا فادنوا منه ~~فإنه يلقن الحكمة (8) # وقال ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ثلاثة غانم وسالم ~~وشاحب فالغانم الذي يذكر الله تعالى والسالم الساكت والشاحب الذي يخوض في ~~الباطل (9) وقال صلى الله عليه وسلم إن لسان المؤمن وراء قلبه فإذا أراد أن ~~يتكلم بشيء تدبره بقلبه ثم أمضاه بلسانه وإن لسان المنافق أمام قلبه فإذا ~~هم بشيء أمضاه بلسانه ولم يتدبره بقلبه (10) وقال عيسى عليه السلام العبادة ~~عشرة ms1361 أجزاء تسعة منها في الصمت PageV03P110 # وجزء في الفرار من الناس وقال نبينا صلى الله عليه وسلم من كثر كلامه كثر ~~سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به (1) # الآثار كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يضع حصاة في فيه يمنع بها نفسه ~~عن الكلام وكان يشير إلى لسانه ويقول هذا الذي أوردني الموارد وقال عبد ~~الله بن مسعود والله الذي لا إله إلا هو ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان ~~وقال طاوس لساني سبع إن أرسلته أكلني وقال وهب بن منبه في حكمة آل داود حق ~~على العاقل أن يكون عارفا بزمانه حافظا للسانه مقبلا على شأنه وقال الحسن ~~ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه وقال الأوزاعي كتب إلينا عمر بن عبد العزيز ~~رحمه الله أما بعد فإن من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير ومن عد ~~كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه وقال بعضهم الصمت يجمع للرجل ~~فضيلتين السلامة في دينه والفهم عن صاحبه وقال محمد بن واسع لمالك بن دينار ~~يا أبا يحيى حفظ اللسان أشد على الناس من حفظ الدينار والدرهم وقال يونس بن ~~عبيد ما من الناس أحد يكون منه لسانه على بال إلا رأيت صلاح ذلك في سائر ~~عمله وقال الحسن تكلم قوم عند معاوية رحمه الله والأحنف بن قيس ساكت فقال ~~له مالك يا أبا بحر لا تتكلم فقال له أخشى الله إن كذبت وأخشاك إن صدقت ~~وقال أبو بكر بن عياش اجتمع أربعة ملوك ملك الهند وملك الصين وكسرى وقيصر ~~فقال أحدهم أنا أندم على ما قلت ولا أندم على ما لم أقل وقال الآخر إني إذا ~~تكلمت بكلمة ملكتني ولم أملكها وإذا لم أتكلم بها ملكتها ولم تملكني وقال ~~الثالث عجبت للمتكلم إن رجعت عليه كلمته ضرته وإن لم ترجع لم تنفعه وقال ~~الرابع أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت وقيل أقام المنصور بن ms1362 ~~المعتز لم يتكلم بكلمة بعد العشاء الآخرة أربعين سنة وقيل ما تكلم الربيع ~~بن خيثم بكلام الدنيا عشرين سنة وكان إذا أصبح وضع دواة وقرطاسا وقلما فكل ~~ما تكلم به كتبه ثم يحاسب نفسه عند المساء # فإن قلت فهذا الفضل الكبير للصمت ما سببه فاعلم أن سببه كثرة آفات اللسان ~~من الخطأ والكذب والغيبة والنميمة والرياء والنفاق والفحش والمراء وتزكية ~~النفس والخوض في الباطل والخصومة والفضول والتحريف والزيادة والنقصان ~~وإيذاء الخلق وهتك العورات # فهذه آفات كثيرة وهي سيانة إلى اللسان لا تثقل عليه ولها حلاوة في القلب ~~وعليها بواعث من الطبع ومن الشيطان والخائض فيها قلما يقدر أن يمسك اللسان ~~فيطلقه بما يحب ويكفه عما لا يحب فإن ذلك من غوامض العلم كما سيأتي تفصيله ~~ففي الخوض خطر وفي الصمت سلامة فلذلك عظمت فضيلته هذا مع ما فيه من جمع ~~الهم ودوام الوقار والفراغ للفكر والذكر والعبادة والسلامة من تبعات القول ~~في الدنيا ومن حسابه في الآخرة فقد قال الله تعالى {ما يلفظ من قول إلا ~~لديه رقيب عتيد} # ويدلك على فضل لزوم الصمت أمر وهو أن الكلام أربعة أقسام قسم هو ضرر محض ~~وقسم هو نفع محض وقسم فيه ضرر ومنفعة وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة # أما الذي هو ضرر محض فلا بد من السكوت عنه وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة لا ~~تفي بالضرر # وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول والاشتغال به تضييع زمان وهو عين ~~الخسران فلا يبقى إلا القسم الرابع فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام وبقي ربع ~~وهذا الربع فيه خطر إذ يمتزج بما فيه إثم من دقائق الرياء والتصنع والغيبة ~~وتزكية النفس وفضول الكلام امتزاجا يخفى دركه فيكون الإنسان به مخاطرا ومن ~~عرف دقائق PageV03P111 # آفات اللسان على ما سنذكره علم قطعا أن ما ذكره صلى الله عليه وسلم هو ~~فصل الخطاب حيث قال من صمت نجا (1) # فلقد أوتى والله جواهر الحكم قطعا وجوامع الكلم (2) ولا يعرف ما تحت آحاد ~~كلماته من بحار ms1363 المعاني إلا خواص العلماء وفيما سنذكره من الآفات وعسر ~~الاحتراز عنها ما يعرفك حقيقة ذلك إن شاء الله تعالى # ونحن الآن نعد آفات اللسان ونبتديء بأخفها ونترقى إلى الأغلظ قليلا ونؤخر ~~الكلام في الغيبة والنميمة والكذب فإن النظر فيها أطول وهي عشرون آفة فاعلم ~~ذلك ترشد بعون الله تعالى ### ||| الآفة الأولى الكلام فيما لا يعنيك # اعلم أن أحسن أحوالك أن تحفظ ألفاظك من جميع الآفات التي ذكرناها من ~~الغيبة والنميمة والكذب والمراء والجدال وغيرها وتتكلم فيما هو مباح لا ضرر ~~عليك فيه ولا على مسلم أصلا إلا أنك تتكلم بما أنت مستغن عنه ولا حاجة بك ~~إليه فإنك مضيع به زمانك ومحاسب على عمل لسانك وتستبدل الذي هو أدنى بالذي ~~هو خير لأنك لو صرفت زمان الكلامإلى الفكر ربما كان ينفتح لك من نفحات رحمة ~~الله عند الفكر ما يعظم جدواه ولو هللت الله سبحانه وذكرته وسبحته لكان ~~خيرا لك فكم من كلمة يبنى بها قصرا في الجنة ومن قدر على أن يأخذ كنزا من ~~الكنوز فأخذ مكانه مدرة لا ينتفع بها كان خاسرا خسرانا مبينا وهذا مثال من ~~ترك ذكر الله تعالى واشتغل بمباح لا يعنيه فإنه وإن لم يأثم فقد خسر حيث ~~فاته الربح العظيم بذكر الله تعالى فإن المؤمن لا يكون صمته إلا فكرا ونظره ~~إلا عبرة ونطقه إلا ذكرا (3) هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم # بل رأس مال العبد أوقاته ومهما صرفها إلى مالا يعنيه ولم يدخر بها ثوابا ~~في الآخرة فقد ضيع رأس ماله ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم من حسن ~~إسلام المرء تركه مالا يعنيه (4) # بل ورد ما هو أشد من هذا قال أنس استشهد غلام منا يوم أحد فوجدنا على ~~بطنه حجرا مربوطا من الجوع فمسحت أمه عن وجهه التراب وقالت هنيئا لك الجنة ~~يا بني فقال صلى الله عليه وسلم وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ~~ويمنع ما لا يضره (5) # وفي حديث آخر إن النبي صلى الله ms1364 عليه وسلم فقد كعبا فسأل عنه فقالوا مريض ~~فخرج يمشي حتى أتاه فلما دخل عليه قال أبشر يا كعب فقالت أمه هنيئا لك ~~الجنة يا كعب فقال صلى الله عليه وسلم من هذه المتألية على الله قال هي أمي ~~يا رسول الله قال وما يدريك يا أم كعب لعل كعبا قال ما لا يعنيه أو منع ما ~~لا يغنيه (6) # ومعناه أنه إنما تتهيأ الجنة لمن لا يحاسب ومن تكلم فيما لا يعنيه حوسب ~~عليه وإن كان كلامه غير مباح فلا تتهيأ الجنة مع المناقشة في الحساب فإنه ~~نوع من العذاب PageV03P112 # وعن محمد بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول من يدخل من ~~هذا الباب رجل من أهل الجنة فدخل عبد الله بن سلام فقام إليه ناس من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بذلك وقالوا أخبرنا بأوثق عمل في ~~نفسك ترجو به فقال إني لضعيف وإن أوثق ما أرجو به الله سلامة الصدر وترك ما ~~لا يعنيني (1) # وقال أبو ذر قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أعلمك بعمل خفيف ~~على البدن ثقيل في الميزان قلت بلى يا رسول الله قال هو الصمت وحسن الخلق ~~وترك ما لا يعنيك (2) وقال مجاهد سمعت ابن عباس يقول خمس لهن أحب إلى من ~~الدهم الموقوفة لا تتكلم فيما لا يعنيك فإنه فضل ولا آمن عليك الوزر ولا ~~تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعا فإنه رب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في ~~غير موضعه فعنت ولا تمار حليما ولا سفيها فإن الحليم يقليك والسفيه يؤذيك ~~واذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به وأعفه مما تحب أن يعفيك منه ~~وعامل أخاك بما تحب أن يعاملك به واعمل عمل رجل يعلم أنه مجازى بالإحسان ~~مأخوذ بالاحترام وقيل للقمان الحكيم ما حكمتك قال لا أسأل عما كفيت ولا ~~أتكلف ما لا يعنيني وقال مورق العجلي أمر أنا في طلبه منذ عشرين سنة لم ms1365 ~~أقدر عليه ولست بتارك طلبه قالوا وما هو قال السكوت عما لا يعنيني وقال عمر ~~رضي الله عنه لا تتعرض لما لا يعنيك واعتزل عدوك وأحذر صديقك من القوم إلا ~~الأمين ولا أمين إلا من خشى الله تعالى ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره ~~ولا تطلعه على سرك واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى # وحد الكلام فيما لا يعنيك أن تتكلم بكلام ولو سكت عنه لم تأثم ولم تستضر ~~به في حال ولا مال مثاله أن تجلس مع قوم فتذكر لهم أسفارك وما رأيت فيها من ~~جبال وأنهار وما وقع لك من الوقائع وما استحسنته من الأطعمة والثياب وما ~~تعجبت منه من مشايخ البلاد ووقائعهم فهذه أمور لو سكت عنها لم تأثم ولم ~~تستضر وإذا بالغت في الجهاد حتى لم يمتزج بحكايتك زيادة ولا نقصان ولا ~~تزكية نفس من حيث التفاخر بمشاهدة الأحوال العظيمة ولا اغتياب لشخص ولا ~~مذمة لشيء مما خلقه الله تعالى فأنت مع ذلك كله مضيع زمانك وأنى تسلم من ~~الآفات التي ذكرناها ومن جملتها أن تسأل غيرك عما لا يعنيك فأنت بالسؤال ~~مضيع وقتك وقد الجأت صاحبك أيضا بالجواب إلى التضييع هذا إذا كان الشيء مما ~~يتطرق إلى السؤال عنه آفة وأكثر الأسئلة فيها آفات فإنك تسأل غيرك عن ~~عبادته مثلا فتقول له هل أنت صائم فإن قال نعم كان مظهرا لعبادته فيدخل ~~عليه الرياء وإن لم يدخل سقطت عبادته من ديوان السر وعبادة السر تفضل عبادة ~~الجهر بدرجات وإن قال لا كان كاذبا وإن سكت كان مستحقرا لك وتأذيت به وإن ~~احتال لمدافعة الجواب افتقر إلى جهد وتعب فيه فقد عرضته بالسؤال إما للرياء ~~أو للكذب أو للاستحقار أو للتعب في حيلة الدفع وكذلك سؤالك عن سائر عباداته ~~وكذلك سؤالك عن المعاصي وعن كل ما يخفيه ويستحي منه وسؤالك عما حدث به غيرك ~~فتقول له ماذا تقول وفيم أنت وكذلك ترى إنسانا في الطريق فتقول من أين ~~فربما يمنعه مانع من ذكره فإن ذكره ms1366 تأذى به واستحيا وإن لم يصدق وقع في ~~الكذب وكنت السبب فيه # وكذلك تسأل عن مسألة لا حاجة بك إليها والمسئول ربما لم تسمح نفسه بأن ~~يقول لا أدري فيجيب عن غير بصيرة PageV03P113 # ولست أعني بالتكلم فيما لا يعني هذه الأجناس فإن هذا يتطرق إليه إثم أو ~~ضرر # وإنما مثال ما لا يعني ما روي أن لقمان الحكيم دخل على داود عليه السلام ~~وهو يسرد درعا ولم يكن رآها قبل ذلك اليوم فجعل يتعجب مما رأى فأراد أن ~~يسأله عن ذلك فمنعته حكمته فأمسك نفسه ولم يسأله فلما فرغ قام داود ولبسه ~~ثم قال نعم الدرع للحرب فقال لقمان الصمت حكم وقليل فاعله أي حصل العلم به ~~من غير سؤال فاستغنى عن السؤال وقيل انه كان يتردد إليه سنة وهو يريد أن ~~يعلم ذلك من غير سؤال فهذا وأمثاله من الأسئلة إذا لم يكن فيه ضرر وهتك ستر ~~وتوريط في رياء وكذب هو مما لا يعني وتركه من حسن الإسلام فهذا حده # وأما سببه الباعث عليه فالحرص على معرفة ما لا حاجة به إليه أو المباسطة ~~بالكلام على سبيل التودد أو تزجية الأوقات بحكايات أحوال لا فائدة فيها # وعلاج ذلك كله أن يعلم أن الموت بين يديه وأنه مسؤول عن كل كلمة وأن ~~أنفاسه رأس ماله وأن لسانه شبكة يقدر أن يقتنص بها الحور العين فإهماله ذلك ~~وتضييعه خسران مبين هذا علاجه من حيث العلم وأما من حيث العمل فالعزلة أو ~~أن يضع حصاة في فيه وأن يلزم نفسه السكوت بها عن بعض ما يعنيه حتى يعتاد ~~اللسان ترك ما لا يعنيه وضبط اللسان في هذا على غير المعتزل شديد جدا ### ||| الآفة الثانية فضول الكلام # وهو أيضا مذموم وهذا يتناول الخوض فيما لا يعني والزيادة فيما يعني على ~~قدر الحاجة فإن من يعنيه أمر يمكنه أن يذكره بكلام مختصر ويمكنه أن يجسمه ~~ويقرره ويكرره ومهما تأدى مقصوده بكلمة واحدة فذكر كلمتين فالثانية فضول أي ~~فضل عن الحاجة وهو أيضا مذموم ms1367 لما سبق وإن لم يكن فيه إثم ولا ضرر قال عطاء ~~بن أبي رباح إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام وكانوا يعدون فضول ~~الكلام ما عدا كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمرا ~~بمعروف أو نهيا عن منكر أو أن تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها ~~أتنكرون أن عليكم حافظين كراما كاتبين عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ ~~من قول إلا لديه رقيب عتيد أما يستحي أحدكم إذا نشرت صحيفته التي أملاها ~~صدر نهاره كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه وعن بعض الصحابة قال ~~إن الرجل ليكلمني بالكلام لجوابه أشهى إلي من الماء البارد إلى الظمآن ~~فأترك جوابه خيفة أن يكون فضولا وقال مطرف ليعظم جلال الله في قلوبكم فلا ~~تذكروه عند مثل قول أحدكم للكلب والحمار اللهم اخزه وما أشبه ذلك # واعلم أن فضول الكلام لا ينحصر بل المهم محصور في كتاب الله تعالى قال ~~الله عز وجل لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح ~~بين الناس وقال صلى الله عليه وسلم طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه وأنفق ~~الفضل من ماله (1) # فانظر كيف قلب الناس الأمر في ذلك فأمسكوا فضل المال وأطلقوا فضل اللسان ~~وعن مطرف بن عبد الله عن أبيه قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في رهط من بني عامر PageV03P114 # فقالوا أنت والدنا وأنت سيدنا وأنت أفضلنا علينا فضلا وأنت أطولنا علينا ~~طولا وأنت الجفنة الغراء وأنت وأنت فقال قولوا قولكم ولا يستهوينكم الشيطان ~~(1) حديث عمرو بن دينار تكلم رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فأكثر فقال ~~كم دون لسانك من حجاب الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا هكذا مرسلا ورجاله ثقات ~~// وفي رواية أنه قال ذلك في رجل أثنى عليه فاستهتر في الكلام ثم قال ما ~~أوتي رجل شرا من فضل في لسانه وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله ms1368 عليه إنه ~~ليمنعني من كثير من الكلام خوف المباهاة وقال بعض الحكماء إذا كان الرجل في ~~مجلس فأعجبه الحديث فليسكت وإن كان ساكتا فأعجبه السكوت فليتكلم وقال يزيد ~~بن أبي حبيب من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع فإن وجد ~~من يكفيه فإن في الاستمتاع سلامة وفي الكلام تزيين وزيادة ونقصان وقال ابن ~~عمر إن أحق ما طهر الرجل لسانه ورأى أبو الدرداء امرأة سليطة فقال لو كانت ~~هذه خرساء كان خيرا لها وقال إبراهيم يهلك الناس خلتان فضول المال وفضول ~~الكلام فهذه مذمة فضول الكلام وكثرته وسببه الباعث عليه وعلاجه ما سبق في ~~الكلام فيما لا يعني ### ||| الآفة الثالثة الخوض في الباطل # وهو الكلام في المعاصي كحكاية أحوال النساء ومجالس الخمر ومقامات الفساق ~~وتنعم الأغنياء وتجبر الملوك ومراسمهم المذمومة وأحوالهم المكروهة فإن كل ~~ذلك مما لا يحل الخوض فيه وهو حرام وأما الكلام فيما لا يعني أو أكثر مما ~~يعني فهو ترك الأولى ولا تحريم فيه نعم من يكثر الكلام فيما لا يعني لا ~~يؤمن عليه الخوض في الباطل وأكثر الناس يتجالسون للتفرج بالحديث ولا يعدو ~~كلامهم التفكه بأعراض الناس أو الخوض في الباطل وأنواع الباطل لا يمكن ~~حصرها لكثرتها وتفننها فلذلك لا مخلص منها إلا بالاقتصار على ما يعني من ~~مهمات الدين والدنيا وفي هذا الجنس تقع كلمات يهلك بها صاحبها وهو يستحقرها ~~فقد قال بلال بن الحارث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليتكلم ~~بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب PageV03P115 ~~الله بها ~~رضوانه إلى يوم القيامة وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن ~~تبلغ به ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة + حديث بلال بن ~~الحارث إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله الحديث أخرجه ابن ماجه ~~والترمذي وقال حسن صحيح وكان علقمة يقول كم من كلام منعنيه حديث بلال بن ~~الحارث وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الرجل ms1369 ليتكلم بالكلمة يضحك بها ~~جلساءه يهوى بها أبعد من الثرايا + حديث إن الرجل ليتكلم الكلمة يضحك بها ~~جلساءه يهوى بها أبعد من الثريا أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة ~~بسند حسن وللشيخين والترمذي إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوى ~~بها سبعين خريفا في النار لفظ الترمذي وقال حسن غريب + وقال أبو هريرة إن ~~الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقى لها بالا يرفعه الله بها في أعلى الجنة وقال ~~صلى الله عليه وسلم أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل + ~~حديث أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل أخرجه ابن أبي ~~الدنيا من حديث قتادة مرسلا ورجاله ثقات ورواه هو والطبراني موقوفا على ابن ~~مسعود بسند صحيح + وإليه الإشارة بقوله تعالى وكنا نخوض مع الخائضين وبقوله ~~تعالى فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم وقال سلمان ~~أكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم كلاما في معصية الله # وقال ابن سيرين كان رجل من الأنصار يمر بمجلس لهم فيقول لهم توضئوا فإن ~~بعض ما تقولون شر من الحدث فهذا هو الخوض في الباطل وهو وراء ما سيأتي من ~~الغيبة والنميمة والفحش وغيرها بل هو الخوض في ذكر محظورات سبق وجودها أو ~~تدبر للتوصل إليها من غير حاجة دينية إلى ذكرها # ويدخل فيه أيضا الخوض في حكاية البدع والمذاهب الفاسدة وحكاية ما جرى من ~~قتال الصحابة على وجه يوهم الطعن في بعضهم وكل ذلك باطل والخوض فيه خوض في ~~الباطل نسأل الله حسن العون بلطفه وكرمه ### ||| الآفة الرابعة المراء والجدال # وذلك منهى عنه قال صلى الله عليه وسلم لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده ~~موعدا فتخلفه + حديث لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه أخرجه ~~الترمذي من حديث ابن عباس وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم ذروا المراء ~~فإنه لا تفهم حكمته ولا تؤمن فتنته + حديث ذروا المراء فإنه لا تفهم حكمته ~~ولا تؤمن فتنته أخرجه الطبراني من ms1370 حديث أبي الدرداء وأبي أمامة وأنس بن ~~مالك وواثلة بن الأسقع بإسناد ضعيف دون قوله لا تفهم حكمته ورواه بهذه ~~الزيادة ابن أبي الدنيا موقوفا على ابن مسعود + وقال صلى الله عليه وسلم من ~~ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة ومن ترك المراء وهو مبطل بني ~~له بيت في ربض الجنة + حديث من ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلى ~~الجنة الحديث تقدم في العلم + وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن أول ما عهد إلي ربي ونهاني عنه بعد عبادة ~~الأوثان وشرب الخمر ملاحاة الرجال + حديث أم سلمة إن أول ما عهد إلي ربي ~~ونهاني عنه بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر ملاحاة الرجال أخرجه ابن أبي ~~الدنيا في الصمت والطبراني والبيهقي بسند ضعيف وقد رواه ابن أبي الدنيا في ~~المراسيل من حديث عروة بن رويم + وقال أيضا ما ضل قوم بعد أن هداهم الله ~~تعالى إلا أوتوا الجدل + حديث ما ضل قوم إلا أوتوا الجدل أخرجه الترمذي من ~~حديث أبي أمامة وصححه وزاد بعد هدى كانوا عليه وتقدم في العلم وهو عند ابن ~~أبي الدنيا دون هذه الزيادة كما ذكره المصنف + وقال أيضا لا يستكمل عبد ~~حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وإن كان محقا + حديث لا يستكمل عبد حقيقة ~~الإيمان حتى يذر المراء وإن كان محقا أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث أبي ~~هريرة بسند ضعيف وهو عند أحمد بلفظ لا يؤمن العبد حتى يترك الكذب في ~~المزاحة والمراء وإن كان صادقا + # وقال أيضا ست من كن فيه بلغ حقيقة PageV03P116 # الإيمان الصيام في الصيف وضرب أعداء الله بالسيف وتعجيل الصلاة في اليوم ~~الدجن والصبر على المصيبات وإسباغ الوضوء على المكاره وترك المراء وهو صادق ~~(1) وقال الزبير لابنه لا تجادل الناس بالقرآن فإنك لا تستطيعهم ولكن عليك ~~بالسنة وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله عليه من جعل دينه عرضة للخصومات ~~أكثر التنقل وقال مسلم بن ms1371 يسار إياكم والمراء فإنه ساعة جهل العالم وعندها ~~يبتغي الشيطان زلته وقيل ما ضل قوم بعد إذ هداهم الله إلا بالجدل وقال مالك ~~بن أنس رحمة الله عليه ليس هذا الجدال من الدين في شيء وقال أيضا المراء ~~يقسي القلوب ويورث الضغائن وقال لقمان لابنه يا بني لا تجادل العلماء ~~فيمقتوك وقال بلال بن سعد إذا رأيت الرجل لجوجا مماريا معجبا برأيه فقد تمت ~~خسارته وقال سفيان لو خالفت أخي في رمانة فقال حلوة وقلت حامضة لسعى بي إلى ~~السلطان وقال أيضا صاف من شئت ثم أغضبه بالمراء فليرمينك بداهية تمنعك ~~العيش وقال ابن أبي ليلى لا أماري صاحبي فإما أن أكذبه وإما أن أغضبه وقال ~~أبو الدرداء كفى بك إثما أن لا تزال مماريا وقال صلى الله عليه وسلم تكفير ~~كل لحاء ركعتان (2) وقال عمر رضي الله عنه لا تتعلم العلم لثلاث ولا تتركه ~~لثلاث # لا تتعلمه لتماري به ولا لتباهي به ولا لترائي به ولا تتركه حياء من طلبه ~~ولا زهادة فيه ولا رضا بالجهل منه # وقال عيسى عليه السلام من كثر كذبه ذهب جماله ومن لاحى الرجال سقطت ~~مروءته ومن كثر همه سقم جسمه ومن ساء خلقه عذب نفسه وقيل لميمون بن مهران ~~مالك لا تترك أخاك عن قلى قال لأني لا أشاريه ولا أماريه وما ورد في ذم ~~المراء والجدال أكثر من أن يحصى # وحد المراء هو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما في اللفظ ~~وإما في المعنى وإما في قصد المتكلم وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض ~~فكل كلام سمعته فإن كان حقا فصدق به وإن كان باطلا أو كذبا ولم يكن متعلقا ~~بأمور الدين فاسكت عنه # والطعن في كلام الغير تارة يكون في لفظه بإظهار خلل فيه من جهة النحو أو ~~من جهة اللغة أو من جهة العربية أو من جهة النظم والترتيب بسوء تقديم أو ~~تأخير وذلك يكون تارة من قصور المعرفة وتارة يكون بطغيان اللسان وكيفما كان ~~فلا وجه لإظهار ms1372 خلله # وأما في المعنى فبأن يقول ليس كما تقول وقد أخطأت فيه من وجه كذا وكذا # وأما في قصده فمثل أن يقول هذا الكلام حق ولكن ليس قصدك منه الحق وإنما ~~أنت فيه صاحب غرض وما يجري مجراه وهذا الجنس إن جرى في مسألة علمية ربما خص ~~باسم الجدل وهو أيضا مذموم بل الواجب السكوت أو السؤال في معرض الاستفادة ~~لا على وجه العناد والنكارة أو التلطف في التعريف لا في معرض الطعن # وأما المجادلة فعبارة عن قصد إفحام الغير وتعجيزه وتنقيصه بالقدح في ~~كلامه ونسبته إلى القصور والجهل فيه وآية ذلك أن يكون تنبيهه للحق من جهة ~~أخرى مكروها عند المجادل يجب أن يكون هو المظهر له خطأ ليبين به فضل نفسه ~~ونقص صاحبه ولا نجاة من هذا إلا بالسكوت عن كل ما لا يأثم به لو سكت عنه # وأما الباعث على هذا فهو الترفع بإظهار العلم والفضل والتهجم على الغير ~~بإظهار نقصه وهما شهوتان باطنتان PageV03P117 # للنفس قويتان لها # وأما إظهار الفضل فهو من قبل تزكية النفس وهي من مقتضى ما في العبد من ~~طغيان دعوى العلو والكبرياء وهي من صفات الربوبية وأما تنقيض الآخر فهو من ~~مقتضى طبع السبعية فإنه يقتضي أن يمزق غيره ويقصمه ويصدمه ويؤذيه وهاتان ~~صفتان مذمومتان مهلكتان وإنما قوتهما المراء والجدال فالمواظب على المراء ~~والجدال مقو لهذه الصفات المهلكة وهذا مجاوز حد الكراهة بل هو معصية مهما ~~حصل فيه إيذاء الغير # ولا تنفك المماراة عن الإيذاء وتهييج الغضب وحمل المعترض عليه على أن ~~يعود فينصر كلامه بما يمكنه من حق أو باطل ويقدح في قائله بكل ما يتصور له ~~فيثور الشجار بين المتماريين كما يثور الهراش بين الكلبين يقصد كل واحد ~~منهما أن يعض صاحبه بما هو أعظم نكاية وأقوى في إفحامه وإلجامه # وأما علاجه فهو بأن يكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله والسبعية الباعث ~~له على تنقيص غيره كما سيأتي ذلك في كتاب ذم الكبر والعجب وكتاب ذم الغضب ~~فإن علاج كل ms1373 علة بإماطة سببها وسبب المراء والجدال ما ذكرناه ثم المواظبة ~~عليه تجعله عادة وطبعا حتى يتمكن من النفس ويعسر الصبر عنه # روي أن أبا حنيفة رحمة الله عليه قال لداود الطائي لم آثرت الإنزواء قال ~~لأجاهد نفسي بترك الجدال فقال احضر المجالس واستمع ما يقال ولا تتكلم قال ~~ففعلت ذلك فما رأيت مجاهدة أشد علي منها وهو كما قال لأن من سمع الخطأ من ~~غيره وهو قادر على كشفه يعسر عليه الصبر عند ذلك جدا ولذلك قال صلى الله ~~عليه وسلم من ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتا في أعلى الجنة لشدة ذلك ~~على النفس وأكثر ما يغلب ذلك في المذاهب والعقائد # فإن المراء طبع فإذا ظن أن له عليه ثوابا اشتد عليه حرصه وتعاون الطبع ~~والشرع عليه وذلك خطأ محض بل ينبغي للإنسان أن يكف لسانه عن أهل القبلة ~~وإذا رأى مبتدعا تلطف في نصحه في خلوة لا بطريق الجدال فإن الجدال يخيل ~~إليه أنها حيلة منه في التلبيس وأن ذلك صنعة يقدر المجادلون من أهل مذهبه ~~على أمثالها لو أرادوا فتستمر البدعة في قلبه بالجدل وتتأكد فإذا عرف أن ~~النصح لا ينفع اشتغل بنفسه وتركه وقال صلى الله عليه وسلم رحم الله من كف ~~لسانه عن أهل القبلة إلا بأحسن ما يقدر عليه (1) وقال هشام بن عروة كان ~~عليه السلام يردد قوله هذا سبع مرات وكل من اعتاد المجادلة مدة وأثنى الناس ~~عليه ووجد لنفسه بسببه عزا وقبولا قويت فيه هذه المهلكات ولا يستطيع عنها ~~نزوعا إذا اجتمع عليه سلطان الغضب والكبر والرياء وحب الجاه والتعزز بالفضل ~~وآحاد هذه الصفات يشق مجاهدتها فكيف بمجموعها ### ||| الآفة الخامسة الخصومة # وهي أيضا مذمومة وهي وراء الجدال والمراء فالمراء طعن في كلام الغير ~~بإظهار خلل فيه من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير # وإظهار مزية الكياسة والجدال عبارة عن أمر يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها # والخصومة لجاج في الكلام ليستوفى به مال أو حق مقصود وذلك تارة يكون ~~ابتداء ms1374 وتارة يكون اعتراضا # والمراء لا يكون إلا باعتراض على كلام سبق فقد قالت عائشة رضي الله عنها ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبغض PageV03P118 # الرجال إلى الله الألد الخصم (1) وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط الله حتى ينزع (2) وقال ~~بعضهم إياك والخصومة فإنها تمحق الدين ويقال ما خاصم ورع قط في الدين وقال ~~ابن قتيبة مر بي بشر بن عبد الله بن أبي بكرة فقال ما يجلسك ههنا قلت خصومة ~~بيني وبين ابن عم لي فقال إن لأبيك عندي يدا وإني أريد أن أجزيك بها وإني ~~والله ما رأيت شيئا أذهب للدين ولا أنقص للمروءة ولا أضيع للذة ولا أشغل ~~للقلب من الخصومة قال فقمت لأنصرف فقال لي خصمي مالك قلت لا أخاصمك قال إنك ~~عرفت أن الحق لي قلت لا ولكن أكرم نفسي عن هذا قال فإني لا أطلب منك شيئا ~~هو لك # فإن قلت فإذا كان للإنسان حق فلا بد له من الخصومة في طلبه أو في حفظه ~~مهما ظلمه ظالم فكيف يكون حكمه وكيف تذم خصومته فاعلم أن هذا الذم يتناول ~~الذي يخاصم بالباطل والذي يخاصم بغير علم مثل وكيل القاضي فإنه قبل أن ~~يتعرف أن الحق في أي جانب هو يتوكل في الخصومة من أي جانب كان فيخاصم بغير ~~علم ويتناول الذي يطلب حقه ولكنه لا يقتصر على قدر الحاجة بل يظهر اللدد في ~~الخصومة على قصد التسلط أو على قصد الإيذاء ويتناول الذي يمزج بالخصومة ~~كلمات مؤذية ليس يحتاج إليها في نصرة الحجة وإظهار الحق ويتناول الذي يحمله ~~على الخصومة محض العناد لقهر الخصم وكسره مع أنه قد يستحقر ذلك القدر من ~~المال وفي الناس من يصرح به ويقول إنما قصدي عناده وكسر عرضه وإني إن أخذت ~~منه هذا المال ربما رميت به في بئر ولا أبالي وهذا مقصوده اللدد والخصومة ~~واللجاج وهو مذموم جدا فأما المظلوم الذي ينصر ms1375 حجته بطريق الشرع من غير لدد ~~وإسراف وزيادة لجاج على قدر الحاجة ومن غير قصد عناد وإيذاء ففعله ليس ~~بحرام ولكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا فإن ضبط اللسان في الخصومة على ~~حد الاعتدال متعذر والخصومة توغر الصدر وتهيج الغضب وإذا هاج الغضب نسي ~~المتنازع فيه وبقي الحقد بين المتخاصمين حتى يفرح كل واحد بمساءة صاحبه ~~ويحزن بمسرته ويطلق اللسان في عرضه فمن بدأ بالخصومة فقد تعرض لهذه ~~المحذورات وأقل ما فيه تشويش خاطره حتى إنه في صلاته يشتغل بمحاجة خصمه فلا ~~يبقى الأمر على حد الواجب فالخصومة مبدأ كل شر وكذا المراء والجدال فينبغي ~~أن لا يفتح بابه إلا لضرورة وعند الضرورة ينبغي أن يحفظ اللسان والقلب عن ~~تبعات الخصومة وذلك متعذر جدا فمن اقتصر على الواجب في خصومته سلم من الإثم ~~ولا تذم خصومته إلا أنه إن كان مستغنيا عن الخصومة فيما خاصم فيه لأن عنده ~~ما يكفيه فيكون تاركا للأولى ولا يكون آثما نعم أقل ما يفوته في الخصومة ~~والمراء والجدال طيب الكلام وما ورد فيه من الثواب إذ أقل درجات طيب الكلام ~~إظهار الموافقة ولا خشونة في الكلام أعظم من الطعن والاعتراض الذي حاصله ~~إما تجهيل وإما تكذيب فإن من جادل غيره أو ماراه أو خاصمه فقد جهله أو كذبه ~~فيفوت به طيب الكلام # وقد قال صلى الله عليه وسلم يمكنكم من الجنة طيب الكلام وإطعام الطعام ~~(3) PageV03P119 # وقد قال الله تعالى {وقولوا للناس حسنا} وقال ابن عباس رضي الله عنهما من ~~سلم عليك من خلق الله فاردد عليه السلام وإن كان مجوسيا إن الله تعالى يقول ~~{وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} وقال ابن عباس أيضا لو قال ~~لي فرعون خيرا لرددت عليه وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في ~~الجنة لغرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن ~~أطعم الطعام وألان الكلام (1) وروي أن عيسى عليه السلام مر به خنزير فقال ~~مر بسلام فقيل ms1376 يا روح الله أتقول هذا لخنزير فقال أكره أن أعود لساني الشر ~~وقال نبينا صلى الله عليه وسلم الكلمة الطيبة صدقة (2) وقال اتقوا النار ~~ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة (3) وقال عمر رضي الله عنه البر شيء ~~هين وجه طليق وكلام لين وقال بعض الحكماء الكلام اللين يغسل الضغائن ~~المستكنة في الجوارح وقال بعض الحكماء كل كلام لا يسخط ربك إلا أنك ترضي به ~~جليسك فلا تكن به عليه بخيلا فإنه لعله يعوضك منه ثواب المحسنين وهذا كله ~~في فضل الكلام الطيب وتضاده الخصومة والمراء والجدال واللجاج فإنه الكلام ~~المستكره الموحش المؤذي للقلب المنغص للعيش المهيج للغضب الموغر للصدر نسأل ~~الله حسن التوفيق بمنه وكرمه ### ||| الآفة السادسة # التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف السجع والفصاحة والتصنع فيه بالتشبيبات ~~والمقدمات وما جرى به عادة المتفاصحين المدعين للخطابة وكل ذلك من التصنع ~~المذموم ومن التكلف الممقوت الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ~~وأتقياء أمتي برءاء من التكلف وقال صلى الله عليه وسلم إن أبغضكم إلي ~~وأبعدكم مني مجلسا الثرثارون المتفيهقون المتشدقون في الكلام (4) وقالت ~~فاطمة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شرار أمتي الذين ~~غذوا بالنعيم يأكلون ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام ~~(5) # وقال صلى الله عليه وسلم ألا هلك المتنطعون ثلاث مرات (6) حديث سعد يأتي ~~على الناس زمان يتخللون الكلام بألسنتهم كما تتخلل البقرة الكلأ بلسانها ~~رواه أحمد // وكأنه أنكر عليه ما قدمه على الكلام من التشبب والمقدمة ~~المصنوعة المتكلفة وهذا أيضا من آفات اللسان ويدخل فيه كل سجع متكلف وكذلك ~~التفاصح الخارج عن حد العادة وكذلك التكلف بالسجع في المحاورات إذ قضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بغرة في الجنين فقال بعض قوم الجاني كيف ندى من لا ~~شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل PageV03P120 # ومثل ذلك بطل فقال أسجعا كسجع الأعراب (1) وأنكر ذلك لأن أثر التكلف ~~والتصنع بين عليه بل ينبغي أن يقتصر في كل شيء على ms1377 مقصوده ومقصود الكلام ~~التفهيم للغرض وما وراء ذلك تصنع مذموم ولا يدخل في هذه تحسين ألفاظ ~~الخطابة والتذكير من غير إفراط وإغراب فإن المقصود منها تحريك القلوب ~~وتشويقها وقبضها وبسطها فلرشاقة اللفظ تأثير فيه فهو لائق به فأما ~~المحاورات التي تجري لقضاء الحاجات فلا يليق بها السجع والتشدق والاشتغال ~~به من التكلف المذموم ولا باعث عليه إلا الرياء وإظهار الفصاحة والتميز ~~بالبراعة وكل ذلك مذموم يكرهه الشرع ويزجر عنه ### ||| الآفة السابعة الفحش والسب وبذاءة اللسان # وهو مذموم ومنهي عنه ومصدره الخبث واللؤم قال صلى الله عليه وسلم إياكم ~~والفحش فإن الله تعالى لا يحب الفحش ولا التفحش (2) ونهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن أن تسب قتلى بدر من المشركين فقال لا تسبوا هؤلاء فإنه ~~لا يخلص إليهم شيء مما تقولون وتؤذون الأحياء ألا إن البذاء لؤم (3) حديث ~~ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذى أخرجه الترمذي بإسناد ~~صحيح من حديث ابن مسعود وقال حسن غريب وصححه وروي موقوفا قال الدارقطني في ~~العلل والموقوف أصح (4) حديث الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها أخرجه ابن ~~أبي الدنيا وأبو نعيم في الحلية من حديث عبد الله بن عمرو (5) حديث أربعة ~~يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى الحديث {وفيه} إن الأبعد كان ينظر إلى ~~كل كلمة خبيثة فيستلذها كما يستلذ الرفث أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث شفى ~~بن مانع واختلف في صحبته فذكره أبو نعيم في الصحابة وذكره البخاري وابن ~~حبان في التابعين (6) حديث يا عائشة لو كان الفحش رجلا لكان رجل سوء أخرجه ~~ابن أبي الدنيا من رواية ابن لهيعة عن أبي النضر عن أبي سلمة عنها (7) حديث ~~البذاء والبيان شعبتان من النفاق أخرجه الترمذي وحسنه الحاكم وصححه على ~~شرطهما من حديث أبي أمامة وقد تقدم // فيحتمل أن يراد بالبيان كشف ما لا ~~يجوز كشفه ويحتمل أيضا المبالغة في الإيضاح حتى ينتهي إلى حد التكلف ويحتمل ~~أيضا البيان في أمور الدين وفي صفات الله تعالى ms1378 فإن إلقاء ذلك مجملا إلى ~~أسماع العوام أولى من المبالغة في بيانه إذ قد يثور من غاية البيان فيه ~~شكوك ووساوس فإذا أجملت بادرت القلوب إلى القبول ولم تضطرب ولكن ذكره ~~مقرونا بالبذاء يشبه أن يكون المراد به المجاهرة بما يستحي الإنسان من ~~بيانه فإن الأولى في مثله الإغماض والتغافل دون الكشف والبيان وقال صلى ~~الله عليه وسلم إن الله لا يحب الفاحش PageV03P121 # المتفحش الصياح في الأسواق (1) وقال جابر بن سمرة كنت جالسا عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأبي أمامي فقال صلى الله عليه وسلم إن الفحش والتفاحش ~~ليسا من الإسلام في شيء وإن أحسن الناس إسلاما أحاسنهم أخلاقا (2) وقال ~~إبراهيم بن ميسرة يقال يؤتى بالفاحش المتفحش يوم القيامة في صورة كلب أو في ~~جوف كلب وقال الأحنف بن قيس ألا أخبركم بأدوإ الداء اللسان البذي والخلق ~~الدني # فهذه مذمة الفحش فأما حده وحقيقته فهو التعبير عن الأمور المستقبحة ~~بالعبارات الصريحة وأكثر ذلك يجري في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به فإن لأهل ~~الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها فيه وأهل الصلاح يتحاشون عنها بل ~~يكنون عنها ويدلون عليها بالرموز فيذكرون ما يقربها ويتعلق بها وقال ابن ~~عباس إن الله حي كريم يعفو ويكنو كنى باللمس عن الجماع فالمسيس واللمس ~~والدخول والصحبة كنايات عن الوقاع وليست بفاحشة وهناك عبارات فاحشة يستقبح ~~ذكرها ويستعمل أكثرها في الشتم والتعيير وهذه العبارات متفاوتة في الفحش ~~وبعضها أفحش من بعض وربما اختلف ذلك بعادة البلاد وأوائلها مكروهة وأواخرها ~~محظورة وبينهما درجات يتردد فيها وليس يختص هذا بالوقاع بل بالكناية بقضاء ~~الحاجة عن البول والغائط أولى من لفظ التغوط والخراء وغيرهما فإن هذا أيضا ~~ما يخفى وكل ما يخفى يستحيا منه فلا ينبغي أن يذكر ألفاظه الصريحة فإنه فحش ~~وكذلك يستحسن في العادة الكناية عن النساء فلا يقال قالت زوجتك كذا بل يقال ~~قيل في الحجرة أو من وراء الستر أو قالت أم الأولاد فالتلطف في هذه الألفاظ ~~محمود والتصريح فيها يفضي إلى الفحش وكذلك من ms1379 به عيوب يستحيا منها فلا ~~ينبغي أن يعبر عنها بصريح لفظها كالبرص والقرع والبواسير بل يقال العارض ~~الذي يشكوه وما يجري مجراه فالتصريح بذلك داخل في الفحش وجميع ذلك من آفات ~~اللسان # قال العلاء بن هارون وكان عمر بن عبد العزيز يتحفظ في منطقه فخرج تحت ~~إبطه خراج فأتيناه نسأله لنرى ما يقول فقلنا من أين خرج فقال من باطن اليد ~~والباعث على الفحش إما قصد الإيذاء وإما الاعتياد الحاصل من مخالطة الفساق ~~وأهل الخبث واللؤم ومن عادتهم السب وقال أعرابي لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أوصني فقال عليك بتقوى الله وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيره ~~بشيء فيه يكن وباله عليه وأجره لك ولا تسبن شيئا قال فما سببت شيئا بعده ~~(3) # وقال عياض بن حمار قلت يا رسول الله إن الرجل من قومي يسبني وهو دوني هل ~~علي من بأس أن أنتصر منه فقال المستابان شيطانان يتعاويان ويتهارجان (4) # وقال صلى الله عليه وسلم سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر (5) وقال صلى الله ~~عليه وسلم المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يعتدي المظلوم (6) # وقال صلى الله عليه وسلم ملعون من سب والديه (7) وفي رواية من أكبر ~~الكبائر أن يسب الرجل PageV03P122 # والديه قالوا يا رسول الله كيف يسب الرجل والديه قال يسب أبا الرجل فيسب ~~الآخر أباه ### ||| الآفة الثامنة اللعن # إما لحيوان أو جماد أو إنسان وكل ذلك مذموم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المؤمن ليس بلعان (1) حديث لا تلاعنوا بلعنة الله الحديث أخرجه ~~الترمذي وأبو داود من حديث سمرة بن جندب قال الترمذي حسن صحيح (2) حديث ~~عمران بن حصين بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره إذا امرأة ~~من الأنصار على ناقة لها فضجرت منها فلعنتها الحديث رواه مسلم (3) حديث ~~عائشة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه وهو يلعن ~~رقيقه فالتفت إليه فقال يا أبا بكر لعانين وصديقين الحديث أخرجه ابن أبي ~~الدنيا في الصمت وشيخه ms1380 بشار بن موسى الخفاف ضعفه الجمهور وكان أحمد حسن ~~الرأي فيه (4) حديث إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة ~~أخرجه مسلم من حديث أبي الدرداء (5) حديث أنس كان رجل مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على بعير فلعن بعيره فقال يا عبد الله لا تسر معنا على بعير ~~ملعون أخرجه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد // وقال ذلك إنكارا عليه واللعن ~~عبارة عن الطرد والإبعاد من الله تعالى وذلك غير جائز إلا على من اتصف بصفة ~~تبعده من الله عز وجل وهو الكفر والظلم بأن يقول لعنة الله على الظالمين ~~وعلى الكافرين وينبغي أن يتبع فيه لفظ الشرع فإن في اللعنة خطرا لأنه حكم ~~على الله عز وجل بأنه قد أبعد الملعون وذلك غيب لا يطلع عليه غير الله ~~تعالى ويطلع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أطلعه الله عليه # والصفات المقتضية للعن ثلاثة الكفر والبدعة والفسق وللعن في كل واحدة ~~ثلاث مراتب # الأولى اللعن بالوصف الأعم كقولك لعنة الله الكافرين والمبتدعين والفسقة # الثانية اللعن بأوصاف أخص منه كقولك لعنة الله على اليهود والنصارى ~~والمجوس وعلى القدرية والخوارج والروافض أو على الزناة والظلمة وآكلي الربا ~~وكل ذلك جائز ولكن في لعن أوصاف المبتدعة خطر لأن معرفة البدعة غامضة ولم ~~يرد فيه لفظ مأثور فينبغي أن يمنع منه العوام لأن ذلك يستدعي المعارضة ~~بمثله ويثير نزاعا بين الناس وفسادا # الثالثة اللعن للشخص المعين وهذا فيه خطر كقولك زيد لعنه الله وهو كافر ~~أو فاسق أو مبتدع والتفصيل PageV03P123 # فيه أن كل شخص ثبتت لعنته شرعا فتجوز لعنته كقولك فرعون لعنه الله وأبو ~~جهل لعنه الله لأنه قد ثبت أن هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعا وأما ~~شخص بعينه في زماننا كقولك زيد لعنه الله وهو يهودي مثلا فهذا فيه خطر فإنه ~~ربما يسلم فيموت مقربا عند الله فكيف يحكم بكونه ملعونا # فإن قلت يلعن لكونه كافرا في الحال كما يقال للمسلم رحمه الله لكونه ~~مسلما في الحال ms1381 وإن كان يتصور أن يرتد فاعلم أن معنى قولنا رحمه الله أي ~~ثبته الله على الإسلام الذي هو سبب الرحمة وعلى الطاعة ولا يمكن أن يقال ~~ثبت الله الكافر على ما هو سبب اللعنة فإن هذا سؤال للكفر وهو في نفسه كفر ~~بل الجائز أن يقال لعنه الله إن مات على الكفر ولا لعنه الله إن مات على ~~الإسلام وذلك غيب لا يدرى والمطلق متردد بين الجهتين ففيه خطر وليس في ترك ~~اللعن خطر وإذا عرفت هذا في الكافر فهو في زيد الفاسق أو زيد المبتدع أولى ~~فلعن الأعيان فيه خطر لأن الأعيان تتقلب في الأحوال إلا من أعلم به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإنه يجوز أن يعلم من يموت على الكفر ولذلك عين ~~قوما باللعن فكان يقول في دعائه على قريش اللهم عليك بأبي جهل بن هشام ~~وعتبة بن ربيعة (1) وذكر جماعة قتلوا على الكفر حتى إن من لم يعلم عاقبته ~~كان يلعنه فنهى عنه إذ روي أنه كان يلعن الذي قتلوا أصحاب بئر معونة في ~~قنوته شهرا فنزل قوله تعالى ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم ~~فإنهم ظالمون (2) # يعني أنهم ربما يسلمون فمن أين تعلم أنهم ملعونون وكذلك من بان لنا موته ~~على الكفر جاز لعنه وجاز ذمه إن لم يكن فيه أذى على مسلم فإن كان لم يجز ~~كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أبا بكر رضي الله عنه عن قبر ~~مر به وهو يريد الطائف فقال هذا قبر رجل كان عاتيا على الله ورسوله وهو ~~سعيد بن العاص فغضب ابنه عمرو بن سعيد وقال يا رسول الله هذا قبر رجل كان ~~أطعم للطعام وأضرب للهام من أبي قحافة فقال أبو بكر يكلمني هذا يا رسول ~~الله بمثل هذا الكلام فقال صلى الله عليه وسلم اكفف عن أبي بكر فانصرف ثم ~~أقبل على أبي بكر فقال يا أبا بكر إذا ذكرتم الكفار فعمموا فإنكم إذا خصصتم ~~غضب ms1382 الأبناء للآباء فكف الناس عن ذلك (3) حديث شرب نعمان الخمر فحد مرات في ~~مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعض الصحابة لعنه الله ما أكثر ما ~~يؤتى به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكن عونا للشيطان على أخيك ~~وفي رواية لا تقل هذا فإنه يحب الله ورسوله أخرجه ابن عبد البر في ~~الاستيعاب من طريق الزبير بن بكار من رواية محمد بن عمرو بن حزم مرسلا ~~ومحمد هذا ولد في حياته صلى الله عليه وسلم وسماه محمدا وكناه عبد الملك ~~وللبخاري من حديث عمر أن رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكان قد جلده في الشراب فأتي به يوما فأمر به فجلد فقال رجل من القوم اللهم ~~العنه أكثر ما يؤتى به فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنوه فوالله ما ~~علمت إلا أنه يحب الله ورسوله من حديث أبي هريرة في رجل شرب ولم يسم وفيه ~~لا تعينوا عليه الشيطان وفي رواية لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم // وفي ~~رواية لا تقل هذا فإنه يحب الله ورسوله فنهاه عن ذلك وهذا يدل على أن ~~PageV03P124 # لعن فاسق بعينه غير جائز وعلى الجملة ففي لعن الأشخاص خطر فليجتنب ولا ~~خطر في السكوت عن لعن إبليس مثلا فضلا عن غيره # فإن قيل هل يجوز لعن يزيد لأنه قاتل الحسين أو آمر به قلنا هذا لم يثبت ~~أصلا فلا يجوز أن يقال إنه قتله أو أمر به ما لم يثبت فضلا عن اللعنة لأنه ~~لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق نعم يجوز أن يقال قتل ابن ملجم ~~عليا وقتل أبو لؤلؤة عمر رضي الله عنهما فإن ذلك ثبت متواترا فلا يجوز أن ~~يرمى مسلم بفسق أو كفر من غير تحقيق قال صلى الله عليه وسلم لا يرمى رجل ~~رجلا بالكفر ولا يرميه بالفسق إلا ارتدت عليه ms1383 إن لم يكن صاحبه كذلك (1) # وقال صلى الله عليه وسلم ما شهد رجل على رجل بالكفر إلا باء به أحدهما إن ~~كان كافرا فهو كما قال وإن لم يكن كافرا فقد كفر بتكفيره إياه (2) وهذا ~~معناه أن يكفره وهو يعلم أنه مسلم فإن ظن أنه كافر ببدعة أو غيرها كان ~~مخطئا لا كافرا وقال معاذ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهاك أن ~~تشتم مسلما أو تعصي إماما عادلا والتعرض للأموات أشد (3) قال مسروق دخلت ~~على عائشة رضي الله عنها فقالت ما فعل فلان لعنه الله قلت توفى قالت رحمه ~~الله قلت وكيف هذا قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الأموات ~~فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا (4) وقال صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الأموات ~~فتؤذوا به الأحياء (5) وقال صلى الله عليه وسلم أيها الناس احفظوني في ~~أصحابي وإخواني وأصهاري ولا تسبوهم أيها الناس إذا مات الميت فاذكروا منه ~~خيرا (6) # فإن قيل فهل يجوز أن يقال قاتل الحسين لعنه الله أو الآمر بقتله لعنه ~~الله قلنا الصواب أن يقال قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله لأنه ~~يحتمل أن يموت بعد التوبة فإن وحشيا قاتل حمزة عم رسول الله قتله وهو كافر ~~ثم تاب عن الكفر والقتل جميعا ولا يجوز أن يعلن والقتل كبيرة ولا تنتهي إلى ~~رتبة الكفر فإذا لم يقيد بالتوبة وأطلق كان فيه خطر وليس في السكوت خطر فهو ~~أولى # وإنما أوردنا هذا لتهاون الناس باللعنة وإطلاق اللسان بها والمؤمن ليس ~~بلعان فلا ينبغي أن يطلق اللسان باللعنة إلا على من مات على الكفر أو على ~~الأجناس المعروفين بأوصافهم دون الأشخاص المعينين فالاشتغال PageV03P125 # بذكر الله أولى فإن لم يكن ففي السكوت سلامة # قال مكي بن إبراهيم كنا عند ابن عون فذكروا بلال بن أبي بردة فجعلوا ~~يلعنونه ويقعون فيه وابن عون ساكت فقالوا يا ابن عون إنما نذكره لما ارتكب ~~منك فقال إنما هما كلمتان تخرجان من صحيفتي يوم القيامة ms1384 لا إله إلا الله ~~ولعن الله فلانا فلأن يخرج من صحيفتي لا إله إلا الله أحب إلي من أين يخرج ~~منها لعن الله فلانا وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوصني فقال ~~أوصيك أن لا تكون لعانا (1) وقال ابن عمر إن أبغض الناس إلى الله كل طعان ~~لعان وقال بعضهم لعن المؤمن يعد قتله وقال حماد بن زيد بعد أن روى هذا لو ~~قلت إنه مرفوع لم أبال وعن أبي قتادة قال كان يقول من لعن مؤمنا فهو مثل أن ~~يقتله (2) وقد نقل ذلك حديثا مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم # ويقرب من اللعن الدعاء على الإنسان بالشر حتى الدعاء على الظالم كقول ~~الإنسان مثلا لا صحح الله جسمه ولا سلمه الله وما يجري مجراه فإن ذلك مذموم ~~وفي الخبر إن المظلوم ليدعو على الظالم حتى يكافئه ثم يبقى للظالم عنده ~~فضلة يوم القيامة (3) ### ||| الآفة التاسعة الغناء والشعر # وقد ذكرنا في كتاب السماع ما يحرم من الغناء وما يحل فلا نعيده وأما ~~الشعر فكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح إلا أن التجرد له مذموم قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأن يمتليء جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن ~~يمتليء شعرا (4) وعن مسروق أنه سئل عن بيت من الشعر فكرهه فقيل له في ذلك ~~فقال أنا أكره أن يوجد في صحيفتي شعر وسئل بعضهم عن شيء من الشعر فقال أجعل ~~مكان هذا ذكرا فإن ذكر الله خير من الشعر وعلى الجملة فإنشاد الشعر ونظمه ~~ليس بحرام إذا لم يكن فيه كلام مستكره قال صلى الله عليه وسلم إن من الشعر ~~لحكمة (5) نعم مقصود الشعر المدح والذم والتشبيب وقد يدخله الكذب وقد أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت الأنصاري بهجاء الكفار والتوسع ~~في المدح (6) فإنه وإن كان كذبا فإنه لا يلتحق في التحريم بالكذب كقول ~~الشاعر ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله # فإن هذا عبارة ms1385 عن الوصف بنهاية السخاء فإن لم يكن صاحبه سخيا كان كاذبا ~~وإن كان سخيا فالمبالغة من صنعة الشعر فلا يقصد منه أن يعتقد صورته وقد ~~أنشدت أبيات بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تتبعت لوجد فيها مثل ~~ذلك فلم يمنع منه قالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يخصف نعله وكنت جالسة PageV03P126 # أغزل فنظرت إليه فجعل جبينه يعرق وجعل عرقه يتولد نورا قالت فبهت فنظر ~~إلي فقال مالك بهت فقلت يا رسول الله نظرت إليك فجعل جبينك يعرق وجعل عرقك ~~يتولد نورا ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره قال وما يقول يا ~~عائشة أبو كبير الهذلي قلت يقول هذين البيتين # ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل # وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل # قال فوضع صلى الله عليه وسلم ما كان بيده وقام إلي وقبل ما بين عيني وقال ~~جزاك الله خيرا يا عائشة ما سررت مني كسروري منك (1) # ولما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم حنين أمر للعباس بن ~~مرداس بأربع قلائص فاندفع يشكو في شعر له وفي آخره # وما كان بدر ولا حابس ... يسودان مرداس في مجمع # وما كنت دون امرىء منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع # فقال صلى الله عليه وسلم اقطعوا عني لسانه فذهب به أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه حتى اختار مائة من الإبل ثم رجع وهو من أرضى الناس فقال له صلى ~~الله عليه وسلم أتقول في الشعر فجعل يعتذر إليه ويقول بأبي أنت وأمي إني ~~لأجد للشعر دبيبا على لساني كدبيب النمل ثم يقرصني كما يقرص النمل فلا أجد ~~بدا من قول الشعر فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال لا تدع العرب الشعر حتى ~~تدع الإبل الحنين (2) ### ||| الآفة العاشرة المزاح # وأصله مذموم منهي عنه إلا قدرا يسيرا يستثنى منه قال صلى الله عليه وسلم ~~لا تمار أخاك ولا تمازحه (3) # فإن قلت المماراة فيها ms1386 إيذاء لأن فيها تكذيبا للأخ والصديق أو تجهيلا له ~~وأما المزاح فمطايبة وفيه انبساط وطيب PageV03P127 # قلب فلم ينهى عنه فاعلم أن المنهي عنه الإفراط فيه أو المداومة عليه # أما المداومة فلأنه اشتغال باللعب والهزل فيه واللعب مباح ولكن المواظبة ~~عليه مذمومة وأما الإفراط فيه فإنه يورث كثرة الضحك وكثرة الضحك تميت القلب ~~وتورث الضغينة في بعض الأحوال وتسقط المهابة والوقار فما يخلو عن هذه ~~الأمور فلا يذم كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إني لأمزح ولا ~~أقول إلا حقا (1) ألا إن مثله يقدر على أن يمزح ولا يقول إلا حقا وأما غيره ~~إذا فتح باب المزاح كان غرضه أن يضحك الناس كيفما كان # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها ~~جلساءه يهوى في النار أبعد من الثريا (2) وقال عمر رضي الله عنه من كثر ~~ضحكه قلت هيبته ومن مزج استخف به ومن أكثر من شيء عرف به ومن كثر كلامه كثر ~~سقطه ومن كثر سقطه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه # ولأن الضحك يدل على الغفلة عن الآخرة قال صلى الله عليه وسلم لو تعلمون ~~ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا (3) وقال رجل لأخيه يا أخي هل أتاك أنك ~~وارد النار قال نعم قال فهل أتاك أنك خارج منها قال لا ففيم الضحك قيل فما ~~رؤي ضاحكا حتى مات وقال يوسف بن أسباط أقام الحسن ثلاثين سنة لم يضحك وقيل ~~أقام عطاء السلمي أربعين سنة لم يضحك ونظر وهيب بن الورد إلى قوم يضحكون في ~~عيد فطر فقال إن كان هؤلاء قد غفر لهم فما هذا فعل الشاكرين وإن كان لم ~~يغفر لهم فما هذا فعل الخائفين وكان عبد الله بن أبي يعلى يقول أتضحك ولعل ~~أكفانك قد خرجت من عند القصار وقال ابن عباس من أذنب ذنبا وهو يضحك دخل ~~النار وهو يبكي # وقال محمد بن واسع إذا رأيت في الجنة رجل ms1387 يبكي ألست تعجب من بكائه قيل ~~بلى قال فالذي يضحك في الدنيا ولا يدري إلى ماذا يصير هو أعجب منه فهذه آفة ~~الضحك والمذموم منه أن يستغرق ضحكا والمحمود منه التبسم الذي ينكشف فيه ~~السن ولا يسمع له صوت وكذلك كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) قال ~~القاسم مولى معاوية أقبل أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم على قلوص له ~~صعب فسلم فجعل كلما دنا من النبي صلى الله عليه وسلم ليسأله يفر به فجعل ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون منه ففعل ذلك مرارا ثم وقصه ~~فقتله فقيل يا رسول الله إن الأعرابي قد صرعه قلوصه وقد هلك فقال نعم ~~وأفواهكم ملأى من دمه (5) وأما أداء المزاح إلى سقوط الوقار فقد قال عمر ~~رضي الله عنه من مزح استخف به # وقال محمد بن المنكدر قالت لي أمي يا بني لا تمازح الصبيان فتهون عندهم ~~وقال سعيد بن العاص لابنه يا بني لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا الدنيء ~~فيجترئ عليك وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى اتقوا الله وإياكم ~~والمزاح فإنه يورث الضغينة ويجر إلى القبيح تحدثوا بالقرآن وتجالسوا به فإن ~~ثقل عليكم فحديث حسن من حديث الرجال # وقال عمر رضي الله عنه أتدرون لما سمي المزاح مزاحا قالوا لا قال لأنه ~~أزاح صاحبه عن الحق وقيل لكل شيء بذور وبذور العداوة المزاح ويقال المزاح ~~مسلبة للنهى مقطعة للأصدقاء # فإن قلت قد نقل المزاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فكيف ~~ينهى عنه فأقول إن قدرت PageV03P128 # على ما قدر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو أن تمزح ولا ~~تقول إلا حقا ولا تؤذي قلبا ولا تفرط فيه وتقتصر عليه أحيانا على الندور ~~فلا حرج عليك فيه ولكن من الغلطالعظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة يواظب ~~عليه ويفرط فيه ثم يتمسك بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وهو كمن يدور ~~نهاره مع الزنوج ينظر إليهم وإلى رقصهم ويتمسك ms1388 بأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أذن لعائشة في النظر إلى رقص الزنوج في يوم عيد وهو خطأ إذ من الصغائر ~~ما يصير كبيرة بالإصرار ومن المباحات ما يصير صغيرة بالإصرار فلا ينبغي أن ~~يغفل عن هذا (1) نعم روى أبو هريرة أنهم قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا ~~فقال إني وإن داعبتكم لا أقول إلا حقا (2) وقال عطاء إن رجلا سأل ابن عباس ~~أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح فقال نعم قال فما كان مزاحه قال ~~كان مزاحه أنه صلى الله عليه وسلم كسا ذات يوم امرأة من نسائه ثوبا واسعا ~~فقال لها البسيه واحمدي وجري منه ذيلا كذيل العروس (3) وقال أنس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان من أفكه الناس مع نسائه (4) وروي أنه كان كثير ~~التبسم (5) وعن الحسن قال أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها ~~صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة عجوز فبكت فقال إنك لست بعجوز يومئذ قال ~~الله تعالى {إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا} (6) # وقال زيد بن أسلم إن امرأة يقال لها أم أيمن جاءت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالت إن زوجي يدعوك قال ومن هو أهو الذي بعينه بياض قالت والله ~~ما بعينه بياض فقال بلى إن بعينه بياضا فقالت لا والله فقال صلى الله عليه ~~وسلم ما من أحد إلا وبعينه بياض وأراد به البياض المحيط بالحدقة (7) وجاءت ~~امرأة أخرى فقالت يا رسول الله احملني على بعير فقال بل نحملك على ابن ~~البعير فقالت ما أصنع به إنه لا يحملني فقال صلى الله عليه وسلم ما من بعير ~~إلا وهو ابن بعير (8) # فكان يمزح به وقال أنس كان لأبي طلحة ابن يقال له أبو عمير وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأتيهم ويقول يا أبا عمير ما فعل النغير (9) ~~النغير كان يلعب به وهو فرخ العصفور وقالت عائشة رضي الله عنها خرجت مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر ms1389 فقال تعالي حتى أسابقك فشددت ~~درعي على بطني ثم خططنا خطا فقمنا عليه واستبقنا فسبقني وقال هذهمكان ذي ~~المجاز (10) وذلك أنه جاء يوم ونحن بذي المجاز وأنا جارية قد بعثني أبي ~~بشيء فقال أعطنيه فأبيت وسعيت وسعى في أثري فلم يدركني وقالت أيضا سابقني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته فلما حملت اللحم سابقني فسبقني وقال ~~هذه بتلك (11) وقالت أيضا رضي الله عنها كان عندي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسودة بنت زمعة فصنعت حريرة وجئت به فقلت لسودة كلي فقالت لا أحبه ~~فقلت والله لتأكلن أو لألطخن به وجهك فقالت ما أنا بذائقته فأخذت ~~PageV03P129 # بيدي من الصحفة شيئا منه فلطخت به وجهها ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جالس بيني وبينها فخفض لها رسول الله ركبتيه لتستقيد مني فتناولت من الصحفة ~~شيئا فمسحت به وجهي وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك (1) وروي أن ~~الضحاك بن سفيان الكلابي كان رجلا دميما قبيحا فلما بايعه النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال إن عندي امرأتين أحسن من هذه الحميراء وذلك قبل أن تنزل آية ~~الحجاب أفلا أنزل لك عن إحداهما فتتزوجها وعائشة جالسة تسمع فقالت أهي أحسن ~~أم أنت فقال بل أنا أحسن منها وأكرم فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~سؤالها إياه لأنه كان دميما (2) وروى علقمة عن أبي سلمة أنه كان صلى الله ~~عليه وسلم يدلع لسانه للحسن ابن علي عليهما السلام فيرى الصبي لسانه فيهش ~~له فقال له عيينة بن بدر الفزاري والله ليكونن لي الابن قد تزوج وبقل وجهه ~~وما قبلته قط فقال صلى الله عليه وسلم إن من لا يرحم لا يرحم (3) فأكثر هذه ~~المطايبات منقولة مع النساء والصبيان وكان ذلك منه صلى الله عليه وسلم ~~معالجة لضعف قلوبهم من غير ميل إلى هزل وقال صلى الله عليه وسلم مرة لصهيب ~~وبه رمد وهو يأكل تمرا أتأكل التمر وأنت رمد فقال إنما آكل بالشق الآخر يا ~~رسول الله فتبسم صلى الله ms1390 عليه وسلم (4) # قال بعض الرواة حتى نظرت إلى نواجذه # وروي أن خوات ابن جبير الأنصاري كان جالسا إلى نسوة من بني كعب بطريق مكة ~~فطلع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا عبد الله مالك مع ~~النسوة فقال يفتلن ضغيرا لجمل لي شرود قال فمضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لحاجته ثم عاد فقال يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد قال ~~فسكت واستحييت وكنت بعد ذلك أتفرر منه كلما رأيته حياء منه حتى قدمت ~~المدينة وبعد ما قدمت المدينة قال فرآني في المسجد يوما أصلي فجلس إلي ~~فطولت {فقال} لا تطول فإني أنتظرك فلما سلمت قال يا أبا عبد الله أما ترك ~~ذلك الجمل الشراد بعد قال فسكت واستحييت فقام وكنت بعد ذلك أتفرر منه حتى ~~لحقني يوما وهو على حمار وقد جعل رجليه في شق واحد فقال أبا عبد الله أما ~~ترك ذلك الجمل الشراد بعد فقلت والذي بعثك بالحق ما شرد منذ أسلمت فقال ~~الله أكبر الله أكبر اللهم اهد أبا عبد الله قال فحسن إسلامه وهداه الله // ~~حديث إن خوات بن جبير كان جالسا إلى نسوة من بني كعب بطريق مكة فطلع عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا عبد الله مالك مع النسوة فقال يفتلن ~~ضغيرا لجمل لي شرود الحديث أخرجه الطبراني في الكبير من رواية زيد بن أسلم ~~عن خوات بن جبير مع اختلاف ورجاله ثقات وأدخل بعضهم بين زيد وبين خوات ~~ربيعة بن عمرو وكان نعيمان الأنصاري رجلا مزاحا فكان يشرب الخمر في المدينة ~~فيؤتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيضربه بنعله ويأمر أصحابه فيضربونه ~~بنعالهم فلما كثر ذلك منه PageV03P130 # قال له رجل من الصحابة لعنك الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تفعل ~~فإنه يحب الله ورسوله وكان لا يدخل المدينة رسل ولا طرفة إلا اشترى منها ثم ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول يا رسول الله هذا قد ms1391 اشتريته لك ~~وأهديته لك فإذا جاء صاحبها يتقاضاه بالثمن جاء به إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال يا رسول الله أعطه ثمن متاعه فيقول له صلى الله عليه وسلم أو لم ~~تهده لنا فيقول يا رسول الله إنه لم يكن عندي ثمنه وأحببت أن تأكل منه ~~فيضحك النبي صلى الله عليه وسلم ويأمر لصاحبه بثمنه (1) فهذه مطايبات يباح ~~مثلها على الندور لا على الدوام والمواظبة عليها هزل مذموم وسبب للضحك ~~المميت للقلب ### ||| الآفة الحادية عشر السخرية والاستهزاء # وهذا محرم مهما كان مؤذيا كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم ~~من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ~~ومعنى السخرية الاستهانة والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه ~~يضحك منه وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول وقد يكون بالإشارة ~~والإيماء وإذا كان بحضرة المستهزأ به لم يسم ذلك غيبة وفيه معنى الغيبة ~~قالت عائشة رضي الله عنها حاكيت إنسانا فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم ~~والله ما أحب أني حاكيت إنسانا ولي كذا وكذا (2) وقال ابن عباس في قوله ~~تعالى يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها إن ~~الصغيرة التبسم بالاستهزاء بالمؤمن والكبيرة القهقهة بذلك وهذا إشارة إلى ~~أن الضحك على الناس من جملة الذنوب والكبائر وعن عبد الله بن زمعة أنه قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فوعظهم في ضحكهم من الضرطة ~~فقال علام يضحك أحدكم مما يفعل (3) وقال صلى الله عليه وسلم إن المستهزئين ~~بالناس يفتح لأحدهم باب من الجنة فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه ~~أغلق دونه ثم يفتح له باب آخر فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه ~~أغلق دونه فما يزال كذلك حتى إن الرجل ليفتح له الباب فيقال له هلم هلم فلا ~~يأتيه (4) وقال معاذ بن جبل قال النبي صلى الله عليه وسلم من عير أخاه بذنب ~~قد تاب ms1392 منه لم يمت حتى يعمله (5) وكل هذا يرجع إلى استحقار الغير والضحك ~~عليه استهانة به واستصغارا له وعليه نبه قوله تعالى عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم أي لا تستحقره استصغارا فلعله خير منك # وهذا إنما يحرم في حق من يتأذى به فأما من جعل نفسه مسخرة وربما فرح من ~~أن يسخر به كانت السخرية في حقه من جملة المزاح وقد سبق ما يذم منه وما ~~يمدح وإنما المحرم استصغار يتأذى به المستهزأ به لما PageV03P131 # فيه من التحقير والتهاون وذلك تارة بأن يضحك على كلامه إذا تخبط فيه ولم ~~ينتظم أو على أفعاله إذا كنت مشوشة كالضحك على خطه وعلى صنعته أو على صورته ~~وخلقته إذا كان قصيرا أو ناقصا لعيب من العيوب فالضحك من جميع ذلك داخل في ~~السخرية المنهي عنها ### ||| الآفة الثانية عشر إفشاء السر # وهو منهي عنه لما فيه من الإيذاء والتهاون بحق المعارف والأصدقاء قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدث الرجل ثم التفت فهي أمانة (1) # وقال مطلقا الحديث بينكم أمانة (2) حديث العدة عطية أخرجه الطبراني في ~~الأوسط من حديث قباث بن أشيم بسند ضعيف وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن ~~مسعود ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث ~~الحسن مرسلا (3) حديث الوأي مثل الدين أو أفضل أخرجه ابن أبي الدنيا في ~~الصمت من رواية ابن لهيعة مرسلا وقال الوأي يعني الوعد ورواه أبو منصور ~~الديلمي في مسند الفردوس من حديث علي بسند ضعيف (4) حديث عبد الله بن أبي ~~الخنساء بايعت النبي صلى الله عليه وسلم فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك ~~فنسيت يومي والغد فأتيه اليوم الثالث وهو في مكانه فقال يا بني قد شققت علي ~~أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك رواه أبو داود واختلف في إسناده وقال ابن مهدي ما ~~أظن إبراهيم بن طهمان إلا أخطأ فيه // وقيل PageV03P132 # لإبراهيم الرجل يواعد الرجل الميعاد فلا يجيء قال ينتظره إلى أن يدخل وقت ~~الصلاة التي تجيء وكان رسول الله ms1393 صلى الله عليه وسلم إذا وعد وعدا قال ~~{عسى} (1) وكان ابن مسعود لا يعد وعدا إلا ويقول إن شاء الله وهو الأولى # ثم إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر فإن كان ~~عند الوعد عازما على أن لا يفي فهذا هو النفاق # وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث من كن فيه فهو منافق ~~وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان (2) ~~وقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أربع من كن فيه كان منافقا ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من النفاق ~~حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر (3) وهذا ~~ينزل على عزم الخلف أو ترك الوفاء من غير عذر فأما من عزم على الوفاء فعن ~~له عذر منعه من الوفاء لم يكن منافقا وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق ولكن ~~ينبغي أن يحترز من صورة النفاق أيضا كما يتحرز من حقيقته ولا ينبغي أن يجعل ~~نفسه معذورا من غير ضرورة حاجزة فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان وعد أبا الهيثم بن التيهان خادما فأتى بثلاثة من السبى فأعطى اثنين ~~وبقي واحدا فأتت فاطمة رضي الله عنها تطلب منه خادما وتقول ألا ترى أثر ~~الرحى بيدي فذكر موعده لأبي الهيثم فجعل يقول كيف بموعدي لأبي الهيثم (4) # فآثره به على فاطمة لما كان قد سبق من موعده له مع أنها كانت تدير الرحى ~~بيدها الضعيفة # ولقد كان صلى الله عليه وسلم جالسا يقسم غنائم هوازن بحنين فوقف عليه رجل ~~من الناس فقال إن لي عندك موعدا يا رسول الله قال صدقت فاحتكم ما شئت فقال ~~أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها قال هي لك وقال احتكمت يسيرا (5) # ولصاحبه موسى عليه السلام التي دلته على عظام يوسف كانت أحزم منك وأجزل ~~حكما منك حين ms1394 حكمها موسى عليه السلام فقال حكمي أن تردني شابة وأدخل معك ~~الجنة قيل فكان الناس يضعفون ما احتكم به حتى جعلا مثلا فقيل أشح من صاحب ~~الثمانين والراعي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الخلف أن يعد ~~الرجل الرجل وفي نيته أن يفي (6) # وفي لفظ آخر إذا وعد الرجل أخاه وفي نيته أن يفي فلم يجد فلا إثم عليه ### ||| الآفة الرابعة عشرة الكذب في القول واليمين # وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب قال إسماعيل بن واسط سمعت أبا بكر ~~الصديق رضي الله عنه يخطب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قام ~~فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي هذا عام أول ثم بكى PageV03P133 # وقال إياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار (1) # وقال أبو أمامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الكذب باب من أبواب ~~النفاق (2) حديث كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له به ~~كاذب أخرجه البخاري في كتاب الأدب المفرد وأبو داود من حديث سفيان بن أسيد ~~وضعفه ابن عدي ورواه أحمد والطبراني من حديث النواس بن سمعان بإسناد جيد ~~(3) حديث ابن مسعود لا يزال العبد يكذب حتى يكتب عند الله كذابا متفق عليه ~~(4) حديث مر برجلين يتبايعان شاة ويتحالفان الحديث وفيه فقال أوجب أحدهما ~~بالإثم والكفارة أخرجه أبو الفتح الأزدي في كتاب الأسماء المفردة من حديث ~~ناسخ الحضرمي وهكذا رويناها في أمالي ابن سمعون وناسخ ذكره البخاري هكذا في ~~التاريخ وقال أبو حاتم هو عبد الله ابن ناسخ (5) حديث الكذب ينقص الرزق ~~أخرجه أبو الشيخ في طبقات الأصبهانيين من حديث أبي هريرة ورويناه كذلك في ~~مشيخة القاضي أبو بكر وإسناده ضعيف (6) حديث إن التجار هم الفجار الحديث ~~وفيه ويحدثون فيكذبون أخرجه أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد والبيهقي من ~~حديث عبد الرحمن بن شبل وقال صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر لا يكلمهم الله ~~يوم القيامة ولا ينظر إليهم المنان بعطيته والمنفق سلعته بالحلف ms1395 الفاجر ~~والمسبل إزاره (7) # وقال صلى الله عليه وسلم من حلف حالف بالله فأدخل فيها مثل جناح بعوضة ~~إلا كانت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة (8) حديث أبي ذر ثلاثة يحبهم الله ~~الحديث وفيه وثلاثة يشنؤهم الله التاجر أو البائع الحلاف أخرجه أحمد واللفظ ~~له وفيه ابن الأحمس ولا يعرف حاله ورواه هو والنسائي بلفظ آخر بإسناد جيد ~~وللنسائي من حديث أبي هريرة أربعة يبغضهم الله البياع الحلاف الحديث ~~وإسناده جيد (9) حديث ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له ~~أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي في الكبرى من رواية يهز بن حكيم عن ~~أبيه عن جده PageV03P134 # وقال صلى الله عليه وسلم رأيت كأن رجلا جاءني فقال لي قم فقمت معه فإذا ~~أنا برجلين أحدهما قائم والآخر جالس بيد القائم كلوب من حديد يلقمه في شدق ~~الجالس فيجذبه حتى يبلغ كاهله ثم يجذبه فيلقمه الجانب الآخر فيمده فإذا مده ~~رجع الآخر كما كان فقلت للذي أقامني ما هذا فقال هذا رجل كذاب يعذب في قبره ~~إلى يوم القيامة (1) وعن عبد الله بن جراد قال سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقلت يا رسول الله هل يزني المؤمن قال قد يكون ذلك قال يا نبي ~~الله هل يكذب المؤمن قال {لا} ثم أتبعها صلى الله عليه وسلم بقول الله ~~تعالى {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله} (2) وقال أبو سعيد ~~الخدري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول في دعائه اللهم طهر ~~قلبي من النفاق وفرجي من الزنا ولساني من الكذب (3) وقال صلى الله عليه ~~وسلم ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ ~~زان وملك كذاب وعائل مستكبر (4) حديث عبد الله بن عامر جاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى بيتنا وأنا صبي صغير فذهبت لألعب فقالت أمي يا عبد الله ~~تعال أعطيك فقال وما أردت أن تعطيه قالت تمرا فقال إن لم تفعلي كتبت عليك ~~كذبة رواه ms1396 أبو داود وفيه من لم يسم وقال الحاكم أن عبد الله بن عامر ولد في ~~حياته صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه قلت وله شاهد من حديث أبي هريرة ~~وابن مسعود ورجالهما ثقات إلا أن الزهري لم يسمع من أبي هريرة # وقال صلى الله عليه وسلم لو أفاء الله على نعما عدد هذا الحصى لقسمتها ~~بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا (5) # وقال صلى الله عليه وسلم وكان متكئا ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك ~~بالله وعقوق الوالدين ثم قعد وقال إلا وقول الزور (6) وقال ابن عمر قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن العبد ليكذب الكذبة ليتباعد الملك عنه ~~مسيرة ميل من نتن ما جاء به (7) وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~تقبلوا إلي بست أتقبل لكم بالجنة فقالوا وما هن قال إذا حدث أحدكم فلا يكذب ~~وإذا وعد فلا يخلف وإذا ائتمن فلا يخن وغضوا أبصاركم واحفظوا فروجكم وكفوا ~~أيديكم (8) # وقال صلى الله عليه وسلم إن للشيطان كحلا ولعوقا ونشوقا أما لعوقه فالكذب ~~وأما نشوقه فالغضب وأما كحله فالنوم (9) وخطب عمر رضي الله عنه يوما فقال ~~قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كقيامي هذا فيكم فقال أحسنوا إلي ~~أصحابي PageV03P135 # ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل على اليمين ولم يستحلف ~~ويشهد ولم يستشهد (1) وقال النبي صلى الله عليه وسلم من حدث عني بحديث وهو ~~يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين (2) # وقال صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين بإثم ليقتطع بها مال امرئ مسلم ~~بغير حق لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان (3) وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه رد شهادة رجل في كذبة كذبها (4) # وقال صلى الله عليه وسلم كل خصلة يطبع أو يطوى عليها المسلم إلا الخيانة ~~والكذب (5) حديث ما كان من خلق الله شيء أشد عند أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الكذب ولقد كان يطلع على الرجل من أصحابه على ms1397 الكذب فما ينجلي ~~من صدره حتى يعلم أنه قد أحدث لله منها توبة أخرجه أحمد من حديث عائشة ~~ورجاله ثقات إلا أنه قال عن ابن أبي مليكة أو غيره وقد رواه أبو الشيخ في ~~الطبقات فقال ابن أبي مليكة ولم يشك وهو صحيح (6) حديث أربع إذا كن فيك فلا ~~يضرك ما فاتك من الدنيا صدق الحديث الحديث أخرجه الحاكم والخرائطي في مكارم ~~الأخلاق من حديث عبد الله بن عمرو وفيه ابن لهيعة (7) حديث أبي بكر عليكم ~~بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة أخرجه ابن ماجه والنسائي في اليوم ~~والليلة وقد تقدم بعضه في أول هذا النوع (8) حديث معاذ أوصيك بتقوى الله ~~وصدق الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية وقد تقدم // # وأما الآثار فقد قال علي رضي الله عنه أعظم الخطايا عند الله اللسان ~~الكذوب وشر الندامة ندامة يوم القيامة وقال عمر بن عبد العزيز رحمة الله ~~عليه ما كذبت كذبة منذ شددت علي إزاري وقال عمر رضي الله عنه أحبكم إلينا ~~ما لم نركم أحسنكم اسما فإذا رأيناكم فأحبكم إلينا أحسنكم خلقا فإذا ~~اختبرناكم فأحبكم إلينا أصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة وعن ميمون بن أبي شبيب ~~قال جلست أكتب كتابا فأتيت على حرف إن أنا كتبته زينت الكتاب وكنت قد كذبت ~~فعزمت على تركه فنوديت من جانب البيت يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ~~في الحياة الدنيا وفي الآخرة وقال الشعبي ما أدري أيهما أبعد غور في النار ~~الكذاب أو البخيل وقال ابن السماك ما أراني أوجر على ترك الكذب لأني إنما ~~أدعه أنفه وقيل الخالدين صبيح أيسمى الرجل كاذبا بكذبة واحدة قال نعم وقال ~~مالك بن دينار قرأت في بعض الكتب ما من خطيب إلا وتعرض خطبته على عمله فإن ~~كان صادقا صدق وإن PageV03P136 # كان كاذبا قرضت شفتاه بمقاريض من نار كلما قرضتا نبتتا # وقال مالك بن دينار الصدق والكذب يعتركان في القلب حتى يخرج أحدهما صاحبه ~~وكلم عمر بن عبد العزيز الوليد بن عبد الملك في شيء فقال ms1398 له كذبت فقال عمر ~~والله ما كذبت منذ علمت أن الكذب يشين صاحبه ### |||| بيان ما رخص فيه من الكذب # اعلم أن الكذب ليس حراما لعينه بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على ~~غيره فإن أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشيء على خلاف ما هو عليه فيكون ~~جاهلا وقد يتعلق به ضرر غيره ورب جهل فيه منفعة ومصلحة فالكذب محصل لذلك ~~الجهل فيكون مأذونا فيه وربما كان واجبا # قال ميمون بن مهران الكذب في بعض المواطن خير من الصدق أرأيت لو أن رجلا ~~سعى خلف إنسان بالسيف ليقتله فدخل دارا فانتهى إليك فقال أرأيت فلانا ما ~~كنت قائلا ألست تقول لم أره وما تصدق به وهذا الكذب واجب # فنقول الكلام وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق ~~والكذب جميعا فالكذب فيه حرام وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق ~~فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك القصد مباحا وواجب إن كان المقصود واجبا ~~كما أن عصمة دم المسلم واجبة فمهما كان في الصدق سفك دم أمرىء مسلم قد ~~اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب ومهما كان لا يتم مقصود الحرب أو إصلاح ذات ~~البين أن استمالة قلب المجني عليه إلا بكذب فالكذب مباح إلا أنه ينبغي أن ~~يحترز منه ما أمكن لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه فيخشى أن يتداعى إلى ما ~~يستغنى عنه وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة فيكون الكذب حراما في الأصل ~~إلا لضرورة # والذي يدل على الاستثناء ما روي عن أم كلثوم قالت ما سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث الرجل يقول القول يريد به ~~الإصلاح والرجل يقول القول في الحرب والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها ~~(1) وقالت أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بكذاب من أصلح بين ~~اثنين فقال خيرا أو نمى خيرا (2) حديث أسماء بنت يزيد كل الكذب يكتب على ~~ابن آدم إلا رجل كذب بين ms1399 رجلين يصلح بينهما أخرجه أحمد بزيادة فيه وهو عند ~~الترمذي مختصرا وحسنه وروي عن أبي كامل قال وقع بين اثنين من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم كلام حتى تصارما فلقيت أحدهما فقلت مالك ولفلان فقد ~~سمعته يحسن عليك الثناء ثم لقيت الآخر فقلت له مثل ذلك حتى اصطلحا ثم قلت ~~أهلكت نفسي وأصلحت بين هذين فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا ~~كاهل أصلح بين الناس (3) أي ولو بالكذب وقال عطاء بن يسار قال رجل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أكذب على أهلي قال لا خير في الكذب قال أعدها وأقول لها ~~قال لا جناح عليك (4) PageV03P137 # وروي أن ابن أبي عذرة الدؤلي وكان في خلافة عمر رضي الله عنه كان يخلع ~~النساء اللاتي يتزوج بهن فطارت له في الناس من ذلك أحدوثة يكرهها فلما علم ~~بذلك أخذ بيد عبد الله بن الأرقم حتى أتى به إلى منزله ثم قال لامرأته ~~أنشدك بالله هل تبغضيني قالت لا تنشدني قال فإني أنشدك الله قالت نعم فقال ~~لابن الأرقم أتسمع ثم انطلقا حتى أتيا عمر رضي الله عنه فقال إنكم لتحدثون ~~إني أظلم النساء وأخلعهن فأسأل ابن الأرقم فسأله فأخبره فأرسل إلى امرأة ~~ابن أبي عذرة فجاءت هي وعمتها فقال أنت التي تحدثين لزوجك أنك تبغضينه ~~فقالت إني أول من تاب وراجع أمر الله تعالى إنه ناشدني فتحرجت أن أكذب ~~أفأكذب يا أمير المؤمنين قال نعم فاكذبي فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا ~~تحدثه بذلك فإن أقل البيوت الذي يبنى على الحب ولكن الناس يتعاشرون ~~بالإسلام والأحساب # وعن النواس بن سمعان الكلابي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مالي ~~أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار كل الكذب يكتب على ابن آدم ~~لا محالة إلا أن يكذب الرجل في الحرب فإن الحرب خدعة أو يكون بين الرجلين ~~شحناء فيصلح بينهما أو يحدث امرأته يرضيها (1) وقال ثوبان الكذب كله إثم ~~إلا ما نفع به مسلما أو دفع ms1400 عنه ضررا # وقال علي رضي الله عنه إذا حدثتكم عن النبي صلى الله عليه وسلم فلأن أخر ~~من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فالحرب ~~خدعة # فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء وفي معناها ما عداها إذا ارتبط به ~~مقصود صحيح له أو لغيره أما ماله فمثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله فله أن ~~ينكره أو يأخذه سلطان فيسأله عن فاحشة بينه وبين الله تعالى ارتكبها فله أن ~~ينكر ذلك فيقول ما زنيت وما سرقت وقال صلى الله عليه وسلم من ارتكب شيئا من ~~هذه القاذورات فليستتر بستر الله (2) # وذلك أن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى فللرجل أن يحفظ دمه وماله الذي يؤخذ ~~ظلما وعرضه بلسانه وإن كان كاذبا # وأما عرض غيره فبأن يسأله عن سر أخيه فله أن ينكره وأن يصلح بين اثنين ~~وأن يصلح بين الضرات من نسائه بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه وإن كانت ~~امرأته لا تطاوعه إلا بوعد لا يقدر عليه فيعدها في الحال تطييبا لقلبها أو ~~يعتذر إلى إنسان وكان لا يطيب قلبه إلا بإنكار ذنب وزيادة تودد فلا بأس به ~~ولكن الحد فيه أن الكذب محذور ولو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور ~~فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر ويزن بالميزان القسط فإذا علم أن المحذور ~~الذي يحصل بالصدق أشد وقعا في الشرع من الكذب فله الكذب وإن كان ذلك ~~المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق وقد يتقابل الأمران بحيث يتردد ~~فيهما وعند ذلك الميل إلى الصدق أولى لأن الكذب يباح لضرورة أو حاجة مهمة ~~فإن شك في كون الحاجة مهمة فالأصل التحريم فيرجع إليه ولأجل غموض إدراك ~~مراتب المقاصد ينبغي أن يحترز الإنسان من الكذب ما أمكنه وكذلك مهما كانت ~~الحاجة له فيستحب له أن يترك أغراضه ويهجر الكذب فأما إذا تعلق بغرض غيره ~~فلا تجوز المسامحة لحق الغير والإضرار به وأكثر كذب الناس إنما هو لحظوظ ~~أنفسهم ثم هو لزيادات المال والجاه ولأمور ms1401 ليس فواتها PageV03P138 # محذورا حتى إن المرأة لتحكي عن زوجها ما تفخر به وتكذب لأجل مراغمة ~~الضرات وذلك حرام وقالت أسماء سمعت امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قالت إن لي ضرة وإني أتكثر من زوجي بما لم يفعل أضارها بذلك فهل على ~~شيء فيه فقال صلى الله عليه وسلم المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور (1) ~~وقال صلى الله عليه وسلم من تطعم بما لا يطعم أو قال لي وليس له أو أعطيت ~~ولم يعط فهو كلابس ثوبي زور يوم القيامة (2) # ويدخل في هذا فنرى العالم لما لا يتحققه وروايته الحديث الذي لا يتثبته ~~إذ غرضه أن يظهر فضل نفسه فهو لذلك يستنكف من أن يقال لا أدري وهذا حرم ~~ومما يلتحق بالنساء الصبيان فإن الصبي إذا كان لا يرغب في المكتب إلا وعد ~~أو عيد أو تخويف كاذب كان ذلك مباحا نعم روينا في الأخبار أن ذلك يكتب كذبا ~~ولكن الكذب المباح أيضا قد يكتب ويحاسب عليه ويطالب بتصحيح قصده فيه ثم ~~يعفى عنه لأنه إنما أبيح بقصد الإصلاح ويتطرق إليه غرور كبير فإنه قد يكون ~~الباعث له حظه وغرضه الذي هو مستغن عنه وإنما يتعلل ظاهرا بالإصلاح فلهذا ~~يكتب وكل من أتي بكذبة فقد وقع في خطر الاجتهاد ليعلم أن المقصود الذي كذب ~~لأجله هل هو أهم في الشرع من الصدق أم لا وذلك غامض جدا والحزم تركه إلا أن ~~يصير واجبا بحيث لا يجوز تركه كما لو أدى إلى سفك دم أو ارتكاب معصية كيف ~~كان # وقد ظن ظانون أنه يجوز وضع الأحاديث في فضائل الأعمال وفي التشديد في ~~المعاصي وزعموا أن القصد منه صحيح وهو خطأ محض إذ قال صلى الله عليه وسلم ~~من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (3) وهذا لا يرتكب إلا لضرورة ~~ولا ضرورة إذ في الصدق مندوحة عن الكذب ففيما ورد من الآيات والأخبار كفاية ~~عن غيرها وقول القائل إن ذلك قد تكرر على الأسماع وسقط وقعه وما هو ms1402 جديد ~~فوقعه أعظم فهذا هوس إذ ليس هذا من الأغراض التي تقاوم محذور الكذب على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الله تعالى ويؤدي فتح بابه إلى أمور ~~تشوش الشريعة فلا يقاوم خير هذا شره أصلى والكذب على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الكبائر التي لا يقاومها شيء نسأل الله العفو عنا وعن جميع ~~المسلمين ### |||| بيان الحذر من الكذب بالمعاريض # قد نقل عن السلف إن في المعاريض مندوحة عن الكذب قال عمر رضي الله عنه ~~أما في المعاريض ما يكفي الرجل عن الكذب وروى ذلك عن ابن عباس وغيره وإنما ~~أرادوا بذلك إذا اضطر الإنسان إلى الكذب فأما إذا لم تكن حاجة وضرورة فلا ~~يجوز التعريض ولا التصريح جميعا ولكن التعريض أهون ومثال التعريض ما روي أن ~~مطرفا دخل على زياد فاستبطأه فتعلل بمرض وقال ما رفعت جنبي مذ فارقت الأمير ~~إلا ما رفعني الله وقال إبراهيم إذا بلغ الرجل عنك شيء فكرهت أن تكذب فقل ~~إن الله تعالى ليعلم ما قلت من ذلك من شيء فيكون قوله ما حرف نفي عند ~~المستمع وعنده الإبهام وكان معاذ بن جبل عاملا لعمر رضي الله عنه فلما رجع ~~قالت له امرأته ما جئت به مما يأتي به العمال إلى أهلهم وما كان قد أتاها ~~بشيء فقال كان عندي ضاغط قالت كنت أمينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعند أبي بكر رضي الله عنه فبعث عمر PageV03P139 # معك ضاغطا وقامت بذلك بين نسائها واشتكت عمر فلما بلغه ذلك دعا معاذا ~~وقال بعثت معك ضاغطا قال لم أجد ما أعتذر به إليها إلا ذلك فضحك عمر رضي ~~الله عنه وأعطاه شيئا فقال أرضها به ومعنى قوله ضاغطا يعني رقيبا وأراد به ~~الله تعالى وكان النخعي لا يقول لابنته أشتري لك سكرا بل يقول أرأيت لو ~~اشتريت لك سكرا فإنه ربما لا يتفق له ذلك وكان إبراهيم إذا طلبه من يكره أن ~~يخرج إليه وهو في الدار قال للجارية قولي له ms1403 أطلبه في المسجد ولا تقولي له ~~ليس ههنا كيلا يكون كذبا وكان الشعبي إذا طلب في المنزل هو يكرهه خط دائرة ~~وقال للجارية ضعي الأصبع فيها وقولي ليس ههنا وهذا كله في موضع الحاجة فأما ~~في غير موضع الحاجة فلا لأن هذا تفهيم للكذب وإن لم يكن اللفظ كذبا فهو ~~مكروه على الجملة كما روى عبد الله بن عتبة قال دخلت مع أبي على عمر بن عبد ~~العزيز رحمه الله عليه فخرجت وعلى ثوب فجعل الناس يقولون هذا كساكه أمير ~~المؤمنين فكنت أقول جزى الله أمير المؤمنين خيرا فقال لي أبي يا بني اتق ~~الكذب وما أشبهه فنهاه عن ذلك لأن فيه تقريرا لهم عن ظن كاذب لأجل غرض ~~المفاخرة وهذا غرض باطل لا فائدة فيه # نعم المعاريض تباح لغرض خفيف كتطييب قلب الغير بالمزاح كقوله صلى الله ~~عليه وسلم لا يدخل الجنة عجوز (1) وقوله للأخرى الذي في عين زوجك بياض ~~وللأخرى نحملك على ولد البعير وما أشبهه وأما الكذب الصريح كما فعله نعمان ~~الأنصاري مع عثمان في قصة الضرير إذ قال له إنه نعيمان وكما يعتاده الناس ~~من ملاعبة الحمقى بتغريرهم بأن امرأة قد رغبت في تزويجك فإن كان فيه ضرر ~~يؤدي إلى إيذاء قلب فهو حرام وإن لم يكن إلا لمطايبته فلا يوصف صاحبها ~~بالفسق ولكن ينقص ذلك من درجة إيمانه # قال صلى الله عليه وسلم لا يكمل للمرء الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب ~~لنفسه وحتى يجتنب الكذب في مزاحه (2) # وأما قوله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها الناس ~~يهوى بها في النار أبعد من الثريا (3) # أراد به ما فيه غيبة مسلم أو إيذاء قلب دون محض المزاح # ومن الكذب الذي لا يوجب الفسق ما جرت به العادة في المبالغة كقوله طلبتك ~~كذا وكذا مرة وقلت لك كذا مائة مرة فإنه لا يريد به تفهيم المرات بعددها بل ~~تفهيم المبالغة فإن لم يكن طلبه إلا مرة واحدة كان كاذبا وإن كان طلبه مرات ms1404 ~~لا يعتاد مثلها في الكثرة لا يأثم وإن لم تبلغ مائة وبينهما درجات يتعرض ~~مطلق اللسان بالمبالغة فيها لخطر الكذب # ومما يعتاد الكذب فيه ويتساهل به أن يقال كل الطعام فيقول لا أشتهيه وذلك ~~منهى عنه وهو حرام وإن لم يكن فيه غرض صحيح قال مجاهد قالت أسماء بنت عميس ~~كنت صاحبة عائشة في الليلة التي هيأتها وأدخلتها على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومعي نسوة قالت فوالله ما وجدنا عنده قرى إلا قدحا من لبن فشرب ~~ثم ناوله عائشة قالت فاستحيت الجارية فقلت لا تردي يد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خذي منه قالت فأخذت منه على حياء فشربت منه ثم قال ناولي صواحبك ~~فقلن لا نشتهيه فقال لا تجمعن جوعا وكذبا قالت فقلت يا رسول الله إن قالت ~~إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهيه أيعد ذلك كذبا قال PageV03P140 # إن الكذب ليكتب كذبا حتى تكتب الكذبة كذيبة (1) # وقد كان أهل الورع يحترزون عن التسامح بمثل هذا الكذب # قال الليث بن سعد كانت عينا سعد بن المسيب ترمص حتى يبلغ الرمص خارج ~~عينيه فيقال له لو مسحت عينيك فيقول وأين قول الطبيب لا تمس عينيك فأقول لا ~~أفعل وهذه مراقبة أهل الورع # ومن تركه انسل لسانه في الكذب عند حد اختياره فيكذب ولا يشعر # وعن خوات التيمي قال جاءت أخت الربيع بن خثيم عائدة لابن له فانكبت عليه ~~فقالت كيف أنت يا بني فجلس الربيع وقال أرضعتيه قالت لا قال ما عليك لو قلت ~~يا ابن أخي فصدقت ومن العادة أن يقول يعلم الله فيما لا يعلمه # قال عيسى عليه السلام إن من عظم الذنوب عند الله أن يقول العبد إن الله ~~يعلم لما لا يعلم # وربما يكذب في حكاية المنام والإثم فيه عظيم إذ قال صلى الله عليه وسلم ~~إن من أعظم الفرية أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يري عينيه في المنام ما ~~لم ير أو يقول علي ما لم أقل (2) حديث من كذب في حلمه ms1405 كلف يوم القيامة أن ~~يعقد بين شعيرة أخرجه البخاري من حديث ابن عباس (3) حديث كل المسلم على ~~المسلم حرام دمه وماله وعرضه أخرجه مسلم من حديث أي هريرة (4) حديث لا ~~تحاسدوا ولا تباغضوا ولا يغتب بعضكم بعضا وكونوا عباد الله إخوانا متفق ~~عليه من حديث أبي هريرة دون قوله ولا يغتب بعضكم بعضا وقد تقدم في آداب ~~الصحبة (5) حديث جابر وأبي سعيد إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا ~~الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وابن حبان في الضعفاء وابن مردويه في ~~التفسير (6) حديث أنس مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظفارهم ~~الحديث أخرجه أبو داود مسندا ومرسلا والمسند أصح // # وقال سليم بن جابر أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت علمني خيرا أنتفع ~~به فقال لا تحقرن PageV03P141 # من المعروف شيئا ولو أن تصب من دلوك في إناء المستقى وأن تلقى أخاك ببشر ~~حسن وإن أدبر فلا تغتابنه (1) # وقال البراء خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع العوانق في ~~بيوتهن فقال يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تغتابوا المسلمين ولا ~~تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله ~~عورته يفضحه في جوف بيته (2) # وقيل أوحي الله إلى موسى عليه السلام من مات تائبا من الغيبة فهو آخر من ~~يدخل الجنة ومن مات مصرا عليها فهو أول من يدخل النار # وقال أنس أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بصوم يوم فقال لا يفطرن ~~أحد حتى آذن له فصام الناس حتى إذا أمسوا جعل الرجل يجيء فيقول يا رسول ~~الله ظللت صائما فائذن لي لأفطر فيأذن له والرجل والرجل حتى جاء رجل فقال ~~يا رسول الله فتاتان من أهلك ظلتا صائمتين وإنهما يستحيان أن يأتياك فائذن ~~لهما أن يفطرا فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم ثم عاوده فأعرض عنه ثم عاوده ~~فقال إنهما لم يصوما وكيف يصوم من ظل نهاره يأكل لحم الناس اذهب فمرهما إن ~~كانتا ms1406 صائمتين أن تستقيئا فرجع إليهما فأخبرهما فاستقاءتا فقاءت كل واحدة ~~منهما علقة من دم فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال والذي ~~نفسي بيده لو بقيتا في بطونهما لأكلتهما النار (3) # وفي رواية أنه لما أعرض عنه جاء بعد ذلك وقال يا رسول الله والله إنهما ~~قد ماتتا أو كادتا أن تموتا فقال صلى الله عليه وسلم ائتوني بهما فجاءتا ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فقال لإحداهما قيئي فقاءت من قيح ~~ودم وصديد حتى ملأت القدح وقال للأخرى قيئي فقاءت كذلك فقال إن هاتين صامتا ~~عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما جلست إحداهما إلى الأخرى ~~فجعلتا تأكلان لحوم الناس (4) # وقال أنس خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الربا وعظم شأنه فقال ~~إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين ~~زنية يزنيها الرجل وأربى الربا عرض المسلم (5) # وقال جابر كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير فأتى على قبرين ~~يعذب صاحباهما فقال إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يغتاب ~~الناس وأما الآخر فكان لا يستنزه من بوله فدعا بجريدة رطبة أو جريدتين ~~فكسرهما ثم أمر بكل كسرة فغرست على قبر وقال أما إنه سيهون من عذابهما ما ~~كانتا رطبتين أو ما لم ييبسا (6) # ولما رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزا في الزنا قال رجل لصاحبه ~~هذا أقعص كما يقعص الكلب فمر صلى الله عليه وسلم وهما معه بجيفة فقال انهشا ~~منها فقالا يا رسول الله ننهش PageV03P142 # جيفة فقال ما أصبتما من أخيكما أنتن من هذه (1) وكان الصحابة رضي الله ~~عنهم يتلاقون بالبشر ولا يغتابون عند الغيبة ويرون ذلك أفضل الأعمال ويرون ~~خلافه عادة المنافقين وقال أبو هريرة من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب إليه ~~لحمه في الآخرة وقيل له كله ميتا كما أكلته حيا فيأكله فينضج ويكلح // حديث ~~أبي هريرة من أكل لحم أخيه في الدنيا ms1407 قرب إليه لحمه في الآخرة فيقال له كله ~~ميتا كما أكلته حيا الحديث أخرجه ابن مردويه في التفسير مرفوعا وموقوفا ~~وفيه محمد بن إسحاق رواه بالعنعنة وروي مرفوعا كذلك وروي أن رجلين كانا ~~قاعدين عند باب من أبواب المسجد فمر بهما رجل كان مخنثا فترك ذلك فقالا لقد ~~بقي فيه منه شيء وأقيمت الصلاة فدخلا فصليا مع الناس فحاك في أنفسهما ما ~~قالا فأتيا عطاء فسألاه فأمرهما أن يعيدا الوضوء والصلاة وأمرهما أن يقضيا ~~الصيام إن كانا صائمين وعن مجاهد أنه قال في ويل لكل همزة لمزة الهمزة ~~الطعان في الناس واللمزة الذي يأكل لحوم الناس وقال قيادة ذكر لنا أن عذاب ~~القبر ثلاثة أثلاث ثلث من الغيبة وثلث من النميمة وثلث من البول وقال الحسن ~~والله للغيبة أسرع في دين الرجل المؤمن من الأكله في الجسد وقال بعضهم ~~أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة ولكن في الكف عن ~~أعراض الناس وقال ابن عباس إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك وقال ~~أبو هريرة يبصر أحدكم القذى في عين أخيه ولا يبصر الجذع في عين نفسه وكان ~~الحسن يقول ابن آدم إنك لن تصيب حقيقة الإيمان حتى لا تغيب الناس بعيب هو ~~فيك وحتى تبدأ بصلاح ذلك الغيب فتصلحه من فإذا فعلت ذلك كان شغلك في خاصة ~~نفسك وأحب العباد إلى الله من كان هكذا وقال مالك بن دينار مر عيسى عليه ~~السلام ومعه الحواريون بجيفة كلب فقال الحواريون ما أنتن ريح هذا الكلب ~~فقال عليه الصلاة والسلام ما أشد بياض أسنانه كأنه رضي الله عنهما رجلا ~~يغتاب آخر فقال له إياك والغيبة فإنها إدام كلاب الناس وقال عمر رضي الله ~~عنه عليكم بذكر الله تعالى فإنه شفاء وإياكم وذكر الناس فإنه داء نسأل الله ~~حسن التوفيق لطاعته ### |||| بيان معنى الغيبة وحدودها # اعلم أن حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه سواه ذكرته بنقص في ~~بدنه أو نسبه أو في خلقه أو ms1408 في فعله أو في قوله أو في دينه أو في دنياه حتى ~~في ثوبه وداره ودابته # أما البدن فكذكرك العمش والحول والقرع والقصر والطول والسواد والصفرة ~~وجميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه كيفما كان وأما النسب فبأن تقول أبوه ~~نبطي أو هندي أو فاسق أو خسيس أو إسكاف أو زبال أو شيء مما يكرهه كيفما كان ~~وأما الخلق فبأن تقول هو سيء الخلق بخيل متكبر مراء شديد الغضب جبال عاجز ~~ضعيف القلب متهور وما يجري مجراه وأما في أفعاله المتعلقة بالدين فكقولك هو ~~سارق أو كذاب أو شارب خمر أو خائن أو ظالم أو متهاون بالصلاة أو الزكاة أو ~~لا يحسن الركوع أو السجود أو لا يحترز من النجاسات أو ليس بارا بوالديه أو ~~لا يضع الزكاة موضعها أو لا يحسن قسمها أو لا يحرس صومه عن الرفث والغيبة ~~والتعرض لأعراض الناس وأما فعله المتعلق بالدنيا فكقولك إنه قليل الأدب ~~متهاون بالناس أو لا يرى لأحد PageV03P143 # على نفسه حقا أو يرى لنفسه الحق على الناس أو أنه كثير الكلام كثير الأكل ~~نئوم ينام في غير وقت النوم ويجلس في غير موضعه وأما في ثوبه فكقولك إنه ~~واسع الكم طويل الذيل وسخ الثياب # وقال قوم لا غيبة في الدين لأنه ذم ما ذمه الله تعالى فذكره بالمعاصي ~~وذمه بها يجوز بدليل ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت له امرأة ~~وكثرة صلاحها وصومها ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها فقال هي في النار (1) ~~حديث ذكر امرأة أخرى بأنها بخيلة قال فما خيرها إذن أخرجه الخرائطي في ~~مكارم الأخلاق من حديث أبي جعفر محمد بن علي مرسلا ورويناه في أمالي ابن ~~شمعون هكذا (2) حديث هل تدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك ~~أخاك بما يكره الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (3) حديث معاذ ذكر رجل ~~عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ما أعجزه الحديث أخرجه الطبراني ~~بسند ضعيف (4) حديث عائشة أنها ذكرت امرأة فقال ms1409 إنها قصيرة فقال اغتبتيها ~~رواه أحمد وأصله عند أبي داود والترمذي وصححه بلفظ آخر ووقع عند المصنف عن ~~حذيفة عن عائشة وكذا هو في الصمت لابن أبي الدنيا والصواب عن أبي حذيفة كما ~~عند أحمد وأبي داود والترمذي واسم أبي حذيفة سلمة بن صهيب (5) حديث عائشة ~~قلت لامرأة وإن هذه طويلة الذيل فقال صلى الله عليه وسلم الفظي فلفظت بضعة ~~من لحم أخرجه ابن أبي الدنيا وابن مردويه في التفسير وفي إسناده امرأة لا ~~أعرفها // ### |||| بيان أن الغيبة لا تقتصر على اللسان # اعلم أن الذكر باللسان إنما حرم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه ~~بما يكرهه فالتعريض به كالتصريح والفعل فيه كالقول والإشارة والإيماء ~~والغمز والهمز والكتابة والحركة وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة ~~وهو حرام # فمن ذلك قول عائشة رضي الله عنها دخلت علينا امرأة فلما ولت أومأت بيدي ~~أنها قصيرة فقال صلى الله عليه وسلم PageV03P144 # اغتبتيها (1) ومن ذلك المحاكاة يمشي متعارجا أو كما يمشي فهو غيبة بل هو ~~أشد من الغيبة لأنه أعظم في التصوير والتفهيم ولما رأى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عائشة حاكت امرأة قال ما يسرني أني حاكيت إنسانا ولي كذا وكذا ~~(2) وكذلك الغيبة بالكتابة فإن القلم أحد اللسانين وذكر المصنف شخصا معينا ~~وتهجين كلامه في الكتاب غيبة إلا أن يقترن به شيء من الأعذار المحوجة إلى ~~ذكره كما سيأتي بيانه وأما قوله قال قوم كذا فليس ذلك غيبة وإنما الغيبة ~~التعرض لشخص معين إما حي وإما ميت ومن الغيبة أن تقول بعض من مر بنا اليوم ~~أو بعض من رأيناه إذا كان المخاطب يفهم منه شخصا معينا لأن المحذور تفهيمه ~~دون ما به التفهيم فأما إذا لم يفهم عينه جاز # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كره من إنسان شيئا قال ما بال ~~أقوام يفعلون كذا وكذا (3) فكان لا يعين وقولك بعض من قدم من السفر أو بعض ~~من يدعي العلم إن كان معه قرينة تفهم عين الشخص ms1410 فهي غيبة # وأخبث أنواع الغيبة غيبة القراء المرائين فإنهم يفهمون المقصود على صيغة ~~أهل الصلاح ليظهروا من أنفسهم التعفف عن الغيبة ويفهمون المقصود ولا يدرون ~~بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين الغيبة والرياء وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان ~~فيقول الحمد لله الذي لم يبتلنا بالدخول على السلطان والتبذل في طلب الحطام ~~أو يقول نعوذ بالله من قلة الحياء نسأل الله أن يعصمنا منها وإنما قصده أن ~~يفهم عيب الغير فيذكره بصيغة الدعاء وكذلك قد يقدم مدح من يريد غيبته فيقول ~~ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات ولكن قد اعتراه فتور وابتلي ~~بما يبتلي به كلنا وهو قلة الصبر فيذكر نفسه ومقصوده أن يذم غيره في ضمن ~~ذلك ويمدح نفسه بالتشبه بالصالحين بأن يذم نفسه فيكون مغتابا ومرائيا ~~ومزكيا نفسه فيجمع بين ثلاث فواحش وهو بجهله يظن أنه من الصالحين المتعففين ~~عن الغيبة ولذلك يلعب الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعبادة من غير علم ~~فإنه يتبعهم ويحبط بمكايده عملهم ويضحك عليهم ويسخر منهم ومن ذلك أن يذكر ~~عيب إنسان فلا يتنبه له بعض الحاضرين فيقول سبحان الله ما أعجب هذا حتى ~~يصغى إليه ويعلم ما يقول فيذكر الله تعالى ويستعمل الاسم آلة في تحقيق خبثه ~~وهو يمتن على الله عز وجل بذكره جهلا منه وغرورا وكذلك يقول ساءني ما جرى ~~على صديقنا من الاستخفاف به نسأل الله أن يروح نفسه فيكون كاذبا في دعوى ~~الاغتمام وفي إظهار الدعاء له بل لو قصد الدعاء لأخفاه في خلوته عقيب صلاته ~~ولو كان يغتم به لاغتم أيضا بإظهار ما يكرهه وكذلك يقول ذلك المسكين قد بلي ~~بآفة عظيمة تاب الله علينا وعليه فهو في كل ذلك يظهر الدعاء والله مطلع على ~~خبث ضميره وخفي قصده وهو لجهله لا يدري أنه قد تعرض لمقت أعظم مما تعرض له ~~الجهال إذا جاهروا # ومن ذلك الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب فإنه إنما تظهر التعجب ليزيد ~~نشاط المغتاب في الغيبة فيندفع فيها وكأنه يستخرج ms1411 الغيبة منه بهذا الطريق ~~فيقول عجب ما علمت أنه كذلك ما عرفته إلى الآن إلا بالخير وكنت أحسب فيه ~~غير هذا عافانا الله من بلائه فإن كل ذلك تصديق للمغتاب والتصديق بالغيبة ~~غيبة بل الساكت شريك PageV03P145 # المغتاب قال صلى الله عليه وسلم المستمع أحد المغتابين (1) # وقد روي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أن أحدهما قال لصاحبه إن فلانا ~~لنئوم ثم إنهما طلبا أدما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأكلا به الخبز ~~فقال صلى الله عليه وسلم قد ائتدمتما فقالا ما نعلمه قال بلى إنكما أكلتما ~~من لحم أخيكما (2) فانظر كيف جمعهما وكان القائل أحدهما والآخر مستمعا وقال ~~للرجلين اللذين قال أحدهما أقعص الرجل كما يقعص الكلب انهشا من هذه الجيفة ~~(3) فجمع بينهما فالمستمع لا يخرج من إثم الغيبة إلا أن ينكر بلسانه أو ~~بقلبه إن خاف وإن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام آخر فلم يفعل لزمه ~~وإن قال بلسانه اسكت وهو مشته لذلك بقلبه فذلك نفاق ولا يخرجه من الإثم ما ~~لم يكرهه بقلبه ولا يكفي في ذلك أن يشير باليد أي اسكت أو يشير بحاجبه ~~وجبينه فإن ذلك استحقار للمذكور بل ينبغي أن يعظم ذلك فيذب عنه صريحا وقال ~~صلى الله عليه وسلم من أذل عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على نصره أذله ~~الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق (4) وقال أبو الدرداء قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من رد عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يرد عن عرضه ~~يوم القيامة (5) وقال أيضا من ذب عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن ~~يعتقه من النار (6) # وقد ورد في نصرة المسلم في الغيبة وفي فضل ذلك أخبار كثيرة أوردناها في ~~كتاب آداب الصحبة وحقوق المسلمين فلا نطول بإعادتها ### |||| بيان الأسباب الباعثة على الغيبة # اعلم أن البواعث على الغيبة كثيرة ولكن يجمعها أحد عشر سببا ثمانية منها ~~تطرد في حق العامة وثلاثة تختص بأهل الدين والخاصة # أما الثمانية ms1412 فالأول أن يشفى الغيظ وذلك إذا جرى سبب غضب به عليه فإنه ~~إذا هاج غضبه يشتفى بذكر مساوية فيسبق اللسان إليه بالطبع إن لم يكن ثم دين ~~وازع وقد يمتنع تشفي الغيظ عند الغضب فيحتقن الغضب في الباطن فيصير حقدا ~~ثابتا فيكون سببا دائما لذكر المساوي فالحقد والغضب من البواعث العظيمة على ~~الغيبة # الثاني موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام فإنهم إذا ~~كانوا يتفكهون بذكر الأعراض فيرى أنه لو أنكر عليهم أو قطع المجلس استثقلوه ~~ونفروا عنه فيساعدهم ويرى ذلك من حسن المعاشرة ويظن أنه مجاملة في الصحبة ~~وقد يغضب رفقاؤه فيحتاج إلى أن يغضب لغضبهم إظهارا للمساهمة في السراء ~~والضراء فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوي # الثالث أن يستشعر من إنسان أنه سيقصده ويطول لسانه عليه أو يقبح حاله عند ~~محتشم أو يشهد عليه بشهادة PageV03P146 # فيبادره قبل أن يقبح هو حاله ويطعن فيه ليسقط أثر شهادته أو يبتديء بذكر ~~ما فيه صادقا ليكذب عليه بعده فيروج كذبه بالصدق الأول ويستشهد ويقول ما من ~~عادتي الكذب فإني أخبرتكم بكذا وكذا من أحواله فكان كما قلت # الرابع أن ينسب إلى شيء فيريد أن يتبرأ منه فيذكر الذي فعله وكان من حقه ~~أن يبريءنفسه ولا يذكر الذي فعل فلا ينسب غيره إليه أو يذكر غيره بأنه كان ~~مشاركا له في الفعل ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله # الخامس إرادة التصنع والمباهاة وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره فيقول فلان ~~جاهل وفهمه ركيك وكلامه ضعيف وغرضه أن يثبت في ضمن ذلك فضل نفسه ويريهم أنه ~~أعلم منه أو يحذر أن يعظم مثل تعظيمه فيقدح فيه لذلك # السادس الحسد وهو أنه ربما يحسد من يثني الناس عليه ويحبونه ويكرمونه ~~فيريد زوال تلك النعمة عنه فلا يجد سبيلا إليه إلا بالقدح فيه فيريد أن ~~يسقط ماء وجهه عند الناس حتى يكفوا عن كرامته والثناء عليه لأنه يثقل عليه ~~أن يسمع كلام الناس وثناءهم عليه وإكرامهم له وهذا هو عين الحسد وهو غير ~~الغضب والحقد ms1413 فإن ذلك يستدعي جناية من المغضوب عليه والحسد قد يكون مع ~~الصديق المحسن والرفيق الموافق # السابع اللعب والهزل والمطايبة وتزجية الوقت بالضحك فيذكر عيوب غيره بما ~~يضحك الناس على سبيل المحاكاة ومنشؤه التكبر والعجب # الثامن السخرية والاستهزاء استحقارا له فإن ذلك قد يجري في الحضور ويجري ~~أيضا في الغيبة ومنشؤه التكبر واستصغار المستهزأ به # وأما الأسباب الثلاثة التي هي في الخاصة فهي أغمضها وأدقها لأنها شرور ~~خبأها الشيطان في معرض الخيرات وفيها خير ولكن شاب الشيطان بها الشر # الأول أن تنبعث من الدين داعية التعجب في إنكار المنكر والخطأ في الدين ~~فيقول ما أعجب ما رأيت من فلان فإنه قد يكون به صادقا ويكون تعجبه من ~~المنكر ولكن كان حقه أن يتعجب ولا يذكر اسمه فيسهل الشيطان عليه ذكر اسمه ~~في إظهار تعجبه فصار به مغتابا وآثما من حيث لا يدري # ومن ذلك قول الرجل تعجبت من فلان كيف يحب جاريته وهي قبيحة وكيف يجلس بين ~~يدي فلان وهو جاهل # الثاني الرحمة وهو أن يغتم بسبب ما يبتلي به فيقول مسكين فلان قد غمني ~~أمره وما ابتلي به فيكون صادقا في دعوى الاغتمام ويلهيه الغم عن الحذر من ~~ذكر اسمه فيذكره فيصير به مغتابا فيكون غمه ورحمته خيرا وكذا تعجبه ولكن ~~ساقه الشيطان إلى شر من حيث لا يدري والترحم والاغتمام ممكن دون ذكر اسمه ~~فيهيجه الشيطان على ذكر اسمه ليبطل به ثواب اغتمامه وترحمه # الثالث الغضب لله تعالى فإنه قد يغضب على منكر قارفه إنسان إذا رآه أو ~~سمعه فيظهر غضبه ويذكر اسمه وكان الواجب أن يظهر غضبه عليه بالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر ولا يظهره على غيره أو يستر اسمه ولا يذكره بالسوء فهذه ~~الثلاثة مما يغمض دركها على العلماء فضلا عن العوام فإنهم يظنون أن التعجب ~~والرحمة والغضب إذا كان لله تعالى # كان عذرا في ذكر الاسم وهو خطأ بل المرخص في الغيبة حاجات مخصوصة لا ~~مندوحة فيها عن ذكر الاسم كما سيأتي ذكره روي عن عامر ms1414 بن واثلة أن رجلا مر ~~على قوم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV03P147 # فسلم عليهم فردوا عليه السلام فلما جاوزهم قال رجل منهم إني لأبغض هذا في ~~الله تعالى فقال أهل المجلس لبئس ما قلت والله لننبئنه ثم قالوا يا فلان ~~لرجل منهم قم فأدركه وأخبره بما قال فأدركه رسولهم فأخبره فأتى الرجل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وحكى له ما قال وسأله أن يدعوه له فدعاه وسأله ~~فقال قد قلت ذلك فقال صلى الله عليه وسلم لم تبغضه فقال أنا جاره وأنا به ~~خابر والله ما رأيته يصلي صلاة قط إلا هذه المكتوبة قال فاسأله يا رسول ~~الله هل رآني أخرتها عن وقتها أو أسأت الوضوء لها أو الركوع أو السجود فيها ~~فسأله فقال لا فقال والله ما رأيته يصوم شهرا قط إلا هذا الشهر الذي يصومه ~~البر والفاجر قال فاسأله يا رسول الله هل رآني قط أفطرت فيه أو نقصت من حقه ~~شيئا فسأله عنه فقال لا فقال والله ما رأيته يعطي سائلا ولا مسكينا قط ولا ~~رأيته ينفق شيئا من ماله في سبيل الله إلا هذه الزكاة التي يؤديها البر ~~والفاجر قال فاسأله يا رسول الله هل رآني نقصت منها أو ماكست فيها طالبها ~~الذي يسألها فسأله فقال لا فقال صلى الله عليه وسلم للرجل قم فلعله خير منك ~~(1) ### |||| بيان العلاج الذي يمنع اللسان عن الغيبة # اعلم أن مساويء الأخلاق كلها إنما تعالج بمعجون العلم والعمل وإنما علاج ~~كل علة بمضادة سببها فلنفحص عن سببها وعلاج كف اللسان عن الغيبة على وجهين ~~أحدهما على الجملة والآخر على التفصيل # أما على الجملة فهو أن يعلم تعرضه لسخط الله تعالى بغيبته بهذه الأخبار ~~التي رويناها وأن يعلم أنها محبطة لحسناته يوم القيامة فإنها تنقل حسناته ~~يوم القيامة إلى من اغتابه بدلا عما استباحه من عرضه فإن لم تكن له حسنات ~~نقل إليه من سيئات خصمه وهو مع ذلك متعرض لمقت الله عز وجل ومشبه عنده بآكل ms1415 ~~الميتة بل العبد يدخل النار بأن تترجح كفة سيئاته على كفة حسناته وربما ~~تنقل إليه سيئة واحدة ممن اغتابه فيحصل بها الرجحان ويدخل بها النار وإنما ~~أقل الدرجات أن تنقص من ثواب أعماله وذلك بعد المخاصمة والمطالبة والسؤال ~~والجواب والحساب قال صلى الله عليه وسلم ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة ~~في حسنات العبد (2) وروي أن رجلا قال للحسن بلغني أنك تغتابني فقال ما بلغ ~~من قدرك عندي أني أحكمك في حسناتي فهما آمن العبد بما ورد من الأخبار في ~~الغيبة لم يطلق لسانه بها خوفا من ذلك وينفعه أيضا أن يتدبر في نفسه فإن ~~وجد فيها عيبا اشتغل بعيب نفسه وذكر قوله صلى الله عليه وسلم طوبى لمن شغله ~~عيبه عن عيوب الناس (3) # ومهما وجد عيبا فينبغي أن يستحي من أن يترك ذم نفسه ويذم غيره بل ينبغي ~~أن يتحقق أن عجز غيره عن نفسه في التنزه عن ذلك العيب كعجزه وهذا إن كان ~~ذلك عيبا يتعلق بفعله واختياره وإن كان أمرا خلقيا فالذم له ذم للخالق فإن ~~من ذم صنعة فقد ذم صانعها قال رجل لحكيم يا قبيح الوجه قال ما كان خلق وجهي ~~إلي فأحسنه وإذا لم يجد العبد عيبا في نفسه فليشكر الله تعالى ولا يلوثن ~~نفسه بأعظم العيوب فإن ثلب الناس وأكل لحم الميتة من أعظم العيوب بل لو ~~أنصف لعلم أن ظنه بنفسه أنه بريء من كل عيب جهل بنفسه وهو من أعظم العيوب ~~وينفعه أن يعلم أن تألم غيره بغيبته كتألمه بغيبة غيره له فإذا كان لا يرضى ~~لنفسه أن يغتاب فينبغي أن لا يرضى لغيره ما لا يرضاه لنفسه فهذه معالجات ~~جملية PageV03P148 # أما التفصيل فهو أن ينظر في السبب الباعث له على الغيبة فإن علاج العلة ~~بقطع سببها وقد قدمنا الأسباب # أما الغضب فيعالجه بما سيأتي في كتاب آفات الغضب وهو أن يقول إني إذا ~~أمضيت غضبي عليه فلعل الله تعالى يمضي غضبه علي بسبب الغيبة إذ نهاني عنها ~~فاجترأت على ms1416 نهيه واستخففت بزجره وقد قال صلى الله عليه وسلم إن لجهنم بابا ~~لا يدخل منه إلا من شفى غيظه بمعصية الله تعالى (1) # وقال صلى الله عليه وسلم من اتقى ربه كل لسانه ولم يشف غيظه (2) # وقال صلى الله عليه وسلم من كظم غيظا وهو يقدر على أن يمضيه دعاه الله ~~تعالى يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء (3) وفي بعض ~~الكتب المنزلة على بعض النبيين يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب ~~فلا أمحقك فيمن أمحق # وأما الموافقة فبأن تعلم أن الله تعالى يغضب عليك إذا طلبت سخطه في رضا ~~المخلوقين فكيف ترضى لنفسك أن توقر غيرك وتحقر مولاك فتترك رضاه لرضاهم إلا ~~أن يكون غضبك لله تعالى وذلك لا يوجب أن نذكر المغضوب عليه بسوء بل ينبغي ~~أن تغضب لله أيضا على رفقائك إذا ذكروه بالسوء فإنهم عصوا ربك بأفحش الذنوب ~~وهي الغيبة # وأما تنزيه النفس بنسبة الغير إلى الخيانة حيث يستغنى عن ذكر الغير ~~فتعالجه بأن تعرف أن التعرض لمقت الخالق أشد من التعرض لمقت المخلوقين وأنت ~~بالغيبة متعرض لسخط الله يقينا ولا تدري أنك تتخلص من سخط الناس أم لا ~~فتخلص نفسك في الدنيا بالتوهم وتهلك في الآخرة وتخسر حسناتك بالحقيقة ويحصل ~~لك ذم الله تعالى نقدا وتنتظر دفع ذم الخلق نسيئة وهذا غاية الجهل والخذلان # وأما عذرك كقولك إن أكلت الحرام ففلان يأكله وإن قبلت مال السلطان ففلان ~~يقبله فهذا جهل لأنك تعتذر بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به فإن من خالف ~~أمر الله تعالى لا يقتدى به كائنا من كان ولو دخل غيرك النار وأنت تقدر على ~~أن لا تدخلها لم توافقه ولو وافقته لسفه عقلك # ففيما ذكرته غيبة وزيادة معصية أضفتها إلى ما اعتذرت عنه وسجلت مع الجمع ~~بين المعصيتين على جهلك وعباوتك وكنت كالشاة تنظر إلى المعزى تردى نفسها من ~~قلة الجبل فهي أيضا تردى نفسها ولو كان لها لسان ناطق بالعذر وصرخت بالعذر ~~وقالت العنز أكيس ms1417 مني وقد أهلكت نفسها فكذلك أنا أفعل لكنت تضحك من جهلها ~~وحالك مثل حالها ثم لا تعجب ولا تضحك من نفسك # وأما قصدك المباهاة وتزكية النفس بزيادة الفضل بأن تقدح في غيرك فينبغي ~~أن تعلم أنك بما ذكرته به أبطلت فضلك عند الله وأنت من اعتقاد الناس فضلك ~~على خطر وربما نقص اعتقادهم فيك إذا عرفوك بثلب الناس فتكون قد بعت ما عند ~~الخالق يقينا بما عند المخلوقين وهما ولو حصل لك من المخلوقين اعتقاد الفضل ~~لكانوا لا يغنون عنك من الله شيئا # وأما الغيبة لأجل الحسد فهو جمع بين عذابين لأنك حسدته على نعمة الدنيا ~~وكنت في الدنيا معذبا بالحسد فما قنعت بذلك حتى أضفت إليه عذاب الآخرة فكنت ~~خاسرا نفسك في الدنيا فصرت أيضا خاسرا في الآخرة PageV03P149 # لتجمع بين النكالين فقد قصدت محسودك فأصبت نفسك وأهديت إليه حسناتك فإذا ~~أنت صديقه وعدو نفسك إذ لا تضره غيبتك وتضرك وتنفعه إذ تنقل إليه حسناتك أو ~~تنقل إليك سيئاته ولا تنفعك وقد جمعت إلى خبث الحسد جهل الحماقة وربما يكون ~~حسدك وقدحك سبب انتشار فضل محسودك كما قيل # وإذا أراد الله نشر فضيله ... طويت أتاح لها لسان حسود # وأما الاستهزاء فمقصودك منه إخزاء غيرك عند الناس بإخزاء نفسك عند الله ~~تعالى وعند الملائكة والنبيين عليهم الصلاة والسلام فلو تفكرت في حسرتك ~~وجنايتك وخجلتك وخزيك يوم القيامة يوم تحمل سيئات من استهزأت به وتساق إلى ~~النار لأدهشك ذلك عن إخزاء صاحبك ولو عرفت حالك لكنت أولى أن تضحك منك فإنك ~~سخرت به عند نفر قليل وعرضت نفسك لأن يأخذ يوم القيامة بيدك على ملأ من ~~الناس ويسوقك تحت سيئاته كما يساق الحمار إلى النار مستهزئا بك وفرحا بخزيك ~~ومسرورا بنصرة الله تعالى إياه عليك وتسلطه على الانتقام منك # وأما الرحمة له على إثمه فهو حسن ولكن حسدك إبليس فأضلك واستنطقك بما ~~ينقل من حسناتك إليه ما هو أكثر من رحمتك فيكون جبرا لإثم المرحوم فيخرج عن ~~كونه مرحوما وتنقلب أنت مستحقا ms1418 لأن تكون مرحوما إذ حبط أجرك ونقصت من ~~حسناتك وكذلك الغضب لله تعالى لا يوجد الغيبة وإنما الشيطان حبب إليك ~~الغيبة ليحبط أجر غضبك وتصير معرضا لمقت الله عز وجل بالغيبة # وأما التعجب إذا أخرجك إلى الغيبة فتعجب من نفسك أنت كيف أهلكت نفسك ~~ودينك بدين غيرك أو بدنياه وأنت مع ذلك لا تأمن عقوبة الدنيا وهو أن يهتك ~~الله سترك كما هتكت بالتعجب ستر أخيك # فإذن علاج جميع ذلك المعرفة فقط والتحقق بهذه الأمور التي هي من أبواب ~~الإيمان فمن قوي إيمانه بجميع ذلك انكف لسانه عن الغيبة لا محالة ### |||| بيان تحريم الغيبة بالقلب # اعلم أن سوء الظن حرام مثل سوء القول فكما يحرم عليك أن تحدث غيرك بلسانك ~~بمساويءالغير فليس لك أن تحدث نفسك وتسيء الظن بأخيك ولست أعني به إلا عقد ~~القلب وحكمه على غيره بالسوء فأما الخواطر وحديث النفس فهو معفو عنه بل ~~الشك أيضا معفو عنه ولكن المنهي عنه أن يظن والظن عبارة عما تركن إليه ~~النفس ويميل إليه القلب # فقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض ~~الظن إثم وسبب تحريمه أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب فليس لك ~~أن تعتقد في غيرك سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل فعند ذلك لا ~~يمكنك إلا أن تعتقد ما علمته وشاهدته وما لم تشاهده بعينك ولم تسمعه بأذنك ~~ثم وقع في قلبك فإنما الشيطان يلقيه إليك فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق ~~وقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن ~~تصيبوا قوما بجهالة فلا يجوز تصديق إبليس وإن كان ثم مخيلة تدل على فساد ~~واحتمل خلافه لم يجز أن تصدق به لأن الفاسق يتصور أن بصدق في خيره ولكن لا ~~يجوز لك أن تصدق به حتى إن من استنكه فوجد منه رائحة الخمر لا يجوز أن يحد ~~إذ يقال يمكن أن يكون قد تمضمض بالخمر ومجها وما شربها أو ms1419 حمل عليه قهرا ~~فكل ذلك لا محالة دلالة محتملة فلا يجوز تصديقها بالقلب PageV03P150 # وإساءة الظن بالمسلم بها وقد قال صلى الله عليه وسلم إن الله حرم من ~~المسلم دمه وماله وأن يظن به ظن السوء (1) فلا يستباح ظن السوء إلا بما ~~يستباح به المال وهو نفس مشاهدته أو بينة عادلة فإذا لم يكن كذلك وخطر لك ~~وسواس سوء الظن فينبغي أن تدفعه عن نفسك وتقرر عليها أن حاله عندك مستور ~~كما كان وأن ما رأيته منه يحتمل الخير والشر فإن قلت فبماذا يعرف عقد الظن ~~والشكوك تختلج والنفس تحدث فتقول أمارة عقد سوء الظن أن يتغير القلب معه ~~عما كان فينفر عنه نفورا ما ويستثقله ويفتر عن مراعاته وتفقده وإكرامه ~~والاغتمام بسببه فهذه أمارات عقد الظن وتحقيقه # وقد قال صلى الله عليه وسلم ثلاث في المؤمن وله منهن مخرج فمخرجه من سوء ~~الظن أن لا يحققه (2) أي لا يحققه في نفسه بعقد ولا فعل لا في القلب ولا في ~~الجوارح أما في القلب فبتغيره إلى النفرة والكراهة وأما في الجوارح فبالعمل ~~بموجبه والشيطان قد يقرر على القلب بأدنى مخيلة مساءة الناس ويلقي إليه أن ~~هذا من فطنتك وسرعة فهمك وذكائك وأن المؤمن ينظر بنور الله تعالى وهو على ~~التحقيق ناظر بغرور الشيطان وظلمته # وأما إذا أخبرك به عدل فمال ظنك إلى تصديقه كنت معذورا لأنك لو كذبته ~~لكنت جانيا على هذا العدل إذ ظننت به الكذب وذلك أيضا من سوء الظن فلا ~~ينبغي أن تحسن الظن بواحد وتسيء بالآخر نعم ينبغي أن تبحث هل بينهما عداوة ~~ومحاسدة وتعنت فتتطرق التهمة بسببه فقد رد الشرع شهادة الأب العدل للولد ~~للتهمة ورد شهادة العدو (3) فلك عند ذلك أن تتوقف وإن كان عدلا فلا تصدقه ~~ولا تكذبه ولكن تقول في نفسك المذكور حاله كان عندي في ستر الله تعالى وكان ~~أمره محجوبا عني وقد بقي كما كان لم ينكشف لي شيء من أمره وقد يكون الرجل ~~ظاهره العدالة ولا محاسدة بينه وبين المذكور ms1420 ولكن قد يكون من عادته التعرض ~~للناس وذكر مساويهم فهذا قد يظن أنه عدل وليس بعدل فإن المغتاب فاسق وإن ~~كان ذلك من عادته ردت شهادته إلا أن الناس لكثرة الاعتياد تساهلوا في أمر ~~الغيبة ولم يكترثوا بتناول أعراض الخلق ومهما خطر لك خاطر بسوء على مسلم ~~فينبغي أن تزيد في مراعاته وتدعو له بالخير فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه ~~عنك فلا يلقى إليك الخاطر السوء خيفة من اشتغالك بالدعاء والمراعاة # ومهما عرفت هفوة مسلم بحجة فانصحه في السر ولا يخدعنك الشيطان فيدعوك إلى ~~اغتيابه وإذا وعظته فلا تعظه وأنت مسرور باطلاعك على نقصه لينظر إليك بعين ~~التعظيم وتنظر إليه بعين الاستحقار وتترفع عليه بإيذاء الوعظ وليكن قصدك ~~تخليصه من الإثم وأنت حزين كما تحزن على نفسك إذا دخل عليلا نقصان في دينك ~~وينبغي أن يكون تركه لذلك من غير نصحك أحب إليك من تركه بالنصيحة فإذا أنت ~~فعلت ذلك كنت قد جمعت بين أجر الوعظ وأجر الغم بمصيبته وأجر الإعانة له على ~~دينه PageV03P151 # ومن ثمرات سوء الظن التجسس فإن القلب لا يقنع بالظن ويطلب التحقيق فيشتغل ~~بالتجسس وهو أيضا منهي عنه قال الله تعالى ولا تجسسوا فالغيبة وسوء الظن ~~والتجسس منهي عنه في آية واحدة ومعنى التجسس أن لا يترك عباد الله تحت ستر ~~الله فيتوصل إلى الاطلاع وهتك الستر حتى ينكشف له ما لو كان مستورا عنه كان ~~أسلم لقلبه ودينه وقد ذكرنا في كتاب الأمر بالمعروف حكم التجسس وحقيقته ### |||| بيان الأعذار المرخصة في الغيبة # اعلم أن المرخص في ذكر مساوي الغير هو غرض صحيح في الشرع لا يمكن التوصل ~~إليه إلا به فيدفع ذلك إثم الغيبة وهي ستة أمور # الأول التظلم فإن من ذكر قاضيا بالظلم والخيانة وأخذ الرشوة كان مغتابا ~~عاصيا إن لم يكن مظلوما أما المظلوم من جهة القاضي فله أن يتظلم إلى ~~السلطان وينسبه إلى الظلم إذ لا يمكنه استيفاء حقه إلا به قال صلى الله ~~عليه وسلم إن لصاحب الحق مقالا (1) # وقال عليه ms1421 السلام مطل الغنى ظلم (2) # وقال عليه السلام لي الواجد يحل عقوبته وعرضه (3) # الثاني الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى منهج الصلاح كما روي ~~أن عمر رضي الله عنه مر على عثمان وقيل على طلحة رضي الله عنه فسلم عليه ~~فلم يرد السلام فذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه فذكر له ذلك فجاء أبو بكر ~~إليه ليصلح ذلك ولم يكن ذلك غيبة عندهم وكذلك لما بلغ عمر رضي الله عنه أن ~~أبا جندل قد عاقر الخمر بالشام كتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب الآية ~~فتاب ولم ير ذلك عمر ممن أبلغه غيبة إذ كان قصده أن ينكر عليه ذلك فينفعه ~~نصحه ما لا ينفعه نصح غيره وإنما إباحة هذا بالقصد الصحيح فإن لم يكن ذلك ~~هو المقصود كان حراما # الثالث الاستفتاء كما يقول للمفتي ظلمني أبي أو زوجتي أو أخي فكيف طريقي ~~في الخلاص والأسلم التعريض بأن يقول ما قولك في رجل ظلمه أبوه أو أخوه أو ~~زوجته ولكن التعيين مباح بهذا القدر لما روي عن هند بنت عتبة أنها قالت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا ~~وولدي أفآخذ من غير علمه فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (4) فذكرت الشح ~~والظلم لها ولولدها ولم يزجرها صلى الله عليه وسلم إذ كان قصدها الاستفتاء # الرابع تحذير المسلم من الشر فإذا رأيت فقيها يتردد إلى مبتدع أو فاسق ~~وخفت أن تتعدى إليه بدعته وفسقه فلك أن تكشف له بدعته وفسقه مهما كان ~~الباعث لك الخوف عليه من سراية البدعة والفسق لا غيره وذلك موضع الغرور إذ ~~قد يكون الحسد هو الباعث ويلبس الشيطان ذلك بإظهار الشفقة على الخلق وكذلك ~~من اشترى مملوكا وقد عرفت المملوك بالسرقة أو بالفسق أو بعيب آخر فلك أن ~~تذكر ذلك فإن سكوتك ضرر المشترى وفي ذكرك ضرر العبد والمشترى أولى بمراعاة ~~جانبه وكذلك المزكي ms1422 إذا سئل عن الشاهد فله الطعن فيه إن علم مطعنا وكذلك ~~المستشار في التزويج وإيداع الأمانة له أن يذكر ما يعرفه على قصد النصح ~~للمستشير لا على قصد PageV03P152 # الوقيعة فإن علم أنه يترك التزويج بمجرد قوله لا تصلح لك فهو الواجب وفيه ~~الكفاية وإن علم أنه لا ينزجر إلا بالتصريح بعيبه فله أن يصرح به إذ قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أترعوون عن ذكر الفاجر اهتكوه حتى يعرفه ~~الناس اذكروه بما فيه حتى يحذره الناس (1) # وكانوا يقولون ثلاثة لا غيبة لهم الإمام الجائر والمبتدع والمجاهر بفسقه # الخامس أن يكون الإنسان معروفا بلقب يعرب عن عيبه كالأعرج والأعمش فلا ~~إثم على من يقول روى أبو الزناد عن الأعرج وسلمان عن الأعمش وما يجري مجراه ~~فقد فعل العلماء ذلك لضرورة التعريف ولأن ذلك قد صار بحيث لا يكرهه صاحبه ~~لو علمه بعد أن قد صار مشهورا به نعم إن وجد عنه معدلا وأمكنه التعريف ~~بعبارة أخرى فهو أولى ولذلك يقال للأعمى البصير عدولا عن اسم النقص # السادس أن يكون مجاهرا بالفسق كالمخنث وصاحب الماخور والمجاهر بشرب الخمر ~~ومصادرة الناس وكان ممن يتظاهر به بحيث لا يستنكف من أن يذكر له ولا يكره ~~أن يذكر به فإذا ذكرت فيه ما يتظاهر به فلا إثم عليك قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له (2) وقال عمر رضي ~~الله عنه ليس لفاجر حرمة وأراد به المجاهر بفسقه دون المستتر إذا المستتر ~~لا بد من مراعاة حرمته وقال الصلت بن طريف قلت للحسن الرجل الفاسق المعلن ~~بفجوره ذكرى له بما فيه غيبة له قال لا ولا كرامة وقال الحسن ثلاثة لا غيبة ~~لهم صاحب الهوى والفاسق المعلن بفسقه والإمام الجائر فهؤلاء الثلاثة يجمعهم ~~أنهم يتظاهرون به وربما يتفاخرون به فكيف يكرهون ذلك وهم يقصدون إظهاره نعم ~~لو ذكره بغير ما يتظاهر به إثم وقال عوف دخلت على ابن سيرين فتناولت عنده ~~الحجاج فقال إن الله حكم ms1423 عدل ينتقم للحجاج ممن اغتابه كما ينتقم من الحجاج ~~لمن ظلمه وإنك إذا لقيت الله تعالى غدا كان أصغر ذنب أصبته أشد عليك من ~~أعظم ذنب أصابه الحجاج ### |||| بيان كفارة الغيبة # اعلم أن الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب ويتأسف على ما فعله ليخرج به ~~من حق الله سبحانه ثم يستحل المغتاب ليحله فيخرج من مظلمته وينبغي أن ~~يستحله وهو حزين متأسف نادم على فعله إذ المرائي قد يستحل ليظهر من نفسه ~~الورع وفي الباطن لا يكون نادما فيكون قد قارف معصية أخرى وقال الحسن يكفيه ~~الاستغفار دون الاستحلال وربما استدل في ذلك بما روى أنس بن مالك قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كفارة من اغتبته أن تستغفر له (3) وقال مجاهد ~~كفارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه وتدعو له بخير وسئل عطاء بن أبي رباح عن ~~التوبة من الغيبة قال أن تمشي إلى صاحبك فتقول له كذبت فيما قلت وظلمتك ~~وأسأت فإن شئت أخذت بحقك وإن شئت عفوت وهذا هو الأصح وقول القائل العرض لا ~~عوض له فلا يجب الاستحلال منه بخلاف المال كلام ضعيف إذ قد وجب في العرض حد ~~القذف وتثبت المطالبة به بل في الحديث الصحيح ما روي أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليستحللها منه من قبل أن ~~يأتي يوم ليس هناك دينار PageV03P153 # ولا درهم إنما يؤخذ من حسناته فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه ~~فزيدت على سيئاته (1) وقالت عائشة رضي الله عنها لامرأة قالت لأخرى أنها ~~طويلة الذيل قد اغتبتيها فاستحليها فإذن لا بد من الاستحلال إن قدر عليه ~~فإن كان غائبا أو ميتا فينبغي أن يكثر له الاستغفار والدعاء ويكثر من ~~الحسنات # فإن قلت فالتحليل هل يجب فأقول لا لأنه تبرع والتبرع فضل وليس بواجب ~~ولكنه مستحسن وسبيل المعتذر أن يبالغ في الثناء عليه والتودد إليه ويلازم ~~ذلك حتى يطيب قلبه فإن لم يطب قلبه كان اعتذاره وتودده ms1424 حسنة محسوبة له ~~يقابل بها سيئة الغيبة في القيامة # وكان بعض السلف لا يحلل قال سعيد بن المسيب لا أحلل من ظلمني وقال ابن ~~سيرين إني لم أحرمها عليه فأحللها له إن الله حرم الغيبة عليه وما كنت ~~لأحلل ما حرم الله أبدا # فإن قلت فما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يستحلها وتحليل ~~ما حرمه الله تعالى غير ممكن فنقول المراد به العفو عن المظلمة لا أن ينقلب ~~الحرام حلالا وما قاله ابن سيرين حسن في التحليل قبل الغيبة فإنه لا يجوز ~~له أن يحلل لغيره الغيبة # فإن قلت فما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ~~ضمضم كان إذا خرج من بيته قال اللهم إني قد تصدقت بعرضي على الناس (2) حديث ~~نزول {خذ العفو} الآية فقال يا جبريل {ما هذا} فقال إن الله يأمرك أن تعفو ~~عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك تقدم في رياضة النفس // وروي عن الحسن ~~أن رجلا قال له إن فلانا قد اغتابك فعبث إليه رطبا على طبق وقال قد بلغني ~~أنك أهديت إلي من حسناتك فأردت أن أكافئك عليها فاعذرني فإني لا أقدر أن ~~أكافئك على التمام ### ||| الآفة السادسة عشرة النميمة # قال الله تعالى {هماز مشاء بنميم} ثم قال {عتل بعد ذلك زنيم} قال عبد ~~الله بن المبارك الزنيم ولد الزنا الذي لا يكتم الحديث وأشار به إلى أن كل ~~من لم يكتم الحديث ومشى بالنميمة دل على أنه ولد زنا استنباطا من قوله عز ~~وجل {عتل بعد ذلك زنيم} والزنيم هو الدعى وقال تعالى {ويل لكل همزة لمزة} ~~قيل الهمزة النمام PageV03P154 # وقال تعالى {حمالة الحطب} قيل إنها كانت نمامة حمالة للحديث وقال تعالى ~~{فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا} قيل كانت امرأة لوط تخبر ~~بالضيفان وامرأة نوح تخبر أنه مجنون وقد قال صلى الله عليه وسلم لا يدخل ~~الجنة نمام (1) # وفي حديث آخر لا يدخل الجنة قتات والقتات هو النمام وقال ms1425 أبو هريرة قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقا الموطئون ~~أكنافا الذين يألفون ويؤلفون وإن أبغضكم إلى الله المشاءون بالنميمة ~~المفرقون بين الإخوان الملتمسون للبرءاء العثرات (2) # وقال صلى الله عليه وسلم إلا أخبركم بشراركم قالوا بلى قال المشاءون ~~بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبرءاء العيب (3) وقال أبو ذر قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشاع على مسلم كلمة ليشينه بها بغير حق ~~شانه الله بها في النار يوم القيامة (4) وقال أبو الدرداء قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أيما رجل أشاع على رجل كلمة وهو منها بريءليشينه بها في ~~الدنيا كان حقا على الله أن يذيبه بها يوم القيامة في النار (5) وقال أبو ~~هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شهد على مسلم بشهادة ليس لها ~~بأهل فليتبوأ مقعده من النار (6) ويقال إن ثلث عذاب القبر من النميمة وعن ~~ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لما خلق الجنة قال لها تكلمي ~~فقالت سعد من دخلني فقال الجبار جل جلاله وعزتي وجلالي لا يسكن فيك ثمانية ~~نفر من الناس لا يسكنك مدمن خمر ولا مصر على الزنا ولا قتات وهو النمام ولا ~~ديوث ولا شرطي ولا مخنث ولا قاطع رحم ولا الذي يقول على عهد الله إن لم ~~أفعل كذا وكذا ثم لم يف به (7) وروى كعب الأحبار أن بني إسرائيل أصابهم قحط ~~فاستسقى موسى عليه السلام مرات فما سقوا فأوحى الله تعالى إليه إني لا ~~أستجيب لك ولمن معك وفيكم نمام قد أصر على النميمة فقال موسى يارب من هو ~~دلني عليه حتى أخرجه من بيننا قال يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نماما ~~فتابوا جميعا فسقوا ويقال اتبع رجل حكيما سبعمائة فرسخ في سبع كلمات فلما ~~قدم عليه قال إني جئتك للذي آتاك الله تعالى من العلم أخبرني عن السماء وما ~~أثقل منها وعن الأرض وما أوسع منها وعن الصخر وما أقسى منه وعن النار ms1426 وما ~~أحر منها وعن الزمهرير وما أبرد منه وعن البحر وما أغنى منه وعن اليتيم وما ~~أذل منه فقال له الحكيم البهتان على البريء أثقل من السموات والحق أوسع من ~~الأرض والقلب القانع أغنى من البحر والحرص والحسد أحر من النار والحاجة ~~PageV03P155 # إلى القريب إذا لم تنجح أبرد من الزمهرير وقلب الكافر أقسى من الحجر ~~والنمام إذا بان أمره أذل من اليتيم ### |||| بيان حد النميمة وما يجب في ردها # اعلم أن اسم النميمة إنما يطلق في الأكثر على من ينم قول الغير إلى ~~المقول فيه كما تقول فلان كان يتكلم فيك بكذا وكذا وليست النميمة مختصة به ~~بل حدها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو كرهه ~~ثالث وسواء كان الكشف بالقول أبو بالكتابة أو بالرمز أو بالإيماء وسواء كان ~~المنقول من الأعمال أو من الأقوال وسواء كان ذلك عيبا ونقصا في المنقول عنه ~~أو لم يكن بل حقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه بل كان ما ~~رآه الإنسان من أحوال الناس مما يكره فينبغي أن يسكت عنه إلا ما في حكايته ~~فائدة لمسلم أو دفع لمعصية كما إذا رأى من يتناول مال غيره فعليه أن يشهد ~~به مراعاة لحق المشهود له فأما إذا رآه يخفي مالا لنفسه فذكره فهو نميمة ~~وإفشاء للسر فإن كان ما ينم به نقصا وعيبا في المحكي عنه كان قد جمع بين ~~الغيبة والنميمة فالباعث على النميمة إما إرادة السوء للمحكي عنه أو إظهار ~~الحب للمحكي له أو التفرج بالحديث والخوض في الفضول والباطل # وكل من حملت إليه النميمة وقيل له إن فلانا قال فيك كذا وكذا أو فعل في ~~حقك كذا أو هو يدبر في إفساد أمرك أو في ممالأة عدوك أو تقبيح حالك أو ما ~~يجري مجراه فعليه ستة أمور الأول أن لا يصدقه لأن النمام فاسق وهو مردود ~~الشهادة قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ~~أن تصيبوا قوما ms1427 بجهالة} # الثاني أن ينهاه عن ذلك وينصح له ويقبح عليه فعله قال الله تعالى {وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر} # الثالث أن يبغضه في الله تعالى فإنه بغيض عند الله تعالى ويجب بغض من ~~يبغضه الله تعالى # الرابع أن لا تظن بأخيك الغائب السوء لقول الله تعالى {اجتنبوا كثيرا من ~~الظن إن بعض الظن إثم} # الخامس أن لا يحملك ما حكى لك على التجسس والبحث لتحقق اتباعا لقول الله ~~تعالى {ولا تجسسوا} # السادس أن لا ترضى لنفسك ما نهيت النمام عنه ولا تحكي نميمته فتقول فلان ~~قد حكى لي كذا وكذا فتكون به نماما ومغتابا وقد تكون قد أتيت ما عنه نهيت ~~وقد روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه دخل عليه رجل فذكر له عن ~~رجل شيئا فقال له عمر إن شئت نظر نافي أمرك فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه ~~الآية {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية ~~{هماز مشاء بنميم} وإن شئت عفونا عنك فقال العفو يا أمير المؤمنين لا أعود ~~إليه أبدا وذكر أن حكيما من الحكماء زاره بعض إخوانه فأخبره بخبر عن بعض ~~أصدقائه فقال له الحكيم قد أبطأت في الزيارة وأتيت بثلاث جنايات بغضت أخي ~~إلي وشغلت قلبي الفارغ واتهمت نفسك الأمينة وروي أن سليمان بن عبد الملك ~~كان جالسا وعنده الزهري فجاءه رجل فقال له سليمان بلغني أنك وقعت في وقلت ~~كذا وكذا فقال الرجل ما فعلت ولا قلت فقال سليمان إن الذي أخبرني صادق فقال ~~له الزهري لا يكون النمام صادقا فقال سليمان صدقت ثم قال للرجل اذهب بسلام # وقال الحسن من نم إليك نم عليك وهذا إشارة إلى أن النمام ينبغي أن يبغض ~~ولا يوثق بقوله ولا بصداقته وكيف لا يبغض وهو لا ينفك عن الكذب والغيبة ~~والغدر والخيانة والغل والحسد والنفاق والإفساد بين الناس والخديعة وهو ممن ~~يسعون في قطع ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض وقال تعالى ms1428 {إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق} والنمام منهم ~~وقال صلى الله عليه وسلم إن من شرار الناس PageV03P156 # من اتقاه الناس لشره (1) والنمام منهم وقال لا يدخل الجنة قاطع قيل وما ~~القاطع قال قاطع بين الناس (2) وهو النمام وقيل قاطع الرحم # وروي عن علي رضي الله عنه أن رجلا سعى إليه برجل فقال له يا هذا نحن نسأل ~~عما قلت فإن كنت صادقا مقتناك وإن كنت كاذبا عاقبناك وإن شئت أن نقيلك ~~أقلناك فقال أقلني يا أمير المؤمنين وقيل لمحمد بن كعب القرظي أي خصال ~~المؤمن أوضع له فقال كثرة الكلام وإفشاء السر وقبول قول كل أحد وقال رجل ~~لعبد الله ابن عامر وكان أميرا بلغني أن فلانا أعلم الأمير أني ذكرته بسوء ~~قال قد كان ذلك قال فأخبرني بما قال لك حتى أظهر كذبه عندك قال ما أحب أن ~~أشتم نفسي بلساني وحسبي أني لم أصدقه فيما قال ولا أقطع عنك الوصال # وذكرت السعاية عند بعض الصالحين فقال ما ظنكم بقوم يحمد الصدق من كل ~~طائفة من الناس إلا منهم وقال مصعب بن الزبير نحن نرى أن قبول السعاية شر ~~من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجازة وليس من دل على شيء فأخبر به ~~كمن قبله وأجازه فاتقوا الساعي فلو كان صادقا في قوله لكان لئيما في صدقه ~~حيث لم يحفظ الحرمة ولم يستر العورة والسعاية هي النميمة إلا أنها إذا كانت ~~إلى من يخاف جانبه سميت سعاية وقد قال صلى الله عليه وسلم الساعي بالناس ~~إلى الناس لغير رشدة (3) يعني ليس بولد حلال ودخل رجل على سليمان بن عبد ~~الملك فاستأذنه في الكلام وقال إني مكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فاحتمله ~~إن كرهته فإن وراءه ما تحب إن قبلته فقال قل فقال يا أمير المؤمنين إنه قد ~~اكتنفك رجال ابتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسخط ربهم خافوك في الله ولم ~~يخافوا الله فيك فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه ولا تصخ إليهم فيما ~~استحفظك ms1429 الله إياه فإنهم لن يألوا في الأمة خسفا وفي الأمانة تضييعا ~~والأعراض قطعا وانتهاكا أعلى قربهم البغي والنميمة وأجل وسائلهم الغيبة ~~والوقيعة وأنت مسئول عما أجرموا وليسوا المسئولين عما أجرمت فلا تصلح ~~دنياهم بفساد آخرتك فإن أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره وسعى رجل ~~بزياد الأعجم إلى سليمان بن عبد الملك فجمع بينهما للموافقة فأقبل زياد على ~~الرجل وقال # فأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا ... فخنت وإما قلت قولا بلا علم # فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم # وقال رجل لعمرو بن عبيد إن الأسواري ما يزال يذكرك في قصصه بشر فقال له ~~عمرو يا هذا ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه ولا أديت حقي ~~حين أعلمتني عن أخي ما أكره ولكن أعلمه أن الموت يعمنا والقبر يضمنا ~~والقيامة تجمعنا والله تعالى يحكم بيننا وهو خير الحاكمين ورفع بعض السعاة ~~إلى الصاحب بن عباد رقعة نبه فيها على مال يتيم يحمله على أخذه لكثرته فوقع ~~على ظهرها السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة فإن كنت أجريتها مجرى النصح ~~فخسرانك فيها افضل من الربح ومعاذ الله أن نقبل مهتوكا في مستور ولولا أنك ~~في خفارة شيبتك لقابلناك بما يقتضيه فعلك في مثلك فتوق يا ملعون العيب فإن ~~الله أعلم بالغيب الميت رحمه الله واليتيم جبره الله والمال ثمره الله ~~والساعي لعنه الله وقال لقمان لابنه يا بني أوصيك بخلال إن تمسكت بهن لم ~~تزل PageV03P157 # سيدا ابسط خلقك للقريب والبعيد وأمسك جهلك عن الكريم واللئيم واحفظ ~~إخوانك وصل أقاربك وآمنهم من قبول قول ساع أو سماع باغ يريد فسادك ويروم ~~خداعك وليكن إخوانك من إذا فارقتهم وفارقوك لم تعبهم ولم يعيبوك وقال بعضهم ~~النميمة مبنية على الكذب والحسد والنفاق وهي أثافي الذل وقال بعضهم لو صح ~~ما نقله النمام إليك لكان هو المجتريء بالشتم عليك والمنقول عنه أولى بحلمك ~~لأنه لم يقابلك بشتمك # وعلى الجملة فشر النمام عظيم ينبغي أن يتوقى قال حماد بن سلمة باع ms1430 رجل ~~عبدا وقال للمشتري ما فيه عيب إلا النميمة قال رضيت فاشتراه فمكث الغلام ~~أياما ثم قال لزوجة مولاه إن سيدي لا يحبك وهو يريد أن يتسرى عليك فخذي ~~الموسى واحلقي من شعر قفاه عند نومه شعرات حتى أسحره عليها فيحبك ثم قال ~~للزوج إن امرأتك اتخذت خليلا وتريد أن تقتلك فتناوم لها حتى تعرف ذلك ~~فتناوم لها فجاءت المرأة بالموسى فظن أنها تريد قتله فقام إليها فقتلها ~~فجاء أهل المرأة فقتلوا الزوج ووقع القتال بين القبيلتين فنسأل الله حسن ~~التوفيق ### ||| الآفة السابعة عشرة # كلام ذي اللسانين الذي يتردد بين المتعاديين ويكلم كل واحد منهما بكلام ~~يوافقه وقلما يخلو عنه من يشاهد متعاديين وذلك عين النفاق # قال عمار بن ياسر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان له وجهان في ~~الدنيا كان له لسانان من نار يوم القيامة (1) وقال أبو هريرة قال سول الله ~~صلى الله عليه وسلم تجدون من شر عباد الله يوم القيامة ذا الوجهين الذي ~~يأتي هؤلاء بحديث وهؤلاء بحديث (2) وفي لفظ آخر الذي يأتي هؤلاء بوجه ~~وهؤلاء بوجه وقال أبو هريرة لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أمينا عند الله ~~وقال مالك بن دينار قرأت في التوراة بطلت الأمانة والرجل مع صاحبه بشفتين ~~مختلفتين يهلك الله تعالى يوم القيامة كل شفتين مختلفتين وقال صلى الله ~~عليه وسلم أبغض خليقة الله إلى الله يوم القيامة الكذابون والمستكبرون ~~والذين يكثرون البغضاء لإخوانهم في صدورهم فإذا لقوهم تملقوا لهم والذين ~~إذا دعوا إلى الله ورسوله كانوا بطاء وإذا دعوا إلى الشيطان وأمره كانوا ~~سراعا (3) # وقال ابن مسعود لا يكونن أحدكم إمعة قالوا وما الإمعة قال الذي يجري مع ~~كل ريح واتفقوا على أن ملاقاة الاثنين بوجهين نفاق وللنفاق علامات كثيرة ~~وهذه من جملتها # وقد روي أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مات فلم يصل عليه ~~حذيفة فقال له عمر يموت رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تصل ~~عليه فقال ms1431 يا أمير المؤمنين إنه منهم فقال نشدتك الله أنا منهم أم لا قال ~~اللهم لا ولا أؤمن منها أحدا بعدك # فإن قلت بماذا يصير الرجل ذا لسانين وما حد ذلك فأقول إذا دخل على ~~متعاديين وجامل كل واحد منهما وكان صادقا فيه لم يكن منافقا ولا ذا لسانين ~~فإن الواحد قد يصادق متعاديين ولكن صداقة ضعيفة لا تنتهي إلى حد الأخوة إذ ~~لو تحققت الصداقة لاقتضت معادة الأعداء كما ذكرنا في كتاب آداب الصحبة ~~والأخوة نعم لو نقل PageV03P158 # كلام كل واحد منهما إلى الآخر فهو ذو لسانين وهو شر من النميمة إذ يصير ~~نماما بأن ينقل من أحد الجانبين فقط فإذا نقل من الجانبين فهو شر من النمام ~~وإن لم ينقل كلاما ولكن حسن لكل واحد منهما ما هو عليه من المعاداة مع ~~صاحبه فهذا ذو لسانين وكذلك إذا وعد كل واحد منهما بأن ينصره وكذلك إذا ~~أثنى على واحد منهما في معاداته وكذلك إذا أثنى على أحدهما وكان إذا خرج من ~~عنده يذمه فهو ذو لسانين بل ينبغي أن يسكت أو يثني على المحق من المتعاديين ~~ويثني عليه في غيبته وفي حضوره وبين يدي عدوه # قيل لابن عمر رضي الله عنهما إنا ندخل على أمرائنا فنقول القول فإذا ~~خرجنا قلنا غيره فقال كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (1) وهذا نفاق مهما كان مستغنيا عن الدخول على الأمير وعن الثناء عليه ~~فلو استغنى عن الدخول ولكن إذا دخل يخاف إن لم يثن فهو نفاق لأنه الذي أحوج ~~نفسه إلى ذلك فإن كان مستغنيا عن الدخول لو قنع بالقليل وترك المال والجاه ~~فدخل لضرورة الجاه والغنى وأثنى فهو منافق وهذا معنى قوله صلى الله عليه ~~وسلم حب المال والجاه ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل (2) ~~لأنه يحوج إلى الأمراء وإلى مراعاتهم ومراءاتهم فأما إذا ابتلى به لضرورة ~~وخاف إن لم يثن فهو معذور فإن اتقاء الشر جائز قال أبو الدرداء رضي الله ~~عنه ms1432 إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم وقالت عائشة رضي الله عنها ~~استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ائذنوا له فبئس رجل ~~العشيرة هو ثم لما دخل ألان له القول فلما خرج قلت يا رسول الله قلت فيه ما ~~قلت ثم ألنت له القول فقال يا عائشة إن شر الناس الذي يكرم اتقاء شره (3) # ولكن هذا ورد في الإقبال وفي الكشر والتبسم فأما الثناء فهو كذب صراح ولا ~~يجوز إلا لضرورة أو إكراه يباح الكذب بمثله كما ذكرناه في آفة الكذب بل لا ~~يجوز الثناء ولا التصديق ولا تحريك الرأس في معرض التقرير على كل كلام باطل ~~فإن فعل ذلك فهو منافق بل ينبغي أن ينكر فإن لم يقدر فيسكت بلسانه وينكر ~~بقلبه ### ||| الآفة الثامنة عشرة المدح # وهو منهي عنه في بعض المواضع أما الذم فهو الغيبة والوقيعة فقد ذكرنا ~~حكمها والمدح يدخله ست آفات أربع في المادح واثنتان في الممدوح # فأما المادح فالأولى أنه قد يفرط فينتهي به إلى الكذب قال خالد بن معدان ~~من مدح إماما أو أحدا بما ليس فيه على رءوس الأشهاد بعثه الله يوم القيامة ~~يتعثر بلسانه # والثانية أنه قد يدخله الرياء فإنه بالمدح مظهر للحب وقد لا يكون مضمرا ~~له ولا معتقدا لجميع ما يقوله فيصير به مرائيا منافقا # الثالثة أنه قد يقول ما لا يتحققه ولا سبيل له إلى الإطلاع عليه وروي أن ~~رجلا مدح رجلا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه السلام ويحك قطعت ~~عنق صاحبك لو سمعها ما أفلح ثم قال إن كان أحدكم لا بد مادحا PageV03P159 # أخاه فليقل أحسب فلانا ولا أزكي على الله أحد حسيبه الله إن كان يرى أنه ~~كذلك (1) وهذه الآفة تتطرق إلى المدح بالأوصاف المطلقة التي تعرف بالأدلة ~~كقولة إنه متق وورع وزاهد وخير وما يجري مجراه فأما إذا قال رأيته يصلي ~~بالليل ويتصدق ويحج فهذه أمور مستيقنة ومن ذلك قوله إنه عدل رضا فإن ذلك ~~خفي فلا ms1433 ينبغي أن يجزم القول فيه إلا بعد خبرة باطنة سمع عمر رضي الله عنه ~~رجلا يثني على رجل فقال أسافرت معه قال لا قال أخالطته في المبايعة ~~والمعاملة قال لا قال فأنت جاره صباحه ومساءه قال لا فقال والله الذي لا ~~إله إلا هو لا أراك تعرفه # الرابعة أنه قد يفرح الممدوح وهو ظالم أو فاسق وذلك غير جائز قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق (2) وقال الحسن ~~من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن يعصي الله تعالى في أرضه والظالم ~~الفاسق ينبغي أن يذم ليغتم ولا يمدح ليفرح # وأما الممدوح فيضره من وجهين # أحدهما أنه يحدث فيه كبرا وإعجابا وهما مهلكان # قال الحسن رضي الله عنه كان عمر رضي الله عنه جالسا ومعه الدرة والناس ~~حوله إذ أقبل الجارود بن المنذر فقال رجل هذا سيد ربيعة فسمعها عمر ومن ~~حوله وسمعها الجارود فلما دنا منه خفقه بالدرة فقال مالي ولك يا أمير ~~المؤمنين قال مالي ولك أما سمعتها قال سمعتها فمه قال خشيت أن يخالط قلبك ~~منها شيء فأحببت أن أطأطيء منك # الثاني هو أنه إذا أثنى عليه بالخير فرح به وفتر ورضي عن نفسه ومن أعجب ~~بنفسه قل تشمره وإنما يتشمر للعمل من يرى نفسه مقصرا فأما إذا انطلقت ~~الألسن بالثناء عليه ظن أنه قد أدرك ولهذا قال عليه السلام قطعت عنق صاحبك ~~لو سمعها ما أفلح وقال صلى الله عليه وسلم إذا مدحت أخاك في وجهه فكأنما ~~أمررت على حلقه موسى وميضا (3) # وقال أيضا لمن مدح رجلا عقرت الرجل عقرك الله (4) وقال مطرف ما سمعت قط ~~ثناء ولا مدحة إلا تصاغرت إلى نفسي وقال زياد بن أبي مسلم ليس أحد يسمع ~~ثناء عليه أو مدحة إلا تراءى له الشيطان ولكن المؤمن يراجع فقال ابن ~~المبارك لقد صدق كلاهما أما ما ذكره زياد فذلك قلب العوام وأما ما ذكره ~~مطرف فذلك قلب الخواص وقال صلى الله عليه وسلم لو مشى ms1434 رجل إلى رجل بسكين ~~مرهف كان خيرا له من أن يثني عليه في وجهه (5) حديث لو وزن إيمان أبي بكر ~~بإيمان العالمين لرجح تقدم في العلم وقال في عمر لو لم أبعث لبعثت ~~PageV03P160 # يا عمر (1) # وأي ثناء يزيد على هذا ولكنه صلى الله عليه وسلم قال عن صدق وبصيرة ~~وكانوا رضي الله عنهم أجل رتبة من أن يورثهم ذلك كبرا وعجبا وفتورا بل مدح ~~الرجل نفسه قبيح لما فيه من الكبر والتفاخر إذا قال صلى الله عليه وسلم أنا ~~سيد ولد آدم ولا فخر (2) # أي لست أقول هذا تفاخرا كما يقصد الناس بالثناء على أنفسهم وذلك لأن ~~افتخاره صلى الله عليه وسلم كان بالله وبالقرب من الله لا بولد آدم وتقدمه ~~عليهم كما أن المقبول عند الملك قبولا عظيما إنما يفتخر بقبوله إياه وبه ~~يفرح لا بتقدمه على بعض رعاياه وبتفصيل هذه الآفات تقدر على الجمع بين ذم ~~المدح وبين الحث عليه قال صلى الله عليه وسلم وجبت (3) # لما أثنوا على بعض الموتى وقال مجاهد إن لبني آدم جلساء من الملائكة فإذا ~~ذكر الرجل المسلم أخاه المسلم بخير قالت الملائكة ولك بمثله وإذا ذكره بسوء ~~قالت الملائكة يا ابن آدم المستور عورتك أربع على نفسك واحمد الله الذي ستر ~~عورتك فهذه آفات المدح ### |||| بيان ما على الممدوح # اعلم أن على الممدوح أن يكون شديد الاحتراز عن آفة الكبر والعجب وآفة ~~الفتور ولا ينجو منه إلا بأن يعرف نفسه ويتأمل ما في خطر الخاتمة ودقائق ~~الرياء وآفات الأعمال فإنه يعرف من نفسه ما لا يعرفه المادح ولو انكشف له ~~جميع أسراره وما يجري على خواطره لكف المادح عن مدحه وعليه أن يظهر كراهة ~~المدح بإذلال المادح # قال صلى الله عليه وسلم احثوا التراب في وجوه المادحين (4) # وقال سفيان بن عيينة لا يضر المدح من عرف نفسه وأثنى على رجل من الصالحين ~~فقال اللهم إن هؤلاء لا يعرفوني وأنت تعرفني وقال آخر لما أثنى عليه اللهم ~~إن عبدك هذا تقرب إلي بمقتك ms1435 وأنا أشهدك على مقته وقال علي رضي الله عنه لما ~~أثنى عليه اللهم اغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرا ~~مما يظنون وأثنى رجل على عمر رضي الله عنه فقال أتهلكني وتهلك نفسك وأثنى ~~رجل على علي كرم الله وجهه في وجهه وكان قد بلغه أنه يقع فيه فقال أنا دون ~~ما قلت وفوق ما في نفسك ### ||| الآفة التاسعة عشر # الغفلة عن دقائق الخطأ في فحوى الكلام لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته ~~ويرتبط بأمور الدين فلا يقدر على تقويم اللفظ في أمور الدين إلا العلماء ~~الفصحاء فمن قصر في علم أو فصاحة لم يخل كلامه عن الزلل لكن الله تعالى ~~يعفو عنه لجهله # مثاله ما قال حذيفة قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقل أحدكم ما شاء ~~الله وشئت ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت (5) وذلك لأن في العطف المطلق ~~تشريكا وتسوية وهو على خلاف الاحترام وقال ابن عباس رضي الله عنهما جاء رجل ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه في بعض الأمر فقال ما شاء الله ~~وشئت فقال PageV03P161 # صلى الله عليه وسلم أجعلتني لله عديلا بل ما شاء الله وحده (1) # وخطب رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من يطع الله ورسوله فقد ~~رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال قل ومن يعص الله ورسوله فقد غوى (2) # فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ومن يعصهما لأنه تسوية وجمع # وكان إبراهيم يكره أن يقول الرجل أعوذ بالله وبك ويجوز أن يقول أعوذ ~~بالله ثم بك وأن يقول لولا الله ثم فلان ولا يقول لولا الله وفلان وكره ~~بعضهم أن يقال اللهم أعتقنا من النار وكان يقول العتق يكون بعد الورود ~~وكانوا يستجيرون من النار ويتعوذون من النار وقال رجل اللهم اجعلني ممن ~~تصيبه شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فقال حذيفة إن الله يغني المؤمنين عن ~~شفاعة محمد وتكون شفاعته للمذنبين من المسلمين وقال إبراهيم إذا قال الرجل ms1436 ~~للرجل يا حمار يا خنزير قيل له يوم القيامة حمارا رأيتني خلقته خنزيرا ~~رأيتني خلقته وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن أحدكم ليشرك حتى يشرك بكلبه ~~فيقول لولاه لسرقنا الليلة وقال عمر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف ~~بالله أو ليصمت (3) # قال عمر رضي الله عنه فوالله ما حلفت بها منذ سمعتها وقال صلى الله عليه ~~وسلم لا تسموا العنب كرما إنما الكرم الرجل المسلم (4) # وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقولن أحدكم عبدي ~~ولا أمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله وليقل غلامي وجاريتي وفتاي ~~وفتاتي ولا يقول المملوك ربي ولا ربتي وليقل سيدي وسيدتي فكلكم عبيد الله ~~والرب الله سبحانه وتعالى وقال صلى الله عليه وسلم لا تقولوا للفاسق سيدنا ~~فإنه إن يكن سيدكم فقد أسخطتم ربكم (5) # وقال صلى الله عليه وسلم من قال أنا بريء من الإسلام فإن كان صادقا فهو ~~كما قال وإن كان كاذبا فلن يرجع إلى الإسلام سالما (6) # فهذا وأمثاله مما يدخل في الكلام ولا يمكن حصره # ومن تأمل جميع ما أوردنا من آفات اللسان علم أنه إذا أطلق لسانه لم يسلم ~~وعند ذلك يعرف سر قوله صلى الله عليه وسلم من صمت نجا (7) # لأن هذه الآفات كلها مهالك ومعاطب وهي على طريق المتكلم فإن سكت سلم من ~~الكل وإن نطق وتكلم خاطر بنفسه إلا أن يوافقه لسان فصيح وعلم غزير وورع ~~حافظ ومراقبة لازمة ويقلل من الكلام فعساه يسلم عند ذلك وهو مع جميع ذلك لا ~~ينفك عن الخطر فإن كنت لا تقدر على أن تكون ممن تكلم فغنم فكن ممن سكت فسلم ~~فالسلامة إحدى الغنيمتين ### ||| الآفة العشرون # سؤال العوام عن صفات الله تعالى وعن كلامه وعن الحروف وأنها قديمة أو ~~محدثة ومن حقهم الاشتغال بالعمل بما في القرآن إلا أن ذلك ثقيل على النفوس ~~والفضول خفيف على القلب والعامي يفرح ms1437 بالخوض في العلم إذ الشيطان يخيل إليه ~~أنك من العلماء وأهل الفضل ولا يزال يحبب إليه ذلك حتى يتكلم في العلم بما ~~هو كفر وهو PageV03P162 # لا يدري وكل كبيرة يرتكبها العامي فهي أسلم له من أن يتكلم في العلم لا ~~سيما فيما يتعلق بالله وصفاته وإنما شأن العوام الاشتغال بالعبادات ~~والإيمان بما ورد به القرآن والتسليم لما جاء به الرسل من غير بحث وسؤالهم ~~عن غير ما يتعلق بالعبادات وسوء أدب منهم يستحقون به المقت من الله عز وجل ~~ويتعرضون لخطر الكفر وهو كسؤال ساسة الدواب عن أسرار الملوك وهو موجب ~~للعقوبة وكل من سأل عن علم غامض ولم يبلغ فهمه تلك الدرجة فهو مذموم فإنه ~~بالإضافة إليه عامي ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ذروني ما تركتكم فإنما ~~هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ما نهيتكم عنه ~~فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم (1) # وقال أنس سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فأكثروا عليه ~~وأغضبوه فصعد المنبر وقال سلوني لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به فقام ~~إليه رجل فقال يا رسول الله من أبي فقال أبوك حذافة فقام إليه شابان أخوان ~~فقالا يا رسول الله من أبونا فقال أبوكما الذي تدعيان إليه ثم قام إليه رجل ~~آخر فقال يا رسول الله أفي الجنة أنا أم في النار فقال لا بل في النار فلما ~~رأى الناس غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسكوا فقام إليه عمر رضي الله ~~عنه فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ~~فقال اجلس يا عمر رحمك الله إنك ما علمت لموفق (2) # وفي الحديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القيل والقال وإضاعة ~~المال وكثرة السؤال (3) حديث يوشك الناس يتساءلون بينهم حتى يقولوا قد خلق ~~الله الخلق الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة وقد تقدم (4) حديث جابر ما ~~نزلت آية التلاعن إلا لكثرة السؤال رواه البزار بإسناد جيد // # وفي ms1438 قصة موسى والخضر عليهما السلام تنبيه على المنع من السؤال قبل أوان ~~استحقاقه إذ قال {فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} ~~فلما سأل عن السفينة أنكر عليه حتى اعتذر وقال {لا تؤاخذني بما نسيت ولا ~~ترهقني من أمري عسرا} فلم يصبر حتى سأل ثلاثا قال {هذا فراق بيني وبينك} ~~وفارقه # فسؤال العوام عن غوامض الدين من أعظم الآفات وهو من المثيرات للفتن فيجب ~~قمعهم ومنعهم من ذلك وخوضهم في حروف القرآن يضاهي حال من كتب الملك إليه ~~كتابا ورسم له فيه أمورا فلم يشتغل بشيء منها وضيع زمانه في أن قرطاس ~~الكتاب عتيق أم حديث فاستحق بذلك العقوبة لا محالة فكذلك تضييع العامي حدود ~~القرآن واشتغاله بحروفه أهي قديمة أم حديثة وكذلك سائر صفات الله سبحانه ~~وتعالى والله تعالى أعلم PageV03P163 ### || كتاب ذم الغضب والحقد والحسد وهو الكتاب الخامس من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي له يتكل على عفوه ورحمته إلا ~~الراجون ولا يحذر سوء غضبه وسطوته إلا الخائفون الذي استدرج عباده من حديث ~~لا يعلمون وسلط عليهم الشهوات وأمرهم بترك ما يشتهون وابتلاهم بالغضب ~~وكلفهم كظم الغيظ فيما يغضبون ثم حفهم بالمكاره واللذات وأملى لهم لينظر ~~كيف يعملون وامتحن بهم حبهم ليعلم صدقهم فيما يدعون وعرفهم أنه لا يخفى ~~عليه شيء مما يسرون وما يعلنون وحذرهم أن يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون فقال ~~{ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى ~~أهلهم يرجعون} والصلاة والسلام على محمد رسوله الذي يسير تحت لوائه النبيون ~~وعلى آله وأصحابه الأئمة المهديين والسادة المرضيين صلاة يوازي عددها عدد ~~ما كان من خلق الله وما سيكون ويحظى ببركتها الأولون والآخرون وسلم تسليما ~~كثيرا # أما بعد فإن الغضب شعلة نار اقتبست من نار الله الموقدة التي تطلع على ~~الأفئدة وإنها لمستكنة في طي الفؤاد استكنان الجمر تحت الرماد ويستخرجه ~~الكبر الدفين في قلب كل جبار عنيد كاستخراج ms1439 الحجر النار من الحديد وقد ~~انكشف للناظرين بنور اليقين أن الإنسان ينزع منه عرق إلى الشيطان اللعين ~~فمن استفزته نار الغضب فقد قويت فيه قرابة الشيطان حيث قال {خلقتني من نار ~~وخلقته من طين} فإن شأن الطين السكون والوقار وشأن النار التلظي والاستعار ~~والحركة والاضطراب ومن نتائج الغضب الحقد والحسد وبهما هلك من هلك وفسد من ~~فسد ومفيضهما مضغة إذا صلحت صلح معها سائر الجسد وإذا كان الحقد والحسد ~~والغضب مما يسوق العبد إلى مواطن العطب فما أحوجه إلى معرفة معاطبه ومساويه ~~ليحذر ذلك ويتقيه ويميطه عن القلب إن كان وينفيه ويعالجه إن رسخ في قلبه ~~ويداويه فإن من لا يعرف الشر يقع فيه ومن عرفه فالمعرفة لا تكفيه ما لم ~~يعرف الطريق الذي به يدفع الشر ويقصيه # ونحن نذكر ذم الغضب وآفات الحقد والحسد في هذا الكتاب ويجمعها ### ||| بيان ذم الغضب # ثم بيان حقيقة الغضب ثم بيان أن الغضب هل يمكن إزالة أصله بالرياضة أم لا ~~ثم بيان الأسباب المهيجة للغضب ثم بيان علاج الغضب بعد هيجانه ثم بيان ~~فضيلة كظم الغيظ ثم بيان فضيلة الحلم ثم بيان القدر الذي يجوز الانتصار ~~والتشفي به من الكلام ثم القول في معنى الحقد ونتائجه وفضيلة العفو والرفق ~~ثم القول في ذم الحسد وفي حقيقته وأسبابه ومعالجته وغاية الواجب في إزالته ~~ثم بيان السبب في كثرة الحسد بين الأمثال والأقران والأخوة وبني العم ~~والأقارب وتأكده وقلته في غيرهم وضعفه ثم بيان الدواء الذي به ينفى مرض ~~الحسد عن القلب ثم بيان القدر الواجب في نفي الحسد عن القلب وبالله التوفيق ~~بيان ذم الغضب # قال الله تعالى {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ~~فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى} PageV03P164 # {المؤمنين} الآية ذم الكفار بما تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب ~~بالباطل ومدح المؤمنين بما أنزل الله عليهم من السكينة وروى أبو هريرة أن ~~رجلا قال يا رسول الله مرني بعمل وأقلل قال لا تغضب ثم أعاد عليه فقال لا ms1440 ~~تغضب (1) # وقال ابن عمر قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قل لي قولا وأقلله لعلي ~~أعقله فقال لا تغضب فأعدت عليه مرتين كل ذلك يرجع إلى لا تغضب (2) # وعن عبد الله بن عمرو أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا ينقذني ~~من غضب الله قال لا تغضب (3) # وقال ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم ما تعدون الصرعة فيكم قلنا ~~الذي لا تصرعه الرجال قال ليس ذلك ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب (4) # وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس الشديد بالصرعة وإنما ~~الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب (5) # وقال ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم من كف غضبه ستر الله عورته ~~(6) # وقال سليمان ابن داود عليهما السلام يا بني إياك وكثرة الغضب فإن كثرة ~~الغضب تستخف فؤاد الرجل الحليم وعن عكرمة في قوله تعالى {وسيدا وحصورا} قال ~~السيد الذي لا يغلبه الغضب وقال أبو الدرداء قلت يا رسول الله دلني على عمل ~~يدخلني الجنة قال لا تغضب (7) # وقال يحيى لعيسى عليهما السلام لا تغضب قال لا أستطيع أن لا أغضب إنما ~~أنا بشر قال لا تقتن مالا قال هذا عسى # وقال صلى الله عليه وسلم الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل (8) # وقال صلى الله عليه وسلم ما غضب أحد إلا أشفى على جهنم (9) # وقال له رجل أي شيء أشد على الله قال {غضب الله} قال فما يبعدني عن غضب ~~الله قال لا تغضب (10) # الآثار قال الحسن يا ابن آدم كلما غضبت وثبت ويوشك أن تثب وثبة فتقع في ~~النار وعن ذي القرنين أنه لقي ملكا من الملائكة فقال علمني علما أزداد به ~~إيمانا ويقينا قال لا تغضب فإن الشيطان أقدر ما يكون على ابن آدم حين يغضب ~~فرد الغضب بالكظم وسكنه بالتؤدة وإياك والعجلة فإنك إذا عجلت أخطأت حظك وكن ~~سهلا لينا للقريب والبعيد ولا تكن جبارا عنيدا وعن وهب بن منبه إن راهبا ~~كان في صومعته فأراد الشيطان ms1441 أن يضله فلم يستطع فجاءه حتى ناداه فقال له ~~افتح فلم يجبه فقال افتح فإني إن ذهبت ندمت فلم يلتفت إليه فقال إني أنا ~~المسيح قال الراهب وإن كنت المسيح فما أصنع بك أليس قد أمرتنا بالعبادة ~~والاجتهاد ووعدتنا القيامة فلو جئتنا اليوم بغيره لم نقبله منك فقال إني ~~الشيطان وقد أردت أن أضلك فلم أستطع فجئتك لتسألني PageV03P165 # عما شئت فأخبرك فقال ما أريد أن أسألك عن شيء قال فولى مدبرا فقال الراهب ~~ألا تسمع قال بلى قال أخبرني أي أخلاق بني آدم أعون لك عليهم فقال الحدة إن ~~الرجل إذا كان حديدا قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة # وقال خيثمة الشيطان يقول كيف يغلبني ابن آدم وإذا رضي جئت حتى أكون في ~~قلبه وإذا غضب طرت حتى أكون في رأسه وقال جعفر بن محمد الغضب مفتاح كل شر ~~وقال بعض الأنصار رأس الحمق الحدة وقائده الغضب ومن رضي بالجهل استغنى عن ~~الحلم والحلم زين ومنفعة والجهل شين ومضرة والسكوت عن جواب الأحمق جوابه ~~وقال مجاهد قال إبليس ما أعجزني بنو آدم فلن يعجزوني في ثلاث إذا سكر أحدهم ~~أخذنا بخزامته فقدناه حيث شئنا وعمل لنا بما أحببنا وإذا غضب قال بما لا ~~يعلم وعمل بما يندم ونبخله بما في يديه ونمنيه بما لا يقدر عليه وقيل لحكيم ~~ما أملك فلانا لنفسه قال إذا لا تذله الشهوة ولا يصرعه الهوى ولا يغلبه ~~الغضب وقال بعضهم إياك والغضب فإنه يصيرك إلى ذلة الاعتذار وقيل اتقوا ~~الغضب فإنه يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل وقال عبد الله بن مسعود ~~انظروا إلى حلم الرجل عند غضبه وأمانته عند طمعه وما علمك بحلمه إذا لم ~~يغضب وما علمك بأمانته إذا لم يطمع وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله أن لا ~~تعاقب عند غضبك وإذا غضبت على رجل فأحبسه فإذا سكن غضبك فأخرجه فعاقبه على ~~قدر ذنبه ولا تجاوز به خمسة عشر سوطا # وقال علي بن زيد أغلظ رجل من قريش لعمر بن عبد العزيز ms1442 القول فأطرق عمر ~~زمانا طويلا ثم قال أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك اليوم ~~ما تناله مني غدا وقال بعضهم لابنه يا بني لا يثبت العقل عند الغضب كما لا ~~تثبت روح الحي في التنانير المسجورة فأقل الناس غضبا أعقلهم فإن كان للدنيا ~~كان دهاء ومكرا وإن كان للآخرة كان حلما وعلما فقد قيل الغضب عدو العقل ~~والغضب غول العقل # وكان عمر رضي الله عنه إذا خطب قال في خطبته أفلح منكم من حفظ من الطمع ~~والهوى والغضب وقال بعضهم من أطاع شهوته وغضبه قاداه إلى النار وقال الحسن ~~من علامات المسلم قوة في دين وحزم في لين وإيمان في يقين وعلم في حلم وكيس ~~في رفق وإعطاء في حق وقصد في غنى وتجمل في فاقة وإحسان في قدرة وتحمل في ~~رفاقة وصبر في شدة لا يغلبه الغضب ولا تجمح به الحمية ولا تغلبه شهوة ولا ~~تفضحه بطنة ولا يستخفه حرصه ولا تقصر به نيته فينصر المظلوم ويرحم الضعيف ~~ولا يبخل ولا يبذر ولا يسرف ولا يقتر يغفر إذا ظلم ويعفو عن الجاهل نفسه ~~منه في عناء والناس منه في رخاء # وقيل لعبد الله بن المبارك أجمل لنا حسن الخلق في كلمة # فقال اترك الغضب # وقال نبي من الأنبياء لمن تبعه من يتكفل لي أن لا يغضب فيكون معي في ~~درجتي ويكون بعدي خليفتي فقال شاب من القوم أنا ثم أعاد عليه فقال الشاب ~~أنا أوفي به فلما مات كان في منزلته بعده وهو ذو الكفل سمي به لأنه تكفل ~~بالغضب ووفى به # وقال وهب بن منبه للكفر أربعة أركان الغضب والشهوة والخرق والطمع ### ||| بيان حقيقة الغضب # اعلم أن الله تعالى لما خلق الحيوان معرضا للفساد والموتان بأسباب في ~~داخل بدنه وأسباب خارجة عنه أنعم عليه بما يحميه عن الفساد ويدفع عنه ~~الهلاك إلى أجل معلوم سماه في كتابه # أما السبب الداخلي فهو أنه ركبه من الحرارة والرطوبة وجعل بين الحرارة ~~والرطوبة عداوة ومضادة فلا تزال الحرارة تحلل ms1443 الرطوبة وتجففها وتبخرها حتى ~~تصير أجزاؤها بخارا يتصاعد منها فلو لم يصل بالرطوبة مدد من الغذاء يجبر ما ~~انحل وتبخر من أجزائها لفسد الحيوان فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان ~~وخلق في PageV03P166 # الحيوان شهوة تبعثه على تناول الغذاء كالموكل به في جبر ما انكسر وسد ما ~~انثلم ليكون ذلك حافظا له من الهلاك بهذا السبب # وأما الأسباب الخارجة التي يتعرض لها الإنسان فكالسيف والسنان وسائر ~~المهلكات التي يقصد بها فافتقر إلى قوة وحمية تثور من باطنه فتدفع المهلكات ~~عنه فخلق الله طبيعة الغضب من النار وغرزها في الإنسان وعجنها بطينته فمهما ~~صد عن غرض من أغراضه ومقصود من مقاصده اشتعلت نار الغضب وثارت ثورانا يغلي ~~به دم القلب وينتشر في العروق ويرتفع إلى أعالي البدن كما ترتفع النار وكما ~~يرتفع الماء الذي يغلي في القدر فلذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين ~~والبشرة لصفائها تحكي لون ما وراءها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما ~~فيها وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه فإن صدر ~~الغضب على من فوقه وكان معه يأس من الانتقام تولد منه انقباض الدم من ظاهر ~~الجلد إلى جوف القلب وصار حزنا ولذلك يصفر اللون وإن كان الغضب على نظير ~~يشك فيه تردد الدم بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر ويضطرب # وبالجملة فقوة الغضب محلها القلب ومعناها غليان دم القلب بطلب الانتقام ~~وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها وإلى ~~التشفي والانتقام بعد وقوعها والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها وفيه لذتها ~~ولا تسكن إلا به ثم إن الناس في هذه القوة على درجات ثلاث في أول الفطرة من ~~التفريط والإفراط والاعتدال # أما التفريط فبفقد هذه القوة أو ضعفها وذلك مذموم وهو الذي يقال فيه إنه ~~لا حمية له ولذلك قال الشافعي رحمه الله من استغضب فلم يغضب فهو حمار فمن ~~فقد قوة الغضب والحمية أصلا فهو ناقص جدا وقد وصف الله سبحانه أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم ms1444 بالشدة والحمية فقال {أشداء على الكفار رحماء بينهم} ~~وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} الآية ~~وإنما الغلظة والشدة من آثار قوة الحمية وهو الغضب # وأما الإفراط فهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين ~~وطاعته ولا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وفكرة ولا اختيار بل يصير في صورة ~~المضطر # وسبب غلبته أمور غريزية وأمور اعتيادية فرب إنسان هو بالفطرة مستعد لسرعة ~~الغضب حتى كأن صورته في الفطرة صورة غضبان ويعين على ذلك حرارة مزاج القلب ~~لأن الغضب من النار (1) # كما قال صلى الله عليه وسلم وإنما برودة المزاج تطفئه وتكسر سورته # وأما الأسباب الاعتيادية فهو أن يخالط قوما يتبجحون بتشفي الغيظ وطاعة ~~الغضب ويسمون ذلك شجاعة ورجولية فيقول الواحد منهم أنا الذي لا أصبر على ~~المكر والمحال ولا أحتمل من أحد أمرا ومعناه لا عقل في ولا حلم ثم يذكره في ~~معرض الفخر بجهله فمن سمعه رسخ في نفسه حسن الغضب وحب التشبه بالقوم فيقوى ~~به الغضب ومهما اشتدت نار الغضب وقوى اضطرامها أعمت صاحبها وأصمته عن كل ~~موعظة فإذا وعظ لم يسمع بل زاده ذلك غضبا وإذا استضاء بنور عقله وراجع نفسه ~~لم يقدر إذ ينطفيء نور العقل وينمحي في الحال بدخان الغضب فإن معدن الفكر ~~الدماغ ويتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخان مظلم إلى الدماغ ~~يستولي على معادن الفكر وربما يتعدى إلى معادن الحس فتظلم عينه حتى لا يرى ~~بعينه وتسود عليه الدنيا بأسرها ويكون دماغه على مثال كهف اضطرمت فيه نار ~~فاسود جوه وحمى مستقره وامتلأ بالدخان جوانيه وكان فيه سراج ضعيف فانمحى أو ~~انطفأ نوره فلا تثبت فيه قدم ولا يسمع فيه كلام ولا ترى فيه صورة ولا يقدر ~~على إطفائه لا من داخل ولا من خارج بل ينبغي PageV03P167 # أن يصبر إلى أن يحترق جميع ما يقبل الاحتراق فكذلك يفعل الغضب بالقلب ~~والدماغ وربما تقوى نار الغضب فتفني الرطوبة التي بها حياة القلب فيموت ~~صاحبه ms1445 غيظا كما تقوى النار في الكهف فينشق وتنهد أعاليه على أسفله وذلك ~~لإبطال النار ما في جوانبه من القوة الممسكة الجامعة لأجزائه فهكذا حال ~~القلب عند الغضب وبالحقيقة فالسفينة في ملتطم الأمواج عند اضطراب الرياح في ~~لجة البحر أحسن حالا وأرجى سلامة من النفس المضطربة غيظا إذ في السفينة من ~~يحتال لتسكينها وتدبيرها وينظر لها ويسوسها وأما القلب فهو صاحب السفينة ~~وقد سقطت حيلته إذا أعماه الغضب وأصمه ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير ~~اللون وشدة الرعدة في الأطراف وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام واضطراب ~~الحركة والكلام حتى يظهر الزبد على الأشداق وتحمر الأحداق وتنقلب المناخر ~~وتستحيل الخلقة ولو رأى الغضبان في حالة غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من ~~قبح صورته واستحالة خلقته وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره فإن الظاهر عنوان ~~الباطن وإنما قبحت صورة الباطن أولا ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيا فتغير ~~الظاهر ثمرة تغير الباطن فقس الثمرة بالمثمرة فهذا أثره في الجسد وأما أثره ~~في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش من الكلام الذي يستحي منه ذو العقل ~~ويستحي منه قائله عند فتور الغضب وذلك مع تخبط النظم واضطراب اللفظ # أما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن ~~من غير مبالاة فإن هرب منه المغضوب عليه أو فاته بسبب وعجز عن التشفي رجع ~~الغضب على صاحبه فمزق ثوب نفسه ويلطم نفسه وقد يضرب بيده على الأرض ويعدو ~~عدو الواله السكران والمدهوش المتحير وربما يسقط سريعا لا يطيق العدو ~~والنهوض بسبب شدة الغضب ويعتر به مثل الغشية وربما يضرب الجمادات ~~والحيوانات فيضرب القصعة مثلا على الأرض وقد يكسر المائدة إذا غضب عليها ~~ويتعاطى أفعال المجانين فيشتم البهيمة والجمادات ويخاطبها ويقول إلى متى ~~منك هذا يا كيت وكيت كأنه يخاطب عاقلا حتى ربما رفسته دابة فيرفس الدابة ~~ويقابلها بذلك # وأما أثرة في القلب مع المغضوب عليه فالحقد والحسد وإضمار السوء والشماتة ~~بالمساءات والحزن بالسرور والعزم على إفشاء السر وهتك الستر والاستهزاء ~~وغير ذلك من القبائح ms1446 فهذه ثمرة الغضب المفرط # وأما ثمرة الحمية الضعيفة فقلة الأنفة مما يؤنف منه من التعرض للحرم ~~والزوجة والأمة واحتمال الذل من الأخساء وصغر النفس والقماءة وهو أيضا ~~مذموم إذ من ثمراته عدم الغيرة على الحرام وهو خنوثة قال صلى الله عليه ~~وسلم إن سعدا لغيور وأنا أغير من سعد وأن الله أغير مني (1) # وإنما خلقت الغيرة لحفظ الأنساب ولو تسامح الناس بذلك لاختلطت الأنساب ~~ولذلك قيل كل أمة وضعت الغيرة في رجالها وضعت الصيانة في نسائها ومن ضعف ~~الغضب الخور والسكوت عند مشاهدة المنكرات وقد قال صلى الله عليه وسلم خير ~~أمتي أحداؤها (2) # يعني في الدين وقال تعالى {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} بل من فقد ~~الغضب عجز عن رياضة نفسه إذ لا تتم الرياضة إلا بتسليط الغضب على الشهوة ~~حتى يغضب على نفسه عند الميل إلى الشهوات الخسيسة ففقد الغضب مذموم وإنما ~~المحمود غضب ينتظر إشارة العقل والدين فينبعث حيث تجب الحمية وينطفيء حيث ~~يحسن الحلم وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله بها عباده ~~وهو الوسط الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV03P168 # حيث قال خير الأمور أوساطها (1) # فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة وخسة النفس في ~~احتمال الذل والضيم في غير محله فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه ومن ~~مال غضبه إلى الإفراط حتى جره إلى التهور واقتحام الفواحش فينبغي أن يعالج ~~نفسه لينقص من سورة الغضب ويقف على الوسط الحق بين الطرفين فهو الصراط ~~المستقيم وهو أرق من الشعرة وأحد من السيف فأن عجز عنه فليطلب القرب منه ~~قال تعالى {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل ~~الميل فتذروها كالمعلقة} فليس كل من عجز عن الإتيان بالخير كله ينبغي أن ~~يأتي بالشر كله ولكن بعض الشر أهون من بعض وبعض الخير أرفع من بعض فهذه ~~حقيقة الغضب ودرجاته نسأله الله حسن التوفيق لما يرضيه إنه على ما يشاء ~~قدير ### ||| بيان الغضب ms1447 هل يمكن إزالة أصله بالرياضة أم لا # اعلم أنه ظن ظانون أنه يتصور محو الغضب بالكلية وزعموا أن الرياضة إليه ~~تتوجه وإياه تقصد وظن آخرون أنه أصل لا يقبل العلاج وهذا رأي من يظن أن ~~الخلق كالخلق وكلاهما لا يقبل التغيير وكلا الرأيين ضعيف بل الحق فيه ما ~~نذكره وهو أنه ما بقي الإنسان يحب شيئا ويكره شيئا فلا يخلو من الغيظ ~~والغضب وما دام يوافقه شيء ويخالفه آخر فلا بد من أن يحب ما يوافقه ويكره ~~ما يخالفه # والغضب يتبع ذلك فإنه مهما أخذ منه محبوبه غضب لا محالة وإذا قصد بمكروه ~~غضب لا محالة # إلا أن ما يحبه الإنسان ينقسم إلى ثلاثة أقسام # الأول ما هو ضرورة في حق الكافة كالقوت والمسكن والملبس وصحة البدن فمن ~~قصد بدنه بالضرب والجرح فلا بد وأن يغضب وكذلك إذا أخذ منه ثوبه الذي يستر ~~عورته وكذلك إذا أخرج من داره التي هي مسكنه أو أريق ماؤه الذي لعطشه فهذه ~~ضرورات لا يخلو الإنسان من كراهة زوالها ومن غيظ على من يتعرض لها # القسم الثاني ما ليس ضروريا لأحد من الخلق كالجاه والمال الكثير والغلمان ~~والدواب فإن هذه الأمور صارت محبوبة بالعادة والجهل بمقاصد الأمور حتى صار ~~الذهب والفضة محبوبين في أنفسهما فيكنزان ويغضب على من يسرقهما وإن كان ~~مستغنيا عنهما في القوت فهذا الجنس مما يتصور أن ينفك الإنسان عن أصل الغيظ ~~عليه فإذا كانت له دار زائدة على مسكنه فهدمه ظالم فيجوز أن لا يغضب إذ ~~يجوز أن يكون بصيرا بأمر الدنيا فيزهد في الزيادة على الحاجة فلا يغضب ~~بأخذها فإنه لا يحب وجودها ولو أحب وجودها لغضب على الضرورة بأخذها وأكثر ~~غضب الناس على ما هو غير ضروري كالجاه والصيت والتصدر في المجالس والمباهاة ~~في العلم فمن غلب هذا الحب عليه فلا محالة يغضب إذا زاحمه مزاحم على التصدر ~~في المحافل ومن لا يحب ذلك فلا يبالي ولو جلس في صف النعال فلا يغضب إذا ~~جلس غيره فوقه وهذه ms1448 العادات الرديئة هي التي أكثرت محاب الإنسان ومكارهه ~~فأكثرت غضبه وكلما كانت الإرادات والشهوات أكثر كان صاحبها أحط رتبة وأنقص ~~لأن الحاجة صفة نقص فمهما كثرة كثر النقص والجاهل أبدا جهده في أن يزيد في ~~حاجاته وفي شهواته وهو لا يدري أنه مستكثر من أسباب الغم والحزم حتى ينتى ~~بعض الجهال بالعادات الرديئة ومخالطة قرناء السوء إلى أن يغضب لو قيل له ~~إنك لا تحسن اللعب بالطيور واللعب بالشطرنج ولا تقدر على شرب الخمر الكثير ~~وتناول الطعام الكثير وما يجري مجراه من الرذائل فالغضب على هذا الجنس ليس ~~بضروري لأن حبه ليس بضروري PageV03P169 # القسم الثالث ما يكون ضروريا في حق بعض الناس دون البعض كالكتاب مثلا في ~~حق العالم لأنه مضطر إليه فيحبه فيغضب على من يحرقه ويغرقه وكذلك أدوات ~~الصناعات في حق المكتسب الذي لا يمكنه التوصل إلى القوت إلا بها فإنما هو ~~وسيلة إلى الضروري والمحبوب يصير ضروريا ومحبوبا وهذا يختلف بالأشخاص وإنما ~~الحب الضروري ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله من أصبح ~~آمنا في سربه معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ~~(1) # ومن كان بصيرا بحقائق الأمور وسلم له هذه الثلاثة يتصور أن لا يغضب في ~~غيرها فهذه ثلاثة أقسام فلنذكر غاية الرياضة في كل واحد منها # أما القسم الأول فليست الرياضة فيها لينعدم غيظ القلب ولكن لكي يقدر على ~~أن لا يطيع الغضب ولا يستعمله في الظاهر إلا على حد يستحبه الشرع ويستحسنه ~~العقل وذلك ممكن بالمجاهدة وتكلف الحلم والاحتمال مدة حتى يصير الحلم ~~والاحتمال خلقا راسخا فأما قمع أصل الغيظ من القلب فذلك ليس مقتضى الطبع ~~وهو غير ممكن نعم يمكن كسر سورته وتضعيفه حتى لا يشتد هيجان الغيظ في ~~الباطن وينتهي ضعفه إلى أن لا يظهر أثره في الوجه ولكن ذلك شديد جدا وهذا ~~حكم القسم الثالث أيضا لأن ما صار ضروريا في حق شخص فلا يمنعه من الغيظ ~~استغناء غيره عنه فالرياضة فيه تمنع العمل ms1449 به وتضعف هيجانه في الباطن حتى ~~لا يشتد التألم بالصبر عليه # وأما القسم الثاني فيمكن التوصل بالرياضة إلى الانفكاك عن الغضب عليه إذ ~~يمكن إخراج حبه من القلب وذلك بأن يعلم الإنسان أن وطنه القبر مستقره ~~الآخرة وأن الدنيا معبر يعبر عليها ويتزود منها قدر الضرورة وما وراء ذلك ~~عليه وبال في وطنه ومستقره فيزهد في الدنيا ويمحو حبها عن قلبه ولو كان ~~للإنسان كلب لا يحبه لا يغضب إذا ضربه غيره فالغضب تبع للحب فالرياضة في ~~هذا تنتهي إلى قمع أصل الغضب وهو نادر جدا وقد تنتهي إلى المنع من استعمال ~~الغضب والعمل بموجبه وهو أهون # فإن قلت الضروري من القسم الأول التألم بفوات المحتاج إليه دون الغضب فمن ~~له شاة مثلا وهي قوته فماتت لا يغضب على أحد وإن كان يحصل فيه كراهة وليس ~~من ضرورة كل كراهة غضب فإن الإنسان يتألم بالفصد والحجامة ولا يغضب على ~~الفصاد والحجام فمن غلب عليه التوحيد حتى يرى الأشياء كلها بيد الله ومنه ~~فلا يغضب على أحد من خلقه إذ يراهم مسخرين في قبضة قدرته كالقلم في يد ~~الكاتب ومن وقع ملك بضرب رقبته لم يغضب على القلم فلا يغضب على من يذبح ~~شاته التي هي قوته كما لا يغضب على موتها إذ يرى الذبح والموت من الله عز ~~وجل فيندفع الغضب بغلبة التوحيد ويندفع أيضا بحسن الظن بالله وهو أن يرى أن ~~الكل من الله تعالى وإن الله لا يقدر له إلا ما فيه الخيرة وربما تكون ~~الخيرة في مرضه وجوعه وجرحه وقتله فلا يغضب كما لا يغضب على الفصاد والحجام ~~لأنه يرى أن الخيرة فيه فيقول هذا على هذا الوجه غير محال ولكن غلبة ~~التوحيد إلى هذا الحد إنما تكون كالبرق الخاطف تغلب في أحوال مختلفة ولا ~~تدوم ويرجع القلب إلى الالتفات إلى الوسائط رجوعا طبيعيا لا يندفع عنه ولو ~~تصور ذلك على الدوام لبشر لتصور لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان ~~يغضب حتى تحمر وجنتاه // حديث ms1450 كان صلى الله عليه وسلم يغضب حتى تحمر وجنتاه ~~أخرجه مسلم من حديث جابر كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه ~~وللحاكم كان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه واشتد غضبه وقد تقدم في أخلاق ~~النبوة # حتى قال اللهم أنا بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما مسلم سببته PageV03P170 # أو لعنته أو ضربته فاجعلها مني صلاة عليه وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم ~~القيامة (1) # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص يا رسول الله أكتب عنك كل ما قلت في ~~الغضب والرضا فقال اكتب فوالذي بعثني بالحق نبيا ما يخرج منه إلا حق وأشار ~~إلى لسانه (2) # فلم يقل إني لا أغضب ولكن قال إن الغضب لا يخرجني عن الحق أي لا أعمل ~~بموجب الغضب وغضبت عائشة رضي الله تعالى عنها مرة فقال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مالك جاءك شيطانك فقالت ومالك شيطان قال بلى ولكني دعوت ~~الله فأعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بالخير (3) # ولم يقل لا شيطان لي وأراد شيطان الغضب لكن قال لا يحملني على الشر وقال ~~علي رضي الله تعالى عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغضب للدنيا ~~فإذا أغضبه الحق لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له (4) # فكان يغضب على الحق وإن كان غضبه لله فهو التفات إلى الوسائط على الجملة ~~بل كل من يغضب على من يأخذ ضرورة قوته وحاجته التي لا بد له في دينه منها ~~فإنما غضب لله فلا يمكن الانفكاك عنه نعم قد يفقد أصل الغضب فيما هو ضروري ~~إذا كان القلب مشغولا بضروري أهم منه فلا يكون في القلب متسع للغضب ~~لاشتغاله بغيره فإن استغراق القلب ببعض المهمات يمنع الإحساس بما عداه # وهذا كما أن سلمان لما شتم قال إن خفت موازيني فأنا شر مما تقول وإن ثقلت ~~موازيني لم يضرني ما تقول فقد كان همه مصروفا إلى الآخرة فلم يتأثر قلبه ~~بالشتم وكذلك شتم الربيع بن خثيم فقال يا هذا قد ms1451 سمع الله كلامك وإن دون ~~الجنة عقبة إن قطعتها لم يضرني ما تقول وإن لم أقطعها فأنا شر مما تقول وسب ~~رجل أبا بكر رضي الله عنه فقال ما ستر الله عنك أكثر فكأنه كان مشغولا ~~بالنظر في تقصير نفسه عن أن يتقي الله حق تقاته ويعرفه حق معرفته فلم يغضبه ~~نسبة غيره إياه إلى نقصان إذ كان ينظر إلى نفسه بعين النقصان وذلك لجلالة ~~قدره # وقالت امرأة لمالك بن دينار يا مرائي فقال ما عرفني غيرك فكأنه كان ~~مشغولا بأن ينفي عن نفسه آفة الرياء ومنكرا على نفسه ما يلقيه الشيطان إليه ~~فلم يغضب لما نسب إليه وسب رجل الشعبي فقال إن كنت صادقا فغفر الله لي وإن ~~كنت كاذبا فغفر الله لك # فهذه الأقاويل دالة في الظاهر على أنهم لم يغضبوا لاشتغال قلوبهم بمهمات ~~دينهم ويحتمل أن يكون ذلك قد أثر في قلوبهم ولكنهم لم يشتغلوا به واشتغلوا ~~بما كان هو الأغلب على قلوبهم فإذا اشتغال القلب ببعض المهمات لا يبعد أن ~~يمنع هيجان الغضب عند فوات بعض المحاب فإذا يتصور فقد الغيظ إما باشتغال ~~القلب بمهم أو بغلبة نظر التوحيد أو بسبب ثالث وهو أن يعلم أن الله يحب منه ~~أن لا يغتاظ فيطفئ شدة حبه لله غيظه وذلك غير محال في أحوال نادرة وقد عرفت ~~بهذا أن الطريق للخلاص من نار الغضب محو حب الدنيا عن القلب وذلك بمعرفة ~~آفات الدنيا وغوائلها كما سيأتي في كتاب ذم الدنيا ومن أخرج حب المزايا عن ~~القلب تخلص من أكثر PageV03P171 # أسباب الغضب وما لا يمكن محوه يمكن كسره وتضعيفه فيضعف الغضب بسببه ويهون ~~دفعه نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه أنه على كل شيء قدير والحمد لله ~~وحده ### ||| بيان الأسباب المهيجة للغضب # قد عرفت أن علاج كل علة حسم مادتها وإزالة أسبابها فلا بد من معرفة أسباب ~~الغضب وقد قال يحيى لعيسى عليهما السلام أي شيء أشد قال غضب الله قال فما ~~يقرب من غضب الله قال أن تغضب ms1452 قال فما بيدي الغضب وما ينبته قال عيسى الكبر ~~والفخر والتعزز والحمية # والأسباب المهيجة للغضب هي الزهو والعجب والمزاح والهزل والهزء والتعيير ~~والمماراة والمضادة والغدر وشدة الحرص على فضول المال والجاه وهي بأجمعها ~~أخلاق رديئة مذمومة شرعا ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب فلا بد من ~~إزالة هذه الأسباب بأضدادها # فينبغي أن تميت الزهو بالتواضع وتميت العجب بمعرفتك بنفسك كما سيأتي ~~بيانه في كتاب الكبر والعجب وتزيل الفخر بأنك من جنس عبدك إذ الناس يجمعهم ~~في الانتساب أب واحد وإنما اختلفوا في الفضل أشتاتا فبنو آدم جنس واحد ~~وإنما الفخر بالفضائل والفخر والعجب والكبر أكبر الرذائل وهي أصلها ورأسها ~~فإذا لم تخل عنها فلا فضل لك على غيرك فلم تفتخر وأنت من جنس عبدك من حيث ~~البنية والنسب والأعضاء الظاهرة والباطنة وأما المزاح فتزيله بالتشاغل ~~بالمهمات الدينية التي تستوعب العمر وتفضل عنه إذا عرفت ذلك وأما الهزل ~~فتزيله بالجد في طلب الفضائل والأخلاق الحسنة والعلوم الدينية التي تبلغك ~~إلى سعادة الآخرة وأما الهزء فتزيله بالتكرم عن إيذاء الناس وبصيانة النفس ~~عن أن يستهزأ بك وأما التعيير فالحذر عن القول القبيح وصيانة النفس عن مر ~~الجواب وأما شدة الحرص على مزايا العيش فتزال بالقناعة بقدر الضرورة طلبا ~~لعز الاستغناء وترفعا عن ذل الحاجة # وكل خلق من هذه الأخلاق وصفة من هذه الصفات يفتقر في علاجه إلى رياضة ~~وتحمل مشقة وحاصل رياضتها يرجع إلى معرفة غوائلها لترغب النفس عنها وتنفر ~~عن قبحها ثم المواظبة على مباشرة أضدادها مدة مديدة حتى تصير بالعادة ~~مألوفة هينة على النفس فإذا انمحت عن النفس فقد زكت وتطهرت عن هذه الرذائل ~~وتخلصت أيضا عن الغضب الذي يتولد منها # ومن أشد البواعث على الغضب عند أكثر الجهال تسميتهم الغضب شجاعة ورجولية ~~وعزة نفس وكبر همة وتلقيبه بالألقاب المحمودة غباوة وجهلا حتى تميل النفس ~~إليه وتستحسنه وقد يتأكد ذلك بحكاية شدة الغضب عن الأكابر في معرض المدح ~~بالشجاعة والنفوس مائلة إلى التشبه بالأكابر فيهيج الغضب إلى القلب ms1453 بسببه ~~وتسمية هذا عزة نفس وشجاعة جهل بل هو مرض قلب ونقصان عقل وهو لضعف النفس ~~ونقصانها وآية أنه لضعف النفس أن المريض أسرع غضبا من الصحيح والمرأة أسرع ~~غضبا من الرجل والصبي أسرع غضبا من الرجل الكبير والشيخ الضعيف أسرع غضبا ~~من الكهل وذو الخلق السيء والرذائل القبيحة أسرع غضبا من صاحب الفضائل # فالرذل يغضب لشهوته إذا فاتته اللقمة ولبخله إذا فاتته الحبة حتى أنه ~~يغضب على أهله وولده وأصحابه # بل القوي من يملك نفسه عند الغضب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب (1) بل ينبغي أن ~~يعالج هذا الجاهل بأن تتلي عليه PageV03P172 # حكايات أهل الحلم والعفو وما استحسن منهم من كظم الغيظ فإن ذلك منقول عن ~~الأنبياء والأولياء والحكماء والعلماء وأكابر الملوك الفضلاء وضد ذلك منقول ~~عن الأكراد والأتراك والجهلة والأغبياء الذين لا عقول لهم ولا فضل فيهم ### ||| بيان علاج الغضب بعد هيجانه # ما ذكرناه هو حسم لمواد الغضب وقطع لأسبابه حتى لا يهيج فإذا جرى سبب ~~هيجه فعنده يجب التثبت حتى لا يضطر صاحبه إلى العمل به على الوجه المذموم ~~وإنما يعالج الغضب عند هيجانه بمعجون العلم والعمل # أما العلم فهو ستة أمور # الأول أن يتفكر في الأخبار التي سنوردها في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم ~~والاحتمال فيرغب في ثوابه فتمنعه شدة الحرص على ثواب الكظم عن التشفي ~~والانتقام وينطفيء عنه غيظه قال مالك بن أوس ابن الحدثان غضب عمر على رجل ~~وأمر بضربه فقلت يا أمير المؤمنين {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين} فكان عمر يقول {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} فكان ~~يتأمل في الآية وكان وقافا عند كتاب الله مهما تلي عليه كثير التدبر فيه ~~فتدبر فيه وخلى الرجل # وأمر عمر بن عبد العزيز بضرب رجل ثم قرأ قوله تعالى {والكاظمين الغيظ} ~~فقال لغلامه خل عنه # الثاني أن يخوف نفسه بعقاب الله وهو أن يقول قدرة الله على أعظم من قدرتي ms1454 ~~على هذا الإنسان فلو أمضيت غضبي عليه لم آمن أن يمضي الله غضبه علي يوم ~~القيامة أحوج ما أكون إلى العفو فقد قال تعالى في بعض الكتب القديمة يا ابن ~~آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق وبعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وصيفا إلى حاجة فأبطأ عليه فلما جاء قال لولا القصاص ~~لأوجعتك (1) # أي القصاص في القيامة وقيل ما كان في بني إسرائيل ملك إلا ومعه حكيم إذا ~~غضب أعطاه صحيفة فيها ارحم المسكين واخش الموت واذكر الآخرة فكان يقرؤها ~~حتى يسكن غضبه # الثالث أن يحذر نفسه عاقبة العداوة والانتقام وتشمر العدو لمقابلته ~~والسعي في هدم أغراضه والشماتة بمصائبه وهو لا يخلو عن المصائب فيخوف نفسه ~~بعواقب الغضب في الدنيا إن كان لا يخاف من الآخرة وهذا يرجع إلى تسليط شهوة ~~على غضب وليس هذا من أعمال الآخرة ولا ثواب عليه لأنه متردد على حظوظه ~~العاجلة يقدم بعضها على بعض إلا أن يكون محذوره أن تتشوش عليه في الدنيا ~~فراغته للعلم والعمل وما يعينه على الآخرة فيكون مثابا عليه # الرابع أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب بأن يتذكر صورة غيره في حالة ~~الغضب ويتفكر في قبح الغضب في نفسه ومشابهة صاحبه للكلب الضاري والسبع ~~العادي ومشابهة الحليم الهادي التارك للغضب للأنبياء والأولياء والعلماء ~~والحكماء ويخير نفسه بين أن يتشبه بالكلاب والسباع وأراذل الناس وبين أن ~~يتشبه بالعلماء والأنبياء في عادتهم لتميل نفسه إلى حب الاقتداء بهؤلاء إن ~~كان قد بقي معه مسكة من عقل # الخامس أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام ويمنعه من كظم الغيظ ~~ولا بد وأن يكون له سبب مثل قول الشيطان له إن هذا يحمل منك على العجز وصغر ~~النفس والذلة والمهانة وتصير حقيرا في أعين الناس فيقول لنفسه ما أعجبك ~~تأنفين من الاحتمال الآن ولا تأنفين من خزي يوم القيامة والافتضاح إذا أخذ ~~هذا بيدك وانتقم PageV03P173 # منك وتحذرين من أن تصغري في أعين الناس ولا تحذرين من ms1455 أن تصغري عند الله ~~والملائكة والنبيين فمهما كظم الغيظ فينبغي أن يكظمه لله وذلك يعظمه عند ~~الله فما له وللناس وذل من ظلمه يوم القيامة أشد من ذله لو انتقم الآن أفلا ~~يحب أن يكون هو القائم إذا نودي يوم القيامة ليقم من أجره على الله فلا ~~يقوم إلا من عفا فهذا وأمثاله من معارف الإيمان ينبغي أن يكرره على قلبه # السادس أن يعلم أن غضبه من تعجبه من جريان الشيء على وفق مراد الله لا ~~على وفق مراده فكيف يقول مرادي أولى من مراد الله ويوشك أن يكون غضب الله ~~عليه أعظم من غضبه # وأما العمل فأن تقول بلسانك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن يقال عند الغيظ (1) حديث كان إذا غضبت عائشة ~~أخذ بأنفها وقال يا عويش قولي اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ ~~قلبي الحديث أخرجه ابن السني في اليوم والليلة من حديثها وتقدم في الأذكار ~~والدعوات # فيستحب أن تقول ذلك فإن لم يزل بذلك فاجلس إن كنت قائما واضجع إن كنت ~~جالسا واقرب من الأرض التي منها خلقت لتعرف بذلك ذل نفسك واطلب بالجلوس ~~والاضجاع السكون فإن سبب الغضب الحرارة وسبب الحرارة الحركة # فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الغضب جمرة توقد في القلب (2) # ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمره عينيه فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئا فإن ~~كان قائما فليجلس وإن كان جالسا فلينم فإن لم يزل ذلك فليتوضا بالماء ~~البارد أو يغتسل فإن النار لا يطفئها إلا الماء فقد قال صلى الله عليه وسلم ~~إذا غضب أحدكم فليتوضأ بالماء فإنما الغضب من النار (3) # وفي رواية إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ ~~النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ وقال ابن عباس قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وإذا غضبت فاسكت (4) # وقال أبو هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب وهو قائم جلس ms1456 ~~وإذا غضب وهو جالس اضطجع فيذهب غضبه (5) # وقال أبو سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم ألا إن الغضب جمرة في ~~قلب ابن آدم (6) # ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن وجد من ذلك شيئا فليلصق خده ~~بالأرض وكأن هذا إشارة إلى السجود وتمكين أعز الأعضاء من أذل المواضع وهو ~~التراب لتستشعر به النفس الذل وتزايل به العزة والزهو الذي هو سبب الغضب ~~وروي أن عمر غضب يوما فدعا بماء فاستنشق وقال إن الغضب من الشيطان وهذا ~~يذهب الغضب وقال عروة PageV03P174 # ابن محمد لما استعملت على اليمن قال لي أبي أوليت قلت نعم قال فإذا غضبت ~~فانظر إلى السماء فوقك وإلى الأرض تحتك ثم عظم خالقهما # وروي أن أبا ذر قال لرجل يا ابن الحمراء في خصومة بينهما فبلغ ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا ذر بلغني أنك اليوم عيرت أخاك بأمه ~~فقال نعم فانطلق أبو ذر ليرضي صاحبه فسبقه الرجل فسلم عليه فذكر ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا ذر ارفع رأسك فانظر ثم اعلم أنك لست ~~بأفضل من أحمر فيها ولا أسود إلا أن تفضله بعمل ثم قال إذا غضبت فإن كنت ~~قائما فاقعد وإن كنت قاعدا فاتكيء وإن كنت متكئا فاضطجع (1) # وقال المعتمر بن سليمان كان رجل ممن كان قبلكم يغضب فيشتد غضبه فكتب ~~صحائف وأعطى كل صحيفة رجلا وقال للأول إذا غضبت فأعطني هذه وقال للثاني إذا ~~سكن بعض غضبي فأعطني هذه وقال للثالث إذا ذهب غضبي فأعطني هذه فاشتد غضبه ~~يوما فأعطى الصحيفة الأولى فإذا فيها ما أنت وهذا الغضب إنك لست بإله إنما ~~أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضا فسكن بعض غضبه فأعطي الثانية فإذا فيها ~~ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء فأعطي الثالثة فإذا فيها خذ الناس بحق ~~الله فإنه لا يصلهم إلا ذلك أي لا تعطل الحدود وغضب المهدي على رجل فقال ~~شبيب لا تغضب لله بأشد من غضبه ms1457 لنفسه فقال خلوا سبيله ### ||| فضيلة كظم الغيظ # قال الله تعالى {والكاظمين الغيظ} وذكر ذلك في معرض المدح وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من كف غضبه كف الله عنه عذابه ومن اعتذر إلى ربه قبل ~~الله عذره ومن خزن لسانه ستر الله عورته (2) # وقال صلى الله عليه وسلم أشدكم من غلب نفسه عند الغضب وأحلمكم من عفا عند ~~القدرة (3) # وقال صلى الله عليه وسلم من كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه لأمضاه ملأ الله ~~قلبه يوم القيامة رضا وفي رواية ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا (4) # وقال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جرع عبد جرعة أعظم ~~أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله تعالى (5) # وقال ابن عباس رضي الله عنهما قال صلى الله عليه وسلم إن لجهنم بابا ~~PageV03P175 # لا يدخله إلا من شفى غيظه بمعصية الله تعالى (1) # وقال صلى الله عليه وسلم ما من جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعة غيظ ~~كظمها عبد وما كظمها عبد إلا ملأ الله قلبه إيمانا (2) # وقال صلى الله عليه وسلم من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله ~~على رءوس الخلائق ويخيره من أي الحور شاء (3) # الآثار قال عمر رضي الله عنه من اتقى الله لم يشف غيظه ومن خاف الله لم ~~يفعل ما يشاء ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون وقال لقمان لابنه يا بني ~~لا تذهب ماء وجهك بالمسألة ولا تشف غيظك بفضيحتك واعرف قدرك تنفعك معيشتك ~~وقال أيوب حلم ساعة يدفع شرا كثيرا # واجتمع سفيان الثوري وأبو خزيمة اليربوعي والفضيل بن عياض فتذاكروا الزهد ~~فأجمعوا على أن أفضل الأعمال الحلم عند الغضب والصبر عند الجزع # وقال رجل لعمر رضي الله عنه والله ما تقضي بالعدل ولا تعطي الجزل فغضب ~~عمر حتى عرف ذلك في وجهه فقال له رجل يا أمير المؤمنين ألا تسمع إلى الله ~~تعالى يقول {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} فهذا من الجاهلين ~~فقال عمر صدقت فكأنما ms1458 كانت نارا فأطفئت وقال محمد بن كعب ثلاث من كن فيه ~~استكمل الإيمان بالله إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل وإذا غضب لم يخرجه ~~غضبه عن الحق وإذا قدر لم يتناول ما ليس له وجاء رجل إلى سلمان فقال يا عبد ~~الله أوصني قال لا تغضب قال لا أقدر قال فإن غضبت فأمسك لسانك ويدك ### ||| بيان فضيلة الحلم # اعلم أن الحلم أفضل من كظم الغيظ لأن كظم الغيظ عبارة عن التحلم أي تكلف ~~الحلم ولا يحتاج إلى كظم الغيظ إلا من هاج غيظه ويحتاج فيه إلى مجاهدة ~~شديدة ولكن إذا تعود ذلك مدة صار ذلك اعتيادا فلا يهيج الغيظ وإن هاج فلا ~~يكون في كظمه تعب وهو الحلم الطبيعي وهو دلالة كمال العقل واستيلائه ~~وانكسار قوة الغضب وخضوعها للعقل ولكن ابتداؤه التحلم وكظم الغيظ تكلفا # قال صلى الله عليه وسلم إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتخير ~~الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقه (4) وأشار بهذا إلى أن اكتساب الحلم طريقه ~~التحلم أولا وتكلفه كما أن اكتساب العلم طريقه التعلم # وقال أبو هريرة # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلبوا العلم واطلبوا مع العلم السكينة ~~والحلم لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه ولا تكونوا من جبابرة العلماء ~~فيغلب جهلكم حلمكم (5) # وأشار بهذا إلى أن التكبر والتجبر هو الذي يهيج الغضب ويمنع من الحلم ~~واللين # وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم اللهم أغنني بالعلم وزيني بالحلم ~~وأكرمني بالتقوى وجملني بالعافية (6) # وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم {ابتغوا} PageV03P176 # الرفعة عند الله قالوا وما هي يا رسول الله قال تصل من قطعك وتعطي من ~~حرمك وتحلم عمن جهل عليك (1) # وقال صلى الله عليه وسلم خمس من سنن المرسلين الحياء والحلم والحجامة ~~والسواك والتعطر (2) حديث علي إن الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم ~~القائم الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف (3) حديث أبي هريرة أن ~~رجلا قال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي ms1459 ~~ويجهلون علي وأحلم عنهم الحديث رواه مسلم (4) حديث قال رجل من المسلمين ~~اللهم ليس عندي صدقة أتصدق بها فأيما رجل أصاب من عرضي شيئا فهو صدقة عليه ~~الحديث أخرجه أبو نعيم في الصحابة والبيهقي في الشعب من رواية عبد المجيد ~~بن أبي عبس بن جبر عن أبيه عن جده بإسناد لين زاد البيهقي عن علية بن زيد ~~وعلية هو الذي قال ذلك كما في أثناء الحديث وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب ~~أنه رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلا من ~~المسلمين ولم يسمه وقال أظنه أبا ضمضم قلت وليس بأبي ضمضم إنما هو علية بن ~~زيد وأبو ضمضم ليس له صحبة وإنما هو متقدم (5) حديث أيعجز أحدكم أن يكون ~~كأبي ضمضم الحديث تقدم في آفات اللسان (6) حديث أن ابن مسعود مر بلغو معرضا ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم أصبح ابن مسعود وأمسى كريما أخرجه ابن ~~المبارك في البر والصلة (7) حديث اللهم لا يدركني ولا أدركه زمان لا يتعبون ~~فيه العليم ولا يستحيون فيه من الحليم الحديث أخرجه أحمد من حديث سهل بن ~~سعد بسند ضعيف (8) حديث ليليني منكم أولو الأحلام والنهى الحديث أخرجه مسلم ~~من حديث ابن مسعود دون قوله ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم فهي عند أبي داود ~~والترمذي وحسنه وهي عند مسلم في حديث آخر لابن مسعود // # وروي أنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم الأشج فأناخ راحلته ثم عقلها ~~وطرح عنه ثوبين كانا عليه وأخرج من العيبة ثوبين حسنين فلبسهما وذلك بعين ~~رسول الله PageV03P177 # صلى الله عليه وسلم يرى ما يصنع ثم أقبل يمشي إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال عليه السلام إن فيك يا أشج خلقين يحبهما الله ورسوله قال ما ~~هما بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال الحلم والأناة فقال خلتان تخلقتهما أو ~~خلقان جبلت عليهما فقال بل خلقان جبلك الله عليهما فقال الحمد الله الذي ~~جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله ms1460 (1) # وقال صلى الله عليه وسلم إن الله يحب الحليم الحي الغني المتعفف أبا ~~العيال التقي ويبغض الفاحش البذي السائل الملحف الغبي (2) # وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث من لم تكن فيه واحدة ~~منهن فلا تعتدوا بشيء من عمله تقوى تحجزه عن معاصي الله عز وجل وحلم يكف به ~~السفيه وخلق يعيش به في الناس (3) # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة ~~نادى مناد أين أهل الفضل فيقوم ناس وهم يسير فينطلقون سراعا إلى الجنة ~~فتتلقاهم الملائكة فتقولون لهم إنا نراكم سراعا إلى الجنة فيقولون نحن أهل ~~الفضل فيقولون لهم ما كان فضلكم فيقولون كنا إذا ظلمنا صبرنا وإذا أسيء ~~إلينا عفونا وإذ جهل علينا حلمنا فيقال لهم ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين ~~// حديث إذا جمع الخلائق نادى مناد أين أهل الفضل فيقوم ناس الحديث وفيه ~~إذا جهل علينا حلمنا أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من رواية عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده قال البيهقي في إسناده ضعف # الآثار قال عمر رضي الله عنه تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم ~~وقال علي رضي الله عنه ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر ~~علمك ويعظم حلمك وأن لا تباهي الناس بعبادة الله وإذا أحسنت حمدت الله ~~تعالى وإذا أسأت استغفرت الله تعالى وقال الحسن اطلبوا العلم وزينوه ~~بالوقار والحلم وقال أكثم بن صيفي دعامة العقل الحلم وجماع الأمر الصبر ~~وقال أبو الدرداء أدركت الناس ورقا لا شوك فيه فأصبحوا شوكا لا ورق فيه إن ~~عرفتهم نقدوك وإن تركتهم لم يتركوك قالوا كيف نصنع قال تقرضهم عن عرضك ليوم ~~فقرك وقال علي رضي الله عنه أن أول ما عوض الحليم من حلمه أن الناس كلهم ~~أعوانه على الجاهل وقال معاوية رحمه الله تعالى لا يبلغ العبد مبلغ الرأي ~~حتى يغلب حلمه جهله وصبره شهوته ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم وقال معاوية ~~لعمرو بن الأهتم أي الرجال أشجع قال ms1461 من رد جهله بحلمه قال أي الرجال أسخى ~~قال من بذل دنياه لصلاح دينه وقال أنس بن مالك في قوله تعالى {فإذا الذي ~~بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} إلى قوله {عظيم} هو الرجل يشتمه أخوه ~~فيقول إن كنت كاذبا فغفر الله لك وإن كنت صادقا فغفر الله لي وقال بعضهم ~~شتمت فلانا من أهل البصرة فحلم علي فاستعبدني بها زمانا وقال معاوية لعرابة ~~بن أوس بم سدت قومك يا عرابة قال يا أمير المؤمنين كنت أحلم عن جاهلهم ~~وأعطي سائلهم وأسعى في حوائجهم فمن فعل فعلي فهو مثلي ومن جاوزني فهو أفضل ~~مني ومن قصر عني فأنا خير منه وسب رجل ابن عباس رضي الله عنهما فلما فرغ ~~قال يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها فنكس الرجل رأسه واستحى وقال رجل لعمر ~~بن عبد العزيز أشهد أنك من الفاسقين فقال ليس تقبل شهادتك وعن علي بن ~~الحسين بن علي رضي الله عنهم أنه سبه رجل فرمى إليه بخميصة كانت عليه وأمر ~~له بألف درهم فقال بعضهم جمع له خمس خصال محمودة الحلم وإسقاط الأذى وتخليص ~~الرجل مما يبعد من الله عز وجل وحمله على الندم والتوبة ورجوعه إلى مدح بعد ~~الذم اشترى جميع ذلك بشيء من الدنيا يسير وقال رجل لجعفر بن محمد ~~PageV03P178 # إنه قد وقع بيني وبين قوم منازعة في أمر وإني أريد أن أتركه فأخشى أن ~~يقال لي إن تركك له ذل فقال جعفر إنما الذليل الظالم وقال الخليل بن أحمد ~~كان يقال من أساء فأحسن إليه فقد جعل له حاجز من قلبه يردعه عن مثل إساءته ~~وقال الأحنف بن قيس لست بحليم ولكنني أتحلم وقال وهب بن منبه من يرحم يرحم ~~ومن يصمت يسلم ومن يجهل يغلب ومن يعجل يخطيء ومن يحرص على الشر لا يسلم ومن ~~لا يدع المراء يشتم ومن لا يكره الشر يأثم ومن يكره الشر يعصم ومن يتبع ~~وصية الله يحفظ ومن يحذر الله يأمن ومن يتول الله يمنع ومن لا يسأل ms1462 الله ~~يفتقر ومن يأمن مكر الله يخذل ومن يستعن بالله يظفر وقال رجل لمالك بن ~~دينار بلغني أنك ذكرتني بسوء قال أنت إذن أكرم علي من نفسي إني إذا فعلت ~~ذلك أهديت لك حسناتي وقال بعض العلماء الحلم أرفع من العقل لأن الله تعالى ~~تسمى به وقال رجل لبعض الحكماء والله لأسبنك سبا يدخل معك في قبرك فقال معك ~~يدخل لا معي ومر المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام بقوم من اليهود ~~فقالوا له شرا فقال لهم خيرا فقيل له إنهم يقولون شرا وأنت تقول خيرا فقال ~~كل ينفق مما عنده وقال لقمان ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاث لا يعرف الحليم ~~إلا عند الغضب ولا الشجاع إلا عند الحرب ولا الأخ إلى عند الحاجة إليه ودخل ~~على بعض الحكماء صديق له فقدم إليه طعاما فخرجت امرأة الحكيم وكانت سيئة ~~الخلق فرفعت المائدة وأقبلت على شتم الحكيم فخرج الصديق مغضبا فتبعه الحكيم ~~وقال له تذكر يوم كنا في منزلك نطعم فسقطت دجاجة على المائدة فأفسدت ما ~~عليها فلم يغضب أحد منا قال نعم قال فاحسب أن هذه مثل تلك الدجاجة فسرى عن ~~الرجل غضبه وانصرف وقال صدق الحكيم الحلم شفاء من كل ألم وضرب رجل قدم حكيم ~~فأوجعه فلم يغضب فقيل له في ذلك فقال أقمته مقام حجر تعثرت به فذبحت الغضب ~~وقال محمود الوراق # سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ... وإن كثرت منه علي الجرائم # وما الناس إلا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثلي مقاوم # فأما الذي فوقي فأعرف قدره ... وأتبع فيه الحق والحق لازم # وأما الذي دوني فإن قال صنت عن ... إجابته عرضي وإن لام لائم # وأما الذي مثل فإن زل أو هفا ... تفضلت إن الفضل بالحلم حاكم ### ||| بيان القدر الذي يجوز الانتصار والتشفي به من الكلام # اعلم أن كل ظلم صدر من شخص فلا يجوز مقابلته بمثله فلا تجوز مقابلة ~~الغيبة بالغيبة ولا مقابلة التجسس بالتجسس ولا السب بالسب وكذلك سائر ~~المعاصي وإنما القصاص والغرامة على قدر ms1463 ما ورد الشرع به وقد فصلناه في ~~الفقه وأما السب فلا يقال بمثله إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~امرؤ عيرك بما فيك فلا تعيره بما فيه (1) # وقال المستبان ما قالا فهو على الباديء ما لم يعتد المظلوم وقال المستبان ~~شيطانان يتهاتران (2) # وشتم رجل أبا بكر الصديق رضي الله عنه وهو ساكت فلما ابتدأ ينتصر منه قام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر إنك كنت ساكتا لما شتمني فلما ~~تكلمت قمت قال لأن الملك كان يجيب عنك فلما تكلمت ذهب الملك وجاء الشيطان ~~فلم أكن لأجلس في مجلس فيه الشيطان (3) # وقال قوم تجوز المقابلة بما لا كذب فيه وإنما نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم PageV03P179 # عن مقابلة التعيير بمثله نهي تنزيه والأفضل تركه ولكنه لا يعصى به والذي ~~يرخص فيه أن تقول من أنت وهل أنت إلا من بني فلان كما قال سعد لابن مسعود ~~وهل أنت إلا من بني هذيل وقال ابن مسعود وهل أنت إلا من بني أمية ومثل قوله ~~يا أحمق قال مطرف كل الناس أحمق فيما بينه وبين ربه إلا أن بعض الناس أقل ~~حماقة من بعض # وقال ابن عمر من حديث طويل حتى ترى الناس كلهم حمقى في ذات الله تعالى ~~(1) حديث عائشة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أرسلن فاطمة فقالت يا ~~رسول الله أرسلني أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة الحديث رواه مسلم ~~(2) حديث المستبان ما قالا فعلى البادي الحديث رواه مسلم وقد تقدم (3) حديث ~~المؤمن سريع الغضب سريع الرضي تقدم (4) حديث أبي سعيد الخدري ألا إن بني ~~آدم خلقوا على طبقات الحديث تقدم # ولما كان الغضب يهيج ويؤثر في كل إنسان وجب على السلطان أن لا يعاقب ~~PageV03P180 # أحدا في حال غضبه لأنه ربما يتعدى الواجب ولأنه ربما يكون متغيظا عليه ~~فيكون متشفيا لغبظه ومريحا نفسه من ألم الغيظ فيكون صاحبه حظ نفسه فينبغي ~~أن يكون انتقامه وانتصاره لله تعالى لا لنفسه ورأى عمر ms1464 رضي الله عنه سكران ~~فأراد أن يأخذه ويعزره فشتمه السكران فرجع عمر فقيل له يا أمير المؤمنين ~~لما شتمك تركته قال لأنه أغضبني ولو عزرته لكان ذلك لغضبي لنفسي ولم أحب أن ~~أضرب مسلما حمية لنفسي وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لرجل أغضبه لولا ~~أنك أغضبتني لعاقبتك ### ||| القول في معنى الحقد ونتائجه وفضيلة العفو والرفق # اعلم أن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن ~~واحتقن فيه فصار حقدا ومعنى الحقد أن يلزم قلبه استثقاله والبغضة له ~~والنفار عنه وأن يدوم ذلك ويبقى وقد قال صلى الله عليه وسلم المؤمن ليس ~~بحقود (1) فالحقد ثمرة الغضب والحقد يثمر ثمانية أمور الأول الحسد وهو أن ~~يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة عنه فتغثم بنعمة إن أصابها وتسر ~~بمصيبة إن نزلت به وهذا من فعل المنافقين وسيأتي ذمه إن شاء الله تعالى ~~الثاني أن تزيد على إضمار الحسد في الباطن فتشمت بما أصابه من البلاء ~~الثالث أن تهجره وتصارمه وتنقطع عنه وإن طلبك وأقبل عليك الرابع وهو دونه ~~أن تعرض عنه استصغارا له الخامس أن تتكلم فيه بما لا يحل من كذب وغيبة ~~وإفشاء سر وهتك ستر وغيره السادس أن تحاكيه استهزاء به وسخرية منه السابع ~~إيذاؤه بالضرب وما يؤلم بدنه الثامن أن تمنعه حقه من قضاء دين أو صلة رحم ~~أو رد مظلمة وكل ذلك حرام # وأقل درجات الحقد أن تحترز من الآفات الثمانية المذكورة ولا تخرج بسبب ~~الحقد إلى ما تعصي الله به ولكن تستثقله في الباطن ولا تنهي قلبك عن بغضه ~~حتى تمتنع عما كنت تطوع به من البشاشة والرفق والعناية والقيام بحاجاته ~~والمجالسة معه على ذكر الله تعالى والمعاونة على المنفعة له أو بترك الدعاء ~~له والثناء عليه أو التحريض على بره ومواساته فهذا كله مما ينقص درجتك في ~~الدين ويحول بينك وبين فضل عظيم وثواب جزيل وإن كان لا يعرضك لعقاب الله # ولما حلف أبو بكر رضي الله عنه أن لا ms1465 ينفق على مسطح وكان قريبه لكونه ~~تكلم في واقعة الإفك نزل قوله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم إلى قوله ~~ألا تحبون أن يغفر الله لكم فقال أبو بكر نعم نحب ذلك وعاد إلى الإنفاق ~~عليه (2) # والأولى أن يبقى على ما كان عليه فإن أمكنه أن يزيد في الإحسان مجاهدة في ~~للنفس وإرغاما للشيطان فذلك مقام الصديقين وهو من فضائل أعمال المقربين ~~فللمحقود ثلاثة أحوال عند القدرة أحدها أن يستوفي حقه الذي يستحقه من غير ~~زيادة أو نقصان وهو العدل الثاني أن يحسن إليه بالعفو والصلة وذلك هو الفضل ~~الثالث أن يظلمه بما لا يستحقه وذلك هو الجور وهو اختيار الأراذل والثاني ~~هو اختيار الصديقين والأول هو منتهى درجات الصالحين ولنذكر الآن فضيلة ~~العفو والإحسان PageV03P181 ### ||| فضيلة العفو والإحسان # اعلم أن معنى العفو أن يستحق حقا فيسقطه ويبري عنه من قصاص أو غرامة وهو ~~غير الحلم وكظم الغيظ فلذلك أفردناه قال الله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف ~~وأعرض عن الجاهلين وقال الله تعالى وأن تعفوا أقرب للتقوى وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثلاث والذي نفسي بيده لو كنت حلافا لحلفت عليهن ما نقص ~~مال من صدقة فتصدقوا ولا عفا رجل عن مظلمة يبتغي بها وجه الله إلا زاده ~~الله بها عزا يوم القيامة ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح الله ~~عليه باب فقر (1) حديث التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم ~~الله أخرجه الأصفهاني في الترغيب والترهيب وأبو منصور الديلمي في مسند ~~الفردوس من حديث أنس بسند ضعيف (2) حديث عائشة ما رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط الحديث أخرجه الترمذي في الشمائل وهو ~~عند مسلم بلفظ آخر وقد تقدم (3) حديث عقبة بن عامر يا عقبة ألا أخبرك بأفضل ~~أخلاق أهل الدنيا والآخرة تصل من قطعك الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا ~~والطبراني في مكارم الأخلاق والبيهقي في الشعب بإسناد ضعيف وقد تقدم (4) ~~حديث قال موسى يا رب أي عبادك أعز ms1466 عليك قال الذي إذا قدر عفا أخرجه ~~الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أبي هريرة وفيه ابن لهيعة (5) حديث إن ~~المظلومين هم المفلحون يوم القيامة وفي أوله قصة رواها ابن أبي الدنيا في ~~كتاب العفو من رواية أبي صالح الحنفي مرسلا (6) حديث أنس إذا بعث الله عز ~~وجل الخلائق يوم القيامة نادى مناد من تحت العرش ثلاثة أصوات يا معشر ~~الموحدين إن الله قد عفا عنكم فليعف بعضكم عن بعض أخرجه أبو سعيد أحمد بن ~~إبراهيم المقري في كتاب التبصرة والتذكرة بلفظ ينادي مناد من بطنان العرش ~~يوم القيامة يا أمة محمد إن الله تعالى يقول ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم ~~وبقيت التبعات فتواهبوها وادخلوا الجنة برحمتي وإسناده ضعيف ورواه الطبراني ~~في الأوسط بلفظ نادى مناد يا أهل الجمع تناكروا المظالم بينكم وثوابكم علي ~~وله من حديث أم هانيء ينادي مناد يا أهل التوحيد ليعف بعضكم عن بعض وعلي ~~الثواب // وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة طاف ~~بالبيت وصلى ركعتين ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب فقال ما تقولون وما ~~تظنون فقالوا نقول أخ وابن عم حليم رحيم قالوا ذلك ثلاثا فقال صلى الله ~~عليه وسلم أقول كما قال يوسف {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو ~~أرحم} PageV03P182 # {الراحمين} (1) قال فخرجوا كأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإسلام وعن ~~سهيل بن عمرو قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وضع يديه على ~~باب الكعبة والناس حوله فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ~~ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده {ثم قال} يا معشر قريش ما تقولون وما تظنون ~~قال قلت يا رسول الله نقول خيرا ونظن خيرا أخ كريم وابن عم رحيم وقد قدرت ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقول كما قال أخي يوسف {لا تثريب عليكم ~~اليوم يغفر الله لكم} (2) وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا ms1467 وقف العباد نادى مناد ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة قيل ومن ذا ~~الذي له على الله أجر قال العافون عن الناس فيقوم كذا وكذا ألفا فيدخلونها ~~بغير حساب (3) حديث ابن مسعود لا ينبغي لوالي أمر أن يؤتي بحد إلا أقامه ~~والله عفو يحب العفو الحديث أخرجه أحمد والحاكم وصححه وتقدم في آداب الصحبة ~~وقال جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث من جاء بهن مع إيمان دخل ~~من أي أبواب الجنة شاء وزوج من الحور العين حيث شاء من أدى دينا خفيا وقرأ ~~في دبر كل صلاة {قل هو الله أحد} عشر مرات وعفا عن قاتله قال أبو بكر أو ~~إحداهن يا رسول الله قال أو إحداهن (4) # الآثار قال إبراهيم التيمي إن الرجل ليظلمني فأرحمه وهذا إحسان وراء ~~العفو لأنه يشتغل قلبه بتعرضه لمعصية الله تعالى بالظلم وأنه يطالب يوم ~~القيامة فلا يكون له جواب وقال بعضهم إذا أراد الله أن يتحف عبدا قيض له من ~~يظلمه ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز رحمه الله فجعل يشكو إليه رجلا ظلمه ~~ويقع فيه فقال له عمر إنك إن تلقى الله ومظلمتك كما هي خير لك من أن تلقاه ~~وقد اقتصصتها وقال يزيد بن ميسرة إن ظللت تدعو على من ظلمك فإن الله تعالى ~~يقول إن آخر يدعو عليك بأنك ظلمته فإن شئت استجبنا لك وأجبنا عليك وإن شئت ~~أخرتكما إلى يوم القيامة فيسعكما عفوي وقال مسلم بن يسار لرجل دعا على ~~ظالمه كل الظالم إلى ظلمه فإنه أسرع إليه من دعائك عليه إلا أن يتداركه ~~بعمل وقمن أن لا يفعل وعن ابن عمر عن أبي بكر أنه قال بلغنا أن الله تعالى ~~يأمر مناديا يوم القيامة فينادي من كان له عند الله شيء فليقم فيقوم أهل ~~العفو فيكافئهم الله بما كان من عفوهم عن الناس وعن هشام بن محمد قال أتى ~~النعمان بن المنذر برجلين قد أذنب أحدهما ذنبا عظيما فعفا عنه والآخر أذنب ~~ذنبا خفيفا ms1468 فعاقبه وقال # تعفو الملوك عن العظيم ... من الذنوب بفضلها # ولقد تعاقب في اليسير ... وليس ذاك لجهلها # إلا ليعرف حلمها ... ويخاف شدة دخلها # وعن مبارك بن فضالة قال وفد سوار بن عبد الله في وفد من أهل البصرة إلى ~~أبي جعفر قال فكنت عنده إذا أتى برجل فأمر بقتله فقلت يقتل رجل من المسلمين ~~وأنا حاضر فقلت يا أمير المؤمنين ألا أحدثك حديثا سمعته PageV03P183 # من الحسن قال وما هو قلت سمعته يقول إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل ~~الناس في صعيد واحد حيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر فيقوم مناد فينادي من ~~له عند الله يد فليقم فلا يقوم إلا من عفا فقال والله لقد سمعته من الحسن ~~فقلت والله لسمعته منه فقال خلينا عنه وقال معاوية عليكم بالحلم والاحتمال ~~حتى تمكنكم الفرصة فإذا أمكنتكم فعليكم بالصفح والإفضال # وروي أن راهبا دخل على هشام بن عبد الملك فقال للراهب أرأيت ذا القرنين ~~أكان نبيا فقال لا ولكنه إنما أعطى ما أعطى بأربع خصال كن فيه كان إذا قدر ~~عفا وإذا وعد وفى وإذا حدث صدق ولا يجمع شغل اليوم لغد وقال بعضهم ليس ~~الحليم من ظلم فحلم حتى إذا قدر انتقم ولكن الحليم من ظلم فحلم حتى إذا قدر ~~عفا وقال زياد القدرة تذهب الحفيظة يعني الحقد والغضب وأتى هشام برجل بلغه ~~عنه أمر فلما أقيم بين يديه جعل يتكلم بحجته فقال له هشام وتتكلم أيضا فقال ~~الرجل يا أمير المؤمنين قال الله عز وجل يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ~~أفنجادل الله تعالى ولا نتكلم بين يديك كلاما قال هشام بلى ويحك تكلم وروي ~~أن سارقا دخل خباء عمار بن ياسر بصفين فقيل له اقطعه فإنه من أعدائنا فقال ~~بل أستر عليه لعل الله يستر علي يوم القيامة وجلس ابن مسعود في السوق يبتاع ~~طعاما فابتاع ثم طلب الدراهم وكانت في عمامته فوجدتها قد حلت فقال لقد جلست ~~وإنها لمعي فجعلوا يدعون على من أخذها ويقولون اللهم اقطع ms1469 يد السارق الذي ~~أخذها اللهم افعل به كذا فقال عبد الله اللهم إن كان حمله على أخذها حاجة ~~فبارك له فيها وإن كان حملته جراءة على الذنب فاجعله آخر ذنوبه وقال الفضيل ~~ما رأيت أزهد من رجل من أهل خراسان جلس إلي في المسجد الحرام ثم قام ليطوف ~~فسرقت دنانير كانت معه فجعل يبكي فقلت أعلى الدنانير تبكي فقال لا ولكن ~~مثلتني وإياه بين يدي الله عز وجل فأشرف عقلي على إدحاض حجته فبكائي رحمة ~~له وقال مالك بن دينار أتينا منزل الحكم بن أيوب ليلا وهو على البصرة أمير ~~وجاء الحسن وهو خائف فدخلنا معه عليه فما كنا مع الحسن إلا بمنزله الفراريج ~~فذكر الحسن قصة يوسف عليه السلام وما صنع به إخوته من بيعهم إياه وطرحهم له ~~في الجب فقال باعوا أخاهم وأحزنوا أباهم وذكر ما لقي من كيد النساء ومن ~~الحبس ثم قال أيها الأمير ماذا صنع الله به أداله منهم ورفع ذكره وأعلى ~~كلمته وجعله على خزائن الأرض فماذا صنع حين أكمل له أمره وجمع له أهله قال ~~لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين يعرض للحكم بالعفو ~~عن أصحابه قال الحكم فأنا أقول لا تثريب عليكم اليوم ولو لم أجد إلا ثوبي ~~هذا لواريتكم تحته وكتب ابن المقفع إلى صديق له يسأله العفو عن بعض إخوانه ~~فلان هارب من زلته إلى عفوك لائذ منك بك واعلم أنه لن يزداد الذنب عظما إلا ~~ازداد العفو فضلا وأتى عبد الملك بن مروان بأسارى ابن الأشعث فقال لرجاء بن ~~حيوة ما ترى قال إن الله تعالى قد أعطاك ما تحب من الظفر فأعط الله ما يحب ~~من العفو فعفا عنهم وروي أن زياد أخذ رجلا من الخوارج فأفلت منه فأخذ أخا ~~له فقال له إن جئت بأخيك وإلا ضربت عنقك فقال أرأيت إن جئتك بكتاب من أمير ~~المؤمنين تخلي سبيلي قال نعم قال فأنا آتيك بكتاب من العزيز الحكيم وأقيم ~~عليه شاهدين إبراهيم وموسى ثم ms1470 تلا أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم ~~الذي وفى أن لا تزر وازرة وزر أخرى فقال زياد خلوا سبيله هذا رجل قد لقن ~~حجته وقيل مكتوب في الإنجيل من استغفر لمن ظلمه فقد هزم الشيطان ### ||| فضيلة الرفق # اعلم أن الرفق محمود ويضاده العنف والحدة والعنف نتيجة الغضب والفظاظة # والرفق واللين نتيجة حسن PageV03P184 # الخلق والسلامة وقد يكون سبب الحدة الغضب وقد يكون سببها شدة الحرص ~~واستيلاءه بحيث يدهش عن التفكر ويمنع من التثبت فالرفق في الأمور ثمرة لا ~~يثمرها إلا حسن الخلق ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة ~~وحفظهما على حد الاعتدال ولأجل هذا أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الرفق وبالغ فيه فقال يا عائشة إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من ~~خير الدنيا والآخرة ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من خير الدنيا ~~والآخرة (1) وقال صلى الله عليه وسلم إذا أحب الله أهل بيت أدخل عليهم ~~الرفق (2) وقال صلى الله عليه وسلم إن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على ~~الخرق وإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق وما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا ~~حرموا محبة الله تعالى (3) وقالت عائشة رضي الله عنها قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف (4) ~~وقال صلى الله عليه وسلم يا عائشة ارفقي فإن الله إذا أراد بأهل بيت كرامة ~~دلهم على باب الرفق (5) وقال صلى الله عليه وسلم من يحرم الرفق يحرم الخير ~~كله (6) وقال صلى الله عليه وسلم أيما وال ولى فرفق ولان رفق الله تعالى به ~~يوم القيامة (7) وقال صلى الله عليه وسلم تدرون من يحرم على النار يوم ~~القيامة كل هين لين سهل قريب (8) وقال صلى الله عليه وسلم الرفق يمن والخرق ~~شؤم (9) حديث التأني من الله والعجلة من الشيطان أخرجه أبو يعلى من حديث ~~أنس ورواه الترمذي وحسنه من حديث سهل بن سعد بلفظ الآناة ms1471 من الله وقد تقدم ~~(10) حديث أتاه رجل فقال يا رسول الله إن الله قد بارك لجميع المسلمين فيك ~~الحديث وفيه فإذا أردت أمرا فتدبر عاقبته فإن كان رشدا فامضه الحديث أخرجه ~~ابن المبارك في الزهد والرقائق من حديث أبي جعفر هو المسمى عبد الله بن ~~مسور الهاشمي ضعيف جدا ولأبي نعيم في كتاب الإيجاز من رواية إسماعيل ~~الأنصاري عن أبيه عن جده إذا هممت بأمر فاجلس فتدبر عاقبته وإسناده ضعيف ~~(11) حديث عائشة عليك بالرفق فإنه لا يدخل في شيء إلا زانه الحديث رواه ~~مسلم // الآثار بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جماعة من رعيته اشتكوا ~~من عماله فأمرهم أن يوافوه فلما أتوه PageV03P185 # قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس أيتها الرعية إن لنا عليكم ~~حقا النصيحة بالغيب والمعاونة على الخير أيتها الرعاة إن للرعية عليكم حقا ~~فاعلموا أنه لا شيء أحب إلى الله ولا أعز من حلم إمام ورفقه ليس جهل أبغض ~~إلى الله ولا أغم من جهل إمام وخرجه واعلموا أنه من يأخذ بالعافية فيمن بين ~~ظهريه يرزق العافية ممن هو دونه # وقال وهب بن منبه الرفق ثنى الحلم # وفي الخبر موقوفا ومرفوعا العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله ~~والعمل قيمه والرفق والده واللين أخوه والصبر أمير جنوده (1) وقال بعضهم ما ~~أحسن الإيمان يزينه العلم وما أحسن العلم يزينه العمل وما أحسن العمل يزينه ~~الرفق وما أضيف شيء إلى شيء مثل حلم إلى علم وقال عمرو بن العاص لابنه عبد ~~الله ما الرفق قال تكون ذا أناة فتلاين الولاة قال فما الخرق قال معاداة ~~إمامك ومناوأة من يقدر على ضررك وقال سفيان لأصحابه تدرون ما الرفق قالوا ~~قل يا أبا محمد قال أن تضع الأمور من مواضعها الشدة في موضعها واللين في ~~موضعه والسيف في موضعه والسوط في موضعه وهذه إشارة إلى أنه لا بد من مزج ~~الغلظة باللين والفظاظة بالرفق كما قيل # ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع ms1472 الندى # فالمحمود وسط بين العنف واللين كما في سائر الأخلاق ولكن لما كانت الطباع ~~إلى العنف والحدة أميل كانت الحاجة إلى ترغيبهم في جانب الرفق أكثر فلذلك ~~كثر ثناء الشرع على جانب الرفق دون العنف وإن كان العنف في محله حسنا كما ~~أن الرفق في محله حسن فإذا كان الواجب هو العنف فقد وافق الحق الهوى وهو ~~ألذ من الزبد بالشهد وهكذا وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله روي أن عمرو ~~بن العاص كتب إلى معاوية يعاتبه في التأني فكتب إليه معاوية أما بعد فإن ~~الفهم في الخير زيادة رشد وإن الرشيد من رشد عن العجلة وإن الجانب من خاب ~~عن الأناة وإن المتثبت مصيب أو كاد أن يكون مصيبا وإن العجل مخطئ أو كاد أن ~~يكون مخطئا وأن من لا ينفعه الرفق يضره الخرق ومن لا ينفعه التجارب لا يدرك ~~المعالي وعن أبي عون الأنصاري قال ما تكلم الناس بكلمة صعبة إلا وإلى ~~جانبها كلمة ألين منها تجري مجراها وقال أبو حمزة الكوفي لا تتخذ من الخدم ~~إلا ما لا بد منه فإن مع كل إنسان شيطانا واعلم أنهم لا يعطونك بالشدة شيئا ~~إلا أعطوك باللين ما هو أفضل منه وقال الحسن المؤمن وقاف متأن وليس كحاطب ~~ليل فهذا ثناء أهل العلم على الرفق وذلك لأنه محمود ومفيد في أكثر الأحوال ~~وأغلب الأمور والحاجة إلى العنف قد تقع ولكن على الندور وإنما الكامل من ~~يميز مواقع الرفق عن مواضع العنف فيعطي كل أمر حقه فإن كان قاصر البصيرة أو ~~أشكل عليه حكم واقعة من الوقائع فليكن ميله إلى الرفق فإن النجح معه في ~~الأكثر ### ||| القول في ذم الحسد وفي حقيقته وأسبابه ومعالجته وغاية الواجب في إزالته ### |||| بيان ذم الحسد # اعلم أن الحسد أيضا من نتائج الحقد والحقد من نتائج الغضب فهو فرع فرعه ~~والغضب أصل أصله ثم إن للحسد من الفروع الذميمة ما لا يكاد يحصى وقد ورد في ~~ذم الحسد خاصة أخبار كثيرة قال رسول الله صلى ms1473 الله عليه وسلم PageV03P186 # الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب (1) حديث لا تقاطعوا ولا ~~تدابروا ولا تباغضوا الحديث متفق عليه وقد تقدم (2) حديث أنس كنا يوما ~~جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يطلع عليكم الآن من هذا الفج ~~رجل من أهل الجنة الحديث بطوله وفيه أن ذلك الرجل قال لا أجد على أحد من ~~المسلمين في نفسي غشا ولا حسدا على خير أعطاه الله رواه أحمد بإسناد صحيح ~~على شرط الشيخين ورواه البزار وسمي الرجل في رواية له سعدا وفيها ابن لهيعة ~~(3) حديث ثلاث لا ينجو منهن أحد الظن والطعن والحسد الحديث وفي رواية وقل ~~من ينجو منهن أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الحسد من حديث أبي هريرة ~~وفيه يعقوب بن محمد الزهري وموسى بن يعقوب الزمعي ضعفهما الجمهور والرواية ~~الثانية رواها ابن أبي الدنيا أيضا من رواية عبد الرحمن بن معاوية وهو مرسل ~~ضعيف وللطبراني من حديث حارثة بن النعمان نحوه وتقدم في آفات اللسان وفي ~~رواية ثلاثة لا ينجو منهن أحد وقل من ينجو منهن فأثبت في هذه الرواية إمكان ~~النجاة وقال صلى الله عليه وسلم دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء ~~والبغضة هي الحالقة لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين والذي نفس محمد ~~بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا ألا أنبئكم بما ~~يثبت ذلك لكم أفشوا السلام بينكم (4) وقال صلى الله عليه وسلم كاد الفقر أن ~~يكون كفرا وكاد الحسد أن يغلب القدر (5) وقال صلى الله عليه وسلم إنه سيصيب ~~أمتي داء الأمم قالوا وما داء الأمم قال الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في ~~الدنيا والتباعد والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج (6) وقال صلى الله عليه ~~وسلم لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك (7) وروي أن موسى عليه ~~السلام لما تعجل إلى ربه تعالى PageV03P187 # رأى في ظل العرش رجلا فغبطه بمكانه فقال إن هذا لكريم على ربه فسأل ربه ~~تعالى أن يخبره باسمه فلم يخبره وقال أحدثك ms1474 من عمله بثلاث كان لا يحسد ~~الناس على ما آتاهم الله من فضله وكان لا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة ~~وقال زكريا عليه السلام قال الله تعالى الحاسد عدو لنعمتي متسخط لقضائي غير ~~راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي وقال صلى الله عليه وسلم أخوف ما أخاف على ~~أمتي أن يكثر فيهم المال فيتحاسدون ويقتتلون (1) وقال صلى الله عليه وسلم ~~استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود (2) وقال صلى ~~الله عليه وسلم إن لنعم الله أعداء فقيل ومن هم فقال الذين يحسدون الناس ~~على ما آتاهم الله من فضله (3) حديث ستة يدخلون النار قبل الحساب بسنة قيل ~~يا رسول الله ومن هم قال الأمراء بالجور الحديث وفيه والعلماء بالحسد أخرجه ~~أبو منصور الديلمي من حديث ابن عمر وأنس بسندين ضعيفين // # الآثار قال بعض السلف أول خطيئة هي الحسد حسد إبليس آدم عليه السلام على ~~رتبته فأبى أن يسجد له فحمله على الحسد والمعصية وحكي أن عون بن عبد الله ~~دخل على الفضل بن المهلب وكان يومئذ على واسط فقال إني أريد أن أعظك بشيء ~~فقال وما هو قال إياك والكبر فإنه أول ذنب عصي الله به ثم قرأ {وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس} الآية وإياك والحرص فإنه أخرج آدم ~~من الجنة أمكنه الله سبحانه من جنة عرضها السموات والأرض يأكل منها إلا ~~شجرة واحدة نهاه الله عنها فأكل منها فأخرجه الله تعالى منها ثم قال ~~{اهبطوا منها} إلى آخر الآية وإياك والحسد فإنما قتل ابن آدم أخاه حين حسده ~~ثم قرأ {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} الآيات وإذا ذكر أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأمسك وإذا ذكر القدر فاسكت وإذا ذكرت النجوم فاسكت ~~وقال بكر بن عبد الله كان رجل يغشى بعض الملوك فيقوم بحذاء الملك فيقول ~~أحسن إلى المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكه إساءته فحسده رجل على ذلك ~~المقام والكلام فسعى به إلى الملك فقال إن هذا الذي يقوم بحذائك ms1475 ويقول ما ~~يقول زعم أن الملك أبخر فقال له الملك وكيف يصح ذلك عندي قال تدعوه إليك ~~فإنه إذا دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشم ريح البخر فقال له انصرف حتى ~~أنظر فخرج من عند الملك فدعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعاما فيه ثوم فخرج ~~الرجل من عنده وقام بحذاء الملك على عادته فقال أحسن إلى المحسن بإحسانه ~~فإن المسيء سيكفيكه إساءته فقال له الملك أدن مني فدنا منه فوضع يده على ~~فيه مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم فقال الملك في نفسه ما أرى فلانا ~~إلا قد صدق قال وكان الملك لا يكتب بخطه إلا بجائزة أو صلة فكتب له كتابا ~~بخطه إلى عامل من عماله إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه واسلخه واحش جلده ~~تبنا وابعث به إلي فأخذ الكتاب وخرج فلقيه الرجل الذي سعى به فقال ما هذا ~~الكتاب قال خط الملك لي بصلة فقال هبه لي PageV03P188 # فقال هو لك فأخذه ومضى به إلى العامل فقال العامل في كتابك أن أذبحك ~~وأسلخك قال إن الكتاب ليس هو لي فالله الله في أمري حتى تراجع الملك فقال ~~ليس لكتاب الملك مراجعة فذبحه وسلخه وحشى جلده تبنا وبعث به ثم عاد الرجل ~~إلى الملك كعادته وقال مثل قوله فعجب الملك وقال ما فعل الكتاب فقال لقيني ~~فلان فاستوهبه مني فوهبته له قال له الملك إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر ~~قال ما قلت ذلك قال فلما وضعت يدك على فيك قال لأنه أطعمني طعاما فيه ثوم ~~فكرهت أن تشمه قال صدقت ارجع إلى مكانك فقد كفى المسيء إساءته وقال ابن ~~سيرين رحمه الله ما حسدت أحدا على شيء من أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل ~~الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حفيرة في الجنة وإن كان من أهل النار فكيف ~~أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار وقال رجل للحسن هل يحسد المؤمن ~~قال ما أنساك بني يعقوب نعم ولكن غمه في صدرك ms1476 فإنه لا يضرك ما لم تعد به ~~يدا ولا لسانا وقال أبو الدرداء ما أكثر عبد ذكر الموت إلا قل فرحه وقل ~~حسده وقال معاوية كل الناس أقدر على رضاه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا ~~زوالها ولذلك قيل # كل العداوات قد ترجى إماتتها ... إلا عداوة من عاداك من حسد وقال بعض ~~الحكماء الحسد جرح لا يبرأ وحسب الحسود ما يلقى وقال أعرابي ما رأيت ظالما ~~أشبه بمظلوم من حاسد إنه يرى النعمة عليك نقمة عليه وقال الحسن يا ابن آدم ~~لم تحسد أخاك فإن كان الذي أعطاه لكرامته عليه فلم تحسد من أكرمه الله وإن ~~كان غير ذلك فلم تحسد من مصيره إلى النار وقال بعضهم الحاسد لا ينال من ~~المجالس إلا مذمة وذلا ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضا ولا ينال من ~~الخلق إلا جزعا وغما ولا ينال عند النزع إلا شدة وهولا ولا ينال عند الموقف ~~إلا فضيحة ونكالا ### |||| بيان حقيقة الحسد وحكمه وأقسامه ومراتبه # اعلم أنه لا حسد إلا على نعمة فإذا أنعم الله على أخيك بنعمة فلك فيها ~~حالتان # إحداهما أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها وهذه الحالة تسمى حسدا فالحسد ~~حده كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه # الحالة الثانية أن لا تحب زوالها ولا تكره وجودها ودوامها ولكن تشتهي ~~لنفسك مثلها # وهذه تسمى غبطة وقد تختص باسم المنافسة وقد تسمى المنافسة حسدا والحسد ~~منافسة ويوضع أحد اللفظين موضع الآخر ولا حجر في الأسامي بعد فهم المعاني # وقد قال صلى الله عليه وسلم إن المؤمن يغبط والمنافق يحسد (1) # فأما الأول فهو حرام بكل حال إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر وهو يستعين ~~بها على تهييج الفتنة وإفساد ذات البين وإيذاء الخلق فلا يضرك كراهتك لها ~~ومحبتك لزوالها فإنك لا تحب زوالها من حيث هي نعمة بل من حيث هي آلة الفساد ~~ولو أمنت فساده لم يغمك بنعمته ويدل على تحريم الحسد الأخبار التي نقلناها ~~وإن هذه الكراهة تسخط لقضاء الله في تفضيل ms1477 بعض عباده على بعض وذلك لا عذر ~~فيه ولا رخصة وأي معصية تزيد على كراهتك PageV03P189 # لراحة مسلم من غير أن يكون لك منه مضرة وإلى هذا أشار القرآن بقول {إن ~~تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها} وهذا الفرح شماتة والحسد ~~والشماتة يتلازمان وقال تعالى {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم} فأخبر تعالى أن حبهم زوال نعمة الإيمان ~~حسد وقال عز وجل {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء} وذكر الله تعالى ~~حسد إخوة يوسف عليه السلام وعبر عما في قلوبهم بقوله تعالى {إذ قالوا ليوسف ~~وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو ~~اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم} فلما كرهوا حب أبيهم له وساءهم ذلك وأحبوا ~~زواله عنه غيبوه عنه وقال تعالى {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} أي ~~لا تضيق صدورهم به ولا يغتمون فأثنى عليهم بعدم الحسد وقال تعالى في معرض ~~الإنكار {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} وقال تعالى {كان ~~الناس أمة واحدة} إلى قوله {إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم} قيل في التفسير حسدا وقال تعالى {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم} فأنزل الله العلم ليجمعهم ويؤلف بينهم على طاعته وأمرهم ~~أن يتألفوا بالعلم فتحاسدوا واختلفوا إذ أراد كل واحد منهم أن ينفرد ~~بالرياسة وقبول القول فرد بعضهم على بعض قال ابن عباس كانت اليهود قبل أن ~~يبعث النبي صلى الله عليه وسلم إذا قاتلوا قوما قالوا نسألك بالنبي الذي ~~وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الذي تنزله إلا ما نصرتنا (1) فكانوا ينصرون فلما ~~جاء النبي صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل عليه السلام عرفوه وكفروا به ~~بعد معرفتهم إياه فقال تعالى {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما ~~جاءهم ما عرفوا كفروا به} إلى قوله {أن يكفروا بما أنزل الله بغيا} أي حسدا ~~وقالت ms1478 صفية بنت حيي للنبي صلى الله عليه وسلم جاء أبي وعمي من عندك يوما ~~فقال أبي لعمي ما تقول فيه قال أقول أنه النبي الذي بشر به موسى قال فما ~~ترى قال أرى معاداته أيام الحياة (2) فهذا حكم الحسد في التحريم # وأما المنافسة فليست بحرام بل هي إما واجبة وإما مندوبة وإما مباحة وقد ~~يستعمل لفظ الحسد بدل المنافسة والمنافسة بدل الحسد قال قثم بن العباس لما ~~أراد هو والفضل أن يأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فيسألاه أن يؤمرهما على ~~الصدقة قالا لعلي حين قال لهما لا تذهبا إليه فإنه لا يؤمركما عليها فقالا ~~له ما هذا منك إلا نفاسة والله لقد زوجك ابنته فما نفسنا ذلك عليك (3) أي ~~هذا منك حسد وما حسدناك على تزويجه إياك فاطمة # والمنافسة في اللغة مشتقة من النفاسة والذي يدل على إباحة المنافسة قوله ~~تعالى {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} وقال تعالى {سابقوا إلى مغفرة من ~~ربكم} وإنما المسابقة عند خوف الفوت وهو كالعبدين ينسابقان إلى خدمة ~~مولاهما إذ يجزع كل واحد أن يسبقه صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو ~~بها PageV03P190 # فكيف وقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال لا حسد إلا في ~~اثنتين رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله تعالى ~~علما فهو يعمل به ويعلمه الناس (1) حديث أبي كبشة مثل هذه الأمة مثل أربعة ~~رجل أتاه الله مالا الحديث رواه ابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح (2) حديث ~~ثلاث لا ينفك المؤمن عنهن الحسد والظن والطيرة الحديث تقدم غير مرة // ثم ~~قال وله منهن مخرج إذا حسدت فلا تبغ أي إن وجدت في قلبك شيئا فلا تعمل به ~~وبعيد أن يكون الإنسان مريدا للحاق بأخيه في النعمة فيعجز عنها ثم ينفك عن ~~ميل إلى زوال النعمة إذ يجد لا محالة ترجيحا له على دوامها فهذا الحد من ~~المنافسة يزاحم الحسد الحرام فينبغي أن يحتاط فيه فإنه موضع الخطر وما من ~~إنسان إلا وهو ms1479 يرى فوق نفسه جماعة من معارفه وأقرانه يحب مساواتهم ويكاد ~~ينجر ذلك إلى الحسد المحظور إن لم يكن قوي الإيمان رزين التقوى ومهما كان ~~محركه خوف التفاوت وظهور نقصانه عن غيره جره ذلك إلى الحسد المذموم وإلى ~~ميل الطبع إلى زوال النعمة عن أخيه حتى ينزل هو إلى مساواته إذ لم يقدر هو ~~أن يرتقي إلى مساواته بإدراك النعمة وذلك لا رخصة فيه أصلا بل هو حرام سواء ~~كان في مقاصد الدين أو مقاصد PageV03P191 # الدنيا ولكن يعفى عنه في ذلك ما لم يعمل به إن شاء الله تعالى وتكون ~~كراهته لذلك من نفسه كفارة له فهذه هي حقيقة الحسد وأحكامه وأما مراتبه ~~فأربع # الأولى أن يحب زوال النعمة عنه وإن كان ذلك لا ينتقل إليه وهذا غاية ~~الخبث الثانية أن يحب زوال النعمة إليه لرغبته في تلك النعمة مثل رغبته في ~~دار حسنة أو امرأة جميلة أو ولاية نافذة أو سعة نالها غيره وهو يحب أن تكون ~~له ومطلوبه تلك النعمة لا زوالها عنه ومكروهه فقد النعمة لا تنعم غيره بها ~~الثالثة أن لا يشتهي عينها لنفسه بل يشتهي مثلها فإن عجز عن مثلها أحب ~~زوالها كيلا يظهر التفاوت بينهما الرابعة أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم تحصل ~~فلا يحب زوالها عنه # وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا والمندوب إليه إن كان في ~~الدين والثالثة فيها مذموم وغير مذموم والثانية أخف من الثالثة والأولى ~~مذموم محض وتسمية الرتبة حسدا فيه تجوز وتوسع ولكنه مذموم لقوله تعالى ولا ~~تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض فتمنيه لمثل ذلك غير مذموم وأما تمنيه ~~عين ذلك فهو مذموم ### |||| بيان أسباب الحسد والمنافسة # أما المنافسة فسببها حب ما فيه المنافسة فإن كان ذلك أمرا دينيا فسببه حب ~~الله تعالى وحب طاعته وإن كان دنيويا فسببه حب مباحات الدنيا والتنعم فيها ~~وإنما نظرنا الآن في الحسد المذموم ومداخله كثيرة جدا ولكن يحصر جملتها ~~سبعة أبواب العداوة والكبر والتعجب والخوف من فوت ms1480 المقاصد المحبوبة وحب ~~الرياسة وخبث النفس وبخلها فإنه مما يكره النعمة على غيره إما لأنه عدوه ~~فلا يريد له الخير وهذا لا يختص بالأمثال بل يحسد الخسيس الملك بمعنى أنه ~~يحب زوال نعمته لكونه مبغضا له بسبب إساءته إليه أو إلى من يحبه وإما أن ~~يكون من حيث يعلم أنه يستكبر بالنعمة عليه وهو لا يطيق احتمال كبره وتفاخره ~~لعزة نفسه وهو المراد بالتعزز وإما أن يكون في طبعه أن يتكبر على المحسود ~~ويمتنع ذلك عليه لنعمته وهو المراد بالتكبر وإما أن تكون النعمة عظيمة ~~والمنصب عظيم فيتعجب من فوز مثله بمثل تلك النعمة وهو المراد بالتعجب وإما ~~أن يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمته بأن يتوصل بها إلى مزاحمته في أغراضه ~~وإما أن يكون يحب الرياسة التي تنبني على الاختصاص بنعمة لا يساوي فيها ~~وإما أن لا يكون بسبب من هذه الأسباب بل لخبث النفس وشحها بالخير لعباد ~~الله تعالى ولابد من شرح هذه الأسباب # السبب الأول العداوة والبغضاء وهذا أشد أسباب الحسد فإن من آذاه شخص بسبب ~~من الأسباب وخالفه في غرض بوجه من الوجوه أبغضه قلبه وغضب عليه ورسخ في ~~نفسه الحقد والحقد يقتضي التشفي والانتقام فإن عجز المبغض عن أن يتشفى ~~بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان وربما يحيل ذلك على كرامة نفسه عند الله ~~تعالى فمهما أصابت عدوه بلية فرح بها وظنها مكافأة له من جهة الله على بغضه ~~وأنها لأجله ومهما أصابته نعمة ساءه ذلك لأنه ضد مراده وربما يخطر له أنه ~~لا منزلة له عند الله حيث لم ينتقم له من عدوه الذي آذاه بل أنعم عليه ~~وبالجملة فالحسد يلزم البغض والعداوة ولا يفارقهما وإنما غاية التقي أن لا ~~يبغي وأن يكره ذلك من نفسه فأما أن يبغض إنسانا ثم يستوي عنده مسرته ~~ومساءته فهذا غير ممكن وهذا مما وصف الله تعالى الكفار به أعني الحسد ~~بالعداوة إذ قال الله تعالى وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلو عضوا عليكم ~~الأنامل من الغيظ قل ms1481 موتوا بغيظكم إن PageV03P192 # الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة تسؤهم الآية وكذلك قال ودوا ما ~~عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر والحسد بسبب البغض ~~ربما يفضي إلى التنازع والتقاتل واستغراق العمر في إزالة النعمة بالحيل ~~والسعاية وهتك الستر وما يجري مجراه # السبب الثاني التعزز وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه غيره # فإذا أصاب بعض أمثاله ولاية أو علما أو مالا خاف أن يتكبر عليه وهو لا ~~يطيق تكبره ولا تسمح نفسه باحتمال صلفه وتفاخره عليه وليس من غرضه أن يتكبر ~~بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد رضي بمساواته مثلا ولكن لا يرضى بالترفع عليه # السبب الثالث الكبر وهو أن يكون في طبعه أن يتكبر عليه ويستصغره ويستخدمه ~~ويتوقع منه الانقياد له والمتابعة في أغراضه فإذا نال نعمة خاف أن لا يحتمل ~~تكبره ويترفع عن متابعته أو ربما يتشوف إلى مساواته أو إلى أن يرتفع عليه ~~فيعود متكبرا بعد أن كان متكبرا عليه ومن التكبر والتعزز كان حسد أكثر ~~الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قالوا كيف يتقدم علينا غلام يتيم ~~وكيف نطأطيء رءوسنا فقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ~~(1) # أي كان لا يثقل علينا أن نتواضع له ونتبعه إذا كان عظيما وقال تعالى يصف ~~قول قريش أهؤلاء من الله عليهم من بيننا كالاستحقار لهم والأنفة منهم # السبب الرابع التعجب كما أخبر الله تعالى عن الأمم السالفة إذ قالوا ما ~~أنتم إلا بشر مثلنا وقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم ~~إذا لخاسرون فتعجبوا من أن يفوز برتبة الرسالة والوحي والقرب من الله تعالى ~~بشر مثلهم فحسدوهم وأحبوا زوال النبوة عنهم جزعا أن يفضل عليهم من هو مثلهم ~~في الخلقة لا عن قصد تكبر وطلب رياسة وتقدم عداوة أو سبب آخر من سائر ~~الأسباب وقالوا متعجبين أبعث الله بشرا رسولا {وقالوا} لولا أنزل علينا ~~الملائكة وقال تعالى أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل ms1482 منكم الآية # السبب الخامس الخوف من فوت المقاصد وذلك يختص بمتزاحمين على مقصود واحد ~~فإن كان واحد يحسد صاحبه في كل نعمة تكون عونا له في الانفراد بمقصوده ومن ~~هذا الجنس تحاسد الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجية وتحاسد الأخوة في ~~التزاحم على نيل المنزلة في قلب الأبوين للتوصل به إلى مقاصد الكرامة ~~والمال وكذلك تحاسد التلميذين لأستاذ واحد على نيل المرتبة من قلب الأستاذ ~~وتحاسد ندماء الملك وخواصه في نيل المنزلة من قلبه للتوصل به إلى المال ~~والجاه وكذلك تحاسد الواعظين المتزاحمين على أهل بلدة واحدة إذا كان غرضهما ~~نيل المال بالقبول عندهم وكذلك تحاسد العالمين المتزاحمين على طائفة من ~~المتفقهه محصورين إذ يطلب كل واحد منزلة في قلوبهم للتوصل بهم إلى أغراض له # السبب السادس حب الرياسة وطلب الجاه لنفسه من غير توصل إلى مقصود وذلك ~~كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون إذا غلب عليه حب ~~الثناء واستفزه الفرح بما يمدح به من أنه واحد الدهر PageV03P193 # وفريد العصر في فنه وأنه لا نظير له فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم ~~لساءه ذلك وأحب موته أو زوال النعمة عنه التي بها يشاركه المنزلة من شجاعة ~~أو علم أو عبادة أو صناعة أو جمال أو ثروة أو غير ذلك مما يتفرد هو به ~~ويفرح بسبب تفرده وليس السبب في هذا عداوة ولا تعزز ولا تكبر على المحسود ~~ولا خوف من فوات مقصود سوى محض الرياسة بدعوى الانفراد # وهذا وراء ما بين آحاد العلماء من طلب الجاه والمنزلة في قلوب الناس ~~للتوصل إلى مقاصد سوى الرياسة وقد كان علماء اليهود ينكرون معرفة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا يؤمنون به خيفة من أن تبطل رياستهم واستتباعهم مهما ~~نسخ علمهم # السبب السابع خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله تعالى فإنك تجد من لا ~~يشتغل برياسة وتكبر ولا طلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله ~~تعالى فيما أنعم الله به عليه ms1483 يشق ذلك عليه وإذا وصف له اضطراب أمور الناس ~~وإدبارهم وفوات مقاصدهم وتنغص عيشهم فرح به فهو أبدا يحب الإدبار لغيره ~~ويبخل بنعمة الله على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزانته ويقال البخيل ~~من يبخل بمال نفسه والشحيح هو الذي يبخل بمال غيره فهذا يبخل بنعمة الله ~~تعالى على عباده الذين ليس بينه وبينهم عداوة ولا رابطة هذا ليس له سبب ~~ظاهر إلا خبث في النفس ورذالة في الطبع عليه وقعت الجبلة ومعالجته شديدة ~~لأن الحسد الثابت بسائر الأسباب أسبابه عارضة يتصور زوالها فيطمع في ~~إزالتها وهذا خبث في الجبلة لا عن سبب عارض فتعسر إزالته إذ يستحيل في ~~العادة إزالته فهذه هي أسباب الحسد وقد يجتمع بعض هذه الأسباب أو أكثرها أو ~~جميعها في شخص واحد فيعظم فيه الحسد بذلك ويقوى قوة لا يقدر معها على ~~الإخفاء والمجاملة بل ينهتك حجاب المجاملة وتظهر العداوة بالمكاشفة # وأكثر المحاسدات تجتمع فيها جملة من هذه الأسباب وقلما يتجرد سبب واحد ~~منها ### |||| بيان السبب في كثرة الحسد بين الأمثال والأقران والأخوة وبني العم والأقارب وتأكده وقلته في غيرهم وضعفه # اعلم أن الحسد إنما يكثر بين قوم تكثر بينهم الأسباب التي ذكرناها وإنما ~~يقوى بين قوم تجتمع جملة من هذه الأسباب فيهم وتتظاهر إذ الشخص الواحد يجوز ~~أن يحسد لأنه قد يمتنع عن قبول التكبر ولأنه يتكبر ولأنه عدو ولغير ذلك من ~~الأسباب # وهذه الأسباب إنما تكثر بين أقوام تجمعهم روابط يجتمعون بسببها في مجالس ~~المخاطبات ويتواردون على الأغراض فإذا خالف واحد منهم صاحبه في غرض من ~~الأغراض نفر طبعه عنه وأبغضه وثبت الحقد في قلبه فعند ذلك يريد أن يستحقره ~~ويتكبر عليه ويكافئه على مخالفته لغرضه ويكره تمكنه من النعمة التي توصله ~~إلى أغراضه وتترادف جملة من هذه الأسباب إذ لا رابطة بين شخصين في بلدتين ~~متنائيتين فلا يكون بينهما محاسدة وكذلك في محلتين نعم إذا تجاورا في مسكن ~~أو سوق أو مدرسة أو مسجد تواردا على مقاصد تتناقض فيها أغراضهما فيثور ms1484 من ~~التناقض التنافر والتباغض ومنه تثور بقية أسباب الحسد ولذلك ترى العالم ~~يحسد العالم دون العابد والعابد يحسد العابد دون العالم والتاجر يحسد ~~التاجر بل الإسكاف يحسد الإسكاف ولا يحسد البزاز إلا بسبب آخر سوى الاجتماع ~~في الحرفة ويحسد الرجل أخاه وابن عمه أكثر مما يحسد الأجانب والمرأة تحسد ~~ضرتها وسرية زوجها أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته # لأن مقصد البزاز غير مقصد الإسكاف فلا يتزاحمون على المقاصد إذ مقصد ~~البزاز الثروة ولا يحصلها إلا بكثرة الزبون وإنما ينازعه فيه بزاز آخر إذ ~~حريف البزاز لا يطلبه PageV03P194 # الإسكاف بل البزاز ثم مزاحمة البزاز المجاور له أكثر من مزاحمة البعيد ~~عنه إلى طرف السوق فلا جرم يكون حسده للجار أكثر وكذلك الشجاع يحسد الشجاع ~~ولا يحسد العالم لأن مقصده أن يذكر بالشجاعة ويشتهر بها وينفرد بهذه الخصلة ~~ولا يزاحمه العالم على هذا الغرض وكذلك يحسد العالم العالم ولا يحسد الشجاع ~~ثم حسد الواعظ للواعظ أكثر من حسده للفقيه والطبيب لأن التزاحم بينهما على ~~مقصود واحد أخص فأصل هذه المحاسدات العداوة وأصل العداوة التزاحم بينهما ~~على غرض واحد والغرض الواحد لا يجمع متباعدين بل متناسبين فلذلك يكثر الحسد ~~بينهما نعم من اشتد حرصه على الجاه وأحب الصيت في جميع أطراف العالم بما هو ~~فيه فإنه يحسد كل من هو في العالم وإن بعد ممن يساهمه في الخصلة التي ~~يتفاخر بها ومنشأ جميع ذلك حب الدنيا فإن الدنيا هي التي تضيق على ~~المتزاحمين أما الآخرة فلا ضيق فيها وإنما مثال الآخرة نعمة العلم فلا جرم ~~من يحب معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وملائكته وأنبيائه وملكوت سمواته ~~وأرضه لم يحسد غيره إذا عرف ذلك أيضا لأن المعرفة لا تضيق على العارفين بل ~~المعلوم الواحد يعلمه ألف ألف عالم ويفرح بمعرفته ويلتذ به ولا تنقص لذة ~~واحد بسبب غيره بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الأنس وثمرة الاستفادة ~~والإفادة فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة لأن مقصدهم معرفة الله ~~تعالى وهو بحر واسع لا ضيق ms1485 فيه وغرضهم المنزلة عند الله ولا ضيق أيضا فيما ~~عند الله تعالى لأن أجل ما عند الله سبحانه من النعيم لذة لقائه وليس فيها ~~ممانعة ومزاحمة ولا يضيق بعض الناظرين على بعض بل يزيد الأنس بكثرتهم نعم ~~إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه تحاسدوا لأن المال أعيان وأجسام إذا ~~وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخر ومعنى الجاه ملك القلوب ومهما امتلأ قلب ~~شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر أو نقص عنه لا محالة فيكون ذلك سببا ~~للمحاسدة وإذا امتلأ قلب بالفرح بمعرفة الله تعالى لم يمنع ذلك أن يمتليء ~~قلب غيره بها وأن يفرح بذلك والفرق بين العلم والمال أن المال لا يحل في يد ~~ما لم يرتحل عن اليد الأخرى والعلم في قلب العالم مستقر ويحل في قلب غيره ~~بتعليمه من غير أن يرتحل من قلبه والمال أجسام وأعيان ولها نهاية فلو ملك ~~الإنسان جميع ما في الأرض لم يبق بعده مال يتملكه غيره والعلم لا نهاية له ~~ولا يتصور استيعابه فمن عود نفسه الفكر في جلال الله وعظمته وملكوت أرضه ~~وسمائه صار ذلك ألذ عنده من كل نعيم ولم يكن ممنوعا منه ولا مزاحما فيه فلا ~~يكون في قلبه حسد لأحد من الخلق لأن غيره أيضا لو عرف مثل معرفته لم ينقص ~~من لذته بل زادت لذته بمؤانسته فتكون لذة هؤلاء في مطالعة عجائب الملكوت ~~على الدوام أعظم من لذة من ينظر إلى أشجار الجنة وبساتينها بالعين الظاهرة ~~فإن نعيم العارف وجنته معرفته التي هي صفة ذاته يأمن زوالها وهو أبدا يجني ~~ثمارها فهو بروحه وقلبه مغتذ بفاكهة علمه وهي فاكهة غير مقطوعة ولا ممنوعة ~~بل قطوفها دانية فهو وإن غمض العين الظاهرة فروحه أبدا ترتع في جنة عالية ~~ورياض زاهرة فإن فرض كثرة في العارفين لم يكونوا متحاسدين بل كانوا كما قال ~~فيهم رب العالمين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين فهذا ~~حالهم وهم بعد في الدنيا فماذا يظن بهم ms1486 عند انكشاف الغطاء ومشاهدة المحبوب ~~في العقبى فإذن لا يتصور أن يكون في الجنة محاسدة ولا أن يكون بين أهل ~~الدنيا في الجنة محاسدة لأن الجنة لا مضايقة فيها ولا مزاحمة ولا تنال إلا ~~بمعرفة الله تعالى التي لا مزاحمة فيها في الدنيا أيضا فأهل الجنة بالضرورة ~~برءاء من الحسد في الدنيا والآخرة جميعا بل الحسد من صفات المبعدين عن سعة ~~عليين إلى مضيق سجين ولذلك وسم به الشيطان اللعين وذكر من صفاته أنه حسد ~~آدم عليه السلام على ما خص به من الاجتباء ولما دعى إلى السجود استكبر وأبى ~~وتمرد وعصى فقد عرفت أنه لا حسد إلا للتوارد على مقصود PageV03P195 # يضيق عن الوفاء بالكل ولهذا لا ترى الناس يتحاسدون على النظر إلى زينة ~~السماء ويتحاسدون على رؤية البساتين التي هي جزء يسير من جملة الأرض وكل ~~الأرض لا وزن لها بالإضافة إلى السماء ولكن السماء لسعة الأقطار وافيه ~~بجميع الأبصار فلم يكن فيها تزاحم ولا تحاسد أصلا فعليك إن كنت بصيرا وعلى ~~نفسك مشفقا أن تطلب نعمة لا زحمة فيها ولذة لا كدر لها ولا يوجد ذلك في ~~الدنيا إلا في معرفة الله عز وجل ومعرفة صفاته وأفعاله وعجائب ملكوت ~~السموات والأرض ولا ينال ذلك في الآخرة إلا بهذه المعرفة أيضا فإن كنت لا ~~تشتاق إلى معرفة الله تعالى ولم تجد لذتها وفتر عنها رأيك وضعفت فيها رغبتك ~~فأنت في ذلك معذور إذ العنين لا يشتاق إلى لذة الوقاع والصبي لا يشتاق إلى ~~لذة الملك فإن هذه لذات يختص بإدراكها الرجال دون الصبيان والمخنثين فكذلك ~~لذة المعرفة يختص بإدراكها الرجال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله ولا يشتاق إلى هذه اللذة غيرهم لأن الشوق بعد الذوق ومن لم يذق لم ~~يعرف ومن لم يعرف لم يشتق ومن لم يشتق لم يطلب ومن لم يطلب لم يدرك ومن لم ~~يدرك بقي مع المحرومين في أسفل السافلين ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له ~~شيطانا فهو له قرين ms1487 ### |||| بيان الدواء الذي ينفي مرض الحسد عن القلب # اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا تداوى أمراض القلوب إلا ~~بالعلم والعمل والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقا أن الحسد ضرر ~~عليك في الدنيا والدين وأنه لا ضرر فيه على المحسود في الدنيا والدين بل ~~ينتفع به فيهما ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك فارقت ~~الحسد لا محالة أما كونه ضررا عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله ~~تعالى وكرهت نعمته التي قسمها بين عباده وعدله الذي أقامه في ملكه بخفي ~~حكمته فاستنكرت ذلك واستبشعته وهذه جناية على حدقة التوحيد وقذى في عين ~~الإيمان وناهيك بهما جناية على الدين وقد انضاف إلى ذلك أنك غششت رجلا من ~~المؤمنين وتركت نصيحته وفارقت أولياء الله وأنبياءه في حبهم الخير لعباده ~~تعالى وشاركت إبليس وسائر الكفار في محبتهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم ~~وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب وتمحوها كما ~~يمحو الليل والنهار وأما كونه ضررا عليك في الدنيا فهو أنك تتألم بحسدك في ~~الدنيا أو تتعذب به ولا تزال في كمد وغم إذ أعداؤك لا يخليهم الله تعالى عن ~~نعم يفيضها عليهم فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها وتتألم بكل بلية تنصرف ~~عنهم فتبقى مغموما محروما متشعب القلب ضيق الصدر قد نزل بك ما يشتهيه ~~الأعداء لك وتشتهيه لأعدائك فقد كنت تريد المحنة لعدوك فتنجزت في الحال ~~محنتك وغمك نقدا ومع هذا فلا تزول النعمة عن المحسود بحسدك ولو لم تكن تؤمن ~~بالبعث والحساب لكان مقتضى الفطنة إن كنت عاقلا أن تحذر من الحسد لما فيه ~~من ألم القلب ومساءته مع عدم النفع فكيف وأنت عالم بما في الحسد من العذاب ~~الشديد في الآخرة فما أعجب من العاقل كيف يتعرض لسخط الله تعالى من غير نفع ~~يناله بل مع ضرر يحتمله وألم يقاسيه فيهلك دينه ودنياه من غير جدوى ولا ~~فائدة وأما أنه ضرر على المحسود في دينه ms1488 ودنياه فواضح لأن النعمة لا تزول ~~عنه بحسدك بل ما قدره الله تعالى من إقبال ونعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل ~~غير معلوم قدره الله سبحانه فلا حيلة في دفعه بل كل شيء عنده بمقدار ولكل ~~أجل كتاب # ولذلك شكا نبي من الأنبياء من امرأة ظالمة مستولية على الخلق فأوحى الله ~~إليه فر من قدامها حتى تنقضي أيامها أي ما قدرناه في الأزل لا سبيل إلى ~~تغييره فاصبر حتى تنقضي المدة التي سبق القضاء بدوام إقبالها فيها ومهما PageV03P196 # لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المحسود ضرر في الدنيا ولا يكون عليه ~~إثم في الآخرة ولعلك تقول ليت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسدي وهذا غاية ~~الجهل فإنه بلاء تشتهيه أولا لنفسك فإنك أيضا لا تخلو عن عدو يحسدك فلو ~~كانت النعمة تزول بالحسد لم يبق لله تعالى عليك نعمة ولا على أحد من الخلق ~~ولا نعمة الإيمان أيضا لأن الكفار يحسدون المؤمنين على الإيمان قال الله ~~تعالى ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم إذ ما يريد الحسود لا يكون نعم هو يضل بإرادته الضلال لغيره فإن ~~أراد الكفر كفر فمن اشتهى أن تزول النعمة عن المحسود بالحسد فكأنما يريد أن ~~يسلب نعمة الإيمان بحسد الكفار وكذا سائر النعم وإن اشتهيت أن تزول النعمة ~~عن الخلق بحسدك ولا تزول عنك بحسد غيرك فهذا غاية الجهل والغباوة فإن كل ~~واحد من حمقى الحساد أيضا يشتهي أن يخص بهذه الخاصية ولست بأولى من غيرك ~~فنعمة الله تعالى عليك في إن لم تزل النعمة بالحسد مما يجب عليك شكرها وأنت ~~بجهلك تكرهها وأما أن المحسود ينتفع به في الدين والدنيا فواضح أما منفعته ~~في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجك الحسد إلى القول والفعل ~~بالغيبة والقدح فيه وهتك ستره وذكر مساويه فهذه هدايا تهديها إليه أعني أنك ~~بذلك تهدي إليه حسناتك حتى تلقاه يوم القيامة مفلسا محروما عن النعمة ms1489 كما ~~حرمت في الدنيا عن النعمة فكأنك أردت زوال النعمة عنه فلم تزل # نعم كان لله عليه نعمة إذ وفقك للحسنات فنقلتها إليه فأضفت إليه نعمة إلى ~~نعمة وأضفت إلى نفسك شقاوة إلى شقاوة # وأما منفعته في الدنيا فهو أن أهم أغراض الخلق مساءة الأعداء وغمهم ~~وشقاوتهم وكونهم معذبين مغمومين ولا عذاب أشد مما أنت فيه من ألم الحسد ~~وغاية أماني أعدائك أن يكونوا في نعمة وأن تكون في غم وحسرة بسببهم وقد ~~فعلت بنفسك ما هو مرادهم ولذلك لا يشتهي عدوك موتك بل يشتهي أن تطول حياتك ~~ولكن في عذاب الحسد لتنظر إلى نعمة الله عليه فيتقطع قلبك حسدا ولذلك قيل # لا مات أعداؤك بل خلدوا ... حتى يروا فيك الذي يكمد # لا زلت محسودا على نعمة ... فإنما الكامل من يحسد # ففرح عدوك بغمك وحسدك أعظم من فرحه بنعمته ولو علم خلاصك من ألم الحسد ~~وعذابه لكان ذلك أعظم مصيبة وبليه عنده فما أنت فيما تلازمه من غم الحسد ~~إلا كما يشتهيه عدوك فإذا تأملت هذا عرفت أنك عدو نفسك وصديق عدوك إذ ~~تعاطيت ما تضررت به في الدنيا والآخرة وانتفع به عدوك في الدنيا والآخرة ~~وصرت مذموما عند الخالق والخلائق شقيا في الحال والمآل ونعمة المحسود دائمة ~~شئت أم أبيت باقية ثم لم تقتصر على تحصيل مراد عدوك حتى وصلت إلى إدخال ~~أعظم سرور على إبليس الذي هو أعدى أعدائك لأنه لما رآك محروما من نعمة ~~العلم والورع والجاه والمال الذي اختص به عدوك عنك خاف أن تحب ذلك له ~~فتشاركه في الثواب بسبب المحبة لأن من أحب الخير للمسلمين كان شريكا في ~~الخير ومن فاته اللحاق بدرجة الأكابر في الدنيا لم يفته ثواب الحب لهم مهما ~~أحب ذلك فخاف إبليس أن تحب ما أنعم الله به على عبده من صلاح دينه ودنياه ~~فتفوز بثواب الحب فبغضه إليك حتى لا تلحقه بحبك كما لم تلحقه بعملك # وقد قال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله الرجل يحب ms1490 القوم ~~ولما يلحق بهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم PageV03P197 # المرء مع من أحب (1) # وقام أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقال يا رسول ~~الله متى الساعة فقال ما أعددت لها قال ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ~~إلا أني أحب الله ورسوله فقال صلى الله عليه وسلم أنت مع من أحببت (2) # قال أنس فما فرح المسلمون بعد إسلامهم كفرحهم يومئذ إشارة إلى أن أكبر ~~بغيتهم كانت حب الله ورسوله قال أنس فنحن نحب رسول الله وأبا بكر وعمر ولا ~~نعمل مثل عملهم ونرجو أن نكون معهم وقال أبو موسى قلت يا رسول الله الرجل ~~يحب المصلين ولا يصلي ويحب الصوام ولا يصوم حتى عد أشياء فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم هو مع من أحب (3) # وقال رجل لعمر بن عبد العزيز إنه كان يقال إن استطعت أن تكون عالما فكن ~~عالما فإن لم تستطع أن تكون عالما فكن متعلما فإن لم تستطع أن تكون متعلما ~~فأحبهم فإن لم تستطع فلا تبغضهم فقال سبحان الله الذي جعل الله لنا مخرجا # فانظر الآن كيف حسدك إبليس ففوت عليك ثواب الحب ثم لم يقنع به حتى بغض ~~إليك أخاك وحملك على الكراهة حتى أثمت وكيف لا وعساك تحاسد رجلا من أهل ~~العلم وتحب أن يخطيء في دين الله تعالى وينكشف خطؤه ليفتضح وتحب أن يخرس ~~لسانه حتى لا يتكلم أو يمرض حتى لا يعلم ولا يتعلم وأي إثم يزيد على ذلك ~~فليتك إذ فاتك اللحاق به ثم اغتممت بسببه سلمت من الإثم وعذاب الآخرة وقد ~~جاء في الحديث أهل الجنة ثلاثة المحسن والمحب له والكاف عنه (4) # أي من يكف عن الأذى والحسد والبغض والكراهة فانظر كيف أبعدك إبليس عن ~~جميع المداخل الثلاثة حتى لا تكون من أهل واحد منها البتة فقد نفذ فيك حسد ~~إبليس وما نفذ حسدك في عدوك بل على نفسك بل لو كوشفت بحالك في يقظة أو منام ~~لرأيت نفسك أيها الحاسد في ms1491 صورة من يرمي سهما إلى عدوه ليصيب مقتله فلا ~~يصيبه بل يرجع إلى حدقته اليمني فيقلعها فيزيد غضبه فيعود ثانية فيرمي أشد ~~من الأولى فيرجع إلى عينه الأخرى فيعميها فيزداد غيظه فيعود على رأسه فيشجه ~~وعدوه سالم في كل حال وهو إليه راجع مرة بعد أخرى وأعداؤه حوله يفرحون به ~~ويضحكون عليه وهذا حال الحسود وسخرية الشيطان منه بل حالك في الحسد أقبح من ~~هذا لأن الرمية العائدة لم تفوت إلا العينين ولو بقيتا لفاتتا بالموت لا ~~محالة # والحسد يعود بالإثم والإثم لا يفوت بالموت ولعله يسوقه إلى غضب الله وإلى ~~النار فلأن تذهب عينه في الدنيا خير له من أن تبقى له عين يدخل بها النار ~~فيقلعها لهيب النار فانظر كيف انتقم الله من الحاسد إذا أراد زوال النعمة ~~عن المحسود فلم يزلها عنه ثم أزالها عن الحاسد إذ السلامة من الإثم نعمة ~~والسلامة من الغم والكمد نعمة قد زالتا عنه تصديقا لقوله تعالى ولا يحيق ~~المكر السيء إلا بأهله وربما يبتلي بعين ما يشتهيه لعدوه وقلما يشمت شامت ~~بمساءة إلا ويبتلى بمثلها حتى قالت عائشة رضي الله عنها ما تمنيت لعثمان ~~شيئا إلا نزل بي حتى لو تمنيت له القتل لقتلت فهذا إثم الحسد نفسه فكيف ما ~~يجر إليه الحسد من الاختلاف وجحود الحق وإطلاق اللسان واليد بالفواحش في ~~التشفي من الأعداء وهو الداء الذي فيه هلك الأمم السالفة # فهذه هي الأدوية العلمية فمهما تفكر الإنسان فيها بذهن صاف وقلب حاضر ~~انطفأت نار الحسد من قلبه وعلم PageV03P198 # أنه مهلك نفسه ومفرح عدوه ومسخط ربه ومنغص عيشه # وأما العمل النافع فيه فهو أن يحكم الحسد فكل ما يتقاضاه الحسد من قول ~~وفعل فينبغي أن يكلف نفسه نقيضه فإن حمله الحسد على القدح في محسوده كلف ~~لسانه المدح له والثناء عليه وإن حمله على التكبر عليه ألزم نفسه التواضع ~~له والاعتذار إليه وإن بعثه على كف الإنعام عليه ألزم نفسه الزيادة في ~~الإنعام عليه فمهما فعل ذلك عن تكلف وعرفه ms1492 المحسود طاب قلبه وأحبه ومهما ~~ظهر حبه عاد الحاسد فأحبه وتولد من ذلك الموافقة التي تقطع مادة الحسد لأن ~~التواضع والثناء والمدح وإظهار السرور بالنعمة يستجلب قلب المنعم عليه ~~ويسترقه ويستعطفه ويحمله على مقابلة ذلك بالإحسان ثم ذلك الإحسان يعود إلى ~~الأول فيطيب قلبه ويصير ما تكلفه أولا طبعا آخرا ولا يصدنه عن ذلك قول ~~الشيطان له لو تواضعت وأثنيت عليه حملك العدو على العجز أو على النفاق أو ~~الخوف وأن ذلك مذلة ومهانة وذلك من خداع الشيطان ومكايده بل المجاملة تكلفا ~~كانت أو طبعا تكسر سورة العداوة من الجانبين وتقل مرغوبها وتعود القلوب ~~التآلف والتحاب وبذلك تستريح القلوب من ألم الحسد وغم التباغض # فهذه هي أدوية الحسد وهي نافعة جدا إلا أنها مرة على القلوب جدا ولكن ~~النفع في الدواء المر فمن لم يصبر على مرارة الدواء لم ينل حلاوة الشفاء ~~وإنما تهون مرارة هذا الدواء أعني التواضع للأعداء والتقرب إليهم بالمدح ~~والثناء بقوة العلم بالمعاني التي ذكرناها وقوة الرغبة في ثواب الرضا بقضاء ~~الله تعالى وحب ما أحبه وعزة النفس وترفعها عن أن يكون في العالم شيء على ~~خلاف مرادها جهل وعند ذلك يريد ما لا يكون إذ لا مطمع في أن يكون ما يريد ~~وفوات المراد ذل وخسة ولا طريق إلى الخلاص من هذا الذل إلا بأحد أمرين إما ~~بأن يكون ما تريد أو بأن تريد ما يكون والأول ليس إليك ولا مدخل للتكلف ~~والمجاهدة فيه وأما الثاني فللمجاهدة فيه مدخل وتحصيله بالرياضة ممكن فيجب ~~تحصيله على كل عاقل هذا هو الدواء الكلي # فأما الدواء المفصل فهو تتبع أسباب الحسد من الكبر وغيره وعزة النفس وشدة ~~الحرص على ما لا يغني وسيأتي تفصيل مداواة هذه الأسباب في مواضعها إن شاء ~~الله تعالى فإنها مواد هذا المرض ولا ينقمع المرض إلا بقمع المادة فإن لم ~~تقمع المادة لم يحصل بما ذكرناه إلا تسكين وتطفئة ولا يزال يعود مرة بعد ~~أخرى ويطول الجهد في تسكينه مع بقاء مواده فإنه ms1493 ما دام محبا للجاه فلا بد ~~وأن يحسد من استأثر بالجاه والمنزلة في قلوب الناس دونه ويغمه ذلك لا محالة ~~وإنما غايته أن يهون الغم على نفسه ولا يظهر بلسانه ويده فأما الخلو عنه ~~رأسا فلا يمكنه والله الموفق ### |||| بيان القدر الواجب في نفي الحسد عن القلب # اعلم أن المؤذي ممقوت بالطبع ومن آذاك فلا يمكنك أن لا تبغضه غالبا فإذا ~~تيسرت له نعمة فلا يمكنك أن لا تكرهها له حتى يستوي عندك حسن حال عدوك وسوء ~~حاله بل لا تزال تدرك في النفس بينهما تفرقة ولا يزال الشيطان ينازعك إلى ~~الحسد له ولكن إن قوي ذلك فيك حتى بعثك على إظهار الحسد بقول أو فعل بحيث ~~يعرف ذلك من ظاهرك بأفعالك الاختيارية فأنت حسود عاص بحسدك وإن كففت ظاهرك ~~بالكلية إلا أنك بباطنك تحب زوال النعمة وليس في نفسك كراهة لهذه الحالة ~~فأنت أيضا حسود عاص لأن الحسد صفة القلب لا صفة الفعل قال الله تعالى ولا ~~يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا وقال عز وجل ودوا لو تكفرون كما كفروا ~~فتكونون سواء {وقال} إن تمسسكم حسنة تسؤهم أما الفعل فهو غيبة وكذب وهو عمل ~~صادر عن PageV03P199 # الحسد وليس هو عين الحسد بل محل الحسد القلب دون الجوارح نعم هذا الحسد ~~ليس مظلمة يجب الاستحلال منها بل هو معصية بينك وبين الله تعالى وإنما يجب ~~الاستحلال من الأسباب الظاهرة على الجوارح فأما إذا كففت ظاهرك وألزمت مع ~~ذلك قلبك كراهة ما يترشح منه بالطبع من حب زوال النعمة حتى كأنك تمقت نفسك ~~على ما في طبعها فتكون تلك الكراهة من جهة العقل في مقابلة الميل من جهة ~~الطبع فقد أديت الواجب عليك ولا يدخل تحت اختيارك في أغلب الأحوال أكثر من ~~هذا فأما تغيير الطبع ليستوي عنده المؤذي والمحسن ويكون فرحه أو غمه بما ~~تيسر لهما من نعمة أو تنصب عليهما من بلية سواء فهذا مما لا يطاوع الطبع ~~عليه ما دام ملتفتا إلى حظوظ الدنيا إلا أن يصير ms1494 مستغرقا بحب الله تعالى ~~مثل السكران الواله فقد ينتهي أمره إلى أن لا يلتفت قلبه إلى تفاصيل أحوال ~~العباد بل ينظر إلى الكل بعين واحدة وهي عين الرحمة ويرى الكل عباد الله ~~وأفعالهم أفعالا لله ويراهم مسخرين وذلك إن كان فهو كالبرق الخاطف لا يدوم ~~ثم يرجع القلب بعد ذلك إلى طبعه ويعود العدو إلى منازعته أعني الشيطان فإنه ~~ينازع بالوسوسة فمهما قابل ذلك بكراهته وألزم قلبه هذه الحالة فقد أدى ما ~~كلفه وقد ذهب ذاهبون إلى أنه لا يأثم إذا لم يظهر الحسد على جوارحه لما روي ~~عن الحسن أنه سئل عن الحسد فقال غمه فإنه لا يضرك ما لم تبده وروي عنه ~~موقوفا ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاثة لا يخلو منهن ~~المؤمن وله منهن مخرج فمخرجه من الحسد أن لا يبغي والأولى أن يحمل هذا على ~~ما ذكرناه من أن يكون فيه كراهة من جهة الدين والعقل في مقابلة حب الطبع ~~لزوال نعمة العدو وتلك الكراهة تمنعه من البغي والإيذاء فإن جميع ما ورد من ~~الأحبار في ذم الحسد يدل ظاهره على أن كل حاسد آثم ثم الحسد عبارة عن صفة ~~القلب لا عن الأفعال فكل من يحب إساءة مسلم فهو حاسد فإذن كونه آثما بمجرد ~~حسد القلب من غير فعل هو في محل الاجتهاد والأظهر ما ذكرناه من حيث ظواهر ~~الآيات والأخبار ومن حيث المعنى إذ يبعد أن يعفى عن العبد في إرادته إساءة ~~مسلم واشتماله بالقلب على ذلك من غير كراهة وقد عرفت من هذا أن لك في ~~أعدائك ثلاثة أحوال # أحدها أن تحب مساءتهم بطبعك وتكره حبك لذلك وميل قلبك إليه بعقلك وتمقت ~~نفسك عليه وتود لو كانت لك حيلة في إزالة ذلك الميل منك وهذا معفو عنه قطعا ~~لأنه لا يدخل تحت الاختيار أكثر منه # الثاني أن تحب ذلك وتظهر الفرح بمساءته إما بلسانك أو بجوارحك فهذا هو ~~الحسد المحظور قطعا # الثالث وهو بين الطرفين أن تحسد بالقلب من ms1495 غير مقت لنفسك على حسدك ومن ~~غير إنكار منك على قلبك ولكن تحفظ جوارحك عن طاعة الحسد في مقتضاه وهذا في ~~محل الخلاف والظاهر أنه لا يخلو عن إثم بقدر قوة ذلك الحب وضعفه والله ~~تعالى أعلم والحمد لله رب العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل PageV03P200 ### || كتاب ذم الدنيا وهو الكتاب السادس من ربع المهلكات من كتاب إحياء العلوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي عرف أولياءه غوائل الدنيا وآفاتها وكشف لهم عن عيوبها ~~وعوراتها حتى نظروا في شواهدها وآياتها ووزنوا بحسناتها سيئاتها فعلموا أنه ~~يزيد منكرها على معروفها ولا يفي مرجوها بمخوفها ولا يسلم طلوعها من كسوفها ~~ولكنها في صورة امرأة مليحة تستميل الناس بجمالها ولها أسرار سوء قبائح ~~تهلك الراغبين في وصالها ثم هي فرارة عن طلابها شحيحة بإقبالها وإذا أقبلت ~~لم يؤمن شرها ووبالها إن أحسنت ساعة أساءت سنة وإن أساءت مرة جعلتها سنة ~~فدوائر إقبالها على التقارب دائرة وتجارة بنيها خاسرة بائرة وآفاتها على ~~التوالي لصدور طلابها راشقة ومجاري أحوالها بذل طالبيها ناطقة فكل مغرور ~~بها إلى الذل مصيره وكل متكبر بها إلى التحسر مسيره شأنها الهرب من طالبها ~~والطلب لهاربها ومن خدمها فاتته ومن أعرض عنها واتته لا يخلو صفوها عن ~~شوائب الكدورات ولا ينفك سرورها عن المنغصات سلامتها تعقب السقم وشبابها ~~يسوق إلى الهرم ونعيمها لا يثمر إلا الحسرة والندم فهي خداعة مكارة طيارة ~~فرارة لا تزال تتزين لطلابها حتى إذا صاروا من أحبابها كشرت لهم عن أنيابها ~~وشوشت عليهم مناظم أسبابها وكشفت لهم عن مكنون عجائبها فأذاقتهم قواتل ~~سمامها ورشقتهم بصوائب سهامها بينما أصحابها منها في سرور وإنعام إذ ولت ~~عنها كأنها أضغاث أحلام ثم عكرت عليهم بدواهيها فطحنتهم طحن الحصيد ووارتهم ~~في أكفانهم تحت الصعيد إن ملكت واحدا منهم جميع ما طلعت عليه الشمس جعلته ~~حصيدا كأن لم يغن بالأمس تمنى أصحابها سرورا وتعدهم غرورا حتى يأملون كثيرا ~~ويبنون قصورا فتصبح قصورهم قبورا وجمعهم بورا وسعيهم هباء منثورا ودعاؤهم ~~ثبورا هذه ms1496 صفتها وكان أمر الله قدرا مقدورا والصلاة والسلام على محمد عبده ~~ورسوله المرسل إلى العالمين بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا وعلى من كان من أهله ~~وأصحابه له في الدين ظهيرا وعلى الظالمين نصيرا وسلم تسليما كثيرا أما بعد ~~فإن الدنيا عدوة لله وعدوة لأولياء الله وعدوة لأعداء الله أما عداوتها لله ~~فإنها قطعت الطريق على عباد الله ولذلك لم ينظر الله إليها منذ خلقها وأما ~~عداوتها لأولياء الله عز وجل فإنه تزينت لهم بزينتها وعمتهم بزهرتها ~~ونضارتها حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها وأما عداوتها لأعداء الله ~~فإنها استدرجتهم بمكرها وكيدها فاقتنصتهم بشبكتها حتى وثقوا بها وعولوا ~~عليها فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها فاجتنوا منها حسرة تتقطع دونها الأكباد ~~ثم حرمتهم السعادة أبد الآباد فهم على فراقها يتحسرون ومن مكايدها يستغيثون ~~ولا يغاثون بل يقال لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون أولئك الذي اشتروا الحياة ~~الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون # وإذا عظمت غوائل الدنيا وشرورها فلا بد أولا من معرفة حقيقة الدنيا وما ~~هي وما الحكمة في خلقها مع عداوتها وما مدخل غرورها وشرورها فإن من لا يعرف ~~الشر لا يتقيه ويوشك أن يقع فيه ونحن نذكر ذم PageV03P201 # الدنيا وأمثلتها وحقيقتها وتفصيل معانيها وأصناف الأشغال المتعلقة بها ~~ووجه الحاجة إلى أصولها وسبب انصراف الخلق عن الله بسبب التشاغل بفضولها إن ~~شاء الله تعالى وهو المعين على ما يرتضيه ### ||| بيان ذم الدنيا # الآيات الواردة في ذم الدنيا وأمثلتها كثيرة وأكثر القرآن مشتمل على ذم ~~الدنيا وصرف الخلق عنها ودعوتهم إلى الآخرة بل هو مقصود الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام ولم يبعثوا إلا لذلك فلا حاجة إلى الاستشهاد بآيات القرآن ~~لظهورها وإنما نورد بعض الأخبار الواردة فيها # فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على شاة ميتة فقال أترون هذه ~~الشاة هينة على أهلها قالوا من هوانها ألقوها # قال والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها ولو ~~كانت الدنيا تعدل عند الله جناح ms1497 بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء (1) # وقال صلى الله عليه وسلم الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر (2) # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما ~~كان منها (3) # وقال أبو موسى الأشعري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب دنياه ~~أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى (4) # وقال صلى الله عليه وسلم حب الدنيا رأس كل خطيئة (5) # وقال زيد بن أرقم كنا مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه فدعا بشراب فأتي ~~بماء وعسل فلما أدناه من فيه بكى حتى أبكى أصحابه وسكتوا وما سكت ثم عاد ~~وبكى حتى ظنوا أنهم لا يقدرون على مسألته قال ثم مسح عينيه فقالوا يا خليفة ~~رسول الله ما أبكاك قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يدفع ~~عن نفسه شيئا ولم أر معه أحدا فقلت يا رسول الله ما الذي تدفع عن نفسك قال ~~هذه الدنيا مثلت لي فقلت لها إليك عني ثم رجعت فقالت إنك إن أفلت مني لم ~~يفلت مني من بعدك (6) # وقال صلى الله عليه وسلم يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى ~~لدار الغرور (7) # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على مزبلة فقال هلموا إلى ~~الدنيا وأخذ خرقا قد بليت على تلك المزبلة وعظاما قد نخرت فقال هذه الدنيا ~~(8) # وهذه إشارة إلى أن زينة الدنيا ستخلق مثل تلك الخرق وأن الأجسام التي ترى ~~بها ستصير عظاما بالية # وقال صلى الله عليه وسلم إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها ~~فناظر كيف تعملون إن بني إسرائيل لما PageV03P202 # بسطت لهم الدنيا ومهدت تاهوا في الحلية والنساء والطيب والثياب (1) # وقال عيسى عليه السلام لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم عبيدا اكنزوا كنزكم ~~عند من لا يضيعه فإن صاحب كنز الدنيا يخاف عليه الآفة وصاحب كنز الله لا ~~يخاف عليه الآفة وقال عليه أفضل الصلاة والسلام يا معشر الحواريين إني قد ~~كببت ms1498 لكم الدنيا على وجهها فلا تنعشوها بعدي فإن من خبث الدنيا أن عصي الله ~~فيها وإن من خبث الدنيا أن الآخرة لا تدرك إلا بتركها ألا فاعبروا الدنيا ~~ولا تعمروها واعلموا أن أصل كل خطيئة حب الدنيا ورب شهوة ساعة أورثت أهلها ~~حزنا طويلا # وقال أيضا بطحت لكم الدنيا وجلستم على ظهرها فلا ينازعنكم فيها الملوك ~~والنساء فأما الملوك فلا تنازعوهم الدنيا فإنهم لن يعرضوا لكم ما تركتموهم ~~ودنياهم وأما النساء فاتقوهن بالصوم والصلاة وقال أيضا الدنيا طالبة ~~ومطلوبة فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل فيها رزقه وطالب الدنيا ~~تطلبه الآخرة حتى يجيء الموت فيأخذ بعنقه وقال موسى ابن يسار قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن الله عز وجل لم يخلق خلقا أبغض إليه من الدنيا وأنه منذ ~~خلقها لم ينظر إليها (2) # وروي أن سليمان بن داود عليهما السلام مر في موكبه والطير تظله والجن ~~والإنس عن يمينه وشماله قال فمر بعابد من بني إسرائيل فقال والله يا ابن ~~داود لقد آتاك الله ملكا عظيما قال فسمع سليمان وقال لتسبيحة في صحيفة مؤمن ~~خير مما أعطى ابن داود فإن ما أعطى ابن داود يذهب والتسبيحة تبقى # وقال صلى الله عليه وسلم ألهاكم التكاثر يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك ~~من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت (3) حديث ~~الدنيا دار من لا دار له الحديث أخرجه أحمد من حديث عائشة مقتصرا على هذا ~~وعلى قوله ولها يجمع من لا عقل له دون بقيته وزاد ابن أبي الدنيا والبيهقي ~~في الشعب من طريقه ومال من لا مال له وإسناده جيد (4) حديث من أصبح والدنيا ~~أكبر همه فليس من الله في شيء وألزم الله قلبه أربع خصال الحديث أخرجه ~~الطبراني في الأوسط من حديث أبي ذر دون قوله وألزم الله قلبه وكذلك رواه ~~ابن أبي الدنيا من حديث أنس بإسناد ضعيف والحاكم من حديث حذيفة وروي هذه ~~الزيادة منفردة صاحب الفردوس من حديث ابن عمر وكلاهما ms1499 ضعيف (5) حديث أبي ~~هريرة ألا أريك الدنيا جميعها بما فيها قلت بلى يا رسول الله فأخذ بيدي ~~وأتى بي واديا من أودية المدينة فإذا مزبلة الحديث لم أجد له أصلا // # ويروى إن الله عز وجل لما أهبط آدم إلى الأرض قال له ابن للخراب ولد ~~للفناء PageV03P203 # وقال داود بن هلال مكتوب في صحف إبراهيم عليه السلام يا دنيا ما أهونك ~~على الأبرار الذين تصنعت وتزينت لهم إني قذفت في قلوبهم بغضك والصدود عنك ~~وما خلقت خلقا أهون علي منك كل شأنك صغير وإلى الفناء يصير قضيت عليك يوم ~~خلقتك أن لا تدومي لأحد ولا يدوم لك أحد وإن بخل بك صاحبك وشح عليك طوبى ~~للأبرار الذين أطلعوني من قلوبهم على الرضا ومن ضميرهم على الصدق ~~والاستقامة طوبى لهم ما لهم عندي من الجزاء إذا وفدوا إلي من قبورهم إلا ~~النور يسعى أمامهم والملائكة حافون بهم حتى أبلغهم ما يرجون من رحمتي وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا موقوفة بين السماء والأرض منذ خلقها ~~الله تعالى لم ينظر إليها وتقول يوم القيامة يا رب اجعلني لأدنى أوليائك ~~اليوم نصيبا فيقول اسكتي يا لا شيء إني لم أرضك لهم في الدنيا أرضاك لهم ~~اليوم (1) # وروي في أخبار آدم عليه السلام أنه لما أكل من الشجرة تحركت معدته لخروج ~~الثقل ولم يكن ذلك مجعولا في شيء من أطعمة الجنة إلا في هذه الشجرة فلذلك ~~نهيا عن أكلها قال فجعل يدور في الجنة فأمر الله تعالى ملكا يخاطبه فقال له ~~قل له أي شيء تريد قال آدم أريد أن أضع ما في بطني من الأذى فقيل للملك قل ~~له في أي مكان تريد أن تضعه أعلى الفرش أم على السرر أم على الأنهار أم تحت ~~ظلال الأشجار هل ترى ههنا مكانا يصلح لذلك اهبط إلى الدنيا وقال صلى الله ~~عليه وسلم ليجيئن أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة فيؤمر بهم إلى ~~النار قالوا يا رسول الله مصلين قال نعم كانوا يصلون ويصومون ms1500 ويأخذون هنة ~~من الليل فإذا عرض لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه (2) # وقال صلى الله عليه وسلم في بعض خطبه المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى ~~لا يدري ما الله صانع فيه وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه فليتزود ~~العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن حياته لموته ومن شبابه لهرمه فإن ~~الدنيا خلقت لكم وأنتم خلقتم للآخرة والذي نفسي بيده ما بعد الموت من ~~مستعتب ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار (3) وقال عيسى عليه ~~السلام لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في ~~إناء واحد وروي أن جبريل عليه السلام قال لنوح عليه السلام يا أطول ~~الأنبياء عمرا كيف وجدت الدنيا قال كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من ~~الآخر قيل لعيسى عليه السلام لو اتخذت بيتا يكنك # قال يكفينا خلقان من كان قبلنا # وقال نبينا صلى الله عليه وسلم احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت ~~(4) # وعن الحسن قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على أصحابه فقال ~~هل منكم من يريد أن يذهب الله عنه العمى ويجعله بصيرا ألا إنه من رغب في ~~الدنيا وطال أمله فيها أعمى الله قلبه على قدر ذلك ومن زهد في الدنيا وقصر ~~فيها أمله أعطاه الله علما بغير تعلم وهدى بغير هداية ألا أنه سيكون بعدكم ~~قوم لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل والتجبر ولا الغنى إلا بالفخر والبخل ~~ولا المحبة إلا باتباع الهوى إلا فمن أدرك ذلك الزمان منكم فصبر على الفقر ~~وهو يقدر على الغنى وصبر على البغضاء وهو يقدر على المحبة وصبر على الذل ~~وهو يقدر على العز لا يريد بذلك إلا وجه الله تعالى أعطاه الله ثواب خمسين ~~صديقا // حديث الحسن هل منكم من يريد أن يذهب الله عنه العمى الحديث أخرجه ~~ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب من طريقه هكذا مرسلا وفيه إبراهيم بن ~~الأشعث تكلم فيه أبو ms1501 حاتم وروي أن عيسى عليه السلام اشتد عليه المطر والرعد ~~PageV03P204 # والبرق يوما فجعل يطلب شيئا يلجأ إليه فوقعت عينه على خيمة من بعيد ~~فأتاها فإذا فيها امرأة فحاد عنها فإذا هو بكهف في جبل فأتاه فإذا فيه أسد ~~فوضع يده عليه وقال إلهي جعلت لكل شيء مأوى ولم تجعل لي مأوى فأوحى الله ~~تعالى إليه مأواك في مستقر رحمتي لأزوجنك يوم القيامة مائة حوراء خلقتها ~~بيدي ولأطعمن في عرسك أربعة آلاف عام يوم منها كعمر الدنيا ولآمرن مناديا ~~ينادي أين الزهاد في الدنيا زوروا عرس الزاهد في الدنيا عيسى ابن مريم وقال ~~عيسى ابن مريم عليه السلام ويل لصاحب الدنيا كيف يموت ويتركها وما فيها ~~وتغره ويأمنها ويثق بها وتخذله وويل للمغترين كيف أرتهم ما يكرهون وفارقهم ~~ما يحبون وجاءهم ما يوعدون وويل لمن الدنيا همه والخطايا عمله كيف يفتضح ~~غدا بذنبه وقيل أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام يا موسى مالك ولدار ~~الظالمين إنها ليست لك بدار أخرج منها همك وفارقها بعقلك فبئست الدار هي ~~إلا لعامل يعمل فيها فنعمت الدار هي يا موسى إني مرصد للظالم حتى آخذ منه ~~للمظلوم وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح ~~فجاء بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف ~~فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال أظنكم ~~سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء قالوا أجل يا رسول الله قال فأبشروا وأملوا ما ~~يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا ~~كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم (1) # وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أكثر ما أخاف ~~عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض فقيل ما بركات الأرض قال زهرة ~~الدنيا (2) # وقال صلى ms1502 الله عليه وسلم لا تشغلوا قلوبكم بذكر الدنيا (3) # فنهى عن ذكرها فضلا عن إصابة عينها وقال عمار بن سعيد مر عيسى عليه ~~السلام بقرية فإذا أهلها موتى في الأفنية والطرق فقال يا معشر الحواريين إن ~~هؤلاء ماتوا عن سخطة ولو ماتوا عن غير ذلك لتدافنوا فقالوا يا روح الله ~~وددنا أن لو علمنا خبرهم فسأل الله تعالى فأوحى إليه إذا كان الليل فنادهم ~~يجيبوك فلما كان الليل أشرف على نشز ثم نادى يا أهل القرية فأجابه مجيب ~~لبيك يا روح الله فقال ما حالكم وما قصتكم قال بتنا في عافية وأصبحنا في ~~الهاوية قال وكيف ذاك قال بحبنا الدنيا وطاعتنا أهل المعاصي قال وكيف كان ~~حبكم للدنيا قال حب الصبي لأمه إذا أقبلت فرحنا بها وإذا أدبرت حزنا وبكينا ~~عليها قال فما بال أصحابك لم يجيبوني قال لأنهم ملجمون بلجم من نار بأيدي ~~ملائكة غلاظ شداد قال فكيف أجبتني أنت من بينهم قال لأني كنت فيهم ولم أكن ~~منهم فلما نزل بهم العذاب أصابني معهم فأنا معلق على شفير جهنم لا أدري ~~أأنجوا منها أم أكبكب فيها فقال المسيح للحواريين لأكل خبز الشعير بالملح ~~الجريش ولبس المسوح والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة وقال ~~أنس كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء لا تسبق فجاء أعرابي ~~بناقة له فسبقها فشق ذلك على المسلمين فقال صلى الله عليه وسلم إنه حق على ~~الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه (4) وقال عيسى عليه السلام من ~~الذي يبني على موج البحر دارا تلكم الدنيا فلا PageV03P205 # تتخذوها قرارا وقيل لعيسى عليه السلام علمنا علما واحدا يحبنا الله عليه ~~قال ابغضوا الدنيا يحبكم الله تعالى وقال أبو الدرداء قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولهانت عليكم ~~الدنيا ولآثرتم الآخرة (1) ثم قال أبو الدرداء من قبل نفسه لو تعلمون ما ~~أعلم لخرجتم إلى الصعدات تجأرون وتبكون على أنفسكم ولتركتم أموالكم لا ms1503 حارس ~~لها ولا راجع إليها إلا ما لابد لكم منه ولكن يغيب عن قلوبكم ذكر الآخرة ~~وحضرها الأمل فصارت الدنيا أملك بأعمالكم وصرتم كالذين لا يعلمون فبعضكم شر ~~من البهائم التي لا تدع هواها مخافة مما في عاقبته ما لكم لا تحابون ولا ~~تناصحون وأنتم إخوان على دين الله ما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم ولو ~~اجتمعتم على البر لتحاببتم ما لكم تناصحون في أمر الدنيا ولا تناصحون في ~~أمر الآخرة ولا يملك أحدكم النصيحة لمن يحبه ويعينه على أمر آخرته ما هذا ~~إلا من قلة الإيمان في قلوبكم لو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرها كما توقنون ~~بالدنيا لآثرتم طلب الآخرة لأنها أملك لأموركم فإن قلتم حب العاجلة غالب ~~فإنا نراكم تدعون العاجلة من الدنيا للآجل منها تكدون أنفسكم بالمشقة ~~والاحتراف في طلب أمر لعلكم لا تدركونه فبئس القوم أنتم ما حققتم إيمانكم ~~بما يعرف به الإيمان البالغ فيكم فإن كنتم في شك مما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم فائتونا لنبين لكم ولنريكم من النور ما تطمئن إليه قلوبكم والله ~~ما أنتم بالمنقوصة عقولكم فنعذركم إنكم تستبينون صواب الرأي في دنياكم ~~وتأخذون بالحزم في أموركم ما لكم تفرحون باليسير من الدنيا تصيبونه وتحزنون ~~على اليسير منها يفوتكم حتى يتبين ذلك في وجوهكم ويظهر على ألسنتكم ~~وتسمونها المصائب وتقيمون فيها المآتم وعامتكم قد تركوا كثيرا من دينهم ثم ~~لا يتبين ذلك في وجوهكم ولا يتغير حالكم إني لأرى الله قد تبرأ منكم يلقى ~~بعضكم بعضا بالسرور وكلكم يكره أن يستقبل صاحبه بما يكره مخافة أن يستقبله ~~صاحبه بمثله فاصطحبتم على الغل ونبتت مراعيكم على الدمن وتصافيتم على رفض ~~الأجل ولوددت أن الله تعالى أراحني منكم وألحقني بمن أحب رؤيته ولو كان حيا ~~لم يصابركم فإن كان فيكم خير فقد أسمعتكم وإن تطلبوا ما عند الله تجدوه ~~يسيرا وبالله أستعين على نفسي وعليكم وقال عيسى عليه السلام يا معشر ~~الحواريين ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين كما رضى أهل ms1504 الدنيا بدنيء ~~الدين مع سلامة الدنيا وفي معناه قيل # أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا ... وما أراهم رضوا في العيش بالدون # فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما استغنى ... الملوك بدنياهم عن الدين # وقال عيسى عليه السلام يا طالب الدنيا لتبر تركك الدنيا أبر # وقال نبينا صلى الله عليه وسلم لتأتينكم بعدي دنيا تأكل إيمانكم كما تأكل ~~النار الحطب (2) # وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام يا موسى لا تركنن إلى حب الدنيا ~~فلن تأتيني بكبيرة هي أشذ منها # ومر موسى عليه السلام برجل وهو يبكي ورجع وهو يبكي فقال موسى يا رب عبدك ~~يبكي من مخافتك فقال يا ابن عمران لو سال دماغه مع دموع عينيه ورفع يديه ~~حتى يسقطا لم أغفر له وهو يحب الدنيا # الآثار قال علي رضي الله عنه من جمع فيه ست خصال لم يدع للجنة مطلبا ولا ~~عن النار مهربا أولها من PageV03P206 # عرف الله وأطاعه وعرف الشيطان فعصاه وعرف الحق فاتبعه وعرف الباطل فاتقاه ~~وعرف الدنيا فرفضها وعرف الآخرة فطلبها # وقال الحسن رحم الله أقواما كانت الدنيا عندهم وديعة فأدوها إلى من ~~ائتمنهم عليها ثم راحوا خفافا وقال أيضا رحمه الله من نافسك في دينك فنافسه ~~ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره وقال لقمان عليه السلام لابنه يا بني إن ~~الدنيا بحر عميق وقد غرق فيه ناس كثير فلتكن سفينتك فيه تقوى الله عز وجل ~~وحشوها الإيمان بالله تعالى وشراعها التوكل على الله عز وجل لعلك تنجو وما ~~أراك ناجيا وقال الفضيل طالت فكرتي في هذه الآية {إنا جعلنا ما على الأرض ~~زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} وقال ~~بعض الحكماء إنك لن تصبح في شيء من الدنيا إلا وقد كان له أهل قبلك وسيكون ~~له أهل بعدك وليس لك من الدنيا إلا عشاء ليلة وغداء يوم فلا تهلك في أكله ~~وصم عن الدنيا وأفطر على الآخرة وإن رأس مال الدنيا الهوى وربحها النار ~~وقيل لبعض الرهبان كيف ms1505 ترى الدهر قال يخلق الأبدان ويجدد الآمال ويقرب ~~المنية ويبعد الأمنية قيل فما حال أهله قال من ظفر به تعب ومن فاته نصب وفي ~~ذلك قيل # ومن يحمد الدنيا لعيش يسره ... فسوف لعمري عن قليل يلومها # إذا أدبرت كانت على المرء حسرة ... وإن أقبلت كانت كثيرا همومها وقال بعض ~~الحكماء كانت الدنيا ولم أكن فيها وتذهب الدنيا ولا أكون فيها فلا أسكن ~~إليها فإن عيشها نكد وصفوها كدر وأهلها منها على وجل إما بنعمة زائلة أو ~~بلية نازلة أو منية قاضية وقال بعضهم من عيب الدنيا أنها لا تعطي أحدا ما ~~يستحق لكنها إما أن تزيد وإما أن تنقص وقال سفيان أما ترى النعم كأنها ~~مغضوب عليها قد وضعت في غير أهلها وقال أبو سليمان الداراني من طلب الدنيا ~~على المحبة لها لم يعط منها شيئا إلا أراد أكثر ومن طلب الآخرة على المحبة ~~لها لم يعط منها شيئا إلا أراد أكثر وليس لهذا غاية وقال رجل لأبي حازم ~~أشكو إليك حب الدنيا وليست لي بدار فقال انظر ما آتاكه الله عز وجل منها ~~فلا تأخذه إلا من حلة ولا تضعه إلا في حقه ولا يضرك حب الدنيا # وإنما قال هذا لأنه لو آخذ نفسه بذلك لألعبه حتى يتبرم بالدنيا ويطلب ~~الخروج منها وقال يحيى بن معاذ الدنيا حانوت الشيطان فلا تسرق من حانوته ~~شيئا فيجيء في طلبه فيأخذك وقال الفضيل لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة ~~من خزف يبقى لكان ينبغي لنا أن نختار خزفا يبقى على ذهب يفنى فكيف وقد ~~اخترنا خزفا يفني على ذهب يبقى وقال أبو حازم إياكم والدنيا فإنه بلغني أنه ~~يوقف العبد يوم القيامة إذا كان معظما الدنيا فيقال هذا عظم ما حقره الله ~~وقال ابن مسعود ما أصبح أحد من الناس إلا وهو ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل ~~والعارية مردودة وفي ذلك قيل # وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع # وزار رابعة أصحابها فذكروا الدنيا فأقبلوا على ذمها ms1506 فقالت اسكتوا عن ~~ذكرها فلولا موقعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها ألا من أحب شيئا أكثر من ~~ذكره وقيل لإبراهيم بن أدهم كيف أنت فقال # نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع # فطوبى لعبد آثر الله ربه ... وجاد بدنياه لما يتوقع # وقيل أيضا في ذلك # أرى طالب الدنيا وإن طال عمره ... ونال من الدنيا سرورا وأنعما PageV03P207 # كبان بنى بنيانه فأقامه ... فلما استوى ما قد بناه تهدما # وقيل أيضا في ذلك # هب الدنيا تساق إليك عفوا ... أليس مصير ذاك إلى انتقال # وما دنياك إلا مثل فيء ... أظلك ثم آذن بالزوال # وقال لقمان لابنه يا بني بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ولا تبع آخرتك ~~بدنياك تخسرهما جميعا وقال مطرف ابن الشخير لا تنظر إلى خفض عيش الملوك ~~ولين رياشهم ولكن انظر إلى سرعة ظعنهم وسوء منقلبهم وقال ابن عباس إن الله ~~تعالى جعل الدنيا ثلاثة أجزاء جزء للمؤمن وجزء للمنافق وجزء للكافر فالمؤمن ~~يتزود والمنافق يتزين والكافر يتمتع وقال بعضهم الدنيا جيفة فمن أراد منها ~~شيئا فليصبر على معاشرة الكلاب وفي ذلك قيل يا خاطب الدنيا إلى نفسها ... ~~تنح عن خطبتها تسلم # إن التي تخطب غدارة ... قريبة العرس من المأتم # وقال أبو الدرداء من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها ولا ينال ~~ما عنده إلا بتركها # وفي ذلك قيل # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق # وقيل أيضا # يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا # أفنى القرون التي كانت منعمة ... كر الجديدين إقبالا وإدبارا # كم قد أبادت صروف الدهر من ملك ... قد كان في الدهر نفاعا وضرارا # يا من يعانق دنيا لا بقاء لها ... يمسي ويصبح في دنياه سفارا # هلا تركت من الدنيا معانقة ... حتى تعانق في الفردوس أبكارا # إن كنت تبغي جنان الخلد تسكنها ... فينبغي لك أن لا تأمن النارا # وقال أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~أتت إبليس جنوده ms1507 فقالوا قد بعث نبي وأخرجت أمة قال يحبون الدنيا قالوا نعم ~~قال لئن كانوا يحبون الدنيا ما أبالي أن لا يعبدوا الأوثان وإنما أغدو ~~عليهم وأروح بثلاث أخذ المال من غير حقه وإنفاقه في غير حقه وإمساكه عن حقه ~~والشر كان من هذا نبع وقال رجل لعلي كرم الله وجهه يا أمير المؤمنين صف لنا ~~الدنيا قال وما أصف لك من دار صح فيها سقم ومن أمن فيها ندم ومن افتقر فيها ~~حزن ومن استغنى فيها افتتن في حلالها الحساب وفي حرامها العقاب ومتشابهها ~~العتاب وقيل له ذلك مرة أخرى فقال أطول أم أقصر فقيل قصر فقال حلالها حساب ~~وحرامها عذاب وقال مالك بن دينار اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء ~~يعني الدنيا # وقال أبو سليمان الداراني إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزاحمها ~~فإذا كانت الدنيا في القلب لم تزاحمها الآخرة لأن الآخرة كريمة والدنيا ~~لئيمة وهذا تشديد عظيم ونرجو أن يكون ما ذكره سيار بن الحكم أصح إذ قال ~~الدنيا والآخرة يجتمعان في القلب فأيهما غلب كان الآخر تبعا له وقال مالك ~~بن دينار بقدر ما تحزن للدنيا يخرج هم الآخرة من قلبك وبقدر ما تحزن للآخرة ~~يخرج هم الدنيا من قلبك وهذا اقتباس مما قاله علي كرم الله وجهه حيث قال ~~الدنيا PageV03P208 # والآخرة ضرتان فبقدر ما ترضى إحداهما تسخط الأخرى وقال الحسن والله لقد ~~أدركت أقواما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه ما يبالون ~~أشرقت الدنيا أم غربت ذهبت إلى ذا أو ذهبت إلى ذا وقال رجل للحسن ما تقول ~~في رجل آتاه الله مالا فهو يتصدق منه ويصل منه أيحسن له أن يتعيش فيه يعني ~~يتنعم فقال لا لو كانت له الدنيا كلها ما كان له منها إلا الكفاف ويقدم ذلك ~~ليوم فقره وقال الفضيل لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت على حلالا لا أحاسب ~~عليها في الآخرة لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ~~ثوبه وقيل لما قدم ms1508 عمر رضي الله عنه الشام فاستقبله أبو عبيدة بن الجراح ~~على الناقة مخطومة بحبل فسلم وسأله ثم أتى منزله فلم ير فيه إلا سيفه وترسه ~~ورحله فقال له عمر رضي الله عنه لو اتخذت متاعا فقال يا أمير المؤمنين إن ~~هذا يبلغنا المقيل # وقال سفيان خذ من الدنيا لبدنك وخذ من الآخرة لقلبك # وقال الحسن والله لقد عبدت بنو إسرائيل الأصنام بعد عبادتهم الرحمن بحبهم ~~الدنيا # وقال وهب قرأت في بعض الكتب الدنيا غنيمة الأكياس وغفلة الجهال لم ~~يعرفوها حتى خرجوا منها فسألوا الرجعة فلم يرجعوا وقال لقمان لابنه يا بني ~~إنك استدبرت الدنيا من يوم نزلتها واستقبلت الآخرة فأنت إلى دار تقرب منها ~~أقرب من دار تباعد عنها وقال سعيد بن مسعود إذا رأيت العبد تزداد دنياه ~~وتنقص آخرته وهو به راض فذلك المغون الذي يلعب بوجهه وهو لا يشعر وقال عمرو ~~بن العاص على المنبر والله ما رأيت قوما قط أرغب فيما كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يزهد فيه منكم والله ما مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلاث إلا والذي عليه أكثر من الذي له (1) # وقال الحسن بعد أن تلا قوله تعالى {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} من قال ذا ~~قاله من خلقها ومن هو أعلم بها إياكم وما شغل من الدنيا فإن الدنيا كثيرة ~~الأشغال لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه ~~عشرة أبواب وقال أيضا مسكين ابن أدم رضي بدار حلالها حساب وحرامها عذاب إن ~~أخذه من حله حوسب به وإن أخذه من حرام عذب به ابن آدم يستقل ماله ولا يستقل ~~عمله يفرح بمصيبته في دينه ويجزع من مصيبته في دنياه وكتب الحسن إلى عمر بن ~~عبد العزيز سلام عليك أما بعد فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات فأجابه ~~عمر سلام عليك كأنك بالدنيا ولم تكن وكأنك بالآخرة لم تزل وقال الفضيل بن ~~عياض الدخول في الدنيا هين ولكن الخروج منها شديد وقال ms1509 بعضهم عجبا لمن يعرف ~~أن الموت حق كيف يفرح وعجبا لمن يعرف أن النار حق كيف يضحك وعجبا لمن رأى ~~تقلب الدنيا بأهلها كيف يطمئن إليها وعجبا لمن يعلم أن القدر حق كيف ينصب ~~وقدم على معاوية رضي الله عنه رجل من نجران عمره مائتا سنة فسأله عن الدنيا ~~كيف وجدها فقال سنيات بلاء وسنيات رخاء يوم فيوم وليلة فليلة يولد ولد ~~ويهلك هالك فلولا المولود لباد الخلق ولولا الهالك ضاقت الدنيا بمن فيها ~~فقال له سل ما شئت قال عمر مضى فترده أو أجل حضر فتدفعه قال لا أملك ذلك ~~قال لا حاجة لي إليك وقال داود الطائي رحمه الله يا ابن آدم فرحت ببلوغ ~~أملك وإنما بلغته بانقضاه أجلك ثم سوفت بعملك كان منفعته لغيرك وقال بشر من ~~سأل الله الدنيا فإنما يسأله طول الوقوف بين يديه وقال أبو حازم ما في ~~الدنيا شيء يسرك إلا وقد ألصق الله إليه شيئا يسوءك وقال الحسن لا تخرج نفس ~~ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث أنه لم يشبع مما جمع ولم يدرك ما أمل ~~ولم يحسن الزاد لما يقدم عليه وقيل لبعض العباد قد نلت الغنى فقال إنما نال ~~الغنى من عتق من رق الدنيا وقال أبو سليمان لا يصبر PageV03P209 # عن شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله بالآخرة وقال مالك بن دينار ~~اصطلحنا على حب الدنيا فلا يأمر بعضنا بعضا ولا ينهى بعضنا بعضا ولا يدعنا ~~الله على هذا فليت شعري أي عذاب الله ينزل علينا وقال أبو حازم يسير الدنيا ~~يشغل عن كثير الآخرة وقال الحسن أهينوا الدنيا فو الله ما هي لأحد بأهنأ ~~منها لمن أهانها # وقال أيضا إذا أراد الله بعبد خيرا أعطاه من الدنيا عطية ثم يمسك فإذا ~~نفذ أعاد عليه وإذا هان عليه عبد بسط له الدنيا بسطا وكان بعضهم يقول في ~~دعائه يا ممسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنك أمسك الدنيا عني وقال ~~محمد بن المنكدر أرأيت لو ms1510 أن رجلا صام الدهر لا يفطر وقام الليل لا ينام ~~وتصدق بماله وجاهد في سبيل الله واجتنب محارم الله غير أنه يؤتى به يوم ~~القيامة فيقال إن هذا عظم في عينه ما صغره الله وصغر في عينه ما عظمه الله ~~كيف ترى يكون حاله فمن منا ليس هكذا الدنيا عظيمة عنده مع ما اقترفنا من ~~الذنوب والخطايا وقال أبو حازم اشتدت مؤنة الدنيا والآخرة فأما مؤنة الآخرة ~~فإنك لا تجد عليها أعوانا وأما مؤنة الدنيا فإنك لا تضرب بيدك إلى شيء منها ~~إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه وقال أبو هريرة الدنيا موقوفة بين السماء ~~والأرض كالشن البالي تنادي ربها منذ خلقها إلى يوم يفنيها يا رب يا رب لم ~~تبغضني فيقول لها اسكتي يا لا شيء وقال عبد الله بن المبارك حب الدنيا ~~والذنوب في القلب قد احتوشته فمتى يصل الخير إليه وقال وهب بن منبه من فرح ~~قلبه بشيء من الدنيا فقد أخطأ الحكمة ومن جعل شهوته تحت قدميه فرق الشيطان ~~من ظله ومن غلب علمه هواه فهو الغالب وقيل لبشر مات فلان فقال جمع الدنيا ~~وذهب إلى الآخرة ضيع نفسه قيل له إنه كان يفعل ويفعل وذكروا أبوابا من البر ~~فقال وما ينفع هذا وهو يجمع الدنيا وقال بعضهم الدنيا تبغض إلينا نفسها ~~ونحن نحبها فكيف لو تحببت إلينا وقيل لحكيم الدنيا لمن هي قال لمن تركها ~~فقيل الآخرة لمن هي قال لمن طلبها وقال حكيم الدنيا دار خراب وأخرب منها ~~قلب من يعمرها والجنة دار عمران وأعمر منها قلب من يطلبها وقال الجنيد كان ~~الشافعي رحمه الله من المريدين الناطقين بلسان الحق في الدنيا وعظ أخا له ~~في الله وخوفه بالله فقال يا أخي إن الدنيا دحض مزلة ودار مذلة عمرانها إلى ~~الخراب صائر وساكنها إلى القبور زائر شملها على الفرقة موقوف وغناها إلى ~~الفقر مصروف الإكثار فيها إعسار والإعسار فيها يسار فافزع إلى الله وارض ~~برزق الله لا تتسلف من دار بقائك إلى دار فنائك ms1511 فإن عيشتك فيء زائل وجدار ~~مائل أكثر من عملك وأقصر من أملك وقال إبراهيم بن أدهم لرجل أدرهم في ~~المنام أحب إليك أم دينار في اليقظة فقال دينار في اليقظة فقال كذبت لأن ~~الذي تحبه في الدنيا كأنك تحبه في المنام والذي لا تحبه في الآخرة كأنك لا ~~تحبه في اليقظة وعن إسماعيل بن عياش قال كان أصحابنا يسمون الدنيا خنزيرة ~~فيقولون إليك عنا يا خنزيرة فلو وجدوا لها أسماء أقبح من هذا لسموها به ~~وقال كعب لتحببن إليكم الدنيا حتى تعبدوها وأهلها وقال يحيى بن معاذ الرازي ~~رحمه الله العقلاء ثلاثة من ترك الدنيا قبل أن تتركه وبنى قبره قبل أن ~~يدخله وأرضى خالقه قبل أن يلقاه وقال أيضا الدنيا بلغ شؤمها أن تمنيك لما ~~يلهيك عن طاعة الله فكيف الوقوع فيها وقال بكر بن عبد الله من أراد أن ~~يستغني عن الدنيا بالدنيا كان كمطفيء النار بالتبن وقال بندار إذا رأيت ~~أبناء الدنيا يتكلمون في الزهد فاعلم أنهم في سخرة الشيطان وقال أيضا من ~~أقبل على الدنيا أحرقته نيرانها يعني الحرص حتى يصير رمادا ومن أقبل على ~~الآخرة صفته بنيرانها فصار سبيكة ذهب ينتفع به ومن أقبل على الله عز وجل ~~أحرقته نيران التوحيد فصار جوهرا لا حد لقيمته وقال علي كرم الله وجهه إنما ~~الدنيا ستة أشياء مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب PageV03P210 # ومنكوح ومشموم فأشرف المطعومات العسل وهو مذقة ذباب وأشرف المشروبات ~~الماء ويستوي فيه البر والفاجر وأشرف الملبوسات الحرير وهو نسج دودة وأشرف ~~المركوبات الفرس وعليه يقتل الرجال وأشرف المنكوحات المرأة وهي مبال في ~~مبال وإن المرأة لتزين أحسن شيء منها ويراد أقبح شيء منها وأشرف المشمومات ~~المسك وهو دم ### ||| بيان المواعظ في ذم الدنيا وصفتها # قال بعضهم يا أيها الناس اعملوا على مهل وكونوا من الله على وجل ولا ~~تغتروا بالأمل ونسيان الأجل ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدارة خداعة قد ~~تزخرف لكم بغرورها وفتنتكم بأمانيها وتزينت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلية ~~العيون إليها ناظرة والقلوب عليها ms1512 عاكفة والنفوس لها عاشقة فكم من عاشق لها ~~قتلت ومطمئن إليها خذلت فانظروا إليها بعين الحقيقة فإنها دار كثير بوائقها ~~وذمها خالقها جديدها يبلى وملكها يفنى وعزيزها يذل وكثيرها يقل ودها يموت ~~وخيرها يفوت فاستيقظوا رحمكم الله من غفلتكم وانتبهوا من رقدتكم قبل أن ~~يقال فلان عليل أو مدنف ثقيل فهو على الدواء من دليل وهل إلى الطبيب من ~~سبيل فتدعى له الأطباء ولا يرجى له الشفاء ثم يقال فلان أوصى ولماله أحصى ~~ثم يقال قد ثقل لسانه فما يكلم إخوانه ولا يعرف جيرانه وعرق عند ذلك جبينك ~~وتتابع أنينك وثبت يقينك وطمحت جفونك وصدقت ظنونك وتلجلج لسانك وبكى إخوانك ~~وقيل لك هذا ابنك فلان وهذا أخوك فلان ومنعت من الكلام فلا تنطق وختم على ~~لسانك فلا ينطلق ثم حل بك القضاء وانتزعت نفسك من الأعضاء ثم عرج بها إلى ~~السماء فاجتمع عند ذلك إخوانك وأحضرت أكفانك فغسلوك وكفنوك فانقطع عوادك ~~واستراح حسادك وانصرف أهلك إلى مالك وبقيت مرتهنا بأعمالك وقال بعضهم لبعض ~~الملوك إن أحق الناس بذم الدنيا وقلاها من بسط له فيها وأعطى حاجته منها ~~لأنه يتوقع آفة تعدو على ماله فتجتاحه أو على جمعه فتفرقه أو تأتي سلطانه ~~فتهدمه من القواعد أو تدب إلى جسمه فتسقمه أو تفجعه بشيء هو ضنين به بين ~~أحبابه فالدنيا أحق بالذم هي الآخذة ما تعطي الراجعة فيما تهب بينا هي تضحك ~~صاحبها إذا أضحكت منه غيره وبينا تبكي له إذ أبكت عليه وبينا هي تبسط كفها ~~بالإعطاء إذ بسطتها بالاسترداد فتعقد التاج على رأس صاحبها اليوم وتعفره ~~بالتراب غدا سواء عليها ذهاب ما ذهب وبقاء ما بقي تجد في الباقي من الذاهب ~~خلفا وترضى بكل من كل بدلا وكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز أما ~~بعد فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة وإنما أنزل آدم عليه السلام من ~~الجنة إلى عقوبة فاحذرها يا أمير المؤمنين فإن الزاد منها تركها والغني ~~منها فقرها لها في كل حين قتيل تذل ms1513 من أعزها وتفقر من جمعها هي كالسم يأكله ~~من لا يعرفه وفيه حتفه فكن فيها كالمداوي جراحه يحتمي قليلا مخافة ما يكره ~~طويلا ويصبر على شدة الدواء مخافة طول الداء فاحذر هذه الدار الغدارة ~~الختالة الخداعة التي قد تزينت بخدعها وفتنت بغرورها حلت بآمالها وسوفت ~~بخطابها فأصبحت كالعروس المجلية العيون إليها ناظرة والقلوب عليها والهة ~~والنفوس لها عاشقة وهي لأزواجها كلهم قالية فلا الباقي بالماضي معتبر ولا ~~الآخر بالأول مزدجر ولا العارف بالله عز وجل حين أخبره عنها مدكر فعاشق لها ~~قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسي المعاد فشغل فيها لبه حتى زلت به قدمه ~~فعظمت ندامته وكثرت حسرته واجتمعت عليه سكرات الموت وتألمه وحسرات الفوت ~~بغصته وراغب فيها لم يدرك منها ما طلب ولم يروح نفسه من التعب فخرج بغير ~~زاد وقدم PageV03P211 # على غير مهاد فاحذرها يا أمير المؤمنين وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما ~~تكون لها فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه السار ~~في أهلها غار والنافع فيها غدار ضار وقد وصل الرخاء منها بالبلاء وجعل ~~البقاء فيها إلى فناء فسروها مشوب بالأحزان لا يرجع منها ما ولى وأدبر ولا ~~يدري ما هو آت فينتظر أمانيها كاذبة وآمالها باطلة وصفوها كدر وعيشها نكد ~~وابن آدم فيها على خطر إن عقل ونظر فهو من النعماء على خطر ومن البلاء على ~~الحذر فلو كان الخالق لم يخبر عنها خبرا ولم يضرب لها مثلا لكانت الدنيا قد ~~أيقظت النائم ونبهت الغافل فكيف وقد جاء من الله عز وجل عنها زاجرا وفيها ~~واعظ فما لها عند الله جل ثناؤه قدر وما نظر إليها منذ خلقها ولقد عرضت على ~~نبيك صلى الله عليه وسلم بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك عند الله جناح ~~بعوضة فأبى أن يقبلها (1) إذ كره أن يخالف على الله أمره أو يحب ما أبغضه ~~خالقه أو يرفع ما وضع مليكه فزواها عن الصالحين اختبارا وبسطها لأعدائه ~~اغترارا فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه ms1514 أكرم بها ونسي ما صنع الله عز ~~وجل بمحمد صلى الله عليه وسلم حين شد الحجر على بطنه (2) # ولقد جاءت الرواية عنه عن ربه عز وجل أنه قال لموسى عليه السلام إذا رأيت ~~الغني مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار ~~الصالحين وإن شئت اقتديت بصاحب الروح والكلمة عيسى ابن مريم عليه السلام ~~فإنه كان يقول إدامي الجوع وشعاري الخوف ولباسي الصوف وصلائي في الشتاء في ~~مشارق الشمس وسراجي القمر ودابتي رجلاي وطعامي وفاكهتي ما أنبتت الأرض أبيت ~~وليس لي شيء وأصبح وليس لي شيء وليس على الأرض أحد أغنى مني وقال وهب بن ~~منبه لما بعث الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون قال لا يرو ~~عنكما لباسه الذي لبس من الدنيا فإن ناصيته بيدي ليس ينطق ولا يطرف ولا ~~يتنفس إلا بإذني ولا يعجبنكما ما تمتع به منها فإنما هي زهرة الحياة الدنيا ~~وزينة المترفين فلو شئت أن أزينكما بزينة من الدنيا يعرف فرعون حين يراها ~~أن قدرته تعجز عما أوتيتما لفعلت ولكني أرغب بكما عن ذلك فأزوي ذلك عنكما ~~وكذلك أفعل بأوليائي إني لأذودهم عن نعيمها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن ~~مراتع الهلكة وإني لأجنبهم ملاذها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن منازل ~~الغرة وما ذاك لهوانهم علي ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا ~~إنما يتزين لي أوليائي بالذل والخوف والخضوع والتقوى تنبت في قلوبهم وتظهر ~~على أجسادهم فهي ثيابهم التي يلبسون ودثارهم الذي يظهرون وضميرهم الذي ~~يستشعرون ونجاتهم التي بها يفوزون ورجاؤهم الذي إياه يأملون ومجدهم الذي به ~~يفخرون وسيماهم التي بها يعرفون فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ~~ولسانك واعلم أنه من أخاف لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ثم أنا الثائر له ~~يوم القيامة # وخطب علي كرم الله وجهه يوما خطبة فقال فيها اعلموا أنكم ميتون ومبعوثون ~~من بعد الموت وموقوفون على أعمالكم ومجزيون بها فلا تغرنكم الحياة الدنيا ~~فإنها بالبلاء محفوفة وبالفناء معروفة ms1515 وبالغدر موصوفة وكل ما فيها إلى زوال ~~وهي بين أهلها دول وسجال لا تدوم أحوالها ولا يسلم من شرها نزالها بينا ~~أهلها منها في رخاء PageV03P212 # وسرور إذا هم منها في بلاء وغرور أحوال مختلفة وتارات منصرفة العيش فيها ~~مذموم والرخاء فيها لا يدوم وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها ~~وتقصيهم بحمامها وكل حتفه فيها مقدور وحظه فيها موفور واعلموا عباد الله ~~أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم ~~أعمارا وأشد منكم بطشا وأعمر ديارا وأبعد آثارا فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة ~~من بعد طول تقلبها وأجسادهم بالية وديارهم على عروشها خاوية وآثارهم عافية ~~واستبدلوا بالقصور المشيدة والسرر والنمارق الممهدة الصخور والأحجار ~~المسندة في القبور اللاطئة الملحدة فمحلها مقترب وساكنها مغترب بين أهل ~~عمارة موحشين وأهل محلة متشاغلين لا يستأنسون بالعمران ولا يتواصلون تواصل ~~الجيران والإخوان على ما بينهم من قرب المكان والجوار ودنو الدار وكيف يكون ~~بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البلا وأكلتهم الجنادل والثرى وأصبحوا بعد ~~الحياة أمواتا وبعد نضارة العيش رفاتا فجع بهم الأحباب وسكنوا تحت التراب ~~ظعنوا فليس لهم إياب هيهات هيهات {كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ ~~إلى يوم يبعثون} فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلاء والوحدة في دار ~~المثوى وارتهنتم في ذلك المضجع وضمكم ذلك المستودع فكيف بكم لو عاينتم ~~الأمور وبعثرت القبور وحصل ما في الصدور وأوقفتم للتحصيل بين يدي الملك ~~الجليل فطارت القلوب لإشفاقها من سالف الذنوب وهتكت عنكم الحجب والأستار ~~وظهرت منكم العيوب والأسرار هنالك تجزى كل نفس بما كسبت إن الله عز وجل ~~يقول ليجزى الذي أساءوا بما عملوا ويجزى الذي أحسنوا بالحسنى وقال تعالى ~~{ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه} الآية جعلنا الله وإياكم ~~عاملين بكتابة متبعين لأوليائه حتى يحلنا وإياكم دار المقامة من فضله إنه ~~حميد مجيد # وقال بعض الحكماء الأيام سهام والناس أغراض والدهر يرميك كل يوم بسهامه ~~ويخترمك بلياليه وأيامه حتى يستغرق ms1516 جميع أجزائك فكيف بقاء سلامتك مع وقوع ~~الأيام بك وسرعة الليالي في بدنك لو كشف لك عما أحدثت الأيام فيك من النقص ~~لاستوحشت من كل يوم يأتي عليك واستثقلت ممر الساعة بك ولكن تدبير الله فوق ~~تدبير الاعتبار وبالسلو عن غوائل الدنيا وجد طعم لذاتها وإنها لأمر من ~~العلقم إذا عجنها الحكيم وقد أعيت الواصف لعيوبها بظاهر أفعالها وما تأتي ~~به من العجائب أكثر مما يحيط به الواعظ اللهم أرشدنا إلى الصواب وقال بعض ~~الحكماء وقد استوصف الدنيا وقدر بقائها فقال الدنيا وقتك الذي يرجع إليك ~~فيه طرفك لأن ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه وما لم يأت فلا علم لك به والدهر ~~يوم مقبل تنعاه ليلته وتطويه ساعاته وأحداثه تتوالى على الإنسان بالتغيير ~~والنقصان والدهر موكل بتشتيت الجماعات وانخرام الشمل وتنقل الدول والأمل ~~طويل والعمر قصير وإلى الله تصير الأمور # وخطب عمر بن عبد العزيز رحمه الله عليه فقال يا أيها الناس إنكم خلقتم ~~لأمر إن كنتم تصدقون به فإنكم حمقى وإن كنتم تكذبون به فإنكم هلكى إنما ~~خلقتم للأبد ولكنكم من دار إلى دار تنقلون عباد الله إنكم في دار لكم فيها ~~من طعامكم غصص ومن شرابكم شرق لا تصفو لكم نعمة تسرون بها إلا بفراق أخرى ~~تكرهون فراقها فاعملوا لما أنتم صائرون إليه وخالدون فيه ثم غلبه البكاء ~~ونزل # قال علي كرم الله وجهه في خطبته أوصيكم بتقوى الله والترك للدنيا التاركة ~~لكم وإن كنتم لا تحبون تركها المبلية أجسامكم وأنتم تريدون تجديدها فإنما ~~مثلكم ومثلها كمثل قوم في سفر سلكوا طريقا وكأنهم قطعوه وأفضوا إلى علم ~~فكأنهم بلغوه وكم عسى أن يجري المجرى حتى ينتهي إلى الغاية وكم عسى أن يبقى ~~من له يوم في PageV03P213 # الدنيا وطالب حثيث يطلبه حتى يفارقها فلا تجزعوا لبؤسها وضرائها فإنه إلى ~~انقطاع ولا تفرحوا بمتاعها ونعمائها فإنه إلى زوال عجبت لطالب الدنيا ~~والموت يطلبه وغافل وليس بمغفول عنه # وقال محمد بن الحسين لما علم أهل الفضل والعلم والمعرفة والأدب إن ms1517 الله ~~عز وجل قد أهان الدنيا وأنه لم يرضها لأوليائه وأنها عنده حقيرة قليلة وأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم زهد فيها وحذر أصحابه من فتنتها أكلوا منها ~~قصدا وقدموا فضلا وأخذوا منها ما يكفي وتركوا ما يلهي لبسوا من الثياب ما ~~ستر العورة وأكلوا من الطعام أدناه مما سد الجوعة ونظروا إلى الدنيا بعين ~~أنها فانية وإلى الآخرة أنها باقية فتزودوا من الدنيا كزاد الراكب فخربوا ~~الدنيا وعمروا بها الآخرة ونظروا إلى الآخرة بقلوبهم فعلموا أنهم سينظرون ~~إليها بأعينهم فارتحلوا إليها بقلوبهم لما علموا أنهم سيرتحلون إليها ~~بأبدانهم تعبوا قليلا وتنعموا طويلا كل ذلك بتوفيق مولاهم الكريم أحب ما ~~أحب لهم وكرهوا ما كره لهم ### ||| بيان صفة الدنيا بالأمثلة # اعلم أن الدنيا سريعة الفناء قريبة الانقضاء تعد بالبقاء ثم تخلف في ~~الوفاء تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة وهي سائرة سيرا عنيفا ومرتحلة ~~ارتحالا سريعا ولكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها وإنما يحس ~~عند انقضائها ومثالها الظل فإنه متحرك ساكن متحرك في الحقيقة ساكن الظاهر ~~لا تدرك حركته بالبصر الظاهر بل بالبصيرة الباطنة ولما ذكرت الدنيا عند ~~الحسن البصري رحمه الله أنشد وقال # أحلام نوم أو كظل زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يخدع # وكان الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يتمثل كثيرا ويقول # يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها ... إن اغترارا بظل زائل حمق # وقيل إن هذا من قوله ويقال إن أعرابيا نزل بقوم فقدموا إليه طعاما فأكل ~~ثم قام إلى ظل خيمة لهم فنام هناك فاقتلعوا الخيمة فأصابته الشمس فانتبه ~~فقام وهو يقول # ألا إنما الدنيا كظل ثنية ... ولا بد يوما أن ظلك زائل # وكذلك قيل # وإن امرأ دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور # مثال آخر للدنيا من حيث التغرير بخيالاتها ثم الإفلاس منها بعد إفلاتها # تشبه خيالات المنام وأضغاث الأحلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الدنيا حلم وأهلها عليها مجازون ومعاقبون (1) وقال يونس بن عبيد ما شبهت ms1518 ~~نفسي في الدنيا إلا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما يحب فبينما هو كذلك ~~إذ انتبه فكذلك الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فإذا ليس بأيديهم شيء مما ~~ركنوا إليه وفرحوا به وقيل لبعض الحكماء أي شيء أشبه بالدنيا قال أحلام ~~النائم # مثال آخر للدنيا في عداوتها لأهلها وإهلاكها لبنيها اعلم أن طبع الدنيا ~~التلطف في الاستدراج أولا والتوصل إلى الإهلاك آخرا وهي كامرأة تتزين ~~للخطاب حتى إذا نكحتهم ذبحتهم وقد روي أن عيسى عليه السلام كوشف بالدنيا ~~فرآها في صورة عجوز هتماء عليها من كل زينة فقال لها كم تزوجت قالت لا ~~أحصيهم قال PageV03P214 # فكلهم مات عنك أم كلهم طلقك قالت بل كلهم قتلت فقال عيسى عليه السلام ~~بؤسا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين كيف تهلكينهم واحدا ~~بعد واحد ولا يكونون منك على حذر # مثال آخر للدنيا في مخالفة ظاهرها لباطنها اعلم أن الدنيا مزينة الظواهر ~~قبيحة السرائر وهي شبه عجوز متزينة تخدع الناس بظاهرها فإذا وقفوا على ~~باطنها وكشفوا القناع عن وجهها تمثل لهم قبائحها فندموا على اتباعها وخجلوا ~~من ضعف عقولهم في الاغترار بظاهرها # وقال العلاء بن زياد رأيت في المنام عجوزا كبيرة متعصبة الجلد عليها من ~~كل زينة الدنيا والناس عكوف عليها معجبون ينظرون إليها فجئت ونظرت وتعجبت ~~من نظرهم إليها وإقبالهم عليها فقلت لها ويلك من أنت قالت أو ما تعرفني قلت ~~لا أدري من أنت قالت أنا الدنيا قلت أعوذ بالله من شرك قالت إن أحببت أن ~~تعاذ من شري فابغض الدرهم قال أبو بكر بن عياش رأيت الدنيا في النوم عجوزا ~~مشوهة شمطاء تصفق بيديها وخلفها خلق يتبعونها ويصفقون ويرقصون فلما كانت ~~بحذائي أقبلت علي فقالت لو ظفرت بك لصنعت بك مثل ما صنعت بهؤلاء ثم بكى أبو ~~بكر وقال رأيت هذا قبل أن أقدم إلى بغداد وقال الفضيل بن عياض قال ابن عباس ~~يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية ومشوه ~~خلقها فتشرف على الخلائق ms1519 فيقال لهم أتعرفون هذه فيقولون نعوذ بالله من ~~معرفة هذه فيقال هذه الدنيا التي تناحرتم عليها بها تقاطعتم الأرحام وبها ~~تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم ثم يقذف بها في جهنم فتنادي أي رب أين أتباعي ~~وأشياعي فيقول الله عز وجل ألحقوا بها أتباعها وأشياعها وقال الفضيل بلغني ~~أن رجلا عرج بروحه فإذا امرأة على قارعة الطريق عليها من كل زينة من الحلي ~~والثياب وإذا لا يمر بها أحد إلا جرحته فإذا هي أدبرت كانت أحسن شيء رآه ~~الناس وإذا هي أقبلت كانت أقبح شيء رآه الناس عجوز شمطاء زرقاء عمشاء قال ~~فقلت أعوذ بالله منك قالت لا والله لا يعيذك الله مني حتى تبغض الدرهم قال ~~فقلت من أنت قالت أنا الدنيا # مثال آخر للدنيا وعبور الإنسان بها اعلم أن الأحوال ثلاثة حالة لم تكن ~~فيها شيئا وهي ما قبل وجودك إلى الأزل وحالة لا تكون فيها مشاهدا للدنيا ~~وهي ما بعد موتك إلى الأبد وحالة متوسطة بين الأبد والأزل وهي أيام حياتك ~~في الدنيا فانظر إلى مقدار طولها وانسبه إلى طرفي الأزل والأبد حتى تعلم ~~أنه أقل من منزل قصير في سفر بعيد ولذلك قال صلى الله عليه وسلم مالي ~~وللدنيا وإنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب سار في يوم صائف فرفعت شجرة فقال ~~تحت ظلها ساعة ثم راح وتركها (1) # ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن إليها ولم يبال كيف انقضت أيامه في ضر ~~وضيق أو في سعة ورفاهية بل لا يبني لبنة على لبنة # توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على ~~قصبة (2) # ورأى بعض الصحابة يبني بيتا من جص فقال أرى الأمر أعجل من هذا وأنكر ذلك ~~(3) وإلى هذا أشار عيسى عليه السلام حيث قال الدنيا قنطرة فاعبروها ولا ~~تعمروها وهو مثال واضح فإن الحياة الدنيا معبر إلى الآخرة والمهد هو الميل ~~الأول على رأس القنطرة واللحد هو الميل الآخر PageV03P215 # وبينهما مسافة محدودة فمن الناس من قطع نصف القنطرة ومنهم من ms1520 قطع ثلثها ~~ومنهم من قطع ثلثيها ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها ~~وكيفما كان فلا بد له من العبور والبناء على القنطرة وتزيينها بأصناف ~~الزينة وأنت عابر عليها غاية الجهل والخذلان # مثال آخر للدنيا في لين موردها وخشونة مصدرها اعلم أن أوائل الدنيا تبدو ~~هينة لينة يظن الخائض فيها أن حلاوة خفضها كحلاوة الخوض فيها وهيهات فإن ~~الخوض في الدنيا سهل والخروج منها مع السلامة شديد وقد كتب علي رضي الله ~~عنه إلى سلمان الفارسي بمثالها فقال مثل الدنيا مثل الحية لين مسها ويقتل ~~سمها فأعرض عما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها وضع عنك همومها بما أيقنت من ~~فراقها وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها فإن صاحبها كلما اطمأن منها ~~إلى سرور أشخصه عنه مكروه والسلام # مثال آخر للدنيا في تعذر الخلاص من تبعتها بعد الخوض فيها قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إنما مثل صاحب الدنيا كالماشي في الماء هل يستطيع الذي ~~يمشي في الماء أن لا تبتل قدماه (1) # وهذا يعرفك جهالة قوم ظنوا أنهم يخوضون في نعيم الدنيا بأبدانهم وقلوبهم ~~منها مطهرة وعلائقها عن بواطنهم منقطعة وذلك مكيدة من الشيطان بل لو أخرجوا ~~مما هم فيه لكانوا من أعظم المتفجعين بفراقها فكما أن المشي على الماء ~~يقتضي بللا لا محالة يلتصق بالقدم فكذلك ملابسة الدنيا تقتضي علاقة وظلمة ~~في القلب بل علاقة الدنيا مع القلب تمنع حلاوة العبادة # قال عيسى عليه السلام بحق أقول لكم كما ينظر المريض إلى الطعام فلا يلتذ ~~به من شدة الوجع كذلك صاحب الدنيا لا يلتذ بالعبادة ولا يجد حلاوتها مع ما ~~يجد من حب الدنيا وبحق أقول لكم إن الدابة إذا لم تركب وتمتهن تصعب ويتغير ~~خلقها كذلك القلوب إذا لم ترقق بذكر الموت ونصب العبادة تقسو وتغلظ وبحق ~~أقول لكم إن الزق ما لم ينخرق أو يقحل يوشك أن يكون وعاء للعسل كذلك القلوب ~~ما لم تخرقها الشهوات أو يدنسها الطمع ms1521 أو يقسيها النعيم فسوف تكون أوعية ~~للحكمة وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما بقي من الدنيا بلاء وفتنة وإنما ~~مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله وإذا خبث أعلاه خبث ~~أسفله (2) # مثال آخر لما بقي من الدنيا وقلته بالإضافة لما سبق قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مثل هذه الدنيا مثل ثوب شق من أوله إلى آخره فبقي متعلقا ~~بخيط في آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع (3) # مثال آخر لتأدية علائق الدنيا بعضها إلى بعض حتى الهلاك قال عيسى عليه ~~السلام مثل طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى ~~يقتله # مثال آخر لمخالفة آخر الدنيا أولها ولنضارة أوائلها وخبث عواقبها اعلم أن ~~شهوات الدنيا في القلب لذيذة كشهوات الأطعمة في المعدة وسيجد العبد عند ~~الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنتن والقبح ما يجده للأطعمة ~~اللذيذة إذا بلغت في المعدة غايتها وكما أن الطعام كلما كان ألذ طعما وأكثر ~~دسما وأظهر حلاوة كان رجيعه أقذر وأشد نتنا فكذلك كل شهوة في القلب هي أشهى ~~وألذ وأقوى فنتنها وكراهتها والتأذي بها عند الموت أشد PageV03P216 # بل هي في الدنيا مشاهدة فإن من نهبت داره وأخذ أهله وماله وولده فتكون ~~مصيبته وألمه وتفجعه في كل ما فقد بقدر لذته به وحبه له وحرصه عليه فكل ما ~~كان عند الوجود أشهى عنده وألذ فهو عند الفقد أدهى وأمر ولا معنى للموت إلا ~~فقد ما في الدنيا وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للضحاك بن سفيان ~~الكلابي الست تؤتى بطعامك وقد ملح وقزح ثم تشرب عليه اللبن والماء قال بلى ~~قال فإلام يصير قال إلى ما قد علمت يا رسول لله قال فإن الله عز وجل ضرب ~~مثل الدنيا بما يصير إليه طعام ابن آدم (1) # وقال أبي بن كعب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الدنيا ضربت مثلا ~~لابن آدم فانظر إلى ما يخرج من ابن آدم وإن قزحه ms1522 وملحه إلام يصير (2) وقال ~~صلى الله عليه وسلم إن الله ضرب الدنيا لمطعم ابن آدم مثلا وضرب مطعم ابن ~~آدم للدنيا مثلا وإن قزحه وملحه (3) # وقال الحسن قد رأيتهم يطيبونه بالأفاويه والطيب ثم يرمون به حيث رأيتم ~~وقد قال الله عز وجل فلينظر الإنسان إلى طعامه قال ابن عباس إلى رجيعه وقال ~~رجل لابن عمر إني أريد أن أسألك وأستحي قال فلا تستحي واسأل قال إذا قضى ~~أحدنا حاجته فقام ينظر إلى ذلك منه قال نعم إن الملك يقول له انظر إلى ما ~~بخلت به انظر إلى ماذا صار وكان بشر بن كعب يقول انطلقوا حتى أريكم الدنيا ~~فيذهب بهم إلى مزبلة فيقول انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم # مثال آخر في نسبة الدنيا إلى الآخرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر أحدكم بم ~~يرجع إليه (4) # مثال آخر للدنيا وأهلها في اشتغالهم بنعيم الدنيا وغفلتهم عن الآخرة ~~وخسرانهم العظيم بسببها اعلم أن أهل الدنيا مثلهم في غفلتهم مثل قوم ركبوا ~~سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة فأمرهم الملاح بالخروج إلى قضاء الحاجة وحذرهم ~~المقام وخوفهم مرور السفينة واستعجالها فتفرقوا في نواحي الجزيرة فقضى ~~بعضهم حاجته وبادر إلى السفينة فصادف المكان خاليا فأخذ أوسع الأماكن ~~وألينها وأوفقها لمراده وبعضهم توقف في الجزيرة ينظر إلى أنوارها وأزهارها ~~العجيبة وغياضها الملتفة ونغمات طيورها الطيبة وألحانها الموزونة الغريبة ~~وصار يلحظ من بريتها أحجارها وجواهرها ومعادنها المختلفة الألوان والأشكال ~~الحسنة المنظر العجيبة النقوش السالبة أعين الناظرين بحسن زبرجدها وعجائب ~~صورها ثم تنبه لخطر فوات السفينة فرجع إليها فلم يصادف إلا مكانا ضيقا حرجا ~~فاستقر فيه وبعضهم أكب على تلك الأصداف والأحجار وأعجبه حسنها ولم تسمح ~~نفسه بإهمالها فاستصحب منها جملة فلم يجد في السفينة إلا مكانا ضيقا وزاده ~~ما حمله من الحجارة ضيقا وصار ثقيلا عليه ووبالا فندم على أخذه ولم يقدر ~~على رميه ولم يجد مكانا لوضعه فحمله في السفينة على ms1523 عنقه وهو متأسف على ~~أخذه وليس ينفعه التأسف # وبعضهم تولج الغياض ونسي المركب وبعد في متفرجه ومتنزهه منه حتى لم يبلغه ~~نداء الملاح لاشتغاله بأكل تلك الثمار واستشمام تلك الأنوار والتفرج بين ~~تلك الأشجار وهو مع ذلك خائف على نفسه من السباع وغير خال من السقطات ~~PageV03P217 # والنكبات ولا منفك عن شوك ينشب بثيابه وغضن يجرح بدنه وشوكة تدخل في رجله ~~وصوت هائل يفزع منه وعوسج يخرق ثيابه ويهتك عورته ويمنعه عن الانصراف لو ~~أراده فلما بلغه نداء أهل السفينة انصرف مثقلا بما معه ولم يجد في المركب ~~موضعا فبقي في الشط حتى مات جوعا وبعضهم لم يبلغه النداء وسارت السفينة ~~فمنهم من افترسته السباع ومنهم من تاه فهام على وجهه حتى هلك ومنهم من مات ~~في الأوحال ومنهم من نهشته الحيات فتفرقوا كالجيف المنتنة # وأما من وصل إلى المركب بثقل ما أخذه من الأزهار والأحجار فقد استرقته ~~وشغله الحزن بحفظها والخوف من فوتها وقد ضيقت عليه مكانه فلم يلبث أن ذبلت ~~تلك الأزهار وكمدت تلك الألوان والأحجار فظهر نتن رائحتها فصارت مع كونها ~~مضيقة عليه مؤذية له بنتنها ووحشتها فلم يجد حيلة إلا أن ألقاها في البحر ~~هربا منها وقد أثر فيه ما أكل منها فلم ينته إلى الوطن إلا بعد أن ظهرت ~~عليه الأسقام بتلك الروائح فبلغ سقيما مدبرا ومن رجع قريبا ما فاته إلا سعة ~~المحل فتأدى بضيق المكان مدة ولكن لما وصل إلى الوطن استراح ومن رجع أولا ~~وجد المكان الأوسع ووصل إلى الوطن سالما فهذا مثال أهل الدنيا في اشتغالهم ~~بحظوظهم العاجلة ونسيانهم موردهم ومصدرهم وغفلتهم عن عاقبة أمورهم وما أقبح ~~من يزعم أنه بصير عاقل أن تغره أحجار الأرض وهي الذهب والفضة وهشيم النبت ~~وهي زينة الدنيا وشيء من ذلك لا يصحبه عند الموت بل يصير كلا ووبالا عليه ~~وهو في الحال شاغل له بالحزن والخوف عليه وهذه حال الخلق كلهم إلا من عصمه ~~الله عز وجل # مثال آخر لاغتزار الخلق بالدنيا وضعف إيمانهم قال ms1524 الحسن رحمه الله بلغني ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا ~~كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أو ما بقي ~~أنفدوا الزاد وخسروا الظهر وبقوا بين ظهراني المفازة ولا زاد ولا حمولة ~~فأيقنوا بالهلكة فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلة تقطر رأسه فقالوا ~~هذا قريب عهد بريف وما جاءكم هذا إلا من قريب فلما انتهى إليهم قال يا ~~هؤلاء فقالوا يا هذا فقال علام أنتم فقالوا على ما ترى فقال أرأيتم إن ~~هديتكم إلى ماء رواء ورياض خضر ما تعملون قالوا لا نعصيك شيئا قال عهودكم ~~ومواثيقكم بالله فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا يعصونه شيئا قال فأوردهم ~~ماء رواء ورياضا خضرا فمكث فيهم ما شاء الله ثم قال يا هؤلاء قالوا يا هذا ~~قال الرحيل قالوا إلى أين قال إلى ماء ليس كمائكم وإلى رياض ليست كرياضكم ~~فقال أكثرهم والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أنا لن نجده وما نصنع بعيش خير من ~~هذا وقالت طائفة وهم أقلهم ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله أن ~~لا تعصوه شيئا وقد صدقكم في أول حديثه فوالله ليصدقنكم في آخره فراح فيمن ~~اتبعه وتخلف بقيتهم فبدرهم عدو فأصبحوا بين أسير وقتيل (1) # ومثال آخر لتنعم الناس بالدنيا ثم تفجعهم على فراقها اعلم أن مثل الناس ~~فيما أعطوا من الدنيا مثل رجل هيأ دارا وزينها وهو يدعو إلى داره على ~~الترتيب قوما واحدا بعد واحد فدخل واحد داره فقدم إليه طبق ذهب عليه بخور ~~ورياحين ليشمه ويتركه لمن يلحقه لا ليتملكه ويأخذه فجهل رسمه وظن أنه قد ~~وهب ذلك فتعلق به قلبه لما ظن أنه له فلما استرجع منه ضجر وتفجع ومن كان ~~عالما برسمه انتفع به وشكره ورده بطيب قلب PageV03P218 # وانشراح صدر وكذلك من عرف سنة الله في الدنيا علم أنها دار ضيافة سبلت ~~على المجتازين لا على المقيمين ليتزودوا منها وينتفعوا بما فيها كما ينتفع ms1525 ~~المسافرون بالعواري ولا يصرفون إليها كل قلوبهم حتى تعظم مصيبتهم عند ~~فراقها # فهذه أمثلة الدنيا وآفاتها وغوائلها نسأل الله تعالى اللطيف الخبير حسن ~~العون بكرمه وحلمه ### ||| بيان حقيقة الدنيا وماهيتها في حق العبد # اعلم أن معرفة ذم الدنيا لا تكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة ما هي وما ~~الذي ينبغي أن يجتنب منها وما الذي لا يجتنب فلا بد وأن نبين الدنيا ~~المذمومة المأمور باجتنابها لكونها عدوة قاطعة لطريق الله ما هي فنقول ~~دنياك وآخرتك عبارة عن حالتين من أحوال قلبك فالقريب الداني منها يسمى دنيا ~~وهو كل ما قبل الموت والمتراخي المتأخر يسمى آخرة وهو ما بعد الموت فكل ما ~~لك فيه حظ ونصيب وغرض وشهوة ولذة عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك ~~إلا أن جميع مالك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم بل هو ثلاثة أقسام # القسم الأول ما يصحبك في الآخرة وتبقى معك ثمرته بعد الموت وهو شيئان ~~العلم والعمل فقط وأعني بالعلم العلم بالله وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ~~ورسله وملكوت أرضه وسمائه والعلم بشريعة نبيه وأعني بالعمل العبادة الخالصة ~~لوجه الله تعالى وقد يأنس العالم بالعلم حتى يصير ذلك ألذ الأشياء عنده ~~فيهجر النوم والمطعم والمنكح في لذته لأنه أشهى عنده من جميع ذلك فقد صار ~~حظا عاجلا في الدنيا # ولكنا إذا ذكرنا الدنيا المذمومة لم نعد هذا من الدنيا أصلا بل قلنا إنه ~~من الآخرة وكذلك العابد قد يأنس بعبادته فيستلذها بحيث لو منع عنها لكان ~~ذلك أعظم العقوبات عليه حتى قال بعضهم ما أخاف من الموت إلا من حيث يحول ~~بيني وبين قيام الليل وكان آخر يقول اللهم ارزقني قوة الصلاة والركوع ~~والسجود في القبر فهذا قد صارت الصلاة عنده من حظوظه العاجلة وكل حظ عاجل ~~فاسم الدنيا ينطلق عليه من حيث الاشتقاق من الدنو ولكنا لسنا نعني بالدنيا ~~المذمومة ذلك وقد قال صلى الله عليه وسلم حبب إلي من دنياكم ثلاث النساء ~~والطيب وقرة عيني في الصلاة (1) # فجعل الصلاة من ms1526 جملة ملاذ الدنيا وكذلك كل ما يدخل في الحس والمشاهدة فهو ~~من عالم الشهادة وهو من الدنيا والتلذذ بتحريك الجوارح بالركوع والسجود ~~إنما يكون في الدنيا فلذلك أضافها إلى الدنيا إلا أنا لسنا في هذا الكتاب ~~نتعرض إلا للدنيا المذمومة فنقول هذه ليست من الدنيا # القسم الثاني وهو المقابل له على الطرف الأقصى كل ما فيه حظ عاجل ولا ~~ثمرة له في الآخرة أصلا كالتلذذ بالمعاصي كلها والتنعم بالمباحاة الزائدة ~~على قدر الحاجات والضرورات الداخلة في جملة الرفاهية والرعونات كالتنعم ~~بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ~~والغلمان والجواري والخيول والمواشي والقصور والدور ورفيع الثياب ولذائذ ~~الأطعمة فحظ العبد من هذا كله هي الدنيا المذمومة وفيما يعد فضولا أوفى محل ~~الحاجة نظر طويل إذ روي عن عمر رضي الله عنه أنه استعمل أبا الدرداء على ~~حمص فاتخذ كنيفا أنفق عليه درهمين فكتب إليه عمر من عمر بن الخطاب أمير ~~المؤمنين إلى عويمر قد كان لك في بناء فارس والروم ما تكتفي به عن عمران ~~الدنيا حين أراد الله خرابها فإذا أتاك كتابي هذا فقد سيرتك إلى دمشق أنت ~~وأهلك فلم يزل بها حتى مات فهذا رآه فضولا من الدنيا فتأمل فيه PageV03P219 # القسم الثالث وهو متوسط بين الطرفين كل حظ في العاجل معين على أعمال ~~الآخرة كقدر القوت من الطعام والقميص الواحد الخشن وكل ما لا بد منه لبتأتي ~~للإنسان البقاء والصحة التي بها يتوصل إلى العلم والعمل وهذا ليس من الدنيا ~~كالقسم الأول لأنه معين على القسم الأول ووسيلة إليه فمهما تناوله العبد ~~على قصد الاستعانة به على العلم والعمل لم يكن به متناولا للدنيا ولم يصر ~~به من أبناء الدنيا وإن كان باعثه الحظ العاجل دون الاستعانة على التقوى ~~التحق بالقسم الثاني وصار من جملة الدنيا ولا يبقى مع العبد عند الموت إلا ~~ثلاث صفات صفاء القلب أعني طهارته من الأدناس وأنسه بذكر الله تعالى وحبه ~~لله عز وجل # وصفاء القلب وطهارته لا يحصلان إلا بالكف عن ms1527 شهوات الدنيا والأنس لا يحصل ~~إلا بكثرة ذكر الله تعالى والمواظبة عليه والحب لا يحصل إلا بالمعرفة ولا ~~تحصل معرفة الله إلا بدوام الفكر وهذه الصفات الثلاث هي المنجيات المسعدات ~~بعد الموت # أما طهارة القلب عن شهوات الدنيا فهي من المنجيات إذ تكون جنة بن العبد ~~وبين عذاب الله كما ورد في الأخبار إن أعمال العبد تناضل عنه فإذا جاء ~~العذاب من قبل رجليه جاء قيام الليل يدفع عنه وإذا جاء من جهة يديه جاءت ~~الصدقة تدفع عنه (1) الحديث # وأما الأنس والحب فهما من المسعدات وهما موصلان العبد إلى لذة اللقاء ~~والمشاهدة وهذه السعادة تتعجل عقيب الموت إلى أن يدخل أوان الرؤية في الجنة ~~فيصير القبر روضة من رياض الجنة وكيف لا يكون القبر عليه روضة من رياض ~~الجنة ولم يكن له إلا محبوب واحد وكانت العوائق تعوقه عن دوام الأنس بدوام ~~ذكره ومطالعة جماله فارتفعت العوائق وأفلت من السجن وخلي بينه وبين محبوبه ~~فقدم عليه مسرورا سليما من الموانع آمنا من العوائق وكيف لا يكون محب ~~الدنيا عند الموت معذبا ولم يكن له محبوب إلا الدنيا وقد غصب منه وحيل بينه ~~وبينه وسدت عليه طرق الحيلة في الرجوع إليه ولذلك قيل # ما حال من كان له واحد ... غيب عنه ذلك الواحد # وليس الموت عدما إنما هو فراق لمحاب الدنيا وقدوم على الله تعالى فإذا ~~سالك طريق الآخرة هو المواظب على أسباب هذه الصفات الثلاث وهي الذكر والفكر ~~والعمل الذي يفطمه عن شهوات الدنيا ويبغض إليه ملاذها ويقطعه عنها وكل ذلك ~~لا يمكن إلا بصحة البدن وصحة البدن لا تنال إلا بقوت وملبس ومسكن ويحتاج كل ~~واحد إلى أسباب فالقدر الذي لا بد منه من هذه الثلاثة إذا أخذه العبد من ~~الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا وكانت الدنيا في حقه مزرعة للآخرة ~~وإن أخذ ذلك لحظ النفس وعلى قصد التنعم صار من أبناء الدنيا والراغبين في ~~حظوظها إلا أن الرغبة في حظوظ الدنيا تنقسم إلى ما يعرض صاحبه ms1528 لعذاب الآخرة ~~ويسمى ذلك حراما وإلى ما يحول بينه وبين الدرجات العلا ويعرضه لطول الحساب ~~ويسمى ذلك حلالا والبصير يعلم أن طول الموقف في عرصات القيامة لأجل ~~المحاسبة أيضا عذاب فمن نوقش الحساب عذب (2) # إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حلالها حساب وحرامها عذاب (3) # وقد قال أيضا حلالها عذاب إلا أنه عذاب أخف من عذاب الحرام PageV03P220 # بل لو لم يكن الحساب لكان ما يفوت من الدرجات العلا في الجنة وما يرد على ~~القلب من التحسر على تفوتها لحظوظ حقيرة خسيسة لا بقاء لها هو أيضا عذاب ~~وقس به حالك في الدنيا إذا نظرت إلى أقرانك وقد سبقوك بسعادات دنيوية كيف ~~يتقطع قلبك عليها حسرات مع علمك بأنها سعادات منصرمة لا بقاء لها منغصة ~~بكدورات لا صفاء لها فما حالك في فوات سعادة لا يحيط الوصف بعظمتها وتنقطع ~~الدهور دون غايتها فكل من تنعم في الدنيا ولو بسماع صوت من طائر أو بالنظر ~~إلى خضرة أو شربة ماء بارد فإنه ينقص من حظه في الآخرة أضعافه وهو المعنى ~~بقوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه هذا من النعيم الذي تسئل عنه ~~(1) # أشار به إلى الماء البارد والتعرض لجواب السؤال فيه ذل وخوف وخطر ومشقة ~~وانتظار وكل ذلك من نقصان الحظ ولذلك قال عمر رضي الله عنه اعزلوا عني ~~حسابها حين كان به عطش فعرض عليه ماء بارد بعسل فأداره في كفه ثم امتنع عن ~~شربه فالدنيا قليلها وكثيرها حرامها وحلالها ملعونة إلا ما أعان على تقوى ~~الله فإن ذلك القدر ليس من الدنيا وكل من كانت معرفته أقوى وأتقن كان حذره ~~من نعيم الدنيا أشد حتى أن عيسى عليه السلام وضع رأسه على حجر لما نام ثم ~~رماه إذ تمثل له إبليس وقال رغبت في الدنيا وحتى أن سليمان عليه السلام في ~~ملكه كان يطعم الناس لذائذ الأطعمة وهو يأكل خبز الشعير فجعل الملك على ~~نفسه بهذا الطريق امتهانا وشدة فإن الصبر على لذائذ الأطعمة مع القدرة ms1529 ~~عليها ووجودها أشد ولهذا روي أن الله تعالى زوى الدنيا عن نبينا صلى الله ~~عليه وسلم فكان يطوي أياما (2) # وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع (3) # ولهذا سلط الله البلاء والمحن على الأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل ~~كل ذلك نظرا لهم وامتنانا عليهم ليتوفر من الآخرة حظهم كما يمنع الوالد ~~الشفيق ولده لذة الفواكه ويلزم ألم الفصد والحجامة شفقة عليه وحبا له لا ~~بخلا عليه وقد عرفت بهذا أن كل ما ليس لله فهو من الدنيا وما هو لله فذلك ~~ليس من الدنيا # فإن قلت فما الذي هو لله فأقول الأشياء ثلاثة أقسام منها مالا يتصور أن ~~يكون لله وهو الذي يعبر عنه بالمعاصي والمحظورات وأنواع التنعمات في ~~المباحات وهي الدنيا المحضة المذمومة فهي الدنيا صورة ومعنى ومنها ما صورته ~~لله ويمكن أن يجعل لغير الله وهو ثلاثة الفكر والذكر والكف عن الشهوات فإن ~~هذه الثلاثة إذا جرت سرا ولم يكن عليها باعث سوى أمر الله واليوم الآخر فهي ~~لله وليست من الدنيا وإن كان الغرض من الفكر طلب العلم للتشرف به وطلب ~~القبول بين الخلق بإظهار المعرفة أو كان الغرض من ترك الشهوة حفظ المال أو ~~الحمية لصحة البدن والاشتهار بالزهد فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى وإن كان ~~يظن بصورته أنه لله تعالى ومنها ما صورته لحظ النفس ويمكن أن يكون معناه ~~لله وذلك كالأكل والنكاح وكل ما يرتبط به بقاؤه وبقاء ولده فإن كان القصد ~~حظ النفس فهو من الدنيا وإن كان القصد الاستعانة به على التقوى فهو لله ~~بمعناه وإن كانت صورته صورة الدنيا قال صلى الله عليه وسلم من طلب الدنيا ~~حلالا مكاثرا مفاخرا لقي الله وهو عليه غضبان ومن طلبها استعفافا عن ~~المسألة وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر (4) # فانظر كيف اختلف ذلك بالقصد فإذا الدنيا حظ نفسك العاجل الذي لا حاجة ~~إليه لأمر الآخرة ويعبر عنه بالهوى وإليه الإشارة بقوله تعالى ونهى النفس ~~عن PageV03P221 # الهوى فإن الجنة هي المأوى ومجامع ms1530 الهوى خمسة أمور وهي ما جمعه الله ~~تعالى في قوله أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد والأعيان التي تحصل منها هذه الخمسة سبعة يجمعها قوله ~~تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا فقد عرفت أن ~~كل ما هو لله فليس من الدنيا وقدر ضرورة القوت وما لا بد منه من مسكن وملبس ~~هو لله إن قصد به وجه الله والاستكثار منه تنعم وهو لغير الله وبين التنعم ~~والضرورة درجة يعبر عنها بالحاجة ولها طرفان وواسطة طرف يقرب من حد الضرورة ~~فلا يضر فإن الاقتصار على حد الضرورة غير ممكن وطرف يزاحم جانب التنعم ~~ويقرب منه وينبغي أن يحذر منه وبينهما وسائط متشابهة ومن حام حول الحمى ~~يوشك أن يقع فيه # والحزم في الحذر والتقوى والتقرب من حد الضرورة ما أمكن اقتداء بالأنبياء ~~والأولياء عليهم السلام إذا كانوا يردون أنفسهم إلى حد الضرورة حتى إن ~~أويسا القرنى كان يظن أهله أنه مجنون لشدة تضييقه على نفسه فبنوا له بيتا ~~على باب دارهم فكان يأتي عليهم السنة والسنتان والثلاث لا يرون له وجها ~~وكان يخرج أول الآذان ويأتي إلى منزله بعد العشاء الآخرة وكان طعامه أن ~~يلتقط النوى وكلما أصاب حشفة خبأها لإفطاره وإن لم يصب ما يقوته من الحشف ~~باع النوى واشترى بثمنه ما يقوته وكان لباسه مما يلتقط من المزابل من قطع ~~الأكسية فيغسلها في الفرات ويلفق بعضها إلى بعض ثم يلبسها فكان ذلك لباسه ~~وكان ربما مر الصبيان فيرمونه ويظنون أنه مجنون فيقول لهم يا أخوتاه إن ~~كنتم ولا بد أن ترموني فارموني بأحجار صغار فإني أخاف أن تدموا عقبي فيحضر ~~وقت الصلاة ولا أصيب الماء فهكذا كانت سيرته ولقد عظم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمره فقال إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن إشارة إليه رحمه ~~الله (1) ولما ولي الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى ms1531 عنه قال أيها ~~الناس من كان منكم من العراق فليقم قالوا فقاموا فقال اجلسوا إلا من كان من ~~أهل الكوفة فجلسوا فقال اجلسوا إلا من كان من مراد فجلسوا فقال اجلسوا إلا ~~من كان من قرن فجلسوا كلهم إلا رجلا واحدا فقال له عمر أقرني أنت فقال نعم ~~فقال أتعرف أويس بن عامر القرني فوصفه له فقال نعم وما ذاك تسأل عنه يا ~~أمير المؤمنين والله ما فينا أحمق منه ولا أجن منه ولا أوحش منه ولا أدنى ~~منه فبكى عمر رضي الله تعالى عنه ثم قال ما قلت ما قلت إلا لأني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر (2) # فقال هرم بن حيان لما سمعت هذا القول من عمر بن الخطاب قدمت الكوفة فلم ~~يكن لي هم إلا أن أطلب أويسا القرني وأسأل عنه حتى سقطت عليه جالسا على ~~شاطيء الفرات نصف النهار يتوضأ ويغسل ثوبه فعرفته بالنعت الذي نعت لي فإذا ~~رجل لحيم شديد الأدمة محلوق الرأس كث اللحية متغير جدا كريه الوجه متهيب ~~المنظر قال فسلمت عليه فرد علي السلام ونظر إلي فقلت حياك الله من رجل ~~ومددت يدي لأصافحه فأبى أن يصافحني فقلت رحمك الله يا أويس وغفر لك كيف أنت ~~رحمك الله ثم خنقتني العبرة من حبي إياه ورقتي عليه إذ رأيت من حاله ما ~~رأيت حتى بكيت وبكى فقال وأنت فحياك الله يا هرم بن حيان كيف أنت يا أخي ~~ومن دلك علي قال قلت الله فقال PageV03P222 # لا إله إلا الله سبحان الله إن كان وعد ربنا لمفعولا قال فعجبت حين عرفني ~~ولا والله ما رأيته قبل ذلك ولا رآني فقلت من أين عرفت اسمي واسم أبي وما ~~رأيتك قبل اليوم قال نبأني العليم الخبير وعرفت روحي روحك حين كلمت نفسي ~~نفسك إن الأرواح لها أنفس كأنفس الأجساد وإن المؤمنين ليعرف بعضهم بعضا ~~ويتحابون بروح الله وإن لم يلتقوا يتعارفون ويتكلمون وإن نأت بهم الدار ~~وتفرقت بهم ms1532 المنازل قال قلت حدثني رحمك الله عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بحديث أسمعه منك قال إني لم أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~تكن لي معه صحبة بأبي وأمي رسول الله ولكن رأيت رجالا قد صحبوه وبلغني من ~~حديثه كما بلغك ولست أحب أن أفتح على نفسي هذا الباب أن أكون محدثا أو ~~مفتيا أو قاضيا في نفسي شغل عن الناس يا هرم بن حيان فقلت يا أخي اقرأ علي ~~آية من القرآن أسمعها منك وادع لي بدعوات وأوصني بوصية أحفظها عنك فإني ~~أحبك في الله حبا شديدا قال فقام وأخذ بيدي على شاطيء الفرات ثم قال أعوذ ~~بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثم بكى ثم قال قال ربي والحق قول ~~ربي وأصدق الحديث حديثه وأصدق الكلام كلامه ثم قرأ وما خلقنا السموات ~~والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون حتى ~~انتهى إلى قوله إنه هو العزيز الرحيم فشهق شهقة ظننت أنه قد غشي عليه ثم ~~قال يا ابن حيان مات أبوك حيان وتوشك أن تموت فإما إلى جنة وإما إلى نار ~~ومات أبوك آدم وماتت أمك حواء ومات نوح ومات إبراهيم خليل الرحمن ومات موسى ~~نجى الرحمن ومات داود خليفة الرحمن ومات محمد صلى الله عليه وسلم وهو رسول ~~رب العالمين ومات أبو بكر خليفة المسلمين ومات عمر بن الخطاب أخي وصفي ثم ~~قال يا عمراه يا عمراه قال فقلت رحمك الله إن عمر لم يمت قال فقد نعاه إلي ~~ربي ونعى إلى نفسي ثم قال أنا وأنت في الموت كأنه قد كان ثم صلى على النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم دعا بدعوات خفيات ثم قال هذه وصيتي إياك يا هرم بن ~~حيان كتاب الله ونهج الصالحين المؤمنين فقد نعيت إلى نفسي ونفسك عليك بذكر ~~الموت لا يفارق قلبك طرفة عين ما بقيت وأنذر قومك إذا رجعت إليهم وانصح ~~للأمة جميعا وإياك أن تفارق الجماعة قيد شبر فتفارق ms1533 دينك وأنت لا تعلم ~~فتدخل النار يوم القيامة ادع لي ولنفسك ثم قال اللهم إن هذا يزعم أنه يحبني ~~فيك وزارني من أجلك فعرفني وجهه في الجنة وأدخله علي في دارك دار السلام ~~واحفظه ما دام في الدنيا حيثما كان وضم عليه ضيعته وأرضه من الدنيا باليسير ~~وما أعطيته من الدنيا فيسره له تيسيرا واجعله لما أعطيته من نعمائك من ~~الشاكرين وأجزه عني خير الجزاء ثم قال أستودعك الله يا هرم بن حيان والسلام ~~عليك ورحمة الله وبركاته لا أراك بعد اليوم رحمك الله تطلبني فإني أكره ~~الشهرة والوحدة أحب إلي أن كثير الهم شديد الغم مع هؤلاء الناس ما دمت حيا ~~فلا تسأل عني ولا تطلبني واعلم أنك مني على بال وإن لم أرك ولم ترني ~~فاذكرني وادع لي فإني سأذكرك وأدعو لك إن شاء الله انطلق أنت ههنا حتى ~~أنطلق أنا ههنا # فحرصت أن أمشي معه ساعة فأبى علي وفارقته فبكى وأبكاني وجعلت أنظر في ~~قفاه حتى دخل بعض السكك ثم سألت عنه بعد ذلك فما وجدت أحدا يخبرني عنه بشيء ~~رحمه الله وغفر له # فهكذا كانت سيرة أبناء الآخرة المعرضين عن الدنيا # وقد عرفت مما سبق في بيان الدنيا ومن سيرة الأنبياء والأولياء أن حد ~~الدنيا كل ما أظلته الخضراء وأقلته الغبراء إلا ما كان لله عز وجل من ذلك ~~وضد الدنيا الآخرة وهو كل ما أريد به الله تعالى مما يؤخذ بقدر الضرورة من ~~الدنيا لأجل قوة طاعة الله وذلك ليس من الدنيا # ويتبين هذا بمثال وهو أن الحاج إذا حلف أنه في طريق الحج PageV03P223 # لا يشتغل بغير الحج بل يتجرد له ثم اشتغل بحفظ الزاد وعلف الجمل وخرز ~~الرواية وكل ما لا بد للحج منه لم يحنث في يمينه ولم يكن مشغولا بغير الحج ~~فكذلك البدن مركب النفس تقطع به مسافة العمر فتعهد البدن بما تبقى به قوته ~~على سلوك الطريق بالعلم والعمل هو من الآخرة لا من الدنيا نعم إذا قصد تلذذ ~~البدن وتنعمه ms1534 بشيء من هذه الأسباب كان منحرفا عن الآخرة ويخشى على قلبه ~~القسوة قال الطنافسي كنت على باب بني شيبة في المسجد الحرام سبعة أيام ~~طاويا فسمعت في الليلة الثامنة مناديا وأنا بين اليقظة والنوم ألا من أخذ ~~من الدنيا أكثر مما يحتاج إليه أعمى الله عين قلبه # فهذا بيان حقيقة الدنيا في حقك فاعلم ذلك ترشد إن شاء الله تعالى ### ||| بيان حقيقة الدنيا في نفسها وأشغالها التي استغرقت همم الخلق حتى أنستهم أنفسهم وخالقهم ومصدرهم وموردهم # اعلم أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة وللإنسان فيها حظ وله في إصلاحها ~~شغل فهذه ثلاثة أمور قد يظن أن الدنيا عبارة عن آحادها وليس كذلك أما ~~الأعيان الموجودة التي الدنيا عبارة عنها فهي الأرض وما عليها قال الله ~~تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا فالأرض فراش ~~للآدميين ومهاد ومسكن ومستقر وما عليها لهم ملبس ومطعم ومشرب ومنكح # ويجمع ما على الأرض ثلاثة أقسام المعادن والنبات والحيوان # أما النبات فيطلبه الآدمي للاقتيات والتداوي وأما المعادن فيطلبها للآلات ~~والأواني كالنحاس والرصاص وللنقد كالذهب والفضة ولغير ذلك من المقاصد وأما ~~الحيوان فينقسم إلى الإنسان والبهائم # أما البهائم فيطلب منها لحومها للمآكل وظهورها للمركب والزينة # وأما الإنسان فقد يطلب الأدمى أن يملك أبدان الناس ليستخدمهم ويستسخرهم ~~كالغلمان أو ليتمتع بهم كالجواري والنسوان ويطلب قلوب الناس ليملكها بأن ~~يغرس فيها التعظيم والإكرام وهو الذي يعبر عنه بالجاه إذ معنى الجاه ملك ~~قلوب الآدميين فهذه هي الأعيان التي يعبر عنها بالدنيا وقد جمعها الله ~~تعالى في قوله زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين وهذا من الإنس ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة وهذا من الجواهر والمعادن وفيه تنبيه ~~على غيرها من اللآليء واليواقيت وغيرها والخيل المسومة والأنعام وهي ~~البهائم والحيوانات والحرث وهو النبات والزرع # فهذه هي أعيان الدنيا إلا أن لها مع العبد علاقتين علاقة مع القلب وهو ~~حبه لها وحظه منها وانصراف همه إليها حتى يصير قلبه كالعبد أو المحب ~~المستهتر بالدنيا ms1535 ويدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب المعلقة بالدنيا ~~كالكبر والغل والحسد والرياء والسمعة وسوء الظن والمداهنة وحب الثناء وحب ~~التكاثر والتفاخر وهذه هي الدنيا الباطنة وأما الظاهرة فهي الأعيان التي ~~ذكرناها # العلاقة الثانية مع البدن وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان لتصلح لحظوظه ~~وحظوظ غيره وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغولون بها والخلق إنما ~~نسوا أنفسهم ومآبهم ومنقلبهم بالدنيا لهاتين العلاقتين علاقة القلب بالحب ~~وعلاقة البدن بالشغل ولو عرف نفسه وعرف ربه وعرف حكمة الدنيا وسرها علم أن ~~هذه الأعيان التي سميناها دنيا لم تخلق إلا لعلف الدابة التي يسير بها إلى ~~الله تعالى وأعنى بالدابة البدن فإنه لا يبقى إلا بمطعم ومشرب وملبس ومسكن ~~كما لا يبقى الجمل في طريق الحج إلا يعلف وماء وجلال PageV03P224 # ومثال العبد في الدنيا في نسيانه نفسه ومقصده مثال الحاج الذي يقف في ~~منازل الطريق ولا يزال يعلف الناقة ويتعهدها وينظفها ويكسوها ألوان الثياب ~~ويحمل إليها أنواع الحشيش ويبرد لها الماء بالثلج حتى تفوته القافلة وهو ~~غافل عن الحج وعن مرور القافلة وعن بقائه في البادية فريسة للسباع هو ~~وناقته والحاج البصير لا يهمه من أمر الجمل إلا القدر الذي يقوى به على ~~المشي فيتعهده وقلبه إلى الكعبة والحج وإنما يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة ~~فكذلك البصير في السفر إلى الآخرة لا يشغل بتعهد البدن إلا بالضرورة كما لا ~~يدخل بيت الماء إلا لضرورة ولا فرق بين إدخال الطعام في البطن وبين إخراجه ~~من البطن في أن كل واحد منهما ضرورة البدن ومن همته ما يدخل بطنه فقيمته ما ~~يخرج منها وأكثر ما شغل عن الله تعالى هو البطن فإن القوت ضروري وأمر ~~المسكن والملبس أهون ولو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الأمور واقتصروا عليه لم ~~تستغرقهم أشغال الدنيا وإنما استغرقتهم لجهلهم بالدنيا وحكمتها وحظوظهم ~~منها ولكنهم جهلوا وغفلوا وتتابعت أشغال الدنيا عليهم واتصل بعضها ببعض ~~وتداعت إلى غير نهاية محدودة فتاهوا في كثرة الأشغال ونسوا مقاصدها # ونحن نذكر تفاصيل أشغال الدنيا وكيفية ms1536 حدوث الحاجة إليها وكيفية غلط ~~الناس في مقاصدها حتى تتضح لك أشغال الدنيا كيف صرفت الخلق عن الله تعالى ~~وكيف أنستهم عاقبة أمورهم فنقول الأشغال الدنيوية هي الحرف والصناعات ~~والأعمال التي ترى الخلق منكبين عليها وسبب كثرة الأشغال هو أن الإنسان ~~مضطر إلى ثلاث القوت والمسكن والملبس فالقوت للغذاء والبقاء والملبس لدفع ~~الحر والبرد والمسكن لدفع الحر والبرد ولدفع أسباب الهلاك عن الأهل والمال ~~ولم يخلق الله القوت والمسكن والملبس مصلحا بحيث يستغني عن صنعة الإنسان ~~فيه # نعم خلق ذلك للبهائم فإن النبات يغذي الحيوان من غير طبخ والحر والبرد لا ~~يؤثر في بدنه فيستغني عن البناء ويقنع بالصحراء ولباسها شعورها وجلودها ~~فتستغني عن اللباس والإنسان ليس كذلك فحدثت الحاجة لذلك إلى خمس صناعات هي ~~أصول الصناعات وأوائل الأشغال الدنيوية وهي الفلاحة والرعاية والاقتناص ~~والحياكة والبناء أما البناء فللمسكن والحياكة وما يكتنفها من أمر الغزل ~~والخياطة فللملبس والفلاحة للمطعم والرعاية للمواشي والخيل أيضا للمطعم ~~والمركب والاقتناص نعني به تحصيل ما خلقه الله من صيد أو معدن أو حشيش أو ~~حطب فالفلاح يحصل النباتات والراعي يحفظ الحيوانات ويستنتجها والمقتنص يحصل ~~ما نبت ونتج بنفسه من غير صنع آدمي وكذلك يأخذ من معادن الأرض ما خلق فيها ~~من غير صنعة آدمي ونعني بالاقتناص ذلك ويدخل تحته صناعات وأشغال عدة ثم هذه ~~الصناعات تفتقر إلى أدوات وآلات كالحياكة والفلاحة والبناء والاقتناص ~~والآلات إنما تؤخذ إما من النبات وهو الأخشاب أو من المعادن كالحديد ~~والرصاص وغيرهما أو من جلود الحيوانات فحدثت الحاجة إلى ثلاث أنواع أخر من ~~الصناعات النجارة والحدادة والخز وهؤلاء هم عمال الآلات ونعني بالنجارة كل ~~عامل في الخشب كيفما كان وبالحداد كل عامل في الحديد وجواهر المعادن حتى ~~النحاس والإبرى وغيرهما وغرضنا ذكر الأجناس فأما آحاد الحرف فكثيرة وأما ~~الخراز فنعني به كل عامل في جلود الحيوانات وأجزائها فهذه أمهات الصناعات ~~ثم إن الإنسان خلق بحيث لا يعيش وحده بل يضطر إلى الاجتماع مع غيره من ~~أبناء جنسه وذلك لسببين أحدهما ms1537 حاجته إلى النسل لبقاء جنس الإنسان ولا يكون ~~ذلك إلا باجتماع الذكر والأنثى وعشرتهما # والثاني PageV03P225 # التعاون على تهيئة أسباب المطعم والملبس ولتربية الولد فإن الاجتماع يفضي ~~إلى الولد لا محالة والواحد لا يشتغل بحفظ الولد وتهيئة أسباب القوت ثم ليس ~~يكفيه الاجتماع مع الأهل والولد في المنزل بل لا يمكنه أن يعيش كذلك ما لم ~~تجتمع طائفة كثيرة ليتكفل كل واحد بصناعة فإن الشخص الواحد كيف يتولى ~~الفلاحة وحده وهو يحتاج إلى آلاتها وتحتاج الآلة إلى حداد ونجار ويحتاج ~~الطعام إلى طحان وخباز وكذلك كيف ينفرد بتحصيل الملبس وهو يفتقر إلى حراسة ~~القطن وآلات الحياكة والخياطة وآلات كثيرة فلذلك امتنع عيش الإنسان وحده ~~وحدثت الحاجة إلى الاجتماع ثم لو اجتمعوا في صحراء مكشوفة لتأذوا بالحر ~~والبرد والمطر واللصوص فافتقروا إلى أبنية محكمة ومنازل ينفرد كل أهل بيت ~~به وبما معه من الآلات والأثاث والمنازل تدفع الحر والبرد والمطر وتدفع أذى ~~الجيران من اللصوصية وغيرها لكن المنازل قد تقصدها جماعة من اللصوص خارج ~~المنازل فافتقر أهل المنازل إلى التناصر والتعاون والتحصن بسور يحيط بجميع ~~المنازل فحدثت البلاد لهذه الضرورة # ثم مهما اجتمع الناس في المنازل والبلاد وتعاملوا تولدت بينهم خصومات إذ ~~تحدث رياسة وولاية للزوج على الزوجة وولاية للأبوين على الولد لأنه ضعيف ~~يحتاج إلى قوام به ومهما حصلت الولاية على عاقل أفضى إلى الخصومة بخلاف ~~الولاية على البهائم إذ ليس لها قوة المخاصمة وإن ظلمت # فأما المرأة فتخاصم الزوج والولد يخاصم الأبوين هذا في المنزل # وأما أهل البلد أيضا فيتعاملون في الحاجات ويتنازعون فيها ولو تركوا كذلك ~~لتقاتلوا وهلكوا وكذلك الرعاة وأرباب الفلاحة يتواردون على المراعي ~~والأراضي والمياه وهي لا تفي بأغراضهم فيتنازعون لا محالة ثم قد يعجز بعضهم ~~عن الفلاحة والصناعة بعمى أو مرض أو هرم وتعرض عوارض مختلفة ولو ترك ضائعا ~~لهلك ولو وكل تفقده إلى الجميع لتخاذلوا ولو خص واحد من غير سبب يخصه لكان ~~لا يذعن له فحدث بالضرورة من هذه العوارض الحاصلة بالاجتماع صناعات أخرى ms1538 # فمنها صناعة المساحة التي بها تعرف مقادير الأرض لتمكن القسمة بينهم ~~العدل # ومنها صناعة الجندية لحراسة البلد بالسيف ودفع اللصوص عنهم # ومنها صناعة الحكم والتوصل لفصل الخصومة ومنها الحاجة إلى الفقه وهو ~~معرفة القانون الذي ينبغي أن يضبط به الخلق ويلزموا الوقوف على حدوده حتى ~~لا يكثر النزاع وهو معرفة حدود الله تعالى في المعاملات وشروطها # فهذه أمور سياسية لا بد منها ولا يشتغل بها إلا مخصوصون بصفات مخصوصة من ~~العلم والتمييز والهداية وإذا اشتغلوا بها لم يتفرغوا لصناعة أخرى ويحتاجون ~~إلى المعاش ويحتاج أهل البلد إليهم إذ لو اشتغل أهل البلد بالحرب مع ~~الأعداء مثلا تعطلت الصناعات ولو اشتغل أهل الحرب والسلاح بالصناعات لطلب ~~القوت تعطلت البلاد عن الحراس واستضر الناس فمست الحاجة إلى أن يصرف إلى ~~معايشهم وأرزاقهم الأموال الضائعة التي لا مالك لها إن كانت أو تصرف ~~الغنائم إليهم إن كانت العداوة مع الكفار فإن كانوا أهل ديانة وورع قنعوا ~~بالقليل من أموال المصالح وإن أرادوا التوسع فتمس الحاجة لا محالة إلى أن ~~يمدهم أهل البلد بأموالهم ليمدوهم بالحراسة فتحدث الحاجة إلى الخراج ثم ~~يتولد بسبب الحاجة إلى الخراج الحاجة لصناعات أخر إذ يحتاج إلى من يوظف ~~الخراج بالعدل على الفلاحين وأرباب الأموال وهم العمال وإلى من يستوفي منهم ~~بالرفق وهم الجباة والمتخرجون وإلى من يجمع عنده ليحفظه إلى وقت التفرقة ~~وهم الخزان وإلى من يفرق عليهم بالعدل وهو الفارض للعساكر وهذه الأعمال لو ~~تولاها عدد لا تجمعهم رابطة انخرم النظام فتحدث منه الحاجة إلى ملك يدبرهم ~~وأمير مطاع يعين لكل عمل شخصا ويختار لكل واحد ما يليق به ويراعي النصفة في ~~أخذ الخراج وإعطائه واستعمال الجند في الحرب وتوزيع أسلحتهم وتعين جهات ~~الحرب ونصب الأمير والقائد على كل PageV03P226 # طائفة منهم إلى غير ذلك من صناعات الملك فيحدث من ذلك بعد الجند الذين هم ~~أهل السلاح وبعد الملك الذي يراقبهم بالعين الكالئة ويدبرهم الحاجة إلى ~~الكتاب والخزان والحساب والجباة والعمال # ثم هؤلاء أيضا يحتاجون إلى معيشة ولا ms1539 يمكنهم الاشتغال بالحرف فتحدث ~~الحاجة إلى مال الفرع مع مال الأصل وهو المسمى فرع الخراج وعند هذا يكون ~~الناس في الصناعات ثلاث طوائف الفلاحون والرعاة والمحترفون # والثانية الجندية الحماة بالسيوف # والثالثة المترددون بين الطائفتين في الأخذ والعطاء وهم العمال والجباة ~~وأمثالهم فانظر كيف ابتدأ الأمر من حاجة القوت والملبس والمسكن وإلى ماذا ~~انتهى # وهكذا أمور الدنيا لا يفتح منها باب إلا وينفتح بسببه أبواب أخر وهكذا ~~تتناهى إلى غير حد محصور كأنها هاوية لا نهاية لعمقها من وقع في مهواة منها ~~سقط منها إلى أخرى وهكذا على التوالي فهذه هي الحرف والصناعات إلا أنها لا ~~تتم إلا بالأموال والآلات والمال عبارة عن أعيان الأرض وما عليها مما ينتفع ~~به وأعلاها الأغذية ثم الأمكنة التي يأوي الإنسان إليها وهي الدور ثم ~~الأمكنة التي يسعى فيها للتعيش كالحوانيت والأسواق والمزارع ثم الكسوة ثم ~~أثاث البيت وآلاته ثم آلات الآلات وقد يكون الآلات ما هو حيوان كالكلب آلة ~~الصيد والبقر آلة الحراثة والفرس آلة الركوب في الحرب ثم يحدث من ذلك حاجة ~~البيع فإن الفلاح ربما يسكن قرية ليس فيها آلة الفلاحة والحداد والنجار ~~يسكنان قرية لا يمكن فيها الزراعة فبالضرورة يحتاج الفلاح إليهما ويحتاجان ~~إلى الفلاح فيحتاج أحدهما أن يبذل ما عنده للآخر حتى يأخذ منه غرضه وذلك ~~بطريق المعاوضة إلا أن النجار مثلا إذا طلب من الفلاح الغذاء بآلته ربما لا ~~يحتاج الفلاح في ذلك الوقت إلى آلته فلا يبيعه والفلاح إذا طلب الآلة من ~~النجار بالطعام ربما كان عنده طعام في ذلك الوقت فلا يحتاج إليه فتتعوق ~~الأغراض فاضطروا إلى حانوت يجمع آلة كل صناعة ليترصد بها صاحبها أرباب ~~الحاجات وإلى أبيات يجمع إليها ما يحمل الفلاحون فيشتريه منهم صاحب الأبيات ~~ليترصد به أرباب الحاجات فظهرت لذلك الأسواق والمخازن فيحمل الفلاح الحبوب ~~فإذا لم يصادف محتاجا باعها بثمن رخيص من الباعة فيخزنونها في انتظار أرباب ~~الحاجات طمعا في الربح وكذلك في جميع الأمتعة والأموال ثم يحدث لا محالة ~~بين البلاد ms1540 والقرى تردد فيتردد الناس يشترون من القرى الأطعمة ومن البلاد ~~الآلات وينقلون ذلك ويتعيشون به لتنتظم أمور الناس في البلاد بسببهم إذ كل ~~بلد ربما لا توجد فيه كل آلة وكل قرية لا يوجد فيها كل طعام فالبعض يحتاج ~~إلى البعض فيحوج إلى النقل فيحدث التجار المتكفلون بالنقل وباعثهم عليه حرص ~~جمع المال لا محالة فيتعبون طول الليل والنهار في الأسفار لغرض غيرهم ~~ونصيبهم منها جمع المال الذي يأكله لا محالة غيرهم إما قاطع طريق وإما ~~سلطان ظالم ولكن جعل الله تعالى في غفلتهم وجهلهم نظاما للبلاد ومصلحة ~~للعباد بل جميع أمور الدنيا انتظمت بالغفلة وخسة الهمة # ولو عقل الناس وارتفعت هممهم لزهدوا في الدنيا ولو فعلوا ذلك لبطلت ~~المعايش ولو بطلت لهلكوا ولهلك الزهاد أيضا ثم هذه الأموال التي تنقل لا ~~يقدر الإنسان على حملها فتحتاج إلى دواب تحملها وصاحب المال قد لا تكون له ~~دابة فتحدث معاملة بينه وبين مالك الدابة تسمى الإجارة ويصير الكراء نوعا ~~من الاكتساب أيضا ثم يحدث بسبب البياعات الحاجة إلى النقدين فإن من يريد أن ~~يشتري طعاما بثوب فمن أين يدري المقدار الذي يساويه من الطعام كم هو ~~والمعاملة تجري في أجناس مختلفة كما يباع ثوب بطعام وحيوان بثوب وهذه أمور ~~لا تتناسب فلا بد من حاكم عدل يتوسط بين المتبايعين يعدل أحدهما بالآخر ~~فيطلب ذلك العدل من أعيان الأموال ثم يحتاج إلى PageV03P227 # مال يطول بقاؤه لأن الحاجة إليه تدوم # وأبقى الأموال المعادن فاتخذت النقود من الذهب والفضة والنحاس ثم مست ~~الحاجة إلى الضرب والنقش والتقدير فمست الحاجة إلى دار الضرب والصيارفة ~~وهكذا تتداعى الأشغال والأعمال بعضها إلى بعض حتى انتهت إلى ما تراه فهذه ~~أشغال الخلق وهي معاشهم وشي من هذه الحرف لا يمكن مباشرته إلا بنوع تعلم ~~وتعب في الابتداء وفي الناس من يغفل عن ذلك في الصبا فلا يشتغل به أو يمنعه ~~عنه مانع فيبقى عاجز عن الاكتساب لعجزه عن الحرف فيحتاج إلى أن يأكل مما ~~يسعى فيه غيره فيحدث ms1541 منه حرفتان خسيستان اللصوصية والكداية إذ يجمهما أنهما ~~يأكلان من سعي غيرهما ثم الناس يحترزون من اللصوص والمكدين ويحفظون عنهم ~~أموالهم فافتقروا إلى صرف عقولهم في استنباط الحيل والتدابير أما اللصوص ~~فمنهم من يطلب أعوانا ويكون في يديه شوكة وقوة فيجتمعون ويتكاثرون ويقطعون ~~الطريق كالأعراب والأكراد وأما الضعفاء منهم فيفزعون إلى الحيل إما بالنقب ~~أو التسلق عند انتهاز فرصة الغفلة وإما بأن يكون طرارا أو سلالا إلى غير ~~ذلك من أنواع التلصص الحادثة بحسب ما تنتجه الأفكار المصروفة إلى استنباطها ~~وأما المكدي فإنه إذا طلب ما سعى فيه غيره وقيل له اتعب واعمل كما عمل غيرك ~~فمالك والبطالة فلا يعطى شيئا فافتقروا إلى حيلة في استخراج الأموال وتمهيد ~~العذر لأنفسهم في البطالة فاحتالوا للتعلل بالعجز إما بالحقيقة كجماعة ~~يعمون أولادهم وأنفسهم بالحيلة ليعذروا بالعمى فيعطون وإما بالتعامي ~~والتفالج والتجانن والتمارض وإظهار ذلك بأنواع من الحيل مع بيان أن تلك ~~محنة أصابت من غير استحقاق ليكون ذلك سبب الرحمة وجماعة يلتمسون أقوالا ~~وأفعالا يتعجب الناس منها حتى تنبسط قلوبهم عند مشاهدتها فيسخوا برفع اليد ~~عن قليل من المال في حال التعجب ثم قد يندم بعد زوال التعجب ولا ينفع الندم ~~وذلك قد يكون بالتمسخر والمحاكاة والشعبذة والأفعال المضحكة وقد يكون ~~بالأشعار الغريبة والكلام المنثور المسجع مع حسن الصوت والشعر الموزون أشد ~~تأثيرا في النفس لا سيما إذا كان فيه تعصب يتعلق بالمذاهب كأشعار مناقب ~~الصحابة وفضائل أهل البيت أو الذي يحرك داعية العشق من أهل المجانة كصنعة ~~الطبالين في الأسواق وصنعة ما يشبه العوض وليس بعوض كبيع التعويذات والحشيش ~~الذي يخيل بائعه أنها أدوية فيخدع بذلك الصبيان والجهال وكأصحاب القرعة ~~والفأل من المنجمين ويدخل في هذا الجنس الوعاظ والمكدون على رءوس المنابر ~~إذا لم يكن وراءهم طائل علمي وكان غرضهم استمالة قلوب العوام وأخذ أموالهم ~~بأنواع الكدية وأنواعها تزيد على ألف نوع وألفين وكل ذلك استنبط بدقيق ~~الفكرة لأجل المعيشة فهذه هي أشغال الخلق وأعمالهم التي أكبوا عليها وجرهم ~~إلى ذلك ms1542 كله الحاجة إلى القوت والكسوة ولكنهم نسوا في أثناء ذلك أنفسهم ~~ومقصودهم ومنقلبهم ومآبهم فتاهوا وضلوا وسبق إلى عقولهم الضعيفة بعد أن ~~كدرتها زحمة الاشتغالات بالدنيا خيالات فاسدة فانقسمت مذاهبهم واختلفت ~~آراؤهم على عدة أوجه # فطائفة غلبهم الجهل والغفلة فلم تنفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة امورهم ~~فقالوا المقصود أن نعيش أياما في الدنيا فنجتهد حتى نكسب القوت ثم نأكل حتى ~~نقوى على الكسب ثم نكسب حتى نأكل فيأكلون ليكسبوا ثم يكسبون ليأكلوا وهذا ~~مذهب الفلاحين والمحترفين ومن ليس له تنعم في الدنيا ولا قدم في الدين فإنه ~~يتعب نهارا PageV03P228 # ليأكل ليلا ويأكل ليلا ليتعب نهارا وذلك كسير السواني فهو سفر لا ينقطع ~~إلا بالموت # وطائفة أخرى زعموا أنهم تفطنوا الأمر وهو أنه ليس المقصود أن يشقى ~~الإنسان بالعمل ولا يتنعم في الدنيا بل السعادة في أن يقضي وطره من شهوة ~~الدنيا وهي شهوة البطن والفرج فهؤلاء نسوا أنفسهم وصرفوا هممهم إلى اتباع ~~النسوان وجمع لذائذ الأطعمة يأكلون كما تأكل الأنعام ويظنون أنهم إذا نالوا ~~ذلك فقد أدركوا غاية السعادة فشغلهم ذلك عن الله تعالى وعن اليوم الآخر # وطائفة ظنوا أن السعادة في كثرة المال والاستغناء بكثرة الكنوز فأسهروا ~~ليلهم وأتعبوا نهارهم في الجمع فهم يتعبون في الأسفار طول الليل والنهار ~~ويترددون في الأعمال الشاقة ويكتسبون ويجمعون ولا يأكلون إلا قدر الضرورة ~~شحا وبخلا عليها أن تنقص وهذه لذتهم وفي ذلك دأبهم وحركتهم إلى أن يدركهم ~~الموت فيبقى تحت الأرض أو يظفر به من يأكله في الشهوات واللذات فيكون ~~للجامع تعبه ووباله وللآكل لذته ثم الذين يجمعون ينظرون إلى أمثال ذلك ولا ~~يعتبرون وطائفة ظنوا أن السعادة في حسن الاسم وانطلاق الألسنة بالثناء ~~والمدح بالتجمل والمروءة فهؤلاء يتعبون في كسب المعاش ويضيقون على أنفسهم ~~في المطعم والمشرب ويصرفون جميع مالهم إلى الملابس الحسنة والدواب النفيسة ~~ويزخرفون أبواب الدور وما يقع عليها أبصار الناس حتى يقال إنه غني وإنه ذو ~~ثروة ويظنون أن ذلك هو السعادة فهمتهم في نهارهم وليلهم في تعهد ms1543 موقع نظر ~~الناس # وطائفة أخرى ظنوا أن السعادة في الجاه والكرامة بين الناس وانقياد الخلق ~~بالتواضع والتوقير فصرفوا هممهم إلى استجرار الناس إلى الطاعة لطلب ~~الولايات وتقلد الأعمال السلطانية لينفذ أمرهم بها على طائفة من الناس ~~ويرون أنهم إذا اتسعت ولايتهم وانقادت لهم رعاياهم فقد سعدوا سعادة عظيمة ~~وأن ذلك غاية المطلب وهذا أغلب الشهوات على قلوب الغافلين من الناس فهؤلاء ~~شغلهم حب تواضع الناس لهم عن التواضع لله وعن عبادته وعن التفكر في آخرتهم ~~ومعادهم ووراء هؤلاء طوائف يطول حصرها تزيد على نيف وسبعين فرقة كلهم قد ~~ضلوا وأضلوا عن سواء السبيل وإنما جرهم إلى جميع ذلك حاجة المطعم والملبس ~~والمسكن ونسوا ما تراد له هذه الأمور الثلاثة والقدر الذي يكفي منها وانجرت ~~بهم أوائل أسبابها إلى أواخرها وتداعى بهم ذلك إلى مهاو لم يمكنهم الرقي ~~منها فمن عرف وجه الحاجة إلى هذه الأسباب والأشغال وعرف غاية المقصود منها ~~فلا يخوض في شغل وحرفة وعمل إلا وهو عالم بمقصوده وعالم بحظه ونصيبه منه ~~وأن غاية مقصوده تعهد بدنه بالقوت والكسوة حتى لا يهلك وذلك إن سلك فيه ~~سبيل التقليل اندفعت الأشغال عنه وفرغ القلب وغلب عليه ذكر الآخرة وانصرفت ~~الهمة إلى الاستعداد له وإن تعدى به قدر الضرورة كثرت الأشغال وتداعى البعض ~~إلى البعض وتسلسل إلى غير نهاية فتتشعب به الهموم ومن تشعبت به الهموم في ~~أودية الدنيا فلا يبالي الله في أي واد أهلكه منها فهذا شأن المنهمكين في ~~أشغال الدنيا وتنبه لذلك طائفة فأعرضوا عن الدنيا فحسدهم الشيطان ولم ~~يتركهم وأضلهم في الإعراض أيضا حتى انقسموا إلى طوائف # فظنت طائفة أن الدنيا دار بلاء ومحنة والآخرة دار سعادة لكل من وصل إليها ~~سواء تعبد في الدنيا أو لم يتعبد فرأوا أن الصواب في أن يقتلوا أنفسهم ~~للخلاص من محنة الدنيا وإليه ذهب طوائف من العباد من أهل الهند فهم يتهجمون ~~على النار ويقتلون أنفسهم بالإحراق ويظنون أن ذلك خلاص لهم من محن الدنيا PageV03P229 # وظنت طائفة أخرى أن ms1544 القتل لا يخلص بل لا بد أولا من إماتة الصفات البشرية ~~وقطعها عن النفس بالكلية وأن السعادة في قطع الشهوة والغضب ثم أقبلوا على ~~المجاهدة وشددوا على أنفسهم حتى هلك بعضهم بشدة الرياضة وبعضهم فسد عقله ~~وجن وبعضهم مرض وانسد عليه الطريق في العبادة وبعضهم عجز عن قمع الصفات ~~بالكلية فظن أن ما كلفه الشرع محال وأن الشرع تلبيس لا أصل له فوقع في ~~الإلحاد وظهر لبعضهم أن هذا التعب كله لله وأن الله تعالى مستغن عن عبادة ~~العباد لا ينقصه عصيان عصيان عاص ولا تزيده عبادة متعبد فعادوا إلى الشهوات ~~وسلكوا مسلك الإباحة وطووا بساط الشرع والأحكام وزعموا أن ذلك من صفاء ~~توحيدهم حيث اعتقدوا أن الله مستغن عن عبادة العباد # وظن طائفة أن المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة ~~الله تعالى فإذا حصلت المعرفة فقد وصل وبعد الوصول يستغني عن الوسيلة ~~والحيلة فتركوا السعي والعبادة وزعموا أنه ارتفع محلهم في معرفة الله ~~سبحانه عن أن يمتهنوا بالتكاليف وإنما التكليف على عوام الخلق ووراء هذا ~~مذاهب باطلة وضلالات هائلة يطول إحصاؤها إلى ما يبلغ نيفا وسبعين فرقة ~~وإنما الناجي منها فرقة واحدة وهي السالكة ما كان عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه وهو أن لا يترك الدنيا بالكلية ولا يقمع الشهوات بالكلية ~~أما الدنيا فيأخذ منها قدر الزاد وأما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة ~~الشرع والعقل ولا يتبع كل شهوة ولا يترك كل شهوة بل يتبع العدل ولا يترك كل ~~شيء من الدنيا ولا يطلب كل شيء من الدنيا بل يعلم مقصود كل ما خلق من ~~الدنيا ويحفظه على حد مقصوده فيأخذ من القوت ما يقوي به البدن على العبادة ~~ومن المسكن ما يحفظ عن اللصوص والحر والبرد ومن الكسوة كذلك حتى إذا فرغ ~~القلب من شغل البدن أقبل على الله تعالى بكنه همته واشتغل بالذكر والفكر ~~طول العمر وبقي ملازما لسياسة الشهوات ومراقبا لها حتى لا يجاوز حدود الورع ~~والتقوى ms1545 ولا يعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية وهم الصحابة ~~فإنه عليه السلام لما قال الناجي منها واحدة قالوا يا رسول الله ومن هم قال ~~أهل السنة والجماعة فقيل ومن أهل السنة والجماعة قال ما أنا عليه وأصحابي ~~(1) # وقد كانوا على النهج القصد وعلى السبيل الواضح الذي فصلناه من قبل فإنهم ~~ما كانوا يأخذون الدنيا للدنيا بل للدين وما كانوا يترهبون ويهجرون الدنيا ~~بالكلية وما كان لهم في الأمور تفريط ولا إفراط بل كان أمرهم بين ذلك قواما ~~وذلك هو العدل والوسط بين الطرفين وهو أحب الأمور إلى الله تعالى كما سبق ~~ذكره في مواضع والله أعمل تم كتاب ذم الدنيا والحمد لله أولا وآخرا وصلى ~~الله عليه وسلم وآله وصحبه وسلم PageV03P230 ### || كتاب ذم البخل وذم حب المال وهو الكتاب السابع من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله مستوجب الحمد برزقه المبسوط وكاشف الضر بعد القنوت الذي خلق ~~الخلق ووسع الرزق وأفاض على العالمين أصناف الأموال وابتلاهم فيها بتقلب ~~الأحوال ورددهم فيها بين العسر واليسر والغنى والفقر والطمع واليأس والثروة ~~والإفلاس والعجز والاستطاعة والحرص والقناعة والبخل والجود والفرح بالموجود ~~والأسف على المفقود والإيثار والإنفاق والتوسع والإملاق والتبذير والتقتير ~~والرضا بالقليل واستحقار الكثير كل ذلك ليبلوهم أيهم أحسن عملا وينظر أيهم ~~آثر الدنيا على الآخرة بدلا وابتغى عن الآخرة عدولا وحولا واتخذ الدنيا ~~ذخيرة وخولا والصلاة على محمد الذي نسخ بملته مللا وطوى بشريعته أديانا ~~ونحلا وعلى آله وأصحابه الذين سلكوا سبيل ربهم ذللا وسلم تسليما كثيرا # أما بعد فإن فتن الدنيا كثيرة الشعب والأطراف واسعة الأرجاء والأكناف ~~ولكن الأموال أعظم فتنها وأطم محنها وأعظم فتنة فيها أنه لا غنى لأحد عنها ~~ثم إذا وجدت فلا سلامة منها فإن فقد المال حصل منه الفقر الذي يكاد أن يكون ~~كفرا وإن وجد حصل منه الطغيان الذي لا تكون عاقبة أمره إلا خسرا وبالجملة ~~فهي لا تخلو من الفوائد والآفات وفوائدها من المنجيات وآفاتها من المهلكات ms1546 ~~وتمييز خيرها عن شرها من المعوصات التي لا يقوى عليها إلا ذوو البصائر في ~~الدين من العلماء الراسخين دون المسترسمين المغترين وشرح ذلك مهم على ~~الانفراد فإن ما ذكرناه في كتاب ذم الدنيا لم يكن نظرا في المال خاصة بل في ~~الدنيا عامة إذ الدنيا تتناول كل حظ عاجل والمال بعض أجزاء الدنيا والجاه ~~بعضها واتباع شهوة البطن والفرج بعضها وتشفي الغيظ بحكم الغضب والحسد بعضها ~~والكبر وطلب العلو بعضها ولها أبعاض كثيرة ويجمعها كل ما كان للإنسان فيه ~~حظ عاجل ونظرنا الآن في هذا الكتاب في المال وحده إذ فيه آفات وغوائل ~~وللإنسان من فقده صفة الفقر ومن وجوده وصف الغنى وهما حالتان يحصل بهما ~~الاختبار والامتحان ثم للفاقد حالتان القناعة والحرص وإحداهما مذمومة ~~والأخرى محمودة وللحريص حالتان طمع فيما في أيدي الناس وتشمر للحرف ~~والصناعات مع اليأس عن الخلق والطمع شر الحالتين وللواجد حالتان إمساك بحكم ~~البخل والشح وإنفاق وإحداهما مذمومة والأخرى محمودة وللمنفق حالتان تبذير ~~واقتصاد والمحمود هو الاقتصاد وهذه أمور متشابهة وكشف الغطاء عن الغموض ~~فيها مهم ونحن نشرح ذلك في أربعة عشر فصلا إن شاء الله تعالى وهو بيان ذم ~~المال ثم مدحه ثم تفصيل فوائد المال وآفاته ثم ذم الحرص والطمع ثم علاج ~~الحرص والطمع ثم فضيلة السخاء ثم حكايات الأسخياء ثم ذم البخل ثم حكايات ~~البخلاء ثم الإيثار وفضله ثم حد السخاء والبخل ثم علاج البخل ثم مجموع ~~الوظائف في المال ثم ذم الغنى ومدح الفقر إن شاء الله تعالى PageV03P231 ### ||| بيان ذم المال وكراهة حبه # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر ~~الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وقال تعالى إنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة والله عنده أجر عظيم فمن اختار ماله وولده على ما عند الله فقد خسر ~~وغبن خسرانا عظيما وقال عز وجل من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها الآية ~~وقال تعالى إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى فلا حول ولا قوة إلا بالله ms1547 ~~العلي العظيم وقال تعالى ألهاكم التكاثر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حب المال والشرف ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل (1) # وقال صلى الله عليه وسلم ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر ~~إفسادا فيها من حب الشرف والمال والجاه في دين الرجل المسلم (2) # وقال صلى الله عليه وسلم هلك المكثرون إلا من قال به في عباد الله هكذا ~~وهكذا وقليل ما هم (3) # وقيل يا رسول الله أي أمتك شر قال الأغنياء (4) # وقال صلى الله عليه وسلم سيأتي بعدكم قوم يأكلون أطايب الدنيا وألوانها ~~ويركبون فره الخيل وألوانها وينكحون أجمل النساء وألوانها ويلبسون أجمل ~~الثياب وألوانها لهم بطون من القليل لا تشبع وأنفس بالكثير لا تقنع عاكفون ~~على الدنيا يغدون ويروحون إليها اتخذوها آلهة من دون إلههم وربا دون ربهم ~~إلى أمرها ينتهون ولهواهم يتبعون فعزيمة من محمد بن عبد الله لمن أدركه ذلك ~~الزمان من عقب عقبكم وخلف خلفكم أن لا يسلم عليهم ولا يعود مرضاهم ولا يتبع ~~جنائزهم ولا يوقر كبيرهم فمن فعل ذلك فقد أعان على هدم الإسلام (5) # وقال صلى الله عليه وسلم دعوا الدنيا لأهلها من أخذ من الدنيا فوق ما ~~يكفيه أخذ حتفه وهو لا يشعر (6) # وقال صلى الله عليه وسلم يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما ~~أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت (7) # وقال رجل يا رسول الله مالي لا أحب الموت فقال هل معك من مال قال نعم يا ~~رسول الله قال قدم مالك فإن قلب المؤمن مع ماله إن قدمه PageV03P232 # أحب أن يلحقه وإن خلفه أحب أن يتخلف معه (1) # وقال صلى الله عليه وسلم أخلاء ابن آدم ثلاثة واحد يتبعه إلى قبض روحه ~~والثاني إلى قبره والثالث إلى محشرة فالذي يتبعه إلى قبض روحه فهو ماله ~~والذي يتبعه إلى قبره فهو أهله والذي يتعبه إلى محشره فهو عمله (2) # وقال الحواريون لعيسى عليه السلام مالك تمشي على الماء ولا نقدر على ذلك ~~فقال ms1548 لهم ما منزلة الدينار والدرهم عندكم قالوا حسنة قال لكنهما والمدر ~~عندي سواء وكتب سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء رضي الله عنهما يا أخي إياك ~~أن تجمع من الدنيا مالا تؤدي شكره فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول يجاء بصاحب الدنيا الذي أطاع الله فيها وماله بين يديه كلما تكفأ به ~~الصراط قال له ماله امض فقد أديت حق الله في ثم يجاء بصاحب الدنيا الذي لم ~~يطع الله فيها وماله بين كتفيه كلما تكفأ به الصراط قال له ماله ويلك ألا ~~أديت حق الله في فما يزال كذلك حتى يدعو بالويل والثبور (3) # وكل ما أوردناه في كتاب الزهد والفقر في ذم الغنى ومدح الفقر يرجع جميعه ~~إلى ذم المال فلا نطول بتكريره وكذا كل ما ذكرناه في ذم الدنيا فيتناول ذم ~~المال بحكم العموم لأن المال أعظم أركان الدنيا وإنما نذكر الآن ما ورد في ~~المال خاصة # قال صلى الله عليه وسلم إذا مات العبد قالت الملائكة ما قدم وقال الناس ~~ما خلف (4) حديث لا تتخذوا الضيعة فتحبوا الدنيا أخرجه الترمذي والحاكم ~~وصحح إسناده من حديث ابن مسعود بلفظ فترغبوا // # الآثار روي أن رجلا نال من أبي الدرداء وأراه سوءا فقال اللهم من فعل بي ~~سوءا فأصح جسمه وأطل عمره وأكثر ماله فانظر كيف رأى كثرة المال غاية البلاء ~~مع صحة الجسم وطول العمر لأنه لا بد وأن يفضي إلى الطغيان ووضع علي كرم ~~الله وجهه درهما على كفه ثم قال أما إنك ما لم تخرج عني لا تنفعني وروي أن ~~عمر رضي الله عنه أرسل إلى زينب بنت جحش بعطائها فقالت ما هذا قالوا أرسل ~~إليك عمر بن الخطاب قالت غفر الله له ثم سلت سترا كان لها فقطعته وجعلته ~~صررا وقسمته في أهل بيتها ورحمها وأيتامها ثم رفعت يديها وقالت اللهم لا ~~يدركني عطاء عمر بعد عامي هذا فكانت أول نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لحوقا به وقال الحسن والله ما أعز ms1549 الدرهم أحد إلا أذله الله وقيل إن أول ما ~~ضرب الدينار والدرهم رفعهما إبليس ثم وضعهما على جبهته ثم قبلهما وقال من ~~أحبكما فهو عبدي حقا وقال سميط بن عجلان إن الدراهم والدنانير أزمة ~~المنافقين يقادون بها إلى النار وقال يحيى بن معاذ الدرهم عقرب فإن لم تحسن ~~رقيته فلا تأخذه فإنه إن لدغك قتلك سمه قيل وما رقيته قال أخذه من حله ~~ووضعه في حقه وقال العلاء بن زياد تمثلت لي الدنيا وعليها من كل زينة فقلت ~~أعوذ PageV03P233 # بالله من شرك فقالت إن سرك أن يعيذك الله مني فابغض الدرهم والدينار وذلك ~~لأن الدرهم والدينار هما الدنيا كلها إذ يتوصل بهما إلى جميع أصنافها فمن ~~صبر عنهما صبر عن الدنيا وفي ذلك قيل # إني وجدت فلا تظنوا غيره ... أن التورع عند هذا الدرهم # فإذا قدرت عليه ثم تركته ... فاعلم بأن تقاك تقوى المسلم # وفي ذلك قيل أيضا # لا يغرنك من المر قميص رقعه ... أو إزار فوق عظم الساق منه رفعه # أو جبين لاح فيه أثر قد خلعه ... أره الدرهم تعرف حبه أو ورعه # ويروى عن مسلمة بن عبد الملك أنه دخل على عمر بن عبد العزيز رحمه الله ~~عند موته فقال يا أمير المؤمنين صنعت صنيعا لم يصنعه أحد قبلك تركت ولدك ~~ليس لهم درهم ولا دينار وكان له ثلاثة عشر من الولد فقال عمر أقعدوني ~~فأقعدوه فقال أما قولك لم أدع لهم دينار ولا درهما فإني لم أمنعهم حقا لهم ~~ولم أعطهم حقا لغيرهم وإنما ولدي أحد رجلين إما مطيع لله فالله كافيه والله ~~يتولى الصالحين وإما عاص لله فلا أبالي على ما وقع وروي أن محمد بن كعب ~~القرظي أصاب مالا كثيرا فقيل له لو ادخرته لولدك من بعدك قال لا ولكني ~~أدخره لنفسي عند ربي وأدخر ربي لولدي ويروى أن رجلا قال لأبي عبد ربه يا ~~أخي لا تذهب بشر وتترك أولادك بخير فأخرج أبو عبد ربه من ماله مائة ألف ~~درهم # وقال يحيى بن معاذ ms1550 مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلهما للعبد في ~~ماله عند موته قبل وما هما قال يؤخذ منه كله ويسئل عنه كله ### ||| بيان مدح المال والجمع بينه وبين الذم # اعلم أن الله تعالى قد سمى المال خيرا في مواضع من كتابه العزيز فقال جل ~~وعز {إن ترك خيرا} الآية وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم المال ~~الصالح للرجل الصالح (1) # وكل ما جاء في ثواب الصدقة والحج فهو ثناء على المال إذ لا يمكن الوصول ~~إليهما إلا به وقال تعالى {ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك} وقال تعالى ممتنا ~~على عباده {ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا} وقال ~~صلى الله عليه وسلم كاد الفقر أن يكون كفرا (2) حديث من أكرم الناس وأكيسهم ~~قال أكثرهم للموت ذكرا الحديث أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر بلفظ أي ~~المؤمنين أكيس ورواه ابن أبي الدنيا في الموت بلفظ المصنف وإسناده جيد // ~~PageV03P234 # وهذه السعادة لا تنال إلا بثلاث وسائل في الدنيا وهي الفضائل النفسية ~~كالعلم وحسن الخلق والفضائل البدنية كالصحة والسلامة والفضائل الخارجة عن ~~البدن كالمال وسائر الأسباب وأعلاها النفسية ثم البدنية ثم الخارجة # فالخارجة أخسها والمال من جملة الخارجات وأدناها الدراهم والدنانير ~~فإنهما خادمان ولا خادم لهما ومرادان لغيرهما # ولا يرادان لذاتهما إذ النفس هي الجوهر النفيس المطلوب سعادتها وأنها ~~تخدم العلم والمعرفة ومكارم الأخلاق لتحصلها صفة في ذاتها والبدن يخدم ~~النفس بواسطة الحواس والأعضاء والمطاعم والملابس تخدم البدن وقد سبق أن ~~المقصود من المطاعم إبقاء البدن ومن المناكح إبقاء النسل ومن البدن تمكيل ~~النفس وتزكيتها وتزيينها بالعلم والخلق # ومن عرف هذا الترتيب فقد عرف قدر المال ووجه شرفه وأنه من حيث هو ضرورة ~~المطاعم والملابس التي هي ضرورة بقاء البدن الذي هو ضرورة كمال النفس الذي ~~هو خير ومن عرف فائدة الشيء وغايته ومقصده واستعمله لتلك الغاية ملتفتا ~~إليها غير ناس لها فقد أحسن وانتفع وكان ما حصل له الغرض محمودا في حقه ~~فإذا المال آلة ووسيلة إلى مقصود صحيح ms1551 ويصلح أن يتخذ آلة ووسيلة إلى مقاصد ~~فاسدة وهي المقاصد الصادة عن سعادة الآخرة وتسد سبيل العلم والعمل فهو إذن ~~محمود مذموم محمود بالإضافة إلى المقصد المحمود ومذموم بالإضافة إلى المقصد ~~المذموم فمن أخذ من الدنيا أكثر مما يكفيه فقد أخذ حتفه وهو لا يشعر (1) ~~حديث اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا متفق عليه من حديث أبي هريرة (2) حديث ~~اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا أخرجه الترمذي من حديث أنس وابن ماجه ~~والحاكم وصحح إسناده من حديث أبي سعيد وقد تقدم (3) حديث تعس عبد الدينار ~~تعس عبد الدرهم الحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ولم يقل وانتفش ~~وإنما علق آخره بلفظ تعس وانتكس ووصل ذلك ابن ماجه والحاكم // # فبين أن محبهما عابد لهما ومن عبد حجرا فهو عابد صنم بل كان من كان عبدا ~~لغير الله فهو عابد صنم أي قطعه ذلك عن الله تعالى وعن أداء حقه فهو كعابد ~~صنم وهو شرك إلا أن الشرك شركان شرك خفي لا يوجب الخلود في النار وقلما ~~ينفك عنه المؤمنون فإنه أخفى من دبيب النمل وشرك جلي يوجب الخلود في النار ~~نعوذ بالله من الجميع ### ||| بيان تفصيل آفات المال وفوائده # اعلم أن المال مثل حية فيها سم وترياق ففوائده ترياقه وغوائله سمومه فمن ~~عرف غوائله وفوائده أمكنه أن يحترز من شره ويستدر من خيره PageV03P235 # أما الفوائد فهي تنقسم إلى دنيوية ودينية أما الدنيوية فلا حاجة إلى ~~ذكرها فإن معرفتها مشهورة مشتركة بين أصناف الخلق ولولا ذلك لم يتهالكوا ~~على طلبها # وأما الدينية فتنحصر جميعها في ثلاثة أنواع # النوع الأول أن ينفقه على نفسه إما في عبادة أو في الاستعانة على عبادة ~~أما في العبادة فهو كالاستعانة به على الحج والجهاد فإنه لا يتوصل إليهما ~~إلا بالمال وهما من أمهات القربات والفقير محروم من فضلهما وأما فيما يقويه ~~على العبادة فذلك هو المطعم والملبس والمسكن والمنكح وضرورات المعيشة فإن ~~هذه الحاجات إذا لم تتيسر كان القلب مصروفا إلى تدبيرها فلا يتفرغ للدين ~~وما ms1552 لا يتوصل إلى العبادة إلا به فهو عبادة فأخذ الكفاية من الدنيا لأجل ~~الاستعانة على الدين من الفوائد الدينية ولا يدخل في هذا التنعم والزيادة ~~على الحاجة فإن ذلك من حظوظ الدنيا فقط # النوع الثاني ما يصرفه إلى الناس وهو أربعة أقسام الصدقة والمروءة ووقاية ~~العرض وأجرة الاستخدام # أما الصدقة فلا يخفى ثوابها وإنها لتطفيء غضب الرب تعالى وقد ذكرنا فضلها ~~فيما تقدم # وأما المروءة فنعني بها صرف المال إلى الأغنياء والأشراف في ضيافة وهدية ~~وإعانة وما يجري مجراها فإن هذه لا تسمى صدقة بل الصدقة ما يسلم إلى ~~المحتاج إلا أن هذا من الفوائد الدينية إذ به يكتسب العبد الإخوان ~~والأصدقاء وبه يكتسب صفة السخاء ويلتحق بزمرة الأسخياء فلا يوصف بالجود إلا ~~من يصطنع المعروف ويسلك سبيل المروءة والفتوة وهذا أيضا مما يعظم الثواب ~~فيه فقد وردت أخبار كثيرة في الهدايا والضيافات وإطعام الطعام من غير ~~اشتراط الفقر والفاقة في مصارفها # وأما وقاية العرض فنعني به بذل المال لدفع هجو الشعراء وثلب السفهاء وقطع ~~ألسنتهم ودفع شرهم وهو أيضا مع تنجز فائدته بالعاجلة من الحظوظ الدينية قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة (1) # وكيف لا وفيه منع المغتاب عن معصية الغيبة واحتراز عما يثور من كلامه من ~~العداوة التي تحمل في المكافئة والانتقام على مجاوزة حدود الشريعة # وأما الاستخدام فهو أن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان لتهيئة أسبابه ~~كثيرة ولو تولاها بنفسه ضاعت أوقاته وتعذر عليه سلوك سبيل الآخرة بالفكر ~~والذكر الذي هو أعلى مقامات السالكين ومن لا مال له فيفتقر إلى أن يتولى ~~بنفسه خدمة نفسه من شراء الطعام وطحنه وكنس البيت حتى نسخ الكتاب الذي ~~يحتاج إليه وكل ما يتصور أن يقوم به غيرك ويحصل به غرضك فأنت متعوب إذا ~~اشتغلت به إذ عليك من العلم والعمل والذكر والفكر ما لا يتصور أن يقوم به ~~غيرك فتضييع الوقت في غيره خسران # النوع الثالث ما لا يصرفه إلى إنسان ms1553 معين ولكن يحصل به خير عام كبناء ~~المساجد والقناطر والرباطات ودور المرضى ونصب الجباب في الطريق وغير ذلك من ~~الأوقاف المرصدة للخيرات وهي من الخيرات المؤبدة الدارة بعد الموت ~~المستجلبة بركة أدعية الصالحين إلى أوقات متمادية وناهيك بها خيرا فهذه ~~جملة فوائد المال في الدين سوى ما يتعلق بالحظوظ العاجلة من الخلاص من ذل ~~السؤال وحقارة الفقر والوصول إلى العز والمجد بين الخلق وكثرة الإخوان ~~والأعوان والأصدقاء والوقار والكرامة في القلوب فكل ذلك مما يقتضيه المال ~~من الحظوظ الدنيوية PageV03P236 # وأما الآفات فدينية ودنيوية وأما الدينية فثلاث # الأولى أن تجر إلى المعاصي فإن الشهوات متفاضلة والعجز قد يحول بين المرء ~~والمعصية ومن العصمة أن لا يجد ومهما كان الإنسان آيسا عن نوع من المعصية ~~لم تتحرك داعيته فإذا استشعر القدرة عليها انبعثت داعيته والمال نوع من ~~القدرة يحرك داعية المعاصي وارتكاب الفجور فإن اقتحم ما اشتهاه هلك وإن صبر ~~وقع في شدة إذ الصبر مع القدرة أشد وفتنة السراء أعظم من فتنة الضراء # الثانية أنه يجر إلى التنعم في المباحات وهذا أول الدرجات فمتى يقدر صاحب ~~المال على أن يتناول خبز الشعير ويلبس الثوب الخشن ويترك لذائذ الأطعمة كما ~~كان يقدر عليه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام في ملكه فأحسن أحواله ~~أن لا يتنعم بالدنيا ويمرن عليها نفسه فيصير التنعم مألوفا عنده ومحبوبا لا ~~يصبر عنه ويجره البعض منه إلى البعض فإذا اشتد أنسه به ربما لا يقدر على ~~التوصل إليه بالكسب الحلال فيقتحم الشبهات ويخوض في المراءاة والمداهنة ~~والكذب والنفاق وسائر الأخلاق الرديئة لينتظم له أمر دنياه ويتيسر له تنعمه ~~فإن من كثر ماله كثرت حاجته إلى الناس ومن احتاج إلى الناس فلا بد وأن ~~ينافقهم ويعصي الله في طلب رضاهم فإن سلم الإنسان من الآفة الأولى وهي ~~مباشرة الحظوظ فلا يسلم عن هذه أصلا ومن الحاجة إلى الخلق تثور العداوة ~~والصداقة وينشأ عنه الحسد والحقد والرياء والكبر والكذب والنميمة والغيبة ~~وسائر المعاصي التي تخص القلب واللسان ولا يخلو ms1554 عن التعدي أيضا إلى سائر ~~الجوارح وكل ذلك يلزم من شؤم المال والحاجة إلى حفظه وإصلاحه # الثالثة وهي التي لا ينفك عنها أحد وهو أنه يلهيه إصلاح ماله عن ذكر الله ~~تعالى وكل ما شغل العبد عن الله فهو خسران ولذلك قال عيسى عليه الصلاة ~~والسلام في المال ثلاث آفات أن يأخذه من غير حله فقيل إن أخذه من حله فقال ~~يضعه في غير حقه فقيل إن وضعه في حقه فقال يشغله إصلاحه عن الله تعالى وهذا ~~هو الداء العضال فإن أصل العبادات ومخها وسرها ذكر الله والتفكر في جلاله ~~وذلك يستدعي قلبا فارغا وصاحب الضيعة يمسي ويصبح متفكرا في خصومة الفلاح ~~ومحاسبته وفي خصومة الشركاء ومنازعتهم في المال والحدود وخصومة أعوان ~~السلطان في الخراج وخصومة الأجراء على التقصير في العمارة وخصومة الفلاحين ~~في خيانتهم وسرقتهم وصاحب التجارة يكون متفكرا في خيانة شريكه وانفراده ~~بالربح وتقصيره في العمل وتضييعه للمال وكذلك صاحب المواشي وهكذا سائر ~~أصناف الأموال # وأبعدها عن كثرة الشغل النقد المكنوز تحت الأرض ولا يزال الفكر مترددا ~~فيما يصرف إليه وفي كيفية حفظه وفي الخوف مما يعثر عليه وفي دفع أطماع ~~الناس عنه وأودية أفكار الدنيا لا نهاية لها والذي معه قوت يومه في سلامة ~~من جميع ذلك فهذه جملة الآفات الدنيوية سوى ما يقاسيه أرباب الأموال في ~~الدنيا من الخوف والحزن والغم والهم والتعب في دفع الحساد وتجشم المصاعب في ~~حفظ المال وكسبه فإذن ترياق المال أخذ القوت منه وصرف الباقي إلى الخيرات ~~وما عدا ذلك سموم وآفات نسأل الله تعالى السلامة وحسن العون بلطفه وكرمه ~~إنه على ذلك قدير ### ||| بيان ذم الحرص والطمع ومدح القناعة واليأس مما في أيدي الناس # اعلم أن الفقر محمود كما أوردناه في كتاب الفقر ولكن ينبغي أن يكون ~~الفقير قانعا منقطع الطمع عن الخلق غير ملتفت إلى ما في أيديهم ولا حريصا ~~على اكتساب المال كيف كان ولا يمكنه ذلك إلا بأن يقنع بقدر الضرورة PageV03P237 # من المطعم والملبس والمسكن ويقتصر على ms1555 أقله قدرا وأخسه نوعا ويرد أمله ~~إلى يومه أو إلى شهره ولا يشغل قلبه بما بعد شهر فإن تشوق إلى الكثير أو ~~طول أمله فاته عز القناعة وتدنس لا محالة بالطمع وذل الحرص وجره الحرص ~~والطمع إلى مساوئ الأخلاق وارتكاب المنكرات الخارقة للمروءات وقد جبل ~~الآدمي على الحرص والطمع وقلة القناعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ~~كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا ~~التراب ويتوب الله على من تاب (1) وعن أبي واقد الليثي قال كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا أوحى أليه أتيناه يعلمنا مما أوحى إليه فجئته ذات ~~يوم فقال إن الله عز وجل يقول إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~ولو كان لابن آدم واد من ذهب لأحب أن يكون له ثان ولو كان له الثاني لأحب ~~أن يكون لهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ~~(2) وقال أبو موسى الأشعري نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها إن الله ~~يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى ~~واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب (3) # وقال صلى الله عليه وسلم منهومان لا يشبعان منهوم العلم ومنهوم المال (4) # وقال صلى الله عليه وسلم يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان الأمل وحب المال ~~أو كما قال (5) # ولما كانت هذه جبلة للآدمي مضلة وغريزة مهلكه أثنى الله تعالى ورسوله على ~~القناعة فقال صلى الله عليه وسلم طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافا ~~وقنع به (6) # وقال صلى الله عليه وسلم ما من أحد فقير ولا غني إلا ود يوم القيامة أنه ~~كان أوتي قوتا في الدنيا (7) # وقال صلى الله عليه وسلم ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس ~~(8) # ونهى عن شدة الحرص والمبالغة في الطلب فقال أيها الناس أجملوا في الطلب ~~فإنه ليس لعبد ms1556 إلا ما كتب له ولن يذهب عبد من الدنيا حتى يأتيه ما كتب له ~~من الدنيا وهي راغمة (9) # وروي أن موسى عليه السلام سأل ربه تعالى فقال أي عبادك أغنى قال أقنعهم ~~مما أعطيته قال فأيهم أعدل قال من أنصف من نفسه (10) حديث ابن مسعود إن روح ~~القدس نفث في روعى إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها الحديث أخرجه ابن أبي ~~الدنيا في القناعة والحاكم مع اختلاف وقد تقدم فيه (11) حديث أبي هريرة كن ~~ورعا تكن أعبد الناس الحديث أخرجه ابن ماجه وقد تقدم // PageV03P238 # ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطمع فيما رواه أبو أيوب الأنصاري ~~أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله عظني وأوجز ~~فقال إذا صليت فصل صلاة مودع ولا تحدثن بحديث تعتذر منه غدا وأجمع اليأس ~~مما في أيدي الناس (1) # وقال عوف بن مالك الأشجعي كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع أو ~~ثمانية أو سبعة فقال ألا تبايعون رسول الله قلنا أو ليس قد بايعناك يا رسول ~~الله ثم قال ألا تبايعون رسول الله فبسطنا أيدينا فبايعناه فقال قائل منا ~~قد بايعناك فعلى ماذا نبايعك قال أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وتصلوا ~~الخمس وأن تسمعوا وتطيعوا وأسر كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئا (2) قال ~~فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه فلا يسأل أحدا أن يناوله إياه # الآثار قال عمر رضي الله عنه إن الطمع فقر وإن اليأس غنى وإنه من ييأس ~~عما في أيدي الناس استغنى عنهم وقيل لبعض الحكماء ما الغنى قال قلة تمنيك ~~ورضاك بما يكفيك وفي ذلك قيل # العيش ساعات تمر ... وخطوب أيام تكر # أقنع بعيشك ترضه ... واترك هواك تعيش حر # فلرب حتف ساقه ... ذهب وياقوت ودر # وكان محمد بن واسع يبل الخبز اليابس بالماء ويأكل ويقول من قنع بهذا لم ~~يحتج إلى أحد وقال سفيان خير دنياكم ما لم تبتلوا به وخير ما ابتليتم به ما ~~خرج من أيديكم ms1557 وقال ابن مسعود ما من يوم إلا وملك ينادى يا ابن آدم قليل ~~يكفيك خير من كثير يطغيك وقال سميط بن عجلان إنما بطنك يابن آدم شبر في شبر ~~فلم يدخلك النار وقيل لحكيم ما مالك قال التجمل في الظاهر والقصد في الباطن ~~واليأس مما في أيدي الناس ويروى إن الله عز وجل قال يا ابن آدم لو كانت ~~الدنيا كلها لك لم يكن لك منها إلا القوت وإذا أنا أعطيتك منها القوت وجعلت ~~حسابها على غيرك فأنا إليك محسن وقال ابن مسعود إذا طلب أحدكم الحاجة ~~فليطلبها طلبا يسيرا ولا يأتي الرجل فيقول إنك وإنك فيقطع ظهره فإنما يأتيه ~~ما قسم له من الرزق أو ما رزق وكتب بعض بني أمية إلى أبي حازم يعزم عليه ~~إلا رفع إليه حوائجه فكتب إليه قد رفعت حوائجي إلى مولاي فما أعطاني منها ~~قبلت وما أمسك عني قنعت وقيل لبعض الحكماء أي شيء أسر للعاقل وإيما شيء ~~أعون على دفع الحزن فقال أسرها إليه ما قدم من صالح العمل وأعونها له على ~~دفع الحزن الرضا بمحتوم القضاء وقال بعض الحكماء وجدت أطول الناس غما ~~الحسود وأهنأهم عيشا القنوع وأصبرهم على الأذى الحريص إذا طمع وأخفضهم عيشا ~~أرفضهم للدنيا وأعظمهم ندامة العالم المفرط وفي ذلك قيل # آرفه ببال فتى أمسى على ثقة ... أن الذي قسم الأرزاق يرزقه # فالعرض منه مصون لا يدنسه ... والوجه منه جديد ليس يخلقه # إن القناعة من يحلل بساحتها ... لم يلق في دهره شيئا يؤرقه PageV03P239 # وقد قيل أيضا # حتى متى أنا في حل وترحال ... وطول سعي وإدبار وإقبال # ونازح الدار لا أنفك مغتربا ... عن الأحبة لا يدرون ما حالي # بمشرق الأرض طورا ثم مغربها ... لا يخطر الموت من حرصي على بالي # ولو قنعت أتاني الرزق في دعه ... إن القنوع الغنى لا كثرة المال # وقال عمر رضي الله عنه ألا أخبركم بما أستحل من مال الله تعالى حلتان ~~لشتائي وقيظي وما يسعني من الظهر لحجي وعمرتي وقوتي بعد ذلك كقوت رجل ms1558 من ~~قريش لست بأرفعهم ولا بأوضعهم فوالله ما أدري أيحل ذلك أم لا كأنه شك في أن ~~هذا القدر هل هو زيادة على الكفاية التي تجب القناعة بها وعاتب أعرابي أخاه ~~على الحرص فقال يا أخي أنت طالب ومطلوب يطلبك من لا تفوته وتطلب أنت ما قد ~~كفيته وكأن ما غاب عنك قد كشف لك وما أنت فيه قد نقلت عنه كأنك يا أخي لم ~~تر حريصا محروما وزاهدا مرزوقا # وفي ذلك قيل # أراك يزيدك الإثراء حرصا ... على الدنيا كأنك لا تموت # فهل لك غاية إن صرت يوما ... إليها قلت حسبي قد رضيت # وقال الشعبي حكي أن رجلا صاد قنبرة فقالت ما تريد أن تصنع بي قال أذبحك ~~وآكلك قالت والله ما أشفى من قرم ولا أشبع من جوع ولكن أعلمك ثلاث خصال هي ~~خير لك من أكلي أما واحدة فأعلمك وأنا في يدك وأما الثانية فإذا صرت على ~~الشجرة وأما الثالثة فإذا صرت على الجبل قالت هات الأولى قالت لا تلهفن على ~~ما فاتك فخلاها فلما صارت على الشجرة قال هات الثانية لا تصدقن بما لا يكون ~~أنه يكون ثم طارت فصارت على الجبل فقالت يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي ~~درتين زنة كل درة عشرون مثقالا قال فعض على شفته وتلهف وقال هات الثالثة ~~قالت أنت قد نسيت اثنتين فكيف أخبرك بالثالثة ألم أقل لك لا تلهفن على ما ~~فاتك ولا تصدقن بما لا يكون أن يكون أنا لحمي ودمي وريشي لا يكون عشرين ~~مثقالا فكيف يكون في حوصلتي درتان كل واحدة عشرون مثقالا ثم طارت فذهبت ~~وهذا مثال لفرط طمع الآدمي فإنه يعميه عن درك الحق حتى يقدر ما لا يكون أنه ~~يكون وقال ابن السماك إن الرجاء حبل في قلبك وقيد في رجلك فأخرج الرجاء من ~~قلبك يخرج القيد من رجلك وقال أبو محمد اليزيدي دخلت على الرشيد فوجدته ~~ينظر في ورقة مكتوب فيها بالذهب فلما رآني تبسم فقلت فائدة أصلح الله أمير ~~المؤمنين قال ms1559 نعم وجدت هذين البيتين في بعض خزائن بني أمية فاستحسنتهما وقد ~~أضفت إليهما ثالثا # وأنشدني # إذا سد باب عنك من دون حاجة ... فدعه لأخرى ينفتح لك بابها # فإن قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها # ولا تك مبذالا لعرضك واجتنب ... ركوب المعاصي يجتنبك عقابها # وقال عبد الله بن سلام لكعب ما يذهب العلوم من قلوب العلماء إذ وعوها ~~وعقلوها قال الطمع وشره النفس وطلب الحوائج # وقال رجل للفضيل فسر لي قول كعب قال يطمع الرجل في الشيء يطلبه فيذهب ~~عليه دينه وأما الشره فشره النفس في هذا حتى لا تحب أن يفوتها شيء ويكون لك ~~إلى هذا حاجة وإلى هذا حاجة فإذا قضاها لك خرم أنفك وقادك حيث شاء واستمكن ~~منك وخضعت له فمن حبك للدنيا سلمت عليه PageV03P240 # إذا مررت به وعدته إذا مرض لم تسلم عليه لله عز وجل ولم تعده لله فلو لم ~~يكن لك إليه حاجة كان خيرا لك # ثم قال هذا خير لك من مائة حديث عن فلان عن فلان قال بعض الحكماء من عجيب ~~أمر الإنسان أنه لو نودي بدوام البقاء في أيام الدنيا لم يكن في قوى خلقته ~~من الحرص على الجمع أكثر مما قد استعمله مع قصر مدة التمتع وتوقع الزوال ~~وقال عبد الواحد بن زيد مررت براهب فقلت له من أين تأكل قال من بيدر اللطيف ~~الخبير الذي خلق الرحا يأتيها بالطحين وأومأ بيده إلى رحا أضراسه فسبحان ~~القدير الخبير ### ||| بيان علاج الحرص والطمع والدواء الذي يكتسب به صفة القناعة # اعلم أن هذا الدواء مركب من ثلاثة أركان الصبر والعلم والعمل ومجموع ذلك ~~خمسة أمور # الأول وهو العمل الاقتصاد في المعيشة والرفق في الإنفاق فمن أراد عز ~~القناعة فينبغي أن يسد عن نفسه أبواب الخروج ما أمكنه ويرد نفسه إلا ما لا ~~بد له منه فمن كثر خرجه واتسع إنفاقه لم تمكنه القناعة بل إن كان وحده ~~فينبغي أن يقنع بثوب واحد خشن ويقنع بأي طعام كان ويقلل من الإدام ما ms1560 أمكنه ~~ويوطن نفسه عليه وإن كان له عيال فيرد كل واحد إلى هذا القدر فإن هذا القدر ~~يتيسر بأدنى جهد ويمكن معه الإجمال في الطلب والاقتصاد في المعيشة وهو ~~الأصل في القناعة ونعني به الرفق في الإنفاق وترك الخرق فيه قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن الله يحب الرفق الأمر كله (1) # وقال صلى الله عليه وسلم ما عال من اقتصد (2) # وقال صلى الله عليه وسلم ثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد ~~في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب (3) # وروي أن رجلا أبصر أبا الدرداء يلتقط حبا من الأرض وهو يقول إن من فقهك ~~رفقك في معيشتك وقال ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~الاقتصاد وحسن السمت والهدى الصالح جزء من بضع وعشرين جزءا من النبوة (4) # وفي الخبر التدبير نصف المعيشة (5) # وقال صلى الله عليه وسلم من اقتصد أغناه الله ومن بذر أفقره الله ومن ذكر ~~الله عز وجل أحبه الله (6) أخرجه البزار من حديث طلحة بن عبيد الله دون ~~قوله ومن ذكر الله أحبه الله وشيخه فيه عمران بن هارون البصري قال الذهبي ~~شيخ لا يعرف حاله أتى بخبر منكر أي هذا الحديث ولأحمد وأبي يعلى في حديث ~~لأبي سعيد ومن أكثر من ذكر الله أحبه الله (7) حديث ذا أردت أمرا فعليك ~~بالتؤدة حتى يجعل الله فيه فرجا ومخرجا رواه ابن المبارك في البر والصلة ~~وقد تقدم // والتؤدة في الإنفاق من أهم الأمور # الثاني أنه إذا تيسر له في الحال ما يكفيه فلا ينبغي أن يكون شديد ~~الاضطراب لأجل المستقبل ويعينه على ذلك قصر الأمل والتحقق بأن الرزق الذي ~~قدر له لا بد وأن يأتيه وإن لم يشتد حرصه فإن شدة الحرص ليست هي السبب ~~لوصول الأرزاق بل ينبغي أن يكون واثقا بوعد الله تعالى إذ قال عز وجل {وما ~~من دابة في الأرض} PageV03P241 # {إلا على الله رزقها} وذلك لأن الشيطان يعده الفقر ويأمره بالفحشاء ويقول ~~إن لم تحرص على الجمع ms1561 والادخار فربما تمرض وربما تعجز وتحتاج إلى احتمال ~~الذل في السؤال فلا يزال طول العمر يتعبه في الطلب خوفا من الفقر ويضحك ~~عليه في احتماله التعب نقدا مع الغفلة عن الله لتوهم تعب في ثاني الحال ~~وربما لا يكون وفي مثله قيل # ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر # وقد دخلا ابنا خالد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما لا تيأسا ~~من الرزق ما تهزهزت رؤوسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ثم ~~يرزقه الله تعالى (1) # ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن مسعود وهو حزين فقال له لا تكثر ~~همك ما قدر يكن وما ترزق يأتك (2) # وقال صلى الله عليه وسلم ألا أيها الناس أجملوا في الطلب فإنه ليس لعبد ~~إلا ما كتب له ولن يذهب عبد من الدنيا حتى يأتيه ما كتب له من الدنيا وهي ~~راغمة (3) حديث أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب أخرجه ~~ابن حبان في الضعفاء من حديث علي بإسناد رواه ورواه ابن الجوزي في ~~الموضوعات (4) حديث عز المؤمن استغناؤه عن الناس أخرجه الطبراني في الأوسط ~~والحاكم وصحح إسناده وأبو الشيخ في كتاب الثواب وأبو نعيم في الحلية من ~~حديث سهل بن سعد أن جبريل قاله للنبي صلى الله عليه وسلم في أثناء حديث ~~وفيه زفر بن سليمان عن محمد بن عيينة وكلاهما مختلف فيه وجعله القضاعي في ~~مسند الشهاب من قول النبي صلى الله عليه وسلم ففي القناعة الحرية ~~PageV03P242 # والعز ولذلك قيل استغن عمن شئت تكن نظيره واحتج إلى من شئت تكن أسيره ~~وأحسن إلى من شئت تكن أميره # الرابع أن يكثر تأمله في تنعم اليهود والنصارى وأراذل الناس والحمقى من ~~الأكراد والأعراب الأجلاف ومن لا دين لهم ولا عقل ثم ينظر إلى أحوال ~~الأنبياء والأولياء وإلى سمت الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة والتابعين ~~ويستمع أحاديثهم ويطالع أحوالهم ويخير عقله بين أن يكون على مشابهة أراذل ~~الناس أو على الاقتداء ms1562 بمن هو أعز أصناف الخلق عند الله حتى يهون عليه بذلك ~~الصبر على الضنك والقناعة باليسير فإنه إن تنعم في البطن فالحمار أكثر أكلا ~~منه وإن تنعم في الوقاع فالخنزير أعلى رتبة منه وإن تزين في الملبس والحلي ~~ففي اليهود من هو أعلى زينة منه وإن قنع بالقليل ورضي به لم يساهمه في ~~رتبته إلا الأنبياء والأولياء # الخامس أن يفهم ما في جمع المال من الخطر كما ذكرنا في آفات المال وما ~~فيه من خوف السرقة والنهب والضياع وما في خلو اليد من الأمن والفراغ ويتأمل ~~ما ذكرناه في آفات المال مع ما يفوته من المدافعة عن باب الجنة إلى خمسمائة ~~عام فإنه إذا لم يقنع مما يكفيه ألحق بزمرة الأغنياء وأخرج من جريدة ~~الفقراء ويتم ذلك بأن ينظر أبدا إلى من دونه في الدنيا لا إلى من فوقه فإن ~~الشيطان أبدا يصرف نظره في الدنيا إلى من فوقه فيقول لم تفتر عن الطلب ~~وأرباب الأموال يتنعمون في المطاعم والملابس ويصرف نظره في الدين إلى من ~~دونه فيقول ولم تضيق على نفسك وتخاف الله وفلان أعلم منك وهو لا يخاف الله ~~والناس كلهم مشغولون بالتنعم فلم تريد أن تتميز عنهم قال أبو ذر أوصاني ~~خليلي صلى الله عليه وسلم أن أنظر إلى من هو دوني لا إلا من هو فوقي (1) ~~وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نظر أحدكم إلى من ~~فضله الله عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه ~~(2) # فبهذه الأمور يقدر على اكتساب خلق القناعة # وعماد الأمر الصبر وقصر الأمل وأن يعلم أن غاية صبره في الدنيا أيام ~~قلائل للتمتع دهرا طويلا فيكون كالمريض الذي يصبر على مرارة الدواء لشدة ~~طعمه في انتظار الشفاء ### ||| بيان فضيلة السخاء # اعلم أن المال إن كان مفقودا فينبغي أن يكون حال العبد القناعة وقلة ~~الحرص وإن كان موجودا فينبغي أن يكون حاله الإيثار والسخاء واصطناع المعروف ~~والتباعد عن الشح والبخل فإن السخاء ms1563 من أخلاق الأنبياء عليهم السلام وهو ~~أصل من أصول النجاة وعنه عبر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال السخاء شجرة ~~من شجر الجنة أغصانها متدلية إلى الأرض فمن أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن ~~إلى الجنة (3) حديث جابر مرفوعا حكاية عن جبريل عن الله تعالى إن هذا دين ~~رضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق أخرجه الدارقطني في المستجاد ~~وقد تقدم // وفي رواية فأكرموه بهما ما صحبتموه وعن عائشة الصديقية رضي ~~PageV03P243 # الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جبل الله تعالى وليا ~~له إلا على حسن الخلق والسخاء (1) وعن جابر قال قيل يا رسول الله أي ~~الأعمال أفضل قال الصبر والسماحة (2) وقال عبد الله بن عمرو # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقان يحبهما الله عز وجل وخلقان ~~يبغضهما الله عز وجل فأما اللذان يحبهما الله تعالى فحسن الخلق والسخاء ~~وأما اللذان يبغضهما الله فسوء الخلق والبخل وإذا أراد الله بعبد خيرا ~~استعمله في قضاء حوائج الناس (3) # وروى المقدام بن شريح عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله دلني على عمل ~~يدخلني الجنة قال إن موجبات المغفرة بذل الطعام وإفشاء السلام وحسن الكلام ~~حديث المقدام بن شريح عن أبيه عن جده إن من موجبات المغفرة بذل الطعام ~~وإفشاء السلام وحسن الكلام أخرجه الطبراني بلفظ بذل السلام وحسن الكلام وفي ~~رواية له يوجب الجنة إطعام الطعام وإفشاء السلام وفي رواية له عليك بحسن ~~الكلام وبذل الطعام (4) حديث أبو هريرة السخاء شجرة في الجنة الحديث وفيه ~~والشح شجرة في النار الحديث أخرجه الدارقطني في المستجاد وفيه عبد العزيز ~~ابن عمران الزهري ضعيف جدا (5) حديث أبي سعيد يقول الله تعالى أطلبوا الفضل ~~من الرحماء من عبادي تعيشوا في أكنافهم الحديث أخرجه ابن حبان في الضعفاء ~~والخرائطي في مكارم الأخلاق والطبراني في الأوسط وفيه محمد بن مروان السدي ~~الصغير ضعيف ورواه العقيلي في الضعفاء فجعله عبد الرحمن السدي وقال إنه ~~مجهول وتابع محمد بن مروان ms1564 السدي عليه عبد الملك ابن الخطاب وقد غمزه ابن ~~القطان وتابعه عليه عبد الغفار بن الحسن بن دينار قال فيه أبو حاتم لا بأس ~~بحديثه وتكلم فيه الجوزجاني والأزدي ورواه الحاكم من حديث علي وقال إنه ~~صحيح الإسناد وليس كما قال (6) حديث ابن عباس تجافوا عن ذنب السخي فإن الله ~~أخذ بيده كلما عثر أخرجه الطبراني في الأوسط والخرائطي في مكارم الأخلاق ~~وقال الخرائطي أقيلوا السخي زلته وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه ورواه ~~الطبراني فيه وأبو نعيم من حديث ابن مسعود نحوه بإسناد ضعيف ورواه ابن ~~الجوزي في الموضوعات من طريق الدارقطني (7) حديث ابن مسعود الرزق إلى مطعم ~~الطعام أسرع من السكين إلى ذروة البعير الحديث لم أجده من حديث ابن مسعود ~~ورواه ابن ماجه من حديث أنس ومن حديث ابن عباس بلفظ الخير أسرع إلى البيت ~~الذي يغشى وفي حديث ابن عباس يؤكل فيه عن الشفرة إلى سنام البعير ولأبي ~~الشيخ في كتاب الثواب من حديث جابر الرزق إلى أهل البيت الذي فيه السخاء ~~الحديث وكلها ضعيفة (8) حديث إن الله جواد يجب الجود ويحب معالي الأمور ~~ويكره سفسافها أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث طلحة بن عبيد الله ~~ابن كريز وهذا مرسل وللطبراني في الكبير والأوسط والحاكم والبيهقي من حديث ~~سهل بن سعد إن الله كريم يحب الكرم ويحب معالي الأمور وفي الكبير والبيهقي ~~معالي الأخلاق الحديث وإسناده صحيح وتقدم آخر الحديث في أخلاق النبوة // # وقال أنس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل على الإسلام شيئا إلا ~~PageV03P244 # أعطاه وأتاه رجل فسأله فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة فرجع ~~إلى قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة (1) # وقال ابن عمر قال صلى الله عليه وسلم إن لله عبادا يخصهم بالنعم لمنافع ~~العباد فمن بخل بتلك المنافع على العباد نقلها الله تعالى عنه وحولها إلى ~~غيره (2) حديث الهلالي أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأسرى من ms1565 بني العنبر ~~فأمر بقتلهم وأفرد منهم رجلا الحديث وفيه فإن الله شكر له سخاء فيه لم أجد ~~له أصلا (3) حديث إن لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف تعجيل السراح لم أقف له ~~على أصل (4) حديث نافع عن ابن عمر طعام الجواد دواء وطعام البخيل داء أخرجه ~~ابن عدي والدارقطني في غرائب مالك وأبو علي الصدفي في عواليه رجاله ثقات ~~أئمة قال ابن القطان ومنهم لمشاهير ثقات إلا مقدام بن داود فإن أهل مصر ~~تكلموا فيه (5) حديث من عظمت نعمة الله عليه عظمت مؤنة الناس عليه رواه ابن ~~عدي وابن حبان في الضعفاء من حديث معاذ بلفظ ما عظمت نعمة الله على عبد إلا ~~ذكره وفيه أحمد بن مهران قال أبو حاتم مجهول والحديث باطل ورواه الخرائطي ~~في مكارم الأخلاق من حديث عمر بإسناد منقطع وفيه حليس بن محمد أحد ~~المتروكين ورواه العقيلي من حديث ابن عباس قال ابن عدي يروى من وجوه كلها ~~غير محفوظة فمن لم يحتمل تلك المؤنة عرض تلك النعمة للزوال وقال عيسى عليه ~~السلام استكثروا من شيء لا تأكله النار وقيل وما هو قال المعروف وقالت ~~عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة دار الأسخياء ~~(6) # وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن السخي قريب من الله ~~قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار وإن البخيل بعيد من الله من ~~الناس بعيد من الجنة قريب من النار وجاهل سخي أحب إلى الله من عالم بخيل ~~وأدوأ الداء البخل (7) حديث اصنع المعروف إلى أهله وإلى من ليس من أهله ~~أخرجه الدارقطني في المستجاد من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جده مرسلا ~~وتقدم في آداب المعيشة (8) حديث إن بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بصلاة ولا ~~صيام ولكن دخلوها بسماحة الأنفس الحديث أخرجه الدارقطني في المستجاد وأبو ~~بكر بن لال في مكارم الأخلاق من حديث أنس وفيه محمد بن عبد العزيز المبارك ~~الدينوي أورد ابن عدي له مناكير ms1566 وفي الميزان أنه ضعيف منكر الحديث ورواه ~~الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أبي سعيد نحوه وفيه صالح المري متكلم ~~فيه // # وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن} PageV03P245 # الله عز وجل جعل للمعروف وجوها من خلقه حبب إليهم المعروف وحبب إليهم ~~فعاله ووجه طلاب المعروف إليهم ويسر عليهم إعطاءه كما يسر الغيث إلى البلدة ~~الجدبة فيحييها ويحيي به أهلها (1) # وقال صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة وكل ما أنفق الرجل على نفس وأهله ~~كتب له صدقة وما وقى به الرجل عرضه فهو له صدقة وما أنفق الرجل من نفقة ~~فعلى الله خلفها (2) # وقال صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة والدال على الخير كفاعله الله يحب ~~إغاثة اللهفان (3) # وقال صلى الله عليه وسلم كل معروف فعلته إلى غني أو فقير صدقة (4) # وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام لا تقتل السامري فإنه سخي ~~وقال جابر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا عليهم قيس بن سعد بن ~~عبادة فجهدوا فنحر لهم قيس تسع ركائب فحدثوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بذلك فقال صلى الله عليه وسلم إن الجود لمن شيمة أهل ذلك البيت // حديث ~~جابر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا عليهم قيس بن سعد بن عبادة ~~فجهدوا فنحر لهم الحديث وفيه فقال إن الجود لمن شيمة أهل ذلك البيت أخرجه ~~الدارقطني فيه من رواية أبي حمزة الحميري عن جابر ولا يعرف اسمه ولا حاله ~~الآثار قال علي كرم الله وجهه إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق منها فإنها لا ~~تفنى وإذا أدبرت عنك فأنفق منها فإنها لا تبقى وأنشد # لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسرف # وإن تولت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف # وسأل معاوية الحسن بن علي رضي الله عنهم عن المروءة والنجدة والكرم فقال ~~أما المروءة فحفظ الرجل دينه وحذره نفسه وحسن قيامه بضيفه وحسن المنازعة ~~والأقدام في الكراهية ms1567 وأما النجدة فالذب عن الجار والصبر في المواطن وأما ~~الكرم فالتبرع بالمعروف قبل السؤال والإطعام في المحل والرأفة بالسائل مع ~~بذل النائل ورفع رجل إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما رقعة فقال حاجتك ~~مقضية فقيل له يا ابن رسول الله لو نظرت في رقعته ثم رددت الجواب على قدر ~~ذلك فقال يسألني الله عز وجل عن ذل مقامه بين يدي حتى أقرأ رقعته وقال ابن ~~السماك عجبت لمن يشتري المماليك بماله ولا يشتري الأحرار بمعروفه وسئل بعض ~~الأعراب من سيدكم فقال من احتمل شتمنا وأعطى سائلنا وأغضى عن جاهلنا وقال ~~علي بن الحسين رضي الله عنهما من وصف ببذل ما له لطلابه لم يكن سخيا وإنما ~~السخي من يبتديء بحقوق الله تعالى في أهل طاعته ولا تنازعه نفسه إلى حب ~~الشكر له إذا كان يقينه بثواب الله تعالى تاما وقيل للحسن البصري ما السخاء ~~فقال أن تجود بمالك في الله عز وجل قيل فما الحزم قال أن تمنع مالك فيه قيل ~~فما الإسراف قال الإنفاق لحب الرياسة # وقال جعفر الصادق رحمة الله عليه لا مال أعون من العقل ولا مصيبة أعظم من ~~الجهل ولا مظاهرة كالمشاورة ألا وإن الله عز وجل يقول إني جواد كريم لا ~~يجاورني لئيم واللؤم من الكفر وأهل الكفر في النار والجود والكرم من ~~الإيمان وأهل الإيمان في الجنة وقال حذيفة PageV03P246 # رضي الله عنه رب فاجر في دينه أخرق في معيشته يدخل الجنة بسماحته وروي أن ~~الأحنف بن قيس رأى رجلا في يده درهم فقال لمن هذا الدرهم فقال لي فقال أما ~~إنه ليس لك حتى يخرج من يدك وفي معناه قيل # أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك # وسمي واصل بن عطاء الغزال لأنه كان يجلس إلى الغزالين فإذا رأى امرأة ~~ضعيفة أعطاها شيئا وقال الأصمعي كتب الحسن بن علي إلى الحسين بن علي رضوان ~~الله عليهم يعتب عليه في إعطاء الشعراء فكتب إليه خير المال ما وقي به ~~العرض وقيل لسفيان بن ms1568 عيينة ما السخاء قال السخاء البر بالإخوان والجود ~~بالمال قال وورث أبي خمسين ألف درهم فبعث بها صررا إلى إخوانه وقال قد كنت ~~أسأل الله تعالى لإخواني الجنة في صلاتي أفأبخل عليهم بالمال وقال الحسن ~~بذل المجهود في بذل الموجود منتهى الجود وقيل لبعض الحكماء من أحب الناس ~~إليك قال من كثرت أياديه عندي قيل فإن لم يكن قال من كثرت أيادي عنده وقال ~~عبد العزيز بن مروان إذا الرجل أمكنني من نفسه حتى أضع معروفي عنده فيده ~~عندي مثل يدي عنده وقال المهدي لشبيب بن شبة كيف رأيت الناس في داري فقال ~~يا أمير المؤمنين إن الرجل منهم ليدخل راجيا ويخرج راضيا وتمثل متمثل عند ~~عبد الله بن جعفر فقال # إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع # فإذا اصطنعت صنيعة فاعمد بها ... لله أو لذوي القرابة أو دع # فقال عبد الله بن جعفر إن هذين البيتين ليبخلان الناس ولكن أمطر المعروف ~~مطرا فإن أصاب الكرام كانوا له أهلا وإن أصاب اللئام كنت له أهلا ### |||| حكايات الأسخياء # عن محمد بن المنكدر عن أم درة وكانت تخدم عائشة رضي الله عنها قالت إن ~~معاوية بعث إليها بمال في غرارتين ثمانين ومائة ألف درهم فدعت بطبق فجعلت ~~تقسمه بين الناس فلما أمست قالت يا جارية هلم فطوري فجاءتها بخبز وزيت ~~فقالت لها أم درة ما استطعت فيما قسمت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحما نفطر ~~عليه فقالت لو كنت ذكرتيني لفعلت # وعن أبان بن عثمان قال أراد رجل أن يضار عبيد الله بن عباس فأتى وجوه ~~قريش فقال يقول لكم عبيد الله تغدوا عندي اليوم فأتوه حتى ملؤا عليه الدار ~~فقال ما هذا فأخبر الخبر فأمر عبيد الله بشراء فاكهة وأمر قوما فطبخوا ~~وخبزوا وقدمت الفاكهة إليهم فلم يفرغوا منها حتى وضعت الموائد فأكلوا حتى ~~صدروا فقال عبيد الله لوكلائه أو موجود لنا هذا كل يوم قالوا نعم قال ~~فليتغد عندنا هؤلاء في كل يوم # وقال مصعب بن الزبير ms1569 حج معاوية فلما انصرف مر بالمدينة فقال الحسين بن ~~علي لأخيه الحسن لا تلقه ولا تسلم عليه فلما خرج معاوية قال الحسن إن علينا ~~دينا فلا بد لنا من إتيانه فركب في أثره ولحقه فسلم عليه وأخبره بدينه ~~فمروا عليه ببختي عليه ثمانون ألف دينار وقد أعيا وتخلف عن الإبل وقوم ~~يسوقونه فقال معاوية ما هذا فذكر له فقال اصرفوه بما عليه إلى أبي محمد # وعن واقد بن محمد الواقدي قال حدثني أبي أنه رفع رقعة إلى المأمون يذكر ~~فيها كثرة الدين وقلة صبره عليه فوقع المأمون على ظهر رقعته إنك رجل اجتمع ~~فيك خصلتان السخاء والحياء فأما السخاء فهو الذي أطلق PageV03P247 # ما في يديك وأما الحياء فهو الذي يمنعك عن تبليغنا ما أنت عليه وقد أمرت ~~لك بمائة ألف درهم فإن كنت قد أصبت فازدد في بسط يدك وإن لم أكن قد أصبت ~~فجنايتك على نفسك وأنت حدثتني وكنت على قضاء الرشيد عن محمد بن إسحق عن ~~الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للزبير بن العوام يا زبير ~~اعلم أن مفاتيح أرزاق العباد بإزاء العرش يبعث الله عز وجل إلى كل عبد بقدر ~~نفقته فمن كثر كثر له ومن قلل قلل له وأنت أعلم (1) # قال الواقدي فوالله لمذاكرة المأمون إياي بالحديث أحب إلى من الجائزة وهي ~~مائة ألف درهم # وسأل رجل الحسن بن علي رضي الله عنهما حاجة فقال له يا هذا حق سؤالك إياي ~~يعظم لدي ومعرفتي بما يجب لك تكبر علي ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله ~~والكثير في ذات الله تعالى قليل وما في ملكي وفاه لشكرك فإن قبلت الميسور ~~ورفعت عني مؤنة الاحتمال والاهتمام لما أتكلفه من واجب حقك فعلت فقال يا ~~ابن رسول الله أقبل وأشكر العطية وأعذر علي المنع فدعا الحسن بوكيله وجعل ~~يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها فقال هات الفضل من الثلثمائة ألف درهم ~~فأحضر خمسين ألف قال فما فعلت بالخمسمائة دينار قال هي عندي قال أحضرها ms1570 ~~فأحضرها فدفع الدنانير والدراهم إلى الرجل وقال هات من يحملها لك فأتاه ~~بحمالين فدفع إليه الحسن رداءه لكراء الحمالين فقال له مواليه والله ما ~~عندنا درهم فقال أرجو أن يكون لي عند الله أجر عظيم # واجتمع قراء البصرة إلى ابن عباس وهو عامل بالبصرة فقالوا لنا جار صوام ~~قوام يتمنى كل واحد منا أن يكون مثله وقد زوج بنته من ابن أخيه وهو فقير ~~وليس عنده ما يجهزها به فقام عبد الله بن عباس فأخذ بأيديهم وأدخلها داره ~~وفتح صندوقا فأخرج منه ست بدر فقال احملوا فحملوا فقال ابن عباس ما أنصفناه ~~أعطيناه ما يشغله عن قيامه وصيامه ارجعوا بنا نكن أعوانه على تجهيزها فليس ~~للدنيا من القدر ما يشغل مؤمنا عن عبادة ربه وما بنا من الكبر ما لا نخدم ~~أولياء الله تعالى ففعل وفعلوا # وحكي أنه لما أجدب الناس بمصر وعبد الحميد بن سعد أميرهم فقال والله ~~لأعلمن الشيطان أني عدوه فعال محاويجهم إلى أن رخصت الأسعار ثم عزل عنهم ~~فرحل وللتجار عليه ألف ألف درهم فرهنهم بها حلي نسائه وقيمتها خمسمائة ألف ~~ألف فلما تعذر عليه ارتجاعها كتب إليهم ببيعها ودفع الفاضل منها عن حقوقهم ~~إلى من لم تنله صلاته # وكان أبو طاهر بن كثير شيعيا فقال له رجل بحق علي بن أبي طالب لما وهبت ~~لي نخلتك بموضع كذا وكذا فقال قد فعلت وحقه لأعطينك ما يليها وكان ذلك ~~أضعاف ما طلب الرجل # وكان أبو مرثد أحد الكرماء فمدحه بعض الشعراء فقال للشاعر والله ما عندي ~~ما أعطيك ولكن قدمني إلى القاضي وادع علي بعشرة آلاف درهم حتى أقر لك بها ~~ثم احبسني فإنأهلي لا يتركوني محبوسا ففعل ذلك فلم يمس حتى دفع إليه عشرة ~~آلاف درهم وأخرج أبو مرثد من الحبس # وكان معن بن زائدة عاملا على العراقين بالبصرة فحضر بابه شاعر فأقام مدة ~~وأراد الدخول على معن فلم يتهيأ له فقال يوما لبعض خدام معن إذا دخل الأمير ~~البستان فعرفني فلما دخل الأمير البستان ms1571 أعلمه فكتب الشاعر بيتا على خشبة ~~وألقاها في الماء الذي يدخل البستان وكان معن على رأس الماء فلما بصر ~~بالخشبة أخذها وقرأها فإذا مكتوب عليها PageV03P248 # أيا جود معن ناج معنا بحاجتي ... فما لي إلى معن سواك شفيع # فقال من صاحب هذه فدعي بالرجل فقال له كيف قلت فقال له فأمر له بعشر بدر ~~فأخذهاووضع الأمير الخشبة تحت بسطاه فلما كان اليوم الثاني أخرجها من تحت ~~البساط وقرأها ودعا بالرجل فدفع إليه مائة ألف درهم فلما أخذها الرجل تفكر ~~وخاف أن يأخذ منه ما أعطاه فخرج فلما كان في اليوم الثالث قرأ ما فيها ودعا ~~بالرجل فطلب فلم يوجد فقال معن حق علي أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت مالي ~~ولا دينار # وقال أبو الحسن المدائني خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر حجاجا ~~ففاتهم أثقالهم فجاعوا وعطشوا فمروا بعجوز في خباء لها فقالوا هل من شراب ~~فقالت نعم فأناخوا إليها وليس لها إلا شويهة في كسر الخيمة فقالت احلبوها ~~وامتذقوا لبنها ففعلوا ذلك ثم قالوا لها هل من طعام قالت لا إلا هذه الشاة ~~فليذبحها أحدكم حتى أهيء لكم ما تأكلون فقام إليها أحدهم وذبحها وكشطها ثم ~~هيأت لهم طعاما فأكلوا وأقاموا حتى أبردوا فلما ارتحلوا قالوا لها نحن نفر ~~من قريش نريد هذا الوجه فإذا رجعنا سالمين فألمي بنا فإنا صانعون بك خيرا ~~ثم ارتحلوا وأقبل زوجها فأخبرته بخبر القوم والشاة فغضب الرجل وقال ويلك ~~تذبحين شاتي لقوم لا تعرفيهم ثم تقولين نفر من قريش قال ثم بعد مدة ~~ألجأتهما الحاجة إلى دخول المدينة فدخلاها وجعلا ينقلان البعر إليها ~~ويبيعانه ويتعيشان بثمنه فمرت العجوز ببعض سكك المدينة فإذا الحسن بن علي ~~جالس على باب داره فعرف العجوز وهي له منكرة فبعث غلامه فدعا بالعجوز وقال ~~لها يا أمة الله أتعرفيني قالت لا قال أنا ضيفك يوم كذا ويوم كذا فقالت ~~العجوز بأبي أنت وأمي أنت هو قال نعم ثم أمر الحسن فاشتروا لها من شياه ~~الصدقة ألف شاة ms1572 وأمر لها معها بألف دينار وبعث بها مع غلامه إلى الحسين ~~فقال لها الحسين بكم وصلك أخي قالت بألف شاة وألف دينار فأمر لها الحسين ~~أيضا بمثل ذلك ثم بعث بها مع غلامه إلى عبد الله بن جعفر فقال لها بكم وصلك ~~الحسن والحسين قالت بألفي شاة وألفي دينار فأمر لها عبد الله بألفي شاة ~~وألفي دينار وقال لها لو بدأت بي لأتعبتهما فرجعت العجوز إلى زوجها بأربعة ~~آلاف شاة وأربعة آلاف دينار # وخرج عبد الله بن عامر بن كريز من المسجد يريد منزله وهو وحده فقام إليه ~~غلام من ثقيف فمشى إلى جانبه فقال له عبد الله ألك حاجة يا غلام قال صلاحك ~~وفلاحك رأيتك تمشي وحدك فقلت أقيك بنفسي وأعوذ بالله إن طار بجانبك مكروه ~~فأخذ عبد الله بيده ومشى معه إلى منزله ثم دعا بألف دينار فدفعها إلى ~~الغلام وقال استنفق هذه فنعم ما أدبك أهلك # وحكي أن قوما من العرب جاءوا إلى قبر بعض أسخيائهم للزيارة فنزلوا عند ~~قبره وباتوا عنده وقد كانوا جاءوا من سفر بعيد فرأى رجل منهم في النوم صاحب ~~القبر وهو يقول له هل لك أن تبادل بعيرك بنجيبي وكان السخي الميت قد خلف ~~نجيبا معروفا به ولهذا الرجل بعير سمين فقال له في النوم نعم فباعه في ~~النوم بعيره بنجيبه فلما وقع بينهما العقد عمد هذا الرجل إلى بعيره فنحره ~~في النوم فانتبه الرجل من نومه فإذا الدم يثج من نحر بعيره فقام الرجل ~~فنحره وقسم لحمه فطبخوه وقضوا حاجتهم منه ثم رحلوا وساروا فلما كان اليوم ~~الثاني وهم في الطريق استقبلهم ركب فقال رجل منهم من فلان بن فلان منكم ~~باسم ذلك الرجل فقال أنا فقال له هل بعت من فلان بن فلان شيئا وذكر الميت ~~صاحب القبر قال نعم بعت بعيري بنجيبه في PageV03P249 # النوم فقال خذ هذا نجيبه ثم قال هو أبي وقد رأيته في النوم وهو يقول إن ~~كنت ابني فادفع نجيبي إلى فلان بن فلان وسماه # وقدم ms1573 رجل من قريش من السفر فمر برجل من الأعراب على قارعة الطريق قد ~~أقعده الدهر وأضر به المرض فقال يا هذا أعنا على الدهر فقال الرجل لغلامه ~~ما بقي معك من النفقة فادفعه إليه فصب الغلام في حجر الأعرابي أربعة آلاف ~~درهم فذهب لينهض فلم يقدر من الضعف فبكى فقال له الرجل ما يبكيك لعلك ~~استقللت ما أعطيناك قال لا ولكن ذكرت ما تأكل الأرض من كرمك فأبكاني # واشترى عبد الله بن عامر من خالد بن عقبة بن أبي معيط داره التي في السوق ~~بتسعين ألف درهم فلما كان الليل سمع بكاء أهل خالد فقال لأهله ما لهؤلاء ~~قالوا يبكون لدارهم فقال يا غلام ائتهم فأعلمهم أن المال والدار لهم جميعا # وقيل بعث هارون الرشيد إلى مالك بن أنس رحمه الله بخمسمائة دينار فبلغ ~~ذلك الليث به سعد فأنفذ إليه ألف دينار فغضب هارون وقال أعطيته خمسمائة ~~وتعطيه ألفا وأنت من رعيتي فقال يا أمير المؤمنين إن لي من غلتي كل يوم ألف ~~دينار فاستحييت أن أعطي مثله أقل من دخل يوم وحكي أنه لم تجب عليه الزكاة ~~مع أن دخله كل يوم ألف دينار وحكي أن امرأة سألت الليث بن سعد رحمة الله ~~عليه شيئا من عسل فأمر لها بزق من عسل فقيل له إنها كانت تقنع بدون هذا ~~فقال إنها سألت على قدر حاجتها ونحن نعطيها على قدر النعمة علينا وكان ~~الليث ابن سعد لا يتكلم كل يوم حتى يتصدق على ثلثمائة وستين مسكينا # وقال الأعمش اشتكت شاة عندي فكان خيثمة بن عبد الرحمن يعودها بالغداة ~~والعشي ويسألني هل استوفت علفها وكيف صبر الصبيان منذ فقدوا لبنها وكان ~~تحتي لبد أجلس عليه فإذا خرج قال خذ ما تحت اللبد حتى وصل إلي في علة الشاة ~~أكثر من ثلثمائة دينار من بره حتى تمنيت أن الشاة لم تبرأ # وقال عبد الملك بن مروان لأسماء بن خارجة بلغني عنك خصال فحدثني بها فقال ~~هي من غيري أحسن منها مني فقال ms1574 عزمت عليك إلا حدثتني بها فقال يا أمير ~~المؤمنين ما مددت رجلي بين يدي جليس لي قط ولا صنعت طعاما قط فدعوت عليه ~~قوما إلا كانوا أمن علي مني عليهم ولا نصب لي رجل وجهه قط يسألني شيئا ~~فاستكثرت شيئا أعطيته إياه # ودخل سعيد بن خالد على سليمان بن عبد الملك وكان سعيد رجلا جوادا فإذا لم ~~يجد شيئا كتب لمن سأله صكا على نفسه حتى يخرج عطاؤه فلما نظر إليه سليمان ~~تمثل بهذا البيت فقال # إني سمعت مع الصباح مناديا ... يا من يعين على الفتى المعوان # ثم قال ما حاجتك قال ديني قال وكم هو قال ثلاثون ألف دينار قال لك دينك ~~ومثله # وقيل مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ إخوانه فقيل له إنهم يستحيون مما ~~لك عليهم من الدين فقال أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة ثم أمر ~~مناديا فنادى من كان عليه لقيس بن سعد حق فهو منه بريء قال فانكسرت درجته ~~بالعشي لكثرة من زاره وعاده # عن أبي إسحاق قال صليت العصر في مسجد الأشعث بالكوفة أطلب غريما لي فلما ~~صليت وضع بين يدي حلة ونعلان فقلت لست من أهل هذا المسجد فقالوا إن الأشعث ~~بن قيس الكندي قدم البارحة من مكة فأمر لكل من صلى في المسجد بحلة ونعلين PageV03P250 # وقال الشيخ أبو سعد الحركوشي النيسابوري رحمه الله سمعت محمد بن محمد ~~الحافظ يقول سمعت الشافعي المجاور بمكة يقول كان بمصر رجل عرف بأن يجمع ~~للفقراء شيئا فولد لبعضهم مولود قال فجئت إليه وقلت له ولد لي مولود وليس ~~معي شيء فقام معي ودخل على جماعة فلم يفتح بشيء فجاء إلى قبر رجل وجلس عنده ~~وقال رحمك الله كنت تفعل وتصنع وإني درت اليوم على جماعة فكلفتهم دفع شيء ~~لمولود فلم يتفق لي شيء قال ثم قام وأخرج دينارا وقسمه نصفين وناولني نصفه ~~وقال هذا دين عليك إلى أن يفتح الله عليك بشيء قال فأخذته وانصرفت فأصلحت ~~ما اتفق لي به قال فرأى ذلك ms1575 المحتسب تلك الليلة ذلك الشخص في منامه فقال ~~سمعت جميع ما قلت وليس لنا إذن في الجواب ولكن أحضر منزلي وقل لأولادي ~~يحفروا مكان الكانون ويخرجوا قرابة فيها خمسمائة دينار فاحملها إلى هذا ~~الرجل فلما كان من الغد تقدم إلى منزل الميت وقص عليهم القصة فقالوا له ~~اجلس وحفروا الموضع وأخرجوا الدنانير وجاءوا بها فوضعوها بين يديه فقال هذا ~~مالكم وليس لرؤياي حكم فقالوا هو يتسخى ميتا ولا نتسخى نحن أحياء فلما ~~ألحوا عليه حمل الدنانير إلى الرجل صاحب المولود وذكر له القصة قال فأخذ ~~منها دينارا فكسره نصفين فأعطاه النصف الذي أقرضه وحمل النصف الآخر وقال ~~يكفيني هذا وتصدق به على الفقراء فقال أبو سعيد فلا أدري أي هؤلاء أسخى # وروي أن الشافعي رحمه الله لما مرض مرض موته بمصر قال مروا فلانا يغسلني ~~فلما توفي بلغه خبر وفاته فحضر وقال ائتوني بتذكرته فأتي بها فنظر فيها ~~فإذا على الشافعي سبعون ألف درهم دين فكتبها على نفسه وقضاها عنه وقال هذا ~~غسلي إياه أي أراد به هذا وقال أبو سعيد الواعظ الحركوشي لما قدمت مصر طلبت ~~منزل ذلك الرجل فدلوني عليه فرأيت جماعة من أحفاده وزرتهم فرأيت فيهم سيما ~~الخير وآثار الفضل فقلت بلغ أثره في الخير إليهم وظهرت بركته فيهم مستدلا ~~بقوله تعالى وكان أبوهما صالحا وقال الشافعي رحمه الله لا أزال أحب حماد بن ~~أبي سليمان لشيء بلغني عنه أنه كان ذات يوم راكبا حماره فحركه فانقطع زره ~~فمر على الخياط فأراد أن ينزل إليه ليسوي زره فقال الخياط والله لا نزلت ~~فقام الخياط إليه فسوى زره فأخرج إليه صرة فيها عشرة دنانير فسلمها إلى ~~الخياط واعتذر إليه من قلتها وأنشد الشافعي رحمه الله لنفسه # يا لهف قلبي على مال أجود به ... على المقلين من أهل المروءات # إن اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات # وعن الربيع بن سليمان قال أخذ رجل بركاب الشافعي رحمه الله فقال يا ربيع ~~أعطه أربعة دنانير واعتذر ms1576 إليه عني وقال الربيع سمعت الحميدي يقول قدم ~~الشافعي من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار فضرب خباءه في موضع خارج عن مكة ~~ونثرها على ثوب ثم أقبل على كل من دخل عليه يقبض له قبضة ويعطيه حتى صلى ~~الظهر ونفض الثوب وليس عليه شيء # وعن أبي ثور قال أراد الشافعي الخروج إلى مكة ومعه مال وكان قلما يمسك ~~شيئا من سماحته فقلت له ينبغي أن تشتري بهذا المال ضيعة تكون لك ولولدك قال ~~فخرج ثم قدم علينا فسألته عن ذلك المال فقال ما وجدت بمكة ضيعة يمكنني أن ~~أشتريها لمعرفتي بأصلها وقد وقف أكثرها ولكني بنيت بمنى مضربا يكون ~~لأصحابنا إذا حجوا أن ينزلوا فيه وأنشد الشافعي رحمه الله لنفسه يقول # أرى نفسي تتوق إلى أمور ... يقصر دون مبلغهن مالي # فنفسي لا تطاوعني ببخل ... ومالي لا يبلغني فعالي PageV03P251 # وقال محمد بن عباد المهلبي دخل أبي على المأمون فوصله بمائة ألف درهم ~~فلما قام من عنده تصدق بها فأخبر بذلك المأمون فلما عاد إليه عاتبه المأمون ~~في ذلك فقال يا أمير المؤمنين منع الموجود سوء ظن بالمعبود فوصله بمائة ألف ~~أخرى # وقام رجل إلى سعيد بن العاص فسأله فأمر له بمائة ألف درهم فبكى فقال له ~~سعيد ما يبكيك قال أبكي على الأرض أن تأكل مثلك فأمر له بمائة ألف أخرى # ودخل أبو تمام على إبراهيم بن شكلة بأبيات امتدحه بها فوجده عليلا فقبل ~~منه المدحة وأمر حاجبه بنيله ما يصلحه وقال # عسى أن أقوم من مرضي فأكافئه فأقام شهرين فوحشه طول المقام فكتب إليه ~~يقول # إن حراما قبول مدحتنا ... وترك ما نرتجي من الصفد # كما الدراهم والدنانير في البيعحرام إلا يدا بيد # فلما وصل البيتان إلى إبراهيم قال لحاجبه كم أقام بالباب قال شهرين قال ~~أعطه ثلاثون ألف وجئني بدواة فكتب إليه # أعجلتنا فأتاك عاجل برنا ... قلا ولو أمهلتنا لم نقلل # فخذ القليل وكن كأنك لم تقل ... ونقول نحن كأننا لم نفعل # وروي أنه كان لعثمان على طلحة رضي ms1577 الله عنهما خمسون ألف درهم فخرج عثمان ~~يوما إلى المسجد فقال له طلحة قد تهيأ مالك فاقبضه فقال هو لك يا أبا محمد ~~معونة لك على مروءتك وقالت سعدى بنت عوف دخلت على طلحة فرأيت منه ثقلا فقلت ~~له مالك فقال اجتمع عندي مال وقد غمني فقلت وما يغمك ادع قومك فقال يا غلام ~~علي بقومي فقسمه فيهم فسألت الخادم كم كان قال أربعمائة ألف # وجاء أعرابي إلى طلحة فسأله وتقرب إليه برحم فقال إن هذه الرحم ما سألني ~~بها أحد قبلك إن لي أرضا قد أعطاني بها عثمان ثلثمائة ألف فإن شئت فاقبضها ~~وإن شئت بعتها من عثمان ودفعت إليك الثمن فقال الثمن فباعها من عثمان ودفع ~~إليه الثمن # وقيل بكى علي كرم الله وجهه يوما فقيل ما يبكيك فقال لم يأتني ضيف منذ ~~سبعة أيام أخاف أن يكون الله قد أهانني # وأتى رجل صديقا له فدق عليه الباب فقال ما جاء بك قال علي أربعمائة درهم ~~دين فوزن أربعمائة درهم وأخرجها إليها وعاد يبكي فقالت امرأته لم أعطيته إذ ~~شق عليك فقال إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتحتي فرحم ~~الله من هذه صفاتهم وغفر لهم أجمعين ### ||| بيان ذم البخل # قال الله تعالى ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وقال تعالى ولا يحسبن ~~الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما ~~بخلوا به يوم القيامة وقال تعالى الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ~~ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وقال صلى الله عليه وسلم إياكم والشح فإنه ~~أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم (1) # وقال صلى الله عليه وسلم إياكم والشح PageV03P252 # فإنه دعا من كان قبلكم فسفكوا دماءهم ودعاهم فاستحلوا محارمهم ودعاهم ~~فقطعوا أرحامهم (1) وقال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة بخيل ولا خب ولا ~~خائن ولا سيء الملكة (2) # وفي رواية ولا جبار وفي رواية ولا منان وقال صلى الله عليه وسلم ms1578 ثلاث ~~مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه (3) حديث أن الله يبغض ثلاثا ~~الشيخ الزاني والبخيل المنان والفقير المختال أخرجه الترمذي والنسائي من ~~حديث أبي ذر دون قوله البخيل المنان وقال فيه الغني الظلوم وقد تقدم ~~وللطبراني في الأوسط من حديث علي إن الله ليبغض الغني الظلوم والشيخ الجهول ~~والعائل المختال وسنده ضعيف (4) حديث مثل المنفق والبخيل كمثل رجلين عليهما ~~جبة من حديد الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة (5) حديث خصلتان لا ~~تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد وقال ~~غريب (6) حديث اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن الحديث أخرجه ~~البخاري من حديث سعد وتقدم في الأذكار (7) حديث إياكم والظلم فإن الظلم ~~ظلمات يوم القيامة الحديث أخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو دون قوله ~~أمرهم بالكذب فكذبوا وأمرهم بالظلم فظلموا قال عوضا عنهما وبالبخل فبخلوا ~~وبالفجور ففجروا وكذا رواه أبو داود على ذكر الشح وقد تقدم قبله بسبعة ~~أحاديث ولمسلم من حديث جابر اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ~~واتقوا الشح فذكره بلفظ آخر ولم يذكر الفحش (8) حديث شر ما في الرجل شح ~~هالع وجبن خالع أخرجه أبو داود من حديث جابر بسند جيد (9) حديث وما يدريك ~~أنه شهيد فلعله كان يتكلم فيما لا يعنيه أو يبخل بما لا ينقصه أخرجه أبو ~~يعلى من حديث أبي هريرة بسند ضعيف وللبيهقي في الشعب من حديث أنس أن أمه ~~قالت ليهنك الشهادة وهو عند الترمذي إلا أن رجلا قال له أبشر بالجنة (10) ~~حديث جبير بن مطعم بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ~~الناس مقفلة من حنين علقت الأعراب به الحديث أخرجه البخاري وتقدم في أخلاق ~~النبوة // # وقال عمر رضي الله عنه قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما فقلت غير ~~هؤلاء كان أحق به PageV03P253 # {منهم فقال} إنهم يخيروني بين أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني ولست بباخل ~~(1) # وقال أبو سعيد الخدري دخل رجلان ms1579 على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه ~~ثمن بعير فأعطاهما دينارين فخرجا من عنده فلقيهما عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه فأثنيا وقالا معروفا وشكرا ما صنع بهما فدخل عمر على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبره بما قالا فقال صلى الله عليه وسلم لكن فلان أعطيته ~~ما بين عشرة إلى مائة ولم يقل ذلك إن أحدكم ليسألني فينطلق في مسألته ~~متأبطها وهي نار فقال عمر فلم تعطهم ما هو نار فقال يأبون إلا أن يسألوني ~~ويأبى الله لي البخل (2) # وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجود من جود الله ~~تعالى فجودوا يجد الله لكم ألا إن الله عز وجل خلق الجود فجعله في صورة رجل ~~وجعل رأسه راسخا في أصل شجرة طوبى وشد أغصانها بأغصان سدرة المنتهى ودلى ~~بعض أغصانها إلى الدنيا فمن تعلق بغصن منها أدخله الجنة ألا إن السخاء من ~~الإيمان والإيمان في الجنة وخلق البخل من مقته وجعل رأسه راسخا في أصل شجرة ~~الزقوم ودلى بعض أغصانها إلى الدنيا فمن تعلق بغصن منها أدخله النار ألا إن ~~البخل من الكفر والكفر في النار (3) # وقال صلى الله عليه وسلم السخاء شجرة تنبت في الجنة فلا يلج الجنة إلا ~~سخي والبخل شجرة تنبت في النار فلا يلج النار إلا بخيل (4) # وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد بني لحيان من ~~سيدكم يا بني لحيان قالوا سيدنا جد بن قيس إلا أنه رجل فيه بخل فقال صلى ~~الله عليه وسلم وأي داء أدوأ من البخل ولكن سيدكم عمرو بن الجموح (5) # وفي رواية أنهم قالوا سيدنا جد بن قيس فقال بم تسودونه قالوا إنه أكثر ~~مالا وأنا على ذلك لنرى منه البخل فقال صلى الله عليه وسلم وأي داء أدوأ من ~~البخل ليس ذلك سيدكم قالوا فمن سيدنا يا رسول الله قالوا سيدكم بشر بن ~~البراء وقال علي رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ms1580 الله ~~يبغض البخيل في حياته السخي عنه موته (6) # وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السخي الجهول أحب إلى ~~الله من العابد البخيل (7) # وقال أيضا قال صلى الله عليه وسلم الشح والإيمان لا يجتمعان في قلب عبد ~~(8) # وقال أيضا خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق (9) # وقال صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لمؤمن أن يكون بخيلا ولا جبانا (10) # وقال صلى الله عليه وسلم يقول قائلكم الشحيح PageV03P254 # أعذر من الظالم وأي ظلم أظلم عند الله من الشح حلف الله تعالى بعزته ~~وعظمته وجلاله لا يدخل الجنة شحيح ولا بخيل (1) حديث كان يطوف بالبيت فإذا ~~رجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول بحرمة هذا البيت إلا غفرت لي الحديث في ~~ذم البخل وفيه قال إليك عني لا تحرقني بنارك الحديث بطوله وهو باطل لا أصل ~~له # الآثار قال ابن عباس رضي الله عنهما لما خلق الله جنة عدن قال لها تزيني ~~فتزينت ثم قال لها أظهري أنهارك فأظهرت عين السلسبيل وعين الكافور وعين ~~التسنيم فتفجر منها في الجنان أنهار الخمر وأنهار العسل واللبن ثم قال لها ~~أظهري سررك وحجالك وكراسيك وحليك وحللك وحور عينك فأظهرت فنظر إليها فقال ~~تكلمى فقالت طوبى لمن دخلني فقال الله تعالى وعزتي لا أسكنك بخيلا # وقالت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز أف للبخيل لو كان البخل قميصا ما ~~لبسته ولو كان طريقا ما سلكته # وقال طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه إنا لنجد بأموالنا ما يجد البخلاء ~~لكننا نتصبر # وقال محمد بن المنكدر كان يقال إذا أراد الله بقوم شرا أمر الله عليهم ~~شرارهم وجعل أرزاقهم بأيدي بخلائهم # وقال علي كرم الله وجهه في خطبته إنه سيأتي على الناس زمان عضوض يعض ~~الموسر على ما في يده ولم يؤمر بذلك قال الله تعالى ولا تنسوا الفضل بينكم ~~وقال عبد اللهبن عمرو الشح أشد من البخل لأن الشحيح هو الذي يشح على ما في ~~يد غيره حتى يأخذه ويشح بما في ms1581 يده فيحبسه والبخيل هو الذي يبخل بما في يده # وقال الشعبي لا أدري أيهما أبعد غورا في نار جهنم البخل أو الكذب وقيل ~~ورد على أنوشروان حكيم الهند وفيلسوف الروم فقال للهندي تكلم فقال خير ~~الناس من ألفى سخيا وعند الغضب وقورا وفي القول متأنيا وفي الرفعة متواضعا ~~وعلى كل ذي رحم مشفقا # وقام الرومي فقال من كان بخيلا ورث عدوه ماله ومن قل شكره لم ينل النجح ~~وأهل الكذب مذمومون وأهل النميمة يموتون فقراء ومن لم يرحم سلط عليه من لا ~~يرحمه # وقال الضحاك في قوله تعالى إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا قال البخل أمسك ~~الله تعالى أيديهم عن النفقة في سبيل الله فهم لا يبصرون الهدى # وقال كعب ما من صباح إلا وقد وكل به ملكان يناديان اللهم عجل لممسك تلفا ~~PageV03P255 # وعجل لمنفق خلفا # وقال الأصمعي سمعت أعرابيا وقد وصف رجلا فقال لقد صغر فلان في عيني لعظم ~~الدنيا في عينه وكأنما يرى السائل ملك الموت إذا أتاه # وقال أبو حنيفة رحمه الله لا أرى أن أعدل بخيلا لأن البخل يحمله على ~~الاستقصاء فيأخذ فوق حقه خيفة من أن يغبن فمن كان هكذا لا يكون مأمون ~~الأمانة # وقال علي كرم الله وجهه والله ما استقصى كريم قط حقه # قال الله تعلى عرف بعضه وأعرض عن بعض وقال الجاحظ ما بقي من اللذات إلا ~~ثلاث دم البخلاء وأكل القديد وحك الجرب # وقال بشر بن الحارث البخيل لا غيبة له قال النبي صلى الله عليه وسلم إنك ~~إذا لبخيل ومدحت امرأة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا صوامة ~~قوامة إلا أن فيها بخلا قال فما خيرها إذن // حديث مدحت امرأة عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا صوامة قوامة إلا أن فيها بخلا الحديث تقدم في ~~آفات اللسان # وقال بشر النظر إلى البخيل يقسي القلب ولقاء البخلاء كرب على قلوب ~~المؤمنين # وقال يحيى بن معاذ ما في القلب للأسخياء إلا حب ولو كانوا فجارا وللبخلاء ~~إلا بغض ولو ms1582 كانوا أبرارا # وقال ابن المعتز أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه # ولقي يحيى بن زكريا عليهما السلام # إبليس في صورته فقال له يا إبليس أخبرني بأحب الناس إليك وأبغض الناس ~~إليك قال أحب الناس إلي المؤمن البخيل وأبغض الناس إلي الفاسق السخي قال له ~~لم قال لأن البخيل قد كفاني بخله والفاسق السخي الخوف أن يطلع الله عليه في ~~سخائه فيقبله ثم ولى وهو يقول لولا أنك يحيى لما أخبرتك ### |||| حكايات البخلاء # قيل كان بالبصرة رجل موسر بخيل فدعاه بعض جيرانه وقدم إليه طباهجة ببيض ~~فأكل منه فأكثر وجعل يشرب الماء فانتفخ بطنه ونزل به الكرب والموت فجعل ~~يتلوى فلما جهده الأمر وصف حاله للطبيب فقال لا بأس عليك تقيأ ما أكلت فقال ~~هاه أتقيأ طباهجة ببيض الموت ولا ذلك # وقيل أقبل أعرابي يطلب رجلا وبين يديه تين فغطى التين بكسائه فجلس ~~الأعرابي فقال له الرجل هل تحسن من القرآن شيئا قال نعم فقرأ والزيتون وطور ~~سينين فقال وأين التين قال هو تحت كسائك # ودعا بعضهم أخا له ولم يطعمه شيئا فحبسه إلى العصر حتى اشتد جوعه وأخذه ~~مثل الجنون فأخذ صاحب البيت العود وقال له بحياتي أي صوت تشتهي أن أسمعك ~~قال صوت المقلى # ويحكى أن محمد بن يحيى بن خالد بن برمك كان بخيلا قبيح البخل فسئل نسيب ~~له كان يعرفه عنه فقال له قائل صف لي مائدته فقال هي فتر في فتر وصحافه ~~منقورة من حب الخشخاش قيل فمن يحضرها قال الكرام الكاتبون قال فما يأكل معه ~~أحد قال بلى الذباب فقال سوأتك بدت وأنت خاص به وثوبك مخرق قال أنا والله ~~ما أقدر على إبرة أخيطه بها ولو ملك محمد بيتا من بغداد إلى النوبة مملوءا ~~إبرا ثم جاءه جبريل وميكائيل ومعهما يعقوب النبي عليه السلام يطلبون منه ~~إبرة ويسألونه إعارتهم إياها ليخيط بها قميص يوسف الذي قد من دبر ما فعل ~~ويقال كان مروان بن أبي حفصة لا يأكل اللحم بخلا حتى يقرم إليه فإذا قرم ms1583 ~~إليه أرسل غلامه فاشترى له رأسا فأكله فقيل له # نراك لا تأكل إلا الرءوس في الصيف والشتاء فلم تختار ذلك قال نعم الرأس ~~أعرف سعره فآمن خيانة الغلام ولا يستطيع أن يغبنني فيه وليس بلحم يطبخه ~~الغلام فيقدر أن يأكل منه إن مس عينا أو أذنا أو خدا وقفت على ذلك وآكل منه ~~ألوانا عينه لونا وأذنه لونا ولسانه لونا وغلصمته لونا ودماغه لونا وأكفي ~~مؤونة PageV03P256 # طبخه فقد اجتمعت لي فيه مرافق # وخرج يوما يريد الخليفة المهدي فقالت له امرأة من أهله مالي عليك إن رجعت ~~بالجائزة فقال إن أعطيت مائة ألف أعطيتك درهما فأعطي ستين ألف فأعطاها ~~أربعة دوانق # واشترى مرة لحما بدرهم فدعاه صديق له فرد اللحم إلى القصاب بنقصان دانق ~~وقال أكره الإسراف # وكان للأعمش جار وكان لا يزال يعرض عليه المنزل ويقول لو دخلت فأكلت كسرة ~~وملحا فيأبى عليه الأعمش فعرض عليه ذات يوم فوافق جوع الأعمش فقال سر بنا ~~فدخل منزله فقرب إليه كسرة وملحا فجاء سائل فقال له رب المنزل بورك فيك ~~فأعاد عليه المسألة فقال له بورك فيك فلما سأل الثالثة قال له اذهب والله ~~وإلا خرجت إليك بالعصا قال فناداه الأعمش وقال اذهب ويحك فلا والله ما رأيت ~~أحدا أصدق مواعيد منه هو منذ مدة يدعوني على كسرة وملح فوالله ما زادني ~~عليهما ### ||| بيان الإيثار وفضله # اعلم أن السخاء والبخل كل منهما ينقسم إلى درجات # فأرفع درجة السخاء الإيثار وهو أن يجود بالمال مع الحاجة # وإنما السخاء عبارة عن بذل ما لا يحتاج إليه لمحتاج أو لغير محتاج والبذل ~~مع الحاجة أشد # وكما أن السخاوة قد تنتهي إلى أن يسخو الإنسان على غيره مع الحاجة فالبخل ~~قد ينتهي إلى أن يبخل على نفسه مع الحاجة فكم من بخيل يمسك المال ويمرض فلا ~~يتداوى ويشتهي الشهوة فلا يمنعه منها إلا البخل بالثمن ولو وجدها مجانا ~~لأكلها # فهذا بخيل على نفسه مع الحاجة وذلك يؤثر على نفسه غيره مع أنه محتاج إليه # فانظر ما ms1584 بين الرجلين فإن الأخلاق عطايا يضعها الله حيث يشاء وليس بعد ~~الإيثار درجة في السخاء # وقد أثنى الله على الصحابة رضي الله عنهم به فقال ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيما امرئ اشتهى شهوة فرد ~~شهوته وآثر على نفسه غفر له (1) حديث عائشة ما شبع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثلاثة أيام متواليات ولو شئنا لشبعنا ولكنا كنا نؤثر على أنفسنا أخرجه ~~البيهقي في الشعب بلفظ ولكنه كان يؤثر على نفسه وأول الحديث عند مسلم بلفظ ~~ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى ~~لسبيله وللشيخين ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة ثلاثة ليال تباعا حتى قبض ~~زاد مسلم من طعام # ونزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فلم يجد عند أهله شيئا فدخل عليه ~~رجل من الأنصار فذهب بالضيف إلى أهله ثم وضع بين يديه الطعام وأمر امرأته ~~بإطفاء السراج وجعل يمد يده إلى الطعام كأنه يأكل ولا يأكل حتى أكل الضيف ~~فلما أصبح قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد عجب الله من صنيعكم ~~الليلة إلى ضيفكم ونزلت ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة // حديث نزل ~~به ضيف فلم يجد عند أهله شيئا فدخل عليه رجل من الأنصار فذهب به إلى أهله ~~الحديث في نزول قوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة متفق عليه ~~من حديث أبي هريرة # فالسخاء خلق من أخلاق الله تعالى والإيثار أعلى درجات السخاء # وكان ذلك من أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سماه الله تعالى عظيما ~~فقال تعالى وإنك لعلى خلق عظيم وقال سهل بن عبد الله التستري قال موسى عليه ~~السلام يا رب أرني بعض درجات محمد صلى الله عليه وسلم وأمته فقال يا موسى ~~إنك لن تطيق ذلك ولكن أريك منزلة من منازله جليلة عظيمة فضلته بها عليك ~~وعلى جميع خلقي قال فكشف له عن ms1585 ملكوت السموات فنظر إلى منزلة كادت تتلف ~~نفسه من أنوارها وقربها PageV03P257 # من الله تعالى فقال يارب بماذا بلغت به إلى هذه الكرامة قال بخلق اختصصته ~~به من بينهم وهو الإيثار يا موسى لا يأتيني أحد منهم قد عمل به وقتا من ~~عمره إلا استحييت من محاسبته وبوأته من جنتي حيث يشاء وقيل خرج عبد الله بن ~~جعفر إلى ضيعة له فنزل على نخيل قوم وفيه غلام أسود يعمل فيه إذ أتى الغلام ~~بقوته فدخل الحائط كلب ودنا من الغلام فرمى إليه الغلام بقرص فأكله ثم رمى ~~إليه الثاني والثالث فأكله وعبد الله ينظر إليه فقال يا غلام كم قوتك كل ~~يوم قال ما رأيت قال فلم آثرت به هذا الكلب قال ما هي بأرض كلاب إنه جاء من ~~مسافة بعيدة جائعا فكرهت أن أشبع وهو جائع قال فما أنت صانع اليوم قال أطوي ~~يومي هذا فقال عبد الله بن جعفر ألام على السخاء إن هذا الغلام لأسخى مني ~~فاشترى الحائط والغلام وما فيه من الآلات فأعتق الغلام ووهبه منه # وقال عمر رضي الله عنه أهدي إلى رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رأس شاة فقال إن أخي كان أحوج مني إليه فبعث به إليه فلم يزل واحد ~~يبعث به إلى آخر حتى تداوله سبعة أبيات ورجع إلى الأول # وبات علي كرم الله وجهه على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوحى ~~الله تعالى إلى جبريل وميكائيل عليهما السلام إني آخيت بينكما وجعلت عمر ~~أحدكما أطول من عمر الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختارا كلاهما الحياة ~~وأحباها فأوحى الله عز وجل إليهما أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت ~~بينه وبين نبيي محمد صلى الله عليه وسلم فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره ~~بالحياة اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه فكان جبريل عند رأسه وميكائيل عند ~~رجليه وجبريل عليه السلام يقول بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب والله تعالى ~~يباهى بك الملائكة فأنزل الله ms1586 تعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات ~~الله والله رءوف بالعباد // حديث بات علي على فراش رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأوحى الله إلى جبريل وميكائيل إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول ~~من الآخر الحديث في نزول قوله تعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات ~~الله أخرجه أحمد مختصرا من حديث ابن عباس شرى على نفسه فلبس ثوب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم نام مكانه الحديث وليس فيه ذكر جبريل وميكائيل ولم أقف ~~لهذه الزيادة على أصل وفيه أبو بلج مختلف فيه والحديث منكر # وعن أبي الحسن الأنطاكي أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون نفسا وكانوا في قرية ~~بقرب الري ولهم أرغفة معدودة لم تشبع جميعهم فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج ~~وجلسوا للطعام فلما رفع فإذا الطعام بحاله ولم يأكل أحد منه شيئا إيثارا ~~لصاحبه على نفسه # وروي أن شعبة جاءه سائل وليس عنده شيء فنزع خشبة من سقف بيته فأعطاه ثم ~~اعتذر إليه وقال حذيفة العدوي انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء ~~من ماء وأنا أقول إن كان به رمق سقيته ومسحت به وجهه فإذا أنا به فقلت ~~أسقيك فأشار إلي أن نعم فإذا رجل يقول آه فأشار ابن عمي إلي أن أنطلق به ~~إليه فجئته فإذا هو هشام بن العاص فقلت أسقيك فسمع به آخر فقال آه فأشار ~~هشام انطلق به إليه فجئته فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات ~~فرجعت إن ابن عمي فإذا هو قد مات رحمة الله عليهم أجمعين # وقال عباس بن دهقان ما خرج أحد من الدنيا كما دخلها إلا بشر بن الحرث ~~فإنه أتاه رجل في مرضه فشكا إليه الحاجة فنزع قميصه وأعطاه إياه واستعار ~~ثوبا فمات فيه # وعن بعض الصوفية قال كنا بطرسوس فاجتمعنا جماعة وخرجنا إلى باب الجهاد ~~فتبعنا كلب من البلد فلما بلغنا ظاهر الباب إذا نحن بدابة ميتة فصعدنا إلى ~~موضع عال وقعدنا # فلما نظر الكلب إلى الميتة رجع ms1587 إلى البلد ثم عاد بعد ساعة ومعه مقدار ~~عشرين كلبا فجاء إلى تلك الميتة وقعد ناحية ووقعت الكلاب في الميتة فما ~~زالت تأكلها وذلك الكلب قاعد ينظر إليها حتى أكلت الميتة وبقي العظم ورجعت ~~الكلاب إلى البلد فقام ذلك الكلب PageV03P258 # وجاء إلى تلك العظام فأكل مما بقي عليها قليلا ثم انصرف # وقد ذكرنا جملة من أخبار الإيثار وأحوال الأولياء في كتاب الفقر والزهد ~~فلا حاجة إلى الإعادة ههنا وبالله التوفيق وعليه التوكل فيما يرضيه عز وجل ### ||| بيان حد السخاء والبخل وحقيقتهما # لعلك تقول قد عرف بشواهد الشرع أن البخل من المهلكات ولكن ما حد البخل ~~وبماذا يصير الإنسان بخيلا وما من إنسان إلا وهو يرى نفسه سخيا وربما يراه ~~غيره بخيلا وقد يصدر فعل من إنسان فيختلف فيه الناس فيقول قوم هذا بخل ~~ويقول آخرون ليس هذا من البخل # وما من إنسان إلا ويجد من نفسه حبا للمال ولأجله يحفظ المال ويمسكه فإن ~~كان يصير بإمساك المال بخيلا فإذا لا ينفك أحد عن البخل # وإذا كان الإمساك مطلقا لا يوجب البخل ولا معنى للبخل إلا الإمساك فما ~~البخل الذي يوجب الهلاك وما حد السخاء الذي يستحق به البعد صفة السخاوة ~~وثوابها فنقول قد قال قائلون حد البخل منع الواجب فكل من أدى ما يجب عليه ~~فليس ببخيل 4 وهذا غير كاف فإن من يرد اللحم مثلا إلى القصاب والخبز للخباز ~~بنقصان حبة أو نصف حبة فإنه يعد بخيلا بالاتفاق # وكذلك من يسلم إلى عياله القدر الذي يفرضه القاضي ثم يضايقهم في لقمة ~~ازدادوها عليه أو تمرة أكلوها من ماله يعد بخيلا # ومن كان بين يديه رغيف فحضر من يظن أنه يأكل معه فأخفاه عنه عد بخيلا # وقال قائلون البخيل هو الذي يستصعب العطية وهو أيضا قاصر فإنه إن أريد به ~~أنه يستصعب كل عطية فكم من بخيل لا يستصعب العطية القليلة كالحبة وما يقرب ~~منها ويستصعب ما فوق ذلك وإن أريد به أنه يستصعب بعض العطايا فمن من جواد ~~إلا ms1588 وقد يستصعب بعض العطايا وهو ما يستغرق جميع ماله أو المال العظيم # فهذا لا يوجب الحكم بالبخل # وكذلك تكلموا في الجود فقيل الجود عطاء بلا من وإسعاف من غير روية # وقيل الجود عطاء من غير مسألة على رؤية التقليل # وقيل الجود السرور بالسائل والفرح بالعطاء لما أمكن # وقيل الجود عطاء على رؤية أن المال لله تعالى والعبد لله عز وجل فيعطى ~~عبد الله مال الله على غير رؤية الفقر # وقيل من أعطى البعض وأبقى البعض فهو صاحب سخاء ومن بذل الأكثر وأبقى ~~لنفسه شيئا فهو صاحب جود ومن قاسى الضر وآثر غيره بالبلغة فهو صاحب إيثار ~~ومن لم يبذل شيئا فهو صاحب بخل # وجملة هذه الكلمات غير محيطة بحقيقة الجود والبخل بل نقول المال خلق ~~لحكمة ومقصود وهو صلاحه لحاجات الخلق ويمكن إمساكه عن الصرف إلى ما خلق ~~للصرف إليه ويمكن بذله بالصرف إلى ما لا يحسن الصرف إليه ويمكن التصرف فيه ~~بالعدل وهو أن يحفظ حيث يجب الحفظ ويبذل حيث يجب البذل # فالإمساك حيث يجب البذل بخل والبذل حيث يجب الإمساك تبذير # وبينهما وسط وهو المحمود وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه إذ لم ~~يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالسخاء وقد قيل له ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط وقال تعالى والذين إذا أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما فالجود وسط بين الإسراف والإقتار ~~وبين البسط والقبض وهو أن يقدر بذله وإمساكه بقدر الواجب ولا يكفي أن يفعل ~~ذلك بجوارحه ما لم يكن قلبه طيبا به غير منازع له فيه # فإن بذل في محل وجوب البذل ونفسه تنازعه وهو يصابرها فهو متسخ وليس بسخي ~~بل ينبغي أن لا يكون لقلبه علاقة مع المال إلا من حيث يراد المال له وهو ~~صرفه إلى ما يجب صرفه إليه PageV03P259 # فإن قلت فقد صار هذا موقوفا على معرفة الواجب فما الذي يجب بذله # فأقول إن الواجب قسمان واجب بالشرع وواجب بالمروءة والعادة ms1589 # والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة فإن منع واحدا منهما ~~فهو بخيل ولكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل كالذي يمنع أداء الزكاة ويمنع ~~عياله وأهله النفقة أو يؤديها ولكنه يشق عليه فإنه بخيل بالطبع وإنما يتسخى ~~بالتكلف أو الذي يتيمم الخبيث من ماله ولا يطيب قلبه أن يعطي من أطيب ماله ~~أو من وسطه فهذا كله بخل # وأما واجب المروءة فهو ترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات فإن ذلك ~~مستقبح واستقباح ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص # فمن كثر ماله استقبح منه ما لا يستقبح من الفقير من المضايقة ويستقبح من ~~الرجل المضايقة مع أهله وأقاربه ومماليكه ما لا يستقبح مع الأجانب ويستقبح ~~من الجار ما لا يستقبح مع البعيد ويستقبح في الضيافة من المضايقة ما لا ~~يستقبح في المعاملة فيختلف ذلك بما فيه من المضايقة في ضيافة أو معاملة ~~وبما به المضايقة من طعام أو ثوب إذ يستقبح في الأطعمة ما لا يستقبح في ~~غيرها ويستقبح في شراء الكفن مثلا أو شراء الأضحية أو شراء خبز الصدقة ما ~~لا يستقبح في غيره من المضايقة # وكذلك بمن معه المضايقة من صديق أو أخ أو قريب أو زوجة أو ولد أو أجنبي # وبمن منه المضايقة من صبي أو امرأة أو شيخ أو شاب أو عالم أو جاهل أو ~~موسر أو فقير # فالبخيل هو الذي يمنع حيث ينبغي أن لا يمنع إما بحكم الشرع وإما بحكم ~~المروءة وذلك لا يمكن التنصيص على مقداره # ولعل حد البخل هو إمساك المال عن غرض ذلك الغرض هو أهم من حفظ المال فإن ~~صيانة الدين أهم من حفظ المال فمانع الزكاة والنفقة بخيل # وصيانة المروءة أهم من حفظ المال والمضايق في الدقائق مع من لا تحسن ~~المضايقة معه هاتك ستر المروءة لحب المال فهو بخيل # ثم تبقى درجة أخرى وهو أن يكون الرجل ممن يؤدي الواجب ويحفظ المروءة ولكن ~~معه مال كثير قد جمعه ليس يصرفه إلى الصدقات وإلى المحتاجين فقد تقابل غرض ~~حفظ المال ms1590 ليكون له عدة على نوائب الزمان وغرض الثواب ليكون رافعا لدرجاته ~~في الآخرة وإمساك المال عن هذا الغرض بخل عند الأكياس وليس ببخل عند عوام ~~الخلق وذلك لأن نظر العوام مقصور على حظوظ الدنيا فيرون إمساكه لدفع نوائب ~~الزمان مهما وربما يظهر عند العوام أيضا سمة البخل عليه إن كان في جواره ~~محتاج فمنعه وقال قد أديت الزكاة الواجبة وليس على غيرها # ويختلف استقباح ذلك باختلاف مقدار ماله وباختلاف شدة حاجة المحتاج وصلاح ~~دينه واستحقاقه # فمن أدى واجب الشرع وواجب المروءة اللائقة به فقد تبرأ من البخل # نعم لا يتصف بصفة الجود والسخاء ما لم يبذل زيادة على ذلك لطلب الفضيلة ~~ونيل الدرجات فإذا اتسعت نفسه لبذل المال حيث لا يوجبه الشرع ولا تتوجه ~~إليه الملامة في العادة فهو جواد بقدر ما تتسع له نفسه من قليل أو كثير # ودرجات ذلك لا تحصر وبعض الناس أجود من بعض فاصطناع المعروف وراء ما ~~توجبه العادة والمروءة هو الجود ولكن بشرط أن يكون عن طيب نفس ولا يكون طمع ~~ورجاء خدمة أو مكافأة أو شكر أو ثناء فإن من طمع في الشكر والثناء فهو بياع ~~وليس بجواد فإنه يشتري المدح بماله والمدح لذيذ وهو مقصود في نفسه والجود ~~هو بذل الشيء من غير عوض # هذا هو الحقيقة ولا يتصور ذلك إلا من الله تعالى أما الآدمي فاسم الجود ~~عليه مجاز إذ لا يبذل الشيء إلا لغرض ولكنه إذا لم يكن غرضه إلا PageV03P260 # الثواب في الآخرة أو اكتساب فضيلة الجود وتطهير النفس عن رذالة البخل ~~فيسمى جوادا فإن كان الباعث عليه الخوف من الهجاء مثلا أو من ملامة الخلق ~~أو ما يتوقعه من نفع يناله من المنعم عليه فكل ذلك ليس من الجود لأنه مضطر ~~إليه بهذه البواعث وهي أعواض معجلة له عليه فهو معتاض لا جواد كما روي عن ~~بعض المتعبدات أنها وقفت على حبان بن هلال وهو جالس مع أصحابه فقالت هل ~~فيكم من أسأله عن مسألة فقالوا لها سلي عما ms1591 شئت وأشاروا إلى حبان بن هلال ~~فقالت ما السخاء عندكم قالوا العطاء والبذل والإيثار قالت هذا السخاء في ~~الدنيا فما السخاء في الدين قالوا أن نعبد الله سبحانه سخية بها أنفسنا غير ~~مكرهة قالت فتريدون على ذلك أجرا قالوا نعم قالت ولم قالوا لأن الله تعالى ~~وعدنا بالحسنة عشر أمثالها قالت سبحان الله فإذا أعطيتم واحدة وأخذتم عشرة ~~فبأي شيء تسخيتم عليه قالوا لها فما السخاء عندك يرحمك الله قالت السخاء ~~عندي أن تعبدوا الله متنعمين متلذذين بطاعته غير كارهين لا تريدون على ذلك ~~أجرا حتى يكون مولاكم يفعل بكم ما يشاء ألا تستحيون من الله أن يطلع على ~~قلوبكم فيعلم منها أنكم تريدون شيئا بشيء إن هذا في الدنيا لقبيح وقالت بعض ~~المتعبدات أتحسبون أن السخاء في الدرهم والدينار فقط قيل ففيم قالت السخاء ~~عندي في المهج # وقال المحاسبي السخاء في الدين أن تسخوا بنفسك تتلفها لله عز وجل ويسخو ~~قلبك ببذل مهجتك وإهراق دمك لله تعالى بسماحة من غير إكراه ولا تريد بذلك ~~ثوابا عاجلا ولا آجلا وإن كنت غير مستغن عن الثواب ولكن يغلب على ظنك حسن ~~كمال السخاء بترك الاختيار على الله حتى يكون مولاك هو الذي يفعل لك ما لا ~~تحسن أن تختار لنفسك ### ||| بيان علاج البخل # اعلم أن البخل سببه حب المال # ولحب 2 المال سببان أحدهما حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع ~~طول الأمل فإن الإنسان لو علم أنه يموت بعد يوم ربما أنه كان لا يبخل بماله ~~إذ القدر الذي يحتاج إليه في يوم أو في شهر أو في سنة قريب وإن كان قصير ~~الأمل ولكن كان له أولاد أقام الولد مقام طول الأمل فإنه يقدر بقاءهم كبقاء ~~نفسه فيمسك لأجلهم # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عليه السلام الولد مبخلة مجبنة مجهلة // ~~حديث الولد مبخلة زاد في رواية محزنة ابن ماجه من حديث يعلى بن مره دون ~~قوله محزنة رواه بهذه الزيادة أبو يعلى والبزار من حديث أبي ms1592 سعيد والحاكم ~~من حديث الأسود بن خلف وإسناده صحيح # فإذا انضاف إلى ذلك خوف الفقر وقلة الثقة بمجيء الرزق قوي البخل لا محالة # السبب الثاني أن يحب عين المال فمن الناس من معه ما يكفيه لبقية عمره إذا ~~اقتصر على ما جرت به عادته بنفقته وتفضل آلاف وهو شيخ بلا ولد ومعه أموال ~~كثيرة ولا تسمح نفسه بإخراج الزكاة ولا بمداواة نفسه عند المرض بل صار محبا ~~للدنانير عاشقا لها يلتذ بوجودها في يده وبقدرته عليها فيكنزها تحت الأرض ~~وهو يعلم أنه يموت فتضيع أو يأخذها أعداؤه هذا فلا تسمح نفسه بأن يأكل أو ~~يتصدق منها بحبة واحدة وهذا مرض للقلب عظيم عسير العلاج لا سيما في كبر ~~السن وهو مرض مزمن لا يرجى علاجه # ومثال صاحبه مثال رجل عشق شخصا فأحب رسوله لنفسه ثم نسي محبوبه واشتغل ~~برسوله فإن الدنانير رسول يبلغ إلى الحاجات فصارت محبوبة لذلك لأن الموصل ~~إلى اللذيذ لذيذ ثم قد تنسى الحاجات ويصير الذهب عنده كأنه محبوب في نفسه ~~وهو غاية الضلال بل من رأى بينه وبين الحجر فرقا فهو جاهل إلا من حيث قضاء ~~حاجته به فالفاضل عن قدر حاجته والحجر بمثابة واحدة # فهذه أسباب حب المال # وإنما علاج كل علة بمضادة سببها فتعالج حب الشهوات بالقناعة PageV03P261 # باليسير وبالصبر وتعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت والنظر في موت الأقران ~~وطول تعبهم في جمع المال وضياعه بعدهم وتعالج التفات القلب إلى الولد بأن ~~خالقه خلق معه رزقه وكم من ولد ولم يرث من أبيه مالا وحاله أحسن ممن ورث ~~وبأن يعلم أنه يجمع المال لولده يريد أن يترك ولده بخير وينقلب هو إلى شر ~~وأن ولده إن كان تقيا صالحا فالله كافيه وإن كان فاسقا فيستعين بماله على ~~المعصية وترجع مظلمته إليه # ويعالج أيضا قلبه بكثرة التأمل في الأخبار الواردة في ذم البخل ومدح ~~السخاء وما توعد الله به على البخل من العقاب العظيم # ومن الأدوية النافعة كثرة التأمل في أحوال البخلاء ونفرة الطبع عنهم ms1593 ~~واستقباحهم له فإنه ما من بخيل إلا ويستقبح البخل من غيره ويستثقل كل بخيل ~~من أصحابه فيعلم أنه مستثقل ومستقذر في قلوب الناس مثل سائر البخلاء في ~~قلبه # ويعالج أيضا قلبه بأن يتفكر في مقاصد المال وأنه لماذا خلق ولا يحفظ من ~~المال إلا بقدر حاجته إليه والباقي يدخره لنفسه في الآخرة بأن يحصل له ثواب ~~بذله # فهذه الأدوية من جهة المعرفة والعلم فإذا عرف بنور البصيرة أن البذل خير ~~له من الإمساك في الدنيا والآخرة هاجت رغبته في البذل إن كان عاقلا فإن ~~تحركت الشهوة فينبغي أن يجيب الخاطر الأول ولا يتوقف فإن الشيطان يعده ~~الفقر ويخوفه ويصده عنه # حكي أن أبا الحسن البوشنجي كان ذات يوم في الخلاء فدعا تلميذا له وقال ~~انزع عني القميص وادفعه إلى فلان فقال هلا صبرت حتى تخرج قال لم آمن على ~~نفسي أن تتغير وكان قد خطر لي بذله ولا تزول صفة البخل إلا بالبذل تكلفا ~~كما لا يزول العشق إلا بمفارقة المعشوق بالسفر عن مستقره حتى إذا سافر ~~وفارق تكلفا وصبر عنه مدة تسلى عنه قلبه فكذلك الذي يريد علاج البخل ينبغي ~~أن يفارق المال تكلفا بأن يبذله بل لو رماه في الماء كان أولى به من إمساكه ~~إياه مع الحب له # ومن لطائف الحيل فيه أن يخدع نفسه بحسن الاسم والاشتهار بالسخاء فيبذل ~~على قصد الرياء حتى تسمح نفسه بالبذل طمعا في حشمة الجود فيكون قد أزال عن ~~نفسه خبث البخل واكتسب بها خبث الرياء ولكن ينعطف بعد ذلك على الرياء ~~ويزيله بعلاجه ويكون طلب الاسم كالتسلية للنفس عند فطامها عن المال كما ~~يسلي الصبي عند الفطام عن الثدي باللعب بالعصافير وغيرها لا ليخلى واللعب ~~ولكن لينفك عن الثدي إليه ثم ينقل عنه إلى غيره فكذلك هذه الصفات الخبيثة ~~ينبغي أن يسلط بعضها على بعض كما تسلط الشهوة على الغضب وتكسر سورته بها ~~ويسلط الغضب على الشهوة وتكسر رعونتها به إلا أن هذا مفيد في حق من كان ~~البخل أغلب ms1594 عليه من حب الجاه والرياء فيبذل الأقوى بالأضعف فإن كان الجاه ~~محبوبا عنده كالمال فلا فائدة فيه فإنه يقلع من علة ويزيد في أخرى مثلها ~~إلا أن علامة ذلك أن لا يثقل عليه البذل لأجل الرياء فلذلك يتبين أن الرياء ~~أغلب عليه فإن كان البذل يشق عليه مع الرياء فينبغي أن يبذل فإن ذلك يدل ~~على أن مرض البخل أغلب على قلبه # ومثال دفع هذه الصفات بعضها ببعض ما يقال إن الميت تستحيل جمع أجزائه ~~دودا ثم يأكل بعض الديدان البعض حتى يقل عددها ثم يأكل بعضها بعضا حتى ترجع ~~إلى اثنتين قويتين عظيمتين ثم لا تزالان تتقاتلان إلى أن تغلب إحداهما ~~الأخرى فتأكلها وتسمن بها ثم لا تزال تبقى جائعة وحدها إلى أن تموت فكذلك ~~هذه الصفات الخبيثة يمكن أن يسلط بعضها على بعض حتى يقمعها ويجعل الأضعف ~~قوتا للأقوى إلى أن لا يبقى إلا واحدة ثم تقع العناية بمحوها وإذابتها ~~بالمجاهدة وهو منع القوت عنها # ومنع القوت عن الصفات أن لا يعمل بمقتضاها فإنها تقتضي لا محالة أعمالا ~~وإذا خولفت خمدت الصفات وماتت # مثل البخل فإنه يقتضي إمساك PageV03P262 # المال فإذا منع مقتضاه وبذل المال مع الجهد مرة بعد أخرى ماتت صفة البخل ~~وصار البذل طبعا وسقط التعب فيه فإن علاج البخل بعلم وعمل فالعلم يرجع إلى ~~معرفة آفة البخل وفائدة الجود والعمل يرجع إلى الجود والبذل على سبيل ~~التكلف ولكن قد يقوى البخل بحيث يعمي ويصم فيمنع تحقق المعرفة فيه وإذا لم ~~تتحقق المعرفة لم تتحرك الرغبة فلم يتيسر العمل فتبقى العلة مزمنة كالمرض ~~الذي يمنع معرفة الدواء وإمكان استعماله فإنه لا حيلة فيه إلا الصبر إلى ~~الموت # وكان من عادة بعض شيوخ الصوفية في معالجة / علة البخل في المريدين أن ~~يمنعهم من الاختصاص بزواياهم # وكان إذا توهم في مريد فرحه بزاويته وما فيها نقله إلى زاوية غيرها ونقل ~~زاوية غيره إليه وأخرجه عن جميع ما ملكه وإذا رآه يلتفت إلى ثوب جديد يلبسه ~~أو سجادة يفرح بها ms1595 يأمره بتسليمها إلى غيره ويلبسه ثوبا خلقا لا يميل إليه ~~قلبه # فبهذا يتجافى القلب عن متاع الدنيا # فمن لم يسلك هذا السبيل أنس بالدنيا وأحبها فإن كان له ألف متاع كان له ~~ألف محبوب ولذلك إذا سرق كل واحد منه ألمت به مصيبة بقدر حبه له فإذا مات ~~نزل به ألف مصيبة دفعة واحدة لأنه كان يحب الكل وقد سلب عنه بل هو في حياته ~~على خطر المصيبة بالفقد والهلاك # حمل إلى بعض الملوك قدح من فيروزج مرصع بالجواهر لم ير له نظير ففرح ~~الملك بذلك فرحا شديدا فقال لبعض الحكماء عنده كيف ترى هذا قال أراه مصيبة ~~أو فقرا قال كيف قال إن كسر كان مصيبة لا جبر لها وإن سرق صرت فقيرا إليه ~~ولم تجد مثله وقد كنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة والفقر ثم اتفق ~~يوما أن كسر أو سرق وعظمت مصيبة الملك عليه فقال صدق الحكيم ليته لم يحمل ~~إلينا وهذا شأن جميع أسباب الدنيا فإن الدنيا عدوة لأعداء الله تسوقهم إلى ~~النار وعدوة أولياء الله إذ تغمهم بالصبر عنها وعدوة الله إذ تقطع طريقه ~~على عباده وعدوة نفسها فإنها تأكل نفسها فإن المال لا يحفظ إلا بالخزائن ~~والحراس # والخزائن والحراس لا يمكن تحصيلها إلا بالمال وهو بذل الدراهم والدنانير ~~فالمال يأكل نفسه ويضاد ذاته حتى يفنى ومن عرف آفة المال لم يأنس به ولم ~~يفرح ولم يأخذ منه إلا بقدر حاجته ومن قنع بقدر الحاجة فلا يبخل لأن ما ~~أمسكه لحاجته فليس ببخل ولا يحتاج إليه فلا يتعب نفسه بحفظه فيبذله بل هو ~~كالماء على شط الدجلة إذ لا يبخل به أحد لقناعة الناس منه بمقدار الحاجة ### ||| بيان مجموع الوظائف التي على العبد في ماله # اعلم أن المال كما وصفناه خير من وجه وشر من وجه # ومثاله مثال حية يأخذها الراقي ويستخرج منها الترياق ويأخذها الغافل ~~فيقتله سمها من حيث لا يدري ولا يخلو أحد عن سم المال إلا بالمحافظة على ~~خمس ms1596 وظائف # الأولى أن يعرف مقصود المال وأنه لماذا خلق وأنه لم يحتج إليه حتى يكتسب ~~ولا يحفظ إلا قدر الحاجة ولا يعطيه من همته فوق ما يستحقه # الثانية أن يراعي جهة دخل المال فيجتنب الحرام المحض وما الغالب عليه ~~الحرام كمال السلطان ويجتنب الجهات المكروهة القادحة في المروءة كالهدايا ~~التي فيها شوائب الرشوة وكالسؤال الذي فيه الذلة وهتك المروءة وما يجري ~~مجراه # الثالثة في المقدار الذي يكتسبه فلا يستكثر منه ولا يستقل بل القدر ~~الواجب ومعياره الحاجة والحاجة PageV03P263 # ملبس ومسكن ومطعم # ولكل واحد ثلاث درجات أدنى وأوسط وأعلى # وما دام مائلا إلى جانب القلة ومتقربا من حد الضرورة كان محقا ويجيء من ~~جملة المحقين وإن جاوز ذلك وقع في هاوية لا آخر لعمقها # وقد ذكرنا تفصيل هذه الدرجات في كتاب الزهد # الرابعة أن يراعي جهة المخرج ويقتصد في الإنفاق غير مبذر ولا مقتر كما ~~ذكرناه فيضع ما اكتسبه من حله في حقه ولا يضعه في غير حقه فإن الإثم في ~~الأخذ من غير حقه والوضع في غير حقه سواء # الخامسة أن يصلح نيته في الأخذ والترك والإنفاق والإمساك فيأخذ ما يأخذ ~~ليستعين به على العبادة ويترك ما يترك زهدا فيه واستحقارا له إذا فعل ذلك ~~لم يضره وجود المال ولذلك قال علي رضي الله عنه لو أن رجلا أخذ جميع ما في ~~الأرض وأراد به وجه الله تعالى فهو زاهد ولو أنه ترك الجميع ولم يرد به وجه ~~الله تعالى فليس بزاهد # فلتكن جميع حركاتك وسكناتك لله مقصورة على عبادة أو ما يعين على العبادة ~~فإن أبعد الحركات عن العبادة الأكل وقضاء الحاجة وهما معينان على العبادة ~~فإذا كان ذلك قصدك بهما صار ذلك عبادة في حقك # وكذلك ينبغي أن تكون نيتك في كل ما يحفظك من قميص وإزار وفراش وآنية لأن ~~كل ذلك مما يحتاج إليه في الدين وما فضل من الحاجة ينبغي أن يقصد به أن ~~ينتفع به عبد من عباد الله ولا يمنعه منه عند حاجته فمن ms1597 فعل ذلك فهو الذي ~~أخذ من حية المال جوهرها وترياقها واتقى سمها فلا تضره كثرة المال ولكن لا ~~يتأتى ذلك إلا لمن رسخ في الدين قدمه وعظم فيه علمه # والعامي إذا تشبه بالعالم في الاستكثار من المال وزعم أنه يشبه أغنياء ~~الصحابة شابه الصبي الذي يرى المعزم الحاذق يأخذ الحية ويتصرف فيها فيخرج ~~ترياقها فيقتدي به ويظن أنه أخذها مستحسنا صورتها وشكلها ومستلينا جلدها ~~فيأخذها اقتداء به فتقتله في الحال إلا أن قتيل الحية يدري أنه قتيل وقتيل ~~المال قد لا يعرف # وقد شبهت الدنيا بالحية فقيل # هي دنيا كحية تنفث السم ... وإن كانت المجسة لانت # وكما يستحيل أن يتشبه الأعمى بالبصير في تخطي قلل الجبال وأطراف البحر ~~والطرق المشوكة فمحال أن يتشبه العامي بالعالم الكامل في تناول المال ### ||| بيان ذم الغنى ومدح الفقر # اعلم أن الناس قد اختلفوا في تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر وقد ~~أوردنا ذلك في كتاب الفقر والزهد وكشفنا عن تحقيق الحق فيه ولكنا في هذا ~~الكتاب ندل على أن الفقر أفضل وأعلى من الغني على الجملة من غير التفات إلى ~~تفصيل الأحوال ونقتصر فيه على حكاية فصل ذكره الحارث المحاسبي رضي الله عنه ~~في بعض كتبه في الرد على بعض العلماء من الأغنياء حيث احتج بأغنياء الصحابة ~~وبكثرة مال عبد الرحمن بن عوف وشبه نفسه بهم والمحاسبي رحمه الله حبر الأمة ~~في علم المعاملة وله السبق على جميع الباحثين عن عيوب النفس وآفات الأعمال ~~وأغوار العبادات وكلامه جدير بأن يحكى على وجهه # وقد قال بعد كلام له في الرد على علماء السوء بلغنا أن عيسى ابن مريم ~~عليه السلام قال يا علماء السوء تصومون وتصلون وتصدقون ولا تفعلون ما ~~تؤمرون وتدرسون مالا تعملون فيا سوء ما تحكمون تتوبون بالقول والأماني ~~وتعملون بالهوى وما يغني عنكم أن تنقو جلودكم وقلوبكم دنسة بحق أقول لكم لا ~~تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب وتبقى فيه النخالة كذلك أنتم PageV03P264 # تخرجون الحكم من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم يا ms1598 عبيد الدنيا كيف يدرك ~~الآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته ولا تنقطع منها رغبته بحق أقول لكم إن ~~قلوبكم تبكي من أعمالكم جعلتم الدنيا تحت ألسنتكم والعمل تحت أقدامكم بحق ~~أقول لكم أفسدتم آخرتكم فصلاح الدنيا أحب إليكم من صلاح الآخرة فأي الناس ~~أخسر منكم لو تعلمون ويلكم حتام تصفون الطريق للمدلجين وتقيمون في محل ~~المتحيرين كأنكم تدعون أهل الدنيا ليتركوها لكم مهلا مهلا ويلكم ماذا يغني ~~عن البيت المظلم أن يوضع السراج فوق ظهره وجوفه وحش مظلم كذلك لا يغني عنكم ~~أن يكون نور العلم بأفواهكم وأجوافكم منه وحشة متعطلة يا عبيد الدنيا لا ~~كعبيد أتقياء ولا كأحرار كرام توشك الدنيا أن تقلعكم عن أصولكم فتلقيكم على ~~وجوهكم ثم تكبكم على مناخركم ثم تأخذ خطاياكم بنواصيكم ثم تدفعكم من خلفكم ~~حتى تسلمكم إلى الملك الديان عراة فرادى فيوقفكم على سوآتكم ثم يجزيكم بسوء ~~أعمالكم # ثم قال الحارث رحمه الله إخواني فهؤلاء علماء السوء شياطين الإنس وفتنه ~~على الناس رغبوا في عرض الدنيا ورفعتها وآثروها على الآخرة واولوا الدين ~~للدنيا فهم في العاجل عار وشين وفي الآخرة هم الخاسرون أو يعفو الكريم ~~بفضله # وبعد فإني رأيت الهالك المؤثر للدنيا سروره ممزوج بالتنغيص فيتفجر عنه ~~أنواع الهموم وفنون المعاصي وإلى البوار والتلف مصيره فرح الهالك برجائه ~~فلم تبق له دنياه ولم يسلم له دينه {خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران ~~المبين} فيا لها من مصيبة ما أفظعها ورزية ما أجلها ألا فراقبوا الله ~~إخواني ولا يغرنكم الشيطان وأولياؤه من الآنسين بالحجج الداحضة عند الله ~~فإنهم يتكالبون على الدنيا ثم يطلبون لأنفسهم المعاذير والحجج ويزعمون أن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت لهم أموال فيتزين المغرورون بذكر ~~الصحابة ليعذرهم الناس على جمع المال ولقد دهاهم الشيطان وما يشعرون # ويحك أيها المفتون إن احتجاجك بمال عبد الرحمن بن عوف مكيدة من الشيطان ~~ينطق بها على لسانك فتهلك لأنك متى زعمت أن أخيار الصحابة أرادوا المال ~~للتكاثر والشرف والزينة فقد اغتبت ms1599 السادة ونسبتهم إلى أمر عظيم ومتى زعمت ~~أن جمع المال الحلال أعلى وأفضل من تركه فقد ازدريت محمدا والمرسلين ~~ونسبتهم إلى قلة الرغبة والزهد في هذا الخير الذي رغبت فيه أنت وأصحابك من ~~جمع المال ونسبتهم إلى الجهل إذ لم يجمعوا المال كما جمعت ومتى زعمت أن جمع ~~المال الحلال أعلى من تركه فقد زعمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~ينصح للأمة إذ نهاهم عن جمع المال // حديث النهي عن جمع المال أخرجه ابن ~~عدي من حديث ابن مسعود ما أوحى الله إلي أن أجمع المال وأكون من الفاجرين ~~الحديث ولأبي نعيم والخطيب في التاريخ والبيهقي في الزهد من حديث الحارث بن ~~سويد في أثناء الحديث لا تجمعوا ما لا تأكلون وكلاهما ضعيف # وقد علم أن جمع المال خير للأمة فقد غشهم بزعمك حين نهاهم عن جمع المال ~~كذبت ورب السماء على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد كان للأمة ناصحا ~~وعليهم مشفقا وبهم رءوفا # ومتى زعمت أن جمع المال أفضل فقد زعمت إن الله عز وجل لم ينظر لعباده حين ~~نهاهم عن جمع المال وقد علم أن جمع المال خير لهم أو زعمت أن الله تعالى لم ~~يعلم أن الفضل في الجمع فلذلك نهاهم عنه وأنت عليم بما في المال من الخير ~~والفضل لذلك رغبت في الاستكثار كأنك أعلم بموضع الخير والفضل من ربك تعالى ~~الله عن جهلك أيها المفتون تدبر بعقلك ما دهاك به الشيطان حين زين لك ~~الاحتجاج بمال الصحابة ويحك ما ينفعك الاحتجاج بمال عبد الرحمن بن عوف وقد ~~ود عبد الرحمن بن عوف في القيامة أنه لم يؤت من الدنيا إلا قوتا PageV03P265 # وقد بلغني أنه لما توفي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال أناس من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نخاف على عبد الرحمن فيما ترك فقال ~~كعب سبحان الله وما تخافون على عبد الرحمن كسب طيبا وأنفق طيبا وترك طيبا ~~فبلغ ذلك أبا ذر فخرج ms1600 مغضبا يريد كعبا فمر بعظم لحي بعير فأخذه بيده ثم ~~انطلق يريد كعبا فقيل لكعب # إن أبا ذر يطلبك فخرج هاربا حتى دخل على عثمان يستغيث به وأخبره الخبر ~~وأقبل أبو ذر يقص الأثر في طلب كعب حتى انتهى إلى دار عثمان فلما دخل قام ~~كعب فجلس خلف عثمان هاربا من أبي ذر فقال له أبو ذر هيه يا ابن اليهودية ~~تزعم أن لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف ولقد خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوما نحو أحد وأنا معه فقال يا أبا ذر فقلت لبيك يا رسول الله ~~فقال الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا عن يمينه ~~وشماله وقدامه وخلفه وقليل ما هم ثم قال يا أبا ذر قلت نعم يا رسول الله ~~بأبي أنت وأمي قال ما يسرني أن لي مثل أحد أنفقه في سبيل الله أموت يوم ~~أموت وأترك منه قيراطين قلت أو قنطارين يا رسول الله قال بل قيراطان ثم قال ~~يا أبا ذر أنت تريد الأكثر وأنا أريد الأقل (1) حديث أنه قال أما إنك أول ~~من يدخل الجنة من أغنياء أمتي وما كدت تدخلها إلا حبوا أخرجه البزار من ~~حديث أنس بسند ضعيف والحاكم من حديث عبد الرحمن ابن عوف يا ابن عوف إنك من ~~الأغنياء ولن تدخل الجنة إلا زحفا وقال صحيح الإسناد قلت بل ضعيف فيه خالد ~~بن أبي مالك ضعفه الجهور # ويحك أيها المفتون فما احتجاجك بالمال وهذا عبد الرحمن في فضله وتقواه ~~وصنائعه المعروف وبذله الأموال في سبيل الله مع صحبته لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبشراه بالجنة // حديث بشر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن ~~بن عوف بالجنة أخرجه الترمذي والنسائي في الكبرى من حديثه أبو بكر في الجنة ~~الحديث وفيه وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وهو عند الأربعة من حديث سعيد بن ~~زيد قال البخاري والترمذي وهذا أصح # أيضا يوقف في عرصات القيامة وأهوالها بسبب ماله كسبه من ms1601 حلال للتعفف ~~ولصنائع المعروف وأنفق منه قصدا وأعطي في سبيل الله سمحا PageV03P266 # منع من السعي إلى الجنة مع الفقراء المهاجرين وصار يحبو في آثارهم حبوا ~~فما ظنك بأمثالنا الغرقى في فتن الدنيا وبعد فالعجب كل العجب لك يا مفتون ~~تتمرغ في تخاليط الشبهات والسحت وتتكالب على أوساخ الناس وتتقلب في الشهوات ~~والزينة والمباهاة وتتقلب في فتن الدنيا ثم تحتج بعبد الرحمن وتزعم أنك إن ~~جمعت المال فقد جمعه الصحابة كأنك أشبهت السلف وفعلهم ويحك إن هذا من قياس ~~إبليس ومن فتياه لأوليائه وسأصف لك أحوالك وأحوال السلف لتعرف فضائحك وفضل ~~الصحابة # ولعمري لقد كان لبعض الصحابة أموال أرادوها للتعفف والبذل في سبيل الله ~~فكسبوا حلالا وأكلوا طيبا وأنفقوا قصدا وقدموا فضلا ولم يمنعوا منها حقا ~~ولم يبخلوا بها لكنهم جادوا لله بأكثرها وجاد بعضهم بجميعها وفي الشدة ~~آثروا الله على أنفسهم كثيرا فبالله أكذلك أنت والله إنك لبعيد الشبه ~~بالقوم # وبعد فإن أخيار الصحابة كانوا للمسكنة محبين ومن خوف الفقر آمنين وبالله ~~في أرزاقهم واثقين وبمقادير الله مسرورين وفي البلاء راضين وفي الرخاء ~~شاكرين وفي الضراء صابرين وفي السراء حامدين وكانوا لله متواضعين وعن حب ~~العلو والتكاثر ورعين # لم ينالوا من الدنيا إلا المباح لهم بالبلغه منها وزجوا الدنيا وصبروا ~~على مكارهها وتجرعوا مرارتها وزهدوا في نعيمها وزهرتها # فبالله أكذلك أنت # ولقد بلغنا أنهم كانوا إذا أقبلت الدنيا عليهم حزنوا وقالوا ذنب عجلت ~~عقوبته من الله وإذا رأوا الفقر مقبلا قالوا مرحبا بشعار الصالحين # وبلغنا أن بعضهم كان إذا أصبح وعند عياله شيء أصبح كئيبا حزينا وإذا لم ~~يكن عندهم شيء أصبح فرحا مسرورا فقيل له إن الناس إذا لم يكن عندهم شيء ~~حزنوا وإذا كان عندهم شيء فرحوا وأنت لست كذلك قال إني إذا أصبحت وليس عند ~~عيالي شيء فرحت إذ كان لي برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة وإذا كان عند ~~عيالي شيء اغتممت إذ لم يكن لي بآل محمد أسوة # وبلغنا أنهم كانوا إذا سلك بهم ms1602 سبيل الرخاء حزنوا وأشفقوا وقالوا ما لنا ~~وللدنيا وما يراد بها فكأنهم على جناح خوف وإذا سلك بهم سبيل البلاء فرحوا ~~واستبشروا وقالوا الآن تعاهدنا ربنا # فهذه أحوال السلف ونعتهم وفيهم من الفضل أكثر مما وصفنا # فبالله أكذلك أنت إنك لبعيد الشبه بالقوم # وسأصف لك أحوالك أيها المفتون ضدا لأحوالهم وذلك أنك تطغي عند الغنى ~~وتبطر عند الرخاء وتمرح عند السراء وتغفل عن شكر ذي النعماء وتقنط عند ~~الضراء وتسخط عند البلاء ولا ترضى بالقضاء 2 # نعم وتبغض الفقر وتأنف من المسكنة وذلك فخر المرسلين وأنت تأنف من فخرهم # وأنت تدخر المال وتجمعه خوفا من الفقر وذلك من سوء الظن بالله عز وجل ~~وقلة اليقين بضمانه وكفى به إثما وعساك تجمع المال لنعيم الدنيا وزهرتها ~~وشهواتها ولذاتها # ولقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال شرار أمتي الذين غذوا ~~بالنعيم فربت عليهم أجسامهم // حديث شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم الحديث ~~تقدم ذكره في أوائل كتاب ذم البخل عند الحديث الرابع منه من أسف على دنيا ~~فاتته اقترب من النار مسيرة سنة # وبلغنا أن بعض أهل العلم قال ليجيء يوم القيامة قوم يطلبون حسنات لهم ~~فيقال لهم {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} وأنت في غفلة ~~قد حرمت نعيم الآخرة بسبب نعيم الدنيا فيا لها حسرة ومصيبة نعم وعساك أن ~~تجمع المال للتكاثر والعلو والفخر والزينة في الدنيا وقد بلغنا أنه من طلب ~~الدنيا للتكاثر أو للتفاخر لقي الله وهو عليه غضبان وأنت غير مكترث بما حل ~~بك من غضب ربك حين أردت التكاثر والعلو PageV03P267 # نعم وعساك المكث في الدنيا أحب إليك من النقلة إلى جوار الله فأنت تكره ~~لقاء الله والله للقائك أكره وأنت في غفلة وعساك تأسف على ما فاتك من عرض ~~الدنيا وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أسف على دنيا ~~فاتته اقترب من النار مسيرة شهر # وقيل سنة # وأنت تأسف على ما فاتك غير مكترث بقربك من عذاب الله ms1603 # نعم ولعلك تخرج من دينك أحيانا لتوفير دنياك وتفرح بإقبال الدنيا عليك ~~وترتاح لذلك سرورا بها وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ~~أحب الدنيا وسر بها ذهب خوف الآخرة من قلبه (1) حديث من اجترأ على الشبهات ~~أوشك أن يقع في الحرام متفق عليه من حديث النعمان بن بشير نحوه وقد تقدم في ~~كتاب الحلال والحرام أول الحديث # أيها المغرور أما علمت أن خوفك من اقتحام الشبهات أعلى وأفضل وأعظم لقدرك ~~عند الله من اكتساب الشبهات وبذلها في سبيل الله وسبيل البر بلغنا ذلك عن ~~بعض أهل العلم قال لأن تدع درهما واحدا مخافة أن لا يكون حلالا خير لك من ~~أن تتصدق بألف دينار من شبهة لا تدري PageV03P268 # أيحل لك أم لا فإن زعمت أنك أتقى وأورع من أن تتلبس بالشبهات وإنما تجمع ~~المال بزعمك من الحلال للبذل في سبيل الله ويحك إن كنت كما زعمت بالغا في ~~الورع فلا تتعرض للحساب فإن خيار الصحابة خافوا المسألة وبلغنا أن بعض ~~الصحابة قال ما سرني أن أكتسب كل يوم ألف دينار من حلال وأنفقها في طاعة ~~الله ولم يشغلني الكسب عن صلاة الجمعة قالوا ولم ذاك رحمك الله قال لأني ~~غني عن مقام يوم القيامة فيقول عبدي من أين اكتسبت وفي أي شيء أنفقت فهؤلاء ~~المتقون كانوا في جدة الإسلام والحلال موجود لديهم تركوا المال وجلا من ~~الحساب مخافة أن لا يقوم خير المال بشره وأنت بغاية الأمن والحلال في دهرك ~~مفقود # تتكالب على الأوساخ ثم تزعم أنك تجمع المال من الحلال ويحك أين الحلال ~~فتجمعه # وبعد فلو كان الحلال موجودا لديك أما تخاف أن يتغير عند الغنى قلبك وقد ~~بلغنا أن بعض الصحابة كان يرث المال الحلال فيتركه مخافة أن يفسد قلبه ~~أفتطمع أن يكون قلبك أنقى من قلوب الصحابة فلا يزول عن شيء من الخلق في ~~أمرك وأحوالك لئن ظننت ذلك لقد أحسنت الظن بنفسك الأمارة بالسوء ويحك إني ~~لك ناصح أرى لك أن ms1604 تقنع بالبلغة ولا تجمع المال لأعمال البر ولا تتعرض ~~للحساب فإنه بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من نوقش الحساب ~~عذب (1) حديث يؤتى بالرجل يوم القيامة وقد جمع مالا من حرام وأنفقه في حرام ~~فيقال اذهبوا به إلى النار الحديث بطوله لم أقف له على أصل # ويحك فمن ذا الذي يتعرض لهذه المسألة التي كانت لهذا الرجل الذي تقلب في ~~الحلال وقام بالحقوق كلها وأدى الفرائض بحدودها حوسب هذه المحاسبة فكيف ترى ~~يكون حال أمثالنا الغرقى في فتن الدنيا وتخاليطها وشبانها وشهواتها وزينتها ~~ويحك لأجل هذه المسائل يخاف المتقون أن يتلبسوا بالدنيا فرضوا بالكفاف منها ~~وعملوا بأنواع البر من كسب المال فلك ويحك بهؤلاء الأخيار أسوة فإن أبيت ~~ذلك وزعمت أنك بالغ من الورع والتقى ولم تجمع المال إلا من حلال بزعمك ~~للتعفف والبذل في سبيل الله ولم تنفق شيئا من الحلال إلا بحق ولم يتغير ~~بسبب المال قلبك عما يحب الله ولم تسخط الله في شيء من سرائرك وعلانيتك ~~ويحك فإن كنت كذلك ولست كذلك فقد ينبغي لك أن ترضى بالبلغة وتعتزل ذوي ~~الأموال إذا وقفوا للسؤال وتسق مع الرعيل الأول في PageV03P269 # زمرة المصطفى لا حبس عليك للمسألة والحساب فإما سلامة وإما عطب # فإنه بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يدخل صعاليك المهاجرين ~~قبل أغنيائهم الجنة بخمسمائة عام (1) حديث يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل ~~أغنيائهم فيتمتعون ويأكلون الحديث لم أر له أصلا # وبلغنا أن بعض أهل العلم قال # ما سرني أن لي حمر النعم ولا أكون في الرعيل الأول مع محمد صلى الله عليه ~~وسلم وحزبه # يا قوم فاستبقوا السباق مع المخفين في زمرة المرسلين عليهم السلام وكونوا ~~وجلين من التخلف والانقطاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجل المتقين # لقد بلغني أن بعض الصحابة وهو أبو بكر رضي الله عنه عطش فاستسقى فأتي ~~بشربة من ماء وعسل فلما ذاقه خنقته العبرة ثم بكى وأبكى ثم مسح الدموع عن ~~وجهه وذهب ms1605 ليتكلم فعاد في البكاء فلما أكثر البكاء قيل له أكل هذا من أجل ~~هذه الشربة قال نعم بينا أنا ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ~~معه أحد في البيت غيري فجعل يدفع عن نفسه وهو يقول إليك عني فقلت له فداك ~~أبي وأمي ما أرى بين يديك أحدا فمن تخاطب فقال هذه الدنيا تطاولت إلي ~~بعنقها ورأسها فقالت لي # يا محمد خذني فقلت # إليك عني فقالت # إن تنج مني يا محمد فإنه لا ينجو مني من بعدك فأخاف أن تكون هذه قد ~~لحقتني تقطعني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث إن بعض الصحابة عطش ~~فاستسقى بشربة ماء وعسل الحديث في دفع النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا عن ~~نفسه وقوله إليك عني الحديث أخرجه البزار والحاكم من حديث زيد بن أرقم وقال ~~كنا عند أبي بكر فدعا بشراب فأتي بماء وعسل الحديث قال الحاكم صحيح الإسناد ~~قلت بل ضعيف وقد تقدم قبل هذا الكتاب # يا قوم فهؤلاء الأخبار بكوا وجلا أن تقطعهم عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شربة من حلال ويحك أنت في أنواع من النعم والشهوات من مكاسب السحت ~~والشبهات لا تخشى الانقطاع أف لك ما أعظم جهلك ويحك فإن تخلفت في القيامة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد المصطفى لتنظرن إلى أهوال جزعت منها ~~الملائكة والأنبياء ولئن قصرت عن السباق فليطولن عليك اللحاق ولئن أردت ~~الكثرة لتصيرن إلى حساب عسير ولئن لم تقنع بالقليل لتصيرن إلى وقوف طويل ~~وصراخ وعويل ولئن رضيت بأحوال المتخلفين لتقطعن عن أصحاب اليمين وعن رسول ~~رب العالمين ولتبطئن عن نعيم المتنعمين ولئن خالفت أحوال المتقين لتكونن من ~~المحتسبين في أهوال يوم الدين # فتدبر ويحك ما سمعت وبعد # فإن زعمت أنك في مثال خيار السلف قانع بالقليل زاهد في الحلال بذول لمالك ~~مؤثر على نفسك لا تخشى الفقر ولا تدخر شيئا لغدك مبغض للتكاثر والغنى راض ~~بالفقر والبلاء فرح بالقلة والمسكنة مسرور بالذل والضعة ms1606 كاره للعلو والرفعة ~~قوي في أمرك لا يتغير عن الرشد قلبك قد حاسبت نفسك في الله وحكمت أمورك ~~كلها على ما وافق رضوان الله ولن توقف في المسألة ولن يحاسب مثلك من ~~المتقين # وإنما تجمع المال الحلال للبذل في سبيل الله ويحك أيها المغرور فتدبر ~~الأمر وأمعن النظر أما علمت أن ترك الاشتغال بالمال وفراغ القلب للذكر ~~والتذكر والتذكار والفكر والاعتبار # أسلم للدين وأيسر للحساب وأخف للمسألة وآمن من روعات القيامة وأجزل ~~للثواب وأعلي لقدرك عند الله أضعافا # بلغنا عن بعض الصحابة أنه قال لو أن رجلا في حجره دنانير يعطيها والآخر ~~يذكر الله لكان PageV03P270 # الذاكر أفضل # وسئل بعض أهل العلم عن الرجل يجمع المال لأعمال البر قال تركه أبر به # وبلغنا أن بغض خيار التابعين سئل عن رجلين أحدهما # طلب الدنيا حلالا فأصابها فوصل بها رحمه وقدم لنفسه # وأما الآخر # فإنه جانبها فلم يطلبها ولم يتناولها فأيهما أفضل قال # بعيد والله ما بينهما الذي جانبها أفضل كما بين مشارق الأرض ومغاربها # ويحك فهذا الفضل لك بترك الدنيا على من طلبها ولك في العاجل إن تركت ~~الاشتغال بالمال وإن ذلك أروح لبدنك وأقل لتعبك وأنعم لعيشك وأرضى لبالك ~~وأقل لهمومك # فما عذرك في جمع المال وأنت بترك المال أفضل ممن طلب المال لأعمال البر ~~نعم وشغلك بذكر الله أفضل من بذل المال في سبيل الله فاجتمع لك راحة العاجل ~~مع السلامة والفضل في الآجل # وبعد # فلو كان في جمع المال فضل عظيم لوجب عليك في مكارم الأخلاق أن تتأسى ~~بنبيك إذ هداك الله به وترضى ما اختاره لنفسه من مجانبة الدنيا # ويحك تدبر ما سمعت وكن على يقين أن السعادة والفوز في مجانبة الدنيا فسر ~~مع لواء المصطفى سابقا إلى جنة المأوى # فإنه بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سادات المؤمنين في الجنة ~~من إذا تغدى لم يجد عشاء وإذا استقرض لم يجد قرضا وليس له فضل كسوة إلا ما ~~يواريه ولم يقدر على أن يكتسب ما ms1607 يغنيه يمسي مع ذلك ويصبح راضيا عن ربه ~~{فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~وحسن أولئك رفيقا} // حديث سادات المؤمنين في الجنة من إذا تغدى لم يجد ~~عشاء الحديث عزاه صاحب مسند الفردوس للطبراني من رواية أبي حازم عن أبي ~~هريرة مختصرا بلفظ سادة الفقراء في الجنة الحديث ولم أره في معاجم الطبراني # ألا يا أخي متى جمعت هذا المال بعد هذا البيان فإنك مبطل فيما ادعيت أنك ~~للبر والفضل تجمعه لا ولكنك خوفا من الفقر تجمعه وللنعيم والزينة والتكاثر ~~والفخر والعلو والرياء والسمعة والتعظيم والتكرمة تجمعه ثم تزعم إنك لأعمال ~~البر تجمع المال ويحك راقب الله واستحي من دعواك أيها المغرور # ويحك إن كنت مفتونا بحب المال والدنيا فكن مقرا أن الفضل والخير في الرضا ~~بالبلغة ومجانبة الفضول نعم وكن عند جمع المال مزريا على نفسك معترفا ~~بإساءتك وجلا من الحساب فذلك أنجى لك وأقرب إلى الفضل من طلب الحجج لجمع ~~المال # إخواني اعلموا أن دهر الصحابة كان الحال فيه موجودا وكانوا مع ذلك من ~~أورع الناس وأزهدهم في المباح لهم ونحن في دهر الحلال فيه مفقودا وكيف لنا ~~من الحلال مبلغ القوت وستر العورة # فأما جمع المال في دهرنا فأعاذنا الله وإياكم منه # وبعد فأين لنا بمثل تقوى الصحابة وورعهم ومثل زهدهم واحتياطهم وأين لنا ~~مثل ضمائرهم وحسن نياتهم دهينا ورب السماء بأدواء النفوس وأهوائها وعن قريب ~~يكون الورود فيا سعادة المخفين يوم النشور وحزن طويل لأهل التكاثر ~~والتخاليط وقد نصحت لكم إن قبلتم والقابلون لهذا قليل # وفقنا الله وإياكم فكل خير برحمته آمين # هذا آخر كلامه وفيه كفاية في إظهار فضل الفقر على الغنى ولا مزيد عليه # ويشهد لذلك جميع الأخبار التي أوردناها في كتاب ذم الدنيا وفي كتاب الفقر ~~والزهد # ويشهد له أيضا ما روي عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب قال يا رسول ~~الله ادع الله أن يرزقني مالا قال يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير ms1608 لا ~~تطيقه قال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا قال يا ثعلبة أما لك في ~~أسوة أما ترضى أن تكون مثل نبي الله تعالى أما والذي نفسي بيده لو شئت أن ~~تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت قال والذي بعثك بالحق نبيا لئن دعوت الله ~~أن يرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه ولأفعلن ولأفعلن قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اللهم ارزق ثعلبة مالا فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود ~~فضاقت PageV03P271 # عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر ~~والعصر في الجماعة ويدع ما سواهما ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الجماعة إلا ~~الجمعة وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة وطفق يلقى الركبان يوم ~~الجمعة فيسألهم عن الأخبار في المدينة وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عنه فقال ما فعل ثعلبة بن حاطب فقيل يا رسول الله اتخذ غنما فضاقت عليه ~~المدينة وأخبر بأمره كله فقال يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة قال ~~وأنزل الله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن ~~صلاتك سكن لهم وأنزل الله تعالى فرائض الصدقة فبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجلا من جهينة ورجلا من بني سليم عن الصدقة وكتب لهما كتابا بأخذ ~~الصدقة وأمرهما أن يخرجا فيأخذا من المسلمين وقال مرا بثعلبة بن حاطب ~~وبفلان رجل من بني سليم وخذا صدقاتهما فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة ~~وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذه إلا جزية ما هذه إلا ~~جزية ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا إلي فانطلقا نحو ~~السليمي فسمع بهما فقام إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما ~~بها فلما رأوها قالوا لا يجب عليك ذلك وما نريد نأخذ هذا منك قال بلى خذوها ~~فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة فسألاه الصدقة فقال أروني ~~كتابكما فنظر فيه فقال هذه أخت الجزية ms1609 انطلقا حتى أرى رأيي فانطلقا حتى ~~أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآهما قال يا ويح ثعلبة قبل أن يكلماه ~~ودعا للسليمي فأخبراه بالذي صنع ثعلبة وبالذي صنع السليمي فأنزل الله تعالى ~~في ثعلبة ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ~~فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ~~إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون وعند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة فسمع ما أنزل الله فيه فخرج حتى أتى ~~ثعلبة فقال لا أم لك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا فخرج ثعلبة حتى أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه صدقته فقال إن الله منعني أن ~~أقبل منك صدقتك فجعل يحثو التراب على رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هذا عملك أمرتك فلم تطعني فلما أبى أن يقبل منه شيئا رجع إلى منزله ~~فلما قبض رسول صلى الله عليه وسلم جاء بها إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~فأبى أن يقبلها منه وجاء بها إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأبى أن ~~يقبلها منه وتوفي ثعلبة بعد في خلافه عثمان // حديث أبي أمامة أن ثعلبة بن ~~حاطب قال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا قال يا ثعلبة قليل تؤدي ~~شكره خير من كثير لا تطيقه الحديث بطوله أخرجه الطبراني بسند ضعيف # فهذا طغيان المال وشؤمه وقد عرفته من هذا الحديث ولأجل بركة الفقر وشؤم ~~الغني آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر لنفسه ولأهل بيته حتى روى عن ~~عمران بن حصين رضي الله عنه أنه قال كانت لي من رسول الله منزلة وجاه فقال ~~يا عمران إن لك عندنا منزلة وجاها فهل لك في عيادة فاطمة بنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقلت نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقام وقمت معه حتى ~~وقفت بباب منزل ms1610 فاطمة فقرع الباب وقال السلام عليكم أأدخل فقالت ادخل يا ~~رسول الله قال أنا ومن معي قالت ومن معك يا رسول الله فقال عمران بن حصين ~~فقالت والذي بعثك بالحق نبيا ما علي إلا عباءة فقال اصنعي بها هكذا وهكذا ~~وأشار بيده فقالت هذا جسدي فقد واريته فكيف برأسي فألقى إليها ملاءة كانت ~~عليه خلقة فقال شدي بها على رأسك ثم أذنت له فدخل فقال السلام عليك يابنتاه ~~كيف أصبحت قالت أصبحت والله وجعة وزادني وجعا على ما بي أني لست أقدر على ~~طعام آكله فقد أجهدني الجوع فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لا ~~تجزعي يا بنتاه فوالله ما ذقت طعاما منذ ثلاثة وإني لأكرم على الله منك ولو ~~سألت ربي لأطعمني ولكني آثرت الآخرة على الدنيا PageV03P272 # ثم ضرب بيده على منكبها وقال لها أبشري فوالله إنك لسيدة نساء أهل الجنة ~~فقالت فأين آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران فقال آسية سيدة نساء عالمها ~~ومريم سيدة نساء عالمها وخديجة سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء عالمك إنكن ~~في بيوت من قصب لا أذى فيها ولا صخب ثم قال لها اقنعي بابن عمك فوالله لقد ~~زوجتك سيدا في الدنيا سيدا في الآخرة // حديث عمران بن حصين كانت لي من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة وجاء فقال فهل لك في عيادة فاطمة بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث بطوله وفيه لقد زوجتك سيدا في الدنيا ~~وسيدا في الآخرة لم أجده من حديث عمران ولأحمد والطبراني من حديث معقل بن ~~يسار وضأت النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال هل لك في فاطمة تعودها ~~الحديث وفيه أما ترضين أن زوجتك أقدم أمتي سلما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما ~~وإسناده صحيح # فانظر الآن إلى حال فاطمة رضي الله عنها وهي بضعة من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كيف آثرت الفقر وتركت المال # ومن راقب أحوال الأنبياء والأولياء وأقوالهم وما ورد من أخبارهم وآثارهم ~~لم يشك في ms1611 أن فقد المال أفضل من وجوده وإن صرف إلى الخيرات إذ أقل ما فيه ~~من أداء الحقوق والتوقي من الشبهات والصرف إلى الخيرات اشتغال لهم بإصلاحه ~~وانصرافه عن ذكر الله إذ لا ذكر إلا مع الفراغ ولا فراغ مع شغل المال # وقد روي عن جرير عن ليث قال صحب رجل عيسى ابن مريم عليه السلام فقال أكون ~~معك وأصحابك فانطلقا فانتهيا إلى شط نهر فجلسا يتغديان ومعهما ثلاثة أرغفة ~~فأكلا رغيفين وبقي رغيف ثالث فقام عيسى عليه السلام إلى النهر فشرب ثم رجع ~~فلم يجد الرغيف فقال للرجل من أخذ الرغيف فقال لا أدري قال فانطق ومعه ~~صاحبه فرأى ظبية ومعها خشفان لها قال فدعا أحدهما فأتاه فذبحه فاشتوى منه ~~فأكل هو وذلك الرجل ثم قال للخشف قم بإذن الله فقام فذهب فقال للرجل أسألك ~~بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف فقال لا أدري ثم انتهيا إلى وادي ماء ~~فأخذ عيسى بيد الرجل فمشيا على الماء فلما جاوزا قال له أسألك بالذي أراك ~~هذه الآية من أخذ الرغيف فقال لا أدري فانتهيا إلى مفازة فجلسا فأخذ عيسى ~~عليه السلام يجمع ترابا وكثيبا ثم قال كن ذهبا بإذن الله تعالى فصار ذهبا ~~فقسمه ثلاثة أثلاث ثم قال ثلث لي وثلث لك وثلث لمن أخذ الرغيف فقال أنا ~~الذي أخذت الرغيف فقال كله لك وفارقه عيسى عليه السلام فانتهى إليه رجلان ~~في المفازة ومعه المال فأرادا أن يأخذاه منه ويقتلاه فقال هو بيننا أثلاثا ~~فابعثوا أحدكم إلى القرية حتى يشتري لنا طعاما نأكله قال فبعثوا أحدهم فقال ~~الذي بعث لأي شيء أقاسم هؤلاء هذا المال لكني أضع في هذا الطعام سما ~~فأقتلهما وآخذ المال وحدي قال ففعل وقال ذانك الرجلان لأي شيء نجعل لهذا ~~ثلث المال ولكن إذا رجع قتلناه واقتسمنا المال بيننا قال فلما رجع إليهما ~~قتلاه وأكلا الطعام فماتا فبقي ذلك المال في المفازة وأولئك الثلاثة عنده ~~قتلى فمر بهم عيسى عليه السلام على تلك الحالة فقال لأصحابه هذه ms1612 الدنيا ~~فاحذروها # وحكي أن ذا القرنين أتى على أمة من الأمم ليس بأيديهم شيء مما يستمتع به ~~الناس من دنياهم قد احتفروا قبورا فإذا أصبحوا تعهدوا تلك القبور وكنسوها ~~وصلوا عندها ورعوا البقل كما ترعى البهائم وقد قيض لهم في ذلك معايش من ~~نبات الأرض وأرسل ذو القرنين إلى ملكهم فقال له أجب ذو القرنين فقال مالي ~~إليه حاجة فإن كان له حاجة فليأتني فقال ذو القرنين صدق فأقبل إليه ذو ~~القرنين وقال له أرسلت إليك لتأتيني فأبلت فها أنا قد جئت فقال لو كان لي ~~إليك حاجة لأتيتك فقال له ذو القرنين مالي أراكم على حالة لم أر أحدا من ~~الأمم عليها قال وما ذاك قال ليس لكم دنيا ولا شيء أفلا اتخذتم الذهب ~~والفضة فاستمتعتم بهما قالوا إنما كرهناهما PageV03P273 # لأن أحدا لم يعط منهما شيئا إلا تاقت نفسه ودعته إلى ما هو أفضل منه # فقال ما بالكم قد احتفرتم قبورا فإذا أصبحتم تعاهدتموها فكنستموها وصليتم ~~عندها قالوا أردنا إذا نظرنا إليها وأملنا الدنيا منعتنا قبورنا من الأمل # قال وأراكم لا طعام لكن إلا البقل من الأرض أفلا اتخذتم البهائم من ~~الأنعام فاحتلبتموها وركبتموها فاستمتعتم بها قالوا كرهنا أن نجعل بطوننا ~~قبورا لها ورأينا في نبات الأرض بلاغا وإنما يكفي ابن أدنى العيش من الطعام ~~وأيما ما جاوز الحنك من الطعام لم نجد له طعما كائنا ما كان من الطعام ثم ~~بسط ملك تلك الأرض يده خلف ذي القرنين فتناول جمجمة فقال ياذا القرنين ~~أتدري من هذا قال لا ومن هو قال ملك من ملوك الأرض أعطاه الله سلطانا على ~~أهل الأرض فغشم وظلم وعتا فلما رأى الله سبحانه ذلك منه جسمه بالموت فصار ~~كالحجر الملقى وقد أحصى الله عليه عمله حتى يجزيه به في آخرته # ثم تناول جمجمة أخرى بالية فقال ياذا القرنين هل تدري من هذا قال لا أدري ~~ومن هو قال هذا ملك ملكه الله بعده قد كان يرى ما يصنع الذي قبله بالناس من ~~الغشم ms1613 والظلم والتجبر فتواضع وخشع لله عز وجل وأمر بالعدل في أهل مملكته ~~فصار كما ترى قد أحصى الله عليه عمله حتى يجزيه به في آخرته # ثم أهوى إلى جمجمة ذي القرنين فقال # وهذه الجمجمة قد كانت كهذين فانظر ياذا القرنين ما أنت صانع فقال له ذو ~~القرنين هل لك في صحبتي فأتخذك أخا ووزيرا وشريكا فيما أتاني الله من هذا ~~المال قال ما أصلح أنا وأنت في مكان ولا أن نكون جميعا قال ذو القرنين ولم ~~قال من أجل أن الناس كلهم لك عدو ولي صديق قال ولم قال يعادونك لما في يديك ~~من الملك والمال والدنيا ولا أجد أحدا يعاديني لرفضي لذلك ولما عندي من ~~الحاجة وقلة الشيء قال فانصرف عنه ذو القرنين متعجبا منه ومتعظا به فهذه ~~الحكايات تدلك على آفات الغنى مع ما قدمناه من قبل وبالله التوفيق # تم كتاب ذم المال والبخل بحمد الله تعالى وعونه ويليه كتاب ذم الجاه والرياء ### || كتاب ذم الجاه والرياء وهو الكتاب الثامن من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله علام الغيوب المطلع على سرائر القلوب المتجاوز عن كبائر الذنوب ~~العالم بما تجنه الضمائر من خفايا الغيوب البصير بسرائر النيات وخفافا ~~الطويات الذي لا يقبل من الأعمال إلا ما كمل ووفي وخلص عن شوائب الرياء ~~والشرك وصفا فإنه المنفرد بالملكوت فهو أغنى الأغنياء عن الشرك # والصلاة والسلام على محمد وآله وأصحابه المبرئين من الخيانة والإفك وسلم ~~تسليما كثيرا # أما بعد فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أخوف ما أخاف على أمتي ~~الرياء والشهوة الخفية التي هي أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة ~~الصماء في الليلة الظلماء // حديث إن أخوف ما أخاف على أمتي الرياء والشهوة ~~الخفية أخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث شداد بن أوس وقالا الشرك بدل الرياء ~~وفسراه بالرياء قال الحاكم صحيح الإسناد قلت بل ضعيفه وهو عند ابن المبارك ~~في الزهد ومن طريقه عند البيهقي في الشعب ms1614 بلفظ المصنف # ولذلك عجز عن الوقوف على غوائلها سماسرة PageV03P274 # العلماء فضلا عن عامة العباد والأتقياء وهو من أواخر غوائل النفس وبواطن ~~مكايدها # وإنما يبتلي به العلماء والعباد والمشمرون عن ساق الجد لسلوك سبيل الآخرة ~~فإنهم مهما قهروا أنفسهم وجاهدوها وفطموها عن الشهوات وصانوها عن الشبهات ~~وحملوها بالقهر على أصناف العبادات عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي ~~الظاهرة الواقعة على الجوارح فطلبت الاستراحة إلى التظاهر بالخير وإظهار ~~العمل والعلم فوجدت مخلصا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ~~ونظرهم إليه بعين الوقار والتعظيم فسارعت إلى إظهار الطاعة وتوصلت إلى ~~اطلاع الخلق ولم تقنع باطلاع الخالق وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد الله ~~وحده وعلمت أنهم إذا عرفوا تركه الشهوات وتوقيه الشبهات وتحمله مشاق ~~العبادات أطلقوا ألسنتهم بالمدح والثناء وبالغوا في التقريظ والإطراء ~~ونظروا إليه بعين التوقير والاحترام وتبركوا بمشاهدته ولقائه ورغبوا في ~~بركة دعائه وحرصوا على اتباع رأيه وفاتحوه بالخدمة والسلام وأكرموه في ~~المحافل غاية الإكرام وسامحوه في البيع والمعاملات وقدموه في المجالس ~~وآثروه بالمطاعم والملابس وتصاغروا له متواضعين وانقادوا له في أغراضه ~~موقرين فأصابت النفس في ذلك لذة هي أعظم اللذات وشهوة هي أغلب الشهوات ~~فاستحقرت فيه ترك المعاصي والهفوات واستلانت خشونة المواظبة على العبادات ~~لإدراكها في الباطن لذة اللذات وشهوة الشهوات فهو يظن أن حياته بالله ~~وبعبادته المرضية وإنما حياته بهذه الشهوة الخفية التي تعمى عن دركها ~~العقول النافذة القوية ويرى أنه مخلص في طاعة الله ومجتنب لمحارم الله ~~والنفس قد أبطنت هذه الشهوة تزيينا للعباد وتصنعا للخلق وفرحا بما نالت من ~~المنزلة والوقار وأحبطت بذلك ثواب الطاعات وأجور الأعمال وقد أثبتت اسمه في ~~جريدة المنافقين وهو يظن أنه عند الله من المقربين # وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا الصديقون ومهواة لا يرقى منها إلا ~~المقربون ولذلك قيل آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة # وإذا كان الرياء هو الداء الدفين الذي هو أعظم شبكة للشياطين وجب شرح ~~القول في سببه وحقيقته ودرجاته وأقسامه وطرق معالجته ms1615 والحذر منه ويتضح ~~الغرض منه في ترتيب الكتاب على شطرين ### ||| الشطر الأول في حب الجاه والشهرة # وفيه ~~بيان ذم الشهرة وبيان فضيلة الخمول وبيان ذم الجاه وبيان معنى الجاه ~~وحقيقته وبيان السبب في كونه محبوبا أشد من حب المال وبيان أن الجاه كمال ~~وهمي وليس بكمال حقيقي وبيان ما يحمد من حب الجاه وما يذم وبيان السبب في ~~حب المدح والثناء وكراهية الذم # وبيان العلاج في حب الجاه وبيان علاج حب المدح وبيان علاج كراهة الذم ~~وبيان اختلاف أحوال الناس في المدح والذم # فهي إثنا عشر فصلا منها تنشأ معاني الرياء فلا بد من تقديمها والله ~~الموفق للصواب بلطفه ومنه وكرمه ### |||| بيان ذم الشهرة وانتشار الصيت # اعلم أصلحك الله أن أصل الجاه هو انتشار الصيت والاشتهار وهو مذموم بل ~~المحمود الخمول إلا من شهرة الله تعالى لنشر دينه من غير تكلف طلب الشهرة ~~منه # قال أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب امرئ من الشر ~~أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه إلا من عصمه الله // حديث أنس ~~حسب امرئ من الشر إلا من عصمه أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه ~~أخرجه البيهقي في الشعب بسند ضعيف # وقال جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسب المرء من ~~الشر إلا من عصمه الله من السوء أن يشير الناس إليه PageV03P275 # بالأصابع في دينه ودنياه # إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم (1) حديث رب ~~أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك ~~أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله ~~لأبره وللحاكم رب أشعث أغبر ذي طمرين تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على الله ~~لأبره وقال صحيح الإسناد ولأبي نعيم في الحلية من حديث أنس ضعيف رب ذي ~~طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك ms1616 وهو عند ~~الحاكم نحوه بهذه الزيادة وقال صحيح الإسناد قلت بل ضعيفه # منهم البراء بن مالك وقال ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم رب ذي ~~طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره لو قال اللهم إني أسألك الجنة ~~لأعطاه الجنة ولم يعطه من الدنيا شيئا // حديث ابن مسعود رب ذي طمرين لا ~~يؤبه له لو أقسم على الله لأبره لو قال اللهم إني أسألك الجنة لأعطاء الجنة ~~ولم يعطه من الدنيا شيئا أخرجه ابن أبي الدنيا ومن طريقه أبو منصور الديلمي ~~في مسند الفردوس بسند ضعيف # وقال صلى الله عليه وسلم {إلا} PageV03P276 # أدلكم على أهل الجنة كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره وأهل النار ~~كل متكبر مستكبر جواظ (1) حديث إن من أمتي من لو أتى أحدكم فسأله دينارا لم ~~يعطه إياه الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ثوبان بإسناد صحيح دون ~~قوله ولو سأله الدنيا لم يعطه إياها وما منعها إياه إلا لهوانها عليه # وروى أن عمر رضي الله عنه دخل المسجد فرأى معاذ بن جبل يبكي عند قبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال ما يبكيك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول إن اليسير من الرياء وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الذين إن ~~غابوا لم يفتقدوا وإن حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى ينجون من كل ~~غبراء مظلمة (2) حديث أبي أمامة إن أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الخاذ ~~الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه بإسنادين ضعيفين # وقال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما # أحب عباد الله إلى الله الغرباء قيل ومن الغرباء قال الفارون بدينهم ~~يجتمعون يوم القيامة إلى المسيح عليه السلام # وقال الفضيل بن عياض بلغني إن الله تعالى يقول في بعض ما يمن به على عبده ~~ألم أنعم عليك ألم أسترك ألم أخمل ذكرك وكان الخليل بن أحمد يقول اللهم ~~اجعلني عندك من أرفع خلقك واجعلني عند نفسي من أوضع خلقك واجعلني عند الناس ~~من ms1617 أوسط خلقك # وقال الثوري وجدت قلبي يصلح بمكة والمدينة مع قوم غرباء أصحاب قوت وعناء # وقال إبراهيم بن أدهم ما قرت عيني يوما في الدنيا قط إلا مرة بت ليلة في ~~بعض مساجد قرى الشام وكان بي البطن فجرني المؤذن برجلي صلى الله عليه وسلم ~~حتى أخرجني من المسجد # وقال الفضيل إن قدرت على أن لا تعرف فافعل PageV03P277 # وما عليك أن لا تعرف وما عليك أن لا يثنى عليك وما عليك أن تكون مذموما ~~عند الناس إذا كنت محمودا عند الله تعالى فهذه الآثار والأخبار تعرفك مذمة ~~الشهرة وفضيلة الخمول # وإنما المطلوب بالشهرة وانتشار الصيت هو الجاه والمنزلة في القلوب وحب ~~الجاه هو منشأ كل فساد # فإن قلت فأي شهوة تزيد على شهرة الأنبياء والخلفاء الراشدين وأئمة ~~العلماء فكيف فاتهم فضيلة الخمول فاعلم أن المذموم طلب الشهرة فأما وجودها ~~من جهة الله سبحانه من غير تكلف من العبد فليس بمذموم # نعم فيه فتنة على الضعفاء دون الأقوياء وهم كالغريق الضعيف إذا كان معه ~~جماعة من الغرقى فالأولى به أن لا يعرفه أحد منهم فإنهم يتعلقون به فيضعف ~~عنهم فيهلك معهم وأما القوي فالأولى أن يعرفه الغرقى ليتعلقوا به فينجيهم ~~ويثاب على ذلك ### |||| بيان ذم الجاه ومعناه # وقال الله تعالى {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا} جمع بين إرادة الفساد والعلو وبين أن الدار الآخرة للخالي عن ~~الإرادتين جميعا # فقال عز وجل ومن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ~~وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا ~~فيها وباطل ما كانوا يعملون وهذا أيضا متناول بعمومه لحب الجاه فإنه أعظم ~~لذة من لذات الحياة الدنيا وأكثر زينة من زينتها # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حب المال والجاه ينبتان النفاق في ~~القلب كما ينبت الماء البقل (1) حديث ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم ~~الحديث تقدم أيضا هناك # وقال صلى الله عليه وسلم لعلي ms1618 كرم الله وجهه إنما هلاك الناس باتباع ~~الهوى وحب الثناء // حديث إنما هلاك الناس باتباع الهوى وحب الثناء لم أره ~~بهذا اللفظ وقد تقدم في العلم من حديث أنس ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع ~~الحديث ولأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عباس بسند ضعيف حب ~~الثناء من الناس يعمي ويصم # نسأل الله العفو والعافية بمنه وكرمه ### |||| بيان معنى الجاه وحقيقته # اعلم أن الجاه والمال هما ركنا الدنيا # ومعنى المال ملك الأعيان المنتفع بها ومعنى الجاه ملك القلوب المطلوب ~~تعظيمها وطاعتها # وكما أن الغني هو الذي يملك الدراهم والدنانير أي يقدر عليهما ليتوصل ~~بهما إلى الأغراض والمقاصد وقضاء الشهوات وسائر حظوظ النفس فكذلك ذو الجاه ~~هو الذي يملك قلوب الناس أي يقدر على أن يتصرف فيها ليستعمل بواسطتها ~~أربابها في أغراضه ومآربه # وكما أنه يكتسب الأموال بأنواع من الحرف والصناعات فكذلك يكتسب قلوب ~~الخلق بأنواع من المعاملات ولا تصير القلوب مسخرة إلا بالمعارف والاعتقادات ~~فكل من اعتقد القلب فيه وصفا من أوصاف الكمال انقاد له وتسخر له بحسب قوة ~~اعتقاد القلب وبحسب درجة ذلك الكمال عنده وليس يشترط أن يكون الوصف كمالا ~~في نفسه بل يكفي أن يكون كمالا عنده وفي اعتقاده وقد يعتقد ما ليس كمالا ~~كمالا ويذعن قلبه للموصوف به انقيادا ضروريا بحسب اعتقاده فإن انقياد القلب ~~حال للقلب # وأحوال القلوب تابعة لاعتقادات القلوب وعلومها وتخيلاتها وكما أن محب ~~المال يطلب ملك الأرقاء والعبيد PageV03P278 # فطالب الجاه يطلب أن يسترق الأحرار ويستعبدهم ويملك رقابهم بملك قلوبهم ~~بل الرق الذي يطلبه صاحب الجاه أعظم لأن المالك يملك العبد قهرا والعبد ~~متأب بطبعه ولو خلى ورأيه انسل عن الطاعة وصاحب الجاه يطلب الطاعة طوعا ~~ويبغي أن تكون له الأحرار عبيدا بالطبع والطوع مع الفرح بالعبودية والطاعة ~~له فما يطلبه فوق ما يطلبه مالك الرق بكثير # فإذا معنى الجاه قيام المنزلة في قلوب الناس أي اعتقاد القلوب لنعت من ~~نعوت الكمال فيه فيقدر ما يعتقدون من كماله تذعن له ms1619 قلوبهم وبقدر إذعان ~~القلوب تكون قدرته على القلوب وبقدر قدرته على القلوب يكون فرحه وحبه للجاه # فهذا هو معنى الجاه وحقيقته وله ثمرات كالمدح والإطراء فإن المعتقد ~~للكمال لا يسكت عن ذكر ما يعتقده فيثني عليه وكالخدمة والإعانة فإنه لا ~~يبخل ببذل نفسه في طاعته بقدر اعتقاده فيكون سخرة له مثل العبد في أغراضه ~~وكالإيثار وترك المنازعة والتعظيم والتوقير بالمفاتحة بالسلام وتسليم الصدر ~~في المحافل والتقديم في جميع المقاصد فهذه آثار تصدر عن قيام الجاه في ~~القلب ومعنى قيام الجاه في القلب اشتمال القلوب على اعتقاد صفات الكمال في ~~الشخص إما بعلم أو عبادة أو حسن خلق أو نسب أو ولاية أو جمال في صورة أو ~~قوة في بدن أو شيء مما يعتقده الناس كمالا فإن هذه الأوصاف كلها تعظم محله ~~في القلوب فتكون سببا لقيام الجاه والله تعالى أعلم ### |||| بيان سبب كون الجاه محبوبا بالطبع حتى لا يخلو عنه قلب إلا بشديد المجاهدة # اعلم أن السبب الذي يقتضي كون الذهب والفضة وسائر أنواع الأموال محبوبا ~~هو بعينه يقتضي كون الجاه محبوبا بل يقتضي أن يكون أحب من المال كما يقتضي ~~أن يكون يكون الذهب أحب من الفضة مهما تساويا في المقدار وهو أنك تعلم أن ~~الدراهم والدنانير لا غرض في أعيانهما إذ لا تصلح لمطعم ولا مشرب ولا منكح ~~ولا ملبس وإنما هي والحصباء بمثابة واحدة ولكنهما محبوبان لأنهما وسيلة إلى ~~جميع المحاب وذريعة إلى قضاء الشهوات فكذلك الجاه لأن معنى الجاه ملك ~~القلوب وكما أن ملك الذهب والفضة يفيد قدرة يتوصل الإنسان بها إلى سائر ~~أغراضه فكذلك ملك القلوب من الأحرار والقدرة على استسخارها يفيد قدرة على ~~التوصل إلى جميع الأغراض فالاشتراك في السبب اقتضى الاشتراك في المحبة ~~وترجيح الجاه على المال اقتضى أن يكون الجاه أحب من المال ولملك الجاه ~~ترجيح على ملك المال من ثلاثة أوجه # الأول أن التوصل بالجاه إلى المال أيسر من التوصيل بالمال إلى الجاه ~~فالعالم أو الزاهد الذي تقرر له جاه في ms1620 القلوب لو قصد اكتساب المال تيسر له ~~فإن أموال أرباب القلوب مسخرة للقلوب ومبذولة لمن اعتقد فيه الكمال وأما ~~الرجل الخسيس الذي لا يتصف بصفة كمال إذا وجد كنزا ولم يكن له جاه يحفظ ~~ماله وأراد أن يتوصل بالمال إلى الجاه لم يتيسر له فإذا الجاه آلة ووسيلة ~~إلى المال فمن ملك الجاه فقد ملك المال ومن ملك المال لم يملك الجاه بكل ~~حال فلذلك صار الجاه أحب # الثاني هو أن المال معرض للبلوى والتلف بأن يسرق ويغصب ويطمع فيه الملوك ~~والظلمة ويحتاج فيه إلى الحفظة والحراس والخزائن ويتطرق إليه أخطار كثيرة ~~وأما القلوب إذا ملكت فلا تتعرض لهذه الآفات فهي على التحقيق خزائن عتيدة ~~لا يقدر عليها السراق ولا تتناولها أيدي النهاب والغصاب وأثبت الأموال ~~العقار ولا يؤمن فيه الغصب والظلم ولا يستغني عن المراقبة والحفظ وأما ~~خزائن القلوب فهي محفوظة محروسة بأنفسها والجاه في أمن وأمان من الغصب ~~والسرقة فيها # نعم إنما تغضب القلوب بالتصريف وتقبيح الحال وتغيير الاعتقاد فيما صدق به ~~من أوصاف الكمال وذلك مما يهون دفعه ولا يتيسر على محاولة فعله PageV03P279 # الثالث أن ملك القلوب يسرى وينمى ويتزايد من غير حاجة إلى تعب ومقاساة ~~فإن القلوب إذا أذعنت لشخص واعتقدت كماله بعلم أو عمل أو غيره أفصحت ~~الألسنة لا محالة بما فيها فيصف ما يعتقده لغيره ويقتنص ذلك القلب أيضا له ~~ولهذا المعنى يحب الطبع الصيت وانتشار الذكر # لأن ذلك إذا استطار في الأقطار اقتنص القلوب ودعاها إلى الإذعان والتعظيم ~~فلا يزال يسري من واحد إلى واحد ويتزايد وليس له مرد معين وأما المال فمن ~~ملك منه شيئا فهو مالكه ولا يقدر على استنمائه إلا بتعب ومقاساة والجاه ~~أبدا في النماء بنفسه ولا مرد لموقعه والمال واقف ولهذا إذا عظم الجاه ~~وانتشر الصيت وانطلقت الألسنة بالثناء استحقرت الأموال في مقابلته فهذه ~~مجامع ترجيحات الجاه على المال # وإذا فصلت كثرت وجوه الترجيح # فإن قلت فالإشكال قائم في المال والجاه جميعا فلا ينبغي أن يحب الإنسان ~~المال ms1621 والجاه # نعم القدر الذي يتوصل به إلى جلب الملاذ ودفع المضار معلوم كالمحتاج إلى ~~الملبس والمسكن والمطعم أو كالمبتلي بمرض أو بعقوبة إذا كان لا يتوصل إلى ~~دفع العقوبة عن نفسه إلا بمال أو جاه فحبه للمال والجاه معلوم إذ كل ما لا ~~يتوصل إلى المحبوب إلا به فهو محبوب وفي الطباع أمر عجيب وراء هذا وهو حب ~~جمع الأموال وكنز الكنوز وادخار الذخائر واستكثار الخزائن وراء جميع ~~الحاجات حتى لو كان للعبد واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا وكذلك يحب ~~الإنسان اتساع الجاه وانتشار الصيت إلى أقاصي البلاد التي يعلم قطعا أنه لا ~~يطؤها ولا يشاهد أصحابها ليعظموه أو ليبروه بمال أو ليعينوه على غرض من ~~أغراضه ومع اليأس من ذلك فإنه يلتذ به غاية الالتذاذ وحب ذلك ثابت في الطبع ~~ويكاد يظن أن ذلك جهل فإنه حب لما لا فائدة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة ~~فنقول نعم هذا الحب لا تنفك عنه القلوب # وله سببان # أحدهما جلي تدركه الكافة # والآخر خفي وهو أعظم السببين ولكنه أدقهما وأخفاهما وأبعدهما عن أفهام ~~الأذكياء فضلا عن الأغنياء وذلك لاستمداده من عرق خفي في النفس وطبيعة ~~مستكنة في الطبع لا يكاد يقف عليها إلا الغواصون # فأما السبب الأول فهو دفع ألم الخوف لأن الشفيق بسوء الظن مولع والإنسان ~~وإن كان مكفيا في الحال فإنه طويل الأمل ويخطر بباله أن المال الذي فيه ~~كفايته ربما يتلف فيحتاج إلى غيره فإذا خطر ذلك بباله هاج الخوف من قلبه ~~ولا يدفع ألم الخوف إلا الأمن الحاصل بوجود مال آخر يفزع إليه إن أصابت هذا ~~المال جائحة فهو أبدا لشفقته على نفسه وحبه للحياة يقدر طول الحياة ويقدر ~~هجوم الحاجات ويقدر إمكان تطرق الآفات إلى الأموال ويستشعر الخوف من ذلك ~~فيطلب ما يدفع خوفه وهو كثرة المال حتى إن أصيب بطائفة من ماله استغنى ~~بالآخر وهذا خوف لا يوقف له على مقدار مخصوص من المال فلذلك لم يكن لمثله ~~موقف إلى أن يملك جميع ms1622 ما في الدنيا ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم منهومان لا يشبعان منهوم العلم ومنهوم المال // حديث منهومان لا ~~يشبعان الحديث أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود بسند ضعيف والبزار ~~والطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس بسند لين وقد تقدم # ومثل هذه العلة تطرد في حبه قيام المنزلة والجاه في قلوب الأباعد عن وطنه ~~وبلده فإنه لا يخلو عن تقدير سبب يزعجه عن الوطن أو يزعج أولئك عن أوطانهم ~~إلى وطنه ويحتاج إلى الاستعانة بهم ومهما كان ذلك ممكنا ولم يكن احتياجه ~~إليهم مستحيلا إحالة ظاهرة كان للنفس فرح ولذة بقيام الجاه في قلوبهم لما ~~فيه من الأمن من هذا الخوف PageV03P280 # وأما السبب الثاني وهو الأقوى لأن الروح أمر رباني به وصفه الله تعالى إذ ~~قال سبحانه ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي أو معنى كونه ربانيا أنه ~~من أسرار علوم المكاشفة ولا رخصة في إظهاره إذا لم يظهره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم // حديث أنه صلى الله عليه وسلم لم يظهر سر الروح أخرجه ~~البخاري من حديث ابن مسعود وقد تقدم # ولكنك قبل معرفة ذلك تعلم أن للقلب ميلا إلى صفات بهيمية كالأكل والوقاع ~~وإلى صفات سبعية كالقتل والضرب والإيذاء وإلى صفات شيطانية كالمكر والخديعة ~~والإغواء وإلى صفات ربوبية كالكبر والعز والتجبر وطلب الاستعلاء وذلك لأنه ~~مركب من أصول مختلفة يطول شرحها وتفصيلها فهو لما فيه من الأمر الرباني يحب ~~الربوبية بالطبع ومعنى الربوبية التوحد بالكمال والتفرد بالوجود على سبيل ~~الاستقلال # فصار الكمال من صفات الإلهية فصار محبوبا بالطبع للإنسان والكمال بالتفرد ~~بالوجود فإن المشاركة في الوجود نقص لا محالة فكمال الشمس في أنها موجودة ~~وحدها فلو كان معها شمس أخرى لكان ذلك نقصا في حقها إذ لم تكن منفددة بكمال ~~معنى الشمسية والمنفرد بالوجود هو الله تعالى إذ ليس معه موجود سواه فإن ما ~~سواه أثر من آثار قدرته لا قوام له بذاته بل هو قائم به فلم يكن موجودا معه ~~لأن ms1623 المعية توجب المساواة في الرتبة والمساواة في الرتبة نقصان في الكمال ~~بل الكامل من لا نظير له في رتبته # وكما أن إشراق نور الشمس في أقطار الآفاق ليس نقصانا في الشمس بل هو من ~~جملة كمالها وإنما نقصان الشمس بوجود شمس أخرى تساويها في الرتبة مع ~~الاستغناء عنها فكذلك وجود كل ما في العالم يرجع إلى إشراق أنوار القدرة ~~فيكون تابعا ولا يكون متبعا فإذن معنى الربوبية التفرد بالوجود وهو الكمال # وكل إنسان فإنه بطبعه محب لأن يكون هو المنفرد بالكمال ولذلك قال بعض ~~مشايخ الصوفية ما من إنسان إلا وفي باطنه ما صرح به فرعون من قوله أنا ربكم ~~الأعلى ولكنه ليس يجد له مجالا وهو كما قال فإن العبودية قهر على النفس # والربوبية محبوبة بالطبع وذلك للنسبة الربانية التي أومأ إليها قوله ~~تعالى قل الروح من أمر ربي ولكن لما عجزت النفس عن درك منتهى الكمال لم ~~تسقط شهوتها للكمال فهي محبة للكمال ومشتهية له وملتذة به لذاته لا لمعنى ~~آخر وراء الكمال وكل موجود فهو محب لذاته ولكمال ذاته ومبغض للهلاك الذي هو ~~عدم ذاته أو عدم صفات الكمال من ذاته # وإنما الكمال بعد أن يسلم التفرد بالوجود في الاستيلاء على كل الموجودات ~~فإن أكمل الكمال أن يكون وجود غيرك منك فإن لم يكن منك فأن تكون مستوليا ~~عليه فصار الاستيلاء على الكل محبوبا بالطبع لأنه نوع كمال # وكل موجود يعرف ذاته فإنه يحب ذاته ويحب كمال ذاته ويلتذ به إلا أن ~~الاستيلاء على الشيء بالقدرة على التأثير فيه وعلى تغييره بحسب الإرادة ~~وكونه مسخرا لك تردده كيف تشاء فأحب الإنسان أن يكون له استيلاء على كل ~~الأشياء الموجودة معه # إلا أن الموجودات منقسمة إلى مالا يقبل التغيير في نفسه كذات الله تعالى ~~وصفاته # وإلى ما يقبل التغيير ولكن لا يستولى عليه قدرة الخلق كالأملاك والكواكب ~~وملكوت السموات ونفوس الملائكة والجن والشياطين وكالجبال والبحار # وإلى ما يقبل التغيير بقدرة العبد كالأرض وأجزائها وما عليها من المعادن ~~والنبات ms1624 والحيوان ومن جملتها قلوب الناس فإنها قابلة للتأثير والتغيير مثل ~~أجسادهم وأجساد الحيوانات # فإذا انقسمت الموجودات إلى ما يقدر الإنسان على التصرف فيه كالأرضيات ~~وإلى ما لا يقدر عليه كذات الله تعالى والملائكة والسموات أحب الإنسان أن ~~يستولي على السموات بالعلم والإحاطة والإطلاع على أسرارها فإن ذلك نوع ~~استيلاء إذ المعلوم المحاط به كالداخل تحت العلم والعالم كالمستولي عليه ~~فلذلك أحب أن يعرف PageV03P281 # الله تعالى والملائكة والأفلاك والكواكب وجميع عجائب السموات وجميع عجائب ~~البحار والجبال وغيرها لأن ذلك نوع استيلاء عليها والاستيلاء نوع كمال # وهذا يضاهي اشتياق من عجز عن صنعة عجيبة إلى معرفة طريق الصنعة فيها كمن ~~يعجز عن وضع الشطرنج فإنه قد يشتهي أن يعرف اللعب به وأنه كيف وضع وكمن يرى ~~صنعة عجيبة في الهندسة أو الشعبذة أو جر الثقيل أو غيره وهو مستشعر في نفسه ~~بعض العجز والقصور عنه ولكنه يشتاق إلى معرفة كيفية فهو متألم ببعض العجز ~~متلذذ بكمال العلم إن علمه # وأما القسم الثاني وهو الأرضيات التي يقدر الإنسان عليها فإنه يحب بالطبع ~~أن يستولي عليها بالقدرة على التصرف فيها كيف يريد وهي قسمان أجساد وأرواح # أما الأجساد فهي الدراهم والدنانير والأمتعة فيجب أن يكون قادرا عليها ~~يفعل فيها ما شاء من الرفع والوضع والتسليم والمنع فإن ذلك قدرة والقدرة ~~كمال والكمال من صفات الربوبية والربوبية محبوبة بالطبع فلذلك أحب الأموال ~~وإن كان لا يحتاج إليها في ملبسه ومطعمه وفي شهوات نفسه وبذلك طلب استرقاق ~~العبيد واستعباد الأشخاص الأحرار ولو بالقهر والغلبة حتى يتصرف في أجسادهم ~~وأشخاصهم بالاستسخار وإن لم يملك قلوبهم فإنها ربما لم تعتقد كماله حتى ~~يصير محبوبا لها ويقوم القهر منزلته فيها فإن الحشمة القهرية أيضا لذيذة ~~لما فيها من القدرة # القسم الثاني نفوس الآدميين وقلوبهم وهي أنفس ما على وجه الأرض فهو يحب ~~أن يكون له استيلاء وقدرة عليها لتكون مسخرة له متصرفة تحت إشارته وإرادته ~~لما فيه من كمال الاستيلاء والتشبه بصفات الربوبية والقلوب إنما تتسخر الحب ~~ولا تحب ms1625 إلا باعتقاد الكمال فإن كل كمال محبوب لأن الكمال من الصفات ~~الإلهية والصفات الإلهية كلها محبوبة بالطبع للمعنى الرباني من جملة معاني ~~الإنسان وهو الذي لا يبليه الموت فيعدمه ولا يتسلط عليه التراب فيأكله فإنه ~~محل الإيمان والمعرفة وهو الواصل إلى لقاء الله تعالى والساعي إليه فإذن ~~معنى الجاه تسخير القلوب ومن تسخرت له القلوب كانت له قدرة واستيلاء عليها ~~والقدرة والاستيلاء كمال وهو من أوصاف الربوبية # فإذن محبوب القلب بطبعه الكمال بالعلم والقدرة والمال والجاه من أسباب ~~القدرة ولا نهاية للمعلومات ولا نهاية للمقدورات وما دام يبقى معلوم أو ~~مقدور فالشوق لا يسكن والنقصان لا يزول # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم منهومان لا يشبعان فإذن مطلوب القلوب ~~الكمال والكمال بالعلم والقدرة وتفاوت الدرجات فيه غير محصور فسرور كل ~~إنسان ولذته بقدر ما يدركه من الكمال فهذا هو السبب في كون العلم والمال ~~والجاه محبوبا وهو أمر وراء كونه محبوبا لأجل التوصل إلى قضاء الشهوات فإن ~~هذه العلة قد تبقى مع سقوط الشهوات بل يحب الإنسان من العلوم ما لا يصلح ~~للتوصل به إلى الأغراض بل ربما يفوت عليه جملة من الأغراض والشهوات ولكن ~~الطبع يتقاضى طلب العلم في جميع العجائب والمشكلات لأن في العلم استيلاء ~~على المعلوم وهو نوع من الكمال الذي هو من صفات الربوبية فكان محبوبا ~~بالطبع إلا أن في حب كمال العلم والقدرة أغاليط لا بد من بيانها إن شاء ~~الله تعالى ### |||| بيان الكمال الحقيقي والكمال الوهمي الذي لا حقيقة له # قد عرفت أنه لا كمال بعد فوات التفرد بالوجود إلا في العلم والقدرة ولكن ~~الكمال الحقيقي فيه متلبس بالكمال الوهمي وبيانه أن كمال العلم لله تعالى ~~وذلك من ثلاثة أوجه # أحدها من حيث كثرة المعلومات وسعتها فإنه محيط PageV03P282 # بجميع المعلومات فلذلك كلما كانت علوم العبد أكثر كان أقرب إلى الله ~~تعالى # الثاني من حيث تعلق العلم بالمعلوم على ما هو به وكون المعلوم مكشوفا به ~~كشفا تاما فإن المعلومات مكشوفة لله تعالى بأتم أنواع ms1626 الكشف على ما هي عليه ~~فلذلك مهما كان علم العبد أوضح وأيقن وأصدق وأوفق للمعلوم في تفاصيل صفات ~~العلوم كان أقرب إلى الله تعالى # الثالث من حيث بقاء العلم أبد الآباد بحيث لا يتغير ولا يزول فإن علم ~~الله تعالى باق لا يتصور أن يتغير فكذلك مهما كان علم العبد بمعلومات لا ~~يقبل التغير والانقلاب كان أقرب إلى الله تعالى # والمعلوم قسمان متغيرات وأزليات # أما المتغيرات فمثالها العلم بكون زيد في الدار فإنه علم له معلوم ولكنه ~~يتصور أن يخرج زيد من الدار ويبقى اعتقاد كونه في الدار كما كان فينقلب ~~جهلا فيكون نقصانا لا كمالا فكلما اعتقدت اعتقادا موافقا وتصور أن ينقلب ~~المعتقد فيه كما اعتقدته كنت بصدد أن ينقلب كمالك نقصا ويعود علمك جهلا # ويلتحق بهذا المثال جميع متغيرات العالم كعلمك مثلا بارتفاع جبل ومساحة ~~أرض وبعد البلاد وتباعد ما بينها من الأميال والفراسخ وسائر ما يذكر في ~~المسالك والممالك وكذلك العلم باللغات التي هي اصطلاحات تتغير بتغير ~~الأعصار والأمم والعادات فهذه علوم معلوماتها مثل الزئبق تتغير من حال إلى ~~حال فليس فيه كمال إلا في الحال ولا يبقى كمالا في القلب # القسم الثاني هو المعلومات الأزلية وهو جواز الجائزات ووجوب الواجبات ~~واستحالة المستحيلات فإن هذه معلومات أزلية أبدية إذ لا يستحيل الواجب قط ~~جائزا ولا الجائز محالا ولا المحال واجبا # فكل هذه الأقسام داخلة في معرفة الله وما يجب له وما يستحيل في صفاته ~~ويجوز في أفعاله فالعلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله وحكمته في ملكوت ~~السموات والأرض وترتيب الدنيا والآخرة وما يتعلق به هو الكمال الحقيقي الذي ~~يقرب من يتصف به من الله تعالى ويبقى كمالا للنفس بعد الموت وتكون هذه ~~المعرفة نور للعارفين بعد الموت يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ~~ربنا أتمم لنا نورنا أي تكون هذه المعرفة رأس مال يوصل إلى كشف ما لم ينكشف ~~في الدنيا كما أن من معه سراج خفي فإنه يجوز أن يصير ذلك سببا لزيادة النور ~~بسراج آخر يقتبس ms1627 منه فيكمل النور الخفي على سبيل الاستتمام ومن ليس معه أصل ~~السراج فلا مطمع له في ذلك فمن ليس معه أصل معرفة الله تعالى لم يكن له ~~مطمع في هذا النور فيبقى كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها بل كظلمات في ~~بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض فإذن لا ~~سعادة إلا في معرفة الله تعالى وأما ما عدا ذلك من المعارف فمنها ما لا ~~فائدة له أصلا كمعرفة الشعر وأنساب العرب وغيرهما ومنها ما له منفعة في ~~الإعانة على معرفة الله تعالى كمعرفة لغة العرب والتفسير والفقه والأخبار ~~فإن معرفة لغة العرب تعين على معرفة تفسير القرآن ومعرفة التفسير تعين على ~~معرفة ما في القرآن من كيفية العبادات والأعمال التي تفيد تزكية النفس ~~ومعرفة طريق تزكية النفس تفيد استعداد النفس لقبول الهدايا إلى معرفة الله ~~سبحانه وتعالى كما قال تعالى قد أفلح من زكاها وقال عز وجل والذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا فتكون جملة هذه المعارف كالوسائل إلى تحقيق معرفة الله ~~تعالى وإنما الكمال في معرفة الله ومعرفة صفاته وأفعاله وينطوي فيه جميع ~~المعارف المحيطة بالموجودات إذ الموجودات كلها من أفعاله فمن عرفها من حيث ~~هي فعل الله تعالى # ومن حيث ارتباطها بالقدرة والإرادة والحكمة فهي من تكملة معرفة الله ~~تعالى وهذا حكم كمال العلم ذكرناه وإن لم يكن لائقا بأحكام الجاه والرياء ~~ولكن أوردناه لاستيفاء أقسام الكمال PageV03P283 # وأما القدرة فليس فيها كمال حقيقي للعبد بل للعبد علم حقيقي وليس له قدرة ~~حقيقة وإنما القدرة الحقيقة لله وما يحدث من الأشياء عقيب إرادة العبد ~~وقدرته وحركته فهي حادثة بإحداث الله كما قررناه في كتاب الصبر والشكر ~~وكتاب التوكل وفي مواضع شتى من ربع المنجيات فكمال العلم يبقى معه بعد ~~الموت ويوصله إلى الله تعالى فأما كمال القدرة فلا # نعم له كمال من جهة القدرة بالإضافة إلى الحال وهي وسيلة له إلى كمال ~~العلم كسلامة أطرافه وقوة يده للبطش ورجله للمشي وحواسه ms1628 للإدراك فإن هذه ~~القوة آلة للوصول بها إلى حقيقة كمال العلم وقد يحتاج في استيفاء هذه القوى ~~إلى القدرة بمال والجاه للتوصل به إلى المطعم والمشرب والملبس والمسكن وذلك ~~إلى قدر معلوم فإن لم يستعمله للوصول به إلى معرفة جلال الله فلا خير فيه ~~البتة إلا من حيث اللذة الحالية التي تنقضي على القرب ومن ظن ذلك كمالا فقد ~~جهل فالخلق أكثرهم هالكون في غمره هذا الجهل فإنهم يظنون أن القدرة على ~~الأجساد بقهر الحشمة وعلى أعيان الأموال بسعة الغنى وعلى تعظيم القلوب بسعة ~~الجاه كمال فلما اعتقدوا ذلك أحبوه ولما أحبوه طلبوه ولما طلبوه شغلوا به ~~وتهالكوا عليه فنسوا الكمال الحقيقي الذي يوجب القرب من الله تعالى ومن ~~ملائكته وهو العلم والحرية أما العلم فما ذكرناه من معرفة الله تعالى وأما ~~الحرية فالخلاص من أسر الشهوات وغموم الدنيا والاستيلاء عليها بالقهر تشبها ~~بالملائكة الذين لا تستفزهم الشهوة ولا يستهويهم الغضب فإن دفع آثار الشهوة ~~والغضب عن النفس من الكمال الذي هو من صفات الملائكة # ومن صفات الكمال لله تعالى استحالة التغير والتأثر عليه فمن كان عن ~~التغير والتأثر بالعوارض أبعد كان إلى الله تعالى أقرب وبالملائكة أشبه ~~ومنزلته عند الله أعظم # وهذا كمال ثالث سوى كمال العلم والقدرة وإنما لم نورده في أقسام الكلام ~~لأن حقيقته ترجع إلى عدم ونقصان فإن التغير نقصان إذ هو عبارة عن عدم صفة ~~كائنة وهلاكها والهلاك نقص في اللذات وفي صفات الكمال # فإذن الكمالات ثلاثة إن عددنا عدم التغير بالشهوات وعدم الانقياد لها ~~كمالا ككمال العلم وكمال الحرية وأعني به عدم العبودية للشهوات وإرادة ~~الأسباب الدنيوية وكمال القدرة للعبد طريق إلى اكتساب كمال العلم وكمال ~~الحرية ولا طريق له إلى اكتساب كمال القدرة الباقية بعد موته إذ قدرته على ~~أعيان الأموال وعلى استسخار القلوب والأبدان تنقطع بالموت ومعرفته وحريته ~~لا ينعدمان بالموت بل يبقيان كمالا فيه ووسيلة إلى القرب من الله تعالى # فانظر كيف انقلب الجاهلون وانكبوا على وجوههم انكباب العميان فأقبلوا على ms1629 ~~طلب كمال القدرة بالجاه والمال وهو الكمال الذي لا يسلم وإن سلم فلا بقاء ~~له وأعرضوا عن كمال الحرية والعلم الذي إذا حصل كان أبديا لا انقطاع له ~~وهؤلاء هم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا جرم لا يخفف عنهم العذاب ~~ولا هم ينصرون وهم الذين لم يفهموا قوله تعالى المال والبنون زينة الحياة ~~الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا فالعلم والحرية هي ~~الباقيات الصالحات التي تبقى كمالا في النفس والمال والجاه هو الذي ينقضي ~~على القرب وهو كما مثله الله تعالى حيث قال إنما مثل الحياة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض الآية وقال تعالى واضرب لهم مثل ~~الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء إلى قوله فأصبح هشيما تذروه الرياح ~~وكل ما تذروه رياح الموت فهو زهرة الحياة الدنيا وكل ما لا يقطعه الموت فهو ~~الباقيات الصالحات # فقد عرفت بهذا أن كمال القدرة بالمال والجاه كمال ظني لا أصل له وأن من ~~قصر الوقت على طلبه وظنه مقصودا فهو جاهل وإليه أشار أبو الطيب بقوله PageV03P284 # ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر # إلا قدر البلغة منهما إلى الكمال الحقيقي اللهم اجعلنا ممن وفقته للخير ~~وهديته بلطفك ### |||| بيان ما يحمد من حب الجاه وما يذم # مهما عرفت أن معنى الجاه ملك القلوب والقدرة عليها فحكمه حكم ملك الأموال ~~فإنه عرض من أعراض الحياة الدنيا وينقطع بالموت كالمال والدنيا مزرعة ~~الآخرة فكل ما خلق في الدنيا فيمكن أن يتزود منه للآخرة وكما أنه لا بد من ~~أدنى مال لضرورة المطعم والمشرب والملبس فلا بد من أدنى جاه لضرورة المعيشة ~~مع الخلق والإنسان كما لا يستغني عن طعام يتناوله له فيجوز أن يحب الطعام ~~أو المال الذي يبتاع به الطعام فكذلك لا يخلو عن الحاجة إلى خادم يخدمه ~~ورفيق يعينه وأستاذ يرشده وسلطان يحرسه ويدفع عنه ظلم الأشرار فحبه لأن ~~يكون له في قلب خادمه من المحل ما يدعوه إلى الخدمة ليس ms1630 بمذموم وحبه لأن ~~يكون له في قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته ومعاونته ليس بمذموم ~~وحبه لأن يكون له في قلب أستاذه من المحل ما يحسن به إرشاده وتعليمه ~~والعناية به ليس بمذموم وحبه لأن يكون له من المحل في قلب سلطانه ما يحثه ~~ذلك على دفع الشر عنه ليس بمذموم فإن الجاه وسيلة إلى الأعراض كالمال فلا ~~فرق بينهما إلا أن التحقيق في هذا يفضي إلى أن لا يكون المال والجاه ~~بأعيانهما محبوبين له بل ينزل ذلك منزلة حب الإنسان أن يكون له في داره بيت ~~ماء لأنه مضطر إليه لقضاء حاجته ويود أن لو استغنى عن قضاء الحاجة حتى ~~يستغني عن بيت الماء فهذا على التحقيق ليس محبا لبيت الماء فكل ما يراد ~~للتوصل به إلى محبوب فالمحبوب هو المقصود المتوصل إليه # وتدرك التفرقة بمثال آخر وهو أن الرجل قد يحب زوجته من حيث إنه يدفع بها ~~فضلة الشهوة كما يدفع بيت الماء فضلة الطعام ولو كفى مؤنة الشهوة لكان يهجر ~~زوجته كما أنه لو كفى قضاء الحاجة لكان لا يدخل بيت الماء ولا يدور به وقد ~~يحب الإنسان زوجته لذاتها حب العشاق ولو كفى الشهوة لبقي مستصحبا لنكاحها ~~فهذا هو الحب دون الأول وكذلك الجاه والمال # وقد يحب كل واحد منهما على هذين الوجهين فحبهما لأجل التوصل بهما إلى ~~مهمات البدن غير مذموم وحبهما لأعيانهما فيما يجاوز ضرورة البدن وحاجته ~~مذموم ولكنه لا يوصف صاحبه بالفسق والعصيان ما لم يحمل الحب على مباشرة ~~معصية # وما يتوصل به إلى اكتساب بكذب وخداع وارتكاب محظور وما لم يتوصل إلى ~~اكتسابه بعبادة فإن التوصل إلى الجاه والمال بالعبادة جناية على الدين وهو ~~حرام وإليه يرجع معنى الرياء المحظور كما سيأتي # فإن قلت طلبه المنزلة والجاه في قلب أستاذه وخادمه ورفيقه وسلطانه ومن ~~يرتبط به أمره مباح على الإطلاق كيفما كان أو يباح إلى حد مخصوص على وجه ~~مخصوص فأقول يطلب ذلك على ثلاثة أوجه وجهان مباحان ووجه محظور ms1631 # أما الوجه المحظور فهو أن يطلب قيام المنزلة في قلوبهم باعتقادهم فيه صفة ~~وهو منفك عنها مثل العلم والورع والنسب فيظهر لهم أنه علوي أو عالم أو ورع ~~وهو لا يكون كذلك # فهذا حرام لأنه كذب وتلبيس أما بالقول أو بالمعاملة # أما أحد المباحين فهو أن يطلب المنزلة بصفة هو متصف بها كقول يوسف صلى ~~الله عليه وسلم فيما أخبر عنه الرب تعالى اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ ~~عليم فإنه طلب المنزلة في قلبه بكونه حفيظا عليما وكان PageV03P285 # محتاجا إليه وكان صادقا فيه # والثاني أن يطلب إخفاء عيب من عيوبه ومعصية من معاصيه حتى لا يعلم فلا ~~تزول منزلته به فهذا أيضا مباح لأن حفظ الستر على القبائح جائز ولا يجوز ~~هتك الستر وإظهار القبيح # وهذا ليس فيه تلبيس بل هو سد لطريق العلم بما لا فائدة في العلم به كالذي ~~يخفي عن السلطان أنه يشرب الخمر ولا يلقي إليه أنه ورع فإن قوله إني ورع ~~تلبيس وعدم إقراره بالشرب لا يوجب اعتقاد الورع بل يمنع العلم بالشرب # ومن جملة المحظورات تحسين الصلاة بين يديه ليحسن فيه اعتقاده فإن ذلك ~~رياء وهو ملبس إذ يخيل إليه أنه من المخلصين الخاشعين لله وهو مراء بما ~~يفعله فكيف يكون مخلصا فطلب الجاه بهذا الطريق حرام وكذا بكل معصية وذلك ~~يجري مجرى اكتساب المال الحرام من غير فرق وكما لا يجوز له أن يتملك مال ~~غيره بتلبيس في عوض أو غيره فلا يجوز له أن يتملك قلبه بتزوير وخداع فإن ~~ملك القلوب أعظم من ملك الأموال ### |||| بيان السبب في حب المدح والثناء وارتياح النفس به وميل الطبع إليه وبغضها للذم ونفرتها منه # اعلم أن لحب المدح والتذاذ القلب به أربعة أسباب # السبب الأول وهو الأقوى شعور النفس بالكمال فإنا بينا أن الكمال محبوب ~~وكل محبوب فإدراكه لذيذ # فمهما شعرت النفس بكمالها ارتاحت واعتزت وتلذذت والمدح يشعر نفس الممدوح ~~بكمالها فإن الوصف الذي به مدح لا يخلو إما أن يكون جليا ظاهرا أو ms1632 يكون ~~مشكوكا فيه فإن كان جليا ظاهرا محسوسا كانت اللذة به أقل ولكنه لا يخلو عن ~~لذة كثنائه عليه بأنه طويل القامة أبيض اللون فإن هذا نوع كمال ولكن النفس ~~تغفل عنه فتخلو عن لذته فإذا استشعرته لم يخل حدوث الشعور عن حدوث لذة وإن ~~كان ذلك الوصف مما يتطرق إليه الشك فاللذة فيه أعظم كالثناء عليه بكمال ~~العلم أو كمال الورع أو بالحسن المطلق فإن الإنسان ربما يكون شاكا في كمال ~~حسنه وفي كمال علمه وكمال ورعه ويكون مشتاقا إلى زوال هذا الشك بأن يصير ~~مستيقنا لكونه عديم النظير في هذه الأمور إذ تطمئن نفسه إليه فإذا ذكره ~~غيره أورث ذلك طمأنينة وثقة باستشعار ذلك الكمال فتعظم لذاته وإنما تعظم ~~اللذة بهذه العلة مهما صدر الثناء من بصير بهذه الصفات خبير بها لا يجازف ~~في القول إلا عن تحقيق ذلك كفرح التلميذ بثناء أستاذه عليه بالكياسة ~~والذكاء وغزارة الفضل فإنه في غاية اللذة وإن صدر ممن يجازف في الكلام أو ~~لا يكون بصيرا بذلك الوصف ضعفت اللذة وبهذه العلة يبغض الذم أيضا ويكرهه ~~لأنه يشعره بنقصان نفسه والنقصان ضد الكمال المحبوب فهو ممقوت الشعور به ~~مؤلم ولذلك يعظم الألم إذا صدر الذم من بصير موثوق به كما ذكرناه في المدح # السبب الثاني أن المدح يدل على أن قلب المادح مملوك للممدوح وأنه مريد له ~~ومعتقد فيه ومسخر تحت مشيئته وملك القلوب محبوب والشعور بحصوله لذيذ وبهذه ~~العلة تعظم اللذة مهما صدر الثناء ممن تتسع قدرته وينتفع باقتناص قلبه ~~كالملوك والأكابر ويضعف مهما كان المادح ممن لا يؤبه له ولا يقدر على شيء ~~فإن القدرة عليه بملك قلبه قدرة على أمر حقير فلا يدل المدح إلا على قدرة ~~قاصرة وبهذه العلة أيضا يكره الذم ويتألم به القلب وإذا كان من الأكابر ~~كانت نكايته أعظم لأن الفائت به أعظم # السبب الثالث أن ثناء المثني ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل من يسمعه لا ~~سيما إذا كان ذلك ممن يلتفت إلى قوله ms1633 ويعتد بثنائه وهذا مختص بثناء يقع على ~~الملأ فلا جرم كلما كان الجمع أكثر والمثني أجدر بأن يلتفت إلى PageV03P286 # قوله كان المدح ألذ والذم أشد على النفس # السبب الرابع أن المدح يدل على حشمة الممدوح واضطرار المادح إلى إطلاق ~~اللسان بالثناء على الممدوح إما عن طوع وإما عن قهر فإن الحشمة أيضا لذيذة ~~لما فيها من القهر والقدرة وهذه اللذة تحصل وإن كان المادح لا يعتقد في ~~الباطن ما مدح به ولكن كونه مضطرا إلى ذكره نوع قهر واستيلاء عليه فلا جرم ~~تكون لذته بقدر تمنع المادح وقوته فتكون لذة ثناء القوي الممتنع عن التواضع ~~بالثناء أشد # فهذه الأسباب الأربعة قد تجمع في مدح مادح واحد فيعظم بها الالتذاذ وقد ~~تفترق فتنقص اللذة بها # أما العلة الأولى وهي استشعار الكمال فتندفع بأن يعلم الممدوح أنه غير ~~صادق في قوله كما إذا مدح بأنه نسيب أو سخي أو عالم يعلم أو متورع عن ~~المحظورات وهو يعلم من نفسه ضد ذلك فتزول اللذة التي سببها استشعار الكمال ~~وتبقى لذة الاستيلاء على قلبه وعلى لسانه وبقية اللذات فإن كان يعلم أن ~~المادح ليس يعتقد ما يقوله ويعلم خلوه عن هذه الصفة بطلب اللذة الثانية وهو ~~استيلاؤه على قلبه وتبقى لذة الاستيلاء والحشمة على اضطرار لسانه إلى النطق ~~بالثناء فإن لم يكن ذلك عن خوف بل كان بطريق اللعب بطلب اللذات كلها فلم ~~يكن فيه أصلا لذة لفوات الأسباب الثلاثة فهذا ما يكشف الغطاء عن علة التذاذ ~~النفس بالمدح وتألمها بسبب الذم # وإنما ذكرنا ذلك ليعرف طريق العلاج لحب الجاه وحب المحمدة وخوف المذمة ~~فإن ما لا يعرف سببه لا يمكن معالجته إذ العلاج عبارة عن حل أسباب المرض # والله الموفق بكرمه ولطفه وصلى الله على كل عبد مصطفى ### |||| بيان علاج حب الجاه # اعلم أن من غلب على قلبه حب الجاه صار مقصور الهم على مراعاة الخلق ~~مشغوفا بالتودد إليهم والمراءات لأجلهم ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتا ~~إلى ما يعظم منزلته عندهم وذلك ms1634 بذر النفاق وأصل الفساد ويجر ذلك لا محالة ~~إلى التساهل في العبادات والمراءاة بها وإلى اقتحام المحظورات للتوصل إلى ~~اقتناص القلوب ولذلك شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الشرف والمال ~~وإفسادهما للدين بذئبين ضاريين وقال صلى الله عليه وسلم إنه ينبت النفاق ~~كما ينبت الماء البقل إذ النفاق هو مخالفة الظاهر للباطن بالقول أو الفعل ~~وكل من طلب المنزلة في قلوب الناس فيضطر إلى النفاق معهم وإلى التظاهر ~~بخصال حميدة هو خال عنها وذلك هو عين النفاق # فحب الجاه إذا من المهلكات فيجب علاجه وإزالته عن القلب فإن طبع جبل عليه ~~القلب كما جبل على حب المال وعلاجه مركب من علم وعمل # أما العلم فهو أن يعلم السبب الذي لأجله أحب الجاه وهو كمال القدرة على ~~أشخاص الناس وعلى قلوبهم وقد بينا أن ذلك إن صفا وسلم فآخره الموت فليس هو ~~من الباقيات الصالحات بل لو سجد لك كل من على بسيط الأرض من المشرق إلى ~~المغرب فإلى خمسين سنة لا يبقى الساجد ولا المسجود له ويكون حالك كحال من ~~مات قبلك من ذوي الجاه مع المتواضعين له # فهذا لا ينبغي أن يترك به الدين الذي هو الحياة الأبدية التي لا انقطاع ~~لها ومن فهم الكمال الحقيقي والكمال الوهمي كما سبق صغر الجاه في عينه إلا ~~أن ذلك إنما يصغر في عين من ينظر إلى الآخرة كأنه يشاهدها ويستحقر العاجلة ~~ويكون الموت كالحاصل عنده ويكون حاله كحال الحسن البصري حين كتب إلى عمر بن ~~عبد العزيز أما بعد فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات فانظر كيف مد نظره ~~نحو المستقبل وقدره كائنا # وكذلك حال عمر بن عبد العزيز حين كتب في جوابه أما بعد فكأنك بالدنيا لم ~~تكن PageV03P287 # وكأنك بالآخرة لم تزل فهؤلاء كان التفاتهم إلى العاقبة فكان عملهم لها ~~بالتقوى إذ علموا أن العاقبة للمتقين فاستحقروا الجاه والمال في الدنيا # وأبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة التي لا يمتد نورها إلى ~~مشاهدة العواقب ولذلك ms1635 قال تعالى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى ~~وقال عز وجل كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة فمن هذا حده فينبغي أن ~~يعالج قلبه من حب الجاه بالعلم بالآفات العاجلة وهو أن يتفكر في الأخطار ~~التي يستهدف لها أرباب الجاه في الدنيا فإن كل ذي جاه محسود ومقصود ~~بالإيذاء وخائف على الدوام على جاهه ومحترز من أن تتغير منزلته في القلوب ~~والقلوب أشد تغيرا من القدر في غليانها وهي مترددة بين الإقبال والإعراض ~~فكل ما يبنى على قلوب الخلق يضاهي ما يبنى على أمواج البحر فإنه لا ثبات له ~~والاشتغال بمراعاة القلوب وحفظ الجاه ودفع كيد الحساد ومنع أذى الأعداء كل ~~ذلك غموم عاجلة ومكدرة للذة الجاه فلا يفي في الدنيا مرجوها بمخوفها فضلا ~~عما يفوت في الآخرة فبهذا ينبغي أن تعالج البصيرة الضعيفة # وأما من نفذت بصيرته وقوي إيمانه فلا يلتفت إلى الدنيا فهذا هو العلاج من ~~حيث العلم # وأما من حيث العمل فإسقاط الجاه على قلوب الخلق بمباشرة أفعال يلام عليها ~~حتى يسقط من أعين الخلق وتفارقه لذة القبول ويأنس بالخمول ويرد الخلق ويقنع ~~بالقبول من الخالق # وهذا هو مذهب الملامتية إذ اقتحموا الفواحش في صورتها ليسقطوا أنفسهم من ~~أعين الناس فيسلموا من آفة الجاه وهذا غير جائز لمن يقتدى به فإنه يوهن ~~الدين في قلوب المسلمين وأما الذي لا يقتدى به فلا يجوز له أن يقدم على ~~محظور لأجل ذلك بل له أن يفعل من المباحات ما يسقط قدره عند الناس كما روي ~~أن بعض الملوك قصد بعض الزهاد فلما علم بقربه منه استدعى طعاما وبقلا وأخذ ~~يأكل بشره ويعظم اللقمة فلما نظر إليه الملك سقط من عينه وانصرف فقال ~~الزاهد الحمد لله الذي صرفك عني # ومنهم من شرب شرابا حلالا في قدح لونه لون الخمر حتى يظن به أنه يشرب ~~الخمر فيسقط من أعين الناس # وهذا في جوازه نظر من حيث الفقه إلا أن أرباب الأحوال ربما يعالجون ~~أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما ms1636 رأوا إصلاح قلوبهم فيه ثم يتداركون ما ~~فرط منهم فيه من صورة التقصير كما فعل بعضهم فإنه عرف بالزهد وأقبل الناس ~~عليه فدخل حماما ولبس ثياب غيره وخرج فوقف في الطريق حتى عرفوه فأخذوه ~~وضربوه واستردوا منه الثياب وقالوا إنه طرار وهجروه وأقوى الطرق في قطع ~~الجاه الاعتزال عن الناس والهجرة إلى موضع الخمول فإن المعتزل في بيته في ~~البلد الذي هو به مشهور لا يخلو عن حب المنزلة التي ترسخ له في القلوب بسبب ~~عزلته فإنه ربما يظن أنه ليس محبا لذلك الجاه وهو مغرور وإنما سكنت نفسه ~~لأنها قد ظفرت بمقصودها ولو تغير الناس عما اعتقدوه فيه فذموه أو نسبوه إلى ~~أمر غير لائق به جزعت نفسه وتألمت وربما توصلت إلى الاعتذار عن ذلك وإماطة ~~ذلك الغبار عن قلوبهم وربما يحتاج في إزالة ذلك عن قلوبهم إلى كذب وتلبيس ~~ولا يبالي به وبه ويتبين بعد أنه محب للجاه والمنزلة # ومن أحب الجاه والمنزلة فهو كمن أحب المال بل هو شر منه فإن فتنة الجاه ~~أعظم ولا يمكنه أن لا يحب المنزلة في قلوب الناس ما دام يطمع في الناس فإذا ~~أحرز قوته من كسبه أو من جهة أخرى وقطع طمعه عن الناس رأسا أصبح الناس كلهم ~~عنده كالأرذال فلا يبالي أكان له منزلة في قلوبهم أم لم يكن كما لا يبالي ~~بما في قلوب الذين هم منه في أقصى المشرق لأنه لا يراهم ولا يطمع فيهم ولا ~~يقطع الطمع عن الناس إلا بالقناعة فمن قنع استغنى عن الناس وإذا استغنى لم ~~يشتغل قلبه بالناس ولم يكن لقيام منزلته في القلوب عنده وزن ولا يتم ترك ~~الجاه إلا بالقناعة وقطع الطمع # ويستعين على جميع ذلك بالأخبار الواردة في ذم PageV03P288 # الجاه ومدح الخمول والذل مثل قولهم المؤمن لا يخلو من ذلة أو قلة أو علة # وينظر في أحوال السلف وإيثارهم للذل على العز ورغبتهم في ثواب الآخرة رضي ~~الله عنهم أجمعين ### |||| بيان وجه العلاج لحب المدح وكراهة الذم # اعلم أن ms1637 أكبر الناس إنما هلكوا بخوف مذمة الناس وحب مدحهم فصار حركاتهم ~~كلها موقوفة على ما يوافق رضا الناس رجاء للمدح وخوفا من الذم وذلك من ~~المهلكات فيجب معالجته وطريقه ملاحظة الأسباب التي لأجلها يحب المدح ويكره ~~الذم # أما السبب الأول فهو استشعار الكمال بسبب قول المادح فطريقك فيه أن ترجع ~~إلى عقلك وتقول لنفسك هذه الصفة التي يمدحك بها أنت متصف بها أم لا فإن كنت ~~متصفا بها فهي إما صفة تستحق بها المدح كالعلم والورع وإما صفة لا تستحق ~~المدح كالثروة والجاه والأعراض الدنيوية فإن كانت من الأعراض الدنيوية ~~فالفرح بها كالفرح بنبات الأرض الذي يصير على القرب هشيما تذروه الرياح ~~وهذا من قلة العقل بل العاقل يقول كما قال المتنبي # أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا # فلا ينبغي أن يفرح الإنسان بعروض الدنيا وإن فرح فلا ينبغي أن يفرح بمدح ~~المادح بها بوجودها والمدح ليس هو سبب وجودها # وإن كانت الصفة مما يستحق الفرح بها كالعلم والورع فينبغي أن لا يفرح بها ~~لأن الخاتمة غير معلومة وهذا إنما يقتضي الفرح لأنه يقرب عند الله زلفى ~~وخطر الخاتمة غير معلومة وهذا إنما يقتضى الفرح لأنه يقرب عند الله زلفى ~~وخطر الخاتمة باق ففي الخوف من سوء الخاتمة شغل عن الفرح بكل ما في الدنيا ~~بل الدنيا دار أحزان وغموم لا دار فرح وسرور ثم إن كنت تفرح بها على رجاء ~~حسن الخاتمة فينبغي أن يكون فرحك بفضل الله عليك بالعلم والتقوى لا بمدح ~~المادح فإن اللذة في استشعار الكمال والكمال موجود من فضل الله لا من المدح ~~والمدح تابع له فلا ينبغي أن تفرح بالمدح والمدح لا يزيدك فضلا وإن كانت ~~الصفة التي مدحت بها أنت خال عنها ففرحك بالمدح غاية الجنون ومثالك مثال من ~~يهزأ به إنسان ويقول سبحان الله ما أكثر العطر الذي في أحشائه وما أطيب ~~الروائح التي تفوح منه إذا قضى حاجته وهو يعلم ما تشتمل عليه أمعاؤه من ~~الأقذار والأنتان ثم ms1638 يفرح بذلك فكذلك إذا أثنوا عليك بالصلاح والورع ففرحت ~~به والله مطلع على خبائث باطنك وغوائل سريرتك وأقذار صفاتك كان ذلك من غاية ~~الجهل فإذا المادح إن صدق فليكن فرحك بصفتك التي هي من فضل الله عليك وإن ~~كذب فينبغي أن يغمك ذلك ولا تفرح به # وأما السبب الثاني وهو دلالة المدح على تسخير قلب المادح وكونه سببا ~~لتسخير قلب آخر فهذا يرجع إلى حب الجاه والمنزلة في القلوب وقد سبق وجه ~~معالجته وذلك بقطع الطمع عن الناس وطلب المنزلة عند الله وبأن تعلم أن طلبك ~~المنزلة في قلوب الناس وفرحك به يسقط منزلتك عند الله فكيف تفرح به # وأما السبب الثالث وهو الحشمة التي اضطرت المادح إلى المدح فهو أيضا يرجع ~~إلى قدرة عارضة لإثبات لها ولا تستحق الفرح بل ينبغي أن يغمك مدح المادح ~~وتكرهه وتغضب به كما نقل ذلك عن السلف لأن آفة المدح على الممدوح عظيمة كما ~~ذكرناه في كتاب آفات اللسان قال بعض السلف من فرح بمدح فقد مكن الشيطان من ~~أن يدخل في بطنه # وقال بعضهم إذا قيل لك نعم الرجل أنت فكان أحب إليك من أن يقال لك بئس ~~الرجل أنت فأنت والله بئس الرجل # وروي في بعض الأخبار فإن صح فهو قاصم للظهور PageV03P289 # أن رجلا أثنى على رجل خيرا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لو كان ~~صاحبك حاضرا فرضي الذي قلت فمات على ذلك دخل النار (1) {حديث} ويحك قطعت ~~ظهره الحديث قاله للمادح تقدم # وقال صلى الله عليه وسلم ألا لا تمادحوا وإذا رأيتم المادحين فاحثوا في ~~وجوههم التراب // حديث ألا لا تمادحوا وإذا رأيتم المداحين فاحثوا في ~~وجوههم التراب تقدم دون قوله ألا لا تمادحوا # فلهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على وجل عظيم من المدح وفتنته ~~وما يدخل على القلب من السرور العظيم به حتى إن بعض الخلفاء الراشدين سأل ~~رجلا عن شيء فقال أنت يا أمير المؤمنين خير مني وأعلم فغضب وقال إني لم ~~آمرك ms1639 بأن تزكيني وقيل لبعض الصحابة لا يزال الناس بخير ما أبقاك الله فغضب ~~وقال إني لأحسبك عراقيا # وقال بعضهم لما مدح اللهم إن عبدك تقرب إلي بمقتك فأشهدك على مقته # وإنما كرهوا المدح خيفة أن يفرحوا بمدح الخلق وهم ممقوتون عند الخالق ~~فكان اشتغال قلوبهم بحالهم عند الله تعالى يبغض إليهم مدح الخلق لأن ~~الممدوح هو المقرب عند الله والمذموم بالحقيقة هو المبعد من الله الملقى في ~~النار مع الأشرار فهذا الممدوح إن كان عند الله من أهل النار فما أعظم جهله ~~إذا فرح بمدح غيره وإن كان من أهل الجنة فلا ينبغي أن يفرح إلا بفضل الله ~~تعالى وثنائه عليه إذ ليس أمره بيد الخلق # ومهما علم أن الأرزاق والآجال بيد الله تعالى قل التفاته إلى مدح الخلق ~~وذمهم وسقط من قلبه حب المدح واشتغل بما يهمه من أمر دينه # والله الموفق للصواب برحمته ### |||| بيان علاج كراهة الذم # قد سبق أن العلة في كراهة الذم هو ضد العلة في حب المدح فعلاجه أيضا يفهم ~~منه # والقول الوجيز فيه أن من ذمك لا يخلو من ثلاثة أحوال # إما أن يكون قد صدق فيما قال وقصد به النصح والشفقة وإما أن يكون صادقا ~~ولكن قصده الإيذاء والتعنت وإما أن يكون كاذبا # فإن كان صادقا وقصده النصح فلا ينبغي أن تذمه وتغضب عليه وتحقد بسببه بل ~~ينبغي أن تتقلد منته فإن من أهدى إليك عيوبك فقد أرشدك إلى المهلك حتى ~~تتقيه فينبغي أن تفرح به وتشتغل بإزالة الصفة المذمومة عن نفسك إن قدرت ~~عليها فأما اغتمامك بسببه وكراهتك له وذمك إياه فإنه غاية الجهل وإن كان ~~قصده التعنت فأنت قد انتفعت بقوله إذ أرشدك إلى عيبك إن كنت جاهلا به ~~وأذكرك عيبك إن كنت غافلا عنه أو قبحه في عينك لينبعث حرصك على إزالته إن ~~كنت قد استحسنته # وكل ذلك أسباب سعادتك وقد استفدته منه فاشتغل بطلب السعادة فقد أتيح لك ~~أسبابها بسبب ما سمعته من المذمة # فمهما قصدت الدخول على ملك ms1640 وثوبك ملوث بالعذرة وأنت لا تدري ولو دخلت ~~عليه كذلك لخفت أن يحز رقبتك لتلويثك مجلسة بالعذرة فقال قائل أيها الملوث ~~بالعذرة طهر نفسك فينبغي أن تفرح به لأن تنبيهك بقوله غنيمة وجميع مساوي ~~الأخلاق مهلكة في الآخرة والإنسان إنما يعرفها من قول أعدائه فينبغي أن ~~يغتنمه # وأما قصد العدو التعنت فجناية منه على دين نفسه وهو نعمة منه عليك فلم ~~تغضب عليه بقول انتفعت به أنت وتضرر هو به PageV03P290 # الحالة الثالثة أن يفتري عليك بما أنت بريء منه عند الله تعالى فينبغي أن ~~لا تكره ذلك ولا تشتغل بذمه بل تتفكر في ثلاثة أمور # أحدها أنك إن خلوت من ذلك العيب فلا تخلو عن أمثاله وأشباهه وما ستره ~~الله من عيوبك أكثر فاشكر الله تعالى إذ لم يطلعه على عيوبك ودفعه عنك بذكر ~~ما أنت بريء عنه # والثاني أن ذلك كفارات لبقية مساويك وذنوبك فكأنه رماك بعيب أنت بريء منه ~~وطهرك من ذنوب أنت ملوث بها وكل من اغتابك فقد أهدى إليك حسناته وكل من ~~مدحك فقد قطع ظهرك # فما بالك تفرح بقطع الظهر وتحزن لهدايا الحسنات التي تقربك إلى الله ~~تعالى وأنت تزعم أنك تحب القرب من الله # وأما الثالث فهو أن المسكين قد جنى على دينه حتى سقط من عين الله وأهلك ~~نفسه بافترائه وتعرض لعقابه الأليم فلا ينبغي أن تغضب عليه مع غضب الله ~~عليه فتشمت به الشيطان وتقول اللهم أهلكه بل ينبغي أن تقول اللهم أصلحه ~~اللهم تب عليه اللهم ارحمه كما قال صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر لقومي ~~اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون // حديث اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ~~قاله لما ضربه قومه أخرجه البيهقي في دلائل النبوة وقد تقدم والحديث في ~~الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قاله حكاية عن نبي من الأنبياء حين ضربه ~~قومه # لما أن كسروا ثنيته وشجوا وجهه وقتلوا عمه حمزة يوم أحد # ودعا إبراهيم بن أدهم لمن شج رأسه بالمغفرة فقيل له في ذلك فقال ms1641 علمت أني ~~مأجور بسببه وما نالني منه إلا خير فلا أرضى أن يكون هو معاقبا بسببي # ومما يهون عليك كراهة المذمة قطع الطمع فإن من استغنيت عنه مهما ذمك لم ~~يعظم أثر ذلك في قلبه وأصل الدين القناعة وبها ينقطع الطمع عن المال والجاه ~~وما دام الطمع قائما كان حب الجاه والمدح في قلب من طمعت فيه غالبا وكانت ~~همتك إلى تحصيل المنزلة في قلبه مصروفة ولا ينال ذلك إلا بهدم الدين فلا ~~ينبغي أن يطمع طالب المال والجاه ومحب المدح ومبغض الذم في سلامة دينه فإن ~~ذلك بعيد جدا ### |||| بيان اختلاف أحوال الناس في المدح والذم # اعلم أن للناس أربعة أحوال بالإضافة إلى الذام والمادح # الحالة الأولى أن يفرح بالمدح ويشكر المادح ويغضب من الذم ويحقد على ~~الذام ويكافئه أو يحب مكافأته وهذا حال أكثر الخلق وهو غاية درجات المعصية ~~في هذا الباب # الحالة الثانية أن يمتعض في الباطن على الذام ولكن يمسك لسانه وجوارحه عن ~~مكافاته ويفرح باطنه ويرتاح للمادح ولكن يحفظ ظاهره عن إظهار السرور وهذا ~~من النقصان إلا أنه بالإضافة إلى ما قبله كمال # الحالة الثالثة وهي أول درجات الكمال أن يستوي عنده ذامه ومادحه فلا تغمه ~~المذمة ولا تسره استثقالا # وهذا قد يظنه بعض العباد بنفسه ويكون مغرورا إن لم يمتحن نفسه بعلاماته # وعلاماته أن لا يجد في نفسه استثقالا للذام عند تطويله الجلوس عنده أكثر ~~مما يجده في المادح وأن لا يجد في نفسه زيادة هزة ونشاط في قضاء حوائج ~~المادح فوق ما يجده في قضاء حاجة الذام وأن لا يكون انقطاع الذام عن مجلسه ~~أهون عليه من انقطاع المادح وأن لا يكون موت المادح المطري له أشد نكاية في ~~قلبه من موت الذام وأن لا يكون غمه بمصيبة المادح وما يناله من أعدائه أكثر ~~مما يكون بمصيبة الذام وأن لا تكون زلة المادح أخف على قلبه وفي عينه من ~~زلة الذام # فمهما خف الذام على قلبه كما خف المادح واستويا من كل وجه ms1642 فقد نال هذه ~~الرتبة وما أبعد ذلك وما أشده على القلوب وأكثر العباد فرحهم بمدح الناس ~~لهم مستبطن في قلوبهم وهم لا يشعرون حيث لا يمتحنون PageV03P291 # أنفسهم بهذه العلامات وربما شعر العابد بميل قلبه إلى المادح دون الذام ~~والشيطان يحسن له ذلك ويقول الذام قد عصى الله بمذمتك والمادح قد أطاع الله ~~بمدحك فكيف تسوي بينهما وإنما استثقالك للذام من الدين المحض # وهنا محض التلبيس فإن العابد لو تفكر علم أن في الناس من ارتكب كبائر ~~المعاصي أكثر مما ارتكب الذام في مذمته ثم إنه لا يستثقلهم ولا ينفر عنهم ~~ويعلم أن المادح الذي مدح لا يخلو عن مذمة غيره # ولا يجد في نفسه نفرة عنه بمذمة غيره كما يجد لمذمة نفسه والمذمة من حيث ~~إنها معصية لا تختلف بأن يكون هو المذموم أو غيره # فإذا العابد المغرور لنفسه يغضب ولهواه يمتعض ثم إن الشيطان يخيل إليه ~~أنه من الدين حتى يعتل على الله بهواه فيزيده ذلك بعدا من الله ومن لم يطلع ~~على مكايد الشيطان وآفات النفوس فأكثر عباداته تعب ضائع يفوت عليه الدنيا ~~ويخسره في الآخرة وفيهم قال الله تعالى قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا # الحالة الرابعة وهي الصدق في العبادة أن يكره المدح ويمقت المادح إذا ~~يعلم أنه فتنة عليه قاصمة للظهر مضرة له في الدين ويحب الذام إذ يعلم أنه ~~مهد إليه عيبه ومرشد له إلى مهمه ومهد إليه حسناته فقد قال صلى الله عليه ~~وسلم رأس التواضع أن تكره أن تذكر بالبر والتقوى (1) حديث ويل للصائم وويل ~~للقائم وويل لصاحب الصوف الحديث لم أجده هكذا وذكر صاحب الفردوس من حديث ~~أنس ويل لمن لبس الصوف فخالف فعله قوله ولم يخرجه ولد في مسنده # وهذا شديد جدا وغاية أمثالنا الطمع في الحالة الثانية وهو أن يضمر الفرح ~~والكراهة على الذام والمادح ولا يظهر ذلك بالقول والعمل فأما الحالة ~~الثالثة وهي التسوية بين المادح والذام فلسنا ms1643 نطمع فيها # ثم إن طالبنا أنفسنا بعلامة الحالة الثانية فإنها لا تفي بها لأنه لا بد ~~وأن تتسارع إلى إكرام المادح وقضاء حاجاته وتتثاقل على إكرام الذام والثناء ~~عليه وقضاء حوائجه ولا نقدر على أن نسوي بينهما في الفعل الظاهر كما لا ~~نقدر عليه في سريرة القلب ومن قدر على التسوية بين المادح والذام في ظاهر ~~الفعل فهو جدير بأن يتخذ قدوة في هذا الزمان إن وجد فإنه الكبريت الأحمر ~~يتحدث الناس به ولا يرى فكيف بما بعده من المرتبتين وكل واحدة من هذه الرتب ~~أيضا فيها درجات # أما الدرجات في المدح فهو أن من الناس من يتمنى المدحة والثناء وانتشار ~~الصيت فيتوصل إلى نيل ذلك بكل ما يمكن حتى يرائي بالعبادات ولا يبالي ~~بمقارفة المحظورات لاستمالة قلوب الناس واستنطاق ألسنتهم بالمدح وهذا من ~~الهالكين # ومنهم من يريد ذلك ويطلبه بالمباحات ولا يطلبه بالعبادات ولا يباشر ~~المحظورات وهذا على شرف جرف هار فإن حدود الكلام الذي يستميل به القلوب ~~وحدود الأعمال لا يمكنه أن يضبطها فيوشك أن يقع فيما لا يحل لنيل الحمد فهو ~~قريب من الهالكين جدا # ومنهم من لا يريد المدحة ولا يسعى لطلبها ولكن إذا مدح سبق السرور إلى ~~قلبه فإذا لم يقابل ذلك بالمجاهدة ولم يتكلف الكراهية فهو قريب من أن ~~يستجره فرط السرور إلى الرتبة التي قبلها وإن جاهد نفسه في ذلك وكلف قلبه ~~الكراهية وبغض السرور إليه بالتفكر في آفات المدح فهو في خطر المجاهدة ~~فتارة تكون اليد له وتارة تكون عليه # ومنهم من إذا سمع المدح لم يسر به ولم يغنم به ولم يؤثر فيه وهذا على خير ~~وإن كان قد بقي عليه بقية من الإخلاص # ومنهم من يكره المدح إذا سمعه ولكن PageV03P292 # لا ينتهي به إلى أن يغضب على المادح وينكر عليه وأقصى درجاته أن يكره ~~ويغضب ويظهر الغضب وهو صادق فيه لا أن يظهر الغضب وقلبه محب له فإن ذلك عين ~~النفاق لأنه يريد أن يظهر من نفسه الإخلاص والصدق وهو ms1644 مفلس عنه وكذلك بالضد ~~من هذا تتفاوت الأحوال في حق الذام وأول درجاته إظهار الغضب وآخرها إظهار ~~الفرح ولا يكون الفرح وإظهاره إلا ممن في قلبه حنق وحقد على نفسه لتمردها ~~عليه وكثرة عيوبها ومواعيدها الكاذبة وتلبيساتها الخبيثة فيبغضها بغض العدو ~~والإنسان يفرح ممن يذم عدوه وهذا شخص عدوه نفسه فيفرح إذا سمع ذمها ويشكر ~~الذام على ذلك ويعتقد فطنته وذكاءه لما وقف على عيوبها فيكون ذلك كالتشفي ~~له من نفسه ويكون غنيمة عنده إذ صار بالمذمة أوضع في أعين الناس حتى لا ~~يبتلي بفتنة الناس وإذا سيقت إليه حسنات لم ينصب فيها فعساه يكون خيرا ~~لعيوبه التي هو عاجز عن إماطتها ولو جاهد المريد نفسه طول عمره في هذه ~~الخصلة الواحدة وهو أن يستوي عنده ذامه ومادحه لكان له شغل شاغل فيه لا ~~يتفرغ معه لغيره وبينه وبين السعادة عقبات كثيرة هذه إحداها ولا يقطع شيئا ~~منها إلا بالمجاهدة الشديدة في العمر الطويل ### ||| الشطر الثاني من الكتاب في طلب الجاه والمنزلة بالعبادات # وهو الرياء وفيه بيان ذم الرياء # وبيان حقيقة الرياء وما يرائى وبيان درجات الرياء وبيان الرياء الخفي ~~وبيان ما يحبط العمل من الرياء وما لا يحبط وبيان دواء الرياء وعلاجه وبيان ~~الرخصة في إظهار الطاعات وبيان الرخصة في كتمان الذنوب وبيان ترك الطاعات ~~خوفا من الرياء والآفات وبيان ما يصح من نشاط العبد للعبادات بسبب رؤية ~~الخلق وبيان ما يجب على المريد أن يلزمه قلبه قبل الطاعة وبعدها # وهي عشرة فصول وبالله التوفيق ### |||| بيان ذم الرياء # اعلم أن الرياء حرام والمرائي عند الله ممقوت وقد شهدت لذلك الآيات ~~والأخبار والآثار # أما الآيات فقوله تعالى فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم ~~يراءون وقوله عز وجل والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو ~~يبور قال مجاهد هم أهل الرياء # وقال تعالى إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا فمدح ~~المخلصين ينفي كل إرادة سوى وجه الله والرياء ضده وقال تعالى فمن ms1645 كان يرجو ~~لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا // حديث نزول قوله ~~تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه الآية فيمن يطلب الآخرة بعباداته وأعماله # أخرجه الحاكم من حديث طاوس قال رجل إني أقف الموقف أبتغي وجه الله وأحب ~~أن يرى موطني فلم يرد عليه حتى نزلت هذه الآية # هكذا في نسختي من المستدرك ولعله سقط منه ابن عباس أو أبو هريرة وللبزار ~~من حديث معاذ بسند ضعيف من صام رياء فقد أشرك الحديث وفيه أنه صلى الله ~~عليه وسلم تلا هذه الآية # نزل بعد ذلك فيمن يطلب الأجر والحمد بعباداته وأعماله # وأما الأخبار فقد قال صلى الله عليه وسلم حين سأله رجل فقال يا رسول الله ~~فيم النجاة فقال أن لا يعمل العبد بطاعة الله يريد بها الناس وقال أبو ~~هريرة في حديث الثلاثة المقتول في سبيل الله والمتصدق بماله والقارئ لكتاب ~~الله كما أوردناه في كتاب الإخلاص وإن الله عز وجل يقول لكل واحد منهم كذبت ~~بل أردت أن يقال فلان جواد كذبت بل أردت أن يقال فلان شجاع كذبت بل أردت أن ~~يقال فلان قارئ فأخبر صلى الله عليه وسلم PageV03P293 # أنهم لم يثابوا وأن رياءهم هو الذي أحبط أعمالهم (1) حديث ابن عمر من ~~راءى راءى الله تعالى به ومن سمع سمع الله به متفق عليه من حديث جندب بن ~~عبد الله وأما حديث ابن عمر فرواه الطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب من ~~رواية شيخ يكنى أبا يزيد عنه بلفظ من سمع الناس سمع الله به سامع خلقه ~~وحقره وصغره وفي الزهد لابن المبارك ومسند أحمد بن منيع إنه من حديث عبد ~~الله بن عمرو # وفي حديث آخر طويل إن الله تعالى يقول لملائكته إن هذا لم يردني بعمله ~~فاجعلوه في سجين (2) حديث إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الحديث أخرجه ~~أحمد والبيهقي في الشعب من حديث محمود بن لبيد وله رواية ورجاله ثقات ورواه ~~الطبراني من رواية محمود بن لبيد عن رافع بن ms1646 خديج # وقال صلى الله عليه وسلم استعيذوا بالله عز وجل من جب الحزن قيل وما هو ~~يا رسول الله قال واد في جهنم أعد للقراء المرائين (3) حديث يقول الله من ~~عمل لي عملا أشرك فيه غيري فهو له كله الحديث أخرجه مالك واللفظ له من حديث ~~أبي هريرة دون قوله وأنا منه بريء ومسلم مع تقديم وتأخير دونها أيضا وهي ~~عند ابن ماجه بسند صحيح # وقال عيسى المسيح صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه ~~ولحيته ويمسح شفتيه لئلا يرى الناس أنه صائم وإذا أعطى بيمينه فليخف عن ~~شماله وإذا صلى فليرخ ستر بابه فإن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق وقال ~~نبينا صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله عز وجل عملا فيه مثقال ذرة من رياء ~~(4) حديث معاذ إن أدنى الرياء شرك أخرجه الطبراني هكذا والحاكم بلفظ إن ~~اليسير من الرياء شرك وقد تقدم # وقال صلى الله عليه وسلم أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهرة الخفية (5) ~~حديث إن في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله رجلا تصدق بيمينه فكاد أن يخفيها عن ~~شماله متفق عليه من حديث أبي هريرة بنحوه في حديث سبعة يظلهم الله في ظله # ولذلك ورد إن فضل عمل السر على عمل الجهر بسبعين ضعفا (6) حديث إن ~~المرائي ينادى يوم القيامة يا فاجر يا غادر يا مرائي ضل عملك وحبط أجرك ~~الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا من رواية جبلة اليحصبي من صحابي لم يسم وزاد ~~يا كافر يا خاسر ولم يقل يا مرائي (7) # وقال شداد بن أوس رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يبكي فقلت ما يبكيك يا ~~رسول الله PageV03P294 # قال إني تخوفت على أمتي الشرك أما إنهم لا يعبدون صنما ولا شمسا ولا قمرا ~~ولا حجرا ولكنهم يراءون بأعمالهم (1) # وقال صلى الله عليه وسلم لما خلق الله الأرض مادت بأهلها فخلق الجبال ~~فصيرها أوتادا للأرض فقالت الملائكة ما خلق ربنا خلقا هو أشد من الجبال ~~فخلق الله الحديد فقطع ms1647 الجبال ثم خلق النار فأذابت الحديد ثم أمر الله ~~الماء بإطفاء النار وأمر الريح فكدرت الماء فاختلفت الملائكة فقالت نسأل ~~الله تعالى قالوا يا رب ما أشد ما خلقت من خلقك قال الله تعالى لم أخلق ~~خلقا هو أشد على من قلب ابن آدم حين يتصدق بصدقة بيمينه فيخفيها عن شماله ~~فهذا أشد خلقا خلقه (2) # وروى عبد الله بن المبارك بإسناده عن رجل أنه قال لمعاذ بن جبل حدثني ~~حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فبكى معاذ حتى ظننت أنه ~~لا يسكت ثم سكت ثم قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال لي يا معاذ قلت ~~لبيك بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال إني محدثك حديثا إن أنت حفظته نفعك ~~وإن أنت ضيعته ولم تحفظه انقطعت حجتك عند الله يوم القيامة يا معاذ أن الله ~~تعالى خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السموات والأرض ثم خلق السموات فجعل لكل ~~سماء من السبعة ملكا بوابا عليها قد جللها عظما فتصعد الحفظة بعمل العبد من ~~حين أصبح إلى حين أمسى له نور كنور الشمس حتى إذا صعدت به إلى السماء ~~الدنيا زكته فكثرته فيقول الملك للحفظة اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه أنا ~~صاحب الغيبة أمرني ربي أن لا أدع عمل من اغتاب الناس يجاوزني إلى غيري ~~{قال} ثم تأتي الحفظة بعمل صالح من أعمال العبد فتمر به فتزكيه وتكثره حتى ~~تبلغ به إلى السماء الثانية فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضروا بهذا ~~العمل وجه صاحبه إنه أراد بعمله هذا عرض الدنيا أمرني ربي أن لا أدع عمله ~~يجاوزني إلى غيري إنه كان يفتخر به على الناس في مجالسهم {قال} وتصعد ~~الحفظة يعلم يبتهج نورا من صدقة وصيام وصلاة قد أعجب الحفظة فيجاوزون به ~~إلى السماء الثالثة فيقول لهم الملك الموكل بها فقوا واضربوا بها العمل وجه ~~صاحبه أنا ملك الكبر أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري إنه كان ~~يتكبر على الناس في ms1648 مجالسهم {قال} وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهر كما يزهر ~~الكوكب الدري له دوى من تسبيح وصلاة وحج وعمرة حتى يجاوزوا به السماء ~~الرابعة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه ~~اضربوا به ظهره وبطنه أنا صاحب العجب أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى ~~غيري إنه كان إذا عمل عملا أدخل العجب في عمله {قال} وتصعد الحفظة بعمل ~~العبد حتى يجاوزوا به السماء الخامسة كأنه العروس المزفوفة إلى أهلها فيقول ~~لهم الملك الموكل بها قفوا واضروا بهذا العمل وجه صاحبه واحملوه على عاتقه ~~أنا ملك الحسد إنه كان يحسد الناس من يتعلم ويعمل بمثل عمله وكل من كان ~~يأخذ فضلا من العبادة يحسدهم ويقع فيهم أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني ~~إلى غيري {قال} وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وزكاة وحج وعمرة وصيام ~~فيجاوزون بها إلى السماء السادسة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا ~~بهذا العمل وجه صاحبه إنه كان لا يرحم إنسانا قط من عباد الله أصابه بلاء ~~أو ضر أضر به بل كان يشمت به أنا ملك الرحمة أمرني ربي أن لا أدع عمله ~~يجاوزني إلى غيري {قال} وتصعد الحفظة بعمل العبد إلى السماء السابعة من صوم ~~وصلاة ونفقة وزكاة واجتهاد وورع له دوي كدوي الرعد وضوء كضوء الشمس معه ~~ثلاثة آلاف ملك فيجاوزون به إلى السماء السابعة فيقول لهم الملك الموكل بها ~~قفوا واضربوا بهذا العمل PageV03P295 # وجه صاحبه اضربوا به جوارحه اقفلوا به على قلبه إني أحجب عن ربي كل عمل ~~لم يرد به وجه ربي إنه أراد بعمله غير الله تعالى إنه أراد رفعة عند ~~الفقهاء وذكرا عند العلماء وصيتا في المدائن أمرني ربي أن لا أدع عمله ~~يجاوزني إلى غيري وكل عمل لم يكن لله خالصا فهو رياء ولا يقبل الله عمل ~~المرائي {قال} وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وزكاة وصيام وحج وعمرة وخلق ~~حسن وصمت وذكر لله تعالى وتشيعه ملائكة السموات حتى يقطعوا به الحجب ms1649 كلها ~~إلى الله عز وجل فيقفون بين يديه ويشهدون له بالعمل الصالح المخلص لله ~~{قال} فيقول الله لهم أنتم الحفظة على عمل عبدي وأنا الرقيب على نفسه إنه ~~لم يردني بهذا العمل وأراد به غيري فعليه لعنتي فتقول الملائكة كلهم عليه ~~لعنتك ولعنتنا وتقول السموات كلها عليه لعنة الله ولغتنا وتلعنه السموات ~~السبع والأرض ومن فيهن قال معاذ قلت يا رسول الله أنت رسول الله وأنا معاذ ~~قال اقتد بي وإن كان في عملك نقص يا معاذ حافظ على لسانك من الوقيعة في ~~إخوانك من حملة القرآن واحمل ذنوبك عليك ولا تحملها عليهم ولا تزك نفسك ~~بذمهم ولا ترفع نفسك عليهم ولا تدخل عمل الدنيا في عمل الآخرة ولا تتكبر في ~~مجلسك لكي يحذر الناس من سوء خلقك ولا تناج رجلا وعندك آخر ولا تتعظم على ~~الناس فينقطع عنك خير الدنيا ولا تمزق الناس فتمزقك كلاب النار يوم القيامة ~~في النار قال الله تعالى {والناشطات نشطا} أتدري من هن يا معاذ قلت ما هن ~~بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال كلاب في النار تنشط اللحم والعظم قلت بأبي ~~أنت وأمي يا رسول الله فمن يطيق هذه الخصال ومن ينجو منها قال يا معاذ إنه ~~ليسير على من يسره الله عليه // حديث معاذ الطويل أن الله تعالى خلق سبعة ~~أملاك قبل أن يخلق السموات والأرض فجعل لكل سماء من السبعة ملكا بوابا ~~عليها الحديث بطوله في صعود الحفظة بعمل العبد ورد الملائكة له من كل سماء ~~ورد الله تعالى له بعد ذلك عزاء المصنف إلى رواية عبد الله بن المبارك ~~بإسناده عن رجل عن معاذ وهو كما قال رواه في الزهد وفي إسناده كما ذكر من ~~لم يسم ورواه ابن الجوزي في الموضوعات # قال فما رأيت أكثر تلاوة للقرآن من معاذ للحذر مما في هذا الحديث # وأما الآثار فيروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلا يطأطئ رقبته ~~فقال يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب ms1650 إنما الخشوع في ~~القلوب ورأى أبو أمامة الباهلي رجلا في المسجد يبكي في سجوده فقال أنت أنت ~~لو كان هذا في بيتك # وقال علي كرم الله وجهه للمرائي ثلاث علامات يكسل إذا كان وحده وينشط إذا ~~كان في الناس ويزيد في العمل إذا أثني علي صلى الله عليه وسلم ه وينقص إذا ~~ذم # وقال رجل لعبادة بن الصامت أقاتل بسيفي في سبيل الله أريد به وجه الله ~~تعالى ومحمدة الناس قال لا شيء لك فسأله ثلاث مرات كل ذلك يقول لا شيء لك ~~ثم قال في الثالثة إن الله يقول أنا أغنى الأغنياء عن الشرك الحديث وسأل ~~رجل سعيد بن المسيب فقال إن أحدنا يصطنع المعروف يحب أن يحمد ويؤجر فقال له ~~أتحب أن تمقت قال لا قال فإذا عملت لله عملا فأخلصه # وقال الضحاك # لا يقولن أحدكم هذا لوجه الله ولوجهك ولا يقولن هذا لله وللرحم فإن الله ~~تعالى لا شريك له # وضرب عمر رجلا بالدرة ثم قال له اقتص مني فقال لا بل أدعها لله ولك # فقال له عمر ما صنعت شيئا إما أن تدعها لي فأعرف ذلك أو تدعها لله وحده ~~فقال ودعتها لله وحده فقال فنعم إذن # وقال الحسن لقد صحبت أقواما إن كان أحدهم لتعرض له الحكمة لو نطق بها ~~لنفعته ونفعت أصحابه وما يمنعه منها إلا مخافة الشهرة وإن كان أحدهم ليمر ~~فيرى الأذى في الطريق فما يمنعه أن ينحيه إلا مخافة الشهرة ويقال إن ~~المرائي ينادى يوم القيامة بأربعة أسماء يا مرائي يا غادر يا خاسر يا فاجر ~~اذهب فخذ أجرك ممن عملت له فلا أجر لك عندنا # وقال الفضيل بن عياض كانوا يراءون بما يعملون وصاروا اليوم يراءون PageV03P296 # بما لا يعملون # وقال عكرمة إن الله يعطي العبد على نيته ما لا يعطيه على عمله لأن النية ~~لا رياء فيها # وقال الحسن رضي الله عنه المرائي يريد أن يغلب قدر الله تعالى وهو رجل ~~سوء يريد أن يقول الناس هو رجل صالح وكيف ms1651 يقولون وقد حل من ربه محل ~~الأردياء فلا بد لقلوب المؤمنين أن تعرفه # وقال قتادة إذا راءى العبد يقول الله تعالى انظروا إلى عبدي يستهزئ بي # وقال مالك بن دينار الفراء ثلاثة قراء الرحمن وقراء الدنيا وقراء الملوك ~~وأن محمد بن واسع من قراء الرحمن # وقال الفضل من أراد أن ينظر إلى مراء فلينظر إلي # وقال محمد بن المبارك الصوري أظهر السمت بالليل فإنه أشرف من سمتك ~~بالنهار لأن السمت بالنهار للمخلوقين وسمت الليل لرب العالمين # وقال أبو سليمان التوقي عن العمل أشد من العمل # وقال ابن المبارك إن كان الرجل ليطوف بالبيت وهو بخراسان فقيل له وكيف ~~ذاك قال يحب أن لا يذكر أنه مجاور بمكة # وقال إبراهيم بن أدهم ما صدق الله من أراد أن يشتهر ### |||| بيان حقيقة الرياء وما يراءى به # اعلم أن الرياء مشتق من الرؤية والسمعة مشتقة من السماع وإنما الرياء ~~أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم خصال الخير إلا أن الجاه والمنزلة ~~تطلب في القلب بأعمال سوى العبادات وتطلب بالعبادات # واسم الرياء مخصوص بحكم العادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادة وإظهارها ~~فحد الرياء هو إرادة العباد بطاعة الله فالمرائي هو العابد والمراءى هو ~~الناس المطلوب رؤيتهم بطلب المنزلة في قلوبهم والمراءى به هو الخصال التي ~~قصد المرائي إظهارها والرياء هو قصده إظهار ذلك والمراءى به كثير وتجمعه ~~خمسة أقسام وهي مجامع ما يتزين به العبد للناس وهو البدن والزي والقول ~~والعمل والأتباع والأشياء الخارجة # وكذلك أهل الدنيا يراءون بهذه الأسباب الخمسة إلا أن طلب الجاه وقصد ~~الرياء بأعمال ليست من جملة الطاعات أهون من الرياء بالطاعات # القسم الأول الرياء في الدين بالبدن وذلك بإظهار النحول والصفار ليوهم ~~بذلك شدة الاجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين وغلبة خوف الآخرة وليدل ~~بالنحول على قلة الأكل وبالصفار على سهر الليل وكثرة الاجتهاد وعظم الحزن ~~على الدين وكذلك يرائي بتشعيث الشعر ليدل به على استغراق الهم بالدين وعدم ~~التفرغ لتسريح الشعر # وهذه الأسباب مهما ظهرت استدل الناس ms1652 بها على هذه الأمور فارتاحت النفس ~~لمعرفتهم فلذلك تدعوه النفس إلى إظهارها لنيل تلك الراحة # ويقرب من هذا خفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين ليستدل بذلك على ~~أنه مواظب على الصوم وأن وقار الشرع هو الذي خفض من صوته أو ضعف الجوع هو ~~الذي ضعف من قوته # وعن هذا قال المسيح عليه السلام إذا صام أحدكم فليدهن رأسه ويرجل شعره ~~ويكحل عينيه # وكذلك روي عن أبي هريرة وذلك كله لما يخاف عليه من نزغ الشيطان بالرياء ~~ولذلك قال ابن مسعود أصبحوا صياما مدهنين # فهذه مراءاة أهل الدين بالبدن # فأما أهل الدنيا فيراءون بإظهار السمن وصفاء اللون واعتدال القامة وحسن ~~الوجه ونظافة البدن وقوة الأعضاء وتناسبها # الثاني الرياء بالهيئة والزي أما الهيئة فبتشعيث شعر الرأس وحلق الشارب ~~وإطراق الرأس في المشي والهدوء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه وغلظ ~~الثياب ولبس الصوف وتشميرها إلى قريب من الساق وتقصير الأكمام وترك تنظيف ~~الثوب وتركه مخرقا كل ذلك يرائي به ليظهر من نفسه أنه متبع للسنة فيه ومقتد ~~فيه بعباد الله PageV03P297 # الصالحين ومن ذلك لبس المرقعة والصلاة على السجادة ولبس الثياب الزرق ~~تشبها بالصوفية مع الإفلاس من حقائق التصوف في الباطن # ومنه التقنع بالإزار فوق العمامة وإسبال الرداء على العينين ليرى به أنه ~~قد انتهى تقشفه إلى الحذر من غبار الطريق ولتنصرف إليه الأعين بسبب تميزه ~~بتلك العلامة # ومنه الدراعة والطيلسان يلبسه من هو خال عن العلم ليوهم أنه من أهل العلم # والمراءون بالزي على طبقات فمنهم من يطلب المنزلة عند أهل الصلاح بإظهار ~~الزهد فيلبس الثياب المخرقة الوسخة القصيرة الغليظة ليرائي بغلظها ووسخها ~~وقصرها وتخرقها أنه غير مكترث بالدنيا ولو كلف أن يلبس ثوبا وسطا نظيفا مما ~~كان السلف يلبسه لكان عنده بمنزلة الذبح وذلك لخوفه أن يقول الناس قد بدا ~~له من الزهد ورجع عن تلك الطريقة ورغب في الدنيا # وطبقة أخرى يطلبون القبول عند أهل الصلاح وعند أهل الدنيا من الملوك ~~والوزراء والتجار ولو لبسوا الثياب الفاخرة ردهم القراء ms1653 ولو لبسوا الثياب ~~المخرقة البذلة ازدرتهم أعين الملوك والأغنياء فهم يريدون الجمع بين قبول ~~أهل الدين والدنيا فلذلك يطلبون الأصواف الدقيقة والأكسية الرقيقة ~~والمرقعات المصبوغة والفوط الرفيعة فيلبسونها ولعل قيمة ثوب أحد الأغنياء ~~ولونه وهيأته لون ثياب الصلحاء فيلتمسون القبول عند الفريقين وهؤلاء إن ~~كلفوا لبس ثوب خشن أو وسخ لكان عندهم كالذبح خوفا من السقوط من أعين الملوك ~~والأغنياء ولو كلفوا لبس الديبقى والكتان الدقيق الأبيض والمقصب المعلم وإن ~~كانت قيمته دون قيمة ثيابهم لعظم ذلك عليهم خوفا من أن يقول أهل الصلاح قد ~~رغبوا في زي أهل الدنيا # وكل طبقة منهم رأى منزلته في زي مخصوص فيثقل عليه الانتقال إلى ما دونه ~~أو إلى ما فوقه وإن كان مباحا خيفة من المذمة # وأما أهل الدنيا فمراءاتهم بالثياب النفيسة والمراكب الرفيعة وأنواع ~~التوسع والتجمل في الملبس والمسكن وأثاث البيت وفره الخيول وبالثياب ~~المصبغة والطيالسة النفيسة وذلك ظاهر بين الناس فإنهم يلبسون في بيوتهم ~~الثياب الخشنة ويشتد عليهم لو برزوا للناس على تلك الهيئة ما لم يبالغوا في ~~الزينة # الثالث الرياء بالقول ورياء أهل الدين بالوعظ والتذكير والنطق بالحكمة ~~وحفظ الأخبار والآثار لأجل الاستعمال في المحاورة وإظهارا لغزارة العلم ~~ودلالة على شدة العناية بأحوال السلف الصالحين وتحريك الشفتين بالذكر في ~~محضر الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق وإظهار الغضب ~~للمنكرات وإظهار الأسف على مقارفة الناس للمعاصي وتضعيف الصوت في الكلام ~~وترقيق الصوت بقراءة القرآن ليدل بذلك على الخوف والحزن وادعاء حفظ الحديث ~~ولقاء الشيوخ والدق على من يروي الحديث ببيان خلل في لفظه ليعرف أنه بصير ~~بالأحاديث والمبادرة إلى أن الحديث صحيح أو غير صحيح لإظهار الفضل فيه ~~والمجادلة على قصد إفحام الخصم ليظهر للناس قوته علم الدين # والرياء بالقول كثير وأنواعه لا تنحصر # وأما أهل الدنيا فمراءاتهم بالقول بحفظ الأشعار والأمثال والتفاصح في ~~العبارات وحفظ النحو الغريب للأغراب على أهل الفضل وإظهار التودد إلى الناس ~~لاستمالة القلوب # الرابع الرياء بالعمل كمراءاة المصلي بطول القيام ومد الظهر وطول ms1654 السجود ~~والركوع وإطراق الرأس وترك الالتفات وإظهار الهدوء والسكون وتسوية القدمين ~~واليدين وكذلك بالصوم والغزو والحج وبالصدقة وبإطعام الطعام وبالإخبات في ~~المشي عند اللقاء كإرخاء الجفون وتنكيس الرأس والوقار في الكلام حتى إن ~~المرائي قد يسرع في المشي إلى حاجته فإذا اطلع عليه أحد من أهل الدين رجع ~~إلى الوقار وإطراق الرأس خوفا من PageV03P298 # أن ينسبه إلى العجلة وقلة الوقار فإن غاب الرجل عاد إلى عجلته فإذا رآه ~~عاد إلى خشوعه ولم يحضره ذكر الله حتى يكون يجدد الخشوع له بل هو لإطلاع ~~إنسان عليه يخشى أن لا يعتقد فيه أنه من العباد والصلحاء ومنهم من إذا سمع ~~هذا استحيا من أن تخالف مشيته في الخلوة مشيته بمرأى من الناس فيكلف نفسه ~~المشية الحسنة في الخلوة حتى إذا رآه الناس لم يفتقر إلى التغيير ويظن أنه ~~يتخلص به عن الرياء وقد تضاعف به رياؤه فإنه صار في خلوته أيضا مرائيا فإنه ~~إنما يحسن مشيته في الخلوة ليكون كذلك في الملأ لا لخوف من الله وحياء منه # وأما أهل الدنيا فمراءاتهم بالتبختر والاختيال وتحريك اليدين وتقريب ~~الخطا والأخذ بأطراف الذيل وإرادة العطفين ليدلوا بذلك على الجاه والحشمة # الخامس المراءاة بالأصحاب والزائرين والمخالطين كالذي يتكلف أن يستزير ~~عالما من العلماء ليقال إن فلانا قد زار فلانا أو عابدا من العباد ليقال إن ~~أهل الدين يتبركون بزيارته ويترددون إليه أو ملكا من الملوك أو عاملا من ~~عمال السلطان ليقال إنهم يتبركون به لعظم رتبته في الدين # وكالذي يكثر ذكر الشيوخ ليرى أنه لقي شيوخا كثيرة واستفاد منهم فيباهي ~~بشيوخه ومباهاته ومراءاته تشرشح منه عند مخاصمته فيقول لغيره من لقيت من ~~الشيوخ وأنا قد لقيت فلانا وفلانا ودرت البلاد وخدمت الشيوخ وما يجري مجراه ~~فهذه مجامع ما يرائي به المراءون وكلهم يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في قلوب ~~العباد # ومنهم من يقنع بحسن الاعتقادات فيه فكم من راهب انزوى إلى ديره سنين ~~كثيرة وكم من عابد اعتزل إلى قلة جبل مدة مديدة وإنما خبأته من ms1655 حيث علمه ~~بقيام جاهه في قلوب الخلق ولو عرف أنهم نسبوه إلى جريمة في ديره أو صومعته ~~لتشوش قلبه ولم يقنع بعلم الله ببراءة ساحته بل يشتد لذلك غمه ويسعى بكل ~~حيلة في إزالة ذلك من قلوبهم مع أنه قد قطع طمعه من أموالهم ولكنه يحب مجرد ~~الجاه فإنه لذيذ كما ذكرناه في أسبابه فإنه نوع قدرة وكمال في الحال وإن ~~كان سريع الزوال لا يغتر به إلا الجهال ولكن أكثر الناس جهال ومن المرائين ~~من لا يقنع بقيام منزلته بل يلتمس من ذلك إطلاق اللسان بالثناء والحمد # ومنهم من يريد انتشار الصيت في البلاد لتكثر الرحلة إليه # ومنهم من يريد الاشتهار عند الملوك لتقبل شفاعته وتنجز الحوائج على يده ~~فيقوم له بذلك جاه عند العامة ومنهم من يقصد التوصل بذلك إلى جمع حطام وكسب ~~مال ولو من الأوقاف وأموال اليتامى وغير ذلك من الحرام وهؤلاء شر طبقات ~~المرائين الذين يراءون بالأسباب التي ذكرناها # فهذه حقيقة الرياء وما به يقع الرياء # فإن قلت فالرياء حرام أو مكروه أو مباح أو فيه تفصيل فأقول فيه تفصيل فإن ~~الرياء هو طلب الجاه وهو إما أن يكون بالعبادات أو بغير العبادات فإن كان ~~بغير العبادات فهو كطلب المال فلا يحرم من حيث إنه طلب منزلة في قلوب ~~العباد ولكن كما يمكن كسب المال بتلبيسات وأسباب محظورات فكذلك الجاه وكما ~~أن كسب قليل من المال هو ما يحتاج إليه الإنسان محمود فكسب قليل من الجاه ~~وهو ما يسلم به عن الآفات أيضا محمود وهو الذي طلبه يوسف عليه السلام حيث ~~قال {إني حفيظ عليم} وكما أن المال فيه سم ناقع ودرياق نافع فكذلك الجاه ~~وكما أن كثير المال يلهى ويطفى وينسي ذكر الله والدار الآخرة فكذلك كثير ~~الجاه بل أشد وفتنة الجاه أعظم من فتنة المال وكما أنا نقول تملك المال ~~الكثير حرام فلا نقول أيضا تملك القلوب الكثيرة حرام إلا إذا حملته كثرة ~~المال وكثرة الجاه على مباشرة ما لا يجوز # نعم انصراف ms1656 الهم إلى سعة الجاه مبدأ الشرور كانصراف الهم إلى كثرة المال ~~ولا يقدر محب الجاه والمال على ترك معاصي القلب واللسان وغيرها وأما سعة PageV03P299 # الجاه من غير حرص منك على طلبه ومن غير اغتمام بزواله إن زال فلا ضرر فيه ~~فلا جاه أوسع من جاه ورسول الله صلى الله عليه وسلم وجاه الخلفاء الراشدين ~~ومن بعدهم من علماء الدين ولكن انصراف الهم إلى طلب الجاه نقصان في الدين ~~ولا يوصف بالتحريم فعلى هذا نقول تحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند ~~الخروج إلى الناس مراءاة وهو ليس بحرام لأنه ليس رياء بالعبادة بل بالدنيا ~~وقس على هذا كل ما تجمل للناس وتزين لهم # والدليل عليه ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أراد أن يخرج يوما إلى الصحابة فكان ينظر في جب الماء ويسوي عمامته ~~وشعره فقالت أو تفعل ذلك يا رسول الله قال نعم إن الله تعالى يحب من العبد ~~أن يتزين لإخوانه إذا خرج إليهم // حديث عائشة أراد أن يخرج على أصحابه ~~وكان ينظر في جب الماء ويسوي عمامته وشعره الحديث أخرجه ابن عدي في الكامل ~~وقد تقدم في الطهارة # نعم هذا كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة لأنه كان مأمورا ~~بدعوة الخلق وترغيبهم في الاتباع واستمالة قلوبهم ولو سقط من أعينهم لم ~~يرغبوا في اتباعه فكان يجب عليه أن يظهر لهم محاسن أحواله لئلا تزدريه ~~أعينهم فإن أعين عوام الخلق تمتد إلى الظواهر دون السرائر فكان ذلك قصد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن لو قصد قاصد به أن يحسن نفسه في أعينهم ~~حذرا من ذمهم ولومهم واسترواحا إلى توقيرهم واحترامهم كان قد قصد أمرا ~~مباحا إذ للإنسان أن يحترز من ألم المذمة ويطلب راحة الأنس بالإخوان # ومهما استثقلوه واستقذروه لم يأنس بهم # فإذن المراءاة بما ليس من العبادات قد تكون مباحة وقد تكون طاعة وقد تكون ~~مذمومة وذلك بحسب الغرض المطلوب بها # ولذلك نقول الرجل إذا ms1657 أنفق ماله على جماعة من الأغنياء لا في معرض ~~العبادة والصدقة ولكن ليعتقد الناس أنه سخي فهذا مراءاة وليس بحرام وكذلك ~~أمثاله # أما العبادات كالصدقة والصلاة والصيام والغزو والحج فللمرائي فيه حالتان # إحداهما أن لا يكون له قصد إلا الرياء المحض دون الأجر وهذا يبطل عبادته ~~لأن الأعمال بالنيات وهذا ليس بقصد العبادة لا يقتصر على إحباط عبادته حتى ~~نقول صار كما كان قبل العبادة بل يعصي بذلك ويأثم كما دلت عليه الأخبار ~~والآيات # والمعني فيه أمران # أحدهما يتعلق بالعباد وهو التلبيس والمكر لأنه خيل إليهم أنه مخلص مطيع ~~لله وأنه من أهل الدين وليس كذلك والتلبيس في أمر الدنيا حرام أيضا حتى لو ~~قضى دين جماعة وخيل للناس أنه متبرع عليهم ليعتقدوا سخاوته أثم به لما فيه ~~من التلبيس وتملك القلوب بالخداع والمكر # والثاني يتعلق بالله وهو أنه مهما قصد بعبادة الله تعالى خلق الله فهو ~~مستهزئ بالله # ولذلك قال قتادة إذا راءى العبد قال الله لملائكته انظروا إليه كيف ~~يستهزئ بي # ومثاله أن يتمثل بين يدي ملك من الملوك طول النهار كما جرت عادة الخدم ~~وإنما وقوفه لملاحظة جارية من جواري الملك أو غلام من غلمانه فإن هذا ~~استهزاء بالملك إذ لم يقصد التقريب إلى الملك بخدمته بل قصد بذلك عبدا من ~~عبيده فأي استحقار يزيد على أن يقصد العبد بطاعة الله تعالى مراءاة عبد ~~ضعيف لا يملك له ضرا ولا نفعا وهل ذلك إلا لأنه يظن أن ذلك العبد أقدر على ~~تحصيل أغراضه من الله وأنه أولى بالتقريب إليه من الله إذ آثره على ملك ~~الملوك فجعله مقصود عبادته وأي استهزاء يزيد على رفع العبد فوق المولى فهذا ~~من كبائر المهلكات ولهذا PageV03P300 # سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر // حديث سمى الرياء ~~الشرك الأصغر أخرجه أحمد من حديث محمود بن لبيد وقد تقدم ورواه الطبراني من ~~رواية محمود بن لبيد عن رافع بن خديج فجعله في مسند رافع وتقدم قريبا ~~وللحاكم وصحح إسناده من حديث ms1658 شداد بن أوس كنا نعد على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن الرياء الشرك الأصغر # نعم بعض درجات الرياء أشد من بعض كما سيأتي بيانه في درجات الرياء إن شاء ~~الله تعالى ولا يخلو شيء منه عن إثم غليظ أو خفيف بحسب ما به المراءاة ولو ~~لم يكن في الرياء إلا أنه يسجد ويركع لغير الله لكان فيه كفاية فإنه وإن لم ~~يقصد التقرب إلى الله فقد قصد غير الله ولعمري لو عظم غير الله بالسجود ~~لكفر كفرا جليا إلا أن الرياء هو الكفر الخفي لأن المرائي عظم في قلبه ~~الناس فاقتضت تلك العظمة أن يسجد ويركع فكان الناس هم المعظمون بالسجود من ~~وجه ومهما زال قصد تعظيم الله بالسجود وبقي تعظيم الخلق كان ذلك قريبا من ~~الشرك إلا أنه قصد تعظيم نفسه في قلب من عظم عنده بإظهاره من نفسه صورة ~~التعظيم لله فعن هذا كان شركا خفيا لا شركا جليا وذلك غاية الجهل ولا يقدم ~~عليه إلا من خدعه الشيطان وأوهم عنده أن العباد يملكون من ضره ونفعه ورزقه ~~وأجله ومصالح حاله ومآله أكثر مما يملكه الله تعالى فلذلك عدل بوجهه عن ~~الله إليهم وأقبل بقلبه عليهم ليستميل بذلك قلوبهم ولو وكله الله تعالى ~~إليهم في الدنيا والآخرة لكان ذلك أقل مكافأة له على صنيعه فإن العباد كلهم ~~عاجزون عن أنفسهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف يملكون لغيرهم هذا ~~في الدنيا فكيف في يوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده ~~شيئا بل تقول الأنبياء فيه نفسي نفسي فكيف يستبدل الجاهل عن ثواب الآخرة ~~ونيل القرب عند الله ما يرتقبه بطمعه الكاذب في الدنيا من الناس فلا ينبغي ~~أن نشك في أن المرائي بطاعة الله في سخط الله من حيث النقل والقياس جميعا ~~هذا إذا لم يقصد الأجر فأما إذا قصد الأجر والحمد جميعا في صدقته أو صلاته ~~فهو الشرك الذي يناقض الإخلاص # وقد ذكرنا حكمه في كتاب الإخلاص ويدل ms1659 على ما نقلناه من الآثار قول سعيد ~~بن المسيب وعبادة بن الصامت إنه لا أجر له فيه أصلا ### |||| بيان درجات الرياء # اعلم أن بعض أبواب الرياء أشد وأغلظ من بعض واختلافه باختلاف أركانه ~~وتفاوت الدرجات فيه وأركانه ثلاثة المراءى به والمراءى لأجله ونفس قصد ~~الرياء # الركن الأول نفس قصد الرياء وذلك لا يخلو إما أن يكون مجردا دون إرادة ~~عبادة الله تعالى والثواب وإما أن يكون مع إرادة الثواب فإن كان كذلك فلا ~~يخلو إما أن تكون إرادة الثواب أقوى وأغلب أو أضعف أو مساوية لإرادة ~~العبادة فتكون الدرجات أربعا # الأولى وهي أغلظها أن لا يكون مراده الثواب أصلا كالذي يصلي بين أظهر ~~الناس ولو انفرد لكان لا يصلي بل ربما يصلي من غير طهارة مع الناس فهذا جرد ~~قصده إلى الرياء فهو الممقوت عند الله تعالى # وكذلك من يخرج الصدقة خوفا من مذمة الناس وهو ولا يقصد الثواب ولا خلا ~~بنفسه لما أداها فهذه الدرجة العليا من الرياء # الثانية أن يكون له قصد الثواب أيضا ولكن قصدا ضعيفا بحيث لو كان في ~~الخلوة لكان لا يفعله ولا يحمله ذلك القصد على العمل ولو لم يكن قصد الثواب ~~لكان الرياء يحمله على العمل فهذا قريب مما قبله PageV03P301 # وما فيه من شائبة قصد ثواب لا يستقل بحمله على العمل لا ينفي عنه المقت ~~والإثم # الثالثة أن يكون له قصد الثواب وقصد الرياء متساويين بحيث لو كان كل واحد ~~منهما خاليا عن الآخر لم يبعثه على العمل فلما اجتمعا انبعثت الرغبة أو كان ~~كل واحد منهما لو انفرد لاستقل بحمله على العمل فهذا قد أفسد مثل ما أصلح ~~فنرجو أن يسلم رأسا برأس لا له ولا عليه أو يكون له من الثواب مثل ما عليه ~~من العقاب وظواهر الأخبار تدل على أنه لا يسلم وقد تكلمنا عليه في كتاب ~~الإخلاص # الرابعة أن يكون اطلاع الناس مرجحا ومقويا لنشاطه ولو لم يكن لكان لا ~~يترك العبادة ولو كان قصد الرياء وحده لما أقدم ms1660 عليه فالذي نظنه والعلم عند ~~الله أنه لا يحبط أصل الثواب ولكنه ينقص منه أو يعاقب على مقدار قصد الرياء ~~ويثاب على مقدار قصد الثواب وأما قوله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى ~~أنا أغنى الأغنياء عن الشرك فهو محمول على ما إذا تساوى القصدان أو كان قصد ~~الرياء أرجح # الركن الثاني المراءى به وهو الطاعات وذلك ينقسم إلى الرياء بأصول ~~العبادات وإلى الرياء بأوصافها # القسم الأول وهو الأغلظ الرياء بالأصول وهو على ثلاث درجات # الأولى الرياء بأصل الإيمان وهذا أغلظ أبواب الرياء وصاحبه مخلد في النار ~~وهو الذي يظهر كلمتي الشهادة وباطنه مشحون بالتكذيب ولكنه يرائي بظاهر ~~الإسلام وهو الذي ذكره الله تعالى في كتابه في مواضع شتى كقوله عز وجل {إذا ~~جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله ~~يشهد إن المنافقين لكاذبون} أي في دلالتهم بقولهم على ضمائرهم وقال تعالى ~~{ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ~~ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها} الآية وقال تعالى {وإذا ~~لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} وقال تعالى ~~{يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك} والآيات فيهم ~~كثيرة # وكان النفاق يكثر في ابتداء الإسلام ممن يدخل في ظاهر الإسلام ابتداء ~~لغرض وذلك مما يقل في زماننا ولكن يكثر نفاق من ينسل عن الدين باطنا فيجحد ~~الجنة والنار والدار الآخرة ميلا إلى قول الملحدة أو يعتقد على بساط الشرع ~~والأحكام ميلا إلى أهل الإباحة أو يعتقد كفرا أو بدعة وهو يظهر خلافه ~~فهؤلاء من المنافقين والمرائين المخلدين في النار وليس وراء هذا الرياء ~~رياء وحال هؤلاء أشد حالا من الكفار المجاهرين فإنهم جمعوا بين كفر الباطن ~~ونفاق الظاهر # الثانية الرياء بأصول العبادات مع التصديق بأصل الدين وهذا أيضا عظيم عند ~~الله ولكنه دون الأول بكثير # ومثاله أن يكون مال الرجل في يد غيره فيأمره بإخراج الزكاة خوفا من ms1661 ذمه ~~والله يعلم منه أنه لو كان في يده لما أخرجها أو يدخل وقت الصلاة وهو في ~~جمع وعادته ترك الصلاة في الخلوة وكذلك يصوم رمضان وهو يشتهى خلوة من الخلق ~~ليفطر وكذلك يحضر الجمعة ولولا خوف المذمة لكان لا يحضرها أو يصل رحمه أو ~~يبر والديه لا عن رغبة ولكن خوفا من الناس أو يغزو أو يحج كذلك # فهذا مراء معه أصل الإيمان بالله يعتقد أنه لا معبود سواه ولو كلف أن ~~يعبد غير الله أو يسجد لغيره لم يفعل ولكنه يترك العبادات للكسل وينشط عند ~~اطلاع الناس فتكون منزلته عند الخلق أحب إليه من منزلته عند الخالق وخوفه ~~من مذمة الناس أعظم من خوفه من عقاب الله ورغبته في محمدتهم أشد مرغبته في ~~ثواب الله وهذا غاية الجهل وما أجدر صاحبه بالمقت وإن كان غير منسل عن أصل ~~الإيمان من حيث الاعتقاد PageV03P302 # الثالثة أن لا يرائي بالإيمان ولا بالفرائض ولكنه يرائي بالنوافل والسنن ~~التي لو تركها لا يعصى ولكنه يكسل عنها في الخلوة لفتور رغبته في ثوابها ~~ولإيثار لذة الكسل على ما يرجى من الثواب ثم يبعثه الرياء على فعلها وذلك ~~كحضور الجماعة في الصلاة وعيادة المريض واتباع الجنازة وغسل الميت وكالتهجد ~~بالليل وصيام يوم عرفة وعاشوراء ويوم الاثنين والخميس # فقد يفعل المرائي جملة ذلك خوفا من المذمة أو طلبا للمحمدة ويعلم الله ~~تعالى منه أنه لو خلا بنفسه لما زاد على أداء الفرائض # فهذا أيضا عظيم ولكنه دون ما قبله فإن الذي قبله آثر حمد الخلق على حمد ~~الخالق # وهذا أيضا قد فعل ذلك واتقى ذم الخلق دون ذم الخالق فكان ذم الخلق أعظم ~~عنده من عقاب الله وأما هذا فلم يفعل ذلك لأنه لم يخف عقابا على ترك ~~النافلة لو تركها وكأنه على شطر من الأول وعقابه نصف عقابه # فهذا هو الرياء بأصول العبادات # القسم الثاني الرياء بأوصاف العبادات لا بأصولها وهو أيضا على ثلاثة ~~درجات # الأولى أن يرائي بفعل ما في تركه نقصان العبادة كالذي ms1662 غرضه أن يخفف ~~الركوع والسجود ولا يطول القراءة فإذا رآه الناس أحسن الركوع والسجود وترك ~~الالتفات وتمم القعود بين السجدتين وقد قال ابن مسعود من فعل ذلك فهو ~~استهانة يستهين بها ربه عز وجل أي أنه ليس يبالي باطلاع الله عليه في ~~الخلوة فإذا اطلع عليه آدمي أحسن الصلاة ومن جلس بين يدي إنسان متربعا أو ~~متكئا فدخل غلامه فاستوى وأحسن الجلسة كان ذلك منه تقديما للغلام على السيد ~~واستهانة بالسيد لا محالة وهذا حال المرائي بتحسين الصلاة في الملأ دون ~~الخلوة # وكذلك الذي يعتاد إخراج الزكاة من الدنانير الرديئة أو من الحب الرديء ~~فإذا اطلع عليه غيره أخرجها من الجيد خوفا من مذمته وكذلك الصائم يصون صومه ~~عن الغيبة والرفث لأجل الخلق لا إكمالا لعبادة الصوم خوفا من المذمة فهذا ~~أيضا من الرياء المحظور لأن فيه تقديما للمخلوقين على الخالق ولكنه دون ~~الرياء بأصول التطوعات # فإن قال المرائي إنما فعلت ذلك صيانة لألسنتهم عن الغيبة فإنهم إذا رأوا ~~تخفيف الركوع والسجود وكثرة الالتفات أطلقوا اللسان بالذم والغيبة وإنما ~~قصدت صيانتهم عن هذه المعصية فيقال له هذه مكيدة للشيطان عندك وتلبيس وليس ~~الأمر كذلك فإن ضررك من نقصان صلاتك وهي خدمة منك لمولاك أعظم من ضررك ~~بغيبة غيرك فلو كان باعثك الدين لكان شفقتك على نفسك أكثر وما أنت في هذا ~~إلا كمن يهدي وصيفة إلى ملك لينال منه فضلا وولاية يتقلدها فيهديها إليه ~~وهي عوراء قبيحة مقطوعة الأطراف ولا يبالي به إذا كان الملك وحده وإذا كان ~~عنده بعض غلمانه امتنع خوفا من مذمة غلمانه وذلك محال بل من يراعي جانب ~~غلام الملك ينبغي أن تكون مراقبته للملك أكثر # نعم للمرائي فيه حالتان # إحداهما أن يطلب بذلك المنزلة والمحمدة عند الناس وذلك حرام قطعا # والثانية أن يقول ليس يحضرني في الإخلاص في تحسين الركوع والسجود ولو ~~خففت كانت صلاتي عندهم ناقصة وآذاني الناس بذمهم وغيبتهم فأستقيد بتحسين ~~الهيبة دفع مذمتهم ولا أرجو عليه ثوابا فهو خير من أن أترك ms1663 تحسين الصلاة ~~فيفوت الثواب وتحصل المذمة فهذا فيه أدنى نظر # والصحيح أن الواجب عليه أن يحسن ويخلص فإن لم تحضره النية فينبغي أن ~~يستمر على عادته في الخلوة فليس له أن يدفع الذم بالمراءاة بطاعة الله فإن ~~ذلك استهزاء كما سبق # الدرجة الثانية أن يرائي بفعل مالا نقصان في تركه ولكن فعله في حكم ~~التكملة والتتمة لعبادته كالتطويل في الركوع والسجود ومد القيام وتحسين ~~الهيئة ورفع اليدين والمبادرة إلى التكبيرة الأولى وتحسين الاعتدال PageV03P303 # والزيادة في القراءة على السور المعتادة وكذلك كثرة الخلوة في صوم رمضان ~~وطول الصمت وكاختيار الأجود على الجيد في الزكاة وإعتاق الرقبة الغالية في ~~الكفارة # وكل ذلك مما لو خلا بنفسه لكان لا يقدم عليه # الثالثة أن يرائي بزيادات خارجة عن نفس النوافل أيضا كحضوره الجماعة قبل ~~القوم وقصده للصف الأول وتوجهه إلى يمين الإمام وما يجري مجراه # وكل ذلك مما يعلم الله منه أنه لو خلا بنفسه لكان لا يبالي أين وقف ومتى ~~يحرم بالصلاة فهذه درجات الرياء بالإضافة إلى ما يرائي به وبعضه أشد من بعض # والكل مذموم # الركن الثالث المرائي لأجله فإن للمرائي مقصودا لا محالة وإنما يرائي ~~لإدراك مال أو جاه أو غرض من الأغراض لا محالة وله أيضا ثلاث درجات # الأولى وهي أشدها وأعظمها أن يكون مقصوده التمكن من معصية كالذي يرائي ~~بعبادته ويظهر التقوى والورع بكثرة النوافل والامتناع عن أكل الشبهات وغرضه ~~أن يعرف بالأمانة فيولى القضاء أو الأوقاف أو الوصايا أو مال الأيتام ~~فيأخذها أو يسلم إليه تفرقة الزكاة أو الصدقات ليستأثر بما قدر عليه منها ~~أو يودع الودائع فيأخذها ويجحدها أو تسلم إليه الأموال التي تنفق في طريق ~~الحج فيختزل بعضها أو كلها أو يتوصل بها إلى استتباع الحجيج ويتوصل بقوتهم ~~إلى مقاصدة الفاسدة في المعاصي # وقد يظهر بعضهم زي التصوف وهيئة الخشوع وكلام الحكمة على سبيل الوعظ ~~والتذكير وإنما قصده التحبب إلى امرأة أو غلام لأجل الفجور وقد يحظرون ~~مجالس العلم والتذكيروحلق القرآن يظهرون الرغبة في سماع العلم ms1664 والقرآن ~~وغرضهم ملاحظة النساء والصبيان أو يخرج إلى الحج ومقصوده الظفر بمن في ~~الرفقة من امرأة أو غلام # وهؤلاء أبغض المرائين إلى الله تعالى لأنهم جعلوا طاعة ربهم سلما إلى ~~معصيته واتخذوها آلة ومتجرا وبضاعة لهم في فسقهم ويقرب من هؤلاء وإن كان ~~دونهم من هو مقترف جريمة اتهم بها وهو مصر عليها ويريد أن ينفي التهمة عن ~~نفسه فيظهر التقوى لنفي التهمة كالذي جحد وديعة واتهمه الناس بها فيتصدق ~~بالمال ليقال إنه يتصدق بمال نفسه فكيف يستحل مال غيره وكذلك من ينسب إلى ~~فجور بامرأة أو غلام فيدفع التهمة عن نفسه بالخشوع وإظهار التقوى # الثانية أن يكون غرضه نيل حظ مباح من حظوظ الدنيا من مال أو نكاح امرأة ~~جميلة أو شريفة كالذي يظهر الحزن والبكاء ويشتغل بالوعظ والتذكير لتبذل له ~~الأموال ويرغب في نكاحه النساء فيقصد إما امرأة بعينها لينكحها أو امرأة ~~شريفة على الجملة وكالذي يرغب أن يتزوج بنت عالم عابد فيظهر له العلم ~~والعبادة ليرغب في تزويجه ابنته # فهذا رياء محظور لأنه طلب بطاعة الله متاع الحياة الدنيا ولكنه دون الأول ~~فإنه المطلوب بهذا مباح في نفسه # الثالثة أن لا يقصد نيل حظ وإدراك مال أو نكاح ولكن يظهر عبادته خوفا من ~~أن ينظر إليه بعين النقص ولا يعد من الخاصة والزهاد ويعتقد أنه من جملة ~~العامة كالذي يمشي مستعجلا فيطلع عليه الناس فيحسن المشي ويترك العجلة كيلا ~~يقال إنه من أهل اللهو والسهو لا من أهل الوقار وكذلك إن سبق إلى الضحك أو ~~بدا منه المزاح فيخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار فيتبع ذلك بالاستغفار ~~وتنفس الصعداء وإظهار الحزن ويقول ما أعظم غفلة الآدمي عن نفسه والله يعلم ~~منه أنه لو كان في خلوة لما كان يثقل عليه ذلك وإنما يخاف أن ينظر إليه ~~بعين الاحتقار لا بعين التوقير وكالذي يرى جماعة يصلون التراويح أو يتهجدون ~~أو يصومون الخميس والاثنين أو يتصدقون فيوافقهم خيفة أن ينسب إلى الكسل ~~ويلحق بالعوام ولو خلا بنفسه لكان PageV03P304 # لا ms1665 يفعل شيئا من ذلك وكالذي يعطش يوم عرفة أو عاشوراء أو في الأشهر الحرم ~~فلا يشرب خوفا من أن يعلم الناس أنه غير صائم فإذا ظنوا به الصوم امتنع عن ~~الأكل لأجله أو يدعى إلى طعام فيمتنع ليظن أنه صائم وقد لا يصرح بأني صائم ~~ولكن يقول لي عذر وهو جمع بين خبيثين فإنه يري أنه صائم ثم يري أنه مخلص ~~ليس بمراء وأنه يحترز من أن يذكر عبادته للناس فيكون مرائيا فيريد أن يقال ~~إنه ساتر لعبادته ثم إن اضطر إلى شرب لم يصبر عن أن يذكر لنفسه فيه عذرا ~~تصريحا أو تعريضا بأن يتعلل بمرض يقتضي فرط العطش ويمنع من الصوم أو يقول ~~أفطرت تطييبا لقلب فلان ثم قد لا يذكر ذلك متصلا بشربه كي لا يظن به أن ~~يعتذر رياء ولكنه يصبر ثم يذكر عذره في معرض حكاية عرضا مثل أن يقول إن ~~فلانا محب للإخوان شديد الرغبة في أن يأكل الإنسان من طعامه وقد ألح علي ~~اليوم ولم أجد بدا من تطييب قلبه # ومثل أن يقول إن أمي ضعيفة القلب مشفقة علي تظن أني لو صمت يوما مرضت فلا ~~تدعني أصوم فهذا وما يجري مجراه من آفات الرياء فلا يسبق إلى اللسان إلا ~~لرسوخ عرق الرياء في الباطن # أما المخلص فإنه لا يبالي كيف نظر الخلق إليه فإن لم يكن له رغبة في ~~الصوم وقد علم الله ذلك منه فلا يريد أن يعتقد غيره ما يخالف علم الله ~~فيكون ملبسا وإن كان له رغبة في الصوم لله قنع بعلم الله تعالى ولم يشرك ~~فيه غيره وقد يخطر له أن في إظهاره اقتداء غيره به وتحريك رغبة الناس فيه ~~وفيه مكيدة وغرور وسيأتي شرح ذلك وشروطه # فهذه درجات الرياء ومراتب أصناف المرائين وجميعهم تحت مقت الله وغضبه وهو ~~من أشد المهلكات وإن من شدته أن فيه شوائب هي أخفى من دبيب النمل كما ورد ~~به الخبر يزل فيه فحول العلماء فضلا عن العباد الجهلاء بآفات النفوس وغوائل ms1666 ~~القلوب والله أعلم ### |||| بيان الرياء الخفي الذي هو أخفى من دبيب النمل # اعلم أن الرياء جلي وخفي فالجلي هو الذي يبعث على العمل ويحمل عليه ولو ~~قصد الثواب وهو أجلاه وأخفى منه قليلا هو ما لا يحمل على العمل بمجرده إلا ~~أنه يخفف العمل الذي يريد به وجه الله كالذي يعتاد التهجد كل ليلة ويثقل ~~عليه فإذا نزل عنده ضيف تنشط له وخف عليه وعلم أنه لولا رجاء الثواب لكان ~~لا يصلي لمجرد رياء الضيفان وأخفى من ذلك ما لا يؤثر في العمل ولا بالتسهيل ~~والتخفيف أيضا ولكنه مع ذلك مستبطن في القلب ومهما لم يؤثر في الدعاء إلى ~~العمل لم يمكن أن يعرف إلا بالعلامات وأجلى علاماته أن يسر باطلاع الناس ~~على طاعته فرب عبد يخلص في عمله ولا يعتقد الرياء بل يكرهه ويرده ويتمم ~~العمل كذلك ولكن إذا اطلع عليه الناس سره ذلك وارتاح له وروح ذلك عن قلبه ~~شدة العبادة وهذا السرور يدل على رياء خفي منه يرشح السرور ولولا التفات ~~القلب إلى الناس لما ظهر سروره عند اطلاع الناس فلقد كان الرياء مستكنا في ~~القلب استكنان النار في الحجر فأظهر عنه اطلاع الخلق أثر الفرح والسرور ثم ~~إذا استشعر لذة السرور بالاطلاع ولم يقابل ذلك بكراهية فيصير ذلك قوتا ~~وغذاء للعرق الخفي من الرياء حتى يتحرك على نفسه حركة خفية فيتقاضى تقاضيا ~~خفيا أن يتكلف سببا يطلع عليه بالتعريض وإلقاء الكلام عرضا وإن كان لا يدعو ~~إلى التصريح وقد يخفى فلا يدعو إلى الإظهار بالنطق تعريضا وتصريحا ولكن ~~بالشمائل كإظهار النحول والصفار وخفض الصوت ويبس الشفتين وجفاف الريق وآثار ~~الدموع وغلبة النعاس الدال على طول التهجد وأخفى من ذلك أن يختفي بحيث لا ~~يريد الاطلاع ولا يسر بظهور طاعته ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن ~~يبدءوه بالسلام وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير وأن يثنوا عليه PageV03P305 # وأن ينشطوا في قضاء حوائجه وأن يسامحوه في البيع والشراء وأن يوسعوا له ~~في المكان فإن قصر فيه مقصر ثقل ms1667 ذلك على قلبه ووجد لذلك استبعادا في نفسه ~~كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة التي أخفاها مع أنه لم يطلع عليه ولو لم ~~يكن قد سبق منه تلك الطاعة لما كان يستبعد تقصير الناس في حقه ومهما لم يكن ~~وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لم يكن قد قنع بعلم الله ولم ~~يكن خاليا عن شوب خفي من الرياء أخفى من دبيب النمل // حديث في الرياء ~~شوائب أخفى من دبيب النمل أخرجه أحمد والطبراني من حديث أبي موسى الأشعري ~~اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل ورواه ابن حبان في الضعفاء من ~~حديث أبي بكر الصديق وضعفه هو والدارقطني # وكل ذلك يوشك أن يحبط الأجر ولا يسلم منه إلا الصديقون # وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال إن الله عز وجل يقول للقراء يوم ~~القيامة ألم يكن يرخص عليكم السعر ألم تكونوا تبتدءون بالسلام ألم تكونوا ~~تقضى لكم الحوائج # وفي الحديث لا أجر لكم قد استوفيتم أجوركم وقال عبد الله بن المبارك # روي عن وهب بن منبه أنه قال إن رجلا من السواح قال لأصحابه إنا إنما ~~فارقنا الأموال والأولاد مخافة الطغيان فنخاف أن نكون قد دخل علينا في ~~أمرنا هذا من الطغيان أكثر مما دخل على أهل الأموال في أموالهم إن أحدنا ~~إذا لقي أحب أن يعظم لمكان دينه وإن سأل حاجة أحب أن تقضى له لمكان دينه ~~وإن اشترى شيئا أحب أن يرخص عليه لمكان دينه فبلغ ذلك ملكهم فركب في موكب ~~من الناس فإذا السهل والجبل قد امتلأ بالناس فقال السائح ما هذا قيل هذا ~~الملك قد أظللك فقال للغلام ائتي بطعام فأتاه ببقل وزيت وقلوب الشجر فجعل ~~يحشو شدقه ويأكل أكلا عنيفا فقال الملك أين صاحبكم فقالوا هذا قال كيف أنت ~~قال كالناس وفي حديث آخر بخير فقال الملك ما عند هذا من خير فانصرف عنه ~~فقال السائح الحمد لله الذي صرفك عني وأنت لي ذام فلم يزل المخلصون خائفين ~~من الرياء ms1668 الخفي يجتهدون لذلك في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة يحرصون ~~على إخفائها أعظم مما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم كل ذلك رجاء أن تخلص ~~أعمالهم الصالحة فيجازيهم الله في القيامة بإخلاصهم على ملأ من الخلق إذ ~~علموا أن الله لا يقبل في القيامة إلا الخالص وعلموا شدة حاجتهم وفاقتهم في ~~القيامة وأنه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ولا يجزي والد عن ولده ويشتغل ~~الصديقون بأنفسهم فيقول كل واحد # نفسي نفسي فضلا عن غيرهم فكانوا كزوار بيت الله إذا توجهوا إلى مكة فإنهم ~~يستصحبون مع أنفسهم الذهب المغربي الخالص لعلمهم أن أرباب البوادي لا يروج ~~عندهم الزائف والبهرج والحاجة تشتد في البادية ولا وطن يفزع إليه ولا حميم ~~يتمسك به فلا ينجي إلى الخالص من النقد فكذا يشاهد أرباب القلوب يوم ~~القيامة والزاد الذي يتزودونه له من التقوى # فإذن شوائب الرياء الخفي كثيرة لا تنحصر ومهما أدرك من نفسه تفرقة بين أن ~~يطلع على عبادته إنسان أو بهيمة ففيه شعبة من الرياء فإنه لما قطع طعمه عن ~~البهائم لم يبال حضره البهائم أو الصبيان الرضع أم غابوا اطلعوا على حركته ~~أم لم يطلعوا فلو كان مخلصا قانعا بعلم الله لاستحقر عقلاء العباد كما ~~استحقر صبيانهم ومجانينهم وعلم أن العقلاء لا يقدرون له على رزق ولا أجل ~~ولا زيادة ثواب ونقصان عقاب كما لا يقدر عليه البهائم والصبيان والمجانين ~~فإذا لم يجد ذلك ففيه شوب خفي ولكن ليس كل شوب محبطا للأجر مفسدا للعمل بل ~~فيه تفضيل # فإن قلت فما نرى أحدا ينفك عن السرور إذا عرفت طاعاته فالسرور مذموم كله ~~أو بعضه محمود وبعضه مذموم فنقول # أولا كل سرور فليس بمذموم بل السرور منقسم إلى محمود وإلى مذموم # فأما المحمود فأربعة أقسام # الأول أن يكون قصده إخفاء الطاعة والإخلاص لله ولكن لما اطلع عليه PageV03P306 # الخلق علم أن الله أطلعهم وأظهر الجميل من أحواله فيستدل به على حسن صنع ~~الله به ونظره إليه وإلطافه به فإنه يستر الطاعة والمعصية ثم ms1669 الله يستر ~~عليه المعصية ويظهر الطاعة ولا لطف أعظم من ستر القبيح وإظهار الجميل فيكون ~~فرحه بجميل نظر الله له لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم وقد قال ~~تعالى {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} فكأنه ظهر له أنه عند الله ~~مقبول ففرح به # الثاني أن يستدل بإظهار الله الجميل وستره القبيح عليه في الدنيا أنه ~~كذلك يفعل في الآخرة إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ستر الله على ~~عبد ذنبا في الدنيا إلا ستره عليه في الآخرة (1) حديث قال لرجل قال صمت ~~الدهر قال ما صمت ولا أفطرت أخرجه مسلم من حديث أبي قتادة قال عمر يا رسول ~~الله كيف بمن يصوم الدهر قال لا صام ولا أفطر وللطبراني من حديث أسماء بنت ~~يزيد في أثناء حديث فيه فقال رجل إني صائم قال بعض القوم إنه لا يفطر إنه ~~يصوم كل يوم قال النبي صلى الله عليه وسلم لا صام ولا أفطر من صام الأبد ~~ولم أجده بلفظ الخطاب # فقال بعضهم إنما قال ذلك لأنه أظهره وقيل هو إشارة إلى كراهة صوم الدهر # وكيفما كان فيحتمل أن يكون ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ابن ~~مسعود استدلالا على أن قلبه عند العبادة لم يخل عن عقد الرياء وقصده له لما ~~أن ظهر منه التحدث به إذ يبعد أن يكون ما يطرأ بعد العمل مبطلا لثواب العمل ~~بل الأقيس أن يقال إنه مثاب على عمله الذي مضى ومعاقب على مراءاته بطاعة ~~الله بعد الفراغ منها PageV03P307 # بخلاف ما لو تغير عقده إلى الرياء قبل الفراغ من الصلاة فإن ذلك قد يبطل ~~الصلاة ويحبط العمل # وأما إذا ورد وارد الرياء قبل الفراغ من الصلاة مثلا وكان قد عقد على ~~الإخلاص ولكن ورد في أثنائها وارد الرياء فلا يخلو إما أن يكون مجرد سرور ~~لا يؤثر في العمل وإما ان يكون رياء باعثا على العمل فإن كان باعثا على ~~العمل وختم العبادة به حبط أجره # ومثاله ms1670 أن يكون في تطوع فتجددت له نظارة أو حضر ملك من الملوك وهو يشتهي ~~أن ينظر إليه أو يذكر شيئا نسيه من ماله وهو يريد أن يطلبه ولولا الناس ~~لقطع الصلاة فاستتمها خوفا من مذمة الناس فقد حبط أجره وعليه الإعادة إن ~~كان في فريضة وقد قال صلى الله عليه وسلم العمل كالوعاء إذا طاب آخره طاب ~~أوله (1) حديث من راءى بعمله ساعة حبط عمله الذي كان قبله لم أجده بهذا ~~اللفظ وللشيخين من حديث جندب من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به ~~ورواه مسلم من حديث ابن عباس # وهذا منزل على الصلاة في هذه الصورة لا على الصدقة ولا على القراءة فإن ~~كل جزء من ذلك مفرد فما يطرأ يفسد الباقي دون الماضي والصوم والحج من قبيل ~~الصلاة # وأما إذا كان وراد الرياء بحيث لا يمنعه من قصد الإتمام لأجل الثواب كما ~~لو حضر جماعة في أثناء الصلاة ففرح بحضورهم وعقد الرياء وقصد تحسين الصلاة ~~لأجل نظرهم وكان لولا حضورهم لكان يتمها أيضا فهذا رياء قد أثر في العمل ~~وانتهض باعثا على الحركات فإن غلب حتى انمحق معه الإحساس بقصد العبادة ~~والثواب وصار قصد العبادة مغمورا فهذا أيضا ينبغي أن يفسد العبادة مهما مضى ~~ركن من أركانها على هذا الوجه لأنا نكتفي بالنية السابقة عند الإحرام بشرط ~~أن لا يطرأ عليها ما يغلبها ويغمرها ويحتمل أن يقال لا يفسد العبادة نظرا ~~إلى حالة العقد وإلى بقاء قصد أصل الثواب وإن ضعف بهجوم قصد هو أغلب منه # ولقد ذهب الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى إلى الإحباط في أمر هو أهون من ~~هذا وقال إذا لم يرد إلا مجرد السرور باطلاع الناس يعني سرورا هو كحب ~~المنزلة والجاه قال قد اختلف الناس في هذا فصارت فرقة إلى أنه محبط لأنه ~~نقض العزم الأول وركن إلى حمد المخلوقين ولم يختم عمله بالإخلاص وإنما يتم ~~العمل بخاتمته ثم قال ولا أقطع عليه بالحبط وإن لم يتزيد في العمل ولا آمن ms1671 ~~عليه وقد كنت أقف فيه لاختلاف الناس والأغلب على قلبي أنه يحبط إذا ختم ~~عمله بالرياء ثم قال فإن قيل قد قال الحسن رحمه الله تعالى إنهما حالتان ~~فإذا كانت الأولى لم تضره الثانية # وقد روي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أسر ~~العمل لا أحب أن يطلع عليه فيطلع عليه فيسرني قال لك أجران أجر السر وأجر ~~العلانية // حديث أن رجلا قال أسر العمل لا أحب أن يطلع عليه فيطلع عليه ~~فيسرني فقال لك أجران الحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من رواية ذكوان ~~عن ابن مسعود ورواه الترمذي وابن حبان من رواية ذكوان عن أبي هريرة الرجل ~~يعمل العمل فيسره فإذا اطلع عليه أعجبه قال له أجر السر والعلانية قال ~~الترمذي غريب وقال إنه روي عن أبي صالح وهو ذكر أنه مرسل # ثم تكلم على الخبر والأثر فقال أما الحسن فإنه أراد بقوله لا يضره أي لا ~~يدع العمل ولا تضره الخطرة وهو يريد الله ولم يقل إذا عقد الرياء بعد عقد ~~الإخلاص لم يضره وأما الحديث فتكلم عليه بكلام طويل يرجع حاصله إلى ثلاثة ~~أوجه # أحدها أنه يحتمل أنه أراد ظهور عمله بعد الفراغ وليس في الحديث أنه قبل ~~الفراغ # الثاني أنه أراد أن يسر به للاقتداء به أو لسرور آخر محمود مما ذكرناه ~~قبل لا سرورا بسبب حب المحمدة والمنزلة بدليل أنه جعل له به أجرا ولا ذاهب ~~من الأمة إلى أن للسرور بالمحمدة أجرا وغايته أن يعفى عنه فكيف يكون للمخلص ~~أجر وللمرائي أجران # والثالث أنه قال أكثر من يروي الحديث يرويه غير متصل إلى أبي هريرة بل ~~أكثرهم يوقفه على أبي صالح ومنهم من يرفعه فالحكم PageV03P308 # بالعمومات الواردة في الرياء أولى # هذا ما ذكره ولم يقطع به بل أظهر ميلا إلى الإحباط # والأقيس عندنا أن هذا القدر إذا لم يظهر أثره في العمل بل بقي العمل ~~صادرا عن باعث الدين وإنما انضاف إليه السرور بالاطلاع فلا يفسد العمل ms1672 لأنه ~~لم ينعدم به أصل نيته وبقيت تلك النية باعثة على العمل وحاملة على الإتمام # وأما الأخبار التي وردت في الرياء فهي محمولة على ما إذا لم يرد به إلا ~~الخلق وأما ما ورد في الشركة فهو محمول على ما إذا كان قصد الرياء مساويا ~~لقصد الثواب أو أغلب منه أما إذا كان ضعيفا بالإضافة إليه فلا يحبط بالكلية ~~ثواب الصدقة وسائر الأعمال ولا ينبغي أن يفسد الصلاة ولا يبعد أن يقال إن ~~الذي أوجب عليه صلاة خالصة لوجه الله والخالص ما لا يشوبه شيء فلا يكون ~~مؤديا للواجب مع هذا الشوب والعلم عند الله فيه # وقد ذكرنا في كتاب الإخلاص كلاما أوفى مما أوردناه الآن فليرجع إليه فهذا ~~حكم الرياء الطارئ بعد عقد العبادة إما قبل الفراغ أو بعد الفراغ # القسم الثالث الذي يقارن حال العقد بأن يبتدئ الصلاة على قصد الرياء فإن ~~استمر عليه سلم فلا خلاف في أنه يقضي ولا يعتد بصلاته وإن ندم عليه في ~~أثناء ذلك واستغفر ورجع قبل التمام ففيما يلزمه ثلاثة أوجه # قالت فرقة لم تنعقد صلاته مع قصد الرياء فليستأنف # وقالت فرقة تلزمه إعادة الأفعال كالركوع والسجود وتفسد أفعاله دون تحريمة ~~الصلاة لأن التحريم عقد والرياء خاطر في قلبه لا يخرج التحريم عن كونه عقدا # وقالت فرقة لا يلزم إعادة شيء بل يستغفر الله بقلبه ويتم العبادة على ~~الإخلاص والنظر إلى خاتمة العبادة كما لو ابتدأ بالإخلاص وختم بالرياء لكان ~~يفسد عمله # وشبهوا ذلك بثوب أبيض لطخ بنجاسة عارضة فإذا أزيل العارض عاد إلى الأصل ~~فقالوا إن الصلاة والركوع والسجود لا تكون إلا لله ولو سجد لغير الله لكان ~~كافرا ولكن اقترن به عارض الرياء ثم زال بالندم والتوبة وصار إلى حالة لا ~~يبالي بحمد الناس وذمهم فتصح صلاته # ومذهب الفريقين الآخرين خارج عن قياس الفقه جدا خصوصا من قال يلزمه إعادة ~~الركوع والسجود دون الافتتاح لأن الركوع والسجود إن لم يصح صارت أفعالا ~~زائدة في الصلاة فتفسد الصلاة # وكذلك قول من ms1673 يقول لو ختم بالإخلاص صح نظرا إلى الآخر فهو أيضا ضعيف لأن ~~الرياء يقدح في النية وأولى الأوقات بمراعاة أحكام النية حال الافتتاح ~~فالذي يستقيم على قياس الفقه هو أن يقال إن كان باعثه مجرد الرياء في ~~ابتداء العقد دون طلب الثواب وامتثال الأمر لم ينعقد افتتاحه ولم يصح ما ~~بعده وذلك فيمن إذا خلا بنفسه لم يصل ولما رأى الناس تحرم بالصلاة وكان ~~بحيث لو كان ثوبه نجسا أيضا كان يصلي لأجل الناس فهذه صلاة لا نية فيها إذ ~~النية عبارة عن إجابة باعث الدين وههنا لا باعث ولا إجابة # فأما إذا كان بحيث لولا الناس أيضا لكان يصلي إلا أنه ظهر له الرغبة في ~~المحمدة أيضا فاجتمع الباعثان فهذا إما أن يكون في صدقة وقراءة وما ليس فيه ~~تحليل وتحريم أو في عقد صلاة وحج فإن كان في صدقة فقد عصى بإجابة باعث ~~الرياء وأطاع بإجابة باعث الثواب {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره} فله ثواب بقدر قصده الصحيح وعقاب بقدر قصده الفاسد ولا ~~يحبط أحدهما الآخر # وإن كان في صلاة تقبل الفساد بتطرق خلل إلى النية فلا يخلو إما أن تكون ~~فرضا أو نفلا فإن كانت نفلا فحكمها أيضا حكم الصدقة فقد عصى من وجه وأطاع ~~من وجه إذ اجتمع في قلبه الباعثان ولا يمكن أن يقال صلاته فاسدة والاقتداء ~~به باطل حتى إن من صلى PageV03P309 # التراويح وتبين من قرائن حاله أن يصده الرياء بإظهار حسن القراءة ولولا ~~اجتماع الناس خلفه وخلا في بيت وحده لما صلى لا يصح الاقتداء به فإن المصير ~~إلى هذا بعيد جدا بل يظن بالمسلم أنه يقصد الثواب أيضا بتطوعه فتصح باعتبار ~~ذلك القصد صلاته ويصح الاقتداء به وإن اقترن به قصد آخر وهو به عاص فأما ~~إذا كان في فرض واجتمع الباعثان وكان كل واحد لا يستقل وإنما يحصل الانبعاث ~~بمجموعهما فهذا لا يسقط الواجب عنه لأن الإيجاب لم ينتهض باعثا في حقه ~~بمجرده واستقلاله ms1674 وإن كان كل باعث مستقلا حتى لو لم يكن باعث الرياء لأدى ~~الفرائض ولو لم يكن باعث الفرض لأنشأ صلاة تطوعا لأجل الرياء فهذا محل ~~النظر وهو محتمل جدا فيحتمل أن يقال إن الواجب صلاة خالصة لوجه الله ولم ~~يؤد الواجب الخالص ويحتمل أن يقال الواجب امتثال الأمر بباعث مستقل بنفسه ~~وقد وجد فاقتران غيره به لا يمنع سقوط الفرض عنه كما لو صلى في دار مغصوبة ~~فإنه وإن كان عاصيا بإيقاع الصلاة في الدار المغصوبة فإنه مطيع بأصل الصلاة ~~ومسقط للفرض عن نفسه وتعارض الاحتمال في تعارض البواعث في أصل الصلاة أما ~~إذا كان الرياء في المبادرة مثلا دون أصل الصلاة مثل من بادر إلى الصلاة في ~~أول الوقت لحضور جماعة ولو خلا لأخر إلى وسط الوقت ولولا الفرض لكان لا ~~يبتدئ صلاة لأجل الرياء فهذا مما يقطع بصحة صلاته وسقوط الفرض به لأن باعث ~~أصل الصلاة من حيث إنها صلاة لم يعارضه غيره بل من حيث تعيين الوقت فهذا ~~أبعد من القدح في النية هذا في رياء يكون باعثا على العمل وحاملا عليه وأما ~~مجرد السرور باطلاع الناس عليه إذا لم يبلغ أثره إلى حيث يؤثر في العمل ~~فبعيد أن يفسد الصلاة # فهذا ما نراه لائقا بقانون الفقه والمسألة غامضة من حيث أن الفقهاء لم ~~يتعرضوا لها في فن الفقه والذين خاضوا فيها وتصرفوا لم يلاحظوا قوانين ~~الفقه ومقتضى فتاوي الفقهاء في صحة الصلاة وفسادها بل حملهم الحرص على ~~تصفية القلوب وطلب الإخلاص على إفساد العبادات بأن الخواطر وما ذكرناه هو ~~الأقصد فيما نراه والعلم عند الله عز وجل فيه وهو عالم الغيب والشهادة وهو ~~الرحمن الرحيم ### |||| بيان دواء الرياء وطريق معالجة القلب فيه # قد عرفت مما سبق أن الرياء محبط للأعمال وسبب للمقت عند الله تعالى وأنه ~~من كبائر المهلكات وما هذا وصفه فجدير بالتشمير عن ساق الجد في إزالته ولو ~~بالمجاهدة وتحمل المشاق فلا شفاء إلا في شرب الأدوية المرة البشعة وهذه ~~مجاهدة يضطر إليها العباد ms1675 كلهم إذ الصبي يخلق ضعيف العقل والتمييز ممتد ~~العين إلى الخلق كثير الطمع فيهم فيرى الناس يتصنع بعضهم لبعض فيغلب عليه ~~حب التصنع بالضرورة ويرسخ ذلك في نفسه وإنما يشعر بكونه مهلكا بعد كمال ~~عقله وقد انغرس الرياء في قلبه وترسخ فيه فلا يقدر على قمعه إلا بمجاهدة ~~شديدة ومكابدة لقوة الشهوات # فلا ينفك أحد عن الحاجة إلى هذه المجاهدة ولكنها تشق أولا وتخف آخرا وفي ~~علاجه مقامان # أحدهما قلع عروقه وأصوله التي منها انشعابه # والثاني دفع ما يخطر منه في الحال # المقام الأول في قلع عروقه واستئصال أصوله وأصله حب المنزلة والجاه # وإذا فضل رجع إلى ثلاثة أصول وهي لذة المحمدة والفرار من ألم الذم والطمع ~~فيما في أيدي الناس # ويشهد للرياء بهذه الأسباب وأنها الباعثة للمرائي ما روى أبو موسى أن ~~أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله الرجل يقاتل // ~~حديث أبي موسى أن أعرابيا قال يا رسول الله الرجل يقاتل حمية الحديث متفق ~~عليه # حمية ومعناه أنه يأنف أن يقهر أو يذم بأنه مقهور مغلوب وقال والرجل يقاتل ~~ليرى مكانه وهذا هو طلب لذة الجاه والقدر PageV03P310 # في القلوب والرجل يقاتل للذكر وهذا هو الحمد باللسان فقال صلى الله عليه ~~وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله وقال ابن مسعود ~~إذا التقى الصفان نزلت الملائكة فكتبوا الناس على مراتبهم فلان يقاتل للذكر ~~وفلان يقاتل للملك والقتال للملك إشارة إلى الطمع في الدنيا # وقال عمر رضي الله عنه يقولون فلان شهيد ولعله يكون قد ملأ دفتي راحلته ~~ورقا # وقال صلى الله عليه وسلم من غزا لا يبغي إلا عقالا فله ما نوى // حديث من ~~غزا لا يبغي إلا عقالا فله ما نوى أخرجه النسائي وقد تقدم # فهذا إشارة إلى الطمع # وقد لا يشتهي الحمد ولا يطمع فيه ولكن يحذر من ألم الذم كالبخيل بين ~~الأسخياء وهم يتصدقون بالمال الكثير فإنه يتصدق بالقليل كي لا يبخل وهو ليس ~~يطمع في الحمد ms1676 وقد سبقه غيره وكالجبان بين الشجعان لا يفر من الزحف خوفا من ~~الذم وهو لا يطمع في الحمد وقد هجم غيره على صف القتال # ولكن إذا أيس من الحمد كره الذم وكالرجل بين قوم يصلون جميع الليل فيصلي ~~ركعات معدودة حتى لا يذم بالكسل وهو لا يطمع في الحمد # وقد يقدر الإنسان على الصبر عن لذة الحمد ولا يقدر على الصبر على ألم ~~الذم ولذلك قد يترك السؤال عن علم هو محتاج إليه خيفة من أن يذم بالجهل ~~ويفتى بغير علم ويدعى العلم بالحديث وهو به جاهل كل ذلك حذرا من الذم # فهذه الأمور الثلاثة هي التي تحرك المرائي إلى الرياء وعلاجه ما ذكرناه ~~في الشطر الأول من الكتاب على الجملة # ولكنا نذكر الآن ما يخص الرياء وليس يخفى أن الإنسان إنما يقصد الشيء ~~ويرغب فيه لظنه أنه خير له ونافع ولذيذ إما في الحال وإما في المآل فإن علم ~~أنه لذيذ في الحال ولكنه ضار في المآل سهل عليه قطع الرغبة عنه كمن يعلم أن ~~العسل لذيذ ولكن إذا بان له أن فيه سما أعرض عنه فكذلك طريق قطع هذه الرغبة ~~أن يعلم ما فيه من المضرة # ومهما عرف العبد مضرة الرياء وما يفوته من صلاح قلبه وما يحرم عنه في ~~الحال من التوفيق وفي الآخرة من المنزلة عند الله وما يتعرض له من العقاب ~~العظيم والمقت الشديد والخزي الظاهر # حيث ينادي على رؤوس الخلائق يا فاجر يا غادر يا مرائي أما استحييت إذا ~~اشتريت بطاعة الله عرض الدنيا وراقبت قلوب العباد واستهزأت بطاعة الله ~~وتحببت إلى العباد بالتبغض إلى الله وتزينت لهم بالشين عند الله وتقربت ~~إليهم بالبعد من الله وتحمدت إليهم بالتذمم عند الله وطلبت رضاهم بالتعرض ~~لسخط الله أما كان أحد أهون عليك من الله فمهما تفكر العبد في هذا الخزي ~~وقابل ما يحصل له من العباد والتزين لهم في الدنيا بما يفوته في الآخرة ~~وبما يحبط من ثواب الأعمال مع أن العمل الواحد ربما كان ms1677 يترجح به ميزان ~~حسناته لو خلص فإذا فسد بالرياء حول إلى كفة السيئات فترجح به ويهوي إلى ~~النار فلو لم يكن في الرياء إلا إحباط عبادة واحدة لكان ذلك كافيا في معرفة ~~ضرره وإن كان مع ذلك سائر حسناته راجحة فقد كان ينال بهذه الحسنة علو ~~الرتبة عند الله في زمرة النبيين والصديقين وقد حط عنهم بسبب الرياء رد إلى ~~صف النعال من مراتب الأولياء هذا مع ما يتعرض له في الدنيا من تشتت الهم ~~بسبب ملاحظة قلوب الخلق فإن رضا الناس غاية لا تدرك فكل ما يرضى به فريق ~~يسخط به فريق ورضا بعضهم في سخط بعضهم ومن طلب رضاهم في سخط الله سخط الله ~~عليه وأسخطهم أيضا عليه ثم أي غرض له في مدحهم وإيثار ذم الله لأجل حمدهم ~~ولا يزيده حمدهم رزقا ولا أجلا ولا ينفعه يوم فقره وفاقته وهو يوم القيامة ~~وأما الطمع فيما في أيديهم فبأن يعلم أن الله تعالى هو المسخر للقلوب ~~بالمنع والإعطاء وأن الخلق مضطرون فيه ولا رازق إلا الله ومن طمع في الخلق ~~لم يخل من الذل والخيبة وإن وصل إلى المراد لم يخل عن المنة والمهانة فكيف ~~يترك ما عند الله برجاء PageV03P311 # كاذب ووهم فاسد قد يصيب وقد يخطئ وإذا أصاب فلا تفي لذته بألم منثه ~~ومذلته وأما ذمهم فلم يحذر منه ولا يزيده ذمهم شيئا ما لم يكتبه عليه الله ~~ولا يعجل أجله ولا يؤخر رزقه ولا يجعله من أهل النار إن كان من أهل الجنة ~~ولا يبغضه إلى الله إن كان محمودا عند الله ولا يزيده مقتا إن كان ممقوتا ~~عند الله فالعباد كلهم عجزة لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون ~~موتا ولا حياتا ولا نشورا # فإذا قرر في قلبه آفة هذه الأسباب وضررها فترت رغبته وأقبل على الله قلبه ~~فإن العاقل لا يرغب فيما يكثر ضرره ويقل نفعه ويكفيه أن الناس لو علموا ما ~~في باطنه من قصد الرياء وإظهار الإخلاص لمقتوه وسيكشف الله عن ms1678 سره حتى ~~يبغضه إلى الناس ويعرفهم أنه مراء وممقوت عند الله ولو أخلص لله لكشف الله ~~لهم إخلاصه وحببه إليهم وسخرهم له وأطلق ألسنتهم بالمدح والثناء عليه مع ~~أنه لا كمال في مدحهم ولا نقصان في ذمهم كما قال شاعر بني تميم إن مدحي زين ~~وإن ذمي شين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبت ذاك الله الذي لا ~~إله إلا هو // حديث قال شاعر من بني تميم إن مدحي زين وإن ذمي شين فقال ~~كذبت ذاك الله أخرجه أحمد من حديث الأقرع بن حابس وهو قائل ذلك دون قوله ~~كذبت ورجاله ثقات إلا أني لا أعرف لأبي سلمة بن عبد الرحمن سماعا من الأقرع ~~ورواه الترمذي من حديث البراء وحسنه بلفظ فقال رجل إن حمدي # إذ لا زين إلا في مدحه ولا شين إلا في ذمه فأي خير لك في مدح الناس # وأنت عند الله مذموم ومن أهل النار وأي شر لك من ذم الناس وأنت عند الله ~~محمود في زمرة المقربين فمن أحضر في قلبه الآخرة ونعيمها المؤبد والمنازل ~~الرفيعة عند الله استحقر ما يتعلق بالخلق أيام الحياة مع ما فيه من ~~الكدورات والمنغصات واجتمع همه وانصرف إلى الله قلبه وتخلص من مذلة الرياء ~~ومقاساة قلوب الخلق وانعطف من إخلاصه أنوار على قلبه ينشرح بها صدره وينفتح ~~بها له من لطائف المكاشفات ما يزيد به أنسه بالله ووحشته من الخلق ~~واستحقاره للدنيا واستعظامه للآخرة وسقط محل الخلق من قلبه وانحل عنه داعية ~~الرياء وتذلل له منهج الإخلاص # فهذا وما قدمنا في الشطر الأول هي الأدوية العلمية القالعة مغارس الرياء # وأما الدواء العملي فهو أن يعود نفسه إخفاء العبادات وإغلاق الأبواب ~~دونها كما تغلق الأبواب دون الفواحش حتى يقنع قلبه بعلم الله أو إطلاعه على ~~عباداته ولا تنازعنه النفس إلى طلب علم غير الله به # وقد روي أن بعض أصحاب أبي حفص الحداد ذم الدنيا وأهلها فقال أظهرت ما كان ~~سبيلك أن تخفيه لا تجالسنا بعد هذا ms1679 # فلم يرخص في إظهار هذا القدر لأن في ضمن ذم الدنيا دعوى الزهد فيها فلا ~~دواء للرياء مثل الإخفاء وذلك يشق في بداية المجاهدة وإذا صبر عليه مدة ~~بالتكلف سقط عنه ثقله وهان عليه ذلك بتواصل ألطاف الله وما يمد به عباده من ~~حسن التوفيق والتأييد والتسديد وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم فمن العبد المجاهدة ومن الله الهداية ومن العبد قرع الباب ومن الله ~~فتح الباب والله لا يضيع أجر المحسنين وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه ~~أجرا عظيما # المقام الثاني في دفع العارض منه في أثناء العبادة وذلك لا بد من تعلمه ~~أيضا فإن من جاهد نفسه وقلع مغارس الرياء من قلبه بالقناعة وقطع الطمع ~~وإسقاط نفسه من أعين المخلوقين واستحقار مدح المخلوقين وذمهم فالشيطان لا ~~يتركه في أثناء العبادات بل يعارضه بخطرات الرياء ولا تنقطع عنه نزعاته ~~وهوى النفس وميلها لا ينمحي بالكلية فلا بد وأن يتشمر لدفع ما يعرض من خاطر ~~الرياء # وخواطر الرياء ثلاثة قد تخطر دفعة واحدة كالخاطر الواحد وقد تترادف على ~~التدريج فالأول العلم باطلاع الخلق ورجاء اطلاعهم # ثم يتلوه هيجان الرغبة PageV03P312 # من النفس في حمدهم وحصول المنزلة عندهم # ثم يتلوه هيجان الرغبة في قبول النفس له والركون إليه وعقد الضمير على ~~تحقيقه # فالأول معرفة # والثاني حالة تسمى الشهوة والرغبة # والثالث فعل يسمى العزم وتصميم العقد # وإنما كمال القوة في دفع الخاطر الأول ورده قبل أن يتلوه الثاني فإذا خطر ~~له معرفة اطلاع الخلق أو رجاء اطلاعهم دفع ذلك بأن قال مالك وللخلق علموا ~~أو لم يعلموا والله عالم بحالك فأي فائدة في علم غيره فإن هاجت الرغبة إلى ~~لذة الحمد يذكر ما رسخ في قلبه من قبل من آفة الرياء وتعرضه للمقت عند الله ~~في القيامة وخيبته في أحوج أوقاته إلى أعماله فكما أن معرفة اطلاع الناس ~~تثير شهوة ورغبة في الرياء فمعرفة آفة الرياء تثير كراهة له تقابل تلك ~~الشهوة إذ يتفكر في تعرضه لمقت الله ms1680 وعقابه الأليم والشهوة تدعوه إلى ~~القبول والكراهة تدعوه إلى الإباء والنفس تطاوع لا محالة أقواهما وأغلبهما # فإذن لا بد في رد الرياء من ثلاثة أمور # المعرفة والكراهة والإباء # وقد يشرع العبد في العبادة على عزم الإخلاص ثم يرد خاطر الرياء فيقبله ~~ولا تحضره المعرفة ولا الكراهة التي كان الضمير منطويا عليها وإنما سبب ذلك ~~امتلاء القلب بخوف الذم وحب الحمد واستيلاء الحرص عليه بحيث لا يبقى في ~~القلب متسع لغيره فيعزب عن القلب المعرفة السابقة بآفات الرياء وشؤم عاقبته ~~إذ لم يبق موضع في القلب خال عن شهوة الحمد أو خوف الذم وهو كالذي يحدث ~~نفسه بالحلم وذم الغضب ويعزم على التحلم عند جريان سبب الغضب ثم يجري من ~~الأسباب ما يشتد به غضبه فينسى سابقة عزمه ويمتلئ قلبه غيظا يمنع من تذكر ~~آفة الغضب ويشغل قلبه عنه فكذلك حلاوة الشهوة تملأ القلب وتدفع نور المعرفة ~~مثل مرارة الغضب # وإليه أشار جابر بقوله بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ~~على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت فأنسيناها يوم حنين // حديث جابر ~~بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على أن لا نفر الحديث ~~أخرجه مسلم مختصرا دون ذكر يوم حنين فرواه مسلم من حديث العباس # حتى نودي يا أصحاب الشجرة فرجعوا # وذلك لأن القلوب امتلأت بالخوف فنسيت العهد السابق حتى ذكروا وأكثر ~~الشهوات التي تهجم فجأة هكذا تكون إذ ينسى معرفة مضرته الداخلة في عقد ~~الإيمان # ومهما نسي المعرفة لم تظهر الكراهة فإن الكراهة ثمرة المعرفة # وقد يتذكر الإنسان فيعلم أن الخاطر الذي خطر له هو خاطر الرياء الذي ~~يعرضه لسخط الله ولكن يستمر عليه لشدة شهوته فيغلب هواه عقله ولا يقدر على ~~ترك لذة الحال فيسوف بالتوبة أو يتشاغل عن التفكر في ذلك لشدة الشهوة فكم ~~من عالم يحضره كلام لا يدعوه إلى فعله إلا رياء الخلق وهو يعلم ذلك ولكنه ~~يستمر عليه فتكون الحجة عليه أوكد إذ قبل داعي الرياء مع علمه ms1681 بغائلته ~~وكونه مذموما عند الله ولا تنفعه معرفته إذا خلت المعرفة عن الكراهة # وقد تحضر المعرفة والكراهة ولكن مع ذلك يقبل داعي الرياء لكون الكراهة ~~ضعيفة بالإضافة إلى قوة الشهوة وهذا أيضا لا ينتفع بكراهته إذ الغرض من ~~الكراهة أن تصرف عن الفعل # فإذن لا فائدة إلا في اجتماع الثلاث وهي المعرفة والكراهة والإباء # فالإباء ثمرة الكراهة والكراهة ثمرة المعرفة وقوة المعرفة بحسب قوة ~~الإيمان ونور العلم وضعف المعرفة بحسب الغفلة وحب الدنيا ونسيان الآخرة ~~وقلة التفكر فيما عند الله وقلة التأمل في آفات الحياة الدنيا وعظيم نعيم ~~الآخرة وبعض ذلك ينتج بعضا ويثمره وأصل ذلك كله حب الدنيا وغلبة الشهوات ~~فهو رأس كل خطيئة ومنبع كل ذنب لأن حلاوة حب الجاه والمنزلة ونعيم الدنيا ~~هي التي تغضب القلب وتسلبه وتحول بينه وبين التفكر في العاقبة والاستضاءة ~~بنور الكتاب والسنة وأنوار العلوم PageV03P313 # فإن قلت فمن صادف من نفسه كراهة الرياء وحملته الكراهة على الإباء ولكنه ~~مع ذلك غير خال عن ميل الطبع إليه وحبه له ومنازعته إياه إلا أنه كاره لحبه ~~ولميله إليه وغير محبب إليه فهل يكون في زمرة المرائين فاعلم أن الله لم ~~يكلف العباد إلا ما تطيق وليس في طاقة العبد منع الشيطان عن نزغاته ولا قمع ~~الطبع حتى لا يميل إلى الشهوات ولا ينزع إليها وإنما غايته أن يقابل شهوته ~~بكراهة استثمارها من معرفة العواقب وعلم الدين وأصول الإيمان بالله واليوم ~~الآخر فإذا فعل ذلك فهو الغاية في أداء ما كلف به # ويدل على ذلك من الأخبار ما روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شكوا إليه وقالوا تعرض لقلوبنا أشياء لأن تخر من السماء فتخطفنا الطير أو ~~تهوي بنا الريح في مكان سحيق أحب إلينا من أن نتكلم بها فقال صلى الله عليه ~~وسلم أو قد وجدتموه قالوا نعم قال ذلك صريح الإيمان (1) حديث ابن عباس ~~الحمد لله الذي رد كيد الشيطان إلى الوسوسة أخرجه أبو داود والنسائي في ~~اليوم والليلة بلفظ كيده ms1682 # وقال أبو حازم ما كان من نفسك وكرهته نفسك لنفسك فلا يضرك ما هو من عدوك ~~وما كان من نفسك فرضيته نفسك لنفسك فعاتبها عليه # فإذن وسوسة الشيطان ومنازعة النفس لا تضرك مهما رددت مرادهما بالإباء ~~والكراهة والخواطر التي هي العلوم والتذكرات والتخيلات للأسباب المهيجة ~~للرياء هي من الشيطان والرغبة والميل بعد تلك الخواطر من النفس والكراهة من ~~الإيمان ومن آثار العقل إلا أن للشيطان ههنا مكيدة وهي أنه إذا عجز عن حمله ~~على قبول الرياء خيل إليه أن صلاح قلبه في الاشتغال بمجادلة الشيطان ~~ومطاولته في الرد والجدال حتى يسلبه ثواب الإخلاص وحضور القلب لأن الاشتغال ~~بمجادلة الشيطان ومدافعته انصراف عن سر المناجاة مع الله فيوجب ذلك نقصانا ~~في منزلته عند الله # والمتخلصون عن الرياء في دفع خواطر الرياء على أربع مراتب # الأولى أن يرده على الشيطان فيكذبه ولا يقتصر عليه بل يشتغل بمجادلته ~~ويطيل الجدال معه لظنه أن ذلك أسلم لقلبه وهو على التحقيق نقصان لأنه اشتغل ~~عن مناجاة الله وعن الخير الذي هو بصدده وانصرف إلى قتال قطاع الطريق ~~والتعريج على قتال قطاع الطريق نقصان في السلوك # الثانية أن يعرف أن الجدال والقتال نقصان في السلوك فيقتصر على تكذيبه ~~ودفعه ولا يشتغل بمجادلته # الثالثة أن لا يشتغل بتكذيبه أيضا لأن ذلك وقفة وإن قلت بل يكون قد قرر ~~في عقد ضميره كراهة الرياء وكذب الشيطان فيستمر على ما كان عليه مستصحبا ~~للكراهة غير مشتغل بالتكذيب ولا بالمخاصمة # الرابعة أن يكون قد علم أن الشيطان سيحسده عند جريان أسباب الرياء فيكون ~~قد عزم على أنه مهما نزع الشيطان زاد فيما هو فيه من الإخلاص والاشتغال ~~بالله وإخفاء الصدقة والعبادة غيظا للشيطان وذلك هو الذي يغيظ الشيطان ~~ويقمعه ويوجب يأسه وقنوطه حتى لا يرجع # يروى عن الفضيل بن غزوان أنه قيل له إن فلانا يذكرك فقال والله لأغيظن من ~~أمره قيل ومن أمره قال الشيطان اللهم اغفر له # أي لأغيظنه بأن PageV03P314 # أطع الله فيه # ومهما عرف الشيطان من عبد ms1683 هذه العادة كف عنه خيفة من أن يزيد في حسناته # وقال إبراهيم التيمي إن الشيطان ليدعو العبد إلى الباب من الإثم فلا يطعه ~~وليحدث عند ذلك خيرا فإذا رآه كذلك تركه وقال أيضا إذا رآك الشيطان مترددا ~~طمع فيك وإذا رآك مداوما ملك وقلاك # وضرب الحارث المحاسبي رحمه الله لهذه الأربعة مثالا أحسن فيه فقال مثالهم ~~كأربعة قصدوا مجلسا من العلم والحديث لينالوا به فائدة وفضلا وهداية ورشدا ~~فحسدهم على ذلك ضال مبتدع وخاف أن يعرفوا الحق فتقدم إلى واحد فمنعه وصرفه ~~عن ذلك ودعاه إلى مجلس ضلال فأبى فلما عرف إباءه شغله بالمجادلة فاشتغل معه ~~ليرد ضلاله وهو يظن أن ذلك مصلحة له وهو غرض الضال ليفوت عليه بقدر تأخره # فلما مر الثاني عليه نهاه واستوقفه فوقف فدفع في نحر الضال ولم يشتغل ~~بالقتال واستعجل ففرح منه الضال بقدر توقفه للدفع فيه # ومر به الثالث فلم يلتفت إليه ولم يشتغل بدفعه ولا بقتاله بل استمر على ~~ما كان فخال منه رجاؤه بالكلية # فمر الرابع فلم يتوقف له وأراد أن يغيظه فزاد في عجلته وترك التأني في ~~المشي فيوشك إن عادوا ومروا عليه مرة أخرى أن يعاود الجميع إلا هذا الأخير ~~فإنه لا يعاوده خيفة من أن يزداد فائدة باستعجاله # فإن قلت فإذا كان الشيطان لا تؤمن نزغاته فهل يجب الترصد له قبل حضوره ~~للحذر منه انتظارا لوروده أم يجب التوكل على الله ليكون هو الدافع له أو ~~يجب الاشتغال بالعبادة والغفلة عنه قلنا اختلف الناس فيه على ثلاثة أوجه ~~فذهبت فرقة من أهل البصرة إلى أن الأقوياء قد استغنوا عن الحذر من الشيطان ~~لأنهم انقطعوا إلى الله واشتغلوا بحبه فاعتزلهم الشيطان وأيس منهم وخنس ~~عنهم كما أيس من ضعفاء العباد في الدعوة إلى الخمر والزنا فصارت ملاذ ~~الدنيا عندهم وإن كانت مباحة كالخمر والخنزير فارتحلوا من حبها بالكلية فلم ~~يبق للشيطان إليهم سبيل فلا حاجة بهم إلى الحذر # وذهبت فرقة من أهل الشام إلى أن الترصد للحذر منه إنما ms1684 يحتاج إليه من قل ~~يقينه ونقص توكله فمن أيقن بأن لا شريك لله في تدبيره فلا يحذر غيره ويعلم ~~أن الشيطان ذليل مخلوق ليس له أمر ولا يكون إلا ما أراده الله فهو الضار ~~والنافع والعارف يستحي منه أن يحذر غيره فاليقين بالوحدانية يغنيه عن الحذر # وقالت فرقة من أهل العلم لا بد من الحذر من الشيطان وما ذكره البصريون من ~~أن الأقوياء قد استغنوا عن الحذر وخلت قلوبهم عن حب الدنيا بالكلية فهو ~~وسيلة الشيطان يكاد يكون غرورا إذ الأنبياء عليهم السلام لم يتخلصوا من ~~وسواس الشيطان ونزغاته فكيف يتخلص غيرهم وليس كل وسواس الشيطان من الشهوات ~~وحب الدنيا بل في صفات الله تعالى وأسمائه وفي تحسين البدع والضلال وغير ~~ذلك ولا ينجو أحد من الخطر فيه ولذلك قال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~ولا نبي إلا إذا تمنى ألقي الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ~~ثم يحكم الله آياته وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه ليغان على قلبي (1) ~~حديث إن شيطانه أسلم فلا يأمر إلا بخير تقدم أيضا # فمن ظن أن اشتغاله بحب الله أكثر من اشتغال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسائر الأنبياء عليهم السلام فهو مغرور ولم يؤمنهم ذلك من كيد الشيطان ~~ولذلك لم يسلم منه آدم وحواء في الجنة التي هي دار الأمن والسرور بعد أن ~~قال الله لهما إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا ~~تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ومع أنه لم ينه إلى عن شجرة ~~واحدة وأطلق له وراء ذلك ما أراد فإذا لم يأمن من نبي من الأنبياء وهو في ~~الجنة دار الأمن والسعادة من كيد الشيطان فكيف يجوز لغيره أن يأمن في دار ~~PageV03P315 # والدنيا وهي منبع المحن والفتن معدن الملاذ والشهوات المنهي عنها وقال ~~موسى عليه السلام فيما أخبر عنه تعالى هذا من عمل الشيطان ولذلك حذر الله ~~منه جميع الخلق فقال الله ms1685 تعالى يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج ~~أبويكم من الجنة وقال عز وجل إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم والقرآن ~~من أوله إلى آخره تحذير من الشيطان فكيف يدع الأمن منه وأخذ الحذر من حيث ~~أمر الله به لا ينافي الاشتغال بحب الله فإن من الحب له امتثال أمره وقد ~~أمر بالحذر من العدو كما أمر بالحذر من الكفار فقال تعالى وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم وقال تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل فإذا ~~لزمك بأمر الله الحذر من العدو الكافر وأنت تراه فبأن يلزمك الحذر من عدو ~~يراك ولا تراه أولى # ولذلك قال ابن محيريز صيد تراه ولا يراك يوشك أن تظفر به وصيد يراك ولا ~~تراه يوشك أن يظفر بك # فأشار إلى الشيطان فكيف وليس في الغفلة عن عداوة الكافر إلا قتل هو شهادة ~~وفي إهمال الحذر من الشيطان التعرض للنار والعقاب الأليم فليس من الاشتغال ~~بالله الأعراض عما حذر الله # وبه يبطل مذهب الفرقة الثانية في ظنهم أن ذلك قادح في التوكل فإن أخذ ~~الترس والسلاح وجمع الجنود وحفر الخندق لم يقدح في توكل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فكيف يقدح في التوكل الخوف مما خوف الله به والحذر مما أمر ~~بالحذر منه وقد ذكرنا في كتاب التوكل ما يبين غلط من زعم أن معنى التوكل ~~النزوع عن الأسباب بالكلية وقوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ~~رباط الخيل لا يناقض امتثال التوكل مهما اعتقد القلب أن الضار والنافع ~~والمحيي والمميت هو الله تعالى فكذلك يحذر الشيطان ويعتقد أن الهادي والمضل ~~هو الله ويرى الأسباب وسائط مسخرة كما ذكرناه في التوكل # وهذا ما اختاره الحارث المحاسبي رحمه الله وهو الصحيح الذي يشهد له نور ~~العلم وما قبله يشبه أن يكون من كلام العباد الذين لم يغزر علمهم ويظنون أن ~~ما يهجم عليهم من الأحوال في بعض الأوقات من الاستغراق بالله يستمر على ~~الدوام وهو بعيد # ثم اختلفت هذه ms1686 الفرقة على ثلاثة أوجه في كيفية الحذر فقال قوم # إذا حذرنا الله تعالى العدو فلا ينبغي أن يكون شيء أغلب في قلوبنا عن ~~ذكره والحذر منه والترصد له فإنا إن غفلنا عنه لحظة فيوشك أن يهلكنا # وقال قوم إن ذلك يؤدي إلى خلو القلب عن ذكر الله واشتغال الهم كله ~~بالشيطان وذلك مراد الشيطان منا بل نشتغل بالعبادة وبذكر الله تعالى ولا ~~ننسى الشيطان وعداوته والحاجة إلى الحذر منه فنجمع بين الأمرين فإنا إن ~~نسينا ربما عرض من حيث لا نحتسب وإن تجردنا لذكره كنا قد أهملنا ذكر الله ~~فالجمع أولى # وقال العلماء المحققون غلط الفريقان أما الأول فقد تجرد لذكر الشيطان ~~ونسي ذكر الله فلا يخفى غلطه وإنما أمرنا بالحذر من الشيطان كيلا يصدنا عن ~~الذكر فكيف نجعل ذكره اغلب الأشياء على قلوبنا وهو منتهى ضرر العدو ثم يؤدي ~~ذلك إلى خلو القلب عن نور ذكر الله تعالى فإذا قصد الشيطان مثل هذا القلب ~~وليس فيه نور ذكر الله تعالى وقوة الاشتغال به فيوشك أن يظفر به ولا يقوى ~~على دفعه فلم يأمرنا بانتظار الشيطان ولا بإدمان ذكره وأما الفرقة الثانية ~~فقد شاركت الأولى إذ جمعت في القلب بين ذكر الله والشيطان وبقدر ما يشتغل ~~القلب بذكر الشيطان ينقص من ذكر الله وقد أمر الله الخلق بذكره ونسيان ما ~~عداه إبليس وغيره فالحق أن يلزم العبد قلبه الحذر من الشيطان ويقرر على ~~نفسه عداوته فإذا اعتقد ذلك وصدق به وسكن الحذر فيه فيشتغل بذكر الله ويكب ~~عليه بكل الهمة ولا يخطر بباله أمر الشيطان فإنه إذا اشتغل بذلك بعد معرفة ~~عداوته ثم خطر الشيطان له تنبه له PageV03P316 # وعند التنبه يشتغل بدفعه والاشتغال بذكر الله لا يمنع من التيقظ عند نزغة ~~الشيطان بل الرجل ينام وهو خائف من أن يفوته مهم عند طلوع الصبح فيلزم نفسه ~~الحذر وينام على أن يتنبه في ذلك الوقت فيتنبه في الليل مرات قبل أوانه لما ~~أسكن في قلبه من الحذر مع أنه بالنوم غافل ms1687 عنه فاشتغاله بذكر الله كيف يمنع ~~تنبهه ومثل هذا القلب هو الذي يقوي على دفع العدو إذا كان اشتغاله بمجرد ~~ذكر الله تعالى قد أمات منه الهوى وأحيا فيه نور العقل والعلم وأماط عنه ~~ظلمة الشهوات فأهل البصيرة أشعروا قلوبهم عداوة الشيطان وترصده وألزموها ~~الحذر ثم لم يشتغلوا بذكره بل بذكر الله ودفعوا بالذكر شر العدو واستضاءوا ~~بنور الذكر حتى صرفوا خواطر العدو # فمثال القلب مثال بئر أريد تطهيرها من الماء القذر ليتفجر منها الماء ~~الصافي فالمشتغل بذكر الشيطان قد ترك فيها الماء القذر والذي جمع بين ذكر ~~الشيطان وذكر الله قد نزح الماء القذر من جانب ولكنه تركه جاريا إليها من ~~جانب آخر فيطول تعبه ولا تجف البئر من الماء القذر والبصير هو الذي جعل ~~لمجرى الماء القذر سدا وملأها بالماء الصافي فإذا جاء الماء القذر دفعه ~~بالسكر والسد من غير كلفة ومؤنة وزيادة تعب ### |||| بيان الرخصة في قصد إظهار الطاعات # اعلم أن في الأسرار للأعمال فائدة الإخلاص والنجاة من الرياء وفي الإظهار ~~فائدة والإقتداء وترغيب الناس في الخير ولكن فيه آفة الرياء قال الحسن قد ~~علم المسلمون إن السر أحرز العملين ولكن في الإظهار أيضا فائدة ولذلك أثنى ~~الله تعالى على السر والعلانية فقال إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم # والإظهار قسمان أحدهما في نفس العمل والآخر التحدث بما عمل # القسم الأول إظهار نفس العمل كالصدقة في الملأ لترغيب الناس فيها كما روي ~~عن الأنصاري الذي جاء بالصرة فتتابع الناس بالعطية لما رأوه فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم من سن سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها وأجر من اتبعه // ~~حديث من سن سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها وأجر من اتبعه وفي أوله قصة ~~مسلم من حديث جرير بن عبد الله البيهقي # وتجري سائر الأعمال هذا المجرى من الصلاة والصيام والحج والغزو وغيرها ~~ولكن الاقتداء في الصدقة على الطباع أغلب # نعم الغازي إذا هم بالخروج فاستعد وشد الرحل قبل ms1688 القوم تحريضا لهم على ~~الحركة فذلك أفضل له لأن الغزو في أصله من أعمال العلانية لا يمكن إسراره ~~فالمبادرة إليه ليست من الإعلان بل هو تحريض مجرد وكذلك الرجل قد يرفع صوته ~~في الصلاة بالليل لينبه جيرانه وأهله فيقتدى به # فكل عمل لا يمكن إسراره كالحج والجهاد والجمعة فالأفضل المبادرة إليه ~~وإظهار الرغبة فيه للتحريض بشرط أن لا يكون فيه شوائب الرياء وأما ما يمكن ~~إسراره كالصدقة والصلاة فإن كان إظهار الصدقة يؤذي المتصدق عليه ويرغب ~~الناس في الصدقة فالسر أفضل لأن الإيذاء حرام # فإن لم يكن فيه إيذاء فقد اختلف الناس في الأفضل فقال قوم السر أفضل من ~~العلانية وإن كان في العلانية قدوة وقال قوم السر أفضل من علانية لا قدوة ~~فيها أما العلانية للقدوة فأفضل من السر # ويدل على ذلك أن الله عز وجل أمر الأنبياء بإظهار العمل للاقتداء وخصهم ~~بمنصب النبوة ولا يجوز أن يظن بهم أنهم حرموا أفضل العملين # ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم فله أجرها وأجر من عمل بها وقد روي في ~~الحديث PageV03P317 # إن عمل السر يضاعف على عمل العلانية سبعين ضعفا ويضاعف عمل العلانية إذا ~~استن بعامله على عمل السر سبعين ضعفا // حديث إن عمل السر يضاعف على عمل ~~العلانية بسبعين ضعفا ويضاعف عمل العلانية إذا استن به على عمل السر سبعين ~~ضعفا أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي الدرداء مقتصرا على الشطر الأول ~~بنحوه وقال هذا من أفراد بقية عن شيوخه المجهولين وقد تقدم قبل هذا بنحو ~~ورقتين وله من حديث ابن عمر عمل السر أفضل من عمل العلانية والعلانية أفضل ~~لمن أراد الاقتداء وقال تفرد به بقية عن عبد الملك بن مهران وله من حديث ~~عائشة يفضل أو يضاعف الذكرالخفي الذي لا يسمعه الحفظة على الذي تسمعه ~~بسبعين ضعفا وقال تفرد به معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف # وهذا لا وجه للخلاف فيه فإنه مهما انفك القلب عن شوائب الرياء وتم ~~الإخلاص على وجه واحد في الحالتين فما ms1689 يقتدى به أفضل لا محالة وإنما يخاف ~~من ظهور الرياء ومهما حصلت شائبة الرياء لم ينفعه اقتداء غيره وهلك به فلا ~~خلاف في أن السر أفضل منه # ولكن على من يظهر العمل وظيفتان # إحداهما أن يظهره حيث يعلم أنه يقتدي به أو يظن ذلك ظنا ورب رجل يقتدي به ~~أهله دون جيرانه وربما يقتدي به جيرانه دون أهل السوق وربما يقتدي به أهل ~~محلته وإنما العالم المعروف هو الذي يقتدي به الناس كافة # فغير العالم إذا أظهر بعض الطاعات ربما نسب إلى الرياء والنفاق وذموه ولم ~~يقتدوا به فليس له الإظهار من غير فائدة وإنما يصح الإظهار بنية القدوة ممن ~~هو في محل القدوة على من هو في محل الاقتداء به # والثانية أن يراقب قلبه فإنه ربما يكون فيه حب الرياء الخفي فيدعوه ~~الإظهار بعذر الاقتداء وإنما شهوته التجمل بالعمل وبكونه يقتدي به وهذا حال ~~كل من يظهر أعماله إلا الأقوياء المخلصين وقليل ما هم # فلا ينبغي أن يخدع الضعيف نفسه بذلك فيهلك وهو لا يشعر فإن الضعيف مثاله ~~مثال الغريق الذي يحسن سباحة ضعيفة فنظر إلى جماعة من الغرقى فرحمهم فأقبل ~~عليهم حتى تشبثوا به فهلكوا وهلك والغرق بالماء في الدنيا ألمه ساعة وليت ~~كان الهلاك بالرياء مثله لا بل عذابه دائم مدة مديدة وهذه مزلة أقدام ~~العباد والعلماء فإنهم يتشبهون بالأقوياء في الإظهار ولا تقوى قلوبهم على ~~الإخلاص فتحبط أجورهم بالرياء والتفطن لذلك غامض ومحك ذلك أن يعرض على نفسه ~~أنه لو قيل له أخف العمل حتى يقتدي الناس بعابد آخر من أقرانك ويكون لك في ~~السر مثل أجر الإعلان فإن مال قلبه إلى أن يكون هو المقتدى به وهو المظهر ~~للعمل فباعثه الرياء دون طلب الأجر واقتداء الناس به ورغبتهم في الخير ~~فإنهم قد رغبوا في الخير بالنظر إلى غيره وأجره قد توفر عليه مع إسراره فما ~~بال قلبه يميل إلى الإظهار لولا ملاحظته لأعين الخلق ومراءاتهم فليحذر ~~العبد خدع النفس فإن النفس خدوع والشيطان مترصد وحب ms1690 الجاه على القلب غالب ~~وقلما تسلم الأعمال الظاهرة عن الآفات فلا ينبغي أن يعدل بالسلامة شيئا ~~والسلامة في الإخفاء وفي الإظهار من الأخطار ما لا يقوى عليه أمثالنا ~~فالحذر من الإظهار أولى بنا وبجميع الضعفاء # القسم الثاني أن يتحدث بما فعله بعد الفراغ وحكمه حكم إظهار العمل نفسه ~~والخطر في هذا أشد لأن مؤنة النطق خفيفة على اللسان وقد تجري في الحكاية ~~زيادة ومبالغة وللنفس لذة في إظهار الدعاوى عظيمة إلا أنه لو تطرق إليه ~~الرياء لم يؤثر في إفساد العبادة الماضية بعد الفراغ منها فهو من هذا الوجه ~~أهون والحكم فيه أن من قوي قلبه وتم إخلاصه وصغر الناس في عينه واستوى عنده ~~مدحهم وذمهم وذكر ذلك عند من يرجو الاقتداء به والرغبة في الخير بسببه فهو ~~جائز بل هو مندوب إليه إن صفت النية وسلمت عن جميع الآفات لأنه ترغيب في ~~الخير والترغيب في الخير خير وقد نقل مثل ذلك عن جماعة من السلف الأقوياء # قال سعد بن معاذ PageV03P318 # ما صليت صلاة منذ أسلمت فحدثت نفسي بغيرها ولا تبعت جنازة فحدثت نفسي ~~بغير ما هي قائلة وما هو مقول لها وما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~قولا قط إلا علمت أنه حق # وقال عمر رضي الله عنه ما أبالي أصبحت على عسر أو يسر لأني لا أدري أيهما ~~خير لي وقال ابن مسعود ما أصبحت على حال فتمنيت أن أكون على غيرها # وقال عثمان رضي الله عنه ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ ~~بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) حديث إن الله ليؤيد هذا الدين ~~بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم هما حديثان فالأول متفق عليه من حديث ~~أبي هريرة وقد تقدم في العلم والثاني رواه النسائي من حديث أنس بسند صحيح ~~وتقدم أيضا # كما ورد في الأخبار وبعض المرائين ممن يقتدي به منهم والله تعالى أعلم ### |||| بيان الرخصة في كتمان الذنوب وكراهة إطلاع الناس عليها وكراهة ذمهم له # اعلم أن الأصل ms1691 في الإخلاص استواء السريرة والعلانية كما قال عمر رضي الله ~~عنه لرجل عليك بعمل العلانية قال يا أمير المؤمنين وما عمل العلانية قال # ما إذا اطلع عليك لم تستحي منه # وقال أبو مسلم الخولاني ما عملت عملا أبالي أن يطلع الناس عليه إلا ~~إتياني أهلي والبول والغائط إلا أن هذه درجة عظيمة لا ينالها كل واحد # ولا يخلو الإنسان عن ذنوب بقلبه أو بجوارحه وهو يخفيها ويكره اطلاع الناس ~~عليها لا سيما ما تختلج به الخواطر في الشهوات والأماني والله مطلع على ~~جميع ذلك فإرادة العبد لإخفائها عن العبيد ربما يظن أنه رياء محظور وليس ~~كذلك بل المحظور أنه يستر ذلك ليري الناس أنه ورع خائف من الله تعالى مع ~~أنه ليس كذلك فهذا هو ستر المرائي # وأما الصادق الذي لا يرائي فله ستر المعاصي ويصح قصده فيه ويصح اغتمامه ~~باطلاع الناس عليه في ثمانية أوجه # الأول أن يفرح بستر الله عليه وإذا افتضح اغتم بهتك الله ستره وخاف أن ~~يهتك ستره في القيامة إذ ورد في الخبر أن من ستر الله عليه في الدنيا ذنبا ~~ستره الله عليه في الآخرة // حديث إن من ستر عليه في الدنيا يستر عليه في ~~الآخرة تقدم قبل هذا بورقة # وهذا غم ينشأ من قوة الإيمان PageV03P319 # الثاني أنه قد علم أن الله تعالى يكره ظهور المعاصي ويحب سترها كما قال ~~صلى الله عليه وسلم من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله (1) ~~حديث الحياء خير كله أخرجه مسلم من حديث عمران بن حصين وقد تقدم # وقال صلى الله عليه وسلم الحياء شعبة من الإيمان (2) حديث الحياء لا يأتي ~~إلا بخير متفق عليه من حديث عمران بن حصين وقد تقدم # وقال صلى الله عليه وسلم إن الله يحب الحيى الحليم // حديث إن الله يحب ~~الحيي الحليم أخرجه الطبراني من حديث فاطمة وللبزار من حديث أبي هريرة إن ~~الله يحب الغني الحليم المتعفف وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه # فالذي يفسق ولا يبالي أن ms1692 يظهر فسقه PageV03P320 # للناس جمع إلى الفسق والتهتك والوقاحة وفقد الحياء فهو أشد حالا ممن ~~يستتر ويستحيي إلا أن الحياء ممتزج بالرياء ومشتبه به اشتباها عظيما قل من ~~يتفطن له ويدعي كل مراء أنه مستحي وأن سبب تحسينه العبادات هو الحياء من ~~الناس وذلك كذب بل الحياء خلق ينبعث من الطبع الكريم وتهيج عقبه داعية ~~الرياء وداعية الإخلاص ويتصور أن يخلص معه ويتصور أن يرائي معه # وبيانه أن الرجل يطلب من صديق له قرضا ونفسه لا تسخو بإقراضه إلا أنه ~~يستحي من رده وعلم أنه لو راسله على لسان غيره لكان لا يستحيي ولا يقرض ~~رياء ولا لطلب الثواب فله عند ذلك أحوال أحدها أن يشافه بالرد الصريح ولا ~~يبالي فينسب إلى قلة الحياء وهذا فعل من لا حياء له # فإن المستحيي إما أن يتعلل أو يقرض # فإن أعطي فيتصور له ثلاثة أحوال # أحدها # أن يمزج الرياء بالحياء بأن يهيج الحياء فيقبح عنده الرد فيهيج خاطر ~~الرياء ويقول ينبغي أن تعطى حتى يثنى عليك ويحمدك وينشر اسمك بالسخاء أو ~~ينبغي أن تعطى حتى لا يذمك ولا ينسبك إلى البخل # فإذا أعطى فقد أعطى بالرياء وكان المحرك للرياء هو هيجان الحياء # الثاني أن يتعذر عليه الرد بالحياء ويبقى في نفسه البخل فيتعذر الإعطاء ~~فيهيج داعي الإخلاص ويقول له إن الصدقة بواحدة والقرض بثمان عشرة ففيه أجر ~~عظيم وإدخال سرور على قلب صديق وذلك محمود عند الله تعالى فتسخو النفس ~~بالإعطاء لذلك فهذا مخلص هيج الحياء إخلاصه # الثالث أن لا يكون له رغبة في الثواب ولا خوف من مذمته ولا حب لمحمدته ~~لأنه لو طلبه مراسلة لكان لا يعطيه فأعطاه بمحض الحياء وهو ما يجده في قلبه ~~من ألم الحياء ولولا الحياء لرده ولو جاءه من لا يستحي منه من الأجانب أو ~~الأراذل لكان يرده وإن كثر الحمد والثواب فيه فهذا مجرد الحياء ولا يكون ~~هذا إلا في القبائح كالبخل ومقارفة الذنوب # والمرائي يستحي من المباحات أيضا حتى إنه يرى مستعجلا في المشي ms1693 فيعود إلى ~~الهدوء أو ضاحكا فيرجع إلى الانقباض ويزعم أن ذلك حياء وهو عين الرياء # وقد قيل إن بعض الحياء ضعف وهو صحيح والمراد به الحياء مما ليس بقبيح ~~كالحياء من وعظ الناس وإمامة الناس في الصلاة وهو في الصبيان والنساء محمود ~~وفي العقلاء غير محمود # وقد تشاهد معصية من شيخ فتستحي من شيبته أن تنكر عليه لأن من إجلال الله ~~إجلال ذي الشيبة المسلم وهذا الحياء حسن وأحسن منه أن يستحي من الله فلا ~~تضيع الأمر بالمعروف فالقوي يؤثر الحياء من الله على الحياء من الناس ~~والضعيف قد لا يقدر عليه فهذه هي الأسباب التي يجوز لأجلها ستر القبائح ~~والذنوب # الثامن أن يخاف من ظهور ذنبه أن يستجرئ عليه غيره ويقتدي به وهذا العلة ~~الواحدة فقط هي الجارية في إظهار الطاعة وهو القدوة ويختص ذلك بالأئمة أو ~~بمن يقتدي به وبهذه العلة ينبغي أيضا أن يخفي العاصي أيضا معصيته من أهله ~~وولده لأنهم يتعلمون منه # ففي ستر الذنوب هذه الأعذار الثمانية وليس في إظهار الطاعة عذر إلا هذا ~~العذر الواحد ومهما قصد بستر المعصية أن يخيل إلى الناس أنه ورع كان مرائيا ~~كما إذا قصد ذلك بإظهار الطاعة # فإن قلت فهل يجوز للعبد أن يحب حمد الناس له بالصلاح وحبهم إياه بسببه ~~وقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم PageV03P321 # دلني على ما يحبني الله عليه ويحبني الناس قال ازهد في الدنيا يحبك الله ~~وانبذ إليهم هذا الحطام يحبوك // حديث قال رجل دلني على ما يحبني الله عليه ~~ويحبني الناس قال ازهد في الدنيا يحبك الله الحديث أخرجه ابن ماجه من حديث ~~سهل بن سعد بلفظ وازهد فيما في أيدي الناس وقد تقدم # فنقول حبك لحب الناس لك قد يكون مباحا وقد يكون محمودا وقد يكون مذموما # فالمحمود أن تحب ذلك لتعرف به حب الله لك فإنه تعالى إذا أحب عبدا حببه ~~في قلوب عباده # والمذموم أن تحب حبهم وحمدهم على حجك وغزوك وصلاتك على طاعة بعينها فإن ~~ذلك ms1694 طلب عوض على طاعة الله عاجل سوى ثواب الله # والمباح أن تحب أن يحبوك لصفات محمودة سوى الطاعات المحمودة المعينة فحبك ~~ذلك كحبك المال لأن ملك القلوب وسيلة إلى الأغراض كملك الأموال فلا فرق ~~بينهما ### |||| بيان ترك الطاعات خوفا من الرياء ودخول الآفات # اعلم أن من الناس من يترك العمل خوفا من أن يكون مرائيا به وذلك غلط ~~وموافقة للشيطان بل الحق فيما يترك من الأعمال وما لا يترك لخوف الآفات ما ~~نذكره وهو أن الطاعات تنقسم إلى # ما لا لذة في عينه كالصلاة والصوم والحج والغزو فإنها مقاساة ومجاهدات ~~إنما تصير لذيذة من حيث أنها توصل إلى حمد الناس وحمد الناس لذيذ وذلك عند ~~اطلاع الناس عليه # وإلى ما هو لذيذ وهو أكثر مالا يقتصر على البدن بل يتعلق بالخلق كالخلافة ~~والقضاء والولايات والحسبة وإمامة الصلاة والتذكير والتدريس وإنفاق المال ~~على الخلق وغير ذلك مما تعظم الآفة فيه لتعلقه بالخلق ولما فيه من اللذة # القسم الأول الطاعات اللازمة للبدن التي لا تتعلق بالغير ولا لذة في ~~عينها كالصوم والصلاة والحج فخطرات الرياء فيها ثلاث # إحداها ما يدخل قبل العمل فيبعث على الابتداء لرؤية الناس وليس معه باعث ~~الدين فهذا مما ينبغي أن يترك لأنه معصية لا طاعة فيه فإنه تدرع بصورة ~~الطاعة إلى طلب المنزلة فإن قدر الإنسان على أن يدفع عن نفسه باعث الرياء ~~ويقول لها ألا تستحيين من مولاك لا تسخين بالعمل لأجله وتسخين بالعمل لأجل ~~عباده حتى يندفع باعث الرياء وتسخو النفس بالعمل لله عقوبة للنفس على خاطر ~~الرياء وكفارة له فليشتغل بالعمل # الثانية أن ينبعث لأجل الله ولكن يعترض الرياء مع عقد العبادة وأولها فلا ~~ينبغي أن يترك العمل لأنه وجد باعثا دينيا فليشرع في العمل وليجاهد نفسه في ~~دفع الرياء وتحسين الإخلاص بالمعالجات التي ذكرناها من إلزام النفس كراهة ~~الرياء والإباء عن القبول # الثالثة أن يعقد على الإخلاص ثم يطرأ الرياء ودواعيه فينبغي أن يجاهد في ~~الدفع ولا يترك العمل لكي يرجع إلى عقد ms1695 الإخلاص ويرد نفسه إليه قهرا حتى ~~يتمم العمل لأن الشيطان يدعوك أولا إلى ترك العمل فإذا لم تجب واشتغلت ~~فيدعوك إلى الرياء فإذا لم تجب ودفعت بقي يقول لك هذا العمل ليس بخالص وأنت ~~مراء وتعبك ضائع فأي فائدة لك في عمل لا إخلاص حتى يحملك بذلك على ترك ~~العمل فإذا تركته فقد حصلت غرضه # ومثال من يترك العلم لخوفه أن يكون مرائيا كمن سلم إليه مولاه حنطة فيها ~~زؤان وقال خلصها من الزؤان ونقها منه تنقية بالغة فيترك أصل العمل يقول ~~أخاف إن اشتغلت به لم تخلص خلاصا صافيا نقيا # فترك العمل من أجله هو ترك الإخلاص مع أصل العمل فلا معنى له # ومن هذا القبيل أن يترك العمل خوفا على الناس أن يقولوا إنه مراء فيعصون ~~الله به # فهذا من مكايد الشيطان لأنه أولا أساء الظن بالمسلمين وما كان من حقه أن ~~يظن بهم ذلك ثم إن كان فلا يضره قولهم ويفوته ثواب PageV03P322 # العبادة وترك العمل خوفا من قولهم إنه مراء هو عين الرياء فلولا حبه ~~لمحمدتهم وخوفه من ذمهم فماله ولقولهم قالوا إنه مراء أو قالوا إنه مخلص ~~وأي فرق بين أن يترك العمل خوفا من أن يقال إنه مراء وبين أن يحسن العمل ~~خوفا من أن يقال إنه غافل مقصر بل ترك العمل أشد من ذلك # فهذه كلها مكايد الشيطان على العباد الجهال ثم كيف يطمع في أن يتخلص من ~~الشيطان بأن يترك العمل والشيطان لا يخليه بل يقول له الآن يقول الناس إنك ~~تركت العمل ليقال إنه مخلص لا يشتهي الشهرة # فيضطرك بذلك إلى أن تهرب فإن هربت ودخلت سربا تحت الأرض ألقى في قلبك ~~حلاوة معرفة الناس لتزهدك وهربك منهم وتعظيمهم لك بقلوبهم على ذلك فكيف ~~تتخلص منه بل لا نجاة منه إلا بأن تلزم قلبك معرفة آفة الرياء وهو أنه ضرر ~~في الآخرة ولا نفع فيه في الدنيا ليلزم الكراهة والإباء قلبك وتستمر مع ذلك ~~على العمل ولا تبالي وإن نزغ العدو نازغ ms1696 الطبع فإن ذلك لا ينقطع وترك العمل ~~لأجل ذلك يجر إلى البطالة وترك الخيرات # فما دمت تجد باعثا دينيا على العمل فلا تترك العمل وجاهد خاطر الرياء ~~وألزم قلبك الحياء من الله إذا دعتك نفسك إلى أن تستبدل بحمده حمد ~~المخلوقين وهو مطلع على قلبك ولو اطلع الخلق على قلبك وأنك تريد حمدهم ~~لمقتوك بل إن قدرت على أن تزيد في العمل حياء من ربك وعقوبة لنفسك فافعل # فإن قال لك الشيطان أنت مراء فاعلم كذبه وخدعه بما تصادف في قلبك من ~~كراهة الرياء وإبائه وخوفك منه وحيائك من الله تعالى وإن لم تجد في قلبك له ~~كراهية ومنه خوفا ولم يبق باعث ديني بل تجرد باعث الرياء فاترك العمل عند ~~ذلك وهو بعيد فمن شرع في العمل لله فلا بد أن يبقى معه أصل قصد الثواب # فإن قلت فقد نقل عن أقوام ترك العمل مخافة الشهرة # روي أن إبراهيم النخعي دخل عليه إنسان وهو يقرأ فأطبق المصحف وترك ~~القراءة وقال لا يرى هذا أنا نقرأ كل ساعة # وقال إبراهيم التيمي إذا أعجبك الكلام فاسكت وإذا أعجبك السكوت فتكلم # وقال الحسن إن كان أحدهم ليمر بالأذى ما يمنعه من دفعه إلا كراهة الشهرة ~~وكان أحدهم يأتيه البكاء فيصرفه إلى الضحك مخافة الشهرة # وقد ورد في ذلك آثار كثيرة قلنا هذا يعارضه ما ورد من إظهار الطاعات ممن ~~لا يحصى وإظهار الحسن البصري هذا الكلام في معرض الوعظ أقرب إلى خوف الشهرة ~~من البكاء وإماطة الأذى عن الطريق ثم لم يتركه # وبالجملة ترك النوافل جائز والكلام في الأفضل # والأفضل إنما يقدر عليه الأقوياء دون الضعفاء فالأفضل أن يتمم العمل ~~ويجتهد في الإخلاص ولا يتركه وأرباب الأعمال قد يعالجون أنفسهم بخلاف ~~الأفضل لشدة الخوف فالاقتداء ينبغي أن يكون بالأقوياء # وأما إطباق إبراهيم النخعي المصحف فيمكن أن يكون لعلمه بأنه سيحتاج إلى ~~ترك القراءة عند دخوله واستئنافه بعد خروجه للاشتغال بمكالمته فرأى أن لا ~~يراه في القراءة أبعد عن الرياء وهو عازم على ms1697 الترك للاشتغال به حتى يعود ~~إليه بعد ذلك وأما ترك دفع الأذى فذلك ممن يخاف على نفسه آفة الشهرة وإقبال ~~الناس عليه وشغلهم إياه عن عبادات هي أكبر من رفع خشبة من الطريق فيكون ترك ~~ذلك للمحافظة على عبادات هي أكبر منها لا بمجرد خوف الرياء # وأما قول التيمي إذا أعجبك الكلام فاسكت يجوز أن يكون قد أراد به مباحات ~~الكلام كالفصاحة في الحكايات وغيرها فإن ذلك يورث العجب وكذلك العجب ~~بالسكوت المباح محذور فهو عدول عن مباح إلى مباح حذرا من العجب # فأما الكلام الحق المندوب إليه فلم ينص عليه على أن الآفة مما تعظم في ~~الكلام فهو واقع في القسم الثاني وإنما كلامنا في العبادات الخاصة ببدن PageV03P323 # العبد مما لا يتعلق بالناس ولا تعظم فيه الآفات ثم كلام الحسن في تركهم ~~البكاء وإماطة الأذى لخوف الشهرة ربما كان حكاية أحوال الضعفاء الذين لا ~~يعرفون الأفضل ولا يدركون هذه الدقائق وإنما ذكره تخويفا للناس من آفة ~~الشهرة وزجرا من طلبها # القسم الثاني ما يتعلق بالخلق وتعظم فيه الآفات والأخطار وأعظمها الخلافة ~~ثم القضاء ثم التذكير والتدريس والفتوى ثم إنفاق المال # أما الخلافة والإمارة فهي من أفضل العبادات إذا كان ذلك مع العدل ~~والإخلاص وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ليوم من إمام عادل خير من عبادة ~~الرجل وحده ستين عاما (1) حديث أول من يدخل الجنة ثلاثة الإمام المقسط ~~الحديث أخرجه مسلم من حديث عياض بن حماد أهل الجنة ثلاث ذو سلطان مقسط ~~الحديث ولم أر فيه ذكر الأولية # أحدهم # وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا ترد دعوتهم ~~الإمام العادل (2) حديث أبي سعيد الخدري أقرب الناس مني مجلسا يوم القيامة ~~إمام عادل أخرجه الأصبهاني في الترغيب والترهيب من رواية عطية العوفي وهو ~~ضعيف عنه وفيه أيضا إسحاق بن إبراهيم الديباجي ضعيف أيضا رواه أبو سعيد ~~الخدري # فالإمارة والخلافة من أعظم العبادات ولم يزل المتقون يتركونها ويحترزون ~~منها ويهربون من تقلدها وذلك لما فيه ms1698 من عظم الخطر إذ تتحرك بها الصفات ~~الباطنة ويغلب النفس حب الجاه ولذة الاستيلاء ونفاذ الأمر وهو أعظم ملاذ ~~الدنيا فإذا صارت الولاية محبوبة كان الوالي ساعيا في حظ نفسه ويوشك أن ~~يتبع هواه فيمتنع من كل ما يقدح في جاهه وولايته وإن كان حقا ويقدم على ما ~~يزيد في مكانته وإن كان باطلا وعند ذلك يهلك ويكون يوم من سلطان جائر شرا ~~من فسق ستين سنة بمفهوم الحديث الذي ذكرناه # ولهذا الخطر العظيم كان عمر رضي الله عنه يقول من يأخذها بما فيها وكيف ~~لا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ما من والي عشرة إلا جاء يوم القيامة ~~مغلولة يده إلى عنقه أطلقه عدله أو أوبقه جوره (3) حديث الحسن أن رجلا ولاه ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال للنبي خر لي قال اجلس أخرجه الطبراني موصولا ~~من حديث عصمة هو ابن مالك وفيه الفضل بن المختار وأحاديثه منكرة يحدث ~~بالأباطيل قاله أبو حاتم ورواه أيضا من حديث ابن عمر بلفظ الزم بيتك وفيه ~~الغراب بن أبي الغراب ضعفه ابن معين وابن عدي وقال أبو حاتم صدوق # وكذلك حديث عبد الرحمن بن سمرة إذ قال له النبي صلى الله عليه وسلم يا ~~عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن ~~أوتيتها عن مسألة وكلت إليها // حديث عبد الرحمن بن سمرة لا تسل الإمارة ~~الحديث متفق عليه # وقال أبو بكر رضي الله عنه لرافع بن عمر لا تأمر PageV03P324 # على اثنين ثم ولي هو الخلافة فقام بها فقال له رافع ألم تقل لي لا تأمر ~~على اثنين وأنت قد وليت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال بلى وأنا ~~أقول لك ذلك فمن لم يعدل فيها فعليه بهلة الله يعني لعنة الله # ولعل القليل البصيرة يرى ما ورد من فضل الإمارة مع ما ورد من النهي عنها ~~متناقضا وليس كذلك بل الحق فيه أن الخواص الأقوياء في الدين لا ينبغي أن ~~يمتنعوا من ms1699 تقلد الولايات وأن الضعفاء لا ينبغي أن يدوروا بها فيهلكوا ~~وأعني بالقوي الذي لا تميله الدنيا ولا يستفزه الطمع ولا تأخذه في الله ~~لومة لائم وهم الذين سقط الخلق عن أعينهم وزهدوا في الدنيا وتبرموا بها ~~وبمخالطة الخلق وقهروا أنفسهم وملكوها وقمعوا الشيطان فأيس منهم فهؤلاء لا ~~يحركهم إلا الحق ولا يسكنهم إلا الحق ولو زهقت فيهم أرواحهم فهم أهل نيل ~~الفضل في الإمارة والخلافة ومن علم أنه ليس بهذه الصفة فيحرم عليه الخوض في ~~الولايات ومن جرب نفسه فرآها صابرة على الحق كافة عن الشهوات في غير ~~الولايات ولكن خاف عليها أن تتغير إذا ذاقت لذة الولاية وأن تستحلي الجاه ~~وتستلذ نفاذ الأمر فتكره العزل فيداهن خيفة من العزل فهذا قد اختلف العلماء ~~في أنه هل يلزمه الهرب من تقلد الولاية فقال قائلون لا يجب لأن هذا خوف أمر ~~في المستقبل وهو في الحال لم يعهد نفسه إلا قوية في ملازمة الحق وترك لذات ~~النفس والصحيح أن عليه الاحتراز لأن النفس خداعة مدعية للحق واعدة بالخير ~~فلو وعدت بالخير جزما لكان يخاف عليها أن تتغير عند الولاية فكيف إذا أظهرت ~~التردد # والامتناع عن قبول الولاية أهون من العزل بعد الشروع فالعزل مؤلم وهو كما ~~قيل العزل طلاق الرجال فإذا شرع لا تسمح نفسه بالعزل وتميل نفسه إلى ~~المداهنة وإهمال الحق وتهوى به في قعر جهنم ولا يستطيع النزوع منه إلى ~~الموت إلا أن يعزل قهرا وكان فيه عذاب عاجل على كل محب للولاية # ومهما مالت النفس إلى طلب الولاية وحملت على السؤال والطلب فهو أمارة ~~الشر ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أنا لا نولي أمرنا من سألنا (1) حديث ~~القضاة ثلاثة الحديث أخرجه أصحاب السنن من حديث بريدة وتقدم في العلم ~~وإسناده صحيح # وقال صلى الله عليه وسلم من استقضى فقد ذبح بغير سكين // حديث من استقضى ~~فقد ذبح بغير سكين أخرجه أصحاب السنن من حديث أبي هريرة بلفظ من جعل قاضيا ~~وفي رواية من ولى القضاء وإسناده صحيح ms1700 # فحكمه حكم الإمارة ينبغي أن يتركه الضعفاء وكل من للدنيا ولذاتها وزن في ~~عينه وليتقلده الأقوياء الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم # ومهما كان السلاطين ظلمة ولم يقدر القاضي على القضاء إلا بمداهنتهم ~~وإهمال بعض الحقوق لأجلهم ولأجل المتعلقين بهم إذ يعلم أنه لو حكم عليهم ~~بالحق لعزلوه أو لم يطيعوه فليس له أن يتقلد القضاء وإن تقلد فعليه أن ~~يطالبهم بالحقوق ولا يكون خوف العزل عذرا مرخصا له في الإهمال أصلا بل إذا ~~عزل سقطت العهدة عنه فينبغي أن يفرح بالعزل إن كان يقضي لله فإن لم تسمح ~~نفسه بذلك فهو إذن يقضي لأتباع الهوى والشيطان فكيف يرتقب عليه ثوابا وهو ~~مع الظلمة في الدرك الأسفل من النار # وأما الوعظ والفتوى والتدريس ورواية الحديث وجمع الأسانيد العالية وكل ما ~~يتسع بسببه الجاه ويعظم به PageV03P325 # القدر فآفته أيضا عظيمة مثل آفة الولايات وقد كان الخائفون من السلف ~~يتدافعون الفتوى ما وجدوا إليه سبيلا وكانوا يقولون حدثنا باب من أبواب ~~الدنيا ومن قال حدثنا فقد قال أوسعوا لي # ودفن بشر كذا وكذا قمطرا من الحديث وقال يمنعني من الحديث أني أشتهي أن ~~أحدث ولو اشتهيت أن لا أحدث لحدثت # والواعظ يجد في وعظه وتأثر قلوب الناس به وتلاحق بكائهم وزعقاتهم ~~وإقبالهم عليه لذة لا توازيها لذة فإذا غلب ذلك على قلبه مال طبعه إلى كل ~~كلام مزخرف يروج عند العوام وإن كان باطلا ويفر عن كل كلام يستثقله العوام ~~وإن كان حقا ويصير مصروف الهمة بالكلية إلى ما يحرك قلوب العوام ويعظم ~~منزلته في قلوبهم فلا يسمع حديثا وحكمة إلا ويكون فرحه به من حيث إنه يصلح ~~لأن يذكره على رأس المنبر وكان ينبغي أن يكون فرحه به من حيث إنه عرف طريق ~~السعادة وطريق سلوك سبيل الدين ليعمل به أولا ثم يقول إذا أنعم الله بهذه ~~النعمة ونفعني بهذه الحكمة فأقصها ليشاركني في نفعها إخواني المسلمون # فهذا أيضا مما يعظم فيه الخوف والفتنة فحكمه حكم الولايات فمن لا باعث ms1701 له ~~إلا طلب الجاه والمنزلة والأكل بالدين والتفاخر والتكاثر فينبغي أن يتركه ~~ويخالف الهوى فيه إلى أن ترتاض نفسه وتقوى في الدين همته ويأمن على نفسه ~~الفتنة فعند ذلك يعود إليه # فإن قلت مهما حكم بذلك على أهل العلم تعطلت العلوم واندرست وعم الجهل ~~كافة الخلق فنقول قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طلب الإمارة ~~وتوعد عليها (1) حديث إنكم تحرصون على الإمارة وإنها حسرة يوم القيامة ~~وندامة إلا من أخذها بحقها أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة دون قوله إلا ~~من أخذها بحقها وزاد في آخره فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة ودون قوله حسرة ~~وهي في صحيح ابن حبان # وقال نعمت المرضعة وبئست الفاطمة (2) حديث النهي عن القضاء أخرجه مسلم من ~~حديث أبي ذر لا تؤمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم # بل الرياسة وحبها يضطر الخلق إلى طلبها وكذلك حب الرياسة لا يترك العلوم ~~تندرس بل لو حبس الخلق وقيدوا بالسلاسل والأغلال من طلب العلوم التي فيها ~~القبول والرياسة لأفلتوا من الحبس وقطعوا السلاسل وطلبوها # وقد وعد الله أن يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم فلا تشغل قلبك بأمر ~~الناس فإن الله لا يضيعهم وانظر لنفسك ثم إني أقول مع هذا إذا كان في البلد ~~جماعة يقومون بالوعظ مثلا فليس في النهي عنه إلا امتناع بعضهم وإلا فليعلم ~~أن كلهم لا يمتنعون ولا يتركون لذة الرياسة فإن لم يكن في البلد إلا واحد ~~وكان وعظه نافعا للناس من حيث حسن كلامه وحسن سمعته في الظاهر وتخييله إلى ~~العوام أنه إنما PageV03P326 # يريد الله بوعظه وأنه تارك للدنيا ومعرض عنها فلا نمنعه منه ونقول له ~~اشتغل وجاهد نفسك فإن قال لست أقدر على نفسي فنقول اشتغل وجاهد لأنا نعلم ~~أنه لو ترك ذلك لهلك الناس كلهم إذ لا قائم به غيره ولو واظب وغرضه الجاه ~~فهو الهالك وحده وسلامة دين الجميع أحب عندنا من سلامة دينه وحده فنجعله ~~فداء للقوم ونقول لعل هذا هو الذي قال فيه رسول ms1702 الله صلى الله عليه وسلم أن ~~الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم (1) حديث لأن يهدي الله بك رجلا ~~واحدا خير لك من الدنيا وما فيها متفق عليه من حديث سهل بن سعد بلفظ خير لك ~~من حمر النعم وقد تقدم في العلم # وقال صلى الله عليه وسلم أيما داع دعا إلى هدى واتبع عليه كان له أجره ~~وأجر من اتبعه // حديث أيما داع دعا إلى هدى واتبع عليه كان له أجره وأجر ~~من اتبعه أخرجه ابن ماجه من حديث أنس بزيادة في أوله ولمسلم من حديث أبي ~~هريرة من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه الحديث # إلى غير ذلك من فضائل العلم فينبغي أن يقال للعالم اشتغل بالعلم واترك ~~مراءاة الخلق كما يقال لمن خالجه الرياء في الصلاة لا تترك العمل ولكن أتمم ~~العمل وجاهد نفسك فاعلم أن فضل العلم كبير وخطره عظيم كفضل الخلافة ~~والإمارة ولا نقول لأحد من عباد الله اترك العلم إذ ليس في نفس العلم آفة ~~وإنما الآفة في إظهاره بالتصدي للوعظ والتدريس ورواية الحديث ولا نقول له ~~أيضا اتركه ما دام يجد PageV03P327 # في نفسه باعثا دينيا ممزوجا بباعث الرياء أما إذا لم يحركه إلا الرياء ~~فترك الإظهار أنفع له وأسلم # وكذلك نوافل الصلوات إذا تجرد فيها باعث الرياء وجب تركها أما إذا خطر له ~~وساوس الرياء في أثناء الصلاة وهو لها كاره فلا يترك الصلاة لأن آفة الرياء ~~في العبادات ضعيفة وإنما تعظم في الولايات وفي التصدي للمناصب الكبيرة في ~~العلم # وبالجملة فالمراتب ثلاث # الأولى الولايات والآفات فيها عظيمة وقد تركها جماعة من السلف خوفا من ~~الآفة # الثانية الصوم الصلاة والحج والغزو وقد تعرض لها أقوياء السلف وضعفاؤهم ~~ولم يؤثر عنهم الترك لخوف الآفة # وذلك لضعف الآفات الداخلة فيها والقدرة على نفيها مع إتمام العمل لله ~~بأدنى قوة # الثالثة وهي متوسطة بين الرتبتين وهو التصدي لمنصب الوعظ والفتوى ~~والرواية والتدريس والآفات فيها أقل مما في الولايات وأكثر مما ms1703 في الصلاة ~~فالصلاة ينبغي أن لا يتركها الضعيف والقوي ولكن يدفع خاطر الرياء والولايات ~~ينبغي أن يتركها الضعفاء رأسا دون الأقوياء ومناصب العلم بينهما ومن جرب ~~آفات منصب العلم علم أنه بالولاة أشبه وأن الحذر منه في حق الضعيف أسلم ~~والله أعلم # وهنا رتبة رابعة وهي جمع المال وأخذه للتفرقة على المستحقين فإن في ~~الإنفاق وإظهار السخاء استجلابا للثناء وفي إدخال السرور على قلوب الناس ~~لذة للنفس والآفات فيها أيضا كثيرة # ولذلك سئل الحسن عن رجل طلب القوت ثم أمسك وآخر طلب فوق قوته ثم تصدق به ~~فقال القاعد أفضل لما يعرفون من قلة السلامة في الدنيا وأن من الزهد تركها ~~قربة إلى الله تعالى # وقال أبو الدرداء ما يسرني أنني أقمت على درج مسجد دمشق أصيب كل يوم ~~خمسين دينارا أتصدق بها أما إني لا أحرم البيع والشراء ولكني أريد أن أكون ~~من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # وقد اختلف العلماء فقال قوم إذا طلب الدنيا من الحلال وسلم منها وتصدق ~~بها فهو أفضل من أن يشتغل بالعبادات والنوافل وقال قوم الجلوس في دوام ذكر ~~الله أفضل والأخذ والإعطاء يشغل عن الله وقد قال المسيح عليه السلام يا ~~طالب الدنيا ليبر بها تركك لها أبر وقال # أقل ما فيه أن يشغله إصلاحه عن ذكر الله وذكر الله أكبر وأفضل # وهذا فيمن سلم من الآفات فأما من يتعرض لآفة الرياء فتركه لها أبر ~~والاشتغال بالذكر لا خلاف في أنه أفضل # وبالجملة ما يتعلق بالخلق وللنفس فيه لذة فهو مثار الآفات والأحب أن يعمل ~~ويدفع الآفات فإن عجز فلينظر وليجتهد وليستفت قلبه وليزن ما فيه من الخير ~~بما فيه من الشر وليفعل ما يدل عليه نور العلم دون ما يميل إليه الطبع # وبالجملة ما يجده أخف على قلبه فهو في الأكثر أضر عليه لأن النفس لا تشير ~~إلا بالشر وقلما تستلذ الخير وتميل إليه وإن كان لا يبعد ذلك أيضا في بعض ~~الأحوال وهذه أمور لا يمكن ms1704 الحكم على تفاصيلها بنفي وإثبات فهو موكول إلى ~~اجتهاد القلب لينظر فيه لدينه ويدع ما يريبه إلى مالا يريبه ثم قد يقع مما ~~ذكرناه غرور للجاهل فيمسك المال ولا ينفقه خيفة من الآفة وهو عين البخل # ولا خلاف في أن تفرقة المال في المباحات فضلا عن الصدقات أفضل من إمساكه ~~وإنما الخلاف فيمن يحتاج إلى الكسب أن الأفضل الكسب والإنفاق أو التجرد ~~للذكر وذلك لما في الكسب من الآفات فأما المال الحاصل من الحلال فتفرقته ~~أفضل من إمساكه بكل حال PageV03P328 # فإن قلت فبأي علامة تعرف العالم والواعظ أنه صادق مخلص في وعظه غير مريد ~~رياء الناس فاعلم أن لذلك علامات # إحداها أنه لو ظهر من هو أحسن منه وعظا أو أغزر منه علما والناس له أشد ~~قبولا فرح به ولم يحسده نعم لا بأس بالغبطة وهو أن يتمنى لنفسه مثل علمه # والأخرى أن الأكابر إذا حضروا مجلسه لم يتغير كلامه بل بقي كما كان عليه ~~فينظر إلى الخلق بعين واحدة # والأخرى أن لا يحب اتباع الناس له في الطريق والمشي خلفه في الأسواق # ولذلك علامات كثيرة يطول إحصاؤها # وقد روي عن سعيد بن أبي مروان قال كنت جالسا إلى جنب الحسن إذ دخل علينا ~~الحجاج من بعض أبواب المسجد ومعه الحرس وهو على برذون أصفر فدخل المسجد على ~~برذونه فجعل يلتفت في المسجد فلم يرى حلقة أحفل من خلقه الحسن فتوجه نحوها ~~حتى بلغ قريبا منها ثم ثنى وركه فنزل ومشى نحو الحسن فلما رآه الحسن متوجها ~~إليه تجافى له عن ناحية مجلسه قال سعيد وتجافيت له أيضا عن ناحية مجلسي حتى ~~صار بيني وبين الحسن فرجة ومجلس للحجاج فجاء الحجاج حتى جلس بيني وبينه ~~والحسن يتكلم بكلام له يتكلم به في كل يوم فما قطع الحسن كلامه قال سعيد ~~فقلت في نفسي لأبلون الحسن اليوم ولأنظرن هل يحمل الحسن جلوس الحجاج إليه ~~أن يزيد في كلامه يتقرب إليه أو يحمل الحسن هيبة الحجاج أن ينقص من كلامه ~~فتكلم الحسن ms1705 كلاما واحدا نحوا مما كان يتكلم به في كل يوم حتى انتهى إلى ~~آخر كلامه فلما فرغ الحسن من كلامه وهو غير مكترث به رفع الحجاج يده فضرب ~~بها على منكب الحسن ثم قال صدق الشيخ وبر فعليكم بهذه المجالس وأشباهها ~~فاتخذوها حلقا وعادة فإنه بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مجالس ~~الذكر رياض الجنة // حديث أن مجالس الذكر رياض الجنة تقدم في الأذكار ~~والدعوات # ولولا ما حملناه من أمر الناس ما غلبتمونا على هذه المجالس لمعرفتنا ~~بفضلها قال ثم افتر الحجاج فتكلم حتى عجب الحسن ومن حضر من بلاغته فلما فرغ ~~طفق فقام فجاء رجل من أهل الشام إلى مجلس الحسن حين قام الحجاج فقال عباد ~~الله المسلمين ألا تعجبون أني رجل شيخ كبير وأني أغزو فأكلف فرسا وبغلا ~~وأكلف فسطاطا وأن لي ثلثمائة درهم من العطاء وأن لي سبع بنات من العيال ~~فشكا من حاله حتى رق الحسن له ولأصحابه والحسن مكب فلما فرغ الرجل من كلامه ~~رفع الحسن رأسه فقال ما لهم قاتلهم الله اتخذوا عباد الله خولا ومال الله ~~دولا وقتلوا الناس على الدينار والدرهم فإذا غزا عدو الله غزا في الفساطيط ~~الهبابة وعلى البغال السباقة وإذا أغزى أخاه أغزاه طاويا راجلا فما فتر ~~الحسن حتى ذكرهم بأقبح العيب وأشده فقام رجل من أهل الشام كان جالسا إلى ~~الحسن فسعى به إلى الحجاج وحكى له كلامه فلم يلبث الحسن أن أتته رسل الحجاج ~~فقالوا أجب الأمير فقام الحسن وأشفقنا عليه من شدة كلامه الذي تكلم به فلم ~~يلبث الحسن أن رجع إلى مجلسه وهو يبتسم وقلما رأيته فاغرا فاه يضحك إنما ~~كان يتبسم فأقبل حتى قعد في مجلسه فعظم الأمانة وقال إنما تجالسون بالأمانة ~~كأنكم تظنون أن الخيانة ليست إلا في الدينار والدرهم إن الخيانة أشد ~~الخيانة أن يجالسنا الرجل فنطمئن إلى جانبه ثم ينطلق فيسعى بنا إلى شرارة ~~من نار إني أتيت هذا الرجل فقال أقصر عليك من لسانك وقولك إذا غزا ms1706 عدو الله ~~غزا كذا وكذا وإذا أغزى أخاه أغزاه كذا لا أبالك تحرض علينا الناس أما إنا ~~على ذلك لانتهم نصيحتك فأقصر عليك من لسانك قال فدفعه الله عني # وركب الحسن حمارا يريد المنزل فبينما هو يسير إذا التفت فرأى قوما ~~يتبعونه فوقف فقال هل لكم من حاجة أو تسألون عن شيء وإلا فارجعوا فما يبقى ~~هذا من قلب العبد فبهذه PageV03P329 # العلامات وأمثالها تتبين سريرة الباطن # ومهما رأيت العلماء يتغايرون ويتحاسدون ولا يتوانسون ولا يتعاونون فاعلم ~~أنهم قد اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فهم الخاسرون # اللهم ارحمنا بلطفك يا أرحم الراحمين ### |||| بيان ما يصح من نشاط العبد للعبادة بسبب رؤية الخلق وما لا يصح # اعلم أن الرجل قد يبيت مع القوم في موضع فيقومون للتهجد أو يقوم بعضهم ~~فيصلون الليل كله أو بعضه وهو ممن يقوم في بيته ساعة قريبة فإذا رآهم انبعث ~~نشاطه للموافقة حتى يزيد على ما كان يعتاده أو يصلي مع أنه كان لا يعتاد ~~الصلاة بالليل أصلا وكذلك قد يقع في موضع يصوم فيه أهل الموضع فينبعث له ~~نشاط في الصوم ولولاهم لما انبعث هذا النشاط فهذا ربما يظن أنه رياء وأن ~~الواجب ترك الموافقة وليس كذلك على الإطلاق بل له تفصيل لأن كل مؤمن راغب ~~في عبادة الله تعالى وفي قيام الليل وصيام النهار ولكن قد تعوقه العوائق ~~ويمنعه الاشتغال ويغلبه التمكن من الشهوات أو تستهويه الغفلة فربما تكون ~~مشاهدة الغير سبب زوال الغفلة أو تندفع العوائق والأشغال في بعض المواضع ~~فينبعث له النشاط فقد يكون الرجل في منزله فتقطعه الأسباب عن التهجد مثل ~~تمكنه من النوم على فراش وثير أو تمكنه من التمتع بزوجته أو المحادثة مع ~~أهله وأقاربه أو الاشتغال بأولاده أو مطالعة حساب له مع معامليه فإذا وقع ~~في منزل غريب اندفعت عنه هذه الشواغل التي تفتد رغبته عن الخير وحصلت له ~~أسباب باعثة على الخير كمشاهدته إياهم وقد أقبلوا على الله وأعرضوا عن ~~الدنيا فإنه ينظر إليهم فينافسهم ويشق عليه أن يسبقوه ms1707 بطاعة الله فتتحرك ~~داعيته للدين لا للرياء أو ربما يفارقه النوم لاستنكاره الموضع أو سبب آخر ~~فيغتنم زوال النوم وفي منزله ربما يغلبه النوم وربما ينضاف إليه أنه في ~~منزله على الدوام والنفس لا تسمح بالتهجد دائما وتسمح بالتهجد وقتا قليلا ~~فيكون ذلك سبب هذا النشاط مع اندفاع سائر العوائق وقد يعسر عليه الصوم في ~~منزله ومعه أطايب الأطعمة ويشق عليه الصبر عنها فإذا أعوزته تلك الأطعمة لم ~~يشق عليه فتنبعث داعية الدين للصوم فإن الشهوات الحاضرة عوائق ودوافع تغلب ~~باعث الدين فإذا سلم منها قوي الباعث # فهذا وأمثاله من الأسباب يتصور وقوعه ويكون السبب فيه مشاهدة الناس وكونه ~~معهم والشيطان مع ذلك ربما يصد عن العمل ويقول لا تعمل فإنك تكون مرائيا ~~إذا كنت لا تعمل في بيتك ولا تزد على صلاتك المعتادة وقد تكون رغبته في ~~الزيادة لأجل رؤيتهم وخوفا من ذمهم ونسبتهم إياه إلى الكسل لا سيما إذا ~~كانوا يظنون به أنه يقوم الليل فإن نفسه لا تسمح بأن يسقط من أعينهم فيريد ~~أن يحفظ منزلته وعند ذلك قد يقول الشيطان صل فإنك مخلص ولست تصلى لأجلهم بل ~~لله وإنما كنت لا تصلي كل ليلة لكثرة العوائق وإنما داعيتك لزوال العوائق ~~لا لاطلاعهم # وهذا أمر مشتبه إلا على ذوي البصائر فإذا عرف أن المحرك هو الرياء فلا ~~ينبغي أن يزيد على ما كان يعتاده ولا ركعة واحدة لأنه يعصي الله بطلب محمدة ~~الناس بطاعة الله وإن كان انبعاثه لدفع العوائق وتحرك الغبطة والمنافسة ~~بسبب عبادتهم فليوافق # وعلامة ذلك أن يعرض على نفسه أنه لو رأى هؤلاء يصلون من حيث لا يرونه بل ~~من وراء حجاب وهو في ذلك الموضع بعينه هل كانت نفسه تسخو بالصلاة وهم لا ~~يرونه فإن سخت نفسه فليصل فإن باعثه الحق وإن كان ذلك يثقل على نفسه لو غاب ~~عن أعينهم فليترك فإن باعثه الرياء # وكذلك قد يحضر الإنسان يوم الجمعة في الجامع من نشاط الصلاة ما لا يحضره ~~كل يوم ويمكن أن ms1708 يكون ذلك لحب حمدهم ويمكن أن يكون نشاطه بسبب نشاطهم وزوال ~~غفلته بسبب إقبالهم على الله تعالى وقد يتحرك بذلك باعث الدين ويقارنه نزوع ~~النفس إلى حب الحمد فمهما علم أن الغالب على قلبه إرادة الدين فلا PageV03P330 # ينبغي أن يترك العمل بما يجده من حب الحمد بل ينبغي أن يرد ذلك على نفسه ~~بالكراهية ويشتغل بالعبادة # وكذلك قد يبكي جماعة فينظر إليهم فيحضره البكاء خوفا من الله تعالى لا من ~~الرياء ولو سمع ذلك الكلام وحده لما بكى ولكن بكاء الناس يؤثر في ترقيق ~~القلب وقد لا يحضره البكاء فيتباكى تارة رياء وتارة مع الصدق إذ يخشى على ~~قلبه قساوة القلب حين يبكون ولا تدمع عينه فيتباكى تكلفا وذلك محمود # وعلامة الصدق فيه أن يعرض على نفسه أنه لو سمع بكاءهم من حيث لا يرونه هل ~~كان يخاف على نفسه القساوة فيتباكى أم لا فإن لم يجد ذلك عند تقدير ~~الاختفاء عن أعينهم فإنما خوفه من أن يقال إنه قاسي القلب فينبغي أن يترك ~~التباكي # قال لقمان عليه السلام لابنه لا ترى الناس أنك تخشى ليكرموك وقلبك فاجر # وكذلك الصيحة والتنفس والأنين عند القرآن أو الذكر أو بعض مجاري الأحوال ~~تارة تكون من الصدق والحزن والخوف والندم والتأسف وتارة تكون لمشاهدته حزن ~~غيره وقساوة قلبه فيتكلف التنفس والأنين ويتحازن وذلك محمود وقد تقترن به ~~الرغبة فيه لدلالته على أنه كثير الحزن ليعرف بذلك فإن تجردت هذه الداعية ~~فهي الرياء وإن اقترنت بداعية الحزن فإن أباها ولم يقبلها وكرهها سلم بكاؤه ~~وتباكيه وإن قبل ذلك وركن إليه بقلبه حبط أجره وضاع سعيه وتعرض لسخط الله ~~تعالى به وقد يكون أصل الأنين عن الحزن ولكن يمده ويزيد في رفع الصوت فتلك ~~الزيادة رياء وهو محظور لأنها في حكم الابتداء لمجرد الرياء فقد يهيج من ~~الخوف ما لا يملك العبد معه نفسه ولكن يسبقه خاطر الرياء فيقبله فيدعو إلى ~~زيادة تحزين للصوت أو رفع له أو حفظ الدمعة على الوجه حتى تبصر بعد ms1709 أن ~~استرسلت لخشية الله ولكن يحفظ أثرها على الوجه لأجل الرياء # وكذلك قد يسمع الذكر فتضعف قواه من الخوف فيسقط ثم يستحي أن يقال له إنه ~~سقط من غير زوال عقل وحالة شديدة فيزعق ويتواجد تكلفا ليرى أنه سقط لكونه ~~مغشيا عليه وقد كان ابتداء السقطة عن صدق وقد يزول عقله فيسقط ولكن يفيق ~~سريعا فتجزع نفسه أن يقال حالته غير ثابتة وإنما هي كبرق خاطف فيستديم ~~الزعقة والرقص ليرى دوام حاله وكذلك قد يفيق بعد الضعف ولكن يزول ضعفه ~~سريعا فيجزع أن يقال لم تكن غشيته صحيحة ولو كان لدام ضعفه فيستديم إظهار ~~الضعف والأنين فيتكئ على غيره يرى أنه يضعف عن القيام ويتمايل في المشي ~~ويقرب الخطا ليظهر أنه ضعيف عن سرعة المشي # فهذه كلها مكايد الشيطان ونزعات النفس # فإذا خطرت فعلاجها أن يتذكر أن الناس لو عرفوا نفاقه في الباطن واطلعوا ~~على ضميره لمقتوه وإن الله مطلع على ضميره وهو له أشد مقتا كما روي عن ذي ~~النون رحمه الله أنه قام وزعق فقام معه شيخ آخر رأى فيه أثر التكلف فقال يا ~~شيخ الذي يراك حين تقوم فجلس الشيخ # وكل ذلك من أعمال المنافقين # وقد جاء في الخبر تعوذوا بالله من خشوع النفاق // حديث تعوذوا بالله من ~~خشوع النفاق أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي بكر الصديق وفيه الحارث بن ~~عبيد الأيادي ضعفه أحمد وابن معين # وإنما خشوع النفاق أن تخشع الجوارح والقلب غير خاشع ومن ذلك الاستغفار ~~والاستعاذة بالله من عذابه وغضبه فإن ذلك قد يكون لخاطر خوف وتذكر ذنب ~~وتندم عليه وقد يكون للمراءاة # فهذه خواطر ترد على القلب متضادة مترادفة متقاربة وهي مع تقاربها متشابهة ~~فراقب قلبك في كل ما يخطر لك وانظر ما هو ومن أين هو فإن كان لله فامضه ~~واحذر مع ذلك أن يكون قد خفي عليكشيء من الرياء الذي هو كدبيب النمل وكن ~~على وجل من عبادتك أهي مقبولة أم لا لخوفك على الإخلاص فيها واحذر أن يتجدد ms1710 ~~لك خاطر الركون إلى حمدهم بعد الشروع بالإخلاص فإن ذلك مما يكثر جدا PageV03P331 # فإذا خطر لك فتفكر في اطلاع الله عليك ومقته لك # وتذكر ما قاله أحد الثلاثة الذين حاجوا أيوب عليه السلام إذ قال يا أيوب ~~أما علمت أن العبد تضل عنه علانيته التي كان يخادع بها عن نفسه ويجزى ~~بسريرته # وقول بعضهم أعوذ بك أن يرى الناس أني أخشاك وأنت لي ماقت # وكان من دعاء علي بن الحسين رضي الله عنهما اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في ~~لامعة العيون علانيتي وتقبح لك فيما أخلو سريرتي محافظا على رياء الناس من ~~نفسي مضيعا لما أنت مطلع عليه مني أبدي للناس أحس أمري وأفضي إليك بأسوأ ~~عملي تقربا إلى الناس بحسناتي وفرارا منهم إليك بسيآتي فيحل بي مقتك ويجب ~~علي غضبك أعذني من ذلك يا رب العالمين # وقد قال أحد الثلاثة نفر لأيوب عليه السلام يا أيوب ألم تعلم أن الذين ~~حفظوا علانيتهم وأضاعوا سرائرهم عند طلب الحاجات إلى الرحمن تسود وجوههم ~~فهذه جمل آفات الرياء # فليراقب العبد قلبه ليقف عليها ففي الخبر إن للرياء سبعين بابا // حديث ~~الرياء سبعون بابا هكذا ذكر المصنف هذا الحديث هنا وكأنه تصحف عليه أو على ~~من نقله من كلامه أنه الرياء بالمثناة وإنما هو الربا بالموحدة والمرسوم ~~كتابته بالواو والحديث رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة بلفظ الربا سبعون ~~حوبا أيسرها أن ينكح الرجل أمه وفي إسناد أبو معشر واسمه نجيح مختلف فيه ~~وروى ابن ماجه أيضا من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~الربا ثلاث وسبعون بابا وإسناده صحيح هكذا ذكر ابن ماجه الحديثين في أبوب ~~التجارات وقد روى البزار حديث ابن مسعود بلفظ الربا بضع وسبعون بابا والشرك ~~مثل ذلك وهذه الزيادة قد يستدل بها على أنه الرياء بالمثناة لاقترائه مع ~~الشرك والله أعلم # وقد عرفت أن بعضه أغمض من بعض حتى إن بعضه مثل دبيب النمل وبعضه أخفى من ~~دبيب النمل وكيف يدرك ما ms1711 هو أخفى من دبيب النمل إلا بشدة التفقد والمراقبة ~~وليته أدرك بعد بذل المجهود فكيف يطمع في إدراكه من غير تفقد للقلب وامتحان ~~للنفس وتفتيش عن خدعها نسأل الله تعالى العافية بمنه وكرمه وإحسانه ### |||| بيان ما ينبغي للمريد أن يلزم نفسه قبل العمل وبعده وفيه # اعلم أن أولى ما يلزم المريد قلبه في سائر أوقاته القناعة بعلم الله في ~~جميع طاعاته ولا يقنع بعلم الله إلا من لا يخاف إلا الله ولا يرجو إلا الله ~~فأما من خاف غيره وارتجاه اشتهى اطلاعه على محاسن أحواله فإن كان في هذه ~~الرتبة فليلزم قلبه كراهة ذلك من جهة العقل والإيمان لما فيه من خطر التعرض ~~للمقت وليراقب نفسه عند الطاعات العظيمة الشاقة التي لا يقدر عليها غيره ~~فإن النفس عند ذلك تكاد تغلي حرصا على الإفشاء وتقول مثل هذا العمل العظيم ~~أو الخوف العظيم أو البكاء العظيم لو عرفه الخلق منك لسجدوا لك فما في ~~الخلق من يقدر على مثله فكيف ترضى بإخفائه فيجهل الناس محلك وينكرون قدرك ~~ويحرمون الاقتداء بك ففي مثل هذا الأمر ينبغي أن يثبت قدمه ويتذكر في ~~مقابلة عظم عمله عظم ملك الآخرة ونعيم الجنة ودوامه أبد الآباد وعظم غضب ~~الله ومقته على من طلب بطاعته ثوابا من عباده ويعلم أن إظهاره لغيره محبب ~~إليه وسقوط عند الله وإحباط للعمل العظيم فيقول وكيف أتبع مثل هذا العمل ~~بحمد الخلق وهم عاجزون لا يقدرون لي على رزق ولا أجل فيلزم ذلك قلبه ولا ~~ينبغي أن ييأس عنه فيقول إنما يقدر على الإخلاص الأقوياء فأما المخلطون ~~فليس ذلك من شأنهم فيترك المجاهدة في الإخلاص لأن المخلط إلى ذلك أحوج من ~~المتقي لأن المتقي إن فسدت نوافله بقيت فرائضه كاملة تامة والمخلط لا تخلو ~~فرائضه عن النقصان والحاجة إلى الجبران بالنوافل فإن لم تسلم صار مأخذوا ~~بالفرائض وهلك به فالمخلط إلى الإخلاص أحوج # وقد روى تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يحاسب العبد ~~يوم القيامة فإن نقص ms1712 فرضه قيل انظروا هل له من تطوع فإن كان له تطوع أكمل ~~به فرضه وإن لم يكن له تطوع أخذ PageV03P332 # بطرفيه فألقي في النار // حديث تميم الداري في إكمال فريضة الصلاة ~~بالتطوع أخرجه أبو داود وابن ماجه وتقدم في الصلاة # فيأتي المخلط يوم القيامة وفرضه ناقص وعليه ذنوب كثيرة فاجتهاده في جبر ~~الفرائض وتكفير السيئات ولا يمكن ذلك إلا بخلوص النوافل وأما المتقي فجهده ~~في زيادة الدرجات فإن حبط تطوعه بقي من حسناته ما يترجح على السيئات فيدخل ~~الجنة # فإذن ينبغي أن يلزم قلبه خوف اطلاع غير الله عليه لتصح نوافله ثم يلزم ~~قلبه ذلك بعد الفراغ حتى لا يظهره ولا يتحدث به وإذا فعل جميع ذلك فينبغي ~~أن يكون وجلا من عمله خائفا أنه ربما داخله من الرياء الخفي ما لم يقف عليه ~~فيكون شاكا في قبوله ورده مجوزا أن يكون الله قد أحصى عليه من نيته الخفية ~~ما مقته بها ورد عمله بسببها ويكون هذا الشك والخوف في دام عمله وبعده إلا ~~في ابتداء العقل بل ينبغي أن يكون متيقنا في الابتداء أنه مخلص ما يريد ~~بعمله إلا الله حتى يصح عمله فإذا شرع ومضت لحظة يمكن فيها الغفلة والنسيان ~~كان الخوف من الغفلة عن شائبة خفية أحبطت عمله من رياء أو عجب أولى به ولكن ~~يكون رجاؤه أغلب من خوفه لأنه استيقن أنه دخل بالإخلاص وشك في أنه هل أفسده ~~برياء فيكون رجاء القبول أغلب وبذلك تعظم لذته في المناجاة والطاعات # فالإخلاص يقين والرياء شك # وخوفه لذلك الشك جدير بأن يكفر خاطر الرياء إن كان قد سبق وهو غافل عنه # والذي يتقرب إلى الله بالسعي في حوائج الناس وإفادة العلم ينبغي أن يلزم ~~نفسه رجاء الثواب على دخول السرور على قلب من قضى حاجته فقط ورجاء الثواب ~~على عمل المتعلم بعلمه فقط دون شكر ومكافأة وحمد وثناء من المتعلم والمنعم ~~عليه فإن ذلك يحبط الأجر # فمهما توقع من المتعلم مساعدة في شغل وخدمة أو مرافقة في المشي ms1713 في الطريق ~~ليستكثر باستتباعه أو ترددا منه في حاجة فقد أخذ أجره بلا ثواب له غيره # نعم إن لم يتوقع هو ولم يقصد إلا الثواب على عمله بعلمه ليكون له مثل ~~أجره ولكن خدمه التلميذ بنفسه فقبل خدمته فنرجو أن لا يحبط ذلك أجره إذا ~~كان لا ينتظره ولا يريده منه ولا يستبعده منه لو قطعه # ومع هذا فقد كان العلماء يحذرون هذا حتى إن بعضهم وقع في بئر فجاء قوم ~~فأدلوا حبلا ليرفعوه فحلف عليهم أن لا يقف معهم من قرأ عليه آية من القرآن ~~أو سمع منه حديثا خيفة أن يحبط أجره # وقال شقيق البلخي أهديت لسفيان الثوري ثوبا فرده علي فقلت له يا أبا عبد ~~الله لست أنا ممن يسمع الحديث حتى ترده علي قال علمت ذاك ولكن أخوك يسمع ~~مني الحديث فأخاف أن يلين قلبي لأخيك أكثر مما يلين لغيره # وجاء رجل إلى سفيان ببدرة أو بدرتين وكان أبوه صديقا لسفيان وكان سفيان ~~يأتيه كثيرا فقال له يا أبا عبد الله في نفسك من أبي شيء فقال يرحم الله ~~أباك كان وكان وأثنى عليه فقال يا أبا عبد الله قد عرفت كيف صار هذا المال ~~إلي فأحب أن تأخذ هذه تستعين بها على عيالك قال فقبل سفيان ذلك قال فلما ~~خرج قال لولده يا مبارك الحقه فرده علي فرجع فقال أحب أن تأخذ مالك فلم يزل ~~به حتى رده عليه # وكأنه كانت أخوته مع أبيه في الله تعالى فكره أن يأخذ ذلك # قال ولده فلما خرج لم أملك نفسي أن جئت إليه فقلت ويلك أي شيء قلبك هذا ~~حجارة عد أنه ليس لك عيال أما ترحمني أما ترحم إخوتك أما ترحم عيالنا ~~فأكثرت عليه فقال لي يا مبارك تأكلها أنت هنيئا مرئيا وأسأل عنها أنا # فإذن يجب على العالم أن يلزم قلبه طلب الثواب من الله في اهتداء الناس به ~~فقط ويجب على المتعلم أن يلزم قلبه حمد الله وطلب ثوابه ونيل المنزلة عنده ~~لا عند ms1714 المعلم وعند الخلق 2 # وربما يظن أن له أن يرائي بطاعته لينال عند المعلم رتبته فيتعلم منه وهو ~~خطأ لأن إرادته بطاعته غير الله خسران في الحال والعلم ربما يفيد وربما PageV03P333 # لا يفيد فيكف يخسر في الحال عملا نقدا على توهم علم وذلك غير جائز بل ~~ينبغي أن يتعلم لله ويعبد الله ويخدم المعلم لله لا ليكون له في قلبه منزله ~~إن كان يريد أن يكون تعلمه طاعة فإن العباد أمروا أن لا يعبدوا إلا الله ~~ولا يريدوا بطاعتهم غيره # وكذلك من يخدم أبويه لا ينبغي أن يخدمهما لطلب المنزلة عندهما إلا من حيث ~~إن رضا الله عنه في رضا الوالدين ولا يجوز له أن يرائي بطاعته لينال بها ~~منزلة عند الوالدين فإن ذلك معصية في الحال وسيكشف الله عن ريائه وتسقط ~~منزلته من قلوب الوالدين أيضا # وأما الزاهد المعتزل عن الناس فينبغي له أن يلزم قلبه ذكر الله والقناعة ~~بعلمه ولا يخطر بقلبه معرفة الناس زهده واستعظامهم محله فإن ذلك يغرس ~~الرياء في صدره حتى تتيسر عليه العبادات في خلوته به وإنما سكوته لمعرفة ~~الله باعتزاله واستعظامهم لمحله وهو لا يدري أنه المخفف للعمل عليه # قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعلمت المعرفة من راهب يقال له سمعان دخلت ~~عليه في صومعته فقلت يا سمعان منذ كم أنت في صومعتك قال منذ سبعين سنة قلت # فما طعامك قال يا حنيفي وما دعاك إلى هذا قلت أحببت أن أعلم قال في كل ~~ليلة حمصة قلت فما الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة قال ترى الدير ~~الذي بحذائك قلت نعم قال إنهم يأتوني في كل سنة يوما واحدا فيزينون صومعتي ~~ويطوفون حولها ويعظموني فكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها عز تلك الساعة ~~فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعز الأبد فوقر في ~~قلبي المعرفة فقال حسبك أو أزيدك قلت بلى قال أنزل عن الصومعة فنزلت فأدلى ~~لي ركوة فيها عشرون حمصة فقال لي ادخل ms1715 الدير فقد رأوا ما أدليت إليك فلما ~~دخلت الدير اجتمع علي النصارى فقالوا يا حنيفي ما الذي أدلى إليك الشيخ قلت ~~من قوته قالوا فما تصنع به ونحن أحق به ثم قالوا ساوم قلت عشرون دينارا ~~فأعطوني عشرين دينارا فرجعت إلى الشيخ فقال يا حنيفي ما الذي صنعت قلت بعته ~~منهم قال بكم قلت بعشرين دينارا قال أخطأت لو ساومتهم بعشرين ألف دينار ~~لأعطوك هذا عز من لا تعبده فانظر كيف يكون عز من تعبده يا حنيفي أقبل على ~~ربك ودع الذهاب والجيئة # والمقصود أن استشعار النفس عز العظمة في القلوب يكون باعثا في الخلوة وقد ~~لا يشعر العبد به فينبغي أن يلزم نفسه الحذر منه وعلامة سلامته أن يكون ~~الخلق عنده والبهائم بمثابة واحدة فلو تغيروا عن اعتقادهم له لم يجزع ولم ~~يضق به ذرعا إلا كراهة ضعيفة إن وجدها في قلبه فيردها في الحال بعقله ~~وإيمانه فإنه لو كان في عبادة واطلع الناس كلهم عليه لم يزده ذلك خشوعا ولم ~~يداخله سرور بسبب اطلاعهم عليه فإن دخل سرور يسير فهو دليل ضعفه ولكن إذا ~~قدر على رده بكراهة العقل والإيمان وبادر إلى ذلك ولم يقبل ذلك السرور ~~بالركون إليه فيرجى له أن لا يخيب سعيه إلا أن يزيد عند مشاهدتهم في الخشوع ~~والانقباض كي لا ينبسطوا إليه فذلك لا بأس به ولكن فيه غرور إذ النفس قد ~~تكون شهوتها الخفية إظهار الخشوع وتتعلل بطلب الانقباض فيطالبها في دعواها ~~قصد الانقباض بموثق من الله غليظ وهو أنه لو علم أن انقباضهم عنه إنما حصل ~~بأن يعدوا كثيرا أو يضحك كثيرا أو يأكل كثيرا فتسمح نفسه بذلك فإذا لم تسمح ~~وسمحت بالعبادة فيشبه أن يكون مرادها المنزلة عندهم ولا ينجو من ذلك إلا من ~~تقرر في قلبه أنه ليس في الوجود أحد سوى الله فيعمل عمل من لو كان على وجه ~~الأرض وحده لكان يعمله فلا يلتفت قلبه إلى الخلق إلا خطرات ضعيفة لا يشق ~~عليه إزالتها فإذا كان كذلك ms1716 لم يتغير بمشاهدة الخلق # ومن علامة الصدق فيه أنه لو كان له صاحبان أحدهما غني والآخر فقير فلا ~~يجد عند إقبال الغني زيادة هزة PageV03P334 # في نفسه لا كرامة إلا إذا كان في الغني زيادة علم أو زيادة ورع فيكون ~~مكرما له بذلك الوصف لا بالغنى فمن كان استرواحه إلى مشاهدة الأغنياء أكثر ~~فهو مراء أو طماع وإلا فالنظر إلى الفقراء يزيد في الرغبة إلى الآخرة ويحبب ~~إلى القلب المسكنة والنظر إلى الأغنياء بخلافه فكيف استروح بالنظر إلى ~~الغني أكثر مما يستروح إلى الفقير وقد حكي أنه لم ير الأغنياء في مجلس أذل ~~منهم فيه في مجلس سفيان الثوري كان يجلسهم وراء الصف ويقدم الفقراء حتى ~~كانوا يتمنون أنهم فقراء في مجلسه # نعم لك زيادة إكرام للغني إذا كان أقرب إليك أو كان بينك وبينه حق وصداقة ~~سابقة ولكن يكون بحث لو وجدت تلك العلاقة في فقير لكنت لا تقدم الغني عليه ~~في إكرام وتوقير البتة فإن الفقير أكرم على الله من الغني فإيثارك لا يكون ~~إلا طمعا في غناه ورياء له ثم إذا سويت بينهما في المجالسة فيخشى عليك أن ~~تظهر الحكمة والخشوع للغني أكثر مما تظهره للفقير وإنما ذلك رياء خفي أو ~~طمع خفي كما قال ابن السماك لجارية له مالي إذا أتيت بغداد فتحت لي الحكمة ~~فقالت الطمع يشحذ لسانك وقد صدقت فإن اللسان ينطق عند الغني بما لا ينطق به ~~عند الفقير وكذلك يحضر من الخشوع عنده ما لا يحضره عند الفقير # ومكايد النفس وخفاياها في هذا الفن لا تنحصر ولا ينجيك منها إلا أن تخرج ~~ما سوى الله من قلبك وتتجرد بالشفقة على نفسك بقية عمرك ولا ترضى لها ~~بالنار بسبب شهوات منغصة في أيام متقاربة وتكون في الدنيا كملك من ملوك ~~الدنيا قد أمكنته الشهوات وساعدته اللذات ولكن في بدنه سقم وهو يخاف الهلاك ~~على نفسه في كل ساعة لو اتسع في الشهوات وعلم أنه لو احتمى وجاهد شهوته عاش ~~ودام ملكه فلما عرف ذلك ms1717 جالس الأطباء وحارف الصيادلة وعود نفسه شرب الأدوية ~~المرة وصبر على بشاعتها وهجر جميع اللذات وصبر على مفارقتها فبدنه كل يوم ~~يزداد نحولا لقلة أكله ولكن سقمه يزداد كل يوم نقصانا لشدة احتمائه فمهما ~~نازعته نفسه إلى شهوة تفكر في توالي الأوجاع والآلام عليه وأداه ذلك إلى ~~الموت المفرق بينه وبين مملكته الموجب لشماتة الأعداء به ومهما اشتد عليه ~~شرب دواء تفكر فيما يستفيده منه من الشفاء الذي هو سبب التمتع بملكه ونعيمه ~~في عيش هنيء وبدن صحيح وقلب رخي وأمر نافذ فيخف عليه مهاجرة اللذات ومصابرة ~~المكروهات # فكذلك المؤمن المريد لملك الآخرة احتمى عن كل مهلك له في آخرته وهي لذات ~~الدنيا وزهرتها فاجتزى منها بالقليل واختار النحول والذبول والوحشة والحزن ~~والخوف وترك المؤانسة بالخلق خوفا من أن يحل عليه غضب من الله فيهلك ورجاء ~~أن ينجو من عذابه فخف ذلك كله عليه عند شدة يقينه وإيمانه بعاقبة أمره وبما ~~أعد له من النعيم المقيم في رضوان الله أبد الآباد ثم علم أن الله كريم ~~رحيم لمن يزل لعباده المريدين لمرضاته عونا وبهم رءوفا وعليهم عطوفا ولو ~~شاء لأغنانهم عن التعب ولكن أراد أن يبلوهم ويعرف صدق إرادتهم حكمة منه ~~وعدلا ثم إذا تحمل التعب في بدايته أقبل الله عليه بالمعونة والتيسير وحط ~~عنه الأعباء وسهل عليه الصبر وحبب إليه الطاعة ورزقه فيها من لذة المناجاة ~~ما يلهيه عن سائر اللذات ويقويه على إماتة الشهوات ويتولى سياسته وتقويته ~~وأمده بمعونته فإن الكريم لا يضيع سعي الراجي ولا يخيب أمل المحب وهو الذي ~~يقول من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ويقول تعالى لقد طال شوق الأبرار ~~إلى لقائي وإني إلى لقائهم أشد شوقا فليظهر العبد في البداية جده وصدقه ~~وإخلاصه فلا يعوزه من الله تعالى على القرب ما هو اللائق بجوده وكرمه ~~ورأفته ورحمته تم كتاب ذم الجاه والرياء والحمد لله وحده PageV03P335 ### || كتاب ذم الكبر والعجب وهو الكتاب التاسع من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله ms1718 ~~الرحمن الرحيم # الحمد لله الخالق البارئ المصور العزيز الجبار المتكبر العلي الذي لا ~~يضعه عن مجده واضع الجبار الذي كل جبار له ذليل خاضع وكل متكبر في جناب عزه ~~مسكين متواضع فهو القهار الذي لا يدفعه عن مراده دافع الغني الذي ليس له ~~شريك ولا منازع القادر الذي بهر أبصار الخلائق جلاله وبهاؤه وقهر العرش ~~المجيد استواؤه واستعلاؤه واستيلاؤه وحصر ألسن الأنبياء وصفه وثناؤه وارتفع ~~عن حد قدرتهم إحصاؤه واستقصاؤه فاعترف بالعجر عن وصف كنه جلاله ملائكته ~~وأنبياؤه وكسر ظهور الأكاسرة عزه وعلاؤه وقصر أيدي القياصرة عظمته وكبرياؤه ~~فالعظمة إزاره والكبرياء رداؤه ومن نازعه فيهما قصمه بداء الموت فأعجزه ~~دواؤه جل جلاله وتقدست أسماؤه والصلاة على محمد الذي أنزل عليه النور ~~المنتشر ضياؤه حتى أشرقت بنوره أكناف العالم وأرجاؤه وعلى آله وأصحابه ~~الذين هم أحباء الله وأولياؤه وخيرته وأصفياؤه وسلم تسليما كثيرا # أما بعد فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى الكبرياء ~~ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما قصمته (1) حديث ثلاث مهلكات الحديث ~~أخرجه البزار والطبراني والبيهقي في الشعب من حديث أنس بسند ضعيف وتقدم فيه ~~أيضا # فالكبر والعجب داءان مهلكان والمتكبر والمعجب سقيمان مريضان وهما عند ~~الله ممقوتات بغيضان # وإذا كان القصد في هذا الربع من كتاب إحياء علوم الدين شرح المهلكات وجب ~~إيضاح الكبر والعجب فإنهما من قبائح المرديات # ونحن نستقضي بيانهما من الكتاب في شطرين شطر في الكبر وشطر في العجب # الشطر الأول من الكتاب في الكبر وفيه ### ||| بيان ذم الكبر # وبيان ذم الاختيال وبيان فضيلة التواضع وبيان حقيقة التكبر وآفته وبيان ~~من يتكبر عليه ودرجات التكبر وبيان ما به التكبر وبيان البواعث على التكبر ~~وبيان أخلاق المتواضعين وما فيه يظهر الكبر وبيان علاج الكبر # وبيان امتحان النفس في خلق الكبر وبيان المحمود من خلق التواضع والمذموم ~~منه بيان ذم الكبر # قد ذم الله الكبر في مواضع من كتابه وذم كل جبار متكبر فقال تعالى {سأصرف ~~عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير ms1719 الحق} وقال عز وجل {كذلك يطبع الله ~~على كل قلب متكبر جبار} وقال تعالى {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} وقال ~~تعالى {إنه لا يحب المستكبرين} وقال تعالى {لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا ~~عتوا كبيرا} وقال تعالى {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} ~~وذم الكبر في القرآن كثير وقد PageV03P336 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ~~حبة من خردل من كبر ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من ~~إيمان (1) حديث أبي هريرة يقول الله تعالى الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ~~فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنم أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه ~~واللفظ له وقال أبو داود قذفته في النار وقال مسلم عذبته وقال رداؤه وإزاره ~~بالغيبة وزاد مع أبي هريرة أبا سعيد أيضا # وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال التقى عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر ~~على الصفا فتواقفا فمضى ابن عمرو وأقام ابن عمر يبكي فقالوا ما يبكيك يا ~~أبا عبد الرحمن فقال هذا يعني عبد الله بن عمرو زعم أنه سمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر أكبه الله في ~~النار على وجهه (2) حديث لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين ~~الحديث أخرجه الترمذي وحسنه من حديث سلمة بن الأكوع دون قوله من العذاب # وقال سليمان بن داود عليهما السلام يوما للطير والإنس والجن والبهائم ~~اخرجوا فخرجوا في مائتي ألف من الإنس ومائتي ألف من الجن فرفع حتى سمع زجل ~~الملائكة بالتسبيح في السموات ثم خفض حتى مست أقدامه البحر فسمع صوتا لو ~~كان في قلب صاحبكم مثقال ذرة من كبر لخسفت به أبعد مما رفعته # وقال صلى الله عليه وسلم يخرج من النار عنق له أذنان تسمعان وعينان ~~تبصران ولسان ينطق يقول وكلت بثلاث بكل جبار عنيد وبكل من دعا مع الله إلها ~~آخر وبالمصورين (3) حديث ms1720 لا يدخل الجنة جبار ولا بخيل ولا سيء الملكة تقدم ~~في أسباب الكسب والمعاش والمعروف خائن مكان جبار # وقال صلى الله عليه وسلم تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت ~~بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقاطهم ~~وعجزتهم فقال الله للجنة إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال ~~للنار إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها (4) حديث بئس ~~العبد عبد تجبر واعتدى الحديث أخرجه الترمذي من حديث أسماء بنت عميس بزيادة ~~فيه مع تقديم وتأخير وقال غريب وليس إسناد بالقوي ورواه الحاكم في المستدرك ~~وصححه ورواه البيهقي في الشعب من حديث نعيم بن عمار وضعفه # وعن ثابت أنه قال بلغنا أنه قيل يا رسول الله ما أعظم كبر فلان فقال أليس ~~بعده الموت // حديث ثابت بلغنا أنه قيل يا رسول الله ما أعظم كبر فلان فقال ~~أليس بعده الموت أخرجه البيهقي في الشعب هكذا مرسلا بلفظ تجبر # وقال عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن نوحا عليه ~~السلام لما حضرته الوفاة دعا ابنيه وقال إني آمركما باثنتين وأنهاكما عن ~~اثنتين أنهاكما عن الشرك والكبر وآمركما بلا إله إلا الله # فإن السموات والأرضين وما فيهن لو وضعت في كفة الميزان ووضعت لا إله إلا ~~الله في الكفة الأخرى كانت أرجح منهما ولو أن السموات والأرضين وما فيهن ~~كانتا حلقة فوضعت لا إله إلا الله عليها لقصمتها وآمركما بسبحان الله ~~PageV03P337 # وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء (1) حديث أهل النار كل جعظري ~~جواظ مستكبر جماع مناع وهي الزيادة عندهما من حديث حارثة بن وهب الخزاعي ~~ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر # وقال صلى الله عليه وسلم إن أحبكم إلينا وأقربكم منا في الآخرة أحاسنكم ~~أخلاقا وإن أبغضكم إلينا وأبعدكم منا الثرثارون المتشدقون المتفيهقون قالوا ~~يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون المتكبرون (2) ~~حديث يحشر المتكبرون يوم القيامة ذرا في صور ms1721 الرجال الحديث أخرجه الترمذي ~~من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقال غريب # وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم يحشر الجبارون والمتكبرون ~~يوم القيامة في صور الذر تطؤهم الناس نهواهم على الله تعالى (3) حديث أبي ~~موسى إن في جنهم واديا يقال له هبهب حق على الله أن يسكنه كل جبار أخرجه ~~أبو يعلى والطبراني والحاكم وقال صحيح الإسناد قلت فيه أزهر بن سنان ضعفه ~~ابن معين وابن حبان وأورد له في الضعفاء هذا الحديث # وقال صلى الله عليه وسلم إن في النار قصرا يجعل فيه المتكبرون ويطبق ~~عليهم (4) حديث اللهم إني أعوذ بك من نفخة الكبرياء لم أره بهذا اللفظ وروى ~~أبو داود وابن ماجه من حديث جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أثناء الحديث أعوذ بالله من الشيطان من نفخة ونفثه وهمزه قال نفثه الشعر ~~ونفحه الكبر وهمزه الموتة ولأصحاب السنن من حديث أبي سعيد الخدري نحو تكلم ~~فيه أبو داود وقال الترمذي هو أشهر حديث في هذا الباب # وقال من فارق روحه جسده وهو برئ من ثلاث دخل الجنة الكبر والدين والغلول ~~// حديث من فارق روحه جسده وهو برئ من ثلاثة دخل الجنة الكبر والدين ~~والغلول أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ثوبان وذكر المصنف لهذا ~~الحديث هنا موافق للمشهور في الرواية أنه الكبر بالموحدة والراء لكن ذكر ~~ابن الجوزي في جامع المسانيد عن الدارقطني قال إنما هو الكنز بالنون والزاي ~~وكذلك أيضا ذكر ابن مردويه الحديث في تفسير والذين يكنزون الذهب والفضة # الآثار قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لا يحقرن أحد أحدا من المسلمين ~~فإن صغير المسلمين عند الله كبير وقال وهب لما خلق الله جنة عدن نظر إليها ~~فقال أنت حرام على كل متكبر # وكان الأحنف بن قيس يجلس مع مصعب بن الزبير على سريره فجاء يوما ومصعب ~~ماد رجليه فلم يقبضهما وقعد الأحنف فزحمه بعض الزحمة فرأى أثر ذلك في وجهه ~~فقال عجبا ms1722 لابن آدم يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين # وقال الحسن العجب من ابن آدم يغسل الخرء بيده كل يوم مرة أو مرتين ثم ~~يعارض جبار السموات # وقد قيل في وفي أنفسكم أفلا تبصرون PageV03P338 # هو سبيل الغائط والبول # وقد قال محمد بن الحسين بن علي ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر قط إلا نقص ~~من عقله بقدر ما دخل من ذلك أو كثر # وسئل سليمان عن السيئة التي لا تنفع معها حسنة فقال الكبر وقال النعمان ~~بن بشير على المنبر إن للشيطان مصالي وفخوخا وإن من مصالي الشيطان وفخوخه ~~البطر بأنعم الله والفخر بإعطاء الله والكبر على عباد الله واتباع الهوى في ~~غير ذات الله # نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة بمنه وكرمه ### ||| بيان ذل الاختيال وإظهار آثار الكبر في المشي وجر الثياب # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينظر الله إلى رجل يجر إزاره بطرا ~~(1) حديث بينما رجل يتبختر في برديه قد أعجبته نفسه الحديث متفق عليه من ~~حديث أبي هريرة # وقال صلى الله عليه وسلم من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة ~~وقال زيد بن أسلم دخلت على ابن عمر فمر به عبد الله ابن واقد وعليه ثوب ~~جديد فسمعته يقول أي بني ارفع إزارك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول لا ينظر الله إلى من جر إزاره خيلاء (2) حديث أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بصق يوما على كفه ووضع أصبعه عليها وقال يقول الله ابن آدم ~~أتعجزني وقد خلقت من مثل هذه الحديث أخرجه ابن ماجه والحاكم وصحح إسناده من ~~حديث بشر بن جحاش # وقال صلى الله عليه وسلم إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم سلط ~~الله بعضهم على بعض (3) حديث من تعظم في نفسه واختال في مشيه لقي الله وهو ~~عليه غضبان أخرجه أحمد والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من حديث ~~ابن عمر # الآثار عن أبي بكر الهذلي قال بينما نحن ms1723 مع الحسن إذ مر علينا ابن الأهتم ~~يريد المقصورة وعليه جباب خز قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه وانفرج عنها ~~قباؤه وهو يمشي يتبختر إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال أف أف شامخ بأنفه ثاني ~~عطفه مصعر خده ينظر في عطفيه أي حميق أنت تنظر في عطفيك في نعم غير مشكورة ~~ولا مذكورة غير المأخوذ بأمر الله فيها ولا المؤدي حق الله منها والله أن ~~يمشي أحد طبيعته يتخلج تخلق المجنون في كل عضو من أعضائه لله نعمة وللشيطان ~~به لفتة فسمع ابن الأهتم فرجع يعتذر إليه فقال لا تعتذر إلي وتب إلى ربك ~~أما سمعت قول الله تعالى {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن ~~تبلغ الجبال طولا} ومر بالحسن شاب عليه بزة له حسنة فدعاه فقال له ابن آدم ~~معجب بشبابه محب لشمائله كأن القبر قد وارى بدنك وكأنك قد لاقيت عملك ويحك ~~داو قلبك فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم # وروى أن عمر PageV03P339 # ابن عبد العزيز حج قبل أن يستخلف فنظر إليه طاوس وهو يختال في مشيته فغمز ~~جنبه بأصبعه ثم قال ليست هذه مشية من في بطنه خراء فقال عمر كالمعتذر يا عم ~~لقد ضرب كل عضو مني على هذه المشية حتى تعلمتها ورأى محمد بن واسع ولده ~~يختال فدعاه وقال أتدري من أنت أما أمك فأشتريها بمائتي درهم وأما أبوك فلا ~~أكثر الله في المسلمين مثله ورأى ابن عمر رجلا يجر إزاره فقال أن للشيطان ~~إخوانا كررها مرتين أو ثلاثا ويروى أن مطرف بن عبد الله بن الشخير رأى ~~المهلب وهو يتبختر في جبة خز فقال يا عبد الله هذه مشية يبغضها الله ورسوله ~~فقال له المهلب أما تعرفني فقال بلى أعرفك أولك نطفة مذرة وآخرتك جيفة قذرة ~~وأنت بين ذلك تحمل العذرة فمضى المهلب وترك مشيته تلك # وقال مجاهد في قوله تعالى {ثم ذهب إلى أهله يتمطى} أي يتبختر وإذ قد ~~ذكرنا ذم الكبر والاختيال فلنذكر فضيلة التواضع والله ms1724 تعالى أعلم ### ||| بيان فضيلة التواضع # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زاد عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع ~~أحد لله إلا رفعه الله (1) حديث ما من أحد إلا ومعه ملكان وعليه حكمة ~~يمسكانه بها الحديث أخرجه العقيلي في الضعفاء والبيهقي في الشعب من حديث ~~أبي هريرة والبيهقي أيضا من حديث ابن عباس وكلاهما ضعيف # وقال صلى الله عليه وسلم طوبى لمن تواضع في غير مسكنة وأنفق مالا جمعه في ~~غير معصية ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة (2) حديث أبي ~~سلمة المديني عن أبيه عن جده قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا ~~بقباء وكان صائما الحديث وفيه من تواضع رفعه الله الحديث رواه البزار من ~~رواية طلحة بن طلحة بن عبيد الله عن أبيه عن جده طلحة فذكر نحوه دون قوله ~~ومن أكثر من ذكر الله أحبه الله ولم يقل بقباء وقال الذهبي في الميزان إنه ~~خبر منكر وقد تقدم ورواه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة قالت أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيه لبن وعسل الحديث {وفيه} أما إني لا أزعم ~~أنه حرام الحديث وفيه من أكثر ذكر الموت أحبه الله وروى المرفوع منه أحمد ~~وأبو يعلى من حديث أبي سعيد دون قوله ومن بذر أفقره الله وذكر رفيه قوله ~~ومن أكثر ذكر الله أحبه الله وتقدم في ذم الدنيا # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في نفر من أصحابه في بيته يأكلون ~~فقام سائل على الباب وبه زمانة يتكره منها فأذن له فلما دخل أجلسه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على فخذه ثم قال له اطعم فكأن رجلا من قريش اشمأز ~~منه وتكره فما مات ذلك الرجل حتى كانت به زمانة مثلها (3) حديث خيرني ربي ~~بين أمرين عبدا رسولا وملكا نبيا الحديث أخرجه أبو يعلى من حديث عائشة ~~والطبراني من حديث ابن عباس وكلا الحديثين ضعيف # وأوحى الله PageV03P340 # تعالى إلى موسى عليه السلام إنما أقبل صلاة ms1725 من تواضع لعظمتي ولم يتعاظم ~~على خلقي وألزم قلبه خوفي وقطع نهاره بذكري وكف نفسه عن الشهوات من أجلي ~~وقال صلى الله عليه وسلم الكرم التقوى والشرف التواضع واليقين الغنى (1) ~~حديث إذا هدى الله عبدا للإسلام وحسن صورته الحديث أخرجه الطبراني موقوفا ~~على ابن مسعود نحوه وفيه المسعودي مختلف فيه # وقال صلى الله عليه وسلم أربع لا يعطيهم الله إلا من أحب الصمت وهو أول ~~العبادة والتوكل على الله والتواضع والزهد في الدنيا (2) حديث ابن عباس إذا ~~تواضع العبد رفع الله رأسه إلى السماء السابعة أخرجه البيهقي في الشعب نحوه ~~وفيه زمعة بن صالح ضعفه الجمهور # وقال صلى الله عليه وسلم التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرحمكم ~~الله (3) حديث كان يطعم فجاءه رجل أسود به جدري فجعل لا يجلس إلى أحد إلا ~~قام من جنبه فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه # لم أجده هكذا والمعروف أكله مع مجذوم رواه أبو داود والترمذي وقال غريب ~~وابن ماجه من حديث جابر كما تقدم # وقال صلى الله عليه وسلم إنه ليعجبني أن يحمل الرجل الشيء في يده يكون ~~مهنة لأهله يدفع به الكبر عن نفسه (4) حديث مالي لا أرى عليكم حلاوة ~~العبادة قالوا وما حلاوة العبادة قال التواضع غريب أيضا # وقال صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم المتواضعين من أمتي فتواضعوا لهم وإذا ~~رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم فإن ذلك مذلة لهم وصغار // حديث إذا رأيتم ~~المتواضعين من أمتي فتواضعوا لهم وإذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم فإن ~~ذلك لهم مذلة وصغار غريب أيضا # الآثار قال عمر رضي الله عنه إن العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمته وقال ~~انتعش رفعك الله وإذا تكبر وعدا طوره رهصه الله في الأرض وقال اخسأ خسأك ~~الله فهو في نفسه كبير وفي أعين الناس حقير حتى إنه لأحقر عندهم من الخنزير # وقال جرير بن عبد الله انتهيت مرة إلى شجرة تحتها رجل نائم قد استظل بنطع ~~له وقد جاوزت الشمس النطع فسويته عليه ثم ms1726 إن الرجل استيقظ فإذا هو سلمان ~~الفارسي فذكرت له ما صنعت فقال لي يا جرير تواضع لله في الدنيا فإنه من ~~تواضع لله في الدنيا رفعه الله يوم القيامة يا جوير أتدري ما ظلمة النار ~~يوم القيامة قلت لا قال إنه ظلم الناس بعضهم في الدنيا # وقالت عائشة رضي الله عنها إنكم لتغفلون عن أفضل العبادات التواضع ~~PageV03P341 # وقال يوسف بن أسباط يجزى قليل الورع من كثير العمل ويجزى قليل التواضع من ~~كثير الاجتهاد # وقال الفضيل وقد سئل عن التواضع ما هو فقال أن تخضع للحق وتنقاد له ولو ~~سمعته من صبي قبلته ولو سمعته من أجهل الناس قبلته # وقال ابن المبارك رأس التواضع أن تضع نفسك عند من دونك في نعمة الدنيا ~~حتى تعلمه أنه ليس لك بدنياك عليه فضل وأن ترفع نفسك عمن هو فوقك في الدنيا ~~حتى تعلمه أنه ليس له بدنياه عليك فضل # وقال قتادة من أعطى مالا أو جمالا أو ثيابا أو علما ثم لم يتواضع فيه كان ~~عليه وبالا يوم القيامة # وقيل أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام إذا أنعمت عليك بنعمة ~~فاستقبلها بالاستكانة أتممها عليك # وقال كعب ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها ~~لله إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع بها درجة في الآخرة وما أنعم الله ~~على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشرها ولم يتواضع بها لله إلا منعه الله ~~نفعها في الدنيا وفتح له طبقا من النار يعذبه إن شاء الله أو يتجاوز عنه # وقيل لعبد الملك بن مروان أي الرجال أفضل قال من تواضع عن قدرة وزهد عن ~~رغبة وترك النصرة عن قوة # ودخل ابن السماك على هارون فقال يا أمير المؤمنين إن تواضعك في شرفك أشرف ~~لك من شرفك فقال ما أحسن ما قلت فقال يا أمير المؤمنين إن امرأ أتاه الله ~~جمالا في خلقته وموضعا في حسبه وبسط له في ذات يده فعف في جماله وواسى من ~~ماله وتوضع ms1727 في حسبه كتب في ديوان الله من خالص أولياء الله فدعا هارون ~~بدواة وقرطاس وكتبه بيده # وكان سليمان بن داود عليهما السلام إذا أصبح تصفح وجوه الأغنياء والأشراف ~~حتى يجيء إلى المساكين فيقعد معهم ويقول مسكين مع مساكين # وقال بعضهم كما تكره أن يراك الأغنياء في الثياب الدون فكذلك فاكره أن ~~يراك الفقراء في الثياب المرتفعة # روي أنه خرج يونس وأيوب والحسن يتذاكرون التواضع فقال لهم الحسن أتدرون ~~ما التواضع التواضع أن تخرج من منزلك ولا تلقى مسلما إلا رأيت له عليك فضلا # وقال مجاهد # إن الله تعالى لما أغرق قوم نوح عليه السلام شمخت الجبال وتطاولت وتواضع ~~الجودي فرفعه الله فوق الجبال وجعل قرار السفينة عليه # وقال أبو سليمان إن الله عز وجل اطلع على قلوب الآدميين فلم يجد قلبا أشد ~~تواضعا من قلب موسى عليه السلام فخصه من بينهم بالكلام # وقال يونس بن عبيد وقد انصرف من عرفات لم أشك في الرحمة لولا أني كنت ~~معهم إني أخشى أنهم حرموا بسببي # ويقال أرفع ما يكون المؤمن عند الله أوضع ما يكون عند نفسه وأوضع ما يكون ~~عند الله أرفع ما يكون عند نفسه # وقال زياد النمري الزاهد بغير تواضع كالشجرة التي لا تثمر # وقال مالك بن دينار لو أن مناديا ينادي بباب المسجد ليخرج شركم رحلا ~~والله ما كان أحد يسبقني إلى الباب إلا رجلا بفضل قوة أو سعى قال فلما بلغ ~~ابن المبارك قوله قال بهذا صار مالك مالكا # وقال الفضيل من أحب الرياسة لم يفلح أبدا # وقال موسى بن القاسم كانت عندنا زلزلة وريح حمراء فذهبت إلى محمد بن ~~مقاتل فقلت يا أبا عبد الله أنت إمامنا فادع الله عز وجل لنا فبكى ثم قال ~~ليتني لم أكن سبب هلاككم قال فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال ~~إن الله عز وجل رفع عنكم بدعاء محمد ين مقاتل # وجاء رجل إلى الشبلي رحمه الله فقال له ما أنت وكان هذا دأبه وعادته فقال ~~أنا ms1728 النقطة التي تحت الباء فقال له الشبلي أباد الله شاهدك أو تجعل لنفسك ~~موضعا # وقال الشبلي في بعض كلامه ذلي عطل ذل اليهود # ويقال من يرى لنفسه قيمة فليس له من التواضع نصيب # وعن أبي الفتح بن شخرف قال رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المنام ~~فقلت له يا أبا الحسن عظني فقال لي ما أحسن التواضع بالأغنياء في مجالس ~~الفقراء رغبة منهم في ثواب الله وأحسن من تيه الفقراء على الأغنياء ثقة ~~منهم بالله عز وجل وقال أبو سليمان لا يتواضع العبد حتى يعرف PageV03P342 # نفسه # وقال أبو يزيد ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر فقيل ~~له فمتى يكون متواضعا قال إذا لم ير لنفسه مقاما ولا حالا وتواضع كل إنسان ~~على قدر معرفته بربه عز وجل ومعرفته بنفسه # وقال أبو سليمان لو اجتمع الخلق على أن يضعوني كاتضاعي عند نفسي ما قدروا ~~عليه # وقال عروة بن الورد التواضع أحد مصايد الشرف وكل نعمة محسود عليها صاحبها ~~إلا التواضع # وقال يحيى بن خالد البرمكي الشريف إذا تنسك تواضع والسفيه إذا تنسك تعاظم # وقال يحيى بن معاذ # التكبر على ذي التكبر عليك بماله تواضع ويقال التواضع في الخلق كلهم حسن ~~وفي الأغنياء أحسن والتكبر في الخلق كلهم قبيح وفي الفقراء أقبح ويقال لا ~~عز إلا لمن تذلل لله عز وجل ولا رفعة إلا لمن تواضع لله عز وجل ولا أمن إلا ~~لمن خاف الله عز وجل ولا ربح إلا لمن ابتاع نفسه من الله عز وجل # وقال أبو علي الجوزجاني # النفس معجونة بالكبر والحرص والحسد فمن أراد الله تعالى هلاكه منع منه ~~التواضع والنصيحة والقناعة وإذا أراد الله تعالى به خيرا لطف به في ذلك ~~فإذا هاجت في نفسه نار الكبر أدركها التواضع من نصرة الله تعالى وإذا هاجت ~~نار الحسد في نفسه أدركتها النصيحة مع توفيق الله عز وجل وإذا هاجت في نفسه ~~نار الحرص أدركتها القناعة مع عون الله ms1729 عز وجل # وعن الجنيد رحمه الله أنه كان يقول يوم الجمعة في مجلسه لولا أنه روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يكون في آخر الزمان زعيم القوم أرذلهم // ~~حديث يكون في آخر الزمان زعيم القوم أرذلهم أخرجه الترمذي من حديث أبي ~~هريرة إذا اتخذ الفيء دولا الحديث {وفيه} كان زعيم القوم أرذلهم الحديث ~~وقال غريب وله من حديث علي بن أبي طالب إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها ~~البلاء فذكر منها وكان زعيم القوم أرذلهم ولأبي نعيم في الحلية من حديث ~~حذيفة من اقتراب الساعة اثنان وسبعون خصلة فذكرها منها وفيهما فرج بن فضالة ~~ضعيف # ما تكلمت عليكم وقال الجنيد أيضا التواضع عند أهل التوحيد تكبر ولعل ~~مراده أن التواضع يثبت نفسه ثم يضعها والموحد لا يثبت نفسه ولا يراها شيئا ~~حتى يضعها أو يرفعها # وعن عمرو بن شيبة قال كنت بمكة بين الصفا والمروة فرأيت رجلا راكبا بغلة ~~وبين يديه غلمان وإذا هم يعنفون الناس قال ثم عدت بعد حين فدخلت بغداد فكنت ~~على الجسر فإذا أنا برجل حاف حاسر طويل الشعر قال فجعلت أنظر إليه وأتأمله ~~فقال لي مالك تنظر إلي فقلت له شبهتك برجل رأيته بمكة ووصفت له الصفة فقال ~~له أنا ذلك الرجل فقلت ما فعل الله بك فقال إني ترفعت في موضع يتواضع فيه ~~الناس فوضعني الله حيث يترفع الناس # وقال المغيرة كنا نهاب إبراهيم النخعي هيبة الأمير وكان يقول إن زمانا ~~صرت فيه فقيه الكوفة لزمان سوء # وكان عطاء السلمي إذا سمع صوت الرعد قام وقعد وأخذه بطنه كأنه امرأة ماخض ~~وقال هذا من أجلي يصيبكم لو مات عطاء لاستراح الناس # وكان بشر الحافي يقول سلموا على أبناء الدنيا بترك السلام عليهم # ودعا رجل لعبد الله بن المبارك فقال أعطاك الله ما ترجوه فقال إن الرجاء ~~يكون بعد المعرفة فأين المعرفة وتفاخرت قريش عند سلمان الفارسي رضي الله ~~عنه يوما فقال سلمان لكنني خلقت من نطفة قذرة ثم أعود ms1730 جيفة منتنة ثم أتى ~~الميزان فإن ثقل فأنا كريم وإن خف فأنا لئيم وقال أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه وجدنا الكرم في التقوى والغنى في اليقين والشرف في التواضع نسأل الله ~~الكريم حسن التوفيق ### ||| بيان حقيقة الكبر وآفته # اعلم أن الكبر ينقسم إلى باطن وظاهر فالباطن هو خلق في النفس والظاهر هو ~~أعمال تصدر عن الجوارح # واسم الكبر بالخلق الباطن أحق وأما الأعمال فإنها ثمرات لذلك الخلق # وخلق الكبر موجب للأعمال ولذلك إذا PageV03P343 # ظهر على الجوارح يقال تكبر وإذا لم يظهر يقال في نفسه كبر # فالأصل هو الخلق الذي في النفس وهو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق ~~المتكبر عليه فإن الكبر يستدعي متكبرا عليه ومتكبرا به وبه ينفصل الكبر عن ~~العجب كما سيأتي فإن العجب لا يستدعي غير المعجب بل لو لم يخلق الإنسان إلا ~~وحده تصور أن يكون معجبا ولا يتصور أن يكون متكبرا إلا أن يكون مع غيره وهو ~~يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال فعند ذلك يكون متكبرا ولا يكفي أن ~~يستعظم نفسه ليكون متكبرا فإنه قد يستعظم نفسه ولكنه يرى غيره أعظم من نفسه ~~أو مثل نفسه فلا يتكبر عليه ولا يكفي أن يستحقر غيره فإنه مع ذلك لو رأى ~~نفسه أحقر لم يتكبر ولو رأى غيره مثل نفسه لم يتكبر بل ينبغي أن يرى لنفسه ~~مرتبة ولغيره مرتبة ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره فعند هذه الاعتقادات ~~الثلاثة يحصل فيه خلق الكبر لا أن هذه الرؤية تنفي الكبر بل هذه الرؤية ~~وهذه العقيدة تنفخ فيه فيحصل في قلبه اعتداد وهزة وفرح وركون إلى ما اعتقده ~~وعز في نفسه بسبب ذلك فتلك العزة والهزة والركون إلى العقيدة هو خلق الكبر # ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم أعوذ بك من نفخة الكبرياء (1) حديث ~~لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر تقدم فيه # وإنما صار حجابا دون الجنة لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها ~~وتلك الأخلاق هي ms1731 أبواب الجنة والكبر وعزة النفس يغلق تلك الأبواب كلها لأنه ~~لا يقدر على أن يحب المؤمنين ما يحب لنفسه وفيه شيء من العز ولا يقدر على ~~التواضع وهو رأس أخلاق المتقين وفيه العز ولا يقدر على ترك الحقد وفيه العز ~~ولا يقدر أن يدوم على الصدق وفيه العز ولا يقدر على ترك الغضب وفيه العز ~~ولا يقدر على كظم الغيظ وفيه العز ولا يقدر على ترك الحسد وفيه العز ولا ~~يقدر على النصح اللطيف وفيه العز ولا يقدر على قبول النصح وفيه العز ولا ~~يسلم من الازدراء بالناس ومن اغتيابهم وفيه العز ولا معنى للتطويل فما من ~~خلق PageV03P344 # ذميم إلا وصاحب العز والكبر مضطر إليه ليحفظ عزه وما من خلق محمود إلا ~~وهو عاجز عنه خوفا من أن يفوته عزه فمن هذا لم يدخل الجنة من في قلبه مثقال ~~حبة منه # والأخلاق الذميمة متلازمة والبعض منها داع إلى البعض لا محالة # وشر أنواع الكبر ما يمنع من استفادة العلم وقبول الحق والانقياد له وفيه ~~وردت الآيات التي فيها ذم الكبر والمتكبرين قال الله تعالى والملائكة باسطو ~~أيديهم إلى قوله وكنتم عن آياته تستكبرون {ثم قال} ادخلوا أبواب جنهنم ~~خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ثم أخبر أن أشد أهل النار عذابا أشدهم ~~عتيا على الله تعالى فقال ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا ~~وقال تعالى فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون وقال عز ~~وجل يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين وقال تعالى ~~إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين وقال تعالى سأصرف عن ~~آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق قيل في التفسير سأرفع فهم القرآن ~~عن قلوبهم وفي بعض التفاسير سأحجب قلوبهم عن الملكوت # وقال ابن جريج سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا بها # ولذلك قال المسيح عليه السلام إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت على الصفا ~~كذلك الحكمة تعمل في قلب المتواضع ولا تعمل في قلب المتكبر ألا ms1732 ترون أن من ~~شمخ برأسه إلى السقف شجه ومن طأطأ أظله وأكنه # فهذا مثل ضربه للمتكبرين وأنهم كيف يحرمون الحكمة ولذلك ذكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جحود الحق في حد الكبر والكشف عن حقيقته وقال من سفه ~~الحق وغمص الناس // حديث الكبر من سفه الحق وغمص الناس أخرجه من حديث ابن ~~مسعود في أثناء حديث وقال بطر الحق وغمط الناس ورواه الترمذي فقال من بطر ~~الحق وغمص الناس وقال حسن صحيح ورواه أحمد من حديث عقبة عامر بلفظ المصنف ~~ورواه البيهقي في الشعب من حديث أبي ريحانة هكذا ### ||| بيان المتكبر عليه ودرجاته وأقسامه وثمرات الكبر فيه # اعلم أن المتكبر عليه هو الله تعالى أو رسله أو سائر خلقه وقد خلق ~~الإنسان ظلوما جهولا فتارة يتكبر على الخلق وتارة يتكبر على الخالق فإذن ~~التكبر باعتبار المتكبر عليه ثلاثة أقسام # الأول التكبر على الله وذلك هو أفحش أنواع الكبر ولا مثار له إلا الجهل ~~المحض والطغيان مثل ما كان من نمروذ فإنه كان يحدث نفسه بأن يقاتل رب ~~السماء وكما يحكى عن جماعة من الجهلة # بل ما يحكى عن كل من ادعى الربوبية مثل فرعون وغيره فإنه لتكبره قال أنا ~~ربكم الأعلى إذ استنكف أن يكون عبدا لله ولذلك قال تعالى إن الذين يستكبرون ~~عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين وقال تعالى لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ~~لله ولا الملائكة المقربون الآية وقال تعالى وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن ~~قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا # القسم الثاني التكبر على الرسل من حيث تعزز النفس وترفعها على الانقياد ~~لبشر مثل سائر الناس وذلك تارة يصرف عن الفكر والاستبصار فيبقى في ظلمة ~~الجهل بكبره فيمتنع عن الانقياد وهو ظان أنه محق فيه وتارة يمتنع مع ~~المعرفة ولكن لا تطاوعه نفسه للإنقياد للحق والتواضع للرسل كما حكى الله ~~قولهم أنؤمن لبشرين مثلنا {وقولهم} إن أنتم إلا بشر مثلنا ولئن أطعتم بشرا ~~مثلكم إنكم إذا لخاسرون وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا ms1733 أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا وقالوا لولا ~~أنزل عليه ملك PageV03P345 # وقال فرعون فيما أخبر الله عنه {أو جاء معه الملائكة مقترنين} وقال الله ~~تعالى {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق} فتكبر هو على الله وعلى رسله ~~جميعا # قال وهب قال له موسى عليه السلام آمن ولك ملكك قال حتى أشاور هامان فشاور ~~هامان فقال هامان بينما أنت رب يعبد إذ صرت عبد تعبد فاسنكف عن عبودية الله ~~وعن اتباع موسى عليه السلام # وقالت قريش فيما أخبر الله تعالى عنهم {لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم} قال قتاده عظيم القريتين هو الوليد بن المغيرة وأبو مسعود ~~الثقفي طلبوا من هو أعظم رياسة من النبي صلى الله عليه وسلم إذ قالوا غلام ~~يتيم كيف بعثه الله إلينا فقال تعالى {أهم يقسمون رحمة ربك} وقال الله ~~تعالى {ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} أي استحقارا لهم واستبعادا ~~لتقدمهم # وقالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نجلس إليك وعندك هؤلاء ~~وأشاروا إلى فقراء المسلمين فازدروهم بأعينهم لفقرهم وتكبروا عن مجالستهم ~~فأنزل الله تعالى {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} إلى قوله {ما ~~عليك من حسابهم} وقال تعالى {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا} // حديث ~~قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نجلس إليك وعندك هؤلاء الحديث ~~في نزول قوله تعالى {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} أخرجه مسلم من حديث سعد بن ~~أبي وقاص إلا أنه قال فقال المشركون وقال ابن ماجه قالت قريش # ثم أخبر الله تعالى عن تعجبهم حين دخلوا جهنم إذا لم يروا الذين ازدروهم ~~فقالوا {ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار} قيل يعنون عمارا وبلالا ~~وصهيبا والمقداد رضي الله عنهم ثم كان منهم من منعه الكبر عن الفكر ~~والمعرفة فجهل كونه صلى الله عليه وسلم محقا ومنهم من ms1734 عرف ومنعه الكبر عن ~~الاعتراف قال الله تعالى مخبرا عنهم {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} وقال ~~{وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} وهذا الكبر قريب من التكبر على ~~الله عز وجل وإن كان دونه ولكنه تكبر على قبول أمر الله والتواضع لرسوله # القسم الثالث التكبر على العباد وذلك بأن يستعظم نفسه ويستحقر غيره فتأبى ~~نفسه عن الانقياد لهم وتدعوه إلى الترفع عليهم فيزدريهم ويستصغرهم ويأنف عن ~~مساواتهم وهذا وإن كان دون الأول والثاني فهو أيضا عظيم من وجهين أحدهما أن ~~الكبر والعز والعظمة والعلاء لا يليق إلا بالملك القادر فأما العبد المملوك ~~الضعيف العاجز الذي لا يقدر على شيء فمن أين يليق بحاله الكبر فمهما تكبر ~~العبد فقد نازع الله تعالى في صفة لا تليق إلا بجلاله ومثاله أن يأخذ ~~الغلام قلنسوة الملك فيضعها على رأسه ويجلس على سريره فما أعظم استحقاقه ~~للمقت وما أعظم تهدفه للخزي والنكال وما أشد استجراءه على مولاه وما أقبح ~~ما تعاطاه وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى العظمة إزاري والكبرياء ~~ردائي فمن نازعني فيهما قصمته أي إنه خاص صفتي ولا يليق إلا بي والمنازع ~~فيه منازع في صفة من صفاتي وإذا كان الكبر على عباده لا يليق إلا به فمن ~~تكبر على عباده فقد جني عليه إذ الذي يسترذل خواص غلمان الملك ويستخدمهم ~~ويترفع عليهم ويستأثر بما حق الملك أن يستأثر به منهم فهو منازع له في بعض ~~أمره وإن لم يبلغ درجته درجة من أراد الجلوس على سريره والاستبداد بملكه ~~فالخلق كلهم عباد الله وله العظمة الكبرياء عليهم فمن تكبر على عبد من عباد ~~الله فقد نازع الله في حقه # نعم الفرق بين هذه المنازعة وبين منازعة نمروذ وفرعون هو الفرق بين ~~منازعة الملك في استصغار بعض عبيده واستخدامهم وبين منازعته في أصل الملك PageV03P346 # الوجه الثاني الذي تعظم به رذيلة الكبر أنه يدعو إلى مخالفة الله تعالى ~~في أوامره لأن المتكبر إذا سمع الحق من عبد من عبادالله استنكف عن قبوله ~~وتشمر ms1735 لجحده ولذلك ترى المناظرين في مسائل الدين يزعمون أنهم يتباحثون عن ~~أسرار الدين ثم إنهم يتجاحدون تجاحد المتكبرين ومهما اتضح الحق على لسان ~~واحد منهم أنف الآخر من قبوله وتشمر لجحده واحتال لدفعه بما يقدر عليه من ~~التلبيس وذلك من أخلاق الكافرين والمنافقين إذ وصفهم الله تعالى فقال {وقال ~~الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} فكل من يناظر ~~للغلبة والإفحام لا ليغتنم الحق إذا ظفر به فقد شاركهم في هذا الخلق وكذلك ~~يحمل ذلك على الأنفة من قبول الوعظ كما قال تعالى {وإذا قيل له اتق الله ~~أخذته العزة بالإثم} وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قرأها فقال {إنا لله ~~وإنا إليه راجعون} قام رجل يأمر بالمعروف فقتل فقام آخر فقال يقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس فقتل المتكبر الذي خالفه والذي أمره كبرا # وقال ابن مسعود كفى بالرجل إثما إذا قيل له اتق الله قال عليك نفسك وقال ~~صلى الله عليه وسلم لرجل كل بيمينك قال لا أستطيع فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم ل أستطيع فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا فما منعه إلا كبره قال # فما رفعها بعد ذلك (1) حديث قول ثابت بن قيس بن شماس إني امرؤ قد حبب إلي ~~من الجمال ما ترى الحديث وفيه الكبر من بطر الحق وغمص الناس أخرجه مسلم ~~والترمذي وقد تقدم قبله بحديثين # وفي حديث آخر من سفه الحق (2) حديث آفة العلم الخيلاء قلت هكذا ذكره ~~المصنف والمعروف آفة العلم النسيان وآفة الجمال الخيلاء هكذا رواه القضاعي ~~في مسند الشهاب من حديث علي بسند ضعيف # وروى عنه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس آفة الجمال الخيلاء وفيه ~~الحسن بن الحميد الكوفي لا يدري من هو حدث عن أبيه بحديث موضوع قاله صاحب ~~الميزان # فلا يلبث PageV03P347 # العالم أن يتعزز بعزة العلم يستشعر في نفسه جمال العلم وكماله ويستعظم ~~نفسه ويستحقر الناس وينظر إليهم نظره إلى البهائم ويستجهلهم ويتوقع أن ~~يبدءوه بالسلام فإن بدأه واحد منهم ms1736 بالسلام أو رد عليه ببشر أو قام له أو ~~أجاب له دعوة رأى ذلك صنيعة عنده ويدا عليه يلزمه شكرها واعتقد أنه أكرمهم ~~وفعل بهم ما لا يستحقون من مثله وأنه ينبغي أن يرقوا له ويخدموه شكرا له ~~على صنيعه بل الغالب أنهم يبرونه فلا يبرهم ويزورونه فلا يزورهم ويعودونه ~~فلا يعودهم ويستخدم من خالطه منهم ويستسخره في حوائجه فإن قصر فيه استنكره ~~كأنهم عبيده أو أجراؤه وكأن تعليمه العلم صنيعة منه إليهم ومعروفلديهم ~~واستحقاق حق عليهم هذا فيما يتعلق بالدنيا # أما في أمر الآخرة فتكبره عليهم بأن يرى نفسه عند الله تعالى أعلى وأفضل ~~منهم فيخاف عليهم أكثر مما يخاف على نفسه ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم ~~وهذا بأن يسمى جاهلا أولى من أن يسمى عالما بل العلم الحقيقي هو الذي يعرف ~~الإنسان به نفسه وربه وخطر الخاتمة وحجة الله على العلماء وعظم خطر العلم ~~فيه كما سيأتي في طريق معالجة الكبر بالعلم وهذا العلم يزيد خوفا وتواضعا ~~وتخشعا ويقتضي أن يرى كل الناس خيرا منه لعظم حجة الله عليه بالعلم وتقصيره ~~في القيام بشكر نعمة العلم # ولهذا قال أبو الدرداء من ازداد علما ازداد وجعا وهو كما قال # فإن قلت فما بال بعض الناس يزداد بالعلم كبرا وأمنا # فاعلم أن لذلك سببين # أحدهما أن يكون اشتغاله بما يسمى علما وليس علما حقيقيا وإنما العلم ~~الحقيقي ما يعرف به العبد ربه ونفسه وخطر أمره في لقاء الله والحجاب منه ~~وهذا يورث الخشية والتواضع دون الكبر والأمن # قال الله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء فأما ما وراء ذلك كعلم ~~الطب والحساب واللغة والشعر والنحو وفصل الخصومات وطرق المجادلات فإذا تجرد ~~الإنسان لها حتى امتلأ منها امتلأ بها كبرا ونفاقا وهذه بأن تسمى صناعات ~~أولى من أن تسمى علوما بل العلم هو معرفة العبودية والربوبية وطريق العبادة ~~وهذه تورث التواضع غالبا # السبب الثاني أن يخوض العبد في العلم وهو خبيث الدخلة رديء النفس سيء ~~الأخلاق فإنه لم يشتغل ms1737 أولا بتهذيب نفسه وتزكية قلبه بأنواع المجاهدات ولم ~~يرض نفسه في عبادة ربه فبقي خبيث الجوهر فإذا خاض في العلم أي علم كان صادف ~~العلم من قلبه منزلا خبيثا فلم يطب ثمره ولم يظهر في الخير أثره # وقد ضرب وهب لهذا مثلا فقال العلم كالغيث ينزل من السماء حلوا صافيا ~~فتشربه الأشجار بعروقها فتحوله على قدر طعومها فيزداد المر مرارة والحلو ~~حلاوة فكذلك العلم تحفظه الرجال فتحوله على قدر هممها وأهوائها فيزيد ~~المتكبر كبرا والمتواضع تواضعا وهذا لأن من كانت همته الكبر وهو جاهل فإذا ~~حفظ العلم وجد ما يتكبر به فازداد كبرا وإذا كان الرجل خائفا مع جهله ~~فازداد علما علم أن الحجة قد تأكدت عليه فيزداد خوفا وإشفاقا وذلا وتواضعا ~~فالعلم من أعظم ما يتكبر به ولذلك قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين وقال عز وجل ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوا من حولك ووصف أولياءه فقال أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ~~وكذلك قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه العباس رضي الله عنه يكون قوم ~~يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقولون قد قرأنا القرآن فمن أقرأ منا ومن ~~أعلم منا ثم التفت إلى أصحابه وقال أولئك منكم أيها الأمة أولئك هم PageV03P348 # وقود النار (1) حديث سيأتي على الناس زمان من تمسك بعشر ما أنتم عليه نجا ~~أخرجه أحمد من رواية رجل عن أبي ذر # لكان جديرا بنا أن نقتحم والعياذ بالله تعالى ورطة اليأس والقنوط مع ما ~~نحن عليه من سوء أعمالنا ومن لنا أيضا بالتمسك بعشر ما كانوا عليه وليتنا ~~تمسكنا بعشر عشره # فنسأل الله تعالى أن يعاملنا بما هو أهله ويستر علينا قبائح أعمالنا كما ~~يقتضيه كرمه وفضله # الثاني العمل والعبادة وليس يخلو عن رذيلة العز والكبر واستمالة قلوب ~~الناس الزهاد والعباد ويترشح الكبر منهم في الدين والدنيا # أما في الدنيا فهو أنهم يرون غيرهم بزيارتهم أولى منهم بزيارة غيرهم ~~ويتوقعون قيام الناس بقضاء حوائجهم وتوقيرهم والتوسع لهم ms1738 في المجالس وذكرهم ~~بالورع والتقوى وتقديمهم على سائر الناس في الحظوظ إلى جميع ما ذكرناه في ~~حق العلماء وكأنهم يرون عبادتهم منة على الخلق # وأما في الدين فهو أن يرى الناس هالكين ويرى نفسه ناجيا وهو الهالك ~~تحقيقا مهما رأى ذلك قال صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم الرجل يقول هلك ~~الناس فهو أهلكهم (2) حديث كفى بالمرء شرا أن يقر أخاه المسلم أخرجه مسلم ~~من حديث أبي هريرة بلفظ امرؤ من الشر # وكم من الفرق بينه وبين من يحبه لله ويعظمه لعبادته ويستعظمه ويرجو له ما ~~لا يرجوه لنفسه فالخلق يدركون النجاة بتعظيمهم إياه لله فهم يتقربون إلى ~~الله تعالى بالدنو منه وهو يتمقت إلى الله بالتنزه والتباعد منهم كأنه ~~مترفع عن مجالستهم فما أجدرهم إذ أحبوه لصلاحه أن ينقلهم الله إلى درجته في ~~العمل وما أجدره إذ ازدراهم بعينه أن ينقله الله إلى حد الإهمال كما روي أن ~~رجلا في بني إسرائيل كان يقال له خليع بني إسرائيل لكثرة فساده مر برجل آخر ~~يقال له عابد بني إسرائيل وكان على رأس العابد غمامة تظله فلما مر الخليع ~~به فقال الخليع في نفسه أنا خليع بني إسرائيل وهذا عابد بني إسرائيل ~~PageV03P349 # فلو جلست إليه لعل الله يرحمني فجلس إليه فقال العابد أنا عابد بني ~~إسرائيل وهذا خليع بني إسرائيل فكيف يجلس إلي فأنف منه وقال له قم عني ~~فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان مرهما فليستأنفا العمل فقد غفرت للخليع ~~وأحبطت عمل العابد # وفي رواية أخرى فتحولت الغمامة إلى رأس الخليع # وهذا يعرفك أن الله تعالى إنما يريد من العبيد قلوبهم فالجاهل العاصي إذا ~~تواضع هيبة لله وذل خوفا منه فقد أطاع الله بقلبه فهو أطوع لله من العالم ~~المتكبر والعابد المعجب # وكذلك روي أن رجلا في بني إسرائيل أتى عابدا من بني إسرائيل فوطئ على ~~رقبته وهو ساجد فقال ارفع فوالله لا يغفر الله لك (1) حديث أن رجلا ذكر ~~بخير للنبي صلى الله عليه وسلم فأقبل ذات يوم فقالوا ms1739 يا رسول الله هذا الذي ~~ذكرناه لك فقال إني أرى في وجهه سفعة من الشيطان الحديث أخرجه أحمد والبزار ~~والدارقطني من حديث أنس # فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنور النبوة ما استكن في قلبه سفعة في ~~وجهه # وهذه آفة لا ينفك عنها أحد من العباد إلا من عصمه الله # لكن العلماء والعباد في آفة الكبر على ثلاث درجات # الدرجة الأولى أن يكون الكبر مستقرا في قلبه يرى نفسه خيرا من غيره إلا ~~أنه يجتهد ويتواضع ويفعل PageV03P350 # فعل من يرى غيره خيرا من نفسه وهذا قد رسخ في قلبه شجرة الكبر ولكنه قطع ~~أغصانها بالكلية # الثانية أن يظهر ذلك على أفعاله بالترفع في المجالس والتقدم على الأقران ~~وإظهار الإنكار على من يقصر في حقه وأدنى ذلك في العالم أن يصعر خده للناس ~~كأنه معرض عنهم وفي العابد أن يعبس وجهه ويقطب جبينه كأنه منزه عن الناس ~~مستقذر لهم أو غضبان عليهم وليس يعلم المسكين أن الورع ليس في الجبهة حتى ~~تقطب ولا في الوجه حتى يعبس ولا في الخد حتى يصعر ولا في الرقبة حتى تطأطأ ~~ولا في الذيل حتى يضم إنما الورع في القلوب قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم التقوى هاهنا وأشار إلى صدره (1) حديث كان أكرم الخلق وأتقاهم الحديث ~~تقدم في كتاب أخلاق النبوة # ولذلك قال الحارث بن جزء الزبيدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعجبني من القراء كل طليق مضحاك فأما الذي تلقاه ببشر ويلقاك بعبوس يمن ~~عليك بعلمه فلا أكثر الله في المسلمين مثله # ولو كان الله سبحانه وتعالى يرضى ذلك لما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~{واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} وهؤلاء الذين يظهر أثر الكبر على ~~شمائلهم فأحوالهم أخف حالا ممن هو في # الرتبة الثالثة وهو الذي يظهر الكبر على لسانه حتى يدعوه إلى الدعوى ~~والمفاخرة والمباهاة وتزكية النفس وحكايات الأحوال والمقامات والتشمر لغلبة ~~الغير في العلم والعمل # أما العابد فإنه يقول في معرض التفاخر لغيره من ms1740 العباد # من هو وما عمله ومن أين زهده فيطول اللسان فيهم بالتنقص ثم يثني على نفسه ~~ويقول إني لم أفطر منذ كذا وكذا ولا أنام الليل وأختم القرآن في كل يوم ~~وفلان ينام سحرا ولا يكثر القراءة وما يجري مجراه وقد يزكي نفسه ضمنا فيقول ~~قصدني فلان بسوء فهلك ولده وأخذ ماله أو مرض أو ما يجره مجراه يدعي الكرامة ~~لنفسه # وأما مباهاته فهو أنه لو وقع مع قوم يصلون بالليل قام وصلى أكثر مما كان ~~يصلي وإن كانوا يصبرون على الجوع فيكلف نفسه الصبر ليغلبهم ويظهر له قوته ~~وعجزهم وكذلك يشتد في العبادة خوفا من أن يقال غيره أعبد منه أو أقوى منه ~~في دين الله # وأما العالم فإنه يتفاخر ويقول أنا متفنن في العلوم ومطلع على الحقائق ~~ورأيت من الشيوخ فلانا وفلانا ومن أنت وما فضلك ومن لقيت وما الذي سمعت من ~~الحديث كل ذلك ليصغره ويعظم نفسه # وأما مباهاته فهو أنه يجتهد في المناظرة أن يغلب ولا يغلب ويسهر طول ~~الليل والنهار في تحصيل علوم يتجمل بها في المحافل كالمناظرة والجدل وتحسين ~~العبارة وتسجيع الألفاظ وحفظ العلوم الغريبة ليغرب بها على الأقران ويتعظم ~~عليهم ويحفظ الأحاديث ألفاظها وأسانيدها حتى يرد على من أخطأ فيها فيظهر ~~فضله ونقصان أقرانه ويفرح مهما أخطأ واحد منهم ليرد عليه ويسوء إذا أصاب ~~وأحسن خيفة من أن يرى أنه أعظم منه # فهذا كله أخلاق الكبر وآثاره التي يثمرها التعزز بالعلم والعمل وأين من ~~يخلو عن جميع ذلك أو عن بعضه فليت شعري من الذي عرف هذه الأخلاق من نفسه ~~وسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة ~~من خردل من كبر // حديث لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ~~تقدم # كيف يستعظم نفسه ويتكبر على غيره ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنه ~~من أهل النار وإنما العظيم من خلا عن هذا ومن خلا عنه لم يكن فيه ms1741 تعظيم ~~وتكبر والعالم هو الذي فهم إن الله تعالى قال له إن لك عندنا قدرا ما لم تر ~~لنفسك قدرا فإن رأيت لها قدرا فلا قدر لك عندنا # ومن لم يعلم PageV03P351 # هذا من الدين فاسم العالم عليه كذب ومن علمه لزمه أن لا يتكبر ولا يرى ~~لنفسه قدرا # فهذا هو التكبر بالعلم والعمل # الثالث التكبر بالحسب والنسب فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك ~~النسب وإن كان أرفع منه عملا وعلما وقد يتكبر بعضهم فيرى أن الناس له أموال ~~وعبيد ويأنف من مخالطتهم ومجالستهم وثمرته على اللسان التفاخر به فيقول ~~لغيره يا نبطي يا هندي ويا أرمني من أنت ومن أبوك فأنا فلان ابن فلان وأين ~~لمثلك أن يكلمني أو ينظر إلي ومع مثلي تتكلم وما يجري مجراه # وذلك عرق دفين في النفس لا ينفك عنه نسيب وإن كان صالحا وعاقلا إلا أنه ~~قد لا يترشح منه ذلك عند اعتدال الأحوال فإن غلبه غضب أطفأ ذلك نور بصيرته ~~وترشح منه كما روي عن أبي ذر أنه قال قاولت رجلا عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقلت له يا ابن السوداء فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر طف ~~الصاع طف الصاع ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل (1) حديث أن رجلين ~~تفاخرا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما للآخر أنا فلان بن فلان ~~فمن أنت لا أم لك الحديث أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند من حديث ~~أبي بن كعب بإسناد صحيح ورواه أحمد موقوفا على معاذ بقصة موسى فقط # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدعن قوم الفخر بآبائهم وقد صاروا ~~فحما في جهنم أو ليكون أهون على الله من الجعلان التي تذرف بآنافها القذر ~~(2) حديث عائشة دخلت امرأة على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت بيدي هكذا أي ~~أنها قصيرة الحديث تقدم في آفات اللسان # وهذا منشؤه خفاء الكبر لأنها لو كانت أيضا قصيرة لما ذكرتها بالقصر ~~فكأنها أعجبت ms1742 بقامتها واستقصرت المرأة في جنب نفسها فقالت ما قالت # الخامس الكبر بالمال وذلك يجري بين الملوك في خزائنهم وبين التجار في ~~بضائعهم وبين الدهاقين في أراضيهم وبين المتجملين في لباسهم وخيولهم ~~ومراكبهم فيستحقر الغني الفقير ويتكبر عليه ويقول له أنت مكد ومسكين وأنا ~~لو أردت لاشتريت مثلك واستخدمت من هو فوقك ومن أنت وما معك وأثاث بيتي ~~يساوي أكثر من جميع مالك وأنا أنفق في اليوم ما لا تأكله في سنة وكل ذلك ~~لاستعظامه للغنى واستحقاره للفقر وكل ذلك جهل منه بفضيلة الفقر وآفة الغنى ~~وإليه الإشارة بقوله تعالى {فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز ~~نفرا} حتى أجابه فقال إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتيني ~~خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها ~~غورا فلن تستطيع له طلبا وكان ذلك منه تكبرا بالمال والولد PageV03P352 # ثم بين الله عاقبة أمره بقوله {يا ليتني لم أشرك بربي أحدا} ومن ذلك تكبر ~~قارون إذ قال تعالى إخبارا عن تكبره {فخرج على قومه في زينته قال الذين ~~يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} # السادس الكبر بالقوة وشدة البطش والتكبر به على أهل الضعف # السابع التكبر بالأتباع والأنصار والتلامذة والغلمان وبالعشيرة والأقارب ~~والبنين ويجري ذلك بين الملوك في المكاثرة بالجنود وبين العلماء في ~~المكاثرة بالمستفيدين # وبالجملة فكل ما هو نعمة وأمكن أن يعتقد كمالا وإن لم يكن في نفسه كمالا ~~أمكن أن يتكبر به حتى إن المخنث ليتكبر على أقرانه بزيادة معرفته وقدرته في ~~صنعة المخنثين لأنه يرى ذلك كمالا فيفتخر به وإن لم يكن فعله إلا نكالا ~~وكذلك الفاسق قد يفتخر بكثرة الشرب وكثرة الفجور بالنسوان والغلمان ويتكبر ~~به لظنه أن ذلك كمالا وإن كان مخطئا فيه # فهذه مجامع ما يتكبر به العباد بعضهم على بعض فيتكبر من يدلي بشيء منه ~~على من لا يدلي به أو على من يدلي بما هو ms1743 دونه في اعتقاده # وربما كان مثله أو فوقه عند الله تعالى كالعالم الذي يتكبر بعلمه على من ~~هو أعلم منه لظنه أنه هو الأعلم ولحسن اعتقاده في نفسه # نسأل الله العون بلطفه ورحمته أنه على كل شيء قدير ### ||| بيان البواعث على التكبر وأسبابه المهيجة له # اعلم أن الكبر خلق باطن وأما ما يظهر من الأخلاق والأفعال فهي ثمرة ~~ونتيجة وينبغي أن تسمى تكبرا # ويخص اسم الكبر بالمعنى الباطن الذي هو استعظام النفس ورؤية قدرها فوق ~~قدر الغير وهذا الباطن له موجب واحد وهو العجب الذي يتعلق بالمتكبر كما ~~سيأتي معناه فإنه إذا أعجب بنفسه وبعلمه وبعمله أو بشيء من أسبابه استعظم ~~وتكبر # وأما الكبر الظاهر فأسبابه ثلاثة سبب في المتكبر وسبب في المتكبر عليه ~~وسبب فيما يتعلق بغيرهما # أما السبب الذي في المتكبر فهو العجب والذي يتعلق بالمتكبر عليه هو الحقد ~~والحسد # والذي يتعلق بغيرهما هو الرياء فتصير الأسباب بهذا الاعتبار أربعة العجب ~~والحقد والحسد والرياء # أما العجب فقد ذكرنا أنه يورث الكبر الباطن والكبر يثمر التكبر الظاهر في ~~الأعمال والأقوال والأحوال # وأما الحقد فإنه يحمل على التكبر من غير عجب كالذي يتكبر على من يرى أنه ~~مثله أو فوقه ولكن قد غضب عليه بسبب سبق منه فأورثه الغضب حقدا ورسخ في ~~قلبه بغضه فهو لذلك لا تطاوعه نفسه أن يتواضع له وإن كان عنده مستحقا ~~للتواضع فكم من رذل لا تطاوعه نفسه على التواضع لواحد من الأكابر لحقده ~~عليه أو بغضه له ويحمله ذلك على رد الحق إذا جاء من جهته وعلى الأنفة من ~~قبول نصحه وعلى أن يجتهد في التقدم عليه وإن علم أنه لا يستحق ذلك وعلى أن ~~لا يستحله وإن ظلمه فلا يعتذر إليه وإن جنى عليه ولا يسأله عما هو جاهل به # وأما الحسد فإنه أيضا يوجب البغض للمحسود وإن لم يكن من جهته إيذاء وسبب ~~يقتضي الغضب والحقد ويدعو الحسد أيضا إلى جحد الحق حتى يمنع من قبول ~~النصيحة وتعلم العلم فكم من جاهل ms1744 يشتاق إلى العلم وقد بقي في رذيلة الجهل ~~لاستنكافه أن يستفيد من واحد من أهل بلده أو أقاربه حسدا وبغيا عليه فهو ~~يعرض عنه ويتكبر عليه مع معرفته بأنه يستحق التواضع بفضل علمه ولكن الحسد ~~يبعثه على أن يعامله بأخلاق المتكبرين وإن كان في باطنه ليس يرى نفسه فوقه # وأما الرياء فهو أيضا يدعو إلى أخلاق المتكبرين حتى إن الرجل ليناظر من ~~يعلم أنه أفضل منه وليس بينه PageV03P353 # وبينه معرفة ولا محاسدة ولا حقد ولكن يمتنع من قبول الحق منه ولا يتواضع ~~له في الاستفادة خيفة من أن يقول الناس إنه أفضل منه فيكون باعثه على ~~التكبر عليه الرياء المجرد ولو خلا معه بنفسه لكان لا يتكبر عليه # وأما الذي يتكبر بالعجب أو الحسد أو الحقد فإنه يتكبر أيضا عند الخلوة به ~~مهما لم يكن معهما ثالث وكذلك قد ينتمي إلى نسب شريف كاذبا وهو يعلم أنه ~~كاذب ثم يتكبر به على من ليس ينتسب إلى ذلك النسب ويترفع عليه في المجالس ~~ويتقدم عليه في الطريق ولا يرضى بمساواته في الكرامة والتوقير وهو عالم ~~باطنا بأنه لا يستحق ذلك ولا كبر في باطنه لمعرفته بأنه كاذب في دعوى النسب ~~ولكن يحمله الرياء على أفعال المتكبرين وكأن اسم المتكبر إنما يطلق في ~~الأكثر على من يفعل هذه الأفعال عن كبر في الباطن صادر عن العجب والنظر إلى ~~الغير بعين الاحتقار وهو إن سمي متكبرا فلأجل التشبه بأفعال الكبر # نسأل الله حسن التوفيق والله تعالى أعلم ### ||| بيان أخلاق المتواضعين ومجامع ما يظهر فيه أثر التواضع والتكبر # اعلم أن التكبر يظهر في شمائل الرجل كصعر في وجهه ونظره شزرا وإطراقه ~~رأسه وجلوسه متربعا أو متكئا وفي أقواله حتى في صوته ونغمته وصيغته في ~~الإيراد ويظهر في مشيته وتبختره وقيامه وجلوسه وحركاته وسكناته وفي تعاطيه ~~لأفعاله وفي سائر تقلباته في أحواله وأقواله وأعماله # فمن المتكبرين من يجمع ذلك كله ومنهم من يتكبر في بعض ويتواضع في بعض # فمنها التكبر بأن يحب قيام الناس له ms1745 أو بين يديه # وقد قال علي كرم الله وجهه من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر ~~إلى رجل قاعد وبين يديه قوم قيام # وقال أنس لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ~~إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك (1) حديث كان في بعض ~~الأوقات يمشي مع أصحاب فيأمرهم بالتقدم أخرجه منصور الديلمي في مسند ~~الفردوس من حديث أبي أمامة بسند ضعيف جدا أنه خرج يمشي إلى البقيع فتبعه ~~أصحابه فوقف فأمرهم أن يتقدموا ومشى خلفهم فسئل عن ذلك فقال إني سمعت خفق ~~نعالكم فأشفقت أن يقع في نفسي شيء من الكبر وهو منكر فيه جماعة ضعفاء # إما لتعليم غيره أو لينفي عن نفسه وساوس الشيطان بالكبر والعجب كما أخرج ~~الثوب الجديد في الصلاة وأبدله بالخليع لأحد هذين المعنيين // حديث إخراجه ~~الثوب الجديد في الصلاة وإبداله بالخليع قلت المعروف نزع الشراك الجديد ورد ~~الشراك الخلق أو نزع الخميصة وليس الأنبجانية وكلاهما تقدم في الصلاة # ومنها أن لا يزور غيره وإن كان يحصل من زيارته خير لغيره في الدين وهو ضد ~~التواضع # روي أن سفيان الثوري قدم الرملة فبعث إليه إبراهيم بن أدهم أن تعال ~~فحدثنا فجاء سفيان فقيل له يا أبا إسحاق تبعث إليه بمثل هذا فقال أردت أن ~~أنظر كيف تواضعه # ومنها أن يستنكف من جلوس غيره بالقرب منه إلا أن يجلس بين يديه والتواضع ~~خلافه # قال ابن وهب جلست إلى عبد العزيز بن أبي رواد فمس فخذي فخذه فنحيت نفسي ~~عنه فأخذ ثيابي فجرني إلى نفسه وقال لي لم تفعلون بي PageV03P354 # ما تفعلون بالجبابرة وإني لا أعرف رجلا منكم شرا مني وقال أنس كانت ~~الوليدة من ولائد المدينة تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينزع ~~يده منها حتى تذهب به حيث تشاء (1) حديث الرجل الذي به جدري وإجلاسه إلى ~~جنبه تقدم قريبا # وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لا يحبس عن طعامه ms1746 مجذوما ولا أبرص ~~ولا مبتلي إلا أقعدهم على مائدته # ومنها أن لا يتعاطى بيده شغلا في بيته والتواضع خلافه روي أن عمر بن عبد ~~العزيز أتاه ليلة ضيف وكان يكتب فكاد السراج يطفأ فقال الضيف أقوم إلى ~~المصباح فأصلحه فقال ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه قال أفأنبه الغلام ~~فقال هي أول نومة نامها فقام وأخذ البطة وملأ المصباح زيتا فقال الضيف قمت ~~أنت بنفسك يا أمير المؤمنين فقال ذهبت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر ما نقص مني ~~شيء وخير الناس من كان عند الله متواضعا # ومنها أن لا يأخذ متاعه ويحمله إلى بيته وهو خلاف عادة المتواضعين كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك (2) حديث البذاذة من الإيمان أخرجه ~~أبو داود وابن ماجه حديث أبي أمامة بن ثعلبة وقد تقدم # فقال هارون سألت معنا عن البذاذة فقال هو الدون من اللباس # وقال زيد بن وهب رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى السوق وبيده ~~الدرة وعليه إزار فيه أربع عشرة رقعة بعضها من أدم وعوتب علي كرم الله وجهه ~~في إزار مرقوع فقال يقتدي به المؤمن ويخشع له القلب # وقال عيسى عليه السلام جودة الثياب خيلاء في القلب وقال طاوس إني لأغسل ~~ثوبي هذين فأنكر قلبي ما داما نقيين # ويروى أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان قبل أن يستخلف تشترى له الحلة ~~بألف دينار فيقول ما أجودها لولا خشونة فيها فلما استخلف كان يشترى له ~~الثوب بخمسة دراهم فيقول ما أجوده لولا لينه فقيل له أين لباسك ومركبك ~~وعطرك يا أمير المؤمنين فقال إن لي نفسا ذواقة وإنها لم تذق من الدنيا طبقة ~~إلا تاقت إلى الطبقة التي فوقها حتى إذا ذاقت الخلافة وهي أرفع الطباق تاقت ~~إلى ما عند الله عز وجل # وقال سعيد بن سويد صلى بنا عمر بن عبد العزيز الجمعة ثم جلس وعليه قميص ~~مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه فقال له رجل يا أمير المؤمنين إن ms1747 الله قد ~~أعطاك فلو لبست فنكس PageV03P355 # رأسه مليا ثم رفع رأسه فقال إن أفضل القصد عند الجدة وإن أفضل العفو عند ~~القدرة وقال صلى الله عليه وسلم من ترك زينة لله ووضع ثيابا حسنة تواضعا ~~لله وابتغاء لمرضاته كان حقا على الله أن يدخر له عبقري الجنة (1) حديث سئل ~~عن الجمال في الثياب هل هو من الكبر فقال {لا} الحديث تقدم غير مرة # فكيف طريق الجمع بينهما فاعلم أن الثوب الجديد ليس من ضرورته أن يكون من ~~التكبر في حق كل أحد في كل حال وهو الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو الذي عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم من حال ثابت بن قيس إذ ~~قال إني امرؤ حبب إلي من الجمال ما ترى (2) حديث كلوا واشربوا والبسوا ~~وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة أخرجه النسائي وابن ماجه من رواية عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده # إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده // حديث إن الله يحب أن يرى أثر ~~نعمته على عبده أخرجه الترمذي وحسنه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~أيضا وقد جعلهما المصنف حديثا واحدا # وقال بكر بن عبد الله المزني البسوا ثياب الملوك وأميتوا قلوبكم بالخشية ~~وإنما خاطب بهذا قوما يطلبون التكبر بثياب أهل الصلاح # وقد قال عيسى عليه السلام ما لكم تأتوني وعليكم ثياب الرهبان وقلوبكم ~~قلوب الذئاب الضواري البسوا ثياب الملوك وأميتوا قلوبكم بالخشية # ومنها أن يتواضع بالاحتمال إذا سب وأوذي وأخذ حقه فذلك هو الأصل # وقد أوردنا ما نقل عن السلف من احتمال الأذى في كتاب الغضب والحسد # وبالجملة فمجامع حسن الأخلاق والتواضع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فيه ~~فينبغي أن يقتدى به ومنه ينبغي أن يتعلم # وقد قال أبو سلمة # قلت لأبي سعيد الخدري ما ترى فيما أحدث الناس من الملبس والمشرب والمركب ~~والمطعم فقال يا ابن أخي كل لله واشرب لله والبس لله وكل شيء من ذلك دخله ~~زهو ms1748 أو مباهاة أو رياء أو سمعة فهو معصية وسرف وعالج في بيتك من الخدمة ما ~~كان يعالج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته كان يعلف الناضح ويعقل ~~البعير ويقم البيت ويحلب الشاة ويخصف النعل ويرقع الثوب ويأكل مع خادمه ~~ويطحن عنه إذا أعيا ويشتري الشيء من السوق ولا يمنعه الحياء أن يلعقه بيده ~~أو يجعله في طرف ثوبه وينقلب إلى أهله يصافح الغني والفقير والكبير والصغير ~~ويسلم مبتدئا على كل من استقبله من صغير أو كبير أسود أو أحمر حر أو عبد من ~~أهل الصلاة ليست له حلة لمدخله وحلة لمخرجه لا يستحي من أن يجيب إذا دعى ~~وإن كان أشعث أغبر ولا يحقر ما دعى إليه وإن لم يجد إلا حشف الدقل لا يرفع ~~غداء لعشاء ولا عشاء لغداء هين المؤنة PageV03P356 # لين الخلق كريم الطبيعة جميل المعاشرة طليق الوجه بسام من غير ضحك محزون ~~من غير عبوس شديد في غير عنف متواضع في غير مذلة جواد من غير سرف رحيم لكل ~~ذي قربى ومسلم رقيق القلب دائم الإطراق لم يبشم قط من شبع ولا يمد يده من ~~طمع قال أبو سلمة فدخلت على عائشة رضي الله عنها فحدثتها بما قال أبو سعيد ~~في زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ما أخطأ منه حرفا ولقد قصر إذ ~~ما أخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمتلئ قط شبعا ولم يبث إلى ~~أحد شكوى وإن كانت الفاقة لأحب إليه من اليسار والغنى وإن كان ليظل جائعا ~~يلتوي ليلته حتى يصبح فما يمنعه ذلك عن صيام يومه ولو شاء أن يسأل ربه ~~فيؤتى بكنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها من مشارق الأرض ومغاربها لفعل وربما ~~بكيت رحمة له مما أوتي من الجوع فأمسح بطنه بيدي وأقول نفسي لك الفداء لو ~~تبلغت من الدنيا بقدر ما يقوتك ويمنعك من الجوع فيقول يا عائشة إخواني من ~~أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا ms1749 على حالهم وقدموا ~~على ربهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم فأجدني أستحيي إن ترفهت في معيشتي أن ~~يقصر بي دونهم فأصبر أياما يسيرة أحب إلي من أن ينقص حظي غدا في الآخرة وما ~~من شيء أحب إلي من اللحوق بإخواني وأخلائي قالت عائشة رضي الله عنها فوالله ~~ما استكمل بعد ذلك جمعة حتى قبضه الله عز وجل // حديث أبي سعيد الخدري ~~وعائشة قال الخدري لأبي سلمة عالج في بيتك من الخدمة ما كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعالج في بيته كان يعلف الناضح الحديث وفيه قال أبو سلمة ~~فدخلت على عائشة فحدثتها بذلك عن أبي سعيد فقالت ما أخطأ ولقد قصر أو ما ~~أخبرك أنه لم يمتلئ قط شبعا الحديث بطوله لم أقف له على إسناد # فما نقل من أحواله صلى الله عليه وسلم يجمع جملة أخلاق المتواضعين فمن ~~طلب التواضع فليقتد به ومن رأى نفسه فوق محله صلى الله عليه وسلم ولم يرض ~~لنفسه بما رضي هو به فما أشد جهله فلقد كان أعظم خلق الله منصبا في الدنيا ~~والدين فلا عز ولا رفعة إلا في الاقتداء به ولذلك قال عمر رضي الله عنه إنا ~~قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نطلب العز في غيره لما عوتب في بذاذة هيئته ~~عند دخوله الشام # وقال أبو الدرداء اعلم أن لله عبادا يقال لهم الأبدال خلف من الأنبياء هم ~~أوتاد الأرض فلما انقضت النبوة أبدل الله مكانهم قوما من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ولا صلاة ولا حسن حلية ولكن بصدق ~~الورع وحسن النية وسلامة الصدر لجميع المسلمين والنصيحة لهم ابتغاء مرضاة ~~الله بصبر من غير تجبن وتواضع في غير مذلة وهم قوم اصطفاهم الله واستخلصهم ~~لنفسه وهم أربعون صديقا أو ثلاثون رجلا قلوبهم على مثل يقين إبراهيم خليل ~~الرحمن عليه السلام لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد أنشأ من يخلفه ~~واعلم يا أخي أنهم لا يلعنون شيئا ولا يؤذونه ولا يحقرونه ولا ms1750 يتطاولون ~~عليه ولا يحسدون أحدا ولا يحرصون على الدنيا هم أطيب الناس خيرا وألينهم ~~عريكة وأسخاهم نفسا علامتهم السخاء وسجيتهم البشاشة وصفتهم السلامة ليسوا ~~اليوم في خشية وغدا في غفلة ولكن مدامين على حالهم الظاهر وهم فيما بينهم ~~وبين ربهم لا تدركهم الرياح العواصف ولا الخيل المجراة قلوبهم تصعد ارتياحا ~~إلى الله واشتياقا إليه وقدما في استباق الخيرات أولئك حزب الله ألا إن حزب ~~الله هم المفلحون قال الراوي فقلت يا أبا الدرداء ما سمعت بصفة أشد علي من ~~تلك الصفة وكيف لي أن أبلغها فقال ما بينك وبين أن تكون في أوسعها إلا أن ~~تكون تبغض الدنيا فإنك إذا بغضت الدنيا أقبلت على حب الآخرة وبقدر حبك ~~للآخرة تزهد في الدنيا وبقدر ذلك تبصر ما ينفعك وإذا علم الله من عبد حسن ~~الطلب أفرغ عليه السداد واكتنفه بالعصمة واعلم يا ابن أخي أن ذلك في كتاب ~~الله تعالى المنزل إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون قال يحيى بن ~~كثير فنظرنا PageV03P357 # في ذلك فما تلذذ المتلذذون بمثل حب الله وطلب مرضاته # اللهم اجعلنا من محبي المحبين لك يا رب العالمين فإنه لا يصلح لحبك إلا ~~من ارتضيته # وصلى الله عليه وسلم ### ||| بيان الطريق في معالجة الكبر واكتساب التواضع له # اعلم أن الكبر من المهلكات ولا يخلو أحد من الخلق عن شيء منه وإزالته فرض ~~عين ولا يزول بمجرد التمني بل بالمعالجة واستعمال الأدوية القامعة له # وفي معالجته مقامان # أحدهما استئصال أصله من سنخه وقلع شجرته من مغرسها في القلب # الثاني دفع العارض منه بالأسباب الخاصة التي بها يتكبر الإنسان على غيره # المقام الأول في استئصال أصله وعلاجه علمي وعملي ولا يتم الشفاء إلا ~~بمجموعهما # أما العلمي فهو أن يعرف نفسه ويعرف ربه تعالى ويكفيه ذلك في إزالة الكبر ~~فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة علم أنه أذل من كل ذليل وأقل من كل قليل ~~وأنه لا يليق به إلا التواضع والذلة والمهانة وإذا عرف ربه علم أنه لا ms1751 تليق ~~العظمة والكبرياء إلا بالله أما معرفته ربه وعظمته ومجده فالقول فيه يطول ~~وهو منتهى علم المكاشفة وأما معرفته نفسه فهو أيضا يطول ولكنا نذكر من ذلك ~~ما ينفع في إثارة التواضع والمذلة ويكفيه أن يعرف معنى آية واحدة في كتاب ~~الله فإن في القرآن علم الأولين والآخرين لمن فتحت بصيرته وقد قال تعالى ~~قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم ~~أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره فقد أشارت الآية إلى أول خلق الإنسان وإلى ~~آخر أمره وإلى وسطه فلينظر الإنسان ذلك ليفهم معنى هذه الآية أما أول ~~الإنسان فهو أنه لم يكن شيئا مذكورا وقد كان في حيز العدم دهورا بل لم يكن ~~لعدمه أول وأي شيء أخس وأقل من المحو والعدم وقد كان كذلك في القدم ثم خلقه ~~الله من أرذل الأشياء ثم من أقذرها إذ قد خلقه من تراب ثم من نطفة ثم من ~~علقة ثم من مضغة ثم جعله عظما ثم كسا العظم لحما فقد كان هذا بداية وجوده ~~حيث كان شيئا مذكورا فما صار شيئا مذكورا إلا وهو على أخس الأوصاف والنعوت ~~إذ لم يخلق في ابتدائه كاملا بل خلقه جمادا ميتا لا يسمع ولا يبصر ولا يحس ~~ولا يتحرك ولا ينطق ولا يبطش ولا يدرك ولا يعلم فبدأ بموته قبل حياته ~~وبضعفه قبل قوته وبجهله قبل علمه وبعماه قبل بصره وبصممه قبل سمعه وببكمه ~~قبل نطقه وبضلالته قبل هداه وبفقره قبل غناه وبعجزه قبل قدرته # فهذا معنى قوله من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره ومعنى قوله هل أتى على ~~الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ~~نبتليه كذلك خلقه أولا ثم امتن عليه فقال ثم السبيل يسره وهذا إشارة إلى ما ~~تيسر له في مدة حياته إلى الموت وكذلك قال من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه ~~سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل وإما شاكرا أو كفورا ومعناه أنه ms1752 أحياه بعد ~~أن كان جمادا ميتا ترابا أولا ونطفة ثانيا وأسمعه بعد ما كان أصم وبصره بعد ~~ما كان فاقدا للبصر وقواه بعد الضعف وعلمه بعد الجهل وخلق له الأعضاء بما ~~فيها من العجائب والآيات بعد الفقد لها وأغناه بعد الفقر وأشبعه بعد الجوع ~~وكساه بعد العري وهداه بعد الضلال # فانظر كيف دبره وصوره وإلى السبيل كيف يسره وإلى طغيان الإنسان ما أكفره ~~وإلى جهل الإنسان كيف أظهره فقال أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} فانظر ~~إلى نعمة الله كيف نقله من تلك الذلة والقلة والخسة والقذارة إلى هذه ~~الرفعة والكرامة فصار موجودا بعد العدم وحيا بعد الموت وناطقا بعد البكم ~~وبصيرا بعد العمى وقويا بعد الضعف وعالما بعد الجهل ومهديا بعد PageV03P358 # الضلال وقادرا بعد العجز وغنيا بعد الفقر فكان في ذاته لا شيء وأي شيء ~~أخس من لا شيء وأي قلة أقل من العدم المحض ثم صار بالله شيئا # وإنما خلقه من التراب الذليل الذي يوطأ بالأقدام والنطفة القذرة بعد ~~العدم المحض أيضا ليعرفه خسة ذاته فيعرف به نفسه وإنما أكمل النعمة عليه ~~ليعرف بها ربه ويعلم بها عظمته وجلاله وأنه لا يليق الكبرياء إلا به جل ~~وعلا # ولذلك امتن عليه فقال ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين ~~وعرف خسته أولا فقال {ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة} ثم ذكر منته ~~عليه فقال {فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى} ليدوم وجوده ~~بالتناسل كما حصل وجوده أولا بالاختراع # فمن كان هذا بدؤه وهذه أحواله فمن أين له البطر والكبرياء والفخر ~~والخيلاء وهو على التحقيق أخس الأخساء وأضعف الضعفاء ولكن هذه عادة الخسيس ~~إذا رفع من خسته شمخ بأنفه وتعظم وذلك لدلالة خسة أوله ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله # نعم لو أكمله وفوض إليه أمره وأدام له الوجود باختياره لجاز أن يطغى ~~وينسى المبدأ والمنتهى ولكنه سلط ms1753 عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة ~~والأسقام العظيمة والآفات المختلفة والطباع المتضادة من المرة والبلغم ~~والريح والدم يهدم البعض من أجزائه البعض شاء أم أبى رضي أم سخط فيجوع كرها ~~ويعطش كرها ويمرض كرها ويموت كرها لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا خيرا ولا ~~شرا يريد أن يعلم الشيء فيجهله ويريد أن يذكر الشيء فينساه ويريد أن ينسى ~~الشيء ويغفل عنه فلا يغفل عنه ويريد أن يصرف قلبه إلى ما يهمه فيجول في ~~أودية الوساوس والأفكار بالاضطرار فلا يملك قلبه قلبه ولا نفسه نفسه ويشتهى ~~الشيء وربما يكون هلاكه فيه ويكره الشيء وربما تكون حياته فيه يستلذ ~~الأطعمة وتهلكه وترديه ويستبشع الأدوية وهي تنفعه وتحييه ولا يأمن في لحظة ~~من ليله أو نهاره أن يسلب سمعه وبصره وتفلج أعضاؤه ويختلس عقله ويختطف روحه ~~ويسلب جميع ما يهواه في دنياه فهو مضطر ذليل إن ترك بقي وإن اختطف فني عبد ~~مملوك لا يقدر على شيء من نفسه ولا شيء من غيره فأي شيء أذل منه لو عرف ~~نفسه وأنى يليق الكبر به لولا جهله فهذا أوسط أحواله فليتأمله # وأما آخره ومورده فهو الموت المشار إليه بقوله تعالى {ثم أماته فأقبره ثم ~~إذا شاء أنشره} ومعناه أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسه ~~وإدراكه وحركته فيعود جمادا كما كان أول مرة لا يبقى إلا شكل أعضائه وصورته ~~لا حس فيه ولا حركة ثم يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة كما كان في ~~الأول نطفة مذرة ثم تبلى أعضاؤه وتتفتت أجزاؤه وتنخر عظامه ويصير رميما ~~رفاتا ويأكل الدود أجزاءه فيبتدئ بحدقتيه فيقلعهما وبخديه فيقطعهما وبسائر ~~أجزائه فيصير روثا في أجواف الديدان ويكون جيفة يهرب منه الحيوان ويستقذره ~~كل إنسان ويهرب منه لشدة الإنتان وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان فيصير ~~ترابا يعمل منه الكيزان ويعمل منه البنيان فيصير مفقودا بعد ما أن موجودا # وصار كأن لم يغن بالأمس حصيدا كما كان في أول أمره أمدا مديدا وليته بقي ~~كذلك ms1754 فما أحسنه لو ترك ترابا # لا بل يحييه بعد طول البلى ليقاسي شديد البلاء فيخرج من قبره بعد جمع ~~أجزائه المتفرقة ويخرج إلى أهوال القيامة فينظر إلى قيامة قائمة وسماء ~~مشققة ممزقة وأرض مبدلة وجبال مسيرة ونجوم منكدرة وشمس منكسفة وأحوال مظلمة ~~وملائكة غلاظ شداد وجهنم تزفر وجنة ينظر إليها المجرم فيتحسر ويرى صحائف ~~منشورة فيقال له {اقرأ كتابك} فيقول وما هو فيقال كان قد وكل بك في حياتك ~~التي كنت تفرح بها وتتكبر بنعيمها وتفتخر بأسبابها ملكان رقيبان يكتبان ~~عليك PageV03P359 # ما كنت تنطق به أو تعمله من قليل وكثير ونقير وقطمير وأكل وشرب وقيام ~~وقعود قد نسيت ذلك وأحصاه الله عليك فهلم إلى الحساب واستعد للجواب أو تساق ~~إلى دار العذاب فينقطع قلبه فزعا من هول هذا الخطاب قبل أن تنتشر الصحيفة ~~ويشاهد ما فيها من مخازيه فإذا شاهده قال {يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} فهذا آخر أمره وهو معنى قوله تعالى {ثم ~~إذا شاء أنشره} فما لمن هذا حاله والتكبر والتعظم بل ماله وللفرح في لحظة ~~واحدة فضلا عن البطر والأشر فقد ظهر له أول حاله ووسطه ولو ظهر آخره ~~والعياذ بالله تعالى ربما اختار أن يكون كلبا أو خنزيرا ليصير مع البهائم ~~ترابا ولا يكون إنسانا يسمع خطابا أو يلقى عذابا وإن كان عند الله مستحقا ~~للنار فالخنزير أشرف منه وأطيب وأرفع إذ أوله التراب وآخره التراب وهو ~~بمعزل عن الحساب والعذاب والكلب والخنزير لا يهرب منه الخلق # ولو رأى أهل الدنيا العبد المذنب في النار لصعقوا من وحشة خلقته وقبح ~~صورته ولو وجدوا ريحه لماتوا من نتنه ولو وقعت قطرة من شرابه الذي يسقى منه ~~في بحار الدنيا لصارت أنتن من الجيفة فمن هذا حاله في العاقبة إلا أن يعفو ~~الله عنه وهو على شك من العفو كيف يفرح ويبطر وكيف يتكبر ويتجبر وكيف يرى ~~نفسه شيئا حتى يعتقد له فضلا وأي عبد لم يذنب ذنبا استحق به العقوبة ms1755 إلا أن ~~يعفو الله الكريم بفضله ويجبر الكسر بمنه والرجاء منه ذلك لكرمه وحسن الظن ~~به ولا قوة إلا بالله # أرأيت من جنى على بعض الملوك فاستحق بجنايته ضرب ألف سوط فحبس إلى السجن ~~وهو ينتظر أن يخرج إلى العرض وتقام عليه العقوبة على ملأ من الخلق وليس ~~يدري أيعفى عنه أم لا كيف يكون ذله في السجن أفترى أنه يتكبر على من في ~~السجن وما من عبد مذنب إلا والدنيا سجنه وقد استحق العقوبة من الله تعالى ~~ولا يدري كيف يكون آخر أمره فيكفيه ذلك حزنا وخوفا وإشفاقا ومهانة وذلا # فهذا هو العلاج العلمي القامع لأصل الكبر # وأما العلاج العملي فهو التواضع لله بالفعل ولسائر الخلق بالمواظبة على ~~أخلاق المتواضعين كما وصفناه وحكيناه من أحوال الصالحين ومن أحوال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه كان يأكل على الأرض ويقول إنما أنا عبد ~~آكل كما يأكل العبد (1) حديث حكيم بن حزام بايعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على أن لا أخر إلا قائما الحديث رواه أحمد مقتصرا على هذا وفيه إرسال ~~خفي # فلما كان السجود عندهم هو منتهى الذلة والضعة أمروا به لتنكسر بذلك ~~خيلاؤهم ويزول كبرهم ويستقر التواضع في قلوبهم وبه أمر سائر الخلق فإن ~~الركوع والسجود والمثول قائما هو العمل الذي يقتضيه التواضع فكذلك من عرف ~~نفسه فلينظر كل ما يتقاضاه الكبر من الأفعال فليواظب على نقيضه حتى يصير ~~التواضع له خلقا فإن القلوب لا تتخلق بالأخلاق المحمودة إلا بالعلم والعمل ~~جميعا وذلك لخفاء العلاقة بين القلوب والجوارح وسر PageV03P360 # الارتباط الذي بين عالم الملك وعالم الملكوت والقلب من عالم الملكوت # المقام الثاني فيما يعرض من التكبر بالأسباب السبعة المذكورة وقد ذكرنا ~~في كتاب ذم الجاه أن الكمال الحقيقي هو العلم والعمل فأما ما عداه مما يفنى ~~بالموت فكمال وهمي فمن هذا يعسر على العالم أن لا يتكبر ولكنا نذكر طريق ~~العلاج من العلم والعمل في جميع الأسباب السبعة # الأول النسب فيمن يعتريه الكبر من جهة ms1756 النسب فليداو قلبه بمعرفة أمرين # أحدهما أن هذا جهل من حيث إنه تعزز بكمال غيره ولذلك قيل # لئن فخرت بآباء ذوي شرف ... لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا # فالمتكبر بالنسب إن كان خسيسا في صفات ذاته فمن أين يجبر خسته بكمال غيره ~~بل لو كان الذي ينسب إليه حيا لكان له أن يقول الفضل لي ومن أنت وإنما أنت ~~دودة خلقت من بولي أفترى أن الدودة التي خلقت من بول إنسان أشرف من الدودة ~~التي من بول فرس هيهات بل هما متساويان والشرف للإنسان لا للدودة # الثاني أن يعرف نسبه الحقيقي فيعرف أباه وجده فإن أباه القريب نطفة قذرة ~~وجده البعيد تراب ذليل وقد عرفه الله تعالى نسبه فقال {الذي أحسن كل شيء ~~خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} فمن أصله ~~التراب المهين الذي يداس بالأقدام ثم خمر طينة حتى صار حمأ مسنونا كيف ~~يتكبر وأخس الأشياء ما إليه انتسابه إذ يقال يا أذل من التراب ويا أنتن من ~~الحمأة ويا أقذر من المضغة # فإن كان كونه من أبيه أقرب من كونه من التراب فنقول افتخر بالقريب دون ~~البعيد فالنطفة والمضغة أقرب إليه من الأب فليحقر نفسه بذلك ثم إن كان ذلك ~~يوجب رفعة لقربة فالأب الأعلى من التراب فمن أين رفعته وإذا لم يكن له رفعة ~~فمن أين جاءت الرفعة لولده فإذن أصله من التراب وفصله من النطفة فلا أصل له ~~ولا فصل # وهذه غاية خسة النسب فالأصل يوطأ بالأقدام والفصل تغسل منه الأبدان # فهذا هو النسب الحقيقي للإنسان ومن عرفه لم يتكبر بالنسب ويكون مثله بعد ~~هذه المعرفة وانكشاف الغطاء له عن حقيقة أصله كرجل لم يزل عند نفسه من بني ~~هاشم وقد أخبره بذلك والداه فلم يزل فيه نخوة الشرف فبينما هو كذلك إذ ~~أخبره عدول لا يشك في قولهم أنه ابن هندي حجام يتعاطى القاذورات وكشفوا له ~~وجه التلبيس عليه فلم يبق له شك في صدقهم أفترى أن ms1757 ذلك يبقي شيئا من كبره ~~لا بل يصير عند نفسه أحقر الناس وأذلهم فهو من استشعار الخزي لخسته في شغل ~~عن أن يتكبر على غيره # فهذا حال البصير إذا تفكر في أصله وعلم أنه من النطفة والمضغة والتراب إذ ~~لو كان أبوه ممن يتعاطى نقل التراب أو يتعاطى الدم بالحجامة أو غيرها لكان ~~يعلم به خسة نفسه لمماسة أعضاء أبيه للتراب والدم فكيف إذا عرف أنه في نفسه ~~من التراب والدم والأشياء القذرة التي يتنزه عنها هو في نفسه # السبب الثاني التكبر بالجمال ودواؤه أن ينظر إلى باطنه نظر العقلاء ولا ~~ينظر إلى باطنه نظر البهائم # ومهما نظر إلى باطنه رأى من القبائح ما يكدر عليه تعززه بالجمال فإنه وكل ~~به الأقذار في جميع أجزائه الرجيع في أمعائه والبول في مثانته والمخاط في ~~أنفه والبزاق في فيه والوسخ في أذنيه والدم في عروقه والصديد تحت بشرته ~~والصنان تحت إبطه يغسل الغائط بيده كل يوم دفعة أو دفعتين ويتردد كل يوم ~~إلى الخلاء مرة أو مرتين ليخرج من باطنه ما لو رآه بعينه لاستقذره فضلا عن ~~أن يمسه أو يشمه كل ذلك ليعرف قذارته وذله هذا في حال توسطه # وفي أول أمره خلق من الأقذار الشنيعة الصور من النطفة ودم الحيض وأخرج من ~~مجرى الأقذار # إذ خرج من الصلب ثم من الذكر مجرى البول ثم من الرحم مفيض دم الحيض ثم ~~خرج من مجرى القذر قال أنس رحمه الله كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~يخطبنا فيقذر إلينا أنفسنا ويقول خرج أحدكم من مجرى البول PageV03P361 # مرتين وكذلك قال طاوس لعمر بن عبد العزيز # ما هذه مشية من في بطنه خراء إذ رآه يتبختر وكان ذلك قبل خلافته وهذا ~~أوله ووسطه # ولو ترك نفسه في حياته يوما لم يتعهدها بالتنظيف والغسل لثارت منه ~~الأنتان والأقذار وصار أنتن وأقذر من الدواب المهملة التي لا تتعهد نفسها ~~قط # فإذا نظر أنه خلق من أقذار وأسكن في أقذار وسيموت فيصير جيفة أقذر من ~~سائر ms1758 الأقذار لم يفتخر بجماله الذي هو كخضراء الدمن وكلون الأزهار في ~~البوادي فبينما هو كذلك إذ صار هشيما تذروه الرياح كيف ولو كان جمالة باقيا ~~وعن هذه القبائح خاليا لكان يجب أن لا يتكبر به على القبيح إذ لم يكن قبح ~~القبيح إليه فينفيه ولا كان جمال الجميل إليه حتى يحمد عليه كيف ولا بقاء ~~له بل هو في كل حين يتصور أن يزول بمرض أو جدري أو قرحة أو سبب من الأسباب ~~فكم من وجوه جميلة قد سمجت بهذه الأسباب فمعرفة هذه الأمور تنزع من القلب ~~داء الكبر بالجمال لمن أكثر تأملها # السبب الثالث التكبر بالقوة والأيدي ويمنعه من ذلك أن يعلم ما سلط عليه ~~من العلل والأمراض وأنه لو توجع عرق واحد في يده لصار أعجز من كل عاجز وأذل ~~من كل ذليل وأنه لو سلبه الذباب شيئا لم يستنقذه منه وأن بقة لو دخلت في ~~أنفه أو نملة دخلت في أذنه لقتلته وأن شوكة لو دخلت في رجله لأعجزته وأن ~~حمى يوم تحلل من قوته مالا ينجبر في مدة # فمن لا يطيق شوكة ولا يقاوم بقة ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه ذبابة فلا ~~ينبغي أن يفتخر بقوته ثم إن قوي الإنسان فلا يكون أقوى من حمار أو بقرة أو ~~فيل أو جمل وأي افتخار في صفة يسبقك فيها البهائم # السبب الرابع والخامس الغنى وكثرة المال وفي معناه كثرة الأتباع والأنصار ~~والتكبر بولاية السلاطين والتمكن من جهتهم وكل ذلك تكبر بمعنى خارج عن ذات ~~الإنسان كالجمال والقوة والعلم # وهذا أقبح أنواع الكبر فإن المتكبر بماله كأنه متكبر بفرسه وداره ولو مات ~~فرسه وانهدمت داره لعاد ذليلا والمتكبر بتمكين السلطان وولايته لا بصفة في ~~نفسه بنى أمره على قلب هو أشد غليانا من القدر فإن تغير عليه كان أذل الخلق ~~وكل متكبر بأمر خارج عن ذاته فهو ظاهر الجهل كيف والمتكبر بالغنى لو تأمل ~~لرأى في اليهود من يزيد عليه في الغنى والثروة والتجمل فأف لشرف يسبقك ms1759 به ~~اليهودي وأف لشرف يأخذه السارق في لحظة واحدة فيعود صاحبه ذليلا مفلسا فهذه ~~أسباب ليست في ذاته وما هو في ذاته ليس إليه دوام وجوده وهو في الآخرة وبال ~~ونكال فالتفاخر به غاية الجهل وكل ما ليس إليك فليس لك وشيء من هذه الأمور ~~ليس إليك بل إلى واهبه إن أبقاه لك وإن استرجعه زال عنك وما أنت إلا عبد ~~مملوك لا تقدر على شيء # ومن عرف ذلك لا بد وأن يزول كبره # ومثاله أن يفتخر الغافل بقوته وجماله وماله وحريته واستقلاله وسعة منازله ~~وكثرة خيوله وغلمانه إذ شهد عليه شاهدان عدلان عند حاكم منصف بأنه رقيق ~~لفلان وأن أبويه كانا مملوكين له فعلم ذلك وحكم به الحاكم فجاء مالكه فأخذه ~~وأخذ جميع ما في يده وهو مع ذلك يخشى أن يعاقبه وينكل به لتفريطه في أمواله ~~وتقصيره في طلب مالكه ليعرف أن له مالكا ثم نظر العبد فرأى نفسه محبوسا في ~~منزل قد أحدقت به الحيات والعقارب والهوام وهو في كل حال على وجل من كل ~~واحدة منها وقد بقي لا يملك نفسه ولا ماله ولا يعرف طريقا في الخلاص البتة ~~أفترى من هذا حاله هل يفخر بقدرته وثروته وقوته وكماله أم يذل نفسه ويخضع ~~وهذا حال كل عاقل بصير فإنه PageV03P362 # يرى نفسه كذلك فلا يملك رقبته وبدنه وأعضاءه وماله وهو مع ذلك بين آفات ~~وشهوات وأمراض وأسقام هي كالعقارب والحيات يخاف منها الهلاك # فمن هذا حاله لا يتكبر بقوته وقدرته إذ يعلم أنه لا قدرة له ولا قوة # فهذا طريق علاج التكبر بالأسباب الخارجة وهو أهون من علاج التكبر بالعلم ~~والعمل فإنهما كمالان في النفس جديران بأن يفرح بهما ولكن التكبر بهما أيضا ~~نوع من الجهل خفي كما سنذكره # السبب السادس الكبر بالعلم وهو أعظم الآفات وأغلب الأدواء وأبعدها عن ~~قبول العلاج إلا بشدة شديدة وجهد جهيد وذلك لأن قدر العلم عظيم عند الله ~~عظيم عند الناس وهو أعظم من قدر المال والجمال وغيرهما بل لا قدر ms1760 لهما أصلا ~~إلا إذا كان معهما علم وعمل # ولذلك قال كعب الأحبار إن للعلم طغيانا كطغيان المال # وكذلك قال عمر رضي الله تعالى عنه العالم إذا زل زل بزلته عالم فيعجز ~~العالم عن أن لا يستعظم نفسه بالإضافة إلى الجاهل لكثرة ما نطق الشرع ~~بفضائل العلم # ولن يقدر العالم على دفع الكبر إلا بمعرفة أمرين # أحدهما أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكد وأنه يحتمل من الجاهل ما ~~لا يحتمل عشره من العالم فإن من عصى الله تعالى عن معرفة وعلم فجنايته أفحش ~~إذ لم يقض حق نعمة الله عليه في العلم ولذلك قال صلى الله عليه وسلم يؤتى ~~بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور ~~الحمار بالرحا فيطيف به أهل النار فيقولون مالك فيقول كنت آمر بالخير ولا ~~آتيه وأنهى عن الشر وآتيه // حديث يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار ~~فتندلق أقتابه الحديث متفق عليه من حديث أسامة بن زيد بلفظ يؤتى بالرجل ~~وتقدم في العلم # وقد مثل الله سبحانه وتعالى من يعلم ولا يعمل بالحمار والكلب فقال عز وجل ~~{مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا} أراد به ~~علماء اليهود # وقال في بلعم بن باعوراء {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ ~~منها} حتى بلغ {فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما أوتي بلعم كتابا فأخلد إلى شهوات الأرض أي سكن حبه ~~إليها فمثله بالكلب {إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} أي سواء آتيته ~~الحكمة أو لم أوته لا يدع شهوته ويكفي العالم هذا الخطر فأي عالم لم يتبع ~~شهوته وأي عالم لم يأمر بالخير الذي لا يأتيه فمهما خطر للعالم عظم قدره ~~بالإضافة إلى الجاهل فليتفكر في الخطر العظيم الذي هو بصدده فإن خطره أعظم ~~من خطر غيره كما أن قدره أعظم من قدر غيره فهذا بذاك # وهو كالملك المخاطر بروحه في ملكه لكثرة أعدائه ms1761 فإنه إذا أخذ وقهر اشتهى ~~أن يكون قد كان فقيرا فكم من عالم يشتهي في الآخرة سلامة الجهال والعياذ ~~بالله منه # فهذا الخطر يمنع من التكبر فإنه إن كان من أهل النار فالخنزير أفضل منه ~~فكيف يتكبر من هذا حاله فلا ينبغي أن يكون العالم عند نفسه أكبر من الصحابة ~~رضوان الله عليهم وقد كان بعضهم يقول يا ليتني لم تلدني أمي ويأخذ الآخر ~~تبنة من الأرض ويقول يا ليتني كنت هذه التبنة ويقول الآخر ليتني كنت طيرا ~~أوكل ويقول الآخر ليتني لم أك شيئا مذكورا كل ذلك خوفا من خطر العاقبة ~~فكانوا يرون أنفسهم أسوأ حالا من الطير ومن التراب # ومهما أطال فكره في الخطر الذي هو بصدده زال بالكلية كبره ورأى نفسه كأنه ~~شر الخلق # ومثاله مثال عبد أمره سيده بأمور فشرع فيها فترك بعضها وأدخل النقصان في ~~بعضها وشك في بعضها أنه هل أداها على ما يرتضيه سيده أم لا فأخبره مخبر أن ~~سيده أرسل إليه رسولا يخرجه من كل ما هو فيه عريانا ذليلا ويلقيه على بابه ~~في الحر والشمس زمانا طويلا حتى إذا ضاق عليه الأمر وبلغ به المجهود أمر ~~برفع حسابه PageV03P363 # وفتش عن جميع أعماله قليلها وكثيرها ثم أمر به إلى سجن ضيق وعذاب دائم لا ~~يروح عنه ساعة وقد علم أن سيده قد فعل بطوائف من عبيده مثل ذلك وعفا عن ~~بعضهم وهو لا يدري من أي الفريقين يكون فإذا تفكر في ذلك انكسرت نفسه وذل ~~وبطل عزه وكبره وظهر حزنه وخوفه ولم يتكبر على أحد من الخلق بل تواضع رجاء ~~أن يكون هو من شفعائه عند نزول العذاب فكذلك العالم إذا تفكر فيما ضيعه من ~~أوامر ربه بجنايات على جوارحه وبذنوب في باطنه من الرياء والحقد والحسد ~~والعجب والنفاق وغيره وعلم بما هو بصدده من الخطر العظيم فارقه كبره لا ~~محالة # الأمر الثاني أن العالم يعرف أن الكبر لا يليق إلا بالله عز وجل وحده ~~وأنه إذا تكبر صار ممقوتا عند الله ms1762 بغيضا وقد أحب الله منه أن يتواضع وقال ~~له إن لك عندي قدرا ما لم تر لنفسك قدرا فإن رأيت لنفسك قدرا فلا قدر لك ~~عندي فلا بد وأن يكلف نفسه ما يحبه مولاه منه # وهذا يزيل التكبر عن قلبه وإن كان يستيقن أنه لا ذنب له مثلا أو تصور ذلك # وبهذا زال التكبر عن الأنبياء عليهم السلام إذ علموا أن من نازع الله ~~تعالى في رداء الكبرياء قصمه وقد أمرهم الله بأن يصغروا أنفسهم حتى يعظم ~~عند الله محلهم فهذا أيضا مما يبعثه على التواضع لا محالة # فإن قلت فكيف يتواضع للفاسق المتظاهر بالفسق وللمبتدع وكيف يرى نفسه ~~دونهم وهو عالم عابد وكيف يجهل فضل العلم والعبادة عند الله تعالى وكيف ~~يغنيه أن يخطر بباله خطر العلم وهو يعلم أن خطر الفاسق والمبتدع أكثر فاعلم ~~أن ذلك إنما يمكن بالتفكر في خطر الخاتمة بل لو نظر إلى كافر لم يمكنه أن ~~يتكبر عليه إذ يتصور أن يسلم الكافر فيختم له بالإيمان ويضل هذا العالم ~~فيختم له بالكفر والكبير من هو كبير عند الله في الآخرة والكلب والخنزير ~~أعلى رتبة ممن هو عند الله من أهل النار وهو لا يدري ذلك فكم من مسلم نظر ~~إلى عمر رضي الله عنه قبل إسلامه فاستحقره وازدراه لكفره وقد رزقه الله ~~الإسلام وفاق جميع المسلمين إلا أبا بكر وحده فالعواقب مطوية عن العباد ولا ~~ينظر العاقل إلا إلى العاقبة وجميع الفضائل في الدنيا تراد للعاقبة # فإذن من حق العبد أن لا يتكبر على أحد # بل إن نظر إلى جاهل قال هذا عصى الله بجهل وأنا عصيته بعلم فهو أعذر مني # وإن نظر إلى عالم قال هذا قد علم ما لم أعلم فكيف أكون مثله وإن نظر إلى ~~كبير هو أكبر منه سنا قال هذا قد أطاع الله قبلي فكيف أكون مثله وإن نظر ~~إلى صغير قال إني عصيت الله قبله فكيف أكون مثله وإن نظر إلى مبتدع أو كافر ~~قال ما يدريني لعله ms1763 يختم له بالإسلام ويختم لي بما هو عليه الآن فليس دوام ~~الهداية إلي كما لم يكن ابتداؤها إلي فبملاحظة الخاتمة يقدر على أن ينفي ~~الكبر عن نفسه وكل ذلك بأن يعلم أن الكمال في سعادة الآخرة والقرب من الله ~~لا فيما يظهر في الدنيا مما لا بقاء له ولعمري هذا الخطر مشترك بين المتكبر ~~والمتكبر عليه ولكن حق على كل واحد أن يكون مصروف الهمة إلى نفسه مشغول ~~القلب بخوفه لعاقبته لا أن يشتغل بخوف غيره فإن الشفيق بسوء الظن مولع ~~وشفقه كل إنسان على نفسه # فإذا حبس جماعة في جناية ووعدوا بأن تضرب رقابهم لم يتفرغوا لتكبر بعضهم ~~على بعض وإن عمهم الخطر إذ شغل كل واحد نفسه عن الالتفات إلى هم غيره حتى ~~كأن كل واحد هو وحده في مصيبته وخطره # فإن قلت فكيف أبغض المبتدع في الله وأبغض الفاسق وقد أمرت ببغضهما ثم مع ~~ذلك أتواضع لهما والجمع بينهما متناقض فاعلم أن هذا أمر مشتبه يلتبس على ~~أكثر الخلق إذ يمتزج غضبك لله في إنكار البدعة والفسق PageV03P364 # بكبر النفس والإدلال بالعلم والورع فكم من عابد جاهل وعالم مغرور إذا رأى ~~فاسقا جلس بجنبه أزعجه من عنده وتنزه عند بكبر باطن في نفسه وهو ظان أنه قد ~~غضب لله كما وقع لعابد بني إسرائيل مع خليعهم وذلك لأن الكبر على المطيع ~~ظاهر كونه شرا والحذر منه ممكن والكبر على الفاسق والمبتدع يشبه الغضب لله ~~وهو خير فإن الغضبان أيضا يتكبر على من غضب عليه والمتكبر يغضب وأحدهما ~~يثمر الآخر ويوجبه وهما ممتزجان ملتبسان لا يميز بينهما إلا الموفقون # والذي يخلصك من هذا أن يكون الحاضر على قلبك عند مشاهدة المبتدع أو ~~الفاسق أو عند أمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر ثلاثة أمور # أحدهما التفاتك إلى ما سبق من ذنوبك وخطاياك ليصغر عند ذلك قدرك في عينك # والثاني أن تكون ملاحظتك لما أنت متميز به من العلم واعتقاد الحق والعمل ~~الصالح من حيث إنها نعمة من الله تعالى عليك فله ms1764 المنة فيه لا لك فترى ذلك ~~منه حتى لا تعجب بنفسك وإذا لم تعجب لم تتكبر # والثالث ملاحظة إبهام عاقبتك وعاقبتك أنه ربما يختم لك بالسوء ويختم له ~~بالحسنى حتى يشغلك الخوف عن التكبر عليه # فإن قلت فكيف أغضب مع هذه الأحوال فأقول تغضب لمولاك وسيدك إذ أمرك أن ~~تغضب له لا لنفسك وأنت في غضبك لا ترى نفسك ناجيا وصاحبك هالكا بل يكون ~~خوفك على نفسك بما علم الله من خفايا ذنوبك أكثر من خوفك عليه مع الجهل ~~بالخاتمة وأعرفك ذلك بمثال لتعلم أنه ليس من ضرورة الغضب لله أن تتكبر على ~~المغضوب عليه وترى قدرك فوق قدره فأقول إذا كان للملك غلام وولد هو قرة ~~عينه وقد وكل الغلام بالولد ليراقبه وأمره أن يضربه مهما أساء أدبه واشتغل ~~بما لا يليق به ويغضب عليه # فإن كان الغلام محبا مطيعا لمولاه فلا يجد بدا أن يغضب مهما رأى ولده قد ~~أساء الأدب وإنما يغضب عليه لمولاه ولأنه أمره به ولأنه يريد التقرب ~~بامتثال أمره إليه ولأنه جرى من ولده ما يكره مولاه فيضرب ولده ويغضب عليه ~~من غير تكبر عليه بل هو متواضع له يرى قدره عند مولاه فوق قدر نفسه لأن ~~الولد أعز لا محالة من الغلام # فإذن ليس من ضرورة الغضب التكبر وعدم التواضع فكذلك يمكنك أن تنظر إلى ~~المبتدع والفاسق وتظن أنه ربما كان قدرهما في الآخرة عند الله أعظم لما سبق ~~لهما من الحسنى في الأزل ولما سبق لك من سوء القضاء في الأزل وأنت غافل عنه ~~ومع ذلك فتغضب بحكم الأمر محبة لمولاك إذ جرى ما يكرهه مع التواضع لمن يجوز ~~أن يكون عنده أقرب منك في الآخرة # فهكذا يكون بعض العلماء الأكياس فينضم إليه الخوف والتواضع # وأما المغرور فإنه يتكبر ويرجو لنفسه أكثر مما يرجوه لغيره مع جهله ~~بالعاقبة وذلك غاية الغرور # فهذا سبيل التواضع لمن عصى الله أو اعتقد البدعة مع الغضب عليه ومجانبته ~~بحكم الأمر # السبب السابع التكبر بالورع والعبادة وذلك ms1765 أيضا فتنة عظيمة على العباد ~~وسبيله أن يلزم قلبه التواضع لسائر العباد وهو أن يعلم أن من يتقدم عليه ~~بالعلم لا ينبغي أن يتكبر عليه كيفما كان لما عرفه من فضيلة العلم وقد قال ~~تعالى {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} وقال صلى الله عليه وسلم ~~فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي // حديث فضل العالم ~~على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي أخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة ~~وتقدم في العلم # إلى غير ذلك مما ورد في فضل العلم PageV03P365 # فإن قال العابد ذلك لعالم عامل بعلمه وهذا عالم فاجر فيقال له أما عرفت ~~أن الحسنات يذهبن السيئات وكما أن العلم يمكن أن يكون حجة على العالم فكذلك ~~يمكن أن يكون وسيلة له وكفارة لذنوبه وكل واحد منهما ممكن وقد وردت الأخبار ~~بما يشهد لذلك وإذا كان هذا الأمر غائبا عنه لم يجز له أن يحتقر عالما بل ~~يجب عليه التواضع له # فإن قلت فإن صح هذا فينبغي أن يكون للعالم أن يرى نفسه فوق العابد لقوله ~~صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي ~~فاعلم أن ذلك كان ممكنا لو علم العالم عاقبة أمره وخاتمة الأمر مشكوك فيها ~~فيحتمل أن يموت بحيث يكون حاله عند الله أشد من حال الجاهل الفاسق لذنب ~~واحد كان يحسبه هينا وهو عند الله عظيم وقد مقته به وإذا كان هذا ممكنا كان ~~على نفسه خائفا فإذا كان كل واحد من العابد والعالم خائفا على نفسه وقد كلف ~~أمر نفسه لا أمر غيره فينبغي أن يكون الغالب عليه في حق نفسه الخوف وفي حق ~~غيره الرجاء وذلك يمنعه من التكبر بكل حال # فهذا العابد مع العالم فأما مع غير العالم فهم منقسمون في حقه إلى ~~مستورين وإلى مكشوفين فينبغي أن لا يتكبر على المستور فلعله أقل عنه ذنوبا ~~وأكثر منه عبادة وأشد منه حبا لله # وأما المكشوف حاله إن لم يظهر لك من ms1766 الذنوب إلا ما تزيد عليه ذنوبك في ~~طول عمرك # فلا ينبغي أن تتكبر عليه ولا يمكن أن تقول هو أكثر مني ذنبا لأن عدد ~~ذنوبك في طول عمرك وذنوب غيرك في طول العمر لا تقدر على إحصائها حتى تعلم ~~الكثرة نعم يمكن أن تعلم أن ذنوبه أشد كما لو رأيت منه القتل والشرب ~~والرياء ومع ذلك فلا ينبغي أن تتكبر عليه إذ ذنوب القلوب من الكبر والحسد ~~والرياء والغل واعتقاد الباطل والوسوسة في صفات الله تعالى وتخيل الخطأ في ~~ذلك كل ذلك شديد عند الله فربما جرى عليك في باطنك من خفايا الذنوب ما صرت ~~به عند الله ممقوتا وقد جرى للفاسق الظاهر الفسق من طاعات القلوب من حب ~~الله وإخلاص وخوف وتعظيم ما أنت خال عنه وقد كفر الله بذلك عنه سيئاته ~~فينكشف الغطاء يوم القيامة فتراه فوق نفسك بدرجات فهذا ممكن والإمكان ~~البعيد فيما عليك ينبغي أن يكون قريبا عندك إن كنت مشفقا على نفسك فلا ~~تتفكر فيما هو ممكن لغيرك بل فيما هو مخوف في حقك فإنه لا تزر وازرة وزر ~~أخرى وعذاب غيرك لا يخفف شيئا من عذابك فإذا تفكرت في هذا الخطر كان عندك ~~شغل شاغل عن التكبر وعن أن ترى نفسك فوق غيرك # وقد قال وهب بن منبه ما تم عقل عبد حتى يكون فيه عشر خصال فعد تسعة حتى ~~بلغ العاشر فقال العاشرة وما العاشرة بها شاد مجده وبها علا ذكره أن يرى ~~الناس كلهم خيرا منه # وإنما الناس عنده فرقتان # فرقة هي أفضل منه وأرفع وفرقة هي شر منه وأدنى # فهو يتواضع للفرقتين جميعا بقلبه إن رأى من هو خير منه سره ذلك وتمنى أن ~~يلحق به وإن رأى من هو شر منه قال لعل هذا ينجو وأهلك أنا فلا تراه إلا ~~خائفا من العاقبة ويقوم لعل بر هذا باطن فذلك خير له ولا أدري لعل فيه خلقا ~~كريما بينه وبين الله فيرحمه الله ويتوب عليه ويختم له بأحسن الأعمال ويرى ~~ظاهر ms1767 فذلك شر لي # فلا يأمن فيما أظهره من الطاعة أن يكون دخلها الآفات فأحبطتها ثم قال ~~فحينئذ كمل عقله وساد أهل زمانه # فهذا كلامه # وبالجملة فمن جوز أن يكون عند الله شقيا وقد سبق القضاء في الأزل بشقوته ~~فماله سبيل إلى أن يتكبر بحال من الأحوال # نعم إذا غلب عليه الخوف رأى كل أحد خيرا من نفسه وذلك هو الفضيلة كما روي ~~أن عابدا أوى إلى جبل فقيل له في النوم ائت فلانا الإسكاف فسله أن يدعو لك # فأتاه فسأله عن عمله فأخبره أنه يصوم النهار ويكتسب PageV03P366 # فيتصدق ببعضه ويطعم عياله ببعضه فرجع وهو يقول إن هذا لحسن ولكن ليس هذا ~~كالتفرغ لطاعة الله فأتى في النوم ثانيا فقيل له ائت فلانا الإسكاف فقل له ~~ما هذا الصفار الذي بوجهك فأتاه فسأله فقال له ما رأيت أحدا من الناس إلا ~~وقع لي أنه سينجو وأهلك أنا فقال العابد بهذه # والذي يدل على فضيلة هذه الخصلة قوله تعالى {يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ~~أنهم إلى ربهم راجعون} أي أنهم يؤتون الطاعات وهم على وجل عظيم من قبولها ~~وقال تعالى {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} وقال تعالى {إنا كنا قبل في ~~أهلنا مشفقين} وقد وصف الله تعالى الملائكة عليهم السلام مع تقدسهم عن ~~الذنوب ومواظبتهم على العبادات على الدءوب بالإشفاق فقال تعالى مخبرا عنهم ~~يسبحون الليل والنهار لا يفترون وهم من خشيته مشفقون فمتى زال الإشفاق ~~والحذر مما سبق به القضاء في الأزل وينكشف عند خاتمة الأجل غلب الأمن من ~~مكر الله وذلك يوجب الكبر وهو سبب الهلاك # فالكبر دليل الأمن والأمن مهلك # والتواضع دليل الخوف وهو مسعد فإذن ما يفسده العابد بإضمار الكبر واحتقار ~~الخلق والنظر إليهم بعين الاستصغار أكثر مما يصلحه بظاهر الأعمال # فهذه معارف بها يزال داء الكبر عن القلب لا غير إلا أن النفس بعد هذه ~~المعرفة قد تضمر التواضع وتدعي البراءة من الكبر وهي كاذبة فإذا وقعت ~~الواقعة عادت إلى طبعها ونسيت وعدها فعلى هذا ms1768 لا ينبغي أن يكتفى في ~~المداواة بمجرد المعرفة بل ينبغي أن تكمل بالعمل وتجرب بأفعال المتواضعين ~~في مواقع هيجان الكبر في النفس # وبيانه أن يمتحن النفس بخمس امتحانان هي أدلة على استخراج ما في الباطن ~~وإن كانت الامتحانات كثيرة # الامتحان الأول أن يناظر في مسألة مع واحد من أقرانه فإن ظهر شيء من الحق ~~على لسان صاحبه فثقل عليه قبوله والانقياد له والاعتراف به والشكر له على ~~تنبيهه وتعريفه وإخراجه الحق فذلك يدل على أن فيه كبرا دفينا فليتق الله ~~فيه ويشتغل بعلاجه # أما من حيث العلم فبأن يذكر نفسه خسة نفسه وخطر عاقبته وأن الكبر لا يليق ~~إلا بالله تعالى # وأما العمل فبأن يكلف نفسه ما ثقل عليه من الاعتراف بالحق وأن يطلق اللسا ~~6 ن بالحمد والثناء ويقر على نفسه بالعجز ويشكره على الاستفادة ويقول ما ~~أحسن ما فطنت له وقد كنت غافلا عنه فجزاك الله خيرا كما نبهتني له فالحكمة ~~ضالة المؤمن فإذا وجدها ينبغي أن يشكر من دله عليها # فإذا واظب على ذلك مرات متوالية صار ذلك له طبعا وسقط ثقل الحق عن قلبه ~~وطاب له قبوله ومهما ثقل عليه الثناء على أقرانه بما فيهم ففيه كبر فإن كان ~~ذلك لا يثقل عليه في الخلوة ويثقل عليه في الملأ فليس فيه كبر وإنما فيه ~~رياء فليعالج الرياء بما ذكرناه من قطع الطمع عن الناس ويذكر القلب بأن ~~منفعته في كماله في ذاته وعند الله لا عند الخلق إلى غير ذلك من أدوية ~~الرياء # وإن ثقل عليه في الخلوة والملأ جميعا ففيه الكبر والرياء جميعا ولا ينفعه ~~الخلاص من أحدهما ما لم يتخلص من الثاني # فليعالج كلا الداءين فإنهما جميعا مهلكان # الامتحان الثاني أن يجتمع مع الأقران والأمثال في المحافل ويقدمهم على ~~نفسه ويمشي خلفهم ويجلس في الصدور تحتهم فإن ثقل عليه ذلك فهو متكبر ~~فليواظب عليه تكلفا حتى يسقط عنه ثقله فبذلك يزايله الكبر وههنا للشيطان ~~مكيدة وهو أن يجلس في صف النعال أو يجعل بينه ms1769 وبين الأقران بعض الأرذال ~~فيظن أن ذلك تواضع وهو عين الكبر فإن ذلك يخف على صدور المتكبرين إذ يوهمون ~~أنهم تركوا مكانهم بالاستحقاق والتفضل فيكون قد تكبر وتكبر بإظهار التواضع ~~أيضا بل ينبغي أن يقدم أقرانه ويجلس بينهم بجنبهم ولا ينحط عنهم إلى صف PageV03P367 # النعال فذلك هو الذي يخرج خبث الكبر من الباطن # الامتحان الثالث أن يجيب دعوة الفقير ويمر إلى السوق في حاجة الرفقاء ~~والأقارب فإن ثقل ذلك عليه فهو كبر فإن هذه الأفعال من مكارم الأخلاق ~~والثواب عليها جزيل فنفور النفس عنها ليس إلا لخبث في الباطن فليشتغل ~~بإزالته بالمواظبة عليه مع تذكر جميع ما ذكرناه من المعارف التي تزيل داء ~~الكبر # الامتحان الرابع أن يحمل حاجة نفسه وحاجة أهله ورفقائه من السوق إلى ~~البيت فإن أبت نفسه ذلك فهو كبر أو رياء فإن كان يثقل ذلك عليه مع خلو ~~الطريق فهو كبر وإن كان لا يثقل عليه إلا مع مشاهدة الناس فهو رياء وكل ذلك ~~من أمراض القلب وعلله المهلكة له إن لم تتدارك وقد أهمل الناس طب القلوب ~~واشتغلوا بطب الأجساد مع أن الأجساد قد كتب عليها الموت لا محالة والقلوب ~~لا تدرك السعادة إلا بسلامتها إذ قال تعالى {إلا من أتى الله بقلب سليم} ~~ويروى عن عبد الله بن سلام أنه حمل حزمة حطب فقيل له يا أبا يوسف قد كان في ~~غلمانك وبنتك ما يكفيك قال أجل ولكن أردت أن أجرب نفسي هل تنكر ذلك فلم ~~يقنع منها بما أعطته من العزم على ترك الأنفة حتى جربها أهي صادقة أم كاذبة ~~وفي الخبر من حمل الفاكهة أو الشيء فقد برئ من الكبر (1) حديث من اعتقل ~~البعير ولبس الصوف فقد برئ من الكبر أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي ~~هريرة بزيادة فيه وفي إسناده القاسم اليعمري ضعيف جدا # وقال صلى الله عليه وسلم إنما أنا عبد آكل بالأرض وألبس الصوف وأعقل ~~البعير وألعق أصابعي وأجيب دعوة المملوك فمن رغب عن سنتي فليس مني // حديث ms1770 ~~إنما أن عبد آكل بالأرض وألبس الصوف الحديث تقدم بعضه ولم أجد بقيته # وروي أن أبا موسى الأشعري قيل له إن أقواما يتخلفون عن الجمعة بسبب ~~ثيابهم فلبس عباءة فصلى فيها بالناس # وهذه مواضع يجتمع فيها الرياء والكبر فما يختص بالملأ فهو الرياء وما ~~يكون في الخلوة فهو الكبر فاعرف فإن من لا يعرف الشر لا يتقيه ومن لا يدرك ~~المرض لا يداويه ### ||| بيان غاية الرياضة في خلق التواضع # اعلم أن هذا الخلق كسائر الأخلاق له طرفان وواسطة فطرفه الذي يميل إلى ~~الزيادة يسمى تكبرا وطرفه الذي يميل إلى النقصان يسمى تخاسسا ومذلة والوسط ~~يسمى تواضعا # والمحمود أن يتواضع في غير مذلة ومن غير تخاسس فإن كلا طرفي الأمور ذميم ~~وأحب الأمور إلى الله تعالى أوساطها # فمن يتقدم على أمثاله فهو متكبر ومن يتأخر عنهم فهو متواضع أي وضع شيئا ~~من قدره الذي يستحقه # والعالم إذا دخل عليه إسكاف فتنحى له عن مجلسه وأجلسه فيه ثم تقدم وسوى ~~له نعله وعدا إلى باب الدار خلفه فقد تخاسس وتذلل وهذا أيضا غير محمود بل ~~المحمود عند الله العدل وهو أن يعطي كل ذي حق حقه فينبغي أن يتواضع بمثل ~~هذا لأقرانه ومن يقرب من درجته فأما تواضعه للسوقي فبالقيام والبشر في ~~الكلام والرفق في السؤال وإجابة دعوته والسعي في حاجته وأمثال ذلك وأن لا ~~يرى نفسه خيرا منه بل يكون على نفسه أخوف منه على غيره فلا يحتقره ولا ~~يستصغره وهو لا يعرف خاتمة PageV03P368 # أمره # فإذن سبيله في اكتساب التواضع أن يتواضع للأقران ولمن دونهم حتى يخف عليه ~~التواضع المحمود في محاسن العادات ليزول به الكبر عنه فإن خف عليه ذلك فقد ~~حصل له خلق التواضع وإن كان يثقل عليه وهو يفعل ذلك فهو متكلف لا متواضع بل ~~الخلق ما يصدر عنه الفعل بسهولة من غير ثقل ومن غير روية فإن خف ذلك وصار ~~بحيث يثقل عليه رعاية قدره حتى أحب التملق والتخاسس فقد خرج إلى طرف ~~النقصان فليرفع نفسه إذ ms1771 ليس للمؤمن أن تذل نفسه إلى أن يعود إلى الوسط الذي ~~هو الصراط المستقيم وذلك غامض في هذا الخلق وفي سائر الأخلاق # والميل عن الوسط إلى طرف النقصان وهو التملق أهون من الميل إلى طرف ~~الزيادة بالتكبر كما أن الميل إلى طرف التبذير في المال أحمد عند الناس من ~~الميل إلى طرف البخل فنهاية التبذير ونهاية البخل مذمومان وأحدهما أفحش ~~وكذلك نهاية التكبر ونهاية التنقص والتذلل مذمومان وأحدهما أقبح من الآخر # والمحمود المطلق هو العدل ووضع الأمور مواضعها كما يجب وعلى ما يجب كما ~~يعرف ذلك بالشرع والعادة ولنقتصر على هذا القدر من بيان أخلاق الكبر ~~والتواضع # الشطر الثاني من الكتاب في العجب وفيه ### ||| بيان ذم العجب وآفاته # وبيان حقيقة العجب والإدلال وحدهما وبيان علاج العجب على الجملة وبيان ~~أقسام ما به العجب وتفصيل علاجه بيان ذم العجب وآفاته # اعلم أن العجب مذموم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم # قال الله تعالى {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا} ذكر ذلك ~~في معرض الإنكار وقال عز وجل {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم ~~الله من حيث لم يحتسبوا} فرد على الكفار في إعجابهم بحصونهم وشوكتهم وقال ~~تعالى {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} وهذا أيضا يرجع إلى العجب بالعمل # وقد يعجب الإنسان بالعمل هو مخطئ فيه كما يعجب بعمل هو مصيب فيه # وقال صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء ~~بنفسه (1) حديث أبي ثعلبة إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي ~~برأيه فعليك نفسك أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه وقد تقدم # وقال ابن مسعود الهالك في اثنتين القنوط والعجب # وإنما جمع بينهما لأن السعادة لا تنال إلا بالسعي والطلب والجد والتشمر ~~والقانط لا يسعى ولا يطلب والمعجب يعتقد أنه قد سعد وقد ظفر بمراده فلا ~~يسعى # فالموجود لا يطلب والمحال لا يطلب والسعادة موجودة في اعتقاد المعجب ~~حاصلة له ومستحيلة في اعتقاد القانط فمن ms1772 ههنا جمع بينهما # وقد قال تعالى {فلا تزكوا أنفسكم} قال ابن جريج معناه إذا عملت خيرا فلا ~~تقل عملت # وقال زيد بن أسلم # لا تبروها أي لا تعتقدوا أنها بارة وهو معنى العجب # ووقى طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بنفسه فأكب عليه حتى ~~أصيبت كفه فكأنه أعجبه فعله العظيم إذ فداه بروحه حتى جرح فتفرس ذلك عمر ~~فيه فقال # مازال يعرف في طلحة فأو منذ أصيبت إصبعه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~// حديث وقى طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وأكب عليه حتى أصيبت ~~كفه أخرجه البخاري من وراية قيس بن أبي حازم قال رأيت يد طلحة شلاء وقى بها ~~النبي صلى الله عليه وسلم # والنأو هو العجب في اللغة إلا أنه لم ينقل فيه أنه أظهره واحتقر مسلما ~~ولما كان وقت الشورى قال له ابن عباس أين أنت من طلحة قال ذلك رجل فيه تحوة # فإذا كان لا يتخلص من العجب أمثالهم فكيف يتخلص من الضعفاء إن ~~PageV03P369 # لم يأخذوا حذرهم وقال مطرف لأن أبيت نائما وأصبح نادما أحب إلي من أبيت ~~قائما وأصبح معجبا # وقال صلى الله عليه وسلم لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك ~~العجب العجب // حديث لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب ~~العجب أخرجه البزار وابن حبان في الضعفاء والبيهقي في الشعب من حديث أنس ~~وفيه سلام بن أبي الصهباء قال البخاري منكر الحديث # وقال أحمد حسن الحديث ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ~~أبي سعيد بسند ضعيف جدا # فجعل العجب أكبر الذنوب # وكان بشر بن منصور من الذين إذا رءوا ذكر الله تعالى والدار الآخرة ~~لمواظبته على العبادة فأطال الصلاة يوما ورجل خلفه ينظر ففطن له بشر فلما ~~انصرف عن الصلاة قال له لا يعجبنك ما رأيت مني فإن إبليس لعنه الله قد عبد ~~الله تعالى مع الملائكة مدة طويلة ثم صار إلى ما صار إليه ms1773 # وقيل لعائشة رضي الله عنها متى يكون الرجل مسيئا قالت إذا ظن أنه محسن ~~وقد قال تعالى {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} والمن نتيجة استعظام ~~الصدقة واستعظام العمل هو العجب # فظهر بهذا أن العجب مذموم جدا ### ||| بيان آفة العجب # اعلم أن آفات العجب كثيرة فإن العجب يدعو إلى الكبر لأنه أحد أسبابه كما ~~ذكرناه فيتولد من العجب الكبر ومن الكبر الآفات الكثيرة التي لا تخفى هذا ~~مع العباد وأما مع الله تعالى فالعجب يدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها فبعض ~~ذنوبه لا يذكرها ولا يتفقدها لظنه أنه مستغن عن تفقدها فينساها وما يتذكره ~~منها فيستصغره ولا يستعظمه فلا يجتهد في تداركه وتلافيه بل يظن أنه يغفر له # وأما العبادات والأعمال فإنه يستعظمها ويتبجح بها ويمن على الله بفعلها ~~وينسى نعمة الله عليه بالتوفيق والتمكين منها ثم إذا عجب بها عمي عن آفاتها # ومن لم يتفقد آفات الأعمال كان أكثر سعيه ضائعا فإن الأعمال الظاهرة إذا ~~لم تكن خالصة نقية عن الشوائب قلما تنفع وإنما يتفقد من يغلب عليه الإشفاق ~~والخوف دون العجب والمعجب يغتر بنفسه وبرأيه ويأمن مكر الله وعذابه ويظن ~~أنه عند الله بمكان وأن له عند الله منة وحقا بأعماله التي هي نعمة وعطية ~~من عطاياه ويخرجه العجب إلى أن يثني على نفسه ويحمدها ويزكيها وإن أعجب ~~برأيه وعمله وعقله منع ذلك من الاستفادة ومن الاستشارة والسؤال فيستبد ~~بنفسه ورأيه ويستنكف من سؤال من هو أعلم منه وربما يعجب بالرأي الخطأ الذي ~~خطر له فيفرح بكونه من خواطره ولا يفرح بخواطر غيره فيصر عليه ولا يسمع نصح ~~ولا وعظ واعظ بل ينظر إلى غيره بعين الاستجهال ويصر على خطئه فإن كان رأيه ~~في أمر دنيوي فيحقق فيه وإن كان في أمر ديني لا سيما فيما يتعلق بأصول ~~العقائد فيهلك به ولو اتهم نفسه ولم يثق برأيه واستضاء بنور القرآن واستعان ~~بعلماء الدين وواظب على مدارسة العلم وتابع سؤال أهل البصيرة لكان ذلك ~~يوصله إلى الحق # فهذا وأمثاله من آفات ms1774 العجب فلذلك كان من المهلكات ومن أعظم آفاته أن ~~يفتر في السعي لظنه أنه قد فاز وأنه قد استغنى وهو الهلاك الصريح الذي لا ~~شبهة فيه # نسأل الله تعالى العظيم حسن التوفيق لطاعته ### ||| بيان حقيقة العجب والإدلال وحدهما # اعلم أن العجب إنما يكون بوصف هو كمال لا محالة وللعالم بكمال نفسه في ~~علم وعمل ومال وغيره حالتان # إحداهما أن يكون خائفا على زواله ومشفقا على تكدره أو سلبه من أصله فهذا ~~ليس بمعجب # والأخرى أن لا يكون خائفا من زواله لكن يكون فرحا به من حيث إنه نعمة من ~~الله تعالى عليه لا من حيث إضافته إلى نفسه PageV03P370 # وهذا أيضا ليس بمعجب # وله حالة ثالثة هي العجب وهي أن يكون غير خائف عليه بل يكون فرحا به ~~مطمئنا إليه ويكون فرحه به من حيث إنه كمال ونعمة وخير ورفعة لا من حيث إنه ~~عطية من الله تعالى ونعمة منه فيكون فرحه من حيث إنه صفته ومنسوب إليه بأنه ~~له لا من حيث إنه منسوب إلى الله تعالى بأنه منه فمهما غلب على قلبه أنه ~~نعمة من الله مهما شاء سلبها عنه زال العجب بذلك عن نفسه # فإذن العجب هو استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم ~~فإن انضاف إلى ذلك أن غلب على نفسه أن له عند الله حقا وأنه منه بمكان حتى ~~يتوقع بعمله كرامة في الدنيا واستبعد أن يجري عليه مكروه استبعادا يزيد على ~~استبعاده ما يجري على الفساق سمي هذا إدلالا بالعمل فكأنه يرى لنفسه على ~~الله دالة وكذلك قد يعطى غيره شيئا فيستعظمه ويمن عليه فيكون معجبا فإن ~~استخدمه أو اقترح عليه الاقتراحات أو استبعد تخلفه عن قضاء حقوقه كان مدلا ~~عليه # وقال قتادة في قوله تعالى {ولا تمنن تستكثر} أي لا تدل بعملك وفي الخبر ~~إن صلاة المدل لا ترفع فوق رأسه ولأن تضحك وأنت معترف بذنبك خير من أن تبكي ~~وأنت مدل بعملك // حديث إن صلاة المدل لا ترفع فوق رأسه الحديث ms1775 لم أجد له ~~أصلا # والإدلال وراء العجب فلا مدل إلا وهو معجب ورب معجب لا يدل إذ العجب يحصل ~~بالاستعظام ونسيان النعمة دون توقع جزاء عليه والإدلال لا يتم إلا مع توقع ~~جزاء فإن توقع إجابة دعوته واستنكر ردها بباطنه وتعجب منه كان مدلا بعمله ~~لأنه لا يتعجب من رد دعاء الفاسق ويتعجب من رد دعاء نفسه لذلك # فهذا هو العجب والإدلال وهو من مقدمات الكبر وأسبابه والله تعالى أعلم ### ||| بيان علاج العجب على الجملة # اعلم أن علاج كل علة هو مقابلة سببها بضده وعلة العجب الجهل المحض فعلاجه ~~المعرفة المضادة لذلك الجهل فقط فلنفرض العجب بفعل داخل تحت اختيار العبد ~~كالعبادة والصدقة والغزو وسياسة الخلق وإصلاحهم فإن العجب بهذا أغلب من ~~العجب بالجمال والقوة والنسب وما لا يدخل تحت اختياره ولا يراه من نفسه # فنقول الورع والتقوى والعبادة والعمل الذي به يعجب إنما يعجب به من حيث ~~إنه فيه فهو محله ومجراه أو من حيث إنه منه وبسببه وبقدرته وقوته فإن كان ~~يعجب به من حيث إنه فيه وهو محله ومجراه يجري فيه وعليه من جهة غيره فهذا ~~جهل لأن المحل مسخر ومجرى لا مدخل له في الإيجاد والتحصيل فكيف يعجب بما ~~ليس إليه وإن كان يعجب به من حيث إنه هو منه وإليه وباختياره حصل وبقدرته ~~تم فينبغي أن يتأمل في قدرته وإرادته وأعضائه وسائر الأسباب التي بها يتم ~~عمله أنها من أين كانت له فإن كان جميع ذلك نعمة من الله عليه من غير حق ~~سبق له ومن غير وسيلة يدلي بها فينبغي أن يكون إعحابه بجود الله وكرمه ~~وفضله إذ أفاض عليه ما لا يستحق وآثره به على غيره من غير سابقة ووسيلة ~~فمهما برز الملك لغلمانه ونظر إليهم وخلع من جملتهم على واحد منهم لا لصفة ~~فيه ولا لوسيلة ولا لجماله ولا لخدمة فينبغي أن يتعجب المنعم عليه من فضل ~~الملك وحكمه وإيثاره من غير استحقاق وإعجابه بنفسه من أين وما سببه ولا ~~ينبغي أن ms1776 يعجب بنفسه # نعم يجوز أن يعجب العبد فيقول الملك حكم عدل لا يظلم ولا يقدم ولا يؤخر ~~إلا لسبب فلولا أنه تفطن في صفة من الصفات المحمودة الباطنة لما اقتضى ~~الإيثار بالخلعة ولما آثرني بها فيقال وتلك الصفة أيضا هي من خلعة الملك ~~وعطيته التي خصصك بها من غيرك من غير وسيلة أو هي عطية غيره فإن كانت من ~~عطية الملك أيضا لم يكن لك أن تعجب بها بل كانوا كما لو أعطاك فرسا PageV03P371 # فلم تعجب به # فأعطاك علاما فصرت تعجب به وتقول إنما أعطاني غلاما لأني صاحب فرس فأما ~~غيري فلا فرس له فيقال وهو الذي أعطاك الفرس فلا فرق بين أن يعطيك الفرس ~~والغلام معا أو يعطيك أحدهما بعد الآخر فإذا كان الكل منه فينبغي أن يعجبك ~~جوده وفضله لا نفسك # وأما إن كانت تلك الصفة من غيره فلا يبعد أن تعجب بتلك الصفة وهذا يتصور ~~في حق الملوك ولا يتصور في حق الجبار القاهر ملك الملوك المنفرد باختراع ~~الجميع المنفرد بإيجاد الموصوف والصفة فإنك إن أعجبت بعادتك وقلت وفقني ~~للعبادة لحبي له فيقال ومن خلق الحب في قلبك فتقول هو فيقال فالحب والعبادة ~~كلاهما نعمتان من عنده ابتدأك بهما من غير استحقاق من جهتك إذ لا وسيلة لك ~~ولا علاقة فيكون الإعجاب بجوده إذ أنعم بوجودك ووجود صفاتك وبوجود أعمالك ~~وأسباب أعمالك فإذا لا معنى لعجب العابد بعبادته وعجب العالم بعلمه وعجب ~~الجميل بجماله وعجب الغني بغناه لأن كل ذلك من فضل الله وإنما هو محل ~~لفيضان فضل الله تعالى وجوده والمحل أيضا من فضله وجوده # فإن قلت لا يمكنني أن أجهل أعمالي وإني أنا عملتها فإني أنتظر عليها ~~ثوابا ولولا أنها عملي لما انتظرت ثوابا فإن كانت الأعمال مخلوقة لله على ~~سبيل الاختراع فمن أين لي الثواب وإن كانت الأعمال مني وبقدرته فكيف لا ~~أعجب بها فاعلم أن جوابك من وجهين # أحدهما هو صريح الحق # والآخر فيه مسامحة # أما صريح الحق فهو أنك وقدرتك وإرادتك وحركتك ms1777 وجميع ذلك من خلق الله ~~واختراعه فما عملت إذ عملت وما صليت إذ صليت {وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى} فهذا هو الحق الذي انكشف لأرباب القلوب بمشاهدة أوضح من إبصار العين ~~بل خلقك وخلق أعضاءك وخلق فيها القوة والقدرة والصحة وخلق لك العقل والعلم ~~وخلق لك الإرادة ولو أردت أن تنفي شيئا من هذا عن نفسك لم تقدر عليه ثم خلق ~~الحركات في أعضائك مستبدا باختراعها من غير مشاركة من جهتك معه في الاختراع ~~إلا أنه خلقه على ترتيب فلم يخلق الحركة ما لم يخلق في العضو قوة وفي القلب ~~إرادة ولم يخلق إرادة ما لم يخلق علما بالمراد ولم يخلق علما ما لم يخلق ~~القلب الذي هو محل العلم فتدريجه في الخلق شيئا بعد شيء هو الذي خيل لك أنك ~~أوجدت عملك وقد غلطت # وإيضاح ذلك وكيفية الثواب على عمل هو من خلق الله سيأتي تقريره في كتاب ~~الشكر فإنه أليق به فارجع إليه # ونحن الآن نزيل إشكالك بالجواب الثاني الذي فيه مسامحة ما وهو أن تحسب أن ~~العمل حصل بقدرتك فمن أين قدرتك ولا يتصور العمل إلا بوجودك ووجود عملك ~~وإرادتك وسائر أسباب عملك وكل ذلك من الله تعالى لا منك فإن كان العمل ~~بالقدرة فالقدرة مفتاحه وهذا المفتاح بيد الله ومهما لم يعطك المفتاح فلا ~~يمكنك العمل فالعبادات خزائن بها يتوصل إلى السعادات ومفاتيحها القدرة ~~والإرادة والعلم وهي بيد الله لا محالة # أرأيت لو رأيت خزائن الدنيا مجموعة في قلعة حصينة ومفتاحها بيد خازن ولو ~~جلست على بابها وحول حيطانها ألف سنة لم يمكنك أن تنظر إلى دينار مما فيها ~~ولو أعطاك المفتاح لأخذته من قريب بأن تبسط يدك إليه فتأخذه فقط فإذا أعطاك ~~الخازن المفاتيح وسلطك عليها ومكنك منها فمددت يدك وأخذتها كان إعجابك ~~بإعطاء الخازن المفاتيح أو بما إليك من مد اليد وأخذها فلا تشك في أنك ترى ~~ذلك نعمة من الخازن لأن المؤنة في تحريك اليد بأخذ المال قريبة وإنما الشأن ~~كله ms1778 في تسليم المفاتيح # فكذلك مهما خلقت القدرة وسلطت الإرادة الجازمة وحركت الدواعي والبواعث ~~وصرف عنك الموانع والصوارف حتى لم يبق صارف إلا دفع ولا باعث إلا وكل بك ~~فالعمل هين عليك وتحريك البواعث وصرف العوائق وتهيئة الأسباب كلها من الله ~~ليس شيء منها إليك فمن العجائب أن تعجب بنفسك PageV03P372 # ولا تعجب بمن إليه الأمر كله ولا تعجب بجوده وفضله وكرمه في إيثاره إياك ~~على الفساق من عباده إذ سلط دواعي الفساد على الفساق وصرفها عنك وسلط أخدان ~~السوء ودعاة الشر عليهم وصرفهم عنك ومكنك من أسباب الشهوات واللذات وزواها ~~عنك وصرف عنهم بواعث الخير ودواعيه وسلطها عليك حتى تيسر لك الخير وتيسر ~~لهم الشر فعل ذلك كله بك من غير وسيلة سابقة منك ولا جريمة سابقة من الفاسق ~~العاصي بل آثرك وقدمك واصطفاك بفضله وأبعد العاصي وأشقاه بعدله فما أعجب ~~إعجابك بنفسك إذا عرفت ذلك فإذن لا تنصرف قدرتك إلى المقدور إلا بتسليط ~~الله عليك داعية لا تجد سبيلا إلى مخالفتها فكأنه الذي اضطرك إلى الفعل إن ~~كنت فاعلا تحقيقا فله الشكر والمنة لا لك وسيأتي في كتاب التوحيد والتوكل ~~من بيان تسلسل الأسباب والمسببات ما تستبين به أنه لا فاعل إلا الله ولا ~~خالق سواه والعجب ممن يتعجب إذا رزقه الله عقلا وأفقره فمن أفاض عليه المال ~~من غير علم فيقول كيف منعني قوت يومي وأنا العاقل الفاضل وأفاض على هذا ~~نعيم الدنيا وهو الغافل الجاهل حتى يكاد يرى هذا ظلما ولا يدري المغرور أنه ~~لو جمع له بين العقل والمال جميعا لكان ذلك بالظلم أشبه في ظاهر الحال إذ ~~يقول الجاهل الفقير يا رب لم جمعت له بين العقل والغنى وحرمتني منهما فهلا ~~جمعتهما لي أو لا هلا رزقتني أحدهما وإلى هذا أشار علي رضي الله عنه حيث ~~قيل له ما بال العقلاء فقراء فقال إن عقل الرجل محسوب عليه من رزقه # والعجب أن العاقل الفقير ربما يرى الجاهل الغني أحسن حالا من نفسه ولو ~~قيل له هل ms1779 تؤثر جهله وغناه عوضا عن عقلك وفقرك لامتنع عنه فإذن ذلك يدل على ~~أن نعمة الله عليه أكبر فلم يتعجب من ذلك والمرأة الحسناء الفقيرة ترى ~~الحلي والجواهر على الدميمة القبيحة فتعجب وتقول كيف يحرم مثل هذا الجمال ~~من الزينة ويخصص مثل ذلك القبح ولا تدري المغرورة أن الجمال محسوب عليها من ~~رزقها وأنها لو خيرت بين الجمال وبين القبح مع الغنى لآثرت الجمال فإذن ~~نعمة الله عليها أكبر # وقول الحكيم الفقير العاقل بقلبه يا رب لم حرمتني الدنيا وأعطيتها الجهال ~~كقول من أعطاه الملك فرسا فيقول أيها الملك لم لا تعطيني الغلام وأنا صاحب ~~فرس فيقول كنت لا تتعجب من هذا لو لم أعطك الفرس فهب أني ما أعطيتك فرسا ~~أصارت نعمتي عليك وسيلة لك وحجة تطلب بها نعمة أخرى فهذه أوهام لا تخلو ~~الجهال عنها ومنشأ جميع ذلك الجهل ويزال ذلك بالعلم المحقق بأن العبد وعمله ~~وأوصافه كل ذلك من عند الله تعالى نعمة ابتدأه به قبل الاستحقاق وهذا ينفي ~~العجب والإدلال ويورث الخضوع والشكر والخوف من زوال النعمة # ومن عرف هذا لم يتصور أن يعجب بعلمه وعمله إذ يعلم أن ذلك من الله تعالى ~~ولذلك قال داود عليه السلام يا رب ما تأتي ليلة إلا وإنسان من آل داود صائم ~~وفي رواية ما تمر ساعة من ليل أو نهار إلا وعابد من آل داود يعبدك إما يصلي ~~وإما يصوم وإما يذكرك فأوحى الله تعالى إليه يا داود ومن أين لهم ذلك أن ~~ذلك لم يكن إلا بي ولولا عوني إياك ما قويت وسأكلك إلى نفسك قال ابن عباس ~~إنما أصاب داود ما أصاب من الذنب بعجبه بعمله إذ أضافه إلى آل داود مدلا به ~~حتى وكل إلى نفسه فأذنب ذنبا أورثه الحزن والندم # وقال داود يا رب إن بني إسرائيل يسألونك بإبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال إني ~~ابتليتهم فصبروا فقال يا رب وأنا إن ابتليتني صبرت فأدل بالعمل قبل وقته ~~فقال الله تعالى فإني لم أخبرهم بأي شيء ms1780 أبتليهم ولا في أي شهر ولا في أي ~~يوم وأنا مخبرك في سنتك هذه وشهرك هذا أبتليك غدا بامرأة فاحذر نفسك فوقع ~~فيما وقع فيه # وكذلك لما اتكل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين على قوتهم ~~وكثرتهم PageV03P373 # ونسوا فضل الله تعالى عليهم وقالوا لا نغلب اليوم من قلة (1) حديث ما ~~منكم من أحد ينجيه عمله الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة # ولقد كان أصحابه من بعده يتمنون أن يكونوا ترابا وتبنا وطيرا مع صفاء ~~أعمالهم وقلوبهم فكيف يكون لذي بصيرة أن يعجب بعمله أو يدل به ولا يخاف على ~~نفسه فإذن هذا هو العلاج القامع لمادة العجب من القلب # ومهما غلب ذلك على القلب شغله خوف سلب هذه النعمة عن الإعجاب بها بل هو ~~ينظر إلى الكفار والفساق وقد سلبوا نعمة الإيمان والطاعة بغير ذنب أذنبوه ~~من قبل فيخاف من ذلك فيقول إن من لا يبالي أن يحرم من غير جناية ويعطى من ~~غير وسيلة لا يبالي أن يعود ويسترجع ما وهب فكم من مؤمن قد ارتد ومطيع قد ~~فسق وختم له بسوء وهذا لا يبقى معه عجب بحال والله تعالى أعلم ### ||| بيان أقسام ما به العجب وتفصيل علاجه # اعلم أن العجب بالأسباب التي بها يتكبر كما ذكرناه وقد يعجب بما لا يتكبر ~~به كعجبه بالرأي الخطأ الذي يزين له بجهله # فما به العجب ثمانية أقسام # الأول أن يعجب ببدنه في جماله وهيئته وصحته وقوته وتناسب أشكاله وحسن ~~صورته وحسن صوته وبالجملة تفصيل خلقته فيلتفت إلى جمال نفسه وينسى أنه نعمة ~~من الله تعالى وهو بعرضة الزوال في كل حال وعلاجه ما ذكرناه في الكبر ~~بالجمال وهو التفكر في أقذار باطنه وفي أول أمره وفي آخره وفي الوجوه ~~الجميلة والأبدان الناعمة أنها كيف تمزقت في التراب وأنتنت في القبور حتى ~~استقذرتها الطباع # الثاني البطش والقوة كما حكي عن قوم عاد حين قالوا فيما أخبر الله عنهم ~~{من أشد منا قوة} وكما اتكل عوج على قوته وأعجب ms1781 بها فاقتلع جبلا ليطبقه على ~~عسكر موسى عليه السلام فثقب الله تعالى تلك القطعة من الجبل بنقر هدهد ضعيف ~~المنقار حتى صارت في عنقه وقد يتكل المؤمن أيضا على قوته كما روي عن سليمان ~~عليه السلام أنه قال لأطوفن الليلة على مائة امرأة ولم يقل إن شاء الله ~~تعالى فحرم ما أراد من الولد // حديث قال سليمان لأطوفن الليلة بمائة امرأة ~~الحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة # وكذلك قول داود عليه السلام إن ابتليتني صبرت وكان إعجابا منه بالقوة ~~فلما ابتلي بالمرأة لم يصبر # ويورث العجب بالقوة الهجوم في الحروب وإلقاء النفس في التهلكة والمبادرة ~~إلى الضرب والقتل لكل من قصده بالسوء وعلاجه ما ذكرناه وهو أن يعلم أن حمى ~~يوم تضعف قوته وأنه إذا أعجب بها ربما سلبها الله تعالى بأدنى آفة يسلطها ~~عليه PageV03P374 # الثالث العجب بالعقل والكياسة والتفطن لدقائق الأمور من مصالح الدين ~~والدنيا وثمرته الاستبداد بالرأي وترك المشورة واستجهال الناس المخالفين له ~~ولرأيه ويخرج إلى قلة الإصغاء إلى أهل العلم إعراضا عنهم بالاستغناء بالرأي ~~والعقل واستحقارا لهم وإهانة وعلاجه أن يشكر الله تعالى على ما رزق من ~~العقل ويتفكر أنه بأدنى مرض يصيب دماغه كيف يوسوس ويجن بحيث يضحك منه فلا ~~يأمن من أن يسلب عقله إن أعجب به ولم يقم بشكره وليستقصر عقله وعلمه وليعلم ~~أنه ما أوتي من العلم إلا قليلا وإن اتسع علمه وأن ما جهله مما عرفه الناس ~~أكثر مما عرفه فكيف بما لم يعرفه الناس من علم الله تعالى وأن يتهم عقله ~~وينظر إلى الحمقى كيف يعجبون بعقولهم ويضحك الناس منهم فيحذر أن يكون منهم ~~وهو لا يدري # فإن القاصر العقل قط لا يعلم قصور عقله فينبغي أن يعرف مقدار عقله من ~~غيره لا من نفسه ومن أعدائه لا من أصدقائه فإن من يداهنه يثني عليه فيزيده ~~عجبا وهو لا يظن بنفسه إلا الخير ولا يفطن لجهل نفسه فيزداد عجبا # الرابع العجب بالنسب الشريف كعجب الهاشمية حتى يظن بعضهم أنه ينجو ms1782 بشرف ~~نسبه ونجاة آبائه وأنه مغفور له ويتخيل بعضهم أن جميع الخلق له موال وعبيد ~~وعلاجه أن يعلم أنه مهما خالف آباءه في أفعالهم وأخلاقهم وظن أنه ملحق بهم ~~فقد جهل وإن اقتدى بآبائه فما كان من أخلاقهم العجب بل الخوف والازدراء على ~~النفس واستعظام الخلق ومذمة النفس ولقد شرفوا بالطاعة والعلم والخصال ~~الحميدة لا بالنسب فليتشرف بما شرفوا به وقد ساواهم في النسب وشاركهم في ~~القبائل من لم يؤمن بالله واليوم الآخر وكانوا عند الله شرا من الكلاب وأخس ~~من الخنازير ولذلك قال تعالى {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} أي ~~لا تفاوت في أنسابكم لاجتماعكم في أصل واحد ثم ذكر فائدة النسب فقال ~~{وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا} ثم بين أن الشرف بالتقوى لا بالنسب فقال ~~{إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ولما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~أكرم الناس من أكيس الناس لم يقل من ينتمي إلى نسبي ولكن قال أكرمهم أكثرهم ~~للموت ذكرا وأشدهم له استعدادا (1) حديث إن الله قد أذهب عنكم عيبة ~~الجاهلية الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة ورواه ~~الترمذي أيضا من حديث ابن عمر وقال غريب # وقال النبي صلى الله عليه وسلم يا معشر قريش لا تأتي الناس بالأعمال يوم ~~القيامة وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون يا محمد يا محمد فأقول ~~هكذا أي أعرض عنكم (2) حديث لما نزل قوله تعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين} ~~ناداهم بطنا بعد بطن حتى قال يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب ~~الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة ورواه مسلم من حديث عائشة # فمن عرف هذه الأمور وعلم أن شرفه بقدر تقواه وقد كان من عادة آبائه ~~التواضع اقتدى بهم في التقوى PageV03P375 # والتواضع وإلا كان طاعنا في نسب نفسه بلسان حاله مهما انتمى إليهم ولم ~~يشبههم في التواضع والتقوى والخوف والإشفاق # فإن قلت فقد قال صلى الله عليه وسلم بعد قوله لفاطمة وصفية إني لا أغني ~~عنكما من ms1783 الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها (1) حديث أترجو سليم ~~شفاعتي ولا ترجوها بنو عبد المطلب أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عبد ~~الله بن جعفر وفيه أصيرم بن حوشب عن إسحاق بن واصل وكلاهما ضعيف جدا # فذلك يدل على أنه سيخصص قرابته بالشفاعة فاعلم أن كل مسلم فهو منتظر ~~شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والنسيب أيضا جدير بأن يرجوها لكن بشرط ~~أن يتقي الله أن يغضب عليه فإنه إن يغضب عليه فلا يأذن لأحد في شفاعته لأن ~~الذنوب منقسمة إلى ما يوجب المقت فلا يؤذن في الشفاعة له وإلى ما يعفى عنه ~~بسبب الشفاعة كالذنوب عند ملوك الدنيا فإن كل ذي مكانة عند الملك لا يقدر ~~على الشفاعة فيما اشتد عليه غضب الملك فمن الذنوب ما لا تنجي منه الشفاعة ~~وعنه العبارة بقوله تعالى {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} وبقوله {من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه} وبقوله {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} ~~وبقوله {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} وإذا انقسمت الذنوب إلا ما يشفع فيه ~~وإلا ما لا يشفع فيه وجب الخوف والإشفاق لا محالة ولو كان ذنب تقبل فيه ~~الشفاعة لما أمر قريشا بالطاعة ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاطمة رضي الله عنها عن المعصية ولكان يأذن لها في اتباع الشهوات لتكمل ~~لذاتها في الدنيا ثم يشفع لها في الآخرة لتكمل لذاتها في الآخرة # فالانهماك في الذنوب وترك التقوى اتكالا على رجاء الشفاعة يضاهي انهماك ~~المريض في شهواته اعتمادا على طبيب حاذق قريب مشفق من أب أو أخ أو غيره ~~وذلك جهل لأن سعي الطبيب وهمته وحذقه تنفع في إزالة بعض الأمراض لا في كلها ~~فلا يجوز ترك الحمية مطلقا اعتمادا على مجرد الطب بل للطبيب أثر على الجملة ~~ولكن في الأمراض الخفيفة وعند غلبة اعتدال المزاج # فهكذا ينبغي أن تفهم عناية الشفعاء من الأنبياء والصلحاء للأقارب ~~والأجانب فإنه كذلك قطعا وذلك لا يزيل الخوف والحذر وكيف يزيل وخير ms1784 الخلق ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وقد كانوا يتمنون أن يكونوا بهائم ~~من خوف الآخرة مع كمال تقواهم وحسن أعمالهم وصفاء قلوبهم وما سمعوه من وعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بالجنة خاصة وسائر المسلمين بالشفاعة ~~عامة ولم يتكلوا عليه ولم يفارق الخوف والخشوع قلوبهم فكيف يعجب بنفسه ~~ويتكل على الشفاعة من ليس له مثل صحبتهم وسابقتهم # الخامس العجب بنسب السلاطين الظلمة وأعوانهم دون نسب الدين والعلم # وهذا غاية الجهل وعلاجه أن يتفكر في مخازيهم وما جرى لهم من الظلم على ~~عباد الله والفساد في دين الله وأنهم الممقوتون عند الله تعالى ولو نظر إلى ~~صورهم في النار وأنتانهم وأقذارهم لاستنكف منهم ولتبرأ من الانتساب إليهم ~~ولأنكر على من نسبه إليهم استقذارا واستحقار لهم ولو انكشف له ذلهم في ~~القيامة وقد تعلق الخصماء بهم والملائكة آخذون بنواصيهم يجرونهم على وجوههم ~~إلى جهنم في مظالم العباد لتبرأ إلى الله منهم ولكان انتسابه إلى الكلب ~~والخنزير أحب إليه من الانتساب إليهم فحق أولاد الظلمة إن عصمهم الله من ~~ظلمهم أن يشكروا الله تعال على سلامة دينهم ويستغفروا لآبائهم إن كانوا ~~مسلمين فأما العجب فجهل محض PageV03P376 # السادس العجب بكثرة العدد من الأولاد والخدم والغلمان والعشيرة والأقارب ~~والأنصار والأتباع كما قال الكفار {نحن أكثر أموالا وأولادا} وكما قال ~~المؤمنون يوم حنين لا نغلب اليوم من قلة وعلاجه ما ذكرناه في الكبر وهو أن ~~يتفكر في ضعفه وضعفهم وأن كلهم عبيد عجزة لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا # {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} ثم كيف يعجب بهم وأنهم ~~سيفترقون عنه إذا مات فيدفن في قبره ذليلا مهينا وحده لا يرافقه أهل ولا ~~ولد ولا قريب ولا حميم ولا عشير فيسلمونه إلى البلى والحيات والعقارب ~~والديدان ولا يغنون عنه شيئا وفي أحوج أوقاته إليهم وكذلك يهربون منه يوم ~~القيامة {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه} الآية # فأي خير فيمن يفارقك في أشد أحوالك ويهرب ms1785 منك وكيف تعجب به ولا ينفعك في ~~القبر والقيامة وعلى الصراط إلا عملك وفضل الله تعالى فكيف تتكل على من لا ~~ينفعك وتنسى نعم من يملك نفعك وضرك وموتك وحياتك # السابع العجب بالمال كما قال تعالى إخبارا عن صاحب الجنتين إذ قال {أنا ~~أكثر منك مالا وأعز نفرا} ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا غنيا جلس ~~بجنبه فقير فانقبض عنه وجمع ثيابه فقال صلى الله عليه وسلم أخشيت أن يعدو ~~إليك فقره (1) حديث بينما رجل في حلة قد أعجبته نفسه الحديث متفق عليه من ~~حديث أبي هريرة وقد تقدم # وأشار به إلى عقوبة إعجابه بماله ونفسه # وقال أبو ذر كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد فقال لي يا ~~أبا ذر ارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا رجل عليه ثياب جياد ثم قال ارفع رأسك ~~فرفعت رأسي فإذا رجل عليه ثياب خلقة فقال لي يا أبا ذر هذا عند الله خير من ~~قراب الأرض مثل هذا (2) حديث أنه يغلب على آخر هذه الأمة الإعجاب بالرأي هو ~~حديث أبي ثعلبة المتقدم فإذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي ~~برأيه فعليك بخاصة نفسك وهو عند أبي داود والترمذي # وبذلك هلكت الأمم السالفة إذ افترقت فرقا فكل معجب برأيه وكل حزب بما ~~لديهم فرحون وجميع أهل البدع والضلال إنما أصروا عليها لعجبهم بآرائهم ~~والعجب بالبدعة هو استحسان ما يسوق إليه الهوى والشهوة مع ظن كونه حقا ~~وعلاج هذا العجب أشد من علاج غيره لأن صاحب الرأي الخطأ جاهل بخطئه ولو ~~عرفه لتركه ولا يعالج الداء الذي لا يعرف والجهل داء لا يعرف فتعسر مداواته ~~جدا # لأن العارف يقدر على أن يبين للجاهل جهله ويزيله PageV03P377 # عنه إلا إذا كان معجبا برأيه وجهله فإنه لا يصغي إلى العارف ويتهمه فقد ~~سلط الله عله بلية تهلكه وهو يظنها نعمة فكيف يمكن علاجه وكيف يطلب الهرب ~~مما هو سبب سعادته في اعتقاده وإنما علاجه على الجملة أن يكون متهما لرأيه ms1786 ~~أبدا لا يغتر به إلا أن يشهد له قاطع من كتاب أو سنة أو دليل عقلي صحيح ~~جامع لشروط الأدلة ولن يعرف الإنسان أدلة الشرع والعقل وشروطها ومكامن ~~الغلط فيها إلا بقريحة تامة وعقل ثاقب وجد وتشمر في الطلب وممارسة للكتاب ~~والسنة ومجالسة لأهل العلم طول العمر ومدارسة للعلوم ومع ذلك فلا يؤمن عليه ~~الغلط في بعض الأمور والصواب لمن لم يتفرع لاستغراق عمره في العلم أن لا ~~يخوض في المذاهب ولا يصغي إليها ولا يسمعها ولكن يعتقد أن الله تعالى واحد ~~لا شريك له وأنه {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} وأن رسوله صادق فيما ~~أخبر به ويتبع سنة السلف ويؤمن بجملة ما جاء به الكتاب والسنة من غير بحث ~~وتنقير وسؤال عن تفصيل بل يقول آمنا وصدقنا ويشتغل بالتقوى واجتناب المعاصي ~~وأداء الطاعات والشفقة على المسلمين وسائر الأعمال فإن خاض في المذاهب ~~والبدع والتعصب في العقائد هلك من حيث لا يشعر # هذا حق كل من عزم على أن يشتغل في عمره بشيء غير العلم فأما الذي عزم على ~~التجرد للعلم فأول مهم له معرفة الدليل وشروطه وذلك مما يطول الأمر فيه ~~والوصول إلى اليقين والمعرفة في أكبر المطالب شديد لا يقدر عليه إلا ~~الأقوياء المؤيدون بنور الله تعالى وهو عزيز الوجود جدا فنسأل الله تعالى ~~العصمة من الضلال ونعوذ به من الاغترار بخيالات الجهال # تم كتاب ذم الكبر والعجب والحمد لله وحده وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ~~وسلم ### || كتاب ذم الغرور وهو الكتاب العاشر من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي بيده مقاليد الأمور وبقدرته مفاتيح الخيرات والشرور مخرج ~~أوليائه من الظلمات إلى النور ومورد أعدائه ورطات الغرور والصلاة على محمد ~~مخرج الخلائق من الديجور وعلى آله وأصحابه الذين لم تغرهم الحياة الدنيا ~~ولم يغرهم بالله الغرور صلاة تتوالى على ممر الدهور ومكر الساعات والشهور # أما ms1787 بعد فمفتاح السعادة التيقظ والفطنة ومنبع الشقاوة الغرور والغفلة فلا ~~نعمة لله على عباده أعظم من الإيمان والمعرفة ولا وسيلة إليه سوى انشراح ~~الصدر بنور البصيرة ولا نقمة أعظم من الكفر والمعصية ولا داعي إليهما سوى ~~عمى القلب بظلمة الجهالة # فالأكياس وأرباب البصائر قلوبهم كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غريبة ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور والمغترون قلوبهم {كظلمات في ~~بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج ~~يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} فالأكياس هم ~~الذين أراد الله أن يهديهم فشرح صدورهم للإسلام والهدى والمغترون هم الذين ~~أراد الله أن يضلهم فجعل صدرهم ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء # والمغرور هو الذي لم تنفتح بصيرته ليكون بهداية نفسه كفيلا وبقي في العمى ~~فاتخذ الهوى قائدا والشيطان PageV03P378 # دليلا {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} وإذا عرف أن ~~الغرور 2 هو أم الشقاوات ومنبع المهلكات فلا بد من شرح مداخله ومجاريه ~~وتفصيل ما يكثر من وقوع الغرور فيه ليحذره المريد بعد معرفته فيتقيه ~~فالموفق من العباد من عرف مداخل الآفات والفساد فأخذ منها حذره وبنى على ~~الحزم والبصيرة أمره # ونحن نشرح أجناس مجاري الغرور وأصناف المغترين من القضاة والعلماء ~~والصالحين الذين اغتروا بمبادئ الأمور الجميلة ظواهرها القبيحة سرائرها ~~ونشير إلى وجه اغترارهم بها وغفلتهم عنها فإن ذلك وإن كان أكثر مما يحصى ~~ولكن يمكن التنبيه على أمثلة تغني عن الاستقصاء وفرق المغترين كثيرة ولكن ~~يجمعهم أربعة أصناف # الصنف الأول من العلماء # الصنف الثاني من العباد # الصنف الثالث من المتصوفة # الصنف الرابع من أرباب الأموال # المغتر من كل صنف فرق كثيرة وجهات غرورهم مختلفة فمنهم من رأى المنكر ~~معروفا كالذي يتخذ المسجد ويزخرفها من المال الحرام ومنهم من لم يميز بين ~~ما يسعى فيه ms1788 لنفسه وبين ما يسعى فيه لله تعالى كالواعظ الذي غرضه القبول ~~والجاه ومنهم من يترك الأهم ويشتغل بغيره ومنهم من يترك الفرض ويشتغل ~~بالنافلة ومنهم من يترك اللباب ويشتغل بالقشر كالذي يكون همه في الصلاة ~~مقصورا على تصحيح مخارج الحروف إلى غير ذلك من مداخل لا تتضح إلا بتفصيل ~~الفرق وضرب الأمثلة # ولنبدأ أولا بذكر غرور العلماء ولكن بعد بيان ذم الغرور وبيان حقيقته ~~وحده ### ||| بيان ذم الغرور وحقيقته وأمثلته # اعلم أن قوله تعالى {فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} ~~وقوله تعالى {ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني} الآية # كاف في ذم الغرور وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حبذا نوم الأكياس ~~وفطرهم كيف يغبنون سهر الحمقى واجتهادهم ولمثقال ذرة من صاحب تقوى ويقين ~~أفضل من ملء الأرض من المغترين (1) حديث الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد ~~الموت الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث شداد بن أوس # وكل ما ورد في فضل العلم وذم الجهل فهو دليل على ذم الغرور لأن الغرور ~~عبارة عن بعض أنواع الجهل إذ الجهل هو أن يعتقد الشيء ويراه على خلاف ما هو ~~به والغرور هو جهل إلا أن كل جهل ليس بغرور بل يستدعي الغرور مغرورا فيه ~~مخصوصا ومغرورا به وهو الذي يغره # فمهما كان المجهدل المعتقد شيئا يوافق الهوى وكان السبب الموجب للجهل ~~شبهة ومخيلة فاسدة يظن أنها دليل ولا تكون دليلا سمي الجهل الحاصل به غرورا # فالغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع عن شبهة ~~وخدعة من الشيطان فمن اعتقد أنه على خير إما في العاجل أو في الآجل عن شبهة ~~فاسدة فهو مغرور وأكثر الناس يظنون بأنفسهم الخير وهم مخطئون فيه فأكثر ~~الناس إذا مغرورون وإن اختلفت أصناف غرورهم واختلفت درجاتهم حتى كان غرور ~~بعضهم أظهر وأشد من بعض وأظهرها وأشدها غرور الكفار وغرور العصاة والفساق ~~فنورد لهما أمثلة لحقيقة الغرور PageV03P379 # المثال الأول غرور الكفار فمنهم من غرته الحياة الدنيا ms1789 ومنهم من غره ~~بالله الغرور أما الذين غرتهم الحياة الدنيا فهم الذين قالوا النقد خير من ~~النسيئة والدنيا نقد والآخرة نسيئة فهي إذن خير فلا بد من إيثارها وقالوا ~~اليقين خير من الشك ولذات الدنيا يقين ولذات الآخرة شك فلا نترك اليقين ~~بالشك # وهذه أقيسة فاسدة تشبه قياس إبليس حيث قال {أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين} وإلى هؤلاء الإشارة بقوله تعالى {أولئك الذين اشتروا الحياة ~~الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون} وعلاج هذا الغرور إما ~~بتصديق الإيمان وإما بالبرهان أما التصديق بمجرد الإيمان فهو أن يصدق الله ~~تعالى في قوله ما عندكم ينفذ وما عند الله باق وفي قوله عز وجل {وما عند ~~الله خير} وقوله {والآخرة خير وأبقى} وقوله {وما الحياة الدنيا إلا متاع ~~الغرور} وقوله {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} وقد أخبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بذلك طوائف من الكفار فقلدوه وصدقوه وآمنوا به ولم يطالبوه ~~بالبرهان (1) حديث قول من قال له نشدتك الله أبعثك رسولا فيقول {نعم} فيصدق ~~متفق عليه من حديث أنس في قصة ضمام ابن ثعلبة وقوله للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أرسلك للناس كلهم فقال اللهم نعم وفي آخره فقال الرجل آمنت بما جئت به ~~وللطبراني من حديث ابن عباس في ضمام قال نشدتك به أهو أرسلك بما أتتنا كتبك ~~وأتتنا رسلك أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن ندع اللات والعزى قال نعم ~~الحديث # وهذا إيمان العامة وهو يخرج من الغرور وينزل هذا منزله تصديق الصبي والده ~~في أن حضور المكتب خير من حضور الملعب مع أنه لا يدري وجه كونه خيرا # وأما المعرفة بالبيان والبرهان فهو أن يعرف وجه فساد هذا القياس الذي ~~نظمه في قلبه الشيطان فإن كل مغرور فلغروره سبب وذلك السبب هو دليل وكل ~~دليل فهو نوع قياس يقع في النفس ويورث السكون إليه وإن كان صاحبه لا يشعر ~~به ولا يقدر على نظمه بألفاظ العلماء # فالقياس الذي نظمه الشيطان ms1790 فيه أصلان # أحدهما أن الدنيا نقد والآخرة نسيئة وهذا صحيح # والآخر قوله إن النقد خير من النسيئة وهذا محل التلبيس فليس الأمر كذلك ~~بل إن كان النقد مثل النسيئة في المقدار والمقصود فهو خير وإن كان أقل منها ~~فالنسيئة خير فإن الكافر المغرور يبذل في تجارته درهما ليأخذ عشرة نسيئة ~~ولا يقول النقد خير من النسيئة فلا أتركه وإذا حذره الطبيب الفواكه ولذائذ ~~الأطعمة ترك ذلك في الحال خوفا من ألم المرض في المستقبل فقد ترك النقد ~~ورضي بالنسيئة # والتجار كلهم يركبون البحار ويتعبون في الأسفار نقدا لأجل الراحة والربح ~~نسيئة فإن كل عشرة في ثاني الحال خيرا من واحد في الحال فأنسب لذة الدنيا ~~من حيث مدتها إلى مدة الآخرة فإن أقصى عمر الإنسان مائة سنة وليس هو عشر ~~عشير من جزء من ألف ألف جزء من الآخرة # فكأنه ترك واحدا ليأخذ ألف ألف بل ليأخذ ما لا نهاية له ولا حد وإن نظر ~~من حيث النوع رأى لذات الدنيا مكدرة مشوبة بأنواع المنغصات ولذات الآخرة ~~صافية غير مكدرة فإذن قد غلط في قوله النقد خير من النسيئة فهذا غرور منشؤه ~~قبول لفظ عام مشهور أطلق وأريد به خاص فغفل به المغرور عن خصوص معناه # فإن من قال النقد خير من النسيئة أراد به خيرا من نسيئة هي مثله وإن لم ~~يصرح به # وعند هذا يفزع الشيطان إلى القياس الآخر وهو أن اليقين خير من الشك إذا ~~الآخرة شك وهذا القياس أكثر فسادا من الأول لأن كلا أصليه باطل إذ اليقين ~~خير من الشك إذا كان مثله وإلا فالتاجر في تعبه على يقين PageV03P380 # وفي ربحه على شك والمتفقه في جهاده على يقين وفي إدراكه رتبة العلم على ~~شك والصياد في تردده في المقتنص على يقين وفي الظفر بالصيد على شك وكذا ~~الحزم دأب العقلاء بالاتفاق وكل ذلك ترك اليقين بالشك ولكن التاجر يقول إن ~~لم أتجر بقيت جائعا وعظم ضرري وإن اتجرت كان تعبي قليلا وربحي كثيرا وكذلك ~~المريض ms1791 يشرب الدواء البشع الكريه وهو من الشفاء على شك ومن مرارة الدواء ~~على يقين ولكن يقول ضرر مرارة الدواء قليل بالإضافة إلى ما أخافه من المرض ~~والموت فكذلك من شك في الآخرة فواجب عليه بحكم الحزم أن يقول أيام الصبر ~~قلائل وهو منتهى العمر بالإضافة إلى ما يقال من أمر الآخرة فإن كان ما قيل ~~فيه كذبا فما يفوتني إلا التنعم أيام حياتي وقد كنت في العدم من الأزل إلى ~~الآن لا أتنعم فأحسب أني بقيت في العدم # وإن كان ما قيل صدقا فأبقى في النار أبد الآباد وهذا لا يطاق # ولهذا قال علي كرم الله وجهه لبعض الملحدين إن كان ما قلته حقا فقد تخلصت ~~وتخلصنا وإن كان ما قلناه حقا فقد تخلصنا وهلكت وما قال هذا عن شك منه في ~~الآخرة ولكن كلم الملحد على قدر عقله وبين له أنه وإن لم يكن متيقنا فهو ~~مغرور # وأما الأصل الثاني من كلامه وهو أن الآخرة شك فهو أيضا خطأ بل ذلك يقين ~~عند المؤمنين وليقينه مدركان # أحدهما الإيمان والتصديق تقليدا للأنبياء والعلماء وذلك أيضا يزيل الغرور ~~وهو مدرك يقين العوام وأكثر الخواص ومثالهم مثال مريض لا يعرف دواء علته ~~وقد اتفق الأطباء وأهل الصناعة من عند آخرهم على أن دواءه النبت الفلاني ~~فإنه يطمئن نفس المريض إلى تصديقهم ولا يطالبهم بتصحيح ذلك بالبراهين ~~الطبية بل يثق بقولهم ويعمل به ولو بقي سوادي أو معتوه يكذبهم في ذلك وهو ~~يعلم بالتواتر وقرائن الأحوال أنهم أكثر منه عددا وأغزر منه فضلا وأعلم منه ~~بالطب بل لا علم له بالطب فيعلم كذبه بقولهم ولا يعتقد كذبهم بقوله ولا ~~يغتر في علمهم بسببه ولو اعتمد قوله وترك قول الأطباء كان معتوها مغرورا ~~فكذلك من نظر إلى المقرين بالآخرة والمخبرين عنها والقائلين بأن التقوى هو ~~الدواء النافع في الوصول إلى سعادتها وجدهم خير خلق الله وأعلاهم رتبة في ~~البصيرة والمعرفة والعقل وهم الأنبياء والأولياء والحكماء والعلماء واتبعهم ~~علية الخلق على أصنافهم وشذ منهم آحاد ms1792 من البطالين غلبت عليهم الشهوة ومالت ~~نفوسهم إلى التمتع فعظم عليهم ترك الشهوات وعظم عليهم الاعتراف بأنهم من ~~أهل النار فجحدوا الآخرة وكذبوا الأنبياء فكما أن قول الصبي وقول السوادي ~~لا يزيل طمأنينة القلب إلى ما اتفق عليه الأطباء فكذلك قول هذا الغني الذي ~~استرقته الشهوات لا يشكك في صحة أقوال الأنبياء والأولياء والعلماء # وهذا القدر من الإيمان كاف لجملة الخلق وهو يقين جازم يستحث على العمل لا ~~محالة والغرور يزول به # وأما المدرك الثاني لمعرفة الآخرة فهو الوحي للأنبياء والإلهام للأولياء ~~ولا تظنن أن معرفة النبي صلى الله عليه وسلم لأمر الآخرة ولأمور الدين ~~تقليد لجبريل عليه السلام بالسماع منه كما أن معرفتك تقليد للنبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى تكون معرفتك مثل معرفته وإنما يختلف المقلد فقط وهيهات فإن ~~التقليد ليس بمعرفة بل هو اعتقاد صحيح والأنبياء عارفون ومعنى معرفتهم أنه ~~كشف لهم حقيقة الأشياء كما هي عليها فشاهدوها بالبصيرة الباطنة كما تشاهد ~~أنت المحسوسات بالبصر الظاهر فيخبرون عن مشاهدة لا عن سماع وتقليد # وذلك بأن يكشف لهم عن حقيقة الروح وأنه من أمر الله تعالى وليس المراد ~~بكونه من أمر الله الأمر الذي يقابل النهي لأن ذلك الأمر كلام والروح ليس ~~بكلام وليس المراد بالأمر الشأن حتى يكون المراد به أنه من خلق الله فقط ~~لأن ذلك عام في جميع المخلوقات PageV03P381 # بل العالم عالمان عالم الأمر وعالم الخلق ولله الخلق والأمر فالأجسام ~~ذوات الكمية والمقادير من عالم الأمر الخلق إذا الخلق عبارة عن التقدير في ~~وضع اللسان وكل موجود منزه عن الكمية والمقدار فإنه من عالم الأمر وشرح ذلك ~~سر الروح ولا رخصة في ذكره لاستضرار أكثر الخلق بسماعه كسر القدر الذي منع ~~من إفشائه # فمن عرف سر الروح فقد عرف نفسه وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه وإذا عرف نفسه ~~وربه عرف أنه أمر رباني بطبعه وفطرته وأنه في العالم الجسماني غريب وأن ~~هبوطه إليه لم يكن بمقتضى طبعه في ذاته بل بأمر عارض غريب من ms1793 ذاته وذلك ~~العارض الغريب ورد على آدم صلى الله عليه وسلم وعبر عنه بالمعصية وهي التي ~~حطته عن الجنة التي هي أليق به بمقتضى ذاته فإنها في جوار الرب تعالى وأنه ~~أمر رباني وحنينه إلى جواب الرب تعالى له طبعي ذاتي إلا أن يصرفه عن مقتضى ~~طبعه عوارض العالم الغريب من ذاته فينسى عند ذلك نفسه وربه # ومهما فعل ذلك فقد ظلم نفسه إذ قيل له ولا تكونوا كالذين نسوا الله ~~فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون أي الخارجون عن مقتضى طبعهم ومظنة ~~استحقاقهم # يقال فسقت الرطبة عن كمامها إذا خرجت عن معدنها الفطري # وهذه إشارة إلى أسرار يهتز لاستنشاق روائحها العارفون وتشمئز من سماع ~~ألفاظها القاصرون فإنها تضر بهم كما تضر رياح الورد بالجعل وتبهر أعينهم ~~الضعيفة كما تبهر الشمس أبصار الخفافيش # وانفتاح هذا الباب من سر القلب إلى عالم الملكوت يسمى معرفة وولاية ويسمى ~~صاحبه وليا وعارفا وهي مبادي مقامات الأنبياء # وآخر مقامات الأولياء أول مقامات الأنبياء ولنرجع إلى الغرض المطلوب ~~فالمقصود أن غرور الشيطان بأن الآخرة شك يدفع إما بيقين تقليدي وأما ببصيرة ~~ومشاهدة من جهة الباطن والمؤمنين بألسنتهم وبعقائدهم إذا ضيعوا أوامر الله ~~تعالى وهجروا الأعمال الصالحة ولابسوا الشهوات والمعاصي فهم مشاركون للكفار ~~في هذا الغرور لأنهم آثروا الحياة الدنيا على الآخرة نعم أمرهم أخف لأن أصل ~~الإيمان يعصمهم عن عقاب الأبد فيخرجون من النار ولو بعد حين ولكنهم أيضا من ~~المغرورين فإنهم اعترفوا بأن الآخرة خير من الدنيا ولكنهم مالوا إلى الدنيا ~~وآثروها ومجرد الإيمان لا يكفي للفوز قال تعالى وإني لغفار لمن تاب وآمن ~~وعمل صالحا ثم اهتدى وقال تعالى إن رحمت الله قريب من المحسنين ثم قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه // حديث الإحسان ~~أن تعبد الله كأنك تراه متفق عليه من حديث ابن عمر وقد تقدم # وقال تعالى والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر فوعد المغفرة في جميع كتاب ms1794 الله تعالى منوط ~~بالإيمان والعمل الصالح جميعا لا بالإيمان وحده فهؤلاء أيضا مغرورون أعني ~~المطمئنين إلى الدنيا الفرحين بها المترفين بنعيمها المحبين لها # الكارهين للموت خيفة فوات لذات الدنيا دون الكارهين له خيفة لما بعده ~~فهذا مثال الغرور بالدنيا من الكفار والمؤمنين جميعا # ولنذكر للغرور بالله مثالين من غرور الكافرين والعاصين # فأما غرور الكفار بالله فمثاله قول بعضهم في أنفسهم وبألسنتهم إنه لو كان ~~لله من معاد فنحن أحق به من غيرنا ونحن أوفر حظا فيه وأسعد حالا كما أخبر ~~الله تعالى عنه من قول الرجلين المتحاورين إذ قال وما أظن الساعة قائمة ~~ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا وجملة أمرهما كما نقل في التفسير ~~أن الكافر منهما بنى قصرا بألف دينار واشترى بستانا بألف دينار وخدما بألف ~~دينار وتزوج امرأة على ألف دينار وفي ذلك كله يعظه المؤمن ويقول اشتريت ~~قصرا يفنى ويخرب ألا اشتريت قصرا في الجنة لا يفنى واشتريت بستانا يخرب ~~ويفنى ألا اشتريت بستانا في الجنة لا يفنى وخدما لا يفنون ولا يموتون وزوجة ~~من الحور العين لا تموت وفي كل ذلك يرد عليه الكافر ويقول ما هناك شيء وما PageV03P382 # قيل من ذلك فهو أكاذيب وإن كان فليكونن لي في الجنة خير من هذا # وكذلك وصف الله تعالى قول العاص ابن وائل إذ يقول لأوتين مالا وولدا فقال ~~الله تعالى ردا عليه أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا وروي عن خباب ~~بن الأرت أنه قال كان لي على العاص بن وائل دين فجئت أتقاضاه فلم يقض لي ~~فقلت إني آخذه في الآخرة فقال لي إذا صرت إلى الآخرة فإن لي هناك مالا ~~وولدا أقضيك منه # فأنزل الله تعالى قوله أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ~~(1) حديث إن الله يحمي عبده من الدنيا وهو يحبه الحديث أخرجه الترمذي وحسنه ~~والحاكم وصححه من حديث قتادة بن النعمان # هكذا ورد في الخبر عن سيد البشر # وكان أرباب البصائر إذا أقبلت عليهم الدنيا حزنوا ms1795 وقالوا ذنب عجلت عقوبته ~~ورأوا ذلك علامة المقت والإهمال وإذا أقبل عليهم الفقر قالوا مرحبا بشعار ~~الصالحين # والمغرور إذا أقبلت عليه الدنيا ظن أنها كرامة من الله وإذا صرفت عنه ظن ~~أنها هوان كما أخبر الله تعالى عنه إذ قال فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ~~فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي ~~أهانن فأجاب الله عن ذلك كلا أي ليس كما قال إنما هو ابتلاء نعوذ بالله من ~~شر البلاء ونسأل الله التثبيت فبين أن ذلك غرور قال الحسن كذبهما جميعا ~~بقوله كلا يقول ليس هذا بإكرامي ولا هذا بهواني ولكن الكريم من أكرمته ~~بطاعتي غنيا كان أو فقيرا والمهان من أهنته بمعصيتي غنيا كان أو فقيرا ~~PageV03P383 # وهذا الغرور علاجه معرفة دلائل الكرامة والهوان إما بالبصيرة أو بالتقليد # أما البصيرة فبأن يعرف وجه كون الالتفات إلى شهوات الدنيا مبعد عن الله ~~ووجه كون التباعد عنها مقربا إلى الله ويدرك ذلك بالإلهام في منازل ~~العارفين والأولياء وشرحه من جملة علوم المكاشفة ولا يليق بعلم المعاملة # وأما معرفته بطريق التقليد والتصديق فهو أن يؤمن بكتاب الله تعالى ويصدق ~~رسوله وقد قال تعالى أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في ~~الخيرات بل لا يشعرون وقال تعالى سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وقال تعالى ~~فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم ~~مبلسون وفي تفسير قوله تعالى سنستدرجهم من حيث لا يعلمون أنهم كلما أحدثوا ~~ذنبا أحدثنا لهم نعمة ليزيد غرورهم وقال تعالى إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~وقال تعالى ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص ~~فيه الأبصار إلى غير ذلك مما ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله فمن آمن به ~~تخلص من هذا الغرور فإن منشأ هذا الغرور الجهل بالله وبصفاته فإن من عرفه ~~لا يأمن مكره ولا يغتر بأمثال هذه الخيالات الفاسدة وينظر إلى فرعون وهامان ~~وقارون وإلى ms1796 ملوك الأرض وما جرى لهم كيف أحسن الله إليهم ابتداء ثم دمرهم ~~تدميرا فقال تعالى هل تحس منهم من أحد الآية وقد حذر الله تعالى من مكره ~~واستدراجه فقال فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وقال تعالى ومكروا ~~مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون وقال عز وجل ومكروا ومكر الله والله خير ~~الماكرين وقال تعالى إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم ~~رويدا فكما لا يجوز للعبد المهمل أن يستدل بإهمال السيد إياه وتمكينه من ~~النعم على حب السيد بل ينبغي أن يحذر أن يكون ذلك مكرا منه وكيدا مع أن ~~السيد لم يحذره مكر نفسه فبأن يجب ذلك في حق الله تعالى مع تحذيره استدراجه ~~أولى فإذن من أمن مكر الله فهو مغتر ومنشأ هذا الغرور أنه استدل بنعم ~~الدنيا على أنه كريم عند ذلك المنعم واحتمل أن يكون ذلك دليل الهوان ولكن ~~ذلك الاحتمال لا يوافق الهوى فالشيطان بواسطة الهوى يميل بالقلب إلى ما ~~يوافقه وهو التصديق بدلالته على الكرامة وهذا هو حد الغرور # المثال الثاني غرور العصاة من المؤمنين بقولهم إن الله كريم وإنا نرجو ~~عفوه واتكالهم على ذلك وإهمالهم الأعمال وتحسين ذلك بتسمية تمنيهم ~~واغترارهم رجاء وظنهم أن الرجاء مقام محمود في الدين وأن نعمة الله واسعة ~~ورحمته شاملة وكرمه عميم وأين معاصي العباد في بحار رحمته وإنا موحدون ~~ومؤمنون فنرجوه بوسيلة الإيمان وربما كان مستند رجائهم التمسك بصلاح الآباء ~~وعلو رتبتهم كاغترار العلوية بنسبهم ومخالفة سيرة آبائهم في الخوف والتقوى ~~والورع وظنهم أنهم أكرم على الله من آبائهم إذا آباؤهم مع غاية الورع ~~والتقوى كانوا خائفين وهم مع غاية الفسق والفجور آمنون # وذلك نهاية الاغترار بالله تعالى # فقياس الشيطان للعلوية # أن من أحب إنسانا أحب أولاده وأن الله قد أحب آباءكم فيحبكم فلا تحتاجون ~~إلى الطاعة وينسى المغرور أن نوحا عليه السلام أراد أن يستصحب ولده معه في ~~السفينة فلم يرد فكان من المغرقين فقال رب إن ابني من أهلي فقال تعالى يا ms1797 ~~نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح وأن إبراهيم عليه السلام استغفر ~~لأبيه فلم ينفعه # وأن نبينا صلى الله عليه وسلم وعلى كل عبد مصطفى استأذن ربه في أن يزور ~~قبر أمه ويستغفر لها فأذن له في الزيارة ولم يؤذن له في الاستغفار فجلس ~~يبكي على قبر أمه لرقته لها بسبب القرابة حتى أبكى من حوله // حديث أنه صلى ~~الله عليه وسلم استأذن أن يزور قبر أمه ويستغفر لها فأذن له في الزيارة ولم ~~يؤذن له الاستغفار الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة # فهذا أيضا اغترار بالله تعالى وهذا لأن الله PageV03P384 # تعالى يحب المطيع ويبغض العاصي فكما أنه لا يبغض الأب المطيع ببغضه للولد ~~العاصي فكذلك لا يحب الولد العاصي بحبه للأب المطيع ولو كان الحب يسري من ~~الأب إلى الولد لأوشك أن يسري البغض أيضا بل الحق أن لا تزر وازرة وزر أخرى # ومن ظن أنه ينجو بتقوى أبيه كمن ظن أنه يشبع بأكل أبيه ويروى بشرب أبيه ~~ويصير عالما بتعلم أبيه ويصل إلى الكعبة ويراها بمشي أبيه # فالتقوى فرض عين فلا يجزي فيه والد عن ولده شيئا وكذا العكس وعند الله ~~جزاء التقوى يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه إلا على سبيل الشفاعة لمن لم ~~يشتد غضب الله عليه فيأذن في الشفاعة له كما سبق في كتاب الكبر والعجب # فإن قلت فأين الغلط في قول العصاة والفجار إن الله كريم وإنا نرجو رحمته ~~ومغفرته وقد قال أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا فما هذا إلا كلام صحيح ~~مقبول الظاهر في القلوب فاعلم أن الشيطان لا يغوي الإنسان إلا بكلام مقبول ~~الظاهر مردود الباطن ولولا حسن ظاهره لما انخدعت به القلوب ولكن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كشف عن ذلك فقال الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ~~والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله // حديث الكيس من دان نفسه تقدم ~~قريبا # وهذا هو التمني على الله تعالى غير الشيطان اسمه ms1798 فسماه رجاء حتى خدع به ~~الجهال # وقد شرح الله الرجاء فقال إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل ~~الله أولئك يرجون رحمة الله يعني أن الرجاء بهم أليق وهذا لأنه ذكر أن ثواب ~~الآخرة أجر وجزاء على الأعمال قال الله تعالى جزاء بما كانوا يعملون وقال ~~تعالى وإنما توفون أجوركم يوم القيامة أفترى أن من استؤجر على إصلاح أوان ~~وشرط له أجرة عليها وكان الشارط كريما يفي بالوعد مهما وعد ولا يخلف بل ~~يزيد فجاء الأجير وكسر الأواني وأفسد جميعها ثم جلس ينتظر الأجر ويزعم أن ~~المستأجر كريم أفيراه العقلاء في انتظاره متمنيا مغرورا أو راجيا وهذا ~~للجهل بالفرق بين الرجاء والغرة # قيل للحسن قوم يقولون نرجو الله ويضيعون العمل فقال هيهات هيهات تلك ~~أمانيهم يترجحون فيها من رجا شيئا طلبه ومن خاف شيئا هرب منه # وقال مسلم بن يسار لقد سجدت البارحة حتى سقطت ثنيتاي فقال له رجل إنا ~~لنرجو الله فقال مسلم هيهات هيهات من رجا شيئا طلبه ومن خاف شيئا هرب منه # وكما أن الذي يرجو في الدنيا ولدا وهو بعد لم ينكح أو نكح ولم يجامع أو ~~جامع ولم ينزل فهو معتوه فكذلك من رجا رحمة الله وهو لم يؤمن أو آمن ولم ~~يعمل صالحا أو عمل ولم يترك المعاصي فهو مغرور # فكما أنه إذا نكح ووطئ وأنزل بقي مترددا في الولد يخاف ويرجو فضل الله في ~~خلق الولد ودفع الآفات عن الرحم وعن الأم إلى أن يتم فهو كيس فكذلك إذا آمن ~~وعمل الصالحات وترك السيئات وبقي مترددا بين الخوف والرجاء يخاف أن لا يقبل ~~منه وأن لا يدوم عليه وأن يختم له بالسوء ويرجو من الله تعالى أن يثبته ~~بالقول الثابت ويحفظ دينه من صواعق سكرات الموت حتى يموت على التوحيد ويحرس ~~قلبه عن الميل إلى الشهوات بقية عمره حتى لا يميل إلى المعاصي فهو كيس ومن ~~عدا هؤلاء فهم المغرورون بالله وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ~~ولتعلمن نبأه بعد ms1799 حين وعند ذلك يقولون كما أخبر الله عنهم ربنا أبصرنا ~~وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون أي علمنا أنه كما لا يولد إلا بوقاع ~~ونكاح ولا ينبت زرع إلا بحراثة وبث بذر فكذلك لا يحصل في الآخرة ثواب وأجر ~~إلا بعمل صالح فارجعنا نعمل صالحا فقد علمنا الآن صدقك في قولك وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم ~~يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير أي ألم نسمعكم سنة الله في عباده وأنه PageV03P385 # توفي كل نفس ما كسبت {وأن} كل نفس بما كسبت رهينة فما الذي غركم بالله ~~بعد أن سمعتم وعقلتم قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ~~فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير # فإن قلت فأين مظنة الرجاء وموضعه المحمود فاعلم أنه محمود في موضعين # أحدهما في حق العاصي المنهمك إذا خطرت له التوبة فقال له الشيطان وأنى ~~تقبل توبتك فيقنطه من رحمة الله تعالى فيجب عند هذا أن يقمع القنوط بالرجاء ~~ويتذكر أن الله يغفر الذنوب جميعا وأن الله كريم يقبل التوبة عن عباده وأن ~~التوبة طاعة تكفر الذنوب قال الله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور ~~الرحيم وأنيبوا إلى ربكم أمرهم بالإنابة وقال تعالى وإني لغفار لمن تاب ~~وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى فإذا توقع المغفرة مع التوبة فهو راج وإن توقع ~~المغفرة مع الإصرار فهو مغرور كما أن من ضاق عليه وقت الجمعة وهو في السوق ~~فخطر له أن يسعى إلى الجمعة فقال له الشيطان إنك لا تدرك الجمعة فأقم على ~~موضعك فكذب الشيطان ومر يعدو وهو يرجو أن يدرك الجمعة فهو راج وإن استمر ~~على التجارة وأخذ يرجو تأخير الإمام للصلاة لأجله إلى وسط الوقت أو لأجل ~~غيره أو لسبب من الأسباب التي لا يعرفها فهو مغرور # الثاني أن تفتر نفسه عن فضائل الأعمال ويقتصر على ms1800 الفرائض فيرجي نفسه ~~نعيم الله تعالى وما وعد به الصالحين حتى ينبعث من الرجاء نشاط العبادة ~~فيقبل على الفضائل ويتذكر قوله تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون إلى قوله أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ~~فالرجاء الأول يقمع القنوط المانع من التوبة والرجاء الثاني يقمع الفتور ~~المانع من النشاط والتشمر فكل توقع حث على توبة أو على تشمر في العبادة فهو ~~رجاء وكل رجاء أوجب فتورا في العبادة وركونا إلى البطالة فهو غرة كما إذا ~~خطر له أن يترك الذنب ويشتغل بالعمل فيقول له الشيطان مالك ولإيذاء نفسك ~~وتعذيبها ولك رب كريم غفور رحيم فيفتر بذلك عن التوبة والعبادة فهو غرة ~~وعند هذا واجب على العبد أن يستعمل الخوف فيخوف نفسه بغضب الله وعظيم عقابه ~~ويقول إنه مع أنه غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب وإنه مع أنه كريم خلد ~~الكفار في النار أبد الآباد مع أنه لم يضره كفرهم بل سلط العذاب والمحن ~~والأمراض والعلل والفقر والجوع على جملة من عباده في الدنيا وهو قادر على ~~إزالتها فمن هذه سنته في عباده وقد خوفني عقابه فكيف لا أخافه وكيف أغتر به # فالخوف والرجاء قائدان وسائقان يبعثان الناس على العمل فما لا يبعث على ~~العمل فهو تمن وغرور # ورجاء كافة الخلق هو سبب فتورهم وسبب إقبالهم على الدنيا وسبب إعراضهم عن ~~الله تعالى وإهمالهم السعي للآخرة فذلك غرور فقد أخبر صلى الله عليه وسلم ~~وذكر أن الغرور سيغلب على قلوب آخر هذه الأمة // حديث إن الغرور يغلب على ~~آخر هذه الأمة تقدم في آخر ذم الكبر والعجب وهو حديث أبي ثعلبة في إعجاب كل ~~ذي رأي برأيه # وقد كان ما وعد به صلى الله عليه وسلم فقد كان الناس في الأعصار الأول ~~يواظبون على العبادات ويؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ~~يخافون على أنفسهم وهم طول الليل والنهار في طاعة الله يبالغون في التقوى ~~والحذر من الشبهات والشهوات ويبكون على أنفسهم ms1801 في الخلوات # وأما الآن فترى الخلق آمنين مسرورين مطمئنين غير خائفين مع إكبابهم على ~~المعاصي وانهماكهم في الدنيا وإعراضهم عن الله تعالى زاعمين أنهم واثقون ~~بكرم الله تعالى وفضله راجون PageV03P386 # لعفوه ومغفرته كأنهم يزعمون أنهم عرفوا من فضله وكرمه ما لم يعرفه ~~الأنبياء والصحابة والسلف الصالحون # فإن كان هذا الأمر يدرك بالمنى وينال بالهوينى فعلام إذن كان بكاء أولئك ~~وخوفهم وحزنهم وقد ذكرنا تحقيق هذه الأمور في كتاب الخوف والرجاء وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه معقل بن يسار يأتي على الناس زمان ~~يخلق فيه القرآن في قلوب الرجال كما تخلق الثياب على الأبدان أمرهم كله ~~يكون طمعا لا خوف معه إن أحسن أحدهم قال يتقبل مني وإن أساء قال يغفر لي // ~~حديث معقل بن يسار يأتي على الناس زمان يخلق فيه القرآن في قلوب الرجال ~~الحديث أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عباس نحوه ~~بسند فيه جهالة ولم أره من حديث معقل # فأخبر أنهم يضعون الطمع موضع الخوف لجهلهم بتخويفات القرآن وما فيه # وبمثله أخبر عن النصارى إذ قال تعالى فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ~~يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ومعناه أنهم ورثوا الكتاب أي هم ~~علماء ويأخذون عرض هذا الأدنى أي شهواتهم من الدنيا حراما كان أو حلالا # وقد قال تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ~~والقرآن من أوله إلى آخره تحذير وتخويف لا يتفكر فيه متفكر إلا ويطول حزنه ~~ويعظم خوفه إن كان مؤمنا بما فيه # وترى الناس يهذونه هذا يخرجون الحروف من مخارجها ويتناظرون على خفضها ~~ورفعها ونصبها وكأنهم يقرءون شعرا من أشعار العرب لا يهمهم الالتفات إلى ~~معانيه والعمل بما فيه وهل في العالم غرور يزيد على هذا فهذه أمثلة الغرور ~~بالله وبيان الفرق بين الرجاء والغرور ويقرب منه غرور طوائف لهم طاعات ~~ومعاص إلا أن معاصيهم أكثر وهم يتوقعون المغفرة ويظنون أنهم تترجح كفة ~~حسناتهم مع أن ms1802 ما في كفة السيئات أكثر وهذا غاية الجهل فترى الواحد يتصدق ~~بدراهم معدودة من الحلال والحرام ويكون ما يتناول من أموال المسلمين ~~والشبهات أضعافه ولعل ما تصدق به من أموال المسلمين وهو يتكل عليه ويظن أن ~~أكل ألف درهم حرام يقاومه التصدق بعشرة من الحرام أو الحلال وما هو إلا كمن ~~وضع عشرة دراهم في كفة ميزان وفي الكفة الأخرى ألفا وأراد أن يرفع الكفة ~~الثقيلة بالكفة الخفيفة وذلك غاية جهله # نعم ومنهم من يظن أن طاعاته أكثر من معاصيه لأنه لا يحاسب نفسه ولا يتفقد ~~معاصيه وإذا عمل طاعة حفظها واعتد بها كالذي يستغفر الله بلسانه أو يسبح ~~الله في اليوم مائة مرة ثم يغتاب المسلمين ويمزق أعراضهم ويتكلم بما لا ~~يرضاه الله طول النهار من غير حصر وعدد ويكون نظره إلى عدد سبحته أنه ~~استغفر الله مائة مرة وغفل عن هذيانه طول نهاره الذي لو كتبه لكان مثل ~~تسبيحه مائة مرة أو ألف مرة وقد كتبه الكرام الكاتبون وقد أوعده الله ~~بالعقاب على كل كلمة فقال ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد فهذا أبدا ~~يتأمل في فضائل التسبيحات والتهليلات ولا يلتفت إلى ما ورد من عقوبة ~~المغتابين والكذابين والنمامين والمنافقين يظهرون من الكلام ما لا يضمرونه ~~إلى غير ذلك من آفات اللسان # وذلك محض الغرور # ولعمري لو كان الكرام الكاتبون يطلبون منه أجرة النسخ لما يكتبونه من ~~هذيانه الذي زاد على تسبيحه لكان عند ذلك يكف لسانه حتى عن جملة من مهماته ~~وما نطق به في فتراته كان يعده ويحسبه ويوازنه بتسبيحاته حتى لا يفضل عليه ~~أجرة نسخه فيا عجبا لمن يحاسب نفسه ويحتاط خوفا على قيراط يفوته في الأجرة ~~على النسخ ولا يحتاط خوفا من فوت الفردوس الأعلى ونعيمه ما هذه إلا مصيبة ~~عظيمة لمن تفكر فيها لقد دفعنا إلى أمر إن شككنا فيه كنا من الكفرة ~~الجاحدين وإن صدقنا به كنا من الحمقى المغرورين فما هذه أعمال من يصدق بما ~~جاء به القرآن وإنا ms1803 نبرأ إلى الله أن نكون من أهل الكفران فسبحان من صدنا ~~عن التنبه واليقين مع هذا البيان PageV03P387 # وما أجدر من يقدر على تسليط مثل هذه الغفلة والغرور على القلوب أن يخشى ~~ويتقي ولا يغتر به اتكالا على أباطيل المنى وتعاليل الشيطان والهوى والله ~~أعلم ### ||| بيان أصناف المغترين وأقسام فرق كل صنف وهم أربعة أصناف # الصنف الأول أهل العلم والمغترون منهم فرق # ففرقة أحكموا العلوم الشرعية والعقلية وتعمقوا فيها واشتغلوا بها وأهملوا ~~تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات واغتروا بعلمهم وظنوا ~~أنهم عند الله بمكان وأنهم قد بلغوا من العلم مبلغا لا يعذب الله مثلهم بل ~~يقبل في الخلق شفاعتهم وأنه لا يطالبهم بذنوبهم وخطاياهم لكرامتهم على الله ~~وهم مغرورون فإنهم لو نظروا بعين البصيرة علموا أن العلم علمان علم معاملة ~~وعلم مكاشفة وهو العلم بالله وبصفاته المسمى بالعادة علم المعرفة # فأما العلم بالمعاملة كمعرفة الحلال والحرام ومعرفة أخلاق النفس المذمومة ~~والمحمودة وكيفية علاجها والفرار منها فهي علوم لا تراد إلا للعمل ولولا ~~الحاجة إلى العمل لم يكن لهذه العلوم قيمة وكل علم يراد للعمل فلا قيمة له ~~دون العمل # فمثال هذا كمريض به عله لا يزيلها إلا دواء مركب من أخلاط كثيرة لا ~~يعرفها إلا حذاق الأطباء فيسعى في طلب الطبيب بعد أن هاجر عن وطنه حتى عثر ~~على طبيب حاذق فعلمه الدواء وفصل له الأخلاط وأنواعها ومقاديرها ومعادنها ~~التي منها تجتلب وعلمه كيفية دق كل واحد منها وكيفية خلطه وعجنه فتعلم ذلك ~~وكتب منه نسخة حسنة بخط حسن ورجع إلى بيته وهو يكررها ويعلمها المرضى ولم ~~يشتغل بشر بها واستعمالها أفترى أن ذلك يغني عنه من مرضه شيئا هيهات هيهات ~~لو كتب منه ألف نسخة وعلمه ألف مريض حتى شفى جميعهم وكرره كل ليلة ألف مرة ~~لم يغنه ذلك من مرضه شيئا إلا أن يزن الذهب ويشترى الدواء ويخلطه كما تعلم ~~ويشربه ويصبر على مرارته ويكون شربه في وقته وبعد تقديم الاحتماء وجميع ~~شروطه وإذا فعل جميع ذلك ms1804 فهو على خطر من شفائه فكيف إذا لم يشربه أصلا ~~فمهما ظن أن ذلك يكفيه ويشفيه فقد ظهر غروره # وهكذا الفقيه الذي أحكم علم الطاعات ولم يعملها وأحكم علم المعاصي ولم ~~يجتنبها وأحكم علم الأخلاق المذمومة وما زكى نفسه منها وأحكم علم الأخلاق ~~المحمودة ولم يتصف بها فهو مغرور إذ قال تعالى قد أفلح من زكاها ولم يقل قد ~~أفلح من تعلم كيفية تزكيتها وكتب علم ذلك وعلمه الناس وعند هذا يقول له ~~الشيطان لا يغرنك هذا المثال فإن العلم بالدواء لا يزيل المرض وإنما مطلبك ~~القرب من الله وثوابه والعلم يجلب الثواب ويتلو عليه الأخبار الواردة في ~~فضل العلم # فإن كان المسكين معتوها مغرورا وافق ذلك مراده وهواه فاطمأن إليه وأهمل ~~العمل وإن كان كيسا فيقول للشيطان أتذكرني فضائل العالم وتنسيني ما ورد في ~~العالم الفاجر الذي لا يعمل بعلمه كقوله تعالى فمثله كمثل الكلب وكقوله ~~تعالى مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا فأي ~~خزي أعظم من التمثيل بالكلب والحمار وقد قال صلى الله عليه وسلم من ازداد ~~علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا (1) حديث يلقى العالم في النار ~~فتندلق أقتابه الحديث تقدم غير مرة # وكقوله صلى الله عليه وسلم شر الناس العلماء السوء // حديث شر الناس ~~علماء السوء تقدم في العلم # وقول أبي الدرداء ويل للذي لا يعلم مرة ولو شاء الله لعلمه وويل للذي ~~يعلم ولا يعمل سبع مرات أي أن العلم حجة عليه إذ يقال له ماذا عملت فيما ~~علمت وكيف قضيت شكر الله PageV03P388 # وقال صلى الله عليه وسلم أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله ~~بعلمه (1) حديث أدنى الرياء شرك تقدم في ذم الجاه والرياء # وإلى قوله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ~~(2) حديث الحسد يأكل الحسنات الحديث تقدم في العلم وغيره # وإلى قوله صلى الله عليه وسلم حب الشرف والمال ينبتان النفاق كما ينبت ~~الماء ms1805 البقل // حديث حب الشرف والمال ينبتان النفاق في القلب الحديث تقدم # إلى PageV03P389 # غير ذلك من الأخبار التي أوردناها في جميع ربع المهلكات في الأخلاق ~~المذمومة # فهؤلاء زينوا ظواهرهم وأهملوا بواطنهم ونسوا قوله صلى الله عليه وسلم إن ~~الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم // ~~حديث إن الله لا ينظر إلى صوركم الحديث تقدم # فتعهدوا الأعمال وما تعهدوا القلوب والقلب هو الأصل إذ لا ينجو إلا من ~~أتى الله بقلب سليم # ومثال هؤلاء كبئر الحش ظاهرها جص وباطنها نتن أو كقبور الموتى ظاهرها ~~مزين وباطنها جيفة أو كبيت مظلم باطنه وضع سراج على سطحه فاستنار ظاهره ~~وباطنه مظلم أو كرجل قصد الملك ضيافته إلى داره فجصص باب داره وترك المزابل ~~في صدر داره ولا يخفى أن ذلك غرور بل أقرب مثال إليه رجل زرع زرعا فنبت ~~ونبت معه حشيش يفسده فأمر بتنقية الزرع عن الحشيش بقلعه من أصله فأخذ يجز ~~رءوسه وأطرافه فلا تزال تقوى أصوله فتنبت لأن مغارس المعاصي هي الأخلاق ~~الذميمة في القلب فمن لا يطهر القلب منها لا تتم له الطاعات الظاهرة إلا مع ~~الآفات الكثيرة # بل هو كمريض ظهر به الجرب وقد أمر بالطلاء وشرب الدواء فالطلاء ليزيل ما ~~على ظاهره والدواء ليقطع مادته من باطنه فقنع بالطلاء وترك الدواء وبقي ~~يتناول ما يزيد في المادة فلا يزال يطلي الظاهر والجرب دائم به يتفجر من ~~المادة التي في الباطن # وفرقة أخرى علموا أن هذه الأخلاق الباطنة مذمومة من جهة الشرع إلا أنهم ~~لعجبهم بأنفسهم يظنون أنهم منفكون عنها وأنهم أرفع عند الله من أن يبتليهم ~~بذلك وإنما يبتلي به العوام دون من بلغ مبلغهم في العلم فأما هم فأعظم عند ~~الله من أن يبتليهم ثم إذا ظهر عليهم مخايل الكبر والرياسة وطلب العلو ~~والشرف قالوا ما هذا كبر وإنما هو طلب عز الدين وإظهار شرف العلم ونصرة دين ~~الله وإرغام أنف المخالفين من المبتدعين وإني لو لبست الدون من الثياب ~~وجلست ms1806 في الدون من المجالس لشمت بي أعداء الدين وفرحوا بذلك وكان ذلي ذلا ~~على الإسلام ونسي المغرور أن عدوه الذي حذره منه مولاه هو الشيطان وأنه ~~يفرح بما يفعله ويسخر به وينسى أن النبي صلى الله عليه وسلم بماذا نصر ~~الدين وبماذا أرغم الكافرين ونسي ما روي عن الصحابة من التواضع والتبذل ~~والقناعة بالفقر والمسكنة حتى عوتب عمر رضي الله عنه في بذاذة زيه عند ~~قدومه إلى الشام فقال إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلا نطلب العز في غيره ~~ثم هذا المغرور يطلب عز الدين بالثياب الرقيقة من القصب والديبقي والإبريسم ~~المحرم والخيول والمراكب ويزعم أنه يطلب به عز العلم وشرف الدين وكذلك مهما ~~أطلق اللسان بالحسد في أقرانه أو فيمن رد عليه شيئا من كلامه لم يظن بنفسه ~~أن ذلك حسد ولكن قال إنما هذا غضب للحق ورد على المبطل في عدوانه وظلمه ولم ~~يظن بنفسه الحسد حتى يعتقد أنه لو طعن في غيره من أهل العلم أو منع غيره من ~~رياسة وزوحم فيها هل كان غضبه وعداوته مثل غضبه الآن فيكون غضبه لله أم لا ~~يغضب مهما طعن في عالم آخر ومنع بل ربما يفرح به فيكون غضبه لنفسه وحسده ~~لأقرانه من خبث باطنه وهكذا يرأئي بأعماله وعلومه وإذا خطر له خاطر الرياء ~~قال هيهات إنما غرضي من إظهار العلم والعمل اقتداء الخلق بي ليهتدوا إلى ~~دين الله تعالى فيتخلصوا من عقاب الله تعالى ولا يتأمل المغرور أنه ليس ~~يفرح باقتداء الخلق بغيره كما يفرح باقتدائه به فلو كان غرضه صلاح الخلق ~~لفرح بصلاحهم على يد من كان كمن له عبيد مرضى يريد معالجتهم فإنه لا يفرق ~~بين أن يحصل شفاؤهم على يده أو على يد طبيب آخر وربما يذكر هذا له فلا ~~يخليه الشيطان أيضا ويقول إنما ذلك لأنهم إذا اهتدوا بي كان الأجر لي ~~والثواب لي فإنما فرحي بثواب الله لا بقبول الخلق قولي هذا ما يظنه PageV03P390 # بنفسه والله مطلع من ضميره على أنه لو أخبره ms1807 نبي بأن ثوابه في الخمول ~~وإخفاء العلم أكثر من ثوابه في الإظهار وحبس مع ذلك في سجن وقيد بالسلاسل ~~لاحتال في هدم السجن وحل السلاسل حتى يرجع إلى موضعه الذي به تظهر رياسته ~~من تدريس أو وعظ أو غيره وكذلك يدخل على السلطان ويتودد إليه ويثني عليه ~~ويتواضع له وإذا خطر له أن التواضع للسلاطين الظلمة حرام قال له الشيطان ~~هيهات إنما ذلك عند الطمع في مالهم فأما أنت فغرضك أن تشفع للمسلمين وتدفع ~~الضرر عنهم وتدفع شر أعدائك عن نفسك والله يعلم من باطنه أنه لو ظهر لبعض ~~أقرانه قبول عند ذلك السلطان فصار يشفعه في كل مسلم حتى دفع الضرر عن جميع ~~المسلمين ثقل ذلك عليه ولو قدر على أن يقبح حاله عند السلطان بالطعن فيه ~~والكذب عليه لفعل # وكذلك قد ينتهي غرور بعضهم إلى أن يأخذ من مالهم وإذا خطر له أنه حرام ~~قال له الشيطان هذا مال لا مالك له وهو لمصالح المسلمين وأنت إمام المسلمين ~~وعالمهم وبك قوام الدين أفلا يحل لك أن تأخذ قدر حاجتك # فيغتر بهذا التلبيس في ثلاثة أمور # أحدها في أنه مال لا مالك له فإنه يعرف أنه يأخذ الخراج من المسلمين وأهل ~~السواد والذين أخذ منهم أحياء وأولادهم وورثتهم أحياء وغاية الأمر وقوع ~~الخلط في أموالهم ومن غصب مائة دينار من عشرة أنفس وخالطها فلا خلاف في أنه ~~مال حرام ولا يقال هو مال لا مالك له ويجب أن يقسم بين العشرة ويرد إلى كل ~~واحد عشرة وإن كان مال كل واحد قد اختلط بالآخر # الثاني والثالث في قوله إنك من مصالح المسلمين وبك قوام الدين ولعل الذين ~~فسد دينهم واستحلوا أموال السلاطين ورغبوا في طلب الدنيا والإقبال على ~~الرياسة والإعراض عن الآخرة بسببه أكثر من الذين زهدوا في الدنيا ورفضوها ~~وأقبلوا على الله فهو على التحقيق دجال الدين وقوام مذهب الشياطين لا إمام ~~الدين # إذ الإمام هو الذي يقتدي به في الإعراض عن الدنيا والإقبال على الله ~~كالأنبياء عليهم ms1808 السلام والصحابة وعلماء السلف # والدجال هو الذي يقتدى به في الإعراض عن الله والإقبال على الدنيا # فلعل موت هذا أنفع للمسلمين من حياته وهو يزعم أنه قوام الدين # ومثله كما قال المسيح عليه السلام للعالم السوء إنه كصخرة وقعت في فم ~~الوادي فلا هي تشرب الماء ولا هي تترك الماء يخلص إلى الزرع # وأصناف غرور أهل العلم في هذه الأعصار المتأخرة خارجة عن الحصر وفيما ~~ذكرناه تنبيه بالقليل على الكثير # وفرقة أخرى أحكموا العلم وطهروا الجوارح وزينوها بالطاعات واجتنبوا ظواهر ~~المعاصي وتفقدوا أخلاق النفس وصفات القلب من الرياء والحسد والحقد والكبر ~~وطلب العلو وجاهدوا أنفسهم في التبري منها وقلعوا من القلوب منابتها الجلية ~~القوية ولكنهم بعد مغرورون إذ بقيت في زوايا القلب من خفايا مكايد الشيطان ~~وخبايا خداع النفس ما دق وغمض مدركه فلم يفطنوا لها وأهملوها وإنما مثاله ~~من يريد تنقية الزرع من الحشيش فدار عليه وفتش عن كل حشيش رآه فقلعه إلا ~~أنه لم يفتش على ما لم يخرج رأسه بعد من تحت الأرض وظن أن الكل قد ظهر وبرز ~~وكان قد نبت من أصول الحشيش شعب لطاف فانبسطت تحت التراب فأهملها وهو يظن ~~أنه قد اقتلعها فإذا هو بها في غفلته وقد نبتت وقويت وأفسدت أصول الزرع من ~~حيث لا يدري # فكذلك العالم قد يفعل جميع ذلك ويذهل عن المراقبة للخفايا والتفقد ~~للدفائن فتراه يسهر ليله ونهاره في جمع العلوم وترتيبها وتحسين ألفاظها ~~وجمع التصانيف فيها وهو يرى أن باعثه الحرص على إظهار دين الله ونشر شريعته # ولعل باعثه الخفي هو طلب الذكر وانتشار الصيت في الأطراف وكثرة الرحلة ~~إليه من الآفاق وانطلاق الألسنة عليه PageV03P391 # بالثناء والمدح بالزهد والورع والعلم والتقديم له في المهمات وإيثاره في ~~الأغراض والاجتماع حوله للاستفادة والتلذذ بحسن الإصغاء عند حسن اللفظ ~~والإيراد والتمتع بتحريك الرءوس إلى كلامه والبكاء عليه والتعجب منه والفرح ~~بكثرة الأصحاب والأتباع والمستفيدين والسرور بالتخصص بهذه الخاصية من بين ~~سائر الأقران والأشكال للجمع بين العلم والورع وظاهر الزهد والتمكن ms1809 به من ~~إطلاق لسان الطعن في الكافة المقبلين على الدنيا لا عن تفجع بمصيبة الدين ~~ولكن عن إدلال بالتمييز واعتداد بالتخصيص # ولعل هذا المسكين المغرور حياته في الباطن بما انتظم له من أمر وإمارة ~~وعز وانقياد وتوقير وحسن ثناء فلو تغيرت عليه القلوب واعتقدوا فيه خلاف ~~الزهد بما يظهر من أعماله فعساه يتشوس عليه قلبه وتختلط أوراده ووظائفه # وعساه يعتذر بكل حيلة لنفسه وربما يحتاج إلى أن يكذب في تغطية عيبه # وعساه يؤثر بالكرامة والمراعاة من اعتقد فيه الزهد والورع وإن كان قد ~~اعتقد فيه فوق قدره وينبو قلبه عمن عرف حد فضله وورعه وإن كان ذلك على وفق ~~حاله وعساه يؤثر بعض أصحابه على بعض وهو يرى أنه يؤثره لتقدمه في الفضل ~~والورع وإنما ذلك لأنه أطوع له وأتبع لمراده وأكثر ثناء عليه وأشد إصغاء ~~إليه وأحرص على خدمته ولعلهم يستفيدون منه ويرغبون في العلم وهو يظن أن ~~قبوهم له لإخلاصه وصدقه وقيامه بحق علمه فيحمد الله تعالى على ما يسر على ~~لسانه من منافع خلقه ويرى أن ذلك مكفر لذنوبه ولم يتفقد مع نفسه تصحيح ~~النية فيه # وعساه لو وعد بمثل ذلك الثواب في إيثاره الخمول والعزلة وإخفاء العلم لم ~~يرغب فيه لفقده في العزلة ولاختفاء لذة القبول وعزة الرياسة ولعل مثل هذا ~~هو المراد بقول الشيطان من زعم من بني آدم أنه بعلمه امتنع مني فبجهله وقع ~~في حبائلي # وعساه يصنف ويجتهد فيه ظانا أنه يجمع علم الله لينتفع به وإنما يريد به ~~استطارة اسمه بحسن التصنيف فلو ادعى مدع تصنيفه ومحا عنه اسمه ونسبه إلى ~~نفسه ثقل عليه ذلك مع علمه بأن ثواب الاستفادة من التصنيف إنما يرجع إلى ~~المصنف والله يعلم بأنه هو المصنف لا من ادعاه ولعله في تصنيفه لا يخلو من ~~الثناء على نفسه إما صريحا بالدعاوي الطويلة العريضة وإما ضمنا بالطعن في ~~غيره ليستبين من طعنه في غيره أنه أفضل ممن طعن فيه وأعظم منه علما ولقد ~~كان في غنية عن الطعن ms1810 فيه ولعله يحكي من الكلام المزيف ما يزيد تزييفه ~~فيعزيه إلى قائله وما يستحسنه فلعله لا يعزيه إليه ليظن أنه من كلامه ~~فينقله بعينه كالسارق له أو يغيره أدنى تغيير كالذي يسرق قميصا فيتخذه قباء ~~حتى لا يعرف أنه مسروق ولعله يجتهد في تزيين ألفاظه وتسجيعه وتحسين نظمه ~~كيلا ينسب إلى الركاكة ويرى أن غرضه ترويج الحكمة وتحسينها وتزيينها ليكون ~~أقرب إلى نفع الناس # وعساه غافلا عما روي أن بعض الحكماء وضع ثلثمائة مصحف في الحكمة فأوحى ~~الله إلى نبي زمانه قل له قد ملأت الأرض نفاقا وإني لا أقبل من نفاقك شيئا # ولعل جماعة من هذا الصنف من المغترين إذا اجتمعوا ظن كل واحد بنفسه ~~السلامة عن عيوب القلب وخفاياه فلو افترقوا واتبع كل واحد منهم فرقة من ~~أصحابه نظر كل واحد إلى كثرة من يتبعه وأنه أكثر تبعا أو غيره فيفرح إن كان ~~أتباعه أكثر وإن علم أن غيره أحق بكثرة الأتباع منه ثم إذا تفرقوا واشتغلوا ~~بالإفادة تغايروا وتحاسدوا ولعل من يختلف إلى واحد منهم إذا انقطع عنه إلى ~~غيره ثقل على قلبه ووجد في نفسه نفرة منه فبعد ذلك لا يهتز باطنه لإكرامه ~~ولا يتشمر لقضاء حوائجه كما كان يتشمر من قبل ولا يحرص على الثناء عليه كما ~~أثنى مع علمه بأنه مشغول بالاستفادة ولعل التحيز منه إلى فئة أخرى كان أنفع ~~له في دينه لآفة من الآفات كانت تلحقه في هذه الفئة وسلامته عنها في تلك ~~الفئة ومع ذلك لا تزول النفرة عن قلبه ولعل واحدا منهم إذا تحركت فيه مبادئ ~~الحسد لم يقدر على إظهاره فيتعلل بالطعن في دينه وفي ورعه ليحمل غضبه على ~~ذلك ويقول إنما غضبت لدين الله لا لنفسي # ومهما PageV03P392 # ذكرت عيوبه بين يديه ربما فرح له وإن أثنى عليه ربما ساءه وكرهه وربما ~~قطب وجهه إذا ذكرت عيوبه يظهر أنه كاره لغيبة المسلمين وسر قلبه راض به ~~ومريد له والله مطلع عليه في ذلك # فهذا وأمثاله من خفايا القلوب لا ms1811 يفطن له إلا الأكياس ولا يتنزه عنه إلا ~~الأقوياء ولا مطمع فيه لأمثالنا من الضعفاء إلا أن أقل الدرجات أن يعرف ~~الإنسان عيوب نفسه ويسوءه ذلك ويكرهه ويحرص على إصلاحه فإذا أراد الله بعبد ~~خيرا بصره بعيوب نفسه ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مرجو الحال وأمره ~~أقرب من المغرور المزكي لنفسه الممتن على الله بعمله وعلمه الظان أنه من ~~خيار خلقه فنعوذ بالله من الغفلة والاغترار ومن المعرفة بخفايا العيوب مع ~~الإهمال # هذا غرور الذين حصلوا العلوم المهمة ولكن قصروا في العمل بالعلم # ولنذكر الآن غرور الذين قنعوا من العلوم بما لا يهمهم وتركوا المهم وهم ~~به مغترون إما لاستغنائهم عن أصل ذلك العلم وإما لاقتصارهم عليه # فمنهم فرقة اقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات وتفاصيل ~~المعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح العباد وخصصوا اسم الفقه بها ~~وسموه الفقه وعلم المذاهب وربما ضيعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة فلم ~~يتفقدوا الجوارح ولم يخرسوا اللسان عن الغيبة ولا البطن عن الحرام ولا ~~الرجل عن المشي إلى السلاطين وكذا سائر الجوارح ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر ~~والحسد والرياء وسائر المهلكات # فهؤلاء مغرورون من وجهين # أحدهما من حيث العمل # والآخر من حيث العلم # أما العمل فقد ذكرنا وجه الغرور فيه وأن مثالهم مثال المريض إذا تعلم ~~نسحة الدواء واشتغل بتكراره وتعليمه لا بل مثالهم مثال من به علة البواسير ~~والبرسام وهو مشرف على الهلاك ومحتاج إلى تعلم الدواء واستعماله فاشتغل ~~بتعلم أدواء الاستحاضة وبتكرار ذلك ليلا ونهارا مع علمه بأنه رجل لا يحيض ~~ولا يستحاض ولكن يقول ربما تقع علة الاستحاضة لامرأة وتسألني عن ذلك وذلك ~~غاية الغرور # فكذلك المتفقه المسكين قد يسلط عليه حب الدنيا واتباع الشهوات والحسد ~~والكبر والرياء وسائر المهلكات الباطنة وربما يخطفه الموت قبل التوبة ~~والتلافي فيلقى الله وهو عليه غضبان فترك ذلك كله واشتغل بعلم السلم ~~والإجارة والظهار واللعان والجراحات والديات والدعاوي والبينات وبكتاب ~~الحيض وهو لا يحتاج إلى شيء من ذلك قط في عمره لنفسه ms1812 وإذا احتاج غيره كان ~~في المفتين كثرة فيشتغل بذلك ويحرص عليه لما فيه من الجاه والرياسة والمال ~~وقد دهاه الشيطان وما يشعر إذ يظن المغرور بنفسه أنه مشغول بفرض دينه وليس ~~يدري أن الاشتغال بفرض الكفاية قبل الفراغ من فرض العين معصية # هذا لو كانت نيته صحيحة كما قال وقد كان قصد بالفقه وجه الله تعالى فإنه ~~وإن قصد وجه الله فهو باشتغاله به معرض عن فرض عينه في جوارحه وقلبه فهذا ~~غروره من حيث العمل # وأما غروره من حيث العلم فحيث اقتصر على علم الفتاوى وظن أنه علم الدين ~~وترك كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وربما طعن في المحدثين ~~وقال إنهم نقلة أخبار وحملة أسفار لا يفقهون وترك أيضا علم تهذيب الأخلاق ~~وترك الفقه عن الله تعالى بإدراك جلاله وعظمته وهو العلم الذي يورث الخوف ~~والهيبة والخشوع ويحمل على التقوى فتراه آمنا من الله مغترا به متكلا على ~~أنه لا بد وأن يرحمه فإنه قوم دينه وأنه لو لم يشتغل بالفتاوى لتعطل الحلال ~~والحرام فقد ترك العلوم التي هي أهم وهو غافل مغرور وسبب غروره ما سمع في ~~الشرع من تعظيم الفقه ولم يدر أن ذلك الفقه هو الفقه عن الله ومعرفة صفاته ~~المخوفة والمرجوة ليستشعر القلب الخوف ويلازم التقوى إذ قال تعالى {فلولا ~~نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا} PageV03P393 # إليهم لعلهم يحذرون والذي يحصل به الإنذار غير هذا العلم فإن مقصود هذا ~~العلم حفظ الأموال بشروط المعاملات وحفظ الأبدان بالأموال وبدفع القتل ~~والجراحات والمال في طريق الله آلة والبدن مركب # وإنما العلم المهم هو معرفة سلوك الطريق وقطع عقبات القلب التي هي الصفات ~~المذمومة فهي الحجاب بين العبد وبين الله تعالى وإذا مات ملوثا بتلك الصفات ~~كان محجوبا عن الله # فمثاله في الاقتصار على علم الفقه مثال من اقتصر من سلوك طريق الحج على ~~علم خرز الرواية والخف ولا شك في أنه لو لم يكن لتعطل الحج ms1813 ولكن المقتصر ~~عليه ليس من الحج في شيء ولا بسبيله وقد ذكرنا شرح ذلك في كتاب العلم ومن ~~هؤلاء من اقتصر من علم الفقه على الخلافيات ولم يهمه إلا تعلم طريق ~~المجادلة والإلزام وإفحام الخصوم ودفع الحق لأجل الغلبة والمباهاة فهو طول ~~الليل والنهار في التفتيش عن مناقضات أرباب المذاهب والتفقد لعيوب الأقران ~~والتلقف لأنواع التسبيبات المؤذية وهؤلاء هم سباع الإنس طبعهم الإيذاء ~~وهمهم السفه ولا يقصدون العلم إلا لضرورة ما يلزمهم لمباهاة الأقران فكل ~~علم لا يحتاجون إليه في المباهاة كعلم القلب وعلم سلوك الطريق إلى الله ~~تعالى بمحو الصفات المذمومة وتبديلها بالمحمودة فإنهم يستحقرونه ويسمونه ~~التزويق وكلام الوعاظ وإنما التحقيق عندهم معرفة تفاصيل العربدة التي تجري ~~بين المتصارعين في الجدل # وهؤلاء قد جمعوا ما جمعه الذين من قبلهم في علم الفتاوى لكن زادوا إذ ~~اشتغلوا بما ليس من فروض الكفايات أيضا بل جميع دقائق الجدل في الفقه بدعة ~~لم يعرفها السلف وأما أدلة الأحكام فيشتمل عليها علم المذهب وهو كتاب الله ~~وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفهم معانيهما # وأما حيل الجدل من الكسر والقلب وفساد الوضع والتركيب والتعدية فإنما ~~أبدعت لإظهار الغلبة والإفحام وإقامة سوق الجدل بها فغرور هؤلاء أشد كثيرا ~~وأقبح من غرور من قبلهم # وفرقة أخرى اشتغلوا بعلم الكلام والمجادلة في الأهواء والرد على ~~المخالفين وتتبع مناقضاتهم واستكثروا من معرفة المقالات المختلفة واشتغلوا ~~بتعلم الطرق في مناظرة أولئك وإفحامهم وافترقوا في ذلك فرقا كثيرة واعتقدوا ~~أنه لا يكون لعبد عمل إلا بإيمان ولا يصح إيمان إلا بأن يتعلم جدلهم وما ~~سموه أدلة عقائدهم وظنوا أنه لا أحد أعرف بالله وبصفاته منهم وأنه لا إيمان ~~لمن لم يعتقد مذهبهم ولم يتعلم علمهم ودعت كل فرقة منهم إلى نفسها # ثم هم فرقتان ضالة ومحقة فالضالة هي التي تدعو إلى غير السنة والمحقة هي ~~التي تدعو إلى السنة والغرور شامل لجميعهم # أما الضالة فلغفلتها عن ضلالها وظنها بنفسها النجاة وهم فرق كثيرة يكفر ~~بعضهم بعضا وإنما أتيت ms1814 من حيث إنها لم تتهم رأيها ولم تحكم أولا شروط ~~الأدلة ومنهاجها فرأى أحدهم الشبهة دليلا والدليل شبهة # وأما الفرقة المحقة فإنما اغترارها من حيث إنها ظنت بالجدل أنه أهم ~~الأمور وأفضل القربات في دين الله وزعمت أنه لا يتم لأحد دينه ما لم يفحص ~~ويبحث وأن من صدق الله ورسوله من غير بحث وتحرير دليل فليس بمؤمن أو ليس ~~كامل الإيمان ولا مقرب عند الله # فلهذا الظن الفاسد قطعت أعمارها في تعلم الجدل والبحث عن المقالات ~~وهذيانات المبتدعة ومناقضاتهم وأهملوا أنفسهم وقلوبهم حتى عميت عليهم ~~ذنوبهم وخطاياهم الظاهرة والباطنة وأحدهم يظن أن اشتغاله بالجدل أولى وأقرب ~~عند الله وأفضل ولكنه لالتذاذه بالغلبة والإفحام ولذة الرياسة وعز الانتماء ~~إلى الذب عن دين الله تعالى عميت بصيرته فلم يلتفت إلى القرن الأول فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم شهد لهم بأنهم خير الخلق وأنهم قد PageV03P394 # أدركوا كثيرا من أهل البدع والهوى فما جعلوا أعمارهم ودينهم غرضا ~~للخصومات والمجادلات وما اشتغلوا بذلك عن تفقد قلوبهم وجوارحهم وأحوالهم بل ~~لم يتكلموا فيه إلا من حيث رأوا حاجة وتوسموا مخايل قبول فذكروا بقدر ~~الحاجة ما يدل الضال على ضلالته وإذا رأوا مصرا على ضلالة هجروه وأعرضوا ~~عنه وأبغضوه في الله ولم يلزموا الملاحاة معه طول العمر بل قالوا إن الحق ~~هو الدعوة إلى السنة ومن السنة ترك الجدل في الدعوة إلى السنة # إذ روى أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ضل قوم ~~قط بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل (1) حديث خرج يوما على أصحابه وهم ~~يجادلون ويختصمون فغضب حتى كأنه فقئ في وجهه حب الرمان الحديث تقدم # حمرة من الغضب فقال ألهذا بعثتم أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ~~ببعض انظروا إلى ما أمرتم به فاعملوا وما نهيتم عنه فانتهوا فقد زجرهم عن ~~ذلك وكانوا أولى خلق الله بالحجاج والجدال # ثم إنهم رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بعث إلى كافة أهل الملل ~~فلم ms1815 يقعد معهم في مجلس مجادلة لإلزام وإفحام وتحقيق حجة ودفع سؤال وإيراد ~~إلزام فما جادلهم إلا بتلاوة القرآن المنزل عليهم ولم يزد في المجادلة عليه ~~لأن ذلك يشوش القلوب ويستخرج منها الإشكالات والشبه ثم لا يقدر على محوها ~~من قلوبهم وما كان يعجز عن مجادلتهم بالتقسيمات ودقائق الأقيسة وأن يعلم ~~أصحابه كيفية الجدل والإلزام ولكن الأكياس وأهل الحزم لم يغتروا بهذا ~~وقالوا لو نجا أهل الأرض وهلكنا لم تنفعنا نجاتهم ولو نجونا وهلكوا لم ~~يضرنا هلاكهم وليس علينا في المجادلة أكثر مما كان على الصحابة مع اليهود ~~والنصارى وأهل الملل وما ضيعوا العمر بتحرير مجادلاتهم فما لنا نضيع العمر ~~ولا نصرفه إلى ما ينفعنا في يوم فقرنا وفاقتنا ولم نخوض فيما لا نأمن على ~~أنفسنا الخطأ في تفاصيله ثم نرى أن المبتدع ليس يترك بدعته بجداله بل يزيده ~~التعصب والخصومة تشددا في بدعته فاشتغالي بمخاصمة نفسي ومجادلتها ومجاهدتها ~~لتترك الدنيا للآخرة أولى هذا لو كنت لم أنه عن الجدل والخصومة فكيف وقد ~~نهيت عنه وكيف أدعو إلى السنة بترك السنة فالأولى أتفقد نفسي وأنظر من ~~صفاتها ما يبغضه الله تعالى وما يحبه لأتنزه عما يبغضه وأتمسك بما يحبه # وفرقة أخرى اشتغلوا بالوعظ والتذكير وأعلاهم رتبة من يتكلم في أخلاق ~~النفس وصفات القلب من الخوف والرجاء والصبر والشكر والتوكل والزهد واليقين ~~والإخلاص والصدق ونظائره وهم مغرورون يظنون بأنفسهم أنهم إذا تكلموا بهذه ~~الصفات ودعوا الخلق إليها فقد صاروا موصوفين بهذه الصفات وهم منفكون عنها ~~عند الله إلا عن قدر يسير لا ينفك عنه عوام المسلمين وغرور هؤلاء أشد ~~الغرور لأنهم يعجبون بأنفسهم غاية الإعجاب ويظنون أنهم ما تبحروا في علم ~~المحبة إلا وهم محبون لله وما قدروا على تحقيق دقائق الإخلاص إلا وهم ~~مخلصون وما وقعوا على خفايا عيوب النفس إلا وهم عنها منزهون ولولا أنه مقرب ~~عند الله لا عرفه معنى القرب والبعد وعلم السلوك إلى الله وكيفية قطع ~~المنازل في طريق الله فالمسكين بهذه الظنون يرى أنه من الخائفين ms1816 وهو آمن من ~~الله تعالى ويرى أنه من الراجين وهو من المغترين المضيعين ويرى أنه من ~~الراضين بقضاء الله وهو من الساخطين ويرى أنه من المتوكلين على الله وهو من ~~المتكلين على العز والجاه والمال والأسباب ويرى أنه من المخلصين وهو من ~~المرائين # بل يصف الإخلاص فيترك الإخلاص في الوصف ويصف الرياء ويذكره وهو يرائي ~~بذكره ليعتقد فيه أنه لولا أنه مخلص لما اهتدى إلى دقائق الرياء ويصف الزهد ~~في الدنيا لشدة حرصه على الدنيا وقوة رغبته فيها PageV03P395 # فهو يظهر الدعاء إلى الله وهو منه فار ويخوف بالله تعالى وهو منه آمن # ويذكر بالله تعالى وهو له ناس ويقرب إلى الله وهو منه متباعد ويحث على ~~الإخلاص وهو غير مخلص ويذم الصفات المذمومة وهو بها متصف ويصرف الناس عن ~~الخلق وهو على الخلق أشد حرصا لو منع عن مجلسه الذي يدعو الناس فيه إلى ~~الله لضاقت عليه الأرض بما رحبت ويزعم أن غرضه إصلاح الخلق ولو ظهر من ~~أقرانه من أقبل الخلق عليه وصلحوا على يديه لمات غما وحسدا ولو أثنى أحد من ~~المترددين إليه على بعض أقرانه لكان أبغض خلق الله إليه # فهؤلاء أعظم الناس غرة وأبعدهم عن التنبه والرجوع إلى السداد لأن المرغب ~~في الأخلاق المحمودة والمنفر عن المذمومة هو العلم بغوائلها وفوائدها وهذا ~~قد علم ذلك ولم ينفعه وشغله حب دعوة الخلق عن العمل به # فبعد ذلك بماذا يعالج وكيف سبيل تخويفه وإنما المخوف ما يتلوه على عباد ~~الله فيخافون وهو ليس بخائف نعم إن ظن نفسه أنه موصوف بهذه الصفات المحمودة ~~يمكن أن يدل على طريق الامتحان والتجربة وهو أن يدعي مثلا حب الله فما الذي ~~تركه من محاب نفسه لأجله ويدعي الخوف فما الذي امتنع منه بالخوف ويدعي ~~الزهد فما الذي تركه مع القدرة عليه لوجه الله تعالى ويدعى الأنس بالله ~~فمتى طابت له الخلوة ومتى استوحش من مشاهدة الخلق لا بل يرى قلبه يمتلئ ~~بالحلاوة إذا أحدق به المريدون وتراه يستوحش إذا خلا بالله ms1817 تعالى فهل رأيت ~~محبا يستوحش من محبوبه ويستروح منه إلى غيره فالأكياس يمتحنون أنفسهم بهذه ~~الصفات ويطالبونها بالحقيقة ولا يقنعون منها بالتزويق بل بموثق من الله ~~غليظ والمغترون يحسنون بأنفسهم الظنون وإذا كشف الغطاء عنهم في الآخرة ~~يفتضحون بل يطرحون في النار فتندلق أقتابهم فيدور بها أحدهم كما يدور ~~الحمار بالرحى كما ورد به الخبر لأنهم يأمرون بالخير ولا يأتونه وينهون عن ~~الشر ويأتونه وإنما وقع الغرور لهؤلاء من حيث إنهم يصادفون في قلوبهم شيئا ~~ضعيفا من أصول هذه المعانيوهو حب الله والخوف منه والرضا بفعله ثم قدروا مع ~~ذلك على وصف المنازل العالية في هذه المعاني فظنوا أنهم ما قدروا على وصف ~~ذلك وما رزقهم الله علمه وما نفع الناس بكلامهم فيها إلا لاتصفاهم بها وذهب ~~عليهم أن القبول للكلام والكلام للمعرفة وجريان اللسان والمعرفة للعلم وأن ~~كل ذلك غير الاتصاف بالصفة فلم يفارق آحاد المسلمين في الاتصاف بصفة الحب ~~والخوف بل في القدرة على الوصف بل ربما زاد أمنه وقل خوفه وظهر إلى الخلق ~~ميله وضعف في قلبه حب الله تعالى وإنما مثاله مثال مريض يصف المرض ويصف ~~دواءه بفصاحته ويصف الصحة والشفاء وغيره من المرضى لا يقدر على وصف الصحة ~~والشفاء وأسبابه ودرجاته وأصنافه فهو لا يفارقهم في صفة المرض والاتصاف به ~~وإنما يفارقهم في الوصف والعلم بالطب فظنه عند علمه بحقيقة الصحة أنه صحيح ~~غاية الجهل فكذلك العلم بالخوف والحب والتوكل والزهد وسائر هذه الصفات غير ~~الاتصاف بحقائقها # ومن التبس عليه وصف الحقائق بالاتصاف بالحقائق فهو مغرور # فهذه حالة الوعاظ الذين لا عيب في كلامهم بل منهاج وعظهم منهاج وعظ ~~القرآن والأخبار ووعظ الحسن البصري وأمثاله رحمة الله عليهم # وفرقة أخرى منهم عدلوا عن المنهاج الواجب في الوعظ وهم وعاظ أهل هذا ~~الزمان كافة إلا من عصمه الله على الندور في بعض أطراف البلاد إن كان ولسنا ~~نعرفه فاشتغلوا بالطامات والشطح وتلفيق كلمات خارجة عن قانون الشرع والعقل ~~طلبا للإغراب # وطائفة شغفوا بطيارات النكت وتسجيع الألفاظ ms1818 وتلفيقها فأكثر هممهم ~~بالأسجاع والاستشهاد بأشعار الوصال والفراق وغرضهم أن تكثر في مجالستهم ~~الزعقات والتواجد ولو على أغراض فاسدة فهؤلاء شياطين الإنس ضلوا وأضلوا عن ~~سواء السبيل فإن الأولين وإن لم يصلحوا أنفسهم فقد PageV03P396 # أصلحوا غيرهم وصححوا كلامهم ووعظهم # وأما هؤلاء فإنهم يصدون عن سبيل الله ويجرون الخلق إلى الغرور بالله بلفظ ~~الرجاء فيزيدهم كلامهم جراءة على المعاصي ورغبة في الدنيا لا سيما إذا كان ~~الواعظ متزينا بالثياب والخيل والمراكب فإنه تشهد هيئته من فرقه إلى قدمه ~~بشدة حرصه على الدنيا فما يفسده هذا المغرور أكثر مما يصلحه بل لا يصلح ~~أصلا ويضل خلقا كثيرا ولا يخفى وجه كونه مغرورا # وفرقة أخرى منهم قنعوا بحفظ كلام الزهاد وأحاديثهم في ذم الدنيا فهم ~~يحفظون الكلمات على وجهها ويؤدونها من غير إحاطة بمعانيها فبعضهم يفعل ذلك ~~على المنابر وبعضهم في المحاريب وبعضهم في الأسواق مع الجلساء وكل منهم يظن ~~أنه إذا تميز هذا القدر عن السوقة والجندية إذ حفظ كلام الزهاد وأهل الدين ~~دونهم فقد أفلح ونال الغرض وصار مغفورا له وأمن عقاب الله من غير أن يحفظ ~~ظاهره وباطنه عن الآثام ولكنه يظن أن حفظه لكلام أهل الدين يكفيه # وغرور هؤلاء أظهر من غرور من قبلهم # وفرقة أخرى استغرقوا أوقاتهم في علم الحديث أعني في سماعه وجمع الروايات ~~الكثيرة منه وطلب الأسانيد الغريبة العالية فهمة أحدهم أن يدور في البلاد ~~ويرى الشيوخ ليقول أنا أروي عن فلان ولقد رأيت فلانا ومعي من الإسناد ما ~~ليس مع غيري # وغرورهم من وجوه منها أنهم كحملة الأسفار فإنهم لا يصرفون العناية إلى ~~فهم معاني السنة فعلمهم قاصر وليس معهم إلا النقل ويظنون أن ذلك يكفيهم ~~ومنها أنهم إذا لم يفهموا معانيها ولا يعملون بها وقد يفهمون بعضها أيضا ~~ولا يعملون به # ومنها أنهم يتركون العلم الذي هو فرض عين وهو معرفة علاج القلب ويشتغلون ~~بتكثير الأسانيد وطلب العالي منها ولا حاجة بهم إلى شيء من ذلك ومنها وهو ~~الذي أكب عليه أهل الزمان أنهم ms1819 أيضا لا يقيمون بشرط السماع فإن السماع ~~بمجرده وإن لم تكن له فائدة ولكنه مهم في نفسه للوصول إلا إثبات الحديث إذ ~~التفهم بعد الإثبات والعمل بعد التفهم فالأول السماع ثم التفهم ثم الحفظ ثم ~~العمل ثم النشر وهؤلاء اقتصروا من الجملة على السماع ثم تركوا حقيقة السماع ~~فترى الصبي يحضر في مجلس الشيح والحديث يقرأ والشيخ ينام والصبي يلعب ثم ~~يكتب اسم الصبي في السماع فإذا كبر تصدى ليسمع منه والبالغ الذي يحضر ربما ~~يغفل ولا يسمع ولا يصغي ولا يضبط وربما يشتغل بحديث أو نسخ والشيخ الذي ~~يقرأ عليه لو صحف وغير ما يقرأ عليه لم يشعر به ولم يعرفه وكل ذلك جهل ~~وغرور # إذ الأصل في الحديث أن يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحفظه كما ~~سمعه ويرويه كما حفظه فتكون الرواية عن الحفظ والحفظ عن السماع # فإن عجزت عن سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته من الصحابة أو ~~التابعين وصار سماعك عن الراوي كسماع من سمع من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو أن تصفي لتسمع فتحفظ وتروي كما حفظت وتحفظ كما سمعت بحيث لا تغير ~~منه حرفا ولو غير غيرك منه حرفا أو أخطأ علمت خطأه # ولحفظك طريقان # أحدهما أن تحفظ بالقلب وتستديمه بالذكر والتكرار كما تحفظ ما جرى على ~~سمعك في مجاري الأحوال # والثاني أن تكتب كما تسمع وتصحح المكتوب وتحفظه حتى لا تصل إليه يد من ~~يغيره ويكون حفظك للكتاب معك وفي خزانتك فإنه لو امتدت إليه يد غيرك ربما ~~غيره فإذا لم تحفظه لم تشعر بتغييره فيكون محفوظا بقلبك أو بكتابك فيكون ~~كتابك مذكرا لما سمعته وتأمن فيه من التغيير والتحريف # فإذا لم تحفظ لا بالقلب ولا بالكتاب وجرى على سمعك صوت غفل وفارقت المجلس ~~ثم رأيت نسخة لذلك الشيخ وجوزت أن يكون ما فيه مغيرا أو يفارق حرف منه ~~للنسخة التي سمعتها لم يجز لك أن تقول سمعت هذا الكتاب فإنك لا تدري لعلك ~~لم ms1820 تسمع ما فيه بل سمعت شيئا يخالف ما فيه ولو في كلمة # فإذا لم يكن معك حفظ PageV03P397 # بقلبك ولا نسخة صحيحة استوثقت عليها لتقابل بها فمن أين تعلم أنك سمعت ~~ذلك وقد قال الله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم وقول الشيوخ كلهم في هذا ~~الزمان إنا سمعنا ما في هذا الكتاب إذا لم يوجد الشرط الذي ذكرناه فهو كذب ~~صريح # وأقل شروط السماع أن يجري الجميع على السمع مع نوع من الحفظ يشعر معه ~~بالتغيير ولو جاز أن يكتب سماع الصبي والغافل والنائم والذي ينسخ لجاز أن ~~يكتب سماع المجنون والصبي في المهد ثم إذا بلغ الصبي وأفاق المجنون يسمع ~~عليه ولا خلاف في عدم جوازه ولو جاز ذلك لجاز أن يكتب سماع الجنين في البطن ~~فإنكان لا يكتب سماع الصبي في المهد لأنه لا يفهم ولا يحفظ فالصبي الذي لا ~~يلعب والغافل والمشغول بالنسخ عن السماع ليس بينهم ولا يحفظ وإن استجرأ ~~جاهل فقال يكتب سماع الصبي في المهد فليكتب سماع الجنين في البطن فإن فرق ~~بينهما بأن الجنين لا يسمع الصوت وهذا يسمع الصوت فما ينفع هذا وهو إنما ~~ينقل الحديث دون الصوت فليقتصر إذا صار شيخا على أن يقول سمعت بعد بلوغي ~~أني في صباي حضرت مجلسا يروى فيه حديث كان يقرع سمعي صوته ولا أدري ما هو ~~فلا خلاف في أن الرواية كذلك لا تصح وما زاد عليه فهو كذب صريح ولو جاز ~~إثبات سماع التركي الذي لا يفهم العربية لأنه سمع صوتا غفلا لجاز إثبات ~~سماع صبي في المهد وذلك غاية الجهل # ومن أين يأخذ هذا وهل للسماع مستند إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها (1) حديث من حسن إسلام ~~المرء تركه ما لا يعنيه أخرجه الترمذي وقال غريب وابن ماجه من حديث أبي ~~هريرة وهو عند مالك من رواية علي بن الحسين مرسلا وقد تقدم # فقام وقال يكفيني هذا حتى أفرغ ms1821 منه ثم أسمع غيره # فهكذا يكون سماع الأكياس الذين يحذرون الغرور # وفرقة أخرى اشتغلوا بعلم النحو واللغة والشعر وغريب اللغة واغتروا به ~~وزعموا أنهم قد غفر لهم وأنهم من عماد الأمة إذ قوام الدين بالكتاب والسنة ~~وقوام الكتاب والسنة بعلم اللغة والنحو فأفنى هؤلاء أعمارهم في دقائق النحو ~~وفي صناعة الشعر وفي غريب اللغة ومثالهم كمن يفني جميع العمر في تعلم الخط ~~وتصحيح الحروف وتحسينها ويزعم أن العلوم لا يمكن حفظها إلا بالكتابة فلا بد ~~من تعلمها وتصحيحها ولو عقل لعلم أنه يكفيه أن يتعلم أصل الخط بحيث يمكن أن ~~يقرأ كيفما كان والباقي زيادة على الكفاية وكذلك الأديب لو عقل لعرف أن لغة ~~العرب كلغة الترك والمضيع عمره في معرفة لغة العرب كالمضيع له في معرفة لغة ~~الترك والهند وإنما فارقتها لغة PageV03P398 # العرب لأجل ورود الشريعة بها فيكفي من اللغة علم الغريبين في الأحاديث ~~والكتاب ومن النحو ما يتعلق بالحديث والكتاب فأما التعمق فيه إلى درجات لا ~~تتناهى فهو فضول مستغنى عنه ثم لو اقتصر عليه وأعرض عن معرفة معاني الشريعة ~~والعمل بها فهذا أيضا مغرور بل مثاله مثاله مثال من ضيع عمره في تصحيح ~~مخارج الحروف في القرآن واقتصر عليه وهو غرور إذ المقصود من الحروف المعاني ~~وإنما الحروف ظروف وأدوات ومن احتاج إلى أن يشرب السكنجبين ليزول ما به من ~~الصفراء وضيع أوقاته في تحسين القدح الذي يشرب فيه السكنجبين فهو من الجهال ~~المغرورين فذلك غرور أهل النحو واللغة والأدب والقراءات والتدقيق في مخارج ~~الحروف مهما تعمقوا فيها وتجردوا لها وعرجوا عليها أكثر مما يحتاج إليه في ~~تعلم العلوم التي هي فرض عين فاللب الأقصى هو العمل والذي فوقه هو معرفة ~~العمل وهو كالقشر للعمل وكاللب بالإضافة إلى ما فوقه وما فوقه هو سماع ~~الألفاظ وحفظها بطريق الرواية وهو قشر بطريق الإضافة إلى المعرفة ولب ~~بالإضافة إلى ما فوقه وما فوقه هو العلم باللغة والنحو وفوق ذلك وهو القشر ~~الأعلى العلم بمخارج الحروف والقانعون بهذه الدرجات كلهم ms1822 مغترون إلا من ~~اتخذ هذه الدرجات منازل فلم يعرج عليها إلا بقدر حاجته فتجاوز إلى ما وراء ~~ذلك حتى وصل إلى لباب العمل فطالب بحقيقة العمل قلبه وجوارحه ورجى عمره في ~~حمل النفس عليه وتصحيح الأعمال وتصفيتها عن الشوائب والآفات # فهذا هو المقصود المخدوم من جملة علوم الشرع وسائر العلوم خدم له ووسائل ~~إليه وقشور له ومنازل بالإضافة إليه وكل من لم يبلغ المقصد فقد خاب سواء ~~كان في المنزل القريب أو في المنزل البعيد # وهذه العلوم لما كانت متعلقة بعلوم الشرع اغتر بها أربابها # فأما علم الطب والحساب والصناعات وما يعلم أنه ليس من علوم الشرع فلا ~~يعتقد أصحابها أنهم ينالون المغفرة بها من حيث إنها علوم فكان الغرور بها ~~أقل من الغرور بعلوم الشرع لأن العلوم الشرعية مشتركة في أنها محمودة كما ~~يشارك القشر اللب في كونه محمودا ولكن المحمود منه لعينه هو المنتهى # والثاني محمود للوصول به إلى المقصود الأقصى فمن اتخذ القشر مقصودا وعرج ~~عليه فقد اغتر به # وفرقة أخرى عظم غرورهم في فن الفقه فظنوا أن حكم العبد بينه وبين الله ~~يتبع حكمه في مجلس القضاء فوضعوا الحيل في دفع الحقوق وأساءوا تأويل ~~الألفاظ المبهمة واغتروا بالظواهر وأخطئوا فيها # وهذا من قبيل الخطأ في الفتوى والغرور فيه والخطأ في الفتاوى مما يكثر # ولكن هذا نوع عم الكافة إلا الأكياس منهم فنشير إلى أمثلة فمن ذلك فتواهم ~~بأن المرأة متى أبرأت من الصدق برئ الزوج بينه وبين الله تعالى وذلك خطأ بل ~~الزوج قد يسيء إلى الزوجة بحيث يضيق عليها الأمور بسوء الخلق فتضطر إلى طلب ~~الخلاص فتبرئ الزوج لتتخلص منه فهو إبراء لا على طيبة نفس وقد قال تعالى ~~فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا وطيبة النفس غير طيبة القلب ~~فقد يريد الإنسان بقلبه ما لا تطيب به نفسه فإنه يريد الحجامة بقلبه ولكن ~~تكرهها نفسه وإنما طيبة النفس أن تسمح نفسها بالإبراء لا عن ضرورة تقابله ~~حتى إذا رددت بين ms1823 ضررين اختارت أهونهما فهذه مصادرة على التحقيق بإكراه ~~الباطن # نعم القاضي في الدنيا لا يطلع على القلوب والأغراض فينظر إلى الإبراء ~~الظاهر وأنها لم تكره بسبب ظاهر والإكراه الباطن ليس يطلع الخلق عليه ولكن ~~مهما تصدى القاضي الأكبر في صعيد القيامة للقضاء لم يكن هذا محسوبا ولا ~~مقيدا في تحصيل الإبراء ولذلك لا يحل أن يؤخذ مال إنسان إلا بطيب نفس منه ~~فلو طلب من الإنسان ما لالا على ملأ من الناس فاستحيا من الناس أن لا يعطيه ~~وكان يود أن يكون سؤاله في خلوة حتى لا يعطيه ولكن خاف ألم مذمة الناس وخاف ~~ألم تسليم المال وردد نفسه بينهما PageV03P399 # فاختار أهون الألمين وهو ألم التسليم فسلمه فلا فرق بين هذا وبين ~~المصادرة إذ معنى المصادرة إيلام البدن بالسوط حتى يصير ذلك أقوى من ألم ~~القلب ببذل المال فيختار أهون الألمين والسؤال في مظنة الحياء والرياء ضرب ~~للقلب بالسوط ولا فرق بين ضرب الباطن وضرب الظاهر عند الله تعالى فإن ~~الباطن عند الله تعالى ظاهر وإنما حاكم الدنيا هو الذي يحكم بالملك بظاهر ~~قوله وهبت لأنه لا يمكنه الوقوف على ما في القلب وكذلك من يعطى اتقاء لشر ~~لسانه أو لشر سعايته فهو حرام عليه وكذلك كل مال يؤخذ على هذا الوجه فهو ~~حرام # ألا ترى ما جاء في قصة داود عليه السلام حيث قال بعد أن غفر له يا رب كيف ~~لي بخصمي فأمر بالاستحلال منه وكان ميتا فأمر بندائه في صخرة بيت المقدس ~~فنادى يا أوريا فأجابه لبيك يا نبي الله أخرجتني من الجنة فماذا تريد فقال ~~إني أسأت إليك في أمر فهبه لي قال قد فعلت ذلك يا نبي الله فانصرف وقد ركن ~~إلى ذلك فقال له جبريل عليه السلام هل ذكرت له ما فعلت قال لا قال فارجع ~~فبين له فرجع فناداه فقال لبيك يا نبي الله فقال إني أذنبت إليك ذنبا قال ~~ألم أهبه لك قال ألا تسألني ما ذلك الذنب قال ما هو يا ms1824 نبي الله قال كذا ~~وكذا وذكر شأن المرأة فانقطع الجواب فقال يا أوريا ألا تجيبني قال يا نبي ~~الله ما هكذا يفعل الأنبياء حتى أقف معك بين يدي الله فاستقبل داود البكاء ~~والصراخ من الرأس حتى وعده الله أن يستوهبه منه في الآخرة # فهكذا ينبهك أن الهبة من غير طيبة قلب لا تفيد وأن طيبة القلب لا تحصل ~~إلا بالمعرفة فكذلك طيبة القلب لا تكون في الإبراء والهبة وغيرهما إلا إذا ~~خلى الإنسان واختياره حتى تنبعث الدواعي من ذات نفسه لا أن تضطر بواعثه إلى ~~الحركة بالحيل والإلزام # ومن ذلك هبة الرجل مال الزكاة في آخر الحول من زوجته واتهابه مالها ~~لإسقاط الزكاة فالفقيه يقول سقطت الزكاة فإن أراد به أن مطالبة السلطان ~~والساعي سقطت عنه فقد صدق فإن مطمح نظرهم ظاهر الملك وقد زال وإن ظن أنه ~~يسلم في القيامة ويكون كمن لم يملك المال أو كمن باع لحاجته إلى المبيع لا ~~على هذا القصد فما أعظم جهله بفقه الدين وسر الزكاة فإن سر الزكاة تطهير ~~القلب عن رذيلة البخل فإن البخل مهلك قال صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات ~~شحه مطاع // حديث ثلاث مهلكات الحديث تقدم غير مرة # وإنما صار شح مطاعا بما فعله وقبله لم يكن مطاعا # فقد تم هلاكه بما يظن أن فيه خلاصه فإن الله مطلع على قلبه وحبه المال ~~وحرصه عليه وأنه بلغ من حرصه على المال أن استنبط الحيل حتى يسد على نفسه ~~طريق الخلاص من البخل بالجهل والغرور ومن ذلك إباحة الله مال المصالح ~~للفقيه وغيره بقدر الحاجة والفقهاء المغرورون لا يميزون بين الأماني ~~والفضول والشهوات وبين الحاجات بل كل مالا تتم رعونتهم إلا به يرونه حاجة ~~وهو محض الغرور بل الدنيا خلقت لحاجة العباد إليها في العبادة وسلوك طريق ~~الآخرة فكل ما تناوله العبد للاستعانة به على الدين والعبادة فهو حاجته وما ~~عدا ذلك فهو فضوله وشهوته ولو ذهبنا نصف غرور الفقهاء في أمثال هذا لملأنا ~~فيه مجلدات والغرض من ذلك ms1825 التنبيه على أمثلة تعرف الأجناس دون الاستيعاب ~~فإن ذلك يطول # الصنف الثاني أرباب العبادة والعمل والمغرورون منهم فرق كثيرة فمنهم من ~~غروره في الصلاة # ومنهم من غروره في تلاوة القرآن # ومنهم في الحج # ومنهم في الغزو # ومنهم في الزهد وكذلك كل مشغول بمنهج من مناهج العمل فليس خاليا عن غرور ~~إلا الأكياس وقليل ما هم # فمنهم فرقة أهملوا الفرائض واشتغلوا بالفضائل والنوافل وربما تعمقوا في ~~الفضائل حتى خرجوا إلى العدوان PageV03P400 # والسرف كالذي تغلب عليه الوسوسة في الوضوء فيبالغ فيه ولا يرضى الماء ~~المحكوم بطهارته في فتوى الشرع ويقدر الاحتمالات البعيدة قريبة في النجاسة ~~وإذا آل الأمر إلى أكل الحلال قدر الاحتمالات القريبة بعيدة وربما أكل ~~الحرام المحض ولو انقلب هذا الاحتياط من الماء إلى الطعام لكان أشبه بسيرة ~~الصحابة إذ توضأ عمر رضي الله عنه بماء في جرة نصرانية مع ظهور احتمال ~~النجاسة وكان مع هذا يدع أبوابا من الحلال مخافة من الوقوع في الحرام # ثم من هؤلاء من يخرج إلى الإسراف في صب الماء وذلك منهي عنه // حديث ~~النهي من الإسراف في الوضوء أخرجه الترمذي وضعه وابن ماجه من حديث أبي بن ~~كعب إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان الحديث وتقدم في عجائب القلب # وقد يطول الأمر حتى يضيع الصلاة ويخرجها عن وقتها وإن لم يخرجها أيضا عن ~~وقتها فهو مغرور لما فاته من فضيلة أول الوقت وإن لم يفته فهو مغرور ~~لإسرافه في الماء وإن لم يسرف فهو مغرور لتضييعه العمر الذي هو أعز الأشياء ~~فيما له مندوحة عنه إلا أن الشيطان يصد الخلق عن الله بطريق سني ولا يقدر ~~على صد العباد إلا بما يخيل إليهم أنه عبادة فيبعدهم عن الله بمثل ذلك # وفرقة أخرى غلب عليها الوسوسة في نية الصلاة فلا يدعه الشيطان حتى يعقد ~~نية صحيحة بل يشوش عليه حتى تفوته الجماعة ويخرج الصلاة عن الوقت وإن تم ~~تكبيره فيكون في قلبه بعد تردد في صحة نيته وقد يوسوسون في التكبير حتى قد ~~يغيرون صيغة ms1826 التكبير لشدة الاحتياط فيه يفعلون ذلك في أول الصلاة ثم يغفلون ~~في جميع الصلاة فلا يحضرون قلوبهم ويغترون بذلك ويظنون أنهم إذا أتعبوا ~~أنفسهم في تصحيح النية في أول الصلاة وتميزوا عن العامة بهذا الجهد ~~والاحتياط فهم على خير عند ربهم # وفرقة أخرى تغلب عليهم الوسوسة في إخراج حروف الفاتحة وسائر الأذكار من ~~مخارجها فلا يزال يحتاط في التشديدات والفرق بين الضاد والظاء وتصحيح مخارج ~~الحروف في جميع صلاته لا يهمه غيره ولا يتفكر فيما سواه ذاهلا عن معنى ~~القرآن والاتعاظ به وصرف الفهم إلى أسراره # وهذا من أقبح أنواع الغرور فإنه لم يكلف الخلق في تلاوة القرآن من تحقيق ~~مخارج الحروف إلا بما جرت به عادتهم في الكلام # ومثال هؤلاء مثال من حمل رسالة إلى مجلس سلطان وأمر أن يؤديها على وجهها ~~فأخذ يؤدي الرسالة ويتأنق في مخارج الحروف ويكررها ويعيدها مرة بعد أخرى ~~وهو في ذلك غافل عن مقصود الرسالة ومراعاة حرمة المجلس فما أحراه بأن تقام ~~عليه السياسة ويرد إلى دار المجانين ويحكم عليه بفقد العقل # وفرقة أخرى اغتروا بقراءة القرآن فيهذونه هذا وربما يختمونه في اليوم ~~والليل مرة ولسان أحدهم يجري به وقلبه يتردد في أودية الأماني إذ لا يتفكر ~~في معاني القرآن لينزجر بزواجره ويتعظ بمواعظه ويقف عند أوامره ونواهيه ~~ويعتبر بمواضع الاعتبار فيه إلى غير ذلك مما ذكرناه في كتاب تلاوة القرآن ~~من مقاصد التلاوة فهو مغرور يظن أن المقصود من إنزال القرآن الهمهمة به مع ~~الغفلة عنه # ومثاله مثال عبد كتب إليه مولاه ومالكه كتابا وأشار عليه فيه بالأوامر ~~والنواهي فلم يصرف عنايته إلى فهمه والعمل به ولكن اقتصر على حفظه فهو ~~مستمر على خلاف ما أمره به مولاه إلا أنه يكرر الكتاب بصوته ونغمته كل يوم ~~مائة مرة فهو مستحق للعقوبة ومهما ظن أن ذلك هو المراد منه فهو مغرور # نعم تلاوته إنما تراد لكيلا ينسى بعد لحفظه وحفظه يراد لمعناه ومعناه ~~يراد للعمل به والانتفاع بمعانيه وقد يكون له صوت طيب ms1827 فهو يقرؤه ويلتذ به ~~ويغتر باستلذاذه ويظن أن ذلك لذة مناجاة الله تعالى وسماع كلامه وإنما هي ~~لذته في صوته PageV03P401 # ولو ردد ألحانه بشعر أو كلام آخر لالتذ به ذلك الالتذاذ فهو مغرور إذ لم ~~يتفقد قلبه فيعرفه أن لذته بكلام الله تعالى من حيث حسن نظمه ومعانيه أو ~~بصوته # وفرقة أخرى اغتروا بالصوم وربما صاموا الدهر أو صاموا الأيام الشريفة وهم ~~فيها لا يحفظون ألسنتهم عن الغيبة وخواطرهم عن الرياء وبطونهم عن الحرام ~~عند الإفطار وألسنتهم عن الهذيان بأنواع الفضول طول النهار وهو مع ذلك يظن ~~بنفسه الخير فيهمل الفرائض ويطلب النفل ثم لا يقوم بحقه وذلك غاية الغرور # وفرقة أخرى اغتروا بالحج فيخرجون إلى الحج من غير خروج عن المظالم وقضاء ~~الديون واسترضاء الوالدين وطلب الزاد الحلال وقد يفعلون ذلك بعد سقوط حجة ~~الإسلام ويضيعون في الطريق الصلاة والفرائض ويعجزون عن طهارة الثوب والبدن ~~ويتعرضون لمكس الظلمة حتى يؤخذ منهم ولا يحذرون في الطريق من الرفث والخصام ~~وربما جمع بعضهم الحرام وأنفقه على الرفقاء في الطريق وهو يطلب به السمعة ~~والرياء فيعصي الله تعالى في كسب الحرام أولا وفي إنفاقه بالرياء ثانيا فلا ~~هو أخذه من حله ولا هو وضعه في حقه ثم يحضر البيت بقلب ملوث برذائل الأخلاق ~~وذميم الصفات لم يقدم تطهيره على حضوره وهو مع ذلك يظن أنه على خير من ربه ~~فهو مغرور # وفرقة أخرى أخذت في طريق الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينكر ~~على الناس ويأمرهم بالخير وينسى نفسه وإذا أمرهم بالخير عنف وطلب الرياسة ~~والعزة وإذا باشر منكرا ورد عليه غضب وقال أنا المحتسب فكيف تنكر علي وقد ~~يجمع الناس إلى مسجده ومن تأخر عنه أغلظ القول عليه وإنما غرضه الرياء ~~والرياسة ولو قام بتعهد المسجد غيره لحرد عليه بل منهم من يؤذن ويظن أنه ~~يؤذن لله ولو جاء غيره وأذن في وقت غيبته قامت عليه القيامة وقال لم آخذ ~~حقي وزوحمت على مرتبتي وكذلك قد يتقلد إمامة مسجد ويظن أنه ms1828 على خير وإنما ~~غرضه أن يقال إنه إمام مسجد فلو تقدم غيره وإن كان أورع وأعلم منه ثقل عليه # وفرقة أخرى جاوروا بمكة أو المدينة واغتروا بمكة ولم يراقبوا قلوبهم ولم ~~يطهروا ظاهرهم وباطنهم فقلوبهم معلقة ببلادهم ملتفتة إلى قول من يعرفه أن ~~فلانا مجاور بذلك وتراه يتحدى ويقول قد جاورت بمكة كذا كذا سنة وإذا سمع أن ~~ذلك قبيح ترك صريح التحدي وأحب أن يعرفه الناس بذلك ثم إنه قد يجاور ويمد ~~عين طمعه إلى أوساخ أموال الناس وإذا جمع من ذلك شيئا شح به وأمسكه لم تسمح ~~نفسه بلقمة يتصدق بها على فقير فيظهر فيه الرياء والبخل والطمع وجملة من ~~المهلكات كان عنها بمعزل لو ترك المجاورة ولكن حب المحمدة وأن يقال إنه من ~~المجاورين ألزمه المجاورة مع التضمخ بهذه الرذائل فهو أيضا مغرور وما من ~~عمل من الأعمال وعبادة من العبادات إلا وفيها آفات فمن لم يعرف مداخل ~~آفاتها واعتمد عليها فهو مغرور ولا يعرف شرح ذلك إلا من جملة كتب إحياء ~~علوم الدين فيعرف مداخل الغرور في الصلاة من كتاب الصلاة وفي الحج من كتاب ~~الحج والزكاة والتلاوة وسائر القربات من الكتب التي رتبناها فيها وإنما ~~الغرض الآن الإشارة إلى مجامع ما سبق في الكتب # وفرقة أخرى زهدت في المال وقنعت من اللباس والطعام بالدون ومن المسكن ~~بالمساجد وظنت أنها أدركت رتبة الزهاد وهو مع ذلك راغب في الرياسة والجاه ~~إما بالعلم أو بالوعظ أو بمجرد الزهد فقد ترك أهون الأمرين وباء بأعظم ~~المهلكين فإن الجاه أعظم من المال ولو ترك الجاه وأخذ المال كان إلى ~~السلامة أقرب فهذا PageV03P402 # مغرور إذا الظن أنه من الزهاد في الدنيا وهو لم يفهم معنى الدنيا ولم يدر ~~أن منتهى لذاتها لرياسة وأن الراغب فيها لا بد وأن يكون منافقا وحسودا ~~ومتكبرا ومرائيا ومتصفا بجميع خبائث الأخلاق # نعم وقد يترك الرياسة ويؤثر الخلوة والعزلة وهو مع ذلك مغرور إذ يتطول ~~بذلك على الأغنياء ويخشن معهم الكلام وينظر إليهم بعين الاستحقار ms1829 ويرجو ~~لنفسه أكثر مما يرجو لهم ويعجب بعمله ويتصف بجملة من خبائث القلوب وهو لا ~~يدري وربما يعطى المال فلا يأخذه خيفة من أن يقال بطل زهده ولو قيل له إنه ~~حلال فخذه في الظاهر ورده في الخفية لم تسمح به نفسه خوفا من ذم الناس فهو ~~راغب في حمد الناس وهو من ألذ أبواب الدنيا ويرى نفسه أنه زاهد في الدنيا ~~وهو مغرور ومع ذلك فربما لا يخلو من توقير الأغنياء وتقديمهم على الفقراء ~~والميل إلى المريدين له والمثنين عليه والنفرة عن الماثلين إلى غيره من ~~الزهاد وكل ذلك خدعة وغرور من الشيطان نعوذ بالله منه # وفي العباد من يشدد على نفسه في أعمال الجوارح حتى ربما يصلي في اليوم ~~والليلة مثلا ألف ركعة ويختم القرآن وهو في جميع ذلك لا يخطر له مراعاة ~~القلب وتفقده وتطهيره من الرياء والكبر والعجب وسائر المهلكات فلا يدري أن ~~ذلك مهلك وإن علم ذلك فلا يظن بنفسه ذلك وإن ظن بنفسه ذلك توهم أنه مغفور ~~له لعمله الظاهر وأنه غير مؤاخذ بأحوال القلب وإن توهم فيظن أن العبادات ~~الظاهرة تترجح بها كفة حسناته وهيهات وذرة من ذي تقوى وخلق واحد من أخلاق ~~الأكياس أفضل من أمثال الجبال عملا بالجوارح ثم لا يخلو هذا المغرور مع سوء ~~خلقه مع الناس وخشونته وتلوث باطنه عن الرياء وحب الثناء فإذا قيل له أنت ~~من أوتاد الأرض وأولياء الله وأحبابه فرح المغرور بذلك وصدق به وزاده ذلك ~~غرورا وظن أن تزكية الناس له دليل على كونه مرضيا عند الله ولا يدري أن ذلك ~~لجهل الناس بخبائث باطنه # وفرقة أخرى حرصت على النوافل ولم يعظم اعتدادها بالفرائض ترى أحدهم يفرح ~~بصلاة الضحى وبصلاة الليل وأمثال هذه النوافل ولا يجد للفريضة لذة ولا يشتد ~~حرصه على المبادرة بها في أول الوقت وينسى قوله صلى الله عليه وسلم فيما ~~يرويه عن ربه ما تقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم (1) حديث من ~~أبر قال أمك الحديث أخرجه الترمذي ms1830 والحاكم وصححه من حديث زيد بن حكيم عن ~~أبيه عن جده وقد تقدم في آداب الصحة # فينبغي أن يبدأ في الصلة بالأقرب فإن استويا فبالأحوج فإن استويا ~~فبالأتقى والأورع # وكذلك من لا يفي ماله بنفقة الوالدين والحج فربما يحج وهو مغرور بل ينبغي ~~أن يقدم حقهما على الحج وهذا من تقديم فرض أهم من فرض هو دونه # وكذلك إذا كان على العبد ميعاد ودخل وقت الجمعة فالجمعة تفوت والاشتغال ~~PageV03P403 # بالوفاء بالوعد معصية وإن كان هو طاعة في نفسه # وكذلك قد تصيب ثوبه النجاسة فيغلظ القول على أبويه وأهله بسبب ذلك ~~فالنجاسة محذورة وإيذاؤهما محذور والحذر من الإيذاء أهم من الحذر من ~~النجاسة # وأمثلة تقابل المحذورات والطاعات لا تنحصر # ومن ترك الترتيب في جميع ذلك فهو مغرور # وهذا غرور في غاية الغموض لأن المغرور فيه في طاعة إلا أنه لا يفطن ~~لصيرورة الطاعة معصية حيث ترك بها طاعة واجبة هي أهم منها # ومن جملته الاشتغال بالمذهب والخلاف من الفقه في حق من بقي عليه شغل من ~~الطاعات والمعاصي الظاهرة والباطنة المتعلقة بالجوارح والمتعلقة بالقلب لأن ~~مقصود الفقه معرفة ما يحتاج إليه غيره في حوائجه # فمعرفة ما يحتاج هو إليه في قلبه أولى به إلا أن حب الرياسة والجاه ولذة ~~المباهاة وقهر الأقران والتقدم عليهم يعمي عليه حتى يغتر به مع نفسه ويظن ~~أنه مشغول بهم دينه # الصنف الثالث المتصوفة وما أغلب الغرور عليهم والمغترون منهم فرق كثيرة # ففرقة منهم وهم متصوفة أهل الزمان إلا من عصمه الله اغتروا بالزي والهيئة ~~والمنطق فساعدوا الصادقين من الصوفية في زيهم وهيئتهم وفي ألفاظهم وفي ~~آدابهم ومراسمهم واصطلاحاتهم وفي أحوالهم الظاهرة في السماع والرقص ~~والطهارة والصلاة والجلوس على السجادات مع إطراق الرأس وإدخاله في الجيب ~~كالمتفكر وفي تنفس الصعداء وفي خفض الصوت في الحديث إلى غير ذلك من الشمائل ~~والهيئات فلما تكلفوا هذه الأمور وتشبهوا بهم فيها ظنوا أنهم أيضا صوفية ~~ولم يتعبوا أنفسهم قط في المجاهدة والرياضة ومراقبة القلب وتطهير الباطن ~~والظاهر من الآثام ms1831 الخفية والجلية وكل ذلك من أوائل منازل التصوف ولو فرغوا ~~عن جميعها لما جاز لهم أن يعدوا أنفسهم في الصوفية كيف ولم يحوموا قط حولها ~~ولم يسوموا أنفسهم شيئا منها بل يتكالبون على الحرام والشبهات وأموال ~~السلاطين ويتنافسون في الرغيف والفلس والحبة ويتحاسدون على النقير والقطمير ~~ويمزق بضعهم أعراض بعض مهما خالفه في شيء من غرضه # وهؤلاء غرورهم ظاهر ومثالهم مثال امرأة عجوز سمعت أن الشجعان والأبطال من ~~المقاتلين ثبت أسماؤهم في الديوان ويقطع لكل واحد منهم قطر من أقطار ~~المملكة فتاقت نفسها إلى أن يقطع لها مملكة فلبست درعا ووضعت على رأسها ~~مغفرا وتعلمت من رجز الأبطال أبياتا وتعودت إيراد تلك الأبيات بنغماتهم حتى ~~تيسرت عليها وتعلمت كيفية تبخترهم في الميدان وكيف تحريلم بالأيدي وتلقفت ~~جميع شمائلهم في الزي والمنطق والحركات والسكنات ثم توجهت إلى المعسكر ~~ليثبت اسمها في ديوان الشجعان فلما وصلت إلى المعسكر أنفذت إلى ديوان العرض ~~وأمر بأن تجرد عن المغفر والدرع وينظر ما تحته وتمتحن بالمبارزة مع بعض ~~الشجعان ليعرف قدر عنائها في الشجاعة فلما جردت عن المغفر والدرع فإذا هي ~~عجوز ضعيفة زمنة لا تطيق حمل الدرع والمغفر فقيل لها أجئت للاستهزاء بالملك ~~وللاستخفاف بأهل حضرته والتلبيس عليهم خذوها فألقوها قدام الفيل لسخفها ~~فألقيت إلى الفيل # فكهذا يكون حال المدعين للتصوف في القيامة إذا كشف عنهم الغطاء وعرضوا ~~على القاضي إلا كبر الذي لا ينظر إلى الزي والمرقع بل إلى القلب # وفرقة أخرى زادت على هؤلاء في الغرور إذ شق عليها الاقتداء بهم في بذاذة ~~الثياب والرضا بالدون فأرادت أن تتظاهر بالتصوف ولم تجد بدا من التزين ~~بزيهم فتركوا الحرير والإبريسم وطلبوا المرقعات النفيسة والفوط الرقيقة ~~والسجادات المصبغة ولبسوا من الثياب ما هو أرفع من الحرير والإبريسم وظن ~~أحدهم مع ذلك أنه متصوف بمجرد لون الثوب وكونه مرقعا ونسي أنهم إنما لونوا ~~الثياب لئلا يطول عليهم غسلها كل ساعة PageV03P404 # لإزالة الوسخ وإنما لبسوا المرقعات إذ كانت ثيابهم مخرقة فكانوا يرقعونها ~~ولا يلبسون الجديد فأما ms1832 تقطيع الفوط الرقيقة قطعة قطعة وخياطة المرقعات ~~منها فمن أي يشبه ما اعتادوه فهؤلاء أظهر حماقة من كافة المغرورين فإنهم ~~يتنعمون بنفيس الثياب ولذيذ الأطعمة ويطلبون رغد العيش ويأكلون أموال ~~السلاطين ولا يجتنبون المعاصي الظاهرة فضلا عن الباطنة وهم مع ذلك يظنون ~~بأنفسهم الخير وشر هؤلاء مما يتعدى إلى الخلق إذ يهلك من يقتدي بهم ومن لا ~~يقتدي بهم تفسد عقيدته في أهل التصوف كافة ويظن أن جميعهم كانوا من جنسه ~~فيطول اللسان في الصادقين منهم وكل ذلك من شؤم المتشبهين وشرهم # وفرقة أخرى ادعت علم المعرفة ومشاهدة الحق ومجاوزة المقامات والأحوال ~~والملازمة في عين الشهود والوصول إلى القرب ولا يعرف هذه الأمور إلا ~~بالأسامي والألفاظ لأنه تلقف من ألفاظ الطامات كلمات فهو يرددها ويظن أن ~~ذلك أعلى من علم الأولين والآخرين فهو ينظر إلى الفقهاء والمفسرين ~~والمحدثين وأصناف العلماء بعين الإزراء فضلا عن العوام حتى إن الفلاح ليترك ~~فلاحته والحائك يترك حياكته ويلازمهم أياما معدودة ويتلقف منهم تلك الكلمات ~~المزيفة فيرددها كأنه يتكلم عن الوحي ويخبر عن سر الأسرار ويستحقر بذلك ~~جميع العباد والعلماء فيقول في العباد إنهم أجراء متعبون ويقول في العلماء ~~إنهم بالحديث عن الله محجوبون ويدعى لنفسه أنه الواصل إلى الحق وأنه من ~~المقربين وهو عند الله من الفجار المنافقين وعند أرباب القلوب من الحمقى ~~الجاهلين لم يحكم قط علما ولم يهذب خلقا ولم يرتب عملا ولم يراقب قلبا سوى ~~اتباع الهوى وتلقف الهذيان وحفظه # وفرقة أخرى وقعت في الإباحة وطووا بساط الشرع ورفضوا الأحكام وسووا بين ~~الحلال والحرام فبعضهم يزعم إن الله مستغن عن عملي فلم أتعب نفسي وبعضهم ~~يقول قد كلف الناس تطهير القلوب عن الشهوات وعن حب الدنيا وذلك محال فقد ~~كلفوا ما لا يمكن وإنما يغتر به من لم يجرب وأما نحن فقد جربنا وأدركنا أن ~~ذلك محال # ولا يعلم الأحمق أن الناس لم يكلفوا قلع الشهوة والغضب من أصلهما بل إنما ~~كلفوا قلع مادتهما بحيث ينقاد كل واحد منهما لحكم العقل ms1833 والشرع # وبعضهم يقول الأعمال بالجوارح لا وزن لها وإنما النظر إلى القلوب وقلوبنا ~~والهة بحب الله وواصلة إلى معرفة الله وإنما نخوض في الدنيا بأبداننا ~~وقلوبنا عاكفة في حضرة الربوبية فنحن مع الشهوات بالظواهر لا بالقلوب ~~ويزعمون أنهم قد ترقوا عن رتبة العوام واستغنوا عن تهذيب النفس بالأعمال ~~البدنية وأن الشهوات لا تصدهم عن طريق الله لقوتهم فيها ويرفعون درجة ~~أنفسهم على درجة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذ كانت تصدهم عن طريق الله ~~خطيئة واحدة حتى كانوا يبكون عليها وينوحون سنين متوالية وأصناف غرور أهل ~~الإباحة من المتشبهين بالصوفية لا تحصى وكل ذلك بناء على أغاليط ووساوس ~~يخدعهم الشيطان بها لاشتغالهم بالمجاهدة قبل إحكام العلم ومن غير اقتداء ~~بشيخ متقن في الدين والعلم صالح للاقتداء به وإحصاء أصنافهم يطول # وفرقة أخرى جاوزت حد هؤلاء واجتنبت الأعمال وطلقت الحلال واشتغلت بتفقد ~~القلب وصار أحدهم يدعي المقامات من الزهد والتوكل والرضا والحب من غير وقوف ~~على حقيقة هذه المقامات وشروطها وعلاماتها وآفاتها فمنهم من يدعي الوجد ~~والحب لله تعالى ويزعم أنه واله بالله ولعله قد تخيل في الله خيالات هي ~~بدعة أو كفر فيدعي حب الله قبل معرفته ثم أنه لا يخلوا عن مقارفة ما يكره ~~الله عز وجل وعن إيثار هوى نفسه على أمر الله وعن ترك بعض الأمور حياءا من ~~الخلق ولو خلا لما تركه حياءا من الله تعالى # وليس يدري أكل ذلك يناقض PageV03P405 # الحب وبعضهم ربما يميل إلى القناعة والتوكل فيخوض البوادي من غير زاد ~~ليصحح دعوى التوكل وليس يدري أن ذلك بدعة لم تنقل عن السلف والصحابة وقد ~~كانوا أعرف بالتوكل منه فما فهموا أن التوكل المخاطرة بالروح وترك الزاد بل ~~كانوا يأخذون الزاد وهم متوكلون على الله تعالى لا على الزاد وهذا ربما ~~يترك الزاد وهو متوكل على سبب من الأسباب واثق به وما من مقام من المقامات ~~المنجيات إلا وفيه غرور وقد اغتر به قوم وقد ذكرنا مداخل الآفات في ربع ~~المنجيات من الكتاب فلا يمكن ms1834 إعادتها # وفرقة أخرى ضيقت على نفسها في أمر القوت حتى طلبت منه الحلال الخالص ~~وأهملوا تفقد القلب والجوارح في غير هذه الخصلة الواحدة ومنهم من أهمل ~~الحلال في مطعمه وملبسه ومسكنه وأخذ يتعمق في غير ذلك وليس يدري المسكين أن ~~الله تعالى لم يرض من عبد بطلب الحلال فقط ولا يرضى بسائر الأعمال دون طلب ~~الحلال بل لا يرضيه إلا تفقد جميع الطاعات والمعاصي # فمن ظن أن بعض هذه الأمور يكفيه وينجيه فهو مغرور # وفرقة أخرى ادعوا حسن الخلق والتواضع والسماحة فتصدوا لخدمة الصوفية ~~فجمعوا قوما وتكلفوا بخدمتهم واتخذوا ذلك للرياسة وجمع المال وإنما غرضهم ~~التكبر وهم يظهرون الخدمة والتواضع وغرضهم الارتفاع وهم يظهرون أن غرضهم ~~الإرفاق وغرضهم الاستتباع وهم يظهرون أن غرضهم الخدمة والتبعية ثم إنهم ~~يجمعون من الحرام والشبهات وينفقون عليهم لتكثر أتباعهم وينشر بالخدمة ~~اسمهم وبعضهم يأخذ أموال السلاطين ينفق عليهم وبعضهم يأخذها لينفق في طريق ~~الحج على الصوفية ويزعم أن غرضه البر والإنفاق وباعث جميعهم الرياء والسمعة ~~وآية ذلك إهمالهم لجميع أوامر الله تعالى عليهم ظاهرا وباطنا ورضاهم بأخذ ~~الحرام والإنفاق منه # ومثال من ينفق الحرام في طريق الحج لإرادة الخير كمن يعمر مساجد الله ~~فيطينها بالعذرة ويزعم أن قصده العمارة # وفرقة أخرى اشتغلوا بالمجاهدة وتهذيب الأخلاق وتطهير النفس من عيوبها ~~وصاروا يتعمقون فيها فاتخذوا البحث عن عيوب النفس ومعرفة خدعها علما وحرفة ~~فهم في جميع أحوالهم مشغولون بالفحص عن عيوب النفس واستنباط دقيق الكلام في ~~آفاتها فيقولون هذا في النفس عيب والغفلة عن كونه عيبا عيب والالتفات إلى ~~كونه عيبا عيب ويشغفون فيه بكلمات مسلسلة تضيع الأوقات في تلفيقها ومن جعل ~~طول عمره في التفتيش عن عيوب النفس وتحرير علم علاجها كان كمن اشتغل ~~بالتفتيش عن عوائق الحج وآفاته ولم يسلك طريق الحج فذلك لا يغنيه # وفرقة أخرى جاوزوا هذه الرتبة وابتدءوا سلوك الطريق وانفتح لهم أبواب ~~المعرفة فكلما تشمموا من مبادئ المعرفة رائحة تعجبوا منها وفرحوا بها ~~وأعجبتهم غرابتها فتقيدت قلوبهم بالالتفات إليها والتفكر ms1835 فيها وفي كيفية ~~انفتاح بابها عليهم وانسداده على غيرهم وكل ذلك غرور لأن عجائب طريق الله ~~ليس لها نهاية فلو وقف مع كل أعجوبة وتقيد بها قصرت خطاه وحرم الوصول إلى ~~المقصد وكان مثاله مثال من قصد ملكا فرأى على باب ميدانه روضة فيها أزهار ~~وأنوار لم يكن قد رأى قبل ذلك مثلها فوقف ينظر إليها ويتعجب حتى فاته الوقت ~~الذي يمكن فيه لقاء الملك # وفرقة أخرى جاوزوا هؤلاء ولم يلتفتوا إلى ما يفيض عليهم من الأنوار في ~~الطريق ولا إلى ما تيسر لهم من العطايا الجزيلة ولم يعرجوا على الفرح بها ~~والالتفات إليها جادين في السير حتى قاربوا فوصلوا إلى حد القربة إلى الله ~~تعالى فظنوا أنهم قد وصلوا إلى الله فوقفوا وغلطوا فإن لله تعالى سبعين ~~حجابا من نور لا يصل السالك إلى حجاب من تلك الحجب في الطريق إلا ويظن أنه ~~قد وصل # وإليه الإشارة بقول إبراهيم عليه السلام إذ قال الله تعالى PageV03P406 # إخبارا عنه فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي وليس المعنى به هذه ~~الأجسام المضيئة فإنه كان يراها في الصغر ويعلم أنها ليست آلهة وهي كثيرة ~~وليست واحدا والجهال يعلمون أن الكوكب ليس بإله فمثل إبراهيم عليه السلام ~~لا يغره الكوكب الذي لا يغر السوادية # ولكن المراد به أنه نور من الأنوار التي هي من حجب الله عز وجل وهي على ~~طريق السالكين ولا يتصور الوصول إلى الله تعالى إلا بالوصول إلى هذه الحجب ~~وهي حجب من نور بعضها أكبر من بعض وأصغر النيرات الكوكب فاستعير له لفظه ~~وأعظمها الشمس وبينهما رتبة القمر فلم يزل إبراهيم عليه السلام لما رأى ~~ملكوت السموات حيث قال تعالى وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض يصل ~~إلى نور بعد نور ويتخيل إليه في أول ما كان يلقاه أنه قد وصل ثم كان يكشف ~~له أن وراءه أمرا فيترقى إليه ويقول قد وصلت فيكشف له ما وراءه حتى وصل إلى ~~الحجاب الأقرب الذي لا وصول إلا بعده ms1836 فقال هذا أكبر فلما ظهر له أنه مع ~~عظمه غير خال عن الهوى في حضيض النقص والانحطاط عن ذروة الكمال قال لا أحب ~~الآفلين إلى أن قال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض وسالك هذه ~~الطريق قد يغتر في الوقوف على بعض هذه الحجب وقد يغتر بالحجاب الأول وأول ~~الحجب بين الله وبين العبد هو نفسه فإنه أيضا أمر رباني وهو نور من أنوار ~~الله تعالى أعني سر القلب الذي تتجلى فيه حقيقة الحق كله حتى إنه ليتسع ~~لجملة العالم ويحيط به وتتجلى فيه صورة الكل وعند ذلك يشرق نوره إشراقا ~~عظيما إذ يظهر فيه الوجود كله على ما هو عليه وهو في أول الأمر محجوب ~~بمشكاة هي كالساتر له فإذا تجلى نوره وانكشف جمال القلب بعد إشراق نور الله ~~عليه ربما التفت صاحب القلب إلى القلب فيرى من جماله الفائق ما يدهشه وربما ~~يسبق لسانه في هذه الدهشة فيقول أنا الحق فإنه لم يتضح له ما وراء ذلك اغتر ~~به ووقف عليه وهلك وكان قد اغتر بكوكب صغير من أنوار الحضرة الإلهية ولم ~~يصل بعد إلى القمر فضلا عن الشمس فهو مغرور وهذا محل الالتباس إذا المتجلي ~~يلتبس بالمتجلى فيه كما يلتبس لون ما يتراءى في المرآة بالمرآة فيظن أنه ~~لون المرآة وكما يلتبس ما في الزجاج بالزجاج كما قيل # رق الزجاج ورقت الخمر ... فتشابها فتشاكل الأمر # فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر # وبهذه العين نظر النصارى إلى المسيح فرأوا إشراق نور الله قد تلألأ فيه ~~فغلطوا فيه كمن يرى كوكبا في مرآة أو في ماء فيظن أن الكوكب في المرآة أو ~~في الماء فيمد يده إليه ليأخذه وهو مغرور وأنواع الغرور في طريق السلوك إلى ~~الله تعالى لا تحصى في مجلدات ولا تستقصى إلا بعد شرح جميع علوم المكاشفة ~~وذلك مما لا رخصة في ذكره ولعل القدر الذي ذكرناه أيضا كان الأولى تركه إذ ~~السالك لهذا الطريق لا يحتاج إلى أن يسمعه من غيره والذي ms1837 لم يسلكه لا ينتفع ~~بسماعه بل ربما يستضر به إذ يورثه ذلك دهشة من حيث يسمع ما لا يفهم ولكن ~~فيه فائدة وهو إخراجه من الغرور الذي هو فيه بل ربما يصدق بأن الأمر أعظم ~~مما يظنه ومما يتخيله بذهنه المختصر وخياله القاصر وجدله المزخرف ويصدق ~~أيضا بما يحكى له من المكاشفات التي أخبر عنها أولياء الله ومن عظم غروره ~~ربما أصر مكذبا بما يسمعه الآن كما يكذب بما سمعه من قبل # الصنف الرابع أرباب الأموال والمغترون منهم فرق # ففرقة منهم يحرصون على بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر وما ~~يظهر للناس كافة ويكتبون أساميهم بالآجر عليها ليتخلد ذكرهم ويبقى بعد ~~الموت أثرهم وهم يظنون أنهم قد استحقوا المغفرة بذلك # وقد اغتروا فيه من وجهين PageV03P407 # أحدهما أنهم يبنونها من أموال اكتسبوها من الظلم والنهب والرشا والجهات ~~المحظورة فهم قد تعرضوا لسخط الله في كسبها وتعرضوا لسخطه في إنفاقها وكان ~~الواجب عليهم الامتناع عن كسبها فإذن قد عصوا الله بكسبها فالواجب عليهم ~~التوبة والرجوع إلى الله وردها إلى ملاكها إما بأعيانها وإما برد بدلها عند ~~العجز فإن عجزوا عن الملاك كان الواجب ردها إلى الورثة فإن لم يبق للمظلوم ~~وارث فالواجب صرفها إلى أهم المصالح وربما يكون الأهم التفرقة على المساكين ~~وهم لا يفعلون ذلك خيفة من أن لا يظهر ذلك للناس فيبنون الأبنية بالآجر ~~وغرضهم من بنائها الرياء وجلب الثناء وحرصهم على بقائها لبقاء أسمائهم ~~المكتوبة فيها لا لبقاء الخير # والوجه الثاني أنهم يظنون بأنفسهم الإخلاص وقصد الخير في الإنفاق على ~~الأبنية ولو كلف واحد منهم أن ينفق دينارا ولا يكتب اسمه على الموضع الذي ~~أنفق عليه لشق عليه ذلك ولم تسمح به نفسه والله مطلع عليه كتب اسمه أو لم ~~يكتب ولولا أنه يريد به وجه الناس لا وجه الله لما افتقر إلى ذلك # وفرقة أخرى ربما اكتسبت المال من الحلال وأنفقت على المساجد وهي أيضا ~~مغرورة من وجهين # أحدهما # الرياء وطلب الثناء فإنه ربما يكون في جواره أو بلده ms1838 فقراء وصرف المال ~~إليهم أهم وأفضل وأولى من الصرف إلى بناء المساجد وزينتها وإنما يخف عليهم ~~الصرف إلى المساجد ليظهر ذلك بين الناس # والثاني أنه يصرف إلى زخرفة المسجد وتزيينه بالنقوش التي هي منهي عنها ~~وشاغلة قلوب المصلين ومختطفة أبصارهم (1) حديث إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم ~~مصاحفكم فالدمار عليكم أخرجه ابن المبارك في الزهد وأبو بكر ابن أبي داود ~~في كتاب المصاحف موقوفا على أبي الدرداء # وقال الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبني مسجد ~~المدينة أتاه جبريل عليه السلام فقال له ابنه سبعة أذرع طولا في السماء لا ~~تزخرفه ولا تنقشه // حديث الحسن مرسلا لما أراد أن يبني مسجد المدينة أتاه ~~جبريل فقال ابنه سبعة أذرع طولا في السماء ولا تزخرفه ولا تنقشه لم أجده # فغرور هذا من حيث أنه رأى المنكر واتكل عليه # وفرقة أخرى ينفقون الأموال في الصدقات على الفقراء والمساكين ويطلبون به ~~المحافل الجامعة ومن PageV03P408 # الفقراء من عادته الشكر والإفشاء للمعروف ويكرهون التصدق في السر ويرون ~~إخفاء الفقير لما يأخذ منهم جناية عليهم وكفرانا وربما يحرصون على إنفاق ~~المال في الحج فيحجون مرة بعد أخرى وربما تركوا جيرانهم جياعا ولذلك قال ~~ابن مسعود في آخر الزمان يكثر الحاج بلا سبب يهون عليهم السفر ويبسط لهم في ~~الزرق ويرجعون محرومين مسلوبين يهوي بأحدهم بعيره بين الرمال والقفار وجاره ~~مأسور إلى جنبه لا يواسيه # وقال أبو نصر التمار إن رجلا جاء يودع بشر بن الحارث وقال قد عزمت على ~~الحج فتأمرني بشيء فقال له كم أعددت للنفقة فقال ألفي درهم # قال بشر فأي شئ تبتغي بحجك تزهدا أو اشتياقا إلى البيت أو ابتغاء مرضاة ~~الله قال ابتغاء مرضاة الله قال فإن أصبت مرضاة الله تعالى وأنت في منزلك ~~وتنفق ألفي درهم وتكون على يقين من مرضاة الله تعالى أتفعل ذلك قال نعم قال ~~اذهب فأعطها عشرة أنفس مديون يقضي دينه وفقير يرم شعثه ومعيل يغني عياله ~~ومربي يتيم يفرحه وإن قوي قلبك تعطيها واحدا ms1839 فافعل فإن إدخالك السرور على ~~قلب المسلم وإغاثة اللهفان وكشف الضر وإعانة الضعيف أفضل من مائة حجة بعد ~~حجة الإسلام قم فأخرجها كما أمرناك وإلا فقل لنا ما في قلبك فقال يا أبا ~~نصر سفري أقوى في قلبي فتبسم بشر رحمه الله وأقبل عليه وقال له المال إذا ~~جمع من وسخ التجارات والشبهات اقتضت النفس أن تقضي به وطرا فأظهرت الأعمال ~~الصالحات وقد آلى الله على نفسه أن لا يقبل إلا عمل المتقين # وفرقة أخرى من أرباب الأموال اشتغلوا بها يحفظون الأموال ويمسكونها بحكم ~~البخل ثم يشتغلون بالعبادات البدنية التي لا يحتاج فيها إلى نفقة كصيام ~~النهار وقيام الليل وختم القرآن وهم مغرورون لأن البخل المهلك قد استولى ~~على بواطنهم فهو يحتاج إلى قمعه بإخراج المال فقد اشتغل بطلب فضائل هو ~~مستغن عنها ومثاله مثال من دخل في ثوبه حية وقد أشرف على الهلاك وهو مشغول ~~بطبخ السكنجبين ليسكن به الصفراء ومن قتلته الحية متى يحتاج إلى السكنجبين ~~ولذلك قيل لبشر إن فلانا الغني كثير الصوم والصلاة فقال المسكين ترك حاله ~~ودخل في حال غيره وإنما حال هذا إطعام الطعام للجياع والإنفاق على المساكين ~~فهذا أفضل له من تجويعه نفسه ومن صلاته لنفسه من جمعه للدنيا ومنعه للفقراء # وفرقة أخرى غلبهم البخل فلا تسمح نفوسهم إلا بأداء الزكاة فقط ثم إنهم ~~يخرجون من المال الخبيث الرديء الذي يرغبون عنه ويطلبون من الفقراء من ~~يخدمهم ويتردد في حاجاتهم ومن يحتاجون إليه في المستقبل للاستسخار في خدمة ~~أو من لهم فيه على الجملة غرض أو يسلمون ذلك إلى من يعينه واحد من الأكابر ~~ممن يستظهر بحشمه لينال بذلك عنده منزلة فيقوم بحاجاته # وكل ذلك مفسدات للنية ومحبطات للعمل وصاحبه مغرور ويظن أنه مطيع لله ~~تعالى وهو فاجر إذ طلب بعبادة الله عوضا من غيره فهذا وأمثاله من غرور ~~أصحاب الأموال أيضا لا يحصى وإنما ذكرنا هذا القدر للتنبيه على أجناس ~~الغرور # وفرقة أخرى من عوام الخلق وأرباب الأموال والفقراء اغتروا بحضور مجالس ms1840 ~~الذكر واعتقدوا أن ذلك يغنيهم ويكفيهم واتخذوا ذلك عادة ويظنون أن لهم على ~~مجرد سماع الوعظ دون العمل ودون الاتعاظ أجرا وهم مغرورون لأن فضل مجلس ~~الذكر لكونه مرغبا في الخير فإن لم يهيج الرغبة فلا خير فيه والرغبة محمودة ~~لأنها تبعث على العمل فإن ضعفت عن الحمل على العمل فلا خير فيها وما يراد ~~لغيره فإذا قصر عن الأداء إلى ذلك الغير فلا قيمة له وربما يغتر بما يسمعه ~~من الواعظ من فضل حضور المجلس وفضل البكاء وربما تدخله رقة كرقة PageV03P409 # النساء فيبكي ولا عزم وربما يسمع كلاما مخوفا فلا يزيد على أن يصفق بيديه ~~ويقول يا سلام سلم أو نعوذ بالله أو سبحان الله ويظن أنه قد أتى بالخير كله ~~وهو مغرور # وإنما مثاله مثال المريض الذي يحضر مجالس الأطباء فيسمع ما يجري أو ~~الجائع الذي يحضر عنده من يصف له الأطعمة اللذيذة الشهية ثم ينصرف وذلك لا ~~يغني عنه من مرضه وجوعه شيئا # فكذلك سماع وصف الطاعات دون العمل بها لا يغني من الله شيئا # فكل وعظ لم يغير منك صفة تغييرا يغير أفعالك حتى تقبل على الله إقبالا ~~قويا أو ضعيفا وتعرض عن الدنيا فذلك الوعظ زيادة حجة عليك فإذا رأيته وسيلة ~~لك كنت مغرورا # فإن قلت فما ذكرته من مداخل الغرور أمر لا يتخلص منه أحد ولا يمكن ~~الاحتراز منه وهذا يوجب اليأس إذ لا يقوى أحد من البشر على الحذر من خفايا ~~هذه الآفات فأقول الإنسان إذا افترقت همته في شيء أظهر اليأس منه واستعظم ~~الأمر واستوعر الطريق وإذا صح منه الهوى اهتدى إلى الحيل واستنبط بدقيق ~~النظر خفايا الطرق في الوصول إلى الغرض حتى إن الإنسان إذا أراد أن يستنزل ~~الطير المحلق في جو السماء مع بعده منه استنزله وإذا أراد أن يخرج الحوت من ~~أعماق البحر استخرجه وإذا أراد أن يستخرج الذهب أو الفضة من تحت الجبال ~~استخرجه وإذا أراد أن يقنص الوحوش المطلقة في البراري والصحاري اقتنصها ~~وإذا أراد أن يستسخر ms1841 السباع والفيلة وعظيم الحيوانات استسخرها وإذا أراد أن ~~يأخذ الحيات والأفاعي ويعبث بها أخذها واستخرج الدرياق من أجوافها وإذا ~~أراد أن يتخذ الديباج الملون المنقش من ورق التوت اتخذه وإذا أراد أن يعرف ~~مقادير الكواكب وطولها وعرضها استخراج بدقيق الهندسة ذلك وهو مستقر على ~~الأرض وكل ذلك باستنباط الحيل وإعداد الآلات فسخر الفرس للركوب والكلب ~~للصيد وسخر البازي لاقتناص الطيور وهيأ الشبكة لاصطياد السمك إلى غير ذلك ~~من دقائق حيل الآدمي # كل ذلك لأن همه أمر دنياه وذلك معين له على دنياه فلو همه أمر آخرته فليس ~~عليه إلا شغل واحد وهو تقويم قلبه فعجز عن تقويم قلبه وتخاذل وقال هذا محال ~~ومن الذي يقدر عليه وليس ذلك بمحال لو أصبح وهمه هذا الهم الواحد بل هو كما ~~يقال لو صح منك الهوى أرشدت للحيل فهذا شيء لم يعجز عنه السلف الصالحون ومن ~~اتبعهم بإحسان # فلا يعجز عنه أيضا من صدقت إرادته وقويت همته بل لا يحتاج إلى عشر تعب ~~الخلق في استنباط حيل الدنيا ونظم أسبابها # فإن قلت قد قربت الأمر فيه مع أنك أكثرت في ذكر مداخل الغرور فبم ينجو ~~العبد من الغرور فاعلم أنه ينجو منه بثلاثة أمور بالفعل والعلم والمعرفة # فهذه ثلاثة أمور لا بد منها # أما العقل فأعني به الفطرة الغريزية والنور الأصلي الذي به يدرك الإنسان ~~حقائق الأشياء فالفطنة والكيس فطرة والحمق والبلادة فطرة والبليد لا يقدر ~~على التحفظ عن الغرور فصفاء العقل وذكاء الفهم لا بد منه في أصل الفطرة ~~فهذا إن لم يفطر عليه الإنسان فاكتسابه غير ممكن # نعم إذا حصل أصله أمكن تقويته بالممارسة فأساس السعادات كلها العقل ~~والكياسة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تبارك الله الذي قسم العقل بين ~~عباده أشتاتا // حديث تبارك الذي قسم العقل بين عباده الحديث أخرجه الترمذي ~~الحكيم في نوادر الأصول من رواية طاوس مرسلا وفي أوله قصة وإسناده ضعيف ~~ورواه بنحوه من حديث أبي حميد وهو ضعيف أيضا # إن الرجلان ليستوي عملهما وبرهما ms1842 وصومهما وصلاتهما ولكنهما يتفاوتان في ~~العقل كالذرة في جنب أحد وما قسم الله لخلقه حظا أفضل من العقل واليقين # وعن أبي الدرداء أنه قيل يا رسول الله أرأيت الرجل يصوم النهار ويقوم ~~الليل ويحج ويعتمر ويتصدق PageV03P410 # ويغزو في سبيل الله ويعود المريض ويشيع الجنائز ويعين الضعيف ولا يعلم ~~منزلته عند الله يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يجزى ~~على قدر عقله (1) حديث أنس أثني على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~كيف عقله الحديث أخرجه داود بن المحبر في كتاب العقل وهو ضعيف وتقدم في ~~العلم # وقال أبو الدرداء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن رجل شدة ~~عبادة سأل عن عقله فإذا قالوا حسن قال أرجوه وإن قالوا كان غير ذلك قال لن ~~يبلغ // حديث أبي الدرداء كان إذا بلغه عن رجل شدة عبادة سأل عن عقله ~~الحديث أخرجه الترمذي الحكيم في النوادر وابن عدي ومن طريقه البيهقي في ~~الشعب وضعفه # وذكر له شدة عبادة رجل فقال كيف عقله قالوا ليس بشيء قال لن يبلغ صاحبكم ~~حيث تظنون فالذكاء صحيح وغريزة العقل نعمة من الله تعالى في أصل الفطرة فإن ~~فاتت ببلادة وحماقة فلا تدارك لها # الثاني المعرفة وأعني بالمعرفة أن يعرف أربعة أمور يعرف نفسه ويعرف ربه ~~ويعرف الدنيا ويعرف الآخرة فيعرف نفسه بالعبودية والذل وبكونه غريبا في هذا ~~العالم وأجنبيا من هذه الشهوات البهيمية وإنما الموافق له طبعا هو معرفة ~~الله تعالى والنظر إلى وجهه فقط فلا يتصور أن يعرف هذا ما لم يعرف نفسه ولم ~~يعرف ربه فليستعن على هذا بما ذكرناه في كتاب المحبة وفي كتاب شرح عجائب ~~القلب وكتاب التفكر وكتاب الشكر إذ فيها إشارات إلى وصف النفس وإلى وصف ~~جلال الله ويحصل به التنبه على الجملة وكمال المعرفة وراءه فإن هذا من علوم ~~المكاشفة ولم نطنب في هذا الكتاب إلا في علوم المعاملة # وأما معرفة الدنيا والآخرة فيستعين عليها بما ذكرنا في كتاب ذم ms1843 الدنيا ~~وكتاب ذكر الموت ليتبين له أن لا نسبة للدنيا إلى الآخرة فإذا عرف نفسه ~~وربه وعرف الدنيا والآخرة ثار من قلبه بمعرفة الله حب الله وبمعرفة الآخرة ~~شدة الرغبة فيها وبمعرفة الدنيا الرغبة عنها ويصير أهم أموره ما يوصله إلى ~~الله تعالى وينفعه في الآخرة وإذا غلبت هذه الإرادة على قلبه صحت نيته في ~~الأمور كلها فإن أكل مثلا أو اشتغل بقضاء الحاجة كان قصده منه الاستعانة ~~على سلوك طريق الآخرة # وصحت نيته واندفع عنه كل غرور منشؤه تجاذب الأغراض والنزوع إلى الدنيا ~~والجاه والمال فإن ذلك هو المفسد للنية # وما دامت الدنيا أحب إليه من الآخرة وهوى نفسه أحب إليه من رضا الله ~~تعالى فلا يمكنه الخلاص من الغرور # فإذا غلب حب الله على قلبه بمعرفته بالله وبنفسه الصادرة عن كمال عقله ~~فيحتاج إلى المعنى الثالث وهو العلم أعني العلم بمعرفة كيفية سلوك الطريق ~~إلى الله والعلم بما يقربه من الله وما يبعده عنه والعلم بآفات الطريق ~~وعقباته وغوائله وجميع ذلك قد أودعناه كتب إحياء علوم الدين فيعرف من ربع ~~العبادات شروطها فيراعيها وآفاتها فيتقيها ومن ربع العادات أسرار المعايش ~~وما هو مضطر إليه فيأخذه بأدب الشرع وما هو مستغن عنه فيعرض عنه ومن ربع ~~المهلكات يعلم جميع العقبات المانعة في طريق الله فإن المانع من الله ~~الصفات المذمومة في الخلق فيعلم المذموم ويعلم طريق علاجه ويعرف من ربع ~~المنجيات الصفات المحمودة التي لا بد وأن توضع خلفا عن المذمومة بعد محوها ~~فإذا أحاط بجميع ذلك أمكنه الحذر من الأنواع التي أشرنا إليها من الغرور ~~وأصل ذلك كله أن يغلب PageV03P411 # حب الله على القلب ويسقط حب الدنيا منه حتى تقوى به الإرادة وتصح به ~~النية ولا يحصل ذلك إلا بالمعرفة التي ذكرناها # فإن قلت فإذا فعل جميع ذلك فما الذي يخاف عليه فأقول يخاف عليه أن يخدعه ~~الشيطان ويدعوه إلى نصح الخلق ونشر العلم ودعوته الناس إلى ما عرفه من دين ~~الله فإن المريد المخلص إذا فرغ من ms1844 تهذيب نفسه وأخلاقه وراقب القلب حتى ~~صفاه من جميع المكدرات واستوى على الصراط المستقيم وصغرت الدنيا في عينه ~~فتركها وانقطع طمعه عن الخلق فلم يلتفت إليهم ولم يبق إلا هم واحد وهو الله ~~تعالى والتلذذ بذكره ومناجاته والشوق إلى لقائه وقد عجز الشيطان عن إغرائه ~~إذ يأتيه من جهة الدنيا وشهوات النفس فلا يطيعه فيأتيه من جهة الدين ويدعوه ~~إلى الرحمة على خلق الله والشفقة على دينهم والنصح لهم والدعاء إلى الله ~~فينظر العبد برحمته إلى العبيد فيراهم حيارى في أمرهم سكارى في دينهم صما ~~عميا قد استولى عليهم المرض وهم لا يشعرون وفقدوا الطبيب وأشرفوا على العطب ~~فغلب على قلبه الرحمة لهم وقد كان عنده حقيقة المعرفة بما يهديهم ويبين لهم ~~ضلالهم ويرشدهم إلى سعادتهم وهو يقدر على ذكرها من غير تعب ومؤنة ولزوم ~~غرامة فكان مثله كمثل رجل كان به داء عظيم لا يطاق ألمه وقد كان لذلك يسهر ~~ليله ويقلق نهاره لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك ولا يتصرف لشدة ضربان الألم ~~فوجد له دواء عفوا صفوا من غير ثمن ولا تعب ولا مرارة في تناوله فاستعمله ~~فبرئ وصح فطاب نومه بالليل بعد طول سهره وهدأ بالنهار بعد شدة القلق وطاب ~~عيشه بعد نهاية الكدر وأصاب لذة العافية بعد طول السقام ثم نظر إلى عدد ~~كثير من المسلمين وإذا بهم تلك العلة بعينها وقد طال سهرهم واشتد قلقهم ~~وارتفع إلى السماء أنينهم فتذكر أن دواءهم هو الذي يعرفه ويقدر على شفائهم ~~بأسهل ما يكون وفي أرجى زمان فأخذته الرحمة والرأفة ولم يجد فسحة من نفسه ~~في التراخي عن الاشتغال بعلاجهم فكذلك العبد المخلص بعد أن اهتدى إلى ~~الطريق وشفي من أمراض القلوب شاهد الخلق وقد مرضت قلوبهم وأعضل داؤهم وقرب ~~هلاكهم وإشفاؤهم وسهل عليه دواؤهم فانبعث من ذات نفسه عزم جازم في الاشتغال ~~بنصحهم وحرضه الشيطان على ذلك رجاء أن يجد مجالا للفتنة فلما اشتغل بذلك ~~وجد الشيطان مجالا للفتنة فدعاه إلى الرياسة دعاء خفيا أخفى من ms1845 دبيب النمل ~~لا يشعر به المريد فلم يزل ذلك الدبيب في قلبه حتى دعاه إلى التصنع والتزين ~~للخلق بتحسين الألفاظ والنغمات والحركات والتصنع في الزي والهيئة فأقبل ~~الناس إليه يعظمونه ويبجلونه ويوقرونه توقيرا يزيد على توقير الملوك إذا ~~رأوه شافيا لأدوائهم بمحض الشفقة والرحمة من غير طمع فصار أحب إليهم من ~~آبائهم وأمهاتهم وأقاربهم فآثروه بأبدانهم وأموالهم وصاروا له خولا كالعبيد ~~والخدم فخدموه وقدموه في المحافل وحكموه على الملوك والسلاطين فعند ذلك ~~انتشر الطبع وارتاحت النفس وذاقت لذة يا لها من لذة أصابت من الدنيا شهوة ~~يستحقر معها كل شهوة فكان قد ترك الدنيا فوقع في أعظم لذاتها فعند ذلك وجد ~~الشيطان فرصة وامتدت إلى قلبه يده فهو يستعمله في كل ما يحفظ عليه تلك ~~اللذة # وأمارة انتشار الطبع وركون النفس إلى الشيطان أنه لو أخطأ فرد عليه بين ~~يدي الخلق غضب فإذا أنكر على نفسه ما وجده من الغضب بادر الشيطان فخيل إليه ~~أن ذلك غضب لله لأنه إذا لم يحسن اعتقاد المريدين فيه انقطعوا عن طريق الله ~~فوقع في الغرور فربما أخرجه ذلك إلى الوقيعة فيمن رد عليه فوقع في الغيبة ~~المحظورة بعد تركه الحلال المتسع ووقع في الكبر الذي هو تمرد عن قبول الحق ~~والشكر عليه بعد أن يحذر من طوارق الخطرات وكذلك إذا سبقه الضحك أو فتر عن ~~بعض الأوراد جزعت النفس أن يطلع عليه فيسقط قبوله فأتبع ذلك بالاستغفار ~~وتنفس الصعداء PageV03P412 # وربما زاد في الأعمال والأوراد لأجل ذلك والشيطان يخيل إليه إنك إنما ~~تفعل ذلك كيلا يفتر رأيهم عن طريق الله فيتركون الطريق بتركه وإنما ذلك ~~خدعة وغرور بل هو جزع من النفس خيفة فوت الرياسة ولذلك لا تجزع نفسه من ~~اطلاع الناس على مثل ذلك من أقرانه بل ربما يحب ذلك ويستبشر به ولو ظهر من ~~أقرانه من مالت القلوب إلى قبوله وزاد أثر كلامه في القبول على كلامه شق ~~ذلك عليه ولولا أن النفس قد استبشرت واستلذت الرياسة لكان يغتنم ذلك إذ ~~مثاله ms1846 أن يرى الرجل جماعة من إخوانه قد وقعوا في بئر وتغطى # رأس البئر بحجر كبير فعجزوا عن الرقي من البئر بسببه فرق قلبه لإخوانه ~~فجاء ليرفع الحجر من رأس البئر فشق عليه فجاءه من أعانه على ذلك حتى تيسر ~~عليه أو كفاه ذلك ونحاه بنفسه فيعظم بذلك فرحه لا محالة إذ غرضه خلاص ~~إخوانه من البئر فإن كان غرض الناصح خلاص إخوانه المسلمين من النار فإذا ~~ظهر من أعانه أو كفاه ذلك لم يثقل عليه أرأيت لو اهتدوا جميعهم من أنفسهم ~~أكان ينبغي أنه يثقل ذلك عليه إن كان غرضه هدايتهم فإذا اهتدوا بغيره فلم ~~يثقل عليه ومهما وجد ذلك في نفسه دعاه الشيطان إلى جميع كبائر القلوب ~~وفواحش الجوارح وأهلكه فنعوذ بالله من زيغ القلوب بعد الهدى ومن اعوجاج ~~النفس بعد الاستواء # فإن قلت فمتى يصح له أن يشتغل بنصح الناس فأقول إذا لم يكن له قصد إلا ~~هدايتهم لله تعالى وكان يود لو وجد من يعينه أو لو اهتدوا بأنفسهم وانقطع ~~بالكلية طمعه عن ثنائهم وعن أموالهم فاستوى عنده حمدهم وذمهم فلم يبال ~~بذمهم إذا كان الله يحمده ولم يفرح بحمدهم إذ لم يقترن به حمد الله تعالى ~~ونظر إليهم كما ينظر إلى السادات وإلى البهائم # أما إلى السادات فمن حيث إنه لا يتكبر عليهم ويرى كلهم خيرا منه لجهله ~~بالخاتمة # وأما إلى البهائم فمن حيث انقطاع طمعه عن طلب المنزلة في قلوبهم فإنه لا ~~يبالي كيف تراه البهائم فلا يتزين لها ولا يتصنع بل راعي الماشية إنما غرضه ~~رعاية الماشية ودفع الذئب عنها دون نظر الماشية إليه # فما لم ير سائر الناس كالماشية التي لا يلتفت إلى نظرها ولا يبالي بها لا ~~يسلم من الاشتغال بإصلاحهم # نعم ربما يصلحهم ولكن يفسد نفسه بإصلاحهم فيكون كالسراج يضيء لغيره ~~ويحترق في نفسه # فإن قلت فلو ترك الوعاظ الوعظ إلا عند نيل هذه الدرجة لخلت الدنيا عن ~~الوعظ وخربت القلوب فأقول قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حب ms1847 الدنيا ~~رأس كل خطيئة // حديث حب الدنيا رأس كل خطيئة أخرجه البيهقي في الشعب من ~~حديث الحسن مرسلا وقد تقدم في كتاب ذم الدنيا # ولو لم يحب الناس الدنيا لهلك العالم وبطلت المعايش وهلكت القلوب ~~والأبدان جميعا إلا أنه صلى الله عليه وسلم علم أن حب الدنيا مهلك وأن ذكر ~~كونه مهلكا لا ينزع الحب من قلوب الأكثرين لا الأقلين الذين لا تخرب الدنيا ~~بتركهم فلم يترك النصح وذكر ما في حب الدنيا من الخطر ولم يترك ذكره خوفا ~~من أن يترك نفسه بالشهوات المهلكة التي سلطها الله على عباده ليسوقهم بها ~~إلى جهنم تصديقا لقوله تعالى ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين فكذلك لا تزال ألسنة الوعاظ مطلقة لحب الرياسة ولا يدعونها ~~بقول من يقول إن الوعظ لحب الرياسة حرام كما لا يدع الخلق الشرب والزنا ~~والسرقة والرياء والظلم وسائر المعاصي يقول الله تعالى ورسوله إن ذلك حرام ~~فانظر لنفسك وكن فارغ القلب من حديث الناس فإن الله تعالى يصلح خلقا كثيرا ~~بإفساد شخص واحد وأشخاص ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض وإن ~~الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم PageV03P413 # فإنما يخشى أن يفسد طريق الاتعاظ فأما أن تخرص ألسنة الوعاظ ووراءهم باعث ~~الرياسة وحب الدنيا فلا يكون ذلك أبدا # فإن قلت فإن علم المريد هذه المكيدة من الشيطان فاشتغل بنفسه وترك النصح ~~أو نصح وراعى شرط الصدق والإخلاص فيه فما الذي يخاف عليه وما الذي بقي بين ~~يديه من الأخطار وحبائل الاغترار فاعلم أنه بقي عليه أعظمه وهو أن الشيطان ~~يقول له قد أعجزتني وأفلت مني بذكائك وكمال عقلك وقد قدرت على جملة من ~~الأولياء والكبراء وما قدرت عليك فما أصبرك وما أعظم عند الله قدرك ومحلك ~~إذ قواك على قهري ومكنك من التفطن لجميع مداخل غروري فيصغي إليه ويصدقه ~~ويعجب بنفسه من فراره في الغرور كله فيكون إعجابه بنفسه غاية الغرور وهو ~~المهلك الأكبر فالعجب أعظم من كل ذنب ولذلك ms1848 قال الشيطان يا ابن آدم إذا ~~ظننت أنك بعلمك تخلصت مني فبجهلك قد وقعت في حبائلي # فإن قلت فلو لم يعجب بنفسه إذ علم أن ذلك من الله تعالى لا منه وإن مثله ~~لا يقوى على دفع الشيطان إلا بتوفيق الله ومعونته ومن عرف ضعف نفسه وعجزه ~~عن أقل القليل فإذا قدر على مثل هذا الأمر العظيم علم أنه لم يقو عليه ~~بنفسه بل بالله تعالى فما الذي يخاف عليه بعد نفي العجب فأقول يخاف عليه ~~الغرور بفضل الله والثقة بكرمه والأمن من مكره حتى يظن أنه يبقى على هذه ~~الوتيرة في المستقبل ولا يخاف من الفترة والانقلاب فيكون حاله الاتكال على ~~فضل الله فقط دون أن يقارنه الخوف من مكره ومن أمن مكر الله فهو خاسر جدا ~~بل سبيله أن يكون مشاهدا جملة ذلك من فضل الله ثم خائفا على نفسه أن يكون ~~قد سدت عليه صفة من صفات قلبه من حب دنيا ورياء وسوء خلق والتفات إلى عز ~~وهو غافل عنه ويكون خائفا أن يسلب حاله في كل طرفة عين غير آمن من مكر الله ~~ولا غافل عن خطر الخاتمة # وهذا خطر لا محيص عنه وخوف لا نجاة منه إلا بعد مجاوزة الصراط # ولذلك لما ظهر الشيطان لبعض الأولياء في وقت النزع وكان قد بقي له نفس ~~فقال أفلت مني يا فلان فقال لا بعد # ولذلك قيل الناس كلهم هلكى إلى العالمون والعالمون كلهم هلكى إلا ~~العاملون والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم # فإذن المغرور هالك والمخلص الفار من الغرور على خطر فلذلك لا يفارق الخوف ~~والحذر قلوب أولياء الله أبدا # فنسأل الله تعالى العون والتوفيق وحسن الخاتمة فإن الأمور بخواتيمها # تم كتاب ذم الغرور وبه تم ربع المهلكات ويتلوه في أول ربع المنجيات كتاب ~~التوبة والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده وهو حسبي ~~ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم PageV03P414 ### | # بسم الله الرحمن الرحيم ### || كتاب ms1849 التوبة وهو الكتاب الأول من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي بتحميده يستفتح كل كتاب وبذكره يصدر كل خطاب وبحمده يتنعم ~~أهل النعيم في دار الثواب وباسمه يتسلى الأشقياء وإن أرخي دونهم الحجاب ~~وضرب بينهم وبين السعداء بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله ~~العذاب ونتوب إليه توبة من يوقن أنه رب الأرباب ومسبب الأسباب ونرجوه رجاء ~~من يعلم أنه الملك الرحيم الغفور التواب ونمزج الخوف برجائنا مزج من لا ~~يرتاب أنه مع كونه غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب # ونصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه صلاة تنقذنا من ~~هول المطلع يوم العرض والحساب وتمهد لنا عند الله زلفى وحسن مآب # أما بعد فإن التوبة عن الذنوب بالرجوع إلى ستار العيوب وعلام الغيوب مبدأ ~~طريق السالكين ورأس مال الفائزين وأول أقدام المريدين ومفتاح استقامة ~~المائلين ومطلع الاصطفاء والاجتباء للمقربين ولأبينا آدم عليه الصلاة ~~والسلام وعلى سائر الأنبياء أجمعين وما أجدر بالأولاد الإقتداء بالآباء ~~والأجداد فلا غرو إن أذنب الآدمي واجترم فهي شنشنة نعرفها من أخزم ومن أشبه ~~أباه فما ظلم ولكن الأب إذا جبر بعد ما كسر وعمر بعد أن هدم فليكن النزوع ~~إليه في كلا طرفي النفي والإثبات والوجود والعدم ولقد قرع آدم سن الندم ~~وتندم على ما سبق منه وتقدم فمن اتخذه قدوة في الذنب دون التوبة فقد زلت به ~~القدم بل التجرد لمحض الخير دأب الملائكة المقربين والتجرد للشر دون ~~التلافي سجية الشياطين والرجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشر ضرورة ~~الآدميين فالمتجرد للخير ملك مقرب عند الملك الديان والمتجرد للشر شيطان ~~والمتلافي للشر بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان فقد ازدوج في طينة ~~الإنسان شائبتان واصطحب فيه سجيتان وكل عبد مصحح نسبه إما إلى الملك آو إلى ~~آدم أو إلى الشيطان فالتائب قد أقام البرهان على صحة نسبه إلى آدم بملازمة ~~حد الإنسان والمصر على الطغيان مسجل على نفسه بنسب الشيطان فإما ms1850 تصحيح ~~النسب إلى الملائكة بالتجرد PageV04P002 # لمحض الخير فخارج عن حيز الإمكان فإن الشر معجون مع الخير في طينة آدم ~~عجنا محكما لا يخلصه إلا إحدى النارين نار الندم أو نار جهنم فالإحراق ~~بالنار ضروري في تخليص جوهر الإنسان من خبائث الشيطان وإليك الآن اختيار ~~أهون النارين والمبادرة إلى أخف الشرين قبل أن يطوى بساط الاختيار ويساق ~~إلى دار الاضطرار إما إلى الجنة وإما إلى النار وإذا كانت التوبة موقعها من ~~الدين هذا الموقع وجب تقديمها في صدر ربع المنجيات بشرح حقيقتها وشروطها ~~وسببها وعلامتها وثمرتها والآفات المانعة منها والأدوية الميسرة لها ويتضح ~~ذلك بذكر أربعة أركان # الركن الأول في نفس التوبة # وبيان حدها وحقيقتها وأنها واجبة على الفور وعلى جميع الأشخاص وفي جميع ~~الأحوال وأنها إذا صحت كانت مقبولة # الركن الثاني فيما عنه التوبة وهو الذنوب وبيان انقسامها إلى صغائر ~~وكبائر وما يتعلق بالعباد وما يتعلق بحق الله تعالى وبيان كيفية توزع ~~الدرجات والدركات على الحسنات والسيئات وبيان الأسباب التي بها تعظم ~~الصغائر # الركن الثالث في بيان شروط التوبة ودوامها وكيفية تدارك ما مضى من ~~المظالم وكيفية # تكفير الذنوب وبيان أقسام التائبين في دوام التوبة الركن الرابع في ~~المسبب الباعث على التوبة وكيفية العلاج في حل عقدة الإصرار من المذنبين # ويتم المقصود بهذه الأركان الأربعة إن شاء الله عز وجل ### ||| الركن الأول في نفس التوبة ### |||| بيان حقيقة التوبة وحدها # اعلم أن التوبة عبارة عن معنى ينتظم ويلتثم من ثلاثة أمور مرتبة علم وحال ~~وفعل فالعلم الأول والحال الثاني والفعل الثالث والأول موجب للثاني والثاني ~~موجب للثالث إيجابا اقتضاه اطراد سنة الله في الملك والملكوت أما العلم فهو ~~معرفة عظم ضرر الذنوب وكونها حجابا بين العبد وبين كل محبوب فإذا عرف ذلك ~~معرفة محققة بيقين غالب على قلبه ثار من هذه المعرفة تألم للقلب بسبب فوات ~~المحبوب فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألم فإن كان فواته بفعله تأسف ~~على الفعل المفوت فيسمى تألمه بسبب فعله المفوت لمحبوبه ندما فإذا غلب ms1851 هذا ~~الألم على القلب واستولى وانبعث من هذا الألم في القلب حالة أخرى تسمى ~~إرادة وقصدا إلى فعل له تعلق بالحال والماضي وبالاستقبال أما تعلقه بالحال ~~فبالترك للذنب الذي كان ملابسا وأما بالاستقبال فبالعزم على ترك الذنب ~~المفوت للمحبوب إلى آخر العمر وأما بالماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء ~~إن كان قابلا للجبر فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه الخيرات وأعني بهذا العلم ~~الإيمان واليقين فإن الإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب سموم مهلكة ~~واليقين عبارة عن تأكد هذا التصديق وانتفاء الشك عنه واستيلائه على القلب ~~فيثمر نور هذا الإيمان مهما أشرق على القلب نار الندم فيتألم بها القلب حيث ~~يبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار محجوبا عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس ~~وقد كان في ظلمة فيسطع النور عليه بانقشاع سحاب أو انحسار حجاب فرأى محبوبه ~~وقد أشرف على الهلاك فتشعل نيران الحب في قلبه وتنبعث تلك النيران بإرادته ~~للانتهاض للتدارك فالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال ~~والتلافي للماضي ثلاثة معان مرتبة في الحصول فيطلق اسم التوبة على مجموعها ~~وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ويجعل العلم كالسابق ~~والمقدمة والترك كالثمرة والتابع المتأخر وبهذا الاعتبار قال صلى الله عليه ~~وسلم الندم توبة # حديث الندم توبة أخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وصحح إسناده من حديث ~~ابن مسعود ورواه ابن حبان والحاكم من حديث أنس وقال صحيح على شرط الشيخين ~~// إذ لا يخلو الندم عن علم PageV04P003 # أوجبه وأثمره وعن عزم يتبعه ويتلوه فيكون الندم محفوفا بطرفيه فيه أعني ~~ثمرته ومثمره وبهذا الاعتبار قيل في حد التوبة إنه ذوبان الحشا لما سبق من ~~الخطأ فإن هذا يعرض لمجرد الألم ولذلك قيل هو نار في القلب تلتهب وصدع في ~~الكبد لا ينشعب وباعتبار معنى الترك قيل في حد التوبة إنه خلع لباس الجفاء ~~ونشر بساط الوفاء وقال سهل ابن عبد الله التستري التوبة تبديل الحركات ~~المذمومة بالحركات المحمودة ولا يتم ذلك إلا بالخلوة والصمت وأكل الحلال ms1852 ~~وكأنه أشار إلى المعنى الثالث من التوبة والأقاويل في حدود التوبة لا تنحصر ~~وإذا فهمت هذه المعاني الثلاثة وتلازمها وترتيبها عرفت أن جميع ما قيل في ~~حدودها قاصر عن الإحاطة بجميع معانيها وطلب العلم بحقائق الأمور أهم من طلب ~~الألفاظ المجردة ### |||| بيان وجوب التوبة وفضلها # اعلم أن وجوب التوبة ظاهر بالأخبار (1) والآيات وهو واضح بنور البصيرة ~~عند من انفتحت بصيرته وشرح الله بنور الإيمان صدره حتى اقتدرت على أن يسعى ~~بنوره الذي بين يديه في ظلمات الجهل مستغنيا عن قائد يقوده في كل خطوة ~~فالسالك إما أعمى لا يستغني عن القائد في خطوه وإما بصير يهدى إلى أول ~~الطريق ثم يهتدي بنفسه وكذلك الناس في طريق الدين ينقسمون هذا الانقسام فمن ~~قاصر لا يقدر على مجاوزة التقليد في خطوه فيفتقر إلى أن يسمع في كل قدم نصا ~~من كتاب الله أو سنة رسوله وربما يعوزه ذلك فيتحير فسير هذا وإن طال عمره ~~وعظم جده مختصر وخطاه قاصرة ومن سعيد شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه فيتنبه بأدنى إشارة لسلوك طريق معوصة وقطع عقبات متعبة ويشرق في قلبه ~~نور القرآن ونور الإيمان وهو لشدة نور باطنه يجتزىء بأدنى بيان فكأنه يكاد ~~زيته يضيء ولو لم تمسسه نار فإذا مسته نار فهو نور على نور يهدي الله لنوره ~~من يشاء وهذا لا يحتاج إلى نص منقول في كل واقعة فمن هذا حاله إذا أراد أن ~~يعرف وجوب التوبة فينظر أولا بنور البصيرة إلى التوبة ما هي ثم إلى الوجوب ~~ما معناه ثم يجمع بين معنى الوجوب والتوبة فلا يشك في ثبوته لها وذلك بأن ~~يعلم بأن معنى الواجب ما هو واجب في الوصول إلى سعادة الأبد والنجاة من ~~هلاك الأبد فإنه لولا تعلق السعادة والشقاوة بفعل الشيء وتركه لم يكن لوصفه ~~بكونه واجبا معنى وقول القائل صار واجبا بالإيجاب حديث محض فإن مالا غرض ~~لنا آجلا وعاجلا في فعله وتركه فلا معنى لاشتغالنا به أوجبه علينا غيرنا أو ~~لم ms1853 يوجبه فإذا عرف معنى الوجوب وأنه الوسيلة إلى سعادة الأبد وعلم أن لا ~~سعادة في دار البقاء إلا في لقاء الله تعالى وأن كل محجوب عنه يشقى لا ~~محالة محول بينه وبين ما يشتهي محترق بنار الفراق ونار الجحيم وعلم أنه لا ~~مبعد عن لقاء الله إلا اتباع الشهوات والأنس بهذا العالم الفاني والإكباب ~~على حب ما لا بد من فراقه قطعا وعلم أنه لا مقرب من لقاء الله إلا قطع ~~علاقة القلب عن زخرف هذا العالم والإقبال بالكلية على الله طلبا للأنس به ~~بدوام ذكره وللمحبة له بمعرفة جلاله وجماله على قدر طاقته وعلم أن الذنوب ~~التي هي إعراض عن الله وإتباع لمحاب الشياطين أعداء الله المبعدين عن حضرته ~~سبب كونه محجوبا مبعدا عن الله تعالى فلا يشك في أن الانصراف عن طريق البعد ~~واجب للوصول إلى القرب وإنما يتم الانصراف بالعلم والندم والعزم فإنه ما لم ~~يعلم أن الذنوب أسباب البعد عن المحبوب لم يندم ولم يتوجع بسبب سلوكه في ~~طريق البعد وما لم يتوجع فلا يرجع ومعنى الرجوع الترك والعزم فلا يشك في أن ~~المعاني الثلاثة ضرورية في الوصول PageV04P004 # إلى المحبوب وهكذا يكون الإيمان الحاصل عن نور البصيرة وأما من لم يترشح ~~لمثل هذا المقام المرتفع ذروته عن حدود أكثر الخلق ففي التقليد والاتباع له ~~مجال رحب يتوصل به إلى النجاة من الهلاك فليلاحظ فيه قول الله وقول رسوله ~~وقول السلف الصالحين فقد قال الله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيه ~~المؤمنون لعلكم تفلحون وهذا أمر على العموم وقال الله تعالى يا أيها الذين ~~آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا الآية ومعنى النصوح الخالص لله تعالى ~~خاليا عن الشوائب مأخوذ من النصح ويدل على فضل التوبة قوله تعالى إن الله ~~يحب التوابين ويحب المتطهرين وقال صلى الله عليه وسلم التائب حبيب الله ~~والتائب من الذنب كمن لا ذنب له (1) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الله أفرح بتوبة العبد المؤمن من رجل نزل في أرض دوية ms1854 مهلكة معه راحلته ~~عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها ~~حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال أرجع إلى مكاني الذي كنت ~~فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ فإذا راحلته عنده ~~عليها زاده وشرابه فالله تعالى أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته ~~(2) وفي بعض الألفاظ قال من شدة فرحه إذ أراد شكر الله أنا ربك وأنت عبدي ~~ويروى عن الحسن قال لما تاب الله عز وجل على آدم عليه السلام هنأته ~~الملائكة وهبط عليه جبريل وميكائيل عليهما السلام فقالا يا آدم قرت عينك ~~بتوبة الله عليك فقال آدم عليه السلام يا جبريل فإن كان بعد هذه التوبة ~~سؤال فأين مقامي فأوحى الله إليه يا آدم ورثت ذويك التعب والنصب وورثتهم ~~التوبة فمن دعاني منهم لبيته كما لبيتك ومن سألني المغفرة لم أبخل عليه ~~لأني قريب مجيب يا آدم وأحشر التائبين من القبور مستبشرينضاحكين ودعاؤهم ~~مستجاب والأخبار والآثار في ذلك لا تحصى والإجماع منعقد من الأمة على ~~وجوبها إذ معناه العلم بأن الذنوب والمعاصي مهلكات ومبعدات من الله تعالى ~~وهذا داخل في وجوب الإيمان ولكن قد تدهش الغفلة عنه فمعنى هذا العلم إزالة ~~هذه الغفلة ولا خلاف في وجوبها ومن معانيها ترك المعاصي في الحال والعزم ~~على تركها في الاستقبال وتدارك ما سبق من التقصير في سابق الأحوال وذلك لا ~~يشك في وجوبه وأما التندم على ما سبق والتحزن عليه فواجب وهو روح التوبة ~~وبه تمام التلافي فكيف لا يكون واجبا بل هو نوع ألم يحصل لا محالة عقيب ~~حقيقة المعرفة بما فات من العمر وضاع في سخط الله # فإن قلت تألم القلب أمر ضروري لا يدخل تحت الاختيار فكيف يوصف بالوجوب ~~فاعلم أن سببه تحقيق العلم بفوات المحبوب وله سبيل إلى تحصيل سببه وبمثل ~~هذا المعنى دخل العلم تحت الوجوب لا بمعنى أن العلم يخلقه العبد ويحدثه في ~~نفسه فإن ذلك محال بل العلم والندم ms1855 والفعل والإرادة والقدرة والقادر الكل ~~من خلق الله وفعله والله خلقكم وما تعملون هذا هو الحق عند ذوي الأبصار وما ~~سوى هذا ضلال # فإن قلت أفليس للعبد اختيار في الفعل والترك قلنا نعم وذلك لا يناقض ~~قولنا إن الكل من خلق الله تعالى بل الاختيار أيضا من خلق الله والعبد مضطر ~~في الاختيار الذي له فإن الله إذا خلق اليد الصحيحة PageV04P005 # وخلق الطعام اللذيذ وخلق الشهوة للطعام في المعدة وخلق العلم في القلب ~~بأن هذا الطعام يسكن الشهوة وخلق الخواطر المتعارضة في أن هذا الطعام هل ~~فيه مضرة مع أنه يسكن الشهوة وهل دون تناوله مانع يتعذر معه تناوله أم لا ~~ثم خلق العلم بأنه لا مانع ثم عند اجتماع هذه الأسباب تنجزم الإرادة ~~الباعثة على التناول فانجزام الإرادة بعد تردد الخواطر المتعارضة وبعد وقوع ~~الشهوة للطعام يسمى اختيارا ولا بد من حصوله عند تمام أسبابه فإذا حصل ~~انجزام الإرادة بخلق الله تعالى إياها تحركت اليد الصحيحة إلى جهة الطعام ~~لا محالة إذ بعد تمام الإرادة والقدرة يكون حصول الفعل ضروريا فتحصل الحركة ~~فتكون الحركة بخلق الله بعد حصول القدرة وانجزام الإرادة وهما أيضا من خلق ~~الله وانجزام الإرادة يحصل بعد صدق الشهوة والعلم بعدم الموانع وهما أيضا ~~من خلق الله تعالى ولكن بعض هذه المخلوقات يترتب على البعض ترتيبا جرت به ~~سنة الله تعالى في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا فلا يخلق الله حركة اليد ~~بكتابة منظومة ما لم يخلق فيها صفة تسمى قدرة وما لم يخلق فيها حياة وما لم ~~يخلق إرادة مجزومة ولا يخلق الإرادة المجزومة ما لم يخلق شهوة وميلا في ~~النفس ولا ينبعث هذا الميل انبعاثا تاما ما لم يخلق علما بأنه موافق للنفس ~~إما في الحال أو في المآل ولا يخلق العلم أيضا إلا بأسباب أخر ترجع إلى ~~حركة وإرادة وعلم فالعلم والميل الطبيعي أبدا يستتبع الإرادة الجازمة ~~والقدرة والإرادة أبدا تستردف الحركة وهكذا الترتيب في كل فعل والكل من ~~اختراع الله تعالى ms1856 ولكن بعض مخلوقاته شرط لبعض فلذلك يجب تقدم البعض وتأخر ~~البعض كما لا تخلق الإرادة إلا بعد العلم ولا يخلق العلم إلا بعد الحياة ~~ولا تخلق الحياة إلا بعد الجسم فيكون خلق الجسم شرطا لحدوث الحياة لا أن ~~الحياة تتولد من الجسم ويكون خلق الحياة شرطا لخلق العلم لا أن العلم يتولد ~~من الحياة ولكن لا يستعد المحل لقبول العلم إلا إذا كان حيا ويكون خلق ~~العلم شرطا لجزم الإرادة لا أن العلم يولد الإرادة ولكن لا يقبل الإرادة ~~إلا جسم حي عالم ولا يدخل في الوجود إلا ممكن والإمكان ترتيب لا يقبل ~~التغيير لأن تغييره محال فمهما وجد شرط الوصف استعد المحل به لقبول الوصف ~~فحصل ذلك الوصف من الجود الإلهي والقدرة الأزلية عند حصول الاستعداد ولما ~~كان للاستعداد بسبب الشروط ترتيب كان لحصول الحوادث بفعل الله تعالى ترتيب ~~والعبد مجري هذه الحوادث المرتبة وهي مرتبة في قضاء الله تعالى الذي هو ~~واحد كلمح البصر ترتيبا كليا لا يتغير وظهورها بالتفصيل مقدر بقدر لا ~~يتعداها وعنه العبارة بقوله تعالى إنا كل شيء خلقناه بقدر وعن القضاء الكلي ~~الأزلي العبارة بقوله تعالى وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر وأما العباد ~~فإنهم مسخرون تحت مجاري القضاء والقدر ومن جملة القدر خلق حركة في يد ~~الكاتب بعد خلق صفة مخصوصة في يده تسمى القدرة وبعد خلق ميل قوى جازم في ~~نفسه يسمى القصد وبعد علم بما إليه ميله يسمى الإدراك والمعرفة فإذا ظهرت ~~من باطن الملكوت هذه الأمور الأربعة على جسم عبد مسخر تحت قهر التقدير سبق ~~أهل عالم الملك والشهادة المحجوبون عن عالم الغيب والملكوت وقالوا يا أيها ~~الرجل قد تحركت ورميت وكتبت ونودي من وراء حجاب الغيب وسرادقات الملكوت وما ~~رميت إذ رميت ولكن الله رمى وما قتلت إذ قتلت ولكن قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم وعند هذا تتحير عقول القاعدين في بحبوحة عالم الشهادة فمن قائل إنه ~~جبر محض ومن قائل إنه اختراع صرف ومن متوسط مائل إلى أنه كسب ms1857 ولو فتح لهم ~~أبواب السماء فنظروا إلى عالم الغيب والملكوت لظهر لهم أن كل واحد صادق من ~~وجه وأن القصور شامل لجميعهم فلم يدرك واحد منهم كنه هذا الأمر ولم يحط ~~علمه بجوانبه وتمام علمه ينال بإشراق النور من كوة نافذة إلى عالم الغيب ~~وأنه تعالى عالم الغيب والشهادة لا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من ~~رسول وقد يطلع على الشهادة PageV04P006 # من لم يدخل في حيز الارتضاء ومن حرك سلسلة الأسباب والمسببات وعلم كيفية ~~تسلسلها ووجه ارتباط مناط سلسلتها بمسبب الأسباب انكشف له سر القدر وعلم ~~علما يقينا أن لا خالق إلا الله ولا مبدع سواه # فإن قلت قد قضيت على كل واحد من القائلين بالجبر والاختراع والكسب أنه ~~صادق من وجه وهو مع صدقه قاصر وهذا تناقض فكيف يمكن فهم ذلك وهل يمكن إيصال ~~ذلك إلى الإفهام بمثال فاعلم أن جماعة من العميان قد سمعوا أنه حمل إلى ~~البلدة حيوان عجيب يسمى الفيل وما كانوا قط شاهدوا صورته ولا سمعوا اسمه ~~فقالوا لا بد لنا من مشاهدته ومعرفته باللمس الذي نقدر عليه فطلبوه فلما ~~وصلوا إليه لمسوه فوقع يد بعض العميان على رجليه ووقع يد بعضهم على نابه ~~ووقع يد بعضهم على أذنه فقالوا قد عرفنا انصرفوا سألهم بقية العميان ~~فاختلفت أجوبتهم فقال الذي لمس الرجل إن الفيل ما هو إلا مثل أسطوانة خشنة ~~الظاهر إلا أنه ألين منها وقال الذي لمس الناب ليس كما يقول بل هو صلب لا ~~لين فيه وأملس لا خشونة فيه وليس في غلظ الأسطوانة أصلا بل هو مثل عمود ~~وقال الذي لمس الأذن لعمري هو لين وفيه خشونة فصدق أحدهما فيه ولكن قال ما ~~هو مثل عمود ولا هو مثل أسطوانة وإنما هو مثل جلد عريض غليظ فكل واحد من ~~هؤلاء صدق من وجه إذ أخبر كل واحد عما أصابه من معرفة الفيل ولم يخرج واحد ~~في خبره عن وصف الفيل ولكنهم بحملتهم قصروا عن الإحاطة بكنه صورة الفيل ~~فاستبصر بهذا ms1858 المثال واعتبر به فإنه مثال أكثر ما اختلف الناس فيه وإن كان ~~هذا كلاما يناطح علوم المكاشفة ويحرك أمواجها وليس ذلك من غرضنا فلنرجع إلى ~~ما كنا بصدده وهو بيان أن التوبة واجبة بجميع أجزائها الثلاثة العلم والندم ~~والترك وأن الندم داخل في الوجوب لكونه واقعا في جملة أفعال الله المحصورة ~~بين علم العبد وإرادته وقدرته المتخللة بينها وما هذا وصفه فاسم الوجوب ~~يشمله ### |||| بيان أن وجوب التوبة على الفور # أما وجوبها على الفور فلا يستراب فيه إذ معرفة كون المعاصي مهلكات من نفس ~~الإيمان وهو واجب على الفور المتقصي عن وجوبه هو الذي عرفه معرفة زجره ذلك ~~عن الفعل المكروه فإن هذه المعرفة ليست من علوم المكاشفات التى لا تتعلق ~~بعمل بل هي من علوم المعاملة وكل علم يراد ليكون باعثا على عمل فلا يقع ~~التقصي عن عهدته ما لم يصر باعثا عليه فالعلم بضرر الذنوب إنما أريد ليكون ~~باعثا لتركها فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الإيمان وهو المراد ~~بقوله صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن (1) وما أراد ~~به نفي الإيمان الذي يرجع إلى علوم المكاشفة كالعلم بالله ووحدانيته وصفاته ~~وكتبه ورسله فإن ذلك لا ينفيه الزنا والمعاصي وإنما أراد به نفي الإيمان ~~لكون الزنا مبعدا عن الله تعالى موجبا للمقت كما إذا قال الطبيب هذا سم فلا ~~تتناوله فإذا تناوله يقال تناول وهو غير مؤمن لا بمعنى أنه غير مؤمن بوجود ~~الطبيب وكونه طبيبا وغير مصدق به بل المراد أنه غير مصدق بقوله إنه سم مهلك ~~فإن العالم بالسم لا يتناوله أصلا فالعاصي بالضرورة ناقص الإيمان وليس ~~الإيمان بابا واحدا بل هو نيف وسبعون بابا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ومثاله قول القائل ليس الإنسان موجودا واحدا ~~بل هو نيف وسبعون موجودا أعلاها القلب والروح وأدناها إماطة الأذى عن ~~البشرة بأن يكون مقصوص الشارب مقلوم الأضافر نقى البشرة عن PageV04P007 # الخبث حتى يتميز عن ms1859 البهائم المرسلة الملوثة بأرواثها المستكرهة الصور ~~بطول مخالبها وأظلافها وهذا مثال مطابق فالإيمان كالإنسان وفقد شهادة ~~التوحيد يوجد البطلان بالكلية كفقد الروح والذي ليس له إلا شهادة التوحيد ~~والرسالة هو كإنسان مقطوع الأطراف مفقوع العينين فاقد لجميع أعضائه الباطنة ~~والظاهرة لا أصل الروح وكما أن من هذا حاله قريب من أن يموت فتزايله الروح ~~الضعيفة المنفردة التي تخلف عنها الأعضاء التي تمدها وتقويها فكذلك من ليس ~~له إلا أصل الإيمان وهو مقصر في الأعمال قريب من أن تقتلع شجرة إيمانه إذا ~~صدمتها الرياح العاصفة المحركة للإيمان في مقدمة قدوم ملك الموت ووروده فكل ~~إيمان لم يثبت في اليقين أصله ولم تنتشر في الأعمال فروعه لم يثبت على ~~عواصف الأهوال عند ظهور ناصية ملك الموت وخيف عليه سوء الخاتمة لا ما يسقى ~~بالطاعات على توالي الأيام والساعات حتى رسخ وثبت وقول العاصي للمطيع إني ~~مؤمن كما أنك مؤمن كقول شجرة القرع لشجرة الصنوبر أنا شجرة وأنت شجرة وما ~~أحسن جواب شجرة الصنوبر إذ قالت ستعرفين اغترارك بشمول الاسم إذا عصفت رياح ~~الخريف فعند ذلك تنقطع أصولك وتتناثر أوراقك وينكشف غرورك بالمشاركة في اسم ~~الشجرة مع الغفلة عن أسباب ثبوت الأشجار # سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار # وهذا أمر يظهر عند الخاتمة وإنما انقطع نياط العارفين خوفا من دواعي ~~الموت ومقدماته الهائلة التي لا يثبت عليها إلا الأقلون فالعاصي إذا كان لا ~~يخاف الخلود في النار بسبب معصيته كالصحيح المنهمك في الشهوات المضرة إذا ~~كان لا يخاف الموت بسبب صحته وأن الموت غالبا لا يقع فجأة فيقال له الصحيح ~~يخاف المرض ثم إذا مرض خاف الموت وكذلك العاصي يخاف سوء الخاتمة ثم إذا ختم ~~له بالسوء والعياذ بالله وجب الخلود في النار فالعاصى للإيمان كالمأكولات ~~المضرة للأبدان فلا تزال تجتمع في الباطن حتى تغير مزاج الأخلاط وهو لا ~~يشعر بها إلى أن يفسد المزاج فيمرض دفعة ثم يموت دفعة فكذلك المعاصي فإذا ~~كان الخائف من الهلاك في هذه الدنيا ms1860 المنقضية يجب عليه ترك السموم وما يضره ~~من المأكولات في كل حال وعلى الفور فالخائف من هلاك الأبد أولى بأن يجب ~~عليه ذلك وإذا كان متناول السم إذا ندم يجب عليه أن يتقيأ ويرجع عن تناوله ~~بإبطاله وإخراجه عن المعدة على سبيل الفور والمبادرة تلافيا لبدنه المشرف ~~على هلاك لا يفوت عليه إلا هذه الدنيا الفانية فمتناول سموم الدين وهي ~~الذنوب أولى بأن يجب عليه الرجوع عنها بالتدارك الممكن ما دام يبقى للتدارك ~~مهلة وهو العمر فإن المخوف من هذا السم فوات الآخرة الباقية التي فيها ~~النعيم المقيم والملك العظيم وفي فواتها نار الجحيم والعذاب المقيم الذى ~~تتصرم أضعاف أعمار الدنيا دون عشر عشير مدته إذ ليس لمدته آخر البتة ~~فالبدار البدار إلى التوبة قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح الإيمان عملا ~~يجاوز الأمر فيه الأطباء واختيارهم ولا ينفع بعده الاحتماء فلا ينجح بعد ~~ذلك نصح الناصحين ووعظ الواعظين وتحق الكلمة عليه بأنه من الهالكين ويدخل ~~تحت عموم قوله تعالى {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم ~~مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ~~وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} ولا يغرنك لفظ الإيمان فنقول ~~المراد بالآية الكافر إذ بين لك أن الإيمان بضع وسبعون بابا وأن الزاني لا ~~يزني حين يزني وهو مؤمن فالمحجوب عن الإيمان الذي هو شعب وفروع سيحجب في ~~الخاتمة عن الإيمان الذي هو أصل كما أن الشخص الفاقد لجميع الأطراف التي هي ~~حروف وفروع سيساق إلى الموت المعدم للروح التي هي أصل فلا بقاء للأصل دون ~~الفرع PageV04P008 # ولا وجود للفرع دون الأصل ولا فرق بين الأصل والفرع إلا في شيء واحد وهو ~~أن وجود الفرع وبقاءه جميعا يستدعي وجود الأصل وأما وجود الأصل فلا يستدعي ~~وجود الفرع فبقاء الأصل بالفرع ووجود الفرع بالأصل فعلوم المكاشفة وعلوم ~~المعاملة متلازمة كتلازم الفرع والأصل فلا يستغني أحدهما عن الآخر وإن كان ~~أحدهما في رتبة الأصل والآخر في رتبة ms1861 التابع وعلوم المعاملة إذا لم تكن ~~باعثة على العمل فعدمها خير من وجودها فإن هي لم تعمل عملها الذي تراد له ~~قامت مؤيدة للحجة على صاحبها ولذلك يزاد في عذاب العالم الفاجر على عذاب ~~الجاهل الفاجر كما أوردنا من الأخبار في كتاب العلم ### |||| بيان أن وجوب التوبة عام في الأشخاص والأحوال فلا ينفك عنه أحد البتة # اعلم أن ظاهر الكتاب قد دل على هذا إذ قال تعالى وتوبوا إلى الله جميعا ~~أيه المؤمنون لعلكم تفلحون فعمم الخطاب ونور البصيرة أيضا يرشد إليه إذ ~~معنى التوبة الرجوع عن الطريق المبعد عن الله المقرب إلى الشيطان ولا يتصور ~~ذلك إلا من عاقل ولا تكمل غريزة العقل إلا بعد كمال غريزة الشهوة والغضب ~~وسائر الصفات المذمومة التي هي وسائل الشيطان إلى إغواء الإنسان إذ كمال ~~العقل إنما يكون عند مقاربة الأربعين وأصله إنما يتم عند مراهقة البلوغ ~~ومباديه تظهر بعد سبع سنين والشهوات جنود الشيطان والعقول جنود الملائكة ~~فإذا اجتمعا قام القتال بينهما بالضرورة إذ لا يثبت أحدهما للآخر لأنهما ~~ضدان فالتطارد بينهما كالتطارد بين الليل والنهار والنور والظلمة ومهما غلب ~~أحدهما أزعج الآخر بالضرورة وإذا كانت الشهوات تكمل في الصبا والشباب قبل ~~كمال العقل فقد سبق جند الشيطان واستولى على المكان ووقع للقلب به أنس وإلف ~~لا محالة مقتضيات الشهوات بالعادة وغلب ذلك عليه ويعسر عليه النزوع عنه ثم ~~يلوح العقل الذي هو حزب الله وجنده ومنقذ أوليائه من أيدي أعدائه شيئا ~~فشيئا على التدريج فإن لم يقو ولم يكمل سلمت مملكة القلب للشيطان وأنجز ~~اللعين موعده حيث قال {لأحتنكن ذريته إلا قليلا} وإن كمل العقل وقوي كان ~~أول شغله قمع حنود الشيطان بكسر الشهوات ومفارقة العادات ورد الطبع على ~~سبيل القهر إلى العبادات ولا معنى للتوبة إلا هذا وهو الرجوع عن طريق دليله ~~الشهوة وخفيره الشيطان إلى طريق الله تعالى وليس في الوجود آدمي إلا وشهوته ~~سابقة على عقله وغريزته التي هي عدة الشيطان متقدمة على غريزته التي هي عدة ~~الملائكة ms1862 فكان الرجوع عما سبق إليه على مساعدة الشهوات ضروريا في حق كل ~~إنسان نبيا كان أو غبيا فلا تظنن أن هذه الضرورة اختصت بآدم عليه السلام ~~وقد قيل # فلا تحسبن هندا لها الغدر وحدها ... سجية نفس كل غانية هند # بل هو حكم أزلي مكتوب على جنس الإنس لا يمكن فرض خلافه ما لم تتبدل السنة ~~الإلهية التي لا مطمع في تبديلها فإذن كل من بلغ كافرا جاهلا فعليه التوبة ~~من جهله وكفره فإذا بلغ مسلما تبعا لأبويه غافلا عن حقيقة إسلامه فعليه ~~التوبة من غفلته بتفهم معنى الإسلام فإنه لا يغني عنه إسلام أبويه شيئا ما ~~لم يسلم بنفسه فإن فهم ذلك فعليه الرجوع عن عادته وإلفه للاسترسال وراء ~~الشهوات من غير صارف بالرجوع إلى قالب حدود الله في المنع والإطلاق ~~والانفكاك والاسترسال وهو من أشق أبواب التوبة وفيه هلك الأكثرون إذ عجزوا ~~عنه وكل هذا رجوع وتوبة فدل على أن التوبة فرض عين في حق كل شخص يتصور أن ~~يستغني عنها أحد من البشر كما لم يستغن آدم فخلقة الولد لا تتسع لما لم ~~يتسع له خلقة الوالد أصلا وأما بيان وجوبها على الدوام وفي كل حال فهو PageV04P009 # أن كل بشر فلا يخلو عن معصية بجوارحه إذ لم يخل عنه الأنبياء كما ورد في ~~القرآن والأخبار من خطايا الأنبياء وتوبتهم وبكائهم على خطاياهم فإن خلا في ~~بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب فإن خلا في ~~بعض الأحوال عن الهم فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة ~~المذهلة عن ذكر الله فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله ~~وصفاته وأفعاله وكل ذلك نقص وله أسباب وترك أسبابه بالتشاغل بأضدادها رجوع ~~عن طريق إلى ضده والمراد بالتوبة الرجوع ولا يتصور الخلو في حق الآدمي عن ~~هذا النقص وإنما يتفاوتون في المقادير فأما الأصل فلا بد منه ولهذا قال ~~عليه السلام إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين ms1863 ~~مرة (1) الحديث ولذلك أكرمه الله تعالى بأن قال ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر وإذا كان هذا حاله فكيف حال غيره # فإن قلت لا يخفى أن ما يطرأ على القلب من الهموم والخواطر نقص وأن الكمال ~~في الخلو عنه وأن القصور عن معرفة كنه جلال الله نقص وإنه كلما ازدادت ~~المعرفة زاد الكمال وأن الانتقال إلى الكمال من أسباب النقصان رجوع والرجوع ~~توبة ولكن هذه فضائل لا فرائض وقد أطلقت القول بوجوب التوبة في كل حال ~~والتوبة عن هذه الأمور ليست بواجبة إذ إدراك الكمال غير واجب في الشرع فما ~~المراد بقولك التوبة واجبة في كل حال فاعلم أنه قد سبق أن الإنسان لا يخلو ~~في مبدأ خلقته من اتباع الشهوات أصلا وليس معنى التوبة تركها فقط بل تمام ~~التوبة بتدارك ما مضى وكل شهوة اتبعها الإنسان ارتفع منها ظلمة إلى قلبه ~~كما يرتفع عن نفس الإنسان ظلمة إلى وجه المرآة الصقيلة فإن تراكمت ظلمة ~~الشهوات صار رينا كما يصير بخار النفس في وجهه المرآة عند تراكمه خبثا كما ~~قال تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون فإذا تراكم الرين صار ~~طبعا فيطبع على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم وطال زمانه غاص في ~~جرم الحديد وأفسده وصار لا يقبل الصقل بعده وصار كالمطبوع من الخبث ولا ~~يكفي في تدارك اتباع الشهوات تركها في المستقبل بل لا بد من محو تلك ~~الأريان التي انطبعت في القلب كما لا يكفي في ظهور الصور في المرآة قطع ~~الانفاس والبخارت المسودة لوجهها في المستقبل ما لم يشتغل بمحو ما انطبع ~~فيها من الأريان وكما يرتفع إلى القلب ظلمة من المعاصي والشهوات فيرتفع ~~إليه نور من الطاعات وترك الشهوات فتنمحي ظلمة المعصية بنور الطاعة وإليه ~~الإشارة بقوله عليه السلام أتبع السيئة الحسنة تمحها (2) فإذن لا يستغني ~~العبد في حال من أحواله عن محو آثار السيئات عن قلبه بمباشرة حسنات تضاد ~~آثارها آثار تلك السيئات هذا في قلب حصل ms1864 أولا صفاؤه وجلاؤه ثم أظلم بأسباب ~~عارضة فأما التصقيل الأول ففيه يطول الصقل إذ ليس شغل الصقل في إزالة الصدأ ~~عن المرآة كشغله في عمل أصل المرآة فهذه أشغال طويلة لا تنقطع أصلا وكل ذلك ~~يرجع إلى التوبة فأما قولك إن هذا لا يسمى واجبا بل هو فضل وطلب كمال فاعلم ~~أن الواجب له معنيان أحدهما ما يدخل في فتوى الشرع ويشترك فيه كافة الخلق ~~وهو القدر الذي لو اشتغل به كافة الخلق لم يخرب العالم فلو كلف الناس كلهم ~~أن يتقوا الله حق تقاته لتركوا المعايش ورفضوا الدنيا بالكلية ثم يؤدي ذلك ~~إلى بطلان التقوى بالكلية فإنه مهما فسدت المعايش لم يتفرغ أحد للتقوى بل ~~شغل الحياكة PageV04P010 # والحراثة والخبز يستغرق جميع العمر من كل واحد فيما يحتاج إليه فجميع هذه ~~الدرجات ليست بواجبة بهذا الاعتبار والواجب الثاني هو الذي لا بد منه ~~للوصول به إلى القرب المطلوب من رب العالمين والمقام المحمود بين الصديقين ~~والتوبة عن جميع ما ذكرناه واجبة في الوصول إليه كما يقال الطهارة واجبة في ~~الصلاة للتطوع أي لمن يريدها فإنه لا يتوصل إليه إلا بها فأما من رضي ~~بالنقصان والحرمان عن فضل صلاة التطوع فالطهارة ليست واجبة عليه لأجلها كما ~~يقال العين والأذن واليد والرجل شرط في وجود الإنسان يعني أنه شرط لمن يريد ~~أن يكون إنسانا كاملا ينتفع بإنسانيته ويتوصل بها إلى درجات العلا في ~~الدنيا فأما من قنع بأصل الحياة ورضي أن يكون كلحم على وضم وكخرقة مطروحة ~~فليس يشترط لمثل هذه الحياة عين ويد ورجل فأصل الواجبات الداخلة في فتوى ~~العامة لا يوصل إلا إلى أصل النجاة وأصل النجاة كأصل الحياة وما وراء أصل ~~النجاة من السعادات التي بها تنتهي الحياة يجري مجرى الأعضاء والآلات التي ~~بها تتهيأ الحياة وفيه سعي الأنبياء والأولياء والعلماء والأمثل فالأمثل ~~وعليه كان حرصهم وحواليه كان تطوافهم ولأجله كان رفضهم لملاذ الدنيا ~~بالكلية حتى انتهى عيسى عليه السلام إلى أن توسد حجرا في منامه فجاء إليه ~~الشيطان ms1865 وقال أما كنت تركت الدنيا للآخرة فقال نعم وما الذي حدث فقال توسدك ~~لهذا الحجر تنعم في الدنيا فلم لا تضع رأسك على الأرض فرمى عيسى عليه ~~السلام بالحجر ووضع رأسه على الأرض وكان رميه للحجر توبة عن ذلك التنعم ~~أفترى أن عيسى عليه السلام لم يعلم أن وضع الرأس على الأرض لا يسمى واجبا ~~في فتاوي العامة أفترى أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم لما شغله الثوب ~~الذي كان عليه علم فى صلاته حتى نزعه (1) وشغله شراك نعله الذي جدده حتى ~~أعاد الشراك الخلق (2) لم يعلم أن ذلك ليس واجبا في شرعه الذي شرعه لكافة ~~عباده فإذا علم ذلك فلم تاب عنه بتركه وهل كان ذلك إلا لأنه رآه مؤثرا في ~~قلبه أثرا يمنعه عن بلوغ المقام المحمود الذي قد وعد به أفترى أن الصديق ~~رضي الله عنه بعد أن شرب اللبن وعلم أنه على غير وجه أدخل إصبعه في حلقه ~~ليخرجه حتى كاد يخرج معه روحه ما علم من الفقه هذا القدر وهو أن ما أكله عن ~~جهل فهو غير آثم به ولا يجب في فتوى الفقه إخراجه فلم تاب عن شرابه ~~بالتدارك على حسب إمكانه بتخلية المعدة عنه وهل كان ذلك إلا لسر وقر في ~~صدره عرفه ذلك السر أن فتوى العامة حديث آخر وأن خطر طريق الآخرة لا يعرفه ~~إلا الصديقون فتأمل أحوال هؤلاء الذين هم أعرف خلق الله بالله وبطريق الله ~~وبمكر الله وبمكامن الغرور بالله وإياك مرة واحدة أن تغرك الحياة الدنيا ~~وإياك ثم إياك ألف ألف مرة أن يغرك بالله الغرور فهذه أسرار من استنشق ~~مبادىء روائحها علم أن لزوم التوبة النصوح ملازم للعبد السالك في طريق الله ~~تعالى في كل نفس من أنفاسه ولو عمر عمر نوح وأن ذلك واجب على الفور من غير ~~مهلة ولقد صدق أبو سليمان الداراني حيث قال لو لم يبك العاقل فيما بقي من ~~عمره إلا على تفويت ما مضى منه في غير الطاعة لكان خليقا ms1866 أن يحزنه ذلك إلى ~~الممات فكيف من يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله وإنما قال هذا ~~لأن العاقل إذا ملك جوهرة نفيسة وضاعت منه بغير فائدة بكى عليها لا محالة ~~وإن ضاعت منه وصار ضياعها سبب هلاكه كان بكاؤه منها أشد وكل ساعة من العمر ~~بل كل نفس جوهرة نفيسة لا خلف لها ولا بدل منها فإنها صالحة لأن توصلك إلى ~~سعادة الأبد وتنقذك من شقاوة الأبد وأي جواهر أنفس من هذا فإذا ضيعتها في ~~الغفلة فقد خسرت خسرانا مبينا وإن صرفتها إلى معصية PageV04P011 # فقد هلكت هلاكا فاحشا فإن كنت لا تبكي على هذه المعصية فذلك لجهلك ~~ومصيبتك بجهلك أعظم من كل مصيبة لكن الجهل مصيبة لا يعرف المصاب بها أنه ~~صاحب مصيبة فإن نوم الغفلة يحول بينه وبين معرفته والناس نيام فإذا ماتوا ~~انتبهوا فعند ذلك ينكشف لكل مفلس إفلاسه ولكل مصاب مصيبته وقد رفع الناس عن ~~التدارك # قال بعض العارفين إن ملك الموت عليه السلام إذا ظهر للعبد أعلمه أنه بقي ~~من عمرك ساعة وأنك لا تستأخر عنها طرفة عين فيبدو للعبد من الأسف والحسرة ~~ما لو كانت له الدنيا بحذافيرها لخرج منها على أن يضم إلى تلك الساعة ساعة ~~أخرى ليستعتب فيها ويتدارك تفريطه فلا يجد إليه سبيلا وهو أول ما يظهر من ~~معاني قوله تعالى {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} وإليه الإشارة بقوله تعالى ~~من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن ~~من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها فقيل الأجل القريب الذي ~~يطلبه معناه أنه يقول عند كشف الغطاء للعبد يا ملك الموت أخرني يوما أعتذر ~~فيه إلى ربي وأتوب وأتزود صالحا لنفسي فيقول فنيت الأيام فلا يوم فيقول ~~فأخرني ساعة فيقول فنيت الساعات فلا ساعة فيغلق عليه باب التوبة فيتغرغر ~~بروحه وتتردد أنفاسه في شراسفه ويتجرع غصة اليأس عن التدارك وحسرة الندامة ~~على تضييع العمر فيضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك ms1867 الأحوال فإذا زهقت نفسه ~~فإن كان سبقت له من الله الحسنى خرجت روحه على التوحيد فذلك حسن الخاتمة ~~وإن سبق له القضاء بالشقوة والعياذ بالله خرجت روحه على الشك والاضطراب ~~وذلك سوء الخاتمة ولمثل هذا يقال {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} وقوله {إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} ومعناه عن قرب عهد بالخطيئة بأن ~~يتندم عليها ويمحو أثرها بحسنة يردفها بها قبل أن يتراكم الرين على القلب ~~فلا يقبل المحو ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أتبع السيئة الحسنة تمحها ~~ولذلك قال لقمان لابنه يا بني لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة ومن ترك ~~المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين {أحدهما} أن تتراكم ~~الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير رينا وطبعا فلا يقبل المحو الثاني أن ~~يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو ولذلك ورد في الخبر إن ~~أكثر صياح أهل النار من التسويف (1) فما هلك من هلك إلا بالتسويف فيكون ~~تسويده القلب نقدا وجلاؤه بالطاعة نسيئة إلى أن يختطفه الموت فيأتي الله ~~بقلب غير سليم ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم فالقلب أمانة الله تعالى ~~عند عبده والعمر أمانة الله عنده وكذا سائر أسباب الطاعة فمن خان في ~~الأمانة ولم يتدارك خيانته فأمره مخطر # قال بعض العارفين إن لله تعالى إلى عبده سرين يسرهما إليه على سبيل ~~الإلهام {أحدهما} إذا خرج من بطن أمه يقول له عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا ~~طاهرا نظيفا واستودعتك عمرك وائتمنتك عليه فانظر كيف تحفظ الأمانة وانظر ~~إلى كيف تلقاني والثاني عند خروج روحه يقول عبدي ماذا صنعت في أمانتي عندك ~~هل حفظتها حتى تلقاني على العهد فألقاك على الوفاء أو أضعتها فألقاك ~~بالمطالبة والعقاب وإليه الإشارة بقوله تعالى أوفوا بعهدي أوف بعهدكم ~~وبقوله تعالى {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} PageV04P012 ### |||| بيان أن التوبة إذا استجمعت شرائطها فهي مقبولة لا محالة # اعلم ms1868 أنك إذا فهمت معنى القبول لم تشك في أن كل توبة صحيحة فهي مقبولة ~~فالناظرون بنور البصائر المستمدون من أنوار القرآن علموا أن كل قلب سليم ~~مقبول عند الله ومتنعم في الآخرة في جوار الله تعالى ومستعد لأن ينظر بعينه ~~الباقية إلى وجه الله تعالى وعلموا ان القلب خلق سليما في الأصل وكل مولود ~~يولد على الفطرة وإنما تفوته السلامة بكدورة ترهق وجهه من غبرة الذنوب ~~وظلمتها وعلموا أن نار الندم تحرق تلك الغبرة وأن نور الحسنة يمحو عن وجه ~~القلب ظلمة السيئة وأنه لا طاقة لظلام المعاصي مع نور الحسنات كما لا طاقة ~~لظلام الليل مع نور النهار بل كما لا طاقة لكدورة الوسخ مع بياض الصابون ~~وكما أن الثوب الوسخ لا يقبله الملك لأن يكون لباسه فالقلب المظلم لا يقبله ~~الله تعالى لأن يكون في جواره وكما أن استعمال الثوب في الأعمال الخسيسة ~~يوسخ الثوب وغسله بالصابون والماء الحار ينظفه لا محالة فاستعمال القلب في ~~الشهوات يوسخ القلب وغسله بماء الدموع وحرقة الندم ينظفه ويطهره ويزكيه وكل ~~قلب زكي طاهر فهو مقبول كما أن كل ثوب نظيف فهو مقبول فإنما عليك التزكية ~~والتطهير وأما القبول فمبذول قد سبق به القضاء الأزلي الذي لا مرد له وهو ~~المسمى فلاحا في قوله {قد أفلح من زكاها} ومن لم يعرف على سبيل التحقيق ~~معرفة أقوى وأجلى من المشاهدة بالبصر أن القلب يتأثر بالمعاصي والطاعات ~~تأثرا متضادا يستعار لأحدهما لفظ الظلمة كما يستعار للجهل ويستعار للآخر ~~لفظ النور كما يستعار للعلم وأن بين النور والظلمة تضادا ضروريا لا يتصور ~~الجمع بينهما فكأنه لم يتلق من الدين إلا قشوره ولم يعلق به إلا أسماؤه ~~وقلبه في غطاء كثيف عن حقيقة الدين بل عن حقيقة نفسه وصفات نفسه ومن جهل ~~نفسه فهو بغيره أجهل وأعني به قلبه إذ بقلبه يعرف غير قلبه فكيف يعرف غيره ~~وهو لا يعرف قلبه فمن يتوهم أن التوبة تصح ولا تقبل كمن يتوهم أن الشمس ~~تطلع والظلام لا يزول ms1869 والثوب يغسل بالصابون والوسخ لا يزول إلا أن يغوص ~~الوسخ لطول تراكمه في تجاويف الثوب وخلله فلا يقوى الصابون على قلعه فمثال ~~ذلك أن تتراكم الذنوب حتى تصير طبعا ورينا على القلب فمثل هذا القلب لا ~~يرجع ولا يتوب نعم قد يقول باللسان تبت فيكون ذلك كقول القصار بلسانه قد ~~غسلت الثوب وذلك لا ينظف الثوب أصلا ما لم يغير صفة الثوب باستعمال ما يضاد ~~الوصف المتمكن به فهذا حال امتناع أصل التوبة وهو غير بعيد بل هو الغالب ~~على كافة الخلق المقبلين على الدنيا المعرضين عن الله بالكلية فهذا البيان ~~كاف عند ذوي البصائر في قبول التوبة ولكنا نعضد جناحه بنقل الآيات والأخبار ~~والآثار فكل استبصار لا يشهد له الكتاب والسنة لا يوثق به وقد قال تعالى ~~{وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات} وقال تعالى {غافر الذنب ~~وقابل التوب} إلى غير ذلك من الآيات وقال صلى الله عليه وسلم لله أفرح ~~بتوبة أحدكم الحديث والفرح وراء القبول فهو دليل على القبول وزيادة وقال ~~صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل يبسط يده بالتوبة لمسيء الليل إلى ~~النهار ولمسيء النهار إلى الليل حتى تطلع الشمس من مغربها (1) وبسط اليد ~~كناية عن طلب التوبة والطالب وراء القابل فرب قابل ليس بطالب ولا طالب إلا ~~وهو قابل وقال صلى الله عليه وسلم لو عملتم الخطايا حتى تبلغ السماء ثم ~~ندمتم لتاب الله عليكم (2) وقال أيضا إن العبد ليذنب PageV04P013 # الذنب فيدخل به الجنة فقيل كيف ذلك يا رسول الله قال يكون نصب عينه تائبا ~~منه فارا حتى يدخل الجنة (1) وقال صلى الله عليه وسلم كفارة الذنب الندامة ~~(2) وقال صلى الله عليه وسلم التائب من الذنب كمن لا ذنب له # ويروى أن حبشيا قال يا رسول الله إني كنت أعمل الفواحش فهل لي من توبة ~~قال نعم فولى ثم رجع فقال يا رسول الله أكان يراني وأنا أعملها قال نعم ~~فصاح الحبشي صيحة خرجت فيها روحه (3) # ويروى إن الله عز ms1870 وجل لما لعن إبليس سأله النظرة فأنظره إلى يوم القيامة ~~فقال وعزتك لا خرجت من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح فقال الله تعالى وعزتى ~~وجلالى لا حجبت عنه التوبة ما دام الروح فيه (4) # وقال صلى الله عليه وسلم إن الحسنات يذهبن السيئات كما يذهب الماء الوسخ ~~(5) والأخبار في هذا لا تحصى # وأما الآثار فقد قال سعيد بن المسيب أنزل قوله تعالى إنه كان للأوابين ~~غفورا في الرجل يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب # وقال الفضيل قال الله تعالى بشر المذنبين بأنهم إن تابوا قبلت منهم وحذر ~~الصديقين أني إن وضعت عليهم عدلي عذبتهم # وقال طلق بن حبيب إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العبد ولكن أصبحوا ~~تائبين وأمسوا تائبين # وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما من ذكر خطيئة ألم بها فوجل منها ~~قلبه محيت عنه في أم الكتاب # ويروى أن نبينا من أنبياء بنى إسرائيل أذنب فأوحى الله تعالى إليه وعزتي ~~لئن عدت لأعذبنك فقال يا رب أنت أنت وأنا أنا وعزتك إن لم تعصمني لأعودن ~~فعصمه الله تعالى # وقال بعضهم إن العبد ليذنب الذنب فلا يزال نادما حتى يدخل الجنة فيقول ~~إبليس ليتني لم أوقعه في الذنب # وقال حبيب بن ثابت تعرض على الرجل ذنوبه يوم القيامة فيمر بالذنب فيقول ~~أما إني قد كنت مشفقا منه فيغفر له # ويروى أن رجلا سأل ابن مسعود عن ذنب ألم به هل له من توبة فأعرض عنه ابن ~~مسعود ثم التفت إليه فرأى عينيه تذرفان فقال له إن للجنة ثمانية أبواب كلها ~~تفتح وتغلق إلا باب التوبة فإن عليه ملكا موكلا به لا يغلق فاعمل ولا تيأس # وقال عبد الرحمن بن أبي القاسم تذاكرنا مع عبد الرحيم توبة الكافر وقول ~~الله تعالى إن ينتهوا PageV04P014 # يغفر لهم ما قد سلف فقال إني لأرجو أن يكون المسلم عند الله أحسن حالا ~~ولقد بلغني أن توبة المسلم كإسلام بعد إسلام # وقال عبد الله بن سلام لا أحدثكم إلا ms1871 عن نبي مرسل أو كتاب منزل إن العبد ~~إذا عمل ذنبا ثم ندم عليه طرفة عين سقط عنه أسرع من طرفة عين # قال عمر رضي الله عنه اجلسوا إلى التوابين فإنهم أرق أفئدة # وقال بعضهم أنا أعلم متى يغفر الله لي قيل ومتى قال إذا تاب علي # وقال آخر أنا من أن أحرم التوبة أخوف من أن أحرم المغفرة أي المغفرة من ~~لوازم التوبة وتوابعها لا محالة # ويروى أنه كان في بني إسرائيل شاب عبد الله تعالى عشرين سنة ثم عصاه ~~عشرين سنة ثم نظر في المرآة فرأى الشيب في لحيته فساءه ذلك فقال إلهى أطعتك ~~عشرين سنة ثم عصيتك عشرين سنة فإن رجعت إليك أتقبلني فسمع قائلا يقول ولا ~~يرى شخصا أحببتنا فأحببناك وتركتنا فتركناك وعصيتنا فأمهلناك وإن رجعت ~~إلينا قبلناك # وقال ذو النون المصري رحمه الله تعالى إن لله عبادا نصبوا أشجار الخطايا ~~نصب روامق القلوب وسقوها بماء التوبة فأثمرت ندما وحزنا فجنوا من غير جنون ~~وتبلدوا من غير عي ولا بكم وإنهم هم البلغاء الفصحاء العارفون بالله ورسوله ~~ثم شربوا بكأس الصفاء فورثوا الصبر على طول البلاء ثم تولهت قلوبهم في ~~الملكوت وجالت أفكارهم بين سرايا حجب الجبروت واستظلوا تحت رواق الندم ~~وقرءوا صحيفة الخطايا فأورثوا أنفسهم الجزع حتى وصلوا إلى علو الزهد بسلم ~~الورع فاستعذبوا مرارة الترك للدنيا واستلانوا خشونة المضجع حتى ظفروا بحبل ~~النجاة وعروة السلامة وسرحت أرواحهم في العلا حتى أناخوا في رياض النعيم ~~وخاضوا في بحر الحياة وردموا خنادق الجزع وعبروا جسور الهوى حتى نزلوا ~~بفناء العلم واستقوا من غدير الحكمة وركبوا سفينة الفطنة وأقلعوا بريح ~~النجاة في بحر السلامة حتى وصلوا إلى رياض الراحة ومعدن العز والكرامة فهذا ~~القدر كاف في بيان أن كل توبة صحيحة مقبولة لا محالة # فإن قلت أفتقول ما قالته المعتزلة من أن قبول التوبة واجب على الله فأقول ~~لا أعني بما ذكرته من وجوب قبول التوبة على الله إلا ما يريده القائل بقوله ~~إن الثوب إذا غسل ms1872 بالصابون وجب زوال الوسخ وإن العطشان إذا شرب الماء وجب ~~زوال العطش وانه إذا منع الماء مدة وجب العطش وأنه إذا دام العطش وجب الموت ~~وليس في شيء من ذلك ما يريده المعتزلة بالإيجاب على الله تعالى بل أقول خلق ~~الله تعالى الطاعة مكفرة للمعصية والحسنة ماحية للسيئة كما خلق الماء مزيلا ~~للعطش والقدرة متسعة بخلافه لو سبقت به المشيئة فلا واجب على الله تعالى ~~ولكن ما سبقت به إرادته الأزلية فواجب كونه لا محالة # فإن قلت فما من تائب إلا وهو شاك في قبول توبته والشارب للماء لا يشك في ~~زوال عطشه فلم يشك فيه فأقول شكه في القبول كشكه في وجود شرائط الصحة فإن ~~للتوبة أركانا وشروطا دقيقة كما سيأتي وليس يتحقق وجود جميع شروطها كالذي ~~يشك في دواء شربه للإسهال فإنه هل يسهل وذلك لشكه في حصول شروط الإسهال في ~~الدواء باعتبار الحال والوقت وكيفية خلط الدواء وطبخه وجودة عقاقيره ~~وأدويته فهذا وأمثاله موجب للخوف بعد التوبة وموجب للشك في قبولها لا محالة ~~على ما سيأتي في شروطها إن شاء الله تعالى PageV04P015 ### ||| الركن الثاني فيما عنه التوبة وهي الذنوب صغائرها وكبائرها # اعلم أن التوبة ترك الذنب ولا يمكن ترك الشيء إلا بعد معرفته وإذا كانت ~~التوبة واجبة كان ما لا يتوصل إليها إلا به واجبا فمعرفة الذنوب إذن واجبة ~~والذنب عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر الله تعالى في ترك أو فعل وتفصيل ذلك ~~يستدعي شرح التكليفات من أولها إلى آخرها وليس ذلك من غرضنا ولكنا نشير إلى ~~مجامعها وروابط أقسامها والله الموفق للصواب برحمته ### |||| بيان أقسام الذنوب بالإضافة إلى صفات العبد # اعلم أن للإنسان أوصافا وأخلاقا كثيرة على ما عرف شرحه في كتاب عجائب ~~القلب وغوائله ولكن تنحصر مثارات الذنوب في أربع صفات صفات ربوبية وصفات ~~شيطانية وصفات بهيمية وصفات سبعية وذلك لأن طينة الإنسان عجنت من أخلاط ~~مختلفة فاقتضى كل واحد من الأخلاط في المعجون منه أثرا من الآثار كما يقتضي ~~السكر والخل والزعفران ms1873 في السكنجبين آثارا مختلفة فأما ما يقتضي النزوع إلى ~~الصفات الربوبية فمثل الكبر والفخر والجبرية وحب المدح والثناء والغنى وحب ~~دوام البقاء وطلب الاستعلاء على الكافة حتى كأنه يريد أن يقول أنا ربكم ~~الأعلى وهذا يتشعب منه جملة من كبائر الذنوب غفل عنها الخلق ولم يعدوها ~~ذنوبا وهي المهلكات العظيمة التي هي كالأمهات لأكثر المعاصي كما استقصيناه ~~في ربع المهلكات الثانية هي الصفة الشيطانية التي منها يتشعب الحسد والبغي ~~والحيلة والخداع والأمر بالفساد والمكر وفيه يدخل الغش والنفاق والدعوة إلى ~~البدع والضلال الثالثة الصفة البهيمية ومنها يتشعب الشره والكلب والحرص على ~~قضاء شهوة البطن والفرج ومنه يتشعب الزنا واللوط والسرقة وأكل مال الأيتام ~~وجمع الحطام لأجل الشهوات الرابعة الصفة السبعية ومنها يتشعب الغضب والحقد ~~والتهجم على الناس بالضرب والشتم والقتل واستهلاك الأموال ويتفرع عنها جمل ~~من الذنوب وهذه الصفات لها تدريج في الفطرة فالصفة البهيمية هي التي تغلب ~~أولا ثم تتلوها الصفة السبعية ثانيا ثم إذا اجتمعا استعملا العقل في الخداع ~~والمكر والحيلة وهي الصفة الشيطانية ثم بالآخرة تغلب الصفات الربوبية وهي ~~الفخر والعز والعلو وطلب الكبرياء وقصد الاستيلاء على جميع الخلق فهذه ~~أمهات الذنوب ومنابعها ثم تنفجر الذنوب من هذه المنابع على الجوارح فبعضها ~~في القلب خاصة كالكفر والبدعة والنفاق وإضمار السوء للناس وبعضها على العين ~~والسمع وبعضها على اللسان وبعضها على البطن والفرج وبعضها على اليدين ~~والرجلين وبعضها على جميع البدن ولا حاجة إلى بيان تفصيل ذلك فإنه واضح # قسمة ثانية اعلم أن الذنوب تقسم إلى ما بين العبد وبين الله تعالى وإلى ~~ما يتعلق بحقوق العباد فما يتعلق بالعبد خاصة كترك الصلاة والصوم والواجبات ~~الخاصة به وما يتعلق بحقوق العباد كتركه الزكاة وقتله النفس وغصبه الأموال ~~وشتمه الأعراض وكل متناول من حق الغير فإما نفس أو طرف أو مال أو عرض أو ~~دين أو جاه وتناول الدين بالإغواء والدعاء إلى البدعة والترغيب في المعاصي ~~وتهييج أسباب الجراءة على الله تعالى كما يفعله بعض الوعاظ بتغليب جانب ~~الرجاء ms1874 على جانب الخوف وما يتعلق بالعباد فالأمر فيه أغلظ وما بين العبد ~~وبين الله تعالى إذا لم يكن شركا فالعفو فيه أرجى وأقرب وقد جاء في الخبر ~~الدواوين ثلاثة ديوان يغفر وديوان لا يغفر وديوان لا يترك فالديوان الذي ~~يغفر ذنوب العباد بينهم وبين الله تعالى وأما الديوان الذي لا يغفر فالشرك PageV04P016 # بالله تعالى وأما الديوان الذي لا يترك فمظالم العباد (1) أي لا بد وأن ~~يطالب بها حتى يعفى عنها # قسمة ثالثة اعلم أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر وقد كثر اختلاف الناس ~~فيها فقال قائلون لا صغيرة ولا كبيرة بل كل مخالفة لله فهي كبيرة وهذا (2) ~~إذ قال تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم ~~مدخلا كريما وقال تعالى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم وقال ~~صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة يكفرن ما بينهن إن ~~اجتنبت الكبائر (3) وفي لفظ آخر كفارات لما بينهن إلا الكبائر وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم فيما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص الكبائر الإشراك بالله ~~وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس (4) واختلف الصحابة والتابعون في ~~عدد الكبائر من أربع إلى سبع إلى تسع إلى إحدى عشرة فما فوق ذلك فقال ابن ~~مسعود هن أربع وقال ابن عمر هن سبع وقال عبد الله بن عمرو هن تسع وكان ابن ~~عباس إذا بلغه قول ابن عمر الكبائر سبع يقول هن إلى سبعين أقرب منها إلى ~~سبع وقال مرة كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة وقال غيره كل ما أوعد الله عليه ~~بالنار فهو من الكبائر وقال بعض السلف كل ما أوجب عليه الحد في الدنيا فهو ~~كبيرة وقيل إنها مبهمة لا يعرف عددها كليلة القدر وساعة يوم الجمعة وقال ~~ابن مسعود لما سئل عنها اقرأ من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية منها ~~عند قوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه فكل ما نهى الله عنه في هذه السورة ~~إلى هنا فهو كبيرة ms1875 وقال أبو طالب المكي الكبائر سبع عشر جمعتها من جملة ~~الأخبار (5) وجملة ما اجتمع من قول ابن عباس وابن مسعود وابن عمر ~~PageV04P017 # واستحلال البيت الحرام وللطبرانى من حديث واثلة إن من أكبر الكبائر أن ~~يقول الرجل على ما لم أقل وله أيضا من حديثه إن من أكبر الكبائر أن ينتفى ~~الرجل من ولده ولمسلم من حديث جابر بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك ~~الصلاة ولمسلم من حديث عبد الله بن عمرو من الكبائر شتم الرجل والديه ولأبى ~~داود من حديث سعيد بن زيد من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق ~~وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال ~~إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير وإنه الكبير أما أحدهما فكان يمشى ~~بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بول الحديث ولأحمد في هذه القصة من ~~حديث أبي بكرة أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس الحديث ولأبى داود والترمذي ~~من حديث أنس عرضت على ذنوب أمتى فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية ~~أوتيها رجل ثم نسيها سكت عليه أبو داود واستغر به البخاري والترمذي وروى ~~ابن أبى شيبة في التوبة من حديث ابن عباس لا صغيرة مع إصرار وفيه أبو شيبة ~~الخراسانى والحديث منكر يعرف به وأما الموقوفات فروى الطبرانى والبيهقي في ~~الشعب عن ابن مسعود قال الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط ~~من رحمة الله واليأس من روح الله وروى البيهقي فيه عن ابن عباس قال الكبائر ~~الإشراك بالله واليأس من روح الله والأمن من مكر الله وعقوق الوالدين وقتل ~~النفس التى حرم الله وقذف المحصنات وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف وأكل ~~الربا والسحر والزنا واليمين الغموس الفاجرة والغلول ومنع الزكاة وشهادة ~~الزور وكتمان الشهادة وشرب الخمر وترك الصلاة متعمدا وأشياء مما فرضها الله ~~ونقض العهد وقطيعة الرحم وروى ابن أبى الدنيا في التوبة عن ابن عباس كل ذنب ~~أصر عليه العبد كبيرة وفيه ms1876 الربيع بن صبيح مختلف فيه وروى أبو منصور ~~الديلمي في مسند الفردوس عن أنس قوله لا صغيرة مع الإصرار وإسناده جيد فقد ~~اجتمع من المرفوعات والموقوفات ثلاثة وثلاثون أو اثنان وثلاثون إلا أن ~~بعضها لا يصح إسناده كما تقدم وإنما ذكرت الموقوفات حتى يعلم ما ورد في ~~المرفوع وما ورد في الموقوف وللبيهقي في الشعب عن ابن عباس أنه قيل له ~~الكبائر سبع فقال هى إلى السبعين أقرب وروى البيهقي أيضا فيه عن ابن عباس ~~قال كل ما نهى الله عنه كبيرة والله اعلم (1) حديث من الكبائر السبتان ~~بالسبة ومن الكبائر استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم عزاه أبو منصور ~~الديلمي في مسند الفردوس لأحمد وأبى داود من حديث سعيد بن زيد والذي عندهما ~~من حديثه من أربى الربا استطالة الرجل في عرض المسلم بغير حق كما تقدم (2) ~~حديث أبي سعيد الخدري وغيره من الصحابة إنكم تعملون أعمالا هي أدق في ~~أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الكبائر أخرجه أحمد والبزار بسند صحيح وقال من الموبقات بدل الكبائر ورواه ~~البخاري من حديث أنس وأحمد والحاكم من حديث عبادة بن قرص وقال صحيح الاسناد ~~// وقالت طائفة كل عمد كبيرة وكل ما نهى عنه فهو كبيرة وكشف الغطاء عن هذا ~~أن نظر الناظر في السرقة أهى كبيرة PageV04P018 # أم لا لا يصح ما لم يفهم معنى الكبيرة والمراد بها كقول القائل السرقة ~~حرام أم لا ولا مطمع في تعريفه إلا بعد تقرير معنى الحرام أولا ثم البحث عن ~~وجوده في السرقة فالكبيرة من حيث اللفظ مبهم ليس له موضوع خاص في اللغة ولا ~~في الشرع وذلك لأن الكبير والصغير من المضافات وما من ذنب إلا وهو كبير ~~بالإضافة إلى ما دونه وصغير بالإضافة إلى ما فوقه فالمضاجعة مع الأجنبية ~~بالإضافة إلى النظرة صغيرة بالإضافة إلى الزنا وقطع يد المسلم كبيرة إلى ~~ضربه صغيرة بالإضافة إلى قتله نعم للإنسان أن يطلق على ما توعد بالنار على ms1877 ~~فعله خاصة اسم الكبيرة ونعني بوصفه بالكبيرة أن العقوبة بالنار عظيمة وله ~~أن يطلق على ما أوجب الحد عليه مصيرا إلى أن ما عجل عليه في الدنيا عقوبة ~~واجبة عظيم وله أن يطلق على ما ورد في نص الكتاب النهي عنه فيقول تخصيصه ~~بالذكر في القرآن يدل على عظمه ثم يكون عظيما وكبيرة لا محالة بالإضافة إذ ~~منصوصات القرآن أيضا تتفاوت درجاتها فهذه الإطلاقات لا حرج فيها وما نقل من ~~ألفاظ الصحابة يتردد بين هذه الجهات ولا يبعد تنزيلها على شيء من هذه ~~الاحتمالات نعم من المهمات أن تعلم معنى قول الله تعالى {إن تجتنبوا كبائر ~~ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الصلوات كفارات لما بينهن إلا الكبائر فإن هذا إثبات حكم الكبائر والحق في ~~ذلك أن الذنوب منقسمة في نظر الشرع إلى ما يعلم استعظامه إياها وإلى ما ~~يعلم أنها معدودة في الصغائر وإلى ما يشك فيه فلا يدرى حكمه فالطمع في ~~معرفة حد حاصر أو عدد جامع مانع طلب لما لم يمكن فإن ذلك لا يمكن إلا ~~بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقول إني أردت بالكبائر عشرا ~~أو خمسا ويفصلها فإن لم يرد هذا بل ورد في بعض الألفاظ ثلاث من الكبائر (1) ~~وفي بعضها سبع من الكبائر (2) ثم ورد أن السبتين بالسبة الواحدة من الكبائر ~~وهو خارج عن السبع والثلاث علم أنه لم يقصد به العدد بما يحصر فكيف يطمع في ~~عدد ما لم يعده الشرع وربما قصد الشرع إبهامه ليكون العباد منه على وجل كما ~~أبهم ليلة القدر ليعظم جد الناس في طلبها نعم لنا سبيل كلي يمكننا أن نعرف ~~به أجناس الكبائر وأنواعها بالتحقيق وأما أعيانها فنعرفها بالظن والتقريب ~~ونعرف أيضا أكبر الكبائر فأما أصغر الصغائر فلا سبيل إلى معرفته وبيانه أنا ~~نعلم بشواهد الشرع وأنوار البصائر جميعا أن مقصد الشرائع كلها سياق الخلق ~~إلى جوار الله تعالى وسعادة لقائه وأنه لا وصول لهم إلى ms1878 ذلك إلا بمعرفة ~~الله تعالى ومعرفة صفاته وكتبه ورسله وإليه الإشارة بقوله تعالى وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون أي ليكونوا عبيد لي ولا يكون العبد عبدا ما لم ~~يعرف ربه بالربوبية ونفسه بالعبودية ولا بد أن يعرف نفسه وربه فهذا هو ~~المقصود الأقصى ببعثة الأنبياء ولكن لا يتم هذا إلا في الحياة الدنيا وهو ~~المعنى بقوله عليه الصلاة والسلام الدنيا مزرعة الآخرة (3) فصار حفظ الدنيا ~~أيضا مقصودا تابعا للدين لأنه وسيلة إليه والمتعلق من الدنيا بالآخرة شيئان ~~النفوس والأموال فكل ما يسد باب معرفة الله تعالى فهو أكبر الكبائر ويليه ~~ما يسد باب حياة النفوس ويليه باب ما يسد المعايش التي بها حياة الناس فهذه ~~ثلاث مراتب فحفظ PageV04P019 # المعرفة على القلوب والحياة على الأبدان والأموال على الأشخاص ضروري في ~~مقصود الشرائع كلها وهذه ثلاثة أمور لا يتصور أن تختلف فيها الملل فلا يجوز ~~أن الله تعالى يبعث نبيا يريد ببعثه إصلاح الخلق في دينهم ودنياهم ثم ~~يأمرهم بما يمنعهم عن معرفته ومعرفة رسله أو يأمرهم بإهلاك النفوس وإهلاك ~~الأموال فحصل من هذا أن الكبائر على ثلاث مراتب الأولى ما يمنع من معرفة ~~الله تعالى ومعرفة رسله وهو الكفر فلا كبيرة فوق الكفر إذ الحجاب بين الله ~~وبين العبد هو الجهل والوسيلة المقربة له إليه هو العلم والمعرفة وقربه ~~بقدر معرفته وبعده بقدر جهله ويتلو الجهل الذي يسمى كفرا الأمن من مكر الله ~~والقنوط من رحمته فإن هذا أيضا عين الجهل فمن عرف الله لم يتصور أن يكون ~~آمنا ولا أن يكون آيسا ويتلو هذه الرتبة البدع كلها المتعلقة بذات الله ~~وصفاته وأفعاله وبعضها أشد من بعض وتفاوتها على حسب تفاوت الجهل بها وعلى ~~حسب تعلقها بذات الله سبحانه بأفعاله وشرائعه وبأوامره ونواهيه ومراتب ذلك ~~لاتنحصر وهي تنقسم إلى ما يعلم أنها داخلة تحت ذكر الكبائر المذكورة في ~~القرآن وإلى ما يعلم أنه لا يدخل وإلى ما يشك فيه وطلب دفع الشك في القسم ~~المتوسط طمع في غير مطمع المرتبة ms1879 الثانية النفوس إذ ببقائها وحفظها تدوم ~~الحياة وتحصل المعرفة بالله فقتل النفس لا محالة من الكبائر وإن كان دون ~~الكفر لأن ذلك يصدم عين المقصود وهذا يصدم وسيلة المقصود إذ حياة الدنيا لا ~~تراد إلا للآخرة والتوصل إليها بمعرفة الله تعالى ويتلو هذه الكبيرة قطع ~~الأطراف وكل ما يفضي إلى الهلاك حتى الضرب وبعضها أكبر من بعض ويقع في هذه ~~الرتبة تحريم الزنا واللواط لأنه لو اجتمع الناس على الاكتفاء بالذكور في ~~قضاء الشهوات انقطع النسل ودفع الموجود قريب من قطع الوجود وأما الزنا فإنه ~~لا يفوت أصل الوجود ولكن يشوش الأنساب ويبطل التوارث والتناصر وجملة من ~~الأمور التي لا ينتظم العيش إلا بها بل كيف يتم النظام مع إباحة الزنا ولا ~~ينتظم أمور البهائم ما لم يتميز الفحل منها بإناث يختص بها عن سائر الفحول ~~ولذلك لا يتصور أن يكون الزنا مباحا في أصل شرع قصد به الإصلاح وينبغي أن ~~يكون الزنا في الرتبة دون القتل لأنه ليس يفوت دوام الوجود ولا يمنع أصله ~~ولكنه يفوت تمييز الأنساب ويحرك من الأسباب ما يكاد يفضي إلى التقاتل ~~وينبغي أن يكون أشد من اللواط لأن الشهوة داعية إليه من الجانبين فيكثر ~~وقوعه ويعظم أثر الضرر بكثرته المرتبة الثالثة الأموال فإنها معايش الخلق ~~فلا يجوز تسلط الناس على تناولها كيف شاءوا حتى بالاستيلاء والسرقة وغيرهما ~~بل ينبغي أن تحفظ لتبقى ببقائها النفوس إلا أن الأموال إذا أخذت أمكن ~~استردادها وإن أكلت أمكن تغريمها فليس يعظم الأمر فيها نعم إذا جرى تناولها ~~بطريق يعسر التدارك له فينبغي أن يكون ذلك من الكبائر وذلك بأربع طرق أحدها ~~الخفية وهي السرقة فإنه إذا لم يطلع عليه غالبا كيف يتدارك الثانى أكل مال ~~اليتيم وهذا أيضا من الخفية وأعني به في حق الولي والقيم فإنه مؤتمن فيه ~~وليس له خصم سوى اليتيم وهو صغير لا يعرفه فتعظيم الأمر فيه واجب بخلاف ~~الغصب فإنه ظاهر يعرف وبخلاف الخيانة في الوديعة فإن المودع خصم فيه ينتصف ~~لنفسه الثالث ms1880 تفويتها بشهادة الزور الرابع أخذ الوديعة وغيرها باليمين ~~الغموس فإن هذه طريق لا يمكن فيها التدارك ولا يجوز أن تختلف الشرائع في ~~تحريمها أصلا وبعضها أشد من بعض وكلها دون الرتبة الثانية المتعلقة بالنفوس ~~وهذه الأربعة جديرة بأن تكون مرادة بالكبائر وإن لم يوجب الشرع الحد في ~~بعضها ولكن أكثر الوعيد عليها وعظم في مصالح الدنيا تأثيرها وأما أكل الربا ~~فليس إلا أكل مال الغير بالتراضي مع الإخلال بشرط وضعه الشرع ولا يبعد أن ~~تختلف الشرائع PageV04P020 # في مثله وإذا لم يجعل الغضب الذي هو أكل مال الغير بغيره رضاه وبغير رضا ~~الشرع من الكبائر فأكل الربا أكل برضا المالك ولكن دون رضا الشرع وإن عظم ~~الشرع الزنا بالزجر عنه فقد عظم أيضا الظلم بالغصب وغيره وعظم الخيانة ~~والمصير إلى أن أكل دانق بالخيانة أو الغصب من الكبائر فيه نظر وذلك واقع ~~في مظنة الشك وأكثر ميل الظن إلى أنه غير داخل تحت الكبائر بل ينبغي أن ~~تختص الكبيرة بما لا يجوز اختلاف الشرع فيه ليكون ضروريا في الدين فيبقى ~~مما ذكره أبو طالب المكي القذف والشرب والسحر والفرار من الزحف وحقوق ~~الوالدين أما الشرب لما يزيل العقل فهو جدير بأن يكون من الكبائر وقد دل ~~عليه تشديدات الشرع وطريق النظر أيضا لأن العقل محفوظ كما أن النفس محفوظة ~~بل لا خير في النفس دون العقل فإزالة العقل من الكبائر ولكن هذا لا يجري في ~~قطرة من الخمر فلا شك في أنه لو شرب ماء فيه قطرة من الخمر لم يكن ذلك ~~كبيرة وإنما هو شرب ماء نجس والقطرة وحدها في محل الشك وإيجاب الشرع الحد ~~به يدل على تعظيم أمره فيعد ذلك من الكبائر بالشرع وليس في قوة البشرية ~~الوقوف على جميع أسرار الشرع فإن ثبت إجماع في أنه كبيرة وجب الاتباع ولا ~~فللتوقف فيه مجال وأما القذف فليس فيه إلا تناول الأعراض والأعراض دون ~~الأموال في الريبة ولتناولها مراتب وأعظمها التناول بالقذف بالإضافة إلى ~~فاحشة الزنا وقد عظم الشرع ms1881 أمره وأظن ظنا غالبا أن الصحابة كانوا يعدون كل ~~ما يجب به الحد كبيرة فهو بهذا الاعتبار لا تكفره الصلوات الخمس وهو الذي ~~نريده بالكبيرة الآن ولكن من حيث إنه يجوز أن تختلف فيه الشرائع فالقياس ~~بمجرده لا يدل على كبره وعظمته بل كان يجوز أن يرد الشرع بأن العدل الواحد ~~إذا رأى إنسانا يزني فله أن يشهد ويجلد المشهود عليه بمجرد شهادته فإن لم ~~تقبل شهادته فحده ليس ضروريا في مصالح الدنيا وإن كان على الجملة من ~~المصالح الظاهرة الواقعة في رتبة الحاجات فإذن هذا أيضا يلحق بالكبائر في ~~حق من عرف حكم الشرع فأما من ظن أن له أن يشهد وحده أو ظن أنه يساعده على ~~شهادة غيره فلا ينبغي أن يجعل في حقه من الكبائر وأما السحر فإن كان فيه ~~كفر فكبيرة وإلا فعظمته بحسب الضرر الذي يتولد منه من هلاك نفس أو مرض أو ~~غيره وأما الفرار من الزحف وعقوق الوالدين فهذا أيضا ينبغي أن يكون من حيث ~~القياس في محل التوقف وإذا قطع بأن سب الناس بكل شيء سوى الزنا وضربهم ~~والظلم لهم بغصب أموالهم وإخراجهم من مساكنهم وبلادهم وإجلائهم من أوطانهم ~~ليس من الكبائر إذ لم ينقل ذلك في السبع عشرة كبيرة وهو أكبر ما قيل فيه ~~فالتوقف في هذا أيضا غير بعيد ولكن الحديث يدل على تسميته كبيرة فليحلق ~~بالكبائر فإذا رجع حاصل الأمر إلى أنا نعني بالكبيرة ما لا تكفره الصلوات ~~بحكم الشرع وذلك مما انقسم إلى ما علم أنه لا تكفره قطعا وإلى ما ينبغي أن ~~تكفره وإلى ما يتوقف فيه والمتوقف فيه بعضه مظنون للنفي والإثبات وبعضه ~~مشكوك فيه وهو شك لا يزيله إلا نص كتاب أو سنة وإذن لا مطمع فيه فطلب رفع ~~الشك فيه محال # فإن قلت فهذا إقامة برهان على استحالة معرفة حدها فكيف يرد الشرع بما ~~يستحيل معرفة حده فاعلم أن كل ما لا يتعلق به حكم في الدنيا فيجوز أن يتطرق ~~إليه الإبهام لأن دار ms1882 التكليف هي دار الدنيا والكبيرة على الخصوص لا حكم ~~لها في الدنيا من حيث إنها كبيرة بل كل موجبات الحدود معلومة بأسمائها ~~كالسرقة والزنا وغيرهما وإنما حكم الكبيرة أن الصلوات الخمس لا تكفرها وهذا ~~أمر يتعلق بالآخرة والإبهام أليق به حتى يكون الناس على وجل وحذر فلا ~~يتجرءون على الصغائر اعتمادا على الصلوات الخمس وكذلك اجتناب الكبائر PageV04P021 # يكفر الصغائر بموجب قوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم ولكن اجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة ~~والإرادة كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها فيكف نفسه عن الوقاع فيقتصر على ~~نظر أو لمس فإن مجاهدة نفسه بالكف عن الوقاع أشد تأثيرا في تنوير قلبه من ~~إقدامه على النظر في إظلامه فهذا معنى تكفيره فإن كان عنينا أو لم يكن ~~امتناعه إلا بالضرورة للعجز أو كان قادرا ولكن امتنع لخوف أمر آخر فهذا لا ~~يصلح للتكفير أصلا وكل من يشتهي الخمر بطبعه ولو أبيح له لما شربه فاجتنابه ~~لا يكفر عنه الصغائر التي هي مقدماته كسماع الملاهي والأوتار نعم من يشتهي ~~الخمر وسماع الأوتار فيمسك نفسه بالمجاهدة عن الخمر ويطلقها في السماع ~~فمجاهدته النفس بالكف ربما تمحو عن قلبه الظلمة التي ارتفعت إليه من معصية ~~السماع فكل هذه أحكام أخروية ويجوز أن يبقى بعضها في محل الشك وتكون من ~~المتشابهات فلا يعرف تفصيلها إلا بالنص ولم يرد النص بعد ولا حد جامع بل ~~ورد بألفاظ مختلفات فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الصلاة إلى الصلاة كفارة ورمضان إلى رمضان كفارة إلا من ~~ثلاث إشراك بالله وترك السنة ونكث الصفقة (1) قيل ما ترك السنة قيل الخروج ~~عن الجماعة ونكث الصفقة أن يبايع رجلا ثم يخرج عليه بالسيف يقاتله فهذا ~~وأمثاله من الألفاظ لا يحيط بالعدد كله ولا يدل على حد جامع فيبقى لا محالة ~~مبهما # فإن قلت الشهادة لا تقبل إلا ممن يجتنب الكبائر والورع عن الصغائر ليس ms1883 ~~شرطا في قبول الشهادة وهذا من أحكام الدنيا فاعلم أنا لا نخصص رد الشهادة ~~بالكبائر فلا خلاف في أن من يسمع الملاهي ويلبس الديباج ويتختم بخاتم الذهب ~~ويشرب في أواني الذهب والفضة لا تقبل شهادته ولم يذهب أحد إلى أن هذه ~~الأمور من الكبائر وقال الشافعي رضي الله عنه إذا شرب الحنفي النبيذ حددته ~~ولم أرد شهادته فقد جعله كبيرة بإيجاب الحد ولم يرد به الشهادة فدل على أن ~~الشهادة نفيا وإثباتا لا تدور على الصغائر والكبائر بل كل الذنوب تقدح في ~~العدالة إلا ما لا يخلو الإنسان عنه غالبا بضرورة مجاري العادات كالغيبة ~~والتجسس وسوء الظن والكذب في بعض الأقوال وسماع الغيبة وترك الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وأكل الشبهات وسب الولد والغلام وضربهما بحكم الغضب زائدا ~~على المصلحة وإكرام السلاطين الظلمة ومصادقة الفجار والتكاسل عن تعليم ~~الأهل والولد جميع ما يحتاجون إليه من أمر الدين فهذه ذنوب لا يتصور أن ~~ينفك الشاهد عن قليلها أو كثيرها إلا بأن يعتزل الناس ويتجرد لأمور الآخرة ~~ويجاهد نفسه مدة بحيث يبقي على سمعته مع المخالفة بعد ذلك ولو لم يقبل إلا ~~قول مثله لعز وجوده وبطلت الأحكام والشهادات وليس لبس الحرير وسماع الملاهي ~~واللعب بالنرد ومجالسة أهل الشرب في وقت الشرب والخلوة بالأجنبيات وأمثال ~~هذه الصغائر من هذا القبيل فإلى مثل هذا المنهاج ينبغي أن ينظر في قبول ~~الشهادة وردها لا إلى الكبيرة والصغيرة ثم آحاد هذه الصغائر التي لا ترد ~~الشهادة بها لو واظب عليها لأثر في رد الشهادة كمن اتخذ الغيبة وثلب الناس ~~عادة وكذلك مجالسة الفجار ومصادقتهم والصغيرة تكبر بالمواظبة كما أن المباح ~~يصير صغيرة بالمواظبة كاللعب بالشطرنج والترنم بالغناء على الدوام وغيره ~~فهذا بيان حكم الصغائر والكبائر PageV04P022 ### |||| بيان كيفية توزع الدرجات والدركات في الآخرة على الحسنات والسيئات في الدنيا # اعلم أن الدنيا من عالم الملك والشهادة والآخرة من عالم الغيب والملكوت ~~وأعني بالدنيا حالتك قبل الموت وبالآخرة حالتك بعد الموت في فدنياك وآخرتك ~~صفاتك وأحوالك يسمى القريب ms1884 الداني منها دنيا والمتأخر آخرة ونحن الآن نتكلم ~~من الدنيا في الآخرة فإنا الآن نتكلم في الدنيا وهو عالم الملك وغرضنا شرح ~~الآخرة وهي عالم الملكوت ولا يتصور شرح عالم الملكوت في عالم الملك إلا ~~بضرب الأمثال ولذلك قال تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون وهذا لأن عالم الملك نوم بالإضافة إلى عالم الملكوت ولذلك قال صلى ~~الله عليه وسلم الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا (1) وما سيكون في اليقظة لا ~~يتبين لك في النوم إلا الأمثال المحوجة إلى التعبير فكذلك ما سيكون في يقظة ~~الآخرة لا يتبين في نوم الدنيا إلا في كثرة الأمثال وأعني بكثرة الأمثال ما ~~نعرفه من علم التعبير ويكفيك منه إن كنت فطنا ثلاثة أمثلة # فقد جاء رجل إلى ابن سرين فقال رأيتك كأن في يدي خاتما أختم به أفواه ~~الرجال وفروج النساء فقال إنك مؤذن تؤذن في رمضان قبل طلوع الفجر قال صدقت ~~وجاء رجل آخر فقال رأيت كأني أصب الزيت في الزيتون فقال إن كان تحتك جارية ~~اشتريتها ففتش عن حالها فإن أمك سبيت في صغرك لأن الزيتون أصل الزيت فهو ~~يرد إلى الأصل فنظر فإذا جاريته كانت أمه وقد سبيت في صغره وقال له آخر ~~رأيت كأني أقلد الدر في أعناق الخنازير فقال إنك تعلم الحكمة غير أهلها ~~فكان كما قال والتعبير من أوله إلى آخره أمثال تعرفك طريق ضرب الأمثال ~~وإنما نعني بالمثل أداء المعنى في صورة إن نظر إلى معناه وجده صادقا وإن ~~نظر إلى صورته وجده كاذبا فالمؤذن إن نظر إلى صورة الخاتم والختم به على ~~الفروج رآه كاذبا فإنه لم يختم به قط وإن نظر إلى معناه وحده صادقا إذ صدر ~~منه روح الختم ومعناه وهو المنع الذي يراد الختم له وليس للأنبياء أن ~~يتكلموا مع الخلق إلا بضرب الأمثال لأنهم كلفوا أن يكلموا الناس على قدر ~~عقولهم وقدر عقولهم أنهم في النوم والنائم لا يكشف له عن شيء إلا بمثل فإذا ~~ماتوا انتبهوا وعرفوا أن ms1885 المثل صادق ولذلك قال صلى الله عليه وسلم قلب ~~المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن (2) وهو من المثال الذي لا يعقله إلا ~~العالمون فأما الجاهل فلا يجاوز قدره ظاهر المثال لجهله بالتفسير الذي يسمى ~~تأويلا كما يسمى تفسير ما يرى من الأمثلة في النوم تعبيرا فيثبت لله تعالى ~~يدا وإصبعا تعالى الله عن قوله علوا كبيرا وكذلك في قوله صلى الله عليه ~~وسلم إن الله خلق آدم على صورته (3) فإنه لا يفهم من الصورة إلا اللون ~~والشكل والهيئة فيثبت لله تعالى مثل ذلك تعالى الله عن قوله علوا كبيرا من ~~ههنا زل من زل في صفات إلهية حتى في الكلام وجعلوه صوتا وحرفا إلى غير ذلك ~~من الصفات والقول فيه يطول وكذلك قد يرد في أمر الآخرة ضرب أمثلة يكذب بها ~~الملحد بجمود نظره على ظاهر المثال وتناقضه عنده كقوله صلى الله عليه وسلم ~~يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح (4) فيثور الملحد الأحمق ~~ويكذب ويستدل به على كذب الأنبياء ويقول يا سبحان الله الموت عرض والكبش ~~جسم فكيف ينقلب العرض جسما وهل هذا إلا PageV04P023 # محال ولكن الله تعالى عزل هؤلاء الحمقى عن معرفة أسراره فقال وما يعقلها ~~إلا العالمون ولا يدري المسكين أن من قال رأيت في منامي أنه جيء بكبش وقيل ~~هذا هو الوباء الذي في البلد وذبح فقال المعبر صدقت والأمر رأيت وهذا يدل ~~على أن هذا الوباء ينقطع ولا يعود قط لأن المذبوح وقع اليأس منه فإذن ~~المعبر صادق في تصديقه وهو صادق في رؤيته وترجع حقيقة ذلك إلى أن الموكل ~~بالرؤيا وهو الذي يطلع الأرواح عند النوم على ما في اللوح المحفوظ عرفه بما ~~في اللوح المحفوظ بمثال ضربه له لأن النائم إنما يحتمل المثال فكان مثاله ~~صادقا وكان معناه صحيحا فالرسل أيضا إنما يكلمون الناس في الدنيا وهي ~~بالإضافة إلى الآخرة نوم فيوصلون المعاني إلى أفهامهم بالأمثلة حكمة من ~~الله ولطفا بعباده وتيسيرا لإدراك ما يعجزون عن إدراكه دون ضرب المثل فقوله ms1886 ~~يؤتى بالموت في صورة كبش أملح مثال ضربه ليوصل إلى الأفهام حصول اليأس من ~~الموت وقد جبلت القلوب على التأثر بالأمثلة وثبوت المعاني فيها بواسطتها ~~ولذلك عبر القرآن بقوله كن فيكون عن نهاية القدرة وعبر صلى الله عليه وسلم ~~بقوله قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن عن سرعة التقليب وقد أشرنا ~~إلى حكمة ذلك في كتاب قواعد العقائد من ربع العبادات فلنرجع الآن إلى الغرض ~~فالمقصود أن تعريف توزع الدرجات والدركات على الحسنات والسيئات لا يمكن إلا ~~بضرب المثال فلنفهم من المثل الذي نضربه معناه لا صورته فنقول الناس في ~~الآخرة ينقسمون أصنافا وتتفاوت درجاتهم ودركاتهم في السعادة والشقاوة ~~تفاوتا لا يدخل تحت الحصر كما تفاوتوا في سعادة الدنيا وشقاوتها ولا تفارق ~~الآخرة في هذا المعنى أصلا البتة فإن مدبر الملك والملكوت واحد لا شريك له ~~وسنته الصادرة عن إرادته الأزلية مطردة لا تبديل لها إلا أنا إن عجزنا عن ~~إحصاء آحاد الدرجات فلا نعجز عن إحصاء الأجناس فنقول الناس ينقسمون في ~~الآخرة بالضرورة إلى أربعة أقسام هالكين ومعذبين وناجين وفائزين ومثاله في ~~الدنيا أن يستولي ملك من الملوك على إقليم فيقتل بعضهم فهم الهالكون ويعذب ~~بعضهم مدة ولا يقتلهم فهم المعذبون ويخلى بعضهم فهم الناجون ويخلع على ~~بعضهم فهم الفائزون فإن كان الملك عادلا لم يقسمهم كذلك إلا باستحقاق فلا ~~يقتل إلا جاحدا لاستحقاق الملك معاندا له في أصل الدولة ولا يعذب إلا من ~~قصر في خدمته مع الاعتراف بملكه وعلو درجته ولا يخلي إلا معترفا له برتبة ~~الملك لكنه لم يقصر ليعذب ولم يخدم ليخلع عليه ولا يخلع إلا على من أبلى ~~عمره في الخدمة والنصرة ثم ينبغي أن تكون خلع الفائزين متفاوتة الدرجات ~~بحسب درجاتهم في الخدمة وإهلاك الهالكين إما تحقيقا بجز الرقبة أو تنكيلا ~~بالمثلة بحسب درجاتهم في المعاندة وتعذيب المعذبين في الخفة والشدة وطول ~~المدة وقصرها واتحاد أنواعها واختلاقها بحسب درجات تقصيرهم فتقسم كل رتبة ~~من هذه الرتب إلى درجات لا تحصى ولا تنحصر ms1887 فكذلك فافهم أن الناس في الآخرة ~~هكذا يتفاوتون فمن هالك ومن معذب مدة ومن ناج يحل في دار السلامة ومن فائز ~~والفائزون ينقسمون إلى من يحلون في جنات عدن أو جنات المأوى أو جنات ~~الفردوس والمعذبون ينقسمون إلى من يعذب قليلا وإلى من يعذب ألف سنة إلى ~~سبعة آلف سنة وذلك آخر من يخرج من النار كما ورد في الخبر (1) وكذلك ~~الهالكون الآيسون من رحمة الله تتفاوت دركاتهم وهذه الدرجات بحسب اختلاف ~~الطاعات والمعاصي فلنذكر كيفية توزعها عليها PageV04P024 # الرتبة الأولى وهي رتبة الهالكين ونعني بالهالكين الآيسين من رحمة الله ~~تعالى إذ الذي قتله الملك في المثال الذي ضربناه آيس من رضا الملك وإكرامه ~~فلا تغفل عن معاني المثال وهذه الدرجة لا تكون إلا للجاحدين والمعرضين ~~المتجردين للدنيا المكذبين بالله ورسله وكتبه فإن السعادة الأخروية في ~~القرب من الله والنظر إلى وجهه وذلك لا ينال أصلا إلا بالمعرفة التي يعبر ~~عنها بالإيمان والتصديق والجاحدون هم المنكرون والمكذبون هم الآيسون من ~~رحمة الله تعالى أبد الآباد وهم الذين يكذبون برب العالمين وبأنبيائه ~~المرسلين إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون لا محالة وكل محجوب من محبوبه فمحول ~~بينه وبين ما يشتهيه لا محالة فهو لا محالة يكون مخترقا نار جهنم بنار ~~الفراق ولذلك قال العارفون ليس خوفنا من نار جهنم ولا رجاءونا للحور العين ~~وإنما مطالبنا اللقاء ومهربنا من الحجاب فقط وقالوا من يعبد الله بعوض فهو ~~لئيمكأن يعبده لطلب جنته أو لخوف ناره بل العارف يعبده لذاته فلا يطلب إلا ~~ذاته فقط فأما الحور العين والفواكه فقد لا يشتهيها وأما النار فقد لا ~~يتقيها إذ نار الفراق إذا استولت ربما غلبت النار المحرقة للأجسام فإن نار ~~الفراق نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ونار جهنم لا شغل لها إلا ~~مع الأجسام وألم الأجسام يستحقر مع ألم الفؤاد ولذلك قيل # وفي فؤاد المحب نار جوى ... أحر نار الجحيم أبردها # ولا ينبغي أن تنكر هذا في عالم الآخرة إذ له نظير مشاهد في عالم ms1888 الدنيا ~~فقد رؤي من غلب عليه الوجد فغدا على النار وعلى أصول القصب الجارحة القدم ~~وهو لا يحس به لفرط غلبة ما في قلبه وترى الغضبان يستولي عليه الغضب في ~~القتال فتصيبه جراحات وهو لا يشعر بها في الحال لأن الغضب نار في القلب قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الغضب قطعة من النار (1) واحتراق الفؤاد أشد ~~من احتراق الأجساد والأشد يبطل الإحساس بالأضعف كما تراه فليس الهلاك من ~~النار والسيف إلا من حيث أنه يفرق بين جزءين يرتبط أحدهما بالآخر برابطة ~~التأليف الممكن في الأجسام فالذي يفرق بين القلب وبين محبوبه الذي يرتبط به ~~برابطه تأليف أشد إحكاما من تأليف الأجسام فهو أشد إيلاما إن كنت من أرباب ~~البصائر وأرباب القلوب ولا يبعد أن لا يدرك من لا قلب له شدة هذا الألم ~~ويستحقره بالإضافة إلى ألم الجسم فالصبي لو خير بين ألم الحرمان على الكرة ~~والصولجان وبين ألم الحرمان عن رتبة السلطان لم يحس بألم الحرمان عن رتبة ~~السلطان أصلا ولم يعد ذلك ألما وقال العدو في الميدان مع الصولجان أحب إلي ~~من ألف سرير للسلطان مع الجلوس عليه بل من تغلبه شهوة البطن لو خير بين ~~الهريسة والحلواء وبين فعل جميل يقهر به الأعداء ويفرح به الأصدقاء لآثر ~~الهريسة والحلواء وهذا كله لفقد المعنى الذي بوجوده يصير الجاه محبوبا ~~ووجود المعنى الذي بوجوده يصير الطعام لذيذا وذلك لمن استرقته صفات البهائم ~~والسباع ولم تظهر فيه صفات الملائكة التي لا يناسبها ولا يلذها إلا القرب ~~من رب العالمين ولا يؤلمها إلا البعد والحجاب وكما لا يكون الذوق إلا في ~~اللسان والسمع إلا في الآذان فلا تكون هذه الصفة إلا في القلب فمن لا قلب ~~له ليس له هذا الحس كمن لا سمع له ولا بصر ليس له لذة الألحان وحسن الصور ~~والألوان وليس لكل إنسان قلب ولو كان لما صح قوله تعالى إن في ذلك لذكرى ~~لمن كان له قلب فجعل من لم يتذكر بالقرآن مفلسا من ms1889 القلب ولست أعني بالقلب ~~هذا الذي تكتنفه عظام الصدر بل أعني به السر الذي هو من عالم الأمر واللحم ~~الذي هو من عالم الخلق عرشه والصدر كرسيه وسائر الأعضاء PageV04P025 # عالمه ومملكته ولله الخلق والأمر جميعا ولكن ذلك السر الذي قال الله ~~تعالى فيه قل الروح من أمر ربي هو الأمير والملك لأن بين عالم الأمر وعالم ~~الخلق ترتيبا وعالم الأمر أمير على عالم الخلق وهو اللطيفة التي إذا صلحت ~~صلح لها سائر الجسد من عرفها فقد عرف نفسه ومن عرف نفسه فقد عرف ربه وعند ~~ذلك يشم العبد مبادىء روائح المعنى المطوي تحت قوله صلى الله عليه وسلم إن ~~الله خلق آدم على صورته ونظر بعين الرحمة إلى الحاملين له على ظاهر لفظه ~~وإلى المتعسفين في طريق تأويله وإن كانت رحمته للحاملين على اللفظ أكثر من ~~رحمته للمتعسفين في التأويل لأن الرحمة على قدر المصيبة ومصيبة أولئك أكثر ~~وإن اشتركوا في مصيبة الحرمان من حقيقة الأمر فالحقيقة فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم وحكمته يختص بها من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا ولنعد إلى الغرض فقد أرخينا الطول وطولنا النفس في أمر هو ~~أعلاى من علوم المعاملات التي نقصدها في هذا الكتاب فقد ظهر أن رتبة الهلاك ~~ليس إلا للجهال المكذبين وشهادة ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم لا تدخل تحت الحصر فلذلك لم نوردها # الرتبة الثانية رتبة المعذبين وهذه رتبة من تحلى بأصل الإيمان ولكن قصر ~~في الوفاء بمقتضاه فإن رأس الإيمان هو التوحيد وهو أن لا يعبد إلا الله ومن ~~اتبع هواه فقد اتخذ إلهه هواه فهو موحد بلسانه لا بالحقيقة بل معنى قولك لا ~~إله إلا الله معنى قوله تعالى قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وهو أن تذر ~~في بالكلية غير الله ومعنى قوله تعالى الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~ولما كان الصراط المستقيم الذي لا يكمل التوحيد إلا بالاستقامة عليه أدق من ~~الشعر ms1890 وأخذ من السيف مثل الصراط الموصوف في الآخرة فلا ينفك بشر عن ميل عن ~~الاستقامة ولو في أمر يسير إذ لا يخلو عن اتباع الهوى ولو في فعل قليل وذلك ~~قادح في كمال التوحيد بقدر ميله عن الصراط المستقيم فذلك يقتضي لا محالة ~~نقصانا في درجات القرب ومع كل نقصان ناران نار الفراق لذلك الكمال الفائت ~~بالنقصان ونار جهنم كما وصفها القرآن فيكون كل مائل عن الصراط المستقيم ~~معذبا مرتين من وجهين ولكن شدة ذلك العذاب وخفته وتفاوته بحسب طول المدة ~~إنما يكون بسبب أمرين أحدهما قوة الإيمان وضعفه والثاني كثرة اتباع الهوى ~~وقلته وإذ لا يخلو بشر في غالب الأمر عن واحد من الأمرين قال الله تعالى ~~وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر ~~الظالمين فيها جثيا ولذلك قال الخائفون من السلف إنما خوفنا لأنا تيقنا أنا ~~على النار واردون وشككنا في النجاة ولما روى الحسن الخبر الوارد فيمن يخرج ~~من النار بعد ألف عام وأنه ينادي يا حنان يا منان (1) قال الحسن يا ليتني ~~كنت ذلك الرجل واعلم أن في الأخبار ما يدل على أن آخر من يخرج من النار بعد ~~سبعة آلاف سنة وأن الاختلاف في المدة بين اللحظة وبين سبعة آلاف سنة حتى قد ~~يجوز بعضهم على النار كبرق خاطف ولا يكون له فيها لبث وبين اللحظة وبين ~~سبعة آلاف سنة درجات متفاوتة من اليوم والأسبوع والشهر وسائر المدد وأن ~~الاختلاف بالشدة لا نهاية لأعلاه وأدناه التعذيب بالمناقشة في الحساب كما ~~أن الملك قد يعذب بعض المقصرين في الأعمال بالمناقشة في الحساب ثم يعفو وقد ~~يضرب بالسياط وقد يعذب بنوع آخر من العذاب ويتطرق إلى العذاب اختلاف ثالث ~~في غير المدة والشدة وهو اختلاف الأنواع إذ ليس من يعذب بمصادرة المال فقط ~~كمن يعذاب بأخذ المال وقتل الولد واستباحة الحريم وتعذيب الأقارب والضرب ~~وقطع اللسان واليد PageV04P026 # والأنف والأذن وغيره فهذه الاختلافات ثابتة في عذاب الآخرة دل عليها ~~قواطع الشرع ms1891 وهي بحسب اختلاف قوة الإيمان وضعفه وكثرة الطاعات وقلتها وكثرة ~~السيئات وقلتها أما شدة العذاب فبشدة قبح السيئات وكثرتها وأما كثرته ~~فبكثرتها وأما اختلاف أنواعه فباختلاف أنواع السيئات وقد انكشف هذا لأرباب ~~القلوب مع شواهد القرآن بنور الإيمان وهو المعني بقوله تعالى وما ربك بظلام ~~للعبيد وبقوله تعالى اليوم تجزى كل نفس بما كسبت وبقوله تعالى وان ليس ~~للإنسان إلا ما سعى وبقوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره إلى غير ذلك مما ورد في الكتاب والسنة من كون العقاب ~~والثواب جزاء على الأعمال وكل ذلك بعدل لا ظلم فيه وجانب العفو والرحمة ~~أرجح إذ قال تعالى فيما أخبر عنه نبينا صلى الله عليه وسلم سبقت رحمتى غضبي ~~(1) وقال تعالى وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما فإذن هذه ~~الأمور الكلية من ارتباط الدرجات والدركات بالحسنات والسيئات معلومة بقواطع ~~الشرع ونور المعرفة فأما التفصيل فلا يعرف إلا ظنا ومستنده ظواهر الأخبار ~~ونوع حدس يستمد من أنوار الاستبصار بعين الاعتبار فنقول كل من أحكم أصل ~~الإيمان واجتنب جميع الكبائر وأحسن جميع الفرائض أعني الأركان الخمسة ولم ~~يكن منه إلا صغائر متفرقة لم يصر عليها فيشبه أن يكون عذابه المناقشة في ~~الحساب فقط فإنه إذا حوسب رجحت حسناته على سيئاته إذ ورد في الأخبار إن ~~الصلوات الخمسة والجمعة وصوم رمضان كفارات لما بينهن وكذلك اجتناب الكبائر ~~بحكم نص القرآن مكفرا للصغائر وأقل درجات التكفير أن يدفع العذاب إن لم ~~يدفع الحساب وكل من هذا حاله فقد ثقلت موازينه فينبغي أن يكون بعد ظهور ~~الرجحان في الميزان وبعد الفراغ من الحساب في عيشة راضية نعم التحاقه ~~باصحاب اليمين أو بالمقربين ونزوله في جنات عدن أو في الفردوس الأعلى فكذلك ~~يتبع أصناف الإيمان لأن الإيمان إيمانان تقليدي كإيمان العوام يصدقون بما ~~يستمعون ويستمرون عليه وإيمان كشفي يحصل بانشراح الصدر بنور الله حتى ينكشف ~~فيه الوجود كله على ما هو عليه فيتضح أن الكل إلى الله ms1892 مرجعه ومصيره إذ ليس ~~في الوجود إلا الله تعالى وصفاته وأفعاله فهذا الصنف هم المقربون النازلون ~~في الفردوس الأعلى وهم على غاية القرب من الملأ الأعلى وهم أيضا على أصناف ~~فمنهم السابقون ومنهم من دونهم وتفاوتهم بحسب تفاوت معرفتهم بالله تعالى ~~ودرجات العارفين في المعرفة بالله تعالى لا تنحصر إذ الإحاطة بكلمة جلال ~~الله غير ممكنة وبحر المعرفة ليس له ساحل وعمق وإنما يغوص فيه الغواصون ~~بقدر قواهم وبقدر ما سبق لهم من الله تعالى في الأزل فالطريق إلى الله ~~تعالى لا نهاية لمنازله فالسالكون سبيل الله لا نهاية لدرجاتهم وأما المؤمن ~~إيمانا تقليديا فمن أصحاب اليمين ودرجته دون درجة المقربين وهم أيضا على ~~درجات فالأعلى من درجات أصحاب اليمين تقارب رتبته رتبة الأدنى من درجات ~~المقربين هذا حال من اجتنب كل الكبائر وأدى الفرائض كلها أعني الأركان ~~الخمسة التي هى النطق بكلمة الشهادة باللسان والصلاة والزكاة والصوم والحج ~~فأما من ارتكب كبيرة أو كبائر أو أهمل بعض أركان الإسلام فإن تاب توبة ~~نصوحا قبل قرب الأجل التحق بمن لم يرتكب لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ~~والثوب المغسول كالذي لم يتوسخ أصلا وإن مات قبل التوبة فهذا أمر مخطر عند ~~الموت إذ ربما يكون موته على الإصرار سببا لتزلزل إيمانه فيختم له بسوء ~~الخاتمة لا سيما إذا كان إيمانه تقليديا فإن التقليد وإن كان جزما فهو قابل ~~للانحلال PageV04P027 # بادنى شك وخيال والعارف البصير أبعد أن يخاف عليه سوء الخاتمة وكلاهما إن ~~ماتا على الإيمان يعذبان إلا أن يعفو الله عذابا يزيد على عذاب المناقشة في ~~الحساب وتكون كثرة العقاب من حيث المدة بحسب كثرة مدة الإصرار ومن حيث ~~الشدة بحسب قبح الكبائر ومن حيث اختلاف النوع بحسب اختلاف أصناف السيئات ~~وعند انقضاء مدة العذاب ينزل البله المقلدون في درجات أصحاب اليمين ~~والعارفون المستبصرون في أعلى عليين ففي الخبر آخر من يخرج من النار يعطى ~~مثل الدنيا كلها عشرة أضعاف (1) فلا تظن أن المراد به تقديره بالمساحة ~~لأطراف ms1893 الأجسام كان يقابل فرسخ بفرسخين أو عشرة بعشرين فإن هذا جهل بطريق ~~ضرب الأمثال بل هذا كقول القائل أخذ منه جملا واعطاه عشرة أمثاله وكان ~~الجمل يساوي عشرة دنانير فأعطاه مائة دينار فإن لم يفهم من المثل إلا المثل ~~في الوزن والثقل فلا تكون مائة دينار لو وضعت في كفة الميزان والجمل في ~~الكفة الأخرى عشر عشيره بل هو موازنة معاني الأجسام وارواحها دون أشخاصها ~~وهياكلها فإن الجمل لا يقصد لثقله وطوله وعرضه ومساحته بل لماليته فروحه ~~المالية وجسمه اللحم والدم ومائة دينار عشرة أمثاله بالموازنة الروحانية لا ~~بالموازنة الجسمانية وهذا صادق عند من يعرف روح المالية من الذهب والفضة بل ~~لو أعطاه جوهرة وزنها مثقال وقيمتها مائة دينار وقال أعطيته عشرة امثاله ~~كان صادقا ولكن لا يدرك صدقه إلا الجوهريون فإن روح الجوهرية لا تدرك بمجرد ~~البصر بل بفطنة أخرى وراء البصر فلذلك يكذب به الصبي بل القروي والبدوي ~~ويقول ما هذه الجوهرة إلا حجر وزنه مثقال ووزن الجمل ألف ألف مثقال فقد كذب ~~في قوله إني أعطيته عشرة امثاله والكاذب بالتحقيق هو الصبي ولكن لا سبيل ~~إلى تحقيق ذلك عنده إلا بأن ينتظر به البلوغ والكمال وأن يحصل في قلبه ~~النور الذي يدرك به أرواح الجواهر وسائر الأموال فعند ذلك ينكشف له الصدق ~~والعارف عاجز عن تفهيم المقلد القاصر صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~هذه الموازنة إذ يقول صلى الله عليه وسلم الجنة في السموات (2) كما ورد في ~~الأخبار والسموات من الدنيا فكيف يكون عشرة أمثال الدنيا في الدنيا وهذا ~~كما يعجز البالغ عن تفهيم الصبي تلك الموازنة وكذلك تفهيم البدوي وكما أن ~~الجوهري مرحوم إذا بلي بالبدوي والقروي في تفهيم تلك الموازنة فالعارف ~~مرحوم إذ يلى بالبليد الأبلة في تفهيم هذه الموازنة ولذلك قال صلى الله ~~عليه وسلم ارحموا ثلاثة عالما بين الجهال وغني قوم افتقر وعزيز قوم ذل (3) ~~والأنبياء مرحومون بين الأمة بهذا السبب ومقاساتهم لقصور عقول الأمة فتنة ~~لهم وامتحان وابتلاء من ms1894 الله وبلاء موكل بهم سبق بتوكيله القضاء الأزلي وهو ~~المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم البلاء موكل بالأنبياء ثم الأولياء ثم ~~الأمثل فالأمثل (4) فلا تظنن أن البلاء بلاء أيوب عليه السلام وهو الذى ~~ينزل بالبدن فإن بلاء نوح عليه السلام أيضا من البلاء العظيم إذ بلي بجماعة ~~كان لا يزيدهم دعاؤه إلى الله إلا فرارا ولذلك لما تأذى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بكلام بعض الناس قال رحم الله اخي موسى لقد اوذي بأكثر من هذا ~~فصبر (5) فإذن لا تخلو الأنبياء PageV04P028 # عن الابتلاء بالجاحدين ولا تخلو الأولياء والعلماء عن الابتلاء بالجاهلين ~~ولذلك قلما ينفك الأولياء عن ضروب من الإيذاء وأنواع البلاء بالإخراج من ~~البلاد والسعاية بهم إلى السلاطين والشهادة عليهم بالكفر والخروج عن الدين ~~وواجب أن يكون أهل المعرفة عند أهل الجهل من الكافرين كما يجب أن يكون ~~المعتاض عن الجمل الكبير جوهرة صغيرة عند الجاهلين من المبذرين المضيعين ~~فإذا عرفت هذه الدقائق فآمن بقوله عليه الصلاة والسلام أنه يعطى آخر من ~~يخرج من النار مثل الدنيا عشر مرات وإياك أن تقتصر بتصديقك على ما يدركه ~~البصر والحواس فقط فتكون حمارا برجلين لأن الحمار يشاركك في الحواس الخمس ~~وإنما أنت مفارق للحمار بسر إلهي عرض على السموات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنه وأشفقن منه فإدراك ما يخرج عن عالم الحواس الخمس لا يصادف إلا في ~~عالم ذلك السر الذي فارقت به الحمار وسائر البهائم فمن ذهل عن ذلك وعطله ~~وأهمله وقنع بدرجة البهائم ولم يجاوز المحسوسات فهو الذي أهلك نفسه ~~بتعطيلها ونسيها بالإعراض عنها فلا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ~~فكل من لم يعرف إلا المدرك بالحواس فقد نسى الله إذ ليس ذات الله مدركا في ~~هذا العالم بالحواس الخمس وكل من نسي الله أنساه الله لا محالة نفسه ونزل ~~إلى رتبة البهائم وترك الترقي إلى الأفق الأعلى وخان في الأمانة التي أودعه ~~الله تعالى وانعم عليه كافرا لأنعمه ومتعرضا لنقمته إلا أنه أسوأ حالا من ~~البهيمة فإن ms1895 البهيمة تتخلص بالموت وأما هذا فعنده أمانة سترجع لا محالة إلى ~~مودعها فإليه مرجع الأمانة ومصيرها وتلك الأمانة كالشمس الزاهرة وإنما هبطت ~~إلى هذه القالب الفاني وغربت فيه وستطلع هذه الشمس عند خراب هذا القالب من ~~مغربها وتعود إلى بارئها وخالقها إما مظلمة منكسفة وإما زاهرة مشرقة ~~والزاهرة المشرقة غير محجوبة عن حضرة الربوبية والمظلمة أيضا راجعة إلى ~~الحضرة إذ المرجع والمصير للكل إليه إلا أنها ناكسة رأسها عن جهة أعلى ~~عليين إلى جهة أسفل سافلين ولذلك قال تعالى ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا ~~رءوسهم عند ربهم فبين أنهم عند ربهم إلا أنهم منكوسون قد انقلبت وجوههم إلى ~~أقفيتهم وانتكست رءوسهم عن جهة فوق إلى جهة أسفل وذلك حكم الله فيمن حرمه ~~توفيقه ولم يهده طريقه فنعوذ بالله من الضلال والنزول إلى منازل الجهال ~~فهذا حكم انقسام من يخرج من النار ويعطى مثل عشرة أمثال الدنيا أو أكثر ولا ~~يخرج من النار إلا موحد ولست أعني بالتوحيد ان يقول بلسانه لا إله إلا الله ~~فإن اللسان من عالم الملك والشهادة فلا ينفع إلا في عالم الملك فيدفع السيف ~~عن رقبته وأيدي الغانمين عن ماله ومدة الرقبة والمال مدة الحياة فحيث لا ~~تبقى رقبة ولا مال لا ينفع القول باللسان وإنما ينفع الصدق في التوحيد ~~وكمال التوحيد أن لا يرى الأمور كلها إلا من الله وعلامته أن لا يغضب على ~~أحد من الخلق بما يجري عليه إذ لا يرى الوسائط وإنما يرى مسبب الأسباب كما ~~سيأتي تحقيقه في التوكل وهذا التوحيد متفاوت فمن الناس من له من التوحيد ~~مثل الجبال ومنهم من له مثقال ومنهم من له مقدار خردلة وذرة فمن في قلبه ~~مثقال دينار من إيمان فهو أول من يخرج من النار وفي الخبر يقال أخرجوا من ~~النار من في قلبه مثقال دينار من إيمان (1) وآخر من يخرج من في قلبه مثقال ~~ذرة من إيمان وما بين المثقال والذرة على قدر تفاوت درجاتهم يخرجون بين ~~طبقة المثقال وبين طبقة الذرة ms1896 والموازنة بالمثقال والذرة على سبيل ضرب ~~المثل كما ذكرنا في الموازنة بين أعيان الأموال وبين النقود وأكثر ما يدخل ~~الموحدين النار مظالم العباد فديوان العباد هو الديوان الذي لا يترك فأما ~~بقية السيئات فيتسارع العفو والتكفير إليها ففي الأثر إن العبد PageV04P029 # ليوقف بين يدي الله تعالى وله من الحسنات أمثال الجبال لو سلمت له لكان ~~من أهل الجنة فيقوم أصحاب المظالم فيكون قد سب عرض هذا وأخذ مال هذا وضرب ~~هذا فيقضى من حسناته حتى لا تبقى له حسنة فتقول الملائكة يا ربنا هذا قد ~~فنيت حسناته وبقي طالبون كثير فيقول الله تعالى ألقوا من سيئاتهم على ~~سيئاته وصكوا له صكا إلى النار وكما يهلك هو بسيئة غيره بطريق القصاص فكذلك ~~ينجو المظلوم بحسنة الظالم إذ ينقل إليه عوضا عما ظلم به وقد حكي عن ابن ~~الجلاء أن بعض إخوانه اغتابه ثم أرسل إليه يستحله فقال لا أفعل ليس في ~~صحيفتي حسنة أفضل منها فكيف أمحوها وقال هو وغيره ذنوب إخواني من حسناتي ~~أريد أن أزين بها صحيفتي فهذا ما أردنا أن نذكره من اختلاف العباد في ~~المعاد في درجات السعادة والشقاوة وكل ذلك حكم بظاهر أسباب يضاهي حكم ~~الطبيب على مريض بانه يموت لا محالة ولا يقبل العلاج وعلى مريض آخر بأن ~~عارضه خفيف وعلاجه هين فإن ذلك ظن يصيب في أكثر الأحوال ولكن قد تثوب إلى ~~المشرف على الهلاك نفسه من حيث لا يشعر الطبيب وقد يساق إلى ذي العارض ~~الخفيف أجله من حيث لا يطلع عليه وذلك من أسرار الله تعالى الخفية في أرواح ~~الأحياء وغموض الأسباب التي رتبها مسبب الأسباب بقدر معلوم إذ ليس في قوة ~~البشر الوقوف على كنهها فكذلك النجاة والفوز في الآخرة لهما أسباب خفية ليس ~~في قوة البشر الاطلاع عليها يعبر عن ذلك السبب الخفي المفضي إلى النجاة ~~بالعفو والرضا عما يفضي إلى الهلاك بالغضب والانتقام ووراء ذلك سر المشيئة ~~الإلهية الأزلية التي لا يطلع الخلق عليها فلذلك يجب علينا أن نجوز ms1897 العفو ~~عن المعاصى وإن كثرت سيئاته الظاهرة والغضب على المطيع وإن كثرت طاعاته ~~الظاهرة فإن الاعتماد على التقوى والتقوى في القلب وهو أغمض من أن يطلع ~~عليه صاحبه فكيف غيره ولكن قد انكشف لأرباب القلوب أنه لا عفو عن عبد إلا ~~بسبب خفي فيه يقتضي العفو ولا غضب إلا بسبب باطن يقتضي البعد عن الله تعالى ~~ولولا ذلك لم يكن العفو والغضب جزاء على الأعمال والأوصاف ولو لم يكن جزاء ~~لم يكن عدلا ولو لم يكن عدلا لم يصح قوله تعالى وما ربك بظلام للعبيد ولا ~~قوله تعالى إن الله لا يظلم مثقال ذرة وكل ذلك صحيح فليس للإنسان إلا ما ~~سعى وسعيه هو الذي يرى وكل نفس بما كسبت رهينه فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ~~ولما غيروا ما بانفسهم غير الله ما بهم تحقيقا لقوله تعالى إن الله لا يغير ~~ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وهذا كله قد انكشف لأرباب القلوب انكشافا ~~اوضح من المشاهدة بالبصر إذ للبصر يمكن الغلط فيه إذ قد يرى البعيد قريبا ~~والكبير صغيرا ومشاهدة القلب لا يمكن الغلط فيها وإنما الشأن في انفتاح ~~بصيرة القلب وإلا فما يرى بها بعد الانفتاح فلا يتصور فيه الكذب وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى ما كذب الفؤاد ما رأى # الرتبة الثالثة رتبة الناجين وأعني بالنجاة السلامة فقط دون السعادة ~~والفوز وهم قوم لم يخدموا فيخلع عليهم ولم يقصروا فيعذبوا ويشبه أن يكون ~~هذا حال المجانين والصبيان من الكفار والمعتوهين والذين لم تبلغهم الدعوة ~~في أطراف البلاد وعاشوا على البله وعدم المعرفة فلم يكن لهم معرفة ولا جحود ~~ولا طاعة ولا معصية فلا وسيلة تقربهم ولا جناية تبعدهم فما هم من أهل الجنة ~~ولا من أهل النار بل ينزلون في منزلة بين المنزلتين ومقام بين المقامين عبر ~~الشرع عنه بالأعراف وحلول طائفة من الخلق (1) فيه معلوم يقينا من الآيات ~~والأخبار ومن PageV04P030 # أبى معشر عن يحيى بن شبل عن عمر بن عبد الرحمن المدنى عن أبيه مختصرا ~~وابو معشر تجيح ms1898 السندى ضعيف ويحيى بن شبل لا يعرف وللحاكم عن حذيفة قال ~~أصحاب الأعراف قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقصرت سيئاتهم من الجنة الحديث ~~وقال صحيح على شرط الشيخين وروى الثعلبى عن ابن عباس قال الأعراف موضع عال ~~في الصراط عليه العباس وحمزة وعلى وجعفر الحديث هذا كذب موضوع وفيه جماعة ~~من الكذابين (1) حديث عائشة أنها قالت لما مات بعض الصبيان عصفور من عصافير ~~الجنة فأنكر ذلك رسول الله وقال ما يدريك رواه مسلم قال المصنف والأخبار في ~~حق الصبيان متعارضة قلت روى البخارى من حديث سمرة بن جندب في رؤيا النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفيه وأما الرجل الطويل الذى في الروضة فإبراهيم عليه ~~السلام وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة فقيل يا رسول الله ~~وأولاد المشركين قال وأولاد المشركين وللطبرانى من حديثه سألنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال هم خدمة أهل الجنة وفيه عباد بن ~~منصور الناجى قاضى البصرة وهو ضعيف يروية عن عيسى ابن شعيب وقد ضعفه ابن ~~حبان وللنسائى من حديث الأسود بن سريع كنا في غزاة لنا الحديث في قتلى ~~الذرية وفيه ألا إن خياركم أبناء المشركين ثم قال لا تقتلوا ذرية وكل نسمة ~~تولد على الفطرة الحديث وإسناده صحيح وفي الصحيحين من حديث أبى هريرة كل ~~مولود يولد على الفطرة الحديث وفى رواية لأحمد ليس مولود يولد إلا على هذه ~~الملة ولأبي داود في آخر الحديث يا رسول الله فرأيت من يموت وهو صغير فقال ~~الله أعلم بما كانوا عاملين وفى الصحيحين من حديث ابن عباس سئل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال الله أعلم بما كانوا عاملين ~~وللطبرانى من حديث ثابت بن الحارث الأنصاري كانت يهودى إذا هلك لهم صبى ~~صغير قالوا هو صديق فقال النبي صلى الله عليه وسلم كذبت يهود ما من نسمة ~~يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقى أو سعيد الحديث وفيه عبد الله بن لهيعة ~~ولأبى داود من ms1899 حديث ابن مسعود الوائدة والموءودة في النار وله من حديث ~~عائشة قلت يا رسول الله ذرارى المؤمنين فقال مع آبائهم قلت بلا عمل قال ~~الله أعلم بما كانوا عاملين قلت فذراري المشركين قال مع آبائهم قلت بلا عمل ~~قال الله أعلم بما كانوا عاملين وللطبرانى من حديث خديجة قلت يا رسول الله ~~أين أطفالى منك قال في الجنة قلت بلا عمل قال الله أعلم بما كانوا عاملين ~~قلت أطفالى قبلك قال في النار قلت بلا عمل قال لقد علم الله ما كانوا ~~عاملين وإسناده منقطع بين عبد الله بن الحارث وخديجة وفى الصحيحين من حديث ~~الصعب بن جثامة في أولاد المشركين هم من آبائهم وفى رواية هم منهم // فإذن ~~الإشكال والاشتباه أغلب في هذا المقام # الرتبة الرابعة رتبة الفائزين وهم العارفون دون المقلدين وهم المقربون ~~السابقون فإن المقلد وإن كان له فوز على الجملة بمقام في الجنة فهو من ~~أصحاب اليمين وهؤلاء هم المقربون وما يلقى هؤلاء يجاوز حد البيان والقدر ~~الممكن ذكره ما فصله القرآن فليس بعد بيان الله بيان والذي لا يمكن التعبير ~~عنه في هذا العالم فهو الذى أجمله قوله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين وقوله عز وجل أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر عل قلب بشر والعارفون مطلبهم تلك الحالة التي لا يتصور أن تخطر على ~~قلب بشر في هذا العالم وأما الحور والقصور والفاكهة واللبن والعسل والخمر ~~والحلي والأساور فإنهم لا يحرصون عليها ولو أعطوها لم يقنعوا بها ولا ~~يطلبون إلا لذة النظر إلى وجه الله تعالى الكريم فهي غاية السعادات ونهاية ~~اللذات ولذلك قيل لرابعة العدوية رحمة الله عليها كيف رغبتك في الجنة فقالت ~~الجار ثم الدار فهؤلاء قوم شغلهم حب رب الدار عن الدار وزينتها بل عن كل ~~شيء سواه حتى عن أنفسهم ومثالهم مثال العاشق المستهتر بمعشوقه المستوفي همه ~~بالنظر إلى وجهه والفكر فيه فإنه في الحال الاستغراق غافل عن نفسه ms1900 لا يحس ~~بما يصيبه في بدنه ويعبر على هذه الحالة بأنه فنى عن نفسه ومعناه أنه صار ~~مستغرقا بغيره وصارت همومه هما واحدا وهو محبوبه ولم يبق فيه متسع لغير ~~محبوبه حتى يلتفت إليه لانفسه ولا غير نفسه وهذه الحالة هي التي توصل في ~~الآخرة إلى قرة عين لا يتصور أن PageV04P031 # تخطر في هذا العالم على قلب بشر كما لا يتصور أن تخطر صورة الألوان ~~والألحان على قلب الأصم والأكمه إلا أن يرفع الحجاب عن سمعه وبصره فعند ذلك ~~يدرك حاله ويعلم قطعا أنه لم يتصور أن تخطر بباله قبل ذلك صورته فالدنيا ~~حجاب على التحقيق وبرفعه ينكشف الغطاء فعند ذلك يدرك ذوق الطيبة وإن الدار ~~الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون فهذا القدر كاف في بيان توزع الدرجات ~~على الحسنات والله الموفق بلطفه ### |||| بيان ما تعظم به الصغائر من الذنوب # اعلم أن الصغيرة تكبر بأسباب منها الإصرار والمواظبة ولذلك قيل لا صغيرة ~~مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار فكبيرة واحدة تنصرم ولا يتبعها مثلها لو ~~تصور ذلك كان العفو عنها أرجى من صغيرة يواظب العبد عليها ومثال ذلك قطرات ~~من الماء تقع على الحجر على توال فتؤثر فيه وذلك القدر من الماء لو صب عليه ~~دفعة واحدة لم يؤثر ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الأعمال ~~أدومها وإن قل (1) والأشياء تستبان بأضداها وإن كان النافع من العمل هو ~~الدائم وإن قل فالكثير المنصرم قليل النفع في تنوير القلب وتطهيره فكذلك ~~القليل من السيئات إذا دام عظم تأثيره في إظلام القلب إلا أن الكبيرة قلما ~~يتصور الهجوم عليها بغتة من غير سوابق ولو احق من جملة الصغائر فقلما يزني ~~الزاني بغتة من غير مراودة ومقدمات وقلما يقتل بغتة من غير مشاحنة سابقة ~~ومعاداة فكل كبيرة تكتنفها صغائر سابقة ولا حقة ولو تصورت كبيرة وحدها بغتة ~~ولم يتفق إليها عود ربما كان العفو فيها أرجى من صغيرة واطب الإنسان عليها ~~عمره ومنها أن يستصغر الذنب فإن الذنب كلها ms1901 استعظمه العبد من نفسه صغر عند ~~الله تعالى لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب عنه وكراهيته له وذلك النفور ~~يمنع من شدة تأثره به واستصغاره يصدر عن الإلف به وذلك يوجب شدة الأثر في ~~القلب والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات والمحذور تسويده بالسيئات ولذلك ~~لا يؤاخذ بما يجري عليه في الغفلة فإن القلب لا يتأثر بما يجري في الغفلة ~~وقد جاء في الخبر المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه يخاف أن يقع عليه والمنافق ~~يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فأطاره (2) وقال بعضهم الذنب الذي لا يغفر قول ~~العبد ليت كل ذنب عملته مثل هذا وإنما يعظم الذنب في قلب المؤمن لعلمه ~~بجلال الله فإذا نظر إلى عظم من عصى به رأى الصغيرة كبيرة وقد أوحى الله ~~تعالى إلى بعض أنبيائه لا تنظر إلى قلة الهدية وانظر إلى عظم مهديها ولا ~~تنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى كبرياء من واجهته بها وبهذا الاعتبار قال ~~بعض العارفين لا صغيرة بل كل مخالفة فهي كبيرة وكذلك قال بعض الصحابة رضي ~~الله عنهم للتابعين وإنكم لتعملون أعمالا هي في أعينكم أدق من الشعر كنا ~~نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات إذ كانت معرفة ~~الصحابة بجلال الله أتم فكانت الصغائر عندهم بالإضافة إلى جلال الله تعالى ~~من الكبائر وبهذا السبب يعظم من العالم ما لا يعظم من الجاهل ويتجاوز عن ~~العامي في أمور لا يتجاوز في أمثالها عن العارف لأن الذنب والمخالفة يكبر ~~بقدر معرفة المخالف ومنها السرور بالصغيرة والفرح والتبجح بها واعتداد ~~التمكن من ذلك نعمة والغفلة عن كونه سبب الشقاوة فكلما غلبت حلاوة الصغيرة ~~عند العبد كبرت الصغيرة وعظم أثرها في تسويد قلبه حتى إن من المذنبين من ~~يتمدح بذنبه ويتبجح به لشدة فرحه بمقارفته إياه PageV04P032 # كما يقول أما رأيتني كيف مزقت عرضه ويقول المناظر في مناظرته أما رأيتني ~~كيف فضحته وكيف ذكرت مساويه حتى أخجلته وكيف استخففت به وكيف لبست عليه ~~ويقول المعامل في التجارة أما رأيت ms1902 كيف روجت عليه الزائف وكيف خدعته وكيف ~~غبنته في ماله وكيف استحمقته فهذا وأمثاله تكبر به الصغائر فإن الذنوب ~~مهلكات وإذا دفع العبد إليها وظفر الشيطان به في الحمل عليها فينبغي أن ~~يكون في مصيبة وتأسف بسبب غلبة العدو عليه وبسبب بعده من الله تعالى ~~فالمريض الذي يفرح بأن ينكسر إناؤه الذي فيه دواؤه حتى يتخلص من ألم شربه ~~لا يرجى شفاؤه ومنها أن يتهاون بستر الله عليه وحلمه عنه وإمهاله إياه ولا ~~يدري أنه إنما يمهل مقتا ليزداد بالإمهال إثما فيظن أن تمكنه من المعاصي ~~عناية من الله تعالى به فيكون ذلك لأمنه من مكر الله وجهله بمكامن الغرور ~~بالله كما قال تعالى ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم ~~جهنم يصلونها فبئس المصير ومنها أن يأتي الذنب ويظهره بأن يذكره بعد إتيانه ~~أو يأتيه في مشهد غيره فإن ذلك جناية منه على ستر الله الذي سدله عليه ~~وتحريك لرغبة الشر فيمن أسمعه ذنبه أو أشهده فعله فهما جنايتان انضمتا إلى ~~جنايته فغلظت به فإن انضاف إلى ذلك الترغيب للغير فيه والحمل عليه وتهيئة ~~الأسباب له صارت جناية رابعه وتفاحش الأمر وفي الخبر كل الناس معافى إلا ~~المجاهرين يبيت أحدهم على ذنب قد ستره الله عليه فيصبح فيكشف ستر الله ~~ويتحدث بذنبه (1) وهذا لأن من صفات الله ونعمه أنه يظهر الجميل ويستر ~~القبيح ولا يهتك الستر فالإظهار كفران لهذه النعمة وقال بعضهم لا تذنب فإن ~~كان ولا بد فلا ترغب غيرك فيه فتذنب ذنبين ولذلك قال تعالى المنافقون ~~والمنافقات بعضهم من بعض يامرون بالمنكر وينهون عن المعروف وقال بعض السلف ~~ما انتهك المرء من أخيه حرمة أعظم من أن يساعده على معصية ثم يهونها عليه ~~ومنها أن يكون المذنب عالما يقتدى به فإذا فعله بحيث يرى ذلك منه كبر ذنبه ~~كلبس العالم الإبريسم وركوبه مراكب الذهب وأخذه مال الشبهة من أموال ~~السلاطين ودخوله على السلاطين وتردده عليهم ومساعدته إياهم بترك الإنكار ~~عليهم وإطلاق اللسان في الأعراض وتعديه ms1903 باللسان في المناظرة وقصده ~~الاستخفاف واشتغاله من العلوم بما لا يقصد منه إلا الجاه كعلم الجدل ~~والمناظرة فهذه ذنوب يتبع العالم عليها فيموت العالم ويبقى شره مستطيرا في ~~العالم آماد متطاولة فطوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه معه وفي الخبر من سن سنة ~~سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئا (2) قال تعالى ~~ونكتب ما قدموا وآثارهم والآثار ما يلحق من الأعمال بعد انقضاء العمل ~~والعامل وقال ابن عباس ويل للعالم من الاتباع يزل زلة فيرجع عنها ويحملها ~~الناس فيذهبون بها في الآفاق وقال بعضهم مثل زلة العالم مثل انكسار السفينة ~~تغرق ويغرق أهلها وفي الإسرائيليات أن عالما كان يضل الناس بالبدعة ثم ~~أدركته توبة فعمل في الإصلاح دهرا فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل له إن ~~ذنبك لو كان فيما بيني وبينك لغفرته لك ولكن كيف بمن أضللت من عبادي ~~فأدخلتهم النار فبهذا يتضح أن أمر العلماء مخطر فعليهم وظيفتان إحداهما ترك ~~الذنب والأخرى إخفاءه وكما تتضاعف أوزارهم على الذنوب فكذلك يتضاعف ثوابهم ~~على الحسنات إذا اتبعوا فإذا ترك التجمل والميل إلى الدنيا وقنع منها ~~باليسير ومن الطعام بالقوت ومن الكسوة بالخلق فيتبع عليه ويقتدي به العلماء ~~والعوام فيكون له مثل ثوابهم وإن مال إلى التجمل مالت طباع من دونه إلى ~~التشبه به ولا يقدرون على التجمل إلا بخدمة السلاطين PageV04P033 # وجمع الحطام من الحرام ويكون هو السبب في جميع ذلك فحركات العلماء في ~~طوري الزيادة والنقصان تتضاعف آثارها إما بالربح وإما بالخسران وهذا القدر ~~كاف في تفاصيل الذنوب التى التوبة توبة عنها ### ||| الركن الثالث في تمام التوبة وشروطها ودوامها إلى آخر العمر # قد ذكرنا أن التوبة عبارة عن ندم يورث عزما وقصدا وذلك الندم أورثه العلم ~~بكون المعاصي حائلا بينه وبين محبوبه ولكل واحد من العلم والندم والعزم ~~دوام وتمام ولتمامها علامة ولدوامها شرط فلا بد من بيانها أما العلم فالنظر ~~فيه نظر في سبب التوبة وسيأتي وأما الندم فهو توجع القلب عند شعوره بفوات ms1904 ~~المحبوب وعلامته طول الحسرة والحزن وانسكاب الدمع وطول البكاء والفكر فمن ~~استشعر عقوبة نازلة بولده أو ببعض أعزته طال عليه مصيبته وبكاؤه وأي عزيز ~~أعز عليه من نفسه وأي عقوبة أشد من النار وأي شيء أدل على نزول العقوبة من ~~المعاصي وأي مخبر أصدق من الله ورسوله ولو حدثه إنسان واحد يسمى طبيبا أن ~~مرض ولده المريض لا يبرأ وأنه سيموت منه لطال في الحال حزنه فليس ولده بأعز ~~من نفسه ولا الطبيب بأعلم ولا أصدق من الله ورسوله ولا الموت بأشد من النار ~~ولا المرض بأدل على الموت من المعاصي على سخط الله تعالى والتعرض بها للنار ~~فألم الندم كلما كان أشد كان تكفير الذنوب به أرجى فعلامة صحة الندم رقة ~~القلب وغزارة الدمع وفي الخبر جالسوا التوابين فإنهم أرق أفئدة (1) ومن ~~علامته أن تتمكن مرارة تلك الذنوب في قلبه بدلا عن حلاوتها فيستبدل بالميل ~~كراهية وبالرغبة نفرة وفي الإسرائيليات أن الله سبحانه وتعالى قال لبعض ~~أنبيائه وقد سأله قبول توبة عبد بعد أن اجتهد سنين قي العبادة ولم ير قبول ~~توبته فقال وعزتى وجلالى لو شفع فيه أهل السموات والأرض ما قبلت توبته ~~وحلاوة ذلك الذنب الذي تاب منه في قلبه # فإن قلت فالذنوب هي أعمال مشتهاة بالطبع فكيف يجد مرارتها فأقول من تناول ~~عسلا كان فيه سم ولم يدركه بالذوق واستلذه ثم مرض وطال مرضه وألمه وتناثر ~~شعره وفلجت أعضاؤه فإذا قدم إليه عسل فيه مثل ذلك السم وهو في غاية الجوع ~~والشهوة للحلاوة فهل تنفر نفسه عن ذلك العسل أم لا فإن قلت لا فهو جحد ~~للمشاهدة والضرورة بل ربما تنفر عن العسل الذي ليس فيه سم أيضا لشبهه به ~~فوجدان التائب مرارة الذنب كذلك يكون وذلك لعلمه بأن كل ذنب فذوقه ذوق ~~العسل وعمله عمل السم ولا تصح التوبة ولا تصدق إلا بمثل هذا الإيمان ولم عز ~~مثل هذا الإيمان عزت التوبة والتائبون فلا ترى إلا معرضا عن الله تعالى ~~متهاونا بالذنوب مصرا عليها فهذا ms1905 شرط تمام الندم وينبغي أن يدوم إلى الموت ~~وينبغي أن يجد هذه المرارة في جميع الذنوب وإن لم يكن قد ارتكبها من قبل ~~كما يجد متناول السم في العسل النفرة من الماء البارد مهما علم ان فيه مثل ~~ذلك السم إذ لم يكن ضرره من العسل بل مما فيه ولم يكن ضرر التائب من سرقته ~~وزناه من حيث إنه سرقة وزنا بل من حيث إنه من مخالفة أمر الله تعالى وذلك ~~جار في كل ذنب وأما القصد الذى ينبعث منه هو إرادة التدارك فله تعلق بالحال ~~وهو يوجب ترك كل محظور هو ملابس له وأداء كل فرض وهو متوجه عليه في الحال ~~وله تعلق بالماضي وهو تدارك ما فرط وبالمستقبل وهو دوام الطاعة ودوام ترك ~~المعصية إلى الموت # وشرط صحتها فيما يتعلق بالماضي أن يرد فكره إلى أول يوم بلغ فيه بالسن او ~~الاحتلام ويفتش عما مضى من PageV04P034 # عمره سنة سنة وشهرا شهرا ويوما يوما ونفسا نفسا وينظر إلى الطاعات ما ~~الذي قصر فيه منها وإلى المعاصي ما الذي قارفه منها # فإن كان قد ترك صلاة او صلاها في ثوب نجس أو صلاها في بنية غير صحيحة ~~لجهلة بشرط النية فيقضيها عن آخرها فإن شك في عدد ما فاته منها حسب من مدة ~~بلوغه وترك القدر الذي يستيقن انه أداه ويقضي الباقي وله أن ياخذ فيه بغالب ~~الظن ويصل إليه على سبيل التحري والاجتهاد # وأما الصوم فإن كان قد تركه في سفر ولم يقضه أو أفطر عمدا أو نسى النبة ~~بالليل ولم يقض فيتعرف مجموع ذلك بالتحرى والاجتهاد ويشتغل بقضائه # وأما الزكاة فيحسب جميع ماله وعدد السنين من أول ملكه لا من زمان البلوغ ~~فإن الزكاة واجبة في مال الصبي فيؤدي ما علم بغالب الظن أنه في ذمته فإن ~~أداه لا على وجه يوافق مذهبه بان لم يصرف إلى الأصناف الثمانية أو أخرج ~~البدل وهو على مذهب الشافعي رحمه الله تعالى فيقضي جميع ذلك فإن ذلك لا ~~يجزيه اصلا وحساب ms1906 الزكاة ومعرفة ذلك يطول ويحتاج فيه إلى تأمل شاف ويلزمه ~~أن يسأل عن كيفية الخروج عنه من العلماء # وأما الحج فإن كان قد استطاع في بعض السنين ولم يتفق له الخروج والآن قد ~~أفلس فعليه الخروج فإن لم يقدر مع الإفلاس فعليه أن يكتسب من الحلال قدر ~~الزاد فإن لم يكن له كسب ولا مال فعليه أن يسأل الناس ليصرف إليه الزكاة او ~~الصدقات ما يحج به فإن إن مات قبل الحج مات عاصيا قال عليه السلام من مات ~~ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا (1) والعجز الطارىء بعد ~~القدرة لا يسقط عنه الحج فهذا طريق تفتيشه عن الطاعات وتداركها # وأما المعاصي فيجب أن يفتش من أول بلوغه عن سمعه وبصره ولسانه وبطنه ويده ~~ورجله وفرجه وسائر جوارحه ثم ينظر في جميع أيامه وساعاته ويفصل عند نفسه ~~ديوان معاصيه حتى يطلع على جميعها صغائرها وكبائرها ثم ينظر فيها فما كان ~~من ذلك بينه وبين الله تعالى من حيث لا يتعلق بمظلمة العباد كنظر إلى غير ~~محرم وقعود في مسجد مع الجنابة ومس مصحف بغير وضوء واعتقاد بدعة وشرب خمر ~~وسماع ملاه وغيره ذلك مما لا يتعلق بمظالم العباد فالتوبة عنها بالندم ~~والتحسر عليها وبأن يحسب مقدارها من حيث الكبر ومن حيث المدة ويطلب لكل ~~معصية منها حسنة تناسبها فيأتي من الحسنات بمقدار تلك السيئات أخذا من قوله ~~صلى الله عليه وسلم اتق الله حيث كنت وأتبع السيئة تمحها (2) بل من قوله ~~تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات فيكفر سماع الملاهي بسماع القرآن وبمجالس ~~الذكر ويكفر القعود في المسجد جنبا بالاعتكاف فيه مع الاشتغال بالعبادة ~~ويكفر مس المصحف محدثا بإكرام المصحف وكثرة قراءة القرآن منه وكثرة تقبيله ~~بأن يكتب مصحفا ويجعله وقفا ويكفر شرب الخمر بالتصدق بشراب حلال هو أطيب ~~منه وأحب إليه وعد جميع المعاصى غير ممكن وإنما المقصود سلوك الطريق ~~المضادة فإن المرض يعالج بضده فكل ظلمة ارتفعت إلى القلب بمعصية فلا يمحوها ~~إلا نور يرتفع إليها بحسنة ms1907 تضادها والمتضادات هي المتناسبات فلذلك ينبغي أن ~~تمحى كل سيئة بحسنة من جنسها لكن تضادها فإن البياض يزال بالسواد لا ~~بالحرارة والبرودة وهذا التدريج والتحقيق من التلطف في طريق المحو فالرجاء ~~فيه أصدق والثقة PageV04P035 # به أكثر من أن يواظب على نوع واحد من العبادات وإن كان ذلك أيضا مؤثرا في ~~المحو فهذا حكم ما بينه وبين الله تعالى ويدل على أن الشيء يكفر بضده أن حب ~~الدنيا رأس كل خطيئة وأثر اتباع الدنيا في القلب السرو بها والحنين إليها ~~فلا جرم كان كل أذى يصيب المسلم ينبو بسببه قلبه عن الدنيا يكون كفارة له ~~إذ القلب يتجافى بالهموم والغموم عن دار الهموم قال صلى الله عليه وسلم من ~~الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهموم (1) وفي لفظ آخر إلا الهم بطلب المعيشة ~~وفي حديث عائشة رضي الله عنها إذا كثرت ذنوب العبد ولم تكن له أعمال تكفرها ~~أدخل الله تعالى عليه الهموم فتكون كفارة لذنوبه (2) ويقال إن الهم الذي ~~يدخل على القلب والعبد لا يعرف هو ظلمة الذنوب والهم بها وشعور القلب بوقفه ~~الحساب وهول المطلع # فإن قلت هم الإنسان غالبا بما له وولده وجاهه وهو خطيئة فكيف يكون كفارة ~~فاعلم أن الحب له خطيئة والحرمان عنه كفارة ولو تمتع به لتمت الخطيئة فقد ~~روي أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام في السجن فقال له كيف ~~تركت الشيخ الكئيب فقال قد حزن عليك حزن مائة ثكلى قال فما له عند الله قال ~~أجر مائة شهيد فإذن الهموم ايضا مكفرات حقوق الله فهذا حكم ما بينه وبين ~~الله تعالى # وأما مظالم العباد ففيها أيضا معصية وجناية على حق الله تعالى فإن الله ~~تعالى نهى عن ظلم العباد أيضا فما يتعلق منه بحق الله تعالى تداركه بالندم ~~والتحسر وترك مثله في المستقبل والإتيان بالحسنات التي هي أضدادها فيقابل ~~إيذاءه الناس بالإحسان إليهم ويكفر غصب أموالهم بالتصدق بملكه الحلال ويكفر ~~تناول أعراضهم بالغيبة والقدح فيهم بالثناء على أهل الدين وإظهار ما ms1908 يعرف ~~من خصال الخير من أقرانه وأمثاله ويكفر قتل النفوس بإعتاق الرقاب لأن تلك ~~إحياء إذ العبد مفقود لنفسه موجود لسيده والإعتاق إيجاد لا يقدر الإنسان ~~على أكثر منه فيقابل الإعدام بالإيجاد وبهذا تعرف أن ما ذكرناه من سلوك ~~طريق المضادة في التكفير والمحو مشهود له في الشرع حيث كفر القتل بإعتاق ~~رقبة ثم إذا فعل ذلك كله لم يكفه ما لم يخرج عن مظالم العباد ومظالم العباد ~~إما في النفوس أو الأموال أو الأعراض أو القلوب أعني به الإيذاء المحض # أما النفوس فإن جرى عليه قتل خطأ فنوبته بتسليم الدية ووصولها إلى ~~المستحق إما منه او من عاقلته وهو في عهدة ذلك قبل الوصول وإن كان عمدا ~~موجبا للقصاص فبالقصاص فإن لم يعرف فيجب عليه أن يتعرف عند ولي الدم ويحكمه ~~في روحه فإن شاء عفا عنه وإن شاء قتله ولا تسقط عهدته إلا بهذا ولا يجوز له ~~الإخفاء وليس هذا كما لو زنى أو شرب او سرق أو قطع الطريق أو باشر ما يجب ~~عليه فيه حد الله تعالى فإنه لا يلزمه في التوبة أن يفضح نفسه ويهتك ستره ~~ويلتمس من الوالي استيفاء حق الله تعالى بل عليه أن بستر الله تعالى ويقيم ~~حد الله على نفسه بانواع المجاهدة والتعذيب فالعفو في محض حقوق الله تعالى ~~قريب من التائبين النادمين فإن أمر هذه إلى الوالي حتى أقام عليه الحد وقع ~~موقعه وتكون توبته صحيحة مقبولة عند الله تعالى بدليل ما روي أن ما عز بن ~~مالك أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني قد ظلمت نفسى ~~وزنيت وإنى أريد أن تطهرني فرده فلما كان من الغد اتاه فقال يا رسول الله ~~إني قد زنيت فرده الثانية فلما كان في الثالثة أمر به فحفر له حفرة ثم أمر ~~به PageV04P036 # فرجم فكان الناس فيه فريقين فقائل يقول لقد هلك وأحاطت به خطيئته وقائل ~~يقول ما توبة أصدق من توبته فقال رسول الله صلى الله عليه ms1909 وسلم لقد تاب ~~توبة لو قسمت بين أمة لو سعتهم (1) وجاءت الغامدية فقالت يا رسول الله إني ~~قد زنيت فطهرني فردها فلما كان من الغد قالت يا رسول الله لم تردني لعلك ~~تريد أن ترددنى كما رددت ما عزا فو الله إني لحبلى فقال صلى الله عليه وسلم ~~أما الآن فاذهبي حتى تضعي فلما ولدت أتت بالصبي في خرقة فقالت هذا قد ولدته ~~قال اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتت بالصبي وفي يده كسرة خبز ~~فقالت يانبى الله قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ~~ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فأقبل خالد بن الوليد ~~بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجهه فسبها فسمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سبه إياها فقال مهلا يا خالد فو الذى نفسي بيده لقد تابت توبة لو ~~تابها صاحب مكس لغفر له ثم أمر بها فصلي عليها ودفت (2) # وأما القصاص وحد القذف فلا بد من تحليل صاحبه المستحق فيه وإن كان ~~المتناول مالا تناوله بغصب أو خيانة أو غبن في معاملة بنوع تلبيس كترويج ~~زائف أو ستر عيب من المبيع أو نقص أجرة أجير أو منع أجرته فكل ذلك يجب أن ~~يفتش عنه لا من حد بلوغه بل من أول مدة وجوده فإن ما يجب في مال الصبي يجب ~~على الصبي إخراجه بعد البلوغ إن كان الولي قد قصر فيه فإن لم يفعل كان ~~ظالما مطالبا به إذ يستوي في الحقوق المالية الصبي والبالغ وليحاسب نفسه ~~على الحبات والدوانق من أول يوم حياته إلى يوم توبته قبل أن يحاسب في ~~القيامة وليناقش قبل أن يناقش فمن لم يحاسب نفسه في الدنيا طال في الآخرة ~~حسابه فإن حصل مجموع ما عليه بظن غالب ونوع من الاجتهاد ممكن فليكتبه ~~وليكتب أسامي أصحاب المظالم واحدا واحدا وليطف في نواحي العالم وليطلبهم ~~وليستحلهم أو ليؤد حقوقهم وهذه التوبة تشق على الظلمة وعلى التجار فإنهم لا ~~يقدرون على طلب ms1910 المعاملين كلهم ولا على طلب ورثتهم ولكن على كل واحد منهم ~~أن يفعل منه ما يقدر عليه فإن عجز فلا يبقى له طريق إلا أن يكثر من الحسنات ~~حتى تفيض عنه يوم القيامة فتؤخذ حسناته وتوضع في موازين أرباب المظالم ولكن ~~كثرة حسناته بقدر كثرة مظالمه فإنه إن لم تف بها حسناته حمل من سيئاته ~~أرباب المظالم فيهلك بسيئات غيره فهذا طريق كل تائب في رد المظالم وهذا ~~يوجب استغراق العمر في الحسنات لو طال العمر بحسب طول مدة الظلم فكيف وذلك ~~مما لا يعرف وربما يكون الأجل قريبا فينبغي أن يكون تشميره للحسنات والوقت ~~ضيق أشد من تشميره الذي كان في المعاصي في متسع الأوقات هذا حكم المظالم ~~الثابتة في ذمته # أما أمواله الحاضرة فليرد إلى المالك ما يعرف له مالكا معينا وما لا يعرف ~~له مالكا فعليه أن يتصدق به فإن اختلط الحلال بالحرام فعليه أن يعرف قدر ~~الحرام بالاجتهاد ويتصدق بذلك المقدار كما سبق تفصيله في كتاب الحلال ~~والحرام # وأما الجناية على القلوب بمشافهة الناس بما يسوؤهم أو يعيهم في الغيبة ~~فيطلب كل من تعرض له بلسان أو آذى قلبه بفعل من أفعاله وليستحل واحدا واحدا ~~منهم ومن مات أو غاب فقد فات أمره ولا يتدارك إلا بتكثير الحسنات لتؤخذ منه ~~عوضا في القيامة وأما من وجده وأحله بطيب قلب منه فذلك كفارته وعليه أن ~~يعرفه قدر جنايته PageV04P037 # وتعرضه له فالاستحلال المبهم لا يكفي وربما لو عرف ذلك وكثرة تعديه عليه ~~لم تطب نفسه بالإحلال وادخر ذلك في القيامة ذخيرة يأخذها من حسناته أو ~~يحمله من سيئاته فإن كان في جملة جنايته على الغير ما لو ذكره وعرفه لتأذى ~~بمعرفته كزناه بجاريته أو أهله أو نسبته باللسان إلى عيب من خفايا عيوبه ~~يعظم آذاه مهما شوفه به فقد انسد عليه طريق الاستحلال فليس له إلا أن يستحل ~~منها ثم تبقى له مظلمة فليجبرها بالحسنات كما يجبر مظلمة الميت والغائب # وأما الذكر والتعريف فهو سيئة جديدة يجب الاستحلال ms1911 منها ومهما ذكر جنايته ~~وعرفه المجني عليه فلم تسمح نفسه بالاستحلال بقيت المظلمة عليه فإن هذا حقه ~~فعليه أن يتلطف به ويسعى في مهماته وأغراضه ويظهر من حبه والشفقة عليه ما ~~يستميل به قلبه فإن الإنسان عبد الإحسان وكل من نفر بسيئة مال بحسنة فإذا ~~طاب قلبه بكثرة تودده وتلطفه سمحت نفسه بالإحلال فإن أبى إلا الإصرار فيكون ~~تلطفه به واعتذاره إليه من جملة حسناته التي يمكن أن يجبر بها في القيامة ~~جنايته وليكن قدر سعيه في فرحه وسرور قلبه بتودده وتلطفه كقدر سعيه في أذاه ~~حتى إذا قاوم أحدهما الآخر أو زاد عليه أخذ ذلك منه عوضا في القيامة بحكم ~~الله به عليه كمن أتلف في الدنيا ما لا فجاء بمثله فامتنع من له المال من ~~القبول وعن الإبراء فإن الحاكم يحكم عليه بالقبض منه شاء أم أبى فكذلك يحكم ~~في صعيد القيامة أحكم الحاكمين وأعدل المقسطين وفي المتفق عليه من الصحيحين ~~عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان فيمن كان قبلكم رجل ~~قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال إنه ~~قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة قال لا فقتله فكمل به مائة ثم سأل عن ~~أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال له إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة ~~قال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى الأرض كذا وكذا فإن بها أناسا ~~يعبدون الله عز وجل فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ~~فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة ~~العذاب فقالت ملائكة الرحمة جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله وقالت ملائكة ~~العذاب إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه حكما بينهم ~~فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوا فوجوده أدنى ~~إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة (1) وفي رواية فكان إلى ms1912 القرية ~~الصالحة أقرب منها بشبر فجعل من أهلها وفي رواية فأوحى الله تعالى إلى هذه ~~أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي وقال قيسوا ما بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب ~~بشبر فغفر له فبهذا تعرف أنه لاخلاص إلا برجحان ميزان الحسنات ولو بمثقال ~~ذرة فلا بد للتائب من تكثير الحسنات هذا حكم القصد المتعلق بالماضي # وأما العزم المرتبط بالاستقبال فهو أن يعقد مع الله عقدا مؤكدا ويعاهده ~~بعهد وثيق أن لا يعود إلى تلك الذنوب ولا إلى أمثالها كالذي يعلم في مرضه ~~أن الفاكهة تضره مثلا فيعزم عزما جزما أنه لا يتناول الفاكهة ما لم يزل ~~مرضه فإن هذا العزم يتأكد في الحال وإن كان يتصور أن تغلبه الشهوة في ثاني ~~الحال ولكن لا يكون تائبا ما لم يتأكد عزمه في الحال ولا يتصور أن يتم ذلك ~~للتائب في أول أمره إلا بالعزلة والصمت وقلة الأكل والنوم وإحراز قوت حلال ~~فإن كان له مال موروث حلال أو كانت له حرفة يكتسب بها قدر الكفاية فليقتصر ~~عليه PageV04P038 # فإن رأس المعاصي أكل الحرام فكيف يكون تائبا مع الإصرار عليه ولا يكتفي ~~بالحلال وترك الشبهات من لا يقدر على ترك الشهوات في المأكولات والملبوسات ~~وقد قال بعضهم من صدق في ترك شهوة وجاهد نفسه لله سبع مرار لم يبتل بها ~~وقال آخر من تاب من ذنب واستقام سبع سنين لم يعد إليه أبدا ومن مهمات ~~التائب إذا لم يكن عالما أن يتعلم ما يجب عليه في المستقبل وما يحرم عليه ~~حتى يمكنه الاستقامة وإن لم يؤثر العزلة لم تتم له الاستقامة المطلقة إلا ~~أن يتوب عن بعض الذنوب كالذي يتوب عن الشرب والزنا والغصب مثلا وليست هذه ~~توبة مطلقة # وقد قال بعض الناس إن هذه التوبة لا تصح وقال قائلون تصح ولفظ الصحة في ~~هذا المقام مجمل بل نقول لمن قال لا تصح إن عنيت به أن تركه بعض الذنوب لا ~~يفيد أصلا بلا وجوده كعدمه فما أعظم خطأك فإنا نعلم أن كثرة الذنوب ms1913 سبب ~~لكثرة العقاب وقلتها سبب لقلته ونقول لمن قال تصح إن أردت به أن التوبة عن ~~بعض الذنوب توجب قبولا يوصل إلى النجاة أو الفوز فهذا أيضا خطأ بل النجاة ~~والفوز بترك الجميع هذا حكم الظاهر ولسنا نتكلم في خفايا أسرار عفو الله ~~فإن قال من ذهب إلى أنها لا تصح إني أردت به أن التوبة عبارة عن الندم ~~وإنما يندم على السرقة مثلا لكونها معصية لا لكونها سرقة ويستحيل أن يندم ~~عليها دون الزنا إن كان توجعه لأجل المعصية فإن العلة شاملة لهما إذ من ~~يتوجع على قتل ولده بالسيف يتوجع على قتله بالسكين لأن توجعه بفوات محبوبه ~~سواء كان بالسيف أو بالسكين فكذلك توجع العبد بفوات محبوبه وذلك بالمعصية ~~سواء عصى بالسرقة أو الزنا فكيف يتوجع على البعض دون البعض فالندم حالة ~~يوجبها العلم بكون المعصية مفوتة للمحبوب من حيث إنها معصية فلا يتصور أن ~~يكون على بعض المعاصي دون البعض ولو جاز هذا لجاز أن يتوب من شرب الخمر من ~~أحد الدنين دون الآخر فإن استحال ذلك من حيث إن المعصية في الخمرين واحد ~~وإنما الدنان ظروف فكذلك أعيان المعاصي آلات للمعصية والمعصية من حيث ~~مخالفة الأمر واحدة فإذن معنى عدم الصحة أن الله تعالى وعد التائبين رتبة ~~وتلك الرتبة لا تنال إلا بالندم ولا يتصور الندم على بعض المتماثلات فهو ~~كالملك المرتب على الإيجاب والقبول فإنه إذا لم يتم الإيجاب والقبول نقول ~~إن العقد لا يصح أي لم تترتب عليه الثمرة وهو الملك وتحقيق هذا أن ثمرة ~~مجرد الترك أن ينقطع عنه عقاب ما تركه وثمرة الندم تكفير ما سبق فترك ~~السرقة لا يكفر السرقة بل الندم عليها ولا يتصور الندم إلا لكونها معصية ~~وذلك يعم جميع المعاصي وهو كلام مفهوم واقع يستنطق المنصف بتفصيل به ينكشف ~~الغطاء # فنقول التوبة عن بعض الذنوب لا تخلو إما أن تكون عن الكبائر دون الصغائر ~~أو عن الصغائر دون الكبائر أو عن كبيرة دون كبيرة أما التوبة عن الكبائر ms1914 ~~دون الصغائر فأمر ممكن لأنه يعلم أن الكبائر أعظم عند الله وأجلب لسخط الله ~~ومقته والصغائر أقرب إلى تطرق العفو إليها فلا يستحيل أن يتوب عن الأعظم ~~ويتندم عليه كالذي يجني على أهل الملك وحرمه ويجني على دابته فيكون خائفا ~~من الجناية على الأهل مستحقرا للجناية على الدابة والندم بحسب استعظام ~~الذنب واعتقاد كونه مبعدا عن الله تعالى وهذا ممكن وجوده في الشرع فقد كثر ~~التائبون في الأعصار الخالية ولم يكن أحد منهم معصوما فلا تستدعي التوبة ~~العصمة والطبيب قد يحذر المريض العسل تحذيرا شديدا ويحذره السكر تحذيرا أخف ~~منه على وجه يشعر معه أنه ربما لا يظهر ضرر السكر أصلا فيتوب المريض بقوله ~~عن العسل دون السكر فهذا غير محال وجوده وإن أكلهما جميعا بحكم شهوته ندم ~~على أكل العسل دون السكر # الثاني أن يتوب عن بعض الكبائر دون بعض وهذا أيضا ممكن لاعتقاده أن بعض ~~الكبائر أشد وأغلظ عند PageV04P039 # الله كالذي يتوب عن القتل والنهب والظلم ومظالم العباد لعلمه أن ديوان ~~العباد لا يترك وما بينه وبين الله يتسارع العفو إليه فهذا أيضا ممكن كما ~~في تفاوت الكبائر والصغائر لأن الكبائر أيضا متفاوتة في أنفسها وفي اعتقاد ~~مرتكبها ولذلك قد يتوب عن بعض الكبائر التي لا تتعلق بالعباد كما يتوب عن ~~شرب الخمر دون الزنا مثلا إذ يتضح له أن الخمر مفتاح الشرور وأنه إذا زال ~~عقله ارتكب جميع المعاصي وهو لا يدرى فبحسب ترجح شرب الخمر عنده ينبعث منه ~~خوف يوجب ذلك تركا في المستقبل وندما على الماضي # الثالث أن يتوب عن صغيرة أو صغائر وهو مصر على كبيرة يعلم أنها كبيرة ~~كالذي يتوب عن الغيبة أو عن النظر إلى غير المحرم أو ما يجري مجراه وهو مصر ~~على شرب الخمر فهو أيضا ممكن ووجه إمكانه أنه ما من مؤمن إلا وهو خائف من ~~معاصيه ونادم على فعله ندما إما ضعيفا وإما قويا ولكن تكون لذة نفسه في تلك ~~المعصية أقوى من ألم قلبه في الخوف منها ms1915 لأسباب توجب ضعف الخوف من الجهل ~~والغفلة وأسباب توجب قوة الشهوة فيكون الندم موجودا ولكن لا يكون مليا ~~بتحريك العزم ولا قويا عليه فإن سلم عن شهوة أقوى منه بأن لم يعارضه إلا ما ~~هو أضعف قهر الخوف الشهوة وغلبها وأوجب ذلك ترك المعصية وقد تشتد ضراوة ~~الفاسق بالخمر فلا يقدر على الصبر عنه وتكون له ضراوة ما بالغيبة وثلب ~~الناس والنظر إلى غير المحرم وخوفه من الله قد بلغ مبلغا يقمع هذه الشهوة ~~الضعيفة دون القوية فيوجب عليه جند الخوف انبعاث العزم للترك بل يقول هذا ~~الفاسق في نفسه إن قهرنى الشيطان بواسطة غلبة الشهوة في بعض المعاصي فلا ~~ينبغي أن أخلع العذار وأرخي العنان بالكلية بل أجاهده في بعض المعاصي ~~فعساني أغلبه فيكون قهري له في البعض كفارة لبعض ذنوبي ولو لم يتصور هذا ~~لما تصور من الفاسق أن يصلي ويصوم ولقيل له إن كانت صلاتك لغير الله فلا ~~تصح وإن كانت لله فاترك الفسق لله فإن أمر الله فيه واحد فلا يتصور أن تقصد ~~بصلاتك التقرب إلى الله تعالى ما لم تتقرب بترك الفسق وهذا محال بأن يقول ~~لله تعالى على أمران ولي على المخالفة فيهما عقوبتان وأناملي في أحدهما ~~بقهر الشيطان عاجز عنه في الآخر فأنا أقهره فيما أقدر عليه وأرجو بمجاهدتي ~~فيه أن يكفر عنى بعض ما عجزت عنه بفرط شهوتي فكيف لا يتصور هذا وهو حال كل ~~مسلم إذ لا مسلم إلا وهو جامع بين طاعة الله ومعصيته ولاسبب له إلا هذا ~~وإذا فهم هذا فهم أن غلبة الخوف للشهوة في بعض الذنوب ممكن وجودها والخوف ~~إذا كان من فعل ماض أورث الندم والندم يورث العزم وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم الندم توبة ولم يشترط الندم على كل ذنب وقال التائب من الذنب كمن ~~لا ذنب له ولم يقل التائب من الذنوب كلها وبهذه المعاني تبين سقوط قول ~~القائل أن التوبة عن بعض الذنوب غير ممكنة لأنها متمائلة في حق الشهوة وفي ms1916 ~~حق التعرض إلى سخط الله تعالى نعم يجوز أن يتوب عن شرب الخمر دون النبيذ ~~لتفاوتهما في اقتضاء السخط ويتوب عن الكثير دون القليل لأن لكثرة الذنوب ~~تأثيرا في كثرة العقوبة فيساعد الشهوة بالقدر الذي يعجز عنه ويترك بعض ~~شهوته لله تعالى كالمريض الذي حذره الطبيب الفاكهة فإنه قد يتناول قليلها ~~ولكن لا يستكثر منها فقد حصل من هذا أنه لا يمكن أن يتوب عن شيء ولا يتوب ~~عن مثله بل لا بد وأن يكون ما تاب عنه مخالفا لما بقي عليه إما في شدة ~~المعصية وإما في غلبة الشهوة وإذا حصل هذا التفاوت في اعتقاد التائب تصور ~~اختلاف حاله في الخوف والندم فيتصور اختلاف حاله في الترك فندمه على ذلك ~~الذنب ووفاؤه بعزمه على الترك يلحقه بمن لم يذنب وإن لم يكن قد أطاع الله ~~في جميع الأوامر والنواهي # فإن قلت هل تصح توبة العنين من الزنا الذي قارفه قبل طريان العنة فأقول ~~لا لأن التوبة عبارة عن ندم PageV04P040 # يبعث العزم على الترك فيما يقدر على فعله وما لا يقدر على فعله فقد انعدم ~~بنفسه لا بتركه إياه ولكني أقول لو طرأ عليه بعد العنة كشف ومعرفة تحقق به ~~ضرر الزنا الذي قارفه وثار منه احتراق وتحسر وندم بحيث لو كانت شهوة الوقاع ~~به باقية لكانت حرقة الندم تقمع تلك الشهوة وتغلبها فإني أرجو أن يكون ذلك ~~مكفرا لذنبه وما حيا عنه سيئته إذ لا خلاف في أنه لو تاب قبل طريان العنة ~~ومات عقيب التوبة كان من التائبين وإن لم يطرأ عليه حالة تهيج فيها الشهوة ~~وتتيسر أسباب قضاء الشهوة ولكنه تائب باعتبار أن ندمه بلغ مبلغا أوجب صرف ~~قصده عن الزنا لو ظهر قصده فإذن لا يستحيل أن تبلغ قوة الندم في حق العنين ~~هذا المبلغ إلا أنه لا يعرفه من نفسه فإن كل من لا يشتهي شيئا يقدر نفسه ~~قادرا على تركه بأدنى خوف والله تعالى مطلع على ضميره وعلى مقدار ندمه ~~فعساه يقبله منه بل ms1917 الظاهر أنه يقبله # والحقيقة في هذا كله ترجع إلى ظلمة المعصية تنمحي عن القلب بشيئين أحدهما ~~حرقة الندم والآخر شدة المجاهدة بالترك في المستقبل وقد امتنعت المجاهدة ~~بزوال الشهوة ولكن ليس محالا أن يقوى الندم بحيث يقوى على محوها دون ~~المجاهدة ولولا هذا لقلنا إن التوبة لا تقبل ما لم يعش التائب بعد التوبة ~~مدة يجاهد نفسه في عين تلك الشهوة مرات كثيرة وذلك مما لا يدل ظاهر الشرع ~~على اشتراطه أصلا # فإن قلت إذا فرضنا تائبين أحدهما سكنت نفسه عن النزوع إلى الذنب والآخر ~~بقي في نفسه نزوع إليه وهو يجاهدها ويمنعها فأيهما أفضل فاعلم أن هذا مما ~~اختلف العلماء فيه فقال أحمد بن أبي الحواري وأصحاب أبي سليمان الداراني إن ~~المجاهد أفضل لأن له مع التوبة فضل الجهاد وقال علماء البصرة ذلك الآخر ~~أفضل لأنه لو فتر في توبته كان أقرب إلى السلامة من المجاهد الذي هو في ~~عرضة الفتور عن المجاهدة وما قاله كل واحد من الفريقين لا يخلو عن حق وعن ~~قصور عن كمال الحقيقة # والحق فيه أن الذي انقطع نزوع نفسه له حالتان إحداهما أن يكون انقطاع ~~نزوعه إليها بفتور في نفس الشهوة فقط فالمجاهد أفضل من هذا إذ تركه ~~بالمجاهدة قد دل على قوة نفسه واستيلاء دينه على شهوته فهو دليل قاطع على ~~قوة اليقين وعلى قوة الدين وأعني بقوة الدين قوة الإرادة التي تنبعث بإشارة ~~اليقين وتقمع الشهوة المنبعثة بإشارة الشياطين فهاتان قوتان تدل المجاهدة ~~عليهما قطعا وقول القائل إن هذا أسلم إذ لو فتر لا يعود إلى الذنب فهذا ~~صحيح ولكن استعمال لفظ الأفضل فيه خطأ وهو كقول القائل العنين أفضل من ~~الفحل لأنه في أمن من خطر الشهوة والصبي أفضل من البالغ لأنه أسلم والمفلس ~~أفضل من الملك القاهر القامع لأعدائه لأن المفلس لا عدو له والملك ربما ~~يغلب مرة وإن غلب مرات وهذا كلام رجل سليم القلب قاصر النظر على الظواهر ~~غير عالم بأن العز في الأخطار وأن العلو شرطه ms1918 اقتحام الأغرار بل كقول ~~القائل الصياد الذي ليس له فرس ولا كلب أفضل في صناعة الاصطياد وأعلى رتبة ~~من صاحب الكلب والفرس لأنه آمن من أن يجمح به فرسه فتنكسر أعضاؤه عند ~~السقوط على الأرض وآمن من أن يعضه الكلب ويعتدي عليه وهذا خطأ بل صاحب ~~الفرس والكلب إذا كان قويا عالما بطريق تأديبهما أعلى رتبة وأحرى بدرك ~~سعادة الصيد # الحالة الثانية أن يكون بطلان النزوع بسبب قوة اليقين وصدق المجاهدة ~~السابقة إذ بلغ مبلغا قمع هيجان الشهوة حتى تأدبت بأدب الشرع فلا تهيج إلا ~~بالإشارة من الدين وقد سكنت بسبب استيلاء الدين عليها فهذا أعلى رتبة من ~~المجاهد المقاسي لهيجان الشهوة وقمعها وقول القائل ليس لذلك فضل الجهاد ~~قصور عن الإحاطة بمقصود PageV04P041 # الجهاد فإن الجهاد كان مقصودا لعينه بل المقصود قطع ضراوة العدو حتى لا ~~يستجرك إلى شهواته وإن عجز عن استجرارك فلا يصدك عن سلوك طريق الدين فإذا ~~قهرته وحصلت المقصود فقد ظفرت وما دمت في المجاهدة فأنت بعد في طلب الظفر ~~ومثاله كمثال من قهر العدو واسترقه بالإضافة إلى من هو مشغول بالجهاد في صف ~~القتال ولا يدري كيف يسلم ومثاله أيضا مثال من علم كلب الصيد وراض الفرس ~~فهما نائمان عنده بعد ترك الكلب الضراوة والفرس الجماح بالإضافة إلى من هو ~~مشغول بمقاساة التأديب بعد ولقد زل في هذا فريق فظنوا أن الجهاد هو المقصود ~~الأقصى ولم يعلموا أن ذلك طلب للخلاص من عوائق الطريق وظن آخرون أن قمع ~~الشهوات وإماطتها بالكلية مقصود حتى جرب بعضهم نفسه فعجز عنه فقال هذا محال ~~فكذب بالشرع وسلك سبيل الإباحة واسترسل في إتباع الشهوات وكل ذلك جهل وضلال ~~وقد قررنا ذلك في كتاب رياضة النفس من ربع المهلكات # فإن قلت فما قولك في تائبين أحدهما نسي الذنب ولم يشتغل بالتفكر فيه ~~والآخر جعله نصب عينه ولا يزال بتفكر فيه ويحترق ندما عليه فأيهما أفضل ~~فاعلم أن هذا أيضا قد اختلفوا فيه فقال بعضهم حقيقة التوبة أن تنصب ذنبك ~~بين ms1919 عينيك وقال آخر حقيقة التوبة أن تنسى ذنبك وكل واحد من المذنبين عندنا ~~على حق ولكن بالإضافة إلى حالين # وكلام المتصوفة أبدا يكون قاصرا فإن عادة كل واحد منهم أن يخبر عن حال ~~نفسه فقط ولا يهمه حال غيره فتختلف الأجوبة لاختلاف الأحوال وهذا نقصان ~~بالإضافة إلى الهمة والإرادة والجد حيث يكون صاحبه مقصور النظر على حال ~~نفسه لا يهمه أمر غيره إذ طريقه إلى الله نفسه ومنازله أحواله وقد يكون ~~طريق العبد إلى الله العلم فالطرق إلى الله تعالى كثيرة وإن كانت مختلفة في ~~القرب والعبد والله أعلم بمن هو أهدى سبيلا مع الاشتراك في أصل الهداية # فأقول تصور الذنب وذكره والتفجع عليه كمال في حق المبتدىء لأنه إذا نسيه ~~لم يكثر احتراقه فلا تقوى إرادته وانبعاثه لسلوك الطريق لأن ذلك يستخرج منه ~~الحزن والخوف الوازع عن الرجوع إلى مثله فهو بالإضافة إلى الغافل كمال ~~ولكنه بالإضافة إلى سالك الطريق نقصان فإنه شغل مانع عن سلوك الطريق بل ~~سالك الطريق ينبغي أن لا يعرج على غير السلوك فإن ظهر له مبادى الوصول ~~وانكشف له أنوار المعرفة ولو امع الغيب استغرقه ذلك ولم يبق متسع للالتفات ~~إلى ما سبق من أحواله وهو الكمال بل لو عاق المسافر عن الطريق إلى بلد من ~~البلاد نهر حاجز طال تعب المسافر في عبوره مدة من حيث إنه كان قد خرب جسره ~~من قبل ولو جلس على شاطىء البحر بعد عبوره يبكي متأسفا على تخريبه الجسر ~~كان هذا مانعا آخر اشتغل به بعد الفراغ من ذلك المانع نعم إن لم يكن الوقت ~~وقت الرحيل بأن كان ليلا فتعذر السلوك أو كان على طريقة أنهار وهو يخاف على ~~نفسه أن يمر بها فليطل بالليل بكاؤه وحزنه على تخريب الجسر ليتأكد بطول ~~الحزن عزمه على أن لا يعود إلى مثله فإن حصل له من التنبيه ما وثق بنفسه ~~أنه لا يعود إلى مثله فسلوك الطريق أولى به من الاشتغال بذكر تخريب الجسر ~~والبكاء عليه وهذا لا ms1920 يعرفه إلا من عرف الطريق والمقصد والعائق وطريق ~~السلوك وقد أشرنا إلى تلويحات منه في كتاب العلم وفي ربع المهلكات بل نقول ~~شرط دوام التوبة أن يكون كثير الفكر في النعيم فى الآخرة لتزيد غبته ولكن ~~إن كان شابا فلا ينبغي أن يطيل فكره فى كل ما له نظير في الدنيا كالحور ~~والقصور فإن ذلك الفكر ربما يحرك رغبته فيطلب العاجلة ولا يرضى بالآجلة بل ~~ينبغي أن يتفكر في لذة النظر إلى وجه الله تعالى فقط فذلك لا نظير له في ~~الدنيا PageV04P042 # فكذلك تذكر الذنب قد يكون محركا للشهوة فالمبتدى أيضا قد يستضر به فيكون ~~النسيان أفضل له عند ذلك ولا يصدنك عن التصديق بهذا التحقيق ما يحكى لك من ~~بكاء داود ونياحته عليه السلام فإن قياسك نفسك على الأنبياء قياس في غاية ~~الاعوجاج لأنهم قد ينزلون في أقوالهم وأفعالهم إلى الدرجات اللائقة بأممهم ~~فإنهم ما بعثوا إلا لإرشادهم فعليهم التلبس بما تنتفع أممهم بمشاهدته وإن ~~كان ذلك نازلا عن ذروة مقامهم فلقد كان في الشيوخ من لا يشير على مريده ~~بنوع رياضة إلا ويخوض معه فيها وقد كان مستغنيا عنها لفراغه عن المجاهدة ~~وتأديب النفس تسهيلا للأمر على المريد ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أما ~~إني لا أنسى ولكنى أنسى لأشرع (1) وفي لفظ إنما أسهو لأسن ولا تعجب من هذا ~~فإن الأمم في كنف شفقة الأنبياء كالصبيان في كنف شفقة الآباء وكالمواشي في ~~كنف الرعاة # أما ترى الأب إذا أراد أن يستنطق ولده الصبي كيف ينزل إلى درجة نطق الصبي ~~كما قال صلى الله عليه وسلم للحسن كخ كخ (2) لما أخذ تمرة من تمر الصدقة ~~ووضعها في فيه وما كانت فصاحته تقصر عن أن يقول ارم هذه التمرة فإنها حرام ~~ولكنه لما علم أنه لا يفهم منطقة ترك الفصاحة ونزل إلى لكنته بل الذي يعلم ~~شاة أو طائرا يصوت به رغاء أو صفيرا تشبها بالبهيمة والطائر تلطفا في ~~تعليمه فإياك أن تغفل عن أمثال هذه الدقائق إنها مزلة ms1921 أقدام العارفين فضلا ~~عن الغافلين نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه ### |||| بيان أقسام العباد في دوام التوبة # اعلم أن التائبين في التوبة على أربع طبقات الطبقة الأولى أن يتوب العاصي ~~ويستقيم على التوبة إلى آخر عمره فيتدارك ما فرط من أمره ولا يحدث نفسه ~~بالعود إلى ذنوبه إلا الزلات التي لا ينفك البشر عنها في العادات مهما لم ~~يكن في رتبة النبوة فهذا هو الاستقامة على التوبة وصاحبه هو السابق ~~بالخيرات المستبدل بالسيئات حسنات واسم هذه التوبة التوبة النصوح واسم هذه ~~النفس الساكنة النفس المطمئنة التي ترجع إلى ربها راضية مرضية وهؤلاء هم ~~الذين إليهم الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم سبق المفردون المستهترون ~~بذكر الله تعالى وضع الذكر عنهم أوزارهم فوردوا القيامة خفافا (3) فإن فيه ~~إشارة إلى أنهم كانوا تحت أوزار وضعها الذكر عنهم وأهل هذه الطبقة على رتب ~~من حيث النزوع إلى الشهوات فمن تائب سكنت شهواته تحت قهر المعرفة ففتر ~~نزاعها ولم يشغله عن السلوك صرعها وإلى من لا ينفك عن منازعة النفس ولكنه ~~ملي بمجاهدتها وردها ثم تتفاوت درجات النزاع أيضا بالكثرة والقلة وباختلاف ~~المدة وباختلاف الأنواع وكذلك يختلفون من حيث طول العمر فمن مختطف يموت ~~قريبا من توبته يغبط على ذلك لسلامته وموته قبل الفترة ومن ممهل طال جهاده ~~وصبره وتمادت استقامته وكثرت حسناته وحال هذا أعلى وأفضل إذ كل سيئة فإنما ~~تمحوها حسنة حتى قال بعض العلماء إنما يكفر الذنب الذي ارتكبه العاصي أن ~~يتمكن منه عشر مرات مع صدق الشهوة ثم يصبر عنه ويكسر شهوته خوفا من الله ~~تعالى واشتراط هذا بعيد وإن كان لا ينكر عظم أثره لو فرض ولكن لا ينبغي ~~للمريد الضعيف أن يسلك هذا الطريق فتهيج الشهوة وتحضر الأسباب حتى يتمكن ثم ~~يطمع في الانكفاف فإنه لا يؤمن خروج عنان الشهوة عن PageV04P043 # اختياره فيقدم على المعصية وينقض توبته بل طريقها الفرار من ابتداء ~~أسبابه الميسرة له حتى يسد طرقها على نفسه ويسعى مع ذلك في كسر شهوته بما ~~يقدر ms1922 عليه فبه تسلم توبته في الابتداء # الطبقة الثانية تائب سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات وترك كبائر ~~الفواحش كلها إلا أنه ليس ينفك عن ذنوب تعتريه لا عن عمد وتجريد قصد ولكن ~~يبتلى بها في مجاري أحواله من غير أن يقدم عزما على الإقدام عليها ولكنه ~~كلما أقدم عليها لام نفسه وندم وتأسف وجدد عزمه على أن يتشمر للاحتراز من ~~أسبابها التي تعرضه لها وهذه النفس جديرة بأن تكون هي النفس اللوامة إذ ~~تلوم صاحبها على ما تستهدف له من الأحوال الذميمة لا عن تصميم عزم وتخمين ~~رأي وقصد وهذه أيضا رتبة عالية وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى وهي أغلب ~~أحوال التائبين لأن الشر معجون بطينة الآدمي قلما ينفك عنه وإنما غاية سعيه ~~أن يغلب خيره شره حتى يثقل ميزانه فترجح كفة الحسنات فأما أن تخلو بالكلية ~~كفة السيئات فذلك في غاية البعد وهؤلاء لهم حسن الوعد من الله تعالى إذ قال ~~تعالى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة ~~فكل إلمام يقع بصغيرة لا عن توطين نفسه عليه فهو جدير بأن يكون من اللمم ~~المعفو عنه قال تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم فأثنى عليهم مع ظلمهم لأنفسهم لتندمهم ولومهم أنفسهم ~~عليه وإلى مثل هذه الرتبة الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه ~~علي كرم الله وجهه خياركم كل مفتن تواب (1) وفي خبر آخر المؤمن كالسنبلة ~~يفيء أحيانا ويميل أحيانا (2) وفي الخبر لا بد للمؤمن من ذنب يأتيه الفينة ~~بعد الفينة (3) أي الحين بعد الحين فكل ذلك أدلة قاطعة على أن هذا القدر لا ~~ينفض التوبة ولا يلحق صاحبها بدرجة المصرين ومن يؤيس مثل هذا عن درجة ~~التائبين كالطبيب الذي يؤيس الصحيح عن دوام الصحة بما يتناوله من الفواكه ~~والأطعمة الحارة مرة بعد أخرى من غير مداومة واستمرار وكالفقيه الذي يؤيس ~~المتفقه عن نيل درجة الفقهاء بفتوره عن التكرار والتعليق في أوقات نادرة ~~غير متطاولة ولا ms1923 كثيرة وذلك يدل على نقصان الطبيب والفقيه بل الفقيه في ~~الدين هو الذي لا يؤيس الخلق عن درجات السعادات بما يتفق لهم من الفترات ~~ومقارفة السيئات المختطفات قال النبي صلى الله عليه وسلم كل بنى آدم خطاءون ~~وخير الخطائين التوابون المستغفرون (4) وقال تعالى أولئك يؤتون أجرهم مرتين ~~بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة فما وصفهم بعدم السيئة أصلا # الطبقة الثالثة أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة ثم تغلبه الشهوات فى ~~بعضالذنوب فيقدم عليها عن صدق وقصد شهوة لعجزه عن قهر الشهوة إلا أنه مع ~~ذلك مواظب على الطاعات وتارك جملة من الذنوب مع القدرة والشهوة وإنما قهرته ~~هذه الشهوة الواحدة أو الشهوتان وهو يود لو أقدره الله تعالى على قمعها ~~وكفاه شرها هذا أمنيته في حال قضاء الشهوة عند الفراغ يتندم ويقول ليتني لم ~~أفعله وسأتوب عنه وأجاهد نفسى PageV04P044 # في قهرها لكنه تسول نفسه ويسوف توبته مرة بعد أخرى ويوما بعد يوم فهذه ~~النفس هي التي تسمى النفس المسولة وصاحبها من الذين قال الله تعالى فيهم ~~وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فأمره من حيث مواظبته ~~على الطاعات وكراهته لما تعاطاه مرجو فعسى الله أن يتوب عليه وعاقبته مخطرة ~~من حيث تسويفه وتأخيره فربما بختطف قبل التوبة ويقع أمره في المشيئة فإن ~~تداركه الله بفضله وجبر كسره وامتن عليه بالتوبة التحق بالسابقين وإن غلبته ~~شقوته وقهرته شهوته فيخشى أن يحق عليه في الخاتمة ما سبق عليه من القول في ~~الأزل لأنه مهما تعذر على المتفقه مثلا الاحتراز عن شواغل التعلم دل تعذره ~~على أنه سبق له في الأزل أن يكون من الجاهلين فيضعف الرجاء في حقه وإذا ~~يسرت له أسباب المواظبة على التحصيل دل على أنه سبق له في الأزل أن يكون من ~~جملة العالمين فكذلك ارتباط سعادات الآخرة ودركاتها بالحسنات والسيئات بحكم ~~تقدير مسبب الأسباب كارتباط المرض والصحة بتناول الأغذية والأدوية وارتباط ~~حصول فقه النفس الذي به تستحق المناصب العلية في الدنيا بترك الكسل ~~والمواظبة على تفقيه النفس ms1924 فكما لا يصلح لمنصب الرياسة والقضاء والتقدم ~~بالعلم إلا نفس صارت فقيهة بطول التفقيه فلا يصلح لملك الآخرة ونعيمها ولا ~~القرب من رب العالمين إلا قلب سليم صار طاهرا بطول التزكية والتطهير هكذا ~~سبق في الأزل بتدبير رب الأرباب ولذلك قال تعالى ونفس وما سواها فألهمها ~~فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها فمهما وقع العبد في ذنب ~~فصار الذنب نقدا والتوبة نسيئة كان هذا من علامات الخذلان قال صلى الله ~~عليه وسلم إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة حتى يقول الناس إنه من ~~أهلها ولا يبقى بينه وبين الجنة إلا شبر فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل ~~النار فيدخلها (1) فإذن الخوف من الخاتمة قبل التوبة وكل نفس فهو خاتمة ما ~~قبله إذ يمكن أن يكون الموت متصلا به فليراقب الأنفاس وإلا وقع في المحذور ~~ودامت الحسرات حين لا ينفع التحسر # الطبقة الرابعة أن يتوب ويجري مدة على الاستقامة ثم يعود إلى مقارفة ~~الذنب أو الذنوب من غير أن يحدث نفسه بالتوبة ومن غير أن يتأسف على فعله بل ~~ينهمك انهماك الغافل في اتباع شهواته فهذا من جملة المصرين وهذه النفس هي ~~النفس الأمارة بالسوء الفرارة من الخير ويخاف على هذا سوء الخاتمة وأمره في ~~مشيئة الله فإن ختم له بالسوء شقي شقاوة لا آخر لها وإن ختم له بالحسنى حتى ~~مات على التوحيد فينتظر له الخلاص من النار ولو بعد حين ولا يستحيل أن ~~يشمله عموم العفو بسبب خفي لا تطلع عليه كما لا يستحل أن يدخل الإنسان ~~خرابا ليجد كنزا فيتفق أن يجده وأن يجلس في البيت ليجعله الله عالما ~~بالعلوم من غير تعلم كما كان الأنبياء صلوات الله عليهم فطلب المغفرة ~~بالطاعات كطلب العلم بالجهد والتكرار وطلب المال بالتجارة وركوب البحار ~~وطلبها بمجرد الرجاء مع خراب الأعمال كطلب الكنور في المواضع الخربة وطلب ~~العلوم من تعليم الملائكة وليت من اجتهد تعلم وليت من اتجر استغنى وليت من ~~صام وصلى غفر له فالناس ms1925 كلهم محرومون إلا العالمون والعالمون كلهم محرومون ~~إلا العاملون والعاملون كلهم محرومون إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم ~~وكما أن من خرب بيته وضيع ماله وترك نفسه وعياله جياعا يزعم أنه ينتظر فضل ~~الله بأن يرزقه كنزا يجده تحت الأرض في بيته الخرب يعد عنه ذوي البصائر من ~~الحمقى والمغرورين وإن كان ما ينتظره غير مستحيل في قدرة الله تعالى وفضله ~~فكذلك من ينتظر PageV04P045 # المغفرة من فضل الله تعالى وهو مقصر عن الطاعة مصر على الذنوب غير سالك ~~سبيل المغفرة يعد عند أرباب القلوب من المعتوهين والعجب من عقل هذا المعتوه ~~وترويجه حماقته في صيغة حسنة إذ يقول إن الله كريم وجنته ليست تضيق على ~~مثلي ومعصيتي ليست تضره ثم تراه يركب البحار ويقتحم الأوعار في طلب الدينار ~~وإذا قيل له إن الله كريم ودنانير خزائنه ليست تقصر على فقرك وكسلك بترك ~~التجارة ليس يضرك فاجلس في بيتك فعساه يرزقك من حيث لا تحتسب فيستحمق قائل ~~هذا الكلام ويستهزىء به ويقول ما هذا الهوس السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ~~وإنما ينال ذلك بالكسب وهكذا قدره مسبب الأسباب وأجرى به سنته ولا تبديل ~~لسنة الله ولا يعلم المغرور أن رب الآخرة ورب الدنيا واحد وأن سنته لا ~~تبديل لها فيهما جميعا وأنه قد أخبر إذ قال وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ~~فكيف يعتقد أنه كريم في الآخرة وليس بكريم في الدنيا وكيف يقول ليس مقتضى ~~الكرم الفتور عن كسب المال ومقتضاه الفتور عن العمل للملك لذلك المقيم ~~والنعيم الدائم وأن ذلك بحكم الكرم يعطيه من غير جهد في الآخرة وهذا يمنعه ~~مع شدة الاجتهاد في غالب الأمر في الدنيا وينسى قوله تعالى وفي السماء ~~رزقكم وما توعدون فنعوذ بالله من العمى والضلال فما هذا إلا انتكاس على أم ~~الرأس وانغماس في ظلمات الجهل وصاحب هذا جدير بأن يكون داخلا تحت قوله ~~تعالى ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا ~~فأرجعنا نعمل صالحا أي أبصرنا أنك ms1926 صدقت إذ قلت وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ~~فأرجعنا نسعى وعند ذلك لا يمكن من الانقلاب ويحق عليه العذاب فنعوذ بالله ~~من دواعي الجهل والشك والارتياب السائق بالضرور إلى سوء المنقلب والمآب ### |||| بيان ما ينبغي أن يبادر إليه التائب إن جرى عليه ذنب إما عن قصد وشهوة غالبة أو عن إلمام بحكم الاتفاق # اعلم أن الواجب عليه التوبة والندم والاشتغال بالتكفير بحسنة تضاده كما ~~ذكرنا طريقه فإن لم تساعده النفس على العزم على الترك لغلبة الشهوة فقد عجز ~~عن أحد الواجبين فلا ينبغي أن يترك الواجب الثاني وهو أن يدرأ بالحسنة ~~السيئة ليمحوها فيكون ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا فالحسنات المكفرة ~~للسيئات إما بالقلب وإما باللسان وإما بالجوارح ولتكن الحسنة في محل السيئة ~~وفيما يتعلق بأسبابها # فأما بالقلب فليكفره بالتضرع إلى الله تعالى في سؤال المغفرة والعفو ~~ويتذلل تذلل العبد الآبق ويكون ذله بحيث يظهر لسائر العباد وذلك بنقصان ~~كبره فيما بينهم فما للعبد الآبق المذنب وجه للتكبر على سائر العباد وكذلك ~~يضمر بقلبه الخيرات للمسلمين والعزم على الطاعات # وأما باللسان فبالاعتراف بالظلم والاستغفار فيقول رب ظلمت نفسي وعملت ~~سوءا فاغفر لي ذنوبي وكذلك يكثر من ضروب الاستغفار كما أوردناه في كتاب ~~الدعوات والأذكار # وأما بالجوارح فبالطاعات والصدقات وأنواع العبادات وفي الآثار ما يدل على ~~أن الذنب إذا اتبع بثمانية أعمال كان العفو عنه مرجوا أربعة من أعمال ~~القلوب وهي التوبة أو العزم على التوبة وحب الإقلاع عن الذنب وتخوف العقاب ~~عليه ورجاء المغفرة له وأربعة من أعمال الجوارح وهي أن تصلي عقيب الذنب ~~ركعتين ثم تستغفر الله تعالى بعدهم سبعين مرة وتقول سبحان الله العظيم ~~وبحمده مائة مرة ثم تتصدق بصدقة ثم تصوم PageV04P046 # يوما وفي بعض الآثار تسبغ الوضوء وتدخل المسجد وتصلى ركعتين (1) وفى بعض ~~الأخبار تصلي أربع ركعات (2) وفى الخبر إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تكفرها ~~السر بالسر والعلانية بالعلانية (3) ولذلك قيل صدقة السر تكفر ذنوب الليل ~~وصدقة الجهر تكفر ذنوب النهار وفي الخبر الصحيح أن ms1927 رجلا قال لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إني عالجت امرأة فأصبت منها كل شىء إلا المسيس فاقض علي ~~بحكم الله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم أو ما صليت معنا صلاة الغداة قال ~~بلى فقال صلى الله عليه وسلم أن الحسنات يذهبن السيئات (4) وهذا يدل على أن ~~ما دون الزنا من معالجة النساء صغيرة إذ جعل الصلاة كفارة له بمقتضى قوله ~~صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس كفارات لما بينهن إلا الكبائر فعلى ~~الأحوال كلها ينبغي أن يحاسب نفسه كل يوم ويجمع سيئاته ويجتهد في دفعها ~~بالحسنات # فإن قلت فكيف يكون الاستغفار نافعا من غير حل عقدة الإصرار وفي الخبر ~~المستغفر من الذنب وهومصر عليه كالمستهزىء بآيات الله (5) وكان بعضهم يقول ~~استغفر الله من قولي أستغفر الله وقيل الاستغفار باللسان توبة الكذابين ~~وقالت رابعة العدوية استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير فاعلم أنه قد ورد في ~~فضل الاستغفار أخبار خارجة عن الحصر ذكرناها في كتاب الأذكار والدعوات حتى ~~قرن الله الاستغفار ببقاء الرسول صلى الله عليه وسلم فقال تعالى وما كان ~~الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون فكان بعض الصحابة ~~يقول كان لنا أمانان ذهب أحدهما وهو كون الرسول فينا وبقي الاستغفار معنا ~~فإن ذهب هلكنا (6) فنقول الاستغفار الذي هو توبة الكذابين هو الاستغفار ~~بمجرد اللسان من غير أن يكون للقلب فيه شركة كما يقول الإنسان بحكم العادة ~~وعن رأس الغفلة أستغفر الله وكما يقول إذا سمع صفة النار نعوذ بالله منها ~~من غير أن يتأثر به قلبه وهذا يرجع إلى مجرد حركة اللسان ولا جدوى له فأما ~~إذا انضاف إليه تضرع القلب إلى الله تعالى وابتهاله في سؤال المغفرة عن صدق ~~إرادة وخلوص نية ورغبة فهذه حسنة في نفسها فتصلح لأن تدفع بها السيئة وعلى ~~هذا تحمل الأخبار الواردة في فضل الاستغفار حتى قال صلى الله عليه وسلم ما ~~أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة (7) PageV04P047 # وهو عبارة عن الاستغفار بالقلب وللتوبة والاستغفار ms1928 درجات وأوائلها لا ~~تخلو عن الفائدة وإن لم تنته إلى أواخرها ولذلك قال سهل لا بد للعبد في كل ~~حال من مولاه فأحسن أحواله أن يرجع إليه في كل شيء فإن عصى قال يا رب استر ~~علي فإذا فرغ من المعصية قال يا رب تب علي فإذا تاب قال يا رب ارزقني ~~العصمة وإذا عمل قال يا رب تقبل مني وسئل أيضا عن الاستغفار الذي يكفر ~~الذنوب فقال أول الاستغفار الاستجابة ثم الإنابة ثم التوبة فالاستجابة ~~أعمال الجوارح والإنابة أعمال القلوب والتوبة إقباله على مولاه بأن يترك ~~الخلق ثم يستغفر الله من تقصيره الذي هو فيه ومن الجهل بالنعمة وترك الشكر ~~فعند ذلك يغفر له ويكون عنده مأواه ثم التنقل إلى الانفراد ثم الثبات ثم ~~البيان ثم الفكر ثم المعرفة ثم المناجاة ثم المصافاة ثم الموالاة ثم محادثة ~~السر وهو الخلة ولا يستقر هذا في قلب عبد حتى يكون العلم غذاءه والذكر ~~قوامه والرضا زاده والتوكل صاحبه ثم ينظر الله إليه فيرفعه إلى العرش فيكون ~~مقامه مقام حملة العرش وسئل أيضا عن قوله صلى الله عليه وسلم التائب حبيب ~~الله فقال إنما يكون حبيبا إذا كان فيه جميع ما ذكر في قوله تعالى ~~{التائبون العابدون} الآية وقال الحبيب هو الذي لا يدخل فيما يكرهه حبيبه # والمقصود إن للتوبة ثمرتين {إحداهما} تكفير السيئات حتى يصير كمن لا ذنب ~~له والثانية نيل الدرجات حتى يصير حبيبا وللتكفير أيضا درجات فبعضه محو ~~لأصل الذنب بالكلية وبعضه تخفيف له ويتفاوت ذلك بتفاوت درجات التوبة ~~فالاستغفار بالقلب والتدارك بالحسنات وإن خلا عن حل عقدة الإصرار من أوائل ~~الدرجات فليس يخلو عن الفائدة أصلا فلا ينبغي أن تظن أن وجودها كعدمها بل ~~عرف أهل المشاهدة وأرباب القلوب معرفة لا ريب فيها أن قول الله تعالى {فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره} صدق وأنه لا تخلو ذرة من الخير عن أثر كما لا ~~تخلو شعيرة تطرح في الميزان عن أثر ولو خلت الشعيرة الأولى عن أثر لكانت ms1929 ~~الثانية مثلها ولكان لا يرجح الميزان بأحمال الذرات وذلك بالضرورة محال بل ~~ميزان الحسنات يرجح بذرات الخير إلى أن يثقل فترفع كفة السيئات فإياك أن ~~تستصغر ذرات الطاعات فلا تأتيها وذرات المعاصي فلا تنفيها كالمرأة الخرقاء ~~تكسل عن الغزل تعللا بأنها لا تقدر في كل ساعة إلا على خيط واحد وتقول أي ~~غني يحصل بخيط وما وقع ذلك في الثياب ولا تدري المعتوهة أن ثياب الدنيا ~~اجتمعت خيطا خيطا وأن أجسام العالم مع اتساع أقطاره اجتمعت ذرة فإذن التضرع ~~والاستغفار بالقلب حسنة لا تضيع عند الله أصلا بل أقول الاستغفار باللسان ~~أيضا حسنة إذ حركة اللسان بها عن غفلة خير من حركة اللسان في تلك الساعة ~~بغيبة مسلم أو فضول كلام بل هو خير من السكوت عنه فيظهر فضله بالإضافة إلى ~~السكوت عنه وإنما يكون نقصانا بالإضافة إلى عمل القلب ولذلك قال بعضهم ~~لشيخه أبي عثمان المغربي إن لساني في بعض الأحوال يجري بالذكر والقرآن ~~وقلبي غافل فقال اشكر الله إذ استعمل جارحة من جوارحك في الخير وعوده الذكر ~~ولم يستعمله في الشر ولم يعوده الفضول وما ذكره حق فإن تعود الجوارح للخير ~~حتى يصير لها ذلك كالطبع يدفع جملة من المعاصي فمن تعود لسانه الاستغفار ~~إذا سمع من غيره كذبا سبق لسانه إلى ما تعود فقال أستغفر الله ومن تعود ~~الفضول سبق لسانه إلى قول ما أحمقك وما أقبح كذبك ومن تعود الاستعاذة إذا ~~حدث بظهور مبادىء الشر من شرير قال بحكم سبق اللسان نعوذ بالله وإذا تعود ~~الفضول قال لعنه الله فيعصي في إحدى الكلمتين ويسلم في الأخرى وسلامته أثر ~~اعتياد لسانه الخير وهو من جملة معاني قوله تعالى {إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين} ومعاني قوله تعالى {وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه} PageV04P048 # {أجرا عظيما} فانظر كيف ضاعفها إذ جعل الاستغفار في الغفلة عادة اللسان ~~حتى دفع بتلك العادة شر العصيان بالغيبة واللعن والفضول هذا تضعيف في ~~الدنيا لأدنى الطاعات وتضعيف الآخرة {أكبر لو كانوا يعلمون} ms1930 فإياك وأن تلمح ~~في الطاعات مجرد الآفات فتفتر رغبتك عن العبادات فإن هذه مكيدة روجها ~~الشيطان بلعنته على المغرورين وخيل إليهم أنهم أرباب البصائر وأهل التفطن ~~للخفايا والسرائر فأي خير في ذكرنا باللسان مع غفلة القلب فانقسم الخلق في ~~هذه المكيدة إلى ثلاثة أقسام ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات أما السابق ~~فقال صدقت يا ملعون ولكن هي كلمة حق أردت بها باطلا فلا جرم أعذبك مرتين ~~وأرغم أنفك من وجهين فأضيف إلى حركة اللسان حركة القلب فكان كالذي داوى جرح ~~الشيطان بنثر الملح عليه وأما الظالم المغرور فاستشعر في نفسه خيلاء الفطنة ~~لهذه الدقيقة ثم عجز عن الإخلاص بالقلب فترك مع ذلك تعويد اللسان بالذكر ~~فأسعف الشيطان وتدلى بحبل غروره فتمت بينهما المشاركة والموافقة كما قيل ~~وافق شن طبقه وافقه فاعتنقه وأما المقتصد فلم يقدر على إرغامه بإشراك القلب ~~في العمل وتفطن لنقصان حركة اللسان بالإضافة إلى القلب ولكن اهتدى إلى ~~كماله بالإضافة إلى السكوت والفضول فاستمر عليه وسأل الله تعالى أن يشرك ~~القلب مع اللسان في اعتياد الخير فكان السابق كالحائك الذي ذمت حياكته ~~فتركها وأصبح كاتبا والظالم المتخلف كالذي ترك الحياكة أصلا وأصبح كناسا ~~والمقتصد كالذي عجز عن الكتابة فقال لا أنكر مقدمة الحياكة ولكن الحائك ~~مذموم بالإضافة إلى الكاتب لا بالإضافة إلى الكناس فإذا عجزت عن الكتابة ~~فلا أترك الحياكة ولذلك قالت رابعة العدوية استغفارنا يحتاج إلى استغفار ~~كثير فلا تظن أنها تذم حركة اللسان من حيث أنه ذكر الله بل تذم غفلة القلب ~~فهو محتاج إلى الاستغفار من غفلة قلبه لا من حركة لسانه فإن سكت عن ~~الاستغفار باللسان أيضا احتاج إلى استغفارين لا إلى استغفار واحد فهكذا ~~ينبغي أن تفهم ذم ما يذم وحمد ما يحمد وإلا جهلت معنى ما قال القائل الصادق ~~حسنات الأبرار سيئات المقربين فإن هذه أمور تثبت بالإضافة فلا ينبغي أن ~~تؤخذ من غير إضافة بل ينبغي أن لا تستحقر ذرات الطاعات والمعاصي ولذلك قال ~~جعفر الصادق إن الله تعالى خبأ ms1931 ثلاثا في ثلاث رضاه في طاعته فلا تحقروا ~~منها شيئا فلعل رضاه فيه وغضبه في معاصيه فلا تحقروا منها شيئا فلعل غضبه ~~فيه وخبأ ولايته في عباده فلا تحقروا منهم أحدا فلعله ولي الله تعالى وزاد ~~وخبأ إجابته في دعائه فلا تتركوا الدعاء فربما كانت الإجابة فيه ### |||| الركن الرابع في دواء التوبة وطريق العلاج لحل عقدة الإصرار # اعلم أن الناس قسمان شاب لا صبوة له نشأ على الخير واجتناب الشر وهو الذي ~~قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجب ربك من شاب ليست له صبوة (1) ~~وهذا عزيز نادر والقسم الثاني هو الذي لا يخلو عن مقارفة الذنوب ثم هم ~~ينقسمون إلى مصرين وإلى تائبين وغرضنا أن نبين العلاج في حل عقدة الإصرار ~~ونذكر الدواة فيه فاعلم أن شفاء التوبة لا يحصل إلا بالدواء ولا يقف على ~~الدواء من لا يقف على الداء إذ لا معنى للدواء إلا مناقضة أسباب الداء فكل ~~داء حصل من سبب فدواؤه حل ذلك السبب ورفعه وإبطاله ولا يبطل الشيء لا بضده ~~ولا سبب للإصرار إلا الغفلة والشهوة ولا يضاد الغفلة إلا العلم ولا يضاد ~~الشهوة إلا الصبر على قطع PageV04P049 # الأسباب المحركة للشهوة والغفلة رأس الخطايا قال الله تعالى {وأولئك هم ~~الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون} فلا دواء إذن للتوبة إلا ~~معجون يعجن من حلاوة العلم ومرارة الصبر وكما يجمع السكنجبين بين حلاوة ~~السكر وحموضة الخل ويقصد بكل منهما غرض آخر في العلاج بمجموعهما فيقمع ~~الأسباب المهيجة للصفراء فهكذا ينبغي أن تفهم علاج القلب مما به من مرض ~~الإصرار فإن لهذا الدواء أصلان أحدهما العلم والآخر الصبر ولا بد من ~~بيانهما # فإن قلت أينفع كل علم لحل الإصرار أم لا بد من علم مخصوص فاعلم أن العلوم ~~بجملتها أدوية لأمراض القلوب ولكن لكل مرض علم يخصه كما أن علم الطب نافع ~~في علاج الأمراض بالجملة ولكن يخص كل علة علم مخصوص فكذلك دواء الإصرار ~~فلنذكر خصوص ذلك العلم على موازنة مرض ms1932 الأبدان ليكون أقرب إلى الفهم فنقول ~~يحتاج المريض إلى التصديق بأمور {الأول} أن يصدق على الجملة بأن للمرض ~~والصحة أسبابا يتوصل إليها بالاختيار على ما رتبه مسبب الأسباب وهذا هو ~~الإيمان بأصل الطب فإن من لا يؤمن به لا يشتغل بالعلاج ويحق عليه الهلاك ~~وهذا وزانه مما نحن فيه الإيمان بأصل الشرع وهو أن للسعادة في الآخرة سببا ~~هو الطاعة وللشقاوة سببا هو المعصية وهذا هو الإيمان بأصل الشرائع وهذا لا ~~بد من حصوله إما عن تحقيق أو تقليد وكلاهما من جملة الإيمان # الثاني أنه لا بد أن يعتقد المريض في طبيب معين أنه عالم بالطب حاذق فيه ~~صادق فيما يعبر عنه لا يلبس ولا يكذب فإن إيمانه بأصل الطب لا ينفعه بمجرده ~~دون هذا الإيمان ووزانه مما نحن فيه العلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والإيمان بأن كل ما يقوله حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف # الثالث أنه لا بد أن يصغي إلى الطبيب فيما يحذره عنه من تناول الفواكه ~~والأسباب المضرة على الجملة حتى يغلب عليه الخوف في ترك الاحتماء فتكون شدة ~~الخوف باعثة له على الاحتماء ووزانه من الدين الإصغاء إلى الآيات والأخبار ~~المشتملة على الترغيب في التقوى والتحذير من ارتكاب الذنوب واتباع الهوى ~~والتصديق بجميع ما يلقى إلى سمعه من ذلك من غير شك واسترابة حتى ينبعث به ~~الخوف المقوي على الصبر الذي هو الركن الآخر في العلاج # الرابع أن يصغي إلى الطبيب فيما يخص مرضه وفيما يلزمه في نفسه الاحتماء ~~عنه ليعرفه أولا تفصيل ما يضره من أفعاله وأحواله ومأكوله ومشروبه فليس على ~~كل مريض الاحتماء عن كل شيء ولا ينفعه كل دواء بل لكل علة خاصة علم خاص ~~وعلاج خاص ووزانه من الدين أن كل عبد فليس يبتلى بكل شهوة وارتكاب ذنب بل ~~لكل مؤمن ذنب مخصوص أو ذنوب مخصوصة وإنما حاجته في الحال مرهقة إلى العلم ~~بأنها ذنوب ثم إلى العلم بآفاتها وقدر ضررها ثم العلم بكيفية التوصل إلى ~~الصبر عنها ms1933 ثم إلى العلم بكيفية تكفير ما سبق منها # فهذه علوم يختص بها أطباء الدين وهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ~~فالعاصي إن علم عصيانه فعليه طلب العلاج من الطبيب وهو العالم وإن كان لا ~~يدري أن ما يرتكبه ذنب فعلى العالم أن يعرفه ذلك وذلك بأن يتكفل كل عالم ~~بإقليم أو بلدة أو محلة أو مسجد أو مشهد فيعلم أهله دينهم ويميز ما يضرهم ~~عما ينفعهم وما يشقيهم عما يسعدهم ولا ينبغي أن يصبر إلى أن يسئل عنه بل ~~ينبغي أن يتصدى لدعوة الناس إلى نفسه فإنهم ورثة الأنبياء والأنبياء ما ~~تركوا الناس على جهلهم بل كانوا ينادونهم في مجامعهم ويدورون على أبواب ~~دورهم في الابتداء ويطلبون واحدا واحدا فيرشدونهم فإن مرضى القلوب لا ~~يعرفون مرضهم كما أن الذي ظهر على وجهه برص PageV04P050 # ولا مرآة معه لا يعرف برصه ما لم يعرفه غيره وهذا فرض عين على العلماء ~~كافة وعلى السلاطين كافة أن يرتبوا في كل قرية وفي كل محلة فقيها متدينا ~~يعلم الناس دينهم فإن الخلق لا يولدون إلا جهالا فلا بد من تبليغ الدعوة ~~إليهم في الأصل والفرع والدنيا دار المرضى إذ ليس في بطن الأرض إلا ميت ولا ~~على ظهرها إلا سقيم ومرض القلوب أكثر من مرض الأبدان والعلماء أطباء ~~والسلاطين قوام دار المرضى فكل مريض لم يقبل العلاج بمداواة العالم يسلم ~~إلى السلطان ليكف شره كما يسلم الطبيب المريض الذي لا يحتمي أو الذي غلب ~~عليه الجنون إلى القيم ليقيده بالسلاسل والأغلال ويكف شره عن نفسه وعن سائر ~~الناس # وإنما صار مرض القلوب أكثر من مرض الأبدان لثلاث علل إحداها أن المريض به ~~لا يدري أنه مريض # والثانية أن عاقبته غير مشاهدة في هذا العالم بخلاف مرض البدن فإن عاقبته ~~موت مشاهد تنفر الطباع منه وما بعد الموت غير مشاهد وعاقبة الذنوب موت ~~القلب وهو غير مشاهد في هذا العالم فقلت النفرة عن الذنوب وإن علمها ~~مرتكبها فلذلك تراه يتكل على فضل الله في مرض القلب ms1934 ويجتهد في علاج مرض ~~البدن من غير اتكال # والثالثة وهو الداء العضال فقد الطبيب فإن الأطباء هم العلماء وقد مرضوا ~~في هذه الأعصار مرضا شديدا عجزوا عن علاجه وصارت لهم سلوة في عموم المرض ~~حتى لا يظهر نقصانهم فاضطروا إلى إغواء الخلق والإشارة عليهم بما يزيدهم ~~مرضا لأن الداء المهلك هو حب الدنيا وقد غلب هذا الداء على الأطباء فلم ~~يقدروا على تحذير الخلق منه استنكافا من أن يقال لهم فما بالكم تأمرون ~~بالعلاج وتنسون أنفسكم فبهذا السبب عم على الخلق الداء وعظم الوباء وانقطع ~~الدواء وهلك الخلق لفقد الأطباء بل اشتغل الأطباء بفنون الإغواء فليتهم إذ ~~لم ينصحوا لم يغشوا وإذا لم يصلحوا لم يفسدوا وليتهم سكتوا وما نطقوا فإنهم ~~إذا تكلموا لم يهمهم في مواعظهم إلا ما يرغب العوام ويستميل قلوبهم ولا ~~يتوصلون إلى ذلك إلا بالإرجاء وتغليب أسباب الرجاء وذكر دلائل الرحمة لأن ~~ذلك ألذ في الأسماع وأخف على الطباع فتنصرف الخلق عن مجالس الوعظ وقد ~~استفادوا مزيد جراءة على المعاصي ومزيد ثقة بفضل الله ومهما كان الطبيب ~~جاهلا أو خائبا أهلك بالدواء حيث يضعه في غير موضعه فالرجاء والخوف دواءان ~~ولكن لشخصين متضادي العلة أما الذي غلب عليه الخوف حتى هجر الدنيا بالكلية ~~وكلف نفسه ما لا تطيق وضيق العيش على نفسه بالكلية فتكسر سورة إسرافه في ~~الخوف بذكر أسباب الرجاء ليعود إلى الاعتدال وكذلك المصر على الذنوب ~~المشتهى للتوبة الممتنع عنها بحكم القنوط واليأس استعظاما لذنوبه التي سبقت ~~يعالج أيضا بأسباب الرجاء حتى يطمع في قبول التوبة فيتوب فأما معالجة ~~المغرور المسترسل في المعاصي بذكر أسباب الرجاء فيضاهي معالجة المحرور ~~بالعسل طلبا للشفاء وذلك من دأب الجهال والأغبياء فإذن فساد الأطباء هي ~~المعضلة الزباء التي لا تقبل الدواء أصلا # فإن قلت فاذكر الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الواعظ في طريق الوعظ مع الخلق ~~فاعلم أن ذلك يطول ولا يمكن استقصاؤه نعم نشير إلى الأنواع النافعة في حل ~~عقدة الإصرار وحمل الناس على ترك الذنوب وهي ms1935 أربعة أنواع # {الأول} أن يذكر ما في القرآن من الآيات المخوفة للمذنبين والعاصين وكذلك ~~ما ورد من الأخبار والآثار PageV04P051 # مثل قوله صلى الله عليه وسلم ما من يوم طلع فجره ولا ليلة غاب شفقها إلا ~~وملكان يتجاوبان بأربعة أصوات يقول أحدهما يا ليت هذا الخلق لم يخلقوا ~~ويقول الآخر يا ليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا فيقول الآخر يا ليتهم إذ ~~علموا لماذا خلقوا عملوا بما علموا (1) وفي بعض الروايات ليتهم تجالسوا ~~فتذكروا ما علموا ويقول الآخر يا ليتهم إذ لم يعلموا بما يعملوا تابوا مما ~~عملوا وقال بعض السلف إذا أذنب العبد أمر صاحب اليمين صاحب الشمال وهو أمير ~~عليه أن يرفع القلم عنه ست ساعات فإن تاب واستغفر لم يكتبها عليه وإن لم ~~يستغفر كتبها وقال بعض السلف ما من عبد يعصى إلا استأذن مكانه من الأرض أن ~~تخسف له واستأذن سقفه من السماء أن يسقط عليه كسفا فيقول الله تعالى للأرض ~~والسماء كفا عن عبدي وأمهلاه فإنكما لم تخلقاء ولو خلقتماه لرحمتماه ولعله ~~يتوب إلي فأغفر له ولعله يستبدل صالحا فأبدله له حسنات فذلك معنى قوله ~~تعالى إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد ~~من بعده وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الطابع معلق بقائمة ~~العرش فإذا انتهكت الحرمات واستحلت المحارم أرسل الله الطابع فيطبع على ~~القلوب بما فيها (2) وفي حديث مجاهد القلب مثل الكف المفتوحة كلما أذنب ~~العبد ذنبا انقبضت إصبع حتى تنقبض الأصابع كلها فيسد على القلب فذلك هو ~~الطبع (3) وقال الحسن إن بين العبد وبين الله حدا من المعاصي معلوما إذا ~~بلغه العبد طبع الله على قلبه فلم يوفقه بعدها لخير # والأخبار والآثار في ذم المعاصي ومدح التائبين لا تحصى فينبغي أن يستكثر ~~الواعظ منها إن كان وارث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ما خلف دينارا ~~ولا درهما إنما خلف العلم والحكمة وورثه كل عالم بقدر ما أصابه (4) # النوع الثاني حكايات الأنبياء والسلف ms1936 الصالحين وما جرى عليهم من المصائب ~~بسبب ذنوبهم فذلك شديد الوقع ظاهر النفع في قلوب الخلق مثل أحوال آدم صلى ~~الله عليه وسلم في عصيانه وما لقيه من الإخراج من الجنة حتى روى أنه لما ~~أكل من الشجرة تطايرت الحلل عن جسده وبدت عورته فاستحيا التاج والإكليل من ~~وجهه أن يرتفعا عنه فجاءه جبريل عليه السلام فأخذ التاج عن رأسه وحل ~~الإكليل عن جبينه ونودي من فوق العرش اهبطا من جواري فإنه لا يجاورني من ~~عصاني قال فالتفت آدم إلى حواء باكيا وقال هذا أول شؤم المعصية أخرجنا من ~~جوار الحبيب وروى أن سليمان بن داود عليهما السلام لما عوقب على خطيئته ~~لأجل التمثال الذي عبد في داره أربعين يوما وقيل لأن المرأة سألته أن بحكم ~~لأبيها فقال نعم ولم يفعل وقيل بل أحب بقلبه أن PageV04P052 # يكون الحكم لأبيها على خصمه لمكانها منه فسلب ملكه أربعين يوما فهرب ~~تائها على وجهه فكان يسأل بكفه فلا يطعم فإذا قال أطعموني فإني سليمان بن ~~داود رشج وطرد وضرب وحكى أنه استطعم من بيت لامرأته فطردته وبصقت في وجهه ~~وفي رواية أخرجت عجوز جرة فيها بول فصبته على رأسه إلى أن أخرج الله الخاتم ~~من بطن الحوت فلبسه بعد انقضاء الأربعين أيام العقوبة قال فجاءت الطيور ~~فعكفت على رأسه وجاءت الجن والشياطين والوحوش فاجتمعت حوله فاعتذر إليه بعض ~~من كان جنى عليه فقال لا ألومكم فيما فعلتم من قبل ولا أحمدكم في عذركم ~~الآن إن هذا أمر كان من السماء ولا بد منه وروي في الإسرائيليات أن رجلا ~~تزوج امرأة من بلدة أخرى فأرسل عبده ليحملها إليه فراودته نفسه وطالبته بها ~~فجاهدها واستعصم قال فنبأه الله ببركة تقواه فكان نبيا في بني إسرائيل وفي ~~قصص موسى عليه السلام أنه قال للخضر عليه السلام بم أطلعك الله على علم ~~الغيب قال بتركي المعاصي لأجل الله تعالى وروي أن الريح كانت تسير بسليمان ~~عليه السلام فنظر إلى قميصه نظرة وكان جديدا فكأنه أعجبه قال فوضعته ms1937 الريح ~~فقال لم فعلت هذا ولم آمرك قالت إنما نطيعك إذا أطعت الله وروي أن الله ~~تعالى أوحى إلى يعقوب عليه السلام أتدري لم فرقت بينك وبين ولدك يوسف قال ~~لا قال لقولك لأخوته أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون لم خفت عليه ~~الذئب ولم ترجني ولم نظرت إلى غفلة أخوته ولم تنظر إلى حفظي له وتدري لم ~~رددته عليك قال لا قال لأنك رجوتني وقلت {عسى الله أن يأتيني بهم جميعا} ~~وبما قلت اذهبو فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا وكذلك لما قال يوسف لصاحب ~~الملك {اذكرني عند ربك} قال الله تعالى {فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في ~~السجن بضع سنين} # وأمثال هذه الحكايات لا تنحصر ولم يرد بها القرآن والأخبار ورود الأسمار ~~بل الغرض بها الاعتبار والاستبصار لتعلم أن الأنبياء عليهم السلام لم ~~يتجاوز عنهم في الذنوب الصغار فكيف يتجاوز عن غيرهم في الذنوب الكبار نعم ~~كانت سعادتهما في أن عوجلوا بالعقوبة ولم يؤخروا إلى الآخرة والأشقياء ~~يمهلون ليزدادوا إثما ولأن عذاب الآخرة أشد وأكبر فهذا أيضا مما ينبغي أن ~~يكثر جنسه على أسماع المصرين فإنه نافع في تحريك دواعي التوبة # النوع الثالث أن يقرر عندهم أن تعجيل العقوبة في الدنيا متوقع على الذنوب ~~وأن كل ما يصيب العبد من المصائب فهو بسبب جناياته فرب عبد يتساهل في أمر ~~الآخرة ويخاف من عقوبة الله في الدنيا أكثر لفرط جهله فينبغي أن يخوف به ~~فإن الذنوب كلها يتعجل في الدنيا شؤمها في غالب الأمر كما حكي في قصة داود ~~وسليمان عليهما السلام حتى إنه قد يضيق على العبد رزقه بسبب ذنوبه وقد تسقط ~~منزلته من القلوب ويستولي عليه أعداؤه قال صلى الله عليه وسلم إن العبد ~~ليحرم الرزق بالذنب يصيبه (1) وقال ابن مسعود إني لأحسب أن العبد ينسى ~~العلم بالذنب يصيبه وهو معنى قوله عليه السلام من قارف ذنبا فارقه عقل لا ~~يعود إليه أبدا (2) وقال بعض السلف ليست اللعنة سوادا في الوجه ونقصا في ~~المال إنما اللعنة ms1938 أن لا تخرج من ذنب إلا وقعت في مثله أو شر منه وهو كما ~~قال لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد فإذا لم يوفق للخير ويسر له الشر فقد ~~أبعد والحرمان عن رزق التوفيق أعظم حرمان وكل ذنب فإنه يدعو إلى ذنب آخر ~~ويتضاعف فيحرم العبد به عن رزقه النافع من مجالسة PageV04P053 # العلماء المنكرين للذنوب ومن مجالسة الصالحين بل يمقته الله تعالى ليمقته ~~الصالحون وحكي عن بعض العارفين أنه كان يمشي في الوحل جامعا ثيابه محترزا ~~عن زلقة رجله حتى زلقت رجله وسقط فقام وهو يمشي في وسط الوحل ويبكي ويقول ~~هذا مثل العبد لا يزال يتوقى الذنوب ويجانبها حتى يقع فى ذنب وذنبين فعندها ~~يخوض في الذنوب خوضا وهو إشارة إلى أن الذنب تتعجل عقوبته بالانجرار إلى ~~ذنب آخر ولذلك قال الفضيل ما أنكرت من تغير الزمان وجفاء الإخوان فذنوبك ~~ورثتك ذلك وقال بعضهم إني لأعرف عقوبة ذنبي في سوء خلق حماري وقال آخر أعرف ~~العقوبة حتى في فأر بيتي وقال بعض صوفية الشام نظرت إلى غلام نصراني حسن ~~الوجه فوقفت أنظر إليه فمر بي ابن الجلاء الدمشقي فأخذ بيدي فاستحييت منه ~~فقلت يا أبا عبد الله سبحان الله تعجبت من هذه الصورة الحسنة وهذه الصنعة ~~المحكمة كيف خلقت للنار فغمز يدي وقال لتجدن عقوبتها بعد حين قال فعوقبت ~~بها بعد ثلاثين سنة وقال أبو سليمان الداراني الاحتلام عقوبة وقال لا يفوت ~~أحدا صلاة جماعة إلا بذنب يذنبه وفي الخبر ما أنكرتم من زمانكم فبما غيرتم ~~من أعمالكم (1) وفي الخبر يقول الله تعالى إن أدنى ما أصنع بالعبد إذا آثر ~~شهوته على طاعتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي (2) وحكي عن أبي عمرو بن علوان في ~~قصة يطول ذكرها قال فيها كنت قائما ذات يوم أصلى فخار قلبي هوى طاولته ~~بفكرتي حتى تولد منه شهوة الرجال فوقعت إلى الأرض واسود جسدي كله فاستترت ~~في البيت فلم أخرج ثلاثة أيام وكنت أعالج غسله في الحمام بالصابون فلا ~~يزداد إلا سوادا حتى انكشف بعد ms1939 ثلاث فلقيت الجنيد وكان قد وجه إلي فأشخصني ~~من الرقة فلما أتيته قال لي أما استحييت من الله تعالى كنت قائما بين يديه ~~فساررت نفسك بشهوة حتى استولت عليك برقة وأخرجتك من بين يدي الله تعالى ~~فلولا أني دعوت الله لك وتبت إليه عنك للقيت الله بذلك اللون قال فعجبت كيف ~~علم بذلك وهو ببغداد وأنا بالرقة # واعلم انه لا يذنب العبد ذنبا إلا ويسود وجه قلبه فإن كان سعيدا أظهر ~~السواد على ظاهره لينزجر وإن كان شقيا أخفى عنه حتى ينهمك ويستوجب النار ~~والأخبار كثيرة في آفات الذنوب في الدنيا من الفقر والمرض وغيره بل من شؤم ~~الذنب في الدنيا على الجملة أن يكسب ما بعده صفته فإن ابتلي بشيء كان عقوبة ~~له ويحرم جميل الرزق حتى يتضاعف شقاؤه وإن أصابته نعمة كانت استدراجا له ~~ويحرم جميل الشكر حتى يعاقب على كفرانه وأما المطيع فمن بركة طاعته أن تكون ~~كل نعمة في حقه جزاء على طاعته ويوفق لشكرها وكل بلية كفارة لذنوبه وزيادة ~~في درجاته # النوع الرابع ذكر ما ورد من العقوبات على آحاد الذنوب كالخمر والزنا ~~والسرقة والقتل والغيبة والكبر والحسد وكل ذلك مما لا يمكن حصره وذكره مع ~~غير أهله وضع الدواء في غير موضعه بل ينبغي أن يكون العالم كالطبيب الحاذق ~~فيستدل أولا بالنبض والسحنة ووجود الحركات على العلل الباطنة ويشتغل ~~بعلاجها فيستدل بقرائن الأحوال على خفايا الصفات وليتعرض لما وقف عليه ~~اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال له واحد أوصني يا رسول الله ~~ولا تكثر علي قال لا تغضب (3) وقال له آخر أوصني يا رسول الله فقال ~~PageV04P054 # عليك السلام عليك باليأس مما في أيدي الناس فإن ذلك هو الغنى وإياك ~~والطمع فإنه الفقر الحاضر وصل صلاة مودع وإياك وما يعتذر منه (1) وقال رجل ~~لمحمد بن واسع أوصني فقال أوصيك أن تكون ملكا في الدنيا والآخرة قال وكيف ~~لي بذلك قال الزم الزهد في الدنيا فكأنه صلى الله عليه وسلم توسم في السائل ms1940 ~~الأول مخايل الغضب فنهاه عنه وفي السائل الآخر مخايل الطمع في الناس وطول ~~الأمل وتخيل محمد بن واسع في السائل مخايل الحرص على الدنيا وقال رجل لمعاذ ~~أوصني فقال كن رحيما أكن لك بالجنة زعيما فكأنه تفرس فيه آثار الفظاظة ~~والغلظة وقال رجل لإبراهيم بن أدهم أوصني فقال إياك والناس وعليك بالناس ~~ولا بد من الناس فإن الناس هم الناس وليس كل الناس بالناس ذهب الناس وبقي ~~النسناس وما أراهم بالناس بل غمسوا في ماء الياس فكأنه تفرس فيه آفة ~~المخالطة وأخبر عما كان هو الغالب على حاله في وقته وكان الغالب أذاه ~~بالناس والكلام على قدر حال السائل أولى من أن يكون بحسب حال القائل وكتب ~~معاوية رحمه الله إلى عائشة رضي الله عنها أن اكتبي لي كتابا توصيني فيه ~~ولا تكثري فكتبت إليه من عائشة إلى معاوية سلام الله عليك أما بعد فإني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه ~~الله مؤنة الناس ومن التمس سخط الله برضا الناس وكله الله إلى الناس (2) ~~والسلام عليك فانظر إلى فقهها كيف تعرضت للآفة التي تكون الولاة بصددها وهي ~~مراعاة الناس وطلب مرضاتهم وكتبت إليه مرة أخرى أما بعد فاتق الله فإنك إذا ~~اتقيت الله كفاك الناس وإذا اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئا والسلام # فإذن على كل ناصح أن تكون عنايته مصروفة إلى تفرس الصفات الخفية وتوسم ~~الأحوال اللائقة ليكون اشتغاله بالمهم فإن حكاية جميع مواعظ الشرع مع كل ~~واحد غير ممكنة والاشتغال بوعظه بما هو مستغن عن التوعظ فيه تضييع زمان # فإن قلت فإن كان الواعظ يتكلم في جمع أو سأله من لا يدرى باطن حاله أن ~~يعظه فكيف يفعل فاعلم أن طريقه في ذلك أن يعظه بما يشترك كافة الخلق في ~~الحاجة إليه إما على العموم وإلا على الأكثر فإن في علوم الشرع أغذية ~~وأدوية فالأغذية للكافة والأدوية لأرباب العلل # ومثاله ما روي أن رجلا قال لأبي سعيد ms1941 الخدري أوصني قال عليك بتقوى الله ~~عز وجل فإنها رأس كل خير وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام وعليك بالقرآن ~~فإنه نور لك في أهل الأرض وذكر لك في أهل السماء وعليك بالصمت إلا من خير ~~فإنك بذلك تغلب الشيطان وقال رجل للحسن أوصني فقال أعز أمر الله يعزك الله ~~وقال لقمان لابنه يا بني زاحم العلماء بركبتيك ولا تجادلهم فيمقتوك وخذ من ~~الدنيا بلاغك وأنفق فضول كسبك لآخرتك ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتكون عيالا ~~وعلى أعناق الرجال كلا وصم صوما يكسر شهوتك ولا تصم صوما يضر بصلاتك فإن ~~الصلاة أفضل من الصوم ولا تجالس السفيه ولا تخالط ذا الوجهين وقال أيضا ~~لابنه يا بني لا تضحك من غير عجب ولا تمش في غير أرب ولا تسأل عما لا يعنيك ~~ولا تضيع مالك وتصلح مال غيرك فإن مالك ما قدمت ومال غيرك ما تركت يا بني ~~إن من يرحم يرحم ومن يصمت يسلم ومن يقل الخير يغنم ومن يقل الشر يأثم ومن ~~لا يملك لسانه يندم وقال رجل لأبي حازم أوصني فقال كل ما لو جاءك الموت ~~عليه فرأيته غنيمة PageV04P055 # فالزمه وكل ما لو جاءك الموت عليه فرأيته مصيبة فاجتنبه وقال موسى للخضر ~~عليهما السلام أوصني فقال كن بساما ولا تكن غضابا وكن نفاعا ولا تكن ضرارا ~~وانزع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة ولا تضحك من غير عجب ولا تعير ~~الخطائين بخطاياهم وابك على خطيئتك يا ابن عمران وقال رجل لمحمد بن كرام ~~أوصني فقال اجتهد في رضا خالقك بقدر ما تجتهد في رضا نفسك وقال رجل لحامد ~~اللفاف أوصني فقال اجعل لدينك غلافا كغلاف المصحف أن تدنسه الآفات قال وما ~~غلاف الدين قال ترك طلب الدنيا إلا مالا بد منه وترك كثرة الكلام إلا فيما ~~لا بد منه وترك مخالطة الناس إلا فيما لا بد منه وكتب الحسن إلى عمر بن عبد ~~العزيز رحمهم الله تعالى أما بعد فخف مما خوفك الله واحذر مما حذرك الله ~~وخذ ms1942 مما في يديك لما بين يديك فعند الموت يأتيك الخبر اليقين والسلام وكتب ~~عمر بن عبد العزيز إلى الحسن يسأل أن يعظه فكتب إليه أما بعد فإن الهول ~~الأعظم والأمور المفظعات أمامك ولا بد لك من مشاهدة ذلك إما بالنجاة وإما ~~بالعطب واعلم أن من حاسب نفسه ربح ومن غفل عنها خسر ومن نظر في العواقب نجا ~~ومن أطاع هواه ضل ومن حلم غنم ومن خاف أمن ومن أمن اعتبر ومن اعتبر أبصر ~~ومن أبصر فهم ومن فهم علم فإذا زللت فارجع وإذا ندمت فأقلع وإذا جهلت فاسأل ~~وإذا غضبت فأمسك وكتب مطرف بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله ~~أما بعد فإن الدنيا دار عقوبة ولها يجمع من من لا عقل له وبها يغتر من لا ~~علم عنده فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوي جرحه يصبر على شدة الدواء لما ~~يخاف من عاقبة الداء وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى عدي بن أرطأة ~~أما بعد فإن الدنيا عدوة أولياء الله وعدوة أعداء الله فأما أولياؤه فغمتهم ~~وأما أعداؤه فغرتهم وكتب أيضا إلى بعض عماله أما بعد فقد أمكنتك القدرة من ~~ظلم العباد فإذا هممت بظلم أحد فاذكر قدرة الله عليك واعلم أنك لا تأتي إلى ~~الناس شيئا إلا كان زائلا عنهم باقيا عليك واعلم إن الله عز وجل آخذ ~~للمظلومين من الظالمين والسلام # فهكذا ينبغي أن يكون وعظ العامة ووعظ من لا يدري خصوص واقعته فهذه ~~المواعظ مثل الأغذية التي يشترك الكافة في الانتفاع بها # ولأجل فقد مثل هؤلاء الوعاظ انحسم باب الاتعاظ وغلبت المعاصي واستسرى ~~الفساد وبلي الخلق بوعاظ يزخرفون أسجاعا وينشدون أبياتا ويتكلفون ذكر ما ~~ليس في سعة علمهم ويتشبهون بحال غيرهم فسقط عن قلوب العامة وقارهم ولم يكن ~~كلامهم صادرا من القلب ليصل إلى القلب بل القائل متصلف والمستمع متكلف وكل ~~واحد منهما مدبر ومتخلف # فإذن كان طلب الطبيب أول علاج المرضى وطلب العلماء أول علاج العاصين فهذا ~~أحد أركان ms1943 العلاج وأصوله # الأصل الثاني الصبر ووجه الحاجة إليه أن المريض إنما يطول مرضه لتناوله ~~ما يضره وإنما يتناول ذلك إما لغفلته عن مضرته وإما لشدة غلبة شهوته فله ~~سببان فما ذكرناه هو علاج الغفلة فيبقى علاج الشهوة وطريق علاجها قد ذكرناه ~~في كتاب رياضة النفس وحاصله أن المريض إذا اشتدت ضراوته لمأكول مضر فطريقه ~~أن يستشعر عظم ضرره ثم يغيب ذلك عن عينه فلا يحضره ثم يتسلى عنه بما يقرب ~~منه في صورته ولا يكثر ضرره ثم يصبر بقوة الخوف على الألم الذي يناله في ~~تركه فلا بد على كل حال من مرارة الصبر فكذلك يعالج الشهوة في المعاصي ~~كالشاب مثلا إذا غلبته الشهوة فصار لا يقدر على حفظ عينه ولا حفظ قلبه أو ~~حفظ جوارحه في السعي وراء شهوته فينبغي أن يستشعر ضرر ذنبه بأن يستقري ~~المخلوقات التي جاءت فيه من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~فإذا اشتد خوفه تباعد من الأسباب المهيجة لشهوته ومهيج الشهوة من خارج هو PageV04P056 # حضور المشتهى والنظر إليه وعلاجه الهرب والعزلة ومن داخل تناول لذائذ ~~الأطعمة وعلاجه الجوع والصوم الدائم وكل ذلك لا يتم إلا بصبر ولا يصبر إلا ~~عن خوف ولا يخاف إلا عن علم ولا يعلم إلا عن بصيرة وافتكار أو عن سماع ~~وتقليد فأول الأمر حضور مجالس الذكر ثم الاستماع من قلب مجرد عن سائر ~~الشواغل مصروف إلى السماع ثم التفكر فيه لتمام الفهم وينبعث من تمامه لا ~~محالة خوفه وإذا قوي الخوف تيسر بمعونته الصبر وانبعثت الدواعي لطلب العلاج ~~وتوفيق الله وتيسيره من وراء ذلك فمن أعطى من قلبه حسن الإصغاء واستشعر ~~الخوف فاتقى وانتظر الثواب وصدق بالحسنى فسييسره والله تعالى لليسرى وأما ~~من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسييسره الله للعسرى فلا يغني عنه ما اشتغل به ~~من ملاذ الدنيا مهما هلك وتردى وما على الأنبياء إلا شرح طرق الهدى وإنما ~~لله الآخرة والأولى # فإن قلت فقد رجع الأمر كله إلى الإيمان لأن ترك الذنب لا ms1944 يمكن إلا بالصبر ~~عنه والصبر لا يمكن إلا بمعرفة الخوف والخوف لا يكون إلا بالعلم والعلم لا ~~يحصل إلا بالتصديق بعظم بعزم ضرر الذنوب والتصديق بعظم ضرر الذنوب هو تصديق ~~الله ورسوله وهو الإيمان فكأن من أصر على الذنب لم يصر عليه إلا لأنه غير ~~مؤمن فاعلم أن هذا لا يكون لفقد الإيمان بل يكون لضعف الإيمان إذ كل مؤمن ~~مصدق بأن المعصية سبب البعد من الله تعالى وسبب العقاب في الآخرة # ولكن سبب وقوعه في الذنب أمور # أحدها أن العقاب الموعود غيب ليس بحاضر والنفس جبلت متأثرة بالحاضر ~~فتأثرها بالموعود ضعيف بالإضافة إلى تأثرها بالحاضر # الثاني أن الشهوات الباعثة على الذنوب لذاتها ناجزة وهي في الحال آخذة ~~بالمخنق وقد قوي ذلك واستولى عليها بسبب الاعتياد والإلف والعادة طبيعة ~~خامسة والنزوع عن العاجل لخوف الآجل شديد على النفس ولذلك قال تعالى كلا بل ~~تحبون العاجلة وتذرون الآخرة وقال عز وجل بل تؤثرون الحياة الدنيا وقد عبر ~~عن شدة الأمر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حفت الجنة بالمكاره وحفت ~~النار بالشهوات (1) وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى خلق النار فقال ~~لجبريل عليه السلام اذهب فانظر إليها فنظر فقال وعزتك لا يسمع بها أحد ~~فيدخلها فحفها بالشهوات ثم قال اذهب فانظر إليها فنظر فقال وعزتك لقد خشيت ~~أن لا يبقى أحد إلا دخلها وخلق الجنة فقال لجبريل عليه السلام اذهب فانظر ~~إليها فنظر فقال وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها فحفها بالمكاره ثم قال ~~اذهب فانظر إليها فنظر إليها فقال وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد (2) ~~فإذا كون الشهوة مرهقة في الحال وكون العقاب متأخرا إلى المآل سببان ظاهران ~~في الاسترسال مع حصول أصل الإيمان فليس كل من يشرب في مرضه ماء الثلج لشدة ~~عطشه مكذبا بأصل الطب ولا مكذبا بأن ذلك مضر في حقه ولكن الشهوة تغلبه وألم ~~الصبر عنه ناجز فيهون عليه الألم المنتظر # الثالث أنه ما من مذنب مؤمن إلا وهو فى الغالب ms1945 عازم على التوبة وتكفير ~~السيئات بالحسنات وقد وعد بأن ذلك يخبره إلا أن طول الأمل غالب على الطباع ~~فلا يزال يسوف التوبة والتكفير فمن حيث رجاؤه التوفيق للتوبة ربما يقدم ~~عليه مع الإيمان # الرابع أنه ما من مؤمن موقن إلا وهو معتقد أن الذنوب لا توجب العقوبة ~~إيجابا لا يمكن العفو عنها PageV04P057 # فهو يذنب وينتظر العفو عنها اتكالا على فضل الله تعالى فهذه أسباب أربعة ~~موجبة للإصرار على الذنب مع بقاء أصل الإيمان # نعم قد يقدم المذنب بسبب خامس يقدح في أصل إيمانه وهو كونه شاكا في صدق ~~الرسل وهذا هو الكفر كالذي يحذره الطبيب عن تناول ما يضره في المرض فإن كان ~~المحذر ممن لا يعتقد فيه أنه عالم بالطب فيكذبه أو يشك فيه فلا يبالي به ~~فهذا هو الكفر # فإن قلت فما علاج الأسباب الخمسة فأقول هو الفكر وذلك بأن يقرر على نفسه ~~في السبب الأول وهو تأخر العقاب أن كل ما هو آت آت وأن غدا للناظرين قريب ~~وأن الموت أقرب إلى كل أحد من شراك نعله فما يدريه لعل الساعة قريب ~~والمتأخر إذا وقع صار ناجزا ويذكر نفسه أنه أبدا في دنياه يتعب في الحال ~~لخوف أمر فى الاستقبال إذ يركب البحار ويقاسي الأسفار لأجل الربح الذي يظن ~~أنه قد يحتاج إليه في ثاني الحال بل لو مرض فأخبره طبيب نصراني بأن شرب ~~الماء البارد يضره ويسوقه إلى الموت وكان الماء البارد ألذ الأشياء عنده ~~تركه مع أن الموت آلمه لحظة إذا لم يخف ما بعده ومفارقته للدنيا لا بد منها ~~فكم نسبة وجوده في الدنيا إلى عدمه أزلا وأبدا فلينظر كيف يبادر إلى ترك ~~ملاذه بقول ذمي لم تقم معجزة على طبه فيقول كيف يليق بعقلي أن يكون قول ~~الأنبياء المؤيدين بالمعجزات عندي دون قول نصراني يدعي الطب لنفسه بلا ~~معجزة على طبه ولا يشهد له إلا عوام الخلق وكيف يكون عذاب النار عندي أخف ~~من عذاب المرض وكل يوم في الآخرة بمقدار خمسين ألف ms1946 سنة من أيام الدنيا ~~وبهذا التفكر بعينه يعالج اللذة الغالبة عليه ويكلف نفسه تركها ويقول إذا ~~كنت لا أقدر على ترك لذاتي أيام العمر وهي أيام قلائل فكيف أقدر على ذلك ~~أبد الآباد وإذا كنت لا أطيق ألم الصبر فكيف أطيق ألم النار وإذا كنت لا ~~أصبر عن زخارف الدنيا مع كدوراتها وتنغصها وامتزاج صفوها بكدرها فكيف أصبر ~~عن نعيم الآخرة وأما تسويف التوبة فيعالجه بالفكر في إن أكثر صياح أهل ~~النار من التسويف لأن المسوف يبني الأمر على ما ليس إليه وهو البقاء فلعله ~~لا يبقى وإن بقي فلا يقدر على الترك غدا كما لا يقدر عليه اليوم فليت شعري ~~هل عجز في الحال إلا لغلبة الشهوة والشهوة ليست تفارقه غدا بل تتضاعف إذ ~~تتأكد بالاعتياد فليست الشهوة التي أكدها الإنسان بالعادة كالتي لم يؤكدها ~~وعن هذا هلك المسوفون لأنهم يظنون الفرق بين المتماثلين ولا يظنون أن ~~الأيام متشابهة في أن ترك الشهوات فيها أبدا شاق وما مثال المسوف إلا مثاله ~~من احتاج إلى قلع شجرة فرآها قوية لا تنقلع إلا بمشقة شديدة فقال أؤخرها ~~سنة ثم أعود إليها وهو يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها وهو كلما طال ~~عمره ازداد ضعفه فلا حماقة في الدنيا أعظم من حماقته إذ عجز مع قوته عن ~~مقاومة ضعيف فأخذ ينتظر الغلبة عليه إذا ضعف هو في نفسه وقوي الضعيف # وأما المعنى الرابع وهو انتظار عفو الله تعالى فعلاجه ما سبق وهو كمن ~~ينفق جميع أمواله ويترك نفسه وعياله فقراء منتظرا من فضل الله تعالى أن ~~يرزقه العثور على كنز في أرض خربة فإن إمكان العفو عن الذنب مثل هذا ~~الإمكان وهو مثل من يتوقع النهب من الظلمة في بلده وترك ذخائر أمواله في ~~صحن داره وقدر على دفنها وإخفائها فلم يفعل وقال أنتظر من فضل الله تعالى ~~أن يسلط غفلة أو عقوبة على الظالم الناهب حتى لا يتفرغ إلى داري أو إذا ~~انتهى إلى داري مات على باب الدار فإن ms1947 الموت ممكن والغفلة ممكنة وقد حكي في ~~الأسمار أن مثل ذلك وقع فأنا أنتظر من فضل الله مثله فمنتظر هذا منتظر أمر ~~ممكن ولكنه في غاية الحماقة والجهل إذ قد لا يمكن ولا يكون PageV04P058 # وأما الخامس وهو شك فهذا كفر وعلاجه الأسباب التي تعرفه صدق الرسل وذلك ~~يطول ولكن يمكن أن يعالج بعلم قريب يليق بحد عقله فيقال له ما قاله ~~الأنبياء المؤيدون بالمعجزات هل صدقه ممكن أو تقول أعلم أنه محال كما أعلم ~~استحالة شخص واحد في مكانين في حالة واحدة فإن قال أعلم استحالته كذلك فهو ~~أخرق معتوه وكأنه لا وجود لمثل هذا في العقلاء وإن قال أنا شاك فيه فيقال ~~لو أخبرك شخص واحد مجهول عند تركك طعامك في البيت لحظة أنه ولغت فيه حية ~~وألقت سمها فيه وجوزت صدقه فهل تأكله أو تتركه وإن كان ألذ الأطعمة فيقول ~~أتركه لا محالة لأني أقول إن كذب فلا يفوتني إلا هذا الطعام والصبر عنه وإن ~~كان شديدا فهو قريب وإن صدق فتفوتني الحياة والموت بالإضافة إلى ألم الصبر ~~عن الطعام وإضاعته شديد فيقال له يا سبحان الله كيف تؤخر صدق الأنبياء كلهم ~~مع ما ظهر لهم من المعجزات وصدق كافة الأولياء والعلماء والحكماء بل جميع ~~أصناف العقلاء ولست أعني بهم جهال العوام بل ذوي الألباب عن صدق رجل واحد ~~مجهول لعل له غرضا فيما يقول فليس في العقلاء إلا من صدق باليوم الآخروأثبت ~~ثوابا وعقابا وإن اختلفوا في كيفيته فإن صدقوا فقد أشرفت على عذاب يبقى أبد ~~الآباد وإن كذبوا فلا يفوتك إلا بعض شهوات هذه الدنيا الفانية المكدرة فلا ~~يبقى له توقف إن كان عاقلا مع هذا الفكر إذ لا نسبة لمدة العمر إلى أبد ~~الآباد بل لو قدرنا الدنيا مملوءة بالذرة وقدرنا طائرا يلتقط فى كل ألف ألف ~~سنة حبة واحدة منها لفنيت الذرة ولم ينقص أبد الآباد شيئا فكيف يفتر رأي ~~العاقل في الصبر عن الشهوات مائة سنة مثلا لأجل سعادة تبقى أبد الآباد ~~ولذلك ms1948 قال أبو العلاء أحمد بن سليمان التنوخي المعري # قال المنجم والطبيب كلاهما ... لا تبعث الأموات قلت إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر ... أو صح قولي فالخسار عليكما # لذلك قال علي رضي الله عنه لبعض من قصر عقله عن فهم تحقيق الأمور وكان ~~شاكا إن صح ما قلت فقد تخلصنا جميعا وإلا فقد تخلصت وهلكت أي العاقل يسلك ~~طريق الأمن في جميع الأحوال # فإن قلت هذه الأمور جلية ولكنها ليست تنال إلا بالفكر فما بال القلوب ~~هجرت الفكر فيها واستثقلته وما علاج القلوب لردها إلى الفكر لا سيما من آمن ~~بأصل الشرع وتفصيله فاعلم أن المانع من الفكر أمران أحدهما أن الفكر النافع ~~هو الفكر في عقاب الآخرة وأهوالها وشدائدها وحسرات العاصين في الحرمان عن ~~النعيم المقيم وهذا فكر لداغ مؤلم للقلب فينفر القلب عنه ويتلذذ بالفكر في ~~أمور الدنيا على سبيل التفرج والاستراحة والثاني أن الفكر شغل في الحال ~~مانع من لذائذ الدنيا وقضاء الشهوات وما من إنسان إلا وله في كل حالة من ~~أحواله ونفس من أنفاسه شهوة قد تسلطت عليه واسترقته فصار عقله مسخرا لشهوته ~~فهو مشغول بتدبير حيلته وصارت لذته في طلب الحيلة فيه أو في مباشرة قضاء ~~الشهوة والفكر يمنعه من ذلك # أما علاج هذين المانعين فهو أن يقول لقلبه ما أشد غباوتك في الاحتراز من ~~الفكر في الموت وما بعده تألما بذكره مع استحقار ألم مواقعته فكيف تصبر على ~~مقاساته إذا وقع وأنت عاجز عن الصبر على تقدير الموت وما بعده ومتألم به ~~وأما الثاني وهو كون الفكر مفوتا للذات الدنيا فهو أن يتحقق أن فوات لذات ~~الآخرة أشد وأعظم فإنها لا آخر لها ولا كدورة فيها ولذات الدنيا سريعة ~~الدثور وهي مشوبة بالمكدرات فما فيها لذة صافية عن كدر وكيف وفي التوبة عن ~~المعاصي والإقبال على الطاعة تلذذ بمناجاة الله تعالى واستراحة بمعرفته ~~وطاعته PageV04P059 # وطول الأنس به ولو لم يكن للمطيع جزاء على عمله إلا ما يجده من حلاوة ~~الطاعة وروح الأنس بمناجاة الله ms1949 تعالى لكان ذلك كافيا فكيف بما ينضاف إليه ~~من نعيم الآخرة نعم هذه اللذة لا تكون في ابتداء التوبة ولكنها بعد ما يصير ~~عليها مدة مديدة وقد صار الخير ديدنا كما كان الشر ديدنا فالنفس قابلة ما ~~عودتها تتعود والخير عادة والشر لجاجة # فإذن هذه الأفكار هي المهيجة للخوف المهيج لقؤة الصبر عن اللذات ومهيج ~~هذه الأفكار وعظ الوعاظ وتنبيهات تقع للقلب بأسباب تتفق لا تدخل في الحصر ~~فيصير الفكر موافقا للطبع فيميل القلب إليه ويعبر عن السبب الذي أوقع ~~الموافقة بين الطبع والفكر الذي هو سبب الخير بالتوفيق إذ التوفيق هو ~~التأليف بين الإرادة وبين المعنى الذي هو طاعة نافعة في الآخرة وقد روي في ~~حديث طويل أنه قام عمار بن ياسر فقال لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه يا ~~أمير المؤمنين أخبرنا عن الكفر على ماذا بني فقال علي رضي الله عنه بني على ~~أربع دعائم على الجفاء والعمى والغفلة والشك فمن جفا احتقر الحق وجهر ~~بالباطل ومقت العلماء ومن عمي نسي الذكر ومن غفل حاد عن الرشد ومن شك غرته ~~الأماني فأخذته الحسرة والندامة وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب فما ~~ذكرناه بيان لبعض آفات الغفلة عن التفكر وهذا القدر في التوبة كاف وإذا كان ~~الصبر ركنا من أركان دوام التوبة فلا بد من بيان الصبر فنذكره في كتاب مفرد ~~إن شاء الله تعالى ### || كتاب الصبر والشكر وهو الكتاب الثاني من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله أهل الحمد والثناء المنفرد برداء الكبرياء المتوحد بصفات المجد ~~والعلاء المؤيد صفوة الأولياء بقوة الصبر على السراء والضراء والشكر على ~~البلاء والنعماء والصلاة على محمد سيد الأنبياء وعلى أصحابه سادة الأصفياء ~~وعلى آله قادة البررة الأتقياء صلاة محروسة بالدوام عن الفناء ومصونة ~~بالتعاقب عن التصرم والانقضاء # أما بعد فإن الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر (1) كما وردت به الآثار ~~وشهدت له الأخبار وهما أيضا وصفان من أوصاف الله تعالى واسمان ms1950 من أسمائه ~~الحسنى إذ سمى نفسه صبورا وشكورا فالجهل بحقيقة الصبر والشكر جهل بكلا شطري ~~الإيمان ثم هو غفلة عن وصفين من أوصاف الرحمن ولا سبيل إلى الوصول إلى ~~القرب من الله تعالى إلا بالإيمان وكيف يتصور سلوك سبيل الإيمان دون معرفة ~~ما به الإيمان ومن به الإيمان والتقاعد عن معرفة الصبر والشكر تقاعد عن ~~معرفة من به الإيمان وعن إدراك ما به الإيمان فما أحوج كلا الشطرين إلى ~~الإيضاح والبيان ونحن نوضح كلا الشطرين في كتاب واحد لارتباط أحدهما بالآخر ~~إن شاء الله تعالى ### ||| الشطر الأول في الصبر # وفيه بيان فضيلة الصبر # وبيان حده وحقيقته وبيان كونه نصف الإيمان وبيان اختلاف PageV04P060 # أساميه باختلاف متعلقاته وبيان أقسامه بحسب اختلاف القوة والضعف وبيان ~~مظان الحاجة إلى الصبر وبيان دواء الصبر وما يستعان به عليه فهي سبعة فصول ~~تشتمل على جميع مقاصده إن شاء الله تعالى ### |||| بيان فضيلة الصبر # وقد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر # في القرآن في نيف وسبعين موضعا وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر ~~وجعلها ثمرة له فقال عز من قائل وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وقال تعالى وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا وقال تعالى ~~ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون وقال تعالى أولئك يؤتون ~~أجرهم مرتين بما صبروا وقال تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب فما ~~من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر ولأجل كون الصوم من الصبر وأنه ~~نصف الصبر قال الله تعالى الصوم لي وأنا أجزي به فأضافه إلى نفسه من بين ~~سائر العبادات ووعد الصابرين بأنه معهم فقال تعالى واصبروا إن الله مع ~~الصابرين وعلق النصرة على الصبر فقال تعالى بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ~~من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وجمع للصابرين بين ~~أمور لم يجمعها لغيرهم فقال تعالى أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك ~~هم المهتدون فالهدى والرحمة والصلوات مجموعة للصابرين واستقصاء جميع الآيات ~~في مقام ms1951 الصبر يطول # وأما الأخبار فقد قال صلى الله عليه وسلم الصبر نصف الإيمان (1) على ما ~~سيأتي وجه كونه نصفا وقال صلى الله عليه وسلم من أقل ما أوتيتم اليقين ~~وعزيمة الصبر ومن أعطي حظه منهما لم يبال بما فاته من قيام الليل وصيام ~~النهار ولأن تصبروا على ما أنتم عليه أحب إلي من أن يوافيني كل امرىء منكم ~~بمثل عمل جميعكم ولكني أخاف أن تفتح عليكم الدنيا بعدي فينكر بعضكم بعضا ~~وينكركم أهل السماء عند ذلك فمن صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه ثم قرأ قوله ~~تعالى ما عندكم ينفد وما عنده الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم الآية ~~(2) الآية وروى جابر أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال الصبر ~~والسماحة (3) حديث الصبر كنز من كنوز الجنة غريب لم أجده وسئل مرة ما ~~الإيمان فقال الصبر (4) حديث الحج عرفه تقدم في الحج معناه معظم الحج عرفة ~~وقال أيضا صلى صلى الله عليه وسلم أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس // ~~حديث أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس لا أصل له مرفوعا وإنما هو من قول ~~عمر بن عبد العزيز هكذا رواه ابن أبي الدنيا في كتاب محاسبة النفس وقيل ~~أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام تخلق بأخلاقي وأن من أخلاقي أني أنا ~~الصبور وفي حديث عطاء عن ابن عباس لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الأنصار فقال أمؤمنون أنتم فسكتوا فقال عمر نعم يا رسول الله قال وما ~~علامة إيمانكم قالوا نشكر على الرخاء ونصبر على البلاء ونرضى بالقضاء فقال ~~صلى الله عليه وسلم PageV04P061 # مؤمنون ورب الكعبة (1) وقال صلى الله عليه وسلم في الصبر على ما تكره خير ~~كثير (2) وقال المسيح عليه السلام إنكم لا تدركون ما تحبون إلا بصبركم على ~~ما تكرهون وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان الصبر رجلا لكان كريما ~~والله يحب الصابرين (3) والأخبار في هذا لا تحصى # وأما الآثار فقد وجد في رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ms1952 إلى أبي موسى ~~الأشعري عليك بالصبر واعلم أن الصبر صبران أحدهما أفضل من الآخر الصبر في ~~المصيبات حسن وأفضل منه الصبر عما حرم الله تعالى واعلم أن الصبر ملاك ~~الإيمان وذلك بأن التقوى أفضل البر والتقوى بالصبر وقال علي كرم الله وجهه ~~بني الإيمان على أربع دعائم اليقين والصبر والجهاد والعدل وقال أيضا الصبر ~~من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا جسد لمن لا رأس له ولا إيمان لمن لا ~~صبر له وكان عمر رضي الله عنه يقول نعم العدلان ونعمت العلاوة للصابرين ~~يعني بالعدلين الصلاة والرحمة وبالعلاوة الهدى والعلاوة ما يحمل فوق ~~العدلين على البعير وأشار به إلى قوله تعالى {أولئك عليهم صلوات من ربهم ~~ورحمة وأولئك هم المهتدون} وكان حبيب بن أبي حبيب إذا قرأ هذه الآية إنا ~~وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب بكى وقال واعجباه أعطى وأثنى أي هو المعطي ~~للصبر وهو المثني وقال أبو الدرداء ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر ~~هذا بيان فضيلة الصبر من حيث النقل وأما من حيث النظر بعين الاعتبار فلا ~~تفهمه إلا بعد فهم حقيقة الصبر ومعناه إذ معرفة الفضيلة والرتبة معرفة صفة ~~فلا تحصل قبل معرفة الموصوف فلنذكر حقيقته ومعناه وبالله التوفيق ### |||| بيان حقيقة الصبر ومعناه # اعلم أن الصبر مقام من مقامات الدين ومنزل من منازل السالكين وجميع ~~مقامات الدين إنما تنتظم من ثلاثة أمور معارف وأحوال وأعمال فالمعارف هي ~~الأصول وهي تورث الأحوال والأحوال تثمر الأعمال فالمعارف كالأشجار والأحوال ~~كالأغصان والأعمال كالثمار وهذا مطرد في جميع منازل السالكين إلى الله ~~تعالى واسم الإيمان تارة يختص بالمعارف وتارة يطلق على الكل كما ذكرناه في ~~اختلاف اسم الإيمان والإسلام في كتاب قواعد العقائد وكذلك الصبر لا يتم إلا ~~بمعرفة سابقة وبحالة قائمة فالصبر على التحقيق عبارة عنها والعمل هو ~~كالثمرة يصدر عنها ولا يعرف هذا إلا بمعرفة كيفية الترتيب بين الملائكة ~~والإنس والبهائم فإن الصبر خاصية الإنس ولا يتصور ذلك في البهائم والملائكة ~~أما في البهائم فلنقصانها وأما في الملائكة ms1953 فلكمالها # وبيانه أن البهائم سلطت عليها الشهوات وصارت مسخرة لها فلا باعث لها على ~~الحركة والسكون إلا الشهوة وليس فيها قوة تصادم الشهوة وتردها عن مقتضاها ~~حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبرا # وأما الملائكة عليهم السلام فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية ~~والابتهاج بدرجة القرب منها ولم تسلط عليهم شهوة صارفة صادة عنها حتى يحتاج ~~إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر يغلب الصوارف # وأما الإنسان فإنه خلق في ابتداء الصبا ناقصا مثل البهيمة لم يخلق فيه ~~إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه ثم تظهر فيه شهوة اللعب والزينة ثم ~~شهوة النكاح على الترتيب وليس له قوة الصبر البتة إذ الصبر عبارة عن ~~PageV04P062 # ثبات جند في مقابلة جند آخر قام القتال بينهما لتضاد مقتضياتهما ~~ومطالبهما وليس في الصبي إلا جند الهوى كما في البهائم ولكن الله تعالى ~~بفضله وسعة جوده أكرم بني آدم ورفع درجتهم عن درجة البهائم فوكل به عند ~~كمال شخصه بمقاربة البلوغ ملكين أحدهما يهديه والآخر يقويه فتميز بمعونة ~~الملكين عن البهائم واختص بصفتين إحداهما معرفة الله تعالى ومعرفة رسوله ~~ومعرفة المصالح المتعلقة بالعواقب وكل ذلك حاصل من الملك الذي إليه الهداية ~~والتعريف فالبهيمة لا معرفة لها ولا هداية إلى مصلحة العواقب بل إلى مقتضى ~~شهواتها في الحال فقط فلذلك لا تطلب إلا اللذيذ وأما الدواء النافع مع كونه ~~مضرا في الحال فلا تطلبه ولا تعرفه فصار الإنسان بنور الهداية يعرف أن ~~اتباع الشهوات له مغبات مكروهة في العاقبة ولكن لم تكن هذه الهداية كافية ~~ما لم تكن له قدرة على ترك ما هو مضر فكم من مضر يعرفه الإنسان كالمرض ~~النازل به مثلا ولكن لا قدرة له على دفعه فافتقر إلى قدرة وقوة يدفع بها في ~~نحر الشهوات فيجاهدها بتلك القوة حتى يقطع عداوتها عن نفسه فوكل الله تعالى ~~به ملكا آخر يسدده ويؤيده ويقويه بجنود لم تروها وأمر هذا الجند بقتال جند ~~الشهوة فتارة يضعف هذا الجند وتارة ms1954 يقوي ذلك بحسب إمداد الله تعالى عبده ~~بالتأييد كما أن نور الهداية أيضا يختلف في الخلق اختلافا لا ينحصر # فلنسم هذه الصفة التي بها فارق الإنسان البهائم في قمع الشهوات وقهرها ~~باعثا دينيا ولنسم مطالبة الشهوات بمقتضياتها باعث الهوى وليفهم أن القتال ~~قائم بين باعث الدين وباعث الهوى والحرب بينهما سجال ومعركة هذا القتال قلب ~~العبد ومدد باعث الدين من الملائكة الناصرين لحزب الله تعالى ومدد باعث ~~الشهوة من الشياطين الناصرين لأعداء الله تعالى فالصبر عبارة عن ثبات باعث ~~الدين في مقابلة باعث الشهوة فإن ثبت حتى قهره واستمر على مخالفة الشهوة ~~فقد نصر حزب الله والتحق بالصابرين وإن تخاذل وضعف حتى غلبته الشهوة ولم ~~يصبر في دفعها التحق بأتباع الشياطين # فإن ترك الأفعال المشتهاة عمل يثمره حال يسمى الصبر وهو ثبات باعث الدين ~~الذي هو في مقابلة باعث الشهوة وثبات باعث الدين حال تثمرها المعرفة بعداوة ~~الشهوات ومضاداتها لأسباب السعادات في الدنيا والآخرة فإذا قوي يقينه أعني ~~المعرفة التي تسمى إيمانا وهو اليقين بكون الشهوة عدوا قاطعا لطريق الله ~~تعالى قوي ثبات باعث الدين وإذا قوي ثباته تمت الأفعال على خلاف ما تتقاضاه ~~الشهوة فلا يتم ترك الشهوة إلا بقوة باعث الدين المضاد لباعث الشهوة وقوة ~~المعرفة والإيمان تقبح مغبة الشهوات وسوء عاقبتها وهذان الملكان هما ~~المتكفلان بهذين الجندين بإذن الله تعالى وتسخيره إياهما وهما من الكرام ~~الكاتبين وهما الملكان الموكلان بكل شخص من الآدميين وإذا عرفت أن رتبة ~~الملك الهادي أعلى من رتبة الملك المقوي لم يخف عليك أن جانب اليمين هو ~~أشرف الجانبين من جنبتي الدست الذي ينبغي أن يكون مسلما له فهو إذن صاحب ~~اليمين والآخر صاحب الشمال # وللعبد طوران في الغفلة والفكر وفي الاسترسال والمجاهدة فهو بالغفلة معرض ~~عن صاحب اليمين ومسيء إليه فيكتب أعراضه سيئة وبالفكر مقبل عليه ليستفيد ~~منه الهداية فهو به محسن فيكتب إقباله له حسنة وكذا بالاسترسال هو معرض عن ~~صاحب اليسار تارك للاستمداد منه فهو به مسيء إليه فيثبت عليه ms1955 سيئة ~~وبالمجاهدة مستمد من جنوده فيثبت له به حسنة وإنما ثبتت هذه الحسنات ~~والسيئات بإثباتهما فلذلك سميا كراما كاتبين PageV04P063 # أما الكرام فلانتفاع العبد بكرمهما ولأن الملائكة كلهم كرام بررة وأما ~~الكاتبون فلإثباتهما الحسنات والسيئات وإنما يكتبان في صحائف مطوية في سر ~~القلب ومطوية عن سر القلب حتى لا يطلع عليه في هذا العالم فإنهما وكتبتهما ~~وخطهما وصائفهما وجملة ما تعلق بهما من جملة عالم الغيب والملكوت لا من ~~عالم الشهادة وكل شيء من عالم الملكوت لا تدركه الأبصار في هذا العالم ثم ~~تنشر هذه الصحائف المطوية عنه مرتين مرة في القيامة الصغرى ومرة في القيامة ~~الكبرى وأعني بالقيامة الصغرى حالة الموت إذ قال صلى الله صلى الله عليه ~~وسلم من مات فقد قامت قيامته (1) وفي هذه القيامة يكون العبد وحده وعندها ~~يقال ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وفيها يقال كفى بنفسك اليوم ~~عليك حسيبا أما في القيامة الكبرى الجامعة لكافة الخلائق فلا يكون وحده بل ~~ربما يحاسب على ملأ من الخلق وفيها يساق المتقون إلى الجنة والمجرمون إلى ~~النار زمرا لا آحادا والهول الأول هو هول القيامة الصغرى ولجميع أهوال ~~القيامة الكبرى نظير في القيامة الصغرى مثل زلزلة الأرض مثلا فإن أرضك ~~الخاصة بك تزلزل في الموت فإنك تعلم أن الزلزلة إذا نزلت ببلدة صدق أن يقال ~~قد زلزلت أرضهم وإن لم تزلزل البلاد المحيطة بها بل لو زلزل مسكن الإنسان ~~وحده فقد حصلت الزلزلة في حقه لأنه إنما يتضرر عند زلزلة جميع الأرض بزلزلة ~~مسكنه لا بزلزلة مسكن غيره فحصته من الزلزلة قد توفرت من غير نقصان واعلم ~~أنك أرضى مخلوق من التراب وحظك الخاص من التراب بدنك فقط فأما بدن غيرك ~~فليس بحظك والأرض التي أنت جالس عليها بالإضافة الى بذلك ظرف ومكان وإنما ~~تخاف من تزلزله أن يتزلزل بدنك بسببه وإلا فالهواء أبدا متزلزل وأنت لا ~~تخشاه إذ ليس يتزلزل به بدنك فحظك من زلزلة الأرض كلها زلزلة بدنك فقط فهي ~~أرضك وترابك الخاص بك ms1956 وعظامك جبال أرضك ورأسك سماء أرضك وقلبك شمس أرضك ~~وسمعك وبصرك وسائر خواصك نجوم سمائك ومفيض العرق من بدنك بحر أرضك وشعورك ~~نبات أرضك وشعورك نبات أرضك وأطرافك أشجار أرضك وهكذا إلى جميع أجزائك فإذا ~~انهدم بالموت أركان بدنك فقد زلزلت الأرض زلزالها فإذا انفصلت العظام من ~~اللحوم فقد حملت الأرض والجبال فدكتادكة واحدة فإذا رمت العظام فقد نسفت ~~الجبال نسفا فإذا أظلم قلبك عند الموت فقد كورت الشمس تكويرا فإذا بطل سمعك ~~وبصرك وسائر حواسك فقد انكدرت النجوم انكدارا فإذا انشق دماغك فقد انشقت ~~السماء انشقاقا فإذا انفجرت من هول الموت عرق جبينك فقد فجرت البحار تفجيرا ~~فإذا التفت إحدى ساقيك بالأخرى وهما مطيتاك فقد عطلت العشار تعطيلا فإذا ~~فارقت الروح الجسد فقد حملت الأرض فمدت حتى ألقت ما فيها وتخلت ولست أطول ~~بجميع موازنة الأحوال والأهوال ولكني أقول بمجرد الموت تقوم عليك هذه ~~القيامة الصغرى ولا يفوتك من القيامة الكبرى شيء مما يخصك بل ما يخص غيرك ~~فإن بقاء الكواكب في حق غيرك ماذا ينفعك وقد انتثرت حواسك التي بها تنتفع ~~بالنظر إلى الكواكب والأعمى يستوى عنده الليل والنهار وكسوف الشمس ~~وانجلاؤها لأنها قد كسفت في حقه دفعة واحدة وهو حصته منها فالانجلاء بعد ~~ذلك حصة غيره ومن انشق رأسه فقد انشقت سماؤه إذ السماء عبارة عما يلي جهة ~~الرأس فمن لا رأس له لا سماء له فمن أين ينفعه بقاء السماء لغيره فهذه هي ~~القيامة الصغرى والخوف بعد أسفل والهول بعد مؤخر وذلك إذا جاءت الطامة ~~الكبرى وارتفع الخصوص وبطلت السموات والأرض ونسفت الجبال ونمت الأهوال ~~PageV04P064 # واعلم أن هذه الصغرى وإن طولنا في وصفها فإنا لم نذكر عشير أوصافها وهي ~~بالنسبة إلى القيامة الكبرى كالولادة الصغرى بالنسبة إلى الولادة الكبرى ~~فإن للإنسان ولادتين إحداهما الخروج من الصلب والترائب إلى مستودع الأرحام ~~فهو في الرحم في قرار مكين إلى قدر معلوم وله في سلوكه إلى الكمال منازل ~~وأطوار من نطفة وعلقة ومضغة وغيرها إلى أن يخرج من مضيق ms1957 الرحم إلى فضاء ~~العالم فنسبة عموم القيامة الكبرى إلى خصوص القيامة الصغرى كنسبة سعة فضاء ~~العالم إلى سعة فضاء الرحم ونسبة سعة العالم الذي يقدم عليه العبد بالموت ~~إلى سعة فضاء الدنيا كنسبة فضاء الدنيا أيضا إلى الرحم بل أوسع وأعظم فقس ~~الآخرة بالأولى فما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة وما النشأة الثانية إلا ~~على قياس النشأة الأولى بل أعداد النشآت ليست محصورة في اثنتين وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى وننشئكم فيما لا تعلمون فالمقر بالقيامتين مؤمن بعالم ~~الغيب والشهادة وموقن بالملك والملكوت والمقر بالقيامة الصغرى دون الكبرى ~~ناظر بالعين العوراء إلى أحد العالمين وذلك هو الجهل والضلال والإقتداء ~~بالأعور الدجال # فما أعظم غفلتك يا مسكين وكلنا ذلك المسكين وبين يديك هذه الأهوال فإن ~~كنت لا تؤمن بالقيامة الكبرى بالجهل والضلال أفلا تكفيك دلالة القيامة ~~الصغرى أو ما سمعت قول سيد الأنبياء كفى بالموت واعظا (1) او ما سمعت بكر ~~به عليه السلام عند الموت حتى قال صلى الله عليه وسلم اللهم هون على محمد ~~سكرات الموت (2) أو ما تستحي من استبطائك هجوم الموت اقتداء برعاع الغافلين ~~الذين لا ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا ~~إلى أهلهم يرجعون فيأتيهم المرض نذيرا من الموت فلا ينزجرون ويأتيهم الشيب ~~رسولا منه فما يعتبرون فيا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به ~~يستهزئون أفيظنون أنهم في الدنيا خالدون أو لم يروا كم أهلكنا قبلهم من ~~القرون أنهم إليهم لا يرجعون أم يحسبون أن الموتى سافروا من عندهم فهم ~~معدمون كلا وإن كل لما جميع لدينا محضرون {ولكن} ما تأتيهم من آية من آيات ~~ربهم إلا كانوا عنها معرضين وذلك لأنا جعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم ~~سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون # ولنرجع إلى الغرض فإن هذه تلويحات تشير إلى أمور هي أعلى من علوم ~~المعاملة فنقول ظهر أن الصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقاومة باعث ms1958 ~~الهوى وهذه المقاومة من خاصة الآدميين لما وكل بهم من الكرام الكاتبين ولا ~~يكتبان شيئا عن الصبيان والمجانين إذ قد ذكرنا أن الحسنة في الإقبال على ~~الاستفادة منهما والسيئة في الإعراض عنهما وما للصبيان والمجانين سبيل إلى ~~الاستفادة فلا يتصور منهما إقبال وإعراض وهما لا يكتبان إلا الإقبال ~~والإعراض من القادرين على الإقبال والإعراض ولعمري إنه قد تظهر مباديء ~~إشراق نور الهداية عند سن التمييز وتنمو على التدريج إلى سن البلوغ كما ~~يبدو نور الصبح إلى أن يطلع قرص الشمس ولكنها هداية قاصرة لا ترشد إلى مضار ~~الآخرة بل إلى مضار الدنيا فلذلك يضرب على ترك الصلوات ناجزا ولا يعاقب على ~~تركها في الآخرة ولا يكتب عليه من الصحائف ما ينشر في الآخرة بل على القيم ~~العدل والولى البر الشفيق PageV04P065 # إن كان من الأبرار وكان على سمت الكرام الكاتبين البررة الأخيار أن يكتب ~~على الصبي سيئته وحسنته على صحيفة قلبه فيكتبه عليه بالحفظ ثم ينشره عليه ~~بالتعريف ثم يعذبه عليه بالضرب فكل ولي هذا سمته في حق الصبي فقد ورث أخلاق ~~الملائكة واستعملها في حق الصبي فينال بها درجة القرب من رب العالمين كما ~~نالته الملائكة فيكون مع النبيين والمقربين والصديقين وإليه الإشارة بقوله ~~صلى الله عليه وسلم أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة (1) وأشار إلى إصبعيه ~~الكريمتين صلى الله عليه وسلم ### |||| بيان كون الصبر نصف الإيمان # اعلم أن الإيمان تارة يختص في إطلاقه بالتصديقات بأصول الدين وتارة يختص ~~بالأعمال الصالحة الصادرة منها وتارة يطلق عليهما جميعا وللمعارف أبواب ~~وللأعمال أبواب ولاشتمال لفظ الإيمان على جميعها كان الإيمان نيفا وسبعين ~~بابا واختلاف هذه الإطلاقات ذكرناه في كتاب قواعد العقائد من ربع العبادات ~~ولكن الصبر نصف الإيمان باعتبارين وعلى مقتضى إطلاقين # أحدهما أن يطلق على التصديقات والأعمال جميعا فيكون للإيمان ركنان أحدهما ~~اليقين # والآخر الصبر والمراد باليقين المعارف القطعية الحاصلة بهداية الله تعالى ~~عبده إلى أصول الدين والمراد بالصبر العمل بمقتضى اليقين إذ اليقين يعرفه ~~أن المعصية ضارة والطاعة نافعة ولا ms1959 يمكن ترك المعصية والمواظبة على الطاعة ~~إلا بالصبر وهو استعمال باعث الدين في قهر باعث الهوى والكسل فيكون الصبر ~~نصف الإيمان بهذا الاعتبار ولهذا جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ~~فقال من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر الحديث إلى آخره # الاعتبار الثاني أن يطلق على الأحوال المثمرة للأعمال لا على المعارف ~~وعند ذلك ينقسم جميع ما يلاقيه العبد إلى ما ينفعه في الدنيا والآخرة أو ~~يضره فيهما وله بالإضافة إلى ما يضره حال الصبر وبالإضافة إلى ما ينفعه حال ~~الشكر فيكون الشكر أحد شطري الإيمان بهذا الاعتبار كما أن اليقين أحد ~~الشطرين بالاعتبار الأول وبهذا النظر قال ابن مسعود رضي الله عنه الإيمان ~~نصفان نصف صبر ونصف شكر وقد يرفع أيضا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم # ولما كان الصبر صبرا عن باعث الهوى بثبات باعث الدين وكان باعث الهوى ~~قسمين باعث من جهة الشهوة وباعث من جهة الغضب فالشهوة لطلب اللذيذ والغضب ~~للهرب من المؤلم وكان الصوم صبرا عن مقتضى الشهوة فقط وهي شهوة البطن ~~والفرج دون مقتضى الغضب قال بهذا الاعتبار الصوم نصف الصبر لأن كمال الصبر ~~بالصبر عن دواعي الشهوة ودواعي الغضب جميعا فيكون الصوم بهذا الاعتبار ربع ~~الإيمان فهكذا ينبغي أن تفهم تقديرات الشرع بحدود الأعمال والأحوال ونسبتها ~~إلى الإيمان والأصل فيه أن تعرف كثرة أبواب الإيمان فإن اسم الإيمان يطلق ~~على وجوه مختلفة ### |||| بيان الأسامي التي تتجدد للصبر بالإضافة إلى ما عنه الصبر # اعلم أن الصبر ضربان أحدهما ضرب بدني كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليها ~~وهو إما بالفعل كتعاطي PageV04P066 # الأعمال الشاقة إما من العبادات أو من غيرها وإما بالاحتمال كالصبر على ~~الضرب الشديد والمرض العظيم والجراحات الهائلة وذلك قد يكون محمودا إذا ~~وافق الشرع # ولكن المحمود التام هو الضرب الآخر وهو الصبر النفسي عن مشتهيات الطبع ~~ومقتضيات الهوى ثم هذا الضرب إن كان صبرا على شهوة البطن والفرج سمي عفة ~~وإن كان على احتمال مكروه اختلفت أساميه عند الناس باختلاف المكروه ms1960 الذي ~~غلب عليه الصبر فإن كان في مصيبة اقتصر على اسم الصبر وتضاده حالة تسمى ~~الجزع والهلع وهو إطلاق داعي الهوى ليسترسل في رفع الصوت وضرب الخدود وشق ~~الجيوب وغيرهما وإن كان في احتمال الغنى سمي ضبط النفس وتضاده حالة تسمى ~~البطر وإن كان في حرب ومقاتلة سمي شجاعة ويضاده الجبن وإن كان في كظم الغيظ ~~والغضب سمي حلما ويضاده التذمر وإن كان في نائبة من نوائب الزمان مضجرة سمي ~~سعة الصدر ويضاده الضجر والتبرم وضيق الصدر وإن كان في إخفاء كلام سمي ~~كتمان السر وسمي صاحبه كتوما وإن كان عن فضول العيش سمى زهدا ويضاده الحرص ~~وإن كان صبرا على قدر يسير من الحظوظ سمي قناعة ويضاده الشره فأكثر أخلاق ~~الإيمان داخل في الصبر ولذلك لما سئل عليه السلام مرة عن الإيمان قال هو ~~الصبر لأنه أكثر أعماله وأعزها كما قال الحج عرفة وقد جمع الله تعالى أقسام ~~ذلك وسمى الكل صبرا فقال تعالى والصابرين في البأساء أي المصيبة والضراء أي ~~الفقر وحين البأس أي المحاربة {أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} فإذن ~~هذه أقسام الصبر باختلاف متعلقاتها ومن يأخذ المعاني من الأسامي يظن أن هذه ~~الأحوال مختلفة في ذواتها وحقائقها من حيث رأى الأسامي مختلفة والذي يسلك ~~الطريق المستقيم وينظر بنور الله تعالى يلحظ المعاني أولا فيطلع على ~~حقائقها ثم يلاحظ الأسامي فإنها وضعت دالة على المعاني فالمعاني هي الأصول ~~والألفاظ هي التوابع ومن يطلب الأصول من التوابع لا بد وأن يزل وإلى ~~الفريقين الإشارة بقوله تعالى {أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي ~~سويا على صراط مستقيم} فإن الكفار لم يغلطوا فيما غلطوا فيه إلا بمثل هذه ~~الانعكاسات نسأل الله حسن التوفيق بكرمه ولطفه ### |||| بيان أقسام الصبر بحسب اختلاف القوة والضعف # اعلم إن باعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال أحدها أن ~~يقهر داعي الهوى فلا تبقى له قوة المنازعة ويتوصل إليه بدوام الصبر وعند ~~هذا يقال من صبر ظفر والواصلون إلى هذه ms1961 الرتبة هم الأقلون فلا جرم هم ~~الصديقون المقربون {الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} فهؤلاء لازموا ~~الطريق المستقيم واستووا على الصراط القويم واطمأنت نفوسهم على مقتضى باعث ~~الدين وإياهم ينادي المنادي {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية} # الحالة الثانية أن تغلب دواعي الهوى وتسقط بالكلية منازعة باعث الدين ~~فيسلم نفسه إلى جند الشياطين ولا يجاهد ليأسه من المجاهدة وهؤلاء هم ~~الغافلون وهم الأكثرون وهم الذين استرقتهم شهواتهم وغلبت عليهم شقوتهم ~~فحكموا أعداء الله في قلوبهم التي هي سر من أسرار الله تعالى وأمر من أمور ~~الله وإليهم الإشارة بقوله تعالى {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق ~~القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} وهؤلاء هم الذين اشتروا ~~الحياة الدنيا بالآخرة فخسرت صفقتهم وقيل لمن قصد إرشادهم فأعرض عمن تولى ~~عن ذكرنا PageV04P067 # {ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم} وهذه الحالة علامتها ~~اليأس والقنوط والغرور بالأماني وهو غاية الحمق كما قال صلى الله عليه وسلم ~~الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى ~~على الله (1) وصاحب هذه الحالة إذا وعظ قال أنا مشتاق إلى التوبة ولكنها قد ~~تعذرت علي فلست أطمع فيها أو لم يكن مشتاقا إلى التوبة ولكن قال إن الله ~~غفور رحيم كريم فلا حاجة به إلى توبتي وهذا المسكين قد صار عقله رقيقا ~~لشهوته فلا يستعمل عقله إلا في استنباط دقائق الحيل التي بها يتوصل إلى ~~قضاء شهوته فقد صار عقله في يد شهواته كمسلم أسير في أيدي الكفار فهم ~~يستسخرونه في رعاية الخنازير وحفظ الخمور وحملها ومحله عند الله تعالى محل ~~من يقهر مسلما ويسلمه إلى الكفار ويجعله أسيرا عندهم لأنه بفاحش جنايته ~~يشبه أنه سخر ما كان حقه أن لا يستسخر وسلط ما حقه أن لا يتسلط عليه وإنما ~~استحق المسلم أن يكون متسلطا لما فيه من معرفة الله وباعث الدين وإنما ~~استحق الكافر أن يكون مسلطا عليه لما فيه من الجهل ms1962 بالدين وباعث الشياطين ~~وحق المسلم على نفسه أوجب من حق غيره عليه فمهما سخر المعنى الشريف الذي هو ~~من حزب الله وجند الملائكة للمعنى الخسيس الذي هو من حزب الشياطين المبعدين ~~عن الله تعالى كان كمن أرق مسلما لكافر بل هو كمن قصد الملك المنعم عليه ~~فأخذ أعز أولاده وسلمه إلى أبغض أعدائه فانظر كيف يكون كفرانه لنعمته ~~واستيجابه لنقمته لأن الهوى أبغض إله عبد في الأرض عند الله تعالى والعقل ~~أعز موجود خلق على وجه الأرض # الحالة الثالثة أن يكون الحرب سجالا بين الجندين فتارة له اليد عليها ~~وتارة لها عليه وهذا من المجاهدين يعد مثله لا من الظافرين وأهل هذه الحالة ~~هم الذين {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم} هذا باعتبار ~~القوة والضعف ويتطرق إليه أيضا ثلاثة أحوال باعتبار عدد ما يصبر عنه فإنه ~~إما أن يغلب جميع الشهوات أو لا يغلب شيئا منها أو يغلب بعضها دون بعض ~~وتنزيل قوله تعالى {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} على من عجز عن بعض الشهوات ~~دون بعض أولى والتاركون للمجاهدة مع الشهوات مطلقا يشبهون بالأنعام بل هم ~~أضل سبيلا إذ البهيمة لم تخلق لها المعرفة والقدرة التي بها تجاهد مقتضى ~~الشهوات وهذا قد خلق ذلك له وعطله فهو الناقص حقا المدبر يقينا ولذلك قيل # ولم أر في عيوب الناس عيبا ... كنقص القادرين على التمام # وينقسم الصبر أيضا باعتبار اليسر والعسر إلى ما يشق على النفس فلا يمكن ~~الدوام عليه إلا بجهد جهيد وتعب شديد ويسمى ذلك تصبرا وإلى ما يكون من غير ~~شدة تعب بل يحصل بأدنى تحامل على النفس ويخص ذلك باسم الصبر وإذا دامت ~~التقوى وقوي التصديق بما في العاقبة من الحسنى تيسر الصبر ولذلك قال تعالى ~~{فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى} ومثال هذه القسمة قدرة ~~المصارع على غيره فإن الرجل القوي يقدر على أن يصرع الضعيف بأدنى حملة ~~وأيسر قوة بحيث لا يلقاه في مصارعته إعياء ولا لغوب ولا تضطرب ms1963 فيه نفسه ولا ~~ينبهر ولا يقوى على أن يصرع الشديد إلا بتعب ومزيد جهد وعرق جبين فهكذا ~~تكون المصارعة بين باعث الدين وباعث الهوى فإنه على التحقيق صراع بين جنود ~~الملائكة وجنود الشياطين ومهما أذعنت الشهوات وانقمعت وتسلط باعث الدين ~~واستولى وتيسر الصبر بطول المواظبة أورث ذلك مقام الرضا كما سيأتي في كتاب ~~الرضا فالرضا PageV04P068 # أعلى من الصبر ولذلك قال صلى الله عليه وسلم اعبد الله على الرضا فإن لم ~~تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير وقال بعض العارفين أهل الصبر على ~~ثلاثة مقامات أولها ترك الشهوة وهذه درجة التائبين وثانيها الرضا بالمقدور ~~وهذه درجة الزاهدين وثالثها المحبة لما يصنع به مولاه وهذه درجة الصديقين # وسنبين في كتاب المحبة أن مقام المحبة أعلى من الرضا كما أن مقام الرضا ~~أعلى من مقام الصبر وكأن هذا الانقسام يجري في صبر خاص وهو الصبر على ~~المصائب والبلايا # واعلم أن الصبر أيضا ينقسم باعتبار حكمه إلى فرض ونفل ومكروه ومحرم ~~فالصبر عن المحظورات فرض وعلى المكاره نفل والصبر على الأذى المحظور محظور ~~كمن تقطع يده أو يد ولده وهو يصبر عليه ساكتا وكمن يقصد حريمه بشهوة محظورة ~~فتهيج غيرته فيصبر عن اظهاره الغيرة ويسكت على ما يجري على أهله فهذا الصبر ~~محرم والصبر المكروه هو الصبر على أذى يناله بجهة مكروهة في الشرع فليكن ~~الشرع محك الصبر فكون الصبر نصف الإيمان لا ينبغي أن يخيل إليك أن جميعه ~~محمود بل المراد به أنواع من الصبر مخصوصة ### |||| بيان مظان الحاجة إلى الصبر وأن العبد لا يستغني عنه في حال من الأحوال # اعلم أن جميع ما يلقى العبد في هذه الحياة لا يخلو من نوعين أحدهما هو ~~الذي يوافق هواه والآخر هو الذي لا يوافقه بل يكرهه وهو محتاج إلى الصبر في ~~كل واحد منهما وهو في جميع الأحوال لا يخلو عن أحد هذين النوعين أو عن ~~كليهما فهو إذن لا يستغني قط عن الصبر # النوع الأول ما يوافق الهوى وهو الصحة والسلامة ms1964 والمال والجاه وكثرة ~~العشيرة واتساع الأسباب وكثرة الأتباع والأنصار وجميع ملاذ الدنيا وما أحوج ~~العبد إلى الصبر على هذه الأمور فإنه إن لم يضبط نفسه عن الاسترسال والركون ~~إليها والانهماك في ملاذها المباحة منها أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان فإن ~~الإنسان ليطغى أن رآه استغنى حتى قال بعض العارفين البلاء يصبر عليه المؤمن ~~والعوافي لا يصبر عليها إلا صديق وقال سهل الصبر على العافية أشد من الصبر ~~على البلاء ولما فتحت أبواب الدنيا على الصحابة رضي الله عنهم قالوا ~~ابتلينا بفتنة الضراء فصبرنا وابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر ولذلك حذر ~~الله عباده من فتنة المال والزوج والولد فقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} وقال عز وجل {إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} وقال صلى الله عليه وسلم الولد مبخلة مجبنة ~~محزنة ولما نظر عليه السلام إلى ولده الحسن رضي الله عنه يتعثر في قميصه ~~نزل عن المنبر واحتضنه ثم قال {صدق الله} إنما أموالكم وأولادكم فتنة إني ~~لما رأيت ابني يتعثر لم أملك نفسي أن أخذته ففي ذلك عبرة لأولي الأبصار # فالرجل كل الرجل من يصبر على العافية ومعنى الصبر عليها أن لا يركن إليها ~~ويعلم أن كل ذلك مستودع عنده وعسى أن يسترجع على القرب وأن لا يرسل نفسه في ~~الفرح بها ولا ينهمك في التنعم واللذة واللهو واللعب وأن يرعى حقوق الله في ~~ماله بالإنفاق وفي بدنه ببذل المعونة للخلق وفي لسانه ببذل الصدق وكذلك في ~~سائر ما أنعم الله به عليه PageV04P069 # وهذا الصبر متصل بالشكر فلا يتم إلا بالقيام بحق الشكر كما سيأتي وإنما ~~كان الصبر على السراء أشد لأنه مقرون بالقدرة ومن العصمة أن لا تقدر والصبر ~~على الحجامة والقصد إذا تولاه غيرك أيسر من الصبر على فصدك نفسك وحجامتك ~~نفسك والجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه إذا حضرته الأطعمة الطيبة ~~اللذيذة وقدر عليها فلهذا عظمت فتنة السراء # النوع الثاني ما لا يوافق الهوى والطبع ms1965 وذلك لا يخلو إما أن يرتبط ~~باختيار العبد كالطاعات والمعاصي أو لا يرتبط باختيار كالمصائب والنوائب ~~أولا يرتبط باختياره ولكن له اختيار في إزالته كالتشفي من المؤذي بالانتقام ~~منه فهذه ثلاثة أقسام # القسم الأول ما يرتبط باختياره وهو سائر أفعاله التي توصف بكونها طاعة أو ~~معصية وهما ضربان # الضرب الأول الطاعة والعبد يحتاج إلى الصبر عليها فالصبر على الطاعة شديد ~~لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية وتشتهي الربوبية ولذلك قال بعض العارفين ~~ما من نفس إلا وهي مضمرة ما أظهر فرعون من قوله أنا ربكم الأعلى ولكن فرعون ~~وجد له مجالا وقبولا فأظهره إذ استخف قومه فأطاعوه وما من أحد إلا وهو يدعي ~~ذلك مع عبده وخادمه وأتباعه وكل من هو تحت قهره وطاعته وإن كان ممتنعا من ~~إظهاره فإن استشاطته وغيظه عند تقصيرهم في خدمته واستعباده ذلك ليس يصدر ~~إلا عن إضمار الكبر ومنازعة الربوية في رداء الكبرياء # فإذن العبودية شاقة على النفس مطلقا ثم من العبادات ما يكره بسبب الكسل ~~كالصلاة ومنها ما يكره بسبب البخل كالزكاة ومنها ما يكره بسببهما جميعا ~~كالحج والجهاد فالصبر على الطاعة صبر على الشدائد # ويحتاج المطيع إلى الصبر على طاعته في ثلاث أحوال الأولى قبل الطاعة وذلك ~~في تصحيح النية والإخلاص والصبر عن شوائب الرياء ودواعي الآفات وعقد العزم ~~على الإخلاص والوفاء وذلك من الصبر الشديد عند من يعرف حقيقة النية ~~والإخلاص وآفات الرياء ومكايد النفس وقد نبه صلى الله عليه وسلم إذ قال صلى ~~الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى // وقال تعالى ~~وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ولهذا قدم الله تعالى الصبر ~~على العمل فقال تعالى إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات # الحالة الثانية حالة العمل كي لا يغفل عن الله في أثناء عمله ولا يتكاسل ~~عن تحقيق آدابه وسننه ويدوم على شرط الأدب إلى آخر العمل الأخير فيلازم ~~الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ وهذا أيضا من شدائد الصبر ولعله المراد ~~بقوله تعالى ms1966 نعم أجر العاملين الذين صبروا أي صبروا إلى تمام العمل # الحالة الثالثة بعد الفراغ من العمل إذ يحتاج إلى الصبر عن إفشائه ~~والتظاهر به للسمعة والرياء والصبر عن النظر إليه بعين العجب وعن كل ما ~~يبطل عمله ويحبط أثره كما قال تعالى ولا تبطلوا أعمالكم وكما قال تعالى لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فمن لا يصبر بعد الصدقة عن المن والأذى فقد ~~أبطل عمله # والطاعات تنقسم إلى فرض ونفل وهو محتاج إلى الصبر عليهما جميعا وقد ~~جمعهما الله تعالى في قوله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ~~فالعدل هو الفرض والإحسان هو النفل وإيتاء ذي القربى هو المروءة وصلة الرحم ~~وكل ذلك يحتاج إلى صبر # الضرب الثاني المعاصي فما أحوج العبد إلى الصبر عنها وقد جمع الله تعالى ~~أنواع المعاصي في قوله تعالى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي {وقال} صلى ~~الله عليه وسلم المهاجر من هجر السوء والمجاهد من جاهد هواه PageV04P070 # والمعاصي مقتضى باعث الهوى # وأشد أنواع الصبر الصبر عن المعاصي التي صارت مألوفة بالعادة فإن العادة ~~طبيعة خامسة فإذا انضافت العادة إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان ~~على جند الله تعالى فلا يقوى باعث الدين على قمعها ثم إن كان ذلك الفعل مما ~~تيسر فعله كان الصبر عنه أثقل على النفس كالصبر عن معاصي اللسان من الغيبة ~~والكذب والمراء والثناء على النفس تعريضا وتصريحا وأنواع المزح المؤذي ~~للقلوب وضروب الكلمات التي يقصد بها الإزراء والاستحقار وذكر الموتى والقدح ~~فيهم وفي علومهم وسيرهم ومناصبهم فإن ذلك في ظاهره غيبة وفي باطنه ثناء على ~~النفس فللنفس فيه شهوتان إحداهما نفي الغير والأخرى إثبات نفسه وبها تتم له ~~الربوبية التي هي في طبعه وهي ضد ما أمر به من العبودية ولاجتماع الشهوتين ~~وتيسر تحريك اللسان ومصير ذلك معتادا في المحاورات يعسر الصبر عنها وهي ~~أكبر الموبقات حتى بطل استنكارها واستقباحها من القلوب لكثرة تكريرها وعموم ~~الأنس بها فترى الإنسان يلبس حريرا مثلا فيستبعد غاية الاستبعاد ويطلق ~~لسانه طول النهار ms1967 في أعراض الناس ولا يستنكر ذلك مع ما ورد في الخبر من ان ~~الغيبة أشد من الزنا (1) وقال تعالى {ودع أذاهم وتوكل على الله} وقال تعالى ~~{واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا} وقال تعالى {ولقد نعلم أنك يضيق ~~صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك} الآية وقال تعالى {ولتسمعن من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من ~~عزم الأمور} أي تصبروا عن المكافأة ولذلك مدح الله تعالى العافين عن حقوقهم ~~في القصاص وغيره فقال تعالى {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو} خير الصابرين {وقال} صلى الله عليه وسلم صل من قطعك وأعط من ~~حرمك واعف عمن ظلمك // ورأيت في الإنجيل قال عيسى بن مريم عليه السلام لقد ~~قيل لكم من قبل إن السن بالسن والأنف بالأنف وأنا أقول لكم لا تقاوموا ~~بالشر بل من ضرب خدك الأيمن فحول إليه PageV04P071 # الخد الأيسر ومن أخذ رداءك فأعطه إزارك ومن سخرك لتسير معه ميلا فسر معه ~~ميلين وكل ذلك أمر بالصبر على الأذى فالصبر على أذى الناس من أعلى مراتب ~~الصبر لأنه يتعاون فيه باعث الدين وباعث الشهوة والغضب جميعا # القسم الثالث ما لا يدخل تحت حصر الاختيار أوله وآخره كالمصائب مثل موت ~~الأعزة وهلاك الأموال وزوال الصحة بالمرض وعمى العين وفساد الأعضاء ~~وبالجملة سائر أنواع البلاء فالصبر على ذلك من أعلى مقامات الصبر قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه صبر على أداء فرائض ~~الله تعالى فله ثلثمائة درجة وصبر عن محارم الله تعالى فله ستمائة درجة ~~وصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى فله تسعمائة درجة وإنما فضلت هذه ~~الرتبة مع أنها من الفضائل على ما قبلها وهي من الفرائض لأن كل مؤمن يقدر ~~على الصبر عن المحارم # فأما الصبر على بلاء الله تعالى فلا يقدر عليه إلا الأنبياء لأنه بضاعة ~~الصديقين فإن ذلك شديد على النفس ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أسألك ms1968 من ~~اليقين ما تهون علي به مصائب الدنيا (1) وقال صلى الله عليه وسلم انتظار ~~الفرج بالصبر عبادة (2) وقال أنس حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~الله عز وجل قال يا جبريل ما جزاء من سلبت كريمتيه قال سبحانك لا علم لنا ~~إلا ما علمتنا قال الله تعالى جزاؤه الخلود في داري والنظر إلى وجهي // ~~وقال صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل إذا ابتليت عبدي ببلاء فصبر ولم ~~يشكني إلى عواده أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه فإذا أبرأته ~~أبرأته ولا ذنب له وإن توفيته فإلى رحمتي وقال داود عليه السلام يا رب ما ~~جزاء الحزين الذي يصبر على المصائب ابتغاء مرضاتك قال جزاؤه أن ألبسه لباس ~~الإيمان فلا أنزعه عنه أبدا وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله في خطبته ما ~~أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه وعوضه منها الصبر إلا كان ما عوضه ~~منها أفضل مما انتزع منه وقرا خانما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب وسئل ~~فضيل عن الصبر فقال هو PageV04P072 # الرضا بقضاء الله قيل وكيف ذلك قال الراضي لا يتمنى فوق منزلته وقيل حبس ~~الشبلي رحمه الله في المارستان فدخل عليه جماعة فقال من أنتم قالوا أحباؤك ~~جاءوك زائرين فأخذ يرميهم بالحجارة فأخذوا يهربون فقال لو كنتم أحبائي ~~لصبرتم على بلائي وكان بعض العارفين في جيبه رقعة يخرجها كل ساعة ويطالعها ~~وكان فيها {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} ويقال أن امرأة فتح الموصلي عثرت ~~فانقطع ظفرها فضحكت فقيل لها أما تجدين الوجع فقالت إن لذة ثوابه أزالت عن ~~قلبي مرارة وجعه وقال داود لسليمان عليهما السلام يستدل على تقوى المؤمن ~~بثلاث حسن التوكل فيما لم ينل وحسن الرضا فيما قد نال وحسن الصبر فيما قد ~~فات وقال نبينا صلى الله عليه وسلم من إجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو ~~وجعك ولا تذكر مصيبتك (1) قال الراوي فلقد رأيت لهم بعد ذلك في المسجد سبعة ~~كلهم قد قرءوا القرآن وروى جابر ms1969 أنه عليه السلام قال رأيتني دخلت الجنة ~~فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة وقد قيل الصبرالجميل هو ان لا يعرف صاحب ~~المصيبة من غيره ولا يخرجه عن حد الصابرين توجع القلب ولا فيضان العين ~~بالدمع إذ يكون من جميع الحاضرين لأجل الموت سواء ولأن البكاء توجع القلب ~~على الميت فإن ذلك مقتضى البشرية ولا يفارق الإنسان إلى الموت ولذلك لما ~~مات إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وسلم فاضت عيناه فقيل له أما نهيتنا ~~عن هذا فقال إن هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحما بل ذلك أيضا لا ~~يخرج عن مقام الرضا فالمقدم على الحجامة والفصد راض به وهو متألم بسببه لا ~~محالة وقد تفيض عيناه إذا عظم ألمه وسيأتي PageV04P073 # ذلك في كتاب الرضا إن شاء الله تعالى وكتب ابن أبي نجيح يعزي بعض الخلفاء ~~إن أحق من عرف حق الله تعالى فيما أخذ منه من عظم حق الله تعالى عنده فيما ~~أبقاه له واعلم أن الماضي قبلك هو الباقي لك والباقي بعدك هو المأجور فيك ~~واعلم أن أجر الصابرين به فيما يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون ~~منه # فإذن مهما دفع الكراهة بالتفكر في نعمة الله تعالى عليه بالثواب نال درجة ~~الصابرين نعم من كمال الصبر كتمان المرض والفقر وسائر المصائب وقد قيل من ~~كنوز البر كتمان المصائب والأوجاع والصدقة فقد ظهر لك بهذه التقسيمات أن ~~وجوب الصبر عام في جميع الأحوال والأفعال فإن الذي كفى الشهوات كلها واعتزل ~~وحده لا يستغني عن الصبر على العزلة والانفراد ظاهرا وعن الصبر عن وساوس ~~الشيطان باطنا فإن اختلاج الخواطر لا يسكن وأكثر جولان الخواطر إنما يكون ~~في فائت لا تدارك له أو في مستقبل لا بد وأن يحصل منه ما هو مقدر فهو كيفما ~~كان تضييع زمان وآلة العبد قلبه وبضاعته عمره فإذا غفل القلب في نفس واحد ~~عن ذكر يستفيد به أنسا بالله تعالى أو عن فكر يستفيد به معرفة بالله تعالى ~~ليستفيد بالمعرفة محبة الله ms1970 تعالى فهو مغبون هذا إن كان فكره ووسواسه في ~~المباحات مقصورا عليه ولا يكون ذلك غالبا بل يتفكر في وجوء الحيل لقضاء ~~الشهوات إذ لا يزال ينازع كل من تحرك على خلاف غرضه في جميع عمره أو من ~~يتوهم أنه ينازعه ويخالف أمره أو غرضه بظهور أمارة له منه بل يقدر المخالفة ~~من أخلص الناس في حبه حتى في أهله وولده ويتوهم مخالفتهم له ثم يتفكر في ~~كيفية زجرهم وكيفية قهرهم وجوابهم عما يتعللون به في مخالفته ولا يزال في ~~شغل دائم فللشيطان جندان جند يطير وجند يسير والوسواس عبارة عن حركة جنده ~~الطيار والشهوة عبارة عن حركة جنده السيار وهذا لأن الشيطان خلق من النار ~~وخلق الإنسان من صلصال كالفخار والفخار قد اجتمع فيه مع النار الطين والطين ~~طبيعته السكون والنار طبيعتها الحركة فلا يتصور نار مشتعلة لا تتحرك بل لا ~~تزال تتحرك بطبعها وقد كلف الملعون المخلوق من النار أن يطمئن عن حركته ~~ساجدا لما خلق الله من الطين فأبى واستكبر واستعصى وعبر عن سبب استعصائه ~~بأن قال {خلقتني من نار وخلقته من طين} # فإذن حيث لم يسجد الملعون لأبينا آدم صلوات الله عليه وسلامه فلا ينبغي ~~أن يطمع في سجوده لأولاده ومهما كف عن القلب وسواسه وعدوانه وطيرانه ~~وجولانه فقد أظهر انقياده وإذعانه وانقياده بالإذعان سجود منه فهو روح ~~السجود وإنما وضع الجبهة على الأرض قالبه وعلامته الدالة عليه بالاصطلاح ~~ولو جعل وضع الجبهة على الأرض علامة استخفاف بالاصطلاح لتصور ذلك كما أن ~~الانبطاح بين يد المعظم المحترم يرى استخفافا بالعادة فلا ينبغي أن يدهشك ~~صدف الجوهر عن الجوهر وقالب الروح عن الروح وقشر اللب عن اللب فتكون ممن ~~قيده عالم الشهادة بالكلية عن عالم الغيب وتحقق أن الشيطان من المنظرين فلا ~~يتواضع لك بالكف عن الوسواس إلى يوم الدين إلا أن تصبح وهمومك هم واحد ~~فتشغل قلبك بالله وحده فلا يجد الملعون مجالا فيك فعند ذلك تكون من عباد ~~الله المخلصين الداخلين في الاستثناء عن سلطنة ms1971 هذا اللعين # ولا تظنن أنه يخلو عنه قلب فارغ بل هو سيال يجري من ابن آدم مجرى الدم ~~وسيلانه مثل الهواء في القدح فإنك إن أردت أن يخلو القدح عن الهواء من غير ~~أن تشغله بالماء أو بغيره فقد طمعت في غير مطمع بل بقدر ما يخلو من الماء ~~يدخل فيه الهواء لا محالة فكذلك القلب المشغول بفكر مهم في الدين لا يخلو ~~عن جولان الشيطان وإلا فمن غفل عن الله تعالى ولو في لحظة فليس له في تلك ~~اللحظة قرين إلا الشيطان ولذلك قال تعالى PageV04P074 # {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} وقال صلى الله عليه ~~وسلم إن الله تعالى يبغض الشاب الفارغ // وهذا لأن الشاب إذا تعطل عن عمل ~~يشغل باطنه بمباح يستعين به على دينه كان ظاهره فارغا ولم يبق قلبه فارغا ~~بل يعشش فيه الشيطان ويبيض ويفرخ ثم تزدوج أفراخه أيضا وتبيض مرة أخرى ~~وتفرخ وهكذا يتوالد نسل الشيطان توالدا أسرع من توالد سائر الحيوانات لأن ~~طبعه من النار وإذا وجد الحلفاء اليابسة كثر توالده فلا يزال تتوالد النار ~~من النار ولا تنقطع البتة بل تسري شيئا فشيئا على الاتصال فالشهوة في نفس ~~الشاب للشيطان كالحلفاء اليابسة للنار وكما لا تبقى النار إذا لم يبق لها ~~قوت وهو الحطب فلا يبقى للشيطان مجال إذا لم تكن شهوة فإذن إذا تأملت علمت ~~أن أعدى عدوك شهوتك وهي صفة نفسك ولذلك قال الحسين بن منصور الحلاج حين كان ~~يصلب وقد سئل عن التصوف ما هو فقال هي نفسك إن لم تشغلها شغلتك # فإذن حقيقة الصبر وكماله الصبر عن كل حركة مذمومة وحركة الباطن أولى ~~بالصبر عن ذلك وهذا صبر دائم لا يقطعه إلا الموت نسأل الله حسن التوفيق ~~بمنه وكرمه ### |||| بيان دواء الصبر وما يستعان به عليه # اعلم أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ووعد الشفاء فالصبر وإن كان شاقا أو ~~ممتنعا فتحصيله ممكن بمعجون العلم والعمل فالعلم والعمل هما الأخلاط التي ~~منها تركب ms1972 الأدوية لأمراض القلوب كلها ولكن يحتاج كل مرض إلى علم آخر وعمل ~~آخر وكما أن أقسام الصبر مختلفة فأقسام العلل المانعة منه مختلفة وإذا ~~اختلفت العلل اختلف العلاج إذ معنى العلاج مضادة العلة وقمعها واستيفاء ذلك ~~مما يطول ولكنا نعرف الطريق في بعض الأمثلة # فنقول إذا افتقر إلى الصبر عن شهوة الوقاع مثلا وقد غلبت عليه الشهوة ~~بحيث ليس يملك معها فرجه أو يملك فرجه ولكن ليس يملك عينه أو يملك عينه ~~ولكن ليس يملك قلبه ونفسه اذ تزال تحدثه بمقتضيات الشهوات ويصرفه ذلك عن ~~المواظبة على الذكر والفكر والأعمال الصالحة فنقول قد قدمنا أن الصبر عبارة ~~عن مصارعة باعث الدين مع باعث الهوى وكل متصارعين أردنا أن يغلب أحدهما ~~الآخر فلا طريق لنا فيه إلا تقوية من أردنا أن تكون له اليد العليا وتضعيف ~~الآخر فلزمنا ههنا تقوية باعث الدين وتضعيف باعث الشهوة # فأما باعث الشهوة فسبيل تضعيفه ثلاثة أمور # أحدها ان تنظر إلى مادة قوتها وهي الأغذية الطيبة المحركة للشهوة من حيث ~~نوعها ومن حيث كثرتها فلا بد من قطعها بالصوم الدائم مع الاقتصاد عند ~~الإفطار على طعام قليل في نفسه ضعيف في جنسه فيحترز عن اللحم والأطعمة ~~المهيجة للشهوة # الثاني قطع أسبابه المهيجة في الحال فإنه إنما يهيج بالنظر إلى مظان ~~الشهوة إذ النظر يحرك القلب والقلب يحرك الشهوة وهذا يحصل بالعزلة ~~والاحتراز عن مظان وقوع البصر على الصور المشتهاة والفرار منها بالكلية قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم النظرة سهم من سهام إبليس وهو سهم يسدده ~~الملعون ولا ترس يمنع منه إلا تغميض الأجفان أو الهرب من صوب رميه فإنه ~~إنما يرمي هذا السهم عن قوس الصور فإذا انقلبت عن صوب الصور لم يصبك سهمه # الثالث تسلية النفس بالمباح من الجنس الذي تشتهيه وذلك بالنكاح فإن كل ما ~~يشتهيه الطبع ففي المباحات PageV04P075 # من جنسه ما يغني عن المحظورات منه وهذا هو العلاج الأنفع في حق الأكثر ~~فإن قطع الغذاء يضعف عن سائر الأعمال ثم قد ms1973 لا يقمع الشهوة في حق أكثر ~~الرجال ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه ~~بالصوم فإن الصوم له وجاء // # فهذه ثلاثة أسباب فالعلاج الأول وهو قطع الطعام يضاهي قطع العلف عن ~~البهيمة الجموح وعن الكلب الضاري ليضعف فتسقط قوته الثاني يضاهي تغيب اللحم ~~عن الكلب وتغييب الشعير عن البهيمة حتى لا تتحرك بواطنها بسبب مشاهدتها ~~والثالث يضاهي تسليتها بشيء قليل مما يميل إليه طبعها حتى يبقى معها من ~~القوة ما تصبر به على التأديب # وأما تقوية باعث الدين فإنما تكون بطريقين أحدهما إطماعه في فوائد ~~المجاهدة وثمراتها في الدين والدنيا وذلك بأن يكثر فكره في الأخبار التي ~~أوردناها في فضل الصبر وفي حسن عواقبه في الدنيا والآخرة وفي الأثر إن ثواب ~~الصبر على المصيبة اكثر مما فات وانه بسبب ذلك مغبوط بالمصيبة إذ فاته ما ~~لا يبقى معه إلا مدة الحياة وحصل له ما يبقى بعد موته أبد الدهر ومن أسلم ~~خسيسا في نفيس فلا ينبغي أن يحزن لفوات الخسيس في الحال وهذا من باب ~~المعارف وهو من الإيمان فتارة يضعف وتارة يقوى فإن قوي قوى باعث الدين ~~وهيجه تهييجا شديدا وإن ضعف ضعفه وإنما قوة الإيمان يعبر عنها باليقين وهو ~~المحرك لعزيمة الصبر وأقل ما أوتي الناس اليقين وعزيمة الصبر # والثاني أن يعود هذا الباعث مصارعة باعث الهوى تدريجا قليلا قليلا حتى ~~يدرك لذة الظفر بها فيستجريء عليها وتقوى منته في مصارعتها فإن الاعتياد ~~والممارسة للأعمال الشاقة تؤكد القوى التي تصدر منها تلك الأعمال ولذلك ~~تزيد قوة الحمالين والفلاحين والمقاتلين وبالجملة فقوة الممارسين للأعمال ~~الشاقة تزيد على قوة الخياطين والعطارين والفقهاء والصالحين وذلك لأن قواهم ~~لم تتأكد بالممارسة # فالعلاج الأول يضاهي إطماع المصارع بالخلعة عند الغلبة ووعده بأنواع ~~الكرامة كما وعد فرعون سحرته عند إغرائه إياهم بموسى حيث قال صلى الله عليه ~~وسلم وإنكم إذا لمن المقربين # والثاني يضاهي تعويد الصبي الذي يراد منه المصارعة والمقاتلة بمباشرة ~~أسباب ذلك منذ الصبا حتى يأنس به ms1974 ويستجرىء عليه وتقوى فيه منته فمن ترك ~~بالكلية المجاهدة بالصبر ضعف فيه باعث الدين ولا يقوى على الشهوة وإن ضعفت ~~ومن عود نفسه مخالفة الهوى غلبها مهما أراد # فهذا منهاج العلاج في جميع أنواع الصبر ولا يمكن استيفاؤه وإنما أشدها كف ~~الباطن عن حديث النفس وإنما يشتد ذلك على من تفرغ له بأن قمع الشهوات ~~الظاهرة وآثر العزلة وجلس للمراقبة والذكر والفكر فإن الوسواس لا يزال ~~يجاذبه من جانب إلى جانب وهذا لا علاج له البتة إلا قطع العلائق كلها ظاهرا ~~وباطنا بالفرار عن الأهل والولد والمال والجاه والرفقاء والأصدقاء ثم ~~الاعتزال إلى زاوية بعد إحراز قدر يسير من القوت وبعد القناعة به ثم كل ذلك ~~لا يكفي ما لم تصر الهموم هما واحدا وهو الله تعالى ثم إذا غلب ذلك على ~~القلب فلا يكفي ذلك مالم لم يكن له مجال في الفكر وسير بالباطن في ملكوت ~~السموات والأرض وعجائب صنع الله تعالى وسائر أبواب معرفة الله تعالى حتى ~~إذا استولى ذلك على قلبه دفع اشتغاله بذلك مجاذبة الشيطان ووسواسه وإن PageV04P076 # لم يكن له سير بالباطن فلا ينجيه إلا الأوراد المتواصلة المترتبة في كل ~~لحظة من القراءة والأذكار والصلوات ويحتاج مع ذلك إلى تكليف القلب الحضور ~~فإن الفكر بالباطن هو الذي يستغرق القلب دون الأوراد الظاهرة ثم إذا فعل ~~ذلك كله لم يسلم له من الأوقات إلا بعضها إذ لا يخلو في جميع أوقاته عن ~~حوادث تتجدد فتشغله عن الفكر والذكر من مرض وخوف وإيذاء من إنسان وطغيان من ~~مخالط إذ لا يستغني عن مخالطة من يعينه في بعض أسباب المعيشة فهذا أحد ~~الأنواع الشاغلة # وأما النوع الثاني فهو ضروري اشد ضرورة اشد من الأول وهو اشتغاله بالمطعم ~~والملبس وأسباب المعاش فإن تهيئة ذلك أيضا تحوج إلى شغل إن تولاه بنفسه وإن ~~تولاه غيره فلا يخلو عن شغل قلب بمن يتولاه ولكن بعد قطع العلائق كلها يسلم ~~له أكثر الأوقات إن لم تهجم به ملمة أو واقعة وفي تلك الأوقات ms1975 يصفو القلب ~~ويتيسر له الفكر وينكشف فيه من أسرار الله تعالى في ملكوت السموات والأرض ~~مالا يقدر على عشر عشيره في زمان طويل لو كان مشغول القلب بالعلائق ~~والانتهاء إلى هذا هو أقصى المقامات التي يمكن أن تنال بالاكتساب والجهد ~~فأما مقادير ما ينكشف مبالغ ما يرد من لطف الله تعالى في الأحوال والأعمال ~~فذلك يجري مجرى الصيد وهو بحسب الرزق فقد يقل الجهد ويجل الصيد وقد يطول ~~الجهد ويقل الحظ والمعول وراء هذا الاجتهاد على جذبة من جذبات الرحمن فإنها ~~توازي أعمال الثقلين وليس ذلك باختيار العبد نعم اختيار العبد في أن يتعرض ~~لتلك الجذبة بأن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا فإن المجذوب إلى أسفل سافلين لا ~~ينجذب إلى أعلى عليين وكل مهموم بالدنيا فهو منجذب إليها فقطع العلائق ~~الجاذبة هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم إن لربكم في أيام دهركم نفحات ~~ألا فتعرضوا لها وذلك لأن تلك النفحات والجذبات لها أسباب سماوية إذ قال ~~الله تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون وهذا من أعلى أنواع الرزق والأمور ~~السماوية غائبة عنا فلا ندري متي ييسر الله تعالى أسباب الرزق فما علينا ~~إلا تفريغ المحل والانتظار لنزول الرحمة وبلوغ الكتاب أجله كالذي يصلح ~~الأرض وينقيها من الحشيش ويبث البذر فيها وكل ذلك لا ينفعه إلا بمطر ولا ~~يدري متى يقدر الله أسباب المطر إلا أنه يثق بفضل الله تعالى ورحمته أنه لا ~~يخلي سنة عن مطر فكذلك فلما تجلو سنة وشهر ويوم عن جذبة من الجذبات ونفحة ~~من النفحات فينبغي أن يكون العبد قد طهر القلب عن حشيش الشهوات وبذر فيه ~~بذر الإرادة والإخلاص وعرضه لمهاب رياح الرحمة وكما يقوى انتظار الأمطار في ~~أوقات الربيع وعند ظهور الغيم فيقوى انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة ~~وعند اجتماع الهمم وتساعد القلوب كما في يوم عرفة ويوم الجمعة وأيام رمضان ~~فإن الهمم والأنفاس أسباب بحكم تقدير الله تعالى لاستدرار رحمته حتى تستدر ~~بها الأمطار في أوقات الاستسقاء وهي لا ستدراك أمطار ms1976 المكاشفات ولطائف ~~المعارف من خزائن الملكوت أشد مناسبة منها لاستدرار قطرات الماء واستجرار ~~الغيوم من أقطار الجبال والبحار بل الأحوال والمكاشفات حاضرة معك في قلبك ~~وإنما أنت مشغول عنها بعلائقك وشهواتك فصار ذلك حجابا بينك وبينها فلا ~~تحتاج إلا إلى أن تنكسر الشهوة ويرفع الحجاب فتشرق أنوار المعارف من باطن ~~القلب وإظهار ماء الأرض بحفر القنى أسهل وأقرب من الاسترسال إليها من مكان ~~بعيد منخفض عنها ولكونه حاضرا في القلب ومنسيا بالشغل عنه سمى الله تعالى ~~جميع معارف الإيمان تذكرا فقال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ~~وقال تعالى وليتذكر أولو الألباب وقال تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل ~~من مدكر PageV04P077 # فهذا هو علاج الصبر عن الوساوس والشواغل وهو آخر درجات الصبر وإنما الصبر ~~عن العلائق كلها مقدم على الصبر عن الخواطر # قال الجنيد رحمه الله السير من الدنيا إلى الآخرة سهل على المؤمن وهجران ~~الخلق في حب الحق شديد والسير من النفس إلى الله تعالى صعب شديد والصبر مع ~~الله أشد فذكر شدة الصبر عن شواغل القلب ثم شدة هجران الخلق # وأشد العلائق على النفس علاقة الخلق وحب الجاه فإن لذة الرياسة والغلبة ~~والاستعلاء والاستتباع أغلب اللذات في الدنيا على نفوس العقلاء وكيف لا ~~تكون أغلب اللذات ومطلوبها صفة من صفات الله تعالى وهي الربوبية والربوبية ~~محبوبة ومطلوبة بالطبع للقلب لما فيه من المناسبة لأمور الربوبية وعنه ~~العبارة بقوله تعالى قل الروح من أمر ربي وليس القلب مذموما على حبه ذلك ~~وإنما هو مذموم على غلط وقع له بسبب تغرير الشيطان اللعين المبعد عن عالم ~~الأمر إذ حسده على كونه من عالم الأمر فأضله وأغواه وكيف يكون مذموما عليه ~~وهو يطلب سعادة الآخرة فليس يطلب إلا بقاء لا فناء فيه وعزا لا ذل فيه ~~وأمنا لا خوف فيه وغنى لا فقر فيه وكمالا لا نقصان فيه وهذه كلها من أوصاف ~~الربوبية وليس مذموما على طلب ذلك بل حق كل عبد أن يطلب ملكا عظيما لا آخر ~~له ms1977 وطالب الملك طالب للعلو والعز والكمال لا محالة ولكن الملك ملكان ملك ~~مشوب بأنواع الآلام وملحوق بسرعة الانصرام ولكنه عاجل وهو في الدنيا وملك ~~مخلد دائم لا يشوبه كدر ولا ألم ولا يقطعه قاطع ولكنه آجل وقد خلق الإنسان ~~عجولا راغبا في العاجلة فجاء الشيطان وتوسل إليه بواسطة العجلة التي في ~~طبعه فاستغواه بالعاجلة وزين له الحاضرة وتوسل إليه بواسطة الحمق فوعده ~~بالغرور في الآخرة ومناه مع ملك الدنيا ملك الآخرة كما قال صلى الله عليه ~~وسلم والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني فانخدع المخذول ~~بغروره واشتغل بطلب عز الدنيا وملكها على قدر إمكانه ولم يتدل الموفق بحبل ~~غروره إذ علم مداخل مكره فأعرض عن العاجلة فعبر عن المخذولين بقوله تعالى ~~كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة وقال تعالى إن هؤلاء يحبون العاجله ~~ويذرون وراءهم يوما ثقيلا وقال تعالى فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم # ولما استطار مكر الشيطان في كافة الخلق أرسل الله الملائكة إلى الرسل ~~وأوحوا إليهم ما تم على الخلق من إهلاك العدو وإغوائه فاشتغلوا بدعوة الخلق ~~إلى الملك الحقيقي عن الملك المجازى الذي لا أصل له إن سلم ولا دوام له ~~أصلا فنادوا فيهم يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة ~~الدنيا في الآخرة إلا قليل # فالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان وصحف موسى وإبراهيم وكل كتاب منزل ما ~~أنزل إلالدعوة الخلق إلى الملك الدائم المخلد والمراد منهم أن يكونوا ملوكا ~~في الدنيا ملوكا في الآخرة أما ملك الدنيا فالزهد فيها والقناعة باليسير ~~منها وأما ملك الآخرة فبالقرب من الله تعالى يدرك بقاء لا فناء فيه وعزا لا ~~ذل فيه وقرة عين أخفيت في هذا العالم لا تعلمها نفس من النفوس # والشيطان يدعوهم إلى ملك الدنيا لعلمه بأن ملك الآخرة يفوت به إذ الدنيا ~~والآخرة ضرتان ولعلمه بأن الدنيا لا ms1978 تسلم له أيضا ولو كانت تسلم له لكان ~~يحسده أيضا ولكن ملك الدنيا لا يخلو عن المنازعات والمكدرات وطول PageV04P078 # الهموم في التدبيرات وكذا سائر أسباب الجاه ثم مهما تسلم وتتم الأسباب ~~ينقضي العمر حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها ~~أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس فضرب الله ~~تعالى لها مثلا فقال تعالى واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من ~~السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح والزهد في الدنيا ~~لما أن كان ملكا حاضرا حسده الشيطان عليه فصده عنه # ومعنى الزهد أن يملك العبد شهوته وغضبه فينقادان لباعث الدين وإشارة ~~الإيمان وهذا ملك بالاستحقاق إذ به يصير صاحبه حرا وباستيلاء الشهوة عليه ~~يصير عبدا لفرجه وبطنه وسائر أغراضه فيكون مسخرا مثل البهيمة مملوكا يستجره ~~زمام الشهوة آخذا بمختنقه إلى حيث يريد ويهوى فما أعظم اغترار الإنسان إذ ~~ظن أنه ينال الملك بأنه يصير مملوكا وينال الربوبية بأن يصير عبدا ومثل هذا ~~هل يكون إلا معكوسا في الدنيا منكوسا في الآخرة ولهذا قال بعض الملوك لبعض ~~الزهاد هل من حاجة قال كيف أطلب منك حاجة وملكي أعظم من ملكك فقال كيف قال ~~من أنت عبده فهو عبد لي فقال كيف ذلك قال أنت عبد شهوتك وغضبك وفرجك وبطنك ~~وقد ملكت هؤلاء كلهم فهم عبيد لي فهذا إذن هو الملك في الدنيا وهو الذي ~~يسوق إلى الملك في الآخرة فالمخدوعون بغرور الشيطان خسروا الدنيا والآخرة ~~جميعا والذين وفقوا للاشتداد على الصراط المستقيم فازوا بالدنيا والآخرة ~~جميعا # فإذا عرفت الآن معنى الملك والربوبية ومعنى التسخير والعبودية ومدخل ~~الغلط في ذلك وكيفية تعمية الشيطان وتلبيسه يسهل عليك النزوع عن الملك ~~والجاه والإعراض عنه والصبر عند فواته إذ تصير بتركه ملكا في الحال وترجو ~~به ملكا في الآخرة # ومن كوشف بهذه الأمور بعد أن ألف الجاه وأنس به ورسخت فيه بالعادة مباشرة ~~أسبابه فلا يكفيه في العلاج مجرد العلم والكشف بل لا ms1979 بد وأن يضيف إليه ~~العمل وعمله في ثلاثة أمور أحدها أن يهرب عن موضع الجاه كي لا يشاهد أسبابه ~~فيعسر عليه الصبر مع الأسباب كما يهرب من غلبته الشهوة من مشاهدة الصور ~~المحركة ومن لم يفعل هذا فقد كفر نعمة الله في سعة الأرض إذ قال تعالى ألم ~~تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها الثاني أن يكلف نفسه في أعماله أفعالا ~~تخالف ما اعتاده فيبدل التكلف بالتبذل وزي الحشمة بزي التواضع وكذلك كل ~~هيئة وحال وفعل في مسكن وملبس ومطعم وقيام وقعود كان يعتاده وفاء بمقتضى ~~جاهه فينبغي أن يبدلها بنقائضها حتى يرسخ باعتياد ذلك ضد ما رسخ فيه من قبل ~~باعتياد ضده فلا معنى للمعالجة إلا المضادة الثالث أن يراعى في ذلك التلطف ~~والتدريج فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبذل فإن الطبع نفور ~~ولا يمكن نقله عن أخلاقه إلا بالتدريج فيترك البعض ويسلي نفسه بالبعض ثم ~~إذا قنعت نفسه بذلك البعض ابتدأ بترك البعض من ذلك البعض إلى أن يقنع ~~بالبقية وهكذا يفعل شيئا فشيئا إلى أن يقمع تلك الصفات التي رسخت فيه وإلى ~~هذا التدريج الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم إن هذا الدين متين فأوغل فيه ~~برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ~~وإليه الإشارة بقوله عليه السلام لا تشادوا هذا الدين فإن من يشاده يغلبه ~~// PageV04P079 # فإذن ما ذكرناه من علاج الصبر عن الوسواس وعن الشهوة وعن الجاه أضفه إلى ~~ما ذكرناه من قوانين طرق المجاهدة في كتاب رياضة النفس من ربع المهلكات ~~فاتخذه دستورك لتعرف به علاج الصبر في جميع الأقسام التي فصلناها من قبل ~~فإن تفصيل الآحاد يطول ومن راعى التدريج ترقى به الصبر إلى حال يشق عليه ~~الصبر دون كما كان يشق عليه معه فتنعكس أموره فيصير ما كان محبوبا عنده ~~ممقوتا وما كان مكروها عنده مشربا هنيئا لا يصبر عنه وهذا لا يعرف إلا ~~بالتجربة والذوق وله نظير في العادات فإن الصبي ms1980 يحمل على التعلم في ~~الابتداء قهرا فيشق عليه الصبر عن اللعب والصبر مع العلم حتى إذا انفتحت ~~بصيرته وأنس بالعلم انقلب الأمر فصار يشق عليه الصبر عن العلم والصبر على ~~اللعب وإلى هذا يشير ما حكي عن بعض العارفين أنه سأل الشبلي عن الصبر أيه ~~أشد فقال الصبر في الله تعالى فقال لا فقال الصبر لله فقال لا فقال الصبر ~~مع الله فقال لا فقال فأيش قال الصبر عن الله فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه ~~تتلف وقد قيل في معنى قوله تعالى اصبروا وصابروا ورابطوا اصبروا في الله ~~وصابروا بالله ورابطوا مع الله وقيل الصبر لله غناء والصبر بالله بقاء ~~والصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاء وقد قيل في معناه # والصبر عنك فمذموم عواقبه ... والصبر في سائر الأشياء محمود # وقيل ايضا الصبر يحمل في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه لا يجمل # هذا آخر ما أردنا شرحه عن علوم الصبر وأسراره ### ||| الشطر الثاني من الكتاب في الشكر # وله ثلاثة أركان الأول في فضيلة الشكر وحقيقته وأقسامه وأحكامه الثاني في ~~حقيقة النعمة وأقسامها الخاصة والعامة الثالث في بيان الأفضل من الشكر ~~والصبر ### |||| الركن الأول في نفس الشكر ### ||||| بيان فضيلة الشكر # اعلم أن الله تعالى قرن الشكر بالذكر في كتابه مع أنه قال ولذكر الله ~~أكبر فقال تعالى فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون وقال تعالى ما يفعل ~~الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وقال تعالى وسنجزي الشاكرين وقال عز وجل ~~إخبارا عن إبليس اللعين لأقعدن لهم صراطك المستقيم قيل هو طريق الشكر ولعلو ~~رتبة الشكر طعن اللعين في الخلق فقال ولا تجد اكثرم شاكرين وقال تعالى ~~وقليل من عبادي الشكور وقد قطع الله تعالى بالمزيد مع الشكر ولم يستثن فقال ~~تعالى لئن شكرتم لأزيدنكم واستثنى في خمسة أشياء في الإغناء والإجابة ~~والرزق والمغفرة والتوبة فقال تعالى فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ~~{وقال} فيكشف ما تدعون إليه إن شاء {وقال} يرزق من يشاء بغير حساب {وقال} ~~ويغفر ما دون ذلك ms1981 لمن يشاء {وقال} ويتوب الله على من يشاء وهو خلق من أخلاق ~~الربوبية إذ قال تعالى والله شكور حليم وقد جعل الله الشكر مفتاح كلام أهل ~~الجنة فقال تعالى وقالوا الحمد لله الذي صدقناه وعده {وقال} وآخر دعواهم أن ~~الحمد لله رب العالمين PageV04P080 # وأما الأخبار فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعم الشاكر بمنزلة ~~الصائم الصابر (1) حديث عطاء دخلت على عائشة فقلت لها أخبرينا بأعجب ما ~~رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت واي امره لم يكن عجبا الحديث ~~في بكائه في صلاة الليل اخرجه ابو الشيخ ابن حبان في كتاب أخلاق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومن طريقة ابن الجوزي في الوفا وفيه ابو جناب واسمه ~~يحيى بن ابي حبة ضعفه الجمهور ورواه ابن حبان في صحيحه من رواية عبد الملك ~~ابن ابي سليمان عن عطاء دون قولها واي امره لم يكن عجبا وهو عند مسلم من ~~رواية عروة عن عائشة مقتصرا على آخر الحديث وهذا يدل على أن البكاء ينبغي ~~أن لا ينقطع أبدا وإلى هذا السر يشير ما روي أنه مر بعض الأنبياء بحجر صغير ~~يخرج منه ماء كثير فتعجب منه فأنطقه الله تعالى فقال منذ سمعت قوله تعالى ~~وقودها الناس والحجارة فأنا أبكي من خوفه فسأله أن يجيره من النار فأجاره ~~ثم رآه بعد مدة على مثل ذلك فقال لم تبكي الآن فقال ذاك بكاء الخوف وهذا ~~بكاء الشكر والسرور وقلب العبد كالحجارة أو أشد قسوة ولا تزول قسوته إلا ~~بالبكاء في حال الخوف والشكر جميعا وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~ينادى يوم القيامة ليقم الحمادون فتقوم زمرة فينصب لهم لواء فيدخلون الجنة ~~قيل ومن الحمادون قال الذين يشكرون الله تعالى على كل حال (2) حديث الحمد ~~رداء الرحمن لم اجد له اصلا وفي الصحيح من حديث ابي هريرة الكبر رداؤه ~~الحديث وتقدم في العلم وأوحى الله تعالى إلى أيوب عليه السلام إني رضيت ~~بالشكر مكافأة من أوليائي في ms1982 كلام طويل وأوحى الله تعالى إليه أيضا في صفة ~~الصابرين أن دارهم دار السلام إذا دخلوها ألهمتهم الشكر وهو خير الكلام ~~وعند الشكر أستزيدهم وبالنظر إلي أزيدهم ولما نزل في الكنوز ما نزل قال عمر ~~رضي الله عنه أي المال نتخذ فقال عليه السلام ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا او ~~قلبا شاكرا // حديث عمر ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا الحديث تقدم ~~في النكاح فأمر باقتناء القلب الشاكر بدلا عن المال وقال ابن مسعود الشكر ~~نصف الإيمان ### ||||| بيان حد الشكر وحقيقته # اعلم أن الشكر من جملة مقامات السالكين وهو أيضا ينتظم من علم وحال وعمل ~~فالعلم هو الأصل فيورث الحال والحال يورث العمل فأما العلم فهو معرفة ~~النعمة من المنعم والحال هو الفرح الحاصل بإنعامه والعمل هو القيام بما هو ~~مقصود المنعم ومحبوبه ويتعلق ذلك العمل بالقلب وبالجوارح وباللسان ولا بد ~~من بيان جميع ذلك ليحصل بمجموعه الإحاطة بحقيقة الشكر فإن كل ما قيل في حد ~~الشكر قاصر عن الإحاطة بكمال معانيه PageV04P081 # فالأصل الأول العلم وهو علم بثلاثة أمور بعين النعمة ووجه كونها نعمة في ~~حقه وبذات المنعم ووجود صفاته التي بها يتم الإنعام ويصدر الإنعام منه عليه ~~فإنه لا بد من نعمة ومنعم ومنعم عليه تصل إليه النعمة من المنعم بقصد ~~وإرادة فهذه الأمور لا بد من معرفتها هذا في حق غير الله تعالى فأما في حق ~~الله تعالى فلا يتم إلا بأن يعرف أن النعم كلها من الله وهو المنعم ~~والوسائط مسخرون من جهته # وهذه المعرفة وراء التوحيد والتقديس إذ دخل التقديس والتوحيد فيها بل ~~الرتبة الأولى في معارف الإيمان التقديس ثم إذا عرف ذاتا مقدسة فيعرف أنه ~~لا مقدس إلا واحد وما عداه غير مقدس وهو التوحيد ثم يعلم أن كل ما في ~~العالم فهو موجود من ذلك الواحد فقط فالكل نعمة منه فتقع هذه المعرفة في ~~الرتبة الثالثة إذ ينطوي فيها مع التقديس والتوحيد كمال القدرة والانفراد ~~بالفعل وعن هذا عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1983 حيث قال من قال سبحان ~~الله فله عشر حسنات ومن قال لا إله إلا الله فله عشرون حسنة ومن قال الحمد ~~لله فله ثلاثون حسنة (1) وقال صلى الله عليه وسلم أفضل الذكر لا إله إلا ~~الله وأفضل الدعاء الحمد لله (2) وقال ليس شيء من الأذكار يضاعف ما يضاعف ~~الحمد لله (3) ولاتظنن أن هذه الحسنات بإزاء تحريك اللسان بهذه الكلمات من ~~غير حصول معانيها في القلب فسبحان الله كلمة تدل على التقديس ولا إله إلا ~~الله كلمة تدل على التوحيد والحمد لله كلمة تدل على النعمة من الواحد الحق ~~فالحسنات بإزاء هذه المعارف التي هي من أبواب الإيمان واليقين # واعلم أن تمام هذه المعرفة بنفي الشرك في الأفعال فمن أنعم عليه ملك من ~~الملوك بشيء فإن رأى لوزيره أو وكيله دخلا في تيسير ذلك وإيصاله إليه فهو ~~إشراك به في النعمة فلا يرى النعمة من الملك من كل وجه بل منه بوجه ومن ~~غيره بوجه فيتوزع فرحه عليهما فلا يكون موحدا في حق الملك نعم لا يغض من ~~توحيده في حق الملك وكمال شكره أن يرى النعمة الواصلة إليه بتوقيعه الذي ~~كتبه بقلمه وبالكاغد الذي كتبه عليه فإنه لا يفرح بالقلم والكاغد ولا ~~يشكرهما لأنه لا يثبت لهما دخلا من حيث هما موجودان بأنفسهما بل من حيث هما ~~مسخران تحت قدرة الملك وقد يعلم أن الوكيل الموصل والخازن أيضا مضطران من ~~جهة الملك في الإيصال وأنه لو رد الأمر إليه ولم يكن من جهة الملك ارهاق ~~وامر جزم يخاف عاقبته لما سلم إليه شيئا فإذا عرف ذلك كان نظره إلى الخازن ~~الموصل كنظره إلى القلم والكاغد فلا يورث ذلك شركا في توحيده من اضافة ~~النعمة اليه إلى الملك # وكذلك من الكاتب وأن الحيوانات التي لها اختيار مسخرات في نفس اختيارها ~~فإن الله تعالى هو المسلط للدواعي عليها لتفعل شاءت أم أبت كالخازن المضطر ~~الذي لا يجد سبيلا إلى مخالفة الملك ولو خلي ونفسه لما اعطاك ذروة مما في ~~يده فكل من ms1984 وصل إليك نعمة من الله تعالى على يده فهو مضطر إذ سلط الله عليه ~~الإرادة وهيج عليه الدواعي وألقى في نفسه أن خيره في الدنيا والآخرة أن ~~يعطيك ما أعطاك وأن غرضه المقصود عنده في الحال والمآل لا يحصل إلا به وبعد ~~أن خلق الله له هذا الاعتقاد لا يجد سبيل إلى تركه فهو إذن إنما يعطيك ~~PageV04P082 # لغرض نفسه لا لغرضك ولو لم يكن غرضه في العطاء لما أعطاك ولو لم يعلم أن ~~منفعته في منفعتك لما نفعك فهو إذن إنما يطلب نفع نفسه بنفعك فليس منعما ~~عليك بل اتخذك وسبيله إلى نعمة أخرى وهو يرجوها وإنما الذي أنعم عليك هو ~~الذي سخره لك وألقى في قلبه من الاعتقادات والإرادات ما صار به مضطرا إلى ~~الإيصال إليك فإن عرفت الأمور كذلك فقد عرفت الله تعالى وعرفت فعله وكنت ~~موحدا وقدرت على شكره بل كنت بهذه المعرفة بمجردها شاكرا # ولذلك قال موسى عليه السلام في مناجاته إلهي خلقت آدم بيدك وفعلت وفعلت ~~فكيف شكرك فقال الله عز وجل علم أن كل ذلك مني فكانت معرفته شكرا # فإذن لا تشكر إلا بأن تعرف أن الكل منه فإن خالجك ريب في هذا لم تكن ~~عارفا لا بالنعمة ولا بالمنعم فلا تفرح بالمنعم وحده بل وبغيره فبنقصان ~~معرفتك ينقص حالك في الفرح وبنقصان فرحك ينقص عملك فهذا بيان هذا الأصل # الأصل الثاني الحال المستمدة من أصل المعرفة وهو الفرح بالمنعم مع هيئة ~~الخضوع والتواضعوهو أيضا في نفسه شكر على تجرده كما أن المعرفة شكر ولكن ~~إنما يكون شكرا إذا كان حاويا شرطه وشرطه أن يكون فرحك بالمنعم لا بالنعمة ~~ولا بالإنعام ولعل هذا يتعذر عليك فهمه فنضرب لك مثلا فنقول الملك الذي ~~يريد الخروج الى سفره فأنعم بفرس على انسانيتصور أن يفرح المنعم عليه ~~بالفرس من ثلاثة أوجه أحدها أن يفرح بالفرس من حيث أنه فرس وإنه مال ينتفع ~~به ومركوب يوافق غرضه وإنه جواد نفيس وهذ فرح من لاحظ له في الملك بل ms1985 غرضه ~~الفرس فقط ولو وجده في صحراء فأخذه لكان فرحه مثل ذلك الفرح الوجه الثاني ~~أن يفرح به لا من حيث إنه فرس بل من حيث تستدل به على عناية الملك به ~~وشفقته عليه واهتمامه بجانبه لو وجد هذا الفرس في صحراء أو أعطاه غير الملك ~~لكان لا يفرح به أصلا لاستغنائه عن الفرس أصلا أو استحقاره له بالاضافة الى ~~مطلوبه من نيل المحل في قلب الملك الوجه الثالث أن يفرح به ليركبه ليخرج في ~~خدمة الملك ويتحمل مشقة السفر لينال بخدمته القرب منه وربما يرتقي إلى درجة ~~الوزارة من حيث إنه ليس يقنع بأن يكون محله في قلب الملك أن يعطيه فرسا ~~ويعتني به هذا القدر من العناية بل هو طالب لأن لا ينعم الملك بشيء من ماله ~~على أحد إلا بواسطته ثم إنه ليس يريد من الوزارة الوزارة بل يريد مشاهدة ~~الملك والقرب منه حتى لو خير بين القرب منه دون الوزارة وبين الوزارة دون ~~القرب لاختار القرب فهذه ثلاث درجات فالأولى لا يدخل فيها معنى الشكر أصلا ~~لأن نظر صاحبها مقصور على الفرس ففرحه بالفرس لا بالمعطى وهذا حال كل من ~~فرح بنعمة من حيث إنها لذيذة وموافقة لغرضه فهو بعيد عن معنى الشكر ~~والثانية داخلة في معنى الشكر من حيث إنه فرح بالمنعم ولكن لا من حيث ذاته ~~بل من حيث معرفة عنايته التي تستحثه على الإنعام في المستقبل وهذا حال ~~الصالحين الذين يعبدون الله ويشكرونه خوفا من عقابه ورجاء لثوابه وإنما ~~الشكر التام في الفرح الثالث وهو أن يكون فرح العبد بنعمة الله تعالى من ~~حيث إنه يقدر بها على التوصل إلى القرب منه تعالى والنزول في جواره والنظر ~~إلى وجهه على الدوام فهذا هو الرتبة العليا وأمارته ان لايفرح من الدنيا ~~إلا بما هو مزرعة للآخرة ويعينه عليها ويحزن بكل نعمة تلهيه عن ذكر الله ~~تعالى وتصده عن سبيله لأنه ليس يريد النعمة لأنها لذيذة كما يريد صاحب ~~الفرس لانه جواد ومهملج بل من ms1986 حيث إنه يحمله في صحبة الملك حتى تدوم ~~مشاهدته له وقربه منه ولذلك قال الشبلي رحمه الله الشكر رؤية المنعم PageV04P083 # لا رؤية النعمة وقال الخواص رحمه الله شكر العامة على المطعم والملبس ~~والمشرب وشكر الخاصة على واردات القلوب وهذه رتبة لا يدركها كل من انحصرت ~~عنده اللذات في البطن والفرج ومدركات الحواس من الألوان والأصوات وخلا عن ~~لذة القلب فإن القلب لا يلتذ في حال الصحة إلا بذكر الله تعالى ومعرفته ~~ولقائه وإنما يلتذ بغيره إذا مرض بسوء العادات كما يلتذ بعض الناس بأكل ~~الطين وكما يستبشع بعض المرضى الأشياء الحلوة ويستحلي الأشياء المرة كما ~~قيل # ومن يك ذا فم مر مريض ... جد مرا به الماء الزلالا # فإذن هذا شرط الفرح بنعمة الله تعالى فإن لم تكن إبل فمعزى فإن لم يكن ~~هذا فالدرجة الثانية أما الأولى فخارجة عن كل حساب فكم من فرق بين من يريد ~~الملك للفرس ومن يريد الفرس للملك وكم من فرق بين من يريد الله لينعم عليه ~~وبين من يريد نعم الله ليصل بها إليه # الأصل الثالث العمل بموجب الفرح الحاصل من معرفة المنعم وهذا العمل يتعلق ~~بالقلب وباللسان وبالجوارح أما بالقلب فقصد الخير وإضماره لكافة الخلق وأما ~~باللسان فإظهار الشكر لله تعالى بالتحميدات الدالة عليه وأما بالجوارح ~~فاستعمال نعم الله تعالى في طاعته والتوقي من الاستعانة بها على معصيته حتى ~~إن شكر العينين أن تستر كل عيب تراه لمسلم وشكر الأذنين أن تستر كل عيب ~~تسمعه فيه فيدخل هذا في جملة شكر نعم الله تعالى بهذه الأعضاء والشكر ~~باللسان لإظهار الرضا عن الله تعالى وهو مأمور به فقد قال صلى الله عليه ~~وسلم لرجل كيف أصبحت قال بخير فأعاد صلى الله عليه وسلم وسلم السؤال حتى ~~قال في الثالثة بخير أحمد الله وأشكره فقال صلى الله عليه وسلم وسلم هذا ~~الذي أردت منك // حديث قال صلى الله عليه وسلم لرجل كيف أصبحت فقال بخير ~~فأعاد السؤال حتى قال في الثالثة بخير أحمد الله واشكره ms1987 فقال هذا الذي اردت ~~منك اخرجه الطبراني في الدعاء من رواية الفضيل بن عمرو مرفوعا نحوه قال في ~~الثالثة احمد الله وهذا معضل ورواه في المعجم الكبير من حديث عبد الله بن ~~عمرو ليس فيه تكرار السؤال وقال احمد الله اليك وفيه راشد بن سعد ضعفه ~~الجمهور لسوء حفظه ورواه مالك في الموطأ موقوفا على عمر بإسناد صحيح وكان ~~السلف يتساءلون ونيتهم استخراج الشكر لله تعالى ليكون الشاكر مطيعا ~~والمستنطق له به مطيعا وما كان قصدهم الرياء بإظهار الشوق وكل عبد سئل عن ~~حال فهو بين أن يشكر أو يشكو يسكت فالشكر طاعة والشكوى معصية قبيحة من أهل ~~الدين وكيف لا تقبح الشكوى من ملك الملوك وبيده كل شيء إلى عبد مملوك لا ~~يقدر على شيء فالأحرى بالعبد إن لم يحسن الصبر على البلاء والقضاء وأفضى به ~~الضعف إلى الشكوى أن تكون شكواه إلى الله تعالى فهو المبلي والقادر على ~~إزالة البلاء وذل العبد لمولاه عز والشكوى إلى غيره ذل وإظهار الذل للعبد ~~مع كونه عبدا مثله ذل قبيح قال الله تعالى {إن الذين تعبدون من دون الله لا ~~يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له} وقال تعالى ~~{إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم} فالشكر باللسان من جملة الشكر ~~وقد روي أن وفدا قدموا على عمر بن عبد العزيز رحمه الله فقام شاب ليتكلم ~~فقال عمر الكبر الكبر فقال يا أمير المؤمنين لو كان الأمر بالسن لكان في ~~المسلمين من هو أسكن منك فقال تكلم فقال لسنا وفد الرغبة ولا وفد الرهبة ~~أما الرغبة فقد أوصلها إلينا فضلك وأما الرهبة فقد آمننا منها عدلك وإنما ~~نحن وقد الشكر جئناك نشكرك باللسان وننصرف فهذه هي أصول معاني الشكر ~~المحيطة بمجموع حقيقته # فأما قول من قال إن الشكر هو الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع فهو ~~نظر إلى فعل اللسان مع بعض أحوال القلب وقول من قال إن الشكر هو الثناء على ~~المحسن بذكر إحسانه نظر إلى ms1988 مجرد عمل اللسان وقول القائل PageV04P084 # إن الشكر هو الاعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة جامع لأكثر ~~معاني الشكر لا يشذ منه إلا عمل اللسان وقول حمدون القصار شكر النعمة أن ~~ترى نفسك في الشكر طفيليا إشارة إلى أن معنى المعرفة من معاني الشكر فقط ~~وقول الجنيد الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة إشارة إلى حال من أحوال ~~القلب على الخصوص وهؤلاء أقوالهم تعرب على أحواهم فلذلك تختلف أجوبتهم ولا ~~تتفق ثم قد يختلف جواب كل واحد في حالتين لأنهم لا يتكلمون إلا عن حالتهم ~~الراهنة الغالبة عليهم اشتغالا بما يهمهم عما لا يهمهم أو يتكلمون بما ~~يرونه لائقا بحالة السائل اقتصارا على ذكر القدر الذي يحتاج إليه وإعراضا ~~عما لا يحتاج إليه فلا ينبغي أن تظن أن ما ذكرناه طعن عليهم وأنه لو عرض ~~عليهم جميع المعاني التي شرحناها كانوا ينكرونها بل لا يظن ذلك بعاقل أصلا ~~إلا أن تعرض منازعة من حيث اللفظ في أن اسم الشكر في وضع اللسان هل يشمل ~~جميع المعاني أم يتناول بعضها مقصودا وبقية المعاني تكون من توابعه ولوازمه ~~ولسنا نقصد في هذا الكتاب شرح موضوعات اللغات فليس ذلك من علم طريق الآخرة ~~في شيء والله الموفق برحمته ### ||||| بيان طريق كشف الغطاء عن الشكر في حق الله تعالى # لعل يخطر ببالك أن الشكر إنما يفعل في حق منعم هو صاحب حظ في الشكر فإنا ~~نشكر الملوك إما بالثناء ليزيد محلهم في القلوب ويظهر كرمهم عند الناس ~~فيزيد به صيتهم وجاههم أو بالخدمة التي هي إعانة لهم على بعض أغراضهم أو ~~بالمثول بين أيديهم في صورة الخدم وذلك تكثير لسوادهم وسبب لزيادة جاههم ~~فلا يكونون شاكرين لهم إلا بشيء من ذلك وهذا محال في حق الله تعالى من ~~وجهين أحدهما أن الله تعالى منزه عن الحظوظ والأغراض مقدس عن الحاجة إلى ~~الخدمة والإعانة وعن نشر الجاه والحشمة بالثناء والإطراء وعن تكثير سواد ~~الخدم بالمثول بين يديه ركعا سجدا فشكرنا إياه بما لا حظ ms1989 فيه يضاهي شكرنا ~~الملك المنعم علينا بأن ننام في بيوتنا أو نسجد أو نركع إذ لا حظ للملك فيه ~~وهو غائب لا علم له ولا حظ لله تعالى في أفعالنا كلها الوجه الثاني أن كل ~~ما نتعاطاه باختيارنا فهو نعمة أخرى من نعم الله علينا إذ جوارحنا وقدرتنا ~~وإرادتنا وداعيتنا وسائر الأمور التي هي أسباب حركتنا ونفس حركتنا من خلق ~~الله تعالى ونعمته فكيف نشكر نعمة بنعمة ولو أعطانا الملك مركوبا فأخذنا ~~مركوبا آخر له وركبناه أو أعطانا الملك مركوبا آخر لم يكن الثاني شكر للأول ~~منا بل كان الثاني يحتاج إلى شكر كما يحتاج الأول ثم لا يمكن شكر الشكر الا ~~بنعة أخرى فيؤدي إلى أن يكون الشكر محالا في حق الله تعالى من هذين الوجهين ~~ولسنا نشك في الامرين جميعا والشرع قد ورد به فكيف السبيل إلى الجمع فاعلم ~~أن هذا الخاطر قد خطر لداود عليه السلام وكذلك لموسى عليه السلام فقال يا ~~رب كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك وفي لفظ آخر ~~وشكري لك نعمة أخرى منك توجب على الشكر لك فأوحى الله تعالى إليه إذا عرفت ~~هذا فقد شكرتني وفي خبر آخر إذا عرفت أن النعمة مني رضيت منك بذلك شكرا # فإن قلت فقد فهمت السؤال وفهمي قاصر عن إدراك معنى ما أوحى إليهم فإني ~~أعلم استحالة الشكر لله تعالى فأما كون العلم باستحالة الشكر شكرا فلا ~~أفهمه فإن هذا العلم أيضا نعمة منه فكيف صار شكرا وكأن الحاصل يرجع إلى أن ~~من لم يشكر فقد شكر وأن قبول الخلعة الثانية من الملك شكر للخلعة الأولى ~~والفهم قاصر عن درك السر فيه فإن أمكن تعريف ذلك بمثال فهو مهم في نفسه ~~فاعلم أن هذا قرع باب من المعارف وهي أعلى PageV04P085 # من علوم المعاملة ولكنا نشير منها إلى ملامح ونقول ههنا نظران نظر بعين ~~التوحيد المحض وهذا النظر يعرفك قطعا أنه الشاكر وأنه المشكور وأنه المحب ~~وأنه المحبوب وهذا نظر من ms1990 عرف أنه ليس في الوجود غيره وأن كل شيء هالك إلا ~~وجهه وأن ذلك صدق في كل حال أزلا وأبدا لأن الغير هو الذي يتصور أن يكون له ~~بنفسه قوام ومثل هذا الغير لا وجود له بل هو محال أن يوجد إذ الموجود ~~المحقق هو القائم بنفسه وما ليس له بنفسه قوام فليس له بنفسه وجود بل هو ~~قائم بغيره فهو موجود بغيره فإن اعتبر ذاته ولم يلتفت إلى غيره لم يكن له ~~وجود البتة وإنما الموجود هو القائم بنفسه والقائم بنفسه هو الذي لو قدر ~~عدم غيره بقي موجودا فإن كان مع قيامه بنفسه يقوم بوجوده وجود غيره فهو ~~قيوم ولا قيوم إلا واحد ولا يتصور أن يكون غير ذلك فإذن ليس في الوجود غير ~~الحي القيوم وهو الواحد الصمد فإذا نظرت من هذا المقام عرفت أن الكل منه ~~مصدره وإليه مرجعه فهو الشاكر وهو المشكور وهو المحب وهو المحبوب ومن ههنا ~~نظر حبيب بن أبي حبيب حيث قرأ {إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب} فقال ~~واعجباه أعطى وأثنى إشارة إلى أنه إذا أثنى على إعطائه فعلى نفسه أثنى فهو ~~المثني وهو المثني عليه ومن ههنا نظر الشيخ أبو سعيد المهينى حيث قرىء بين ~~يديه {يحبهم ويحبونه} فقال لعمري يحبهم ودعه يحبهم فبحق يحبهم لأنه إنما ~~يحب نفسه أشار به إلى أنه المحب وأنه المحبوب وهذه رتبة عالية لا تفهمها ~~إلا بمثال على حد عقلك فلا يخفى عليك أن المصنف إذا أحب تصنيفه لقد أحب ~~نفسه والصانع إذا أحب صنعته فقد أحب نفسه والوالد إذا أحب ولده من حيث إنه ~~ولده فقد أحب نفسه وكل ما في الوجود سوى الله تعالى فهو تصنيف الله تعالى ~~وصنعته فإن أحبه فما أحب إلا نفسه وإذا لم يحب الانفسه فبحق أحب ما أحب ~~وهذا ما أحب وهذا كله نظر بعين التوحيد وتعبر الصوفية عن هذه الحالة بفناء ~~النفس أي فني عن نفسه وعن غير الله فلم ير إلا الله تعالى فمن ms1991 لم يفهم هذا ~~ينكر عليهم ويقول كيف فني وطول ظله أربعة أذرع ولعله يأكل في كل يوم أرطالا ~~من الخبز فيضحك عليهم الجهال لجهلهم بمعاني كلامهم وضرورة قول العارفين أن ~~يكونوا ضحكة للجاهلين وإليه الإشارة بقوله تعالى إن الذين أجرموا كانوا من ~~الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا ~~فكهين وإذ رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين ثم بين أن ~~ضحك العارفين عليهم غدا أعظم إذ قال تعالى {فاليوم الذين آمنوا من الكفار ~~يضحكون على الأرائك ينظرون} وكذلك أمة نوح عليه السلام كانوا يضحكون عليه ~~عند اشتغاله بعمل السفينة قال {إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون} ~~فهذا أحد النظرين النظر الثاني نظر من لم يبلغ إلى مقام الفناء عن نفسه ~~وهؤلاء قسمان قسم لم يثبتوا إلا وجود أنفسهم وأنكروا أن يكون لهم رب يعبد ~~وهؤلاء هم العميان المنكوسون وعماهم في كلتا العينين لأنهم نفوا ما هو ~~الثابت تحقيقا وهو القيوم الذي هو قائم بنفسه وقائم على كل نفس بما كسبت ~~وكل قائم فقائم به ولم يقتصروا على هذا حتى أثبتوا أنفسهم ولو عرفوا لعلموا ~~أنهم من حيث هم هم لا ثبات لهم ولا وجود لهم وإنما وجودهم من حيث أوجدوا لا ~~من حيث وجدوا وفرق بين الموجود وبين الموجد وليس في الوجود إلا موجود واحد ~~وموجد فالموجود حق والموجد باطل من حيث هو هو والموجود قائم وقيوم والموجد ~~هالك وفان وإذا كان كل من عليها فان فلا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام الفريق الثاني ليس بهم عمى ولكن بهم عور لأنهم يبصرون بإحدى ~~العينين وجود الموجود الحق فلا ينكرونه والعين الأخرى إن تم عماها لم يبصر ~~بها فناء غير الموجود الحق فأثبت موجودا آخر مع الله تعالى وهذا مشرك ~~تحقيقا كما PageV04P086 # أن الذي قبله جاحد تحقيقا فإن جاوز حد العمى إلى العمش أدرك تفاوتا بين ~~الموجودين فأثبت عبدا وربا فبهذا القدر من إثبات التفاوت والنقص من الموجود ~~الآخر ms1992 دخل في حد التوحيد ثم إن كحل بصره بما يزيد في أنواره فيقل عمشه ~~وبقدر ما يزيد في بصره يظهر له نقصان ما أثبته سوى الله تعالى فإن بقي في ~~سلوكه كذلك فلا يزال يفضي به النقصان إلى المحو فينمحي عن رؤية ما سوى الله ~~فلا يرى إلا الله ليكون قد بلغ كمال التوحيد وحيث أدرك نقصا في وجود ما سوى ~~الله تعالى دخل في أوائل التوحيد وبينهما درجات لا تحصى فبهذا تتفاوت درجات ~~الموحدين وكتب الله المنزلة على ألسنة رسله هي الكحل الذي به يحصل أنوار ~~الأبصار والأنبياء هم الكحالون وقد جاءوا داعين إلى التوحيد المحض وترجمته ~~قول لا إله إلا الله ومعناه أن لا يرى إلا الواحد الحق والواصلون إلى كمال ~~التوحيد هم الأقلون والجاحدون والمشركون أيضا قليلون وهم على الطرف الأقصى ~~المقابل لطرف التوحيد إذ عبدة الأوثان قالوا {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى} فكانوا داخلين في أوائل أبواب التوحيد دخولا ضعيفا والمتوسطون ~~هم الأكثرون وفيهم من تنفتح بصيرته في بعض الأحوال فتلوح له حقائق التوحيد ~~ولكن كالبرق الخاطف لا يثبت وفيهم من يلوح له ذلك ويثبت زمانا ولكن لا يدوم ~~والدوام فيه عزيز # لكل إلى شأو العلا حركات ... ولكن عزيز في الرجال ثبات # ولما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب القرب فقيل له {واسجد ~~واقترب} قال في سجوده أعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك ~~منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (1) حديث إنه ليغان على قلبي ~~الحديث تقدم في التوبة وقبله في الدعوات فكان ذلك لترقيه إلى سبعين مقاما ~~بعضها فوق البعض أولها وإن كان مجاوزا أقصى غايات الخلق ولكن كان نقصانا ~~بالإضافة إلى آخرها فكان استغفاره لذلك ولما قالت عائشة رضي الله عنها أليس ~~قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فما هذا البكاء في السجود وما هذا ~~الجهد الشديد PageV04P087 # {قال} أفلا أكون عبدا شكورا // حديث عائشة لما قالت له غفر ms1993 الله لك ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر فما هذا البكاء الحديث رواه ابو الشيخ وهو بقية حديث ~~عطاء عنها المتقدم قبل هذا بتسعة أحاديث وهو عند مسلم من رواية عروة عنها ~~مختصرا وكذلك هو في الصحيحين مختصرا من حديث المغيرة بن شعبة معناه أفلا ~~أكون طالبا للمزيد في المقامات فإن الشكر سبب الزيادة حيث قال تعالى {لئن ~~شكرتم لأزيدنكم} # واذا تغلغنا في بحار المكاشفة فلنقبض العنان ولنرجع إلى ما يليق بعلوم ~~المعاملة فنقول الأنبياء عليهم السلام بعثوا لدعوة الحق إلى كمال التوحيد ~~الذي وصفناه ولكن بينهم وبين الوصول إليه مسافة بعيدة وعقبات شديدة وإنما ~~الشرع كله تعريف طريق سلوك تلك المسافة وقطع تلك العقبات وعند ذلك يكون ~~النظر عن مشاهدة أخرى ومقام آخر فيظهر في ذلك المقام بإضافة إلى تلك ~~المشاهدة الشكر والشاكر والمشكور ولا يعرف ذلك إلا بمثال فأقول يمكنك أن ~~تفهم أن ملكا من الملوك ارسل الى عبد قد بعد منه مركوبا وملبوسا ونقد الاجل ~~زاده في الطريق حتى يقطع به مسافة البعد ويقرب من حضرة الملك ثم يكون له ~~حالتان إحداهما أن يكون قصده من وصول العبد إلى حضرته أن يقوم ببعض مهماته ~~ويكون له عناية في خدمته والثانية أن لا يكون للملك حظ في العبد ولا حاجة ~~به إليه بل حضوره لا يزيد في ملكه لأنه لا يقوى على القيام بخدمة تغني فيه ~~غناء وغيبته لا تنقص من ملكه فيكون قصد من الإنعام عليه بالمركوب والزاد أن ~~يحظى العبد بالقرب منه وينال سعادة حضرته لينتفع هو في نفسه لا لينتفع ~~الملك به وبانتفاعه فمنزل العباد من الله تعالى في المنزلة الثانية لا في ~~المنزلة الأولى فإن الأولى محال على الله تعالى والثانية غير محال ثم اعلم ~~أن العبد لا يكون شاكرا في الحالة الأولى بمجرد الركوب والوصول إلى حضرته ~~ما لم يقم بخدمته التي أرادها الملك منه وأما في الحالة الثانية فلا يحتاج ~~إلى الخدمة أصلا ومع ذلك يتصور أن يكون شاكرا وكافرا ويكون شكره ms1994 بأن يستعمل ~~ما أنفذه إليه مولاه فيما أحبه لأجله لا لأجل نفسه وكفره أن لا يستعمل ذلك ~~فيه بأن يعطله أو يستعمله فيما يزيد في بعده منه فمهما لبس العبد الثوب ~~وركب الفرس ولم ينفق الزاد إلا في الطريق فقد شكره مولاه إذ استعمل نعمته ~~في محبته أي فيما أحبه لعبده لا لنفسه وإن ركبه واستدبر حضرته وأخذ يبعد ~~منه فقد كفر نعمته أي استعملها فيما كرهه مولاه لعبده لا لنفسه وإن جلس ولم ~~يركب لا في طلب القرب ولا في طلب البعد فقد كفر أيضا نعمته إذا أهملها ~~وعطلها وإن كان هذا دون ما لو بعد منه فكذلك خلق الله سبحانه الخلق وهم في ~~ابتداء فطرتهم يحتاجون إلى استعمال الشهوات لتكمل بها أبدانهم فيبعدون بها ~~عن حضرته وإنما سعادتهم في القرب منه فأعد لهم من النعم ما يقدرون على ~~استعماله في نيل درجة القرب وعن بعدهم وقربهم عبر الله تعالى إذ قال {لقد ~~خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا} الآية ~~فإذن نعم الله تعالى آلات يترقى العبد بها عن أسفل السافلين خلقها الله ~~تعالى لأجل العبد حتى ينال بها سعادة القرب والله تعالى غني عنه قرب أم بعد ~~والعبد فيها بين أن يستعملها في الطاعة فيكون قد شكر لموافقة محبة مولاه ~~وبين أن يستعملها في معصيته فقد كفر لاقتحامه ما يكرهه مولاه ولا يرضاه له ~~فإن الله لا يرضى لعباده الكفر والمعصية وإن عطلها ولم يستعملها في طاعة ~~ولا معصية فهو أيضا كفر كفران إن للنعمة بالتضييع وكل ما خلق في الدنيا ~~إنما خلق آلة للعبد ليتوصل به إلى سعادة الآخرة ونيل القرب من الله تعالى ~~فكل مطيع فهو بقدر طاعته شاكر نعمة الله في الأسباب التي استعملها في ~~الطاعة وكل كسلان ترك الاستعمال أو عاص استعملها في طريق البعد فهو كافر ~~جار في غير محبة الله تعالى فالمعصية والطاعة تشملهما المشيئة ولكن لا ~~تشملهما المحبة والكراهة بل رب مراد PageV04P088 # محبوب ورب مراد ms1995 مكروه ووراء بيان هذه الدقيقة سر القدر الذي منع من ~~إفشائه وقد انحل بهذا الإشكال الأول وهو أنه إذا لم يكن للمشكور حظ فكيف ~~يكون الشكر وبهذا أيضا ينحل الثاني فإنا لم نعن بالشكر إلا انصراف نعمة ~~الله في جهة محبة الله فإذا انصرفت النعمة في جهة المحبة بفعل الله فقد حصل ~~المراد وفعلك عطاء من الله تعالى ومن حيث أنت محله فقد أثنى عليك وثناؤه ~~نعمة أخرى منه إليك فهو الذي أعطى وهو الذي أثنى وصار أحد فعليه سببا ~~لانصراف فعله الثاني إلى جهة محبته فله الشكر على كل حال وأنت موصوف بأنك ~~شاكر بمعنى أنك محل المعنى الذي الشكر عبارة عنه لا بمعنى أنك موجب له كما ~~أنك موصوف بأنك عارف وعالم لا بمعنى أنك خالق للعلم وموجده ولكن بمعنى أنك ~~محل له وقد وجد بالقدرة الأزلية فيك فوصفك بأنك شاكر إثبات شيئية لك وأنت ~~شيء إذ جعلك خالق الأشياء شيئا وإنما أنت لا شيء إذا كنت أنت ظانا لنفسك ~~شيئا من ذاتك فأما باعتبار النظر إلى الذي جعل الأشياء شيئا فأنت شيء إذ ~~جعلك شيئا فإن قطع النظر عن جعله كنت لا شيء تحقيقيا وإلى هذا أشار صلى ~~الله الله عليه وسلم حيث قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له // حديث اعملوا ~~فكل ميسر لما خلق له من حديث على وعمران بن حصين لما قيل له يا رسول الله ~~ففيم العمل إذا كانت الأشياء قد فرغ منها من قبل فتبين أن الخلق مجاري قدرة ~~الله تعالى ومحل أفعاله وإن كانوا هم أيضا من أفعاله ولكن بعض أفعاله محل ~~للبعض وقوله {اعملوا} وإن كان جاريا على لسان الرسول صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم فهو فعل من أفعاله وهو سبب لعلم الخلق أن العمل نافع وعلمهم فعل ~~من أفعال الله تعالى والعلم سبب لانبعاث داعية جازمة إلى الحركة والطاعة ~~وانبعاث الداعية أيضا من أفعال الله تعالى وهو سبب لحركة الأعضاء وهي أيضا ~~من أفعال الله تعالى ولكن بعض ms1996 أفعاله سبب للبعض أي الأول شرط للثاني كما ~~كان خلق الجسم سببا لخلق العرض إذ لا يخلق العرض قبله وخلق الحياة شرط لخلق ~~العلم وخلق العلم شرط لخلق الإرادة والكل من أفعال الله تعالى وبعضها سبب ~~للبعض أي هو شرط ومعنى كونه شرطا أنه لا يستعد لقبول فعل الحياة إلا جوهر ~~ولا يستعد لقبول العلم إلا ذو حياة ولا لقبول الارادة الاذو علم فيكون بعض ~~أفعاله سببا للبعض بهذا المعنى لا بمعنى أن بعض أفعاله موجد لغيره بل ممهد ~~شرط الحصول لغيره وهذا إذا حقق ارتقى إلى درجة التوحيد الذي ذكرناه # فإن قلت فلم قال الله تعالى اعملوا وإلا فأنتم معاقبون مذمومون على ~~العصيان وما إلينا شيء فكيف نذم وإنما الكل إلى الله تعالى فاعلم أن هذا ~~القول من الله تعالى سبب لحصول اعتقاد فينا والاعتقاد سبب لهيجان الخوف ~~وهيجان الخوف سبب لترك الشهوات والتجافي عن دار الغرور وذلك سبب للوصول إلى ~~جوار الله والله تعالى مسبب الأسباب ومرتبها فمن سبق له في الأزل السعادة ~~يسر له هذه الأسباب حتى يقوده بسلسلتها إلى الجنة ويعبر عن مثله بأن كلا ~~ميسر لما خلق له ومن لم يسبق له من الله الحسنى بعد عن سماع كلام الله ~~تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام العلماء فإذا لم يسمع لم ~~يعلم وإذا لم يعلم لم يخف وإذا لم يخف لم يترك الركون إلى الدنيا وإذا لم ~~يترك الركون إلى الدنيا بقي في حزب الشيطان وإن جهنم لموعدهم أجمعين فإذا ~~عرفت هذا تعجبت من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل فما من أحد إلا وهو مقود ~~الى الجنة بسلاسل الأسباب وهو تسليط العلم والخوف عليه وما من مخذول إلا ~~وهو مقود إلى النار بالسلاسل وهو تسليط الغفلة والأمن والغرور عليه ~~فالمتقون يساقون إلى الجنة قهرا والمجرمون يقادون إلى النار قهرا ولا قاهر ~~إلا الله الواحد القهار PageV04P089 # ولا قادر إلا الملك الجبار واذا انكشفت الغطاء عن أعين الغافلين فشاهدوا ~~الأمر كذلك سمعوا عند ذلك ms1997 نداء المنادي {لمن الملك اليوم لله الواحد ~~القهار} ولقد كان الملك لله الواحد القهار كل يوم لا ذلك على الخصوص ولكن ~~الغافلين لا يسمعون هذا النداء إلا ذلك اليوم فهو نبأ عما يتجدد للغافلين ~~من كشف الأحوال حيث لا ينفعهم الكشف فنعوذ بالله الحليم الكريم من الجهل ~~والعمى فإنه أصل أسباب الهلاك ### ||||| بيان تمييز ما يحبه الله تعالى عما يكرهه # اعلم إن فعل الشكر وترك الكفر لا يتم إلا بمعرفة ما يحبه الله تعالى عما ~~يكرهه إذ معنى الشكر استعمال نعمه تعالى في محابه ومعنى الكفر نقيض ذلك إما ~~بترك الاستعمال أو باستعمالها في مكارهه ولتمييز ما يحبه الله تعالى مما ~~يكرهه مدركان أحدهما السمع ومستنده الآيات والأخبار والثاني بصيرة القلب ~~وهو النظر بعين الاعتبار وهذا الأخير عسير وهو لأجل ذلك عزيز فلذلك أرسل ~~الله تعالى الرسل وسهل بهم الطريق على الخلق ومعرفة ذلك تنبني على معرفة ~~جميع أحكام الشرع في أفعال العباد فمن لا يطلع على أحكام الشرع في جميع ~~أفعاله لم يمكنه القيام بحق الشكر أصلا وأما الثاني وهو النظر بعين ~~الاعتبار فهو إدراك حكمة الله تعالى في كل موجود خلقه إذ ما خلق شيئا في ~~العالم إلا وفيه حكمة وتحت الحكمة مقصود وذلك المقصود هو المحبوب وتلك ~~الحكمة منقسمة إلى جلية وخفية أما الجلية فكالعلم بأن الحكمة في خلق الشمس ~~أن يحصل بها الفرق بين الليل والنهار فيكون النهار معاشا والليل لباسا ~~فتتيسر الحركة عند الإبصار والسكون عند الاستتار فهذا من جملة حكم الشمس لا ~~كل الحكم فيها بل فيها حكم أخرى كثيرة دقيقة وكذلك معرفة الحكمة في الغيم ~~ونزول الأمطار وذلك لانشقاق الأرض بأنواع النبات مطعما للخلق ومرعى للأنعام ~~وقد انطوى القرآن على جملة من الحكم الجليلة التي تحتملها أفهام الخلق دون ~~الدقيق الذي يقصرون عن فهمه إذ قال تعالى {أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا ~~الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا} الآية وأما الحكمة في سائر الكواكب ~~السيارة منها والثوابت فخفية لا يطلع عليها كافة ms1998 الخلق والقدر الذي يحتمله ~~فهم الخلق أنها زينة للسماء لتستلذ العين بالنظر إليها وأشار إليه قوله ~~تعالى {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب} فجميع أجزاء العالم سماؤه ~~وكواكبه ورياحه وبحاره وجباله ومعادنه ونباته وحيواناته وأعظاء حيواناته لا ~~تخلو ذرة من ذراته عن حكم كثيرة من حكمه واحدة إلى عشرة إلى ألف إلى عشرة ~~آلاف وكذا أعضاء الحيوان تنقسم إلا ما يعرف حكمتها كالعلم بأن العين ~~للإبصار لا للبطش واليد للبطش لا للمشي والرجل للمشي لا للشم فأما الأعضاء ~~الباطنة من الأمعاء والمرارة والكبد والكلية وآحاد العروق والأعصاب ~~والعضلات وما فيها من التجاويف والالتفاف والاشتباك والانحراف والدقة ~~والغلظ وسائر الصفات فلا يعرف الحكمة فيها سائر الناس والذين يعرفونها لا ~~يعرفون منها إلا قدرا يسيرا بالإضافة إلى ما في علم الله تعالى {وما أوتيتم ~~من العلم إلا قليلا} فإذن كل من استعمل شيئا في جهة غير الجهة التي خلق لها ~~ولا على الوجه الذي أريد به فقد كفر فيه نعمة الله تعالى فمن ضرب غيره بيده ~~فقد كفر نعمة اليد إذ خلقت له اليد ليدفع بها عن نفسه ما يهلكه ويأخذ ما ~~ينفعه لا ليهلك بها غيره ومن نظر إلى وجه غير المحرم فقد كفر نعمة العين ~~ونعمة الشمس إذ الإبصار يتم بهما وإنما خلقتا ليبصر بهما ما ينفعه في دينه ~~ودنياه ويتقي بهما ما يضره فيهما فقد استعملها في غير ما اريد به وهذا لأن ~~المراد من خلق الخلق وخلق الدنيا وأسبابها أن يستعين الخلق بهما على الوصول ~~إلى الله تعالى ولا وصول إليه إلا بمحبته والأنس به في الدنيا والتجافي عن ~~غرور الدنيا ولا أنس PageV04P090 # إلا بدوام الذكر ولا محبة إلا بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر ولا يمكن ~~الدوام على الذكر والفكر إلا بدوام البدن ولا يبقى البدن إلا بالغذاء ولا ~~يتم الغذاء إلا بالأرض والماء والهواء ولا يتم ذلك إلا بخلق السماء والأرض ~~وخلق سائر الأعضاء ظاهرا وباطنا فكل ذلك لأجل البدن والبدن مطية النفس ~~والراجح إلى الله تعالى هي ms1999 النفس المطمئنة بطول العبادة والمعرفة فلذلك قال ~~تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق} الآية فكل ~~من استعمل شيئا في غير طاعة الله فقد كفر نعمة الله في جميع الأسباب التي ~~لا بد منها لإقدامه على تلك المعصية ولتذكر مثالا واحدا للحكم الخفية التي ~~ليست في غاية الخفاء حتى تعتبر بها وتعلم طريقة الشكر والكفران على النعم ~~فنقول من نعم الله تعالى خلق الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا وهما ~~حجران لا منفعة في أعيانهما ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان ~~محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته وقد يعجز عما يحتاج ~~إليه ويملك ما يستغني عنه كمن يملك الزعفران مثلا وهو محتاج إلى جمل يركبه ~~ومن يملك الجمل ربما يستغنى عنه ويحتاج إلى الزعفران فلا بد بينهما من ~~معاوضة ولا بد في مقدار العوض من تقدير إذ لا يبذل صاحب الجمل جمله بكل ~~مقدار من الزعفران ولا مناسبة بين الزعفران والجمل حتى يقال يعطى منه مثله ~~في الوزن أو الصورة وكذا من يشتري دارا ثياب أو عبدا بخف أو دقيقا بحمار ~~فهذه الأشياء لا تتناسب فيها فلا يدرى أن الجمل كم يسوي بالزعفران فتتعذر ~~المعاملات جدا فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط بينها ~~يحكم بينهما بحكم عدل فيعرف من كل واحد رتبته ومنزلته حتى إذا تقررت ~~المنازل وترتبت الرتب علم بعد ذلك المساوي من غير المساوي فخلق الله تعالى ~~الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما ~~فيقال هذا الجمل يسوي مائة دينار وهذا القدر من الزعفران يسوي مائة فهما من ~~حيث إنهما مساويان بشيء واحد إذن متساويان وإنما أمكن التعديل بالنقدين إذ ~~لا غرض في أعيانهما ولو كان في أعيانهما غرض ربما اقتضى خصوص ذلك الغرض في ~~حق صاحب الغرض ترجيحا ولم يقتض ذلك في حق من لا غرض له فلا ينتظم الأمر ~~فإذن خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدي ويكونا حاكمين بين الأموال ~~بالعدل ولحكمة ms2000 أخرى وهي التوسل بهما إلى سائر الأشياء لأنهما عزيزان في ~~أنفسهما ولا غرض في أعيانهما ونسبتهما إلى سائر الأحوال نسبة واحدة فمن ~~ملكهما فكأنه ملك كل شيء لا كمن ملك ثوبا فإنه لم يملك إلا الثوب فلو احتاج ~~إلى طعام ربما لم يرغب صاحب الطعام في الثوب لأن غرضه في دابة مثلا فاحتيج ~~إلى شيء وهو في صورته كأنه ليس بشيء وهو فى معناه كأنه كل الأشياء والشيء ~~إنما تستوي نسبته إلى المختلفات إذا لم تكن له صورة خاصة يفيدها بخصوصها ~~كالمرآة لا لون لها وتحكي كل لون فكذلك النقد لا غرض فيه وهو وسيلة إلى كل ~~غرض وكالحرف لا معنى له نفسه وتظهر به المعاني في غيره فهذه هي الحكمة ~~الثانية وفيهما أيضا حكم يطول ذكرها فكل من عمل فيهما عملا لا يليق بالحكم ~~بل يخالف الغرض المقصود بالحكم فقد كفر نعمة الله تعالى فيهما فإذن من ~~كنزهما فقد ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن ~~يمتنع عليه الحكم بسببه لأنه إذا كنز فقد ضيع الحكم ولا يحصل الغرض المقصود ~~به وما خلقت الدراهم والدنانير لزيد خاصة ولا لعمرو خاصة إذ لا غرض للآحاد ~~في أعيانهما فإنهما حجران وإنما خلقا لتتداولها الأيدي فيكونا حاكمين بين ~~الناس وعلامة معرفة المقادير مقومة للراتب فأخبر الله تعالى الذين يعجزون ~~عن قراءة الأسطر الإلهية المكتوبة في صفحات الموجودات بخط إلهي لا حرف فيه ~~ولا صوت الذي لا يدرك بعين البصر بل بعين البصيرة أخبر هؤلاء العاجزين PageV04P091 # بكلام سمعوه من رسوله صلى الله عليه وسلم حتى وصل إليهم بواسطة الحرف ~~والصوت المعنى الذي عجزوا عن إدراكه فقال تعالى {والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} وكل من اتخذ من ~~الدراهم والدنانير آنية من ذهب أو فضة فقد كفر النعمة وكان أسوأ حالا ممن ~~كنز لأن مثال هذا مثال من استسخر حاكم البلد في الحياكة والمكس والأعمال ~~التي يقوم بها أخساء الناس والحبس أهوك منه وذلك ms2001 أن الخزف والحديد والرصاص ~~والنحاس تنوب مناب الذهب والفضة في حفظ المائعات عن أن تتبدد وإنما الأواني ~~لحفظ المائعات ولا يكفي الخزف والحديد في المقصود الذي أريد به النقود فمن ~~لم ينكشف له هذا انكشف له بالترجمة الإلهية وقيل له من شرب في آنية من ذهب ~~أو فضة فكأنما يجرجر في بطنة نار جهنم وكل من عامل معاملة الربا على ~~الدراهم والدنانير فقد كفر النعمة وظلم لأنهما خلقا لغيرهما لا لنفسهما إذ ~~لا غرض في عينهما فإذا اتجر في عينهما فقد اتخذهما مقصودا على خلاف وضع ~~الحكمة إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم ومن معه ثوب ولا نقد معه فقد لا ~~يقدر على أن يشتري به طعاما ودابة إذ ربما لا يباع الطعام والدابة بالثوب ~~فهو معذور في بيعه بنقد آخر ليحصل النقد فيتوصل به إلى مقصوده فإنهما ~~وسيلتان إلى الغير لا غرض فى أعيانهما وموقهما في الأموال كموقع الحرف من ~~الكلام كما قال النحويون إن الحرف هو الذي جاء لمعنى في غيره وكموقع المرآة ~~من الألوان فأما من معه نقد فلو جاز له أن يبيعه بالنقد فيتخذ التعامل على ~~النقد غاية عمله فيبقى النقد مقيدا عنده وينزل منزلا المكنوز وتقييد الحاكم ~~والبريد الموصل إلى الغير ظلم كما أن حبسه ظلم فلا معنى لبيع النقد بالنقد ~~إلا اتخاذ النقد مقصودا للادخار وهو ظلم # فإن قلت فلم جاز بيع أحد النقدين بالآخر ولما جاز بيع الدرهم بمثله فاعلم ~~أن أحد النقدين يخالف الآخر في مقصود التوصل إذ قد يتيسر التوصل بأحدهما من ~~حيث كثرته كالدراهم تتفرق في الحاجات قليلا قليلا ففي المنع منه ما يشوش ~~المقصود الخاص به وهو تيسر التوصل به إلى غيره وأما بيع الدرهم بدرهم ~~يماثله فجائز من حيث إن ذلك لا يرغب فيه عاقل مهما تساويا ولا يشتغل به ~~تاجر فإنه عبث يجري مجرى وضع الدرهم على الأرض وأخذه بعينه ونحن لا نخاف ~~على العقلاء أن يصرفوا أوقاتهم إلى وضع الدرهم على الأرض وأخذه بعينه ms2002 فلا ~~نمنع مما لا تتشوق النفوس إليه إلا أن يكون أحدهما أجود من الآخر وذلك أيضا ~~لا يتصور جريانه إذ صاحب الجيد لا يرضى بمثله من الرديء فلا ينتظم العقد ~~وإن طلب زيادة في الرديء فذلك مما قد يقصده فلا جرم نمنعه منه ونحكم بأن ~~جيدها ورديئها سواء لأن الجودة والرداءة ينبغي أن ينظر إليهما فيما يقصد في ~~عينه وما لا غرض في عينه فلا ينبغي أن ينظر إلا مضافات دقيقة في صفاته ~~وإنما الذي ظلم هو الذي ضرب النقود مختلفة في الجودة والرداءة حتى صارت ~~مقصودة في أعيانها وحقها أن لا تقصد وأما إذا باع درهما بدرهم مثله نسيئة ~~فإنما لم يجز ذلك لأنه لا يقدم على هذا إلا مسامح قاصد الإحسان في القرض ~~وهو مكرمة مندوحة عنه لتبقى صورة المسامحة فيكون له حمد وأجر والمعاوضة ~~لاحمد فيها ولا أجر فهو أيضا ظلم لأنه إضاعة خصوص المسامحة وإخراجها في ~~معرض المعارضة وكذلك الأطعمة خلقت ليتغذى بها أو يتداوى بها فلا ينبغي أن ~~تصرف على جهتها فإن فتح باب المعاملة فيها يوجب تقييدها في الأيدي ويؤخر ~~عنها الأكل الذي أريدت له فما خلق الله الطعام إلا ليؤكل والحاجة إلى ~~الأطعمة شديدة فينبغي أن تخرج عن يد المستغني عنها إلى المحتاج ولا يعامل ~~على الأطعمة إلا مستغن عنها إذ من معه طعام فلم PageV04P092 # لا يأكله إن كان محتاجا ولم يجعله بضاعة تجارة وإن جعله بضاعة تجارة ~~فليبعه ممن يطلبه بعوض غير الطعام يكون محتاجا إليه فأما من يطلبه بعين ذلك ~~الطعام فهو أيضا مستغن عنه ولهذا ورد في الشرع لعن المحتكر وورد فيه من ~~التشديدات ما ذكرناه في كتاب آداب الكسب نعم بائع البر بالتمر معذور إذ ~~أحدهما لا يسد مسد الآخر في الغرض وبائع صاع من البر بصاع منه غير معذور ~~ولكنه عابث فلا يحتاج إلى منع لأن النفوس لا تسمح به إلا عند التفاوت في ~~الجودة ومقابلة الجيد بمثله من الرديء لا يرضى بها صاحب الجيد وأما جيد ~~برديئين ms2003 فقد يقصد ولكن لما كانت الأطعمة من الضروريات والجيد يساوي الرديء ~~في أصل الفائدة ويخالفه في وجوه التنعم أسقط الشرع غرض التنعم فيما هو ~~القوام فهذه حكمة الشرع في تحريم الربا وقد انكشف لنا هذا بعد الإعراض عن ~~فن الفقه فلنلحق هذا بفن الفقهيات فإنه أوي من جميع ما أوردناه في ~~الخلافيات وبهذا يتضح رجحان مذهب الشافعي رحمه الله في التخصص بالأطعمة دون ~~المكيلات إذ لو دخل الجص فيه لكانت الثياب والدواب أولى بالدخول ولولا ~~الملح لكان مذهب مالك رحمه الله أقوم المذاهب فيه إذ خصصه بالأوقات ولكن كل ~~معنى يرعاه الشرع فلا بد أن يضبط بحد وتحديد هذا كان ممكنا بالقوت وكان ~~ممكنا بالمطعوم فرأى الشرع التحديد بجنس المطعوم أخرى لكل ما هو ضرورة ~~البقاء وتحديدات الشرع قد تحيط بأطراف لا يقوى فيها أصل المعنى الباعث على ~~الحكم ولكن التحديد يقع كذلك بالضرورة ولو لم يحد لتحير الخلق في أتباع ~~جوهر المعنى مع اختلافه بالأحوال والأشخاص فعين المعنى بكمال قوته يختلف ~~باختلاف الأحوال والأشخاص فيكون الحد ضروريا فلذلك قال الله تعالى {ومن ~~يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} ولأن أصول هذه المعاني لا تختلف فيها الشرائع ~~وإنما تختلف في وجوه التحديد كما يحد شرع عيسى ابن مريم عليه السلام تحريم ~~الخمر بالسكر وقد حده شرعنا بكونه من جنس المسكر لأن قليله يدعو إلى كثير ~~والداخل في الحدود داخل في التحريم بحكم الجنس كما دخل أصل المعنى بالجملة ~~الأصلية فهذا مثال واحد لحكمة خفية من حكم النقدين فينبغي أن يعتبر شكر ~~النعمة وكفرانها بهذا المثال فكل ما خلق لحكمة فينبغي أن يصرف عنها ولا ~~يعرف هذا إلا من قد عرف الحكمة {ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا} ولكن ~~لا تصادف جواهر الحكم في قلوب هي مزابل الشهوات وملاعب الشياطين بل لا ~~يتذكر إلا أولوا الألباب ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لولا أن الشياطين ~~يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء (1) وإذ عرفت هذا المثال ~~فقس عليه ms2004 حركتك وسكونك ونطقك وسكوتك وكل فعل صادر منك فإنه إما شكر وإما ~~كفر إذ لا يتصور أن ينفك عنهما وبعض ذلك نصفه في لسان الفقه الذي تناطق به ~~عوام الناس بالكراهة وبعضه بالخطر وكل ذلك عند أرباب القلوب موصوف بالخطر ~~فأقول مثلا لو استنجيت باليمنى فقد كفرت نعمة اليدين إذ خلق الله لك اليدين ~~وجعل إحداهما أقوى من الأخرى فاستحق الأقوى بمزيد رجحانه في الغالب التشريف ~~والتفضيل وتفضيل الناقص عدول عن العدل والله لا يأمر بالعدل ثم أحوجك من ~~أعطاك اليدين إلى أعمال بعضها شريف كأخذ المصحف وبعضها خسيس كإزالة النجاسة ~~فإذا أخذت المصحف باليسار وأزلت النجاسة باليمين فقد خصصت الشريف بما هو ~~خسيس فغضضت من حقه وظلمته وعدلت عن العدل وكذلك إذا بصقت مثلا في جهة ~~القبلة أو استقبلتها في قضاء الحاجة فقد كفرت نعمة الله تعالى في خلق ~~الجهات وخلق سعة العالم لأنه خلق الجهات لتكون متسعك في حركتك وقسم الجهات ~~إلى ما لم يشرفها وإلى ما شرفها بأن وضع فيها بيتا أضافه إلى نفسه استمالة ~~PageV04P093 # لقلبك إليه ليتقيد به قلبك فيتقيد بسببه بدنك في تلك الجهة على هيئة ~~الثبات والوقار إذا عبدت ربك وكذلك انقسمت أفعالك إلى ما هي شريفة كالطاعات ~~وإلى ما هي خسيسة كقضاء الحاجة ورمي البصاق فإذا رميت بصاقك إلى الجهة ~~القبلة فقد ظلمتها وكفرت نعمة الله تعالى عليك بوضع القبلة التي بوضعها ~~كمال عبادتك وكذلك إذا لبست خفك فابتدأت باليسرى فقد ظلمت لأن الخف وقاية ~~للرجل فللرجل فيه حظ والبداءة في الحظوظ ينبغي أن تكون بالأشرف فهو العدل ~~والوفاء بالحكمة ونقيضه ظلم وكفران لنعمة الخف والرجل وهذا عند العارفين ~~كبيرة وإن سماه الفقيه مكروها حتى إن بعضهم كان قد جمع إكرارا من الحنطة ~~وكان يتصدق بها فسئل عن سببه فقال لبست المداس مرة فابتدأت بالرجل اليسرى ~~سهوا فأريد أن أكفره بالصدقة نعم الفقيه لا يقدر على تفخيم الأمر في هذه ~~الأمور لأنه مسكين بل بإصلاح العوام الذين تقرب درجتهم من درجة الإنعام وهم ms2005 ~~مغموسون في ظلمات أطم وأعظم من أن تظهر أمثال هذه الظلمات بالإضافة إليها ~~فقبيح أن يقال الذي شرب الخمر وأخذ القدح بيساره قد تعدى من وجهين أحدهما ~~الشرب والآخر الآخذ باليسار ومن باع خمرا في وقت النداء يوم الجمعة فقبيح ~~أن يقال خان من وجهين {أحدهما} بيع الخمر والآخر البيع في وقت النداء ومن ~~قضى حاجته في محراب المسجد مستدبر القبلة فقبيح أن يذكر تركه الأدب في قضاء ~~الحاجة من حيث إنه لم يجعل القبلة عن يمينه فالمعاصي كلها ظلمات بعضها فوق ~~بعض فيمنحق بعضها في جنب البعض فالسيد قد يعاقب عبده إذا استعمل سكينه بغير ~~إذنه ولكن لو قتل بتلك السكين أعز أولاده لم يبق لاستعمال السكين بغير إذنه ~~حكم ونكاية في نفسه فكل ما راعاه الأنبياء والأولياء من الآداب وتسامحنا ~~فيه في الفقه مع العوام فسببه هذه الضرورة وإلا فكل هذه المكاره عدول عن ~~العدل وكفران للنعمة ونقصان عن الدرجة المبلغة للعبد إلى درجات القرب بعضها ~~يؤثر في العبد بنقصان القرب وانحطاط المنزلة وبعضها يخرج بالكلية عن حدود ~~القرب إلى عالم البعد الذي هو مستقر الشياطين وكذلك من كسر غصنا من شجرة من ~~غير حاجة ناجزة مهمة ومن غير حاجة غرض صحيح فقد كفر نعمة الله تعالى في خلق ~~الأشجار وخلق اليد أما اليد فإنها لم تخلق للعبث بل للطاعة والأعمال ~~المعينة على الطاعة وأما الشجر فإنه خلقه الله تعالى وخلق له العروق وساق ~~إليه الماء وخلق فيه قوة الاغتذاء والنماء ليبلغ منتهى نشوه فينتفع به ~~عباده فكسره قبل منتهى نشوة لا على وجه ينتفع به عباده مخالفة لمقصود ~~الحكمة وعدول عن العدل فإن كان له غرض صحيح فله ذلك إذ الشجر والحيوان جعلا ~~فداء لأغراض الإنسان فإنهما جميعا فانيان هالكان فإفناء الأخس في بقاء ~~الأشرف مدة ما أقرب إلى العدل من تضييعهما جميعا وإليه الإشارة بقوله تعالى ~~وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه نعم إذا كسر ذلك من ملك ~~غيره فهو ظالم أيضا ms2006 وإن كان محتاجا لأن كل شجرة بعينها لاتفى بحاجات عباد ~~الله كلهم بل تفي بحاجة واحدة ولو خصص واحد بها من غير رجحان واختصاص كان ~~ظلما فصاحب الاختصاص هو الذي حصل البذر ووضعه في الأرض وساق إليه الماء ~~وقام بالتعهد فهو أولى به من غيره فيرجع جانبه بذلك فإن نبت ذلك في موات ~~الأرض لا بسعي آدمي اختص بمغرسه أو بغرسه فلا بد من طلب اختصاص آخر وهو ~~السبق إلى أخذه فللسابقخاصية السبق فالعدل هو أن يكون أولى به وعبر الفقراء ~~عن هذا الترجيح بالملك وهو مجاز محض إذ لا ملك إلا لملك الملوك الذي له ما ~~في السموات والأرض وكيف يكون العبد مالكا وهو في نفسه ليس يملك نفسه بل هو ~~ملك غيره نعم الخلق عباد الله والأرض مائدة الله وقد أذن لهم في الأكل من ~~مائدته بقدر حاجتهم كالملك ينصب مائدة لعبيده فمن أخذ لقمة بيمينه واحتوت ~~عليها براجمه فجاء عبد آخر وأراد انتزاعها PageV04P094 # من يده لم يمكن منه لا لأن اللقمة صارت ملكا له بالأخذ باليد فإن اليد ~~وصاحب اليد أيضا مملوك ولكن إذا كانت كل لقمة بعينها لا تفي بحاجة كل ~~العبيد فالعدل في التخصيص عند حصول ضرب من الترجيح والاختصاص والأخذ اختصاص ~~ينفرد به العبد فمنع من لا يدلي بذلك الاختصاص عن مزاحمته فهكذا ينبغي أن ~~تفهم أمر الله فى في عباده ولذلك نقول من أخذ من أموال الدنيا أكثر من ~~حاجته وكنزه وأمسكه وفي عباد الله من يحتاج إليه فهو ظالم وهو من الذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله وإنما سبيل الله طاعته وزاد ~~الخلق في طاعته أموال الدنيا إذ بها تندفع ضروراتهم وترتفع حاجاتهم نعم لا ~~يدخل هذا في حد فتاوى الفقه لأن مقادير الحاجات خفية والنفوس في استشعار ~~الفقر في الاستقبال مختلفة وأواخر الأعمار غير معلومة فتكليف العوام ذلك ~~يجري مجرى تكليف الصبيان الوقار والتؤدة والسكوت عن كلام غير مهم وهو بحكم ~~نقصانهم لا يطيقونه فتركنا الاعتراض عليهم في ms2007 اللعب واللهو وإباحتنا ذلك ~~إياهم لا يدل على أن اللهو واللعب حق فكذلك إباحتنا للعوام حفظ الأموال ~~والاقتصار في الإنفاق على قدر الزكاة لضرورة ما جبلوا عليه من البخل لا يدل ~~على أنه غاية الحق وقد أشار القرآن إليه إذ قال تعالى {إن يسألكموها فيحفكم ~~تبخلوا} بل الحق الذي لا كدورة فيه والعدل الذي لا ظلم فيه أن لا يأخذ أحد ~~من عباد الله من مال الله إلا بقدر زاد الراكب فكل عباد الله ركاب لمطايا ~~الأبدان إلى حضرة الملك الديان فمن أخذ زيادة عليه ثم منعه عن راكب آخر ~~محتاج إليه فهو ظالم تارك للعدو وخارج عن مقصود الحكمة وكافر نعمة الله ~~تعالى عليه بالقرآن والرسول والعقل وسائر الأسباب التي بها عرف أن ما سوى ~~زاد الراكب وبال عليه في الدنيا والآخرة فمن فهم حكمة الله تعالى في جميع ~~أنواع الموجودات قدر على القيام بوظيفة الشكر واستقصاء ذلك يحتاج إلى ~~مجلدات ثم لا تفي إلا بالقليل وإنما أوردنا هذا القدر ليعلم علة الصدق في ~~قوله تعالى {وقليل من عبادي الشكور} وفرح إبليس لعنه الله بقوله {ولا تجد ~~أكثرهم شاكرين} فلا يعرف معنى هذه الآية من لم يعرف معنى هذا كله وأمورا ~~أخر وراء ذلك تنقضي الأعمار دون استقصاء مباديها فأما تفسير الآية ومعنى ~~لفظها فيعرفه كل من يعرف اللغة وبهذا يتبين لك الفرق بين المعنى والتفسير # فإن قلت فقد رجع حاصل هذا الكلام إلى أن الله تعالى حكمه في كل شيء وأنه ~~جعل بعض أفعال العباد سببا لتمام الحكمة وبلوغها غاية المراد منها وجعل بعض ~~أفعالها مانعا من تمام الحكمة فكل فعل وافق مقتضى الحكمة حتى انساقت الحكمة ~~إلى غايتها فهو شكر وكل ما خالف ومنع الأسباب من أن تنساق إلى الغاية ~~المرادة بها فهو كفران وهذا كله مفهوم ولكن الإشكال باق وهو أن فعل العبد ~~المنقسم إلى ما يتمم الحكمة وإلى ما يرفعها هو أيضا من فعل الله تعالى فأين ~~العبد في البين حتى يكون شاكرا مرة وكافرا ms2008 أخرى فاعلم أن تمام التحقيق في ~~هذا يستمد من تيار بحر عظيم من علوم المكاشفات وقد رمزنا فيما سبق إلى ~~تلويحات بمباديها ونحن الآن نعبر بعبارة وجيزة عن آخرها وغايتها يفهمها من ~~عرف منطق الطير ويجحدها من عجز عن الإيضاع في السير فضلا عن أن يجول في جو ~~الملكوت جولان الطير فنقول إن الله عز وجل في جلاله وكبريائه صفة عنها يصدر ~~الخلق والاختراع وتلك الصفة أعلى وأجل من أن تلمحها عين واضع اللغة حتى ~~يعبر عنها بعبارة تدل على كنه جلالها وخصوص حقيقتها فلم يكن لها في العالم ~~عبارة لعلو شأنها وانحطاط رتبة واضعي اللغات عن أن يمتد طرف فهمهم إلى ~~مبادى إشراقها فانخفضت عن ذروتها أبصارهم كما تنخفض أبصار الخفافيش عن نور ~~الشمس لا لغموض PageV04P095 # في نور الشمس ولكن لضعف في أبصار الخفافيش فاضطر الذين فتحت أبصارهم ~~لملاحظة جلالها إلى أن يستعيروا من حضيض عالم المتناطقين باللغات عبارة ~~تفهم من مبادي حقائقها شيئا ضعيفا جدا فاستعاروا لها اسم القدرة فتجاسرنا ~~بسبب استعارتهم على النطق فقلنا لله تعالى صفة هي القدرة عنها يصدر الخلق ~~والاختراع ثم الخلق ينقسم في الوجود إلى أقسام وخصوص صفات ومصدر انقسام هذه ~~الأقسام واختصاصها بخصوص صفاتها صفة أخرى استعير لها بمثل الضرورة التي ~~سبقت عبارة المشيئة فهي توهم منها أمرا محملا عند المتناطقين باللغات التي ~~هى حروف وأصوات المتفاهمين بها وقصور لفظ المشيئة عن الدلالة على كنه تلك ~~الصفة وحقيقتها كفصور لفظ القدر ثم انقسمت الأفعال الصادرة من القدرة إلى ~~ما ينساق إلى المنتهى الذي هو غاية حكمتها وإلى ما يقف دون الغاية وكان لكل ~~واحد نسبة إلى صفة المشيئة لرجوعها إلى الاختصاصات التي بها تتم القسمة ~~والاختلافات فاستعير لنسبة البالغ غايته عبارة المحبة واستعير لنسبة الواقف ~~دون غايته عبارة الكراهة وقيل إنهما جميعا داخلان في وصف المشيئة ولكن لكل ~~واحد خاصية أخرى في النسبة يوهم لفظ المحبة والكراهة منهما أمرا مجملا عند ~~طالبي الفهم من الألفاظ واللغات ثم انقسم عباده الذين هم أيضا ms2009 من خلقه ~~واختراعه إلى من سبقت له المشيئة الأزلية أن يستعمله لاستيقاف حكمته دون ~~غايتها ويكون ذلك قهرا في حقهم بتسليط الدواعي والبواعث عليهم وإلى من سبقت ~~لهم في الأزل أن يستعملهم لسياقة حكمته إلى غايتها في بعض الأمور فكان لكل ~~واحد من الفريقين نسبة إلى المشيئة خاصة فاستعير لنسبة المستعملين في إتمام ~~الحكمة بهم عبارة الرضا واستعير للذين استوقف بهم أسباب الحكمة دون غايتها ~~عبارة الغضب فظهر على من غضب عليه في الأزل فعل وقفت الحكمة به دون غايتها ~~فاستعير له الكفران وأردف ذلك بنقمة اللعن والمذمة زيادة في النكال وظهر ~~على من ارتضاه في الأزل فعل انساقت بسببه الحكمة إلى غايتها فاستعير له ~~عبارة الشكر وأردف بخلعة الثناء والإطراء زيادة في الرضا والقبول والإقبال ~~فكان الحاصل أنه تعالى أعطى الجمال ثم أثنى وأعطى النكال ثم قبح وأردى وكان ~~مثاله أن ينظف الملك عبده الوسخ عن أوساخه ثم يلبسه من محاسن ثيابه فإذا ~~تمم زينته قال يا جميل ما أجملك وأجمل ثيابك وأنظف وجهك فيكون بالحقيقة هو ~~المجمل وهو المثني على الجمال فهو المثني عليه بكل حال وكأنه لم يثني من ~~حيث المعنى إلا على نفسه وإنما العبد هدف الثناء من حيث الظاهر والصورة ~~فهكذا كانت الأمور فى الأزال وهكذا تتسلسل الأسباب والمسببات بتقدير رب ~~الأرباب ومسبب الأسباب ولم يكن ذلك على اتفاق وبحث بل عن إرادة وحكمة وحكم ~~حق وأمر جزم استعير له لفظ القضاء وقيل إنه كلمح بالبصر أو هو أقرب لفاضت ~~بحار المقادير بحكم ذلك القضاء الجزم بما سبق به التقدير فاستعير لترتب ~~آحاد المقدورات بعضها على بعض لفظ القدر فكان لفظ القضاء بإزاء الآمر ~~الواحد الكلي ولفظ القدر بإزاء التفصيل المتمادي إلى غير نهاية وقيل إن ~~شيئا من ذلك ليس خارجا عن القضاء والقدر فخطر لبعض العباد أن القسمة لماذا ~~اقتضت هذا التفصيل وكيف انتظم العدل مع هذا التفاوت والتفضيل وكان بعضهم ~~لقصوره لا يطيق ملاحظة كنه هذا الأمر والاحتواء على مجامعه فألجموا عما لم ms2010 ~~يطيقوا خوض غمرته بلجام المنع وقيل لهم اسكنوا فما لهذا خلقتم لا يسئل عما ~~يفعل وهم يسئلون وامتلأت مشكاة بعضهم نورا مقتبسا من نور الله تعالى في ~~السموات والأرض وكان زيتهم أولا صافيا يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار فمسته ~~نار فاشتعل نورا على نور فأشرقت أقطار الملكوت بين أيديهم بنور ربها ~~فأدركوا الأمور كلها كما هي عليه فقيل لهم تأدبوا بآداب الله تعالى واسكنوا ~~وإذا PageV04P096 # ذكر القدر فأمسكوا (1) فإن للحيطان آذانا وحواليكم ضعفاء الأبصار فسيروا ~~بسير أضعفكم ولا تكشفوا حجاب الشمس لأبصار الخفافيش فيكون ذلك سبب هلاكهم ~~فتخلقوا بأخلاق الله تعالى وانزلوا إلى سماء الدنيا من منتهى علوكم ليأنس ~~بكم الضعفاء ويقتبسوا من بقايا أنواركم المشرقة من وراء حجابكم كما يقتبس ~~الخفافيش من بقايا نور الشمس والكواكب في جنح الليل فيحيا به حياة يحتملها ~~شخصه وحاله وإن كان لا يحيا به حياة المترددين في كمال نور الشمس وكونوا ~~كمن قيل فيهم # شربنا شرابا طيبا عند طيب ... كذلك شراب الطيبين يطيب # شربنا وأهرقنا على الأرض فضله ... وللأرض من كأس الكرام نصيب # فهكذا كان أول هذا الأمر وآخره ولا تفهمه إلا إذا كنت أهلا له وإذا كنت ~~أهلا له فتحت العين وأبصرت فلا تحتاج إلى قائد يقودك والأعمى يمكن أن يقاد ~~ولكن حد ما فإذا ضاق الطريق وصار أحد من السيف وأدق من الشعر قدر الطائر ~~على أن يطير عليه ولم يقدر على أن يستجر وراءه أعمى وإذا دق المجال ولطف ~~لطف الماء مثلا ولم يكن العبور إلا بالسباحة فقد يقدر الماهر بصنعة السباحة ~~أن يعبر بنفسه وربما لم يقدر على أن يستجر وراءه آخر فهذه أمور نسبة السير ~~عليها إلى السير على ما هو بحال جماهير الخلق كنسبة المشي على الماء إلى ~~المشي على الأرض والسباحة يمكن أن تتعلم فأما المشي على الماء فلا يكتسب ~~بالتعليم بل ينال بقوة اليقين ولذلك قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أن عيسى ~~عليه السلام يقال أنه مشى على الماء فقال صلى الله عليه ms2011 وسلم لو ازداد ~~يقينا لمشي على الهواء // حديث قيل له يقال إن عيسى مشى على الماء قال لو ~~ازداد يقينا لمشي على الهواء هذا حديث منكر لا يعرف هكذا والمعروف رواه ابن ~~أبى الدنيا فى كتاب اليقين من قول بكر بن عبد الله المزنى قال فقد ~~الحواريون نبيهم فقيل لهم توجه نحو البحر فانطلقوا يطلبونه فلما انتهو إلى ~~البحر إذا هو قد أقبل يمشى على الماء فذكر حديثا فيه أن عيسى قال لو أن ~~لابن آدم من اليقين شعره مشى على الماء وروى أبو منصور الديلمى فى مسند ~~الفردوس بسند ضعيف من حديث معاذ بن جبل لو عرفتم الله حق معرفته لمشيتم على ~~البحور ولزالت بدعائكم الجبال فهذه رموز وإشارات إلى معنى الكراهة والمحبة ~~والرضا والغضب والشكر والكفران لا يليق بعلم المعاملة أكثر منها وقد ضرب ~~الله تعالى مثلا لذلك تقريبا إلى أفهام الخلق إذ عرف أنه ما خلق الجن ~~والإنس إلا ليعبدوه فكانت عبادتهم غاية الحكمة في حقهم ثم أخبر أن له عبدين ~~يحب أحدهما واسمه جبريل وروح القدس والأمين وهو عنده محبوب مطاع أمين مكين ~~ويبغض الآخر واسمه إبليس وهو اللعين المنظر إلى يوم الدين ثم أحال الإرشاد ~~إلى جبريل فقال تعالى {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} وقال تعالى {يلقي ~~الروح من أمره على من يشاء من عباده} وأحال الإغواء على إبليس فقال تعالى ~~{ليضل عن سبيله} والإغواء هو استيقاف العباد دون بلوغ غاية الحكمة فانظر ~~كيف نسبه إلى العبد الذي غضب عليه والإرشاد سياقه لهم إلى الغاية فانظر كيف ~~نسبه إلى العبد الذي أحبه وعندك في العادة له مثال فالملك إذا كان محتاجا ~~إلى من يسقيه الشراب وإلى من يحجمه وينظف فناء منزله عن القاذورات وكان له ~~عبدان فلا يعين للحجامة والتنظيف إلا أقبحهما وأخسهما ولا يفوض حمل الشراب ~~والطيب إلا إلى أحسنهما وأكملهما وأحبهما إليه ولا ينبغي أن تقول هذا فعلي ~~ولم يكون فعله دون فعلي فإنك أخطات إذ أضفت ذلك إلى نفسك بل ms2012 هو الذي صرف ~~داعيتك لتخصيص الفعل المكروه بالشخص المكروه والفعل المحبوب بالشخص المحبوب ~~إتماما للعدل فإن عدله تارة يتم بأمور لا مدخل لك فيها وتارة يتم فيك فإنك ~~أيضا من أفعاله فداعيتك وقدرتك وعلمك وعملك وسائر أسباب PageV04P097 # حركاتك في التعبير هو فعله الذي رتبه بالعدل ترتيبا تصدر منه الأفعال ~~المعتدلة إلا أنك لا ترى إلا نفسك فتظن أن ما يظهر عليك في عالم الشهادة ~~ليس له سبب من عالم الغيب والملكوت فلذلك تضيفه إلى نفسك وإنما أنت مثل ~~الصبي الذي ينظر ليلا إلى لعب المشعبذ الذي يخرج صورا من وراء حجاب ترقص ~~وتزعق وتقوم وتقعد وهي مؤلفة من خرق لا تتحرك بأنفسها وإنما تحركها خيوط ~~شعرية دقيقة لا تظهر فى ظلام الليل ورءوسها في يد المشعبذ وهو محتجب عن ~~أبصار الصبيان فيفرحون ويتعجبون لظنهم أن تلك الخرق ترقص وتلعب وتقوم وتقعد ~~وأما العقلاء فإنهم يعلمون أن ذلك تحريك وليس بتحريك ولكنهم ربما لا يعلمون ~~كيف تفصيله والذي يعلم بعض تفصيله لا يعلمه كما يعلمه المشعبذ الذي الأمر ~~إليه والجاذبة بيده فكذلك صبيان أهل الدنيا والخلق كلهم صبيان بالنسبة إلى ~~العلماء ينظرون إلى هذه الأشخاص فيظنون أنها المتحركة فيحيلون عليها ~~والعلماء يعلمون أنهم محركون إلا أنهم لا يعرفون كيفية التحريك وهم ~~الأكثرون إلا العارفون والعلماء والراسخون فإنهم أدركوا بحدة أبصارهم خيوطا ~~دقيقة عنكبوتية بل أدق منها بكثير معلقة من السماء متشبثة الأطراف بأشخاص ~~أهل الأرض لا تدرك تلك الخيوط لدقتها بهذه الأبصار الظاهرة ثم شاهدوا رءوس ~~تلك الخيوط في مناطات لها هي معلقة بها وشاهدوا لتلك المناطات مقابض هي في ~~أيدي الملائكة المحركين للسموات وشاهدوا أيضا ملائكة السموات مصروفة إلى ~~حملة العرش ينتظرون منهم ما ينزل عليهم من الأمر من حضرة الربوبية كي لا ~~يعصوا الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وعبر عن هذه المشاهدات في القرآن ~~وقيل {وفي السماء رزقكم وما توعدون} وعبر عن انتظار ملائكة السموات لما ~~ينزل إليهم من القدر والأمر فقيل خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ms2013 يتنزل ~~الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء ~~علما وهذه أمور لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم وعبر ابن عباس ~~رضي الله عنهما عن اختصاص الراسخين في العلم بعلوم لا تحتملها أفهام الخلق ~~حيث قرأ قوله تعالى {يتنزل الأمر بينهن} فقال لو ذكرت ما أعرفه من معنى هذه ~~الآية لرجمتموني وفي لفظ آخر لقلتم إنه كافر # ولنقتصر على هذا القدر فقد خرج عنان الكلام عن قبضة الاختيار وامتزج بعلم ~~المعاملة ما ليس منه فلنرجع إلى مقاصد الشكر فنقول إذا رجع حقيقة الشكر إلى ~~كون العبد مستعملا في إتمام حكمة الله تعالى فأشكر العباد أحبهم إلى الله ~~وأقربهم إليه وأقربهم إلى الله الملائكة ولهم أيضا ترتيب وما منهم إلا وله ~~مقام معلوم وأعلاهم في رتبة القرب ملك اسمه إسرافيل عليه السلام وإنما علو ~~درجتهم لأنهم في أنفسهم كرام بررة وقد أصلح الله تعالى بهم الأنبياء عليهم ~~السلام وهم أشرف مخلوق على وجه الأرض ويلي درجتهم درجة الأنبياء فإنهم في ~~أنفسهم أخيار وقد هدى الله بهم سائر الخلق وتمم بهم حكمته وأعلاهم رتبة ~~نبينا صلى الله عليه وسلم وعليهم إذا أكمل الله به الدين وختم به النبيين ~~ويليهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء فإنهم في أنفسهم صالحون وقد أصلح ~~الله بهم سائر الخلق ودرجة كل واحد منهم بقدر ما أصلح من نفسه ومن غيره ثم ~~يليهم السلاطين بالعدل لأنهم أصلحوا دنيا الخلق كما أصلح العلماء دينهم ~~ولأجل اجتماع الدين والملك والسلطنة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان ~~أفضل من سائر الأنبياء فإنه أكمل الله به صلاح دينهم ودنياهم ولم يكن السيف ~~والملك لغيره من الأنبياء ثم يلي العلماء والسلاطين الصالحون الذين أصلحوا ~~دينهم ونفوسهم فقط فلم تتم حكمة الله بهم بل فيهم ومن عدا هؤلاء فهمج رعاع PageV04P098 # واعلم أن السلطان به قوام الدين فلا ينبغي أن يستحقر وإن كان ظالما فاسقا ~~قال عمرو بن العاص رحمه الله إمام غشوم خير من ms2014 فتنة تدوم وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم سيكون عليكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون ويفسدون وما يصلح ~~الله بهم أكثر فإن أحسنوا فلهم الأجر وعليكم الشكر وإن أساءوا فعليهم الوزر ~~وعليكم الصبر // حديث سيكون عليكم أمراء يفسدون وما يصلح الله بهم أكثر ~~الحديث أخرجه مسلم من حديث أم سلمة يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون ~~ورواه الترمذى بلفظ سيكون عليكم أئمة وقال حسن صحيح وللبزار بسند ضعيف من ~~حديث ابن عمر السلطان ظل الله فى الأرض يأوى اليه كل مظلوم من عبادة فإن ~~عدل كان له الأجر وكان على الرعية الشكر وإن جار أو حاف أو ظلم كان عليه ~~الوزر وعلى الرعية الصبر وأما قوله وما يصلح الله بهم أكثر فلم أجده بهذا ~~اللفظ إلا أنه يؤخذ من حديث ابن مسعود حين فزع إليه الناس لما أنكروا سيرة ~~الوليد بن عقبة فقال عبد الله اصبروا فإن جور إمامكم خمسين سنة خير من هرج ~~شهر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكر حديثا فيه والإمارة ~~الفاجرة خير من الهرج رواه الطبرانى فى الكبير بإسناد لا بأس به وقال سهل ~~من أنكر إمامة السلطان فهو زنديق ومن دعاه السلطان فلم يجب فهو مبتدع ومن ~~أتاه من غير دعوة فهو جاهل وسئل أي الناس خير فقال السلطان فقيل كنا نرى أن ~~شر الناس السلطان فقال مهلا إن لله تعالى له كل يوم نظرتين نظرة إلى سلامة ~~أموال المسلمين ونظرة إلى سلامة أبدانهم فيطلع في صحيفته فيغفر له جميع ~~ذنبه وكان يقول الخشبات السود المعلقة على أبوابهم خير من سبعين قاصا يقصون ### |||| الركن الثاني من أركان الشكر ما عليه الشكر # وهو النعمة فلنذكر فيه حقيقة النعمة وأقسامها ودرجاتها وأصنافها ومجامعها ~~فيما يخص ويعم فإن إحصاء نعم الله على عباده خارج عن مقدور البشر كما قال ~~تعالى {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} فنقدم أمورا كلية تجري مجرى ~~القوانين في معرفة النعم ثم نشتغل بذكر الآحاد والله الموفق للصواب ### ||||| بيان حقيقة النعمة وأقسامها ms2015 # اعلم أن كل خير ولذة وسعادة بل كل مطلوب ومؤثر فإنه يسمى نعمة ولكن ~~النعمة بالحقيقة هي السعادة الأخروية وتسمية ما سواها نعمة وسعادة إما غلط ~~وإما مجاز كتسمية السعادة الدنيوية التي لا تعين على الآخرة نعمة فإن ذلك ~~غلط محض وقد يكون اسم النعمة للشى صدقا ولكن يكون إطلاقه على السعادة ~~الأخروية أصدق فكل سبب يوصل إلى سعادة الآخرة ويعين عليها إما بوسطة واحدة ~~أو بوسائط فإن تسمية نعمة صحيحة وصدق لأجل أنه يفضي إلى النعمة الحقيقية # والأسباب المعينة واللذات المسماة نعمة نشرحها بتقسيمات القسمة الأولى أن ~~الأمور كلها بالإضافة إلينا تنقسم إلى ما هو نافع في الدنيا والآخرة جميعا ~~كالعلم وحسن الخلق وإلى ما هو ضار فيهما جميعا كالجهل وسوء الخلق وإلى ما ~~ينفع في الحال المضر في المآل كالتلذذ باتباع الشهوة وإلى ما يضر في الحال ~~ويؤلم ولكن ينفع في المآل كقمع الشهوات ومخالفة النفس فالنافع في الحال ~~والمآل هو النعمة تحقيقا كالعلم وحسن الخلق والضار فيهما هو البلاء تحقيقا ~~وهو ضدهما والنافع في الحال في المآل بلاء محض عند ذوي البصائر وتظنه ~~الجهال نعمة ومثاله الجائع إذا وجد عسلا فيه سم فإنه يعده نعمة إن كان ~~جاهلا وإذا علمه علم أن ذلك بلاء سيق إليه والضار في الحال النافع في المآل ~~نعمة عند ذوي الألباب بلاء عند الجهال ومثاله الدواء البشع في الحال مذاقه ~~إلا أنه شاف من الأمراض والأسقام وجالب للصحة والسلامة فالصبي الجاهل إذا ~~كلف شربه ظنه بلاء والعاقل يعده نعمة ويتقلد المنة ممن يهديه إليه ويقربه ~~منه ويهيىء له أسبابه فلذلك تمنع الأم ولدها من الحجامة والأب يدعوه إليها ~~فإن الأب لكمال عقله يلمح العاقبة والأم لفرط حبها وقصورها تلحظ الحال ~~والصبي لجهله يتقلد منة من أمه دون أبيه PageV04P099 # ويأنس إليها وإلى شفقتها ويقدر الآب عدو له ولو عقل لعلم أن الأم عدوا ~~باطنا فى سورة صديق لأن منعها إياه من الحجامة يسوقه إلى أمراض وآلام أشد ~~من الحجامة ولكن الصديق الجاهل شر ms2016 من العدو العاقل وكل إنسان فإنه صديق ~~نفسه ولكنه صديق جاهل فلذلك تعمل به مالا يعمل به العدو # قسمة ثانية اعلم أن كل الأسباب الدنيوية مختلطة قد امتزج خيرها بشرها ~~فقلما يصفو خيرها كالمال والأهل والولد والأقارب والجاه وسائر الأسباب ولكن ~~تنقسم إلى ما نفعه أكثر من ضره كقدر الكفاية من المال والجاه وسائر الأسباب ~~وإلى ما ضره أكثر من نفعه في حق أكثر الأشخاص كالمال الكثير والجاه الواسع ~~وإلى ما يكافىء ضرور نفعه وهذه أمور تختلف بالأشخاص فرب إنسان صالح ينتفع ~~بالمال الصالح وإن كثر فينفقه في سبيل الله ويصرفه إلى الخيرات فهو مع هذه ~~التوفيق نعمة في حقه ورب إنسان يستضر بالقليل أيضا إذ لا يزال مستصغرا له ~~شاكيا من ربه طالبا للزيادة عليه فيكون ذلك مع هذا الخذلان بلاء في حقه # قسمة ثالثة اعلم أن الخيرات باعتبار آخر تنقسم إلى ما هو مؤثر لذاته لا ~~لغيره وإلى مؤثر لغيره وإلى مؤثر لذاته ولغيره فالأول ما يؤثر لذاته لا ~~لغيره كلذة النظر إلى وجه الله تعالى وسعادة لقائه وبالجملة سعادة الأخرى ~~التي لا انقضاء لها فإنها لا تطلب ليتوصل بها إلى غاية أخرى مقصودة وراءها ~~بل تطلب لذاتها الثاني ما يقصد لغيره ولا غرض أصلا في ذاته كالدراهم ~~والدنانير فإن الحاجة لو كانت لا تنقضى بها فكانت هي والحصباء بمثابة واحدة ~~ولكن لما كانت وسيلة إلى اللذات سريعة الإيصال إليها صارت عند الجهال ~~محبوبة في نفسها حتى يجمعوها ويكنزوها ويتصارفوا عليها بالربا ويظنون أنها ~~مقصودة ومثال هؤلاء مثال من يحب شخصا فيحب بسببه رسوله الذي يجمع بينه ~~وبينه ثم ينسى في محبة الرسول محبة الأصل فيعرض عنه طول عمره ولا يزال ~~مشغولا بتعهد الرسول ومراعاته وتفقده وهو غاية الجهل والضلال الثالث ما ~~يقصد لذاته ولغيره كالصحة والسلامة فإنها تقصد ليقدر بسببها على الذكر ~~والفكر الموصلين إلى لقاء الله تعالى أو ليتوصل بها إلى استيفاء لذات ~~الدنيا وتقصد أيضا لذاتها فإن الإنسان وإن استغنى عن الشيء الذي تراد سلامة ms2017 ~~الرجل لأجله فيريد أيضا سلامة الرجل من حيث إنها سلامة فإذن المؤثر لذاته ~~فقط هو الخير والنعمة تحقيقا وما يؤثر لذاته ولغيره أيضا فهو نعمة ولكن دون ~~الأول فأما مالا يؤثر إلا لغيره كالنقدين فلا يوصفان أنفسهما من حيث إنهما ~~جوهران بأنهما نعمة بل من حيث هما وسيلتان فيكونان نعمة في حق من يقصد أمر ~~ليس يمكنه أن يتوصل إليه إلا بهما فلو كان مقصده العلم والعبادة ومعه ~~الكفاية التي هي ضرورة حياته استوى عند الذهب والمدر فكان وجودهما وعدمهما ~~عنده بمثابة واحدة بل ربما شغله وجودهما عن الفكر والعبادة فيكونان بلاء في ~~حقه ولا يكونان نعمة # قسمة رابعة اعلم أن الخيرات باعتبار آخر تنقسم إلى نافع ولذيذ وجميل ~~فاللذيذ هو الذي تدرك راحته في الحال والنافع هو الذي يفيد في المآل ~~والجميل هو الذي يستحسن في سائر الأحوال والشرور أيضا تنقسم إلى ضار وقبيح ~~ومؤلم وكل واحد من القسمين ضربان مطلق ومقيد فالمطلق هو الذي اجتمع فيه ~~الأوصاف الثلاثة أما في الخير فكالعلم والحكمة فإنها نافعة وجميلة ولذيذة ~~عند أهل العلم والحكمة وأما في الشر فكالجهل فإنه ضار وقبيح ومؤلم وإنما ~~يحس الجاهل بألم جهله إذا عرف أنه جاهل وذلك بأن يرى غيره عالما ويرى نفسه ~~جاهلا فيدرك ألم النقص فتنبعث منه شهوة العلم اللذيذة ثم قد يمنع الحسد ~~والكبر والشهوات البدنية عن التعلم فيتجاذبه متضادان فيعظم ألمه فإنه إن ~~ترك التعلم تألم بالجهل ودرك النقصان وإن اشتغل بالتعلم تألم بترك الشهوات ~~أو بترك PageV04P100 # الكبر وذل التعلم ومثل هذا الشخص لا يزال في عذاب دائم لا محالة الضرب ~~الثاني المقيد وهو الذي جمع بعض هذه الأوصاف دون بعض فرب نافع مؤلم كقطع ~~الإصبع المتآكلة والسلعة الخارجة من البدن ورب نافع قبيح كالحمق فإنه ~~بالإضافة إلى بعض الأحوال نافع فقد قيل استراح من لا عقل له فإنه لا يتهم ~~بالعاقبة فيستريح في الحال إلى أن يحين وقت هلاكه ورب نافع من وجه ضار من ~~وجه كإلقاء المال في البحر عند ms2018 خوف الغرق فإنه ضار للمال نافع للنفس في ~~نجاتها # والنافع قسمان ضروري كالإيمان وحسن الخلق في الإيصال إلى سعادة الآخرة ~~وأعني بهما العلم والعمل إذ لا يقوم مقامهما البتة غيرهما وإلى ما لا يكون ~~ضروريا كالسكنجبين مثلا في تسكين الصفراء فإنه قد يمكن تسكينها أيضا بما ~~يقوم مقامه # قسمة خامسة اعلم أن النعمة يعبر بها عن كل لذيذ واللذات بالإضافة إلى ~~الإنسان من حيث اختصاصه بها أو مشاركته لغيره ثلاثة أنواع عقلية وبدنية ~~مشتركة مع بعض الحيوانات وبدنية مشتركة مع جميع الحيوانات أما العقلية ~~فكلذة العلم والحكمة إذ ليس يستلذها السمع والبصر والشم والذوق ولا البطن ~~ولا الفرج وإنما يستلذها القلب لاختصاصه بصفة يعبر عنها بالعقل وهذه أقل ~~اللذات وجودا وهي أشرفها أما قلتها فلأن العلم لا يستلذه إلا عالم والحكمة ~~لا يستلذها إلا حكيم وما أقل أهل العلم والحكمة وما أكثر المتسمين باسمهم ~~والمترسمين برسومهم وأما شرفها فلأنها لازمة لا تزول أبدا لا في الدنيا ولا ~~في الآخرة ودائمة لا تمل فالطعام يشبع منه فيمل وشهوة الوقاع يفرغ منها ~~فتستثقل والعلم والحكمة قط لا يتصور أن تمل وتستثقل ومن قدر على الشريف ~~الباقي أبد الآباد إذا رضي بالخسيس الفاني في أقرب الآماد فهو مصاب في عقله ~~محروم لشقاوته وإدباره وأقل أمر فيه أن العلم والعقل لا يحتاج إلى أعوان ~~وحفظة بخلاف المال إذ العلم يحرسك وأنت تحرس المال والعلم يزيد بالإنفاق ~~والمال ينقص بالإنفاق والمال يسرق والولاية يعزل عنها والعلم لا تمتد إليه ~~أيدي السراق بالأخذ ولا أيدي السلاطين بالعزل فيكون صاحبه في روح الأمن ~~أبدا وصاحب المال والجاه في كرب الخوف أبدا ثم العلم نافع ولذيذ وجميل في ~~كل حال أبدا والمال تارة يجذب إلى الهلاك وتارة يجذب إلى النجاة ولذلك ذم ~~الله تعالى المال في القرآن في مواضع وإن سماه خيرا في مواضع وأما قصور ~~أكثر الخلق عن إدراك لذة العلم فإما لعدم الذوق فمن لم يذق لم يعرف ولم ~~يشتق إذ الشوق تبع الذوق وإما لفساد ms2019 أمزجتهم ومرض قلوبهم بسبب إتباع ~~الشهوات كالمريض الذي لا يدرك حلاوة العسل ويراه مرا وإما لقصور فطنتهم إذ ~~لم تخلق لهم بعد الصفة التي بها يستلذ العلم كالطفل الرضيع الذي لا يدرك ~~لذة العسل والطيور السمان ولا يستلذ إلا اللبن وذلك لا يدل على أنها ليست ~~لذيذة ولا استطابته اللبن تدل على أنه ألذ الأشياء فالقاصرون عزدرك لذة ~~العلم والحكمة ثلاثة إما من لم يحي باطنه كالطفل وإما من مات بعد الحياة ~~بإتباع الشهوات وإما من مرض بسبب إتباع الشهوات وقوله تعالى {في قلوبهم ~~مرض} إشارة إلى مرض العقول وقوله عز وجل {لينذر من كان حيا} إشارة إلى من ~~لم يحى حياة باطنة وكل حي بالبدن ميت بالقلب فهو عند الله من الموتى وإن ~~كان عند الجهال من الأحياء ولذلك كان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فرحين ~~وإن كانوا موتى بالأبدان الثانية لذة يشارك الإنسان فيها بعض الحيوانات ~~كلذة الرياسة والغلبة والاستيلاء وذلك موجود في الأسد والنمر وبعض ~~الحيوانات الثالثة ما يشارك فيها سائر الحيوانات كلذة البطن والفرج وهذه ~~أكثرها وجودا وهي أخسها ولذلك اشترك فيها كل ودرج حتى الديدان والحشرات ومن ~~جاوز هذه الرتبة تشبثت به لذة الغلبة وهو PageV04P101 # أشدها التصاقا بالمتغافلين فإن جاوز ذلك ارتقى إلى الثالثة فصار أغلب ~~اللذات عليه لذة العلم والحكمة لا سيما لذة معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته ~~وأفعاله وهذه رتبة الصديقين ولا ينال تمامها إلا بخروج استيلاء حب الرياسة ~~من القلب وآخر ما يخرج من رءوس الصديقين حب الرياسة وأما شره البطن والفرج ~~فكسره مما يقوى عليه الصالحون وشهوة الرياسة لا يقوى على كسرها إلا ~~الصديقون فأما قمعها بالكلية حتى لا يقع بها الإحساس على الدوام وفي اختلاف ~~الأحوال فيشبه أن يكون خارجا عن مقدور البشر نعم تغلب لذة معرفة الله تعالى ~~في أحوال لا يقع معها الإحساس بلذة الرياسة والغلبة ولكن ذلك لا يدوم طول ~~العمر بل تعتريه الفترات فتعود إلى الصفات البشرية فتكون موجودة ولكن تكون ~~مقهورة لا تقوى على حمل ms2020 النفس على العدول عن العدل وعند هذا تنقسم القلوب ~~إلى أربعة أقسام قلب لا يحب إلا الله تعالى ولا يستريح إلا بزيادة المعرفة ~~به والفكر فيه وقلب لا يدري ما لذة المعرفة وما معنى الأنس بالله وإنما ~~لذته بالجاه والرياسة والمال وسائر الشهوات البدنية وقلب أغلب أحواله الأنس ~~بالله سبحانه والتلذذ بمعرفته والفكر فيه ولكن قد يعتريه في بعض الأحوال ~~الرجوع إلى أوصاف البشرية وقلب أغلب أحواله التلذذ بالصفات البشرية ويعتريه ~~في بعض الأحوال تلذذ بالعلم والمعرفة أما الأول فإن كان ممكنا في الوجود ~~فهو في غاية البعد وأما الثاني فالدنيا طافحة به وأما الثالث والرابع ~~فموجودان ولكن على غاية الندور ولا يتصور أن يكون ذلك نادرا شاذا وهو مع ~~الندور يتفاوت في القلة والكثرة وإنما تكون كثرته في الأعصار القريبة من ~~أعصار الأنبياء عليهم السلام فلا يزال يزداد العهد طولا وتزداد مثل هذه ~~القلوب قلة إلى أن تقرب الساعة ويقضي الله أمرا كان مفعولا وإنما وجب أن ~~يكون هذا نادرا لأنه مبادي ملك الآخرة والملك عزيز والملوك لا يكثرون فكما ~~لا يكون الفائق في الملك والجمال إلا نادرا وأكثر الناس من دونهم فكذا في ~~ملك الآخرة فإن الدنيا مرآة الآخرة فإنها عبارة عن عالم الشهادة والآخرة ~~عبارة عن عالم الغيب وعالم الشهادة تابع لعالم الغيب كما أن الصورة في ~~المرآة تابعة لصورة الناظر في المرآة والصورة في المرآة وإن كانت هي ~~الثانية في رتبة الوجود فإنها أولى في حق رؤيتك فإنك لا ترى نفسك وترى ~~صورتك في المرآة أولا فتعرف بها صورتك التي هي قائمة بك ثانيا على سبيل ~~المحاكاة فالقلب التابع في الوجود متبوعا في حق المعرفة والقلب المتأخر ~~متقدما وهذا نوع من الانعكاس ولكن الانعكاس والانتكاس ضرورة هذا العالم ~~فكذلك عالم الملك والشهادة محاك لعالم الغيب والملكوت فمن الناس من يسر له ~~نظر الاعتبار فلا ينظر في شيء من عالم الملك إلا ويعبر به إلى عالم الملكوت ~~فيسمى عبوره عبرة وقد أمر الحق به فقال {فاعتبروا يا ms2021 أولي الأبصار} ومنهم ~~من عميت بصيرته فلم يعتبر فاحتبس في عالم الملك والشهادة وستنفتح إلى حبسه ~~أبواب جهنم وهذا الحبس مملوء نارا من شأنها أن تطلع على الأفئدة إلا أن ~~بينه وبين إدراك المها حجابا فإذا رفع ذلك الحجاب بالموت أدرك وعن هذا أظهر ~~الله تعالى الحق على لسان قوم استنطقهم بالحق فقالوا الجنة والنار مخلوقتان ~~ولكن الجحيم تدرك مرة بإدراك يسمى علم اليقين ومرة بإدراك آخر يسمى عين ~~اليقين وعين اليقين لا يكون إلا في الآخرة وعلم اليقين قد يكون في الدنيا ~~ولكن للذين قد وفوا حظهم من نور اليقين فلذلك قال الله تعالى {كلا لو ~~تعلمون علم اليقين لترون الجحيم} أي في الدنيا {ثم لترونها عين اليقين} أي ~~في الآخرة فإذن قد ظهر أن القلب الصالح لملك الآخرة لا يكون إلا عزيزا ~~كالشخص الصالح لملك الدنيا # قسمة سادسة حاوية لمجامع النعم اعلم أن النعم تنقسم إلى ما هي غاية ~~مطلوبة لذاتها وإلى ما هي مطلوبة لأجل PageV04P102 # الغاية أم الغاية فإنها سعادة الآخرة ويرجع حاصلها إلى أربعة أمور بقاء ~~لا فناء له وسرور لا غم فيه وعلم لا جهل معه وغنى لا فقر بعده وهي النعمة ~~الحقيقية ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عيش إلا عيش الآخرة ~~(1) وقال ذلك في الشدة تسلية النفس وذلك في وقت حفر الخندق في شدة الضر ~~وقال ذلك مرة في السرور منعا للنفس من الركون إلى سرور الدنيا وذلك عند ~~إحداق الناس به في حجة الوداع حديث قوله في حجة الوداع لا عيش إلا عيشة ~~الآخرة رواه الشافعي مرسلا والحاكم متصلا وصححه وتقدم في الحج وقال رجل ~~اللهم إني أسألك تمام النعمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهل تعلم ما ~~تمام النعمة قال لا قال تمام النعمة دخول الجنة حديث قال رجل اللهم إني ~~أسألك تمام النعمة الحديث (2) أما الوسائل فتنقسم إلى الأقرب الأخص كفضائل ~~النفس وإلى ما يليه في القرب كفضائل البدن وهو الثاني وإلى ما يليه في ~~القرب ms2022 ويجاوز إلى غير البدن كالأسباب المطيفة بالبدن من المال والأهل ~~والعشيرة وإلى ما يجمع بين هذه الأسباب الخارجة عن النفس وبين الحاصلة ~~للنفس كالتوفيق والهداية فهي إذن أربعة أنواع النوع الأول وهو الأخص ~~الفضائل النفسية ويرجع حاصلها مع انشعاب أطرافها إلى الإيمان وحسن الخلق ~~وينقسم الإيمان إلى علم المكاشفة وهو العلم بالله تعالى وصفاته وملائكته ~~ورسله وإلى علوم المعاملة وحسن الخلق ينقسم إلى قسمين ترك مقتضى الشهوات ~~والغضب واسمه العفة ومراعاة العدل في الكف عن مقتضى الشهوات والإقدام حتى ~~لا يمتنع أصلا ولا يقدم كيف شاء بل يكون إقدامه وإحجامه بالميزان العدل ~~الذي أنزله الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم إذ قال الله ~~تعالى إن لا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان فمن ~~خصي نفسه ليزيل شهوة النكاح أو ترك النكاح مع القدرة والأمن من الآفات أو ~~ترك الأكل حتى ضعف عن العبادة والذكر والفكر فقد أخسر الميزان ومن انهمك في ~~شهوة البطن والفرج فقد طغى في الميزان وإنما العدل أن يخلو وزنه وتقديره عن ~~الطغيان والخسران فتعتدل به كفتا الميزان فإذن الفضائل الخاصة بالنفس ~~المقربة إلى الله تعالى أربعة علم مكاشفة وعلم معاملة وعفة وعدالة ولا يتم ~~هذا في غالب الأمر إلا بالنوع الثاني وهو الفضائل البدنية وهي أربعة الصحة ~~والقوة والجمال وطول العمر ولا تتهيأ هذه الأمور الأربعة إلا بالنوع الثالث ~~وهي النعم الخارجة المطيفة بالبدن وهي أربعة المال والأهل والجاه وكرم ~~العشيرة ولا ينتفع بشيء من هذه الأسباب الخارجة والبدنية إلا بالنوع الرابع ~~وهي الأسباب التي تجمع بينها وبين ما يناسب الفضائل النفسية الداخلة وهي ~~أربعة هداية الله ورشده وتسديده وتأييده فمجموع هذه النعم ستة عشر إذا ~~قسمناها إلى أربعة وقسمنا كل واحدة من الأربعة إلى أربعة وهذه الجملة يحتاج ~~البعض منها إلى البعض إما حاجة ضرورية أو نافعة أم الحاجة الضرورية فكحاجة ~~سعادة الآخرة إلى الإيمان وحسن الخلق إذ لا سبيل إلى الوصول إلى سعادة ~~الآخرة البتة إلا بهما فليس ms2023 للإنسان إلا ما سعى وليس لأحد في الآخرة إلا ما ~~تزود من الدنيا فكذلك حاجة الفضائل النفسية التي تكسب هذه العلوم وتهذب ~~الأخلاق إلى صحة البدن ضروري وأما الحاجة النافعة على الجملة فكحاجة هذه ~~النعم النفسية والبدنية إلى النعم الخارجة مثل المال والعز والأهل فإن ذلك ~~لو عدم ربما تطرق الخلل إلى بعض النعم الداخلة # فإن قلت فما وجه الحاجة لطريق الآخرة إلى النعم الخارجة من المال والأهل ~~والجاه والعشيرة فاعلم أن هذه الأسباب جارية مجرى الجناح المبلغ والآلة ~~المسهلة للمقصود أما المال فالفقير في طلب العلم والكمال وليس PageV04P103 # له كفاية كساع إلى الهيجا بغير سلاح وكبازي يروم الصيد بلا جناح ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم نعم المال الصالح للرجل الصالح وقال صلى الله عليه ~~وسلم نعم العون على تقوى الله المال 2 وكيف لا ومن عدم المال صار مستغرق ~~الأوقات في طلب الأقوات وفي تهيئة اللباس والمسكن وضرورات المعيشة ثم يتعرض ~~لأنواع من الأذى تشغله عن الذكر والفكر ولا تندفع إلا بسلاح المال ثم ذلك ~~يحرم عن فضيلة الحج والزكاة والصدقات وإفاضة الخيرات # وقال بعض الحكماء وقد قيل له ما النعيم فقال الغنى فإني رأيت الفقير لا ~~عيش له قيل زدنا قال الأمن فإني رأيت الخائف لا عيش له قيل زدنا قال ~~العافية فإني رأيت المريض لا عيش له قيل زدنا قال الشباب فإني رأيت الهرم ~~لا عيش له وكأن ما ذكره إشارة إلى نعيم الدنيا ولكن من حيث إنه معين على ~~الآخرة فهو نعمة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم من أصبح معافى بدنه آمنا في ~~سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها (1) وقال صلى الله ~~عليه وسلم في الولد إذا مات العبد انقطع عمله إلا في ثلاث ولد صالح يدعو له ~~الحديث حديث إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث الحديث أخرجه مسلم من ~~حديث أبي هريرة وتقدم في النكاح وقد ذكرنا فوائد الأهل والولد في كناب ~~النكاح وأما الأقارب # فهما كثر أولاد ms2024 الرجل وأقاربه كانوا له مثل الأعين والأيدي فيتيسر له ~~بسببهم من الأمور الدنيوية المهمة في دينه ما لمو انفرد به لطال شغله وكل ~~ما يفرغ قلبك من ضرورات الدنيا فهو معين لك على الدين فهو إذن نعمة وأما ~~العز والجاه فبه يدفع الإنسان عن نفسه الذل والضيم ولا يستغني عنه مسلم ~~فإنه لا ينفك عن عدو يؤذيه وظالم يشوش عليه علمه وعمله وفراغه ويشغل قلبه ~~وقلبه رأس ماله وإنما تندفع هذه الشواغل بالعز والجاه ولذلك قيل الدين ~~والسلطان توأمان قال تعالى {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} ~~ولا معنى للجاه إلا ملك القلوب كما لا معنى للغنى إلا ملك الدراهم ومن ملك ~~الدراهم تسخرت له أرباب القلوب لدفع الأذى عنه فكما يحتاج إلى سقف يدفع عنه ~~المطر وجبة تدفع عنه البرد وكلب يدفع الذئب عن ماشيته فيحتاج أيضا إلى من ~~يدفع الشر به عن نفسه وعلى هذا القصد كان الأنبياء الذين لا ملك لهم ولا ~~سلطنة يراعون السلاطين ويطلبون عندهم الجاه وكذلك علماء الدين لا على القصد ~~التناول من خزائنهم والاستئثار والاستكثار في الدنيا بمتابعتهم ولا تظن أن ~~نعمة الله تعالى على صلى الله عليه وسلم حيث نصره وأكمل دينه وأظهره على ~~جميع أعدائه ومكن في القلوب حبه حتى اتسع به عزه وجاهه كانت أقل من نعمته ~~عليه حيث كان يؤذي ويضرب حتى افتقر إلى الهرب والهجرة // حديث ما ناله صلى ~~الله عليه وسلم من الأذى ونحوه حتى افتقر إلى الهرب والهجرة رواه البخاري ~~ومسلم من حديث عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم ~~أشد من يوم أحد قال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت يوم العقبة إذ عرضت ~~نفسي على ابن عبد ياليل الحديث وللترمذي وصححه وابن ماجة من حديث أنس لقد ~~أخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أوذيت في الله ولقد أذيت في الله وما يؤذى ~~أحد ولقد إتى علي ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولبلال طعام ms2025 يأكله ذو كبد ~~إلا شئ إبط بلال قال الترمذي معنى هذا حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم ~~هاربا من مكة ومعه بلال وللبخاري عن عروة قال سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ~~ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال رأيت عقبة بن أبي معيط ~~جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلى فوضع رداءه في عنقه فخنقه خنقا ~~شديدا فجاء أبو بكر فدفعه عنه الحديث وللبزار وأبي يعلى من حديث أنس قال ~~لقد ضربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غشي عليه فقام أبو بكر فجعل ~~ينادي ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وإسناده صحيح على شرط مسلم ~~PageV04P104 # فإن قلت كرم العشيرة وشرف الأهل هو من النعم أم لا فأقول نعم ولذلك قال ~~صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش (1) ولذلك كان صلى الله عليه وسلم من ~~أكرم الناس أرومة في نسب آدم عليه السلام حديث كان صلى الله عليه وسلم من ~~أكرم الناس أرومة الأرومة الأصل هذا معلوم فروى مسلم من حديث واثلة بن ~~الأسقى مرفوع إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة ~~واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم وفي رواية الترمذي إن الله ~~اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل وله من حديث العباس وحسنه وابن عباس والمطلب ~~ابن ربيعة وصححه والمطلب بن أبي وداعة وحسنه إن الله خلق الخلق فجعلني من ~~خير وفي حديث ابن عباس ما بالوا أقوام يبتذلون أصل فوالله لأنا أفضلهم أصلا ~~وخيرهم موضعا وقال صلى الله عليه وسلم تخيروا لنطفكم الأكفاء (2) حديث ~~اطلبوا الخير عند حسان الوجوه أخرجه أبو يعلي من رواية اسماعيل بن عياش عن ~~خيرة بنت محمد بن ثابت بن سباع عن أمها عائشة وخيرة وأمها لا أعرف حالهما ~~ورواه ابن حبان من وجه آخر في الضعفاء والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر ~~وله طرق كلها ضعيفة // وقال عمر PageV04P105 # رضي الله تعالى عنه إذا بعثتم رسولا فاطلبوه ms2026 حسن الوجه حسن الاسم وقال ~~الفقهاء إذا تساوت درجات المصلين فأحسنهم وجها أولاهم بالإمامة وقال تعالى ~~ممتنا بذلك {وزاده بسطة في العلم والجسم} ولسنا نعني بالجمال ما يحرك ~~الشهوة فإن ذلك أنوثة وإنما نعني به ارتفاع القامة على الاستقامة مع ~~الاعتدال في اللحم وتناسب الأعضاء وتناصف خلقة الوجه بحيث لا تنبو الطباع ~~عن النظر إليه # فإن قلت فقد أدخلت المال والجاه والنسب والأهل والولد في حيز النعم وقد ~~ذم الله تعالى المال والجاه وكذا رسول صلى الله عليه وسلم حديث ذم المال ~~والجاه أخرجه الترمذي من حديث كعب بن مالك ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم ~~بأفسد لها من حب المال والشرف لدينه وقد تقدم في ذم المال والبخل // وكذا ~~العلماء قال تعالى {إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} وقال عز وجل ~~{إنما أموالكم وأولادكم فتنة} وقال علي كرم الله وجهه في ذم النسب الناس ~~أبناء ما يحسنون وقيمة كل امرىء ما يحسنه وقيل المرء بنفسه لا بأبيه فما ~~معنى كونها نعمة مع كونها مذمومة شرعا فاعلم أن من يأخذ العلوم من الألفاظ ~~المنقولة المؤولة والعمومات المخصصة كان الضلال عليه أغلب ما لم يهتد بنور ~~الله تعالى إلى إدراك العلوم على ما هي عليه ثم ينزل النقل على وفق ما ظهر ~~له منها بالتأويل مرة وبالتخصيص أخرى فهذه نعم معينة على أمر الآخرة لا ~~سبيل إلى جحدها إلا أن فيها فتنا ومخاوف فمثال المال مثال الحية التي فيها ~~ترياق نافع وسم نافع فإن أصابها المعزم الذي يعرف وجه الاحتراز عن سمها ~~وطريق استخراج ترياقها النافع كانت نعمة وإن أصابها السوادي الغر فهي عليه ~~بلاء وهلاك وهو مثل البحر الذي تحته أصناف الجواهر واللآلئ فمن ظفر بالبحر ~~فإن كان عالما بالسباحة وطريق الغوص وطريق الاحتراز عن مهلكات البحر فقد ~~ظفر بنعمه وإن خاضه جاهلا بذلك فقد هلك فلذلك مدح الله تعالى المال وسماه ~~خيرا ومدحه رسول صلى الله عليه وسلم وقال نعم العون على تقوى الله تعالى ~~المال وكذلك مدح ms2027 الجاه والعز إذ من الله تعالى على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بأن أظهره على الدين كله وحببه في قلوب الخلق وهو المعني بالجاه ولكن ~~المنقول في مدحهما قليل والمنقول في ذم المال والجاه كثير وحيث ذم الرياء ~~فهو ذم الجاه إذ الرياء مقصوده اجتلاب القلوب ومعنى الجاه ملك القلوب وإنما ~~كثر هذا وقل ذاك لأن الناس أكثرهم جهال بطريق الرقية لحية المال وطريق ~~الغوص في بحر الجاه فوجب تحذيرهم فإنهم يهلكون بسم المال قبل الوصول إلى ~~ترياقه ويهلكهم تمساح بحر الجاه قبل العثور على جواهره ولو كانا في ~~أعيانهما مذمومين بالإضافة إلى كل أحد لما تصور أن ينضاف إلى النبوة الملك ~~كما كان لرسولنا صلى الله عليه وسلم ولا أن ينضاف إليها الغنى كما كان ~~لسليمان عليه السلام فالناس كلهم صبيان والأموال حيات والأنبياء والعارفون ~~معزمون فقد يضر الصبي مالا يضر المعزم نعم المعزم لو كان له ولد يريد بقاءه ~~وصلاحه وقد وجد حية وعلم أنه لو أخذها لأجل ترياقها لاقتدى به ولده وأخذ ~~الحية إذا رآها ليلعب بها فيهلك فله غرض في الترياق وله غرض في حفظ الولد ~~فواجب عليه أن يزن غرضه في الترياق بغرضه في حفظ الولد فإذا كان يقدر على ~~الصبر عن الترياق ولا يستضر به ضررا كثيرا ولو أخذها لأخذها الصبي ويعظم ~~ضرره بهلاكهم فواجب عليه أن يهرب عن الحية إذا رآها ويشير على الصبي بالهرب ~~ويقبح صورتها في عينه ويعرفه أن فيها سما قاتلا لا ينجو منه أحد ولا يحدثه ~~أصلا بما فيها من نفع الترياق فإن ذلك ربما يغره فيقدم عليه من غير تمام ~~المعرفة وكذلك الغواص إذا علم أنه لو غاص في البحر بمرأى من ولده لاتبعه ~~وهلك PageV04P106 # فواجب عليه أن يحذر الصبي ساحل البحر والنهر فإن كان لا ينزجر الصبي ~~بمجرد الزجر مهما رأى والده يحوم حول الساحل فواجب عليه أن يبعد من الساحل ~~مع الصبي ولا يقرب منه بين يديه فكذلك الأمة في حجر الأنبياء عليهم السلام ~~كالصبيان الأغبياء ms2028 ولذلك قال صلى الله عليه وسلم إنما أنا لكم مثل الوالد ~~لولده وقال صلى الله عليه وسلم إنما تتهافتون على النار تهافت الفراش وأنا ~~آخذ بحجزكم وحظهم الأوفر في حفظ أولادهم عن المهالك فإنهم لم يبعثوا إلا ~~لذلك وليس لهم في المال حظ إلا بقدر القوت فلا جرم اقتصروا على قدر القوت ~~وما فضل فلم يمسكون بل أنفقوه فإن الإنفاق فيه الترياق وفي الإمساك السم ~~ولو فتح للناس باب كسب المال ورغبوا فيه لمالوا إلى سم الإمساك ورغبوا عن ~~ترياق الإنفاق فلذلك قبحت الأموال والمعنى به تقبيح إمساكها والحرص عليها ~~للاستكثار منها والتوسع في نعيمها بما يوجب الركون إلى الدنيا ولذتها فأما ~~أخذها بقدر الكفاية وصرف الفاضل إلى الخيرات فليس بمذموم وحق كل مسافر أن ~~لا يحمل إلا بقدر زاده في السفر إذا صمم العزم على أن يختص بما يحمله فأما ~~إذا سمحت نفسه بإطعام الطعام وتوسيع الزاد على الرفقاء فلا بأس بالاستكثار ~~وقوله عليه الصلاة والسلام ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب معناه ~~لأنفسكم خاصة ولا فقد كان فيمن يروي هذا الحديث ويعمل به من يأخذ مائة ألف ~~درهم في موضع واحد ويفرقها في موضعه وإلا يمسك منها حبة ولما ذكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن الأغنياء يدخلون الجنة بشدة استأذنه عبد الرحمن بن ~~عوف رضي الله عنه في أن يخرج عن جميع ما يملكه فأذن له فنزل جبريل عليه ~~السلام وقال مره بأن يطعم المسكين ويكسو العاري ويقري الضيف الحديث فإذن ~~النعم الدنيوية مشوبة قد امتزج دواؤها بدائها ومرجوها بمخوفها ونفعها بضرها ~~فمن وثق ببصيرته وكمال معرفته فله أن يقرب منها متقيا داءها ومستخرجا ~~دواءها ومن لا يثق بها فالبعد البعد والفرار الفرار عن مظان الأخطار فلا ~~تعدل بالسلامة شيئا في حق هؤلاء وهم الخلق كلهم إلا من عصمه الله تعالى ~~وهداه لطريقه # فإن قلت فما معنى النعم التوفيقية الراجحة إلى الهداية والرشد والتأييد ~~والتسديد فاعلم أن التوفيق لا يستغني عنه أحد وهو عبارة عن ms2029 التأليف ~~والتلفيق بين إرادة العبد وبين قضاء الله وقدره وهذا يشمل الخير والشر وما ~~هو سعادة وما هو شقاوة ولكن جرت العادة بتخصيص اسم التوفيق بما يوافق ~~السعادة من جملة قضاء الله تعالى وقدره كما أن الإلحاد عبارة عن الميل فخصص ~~بمن مال إلى الباطل عن الحق وكذا الارتداد ولا خفاء بالحاجة إلى التوفيق ~~ولذلك قيل # إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده # فأما الهداية فلا سبيل لأحد إلى طلب السعادة إلا بها لأن داعية الإنسان ~~قد تكون مائلة إلى ما فيه صلاح آخرته PageV04P107 # ولكن إذا لم يعلم ما فيه صلاح آخرته حتى يظن الفساد صلاحا فمن أين ينفعه ~~مجرد الإرادة فلا فائدة في الإرادة والقدرة والأسباب إلا بعد الهداية ولذلك ~~قال تعالى {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} وقال تعالى ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته ما زكى منكم أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء وقال صلى الله ~~عليه وسلم ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى أي بهدايته فقيل ولا ~~أنت يا رسول الله قال ولا أنا (1) وللهداية ثلاث منازل {الأولى} معرفة طريق ~~الخير والشر المشار إليه بقوله تعالى {وهديناه النجدين} وقد أنعم الله ~~تعالى به على كافة عباده بعضه بالعقل وبعضه على لسان الرسل ولذلك قال تعالى ~~{وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} فأسباب الهدى هي الكتاب ~~والرسل وبصائر العقول وهي مبذولة ولا يمنع منها إلا الحسد والكبر وحب ~~الدنيا والأسباب التي تعمي القلوب وإن كانت لا تعمى الأبصار قال تعالى ~~{فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ومن جملة ~~المعميات الإلف والعادة وحب استصحابهما وعنه العبارة بقوله تعالى {إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة} الآية وعن الكبر والحسد العبارة بقوله تعالى {وقالوا ~~لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} وقوله تعالى {أبشرا منا ~~واحدا نتبعه} فهذه المعميات هي التي منعت الاهتداء والهداية الثانية وراء ~~هذه الهداية العامة وهي التي يمد الله تعالى ms2030 بها العبد حالا بعد حال وهي ~~ثمرة المجاهدة حيث قال تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} وهو ~~المراد بقوله تعالى {والذين اهتدوا زادهم هدى} والهداية الثالثة وراء ~~الثانية وهو النور الذي يشرق في عالم النبوة والولاية بعد كمال المجاهدة ~~فيهتدي بها إلا ما لا يهتدى إليه بالعقل الذي يحصل به التكليف وإمكان تعلم ~~العلوم وهو الهوى المطلق وما عداه حجاب له ومقدمات وهو الذي شرفه الله ~~تعالى بتخصيص الإضافة إليه وإن كان الكل من جهته تعالى فقال تعالى {قل إن ~~هدى الله هو الهدى} وهو المسمى حياة في قوله تعالى {أو من كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} والمعنى بقوله تعالى {أفمن شرح ~~الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} وأما الرشد فنعني به العناية ~~الإلهية التي تعين الإنسان عند توجهه إلى مقاصده فتقوبه على ما فيه صلاحه ~~وتفتره عما فيه فساده ويكون ذلك من الباطن كما قال تعالى {ولقد آتينا ~~إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} فالرشد عبارة عن هداية باعثة إلى جهة ~~السعادة محركة إليها فالصبي إذا بلغ خبيرا بحفظ المال وطرق التجارة ~~والاستنماء ولكنه مع ذلك يبذر ولا يريد الاستنماء لا يسمى رشيدا لا لعدم ~~هدايته بل لقصور هدايته عن تحريك داعيته فكم من شخص يقدم على ما يعلم أنه ~~يضره فقد أعطي الهداية وميز بها عن الجاهل الذي لا يدري أنه يضره ولكن ما ~~أعطى الرشد فالرشد بهذا الاعتبار أكمل من مجرد الهداية إلى وجوه الأعمال ~~وهي نعمة عظيمة وأما التسديد فهو توجيه حركاته إلى صوب المطلوب وتيسرها ~~عليه ليشتد في صوب الصواب في أسرع وقت فإن الهداية بمجردها لا تكفي بل لا ~~بد من هداية محركة للداعية وهي الرشد والرشد لا يكفي بل لا بد من تيسر ~~الحركات بمساعدة الأعضاء والآلات حتى يتم المراد مما انبعثت الداعية إليه ~~فالهداية محض التعريف والرشد هو تنبيه الداعية لتستقيظ وتتحرك والتسديد ~~إعانة ونصرة بتحريك الأعضاء في صوب السداد وأما التأييد فكأنه جامع ms2031 للكل ~~وهو عبارة عن تقوية أمره بالبصيرة من داخل وتقوية البطش ومساعدة الأسباب من ~~خارج وهو المراد بقوله عز وجل {إذ أيدتك بروح القدس} وتقرب منه العصمة وهى ~~PageV04P108 # عبارة عن وجود إلهي يسبح في الباطن يقوى به الإنسان على تحري الخير وتجنب ~~الشر يصير كمانع من باطنه غير محسوس وإياه عنى بقوله تعالى {ولقد همت به ~~وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} فهذه هي مجامع النعم ولن تثبت إلا بما ~~يخوله الله من الفهم الصافي الثاقب والسمع الواعي والقلب البصير المراعي ~~المتواضع والمعلم الناصح والمال الزائد على ما يقصر عن المهمات بقلته ~~القاصر عما يشغل عن الدين بكثرته والعز الذي يصونه عن سفه السفهاء وظلم ~~الأعداء ويستدعي كل واحد من هذه الأسباب الستة عشر أسبابا وتستدعي تلك ~~الأسباب أسبابا إلى أن تنتهي بالآخرة إلى دليل المتحيرين وملجأ المضطرين ~~وذلك رب الأرباب ومسبب الأسباب وإذا كانت تلك الأسباب طويلة لا يحتمل مثل ~~هذا الكتاب استقصاءها فلنذكر منها أنموذجا ليعلم به معنى قوله تعالى {وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها} وبالله التوفيق ### ||||| بيان وجه الأنموذج في كثرة نعم الله تعالى وتسلسلها وخروجها عن الحصر والإحصاء # اعلم أنا جمعنا النعم في ستة عشر ضربا وجعلنا صحة البدن نعمة من النعم ~~الواقعة في الرتبة المتأخرة فهذه النعمة الواحدة لو أردنا أن نستقصي ~~الأسباب التي بها تمت هذه النعمة لم نقدر عليها ولكن الأكل أحد أسباب الصحة ~~فلنذكر نبذة من جملة الأسباب التي بها تتم نعمة الأكل فلا يخفى أن الأكل ~~فعل وكل فعل من هذا النوع فهو حركة وكل حركة لا بد لها من جسم متحرك هو ~~آلتها ولا بد لها من قدرة على الحركة ولا بد من إرادة للحركة ولا بد من علم ~~بالمراد وإدراك له ولا بد للأكل من مأكول ولا بد للمأكول من أصل منه يحصل ~~ولا بد له من صانع يصلحه فلنذكر أسباب الإدراك ثم أسباب الإرادات ثم أسباب ~~القدرة ثم أسباب المأكول على سبيل التلويح لا على سبيل ms2032 الاستقصاء ### |||||| الطرف الأول في نعم الله تعالى في خلق أسباب الإدراك # اعلم أن الله تعالى خلق النبات وهو أكمل وجودا من الحجر والمدر والحديد ~~والنحاس وسائر الجواهر التي لا تنمى ولا تغذى فإن النبات خلق فيه قوة بها ~~يجتذب الغذاء إلى نفسه من جهة أصله وعروقه التي في الأرض وهي له آلات فبها ~~يجتذب الغذاء وهي العروق الدقيقة التي تراها في كل ورقة ثم تغلظ أصولها ثم ~~تتشعب ولا تزال تستدق وتتشعب إلى عروق شعرية تنبسط في أجزاء الورقة حتى ~~تغيب عن البصر إلا أن النبات مع هذا الكال ناقص فإنه إذا أعوزه غذاء يساق ~~إليه ويماس أصله جف ويبس ولم يمكنه طلب الغذاء من وضع آخر فإن الطلب إنما ~~يكون بمعرفة المطلوب وبالانتقال إليه والنبات عاجز عن ذلك فمن نعمة الله ~~تعالى عليك أن خلق لك آلات الإحساس وآلة الحركة في طلب الغذاء فانظر إلى ~~ترتيب حكمة الله تعالى في خلق الحواس الخمس التي هي آلة الإدراك فأولها ~~حاسة اللمس وإنما خلقت لك حتى إذا مستك نار محرقة أو سيف جارح تحس به فتهرب ~~منه وهذا أول حس يخلق للحيوان ولا يتصور حيوان إلا ويكون له هذا الحس لأنه ~~إذا لم يحس أصلا فليس بحيوان وأنقص درجات الحس أن يحس بما لا يلاصقه ويماسه ~~فإن الإحساس مما يبعد منه إحساس أتم لا محالة وهذا الحس موجود لكل حيوان ~~حتى الدودة التي في الطين فإنها إذا غرز فيها إبرة انقبضت للهرب لا كالنبات ~~فإن النبات يقطع فلا ينقبض إذ لا يحس بالقطع إلا أنك لو لم يخلق لك إلا هذا ~~الحس لكنت PageV04P109 # ناقصا كالدودة لا تقدر على طلب الغذاء من حيث يبعد عنك بل ما يمس فتحس به ~~فتجذبه إلى نفسك فقط فافتقرت إلى حس تدرك به ما بعد عنك فخلق لك الشم إلا ~~أنك تدرك به الرائحة ولا تدري أنها جاءت من أي ناحية فتحتاج إلى أن تطوف ~~كثيرا من الجوانب فربما تعثر على الغذاء الذي شممت ريحه وربما ms2033 لم تعثر ~~فتكون في غاية النقصان لو لم يخلق لك إلا هذا فخلق لك البصر لتدرك به ما ~~بعد عنك وتدرك جهته فتقصد تلك الجهة بعينها إلا أنه لو لم يخلق لك إلا هذا ~~لكنت ناقصا إذ لا تدرك بهذا ما وراء الجدران والحجب فتبصر غذاء ليس بينك ~~وبينه حجاب وتبصر عدوا لا حجاب بينك وبينه وأما ما بينك وبينه حجاب فلا ~~تبصره وقد لا ينكشف الحجاب إلا بعد قرب العدو فتعجز عن الهرب فخلق لك السمع ~~حتى تدرك به الأصوات من وراء الجدران والحجب عند جريان الحركات لأنك لا ~~تدرك بالبصر إلا شيئا حاضرا وأما الغائب فلا يمكنك معرفته إلا بكلام ينتظم ~~من حروف وأصوات تدرك بحس السمع فاشتدت إليه حاجتك فخلق لك ذلك وميزت بفهم ~~الكلام عن سائر الحيوانات وكل ذلك ما كان يغنيك لو لم يكن لك حس الذوق إذ ~~يصل الغذاء إليك فلا تدرك أنه موافق لك أو مخالف فتأكله فتهلك كالشجرة يصب ~~في أصلها كل مائع ولا ذوق لها فتجذب وربما يكون ذلك سبب جفافها ثم كل ذلك ~~لا يكفيك لو لم يخلق في مقدمة دماغك إدراك آخر يسمى حسا مشتركا تتأدى إليه ~~هذه المحسوسات الخمس وتجتمع فيه ولولاه لطال الأمر عليك فإنك إذا أكلت شيئا ~~أصفر مثلا فوجدته مرا مخالفا لك فتركته فإذا رأيته مرة أخرى فلا تعرف أنه ~~مر مضر ما لم تذقه ثانيا لولا الحس المشترك إذ العين تبصر الصفرة ولا تدرك ~~المرارة فكيف تمتنع والذوق يدرك المرارة ولا يدرك الصفرة فلا بد من حاكم ~~تجتمع عنده الصفرة والمرارة جميعا حتى إذا أردت الصفرة حكم أنه مر فيمتنع ~~عن تناوله ثانيا وهذا كله تشاركك فيه الحيوانات إذ للشاة هذه الحواس كلها ~~فلو لم يكن لك إلا هذا لكنت ناقصا فإن البهيمة يحتال عليها فتؤخذ فلا تدري ~~كيف تدفع الحيلة عن نفسها وكيف تتخلص إذا قيدت وقد تلقي نفسها في بئر ولا ~~تدري أن ذلك يهلكها ولذلك قد تأكل البهيمة ما تستلذه في ms2034 الحال ويضرها في ~~ثاني الحال فتمرض وتموت إذ ليس لها إلا الإحساس بالحاضر فأما إدراك العواقب ~~فلا فميزك الله تعالى وأكرمك بصفة أخرى وهي أشرف من الكل وهو العقل فبه ~~تدرك مضرة الأطعمة ومنفعتها في الحال والمآل وبه تدرك كيفية طبخ الأطعمة ~~وتأليفها وإعداد أسبابها فتنتفع بعقلك في الأكل الذي هو سبب صحتك وهو أحسن ~~فوائد العقل وأقل الحكم فيه بل الحكمة الكبرى فيه معرفة الله تعالى ومعرفة ~~أفعاله ومعرفة الحكمة في عالمه وعند ذلك تنقلب فائدة الحواس الخمس في حقك ~~فتكون الحواس الخمس كالجواسيس وأصحاب الأخبار الموكلين بنواحي المملكة وقد ~~وكلت كل واحدة منها بأمر تختص به فواحدة منها بأخبار الألوان والأخرى ~~بأخبار الأصوات والأخرى بأخبار الروائح والأخرى بأخبار الطعوم والأخرى ~~بأخبار الحر والبرد والخشونة والملاسة واللين والصلابة وغيرها وهذه البرد ~~والجواسيس يقتنصون الأخبار من أقطار المملكة ويسلمونها إلى الحس المشترك ~~والحس المشترك قاعد في مقدمة الدماغ مثل صاحب القصص والكتب على باب الملك ~~يجمع القصص والكتب الواردة من نواحي العالم فيأخذها وهي مختومة ويسلمها إذ ~~ليس له إلا أخذها وجمعها وحفظها فأما معرفة حقائق ما فيها فلا ولكن إذا ~~صادف القلب العاقل الذي هو الأمير والملك سلم الإنهاءات إليه مختومة ~~فيفتشها الملك ويطلع منها على أسرار المملكة ويحكم فيها بأحكام عجيبة لا ~~يمكن استقصاؤها في هذا المقام وبحسب ما يلوح له من الأحكام والمصالح يحرك ~~الجنود وهي الأعضاء مرة في الطلب ومرة في الهرب ومرة في إتمام التدبيرات ~~التي تعن له PageV04P110 # فهذه سياقة نعمة الله عليك في الإدراكات ولا تظنن أنا استوفيناها فإن ~~الحواس الظاهرة هي بعض الإدراكات والبصر واحد من جملة الحواس والعين آلة ~~واحدة له وقد ركبت العين من عشر طبقات مختلفة بعضها رطوبات وبعضها أغشية ~~وبعض الأغشية كأنها نسج العنكوب وبعضها كالمشيمة وبعض تلك الرطوبات كأنه ~~بياض البيض وبعضها كأنه الجمد ولكل واحدة من هذه الطبقات العشر صفة وصورة ~~وشكل وهيئة وعرض وتدوير وتركيب ولو اختلت طبقة واحدة من جملة العشر أو صفة ~~واحدة من ms2035 صفات كل طبقة لاختل البصر وعجز عنه الأطباء والكحالون كلهم فهذا ~~في حس واحد فقس به حاسة السمع وسائر الحواس بل لا يمكن أن تستوفي حكم الله ~~تعالى وأنواع نعمه في جسم البصر وطبقاته في مجلدات كثيرة مع أن جملته لا ~~تزيد على جوزة صغيرة فكيف ظنك بجميع البدن وسائر أعضائه وعجائبه فهذه مرامز ~~إلى نعم الله تعالى بخلق الإدراكات ### |||||| الطرف الثاني في أصناف النعم في خلق الإرادات # اعلم أنه لو خلق لك البصر حتى تدرك به الغذاء من بعد ولم يخلق لك ميل في ~~الطبع وشوق إليه وشهوة له تستحثك على الحركة لكان البشر معطلا فكم من مريض ~~يرى الطعام وهو أنفع الأشياء له وقد سقطت شهوته فلا يتناوله فيبقى البصر ~~والإدراك معطلا في حقه فاضطررت إلى أن يكون لك ميل إلى ما يوافقك يسمى شهوة ~~ونفرة عما يخالفك تسمى كراهة لتطلب بالشهوة وتهرب بالكراهة فخلق الله تعالى ~~فيك شهوة الطعام وسلطها عليك ووكلها بك كالمتقاصى الذي يضطرك إلى التناول ~~حتى تتناول وتغتذي فتبقى بالغذاء وهذا مما يشاركك فيه الحيوانات دون النبات ~~ثم هذه الشهوة لو لم تسكن إذا أخذت مقدار الحاجة أسرفت وأهلكت نفسك فخلق ~~الله لك الكراهة عند الشبع لتترك الأكل بها لا كالزرع فإنه لا يزال يجتذب ~~الماء إذا انصب في أسفله حتى يفسد فيحتاج إلى آدمي يقدر غذاءه بقدر الحاجة ~~فيسقيه مرة ويقطع عنه الماء أخرى وكما خلقت لك هذه الشهوة حتى تأكل فيبقى ~~به بدنك خلق لك شهوة الجماع حتى تجامع فيبقى به نسلك ولو قصصنا عليك عجائب ~~صنع الله تعالى في خلق الرحم وخلق دم الحيض وتأليف الجنين من المني ودم ~~الحيض وكيفية خلق الأنثيين والعروق السالكة إليها من الفقار الذي هو مستقر ~~النطفة وكيفية انصباب ماء المرأة من الترائب بواسطة العروق وكيفية انقسام ~~مقعر الرحم إلى قوالب تقع النطفة في بعضها فتتشكل بشكل الذكور وتقع في ~~بعضها فتتشكل بشكل الإناث وكيفية إدارتها في أطوار خلقها مضغة وعلقة ثم ~~عظما ولحما ودما وكيفية ms2036 قسمة أجزائها إلى رأس ويد ورجل وبطن وظهر وسائر ~~الأعضاء لقضيت من أنواع نعم الله تعالى عليك في مبدأ خلقك كل العجب فضلا ~~عما تراه الآن ولكنا لسنا نريد أن نتعرض إلا لنعم الله تعالى في الأكل وحده ~~كي لا يطول الكلام فإذن شهوة الطعام أحد ضروب الإرادات وذلك لا يكفيك فإنه ~~تأتيك المهلكات من الجوانب فلو لم يخلق فيك الغضب الذي به تدفع كل ما يضادك ~~ولا يوافقك لبقيت عرضة للآفات ولأخذ منك كل ما حصلته من الغذاء فإن كل واحد ~~يشتهي ما في يديك فتحتاج إلى داعية في دفعه ومقاتلته وهي داعية الغضب الذي ~~به تدفع كل ما يضادك ولا يوافقك ثم هذا لا يكفيك إذ الشهوة والغضب لا ~~يدعوان إلى إلا ما يضر وينفع في الحال وإما في المآل فلا تكفي فيه هذه ~~الإرادة فخلق الله تعالى لك إرادة أخرى مسخرة تحت إشارة العقل المعرف ~~للعواقب كما خلق الشهوة والغضب مسخرة تحت إدراك الحس المدرك للحالة الحاضرة ~~فتم بها انتفاعك بالعقل إذ كان مجرد المعرفة بأن هذه الشهوة مثلا تضرك لا ~~يغنيك في الاحتراز عنها ما لم يكن لك ميل إلى العمل بموجب المعرفة وهذه PageV04P111 # الإرادة أفردت بها عن البهائم إكراما لبني آدم كما أفردت بمعرفة العواقب ~~وقد سمينا هذه الإرادة باعثا دينيا وفصلناه في كتاب الصبر تفصيلا أوفى من ~~هذا ### |||||| الطرف الثالث في نعم الله تعالى في خلق القدرة وآلات الحركة # اعلم أن الحس لا يفيد إلا الإدراك والإرادة لا معنى لها إلا الميل إلى ~~الطلب والهرب وهذا لا كفاية فيه ما لم تكن فيك آلة الطلب والهرب فكم من ~~مريض مشتاق إلى شيء بعيد عنه مدرك له ولكنه لا يمكنه أن يمشي إليه لفقد ~~رجله أو لا يمكنه أن يتناوله لفقد يده أو لفلج وخدر فيهما فلا بد من آلات ~~للحركة وقدرة في تلك الآلات على الحركة لتكون حركتها بمقتضى الشهوة طلبا ~~وبمقتضى الكراهية هربا فلذلك خلق الله تعالى لك الأعضاء التي تنظر إلى ~~ظاهرها ms2037 ولا تعرف أسرارها فمنها ما هو للطلب والهرب كالرجل للإنسان والجناح ~~للطير والقوائم للدواب ومنها ما هو للدفع كالأسلحة للإنسان والقرون للحيوان ~~وفي هذا تختلف الحيوانات اختلافا كثيرا فمنها ما يكثر أعداؤه ويبعد غذاؤه ~~فيحتاج إلى سرعة الحركة فخلق له الجناح ليطير بسرعة ومنها ما خلق له أربع ~~قوائم ومنها ما له رجلان ومنها ما يدب وذكر ذلك يطول فلنذكر الأعضاء التي ~~بها يتم الأكل فقط ليقاس عليها غيرها فنقول رؤيتك الطعام من بعد وحركتك ~~إليه لا تكفي ما لم تتمكن من أن تأخذه فافتقرت إلى آلة باطشة فأنعم الله ~~تعالى عليك بخلق اليدين وهم طويلتان ممتدتان إلى الأشياء ومشتملتان على ~~مفاصل كثيرة لتتحرك في الجهات فتمتد وتنثنى إليك فلا تكون كخشبة منصوبة ثم ~~جعل رأس اليد عريضا بخلق الكف ثم قسم رأس الكف بخمسة أقسام هي الأصابع ~~وجعلها في صفين بحيث يكون الإبهام في جانب ويدور على الأربعة الباقية ولو ~~كانت مجتمعة أو متراكمة لم يحصل به تمام غرضك فوضعها وضعا إن بسطتها كانت ~~لك مجرفة وإن ضمتها كانت لك مغرفة وإن جمعتها كانت لك آلة للضرب وإن نشرتها ~~ثم قبضتها كانت لك آلة في القبض ثم خلق لها أظفارا وأسند إليها رءؤس ~~الأصابع حتى لا تتفتت وحتى تلتقط بها الأشياء الدقيقة التي لا تحويها ~~الأصابع فتأخذها برءوس أظفارك ثم هب أنك أخذت الطعام باليدين فمن أين يكفيك ~~هذا ما لم يصل إلى المعدة وهي في الباطن فلا بد وأن يكون من الظاهر دهليز ~~إليها حتى يدخل الطعام منه فجعل الفم منفذا إلى المعدة مع ما فيه من الحكم ~~الكثيرة سوى كونه منفذا للطعام إلى المعدة ثم إن وضعت الطعام في الفم وهو ~~قطعة واحدة فلا يتيسر ابتلاعه فتحتاج إلى طاحونة تطحن بها الطعام فخلق لك ~~اللحيين من عظمتين وركب فيهما الأسنان وطبق الأضراس العليا على السفلى ~~لتطحن بهما الطعام طحنا ثم الطعام تارة يحتاج إلى الكسر وتارة إلى القطع ثم ~~يحتاج إلى طحن بعد ذلك فقسم الأسنان إلى ms2038 عريضة طواحين كالأضراس وإلى حادة ~~قواطع كالرباعيات وإلى ما يصلح للكسر كالأنياب ثم جعل مفصل اللحيين متخلخلا ~~بحيث يتقدم الفك الأسفل ويتأخر حتى يدور على الفك الأعلى دوران الرخى ولولا ~~ذلك لما تيسر إلا ضرب أحدهما على الآخر مثل تصفيق اليدين مثلا وبذلك لا يتم ~~الطحن فجعل اللحي الأسفل متحركا حركة دورية واللحي الأعلى ثابتا لا يتحرك ~~فانظر إلى عجيب صنع الله تعالى فإن كل رحى صنعه الخلق فيثبت منه الحجر ~~الأسفل ويدور الأعلى إلا هذا الرحى الذي صنعه الله تعالى إذ يدور منه ~~الأسفل على الأعلى فسبحانه ما أعظم شأنه وأعز سلطانه وأتم برهانه وأوسع ~~امتنانه ثم هب أنك وضعت الطعام في فضاء الفم فكيف يتحرك الطعام إلى ما تحت ~~الأسنان أو كيف تستجره الأسنان إلى نفسها وكيف يتصرف باليد في داخل الفم ~~فانظر كيف أنعم الله عليك بخلق اللسان فإنه يطوف في جوانب الفم ويرد الطعام ~~من الوسط إلى الأسنان بحسب الحاجة كالمجرفة التي ترد الطعام إلى الرحى PageV04P112 # هذا مع ما فيه من فائدة الذوق وعجائب قوة النطق والحكم التي لسنا نطنب ~~بذكرها ثم هب أنك قطعت الطعام وطحنته وهو يابس فلا تقدر على الابتلاع إلا ~~بأن ينزلق إلى الحلق بنوع رطوبة فانظر كيف خلق الله تعالى تحت اللسان عينا ~~يفيض اللعاب منها وينصب بقدر الحاجة حتى يتعجن به الطعام فانظر كيف سخرها ~~لهذا الأمر فإنك ترى الطعام من بعد فيثور الحنكان للخدمة وينصب اللعاب حتى ~~تتحلب أشداقك والطعام بعد بعيد عنك ثم هذا الطعام المطحون المتعجن من يوصله ~~إلى المعدة وهو في الفم ولا تقدر على أن تدفعه باليد ولا يد في المعدة حتى ~~تمتد فتجذب الطعام فانظر كيف هيأ الله تعالى المريء والحنجرة وجعل على ~~رأسها طبقات تنفتح لأخذ الطعام ثم تنضغط حتى يتقلب الطعام بضغطه فيهوي إلى ~~المعدة في دهلين المريء فإذا ورد الطعام على المعدة وهو خبز وفاكهة مقطعة ~~فلا يصلح لأن يصير لحما وعظما ودما على هذه الهيئة بل لا بد وأن يطبخ ms2039 طبخا ~~تاما حتى تتشابه أجزاؤه فخلق الله تعالى المعدة على هيئة قدر فيقع فيها ~~الطعام فتحتوي عليه وتغلق عليه الأبواب فلا يزال لابثا فيها حتى يتم الهضم ~~والنضج بالحرارة التي تحيط بالمعدة من الأعضاء الباطنة إذ من جانبها الأيمن ~~الكبد ومن الأيسر الطحال ومن قدام الترائب ومن خلف لحم الصلب فتتعدى ~~الحرارة إليها من تسخين هذه الأعضاء من الجوانب حتى ينطبخ الطعام ويصير ~~مائعا متشابها يصلح للنفوذ في تجاويف العروق وعند ذلك يشبه ماء الشعير فى ~~تشابه أجزائه ووقته وهو بعد لا يصلح للتغذية فخلق الله تعالى بينها وبين ~~الكبد مجاري من العروق وجعل لها فوهات كثيرة حتى يصب الطعام فيها فينتهي ~~إلى الكبد والكبد معجون من طينة الدم حتى كأنه دم وفيه عروق كثيرة شعرية ~~منتشرة في أجزاء الكبد فينصب الطعام الرقيق النافذ فيها وينتشر في أجزائها ~~حتى تستولي عليه قوة الكبد فتصبغه بلون الدم فيستقر فيها ريثما يحصل له نضج ~~آخر ويحصل له هيئة الدم الصافي الصالح لغذاء الأعضاء إلا أن حرارة الكبد هي ~~التي تنضج هذا الدم فيتولد من هذا الدم فضلتان كما يتولد في جميع ما يطبخ ~~إحداهما شبيهة بالدردي والعكر وهو الخلط السوداوي والأخرى شبيهة بالرغوة ~~وهي الصفراء ولو لم تفصل عنها الفضلتان فسد مزاج الأعضاء فخلق الله تعالى ~~المرارة والطحال وجعل لكل واحد منهما عنقا ممدودا إلى الكبد داخلا في ~~تجويفه فتجذب المرارة الفضلة الصفراوية ويجذب الطحال العكر السوداوي فيبقى ~~الدم صافيا ليس فيه إلا زيادة رقة ورطوبة لما فيه من المائية ولولاها لما ~~انتشر في تلك العروق الشعرية ولا خرج منها متصاعدا إلا الأعضاء فخلق الله ~~سبحانه الكليتين وأخرج من كل واحدة منهما عنقا طويلا إلى الكبد ومن عجائب ~~حكمة الله تعالى أن عنقهما ليس داخلا في تجويف الكبد بل متصل بالعروق ~~الطالعة من حدبة الكبد ومن عجائب حكمة الله تعالى أن عنقهما ليس داخلا في ~~تجويف الكبد بل متصل بالعروق الطالعة من حدبة الكبد حتى يجذب ما يليها بعد ~~الطلوع من العروق ms2040 الدقيقة التي في الكبد إذ لو اجتذب قبل ذلك لغلظ ولم يخرج ~~من العروق فإذا انفصلت منه المائية فقد صار الدم صافيا من الفضلات الثلاث ~~نقيا من كل ما يفسد الغذاء ثم إن الله تعالى أطلع من الكبد عروقا ثم قسمها ~~بعد الطلوع أقساما وشعب كل قسم بشعب وانتشر ذلك في البدن كله من الفرق إلى ~~القدم ظاهرا وباطنا فيجري الدم الصافي فيها ويصل إلى سائر الأعضاء حتى تصير ~~العروق المنقسمة شعرية كعروق الأوراق والأشجار بحيث لا تدرك بالأبصار فيصل ~~منها الغذاء بالرشح إلى سائر الأعضاء ولو حلت بالمرارة آفة فلم تجذب الفضلة ~~الصفراوية فسد الدم وحصل منه الأمراض الصفراوية كاليرقان والبثور والحمرة ~~وإن حلت بالطحال آفة فلم يجذب الخلط السوداوي حدثت الأمراض السوداوية ~~كالبهق والجذام والم اليخوليا وغيرها وإن لم تندفع المائية نحو الكلى حدث ~~منه الاستسقاء وغيره ثم انظر إلى حكمة الفاطر الحكيم كيف رتب المنافع على ~~هذه الفضلات الثلاث الخسيسة أما المرارة فإنها تجذب بأحد عنقيها وتقذف PageV04P113 # بالعنق الآخر إلى الأمعاء ليحصل له في ثفل الطعام رطوبة مزلقة ويحدث في ~~الأمعاء لذع يحركها للدفع فتنضغط حتى يندفع الثفل وينزلق وتكون صفرته لذلك ~~وأما الطحال فإنه يحيل تلك الفضلة إحالة يحصل بها فيه حموضة وقبض ثم يرسل ~~منها كل يوم شيئا إلى فم المعدة فيحرك الشهوة بحموضته وينبهها ويثيرها ~~ويخرج الباقي مع الثفل وأما الكلية فإنها تغتذي بما في تلك المائية من دم ~~وترسل الباقي إلى المثانة ولنقتصر على هذا القدر من بيان نعم الله تعالى في ~~الأسباب التي أعدت للأكل ولو ذكرنا كيفية احتياج الكبد إلى القلب والدماغ ~~واحتياج كل واحد من هذه الأعضاء الرئيسية إلى صاحبه وكيفية انشعاب العروق ~~الضوارب من القلب إلى سائر البدن وبواسطتها يصل الحس وكيفية انشعاب العروق ~~السواكن من الكبد إلى سائر البدن وبواسطتها يصل الغذاء ثم كيفية تركب ~~الأعضاء وعدد عظامها وعضلاتها وعروقها وأوتارها ورباطاتها وغضاريفها ~~ورطوباتها لطال الكلام وكل ذلك محتاج إليه للأكل ولأمور أخر سواه بل في ~~الآدمي آلاف ms2041 من العضلات والعروق والأعصاب مختلفة بالصغر والكبر والدقة ~~والغلظ وكثرة الانقسام وقلته ولا شيء منها إلا وفيه حكمة أو اثنتان أو ثلاث ~~أو أربع إلى عشر وزيادة وكل ذلك نعم من الله تعالى عليك لو سكن من جملتها ~~عرق متحرك أو تحرك عرق ساكن لهلكت يا مسكين فانظر إلى نعمة الله تعالى عليك ~~أو لا لتقوى بعدها على الشكر فإنك لا تعرف من نعمة الله سبحانه إلا الأكل ~~وهو أخسها ثم لا تعرف منها إلا أنك تجوع فتأكل والحمار أيضا يعلم أنه يجوع ~~فيأكل ويتعب فينام ويشتهي فيجامع ويستنهض فينهض ويرمح فإذا لم تعرف أنت من ~~نفسك إلا ما يعرف الحمار فكيف تقوم بشكر نعمة الله عليك وهذا الذي رمزنا ~~إليه على الإيجاز قطرة من بحر واحد من بحار نعم الله فقط فقس على الإجمال ~~ما أهملناه من جملة ما عرفناه حذرا من التطويل وجملة ما عرفناه وعرفه الخلق ~~كلهم بالإضافة إلى ما لم يعرفوه من نعم الله تعالى أقل من قطرة من بحر إلا ~~أن من علم شيئا من هذا أدرك شمة من معاني قوله تعالى {وإن تعدوا نعمة الله ~~لا تحصوها} ثم انظر كيف ربط الله تعالى قوام هذه الأعضاء وقوام منافعها ~~وإدراكاتها وقواها ببخار لطيف يتصاعد من الأخلاط الأربعة ومستقره القلب ~~ويسري في جميع البدن بواسطة العروق الضوارب فلا ينتهي إلى جزء من أجزاء ~~البدن إلا ويحدث عند وصوله في تلك الأجزاء ما يحتاج إليه من قوة حس وإدراك ~~وقوة حركة وغيرها كالسراج الذي يدار في أطراف البيت فلا يصل إلى جزء إلا ~~ويحصل بسبب وصوله ضوء على أجزاء البيت من خلق الله تعالى واختراعه ولكنه ~~جعل السراج سببا له بحكمته وهذا البخار اللطيف هو الذي تسميه الأطباء الروح ~~ومحله القلب ومثاله جرم نار السراج والقلب له كالمسرجة والدم الأسود الذي ~~في باطن القلب له كالفتيلة والغذاء له كالزيت والحياة الظاهرة في سائر ~~أعضاء البدن بسببه كالضوء للسراج في جملة البيت وكما أن السراج إذا انقطع ~~زيته ms2042 انطفأ فسراج الروح أيضا ينطفىء مهما انقطع غذاؤه وكما أن الفتيلة قد ~~تحترق فتصير رمادا بحيث لا تقبل الزيت فينطفىء السراج مع كثرة الزيت فكذلك ~~الدم الذي تشبث به هذا البخار في القلب قد يحترق بفرط حرارة القلب فينطفىء ~~مع وجود الغذاء فإنه لا يقبل الغذاء الذي يبقى به الروح كما لا يقبل الرماد ~~الزيت قبولا تتشبث النار به وكما أن السراج تارة ينطفىء بسبب من داخل كما ~~ذكرناه وتارة بسبب من خارج كريح عاصف فكذلك الروح تارة تنطفىء بسبب من داخل ~~وتارة بسبب من خارج وهو القتل وكما أن انطفاء السراج بفناء الزيت أو بفساد ~~الفتيلة أو بريح عاصف أو بإطفاء إنسان لا يكون إلا بأسباب مقدرة في علم ~~الله مرتبة ويكون كل ذلك بقدر فكذلك انطفاء الروح وكما أن انطفاء السراج هو ~~منتهى وقت وجوده فيكون ذلك أجله الذي أجل له في أم الكتاب فكذلك انطفاء ~~الروح وكما أن السراج إذا انطفأ أظلم البيت كله فالروح إذا انطفأ أظلم PageV04P114 # البدن كله وفارقته أنواره التي كان يستفيدها من الروح وهي أنوار ~~الإحساسات والقدر والإرادات وسائر ما يجمعها معنى لفظ الحياة فهذا أيضا رمز ~~وجيز إلى عالم آخر من عوالم نعم الله تعالى وعجائب صنعه وحكمته ليعلم أنه ~~{لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} عز وجل ~~فتعسا لمن كفر بالله تعسا وسحقا لمن كفر نعمته سحقا # فإن قلت فقد وصفت الروح ومثلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~الروح فلم يزد عن أن قال {قل الروح من أمر ربي} فلم يصفه لهم على هذا الوجه ~~فاعلم أن هذه غفلة عن الاشتراك الواقع في لفظ الروح فإن الروح يطلق لمعان ~~كثيرة لا نطول بذكرها نحن إنما وصفنا من جملتها جسما لطيفا تسميه الأطباء ~~روحا وقد عرفوا صفته ووجوده وكيفية سريانه في الأعضاء وكيفية حصول الإحساس ~~والقوى في الأعضاء به حتى إذا خدر بعض الأعضاء علموا أن ذلك لوقوع سدة في ~~مجرى هذا ms2043 الروح فلا يعالجون موضع الخدر بل منابت الأعصاب ومواقع السدة فيها ~~ويعالجونها بما يفتح السدة فإن هذا الجسم بلطفه ينفذ في شباك العصب ~~وبواسطته يتأدى من القلب إلى سائر الأعضاء وما يرتقي إليه معرفة الأطباء ~~فأمره سهل نازل وأما الروح التي هي الأصل وهي التي إذا فسدت فسد لها سائر ~~البدن فذلك سر من أسرار الله تعالى لم نصفه ولا رخصة في وصفة إلا بأن يقال ~~هو أمر رباني كما قال تعالى {قل الروح من أمر ربي} والأمور الربانية لا ~~تحتمل العقول وصفها بل تتحير فيها عقول أكثر الخلق وأما الأوهام والخبالات ~~فقاصرة عنها بالضرورة قصور البصر عن إدراك الأصوات وتتزلزل في ذكر مبادىء ~~وصفها معاقد العقول المقيدة بالجوهر والعرض المحبوسة في مضيقها فلا يدرك ~~بالعقل شيء من وصفه بل بنور آخر أعلى وأشرف من العقل يشرق ذلك النور في ~~عالم النبوة والولاية نسبته إلى العقل نسبة العقل إلى الوهم والخيال وقد ~~خلق الله تعالى الخلق أطوارا فكما يدرك الصبي المحسوسات ولا يدرك المعقولات ~~لأن ذلك طور لم يبلغه بعد فكذلك يدرك البالغ المعقولات ولا يدرك ما وراءها ~~لأن ذلك طور لم يبلغه بعد وإنه لمقام شريف ومشرب عذب ورتبة عالية فيها يلحظ ~~جنات الحق بنور الإيمان واليقين وذلك المشرب أعز من أن يكون شريعة لكل وارد ~~بل لا يطلع عليه إلا واحد بعد واحد ولجناب الحق صدر وفي مقدمة الصدر مجال ~~وميدان رحب وعلى أول الميدان عتبة هي مستقر ذلك الأمر الرباني فمن لم يكن ~~له على هذه العتبة جواز ولا لحافظ العتبة مشاهدة واستحال أن يصل الميدان ~~فكيف بالانتهاء إلى ما وراءه من المشاهدات العالية ولذلك قيل من لم يعرف ~~نفسه لم يعرف ربه وأنى يصادف هذا خزانة الأطباء ومن أين للطبيب أن يلاحظه ~~بل المعنى المسمى روحا عند الطبيب بالإضافة إلى هذا الأمر الرباني كالكرة ~~التي يحركها صولجان الملك بالإضافة إلى الملك فمن عرف الروح الطبي فظن أنه ~~أدرك الأمر الرباني كان كمن رأى الكرة التي يحركها ms2044 صولجان الملك فظن أنه ~~رأى الملك ولا يشك في أن خطأه فاحش وهذا الخطأ أفحش منه جدا ولما كانت ~~العقول التي بها يحصل التكليف وبها تدرك مصالح الدنيا عقولا قاصرة عن ~~ملاحظة كنه هذا الأمر لم يأذن الله تعالى لرسول صلى الله عليه وسلم أن ~~يتحدث عنه بل أمره أن يكلم الناس على قدر عقولهم ولم يذكر الله تعالى في ~~كتابه من حقيقة هذا الأمر شيئا ولكن ذكر نسبته وفعله ولم يذكر ذاته أما ~~نسبته ففي قوله تعالى {من أمر ربي} وأما فعله فقد ذكر في قوله تعالى ياأيها ~~النفس PageV04P115 # {المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} ~~ولنرجع الآن إلى الغرض فإن المقصود ذكر نعم الله تعالى في الأكل فقد ذكرنا ~~بعض نعم الله تعالى في آلات الأكل ### |||||| الطرف الرابع في نعم الله تعالى في الأصول التي يحصل منها الأطعمة وتصير صالحة لأن يصلحها الآدمي بعد ذلك بصنعته # اعلم أن الأطعمة كثيرة ولله تعالى في خلقها عجائب كثيرة لا تحصى وأسباب ~~متوالية لا تتناهى وذكر ذلك في كل طعام مما يطول فإن الأطعمة إما أدوية ~~وإما فواكه وإما أغذية فلنأخذ الأغذية فإنها الأصل ولنأخذ من جملتها حبة من ~~البر ولندع سائر الأغذية فنقول إذا وجدت حبة أو حبات فلو أكلتها فنيت وبقيت ~~جائعا فما أحوجك إلى أن تنمو الحبة في نفسها وتزيد وتتضاعف حتى تفي بتمام ~~حاجتك فخلق الله تعالى في حبة الحنطة من القوى ما يغتذى به كما خلق فيك فإن ~~النبات إنما يفارقك في الحس والحركة ولا يخالفك في الاغتذاء لأنه يغتذي ~~بالماء ويجتذب إلى باطنه بواسطة العروق كما تغتذى أنت وتجتذب ولسنا نطنب في ~~ذكر آلات النبات في اجتذاب الغذاء إلى نفسه ولكن نشير إلى غذائه فنقول كما ~~أن الخشب والتراب لا يغذيك بل تحتاج إلى طعام مخصوص فكذلك الحبة لا تغتذي ~~بكل شيء بل تحتاج إلى شيء مخصوص بدليل أنك لو تركتها في البيت لم تزد لأنه ~~ليس يحيط بها إلا هواء ms2045 ومجرد الهواء لا يصلح لغذائها ولو تركنها في الماء ~~لم تزد ولو تركنها في أرض لا ماء فيها لم تزد بل لا بد من أرض فيها ماء ~~يمتزج ماؤها بالأرض فيصير طينا وإليه الإشارة بقوله تعالى {فلينظر الإنسان ~~إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا ~~وقضبا وزيتونا ونخلا} الآية ثم لا يكفي الماء والتراب إذ لو تركت في أرض ~~ندية صلبة متراكمة لم تنبت لفقد الهواء فيحتاج إلى تركها في أرض رجوة ~~متخلخلة يتغلغل الهواء إليها ثم الهواء لا يتحرك إليها بنفسه فيحتاج إلى ~~ريح تحرك الهواء وتضربه بقهر وعنف على الأرض حتى ينفذ فيها وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى {وأرسلنا الرياح لواقح} وإنما إلقاحها في إيقاع الازدواج بين ~~الهواء والماء والأرض ثم كل ذلك لا يغنيك لو كان في برد مفرط وشتاء شات ~~فتحتاج إلى حرارة الربيع والصيف فقد بان احتياج غذائه إلى هذه الأربعة ~~فانظر إلى ماذا يحتاج كل واحد إذ يحتاج الماء لينساق إلى أرض الزراعة من ~~البحار والعيون والأنهار والسواقي فانظر كيف خلق الله البحار وفجر العيون ~~وأجرى منها الأنهار ثم الأرض ربما تكون مرتفعة والمياه لا ترتفع إليها ~~فانظر كيف خلق الله تعالى الغيوم وكيف سلط الرياح عليها لتسوقها بإذنه إلى ~~أقطار الأرض وهي سحب ثقال حوامل بالماء ثم انظر كيف يرسله مدرارا على ~~الأراضي في وقت الربيع والخريف على حسب الحاجة وانظر كيف خلق الجبال حافظة ~~للمياه تتفجر منها العيون تدريجا فلو خرجت دفعة لغرقت البلاد وهلك الزرع ~~والمواشي ونعم الله في الجبال والسحاب والبحار والأمطار لا يمكن إحصاؤها ~~وأما الحرارة فإنها لا تحصل بين الماء والأرض وكلاهما باردان فانظر كيف سخر ~~الشمس وكيف خلقها مع بعدها عن الأرض مسخنة للأرض في وقت دون وقت ليحصل ~~البرد عند الحاجة إلى البرد والحر عند الحاجة إلى الحر فهذه إحدى حكم الشمس ~~والحكم فيها أكثر من أن تحصى ثم النبات إذا ارتفع عن الأرض كان في الفواكه ~~انعقاد وصلابة فتفتقر ms2046 إلى رطوبة تنضجها فانظر كيف خلق القمر وجعل من خاصيته ~~الترطيب كما جعل من خاصية الشمس التسخين فهو ينضج الفواكه ويصبغها بتقدير ~~الفاطر الحكيم ولذلك لو كانت الأشجار في ظل يمنع شروق الشمس والقمر وسائر PageV04P116 # الكواكب عليها لكانت فاسدة ناقصة حتى إن الشجرة الصغيرة تفسد إذا ظللتها ~~شجرة كبيرة وتعرف ترطيب القمر بأن تكشف رأسك له بالليل فتغلب على رأسك ~~الرطوبة التي يعبر عنها بالزكام فكما يرطب رأسك يرطب الفاكهة أيضا ولا نطول ~~فيما لا مطمع في استقصائه بل نقول كل كوكب في السماء فقد سخر لنوع فائدة ~~كما سخرت الشمس للتسخين والقمر للترطيب فلا يخلو واحد منها عن حكم كثيرة لا ~~تفي قوة البشر بإحصائها ولو لم يكن كذلك لكان خلقها عبثا وباطلا ولم يصح ~~قوله تعالى {ربنا ما خلقت هذا باطلا} وقوله عز وجل وما خلقنا السموات ~~والأرض وما بينهما لاعبين وكما أنه ليس في أعضاء بدنك عضو إلا لفائدة فليس ~~في أعضاء بدن العالم عضو إلا لفائدة والعالم كله كشخص واحد وآحاد أجسامه ~~كالأعضاء له وهي متعاونة تعاون أعضاء بدنك في جملة بدنك وشرح ذلك يطول ولا ~~ينبغي أن تظن أن الإيمان بأن النجوم والشمس والقمر مسخرات بأمر الله سبحانه ~~في أمور جعلت أسبابا لها بحكم الحكمة مخالف للشرع لما ورد فيه من النهي عن ~~تصديق المنجمين وعن علم النجوم // حديث النهي عن تصديق المنجمين وعن علم ~~النجوم أخرجه أبو داود وابن ماجه بسند صحيح من حديث ابن عباس من اقتبس علما ~~من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد وللطبرانى من حديث ابن مسعود ~~وثوبان إذا ذكرت النجوم فأمسكوا وإسنادهما ضعيف وقد تقدم فى العلم ولمسلم ~~من حديث معاوية بن الحكم السلمى قال قلت يا رسول لله أمورا كنا نصنعها فى ~~الجاهلية كنا نأتى الكهان قال فلا تأتوا الكهان الحديث # بل المنهي عنه في النجوم أمران أحدهما أن تصدق بأنها فاعلة لآثارها ~~مستقلة بها وأنها ليست مسخرة تحت تدبير مدبر خلقها وقهرها وهذا كفر والثاني ms2047 ~~تصديق المنجمين في تفصيل ما يخبرون عنه من الآثار التي لا يشترك كافة الخلق ~~في دركها لأنهم يقولون ذلك عن جهل فإن علم أحكام النجوم كان معجزة لبعض ~~الأنبياء عليهم السلام ثم اندرس ذلك العلم فلم يبق إلا ما هو مختلط لا ~~يتميز فيه الصواب عن الخطأ فاعتقاد كون الكواكب أسبابا لآثار تحصل بخلق ~~الله تعالى في الأرض وفي النبات وفي الحيوان ليس قادحا في الدين بل هو حق ~~ولكن دعوى العلم بتلك الآثار على التفصيل مع الجهل قادح في الدين ولذلك إذا ~~كان معك ثوب غسلته وتريد تجفيفه فقال لك غيرك أخرج الثوب وابسطه فإن الشمس ~~قد طلعت وحمي النهار والهواء لا يلزمك تكذيبه ولا يلزمك الإنكار عليه ~~بحوالته حمي الهواء على طلوع الشمس وإذا سألت عن تغيير وجه الإنسان فقال ~~قرعتني الشمس في الطريق فاسود وجهي لم يلزمك تكذيبه بذلك وقس بهذا سائر ~~الآثار إلا أن الآثار بعضها معلوم وبعضها مجهول فالمجهول لا يجوز دعوى ~~العلم فيه والمعلوم بعضه معلوم للناس كافة كحصول الضياء والحرارة بطلوع ~~الشمس وبعضه لبعض الناس كحصول الزكام بشروق القمر فإذن الكواكب ما خلقت ~~عبثا بل فيها حكم كثيرة لا تحصى ولهذا نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى السماء وقرأ قوله تعالى ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ~~ثم قال صلى الله عليه وسلم ويل لمن قرأ هذه الآية ثم مسح بها سبلته # حديث قرأ قوله تعالى ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ثم ~~قال ويل لمن قرأ هذه الآية ثم مسح بها سبلته أى ترك تأملها أخرجه الثعلبى ~~من حديث ابن عباس بلفظ ولم يتفكر فيها وفيه أبو جناب يحيى بن أبى حبة ضعيف # ومعناه أن يقرأ ويترك التأمل ويقتصر من فهم ملكوت السموات على أن يعرف ~~لون السماء وضوء الكواكب وذلك مما تعرفه البهائم أيضا فمن قنع منه بمعرفة ~~ذلك فهو الذي مسح بها سبلته فلله تعالى في ملكوت السموات والآفاق والأنفس ~~والحيوانات عجائب ms2048 يطلب معرفتها المحبون لله تعالى فإن من أحب عالما فلا ~~يزال مشغولا بطلب تصانيفه ليزداد بمزيد الوقوف على عجائب علمه حبا له فكذلك ~~الأمر في عجائب صنع الله تعالى فإن العالم PageV04P117 # كله من تصنيفه بل تصنيف المصنفين من تصنيفه الذي صنفه بواسطة قلوب عباده ~~فإن تعجبت من تصنيف فلا تتعجب من المصنف بل من الذي سخر المصنف لتصنيفه بما ~~أنعم عليه من هدايته وتسديده وتعريفه كما إذا رأيت لعب المشعوذ ترقص وتتحرك ~~حركات موزونة متناسبة فلا تعجب من اللعب فإنها خرق محركة لا متحركة ولكن ~~تعجب من حذق المشعوذ المحرك لها بروابط دقيقة خفية عن الأبصار فإذن المقصود ~~أن غذاء النبات لا يتم إلا بالماء والهواء والشمس والقمر والكواكب ولا يتم ~~ذلك إلا بالأفلاك التي هي مركوزة فيها ولا تتم الأفلاك إلا بحركانها ولا ~~تتم حركاتها إلا بملائكة سماوية يحركونها وكذلك يتمادى ذلك إلى أسباب بعيدة ~~تركنا ذكرها تنبيها بما ذكرناه على ما أهملناه ولنقتصر على هذا من ذكر ~~أسباب غذاء النبات ### |||||| الطرف الخامس في نعم الله تعالى في الأسباب الموصلة للأطعمة إليك # اعلم أن هذه الأطعمة كلها لا توجد في كل مكان بل لها شروط مخصوصة لأجلها ~~توجد في بعض الأماكن دون بعض والناس منتشرون على وجه الأرض وقد تبعد عنهم ~~الأطعمة ويحول بينهم وبينها البحار والبراري فانظر كيف سخر الله تعالى ~~التجار وسلط عليهم حرص حب المال وشهوة الربح مع أنهم لا يغنيهم في غالب ~~الأمر شيء بل يجمعون فإما أن تغرق بها السفن أو تنهبها قطاع الطريق أو ~~يموتوا في بعض البلاد فيأخذها السلاطين وأحسن أحوالهم أن يأخذها ورثتهم وهم ~~أشد أعدائهم لو عرفوا فانظر كيف سلط الله الجهل والغفلة عليهم حتى يقاسوا ~~الشدائد في طلب الربح ويركبوا الأخطار ويغرروا بالأرواح في ركوب البحر ~~فيحملون الأطعمة وأنواع الحوائج من أقصى الشرق والغرب إليك وانظر كيف علمهم ~~الله تعالى صناعة السفن وكيفية الركوب فيها وانظر كيف خلق الحيوانات وسخرها ~~للركوب والحمل في البراري وانظر إلى الإبل كيف خلقت ms2049 وإلى الفرس كيف أمدت ~~بسرعة الحركة وإلى الحمار كيف جعل صبورا على التعب وإلى الجمال كيف تقطع ~~البراري وتطوي المراحل تحت الأعباء الثقيلة على الجوع والعطش وانظر كيف ~~سيرهم الله تعالى بواسطة السفن والحيوانات في البر والبحر ليحملوا إليك ~~الأطعمة وسائر الحوائج وتأمل ما يحتاج إليه الحيوانات من أسبابها وأدواتها ~~وعلفها وما تحتاج إليه السفن فقد خلق الله تعالى جميع ذلك إلى حد الحاجة ~~وفوق الحاجة وإحصاء ذلك غير ممكن ويتمادى ذلك إلى أمور خارجة عن الحصر نرى ~~تركها طلبا للإيجاز ### |||||| الطرف السادس في إصلاح الأطعمة # اعلم أن الذي ينبت في الأرض من النبات وما يخلق من الحيوانات لا يمكن أن ~~يقضم ويؤكل وهو كذلك بل لا بد في كل واحد من إصلاح وطبخ وتركيب وتنظيف ~~بإلقاء البعض وإبقاء البعض إلى أمور أخر لا تحصى واستقصاء ذلك في كل طعام ~~يطول فلنعين رغيفا واحدا ولننظر إلى ما يحتاج إليه الرغيف الواحد حتى ~~يستدير ويصلح للأكل من بعد إلقاء البذر في الأرض فأول ما يحتاج إليه الحارث ~~ليزرع ويصلح الأرض ثم الثور الذي يثير الأرض والفدان وجميع أسبابه ثم بعد ~~ذلك التعهد بسقي الماء مدة ثم تنقية الأرض من الحشيش ثم الحصاد ثم الفرك ~~والتنقية ثم الطحن ثم العجين ثم الخير فتأمل عدد هذه الأفعال التي ذكرناها ~~وما لم نذكره وعدد الأشخاص القائمين بها وعدد الآلات التي يحتاج إليها من ~~الحديد والخشب والحجر وغيره وانظر إلى أعمال الصناع في إصلاح آلات الحراثة ~~والطحن والخبز من نجار وحداد وغيرهما وانظر إلى حاجة الحداد إلى الحديد ~~والرصاص والنحاس وانظر كيف خلق الله تعالى PageV04P118 # الجبال والأحجار والمعادن وكيف جعل الأرض قطعا متجاورات مختلفة فإن فتشت ~~علمت أن رغيفا واحدا لا يستدير بحيث يصلح لأكلك يا مسكين مالم يعمل عليه ~~أكثر من ألف صانع فابتدىء من الملك الذي يزجي السحاب لينزل الماء إلى آخر ~~الأعمال من جهة الملائكة حتى تنتهى النوبة إلى عمل الإنسان فإذا استدار ~~طلبه قريب من سبعة آلاف صانع كل صانع أصل ms2050 من أصول الصنائع التي بها تتم ~~مصلحة الخلق ثم تأمل كثرة أعمال الإنسان في تلك الآلات حتى إن الإبرة التي ~~هي آلة صغيرة فائدتها خياطة اللباس الذي يمنع البرد عنك لا تكمل صورتها من ~~حديدة تصلح للإبرة إلا بعد أن تمر على يد الإبري خمسا وعشرين مرة ويتعاطى ~~في كل مرة منها عملا فلو لم يجمع الله تعالى البلاد ولم يسخر العباد ~~وافتقرت إلى عمل المنجل الذي تحصد به البر مثلا بعد نباته لنفذ عمرك وعجزت ~~عنه أفلا ترى كيف هدى الله عبده الذي خلقه من نطفة قذرة لأن يعمل هذه ~~الأعمال العجيبة والصنائع الغريبة فانظر إلى المقراض مثلا وهما جلمان ~~متطابقان ينطبق أحدهما على الآخر فيتناولان الشيء معا ويقطعانه بسرعة ولو ~~لم يكشف الله تعالى طريق اتخاذه بفضله وكرمه لمن قبلنا وافتقرنا إلى ~~استنباط الطريق فيه بفكرنا ثم إلى استخراج الحديد من الحجر وإلى تحصيل ~~الآلات التي بها يعمل المقراض وعمر الواحد منا عمر نوح وأوتي أكمل العقول ~~لقصر عمره عن استنباط الطريق في إصلاح هذه الآلة وحدها فضلا عن غيرها ~~فسبحان من الحق ذوي الأبصار بالعميان وسبحان من منع النبيين مع هذا البيان ~~فانظر الآن لو خلا بلدك عن الطحان مثلا أو عن الحداد أو عن الحجام الذي هو ~~أخس العمال أو عن الحائك أو عن واحد من جملة الصناع ماذا يصيبك من الأذى ~~وكيف تضطرب عليك أمورك كلها فسبحان من سخر بعض العباد لبعض حتى نفذت به ~~مشيئته وتمت به حكمته ولنوجز القول في هذه الطبقة أيضا فإن الغرض التنبيه ~~على النعم دون الاستقصاء ### |||||| الطرف السابع في إصلاح المصلحين # اعلم أن هؤلاء الصناع المصلحين للأطعمة وغيرها لو تفرقت آراؤهم وتنافرت ~~طباعهم تنافر طباع الوحش لتبددوا وتباعدوا ولم ينتفع بعضهم ببعض بل كانوا ~~كالوحوش لا يحويهم مكان واحد ولا يجمعهم غرض واحد فانظر كيف ألف الله تعالى ~~بين قلوبهم وسلط الأنس والمحبة عليهم {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت ~~بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} فلأجل ms2051 الإلف وتعارف الأرواح اجتمعوا ~~وائتلفوا وبنوا المدن والبلاد ورتبوا المساكن والدور متقاربة متجاورة ~~ورتبوا الأسواق والخانات وسائر أصناف البقاع مما يطول إحصاؤه ثم هذه المحبة ~~تزول بأغراض يتزاحمون عليها ويتنافسون فيها ففي جبلة الإنسان الغيظ والحسد ~~والمنافسة وذلك مما يؤدي إلى التقاتل والتنافر فانظر كيف سلط الله تعالى ~~السلاطين وأمدهم بالقوة والعدة والأسباب وألقى رعبهم في قلوب الرعايا حتى ~~أذعنوا لهم طوعا وكرها وكيف هدى السلاطين إلى طريق إصلاح البلاد حتى رتبوا ~~أجزاء البلد كأنها أجزاء شخص واحد تتعاون على غرض واحد ينتفع البعض منها ~~بالبعض فرتبوا الرؤساء والقضاة والسجن وزعماء الأسواق واضطروا الخلق إلى ~~قانون العدل وألزموهم التساعد والتعاون حتى صار الحداد ينتفع بالقصاب ~~والخباز وسائر أهل البلد وكلهم ينتفعون بالحداد وصار الحجام ينتفع بالحراث ~~والحراث بالحجام وينتفع كل واحد بكل واحد بسبب ترتيبهم واجتماعهم وانضباطهم ~~تحت ترتيب السلطان وجمعه كما يتعاون جميع أعضاء البدن وينتفع بعضها ببعض ~~وانظر كيف بعث الأنبياء عليهم السلام حتى أصلحوا السلاطين المصلحين للرعايا ~~وعرفوهم قوانين الشرع في حفظ العدل بين الخلق وقوانين السياسة في ضبطهم ~~وكشفوا من أحكام الإمامة والسلطنة وأحكام الفقه PageV04P119 # ما اهتدوا به إلى إصلاح الدنيا فضلا عما أرشدوهم إليه من إصلاح الدين ~~وانظر كيف أصلح الله تعالى الأنبياء بالملائكة وكيف أصلح الملائكة بعضهم ~~ببعض إلى أن ينتهي إلى الملك المقرب الذى لاواسطه بينه وبين الله تعالى ~~فالخباز يخبز العجين والطحان يصلح الحب بالطحن والحراث يصلحه بالحصاد ~~والحداد يصلح آلات الحراثة والنجار يصلح آلات الحداد وكذا جميع أرباب ~~الصناعات المصلحين لآلات الأطعمة والسلطان يصلح الصناع والأنبياء يصلحون ~~العلماء الذين هم ورثتهم والعلماء يصلحون السلاطين والملائكة يصلحون ~~الأنبياء إلى أن ينتهي إلى حضرة الربوبية التي هي ينبوع كل نظام ومطلع كل ~~حسن وجمال ومنشأ كل ترتيب وتأليف وكل ذلك نعم من رب الأرباب ومسبب الأسباب ~~ولولا فضله وكرمه إذ قال تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} لما ~~اهتدينا إلى هذه النبذة اليسيرة من نعم الله تعالى ولولا عزله إيانا عن أن ~~نطمح ms2052 بعين الطمع إلى الإحاطة بكنه نعمه لتشوفنا إلى طلب الإحاطة والاستقصاء ~~ولكنه تعالى عزلنا بحكم القهر والقدرة فقال تعالى {وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها} فإن تكلمنا فبإذنه انبسطنا وإن سكنا فبقهره انقبضنا إذ لا معطي لما ~~منع ولا مانع لما أعطى لأنا في كل لحظة من لحظات العمر قبل الموت نسمع بسمع ~~القلوب نداء الملك الجبار {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} فالحمد لله ~~الذي ميزنا عن الكفار وأسمعنا هذا النداء قبل انقضاء الأعمار ### |||||| الطرف الثامن في بيان نعمة الله تعالى في خلق الملائكة عليهم السلام # ليس يخفى عليك ما سبق من نعمة الله في خلق الملائكة بإصلاح الأنبياء ~~عليهم السلام وهدايتهم وتبليغ الوحي إليهم ولا تظنن أنهم مقتصرون في ~~أفعالهم على ذلك القدر بل طبقات الملائكة مع كثرتها وترتيب مراتبها تنحصر ~~بالجملة في ثلاث طبقات الملائكة الأرضية والسماوية وحملة العرش فانظر كيف ~~وكلهم الله تعالى بك فيما يرجع إلى الأكل والغذاء الذي ذكرناه دون ما يجاوز ~~ذلك من الهداية والإرشاد وغيرهما واعلم أن كل جزء من أجزاء بدنك بل من ~~أجزاء النبات لا يغتذي إلا بأن يوكل به سبعة من الملائكة هو أقله إلى عشرة ~~إلى مائة إلى ما وراء ذلك وبيانه أن معنى الغذاء أن يقوم جزء من الغذاء ~~مقام جزء وقد تلف وذلك الغذاء يصير دما في آخر الأمر ثم يصير لحما وعظما ~~وإذا صار لحما وعظما تم اغتذاؤك والدم واللحم أجسام ليس لها قدرة ومعرفة ~~واختيار فهي لا تتحرك بأنفسها ولا تتغير بأنفسها ومجرد الطبع لا يكفي في ~~ترددها في أطوارها كما أن البر بنفسه لا يصير طحينا ثم عجينا ثم خبزا ~~مستديرا مخبوزا إلا بصناع فكذلك الدم بنفسه لا يصير لحما وعظما وعروقا ~~وعصبا إلا بصناع والصناع في الباطن هم الملائكة كما أن الصناع في الظاهر هم ~~أهل البلد وقد أسبغ الله تعالى عليك نعمه ظاهرة وباطنة فلا ينبغي أن تغفل ~~عن نعمه الباطنة فأقول لا بد من ملك يجذب الغذاء إلى جوار اللحم ms2053 والعظم فإن ~~الغذاء لا يتحرك بنفسه ولا بد من ملك آخر يمسك الغذاء في جواره ولا بد من ~~ثالث يخلع عليه صورة الدم ولا بد من رابع يكسوه صورة اللحم والعروق أو ~~العظم ولا بد من خامس يدفع الفضل الفاضل عن حاجة الغذاء ولا بد من سادس ~~يلصق ما اكتسب صفة العظم بالعظم وما اكتسب صفة اللحم باللحم حتى لا يكون ~~منفصلا ولا بد من سابع يرعى المقادير في الإلصاق فيلحق بالمستدير ما لا ~~يبطل استدارته وبالعريض ما لا يزيل عرضه وبالمجوف ما لا يبطل تجويفه ويحفظ ~~على كل واحد قدر حاجته فإنه لو جمع مثلا من الغذاء على أنف الصبي ما يجمع ~~على فخذه لكبر أنفه وبطل تجويفه وتشوهت صورته وخلقته بل ينبغي أن يسوق إلى ~~الأجفان مع رقتها وإلى الحدقة مع صفائها وإلى الأفخاذ مع غلظها وإلى العظم ~~مع صلابته ما يليق بكل واحد منها من حيث القدر والشكل وإلا بطلت الصورة PageV04P120 # وربا بعض المواضع وضعف بعض المواضع بل لو لم يراع هذا الملك العادل في ~~القسمة والتقسيط فساق إلى رأس الصبي وسائر بدنه من الغذاء ما ينمو به إلا ~~إحدى الرجلين مثلا لبقيت تلك الرجل كما كانت في حد الصغر وكبر جميع البدن ~~فكنت ترى شخصا في ضخامة رجل وله رجل واحدة كأنها رجل صبي فلا ينتفع بنفسه ~~البتة فمراعاة هذه الهندسة في هذه القسمة مفوضة إلى ملك من الملائكة ولا ~~تظنن أن الدم بطبعه يهندس شكل نفسه فإن محيل هذه الأمور على الطبع جاهل لا ~~يدري ما يقول فهذه هي الملائكة الأرضية وقد شغلوا بك وأنت في النوم تستريح ~~وفي الغفلة تتردد وهم يصلحون الغذاء في باطنك ولا خبر لك منهم وذلك في كل ~~جزء من أجزائك الذي لا يتجزأ حتى يفتقر بعض الأجزاء كالعين والقلب إلى أكثر ~~من مائة ملك تركنا تفصيل ذلك للإيجاز والملائكة الأرضية مددهم من الملائكة ~~السماوية على ترتيب معلوم لا يحيط بكنهه إلا الله تعالى ومدد الملائكة ~~السماوية من حملة العرش ms2054 والمنعم على جملتهم بالتأييد والهداية والتسديد ~~المهيمن القدوس المنفرد بالملك والملكوت والعزة والجبروت جبار السموات ~~والأرض مالك الملك ذو الجلال والإكرام والأخبار الواردة في الملائكة ~~الموكلين بالسموات والأرض وأجزاء النبات والحيوانات حتى كل قطرة من المطر ~~وكل سحاب ينجر من جانب إلى جانب (1) أكثر من أن تحصى فلذلك تركنا الاستشهاد ~~به # فإن قلت فهلا فوضت هذه الأفعال إلى ملك واحد ولم أفتقر إلى سبعة أملاك ~~والحنطة أيضا تحتاج إلى من يطحن أولا ثم إلى من يميز عنه النخالة ويدفع ~~الفضلة ثانيا ثم إلى من يصب الماء عليه ثالثا ثم إلى من يعجن رابعا ثم إلى ~~من يقطعه كرات مدورة خامسا ثم إلى من يرقها رغفانا عريضة سادسا ثم إلى من ~~يلصقها بالتنور سابعا ولكن قد يتولى جميع ذلك رجل واحد يستقل به فهلا كانت ~~أعمال الملائكة باطنا كأعمال الإنس ظاهرا فاعلم أن خلقة الملائكة تخالف ~~خلقة الإنس وما من واحد منهم إلا وهو وحداني الصفة ليس فيه خلط وتركيب ~~البتة فلا يكون لكل واحد منهم إلا فعل واحد وإليه الإشارة بقوله تعالى وما ~~منا إلا وله مقام معلوم فلذلك ليس بينهم تنافس وتقاتل بل مثالهم في تعين ~~مرتبة كل واحد منهم وفعله مثال الحواس الخمس فإن البصر لا يزاحم السمع في ~~إدراك الأصوات ولا الشم يزاحمها ولا هما يتنازعان الشم وليس كاليد والرجل ~~فإنك قد تبطش بأصابع الرجل بطشا ضعيفا فتزاحم به اليد وقد تضرب غيرك برأسك ~~فتزاحم اليد التي هي آلة الضرب ولا كالإنسان الواحد الذي يتولى بنفسه الطحن ~~والعجن والخبز فإن هذا نوع من الاعوجاج والعدول عن العدل سببه اختلاف صفات ~~الإنسان واختلاف دواعيه فإنه ليس وحداني الصفة فلم يكن وحداني الفعل ولذلك ~~نرى الإنسان يطيع الله مرة ويعصيه أخرى لاختلاف دواعيه وصفاته وذلك غير ~~ممكن في طباع الملائكة بل هم مجبولون على الطاعة PageV04P121 # ضي الله عنه ضي الله عنه عليه السلام ضي الله عنه ضي الله عنه ضي الله ~~عنه لا مجال للمعصية في حقهم فلا جرم ms2055 لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون ويسبحون الليل والنهار لا يفترون والراكع منهم راكع أبدا والساجد ~~منهم ساجد أبدا والقائم قائم أبدا لا اختلاف في أفعالهم ولا فتور ولكل واحد ~~مقام معلوم لا يتعداه وطاعتهم لله تعالى من حيث لا مجال للمخالفة فيهم يمكن ~~أن تشبه بطاعة أطرافك لك فإنك مهما جزمت الإرادة بفتح الأجفان لم يكن للجفن ~~الصحيح تردد واختلاف في طاعتك مرة ومعصيتك أخرى بل كأنه منتظر لأمرك ونهيك ~~ينفتح وينطبق متصلا بإشارتك فهذا يشبهه من وجه ولكن يخالفه من وجه إذ الجفن ~~لا علم له بما يصدر منه من الحركة فتحا وإطباقا والملائكة أحياء عالمون بما ~~يعملون فإذن هذه نعمة الله عليك في الملائكة الأرضية والسماوية وحاجتك ~~إليها في غرض الأكل فقط دون ما عداها من الحركات والحاجات كلها فإنا لم ~~نطول بذكرها فهذه طبقة أخرى من طبقات النعم ومجامع الطبقات لا يمكن إحصاؤها ~~فكيف آحاد ما يدخل تحت مجامع الطبقات فإذن قد أسبغ الله تعالى نعمه عليك ~~ظاهرة وباطنة ثم قال وذروا ظاهر الإثم وباطنه فترك باطن الإثم مما لا يعرفه ~~الخلق من الحسد وسوء الظن والبدعة وإضمار الشر للناس إلى غير ذلك من آثام ~~القلوب هو الشكر للنعم الباطنة وترك الإثم الظاهر بالجوارح شكر للنعمة ~~الظاهرة بل أقول كل من عصى الله تعالى ولو فى طريفة واحدة بأن فتح جفنه ~~مثلا حيث يجب غض البصر فقد كفر كل نعمة لله تعالى عليه في السموات والأرض ~~وما بينهما فإن كل ما خلقه الله تعالى حتى الملائكة والسموات والأرض ~~والحيوانات والنبات بجملته نعمة على كل واحد من العباد قد نم به انتفاعه ~~وإن انتفع غيره أيضا به فإن لله تعالى في كل تطريفة بالجفن نعمتين في نفس ~~الجفن إذ خلق تحت كل جفن عضلات ولها أوتار ورباطات متصلة بأعصاب الدماغ بها ~~يتم انخفاض الجفن الأعلى وارتفاع الجفن الأسفل وعلى كل جفن شعور سود ونعمة ~~الله تعالى في سوادها أنها تجمع ضوء العين إذ البياض يفرق ms2056 الضوء والسواد ~~يجمعه ونعمة الله تعالى في ترتيبها صفا واحدا أن يكون مانعا للهوام من ~~الدبيب إلى باطن العين ومتشبثا للأفذاء التي تتناثر في الهواء وله في كل ~~شعرة منها نعمتان من حيث لين أصلها ومع اللين قوام نصبها وله في اشتباك ~~الأهداب نعمة أعظم من الكل وهو أن غبار الهواء قد يمنع من فتح العين ولو ~~طبق لم يبصر فيجمع الأجفان مقدار ما تتشابك الأهداب فينظر من وراء شباك ~~الشعر فيكون شباك الشعر مانعا من وصول القذى من خارج وغير مانع من امتداد ~~البصر من داخل ثم إن أصاب الحدقة غبار فقد خلق أطراف الأجفان خادمة منطبقة ~~على الحدقة كالمصقلة للمرآة فيطبقها مرة أو مرتين وقد انصقلت الحدقة من ~~الغبار وخرجت الأقذاء إلى زوايا العين والأجفان والذباب لما لم يكن لحدقته ~~جفن خلق له يدين فتراه على الدوام يمسح بهما حدقتيه ليصقلهما من الغبار وإذ ~~تركنا الاستقصاء لتفاصيل النعم لافتقاره إلى تطويل يزيد على أصل هذا الكتاب ~~ولعلنا نستأنف له كتابا مقصودا فيه إن أمهل الزمان وساعد التوفيق نسميه ~~عجائب صنعالله تعالى فلنرجع إلى غرضنا فنقول من نظر إلى غير محرم فقد كفر ~~بفتح العين نعمة الله تعالى في الأجفان ولا تقوم الأجفان إلا بعين ولا ~~العين إلا برأس ولا الرأس إلا بجميع البدن ولا البدن إلا بالغذاء ولا ~~الغذاء إلا بالماء والأرض والهواء والمطر والغيم والشمس والقمر ولا يقوم ~~شيء من ذلك إلا بالسموات ولا السموات إلا بالملائكة فإن الكل كالشيء الواحد ~~يرتبط البعض منه بالبعض ارتباط أعضاء البدن بعضها ببعض فإذن قد كفر كل نعمة ~~في الوجود من منتهى الثريا إلى منتهى الثرى فلم يبق فلك ولا ملك ولا حيوان ~~ولا نبات ولا جماد إلا ويلعنه ولذا ورد في الأخبار إن البقعة التي يجتمع ~~فيها الناس إما أن تلعنهم إذا تفرقوا أو تستغفر لهم (1) وكذلك ورد أن ~~العالم يستغفر PageV04P122 # عليه السلام عليه السلام عليه السلام ضي الله عنه له كل شيء حتى الحوت فى ~~البحر (1) وأن الملائكة ms2057 يلعنون العصاة (2) في ألفاظ كثيرة لا يمكن إحصاؤها ~~وكل ذلك إشارة إلى أن العاصيبتطريفة واحدة جنى على جميع ما في الملك ~~والملكوت وقد أهلك نفسه إلا أن يتبع السيئة بحسنة تمحوها فيتبدل اللعن ~~بالاستغفار فعسى الله أن يتوب عليه ويتجاوز عنه وأوحى الله تعالى إلى أيوب ~~عليه السلام يا أيوب ما من عبد لي من الآدميين إلا ومعه ملكان فإذا شكرني ~~على نعمائى قال الملكان اللهم زده نعما على نعم فإنك أهل الحمد والشكر فكن ~~من الشاكرين قريبا فكفى بالشاكرين علو رتبة وعندي أني أشكر شكرهم وملائكتي ~~يدعون لهم والبقاع تحبهم والآثار تبكي عليهم # وكما عرفت أن في كل طرفة عين نعما كثيرة فاعلم أن في كل نفس ينبسط وينقبض ~~نعمتين إذ بانبساطه يخرج الدخان المحترق من القلب ولو لم يخرج لهلك ~~وبانقباضه يجمع روح الهواء إلى القلب ولو سد متنفسه لاحترق قلبه بانقطاع ~~روح الهواء وبرودته عنه وهلك بل اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة وفي كل ~~ساعة قريب من ألف نفس وكل نفس قريب من عشر لحظات فعليك في كل لحظة آلاف ~~آلاف نعمة في كل جزء من أجزاء بدنك بل في كل جزء من أجزاء العالم فانظر هل ~~يتصور إحصاء ذلك أم لا ولما انكشف لموسى عليه السلام حقيقة قوله تعالى وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها قال إلهي كيف أشكرك ولك في كل شعرة من جسدي ~~نعمتان أن لينت أصلها وأن طمست رأسها وكذا ورد في الأثر أن من لم يعرف نعم ~~الله في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه # وجميع ما ذكرناه يرجع إلى المطعم والمشرب فاعتبر ما سواه من النعم به فإن ~~البصير لا تقع عينه في العالم على شيء ولا يلم خاطره بموجود إلا ويتحقق أن ~~لله فيه نعمة عليه فلنترك الاستقصاء والتفصيل فإنه طمع في غير مطمع ### ||||| بيان السبب الصارف للخلق عن الشكر # اعلم أنه لم يقصر بالخلق عن شكر النعمة إلا الجهل والغفلة فإنهم منعوا ~~بالجهل والغفلة عن معرفة النعم ولا ms2058 يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفتها ثم ~~إنهم إن عرفوا نعمة ظنوا أن الشكر عليها أن يقول بلسانه الحمد لله الشكر ~~لله ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن يستعمل النعمة في إتمام الحكمة التي أريدت ~~بها وهي طاعة الله عز وجل فلا يمنع من الشكر بعد حصول هاتين المعرفتين إلا ~~غلبة الشهوة واستيلاء الشيطان # أما الغفلة عن النعم فلها أسباب وأحد أسبابها أن الناس يجهلهم لا يعدون ~~ما يعم الخلق ويسلم لهم في جميع أحوالهم نعمة فلذلك لا يشكرون على جملة ما ~~ذكرناه من النعم لأنها عامة للخلق مبذولة لهم في جميع أحوالهم فلا يرى كل ~~واحد لنفسه منهم اختصاصا به فلا يعده نعمة ولا تراهم يشكرون الله على روح ~~الهواء ولو أخذ بمختنقهم لحظة حتى انقطع الهواء عنهم ماتوا ولو حبسوا في ~~بيت حمام فيه هواء حار أو في بئر فيه هواء ثقل برطوبة الماء ماتوا غما فإن ~~ابتلى واحد منهم بشيء من ذلك ثم نجا ربما قدر ذلك نعمة وشكر الله عليها ~~وهذا غاية الجهل إذ صار شكرهم موقوفا على أن تسلب عنهم النعمة ثم ترد عليهم ~~في بعض الأحوال والنعمة في جميع الأحوال أولى بأن تشكر في بعضها فلا ترى ~~البصير يشكر صحة بصره إلا أن تعمى عينيه فعند ذلك لو أعيد عليه بصره ~~PageV04P123 # أحس به وشكره وعده نعمة ولما كانت رحمة الله واسعة عمم الخلق وبذل لهم في ~~جميع الأحوال فلم يعده الجاهل نعمة وهذا الجاهل مثل العبد السوء حقه أن ~~يضرب دائما حتى إذا ترك ضربه ساعة تقلد به منة فإن ترك ضربه على الدوام ~~غلبه البطر وترك الشكر فصار الناس لا يشكرون إلا المال الذي يتطرق الاختصاص ~~إليه من حيث الكثرة والقلة وينسون جميع نعم الله تعالى عليهم كما شكا بعضهم ~~فقره إلى بعض أرباب البصائر وأظهر شدة اغتمامه به فقال له أيسرك أنك أعمى ~~ولك عشرة آلاف درهم فقال لا فقال أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف درهم فقال ~~لا فقال أيسرك أن ms2059 أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفا فقال لا فقال أيسرك ~~أنك مجنون ولك عشر آلاف درهم فقال لا فقال أما تستحي أن تشكو مولاك وله ~~عندك عروض بخمسين ألفا # وحكي أن بعض القراء اشتد به الفقر حتى ضاق به ذرعا فرأى في المنام كأن ~~قائلا يقول له تود أنا أنسيناك من القرآن سورة الأنعام وأن لك ألف دينار ~~قال لا قال فسورة هود قال لا قال فسورة يوسف قال لا فعدد عليه سورا ثم قال ~~فمعك قيمة مائة ألف دينار وأنت تشكو فأصبح وقد سري عنه # ودخل ابن السماك على بعض الخلفاء وبيده كوز ماء يشربه فقال له عظني فقال ~~لو لم تعط هذه الشربة إلا ببذل جميع أموالك وإلا بقيت عطشان فهل كنت تعطيه ~~قال نعم فقال لو لم تعط إلا بملكك كله فهل كنت تتركه قال نعم قال فلا تفرح ~~بملك لا يساوي شربة ماء # فهذا تبين أن نعمة الله تعالى على العبد في شربة ماء عند العطش أعظم من ~~ملك الأرض كلها وإذا كانت الطباع مائلة إلى اعتداد النعمة الخاصة دون ~~العامة وقد ذكرنا النعم العامة فلنذكر إشارة وجيزة إلى النعم الخاصة فنقول ~~ما من عبد إلا ولو أمعن النظر في أحواله رأى من الله نعمة أو نعما كثيرة ~~تخصه لا يشاركه فيها الناس كافة بل يشاركه عدد يسير من الناس وربما لا ~~يشاركه فيها أحد وذلك يعترف به كل عبد في ثلاثة أمور في العقل والخلق ~~والعلم # أما العقل فما من عبد لله تعالى إلا وهو راض عن الله في عقله يعتقد أنه ~~أعقل الناس وقل من يسأل الله العقل وإن من شرف العقل أن يفرح به الخالي عنه ~~كما يفرح به المتصف به فإذا كان اعتقاده أنه أعقل الناس فواجب عليه أن ~~يشكره لأنه إن كان كذلك فالشكر واجب عليه وإن لم يكن ولكنه يعتقد أنه كذلك ~~فهو نعمة في حقه فمن وضع كنزا تحت الأرض فهو يفرح به ويشكره عليه فإن أخذ ~~الكنز من ms2060 حيث لا يدري فيبقى فرحه بحسب اعتقاده ويبقى شكره لأنه في حقه ~~كالباقي # وأما الخلق فما من عبد إلا ويرى من غيره عيوبا يكرهها وأخلاقا يذمها ~~وإنما يذمها من حيث يرى نفسه بريئا عنها فإذا لم يشتغل بذم الغير فينبغي أن ~~يشتغل بشكر الله تعالى إذ حسن خلقه وابتلى غيره بالخلق السىء # وأما العلم فما من أحد إلا ويعرف بواطن أمور نفسه وخفايا أفكاره وما هو ~~منفرد به ولو كشف الغطاء حتى اطلع عليه أحد من الخلق لافتضح فكيف لو اطلع ~~الناس كافة فإذن لكل عبد علم بأمر خاص لا يشاركه فيه أحد من عباد الله فلم ~~لا يشكر ستر الله الجميل الذي أرسله على وجه مساويه فأظهر الجميل وستر ~~القبيح وأخفى ذلك عن أعين الناس وخصص علمه به حتى لا يطلع عليه أحد فهذه ~~ثلاثة من النعم خاصة يعترف بها كل عبد إما مطلقا وأما في بعض الأمور فلننزل ~~عن هذه الطبقة إلى طبقة أخرى أعم منها قليلا فنقول ما من عبد إلا وقد رزقه ~~الله تعالى في صورته أو شخصه أو أخلاقه أو صفاته أو أهله أو ولده أو مسكنه ~~أو بلده أو رفيقه أو أقاربه أو عزه أو جاهه أو في سائر محابه أمورا PageV04P124 # لو سلب ذلك منه وأعطي ما خصص به غيره لكان لا يرضى به وذلك مثل أن جعله ~~مؤمنا لا كافرا وحيا لا جمادا وإنسانا لا بهيمة وذكرا لا أنثى وصحيحا لا ~~مريضا وسليما لا معيبا فإن كل هذه خصائص وإن كان فيها عموم أيضا فإن هذا ~~الأحوال لو بدلت بأضدادها لم يرض بها بل له أمور لا يبدلها بأحوال الآدميين ~~أيضا وذلك إما أن يكون بحيث لا يبدله بما خص به أحد من الخلق أو لا يبدله ~~بما خص به الأكثر فإذا كان لا يبدل حال نفسه بحال غيره فإذن حاله أحسن من ~~حال غيره وإذا كان لا يعرف شخص يرتضي لنفسه حالة بدلا عن حال نفسه إما على ~~الجملة وإما في أمر ms2061 خاص فإذن لله عليه نعم ليست له على أحد من عباده سواه ~~وإن كان يبدل حال نفسه بحال بعضهم دون البعض فلينظر إلى عدد المغبوطين عنده ~~فإنه لا محالة يراهم أقل بالإضافة إلى غيرهم فيكون من دونه في الحال أكثر ~~بكثير مما هو فوقه فما باله ينظر إلى من فوقه ليزدري نعم الله تعالى على ~~نفسه ولا ينظر إلى من دونه ليستعظم نعم الله عليه وما باله لا يسوي دنياه ~~بدينه أليس إذا لامته نفسه على سيئة يقارفها يعتذر إليها بأن في الفساق ~~كثرة فينظر أبدا في الدين إلى من دونه لا إلى من فوقه فلم لا يكون نظره في ~~الدنيا كذلك فإذا كان حال أكثر الخلق فى الدين خيرا منه وحاله في الدنيا ~~خير من حال أكثر الخلق فكيف لا يلزمه الشكر وإذا قال صلى الله عليه وسلم من ~~نظر في الدنيا إلى من هو دونه ونظر في الدين إلى من هو فوقه كتبه الله ~~صابرا وشاكرا ومن نظر في الدنيا إلى من هو فوقه وفي الدين إلى من هو دونه ~~لم يكتبه الله صابرا ولا شاكرا (1) حديث من أتاه الله القرآن فظن أن أحدا ~~أغنى منه فقد استهزأ بآيات الله أخرجه البخارى فى التاريخ من حديث رجاء ~~الفنوي بلفظ من آتاه الله حفظ كتابه وظن أن أحدا أوتي أفضل مما أوتى فقد ~~صغر أعظم النعم وقد تقدم فى فضل القرآن ورجاء مختلف فى صحبته وورد من حديث ~~عبد الله بن عمرو وجابر والبراء نحوه وكلها ضعيفة (2) حديث ليس منا من لم ~~يتغنى بالقرآن تقدم فى أداب التلاوة (3) حديث كفى باليقين غنى رواه ~~الطبرانى من حديث عقبة بن عامر ورواه ابن أبى الدنيا فى القناعة موقوفا ~~عليه وقد تقدم // وقال بعض السلف يقول الله تعالى في بعض الكتب المنزلة إن ~~عبدا أغنيته عن ثلاثة لقد أتممت عليه نعمتي عن سلطان يأتيه وطبيب يداويه ~~وعما في يد أخيه وعبر الشاعر عن هذا فقال # إذا ما القوت يأتيك ... كذا الصحة والأمن ms2062 # وأصبحت أخا حزن ... فلا فارقك الحزن PageV04P125 # بل أرشق العبارات وأفصح الكلمات كلام أفصح من نطق بالضاد حيث عبر صلى ~~الله عليه وسلم عن هذا المعنى فقال من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه ~~عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها (1) ومهما تأملت الناس كلهم ~~وجدتهم يشكون ويتألمون من أمور وراء هذه الثلاث مع أنها وبال عليهم ولا ~~يشكرون نعمة الله في هذه الثلاث ولا يشكرون نعمة الله عليهم في الإيمان ~~الذي به وصولهم إلى النعيم المقيم والملك العظيم بل البصير بنبغى أن لا ~~يفرح إلا بالمعرفة واليقين والإيمان بل نحن نعلم من العلماء من لو سلم إليه ~~جميع ما دخل تحت قدرة ملوك الأرض من المشرق إلى المغرب من أموال وأتباع ~~وأنصار وقيل له خذها عوضا عن علمك بل عن عشر عشير علمك لم يأخذه وذلك ~~لرجائه أن نعمة العلم تفضي به إلى قرب الله تعالى في الآخرة بل لو قيل له ~~لك في الآخرة ما ترجوه بكماله فخذ هذه اللذات في الدنيا بدلا عن التذاذك ~~بالعلم في الدنيا وفرحك به لكان لا يأخذه لعلمه بأن لذة العلم دائمة لا ~~تنقطع وباقية لا تسرق ولا تعصب ولا ينافس فيها وأنها صافية لا كدورة فيها ~~ولذات الدنيا كلها ناقصة مكدرة مشوشة لا يفي مرجوها بمخوفها ولا لذتها ~~بألمها ولا فرحها بغمها هكذا كانت إلى الآن وهكذا تكون ما بقي من الزمان إذ ~~ما خلقت لذات الدنيا إلا لتجلب بها العقول الناقصة وتخدع حتى إذا انخدعت ~~وتقيدت بها أبت عليها واستعصت كالمرأة الجميل ظاهرها تتزين للشاب الشبق ~~الغني حتى إذا تقيد بها قلبه استعصت عليه واحتجبت عنه فلا يزال معها في تعب ~~قائم وعناء دائم وكل ذلك باغتراره بلذة النظر إليها في لحظة ولو عقل وغض ~~البصر واستهان بتلك اللذة سلم جميع عمره فهكذا وقعت أرباب الدنيا في شباك ~~الدنيا وحبائلها ولا ينبغي أن نقول إن المعرض عن الدنيا متألم بالصبر عنها ~~فإن المقبل عليها أيضا متألم بالصبر عليها وحفظها ms2063 وتحصيلها ودفع اللصوص ~~عنها وتألم المعرض يفضي إلى لذة في الآخرة وتألم المقبل يفضي إلى الألم في ~~الآخرة فليقرأ المعرض عن الدنيا على نفسه قوله تعالى ولا تهنوا في ابتغاء ~~القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا ~~يرجون فإذن إنما انسد طريق الشكر على الخلق لجهلهم بضروب النعم الظاهرة ~~والباطنة والخاصة والعامة # فإن قلت فما علاج هذه القلوب الغافلة حتى تشعر بنعم الله تعالى فعساها ~~تشكر فأقول أما القلوب البصيرة فعلاجها التأمل فيما رمزنا إليه من أصناف ~~نعم الله تعالى العامة وأما القلوب البليدة التي لا تعد النعمة نعمة إلا ~~إذا خصتها أو شعرت بالبلاء معها فسبيله أن ينظر أبدا إلى من دونه ويفعل ما ~~كان يفعله بعض الصوفية إذ كان كل يوم يحضر دار المرضى والمقابر والمواضع ~~التي تقام فيها الحدود فكان يحضر دار المرضى ليشاهد أنواع بلاء الله تعالى ~~عليهم ثم يتأمل في صحته وسلامته فيشعر قلبه بنعمة الصحة عند شعوره ببلاء ~~الأمراض ويشكر الله تعالى ويشاهد الجناة الذين يقتلون وتقطع أطرافهم ~~ويعذبون بأنواع العذاب ليشكر الله تعالى على عصمته من الجنايات ومن تلك ~~العقوبات ويشكر الله تعالى على نعمة الأمن ويحضر المقابر فيعلم أن أحب ~~الأشياء إلى الموتى أن يردوا إلى الدنيا ولو يوما واحدا أما من عصى الله ~~تعالى فليتدارك وأما من أطاع فليزد في طاعته فإن يوم القيامة يوم التغابن ~~فالمطيع مغبون إذ يرى جزاء طاعته فيقول كنت أقدر على أكثر من هذه الطاعات ~~فما أعظم غبني إذ ضيعت بعض الأوقات فى المباحات وأما العاصي فغبنه ظاهر ~~فإذا شاهد المقابر وعلم أن أحب الأشياء إليهم أن يكون قد بقي لهم من العمر ~~ما بقي له فيصرف بقية العمر إلى ما يشتهي أهل القبور العود لأجله ليكون ذلك ~~معرفة لنعم الله تعالى في بقية العمر بل في الإمهال في كل نفس من الأنفاس ~~وإذا عرف تلك النعمة شكر بأن يصرف العمر إلى ما خلق العمر لأجله وهو التزود ~~من الدنيا ms2064 للآخرة فهذا علاج هذه القلوب الغافلة لتشعر بنعم الله تعالى ~~PageV04P126 # فعساها تشكر وقد كان الربيع بن خيثم مع تمام استبصاره يستعين بهذه الطريق ~~تأكيد اللمعرفة فكان قد حفر في داره قبرا فكان يضع غلا في عنقه وينام في ~~لحده ثم يقول رب أرجعون لعلي أعمل صالحا ثم يقوم ويقول يا ربيع قد أعطيت ما ~~سألت فاعمل قبل أن تسأل الرجوع فلا ترد # ومما ينبغي أن تعالج به القلوب البعيدة عن الشكر أن تعرف أن النعمة إذا ~~لم تشكر زالت ولم تعد ولذلك كان الفضيل بن عياض رحمه الله يقول عليكم ~~بملازمة الشكر على النعم فقل نعمة زالت عن القوم فعاذت إليهم وقال بعض ~~السلف النعم وحشية فقيدوها بالشكر وفي الخبر ما عظمت نعمة الله تعالى على ~~عبد إلا كثرت حوائج الناس إليه فمن تهاون بهم عرض تلك النعمة للزوال (1) ~~وقال الله سبحانه وتعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~فهذا تمام هذا الركن ### |||| الركن الثالث من كتاب الصبر والشكر فيما يشترك فيه الصبر والشكر ويرتبط أحدهما بالآخر ### ||||| بيان وجه اجتماع الصبر والشكر على شيء واحد # لعلك تقول ما ذكرته في النعم إشارة إلى إن لله تعالى في كل موجود نعمة ~~وهذا يشير إلى أن البلاء لا وجود له أصلا فما معنى الصبر إذن وإن كان ~~البلاء موجودا فما معنى الشكر على البلاء وقد ادعى مدعون أنا نشكر على ~~البلاء فضلا عن الشكر على النعمة فكيف يتصور الشكر على البلاء وكيف يشكر ~~على ما يصبر عليه والصبر على البلاء يستدعي ألما والشكر يستدعي فرحا وهما ~~يتضادان وما معنى ما ذكرتموه من أن لله تعالى في كل ما أوجده نعمة على ~~عباده فاعلم أن البلاء موجود كما أن النعمة موجودة والقول بإثبات النعمة ~~يوجب القول بإثبات البلاء لأنهما متضادان ففقد البلاء نعمة وفقد النعمة ~~بلاء ولكن قد سبق أن النعمة تنقسم إلى نعمة مطلقة من كل وجه أما في الآخرة ~~فكسعادة العبد بالنزول في جوار الله تعالى وأما ms2065 في الدنيا فكالإيمان وحسن ~~الخلق وما يعين عليهما وإلى نعمة مقيدة من وجه دون وجه كالمال الذي يصلح ~~الدين من وجه ويفسده من وجه فكذلك البلاء ينقسم إلى مطلق ومقيد أما المطلق ~~في الآخرة فالبعد من الله تعالى إما مدة وإما أبدا # وأما في الدنيا فالكفر والمعصية وسوء الخلق وهي التي تفضي إلى البلاء ~~المطلق # وأما المقيد فكالفقر والمرض والخوف وسائر أنواع البلاء التي لا تكون بلاء ~~في الدين بل في الدنيا فالشكر المطلق للنعمة المطلقة وأما البلاء المطلق في ~~الدنيا فقد لا يؤمر بالصبر عليه لأن الكفر بلاء ولا معنى للصبر عليه وكذا ~~المعصية بل حق الكافر أن يترك كفره وكذا حق العاصي نعم الكافر قد لا يعرف ~~أنه كافر فيكون كمن به علة وهو لا يتألم بسبب غشية أو غيرها فلا صبر عليها ~~والعاصي يعرف أنه عاص فعليه ترك المعصية بل كل بلاء يقدر الإنسان على دفعه ~~فلا يؤمر بالصبر عليه فلو ترك الإنسان الماء مع طول العطش حتى عظم تألمه ~~فلا يؤمر بالصبر عليه بل يؤمر بإزالة الألم وإنما الصبر على ألم ليس إلى ~~العبد إزالته فإذن يرجع الصبر في الدنيا إلى ما ليس ببلاء مطلق بل يجوز أن ~~يكون نعمة من وجه فلذلك يتصور أن يجتمع عليه وظيفة الصبر والشكر فإن الغنى ~~مثلا يجوز أن يكون PageV04P127 # سببا لهلاك الإنسان حتى يقصد بسبب ما له فيقتل وتقتل أولاده والصحة أيضا ~~كذلك فما من نعمة من هذه النعم الدنيوية إلا ويجوز أن تصير بلاء ولكن ~~بالإضافة إليه فكذلك ما من بلاء إلا ويجوز أن يصير نعمة ولكن بالإضافة إلى ~~حالة فرب عبد تكون الخيرة له في الفقر والمرض ولو صح بدنه وكثر ماله لبطر ~~وبغى قال الله تعالى ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض وقال تعالى ~~كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى وقال صلى الله عليه وسلم إن الله ليحمي ~~عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما يحمي أحدكم مريضه (1) وكذلك الزوجة ~~والولد والقريب وكل ms2066 ما ذكرناه في الأقسام الستة عشر من النعم سوى الإيمان ~~وحسن الخلق فإنها يتصور أن تكون بلاء في حق بعض الناس فتكون أضدادها إذن ~~نعما في حقهم إذ سبق أن المعرفة كمال ونعمة فإنها صفة من صفات الله تعالى ~~ولكن قد تكون على العبد في بعض الأمور بلاء ويكون فقدها نعمة مثاله جهل ~~الإنسان بأجله فإنه نعمة عليه إذ لو عرفه ربما تنغص عليه العيش وطال بذلك ~~غمه وكذلك جهله بما يضمره الناس عليه من معارفه وأقاربه نعمة عليه إذ لو ~~رفع الستر واطلع عليه لطال ألمه وحقده وحسده واشتغاله بالانتقام وكذلك جهله ~~بالصفات المذمومة من غيره نعمة عليه إذ لو عرفها أبغضه وآذاه وكان ذلك ~~وبالا عليه في الدنيا والآخرة بل جهله بالصفات المحمودة في غيره قد يكون ~~نعمة عليه فإنه ربما يكون وليا لله تعالى وهو يضطر إلى إيذائه وإهانته ولو ~~عرف ذلك وآذى كان إثمه لا محالة أعظم فليس من آذى نبيا أو وليا وهو يعرف ~~كمن آذى وهو لا يعرف ومنها إبهام الله تعالى أمر القيامة وإبهامه ليلة ~~القدر وساعة يوم الجمعة وإبهامه بعض الكبائر فكل ذلك نعمة لأن هذا الجهل ~~يوفر دواعيك على الطلب والاجتهاد فهذه وجوه نعم الله تعالى في الجهل فكيف ~~في العلم وحيث قلنا إن لله تعالى في كل موجود نعمة فهو حق وذلك مطرد في حق ~~كل أحد ولا يستثنى عنه بالظن إلا الآلام التي يخلقها في بعض الناس وهي أيضا ~~قد تكون نعمة في حق المتألم بها فإن لم تكن نعمة في حقه كالألم الحاصل من ~~المعصية كقطعه يد نفسه ووشمه بشرته فإنه يتألم به وهو عاص به وألم الكفار ~~في النار فهو أيضا نعمة ولكن في حق غيرهم من العباد لا في حقهم لأن مصائب ~~قوم عند قوم فوائد ولولا أن الله تعالى خلق العذاب وعذب به طائفة لما عرف ~~المتنعمون قدر نعمه ولو كثر فرحهم بها ففرح أهل الجنة إنما يتضاعف إذا ~~تفكروا في آلام أهل النار أما ms2067 ترى أهل الدنيا ليس يشتد فرحهم بنور الشمس مع ~~شدة حاجتهم إليه من حيث إنها عامة مبذولة ولا يشتد فرحهم بالنظر إلى زينة ~~السماء وهي أحسن من كل بستان لهم في الأرض يجتهدون في عمارته ولكن زينة ~~السماء لما عمت لم يشعروا بها ولم يفرحوا بسببها فإذن قد صح ما ذكرناه من ~~أن الله تعالى لم يخلق شيئا إلا وفيه حكمة ولا خلق شيئا إلا وفيه نعمة إما ~~على جميع عباده أو على بعضهم فإذن في خلق الله تعالى البلاء نعمة أيضا إما ~~على المبتلى أو على غير المبتلى فإذن كل حالة لا توصف بأنها بلاء مطلق ولا ~~نعمة مطلقة فيجتمع فيها على العبد وظيفتان الصبر والشكر جميعا # فإن قلت فهما متضادان فكيف يجتمعان إذ لا صبر إلا على غم ولا شكر إلا على ~~فرح فاعلم أن الشيء الوحيد قد يغتم به من وجه ويفرح به من وجه آخر فيكون ~~الصبر من حيث الاغتمام والشكر من حيث الفرح وفي كل فقر ومرض وخوف وبلاء في ~~الدنيا خمسة أمور ينبغي أن يفرح الغافل بها ويشكر عليها أحدها أن كل مصيبة ~~ومرض فيتصور أن يكون أكبر منها إذ مقدورات الله تعالى لا تتناهى فلو ضعفها ~~الله PageV04P128 # تعالى وزادها ماذا كان يرده ويحجزه فليشكر إذ لم تكن أعظم منها في الدنيا ~~الثاني أنه كان يمكن أن تكون مصيبته في دينه قال رجل لسهل رضي الله تعالى ~~عنه دخل اللص بيتي وأخذ متاعي فقال اشكر الله تعالى لو دخل الشيطان قلبك ~~فأفسد التوحيد ماذا كنت تصنع ولذلك استعاذ عيسى عليه الصلاة والسلام في ~~دعائه إذ قال اللهم لا تجعل مصيبتي في ديني وقال عمر بن الخطاب رضي الله ~~تعالى عنه ما ابتليت ببلاء إلا كان لله تعالى علي فيه أربع نعم إذ لم يكن ~~في ديني وإذ لم يكن أعظم منه وإذ لم أحرم الرضا به وإذ أرجو الثواب عليه ~~وكان لبعض أرباب القلوب صديق فحبسه السلطان فأرسل إليه يعلمه ويشكو إليه ~~فقال له ms2068 اشكر الله فضربه فأرسل إليه يعلمه ويشكو إليه فقال اشكر الله فجيء ~~بمجوسي فحبس عنده وكان مبطونا فقيد وجعل حلقة من قيده في رجله وحلقة في رجل ~~المجوسي فأرسل إليه فقال اشكر الله فكان المجوسي يحتاج إلى أن يقوم مرات ~~وهو يحتاج إلى أن يقوم معه ويقف على رأسه حتى يقضي حاجته فكتب إليه بذلك ~~فقال اشكر الله فقال إلى متى هذا وأي بلاء أعظم من هذا فقال لو جعل الزنار ~~الذي في وسطه على وسطك ماذا كنت تصنع فإذن ما من إنسان أصيب ببلاء إلا ولو ~~تأمل حق التأمل في سوء أدبه ظاهرا وباطنا في حق مولاه لكان يرى أنه يستحق ~~أكثر مما أصيب به عاجلا وآجلا ومن استحق عليك أن يضربك مائة سوط فاقتصر على ~~عشرة فهو مستحق للشكر ومن استحق عليك أن يقطع يديك فترك إحداهما فهو مستحق ~~للشكر ولذلك مر بعض الشيوخ في شارع فصب على رأسه طشت من رماد فسجد لله ~~تعالى سجدة الشكر فقيل له ما هذه السجدة فقال كنت أنتظر أن تصب علي النار ~~فالاقتصار على الرماد نعمة وقيل لبعضهم لا تخرج إلى الاستسقاء فقد احتبست ~~الأمطار فقال أنتم تستبطئون المطر وأنا أستبطىء الحجر # فإن قلت كيف أفرح وأرى جماعة ممن زادت معصيتهم على معصيتي ولم يصابوا بما ~~أصبت به حتى الكفار فاعلم أن الكافر قد خبىء له ما هو أكثر وإنما أمهل حتى ~~يستكثر من الإثم ويطول عليه العقاب كما قال تعالى إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما وأما المعاصي فمن أين تعلم أن في العالم من هو أعصى منه ورب خاطر بسوء ~~أدب في حق الله تعالى وفى صفاته أعظم وأطم من شرب الخمر والزنا وسائر ~~المعاصي بالجوارح ولذلك قال تعالى في مثله وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ~~فمن أين تعلم أن غيرك أعصى منك ثم لعله قد أخرت عقوبته إلى الآخرة وعجلت ~~عقوبتك في الدنيا فلم لا تشكر الله تعالى على ذلك وهذا هو الوجه الثالث في ~~الشكر وهو أنه ms2069 ما من عقوبة إلا وكان يتصور أن تؤخر إلى الآخرة ومصائب ~~الدنيا يتسلى عنها بأسباب أخر تهون المصيبة فيخف وقعها ومصيبة الآخرة تدوم ~~وإن لم تدم فلا سبيل إلى تخفيفها بالتسلي إذ أسباب التسلي مقطوعة بالكلية ~~في الآخرة عن المعذبين ومن عجلت عقوبته في الدنيا فلا يعاقب ثانيا إذ قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن العبد إذا أذنب ذنبا فأصابته شدة أو بلاء ~~في الدنيا فالله أكرم من أن يعذبه ثانيا (1) الرابع أن هذه المصيبة والبلية ~~كانت مكتوبة عليه في أم الكتاب وكان لا بد من وصولها إليه وقد وصلت ووقع ~~الفراغ واستراح من بعضها أو من جميعها فهذه نعمة الخامس أن ثوابها ~~PageV04P129 # أكثر منها فإن مصائب الدنيا طرق إلى الآخرة من وجهين أحدهما الوجه الذي ~~يكون به الدواء الكريه نعمة في حق المريض ويكون المنع من أسباب اللعب نعمة ~~حق الصبي فإنه لو خلي واللعب كان يمنعه ذلك عن العلم والأدب فكان يخسر جميع ~~عمره فكذلك المالى والأهل والأقارب والأعضاء حتى العين التي هي أعز الأشياء ~~قد تكون سببا لهلاك الإنسان في بعض الأحوال بل العقل الذي هو أعز الأمور قد ~~يكون سببا لهلاكه فالملحدة غدا يتمنون لو كانوا مجانين أو صبيانا ولم ~~يتصرفوا بعقولهم في دين الله تعالى فما من شيء من هذه الأسباب يوجد من ~~العبد إلا ويتصور أن يكون له فيه خيرة دينية فعليه أن يحسن الظن بالله ~~تعالى ويقدر فيه الخيرة ويشكره عليه فإن حكمة الله واسعة وهو بمصالح العباد ~~أعلم من العباد وغدا يشكره العباد على البلايا إذا رأوا ثواب الله على ~~البلايا كما يشكر الصبي بعد العقل والبلوغ أستاذه وأباه على ضربه وتأديبه ~~إذيدرك ثمرة ما استفاده من التأديب والبلاء من الله تعالى تأديب وعنايته ~~بعباده أتم وأوفر من عناية الآباء بالأولاد فقد روي أن رجلا قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أوصني قال لا تتهم الله في شيء قضاه عليك (1) ونظر صلى ~~الله عليه وسلم إلى السماء فضحك فسئل ms2070 فقال عجبت لقضاء الله تعالى للمؤمن إن ~~قضى له بالسراء رضي وكان خيرا له وإن قضى له بالضراء رضي وكان خيرا له (2) ~~الوجه الثاني أن رأس الخطايا المهلكة حب الدنيا ورأس أسباب النجاة التجافي ~~بالقلب عن دار الغرور ومواتاة النعم على وفق المراد من غير امتزاج ببلاء ~~ومصيبة تورث طمأنينة القلب إلى الدنيا وأسبابها وأنسه بها حتى تصير كالجنة ~~في حقه فيعظم بلاؤه عند الموت بسبب مفارقته وإذا كثرت عليه المصائب انزعج ~~قلبه عن الدنيا ولم يسكن إليها ولم يأنس بها وصارت سجنا عليه وكانت نجاته ~~منها غاية اللذة كالخلاص من السجن ولذلك قال صلى الله عليه وسلم الدنيا سجن ~~المؤمن وجنة الكافر (3) والكافر كل من أعرض عن الله تعالى ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا ورضي بها واطمأن إليها والمؤمن كل منقطع بقلبه عن الدنيا ~~شديد الحنين إلى الخروج منها والكفر بعضه ظاهر وبعضه خفي وبقدر حب الدنيا ~~في القلب يسري فيه الشرك الخفي بل الموحد المطلق هو الذي لا يحب إلا الواحد ~~الحق فإذن في البلاء نعم من هذا الوجه فيجب الفرح به وأما التألم فهو ضروري ~~وذلك يضاهي فرحك عند الحاجة إلى الحجامة بمن يتولى حجامتك مجانا أو يسقيك ~~دواء نافعا بشعا مجانا فإنك تتألم وتفرح فتصبر على الألم وتشكره على سبب ~~الفرح فكل بلاء في الأمور الدنيوية مثاله الدواء الذي يؤلم في الحال وينفع ~~في المآل بل من دخل دار ملك للنضارة وعلم أنه يخرج منها لا محالة فرأى وجها ~~حسنا لا يخرج معه من الدار كان ذلك وبالا وبلاء عليه لأنه يورثه الأنس ~~بمنزل لا يمكنه المقام فيه ولو كان عليه في المقام خطر من أن يطلع عليه ~~الملك فيعذبه فأصابه ما يكره حتى نفره عن المقام كان ذلك نعمة عليه والدنيا ~~منزل وقد دخلها الناس من باب الرحم وهم خارجون عنها من باب اللحد فكل ما ~~يحقق أنسهم بالمنزل فهو بلاء وكل ما يزعج قلوبهم عنها ويقطع أنسهم بها فهو ~~نعمة فمن عرف هذا تصور ms2071 منه أن يشكر على البلايا ومن لم يعرف هذه النعم في ~~البلاء لم يتصور منه الشكر لأن الشكر يتبع معرفة النعمة بالضرورة ~~PageV04P130 # ومن لا يؤمن بأن ثواب المصيبة أكبر من المصيبة لم يتصور منه الشكر على ~~المصيبة وحكي أن أعرابيا عزى ابن عباس على أبيه فقال # اصبر نكن بك صابرين فإنما ... صبر الرعية بعد صبر الراس # خير من العباس أجرك بعده ... والله خير منك للعباس # فقال ابن عباس ما عزاني أحد أحسن من تعزيته # والأخبار الواردة في الصبر على المصائب كثيرة قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من يرد الله به خيرا يصب منه (1) وقال صلى الله عليه وسلم قال ~~الله تعالى إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو لده ثم ~~استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا أو أنشر ~~له ديوانا وقال عليه السلام ما من عبد أصيب بمصيبة فقال كما أمره الله ~~تعالى إنا لله وإنه إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيرا منها ~~إلا فعل الله ذلك به وقال صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى من سلبته ~~كريمتيه فجزاؤه الخلود في داري والنظر إلى وجهي وروي أن رجلا قال يا رسول ~~الله ذهب مالي وسقم جسمي فقال صلى الله عليه وسلم لا خير في عبد لا يذهب ~~ماله ولا يسقم جسمه إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه وإذا ابتلاه صبره (2) وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل لتكون له الدرجة عند الله تعالى لا ~~يبلغها بعمل حتى يبتلى ببلاء في جسمه فيبلغها بذلك (3) وعن خباب بن الأرت ~~قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردائه في ظل الكعبة ~~فشكونا إليه فقلنا يا رسول الله ألا تدعو الله تستنصره لنا فجلس محمرا لونه ~~ثم قال إن من كان قبلكم ليؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض حفيرة ويجاء ~~بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه (4) وعن علي ms2072 ~~كرم الله وجهه قال أيما رجل حبسه السلطان ظلما فمات فهو شهيد وإن ضربه فمات ~~فهو شهيد وقال عليه السلام من إجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك ولا ~~تذكر مصيبتك وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه تولدون للموت وتعمرون ~~للخراب وتحرصون على ما يفنى وتذرون ما يبقى ألا حبذا المكروهات الثلاث ~~الفقر والمرض والموت وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~أراد الله تعالى بعبد خيرا وأراد أن يصافيه صب عليه البلاء صبا وثجه عليه ~~ثجا فإذا دعاه قالت الملائكة صوت معروف وإن دعاه ثانيا فقال يا رب قال الله ~~تعالى لبيك عبدي وسعديك لا تسألني شيئا إلا أعطيتك أو دفعت عنك ما هو خير ~~وادخرت لك عندي ما هو أفضل منه فإذا كان يوم القيامة جيء بأهل الأعمال ~~فوفوا أعمالهم بالميزان أهل PageV04P131 # الصلاة والصيام والصدقة والحج ثم يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ~~ولا ينشر لهم ديوان يصب عليهم الآجر صبا كما كان يصب عليهم البلاء صبا فيود ~~أهل العافية في الدنيا لو أنهم كانت تقرض أجسادهم بالمقاريض لما يرون ما ~~يذهب به أهل البلاء من الثواب (1) فذلك قوله تعالى إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال شكا نبي من ~~الأنبياء عليهم السلام إلى ربه فقال يا رب العبد المؤمن يطيعك ويجتنب ~~معاصيك تزوي عنه الدنيا وتعرض له البلاء ويكون الكافر لا يطيعك ويجترىء ~~عليك وعلى معاصيك تزوي عنه البلاء وتبسط له الدنيا فأوحى الله تعالى إليه ~~إن العباد والبلاء لي وكل يسبح بحمدي فيكون المؤمن عليه من الذنوب فأزوي ~~عنه الدنيا وأعرض له البلاء فيكون كفارة لذنوبه حتى يلقانى فأجز به بحسناته ~~ويكون الكافر له الحسنات فأبسط له في الرزق وأزوي عنه البلاء فأجزيه ~~بحسناته في الدنيا حتى يلقاني فأجزيه بسيئاته # وروي أنه لما نزل قوله تعالى من يعمل سوءا يجز به قال أبو بكر الصديق رضي ~~الله تعالى عنه كيف الفرح بعد ms2073 هذه الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض ألست يصيبك الأذى ألست تحزن فهذا مما ~~تجزون به (2) يعني أن جميع ما يصيبك يكون كفارة لذنوبك وعن عقبة بن عامر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا رأيتم الرجل يعطيه الله ما يحب وهو ~~مقيم على معصيته فاعلموا أن ذلك استدراج ثم قرأ قوله تعالى فلما نسوا ما ~~ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء (3) يعني لما تركوا ما أمروا به فتحنا ~~عليهم أبواب الخير حتى إذا فرحوا بما أوتوا أي بما أعطوا من الخير أخذناهم ~~بغتة # وعن الحسن البصري رحمه الله أن رجلا من الصحابة رضي الله عنهم رأى امرأة ~~كان يعرفها في الجاهلية فكلمها ثم تركها فجعل الرجل يلتفت إليها وهو يمشي ~~فصدمه حائط فأثر في وجهه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال صلى ~~الله عليه وسلم إذا أراد الله بعبد خيرا عجل له عقوبة ذنبه في الدنيا (4) ~~وقال علي كرم الله وجهه ألا أخبركم بأرجى آية في القرآن قالوا بلى فقرأ ~~عليهم {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} فالمصائب في ~~الدنيا بكسب الأوزار فإذا عاقبه الله في الدنيا فالله أكرم من أن يعذبه ~~ثانيا وإن عفا عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعذبه يوم القيامة وعن أنس ~~رضي الله تعالى منه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما تجرع عبد قط جرعتين ~~أحب إلى الله من جرعة غيظ ردها بحلم وجرعة مصيبة يصبر الرجل لها ولا قطرت ~~قطرة أحب إلى الله من قطرة دم أهريقت في سبيل الله أو قطرة دمع في سواد ~~الليل وهو ساجد ولا يراه إلا الله وما خطا عبد PageV04P132 # خطوتين أحب إلى الله تعالى من خطوة إلى صلاة الفريضة وخطوة إلى صلة الرحم ~~(1) # وعن أبي الدرداء قال توفي ابن لسليمان بن داود عليهما السلام فوجد عليه ~~وجدا شديدا فأتاه ملكان فجثيا بين يديه في زي ms2074 الخصوم فقال أحدهما بذرت بذرا ~~فلما استحصد مر به هذا فأفسده فقال للآخر ما تقول فقال أخذت الجادة فأتيت ~~على زرع فنظرت يمينا وشمالا فإذا الطريق عليه فقال سليمان عليه السلام ولم ~~بذرت على الطريق أما علمت أن لا بد للناس من الطريق قال فلم تحزن على ولدك ~~أما علمت أن الموت سبيل الآخرة فتاب سليمان إلى ربه ولم يجزع على ولد بعد ~~ذلك # ودخل عمر بن عبد العزيز على ابن له مريض فقال يا بني لأن تكون في ميزاني ~~أحب إلي من أن أكون في ميزانك فقال يا أبت لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن ~~يكون ما أحب # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه نعي إليه ابنة له فاسترجع وقال عورة ~~سترها الله تعالى ومؤنة كفاها الله وأجر قد ساقه الله تعالى ثم نزل فصلى ~~ركعتين ثم قال قد صنعنا ما أمر الله تعالى قال تعالى {واستعينوا بالصبر ~~والصلاة} # وعن ابن المبارك أنه مات له ابن فعزاه مجوسي يعرفه فقال له ينبغي للعاقل ~~أن يفعل اليوم ما يفعله الجاهل بعد خمسة أيام فقال ابن المبارك اكتبوا عنه ~~هذه # وقال بعض العلماء إن الله ليبتلي العبد بالبلاء بعد البلاء حتى يمشي على ~~الأرض وماله ذنب # وقال الفضيل إن الله عز وجل ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد ~~الرجل أهله بالخير # وقال حاتم الأصم إن الله عز وجل يحتج يوم القيامة على الخلق بأربعة أنفس ~~على أربعة أجناس على الأغنياء بسليمان وعلى الفقراء بالمسيح وعلى العبيد ~~بيوسف وعلى المرضى بأيوب صلوات الله عليهم # وروي أن زكريا عليه السلام لما هرب من الكفار من بني إسرائيل واختفى في ~~الشجرة فعرفوا ذلك فجيء بالمنشار فنشرت الشجرة حتى بلغ المنشار إلى رأس ~~زكريا فأن منه أنة فأوحى الله تعالى إليه يا زكريا لئن صعدت منك أنة ثانية ~~لأمحونك من ديوان النبوة فعض زكريا عليه السلام على إصبعه حتى قطع شطرين # وقال أبو مسعود البلخي من أصيب بمصيبة فمزق ثوبا أو ضرب ms2075 صدرا فكأنما أخذ ~~رمحا يريد أن يقاتل به ربه عز وجل # وقال لقمان رحمه الله لابنه يا بني إن الذهب يجرب بالنار والعبد الصالح ~~يجرب بالبلاء فإذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله ~~السخط # وقال الأحنف بن قيس أصبحت يوما أشتكي ضرسي فقلت لعمي ما نمت البارحة من ~~وجع الضرس حتى قلعتها ثلاثا فقال لقد أكثرت من ضرسك في ليلة واحدة وقد ذهبت ~~عيني هذه منذ ثلاثين سنة ما علم بها أحد وأوحى الله تعالى إلى عزيز عليه ~~السلام إذا نزلت بك بلية فلا تشكني إلى خلقي واشك إلى PageV04P133 # كما لا أشكوك إلى ملائكتي إذا صعدت مساويك وفضائحك نسأل الله من عظيم ~~لطفه وكرمه ستره الجميل في الدنيا والآخرة ### ||||| بيان فضل النعمة على البلاء # لعلك تقول هذه الأخبار تدل على أن البلاء خير في الدنيا من النعم فهل لنا ~~أن نسأل الله البلاء فأقول لا وجه لذلك لما روي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يستعيذ في دعائه من بلاء الدنيا وبلاء الآخرة (1) وكان يقول ~~هو والأنبياء عليهم السلام ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة (2) ~~وكانوا يستعيذون من شماتة الأعداء وغيرها (3) # وقال علي كرم الله وجهه اللهم إني أسألك الصبر فقال صلى الله عليه وسلم ~~لقد سألت البلاء فاسأله العافية (4) # وروى الصديق رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~سلوا الله العافية فما أعطي أحد أفضل من العافية إلا اليقين (5) وأشار ~~باليقين إلى عافية القلب عن مرض الجهل والشك فعافية القلب أعلى من عافية ~~البدن # وقال الحسن رحمه الله الخير الذي لا شر فيه العافية مع الشكر فكم من منعم ~~عليه غير شاكر # وقال مطرف بن عبد الله لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر # وقال صلى الله عليه وسلم في دعائه وعافيتك أحب إلي (6) وهذا أظهر من أن ~~يحتاج فيه إلى دليل واستشهاد وهذا لأن البلاء صار نعمة باعتبارين أحدهما ~~بالإضافة ms2076 إلى ما هو أكثر منه إما في الدنيا أو في الدين والآخر بالإضافة ~~إلى ما يرجى من الثواب فينبغي أن نسأل الله تمام النعمة في الدنيا ودفع ما ~~فوقه من البلاء ونسأله الثواب في الآخرة على الشكر على نعمته فإنه قادر على ~~أن يعطي على الشكر ما لا يعطيه على الصبر # فإن قلت فقد قال لعضهم أود أن أكون جسرا على النار يعبر علي الخلق كلهم ~~فينجون وأكون أنا في النار وقال سمنون رحمه الله تعالى # وليس لي في سواك حظ ... فكيفما شئت فاختبرني PageV04P134 # فهذا من هؤلاء سؤال للبلاء فاعلم أنه حكي عن سمنون المحب رحمه الله أنه ~~بلي بعد هذا البيت بعلة الحصر فكان بعد ذلك يدور على أبواب المكاتب ويقول ~~للصبيان ادعوا لعمكم الكذاب وأما محبة الإنسان ليكون هو في النار دون سائر ~~الخلق فغير ممكنة ولكن قد تغلب المحبة على القلب حتى يظن المحب بنفسه حبا ~~لمثل ذلك فمن شرب كأس المحبة سكر ومن سكر توسع في الكلام ولو زايله سكره ~~علم أن ما غلب عليه كان حالة لا حقيقة لها فما سمعته من هذا الفن فهو من ~~كلام العشاق الذين أفرط حبهم وكلام العشاق يستلذ سماعه ولا يعول عليه كما ~~حكي أن فاختة كان يراودها زوجها فتمنعه فقال ما الذي يمنعك عني ولو أردت أن ~~أقلب لك الكونين مع ملك سليمان ظهرا لبطن لفعلته لأجلك فسمعه سليمان عليه ~~السلام فاستدعاه وعاتبه فقال يا نبي الله كلام العشاق لا يحكى وهو كما قال ~~وقال الشاعر # أريد وصاله ويريد هجري ... فأترك ما أريد لما يريد # وهو أيضا محال ومعناه أني أريد ما لا يريد لأن من أراد الوصال ما أراد ~~الهجر فكيف أراد الهجر الذي لم يرده بل لا يصدق هذا الكلام إلا بتأويلين ~~أحدهما أن يكون ذلك في بعض الأحوال حتى يكتسب به رضاه الذي يتوصل به إلى ~~الوصال في الاستقبال فيكون الهجران وسيلة إلى الرضا والرضا وسيلة إلى وصال ~~المحبوب والوسيلة إلى المحبوب محبوبة فيكون مثاله ms2077 مثال محب المال إذا أسلم ~~درهما في درهمين فهو بحب الدرهمين يترك الدرهم في الحال الثاني أن يصير ~~رضاه عنده مطلوبا من حيث إنه رضاه فقط ويكون له لذة في استشعاره رضا محبوبه ~~منه تزيد تلك اللذة على لذته في مشاهدته مع كراهته فعند ذلك يتصور أن يريد ~~ما فيه الرضا فلذلك قد انتهى حال بعض المحبين إلى أن صارت لذتهم في البلاء ~~مع استشعارهم رضا الله عنهم أكثر من لذتهم في العافية من غير شعور الرضا ~~فهؤلاء إذا قدروا رضاه في البلاء صار البلاء أحب إليهم من العافية وهذه ~~حالة لا يبعد وقوعها في غلبات الحب ولكنها لا تثبت وإن ثبتت مثلا فهل هي ~~حالة صحيحة أم حالة اقتضتها حالة أخرى وردت على القلب فمالت به عن الاعتدال ~~هذا فيه نظر وذكر تحقيقه لا يليق بما نحن فيه وقد ظهر بما سبق أن العافية ~~خير من البلاء فنسأل الله تعالى المان بفضله على جميع خلقه العفو والعافية ~~في الدين والدنيا والآخرة لنا ولجميع المسلمين ### ||||| بيان الأفضل من الصبر والشكر # اعلم أن الناس اختلفوا في ذلك فقال قائلون الصبر أفضل من الشكر وقال ~~آخرون الشكر أفضل وقال آخرون هما سيان وقال آخرون يختلف ذلك باختلاف ~~الأحوال واستدل كل فريق بكلام شديد الاضطراب بعيد عن التحصيل فلا معنى ~~للتطويل بالنقل بل المبادرة إلى إظهار الحق أولى فنقول في بيان ذلك مقامان # المقام الأول البيان على سبيل التساهل وهو أن ينظر إلى ظاهر الأمر ولا ~~يطلب التفتيش بحقيقته وهو البيان الذي ينبغي أن يخاطب به عوام الخلق لقصور ~~أفهامهم عن درك الحقائق الغامضة وهذا الفن من الكلام هو الذي ينبغي أن ~~يعتمده الوعاظ إذ مقصود كلامهم من مخاطبة العوام إصلاحهم والظئر المشفقة لا ~~ينبغي أن تصلح الصبي الطفل بالطيور السمان وضروب الحلاوات بل باللبن اللطيف ~~وعليها أن تؤخر عنه أطايب الأطعمة إلى أن يصير محتملا لها بقوته ويفارق ~~الضعف الذي هو عليه في بنيته فنقول هذا المقام في البيان يأبى البحث ~~والتفصيل ms2078 ومقتضاه النظر إلى الظاهر المفهوم من موارد الشرع وذلك يقتضي ~~تفضيل الصبر فإن الشكر وإن وردت أخبار كثيرة في فضله فإذا أضيف إليه ما ورد ~~فى فضيلة الصبر كانت فضائل الصبر أكثر بل فيه ألفاظ PageV04P135 # صريحة في التفضيل كقوله صلى الله عليه وسلم من أفضل ما أوتيتم اليقين ~~وعزيمة الصبر (1) وفي الخبر يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله جزاء ~~الشاكرين ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له أما ترضى أن يجزيك كما جزينا هذا ~~الشاكر فيقول نعم يا رب فيقول الله تعالى كلا أنعمت عليه فشكر وابتليتك ~~فصبرت لأضعفن لك الأجر عليه فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين (2) وقد قال الله ~~تعالى {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} وأما قوله الطاعم الشاكر ~~بمنزلة الصائم الصابر (3) حديث الجمعة حج المساكين وجهاد المرأة حسن التبعل ~~أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده بالشطر الأول من حديث ابن عباس بسند ~~ضعيف أو الطبراني بالشطر الثاني من حديثه بسند ضعيف أيضا أن امرأة قالت كتب ~~الله الجهاد على الرجال فما يعدل ذلك من أعمالهم من الطاعة قال طاعة ~~أزواجهن وفي رواية ما جزاء غزوة المرأة قال طاعة الزوج الحديث وفيه القاسم ~~بن فياض وثقه أبو داود وضعفه ابن معين وباقي رجاله ثقات (4) حديث شارب ~~الخمر كعابد الوثن أخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة بلفظ مدمن الخمر ورواه ~~بلفظ شارب الحارث بن أبي أسامة من حديث عبد الله بن عمر وكلاهما ضعيف وقال ~~ابن عدي إن حديث أبي هريرة أخطأ فيه محمد بن سليمان بن الأصبهاني (5) حديث ~~آخر الأنبياء دخولا الجنة سليمان بن داود لمكان ملكه وآخر أصحابي دخولا ~~الجنة عبد الرحمن بن عوف لمكان غناه أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث معاذ ~~بن جبل يدخل الأنبياء كلهم قبل داود وسليمان الجنة بأربعين عاما وقال لم ~~يروه إلا شعيب بن خالد وهو كوفي ثقة وروى البزار من حديث أنس أول من يدخل ~~الجنة من أغنياء أمتي عبد الرحمن بن عوف وفيه أغلب بن تميم ضعيف (6) حديث ~~يدخل ms2079 سليمان عبد الأنبياء بأربعين خريفا تقدم حديث معاذ قبله ورواه أبو ~~منصوزر الديلمى في مسند الفردوس من رواية دينار عن أنس بن مالك ودينار ~~الحبشي أحد الكذاببين على أنس والحديث منكر (7) حديث أبواب الجنة كلها ~~مصراعان إلا باب الصبر فإنه باب واحد الحديث لم أجد له أصلا ولا في ~~الأحاديث الواردة في مصاريع أبواب الجنة تفرقة فروى مسلم من حديث أنس في ~~الشفاعة والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين ~~مكة وبصرى وفي الصحيحين في خطبة عتبة بن غزوان ولقد ذكرنا أن ما بين ~~المصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من ~~الزحام # وكل ما ورد في فضائل الفقر يدل على فضيلة الصبر لأن الصبر حال الفقير ~~والشكر حال الغني فهذا هو المقام الذي يقنع العوام ويكفيهم في الوعظ اللائق ~~والتعريف لما فيه صلاح دينهم # المقام الثاني هو البيان الذي نقصد به تعريف أهل العلم والاستبصار بحقائق ~~الأمور بطريق الكشف PageV04P136 # والإيضاح فنقول فيه كل أمرين مبهمين لا تمكن الموازنة بينهما مع الإبهام ~~ما لم يكشف عن حقيقة كل واحد منهما وكل مكشوف يشتمل على أقسام لا تمكن ~~الموازنة بين الجملة والجملة بل يجب أن تفرد الآحاد بالموازنة حتى يتبين ~~الرجحان # والصبر والشكر أقسامهما وشعبهما كثيرة فلا يتبين لحكمهما في الرجحان ~~والنقصان مع الإجمال فنقول قد ذكرنا أن هذه المقامات تنتظم من أمور ثلاثة ~~علوم وأحوال وأعمال والشكر والصبر وسائر المقامات هي كذلك وهى الثلاثة إذا ~~وزن البعض منها بالبعض لاح للناظرين في الظواهر أن العلوم تراد للأحوال ~~والأحوال تراد للأعمال والأعمال هي الأفضل وأما أرباب البصائر فالأمر عندهم ~~بالعكس من ذلك فإن الأعمال تراد للأحوال والأحوال تراد للعلوم فالأفضل ~~العلوم ثم الأحوال ثم الأعمال لأن كل مراد لغيره فذلك الغير لا محالة أفضل ~~منه وأما آحاد هذه الثلاثة فالأعمال قد تتساوى وقد تتفاوت إذا أضيف بعضها ~~إلى بعض وكذا آحاد الأحوال إذا أضيف بعضها إلى بعض وكذا آحاد المعارف ms2080 وأفضل ~~المعارف علوم المكاشفة وهي أرفع من علوم المعاملة بل علوم المعاملة دون ~~المعاملة لأنها تراد المعاملة ففائدتها إصلاح العمل وإنما فضل العالم ~~بالمعاملة على العابد إذا كان علمه مما يعم نفعه فيكون بالإضافة إلى عمل ~~خاص أفضل وإلا فالعلم القاصر بالعمل ليس بأفضل من العمل القاصر فنقول فائدة ~~إصلاح العمل إصلاح حال القلب وفائدة إصلاح حال القلب أن ينكشف له جلال الله ~~تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله فأرفع علوم المكاشفة معرفة الله سبحانه وهي ~~الغاية التي تطلب لذاتها فإن السعادة تنال بها بل هي عين السعادة ولكن قد ~~لا يشعر القلب في الدنيا بأنها عين السعادة وإنما يشعر بها في الآخرة فهي ~~المعرفة الحرة التي لا قيد عليها فلا تتقيد بغيرها # وكل ما عداها من المعارف عبيد وخدم بالإضافة إليها فإنها إنما تراد ~~لأجلها # ولما كانت مرادة لأجلها كان تعاونها بحسب نفعها في الإفضاء إلى معرفة ~~الله تعالى فإن بعض المعارف يفضي إلى بعض إما بواسطة أو بوسائط كثيرة فكما ~~كانت الوسائط بينه وبين معرفة الله تعالى أقل فهي أفضل وأما الأحوال فنعني ~~بها أحوال القلب في تصفيته وتطهيره عن شوائب الدنيا وشواغل الخلق حتى إذا ~~طهر وصفا اتضح له حقيقة الحق فإذن فضائل الأحوال بقدر تأثيرها في إصلاح ~~القلب وتطهيره وإعداده لأن تحصل له علوم المكاشفة وكما أن تصقيل المرآة ~~يحتاج إلى أن يتقدم على تمامه أحوال للمرآة بعضها أقرب إلى الصقالة من بعض ~~فكذلك أحوال القلب فالحالة القريبة أو المقربة من صفاء القلب هي أفضل مما ~~دونها لا محالة بسبب القرب من المقصود وهكذا ترتيب الأعمال فإن تأثيرها في ~~تأكيد صفاء القلب وجلب الأحوال إليه وكل عمل إما أن يجلب إليه حالة مانعة ~~من المكاشفة موجبة لظلمة القلب جاذبة إلى زخارف الدنيا وإما أن يجلب إليه ~~حالة مهيئة المكاشفة موجبة لصفاء القلب وقطع علائق الدنيا عنه # واسم الأول المعصية واسم الثاني الطاعة والمعاصي من حيث التأثير في ظلمة ~~القلب وقساوته متفاوتة وكذا الطاعات في تنوير القلب وتصفيته ms2081 فدرجاتها بحسب ~~درجات تأثيرها وذلك يختلف باختلاف الأحوال وذلك أنا بالقول المطلق ربما ~~نقول الصلاة النافلة أفضل من كل عبادة نافلة وأن الحج أفضل من الصدقة وأن ~~قيام الليل أفضل من غيره ولكن التحقيق فيه أن الغني الذي معه مال وقد غلبه ~~البخل وحب المال على إمساكه فإخراج الدراهم له أفضل من قيام ليال وصيام ~~أيام لأن الصيام يليق بمن غلبته شهوة البطن فأراد كسرها أو منعه الشبع عن ~~صفاء الفكر من علوم المكاشفة فأراد تصفية القلب بالجوع فأما هذا المدبر إذا ~~لم تكن حاله هذه الحال فليس يستضر بشهوة بطنه ولا هو مشتغل بنوع فكر يمنعه ~~الشبع منه فاشتغاله بالصوم خروج منه عن حاله إلى حال غيره وهو كالمريض الذي ~~يشكو وجع البطن إذا استعمل دواء الصداع لم ينتفع به بل حقه أن ينظر في ~~المهلك الذي استولى عليه والشح المطاع من جملة PageV04P137 # المهلكات ولا يزيل صيام مائة سنة وقيام ألف ليلة منه ذرة بل لا يزيله إلا ~~إخراج المال فعليه أن يتصدق بما معه وتفصيل هذه مما ذكرناه في ربع المهلكات ~~فليرجع إليه فإذن باعتبار هذه الأحوال يختلف وعند ذلك يعرف البصير أن ~~الجواب المطلق فيه خطأ إذ لو قال لنا قائل الخبز أفضل أم الماء لم يكن فيه ~~جواب حق إلا أن الخبز للجائع أفضل والماء للعطشان أفضل فإن اجتمعا فلينظر ~~إلى الأغلب فإن كان العطش هو الأغلب فالماء أفضل وإن كان الجوع أغلب فالخبز ~~أفضل فإن تساويا فهما متساويان وكذا إذا قيل السكنجبين أفضل أم شراب ~~اللينوفر لم يصح الجواب عنه مطلقا أصلا نعم لو قيل لنا السكنجبين أفضل أم ~~عدم الصفراء فنقول عدم الصفراء لأن السكنجبين مراد له وما يراد لغيره فلذلك ~~أفضل منه لا محالة فإذن في بذل المال عمل وهو الإنفاق ويحصل به حال وهو ~~زوال البخل وخروج حب الدنيا من القلب ويتهيأ القلب بسبب خروج حب الدنيا منه ~~لمعرفة الله تعالى وحبه فالأفضل المعرفة ودونها الحال ودونها العمل # فإن قلت فقد حث ms2082 الشرع على الأعمال وبالغ في ذكر فضلها حتى طلب الصدقات ~~بقوله {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} وقال تعالى {ويأخذ الصدقات} فكيف ~~لا يكون الفعل والإنفاق هو الأفضل فاعلم أن الطبيب إذا أثنى على الدواء لم ~~يدل على أن الدواء مراد لعينه أو على أنه أفضل من الصحة والشفاء الحاصل به ~~ولكن الأعمال علاج لمرض القلوب ومرض القلوب مما لا يشعر به غالبا فهو كبرص ~~على وجه من لا مرآة معه فإنه لا يشعر به ولو ذكر له لا يصدق به # والسبيل معه المبالغة في الثناء على غسل الوجه بماء الورد مثلا إن كان ~~ماء الورد يزيل البرص حتى يستحثه فرط الثناء على المواظبة عليه فيزول مرضه ~~فإنه لو ذكر له أن المقصود زوال البرص عن وجهك ربما ترك العلاج وزعم أن ~~وجهه لا عيب فيه # ولنضرب مثلا أقرب من هذا من له ولد علمه العلم والقرآن وأراد أن يثبت ذلك ~~في حفظه بحيث لا يزول عنه وعلم أنه لو أمره بالتكرار والدراسة ليبقى له ~~محفوظا لقال إنه محفوظ ولا حاجة بي إلى تكرار ودراسة لأنه يظن أن ما يحفظه ~~في الحال يبقى كذلك أبدا وكان له عبيد فأمر الولد بتعليم العبيد ووعده على ~~ذلك بالجميل لتتوفر داعيته على كثرة التكرار بالتعليم فربما يظن الصبي ~~المسكين أن المقصود تعليم العبيد القرآن وأنه قد استخدم لتعليمهم فيشكل ~~عليه الأمر فيقول ما بالي قد استخدمت لأجل العبيد وأنا أجل منهم وأعز عند ~~الوالد وأعلم أن أبي لو أراد تعليم العبيد لقدر عليه دون تكليفي به وأعلم ~~أن لا نقصان لأبي بفقد هؤلاء العبيد فضلا عن عدم علمهم بالقرآن فربما ~~يتكاسل هذا المسكين فيترك تعليمهم اعتمادا على استغناء أبيه وعلى كرمه في ~~العفو عنه فينسى العلم والقرآن ويبقى مدبرا محروما من حيث لا يدري وقد ~~انخدع بمثل هذا الخيال طائفة وسلكوا طريق الإباحة وقالوا أن الله تعالى غني ~~عن عبادتنا وعن أن يستقرض منا فأي معنى لقوله {من ذا الذي يقرض الله ms2083 قرضا ~~حسنا} ولو شاء الله إطعام المساكين لأطعمهم فلا حاجة بنا إلى صرف أموالنا ~~إليهم كما قال تعالى حكاية عن الكفار {وإذا قيل لهم أنفقوا من ما رزقكم ~~الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} وقالوا ~~أيضا {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} فانظر كيف كانوا صادقين في كلامهم ~~وكيف هلكوا بصدقهم فسبحان من إذا شاء أهلك بالصدق وإذا شاء أسعد بالجهل ~~{يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} فهؤلاء لما ظنوا أنهم استخدموا لأجل ~~المساكين والفقراء أو جل الله تعالى ثم قالوا لا حظ لنا في المساكين ولا حظ ~~لله فينا وفي أموالنا سواء أنفقنا أو أمسكنا هلكوا كما هلك الصبي لما ظن أن ~~مقصود الوالد استخدامه لأجل PageV04P138 # العبيد ولم يشعر بأنه كان المقصود ثبات صفة العلم في نفسه وتأكده في قلبه ~~حتى يكون ذلك سبب سعادته في الدنيا وإنما كان ذلك من الوالد تلطفا به في ~~استجراره إلى ما فيه سعادته فهذا المثال يبين لك ضلال من ضل من هذا الطريق ~~فإذن هذا المسكين الآخذ لمالك يستوفي بواسطة المال خبث البخل وحب الدنيا من ~~باطنك فإنه مهلك لك فهو كالحجام يستخرج الدم منك ليخرج بخروج الدم العلة ~~المهلكة من باطنك فالحجام خادم لك لا أنت خادم للحجام # ولا يخرج الحجام عن كونه خادما بأن يكون له غرض في أن يصنع شيئا بالدم ~~ولما كانت الصدقات مطهرة للبواطن ومزكية لها عن خبائث الصفات امتنع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أخذها وانتهى عنها (1) كما نهى عن كسب الحجام ~~وسماها أوساخ أموال الناس وشرف أهل بيته بالصيانة عنها (2) والمقصود أن ~~الأعمال مؤثرات في القلب كما سبق في ربع المهلكات والقلب بحسب تأثيرها ~~مستعد لقبول الهداية ونور المعرفة فهذا هو القول الكلي والقانون الأصلي ~~الذي ينبغي أن يرجع إليه في معرفة فضائل الأعمال والأحوال والمعارف ولنرجع ~~الآن إلى خصوص ما نحن فيه من الصبر والشكر فنقول في كل واحد منهما معرفة ~~وحال وعمل فلا يجوز ms2084 أن تقابل المعرفة في أحدهما بالحال أو العمل في الآخر ~~بل يقابل كل واحد منهما بنظيره حتى يظهر التناسب وبعد التناسب يظهر الفضل ~~ومهما قوبلت معرفة الشاكر بمعرفة الصابر ربما رجعا إلى معرفة واحدة إذ ~~معرفة الشاكر أن يرى نعمة العينين مثلا من الله تعالى # ومعرفة الصابر أن يرى العمى من الله وهما معرفتان متلازمتان متساويتان ~~هذا إن اعتبرنا في البلاء والمصائب # وقد بينا أن الصبر قد يكون على الطاعة وعن المعصية وفيهما يتحد الصبر ~~والشكر لأن الصبر على الطاعة هو عين شكر الطاعة لأن الشكر يرجع إلى صرف ~~نعمة الله تعالى إلى ما هو المقصود منها بالحكمة والصبر يرجع إلى ثبات باعث ~~الدين في مقابلة باعث الهوى فالصبر والشكر فيه اسمان لمسمى واحد باعتبارين ~~مختلفين فثبات باعث الدين في مقاومة باعث الهوى يسمى صبرا بالإضافة إلى ~~باعث الهوى ويسمى شكرا بالإضافة إلى باعث الدين إذ باعث الدين إنما خلق ~~لهذه الحكمة وهو أن يصرع به باعث الشهوة وقد صرفه إلى مقصود الحكمة فهما ~~عبارتان عن معنى واحد فكيف يفضل الشيء على نفسه فإذن مجاري الصبر ثلاثة ~~الطاعة والمعصية والبلاء وقد ظهر حكمهما في الطاعة والمعصية وأما البلاء ~~فهو عبارة عن فقد نعمة والنعمة إما أن تقع ضرورية كالعينين مثلا وإما أن ~~تقع في محل الحاجة كالزيادة على قدر الكفاية من المال أما العينان فصبر ~~الأعمى عنهما بأن لا يظهر الشكوى ويظهر الرضا بقضاء الله تعالى ولا يترخص ~~بسبب العمى في بعض المعاصي وشكر البصير عليهما من حيث العمل بأمرين أحدهما ~~أن لا يستعين بهما على معصية والآخر أن يستعملهما في الطاعة وكل أحد من ~~الأمرين لا يخلو عن الصبر فإن الأعمى كفي الصبر عن الصور الجميلة لأنه لا ~~يراها والبصير إذا وقع بصره على جميل فصبر كان شاكرا لنعمة العينين وإن ~~أتبع النظر كفر نعمة العينين فقد دخل الصبر في شكره وكذا إذا استعان ~~بالعينين على الطاعة فلا بد أيضا فيه من صبر على الطاعة ثم قد يشكرها ~~بالنظر ms2085 إلى عجائب صنع الله تعالى ليتوصل به إلى معرفة الله سبحانه وتعالى ~~فيكون هذا الشكر أفضل من الصبر ولولا هذا لكانت رتبة شعيب عليه السلام مثلا ~~وقد كان ضريرا من الأنبياء فوق رتبة موسى عليه السلام وغيره من الأنبياء ~~لأنه صبر على فقد البصر وموسى عليه السلام لم يصبر مثلا ولكان الكمال في أن ~~يسلب الإنسان الأطراف كلها ويترك كلحم على وضم وذلك محال جدا PageV04P139 # لأن كل واحد من هذه الأعضاء آلة في الدين يفوت بفوتها ذلك الركن من الدين ~~وشكرها بإستعمالها فما هي آلة فيه من الدين وذلك لا يكون إلا بصبر وأما ما ~~يقع في محل الحاجة كالزيادة على الكفاية من المال فإنه إذا لم يؤت إلا قدر ~~الضرورة وهو محتاج إلى ما وراءه ففي الصبر عنه مجاهدة وهو جهاد الفقر ووجود ~~الزيادة نعمة وشكرها أن تصرف إلى الخيرات أو أن لا تستعمل في المعصية فإن ~~أضيف الصبر إلى الشكر الذي هو صرف إلى الطاعة فالشكر أفضل لأنه تضمن الصبر ~~أيضا وفيه فرح بنعمة الله تعالى وفيه احتمال ألم في صرفه إلى الفقراء وترك ~~صرفه إلى التنعم المباح وكان الحاصل يرجع إلى أن شيئين أفضل من شيء واحد ~~وأن الجملة أعلى رتبة من البعض وهذا فيه خلل إذ لاتصح الموازنة بين الجملة ~~وبين أبعاضها وأما إذا كان شكره بأن لا يستعيين به على معصية بل يصرفه إلى ~~التنعم المباح فالصبر ههنا أفضل من الشكر والفقير الصابر أفضل من الغني ~~الممسك ماله الصارف إياه إلى المباحات لا من الغني الصارف ماله إلى الخيرات ~~لأن الفقير قد جاهد نفسه وكسر نهمتها وأحسن الرضا على بلاء الله تعالى وهذه ~~الحالة تستدعي لا محالة قوة والغني أتبع نهمته وأطاع شهوته ولكنه اقتصر على ~~المباح والمباح فيه مندوحة عن الحرام ولكن لا بد من قوة في الصبر عن الحرام ~~أيضا إلا أن القوة التي عنها يصدر صبر الفقير أعلى وأتم من هذه القوة التي ~~يصدر عنها الاقتصار في التنعم على المباح والشرف لتلك ms2086 القوة التي يدل العمل ~~عليها فإن الأعمال لا تراد إلا الأحوال القلوب وتلك القوة حالة للقلب تختلف ~~بحسب قوة اليقين والإيمان فما دل على زيادة قوة في الإيمان فهو أفضل لا ~~محالة وجميع ما ورد من تفضيل أجر الصبر على أجر الشكر في الآيات والأخبار ~~إنما أريد به هذه الرتبة على الخصوص لأن السابق إلى أفهام الناس من النعمة ~~والأموال الغنى بها والسابق إلى الأفهام من الشكر أن يقول الإنسان الحمد ~~لله ولا يستعين بالنعمة على المعصية لا أن يصرفها إلى الطاعة فإذن الصبر ~~أفضل من الشكر أي الصبر الذي تفهمه العامة أفضل من الشكر الذي تفهمه العامة ~~وإلى هذا المعنى على الخصوص أشار الجنيد رحمه الله حيث سئل عن الصبر والشكر ~~أيهما أفضل فقال ليس مدح الغني بالوجود ولا مدح الفقير بالعدم وإنما المدح ~~في الاثنين قيامهما بشروط ما عليهما فشرط الغنى يصحبه فيما عليه أشياء ~~تلائم صفته وتمتعها وتلذذها والفقير يصحبه فيما عليه أشياء تلائم صفته ~~وتقبضها وتزعجها فإذا كان الاثنان قائمين لله تعالى بشرط ما عليهما كان ~~الذي ألم صفته وأزعجها أتم حالا ممن متع صفته ونعمها # والأمر على ما قاله وهو صحيح من جملة أقسام الصبر والشكر في القسم الأخير ~~الذي ذكرناه وهو لم يرد سواه # ويقال كان أبو العباس بن عطاء قد خالفه في ذلك وقال الغني الشاكر أفضل من ~~الفقير الصابر فدعا عليه الجنيد فأصابه ما أصابه من البلاء من قتل أولاده ~~وإتلاف أمواله وزوال عقله أربع عشرة سنة فكان يقول دعوة الجنيد أصابتني ~~ورجع إلى تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر # ومهما لاحظت المعاني التي ذكرناها علمت أن لكل واحد من القولين وجها في ~~بعض الأحوال فرب فقير صابر أفضل من غني شاكر كما سبق ورب غني شاكر أفضل من ~~فقير صابر وذلك هو الغني الذي يرى نفسه مثل الفقير إذ لا يمسك لنفسه من ~~المال إلا قدر الضرورة والباقي يصرفه إلى الخيرات أو يمسكه على اعتقاد أنه ~~خازن للمحتاجين والمساكين وإنما ينتظر ms2087 حاجة تسنح حتى يصرف إليها ثم إذا صرف ~~لم يصرفه لطلب جاه وصيت ولا لتقليد منه بل أداء الحق الله تعالى في تفقد ~~عباده فهذا أفضل من الفقير الصابر PageV04P140 # فإن قلت فهذا لا يثقل على النفس والفقير يثقل عليه الفقر لأن هذا يستشعر ~~لذة القدرة وذاك يستشعر ألم الصبر فإن كان متألما بفراق المال فينجبر ذلك ~~بلذته في القدرة على الإنفاق فاعلم أن الذي تراه أن من ينفق ماله عن رغبة ~~وطيب نفس أكمل حالا ممن ينفقه وهو بخيل به وإنما يقتطعه عن نفسه قهرا # وقد ذكرنا تفصيل هذا فيما سبق من كتاب التوبة فإيلام النفس ليس مطلوبا ~~لعينه بل لتأديبها وذلك يضاهي ضرب كلب الصيد والكلب المتأدب أكمل من الكلب ~~المحتاج إلى الضرب وإن كان صابرا على الضرب ولذلك يحتاج إلى الإيلام ~~والمجاهدة في البداية ولا يحتاج إليهما في النهاية بل النهاية أن يصير ما ~~كان مؤلما في حقه لذيذا عنده كما يصير التعلم عند الصبي العاقل لذيذا وقد ~~كان مؤلما له أولا ولكن لما كان الناس كلهم إلا الأقلين في البداية بل قبل ~~البداية بكثير كالصبيان أطلق الجنيد القول بأن الذي يؤلم صفته أفضل وهو كما ~~قال صحيح فيما أراده من عموم الخلق فإذن إذا كنت لا تفصل الجواب وتطلقه ~~لإرادة الأكثر فأطلق القول بأن الصبر أفضل من الشكر فإنه صحيح بالمعنى ~~السابق إلى الأفهام فإذا أردت التحقيق ففصل فإن للصبر درجات أقلها ترك ~~الشكوى مع الكراهية ووراءها الرضا وهو الرضا وهو مقام وراء الصبر ووراءه ~~الشكر على البلاء وهو وراء الرضا إذ الصبر مع التألم والرضا يمكن بما لا ~~ألم فيه ولا فرح والشكر لا يمكن إلا على محبوب مفروح به وكذلك الشكر درجات ~~كثيرة ذكرنا أقصاها ويدخل في جملتها أمور دونها فإن حياء العبد من تتابع ~~نعم الله عليه شكر ومعرفته بتقصيره عن الشكر شكر والاعتذار من قلة الشكر ~~شكر والمعرفة بعظيم حلم الله وكنف ستره شكر والاعتراف بأن النعم ابتداء من ~~الله تعالى من غير ms2088 استحقاق شكر والعلم بأن الشكر أيضا نعمة من نعم الله ~~وموهبة منه شكر وحسن التواضع للنعم والتذلل فيها شكر وشكر الوسائط شكر إذ ~~قال عليه السلام من لم يشكر الناس لم يشكر الله (1) وقد ذكرنا حقيقة ذلك في ~~كتاب أسرار الزكاة وقلة الاعتراض وحسن الأدب بين يدي المنعم شكر وتلقي ~~النعم بحسن القبول واستعظام صغيرها شكر # وما يندرج من الأعمال والأحوال تحت اسم الشكر والصبر لا تنحصر آحادها وهي ~~درجات مختلفة فكيف يمكن إجمال القول بتفضيل أحدهما على الآخر إلا على سبيل ~~إرادة الخصوص باللفظ العام كما ورد في الأخبار والآثار # وقد روي عن بعضهم أنه قال رأيت في بعض الأسفار شيخا كبيرا قد طعن في السن ~~فسألته عن حاله فقال إني كنت في ابتداء عمري أهوى ابنة عم لي وهي كذلك كانت ~~تهواني فاتفق أنها زوجت مني فليلة زفافها قلت تعالى حتى نحيي هذه الليلة ~~شكرا لله تعالى على ما جمعنا فصلينا تلك الليلة ولم يتفرغ أحدنا إلى صاحبه ~~فلما كانت الليلة الثانية قلنا مثل ذلك فصلينا طول الليل فمنذ سبعين أو ~~ثمانين سنة نحن على تلك الحالة كل ليلة أليس كذلك يا فلانة قالت العجوز هو ~~كما يقول الشيخ فانظر إليهما لو صبرا على بلاء الفرقة أو لو لم يجمع الله ~~بينهما وانسب صبر الفرقة إلى شكر الوصال على هذا الوجه فلا يخفى عليك أن ~~هذا الشكر أفضل فإذن لا وقوف على حقائق المفضلات إلا بتفضيل كما سبق والله ~~أعلم PageV04P141 ### || كتاب الخوف والرجاء وهو الكتاب الثالث من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحمن # الحمد لله المرجو لطفه وثوابه المخوف مكره وعقابه الذي عمر قلوب أوليائه ~~بروح رجائه حتى ساقهم بلطائف آلائه إلى النزول بفنائه والعدول عن دار بلائه ~~التي هي مستقر أعدائه وضرب بسياط التخويف وزجره العنيف وجوه المعرضين عن ~~حضرته إلى دار ثوابه وكرامته وصدهم عن التعرض لأئمته والتهدف لسخطه ونقمته ~~قودا لأصناف الخلق بسلاسل القهر والعنف وأزمة الرفق واللطف إلى جنته ms2089 ~~والصلاة والسلام على محمد سيد أنبيائه وخير خليقته وعلى آله وأصحابه وعترته # أما بعد فإن الرجاء والخوف جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود ~~ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كسود فلا يقود إلى قرب الرحمن ~~وروح الجنان مع كونه بعيد الأرجاء ثقيل الأعباء مجفوفا بمكاره القلوب ومشاق ~~الجوارح والأعضاء إلا أزمة الرجاء ولا يصد عن نار الجحيم والعذاب الأليم مع ~~كونه محفوفا بلطائف الشهوات وعجائب اللذات إلا سياط التخويف وسطوات التعنيف ~~فلا بد إذن من بيان حقيقتهما وفضيلتهما وسبيل التوصيل إلى الجمع بينها مع ~~تضادهما وتعاندهما ونحن نجمع ذكرهما في كتاب واحد يشمل على شطرين # الشطر الأول في الرجاء # والشطر الثانى في الخوف # الشطر الأول في الرجاء ### ||| أما الشطر الأول # فيشتمل على بيان حقيقة الرجاء # وبيان فضيلة الرجاء وبيان دواء الرجاء والطرق الذي يجتلب به الرجاء ### |||| بيان حقيقة الرجاء # اعلم أن الرجاء من جملة مقامات السالكين وأحوال الطالبين وإنما يسمى ~~الوصف مقاما إذا ثبت وأقام وإنما يسمى حالا إذا كان عارضا سريع الزوال وكما ~~أن الصفرة تنقسم إلى ثابتة كصفرة الذهب وإلى سريعة الزوال كصفرة الوجل وإلى ~~ما هو بينهما كصفرة المريض فكذلك صفات القلب تنقسم هذه الأقسام فالذي هو ~~غير ثابت يسمى حالا لأنه يحول على القرب وهذا جار في كل وصف من أوصاف القلب ~~وغرضنا الآن حقيقة الرجاء فالرجاء أيضا يتم من حال وعلم وعمل فالعلم سبب ~~يثمر الحال والحال يقتضي العمل وكان الرجاء اسما من جملة الثلاثة وبيانه أن ~~كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب فينقسم إلى موجود في الحال وإلى موجود فيما ~~مضى وإلى منتظر في الاستقبال فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمي ذكرا ~~وتذكرا وإن كان من خطر بقلبك موجودا في الحال سمي وجدا وذوقا وإدراكا وإنما ~~سمي وجدا لأنها حالة تجدها من نفسك وإن كان قد خطر ببالك وجود شيء في ~~الاستقبال وغلب ذلك على قلبك سمى انتظار وتوقعا فإن كان المنظر مكروها حصل ~~منه ألم في القلب سمي ms2090 خوفا وإشفاقا وإن كان محبوبا حصل من انتظاره وتعلق ~~القلب به وإخطار وجوده بالبال لذة في القلب وارتياح سمى ذلك الارتياح رجاء ~~فالرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده ولكن ذلك PageV04P142 # المحبوب المتوقع لا بد وأن يكون له سبب فإن كان انتظاره لأجل حصول أكثر ~~أسبابه الرجاء عليه صادق وإن كان ذلك انظارا مع انخرام أسبابه واضطرابها ~~فاسم الغرور والحمق عليه أصدق من اسم الرجاء وإن لم تكن الأسباب معلومة ~~الوجود ولا معلومة الانتقاء فاسم التمني أصدق على انتظاره لأنه انتظار من ~~غير سبب وعلى كل حال فلا يطلق اسم الرجاء والخوف إلا على ما يتردد فيه أما ~~ما يقطع به فلا إذا لا يقال أرجو طلوع الشمس وقت الطلوع وأخاف غروبها وقت ~~الغروب لأن ذلك مقطوع به نعم يقال أرجو نزول المطر وأخاف انقطاعه وقد علم ~~أرباب القلوب أن الدنيا مزرعة الآخرة والقلب كالأرض والإيمان كالبدر فيه ~~والطاعات جارية مجرى تقليب الأرض وتطهيرها ومجرى حفر الأنهار وسياقة الماء ~~إليها والقلب المستهتر في الدنيا المستغرق بها كالأرض السبخة التي لا ينمو ~~فيها البذر ويوم القيامة يوم الحصاد ولا يحصد أحد إلا ما زرع ولا ينمو زرع ~~إلا من بذر السبخة التي لا ينمو إيمان مع خبث القلب وسوء أخلافه كما لا ~~ينمو بذر في أرض سبخة فينبغي أن يقاس رجاء العبد المغفرة برجاء صاحب الزرع ~~فكل من طلب أرضا طيبة وألقى فيها بذرا جيدا غير عفن ولا مسوس ثم أمده بما ~~يحتاج إليه وهو سوق الماء إليه في أوقاته ثم نقى الشوك عن الأرض والحشيش ~~وكل ما يمنع نبات البذر أو يفسده ثم جلس منتظرا من فضل الله تعالى دفع ~~الصواعق والآفات المفسدة إلى أن يتم الزرع ويبلغ غايته سمي انتظاره رجاء ~~وإن بث البذر في أرض صلبة سبخة مرتفعة لا ينصب إليها الماء ولم يشتغل بتعهد ~~البذر أصلا ثم انتظر الحصاد منه سمي انتظاره حمقا وغرورا لا رجاء وإن بث ~~البذر في أرض طيبة ولكن لا ماء ms2091 لها وأخذ ينتظر مياه الأمطار حيث لا تغلب ~~الأمطار ولا تمتنع أيضا سمي انتظاره تمنيا لا رجاء فإذن اسم الرجاء إنما ~~يصدق على انتظاره محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد ولم ~~يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره وهو فضل الله تعالى بصرف القواطع ~~والمفسدات فالعبد إذا بث بذر الإيمان وسقاه بماء الطاعات وطهر القلب عن شوك ~~الأخلاق الردئية وانتظر من فضل الله تعالى تثبيته على ذلك إلى الموت وحسن ~~الخاتمة المفضية إلى المغفرة وكان انتظاره رجاء حقيقا محمودا في نفسه باعثا ~~له على المواظبة القيام بمقتضى أسباب الإيمان في إنمام أسباب المغفرة إلى ~~الموت وإن قطع عن بذر الإيمان تعهده بماء الطاعات وترك القلب مشحونا برذائل ~~الأخلاق وانهمك في طلب لذات الدنيا ثم انتظر المغفرة فانتظاره حمق وغرور ~~قال صلى الله عليه وسلم الأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الجنة ~~وقال تعالى فخلف من بعدهم أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ~~وقال تعالى فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون ~~سيغفر لنا وذم الله تعالى صاحب البستان إذا دخل جنته وقال ما أظن تبيده هذه ~~أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربدى لأجدن خيرا منها منقلبا فإذا ~~العبد المجتهد في الطاعات المجتنب للمعاصي حقيق بأن ينتظر من فضل الله تمام ~~النعمة وما تمام النعمة إلا بدخول الجنة وأما العاصي فإذا تاب وتدارك جميع ~~ما فرط منه من تقصير فحقيق بأن يرجو قبول التوبة وأما قبل التوبة إذا كان ~~كارها للمعصية تسوءه السيئة وتسره الحسنة وهو يذم نفسه ويلومها ويشتهي ~~التوبة ويشتاق إليها فحقيق بأن يرجو منا لله التوفيق للتوبة لأن كراهيته ~~للمعصية وحؤصه على التوبة يجري مجرى السبب الذي قد يفضي إلى التوبة وإما ~~الرجاء بعد تأكد الأسباب ولذلك قال تعالى إن الذين آمنوا والذين هاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله معناه أولئك يستحون أن يرجوا ~~رحمة الله وما أراد به تخصيص وجود PageV04P143 # الرجاء لأن ms2092 غيرهم أيضا قد يرجو ولكن خصص بهم استحقاق الرجاء فأما من ~~ينهمك فيما يكرهه الله تعالى ولا يذم نفسه عليه ولا يعزم على التوبة ~~والرجوع فرجاؤه المغفرة حمق كرجاء من بث البذر في أرض سبخة وعزم على أن لا ~~يتعهده بسقي ولا تنقية # قال يحيى بن معاذ من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذنوب مع رجاء العفو ~~من غير ندامة وتوقع القرب من الله تعالى بغير طاعة وانتظار زرع الجنة ببذر ~~النار وطلب دار المطيعين بالمعاصي وانتظار الجزاء بغير عمل والتمني على ~~الله عز وجل مع الإفراط # ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس # فإذا عرفت حقيقة الرجاء ومظنته فقد علمت أنها حالة أثمرها العلم بجريان ~~أكثر الأسباب وهذه الحالة تثمر الجهد للقيام ببقية الأسباب على حسب الإمكان ~~فإن من حسن بذره وطابت أرضه وغزر ماؤه صدق رجاؤه فلا يزال يحمله صدق الرجاء ~~على تفقد الأرض وتعهدها وتنحية كل حشيش ينبت فيها فلا يفتر عن تعهدها أصلا ~~إلى وقت الحصاد وهذا لأن الرجاء يضاده اليأس واليأس يمنع من التعهد فمن عرف ~~أن الأرض سبخة وأن الماء معوز وأن البذر لا ينبت فيترك لا محالة تفقد الأرض ~~والتعب في تعهدها والرجاء محمود لأنه باعث واليأس مذموم وهو ضده لأنه صارف ~~عن العمل والخوف ليس بضد للرجاء بل هو رفيق له كما سيأتي بيانه بل هو باعث ~~آخر بطريق الرهبة كما أن الرجاء باعث بطريق الرغبة فإذن حال الرجاء يورث ~~طول المجاهدة بالأعمال والمواظبة على الطاعات كيفما تقلبت الأحوال ومن ~~آثاره التلذذ بدوام الإقبال على الله تعالى والتنعم بمناجاته والتلطف في ~~التملق له فإن هذه الأحوال لابد وأن تظهر على كل من يرجو ملكا من الملوك أو ~~شخصا من الأشخاص فكيف لا يظهر ذلك في حق الله تعالى فإن كان لا يظهر ~~فليستدل به على الحرمان عن مقام الرجاء والنزول في حضيض الغرور والتمني ~~فهذا هو البيان لحال الرجاء ولما أثمره من العلم ولما استثمر منه من العمل ms2093 ~~ويدل على إثماره لهذه الأعمال حديث زيد الخيل إذ قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جئت لأسألك عن علامة الله فيمن لا يريد وعلامته فيمن لا يريد ~~فقال كيف أصبحت قال أصحبت أحب الخير وأهله وإذا قدرت على شيء منه سارعت ~~إليه وأيقنت بثوابه وإذا فاتني منه شيىء حزنت عليه وحننت إليه # فقال هذه علامة الله فيمن يريد ولو أرادك للأخرى هيأك لها ثم لا يبالي في ~~أي أوديتها هلكت فقد ذكر صلى الله عليه وسلم علامة من أريد به الخير فمن ~~ارتجى أن يكون مرادا بالخير من غير هذه العلامات فهو مغرور // حديث قال زيد ~~الخيل جئت لأسألك عن علامة الله فيمن يريد وعلامته فيمن لا يريد الحديث ~~أخرجه الطبراني في الكبير من حديث ابن مسعود بسند ضعيف وفيه أنه قال أنت ~~زيد الخير وكذا قال ابن أبي حاتم سماه النبي صلى الله عليه وسلم زيد الخير ~~يروى عنه حديث وذكره في حديث يروى فقال زيد الخير فقال يا رسول الله الحديث ~~سمعت أبي يقول ذلك ### |||| بيان فضيلة الرجاء والترغيب فيه # اعلم أن العمل على الرجاء أعلى منه على الخوف لأن أقرب العباد إلى الله ~~تعالى أحبهم له والحب يغلب الرجاء واعتبر ذلك بملكين يخدم أحداهما خوفا من ~~عقابه والآخر رجاء لثوابه ولذلك ورد في الرجاء وحسن الظن رغائب لا سيما في ~~وقت الموت قال تعالى لا تقنطوا من رحمة الله فحرم أصل اليأس وفي أخبار ~~يعقوب عليه السلام إن الله تعالى أوحى إليه # أتدري لم فرقت بينك وبين يوسف لأنك قلت أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه ~~غافلون لم خفت الذئب ولم ترجني ولم نظرت إلى غفلة أخوته ولم تنظر إلى حفظي ~~له # وقال صلى الله عليه وسلم PageV04P144 # لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن بالله تعالى (1) وقال صلى الله عليه وسلم ~~يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء (2) # ودخل صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في النزع فقال كيف تجدك ms2094 فقال أجدني ~~أخاف ذنوبي وأرجو رحمة ربي # فقال صلى الله عليه وسلم ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه ~~الله ما رجا وأمنه مما يخاف (3) وقال علي رضي الله عنه لرجل أخرجه الخوف ~~إلى القنوط لكثرة ذنوبه يا هذا يأسك من رحمة الله أعظم من ذنوبك # وقال سفيان من أذنب ذنبا فعلم أن الله تعالى قدره عليه ورجاء غفرانه غفر ~~الله له ذنبه قال لأن الله عز وجل عير قوما فقال وذلكم ظنكم الذي ظننتم ~~بربكم أرداكم وقال تعالى وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا وقال صلى الله ~~عليه وسلم إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة ما منعك إذ رأيت المنكر أن ~~تنكره فإن لقنه الله حجته قال يا رب رجوتك وخفت الناس قال فيقول الله تعالى ~~قد غفرته لك (4) وفي الخبر الصحيح أن رجلا كان يداين الناس فيسامح الغني ~~ويتجاوز عن المعسر فلقي الله ولم يعمل خيرا قط فقال الله عز وجل من أحق ~~بذلك منا (5) فعفا عنه لحسن ظنه ورجائه أن يعفو عنه مع إفلاسه عن الطاعات ~~وقال تعالى إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ولما قال صلى الله عليه وسلم لو تعلمون ما ~~أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولخرجتم إلى الصعدات تلدمون صدروكم ~~وتجأرون إلى ربكم فهبط جبريل عليه السلام فقال إن ربك يقول لك لم تقنط ~~عبادي فخرج عليهم ورجاهم وشوقهم (6) # وفي الخبر إن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام أحبني وأحب من يحبني ~~وحببني إلى خلقي فقال يا رب كيف أحببك إلى خلقك اذكرني بالحسن الجميل واذكر ~~آلائي وإحساني وذكرهم ذلك فإنهم لا يعرفون مني إلا الجميل (7) ورئى أبان بن ~~أبي عياش في النوم وكان يكثر ذكر أبواب الرجاء فقال أوقفني الله تعالى بين ~~يديه فقال ما الذي حملك على ذلك فقلت أردت أن أحببك إلى خلقك فقال قد غفرت ~~لك # ورئى يحيى بن أكثم بعد موته في النوم فقيل ms2095 له ما فعل الله بك فقال أوقفني ~~الله بين يديه وقال يا شيخ السوء فعلت وفعلت وقال فأخذني من الرعب ما يعلم ~~الله ثم قلت يا رب ما هكذا حدثت عنك فقال وما حدثت عني فقلت حدثني عبد ~~الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس عن نبيك صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه ~~السلام أنك قلت أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء وكنت أظن بك أن لا ~~تعذبني فقال الله عز وجل صدق جبريل وصدق نبيي وصدق أنس وصدق الزهري وصدق ~~معمر وصدق عبد الرزاق وصدقت قال فألبست ومشى بين PageV04P145 # يدي الولدان إلى الجنة فقلت يا لها من فرحة # وفي الخبر أن رجلا من بني إسرائيل كان يقنط الناس ويشدد عليهم قال فيقل ~~له الله تعالى يوم القيامة اليوم أويسك من رحمتي كما كنت تقنط عبادي منها ~~(1) وقال صلى الله عليه وسلم إن رجلا يدخل النار فيمكث فيها ألف سنة ينادي ~~يا حنان يا منان فيقول الله تعالى لجبريل اذهب فائتني بعبدي قال فيجيء به ~~فيوقفه على ربه فيقول الله تعالى كيف وجدت مكانك فيقول شر مكان قال فيقول ~~رذوه إلى مكانه قال فيمشي ويلتفت إلى ورائه فيقول الله عز وجل إلى أي شيء ~~تلتفت فيقول لقد رجوت أن لا تعيدني إليها بعد إذ أخرجتني منها فيقول الله ~~تعالى اذهبوا به إلى الجنة (2) فدل هذا على أن رجاءه كان سبب نجاته نسأل ~~الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه ### |||| بيان دواء الرجاء والسبيل الذي يحصل منه حال الرجاء ويغلب # اعلم أن هذا الدواء يحتاج إليه أحد رجلين إما رجل غلب عليه اليأس فترك ~~العبادة وإما رجل غلب عليه الخوف فأسرف في المواظبة على العبادة حتى أضر ~~بنفسه وأهله وهذان رجلان مائلان عن الاعتدال إلى طرفي الإفراط والتفريط ~~فيحتاجان إلى علاج يردهما إلى الاعتدال فأما العاصي المغرور المتمني على ~~الله مع الإعراض عن العبادة واقتحام المعاصي فأدوية الرجاء تنقلب سموما ~~مهلكة في حقه وتنزل منزلة العسل الذي هو شفاء ms2096 لمن غلب عليه البرد وهم سم ~~مهلك لمن غلب عليه الحرارة بل المغرور لا يستعمل في حقه إلا أدوية الخوف ~~والأسباب المهيجة له فلهذا يجب أن يكون واعظ الخلق متلطفا ناظرا إلى مواقع ~~العلل معالجا لكل علة بما يضادها لا بما يزيد فيها فإن المطلوب هو العدل ~~والقصد في الصفات والأخلاق كلها وخير الأمور أوساطها فإذا جاوز الوسط إلى ~~أحد الطرفين عولج بما يرده إلى الوسط لا بما يزيد في ميله عن الوسط وهذا ~~الزمان زمان لا ينبغي أن يستعمل فيه مع الخلق أسباب الرجاء بل المبالغة في ~~التخويف أيضا تكاد أن لا تردهم إلى جادة الحق وسنن الصواب فأما ذكر أسباب ~~الرجاء فيهلكهم ويرديهم بالكلية ولكنها لما كانت أخف على القلوب وألذ عند ~~النفوس ولم يكن غرض الوعاظ إلا استمالة القلوب واستنطاق الخلق بالثناء ~~كيفما كانوا مالوا إلى الرجاء حتى ازداد الفساد فسادا وازداد المنهمكون في ~~طغيانهم تماديا # قال علي كرم الله وجهه إنما العالم الذي لا يقنط الناس من رحمة الله ~~تعالى ولا يؤمنهم من مكر الله # ونحن نذكر اساب الرجاء لتستعمل في حق الآيس أو فيمن غلب عليه الخوف ~~اقتداء بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإنهما مشتملان على ~~الخوف والرجاء جميعا لأنهما جامعان لأسباب الشفاء في حق أصناف المرضى ~~ليستعمله العلماء الذين هم ورثة الأنبياء بحسب الحاجة استعمال الطبيب ~~الحاذق لا استعمال الأخرق الذي يظن أن كل شيى من الأدوية صالح لكل مريض ~~كيفما كان # وحال الرجاء يغلب بشيئين أحدهما الاعتبار والآخر استقراء الآيات والأخبار ~~والآثار # أما الاعتبار فهو أن يتأمل جميع ما ذكرناه في أصناف النعم من كتاب الشكر ~~حتى إذا علم لطائف نعم الله تعالى لعباده في الدنيا وعجائب حكمه التي ~~راعاها في فطرة الإنسان حتى أعد له في الدنيا كل ما هو ضروري له في دوام ~~PageV04P146 # الوجود كآلات الغذاء وما هو محتاج إليه كالأصابع والأظفار وما هو زينة له ~~كاستقواس الحاجبين واختلاف ألوان العينين وحمرة الشفتين وغير ذلك مما كان ms2097 ~~لا ينثلم بفقده غرض مقصود وإنما كان يفوت به مزية جمال فالعناية الإلهية ~~إذا لم تقصر عن عباده في أمثال هذه الدقائق حتى لم يرض لعباده أن تفوتهم ~~المزايد والمزايا في الزينة والحاجة كيف يرضى بسياقهم إلى الهلاك المؤبد بل ~~إذا نظر الإنسان نظرا شافيا علم أن أكثر الخلق قد هيء له أسباب السعادة في ~~الدنيا حتى إنه يكره الانتقال من الدنيا بالموت وإن أخبر بأنه لا يعذب بعد ~~الموت أبدا مثلا أولا يحشر أصلا فليست كراهتهم للعدم إلا لأن أسباب النعم ~~أغلب لا محالة وإنما الذي يتمنى الموت نادر ثم لا يتمناه إلا في حال نادرة ~~وواقعة هاجمة غريبة فإذا كان حال أكثر الخلق في الدنيا الغالب عليه الخير ~~والسلامة فسنة الله لا تجد لها تبديلا فالغالب أن أمر الآخرة هكذا يكون لأن ~~مدبر الدنيا والآخرة واحد وهو غفور رحيم لطيف بعباده متعطف عليهم فهذا إذا ~~تؤمل حق التأمل قوي به أسباب الرجاء ومن الاعتبار أيضا النظر في حكمة ~~الشريعة وسنتها في مصالح الدنيا ووجه الرحمة للعباد بها حتى كان بعض ~~العارفين يرى آية المداينة في البقرة من أقوى أسباب الرجاء # فقيل له وما فيها من الرجاء فقال الدنيا كلها قليل ورزق الإنسان منها ~~قليل والدين قليل عن رزقه فانظر كيف أنزل الله تعالى فيه أطول آية ليهدي ~~عبده إلى طريق الاحتياط في حفظ دينه فكيف لا يحفظ دينه الذي لا عوض له منه # الفن الثاني استقراء الآيات والأخبار فما ورد في الرجاء خارج عن الحصر ~~أما الآيات فقد قال تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وفي قراءة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يبالي إنه هو الغفور الرحيم (1) وقال ~~تعالى والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض وأخبر تعالى أن ~~النار أعدها لأعدائه وإنما خوف بها أولياءه فقال لهم من فوقهم ظلل من النار ~~ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله ms2098 به عباده وقال تعالى واتقوا النار التي أعدت ~~للكافرين وقال تعالى فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب ~~وتولى وقال عز وجل وإن ربك لذوا مغفرة للناس على ظلمهم ويقال أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يزل يسأل في أمته حتى قيل له أما ترضى وقد أنزلت عليك ~~هذه الآية وإن ربك لذو مغفرة للناس ظلمهم (2) # وفي تفسير قوله تعالى {ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال لا يرضى محمد وواحد من ~~أمته في النار وكان أبو جعفر محمد بن علي يقول أنتم أهل العراق تقولون أرجى ~~آية في كتاب الله عز وجل قوله {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله} الآية ونحن أهل البيت نقول أرجى آية في كتاب الله ~~تعالى قوله تعالى {ولسوف يعطيك ربك فترضى} وأما الأخبار فقد روى أبو موسى ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة ~~عجل الله عقابها في الدنيا الزلازل والفتن فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل ~~رجل من أمتي رجل من أهل الكتاب فقيل هذا فداؤك من النار (3) PageV04P147 # وفي لفظ آخر يأتي كل رجل من هذه الأمة بيهودي أو نصراني إلى جهنم فيقول ~~هذا فدائي من النار فيلقى فيها (1) وقال صلى الله عليه وسلم الحمى من فيح ~~جهنم وهي حظ المؤمن من النار (2) وروي في تفسير قوله تعالى {يوم لا يخزي ~~الله النبي والذين آمنوا معه} أن الله تعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه ~~وسلم إني أجعل حساب أمتك إليك # قال لا يارب أنت أرحم بهم مني فقال إذن لا نخزيك فيهم (3) # وروي عن أنس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه في ذنوب أمته فقال ~~يا رب اجعل حسابهم إلي لئلا يطلع على مساويهم غيري فأوحى الله تعالى إليه ~~هم أمتك وهم عبادي وأنا أرحم بهم منك ولا أجعل حسابهم إلى غيري لئلا تنظر ~~إلى مساويهم أنت ولا غيرك (4) # وقال صلى الله عليه ms2099 وسلم حياتي خير لكم وموتي خيرك لكم أما حياتي فأسن ~~لكم السنن وأشرع لكم الشرائع وأما موتي فإن أعمالكم تعرض علي فما رأيت منها ~~حسنا حمدت الله عليه وما رأيت منها سيئا استغفرت الله تعالى لكم (5) وقال ~~صلى الله عليه وسلم يوما يا كريم العفو فقال جبريل عليه السلام أتدري ما ~~تفسير يا كريم العفو هو إن عفا عن السيئات برحمته بدلها حسنات بكرمه (6) # وسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقول اللهم إني أسألك تمام النعمة ~~فقال هل تدري ما تمام النعمة قال لا قال دخول الجنة (7) # قال العلماء قد أتم الله علينا نعمته برضاه الإسلام لنا إذ قال تعالى ~~{وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} وفي الخبر إذا أذنب العبد ~~ذنبا فاستغفر الله يقول الله عز وجل لملائكته انظروا إلى عبدي أذنب ذنبا ~~فعلم أن له ربا يغفر الذنوب ويأخذ بالذنب أشهدكم أني قد غفرت له (8) وفي ~~الخبر لو أذنب العبد حتى تبلغ ذنوبه عنان السماء غفرتها له ما استغفرني ~~ورجاني (9) وفي الخبر لو لقيني عبد بقراب الأرض ذنوبا لقيته بقراب الأرض ~~مغفرة (10) وفي الحديث أن الملك ليرفع القلم عن العبد إذا أذنب ست ساعات ~~فإن تاب واستغفر لم يكتبه عليه وإلا كتبها سيئة (11) وفي لفظ آخر فإذا ~~كتبها عليه وعمل حسنة قال صاحب اليمين لصاحب PageV04P148 # الشمال وهو أمير عليه ألق هذه السيئة حتى ألقى من حسناته واحدة تضعيف ~~العشر وأرفع له تسع حسنات فتلقي عنه السيئة وروى أنس في حديث أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال إذا أذنب العبد ذنبا كتب عليه فقال أعرابي وإن تاب عنه قال ~~محي عنه قال فإن عاد قال النبي صلى الله عليه وسلم يكتب عليه قال الأعرابي ~~فإن تاب قال محي من صحيفته قال إلى متى قال إلى أن يستغفر ويتوب إلى الله ~~عز وجل إن الله لا يمل من المغفرة حتى يمل العبد من الاستغفار فإذا هم ~~العبد بحسنة كتبها صاحب اليمين قبل أن يعملها فإن عملها كتبت عشر ms2100 حسنات ثم ~~يضاعفها الله سبحانه وتعالى إلى سبعمائة ضعف وإذا هم بخطيئة لم تكتب عليه ~~فإذا عملها كتبت خطيئة واحدة ووراءها حسن عفو الله عز وجل (1) # وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني لا أصوم ~~إلا الشهر لا أزيد عليه ولا أصلي إلا الخمس لا أزيد عليها وليس لله في مالي ~~صدقة ولا حج ولا تطوع أين أنا إذا مت فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال نعم معي إذا حفظت قلبك من اثنتين الغل والحسد ولسانك من اثنتين الغيبة ~~والكذب وعينيك من اثنتين النظر إلى ما حرم الله وأن تزدري بهما مسلما دخلت ~~معي الجنة على راحتي هاتين (2) وفي الحديث الطويل لأنس أن الأعرابي قال يا ~~رسول الله من يلي حساب الخلق فقال الله تبارك وتعالى قال هو بنفسه قال نعم ~~فتبسم الأعرابي فقال صلى الله عليه وسلم مم ضحكت يا أعرابي فقال إن الكريم ~~إذا قدر عفا وإذا حاسب سامح فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق الأعربي ألا ~~لا كريم أكرم من الله تعالى هو أكرم الأكرمين {ثم قال} فقه الأعرابي (3) ~~وفيه أيضا إن الله تعالى شرف الكعبة وعظمها ولو أن عبدا هدمها حجرا حجرا ثم ~~أحرقها ما بلغ جرم من استخف بولي من أولياء الله تعالى قال الأعرابي ومن ~~أولياء الله تعالى قال المؤمنون كلهم أولياء الله تعالى أما سمعت قول الله ~~عز وجل {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} وفي بعض ~~الأخبار المؤمن أفضل من الكعبة (4) PageV04P149 # والمؤمن طيب طاهر (1) والمؤمن أكرم على الله تعالى من الملائكة (2) وفي ~~الخبر خلق الله تعالى جهنم من فضل رحمته سوطا يسوق به عباده إلى الجنة (3) # وفي خبر آخر يقول الله عز وجل إنما خلقت الخلق ليربحوا علي ولم أخلقهم ~~لأربح عليهم (4) وفي حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما خلق الله تعالى شيئا إلا جعل له ما يغلبه وجعل رحمته تغلب غضبه (5) وفي ~~الخبر ms2101 المشهور إن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة قبل أن يخلق الخلق إن ~~رحمتي تغلب غضبي (6) وعن معاذ بن جبل وأنس بن مالك أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال من قال لا إله إلا الله دخل الجنة (7) # ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله لم تسمه النار (8) ومن لقي الله لا ~~يشرك به شيئا حرمت عليه النار (9) # ولا يدخلها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان (10) وفي خبر آخر لو علم ~~الكافر سعة رحمة الله ما آيس من جنته أحد (11) ولما تلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قوله تعالى إن زلزلة الساعة شيء عظيم {قال} أتدرون أي يوم هذا ~~هذا يوم يقال لآدم عليه الصلاة والسلام قم فابعث بعث النار من ذريتك فيقول ~~كم فيقال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة قال ~~فأبلس القوم وجعلوا يبكون وتعطلوا يومهم عن الاشتغال والعمل فخرج عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ما لكم لا تعملون فقالوا ومن يشتغل بعمل ~~بعد ما حدثتنا بهذا فقال كم أنتم في الأمم أين تأويل وثاريث ومنسك ويأجوج ~~ومأجوج أمم لا يحصيها إلا الله تعالى إنما أنتم في سائر الأمم كالشعرة ~~البيضاء في جلد الثور الأسود وكالرقمة في ذراع الدابة (12) فانظر كيف كان ~~الخوف يسوق الخلق بسياط الخوف ويقودهم بأزمة PageV04P150 # الرجاء إلى الله تعالى إذ ساقهم بسياط الخوف أولا فلما خرج ذلك بهم عن حد ~~الاعتدال إلى إفراط اليأس داواهم بدواء الرجاء وردهم إلى الاعتدال والقصد ~~والآخر لم يكن مناقضا للأول ولكن ذكر في الأول ما رآه سببا للشفاء واقتصر ~~عليه فلما احتاجوا إلى المعالجة بالرجاء # ذكر تمام الأمر فعلى الواعظ أن يقتدي بسيد الوعاظ فيتلطف في استعمال ~~أخبار الخوف والرجاء بحسب الحاجة بعد ملاحظة العلل الباطنة وإن لم يراع ذلك ~~كان ما يفسد بوعظه أكثر مما يصلح وفي الخبر لو لم تذنبوا لخلق الله خلقا ~~يذنبون فيغفر لهم (1) وفي لفظ آخر لذهب بكم وجاء بخلق يذنبون فيغفر لهم ms2102 إنه ~~هو الغفور الرحيم وفي الخبر لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو شر من الذنوب ~~قيل وما هو قال العجب (2) وقال صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لله ~~أرحم بعبده المؤمن من الوالدة الشفيقة بولدها (3) وفي الخبر ليغفرن الله ~~تعالى يوم القيامة مغفرة ما خطرت على قلب أحد حتى إن إبليس ليتطاول لها ~~رجاء أن تصيبه (4) وفي الخبر إن لله تعالى مائة رحمة ادخر منها عنده تسعا ~~وتسعين رحمة وأظهر منها في الدنيا رحمة واحدة فبها يتراحم الخلق فتحن ~~الوالدة على ولدها وتعطف البهيمة على ولدها فإذا كان يوم القيامة ضم هذه ~~الرحمة إلى التسع والتسعين ثم بسطها على جميع خلقه وكل رحمة منها طباق ~~السموات والأرض قال فلا يهلك على الله يومئذ إلا هالك (5) وفي الخبر ما ~~منكم من أحد يدخله عمله الجنة ولا ينجيه من النار قالوا ولا أنت يا رسول ~~الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته (6) وقال عليه أفضل الصلاة ~~والسلام اعملوا وابشروا واعلموا أن أحدا لن ينجيه عمله (7) وقال صلى الله ~~عليه وسلم إني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي أترونها للمطيعين ~~المتقين بل هي للمتلوثين المخلطين (8) وقال صلى الله عليه وسلم بعثت ~~بالحنيفية السمحة السهلة (9) وقال صلى الله عليه وسلم وعلى كل عبد مصطفى ~~أحب أن يعلم أهل الكتابين أن في ديننا سماحة (10) ويدل على معناه استجابة ~~الله تعالى للمؤمنين في قولهم {ولا تحمل علينا إصرا} وقال تعالى {ويضع عنهم ~~إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} وروى محمد بن الحنفية عن علي رضي الله ~~تعالى عنهما أنه قال لما نزل قوله تعالى {فاصفح الصفح الجميل} قال يا جبريل ~~وما الصفح الجميل قال عليه السلام إذا عفوت عمن ظلمك فلا تعاتبه فقال يا ~~جبريل فالله تعالى أكرم من أن يعاتب من عفا عنه فبكى جبريل وبكى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فبعث الله تعالى PageV04P151 # إليهما ميكائيل عليه السلام وقال إن ربكما يقرئكما السلام ويقول كيف ~~أعاتب من عفوت عنه هذا ما لا ms2103 يشبه كرمي (1) والأخبار الواردة في أسباب ~~الرجاء أكثر من أن تحصى # وأما الآثار فقد قال علي كرم الله وجهه من أذنب ذنبا فستره الله عليه في ~~الدنيا فالله أكرم من أن يكشف ستره في الآخرة ومن أذنب ذنبا فعوقب عليه في ~~الدنيا فالله تعالى أعدل من أن يثني عقوبته على عبده في الآخرة وقال الثوري ~~ما أحب أن يجعل حسابي إلى أبوي لأني اعلم أن الله تعالى أرحم بي منهما # وقال بعض السلف المؤمن إذا عصى الله تعالى ستره عن أبصار الملائكة كيلا ~~تراه فتشهد عليه # وكتب محمد بن صعب إلى أسود بن سالم بخطه إن العبد إذا كان مسرفا فاعلى ~~نفسه فرفع يديه يدعو ويقول يا رب حجبت الملائكة صوته وكذا الثانية والثالثة ~~حتى إذا قال الرابعة يا ربي قاله الله تعالى حتى متى تحجبون عني صوت عبدي ~~قد علم عبدي أنه ليس له رب يغفر له الذنوب غيري أشهدكم إني قد غفرت له وقال ~~إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه خلا لي الطواف ليلة وكانت ليلة مطيرة مظلمة ~~فوقفت في الملتزم عند الباب فقلت يا رب اعصمني حتى لا أعصيك أبدا فهتف بي ~~هاتف من البيت يا إبراهيم أنت تسألني العصمة وكل عبادي المؤمنين يطلبون مني ~~ذلك فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل ولمن أغفر وكان الحسن يقول لو لم يذنب ~~المؤمن لكان يطير في ملكوت السماوات ولكن الله تعالى قمعه بالذنوب وقال ~~الجنيد رحمه الله تعالى إن بدت عين من الكرم ألحقت المسيئين بالمحسنين # ولقي مالك بن دينار أبانا فقال له إلى كم تحدث الناس بالرخص فقال يا أبا ~~يحيى إني لأرجو أن ترى من عفو الله يوم القيامة ما تخرق له كساءك هذا من ~~الفرح # وفي حديث ربعي بن حراش عن أخيه وكان من خيار التابعين وهو ممن تكلم بعد ~~الموت قال لما مات أخي سجي بثوبه وألقيناه على نعشه فكشف الثوب عن وجهه ~~واستوى قاعدا وقال إني لقيت ربي عز وجل فحياني بروح وريحان وربي غير ms2104 غضبان ~~وإني رأيت الأمر أيسر مما تظنون فلا تفتروا وإن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~ينتظرني وأصحابه حتى أرجع إليهم # قال ثم طرح نفسه فكأنها كانت حصاة وقعت في طشت فحملناه ودفناه # وفي الحديث أن رجلين من بني إسرائيل تواخيا في الله تعالى فكان أحدهما ~~يسرف على نفسه وكان الآخر عابدا وكان يعظه ويزجره فكان يقول دعني وربي ~~أبعثت علي رقيبا حتى رآه ذات يوم على كبيرة فغضب فقال لا يغفر الله لك # قال فيقول الله تعالى يوم القيامة أيستطيع أحد أن يحظر رحمتي على عبادي ~~اذهب أنت فقد غفرت لك ثم يقول للعابد وأنت فقد أوجبت لك النار # قال فوالذي نفسي بيده لقد تكلم بكلمة أهلكت دنياه وآخرته (2) # وروي أيضا أن لصا كان يقطع الطريق في بني إسرائيل أربعين سنة فمر عليه ~~عيسى عليه السلام وخلفه عابد من عباد بني إسرائيل من الحواريين فقال اللص ~~في نفسه هذا نبي الله يمر وإلى جنبه جواريه لو نزلت فكنت معهما ثالثا قال ~~فنزل فجعل يريد أن يدنو من الحواري ويزدري نفسه تعظيما للحواري ويقول في ~~نفسه مثلي لا يمشي إلى جنب هذا العابد # قال وأحس الحواري به فقال في نفسه هذا يمشي إلى جانبي فضم نفسه ومشى إلى ~~عيسى عليه الصلاة والسلام فمشى بجنبه فبقي اللص خلفه فأوحى الله تعالى إلى ~~عيسى عليه الصلاة والسلام PageV04P152 # قل لهما ليستأنفا العمل فقد أحبطت ما سلف من أعمالهما أما الحوارى فقد ~~أحبطت حسناته لعجبه بنفسه وأما الآخر فقد أحبطت سيئاته بما ازدرى على نفسه ~~فأخبرهما بذلك وضم اللص إليه في سياحته وجعله من حواريه # وروى عن مسروق أن نبيا من الأنبياء كان ساجدا فوطىء عنقه بعض العصاة حتى ~~ألزق الحصى بجبهته قال فرفع النبي عليه الصلاة والسلام رأسه مغضبا فقال ~~اذهب فلن يغفر الله لك فأوحى الله تعالى إليه تتألى على في عبادي إني قد ~~غفرت له # ويقرب من هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى ~~الله ms2105 عليه وسلم كان يقنت على المشركين ويلعنهم في صلاته فنزل عليه قوله ~~تعالى ليس لك من الأمر شيء الآية فترك الدعاء عليهم وهدى الله تعالى عامة ~~أولئك للإسلام (1) # وروى في الأثر أن رجلين كانا من العابدين متساويين في العبادة قال فإذا ~~أدخلا الجنة رفع أحدهما في الدرجات العلى على صاحبه فيقول يا رب ما كان هذا ~~في الدنيا بأكثر مني عبادة فرفعته علي في عليين فيقول الله سبحانه إنه كان ~~يسألني في الدنيا الدرجات العلى وأنت كنت تسألني النجاة من النار فأعطيت كل ~~عبد سؤله وهذا يدل على أن العبادة على الرجاء أفضل لأن المحبة أغلب على ~~الراجي منها على الخائف فكم من فرقف في الملوك بين من يخدم اتقاء لعقابه ~~وبين من يخدم إرتجاه لإنعامه وإكرامه # ولذلك أمر الله تعالى بحسن الظن ولذلك قال صلى الله عليه وسلم سلوا الله ~~الدرجات العلى فإنما تسألون كريما (2) وقال إذا سألتم الله فأعظموا الرغبة ~~واسألوا الفردوس الأعلى فإن الله تعالى لا يتعاظمه شيء (3) # وقال بكر بن سليم الصواف دخلنا على مالك بن أنس في العشية التي قبض فيها ~~فقلنا يا أبا عبد الله كيف تجدك قال لا أدري ما أقول لكم إلا أنكم ستعاينون ~~من عفو الله ما لم يكن لكم في حساب ثم ما برحنا حتى أغمضناه # وقال يحيى بن معاذ في مناجاته يكاد رجائي لك من الذنوب يغلب رجائي إليك ~~مع الأعمال لأني أعتمد في الأعمال على الإخلاص وكيف أحرزها وأنا بالآفة ~~معروف وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف # وقيل إن مجوسيا استضاف إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فقال إن أسلمت ~~أضفتك فمر المجوسي PageV04P153 # فأوحى الله تعالى إليه يا إبراهيم لم تطعمه إلا بتغيير دينه ونحن من ~~سبعين سنة نطعمه على كفره فلو أضفته ليلة ماذا كان عليك فمر إبراهيم يسعى ~~خلف المجوسي فرده وأضافه فقال له المجوسي ما السبب فيما بدا لك فذكر له ~~فقال له المجوسي أهكذا يعاملني ثم قال أعرض على ms2106 الإسلام فأسلم # ورأى الأستاذ أبو سهل الصعلوكي أبا سهل الزجاجي في المنام وكان يقول ~~بوعيد الأبد فقال له كيف حالك فقال وجدنا الأمر أهون مما توهمنا # ورأى بعضهم أبا سهل الصعلوكي في المنام على هيئة حسنة لا توصف فقال له يا ~~أستاذ بما نلت هذا فقال بحسن ظني بربي # وحكى أن أبا العباس بن سريج رحمه الله تعالى رأى في مرض موته في منامه ~~كأن القيامة قد قامت وإذا الجبار سبحانه يقول أين العلماء قال فجاءوا ثم ~~قال ماذا عملتم فيما علمتم قال فقلنا يا رب قصرنا وأسأنا قال فأعاد السؤال ~~كأنه لم يرض بالجواب وأراد جوابا غيره فقلت أما أنا فليس في صحيفتي الشرك ~~وقد وعدت أن تغفر ما دونه فقال اذهبوا به فقد غفرت لكم ومات بعد ذلك بثلاث ~~ليال # وقيل كان رجل شريب جمع قوما من ندمائه ودفع إلى غلامه أربعة دراهم وأمره ~~أن يشتري شيئا من الفواكه للمجلس فمر الغلام بباب مجلس منصور بن عمار وهو ~~يسأل لفقير شيئا ويقول من دفع إليه أربعة دراهم دعوت له أربع دعوات قال ~~فدفع الغلام إليه الدراهم فقال منصور ما الذي تريد أن أدعو لك فقال لي سيد ~~أريد أن أتخلص منه فدعا منصور وقال الأخرى # قال أن يخلف الله على دراهمي فدعا ثم قال الآخرى قال أن يتوب الله على ~~سيدي فدعا ثم قال الأخرى فقال أن يغفر الله لي ولسيدي ولك وللقوم فدعا ~~منصور فرجع الغلام فقال له سيده لم أبطأت فقص عليه القصة قال وبما دعا فقال ~~سألت لنفسي العتق فقال له اذهب فانت حر قال وأيش الثاني قال أن يخلف الله ~~على الدراهم قال لك أربعة آلاف درهم وايش الثالث قال أن يتوب الله عليك قال ~~تبت إلى الله تعالى قال وأيش الرابع قال أن يغفر الله لي ولك وللقوم قال ~~هذا الواحد ليس إلى فلما بات تلك الليلة رأى في المنام كأن قائلا يقول له ~~أنت فعلت ما كان إليك أفترى أني لا أفعل ms2107 ما إلى قد غفرت لك وللغلام ولمنصور ~~بن عمار وللقوم الحاضرين أجمعين # وروى عن عبد الوهاب بن عبد الحميد الثقفي قال رأيت ثلاثة من الرجال ~~وإمرأة يحملون جنازة قال فأخذت مكان المرأة وذهبنا إلى المقبرة وصلينا ~~عليها ودفنا الميت فقلت للمرأة من كان هذا الميت منك قالت ابني قلت ولم يكن ~~لكم جيران قالت بلى ولكن صغروا أمره قلت وأيش كان هذا قالت مخنثا قال ~~فرحمتها وذهبت بها إلى منزلي وأعطيتها دراهم وحنطة وثيابا قال فرأيت تلك ~~الليلة كأنه أتاني آت كأنه القمر ليلة البدر وعليه ثياب بيض فجعل يتشكرني ~~فقلت من أنت فقال المخنث الذي دفنتموني اليوم رحمني ربي بإحتقار الناس إياي # وقال إبراهيم الأطروش كنا قعودا ببغداد مع معروف الكرخي على دجلة إذ مر ~~أحداث في زورق يضربون بالدف ويشربون ويلعبون فقالوا لمعروف أما تراهم يعصون ~~الله مجاهرين ادع الله عليهم فرفع يديه وقال إلهى كما فرحتم في الدنيا ~~ففرحهم في الآخرة فقال القوم إنما سألناك أن تدعو عليهم فقال إذا PageV04P154 # فرحهم في الآخرة تاب عليهم وكان بعض السلف يقول في دعائه يا رب وأي أهل ~~دهر لم يعصوك ثم كانت نعمتك عليهم سابغة ورزقك عليهم دارا سبحانك ما أحلمك ~~وعزتك إنك لتعصى ثم تسبغ النعمة وتدر الرزق حتى كأنك يا ربنا لا تغضب # فهذه هي الأسباب التي بها يجلب روح الرجاء إلى قلوب الخائفين والآيسين ~~فأما الحمقى المغرورون فلا ينبغي أن يسمعوا شيئا من ذلك بل يسمعون ما ~~سنورده في أسباب الخوف فإن أكثر الناس لا يصلح إلى على الخوف كالعبد السوء ~~والصبى العرم لا يستقيم إلا بالسوط والعصا وإظهار الخشونة في الكلام # وأما ضد ذلك فيسد عليهم باب الصلاح في الدين والدنيا ### ||| الشطر الثاني من الكتاب في الخوف # وفيه بيان حقيقة الخوف # وبيان درجاته وبيان أقسام المخاوف وبيان فضيلة الخوف وبيان الأفضل من ~~الخرف والرجاء وبيان دواء الخوف وبيان معنى سوء الخاتمة وبيان أحوال ~~الخائفين من الأنبياء صلوات الله عليهم والصالحين رحمة الله عليهم ونسأل ~~الله ms2108 حسن التوفيق ### |||| بيان حقيقة الخوف # اعلم أن الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في ~~الإستقبال وقد ظهر هذا في بيان حقيقة الرجاء ومن أنس بالله وملك الحق قلبه ~~وصار ابن وقته مشاهدا لجمال الحق على الدوام لم يبق له التفات إلى المستقبل ~~فلم يكن له خوف ولا رجاء بل صار حاله أعلى من الخوف والرجاء فإنهما زمانان ~~يمنعان النفس عن الخروج إلى رعوناتها وإلى هذا أشار الواسطي حيث قال الخوف ~~حجاب بين الله تعالى وبين العبد # وقال أيضا إذا ظهر الحق على السرائر لا يبقى فيها فضلة لرجاء ولا لخوف ~~وبالجملة فالمحب إذا شغل قلبه في مشاهدة المحبوب بخوف الفراق كان ذلك نقصا ~~في الشهود وإنما دوام الشهود غاية المقامات ولكنا الآن إنما نتكلم في أوائل ~~المقامات فنقول حال الخوف ينتظم أيضا من علم وحال وعمل # أما العلم فهو العلم بالسبب المفضى إلى المكروه وذلك كمن جنى على ملك ثم ~~وقع في يده فيخاف القتل مثلا ويجوز العفو والإفلات ولكن يكون تألم قلبه ~~بالخوف بحسب قوة عليه بالأسباب المفضية إلى قتله وهو تفاحش جنايته وكون ~~الملك في نفسه حقودا غضوبا منتقما وكونه محفوفا بمن يحثه على الإنتقام ~~خاليا عمن يتشفع إليهم في حقه وكان هذا الخائف عاطلا عن كل وسيلة وحسنة ~~تمحو أثر جنايته عند الملك فالعلم بتظاهر هذه الأسباب سبب لقوة الخوف وشدة ~~تألم القلب وبحسب ضعف هذه الأسباب يضعف الخوف وقد يكون الخوف لا عن سبب ~~جناية قارفها الخائف بل عن صفة المخوف كالذي وقع في مخالب سبع فإنه يخاف ~~السبع لصفة ذات السبع وهي حرصه وسطوته على الإفتراس غالبا وإن كان إفتراسه ~~بالإختيار وقد يكون من صفة جبلية للمخوف منه كخوف من وقع في مجرى سيل أو ~~جوار حريق فإن الماء يخاف لأنه بطبعه مجبول على السيلان والإعراق وكذا ~~النار على الإحراق فالعلم بأسباب المكروه هو السبب الباعث المثير لإحراق ~~القلب وتألمه وذلك الإحراق هو الخوف فكذلك الخوف من الله تعالى تارة يكون ~~لمعرفة ms2109 الله تعالى ومعرفة صفاته وأنه لو أهلك العالمين لم يبال ولم يمنعه ~~مانع وتارة يكون لكثرة الجناية من العبد بمقارفة المعاصي وتارة يكون بهما ~~جميعا وبحسب معرفته بعيوب نفسه ومعرفته بجلال الله تعالى واستغنائه وأنه لا ~~يسئل عما يفعل وهم يسئلون PageV04P155 # فتكون قوة خوفه فأخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه وبربه ولذلك قال صلى الله ~~عليه وسلم أنا أخوفكم لله (1) وكذلك قال الله تعالى {إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء} ثم إذا كملت المعرفة أورثت جلال الخوف واحتراق القلب ثم ~~يفيض أثر الحرقة من القلب على البدن وعلى الجوارج وعلى الصفات # أما في البدن فبالنحول والصفار والغشية والزعقة والبكاء وقد تنشق به ~~المرارة فيفضى إلى الموت أو يصعد إلى الدماغ فيفسد العقل أو يقوى فيورث ~~القنوط واليأس # وأما في الجوارح فبكفها عن المعاصي وتقييدها بالطاعات تلافيا لما فرط ~~وإستعدادا للمستقبل ولذلك قيل ليس الخائف من يبكى ويمسح عينيه بل من يترك ~~ما يخاف أن يعاقب عليه وقال أبو القاسم الحكيم من خاف شيئا هرب منه ومن خاف ~~الله هرب إليه # وقيل لذي النون متى يكون العبد خائفا قال إذا نزل نفسه منزلة السقيم الذي ~~يحتمى مخافة طول السقام # وأما في الصفات فبأن يقمع الشهوات ويكدر اللذات فتصير المعاصي المحبوبة ~~عنده مكروهة كما يصير العسل مكروها عند من يشتهيه إذا عرف أن فيه سما ~~فتحترق الشهوات بالخوف وتتأدب الجوارح ويحصل في القلب الذبول والخشوع ~~والذلة والإستكانة ويفارقه الكبر والحقد والحسد بل يصير مستوعب الهم بخوفه ~~والنظر في خطر عاقبته فلا يتفرغ لغيره ولا يكون له شغل إلا المراقبة ~~والمحاسبة والمجاهدة والضنة بالأنفاس واللحظات مؤاخذة النفس بالخطرات ~~والخطوات والكلمات ويكون حاله حال من وقع في مخالب سبع ضار لا يدري أنه ~~يغفل عنه فيفلت أو يهجم عليه فيهلك فيكون ظاهره وباطنه مشغولا بما هو خائف ~~منه لا متسع فيه لغيره هذا حال من غلبه الخوف واستولى عليه وهكذا كان حال ~~جماعة من الصحابة والتابعين وقوة المراقبة والمحاسبة والمجاهدة بحسب قوة ~~الخوف الذي هو ms2110 تألم القلب وإحتراقه وقوة الخوف بحسب قوة المعرفة بجلال الله ~~وصفاته وأفعاله وبعيوب النفس وما بين يديها من الأخطار والأهوال وأقل درجات ~~الخوف مما يظهر أثره في الأعمال أن يمنع عن المحظورات ويسمى الكف الحاصل عن ~~المحظورات ورعا فإن زادت قوته كف عما يتطرق إليه إمكان التحريم فيكف أيضا ~~عما لا يتيقن تحريمه ويسمى ذلك تقوى إذ التقوى أن يترك ما يريبه إلى ما لا ~~يريبه وقد يحمله على أن يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس وهو الصدق في ~~التقوى فإذا انضم إليه التجرد للخدمة فصار لا يبنى مالا يسكنه ولا يجمع ما ~~لا يأكله ولا يلتفت إلى دنيا يعلم أنها تفارقه ولا يصرف إلى غير الله تعالى ~~نفسا من أنفاسه فهو الصدق وصاحبه جدير بأن يسمى صديقا ويدخل في الصدق ~~التقوى ويدخل في التقوى الورع ويدخل في الورع العفة فإنها عبارة عن ~~الإمتناع عن مقتضى الشهوات خاصة فإذن الخوف يؤثر في الجوارح بالكف والإقدام ~~ويتجدد له بسبب الكف اسم العفة وهو كف عن مقتضى الشهوة وأعلى منه الورع ~~فإنه أعم لأنه كف عن كل محظور وأعلى منه التقوى فإنه اسم للكف عن المحظور ~~والشبهة جميعا ووراءه اسم الصديق والمقرب وتجرى الرتبة الآخرة مما قبلها ~~مجرى الأخص من الأعم فإذا ذكرت الأخص فقد ذكرت الكل كما أنك تقول الإنسان ~~إما عربي وإما عجمي والعربي إما قرشي أو غيره والقرشي إما هاشمي أو غيره ~~والهاشمي إما علوي أو غيره والعلوي إما حسنى أو حسيني فإذا ذكرت أنه حسنى ~~مثلا فقد وصفته بالجميع وإن وصفته بأنه علوي وصفته بما هو فوقه مما هو أعم ~~منه فكذلك إذا قلت صديق فقد قلت إنه تقي وورع وعفيف فلا ينبغي أن تظن أن ~~كثرة هذه الأسامي تدل على معان كثيرة متباينة فيختلط عليك كما اختلط ~~PageV04P156 # على من طلب المعاني من الألفاظ ولم يتبع الألفاظ المعاني فهذه إشارة إلى ~~مجامع معاني الخوف وما يكتنفه من جانب العلو كالمعرفة الموجبة له ومن جانب ~~السفل ms2111 كالأعمال الصادرة منه كفا وإقداما ### |||| بيان درجات الخوف وإختلافه في القوة والضعف # اعلم أن الخوف محمود وربما يظن أن كل ما هو خوف محمود فكل ما كان أقوى ~~وأكثر كان أحمد وهو غلط بل الخوف سوط الله يسوق به عباده إلى المواظبة على ~~العلم والعمل لينالوا بهما رتبة القرب من الله تعالى والأصلح للبهيمة أن لا ~~تخلو عن سوط وكذا الصبي ولكن ذلك لا يدل على أن المبالغة في الضرب محمودة ~~وكذلك الخوف له قصور وله إفراط وله إعتدال # والمحمود هو الإعتدال والوسط فأما القاصر منه فهو الذي يجرى مجرى رقة ~~النساء يخطر بالبال عند سماع آية من القرآن فيورث البكاء وتفيض الدموع ~~وكذلك عند مشاهدة سبب هائل فإذا غاب ذلك السبب عن الحس ورجع القلب إلى ~~الغفلة فهذا خوف قاصر قليل الجدوى ضعيف النفع وهو كالقضيب الضعيف الذي تضرب ~~به دابة قوية لا يؤلمها ألما مبرحا فلا يسوقها إلى المقصد ولا يصلح ~~لرياضتها وهكذا خوف الناس كلهم إلا العارفين والعلماء ولست أعني بالعلماء ~~المترسمين برسوم العلماء والمتسمين بأسمائهم فإنهم أبعد الناس عن الخوف بل ~~أعني العلماء بالله وبأيامه وأفعاله وذلك مما قد عز وجوده الآن ولذلك قال ~~الفضيل بن عياض إذا قيل لك هل تخاف الله فاسكت فإنك إن قلت لا كفرت وإن قلت ~~نعم كذبت وأشار به إلى أن الخوف هو الذي يكف الجوارح عن المعاصي ويقيدها ~~بالطاعات وما لم يؤثر في الجوارح فهو حديث نفس وحركة خاطر لا يستحق أن يسمى ~~خوفا # وأما المفرط فإنه الذي يقوى ويجاوز حد الإعتدال حتى يخرج إلى اليأس ~~والقنوط وهو مذموم أيضا لأنه يمنع من العمل وقد يخرج الخوف أيضا إلى المرض ~~والضعف وإلى الوله والدهشة وزوال العقل فالمراد من الخوف ما هو المراد من ~~السوط وهو الحمل على العمل ولولاه لما كان الخوف كما لا لأنه بالحقيقة ~~نقصان لأن منشأه الجهل والعجز # أما الجهل فإنه ليس يدري عاقبة أمره ولو عرف لم يكن خائفا لأن المخوف هو ~~الذي يتردد فيه ms2112 # وأما العجز فهو أنه متعرض لمحذور لا يقدر على دفعه فإذن هو محمود ~~بالإضافة إلى نقص الآدمي وإنما المحمود في نفسه وذاته هو العلم والقدرة وكل ~~ما يجوز أن يوصف الله تعالى به وما لا يجوز وصف الله تعالى به فليس بكمال ~~في ذاته وإنما يصير محمودا بالإضافة إلى نقص هو أعظم منه كما يكون إحتمال ~~ألم الدواء محمودا لأنه أهون من ألم المرض والموت فما يخرج إلى القنوط فهو ~~مذموم وقد يخرج الخوف أيضا إلى المرض والضعف وإلى الوله والدهشة وزوال ~~العقل وقد يخرج إلى الموت وكل ذلك مذموم وهو كالضرب الذي يقتل الصبي والسوط ~~الذي يهلك الدابة أو يمرضها أو يكسر عضوا من أعضائها وإنما ذكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أسباب الرجاء وأكثر منها ليعالج به صدمة الخوف المفرط ~~المفضى إلى القنوط أو أحد هذه الأمور فكل ما يراد لأمر فالمحمود منه ما ~~يفضى إلى المراد المقصود منه وما يقصر عنه أو يجاوزه فهو مذموم وفائدة ~~الخوف الحذر والورع والتقوى والمجاهدة والعبادة والفكر والذكر وسائر ~~الأسباب الموصلة إلى الله تعالى وكل ذلك يستدعى الحياة مع صحة البدن وسلامة ~~العقل فكل ما يقدح في هذه الأسباب فهو مذموم # فإن قلت من خاف فمات من خوفه فهو شهيد فكيف يكون حاله مذموما فاعلم أن ~~معنى كونه شهيدا أن له رتبة بسبب موته من الخوف كان لا ينالها لو مات في ~~ذلك الوقت لا بسبب الخوف فهو بالإضافة إليه فضيلة فأما بالإضافة إلى تقدير ~~بقائه وطول عمره في طاعة الله وسلوك سبله فليس بفضيلة بل للسالك إلى الله ~~تعالى بطريق PageV04P157 # الفكر والمجاهدة والترقي في درجات المعارف في كل لحظة رتبة شهيد وشهداء ~~ولولا هذا لكانت رتبة صبي يقتل أو مجنون يفترسه سبع أعلى من رتبة نبي أو ~~ولي يموت حتف أنفه وهو محال فلا ينبغي أن يظن هذا بل أفضل السعادات طول ~~العمر في طاعة الله تعالى فكل ما أبطل العمر أو العقل أو الصحة التي يتعطل ~~العمر بتعطيلها ms2113 فهو خسران ونقصان بالإضافة إلى أمور وإن كان بعض أقسامها ~~فضيلة بالإضافة إلى أمور أخر كما كانت الشهادة فضيلة بالإضافة إلى ما دونها ~~لا بالإضافة إلى درجة المتقين والصديقين فإذن الخوف إن لم يؤثر في العمل ~~فوجوده كعدمه مثل السوط الذي لا يزيد في حركة الدابة وإن أثر فله درجات ~~بحسب ظهور أثره فإن لم يحمل إلا على العفة وهي الكف عن مقتضى الشهوات فله ~~درجة فإذا أثمر الورع فهو أعلى وأقصى درجاته أن يثمر درجات الصديقين وهو أن ~~يسلب الظاهر والباطن عما سوى الله تعالى حتى لا يبقى لغير الله تعالى فيه ~~متسع فهذا أقصى ما يحمد منه وذلك مع بقاء الصحة والعقل فإن جاوز هذا إلى ~~إزالة العقل والصحة فهو مرض يجب علاجه إن قدر عليه ولو كان محمودا لما وجب ~~علاجه بأسباب الرجاء وبغيره حتى يزول ولذلك كان سهل رحمه الله يقول ~~للمريدين الملازمين للجوع أياما كثيرة احفظوا عقولكم فإنه لم يكن لله تعالى ~~ولي ناقص العقل ### |||| بيان أقسام الخوف بالإضافة إلى ما يخاف منه # اعلم أن الخوف لا يتحقق إلا بإنتظار مكروه والمكروه أما أن يكون مكروها ~~في ذاته كالنار وإما أن يكون مكروها لأنه يفضى إلى المكروه كما تكره ~~المعاصي لأدائها إلى مكروه في الآخرة وكما يكره المريض الفواكه المضرة ~~لأدائها إلى الموت فلا بد لكل خائف من أن يتمثل في نفسه مكروها من أحد ~~القسمين ويقوى إنتظاره في قلبه حتى يحرق قلبه بسبب استشعاره ذلك المكروه ~~ومقام الخائفين يختلف فيما يغلب على قلوبهم من المكروهات المحذورة فالذين ~~يغلب على قلوبهم ما ليس مكروها لذاته بل لغيره كالذين يغلب عليهم خوف الموت ~~قبل التوبة أو خوف نقض التوبة ونكث العهد أو خوف ضعف القوة عن الوفاء بتمام ~~حقوق الله تعالى أو خوف زوال رقة القلب وتبدلها بالقساوة # أو خوف الميل عن الإستقامة أو خوف إستيلاء العادة في اتباع الشهوات ~~المألوفة أو خوف أن يكله الله تعالى إلى حسناته التي أتكل عليها وتعزز بها ~~في عباد ms2114 الله أو خوف البطر بكثرة نعم الله عليه أو خوف الإشتغال عن الله ~~بغير الله أو خوف الإستدراج بتواتبر النعم أو خوف إنكشاف غوائل طاعاته حيث ~~يبدو له من الله ما لم يكن يحتسب أو خوف تبعات الناس عنده في الغيبة ~~والخيانة والغش وإضمار السوء أو خوف ما لا يدرى أنه يحدث في بقية عمره أو ~~خوف تعجيل العقوبة في الدنيا والإفتضاح قبل الموت أو خوف الإغترار بزخارف ~~الدنيا أو خوف إطلاع الله على سريرته في حال غفلته عنه # أو خوف الختم له عند الموت بخاتمة السوء أو خوف السابقة التي سبقت له في ~~الأزل # فهذه كلها مخاوف ولكل واحد خصوص فائدة وهو سلوك سبيل الحذر عما يفضى إلى ~~المخوف فمن يخاف استيلاء العادة عليه فيواظب على الفطام عن العادة والذي ~~يخاف من اطلاع الله تعالى على سريرته يشتغل بتطهير قلبه عن الوساوس وهكذا ~~إلى بقية الأقسام # وأغلب هذه المخاوف على اليقين خوف الخاتمة فإن الأمر فيه مخطر وأعلى ~~الأقسام وأدلها على كمال المعرفة خوف السابقة لأن الخاتمة تتبع السابقة ~~وفرع يتفرع عنها بعد تخلل أسباب كثيرة فالخاتمة تظهر ما سبق به القضاء في ~~أم الكتاب والخائف من الخاتمة بالإضافة إلى الخائف من السابقة كرجلين وقع ~~الملك في حقهما بتوقيع يحتمل أن يكون فيه حز الرقبة ويحتمل أن يكون في ~~تسليم الوزارة إليه ولم يصل التوقيع إليهما بعد فيرتبط قلب أحدهما بحالة ~~وصول التوقيع ونشره وأنه PageV04P158 # عماذا يظهر ويرتبط قلب الآخر بحالة توقيع الملك وكيفيته وأنه ما الذي خطر ~~له في حال التوقيع من رحمة أوغضب وهذا التفات إلى السبب فهو أعلى من ~~الالتفات إلى ما هو فرع فكذلك الإلتفات إلى القضاء الأزلي الذي جرى بتوقيعه ~~القلم أعلى من الالتفات إلى ما يظهر في الأبد وإليه أشار النبي صلى الله ~~عليه وسلم حيث كان على المنبر فقبض كفيه اليمنى ثم قال هذا كتاب الله كتب ~~فيه أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم لا يزاد فيهم ولا ينقص ثم قبض كفه ~~اليسرى ms2115 وقال هذا كتاب الله كتب فيه أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم لا ~~يزاد فيهم ولا ينقص وليعملن أهل السعادة بعمل أهل الشقاوة حتى يقال كأنهم ~~مونهم بل هم هم ثم يستنقذهم الله قبل الموت ولو بفواق ناقة وليعملن أهل ~~الشقاوة بعمل أهل السعادة حتى يقال كأنهم منهم بل هم هم ثم يستخرجهم الله ~~قبل الموت ولو بفواق ناقة السعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء ~~الله والأعمال بالخواتيم (1) وهذا كانقسام الخائفين إلى من يخاف معصيته ~~وجنايته وإلى من يخاف الله تعالى نفسه لصفته وجلاله وأوصافه التي تقتضي ~~الهيبة لا محالة فهذا أعلى رتبة ولذلك يبقى خوفه وإن كان في طاعة الصديقين ~~وأما الآخر فهو في عرضة الغرور والأمن # إن واظب على الطاعات فالخوف من المعصية خوف الصالحين والخوف من الله خوف ~~الموحدين والصديقين وهو ثمرة المعرفة بالله تعالى وكل من عرفه وعرف صفاته ~~علم من صفاته ما هو جدير بأن يخاف من غير جناية بل العاصي لو عرف الله حق ~~المعرفة لخاف الله ولم يخف معصيته ولولا أنه مخوف في نفسه لما سخره للمعصية ~~ويسر له سبيلها ومهد له أسبابها فإن تيسير أسباب المعصية إبعاد ولم يسبق ~~منه قبل المعصية معصية استحق بها أن يسخر للمعصية وتجري عليه أسبابها ولا ~~سبق قبل الطاعة وسيلة توسل بها من يسرت له الطاعات ومهد له سبيل القربات ~~فالعاصي قد قضي عليه بالمعصية شاء أم أبى وكذا المطيع فالذي يرفع محمد صلى ~~الله عليه وسلم إلى أعلى عليين من غير وسيلة سبقت منه قبل وجوده ويضع أبا ~~جهل في أسفل سافلين من غير جناية سبقت منه قبل وجوده جدير بأن يخاف منه ~~لصفة جلاله فإن من أطاع الله أطاع بأن سلط عليه إرادة الطاعة وآتاه القدر ~~وبعد خلق الإرادة الجازمة والقدرة التامة يصير الفعل ضروريا والذي عصى عصى ~~لأنه سلط عليه إرادة قوية جازمة وآتاه الأسباب والقدرة فكان الفعل بعد ~~الإرادة والقدرة ضروريا فليت شعري ما الذي أوجب إكرام هذا وتخصيصه بتسليط ms2116 ~~إرادة الطاعات عليه وما الذي أوجب إهانة الآخر وإبعاده بتسليط دواعي ~~المعصية عليه وكيف يحال ذلك على العبد وإذا كانت الحوالة ترجع إلى القضاء ~~الأزلي من غير جناية ولا وسيلة فالخوف ممن يقضي بما يشاء ويحكم بما يريد ~~حزم عند كل عاقل ووراء هذا المعنى سر القدر لا يجوز إفشاؤه ولا يمكن أن ~~تفهم الخوف منه في صفاته جل جلاله إلا بمثال لولا إذن الشرع لم يستجرىء على ~~ذكره ذو بصيرة فقد جاء في الخبر إن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام ~~يا داود خفني كما تخاف السبع الضاري (2) فهذا المثال يفهمك حاصل المعنى وإن ~~كان لا يقف بك على سببه فإن الوقوف على سببه وقوف على سر القدر ولا يكشف ~~ذلك إلا لأهله # والحاصل أن السبع يخاف لا لجناية سبقت إليه منك بل لصفته وبطشه وسطوته ~~وكبره وهيبته ولأنه يفعل ما يفعل ولا يبالي فإن قتلك لم يرق قلبه ولا يتألم ~~بقتلك وإن خلاك لم يخلك شفقة عليك وإبقاء على روحك بل أنت عنده أخس من أن ~~يلتفت إليك حيا كنت أو ميتا بل إهلاك ألف مثلك وإهلاك نملة عنده على وتيرة ~~واحدة إذ لا يقدح PageV04P159 # ذلك في عالم سبعيته وما هو موصوف به من قدرته وسطوته ولله المثل الأعلى ~~ولكن من عرفه عرف بالمشاهدة الباطنة التي هي أقوى وأوثق وأجلى من المشاهدة ~~الظاهرة أنه صادق في قوله هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا ~~أبالي ويكفيك من موجبات الهيبة والخوف المعرفة بالاستغناء وعدم المبالاة ~~الطبقة الثانية من الخائفين أن يتمثل في أنفسهم ما هو المكروه وذلك مثل ~~سكرات الموت وشدته أو سؤال منكر ونكير أو عذاب القبر أو هول المطلع أو هيبة ~~الموقف بين يدي الله تعالى والحياء من كشف الستر والسؤال عن النقير ~~والقطمير أو الخوف من الصراط وحدته وكيفية العبور عليه أو الخوف من النار ~~وأغلالها وأهوالها أو الخوف من الحرمان عن الجنة دار النعيم والملك المقيم ~~وعن نقصان الدرجات أو الخوف من ms2117 الحجاب عن الله تعالى وكل هذه الأسباب ~~مكروهة في نفسها فهي لا محالة مخوفة تختلف أحوال الخائفين فيها # وأعلاها رتبة هو خوف الفراق والحجاب عن الله تعالى وهو خوف العارفين وما ~~قبل ذلك هو خوف العاملين والصالحين والزاهدين وكافة العالمين ومن لم تكمل ~~معرفته ولم تنفتح بصيرته لم يشعر بلذة الوصال ولا بألم البعد والفراق وإذا ~~ذكر له أن العارف لا يخاف النار وإنما يخاف الحجاب وجد ذلك في باطنه منكرا ~~وتعجب منه في نفسه وربما أنكر لذة النظر إلى وجه الله الكريم لولا منع ~~الشرع إياه من إنكاره فيكون اعترافه به باللسان عن ضرورة التقليد وإلا ~~فباطنه لا يصدق به لأنه لا يعرف إلا لذة البطن والفرج والعين بالنظر إلى ~~الألوان والوجوه الحسان وبالجملة كل لذة تشاركه فيها البهائم فأما لذة ~~العارفين فلا يدركها غيرهم وتفصيل ذلك وشرحه حرام مع من ليس أهلا له ومن ~~كان أهلا له استبصر بنفسه واستغنى عن أن يشرحه له غيره فإلى هذه الأقسام ~~يرجع خوف الخائفين نسأل الله تعالى حسن التوفيق بكرمه ### |||| بيان فضيلة الخوف والترغيب فيه # اعلم أن فضل الخوف تارة يعرف بالتأمل والاعتبار وتارة بالآيات والأخبار # أما الاعتبار فسبيله أن فضيلة الشيء بقدر غنائه في الإفضاء إلى سعادة ~~لقاء الله تعالى في الآخرة إذ لا مقصود سوى السعادة ولا سعادة للعبد إلا في ~~لقاء مولاه والقرب منه فكل ما أعان عليه فله فضيلة وفضيلته بقدر غايته وقد ~~ظهر أنه لا وصول إلى سعادة لقاء الله في الآخرة إلا بتحصيل محبته والأنس به ~~في الدنيا ولا تحصل المحبة إلا بالمعرفة ولاتحصل المعرفة إلا بدوام الفكر ~~ولا يحصل الأنس إلا بالمحبة ودوام الذكر ولا تتيسر المواظبة على الذكر ~~والفكر إلا بانقطاع حب الدنيا من القلب ولا ينقطع ذلك إلا بترك لذات الدنيا ~~وشهواتها ولا يمكن ترك المشتهيات إلا بقمع الشهوات ولا تنقعمع الشهوة بشىء ~~كما تقمع بنار الخوف فالخوف هو النار المحرقة للشهوات فإن فضيلته بقدر ما ~~يحرق من الشهوات وبقدر ما يكف ms2118 عن المعاصي ويحث على الطاعات ويختلف ذلك ~~باختلاف درجات الخوف كما سبق وكيف لا يكون الخوف ذا فضيلة وبه تحصل العفة ~~والورع والتقوى والمجاهدة وهي الأعمال الفاضلة المحمودة التي تقرب إلى الله ~~زلفى # وأما بطريق الاقتباس من الآيات والأخبار فما ورد في فضيلة الخوف خارج عن ~~الحصر وناهيك دلالة على فضيلته جمع الله تعالى للخائفين الهدى والرحمة ~~والعلم والرضوان وهي مجامع مقامات أهل الجنان وقال الله تعالى وهدى ورحمة ~~للذين هم لربهم يرهبون وقال تعالى {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وصفهم ~~بالعلم لخشيتهم # وقال عز وجل {رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه} وكل ما دل على ~~فضيلة العلم دل على فضيلة الخوف لأن الخوف ثمرة العلم ولذلك جاء في خبر ~~موسى عليه أفضل الصلاة والسلام وأما الخائفون PageV04P160 # فإن لهم الرفيق الأعلى لا يشاركون فيه فانظر كيف أفردهم بمرافقة الرفيق ~~الأعلى وذلك لأنهم العلماء والعلماء لهم رتبة مرافقة الأنبياء لأنهم ورثة ~~الأنبياء ومرافقة الرفيق الأعلى للأنبياء ومن يلحق بهم ولذلك لما خير رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته بين البقاء في الدنيا وبين القدوم على ~~الله تعالى كان يقول أسألك الرفيق الأعلى (1) # فإذن إن نظر إلى مثمره فهو العلم وإن نظر إلى ثمرته فالورع والتقوى ولا ~~يخفى ما ورد في فضائلهما حتى إن العاقب صارت موسومة بالتقوى مخصوصة بها كما ~~صار الحمد مخصوصا بالله تعالى والصلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~يقال الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة على سيدنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم وآله أجمعين # وقد خصص الله تعالى التقوى بالإضافة إلى نفسه فقال تعالى {لن ينال الله ~~لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} وإنما التقوى عبارة عن كف ~~بمقتضى الخوف كما سبق ولذلك قال تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ولذلك ~~أوصى الله تعالى الأولين والآخرين بالتقوى فقال تعالى {ولقد وصينا الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} وقال عز وجل {وخافون إن كنتم ~~مؤمنين} ms2119 فأمر بالخوف وأوجبه وشرطه في الإيمان # فلذلك لا يتصور أن ينفك مؤمن عن خوف وإن ضعف ويكون ضعف خوفه بحسب ضعف ~~معرفته وإيمانه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضيلة التقوى وإذا ~~جمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم فإذا هم بصوت يسمع أقصاهم كما ~~يسمع أدناهم فيقول يا أيها الناس إني قد أنصت لكم مند خلقتكم إلى يومكم هذا ~~فانصتوا إلي اليوم إنما هي أعمالكم ترد عليكم أيها الناس إني قد جعلت نسبا ~~وجعلتم نسبا فوضعتم نسبي ورفعتم نسبكم قلت إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~وأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان وفلان أغنى من فلان فاليوم أضع نسبكم ~~وأرفع نسبي أين المتقون فيرفع للقوم لواء فيتبع القوم لواءهم إلى منازلهم ~~فيدخلون الجنة بغير حساب (2) حديث رأس الحكمة مخافة الله رواه أبو بكر بن ~~لال الفقيه في مكارم الأخلاق والبيهقي في الشعب وضعفه من حديث ابن مسعود ~~ورواه في دلائل النبوة من حديث عقبة بن عامر ولا يصح أيضا # وقال صلى الله عليه وسلم لابن مسعود إن أردت أن تلقاني فأكثر من الخوف ~~بعدي // حديث إن أردت أن تلقاني فأكثر من الخوف بعدي قاله لابن مسعود لم ~~أقف له على أصل # وقال الفضيل من خاف الله دله الخوف على كل خير # وقال الشبلي رحمه الله ما خفت الله يوما إلا رأيت له بابا من الحكمة ~~والعبرة ما رأيته قط # وقال يحيى بن معاذ ما من مؤمن يعمل السيئة إلا ويلحقها حسنتان خوف العقاب ~~ورجاء العفو كثعلب بين أسدين # وفي خبر موسى عليه الصلاة والسلام وأما الورعون فإنه لا يبقى أحد إلا ~~ناقشته الحساب وفتشت عما في يديه إلا الورعين فإني أستحي منهم وأجلهم أن ~~أوقفهم للحساب # والورع والتقوى أسام اشتقت من معان شرطها الخوف فإن خلت عن الخوف لم تسم ~~بهذه الأسامي وكذلك ما ورد في فضائل الذكر لا يخفى وقد جعله الله تعالى ~~مخصوصا بالخائفين فقال {سيذكر من يخشى} PageV04P161 # وقال تعالى {ولمن خاف مقام ربه جنتان} ms2120 وقال صلى الله عليه وسلم قال الله ~~عز وجل وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين فإن أمنني في ~~الدنيا أخفته يوم القيامة وإن خافتي في الدنيا أمنته يوم القيامة (1) حديث ~~من خاف الله خافه كل شيء الحديث رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب من ~~حديث أبي أمامة بسند ضعيف جدا ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الخائفين ~~بإسناد ضعيف معضل وقد تقدم # وقال صلى الله عليه وسلم أتمكم عقلا أشدكم خوفا لله تعالى وأحسنكم فيما ~~أمر الله تعالى به ونهى عنه نظرا (2) # وقال يحيى بن معاذ رحمة الله عليه مسكين ابن آدم لو خاف النار كما يخاف ~~الفقر دخل الجنة # وقال ذو النون رحمه الله تعالى من خاف الله تعالى ذاب قلبه واشتد حبه وصح ~~له لبه # وقال ذو النون أيضا ينبغي أن يكون الخوف أبلغ من الرجاء فإذا غلب الرجاء ~~تشوش القلب وكان أبو الحسين الضرير يقول علامة السعادة خوف الشقاوة لأن ~~الخوف زمام بين الله تعالى وبين عبده فإذا انقطع زمامه هلك مع الهالكين # وقيل ليحيى بن معاذ من آمن الخلق غدا فقال أشدهم خوفا اليوم # وقال سهل رحمه الله لا تجد الخوف حتى تأكل الحلال # وقيل للحسن يا أبا سعيد كيف نصنع نجالس أقواما يخوفونا حتى تكاد قلوبنا ~~تطير فقال والله إنك إن تخالط أقواما يخوفونك حتى يدركك أمن خير لك من أن ~~تصحب أقواما يؤمنونك حتى يدركك الخوف # وقال أبو سليمان الداراني رحمة الله ما فارق الخوف قلبا إلا خرب # وقالت عائشة رضي الله عنها قلت يا رسول الله الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم ~~وجلة هو الرجل يسرق ويزني قال لا بل الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا ~~يقبل منه // حديث عائشة قلت يا رسول الله الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ~~هو الرجل يسرق ويزني قال لا الحديث رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وقال ~~صحيح الإسناد قلت بل منقطع بين عائشة وبين عبد الرحمن بن سعد بن وهب ms2121 قال ~~الترمذي وروي عن الرحمن بن حازم عن أبي هريرة # والتشديدات الواردة في الأمن من مكر الله وعذابه لا تنحصر وكل ذلك ثناء ~~على الخوف لأن مذمة الشيء ثناء على ضده الذي ينفيه وضد الخوف الأمن كما أن ~~ضد الرجاء اليأس وكما دلت مذمة القنوط على فضيلة الرجاء فكذلك تدل مذمة ~~الأمن على فضيلة الخوف المضاد له بل نقول كل ما ورد في فضل الرجاء فهو دليل ~~على فضل الخوف لأنهما متلازمان فإن كل من رجا محبوبا فلابد وأن يخاف فوته ~~فإن كان لا يخاف فوته فهو إذا لا يحبه فلا يكون بانتظاره راجيا فالخوف ~~والرجاء متلازمان يستحيل انفكاك أحدهما عن الآخر نعم يجوز أن يغلب أحدهما ~~على الآخر وهما مجتمعان ويجوز أن يشتغل القلب بأحدهما ولا يلتفت إلى الآخر ~~في الحال لغفلته عنه وهذا لأن من شرط الرجاء الخوف تعلقهما بما هو مشكوك ~~فيه إذ المعلوم لا يرجى ولا يخاف فإذن المحبوب الذي يجوز وجوده يجوز عدمه ~~لا محالة فتقدير وجوده يروح القلب وهو الرجاء وتقدير عدمه يوجع القلب وهو ~~الخوف والتقدير أن يتقابلان لا محالة إذا كان ذلك الأمر المنتظر مشكوكا فيه ~~نعم أحد طرفي الشك قد يترجح على الآخر بحضور بعض الأسباب ويسمى ذلك ظنا ~~فيكون ذلك سبب غلبة أحدهما على الآخر فإذا غلب على الظن وجود المحبوب قوي ~~الرجاء وخفي الخوف بالإضافة إليه وكذا بالعكس وعلى كل حال فهما متلازمان ~~ولذلك قال تعالى {ويدعوننا رغبا ورهبا} وقال عز وجل {يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا} ولذلك عبر العرب عن الخوف PageV04P162 # بالرجاء فقال تعالى {ما لكم لا ترجون لله وقارا} أي لا تخافون وكثيرا ما ~~ورد في القرآن الرجاء بمعنى الخوف وذلك لتلازمهما إذ عادة العرب التعبير عن ~~الشيء بما يلازمه بل أقول كل ما ورد في فضل البكاء من خشية الله فهو إظهار ~~لفضيلة الخشية فإن البكاء ثمرة الخشية فقد قال تعالى {فليضحكوا قليلا ~~وليبكوا كثيرا} وقال تعالى {يبكون ويزيدهم خشوعا} وقال عز وجل {أفمن هذا ~~الحديث تعجبون ms2122 وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون} وقال صلى الله عليه وسلم ما ~~من عبد مؤمن تخرج من عينيه دمعة وإن كانت مثل رأس الذباب من خشية الله ~~تعالى ثم تصيب شيئا من حر وجهه إلا حرمه الله على النار (1) حديث إذا اقشعر ~~جلد المؤمن من خشية الله تعالى تحاتت عنه ذنوبه الحديث أخرجه الطبراني ~~والبيهقي فيه من حديث العباس بسند ضعيف # وقال صلى الله عليه وسلم لا يلج النار أحد بكى من خشية الله تعالى حتى ~~يعود اللبن في الضرع (2) حديث قال عقبة بن عامر ما النجاة يا رسول الله قال ~~أمسك عليك لسانك الحديث تقدم # وقالت عائشة رضي الله عنها قلت يا رسول الله أيدخل أحد من أمتك الجنة ~~بغير حساب قال نعم من ذكر ذنوبه فبكى (3) حديث ما من قطرة أحب إلى الله من ~~قطرة دمعة من خشية الله الحديث أخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة وقال حسن ~~غريب وقد تقدم # وقال صلى الله عليه وسلم اللهم ارزقني عينين هطالتين تشفيان القلب بذروف ~~الدمع مع خشيتك قبل أن تصير الدموع دما والأضراس جمرا (4) حديث سبعة يظلهم ~~الله في ظله الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة وقد تقدم # وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه من استطاع أن يبكي فليبك ومن لم يستطع ~~فليتباك # وكان محمد بن المنكدر رحمه الله إذا بكى مسح وجهه ولحيته بدموعه ويقول # بلغني أن النار لا تأكل موضعا مسته الدموع # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ابكوا فإن لم تبكوا ~~فتباكوا فوالذي نفسي بيده لو يعلم العلم أحدكم لصرخ حتى ينقطع صوته وصلى ~~حتى ينكسر صلبه # وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله ما تغرغرت عين بمائها إلا لم يرهق ~~وجه صاحبها قتر ولا ذلة يوم القيامة PageV04P163 # فإن سالت دموعه أطفأ الله بأول قطرة منها بحارا من النيران ولو أن رجلا ~~بكى في أمة ما عذبت تلك الأمة # وقال أبو سليمان البكاء من الخوف والرجاء والطرب من الشوق # وقال كعب الأحبار ms2123 رضي الله عنه # والذي نفسي بيده لأن أبكي من خشية الله حتى تسيل دموعي على وجنتي أحب إلي ~~من أن أتصدق بجبل من ذهب # وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما # لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار # وروي عن حنظلة قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظنا موعظة ~~رقت لها القلوب وذرفت منها العيون وعرفنا أنفسنا فرجعت إلى أهلي فدنت مني ~~المرأة وجرى بيننا من حديث الدنيا فنسيت ما كنا عليه عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأخذنا في الدنيا ثم تذكرت ما كنا فيه فقلت في نفسي # قد نافقت حيث تحول عني ما كنت فيه من الخوف والرقة فخرجت وجعلت أنادي # نافق حنظلة فاستقبلني أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال # كلا لم ينافق حنظلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقول # نافق حنظلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا لم ينافق حنظلة فقلت ~~يا رسول الله كنا عندك فوعظتنا موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون ~~وعرفنا أنفسنا فرجعت إلى أهلي فأخذنا في حديث الدنيا ونسيت ما كنا عندك ~~عليه # فقال صلى الله عليه وسلم يا حنظلة لو أنكم كنتم أبدا على تلك الحالة ~~لصافحتكم الملائكة في الطريق وعلى فراشكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة // حديث ~~حنظلة كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظنا الحديث وفيه نافق حنظلة ~~الحديث وفيه ولكن يا حنظلة ساعة وساعة أخرجه مسلم مختصرا # فإذن كل ما ورد في فضل الرجاء والبكاء وفضل التقوى والورع وفضل العلم ~~ومذمة الأمن فهو دلالة على فضل الخوف لأن جملة ذلك متعلقة به إما تعلق ~~السبب أو تعلق المسبب ### |||| بيان أن الأفضل هو غلبة الخوف أو غلبة الرجاء أو اعتدالهما # اعلم أن الأخبار في فضل الخوف والرجاء قد كثرت وربما ينظر الناظر إليها ~~فيعتريه شك في أن الأفضل أيهما وقول القائل # الخوف أفضل أم الرجاء سؤال فاسد يضاهي قول ms2124 القائل الخبز أفضل أم الماء ~~وجوابه أن يقال الخبز أفضل للجائع والماء أفضل للعطشان فإن اجتمعا نظر إلى ~~الأغلب فإن كان الجوع أغلب فالخبز أفضل وإن كان العطش أغلب فالماء أفضل وإن ~~استويا فهما متساويان وهذا لأن كل ما يراد لمقصود ففضله يظهر بالإضافة إلى ~~مقصوده لا إلى نفسه والخوف والرجاء دواءان يداوى بهما القلوب ففضلهما بحسب ~~الداء الموجود فإن كان الغالب على القلب داء الأمن من مكر الله تعالى ~~والاغترار به فالخوف أفضل وإن كان الأغلب هو اليأس والقنوط من رحمة الله ~~فالرجاء أفضل وكذلك إن كان الغالب على العبد المعصية فالخوف أفضل ويجوز أن ~~يقال مطلقا الخوف أفضل على التأويل الذي يقال فيه الخبز أفضل من السكنجبين ~~إذ يعالج بالخبز مرض الجوع وبالسكنجبين مرض الصفراء ومرض الجوع أغلب وأكثر ~~فالحاجة إلى الخبز أكثر فهو أفضل فبهذا الاعتبار غلبة الخوف أفضل لأن ~~المعاصي والاغترار على الخلق أغلب وإن نظر إلى مطلع الخوف والرجاء فالرجاء ~~أفضل لأنه مستقى من بحر الرحمة ومستقى الخوف من بحر الغضب ومن لاحظ من صفات ~~الله تعالى ما يقتضي اللطف والرحمة كانت المحبة عليه أغلب وليس وراء المحبة ~~مقام # وأما الخوف فمستنده الالتفات إلى الصفات التي تقتضي العنف فلا تمازجه ~~المحبة ممازجتها للرجاء PageV04P164 # وعلى الجملة فما يراد لغيره ينبغي أن يستعمل فيه لفظ الأصلح لا لفظ ~~الأفضل فنقول أكثر الخلق الخوف لهم أصلح من الرجاء وذلك لأجل غلبة المعاصي # فأما التقي الذي ترك ظاهر الإثم وباطنه وخفيه وجليه فالأصلح أن يعتدل ~~خوفه ورجاؤه ولذلك قيل لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا # وروي أن عليا كرم الله وجهه قال لبعض ولده يا بني خف الله خوفا ترى أنك ~~لو أتيته بحسنات أهل الأرض لم يتقبلها منك وارج الله رجاء ترى أنك لو أتيته ~~بسيئات أهل الأرض غفرها لك ولذلك قال عمر رضي الله عنه لو نودي ليدخل النار ~~كل الناس إلا رجلا واحدا لرجوت أن أكون أنا ذلك الرجل ولو نودي ليدخل الجنة ~~كل الناس إلا ms2125 رجلا واحدا لخشيت أن أكون أنا ذلك الرجل وهذا عبارة عن غاية ~~الخوف والرجاء واعتدالهما مع الغلبة والاستيلاء ولكن على سبيل التقاوم ~~والتساوي فمثل عمر رضي الله عنه ينبغي أن يستوي خوفه ورجاؤه فأما العاصي ~~إذا ظن أنه الرجل الذي استثني من الذين أمروا بدخول النار كان ذلك دليلا ~~على اغتراره # فإن قلت مثل عمر رضي الله عنه لا ينبغي أن يتساوى خوفه ورجاؤه بل ينبغي ~~أن يغلب رجاؤه كما سبق في أول كتاب الرجاء وأن قوته ينبغي أن تكون بحسب قوة ~~أسبابه كما مثل بالزرع والبذر ومعلوم أن من بث البذر الصحيح في أرض نقية ~~وواظب على تعهدها وجاء بشروط الزراعة جميعها غلب على قلبه رجاء الإدراك ولم ~~يكن خوفه مساويا لرجائه فهكذا ينبغي أن تكون أحوال المتقين فاعلم أن من ~~يأخذ المعارف من الألفاظ والأمثلة يكثر زلله وذلك وإن أوردناه مثالا فليس ~~يضاهي ما نحن فيه من كل وجه لأن سبب غلبة الرجاء العلم الحاصل بالتجربة إذ ~~علم بالتجربة صحة الأرض ونقاؤها وصحة البذر وصحة الهواء وقلة الصواعق ~~المهلكة في تلك البقاع وغيرها وإنما مثال مسألتنا بذر لم يجرب جنسه وقد بث ~~في أرض غريبة لم يعهدها الزارع ولم يختبرها وهي في بلاد ليس يدري أتكثر ~~الصواعق فيها أم لا فمثل هذا الزارع وإن أدى كنه مجهوده وجاء بكل مقدوره ~~فلا يغلب رجاؤه على خوفه والبذر في مسألتنا هو الإيمان وشروطه صحته دقيقة ~~والأرض القلب وخفايا خبثه وصفائه من الشرك الخفي والنفاق والرياء وخفايا ~~الأخلاق فيه غامضة والآفات هي الشهوات وزخارف الدنيا والتفات القلب إليها ~~في مستقبل الزمان وإن سلم في الحال وذلك مما لا يتحقق ولا يعرف بالتجربة إذ ~~قد تعرض من الأسباب ما لا يطاق مخالفته ولم يجرب مثله والصواعق هي أهوال ~~سكرات الموت واضطراب الاعتقاد عنده وذلك مما لم يجرب مثله ثم الحصاد ~~والإدراك عند المنصرف من القيامة إلى الجنة وذلك لم يجرب فمن عرف حقائق هذه ~~الأمور فإن كان ضعيف القلب جبانا في نفسه ms2126 غلب خوفه على رجائه لا محالة كما ~~سيحكى في أحوال الخائفين من الصحابة والتابعين وإن كان قوي القلب ثابت ~~الجأش تام المعرفة استوى خوفه ورجاؤه فأما أن يغلب رجاؤه فلا ولقد كان عمر ~~رضي الله عنه يبالغ في تفتيش قلبه حتى كان يسأل حذيفة رضي الله عنه أنه هل ~~يعرف به من آثار النفاق شيئا إذ كان قد خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعلم المنافقين (1) # فمن ذا الذي يقدر على تطهير قلبه من خفايا النفاق والشرك الخفي وإن اعتقد ~~نقاء قلبه عن ذلك فمن أين يأمن مكر الله تعالى بتلبيس حاله عليه وإخفاء ~~عيبه عنه وإن وثق به فمن أين يثق ببقائه على ذلك إلى تمام حسن الخاتمة وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة خمسين سنة حتى لا ~~يبقى بينه وبين الجنة إلا شبر // حديث إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة خمسين ~~سنة حتى لا يبقى بينه وبين الجنة إلا شبرا وفي رواية الأقدر فواق ناقة ~~الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل ~~الجنة ثم يختم له بعمل أهل النار وللبزار وللطبراني في الأوسط سبعين سنة ~~وإسناده حسن وللشيخين في أثناء حديث لابن مسعود أن أحدكم ليعمل بعمل أهل ~~الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع الحديث ليس فيه تقدير زمن للعمل ~~بخمسين سنة ولا ذكر شبر {ولا} فواق ناقة # وفي رواية إلا قدر فواق PageV04P165 # ناقة فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار وقدر فواق الناقة لا ~~يحتمل عملا بالجوارح إنما هو بمقدار خاطر يختلج في القلب عند الموت فيقتضي ~~خاتمة السوء فكيف يؤمن ذلك فإذن أقصى غايات المؤمن أن يعتدل خوفه ورجاءه ~~وغلبة الرجاء في غالب الناس تكون مستندة للاغترار وقلة المعرفة ولذلك جمع ~~الله تعالى بينهما في وصف من أثنى عليهم فقال تعالى يدعون ربهم خوفا وطمعا ~~وقال عز وجل ويدعوننا رغبا ورهبا وأين مثل عمر رضي الله عنه فالخلق ~~الموجودة ms2127 في هذا الزمان كلهم الأصلح لهم غلبة الخوف بشرط أن لا يخرجهم إلى ~~اليأس وترك العمل وقطع الطمع من المغفرة فيكون ذلك سببا للتكاسل عن العمل ~~وداعيا إلى الانهماك في المعاصي فإن ذلك قنوط وليس بخوف إنما الخوف هو الذي ~~يحث على العمل ويكدر جميع الشهوات ويزعج القلب عن الركون إلى الدنيا ويدعوه ~~إلى التجافي عن دار الغرور فهو الخوف المحمود دون حديث النفس الذي لا يؤثر ~~في الكف والحث ودون اليأس الموجب للقنوط # وقد قال يحيى بن معاذ من عبد الله تعالى بمحض الخوف غرق في بحار الأفكار ~~ومن عبده بمحض الرجاء تاه في مفازة الاغترار ومن عبده بالخوف والرجاء ~~استقام في محجة الادكار # وقال مكحول الدمشقي من عبد الله بالخوف فهو حروري ومن عبده بالرجاء فهو ~~مرجىء ومن عبده بالمحبة فهو زنديق ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو ~~موحد # فإذن لا بد من الجمع بين هذه الأمور وغلبة الخوف هو الأصلح ولكن قبل ~~الإشراف على الموت أما عند الموت فالأصلح غلبة الرجاء وحسن الظن لأن الخوف ~~جار مجرى السوط الباعث على العمل وقد انقضى وقت العمل فالمشرف على الموت لا ~~يقدر على العمل ثم لا يطيق أسباب الخوف فإن ذلك يقطع نياط قلبه ويعين على ~~تعجيل موته وأما روح الرجاء فإنه يقوي قلبه ويحبب إليه ربه الذي إليه رجاؤه ~~ولا ينبغي أن يفارق أحد الدنيا إلا محبا لله تعالى ليكون محبا للقاء الله ~~تعالى فإن من أحب لقاء الله تعالى أحب الله لقاءه والرجاء تقارنه المحبة ~~فمن ارتجى كرمه فهو محبوب والمقصود من العلوم والأعمال كلها معرفة الله ~~تعالى حتى تثمر المعرفة المحبة فإن المصير إليه والقدوم بالموت عليه ومن ~~قدم على محبوبه عظم سروره بقدر محبته ومن فارق محبوبه اشتدت محنته وعذابه ~~فمهما كان القلب الغالب عليه عند الموت حب الأهل والولد والمال والمسكن ~~والعقار والرفقاء والأصحاب فهذا رجل محابه كلها في الدنيا فالدنيا جنته إذ ~~الجنة عبارة عن البقعة الجامعة لجميع المحاب فموته خروج من الجنة ms2128 وحيلولة ~~بينه وبين ما يشتهيه ولا يخفى حال من يحال بينه وبين ما يشتهيه فإذا لم يكن ~~له محبوب سوى الله تعالى وسوى ذكره ومعرفته والفكر فيه والدنيا وعلائقها ~~شاغلة له عن المحبوب فالدنيا إذن سجنه لأن السجن عبارة عن البقعة المانعة ~~للمحبوس عن الاسترواح إلى محابه فموته قوم على محبوبه وخلاص من السجن ولا ~~يخفى حال من أفلت من السجن وخلي بينه وبين محبوبه بلا مانع ولا مكدر فهذا ~~أول ما يلقاه كل من فارق الدنيا عقيب موته من الثواب والعقاب فضلا عما أعده ~~الله لعباده الصالحين مما لم تره عين ولا تسمعه أذن ولا خطر على قلب بشر ~~وفضلا عما أعده الله تعالى للذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ورضوا ~~بها واطمأنوا إليها من PageV04P166 # الأنكال والسلاسل والأغلال وضروب الخزي والنكال فنسأل الله تعالى أن ~~يتوفانا مسلمين ويلحقنا بالصالحين ولا مطمع في إجابة هذا الدعاء إلا ~~باكتساب حب الله تعالى ولا سبيل إليه إلا بإخراج حب غيره من القلب وقطع ~~العلائق عن كل ما سوى الله تعالى من جاه ومال ووطن فالأولى أن تدعو بما دعا ~~به نبينا صلى الله عليه وسلم إذ قال اللهم ارزقني حبك وحب من أحبك وحب ما ~~يقربني إلى حبك واجعل حبك أحب إلي من الماء البارد (1) # والغرض أن غلبة الرجاء عند الموت أصلح لأنه أجلب للمحبة وغلبة الخوف قبل ~~الموت أصلح لأنه أحرق لنار الشهوات وأقمع لمحبة الدنيا عن القلب ولذلك قال ~~صلى الله عليه وسلم لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه // حديث لا ~~يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه أخرجه مسلم من حديث جابر وقد تقدم # وقال تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء ولما حضرت سليمان التيمي ~~الوفاة قال لابنه يا بني حدثني بالرخص واذكر لي الرجاء حتى ألقى الله على ~~حسن الظن به وكذلك لما حضرت الثوري الوفاة واشتد جزعه جمع العلماء حوله ~~يرجونه # وقال أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه لابنه عند ms2129 الموت اذكر لي الأخبار ~~التي فيها الرجاء وحسن الظن والمقصود من ذلك كله أن يحبب الله تعالى إلى ~~نفسه ولذلك أوحى الله تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام أن حببني إلى ~~عبادي فقال بماذا قال بأن تذكر لهم آلائي ونعمائي فإذن غاية السعادة أن ~~يموت محبا لله تعالى وإنما تحصل المحبة بالمعرفة بإخراج حب الدنيا من القلب ~~حتى تصير الدنيا كلها كالسجن المانع من المحبوب ولذلك رأى بعض الصالحين أبا ~~سليمان الداراني في المنام وهو يطير فسأله فقال الآن أفلت فلما أصبح سأل عن ~~حاله فقيل له إنه مات البارحة ### |||| بيان الدواء الذي به يستجلب حال الخوف # اعلم أن ما ذكرناه في حال الصبر وشرحناه في كتاب الصبر والشكر هو كاف في ~~هذا الغرض لأن الصبر لا يمكن إلا بعد حصول الخوف والرجاء لأن أول مقامات ~~الدين اليقين الذي هو عبارة عن قوة الإيمان بالله تعالى باليوم والآخر ~~والجنة والنار وهذا اليقين بالضرورة يهيج الخوف من النار والرجاء للجنة ~~والرجاء والخوف يقويان على الصبر فإن الجنة قد حفت بالمكاره فلا يصبر على ~~تحملها إلا بقوة الرجاء والنار قد حفت بالشهوات فلا يصبر على قمعها إلا ~~بقوة الخوف ولذلك قال علي كرم الله وجهه # من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ثم ~~يؤدي مقام الصبر المستفاد من الخوف والرجاء إلى مقام المجاهدة والتجرد لذكر ~~الله تعالى والفكر فيه على الدوام ويؤدي دوام الذكر إلى الأنس ودوام الفكر ~~إلى كمال المعرفة ويؤدي كمال المعرفة والأنس إلى المحبة ويتبعها مقام الرضا ~~والتوكل وسائر المقامات فهذا هو الترتيب في سلوك منازل الدين وليس بعد أصل ~~اليقين مقام سوى الخوف والرجاء ولا بعدهما مقام سوى الصبر وبه المجاهدة ~~والتجرد لله ظاهرا وباطنا ولا مقام بعد المجاهدة لمن فتح له الطريق إلا ~~الهداية والمعرفة ولا مقام بعد المعرفة إلا المحبة والأنس ومن ضرورة المحبة ~~الرضا بفعل المحبوب والثقة بعنايته وهو التوكل فإذن فيما ذكرناه في علاج ~~الصبر كفاية ولكنا ms2130 نفرد الخوف بكلام جملي فنقول الخوف يحصل بطريقتين ~~مختلفين أحدهما أعلى من الآخر ومثاله أن الصبي إذا كان في بيت فدخل عليه ~~سبع أو حية ربما كان لا يخاف وربما مد اليد إلى الحية ليأخذها ويلعب بها ~~ولكن إذا كان معه أبوه وهو عاقل خاف من الحية وهرب منها فإذا نظر الصبي إلى ~~أبيه PageV04P167 # وهو ترتعد فرائصه ويحتال في الهرب منها قام معه وغلب عليه الخوف ووافقه ~~في الهرب فخوف الأب عن بصيرة ومعرفة بصفة الحية وسمها وخاصيتها وسطوة السبع ~~وبطشه وقلة مبالاته # وأما خوف الابن فإيمانه بمجرد التقليد لأنه يحسن الظن بأبيه ويعلم أنه لا ~~يخاف إلا من سبب مخوف في نفسه فيعلم أن السبع مخوف ولا يعرف وجهه وإذا عرفت ~~هذا المثال فاعلم أن الخوف من الله تعالى على مقامين أحدهما الخوف من عذابه ~~والثاني الخوف منه فأما الخوف منه فهو خوف العلماء وأرباب القلوب العارفين ~~من صفاته ما يقتضي الهيبة والخوف والحذر المطلعين على سر قوله تعالى ~~ويحذركم الله نفسه وقوله عز وجل اتقوا الله حق تقاته وأما الأول فهو خوف ~~عموم الخلق وهو حاصل بأصل الإيمان بالجنة والنار وكونهما جزاءين على الطاعة ~~والمعصية وضعفه بسبب الغفلة وسبب ضعف الإيمان وإنما تزول الغفلة بالتذكير ~~والوعظ وملازمة الفكر في أهوال يوم القيامة وأصناف العذاب في الآخرة وتزول ~~أيضا بالنظر إلى الخائفين ومجالستهم ومشاهدة أحوالهم فإن فاتت المشاهدة ~~فالسماع لا يخلو عن تأثير وأما الثاني وهو الأعلى فأن يكون الله هو المخوف ~~أعني أن يخاف العبد الحجاب عنه ويرجو القرب منه # قال ذو النون رحمه الله تعالى خوف النار عند خوف الفراق كقطرة قطرت في ~~بحر لجي وهذه خشية العلماء حيث قال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء ~~ولعموم المؤمنين أيضا حظ من هذه الخشية ولكن هو بمجرد التقليد أيضا هي خوف ~~الصبي من الحية تقليدا لأبيه وذلك لا يستند إلى بصيرة فلا جرم يضعف ويزول ~~على قرب حتى إن الصبي ربما يرى المعزم يقدم على أخذ الحية ms2131 فينظر إليه ويغتر ~~به فيتجرأ على أخذها تقليدا له كما احترز من أخذها تقليدا لأبيه والعقائد ~~التقليدية ضعيفة في الغالب إلا إذا قويت بمشاهدة أسبابها المؤكدة لها على ~~الدوام وبالمواظبة على مقتضاها في تكثير الطاعات واجتناب المعاصي مدة طويلة ~~على الاستمرار فإذن من ارتقى إلى ذروة المعرفة وعرف الله تعالى خافه ~~بالضرورة فلا يحتاج إلى علاج لجلب الخوف كما أن من عرف السبع ورأى نفسه ~~واقعا في مخالبه لا يحتاج إلى علاج لجلب الخوف إلى قلبه بل يخافه بالضرورة ~~شاء أم أبى ولذلك أوحى الله تعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام خفني كما ~~تخاف السبع الضاري # ولا حيلة في جلب الخوف من السبع الضاري إلا معرفة السبع ومعرفة الوقوع في ~~مخالبه فلا يحتاج إلى حيلة سواء فمن عرف الله تعالى عرف أنه يفعل ما يشاء ~~ولا يبالي ويحكم ما يريد ولا يخاف قرب الملائكة من غير وسيلة سابقة وأبعد ~~إبليس من غير جريمة سالفة بل صفته ما ترجمه قوله تعالى هؤلاء في الجنة ولا ~~أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي # وإن خطر ببالك أنه لا يعاقب إلا على معصية ولا يثيب إلا على طاعة فتأمل ~~أنه لم يمد المطيع بأسباب الطاعة حتى يطيع شاء أم أبى ولم يمد العاصي ~~بدواعي المعصية حتى يعصى شاء أم أبى فإنه مهما خلق الغفلة والشهوة والقدرة ~~على قضاء الشهوة كان الفعل واقعا بها بالضرورة فإن كان أبعده لأنه عصاه فلم ~~حمله على المعصية هل ذلك لمعصية سابقة حتى يتسلسل إلى غير نهاية أو يقف لا ~~محالة على أول لا علة له من جهة العبد بل قضي عليه في الأزل وعن هذا المعنى ~~عبر صلى الله عليه وسلم إذ قال احتج آدم موسى عليهما الصلاة والسلام عند ~~ربهما فحج آدم موسى عليه السلام قال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ ~~فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى ~~الأرض # فقال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه ms2132 وأعطاك الألواح فيها ~~تبيان كل شيء وقربك نجيا فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى ~~بأربعين عاما # قال آدم فهل وجدت فيها {وعصى آدم ربه فغوى} قال نعم # قال أفتلومني على PageV04P168 # أن عملت عملا كتبه الله علي قبل أن أعمله وقبل أن يخلقني بأربعين سنة قال ~~صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى (1) # فمن عرف السبب في هذا الأمر معرفة صادرة عن نور الهداية فهو من خصوص ~~العارفين المطلعين على سر القدر ومن سمع هذا فآمن به وصدق بمجرد السماع فهو ~~من عموم المؤمنين ويحصل لكل واحد من الفريقين خوف فإن كان عبد فهو واقع في ~~قبضة القدرة وقوع الصبي الضعيف في مخالب السبع والسبع قد يغفل بالاتفاق ~~فيخليه وقد يهجم عليه فيفترسه وذلك بحسب ما يتفق ولذلك الاتفاق أسباب مرتبة ~~بقدر معلوم ولكن إذا أضيف إلى من لا يعرفه سمي اتفاقا وإن أضيف إلى علم ~~الله لم يجز أن يسمى اتفاقا والواقع في مخالب السبع لو كملت معرفته لكان لا ~~يخاف السبع لأن السبع مسخر إن سلط عليه الجوع افترس وإن سلط عليه الغفلة ~~خلى وترك فإنما يخاف خالق السبع وخالق صفاته فلست أقول مثال الخوف من الله ~~تعالى الخوف من السبع بل إذا كشف الغطاء علم أن الخوف من السبع هو عين ~~الخوف من الله تعالى لأن المهلك بواسطة السبع هو الله فاعلم أن سباع الآخرة ~~مثل سباع الدنيا وأن الله تعالى خلق أسباب العذاب وأسباب الثواب وخلق لكل ~~واحد أهلا يسوقه القدر المتفرع عن القضاء الجزم الأزلي إلى ما خلق له فخلق ~~الجنة وخلق لها أهلا سخروا لأسبابها شاءوا أم أبوا وخلق النار وخلق لها ~~أهلا سخروا لأسبابها شاءوا أم أبوا فلا يرى أحد نفسه في ملتطم أمواج القدر ~~إلا غلبه الخوف بالضرورة فهذه مخاوف العارفين بسر القدر فمن قعد به القصور ~~عن الارتفاع إلى مقام الاستبصار فسبيله أن يعالج نفسه بسماع الأخبار ~~والآثار فيطالع أحوال الخائفين العارفين وأقوالهم وينسب عقولهم ومناصبهم ~~إلى مناصب ms2133 الراجين المغرورين فلا يتمارى في أن الاقتداء بهم أولى لأنهم ~~الأنبياء والأولياء والعلماء # وأما الآمنون فهم الفراعنة والجهال والأغنياء # أما رسولنا صلى الله عليه وسلم فهو سيد الأولين والآخرين (2) # وكان أشد الناس خوفا (3) حديث أنه كان يصلي على طفل سمع في دعائه يقول ~~اللهم قه عذاب القبر وعذاب النار أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أنس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم صلى على صبي أو صبية وقال لو كان أحد نجا من ضمة ~~القبر لنجا هذا الصبي واختلف في إسناده فرواه في الكبير من حديث أبي أيوب ~~أن صبيا دفن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أفلت أحد من ضمة القبر ~~لأفلت هذا الصبي # وفي رواية ثانية أنه سمع قائلا يقول هنيئا لك عصفور من عصافير الجنة فغضب ~~وقال ما يدريك أنه كذلك والله إني رسول الله وما أدري ما يصنع بي إن الله ~~خلق الجنة وخلق لها أهلا لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم (4) حديث لما توفي ~~عثمان بن مظعون قالت أم سلمة هنيئا لك الجنة الحديث أخرجه البخاري من حديث ~~أم العلاء الأنصارية وهي القائلة رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك ~~لقد أكرمك الله قال وما يدريك الحديث وورد أن التي قالت ذلك أم خارجة بن ~~زيد ولم أجد فيه ذكر أم سلمة # وقال محمد بن خولة الحنفية والله لا أزكي أحدا غير رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم PageV04P169 # ولا أبي الذي ولدني قال فثارت الشيعة عليه فأخذ يذكر من فضائل علي ~~ومناقبه وروي في حديث آخر عن رجل من أهل الصفة استشهد فقالت أمه هنيئا لك ~~عصفور من عصافير الجنة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلت في ~~سبيل الله فقال صلى الله عليه وسلم وما يدريك لعله كان يتكلم بما لا ينفعه ~~ويمنع ما لا يضره (1) حديث دخل على بعض أصحابه وهو عليل فسمع امرأة تقول ~~هنيئا له الجنة الحديث تقدم أيضا # وكيف لا يخاف المؤمنون كلهم وهو صلى الله ms2134 عليه وسلم يقول شيبتني هود ~~وأخواتها (2) حديث أنه وجبريل صلى الله عليهما وسلم بكيا خوفا من الله عز ~~وجل فأوحى الله إليهما لم تبكيان الحديث أخرجه ابن شاهين في شرح السنة من ~~حديث عمر ورويناه في مجلس عن أماني أبي سعيد النقاش بسند ضعيف # وكأنهما إذ علما أن الله هو علام الغيوب وأنه لا وقوف لهما على غاية ~~الأمور لم يأمنا أن يكون قوله قد أمنتكما ابتلاء وامتحانا لهما ومكرا بهما ~~حتى إن سكن خوفهما ظهر أنهما قد أمنا من المكر وما وفيا بقولهما ~~PageV04P170 # كما أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما وضع في المنجنيق قال حسبي الله ~~وكانت هذه من الدعوات العظام فامتحن وعورض بجبريل في الهواء حتى قال ألك ~~حاجة فقال أما إليك فلا فكان ذلك وفاء بحقيقة قوله حسبي الله فأخبر الله ~~تعالى عنه فقال وإبراهيم الذي وفى أي بموجب قوله حسبي الله وبمثل هذا أخبر ~~عن موسى صلى الله عليه وسلم حيث قال إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى ~~قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ومع هذا لما ألقى السحرة سحرهم أوجس ~~موسى في نفسه خيفة إذا لم يأمن مكر الله والتبس الأمر عليه حتى جدد عليه ~~الأمن وقيل له لا تخف إنك أنت الأعلى ولما ضعفت شوكة المسلمين يوم بدر قال ~~صلى الله عليه وسلم اللهم إن تهلك هذه العصابة لم يبق على وجه الأرض أحد ~~يعبدك // حديث قال يوم بدر اللهم إن تهلك هذه العصابة لم يبق على وجه الأرض ~~أحد يعبدك أخرجه البخاري من حديث ابن عباس بلفظ اللهم إن شئت لم تعبد بعد ~~اليوم الحديث فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه دع عنك مناشدتك ربك فإنه واف ~~لك بما وعدك فكان مقام الصديق رضي الله عنه مقام الثقة بوعد الله وكان مقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مقام الخوف من مكر الله وهو أتم لأنه لا يصدر ~~إلا عن كمال المعرفة بأسرار الله تعالى وخفايا أفعاله ومعاني ms2135 صفاته التي ~~يعبر عن بعض ما يصدر عنها بالمكر وما لأحد من البشر الوقوف على كنه صفات ~~الله تعالى ومن عرف حقيقة المعرفة قصور معرفته عن الإحاطة بكنه الأمور عظم ~~خوفه لا محالة ولذلك قال المسيح صلى الله عليه وسلم لما قيل له أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ~~ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ~~{وقال} إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم الآية فوض الأمر إلى المشيئة ~~وأخرج نفسه بالكلية من البين لعلمه بأنه ليس له من الأمر شيء وأن الأمور ~~مرتبطة بالمشيئة ارتباطا يخرج عن حد المعقولات والمألوفات فلا يمكن الحكم ~~عليها بقياس ولا حدس ولا حسبان فضلا عن التحقيق والاستيقان وهذا هو الذي ~~قطع قلوب العارفين إذ الطامة الكبرى هي ارتباط أمرك بمشيئة من لا يبالي بك ~~إن أهلكك فقد أهلك أمثالك ممن لا يحصى ولم يزل في الدنيا يعذبهم بأنواع ~~الآلام والأمراض ويمرض من ذلك قلوبهم بالكفر والنفاق ثم يخلد العقاب عليهم ~~أبد الآباد ثم يخبر عنه ويقول ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول ~~مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وقال تعالى وتمت كلمة ربك لأملأن ~~جهنم الآية فكيف لا يخاف ما حق من القول في الأزل ولا يطمع في تداركه ولو ~~كان الأمر آنفا لكانت الأطماع تمتد إلى حيلة فيه ولكن ليس إلا التسليم فيه ~~واستقراء خفي السابقة من جلي الأسباب الظاهرة على القلب والجوارح فمن يسرت ~~له أسباب الشر وحيل بينه وبين أسباب الخير وأحكمت علاقته من الدنيا فكأنه ~~كشف له على التحقيق سر السابقة التي سبقت له بالشقاوة إذ كل ميسر لما خلق ~~له وإن كانت الخيرات كلها ميسرة والقلب بالكلية عن الدنيا منقطعا وبظاهره ~~وباطنه على الله مقبلا كان هذا يقتضي تخفيف الخوف لو كان الدوام على ذلك ~~موثوقا به ولكن خطر الخاتمة وعسر الثبات يزيد ms2136 نيران الخوف إشعالا ولا ~~يمكنها من الانطفاء وكيف يؤمن تغير الحال وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع ~~الرحمن وإن القلب أشد تقلبا من القدر في غليانها وقد قال مقلب القلوب عز ~~وجل إن عذاب ربهم غير مأمون فأجهل الناس من أمنه وهو ينادي بالتحذير من ~~الأمن ولو أن الله لطف بعباده العارفين إذ روح قلوبهم بروح الرجاء لاحترقت ~~قلوبهم من نار الخوف # فأسباب الرجاء رحمة لخواص الله وأسباب الغفلة رحمة على عوام الخلق من وجه ~~إذ لو انكشف الغطاء لزهقت النفوس وتقطعت القلوب من خوف مقلب القلوب # قال بعض العارفين لو حالت بيني وبين من عرفته بالتوحيد خمسين PageV04P171 # سنة أسطوانة فمات لم أقطع له بالتوحيد لأني لا أدري ما ظهر له من التقلب # وقال بعضهم لو كانت الشهادة على باب الدار والموت على الإسلام عند باب ~~الحجرة لاخترت الموت على الإسلام لأني لا أدري ما يعرض لقلبي بين باب ~~الحجرة وباب الدار # وكان أبو الدرداء يحلف بالله ما أحد أمن على إيمانه أن يسلبه عن الموت ~~إلا سلبه # وكان سهل يقول خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل خطرة وعند كل حركة وهم ~~الذين وصفهم الله تعالى إذ قال وقلوبهم وجلة # ولما احتضر سفيان جعل يبكي ويجزع فقيل له يا أبا عبد الله عليك بالرجاء ~~فإن عفو الله أعظم من ذنوبك فقال أو على ذنوبي أبكي لو علمت أني أموت على ~~التوحيد لم أبال بأن ألقى الله بأمثال الجبال من الخطايا # وحكي عن بعض الخائفين أنه أوصى بعض إخوانه فقال إذا حضرتني الوفاة فاقعد ~~عند رأسي فإن رأيتني مت على التوحيد فخذ جميع ما أملكه فاشتر به لوزا وسكرا ~~وانثره على صبيان أهل البلد وقل هذا عرس المنفلت وإن مت على غير التوحيد ~~فأعلم الناس بذلك حتى لا يغتروا بشهود جنازتي ليحضر جنازتي من أحب على ~~بصيرة لئلا يلحقني الرياء بعد الوفاة # فقال وبم اعلم ذلك فذكر له علامة فرأى علامة التوحيد عند موته فاشترى ~~السكر واللوز وفرقه # وكان سهل ms2137 يقول المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصي والعارف يخاف أن يبتلى ~~بالكفر # وكان أبو زيد يقول إذا توجهت إلى المسجد فكأن في وسطي زنارا أخاف أن يذهب ~~بي إلى البيعة وبيت النار حتى أدخل المسجد فينقطع عني الزنار فهذا لي في كل ~~يوم خمس مرات # وروي عن المسيح عليه الصلاة والسلام أنه قال يا معشر الحواريين أنتم ~~تخافون المعاصي ونحن معاشر الأنبياء نخاف الكفر # وروي في أخبار الأنبياء أن نبيا شكى إلى الله تعالى الجوع والقمل والعري ~~سنين وكان لباسه الصوف # فأوحى الله تعالى إليه عبدي أما رضيت أن عصمت قلبك أن تكفر بي حتى تسألني ~~الدنيا فأخذ التراب فوضعه على رأسه وقال بلى قد رضيت يا رب فاعصمني من ~~الكفر # فإن كان خوف العارفين مع رسوخ أقدامهم وقوة إيمانهم من سوء الخاتمة فكيف ~~لا يخافه الضعفاء # ولسوء الخاتمة أسباب تتقدم على الموت مثل البدعة والنفاق والكبر وجملة من ~~الصفات المذمومة ولذلك اشتد خوف الصحابة من النفاق حتى قال الحسن لو أعلم ~~أني برئ من النفاق كان أحب إلي مما طلعت عليه الشمس وما عنوا به النفاق ~~الذي هو ضد أصل الإيمان بل المراد به ما يجتمع مع أصل الإيمان فيكون مسلما ~~منافقا وله علامات كثيرة قال صلى الله عليه وسلم أربع من كن فيه فهو منافق ~~خالص وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم وإن كانت فيه خصلة منهم ففيه شعبة من ~~النفاق حتى يدعها من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وإذا خاصم ~~فجر (1) # وفي لفظ آخر وإذا عاهد غدر # وقد فسر الصحابة والتابعون النفاق بتفاسير لا يخلو عن شيء منه إلا صديق ~~إذ قال الحسن إن من النفاق اختلاف السر والعلانية واختلاف اللسان والقلب ~~واختلاف المدخل والمخرج ومن الذي يخلو عن هذا المعاني PageV04P172 # بل صارت هذه الأمور مألوفة بين الناس معتادة ونسى كونها منكر الكلية بل ~~جرى ذلك على قرب عهد بزمان النبوة فكيف الظن بزماننا حتى قال حذيفة رضي ~~الله تعالى عنه إن كان الرجل ms2138 ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيصير بها منافقا إني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات (1) ~~حديث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في ~~أعينكم من الشعر الحديث أخرجه البخاري من حديث أنس وأحمد والبزار من حديث ~~أبي سعيد وأحمد والحاكم من حديث عبادة بن فرص وصحح إسناده وتقدم في التوبة # وقال بعضهم علامة النفاق أن تكره من الناس ما تأتي مثله وأن تحب على شيء ~~من الجور وأن تبغض على شيء من الحق # وقيل من النفاق أنه إذا مدح بشيء ليس فيه أعجبه ذلك # وقال رجل لابن عمر رحمه الله إنا ندخل على هؤلاء الأمراء فنصدقهم فيما ~~يقولون فإذا خرجنا تكلمنا فيهم فقال كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسو الله ~~صلى الله عليه وسلم (2) # وروي أنه سمع رجلا يذم الحجاج ويقع فيه فقال أرأيت لو كان الحجاج حاضرا ~~أكنت تتكلم بما تكلمت به قال لا # قال كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) حديث إن ~~نفرا قعدوا عند باب حذيفة ينتظرونه فكانوا يتكلمون في شيء من شأنه فلما خرج ~~سكتوا الحديث لم أجد له أصلا # وهذا حذيفة كان قد خص بعلم المنافقين وأسباب النفاق وكان يقول إنه يأتي ~~على القلب ساعة يمتلئ بالإيمان حتى لا يكون للنفاق فيه مغرز إبرة ويأتي ~~عليه ساعة يمتلئ بالنفاق حتى لا يكون للأيمان فيه مغرز إبرة فقد عرفت بهذا ~~أن خوف العارفين من سوء الخاتمة وأن سببه أمور تتقدمه منها البدع # ومنها المعاصي ومنها النفاق ومتى يخلو العبد عن شيء من جملة ذلك وإن ظن ~~أنه خلا عنه فهو النفاق إذ قيل من أمن النفاق فهو منافق # وقال بعضهم لبعض العارفين إني أخاف على نفسي النفاق فقال لو كنت منافقا ~~لما خفت النفاق فلا يزال العارف بين الالتفات إلى السابقة والخاتمة خائفا ~~منهما ولذلك قال صلى الله عليه وسلم العبد المؤمن بين مخافتين بين أجل قد ms2139 ~~مضى لا يدري ما الله صانع فيه وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه ~~فوالذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة ~~أو النار (4) # والله المستعان ### |||| بيان معنى سوء الخاتمة # فإن قلت إن أكثر هؤلاء يرجع خوفهم إلى سوء الخاتمة فما معنى الخاتمة ~~فاعلم أن سوء الخاتمة على رتبتين # إحداهما أعظم من الأخرى فأما الرتبة العظيمة الهائلة فأن يغلب على القلب ~~عند سكرات الموت وظهور أهواله إما الشك وإما الجحود فتقبض الروح على حال ~~غلبة الجحود أو الشك فيكون ما غلب على PageV04P173 # القلب من عقدة الجحود حجابا بينه وبين الله تعالى أبدا وذلك يقتضي البعد ~~الدائم والعذاب المخلد والثانية وهي دونها أن يغلب على قلبه عند الموت حب ~~أمر من أمور الدنيا وشهوة من شهواتها فيتمثل ذلك في قلبه ويستغرقه حتى لا ~~يبقى في تلك الحالة متسع لغيره فيتفق قبض روحه في تلك الحال فيكون استغراق ~~قلبه به منكسا رأسه إلى الدنيا وصارفا وجهه إليها # ومهما انصرف الوجه عن الله تعالى حصل الحجاب # ومهما حصل الحجاب نزل العذاب إذ نار الله الموقدة لا تأخذ إلا المحجوبين ~~عنه فأما المؤمن السليم قلبه من حب الدنيا المصروف همه إلى الله تعالى ~~فتقول له النار جز يا مؤمن فإن نورك أطفأ لهبي فمهما اتفق قبض الروح في ~~حالة غلبة حب الدنيا فالأمر مخطر لأن المرء يموت على ما عاش عليه ولا يمكن ~~اكتساب صفة أخرى للقلب بعد الموت تضاد الصفة الغالبة عليه إذ لا تصرف في ~~القلوب إلا بأعمال الجوارح وقد بطلت الجوارح بالموت فبطلت الأعمال فلا مطمع ~~في عمل ولا مطمع في رجوع إلى الدنيا ليتدارك وعند ذلك تعظم الحسرة إلا أن ~~أصل الإيمان وحب الله تعالى إذا كان قد رسخ في القلب مدة طويلة وتأكد ذلك ~~بالأعمال الصالحة فإنه يمحو عن القلب هذه الحالة التي عرضت له عند الموت ~~فإن كان إيمانه في القوة إلى حد مثقال أخرجه من النار في ms2140 زمان أقرب وإن كان ~~أقل من ذلك طال مكثه في النار ولو لم يكن إلا مثقال حبة فلا بد وأن يخرجه ~~من النار ولو بعد آلاف سنين # فإن قلت فما ذكرته يقتضي أن تسرع النار إليه عقيب موته فما باله يؤخر إلى ~~يوم القيامة ويمهل طول هذه المدة فاعلم أن كل من أنكر عذاب القبر فهو مبتدع ~~محجوب عن نور الله تعالى وعن نور القرآن ونور الإيمان بل الصحيح عند ذوي ~~الأبصار ما صحت به الأخبار وهو أن القبر إما حفرة من حفر النار أو روضة من ~~رياض الجنة (1) # وأنه قد يفتح إلى قبر المعذب سبعون بابا من الجحيم (2) # كما وردت به الأخبار فلا تفارقه روحه إلا وقد نزل به البلاء إن كان قد ~~شقي بسوء الخاتمة # وإنما تختلف أصناف العذاب باختلاف الأوقات فيكون سؤال منكر ونكير عند ~~الوضع في القبر (3) # والتعذيب بعده (4) # ثم المناقشة في الحساب (5) # والافتضاح على ملأ من الأشهاد في القيامة (6) # ثم بعد ذلك خطر الصراط (7) حديث هو الزبانية أخرجه الطبراني من حديث أنس ~~الزبانية يوم القيامة أسرع إلى فسقة حملة القرآن منها الى عبدة الأوثان ~~والنيران قال صاحب الميزان حديث منكر وروى ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن ~~أسلم معضلا في خزنة جهنم ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب // # إلى آخر ما وردت به الأخبار فلا يزال الشقي مترددا في جميع أحواله بين ~~أصناف العذاب وهو في جملة الأحوال معذب إلا أن يتغمده الله برحمته ولا تظنن ~~أن محل الإيمان لا يأكله التراب بل التراب يأكل جميع الجوارح ويبددها إلى ~~أن يبلغ الكتاب أجله فتجتمع الأجزاء المتفرقة وتعاد إليها الروح التي هي ~~محل الإيمان وقد كانت من وقت الموت إلى الإعاذة إما في حواصل طيور خضر ~~معلقة تحت العرش إن كانت سعيدة وإما على حالة تضاد هذه الحال إن كانت ~~والعياذ بالله شقية PageV04P174 # فإن قلت فما السبب الذي يفضي إلى سوء الخاتمة فاعلم أن أسباب هذه الأمور ~~لا يمكن إحصاؤها على التفصيل ms2141 ولكن يمكن الإشارة إلى مجامعها أما الختم على ~~الشك والجحود فينحصر سببه في شيئين # أحدهما يتصور مع تمام الورع والزهد وتمام الصلاح في الأعمال كالمبتدع ~~الزاهد فإن عاقبته مخطرة جدا وإن كانت أعماله صالحة ولست أعني مذهبا فأقول ~~إنه بدعة فإن بيان ذلك يطول القول فيه بل أعني بالبدعة أن يعتقد الرجل في ~~ذات الله وصفاته وأفعاله خلاف الحق فيعتقده على خلاف ما هو عليه إما برأيه ~~ومعقوله ونظره الذي به يجادل الخصم وعليه يعول وبه يغتر وإما أخذا بالتقليد ~~ممن هذا حاله فإذا قرب الموت وظهرت له ناصية ملك الموت واضطرب القلب بما ~~فيه ربما ينكشف له في حال سكرات الموت بطلان ما اعتقده جهلا إذ حال الموت ~~حال كشف الغطاء ومبادىء سكراته منه فقد ينكشف به بعض الأمور فمهما بطل عنده ~~ما كان اعتقده وقد كان قاطعا به متيقنا له عند نفسه لم يظن بنفسه أنه أخطأ ~~في هذا الاعتقاد خاصة لالتجائه فيه إلى رأيه الفاسد وعقله الناقص بل ظن أن ~~كل ما اعتقده لا أصل له إذ لم يكن عنده فرق في إيمانه بالله ورسوله وسائر ~~اعتقاداته الصحيحة وبين اعتقاده الفاسد فيكون انكشاف بعض اعتقاداته عن ~~الجهل سببا لبطلان بقية اعتقاداته أو لشكه فيها فإن اتفق زهوق روحه في هذه ~~الخطرة قبل أن يثبت ويعود إلى أصل الإيمان فقد ختم له بالسوء وخرجت روحه ~~على الشرك والعياذ بالله منه فهؤلاء هم المرادون بقوله تعالى وبدا لهم من ~~الله ما لم يكونوا يحتسبون وبقوله عز وجل قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وكما أنه ~~ينكشف في النوم ما سيكون في المستقبل وذلك بسبب خفة أشغال الدنيا عن القلب ~~فكذلك ينكشف في سكرات الموت بعض الأمور إذ شواغل الدنيا وشهوات البدن هي ~~المانعة للقلب من أن ينظر إلى الملكوت فيطالع ما في اللوح المحفوظ لتنكشف ~~له الأمور على ما هي عليه فيكون مثل هذه الحال سببا للكشف ويكون الكشف ms2142 سبب ~~الشك في بقية الاعتقادات وكل من اعتقد في الله تعالى وفي صفاته وأفعاله ~~شيئا على خلاف ما هو به إما تقليدا وإما نظرا بالرأي والمعقون فهو في هذا ~~الخطر والزهد والصلاح لا يكفي لدفع هذا الخطر بل لا ينجي منه إلا الاعتقاد ~~الحق والبله بمعزل عن هذا الخطر أعني الذين آمنوا بالله ورسوله واليوم ~~الآخر إيمانا مجملا راسخا كالأعراب والسوادية وسائر العوام الذين لم يخوضوا ~~في البحث والنظر ولم يشرعوا في الكلام استقلالا ولا صغوا إلى أصناف ~~المتكلمين في تقليد أقاويلهم المختلفة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أكثر ~~أهل الجنة البله (1) # ولذلك منع السلف من البحث والنظر والخوض في الكلام والتفتيش عن هذه ~~الأمور وأمروا الخلق أن يقتصروا على أن يؤمنوا بما أنزل الله عز وجل جميعا ~~وبكل ما جاء من الظواهر مع اعتقاد نفي التشبيه ومنعوهم عن الخوض في التأويل ~~لأن الخطر في البحث عن الصفات عظيم وعقباته كئودة ومسالكه وعرة والعقول عن ~~درك جلال الله تعالى قاصرة وهداية الله تعالى بنور اليقين عن القلوب بما ~~جبلت عليه من حب الدنيا محجوبة وما ذكره الباحثون ببضاعة عقولهم مضطرب ~~ومتعارض والقلوب لما ألقى إليها في مبدأ النشأة آلفة وبه متعلقة والتعصبات ~~الثائرة بين الخلق مسامير مؤكدة للعقائد الموروثة أو المأخوذة بحسن الظن من ~~المعلمين في أول الأمر ثم الطباع بحب الدنيا مشغوفة وعليها مقبلة وشهوات ~~الدنيا بمخنقها آخذة وعن تمام الفكر صارفة فإذا فتح باب الكلام في الله وفي ~~صفاته بالرأي والمعقول مع تفاوت الناس في قرائحهم واختلافهم في طبائعهم ~~وحرص كل جاهل منهم على PageV04P175 # أن يدعي الكمال أو الإحاطة بكنه الحق انطلقت ألسنتهم بما يقع لكل واحد ~~منهم وتعلق ذلك بقلوب المصغين إليهم وتأكد ذلك بطول الألف فيهم فانسد ~~بالكلية طريق الخلاص عليهم فكانت سلامة الخلق في أن يشتغلوا بالأعمال ~~الصالحة ولا يتعرضوا لما هو خارج عن حد طاقتهم ولكن الآن قد استرخى العنان ~~وفشا الهذيان ونزل كل جاهل على ما وافق طبعه بظن وحسبان وهو يعتقد ms2143 أن ذلك ~~علم واستيقان وأنه صفو الإيمان ويظن أن ما وقع به من حدس وتخمين علم اليقين ~~وعين اليقين ولتعلمن نبأه بعد حين وينبغي أن ينشد في هؤلاء عند كشف الغطاء # أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر # وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر # واعلم يقينا أن كل من فارق الإيمان الساذج بالله ورسوله وكتبه وخاض في ~~البحث فقد تعرض لهذا الخطر ومثاله مثال من انكسرت سفينته وهو في ملتطم ~~الأمواج يرميه موج إلى موج فربما يتفق أن يلقيه إلى الساحل وذلك بعيد ~~والهلاك عليه أغلب # وكل نازل على عقيدة تلقفها من الباحثين ببضاعة عقولهم إما مع الأدلة التي ~~حرروها في تعصباتهم أو دون الأدلة فإن كان شاكا فيه فهو فاسد الدين وإن كان ~~واثقا فهو آمن من مكر الله مغتر بعقله الناقص وكل خائض في البحث فلا ينفك ~~عن هاتين الحالتين إلا إذا جاوز حدود المعقول إلى نور المكاشفة الذي هو ~~مشرق في عالم الولاية والنبوة وذلك هو الكبريت الأحمر وإني يتيسر وإنما ~~يسلم عن هذا الخطر البله من العوام أو الذين شغلهم خوف النار بطاعة الله ~~فلم يخوضوا في هذا الفضول فهذا أحد الأسباب المخطرة في سوء الخاتمة # وأما السبب الثاني فهو ضعف الإيمان في الأصل ثم استيلاء حب الدنيا على ~~القلب # ومهما ضعف الإيمان ضعف حب الله تعالى وقوي حب الدنيا فيصير بحيث لا يبقى ~~في القلب موضع لحب الله تعالى إلا من حيث حديث النفس ولا يظهر له أثر في ~~مخالفة النفس والعدول عن طريق الشيطان فيورث ذلك الانهماك في إتباع الشهوات ~~حتى يظلم القلب ويقسو ويسود وتتراكم ظلمة النفوس على القلب فلا يزال يطفئ ~~ما فيه من نور الإيمان على ضعفه حتى يصير طبعا ورينا فإذا جاءت سكرات الموت ~~ازداد ذلك الحب أعني حب الله ضعفا لما يبدو من استشعار فراق الدنيا وهي ~~المحبوب الغالب على القلب فيتألم القلب باستشعار فراق الدنيا ويرى ذلك من ~~الله فيختلج ms2144 ضميره بإنكار ما قدر عليه من الموت وكراهة ذلك # من حيث إنه من الله فيخشى أن يثور في باطنه بغض الله تعالى بدل الحب كما ~~أن الذي يحب ولده حبا ضعيفا إذا أخذ ولده أمواله التي هي أحب إليه من ولده ~~وأحرقها انقلب ذلك الحب الضعيف بغضا فإن اتفق زهوق روحه في تلك اللحظة التي ~~خطرت فيها هذه الخطرة فقد ختم له بالسوء وهلك هلاكا مؤبدا والسبب الذين ~~يفضي إلى مثل هذه الخاتمة هو غلبة حب الدنيا والركون إليها والفرح بأسبابها ~~مع ضعف الإيمان الموجب لضعف حب الله تعالى فمن وجد في قلبه حب الله أغلب من ~~حب الدنيا وإن كان يحب الدنيا أيضا فهو أبعد عن هذا الخطر وحب الدنيا رأس ~~كل خطيئة وهو الداء العضال وقد عم أصناف الخلق وذلك كله لقلة المعرفة بالله ~~تعالى إذ لا يحبه إلا من عرفه ولهذا قال تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره فإذن كل من فارقته روحه في حالة خطرة الإنكار على الله تعالى بباله ~~وظهر بغض فعل الله بقلبه في تفريقه بينه وبين أهله وماله وسائر محابه فيكون ~~موته قدوما على ما أبغضه وفراقا PageV04P176 # لما أحبه فيقدم على الله قدوم العبد المبغض الآبق إذا قدم به على مولاه ~~قهرا فلا يخفى ما يستحقه من الخزي والنكال وأما الذي يتوفى على الحب فإنه ~~يقدم على الله تعالى قدوم العبد المحسن المشتاق إلى مولاه الذي تحمل مشاق ~~الأعمال ووعثاء الأسفار طمعا في لقائه فلا يخفى ما يلقاه من الفرح والسرور ~~بمجرد القدوم فضلا عما يستحقه من لطائف الإكرام وبدائع الإنعام # وأما الخاتمة الثانية التي هي دون الأولى وليست مقتضية للخلود في النار ~~فلها أيضا سببان # أحدهما كثرة المعاصي وإن قوي الإيمان والآخر ضعف الإيمان وإن قلت المعاصي ~~وذلك لأن مقارفة المعاصي سببها غلبة الشهوات ورسوخها في القلب بكثرة الإلف ms2145 ~~والعادة # وجميع ما ألفه الإنسان في عمره يعود ذكره إلى قلبه عند موته فإن كان ميله ~~الأكثر إلى الطاعات كان أكثر ما يحضره ذكر طاعة الله وإن كان ميله الأكثر ~~إلى المعاصي غلب ذكرها على قلبه عند الموت فربما تقبض روحه عند غلبة شهوة ~~من الشهوات الدنيا ومعصية من المعاصي فيتقيد بها قلبه ويصير محجوبا عن الله ~~تعالى فالذي لا يقارف الذنب إلا الفينة بعد الفينة فهو أبعد عن هذا الخطر ~~والذي لم يقارف ذنبا أصلا فهو بعيد جدا عن هذا الخطر والذي غلبت عليه ~~المعاصي وكانت أكثر من طاعاته وقلبه بها أفرح منه بالطاعات فهذا الخطر عظيم ~~في حقه جدا ونعرف هذا بمثال وهو أنه لا يخفى عليك أن الإنسان يرى في منامه ~~جملة من الأحوال التي عهدها طول عمره حتى إنه لا يرى إلا ما يماثل مشاهدته ~~في اليقظة وحتى إن المراهق الذي يحتلم لا يرى صورة الوقاع إذا لم يكن قد ~~واقع في اليقظة ولو بقي كذلك مدة لما رأى عند الاحتلام صورة الوقاع ثم لا ~~يخفى أن الذي قضى عمره في الفقه يرى من الأحوال المتعلقة بالعلم والعلماء ~~أكثر مما يراه التاجر الذي قضى عمره في التجارة والتاجر يرى من الأحوال ~~المتعلقة بالتجارة وأسبابها أكثر مما يراه الطبيب والفقيه لأنه إنما يظهر ~~في حال النوم ما حصل له مناسبة مع القلب بطول الإلف أو بسبب آخر من الأسباب ~~والموت شبه النوم ولكنه فوقه ولكن سكرات الموت وما يتقدمه من الغشية قريب ~~من النوم فيقضي ذلك تذكر المألوف وعوده إلى القلب وأحد الأسباب المرجحة ~~لحصول ذكره في القلب طول الإلف فطول الإلف بالمعاصي والطاعات أيضا مرجح ~~وكذلك تخالف أيضا منامات الصالحين منامات الفساق فتكون غلبة الإلف سبب لأن ~~تتمثل صورة فاحشة في قلبه وتميل إليها نفسه فربما تقبض عليها روحه فيكون ~~ذلك سبب سوء خاتمته وإن كان أصل الإيمان باقيا بحيث يرجى له الخلاص منها ~~وكما أن ما يخطر في اليقظة إنما يخطر بسبب خاص يعلمه الله ms2146 تعالى فكذلك آحاد ~~المنامات لها أسباب عند الله تعالى نعرف بعضها ولا نعرف بعضها كما أنا نعلم ~~أن الخاطر ينتقل من الشيء إلى ما يناسبه إما بالمشابهة وإما بالمضادة وإما ~~بالمقارنة بان يكون قد ورد على الحس منه # أما بالمشابهة فبأن ينظر إلى جميل فيتذكر جميلا آخر وأما بالمضادة فبأن ~~ينظر إلى جميل فيتذكر قبيحا ويتأمل في شدة التفاوت بينهما وأما بالمقارنة ~~فبأن ينظر إلى فرس قد رآه من قبل مع إنسان فيتذكر ذلك الإنسان وقد ينتقل ~~الخاطر من شيء إلى شيء ولا يدري وجه مناسبته له وإنما يكون ذلك بواسطة ~~وواسطتين مثل أن ينتقل من شيء ثان ومنه إلى شيء ثالث ثم ينسى الثاني ولا ~~يكون بين الثالث والأول مناسبة ولكن يكون بينه وبين الثاني مناسبة وبين ~~الثاني والأول مناسبة فكذلك لانتقالات الخواطر في المنامات أسباب من هذا ~~الجنس وكذلك عند سكرات الموت فعلى هذا والعلم عند الله من كانت الخياطة ~~أكثر أشغاله فإنك تراه يومئ إلى رأسه كأنه يأخذ إبرته ليخيط بها ويبل إصبعه ~~التي لها عادة الكستبان ويأخذ الإزار من فوقه ويقدره ويشبره كأنه يتعاطى ~~تفصيله ثم يمد يده إلى المقراض PageV04P177 # ومن أراد أن يكف خاطره عن الانتقال عن المعاصي والشهوات فلا طريق له إلا ~~المجاهدة طول العمر في فطامه نفسه عنها وفي قمع الشهوات عن القلب فهذا هو ~~القدر الذي يدخل تحت الاختيار ويكون طول المواظبة على الخير وتخلية الفكر ~~عن الشر عدة وذخيرة لحالة سكرات الموت فإنه يموت المرء على ما عاش عليه ~~ويحشر على ما مات عليه ولذلك نقل عن بقال أنه كان يلقن عند الموت كلمتي ~~الشهادة فيقول خمسة ستة أربعة فكان مشغول النفس بالحساب الذي طال إلفه له ~~قبل الموت # وقال بعض العارفين من السلف العرش جوهرة تتلألأ نورا فلا يكون العبد على ~~حال إلا انطبع مثاله في العرش على الصورة التي كان عليها فإذا كان في سكرات ~~الموت كشف له صورته من العرش فربما يرى نفسه على صورة معصية وكذلك يكشف ms2147 له ~~يوم القيامة فيرى أحوال نفسه فيأخذه من الحياء والخوف ما يجل عن الوصف وما ~~ذكره صحيح وسبب الرؤيا الصادقة قريب من ذلك فإن النائم يدرك ما يكون في ~~المستقبل من مطالعة اللوح المحفوظ وهي جزء من أجزاء النبوة فإذا رجع سوء ~~الخاتمة إلى أحوال القلب واختلاج الخواطر ومقلب القلوب هو الله والاتفاقات ~~المقتضية لسوء الخواطر غير داخلة تحت الاختيار دخولا كليا وإن كان لطول ~~الإلف فيه تأثير فبهذا عظم خوف العارفين من سوء الخاتمة لأنه لو أراد ~~الإنسان أن لا يرى في المنام إلا أحوال الصالحين وأحوال الطاعات والعبادات ~~عسر عليه ذلك وإن كانت كثرة الصلاح والموظبة عليه مما يؤثر فيه ويكن ~~اضطرابات الخيال لا تدخل بالكلية تحت الضبط وإن كان الغالب مناسبة ما يظهر ~~في النوم لما غلب في اليقظة حتى سمعت الشيخ أبا علي الفارمذي رحمة الله ~~عليه يصف لي وجوب حسن أدب المريد لشيخه وأن لا يكون في قلبه إنكار لكل ما ~~يقوله ولا في لسانه مجادلة عليه قال حكيت لشيخي أبي القاسم السكرماني مناما ~~لي وقلت رأيت قلت لي كذا فقلت لم ذاك قال فهجرني شهرا ولم يكلمني وقال لولا ~~أنه كان في باطنك تجويز المطالبة وإنكار ما أقوله لك لما جرى ذلك على لسانك ~~في النوم وهو كما قال إذ قلما يرى الإنسان في منامه خلاف ما يغلب في اليقظة ~~على قلبه فهذا هو القدر الذي نسمح بذكره في علم المعاملة من أسرار أمر ~~الخاتمة وما وراء ذلك فهو داخل في علم المكاشفة وقد ظهر لك بهذا أن الأمن ~~من سوء الخاتمة بأن ترى الأشياء كما هي عليه من غير جهل وتزجي جميع العمر ~~في طاعة الله من غير معصية فإن كنت تعلم أن ذلك محال أو عسير فلا بد وأن ~~يغلب عليك من الخوف ما غلب على العارفين حتى يطول بسببه بكاؤك ونياحتك ~~ويدوم به حزنك وقلقك كما سنحكيه من أحوال الأنبياء والسلف الصالحين ليكون ~~ذلك أحد الأسباب المهيجة لنار الخوف من قلبك ms2148 وقد عرفت بهذا أن أعمال العمر ~~كلها ضائعة إن لم يسلم في النفس الأخير الذي عليه خروج الروح وإن سلامته مع ~~اضطراب أمواج الخواطر مشكلة جدا ولذلك كان مطرف بن عبد الله يقول إني لا ~~أعجب ممن هلك كيف هلك ولكني أعجب مما نجا كيف نجا ولذلك قال حامد اللفاف ~~إذا صعدت الملائكة بروح العبد المؤمن وقد مات على الخير والإسلام تعجبت ~~الملائكة منه وقالوا كيف نجا هذا من دنيا فسد فيها خيارنا # وكان الثوري يوما يبكي فقيل له علام تبكي فقال بكينا على الذنوب زمانا # فالآن نبكي على الإسلام # وبالجملة من وقعت سفينته في لجة البحر وهجمت عليه الرياح العاصفة واضطربت ~~الأمواج كانت النجاة في حقه أبعد من الهلاك وقلب المؤمن أشد اضطرابا من ~~السفينة وأمواج الخواطر أعظم التطاما من أمواج البحر وإنما المخوف عند ~~الموت خاطر سوء يخطر فقط وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة خمسين سنة حتى لا يبقى بينه وبين الجنة إلا ~~فواق ناقة فيختم له بما سبق به الكتاب (1) # ولا يتسع PageV04P178 # فواق الناقة لأعمال توجب الشقاوة بل هي الخواطر التي تضطرب وتخطر خطور ~~البرق الخاطف # وقال سهل رأيت كأني أدخلت الجنة فرأيت ثلثمائة نبي فسألتهم ما أخوف ما ~~كنتم تخافون في الدنيا قالوا سوء الخاتمة ولأجل هذا الخطر العظيم كانت ~~الشهادة مغبوطا عليها وكان موت الفجأة مكروها أما الموت فجأة فلأنه ربما ~~يتفق عند غلبة خاطر سوء واستيلائه على القلب لا يخلو عن أمثاله إلا أن يدفع ~~بالكراهة أو بنور المعرفة # وأما الشهادة فلأنها عبارة عن قبض الروح في حالة لم يبق في القلب سوى حب ~~الله تعالى وخرج حب الدنيا والأهل والمال والولد وجميع الشهوات عن القلب إذ ~~لا يهجم على صف القتال موطنا نفسه على الموت إلا حبا لله وطلبا لمرضاته ~~وبائعا دنياه بآخرته وراضيا بالبيع الذي بايعه الله به إذ قال تعالى إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ms2149 والبائع راغب عن ~~المبيع لا محالة ومخرج حبه عن القلب ومجرد حب العوض المطلوب في قلبه ومثل ~~هذه الحالة قد يغلب على القلب في بعض الأحوال ولكن لا يتفق زهوق الروح فيها ~~فصف القتال سبب لزهوق الروح على مثل هذه الحالة هذا فيمن ليس يقصد الغلبة ~~والغنيمة وحسن الصيت بالشجاعة فإن من هذا حاله وأن قتل في المعركة فهو بعيد ~~عن مثل هذه الرتبة كما دلت عليه الأخبار // حديث المقتول في الحرب إذا كان ~~قصده الغلبة والغنيمة وحسن الصيت فهو بعيد عن رتبة الشهادة متفق عليه من ~~حديث أبي موسى الأشعري أن رجلا قال يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم والرجل ~~يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله فقال من قاتل لتكون ~~كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله وفي رواية الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل ~~حمية ويقاتل رياء وفي رواية غضبا # وإذ بان لك معنى سوء الخاتمة وما هو مخوف فيها فاشتغل بالاستعداد لها ~~فواظب على ذكر الله تعالى وأخرج من قلبك حب الدنيا واحرس عن فعل المعاصي ~~جوارحك وعن الفكر فيها قلبك واحترز عن مشاهدة المعاصي ومشاهدة أهلها جهدك ~~فإن ذلك أيضا يؤثر في قلبك ويصرف إليه فكرك وخواطرك وإياك أن تسوف وتقول ~~سأستعد لها إذا جاءت الخاتمة فإن كان نفس من أنفاسك خاتمتك إذ يمكن أن ~~تختطف فيه روحك فراقب قلبك في كل تطريفة وإياك أن تهمله لحظة فلعل تلك ~~اللحظة خاتمتك إذ يمكن أن تختطف فيها روحك هذا ما دمت في يقظتك وأما إذا ~~نمت فإياك أن تنام إلا على طهارة الظاهر الباطن وأن يغلبك النوم إلا بعد ~~غلبة ذكر الله على قلبك لست أقول على لسانك فإن حركة اللسان بمجردها ضعيفة ~~الأثر # واعلم قطعا أنه لا يغلب عند النوم على قلبك إلا ما كان قبل النوم غالبا ~~عليه وأنه لا يغلب في النوم إلا ما كان غالبا قبل النوم ولا ينبعث عن نومك ~~إلا ما غلب على قلبك في نومك والموت والبعث ms2150 شبيه النوم واليقظة فكما لا ~~ينام العبد إلا على ما غلب عليه في يقظته ولا يستيقظ إلا على ما كان عليه ~~في نومه فكذلك لا يموت المرء إلا على ما عاش عليه ولا يحشر إلا على ما مات ~~عليه وتحقق قطعا ويقينا أن الموت والبعث حالتان من أحوالك كما أن النوم ~~واليقظة حالتان من أحوالك وآمن بهذا تصديقا باعتقاد القلب إن لم تكن أهلا ~~لمشاهدة ذلك بعين اليقين ونور البصيرة وراقب أنفاسك ولحظاتك وإياك أن تغفل ~~عن الله طرفة عين فإنك إذا فعلت ذلك كله كنت مع ذلك في خطر عظيم فكيف إذا ~~لم تفعل # والناس كلهم هلكى إلا العالمون والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون ~~والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم # واعلم أن ذلك لا يتيسر لك ما لم تقنع من الدنيا بقدر ضرورتك وضرورتك مطعم ~~وملبس ومسكن والباقي كله فضول والضرورة من المطعم ما يقيم صلبك ويسد رمقك ~~فينبغي أن يكون تناولك تناول مضطر كاره له ولا تكون رغبتك فيه أكثر من ~~رغبتك في قضاء حاجتك PageV04P179 # إذ لا فرق بين إدخال الطعام في البطن وإخراجه فهما ضرورتان في الجبلة ~~وكما لا يكون قضاء الحاجة من همتك التي يشتغل بها قلبك فلا ينبغي أن يكون ~~تناول الطعام من همتك # واعلم أنه إن كان همتك ما يدخل بطنك فقيمتك ما يخرج من بطنك وإذ لم يكن ~~قصدك من الطعام إلا التقوى على عبادة الله تعالى كقصدك من قضاء حاجتك ~~فعلامة ذلك تظهر في ثلاثة أمور # من مأكولك في وقته وقدره وجنسه أما الوقت فأقله أن يكتفي في اليوم ~~والليلة بمرة واحد فيواظب على الصوم وأما قدره فبأن لا يزيد على ثلث البطن ~~وأما جنسه فأن لا يطلب لذائذ الأطعمة بل يقنع بما يتفق فإن قدرت على هذه ~~الثلاثة وسقطت عنك مئونة الشهوات واللذائذ قدرت بعد ذلك على ترك الشبهات ~~وأمكنك أن لا تأكل إلا من حله فإن الحلال يعز ولا يفي بجميع الشهوات وأما ~~ملبسك فيكن غرضك منه ms2151 دفع الحر والبرد وستر العورة فكل ما دفع البرد عن رأسك ~~ولو قلنسوة يدانق فطلبك غيره فضول منك يضيع فيه زمانك ويلزمك الشغل الدائم ~~والعناء القائم في تحصيله بالكسب مرة والطمع أخرى من الحرام والشبهة وقس ~~بهذا ما تدفع به الحر والبرد عن بدنك فكل ما حصل مقصود اللباس إن لم تكنف ~~به في خساسة قدره وجنسه لم يكن لك موقف ومرد بعده # بل كنت ممن لا يملأ بطنه إلا التراب وكذلك المسكن إن اكتفيت بمقصوده كفتك ~~السماء سقفا والأرض مستقرا فإن غلبك حر أو برد فعليك بالمساجد فإن طلبت ~~مسكنا خاصا طال عليك وانصرف إليه أكثر عمرك وعمرك هو بضاعتك ثم إن تيسر لك ~~فقصدت من الحائط سوى كونه حائلا بينك وبين الأبصار ومن السقف سوى كونه ~~دافعا للأمطار فأخذت ترفع الحيطان وتزين السقوف فقد تورطت في مهواة يبعد ~~رقيك منها وهكذا جميع ضرورات أمورك إن اقتصرت عليها تفرغت لله وقدرت على ~~التزود لآخرتك والاستعداد لخاتمتك وإن جاوزت حد الضرورة إلى أودية الأماني ~~تشعبت همومك ولم يبال الله في أي واد أهلكك فاقبل هذه النصيحة ممن هو أحوج ~~إلى النصيحة منك # واعلم أن متسع التدبير والتزود والاحتياط هذا العمر القصير فإذا دفعته ~~يوما بيوم في تسويفك أو غفلتك اختطفت فجأة في غير وقت إرادتك ولم تفارقك ~~حسرتك وندامتك فإن كنت لا تقدر على ملازمة ما أرشدت إليه بضعف خوفك إذا لم ~~يكن فيما وصفناه من أمر الخاتمة كفاية في تخويفك فإنا سنورد عليك من أحوال ~~الخائفين ما نرجو أن يزيل بعض القساوة عن قلبك فإنك تتحقق أن عقل الأنبياء ~~والأولياء والعلماء وعملهم ومكانهم عند الله تعالى لم يكن دون عقلك وعملك ~~ومكانك فتأمل مع كلال بصيرتك وعمش عين قلبك في أحوالهم لم اشتد بهم الخوف ~~وطال بهم الحزن والبكاء حتى كان بعضهم يصعق وبعضهم يدهش وبعضهم يسقط مغشيا ~~عليه وبعضهم يخر ميتا إلى الأرض ولا غرو وإن كان ذلك لا يؤثر في قلبك فإن ~~قلوب الغافلين مثل الحجارة أو ms2152 أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه ~~الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله ~~وما الله بغافل عما تعملون ### |||| الشطر الثاني في الخوف بيان أحوال الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام في الخوف # روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تغير ~~الهواء وهبت ريح عاصفة يتغير وجهه فيقول ويتردد في الحجرة ويدخل ويخرج كل ~~ذلك خوفا من عذاب الله (1) # وقرأ صلى الله عليه وسلم آية في سورة الواقعة فصعق (2) # وقال تعالى وخر موسى صعقا ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة جبريل ~~PageV04P180 # عليه السلام بالأبطح فصعق (1) # وروي أنه عليه السلام كان إذا دخل في الصلاة يسمع لصدره أزيز كأزيز ~~المرجل (2) # وقال صلى الله عليه وسلم ما جاءني جبريل قط إلا وهو يرعد فرقا من الجبار ~~(3) حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل مالي لا أرى ميكائيل يضحك ~~فقال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار رواه أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب ~~الخائفين من رواية ثابت عن أنس بإسناد جيد ورواه ابن شاهين في السنة من ~~حديث ثابت مرسلا وورد ذلك أيضا في حق إسرافيل رواه البيهقي في الشعب وفي حق ~~جبريل رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الخائفين # ويقال إن لله تعالى ملائكة لم يضحك أحد منهم منذ خلقت النار مخافة أن ~~يغضب الله عليهم فيعذبهم بها # وقال ابن عمر رضي الله عنهما خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~دخل بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التمر ويأكل فقال يا ابن عمر مالك لا ~~تأكل فقلت يا رسول الله لا أشتهيه فقال لكني أشتهيه وهذا صبح رابعة لم أذق ~~طعاما ولم أجده ولو سألت ربي لأعطاني ملك قيصر وكسرى فكيف بك يا ابن عمر ~~إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم ويضعف اليقين في قلوبهم قال فوالله ما ~~برحنا ولا قمنا حتى نزلت {وكأين من دابة لا تحمل رزقها ms2153 الله يرزقها وإياكم ~~وهو السميع العليم} قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله لم ~~يأمركم بكنز المال ولا بإتباع الشهوات من كنز دنانير يريد بها حياة فانية ~~فإن الحياة بيد الله ألا وإني لا أكنز دينارا ولا درهما ولا أخبأ رزقا لغد ~~// حديث ابن عمر خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل على حيطان ~~الأنصار فجعل يلتقط من التمر ويأكل الحديث أخرجه ابن مردويه في التفسير ~~والبيهقي في الزهد من رواية رجل لم يسم عن ابن عمر قال البيهقي هذا إسناد ~~مجهول والجراح بن منهال ضعيف # وقال أبو الدرداء كان يسمع أزير قلب إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه ~~وسلم إذا قام في الصلاة في مسيرة ميل خوفا من ربه # وقال مجاهد بكى داود عليه السلام أربعين يوما ساجدا لا يرفع رأسه حتى نبت ~~المرعى من دموعه وحتى غطى رأسه فنودي يا داود أجائع أنت فتطعم أم ظمآن ~~فتسقى أم عار فتكسى فنحب نحبة هاج العود فاحترق من حر جوفه ثم أنزل الله ~~تعالى عليه التوبة والمغفرة فقال يا رب اجعل خطيئتي في كفي فصارت خطيئته في ~~كفه مكتوبة فكان لا يبسط كفه لطعام ولا لشراب ولا لغيره إلا رآها فأبكته ~~قال وكان يؤتى بالقدح ثلثاه فإذا PageV04P181 # تناولته أبصر خطيئته فما يضعه على شفته حتى يفيض القدح من دموعه # ويروى عنه عليه السلام أنه ما رفع رأسه إلى السماء حتى مات حياء من الله ~~عز وجل وكان يقول في مناجاته إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت علي الأرض برحبها ~~وإذا ذكرت رحمتك ارتدت إلي روحي سبحانك إلهي أتيت أطباء عبادك ليداووا ~~خطيئتي فكلهم عليك يدلني فبؤسا للقانطين من رحمتك # وقال الفضيل بلغني أن داود عليه السلام ذكر ذنبه ذات يوم فوثب صارخا ~~واضعا يده على رأسه حتى لحق بالجبال فاجتمعت إليه السباع فقال ارجعوا لا ~~أريدكم إنما أريد كل بكاء على خطيئته فلا يستقبلني إلا البكاء ومن لم يكن ~~ذا خطيئة فما يصنع بداود الخطاء ms2154 # وكان يعاتب في كثرة البكاء فيقول دعوني أبكي قبل خروج يوم البكاء قبل ~~تخريق العظام واشتغال الحشا وقبل أن يؤمر بي ملائكة غلاظ شداد لا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # وقال عبد العزيز بن عمر لما أصاب داود الخطيئة نقص صوته فقال إلهي بح ~~صوتي في صفاء أصوات الصديقين # وروي أنه عليه السلام لما طال بكاؤه ولم ينفعه ذلك ضاق ذرعه واشتد غمه ~~فقال يا رب أما ترحم بكائي فأوحى الله تعالى إليه يا داود نسيت ذنبك وذكرت ~~بكاءك فال إلهي وسيدي كيف أنسى ذنبي وكنت إذا تلوت الزبور كف الماء الجاري ~~عن جريه وسكن هبوب الريح وأظلني الطير على رأسي وأنست الوحوش إلى محرابي ~~إلهي وسيدي فما هذه الوحشة التي بيني وبينك فأوحى الله تعالى إليه يا داود ~~ذلك أنس الطاعة وهذه وحشة المعصية يا داود آدم خلق من خلقي خلقته بيدي ~~ونفخت فيه من روحي وأسجدت له ملائكتي وألبسته ثوب كرامتي وتوجته بتاج وقاري ~~وشكا لي الوحدة فزوجته حواء أمتي وأسكنته جنتي عصاني فطردته عن جواري ~~عريانا ذليلا يا داود اسمع مني والحق أقول أطعتنا فأطعناك وسألتنا فأعطيناك ~~وعصيتنا فأمهلناك وإن عدت إلينا على ما كان منك قبلناك # وقال يحيى بن أبي كثير بلغنا أن داود عليه السلام كان إذا أراد أن ينوح ~~مكث قبل ذلك سبعا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يقرب النساء فإذا كان ~~قبل ذلك بيوم أخرج له المنبر إلى البرية فأمر سليمان أن ينادي بصوت يستقري ~~البلاد وما حولها من الغياض والآكام والجبال والبراري والصوامع والبيع ~~فينادي فيها إلا من أراد أن يسمع نوح داود على نفسه فليأت قال فتأتي الوحوش ~~من البراري والآكام وتأتي السباع من الغياض وتأتي الهوام من الجبال وتأتي ~~الطير من الأوكار وتأتي العذارى من خدورهن وتجتمع الناس لذلك اليوم ويأتي ~~داود حتى يرقى المنبر ويحيط به بنو إسرائيل وكل صنف على حدته محيطون به ~~وسليمان عليه السلام قائم على رأسه فيأخذ في الثناء على ربه ms2155 فيضجون بالبكاء ~~والصراخ ثم يأخذ في ذكر الجنة والنار فتموت الهوام وطائفة من الوحوش ~~والسباع الناس ثم يأخذ في أهوال القيامة وفي النياحة على نفسه فيموت من كل ~~نوع طائفة فإذا رأى سليمان كثرة الموتى قال يا أبتاه قد مزقت المستمعين كل ~~ممزق وماتت طوائف من بني إسرائيل ومن الوحوش والهوام فيأخذ في الدعاء فبينا ~~هو كذلك إذ ناداه بعض عباد بني إسرائيل يا داود عجلت بطلب الجزاء على ربك ~~قال فيخر داود مغشيا عليه فإذا نظر سليمان إلى ما أصابه أتى بسرير فحمله ~~عليه ثم أمر مناديا ينادي ألا من كان له مع داود حميم أو قريب فليأت بسرير ~~فليحمله فإن الذين كانوا معه قد قتلهم ذكر الجنة والنار فكانت المرأة تأتي ~~بالسرير وتحمل قريبها وتقول يا من قتله ذكر النار يا من قتله خوف الله ثم ~~إذا أفاق داود قام ووضع يده على رأسه ودخل بيت عبادته وأغلق بابه ويقول يا ~~إله داود أغضبان أنت على داود ولا يزال يناجي ربه فيأتي سليمان ويقعد على ~~الباب ويستأذن ثم يدخل ومعه قرص من شعير فيقول يا أبتاه تقو بهذا على ما ~~تريد فيأكل من PageV04P182 # ذلك القرص ما شاء الله ثم يخرج إلى بني إسرائيل فيكون بينهم # وقال يزيد الرقاشي خرج داود ذات يوم بالناس يعظهم ويخوفهم فخرج في أربعين ~~ألفا فمات منهم ثلاثون ألفا وما رجع إلا في عشرة آلاف قال وكان له جاريتان ~~اتخذهما حتى إذا جاءه الخوف وسقط فاضطرب قعدتا على صدره وعلى رجليه مخافة ~~أن تتفرق أعضاؤه ومفاصله فيموت # وقال ابن عمر رضي الله عنهما دخل يحيى بن زكريا عليهما السلام بيت المقدس ~~وهو ابن ثمان حجج فنظر إلى عبادهم قد لبسوا مدارع الشعر والصوف ونظر إلى ~~مجتهديهم قد خرقوا التراقي وسلكوا فيها السلاسل وشدوا أنفسهم إلى أطراف بيت ~~المقدس فهاله ذلك فرجع إلى أبويه فمر بصبيان يلعبون فقالوا له يا يحيى هلم ~~بنا لنعلب فقال إني لم أخلق للعب قال فأتى أبويه فسألهما أن يدرعاه ms2156 الشعر ~~ففعلا فرجع إلى بيت المقدس وكان يخدمه نهارا ويصبح فيه ليلا حتى أتت عليه ~~خمس عشرة سنة فخرج ولزم أطواد الأرض وغير ان الشعاب فخرج أبواه في طلبه ~~فأدركاه على بحيرة الأردن وقد أنقع رجليه في الماء حتى كاد العطش يذبحه وهو ~~يقول عزتك وجلالك لا أذوق بارد الشراب حتى أعلم أين مكاني منك فسأله أبواه ~~أن يفطر على قرص كان معهما من شعير ويشرب من ذلك الماء ففعل وكفر عن يمينه ~~فمدح بالبر فرده أبواه إلى بيت المقدس فكان إذا قام يصلي بكى حتى يبكي معه ~~الشجر والمدر ويبكي زكريا عليه السلام لبكائه حتى يغمى عليه فلم يزل يبكي ~~حتى خرقت دموعه لحم خديه وبدت أضراسه للناظرين فقالت له أمه يا بني لو أذنت ~~لي أن أتخذ لك شيئا تواري به أضراسك عن الناظرين فأذن لهما فعمدت إلى قطعتي ~~لبود فألصقتها على خدية فكان إذا قام يصلي بكى فإذا استنقعت دموعه في ~~القطعتين أتت إليه أمه فعصرتهما فإذا رأى دموع تسبل على ذراعي أمه قال ~~اللهم هذه دموعي وهذه أمي وأنا عبدك وأنت أرحم الراحمين قال له زكريا يوما # يا بني إنما سالت ربي أن يهبك لي لتقر عيناي بك فقال يحيى يا أبت أن ~~جبريل عليه السلام أخبرني أن بين الجنة والنار مفازة لا يقطعها إلا كل بكاء # فقال زكريا عليه السلام يا بني فابك # وقال المسيح عليه السلام معاشر الحواريين خشية الله وحب الفردوس يورثان ~~الصبر على المشقة ويباعدان من الدنيا # بحق أقول لكم إن أكل الشعير والنوم على المزابل مع الكلاب في طلب الفردوس ~~قليل # وقيل كان الخليل صلوات الله عليه وسلامه إذا ذكر خطيئته يغشى عليه ويسمع ~~اضطراب قلبه ميلا في ميل فيأتيه جبريل فيقول له ربك يقرئك السلام ويقول هل ~~رأيت خليلا يخاف خليله فيقول يا جبريل إني إذا ذكرت خطيئتي نسيت خلتي فهذه ~~أحوال الأنبياء عليه السلام فدونك والتأمل فيها فإنهم أعرف خلق الله بالله ~~وصفاته صلوات الله عليهم أجمعين وعلى كل ms2157 عباد الله المقربين وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل ### |||| بيان أحوال الصحابة والتابعين والسلف والصالحين في شدة الخوف # روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لطائر ليتني مثلك يا طائر ولم ~~أخلق بشرا # وقال أبو ذر رضي الله عنه وددت لو أني شجرة تعضد وكذلك قال طلحة # وقال عثمان رضي الله عنه وددت إني إذا مت لم أبعث # وقالت عائشة رضي الله عنها وددت أني كنت نسيا منسيا # وروى أن عمر رضي الله عنه كان يسقط من الخوف إذا سمع آية من القرآن مغشيا ~~عليه فكان يعاد أياما # وأخذ يوما تبنة من الأرض فقال يا ليتني كنت هذه التبنة يا ليتني لم أك ~~شيئا مذكورا يا ليتني كنت نسيا منسيا PageV04P183 # يا ليتني لم تلدني أمي # وكان في وجه عمر رضي الله عنه خطان أسودان من الدموع وقال رضي الله عنه ~~من خاف الله لم يشف غيظه ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد ولولا يوم القيامة ~~لكان غير ما ترون # ولما قرأ عمر رضي الله عنه {إذا الشمس كورت} وانتهى إلى قوله تعالى {وإذا ~~الصحف نشرت} خر مغشيا عليه # ومر يوما بدار إنسان وهو يصلي ويقرأ سورة {والطور} فوقف يستمع فلما بلغ ~~قوله تعالى إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع نزل عن حماره واستند إلى حائط ~~ومكث زمانا ورجع إلى منزله فمرض شهرا يعوده الناس ولا يدرون ما مرضه # وقال علي كرم الله وجهه وقد سلم من صلاة الفجر وقد علاه كآبة وهو يقلب ~~يده لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلم أر اليوم شيئا يشبههم لقد ~~كانوا يصبحون شعثا صفرا غبرا بين أعينهم أمثال ركب المعزى قد باتوا لله ~~سجدا وقياما يتلون كتاب الله يراوحون بين جباههم وأقدامهم فإذا أصبحوا ~~ذكروا الله فمادوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهملت أعينهم بالدموع حتى ~~تبل ثيابهم والله فكأن بالقوم باتوا غافلين ثم قام فما رؤي بعد ذلك ضاحكا ~~حتى ضربه ابن ملجم # وقال عمران بن حصين وددت ms2158 أن أكون رمادا تنسفني الرياح في يوم عاصف # وقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه # وددت أني كبش فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي ويحسون مرقي # وكان علي بن الحسين رضي الله عنه إذا توضأ اصفر لونه فيقولون له أهله ما ~~هذا الذي يعتادك عند الوضوء فيقول أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم # قال موسى بن مسعود كنا إذا جلسنا إلى الثوري كأن النار قد أحاطت بنا لما ~~نرى من خوفه وجزعه # وقرأ مضر القارئ يوما هذا كتابنا ينطق عليكم بالحقالآية فبكى عبد الواحد ~~بن زيد حتى غشي عليه فلما أفاق قال وعزتك لأعصيتك جهدي أبدا فأعني بتوفيقك ~~على طاعتك # وكان المسور بن مخرمة لا يقوى أن يسمع شيئا من القرآن لشدة خوفه ولقد كان ~~يقرأ عنده الحرف والآية فيصيح الصحية فما يعقل أياما حتى أتى عليه رجل من ~~خثعم فقرأ عليه {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم ~~وردا} فقال أنا من المجرمين ولست من المتقين أعد على القول أيها القارئ ~~فأعادها عليه فشهق شهقة فلحق بالآخرة # وقرئ عند يحيى البكاء {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} فصاح صيحة مكث منها ~~مريضا أربعة أشهر يعاد من أطراف البصرة # وقال مالك بن دينار بينما أنا أطوف بالبيت إذا أنا بجويرة متعبدة متعلقة ~~بأستار الكعبة وهي تقول يا رب كم شهوة ذهبت لذاتها وبقيت تبعاتها يا رب أما ~~كان لك أدب وعقوبة إلا النار وتبكى فما زال ذلك مقامها حتى طلع الفجر قال ~~مالك فلما رأيت ذلك وضعت يدي على رأسي صارخا أقول ثكلت مالكا أمه # وروي أن الفضيل رؤي يوم عرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلي المحترقة ~~حتى إذا كادت الشمس تغرب قبض على لحيته ثم رفع رأسه إلى السماء وقال ~~واسوأتاه منك وإن غفرت ثم انقلب مع الناس # وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الخائفين فقال قلوبهم بالخوف فرحة ~~وأعينهم باكية يقولون كيف نفرح والموت من ورائنا والقبر أمامنا والقيامة ~~موعدنا وعلى جهنم طريقنا ms2159 وبين يدي الله ربنا موقفنا PageV04P184 # ومر الحسن بشاب وهو مستغرق في ضحكه وهو جالس مع قوم في مجلس فقال له ~~الحسن يا فتى هل مررت بالصراط قال لا # قال فهل تدري إلى الجنة تصير أم إلى النار قال لا # قال فما هذا الضحك قال فما رؤي ذلك الفتى بعدها ضاحكا # وكان حماد بن عبد ربه إذا جلس جلس مستوفرا على قدميه فيقال له اطمأننت ~~فيقول تلك جلسة الآمن وأنا غير آمن إذ عصيت الله تعالى # وقال عمر بن عبد العزيز إنما جعل الله هذه الغفلة في قلوب العباد رحمة ~~كيلا يموتوا من خشية الله تعالى # وقال مالك بن دينار قد هممت إذا أنا مت آمرهم أن يقيدوني ويغلوني ثم ~~ينطلقوا بي إلى ربي كما ينطلق بالعبد الآبق إلى سيده # وقال حاتم الأصم لا تغتر بموضع صالح فلا مكان أصلح من الجنة وقد لقي آدم ~~عليه السلام فيهما ما لقي ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس بعد طول تعبده ~~لقي ما لقي ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام كان يحسن اسم الله الأعظم فانظر ~~ماذا لقي ولا تغتر برؤية الصالحين فلا شخص أكبر منزلة عند الله من المصطفى ~~صلى الله عليه وسلم ولم ينتفع بلقائه أقاربه وأعداؤه # وقال السري إني لأنظر إلى أنفي كل يوم مرات مخافة أن يكون قد أسود وجهي # وقال أبو حفص منذ أربعين سنة اعتقادي في نفسي أن الله ينظر إلى نظر السخط ~~وأعمالي تدل على ذلك # وخرج ابن المبارك يوما على أصحابه فقال إني اجترأت البارحة على الله ~~سألته الجنة # وقالت أم محمد بن كعب القرظي لابنها يا بني إني أعرفك صغيرا طيبا وكبيرا ~~طيبا وكأنك أحدثت حدثا موبقا لما أراك تصنع في ليلك ونهارك فقال يا أماه ما ~~يؤمنني أن يكون الله تعالى قد اطلع علي وأنا على بعض ذنوبي فمقتني وقال ~~وعزتي وجلالي لا غفرت لك # وقال الفضيل إني لا أغبط نبيا مرسلا ولا ملكا مقربا ولا عبدا صالحا أليس ~~هؤلاء يعاينون يوم القيامة ms2160 إنما أغبط من لم يخلق # وروي أن فتى من الأنصار دخلته خشية النار فكان يبكي حتى حبسه ذلك في ~~البيت فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه واعتنقه فخر ميتا فقال صلى ~~الله عليه وسلم جهزوا صاحبكم فإن الفرق من النار فتت كبده (1) # وروي عن ابن أبي ميسرة أنه كان إذا أوى إلى فراشه يقول يا ليت أمي لم ~~تلدني فقالت له أمه يا ميسرة إن الله تعالى قد أحسن إليك هداك إلى الإسلام ~~قال أجل ولكن الله قد بين لنا أنا واردو النار ولم يبين لنا أنا صادرون ~~عنها # وقيل لفرقد السبخي أخبرنا بأعجب شيء بلغك عن إسرائيل فقال بلغني أنه دخل ~~بيت المقدس خمسمائة عذارء لباسهن الصوف والمسوح فتذاكرن ثواب الله وعقابه ~~فمتن جميعا في يوم واحد # وكان عطاء السلمي من الخائفين ولم يكن يسأل الله الجنة أبدا إنما كان ~~يسأل الله العفو وقيل له في مرضه ألا تشتهي شيئا فقال إن خوف جهنم لم يدع ~~في قلبي موضعا للشهوة أنه ما رفع رأسه إلى السماء ولا ضحك PageV04P185 # أربعين سنة # وأنه رفع رأسه يوما ففزع فسقط فانفتق في بطنه فتق وكان يمس جسده في بعض ~~الليلة مخافة أن يكون قد مسخ # وكان إذا أصابتهم ريح أو برق أو غلاء طعام قال هذا من أجلي يصيبهم لو مات ~~عطاء لاستراح الناس # وقال عطاء خرجنا مع عتبة الغلام وفينا كهول وشبان يصلون صلاة الفجر بطهور ~~العشاء قد تورمت أقدامهم من طول القيام وغارت أعينهم في رءوسهم ولصقت ~~جلودهم على عظامهم وبقيت العروق كأنها الأوتار يصبحون كأن جلودهم قشور ~~البطيخ وكأنهم قد خرجوا من القبور يخبرون كيف أكرم الله المطيعين وكيف أهان ~~العاصين فبينما هم يمشون إذ مر أحد بمكان فخر مغشيا عليه فجلس أصحابه حوله ~~يبكون في يوم شديد البرد وجبينه يرشح عرقا فجاءوا بماء فمسحوا وجهه فأفاق ~~وسألوه عن أمره فقال إني ذكرت أني كنت عصيت الله في ذلك المكان # وقال صالح المري قرأت على رجل من المتعبدين ms2161 {يوم تقلب وجوههم في النار ~~يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} فصعق ثم أفاق فقال زدني يا ~~صالح فإني أجد غما فقرأت {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} فخر ~~ميتا # وروى أن زرارة بن أبي أوفى صلى بالناس الغداة فلما قرأ {فإذا نقر في ~~الناقور} خر مغشيا عليه فحمل ميتا # ودخل يزيد الرقاشي على عمر بن عبد العزيز فقال عظني يا يزيد فقال يا أمير ~~المؤمنين اعلم أنك لست أول خليفة يموت فبكى ثم قال زدني قال يا أمير ~~المومنين ليس بينك وبين آدم أب إلا ميت فبكى ثم قال زدني يا يزيد فقال يا ~~أمير المؤمنين ليس بينك وبين الجنة والنار منزل فخر مغشيا عليه # وقال ميمون بن مهران لما نزلت هذه الآية {وإن جهنم لموعدهم أجمعين} صاح ~~سلمان الفارسي ووضع يده على رأسه وخرج هاربا ثلاثة أيام لا يقدرون عليه (1) # ورأى داود الطائي امرأة تبكي على رأس قبر ولدها وهي تقول يا ابناه ليت ~~شعري أي خديك بدأ به الدود أولا فصعق داود وسقط مكانه # وقيل مرض سفيان الثوري فعرض دليله على طبيب ذمي فقال هذا رجل قطع الخوف ~~كبده ثم جاء وجس عروقه ثم قال ما علمت أن في الملة الحنيفية مثله # وقال أحمد بن حنبل رحمة الله عليه سألت الله عز وجل إن يفتح علي بابا من ~~الخوف ففتح فخفت على عقلي فقلت يا رب على قدر ما أطيق فسكن قلبي # وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فوالذي نفسي ~~بيده لو يعلم العلم أحدكم لصرخ حتى ينقطع صوته وصلى حتى ينكسر صلبه وكأنه ~~أشار إلى معنى قوله صلى الله عليه وسلم لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ~~ولبكيتم كثيرا (2) # وقال العنبري اجتمع أصحاب الحديث على باب الفضيل بن عياض فاطلع عليهم من ~~كوة وهو يبكي ولحيته ترجف فقال عليكم بالقرآن عليكم بالصلاة ويحكم ليس هذا ~~زمان حديث إنما هذا زمان بكاء وتضرع واستكانة ودعاء كدعاء الغريق إنما هذا ms2162 ~~زمان احفظ لسانك وأخف مكانك وعالج قلبك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر ~~PageV04P186 # ورؤي الفضيل يوما وهو يمشي فقيل له إلى أين قال لا أدري وكان يمشي والها ~~من الخوف # وقال ذر بن عمر لأبيه عمر بن ذر ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد ~~فإذا تكلمت أنت سمعت البكاء من كل جانب فقال يا بني ليست النائحة الثكلى ~~كالنائحة المستأجرة # وحكى أن قوما وقفوا بعابد وهو يبكي فقالوا ما الذي يبكيك يرحمك الله قال ~~فرحة يجدها الخائفون في قلوبهم قالوا وما هي قال روعة النداء بالعرض على ~~الله عز وجل # وكان الخواص يبكي ويقول في مناجاته قد كبرت وضعف جسمي عن خدمتك فأعتقني # وقال صالح المري قدم علينا ابن السماك مرة فقال أرني شيئا من بعض عجائب ~~عبادكم فذهبت به إلى رجل في بعض الأحياء في خص له فاستأذنا عليه فإذا رجل ~~يعمل خوصا فقرأت عليه {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم ~~في النار يسجرون} فشهق الرجل شهقة وخر مغشيا عليه فخرجنا من عنده وتركناه ~~على حاله وذهبنا إلى آخر فدخلنا عليه فقرأت هذه الآية فشهق شهقة وخر مغشيا ~~عليه فذهبنا واستأذنا على ثالث فقال ادخلوا إن لم تشغلونا عن ربنا فقرأت ~~{ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد} فشهق شهقة فبدا الدم من منخريه وجعل يتشحط ~~في دمه حتى يبس فتركناه على حاله وخرجنا فأدرته على ستة أنفس كل نخرج من ~~عنده ونتركه مغشيا عليه ثم أتيت به إلى السابع فاستأذنا فإذا امرأة من داخل ~~الخص تقول ادخلوا فدخلنا فإذا شيخ فان جالس في مصلاه فسلمنا عليه فلم يشعر ~~بسلامنا فقلت بصوت عال ألا إن للخلق غدا مقاما فقال الشيخ بين يدي من ويحك ~~ثم بقي مبهوتا فاتحا فاه شاخصا بصره يصيح بصوت له ضعيف أوه أوه حتى انقطع ~~ذلك الصوت فقالت امرأته اخرجوا فإنكم لا تنتفعون به الساعة فلما كان بعد ~~ذلك سالت عن القوم فإذا ثلاثة قد أفاقوا وثلاثة قد لحقوا بالله تعالى # وأما ms2163 الشيخ فإنه مكث ثلاثة أيام على حالته مبهوتا متحيرا لا يؤدي فرضنا ~~فلم كان بعد ثلاث عقل # وكان يزيد بن الأسود يرى أنه من الأبدال وكان قد حلف أن لا يضحك أبدا ولا ~~ينام مضطجعا ولا يأكل سمنا أبدا فما رؤي ضاحكا ولا مضطجعا ولا أكل سمنا حتى ~~مات رحمه الله # وقال الحجاج لسعيد بن جبير بلغني أنك لم تضحك قط فقال # كيف أضحك وجهنم قد سعرت والأغلال قد نصبت والزبانية قد أعدت # وقال رجل يا أبا سعيد كيف أصبحت قال بخير قال كيف حالك فتبسم الحسن وقال ~~تسألني عن حالي ما ظنك بناس ركبوا سفينة حتى توسطوا البحر فانكسرت سفينتهم ~~فتعلق كل إنسان منهم بخشبة على أي حال يكون قال الرجل على حال شديدة # قال الحسن حالي أشد من حالهم # ودخلت مولاة لعمر بن عبد العزيز عليه فسلمت عليه ثم قامت إلى مسجد في ~~بيته فصلت فيه ركعتين وغلبتها عيناها فرقدت فاستبكت في منامها ثم انتبهت ~~فقالت يا أمير المؤمنين إني والله رأيت عجبا قال وما ذلك قالت رأيت النار ~~وهي تزفر على أهلها ثم جئ بالصراط ووضع على متنها فقال هيه قالت فجئ بعبد ~~الملك بن مروان فحمل عليه فما مضى عليه إلا يسير حتى انكفأ به الصراط فهوى ~~إلى جهنم فقال عمر هيه قالت ثم جئ بالوليد بن عبد الملك فحمل عليه فما مضى ~~عليه إلا يسيرا حتى انكفأ به الصراط فهوى إلى جهنم فقال عمر هيه قالت ثم جئ ~~بسليمان بن عبد الملك فما مضى عليه إلا يسيرا حتى انكفأ به الصراط فهوى ~~كذلك فقال عمر هيه قالت ثم جئ بك والله يا أمير المؤمنين فصاح عمر رحمه ~~الله عليه صيحة خر مغشيا عليه PageV04P187 # فقامت إليه فجعلت تنادي في أذنه يا أمير المؤمنين إني رأيتك والله قد ~~نجوت إني رأيتك والله قد نجوت قال وهي تنادي وهو يصيح ويفحص برجليه # ويحكى أن أويسا القرني رحمه الله كان يحضر عند القاص فيبكي من كلامه فإذا ~~ذكر النار ms2164 صرخ أويس ثم يقوم منطلقا فيتبعه الناس فيقولون مجنون مجنون # وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه إن المؤمن لا يسكن روعه حتى يترك جسر جهنم ~~وراءه # وكان طاوس يفرش له الفرش فيضطجع ويتقلى كما تتقلى الحبة في المقلى ثم يثب ~~فيدرجه ويستقبل القبلة حتى الصباح ويقول طير ذكر جهنم نوم الخائفين # وقال الحسن البصري رحمه الله يخرج من النار رجل بعد ألف عام يا ليتني كنت ~~ذلك الرجل وإنما قال ذلك لخوفه من الخلود وسوء الخاتمة # وروي أنه ما ضحك أربعين سنة قال وكنت إذا رأيته قاعدا كأنه أسير قد قدم ~~لتضرب عنقه وإذا تكلم كأنه يعاين الآخرة فيخبر عن مشاهدتها فإذا سكت كأن ~~النار تسعر بين عينيه # وعوتب في شدة حزنه وخوفه فقال ما يؤمنني أن يكون الله تعالى قد اطلع في ~~على بعض ما يكره فمقتني فقال اذهب فلا غفرت لك فأنا أعمل في غير معتمل # وعن ابن السماك قال وعظت يوما في مجلس فقام شاب من القوم فقال يا أبا ~~العباس لقد وعظت اليوم بكلمة ما كنا نبالي أن لا نسمع غيرها # قلت وما هي رحمك الله قال قولك لقد قطع قلوب الخائفين طول الخلو دين إما ~~في الجنة أو في النار # ثم غاب عني ففقدته في المجلس الآخر فلم أره فسألت عنه فأخبرت أنه مريض ~~يعاد فأتيته أعوده فقلت يا أخي ما الذي أرى بك فقال يا أبا العباس ذلك من ~~قولك لقد قطع قلوب الخائفين طول الخلو دين إما في الجنة أو في النار # قال ثم مات رحمه الله فرأيته في المنام فقلت يا أخي ما فعل الله بك قال ~~غفر لي ورحمني وأدخلني الجنة # قلت بماذا قال بالكلمة # فهذه مخاوف الأنبياء والأولياء والعلماء والصالحين ونحن أجدر بالخوف منهم ~~لكن ليس الخوف بكثرة الذنوب بل بصفاء القلوب وكمال المعرفة وإلا فليس أمننا ~~لقلة ذنوبنا وكثرة طاعاتنا بل قادتنا شهوتنا وغلبت علينا شقوتنا وصدتنا عن ~~ملاحظة أحوالنا غفلتنا وقسوتنا فلا قرب الرحيل ينبهنا ولا كثرة ms2165 الذنوب ~~تحركنا ولا مشاهدة أحوال الخائفين تخوفنا ولا خطر الخاتمة يزعجنا فنسأل ~~الله تعالى أن يتدارك بفضله وجوده أحوالنا فيصلحنا إن كان تحريك اللسان ~~بمجرد السؤال دون الاستعداد ينفعنا # ومن العجائب أنا إذا أردنا المال في الدنيا زرعنا وغرسنا واتجرنا وركبنا ~~البحار والبراري وخاطرنا # وإن أردنا طلب رتبة العلم فقهنا وتعبنا في حفظه وتكراره وشهرنا ونجتهد في ~~طلب أرزاقنا ولا نثق بضمان الله لنا ولا نجلس في بيوتنا فنقول اللهم ارزقنا ~~ثم إذا طمعت أعيننا نحو الملك الدائم المقيم قنعنا بأن نقول بألسنتنا اللهم ~~اغفر لنا وارحمنا والذي إليه رجاؤنا وبه اعتزازنا ينادينا ويقول {وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى} {ولا يغرنكم بالله الغرور} يا أيها الإنسان ما عزك ~~بربك الكريم ثم كل ذلك لا ينبهنا ولا يخرجنا عن أودية غرورنا وأمانينا فما ~~هذه إلا محنة هائلة إن لم يتفضل الله علينا بتوبة نصوح يتداركنا بها ~~ويجيرنا فنسأل الله تعالى أن يتوب علينا بل نسأله أن يشوق إلى التوبة سرائر ~~قلوبنا وأن لا يجعل حركة اللسان بسؤال التوبة غاية حظنا فنكون ممن يقول ولا ~~يعمل ويسمع ولا يقبل إذا سمعنا الوعظ بكينا وإذا جاء وقت العمل بما سمعناه ~~عصينا علامة للخذلان أعظم من هذا فنسأل الله تعالى أن يمن علينا بالتوفيق ~~والرشد بمنه وفضله PageV04P188 # ولنقتصر من حكاية أحوال الخائفين على ما أوردناه فإن القليل من هذا يصادف ~~القلب القابل فيكفي والكثير منه وإن أفيض على القلب الغافل فلا يغني # ولقد صدق الراهب الذي حكى عنه عيسى بن مالك الخولاني وكان من خيار العباد ~~أنه رآه على باب بيت المقدس واقفا كهيئة المحزون من شدة الوله ما يكاد يرقأ ~~دمعه من كثرة البكاء فقال عيسى لما رأيته هالني منظره فقلت أيها الراهب ~~أوصني بوصية أحفظها عنك فقال يا أخي بماذا أوصيك إن استطعت أن تكون بمنزلة ~~رجل قد احتوشته السباع والهوام فهو خائف حذر يخاف أن يغفل فتفترسه السباع ~~أو يسهو فتنهشه الهوام فهو مذعور القلب وجل فهو في المخالفة ليله ms2166 وإن أمن ~~المغترون وفي الحزن نهاره وإن فرح الباطلون ثم ولى وتركني فقلت لو زدتني ~~شيئا عسى أن ينفعني فقال الظمآن يجزيه من الماء أيسره وقد صدق فإن القلب ~~الصافي يحركه أدنى مخافة والقلب الجامد تنبو عنه كل المواعظ وما ذكره من ~~تقديره أنه احتوشته السباع والهوام فلا ينبغي أن يظن أنه تقدير بل هو تحقيق ~~فإنك لو شاهدت بنور البصيرة باطنك لرأيته مشحونا بأصناف السباع وأنواع ~~الهوام مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء وغيرها وهي ~~التي لا تزال تفترسك وتنهشك إن غفلت عنها لحظة إلا أنك محجوب العين عن ~~مشاهدتها فإذا انكشف الغطاء ووضعت في قبرك عاينتها وقد تمثلت لك بصورها ~~وأشكالها الموافقة لمعانيها فترى بعينك العقارب والحيات وقد أحدقت بك في ~~قبرك وإنما هي صفاتك الحاضرة الآن قد انكشفت لك صورها فإن أردت أن تقتلها ~~وتقهرها وأنت قادر عليها قبل الموت فافعل وإلا فوطن نفسك على لدغها ونهشها ~~لصميم قلبك فضلا عن ظاهر بشرتك والسلام ### || كتاب الفقر والزهد وهو الكتاب رابع من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي تسبح له الرمال وتسجد له الظلال وتتدكدك من هيبته الجبال ~~خلق الإنسان من الطين اللازب والصلصال وزين صورته بأحسن تقويم وأتم اعتدال ~~وعصم قلبه بنور الهداية عن ورطات الضلال وأذن له في قرع باب الخدمة بالغدو ~~والآصال ثم كحل بصيرة المخلص في خدمته بنور العبرة حتى لاحظ بضيائه حضرة ~~الجلال فلاح له من بالبهجة والبهاء والكمال ما استقبح دون مبادئ إشراقه كل ~~حسن وجمال واستثقل كل ما صرفه عن مشاهدته وملازمته غاية الاستثقال وتمثل له ~~ظاهر الدنيا في صورة امرأة جملية تميس وتحتال وانكشف له باطنها عن جور ~~شوهاء عجنت من طينة الخزي وضربت في قالب النكال وهي متلفلفة بجلبابها لتخفي ~~قبائح أسرارها بلطائف السحر والاحتيال وقد نصبت حبائلها في مدارج الرجال ~~فهي تقتنصهم بضروب المكر والاغتيال ثم لا تجتزئ معهم بالخلف في مواعيد ~~الوصال بل تقيدهم مع قطع الوصال ms2167 بالسلاسل والأغلال وتبليهم بأنواع البلايا ~~والأنكال فلما انكشف للعارفين منا قبائح الأسرار والأفعال زهدوا فيها زهد ~~المبغض لها فتركوها وتركوا التفاخر والتكاثر بالأموال وأقبلوا بكنه همهم ~~على حضرة الجلال واثقين منها بوصال ليس دونه انفصال ومشاهدة أبدية لا ~~يعتريها فناء ولا زوال والصلاة والسلام على محمد سيد الأنبياء وعلى آله خير ~~آل PageV04P189 # أما بعد فإن الدنيا عدوة لله عز وجل بغرورها ضل من ضل وبمكرها زل من زل ~~فحبها رأس الخطايا والسيئات وبغضها أم الطاعات رأس القربات # وقد استقصينا ما يتعلق بوصفها وذم الحب لها في كتاب ذم الدنيا من ربع ~~المهلكات ونحن الآن نذكر فضل البغض لها والزهد فيها فإنه رأس المنجيات فلا ~~مطمع في النجاة إلا بالانقطاع عن الدنيا والبعد منها لكن مقاطعتها إما أن ~~تكون بانزوائها عن العبد ويسمى ذلك فقرا وإما بانزواء العبد عنها ويسمى ذلك ~~زهدا ولكل واحد منهما درجة في نيل السعادات وحظ في الإعانة على الفوز ~~والنجاة ونحن الآن نذكر حقيقة الفقر والزهد ودرجاتهما وأقسامهما وشروطهما ~~وأحكامهما ونذكر الفقر في شطر من الكتاب والزهد في شطر آخر منه ونبدأ بذكر ~~الفقر فنقول ### ||| الشطر الأول من الكتاب في الفقر # وفيه بيان حقيقة الفقر وبين فضيلة الفقر مطلقا وبيان خصوص فضيلة الفقراء ~~وبيان فضيلة الفقير على الغنى وبيان أدب الفقير في فقره وبيان أدبه في ~~قبوله العطاء وبيان تحريم السؤال بغير ضرورة وبيان مقدار الغنى المحرم ~~للسؤال وبيان أحوال السائلين والله الموفق بلطفه وكرمه ### |||| بيان حقيقة الفقر واختلاف أحوال الفقير وأساميه # اعلم أن الفقر عبارة عن فقد ما هو محتاج إليه أما فقد ما لا حاجة إليه ~~فلا يسمى فقرا # وإن كان المحتاج إليه موجودا مقدورا عليه لم يكن المحتاج فقيرا وإذا فهمت ~~هذا لم تشك في أن كل موجود سوى الله تعالى فهو فقير لأنه محتاج إلى دوام ~~الوجود في ثاني الحال ودوام وجود مستفاد من فضل الله تعالى وجوده فإن كان ~~في الوجود موجود ليس وجوده مستفاد له من غير فهو الغني المطلق ms2168 ولا يتصور أن ~~يكون مثل هذا الموجود إلا واحدا فليس في الوجود إلا غني واحد وكل من عداه ~~فإنهم محتاجون إليه ليمدوا وجودهم بالدوام وإلى هذا الحصر الإشارة بقوله ~~تعالى {والله الغني وأنتم الفقراء} هذا معنى الفقر مطلقا ولكنا لسنا نقصد ~~بيان الفقر المطلق بل الفقر من المال على الخصوص وإلا ففقر العبد بالإضافة ~~إلى أصناف حاجاته لا ينحصر لأن حاجاته لا حصر لها # ومن جملة حاجاته ما يتوصل إليه بالمال وهو الذي نريد الآن بيانه فقط ~~فنقول كل فاقد للمال فإنا نسميه فقيرا بالإضافة إلى المال الذي فقده إذا ~~كان ذلك المفقود محتاجا إليه في حقه ثم يتصور أن يكون له خمسة أحوال عن ~~الفقر ونحن نميزها ونخصص كل حال باسم لنتوصل بالتمييز إلى ذكر أحكامها # الحالة الأولى وهي العليا أن يكون بحيث لو أتاه المال لكرهه وتأذى به ~~وهرب من أخذه مبغضا له ومحترزا من شره وشغله وهو الزهد واسم صاحبه الزاهد # الثانية أن يكون بحيث لا يرغب فيه رغبة يفرح لحصوله ولا يكرهه كراهة ~~يتأذى بها ويزهد فيه لو أتاه وصاحب هذه الحالة يسمى راضيا # الثالثة أن يكون وجود المال أحب إليه من عدمه لرغبة له فيه ولكن لم يبلغ ~~من رغبته أن ينهض لطلبه بل إن أتاه صفوا عفوا أخذه وفرح به وإن افتقر إلى ~~تعب في طلبه لم يشتغل به وصاحب هذه الحالة نسميه قانعا إذ قنع نفسه ~~بالموجود حتى ترك الطلب مع ما فيه من الرغبة الضعيفة # الرابعة أن يكون تركه الطلب لعجزه وإلا فهو راغب فيه رغبة لو وجد سبيلا ~~إلى طلبه ولو بالتعب لطلبه أو هو مشغول بالطلب وصاحب هذه الحالة نسميه ~~بالحريص PageV04P190 # الخامسة أن يكون ما فقده من المال مضطرا إليه كالجائع الفاقد للخبز ~~والعاري الفاقد للثوب ويسمى صاحب هذه الحالة مضطرا كيفما كانت رغبته في ~~الطلب إما ضعيفة وإما قوية وقلما تنفك هذه الحالة عن الرغبة فهذه خمسة ~~أحوال أعلاها الزهد والاضطرار إن انضم إليه الزهد وتصور ذلك فهو أقصى ms2169 درجات ~~الزهد كما سيأتي بيانه ووراء هذه الأحوال الخمسة حالة هي أعلى من الزهد وهي ~~أن يستوي عنده وجود المال وفقده فإن وجده لم يفرح به ولم يتأذ وإن فقده ~~فكذلك بل حاله كما كان حال عائشة رضي الله تعالى عنها إذا أتاها مائة ألف ~~درهم من العطاء فأخذتها وفرقتها من يومها فقالت خادمتها ما استطعت فيما ~~فرقت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحما نفطر عليه فقالت لو ذكرتيني لفعلت فمن ~~هذا حاله لو كانت الدنيا بحذافيرها في يده وخزائنه لم تضره إذ هو يرى ~~الأموال في خزانة الله تعالى لا في يد نفسه فلا يفرق بين أن تكون في يده أو ~~في يده غيره وينبغي أن يسمى صاحب هذه الحالة المستغني لأنه غني عن فقد ~~المال ووجوده جميعا وليفهم من هذا الاسم معنى يفارق اسم الغني المطلق على ~~الله تعالى وعلى كل من كثر ماله من العباد فإن من كثر ماله من العباد وهو ~~يفرح به فهو فقير إلى بقاء المال في يده وإنما هو هو غني عن دخول المال في ~~يده لا عن بقائه فهو إذن فقير من وجه وأما هذا الشخص فهو غني عن دخول المال ~~في يده وعن بقائه في يده وعن خروجه من يده أيضا فإنه ليس يتأذن به ليحتاج ~~إلى إخراجه وليس يفرح به ليحتاج إلى بقائه # وليس فاقد له ليحتاج إلى الدخول في يديه فغناه إلى العموم أميل فهو إلى ~~الغنى الذي هو وصف الله تعالى أقرب وإنما قرب العبد من الله تعالى بقرب ~~الصفات لا بقرب المكان ولكنا لا نسمي صاحب هذه الحالة غنيا بل مستغنيا ~~ليبقى الغني اسما لمن له الغنى المطلق عن كل شيء # وأما هذا العبد فإن استغنى عن المال وجودا أو عدما فلم يستغن عن أشياء ~~أخر سواء ولم يستغن عن مدد توفيق الله له ليبقى استغناؤه والذي زين الله به ~~قلبه فإن القلب المقيد بحب المال رقيق والمستغني عنه حر والله تعالى هو ~~الذي من هذا الرق ms2170 فهو محتاج إلى داوم هذا العتق والقلوب متعلقة بين الرق ~~والحربة في أوقات متقاربة لأنها بين إصبعين من أصابع الرحمن فلذلك لم يكن ~~اسم الغني مطلقا عليه مع هذا الكمال إلا مجازا # واعلم أن الزهد درجة هي كمال الأبرار وصاحب هذه الحالة من المقربين فلا ~~جرم صار الزهد في حقه نقصانا إذ حسنات الأبرار سيئات المقربين وهذا لأن ~~الكاره للدنيا مشغول بالدنيا كما أن الراغب فيها مشغول بها والشغل بما سوى ~~الله تعالى حجاب عن الله تعالى إذ لا بعد بينك وبين الله تعالى حتى يكون ~~البعد حجابا فإنه أقرب إليك من حبل الوريد وليس هو في مكان حتى تكون ~~السماوات والأرض حجابا بينك وبينه فلا حجاب بينك وبينه إلا شغلك بغيره ~~وشغلك نفسك وشهواتك شغل بغيره وأنت لا تزال مشغولا بنفسك وبشهوات نفسك ~~فكذلك لا تزال محجوبا عنه فالمشغول بحب نفسه مشغول عن الله تعالى والمشغول ~~ببغض نفسه أيضا مشغول عن الله تعالى بكل ما سوى الله مثاله مثال الرقيب ~~الحاضر في مجلس يجمع العاشق والمعشوق فإن التفت قلب العاشق إلى الرقيب وإلى ~~بغضه واستثقاله وكراهة حضوره فهو في حال اشتغال قلبه ببغضه مصروف عن التلذذ ~~بمشاهدة معشوقه ولو استغرقه العشق لغفل عن غير المعشوق ولم يلتفت إليه فكما ~~أن النظر إلى غير المعشوق لحبه عند حضور المعشوق شرك في العشق ونقص فيه ~~فكذا النظر إلى غير المحبوب لبغضه شرك فيه ونقص ولكن أحدهما أخف من الآخر ~~بل الكمال في أن لا يلتفت القلب إلى غير المحبوب بغضا وحبا فإنه كما لا ~~يجتمع في القلب حبان PageV04P191 # كرم الله وجهه الله جل ذكره في حالة واحدة فلا يجتمع أيضا بغض وحب في ~~حالة واحدة فالمشغول ببغض الدنيا غافل عن الله كالمشغول بحبها إلا أن ~~المشغول بحبها غافل وهو في غفلته سالك في طريق البعد والمشغول ببغضها غافل ~~وهو في غفلته سالك في طريق القرب إذ يرجى له أن ينتهي حاله إلى أن تزول هذه ~~الغفلة وتتبدل بالشهود فالكمال مرتقب لأن ms2171 بغض الدنيا مطية توصل إلى الله ~~فالمحب والمبغض كرجلين في طريق الحج مشغولين بركوب الناقة علفها وتسييرها ~~ولكن أحدهما مستقبل الكعبة والآخر مستدبر لها فهما سيان بالإضافة إلى الحال ~~في أن كل واحد منهما محجوب عن الكعبة ومشغول عنها ولكن حال المستقبل محمود ~~بالإضافة إلى المستدبر إذ يرجى له الوصول إليها وليس محمودا بالإضافة إلى ~~المعتكف في الكعبة الملازم لها الذي لا يخرج منها حتى يفتقر إلى الاشتغال ~~بالدابة في الوصول إليها فلا ينبغي أن تظن أن بغض الدنيا مقصود في عينه بل ~~الدنيا عائق عن الله تعالى ولا وصول إليه إلا بدفع العائق ولذلك قال أبو ~~سليمان الداراني رحمه الله من زهد في الدنيا واقتصر عليه فقد استعجل الراحة ~~بل ينبغي أن يشتغل بالآخرة فبين أن سلوك طريق الآخرة وراء الزهد كما أن ~~سلوك طريق الحج وراء دفع الغريم العائق عن الحج فإذن قد ظهر أن الزهد في ~~الدنيا إن أريد به عدم الرغبة في وجودها وعدمها فهو غاية الكمال وإن أريد ~~به الرغبة في عدمها فهو كمال بالإضافة إلى درجة الراضي والقانع والحريص ~~ونقصان بالإضافة إلى درجة المستغني بل الكمال في حق المال أن يستوي عندك ~~المال والماء وكثرة الماء في جوارك لا تؤذيك بأن تكون على شاطئ البحر ولا ~~قلته تؤذيك إلا في قدر الضرورة مع أن المال محتاج إليه كما أن الماء محتاج ~~إليه فلا يكون قلبك مشغولا بالفرار عن جوار الماء الكثير ولا ببغض الماء ~~الكثير بل تقول أشرب منه بقدر الحاجة وأسقي منه عباد الله بقدر الحاجة ولا ~~أبخل به على أحد فهكذا ينبغي أن يكون المال لأن الخبز والماء واحد في ~~الحاجة وإنما الفرق بينهما في قلة أحدهما وكثرة الآخر وإذا عرفت الله تعالى ~~ووثقت بتدبيره الذي دبر به العالم علمت أن قدر حاجتك من الخبز يأتيك لا ~~محالة ما دمت حيا كما يأتيك قدر حاجتك من الماء على ما سيأتي بيانه في كتاب ~~التوكل إن شاء الله تعالى # قال أحمد بن أبي ms2172 الحواري قلت لأبي سليمان الداراني قال مالك بن دينار ~~للمغيرة اذهب إلى البيت فخذ الركوة التي أهديتها لي فإن العدو يوسوس لي أن ~~اللص قد أخذها قال أبو سليمان هذا من ضعف قلوب الصوفية قد زاده في الدنيا ~~ما غلبه من أخذها فبين أن كراهية كون الركوة في بيته التفات إليها سببه ~~الضعف والنقصان # فإن قلت فما بال الأنبياء والأولياء هربوا من المال ونفروا منه كل النفار ~~فأقول كما هربوا من الماء على معنى أنهم ما شربوا أكثر من حاجتهم ففروا عما ~~وراءه ولم يجمعوه في القرب والروايا يدبرونه مع أنفسهم بل تركوه في الأنهار ~~والآبار والبراري للمحتاجين إليه لا أنهم كانت قلوبهم مشغولة بحبه أبو بغضه ~~وقد حملت خزائن الأرض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبي بكر وعمر ~~رضي الله عنهما فأخذوها ووضعوها في مواضعا وما هربوا منها (1) # إذ كان يستوي عندهم المال والماء والذهب والحجر وما نقل عنهم من امتناع ~~فإما أن ينقل عمن خاف PageV04P192 # أن لو أخذه أن يخدعه المال ويقيد قلبه فيدعوه إلى الشهوات وهذا حال ~~الضعفاء فلا جرم البغض للمال والهرب منه في حقهم كمال وهذا حكم جميع الخلق ~~لأن كلهم ضعفاء إلا الأنبياء والأولياء وإما أن ينقل عن قوي بلغ الكمال ~~ولكن أظهر الفرار والنفارنزولا إلى درجة الضعفاء ليقتدوا به في الترك إذ لو ~~اقتدوا به في الأخذ لهلكوا كما يفر الرجل المعزم بين يدي أولاده من الحية ~~لا لضعفه عن أخذها ولكن لعلمه أنه لو أخذها أخذها أولاده إذا رأوها فيهلكون ~~والسير بسير الضعفاء ضرورة الأنبياء والأولياء والعلماء فقد عرفت إذن أن ~~المراتب ست وأعلاها رتبة المستغني ثم الزاهد ثم الراضي ثم القانع ثم الحريص ~~وأما المضطر فيتصور في حقه أيضا الزهد والرضا والقناعة ودرجة تختلف بحسب ~~اختلاف هذه الأحوال واسم الفقير يطلق على هذه الخمسة أما تسمية المستغني ~~فقيرا فلا وجه لها بهذا المعنى بل إن سمي فقيرا فبمعنى آخر وهو معرفته ~~بكونه محتاجا إلى الله تعالى في جميع ms2173 أموره عامة وفي بقاء استغنائه عن ~~المال خاصة فيكون اسم الفقير له كاسم العبد لمن عرف نفسه بالعبودية وأقر ~~بها فإنه أحق باسم العبد من الغافلين وإن كان اسم العبد عاما للخلق فكذلك ~~اسم الفقير عام ومن عرف نفسه بالفقر إلى الله تعالى فهو أحق باسم الفقير ~~فاسم الفقير مشترك بين هذين المعنيين وإذا عرفت هذا الاشتراك فهمت أن قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أعوذ بك من الفقر (1) وقوله عليه السلام كاد ~~الفقر أن يكون كفرا (2) لا يناقض قوله أحيني مسكينا وأمتني مسكينا (3) إذ ~~فقر المضطر هو الذي استعاذ منه والفقر الذي هو الاعتراف بالمسكنة والذلة ~~والافتقار إلى الله تعالى هو الذي سأله في دعائه صلى الله عليه وسلم وعلى ~~كل عبد مصطفى من أهل الأرض والسماء ### |||| بيان فضيلة الفقر مطلقا # أما من الآيات فيدل عليه قوله تعالى {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم وأموالهم} الآية وقال تعالى {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا ~~يستطيعون ضربا في الأرض} ساق الكلام في معرض المدح ثم قدم وصفهم بالفقر على ~~وصفهم بالهجرة والإحصار وفيه دلالة ظاهرة على مدح الفقر # وأما الأخبار في مدح الفقر فأكثر من أن تحصى روى عبد الله بن عمر رضي ~~الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أي الناس خير ~~فقالوا موسر من المال يعطي حق الله من نفسه وماله فقال نعم الرجل هذا وليس ~~به قالوا فمن خير الناس يا رسول الله قال فقير يعطي جهده (4) وقال صلى الله ~~عليه وسلم لبلال الق الله فقيرا ولا تلقه غنيا (5) وقال صلى الله عليه وسلم ~~إن الله يحب الفقير المتعفف أبا العيال (6) وفي الخبر المشهور يدخل فقراء ~~أمتي الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام (7) وفي حديث آخر PageV04P193 # بأربعين خريفا (1) أي أربعين سنة فيكون المراد به تقدير تقدم الفقير ~~الحريص على الغني الحريص والتقدير بخمسمائة عام تقدير تقدم الفقير الزاهد ~~على الغني الراغب وما ذكرناه من اختلاف درجات الفقر يعرفك بالضرورة تفاوتا ~~بين الفقراء ms2174 في درجاتهم وكأن الفقير الحريص على درجة من خمسوعشرين درجة من ~~الفقير الزاهد إذ هذه نسبة الأربعين إلى خمسمائة ولا تظنن أن تقدير رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يجري على لسانه جزافا وبالاتفاق بل لا يستنطق صلى ~~الله عليه وسلم إلا بحقيقة الحق فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ~~وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءامن ~~النبوة (2) فإنه تقدير تحقيق لا محالة لكن ليس في قوة غيره أن يعرف علة تلك ~~النسبة إلا بتخمين فأما بالتحقيق فلا إذ يعلم أن النبوة عبارة عما يختص به ~~النبي ويفارق به غيره وهو يختص بأنواع من الخواص أحدها أن يعرف حقائق ~~الأمور المتعلقة بالله وصفاته والملائكة والدار الآخرة لا كما يعلمه غيره ~~بل مخالفا له بكثرة المعلومات وبزيادة اليقين والتحقيق والكشف # والثاني أن له في نفسه صفة بها تتم له الأفعال الخارقة للعادات كما أن ~~لنا صفة بها تتم الحركات المقرونة بإرادتنا وباختيارنا وهي القدرة وإن كانت ~~القدرة والمقدور جميعا من فعل الله تعالى # والثالث أن له صفة بها يبصر الملائكة ويشاهدهم كما أن للبصر صفة بها ~~يفارق الأعمى حتى يدرك بها المبصرات # والرابع أن له صفة بها يدرك ما سيكون في الغيب إما في اليقظة أو في ~~المنام إذ بها يطالع اللوح المحفوظ فيرى ما فيه من الغيب فهذه كمالات وصفات ~~يعلم ثبوتها للأنبياء وبعلم انقسام كل واحد منها إلى أقسام وربما يمكننا أن ~~نقسمها إلى أربعين وإلى خمسين وإلى ستين ويمكننا أيضا أن نتكلف تقسيمها إلى ~~ستة وأربعين بحيث تقع الرؤيا الصحيحة جزءا واحدا من جملتها ولكن تعيين طريق ~~واحد من طرق التقسيمات الممكنة لا يمكن إلا بظن وتخمين فلا ندري تحقيقا أنه ~~الذي أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا وإنما المعلوم مجامع الصفات ~~التي بها تتم النبوة وأصل انقسامها وذلك لا يرشدنا إلى معرفة علة التقدير ~~فكذلك نعلم أن الفقراء لهم درجات كما سبق فأما لم ms2175 كان هذا الفقير الحريص ~~مثلا على نصف سدس درجة الفقير الزاهد حتى لم يبق له التقدم بأكثر من أربعين ~~سنة إلى الجنة واقتضى ذلك التقدم بخمسمائة عام فليس في قوة البشر غير ~~الأنبياء الوقوف على ذلك إلا بنوع من التخمين ولا وثوق به والغرض التنبيه ~~على منهاج التقدير في أمثال هذه الأمور فإن الضعيف الإيمان قد يظن أن ذلك ~~يجري من رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الاتفاق وحاشا منصب النبوة ~~عن ذلك ولنرجع إلى نقل الأخبار فقد قال صلى الله عليه وسلم أيضا خير هذه ~~الأمة فقراؤها وأسرعها تضجعا في الجنة ضعفاؤها (3) وقال صلى الله عليه وسلم ~~إن لي حرفتين اثنتين فمن أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني الفقر ~~والجهاد (4) وروي أن جبريل عليه السلام نزل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا محمد إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول أنحب أن أجعل هذه ~~الجبال ذهبا (5) PageV04P194 # وتكون معك أينما كنت فأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال يا جبريل ~~إن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له فقال ~~له جبريل يا محمد ثبتك الله بالقول الثابت # وروي أن المسيح صلى الله عليه وسلم مر في سياحته برجل نائم ملتف في عباءة ~~فأيقظه وقال يا نائم قم فاذكر الله تعالى فقال ما تريد مني إني قد تركت ~~الدنيا لأهلها فقال له قم إذن يا حبيبي # ومر موسى صلى الله عليه وسلم برجل نائم على التراب وتحت رأسه لبنة ووجهه ~~ولحيته في التراب وهو متزر بعباءة فقال يا رب عبدك هذا في الدنيا ضائع ~~فأوحى الله تعالى إليه يا موسى أما علمت أني إذا نظرت إلى عبد بوجهي كله ~~زويت عنه الدنيا كلها # وعن أبي رافع أنه قال ورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فلم يجد ~~عنده ما يصلحه فأرسلى إلى رجل من يهود خيبر وقال قل له يقول ms2176 لك محمدا سلفنى ~~أو بعني دقيقا إلى هلال رجب قال فأتيته فقال لا والله إلا برهن فأخبرت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال أما والله إني لأمين في أهل السماء أمين ~~في أهل الأرض ولو باعني أو أسلفني لأديت إليه اذهب بدرعي هذا إليه فارهنه ~~فلما خرجت نزلت هذه الآية {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ~~زهرة الحياة الدنيا} (1) الآية وهذه الآية تعزية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الدنيا وقال صلى الله عليه وسلم الفقر أزين بالمؤمن من العذار ~~الحسن على خد الفرس (2) وقال صلى الله عليه وسلم من أصبح منكم معافى في ~~جسمه آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها (3) # وقال كعب الأحبار قال الله تعالى لموسى عليه السلام يا موسى إذا رأيت ~~الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين # وقال عطاء الخراساني مر نبي من الأنبياء بساحل فإذا هو برجل يصطاد حيتانا ~~فقال بسم الله وألقى الشبكة فلم يخرج فيها شيء ثم مر بآخر فقال باسم ~~الشيطان وألقى شبكته فخرج فيها من الحيتان ما كان يتقاعس من كثرتها # فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا رب ما هذا وقد علمت أن كل ذلك بيدك ~~فقال الله تعالى للملائكة اكشفوا لعبدي عن منزلتيهما فلما رأى ما أعد الله ~~تعالى لهذا من الكرامة ولذاك من الهوان قال رضيت يا رب # وقال نبينا صلى الله عليه وسلم اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء ~~واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء وفي لفظ آخر فقلت أين ~~الأغنياء حبسهم الجد وفي حديث آخر فرأيت أكثر أهل النار النساء فقلت ما ~~شأنهن فقيل شغلهن الأحمران الذهب والزعفران (4) وقال صلى الله عليه وسلم ~~تحفة المؤمن في الدنيا الفقر (5) وفي الخبر آخر الأنبياء دخولا الجنة ~~سليمان بن داود عليهما السلام لمكان ملكه وآخر أصحابي دخولا الجنة عبد ~~الرحمن بن عوف لأجل غناه (6) وفي حديث آخر رأيته يدخل الجنة زحفا (7) ~~PageV04P195 # وقال المسيح صلى الله عليه ms2177 وسلم بشدة يدخل الغني الجنة # وفي خبر آخر عن أهل البيت رضي الله عنهم أنه صلى الله عليه وسلم قال إذا ~~أحب الله عبدا ابتلاه فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه قيل وما اقتناه قال لم ~~يترك له أهلا ولا مالا (1) # وفي الخبر إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين وإذا رأيت ~~الغني مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته (2) # وقال موسى عليه السلام يا رب من أحباؤك من خلقك حتى أحبهم لأجلك فقال كل ~~فقير فقير فيمكن أن يكون الثاني للتوكيد ويمكن أن يراد به الشديد الضر # وقال المسيح صلوات الله عليه وسلامه إني لأحب المسكنة وأبغض النعماء وكان ~~أحب الأسامي إليه صلوات الله عليه أن يقال له يا مسكين ولما قالت سادات ~~العرب وأغنياؤهم للنبي صلى الله عليه وسلم اجعل لنا يوما ولهم يوما يجيئون ~~إليك ولا نجيء ونجيء إليك ولا يجيئون بعنون بذلك الفقراء مثل بلال وسلمان ~~وصهيب وأبي ذر وخباب بن الأرت وعمار بن ياسر وأبي هريرة وأصحاب الصفة من ~~الفقراء رضي الله عنهم أجمعين أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك ~~وذلك لأنهم شكوا إليه التأذي برائحتهم وكان لباس القوم الصوف في شدة الحر ~~فإذا عرقوا فاحت الروائح من ثيابهم فاشتد ذلك على الأغنياء منهم الأقرع بن ~~حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري وعباس بن مرداس السلمي وغيرهم فأجابهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يجمعهم وإياهم مجلس واحد فنزل عليه ~~قوله تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا ~~تعد عيناك عنهم يعني الفقراء تريد زينة الحياة الدنيا يعني الأغنياء ولا ~~تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا يعني الأغنياء إلى قوله تعالى وقل الحق من ~~ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر (3) الآية # واستأذن ابن أم مكتوم على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده رجل من أشراف ~~قريش فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى عبس وتولى أن ~~جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو ms2178 يذكر فتنفعه الذكرى يعني ابن مكتوم أما ~~من استغنى فأنت له تصدى (4) يعني هذا الشريف # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يؤتى بالعبد يوم القيامة فيعتذر ~~الله تعالى إليه كما يعتذر الرجل للرجل في الدنيا فيقول وعزتي وجلالي ما ~~زويت الدنيا عنك لهوانك علي ولكن لما أعددت لك من الكرامة والفضيلة اخرج يا ~~عبدي إلى هذه الصفوف فمن أطعمك في أو كساك في يريد بذلك وجهي فخذ بيده فهو ~~لك والناس يومئذ قد ألجمهم العرق فيتخلل الصفوف وينظر من فعل ذلك به فيأخذ ~~بيده ويدخله الجنة // حديث يؤتى بالعبد يوم القيامة فيعتذر الله إليه كما ~~يعتذر الرجل إلى الرجل في الدنيا فيقول وعزتي وجلالي ما زويت عنك الدنيا ~~لهرناك على الحديث أخرجه أبو الشيخ في كتاب الثواب من حديث أنس بإسناد ضعيف ~~يقول الله عز وجل يوم القيامة أدنوا منى أحبائي فتقول الملائكة ومن أحباؤك ~~فيقول فقراء المسلمين فيدنون منه فيقول أما إني لم أزو الدنيا عنكم لهوان ~~كان بكم علي ولاكن أردت بذلك أن أضعف لكم كرامتي اليوم فتمنوا على ماشئتم ~~اليوم الحديث دون آخر الحديث وأما أول الحديث فرواه أبو نعيم في الحلية ~~وسيأتي في الحديث الذي بعده PageV04P196 # وقال عليه السلام أكثروا معرفة الفقراء واتخذوا عندهم الأيادي فإن لهم ~~دولة قالوا يا رسول الله وما دولتهم قال إذا كان يوم القيامة قيل لهم ~~انظروا من أطعمكم كسرة أو سقاكم شربة أو كساكم ثوبا فخذوا بيده ثم امضوا به ~~إلى الجنة (1) وقال صلى الله عليه وسلم دخلت الجنة فسمعت حركة أمامي فنظرت ~~فإذا بلال ونظرت في أعلاها فإذا فقراء أمتي وأولادهم ونظرت في أسفلها فإذا ~~فيه من الأغنياء والنساء قليل فقلت يا رب ما شأنهم قال أما النساء فأضربهن ~~الأحمران الذهب والحرير وأما الأغنياء فاشتغلوا بطول الحساب وتفقدت أصحابي ~~فلم أر عبد الرحمن بن عوف ثم جاءني بعد ذلك وهو يبكي فقلت ما خلفك عني قال ~~يا رسول الله والله ما وصلت إليك حتى لقيت المشيبات وظننت ms2179 أني لا أراك فقلت ~~ولم قال كنت أحاسب بمالي (2) فانظر إلى هذا وعبد الرحمن صاحب السابقة ~~العظيمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من العشرة المخصوصين بأنهم من ~~أهل الجنة (3) وهو من الأغنياء الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا من قال بالمال هكذا وهكذا (4) ومع هذا فقد استضر بالغنى إلى هذا ~~الحد # ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل فقير فلم ير له شيئا فقال لو ~~قسم نور هذا على أهل الأرض لوسعهم (5) # وقال صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بملوك أهل الجنة قالوا بلى يا رسول ~~الله قال كل ضعيف مستضعف أغبر أشعث ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله ~~لأبره (6) # وقال عمران بن حصين كانت لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة وجاه ~~فقال يا عمران إن لك عندنا منزلة وجاها فهل لك في عيادة فاطمة بنت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قلت نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقام وقمت معه ~~حتى وقف بباب فاطمة فقرع الباب وقال السلام عليكم أأدخل فقالت ادخل يا رسول ~~الله قال أنا ومن معي قالت ومن معك يا رسول الله قال عمران فقالت فاطمة ~~والذي بعثك بالحق نبيا ما علي إلا عباءة قال اصنعي بها هكذا وهكذا وأشار ~~بيده فقالت هذا جسدي قد واريته فكيف برأسي فألقى إليها ملاءة كانت عليه ~~خلقة فقال شدي على رأسك ثم أذنت له فدخل فقال PageV04P197 # السلام عليكم يا ابنتاه كيف أصبحت قالت أصبحت والله وجعة وزادني وجعا على ~~ما بي أني لست أقدر على طعام آكله فقد أضر بي الجوع فبكى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال لا تجزعي يا ابنتاه فو الله ما ذقت طعاما منذ ثلاث ~~وإني لأكرم على الله منك ولو سألت ربي لأطعمني ولكني آثرت الآخرة على ~~الدنيا ثم ضرب بيده على منكبها وقال لها أبشري فو الله إنك لسيدة نساء أهل ~~الجنة قالت فأين آسية ms2180 امرأة فرعون ومريم بنت عمران قال آسية سيدة نساء ~~عالمها ومريم سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء عالمك إنكن في بيوت من قصب ~~لا أذى فيها ولا صخب ولا نصب ثم قال لها اقنعي بابن عمك فو الله لقد زوجتك ~~سيدا في الدنيا سيدا في الآخرة (1) # وروي عن علي كرم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أبغض ~~الناس فقراءهم وأظهروا عمارة الدنيا وتكالبوا على جمع الدراهم رماهم الله ~~بأربع خصال بالقحط من الزمان والجور من السلطان والخيانة من ولاة الأحكام ~~والشوكة من الأعداء (2) # وأما الآثار فقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه ذو الدرهمين أشد حبسا أو ~~قال أشد حسابا من ذي الدرهم # وأرسل عمر رضي الله عنه إلى سعيد بن عامر بألف دينار فجاء حزينا كئيبا ~~فقالت امرأته أحدث أمر قال أشد من ذلك ثم قال أريني درعك الخلق فشقه وجعله ~~صررا وفرقه ثم قام يصلي ويبكي إلى الغداة ثم قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام حتى إن ~~الرجل من الأغنياء يدخل في غمارهم فيؤخذ بيده فيستخرج (3) # وقال أبو هريرة ثلاثة يدخلون الجنة بغير حساب رجل يريد أن يغسل ثوبه فلم ~~يكن له خلق يلبسه ورجل لم ينصب على مستوقد قدرين ورجل دعا بشرابه فلا يقال ~~له أيها تريد # وقيل جاء فقير إلى مجلس الثوري رحمه الله فقال له تخط لو كنت غنيا لما ~~قربتك وكان الأغنياء من أصحابه يودون أنهم فقراء لكثرة تقريبه للفقراء ~~وإعراضه عن الأغنياء وقال المؤمل ما رأيت الغني أذل منه في مجلس الثوري ولا ~~رأيت الفقير أعز منه في مجلس الثوري رحمه الله # وقال بعض الحكماء مسكين ابن آدم لو خاف من النار كما يخاف من الفقر لنجا ~~منهما جميعا ولو رغب في الجنة كما يرغب في الغنى لفاز بهما جميعا ولو خاف ~~الله في الباطن كما يخاف خلقه في الظاهر لسعد في الدارين جميعا # وقال ابن عباس ms2181 ملعون من أكرم بالغنى وأهان بالفقر # وقال يحيى بن معاذ حبك الفقراء من أخلاق المرسلين وإيثارك مجالستهم من ~~علامة الصالحين وفرارك من صحبتهم من علامة المنافقين # وفي الأخبار عن الكتب السالفة أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه عليهم ~~السلام احذر أن أمقتك فتسقط PageV04P198 # من عينى فأصب الدنيا عليك صبا # ولقد كانت عائشة رضي الله عنها تفرق مائة ألف درهم في يوم واحد يوجهها ~~إليها معاوية وابن عامر وغيرهما وإن درعها لمرقوع وتقول لها الجارية لو ~~اشتريت لك بدرهم لحما تفطرين عليه وكانت صائمة فقالت لو ذكرتيني لفعلت وكان ~~قد أوصاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن أردت اللحوق بي فعليك بعيش ~~الفقراء وإياك ومجالسة الأغنياء ولا تنزعي درعك حتى ترقعيه (1) # وجاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم بعشرة آلاف درهم فأبى عليه أن يقبلها فألح ~~عليه الرجل فقال له إبراهيم أتريد أن أمحو اسمي من ديوان الفقراء بعشرة ~~آلاف درهم لا أفعل ذلك أبدا رضي الله عنه ### |||| بيان فضيلة خصوص الفقراء من الراضين والقانعين والصادقين # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه ~~كفافا وقنع به (2) وقال صلى الله عليه وسلم يا معشر الفقراء أعطوا الله ~~الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا (3) فالأول القانع وهذا ~~الراضي ويكاد يشعر هذا بمفهومه أن الحريض لا ثواب له على فقره ولكن ~~العمومات الواردة في فضل الفقر تدل على أن له ثوابا كما سيأتي تحقيقه فلعل ~~المراد بعدم الرضا هو الكراهة لفعل الله في حبس الدنيا عنه ورب راغب في ~~المال لا يخطر بقلبه إنكار على الله تعالى ولا كراهة في فعله فتلك الكراهة ~~هي التي تحبط ثواب الفقر # وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~إن لكل شيء مفتاحا ومفتاح الجنة حب المساكين والفقراء لصبرهم هم جلساء الله ~~تعالى يوم القيامة (4) # وروي عن علي كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms2182 قال أحب ~~العباد إلى الله تعالى الفقير القانع برزقه الراضي عن الله تعالى (5) وقال ~~صلى الله عليه وسلم اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا (6) وقال ما من أحد غني ~~ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه كان أوتي قوتا في الدنيا (7) وأوحى الله ~~تعالى إلى إسماعيل عليه السلام اطلبني عند المنكسرة قلوبهم قال ومن هم قال ~~الفقراء الصادقون وقال صلى الله عليه وسلم لا أحد أفضل من الفقير إذا كان ~~راضيا (8) وقال صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى يوم القيامة أين صفوتي ~~من خلقي فتقول الملائكة ومن هم يا ربنا فيقول فقراء المسلمين القانعون ~~بعطائى الراضوان بقدرى PageV04P199 # أدخلوهم الجنة فيدخلونها ويأكلون ويشربون والناس في الحساب يترددون (1) ~~فهذا في القانع والراضي # وأما الزاهد فسنذكر فضله في الشطر الثاني من الكتاب إن شاء الله تعالى # وأما الآثار في الرضا والقناعة فكثيرة ولا يخفى أن القناعة يضادها الطمع ~~وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه إن الطمع فقر واليأس غنى وإنه من يئس عما ~~في أيدي الناس وقنع استغنى عنهم # وقال أبو مسعود رضي الله تعالى عنه ما من يوم إلا وملك ينادي من تحت ~~العرش يا ابن آدم قليل يكفيك خير من كثير يطغيك # وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه ما من أحد إلا وفي عقله نقص وذلك ~~انه إذا أتته الدنيا بالزيادة ظل فرحا مسرورا والليل والنهار دائبان في هدم ~~عمره ثم لا يحزنه ذلك ويح ابن آدم ما ينفع مال يزيد وعمر ينقص # وقيل لبعض الحكماء ما الغنى قال قلة تمنيك ورضاك بما يكفيك # وقيل كان إبراهيم بن أدهم من أهل النعم بخراسان فبينما هو يشرف من قصر له ~~ذات يوم إذ نظر إلى رجل في فناء القصر وفي يده رغيف يأكله فلما أكل نام ~~فقال لبعض غلمانه إذا قام فجئني به فلما قام جاء به إليه فقال إبراهيم أيها ~~الرجل أكلت الرغيف وأنت جائع قال نعم قال فشبعت قال نعم قال ثم نمت طيبا ~~قال نعم فقال ms2183 إبراهيم في نفسه فما أصنع أنا بالدنيا والنفس تقنع بهذا القدر # ومر رجل بعامر بن عبد القيس وهو يأكل ملحا وبقلا فقال له يا عبد الله ~~أرضيت من الدنيا بهذا فقال ألا أدلك على من رضي بشر من هذا قال بلى قال من ~~رضي بالدنيا عوضا عن الآخرة # وكان محمد بن واسع رحمة الله عليه يخرج خبزا يابسا فيبله بالماء ويأكله ~~بالملح ويقول من رضي من الدنيا بهذا لم يحتج إلى أحد # وقال الحسن رحمه الله لعن الله أقواما أقسم لهم الله تعالى ثم لم يصدقوه ~~ثم قرأ {وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما ~~أنكم تنطقون} # وكان أبو ذر رضي الله عنه يوما جالسا في الناس فأتته امرأته فقالت له ~~أتجلس بين هؤلاء والله ما في البيت هفة ولا سفة فقال يا هذه إن بين أيدينا ~~عقبة كئودا لا ينجو منها إلا كل مخف فرجعت وهي راضية # وقال ذو النون رحمه الله أقرب الناس إلى الكفر ذو فاقة لا صبر له # وقيل لبعض الحكماء ما مالك فقال التجمل في الظاهر والقصد في الباطن ~~واليأس مما في أيدي الناس # وروي أن الله عز وجل قال في بعض الكتب السالفة المنزلة يا ابن آدم لو ~~كانت الدنيا كلها لك لم يكن لك منها إلا القوت فإذا أنا أعطيتك منها القوت ~~وجعلت حسابها على غيرك فأنا محسن إليك وقد قيل في القناعة # اضرع إلى الله لا تضرع إلى الناس ... واقنع بيأس فإن العز في الياس # واستغن عن كل ذي قربى وذي رحم ... إن الغني من استغنى عن الناس ~~PageV04P200 # وقد قيل في هذا المعنى أيضا # يا جامعا مانعا والدهر يرمقه ... مقدرا أي باب منه يغلقه # مفكرا كيف تأتيه منيته ... أغاديا أم بها يسري فتطرقه # جمعت مالا فقل لي هل جمعت له ... يا جامع المال أياما تفرقه # المال عندك مخزون لوارثه ... ما المال مالك إلا يوم تنفقه # أرفه ببال فتى يغدو على ثقة ... أن الذي قسم الأرزاق يرزقه # فالعرض ms2184 منه مصون مايدنسه ... والوجه منه جديد ليس يخلقه # إن القناعة من يحلل بساحتها ... لم يبق في ظلها هم يؤرقه ### |||| بيان فضيلة الفقر على الغنى # اعلم أن الناس قد اختلفوا في هذا فذهب الجنيد والخواص والأكثرون إلى ~~تفضيل الفقر وقال ابن عطاء الغني الشاكر القائم بحقه أفضل من الفقير الصابر ~~ويقال أن الجنيد دعا على ابن عطاء لمخالفته إياه في هذا فأصابته محنة وقد ~~ذكرنا ذلك في كتاب الصبر وبينا أوجه التفاوت بين الصبر والشكر ومهدنا سبيل ~~طلب الفضيلة في الأعمال والأحوال وأن ذلك لا يمكن إلا بتفصيل # فأما الفقر والغنى إذا أخذا مطلقا لم يسترب من قرأ الأخبار والآثار في ~~تفضيل الفقر ولا بد فيه من تفصيل فنقول إنما يتصور الشك في مقامين {أحدهما} ~~فقير صابر ليس بحريص على الطلب بل هو قانع أو راض بالإضافة إلى غني منفق ~~ماله في الخيرات ليس حريصا على إمساك المال والثاني فقير حريص مع غني حريص ~~إذ لا يخفى أن الفقير القانع أفضل من الغني الحريص الممسك وأن الغني المنفق ~~ماله في الخيرات أفضل من الفقير الحريص أما الأول فربما يظن أن الغني أفضل ~~من الفقير لأنهما تساويا في ضعف الحرص على المال والغني متقرب بالصدقات ~~والخيرات والفقير عاجز عنه وهذا هو الذي ظنه ابن عطاء فيما نحسبه فأما ~~الغني المتمتع بالمال وإن كان في مباح فلا يتصور أن يفضل على الفقير القانع ~~وقد يشهد له ما روي في الخبر أن الفقراء شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سبق الأغنياء بالخيرات والصدقات والحج والجهاد فعلمهم كلمات في ~~التسبيح وذكر لهم أنهم ينالون بها فوق ما ناله الأغنياء فتعلم الأغنياء ذلك ~~فكانوا يقولونه فعاد الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه ~~فقال صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (1) # وقد استشهد ابن عطاء أيضا لما سئل عن ذلك فقال الغني أفضل لأنه وصف الحق ~~أما دليله الأول ففيه نظر لأن الخبر قد ورد مفصلا تفصيلا يدل على ms2185 خلاف ذلك ~~وهو أن ثواب الفقير في التسبيح يزيد على ثواب الغني وأن فوزهم بذلك الثواب ~~فضل الله يؤتيه من يشاء فقد روى زيد بن أسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال بعث الفقراء رسولا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني رسول ~~الفقراء إليك فقال {مرحبا} بك وبمن جئت من عندهم قوم أحبهم قال قالوا يا ~~رسول الله إن الأغنياء ذهبوا بالخير يحجون ولا نقدر عليه ويعتمرون ولا نقدر ~~عليه وإذا مرضوا بعثوا بفضل أموالهم ذخيرة لهم فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم بلغ عني PageV04P201 # الفقراء أن لمن صبر واحتسب منكم ثلاث خصال ليست للأغنياء أما خصلة واحدة ~~فإن في الجنة غرفا ينظر إليها أهل الجنة كما ينظر أهل الأرض إلى نجوم ~~السماء لا يدخلها إلا نبي فقير أو شهيد فقير أو مؤمن فقير والثانية يدخل ~~الفقراء الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام والثالثة إذا قال ~~الغنى سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقال الفقير مثل ~~ذلك لم يلحق الغني بالفقير ولو أنفق فيها عشرة آلاف درهم وكذلك أعمال البر ~~كلها فرجع إليهم فأخبرهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ~~رضينا رضينا (1) فهذا يدل على أن قوله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء أي مزيد ~~ثواب الفقراء على ذكرهم وأما قوله إن الغني وصف الحق فقد أجابه بعض الشيوخ ~~فقال أترى أن الله تعالى غني بالأسباب والأعراض فانقطع ولم ينطق وأجاب ~~آخرون فقالوا إن التكبر من صفات الحق فينبغي أن يكون أفضل من التواضع ثم ~~قالوا بل هذا يدل على أن الفقر أفضل لأن صفات العبودية فضل للعبد كالخوف ~~والرجاء وصفات الربوبية لا ينبغي أن ينازع فيها ولذلك قال تعالى فيما روى ~~عنه نبينا صلى الله عليه وسلم الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني ~~واحدا منهما قصمته (2) # وقال سهل حب العز والبقاء شرك في الربوبية ومنازعة فيها لأنهما من صفات ~~الرب تعالى فمن هذا الجنس تكلموا ms2186 في تفضيل الغنى والفقر وحاصل ذلك تعلق ~~بعمومات تقبل التأويلات وبكلمات قاصرة لا تبعد مناقضتها إذ كما يناقض قول ~~من فضل الغني بأنه صفة الحق بالتكبر فكذلك يناقض قول من ذم الغني لأنه وصف ~~للعبد بالعلم والمعرفة فإنه وصف الرب تعالى والجهل والغفلة وصف العبد وليس ~~لأحد أن يفضل الغفلة على العلم فكشف الغطاء عن هذا هو ما ذكرناه في كتاب ~~الصبر وهو أن ما لا يراد لعينه بل يراد لغيره فينبغي أن يضاف إلى مقصوده إذ ~~به يظهر فضله والدنيا ليست محذورة لعينها ولكن لكونها عائقة عن الوصول إلى ~~الله تعالى ولا الفقر مطلوبا لعينه لكن لأن فيه فقد العائق عن الله تعالى ~~وعدم الشاغل عنه وكم من غني لم يشغله الغني عن الله عز وجل مثل سليمان عليه ~~السلام وعثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما وكم من فقير شغله ~~الفقر وصرفه عن المقصد وغاية المقصد في الدنيا هو حب الله تعالى والأنس به ~~ولا يكون ذلك إلا بعد معرفته وسلوك سبيل المعرفة مع الشواغل غير ممكن ~~والفقر قد يكون من الشواغل كما الغنى قد يكون من الشواغل وإنما الشاغل على ~~التحقيق حب الدنيا إذ لا يجتمع معه حب الله تعالى في القلب والمحب للشيء ~~مشغول به سواء كان في فراقه أو في وصاله وربما يكون شغله في الفراق أكثر ~~وربما يكون شغله في الوصال أكثر والدنيا معشوقة الغافلين المحروم منها ~~مشغول بطلبها والقادر عليها مشغول بحفظها والتمتع بها فإذن إن فرضت فارغين ~~عن حب المال بحيث صار المال في حقهما كالماء استوى الفاقد والواجد إذ كل ~~واحد غير متمتع إلا بقدر الحاجة ووجود قدر الحاجة أفضل من فقده إذ الجائع ~~يسلك سبيل الموت لا سبيل المعرفة وإن أخذت الأمر باعتبار الأكبر فالفقير عن ~~الخطر أبعد إذ فتنة السراء أشد من فتنة الضراء ومن العصمة أن لا يقدر ولذلك ~~قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم بلينا بفتنة الضراء فصبرنا وبلينا بفتنة ~~السراء فلم نصبر وهذه خلقة ms2187 الآدميين كلهم إلا الشاذ الفذ الذي لا يوجد في ~~الأعصار الكثيرة إلا نادرا PageV04P202 # ولما كان خطاب الشرع مع الكل لا مع ذلك النادر والضراء أصلح للكل دون ذلك ~~النادر زجر الشرع عن الغنى وذمه وفضل الفقر ومدحه حتى قال المسيح عليه ~~السلام لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا فإن بريق أموالهم يذهب بنور إيمانكم # وقال بعض العلماء تقليب الأموال يمص حلاوة الإيمان # وفي الخبر إن لكل أمة عجلا وعجل هذه الأمة الدينار والدرهم (1) وكان أصل ~~عجل قوم موسى من حلية الذهب والفضة أيضا واستواء المال والماء والذهب ~~والحجر إنما يتصور للأنبياء عليهم السلام والأولياء ثم يتم لهم ذلك بعد فضل ~~الله تعالى بطول المجاهدة إن كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول للدنيا ~~إليك عني (2) إذ كانت تتمثل له بزينتها # وكان علي كرم الله وجهه يقول يا صفراء غري غيري ويا بيضاء غري غيري وذلك ~~لاستشعاره في نفسه ظهور مبادىء الاغترار بها لولا أن رأى برهان ربه وذلك هو ~~الغنى المطلق إذ قال صلى الله عليه وسلم ليس الغنى عن كثرة العرض إنما ~~الغنى غنى النفس (3) وإذا كان ذلك بعيدا فإذن الأصلح لكافة الخلق فقد المال ~~وإن تصدقوا به وصرفوه إلى الخيرات لأنهم لا ينفكون في القدرة على المال عن ~~أنس بالدنيا وتمتع بالقدرة عليها واستشعار راحة في بذلها وكل ذلك يورث ~~الأنس بهذا العالم وبقدر ما يأنس العبد بالدنيا يستوحش من الآخرة وبقدر ما ~~يأنس بصفة من صفاته سوى صفة المعرفة بالله يستوحش من الله ومن حبه ومهما ~~انقطعت أسباب الأنس بالدنيا تجافي القلب عن الدنيا وزهرتها والقلب إذا ~~تجافى عما سوى الله تعالى وكان مؤمنا بالله انصرف لا محالة إلى الله إذ لا ~~يتصور قلب فارغ وليس في الوجود إلا الله تعالى وغيره فمن أقبل على غيره فقد ~~تجافى عنه ومن أقبل عليه تجافى عن غيره ويكون إقباله على أحدهما بقدر ~~تجافيه عن الآخر وقربه من أحدهما بقدر بعده من الآخر ومثلهما مثل المشرق ~~والمغرب فإنهما جهتان فالمتردد ms2188 بينهما يقدر ما يقرب من أحدهما يبعد عن ~~الآخر بل عين القرب من أحدهما هو عين البعد من الآخر فعين حب الدنيا هو عين ~~بغض الله تعالى فينبغي أن يكون مطمح نظر العارف قلبه في عزوبه عن الدنيا ~~وأنسه بها فإذن فضل الفقير والغني بحسب تعلق قلبيهما بالمال فقط فإن تساويا ~~فيه تساوت درجتهما إلا أن هذا مزلة قدم وموضع غرور فإن الغني ربما يظن أنه ~~منقطع القلب عن المال ويكون حبه دفينا في باطنه وهو لا يشعر به وإنما يشعر ~~به إذا فقده فليجرب نفسه بتفريقه أو إذا سرق منه فإن وجد لقلبه إليه ~~التفاتا فليعلم أنه كان مغرورا فكم من رجل باع سرية له لظنه أنه منقطع ~~القلب عنها فبعد لزوم البيع وتسليم الجارية اشتعلت من قلبه النار التي كنت ~~مستكنة فيه فتحقق إذن أنه كان مغرورا وأن العشق كان مستكنا في الفؤاد ~~استكنان النار تحت الرماد وهذا حال كل الأغنياء إلا الأنبياء والأولياء ~~وإذا كان ذلك محالا أو بعيدا فلنطلق القول بأن الفقر أصلح لكافة الخلق ~~وأفضل لأن علاقة الفقير وأنسه بالدنيا أضعف وبقدر ضعف علاقته يتضاعف ثواب ~~تسبيحاته وعباداته فإن حركات اللسان ليست مرادة لأعيانها بل ليتأكد بها ~~الأنس بالمذكور ولا يكون تأثيرها في إثارة الأنس في قلب فارغ من غير ~~المذكور كتأثيرها في قلب مشغول ولذلك قال بعض السلف مثل من تعبد وهو في طلب ~~الدنيا مثل من يطفىء النار بالحلفاء ومثل من يغسل يده من الغمر بالسمك ~~PageV04P203 # وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى تنفس فقير دون شهوة لا يقدر ~~عليها أفضل من عبادة غني ألف عام # وعن الضحاك قال من دخل السوق فرأى شيئا يشتهيه فصبر واحتسب كان خيرا له ~~من ألف دينار ينفقها كلها في سبيل الله تعالى # وقال رجل لبشر بن الحارث رحمه الله ادع الله لي فقد أضر بي العيال فقال ~~إذا قال لك عيالك ليس عندنا دقيق ولا خبز فادع الله لى في ذلك الوقت فإن ~~دعاءك أفضل من ms2189 دعائي وكان يقول مثل الغني المتعبد مثل روضة على مزبلة ومثل ~~الفقير المتعبد مثل عقد الجوهر في جيد الحسناء وقد كانوا يكرهون سماع علم ~~المعرفة من الأغنياء وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه اللهم إني أسألك ~~الذل عند النصف من نفسي والزهد فيما جاوز الكفاف # وإذا كان مثل الصديق رضي الله عنه في كماله يحذر من الدنيا ووجودها فكيف ~~يشك في أن فقد المال أصلح من وجوده هذا مع أن أحسن أحوال الغني أن يأخذ ~~حلالا وينفق طيبا ومع ذلك فيطول حسابه في عرصات القيامة ويطول انتظاره ومن ~~نوقش الحساب فقد عذب ولهذا تأخر عبد الرحمن بن عوف عن الجنة إذ كان مشغولا ~~بالحساب كما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال أبو الدرداء رضي ~~الله عنه ما أحب أن لي حانوتا على باب المسجد ولا تخطئني فيه صلاة وذكر ~~وأربح كل يوم خمسين دينارا وأتصدق بها في سبيل الله تعالى قيل وما تكره قال ~~سوء الحساب ولذلك قال سفيان رحمه الله اختار الفقراء ثلاثة أشياء واختار ~~الأغنياء ثلاثة أشياء اختار الفقراء راحة النفس وفراغ القلب وخفة الحساب ~~واختار الأغنياء تعب النفس وشغل القلب وشدة الحساب وما ذكره ابن عطاء من إن ~~الغني وصف الحق فهو بذلك أفضل فهو صحيح ولكن إذا كان العبد غنيا عن وجود ~~المال وعدمه جميعا بأن يستوي عنده كلاهما فأما إذا كان غنيا بوجوده ومفتقرا ~~إلى بقائه فلا يضاهي غناه غنى الله تعالى لأن الله تعالى غني بذاته لا بما ~~يتصور زواله والمال يتصور زواله بأن يسرق وما ذكر من الرد عليه بأن الله ~~ليس غنيا بالأعراض والأسباب صحيح في ذم غني يريد بقاء المال وما ذكر من أن ~~صفات الحق لا تليق بالعبد غير صحيح بل العلم من صفاته وهو أفضل شيء للعبد ~~بل منتهى العبد أن يتخلق بأخلاق الله تعالى وقد سمعت بعض المشايخ يقول إن ~~سألك الطريق إلى الله تعالى قبل أن يقطع الطريق تصير الأسماء التسعة ~~والتسعون ms2190 أوصافا له أي يكون له من كل واحد نصيب وأما التكبر فلا يليق ~~بالعبد فإن التكبر على من لا يستحق التكبر عليه ليس من صفات الله تعالى ~~وأما التكبر على من يستحقه كتكبر المؤمن على الكافر وتكبر العالم على ~~الجاهل والمطيع على العاصي فيليق به نعم قد يراد بالتكبر الزهو والصلف ~~والإيذاء وليس ذلك من وصف الله تعالى وإنما وصف الله تعالى أنه أكبر من كل ~~شيء وأنه يعلم أنه كذلك والعبد مأمور بأنه بأنه يطلب أعلى المراتب إن قدر ~~عليه ولكن بالاستحقاق كما هو حقه لا بالباطل والتلبيس فعلى العبد أن يعلم ~~أن المؤمن أكبر من الكافر والمطيع أكبر من العاصي والعالم أكبر من الجاهل ~~والإنسان أكبر من البهيمة والجماد والنبات وأقرب إلى الله تعالى منها فلو ~~رأى نفسه بهذه الصفة رؤية محققة لا شك فيها لكانت صفة التكبر حاصلة له ~~ولائقة به وفضيلة في حقه إلا أنه لا سبيل له إلى معرفته فإن ذلك موقوف على ~~الخاتمة وليس يدري الخاتمة كيف تكون وكيف تتفق فلجهله بذلك وجب أن لا يعتقد ~~لنفسه رتبة فوق رتبة الكافر إذ ربما يختم للكافر بالإيمان وقد يختم له ~~بالكفر فلم يكن ذلك لائقا به لقصور علمه عن معرفة العاقبة ولما تصور أن ~~يعلم الشيء على ما هو به كان العلم كمالا في حقه لأنه PageV04P204 # في صفات الله تعالى ولما كانت معرفة بعض الأشياء قد تضره صار ذلك العلم ~~نقصانا في حقه إذ ليس من أوصاف الله تعالى علم يضره فمعرفة الأمور التي لا ~~ضرر فيها هي التي تتصور في العبد من صفات الله تعالى فلا جرم هو منتهى ~~الفضيلة وبه فضل الأنبياء والأولياء والعلماء فإذن لو استوى عنده وجود ~~المال وعدمه فهذا نوع من الغنى يضاهي بوجه من الوجوه الغنى الذي يوصف به ~~الله سبحانه وتعالى فهو فضيلة أما الغنى بوجود المال فلا فضيلة فيه أصلا ~~فهذا بيان نسبة حال الفقير القانع إلى حال الغني الشاكر ### ||||| المقام الثاني في نسبة حال الفقير الحريص ms2191 إلى حال الغني الحريص # ولنفرض هذا في شخص واحد هو طالب للمال وساع فيه وفاقد له ثم وجده فله ~~حالة الفقد وحالة الوجود فأي حالتيه أفضل فنقول ننظر فإن كان مطلوبه ما لا ~~بد منه في المعيشة وكان قصده أن يسلك سبيل الدين ويستعين به عليه فحال ~~الوجود أفضل لأن الفقر يشغله بالطلب وطالب القوت لا يقدر على الفكر والذكر ~~إلا قدرة مدخولة بشغل والمكفي هو القادر ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ~~اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا {وقال} كاد الفقر أن يكون كفرا أي الفقر مع ~~الاضطرار فيما لا بد منه وإن كان المجلوب فوق الحاجة أو كان المطلوب قدر ~~الحاجة ولكن لم يكن المقصود الاستعانة به على سلوك سبيل الدين فحالة الفقر ~~أفضل وأصلح لأنهما استويا في الحرص وحب المال واستويا في أن كل واحد منهما ~~ليس يقصد به الاستعانة على طريق الدين واستويا في أن كل واحد منهما ليس ~~يتعرض لمعصية بسبب الفقر والغنى ولكن افترقا في أن الواجد يأنس بما وجده ~~فيتأكد حبه في قلبه ويطمئن إلى الدنيا والفاقد المضطر يتجافى قلبه عن ~~الدنيا وتكون الدنيا عنده كالسجن الذي يبغي الخلاص منه ومهما استوت الأمور ~~كلها وخرج من الدنيا رجلان أحدهما أشد ركونا إلى الدنيا فحاله أشد لا محالة ~~إذ يلتفت قلبه إلى الدنيا ويستوحش من الآخرة بقدر تأكد أنسه بالدنيا وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم (1) حديث إن روح القدس نفث في روعي أحبب من أحببت ~~فإنك مفارقه تقدم // وهذا تنبيه على أن فراق المحبوب شديد فينبغي أن تحب من ~~لا يفارقك وهو الله تعالى ولا تحب ما يفارقك وهو الدنيا فإنك إذا أحببت ~~الدنيا كرهت لقاء الله تعالى فيكون قدومك بالموت على ما تكرهه وفراقك لما ~~تحبه وكل من فارق محبوبا فيكون أذاه في فراقه بقدر حبه وقدر أنسه وأنس ~~الواجد للدنيا القادر عليها أكثر من أنس الفاقد لها وإن كان حريصا عليها ~~فإذن قد انكشف بهذا التحقيق أن الفقر هو الأشرف والأفضل ms2192 والأصلح لكافة ~~الخلق إلا في موضعين أحدهما غني مثل غنى عائشة رضي الله عنها يستوي عنده ~~الوجود والعدم فيكون الوجود مزيدا له إذ يستفيد به أدعية الفقراء والمساكين ~~وجمع همهم والثاني الفقر عن مقدار الضرورة فإن ذلك يكاد أن يكون كفرا ولا ~~خير فيه بوجه من الوجوه إلا إذا كان وجوده يبقي حياته ثم يستعين بقوته ~~وحياته على الكفر والمعاصي ولو مات جزعا لكانت معاصيه أقل فالأصلح له أن ~~يموت جوعا ولا يجد ما يضطر إليه أيضا فهذا تفصيل القول في الغنى والفقر # ويبقى النظر في فقير حريص متكالب على طلب المال ليس له هم سواه وفي غنى ~~دونه في الحرص على حفظ المال ولم يكن تفجعه بفقد المال لو فقده كتفجع ~~الفقير بفقهره فهذا في محل النظر والأظهر أن بعدهما عن الله تعالى بقدر قوة ~~تفجعهما لفقد المال وقربهما بقدر ضعف تفجعهما بفقده والعلم عند الله تعالى ~~فيه PageV04P205 ### |||| بيان آداب الفقير في فقره # اعلم أن للفقير آدابا في باطنه وظاهره ومخالطته وأفعاله ينبغي أن يراعيها # فأما أدب باطنه فأن لا يكون فيه كراهية لما ابتلاه الله تعالى به من ~~الفقر أعني أنه لا يكون كارها فعل الله تعالى من حيث أنه فعله وإن كان ~~كارها للفقر كالمحجوم يكون كارها للحجامة لتألمه بها ولا يكون كارها فعل ~~الحجام ولا كارها للحجام بل ربما يتقلد منه منة فهذا أقل درجاته وهو واجب ~~ونقيضه حرام ومحبط ثواب الفقر وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم يا معشر ~~الفقراء أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا وأرفع من ~~هذا أن لا يكون كارها للفقر بل يكون راضيا به وأرفع منه أن يكون طالبا له ~~وفرحا به لعلمه بغوائل الغنى ويكون متوكلا في باطنه على الله تعالى واثقا ~~به في قدر ضرورته أنه يأتيه لا محالة ويكون كارها للزيادة على الكفاف وقد ~~قال علي كرم الله وجهه إن لله تعالى عقوبات بالفقر ومثوبات بالفقر من ~~علامات الفقر إذا كان مثوبة أن ms2193 يحسن عليه خلقه ويطيع به ربه ولا يشكو حاله ~~ويشكر الله تعالى على فقره ومن علاماته إذا كان عقوبة أن يسوء عليه خلقه ~~ويعصي ربه بترك طاعته ويكثر الشكاية ويتسخط القضاء وهذا يدل أن كل فقير ~~فليس بمحمود بل المحمود الذي لا يتسخط ويرضى أو يفرح بالفقر ويرضى لعلمه ~~بثمرته إذ قيل ما أعطى عبد شيئا من الدنيا إلا قيل له خذه على ثلاثة أثلاث ~~شغل وهم وطول حساب # وأما أدب ظاهره فأن يظهر التعفف والتجمل ولا يظهر الشكوى والفقر بل يستر ~~فقره ويستر أنه يستره ففي الحديث إن الله تعالى يحب الفقير المتعفف أبا ~~العيال وقال تعالى يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف وقال سفيان أفضل الأعمال ~~التجمل عند المحنة وقال بعضهم ستر الفقر من كنوز البر # وأما في الأعمال فأدبه أن لا يتواضع لغني لأجل غناه بل يتكبر عليه قال ~~علي كرم الله وجهه ما أحسن تواضع الغني للفقير رغبة في ثواب الله تعالى ~~وأحسن منه تيه الفقير على الغني ثقة بالله عز وجل فهذه رتبة وأقل منها أن ~~لا يخالط الأغنياء ولا يرغب في مجالستهم لأن ذلك من مبادىء الطمع # قال الثوري رحمه الله إذا خالط الفقير الأغنياء فاعلم أنه مراء وإذا خالط ~~السلطان فاعلم أنه لص # وقال بعض العارفين إذا خالط الفقير الأغنياء انحلت عروته فإذا طمع فيهم ~~انقطعت عصمته فإذا سكن إليهم ضل # وينبغي أن لا يسكت عن ذكر الحق مدامنة للأغنياء وطمعا في العطاء # وأما أدبه في أفعاله لا يفتر بسبب الفقر عن عبادة ولا يمنع بذل قليل ما ~~يفضل عنه فإن ذلك جهد المقل وفضله أكثر من أموال كثيرة تبذل عن ظهر غني روى ~~زيد بن أسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم درهم من الصدقة أفضل عند ~~الله من مائة ألف درهم قيل وكيف ذلك يا رسول الله قال أخرج رجل من عرض ماله ~~مائة ألف درهم فتصدق بها وأخرج رجل درهما من درهمين لا يملك غيرهما طيبة به ~~نفسه فصار ms2194 صاحب الدرهم أفضل من صاحب المائة ألف (1) وينبغي أن لا يدخر مالا ~~بل يأخذ قدر الحاجة ويخرج الباقي وفي الادخار ثلاث درجات إحداها أن لا يدخر ~~إلا ليومه وليلته وهي درجة الصديقين والثانية أن يدخر لأربعين يوما فإن ما ~~زاد عليه داخل في طول الأمل وقد فهم العلماء ذلك من ميعاد الله تعالى لموسى ~~عليه السلام PageV04P206 # ففهم منه الرخصة في أمل الحياة أربعين يوما # وهذه درجة المتقين والثالثة أن يدخر لسنته وهي أقصى المراتب وهي رتبة ~~الصالحين ومن زاد في الادخار على هذا فهو واقع في غمار العموم خارج عن حيز ~~الخصوص بالكلية فغنى الصالح الضعيف في طمأنينة قلبه في قوت سنته وغنى ~~الخصوص في أربعين يوما وغنى خصوص الخصوص في يوم وليلة وقد قسم النبي صلى ~~الله عليه وسلم نساءه على مثل هذه الأقسام فبعضهن كان يعطيها قوت سنة عند ~~حصول ما يحصل وبعضهن قوت أربعين يوما وليلة وهو قسم عائشة وحفصة ### |||| بيان آداب الفقير في قبول العطاء إذا جاءه بغير سؤال # ينبغي أن يلاحظ الفقير فيما جاءه ثلاثة أمور نفس المال # وغرض المعطي وغرضه في الأخذ # أما نفس المال فينبغي أن يكون حلالا خاليا عن الشبهات كلها فإن كان فيه ~~شبهة فليحترز من أخذه وقد ذكرنا في كتاب الحلال والحرام درجات الشبهة وما ~~يجب اجتنابه وما يستحب # وأما غرض المعطي فلا يخلو إما أن يكون غرضه تطييب قلبه وطلب محبته وهو ~~الهدية أو الثواب وهو الصدقة والزكاة والذكر والرياء والسمعة إما على ~~التجرد وإما ممزوجا ببقية الأغراض # أما الأول وهو الهدية فلا بأس بقبولها فإن قبولها سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (1) ولكن ينبغي أن لا يكون فيها منة فإن كان فيها منة فالأولى ~~تركها فإن علم أن بعضها مما تعظم فيه المنة فليرد البعض دون البعض فقد أهدي ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سمن وأقط وكبش فقبل السمن والأقط ورد ~~الكبش (2) وكان صلى الله عليه وسلم يقبل من بعض الناس ويرد على بعض (3) # وقال ms2195 لقد هممت أن لا أتهب إلا من قرشي أو ثقفي أو أنصاري أو دوسي (4) ~~وفعل هذا جماعة من التابعين # وجاءت إلى فتح الموصلي صرة فيها خمسين درهما فقال حدثنا عطاء عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال من أتاه رزق من غير مسألة فرده فأنما يرده على ~~الله (5) ثم فتح الصرة فأخذ منها درهما ورد سائرها # وكان الحسن يروي هذا الحديث أيضا ولكن حمل إليه رجل كيسا ورزمة من رقيق ~~ثياب خراسان فرد ذلك وقال من جلس مجلسي هذا وقبل من الناس مثل هذا لقي الله ~~عز وجل يوم القيامة وليس له خلاق # وهذا يدل على أن أمر العالم والواعظ أشد في قبول العطاء وقد كان الحسن ~~يقبل من أصحابه # وكان إبراهيم التيمي يسأل من أصحابه الدرهم والدرهمين ونحوه ويعرض عليه ~~غيرهم المئين فلا يأخذها وكان بعضهم إذا أعطاه صديقه شيئا يقول اتركه عندك ~~وانظر إن كنت بعد قبوله في قلبك أفضل مني قبل القبول فأخبرنى PageV04P207 # حتى آخذه وإلا فلا وأمارة هذا أن يشق عليه الرد لو رده ويفرح بالقبول ~~ويرى المنة على نفسه في قبول صديقه هديته فإن علم أنه يمازجه منة فأخذه ~~مباح ولكنه مكروه عند الفقراء الصادقين # وقال بشر ما سألت أحدا قط شيئا إلا سريا السقطي لأنه قد صح عندي زهده في ~~الدنيا فهو يفرح بخروج الشيء من يده ويتبرم ببقائه عنده فأكون عونا له على ~~ما يحب # وجاء خراساني إلى الجنيد رحمه الله بمال وسأله أن يأكله فقال أفرقه على ~~الفقراء فقال ما أريد هذا قال ومتى أعيش حتى آكل هذا قال ما أريد أن تنفقه ~~في الخل والبقل بل في الحلاوات والطيبات فقبل ذلك منه فقال الخراساني ما ~~أجد في بغداد أمن علي منك فقال الجنيد ولا ينبغي أن يقبل إلا من مثلك # الثاني أن يكون للثواب المجرد وذلك صدقة أو زكاة فعليه أن ينظر في صفات ~~نفسه هل هو مستحق للزكاة فإن اشتبه عليه فهو محل شبهة وقد ذكرنا تفصيل ذلك ~~في ms2196 كتاب أسرار الزكاة # وإن كانت صدقة وكان يعطيه لدينه فلينظر إلى باطنه فإن كان مقارفا لمعصية ~~في السر يعلم أن المعطي لو علم ذلك لنفر طبعه ولما تقرب إلى الله بالتصدق ~~عليه فهذا حرام أخذه كما لو أعطاه لظنه أنه عالم أو علوي ولم يكن فإن أخذه ~~حرام محض لا شبهة فيه # الثالث أن يكون غرضه السمعة والرياء والشهرة فينبغي أن يرد عليه قصده ~~الفاسد ولا يقبله إذ يكون معينا له على غرضه الفاسد # وكان سفيان الثوري يرد ما يعطي ويقول لو علمت أنهم لا يذكرون ذلك افتخارا ~~به لأخذت وعوتب بعضهم في رد ما كان يأتيه من صلة فقال إنما أرد صلتهم ~~إشفاقا عليهم ونصحا لهم لأنهم يذكرون ذلك ويحبون أن يعلم به فتذهب أموالهم ~~وتحبط أجورهم # وأما غرضه في الأخذ فينبغي أن ينظر أهو محتاج إليه فيما لا بد منه أو هو ~~مستغن عنه فإن كان محتاجا إليه وقد سلم من الشبهة والآفات التي ذكرناها في ~~المعطي فالأفضل له الأخذ قال النبي صلى الله عليه وسلم ما المعطي من سعة ~~بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا (1) وقال صلى الله عليه وسلم من أتاه ~~شيء من هذا المال من غير مسألة ولا استشراف فإنما هو رزق ساقه الله إليه ~~(2) وفي لفظ آخر فلا يرده # وقال بعض العلماء من أعطي ولم يأخذ سأل ولم يعط # وقد كان سري السقطي يوصل إلى أحمد بن حنبل رحمة الله عليهما شيئا فرده ~~مرة فقال له السري يا أحمد احذر آفة الرد فإنها أشد من آفة الأخذ فقال له ~~أحمد أعد علي ما قلت فأعاده فقال أحمد ما رددت عليك إلا لأن عندي قوت شهر ~~فاحسبه لي عندك فإذا كان بعد شهر فأنفذه إلي وقد قال بعض العلماء يخاف في ~~الرد مع الحاجة عقوبة من ابتلاء بطمع أو دخول في شبهة أو غيره فأما إذا كان ~~ما أتاه زائدا على حاجته فلا يخلو إما أن يكون حاله الاشتغال بنفسه أو ~~التكفل بأمور الفقراء ms2197 والإنفاق عليهم لما في طبعه من الرفق والسخاء فإن كان ~~مشغولا بنفسه فلا وجه لأخذه وإمساكه إن كان طالبا طريق الآخرة فإن ذلك محض ~~إتباع الهوى وكل عمل ليس لله فهو سبيل الشيطان أو داع إليه ومن حام حول ~~الحمى يوشك أن يقع فيه ثم له مقامان أحدهما أن يأخذ في العلانية ويرد في ~~السر أو يأخذ في العلانية ويفرق في السر وهذا مقام الصديقين وهو شاق على ~~النفس لا يطيقه إلا من اطمأنت نفسه بالرياضة والثاني أن يترك ولا يأخذ ~~ليصرفه صاحبه إلى من هو أحوج منه أو يأخذ ويوصل إلى من هو أحوج منه فيفعل ~~كليهما في السر أو كليهما في العلانية وقد ذكرنا هل الأفضل إظهار ~~PageV04P208 # الأخذ أو إخفاؤه في كتاب أسرار الزكاة مع جملة من أحكام الفقر فليطلب من ~~موضعه # وأما امتناع أحمد بن حنبل عن قبول عطاء سري السقطي رحمهما الله فإنما كان ~~لاستغنائه عنه إذ كان عنده قوت شهر ولم يرض لنفسه أن يشتغل بأخذه وصرفه إلى ~~غيره فإن في ذلك آفات وأخطارا والزرع يكون حذرا من مظان الآفات إذ لم يأمن ~~مكيدهالشيطان على نفسه # وقال بعض المجاورين بمكة كانت عندي دراهم أعددتها للإنفاق في سبيل الله ~~فسمعت فقيرا قد فرغ من طوافه وهو يقول بصوت خفي أنا جائع كما ترى عريان كما ~~ترى فما ترى فيما ترى يا من يرى ولا يرى فنظرت فإذا عليه خلقان لا تكاد ~~تواريه فقلت في نفسي لا أجد لدراهمي موضعا أحسن من هذا فحملتها إليه فنظر ~~إليها ثم أخذ منها خمسة دراهم وقال أربعة ثمن مئزرين ودرهم أنفقه ثلاثة فلا ~~حاجة بي إلى الباقي فرده قال فرأيته الليلة الثانية وعليه مئزران جديدان ~~فهجس في نفسي منه شيء فالتفت إلي فأخذ بيدي فأطافني معه أسبوعا كل شوط منها ~~على جوهر من معادن الأرض يتخشخش تحت أقدامنا إلى الكعبين منها ذهب وفضة ~~وياقوت ولؤلؤ وجوهر ولم يظهر ذلك للناس فقال هذا كله قد أعطانيه فرهدت فيه ~~وآخذ من أيدي ms2198 الخلق لأن هذه أثقال وفتنة وذلك للعباد فيه رحمة ونعمة ~~والمقصود من هذا أن الزيادة على قدر الحاجة إنما تأتيك ابتلاء وفتنة لينظر ~~الله إليك ماذا تعمل فيه وقدر الحاجة يأتيك رفقا بك فلا تغفل عن الفرق بين ~~الرفق والابتلاء # قال الله تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم لا حق لابن آدم إلا في ثلاث طعام يقيم صلبه ~~وثوب يواري عورته وبيت يكنه فما زاد فهو حساب (1) فإذن أنت في أخذ قدر ~~الحاجة من هذه الثلاث مثاب وفيما زاد عليه إن لم تعص الله متعرض للحساب وإن ~~عصيت الله فأنت متعرض للعقاب # ومن الاختبار أيضا أن تعزم على ترك لذة من اللذات تقربا إلى الله تعالى ~~وكسرا لصلة النفس فتأتيك عفوا صفوا لتمتحن بها قوة عقلك فالأولى الامتناع ~~عنها فإن النفس إذا رخص لها في نقض العزم ألفت نقض العهد وعادت لعادتها ولا ~~يمكن قهرها فرد ذلك مهم وهو الزهد فإن أخذته وصرفته إلى محتاج فهو غاية ~~الزهد ولا يقدر عليه إلا الصديقون وأما إذا كانت حالك السخاء والبذل ~~والتكفل بحقوق الفقراء وتعهد جماعة من الصلحاء فخذ ما زاد على حاجتك فإنه ~~غير زائد على حاجة الفقراء وبادر به إلى الصرف إليهم ولا تدخره فإن إمساكه ~~ولو ليلة واحدة فيه فتنة واختبار فربما يحلو في قلبك فتمسكه فيكون فتنة ~~عليك وقد تصدى لخدمة الفقراء جماعة اتخذوها وسيلة إلى التوسع في المال ~~والتنعم في المطعم والمشرب وذلك هو الهلاك ومن كان غرضه الرفق وطلب الثواب ~~به فله أن يستقرض على حسن الظن بالله لا على اعتماد السلاطين الظلمة فإن ~~رزقه الله من حلال قضاه وإن مات قبل القضاء قضاه الله تعالى عنه وأرضى ~~غرماءه وذلك بشرط أن يكون مكشوف الحال عند من يقرضه فلا يغر المقرض ولا ~~يخدعه بالمواعيد بل يكشف حاله عنده ليقدم على إقراضه على بصيرة ودين مثل ~~هذا الرجل واجب أن يقضى من مال بيت المال ms2199 ومن الزكاة وقد قال تعالى ومن قدر ~~عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله قيل معناه ليبع أحد ثوبيه # وقيل معناه فليستقرض بجاهه فذلك مما آتاه الله # وقال بعضهم إن لله تعالى عبادا ينفقون على قدر بضائعهم ولله عباد ينفقون ~~على قدر حسن الظن بالله تعالى # ومات بعضهم فأوصى بماله لثلاث طوائف الأقوياء والأسخياء والأغنياء فقيل ~~من هؤلاء فقال أما الأقوياء فهم أهل PageV04P209 # التوكل على الله تعالى وأما الأسخياء فهم أهل حسن الظن بالله تعالى وأما ~~الأغنياء فهم أهل الانقطاع إلى الله تعالى فإذن مهما وجدت هذه الشروط فيه ~~وفي المال وفي المعطي فليأخذه وينبغي أن يرى ما يأخذه من الله لا من المعطي ~~لأن المعطي واسطة قد سخر للعطاء وهو مضطر إليه بما سلط عليه من الدواعي ~~والإوادات والاعتقادات وقد حكي أن بعض الناس دعا شقيقا في خمسين من أصحابه ~~فوضع الرجل مائدة حسنة فلما قعد قال لأصحابه إن هذا الرجل يقول من لم يرن ~~صنعت هذا الطعام وقدمته فطعامي عليه حرام فقاموا كلهم وخرجوا إلا شابا منهم ~~كان دونهم في الدرجة فقال صاحب المنزل لشقيق ما قصدت بهذا قال أردت أن ~~أختبر توحيد أصحابي كلهم # وقال موسى عليه السلام يا رب جعلت رزقي هكذا على أيدي بني إسرائيل يغديني ~~هذا يوما ويعشيني هذا ليلة فأوحى الله تعالى إليه هكذا أصنع بأوليائي أجري ~~أرزاقهم على أيدي البطالين من عبادي ليؤجروا فيهم # فلا ينبغي أن يرى المعطي إلا من حيث أنه مسخر مأجور من الله تعالى نسأل ~~الله حسن التوفيق لما يرضاه ### |||| بيان تحريم السؤال من غير ضرورة وآداب الفقير المضطر فيه # اعلم أنه قد وردت مناه كثيرة في السؤال وتشديدات وورد فيه أيضا ما يدل ~~على الرخصة إذ قال صلى الله عليه وسلم للسائل حق ولو جاء على فرس (1) وفي ~~الحديث ردوا السائل ولو بظلف محرق (2) ولو كان السؤال حراما مطلقا لما جاز ~~إعانة المتعدي على عدوانه والإعطاء إعانة فالكاشف للغطاء فيه أن السؤال ~~حرام في الأصل وإنما يباح بضرورة ms2200 أو حاجة مهمة قريبة من الضرورة فإن كان ~~عنها فهو حرام وإنما قلنا إن الأصل فيه التحريم لأنه لا ينفك عن ثلاثة أمور ~~محرمة # الأول إظهار الشكوى من الله تعالى إذ السؤال إظهار للفقر وذكر لقصور نعمة ~~الله تعالى عنه وهو عين الشكوى وكما أن العبد المملوك لو سأل لكان سؤاله ~~تشنيعا على سيده فكذلك سؤال العباد تشنيع على الله تعالى وهذا ينبغي أن ~~يحرم ولا يحل إلا لضرورة كما تحل الميتة # الثاني أن فيه إذلال السائل نفسه لغير الله تعالى وليس للمؤمن أن يذل ~~نفسه لغير الله بل عليه أن يذل نفسه لمولاه فإن فيه عزه فأما سائر الخلق ~~فإنهم عباد أمثاله فلا ينبغي أن يذل لهم إلا لضرورة وفي السؤال ذل للسائل ~~بالإضافة إلى المسئول # الثالث أنه لا ينفك عن إيذاء المسئول غالبا لأنه ربما لا تسمح نفسه ~~بالبذل عن طيب قلب منه فإن بذل حياء من السائل أو رياء فهو حرام على الآخذ ~~وإن منع ربما استحيا وتأذى في نفسه بالمنع إذ يرى نفسه في صورة البخلاء ففي ~~البذل نقصان ماله وفي المنع نقصان جاهه وكلاهما مؤذيان والسائل هو السبب في ~~الإيذاء والإيذاء حرام إلا بضرورة # ومهما فهمت هذه المحذورات الثلاث فقد فهمت قوله صلى الله عليه وسلم مسألة ~~الناس من الفواحش ما أحل من الفواحش غيرها (3) فانظر كيف سماها فاحشة ولا ~~يخفى أن الفاحشة إنما تباح PageV04P210 # لضرورة كما يباح شرب الخمر لمن غص بلقمة وهو لا يجد غيره # وقال صلى الله عليه وسلم من سأل عن غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم (1) ومن ~~سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ووجهه عظم يتقعقع وليس عليه لحم وفي لفظ ~~آخر كانت مسألته خدوشا وكدوحا في وجهه (2) وهذه الألفاظ صريحة في التحريم ~~والتشديد # وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما على الإسلام فاشترط عليهم السمع ~~والطاعة ثم قال لهم كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئا (3) وكان صلى الله ~~عليه وسلم يأمر كثيرا بالتعفف عن السؤال ويقول من ms2201 سألنا أعطيناه ومن استغنى ~~أغناه الله ومن لم يسألنا فهو أحب إلينا وقال صلى الله عليه وسلم استغنوا ~~عن الناس وما قل من السؤال فهو خير قالوا ومنك يا رسول الله قال ومني وسمع ~~عمر رضي الله عنه سائلا يسأل بعد المغرب فقال لواحد من قومه عش الرجل فعشاه ~~ثم سمعه ثانيا يسأل فقال ألم أقل لك عش الرجل قال قد عشيته فنظر عمر فإذا ~~تحت يده مخلاة مملوءة خبزا فقال لست سائلا ولكنك تاجر ثم أخذ المخلاة ~~ونثرها بين يدي إبل الصدقة وضربه بالدرة وقال لا تعد # ولولا أن سؤاله كان حراما لما ضربه ولا أخذ مخلاته ولعل الفقيه الضعيف ~~المنة الضيق الحوصلة يستبعد هذا من فعل عمر ويقول أما ضربه فهو تأديب وقد ~~ورد الشرع بالتعزير وأما أخذه ماله فهو مصادرة والشرع لم يرد بالعقوبة بأخذ ~~المال فكيف استجازه وهو استبعاد مصدره القصور في الفقه فأين يظهر فقه ~~الفقهاء كلهم في حوصلة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإطلاعه على أسرار دين ~~الله ومصالح عباده أفترى أنه لم يعلم أن المصادرة بالمال غير جائزة أو علم ~~ذلك ولكن أقدم عليه غضبا في معصية الله وحاشاه أو أراد الزجر بالمصلحة بغير ~~طريق شرعها نبي الله وهيهات فإن ذلك أيضا معصية بل الفقه الذي لاح له فيه ~~أنه رآه مستغنيا عن السؤال وعلم أن من أعطاه شيئا فإنما أعطاه على اعتقاد ~~أنه محتاج وقد كان كاذبا فلم يدخل في ملكه بأخذه مع التلبيس وعسر تمييز ذلك ~~ورده إلى أصحابه إذ لا يعرف أصحابه بأعيانهم فبقي مالا لا مالك له فوجب ~~صرفه إلى المصالح وإبل الصدقة وعلفها من المصالح ويتنزل أخذ السائل مع ~~إظهار الحاجة كاذبا كأخذ العلوي بقوله إني علوي وهو كاذب # فإنه لا يملك ما يأخذه كأخذ الصوفي الصالح الذي يعطي لصلاحه وهو في ~~الباطن مقارف لمعصية لو عرفها المعطي لما أعطاه وقد ذكرنا في مواضع أن ما ~~أخذوه على هذا الوجه لا يملكونه وهو حرام عليهم ويجب عليهم ms2202 الرد إلى مالكه ~~فاستدل بفعل عمر رضي الله عنه على صحة هذا المعنى الذي يغفل عنه كثير من ~~الفقهاء وقد قررناه في مواضع ولا تستدل بغفلتك عن هذا الفقه على بطلان فعل ~~عمر # فإذا عرفت أن السؤال يباح لضرورة فاعلم أن الشيء إما أن يكون مضطرا إليه ~~أو محتاجا إليه حاجة PageV04P211 # مهمة أو حاجة خفيفة أو مستغنى عنه فهذه أربعة أحوال # أما المضطر إليه فهو سؤال الجائع عند خوفه على نفسه موتا أو مرضا وسؤال ~~العاري وبدنه مكشوف ليس معه ما يواريه وهو مباح مهما وجدت بقية الشروط في ~~المسئول بكونه مباحا والمسئول منه بكونه راضيا في الباطن وفي السائل بكونه ~~عاجزا عن الكسب فإن القادر على الكسب وهو بطال له السؤال إلا إذا استغرق ~~طلب العلم أوقاته وكل من له خط فهو قادر على الكسب بالوراقة # وأما المستغني فهو الذي يطلب شيئا وعنده مثله وأمثاله فسؤاله حرام قطعا ~~وهذان طرفان واضحان # وأما المحتاج حاجة مهمة فكالمريض الذي يحتاج إلى دواء ليس يظهر خوفه لو ~~لم يستعمله ولكن لا يخلو عن خوف وكمن له جبة لا قميص تحتها في الشتاء وهو ~~يتأذى بالبرد تأذيا لا ينتهي إلى حد الضرورة وكذلك من يسأل لأجل الكراء وهو ~~قادر على المشي بمشقة فهذا أيضا ينبغي أن تسترسل عليه الإباحة لأنها أيضا ~~حاجة محققة ولكن الصبر عنه أولى وهو بالسؤال تارك للأولى ولا يسمى سؤاله ~~مكروها مهما صدق في السؤال وقال ليس تحت جبتي قميص والبرد يؤذيني أذى أطيقه ~~ولكن يشق علي فإذا صدق فصدقه يكون كفارة لسؤاله إن شاء الله تعالى # وأما الحاجة الخفيفة فمثل سؤال قميصا ليلبسه فوق ثيابه عند خروجه ليستر ~~الخروق من ثيابه عن أعين الناس وكمن يسأل لأجل الأدم وهو واجد للخبز وكمن ~~يسأل الكراء لفرس في الطريق وهو واجد كراء الحمار أو يسأل كراء المحمل وهو ~~قادر على الراحلة فهذا ونحوه إن كان فيه تلبيس حال بإظهار حاجة غير هذه فهو ~~حرام وإن لم يكن وكان فيه شيء ms2203 من المحذورات الثلاثة من الشكوى والذل وإيذاء ~~المسؤل فهو حرام لأن مثل هذه الحاجة لا تصلح لأن تباح بها هذه المحذورات ~~وإن لم يكن فيها شيء من ذلك فهو مباح مع الكراهة # فإن قلت فكيف يمكن إخلاء السؤال عن هذه المحذورات فاعلم أن الشكوى تندفع ~~بأن يظهر الشكر لله والاستغناء عن الخلق ولا يسأل سؤال محتاج ولكن يقول أنا ~~مستغن بما أملكه ولكن تطالبني رعونة النفس بثوب فوق ثيابي وهو فضلة عن ~~الحاجة وفضول من النفس فيخرج به عن حد الشكوى وأما الذل فبأن يسأل أباه أو ~~قريبه أو صديقه الذي يعلم أنه لا ينقصه ذلك في عينه ولا يزدريه بسبب سؤاله ~~أو الرجل السخي الذي قد أعد ماله لمثل هذه المكارم فيفرح بوجود مثله ويتقلد ~~منه منة بقبوله فيسقط عنه الذل بذلك فإن الذل لازم للمنة لا محالة # وأما الإيذاء فسبيل الخلاص عنه أن لا يعين شخصا بالسؤال بعينه بل يلقي ~~الكلام عرضا بحيث لا يقدم على البذل إلا متبرع بصدق الرغبة وإن كان في ~~القوم شخص مرموق لو لم يبذل لكان يلام فهذا إيذاء فإنه ربما يبذل كرها خوفا ~~من الملامة ويكون الأحب إليه في الباطن الخلاص لو قدر عليه من غير الملامة # وأما إذا كان يسأل شخصا معينا فينبغي أن لا يصرح بل يعرض تعريضا يبقى له ~~سبيلا إلى التغافل إن أراد فإذا لم يتغافل مع القدرة عليه فذلك لرغبته وأنه ~~غير متأذ به وينبغي أن يسأل من لا يستحيا منه لو رده أو تغافل عنه فإن ~~الحياء من السائل يؤذي كما أن الرياء مع غير السائل يؤذي # فإن قلت فإذا أخذ مع العلم بأن باعث المعطي هو الحياء منه أو من الحاضرين ~~ولولاه لما ابتدأه به فهل هو حلال أو شبهة فأقول ذلك حرام محض لا خلاف فيه ~~بين الأمة وحكمه حكم أخذ مال الغير بالضرب والمصادرة إذ لا فرق بين أن يضرب ~~ظاهر جلده بسياط الخشب أو يضرب باطن قلبه بسوط الحياء وخوف الملام وضرب ms2204 ~~الباطن أشد نكاية في قلوب العقلاء ولا يجوز أن يقال هو في الظاهر قد رضي به ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم PageV04P212 # إنما أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر (1) فإن هذه ضرورة القضاء في فصل ~~الخصومات إذ لا يمكن ردهم إلى البواطن وقرائن الأحوال فاضطروا إلى الحكم ~~بظاهر القول باللسان مع أنه ترجمان كثير الكذب ولكن الضرورة دعت إليه وهذا ~~سؤال عما بين العبد وبين الله تعالى والحاكم فيه أحكم الحاكمين والقلوب ~~عنده كالألسنة عند سائر الحكام فلا تنظر في مثل هذا إلا إلى قلبك وإن أفتوك ~~وأفتوك فإن المفتي معلم للقاضي والسلطان ليحكموا في عالم الشهادة ومفتي ~~القلوب هم علماء الآخرة وبفتواهم النجاة من سلطان الآخرة كما أن بفتوى ~~الفقيه النجاة من سطوة سلطان الدنيا فإذا ما أخذه مع الكراهة لا يملكه بينه ~~وبين الله تعالى ويجب عليه رده إلى صاحبه فإن كان يستحيي من أن يسترده ولم ~~يسترده فعليه أن يثيبه على ذلك بما يساوي قيمته في معرض الهدية والمقابلة ~~ليتفصى عن عهدته فإن لم يقبل هديته فعليه أن يرد ذلك إلى ورثته فإن تلف في ~~يده فهو مضمون عليه بينه وبين الله تعالى وهو عاص بالتصرف فيه وبالسؤال ~~الذي حصل به الأذى # فإن قلت فهذا أمر باطن يعسر الإطلاع عليه فكيف السبيل إلى الخلاص منها ~~فربما يظن السائل أنه راض ولا يكون هو في الباطن راضيا فأقول لهذا ترك ~~المتقون السؤال رأسا فما كانوا يأخذون من أحد شيئا أصلا فكان بشر لا يأخذ ~~من أحد أصلا إلا من السري رحمة الله عليهما وقال لأني علمت أنه يفرح بخروج ~~المال من يده فأنا أعينه على ما يحب وإنما عظم النكير في السؤال وتأكد ~~الأمر بالتعفف لهذا لأن الأذى إنما يحل بضرورة وهو أن يكون السائل مشرفا ~~على الهلاك ولم يبق له سبيل إلى الخلاص ولم يجد من يعطيه من غير كراهة وأذى ~~فيباح له ذلك كما يباح له أكل لحم الخنزير وأكل لحم الميتة فكان الامتناع ~~طريق الورعين ومن ms2205 أرباب القلوب من كان واثقا ببصيرته في الإطلاع على قرائن ~~الأحوال فكانوا يأخذون من بعض الناس دون البعض ومنهم من كان لا يأخذ إلا من ~~أصدقائه ومنهم من كان يأخذ مما يعطي بعضا ويرد بعضا كما فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الكبش والسمن والأقط وكان هذا يأتيهم من غير سؤال فإن ~~ذلك لا يكون إلا عن رغبة ولكن قد تكون رغبته طمعا في جاه أو طلبا للرياء ~~والسمعة فكانوا يحترزون من ذلك فأما السؤال فقد امتنعوا عنه رأسا إلا في ~~موضعين أحدهما الضرورة فقد سأل ثلاثة من الأنبياء في موضع الضرورة سليمان ~~وموسى والخضر عليهم السلام # ولا شك في أنهم ما سألوا إلا من علموا أنه يرغب في إعطائهم # والثاني السؤال من الأصدقاء والإخوان فقد كانوا يأخذون مالهم بغير سؤال ~~واستئذان لأن أرباب القلوب علموا أن المطلوب رضا القلب لا نطق اللسان وقد ~~كانوا وثقوا بإخوانهم أنهم كانوا يفرحون بمباسطتهم فإذا كانوا يسألون ~~الإخوان عند شكهم في اقتدار إخوانهم على ما يريدونه وإلا فكانوا يستغنون عن ~~السؤال وحد إباحة السؤال أن تعلم أن المسئول بصفة لو علم ما بك من الحاجة ~~لا لابتدأك دون السؤال فلا يكون لسؤالك تأثير إلا بتعريف حاجتك فأما في ~~تحريكه بالحياء وإثارة داعيته بالحيل فلا ويتصدى للسائل حالة لا يشك فيها ~~في الرضا بالباطن وحالة لا يشك في الكراهة ويعلم ذلك بقرينة الأحوال فالأخذ ~~في الحالة الأولى حلال طلق وفي الثانية سحت ويتردد بين الحالتين أحوال يشك ~~فيها فليستفت قلبه فيها وليترك حزاز القلب فإنه الإثم وليدع ما يريبه إلى ~~ما لا يريبه وإدراك ذلك بقرائن الأحوال سهل على من قويت فطنته وضعف حرصه ~~وشهوته فإن قوي الحرص وضعفت الفطنة تراءى له ما يوافق غرضه فلا يتفطن ~~للقرائن الدالة على الكراهة وبهذه الدقائق يطلع على سر قوله PageV04P213 # صلى الله عليه وسلم إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه (1) وقد أوتي جوامع ~~الكلم لأن من لا كسب له ولا مال ورثه من كسب ms2206 أبيه أو أحد قرابته فليأكل من ~~أيدي الناس وإن أعطى بغير سؤال فإنما يعطي بدينه ومتى يكون باطنه بحيث لو ~~انكشف لا يعطي بدينه فيكون ما يأخذه حراما وإن أعطي بسؤال فأين من يطيب ~~قلبه بالعطاء إذا سئل وأين من يقتصر في السؤال على حد الضرورة فإذا فتشت ~~أحوال من يأكل من أيدي الناس علمت أن جميع ما يأكله أو أكثره سحت وأن الطيب ~~هو الكسب الذي اكتسبته بحلالك أنت أو مورثك فإذن بعيد أن يجتمع الورع مع ~~الأكل من أيدي الناس فنسأل الله تعالى أن يقطع طمعنا عن غيره وأن يغنينا ~~بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه بمنه وسعة جوده فإنه على ما يشاء قدير ### |||| بيان مقدار الغنى المحرم للسؤال # اعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم من سأل عن ظهر غنى فإنما يسأل جمرا ~~فليستقل منه أو ليستكثر صريح في التحريم ولكن حد الغنى مشكل وتقديره عسير ~~وليس إلينا وضع المقادير بل يستدرك ذلك بالتوقيف وقد ورد في الحديث استغنوا ~~بغنى الله تعالى عن غيره قالوا وما هو قال غداء يوم وعشاء ليلة (2) وفي ~~حديث آخر من سأل وله خمسون درهما أو عدلها من الذهب فقد سأل إلحافا (3) ~~وورد في لفظ آخر أربعون درهما ومهما اختلفت التقديرات وصحت الأخبار فينبغي ~~أن يقطع بورودها على أحوال مختلفة فإن الحق في نفسه لا يكون إلا واحدا ~~والتقدير ممتنع وغاية الممكن فيه تقريب ولا يتم ذلك إلا بتقسيم محيط بأحوال ~~المحتاجين فنقول قال رسول صلى الله عليه وسلم لا حق لابن آدم إلا في ثلاث ~~طعام يقيم صلبه وثوب يواري به عورته وبيت يكنه فما زاد فهو حساب فلنجعل هذه ~~الثلاث أصلا في الحاجات لبيان أجناسها والنظر في الأجناس والمقادير ~~والأوقات فأما الأجناس فهي هذه الثلاث ويلحق بها ما في معناها حتى يلحق بها ~~الكراء للمسافر إذا كان لا يقدر على المشي وكذلك ما يجري مجراه من المهمات ~~ويلحق بنفسه عياله وولده وكل من تحت كفالته كالدابة أيضا # وأما المقادير فالثوب ms2207 يراعى فيه ما يليق بذوي الدين وهو ثوب واحد وقميص ~~ومنديل وسراويل ومداس وأما الثاني من كل جنس فهو مستغن عنه وليقس على هذا ~~أثاث البيت جميعا ولا ينبغي أن يطلب رقة الثياب وكون الأواني من النحاس ~~والصفر فيما يكفي فيه الخزف فإن ذلك مستغنى عنه فيقتصر من العدد على واحد ~~ومن النوع على أخس أجناسه ما لم يكن في غاية البعد عن العادة # وأما الطعام فقدره في اليوم مد وهو ما قدره الشرع ونوعه ما يقتات ولو كان ~~من الشعير # والأدم على الدوام فضلة وقطعة بالكلية إضرار ففي طلبه في بعض الأحوال ~~رخصة # وأما المسكن فأقله ما يجزئ من حيث المقدار وذلك من غير زينة فأما السؤال ~~للزينة والتوسع فهو سؤال عن ظهر غنى وأما بالإضافة إلى الأوقات فما يحتاج ~~إليه في الحال من طعام يوم وليلة وثوب يلبسه ومأوى يكنه فلا شك فيه # فأما سؤاله للمستقبل فهذا له ثلاث درجات إحداها ما يحتاج إليه في غد ~~والثانية ما يحتاج إليه في أربعين يوما أو خمسين يوما والثالثة ما يحتاج ~~إليه في السنة ولنقطع بأن من معه ما يكفيه له ولعياله إن كان له عيال ~~PageV04P214 # لسنة فسؤاله حرام فإن ذلك غاية الغنى وعليه ينزل التقدير بخمسين درهما في ~~الحديث فإن خمسة دنانير تكفي المنفرد في السنة إذا اقتصد أما المعيل فربما ~~لا يكفيه ذلك وإن كان يحتاج إليه قبل السنة فإن كان قادرا على السؤال ولا ~~تفوته فرصته فلا يحل له السؤال لأنه مستغن في الحال وربما لا يعيش إلى الغد ~~فيكون قد سأل مالا يحتاج فيكفيه غداء يوم وعشاء ليلة وعليه ينزل الخبر الذي ~~ورد في التقدير بهذا القدر # وإن كان يفوته فرصة السؤال ولا يجد من يعطيه لو أخر فيباح له السؤال لأن ~~أمل البقاء سنة غير بعيد فهو بتأخير السؤال خائف أن يبقى مضطرا عاجزا عما ~~يعينه فإن كان خوف العجز عن السؤال في المستقبل ضعيفا وكان ما لأجله السؤال ~~خارجا عن محل الضرورة لم يخل ms2208 سؤاله عن كراهية وتكون كراهته بحسب درجات ضعف ~~الاضطرار وخوف الفوت وتراخي المدة التي فيها يحتاج إلى السؤال وكل ذلك لا ~~يقبل الضبط وهو منوط باجتهاد العبد ونظره لنفسه بينه وبين الله تعالى ~~فيستفتي فيه قلبه ويعمل به إن سالكا طريق الآخرة وكل من كان يقينه أقوى ~~وثقته بمجيء الرزق في المستقبل أتم وقناعته بقوت الوقت أظهر فدرجته عند ~~الله تعالى أعلى فلا يكون خوف الاستقبال وقد آتاك الله قوت يومك لك ولعيالك ~~إلا من ضعف اليقين والإصغاء إلى تخويف الشيطان وقد قال تعالى فلا تخافوهم ~~وخافون إن كنتم مؤمنين وقال عز وجل الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ~~والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والسؤال من الفحشاء التي أبيحت بالضرورة وحال ~~من يسأل لحاجة متراخية عن يومه وإن كان مما يحتاج إليه في السنة أشد من حال ~~من ملك مالا موروثا وادخره لحاجة وراء السنة وكلاهما مباحان في الفتوى ~~الظاهرة ولكنهما صادران عن حب الدنيا وطول الأمل وعدم الثقة بفضل الله وهذه ~~الخصلة من أمهات المهلكات نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه ### |||| بيان أحوال السائلين # كان بشر رحمه الله يقول الفقراء ثلاثة فقير لا # يسأل وإن أعطي لا يأخذ فهذا مع الروحانيين في عليين # وفقير لا يسأل وإن أعطي أخذ فهذا مع المقربين في جنات الفردوس # وفقير يسأل عند الحاجة فهذا مع الصادقين من أصحاب اليمين # فإذن قد اتفق كلهم على ذم السؤال وعلى أنه مع الفاقة يحط المرتبة والدرجة # قال شقيق البلخي لإبراهيم بن أدهم حين قدم عليه من خراسان كيف تركت ~~الفقراء من أصحابك قال تركتهم إن أعطوا شكروا وإن منعوا صبروا وظن أنه لما ~~وصفهم بترك السؤال قد أثنى عليهم غاية الثناء فقال شقيق هكذا تركت كلاب بلخ ~~عندنا فقال له إبراهيم فكيف الفقراء عندك يا أبا إسحاق فقال الفقراء عندنا ~~إن منعوا شكروا وإن أعطوا آثروا فقبل رأسه وقال صدقت يا أستاذ # فإذن درجات أرباب الأحوال في الرضا والصبر والشكر والسؤال كثيرة فلا بد ~~لسالك طريق الآخرة ms2209 من معرفتها ومعرفة انقسامها واختلاف درجاتها فإنه إذا لم ~~يعلم لم يقدر على الرقي من حضيضها إلى قلاعها ومن أسفل سافلين إلى أعلى ~~أعليين وقد خلق الإنسان في أحسن تقويم ثم رد إلى أسفل سافلين ثم أمر أن ~~يترقى إلى أعلى عليين ومن لا يميز بين السفل والعلو لا يقدر على الرقي قطعا ~~وإنما الشك فيمن عرف ذلك فإنه ربما لا يقدر عليه وأرباب الأحوال قد تغلبهم ~~حالة تقتضي أن يكون السؤال مزيدا لهم في درجاتهم ولكن بالإضافة إلى حالهم ~~فإن مثل هذه الأعمال بالنيات وذلك كما روي أن بعضهم رأى أبا إسحاق النوري ~~رحمه الله يمد يده ويسأل الناس في بعض المواضع قال فاستعظمت ذلك واستقبحته ~~له فأتيت الجنيد رحمه الله فأخبرته بذلك فقال لا يعظم هذا PageV04P215 # عليك فإن النوري لم يسأل الناس إلا ليعطيهم وإنما سألهم ليثيبهم في ~~الآخرة فيؤجرون من حيث لا يضرهم # وكأنه أشار به إلى قوله صلى الله عليه وسلم يد المعطى هي العليا (1) فقال ~~بعضهم يد المعطى هي يد الآخذ للمال لأنه يعطى الثواب والقدر له لا لما ~~يأخذه ثم قال الجنيد هات الميزان فوزن مائة درهم ثم قبض قبضة فألقاها على ~~المائة ثم قال احملها إليه فقلت في نفسي إنما يوزن الشيء ليعرف مقداره فكيف ~~خلط به مجهولا وهو رجل حكيم واستحييت أن أسأله فذهبت بالصرة إلى النوري ~~فقال هات الميزان فوزن مائة درهم وقال ردها عليه وقل له أنا لا أقبل منك ~~أنت شيئا وأخذ ما زاد على المائة قال فزاد تعجبي فسألته فقال الجنيد رجل ~~حكيم يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه وزن المائة لنفسه طلبا لثواب الآخرة وطرح ~~عليها قبضة بلا وزن لله عز وجل فأخذت ما كان لله تبارك وتعالى ورددت ما ~~جعله لنفسه قال فرددتها إلى الجنيد فبكى وقال أخذ ماله ورد مالنا الله ~~المستعان فانظر الآن كيف صفت قلوبهم وأحوالهم وكيف خلصت لله أعمالهم حتى ~~كان يشاهد كل واحد منهم قلب صاحبه من غير مناطقة باللسان ولكن بتشاهد ms2210 ~~القلوب وتناجي الأسرار وذلك نتيجة أكل الحلال وخلو القلب عن حب الدنيا ~~والإقبال على الله تعالى بكنه الهمة فمن أنكر ذلك قبل تجربة طريقه فهو جاهل ~~كمن ينكر مثلا كون الدواء مسهلا قبل شربه # ومن أنكره بعد أن طال اجتهاده حتى بذل كنه مجهوده ولم يصل فأنكر ذلك ~~لغيره كان كمن شرب المسهل فلم يؤثر في حقه خاصة لعلة في باطنه فأخذ ينكر ~~كون الدواء مسهلا وهذا وإن كان في الجهل دون الأول ولكنه ليس خاليا عن حط ~~واف من الجهل بل البصير أحد رجلين إما رجل سالك الطريق فظهر له مثل ما ظهر ~~لهم فهو صاحب الذوق والمعرفة وقد وصل إلى عين اليقين وإما رجل لم يسلك ~~الطريق أو سلك ولم يصل ولكنه آمن بذلك وصدق به فهو صاحب علم اليقين وإن لم ~~يكن واصلا إلى عين اليقين # ولعلم اليقين أيضا رتبة وإن كان دون عين اليقين ومن خلا عن علم اليقين ~~وعين اليقين فهو خارج عن زمرة المؤمنين ويحشر يوم القيامة في زمرة الجاحدين ~~المستكبرين الذين هم قتلى القلوب الضعيفة وأتباع الشياطين # فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من الراسخين في العلم القائلين آمنا به كل من ~~عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ### ||| الشطر الثاني من الكتاب في الزهد # وفيه بيان حقيقة الزهد # و بيان فضيلة الزهد # وبيان درجات الزهد وأقسامه وبيان تفصيل الزهد في المطعم والملبس والمسكن ~~والأثاث وضروب المعيشة وبيان علامة الزهد ### |||| بيان حقيقة الزهد # اعلم أن الزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات السالكين وينتظم هذا المقام ~~من علم وحال وعمل كسائر المقامات لأن أبواب الإيمان كلها كما قال السلف ~~ترجع إلى عقد وقول وعمل وكأن القول لظهوره أقيم مقام الحال إذ به يظهر ~~الحال الباطن وإلا فليس القول مرادا لعينه وإن لم يكن صادرا عن حال سمي ~~إسلاما ولم يسم إيمانا والعلم هو السبب في حال يجري مجرى المثمر والعمل ~~يجري من الحال مجرى الثمرة فلنذكر الحال مع كلا طرفيه من العلم والعمل أما ms2211 ~~الحال فنعني بها ما يسمى زهدا وهو عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما ~~هو خير منه فكل من عدل عن شيء إلى غيره بمعاوضة وبيع وغيره فإنما عدل عنه ~~لرغبته عنه وإنما عدل إلى غيره لرغبته PageV04P216 # في غيره فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمى زهدا وبالإضافة إلى المعدول ~~إليه يسمى رغبة وحبا فإذن يستدعي حال الزهد مرغوبا عنه ومرغوبا فيه هو خير ~~من المرغوب عنه وشرط المرغوب عنه أن يكون هو أيضا مرغوبا فيه بوجه من ~~الوجوه فمن رغب عما ليس مطلوبا في نفسه لا يسمى زاهدا إذ تارك الحجر ~~والتراب وما أشبهه لا يسمى زاهدا وإنما يسمى زاهدا من ترك الدراهم ~~والدنانير لأن التراب والحجر ليسا في مظنة الرغبة وشرط المرغوب فيه أن يكون ~~عنده خيرا من المرغوب عنه حتى تغلب هذه الرغبة فالبائع لا يقدم على البيع ~~إلا والمشتري عنده خير من المبيع فيكون حاله بالإضافة إلى المبيع زهدا فيه ~~وبالإضافة إلى العوض عنه رغبة فيه وحبا ولذلك قال الله تعالى وشروه بثمن ~~بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين معناه باعوه فقد يطلق الشراء ~~بمعنى البيع ووصف أخوة يوسف بالزهد فيه إذ طمعوا أن يخلو لهم وجه أبيهم ~~وكان ذلك عندهم أحب إليهم من يوسف فباعوه طمعا في العوض فإذن كل من باع ~~الدنيا بالآخرة فهو زاهد في الدنيا وكل من باع الآخرة بالدنيا فهو أيضا ~~زاهد ولكن في الآخرة ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الزهد بمن يزهد في ~~الدنيا كما خصص اسم الإلحاد بمن يميل إلى الباطل خاصة وإن كان هو للميل في ~~وضع اللسان # ولما كان الزهد رغبة عن محبوب بالجملة لم يتصور إلا بالعدول إلى شيء هو ~~أحب منه وإلا فترك المحبوب بغير الأحب محال والذي يرغب عن كل ما سوى الله ~~تعالى حتى الفراديس ولا يحب إلا الله تعالى فهو الزاهد المطلق والذي يرغب ~~عن كل حظ ينال في الدنيا ولم يزهد في مثل تلك الحظوظ في الآخرة بل طمع في ms2212 ~~الحور والقصور والأنهار والفواكه فهو أيضا زاهد ولكنه دون الأول والذي يترك ~~من حظوظ الدنيا البعض دون البعض كالذي يترك المال دون الجاه أو يترك التوسع ~~في الأكل ولا يترك التجمل في الزينة فلا يستحق اسم الزاهد مطلقا ودرجته في ~~الزهاد درجة من يتوب عن بعض المعاصي في التائبين وهو زهد صحيح كما أن ~~التوبة عن بعض المعاصي صحيحة فإن التوبة عبارة عن ترك المحظورات والزهد ~~عبارة عن ترك المباحات التي هي حظ النفس ولا يبعد أن يقدر على ترك بعض ~~المباحات دون بعض كما لا يبعد ذلك في المحظورات والمقتصر على ترك المحظورات ~~لا يسمى زاهدا وإن كان قد زهد في المحظور وانصرف عنه ولكن العادة تخصص هذا ~~الاسم بترك المباحات فإذن الزهد عبارة عن رغبته عن الدنيا عدولا إلى الآخرة ~~أو عن غير الله تعالى عدولا إلى الله تعالى وهي الدرجة العليا وكما يشترط ~~في المرغوب فيه أن يكون خيرا عنده فيشترط في المرغوب عنه أن يكون مقدورا ~~عليه فإن ترك ما لا يقدر عليه محال وبالترك يتبين زوال الرغبة ولذلك قيل ~~لابن المبارك يا زاهد فقال الزاهد عمر بن عبد العزيز إذ جاءته الدنيا راغمة ~~فتركها وأما أنا ففيماذا زهدت # وأما العلم الذي هو مثمر لهذه الحال فهو العلم بكون المتروك حقيرا ~~بالإضافة إلى المأخوذ كعلم التاجر بأن العوض خير من المبيع فيرغب فيه وما ~~لم يتحقق هذا العلم لم يتصور أن تزول الرغبة عن المبيع فكذلك من عرف أن ما ~~عند الله باق وأن الآخرة خير وأبقى أي لذاتها خير في أنفسها وأبقى كما تكون ~~الجواهر خيرا وأبقى من الثلج مثلا # ولا بعسر على مالك الثلج بيعه بالجواهر واللآلئ فهكذا مثال الدنيا ~~والآخرة فالدنيا كالثلج الموضوع في الشمس لا يزال في الذوبان إلى الانقراض ~~والآخرة كالجوهر الذي لا فناء له فبقدر قوة اليقين والمعرفة بالتفاوت بين ~~الدنيا والآخرة تقوى الرغبة في البيع والمعاملة حتى إن من قوي يقينه يبيع ~~نفسه وماله كما قال الله تعالى إن ms2213 الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ~~بأن لهم الجنة ثم بين أن صفقتهم رابحة فقال تعالى فاستبشروا ببيعكم الذي ~~بايعتم به فليس يحتاج من العلم في الزهد إلا إلى هذا القدر وهو أن الآخرة PageV04P217 # خير وأبقى وقد يعلم ذلك من لا يقدر على ترك الدنيا إما لضعف علمه ويقينه ~~وإما لاستيلاء الشهوة في الحال عليه وكونه مقهورا في يد الشيطان وإما ~~لاغتراره بمواعيد الشيطان في التسويف يوما بعد يوم إلى أن يختطفه الموت ولا ~~يبقى معه إلا الحسرة بعد الفوت وإلى تعريف خساسة الدنيا الإشارة بقوله ~~تعالى قل متاع الدنيا قليل وإلى تعريف نفاسة الآخرة الإشارة بقوله عز وجل ~~وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير فنبه على أن العلم بنفاسة ~~الجوهر هو المرغب عن عوضه ولما لم يتصور الزهد إلا بمعاوضة ورغبة عن ~~المحبوب في أحب منه قال رجل في دعائه اللهم أرني الدنيا كما تراها فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا تقل هكذا ولكن قل أرني الدنيا كما أريتها ~~الصالحين من عبادك (1) وهذا لأن الله تعالى يراها حقيرة كما هي وكل مخلوق ~~فهو بالإضافة إلى جلاله حقيرة والعبد يراها حقيرة في نفسه بالإضافة إلى ما ~~هو خير له ولا يتصور أن يرى بائع الفرس وإن رغب عنه فرسه كما يرى حشرات ~~الأرض مثلا لأنه مستغن عن الحشرات أصلا وليس مستغنيا عن الفرس والله تعالى ~~غني بذاته عن كل ما سواه فيرى الكل في درجة واحدة بالإضافة إلى جلاله ويراه ~~متفاوتا بالإضافة إلى غيره والزاهد هو الذي يرى تفاوته بالإضافة إلى نفسه ~~لا إلى غيره وأما العمل الصادر عن حال الزهد فهو ترك واحد لأنه بيع ومعاملة ~~واستبدال للذي هو خير بالذي هو أدنى فكما أن العمل الصادر من عقد البيع هو ~~ترك المبيع وإخراجه من اليد وأخذ العوض فكذلك الزهد يوجب ترك المزهود فيه ~~بالكلية وهي الدنيا بأسرها مع أسبابها ومقدماتها وعلائقها فيخرج من القلب ~~حبها ويدخل حب الطاعات ويخرج من العين واليد ما أخرجه ms2214 من القلب ويوظف على ~~اليد والعين وسائر الجوارح وظائف الطاعات وإلا كان كمن سلم المبيع ولم يأخذ ~~الثمن فإذا وفى بشرط الجانبين في الآخذ والترك فليستبشر ببيعه الذي بايع به ~~فإن الذي بايعه بهذا البيع وفي بالعهد فمن سلم حاضرا في غائب وسلم الحاضر ~~وأخذ يسعى في طلب الغائب سلم إليه الغائب حين فراغه من سعيه إن كان العاقد ~~ممن يوثق بصدقه وقدرته ووفائه بالعهد وما دام ممسكا للدنيا لا يصح زهده ~~أصلا ولذلك لم يصف الله تعالى أخوة يوسف بالزهد في بنيامين وإن كانوا قد ~~قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا وعزموا على إبعاده كما عزموا على يوسف ~~حتى تشفع فيه أحدهم فترك ولا وصفهم أيضا بالزهد في يوسف عند العزم على ~~إخراجه بل عند التسليم والبيع فعلامة الرغبة والإمساك وعلامة الزهد ~~والإخراج فإن أخرجت عن اليد بعض الدنيا دون البعض فأنت زاهد فيما أخرجت فقط ~~ولست زاهدا مطلقا وإن لم يكن لك مال ولم تساعدك الدنيا لم يتصور منك الزهد ~~لأن ما لا يقدر عليه لا يقوى على تركه وربما يستهويك الشيطان بغروره ويخيل ~~إليك أن الدنيا وإن لم تأتك فأنت زاهدا فيها فلا ينبغي أن تتدلى بحبل غروره ~~دون أن تستوثق وتستظهر بموثق غليظ من الله فإنك إذا لم تجرب حال القدرة فلا ~~تثق بالقدرة على الترك عندها فكم من ظان بنفسه كراهة المعاصي عند تعذرها ~~فلما تيسرت له أسبابها من غير مكدر ولا خوف من الخلق وقع فيها وإذا كان هذا ~~غرور النفس في المحظورات فإياك أن تثق بوعدها في المباحات والموثق الغليظ ~~الذي تأخذه عليها أن تجربها مرة بعد مرة في حال القدرة فإذا وفت بما وعدت ~~على الدوام مع انتقاء الصوارف والأعذار ظاهرا وباطنا فلا بأس أن تثق بها ~~وثوقا ما ولكن تكون من تغيرها أيضا على حذر فإنها سريعة النقض للعهد قريبة ~~الرجوع إلى مقتضى الطبع وبالجملة فلا أمان منها إلا عند الترك بالإضافة إلى ~~ما ترك فقط وذلك عند القدرة قال ms2215 ابن أبي ليلى لابن شبرمة ألا ترى إلى ابن ~~الحائك هذا PageV04P218 # لا نفتي في مسألة إلا رد علينا يعني أبا حنيفة فقال ابن شبرمة لا أدري ~~أهو ابن الحائك أم ما هو لكن اعلم أن الدنيا غدت إليه فهرب منها وهربت منا ~~فطلبناها وكذلك قال جميع المسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنا نحب ربنا ولو علمنا في أي شيء محبته لفعلناه حتى نزل قوله تعالى ولو ~~أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل ~~منهم (1) # قال ابن مسعود رحمه الله قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت منهم ~~يعني من القليل قال وما عرفت أن فينا من يحب الدنيا حتى نزل قوله تعالى ~~منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة واعلم أنه ليس من الزهد ترك ~~المال وبذله على سبيل السخاء والفتوة وعلى سبيل استمالة القلوب وعلى سبيل ~~الطمع فذلك كله من محاسن العادات ولكن لا مدخل لشيء منه في العبادات وإنما ~~الزهد أن تترك الدنيا لعلمك بحقارتها بالإضافة إلى نفاسة الآخرة فأما كل ~~نوع من الترك فإنه يتصور ممن لا يؤمن بالآخرة فذلك قد يكون مروءة وفتوة ~~وسخاء وحسن خلق ولكن لا يكون زهدا إذ حسن الذكر وميل القلوب من حظوظ ~~العاجلة وهي ألذ وأهنأ من المال وكما أن ترك المال على سبيل السلم طمعا في ~~العوض ليس من الزهد فكذلك تركه طمعا في الذكر والثناء والاشتهار بالفتوة ~~والسخاء واستثقالا له لما في حفظ المال من المشقة والعناء # والحاجة إلى التذلل للسلاطين والأغنياء ليس من الزهد أصلا بل هو استعجال ~~حظ آخر للنفس بل الزاهد من أتته الدنيا راغمة صفوا عفوا وهو قادر على ~~التنعم بها من غير نقصان جاه وقبح اسم ولا فوات حظ للنفس فتركها خوفا من أن ~~يأنس بها فيكون آنسا بغير الله ومحبا لما سوى الله ويكون مشركا في حب الله ~~تعالى غيره # أو تركها طمعا في ثواب الله في الآخرة فترك ms2216 التمتع بأشربة الدنيا طمعا في ~~أشربة الجنة وترك التمتع بالسراري والنسوان طمعا في الحور العين وترك ~~التفرج في البساتين طمعا في بساتين الجنة وأشجارها وترك التزين والتجمل ~~بزينة الدنيا طمعا في زينة الجنة وترك المطاعم اللذيذة طمعا في فواكه الجنة ~~وخوفا من أن يقال له أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا فآثر في جميع ذلك ما ~~وعد به في الجنة على ما تيسر له في الدنيا عفوا وصفوا لعلمه بأن ما في ~~الآخرة خير وأبقى وأن ما سوى هذا فمعاملات دنيوية لا جدوى لها في الآخرة ~~أصلا ### |||| بيان فضيلة الزهد # قال الله تعالى فخرج على قومه في زينته إلى قوله # تعالى وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن فنسب الزهد ~~إلى العلماء ووصف أهله بالعلم وهو غاية الثناء وقال تعالى أولئك يؤتون ~~أجرهم مرتين بما صبروا وجاء في التفسير على الزهد في الدنيا وقال عز وجل ~~إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا قيل معناه أيهم ~~أزهد فيها فوصف الزهد بأنه من أحسن الأعمال وقال تعالى من كان يريد حرث ~~الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة ~~من نصيب وقال تعالى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة ~~الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى وقال تعالى الذين يستحبون ~~الحياة الدنيا على الآخرة فوصف الكفار بذلك فمفهومه أن المؤمن هو الذي يتصف ~~بنقيضه وهو أن يستحب الآخرة على الحياة الدنيا PageV04P219 # وأما الأخبار فما ورد منها في ذم الدنيا كثير وقد أوردنا بعضها في كتاب ~~ذم الدنيا مع ربع المهلكات إذ حب الدنيا من المهلكات ونحن الآن نقتصر على ~~فضيلة بغض الدنيا فإنه من المنجيات وهو المعني بالزهد وقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره وفرق عليه ~~ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن أصبح وهمه ms2217 ~~الآخرة جمع الله له همه وحفظ عليه ضيعته وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا ~~وهي راغمة (1) وقال صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم العبد وقد أعطي صمتا ~~وزهدا في الدنيا فاقتربوا منه فإنه يلقى الحكمة (2) وقال تعالى {ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} ولذلك قيل من زهد في الدنيا أربعين يوما أجرى ~~الله ينابيع الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه وعن بعض الصحابة أنه قال قلنا ~~يا رسول الله أي الناس خير قال كل مؤمن محموم القلب صدوق اللسان قلنا يا ~~رسول الله وما محموم القلب قال التقي النقي الذي لا غل فيه ولا غش ولا بغي ~~ولا حسد قلنا يا رسول الله فمن على أثره قال الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة ~~(3) ومفهوم هذا أن شر الناس الذي يحب الدنيا # وقال صلى الله عليه وسلم إن أردت أن يحبك الله فازهد في الدنيا (4) فجعل ~~الزهد سببا للمحبة فمن أحبه الله تعالى فهو في أعلى الدرجات فينبغي أن يكون ~~الزهد في الدنيا من أفضل المقامات ومفهومه أيضا أن من محب الدنيا متعرض ~~لبغض الله تعالى وفي خبر من طريق أهل البيت الزهد والورع يجولان في القلوب ~~كل ليلة فإن صادفا قلبا فيه الإيمان والحياء أقاما فيه وإلا ارتحلا (5) ~~ولما قال حارثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنا مؤمن حقا قال وما حقيقة ~~إيمانك قال عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها وكأني بالجنة ~~والنار وكأني بعرش ربي بارزا فقال صلى الله عليه وسلم اعرفت فالزم عبد نور ~~الله قلبه بالإيمان (6) فانظر كيف بدأ في إظهار حقيقة الإيمان بعزوف النفس ~~عن الدنيا وقرنه باليقين وكيف زكاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال ~~عبد نور الله قلبه بالإيمان # ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى الشرح في قوله تعالى فمن ~~يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام وقيل له ما هذا الشرح قال إن النور ~~إذا دخل في القلب انشرح له الصدر وانفسح قيل يا ms2218 رسول الله وهل لذلك من ~~علامة قال نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد ~~للموت قبل نزوله (7) وقد تقدم فانظر كيف جعل الزهد شرطا للإسلام وهو ~~التجافي عن دار الغرور وقال صلى الله عليه وسلم استحيوا من الله حق الحياء ~~قالوا إنا لنستحي منه تعالى فقال ليس كذلك تبنون مالا تسكنون وتجمعون مالا ~~تأكلون (8) فبين أن ذلك يناقض الحياء من الله تعالى ولما قدم عليه بعض ~~الوفود قالوا إنا مؤمنون قال وما علامة إيمانكم فذكروا PageV04P220 # الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمواقع القضاء وترك الشماتة ~~بالمصيبة إذا نزلت بالأعداء فقال صلى الله عليه وسلم إن كنتم كذلك فلا ~~تجمعوا مالا تأكلون ولا تبنوا مالا تسكنون ولا تنافسوا فيما عنه ترحلون (1) ~~حديث جابر من جاء بلا إله إلا الله لا يخلط معها شيئا وجبت له الجنة لم أره ~~من حديث جابر وقد رواه الترمذي الحكيم في النوادر من حديث زيد بن أرقم ~~بإسناد ضعيف (2) حديث السخاء من اليقين ولا يدخل النار موقن الحديث ذكره ~~صاحب الفردوس من حديث أبي الدرداء ولم يخرجه ولده في مسنده (3) حديث السخي ~~قريب من الله الحديث أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وقد تقدم والبخل ثمرة ~~الرغبة في الدنيا والسخاء ثمرة الزهد # والثناء على الثمرة ثناء على المثمر لا محالة # وروي عن ابن المسيب عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~من زهد في الدنيا أدخل الله الحكمة قلبه فأنطق بها لسانه وعرفه داء الدنيا ~~ودواءها وأخرجه منها سالما إلى دار السلام (4) وروي أنه صلى الله عليه وسلم ~~مر في أصحابه بعشار من النوق حفل وهي الحوامل وكانت من أحب أموالهم إليهم ~~وأنفسها عندهم لأنها تجمع الظهر واللحم واللبن والوبر ولعظمها في قلوبهم ~~قال الله تعالى {وإذا العشار عطلت} قال فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وغض بصره فقيل له يا رسول الله هذه أنفس أموالنا لم لا تنظر إليها ~~فقال قد نهاني الله عن ms2219 ذلك ثم تلا قوله تعالى {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا ~~به} الآية (5) وروى مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله ~~ألا تستطعم لله فيطعمك قالت وبكيت لما رأيت به من الجوع فقال يا عائشة ~~والذي نفسي بيده لو سألت ربي أن يجري معي جبال الدنيا ذهبا لأجراها حيث شئت ~~من الأرض ولكن اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقر الدنيا على غناها وحزن ~~الدنيا على فرحها يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة ~~إن الله لم يرض لأولي العزم من الرسل إلا الصبر على مكروه الدنيا والصير عن ~~محبوبها ثم لم يرض إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال فاصبر كما صبر أولو العزم ~~من الرسل والله مالي بد من طاعته وإني والله لأصبرن كما صبروا بجهدي ولا ~~قوة إلا بالله (6) وروي عن عمر رضي الله عنه أنه حين فتح عليه الفتوحات ~~قالت له ابنته حفصة رضي الله عنها PageV04P221 # البس ألين الثياب إذا وفدت عليك الوفود من الآفاق ومر بصنعة طعام تطعمه ~~وتطعم من حضر فقال عمر يا حفصة ألست تعلمين أن أعلم الناس بحال الرجل أهل ~~بيته فقالت بلى قال ناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لبث في النبوة كذا وكذا سنة لم يشبع هو ولا أهل بيته غدوة إلا جاعوا عشية ~~ولا شبعوا عشية إلا جاعوا غدوة وناشدتك الله هل تعلمين أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لبث في النبوة كذا وكذا سنة لم يشبع من التمر وهو وأهله حتى فتح ~~الله عليه خيبر وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قربتم إليه يوما طعاما على مائدة فيها ارتفاع فشق ذلك عليه حتى تغير لونه ~~ثم أمر بالمائدة فرفعت ووضع الطعام على دون ذلك أو وضع على الأرض وناشدتك ~~الله هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينام على عباءة مثنية ~~فثنيت له ليلة أربع طاقات فنام عليها ms2220 فلما استيقظ قال منعتموني قيام الليلة ~~بهذه العباءة اثنوها باثنتين كما كنتم تثنونها وناشدتك الله هل تعلمين أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضع ثيابه لتغسل فيأتيه بلال فيؤذنه ~~بالصلاة فما يجد ثوبا يخرج به إلى الصلاة حتى تجف ثيابه فيخرج بها إلى ~~الصلاة وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنعت له ~~امرأة من بني ظفر كساءين إزارا ورداء وبعثت إليه بأحدهما قبل أن يبلغ الآخر ~~فخرج إلى الصلاة وهو مشتمل به ليس عليه غيره وقد عقد طرفيه إلى عنقه فصلى ~~كذلك فما زال يقول حتى أبكاها وبكى عمر رضي الله عنه وانتحب حتى ظننا أن ~~نفسه ستخرج (1) # وفي بعض الروايات زيادة من قول عمر وهو أنه قال كان لي صاحبان سلكا طريقا ~~فإن سلكت غير طريقهما سلك بي طريق غير طريقهما وإني والله سأصبر على عيشهما ~~الشديد لعلي أدرك معهما عيشهما الرغيد # وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لقد كان ~~الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر فلا يلبس إلا العباءة وإن كان أحدهم ~~ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم (2) # وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما ورد موسى عليه السلام ~~ماء مدين كانت خضرة البقل ترى في بطنه من الهزال فهذا ما كان قد اختاره ~~أنبياء الله ورسله وهم أعرف خلق الله بالله وبطريق الفوز في الآخرة # وفي حديث عمر رضي الله عنه أنه قال لما نزل قوله تعالى والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها PageV04P222 # في سبيل الله قال صلى الله عليه وسلم تبا للدنيا تبا للدينار والدرهم ~~فقلنا يا رسول الله نهانا الله عن كنز الذهب والفضة فأي شيء ندخر فقال صلى ~~الله عليه وسلم ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا أو زوجة صالحة تعينه ~~على أمر آخرته (1) # وفي حديث حذيفة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من آثر ~~الدنيا على الآخرة ms2221 ابتلاه الله بثلاث هما لا يفارق قلبه أبدا وفقرا لا ~~يستغنى أبدا وحرصا لا يشبع أبدا (2) # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون أن لا ~~يعرف أحب إليه من أن يعرف وحتى يكون قلة الشيء أحب إليه من كثرته (3) حديث ~~ابن عباس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وجبريل معه فصعد على ~~الصفا الحديث في نزول إسرافيل وقوله إن أحببت أن أسير معك جبال تهامة زمردا ~~وياقوتا وذهبا وفضة الحديث تقدم مختصرا (4) حديث إذا أراد الله بعبد خيرا ~~زهده في الدنيا ورغبه في الآخرة وبصره بعيوب نفسه رواه أبو منصور الديلمي ~~في مسند الفردوس دون قوله ورغبه في الآخرة وزاد فقهه في الدين وإسناده ضعيف ~~// PageV04P223 # وقال صلى الله عليه وسلم لرجل ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في ~~أيدي الناس يحبك الناس (1) وقال صلى الله عليه وسلم من أراد أن يؤتيه الله ~~علما بغير تعلم وهدى بغير هداية فليزهد في الدنيا (2) وقال صلى الله عليه ~~وسلم من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن خاف من النار لها عن الشهوات ~~ومن ترقب الموت ترك اللذات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات (3) # ويروى عن نبينا وعن المسيح عليهما السلام أربع لا يدركن إلا بتعب الصمت ~~وهو أول العبادة والتواضع وكثرة الذكر وقلة الشيء (4) وإيراد جميع الأخبار ~~الواردة في مدح بغض الدنيا وذم حبها لا يمكن فإن الأنبياء ما بعثوا إلا ~~لصرف الناس عن الدنيا إلى الآخرة وإليه يرجع أكثر كلامهم مع الخلق وفيما ~~أوردناه كفاية والله المستعان # وأما الآثار فقد جاء في الأثر لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن العباد ~~سخط الله عز وجل ما لم يسألوا ما نقص من دنياهم # وفي لفظ آخر ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم فإذا فعلوا ذلك وقالوا ~~لا إله إلا الله قال الله تعالى كذبتم لستم بها صادقين # وعن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه قال تابعنا الأعمال كلها فلم نر ms2222 في ~~أمر الآخرة أبلغ من زهد في الدنيا # وقال بعض الصحابة لصدر من التابعين أنتم أكثر أعمالا واجتهادا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا خيرا منكم قيل ولم ذلك قال كانوا أزهد ~~في الدنيا منكم # وقال عمر رضي الله عنه الزهادة في الدنيا راحة القلب والجسد # وقال بلال بن سعد كفى به ذنبا أن الله تعالى يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب ~~فيها # وقال رجل لسفيان أشتهي أن أرى عالما زاهدا فقال ويحك تلك ضالة لا توجد # وقال وهب بن منبه إن للجنة ثمانية أبواب فإذا صار أهل الجنة إليها جعل ~~البوابون يقولون وعزة ربنا لا يدخلها أحد قبل الزاهدين في الدنيا العاشقين ~~للجنة # وقال يوسف بن أسباط رحمه الله إني لأشتهي من الله ثلاث خصال أن أموت حين ~~أموت وليس في ملكي درهم ولا يكون علي دين ولا علي عظمي لحم فأعطى ذلك كله # وروي أن بعض الخلفاء أرسل إلى الفقهاء بجوائز فقبلوها وأرسل إلى الفضيل ~~بعشرة آلاف فلم يقبلها فقال له بنوه قد قبل الفقهاء وأنت ترد على حالتك هذه ~~فبكى الفضيل وقال أتدرون ما مثلي ومثلكم كمثل قوم كانت لهم بقرة يحرثون ~~عليها فلما هرمت ذبحوها لأجل أن ينتفعوا بجلدها كذلك أنتم أردتم ذبحي على ~~كبر سني موتوا يا أهلي جوعا خير لكم من أن تذبحوا فضيلا # وقال عبيد بن عميرة كان المسيح ابن مريم عليه السلام يلبس الشعر ويأكل ~~الشجر وليس له ولد يموت ولا بيت يخرب ولا يدخر لغد أينما أدركه المساء نام # وقالت امرأة أبي حازم لأبي هذا الشتاء قد هجم علينا ولا بد لنا من الطعام ~~والثياب والحطب PageV04P224 # فقال لها أبو حازم من هذا كله بد ولكن لا بد لنا من الموت ثم البعث ثم ~~الوقوف بين يدي الله تعالى ثم الجنة أو النار # وقيل للحسن لم لا تغسل ثيابك قال الأمر أعجل من ذلك # وقال إبراهيم ابن أدهم قد حجبت قلوبنا بثلاثة أغطية فلن يكشف للعبد ~~اليقين حتى ترفع هذه ms2223 الحجب الفرح بالموجود والحزن على المفقود والسرور ~~بالمدح فإذا فرحت بالموجود فأنت حريص وإذا حزنت على المفقود فأنت ساخط ~~والساخط معذب وإذا سررت بالمدح فأنت معجب والعجب يحبط العمل # وقال ابن مسعود رضي الله عنه ركعتين من زاهد قلبه خير له وأحب إلى الله ~~من عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبدا سرمدا # وقال بعض السلف نعمة الله علينا فيما صرف عنا أكثر من نعمته فيما صرف ~~إلينا وكأنه التفت إلى معنى قوله صلى الله عليه وسلم إن الله يحمي عبده ~~المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه ~~(1) فإذا فهم هذا علم أن النعمة في المنع المؤدي إلى الصحة أكبر منها في ~~الإعطاء المؤدي إلى السقم # وكان الثوري يقول الدنيا دار التواء لا دار استواء ودار ترح لا دار فرح ~~من عرفها لم يفرح برخاء ولم يحزن على شقاء # وقال سهل لا يخلص العمل لمتعبد حتى يفرغ من أربعة أشياء الجوع والعري ~~والفقر والذل # وقال الحسن البصري أدركت أقواما وصحبت طوائف ما كانوا يفرحون بشيء من ~~الدنيا أقبل ولا يأسفون على شيء منها أدبر ولهي كانت في أعينهم أهون من ~~التراب كان أحدهم يعيش خمسين سنة أو ستين سنة لم يطوله ثوب ولم ينصب له قدر ~~ولم يجعل بينه وبين الأرض شيئا ولا أمر من في بيته بصنعة طعام قط فإذا كان ~~الليل فقيام على أقدامهم يفترشون وجوههم تجري دموعهم على خدودهم يناجون ~~ربهم في فكاك رقابهم كانوا إذا عملوا الحسنة دأبوا في شكرها وسألوا الله أن ~~يقبلها وإذا عملوا السيئة أحزنتهم وسألوا الله أن يغفرها لهم فلم يزالوا ~~على ذلك ووالله ما سلموا من الذنوب ولا نجوا إلا بالمغفرة رحمة الله عليهم ~~ورضوانه ### |||| بيان درجات الزهد وأقسامه بالإضافة إلى نفسه وإلى المرغوب عنه وإلى المرغوب فيه # اعلم أن الزهد في نفسه يتفاوت بحسب تفاوت قوته على درجات ثلاث الدرجة ~~الأولى وهي السفلى منها أن يزهد في الدنيا وهو لها مشته وقلبه إليها مائل ~~ونفسه ms2224 إليها ملتفتة ولكنه يجاهدها ويكفها وهذا يسمى المتزهد وهو مبدأ الزهد ~~في حق من يصل إلى درجة الزهد بالكسب والاجتهاد والمتزهد يذيب أولا نفسه ثم ~~كيسه والزاهد أولا يذيب كيسه ثم يذيب نفسه في الطاعات لا في الصبر على ما ~~فارقه والمتزهد على خطر فإنه ربما تغلبه نفسه وتجذبه شهوته فيعود إلى ~~الدنيا وإلى الاستراحة بها في قليل أو كثير # الدرجة الثانية الذي يترك الدنيا طوعا لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما ~~طمع فيه كالذي يترك درهما لأجل درهمين فإنه لا يشق عليه ذلك وإن كان يحتاج ~~إلى انتظار قليل ولكن هذا الزاهد يرى لا محالة زهده ويلتفت إليه كما يرى ~~البائع المبيع ويلتفت إليه فيكاد يكون معجبا بنفسه وبزهده ويظن في نفسه أنه ~~ترك شيئا له قدر لما هو أعظم قدرا منه وهذا أيضا نقصان الدرجة الثالثة وهي ~~العليا أن يزهد طوعا ويزهد في زهده فلا يرى زهده إذ لا يرى أنه ترك شيئا إذ ~~عرف أن الدنيا لا شىء PageV04P225 # فيكون كمن ترك خزفة وأخذ جوهرة فلا يرى ذلك معاوضة ولا يرى نفسه تاركا ~~شيئا والدنيا بالإضافة إلى الله تعالى ونعيم الآخرة أخس من خزفة بالإضافة ~~إلى جوهرة فهذا هو الكمال في الزهد # وسببه كمال المعرفة ومثل هذا الزاهد آمن من خطر الالتفات إلى الدنيا كما ~~أن تارك الخزفة بالجوهرة أمن من طلب الإقالة في البيع # قال أبو يزيد رحمه الله تعالى لأبي موسى عبد الرحيم في أي شيء تتكلم قال ~~في الزهد قال في أي شيء قال في الدنيا فنفض يده وقال ظننت أنه يتكلم في شيء ~~والدنيا لا شيء إيش يزهد فيها # ومثل من ترك الدنيا للآخرة عند أهل المعرفة وأرباب القلوب المعمورة ~~بالمشاهدات والمكاشفات مثل من منعه من باب الملك كلب على بابه فألقى إليه ~~لقمة من خبز فشغله بنفسه ودخل الباب ونال القرب عند الملك حتى نفذ أمره في ~~جميع مملكته أفترى أنه يرى لنفسه يدا عند الملك بلقمة خبز ألقاها إلى كلبه ~~في مقابلة ما ms2225 قد ناله فالشيطان كلب على باب الله تعالى يمنع الناس من ~~الدخول مع أن الباب مفتوح والحجاب مرفوع والدنيا كلقمة خبز إن أكلت فلذتها ~~في حال المضغ وتنقضي على القرب بالابتلاع ثم يبقى ثقلها في المعدة ثم تنتهي ~~إلى النتن والقذر ثم يحتاج بعد ذلك إلى إخراج ذلك الثقل فمن تركها لينال عز ~~الملك كيف يلتفت إليها ونسبة الدنيا كلها أعني ما يسلم لكل شخص منها وإن ~~عمر مائة سنة بالإضافة إلى نعيم الآخرة أقل من لقمة بالإضافة إلى ملك ~~الدنيا إذ لا نسبة للمتناهي إلى مالا نهاية له والدنيا متناهية على القرب ~~ولو كانت تتمادى ألف ألف سنة صافية عن كل كدر لكان لا نسبة لها إلى نعيم ~~الأبد فكيف ومدة العمر قصيرة ولذات الدنيا مكدرة غير صافية فأي نسبة لها ~~إلى نعيم الأبد فإذن لا يلتفت الزاهد إلى زهده إلا إذا التفت إلى ما زهد ~~فيه ولا يلتفت إلى ما زهد فيه إلا لأنه يراه شيئا معتدا به ولا يراه شيئا ~~معتدا به إلا لقصور معرفته فسبب نقصان الزهد نقصان المعرفة فهذا تفاوت ~~درجات الزهد وكل درجة من هذه أيضا لها درجات إذ تصبر المتزهد يختلف ويتفاوت ~~أيضا باختلاف قدر المشقة في الصبر وكذلك درجة المعجب بزهده بقدر التفاته ~~إلى زهده # وأما انقسام الزهد بالإضافة إلى المرغوب فيه فهو أيضا على ثلاث درجات ~~الدرجة السفلى أن يكون المرغوب فيه النجاة من النار ومن سائر الآلام كعذاب ~~القبر ومناقشة الحساب وخطر الصراط وسائر ما بين يدي العبد من الأهوال كما ~~وردت به الأخبار إذ فيها إن الرجل ليوقف في الحساب حتى لو وردت مائة بعير ~~عطاشا على عرقه لصدرت رواء (1) فهذا هو زهد الخائفين وكأنهم رضوا بالعدم لو ~~أعدموا فإن الخلاص من الألم يحصل بمجرد العدم # الدرجة الثانية أن يزهد رغبة في ثواب الله ونعيمه واللذات الموعودة في ~~جنته من الحور والقصور وغيرها وهذا زهد الراجين فإن هؤلاء ما تركوا الدنيا ~~قناعة بالعدم والخلاص من الألم بل طمعوا في ms2226 وجود دائم ونعيم سرمد لا آخر له ~~الدرجة الثالثة وهي العليا أن لا يكون له رغبة إلا في الله وفي لقائه فلا ~~يلتفت قلبه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها ولا إلى اللذات ليقصد نيلها ~~والظفر بها بل هو مستغرق الهم بالله تعالى وهو الذي أصبح وهمومه هم واحد ~~وهو الموحد الحقيقي الذي لا يطلب غير الله تعالى لأن من طلب غير الله فقد ~~عبده وكل مطلوب معبود وكل طالب عبد بالإضافة إلى مطلبه وطلب غير الله من ~~الشرك الخفي وهذا زهد PageV04P226 # المحبين وهم العارفون لأنه لا يحب الله تعالى خاصة إلا من عرفه وكما أن ~~من عرف الدينار والدرهم وعلم أنه لا يقدر على الجمع بينهما لم يحب إلا ~~الدينار فكذلك من عرف الله وعرف لذة النظر إلى وجهه الكريم وعرف أن الجمع ~~بين تلك اللذة وبين لذة التنعم بالحور العين والنظر إلى نقش القصور وخضرة ~~الأشجار غير ممكن فلا يحب إلا لذة النظر ولا يؤثر غيره ولا تظنن أن أهل ~~الجنة عند النظر إلى وجه الله تعالى يبقى للذة الحور والقصور متسع في ~~قلوبهم بل تلك اللذة بالإضافة إلى لذة نعيم أهل الجنة كلذة ملك الدنيا ~~والاستيلاء على أطراف الأرض ورقاب الخلق بالإضافة إلى لذة الاستيلاء على ~~عصفور واللعب به والطالبون لنعيم الجنة عند أهل المعرفة وأرباب القلوب ~~كالصبي الطالب للعب بالعصفور التارك للذة الملك وذلك لقصوره عن إدراك لذة ~~الملك لا لأن اللعب بالعصفور في نفسه أعلى وألذ من الاستيلاء بطريق الملك ~~على كافة الخلق # وأما انقسامه بالإضافة إلى المرغوب عنه فقد كثرت فيه الأقاويل ولعل ~~المذكور فيه يزيد على مائة قول فلا نشتغل بنقل الأقاويل ولكن نشير إلى كلام ~~محيط بالتفاصيل حتى يتضح أن أكثر ما ذكر فيه قاصر عن الإحاطة بالكل فنقول ~~المرغوب عنه بالزهد له إجمال وتفصيل ولتفصيله مراتب بعضها أشرح لآحاد ~~الأقسام وبعضها أجمل للجمل # أما الإجمال في الدرجة الأولى فهو كل ما سوى الله فينبغي أن يزهد فيه حتى ~~يزهد في نفسه أيضا ms2227 والإجمال في الدرجة الثانية أن يزهد فى كل صفة للنفس ~~فيها متعة وهذا يتناول جميع مقتضيات الطبع من الشهوة والغضب والكبر ~~والرياسة والمال والجاه وغيرها # وفي الدرجة الثالثة أن يزهد في المال والجاه وأسبابهما إذ إليهما ترجع ~~جميع حظوظ النفس # وفي الدرجة الرابعة أن يزهد في العلم والقدرة والدينار والدرهم والجاه ~~إذا الأموال وإن كثرت أصنافها فيجمعها الدينار والدرهم والجاه وإن كثرت ~~أسبابه فيرجع إلى العلم والقدرة وأعني به كل علم وقدرة مقصودها ملك القلوب ~~إذ معنى الجاه هو ملك القلوب والقدرة عليها كما أن معنى المال ملك الأعيان ~~والقدرة عليها فإن جاوزت هذا التفصيل إلى شرح وتفصيل أبلغ من هذا فيكاد ~~يخرج ما فيه الزهد عن الحصر # وقد ذكر الله تعالى في آية واحدة سبعة منها فقال زين للناس حب الشهوات من ~~النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة ~~والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا ثم رده في آية أخرى إلى خمسة فقال ~~عز وجل اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد ثم رده تعالى في موضع آخر إلى اثنين فقال تعالى وإنما ~~الحياة الدنيا لعب ولهو ثم رد الكل إلى واحد في موضع آخر فقال ونهى النفس ~~عن الهوى فإن الجنة هي المأوى فالهوى لفظ يجمع جميع حظوظ النفس في الدنيا ~~فينبغي أن يكون الزهد فيه # وإذا فهمت طريق الإجمال والتفصيل عرفت أن البعض من هذه لا يخالف البعض ~~وإنما يفارقه في الشرح مرة والإجمال أخرى # فالحاصل أن الزهد عبارة عن الرغبة عن حظوظ النفس كلها ومهما رغب عن حظوظ ~~النفس رغب عن البقاء في الدنيا فقصر أمله لا محالة لأنه إنما يريد البقاء ~~ليتمتع ويريد التمتع الدائم بإرادة البقاء فإن من أراد شيئا أراد دوامه ولا ~~معنى لحب الحياة إلا حب دوام ما هو موجود أو ممكن في هذه الحياة فإذا رغب ~~عنها لم يردها ولذلك لما كتب عليهم القتال قالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ~~لولا أخرتنا إلى ms2228 أجل قريب فقال تعالى قل متاع الدنيا قليل أي لستم تريدون ~~البقاء إلا لمتاع الدنيا فظهر عند ذلك الزاهدون وانكشف حال المنافقين # أما الزاهدون المحبون لله تعالى فقاتلوا في سبيل الله كأنهم بنيان مرصوص ~~وانتظروا إحدى الحسنيين وكانوا إذا دعوا إلى القتال يستنشقون رائحة الجنة ~~ويبادرون إليه مبادرة الظمآن إلى الماء البارد حرصا على نصرة دين الله PageV04P227 # أو نيل رتبة الشهادة وكان من مات منهم على فراشه يتحسر على فوت الشهادة ~~حتى إن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه لما احتضر للموت على فراشه كان ~~يقول كم غررت بروحي وهجمت على الصفوف طمعا في الشهادة وأنا الآن أموات موت ~~العجائز فلما مات عد على جسده ثمانمائة ثقب من آثار الجراحات هكذا كان حال ~~الصادقين في الإيمان رضي الله تعالى عنهم أجمعين # وأما المنافقون ففروا من الزحف خوفا من الموت فقيل لهم إن الموت الذين ~~تفرون منه فإنه ملاقيكم فإيثارهم البقاء على الشهادة استبدال الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير فأولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما ~~كانوا مهتدين # وأما المخلصون فإن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~فلما رأوا أنهم تركوا تمتع عشرين سنة مثلا أو ثلاثين سنة بتمتع الأبد ~~استبشروا ببيعهم الذي بايعوا به فهذا بيان المزهود فيه # وإذا فهمت هذا علمت أن ما ذكره المتكلمون في حد الزهد لم يشيروا به إلا ~~إلى بعض أقسامه فذكر كل واحد منهم ما رآه غالبا على نفسه أو على من كان ~~يخاطبه فقال بشر رحمه الله تعالى الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس وهذا ~~إشارة إلى الزهد في الجاه خاصة # وقال قاسم الجوعي الزهد في الدنيا هو الزهد في الجوف فبقدر ما تملك من ~~بطنك كذلك تملك من الزهد وهذا إشارة إلى الزهد في شهوة واحدة ولعمري هي ~~أغلب الشهوات على الأكثر وهي المهيجة لأكثر الشهوات وقال الفضيل الزهد في ~~الدنيا هو القناعة وهذا إشارة إلى المال خاصة وقال الثوري الزهد هو قصر ~~الأمل ms2229 وهو جامع لجميع الشهوات فإن من يميل إلى الشهوات يحدث نفسه بالبقاء ~~فيطول أمله ومن قصر أمله فكأنه رغب عن الشهوات كلها وقال أويس إذا خرج ~~الزاهد يطلب ذهب الزهد عنه وما قصد بهذا حد الزهد ولكن جعل التوكل شرطا في ~~الزهد # وقال أويس أيضا الزهد هو ترك الطلب للمضمون وهو إشارة إلى الرزق وقال أهل ~~الحديث حب الدنيا هو العمل بالرأي والمعقول والزهد إنما هو أتباع العلم ~~ولزوم السنة وهذا إن أريد به الرأي الفاسد والمعقول الذي يطلب به الجاه في ~~الدنيا فهو صحيح ولكنه إشارة إلى بعض أسباب الجاه خاصة أو إلى بعض ما هو من ~~فضول الشهوات فإن من العلوم ما لا فائدة فيه في الآخرة وقد طولوها حتى ~~ينقضي عمر الإنسان في الاشتغال بواحد منها فشرط الزاهد أن يكون الفضول أول ~~مرغوب عنه عنده وقال الحسن الزاهد الذى إذا رأى أحدا قال هذا أفضل مني فذهب ~~إلى أن الزهد هو التواضع وهذا إشارة إلى نفي الجاه والعجب وهو بعض أقسام ~~الزهد وقال بعضهم الزهد هو طلب الحلال وأين هذا ممن يقول الزهد هو ترك ~~الطلب كما قال أويس ولا شك في أنه أراد به ترك طلب الحلال وقد كان يوسف بن ~~أسباط يقول من صبر على الأذى وترك الشهوات وأكل الخبز من الحلال فقد أخذ ~~بأصل الزهد # وفي الزهد أقاويل وراء ما نقلناه فلم نر في نقلها فائدة فإن من طلب كشف ~~حقائق الأمور من أقاويل الناس رآها مختلفة فلا يستفيد إلا الحيرة وأما من ~~انكشف له الحق في نفسه وأدركه بمشاهدة من قلبه لا بتلقف من سمعه فقد وثق ~~بالحق واطلع على قصور من قصر لقصور بصيرته وعلى اقتصار من اقتصر من اقتصر ~~مع كمال المعرفة لاقتصار حاجته وهؤلاء كلهم اقتصروا لا لقصور في البصيرة ~~لكنهم ذكروا ما ذكروه عند الحاجة فلا جرم ذكروه بقدر الحاجة والحاجات تختلف ~~فلا جرم الكلمات تختلف وقد يكون سبب الاقتصار الإخبار عن الحالة الراهنة ~~التي هي مقام العبد في ms2230 نفسه والأحوال تختلف فلا جرم الأقوال المخبرة عنها ~~تختلف وأما الحق في نفسه PageV04P228 # فلا يكون إلا واحدا ولا يتصور أن يختلف وإنما الجامع من هذه الأقاويل ~~الكامل في نفسه وإن لم يكن فيه تفصيل ما قاله أبو سليمان الداراني إذ قال ~~سمعنا في الزهد كلاما كثيرا والزهد عندنا ترك كل شيء يشغلك عن الله عز وجل ~~وقد فصل مرة وقال من تزوج أو سافر في طلب المعيشة أو كتب الحديث فقد ركن ~~إلى الدنيا فجعل جميع ذلك ضدا للزهد وقد قرأ أبو سفيان قوله تعالى إلا من ~~أتى الله بقلب سليم فقال هو القلب الذي ليس فيه غير الله تعالى وقال إنما ~~زهدوا في الدنيا لتفرغ قلوبهم من همومها للآخرة فهذا بيان انقسام الزهد ~~بالإضافة إلى أصناف المزهود فيه فأما بالإضافة إلى أحكامه فينقسم إلى فرض ~~ونفل وسلامة كما قاله إبراهيم بن أدهم فالفرض هو الزهد في الحرام # والنفل هو الزهد في الحلال # والسلامة هو الزهد في الشبهات # وقد ذكرنا تفاصيل درجات الورع في كتاب الحلال والحرام وذلك من الزهد إذ ~~قيل لمالك بن أنس ما الزهد قال التقوى وأما بالإضافة إلى خفايا ما يتركه ~~فلا نهاية للزهد فيه إذ لا نهاية لما تتمتع به النفس في الخطرات واللحظات ~~وسائر الحالات لا سيما خفايا الرياء فإن ذلك لا يطلع عليه إلا سماسرة ~~العلماء بل الأحوال الظاهرة أيضا درجات الزهد فيها لا تتناهى فممن أقصى ~~درجاته زهد عيسى عليه السلام إذ توسد حجرا في نومه فقال له الشيطان أما كنت ~~تركت الدنيا فما الذي بدا لك قال وما الذي تجدد قال توسدك الحجر أي تنعمت ~~برفع رأسك عن الأرض في النوم فرمى الحجر وقال خذه مع ما تركته لك # وروي عن يحيى بن زكريا عليهما السلام أنه لبس المسوح حتى ثقب جلده تركا ~~للتنعم بلين اللباس واستراحة حس اللمس فسألته أمه أن يلبس مكان المسح جبة ~~من صوف ففعل فأوحى الله تعالى إليه يا يحيى آثرت على الدنيا فبكى ونزع ~~الصوف ms2231 وعاد إلى ما كان عليه # وقال أحمد رحمه الله تعالى الزهد زهد أويس بلغ من العري أن جلس في قوصرة # وجلس عيسى عليه السلام في ظل حائط إنسان فأقامه صاحب الحائط فقال ما ~~أقمتني أنت إنما أقامني الذي لم يرض لي أن أتنعم بظل الحائط فإذن درجات ~~الزهدد ظاهرا وباطنا لا حصر لها وأقل درجاته الزهد في كل شبهة ومحظور # وقال قوم الزهد هو الزهد الحلال لافى الشبهة والمحظور فليس ذلك من درجاته ~~في شيء ثم رأوا أنه لم يبق حلال في أموال الدنيا فلا يتصور الزهد الآن # فإن قلت مهما كان الصحيح هو أن الزهد ترك ما سوى الله فكيف يتصور ذلك مع ~~الأكل والشرب واللبس ومخالطة الناس ومكالمتهم وكل ذلك اشتغال بما سوى الله ~~تعالى فاعلم أن معنى الانصراف عن الدنيا إلى الله تعالى هو الإقبال بكل ~~القلب عليه ذكرا وفكرا ولا يتصور ذلك إلا مع البقاء ولا بقاء إلا بضروريات ~~النفس فمهما اقتصرت من الدنيا على دفع المهلكات عن البدن وكان غرضك ~~الاستعانة بالبدن على العبادة لم تكن مشتغلا بغير الله فإن ما لا يتوصل إلى ~~الشيء إلا به فهو منه فالمشتغل بعلف الناقة وبسقيها في طريق الحج ليس معرضا ~~عن الحج ولكن ينبغي أن يكون بدنك في طريق الله مثل ناقتك في طريق الحج ولا ~~غرض لك في تنعم ناقتك باللذات بل غرضك مقصور على دفع المهلكات عنها حتى ~~تسير بك إلى مقصدك فكذلك ينبغي أن تكون في صيانة بدنك عن الجوع والعطش ~~المهلك بالأكل والشرب وعن الحر والبرد المهلك باللباس والمسكن فتقصر على ~~قدر الضرورة ولا تقصد التلذذ بل التقوى على طاعة الله تعالى فذلك لا يناقض ~~الزهد بل هو شرط الزهد وإن قلت فلا بد وأن أتلذذ بالأكل عند الجوع فاعلم أن ~~ذلك لا يضرك إذا لم يكن قصدك التلذذ فإن شارب الماء البارد قد يستلذ الشرب ~~ويرجع حاصله إلى زوال ألم العطش ومن يقضي حاجته قد يستريح بذلك PageV04P229 # ولكن لا يكون ذلك مقصودا ms2232 عنده ومطلوبا بالقصد فلا يكون القلب منصرفا إليه ~~فالإنسان قد يستريح في قيام الليل بتنسم الأسحار وصوت الأطيار ولكن إذا لم ~~يقصد طلب موضع لهذه الاستراحة فما يصيبه من ذلك بغير قصد لا يضره ولقد كان ~~في الخائفين من طلب موضعا لا يصيبه فيه نسيم الأسحار خيفة من الاستراحة به ~~وأنس القلب معه فيكون فيه أنس بالدنيا ونقصان في الأنس بالله بقدر وقوع ~~الأنس بغير الله ولذلك كان داود الطائي له جب مكشوف فيه ماؤه فكان لا يرفعه ~~من الشمس ويشرب الماء الحار ويقول من وجد لذة الماء البارد شق عليه مفارقة ~~الدنيا فهذه مخاوف المحتاطين والحزم في جميع ذلك الاحتياط فإنه وإن كان ~~شاقا فمدته قريبة والاحتماء مدة يسيرة للتنعم على التأبيد لا يثقل على أهل ~~المعرفة القاهرين لأنفسهم بسياسة الشرع المعتصمين بعروة اليقين في معرفة ~~المضادة التي بين الدنيا والدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين ### |||| بيان تفضيل الزهد فيما هو من ضروريات الحياة # اعلم أن ما الناس منهمكون فيه ينقسم إلى فضول وإلى مهم فالفضول كالخيل ~~المسومة مثلا إذ غالب الناس إنما يقتنيها للترفه بركوبها وهو قادر على ~~المشي والمهم كالأكل والشرب ولسنا نقدر على تفصيل أصناف الفضول فإن ذلك لا ~~ينحصر وإنما ينحصر المهم الضروري والمهم أيضا يتطرق إليه فضول في مقداره ~~وجنسه وأوقاته فلا بد من بيان وجه الزهد فيه والمهمات ستة أمور المطعم ~~والملبس والمسكن وأثاثه والمنكح والمال والجاه يطلب لأغراض # وهذه الستة من جملتها وقد ذكرنا معنى الجاه وسبب حب الخلق وكيفية ~~الاحتراز منه في كتاب الرياء من ربع المهلكات ونحن الآن نقتصر على بيان هذه ~~المهمات الستة # الأول المطعم ولا بد للإنسان من قوت حلال يقيم صلبه ولكن له طول وعرض فلا ~~بد من قبض طوله وعرضه حتى يتم به الزهد فأما طوله فبالإضافة إلى جملة العمر ~~فإن من يملك طعام يومه فلا يقنع به وأما عرضه ففي مقدار الطعام وجنسه ووقت ~~تناوله أما طوله فلا يقصر إلا بقصر الأمل وأقل درجات الزهد ms2233 فيه الاقتصار ~~على قدر دفع الجوع عند شدة الجوع وخوف المرض ومن هذا حاله فإذا استقل بما ~~تناوله لم يدخر من غدائه لعشائه وهذه هي الدرجة العليا الدرجة الثانية أن ~~يدخر لشهر أو أربعين يوما الدرجة الثالثة أن يدخر لسنة فقط وهذه رتبة ضعفاء ~~الزهاد ومن ادخر لأكثر من ذلك فتسميته زاهدا محال لأن من أمل بقاء أكثر من ~~سنة فهو طويل الأمل جدا فلا يتم منه الزهد إلا إذا لم يكن له كسب ولم يرض ~~لنفسه الأخذ من أيدي الناس كداود الطائي فإنه ورث عشرين دينارا فأمسكها ~~وأنفقها في عشرين سنة فهذا لا يضاد أصل الزهد إلا عند من جعل التوكل شرط ~~الزهد وأما عرضه فبالإضافة إلى المقدار وأقل درجاته في اليوم والليلة نصف ~~رطل وأوسطه رطل وأعلاه مد واحد وهو ما قدره الله تعالى في إطعام المسكين في ~~الكفارة وما وراء ذلك فهو من اتساع البطن والاشتغال به ومن لم يقدر على ~~الاقتصار على مد لم يكن له من الزهد في البطن نصيب وأما بالإضافة إلى الجنس ~~فأقله كل ما يقوت ولو الخبز من النخالة وأوسطه خبز الشعير والذرة وأعلاه ~~خبز البر غير منخول فإذا ميز من النخالة وصار حواري فقد دخل في التنعم وخرج ~~عن آخر أبواب الزهد فضلا عن أوائله # وأما الأدم فأقله الملح أو البقل والخل وأوسطه الزيت أو يسير من الأدهان ~~أي دهن كان وأعلاه اللحم أي لحم كان وذلك في الأسبوع مرة أو مرتين فإن صار ~~دائما أو أكثر من مرتين في الأسبوع خرج عن آخر أبواب الزهد فلم يكن صاحبه ~~زاهدا في البطن أصلا وأما بالإضافة إلى الوقت فأقله في اليوم والليلة مرة ~~وهو أن يكون صائما وأوسطه PageV04P230 # أن يصوم ويشرب ليلة ولا يأكل ويأكل ليلة ولا يشرب وأعلاه أن ينتهي إلى أن ~~يطوي ثلاثة أيام أو أسبوعا وما زاد عليه وقد ذكرنا طريق تقليل الطعام وكسر ~~شرهه في ربع المهلكات ولينظر إلى أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والصحابة رضوان ms2234 الله عليهم في كيفية زهدهم في المطاعم وتركهم الأدم # قالت عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تأتي علينا أربعون ليلة وما يوقد في ~~بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مصباح ولا نار قيل لها فبم كنتم تعيشون ~~قالت بالأسودين التمر والماء (1) وهذا ترك اللحم والمرقة والأدم # وقال الحسن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب الحمار ويلبس الصوف ~~وينتعل المخصوف ويلعق أصابعه ويأكل على الأرض # ويقول إنما أنا عبد آكل كما تأكل العبيد وأجلس كما تجلس العبيد (2) # وقال المسيح عليه السلام بحق أقول لكم إنه من طلب الفردوس فخبز الشعير له ~~والنوم على المزابل مع الكلاب كثير # وقال الفضيل ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة ثلاثة ~~أيام من خبز البر (3) # وكان المسيح صلى الله عليه وسلم يقول يا بني إسرائيل عليكم بالماء القراح ~~والبقل البري وخبز الشعير وإياكم وخبز البر فإنكم لن تقوموا بشكره # وقد ذكرنا سيرة الأنبياء والسلف في المطعم والمشرب في ربع المهلكات فلا ~~نعيده # ولما أتى النبي صلى الله عليه وسلم أهل قباء أتوه بشربة من لبن مشوبة ~~بعسل فوضع القدح من يده وقال أما إني لست أحرمه ولكن أتركه تواضعا لله ~~تعالى (4) # وأتي عمر رضي الله عنه بشربة من ماء بارد وعسل في يوم صائف فقال اعزلوا ~~عني حسابها # وقد قال يحيى ابن معاذ الرازي الزاهد الصادق قوته ما وجد ولباسه ما ستر ~~ومسكنه حيث أدرك الدنيا سجنه والقبر مضجعه والخلوة مجلسه والاعتبار فكرته ~~والقرآن حديثه والرب أنيسه والذكر رفيقه والزهد قرينه والحزن شأنه والحياء ~~شعاره والجوع إدامه والحكمة كلامه والتراب فراشه والتقوى زاده والصمت ~~غنيمته والصبر معتمده والتوكل حسبه والعقل دليله والعبادة حرفته والجنة ~~مبلغه إن شاء الله تعالى # المهم الثاني الملبس # وأقل درجته ما يدفع الحر والبرد ويستر العورة وهو كساء يتغطى به وأوسطه ~~قميص وقلنسوة ونعلان وأعلاه أن يكون معه منديل وسراويل وما جاوز هذا من حيث ~~المقدار فهو مجاوز حد الزهد # وشرط الزاهد أن لا ms2235 يكون له ثوب يلبسه إذا غسل ثوبه بل يلزمه القعود في ~~البيت فإذا صار صاحب قميصين وسراويلين ومنديلين فقد خرج من جميع ألوان ~~الزهد من حيث المقدار # أما الجنس فأقله المسوح PageV04P231 # الخشنة وأوسطه الصوف الخشن وأعلاه القطن الغليظ # وأما من حيث الوقت فأقصاه ما يستر سنة وأقله ما يبقى يوما حتى رقع بعضهم ~~ثوبه بورق الشجر وإن كان يتسارع الجفاف إليه وأوسطه ما يتماسك عليه شهرا ~~ومما يقاربه فطلب ما يبقى أكثر من سنة خروج إلى طول الأمل وهو مضاد للزهد ~~وإلا إذا كان المطلوب خشونته ثم قد يتبع ذلك قوته ودوامه فمن وجد زيادة من ~~ذلك فينبغي أن يتصدق به فإن أمسكه لم يكن زاهدا بل كان محبا للدنيا ولينظر ~~فيه إلى أحوال الأنبياء والصحابة كيف تركوا الملابس قال أبو بردة أخرجت لنا ~~عائشة رضي الله تعالى عنها كساء ملبدا وإزارا غليظا فقالت قبض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في هذين (1) وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يحب ~~المتبذل الذي لا يبالى مما لبس (2) وقال عمرو بن الأسود العنسي لا ألبس ~~مشهورا أبدا ولا أنام بليل أبدا على دثار أبدا ولا أركب على مأثور أبدا ولا ~~أملأ جوفي من طعام أبدا فقال عمر من سره أن ينظر إلى هدى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلينظر إلى عمرو بن الأسود (3) # وفي الخبر ما من عبد لبس ثوب شهرة إلا أعرض الله عنه حتى ينزعه وإن كان ~~عنده حبيبا (4) واشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبا بأربعة دراهم (5) # وكانت قيمة ثوبيه عشرة (6) وكان إزاره أربعة أذرع ونصفا (7) واشترى ~~سراويل بثلاثة دراهم (8) # وكان يلبس شملتين بيضاوين من صوف (9) وكانت تسمى حلة لأنها ثوبان من جنس ~~واحد وربما كان يلبس بردين يمانيين أو سحوليين من هذه الغلاظ # وفي الخبر كان قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قميص زيات (10) # ولبس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما واحدا ثوبا سيراء من سندس قيمته ~~مائتا درهم (11) فكان أصحابه ms2236 يلمسونه ويقولون PageV04P232 # يا رسول الله أنزل عليك هذا من الجنة تعجبا وكان قد أهداه إليه المقوقس ~~ملك الإسكندرية فأراد أن يكرمه بلبسه ثم نزعه وأرسل به إلى رجل من المشركين ~~وصله به ثم حرم لبس الحرير والديباج # وكأنه إنما لبسه أولا تأكيدا للتحريم كما لبس خاتما من ذهب يوما ثم نزعه ~~(1) فحرم لبسه على الرجال وكما قال لعائشة في شأن بريرة اشترطي لأهلها ~~الولاء (2) فلما اشترطته صعد عليه السلام المنبر فحرمه وكما أباح المتعة ~~ثلاثا ثم حرمها لتأكيد أمر النكاح (3) وقد صلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في خميصة لها علم فلما سلم قال شغلى النظر إلى هذه اذهبوا بها إلى أبي ~~جهم وائتوني بأنبجانيته (4) يعنى كساءه فاختار لبس الكساء على الثوب الناعم ~~وكان شراك نعله قد أخلق فأبدل بسير جديد فصلى فيه فلما سلم قال أعيدوا ~~الشراك الخلق وانزعوا هذا الجديد فإني نظرت إليه في الصلاة ولبس خاتما من ~~ذهب ونظر إليه على المنبر نظرة فرمي به فقال شغلى هذا عنكم نظرة إليه ونظرة ~~إليكم (5) وكان صلى الله عليه وسلم قد احتذى مرة نعلين جديدين فأعجبه ~~حسنهما فخر ساجدا وقال أعجبني حسنهما فتواضعت لربي خشية أن يمقتني ثم خرج ~~بهما فدفعهما إلى أول مسكين رآه (6) # وعن سنان بن سعد قال حيكت لرسول الله صلى الله عليه وسلم جبة من صوف ~~أنمار وجعلت حاشيتها سوداء فلما لبسها قال انظروا ما أحسنها ما ألينها قال ~~فقام إليه أعرابي فقال يا رسول الله هبها لي وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا سئل شيئا لم يبخل به قال فدفعها إليه وأمر أن يحاك له واحدة أخرى ~~فمات صلى الله عليه وسلم وهي في المحاكة (7) # وعن جابر قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة رضي الله تعالى ~~عنها وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من وبر الإبل فلما نظر إليها بكى وقال يا ~~فاطمة تجرعي مرارة الدنيا لنعيم الأبد فأنزل الله عليه {ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى} (8) وقال صلى الله ms2237 عليه وسلم إن من خيار أمتي فيما أنبأني الملأ ~~الأعلى قوما يضحكون جهرا من سعة رحمه الله تعالى ويبكون سرا من خوف عذابه ~~مؤنتهم على الناس خفيفة وعلى أنفسهم ثقيلة يلبسون الخلقان ويتبعون الرهبان ~~أجسامهم في الأرض وأفئدتهم عند العرش (9) فهذه كانت سيرة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الملابس وقد أوصى أمته عامة باتباعه إذ قال من أحبني ~~فليستن بسنتي (10) وقال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا ~~عليها بالنواجذ (11) وقال تعالى {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله} وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها خاصة وقال ~~إن أردت اللحوق بي فإياك ومجالسة الأغنياء ولا تنزعي ثوبا حتى ترقعيه (12) ~~وعد على قميص عمر رضي الله عنه اثنتا عشرة رقعة بعضها من أدم PageV04P233 # واشترى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ثوبا بثلاثة دراهم ولبسه وهو في ~~الخلافة وقطع كميه من الرسغين وقال الحمد لله الذي كساني هذا من رياشه # وقال الثوري وغيره البس من الثياب مالا يشهرك عند العلماء ولا يحقرك عند ~~الجهال وكان يقول إن الفقير ليمر بي وأنا أصلي فأدعه يجوز ويمر بي واحد من ~~أبناء الدنيا وعليه هذه البزة فأمقته ولا أدعه يجوز وقال بعضهم قومت ثوبي ~~سفيان ونعليه بدرهم وأربعة دوانق وقال ابن شبرمة خير ثيابي ما خدمني وشرها ~~ما خدمته # وقال بعض السلف البس من الثياب ما يخلطك بالسوقة ولا تلبس منها ما يشهرك ~~فينظر إليك # وقال أبو سليمان الداراني الثياب ثلاثة ثوب لله وهو ما يستر العورة وثوب ~~للنفس وهو ما يطلب لينه وثوب للناس وهو ما يطلب جوهره وحسنه # وقال بعضهم من رق ثوبه رق دينه # وكان جمهور العلماء من التابعين قيمة ثيابهم ما بين العشرين إلى الثلاثين ~~درهما وكان الخواص لا يلبس أكثر من قطعتين قميص ومتزر تحته وربما يعطف ذيل ~~قميصه على رأسه وقال بعض السلف أول النسك الزي وفي الخبر البذاذة من ~~الإيمان وفي الخبر من ترك ثوب جمال وهو يقدر ms2238 عليه تواضعا لله تعالى وابتغاء ~~لوجهه كان حقا على الله أن يدخر له من عبقري الجنة في تخات الياقوت وأوحى ~~الله تعالى إلى بعض أنبيائه قل لأوليائي لا يلبسوا ملابس أعدائي ولا يدخلوا ~~مداخل أعدائى فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي # ونظر رافع بن خديج إلى بشر بن مروان على منبر الكوفة وهو يعظ فقال انظروا ~~إلى أميركم يعظ الناس وعليه ثياب الفساق وكان عليه ثياب رقاق وجاء عبد الله ~~بن عامر بن ربيعة إلى أبي ذر في بزته فجعل يتكلم في الزهد فوضع أبي ذر ~~راحته على فيه وجعل يضرط به فغضب ابن عامر فشكاه إلى عمر فقال أنت صنعت ~~بنفسك تتكلم في الزهد بين يديه بهذه البزة وقال علي كرم الله وجهه إن الله ~~تعالى أخذ على أئمة الهدى أن يكونوا في مثل أدنى أحوال الناس ليقتدي بهم ~~الغني ولا يزري بالفقير فقره ولما عوتب في خشونة لباسه قال هو أقرب إلى ~~التواضع وأجدر أن يقتدي به المسلم # ونهى صلى الله عليه وسلم عن التنعم وقال إن لله تعالى عبادا ليسوا ~~بالمتنعمين (1) ورؤي فضالة بن عبيد وهو والي مصر أشعث حافيا فقيل له أنت ~~الأمير وتفعل هذا فقال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإرفاء ~~وأمرنا أن نحتفي أحيانا (2) # وقال علي لعمر رضي الله عنهما إن أردت أن تلحق بصاحبيك فارفع القميص ونكس ~~الإزار واخصف النعل وكل دون الشبع # وقال عمر اخشوشنوا وإياكم وزي العجم كسرى وقيصر وقال علي كرم الله وجهه ~~من تزيا بزي قوم فهو منهم # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم ~~يطلبون ألوان الطعام وألوان الثياب ويتشدقون في الكلام (3) وقال صلى الله ~~عليه وسلم أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ولا جناح عليه فيما بينه وبين ~~الكعبين وما أسفل من ذلك ففي النار ولا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ~~إزاره بطرا (4) وقال أبو سليمان الداراني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا يلبس الشعر ms2239 من أمتي إلا مراء أو أحمق (5) وقال الأوزاعي لباس الصوف في ~~السفر سنة وفي الحضر بدعة ودخل محمد بن واسع PageV04P234 # على قتيبة بن مسلم وعليه جبة صوف فقال له قتيبة ما دعاك إلى مدرعة الصوف ~~فسكت فقال أكلمك ولا تجيبني فقال أكره أن أقول زهدا فأزكي نفسي أو فقرا ~~فأشكو ربي # وقال أبو سليمان لما اتخذ الله إبراهيم خليلا أوحى إليه أن وار عورتك من ~~الأرض وكان لا يتخذ من كل شيء إلا واحدا سوى السراويل فإنه كان يتخذ ~~سراويلين فإذا غسل أحدهما لبس الآخر حتى لا يأتي عليه حال إلا وعورته ~~مستورة وقيل لسلمان الفارسي رضي الله عنه مالك لا تلبس الجيد من الثياب ~~فقال وما للعبد والثوب الحسن فإذا عتق فله والله ثياب لا تبلى أبدا ويروى ~~عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه كان له جبة شعر وكساء يلبسهما من الليل ~~إذا قام يصلي # وقال الحسن لفرقد السبخي تحسب أن لك فضلا على الناس بكسائك بلغني أن أكثر ~~أصحاب النار أصحاب الأكسية نفاقا وقال يحيى بن معين أرأيت أبا معاوية ~~الأسود وهو يلتقط الخرق من المزابل ويغسلها ويلفقها ويلبسها فقلت إنك تكسى ~~خيرا من هذا فقال ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا جبر الله لهم بالجنة كل ~~مصيبة فجعل يحيى ابن معين يحدث بها ويبكي # المهم الثالث المسكن وللزهد فيه أيضا ثلاث درجات أعلاها أن لا يطلب موضعا ~~خاصا لنفسه فيقنع بزوايا المساجد كأصحاب الصفة # وأوسطها أن يطلب موضعا خاصا لنفسه مثل كوخ مبني من سعف أو خص ما يشبهه ~~وأدناها أن يطلب حجرة مبنية إما بشراء أو إجارة فإن كان قدر سعة المسكن على ~~قدر حاجته من غير زيادة ولم يكن فيه زينة لم يخرجه هذا القدر عن آخر درجات ~~الزهد فإن طلب التشييد والتجصيص والسعة وارتفاع السقف أكثر من ستة أذرع فقد ~~جاوز بالكلية حدد للزهد في المسكن فاختلاف جنس البناء بأن يكون من الجص أو ~~القصب أو بالطين أو بالآجر واختلاف قدره بالسعة ms2240 والضيق واختلاف طوله ~~بالإضافة إلى الأوقات بأن يكون مملوكا أو مستأجرا أو مستعارا والزهد مدخل ~~في جميع ذلك # وبالجملة كل ما يراد للضرورة فلا ينبغي أن يجاوز حد الضرورة # وقدر الضرورة من الدنيا آلة الدين ووسيلته وما جاوز ذلك فهو مضاد للدين ~~والغرض من المسكن دفع المطر والبرد ودفع الأعين والأذى وأقل الدرجات فيه ~~معلوم وما زاد عليه فهو الفضول والفضول كله من الدنيا وطالب الفضول والساعي ~~له بعيد من الزهد جدا وقد قيل أول شيء ظهر من طول الأمل بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم التدريز والتشييد يعنى يالتدريز كف دروز الثياب فإنها كانت ~~تشل شلا والتشييد هو البنيان بالجص والآجر وإنما كانوا يبنون بالسعف ~~والجريد (1) وقد جاء في الخبر يأتي على الناس زمان يوشون ثيابهم كما توشى ~~البرود اليمانية وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس أن يهدم علية ~~كان قد علا بها (2) # ومر عليه السلام بجنبذة معلاة فقال لمن هذه قالوا لفلان فلما جاءه الرجل ~~أعرض عنه فلم يكن يقبل عليه كما كان فسأل الرجل أصحابه عن تغيير وجهه صلى ~~الله عليه وسلم فأخبر فذهب فهدمها فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالموضع فلم يرها فأخبر بأنه هدمها فدعا له بخير (3) PageV04P235 # وقال الحسن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يضع لبنة على لبنة ولا ~~قصبة على قصبة (1) وقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الله بعبد شرا ~~أهلك ماله في الماء والطين (2) وقال عبد الله بن عمر مر علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ونحن نعالج خصا فقال ما هذا قلنا خص لنا قد وهى فقال ~~أرى الأمر أعجل من ذلك (3) واتخذ نوح عليه السلام بيتا من قصب فقيل له لو ~~بنيت فقال هذا كثير لمن يموت وقال الحسن دخلنا على صفوان بن محيريز وهو في ~~بيت من قصب قد مال عليه فقيل له لو أصلحته فقال كم من رجل قد مات وهذا قائم ~~على حاله وقال النبي صلى الله ms2241 عليه وسلم من بنى فوق ما يكفيه كلف أن يحمله ~~يوم القيامة (4) وفي الخبر كل نفقة في الأرض يؤجر عليها إلا ما أنفقه في ~~الماء والطين (5) وفي قوله تعالى تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون ~~علوا في الأرض ولا فسادا إنه الرياسة والتطاول في البنيان # وقال صلى الله عليه وسلم كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما أكن ~~من حر أو برد (6) وقال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي شكا إليه ضيق منزله ~~اتسع في السماء (7) أي في الجنة ونظر عمر رضي الله عنه في طريق الشام إلى ~~صرح قد بني بجص وآجر فكبر وقال ما كنت أظن أن يكون في هذه الأمة من يبني ~~بنيان هامان لفرعون يعني قول فرعون فأوقد لي يا هامان على الطين يعني به ~~الآجر ويقال إن فرعون هو أول من بني له بالجص والآجر وأول من عمله هامان ثم ~~تبعهما الجبابرة وهذا هو الزخرف ورأى بعض السلف جامعا في بعض الأمصار فقال ~~أدركت هذا المسجد مبنيا من الجريد والسعف ثم رأيته من رهص ثم رأيته الآن ~~مبنيا باللبن فكان أصحاب السعف خيرا من أصحاب الرهص وكان أصحاب الرهص خير ~~من أصحاب اللبن وكان من السلف من يبني داره مرارا في مدة عمره لضعف بنائه ~~وقصر أمله وزهده في إحكام البنيان وكان منهم من إذا حج أو غزا نزع بيته أو ~~وهبه لجيرانه فإذا رجع أعاده وكانت بيوتهم من الحشيش والجلود وهي عادة ~~العرب الآن ببلاد اليمن وكان ارتفاع بناء السقف قامة وبسطة # قال الحسن كنت إذا دخلت بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربت بيدي إلى ~~السقف # وقال عمرو بن دينار إذا أعلى العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك إلى ~~أين يا أفسق الفاسقين وقد نهى سفيان عن النظر إلى بناء مشيد وقال لولا نظر ~~الناس لما شيدوا فالنظر إليه معين عليه # وقال الفضيل إني لم أعجب ممن بنى وترك ولكن أعجب ممن نظر إليه ولم يعتبر # وقال ابن ms2242 مسعود رضي الله عنه يأتي قوم يرفعون الطين ويضعون الدين ~~ويستعملون البرازين يصلون إلى قبلتكم ويموتون على غير دينكم PageV04P236 # المهم الرابع أثاث البيت وللزهد فيه أيضا درجات أعلاها حال عيسى المسيح ~~صلوات الله عليه وسلامه وعلى كل عبد مصطفى إذ كان لا يصحبه إلا مشط وكوز ~~فرأى إنسانا يمشط لحيته بأصابعه فرمى بالمشط ورأى آخر يشرب من النهر بكفيه ~~فرمى بالكوز وهذا حكم كل أثاث فإنه إنما يراد لمقصود فإذا استغنى عنه فهو ~~وبال في الدنيا والآخرة ومالا يستغنى عنه فيقتصر فيه على أقل الدرجات وهو ~~الخزف في كل ما يكفي فيه الخزف ولا يبالي بأن يكون مكسور الطرف إذا كان ~~المقصود يحصل به وأوسطها أن يكون له أثاث بقدر الحاجة صحيح في نفسه ولكن ~~يستعمل الآلة الواحدة في مقاصد كالذي معه قصعة يأكل فيها ويشرب فيها ويحفظ ~~المتاع فيها وكان السلف يستحبون استعمال آلة واحدة في أشياء للتخفيف ~~وأعلاها أن يكون له بعدد كل حاجة آلة من الجنس النازل الخسيس فإن زاد في ~~العدد أو في نفاسة الجنس خرج عن جميع أبواب الزهد وركن إلى طلب الفضول ~~ولينظر إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة رضوان الله ~~عليهم أجمعين فقد قالت عائشة رضي الله عنها كان ضجاع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذي ينام عليه وسادة من أدم حشوها ليف (1) # وقال الفضيل ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عباءة مثنية ~~ووسادة من أدم حشوها ليف (2) # وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو نائم على سرير مرمول بشريط فجلس فرأى أثر الشريط في جنبه عليه ~~السلام فدمعت عينا عمر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما الذي أبكاك يا ~~ابن الخطاب قال ذكرت كسرى وقيصر وما هما فيه من الملك وذكرتك وأنت حبيب ~~الله وصفيه ورسوله نائم على سرير مرمول بالشريط فقال صلى الله عليه وسلم ~~أما ترضى يا عمر أن ms2243 تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة قال بلى يا رسول الله قال ~~فذلك كذلك (3) ودخل رجل على أبي ذر فجعل يقلب بصره في بيته فقال يا أبا ذر ~~ما أرى في بيتك متاعا ولا غير ذلك من الأثاث فقال إن لنا بيتا نوجه إليه ~~صالح متاعنا فقال إنه لا بد لك من متاع ما دمت ههنا فقال إن صاحب المنزل لا ~~يدعنا فيه ولما قدم عمير بن سعيد أمير حمص على عمر رضي الله عنهما قال له ~~ما معك من الدنيا فقال معي عصاي أتوكأ عليها وأقتل بها حية إن لقيتها ومعي ~~جرابي أحمل فيه طعامي ومعي قصعتي آكل فيها وأغسل فيها رأسي وثوبي # ومعي مطهرتي أحمل فيها شرابي وطهوري للصلاة فما كان بعد هذا من الدنيا ~~فهو تبع لما معي فقال عمر صدقت رحمك الله وقدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من سفر فدخل على فاطمة رضي الله عنها فرأى على باب منزلها ستر وفي ~~يديها قلبين من فضة فرجع فدخل عليها أبو رافع وهي تبكي فأخبرته برجوع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فسأله أبو رافع فقال من أجل التستر والسوارين ~~فأرسلت بهما بلالا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت قد تصدقت بهما ~~فضعهما حيث ترى فقال اذهب فبعه وادفعه إلى أهل الصفة فباع القلبين بدرهمين ~~ونصف وتصدق بهما عليهم فدخل عليها صلى الله عليه وسلم فقال بأبي أنت قد ~~أحسنت (4) ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب عائشة سترا فهتكه ~~PageV04P237 # {وقال} كلما رأيته ذكرت الدنيا أرسلي به إلى آل فلان (1) وفرشت له عائشة ~~ذات ليلة فراشا جديدا وقد كان صلى الله عليه وسلم ينام على عباءة مثنية فما ~~زال يتقلب ليلته فلما أصبح قال لها أعيدي العباءة الخلقة ونحي هذا الفراش ~~عني قد أسهرني الليلة (2) وكذلك أتته دنانير خمسة أو ستة ليلا فبيتها فسهر ~~ليلته حتى أخرجها من آخر الليل # قالت عائشة رضي الله عنها فنام حينئذ حتى سمعت غطيطه ثم قال ما ms2244 ظن محمد ~~بربه لو لقي الله وهذه عنده (3) وقال الحسن أدركت سبعين من الأخيار ما ~~لأحدهم إلا ثوبه وما وضع أحدهم بينه وبين الأرض ثوبا قط كان إذا أراد النوم ~~باشر الأرض بجسمه وجعل ثوبه فوقه # المهم الخامس المنكح وقد قال قائلون لا معنى للزهد في أصل النكاح ولا في ~~كثرته وإليه ذهب سهل ابن عبد الله وقال قد حبب إلى سيد الزاهدين النساء ~~فكيف نزهد فيهن ووافقه على هذا القول ابن عيينة وقال كان أزهد الصحابة علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه وكان له أربع نسوة وبضع عشرة سرية # والصحيح ما قاله أبو سليمان الداراني رحمه الله إذ قال كل ما شغلك عن ~~الله من أهل ومال وولد فهو عليك مشئوم والمرأة قد تكون شاغلا عن الله # وكشف الحق فيه أنه قد تكون العزوبة أفضل في بعض الأحوال كما سبق في كتاب ~~النكاح فيكون ترك النكاح من الزهد وحيث يكون النكاح أفضل لدفع الشهوة ~~الغالبة فهو واجب فكيف يكون تركه من الزهد وإن لم يكن عليه آفة في تركه ولا ~~فعله ولكن ترك النكاح احترازا عن ميل القلب إليهن والأنس بهن بحيث يشتغل عن ~~ذكر الله فترك ذلك من الزهد فإن علم أن المرأة لا تشغله عن ذكر الله ولكن ~~ترك ذلك احترازا من لذة النظر والمضاجعة والمواقعة فليس هذا من الزهد أصلا ~~فإن الولد مقصود لبقاء نسله وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من القربات ~~واللذة التي تلحق الإنسان فيما هو من ضرورة الوجود لا تضره إذا لم تكن هي ~~المقصد والمطلب وهذا كمن ترك أكل الخبز وشرب الماء احترازا من لذة الأكل ~~والشرب وليس ذلك من الزهد في شيء لأن في ترك ذلك فوات بدنه فكذلك في ترك ~~النكاح انقطاع نسله فلا يجوز أن يترك النكاح زهدا في لذته من غير خوف آفة ~~أخرى وهذا ما عناه سهل لا محالة ولأجله نكح رسول الله صلى الله عليه وسلم # وإذا ثبت هذا فمن حاله حال رسول ms2245 الله صلى الله عليه وسلم في أنه لا يشغله ~~كثرة النسوة ولا اشتغال القلب بإصلاحهن والإنفاق عليهن (4) فلا معنى لزهده ~~فيهن حذرا من مجرد لذة الوقاع والنظر ولكن أنى يتصور ذلك لغير الأنبياء ~~والأولياء فأكثر الناس يشغلهم PageV04P238 # كثرة النسوان فينبغي أن يترك الأصل إن كان يشغله وإن لم يشغله وكان يخاف ~~من أن تشغله الكثرة منهن أو جمال المرأة فلينكح واحدة غير جميلة وليراع ~~قلبه في ذلك # قال أبو سليمان الزهد في النساء أن يختار المرأة الدون أو اليتيمة على ~~المرأة الجميلة والشريفة # وقال الجنيد رحمه الله أحب للمريد المبتدي أن لا يشغل قلبه بثلاث وإلا ~~تغير حاله التكسب وطلب الحديث والتزوج وقال أحب للصوفي أن لا يكتب ولا يقرأ ~~لأنه أجمع لهمه فإذا ظهر أن لذة النكاح كلذة الأكل فما شغل عن الله فهو ~~محذور فيهما جميعا # المهم السادس ما يكون وسيلة إلى هذه الخمسة وهو المال والجاه أما الجاه ~~فمعناه ملك القلوب بطلب محل فيها ليتوصل به إلى الاستعانة في الأغراض ~~والأعمال وكل من لا يقدر على القيام بنفسه في جميع حاجته وافتقر إلى من ~~يخدمه افتقر إلى جاه لا محالة في قلب خادمه لأنه إن لم يكن له عنده محل ~~وقدر لم يقم بخدمته وقيام القدر والمحل في القلوب هو الجاه وهذا له أول ~~قريب ولكن يتمادى به إلى هاوية لا عمق لها ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع ~~فيه وإنما يحتاج إلى المحل في القلوب إما لجلب نفع أو لدفع ضر أو لخلاص من ~~ظلم فأما النفع فيغني عنه المال فإن من يخدم بأجرة يخدم وإن لم يكن عنده ~~المستأجر قدر وإنما يحتاج إلى الجاه في قلب من يخدم بغير أجرة وأما دفع ~~الضر فيحتاج لأجله إلى الجاه في بلد لا يكمل فيه العدل أو يكون بين جيران ~~يظلمونه ولا يقدر على دفع شرهم إلا بمحل له في قلوبهم أو محل له عند ~~للسلطان وقدر الحاجة فيه لا ينضبط لا سيما إذا انضم إليه الخوف ms2246 وسوء الظن ~~بالعواقب والخائض في طلب الجاه سالك طريق الهلاك بل حق الزاهد أن لا يسعى ~~لطلب المحل في القلوب أصلا فإن اشتغاله بالدين والعبادة يمهد له من المحل ~~في القلوب ما يدفع به عنه الأذى ولو كان بين الكفار فكيف بين المسلمين فأما ~~التوهمات والتقديرات التي تحوج إلى زيادة في الجاه على الحاصل بغير كسب فهي ~~أوهام كاذبة إذ من طلب الجاه أيضا لم يخل عن أذى في بعض الأحوال فعلاج ذلك ~~بالاحتمال والصبر أولى من علاجه بطلب الجاه فإذن طلب المحل في القلوب لا ~~رخصة فيه أصلاواليسير منه داع إلى الكثير وضراوته أشد من ضراوة الخمر ~~فليحترز من قليله وكثيره # وأما المال فهو ضروري في المعيشة أعني القليل منه فإن كان كسوبا فإذا ~~اكتسب حاجة يومه فينبغي أن يترك الكسب كان بعضهم إذا اكتسب حبتين رفع سفطه ~~وقام هذا شرط الزهد فإن جاوز ذلك إلى ما يكفيه أكثر من سنة فقد خرج عن حد ~~ضعفاء الزهاد وأقويائهم جميعا وإن كانت له ضيعة ولم يكن له قوة يقين في ~~التوكل فأمسك منها مقدار ما يكفي ريعه لسنة واحدة فلا يخرج بهذا القدر عن ~~الزهد بشرط أن يتصدق بكل ما يفضل عن كفاية سنته ولكن يكون من ضعفاء الزهاد ~~فإن شرط التوكل في الزهد كما شرطه أويس القرني رحمه الله فلا يكون هذا من ~~الزهاد وقولنا إنه خرج من حد الزهاد نعني به أن ما وعد للزاهدين في الدار ~~الآخرة من المقامات المحمودة لا يناله وإلا فاسم الزهد قد لا يفارقه ~~بالإضافة إلى ما زهد فيه من الفضول والكثرة وأمر المنفرد في جميع ذلك أخف ~~من أمر المعيل وقد قال أبو سليمان لا ينبغي أن يرهق الرجل أهله إلى الزهد ~~بل يدعوهم إليه فإن أجابوا وإلا تركهم وفعل بنفسه ما شاء معناه أن التضييق ~~المشروط على الزاهد يخصه ولا يلزمه كل ذلك في عياله نعم لا ينبغي أن يجيبهم ~~أيضا فيما يخرج عن حد الاعتدال وليتعلم من رسول الله صلى ms2247 الله عليه وسلم إذ ~~انصرف من بيت فاطمة رضوان الله عليها بسبب ستر وقلبين لأن ذلك من الزينة لا ~~من الحاجة فإذا ما يضطر الإنسان إليه من جاه ومال ليس بمحذور بل الزائد على ~~الحاجة سم قائل والمقتصر على الضرورة دواء PageV04P239 # نافع وما بينهما درجات متشابهة فما يقرب من الزيادة وإن لم يكن سما قاتلا ~~فهو مضر وما يقرب من الضرورة فهو وإن لم يكن دواء نافعا لكنه قليل الضرر ~~والسم محظور شربه والدواء فرض تناوله وما بينهما مشتبه أمره فمن احتاط ~~فإنما يحتاط لنفسه ومن تساهل فإنما يتساهل على نفسه ومن استبرأ لدينه وترك ~~ما يريبه إلى ما لا يريبه ورد نفسه إلى مضيق الضرورة فهو الآخذ بالحزم وهو ~~من الفرق الناجية لا محالة # والمقتصر على قدر الضرورة والمهم لا يجوز أن ينسب إلى الدنيا بل ذلك ~~القدر من الدنيا هو عين الدين لأنه شرط الدين والشرط من جملة المشروط # ويدل عليه ما روي أن إبراهيم الخليل عليه السلام أصابته حاجة فذهب إلى ~~صديق له يستقرضه شيئا فلم يقرضه فرجع مهموما فأوحى الله تعالى إليه لو سألت ~~خليلك لأعطاك فقال يا رب عرفت مقتك للدنيا فخفت أن أسألك منها شيئا فأوحى ~~الله تعالى إليه ليس الحاجة من الدنيا فإذن قدر الحاجة من الدين وما وراء ~~ذلك وبال في الآخرة وهو في الدنيا أيضا كذلك يعرفه من يخبر أحوال الأغنياء ~~وما عليهم من المحنة في كسب المال وجمعه وحفظه واحتمال الذل فيه وغاية ~~سعادته به أن يسلم لورثته فيأكلون وربما يكونون أعداء له وقد يستعينون به ~~على المعصية فيكون هو معينا لهم عليها ولذلك شبه جامع الدنيا ومتبع الشهوات ~~بدود القز لا يزال ينسج على نفسه حيا ثم يروم الخروج فلا يجد مخلصا فيموت ~~ويهلك بسبب عمله الذي عمله بنفسه فكذلك كل من اتبع شهوات الدنيا فإنما يحكم ~~على قلبه بسلاسل تقيده بما يشتهيه حتى تتظاهر عليه السلاسل فيقيده المال ~~والجاه والأهل والولد وشماتة الأعداء ومراءاة الأصدقاء وسائر حظوظ الدنيا ms2248 ~~فلو خطر له أنه قد أخطأ فيه فقصد الخروج من الدنيا لم يقدر عليه ورأى قلبه ~~مقيدا بسلاسل وأغلال لا يقدر على قطعها ولو ترك محبوبا من محابه باختياره ~~كاد أن يكون قاتلا لنفسه وساعيا في هلاكه إلى أن يفرق ملك الموت بينه وبين ~~جميعها دفعة واحدة # فتبقى السلاسل في قلبه معلقة بالدنيا التي فاتته وخلفها فهي تجاذبه إلى ~~الدنيا ومخالب ملك الموت قد علقت بعروق قلبه تجذبه إلى الآخرة فيكون أهون ~~أحواله عند الموت أن يكون كشخص ينشر بالمنشار ويفصل أحد جانبيه عن الآخر ~~بالمجاذبة من الجانبين والذي ينشر بالمنشار إنما ينزل المؤلم ببدنه ويؤلم ~~قلبه بذلك بطرق السراية من حيث أثره فما ظنك بألم يتمكن أولا من صميم القلب ~~مخصوصا به لا بطريق السراية إليه من غيره فهذا أول عذاب يلقاه قبل ما يراه ~~من حسرة فوت النزول في أعلى عليين وجوار رب العالمين فبالنزوع إلى الدنيا ~~يحجب عن لقاء الله تعالى وعند الحجاب تتسلط عليه نار جهنم إذ النار غير ~~مسلطة إلا على محجوب # قال الله تعلى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم ~~فرتب العذاب بالنار على ألم الحجاب وألم الحجاب كاف من غير علاوة النار ~~فكيف إذا أضيفت العلاوة إليه فنسأل الله تعالى أن يقرر في أسماعنا ما نفث ~~في روع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قيل له أحبب من أحببت فإنك مفارقه ~~(1) وفي معنى ما ذكرناه من المثال قول الشاعر # كدود كدود القز ينسج دائما ... ويهلك غما وسط ما هو ناسجه # ولما انكشف لأولياء الله تعالى أن العبد مهلك نفسه بأعماله واتباعه هوى ~~نفسه إهلاك دود القز نفسه رفضوا الدنيا بالكلية حتى قال الحسن رأيت سبعين ~~بدريا كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم الله عليكم # وفي لفظ آخر كانوا بالبلاء أشد فرحا منكم بالغصب والرخاء لو رأيتموهم ~~قلتم مجانين ولو رأوا خياركم قالوا PageV04P240 # ما لهؤلاء من خلاق ولو رأوا أشراركم قالوا ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب ms2249 ~~وكان أحدهم يعرض لهم المال الحلال فلا يأخذه ويقول أخاف أن يفسد على قلبي ~~فمن كان له قلب فهو لا محالة يخاف من فساده والذين أمات حب الدنيا قلوبهم ~~فقد أخبر الله عنهم إذ قال تعالى ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين ~~هم عن آياتنا غافلون وقال عز وجل ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا # وقال تعالى فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك ~~مبلغهم من العلم فأحال ذلك كله على الغفلة وعدم العلم ولذلك قال رجل لعيسى ~~عليه السلام احملني معك في سياحتك فقال أخرج مالك والحقني # فقال لا أستطيع فقال عيسى عليه السلام بعجب يدخل الغني الجنة أو قال بشدة ~~وقال بعضهم ما من يوم ذر شارقه إلا وأربعة أملاك ينادون في الآفاق بأربعة ~~أصوات ملكان بالمشرق وملكان بالمغرب يقول أحدهم بالمشرق يا باغي الخير هلم ~~ويا باغي الشر أقصر ويقول الآخر اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا ~~ويقول اللذان بالمغرب أحدهما لدوا للموت وابنوا للخراب # ويقول الآخر كلوا وتمتعوا لطول الحساب ### |||| بيان علامات الزهد # اعلم أنه قد يظن أن تارك المال زاهد وليس كذلك # فإن ترك المال وإظهار الخشونة سهل على من أحب المدح بالزهد فكم من ~~الرهابين من ردوا أنفسهم كل يوم إلى قدر يسير من الطعام ولازموا ديرا لا ~~باب له وإنما مسرة أحدهم معرفة الناس حاله ونظرهم إليه ومدحهم له فذلك لا ~~يدل على الزهد دلالة قاطعة بل لا بد من الزهد في المال والجاه جميعا حتى ~~يكمل الزهد في جميع حظوظ النفس من الدنيا بل قد يدعي جماعة الزهد مع لبس ~~الأصواف الفاخرة والثياب الرفيعة كما قال الخواص في وصف المدعين إذ قال ~~وقوم ادعوا الزهد ولبسوا الفاخر من اللباس يموهون بذلك على الناس ليهدى ~~إليهم مثل لباسهم لئلا ينظر إليهم بالعين التي ينظر بها إلى الفقراء ~~فيحتقروا فيعطوا كما تعطى المساكين ويحتجون لنفوسهم بأتباع العلم وأنهم على ~~السنة وأن الأشياء داخلة ms2250 إليهم وهم خارجون منها وإنما يأخذون بعلة غيرهم # هذا إذا طولبوا بالحقائق وألجئوا إلى المضايق وكل هؤلاء أكلة الدنيا ~~بالدين لم يعنوا بتصفية أسرارهم ولا بتهذيب أخلاق نفوسهم فظهرت عليهم ~~صفاتهم فغلبتهم فادعوها حالا لهم فهم مائلون إلى الدنيا متبعون الهوى # فهذا كله كلام الخواص رحمه الله فإذن معرفة الزهد أمر مشكل بل حال الزهد ~~على الزاهد مشكل # وينبغي أن يعول في باطنه على ثلاث علامات العلامة الأولى أن لا يفرح ~~بموجود ولا يحزن على مفقود كما قال تعالى لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا ~~تفرحوا بما آتاكم بل ينبغي أن يكون بالضد من ذلك وهو أن يحزن بوجود المال ~~ويفرح بفقده العلامة الثانية أن يستوي عنده ذامه ومادحه فالأول علامة الزهد ~~في المال والثاني علامة الزهد في الجاه العلامة الثالثة أن يكون أنسه بالله ~~تعالى والغالب على قلبه حلاوة الطاعة إذ لا يخلو القلب عن حلاوة المحبة إما ~~محبة الدنيا وإما محبة الله وهما في القلب كالماء والهواء في القدح فالماء ~~إذا دخل خرج الهواء ولا يجتمعان وكل من أنس بالله اشتغل به ولم يشتغل بغيره ~~ولذلك قيل لبعضهم إلى ماذا أفضى بهم الزهد فقال إلى الأنس بالله فأما الأنس ~~بالدنيا وبالله فلا يجتمعان # وقد قال أهل المعرفة إذا تعلق الإيمان بظاهر القلب أحب الدنيا والآخرة ~~جميعا وعمل لهما وإذا بطن الإيمان في سويداء القلب وباشره أبغض الدنيا فلم ~~ينظر إليها ولم يعمل لها ولهدا ورد في دعاء آدم عليه السلام PageV04P241 # اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي # وقال أبو سليمان من شغل بنفسه شغل عن الناس وهذا مقام العاملين ومن شغل ~~بربه شغل عن نفسه وهذا مقام العارفين # والزاهد لا بد وأن يكون في أحد هذين المقامين ومقامه الأول أن يشغل نفسه ~~بنفسه وعند ذلك يستوي عنده المدح والذم والوجود والعدم ولا يستدل بإمساكه ~~قليلا من المال على فقد زهده أصلا # قال ابن أبي الحواري قلت لأبي سليمان أكان داود الطائي زاهدا قال نعم قلت ~~قد بلغني أنه ورث ms2251 عن أبيه عشرين دينارا فأنفقها في عشرين سنة فكيف كان ~~زاهدا وهو يمسك الدنانير فقال أردت منه أن يبلغ حقيقة الزهد وأراد بالحقيقة ~~الغاية فإن الزهد ليس له غاية لكثرة صفات النفس # ولا يتم الزهد إلا بالزهد في جميعها فكل من ترك من الدنيا شيئا مع القدرة ~~عليه خوفا على قلبه وعلى دينه فله مدخل في الزهد بقدر ما تركه وآخره أن ~~يترك كل ما سوى الله حتى لا يتوسد حجرا كما فعله المسيح عليه السلام فنسأل ~~الله تعالى أن يرزقنا من مباديه نصيبا وإن قل فإن أمثالنا لا يستجرىء على ~~الطمع في غاياته وإن كان قطع الرجاء عن فضل الله غير مأذون فيه وإذا لاحظنا ~~عجائب نعم الله تعالى علينا علمنا أن الله تعالى لا يتعاظمه شيء فلا بعد في ~~أن نعظم السؤال اعتمادا على الجود المجاوز لكل كمال # فإذن علامة الزهد استواء الفقر والغنى والعز والذل والمدح والذم وذلك ~~لغلبة الأنس بالله # ويتفرع عن هذه العلامات علامات أخرى لا محالة مثل أن يترك الدنيا ولا ~~يبالي من أخذها # وقيل علامته أن يترك الدنيا كما هي فلا يقول أبني رباطا أو أعمر مسجدا # وقال يحيى بن معاذ علامة الزهد السخاء بالموجود # وقال ابن خفيف علامته وجود الراحة في الخروج من الملك وقال أيضا الزهد هو ~~عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف # وقال أبو سليمان الصوف علم من أعلام الزهد فلا ينبغي أن يلبس صوفا بثلاثة ~~دراهم وفي قلبه رغبة خمسة دراهم # وقال أحمد بن حنبل وسفيان رحمهما الله علامة الزهد قصر الأمل وقال سري لا ~~يطيب عيش الزاهد إذا اشتغل عن نفسه ولا يطيب عيش العارف إذا اشتغل بنفسه # وقال النصراباذي الزاهد غريب في الدنيا والعارف غريب في الآخرة # وقال يحيى بن معاذ علامة الزهد ثلاث عمل بلا علاقة وقول بلا طمع وعز بلا ~~رياسة وقال أيضا الزاهد لله يسعطك الخل والخردل والعارف يشمك المسك والعنبر # وقال له رجل متى أدخل حانوت التوكل وألبس رداء الزهد وأقعد مع الزاهدين ms2252 ~~فقال إذا صرت من رياضتك لنفسك في السر إلى حد لو قطع الله عنك الرزق ثلاثة ~~أيام لم تضعف في نفسك فأما ما لم تبلغ هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين ~~جهل ثم لا آمن عليك أن تفتضح وقال أيضا الدنيا كالعروس ومن يطلبها ما شطتها ~~والزاهد فيها يسخم وجهها وينتف شعرها ويخرق ثوبها والعارف يشتغل بالله ~~تعالى ولا يلتفت إليها # وقال السري مارست كل شيء من أمر الزهد فنلت منه ما أريد إلا الزهد في ~~الناس فإني لم أبلغه ولم أطقه PageV04P242 # وقال الفضيل رحمه الله جعل الله الشر كله في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا ~~وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا # فهذا ما أردنا أن نذكره من حقيقة الزهد وأحكامه وإذا كان الزهد لا يتم ~~إلا بالتوكل فلنشرع في بيانه إن شاء الله تعالى ### || كتاب التوحيد والتوكل وهو الكتاب الخامس من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله مدبر الملك والملكوت المنفرد بالعزة والجبروت # الرافع السماء بغير عماد المقدر فيها أرزاق العباد الذي صرف أعين ذوي ~~القلوب والألباب عن ملاحظة الوسائط والأسباب إلى مسبب الأسباب ورفع همهم عن ~~الالتفات إلى ما عداه والاعتمام على مدبر سواه فلم يعبدوا إلا إياه علما ~~بأنه الواحد الفرد الصمد الإله وتحقيقا بأن جميع أصناف الخلق عباد أمثالهم ~~لا يبتغي عندهم الرزق وأنه ما من ذرة إلا إلى الله خلقها وما من دابة إلا ~~على الله رزقها فلما تحققوا أنه لرزق عباده ضامن وبه كفيل توكلوا عليه ~~فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل # والصلاة على محمد قامع الأباطيل الهادي إلى سواء السبيل وعلى آله وسلم ~~تسليما كثيرا # أما بعد فإن التوكل منزل من منازل الدين ومقام من مقامات الموقنين بل هو ~~من معالي درجات المقربين وهو في نفسه غامض من حيث العلم ثم هو شاق من حيث ~~العمل ووجه غموضه من حيث الفهم أن ملاحظة الأسباب والاعتماد عليها شرك في ~~التوحيد والتثاقل عنها بالكلية طعن ms2253 في ألسنة وقدح في الشرع والاعتماد على ~~الأسباب من غير أن ترى أسبابا تغيير في وجه العقل وانغماس في غمرة الجهل ~~وتحقيق معنى التوكل على وجه يتوافق فيه مقتضى التوحيد والنقل والشرع في ~~غاية الغموض والعسر ولا يقوى على كشف هذا الغطاء مع شدة الخفاء إلا سماسرة ~~العلماء الذين اكتحلوا من فضل الله تعالى بأنوار الحقائق فأبصروا وتحققوا ~~ثم نطقوا بالإعراب عما شاهدوه من حيث استنطقوا # ونحن الآن نبدأ بذكر فضيلة التوكل على سبيل التقدمة ثم نردفه بالتوحيد في ~~الشطر الأول من الكتاب ونذكر حال التوكل وعمله في الشطر الثاني ### ||| بيان فضيلة التوكل # أما من الآيات فقد قال تعالى وعلى الله فتوكلوا # إن كنتم مؤمنين وقال عز وجل وعلى الله فليتوكل المتوكلون وقال تعالى ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه وقال سبحانه وتعالى إن الله يحب المتوكلين وأعظم ~~بمقام موسوم بمحبة الله تعالى صاحبه ومضمون كفاية الله تعالى ملابسه فمن ~~الله تعالى حسبه وكافيه ومحبه ومراعيه فقد فاز الفوز العظيم فإن المحبوب لا ~~يعذب ولا يبعد ولا يحجب وقال تعالى أليس الله بكاف عبده فطالب الكفاية من ~~غيره والتارك للتوكل هو المكذب لهذه الآية # فإنه سؤال في معرض استنطاق بالحق كقوله تعالى هل أتى على الإنسان حين من ~~الدهر لم يكن شيئا مذكورا وقال عز وجل ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز ~~حكيم أي عزيز لا يذل من استجار به ولا يضيع من لاذ بجنا به والتجأ إلى PageV04P243 # ذمامه وحماه وحكيم لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره # وقال تعالى إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم بين أن كل ما سوى ~~الله تعالى عبد مسخر # حاجته مثل حاجتكم فكيف يتوكل عليه # وقال تعالى إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند ~~الله الرزق واعبدوه وقال عز وجل ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين ~~لا يفقهون وقال عز وجل يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه وكل ما ذكر ~~في القرآن ms2254 من التوحيد فهو تنبيه على قطع الملاحظة عن الأغيار والتوكل على ~~الواحد القهار # وأما الأخبار فقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود أريت الأمم ~~في الموسم فرأيت أمتي قد ملأوا السهل والجبل فأعجبتني كثرتهم وهيأتهم فقيل ~~لي أرضيت قلت نعم قيل ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب قيل من ~~هم يا رسول الله قال الذين لا يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون وعلى ربهم ~~يتوكلون فقام عكاشة وقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اللهم اجعله منهم فقام آخر فقال يا رسول الله ادع ~~الله أن يجعلني منهم فقال صلى الله عليه وسلم سبقك بها عكاشة (1) وقال صلى ~~الله عليه وسلم لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ~~تغدو خماصا وتروح بطانا (2) وقال صلى الله عليه وسلم من انقطع إلى الله عز ~~وجل كفاه الله تعالى كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب ومن انقطع إلى الدنيا ~~وكله الله إليها (3) وقال صلى الله عليه وسلم من سره أن يكون أغنى الناس ~~فليكن بما عند الله أوثق منه بما في يديه (4) ويروى عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان إذا أصاب أهله خصاصة قال قوموا إلى الصلاة ويقول بهذا ~~أمرني ربي عز وجل قال عز وجل {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} (5) الآية ~~وقال صلى الله عليه وسلم لم يتوكل من استرقى واكتوى (6) # وروي أنه لما قال جبريل لإبراهيم عليهما السلام وقد رمي إلى النار ~~بالمنجنيق ألك حاجة قال أما إليك فلا وفاء بقوله حسبي الله ونعم الوكيل إذ ~~قال ذلك حين أخذ ليرمى فأنزل الله تعالى {وإبراهيم الذي وفى} # وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود ما من عبد يعتصم بي دون ~~خلقي فتكيده السموات والأرض إلا جعلت له مخرجا # وأما الآثار فقد قال سعيد بن جبير لدغتني عقرب فأقسمت علي أمي لتسترقين ~~فناولت الراقي يدي التي لم تلدغ PageV04P244 # وقرأ ms2255 الخواص قوله تعالى {وتوكل على الحي الذي لا يموت} إلى آخر فقال ما ~~ينبغي للعبد بعدد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى # وقيل لبعض العلماء في منامه من وثق بالله تعالى فقد أحرز قوته وقال بعض ~~العلماء لا يشغلك المضمون لك من الرزق عن المفروض عليك من العمل فتضيع أمر ~~آخرتك ولا تنال من الدنيا إلا ما قد كتب الله لك # وقال يحيى بن معاذ في وجود العبد الرزق من غير طلب دلالة على أن الرزق ~~مأمور بطلب العبد # وقال إبراهيم بن أدهم سألت بعض الرهبان من أين تأكل فقال لي ليس هذا ~~العلم عندي ولكن سل ربي من أين يطعمني # وقال هرم بن حيان لأويس القرني أين تأمرني أن أكون فأومأ إلى الشام قال ~~هرم كيف المعيشة قال أويس أف لهذه القلوب قد خالطها الشك فما تنفعها ~~الموعظة # وقال بعضهم متى رضيت بالله وكيلا وجدت إلى كل خير سبيلا ونسأل الله تعالى ~~حسن الأدب ### ||| الشطر الأول في التوحيد ### |||| بيان حقيقة التوحيد الذي هو أصل التوكل # اعلم أن التوكل من باب الإيمان وجميع أبواب الإيمان لا تنتظم إلا بعلم ~~وحال وعمل والتوكل كذلك ينتظم من علم هو الأصل وعمل هو الثمرة وحال هو ~~المراد باسم التوكل # فلنبدأ ببيان العلم الذي هو الأصل وهو المسمى إيمانا في أصل اللسان إذ ~~الإيمان هو التصديق وكل تصديق بالقلب فهو علم وإذا قوي سمي يقينا ولكن ~~أبواب اليقين كثيرة ونحن إنما نحتاج منها إلى ما نبني عليه التوكل وهو ~~التوحيد الذي يترجمه قولك لا إله إلا الله وحده لا شريك له والإيمان ~~بالقدرة التي يترجم عنها قولك {له الملك} والإيمان بالجود والحكمة الذي يدل ~~عليه قولك {وله الحمد} فمن قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شيء قدير تم له الإيمان الذي هو أصل التوكل أعني أن ~~يصير معنى هذا القول وصفا لازما لقلبه غالبا عليه فأما التوحيد فهو الأصل ~~والقول فيه ms2256 يطول وهو من علم المكاشفة ولكن بعض علوم المكاشفات متعلق ~~بالأعمال بواسطة الأحوال ولا يتم علم المعاملة إلا بها فإذن لا نتعرض إلا ~~للقدر الذي يتعلق بالمعاملة وإلا فالتوحيد هو البحر الخضم الذي لا ساحل له ~~فنقول # للتوحيد أربع مراتب وينقسم إلى لب وإلى لب اللب وإلى قشر وإلى قشر القشر # ولنمثل ذلك تقريبا إلى الأفهام الضعيفة بالجوز في قشرته العليا فإن له ~~قشرتين وله لب وللب دهن هو لب اللب فالرتبة الأولى من التوحيد هي أن يقول ~~الإنسان بلسانه {لا إله إلا الله} وقلبه غافل عنه أو منكر له كتوحيد ~~المنافقين # والثانية أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه كما صدق به عموم المسلمين وهو اعتقاد ~~العوام # والثالثة أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق وهو مقام المقربين ~~وذلك بأن يرى أشياء كثيرة ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار # والرابعة أن لا يرى في الوجود إلا واحدا وهي مشاهدة الصديقين وتسمية ~~الصوفية الفناء في التوحيد لأنه من حيث لا يرى إلا واحدا فلا يرى نفسه أيضا ~~وإذا لم ير نفسه لكونه مستغرقا بالتوحيد كان فانيا عن نفسه في توحيده بمعنى ~~أنه فني عن رؤية نفسه والخلق فالأول موحد بمجرد اللسان ويعصم ذلك صاحبه في ~~الدنيا عن السيف والسنان # والثاني موحد بمعنى أنه معتقد بقلبه مفهوم لفظه وقلبه خال عن التكذيب بما ~~انعقد عليه قلبه وهو عقدة على القلب ليس فيه انشراح وانفساح ولكنه يحفظ ~~صاحبه من العذاب في الآخرة إن توفي عليه ولم تضعف PageV04P245 # بالمعاصي عقدته ولهذا العقد حيل يقصد بها تضعيفه وتحليله تسمى بدعة وله ~~حيل يقصد بها دفع حيلة التحليل والتضعيف ويقصد بها أيضا إحكام هذه العقدة ~~وشدها على القلب وتسمى كلاما والعارف به يسمى متكلما وهو في مقابلة المبتدع ~~ومقصده دفع المبتدع عن تحليل هذه العقدة عن قلوب العوام وقد يخص المتكلم ~~باسم الموحد من حيث إنه يحمي بكلامه مفهوم لفظ التوحيد على قلوب العوام حتى ~~لا تنحل عقدته # والثالث موحد بمعنى أنه لم يشاهد ms2257 إلا فاعلا واحدا إذا انكشف له الحق كما ~~هو عليه # ولا يرى فاعلا بالحقيقة إلا واحدا وقد انكشفت له الحقيقة كما هي عليه ~~لأنه كلف قلبه أن يعقد على مفهوم لفظ الحقيقة فإن تلك رتبة العوام ~~والمتكلمين إذ لم يفارق المتكلم العامي في الاعتقاد بل في صنعة تلفيق ~~الكلام الذي به حيل المبتدع عن تحليل هذه العقدة # والرابع موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد فلا يرى الكل من حيث ~~إنه كثير بل من حيث إنه واحد وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد فالأول ~~كالقشرة العليا من الجوز والثاني كالقشرة السفلى والثالث كاللب والرابع ~~كالدهن المستخرج من اللب # وكما أن القشرة العليا من الجوز لا خير فيها بل إن أكل فهو مر المذاق وإن ~~نظر إلى باطنه فهو كريه المنظر وإن اتخذ حطبا أطفأ النار وأكثر الدخان وإن ~~ترك في البيت ضيق المكان فلا يصلح إلا أن يترك مدة على الجوز للصون ثم يرمى ~~به عنه فكذلك التوحيد بمجرد اللسان دون التصديق بالقلب عديم الجدوى كثير ~~الضرر مذموم الظاهر والباطن لكنه ينفع مدة في حفظ القشرة السفلى إلى وقت ~~الموت والقشرة السفلى هي القلب والبدن # وتوحيد المنافق يصون بدنه عن سيف الغزاة فإنهم لم يؤمروا بشق القلوب ~~والسيف إنما يصيب جسم البدن وهو القشرة وإنما يتجرد عنه بالموت فلا يبقى ~~لتوحيده فائدة بعده وكما أن القشرة السفلى ظاهرة النفع بالإضافة إلى القشرة ~~العليا فإنها تصون اللب وتحرسه عن الفساد عند الادخار وإذا فصلت أمكن أن ~~ينتفع بها حطبا لكنها نازلة القدر بالإضافة إلى اللب وكذلك مجرد الاعتقاد ~~من غير كشف كثير النفع بالإضافة إلى مجرد نطق اللسان ناقص القدر بالإضافة ~~إلى الكشف والمشاهدة التي تحصل بانشراح الصدر وانفساحه وإشراق نور الحق فيه ~~إذ ذاك الشرح هو المراد بقوله تعالى {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام} وبقوله عز وجل {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} ~~وكما أن اللب نفيس في نفسه بالإضافة إلى ms2258 القشر وكله المقصود ولكنه لا يخلو ~~عن شوب عصارة بالإضافة إلى الدهن المستخرج منه فكذلك توحيد الفعل مقصد عال ~~للسالكين لكنه لا يخلو عن شوب ملاحظة الغير والالتفات إلى الكثرة بالإضافة ~~إلى من لا يشاهد سوى الواحد الحق # فإن قلت كيف يتصور أن لا يشاهد إلا واحد وهو يشاهد السماء والأرض وسائر ~~الأجسام المحسوسة وهي كثيرة فكيف يكون الكثير واحدا فاعلم أن هذه غاية علوم ~~المكاشفات # وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب فقد قال العارفون إفشاء سر ~~الربوبية كفر ثم هو غير متعلق بعلم المعاملة نعم ذكر ما يكسر سورة استبعادك ~~ممكن وهو أن الشيء قد يكون كثيرا بنوع مشاهدة واعتبار ويكون واحدا بنوع آخر ~~من المشاهدة والاعتبار وهذا كما أن الإنسان كثير إن التفت إلى روحه وجسده ~~وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد إذ نقول ~~إنه إنسان واحد فهو بالإضافة إلى الإنسانية واحد وكم من شخص يشاهد إنسانا ~~ولا يخطر بباله كثرة أمعائه وعروقه وأطرافه وتفصيل روحه وجسده وأعضائه ~~والفرق بينهما أنه في حالة الاستغراق والاستهتار به مستغرق بواحد ليس فيه ~~تفريق وكأنه في عين الجمع والملتفت إلى الكثرة في تفرقه فكذلك كل ما في ~~الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة فهو باعتبار ~~واحد من PageV04P246 # الاعتبارات واحد وباعتبارات أخر سواه كثير وبعضها أشد كثرة من بعض ومثاله ~~الإنسان وإن كان لا يطابق الغرض ولكنه ينبه في الجملة على كيفية مصير ~~الكثرة في حكم المشاهدة واحدا ويستبين بهذا الكلام ترك الإنكار والجحود ~~لمقام لم تبلغه وتؤمن به إيمان تصديق فيكون لك من حيث إنك مؤمن بهذا ~~التوحيد نصيب وإن لم يكن ما آمنت به صفتك كما أنك إذا آمنت بالنبوة وإن لم ~~تكن نبيا كان لك نصيب منه بقدر قوة إيمانك # وهذه المشاهدة التي لا يظهر فيها إلا الواحد الحق تارة تدوم وتارة تطرأ ~~كالبرق الخاطف وهو الأكثر والدوام نادر عزيز وإلى هذا أشار الحسين بن منصور ~~الحلاج حيث رأى ms2259 الخواص يدور في الأسفار فقال فيماذا أنت فقال أدور في ~~الأسفار لأصحح حالتي في التوكل وقد كان من المتوكلين فقال الحسين قد أفنيت ~~عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد فكأن الخواص كان في تصحيح ~~المقام الثالث في التوحيد فطالبه بالمقام الرابع فهذه مقامات الموحدين في ~~التوحيد على سبيل الإجمال # فإن قلت فلا بد لهذا من شرح بمقدار ما يفهم كيفية ابتناء التوكل عليه ~~فأقول أما الرابع فلا يجوز الخوض في بيانه وليس التوكل أيضا مبنيا عليه بل ~~يحصل حال التوكل بالتوحيد الثالث # وأما الأول وهو النفاق فواضح وأما الثاني وهو الاعتقاد فهو موجود في عموم ~~المسلمين وطريق تأكيده بالكلام ودفع حيل المبتدعة فيه مذكور في عالم الكلام ~~وقد ذكرنا في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد القدر المهم منه # وأما الثالث فهو الذي يبني عليه التوكل فلنذكر منه القدر الذي يرتبط ~~التوكل به دون تفصيله الذي لا يحتمله أمثال هذا الكتاب وحاصله أن ينكشف لك ~~أن لا فاعل إلا الله تعالى وأن كل موجود من خلق ورزق وعطاء ومنع وحياة وموت ~~وغنى وفقر إلى غير ذلك مما ينطلق عليه اسم فالمنفرد بإبداعه واختراعه هو ~~الله عز وجل لا شريك له فيه وإذا انكشف لك هذا لم تنظر إلى غيره بل كان منه ~~خوفك وإليه رجاؤك وبه ثقتك وعليه اتكالك فإنه الفاعل على الانفراد دون غيره ~~وما سواه مسخرون لا استقلال لهم بتحريك ذرة من ملكوت السموات والأرض وإذا ~~انفتحت لك أبواب المكاشفة اتضح لك هذا اتضاحا أتم من المشاهدة بالبصر وإنما ~~يصدك الشيطان عن هذا التوحيد في مقام يبتغي به أن يطرق إلى قلبك شائبة ~~الشرك بسببين أحدهما الالتفات إلى اختيار الحيوانات # والثاني الالتفاف إلى الجمادات أما الالتفاف إلى الجمادات فكاعتمادك على ~~المطر في خروج الزرع ونباته ونمائه وعلى الغيم في نزول المطر وعلى البرد في ~~اجتماع الغيم وعلى الريح في استواء السفينة وسيرها وهذا كله شرك في التوحيد ~~وجهل بحقائق الأمور ولذلك قال تعالى {فإذا ركبوا في الفلك دعوا ms2260 الله مخلصين ~~له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} قيل معناه أنهم يقولون لولا ~~استواء الريح لما نجونا # ومن انكشف له أمر العالم كما هو عليه علم أن الريح هو الهواء والهواء لا ~~يتحرك بنفسه مالم يحركه محرك وكذلك محركه وهكذا إلى أن ينتهي إلى المحرك ~~الأول الذي لا محرك له ولا هو متحرك في نفسه عز وجل فالتفات العبد في ~~النجاة إلى الريح يضاهي التفات من أخذ لتحزرقبته كتب الملك توقيعا بالعفو ~~عنه وتخليته فأخذ يشتغل بذكر الحبر والكاغد والقلم الذي به يكتب التوقيع ~~يقول # لولا القلم لما تخلصت فيرى نجاته من القلم لا من محرك القلم وهو غاية ~~الجهل ومن علم أن القلم لا حكم له في نفسه وإنما هو مسخر في يد الكاتب لم ~~يلتفت إليه ولم يشكر إلا الكاتب بل ربما يدهشه فرح النجاة وشكر الملك ~~والكاتب من أن يخطر بباله القلم والحبر والدواة والشمس والقمر والنجوم ~~والمطر والغيم والأرض وكل حيوان وجماد مسخرات في قبضة القدرة كتسخير القلم ~~في يد الكاتب بل هذا تمثيل في حقك لاعتقادك أن الملك PageV04P247 # الموقع هو الكاتب التوقيع والحق أن الله تبارك وتعالى هو الكاتب لقوله ~~تعالى {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} فإذا انكشف لك أن جميع ما في ~~السموات والأرض مسخرات على هذا الوجه انصرف عنك الشيطان خائبا وأيس عن مزج ~~توحيدك بهذا الشرك فأتاك في المهلكة الثانية وهي الالتفات إلى اختيار ~~الحيوانات في الأفعال الاختيارية ويقول كيف ترى الكل عن الله وهذا الإنسان ~~يعطيك رزقك باختياره فإن شاء أعطاك وإن شاء قطع عنك وهذا الشخص هو الذي يحز ~~رقبتك بسيفه وهو قادر عليك إن شاء حزن رقبتك وإن شاء عفا عنك فكيف لا تخافه ~~وكيف لا ترجوه وأمرك بيده وأنت تشاهد ذلك ولا تشك فيه ويقول له أيضا نعم إن ~~كنت لا ترى القلم لأنه مسخر فكيف لا ترى الكاتب بالقلم وهو المسخر له وعند ~~هذا زل أقدام الأكثرون إلا عباد الله المخلصين الذين ms2261 لا سلطان عليهم ~~للشيطان اللعين فشاهدوا بنور البصائر كون الكاتب مسخرا مضطرا كما شاهد جميع ~~الضعفاء كون القلم مسخرا وعرفوا أن غلط الضعفاء في ذلك كغلظ النملة مثلا لو ~~كانت تدب على الكاغد فترى رأس القلم يسود الكاغد ولم يمتد بصرها إلى اليد ~~والأصابع فضلا عن صاحب اليد فغلطت وظنت أن القلم هو المسود للبياض وذلك ~~لقصور بصرها عن مجاوزة رأس القلم لضيق حدقتها فكذلك من لم ينشرح بنور الله ~~تعالى صدره للإسلام قصرت بصيرته عن ملاحظة جبار السموات والأرض ومشاهدة ~~كونه قاهرا وراء الكل فوقف في الطريق على الكاتب وهو جهل محض بل أرباب ~~القلوب والمشاهدات قد أنطق الله تعالى في حقهم كل ذرة في السموات والأرض ~~بقدرته التي بها نطق كل شيء حتى سمعوا تقديسها وتسبيحها لله تعالى وشهادتها ~~على نفسها بالعجز بلسان ذلق تتكلم بلا حرف ولا صوت لا يسمعه الذين هم عن ~~السمع معزلون ولست أعني به السمع الظاهر الذي لا يجاوز بالأصوات فإن الحمار ~~شريك فيه ولا قدر لما يشارك فيه البهائم وإنما أريد به سمعا يدرك به كلام ~~ليس بحرف ولا صوت ولا هو عربي ولا عجمي # فإن قلت فهذه أعجوبة لا يقبلها العقل فصف لي كيفية نطقها وأنها كيف نطقت ~~وبماذا نطقت وكيف سبحت وقدست وكيف شهدت على نفسها بالعجز فاعلم أن لكل ذرة ~~في السموات والأرض مع أرباب القلوب مناجاة في السر وذلك مما لا ينحصر ولا ~~يتناهى فإنها كلمات تستمد من بحر كلام الله تعالى الذي لا نهاية له {قل لو ~~كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر} الآية ثم إنها تتناجى بأسرار الملك ~~والملكوت وإفشاء السر لؤم بل صدور الأحرار قبور الأسرار وهل رأيت قط أمينا ~~على أسرار ملك قد نوجي بخفاياه فنادى بسره على ملأ من الخلق ولو جاز إفشاء ~~كل سر لنا لما قال صلى الله عليه وسلم لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ~~ولبكيتم كثيرا (1) بل كان يذكر ذلك لهم حتى يبكون ولا يضحكون # ولما نهى عن ms2262 إفشاء سر القدر (2) ولما قال إذا ذكر النجوم فأمسكوا وإذا ~~ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا (3) ولما خص حذيفة رضي الله عنه ~~ببعض الأسرار (4) فإذن عن حكايات مناجاة ذرات الملك والملكوت لقلوب أرباب ~~المشاهدات مانعان أحدهما استحالة إفشاء السر والثاني خروج كلماتها عن الحصر ~~والنهاية ولكنا في المثال الذي كنا فيه وهي حركة القلم PageV04P248 # نحكى من مناجاتها قدرا يسيرا يفهم به على الإجمال كيفية ابتناء التوكل ~~عليه ونرد كلماتها إلى الحروف والأصوات وإن لم تكن حروفا وأصواتا ولكن هي ~~ضرورة التفهيم فنقول قال بعض الناظرين عن مشكاة نور الله تعالى للكاغد وقد ~~رآه اسود وجهه بالحبر ما بال وجهك كان أبيض مشرقا والآن قد ظهر عليه السواد ~~فلم سودت وجهك وما السبب فيه فقال الكاغد ما انصفتني في هذه المقالة فإني ~~ما سودت وجهي بنفسي ولكن سل الحبر فإنه كان مجموعا في المحبرة التي هي ~~مستقره ووطنه فسافر عن الوطن ونزل بساحة وجهي ظلما وعدوا فقال صدقت فسأل ~~الحبر عن ذلك فقال ما أنصفتني فإني كنت في المحبرة وادعا ساكنا عازما على ~~أن لا أبرح منها فاعتدى علي القلم بطمعه الفاسد واختطفني من وطني وأجلاني ~~عن بلادي وفرق جمعي وبدني كما ترى على ساحة بيضاء فالسؤال عليه لا علي فقال ~~صدقت ثم سأل القلم عن السبب في ظلمه وعدوانه وإخراج الحبر من أوطانه فقال ~~سل اليد والأصابع فإني كنت قصبا نابتا على شط الأنهار متنزها بين خضرة ~~الأشجار فجاءتني اليد بسكين فنحت عني قشري ومزقت عني ثيابي واقتلعتني من ~~أصلي وفصلت بين أنابيبي ثم برتني وشقت رأسي ثم غمستني في سواد الخبر ~~ومرارته وهي تستخدمني وتمشيني على قمة رأسي ولقد نثرت الملح على جرحي ~~بسؤالك وعتابك فتنح عني وسل من قهرني فقال صدقت ثم سأل اليد عن ظلمها ~~وعدولها على القلم واستخدامها له فقالت اليد ما أنا إلا لحم وعظم ودم وهل ~~رأيت لحما يظلم أو جسما يتحرك بنفسه وإنما أنا مركب مسخر ركبني فارس يقال ~~له القدرة والعزة ms2263 فهي التي ترددني وتجول بي في نواحي الأرض أما ترى المدر ~~والحجر والشجر لا يتعدى شيئا منها مكانه ولا يتحرك بنفسه إذ لم يركبه مثل ~~هذا الفارس القوي القاهر أما ترى أيدي الموتى تساويني في صورة اللحم والعظم ~~والدم ثم لا معاملة بينها وبين القلم فأنا أيضا من حيث أنا لا معاملة بيني ~~وبين القلم فسل القدرة عن شأني فإني مركب أزعجي من ركبني فقال صدقت ثم سأل ~~القدرة عن شأنها في استعمالها اليد وكثرة استخدامها وترديدها فقالت دع عنك ~~لومي ومعاتبتي فكم من لائم ملوم وكم من ملوم لا ذنب له وكيف خفي عليك أمري ~~وكيف ظننت أني ظلمت اليد لما ركبتها وقد كنت لها راكبة قبل التحريك وما كنت ~~أحركها ولا أستسخرها بل كنت نائمة ساكنة نوما ظن الظانون بي أني ميتة أو ~~معدومة لأني ما كنت أتحرك ولا أحرك حتى جاءني موكل أزعجني وأرهقني إلى ما ~~تراه مني فكانت لي قوة على مساعدته ولم تكن لي قوة على مخالفته وهذا الموكل ~~يسمى الإرادة ولا أعرفه إلا باسمه وهجومه وصياله إذ أزعجني من غمرة النوم ~~وأرهقني إلى ما كان لي مندوحة عنه لو خلاني ورأبي فقال صدقت ثم سأل الإرادة ~~ما الذي جرأك على هذه القدرة الساكنة المطمئنة حتى صرفتها إلى التحريك ~~وأرهقتها إليه إرهاقا لم تجد عنه مخلصا ولا مناصا فقالت الإرادة لا تعجل ~~علي فلعل لنا عذرا وأنت تلوم فإني ما انتهضت بنفسي ولكني انهضت وما أن ~~انبعثت ولكني بعثت بحكم قاهر وأمر جازم وقد كنت ساكنة قبل مجيئه ولكن ورد ~~علي من حضرة القلب رسول العلم على لسان العقل بالإشخاص للقدرة فأشخصتها ~~باضطرار فإني مسكينة مسخرة تحت قهر العلم والعقل ولم أدري بأي جرم وقفت ~~عليه وسخرت له وألزمت طاعته لكني أدري أني في دعة وسكون مالم يرد على هذا ~~الولود القاهر وهذا الحاكم العادل أو الظالم وقد وقفت عليه وقفا وألزمت ~~طاعته إلزاما بل لا يبقى لي معه مهما جزم حكمه طاقة على المخالفة ms2264 لعمري ما ~~دام هو في التردد مع نفسه والتحير في حكمه فأنا ساكنة لكن مع استشعار ~~وانتظار لحكمه فإذا انجزم حكمه أزعجت بطبع وقهر تحت طاعته وأشخصت القدرة ~~لتقوم بموجب حكمه فسل العلم عن شأني ودع عني عتابك PageV04P249 # فإني كما قال القائل # متى ترحلت عن قوم وقد قدروا ... أن لا تفارقهم فالراحلون هم # فقال صدقت وأقبل على العلم والعقل والقلب مطالبا لهم ومعاتبا إياهم على ~~استنهاض الإرادة وتسخيرها لإشخاص القدرة فقال العقل أما أنا فسراج ما ~~اشتعلت بنفسي ولكن أشعلت وقال القلب أما أنا فلوح ما انبسطت بنفسي ولكن ~~بسطت وقال العلم أما أنا فنقش نقشت في بياض لوح القلب لما أشرق سراج العقل ~~وما انخططت بنفسي فكم كان هذا اللوح قبل خاليا عني فسل القلم عني لأن الخط ~~لا يكون إلا بالقلم فعند ذلك تتعتع السائل ولم يقنعه جواب وقال قد طال تعبي ~~في هذا الطريق وكثرت منازلي ولا يزال يحيلني من طمعت في معرفة هذا الأمر ~~منه على غيره ولكني كنت أطيب نفسا بكثرة الترداد لما كنت أسمع كلاما مقبولا ~~لا في الفؤاد وعذرا ظاهرا في دفع السؤال فأما قولك إني خط ونقش وإنما خطى ~~قلم فلست أفهمه فإني لا أعلم قلما إلا من القصب ولا لوحا إلا من الحديد أو ~~الخشب ولا خطا إلا بالحبر ولا سراجا إلا من النار وإني لأسمع في هذا المنزل ~~حديث اللوح والسراج والخط والقلم ولا أشاهد من ذلك شيئا أسمع جعجعة ولا أرى ~~طحنا فقال له القلم إن صدقت فيما قلت فبضاعتك مزجاة وزادك قليل ومركبك ضعيف ~~واعلم أن المهالك في الطريق التي توجهت إليها كثيرة فالصواب لك أن تنصرف ~~وتدع ما أنت فيه فما هذا بعشك فأدرج عنه فكل ميسر لما خلق له وإن كنت راغبا ~~في استتمام الطريق إلى المقصد فألق سمعك وأنت شهيد # واعلم أن العوالم في طريقك هذا ثلاثة عالم الملك والشهادة أولها ولقد كان ~~الكاغد والحبر والقلم واليد من هذا العالم وقد جاوزت تلك المنازل على ms2265 سهولة ~~والثاني عالم الملكوت وهو ورائي فإذا جاوزتني انتهيت إلى منازله وفيه ~~المهامة الفيح والجبال الشاهقة والبحار المغرقة ولا أدري كيف تسلم فيها ~~والثالث هو عالم الجبروت وهو بين عالم الملك وعالم الملكوت ولقد قطعت منها ~~ثلاث منازل في أوائلها منزلة القدرة والإرادة والعلم وهو واسطة بين عالم ~~الملك والشهادة والملكوت لأن عالم الملك أسهل منه طريقا وعالم الملكوت أوعر ~~منه منهجا وإنما عالم الجبروت بين عالم الملك وعالم الملكوت يشبه السفينة ~~التي هي في الحركة بين الأرض والماء فلا هي في حد اضطراب الماء ولا هي في ~~حد سكون الأرض وثبرتها وكل من يمشي على الأرض يمشى في عالم الملك والشهادة ~~فإن جاوزت قوته إلى أن يقوى على ركوب السفينة كان كمن يمشي في عالم الجبروت ~~فإن انتهى إلى أن يمشي على الماء من غير سفينة مشى في عالم الملكوت من غير ~~تتعتع فإن كنت لا تقدر على المشي على الماء فانصرف فقد جاوزت الأرض وخلفت ~~السفينة ولم يبق بين يديك إلا الماء الصافي وأول عالم الملكوت مشاهدة القلم ~~الذي يكتب به العلم في لوح القلب وحصول اليقين الذي يمشي به على الماء أما ~~سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام لو ازداد يقينا ~~لمشي على الهواء (1) لما قيل له إنه كان يمشي على الماء فقال السالك السائل ~~قد تحيرت في أمري واستشعر قلبي خوفا مما وصفته من خطر الطريق ولست أدري ~~أطيق قطع هذه المهامة التي وصفتها أم لا فهل لذلك من علامة قال نعم افتح ~~بصرك واجمع ضوء عينيك وحدقهنحوي فإن ظهر لك القلم الذي به أكتب في لوح ~~القلب فيشبه أن تكون أهلا لهذا الطريق فإن كل من جاوز عالم الجبروت وقرع ~~بابا من أبواب الملكوت كوشف بالقلم أما ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أول أمره كوشف بالقلم إذ أنزل عليه اقرأ وربك PageV04P250 # الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم فقال السالك لقد فتحت ~~بصري وحدقته ms2266 فو الله ما أرى قصبا ولا خشبا ولا أعلم قلما إلا كذلك فقال ~~العلم لقد أبعدت النجعة أما سمعت أن متاع البيت يشبه رب البيت أما علمت أن ~~الله تعالى لا تشبه ذاته سائر الذوات فكذلك لا تشبه يده الأيدي ولا قلمه ~~الأقلام ولا كلامه سائر الكلام ولا خطه سائر الخطوط وهذه أمور إلهية من ~~عالم الملكوت فلبس الله تعالى في ذاته بجسم ولا هو في مكان بخلاف غيره ولا ~~يده لحم وعظم ودم بخلاف الأيدي ولا قلمه من قصب ولا لوحه من خشب ولا كلامه ~~بصوت وحرف ولا خطه رقم ورسم ولا حبره زاج وعفص فإن كنت لا تشاهد هذا هكذا ~~فما أراك إلا مخنثا بين فحولة التنزيه وأنوثة التشبيه مذبذبا بين هذا وذا ~~لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فكيف نزهت ذاته وصفاته تعالى عن الأجسام ~~وصفاتها ونزهت كلامه عن معاني الحروف والأصوات وأخذت تتوقف في يده وقلمه ~~ولوحه وخطه فإن كنت قد فهمت من قوله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم ~~على صورته الصورة الظاهرة المدركة بالبصر فكن مشبها مطلقا كما يقال كن ~~يهوديا صرفا وإلا فلا تلعب بالتوراة وإن فهمت منه الصورة الباطنة التي تدرك ~~بالبصائر لا بالأبصار فكن منزها صرفا ومقدسا فحلا واطو الطريق فإنك بالواد ~~المقدس طوى واستمع بسر قلبك لما يوحى فلعلك تجد على النار هدى ولعلك من ~~سرادقات العرش تنادي بما نودي به موسى إني أنا ربك فلما سمع السالك من ~~العلم ذلك استشعر قصور نفسه وأنه مخنث بين التشبيه والتنزيه فاشتعل قلبه ~~نارا من حدة غضبه على نفسه لما رآها بعين النقص ولقد كان زيته الذي في ~~مشكاة قلبه يكاد يضيء ولو لم تمسه نار فلما نفخ فيه العلم بحدته اشتعل زيته ~~فأصبح نورا على نور فقال له العلم اغتنم الآن هذه الفرصة وافتح بصرك لعلك ~~تجد على النار هدى ففتح بصره فانكشف له القلم الإلهي فإذا هو كما وصفه ~~العلم في التنزيه ما هو من خشب ولا قصب ms2267 ولا له رأس ولا ذنب وهو يكتب على ~~الدوام في قلوب البشر كلهم أصناف العلوم وكأن له في كل قلب رأسا ولا رأس له ~~فقضى منه العجب وقال نعم الرفيق العلم فجزاه الله تعالى عني خيرا إذ الآن ~~ظهر لي صديق أنبائه عن أوصاف القلم فإني أراه قلما لا كالأقلام فعند هذا ~~ودع العلم وشكره وقال قد طال مقامي عندك ومرادتي لك وأنا عازم على أن أسافر ~~إلى حضرة القلم وأسأله عن شأنه فسافر إليه وقال له ما بالك أيها القلم تخط ~~على الدوام في القلوب من العلوم ما تبعث به الإرادات إلى أشخاص القدر ~~وصرفها إلى المقدورات فقال أو قد نسيت ما رأيت في عالم الملك والشهادة ~~وسمعت من جواب القلم إذ سألته فأحالك على اليد قال لم أنس ذلك # قال فجوابي مثله جوابه قال كيف وأنت لا تشبهه قال القلم أما سمعت أن الله ~~تعالى خلق آدم على صورته قال نعم # قال فسل عن شأني الملقب بيمين الملك فإني في قبضته وهو الذي يرددني وأنا ~~مقهور مسخر فلا فرق بين القلم الإلهي وقلم الآدمي في معنى التسخير وإنما ~~الفرق في ظاهر الصورة # فقال فمن يمين الملك فقال القلم أما سمعت قوله تعالى والسموات مطويات ~~بيمينه قال نعم قال والأقلام أيضا في قبضة يمينه هو الذي يرددها فسافر ~~السالك من عنده إلى اليمين حتى شاهده ورأى من عجائبه ما يزيد على عجائب ~~القلم ولا يجوز وصف شيء من ذلك ولا شرحه بل لا تحوي مجلدات كثيرة عشر عشير ~~وصفه والجملة فيه أنه يمين لا كالإيمان ويد لا كالأيدي وإصبع لا كالأصابع ~~فرأى القلم محركا في قبضته فظهر له عذر القلم فسأل اليمين عن شأنه وتحريكه ~~للقلم فقال جوابي مثل ما سمعته من اليمين التي رأيتها في عالم الشهادة وهي ~~الحوالة على القدرة إذ اليد لا حكم لها في نفسها وإنما PageV04P251 # محركها القدرة لا محالة فسافر السالك إلى عالم القدرة ورأى فيه من ~~العجائب ما استحقر عندها ما قبله وسألها ms2268 عن تحريك اليمين فقالت إنما أنا ~~صفة فاسأل القادر إذ العمدة على الموصوفات لا على الصفات وعند هذا كاد أن ~~يزيغ ويطلق بالجراءة لسان السؤال فثبت بالقول الثابت ونودي من وراء حجاب ~~سرادقات الحضرة لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون فغشيته هيبة الحضرة فخر صعقا ~~يضطرب في غشيته فلما أفاق قال سبحانك ما أعظم شأنك تبت إليك وتوكلت عليك ~~وآمنت بأنك الملك الجبار الواحد القهار فلا أخاف غيرك ولا أرجو سواك ولا ~~أعوذ إلا بعفوك من عقابك وبرضاك من سخطك وما لي إلا أن أسألك وأتضرع إليك ~~وأبتهل بين يديك فأقول اشرح لي صدري لأعرفك واحلل عقدة من لساني لأثني عليك ~~فنودي من وراء الحجاب إياك أن تطمع في الثناء وتزيد على سيد الأنبياء بل ~~ارجع إليه فما آتاك فخذه وما نهاك عنه فانته عنه وما قاله لك فقله فإنه ما ~~زاد في هذه الحضرة على أن قال سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على ~~نفسك (1) فقال إلهي إن لم يكن للسان جراءة على الثناء عليك فهل للقلب مطمع ~~في معرفتك فنودي إياك أن تتخطى رقاب الصديقين فارجع إلى الصديق الأكبر ~~فاقتد به فإن أصحاب سيد الأنبياء كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم أما سمعته ~~يقول العجز عن درك الإدراك إدراك فيكفيك نصيبا من حضرتنا أن تعرف أنك محروم ~~عن حضرتنا عاجز عن ملاحظة جمالنا وجلالنا فعند ذلك رجع السالك واعتذر عن ~~أسئلته ومعاتباته وقال لليمين والقلم والعلم والإرادة والقدرة وما بعدها ~~اقبلوا عذري فإني كنت غريبا حديث العهد بالدخول في هذه البلاد ولكل داخل ~~دهشة فما كان إنكاري عليكم إلا عن قصور وجهل والآن قد صح عندي عذركم وانكشف ~~لي أن المنفرد بالملك والملكوت والعزة والجبروت هو الواحد القهار فما أنتم ~~إلا مسخرون تحت قهره وقدرته مرددون في قبضته وهو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن فلما ذكر ذلك في عالم الشهادة استبعد منه ذلك وقيل له كيف يكون هو ~~الأول والاخر وهما وصفان متناقضان وكيف يكون هو الظاهر والباطن فالأول ms2269 ليس ~~بآخر والظاهر ليس بباطن فقال هو الأول بالإضافة إلى الموجودات إذ صدر منه ~~الكل على ترتيبه واحدا بعد واحد وهو الآخر بالإضافة إلى سير السائرين إليه ~~فإنهم لا يزالون مترقين من منزل إلى منزل إلى أن يقع الانتهاء إلى تلك ~~الحضرة فيكون ذلك آخر السفر فهو آخر في المشاهدة أول في الوجود وهو باطن ~~بالإضافة إلى العاكفين في عالم الشهادة الطالبين لإدراكه بالحواس الخمس ~~ظاهر بالإضافة إلى من يطلبه في السراج الذي اشتعل في قلبه بالبصيرة الباطنة ~~النافذة في عالم الملكوت فهذا كان توحيد السالكين لطريق التوحيد في الفعل ~~أعني من انكشف له أن الفاعل واحد # فإن قلت قد انتهى هذا التوحيد إلى أنه يبتنى على الإيمان بعالم الملكوت ~~فمن لم يفهم ذلك أو يجحده فما طريقه فأقول أما الجاحد فلا علاج له إلا أن ~~يقال له إنكارك لعالم الملكوت كإنكار السمنية لعالم الجبروت وهم الذين ~~حصروا العلوم في الحواس الخمس فأنكروا القدرة والإرادة والعلم لأنها لا ~~ندرك بالحواس الخمس فلازموا حضيض عالم الشهادة بالحواس الخمس فإن قال وأنا ~~منهم فإني لا أهتدي إلا إلى عالم الشهادة بالحواس الخمس ولا أعلم شيئا سواه ~~فيقال إنكارك لما شاهدناه مما وراء الحواس الخمس كإنكار السوفسطائية للحواس ~~الخمس فإنهم قالوا ما نراه لا نثق به فلعلنا نراه في المنام فإن قال وأنا ~~من جملتهم فإني شاك أيضا في PageV04P252 # المحسوسات فيقال هذا شخص فسد مزاجه وامتنع علاجه فيترك أياما قلائل وما ~~كل مريض يقوى على علاجه الأطباء هذا حكم الجاحد # وأما الذي لا يجحد ولكن لا يفهم فطريق السالكين معه أن ينظروا إلى عينه ~~التي يشاهد بها عالم الملكوت فإن وجدوها صحيحة في الأصل وقد نزل فيها ماء ~~أسود يقبل الإزالة والتنقية اشتغلوا بتنقيته اشتغال الكحال بالأبصار ~~الظاهرة فإذا استوى بصره أرشد إلى الطريق ليسلكها كما فعل ذلك صلى الله ~~عليه وسلم بخواص أصحابه فإن كان غير قابل للعلاج فلم يمكنه أن يسلك الطريق ~~الذي ذكرناه في التوحيد ولم يمكنه أن يسمع كلام ms2270 ذرات الملك والملكوت بشهادة ~~التوحيد كلموه بحرف وصوت وردوا ذروة التوحيد إلى حضيض فهمه فإن في عالم ~~الشهادة أيضا توحيدا إذ يعلم كل أحد أن المنزل يفسد بصاحبين والبلد يفسد ~~بأميرين فيقال له على حد عقله # إله العالم واحد والمدبر واحد إذ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ~~فيكون ذلك على ذوق ما رآه في عالم الشهادة فينغرس اعتقاد التوحيد في قلبه ~~بهذا الطريق اللائق بقدر عقله وقد كلف الله الأنبياء أن يكلموا الناس على ~~قدر عقولهم ولذلك نزل القرآن بلسان العرب على حد عادتهم في المحاورة # فإن قلت فمثل هذا التوحيد الاعتقادي هل يصلح أن يكون عمادا للتوكل وأصلا ~~فيه فأقول نعم فإن الاعتقاد إذا قوي عمل عمل الكشف في إثارة الأحوال إلا ~~أنه في الغالب يضعف ويتسارع إليه الاضطراب والتزلزل غالبا ولذلك يحتاج ~~صاحبه إلى متكلم يحرسه بكلامه أو إلى أن يتعلم هو الكلام ليحرس به العقيدة ~~التي تلقنها من أستاذه أو من أبويه أو من أهل بلده # وأما لذى شاهد الطريق وسلكه بنفسه فلا يخاف عليه شيء من ذلك بل لو كشف ~~الغطاء لما ازداد يقينا وإن كان يزداد وضوحا كما أن الذي يرى إنسانا في وقت ~~الإسفار لا يزداد يقينا عند طلوع الشمس بأنه إنسان ولكن يزداد وضوحا في ~~تفصيل خلقته وما مثال المكاشفين والمعتقدين إلا كسحرة فرعون مع أصحاب ~~السامري فإن سحرة فرعون لما كانوا مطلعين على منتهى تأثير السحر لطول ~~مشاهدتهم وتجربتهم رأوا من موسى عليه السلام تجاوز حدود السحر وانكشف لهم ~~حقيقة الأمر فلم يكترثوا بقول فرعون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف {بل} ~~قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا قاقض ما أنت قاض إنما ~~تقضي هذه الحياة الدنيا فإن البيان والكشف يمنع التغيير وأما أصحاب السامري ~~لما كان إيمانهم عن النظر إلى ظاهر الثعبان فلما نظروا إلى عجل السامري ~~وسمعوا خواره تغيروا وسمعوا قوله هذا إلهكم وإله موسى ونسوا أنه لا يرجع ~~إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ms2271 ولا نفعا فكل من آمن بالنظر إلى ثعبان يكفر لا ~~محالة إذا نظر إلى عجل لأن كليهما من عالم الشهادة والاختلاف والتضاد في ~~عالم الشهادة كثير # وأما عالم الملكوت فهو من عند الله تعالى فلذلك لا نجد فيه اختلافا ~~وتضادا أصلا # فإن قلت ما ذكرته من التوحيد ظاهر مهما ثبت أن الوسائط والأسباب مسخرات ~~وكل ذلك ظاهر إلا في حركات الإنسان فإنه يتحرك إن شاء ويسكن إن شاء فكيف ~~يكون مسخرا فاعلم أنه لو كان مع هذا يشاء إن أراد أن يشاء ولا يشاء إن لم ~~يرد أن يشاء لكان هذا مزلة القدم وموقع الغلط ولكن علم أنه يفعل ما يشاء ~~إذا شاء إن يشأ أم لم يشأ فليست المشيئة إليه إذ لو كانت إليه لافتقرت إلى ~~مشيئة أخرى وتسلسل إلى غير نهاية وإذا لم تكن إليه المشيئة فمهما وجدت ~~المشيئة التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة ولم يكن لها ~~سبيل إلى المخالفة فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة والقدرة متحركة ضرورة عند ~~انجزام المشيئة فالمشيئة تحدث ضرورة في القلب فهذا ضرورات ترتب بعضها على ~~بعض # وليس للعبد أن يدفع وجود المشيئة ولا انصراف PageV04P253 # القدرة إلى المقدور بعدها ولا وجود الحركة بعد بعث المشيئة المقدرة فهو ~~مضطر في الجميع # فإن قلت فهذا جبر محض والجبر يناقض الاختيار وأنت لا تنكر الاختيار فكيف ~~يكون مجبورا مختارا فأقول لو انكشف الغطاء لعرفت أنه في عين الاختيار مجبور ~~فهو إذن مجبور على الاختيار فكيف يفهم هذا من لا يفهم الاختيار فلنشرح ~~الاختيار بلسان المتكلمين شرحا وجيزا يليق بما ذكر متطفلا وتابعا فإن هذا ~~الكتاب لم نقصد به إلا علم المعاملة ولكني أقول لفظ الفعل في الإنسان يطلق ~~على ثلاثة أوجه إذ يقال الإنسان يكتب بالأصابع ويتنفس بالرئة والحنجرة ~~ويخرق الماء إذا وقف عليه بجسمه فينسب إليه الخرق في الماء والتنفس ~~والكتابة وهذه الثلاثة في حقيقة الاضطرار والجبر واحدة ولكنها تختلف وراء ~~ذلك في أمور فأعرب لك عنها بثلاث عبارات فنسمي خرقه للماء ms2272 عند وقوعه على ~~وجهه فعلا طبيعيا ونسمي تنفسه فعلا إراديا ونسمي كتابته فعلا اختياريا ~~والجبر ظاهر في الفعل الطبيعي لأنه مهما وقف على وجه الماء أو تخطى من ~~السطح للهواء انخرق الهواء لا محالة وقد يكون الخرق بعد التخطي ضروريا ~~والتنفس في معناه فإن نسبة حركة الحنجرة إلى إرادة التنفس كنسبة انخراق ~~الماء إلى ثقل البدن فمهما كان الثقل موجودا وجد الانخراق بعده وليس الثقل ~~إليه وكذلك الإرادة ليست إليه ولذلك لو قصد عين الإنسان بإبرة طبق الأجفان ~~اضطرارا ولو أراد أن يتركها مفتوحة لم يقدر مع أن تغميض الأجفان اضطرارا ~~فعل إرادي ولكنه إذا تمثل صورة الإبرة في مشاهدته بالإدراك حدثت الإرادة ~~بالتغميض ضرورة وحدثت الحركة بها ولو أراد أن يترك ذلك لم يقدر عليه مع أنه ~~فعل بالقدرة والإرادة فقد التحق هذا بالفعل الطبيعي في كونه ضروريا # وأما الثالث وهو الاختيار فهو مظنة الالتباس كالكتابة والنطق وهو الذي ~~يقال فيه إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل وتارة لا يشاء فيظن من هذا أن الأمر ~~إليه وهذا للجهل بمعنى الاختيار فلنكشف عنه وبيانه أن الإرادة تبع للعلم ~~الذي يحكم بأن الشيء موافق لك والأشياء تنقسم إلى ما تحكم مشاهدتك الظاهرة ~~أو الباطنة بأنه يوافقك من غير تحير وتردد وإلى ما قد يتردد العقل فيه ~~فالذي نقطع به من غير تردد أن من يقصد عينك مثلا بإبرة أو بدنك بسيف فلا ~~يكون في علمك تردد في أن دفع ذلك خير لك وموافق فلا جرم تنبعث الإرادة ~~بالعلم # والقدرة بالإرادة وتحصل حركة الأجفان بالدفع وحركة اليد بدفع السيف ولكن ~~من غير روية وفكرة ويكون ذلك بالإرادة ومن الأشياء ما يتوقف التمييز والعقل ~~فيه فلا يدري أنه موافق أم لا فيحتاج إلى روية فكر حتى يتميز أن الخير في ~~الفعل أو الترك فإذا حصل بالفكر والروية العلم بأن أحدهما خير التحقق ذلك ~~بالذي يقطع به من غير روية فكر فانبعثت الإرادة ههنا كما تنبعث لدفع السيف ~~والسنان فإذا انبعثت لفعل ما ms2273 ظهر للعقل أنه خير سميت هذه الإرادة اختيارا ~~مشتقا من الخير أي هو انبعاث إلى ما ظهر للعقل أنه خير وهو عين تلك الإرادة ~~ولم ينتظر في انبعاثها إلى ما انتظرت تلك الإرادة وهو ظهور خيرية الفعل في ~~ححقه إلا أن الخيرية في دفع السيف ظهرت من غير روية بل على البديهة وهذا ~~افتقر إلى الروية فالاختيار عبارة عن إرادة خاصة وهي التي انبعثت بإشارة ~~العقل فيما له في إدراكه توقف وعن هذا قيل إن العقل يحتاج إليه للتمييز بين ~~خير الخيرين وشر الشرين ولا يتصور أن تنبعث الإرادة إلا بحكم الحس والتخيل ~~أو بحكم جزم من العقل ولذلك لو أراد الإنسان أن يحز رقبة نفسه مثلا لم ~~يمكنه لا لعدم القدرة في اليد ولا لعدم السكين ولكن لفقد الإرادة الداعية ~~المشخصة للقدرة وإنما فقدت الإرادة لأنها تنبعث بحكم العقل أو الحسن بكون ~~الفعل موافقا وقتله نفسه ليس موافقا له فلا يمكنه مع قوة الأعضاء أن يقتل ~~نفسه إلا إذا كان في عقوبة مؤلمة لا تطاق فإن العقل هنا يتوقف في الحكم ~~ويتردد لأن PageV04P254 # تردده بين شر الشرين فإن ترجح له بعد الروية أن ترك القتل أقل شرا لم ~~يمكنه قتل نفسه وإن حكم بأن القتل أقل شرا وكان حكمه جزما لا ميل فيه ولا ~~صارف منه انبعثت الإرادة والقدرة وأهلك نفسه كالذي يتبع بالسيف للقتل فإنه ~~يرمي بنفسه من السطح مثلا وإن مهلكا ولا يبالي ولا يمكنه أن لا يرمي نفسه ~~فإن كان يتبع بضرب خفيف فإن انتهى إلى طرف السطح حكم العقل بأن الضرب أهون ~~من الرمي فوقفت أعضاؤه فلا يمكنه أن يرمي نفسه ولا تنبعث له داعية البتة ~~لأن داعية الإرادة مسخرة بحكم العقل والحس والقدرة مسخرة للداعية والحركة ~~مسخرة للقدرة والكل مقدر بالضرورة فيه من حيث لا يدري فإنما هو محل ومجرى ~~لهذه الأمور فأما أن يكون منه فكلا ولا فإذن معنى كونه مجبورا أن جميع ذلك ~~حاصل فيه من غيره لا منه ومعنى كونه مختارا ms2274 أنه محل لإرادة حدثت فيه جبرا ~~بعد حكم العقل بكون الفعل خيرا محضا موافقا وحدث الحكم أيضا جبرا فإذا هو ~~مجبور على الاختيار ففعل النار في الإحراق مثلا جبر محض وفعل الله تعالى ~~اختيارا محض وفعل الإنسان على منزلة بين المنزلتين فإنه جبر على الاختيار ~~فطلب أهل الحق لهذا عبارة ثالثة لأنه لما كان فنا ثالثا وائتموه فيه بكتاب ~~الله تعالى فسموه كسبا وليس مناقضا للجبر ولا للاختيار بل هو جامع بينهما ~~عند من فهمه وفعل الله تعالى يسمى اختيارا بشرط أن لا يفهم من الاختيار ~~إرادة بعد تحير وتردد فإن ذلك في حقه محال وجميع الألفاظ المذكورة في ~~اللغات لا يمكن أن تستعمل في حق الله تعالى إلا على نوع من الاستعارة ~~والتجوز وذكر ذلك لا يليق بهذا العلم ويطول القول فيه # فإن قلت فهل تقول إن العلم ولد الإرادة والإرادة ولدت القدرة والقدرة ~~ولدت الحركة وأن كل متأخر حدث من المتقدم فإن قلت ذلك فقد حكمت بحدوث شيء ~~لا من قدرة الله تعالى وإن أبيت ذلك فما معنى ترتب البعض من هذا على البعض ~~فاعلم أن القول بأن بعض ذلك حدث عن بعض جهل محض سواء عبر عنه بالتولد أو ~~بغيره بل حوالة جميع ذلك على معنى الذي يعبر عنه بالقدرة الأزلية وهو الأصل ~~الذي لم يقف كافة الخلق عليه إلا الراسخون في العلم فإنهم وقفوا على كنه ~~معناه والكافة وقفوا على مجرد لفظه مع نوع تشبيه بقدرتنا وهو بعيد عن الحق ~~وبيان ذلك يطول ولكن بعض المقدورات مترتب على البعض في الحدوث ترتب المشروط ~~على الشرط فلا تصدر من القدرة الأزلية إرادة إلا بعد علم ولا علم إلا بعد ~~حياة ولا حياة إلا بعد محل الحياة وكما لا يجوز أن يقال الحياة تحصل من ~~الجسم الذي هو شرط الحياة فكذلك في سائر درجات الترتيب ولكن بعض الشروط ~~ربما ظهرت للعامة وبعضها لم يظهر إلا للخواص المكاشفين بنور الحق وإلا فلا ~~يتقدم متقدم ولا يتأخر متأخر إلا بالحق ms2275 واللزوم وكذلك جميع أفعال الله ~~تعالى ولولا ذلك لكان التقديم والتأخير عبثا يضاهي فعل المجانين تعالى الله ~~عن قول الجاهلين علوا كبيرا وإلى هذا أشار قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس ~~إلا ليعبدون وقوله تعالى وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما ~~خلقناهما إلا بالحق فكل ما بين السماء والأرض حادث على ترتيب واجب وحق لازم ~~لا يتصور أن يكون إلا كما حدث وعلى هذا الترتيب الذي وجد فما تأخر متأخر ~~إلا لانتظار شرطه والمشروط قبل الشرط محال والمحال لا يوصف بكونه مقدورا ~~فلا يتأخر العلم عن النطفة إلا لفقد شرط الحياة ولا تتأخر عنها الإرادة بعد ~~العلم إلا لفقد شرط العلم وكل ذلك منهاج الواجب وترتيب الحق ليس في شيء من ~~ذلك لعب واتفاق بل كل ذلك بحكمة وتدبير وتفهيم ذلك عسير ولكنا نضرب لتوقف ~~المقدور مع وجود القدرة على وجود الشرط مثالا يقرب مبادئ الحق من الأفهام ~~الضعيفة وذلك بأن PageV04P255 # نقدر إنسانا محدثا قد انغمس في الماء إلى رقبته فالحدث لا يرتفع عن ~~أعضائه وإن كان الماء هو الرافع وهو ملاق له فقدر القدرة الأزلية حاضرة ~~ملاقية للمقدورات متعلقة بها ملاقاة الماء للأعضاء ولكن لا يحصل بها ~~المقدور كما لا يحصل رفع الحدث بالماء انتظارا للشرط وهو غسل الوجه فإذا ~~وضع الواقف في الماء وجهه على الماء عمل الماء في سائر أعضائه وارتفع الحدث ~~فربما يظن الجاهل أن الحدث ارتفع عن اليدين برفعه عن الوجه لأنه حدث عقيبه ~~إذ يقول كان الماء ملاقيا ولم يكن رافعا والماء لم يتغير عما كان فكيف حصل ~~منه ما لم يحصل من قبل بل حصل ارتفاع الحدث عن اليدين عند غسل الوجه فإذن ~~غسل الوجه هو الرافع للحدث عن اليدين وهو جهل يضاهي ظن من يظن أن الحركة ~~تحصل بالقدرة والقدرة بالإرادة والإرادة بالعلم وكل ذلك خطأ بل عند ارتفاع ~~الحدث عن الوجه ارتفع الحدث عن اليد بالماء الملاقي لها لا بغسل الوجه ~~والماء لم يتغير واليد لم تتغير ولم يحدث ms2276 فيهما شيء ولكن حدث وجود الشرط ~~فظهر أثر العلة فهكذا ينبغي أن تفهم صدور المقدرات عن القدرة الأزلية مع أن ~~القدرة قديمة والمقدورات حادثة وهذا قرع باب آخر لعالم آخر من عوالم ~~المكاشفات فلنترك جميع ذلك فإن مقصودنا التنبيه على طريق التوحيد في الفعل ~~فإن الفاعل بالحقيقة واحد فهو المخوف والمرجو وعليه التوكل والاعتماد ولم ~~نقدر على أن نذكر من بحار التوحيد إلا قطرة من بحر المقام الثالث من مقامات ~~التوحيد واستيفاء ذلك في عمر نوح محال كاستيفاء ماء البحر بأخذ القطرات منه ~~وكل ذلك ينطوي تحت قول لا إله إلا الله وما أخف مؤنته على اللسان وما أسهل ~~اعتقاد مفهوم لفظه على القلب وما أعز حقيقته ولبه عند العلماء الراسخين في ~~العلم فكيف عند غيرهم # فإن قلت فكيف الجمع بين التوحيد والشرع ومعنى التوحيد أن لا فاعل إلا ~~الله تعالى ومعنى الشرع إثبات الأفعال للعباد فإن كان العبد فاعلا فكيف ~~يكون الله تعالى فاعلا وإن كان الله تعالى فاعلا فكيف يكون العبد فاعلا ~~ومفعول بين فاعلين غير مفهوم فأقول نعم ذلك غير مفهوم إذا كان للفاعل معنى ~~واحد وإن كان له معنيان ويكون الاسم مجملا مرددا بينهما لم يتناقض كما يقال ~~قتل الأمير فلانا ويقال قتله الجلاد ولكن الأمير قاتل بمعنى والجلاد قاتل ~~بمعنى آخر فكذلك العبد فاعل بمعنى والله عز وجل فاعل بمعنى آخر فمعنى كون ~~الله تعالى فاعلا أنه المخترع الموجد ومعنى كون العبد فاعلا أنه المحل الذي ~~خلق فيه القدرة بعد أن خلق فيه الإرادة بعد أن خلق فيه العلم فارتبطت ~~القدرة بالإرادة والحركة بالقدرة ارتباط الشرط بالمشروط وارتبط بقدرة الله ~~ارتباط المعلول بالعلة وارتباط المخترع بالمخترع وكل ما له ارتباط بقدرة ~~فإن محل القدرة يسمى فاعلا له كيفما كان الارتباط كما يسمى الجلاد قاتلا ~~والأمير قاتلا لأن القتل ارتبط بقدرتهما ولكن على وجهين مختلفين فلذلك سمي ~~فعلا لهما فكذلك ارتباط المقدورات بالقدرتين ولأجل توافق ذلك وتطابقه نسب ~~الله تعالى الأفعال في القرآن مرة إلى الملائكة ms2277 ومرة إلى العباد ونسبها ~~بعينها مرة أخرى إلى نفسه فقال الله تعالى في الموت قل يتوفاكم ملك الموت ~~ثم قال عز وجل الله يتوفى الأنفس حين موتها وقال تعالى أفرأيتم ما تحرثون ~~أضاف إلينا ثم قال تعالى أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا ~~فيها حبا وعنبا وقال عز وجل فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ثم ~~قال تعالى فنفخنا فيها من روحنا وكان النافخ جبريل عليه السلام وكما قال ~~تعالى فإذا قرأناه فاتبع قرآنه قيل في التفسير معناه إذا قرأه عليك جبريل ~~وقال تعالى قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم فأضاف القتل إليهم والتعذيب إلى ~~نفسه والتعذيب هو عين PageV04P256 # القتل بل صرح وقال تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وقال تعالى وما ~~رميت إذ رميت ولكن الله رمى وهو جمع بين النفي والإثبات ظاهرا ولكن معناه ~~وما رميت بالمعنى الذي يكون الرب به راميا إذ رميت بالمعنى الذي يكون العبد ~~به راميا إذ هما معنيان مختلفان # وقال الله تعالى الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم {ثم قال} الرحمن ~~علم القرآن {وقال} علمه البيان {وقال} ثم إن علينا بيانه {وقال} أفرأيتم ما ~~تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في وصف ملك الأرحام إنه يدخل الرحم فيأخذ النطفة في يده ثم يصورها جسدا ~~فيقول يا رب أذكر أم أنثى أسوي أم معوج فيقول الله تعالى ما شاء ويخلق ~~الملك (1) وفي لفظ آخر ويصور الملك ثم ينفخ فيه الروح بالسعادة أو بالشقاوة # وقد قال بعض السلف إن الملك الذي يقال له الروح هو الذي يولج الأرواح في ~~الأجساد وأنه يتنفس بوصفه فيكون كل نفس من أنفاسه روحا يلج في جسم ولذلك ~~سمي روحا وما ذكره في مثل هذا الملك وصفته فهو حق شاهده أرباب القلوب ~~ببصائرهم فأما كون الروح عبارة عنه فلا يمكن أن يعلم إلا بالنقل والحكم به ~~دون النقل تخمين مجرد وكذلك ذكر الله تعالى في القرآن من الأدلة والآيات ms2278 في ~~الأرض والسموات ثم قال أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد {وقال} شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو فبين أنه الدليل على نفسه وذلك ليس متناقضا بل طرق ~~الاستدلال مختلفة # فكم من طالب عرف الله تعالى بالنظر إلى الموجودات وكم من طالب عرف كل ~~الموجودات بالله تعالى كما قال بعضهم عرفت ربي بربي ولولا ربي لما عرفت ربي ~~وهو معنى قوله تعالى أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد وقد وصف الله ~~تعالى نفسه بأنه المحيي والمميت ثم فوض الموت والحياة إلى ملكين ففي الخبر ~~أن ملكي الموت والحياة تناظرا فقال ملك الموت أنا أميت الأحياء وقال ملك ~~الحياة أنا أحيي الموتى فأوحى الله تعالى إليهما كونا على عملكما وما ~~سخرتكما له من الصنع وأنا المميت والمحيي لا يميت ولا يحيي سواي (2) فإذن ~~الفعل يستعمل على وجوه مختلفة فلا تتناقض هذه المعاني إذا فهمت ولذلك قال ~~صلى الله عليه وسلم للذي ناوله التمرة خذها لو لم تأتها لأتتك (3) أضاف ~~الإتيان إليه وإلى التمرة ومعلوم أن التمرة لا تأتي على الوجه الذي يأتي ~~الإنسان إليها وكذلك لما قال التائب أتوب إلى الله تعالى ولا أتوب إلى محمد ~~فقال صلى الله عليه وسلم عرف الحق لأهله (4) فكل من أضاف الكل إلى الله ~~تعالى فهو المحقق الذي عرف الحق والحقيقة ومن أضافه إلى غيره فهو المتجوز ~~والمستعير في كلامه وللتجوز وجه كما أن للح 4 قيقة وجها واسم الفاعل وضعه ~~واضع اللغة للمخترع ولكن ظن أن الإنسان مخترع بقدرته فسماه فاعلا بحركته ~~وظن أنه تحقيق وتوهم أن نسبته إلى الله تعالى على سبيل المجاز مثل نسبة ~~القتل إلى الأمير فإنه مجاز بالإضافة إلى نسبته إلى الجلاد فلما انكشف الحق ~~لأهله عرفوا أن الأمر بالعكس PageV04P257 # وقالوا إن الفاعل قد وضعته أيها اللغوي للمخترع فلا فاعل إلا الله فالاسم ~~له بالحقيقة ولغيره بالمجاز # أي تتجوز به عما وضعه اللغوي له ولما جرى حقيقة المعنى على لسان بعض ~~الأعراب قصدا ms2279 أو اتفاقا صدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصدق بيت ~~قاله الشاعر قول لبيد # ألا كل شيء ما خلا الله باطل (1) أي كل ما لا قوام له بنفسه وإنما قوامه ~~بغيره فهو باعتبار نفسه باطل وإنما حقيته وحقيقته بغيره لا بنفسه فإذن لا ~~حق بالحقيقة إلى الحي القيوم الذي ليس كمثله شيء فإنه قائم بذاته وكل ما ~~سواه قائم بقدرته فهو الحق وما سواه باطل ولذلك قال سهل يا مسكين كان ولم ~~تكن ويكون ولا تكون فلما كنت اليوم صرت تقول أنا وأنا كن الآن كما لم تكن ~~فإنه اليوم كما كان # فإن قلت فقد ظهر الآن أن الكل جبر فما معنى الثواب والعقاب والغضب والرضا ~~وكيف غضبه على فعل نفسه فاعلم أن معنى ذلك قد أشرنا إليه في كتاب الشكر فلا ~~نطول بإعادته فهذا هو القدر الذي رأينا الرمز إليه من التوحيد الذي يورث ~~حال التوكل ولا يتم هذا إلا بالإيمان بالرحمة والحكمة فإن التوحيد يورث ~~النظر إلى مسبب الأسباب والإيمان بالرحمة وسعتها هو الذي يورث الثقة بمسبب ~~الأسباب ولا يتم حال التوكل كما سيأتي إلا بالثقة بالوكيل وطمأنينة القلب ~~إلى حسن نظر الكفيل وهذا الإيمان أيضا باب عظيم من أبواب الإيمان وحكاية ~~طريق المكاشفين فيه تطول فلنذكر حاصله ليعتقده الطالب لمقام التوكل اعتقادا ~~قاطعا لا يستريب فيه # وهو أن يصدق تصديقا يقينيا لا ضعف فيه ولا ريب إن الله عز وجل لو خلق ~~الخلق كلهم على عقل أعقلهم وعلم أعلمهم وخلق لهم من العلم ما تحتمله نفوسهم ~~وأفاض عليهم من الحكمة مالا منتهى لوصفها ثم زاد مثل عدد جميعهم علما وحكمة ~~وعقلا ثم كشف لهم عن عواقب الأمور وأطلعهم على أسرار الملكوت وعرفهم دقائق ~~اللطف وخفايا العقوبات حتى اطلعوا به على الخير والشر والنفع والضر ثم ~~أمرهم أن يدبروا الملك والملكوت بما أعطوا من العلوم والحكم لما اقتضى ~~تدبير جميعهم مع التعاون والتظاهر عليه أن يزاد فيما دبر الله سبحانه الخلق ~~به في الدنيا والآخرة جناح ms2280 بعوضة ولا أن ينقص منها جناح بعوضة ولا أن يرفع ~~منها ذرة ولا أن يخفض منها ذرة ولا أن يدفع مرض أو عيب أو نقص أو فقر أو ضر ~~عمن بلي به ولا أن يزال صحة أو كمال أو غنى أو نفع عمن أنعم الله به عليه ~~بل كل ما خلقه الله تعالى من السموات والأرض إن رجعوا فيها البصر وطولوا ~~فيها النظر ما رأوا فيها من تفاوت ولا فطور وكل ما قسم الله تعالى بين ~~عباده من رزق وأجل وسرور وحزن وعجز وقدرة وإيمان وكفر وطاعة ومعصية فكله ~~عدل محض لا جور فيه وحق صرف لا ظلم فيه بل هو على الترتيب الواجب الحق على ~~ما ينبغي وكما ينبغي بالقدر الذي ينبغي وليس في الإمكان أصلا أحسن منه ولا ~~أتم ولا أكمل ولو كان وادخره مع القدرة ولم يتفضل بفعله لكان بخلا يناقض ~~الجود وظلما يناقض العدل ولو لم يكن قادرا لكان عجزا يناقض الإلهية بل كل ~~فقر وضر في الدنيا فهو نقصان من الدنيا وزيادة في الآخرة وكل نقص في الآخرة ~~بالإضافة إلى شخص فهو نعيم بالإضافة إلى غيره إذ لولا الليل لما عرف قدر ~~النهار ولولا المرض لما تنعم الأصحاء بالصحة ولولا النار لما عرف أهل الجنة ~~قدر النعمة وكما أن فداء أرواح الإنس بأرواح البهائم وتسليطهم على ذبحها ~~ليس بظلم بل تقديم الكامل على الناقص عين العدل فكذلك تفخيم النعم على سكان ~~الجنان بتعظيم العقوبة على أهل النيران وفداء PageV04P258 # أهل الإيمان بأهل الكفران عين العدل وما لم يخلق الناقص لا يعرف الكامل ~~ولولا خلق البهائم لما ظهر شرف الإنس فإن الكمال والنقص يظهر بالإضافة ~~فمقتضى الجود والحكمة خلق الكامل والناقص جميعا وكما أن قطع اليد إذا تآكلت ~~إبقاء على الروح عدل لأنه فداء كامل بناقص فكذلك الأمر في التفاوت الذي بين ~~الخلق في القسمة في الدنيا والآخرة فكل ذلك عدل لا جور فيه وحق لا لعب فيه ~~وهذا الآن بحر آخر عظيم العمق واسع الأطراف مضطرب ms2281 الأمواج قريب في السعة من ~~بحر التوحيد فيه غرق طوائف من القاصرين ولم يعلموا أن ذلك غامض لا يعقله ~~إلا العالمون ووراء هذا البحر سر القدر الذي تحير فيه الأكثرون ومنع من ~~إفشاء سره المكاشفون والحاصل أن الخير والشر مقضي به وقد كان ما قضى به ~~واجب الحصول بعد سبق المشيئة فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه وأمره بل كل ~~صغير وكبير مستطر وحصوله بقدر معلوم منتظر وما أصابك لم يكن ليخطئك وما ~~أخطأك لم يكن ليصيبك ولنقتصر على هذه المرامز من علوم المكاشفة التي هي ~~أصول مقام التوكل ولنرجع إلى علم المعاملة إن شاء الله تعالى وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل ### ||| الشطر الثاني من الكتاب في أحوال التوكل وأعماله # وفيه بيان حال التوكل # وبيان ما قاله الشيوخ في حد التوكل وبيان التوكل في الكسب للمنفرد ~~والمعيل وبيان التوكل بقدر الادخار وبيان التوكل في دفع المضار وبيان ~~التوكل في إزالة الضرر بالتداوي وغيره والله الموفق برحمته ### |||| بيان حال التوكل # قد ذكرنا أن مقام التوكل ينتظم من علم وحال وعمل وذكرنا العلم # فأما الحال فالتوكل بالتحقيق عبارة عنه وإنما العلم أصله والعمل ثمرته ~~وقد أكثر الخائضون في بيان حد التوكل واختلفت عباراتهم وتكلم كل واحد عن ~~مقام نفسه وأخبر عن حده كما جرت عادة أهل التصوف به ولا فائدة في النقل ~~والإكثار فلنكشف الغطاء عنه ونقول التوكل مشتق من الوكالة يقال وكل أمره ~~إلى فلان أي فوضه إليه واعتمد عليه فيه ويسمى الموكول إليه وكيلا ويسمى ~~المفوض إليه متكلا عليه ومتوكلا عليه مهما اطمأنت إليه نفسه ووثق به ولم ~~يتهمه فيه بتقصير ولم يعتقد فيه عجزا وقصورا فالتوكل عبارة عن اعتماد القلب ~~على الوكيل وحده ولنضرب للوكيل في الخصومة مثلا فنقول من ادعى عليه دعوى ~~باطلة بتلبيس فوكل للخصومة من يكشف ذلك التلبيس لم يكن متوكلا عليه ولا ~~واثقا به ولا مطمئن النفس بتوكيله إلا إذا اعتقد فيه أربعة أمور منتهى ~~الهداية ومنتهى القوة ومنتهى الفصاحة ومنتهى الشفقة أما الهداية فليعرف بها ms2282 ~~مواقع التلبيس حتى لا يخفى عليه من غوامض الحيل شيء أصلا وأما القدرة ~~والقوة فليستجرئ على التصريح بالحق فلا يداهن ولا يخاف ولا يستحي ولا يجبن ~~فإنه ربما يطلع على وجه تلبيس خصمه فيمنعه الخوف أو الجبن أو الحياء أو ~~صارف آخر من الصوارف المضعفة للقلب عن التصريح به وأما الفصاحة فهي أيضا من ~~القدرة إلا أنها قدرة في اللسان على الإفصاح عن كل ما استجرأ القلب عليه ~~وأشار إليه فلا كل عالم بمواقع التلبيس قادر بذلاقة لسانه على حل عقدة ~~التلبيس وأما منتهى الشفقة فيكون باعثا له على بذل كل ما يقدر PageV04P259 # عليه في حقه من المجهود فإن قدرته لا تغني دون العناية به إذا كان لا ~~يهمه أمره ولا يبالي به ظفر خصمه أو لم يظفر هلك به حقه أو لم يهلك فإن كان ~~شاكا في الأربعة أو في واحدة منها أو جوز أن يكون خصمه في هذه الأربعة أكمل ~~منه لم تطمئن نفسه إلى وكيله بل بقي منزعج القلب مستغرق الهم بالحيلة ~~والتدبير ليدفع ما يحذره من قصور وكيله وسطوة خصمه ويكون تفاوت درجة أحواله ~~في شدة الثقة والطمأنينة بحسب تفاوت قوة اعتقاده لهذه الخصال فيه ~~والاعتقادات والظنون في القوة والضعف تتفاوت تفاوتا لا ينحصر فلا جرم ~~تتفاوت أحوال المتوكلين في قوة الطمأنينة والثقة تفاوتا لا ينحصر إلى أن ~~ينتهي إلى اليقين الذي لا ضعف فيه كما لو كان الوكيل والد الموكل وهو الذي ~~يسعى لجمع الحلال والحرام لأجله فإنه يحصل له يقين بمنتهى الشفقة والعناية ~~فتصير خصلة واحدة من الخصال الأربعة قطعية وكذلك سائرا الخصال يتصور أن ~~يحصل القطع به وذلك بطول الممارسة والتجربة وتواتر الأخبار بأنه أفصح الناس ~~لسانا وأقدرهم بيانا وأقدرهم على نصرة الحق بل على تصوير الحق بالباطل ~~والباطل بالحق فإذا عرفت التوكل في هذا المثال فقس عليه التوكل على الله ~~تعالى فإن ثبت في نفسك كشف أو باعتقاد جازم أنه لا فاعل إلا الله كما سبق ~~واعتقدت مع ذلك تمام العلم والقدرة ms2283 على كفاية العباد ثم تمام العناية ~~والعطف والرحمة بجملة العباد والآحاد وأنه ليس وراء منتهى قدرته قدرة ولا ~~وراء منتهى علمه علم ولا وراء منتهى عنايته بك ورحمته لك عناية ورحمة اتكل ~~لا محالة قلبك عليه وحده ولم يلتفت إلى غيره بوجه ولا إلى نفسه وحوله وقوته ~~فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله كما سبق في التوحيد عند ذكر الحركة والقدرة ~~فإن الحول عبارة عن الحركة والقوة عبارة عن القدرة فإن كنت لا تجد هذه ~~الحالة من نفسك فسببه أحد أمرين إما ضعف اليقين بإحدى هذه الخصال الأربعة ~~وإما ضعف القلب ومرضه باستيلاء الجبن عليه وانزعاجه بسبب الأوهام الغالبة ~~عليه فإن القلب قد ينزعج تبعا للوهم وطاعة له عن غير نقصان في اليقين فإن ~~من يتناول عسلا فشبه بين يديه بالعذرة ربما نفر طبعه وتعذر عليه تناوله ولو ~~كلف العاقل أن يبيت مع الميت في قبر أو فراش أو بيت نفر طبعه عن ذلك وإن ~~كان متيقنا بكونه ميتا وأنه جماد في الحال وأن سنة الله تعالى مطردة بأنه ~~لا يحشره الآن ولا يحييه وإن كان قادرا عليه كما أنها مطردة بأن لا يقلب ~~القلم الذي في يده حية ولا يقلب السنور أسدا وإن كان قادرا عليه ومع أنه لا ~~يشك في هذا اليقين ينفر طبعه عن مضاجعة الميت في فراش أو المبيت معه في ~~البيت ولا ينفر عن سائر الجمادات وذلك جبن في القلب وهو نوع ضعيف فلما يخلو ~~الإنسان عن شيء منه وإن قل وقد يقوى فيصير مرضا حتى يخاف أن يبيت في البيت ~~وحده مع إغلاق الباب وإحكامه فإذن لا يتم التوكل إلا بقوة القلب وقوة ~~اليقين جميعا إذ بهما يحصل سكون القلب وطمأنينته فالسكون في القلب شيء ~~واليقين شيء آخر فكم من يقين لا طمأنينتة معه كما قال تعالى لإبراهيم عليه ~~السلام {أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} فالتمس أن يكون مشاهدا إحياء ~~الميت بعينه ليثبت في خياله فإن النفس تتبع الخيال وتطمئن ms2284 به ولا تطمئن ~~باليقين في ابتداء أمرها إلى أن تبلغ بالآخرة إلى درجة النفس المطمئنة وذلك ~~لا يكون في البداية أصلا وكم من مطمئن لا يقين له كسائر أرباب الملل ~~والمذاهب فإن اليهودي مطمئن القلب إلى تهوده وكذا النصراني ولا يقين لهم ~~أصلا وإنما يتبعون الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى وهو سبب ~~اليقين إلا أنهم معرضون عنه فإذن الجبن والجراءة غرائز ولا ينفع اليقين ~~معها فهي أحد الأسباب التي تضاد حال التوكل كما أن ضعف اليقين بالخصال ~~الأربعة أحد الأسباب وإذا اجتمعت هذه الأسباب حصلت الثقة بالله تعالى وقد ~~قيل مكتوب في التوراة ملعون من ثقته إنسان مثله وقد قال صلى الله عليه وسلم PageV04P260 # من استعز بالعبيد أذله الله تعالى // حدديث من اعتز بالعبيد أذلة الله ~~أخرجه العقيلى في الضعفاء وأبو نعيم في الحلية من حديث عمر أورده العقيلي ~~في ترجمة عبد الله بن عبد الله الأموي وقال لا يتابع على حديثه وقد ذكره ~~ابن حبان في الثقات وقال يخالف في روايته وإذا انكشف لك معنى التوكل وعلمت ~~الحالة التي سميت توكلا فاعلم أن تلك الحالة لها في القوة والضعف ثلاث ~~درجات # الدرجة الأولى ما ذكرناه وهو أن يكون حاله في حق الله تعالى والثقة ~~بكفالته وعنايته كحاله في الثقة بالوكيل الثانية وهي أقوى أن يكون حاله مع ~~الله تعالى كحال الطفل مع أمه فإنه لا يعرف غيرها ولا يفزع إلى أحد سواها ~~ولا يعتمد إلا إياها فإذا رآها تعلق في كل حال بذيلها ولم يخلها وإن نابه ~~أمر في غيبتها كان أول سابق إلى لسانه يا أماه وأول خاطر يخطر في قلبه أمه ~~فإنها مفزعة فإنه قد وثق بكفالتها وكفايتها وشفقتها ثقة ليست خالية عن نوع ~~إدراك بالتمييز الذي له ويظن أنه طبع من حيث إن الصبي لو طولب بتفصيل هذه ~~الخصال لم يقدر على تلقين لفظه ولا على إحضاره مفصلا في ذهنه ولكن كل ذلك ~~وراء الإدراك فمن كان باله إلى الله عز وجل ms2285 ونظره إليه واعتماده عليه كلف ~~به كما يكلف الصبي بأمه فيكون متوكلا حقا فإن الطفل متوكل على أمه والفرق ~~بين هذا وبين الأول أن هذا متوكل وقد فني في توكله عن توكله إذ ليس يلتفت ~~قلبه إلى التوكل وحقيقته بل إلى المتوكل عليه فقط فلا مجال في قلبه لغير ~~المتوكل عليه وأما الأول فيتوكل بالتكلف والكسب وليس فانيا عن توكله لأن له ~~التفاتا إلى توكله وشعورا به وذلك شغل صارف عن ملاحظة المتوكل عليه وحده ~~وإلى هذه الدرجة أشار سهل حيث سئل عن التوكل ما أدناه قال ترك الأماني قيل ~~وأوسطه قال ترك الاختيار وهو إشارة إلى الدرجة الثانية وسئل عن أعلاه فلم ~~يذكره وقال لا يعرفه إلا من بلغ أوسطه الثالثة وهي أعلاها أن يكون بين يدي ~~الله تعالى في حركاته وسكناته مثل الميت بين يدي الغاسل لا يفارقه إلا في ~~أنه يرى نفسه ميتا تحركه القدرة الأزلية كما تحرك يد الغاسل الميت وهو الذي ~~قوي يقينه بأنه مجري للحركة والقدرة والإرادة والعلم وسائر الصفات وأن كلا ~~يحدث جبرا فيكون بائنا عن الانتظار لما يجري عليه ويفارق الصبي فإن الصبي ~~يفزع إلى أمه ويصيح ويتعلق بذيلها ويعدو خلفها بل هو مثل صبي علم أنه وإن ~~لم يزعق بأمه فالأم تطلبه وأنه وإن لم يتعلق بذيل أمه فالأم تحمله وإن لم ~~يسألها اللبن فالأم تفاتحه وتسقيه وهذا المقام في التوكل يثمر ترك الدعاء ~~والسؤال منه ثقة بكرمه وعنايته وأنه يعطي ابتداء أفضل مما يسئل فكم من نعمة ~~ابتدأها قبل السؤال والدعاء وبغير الاستحقاق والمقام الثاني لا يقتضي ترك ~~الدعاء والسؤال منه وإنما يقتضي ترك السؤال من غيره فقط # فإن قلت فهذه الأحوال هل يتصور وجودها فاعلم أن ذلك ليس بمحال ولكنه عزيز ~~نادر والمقام الثاني والثالث أعزها والأول أقرب إلى الإمكان ثم إذا وجد ~~الثالث والثاني فداومه أبعد منه بل يكاد لا يكون المقام الثالث في دوامه ~~إلا كصفرة الوجل فإن انبساط القلب إلى ملاحظة الحول والقوة والأسباب طبع ~~وانقباضه ms2286 عارض كما إن انبساط الدم إلى جميع الأطراف طبع وانقباضه عارض ~~والوجل عبارة عن انقباض الدم عن ظاهر البشرة إلى الباطن حتى تنمحي عن ظاهر ~~البشرة الحمرة التي كانت ترى من وراء الرقيق من ستر البشرة فإن البشرة ستر ~~رقيق تتراءى من ورائه حمرة الدم وانقباضه يوجب الصفرة وذلك لا يدوم وكذا ~~انقباض القلب بالكلية عن ملاحظة الحول والقوة وسائر الأسباب الظاهرة لا ~~يدوم وأما المقام الثاني فيشبه صفرة المحموم فإنه قد يدوم يوما ويومين ~~والأول يشبه صفرة مريض استحكم مرضه فلا يبعد أن يدوم ولا يبعد أن يزول PageV04P261 # فإن قلت فهل يبقى مع العبد تدبير وتعلق بالأسباب في هذه الأحوال فاعلم إن ~~المقام الثالث ينفي التدبير رأسا ما دامت الحالة باقية بل يكون صاحبها ~~كالمبهوت والمقام الثاني ينفي كل تدبير إلا من حيث الفزع إلى الله بالدعاء ~~والابتهال كتدبير الطفل في التعلق بأمه فقط والمقام الأول لا ينفي أصل ~~التدبير والاختيار ولكن ينفي بعض التدبيرات كالمتوكل على وكيله في الخصومة ~~فإنه يترك تدبيره من جهة غير الوكيل ولكن لا يترك التدبير الذي أشار إليه ~~وكيله به أو التدبير الذي عرفه من عادته وسننه دون صريح إشارته فأما الذي ~~يعرفه بإشارته بأن يقول له لست أتكلم إلا في حضورك فيشتغل لا محالة ~~بالتدبير للحضور ولا يكون هذا مناقضا توكله عليه إذ ليس هو فزعا منه إلى ~~حول نفسه وقوته في إظهار الحجة ولا إلى حول غيره بل من تمام توكله عليه أن ~~يفعل ما رسمه له إذ لو لم يكن متوكلا عليه ولا معتمدا عليه في قوله لما حضر ~~فقوله وأما المعلوم من عادته واطراد سننه فهو أن يعلم من عادته أن لا يحاج ~~الخصم إلا من السجل فتمام توكله إن كان متوكلا عليه أن يكون معولا على سنته ~~وعادته ووافيا بمقتضاها وهو أن يحمل السجل مع نفسه إليه عند مخاصمته فإذن ~~لا يستغني عن التدبير في الحضور وعن التدبير في إحضار السجل ولو ترك شيئا ~~من ذلك كان نقصا ms2287 في توكله فكيف يكون فعله نقصا فيه نعم بعد أن حضر وفاء ~~بإشارته وأحضر السجل وفاء بسنته وعادته وقعد ناظرا إلى محاجته فقد ينتهي ~~إلى المقام الثاني والثالث في حضوره حتى يبقى كالبهوت المنتظر لا يفزع إلى ~~حوله وقوته إذ لم يبق له حول ولا قوة وقد كان فزعه إلى حوله وقوته في ~~الحضور وإحضار السجل بإشارة الوكيل وسنته وقد انتهى نهايته فلم يبق إلا ~~طمأنينة النفس والثقة بالوكيل والانتظار لما يجري وإذا تأملت هذا اندفع عنك ~~كل إشكال في التوكل وفهمت أنه ليس من شرط التوكل ترك كل تدبير وعمل وأن كل ~~تدبير وعمل لا يجوز أيضا مع التوكل بل هو على الانقسام وسيأتي تفصيله في ~~الأعمال فإذا فزع المتوكل إلى حوله وقوته في الحضور والإحضار لا يناقض ~~التوكل لأنه يعلم أنه لولا الوكيل لكان حضوره وإحضاره باطلا وتعبا محضا بلا ~~جدوى فإذن لا يصير مفيدا من حيث إنه حوله وقوته بل من حيث إن الوكيل جعله ~~معتمدا لمحاجته وعرفه ذلك بإشارته وسنته فإذن لا حول ولا قوة إلا بالوكيل ~~إلا أن هذه الكلمة لا يكمل معناها في حق الوكيل لأنه ليس خالقا حوله وقوته ~~بل هو جاعل لهما مفيدين في أنفسهما ولم يكونا مفيدين لولا فعله وإنما يصدق ~~ذلك في حق الوكيل وهو الله تعالى إذ هو خالق الحول والقوة كما سبق في ~~التوحيد وهو الذي جعلهما مفيدين إذ جعلهما شرطا لما سيخلقه من بعدهما من ~~الفوائد والمقاصد فإذن لا حول ولا قوة إلا بالله حقا وصدقا فمن شاهد هذا ~~كله كان له الثواب العظيم الذي وردت به الأخبار فيمن يقول لا حول ولا قوة ~~إلا بالله (1) وذلك قد يستبعد فيقال كيف يعطى هذا الثواب كله بهذه الكلمة ~~مع سهولتها على اللسان وسهولة اعتقاد القلب بمفهوم لفظها وهيهات فإنما ذلك ~~جزاء على هذه المشاهدة التي ذكرناها في التوحيد ونسبة هذه الكلمة وثوابها ~~إلى كلمة {لا إله إلا الله} وثوابها كنسبة معنى إحداهما إلى الأخرى إذ في ~~هذه الكلمة ms2288 إضافة إلى شيئين إلى الله تعالى فقط وهما الحول والقوة وأما ~~كلمة لا إله إلا الله فهو نسبة الكل إليه فانظر إلى التفاوت بين الكل وبين ~~شيئين لتعرف به ثواب {لا إله إلا الله} بالإضافة إلى هذا وكما ذكرنا من قبل ~~أن للتوحيد قشرين ولبين فكذلك لهذه الكلمة ولسائر الكلمات وأكثر الخلق ~~قيدوا بالقشرين وما طرقوا إلى اللبين وإلى اللبين الإشارة بقوله صلى الله ~~عليه وسلم من قال لا إله إلا الله PageV04P262 # صادقا من قلبه مخلصا وجبت له الجنة (1) وحيث أطلق من غير الصدق والإخلاص ~~أراد بالمطلق هذا المقيد كما أضاف المغفرة إلى الإيمان والعمل الصالح في ~~بعض المواضع وأضافها إلى مجرد الإيمان في بعض المواضع والمراد به المقيد ~~بالعمل الصالح فالملك لا ينال بالحديث وحركة اللسان حديث وعقد القلب أيضا ~~حديث ولكنه حديث نفس وإنما الصدق والإخلاص وراءهما ولا ينصب سرير الملك إلا ~~للمقربين وهم المخلصون نعم لمن يقرب منهم في الرتبة من أصحاب اليمين أيضا ~~درجات عند الله تعالى وإن كانت لا تنتهي إلا بالملك أما ترى أن الله سبحانه ~~لما ذكر في سورة الواقعة المقربين السابقين تعرض لسرير الملك فقال {على سرر ~~موضونة متكئين عليها متقابلين} ولما انتهى إلى أصحاب اليمين ما زاد في ذكر ~~الماء والظل والفواكه والأشجار والحور العين وكل ذلك من لذات المنظور ~~والمشروب والمأكول والمنكوح ويتصور ذلك للبهائم على الدوام وأين لذات ~~البهائم من لذة الملك والنزول في أعلى عليين في جوار رب العالمين ولو كان ~~لهذه اللذات قدر لما وسعت على البهائم ولما رفعت عليها درجة الملائكة أفترى ~~أن أحوال البهائم وهي مسيبة في الرياض متنعمة بالماء والأشجار وأصناف ~~المأكولات متمتعة بالنزوان والسفاد أعلى وألذ وأشرف وأجدر بأن تكون عند ذوي ~~الكمال مغبوطة من أحوال الملائكة في سرورهم بالقرب من جوار رب العالمين في ~~أعلى عليين هيهات هيهات ما أبعد عن التحصيل من إذا خير بين أن يكون حمارا ~~أو يكون في درجة جبريل عليه السلام فيختار درجة الحمار على درجة جبريل ms2289 عليه ~~السلام وليس يخفى أن شبه كل شيء منجذب إليه وأن النفس التي نزوعها إلى صنعة ~~الأساكفة أكثر من نزوعها إلى صنعة الكتابة فهو بالأساكفة أشبه في جوهره منه ~~بالكتاب وكذلك من نزوع نفسه إلى نيل لذات البهائم أكثر من نزوعها إلى نيل ~~لذات الملائكة فهو بالبهائم أشبه منه بالملائكة لا محالة وهؤلاء هم الذين ~~يقال فيهم {أولئك كالأنعام بل هم أضل} وإنما كانوا أضل لأن الأنعام ليس في ~~قوتها طلب درجة الملائكة فتركها الطلب للعجز وأما الإنسان ففي قوته ذلك ~~والقادر على نيل الكمال أحرى بالذم وأجدر بالنسبة إلى الضلال مهما تقاعد عن ~~طلب الكمال وإذا كان هذا كلاما معترضا فلنرجع إلى المقصود فقد بينا معنى ~~قول {لا إله إلا الله} ومعنى قول لا حول ولا قوة إلا بالله وإن من ليس ~~قائلا بهما عن مشاهدة فلا يتصور منه حال التوكل # فإن قلت ليس في قولك لا حول ولا قوة إلا بالله إلا نسبة شيئين إلى الله ~~فلو قال قائل السماء والأرض خلق الله فهل يكون ثوابه مثل ثوابه فأقول لا ~~لأن الثواب على قدر درجة المثاب عليه ولا مساواة بين الدرجتين ولا ينظر إلى ~~عظم السماء والأرض وصغر الحول والقوة إن جاز وصفهما بالصغر تجوزا فليست ~~الأمور بعظم الأشخاص بل كل عامي يفهم أن الأرض والسماء ليستا من جهة ~~الآدميين بل هما من خلق الله تعالى فأما الحول والقوة فقد أشكل أمرهما على ~~المعتزلة والفلاسفة وطوائف كثيرة ممن يدعي أنه يدقق النظر في الرأي ~~والمعقول حتى يشق الشعر بحدة نظره فهي مهلكة مخطرة ومزلة عظيمة هلك فيها ~~الغافلون إذ أثبتوا لأنفسهم أمرا وهو شرك في التوحيد وإثبات خالق سوى الله ~~تعالى فمن جاوز هذه العقبة بتوفيق الله تعالى إياه فقد علت رتبته وعظمت ~~درجته فهو الذي يصدق قول لا حول ولا قوة إلا بالله وقد ذكرنا أنه ليس في ~~التوحيد إلا عقبتان إحداهما النظر PageV04P263 # إلى السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والغيم والمطر وسائر الجمادات ~~والثانية النظر إلى اختيار ms2290 الحيوانات وهي أعظم العقبتين وأخطرهما وبقطعهما ~~كمال سر التوحيد فلذلك عظم ثواب هذه الكلمة أعني ثواب المشاهدة التي هذه ~~الكلمة ترجمتها فإذا رجع حال التوكل إلى التبري من الحول والقوة والتوكل ~~على الواحد الحق وسيتضح عند ذكرنا تفصيل أعمال التوكل إن شاء الله تعالى ### |||| بيان ما قاله الشيوخ في أحوال التوكل # ليتبين أن شيئا منها لا يخرج عما ذكرنا ولكن كل واحد يشير إلى بعض ~~الأحوال فقد قال أبو موسى الديلي قلت لأبي يزيد ما التوكل فقال ما تقول أنت ~~قلت إن أصحابنا يقولون لو أن السباع والأفاعي عن يمينك ويسارك ما تحرك لذلك ~~سرك فقال أبو يزيد نعم هذا قريب ولكن لو أن أهل الجنة في الجنة يتنعمون ~~وأهل النار في النار يعذبون ثم وقع بك تمييز بينهما خرجت من جملة التوكل ~~فما ذكره أبو موسى فهو خبر عن أجل أحوال التوكل وهو المقام الثالث وما ذكره ~~أبو يزيد عبارة عن أعز أنواع العلم الذي هو من أصول التوكل وهو العلم ~~بالحكمة وأن ما فعله الله تعالى فعله بالواجب فلا تمييز بين أهل النار وأهل ~~الجنة بالإضافة إلى أصل العدل والحكمة وهذا أغمض أنواع العلم ووراءه سر ~~القدر وأبو يزيد قلما يتكلم إلا عن أعلى المقامات وأقصى الدرجات وليس ترك ~~الاحتراز عن الحيات شرطا في المقام الأول من التوكل فقد احترز أبو بكر رضي ~~الله عنه في الغار إذ سد منافذ الحيات (1) إلا أن يقال فعل ذلك برجله ولم ~~يتغير بسببه سره أو يقال إنما فعل ذلك شفقة في حق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا في حق نفسه وإنما يزول التوكل بتحرك سره وتغيره لأمر يرجع إلى نفسه ~~وللنظر في هذا مجال ولكن سيأتي بيان أن أمثال ذلك وأكثر منه لا يناقض ~~التوكل فإن حركة السر من الحيات هو الخوف وحق المتوكل أن يخاف مسلط الحيات ~~إذ لا حول للحيات ولا قوة لها إلا بالله فإن احترز لم يكن اتكاله على ~~تدبيره وحوله وقوته في الاحتراز بل ms2291 على خالق الحول والقوة والتدبير # وسئل ذو النون المصري عن التوكل فقال خلع الأرباب وقطع الأسباب فخلع ~~الأرباب إشارة إلى علم التوحيد وقطع الأسباب إشارة إلى الأعمال وليس فيه ~~تعرض صريح للحال وإن كان اللفظ يتضمنه فقيل له زدنا فقال إلقاء النفس في ~~العبودية وإخراجها من الربوبية وهذا إشارة إلى التبري من الحول والقوة فقط # وسئل حمدون القصار عن التوكل فقال إن كان لك عشرة آلاف درهم وعليك دانق ~~دين لم تأمن أن تموت ويبقى دينك في عنقك ولو كان عليك عشرة آلاف درهم دين ~~من غير أن تترك لها وفاء لا تيأس من الله تعالى أن يقضيها عنك وهذا إشارة ~~إلى مجرد الإيمان بسعة القدرة وأن في المقدورات أسبابا خفية سوى هذه ~~الأسباب الظاهرة # وسئل أبو عبد الله القرشي عن التوكل فقال التعلق بالله تعالى في كل حال ~~فقال السائل زدني فقال ترك كل سبب يوصل إلى سبب حتى يكون الحق هو المتولي ~~لذلك فالأول عام للمقامات الثلاث والثاني إشارة إلى المقام الثالث خاصة وهو ~~مثل توكل إبراهيم صلى الله عليه وسلم إذ قال له جبريل عليه السلام ألك حاجة ~~فقال أما إلبك فلا إذ كان سؤاله سببا يفضي إلى سبب وهو حفظ جبريل له فترك ~~ذلك ثقة بأن الله تعالى إن أراد سخر جبريل لذلك فيكون هو المتولي لذلك وهذا ~~حال مبهوت غائب عن نفسه بالله تعالى فلم ير معه غيره PageV04P264 # وهو حال عزيز في نفسه ودوامه إن وجد أبعد منه وأعز # وقال أبو سعيد الخراز التوكل اضطراب بلا سكون وسكون بلا اضطراب ولعله ~~يشير إلى المقام الثاني فسكونه بلا اضطراب إشارة إلى سكون القلب إلى الوكيل ~~وثقته به واضطراب بلا سكون إشارة إلى فزعه إليه وابتهاله وتضرعه بين يديه ~~كاضطراب الطفل بيديه إلى أمه وسكون قلبه إلى تمام شفقتها # وقال أبو علي الدقاق التوكل ثلاث درجات التوكل ثم التسليم ثم التفويض ~~فالمتوكل يسكن إلى وعده والمسلم يكتفي بعلمه وصاحب التفويض يرضى بحكمه وهذا ~~إشارة إلى تفاوت درجات ms2292 نظره بالإضافة إلى المنظور إليه فإن العلم هو الأصل ~~والوعد يتبعه والحكم يتبع الوعد ولا يبعد أن يكون الغالب على قلب المتوكل ~~ملاحظة شيء من ذلك وللشيوخ في التوكل أقاويل سوى ما ذكرناه فلا نطول بها ~~فإن الكشف أنفع من الرواية والنقل فهذا ما يتعلق بحال التوكل والله الموفق ~~برحمته ولطفه ### |||| بيان أعمال المتوكلين # اعلم أن العلم يورث الحال والحال يثمر الأعمال وقد يظن أن معنى التوكل ~~ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة ~~وكاللحم على الوضم وهذا ظن الجهال فإن ذلك حرام في الشرع والشرع قد أثنى ~~على المتوكلين فكيف ينال مقام من مقامات الدين بمحظورات الدين بل نكشف ~~الغطاء عنه ونقول إنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه بعلمه إلى ~~مقاصده وسعي العبد باختياره إما أن يكون لأجل جلب نافع هو مفقود عنده ~~كالكسب أو لحفظ نافع هو موجود عنده كالادخار أو لدفع ضار لم ينزل به كدفع ~~الصائل والسارق والسباع أو لإزالة ضار قد نزل به كالتداوي من المرض فمقصود ~~حركات العبد لا تعدو هذه الفنون الأربعة وهو جلب النافع أو حفظه أو دفع ~~الضار أو قطعه فلنذكر شروط التوكل ودرجاته في كل واحد منها مقرونا بشواهد ~~الشرع الفن الأول في جلب النافع فنقول فيه الأسباب التي بها يجلب النافع ~~على ثلاث درجات مقطوع به ومظنون ظنا يوثق به وموهوم وهما لا تثق النفس به ~~ثقة تامة ولا تطمئن إليه الدرجة الأولى المقطوع به وذلك مثل الأسباب التي ~~ارتبطت المسببات بها بتقدير الله ومشيئته ارتباطا مطردا لا يختلف كما أن ~~الطعام إذا كان موضوعا بين يديك وأنت جائع محتاج ولكنك لست تمد اليد إليه ~~وتقول أنا متوكل وشرط التوكل ترك السعي ومد اليد إليه سعي وحركة وكذلك مضغه ~~بالأسنان وابتلاعه بإطباق أعالي الحنك على أسافله فهذا جنون محض وليس من ~~التوكل في شيء فإنك إن انتظرت أن يخلق الله تعالى فيك شبعا دون الخبز أو ~~يخلق في الخبز حركة إليك أو يسخر ms2293 ملكا ليمضغه لك ويوصله إلى معدتك فقد جهلت ~~سنة الله تعالى وكذلك لو لم تزرع الأرض وطمعت في أن يخلق الله تعالى نباتا ~~من غير بذر أو تلد زوجتك من غير وقاع كما ولدت مريم عليها السلام فكل ذلك ~~جنون وأمثال هذا مما يكثر ولا يمكن إحصاؤه أليس التوكل في هذا المقام ~~بالعمل بل بالحال والعلم أما العلم فهو أن تعلم أن الله تعالى خلق الطعام ~~واليد والأسنان وقوة الحركة وأنه هو الذي يطعمك ويسقيك وأما الحال فهو أن ~~يكون سكون قلبك واعتمادك على فعل الله تعالى لا على اليد والطعام وكيف ~~تعتمد على صحة يدك وربما تجف في الحال وتفلج وكيف تعول على قدرتك وربما ~~يطرأ عليك في الحال ما يزيل عقلك ويبطل قوة حركتك وكيف تعول على حضور ~~الطعام وربما يسلط الله تعالى PageV04P265 # من يغلبك عليه أو يبعث حية تزعجك عن مكانك وتفرق بينك وبين طعامك وإذا ~~احتمل أمثال ذلك ولم يكن لها علاج إلا بفضل الله تعالى فبذلك فلتفرح وعليه ~~فلتعول فإذا كان هذا حاله وعلمه فليمد اليد فإنه متوكل الدرجة الثانية ~~الأسباب التي ليست متيقنة ولكن الغالب أن المسببات لا تحصل دونها وكان ~~احتمال حصولها دونها بعيدا كالذي يفارق الأمصار والقوافل ويسافر في البوادي ~~التي لا يطرقها الناس إلا نادرا ويكون سفره من غير استصحاب زاد فهذا ليس ~~شرطا في التوكل بل استصحاب الزاد في البوادي سنة الأولين ولا يزول التوكل ~~به بعد أن يكون الاعتماد على فضل الله تعالى لا على الزاد كما سبق ولكن فعل ~~ذلك جائز وهو من أعلى مقامات التوكل ولذلك كان يفعله الخواص # فإن قلت فهذا سعي في الهلاك وإلقاء النفس في التهلكة فاعلم أن ذلك يخرج ~~عن كونه حراما بشرطين أحدهما أن يكون الرجل قد راض نفسه وجاهدها وسواها على ~~الصبر عن الطعام أسبوعا وما يقاربه بحيث يصبر عنه بلا ضيق قلب وتشوش خاطر ~~وتعذر في ذكر الله تعالى والثاني أن يكون بحيث يقوى على التقوت بالحشيش وما ~~يتفق من ms2294 الأشياء الخسيسة فبعد هذين الشرطين لا يخلو في غالب الأمر في ~~البوادي في كل أسبوع عن أن يلقاه آدمي أو ينتهي إلى حلة أو قرية أو إلى ~~حشيش يجتزئ به فيحيا به مجاهدا نفسه والمجاهدة عماد التوكل وعلى هذا كان ~~يعول الخواص ونظراؤه من المتوكلين والدليل عليه أن الخواص كان لا تفارقه ~~الإبرة والمقراض والحبل والركوة ويقول هذا لا يقدح في التوكل وسببه أنه علم ~~أن البوادي لا يكون الماء فيها على وجه الأرض وما جرت سنة الله تعالى بصعود ~~الماء من البئر بغير دلو ولا حبل ولا يغلب وجود الحبل والدلو في البوادي ~~كما يغلب وجود الحشيش والماء يحتاج إليه لوضوئه كل يوم مرات ولعطشه في كل ~~يوم أو يومين مرة فإن المسافر مع حرارة الحركة لا يصبر عن الماء وإن صبر عن ~~الطعام وكذلك يكون له ثوب واحد وربما يتخرق فتنكشف عورته ولا يوجد المقراض ~~والإبرة في البوادي غالبا عند كل صلاة ولا يقوم مقامهما في الخياطة والقطع ~~شيء مما يوجد في البوادي فكل ما في معنى الأربعة أيضا يلتحق بالدرجة ~~الثانية لأنه مظنون ظنا ليس مقطوعا به لأنه يحتمل أن لا يتخرق الثوب أو ~~يعطيه إنسان ثوبا أو يجد على رأس البئر من يسقيه ولا يحتمل أن يتحرك الطعام ~~ممضوغا إلى فيه فبين الدرجتين فرقان ولكن الثاني في معنى الأول ولهذا نقول ~~لو انحاز إلى شعب من شعاب الجبال حيث لا ماء ولا حشيش ولا يطرقه طارق فيه ~~وجلس متوكلا فهو آثم به ساع في هلاك نفسه كما روي أن زاهدا من الزهاد فارق ~~الأمصار وأقام في سفح جبل سبعا وقال لا أسأل أحدا شيئا حتى فائتني ربي ~~برزقي فقعد سبعة فكاد يموت ولم يأته رزق فقال يا رب إن أحييتني فائتني ~~برزقي الذي قسمت لي وإلا فاقبضني إليك فأوحى الله جل ذكره إليه وعزتي لا ~~أرزقنك حتى تدخل الأمصار وتقعد بين الناس فدخل المصر وقعد فجاءه هذا بطعام ~~وهذا بشراب فأكل وشرب وأوجس في نفسه من ms2295 ذلك فأوحى الله تعالى إليه أردت أن ~~تذهب حكمتي بزهدك في الدنيا أما علمت أني أرزق عبدي بأيدي عبادي أحب إلي من ~~أن أرزقه بيد قدرتي فإذن التباعد عن الأسباب كلها مراغمة للحكمة وجهل بسنة ~~الله تعالى والعمل بموجب سنة الله تعالى مع الاتكال على الله عز وجل دون ~~الأسباب لا يناقض التوكل كما ضربناه مثلا في الوكيل بالخصومة من قبل ولكن ~~الأسباب تنقسم إلى ظاهرة وإلى خفية فمعنى التوكل الاكتفاء بالأسباب الخفية ~~عن الأسباب الظاهرة مع سكون النفس إلى مسبب السبب لا إلى السبب PageV04P266 # فإن قلت ما قولك في القعود في البلد بغير كسب أهو حرام أو مباح أو مندوب ~~فاعلم أن ذلك ليس بحرام لأنه كفعل صاحب السياحة في البادية إذا لم يكن ~~مهلكا نفسه فهذا كيف كان لم يكن مهلكا نفسه حتى يكون فعله حراما بل لا يبعد ~~أن يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب ولكن قد يتأخر عنه والصبر ممكن إلى أن يتفق ~~ولكن لو أغلق باب البيت على نفسه بحيث لا طريق لأحد إليه ففعله ذلك حرام ~~وإن فتح باب البيت وهو بطال غير مشغول بعبادة فالكسب والخروج أولى له ولكن ~~ليس فعله حراما إلا أن يشرف على الموت فعند ذلك يلزمه الخروج والسؤال ~~والكسب وإن كان مشغول القلب بالله غير مستشرف إلى الناس ولا متطلع إلى من ~~يدخل من الباب فيأتيه برزقه بل تطلعه إلى فضل الله تعالى واشتغاله بالله ~~فهو أفضل وهو من مقامات التوكل وهو أن يشتغل بالله تعالى ولا يهتم برزقه ~~فإن الرزق يأتيه لا محالة وعند هذا يصح ما قاله بعض العلماء وهو أن العبد ~~لو هرب من رزقه لطلبه كما لو هرب من الموت لأدركه وأنه لو سأل الله تعالى ~~أن لا يرزقه لما استجاب وكان عاصيا ولقال له يا جاهل كيف أخلقك ولا أرزقك ~~ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما اختلف الناس في كل شيء إلا في الرزق ~~والأجل فإنهم أجمعوا على أن لا رزاق ولا مميت ms2296 إلا الله تعالى وقال صلى الله ~~عليه وسلم لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا ~~وتروح بطانا ولزالت بدعائكم الجبال (1) وقال عيسى عليه السلام انظروا إلى ~~الطير لا تزرع ولا تحصد ولا تدخر والله تعالى يرزقها يوما بيوم فإن قلتم ~~نحن أكبر بطونا فانظروا إلى الأنعام كيف قيض الله تعالى لها هذا الحق للرزق ~~وقال أبو يعقوب السوسي المتوكلون تجري أرزاقهم على أيدي العباد بلا تعب ~~منهم وغيرهم مشغولون مكدودون وقال بعضهم العبيد كلهم في رزق الله تعالى ~~ولكن بعضهم يأكل بذل كالسؤال وبعضهم بتعب وانتظار كالتجار وبعضهم بامتهان ~~كالصناع وبعضهم بعز كالصوفية يشهدون العزيز فيأخذون رزقهم من يده ولا يرون ~~الواسطة الدرجة الثالثة ملابسة الأسباب التي يتوهم إفضاؤها إلى المسببات من ~~غير ثقة ظاهرة كالذي يستقصي في التدبيرات الدقيقة في تفصيل الاكتساب ووجوهه ~~وذلك يخرج بالكلية عن درجات التوكل كلها وهو الذي فيه الناس كلهم أعني من ~~يكتسب بالحيل الدقيقة اكتسابا مباحا لمال مباح فأما أخذ الشبهة أو اكتساب ~~بطريق فيه شبهة فذلك غاية الحرص على الدنيا والاتكال على الأسباب فلا يخفى ~~أن ذلك يبطل التوكل وهذا مثل الأسباب التي نسبتها إلى جلب النافع مثل نسبة ~~الرقية والطير والكي بالإضافة إلى إزالة الضار فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وصف المتوكلين بذلك ولم يصفهم بأنهم لا يكتسبون ولا يسكنون الأمصار ~~ولا يأخذون من أحد شيئا بل وصفهم بأنهم يتعاطون هذه الأسباب وأمثال هذه ~~الأسباب التي يوثق بها في المسببات مما يكثر فلا يمكن إحصاؤها وقال سهل في ~~التوكل إنه ترك التدبير وقال إن الله خلق الخلق ولم يحجبهم عن نفسه وإنما ~~حجابهم بتدبيرهم ولعله أراد به استنباط الأسباب البعيدة بالفكر فهي التي ~~تحتاج إلى التدبير دون الأسباب الجلية فإذن قد ظهر أن الأسباب منقسمة إلى ~~ما يخرج التعلق بها عن التوكل وإلى ما لا يخرج وأن الذي يخرج ينقسم إلى ~~مقطوع به وإلى مظنون وأن المقطوع به لا يخرج عن التوكل عند وجود حال ms2297 التوكل ~~وعلمه وهو الاتكال على مسبب الأسباب فالتوكل فيها بالحال والعلم لا بالعمل ~~وأما المظنونات PageV04P267 # فالتوكل فيها بالحال والعلم والعمل جميعا والمتوكلون في ملابسة هذه ~~الأسباب على ثلاثة مقامات الأول مقام الخواص ونظرائه وهو الذي يدور في ~~البوادي بغير زاد ثقة بفضل الله تعالى عليه في تقويته على الصبر أسبوعا وما ~~فرقه أو تيسير حشيش له أو قوت أو تثبيته على الرضا بالموت إن لم يتيسر شيء ~~من ذلك فإن الذي يحمل الزاد قد يفقد الزاد أو يضل بعيره ويموت جوعا فذلك ~~ممكن مع الزاد كما أنه يمكن مع فقده المقام الثاني أن يقعد في بيته أو في ~~مسجد ولكنه في القرى والأمصار وهذا أضعف من الأول لكنه أيضا متوكل لأنه ~~تارك للكسب والأسباب الظاهرة معول على فضل الله تعالى في تدبير أمره من جهة ~~الأسباب الخفية ولكنه بالقعود في الأمصار متعرض لأسباب الرزق فإن ذلك من ~~الأسباب الجاية إلا أن ذلك لا يبطل توكله إذا كان نظره إلى الذي يسخر له ~~سكان البلد لإيصال رزقه إليه لا إلى سكان البلد إذ يتصور أن يغفل جميعهم ~~عنه ويضيعوه لولا فضل الله تعالى بتعريفهم وتحريك دواعيهم المقام الثالث أن ~~يخرج ويكتسب اكتسابا على الوجه الذي ذكرناه في الباب الثالث والرابع من ~~كتاب آداب الكسب وهذا السعي لا يخرجه أيضا عن مقامات التوكل إذا لم يكن ~~طمأنينة نفسه إلى كفايته وقوته وجاهه وبضاعته فإن ذلك ربما يهلكه الله ~~تعالى جميعه في لحظة بل يكون نظره إلى الكفيل الحق بحفظ جميع ذلك وتيسير ~~أسبابه له بل يرى كسبه وبضاعته وكفايته بالإضافة إلى قدرة الله تعالى كما ~~يرى القلم في يد الملك الموقع فلا يكون نظره إلى القلم بل إلى قلب الملك ~~أنه بماذا يتحرك وإلى ماذا يميل وبم يحكم ثم إن كان هذا المكتسب مكتسبا ~~لعياله أو ليفرق على المساكين فهو ببدنه مكتسب وبقلبه عنه منقطع فحال هذا ~~أشرف من حال القاعد في بيته والدليل على أن الكسب لا ينافي حال التوكل إذا ms2298 ~~روعيت فيه الشروط وانضاف إليه الحال والمعرفة كما سبق أن الصديق رضي الله ~~عنه لما بويع بالخلافة أصبح آخذا الأثواب تحت حضنه والذراع بيده ودخل السوق ~~ينادي حتى كرهه المسلمون وقالوا كيف تفعل ذلك وقد أقمت لخلافة النبوة فقال ~~لا تشغلوني عن عيالي فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع حتى فرضوا له قوت ~~أهلبيت من المسلمين فلما رضوا بذلك رأى مساعدتهم وتطييب قلوبهم واستغراق ~~الوقت بمصالح المسلمين أولى ويستحيل أن يقال لم يكن الصديق في مقام التوكل ~~فمن أولى بهذا المقام منه فدل على أنه كان متوكلا لا باعتبار ترك الكسب ~~والسعي بل باعتبار قطع الالتفات إلى قوته وكفايته والعلم بأن الله هو ميسر ~~الاكتساب ومدبر الأسباب وبشروط كان يراعيها في طريق الكسب من الاكتفاء بقدر ~~الحاجة من غير استكثار وتفاخر وادخار ومن غير أن يكون درهمه أحب إليه من ~~درهم غيره فمن دخل السوق ودرهمه أحب إليه من درهم غيره فهو حريص على الدنيا ~~ومحب لها ولا يصح التوكل إلا مع الزهد في الدنيا نعم يصح الزهد دون التوكل ~~فإن التوكل مقام وراء الزهد وقال أبو جعفر الحداد وهو شيخ الجنيد رحمة الله ~~عليها وكان من المتوكلين أخفيت التوكل عشرين سنة وما فارقت السوق كنت أكتسب ~~في كل يوم دينارا ولا أبيت منه دانقا ولا أستريح منه إلى قيراط أدخل به ~~الحمام بل أخرجه كله قبل الليل وكان الجنيد لا يتكلم في التوكل بحضرته وكان ~~يقول أستحي أن أتكلم في مقامه وهو حاضر عندي واعلم أن الجلوس في رباطات ~~الصوفية مع معلوم بعيد من التوكل فإن لم يكن معلوم ووقف وأمروا الخادم ~~بالخروج للطلب لم يصح معه التوكل إلا على ضعف ولكن يقوى بالحال والعلم ~~كتوكل المكتسب وإن لم يسألوا بل قنعوا بما يحمل PageV04P268 # إليهم فهذا أقوى في توكلهم لكنه بعد اشتهار القوم بذلك فقد صار لهم سوقا ~~فهو كدخول السوق ولا يكون داخل السوق متوكلا إلا بشروط كثيرة كما سبق # فإن قلت فما الأفضل أن يقعد في ms2299 بيته أو يخرج ويكتسب فاعلم أنه إن كان ~~يتفرغ بترك الكسب لفكر وذكر وإخلاص واستغراق وقت بالعبادة وكان الكسب يشوش ~~عليه ذلك وهو مع هذا لا تستشرف نفسه إلى الناس في انتظار من يدخل عليه ~~فيحمل إليه شيئا بل يكون قوي القلب في الصبر والاتكال على الله تعالى ~~فالمقصود له أولى وإن كان يضطرب قلبه في البيت ويستشرف إلى الناس فالكسب ~~أولى لأن استشراف القلب إلى الناس سؤال بالقلب وتركه أهم من ترك الكسب وما ~~كان المتوكلون يأخذون ما تستشرف إليه نفوسهم كان أحمد بن حنبل قد أمر أبا ~~بكر المروزي أن يعطي بعض الفقراء شيئا فضلا عما كان استأجره عليه فرده فلما ~~ولى قال له أحمد الحقه وأعطه فإنه يقبل فلحقه وأعطاه فأخذه فسأل أحمد عن ~~ذلك فقال كان قد استشرفت نفسه فرد فلما خرج انقطع طمعه وأيس فأخذه وكان ~~الخواص رحمه الله إذا نظر إلى عبد في العطاء أو خاف اعتياد النفس لذلك لم ~~يقبل منه شيئا # وقال الخواص بعد أن سئل عن أعجب ما رآه في أسفاره رأيت الخضر ورضي بصحبتي ~~ولكني فارقته خيفة أن تسكن نفسي إليه فيكون نقصا في توكلي فإذن المكتسب إذا ~~راعى آداب الكسب وشروط نيته كما سبق في كتاب الكسب وهو أن لا يقصد به ~~الاستكثار ولم يكن اعتماده على بضاعته وكفايته كان متوكلا # فإن قلت فما علامة عدم اتكاله على البضاعة والكفاية فأقول علامته أنه إن ~~سرقت بضاعته أو خسرت تجارته أو تعوق أمر من أموره كان راضيا به ولم تبطل ~~طمأنينته ولم يضطرب قلبه بل كان حال قلبه في السكون قبله وبعده واحدا فإن ~~من لم يسكن إلى شيء لم يضطرب لفقده ومن اضطرب لفقد شيء فقد سكن إليه وكان ~~بشر يعمل المغازل فتركها وذلك لأن البعادي كاتبه قال بلغني أنك استعنت على ~~رزقك بالمغازل أرأيت إن أخذ الله سمعك وبصرك الرزق على من فوقع ذلك في قلبه ~~فأخرج آلة المغازل من يده وتركها وقيل تركها لما نوهت باسمه وقصد ms2300 لأجلها ~~وقيل فعل ذلك لما مات عياله كما كان لسفيان خمسون دينارا يتجر فيها فلما ~~مات عياله فرقها # فإن قلت فكيف يتصور أن يكون له بضاعة ولا يسكن إليها وهو يعلم أن الكسب ~~بغير بضاعة لا يمكن فأقول بأن يعلم أن الذين يرزقهم الله تعالى بغير بضاعة ~~فيهم كثرة وأن الذين كثرت بضاعتهم فسرقت وهلكت فيهم كثرة وأن يوطن نفسه على ~~أن الله لا يفعل به إلا ما فيه صلاحه فإن أهلك بضاعته فهو خير له فلعله لو ~~تركه كان سببا لفساد دينه وقد لطف الله تعالى به وغايته أن يموت جوعا ~~فينبغي أن يعتقد أن الموت جوعا خير له في الآخرة مهما قضى الله تعالى عليه ~~بذلك من غير تقصير من جهته فإذا اعتقد جميع ذلك استوى عنده وجود البضاعة ~~وعدمها ففي الخبر إن العبد ليهم من الليل بأمر من أمور التجارة مما لو فعله ~~لكان فيه هلاكه فينظر الله تعالى إليه من فوق عرشه فيصرفه عنه فيصبح كئيبا ~~حزينا يتطير بجاره وابن عمه من سبقني من دهاني وما هي إلا رحمة رحمه الله ~~بها (1) ولذلك قال عمر رضي الله عنه لا أبالي أصبحت غنيا أو فقيرا فإنى ~~قلبه فأخرج آلة المغازلة من يده وتركها وقيل تركها لما نوهت باسمه وقصد ~~لأجلها وقيل فعل ذلك لما مات عياله كما كان لسقيان خمسون دينارا يتجر فيها ~~فلما مات عياله فرقها # فإن قلت فكيف يتصور أن يكون له بضاعة ولا يسكن غليها وهو يعلم أن الكسب ~~بغير بضاعة لا يمكن فأقول بأن يعلم أن الذين يرزقهم الله تعالى بغير بضاعة ~~فيهم كثرة وأن الذين كثرت بضاعتهم فسرقت وهلكت فيهم كثرة وأن يوطن نفسه على ~~أن الله لا يفعل به إلا ما فيه صلاحه فإن أهلك بضاعته فهو خير له فلعله لو ~~تركه كان سببا لفساد دينه وقد لطف الله تعالى به وغايته أن يموت جوعا ~~فينبغي أن يعتقد أن الموت جوعا خير له في الآخرة مهما قضى الله تعالى عليه ~~بذلك ms2301 من غير تقصير من جهته فإذا اعتقد جميع ذلك استوى عنده وجود البضاعة ~~وعدمها ففي الخبر إن العبد ليهم من الليل بأمر من أمور التجارة مما لو فعله ~~لكان فيه هلاكه فينظر الله تعالى إليه من فوق عرشه فيصرفه عنه فيصبح كثيبا ~~حزينا بجاره وابن عمه من سبقني من دهاني وما هي إلا رحمة رحمه الله بها (2) ~~ولذلك قال عمر رضي الله عنه لا أبالي أصبحت غنيا أو فقيرا فإنى PageV04P269 # لا أدري أيهما خير لي ومن لم يتكامل يقينه بهذه الأمور لم يتصور منه ~~التوكل ولذلك قال أبو سليمان الداراني لأحمد بن أبي الحواري لي من كل مقام ~~نصيب إلا من هذا التوكل المبارك فإني ما شممت منه رائحة هذا كلامه مع علو ~~قدره ولم ينكر كونه من المقامات الممكنة ولكنه قال ما أدركته ولعله أراد ~~إدراك أقصاه وما لم يكمل الإيمان بأن لا فاعل إلا الله ولا رازق سواه وأن ~~كل ما يقدره على العبد من فقر وغنى وموت وحياة فهو خير له مما يتمناه العبد ~~لم يكمل حال التوكل فبناء التوكل على قوة الإيمان بهذه الأمور كما سبق وكذا ~~سائر مقامات الدين من الأقوال والأعمال تنبني على أصولها من الإيمان ~~وبالجملة التوكل مقام مفهوم ولكن يستدعي قوة القلب وقوة اليقين ولذلك قال ~~سهل من طعن على التكسب فقد طعن على السنة ومن طعن على ترك التكسب فقد طعن ~~على التوحيد # فإن قلت فهل من دواء ينتفع به في صرف القلب عن الركون إلى الأسباب ~~الظاهرة وحسن الظن بالله تعالى في تيسير الأسباب الخفية فأقول نعم هو أن ~~تعرف أن سوء الظن تلقين الشيطان وحسن الظن تلقين الله تعالى قال الله تعالى ~~الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا فإن ~~الإنسان بطبعه مشغوف بسماع تخويف الشيطان ولذلك قيل الشفيق بسوء الظن مولع ~~وإذا انضم إليه الجبن وضعف القلب ومشاهدة المتكلين على الأسباب الظاهرة ~~والباعثين عليها غلب سوء الظن وبطل التوكل بالكلية بل رؤية الرزق من ~~الأسباب ms2302 الخفية أيضا تبطل التوكل فقد حكي عن عابد أنه عكف في مسجد ولم يكن ~~له معلوم فقال له الإمام لو اكتسبت لكان أفضل لك فلم يجبه حتى أعاد عليه ~~ثلاثا فقال في الرابعة يهودي في جوار المسجد قد ضمن لي كل يوم رغيفين فقال ~~إن كان صادقا في ضمانه فعكوفك في المسجد خير لك فقال يا هذا لو لم تكن ~~إماما تقف بين يدي الله وبين العباد مع هذا النقص في التوحيد كان خيرا لك ~~إذ فضلت وعد يهودي على ضمان الله تعالى بالرزق وقال إمام المسجد لبعض ~~المصلين من أين تأكل فقال يا شيخ اصبر حتى أعيد الصلاة التي صليتها خلفك ثم ~~أجيبك # وينفع حسن الظن بمجيء الرزق من فضل الله تعالى بواسطة الأسباب الخفية أن ~~تسمع الحكايات التي فيها عجائب صنع الله تعالى في وصول الرزق إلى صاحبه ~~وفيها عجائب قهر الله تعالى في إهلاك أموال التجار والأغنياء وقتلهم جوعا ~~كما روي عن حذيفة المرعشي وقد كان خدم إبراهيم بن أدهم فقيل له ما أعجب ما ~~رأيت منه فقال بقينا في طريق مكة أياما لم نجد طعاما ثم دخلنا الكوفة ~~فأوينا إلى مسجد خراب فنظر إلي إبراهيم وقال يا حذيفة أرى بك الجوع فقلت هو ~~ما رأى الشيخ فقال علي بدواة وقرطاس فجئت به إليه فكتب بسم الله الرحمن ~~الرحيم أنت المقصود إليه بكل حال والمشار إليه بكل معنى وكتب شعرا # أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر ... أنا جائع أنا ضائع أنا عاري # هي ستة وأنا الضمين لنصفها ... فكن الضمين لنصفها يا باري # مدحي لغيرك لهب نار خضتها ... فأجر عبيدك من دخول النار # ثم دفع إلي الرقعة فقال اخرج ولا تعلق قلبك بغير الله تعالى وادفع الرقعة ~~إلى أول من يلقاك فخرجت فأول من لقيني كان رجلا على بغلة فناولته الرقعة ~~فأخذها فلما وقف عليها بكى وقال ما فعل صاحب هذه الرقعة فقلت هو في المسجد ~~الفلاني فدفع إلي صرة فيها ستمائة دينار ثم لقيت رجلا آخر فسألته ms2303 عن راكب ~~البغلة PageV04P270 # فقال هذا نصراني فجئت إلى إبراهيم وأخبرته بالقصة فقال لا تمسها فإنه ~~يجيىء الساعة فلما كان بعد ساعة دخل النصراني وأكب على رأس إبراهيم يقبله ~~وأسلم # وقال أبو يعقوب الأقطع البصرى جعت مرة بالحرم عشرة أيام فوجدت ضعفا ~~فحدثتني نفسي بالخروج فخرجت إلى الوادي لعلي أجد شيئا يسكن ضعفي فرأيت ~~سلجمة مطروحة فأخذتها فوجدت في قلبي منها وحشة وكأن قائلا يقول لي جعت عشرة ~~أيام وآخره يكون حظك سلجمة متغيرة فرميت بها ودخلت المسجد وقعدت فإذا أنا ~~برجل أعجمي قد أقبل حتى جلس بين يدي ووضع قمطرة وقال هذه لك فقلت كيف ~~خصصتني بها قال اعلم أنا كنا في البحر منذ عشرة أيام وأشرفت السفينة على ~~الغرق فنذرت إن خلصني الله تعالى أن أتصدق بهذه على على أول من يقع عليه ~~بصري من المجاورين وأنت أول من لقيته فقلت افتحها ففتحتها فإذا فيها سميد ~~مصري ولوز مقشور وسكر كعاب فقبضت قبضة من ذا وقبضة من ذا وقلت رد الباقي ~~إلى أصحابك هدية مني إليكم وقد قبلتها ثم قلت في نفسي رزقك يسير إليك من ~~عشرة أيام وأنت تطلبه من الوادي # وقال ممشاد الدينوري كان علي دين فاشتغل قلبي بسببه فرأيت في النوم كأن ~~قائلا يقول يا بخيل أخذت علينا هذا المقدار من الدين خذ عليك الأخذ وعلينا ~~العطاء فما حاسبت بعد ذلك بقالا ولا قصابا ولا غيرهما # وحكي عن بنان الحمال قال كنت في طريق مكة أجيء من مصر ومعي زاد فجاءتني ~~امرأة وقالت لي يابنات أنت حمال تحمل على ظهرك الزاد وتتوهم أنه لا يرزقك ~~قال فرميت بزادي ثم أتى علي ثلاث لم آكل فوجدت خلخالا في الطريق فقلت في ~~نفسي أحمله حتى يجئ صاحبه فربما يعطيني شيئا فأرده عليه فإذا أنا بتلك ~~المرأة فقالت لي أنت تاجر تقول عسى يجيئ صاحبه فآخذ منه شيئا ثم رمت لي ~~شيئا من الدراهم وقالت أنفقها فاكتفيت بها إلى قريب مكة # وحكي أن بنانا احتاج إلى جارية تخدمه فانبسط ms2304 إلى إخوانه فجمعوا له ثمنها ~~وقالوا هو ذا يجيئ النفير فنشتري ما يوافق فلما ورد النفير اجتمع رأيهم على ~~واحدة وقالوا إنها تصلح له فقالوا لصاحبها بكم هذه فقال إنها ليست للبيع ~~فألحوا عليه فقال إنها لبنان الحمال أهدتها إليه امرأة من سمرقند فحملت إلى ~~بنان وذكرت له القصة # وقيل كان في الزمان الأول رجل في سفر ومعه قرص فقال إن أكلته مت فركل ~~الله عز وجل به ملكا وقال إن أكله فارزقه وإن لم يأكله فلا تعطه غيره فلم ~~يزل القرص معه إلى أن مات ولم يأكله وبقي القرص عنده # وقال أبو سعيد الخراز دخلت البادية بغير زاد فأصابتني فاقة فرأيت المرحلة ~~من بعيد فسررت بأن وصلت ثم فكرت في نفسي أني سكنت واتكلت على غيره وآليت أن ~~لا أدخل المرحلة إلا أن أحمل إليها فحفرت لنفسي في الرمل حفرة واريت جسدي ~~فيها إلى صدري فسمعت صوتا في نصف الليل عاليا يا أهل المرحلة إن لله تعالى ~~وليا حبس نفسه في هذا الرمل فألحقوه فجاء جماعة فأخرجوني وحملوني إلى ~~القرية # وروي أن رجلا لازم باب عمر رضي الله عنه فإذا هو بقائل يقول يا هذا هاجرت ~~إلى عمر أو إلى الله تعالى اذهب فتعلم القرآن فإنه سيغنيك عن باب عمر فذهب ~~الرجل وغاب حتى افتقده عمر فإذا هو قد اعتزل واشتغل بالعبادة فجاءه عمر ~~فقال له إني قد اشتقت إليك فما الذي شغلك عني فقال إني قرأت القرآن فأغناني PageV04P271 # عن عمر وآل عمر فقال عمر # رحمك الله فماالذي وجدت فيه فقال وجدت فيه وفي السماء رزقكم وما توعدون ~~فقلت رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض فبكى عمر وقال صدقت فكان عمر بعد ~~ذلك يأتيه ويجلس إليه # وقال أبو حمزة الخراساني حججت سنة من السنين فبينا أنا أمشي في الطريق إذ ~~وقعت في بئر فنازعتني نفسي أن أستغيث فقلت لا والله لا أستغيث فما استتممت ~~هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان فقال أحدهما للآخر تعالى حتى نسد رأس ms2305 ~~هذا البئر لئلا يقع فيه أحد فأتوا بقصب وبارية وطموا رأس البئر فهممت أن ~~أصيح فقلت في نفسي إلى من أصيح هو أقرب منهما وسكنت فبينا أنا بعد ساعة إذ ~~أنا بشيء جاء وكشف عن رأس البئر وأدلى رجله وكأنه يقول تعلق بي في همهمة له ~~كنت أعرف ذلك فتعلقت به فأخرجني فإذا هو سبع فمر وهتف بي هاتف يا أبا حمزة ~~أليس هذا أحسن نجيناك من التلف بالتلف فمشيت وأنا أقول # نهاني حيائي منك أن أكشف الهوى ... وأغنيتني بالفهم منك عن الكشف # تلطفت في أمري فأبديت شاهدي ... إلى غائبي واللطف يدرك باللطف # تراءيت لى بالغيب حتى كأنما ... تبشرني بالغيب أنك في الكف # أراك وبي من هيبتي لك وحشة ... فتؤنسني باللطف منك وبالعطف # وتحيي محبا أنت في الحب حتفه ... وذا عجب كون الحياة مع الحتف # وأمثال هذه الوقائع مما يكثر وإذا قوي الإيمان به وانضم إليه القدرة على ~~الجوع قدر أسبوع من غير ضيق صدر وقوي الإيمان بأنه إن لم يسق إليه رزقه في ~~أسبوع فالموت خير له عند الله عز وجل ولذلك حبسه عنه تم التوكل بهذه ~~الأحوال والمشاهدات وإلا فلا يتم أصلا ### |||| بيان توكل المعيل # اعلم أن من له عيال فحكمه يفارق المنفرد لأن المنفرد لا يصح توكله إلا ~~بأمرين أحدهما قدرته على الجوع أسبوعا من غير استشراف وضيق نفس والآخر ~~أبواب من الإيمان ذكرناها من جملتها أن يطيب نفسا بالموت إن لم يأته رزقه ~~علما بأن رزقه الموت والجوع وهو إن كان نقصا في الدنيا فهو زيادة في الآخرة ~~فيرى أنه سيق إليه خير الرزقين له وهو رزق الآخرة وأن هذا هو المرض الذي به ~~يموت ويكون راضيا بذلك وأنه كذا قضي وقدر له فبهذا يتم التوكل المنفرد ولا ~~يجوز تكليف العيال الصبر على الجوع ولا يمكن أن يقرر عندهم الإيمان ~~بالتوحيد وأن الموت على الجوع رزق مغبوط عليه في نفسه إن اتفق ذلك نادرا ~~وكذا سائر أبواب الإيمان فإذن لا يمكنه في حقهم إلا توكل المكتسب ms2306 وهو ~~المقام الثالث كتوكل أبي بكر الصديق رضي الله عنه إذ خرج للكسب فأما دخول ~~البوادي وترك العيال توكلا في حقهم أو القعود عن الاهتمام بأمرهم توكلا في ~~حقهم فهذا حرام وقد يفضي إلى هلاكهم ويكون هو مؤاخذا بهم بل التحقيق أنه لا ~~فرق بينه وبين عياله فإنه إن ساعده العيال على الصبر على الجوع مدة وعلى ~~الاعتداد بالموت على الجوع رزقا وغنيمة في الآخرة فله أن يتوكل في حقهم ~~ونفسه أيضا عيال عنده ولا يجوز له أن يضيعها إلا أن تساعده على الصبر على ~~الجوع مدة فإن كان لا يطيقه ويضطرب عليه قلبه وتتشوش عليه عبادته لم يجز له ~~التوكل ولذلك روي أن أبا تراب النخشبي نظر إلى صوفي مد يده إلى قشر بطيخ ~~ليأكله بعد ثلاثة أيام فقال له لا يصلح لك التصوف الزم السوق أي لا تصوف ~~إلا مع التوكل PageV04P272 # ولا يصح التوكل إلا لمن يصبر عن الطعام أكثر من ثلاثة أيام وقال أبو علي ~~الروذباري إذا قال الفقير بعد خمسة أيام أنا جائع فألزموه السوق ومروه ~~بالعمل والكسب فإن بدنه عياله وتوكله فيما يضر ببدنه كتوكله في عياله وإنما ~~يفارقهم في شيءواحد وهو أن له تكليف نفسه الصبر على الجوع وليس له ذلك في ~~عياله وقد انكشف لك من هذا أن التوكل ليس انقطاعا عن الأسباب بل الاعتماد ~~على الصبر على الجوع مدة والرضا بالموت إن تأخر الرزق نادرا وملازمة البلاد ~~والأمصار أو ملازمة البوادي التي لا تخلو عن حشيش وما يجري مجراه فهذه كلها ~~أسباب البقاء ولكن مع نوع من الأذى إذ لا يمكن الاستمرار عليه إلا بالصبر ~~والتوكل في الأمصار أقرب إلى الأسباب من التوكل في البوادي وكل ذلك ذلك من ~~الأسباب إلا أن الناس عدلوا إلى أسباب أظهر منها فلم يعدوا تلك أسبابا وذلك ~~لضعف إيمانهم وشدة حرصهم وقلة صبرهم على الأذى في الدنيا لأجل الآخرة ~~واستيلاء الجبن على قلوبهم بإساءة الظن وطول الأمل ومن نظر في ملكوت ~~السموات والأرض انكشف له تحقيقا ms2307 أن الله تعالى دبر الملك والملكوت تدبيرا ~~لا يجاوز العبد رزقه وإن ترك الاضطراب فإن العاجز عن الاضطراب لم يجاوزه ~~رزقه أما ترى الجنين في بطن أمه لما أن كان عاجزا عن الاضطراب كيف وصل سرته ~~بالأم حتى تنتهي إليه فضلات غذاء الأم بواسطة السرة ولم يكن ذلك بحيلة ~~الجنين ثم لما انفصل سلط الحب والشفقة على الأم لتتكفل به شاءت أم أبت ~~اضطرارا من الله تعالى إليه بما أشعل في قلبها من نار الحب ثم لما لم يكن ~~له سن يمضغ به الطعام جعل رزقه من اللبن الذي لا يحتاج إلى المضغ ولأنه ~~لرخاوة مزاجه كان لا يحتمل الغذاء الكثيف فأدر له اللبن اللطيف في ثدي الأم ~~عند انفصاله على حسب حاجته أفكان هذا بحيلة الطفل أو بحيلة الأم إذا صار ~~بحيث يوافقه الغذاء الكثيف أنبت له أسنانا قواطع وطواحين لأجل المضغ فإذا ~~كبر واستقل يسر له أسباب التعلم وسلوك سبيل الآخرة فجنبه بعد البلوغ جهل ~~محض لأنه ما نقصت أسباب معيشته ببلوغه بل زادت فإنه لم يكن قادرا على ~~الاكتساب فالآن قد قدر فزادت قدرته نعم كان المشفق عليه شخصا واحدا وهي ~~الأم أو الأب وكانت شفقته مفرطة جدا فكان يطعمه ويسقيه في اليوم مرتين وكان ~~إطعامه بتسليط الله تعالى الحب والشفقة على قلبه فكذلك قد سلط الله الشفقة ~~والمودة والرحمة والرقة على قلوب المسلمين بل أهل البلد كافة حتى إن كل ~~واحد منهم إذا أحس بمحتاج تألم قلبه ورق عليه وانبعثت له داعية إلى إزالة ~~حاجته فقد كان المشفق عليه واحدا والآن المشفق عليه ألف وزيادة وقد كانوا ~~لا يشفقون عليه لأنهم رأوه في كفالة الأم والأب وهو مشفق خاص فما رأوه ~~محتاجا ولو رأوه يتيما لسلط الله داعية الرحمة على واحد من المسلمين أو على ~~جماعة حتى يأخذونه ويكفلونه فما رؤي إلى الآن في سني الخصب يتيم قد مات ~~جوعا مع أنه عاجز عن الاضطراب وليس له كافل خاص والله تعالى كافله بواسطة ~~الشفقة التي خلقها ms2308 في قلوب عباده فلماذا ينبغي أن يشتغل قلبه برزقه بعد ~~البلوغ ولم يشتغل في الصبا وقد كان المشفق واحدا والمشفق الآن ألف نعم كانت ~~شفقة الأم أقوى وأحظى ولكنها واحدة وشفقة آحاد الناس وإن ضعفت فيخرج من ~~مجموعها ما يفيد الغرض فكم من يتيم قد يسر الله تعالى له حالا هو أحسن من ~~حال من له أب وأم فينجبر ضعف شفقة الآحاد بكثرة المشفقين وبترك التنعم ~~والاقتصار على قدر الضرورة ولقد أحسن الشاعر حيث يقول # جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيان التحرك والسكون # جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين PageV04P273 # فإن قلت الناس يكفلون اليتيم لأنهم يرونه عاجزا بصباه وأما هذا فبالغ ~~قادر على الكسب فلا يلتفتون إليه ويقولون هو مثلنا فليجتهد لنفسه فأقول إن ~~كان هذا القادر بطالا فقد صدقوا فعليه الكسب ولا معنى للتوكل في حقه فإن ~~التوكل من مقامات الدين يستعان به على التفرغ لله تعالى فما للبطال والتوكل ~~وإن كان مشتغلا بالله ملازما لمسجد أو بيت وهو مواظب على العلم والعبادة ~~فالناس لا يلومونه في ترك الكسب ولا يكلفونه ذلك بل اشتغاله بالله تعالى ~~يقرر حبه في قلوب الناس حتى يحملون إليه فوق كفايته وإنما عليه أن لا يغلق ~~الباب ولا يهرب إلى جبل من بين الناس وما رؤي إلى الآن عالم أو عابد استغرق ~~الأوقات بالله تعالى وهو في الأمصار فمات جوعا ولا يرى قط بل لو أراد أن ~~يطعم جماعة من الناس بقوله لقدر عليه فإن من كان لله تعالى كان الله عز وجل ~~له ومن اشتغل بالله عز وجل ألقى الله حبه في قلوب الناس وسخر له القلوب كما ~~سخر قلب الأم لولدها فقد دبر الله تعالى الملك والملكوت تدبيرا كافيا لأهل ~~الملك والملكوت # فمن شاهد هذا التدبير وثق بالمدبر واشتغل به وآمن ونظر إلى مدبر الأسباب ~~لا إلى الأسباب نعم ما دبره تدبيرا يصل إلى المشتغل به الحلو والطيور ~~السمان والثياب الرقيقة والخيول النفيسة على الدوام لا محالة وقد يقع ms2309 ذلك ~~أيضا في بعض الأحوال لكن دبره تدبيرا يصل إلى كل مشتغل بعبادة الله تعالى ~~في كل أسبوع قرص شعير أو حشيش يتناوله لا محالة والغالب أنه يصل أكثر منه ~~بل يصل ما يزيد على قدر الحاجة والكفاية فلا سبب لترك التوكل إلا رغبة ~~النفس في التنعم على الدوام ولبس الثياب الناعمة وتناول الأغذية اللطيفة ~~وليس ذلك من طريق الآخرة وذلك قد لا يحصل بغير اضطراب وهو في الغالب أيضا ~~ليس يحصل مع الاضطراب وإنما يحصل نادرا وفي النادر أيضا قد يحصل بغير ~~اضطراب فأثر الاضطراب ضعف عند من انفتحت بصيرته فلذلك لا يطمئن إلى اضطرابه ~~بل إلى مدبر الملك والملكوت تدبيرا لا يجاوز عبدا من عباده رزقه وإن سكن ~~إلا نادرا ندورا عظيما يتصور مثله في حق المضطرب فإذا انكشفت هذه الأمور ~~وكان معه قوة في القلب وشجاعة في النفس أثمر ما قاله الحسن البصري رحمه ~~الله إذ قال وددت أن أهل البصرة في عيالي وأن حبة بدينار # وقال وهيب بن الورد لو كانت السماء نحاسا والأرض رصاصا واهتممت برزقي ~~لظننت أني مشرك # فإذا فهمت هذه الأمور فهمت أن التوكل مقام مفهوم في نفسه ويمكن الوصول ~~إليه لمن قهر نفسه وعلمت أن من أنكر أصل التوكل وإمكانه أنكره عن جهل فإياك ~~أن تجمع بين الإفلاسين الإفلاس عن وجود المقام ذوقا والإفلاس عن الإيمان به ~~علما فإذن عليك بالقناعة بالنزر القليل والرضا بالقوت فإنه يأتيك لا محالة ~~وإن فررت منه وعند ذلك على الله أن يبعث إليك رزقك على يدي من لا تحتسب فإن ~~اشتغلت بالتقوى والتوكل شاهدت بالتجربة مصداق قوله تعالى ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب الآية إلا أنه لم يتكفل له أن يرزقه لحم ~~الطير ولذائذ الأطعمة فما ضمن إلا الرزق الذي تدوم به حياته وهذا المضمون ~~مبذول لكل من اشتغل بالضامن واطمأن إلى ضمانه فإن الذي أحاط به تدبير الله ~~من الأسباب الخفية للرزق أعظم مما ظهر للخلق بل مداخل الرزق ms2310 لا تحصى ~~ومجاريه لا يهتدى إليها وذلك لأن ظهوره على الأرض وسببه في السماء # قال الله تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون وأسرار السماء لا يطلع عليها ~~ولهذا دخل جماعة على الجنيد فقال ماذا تطلبون قالوا نطلب الرزق فقال إن ~~علمتم في أي موضع هو فاطلبوه # قالوا نسأل الله # قال إن علمتم أنه ينساكم فذكروه فقالوا ندخل البيت ونتوكل وننظر ما يكون # فقال التوكل على التجربة شك قالوا فما الحيلة قال ترك الحيلة # وقال أحمد بن عيسى PageV04P274 # الخراز كنت في البادية فنالني جوع شديد فغلبتني نفسي أن أسأل الله تعالى ~~طعاما فقلت ليس هذا من أفعال المتوكلين فطالبتني أن أسأل الله صبرا فلما ~~هممت بذلك سمعت هاتفا يهتف بي ويقول # ويزعم أنه منا قريب ... وأنا لا نضيع من أتانا # ويسألنا على الإقتار جهدا ... كأنا لا نراه ولا يرانا # فقد فهمت أن من انكسرت نفسه وقوي قلبه ولم يضعف بالجبن باطنه وقوي إيمانه ~~بتدبير الله تعالى كان مطمئن النفس أبدا واثقا بالله عز وجل فإن أسوأ حاله ~~أن يموت ولا بد أن يأتيه الموت كما يأتي من ليس مطمئنا فإذن تمام التوكل ~~بقناعة من جانب ووفاء بالمضمون من جانب والذي ضمن رزق القانعين بهذه ~~الأسباب التي دبرها صادق فاقنع وجرب تشاهد صدق الوعد تحقيقا بما يرد عليك ~~من الأرزاق العجيبة التي لم تكن في ظنك وحسابك ولا تكن في توكلك منتظرا ~~للأسباب بل لمسبب الأسباب كما لا تكون منتظرا لقلم الكاتب بل لقلب الكاتب ~~فإنه أصل حركة القلم والمحرك الأول واحد فلا ينبغي أن يكون النظر إلا إليه ~~وهذا شرط توكل من يخوض البوادي بلا زاد أو يقعد في الأمصار وهو خامل # وأما الذي له ذكر بالعبادة والعلم فإذا قنع في اليوم والليلة بالطعام مرة ~~واحدة كيف كان وإن لم يكن من اللذائذ وثوب خشن يليق بأهل الدين فهذا يأتيه ~~من حيث يحتسب ولا يحتسب على الدوام بل يأتيه أضعافه فتركه التوكل واهتمامه ~~بالرزق غاية الضعف والقصور فإن اشتهاره بسبب ظاهر ms2311 يجلب الرزق إليه أقوى من ~~دخول الأمصار في حق الخامل مع الاكتساب فالاهتمام بالرزق قبيح بذوى الدين ~~وهو بالعلماء أقبح لأن شرطهم القناعة والعالم القانع يأتيه رزقه ورزق جماعة ~~كثيرة إن كانوا معه إلا إذا أراد أن لا يأخذ من أيدي الناس ويأكل من كسبه ~~فذلك له وجه لائق بالعالم العامل الذي سلوكه بظاهر العلم والعمل ولم يكن له ~~سير بالباطن فإن الكسب يمنع عن السير بالفكر الباطن فاشتغاله بالسلوك مع ~~الأخذ من يد من يتقرب إلى الله تعالى بما يعطيه أولى لأنه تفرغ لله عز وجل ~~وإعانة للمعطي على نيل الثواب ومن نظر إلى مجاري سنة الله تعالى علم أن ~~الرزق ليس على قدر الأسباب ولذلك سأل بعض الأكاسرة حكيما عن الأحمق المرزوق ~~والعاقل المحروم فقال أراد الصالح أن يدل على نفسه إذ لو رزق كل عاقل وحرم ~~كل أحمق لظن أن العقل رزق صاحبه فلما رأوا خلافه علموا أن الرازق غيرهم ولا ~~ثقة بالأسباب الظاهرة لهم قال الشاعر # ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا ... هلكن إذن من جهلهن البهائم ### |||| بيان أحوال المتوكلين في التعلق بالأسباب بضرب مثال # اعلم أن مثال الخلق مع الله تعالى مثل طائفة من السؤال وقفوا في ميدان ~~على باب قصر الملك وهم محتاجون إلى الطعام فأخرج إليهم غلمانا كثيرة ومعهم ~~أرغفة من الخبز وأمرهم أن يعطوا بعضهم رغيفين رغيفين وبعضهم رغيفا رغيفا ~~ويجتهدوا في أن لا يغفلوا عن واحد منهم وأمر مناديا حتى نادى فيهم أن ~~اسكنوا ولا تتعلقوا بغلماني إذا خرجوا إليكم بل ينبغي أن يطمئن كل واحد ~~منكم في موضعه فإن الغلمان مسخرون وهم مأمورون بأن يوصلوا إليكم طعامكم فمن ~~تعلق بالغلمان وآذاهم وأخذ رغيفين فإذا فتح باب الميدان وخرج اتبعته بغلام ~~يكون موكلا به إلى أن أتقدم لعقوبته في ميعاد معلوم عندي ولكن أخفيه ومن لم ~~يؤذ الغلمان وقنع برغيف واحد أتاه من يد الغلام وهو ساكن فإني أختصه بخلعة ~~سنية في الميعاد المذكور لعقوبة الآخر ومن ثبت في مكانه ولكنه ms2312 أخذ رغيفين ~~فلا عقوبة عليه ولا خلعة له ومن أخطأه غلماني فما أوصلوا إليه شيئا فبات ~~الليلة جائعا غير متسخط للغلمان PageV04P275 # ولا قائلا ليته أوصل إلي رغيفا فإني غدا أستوزره وأفوض ملكي إليه فانقسم ~~السؤال إلى أربعة أقسام قسم غلبت عليهم بطونهم فلم يلتفتوا إلى العقوبة ~~الموعودة وقالوا من اليوم إلى غد فرج ونحن الآن جائعون فبادروا إلى الغلمان ~~فآذوهم وأخذوا الرغيفين فسبقت العقوبة إليهم في الميعاد المذكور فندموا ولم ~~ينفعهم الندم وقسم تركوا التعلق بالغلمان خوف العقوبة ولكن أخذوا رغيفين ~~لغلبة الجوع فسلموا من العقوبة وما فازوا بالخلعة وقسم قالوا إنا نجلس ~~بمرأى من الغلمان حتى لا يخطئونا ولكن نأخذ إذا أعطونا رغيفا واحدا ونقنع ~~به فلعلنا نفوز بالخلعة ففازوا بالخلعة وقسم رابع اختفوا في زوايا الميدان ~~وانحرفوا عن مرأى أعين الغلمان وقالوا إن اتبعونا وأعطونا قنعنا برغيف واحد ~~وإن أخطأونا قاسينا شدة الجوع الليلة فلعلنا نقوى على ترك التسخط فننال ~~رتبة الوزارة ودرجة القرب عند الملك فما نفعهم ذلك إذ اتبعهم الغلمان في كل ~~زاوية وأعطوا كل واحد رغيفا واحدا وجرى مثل ذلك أياما حتى اتفق على الندور ~~أن اختفى ثلاثة في زاوية ولم تقع عليهم أبصار الغلمان وشغلهم شغل صارف عن ~~طول التفتيش فباتوا في جوع شديد فقال اثنان منهم ليتنا تعرضنا للغلمان ~~وأخذنا طعامنا فلسنا نطيق الصبر وسكت الثالث إلى الصباح فنال درجة القرب ~~والوزارة فهذا مثال الخلق والميدان هو الحياة في الدنيا وباب الميدان الموت ~~والميعاد المجهول يوم القيامة والوعد بالوزارة هو الوعد بالشهادة للمتوكل ~~إذا مات جائعا راضيا من غير تأخير ذلك إلى ميعاد القيامة لأن الشهداء أحياء ~~عند ربهم يرزقون والمتعلق بالغلمان هو المعتدي في الأسباب والغلمان ~~المسخرون هم الأسباب والجالس في ظاهر الميدان بمرأى الغلمان هم المقيمون في ~~الأمصار في الرباطات والمساجد على هيئة السكون والمختفون في الزوايا هم ~~السائحون في البوادي على هيئة التوكل والأسباب تتبعهم والرزق يأتيهم إلا ~~على سبيل الندور فإن مات واحد منهم جائعا راضيا فله الشهادة والقرب ms2313 من الله ~~تعالى وقد انقسم الخلق إلى هذه الأقسام الأربعة ولعل من كل مائة تعلق ~~بالأسباب تسعون وأقام سبعة من العشرة الباقية في الأمصار متعرضين للسبب ~~بمجرد حضورهم واشتهارهم وساح في البوادي ثلاثة وتسخط منهم اثنان وفاز ~~بالقرب واحد ولعله كان كذلك في الأعصار السالفة وأما الآن فالتارك للأسباب ~~لا ينتهي إلى واحد من عشرة آلاف # الفن الثاني في التعرض لأسباب الادخار فمن حصل له مال بإرث أو كسب أو ~~سؤال أو سبب من الأسباب فله في الادخار ثلاثة أحوال الأولى أن يأخذ قدر ~~حاجته في الوقت فيأكل إن كان جائعا ويلبس إن كان عاريا ويشتري مسكنا مختصرا ~~إن كان محتاجا ويفرق الباقي في الحال ولا يأخذه ولا يدخره إلا بالقدر الذي ~~يدرك به من يستحقه ويحتاج إليه فيدخره على هذه النية فهذا هو الوفي بموجب ~~التوكل تحقيقا وهي الدرجة العليا الحالة الثانية المقابلة لهذه المخرجة له ~~عن حدود التوكل أن يدخر لسنة فما فوقها فهذا ليس من المتوكلين أصلا وقد قيل ~~لا يدخر من الحيوانات إلا ثلاثة الفأرة والنملة وابن آدم الحالة الثالثة أن ~~يدخر لأربعين يوما فما دونها فهذا هل يوجب حرمانه من المقام المحمود ~~الموعود في الآخرة للمتوكلين اختلفوا فيه فذهب سهل إلى أنه يخرج عن حد ~~التوكل # وذهب الخواص إلى أنه لا يخرج بأربعين يوما ويخرج بما يزيد على الأربعين # وقال أبو طالب المكي لا يخرج عن حد التوكل بالزيادة على الأربعين أيضا ~~وهذا اختلاف لا معنى له بعد تجويز أصل الادخار نعم يجوز أن يظن ظان أن أصل ~~الادخار يناقض التوكل فأما التقدير بعد ذلك فلا مدرك له وكل ثواب موعود على ~~رتبة فإنه يتوزع على تلك الرتبة وتلك الرتبة لها بداية PageV04P276 # ونهاية ويسمى أصحاب النهايات السابقين وأصحاب البدايات أصحاب اليمين ثم ~~أصحاب اليمين أيضا على درجات وكذلك السابقون وأعالي درجات أصحاب اليمين ~~تلاصق أسافل درجات السابقين فلا معنى للتقدير في مثل هذا بل التحقيق أن ~~التوكل بترك الادخار لا يتم إلا بقصر الأمل وأما ms2314 عدم آمال البقاء فيبعد ~~اشتراطه ولو في نفس فإن ذلك كالممتنع وجوده أما الناس فمتفاوتون في طول ~~الأمل وقصره وأقل درجات الأمل يوم وليلة فما دونه من الساعات وأقصاه ما ~~يتصور أن يكون عمر الإنسان وبينهما درجات لا حصر لها فمن لم يؤمل أكثر من ~~شهر أقرب إلى المقصود ممن يؤمل سنة وتقييده بأربعين لأجل ميعاد موسى عليه ~~السلام بعيد فإن تلك الواقعة ما قصد بها بيان مقدار مارخص الأمل فيه ولكن ~~استحقاق موسى لنيل الموعود كان لا يتم إلا بعد أربعين يوما لسر جرت به ~~وبأمثاله سنة الله تعالى في تدريج الأمور كما قال عليه السلام إن الله خمر ~~طينة آدم بيده أربعين صباحا (1) لآن استحقاق تلك الطينة التخمر كان موقوفا ~~على مدة مبلغها ما ذكر فإذن ما وراء السنة لا يدخر له إلا بحكم ضعف القلب ~~والركون إلى ظاهر الأسباب فهو خارج عن مقام التوكل غير واثق بإحاطة التدبير ~~من الوكيل الحق بخفايا الأسباب فإن أسباب الدخل في الارتفاعات والزكوات ~~تتكرر بتكرر السنين غالبا ومن ادخر لأقل من سنة فله درجة بحسب قصر أمله ومن ~~كان أمله شهرين لم تكن درجته كدرجة من أمل شهرا ولا درجة من أمل ثلاثة أشهر ~~بل هو بينهما في الرتبة ولا يمنع من الادخار إلا قصر الأمل فالأفضل أن لا ~~يدخر أصلا وإن ضعف قلبه فكلما قل ادخاره كان فضله أكثر وقد روي في الفقير ~~الذي أمر صلى الله عليه وسلم عليا كرم الله وجهه وأسامة أن يغسلاه فغسلاه ~~وكفناه ببردته فلما دفنه قال لأصحابه إنه يبعث يوم القيامة ووجهه كالقمر ~~ليلة البدر ولولا خصلة كانت فيه لبعث ووجهه كالشمس الضاحية قلنا وما هي يا ~~رسول الله قال كان صواما قواما كثير الذكر لله تعالى غير أنه كان إذا جاء ~~الشتاء ادخر حلة الصيف لصيفه وإذا جاء الصيف ادخر حلة الشتاء لشتائه ثم قال ~~صلى الله عليه وسلم بل أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر (2) الحديث وليس ~~الكوز والشفرة وما يحتاج إليه ms2315 على الدوام معنى ذلك فإن ادخاره لا ينقص ~~الدرجة وأما ثوب الشتاء فلا يحتاج إليه في الصيف وهذا في حق من لا ينزعج ~~قلبه بترك الادخار ولا تستشرف نفسه إلى أيدي الخلق بل لا يلتفت قلبه إلا ~~إلى الوكيل الحق فإن كان يستشعر في نفسه اضطرابا يشغل قلبه عن العبادة ~~والذكر والفكر فالادخار له أولى بل لو أمسك ضيعة يكون دخلها وافيا بقدر ~~كفايته وكان لا يتفرغ قلبه إلا به فذلك له أولى لأن المقصود إصلاح القلب ~~ليتجرد لذكر الله ورب شخص يشغله وجود المال ورب شخص يشغله عدمه والمحذور ما ~~يشغل عن الله عز وجل وإلا فالدنيا في عينها غير محذورة لا وجودها ولا عدمها ~~ولذلك بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصناف الخلق وفيهم التجار ~~والمحترفون وأهل الحرف والصناعات فلم يأمر التجار بترك تجارته ولا المحترف ~~بترك حرفته ولا أمر التارك لهما بالاشتغال بهما بل دعا الكل إلى الله تعالى ~~وأرشدهم إلى أن فوزهم ونجاتهم في انصراف قلوبهم عن الدنيا إلى الله تعالى ~~وعمدة الاشتغال بالله عز وجل القلب فصواب الضعيف ادخار قدر حاجته كما أن ~~صواب القوي ترك الادخار PageV04P277 # وهذا كله حكم المنفرد فأما المعيل فلا يخرج عن حد التوكل بادخار قوت سنة ~~لعياله جبرا لضعفهم وتسكينا لقلوبهم وادخار أكثر من ذلك مبطل للتوكل لأن ~~الأسباب تتكرر عند تكرر السنين فادخاره ما يزيد عليه سببه ضعف قلبه وذلك ~~يناقض قوة التوكل فالمتوكل عبارة عن موحد قوي القلب مطمئن النفس إلى فضل ~~الله تعالى واثق بتدبيره دون وجود الأسباب الظاهرة وقد ادخر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لعياله قوت سنة (1) ونهى أم أيمن وغيرها أن تدخر له شيئا ~~لغد (2) ونهى بلالا عن الادخار في كسرة خبز ادخرها ليفطر عليها فقال صلى ~~الله عليه وسلم أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا (3) وقال صلى الله ~~عليه وسلم إذا سئلت فلا تمنع وإذا أعطيت فلا تخبأ (4) إقتداء بسيد ~~المتوكلين صلى الله عليه وسلم وقد كان قصر ms2316 أمله بحيث كان إذا بال تيمم مع ~~قرب الماء ويقول ما يدريني لعلي لا أبلغه (5) وكان صلى الله عليه وسلم لو ~~أخر لم ينقص ذلك من توكله إذ كان لا يثق بما ادخره ولكنه عليه السلام ترك ~~ذلك تعليما للأقوياء من أمته فإن أقوياء أمته ضعفاء بالإضافة إلى قوته ~~وادخر عليه السلام لعياله سنة لا لضعف قلب فيه وفي عياله ولكن ليسن ذلك ~~للضعفاء من أمته بل أخبر إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى ~~عزائمه (6) تطييبا لقلوب الضعفاء حتى لا ينتهي بهم الضعف إلى اليأس والقنوط ~~فيتركون الميسور من الخير عليهم بعجزهم عن منتهى الدرجات فما أرسل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا رحمة للعالمين كلهم عليه اختلاف أصنافهم ~~ودرجاتهم وإذا فهمت هذا علمت أن الادخار قد يضر بعض الناس وقد لا يضر ويدل ~~على ما روى أبو أمامة الباهلي أن بعض أصحاب الصفة توفي فما وجد له كفن فقال ~~صلى الله عليه وسلم فتشوا ثوبه فوجدوا فيه دينارين في داخل إزاره فقال صلى ~~الله عليه وسلم كيتان (7) وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف أموالا ولا ~~يقول ذلك في حقه وهذا يحتمل وجهين لأن حاله يحتمل حالين أحدهما أنه أراد ~~كيتين من النار كما قال تعالى تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم وذلك إذا ~~كان حاله إظهار الزهد والفقر والتوكل مع الإفلاس عنه فهو نوع تلبيس والثاني ~~أن لا يكون ذلك عن تلبيس فيكون المعنى به النقصان عن درجة كماله كما ينقص ~~من جمال الوجه أثر كيتين في الوجه وذلك لا يكون عن تلبيس فإن كل ما يخلفه ~~الرجل فهو نقصان عن درجته في الآخرة إذ لا يؤتى أحد من الدنيا شيئا إلا نقص ~~بقدره من الآخرة وأما بيان أن الادخار مع فراغ القلب عن المدخر ليس من ~~ضرورته بطلان التوكل فيشهد له ما روي عن بشر قال الحسين المغازلي من أصحابه ~~كنت عنده ضحوة من النهار فدخل عليه رجل كهل أسمر خفيف العارضين ms2317 فقام إليه ~~بشر قال وما رأيته قام لأحد غيره قال ودفع إلي كفا من دراهم وقال اشتر لنا ~~من أطيب ما تقدر عليه من الطعام الطيب وما قال لي قط PageV04P278 # مثل ذلك قال فجئت بالطعام فوضعته فأكل معه وما رأيته أكل مع غيره قال ~~فأكلنا حاجتنا وبقي من الطعام شيء كثير فأخذه الرجل وجمعه في ثوبه وحمله ~~معه وانصرف فعجبت من ذلك وكرهته له فقال لي بشر لعلك أنكرت فعله قلت نعم ~~أخذ بقية الطعام من غير إذن فقال ذاك أخونا فتح الموصلي زارنا اليوم من ~~الموصل فإنما أراد أن يعلمنا أن التوكل إذا صح لم يضر معه الادخار # الفن الثالث في مباشرة الأسباب الدافعة للضرر المعرض للخوف اعلم أن الضرر ~~قد يعرض للخوف في نفس أو مال وليس من شروط التوكل ترك الأسباب الدافعة رأسا ~~أما في النفس فكالنوم في الأرض المسبعة أو في مجاري السيل من الوادي أو تحت ~~الجدار المائل والسقف المنكسر فكل ذلك منهي عنه وصاحبه قد عرض نفسه للهلاك ~~بغير فائدة نعم تنقسم هذه الأسباب إلى مقطوع بها ومظنونة وإلى موهومة فترك ~~الموهوم منها من شرط التوكل وهي التي نسبتها إلى دفع الضرر نسبة الكى ~~والرقية فإن الكي والرقية قد تقدم به على المحذور دفعا لما يتوقع وقد ~~يستعمل بعد نزول المحذور للإزالة ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصف ~~المتوكلين إلا بترك الكي والرقية والطيرة ولم يصفهم بأنهم إذا خرجوا إلى ~~موضع بارد لم يلبسوا جبة والجبة تلبس دفعا للبرد المتوقع وكذلك كل مافي ~~معناها من الأسباب نعم الاستظهار بأكل الثوم مثلا عند الخروج إلى السفر في ~~الشتاء تهييجا لقوة الحرارة من الباطن ربما يكون من قبيل التعمق في الأسباب ~~والتعويل عليها فيكاد يقرب من الكي بخلاف الجبة ولترك الأسباب الدافعة وإن ~~كانت مقطوعة وجه إذا ناله الضرر من إنسان فإنه إذا أمكنه الصبر وأمكنه ~~الدفع والتشفي فشرط التوكل الاحتمال والصبر قال الله تعالى {فاتخذه وكيلا ~~واصبر على ما يقولون} وقال تعالى {ولنصبرن ms2318 على ما آذيتمونا وعلى الله ~~فليتوكل المتوكلون} وقال عز وجل {ودع أذاهم وتوكل على الله} وقال سبحانه ~~تعالى فاصبر كما صبر أولي العزم من الرسل وقال تعالى {نعم أجر العاملين ~~الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} وهذا في أذى الناس وأما الصبر على أذى ~~الحيات والسباع والعقارب فترك دفعها ليس من التوكل في شيء إذ لا فائدة فيه ~~ولا يراد السعي ولا يترك السعي لعينه بل لإعانته على الدين وترتب الأسباب ~~ههنا كترتبها في الكسب وجلب المنافع فلا نطول بالإعادة وكذلك في الأسباب ~~الدافعة عن المال فلا ينقص التوكل بإغلاق باب البيت عند الخروج ولا بأن ~~يعقل البعير لأن هذه أسباب عرفت سنة الله تعالى إما قطعا وإما ظنا ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما أن أهمل البعير وقال توكلت على الله ~~اعقلها وتوكل (1) وقال تعالى {خذوا حذركم} وقال في كيفية صلاة الخوف ~~{وليأخذوا أسلحتهم} وقال سبحانه {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل} وقال تعالى لموسى عليه السلام {فأسر بعبادي ليلا} والتحصن بالليل ~~اختفاء عن أعين الأعداء ونوع تسبب واختفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الغار اختفاء عن أعين الأعداء دفعا للضرر (2) وأخذ السلاح في الصلاة فليس ~~دافعا قطعا كقتل الحية والعقرب فإنه دافع قطعا ولكن أخذ السلاح سبب مظنون ~~وقد بينا أن المظنون كالمقطوع وإنما الموهوم هو الذي يقتضي التوكل تركه # فإن قلت فقد حكي عن جماعة أن منهم من وضع الأسد يده على كتفه ولم يتحرك ~~فأقول وقد حكي عن جماعة أنهم ركبوا الأسد وسخروه فلا ينبغي أن يغرك ذلك ~~المقام فإنه وإن كان صحيحا في نفسه فلا يصلح للاقتداء PageV04P279 # بطريق التعلم من الغير بل ذلك مقام رفيع في الكرامات وليس ذلك شرطا في ~~التوكل وفيه أسرار لا يقف عليها من لم ينته إليها # فإن قلت وهل من علامة أعلم بها أني قد وصلت إليها فأقول الواصل لا يحتاج ~~إلى طلب العلامات ولكن من العلامات على ذلك المقام السابقة عليه أن يسخر ms2319 لك ~~كلب هو معك في إهابك يسمى الغضب فلا يزال يعضك ويعض غيرك فإن سخر لك هذا ~~الكلب بحيث إذا هيج وأشلى لم يستشل إلا بإشارتك وكان مسخرا لك فربما ترتفع ~~درجتك إلى أن يسخر لك الأسد الذي هو ملك السباع وكلب دارك أولى أن يكون ~~مسخرا لك من كلب البوادي وكلب إهابك أولى بأن يتسخر من كلب دارك فإذا لم ~~يسخر لك الكلب الباطن فلا تطمع في استسخار الكلب الظاهر # فإن قلت فإذا أخذ المتوكل سلاحه حذرا من العدو وأغلق بابه حذرا من اللص ~~وعقل بعيره حذرا من أن ينطلق فبأي اعتبار يكون متوكلا فأقول يكون متوكلا ~~بالعلم والحال فأما العلم فهو أن يعلم أن اللص إن اندفع لم يندفع بكفايته ~~في إغلاق الباب بل لم يندفع إلا بدفع الله تعالى إياه فكم من باب يغلق ولا ~~ينفع وكم من بعير يعقل ويموت أو يفلت وكم من آخذ سلاحه يقتل أو يغلب فلا ~~تتكل على هذه الأسباب أصلا بل على مسبب الأسباب كما ضربنا المثل في الوكيل ~~في الخصومة فإنه إن حضر وأحضر السجل فلا يتكل على نفسه وسجله بل يتكل على ~~كفاية الوكيل وقوته وأما الحال فهو أن يكون راضيا بما يقضي الله تعالى به ~~في بيته ونفسه ويقول اللهم إن سلطت علي ما في البيت من يأخذه فهو في سبيلك ~~وأنا راض بحكمك فإني لا أدري أن ما أعطيتني هبة فلا تسترجعها أو عارية ~~ووديعة فتستردها ولا أدري أنه رزقي أو سبقت مشيئتك في الأزل بأنه رزق غيري ~~وكيفما قضيت فأنا راض به وما أغلقت الباب تحصنا من قضاؤك وتسخطا له بل جريا ~~على مقتضى سنتك في ترتيب الأسباب فلا ثقة إلا بك يا مسبب الأسباب فإذا كان ~~هذا حاله وذلك الذي ذكرناه علمه لم يخرج عن حدود التوكل بعقل البعير وأخذ ~~السلاح وإغلاق الباب ثم إذا عاد فوجد متاعه في البيت فينبغي أن يكون ذلك ~~عنده نعمة جديدة من الله تعالى وإن لم يجده بل وجده ms2320 مسروقا نظر إلى قلبه ~~فإن وجده راضيا أو فرحا بذلك عالما أنه ما أخذ الله تعالى ذلك منه إلا ~~ليزيد رزقه في الآخرة فقد صح مقامه في التوكل وظهر له صدقه وإن تألم قلبه ~~به ووجد قوة الصبر فقد بان له أنه ما كان صادقا في دعوى التوكل لأن التوكل ~~مقام بعد الزهد ولا يصح الزهد إلا ممن لا يتأسف على ما فات من الدنيا ولا ~~يفرح بما يأتي بل يكون على العكس منه فكيف يصح له التوكل نعم قد يصح له ~~مقام الصبر إن أخفاه ولم يظهر شكواه ولم يكثر سعيه في الطلب والتجسس وإن لم ~~يقدر على ذلك حتى تأذى بقلبه وأظهر الشكوى بلسانه واستقصى الطلب ببدنه فقد ~~كانت السرقة مزيدا له في ذنبه من حيث إنه ظهر له قصوره عن جميع المقامات ~~وكذبه في جميع الدعاوي فبعد هذا ينبغي أن يجتهد حتى لا يصدق نفسه في ~~دعاويها ولا يتدلى بحبل غرورها فإنها خداعة أمارة بالسوء مدعية للخير # فإن قلت فكيف يكون للمتوكل مال حتى يؤخذ فأقول المتوكل لا يخلوا بيته من ~~متاع كقصعة يأكل فيها وكوز يشرب منه وإناء يتوضأ منه وجراب يحفظ به زاده ~~وعصا يدفع بها عدوه وغير ذلك من ضرورات المعيشة من أثاث البيت وقد يدخل في ~~يده مال وهو يمسكه ليجد محتاجا فيصرفه إليه فلا يكون ادخاره على هذه النية ~~مبطلا لتوكله وليس من شرط التوكل إخراج الكوز الذي يشرب منه والجراب الذي ~~فيه زاده وإنما ذلك في PageV04P280 # المأكول وفي كل مال زائد على قدر الضرورة لأن سنة الله جارية بوصول الخير ~~إلى الفقراء المتوكلين في زوايا المساجد وما جرت السنة بتفرقة الكيزان ~~والأمتعة في كل يوم ولا في كل أسبوع والخروج عن سنة الله عز وجل ليس شرطا ~~في التوكل ولذلك كان الخواص يأخذ في السفر الحبل والركوة والمقراض والإبرة ~~دون الزاد لكن سنة الله تعالى جارية بالفرق بين الأمرين # فإن قلت فكيف يتصور أن لا يحزن إذا أخذ متاعه الذي هو ms2321 محتاج إليه ولا ~~يتأسف عليه فإن كان لا يشتهيه فلم أمسكه وأغلق الباب عليه وإن كان أمسكه ~~لأنه يشتهيه لحاجته إليه فكيف لا يتأذى قلبه ولا يحزن وقد حيل بينه وبين ما ~~يشتهيه فأقول إنما كان يحفظه ليستعين به على دينه إذ كان يظن أن الخيرة له ~~في أن يكون له ذلك المتاع ولولا أن الخيرة له فيه لما رزقه الله تعالى ولما ~~أعطاه إياه فاستدل على ذلك بتيسير الله عز وجل وحسن الظن بالله تعالى مع ~~ظنه أن ذلك معين له على أسباب دينه ولم يكن ذلك عنده مقطوعا به إذ يحتمل أن ~~تكون خيرته في أن يبتلى بفقده ذلك حتى ينصب في تحصيل غرضه ويكون ثوابه في ~~النصب والتعب أكثر فلما أخذه الله تعالى منه بتسليط اللص تغير ظنه لأنه في ~~جميع الأحوال واثق بالله حسن الظن به فيقول لولا أن الله عز وجل علم أن ~~الخيرة كانت لي في وجودها إلى الآن والخيرة لي الآن في عدمها لما أخذها مني ~~فبمثل هذا الظن يتصور أن يندفع عنه الحزن إذ به يخرج عن أن يكون فرحه ~~بأسباب من حيث إنها أسباب بل من حيث إنه يسرها مسبب الأسباب عناية وتلطفا ~~وهو كالمريض بين يدي الطبيب الشفيق يرضى بما يفعله فإن قدم إليه الغذاء فرح ~~وقال لولا أنه يعرف أن الغذاء ينفعني وقد قويت على احتماله لما قربه إلي ~~وإن أخر عنه الغذاء بعد ذلك أيضا فرح وقال لولا أن الغذاء يضرني ويسوقني ~~إلى الموت لما حال بيني وبينه وكل من لا يعتقد لطف الله تعالى ما يعتقده ~~المريض في الوالد المشفق الحاذق لعلم الطب فلا يصح منه التوكل أصلا ومن عرف ~~الله تعالى وعرف أفعاله وعرف سنته في إصلاح عباده لم يكن فرحه بالأسباب ~~فإنه لا يدري أي الأسباب خير له كما قال عمر رضي الله عنه لا أبالي أصبحت ~~غنيا أو فقيرا فإني لا أدري أيهما خير لي فكذلك ينبغي أن لا يبالي المتوكل ~~يسرق متاعه أو ms2322 لا يسرق فإنه لا يدري أيهما خير له في الدنيا أو في الآخرة ~~فكم من متاع في الدنيا يكون سبب هلاك الإنسان وكم من غني يبتلى بواقعة لأجل ~~غناه يقول ياليتنى كنت فقيرا ### |||| بيان آداب المتوكلين إذا سرق متاعهم # للمتوكل آداب في متاع بيته إذا خرج عنه {الأول} أن يغلق الباب ولا يستقصي ~~في أسباب الحفظ كالتماسك من الجيران الحفظ مع الغلق وكجمعه أغلاقا كثيرة ~~فقد كان مالك بن دينار لا يغلق بابه ولكن يشده بشريط ويقول لولا الكلاب ما ~~شددته أيضا الثاني أن لا يترك في البيت متاعا يحرض عليه السراق فيكون هو ~~سبب معصيتهم أو إمساكه يكون سبب هيجان رغبتهم ولذلك لما أهدى المغيرة إلى ~~مالك بن دينار ركوة قال خذها لا حاجة لي إليها قال لم قال يوسوس إلي العدو ~~أن اللص يأخذها فكأنه احترز من أن يعصي السارق ومن شغل قلبه بوسواس الشيطان ~~بسرقتها ولذلك قال أبو سليمان هذا من ضعف قلوب الصوفية هذا قد زهد في ~~الدنيا فما عليه من أخذها الثالث أن ما يضطر إلى تركه في البيت ينبغي أن ~~ينوي عند خروجه الرضا بما يقضي الله فيه من تسليط سارق عليه ويقول ما يأخذه ~~السارق فهو منه في حل أو في سبيل الله تعالى وإن كان فقيرا فهو عليه صدقة ~~وإن لم يشترط الفقر فهو أولى فيكون له نيتان لو أخذه غني أو فقير {إحداهما} ~~أن يكون PageV04P281 # ماله مانعا من المعصية فإنه ربما يستغني به فيتوانى عن السرقة بعده وقد ~~زال عصيانه بأكل الحرام لما أن جعله في حل والثانية أن لا يظلم مسلما آخر ~~فيكون ماله فداء لمال مسلم آخر ومهما ينوي حراسة مال غيره بمال نفسه أو ~~ينوي دفع المعصية عن السارق أو تخفيفها عليه فقد نصح للمسلمين وامتثل قوله ~~صلى الله عليه وسلم انصر أخاك ظالما أو مظلوما (1) ونصر الظالم أن تمنعه من ~~الظلم وعفوه عنه إعدام للظلم ومنع له وليتحقق أن هذه النية لا تضره بوجه من ~~الوجوه إذ ms2323 ليس فيها ما يسلط السارق ويغير القصاء الأزلي ولكن يتحقق بالزهد ~~نيته فإن أخذ ماله كان له بكل درهم سبعمائة درهم لأنه نواه وقصده وإن لم ~~يؤخذ حصل له الأجر أيضا كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن ترك ~~العزل فأقر النطفة قرارها أن له أجر غلام ولد له من ذلك الجماع وعاش فقتل ~~في سبيل الله تعالى وإن لم يولد له (2) لأنه ليس أمر الولد إلا الوقاع فأما ~~الخلق والحياة والرزق والبقاء فليس إليه فلو خلق لكان ثوابه على فعله وفعله ~~لم ينعدم فكذلك أمر السرقة الرابع أنه إذا وجد المال مسروقا فينبغي أن لا ~~يحزن بل يفرح إن أمكنه ويقول لولا أن الخيرة كانت فيه لما سلبه الله تعالى ~~ثم إن لم يكن قد جعله في سبيل الله عز وجل فلا يبالغ في طلبه وفي إساءة ~~الظن بالمسلمين وإن كان قد جعله في سبيل الله فيترك طلبه فإنه قد قدمه ~~ذخيرة لنفسه إلى الآخرة فإن أعيد عليه فالأولى أن لا يقبله بعد أن كان قد ~~جعله في سبيل الله عز وجل وإن قبله فهو في ملكه في ظاهر العلم لأن الملك لا ~~يزول بمجرد تلك النية ولكنه غير محبوب عند المتوكلين # وقد روي أن ابن عمر سرقت ناقته فطلبها حتى أعيا ثم قال في سبيل الله ~~تعالى فدخل المسجد فصلى فيه ركعتين فجاءه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن إن ~~ناقتك في مكان كذا فلبس نعله وقام ثم قال أستغفر الله وجلس فقيل له ألا ~~تذهب فتأخذها فقال إني كنت قلت في سبيل الله # وقال بعض الشيوخ رأيت بعض إخواني في النوم بعد موته فقلت ما فعل الله بك ~~قال غفر لي وأدخلني الجنة وعرض علي منازلي فيها فرأيتها قال وهو مع ذلك ~~كئيب حزين فقلت قد غفر لك ودخلت الجنة وأنت حزين فتنفس الصعداء ثم قال نعم ~~إني لا أزال حزينا إلى يوم القيامة قلت ولم قال إني لما رأيت منازلي في ~~الجنة رفعت ms2324 لي مقامات في عليين ما رأيت مثلها فيما رأيت ففرحت بها فلما ~~هممت بدخولها نادى منادي من فوقها اصرفوه عنها فليست هذه له إنما هي لمن ~~أمضى السبيل فقلت وما إمضاء السبيل فقيل لي كنت تقول للشيء إنه في سبيل ~~الله ثم ترجع فيه فلو كنت أمضيت السبيل لأمضينا لك # وحكي عن بعض العباد بمكة أنه كان نائما إلى جنب رجل معه هميانه فانتبه ~~الرجل ففقد هميانه فاتهمه به فقال له كم كان في هميانك فذكر له فحمله من ~~البيت ووزنه من عنده ثم بعد ذلك أعلمه أصحابه أنهم كانوا أخذوا الهميان ~~مزحا معه فجاء هو وأصحابه معه وردوا الذهب فأبى وقال خذه حلالا طيبا فما ~~كنت لأعود في مال أخرجته في سبيل الله عز وجل فلم يقبل فألحوا عليه فدعا ~~ابنه وجعل يصره صررا ويبعث به إلى الفقراء حتى لم يبق منه شيء # فهكذا كانت أخلاق السلف وكذلك من أخذ رغيفا ليعطيه فقيرا فغاب عنه كان ~~يكره رده إلى البيت بعد إخراجه فيعطيه فقيرا آخر وكذلك يفعل في الدراهم ~~والدنانير وسائر الصدقات الخامس وهو أقل الدرجات PageV04P282 # أن لا يدعو على السارق الذي ظلمه بالأخذ فإن فعل بطل توكله ودل ذلك على ~~كراهته وتأسفه على ما فات وبطل زهده ولو بالغ بطل أجره أيضا فيما أصيب به ~~ففي الخبر من دعا على ظالمه فقد انتصر (1) وحكي أن الربيع بن خثيم سرق فرس ~~له وكان قيمته عشرين ألفا وكان قائما يصلي فلم يقطع صلاته ولم ينزعج لطلبه ~~فجاءه قوم يعزونه فقال أما إني قد كنت رأيته وهو يحله قيل وما منعك أن ~~تزجره قال كنت فيما هو أحب إلي من ذلك يعني الصلاة فجعلوا يدعون عليه فقال ~~لا تفعلوا وقولوا خيرا فإني قد جعلتها صدقة عليه # وقيل لبعضهم في شيء قد كان سرق له ألا تدعو على ظالمك قال ما أحب أن أكون ~~عونا للشيطان عليه # قيل أرأيت لو رد عليك قال لا آخذه ولا أنظر إليه لأني كنت قد أحللته ms2325 له # وقيل لآخر ادع الله على ظالمك فقال ماظلمنى أحد ثم قال إنما ظلم نفسه ألا ~~يكفيه المسكين ظلم نفسه حتى أزيده شرا # وأكثر بعضهم شتم الحجاج عند بعض السلف في ظلمه فقال لا تغرق في شتمه فإن ~~الله تعالى ينتصف للحجاج فمن انتهك عرضه كما ينتصف منه لمن أخذ ماله ودمه # وفي الخبر إن العبد كيظلم المظلمة فلا يزال يشتم ظالمه ويسبه حتى يكون ~~بمقدار ما ظلمه ثم يبقى للظالم عليه مطالبة بما زاد عليه يقتص له من ~~المظلوم (2) السادس أن يغتم لأجل السارق وعصيانه وتعرضه لعذاب الله تعالى ~~ويشكر الله تعالى إذ جعله مظلوما ولم يجعله ظالما وجعل ذلك نقصا في دنياه ~~لا نقصا في دينه فقد شكا بعض الناس إلى عالم أنه قطع عليه الطريق وأخذ ماله ~~فقال إن لم يكن لك غم أنه قد صار في المسلمين من يستحل هذا أكثر من غمك ~~بمالك فما نصحت للمسلمين # وسرق من علي بن الفضيل دنانير وهو يطوف بالبيت فرآه أبوه وهو يبكي ويحزن ~~فقال أعلى الدنانير تبكي فقال لا والله ولكن على المسكين أن يسئل يوم ~~القيامة ولا تكون له حجة # وقيل لبعضهم ادع على من ظلمك فقال إني مشغول بالحزن عليه عن الدعاء عليه ~~فهذه أخلاق السلف رضي الله عنهم أجمعين # الفن الرابع في السعي في إزالة الضرر كمداواة المرض وأمثاله اعلم أن ~~الأسباب المزيلة للمرض أيضا تنقسم إلى مقطوع به كالماء المزيل لضرر العطش ~~والخبز المزيل لضرر الجوع وإلى مظنون كالفصد والحجامة وشرب الدواء المسهل ~~وسائر أبواب الطب أعني معالجة البرودة بالحرارة والحرارة بالبرودة وهي ~~الأسباب الظاهرة في الطب وإلى موهوم كالكي والرقية أما المقطوع فليس من ~~التوكل تركه بل تركه حرام عند خوف الموت وأما الموهوم فشرط التوكل تركه إذ ~~به وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المتوكلين وأقواها الكي ويليه الرقية ~~والطيرة آخر درجاتها والاعتماد عليها والاتكال إليها غاية التعمق في ملاحظة ~~الأسباب وأما الدرجة المتوسطة وهي المظنونة كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند ~~الأطباء ms2326 ففعله ليس مناقضا للتوكل بخلاف الموهوم وتركه ليس محظورا بخلاف ~~المقطوع بل قد يكون أفضل من فعله في بعض الأحوال وفي بعض الأشخاص فهي على ~~درجة بين الدرجتين ويدل على أن التداوي غير مناقض للتوكل فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم PageV04P283 # وقوله وأمره به أما قوله فقد قال صلى الله عليه وسلم ما من داء إلا وله ~~دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله إلا السام (1) يعني الموت وقال عليه ~~السلام تداووا عباد الله فإن الله خلق الداء والدواء (2) وسئل عن الدواء ~~والرقي هل ترد من قدر الله شيئا قال هي من قدر الله (3) وفي الخبر المشهور ~~ما مررت بملأ من الملائكة إلا قالوا مر أمتك بالحجامة (4) وفي الحديث أنه ~~أمر بها وقال احتجموا لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين لا يتبيغ بكم الدم ~~فيقتلكم (5) فذكر أن تبيغ الدم سبب الموت وأنه قاتل بإذن الله تعالى وبين ~~أن إخراج الدم خلاص منه إذ لا فرق بين إخراج الدم المهلك من الإهاب وبين ~~إخراج العقرب من تحت الثياب وإخراج الحية من البيت وليس من شرط التوكل ترك ~~ذلك بل هو كصب الماء على النار لإطافئها ودفع ضررها عند وقوعها في البيت ~~وليس من التوكل الخروج عن سنة الوكيل أصلا وفي خبر مقطوع من احتجم يوم ~~الثلاثاء لسبع عشرة من الشهر كان له دواء من داء سنة (6) وأما أمره صلى ~~الله عليه وسلم فقد أمر غير واحد من الصحابة بالتداوى وبالحمية (7) وقطع ~~لسعد بن معاذ عرقا (8) أى فصده وكوى سعد بن زرارة (9) وقال لعلي رضي الله ~~تعالى عنه وكان رمد العين لا تأكل من هذا يعني الرطب وكل من هذا فإنه أوفق ~~لك (10) يعني سلقا قد طبخ بدقيق شعير وقال لصهيب وقد رآه يأكل التمر وهو ~~وجع العين تأكل تمرا وأنت أرمد فقال إني آكل من الجانب الآخر فتبسم (11) ~~وأما فعله عليه الصلاة والسلام فقد روي في حديث من طريق أهل البيت أنه كان ~~يكتحل كل ليلة ويحتجم كل شهر ويشرب ms2327 الدواء كل سنة (12) قيل السنا المكى ~~PageV04P284 # وتداوى صلى الله عليه وسلم غير مرة من العقرب وغيرها (1) حديث كان إذى ~~نزل الوحي صدع رأسه فيغلفه بالحناء أخرجه البزار وابن عدي في الكامل من ~~حديث أبي هريرة وقد اختلف في إسناده على الأحوص بن حكيم كان إذا خرجت به ~~قرحة جعل عليها حناء رواه الترمذي وابن ماجة من حديث سلمى قال الترمذي غريب ~~وفي خبر: أنه كان إذا خرجت به قرحة جعل عليها حناء وقد جعل على قرحة خرجت ~~به ترابا جعل على قرحة خرجت بيده ترابا حديث جعل على قرحة خرجة بيده ترابا ~~رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت ~~فرحة أو جرح قال النبي صلى الله عليه وسلم بيده ووضع سفيان عيينه الراوي ~~سبابته بالأرض ثم رفعها وقال بسم الله تربة أرضنا وريقة بعضنا يشفى سقيمنا ~~// وما روي في تداويه وأمره بذلك كثير خارج عن الحصر وقد صنف في ذلك كتاب ~~وسمي طب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر بعض العلماء في الإسرائيليات أن ~~موسى عليه السلام اعتل بعلة فدخل عليه بنو إسرائيل فعرفوا علته فقالوا له ~~لو تداويت بكذا لبرئت فقال لا أتداوى حتى يعافيني هو من غير دواء فطالت ~~علته فقالوا له إن دواء هذه العلة معروف مجرب وإنا نتداوى به فنبرأ فقال لا ~~أتداوى وأقامت علته فأوحى الله تعا رضي الله عنها لى إليه وعزتي وجلالي لا ~~أبرأتك حتى تتداوى بما ذكروه لك فقال لهم داووني بما ذكرتم فداووه فبرأ ~~فأوجس في نفسه من ذلك فأوحى الله تعالى إليه أردت أن تبطل حكمتي بتوكلك على ~~من أودع العقاقير منافع الأشياء غيري وروي في خبر آخر أن نبيا من الأنبياء ~~عليهم السلام شكا علة يجدها فأوحى الله تعالى إليه كل البيض وشكا نبي آخر ~~الضعف فأوحى الله تعالى إليه كل اللحم باللبن فإن فيهما القوة قيل هو الضعف ~~عن الجماع وقد روي أن قوما شكوا إلى نبيهم قبح أولادهم فأوحى الله ms2328 تعالى ~~إليه مرهم أن يطعموا نساءهم الحبلى السفرجل فإنه يحسن الولد ويفعل ذلك في ~~الشهر الثالث والرابإذ فيه يصور الله تعالى الولد وقد كانوا يطعمون الحبلى ~~السفرجل والنفساء الرطب فبهذا تبين أن مسبب الأسباب أجرى سنته بربط ~~المسببات بالأسباب إظهارا للحكمة والأدوية أسباب مسخرة بحكم الله تعالى ~~كسائر الأسباب فكما أن الخبز دواء الجوع والماء دواء العطش فالسكنجبين دواء ~~الصفراء والسقمونيا دواء الإسهال لا يفارقه إلا في أحد أمرين {أحدهما} أن ~~معالجة الجوع والعطش بالماء والخبز جلي واضح يدركه كافة الناس ومعالجة ~~الصفراء بالسكنحبين يدركه بعض الخواص فمن أدرك ذلك بالتجربة التحق في حقه ~~بالأول والثاني آن الدواء يسهل والسكنجبين يسكن الصفراء بشروط أخر في ~~الباطن وأسباب في المزاج ربما يتعذر الوقوف على جميع شروطها وربما يفوت بعض ~~الشروط فيتقاعد الدواء عن الإسهال وأما زوال العطش فلا يستدعي سوى الماء ~~شروطا كثيرة وقد يتفق من العوارض ما يوجب داء العطش مع كثرة شرب الماء ~~ولكنه نادر واختلال الأسباب أبدا ينحصر في هذين الشيئين وإلا فالمسبب يتلو ~~السبب لا محالة مهما تمت شروط السبب وكل ذلك بتدبير مسبب الأسباب وتسخيره ~~وترتيبه بحكم حكمته وكمال قدرته فلا يضر المتوكل استعماله مع النظر إلى ~~مسبب الأسباب دون الطبيب والدواء فقد روي عن موسى صلى صلى الله عليه وسلم ~~انه قال يارب ممن الداء والدواء فقال تعالى مني قال: فما يصنع الأطباء قال ~~يأكلون أرزاقهم ويطيبون نفوس PageV04P285 # عبادي حتى يأتي شفائي أو قضائي فإذن معنى التوكل مع التداوي التوكل ~~بالعلم والحال كما سبق في فنون الأعمال الدافعة للضرر الجالبة للنفع فأما ~~ترك التداوي رأسا فليس شرطا فيه # فإن قلت فالكي أيضا من الأسباب الظاهرة النفع فأقول ليس كذلك إذ الأسباب ~~الظاهرة مثل الفصد والحجامة وشرب المسهل وسقي المبردات للمحرور وأما الكي ~~فلو كان مثلها في الظهور لما خلت البلاد الكثيرة عنه وقلما يعتاد الكي في ~~أكثر البلاد وإنما ذلك عادة بعض الأتراك والأعراب فهذا من الأسباب الموهومة ~~كالرقي إلا أنه يتميز عنها بأمر وهو ms2329 أنه إحراق النار في الحال مع الاستغناء ~~عنه فإنه ما من وجع يعالج بالكي إلا وله دواء يغني عنه ليس فيه إحراق ~~فالإحراق بالنار جرح مخرب للبنية محذور السراية مع الاستغناء عنه بخلاف ~~الفصد والحجامة فإن سرايتهما بعيدة ولا يسد مسدها غيرهما ولذلك نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الكي دون الرقي (1) # وكل واحد منهما بعيد عن التوكل وروي أن عمران بن الحصين اعتل فأشاروا ~~عليه بالكي فامتنع فلم يزالوا به وعزم عليه الأمر حتى اكتوى فكان يقول كنت ~~أرى نورا وأسمع صوتا وتسلم علي الملائكة فلما اكتويت انقطع ذلك عني وكان ~~يقول اكتوينا كيات فوالله ما أفلحت ولا أنجحت ثم تاب من ذلك وأناب إلى الله ~~تعالى فرد الله تعالى عليه ما كان يجد من أمر الملائكة وقال لمطرف بن عبد ~~الله: ألم تر إلى الملائكة التي كان أكرمني الله بها قد ردها الله تعالى ~~علي بعد أن كان أخبره بفقدها: فإذن الكي وما يجري مجراه هو الذي لا يليق ~~بالمتوكل لأنه يحتاج في استنباطه إلى تدبير ثم هو مذموم ويدل ذلك على شدة ~~ملاحظة الأسباب وعلى التعمق فيها والله أعلم ### |||| بيان أن ترك التداوي قد يحمد في بعض الأحوال ويدل على قوة التوكلوان ذلك لا يناقض فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم # اعلم أن الذين تداووا من السلف لا ينحصرون ولكن قد ترك التداوي أيضا ~~جماعة من الأكابر فربما يظن أن ذلك نقصان لأنه لو كان كمالا لتركه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذ لا يكون حال غيره في التوكل أكمل من حاله # وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قيل له لو دعونا لك طبيبا ~~فقال الطبيب قد نظر إلي وقال: إني فعال لما أريد # وقيل لأبي الدرداء في مرضه ما تشتكي قال ذنوبي قيل فما تشتهي قال مغفرة ~~ربي قالوا ألا ندعو لك طبيبا قال الطبيب أمرضني وقيل لأبي ذر وقد رمدت ~~عيناه لو داويتهما قال إني عنهما مشغول ms2330 فقيل لو سألت الله تعالى أن يعافيك ~~فقال أسأله فيما هو أهم علي منهما # وكان الربيع بن خثيم أصابه فالج فقيل له لو تداويت فقال قد هممت ثم ذكرت ~~عادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا وكان فيهم الأطباء فهلك ~~المداوي والمداوى ولم تغن الرقي شيئا # وكان أحمد بن حنبل يقول أحب لمن اعتقد التوكل وسلك هذا الطريق ترك ~~التداوي من شرب الدواء وغيره وإن كان به علل فلا يخبر المتطبب بها أيضا إذا ~~سأله PageV04P286 # وقيل لسهل متى يصح للعبد التوكل قال إذا دخل عليه الضرر في جسمه والنقص ~~في ماله فلم يلتفت إليه شغلا بحاله وينظر إلى قيام الله تعالى عليه # فإذا منهم من ترك التداوي وراءه ومنهم من كرهه ولا يتضح وجه الجمع بين ~~فعل رسولالله صلى الله عليه وسلم وأفعالهم إلا بحصر الصوارف عن التداوي # فنقول إن لترك التداوي أسبابا السبب الأول أن يكون المريض من المكاشفين ~~وقد كوشف بأنه انتهى أجله وأن الدواء لا ينفعه ويكون ذلك معلوما عنده تارة ~~برؤيا صادقة وتارة بحدس وظن وتارة بكشف محقق ويشبه أن يكون ترك الصديق رضي ~~الله عنه التداوي من هذا السبب فإنه كان من المكاشفين فإنه قال لعائشة رضي ~~الله عنها في أمر الميراث إنما هن أختاك وإنما كان لها أخت واحدة ولكن كانت ~~امرأته حاملا فولدت أنثى فعلم أنه كان قد كوشف بأنها حامل بأنثى فلا يبعد ~~أن يكون قد كوشف أيضا بانتهاء أجله وإلا فلا يظن به إنكار التداوي وقد شاهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تداوى وأمر به السبب الثاني أن يكون المريض ~~مشغولا بحاله وبخوف عاقبته وإطلاع الله تعالى عليه فينسيه ذلك ألم المرض ~~فلا يتفرغ قلبه للتداوي شغلا بحاله وعليه يدل كلام أبي ذر إذ قال إني عنهما ~~مشغول وكلام أبي الدرداء إذ قال إنما أشتكي ذنوبي فكان تألم قلبه خوفا من ~~ذنوبه أكثر من تألم بدنه بالمرض ويكون هذا كالمصاب بموت عزيز من أعزته أو ~~كالخائف الذي يحمل إلى ms2331 ملك من الملوك ليقتل إذا قيل له ألا تأكل وأنت جائع ~~فيقول أنا مشغول عن ألم الجوع فلا يكون ذلك إنكارا لكون الأكل نافعا من ~~الجوع ولا طعنا فيمن اكل ويقرب من هذ اشتغال سهل حيث قيل له ما القوت فقال ~~هو ذكر الحي القيوم فقيل إنما سألناك عن القوام فقال: القوام هو العلم قيل ~~سألناك عن الغذاء قال الغذاء هو الذكر قيل سألناك عن طعمة الجسد قال مالك ~~وللجسد دع من تولاه أولا يتولاه آخرا: إذا دخل عليه علة فرده إلى صانعه أما ~~رأيت الصنعة إذا عيبت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها السبب الثالث أن تكون ~~العلة مزمنة والدواء الذي يؤمر به بالإضافة إلى علته موهوم النفع جار مجرى ~~الكي والرقية فيتركه المتوكل وإليه يشير قول الربيع بن خثيم إذ قال ذكرت ~~عادا وثمود وفيهم الأطباء فهلك المداوي والمداوى أي أن الدواء غير موثوق به ~~وهذا قد يكون كذلك في نفسه وقد يكون عند المريض كذلك لقلة ممارسته للطب ~~وقلة تجربته له فلا يغلب على ظنه كونه نافعا ولا شك في أن الطبيب المجرب ~~أشد اعتقادا لي الأدوية من غيره فتكون الثقة والظن بحسب الاعتقاد والاعتقاد ~~بحسب التجربة وأكثر من ترك التداوي من العباد والزهاد هذا مستندهم لأنه ~~يبقى الدواء عنده شيئا موهوما لا أصل له وذلك صحيح في بعض الأدوية عند من ~~عرف صناعة الطب غير صحيح في البعض ولكن غير الطبيب قد ينظر إلى الكل نظرا ~~واحدا فيرى التداوي تعمقا في الأسباب كالكي والرقي فيتركه السبب الرابع أن ~~يقصد العبد بترك التداوي استبقاء المرض لينال ثواب المرض بحسن الصبر على ~~بلاء الله تعالى أو ليجرب نفسه في القدرة على الصبر فقد ورد في ثواب المرض ~~ما يكثر ذكره فقد قال عليه السلام نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم ~~الأمثل فالأمثل يبتلى العبد على قدر إيمانه فإن كان صلب الإيمان شدد عليه ~~البلاء وإن كان في إيمانه ضعف حفف عنه البلاء (1) حديث نحن معاشر الأنبياء ~~أشد الناس ms2332 بلاء ثم الأمثل فالأمثل الحديث رواه أحمد وأبو يعلي والحاكم ~~وصححه على شرط مسلم نحوه مع اختلاف وقد تقدم مختصرا ورواه الحاكم ايضا من ~~حديث سعد بن أبي وقاص وقال صحيح على شرط الشيخين PageV04P287 # فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز لا يزبد ومنهم دون ذلك ومنهم من يخرج اسود ~~محترقا حديث إن الله تعالى يجرب عبد بالبلاء كما يجرب أحكم ذهبه الحديث ~~رواه الطبراني من حديث أبي أمامة بسند ضعيف (1) وقال صلى الله عليه وسلم ~~تحبون أن تكونوا كالحمر الضالة لا تمرضون ولا تسقمون (2) حديث تحبون أن ~~تكونوا كالحمر الضالة لا تمرضون ولا تسقمون أخرجه ابن ابي عاصم في الآحاد ~~والمثاني وأبو نعيم وابن عبد البر في الصحابة والبيهقي في الشعب من حديث ~~ابي فاطمة وهو صدر حديث ان الرجل تكون له المنزلة عند الله الحديث وقد تقدم ~~قال ابن مسعود رضي الله عنه تجد المؤمن أصح شيء قلبا وأمرضه جسما وتجد ~~المنافق أصح شئ جسما وأمرضه قلبا فلما عظم الثناء على المرض والبلاء أحب ~~قوم المرض واغتنموه لينالوا ثواب الصبر عليه فكان منهم من له علة يخفيها ~~ولا يذكرها للطبيب ويقاسي العلة ويرضى بحكم الله تعالى ويعلم أن الحق أغلب ~~على قلبه من أن يشغله المرض عنه وإنما يمنع المرض جوارحه وعلموا أن صلاتهم ~~قعودا مثلا مع الصبر على قضاء الله تعالى أفضل من الصلاة قياما مع العافية ~~والصحة ففي الخبر إن الله تعالى يقول لملائكته: اكتبوا لعبدي الصالح ما كان ~~يعمله فإنه في وثاقي ان أطلقته أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خير من دمه ~~وإن توفيته توفيته إلى رحمتي (3) حديث إن الله يقول للملائكة: اكتبو لعبدي ~~صالح ما كان يعمل فانه في وثاقي الحديث أخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن ~~عمر وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس ~~(4) حديث لا تزال الحمى والمليلة بالعبد حتى يمشي على الأرض كالبردة ما ~~عليه خطيئة أخرجه أبو يعلي وابن عدي من حديث ابي هريرة ms2333 والطبراني من حديث ~~ابي الدرداء نحوه وقال الصداع بدل الحمى وللطبراني في الأوسط من حديث انس ~~مثل المريض اذا صح وبرأ من مرضه كمثل البردة تقع من السماء تقع في صفائها ~~ولونها وأسانيده ضعيفة (5) (6) حديث إن الله تعالى يجرب عبده بالبلاء كما ~~يجرب احدكم ذهبه الحديث رواه الطبراني من حديث ابي امامة بسند ضعيف ~~PageV04P288 # ألم كفارة يوم ولما ذكر صلى الله عليه وسلم كفارة الذنوب بالحمى سأل زيد ~~بن ثابت ربه عز وجل أن لا يزال محموما فلم تكن الحمى تفارقه حتى مات رحمه ~~الله وسأل ذلك طائفة من الأنصار فكانت الحمى لا تزايلهم (1) ولما قال صلى ~~الله عليه وسلم من أذهب الله كريمتيه لم يرض له ثوابا دون الجنة حديث من ~~أذهب الله كريمتيه لم يرضى له ثوابا دون الجنة تقدم المرفوع منه دون قوله ~~قال فلقد كان من الأنصار من يتمنى العمى وقال عيسى عليه السلام لا يكون ~~عالما من لم يفرح بدخول المصائب والأمراض على جسده وماله لما يرجو في ذلك ~~من كفارة خطاياه وروي أن موسى عليه السلام نظر إلى عبد عظيم البلاء فقال: ~~يا رب ارحمه فقال تعالى: كيف أرحمه فيما به أرحمه أي به أكفر ذنوبه وأزيد ~~في درجاته السبب السادس أن يستشعر العبد في نفسه مبادىء البطر والطغيان ~~بطول مدة الصحة فيترك التداوي خوفا من أن يعاجله زوال المرض فتعاوده الغفلة ~~والبطر والطغيان أو طول الأمل والتسويف في تدارك الفائت وتأخير الخيرات فإن ~~الصحة عبارة عن قوة الصفات وبها ينبعث الهوى وتتحرك الشهوات وتدعو إلى ~~المعاصي وأقلها أن تدعو إلى التنعم في المباحات وهو تضييع الأوقات وإهمال ~~للربح العظيم في مخالفة النفس وملازمة الطاعات وإذا أراد الله بعبد خيرا لم ~~يخله عن التنبه بالأمراض والمصائب ولذلك قيل لا يخلو المؤمن من علة أو قلة ~~أو زلة # وقد روى وقد روي أن الله تعالى يقول: الفقر سجني والمرض قيدي أحبس به من ~~أحب من خلقي فإذا كان في المرض حبس عن الطغيان وركوب المعاصي ms2334 فأي خير يزيد ~~عليه ولم ينبغ أن يشتغل بعلاجه من يخاف ذلك على نفسه فالعافية في ترك ~~المعاصي فقد قال بعض العارفين لإنسان كيف كنت بعدي قال في عافية قال إن كنت ~~لم تعص الله عز وجل فأنت في عافية وإن كنت قد عصيته فأي داء أدوأ من ~~المعصية ما عوفي من عصى الله وقال علي كرم الله وجهه لما رأى زينة النبط ~~بالعراق في يوم عيد ما هذا الذي أظهروه قالوا: يا أمير المؤمنين هذا يوم ~~عيد لهم فقال: كل يوم لا يعصى الله عز وجل فيه فهو لنا عيد وقال تعالى من ~~بعد ما أراكم ما تحبون قيل العوافي إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى وكذلك ~~إذا استغنى بالعافية قال بعضهم: إنما قال فرعون: أنا ربكم الأعلى لطول ~~العافية لأنه لبث أربعمائة سنة لم يصدع له رأس ولم يحم له جسم ولم يضرب ~~عليه عرق فادعى الربوبية لعنه الله ولو أخذته الشقيقة يوما لشغلته عن ~~الفضول فضلا عن دعوى الربوبية وقال صلى الله عليه وسلم أكثروا من ذكر هاذم ~~اللذات حديث اكثروا ذكر هاذم اللذات أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب والنسائي ~~وابن ماجه من حديث أبي هريرة وقد تقدم // وقيل: الحمى رائد الموت فهو مذكر ~~له ودافع للتسويف # وقال تعالى أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ~~ولا هم يذكرون قيل يفتنون بأمراض يختبرون بها ويقال إن العبد إذا مرض ~~مرضتين ثم لم يتب قال له ملك الموت: يا غافل جاءك مني رسول بعد رسول فلم ~~تجب PageV04P289 # وقد كان السلف لذلك يستوحشون إذا خرج عام ولم يصابوا فيه بنقص في نفس أو ~~مال وقالوا لا يخلو المؤمن في كل أربعين يوما أن يروع روعة أو يصاب ببلية ~~حتى روي أن عمار بن ياسر تزوج امرأة فلم تكن تمرض فطلقها وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم عرض عليه امرأة فحكي من وصفها حتى هم أن يتزوجها فقيل وإنها ~~ما مرضت قط فقال لا ms2335 حاجة لي فيها (1) حديث ذكر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الأمراض والأوجاع كالصداع وغير فقال رجل وما الصداع ما أعرفه فقال ~~إليك عنى الحديث رواه أبو داود من حديث عارم البرام أخي الحضر بنوه وفي ~~إسناده من لم يسم لأنه ورد في الخبر الحمى حظ كل مؤمن من النار حديث الحمى ~~حظ كل مؤمن من النار رواه البزار من حديث عائشة وأحمد ومن حديث عائشة وأحمد ~~من حديث أبي أمامة والطبراني في الأوسط من حديث أنس وأبو منصور الديلمي في ~~مسند الفردوس من حديث ابن مسعود وحديث أنس ضعيف وباقيها حسان وفي حديث أنس ~~وعائشة رضي الله عنهما قيل يا رسول الله هل يكون مع الشهداء يوم القيامة ~~غيرهم قال نعم من ذكر الموت كل يوم عشرين مرة حديث أنس وعائشة حديث أنس ~~وعائشة قيل يا رسل الله هل يكون مع الشهداء يوم القيامة غيرهم فقال نعم من ~~ذكر الموت كل يوم عشرين مرة لم أقف له على إسناده // وفي لفظ آخر الذي يذكر ~~ذنوبه فتحزنه ولا شك في أن ذكر الموت على المريض أغلب فلما أن كثرت فوائد ~~المرض رأى جماعة ترك الحيلة في زوالها إذ رأوا لأنفسهم مزيدا فيها لا من ~~حيث رأوا التداوي نقصانا وكيف يكون نقصانا وقد فعل ذلك صلى الله عليه وسلم ### |||| بيان الرد على من قال: ترك التداوي أفضل بكل حال # فلو قال قائل: إنما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسن لغيره وإلا ~~فهو حال الضعفاء ودرجة الأقوياء توجب التوكل بترك الدواء فيقال: ينبغي أن ~~يكون من شروط التوكل ترك الحجامة والفصد عند تبغ الدم # فإن قيل: إن ذلك أيضا شرط فليكن من شرطه أن تلدغه العقرب أو الحية فلا ~~ينحيها عن نفسه إذ الدم يلدغ الباطن والعقرب تلدغ الظاهر فأي فرق بينهما ~~فإن قال: وذلك أيضا شرط التوكل فيقال: ينبغي أن لا يزيل لدغ العطش بالماء ~~ولدغ الجوع بالخبز ولدغ البرد بالجبة وهذا لا قائل به # ولا فرق بين هذه ms2336 الدرجات فإن جميع ذلك أسباب رتبها مسبب الأسباب سبحانه ~~وتعالى وأجرى بها سنته ويدل على أن ذلك ليس من شرط التوكل ما روي عن عمر ~~رضي الله عنه وعن الصحابة في قصة الطاعون فإنهم لما قصدوا الشام وانتهوا ~~إلى الجابية بلغهم الخبر أن به موتا عظيما ووباء ذريعا فافترق الناس فرقتين ~~فقال بعضهم لا ندخل على الوباء فنلقي بأيدينا إلى التهلكة وقالت طائفة ~~أخرى: بل ندخل ونتوكل ولا نهرب من قدر الله تعالى ولا نفر من الموت فنكون ~~كمن قال الله تعالى فيهم ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر ~~الموت فرجعوا إلى عمر فسألوه عن رأيه فقال نرجع ولا ندخل على الوباء فقال ~~له المخالفون في رأيه أنفر من قدر الله تعالى قال عمر نعم نفر من قدر الله ~~إلى قدر الله ثم ضرب لهم مثلا فقال أرأيتم لو كان لأحدكم غنم فهبط واديا له ~~شعبتان: إحداهما مخصبة: والأخرى مجدبة أليس إن رعى المخصبة رعاها بقدر الله ~~تعالى وإن رعى المجدبة رعاها بقدر الله تعالى فقالوا: نعم ثم طلب عبد ~~الرحمن بن عوف ليسأله عن رأيه وكان غائبا فلما أصبحوا جاء PageV04P290 # عبد الرحمن فسأله عمر عن ذلك فقال: عندي فيه يا أمير المؤمنين شيء سمعته ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: الله أكبر فقال عبد الرحمن: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم {يقول} اذا سمعتم بالوباء في أرض فلا ~~تقدموا عليه وإذا وقع في أرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه (1) حديث ~~تشبيه الفرار من الطاعون بالفار من الزحف رواه أحمد من حديث عائشة بإسناد ~~جيد ومن حديث جابر بإسناد ضعيف وقد تقدم لأن فيه كسرا لقلوب بقية المسلمين ~~وسعيا في إهلاكهم فهذه أمور دقيقة فمن لا يلاحظها وينظر إلى ظواهر الأخبار ~~والآثار يتناقض عنده أكثر ما سمعه وغلط العباد والزهاد في مثل هذا كثير ~~وإنما شرف العلم وفضيلته لأجل ذلك فإن قلت: ففي ترك التداوي فضل كما ذكرت ~~فلم لم يترك ms2337 رسول الله صلى الله عليه وسلم التداوي لينال الفضل فنقول: فيه ~~فضل بالإضافة إلى من كثرت ذنوبه ليكفرها أو خاف على نفسه طغيان العافية ~~وغلبة الشهوات أو احتاج إلى ما يذكره الموت لغلبة الغفلة أو احتاج إلى نيل ~~ثواب الصابرين لقصوره عن مقامات الراضين والمتوكلين أو قصرت بصيرته عن ~~الإطلاع على ما أودع الله تعالى في الأدوية من لطائف المنافع حتى صار في ~~حقه موهوما كالرقي أو كان شغله بحاله يمنعه عن التداوي وكان التداوي يشغله ~~عن حاله لضعفه عن الجمع فإلى هذه المعاني رجعت الصوارف في ترك التداوي وكل ~~ذلك كمالات بالإضافة إلى بعض الخلق ونقصان بالإضافة إلى درجة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بل كان مقامه أعلى من هذه المقامات كلها إذ كان حاله يقتضي ~~أن تكون (2) حديث تشبيه الفرار من الطاعون بالفار من الزحف رواه أحمد من ~~حديث عائشة بإسناد جيد ومن حديث جابر باسناد ضعيف وقد تقدم PageV04P291 # مشاهدته على وتيرة واحدة عند وجود الأسباب وفقدها فإنه لم يكن له نظر في ~~الأحوال إلا إلى مسبب الأسباب ومن كان هذا مقامه لم تضره الأسباب كما أن ~~الرغبة في المال نقص والرغبة عن المال كراهية له وإن كانت كمالا فهي أيضا ~~نقص بالإضافة إلى من يستوي عنده وجود المال وعدمه فاستواء الحجر والذهب ~~أكمل من الهرب من الذهب دون الحجر وكان حاله صلى الله عليه وسلم استواء ~~المدر والذهب عنده وكان لايمسكه لتعليم الخلق مقام الزهد فإنه منتهى قوتهم ~~لا لخوفه على نفسه من إمساكه فإنه كان أعلى رتبة من أن تغره الدنيا وقد ~~عرضت عليه خزائن الأرض فأبى أن يقبلها فكذلك يستوي عنده مباشرة الأسباب ~~وتركها لمثلهذه المشاهدة وإنما لم يترك استعمال الدواء جريا على سنة الله ~~تعالى وترخيصا لأمته فيما تمس إليه حاجتهم مع أنه لا ضرر فيه بخلاف ادخار ~~الأموال فإن ذلك يعظم ضرره نعم التداوي لا يضر الامن حيث رؤية الدواء نافعا ~~دون خالق الدواء وهذا قد نهي عنه ومن حيث إنه يقصد ms2338 به الصحة ليستعان بها ~~على المعاصي وذلك منهي عنه والمؤمن في غالب الأمر لا يقصد ذلك وأحد من ~~المؤمنين لا يرى الدواء نافعا بنفسه بل من حيث إنه جعله الله تعالى سببا ~~للنفع كما لا يرى الماء مروريا ولا الخبز مشبعا فحكم التداوي في مقصوده ~~كحكم الكسب فإنه إن اكتسب للاستعانة على الطاعة أو على المعصية كان له ~~حكمها وإن اكتسب للتنعم المباح فله حكمه فقد ظهر بالمعاني التي أوردناها أن ~~ترك التداوي قد يكون أفضل في بعض الأحوال وأن التداوي قد يكون أفضل في بعض ~~وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والنيات وأن واحدا من الفعل والترك ~~ليس شرطا في التوكل إلا ترك الموهومات كالكي والرقي فإن ذلك تعمق في ~~التدبيرات لا يليق بالمتوكلين ### |||| بيان أحوال المتوكلين في إظهار المرض وكتمانه # اعلم أن كتمان المرض وإخفاء الفقر وأنواع البلاء من كنوز البر وهو من ~~أعلى المقامات: لأن الرضا بحكم الله والصبر على بلائه معاملة بينه وبين ~~الله عز وجل فكتمانه أسلم عن الآفات # ومع هذا فالإظهار لا بأس به إذا صحت فيه النية والمقصد ومقاصد الإظهار ~~ثلاثة: الأول: أن يكون غرضه التداوي فيحتاج إلى ذكره للطبيب فيذكره لا في ~~معرض الشكاية بل في معرض الحكاية لما ظهر عليه من قدرة الله تعالى فقد كان ~~بشر يصف لعبد الرحمن المطبب أوجاعه وكان أحمد بن حنبل يخبر بأمراض يجدها ~~ويقول: إنما أصف قدرة الله تعالى في # الثاني: أن يصف لغير الطبيب وكان ممن يقتدى به وكان مكينا في المعرفة ~~فأراد من ذكره أن يتعلم منه حسن الصبر في المرض بل حسن الشكر بأن يظهر أنه ~~يرى أن المرض نعمة فيشكر عليها فيتحدث به كما يتحدث بالنعم قال الحسن ~~البصري: إذا حمد المريض الله تعالى وشكره ثم ذكر أوجاعه لم يكن ذلك شكوى # الثالث: أن يظهر بذلك عجزه وافتقاره إلى الله تعالى وذلك يحسن ممن تليق ~~به القوة والشجاعة ويستبعد منه العجز كما روي أنه قيل لعلي في مرضه رضي ~~الله عنه ms2339 كيف أنت قال: بشر فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم كرهوا ذلك وظنوا أنه ~~شكاية فقال: أتجلد على الله فأحب أن يظهر عجزه وافتقاره مع ما علم به من ~~القوة والضراوة وتأدب فيه بأدب النبي صلى الله عليه وسلم إياه حيث مرض علي ~~كرم الله وجهه فسمعه // حديث: أنه عرضت عليه خزائن الأرض فأبى ان يقبلها ~~ولفظه: عرضت عليه مفاتيح خزائن السماء وكنوز الأرض فردها PageV04P292 # عليه السلام وهو يقول: اللهم صبرني على البلاء فقال له صلى الله عليه ~~وسلم لقد سألت الله تعالى البلاء فسل الله العافية (1) حديث إذا مرض العبد ~~أوحى الله إلى الملكين انظر ما يقول لعواده الحديث تقدم وإنما كره بعض ~~العباد العيادة خشية الشكاية خوف الزيادة في الكلام فكان بعضهم إذا مرض ~~أغلق بابه فلم يدخل عليه أحد حتى يبرأ فيخرج إليهم منهم: فضيل ووهيب وبشر ~~وكان فضيل يقول: أشتهي أن أمرض بلا عواد وقال: لا أكره العلة إلا لأجل ~~العواد رضي الله عنه وعنهم أجمعين كمل كتاب التوحيد والتوكل بعون الله وحسن ~~توفيقه يتلوه إن شاء الله تعالى: # كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا والله سبحانه وتعالى الموفق ### || كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا وهو الكتاب السادس من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي نزه أوليائه عن الالتفات إلى زخرف الدنيا ونضرته وصفي ~~أسراهم من ملاحظة غير حضرته ثم استخلصها للعكوف على بساط عزته ثم تجلى لهم ~~بأسمائه وصفاته حتى أشرقت بأنوار معرفته ثم (2) حديث إذا مرض العبد أوحى ~~الله إلى الملكين انظرا ما يقول لعواده الحديث تقدم PageV04P293 # كشف لهم عن سبحات وجهه حتى احترقت بنار محبته ثم احتجب عنها بكنه جلاله ~~حتى تاهت في بيداء كبريائه وعظمته فكلما اهتزت لملاحظة كنه الجلال غشيها من ~~الدهش ما اغبر في وجه العقل وبصيرته وكلما همت بالانصراف آيسة نوديت من ~~سرادقات الجمال صبرا أيها الآيس عن نيل الحق بجهله وعجلته فبقيت بين الرد ~~والقبول والصد والوصول غرقى في بحر معرفته ومحترقة بنار ms2340 محبته والصلاة على ~~محمد خاتم الأنبياء بكمال نبوته وعلى آله وأصحابه سادة الخلق وأئمته وقادة ~~الحق وأزمته وسلم كثيرا # أما بعد: فإن المحبة لله هي الغاية القصوى من المقامات والذروة العليا من ~~الدرجات فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها وتابع من ~~توابعها كالشوق والأنس والرضا وأخواتها ولا قبل المحبة مقام إلا وهو مقدمة ~~من مقدماتها كالتوبة والصبر والزهد وغيرها وسائر المقامات إن عز وجودها فلم ~~تخل القلوب عن الإيمان بإمكانها وأما محبة الله تعالى فقد عز الإيمان بها ~~حتى أنكر بعض العلماء إمكانها وقال: لا معنى لها إلا المواظبة على طاعة ~~الله تعالى وأما حقيقة المحبة فمحال إلا مع الجنس والمثال ولما أنكروا ~~المحبة أنكروا الأنس والشوق ولذة المناجاة وسائر لوازم الحب وتوابعه ولا بد ~~من كشف الغطاء عن هذا الأمر # ونحن نذكر في هذا الكتاب: بيان شواهد الشرع في المحبة ثم بيان حقيقتها ~~وأسبابها ثم بيان أن لا مستحق للمحبة إلا الله تعالى ثم بيان أن أعظم ~~اللذات لذة النظر إلى وجه الله تعالى ثم بيان سبب زيادة لذة النظر في ~~الآخرة على المعرفة في الدنيا ثم بيان الأسباب المقوية لحب الله تعالى ثم ~~بيان السبب في تفاوت الناس في الحب ثم بيان السبب في قصور الأفهام عن معرفة ~~الله تعالى ثم بيان معنى الشوق ثم بيان محبة الله تعالى للعبد ثم القول في ~~علامات محبة العبد لله تعالى ثم بيان معنى الأنس بالله تعالى ثم بيان معنى ~~الانبساط في الأنس ثم القول في معنى الرضا وبيان فضيلته ثم بيان حقيقته ثم ~~بيان أن الدعاء وكراهة المعاصي لا تناقضه وكذا الفرار من المعاصي ثم بيان ~~حكايات وكلمات للمحبين متفرقة فهذه جميع بيانات هذا الكتاب ### ||| بيان شواهد الشرع في حب العبد لله تعالى # اعلم أن الأمة مجمعة على أن الحب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ~~فرض وكيف يفرض مالا وجود له وكيف يفسر الحب بالطاعة والطاعة تبع الحب ~~وثمرته فلا بد وأن يتقدم الحب ms2341 ثم بعد ذلك يطيع من أحب ويدل على إثبات الحب ~~لله تعالى قوله عز وجل يحبهم ويحبونه وقوله تعالى والذين آمنوا أشد حبا لله ~~وهو دليل على إثبات الحب وإثبات التفاوت فيه وقد جعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الحب لله من شرط الإيمان في أخبار كثيرة إذ قال أبو رزين ~~العقيلي: يا رسول الله ما الإيمان قال أن يكون الله ورسوله أحب إليك مما ~~سواهما (1) حديث لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ~~متفق عليه من حديث أنس بلفظ لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى أكون أحب إليه من ~~أهلاه وماله وذكر بزيادة (2) حديث لا يؤمن العبد حتى أكون أحب إليه من أهله ~~وماله ونفسه والناس أجمعين وفي رواية ومن نفسه متفق عليه من حديث أنس ~~واللفظ لمسلم دون قوله ومن نفسه وقال البخاري من والده وولده وله من حديث ~~عبد الله بن هشام: قال عمر يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي ~~فقال لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال عمر: فأنت الآن ~~والله أحب إلي من نفسي فقال: الآن يا عمر PageV04P294 # نفسه كيف وقد قال تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم الآية وإنما ~~أجرى ذلك في معرض التهديد والإنكار وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمحبة فقال أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله إياي (1) ~~حديث أحبوا الله لما غدوكم به من نعمه الحديث أخرجه الترمذي من حديث ابن ~~عباس وقال حسن غريب ويروى أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحبك فقال صلى ~~الله عليه وسلم استعد للفقر فقال إني أحب الله تعالى فقال استعد للبلاء (2) ~~حديث أن رجلا قال يا رسول الله إني أحبك فقال استعد للفقر الحديث أخرجه ~~الترمذي من حديث عبد الله بن منفل بلف فأعد للفقر تجفاف دون أخر الحديث ~~وقال حسن غريب وعن عمر رضي الله عنه قال: نظر النبي صلى الله ms2342 عليه وسلم إلى ~~مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تنطق له فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم انظروا إلى هذا الرجل الذي نور الله قلبه لقد رأيته بين أبويه يغذوانه ~~بأطيب الطعام والشراب فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون (3) حديث عمر قال ~~نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد ~~تنطق به الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية باسناد حسن # وفي الخبر المشهور إن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت إذ جاءه لقبض ~~روحه: هل رأيت خليلا يميت خليله فأوحى الله تعالى إليه: هل رأيت محبا يكره ~~لقاء حبيبه فقال يا ملك الموت الآن فاقبض (4) حديث ان ابراهيم قال لملك ~~الموت اذا جاءه ليقبض روحه هل رأبت خلالا يقبض خليله الحديث لم أجد له أصلا ~~(5) حديث قال أعرابي يا رسول الله متى الساعة قال ما أعددت لها الحديث متفق ~~عليه من حديث أنس ومن حديث أبي موسى وابن مسعود بنحوه وجاء أعرابي إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وسلم فقال: يا رسول الله متى الساعة قال ما أعددت ~~لها فقال: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم المرء مع من أحب قال أنس: فما رأيت ~~المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك وقال أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه من ذاق من خالص محبة الله تعالى شغله ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع ~~البشر وقال الحسن: من عرف ربه أحبه ومن عرف الدنيا زهد فيها والمؤمن لا ~~يلهو حتى يغفل فإذا تفكر حزن وقال أبو سليمان الداراني: إن من خلق الله ~~خلقا ما يشغلهم الجنان وما فيها من النعيم عنه فكيف يشتغلون عنه بالدنيا # ويروى أن عيسى عليه السلام مر بثلاثة نفر قد نحلت أبدانهم وتغيرت ألوانهم ~~فقال لهم: ما الذي بلغ بكم ما أرى فقالوا الخوف من النار فقال: حق على الله ~~أن يؤمن الخائف ms2343 ثم جاوزهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولا وتغيرا فقال: ~~ما الذي بلغ بكم ما أرى قالوا: الشوق إلى الجنة فقال حق على الله أن يعطيكم ~~ما ترجون ثم جاوزهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولا وتغيرا كأن وجوههم ~~المرائي من النور فقال: ما الذي بلغ بكم ما أرى قالوا: نحب الله عز وجل ~~فقال أنتم المقربون أنتم المقربون وقال عبد الواحد بن زيد: مررت برجل قائم ~~في الثلج فقلت أما تجد البرد فقال من شغله حب الله لم يجد البرد # وعن سري السقطي: تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائها عليهم السلام فيقال يا ~~أمة موسى ويا أمة عيسى ويا أمة محمد غير المحبين لله تعالى فإنهم ينادون يا ~~أولياء الله هلموا إلى الله سبحانه فتكاد قلوبهم تنخلع فرحا PageV04P295 # وقال هرم بن حيان: المؤمن إذا عرف ربه عز وجل أحبه وإذا أحبه أقبل إليه ~~وإذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة ولم ينظر إلى ~~الآخرة بعين الفترة وهي تحسره في الدنيا وتروحه في الآخرة وقال يحي ابن ~~معاذ عفوه يستغرق الذنوب فكيف رضوانه ورضوانه يستغرق الآمال فكيف حبه وحبه ~~يدهش العقول فكيف وده ووده ينسى ما دونه فكيف لطفه وفي بعض الكتب عبدي أنا ~~وحقك لك محب فبحقي عليك كن لي محبا وقال يحي بن معاذ: مثقال خردلة من الحب ~~أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب وقال يحي بن معاذ إلهي إني مقيم بفنائك ~~مشغول بثنائك صغيرا أخذتني إليك وسربلتني بمعرفتك وأمكنتني من لطفك ونقلتني ~~في الأحوال وقلبتني في الأعمال سترا وتوبة وزهدا وشوقا ورضا وحبا تسقيني من ~~حياضك وتهملني في رياضك ملازما لأمرك ومشغوفا بقولك ولما طر شاربي ولاح ~~طائري فكيف أنصرف اليوم عنك كبيرا وقد اعتدت هذا منك صغيرا فلي ما بقيت ~~حولك دندنة وبالضراعة إليك همهمة لأني محب وكل محب بحبيبه مشغوف وعن غير ~~حبيبه مصروف وقد ورد في حب الله تعالى من الأخبار والآثار مالا يدخل في حصر ~~حاصر ms2344 وذلك أمر ظاهر وإنما الغموض في تحقيق معناه فلنشتغل به ### ||| بيان حقيقة المحبة وأسبابها وتحقيق معنى محبة العبد لله تعالى # اعلم أن المطلب من هذا الفصل لا ينكشف إلا بمعرفة حقيقة المحبة في نفسها ~~ثم معرفة شروطها وأسبابها ثم النظر بعد ذلك في تحقيق معناها في حق الله ~~تعالى: فأول ما ينبغي أن يتحقق أنه لا يتصور محبة إلا بعد معرفة وإدراك إذ ~~لا يحب الإنسان إلا ما يعرفه ولذلك لم يتصور أن يتصف بالحب جماد بل هو من ~~خاصية الحي المدرك ثم المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك ~~ويلائمه ويلذه وإلى ما ينافيه وينافره ويؤلمه وإلى ما لا يؤثر فيه بإيلام ~~وإلذاذ فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك وما في إدراكه ألم ~~فهو مبغوض عند المدرك وما يخلو عن استعقاب ألم ولذة لا يوصف بكونه محبوبا ~~ولا مكروها فإذن كل لذيذ محبوب عند الملتذ به ومعنى كونه محبوبا أن في ~~الطبع ميلا إليه ومعنى كونه مبغوضا أن في الطبع نفرة عنه فالحب عبارة عن ~~ميل الطبع إلى الشيء الملذ فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقا والبغض عبارة ~~عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب فإذا قوي سمي مقتا فهذا أصل في حقيقة معنى ~~الحب لا بد من معرفته # الأصل الثاني أن الحب لما كان تابعا للإدراك والمعرفة انقسم لا محالة ~~بحسب انقسام المدركات والحواس فلكل حاسة إدراك لنوع من المدركات ولكل واحد ~~منها لذة في بعض المدركات وللطبع بسبب تلك اللذة ميل إليها فكانت محبوبات ~~عند الطبع السليم فلذة العين في الإبصار وإدراك المبصرات الجميلة والصور ~~المليحة الحسنة المستلذة ولذة الأذن في النغمات الطيبة الموزونة ولذة الشم ~~في الروائح الطيبة ولذة الذوق في الطعوم ولذة اللمس في اللين والنعومة # ولما كانت هذه المدركات بالحواس ملذة كانت محبوبة أي كان للطبع السليم ~~ميل إليها حتى قال رسول صلى الله عليه وسلم حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب ~~والنساء وجعل قرة عيني في الصلاة ms2345 فسمى الطيب محبوبا ومعلوم انه لا حظ للعين ~~والسمع فيه بل للشم فقط وسمى النساء محبوبات ولاحظ فبهن إلا للبصر واللمس ~~دون // حديث حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء أخرجه النسائي من حديث ~~أنس دون قوله ثلاث وقد تقدم PageV04P296 # الشم والذوق والسمع وسمى الصلاة قرة عين وجعلها أبلغ المحبوبات ومعلوم ~~أنه ليس تحظى بها الحواس الخمس بل حس سادس مظنته القلب لا يدركه ألا من كان ~~له قلب ولذات الحواس الخمس تشارك فيها البهائم الإنسان فإن كان الحب مقصورا ~~على مدركات الحواس الخمس حتى يقال إن الله تعالى لا يدرك بالحواس ولا يتمثل ~~في الخيال فلا يحب فإذن قد بطلت خاصية الإنسان وما تميز به من الحس السادس ~~الذي يعبر عنه إما بالعقل أو بالنور أو بالقلب أو بما شئت من العبارات فلا ~~مشاحة فيه وهيهات فالبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر والقلب أشد إدراكا ~~من العين وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار ~~فتكون لا محالة لذة القلب بما يدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي تجل عن ~~أن تدركها الحواس أتم وأبلغ فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه ~~أقوى ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما في إدراكه لذة كما سيأتي تفصيله فلا ~~ينكر إذن حب الله تعالى إلا من قعد به القصور في درجة البهائم فلم يجاوز ~~إدراك الحواس أصلا # الأصل الثالث أن الإنسان لا يخفى أنه يحب نفسه ولا يخفى أنه قد يحب غيره ~~لأجل نفسه وهل يتصور أن يحب غيره لذاته لا لأجل نفسه هذا مما قد يشكل على ~~الضعفاء حتى يظنون أنه لا يتصور أن يحب الإنسان غيره لذاته ما لم يرجع منه ~~حظ إلى المحب سوى إدراك ذاته والحق أن ذلك متصور وموجود فلنبين أسباب ~~المحبة وأقسامها وبيانه أن المحبوب الأول عند كل حي نفسه وذاته ومعنى حبه ~~لنفسه أن في طبعه ميلا إلى دوام وجوده ونفرة عن عدمه وهلاكه لأن المحبوب ~~بالطبع هو الملائم للمحب وأي شيء أتم ms2346 ملاءمة من نفسه ودوام وجوده وأي شيء ~~أعظم مضادة ومنافرة له من عدمه وهلاكه فلذلك يحب الإنسان دوام الوجود ويكره ~~الموت والقتل لا لمجرد ما يخافه بعد الموت ولا لمجرد الحذر من سكرات الموت ~~بل لو اختطف من غير ألم وأميت من غير ثواب ولا عقاب لم يرض به وكان كارها ~~لذلك ولا يحب الموت والعدم المحض إلا لمقاساة ألم في الحياة ومهما كان ~~مبتلى ببلاء فمحبوبه زوال البلاء فإن أحب العدم لم يحبه لأته عدم بل لأن ~~فيه زوال البلاء فالهلاك والعدم ممقوت ودوام الوجود محبوب وكما أن دوام ~~الوجود محبوب فكمال الوجود أيضا محبوب لان الناقص فاقد للكمال والنقص عدم ~~بالإضافة إلى القدر المفقود وهو هلاك بالنسبة إليه والهلاك والعدم ممقوت في ~~الصفات وكمال الوجود كما أنه ممقوت في أصل الذات ووجود صفات الكمال محبوب ~~كما أن دوام أصل الوجود محبوب وهذه غريزة في الطباع بحكم سنة الله تعالى ~~ولن تجد لسنة الله تبديلا # فإذن المحبوب الأول للإنسان ذاته ثم سلامة أعضاءه ثم ماله وولده وعشيرته ~~وأصدقائه فالأعضاء محبوبة وسلامتها مطلوبة لأن كمال الوجود ودوام الوجود ~~موقوف عليها والمال محبوب لأنه أيضا آلة في دوام الوجود وكماله وكذا سائر ~~الأسباب فالإنسان يحب هذه الأشياء لا لأعيانها بل لارتباط حظه في دوام ~~الوجود وكماله بها حتى إنه ليحب ولده وإن كان لا يناله منه حظ بل يتحمل ~~المشاق لأجله لأنه يخلفه في الوجود بعد عدمه فيكون في بقاء نسله نوع بقاء ~~له فلفرط حبه في بقاء نفسه يحب بقاء من هو قائم مقامه وكأنه جزء منه لما ~~عجز عن الطمع في بقاء نفسه أبدا نعم لو خير بين قتله وقتل ولده وكان طبعه ~~باقيا على اعتداله آثر بقاء نفسه على بقاء ولده لأن بقاء ولده يشبه بقاءه ~~من وجه وليس هو بقاء المحقق وكذلك حبه لأقاربه وعشيرته يرجع إلى حبه لكمال ~~نفسه فإنه يرى نفسه كثيرا بهم قويا بسببهم متجملا بكمالهم فإن العشيرة ~~والمال والأسباب الخارجة كالجناح المكمل للإنسان ms2347 وكمال الوجود ودوامه محبوب ~~بالطبع لا محالة فإذن المحبوب الأول عند كل حي ذاته وكمال ذاته ودوام PageV04P297 # ذلك كله والمكروه عنده ضد ذلك فهذا هو أول الأسباب # السبب الثاني: الإحسان فإن الإنسان عبد الإحسان وقد جبلت القلوب على حب ~~من أحسن إليها وبغض من أساء إليها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ~~لا تجعل لفاجر علي يدا فيحبه قلبي (1) حديث: كان يعجبه الخضرة والماء ~~الجاري أخرجه أبو نعيم في الطب النبوي من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يحب أن ينظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري وإسناده ضعيف (2) ~~حديث إن الله جميل يحب الجمال رواه مسلم في أثناء حديث لابن مسعود # الأصل الرابع في بيان معنى الحسن والجمال اعلم أن المحبوس في مضيق ~~الخيالات والمحسوسات ربما يظن أنه لا معنى للحسن والجمال إلا تناسب الخلقة ~~والشكل وحسن اللون وكون البياض مشربا بالحمرة وامتداد القامة إلى غير ذلك ~~مما يوصف من جمال شخص الإنسان فإن الحسن الأغلب على الخلق حسن الإبصار ~~وأكثر التفاتهم PageV04P298 # إلى صور الأشخاص فيظن أن ما ليس مبصرا ولا متخيلا ولا متشكلا ولا ملونا ~~مقدر فلا يتصور حسنه وإذا لم يتصور حسنه لم يكن في إدراكه لذة فلم يكن ~~محبوبا وهذا خطأ ظاهر فإن الحسن ليس مقصورا على مدركات البصر ولا على تناسب ~~الخلقة وامتزاج البياض بالحمرة فإنا نقول هذا خط حسن وهذا صوت حسن وهذا فرس ~~حسن بل نقول هذا ثوب حسن وهذا إناء حسن فأي معنى لحسن الصوت والخط وسائر ~~الأشياء إن لم يكن الحسن إلا في الصورة ومعلوم أن العين تستلذ بالنظر إلى ~~الخط الحسن والأذن تستلذ استماع النغمات الحسنة الطيبة وما من شيء من ~~المدركات إلا وهو منقسم إلى حسن وقبيح فما معنى الحسن الذي تشترك فيه هذه ~~الأشياءفلا بد من البحث عنه وهذا البحث يطول ولا يليق بعلم المعاملة ~~الإطناب فيه فنصرح بالحق ونقول: كل شيء فجماله وحسنه في أن يحضر كماله ~~اللائق به الممكن له فإذا ms2348 كان جميع كمالاته الممكنة حاضرة فهو في غاية ~~الجمال وإن كان الحاضر بعضها فله من الحسن والجمال بقدر ما حضر فالفرس ~~الحسن هو الذي جمع كل ما يليق بالفرس من هيئة وشكل ولون وحسن عدو وتيسر كر ~~وفر عليه والخط الحسن كل ما جمع كل ما يليق بالخط من تناسب الحروف وتوازيها ~~واستقامة ترتيبها وحسن انتظامها ولكل شيء كمال يليق به وقد يليق بغير ضد ~~فحسن كل شيء في كماله الذي يليق به فلا يحسن الإنسان بما يحسن به الفرس ولا ~~يحسن الخط بما يحسن به الصوت ولا تحسن الأواني بما تحسن به الثياب وكذلك ~~سائر الأشياء # فإن قلت: فهذه الأشياء وإن لم تدرك جميعها بحس البصر مثل الأصوات والطعوم ~~فإنها لا تنفك عن إدراك الحواس لها فهي محسوسات وليس ينكر الحسن والجمال ~~للمحسوسات ولا ينكر حصول اللذة بإدراك حسنها وإنما ينكر ذلك في غير المدرك ~~بالحواس فاعلم أن الحسن والجمال موجود في غير المحسوسات إذ يقال: هذا خلق ~~حسن وهذا علم حسن وهذه سيرة حسنة وهذه أخلاق جميلة وإنما الأخلاق الجميلة ~~يراد بها العلم والعقل والعفة والشجاعة والتقوى والكرم والمروءة وسائر خلال ~~الخير وشيء من هذه الصفات لا يدرك بالحواس الخمس بل يدرك بنور البصيرة ~~الباطنة وكل هذه الخلال الجميلة محبوبة والموصوف بها محبوب بالطبع عند من ~~عرف صفاته وآية ذلك وأن الأمر كذلك أن الطباع مجبولة على حب الأنبياء صلوات ~~الله عليهم وعلى حب الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع أنهم لم يشاهدوا بل حب ~~أرباب المذاهب مثل الشافعي وأبي حنيفة ومالك وغيرهم حتى أن الرجل قد يجاوز ~~به حبه لصاحب مذهبه حد العشق فيحمله ذلك على أن تنفق جميع ماله في نصرة ~~مذهبه والذب عنه ويخاطر بروحه في قتال من يطعن في إمامه ومتبوعه فكم من دم ~~أريق في نصرة أرباب المذاهب وليت شعري من يحب الشافعي مثلا فلم يحبه ولم ~~يشاهد قط صورته ولو شاهده ربما لم يستحسن صورته فاستحسانه الذي حمله على ~~إفراط الحب هو ms2349 لصورته الباطنة لا لصورته الظاهرة فإن صورته الظاهرة قد ~~انقلبت ترابا مع التراب وإنما يحبه لصفاته الباطنة من الدين والتقوى وغزارة ~~العلم والإحاطة بمدارك الدين وانتهاضه لإفادة علم الشرع ولنشره هذه الخيرات ~~في العالم وهذه أمور جميلة لا يدرك جمالها إلا بنور البصيرة فأما الحواس ~~فقاصرة عنها وكذلك من يحب أبا بكر الصديق رضي الله عنه ويفضله على غيره أو ~~يحب عليا رضي الله عنه ويفضله ويتعصب له فلا يحبهم إلا لاستحسان صورهم ~~الباطنة من العلم والدين والتقوى والشجاعة والكرم وغيره فمعلوم أن من يحب ~~الصديق رضي الله تعالى عنه مثلا ليس يحب عظمه ولحمه وجلده وأطرافه وشكله إذ ~~كل ذلك زال وتبدل وانعدم ولكن بقي ما كان الصديق به صديقا وهي الصفات ~~المحمودة التي هي مصادر السير الجميلة فكان PageV04P299 # الحب باقيا ببقاء تلك الصفات مع زوال جميع الصور وتلك الصفات ترجع جملتها ~~إلى العلم والقدرة إذا علم حقائق الأمور وقدر على حمل نفسه عليها بقهر ~~شهواته فجميع خلال الخير يتشعب على هذين الوصفين وهما غير مدركين بالحس ~~ومحلهما من جملة البدن جزء لا يتجزأ فهو المحبوب بالحقيقة وليس للجزء الذي ~~لا يتجزأ صورة وشكل ولون يظهر للبصر حتى يكون محبوبا لأجله فإذن الجمال ~~موجود في السير ولو صدرت السيرة الجميلة من غير علم وبصيرة لم يوجب ذلك حبا ~~فالمحبوب مصدر السير الجميلة وهي الأخلاق الحميدة والفضائل الشريفة وترجع ~~جملتها إلى كمال العلم والقدرة وهو محبوب بالطبع وغير مدرك بالحواس حتى إن ~~الصبي المخلى وطبعه إذ أردنا أن نحبب إليه غائبا أو حاضرا حيا أو ميتا لم ~~يكن لنا سبيل إلا بالإطناب في وصفه بالشجاعة والكرم والعلم وسائر الحضال ~~الحميدة فمهما اعتقد ذلك لم يتمالك في نفسه ولم يقدر أن لا يحبه فهل فل غلب ~~الصحابة به رضي الله تعالى عنهم وبغض ابي جهل وبعض إبليس لعنه الله إلا ~~بالإطناب في وصف المحاسن والمقابح التي لا تدرك بالحواس بل لما وصف الناس ~~حاتما بالسخاء ووصفوا خالدا بالشجاعة أحبتهم القلوب حبا ms2350 ضروريا وليس ذلك عن ~~نظر إلى صورة محسوسة ولا عن حظ يناله المحب منهم بل إذا حكي من سيرة بعض ~~الملوك في بعض أقطار الأرض العدل والإحسان وإفاضة الخير غلب حبه على القلوب ~~مع اليأس من انتشار إحسانه إلى المحبين لبعد المزار ونأي الديار فإذن ليس ~~حب الإنسان مقصورا على من أحسن إليه بل المحسن في نفسه محبوب وإن كان لا ~~ينتهي قط إحسانه إلى المحب لأن كل جمال وحسن فهو محبوب والصورة ظاهرة ~~وباطنة والحسن والجمال يشملهما وتدرك الصور الظاهرة بالبصر الظاهر والصور ~~الباطنة بالبصيرة الباطنة فمن حرم البصيرة الباطنة لا يدركها ولا يلتذ بها ~~ولا يحبها ولا يميل إليها ومن كانت الباطنة أغلب عليه من الحواس الظاهرة ~~كان حبه للمعاني الباطنة أكثر من حبه للمعاني الظاهرة فشتان بين من يحب ~~نقشا مصورا على الحائط لجمال صورته الظاهرة وبين من يحب نبيا من الأنبياء ~~لجمال صورته الباطنة # السبب الخامس: المناسبة الخفية بين المحب والمحبوب إذ رب شخصين تتأكد ~~المحبة بينهما لا بسبب جمال أو حظ ولكن بمجرد تناسب الأرواح كمال قال صلى ~~الله عليه وسلم فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف (1) حديث فما ~~تعارف منها ائتلف أخرجه مسلم من حديث ابي هريرة وقد تقدم في آداب الصحبة ### ||| بيان أن المستحق للمحبة هو الله وحده # وأن من أحب غير الله لا من حيث نسبته إلى الله فذلك لجهله وقصوره في ~~معرفة الله تعالى وحب الرسول PageV04P300 # صلى الله عليه وسلم محمود لأنه عين حب الله تعالى وكذلك حب العلماء ~~والأتقياء لأن محبوب المحبوب محبوب ورسول المحبوب محبوب ومحب المحبوب محبوب ~~وكل ذلك يرجع إلى حب الأصل فلا يتجاوزه إلى غيره فلا محبوب بالحقيقة عند ~~ذوي البصائر إلا الله تعالى ولا مستحق للمحبة سواه وإيضاحه بأن نرجع إلى ~~الأسباب الخمسة التي ذكرناها ونبين أنها مجتمعة في حق الله تعالى بحملتها ~~ولا يوجد في غيره إلا آحادها وأنها حقيقة في حق الله تعالى ووجودها في حق ~~غيره وهم وتخيل وهو مجاز ms2351 محض لا حقيقة له ومهما ثبت ذلك انكشف لكل ذي بصيرة ~~ضد ما تخيله ضعفاء العقول والقلوب من استحالة حب الله تعالى تحقيقا وبان أن ~~التحقيق يقتضي أن لا نحب أحدا غير الله تعالى # فأما السبب الأول وهو حب الإنسان نفسه وبقاءه وكماله ودوام وجوده وبغضه ~~لهلاكه وعدمه ونقصانه وقواطع كماله فهذه جبلة كل حي ولا يتصور أن ينفك عنها ~~وهذا يقتضي غاية المحبة لله تعالى فإن من عرف نفسه وعرف ربه عرف قطعا أنه ~~لا وجود له من ذاته وإنما وجود ذاته ودوام وجوده وكمال وجوده من الله وإلى ~~الله وبالله فهو المخترع الموجد له وهو المبقي له وهو المكمل لوجوده بخلق ~~صفات الكمال وخلق الأسباب الموصلة إليه ذو خلق الهداية إلى استعمال الأسباب ~~وإلا فالعبد من حيث ذاته لا وجود له من ذاته بل هو محو محض وعدم صرف لولا ~~فضل الله تعالى عليه بالإيجاد وهو هالك عقيب وجوده لولا فضل الله عليه ~~بالإبقاء وهو ناقص بعد الوجود لولا فضل الله عليه بالتكميل لخلقته وبالجملة ~~فليس في الوجود شيء له بنفسه قوام إلا القيوم الحي الذي هو قائم لوجوده ~~والمديم له إن عرفه خالقا موجدا ومخترعا مبقيا وقيوما بنفسه ومقوما لغيره ~~فإن كان لا يحبه فهو لجهله بنفسه وبربه والمحبة ثمرة المعرفة فتنعدم ~~بانعدامها وتضعف بضعفها وتقوى بقوتها ولذلك قال الحسن البصري رحمه الله ~~تعالى من عرف ربه أحبه ومن عرف الدنيا زهد فيها وكيف يتصور أن يحب الإنسان ~~نفسه ولا يحب ربه الذي به قوام نفسه ومعلوم أن المبتلى بحر الشمس لما كان ~~يحب الظل فيحب بالضرورة الأشجار التي بها قوام الظل وكل ما في الوجود ~~بالإضافة إلى قدرة الله تعالى فهو كالظل بالإضافة إلى الشجر والنور ~~بالإضافة إلى الشمس فإن الكل من آثار قدرته ووجود الكل تابع لوجوده كما أن ~~وجود النور تابع للشمس ووجود الظل تابع للشجر بل هذا المثال صحيح بالإضافة ~~إلى أوهام العوام إذ تخيلوا أن النور أثر الشمس وفائض منها وموجود بها ms2352 وهو ~~خطأ محض إذا انكشف لأرباب القلوب انكشافا أظهر من مشاهدة الأبصار أن النور ~~حاصل من قدرة الله تعالى اختراعا عند وقوع المقابلة بين الشمس والأجسام ~~الكثيفة كما أن نور الشمس وعينها وشكلها وصورتها أيضا حاصل من قدرة الله ~~تعالى ولكن الغرض من الأمثلة التفهيم فلا يطلب فيها الحقائق فإذن إن كان حب ~~الإنسان نفسه ضروريا فحبه لمن به قوامه أولا ودوامه ثانيا في أصله وصفاته ~~وظاهره وباطنه وجواهره وأعراضه أيضا ضروري إن عرف ذلك كذلك ومن خلا عن الحب ~~هذا فلأنه اشتغل بنفسه وشهواته وذهل عن ربه وخالقه فلم يعرفه حق معرفته ~~وقصر نظره على شهواته ومحسوساته وهو عالم الشهادة الذي يشاركه البهائم في ~~التنعم به والاتساع فيه دون عالم الملكوت الذي لا يطأ أرضه إلا من يقرب إلى ~~شبه من الملائكة فينظر فيه بقدر قربه في الصفات من الملائكة ويقصر عنه بقدر ~~انحطاطه إلى حضيض عالم البهائم # وأما السبب الثاني وهو حبه من أحسن عليه فواساه بماله ولاطفه بكلامه ~~وأمده بمعونته وانتدب لنصرته PageV04P301 # وقمع أعداءه وقام بدفع شر الأشرار عنه وانتهض وسيلة إلى جميع حظوظه ~~وأغراضه في نفسه وأولاده وأقاربه فإنه محبوب لا محالة عنده وهذا بعينه ~~يقتضي أن لا يحب إلا الله تعالى فإنه لو عرف حق المعرفة لعلم أن المحسن ~~إليه هو الله تعالى فقط فأما أنواع إحسانه إلى كل عبيده فلست أعدها إذ ليس ~~يحيط بها حصر حاصر كما قال تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وقد أشرنا ~~إلى طرف منه في كتاب الشكر ولكنا نقتصر الآن على بيان أن الإحسان من الناس ~~غير متصور إلا بالمجاز وإنما المحسن هو الله تعالى ولنفرض ذلك فيمن أنعم ~~عليك بجميع خزائنه ومكنك منها لتتصرف فيها كيف تشاء فإنك تظن أن هذا ~~الإحسان منه وهو غلط فإنه إنما تم إحسانه به وبماله وبقدرته على المال ~~وبداعيته الباعثة له على صرف المال إليك فمن الذي أنعم بخلقه وخلق ماله ~~وخلق قدرته وخلق إرادته وداعيته ومن الذي حببك إليه ms2353 وصرف وجهه إليك وألقى ~~في نفسه أن صلاح دينه أو دنياه في الإحسان إليك ولولا كل ذلك لما أعطاك حبة ~~من ماله ومهما سلط الله عليه الدواعي وقرر في نفسه أن صلاح دينه أو دنياه ~~في أن يسلم إليك ماله كان مقهورا مضطرا في التسليم لا يستطيع مخالفته ~~فالمحسن هو الذي اضطره لك وسخره وسلط عليه الدواعي الباعثة المرهقة إلى ~~الفعل وأما يده فواسطة يصل بها إحسان الله إليك وصاحب اليد مضطر في ذلك ~~اضطرارا مجرى الماء في جريان الماء فيه فإن اعتقدته محسنا أو شكرته من حيث ~~هو بنفسه محسن لا من حيث هو واسطة كنت جاهلا بحقيقة الأمر فإنه لا يتصور ~~الإحسان من الإنسان إلا إلى نفسه أما الإحسان إلى غيره فمحال من المخلوقين ~~لأنه لا يبذل ماله إلا لغرض له البذل إما آجل وهو الثواب وإما عاجل وهو ~~المنة والاستسخار أو الثناء والصيت والاشتهار بالسخاء والكرم أو جذب قلوب ~~الخلق إلى الطاعة والمحبة وكما أن الإنسان لا يلقي ماله في البحر إذ لا غرض ~~له فيه فلا يلقيه في يد إنسان إلا لغرض له فيه وذلك الغرض هو مطلوبه ومقصده ~~وأما أنت فلست مقصودا بل يدك آلة له في القبض حتى يحصل غرضه من الذكر ~~والثناء أو الشكر أو الثواب بسبب قبضك المال فقد استسخرك في القبض للتوصل ~~إلى غرض نفسه فهو إذن محسن إلى نفسه ومعتاض عما بذله من ماله عوضا هو أرجح ~~عنده من ماله ولولا رجحان ذلك الحظ عنده لما نزل عن ماله لأجلك أصلا البتة ~~فإذن هو غير مستحق للشكر والحب من وجهين # أحدهما أنه مضطر بتسليط الله الدواعي عليه فلا قدرة له على المخالفة فهو ~~جار مجرى خازن الأمير فإنه لا يرى محسنا بتسليم خلعة الأمير إلى من خلع ~~عليه لأنه من جهة الأمير مضطر إلى الطاعة والامتثال لما يرسمه ولا يقدر على ~~مخالفته ولو خلاه الأمير ونفسه لما سلم ذلك فكذلك كل محسن لو خلاه الله ~~ونفسه لم يبذل حبة من ms2354 ماله حتى سلط الله الدواعي عليه وألقى في نفسه أن حظه ~~دينا ودنيا في بذله فبذله لذلك والثاني أنه معتاض عما بذله حظا هو أوفى ~~عنده وأحب مما بذله فكما لا يعد البائع محسنا لأنه بذل بعوض هو أحب عنده ~~مما بذله فكذلك الواهب اعتاض الثواب أو الحمد والثناء أو عوضا آخر وليس من ~~شرط العوض أن يكون عينا متمولا بل الحظوظ كلها أعواض تستحقر الأموال ~~والأعيان بالإضافة إليها فالإحسان في الجود والجود هو بذل المال من غير عوض ~~وحظ يرجع إلى الباذل وذلك محال من غير الله سبحانه فهو الذي أنعم على ~~العالمين إحسانا إليهم ولأجلهم لا لحظ وغرض يرجع إليه فإنه يتعالى عن ~~الأغراض فلفظ الجود والإحسان في حق غيره كذب أو مجاز ومعناه في حق غيره ~~محال وممتنع امتناع الجمع بين السواد والبياض فهو المنفرد بالجود والإحسان ~~والطول والامتنان فإن كان في الطبع حب المحسن فينبغي أن لا يحب العارف إلا ~~الله تعالى إذ الإحسان PageV04P302 # من غيره محال فهو المستحق لهذه المحبة وحده وأما غيره فيستحق المحبة على ~~الإنسان بشرط الجهل بمعنى الإحسان وحقيقته # وأما السبب الثالث وهو حبك المحسن في نفسه وإلى لم يصل إليك إحسانه وهذا ~~أيضا موجود في الطباع # فإنه إذا بلغك خبر ملك عابد عادل عالم رفيق بالناس متلطف بهم متواضع لهم ~~وهو في قطر من أقطار الأرض بعيد عنك وبلغك خبر ملك آخر ظالم متكبر فاسق ~~متهتك شرير وهو أيضا بعيد عنك فإنك تجد في قلبك تفرقة بينهما إذ تجد في ~~القلب ميلا إلى الأول وهو الحب ونفرة عن الثاني وهو البغض مع أنك آيس من ~~خير الأول وآمن من شر الثاني لانقطاع طمعك عن التوغل إلى بلادهما فهذا حب ~~المحسن من حيث إنه محسن فقط لا من حيث إنه محسن إليك وهذا أيضا يقتضي حب ~~الله تعالى بل يقتضي أن لا يحب غيره أصلا إلا من حيث يتعلق منه بسبب فإن ~~الله هو المحسن إلى الكافة والمتفضل على جميع أصناف الخلائق ms2355 أولا بإيجادهم ~~وثانيا بتكميلهم بالأعضاء والأسباب التي هي من ضروراتهم وثالثا بترفيههم ~~وتنعيمهم بخلق الأسباب التي هي في مظان حاجاتهم وإن لم تكن في مظان الضرورة ~~ورابعا بتجميلهم بالمزايا والزوائد التي هي في مظنة زينتهم وهي خارجة عن ~~ضروراتهم وحاجاتهم # ومثال الضروري من الأعضاء الرأس والقلب والكبد ومثال المحتاج إليه العين ~~واليد والرجل ومثال الزينة استقواس الحاجبين وحمرة الشفتين وتلون العينين ~~إلى غير ذلك مما لو فات لم تنخرم به حاجة ولا ضرورة # ومثال الضروري من النعم الخارجة عن بدن الإنسان الماء والغذاء ومثال ~~الحاجة الدواء واللحم والفواكه ومثال المزايا والزوائد خضرة الأشجار وحسن ~~أشكال الأنوار والأزهار ولذائذ الفواكه والأطعمة التي لا تنخرم بعدمها حاجة ~~ولا ضرورة # وهذه الأقسام الثلاثة موجودة لكل حيوان بل لكل نبات بل لكل صنف من أصناف ~~الخلق من ذروة العرش إلى منتهى الفرش فإذن هو المحسن فكيف يكون غيره محسنا ~~وذلك المحسن حسنة من حسنات قدرته فإنه خالق الحسن وخالق المحسن وخالق ~~الإحسان وخالق أسباب الإحسان فالحب بهذه العلة لغيره أيضا جهل محض ومن عرف ~~ذلك لم يحب بهذه العلة إلا الله تعالى # وأما السبب الرابع وهو حب كل جميل لذات الجمال لا لحظ ينال من وراء إدراك ~~الجمال فقد بينا أن ذلك مجبول في الطباع وأن الجمال ينقسم إلى جمال الصورة ~~الظاهرة المدركة بعين الرأس وإلى جمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ~~ونور البصيرة والأول يدركه الصبيان والبهائم والثاني يختص بدركه أرباب ~~القلوب ولا يشاركهم فيه من لا يعلم إلا ظاهرا من الحياة الدنيا وكل جمال ~~فهو محبوب عند مدرك الجمال فإن كان مدركا بالقلب فهو محبوب القلب ومثال هذا ~~في المشاهدة حب الأنبياء والعلماء وذوي المكارم السنية والأخلاق المرضية ~~فإن ذلك منضور مع تشوش صورة الوجه وسائر الأعضاء وهو المراد بحسن الصورة ~~الباطنة والحس لا يدرك نعم يدرك بحسن آثاره الصادرة منه الدالة عليه حتى ~~إذا دل القلب عليه مال القلب إليه فأحبه فمن يحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أو الصديق ms2356 رضي الله تعالى عنه أو الشافعي رحمة الله عليه فلا يحبهم ~~إلا لحسن ما ظهر له منهم وليس ذلك لحسن صورهم ولا لحسن أفعالهم بل دل حسن ~~أفعالهم على حسن الصفات التي هي مصدر الأفعال إذ الأفعال آثار صادرة عنها ~~ودالة عليها فمن رأى حسن تصنيف المصنف وحسن شعر الشاعر بل PageV04P303 # حسن نقش النقاش وبناء البناء انكشف له من هذه الأفعال صفاتها الجميلة ~~الباطنة التي يرجع حاصلها عند البحث إلى العلم والقدرة ثم كلما كان المعلوم ~~أشرف وأتم جمالا وعظمة كان العلم أشرف وأجمل وكذا المقدور كلما كان أعظم ~~رتبة وأجل منزلة كانت القدرة عليه أجل رتبة وأشرف قدرا وأجل المعلومات هو ~~الله تعالى فلا جرم أحسن العلوم وأشرفها معرفة الله تعالى وكذلك ما يقاربه ~~ويختص به فشرفه على قدر تعلقه به # فإذن جمال صفات الصديقين الذين تحبهم القلوب طبعا ترجع إلى ثلاثة أمور ~~أحدها علمهم بالله وملائكته وكتبه ورسله وشرائع أنبيائه والثاني قدرتهم على ~~إصلاح أنفسهم وإصلاح عباد الله بالإرشاد والسياسة والثالث تنزههم عن ~~الرذائل والخبائث والشهوات الغالبة الصارفة عن سنن الخير الجاذبة إلى طريق ~~الشر وبمثل هذا يحب الأنبياء والعلماء والخلفاء والملوك الذين هم أهل العدل ~~والكرم فأنسب هذه الصفات إلى صفات الله تعالى # أما العلم فأين علم الأولين والآخرين من علم الله تعالى الذي يحيط بالكل ~~إحاطة خارجة عن النهاية حتى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ~~وقد خاطب الخلق كلهم فقال عز وجل وما أوتيتم من العلم إلا قليلا بل لو ~~اجتمع أهل الأرض والسماء على أن يحيطوا بعلمه وحكمته في تفصيل خلق نملة أو ~~بعوضة لم يطلعوا على عشر عشير ذلك ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ~~والقدر اليسير الذي علمه الخلائق كلهم فبتعليمه علموه كما قال تعالى خلق ~~الإنسان علمه البيان فإن كان جمال العلم وشرفه أمرا محبوبا وكان هو في نفسه ~~زينة وكمالا للموصوف به فلا ينبغي أن يحب بهذا السبب إلا الله تعالى # فعلوم العلماء جهل ms2357 بالإضافة إلى علمه بل من عرف أعلم أهل زمانه وأجهل أهل ~~زمانه استحال أن يحب بسبب العلم الأجهل ويترك الأعلم وإن كان الأجهل لا ~~يخلو عن علم ما تتقاضاه معيشته والتفاوت بين علم الله وبين علم الخلائق ~~أكثر من التفاوت بين علم أعلم الخلائق وأجهلهم لأن الأعلم لا يفضل الأجهل ~~إلا بعلوم معدودة متناهية يتصور في الإمكان أن ينالها الأجهل بالكسب ~~والاجتهاد وفضل علم الله تعالى على علوم الخلائق كلهم خارج عن النهاية إذ ~~معلوماته لا نهاية لها ومعلومات الخلق متناهية # وأما صفة القدرة فهي أيضا كمال والعجز نقص فكل كمال وبهاء وعظمة واستيلاء ~~فإنه محبوب وإدراكه لذيذ حتى إن الإنسان ليسمع في الحكاية شجاعة علي وخالد ~~رضي الله عنهما وغيرهما من الشجعان وقدرتهما واستيلاؤهما على الأقران فيضاف ~~في قلبه اهتزازا وفرحا وارتياحا ضروريا بمجرد لنة السماع فضلا عن المشاهدة ~~ويورث ذلك حبا في القلب ضروريا للمتصف به فإنه نوع كمال فانسب الآن قدرة ~~الخلق كلهم إلى قدرة الله تعالى فأعظم الأشخاص قوة وأوسعهم ملكا وأقواهم ~~بطشا وأقهرهم للشهوات وأقمعهم لخبائث النفس وأجمعهم للقدرة على سياسة نفسه ~~وسياسة غيره ما منتهى قدرته وإنما غايته أن يقدر على بعض صفات نفسه وعلى ~~بعض أشخاص الإنس في بعض الأمور وهو مع ذلك لا يملك لنفسه موتا ولا حياة ولا ~~نشورا ولا ضرا ولا نفعا بل لا يقدر على حفظ عينه من العمى ولسانه من الخرس ~~وأذنه من الصمم وبدنه من المرض ولا يحتاج إلى عد ما يعجز عنه في نفسه وغيره ~~مما هو على الجملة متعلق قدرته فضلا عما لا تتعلق به قدرته من ملكوت ~~السموات وأفلاكها وكواكبها والأرض وجبالها وبحارها ورياحها وصواعقها ~~ومعادنها ونباتها وحيواناتها وجميع أجزائها فلا قدرة له على ذرة منها وما ~~هو قادر عليه من نفسه وغيره فليست قدرته من نفسه وبنفسه بل الله خالقه ~~وخالق قدرته وخالق أسبابه والممكن له من ذلك ولو سلط بعوضا على أعظم ملك ~~وأقوى شخص من الحيوانات لأهلكه فليس للعبد PageV04P304 # قدرة إلا ms2358 بتمكين مولاه كما قال في أعظم ملوك الأرض ذي القرنين إذ قال إنا ~~مكنا له في الأرض فلم يكن جميع ملكه وسلطنته إلا بتمكين الله تعالى إياه في ~~جزء من الأرض والأرض كلها مدرة بالإضافة إلى أجسام العالم وجميع الولايات ~~التي يحظى بها الناس من الأرض غبرة من تلك المدرة ثم تلك الغبرة أيضا من ~~فضل الله تعالى وتمكينه فيستحيل أن يحب عبدا من عباد الله تعالى لقدرته ~~وسياسته وتمكينه واستيلائه وكمال قوته ولا يحب الله تعالى لذلك ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم فهو الجبار القاهر والعليم القادر السموات ~~مطويات بيمينه والأرض وملكها وما عليها في قبضته وناصية جميع المخلوقات في ~~قبضة قدرته إن أهلكهم من عند آخرهم لم ينقص من سلطانه وملكه ذرة وإن خلق ~~أمثالهم ألف مرة لم يعي بخلقها ولا يمسه لغوب ولا فتور في اختراعها فلا ~~قدرة ولا قادر إلا وهو أثر من آثار قدرته فله الجمال والبهاء والعظمة ~~والكبرياء والقهر والاستيلاء فإن كان يتصور أن يحب قادر لكمال قدرته فلا ~~يستحق الحب بكمال القدرة سواه أصلا # وأما صفة التنزه عن العيوب والنقائص والتقدس عن الرذائل والخبائث فهو أحد ~~موجبات الحب ومقتضيات الحسن والجمال في الصور الباطنة والأنبياء والصديقون ~~وإن كانوا منزهين عن العيوب والخبائث فلا يتصور كمال التقدس والتنزه إلا ~~للواحد الحق الملك والقدوس ذي الجلال والإكرام # وأما كل مخلوق فلا يخلو عن نقص وعن نقائص بل كونه عاجزا مخلوقا مسخرا ~~مضطرا هو عين العيب والنقص فالكمال لله وحده وليس لغيره كمال إلا بقدر ما ~~أعطاه الله وليس في المقدور أن ينعم بمنتهى الكمال على غيره فإن منتهى ~~الكمال أقل درجاته أن لا يكون عبدا مسخرا لغيره قائما بغيره وذلك محال في ~~حق غيره فهو المنفرد بالكمال المنزه عن النقص المقدس عن العيوب وشرح وجوه ~~التقدس والتنزه في حقه عن النقائص يطول وهو من أسرار علوم المكاشفات فلا ~~نطول بذكره فهذا الوصف أيضا إن كان كمالا وجمالا محبوبا فلا تتم حقيقته إلا ms2359 ~~له وكمال غيره وتنزهه لا يكون مطلقا بل بالإضافة إلى ما هو أشد منه نقصانا ~~كما أن للفرس كمالا بالإضافة إلى الحمار وللإنسان كمالا بالإضافة إلى الفرس ~~وأصل النقص شامل للكل وإنما يتفاوتون في درجات النقصان # فإذن الجميل محبوب والجميل المطلق هو الواحد الذي لا ند له الفرد الذي لا ~~ضد له الصمد الذي لا منازع له الغني الذي لا حاجة له القادر الذي يفعل ما ~~يشاء ويحكم ما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه العالم الذي لا يعزب عن ~~علمه مثقال ذرة في السموات والأرض القاهر الذي لا يخرج عن قبضة قدرته أعناق ~~الجبابرة ولا ينفلت من سطوته وبطشه رقاب القياصرة الأزلي الذي لا أول ~~لوجوده الأبدي الذي لا آخر لبقائه الضروري الوجود الذي لا يحوم إمكان العدم ~~حول حضرته القيوم الذي يقوم بنفسه ويقوم كل موجود به جبار السموات والأرض ~~خالق الجماد والحيوان والنبات المنفرد بالعزة والجبروت والمتوحد بالملك ~~والملكوت ذو الفضل والجلال والبهاء والجمال والقدرة والكمال الذي تتحير في ~~معرفة جلاله العقول وتخرس في وصفه الألسنة الذي كمال معرفة العارفين ~~الاعتراف بالعجز عن معرفته ومنتهى نبوة الأنبياء الإقرار بالقصور عن وصفه ~~كما قال سيد الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم أجمعين لا أحصي ثناء عليك أنت ~~كما أثنيت على نفسك (1) وقال سيد الصديقين رضي الله تعالى عنه العجز عن درك ~~الإدراك إدراك سبحان من لم يجعل للخلق طريقا إلى معرفته إلا بالعجز عن ~~معرفته فليت شعري من ينكر إمكان حب الله تعالى تحقيقا ويجعله مجازا أينكر ~~أن هذه الأوصاف من أوصاف الجمال PageV04P305 # والمحامد ونعوت الكمال والمحاسن أن ينكر كون الله تعالى موصوفا بها أو ~~ينكر كون الكمال والجمال والبهاء والعظمة محبوبا بالطبع عند من أدركه ~~فسبحان من احتجب عن بصائر العميان غيرة على جماله وجلاله أن يطلع عليه إلا ~~من سبقت له منه الحسنى الذين هم عن نار الحجاب مبعدون وترك الخاسرين في ~~ظلمات العمى يتيهون وفي مسارح المحسوسات وشهوات البهائم يترددون يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا ms2360 وهم عن الآخرة هم غافلون الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون # فالحب بهذا السبب أقوى من الحب بالإحسان لأن الإحسان يزيد وينقص ولذلك ~~أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام إن أود الأوداء إلى من عبدني بغير ~~نوال لكن ليعطي الربوبية حقها وفي الزبور من أظلم ممن عبدنى لجنة أونار لو ~~لم أخلق جنة ولا نارا ألم أكن أهلا أن أطاع ومر عيسى عليه السلام على طائفة ~~من العباد قد نحلوا فقالوا نخاف النار ونرجو الجنة فقال لهم مخلوقا خفتم ~~ومخلوقا رجوتم ومر بقوم آخرين كذلك فقالوا نعبده حبا له وتعظيما لجلاله ~~فقال أنتم أولياء الله حقا معكم أمرت أن أقيم وقال أبو حازم إني لأستحي أن ~~أعبده للثواب والعقاب فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل وكالأجير السوء ~~إن لم يعط لم يعمل # وفي الخبر لا يكونن أحدكم كالأجير السوء إن لم يعط أجرا لم يعمل ولا ~~كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل (1) # وأما السبب الخامس للحب فهو المناسبة والمشاكلة لأن شبه الشيء منجذب إليه ~~والشكل إلى الشكل أميل # ولذلك ترى الصبي يألف الصبي والكبير يألف الكبير ويألف الطير نوعه وينفر ~~من غير نوعه وأنس العالم بالعالم أكثر منه بالمحترف وأنس النجار بالنجار ~~أكثر من أنسه بالفلاح وهذا أمر تشهد به التجربة وتشهد له الأخبار والآثار ~~كما استقصيناه في باب الأخوة في الله من كتاب آداب الصحبة فليطلب منه # وإذا كانت المناسبة سبب المحبة فالمناسبة قد تكون في معنى ظاهر كمناسبة ~~الصبي الصبى في معنى الصبا وقد يكون خفيا حتى لا يطلع عليه كما ترى من ~~الاتحاد الذي يتفق بين شخصين من غير ملاحظة جمال أو طمع في مال أو غيره كما ~~أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال الأرواح جنود مجندة فما تعارف ~~منها ائتلف وما تناكر منها اختلف فالتعارف هو التناسب والتناكر هو التباين ~~وهذا السبب أيضا يقتضي حب الله تعالى لمناسبة باطنة لا ترجع إلى المشابهة ~~في الصور والأشكال بل إلى معان ms2361 باطنة يجوز أن يذكر بعضها في الكتب وبعضها ~~لا يجوز أن يسطر بل يترك تحت غطاء الغبرة حتى يعثر عليه السالكون للطريق ~~إذا استكملوا شرط السلوك # فالذي يذكر هو قرب العبد من ربه عز وجل في الصفات التي أمر فيها ~~بالاقتداء والتخلق بأخلاق الربوبية حتى قيل تخلقوا بأخلاق الله وذلك في ~~اكتساب محامد الصفات التي هي من صفات الإلهية من العلم والبر والإحسان ~~واللطف وإفاضة الخير والرحمة على الخلق والنصيحة لهم وإرشادهم إلى الحق ~~ومنعهم من الباطل إلى غير ذلك من مكارم الشريعة فكل ذلك يقرب إلى الله ~~سبحانه وتعالى لا بمعنى طلب القرب بالمكان بل بالصفات # وأما ما لا يجوز أن يسطر في الكتب من المناسبة الخاصة التي اختص بها ~~الآدمي فهى التى يومىء إليها قوله تعالى ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ~~ربي إذ بين أنه أمر رباني خارج عن حد عقول الخلق وأوضح من ذلك قوله تعالى ~~فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ولذلك أسجد له ملائكته ويشير إليه قوله تعالى ~~إنا جعلناك خليفة في الأرض إذ لم يستحق آدم خلافة الله تعالى إلا بتلك ~~المناسبة وإليه يرمز قوله صلى الله عليه وسلم PageV04P306 # إن الله خلق آدم على صورته (1) حتى ظن القاصرون أن لا صورة إلا الصورة ~~الظاهرة المدركة بالحواس فشبهوا وجسموا وصوروا تعالى الله رب العالمين عما ~~يقول الجاهلون علوا كبيرا وإليه الإشارة بقوله تعالى لموسى عليه السلام ~~مرضت فلم تعدني فقال يا رب وكيف ذلك قال مرض عبدي فلان فلم تعده ولو عدته ~~وجدتني عنده (2) وهذه المناسبة لاتظهر إلا بالمواظبة على النوافل بعد إحكام ~~الفرائض كما قال الله تعالى لا يزال يتقرب العبد إلي بالنوافل حتى أحبه ~~فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ~~(3) وهذا موضع يجب قبض عنان القلم فيه فقد تحزب الناس فيه إلى قاصرين مالوا ~~إلى التشبيه الظاهر وإلى غالين مسرفين جاوزوا حد المناسبة إلى الاتحاد ~~وقالوا بالحلول حتى قال بعضهم أنا الحق ms2362 وضل النصارى في عيسى عليه السلام ~~فقالوا هو الإله وقال آخرون منهم تذرع الناسوت باللاهوت وقال آخرون اتحد به ~~وأما الذين انكشف لهم استحالة التشبيه والتمثيل واستحالة الانحاد والحلول ~~واتضح لهم مع ذلك حقيقة السر فهم الأقلون ولعل أبا الحسن النوري عن هذا ~~المقام كان ينظر إذا غلبه الوجد في قول القائل # لازلت أنزل من ودادك منزلا ... تتحير الألباب عند نزوله # فلم يزل يعدو في وجده على أجمة قد قطع قصبها وبقي أصوله حتى تشققت قدماه ~~وتورمتا مات من ذلك وهذا هوأعظم أسباب الحب وأقواها وهو أعزها وأبعدها ~~وأقلها وجودا فهذه هي المعلومة من أسباب الحب وجملة ذلك متظاهرة في حق الله ~~تعالى تحقيقا لا مجانا وفي أعلى الدرجات لا في أدناها فكان المعقول المقبول ~~عند ذوي البصائر حب الله تعالى فقط كما أن المعقول الممكن عند العميان حب ~~غير الله تعالى فقط ثم كل من يحب من الخلق بسبب من هذه الأسباب يتصور أن ~~يحب غير لمشاركته إياه في السبب والشركة نقصان في الحب وغض من كماله ولا ~~ينفرد أحد بوصف محبوب إلا وقد يوجد له شريك فيه فإن لم يوجد فيمكن أن يوجد ~~إلا الله تعالى فإنه موصوف بهذه الصفات التي هي نهاية الجلال والكمال ولا ~~شريك له في ذلك وجودا ولا يتصور أن يكون ذلك إمكانا فلا جرم لا يكون في حبه ~~شركة فلا يتطرق النقصان إلى حبه كما لا تتطرق الشركة إلى صفاته فهو المستحق ~~إذا لأصل المحبة ولكمال المحبة استحقاقا لا يساهم فيه أصلا ### ||| بيان أن أجل اللذات وأعلاها معرفة الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم وأنه لا يتصور أن لا يؤثر عليها لذة أخرى إلا من حرم هذه اللذة # اعلم أن اللذات تابعة للإدراكات والإنسان جامع لجملة من القوى والغرائز ~~ولكل قوة وغريزة لذة ولذتها في نيلها المقتضي طبعها الذي خلقت له فإن هذه ~~الفرائز ما ركبت في الإنسان عبثا بل ركبت كل قوة وغريزة لأمر من الأمور هو ~~مقتضاها بالطبع فغريزة الغضب خلقت ms2363 للنشفى والانتقام فلا جرم لذتها في ~~الغلبة والانتقام الذي هو مقتضى طبعها وغريزة شهوة الطعام مثلا خلقت لتحصيل ~~الغذاء الذي به القوام فلا جرم لذتها في نيل هذا الغذاء الذي هو مقتضى ~~طبعها وكذلك لذة السمع والبصر والشم في الإبصار والاستماع والشم فلا تخلو ~~غريزة من هذه الغرائز عن ألم ولذة بالإضافة إلى مدركاتها فكذلك في القلب ~~غريزة تسمى النور الإلهي لقوله تعالى أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على ~~نور من ربه وقد تسمى العقل وقد تسمى البصيرة الباطنة وقد تسمى PageV04P307 # نور الإيمان واليقين ولا معنى للاشتغال بالأسامي فإن الاصطلاحات مختلفة ~~والضعيف يظن أن الاختلاف واقع في المعاني لأن الضعيف يطلب المعاني من ~~الألفاظ وهو عكس الواجب فالقلب مفارق لسائر أجزاء البدن بصفة بها يدرك ~~المعاني التي ليست متخيلة ولا محسوسة كإدراكه خلق العالم أو افتقاره إلى ~~خالق قديم مدبر حكيم موصوف بصفات إلهية ولنسم تلك الغريزة عقلا بشرط أن لا ~~يفهم من لفظ العقل ما يدرك به طرق المجادلة والمناظرة فقد اشتهر اسم العقل ~~بهذا ولهذا ذمه بعض الصوفية وإلا فالصفة التي فارق الإنسان بها البهائم ~~وبها يدرك معرفة الله تعالى أعز الصفات فلا ينبغي أن تذم وهذه الغريزة خلقت ~~ليعلم بها حقائق الأمور كلها فمقتضى طبعها المعرفة والعلم وهي لذتها كما أن ~~مقتضى سائر الغرائز هو لذتها وليس يخفى أن في العلم والمعرفة لذة حتى إن ~~الذي ينسب إلى العلم والمعرفة ولو في شيء خسيس يفرح به والذي ينسب إلى ~~الجهل ولو في شيء حقير يغتم به وحتى أن الإنسان لا يكاد يصبر عن التحدي ~~بالعلم والتمدح به في الأشياء الحقيرة فالعالم باللعب بالشطرنج على خسته لا ~~يطيق السكوت فيه عن التعليم وينطلق لسانه بذكر ما يعلمه وكل ذلك لفرط لذة ~~العلم وما يستشعره من كمال ذاته به فإن العلم من أخص صفات الربوبية وهي ~~منتهى الكمال ولذلك يرتاح الطبع إذا أثني عليه بالذكاء وغزارة العلم لأنه ~~يستشعر عند سماع الثناء كمال ذاته وكمال علمه فيعجب بنفسه ms2364 ويلتذ به ثم ليست ~~لذة العلم بالحراثة والخياطة كلذة العلم بسياسة الملك وتدبير أمر الخلق ولا ~~لذة العلم بالنحو والشعر كلذة العلم بالله تعالى وصفاته وملائكته وملكوت ~~السموات والأرض بل لذة العلم بقدر شرف العلم وشرف العلم بقدر شرف المعلوم ~~حتى إن الذي يعلم بواطن أحوال الناس ويخبر بذلك يجد له لذة وإن جهله تقاضاه ~~طبعه أن يفحص عنه فإن علم بواطن أحوال رئيس البلد وأسرار تدبيره في رياسته ~~كان ذلك ألذ عنده وأطيب من علمه بباطن حال فلاح أو حائك فإن اطلع على أسرار ~~الوزير وتدبيره وما هو عازم عليه في أمور الوزارة فهو أشهى عنده وألذ من ~~علمه بأسرار الرئيس فإن كان خبيرا بباطن أحوال الملك والسلطان الذي هو ~~المستولى على الوزير كان ذلك أطيب عنده وألذ من علمه بباطن أسرار الوزير ~~وكان تمدحه بذلك وحرصه عليه وعلى البحث عنه أشد وحبه له أكثر لأن لذته فيه ~~أعظم # فهذا استبان أن ألذ المعارف أشرفها وشرفها بحسب شرف المعلوم فإن كان في ~~المعلومات ما هو الأجل والأكمل والأشرف والأعظم فالعلم به ألذ العلوم لا ~~محالة وأشرفها وأطيبها # وليت شعري هل في الوجود شئ أجل وأعلى وأشرف وأكمل وأعظم من خالق الأشياء ~~كلها ومكملها ومزينها ومبدئها ومعيدها ومدبرها ومرتبها وهل يتصور أن تكون ~~حضرة في الملك والكمال والجمال والبهاء والجلال أعظم من الحضرة الربانية ~~التي لا يحيط بمبادي جلالها وعجائب أحوالها وصف الواصفين فإن كنت لا تشك في ~~ذلك فلا ينبغي أن تشك في أن الإطلاع على أسرار الربوبية والعلم بترتب ~~الأمور الإلهية المحيطة بكل الموجودات هو أعلى أنواع المعارف والاطلاعات ~~وألذها وأطيبها وأشهاها وأحرى ما تستشعر به النفوس عند الاتصاف به كمالها ~~وجمالها وأجدر ما يعظم به الفرح والارتياح والاستبشار وبهذا تبين أن العلم ~~لذيذ وأن ألذ العلوم العلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله وتدبيره في مملكته ~~من منتهى عرشه إلى تخوم الأرضين فينبغي أن يعلم أن لذة المعرفة أقوى من ~~سائر اللذات أعني لذة الشهوات والغضب ولذة سائر الحواس ms2365 الخمس فإن اللذات ~~مختلفة بالنوع أولا كمخالفة لذة الوقاع للذة السماع ولذة المعرفة للذة ~~الرياسة # وهي مختلفة بالضعف والقوة كمخالفة لذة الشبق المغتلم من الجماع للذة ~~الفاتر للشهوة وكمخالفة لذة النظر إلى الوجه الجميل الفائق الجمال للذة ~~النظر إلى ما دونه في الجمال وإنما تعرف أقوى PageV04P308 # اللذات بأن تكون مؤثرة على غيرها فإن المخير بين النظر إلى صورة جميلة ~~والتمتع بمشاهدتها وبين استنشاق روائح طيبة إذا اختار النظر إلى الصورة ~~الجميلة علم أنها ألذ عنده من الروائح الطيبة وكذلك إذا حضر الطعام وقت ~~الأكل واستمر اللاعب بالشطرنج على اللعب وترك الأكل فيعلم به أن لذة الغلبة ~~في الشطرنج أقوى عنده من لذة الاكل # فهذا معيا صادق في الكشف عن ترجيح اللذات فنعود ونقول # اللذات تنقسم إلى ظاهرة كلذة الحواس الخمس وإلى باطنة كلذة الرياسة ~~والغلبة والكرامة والعلم وغيرها إذ ليست هذه اللذة للعين ولا للأنف ولا ~~الأذن ولا للمس ولا للذوق والمعاني الباطنة أغلب على ذوي الكمال من اللذات ~~الظاهرة فلو خير الرجل بين لذة الدجاج السمين واللوزينج وبين لذة الرياسة ~~وقهر الأعداء ونيل درجة الاستيلاء فإن كان المخير خسيس الهمة ميت القلب ~~شديد النهمة اختار اللحم والحلاوة وإن كان على الهمة كامل العقل اختار ~~الرياسة وهان عليه الجوع والصبر عن ضرورة القوت أياما كثيرة فاختياره ~~للرياسة يدل على أنها ألذ عنده من الطعومات الطيبة نعم الناقص الذي لم تكمل ~~معانيه الباطنة بعد كالصبي أو كالذي ماتت قواه الباطنة كالمعتوه لا يبعد أن ~~يؤثر لذة المطعومات على لذة الرياسة وكما أن لذة الرياسة والكرامة أغلب ~~اللذات على من جاوز نقصان الصبا والعته فلذة معرفة الله تعالى ومطالعة جمال ~~حضرة الربوبية والنظر إلى أسرار الأمور الإلهية ألذ من الرياسة التي هي ~~أعلى اللذات الغالبة على الخلق وغاية العبارة عنه أن يقال فلا تعلم نفس ما ~~أخفي لهم من قرة أعين وأنه أعد لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولاخطر على ~~قلب بشر وهذا الآن لا يعرفه إلا من ذاق ms2366 اللذتين جميعا فإنه لا محالة يؤثر ~~التبتل والتفرد والفكر والذكر وينغمس في بحار المعرفة ويترك الرياسة ~~ويستحقر الخلق الذين يرأسهم لعلمه بفناء رياسته وفناء من عليه رياسته وكونه ~~مشوبا بالكدورات التي لا يتصور الخلو عنها وكونه مقطوعا بالموت الذي لا بد ~~من إتيانه مهما أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها ~~فيستعظم بالإضافة إليها لذة معرفة الله ومطالعة صفاته وأفعاله ونظام مملكته ~~من أعلى عليين إلى أسفل السافلين فإنها خالية من المزاحمات والمكدرات متسعة ~~للمتواردين عليها لا تضيق عنهم بكبرها وإنما عرضها من حيث التقدير السموات ~~والأرض وإذا خرج النظر عن المقدرات فلا نهاية لعرضها فلا يزال العارف ~~بمطالعتها في جنة عرضها السموات والأرض يرتع في رياضها ويقطف من ثمارها ~~ويكرع من حياضها وهو آمن من انقطاعها إذ ثمار هذه الجنة غير مقطوعة ولا ~~ممنوعة ثم هي أبدية سرمدية لا يقطعها الموت إذ الموت لا يهدم محل معرفة ~~الله تعالى ومحلها الروح الذي هو أمر رباني سماوي وإنما الموت بغير أحوالها ~~ويقطع شواغلها وعوائقها ويخليها من حبسها فأما أن يعدمها فلا ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتهم ~~الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم الآية # ولا تظنن أن هذا مخصوص بالمقتول في المعركة فإن للعارف بكل نفس درجة ألف ~~شهيد وفي الخبر إن الشهيد يتمنى في الآخرة أن يرد إلى الدنيا فيقتل مرة ~~أخرى لعظم ما يراه من ثواب الشهادة وإن الشهداء يتمنون لو كانوا علماء لما ~~يرونه من علو درجة العلماء (1) # فإذن جميع أقطار ملكوت السموات والأرض ميدان العارف يتبوأ منه حيث يشاء ~~من غير حاجة إلى أن يتحرك إليها بجسمه وشخصه فهو من مطالعة جمال الملكوت في ~~جنة عرضها السموات والأرض وكل عارف فله مثلها من غير أن يضيق بعضهم على بعض ~~أصلا إلا أنهم يتفاوتون في سعة منتزهاتهم بقدر تفاوتهم في اتساع نظرهم ~~PageV04P309 # وسعة معارفهم وهم درجات عند الله ولا يدخل في ms2367 الحصر تفاوت درجاتهم فقد ~~ظهر أن لذة الرياسة وهي باطنة أقوى في ذوي الكمال من لذات الحواس كلها وأن ~~هذه اللذة لا تكون لبهيمة ولا لصبي ولا لمعتوه وأن لذة المحسوسات والشهوات ~~تكون لذوي الكمال مع لذة الرياسة ولكن يؤثرون الرياسة فأما معنى كون معرفة ~~الله وصفاته وأفعاله وملكوت سمواته وأسرار ملكه أعظم لذة من الرياسة فهذا ~~يختص بمعرفته من نال رتبة المعرفة وذاقها ولا يمكن إثبات ذلك عند من لا قلب ~~له لأن القلب معدن هذه القوة كما أنه لا يمكن إثبات رجحان لذة الوقاع على ~~لذة اللعب بالصولجان عند الصبيان ولا رجحانه على لذة شم البنفسج عند العنين ~~لأنه فقد الصفة التي بها تدرك هذه اللذة ولكن من سلم من آفة العنة وسلم ~~حاسة شمه أدرك التفاوت بين اللذتين وعند هذا لا يبقى إلا أن يقال من ذاق ~~عرف # ولعمري طلاب العلوم وإن لم يشتغلوا بطلب معرفة الأمور الإلهية فقد ~~استنشقوا رائحة هذه اللذة عند انكشاف المشكلات وانحلال الشبهات التي قوى ~~حرصهم على طلبها فإنها أيضا معارف وعلوم وإن كانت معلوماتها غير شريفة شرف ~~المعلومات الإلهية فأما من طال فكره في معرفة الله سبحانه وقد انكشف له من ~~أسرار ملك الله ولو الشئ اليسير فإنه يصادف في قلبه عند حصول الكشف من ~~الفرح ما يكاد يطير به ويتعجب من نفسه في ثباته واحتماله لقوة فرحه وسروره ~~وهذا مما لا يدرك إلا بالذوق والحكاية فيه قليلة الجدوى # فهذا القدر ينبهك على أن معرفة الله سبحانه ألذ الأشياء وأنه لا لذة ~~فوقها # ولهذا قال أبو سليمان الداراني إن لله عبادا ليس يشغلهم عن الله خوف ~~النار ولا رجاء الجنة فكيف تشغلهم الدنيا عن الله ولذلك قال بعض إخوان ~~معروق الكرخي له أخبرني يا أبا محفوظ أي شئ هاجك إلى العبادة والانقطاع عن ~~الخلق فسكت فقال ذكر الموت فقال وأي شئ الموت فقال ذكر القبر والبرزخ فقال ~~وأى شئ القبر فقال خوف النار ورجاء الجنة فقال وأي شئ هذا إن ملكا ms2368 هذا كله ~~بيده إن أحببته أنساك جميع ذلك وإن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا # وفي أخبار عيسى عليه السلام إذا رأيت الفتى مشغوفا بطلب الرب تعالى فقد ~~ألهاه ذلك عما سواه # ورأى بعض الشيوخ بشر بن الحارث في النوم فقال ما فعل أبو نصر التمار وعبد ~~الوهاب الوراق فقال تركتهما الساعة بين يدي الله تعالى يأكلان ويشربان قلت ~~فأنت قال علم الله قلة رغبتي في الأكل والشرب فأعطاني النظر إليه # وعن علي بن الموفق قال رأيت في النوم كأني أدخلت الجنة فرأيت رجلا قاعدا ~~على مائدة وملكان عن يمينه وشماله يلقمانه من جميع الطيبات وهو يأكل ورأيت ~~رجلا قائما على باب الجنة يتصفح وجوه الناس فيدخل بعضا ويرد بعضا قال ثم ~~جاوزتهما إلى حديقة القدس فرأيت في سرادق العرش رجلا قد شخص ببصره ينظر إلى ~~الله تعالى لا يطرف فقلت لرضوان من هذا قال معروف الكرخي عبد الله لا خوفا ~~من ناره ولا شوقا إلى جنته بل حبا له فأباحه النظر إليه إلى يوم القيامة # وذكر أن الآخرين بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل ولذلك قال أبو سليمان من ~~كان اليوم مشغولا بنفسه فهو غدا مشغول بنفسه ومن كان اليوم مشغولا بربه فهو ~~عذا مشغول بربه # وقال الثوري لرابعة ما حقيقة إيمانك قالت ما عبدته خوفا من ناره ولا حبا ~~لجنته فأكون كالأجير السوء بل عبدته حبا له وشوقا إليه وقالت في معنى ~~المحبة نظما # أحبك حبين حب الهوى ... وحبا لأنك أهل لذاكا # فأما الذي هو حب الهوى ... فشغلي بذكرك عمن سواكا # وأما الذي أنت أهل له ... فكشفك لي الحجب حتى أراكا PageV04P310 # فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا ولعلها أرادت ~~بحب الهوى حب الله لإحسانه إليها وإنعامه عليها بحظوظ العاجلة وبحبه لما هو ~~أهل له الحب لجماله وجلاله الذي انكشف لها وهو أعلى الحبين وأقواهما ولذة ~~مطالعة جمال الربوبية هي التي عبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ~~قال ms2369 حاكيا عن ربه تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر (1) وقد تعجل بعض هذه اللذات في الدنيا لمن انتهى صفاء ~~قلبه إلى الغاية ولذلك قال بعضهم إني أقول يا رب يا الله فأجد ذلك على قلبي ~~أثقل من الجبال لأن النداء يكون من وراء حجاب وهل رأيت جليسا ينادي جليسه ~~وقال إذا بلغ لارجل في هذا العلم الغاية رماه الخلق بالحجارة أي يخرج كلامه ~~عن حد عقولهم فيرون ما يقوله جنونا أو كفرا # فمقصد العارفين كلهم وصله ولقاؤه فقط فهي قرة العين التي لا تعلم نفس ما ~~أخفى لهم منها وإذا حصلت انمحقت الهموم والشهوات كلها وصار القلب مستغرقا ~~بنعيمها فلو ألقي في النار لم يحس بها لاستغراقه ولو عرض عليه نعيم الجنة ~~لم يلتفت إليه لكمال نعيمه وبلوغه الغاية التي ليس فوقها غاية وليت شعر من ~~لم يفهم إلا حب المحسوسات كيف يؤمن بلذة النظر إلى وجه الله تعالى وماله ~~صورة ولا شكل وأي معنى لو عد الله تعالى به عباده وذكره أنه أعظم النعم بل ~~من عرف الله عرف أن اللذات المفرقة بالشهوات المختلفة كلها تنطوي تحت هذه ~~اللذة كما قال بعضهم # كانت لقلبي أهواء مفرقة ... فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي # فصار يحسدني من كنت أحسده ... وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي # تركت للناس دنياهم ودينهم ... شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي # ولذلك قال بعضهم # وهجره أعظم من ناره ... ووصله أطيب من جنته # وما أرادوا بهذا إلا إيثار لذة القلب في معرفة الله تعالى على لذة الأكل ~~والشرب والنكاح فإن الجنة معدن تمتع الحواس فأما القلب فلذته في لقاء الله ~~فقط # ومثال أطوار الخلق في لذتهم ما نذكره وهو أن الصبي في أول حركته وتمييزه ~~يظهر فيه غريزة بها يستلذ اللعب واللهو حتى يكون ذلك عنده ألذ من سائر ~~الأشياء ثم يظهر بعده لذة الزينة ولبس الثياب وركوب الدواب فيستحقر معها ~~لذة اللعب ثم يظهر بعده لذة الوقاع وشهوة النساء ms2370 فيترك بها جميع ما قبلها ~~في الوصول إليها ثم تظهر لذة الرياسة والعلو والتكاثر وهي آخر لذات الدنيا ~~وأعلاها وأقواها كما قال تعالى اعلمواأنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر بينكم وتكاثر الآية # ثم بعد هذا تظهر غريزة أخرى يدرك بها لذة معرفة الله تعالى ومعرفة أفعاله ~~فيستحقر معها جميع ما قبلها فكل متأخر فهو أقوى وهذا هو الأخير إذ يظهر حب ~~اللعب في سن التمييز وحب النساء والزينة في سن البلوغ وحب الرياسة بعد ~~العشرين وحب العلوم بقرب الأربعين وهي الغاية العليا وكما أن الصبي يضحك ~~على من يترك اللعب ويشتغل بملاعبة النساء وطلب الرياسة فكذلك الرؤساء ~~يضحكون على من يترك الرياسة ويشتغل بمعرفة الله تعالى والعارفون يقولون إن ~~تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون PageV04P311 ### ||| بيان السبب في زيادة النظر في لذة الآخرة على المعرفة في الدنيا # اعلم أن المدركات تنقسم إلى ما يدخل في الخيال كالصور المتخيلة والأجسام ~~المتلونة والمتشكلة من أشخاص الحيوان والنبات وإلى مالا يدخل في الخيال ~~كذات الله تعالى وكل ما ليس بجسم كالعلم والقدرة والإرادة وغيرها # ومن رأى إنسانا ثم غض بصره وجد صورته حاضرة في خياله كأنه ينظر إليها ~~ولكن إذا فتح العين وأبصر أدرك تفرقة بينهما ولا ترجع التفرقة إلى اختلاف ~~بين الصورتين لأن الصورة المرئية تكون موافقة للمتخيلة وإنما الافتراق ~~بمزيد الوضوح والكشف فإن صورة المرئي صارت بالرؤية أتم انكشافا ووضوحا وهو ~~كشخص يرى في وقت الإسفار قبل انتشار ضوء النهار ثم رؤى عند تمام الضوء فإنه ~~لا تفارق إحدى الحالتين الأخرى إلا في مزيد الانكشاف # فإذن الخيال أول الإدراك والرؤية هو الاستكمال لإدراك الخيال وهو غاية ~~الكشف وسمي ذلك رؤية لأنه غاية الكشف لا لأنه في العين بل لو خلق الله هذا ~~الإدراك الكامل المكشوف في الجبهة أو الصدر مثلا استحق أن يسمى رؤية وإذا ~~فهمت هذا في المتخيلات فاعلم أن المعلومات التي لا تتشكل أيضا في الخيال ~~لمعرفتها وإدراكها درجتان إحداهما {أولى} والثانية استكمال لها # وبين ms2371 الأولى والثانية من التفاوت في مزيد الكشف والإيضاح ما بين المتخيل ~~والمرئي فيسمى الثاني أيضا بالإضافة إلى الأول مشاهدة ولقاء ورؤية وهذه ~~التسمية حق لأن الرؤية سميت رؤية لأنها غاية الكشف وكما أن سنة الله تعالى ~~جارية بأن تطبيق الأجفان يمنع من تمام الكشف بالرؤية ويكون حجابا بين البصر ~~والمرئي ولا بد من ارتفاع الحجب لحصول الرؤية وما لم ترتفع كان الإدراك ~~الحاصل مجرد التخيل فكذلك مقتضى سنة الله تعالى أن النفس ما دامت محجوبة ~~بعوارض البدن ومقتضى الشهوات وما غلب عليها من الصفات البشرية فإنها لا ~~تنتهي إلى المشاهدة واللقاء في المعلومات الخارجة عن الخيال بل هذه الحياة ~~حجاب عنها بالضرورة كحجاب الأجفان عن روية الأبصار # والقول في سبب كونها حجابا يطول ولا يليق بهذا العلم # ولذلك قال تعالى لموسى عليه السلام لن تراني وقال تعالى لا تدركه الأبصار ~~أي في الدنيا والصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى الله تعالى ~~ليلة المعراج (1) فإذا ارتفع الحجاب بالموت بقيت النفس ملوثة بكدورات ~~الدنيا غير منفكة عنها بالكلية وإن كانت متفاوتة فمنها ما تراكم عليه الخبث ~~والصدأ فصار كالمرآة التي فسد بطول تراكم الخبث جوهرها فلا تقبل الإصلاح ~~والتصقيل وهؤلاء هم المحجوبون عن ربهم أبد الآباد نعوذ بالله من ذلك ومنها ~~ما لم ينته إلى حد الرين والطبع ولم يخرج عن قبول التزكية والتصقيل فيعرض ~~على النار عرضا يقمع منه الخبث الذي هو متدنس به ويكون العرض على النار ~~بقدر الحاجة إلى التزكية وأقلها لحظة خفيفة وأقصاها في حق المؤمنين كما ~~وردت به الأخبار سبعة آلاف سنة (2) ولن ترتحل نفس عن PageV04P312 # هذا العالم إلا ويصحبها غبرة وكدورة ما وإن قلت ولذلك قال الله تعالى وإن ~~منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين ~~فيها جثيا فكل نفس مستيقنة للورود على النار وغير مستيقنة للصدور عنها فإذا ~~أكمل الله تطهيرها وتزكيتها وبلغ الكتاب أجله ووقع الفراغ عن جملة ما وعد ~~به الشرع من ms2372 الحساب والعرض وغيره ووافى استحقاق الجنة وذلك وقت مبهم لم ~~يطلع الله عليه أحدا من خلقه فإنه واقع بعد القيامة ووقت القيامة مجهول ~~فعند ذلك يشتغل بصفائه ونقائه عن الكدورات حيث لا يرهق وجهه غبرة ولا قترة ~~لأن فيه يتجلى الحق سبحانه وتعالى فيتجلى له تجليا يكون انكشاف تجليه ~~بالإضافة إلى ما علمه كانكشاف تجلي المرآة بالإضافة إلى ما تخيله # وهذه المشاهدة والتجلي هي التي تسمى رؤية فإذن الرؤية حق بشرط أن لا يفهم ~~من الرؤية استكمال الخيال في متخيل متصور مخصوص بجهة ومكان فإن ذلك مما ~~يتعالى عنه رب الأرباب علوا كبيرا بل كما عرفته في الدنيا معرفة حقيقية ~~تامة من غير تخيل وتصور وتقدير شكل وصورة فتراه في الآخرة كذلك # بل أقول المعرفة الحاصلة في الدنيا بعينها هي التي تستكمل فتبلغ كمال ~~الكشف والوضوح وتنقلب مشاهدة ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في ~~الدنيا اختلاف إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح كما ضربناه من المثال في ~~استكمال الخيال بالرؤية # فإذا لم يكن في معرفة الله تعالى إثبات صورة وجهه فلا يكون في استكمال ~~تلك المعرفة بعينها وترقيها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضا جهة وصورة لأنها ~~هي بعينها لا تفترق منها إلا في زيادة الكشف كما أن الصورة المرئية هي ~~المتخيلة بعينها إلا في زيادة الكشف وإليه الإشارة بقوله تعالى يسعى نورهم ~~بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا إذ تمام النور لا يؤثر ~~إلا في زيادة الكشف ولهذا لا يفوز بدرجة النطر والرؤية إلا العارفون في ~~الدنيا لأن المعرفة هي البذر الذي ينقلب في الآخرة مشاهدة كما تنقلب النواة ~~شجرة والحب زرعا ومن لا نواة في أرضه كيف يحصل له نخل ومن لم يزرع الحب ~~فكيف يحصد الزرع فكذلك من لم يعرف الله تعالى في الدنيا فكيف يراه في ~~الآخرة ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلي أيضا على درجات ~~متفاوتة فاختلاف التجلي بالإضافة إلى اختلاف المعارف كاختلاف النبات ~~بالإضافة إلى اختلاف البذر إذ ms2373 تختلف لا محالة بكثرتها وقلتها وحسنها وقوتها ~~وضعفها ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يتجلى للناس عامة ولأبي ~~بكر خاصة (1) فلا ينبغي أن يظن أن غير أبي بكر ممن هو دونه يجد من لذة ~~النظر والمشاهدة ما يجده أبو بكر بل لا يجد إلا عشر عشيره إن كانت معرفته ~~في الدنيا عشر عشيره ولما فضل من الناس بسر وقر في صدره فضل لا محالة بتدل ~~انفرد به وكما أنك ترى في الدنيا من يؤثر لذة الرياسة على المطعوم والمنكوح ~~وترى من يؤثر لذة العلم وانكشاف مشكلات ملكوت السموات والأرض وسائر الأمور ~~الإلهية على الرياسة وعلى المنكوح والمطعوم والمشروب جميعا فكذلك يكون في ~~الآخرة قوم يؤثرون لذة النظر إلى وجه الله تعالى على نعيم الجنة إذ يرجع ~~نعيمها إلى المطعوم والمنكوح وهؤلاء بعينهم هم الذين حالهم في الدنيا ما ~~وصفنا من إيثار لذة العلم والمعرفة والإطلاع على أسرار الربوبية على لذة ~~المنكوح والمطعوم والمشروب وسائر الخلق مشغولون به # ولذلك لما قيل لرابعة ما تقولين في الجنة فقال الجار ثم الدار # فبينت أنه ليس في قلبها التفات إلى الجنة بل إلى رب الجنة # وكل من لم يعرف الله في الدنيا فلا يراه PageV04P313 # في الآخرة وكل من لم يجد لذة المعرفة في الدنيا فلا يجد لذة النظر في ~~الآخرة إذ ليس يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه من الدنيا ولا يحصد أحد ~~إلا ما زرع ولا يحشر المرء إلا على ما مات عليه ولا يموت إلا على ما عاش ~~عليه فما صحبه من المعرفة هو الذي يتنعم به بعينه فقط إلا أنه ينقلب مشاهدة ~~بكشف الغطاء فتتضاعف اللذة به كما تتضاعف لذة العاشق إذا استبدل بخيال صورة ~~المعشوق رؤية صورته فإن ذلك منتهى لذته وإنما طيبة الجنة أن لكل أحد فيها ~~ما يشتهي فمن لا يشتهي إلا لقاء الله تعالى فلا لذة له في غيره بل ربما ~~يتأذى به # فإذن نعيم الجنة بقدر حب الله تعالى وحب الله تعالى ms2374 بقدر معرفته فأصل ~~السعادات هي المعرفة التي عبر الشرع عنها بالإيمان # فإن قلت فلذة الرؤية إن كان لها نسبة إلى لذة المعرفة فهي قليلة وإن كان ~~أضعافها لأن لذة المعرفة في الدنيا ضعيفة فتضاعفها إلى حد قريب لا ينتهي في ~~القوة إلى أن يستحقر سائر لذات الجنة فيها فاعلم أن هذا الاستحقار للذة ~~المعرفة صدر من الخلو عن المعرفة فمن خلا عن المعرفة كيف يدرك لذتها وإن ~~انطوى على معرفة ضفيفة وقلبه مشحون بعلائق الدنيا فكيف يدرك لذتها ~~فللعارفين في معرفتهم وفكرتهم ومناجاتهم لله تعالى لذات لو عرضت عليهم ~~الجنة في الدنيا بدلا عنها لم يستبدلوا بها لذة الجنة ثم هذه اللذة مع ~~كمالها لا نسبة لها أصلا إلى لذة اللقاء والمشاهدة كما لا نسبة للذة خيال ~~المعشوق إلى رؤيته ولا لذة استنشاق روائح الأطعمة الشهية إلى ذوقها ولا ~~للذة اللمس باليد إلى لذة الوقاع # وإظهار عظم التفاوت بينهما لا يمكن إلا بضرب مثال فنقول لذة النظر إلى ~~وجه المعشوق في الدنيا تتفاوت بأسباب أحدهما كمال جمال المعشوق ونقصانه فإن ~~اللذة في النظر إلى الأجمل أكمل لا محالة # والثاني كمال قوة الحب والشهوة والعشق فليس التذاذ من اشتد عشقه كالتذاذ ~~ضعفت شهوته وحبه # والثالث كمال الإدراك فليس التذاذ برؤية المعشوق في ظلمة أو من وراء ستر ~~رقيق أو من بعده كالتذاذه بإدراكه على قرب من غير ستر وعند كمال الضوء ولا ~~إدراك لذة المضاجعة مع ثوب حائل كإدراكها مع التجرد # والرابع اندفاع العوائق المشوشة والآلام الشاغلة للقلب فليس التذاذ ~~الصحيح الفارغ المتجرد للنظر إلى المعشوق كالتذاذ الخائف المذعور أو المريض ~~المتألم أو المشغول قلبه بمهم من المهمات # فقدر عاشقا ضعيف العشق ينظر إلى وجه معشوقه من وراء ستر رقيق على بعد ~~بحيث يمنع انكشاف كنه صورته في حالة اجتمع عليه عقارب وزنابير تؤذيه وتلدغه ~~وتشغل قلبه فهو في هذه الحالة لا يخلو عن لذة ما من مشاهدة معشوقه فلو طرأت ~~على الفجأة حالة انهتك بها الستر وأشرق بها الضوء واندفع ms2375 عنه المؤذيات وبقي ~~سليما فارغا وهجمت عليه الشهوة القوية والعشق المفرط حتى بلغ أقصى الغايات ~~فانظر كيف تتضاعف اللذة حتى لا يبقى للأولى إليها نسبة يعتد بها فكذلك ~~فافهم نسبة لذة النظر إلى لذة المعرفة # فالستر الرقيق مثال البدن والاشتغال به والعقارب والزنابير مثال الشهوات ~~المتسلطة على الإنسان من الجوع والعطش والغضب والغم والحزن وضعف الشهوة ~~والحب مثال لقصور النفس في الدنيا ونقصانها عن الشوق إلى الملأ الأعلى ~~والتفاتها إلى أسفل السافلين وهو مثل قصور الصبي عن ملاحظة لذة الرياسة ~~والتفاته إلى اللعب بالعصفور والعارف وإن قويت في الدنيا معرفته فلا يخلو ~~عن هذه المشوشات ولا يتصور أن يخلو عنها البتة # نعم قد تضعف هذه العوائق في بعض الأحوال ولا تدوم فلا جرم يلوح من جمال ~~المعرفة ما يبهت العقل وتعظم لذته بحيث يكاد القلب يتفطر لعظمته ولكن يكون ~~ذلك PageV04P314 # كالبرق الخاطف وقلما يدوم بل يعرض من الشواغل والأفكار والخواطر ما يشوشه ~~وينغصه وهذه ضرورة دائمة في هذه الحياة الفانية فلا تزال هذه اللذة منغصة ~~إلى الموت وإنما الحياة الطيبة بعد الموت وإنما العيش عيش الآخرة وإن الدار ~~الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون وكل من انتهى إلى هذه الرتبة فإنه يحب ~~لقاء الله تعالى فيحب الموت ولا يكره إلا من حيث ينتظر زيادة استكمال في ~~المعرفة فإن المعرفة كالبذر وبحر المعرفة لا ساحل له فالإحاطة بكنه جلال ~~الله محال فكلما كثرت المعرفة بالله وبصفاته وأفعاله وبأسرار مملكته وقويت ~~كثر النعيم في الآخرة وعظم كما أنه كلما كثر البذر وحسن كثر الزرع وحسن ولا ~~يمكن تحصيل هذا البذر إلا في الدنيا ولا يزرع إلا في صعيد القلب ولا حصاد ~~إلا في الآخرة # ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل السعادات طول العمر في طاعة ~~الله (1) لأن المعرفة إنما تكمل وتكثر وتتسع في العمر الطويل بمداومة الفكر ~~والمواظبة على المجاهدة والانقطاع عن علائق الدنيا والتجرد للطلب ويستدعي ~~ذلك زمانا لا محالة فمن أحب الموت أحبه لأنه رأى نفسه واقفا ms2376 في المعرفة ~~بالغا إلى منتهى ما يسر له ومن كره الموت كرهه لأنه كان يؤمل مزيد معرفة ~~تحصل له بطول العمر ورأى نفسه مقصرا عما تحتمله قوته لو عمر فهذا سبب كراهة ~~الموت وحبه عند أهل المعرفة # وأما سائر الخلق فنظرهم مقصور على شهوات الدنيا إن اتسعت أحبوا البقاء ~~وإن ضاقت تمنوا الموت # وكل ذلك حرمان وخسران مصدره الجهل والغفلة # فالجهل والغفلة مغرس كل شقاوة # والعلم والمعرفة أساس كل سعادة فقد عرفت بما ذكرناه معنى المحبة ومعنى ~~العشق فإنه المحبة المفرطة القوية ومعنى لذة المعرفة ومعنى الرؤية ومعنى ~~لذة الرؤية ومعنى كونها ألذ من سائر اللذات عند ذوي العقول والكمال وإن لم ~~تكن كذلك عند ذوي النقصان كما لم تكن الرياسة ألذ من المطعومات عند الصبيان # فإن قلت فهذه الرؤيا محلها القلب أو العين في الآخرة فاعلم أن الناس قد ~~اختلفوا في ذلك وأرباب البصائر لا يلتفتون إلى هذا الخلاف ولا ينظرون فيه ~~بل العاقل يأكل البقل ولا يسأل عن المبقلة ومن يشتهي رؤية معشوقه يشغله ~~عشقه عن أن يلتفت إلى أن رؤيته تخلق في عينه أو جبهته بل يقصد الرؤيا ~~ولذتها سواء كان ذلك بالعين أو غيرها فإن العين محل وظرف لا نظر إليه ولا ~~حكم له والحق فيه أن القدرة الأزلية واسعة فلا يجوز أن نحكم عليها بالقصور ~~عن أحد الأمرين هذا في حكم الجواز فأما الواقع في الآخرة من الجائزين فلا ~~يدرك إلا بالسمع (2) والحق ما ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ~~ذلك يخلق في العين ليكون لفظ الرؤية والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع ~~مجري على ظاهره إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلا لضرورة والله تعالى أعلم ### ||| بيان الأسباب المقوية لحب الله تعالى # اعلم أن أسعد الخلق حالا في الآخرة أقواهم حبا لله تعالى فإن الآخرة ~~معناها القدوم على الله تعالى ودرك سعادة لقائه وما أعظم نعيم المحب إذا ~~قدم على محبوبه بعد طول شوقه وتمكن من دوام مشاهدته أبد الآباد من ~~PageV04P315 # غير منغص ms2377 ومكدر ومن غير رقيب ومزاحم ومن غير خوف انقطاع إلا أن هذا ~~النعيم على قدر قوة الحب فكلما ازدادت المحبة ازدادت اللذة وإنما يكتسب ~~العبد حب الله تعالى في الدنيا وأصل الحب لا ينفك عنه مؤمن لأنه لا ينفك عن ~~أصل المعرفة وأما قوة الحب واستيلاؤه حتى ينتهي إلى الاستهتار الذي يسمى ~~عشقا فذلك ينفك عنه الأكثرون وإنما يحصل ذلك بسبين أحدهما قطع علائق الدنيا ~~وإخراج حب غير الله من القلب فإن القلب مثل الإناء لا يتسع للخل مثلا ما لم ~~يخرج منه الماء ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وكمال الحب في أن يحب ~~الله عز وجل بكل قلبه # وما دام يلتفت إلى غيره فزاوية من قلبه مشغولة بغيره فبقدر ما يشغل بغير ~~الله ينقص منه حب الله وبقدر ما يبقى من الماء في الإناء ينقص من الخل ~~المصبوب فيه # وإلى هذا التفريد والتجريد الإشارة بقوله تعالى قل الله ثم ذرهم في خوضهم ~~وبقوله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا بل هو معنى قولك لا إله ~~إلا الله أى لا معبود ولا محبوب سواه فكل محبوب فإنه معبود فإن العبد هو ~~المقيد والمعبود هو المقيد به # وكل محب فهو مقيد بما يحبه ولذلك قال الله تعالى أرأيت من اتخذ إلهه هواه ~~وقال صلى الله عليه وسلم أبغض إله عبد في الأرض الهوى ولذلك قال عليه ~~السلام من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة ومعنى الإخلاص أن يخلص قلبه ~~لله فلا يبقى فيه شرك لغير الله فيكون الله محبوب قلبه ومعبود قلبه ومقصود ~~قلبه فقط ومن هذا حاله فالدنيا سجنه لأنها مانعة له من مشاهدة محبوبه وموته ~~خلاص من السجن وقدوم على المحبوب فما حال من ليس له إلا محبوب واحد وقد طال ~~إليه شوقه وتمادى عنه حبسه فخلى من السجن ومكن من المحبوب وروح بالأمن أبد ~~الآباد فأحد أسباب ضعف حب الله في القلوب قوة حب الدنيا ومنه حب الأهل ~~والمال والولد والأقارب ms2378 والعقار والدواب والبساتين والمنتزهات حتى إن ~~المتفرح بطيب أصوات الطيور وروح نسم الأسحار ملتفت إلى نعيم الدنيا ومتعرض ~~لنقصان حب الله تعالى بسببه فبقدر ما أنس بالدنيا فينقص أنسه بالله ولا ~~يؤتى أحد من الدنيا شيئا إلا وينقص بقدره من الآخرة بالضرورة كما أنه لا ~~يقرب الإنسان من المشرق إلا ويبعد بالضرورة من المغرب بقدره ولا يطيب قلب ~~امرأته إلا ويضيق به قلب ضرتها فالدنيا والآخرة ضرتان وهما كالمشرق والمغرب ~~وقد انكشف ذلك لذوي القلوب انكشافا أوضح من الإبصار بالعين وسبيل قلع حب ~~الدنيا من القلب سلوك طريق الزهد وملازمة الصبر والانقياد إليهما بزمام ~~الخوف والرجاء فما ذكرناها من المقامات كالتوبة والصبر والزهد والخوف ~~والرجاء هي مقدمات ليكتسب بها أحد ركني المحبة وهو تخلية القلب عن غير الله ~~وأوله الإيمان بالله واليوم الآخر والجنة والنار ثم يتشعب منه الخوف ~~والرجاء ويتشعب منهما التوبة والصبر عليهما ثم ينجر ذلك إلى الزهد في ~~الدنيا وفي المال والجاه وكل حظوظ الدنيا حتى يحصل من جميعه طهارة القلب عن ~~غير الله فقط حتى يتسع بعده لنزول معرفة الله وحبه فكل ذلك مقدمات تطهير ~~القلب وهو أحد ركني المحبة وإليه الإشارة بقوله عليه السلام الطهور شطر ~~الإيمان (1) كما ذكرناه في أول كتاب الطهارة السبب الثاني لقوة المحبة قوة ~~معرفة الله تعالى واتساعها واستيلاؤها على القلب وذلك بعد تطهير القلب من ~~جميع شواغل الدنيا وعلائقها يجري مجرى وضع البذر في الأرض بعد تنقيتها من ~~الحشيش وهو الشطر الثاني ثم يتولد من هذا البذر شجرة المحبة والمعرفة وهي ~~الكلمة الطيبة التي ضرب الله بها مثلا حيث قال {ضرب الله مثلا كلمة} ~~PageV04P316 # {طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء} وإليها الإشارة بقوله ~~تعالى {إليه يصعد الكلم الطيب} أي المعرفة {والعمل الصالح يرفعه} فالعمل ~~الصالح كالجمال لهذه المعرفة وكالخادم وإنما العمل الصالح كله في تطهير ~~القلب أولا من الدنيا ثم إدامة طهارته فلا يراد العمل إلا لهذه المعرفة ~~وأما العلم بكيفية العمل فيراد للعمل فالعلم هو الأول وهو ms2379 الآخر وإنما ~~الأول علم المعاملة وغرضه العمل وغرض المعاملة صفاء القلب وطهارته ليتضح ~~فيه جلية الحق ويتزين بعلم المعرفة وهو علم المكاشفة ومهما حصلت هذه ~~المعرفة تبعتها المحبة بالضرورة كما أن من كان معتدل المزاج إذا أبصر ~~الجميل وأدركه بالعين الظاهرة أحبه ومال إليه ومهما أحبه حصلت اللذة فاللذة ~~تبع المحبة بالضرورة والمحبة تبع المعرفة بالضرورة ولا يوصل إلى هذه ~~المعرفة بعد انقطاع شواغل الدنيا من القلب إلا بالفكر الصافي والذكر الدائم ~~والجد البالغ في الطلب والنظر المستمر في الله تعالى وفي صفاته وفي ملكوت ~~سمواته وسائر مخلوقاته والواصلون إلى هذه الرتبة ينقسمون إلى الأقوياء ~~ويكون أول معرفتهم بالله تعالى ثم به يعرفون غيره وإلى الضعفاء ويكون أول ~~معرفتهم بالأفعال ثم يترقون منها إلى الفاعل وإلى الأول الإشارة بقوله ~~تعالى أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد وبقوله تعالى {شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو} ومنه نظر بعضهم حيث قيل له بم عرفت ربك قال عرفت ربي ولولا ربي ~~لما عرفت ربي وإلى الثاني الاشارة بقوله تعالى {سنريهم آياتنا في الآفاق ~~وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} الآية وبقوله عز وجل أولم ينظروا في ~~ملكوت السموات والأرض وبقوله تعالى قل انظروا ماذا في السموات والأرض ~~وبقوله تعالى الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ~~فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا ~~وهو حسير وهذا الطريق هو الأسهل على الأكثرين وهو الأوسع على السالكين ~~وإليه أكثر دعوة القرآن عند الأمر بالتدبر والتفكر والاعتبار والنظر في ~~آيات خارجة عن الحصر فإن قلت كلا الطريقين مشكل فأوضح لنا منهما ما يستعان ~~به على تحصيل المعرفة والتوصل به إلى المحبة فاعلم أن الطريق الأعلى هو ~~الاستشهاد بالحق سبحانه على سائر الخلق فهو غامض والكلام فيه خارج عن حد ~~فهم أكثر الخلق فلا فائدة في إيراده في الكتب وأما الطريق الأسهل الأدنى ~~فأكثره غير خارج عن حد الأفهام وإنما ms2380 قصرت الأفهام عنه لإعراضها عن التدبر ~~واشتغالها بشهوات الدنيا وحظوظ النفس والمانع من ذكر هذا اتساعه وكثرته ~~وانشعاب أبوابه الخارجة عن الحصر والنهاية إذ مامن ذرة من أعلى السموات إلى ~~تخوم الأرضين إلا وفيها عجائب آيات تدل على كمال قدرة الله تعالى وكمال ~~حكمته ومنتهى جلاله وعظمته وذلك مما لا يتناهى {قل لو كان البحر مدادا ~~لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} فالخوض فيه انغماس في بحار ~~علوم المكاشفة ولا يمكن أن يتطفل به على علوم المعاملة ولكن يمكن الرمز إلى ~~مثال واحد على الإيجاز ليقع التنبيه لجنسه فنقول أسهل الطريقين النظر إلى ~~الأفعال فلنتكلم فيها ولنترك الأعلى ثم الأفعال الإلهية كثيرة فنطلب أقلها ~~وأحقرها وأصغرها ولننظر في عجائبها فأقل المخلوقات هو الأرض وما عليها أعني ~~بالإضافة إلى الملائكة وملكوت السموات فإنك إن نظرت فيها من حيث الجسم ~~والعظم في الشخص فالشمس على ما ترى من صغر حجمها هي مثل الأرض مائة ونيفا ~~وستين مرة فانظر إلى صغر الأرض بالإضافة إليها ثم انظر إلى صغر الشمس ~~بالإضافة إلى PageV04P317 # فلكها الذي هي مركوزة فيه فإنه لا نسبة لها إليه وهي في السماء الرابعة ~~وهي صغيرة بالإضافة إلى ما فوقها من السموات السبع ثم السموات السبع في ~~الكرسي كخلقة في فلاة والكرسي في العرش كذلك فهذا نظر إلى ظاهر الأشخاص من ~~حيث المقادير وما أحقر الأرض كلها بالإضافة إليها بل ما أصغر الأرض ~~بالإضافة إلى البحار فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرض في البحر ~~كالاصطبل في الأرض (1) ومصداق هذا عرف بالمشاهدة والتجربة وعلم أن المكشوف ~~من الأرض عن الماء كجزيرة صغيرة بالإضافة إلى كل الأرض ثم انظر إلى الآدمي ~~المخلوق من التراب الذي هو جزء من الأرض وإلى سائر الحيوانات وإلى صغره ~~بالإضافة إلى الأرض ودع عنك جميع ذلك فأصغر ما نعرفه من الحيوانات البعوض ~~والنحل وما يجري مجراه فانظر في البعوض على قدر صغر قدره وتأمله بعقل حاضر ~~وفكر صاف فانظر كيف خلقه الله تعالى ms2381 على شكل الفيل الذي هو أعظم الحيوانات ~~إذ خلق له خرطوما مثل خرطومه وخلق له على شكله الصغير سائر الأعضاء كما ~~خلقه للفيل بزيادة جناحين وانظر كيف قسم أعضاءه الظاهرة فأنبت جناحه وأخرج ~~يده ورجله وشق سمعه وبصره ودبر في باطنه من أعضاء الغذاء وآلاته ما دبره في ~~سائر الحيوانات وركب فيها من القوى الغاذية والجاذبة الدافعة والماسكة ~~والهاضمة ما ركب في سائر الحيوانات هذا في شكله وصفاته ثم انظر إلى هدايته ~~كيف هداه الله تعالى إلى غذائه وعرفه أن غذاءه دم الإنسان ثم انظر كيف أنبت ~~له آلة الطيران إلى الإنسان وكيف خلق له الخرطوم الطويل وهو محدد الرأس ~~وكيف هداه إلى مسام بشرة الإنسان حتى يضع خرطومه في واحد منها ثم كيف قواه ~~حتى يغرز فيه الخرطوم وكيف علمه المص والتجرع للدم وكيف خلق الخرطوم مع ~~دقته مجوفا حتى يجري فيه الدم الرقيق وينتهي إلى باطنه وينتشر في سائر ~~أجزائه ويغذيه ثم كيف عرفه أن الإنسان يقصده بيده فعلمه حيلة الهرب ~~واستعداد آلته وخلق له السمع الذي يسمع به خفيف حركة اليد وهي بعد بعيدة ~~منه فيترك المص ويهرب ثم إذا سكنت اليد يعود ثم انظر كيف خلق له حدقتين حتى ~~يبصر موضع غذائه فيقصده مع صغر حجم وجهه # وانظر إلى أن حدقة كل حيوان صغير لما لم تحتمل حدقته الأجفان لصغره وكانت ~~الأجفان مصقلة لمرآة الحدقة عن القذى والغبار خلق للبعوض والذباب يدين ~~فتنظر إلى الذباب فتراه على الدوام يمسح حدقتيه بيديه # وأما الإنسان والحيوان الكبير فخلق لحدقتيه الأجفان حتى ينطبق أحدهما على ~~الآخر وأطرافهما حادة فيجمع الغبار الذي يلحق الحدقة ويرميه إلى أطراف ~~الأهداب وخلق الأهداب السود لتجمع ضوء العين وتعين على الإبصار وتحسن صورة ~~العين وتشبكها عند هيجان الغبار فينظر من وراء شباك الأهداب واشتباكها يمنع ~~دخول الغبار ولا يمنع الإبصار # وأما البعوض فخلق لها حدقتين مصقلتين من غير أجفان وعلمها كيفية التصقيل ~~باليدين ولأجل ضعف أبصارها تراها تتهافت على السراج لأن بصره ضعيف فهي ms2382 تطلب ~~ضوء النهار فإذا رأى المسكين ضوء السراج بالليل ظن أنه في بيت مظلم وأن ~~السراج كوة من البيت المظلم إلى الموضع المضيء فلا يزال يطلب الضوء ويرمي ~~بنفسه إليه فإذا جاوزه ورأى الظلام ظن أنه لم يصب الكوة ولم يقصدها على ~~السداد فيعود إليه مرة أخرى إلى أن يحترق ولعلك تظن أن هذا لنقصانها وجهلها ~~فاعلم أن جهل الإنسان أعظم من جهلها بل صورة الآدمي في الإكباب على الشهوات ~~الدنيا صورة الفراش في التهافت على النار إذتلوح للآدمي أنوار الشهوات من ~~حيث ظاهر صورتها ولا يدري أن تحتها السم الناقع القاتل فلا يزال يرمي نفسه ~~عليها إلى أن ينغمس فيها ويتقيد بها ويهلك PageV04P318 # هلاكا مؤبدا فليت كان جهل الآدمي كجهل الفراش فإنها باغترارها بظاهر ~~الضوء إن احترقت تخلصت في الحال والآدمي يبقى في النار أبد الآباد أو مدة ~~مديدة ولذلك كان ينادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول إني ممسك بحجزكم ~~عن النار وأنتم تتهافتون فيها تهافت الفراش (1) فهذه لمعة عجيبة من عجائب ~~صنع الله تعالى في أصغر الحيوانات وفيها من العجائب ما لو اجتمع الأولون ~~والآخرون على الإحاطة بكنهه عجزوا عن حقيقته ولم يطلعوا على أمور جلية من ~~ظاهر صورته فأما خفايا معاني ذلك فلا يطلع عليها إلا الله تعالى # ثم في كل حيوان ونبات أعجوبة وأعاجيب تخصه لا يشاركه فيها غيره فانظر إلى ~~النحل وعجائبها وكيف أوحى الله تعالى إليها حتى اتخذت من الجبال بيوتا ومن ~~الشجر ومما يعرشون وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل وجعل أحدهما ضياء ~~وجعل الآخر شفاء ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار ~~واحترازها عن النجاسات والأقذار وطاعتها لواحد من جملتها هو أكبرها شخصا ~~وهو أميرها ثم ما سخر الله تعالى له أميرها من العدل والإنصاف بينها حتى ~~إنه ليقتل على باب المنفذ كل ما وقع منها على نجاسة لقضيت منها عجبا آخر ~~العجب إن كنت بصيرا في نفسك وفارغا من هم بطنك وفرجك وشهوات نفسك في معاداة ~~أقرانك ms2383 وموالاة إخوانك ثم دع عنك جميع ذلك وانظر إلى بنائها بيوتها من ~~الشمع واختيارها من جملة الأشكال الشكل المسدس فلا تبني بيتا مستديرا ولا ~~مربعا ولا مخمسا بل مسدسا لخاصية في الشكل المسدس يقصر فهم المهندسين عن ~~دركها وهو أن أوسع الأشكال وأحواها المستديرة وما يقرب منها فإن المربع ~~يخرج منه زوايا ضائعة وشكل النحل مستدير مستطيل فترك المربع حتى لا تضيع ~~الزوايا فتبقى فارغة ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة فإن ~~الأشكال المستديرة إذا جمعت لم تجتمع متراصة ولا شكل في الأشكال ذوات ~~الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير ثم تتراص الجملة منه بحيث لا يبقى ~~بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس وهذه خاصية هذه الشكل فانظر كيف ألهم الله ~~تعالى النحل على صغر جرمه ولطافة قده لطفا به وعناية بوجوده وما هو محتاج ~~إليه ليتهنأ بعيشه فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه # فاعتبر بهذه اللمعة اليسيرة من محقرات الحيوانات ودع عنك عجائب ملكوت ~~الأرض والسموات فإن القدر الذي بلغه فهمنا القاصر منه تنقضي الأعمار دون ~~إيضاحه ولا نسبة لما أحاط به علمنا إلى ما أحاط به العلماء والأنبياء ولا ~~نسبة لما أحاط به علم الخلائق كلهم إلى ما استأثر الله تعالى بعلمه بل كل ~~ما عرفه الخلق لا يستحق أن يسمى علما في جنب علم الله تعالى فبالنظر في هذا ~~وأمثاله تزداد المعرفة الحاصلة بأسهل الطريقين وبزيادة المعرفة تزداد ~~المحبة فإن كنت طالبا سعادة لقاء الله تعالى فانبذ الدنيا وراء ظهرك ~~واستغرق العمر في الذكر الدائم والفكر اللازم فعساك تحظى منها بقدر يسير ~~ولكن تنال بذلك اليسير ملكا عظيما لا آخر له ### ||| بيان السبب في تفاوت الناس في الحب # اعلم أن المؤمنين مشتركون في أصل الحب لاشتراكهم في أصل المحبة ولكنهم ~~متفاوتون لتفاوتهم في المعرفة وفي حب الدنيا إذ الأشياء إنما تتفاوت بتفاوت ~~أسبابها وأكثر الناس ليس لهم من الله تعالى إلا الصفات PageV04P319 # والأسماء التي قرعت سمعهم فتلقنوها وحفظوها وربما تخيلوا لها معاني ~~يتعالى عنها ms2384 رب الأرباب وربما لم يطلعوا على حقيقتها ولا تخيلوا لها معنى ~~فاسدا بل آمنوا بها إيمان تسليم وتصديق واشتغلوا بالعمل وتركوا البحث ~~وهؤلاء هم أهل السلامة من أصحاب اليمين والمتخيلون هم الضالون والعارفون ~~بالحقائق هم المقربون # وقد ذكر الله حال الأصناف الثلاثة في قوله تعالى {فأما إن كان من ~~المقربين فروح وريحان وجنة نعيم} الآية # فإن كنت لا تفهم الأمور إلا بالأمثلة فلنضرب لتفاوت الحب مثالا فنقول ~~أصحاب الشافعي مثلا يشتركون في حب الشافعي رحمه الله الفقهاء منهم والعوام ~~لأنهم مشتركون في معرفة فضله ودينه وحسن سيرته ومحامد خصاله ولكن العامي ~~يعرف علمه مجملا والفقيه يعرفه مفصلا فتكون معرفة الفقيه به أتم وإعجابه به ~~وحبه له أشد فإن من رأى تصنيف مصنف فاستحسنه وعرف به فضله أحبه لا محالة ~~ومال إليه قلبه فإن رأى تصنيفا آخر أحسن منه وأعجب تضاعف لا محالة حبه لأنه ~~تضاعفت معرفته بعلمه وكذلك يعتقد الرجل في الشاعر أنه حسن الشعر فيحبه فإذا ~~سمع من غرائب شعره ما عظم فيه حذقه وصنعته ازداد به معرفة وازداد له حبا ~~وكذا سائر الصناعات والفضائل # والعامي قد يسمع أن فلانا مصنف وأنه حسن التصنيف ولكن لا يدرى ما في ~~التصنيف فيكون له معرفة مجملة ويكون له بحسبه ميل مجمل والبصير إذا فتش عن ~~التصانيف واطلع على ما فيها من العجائب تضاعف حبه لا محالة لأن عجائب ~~الصنعة والشعر والتصنيف تدل على كمال صفات الفاعل والمصنف والعالم بجملته ~~صنع الله تعالى وتصنيفه والعامي يعلم ذلك ويعتقده وأما البصير فإنه يطالع ~~تفصيل صنع الله تعالى فيه حتى يرى في البعوض مثلا من عجائب صنعه ما ينبهر ~~به عقله ويتحير فيه لبه ويزداد بسببه لا محالة عظمة الله وجلاله وكمال ~~صفاته في قلبه فيزداد له حبا وكلما ازداد على أعاجيب صنع الله إطلاعا استدل ~~بذلك على عظمة الله الصانع وجلاله وازداد به معرفة وله حبا # وبحر هذه المعرفة أعنى معرفة عجائب صنع الله تعالى بحر لا ساحل له فلا ~~جرم تفاوت أهل ms2385 المعرفة في الحب لا حصر له ومما يتفاوت بسببه الحب اختلاف ~~الأسباب الخمسة التي ذكرناها للحب فإن من يحب الله مثلا لكونه محسنا إليه ~~منعما عليه ولم يحبه لذاته ضعفت محبته إذ تتغير بتغير الإحسان فلا يكون حبه ~~في حالة البلاء كحبه في حالة الرضا والنعماء # وأما من يحبه لذاته ولأنه مستحق للحب بسبب كماله وجماله ومجده وعظمته ~~فإنه لا يتفاوت حبه بتفاوت الإحسان إليه # فهذا وأمثاله هو سبب تفاوت الناس في المحبة # والتفاوت في المحبة هو السبب للتفاوت في سعادة الآخرة # ولذلك قال تعالى {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} ### ||| بيان السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة الله سبحانه # اعلم أن أظهر الموجودات وأجلاها هو الله تعالى وكان هذا يقتضي أن تكون ~~معرفته أول المعارف وأسبقها إلى الأفهام وأسهلها على العقول وترى الأمر ~~بالضد من ذلك فلا بد من بيان السبب فيه # وإنما قلنا إنه أظهر الموجودات وأجلاها لمعنى لا تفهمه إلا بمثال وهو أنا ~~إذا رأينا إنسانا يكتب أو يخيط مثلا كان كونه حيا عندنا من أظهر الموجودات ~~فحياته وعلمه وقدرته وإرادته للخياطة أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة ~~والباطنة إذصفاته الباطنة كشهوته وغضبه وخلقه وصحته ومرضه وكل ذلك لا نعرفه ~~وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها وبعضها نشك فيه كمقدار طوله واختلاف لون ~~بشرته وغير ذلك من صفاته # أما حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيوانا فإنه جلي عندنا من غير أن ~~يتعلق حس البصر بحياته وقدرته وإرادته فإن هذه الصفات PageV04P320 # لا تحس بشيء من الحواس الخمس ثم لا يمكن أن نعرف حياته وقدرته وإرادته ~~إلا بخياطته وحركته فلو نظرنا إلى كل ما في العالم سواه لم نعرف به صفته ~~فما عليه إلا دليل واحد وهو مع ذلك جلي واضح ووجود الله تعالى وقدرته وعلمه ~~وسائر صفاته يشهد له بالضرورة كل ما نشاهده وندركه بالحواس الظاهرة ~~والباطنة من حجر ومدر ونبات وشجر وحيوان وسماء وأرض وكوكب وبحر ونار وهواء ~~وجوهر وعرض بل أول شاهد عليه أنفسنا وأجسامنا وأوصافنا وتقلب ms2386 أحوالنا وتغير ~~قلوبنا وجميع أطوارنا في حركاتنا وسكناتنا وأظهر الأشياء في علمنا أنفسنا ~~ثم محسوساتنا بالحواس الخمس ثم مدركاتنا بالعقل والبصيرة وكل واحد من هذه ~~المدركات له مدرك واحد وشاهد واحد ودليل واحد وجميع ما في العالم شواهد ~~ناطقة وأدلة شاهدة بوجود خالقها ومدبرها ومصرفها ومحركها ودالة على علمه ~~وقدرته ولطفه وحكمته # والموجودات المدركة لا حصر لها فإن كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا وليس ~~لها يشهد إلا شاهد واحد وهو ما أحسسنا به من حركة يده فكيف لا يظهر عندنا ~~ما لا يتصور في الوجود شيء داخل نفوسنا وخارجها إلا وهو شاهد عليه وعلى ~~عظمته وجلاله إذ كل ذرة فإنها تنادي بلسان حالها أنه ليس وجودها بنفسها ولا ~~حركتها بذاتها وأنها تحتاج إلى موجد ومحرك لها يشهد بذلك أولا تركيب ~~أعضائنا وائتلاف عظامنا ولحومنا وأعصابنا ومنابت شعورنا وتشكل أطرافنا ~~وسائر أجزائنا الظاهرة والباطنة فإنه نعلم أنها لم تأتلف بأنفسها كما نعلم ~~أن يد الكاتب لم تتحرك بنفسها ولكن لما لم يبق في الوجود شيء مدرك ومحسوس ~~ومعقول وحاضر وغائب إلا وهو شاهد ومعرف عظم ظهوره فانبهرت العقول ودهشت عن ~~إدراكه # فإن ما تقصر عن فهمه عقولنا فله سببان أحدهما خفاؤه في نفسه وغموضه وذلك ~~لا يخفى مثاله والآخر ما يتناهى وضوحه وهذا كما أن الخفاش يبصر بالليل ولا ~~يبصر بالنهار لا لخفاء النهار واستتاره ولكن لشدة ظهوره فإن بصر الخفاش ~~ضعيف يبهره نور الشمس إذا أشرقت فتكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سببا لامتناع ~~إبصاره فلا يرى شيئا إلا إذا امتزج الضوء بالظلام وضعف ظهوره # فكذلك عقولنا ضعيفة وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة ~~وفي غاية الاستغراق والشمول حتى لم يشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السموات ~~والأرض فصار ظهوره سبب خفائه فسبحان من احتجب بإشراق نوره واختفى عن ~~البصائر والأبصار بظهوره ولا يتعجب من اختفاء ذلك بسبب الظهور فإن الأشياء ~~تستبان بأضدادها وماعم وجوده حتى أنه لا ضد له عسر إدراكه فلو اختلفت ~~الأشياء فدل بعضها دون بعض ms2387 أدركت التفرقة على قرب ولما اشتركت في الدلالة ~~على نسق واحد أشكل الأمر # ومثاله نور الشمس المشرق على الأرض فإنا نعلم أنه عرض من الأعراض يحدث في ~~الأرض ويزول عند غيبة الشمس فلو كانت الشمس دائمة الإشراق لا غروب لها لكنا ~~نظن أنه لا هيئة في الأجسام إلا ألوانها وهي السواد والبياض وغيرهما فإنا ~~لا نشاهد في الأسود إلا السواد وفي الأبيض إلا البياض فأما الضوء فلا ندركه ~~وحده ولكن لما غابت الشمس وأظلمت المواضع أدركنا تفرقة بين الحالين فعلمنا ~~أن الأجسام كانت قد استضاءت بضوء واتصفت بصفة فارقتها عند الغروب فعرفنا ~~وجود النور بعدمه وما كنا نطلع عليه لولا عدمه إلا بعسر شديد وذلك ~~لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام والنور هذا مع أن النور ~~أظهر المحسوسات إذ به تدرك سائر المحسوسات فما هو ظاهر في نفسه وهو مظهر ~~لغيره انظر كيف تصور استبهام أمره بسبب ظهوره لولا طريان ضده فالله تعالى ~~هو أظهر الأمور وبه ظهرت الأشياء كلها ولو كان له عدم أو غيبة أو تغير ~~لانهدت السموات والأرض وبطل الملك PageV04P321 # والملكوت ولأدرك بذلك التفرقة بين الحالين ولو كان بعض الأشياء موجودا به ~~وبعضها موجودا بغيره لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة ولكن دلالته ~~عامة في الأشياء على نسق واحد ووجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه فلا جرم ~~أورثت شدة الظهور خفاء فهذا هو السبب في قصور الأفهام # وأما من قويت بصيرته ولم تضعف منته فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا ~~الله تعالى ولا يعرف غيره يعلم أنه ليس في الوجود إلا الله وأفعاله أثر من ~~الآثار قدرته فهي تابعة له فلا وجود لها بالحقيقة دونه وإنما الوجود للواحد ~~الحق الذي به وجود الأفعال كلها ومن هذه حاله فلا ينظر في شيء من الأفعال ~~إلا ويرى فيه الفاعل ويذهل عن الفعل من حيث إنه سماء وأرض وحيوان وشجر بل ~~ينظر فيه من حيث أنه صنع الواحد الحق فلا يكون نظره مجاوزا له إلى غيره كمن ms2388 ~~نظر في شعر إنسان أو خطه أو تصنيفه ورأى فيها الشاعر والمصنف ورأى آثاره من ~~حيث أثره لا من حيث إنه حبر وعفص وزاج مرقوم على بياض فلا يكون قد نظر إلى ~~غير المصنف # وكل العالم تصنيف الله تعالى فمن نظر إليه من حيث إنه فعل الله وعرفه من ~~حيث إنه فعل الله وأحبه من حيث إنه فعل الله لم يكن ناظرا إلا في الله ولا ~~عارفا إلا بالله ولا محبا إلا له وكان هو الموحد الحق الذي لا يرى إلا الله ~~بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه بل من حيث إنه عبدا لله فهذا الذي يقال ~~فيه إنه فني في التوحيد وإنه فني عن نفسه وإليه الإشارة بقول من قال كنا ~~بنا ففنينا عنا فبقينا بلا نحن فهذه أمور معلومة عند ذوي البصائر أشكلت ~~لضعف الأفهام عن دركها وقصور قدرة العلماء بها عن إيضاحها وبيانها بعبارة ~~مفهمة موصلة للغرض إلى الأفهام أو باشتغالهم بأنفسهم واعتقادهم أن بيان ذلك ~~لغيرهم مما لا يعنيهم # فهذا هو السبب في قصور الأفهام عن معرفة الله تعالى وانضم إليه أن ~~المدركات كلها التي هي شاهدة على الله إنما يدركها الإنسان في الصبا عند ~~فقد العقل ثم تبدو فيه غريزة العقل قليلا قليلا وهو مستغرق الهم بشهواته ~~وقد أنس بمدركاته ومحسوساته وألفها فسقط وقعها عن قلبه بطول الأنس ولذلك ~~إذا رأى على سبيل الفجأة حيوانا غريبا أو نباتا غريبا أو فعلا من أفعال ~~الله تعالى خارقا للعادة عجيبا انطلق لسانه بالمعرفة طبعا فقال سبحان الله ~~وهو يرى طول النهار نفسه وأعضاءه وسائر الحيوانات المألوفة وكلها شواهد ~~قاطعة لا يحس بشهادتها لطول الأنس بها ولو فرض أكمه بلغ عاقلا ثم انقشعت ~~غشاوة عينه فامتد بصره إلى السماء والأرض والأشجار والنبات والحيوان دفعة ~~واحدة على سبيل الفجأة لخيف على عقله أن ينبهر لعظم تعجبه من شهادة العجائب ~~لخالقها # فهذا وأمثاله من الأسباب مع الانهماك في الشهوات هو الذي سد على الخلق ~~سبيل الاستضاءة بأنوار المعرفة ms2389 والسباحة في بحارها الواسعة فالناس في طلبهم ~~معرفة الله كالمدهوش الذي يضرب به المثل إذا كان راكبا لحماره وهو يطلب ~~حماره والجليات إذا صارت مطلوبة صارت معتاصة # فهذا سر هذا الأمر فليحقق ولذلك قيل # فقد ظهرت فما تخفى على أحد ... إلا على أكمه لا يعرف القمرا # لكن بطنت بما أظهرت محتجبا ... فكيف يعرف من بالعرف قد سترا ### ||| بيان معنى الشوق إلى الله تعالى # اعلم أن من أنكر حقيقة المحبة لله تعالى فلا بد وأن ينكر حقيقة الشوق إذ ~~لا يتصور الشوق إلا إلى محبوب ونحن نثبت وجود الشوق إلى الله تعالى وكون ~~العارف مضطرا إليه بطريق الاعتبار والنظر بأنوار البصائر وبطريق الأخبار ~~والآثار # أما الاعتبار فيكفي في إثباته ما سبق في إثبات الحب فكل محبوب يشتاق إليه ~~في غيبته PageV04P322 # لا محالة فأما الحاصل الحاضر فلا يشتاق إليه فإن الشوق طلب وتشوف إلى أمر ~~والموجود لا يطلب ولكن بيانه أن الشوق لا يتصور إلا إلى شيء أدرك من وجه ~~ولم يدرك من وجه فأما ما لا يدرك أصلا فلا يشتاق إليه فإن من لم ير شخصا ~~ولم يسمع وصفه ولا يتصور أن يشتاق إليه وما أدرك بكماله لا يشتاق إليه ~~وكمال الإدراك بالرؤية فمن كان في مشاهدة محبوبه مداوما للنظر إليه لا ~~يتصور أن يكون له شوق ولكن الشوق إنما يتعلق بما أدرك من وجه ولم يدرك من ~~وجه وهو من وجهين لا ينكشف إلا بمثال من المشاهدات # فنقول مثلا من غاب عنه معشوقه وبقي في قلبه خياله فيشتاق إلى استكمال ~~خياله بالرؤية فلو انمحى عن قلبه ذكره وخياله ومعرفته حتى نسيه لم يتصور أن ~~يشتاق إليه ولو رآه لم يتصور أن يشتاق في وقت الرؤية فمعنى شوقه تشوق نفسه ~~إلى استكمال خياله فكذلك قد يراه في ظلمة بحيث لا ينكشف له حقيقة صورته ~~فيشتاق إلى استكمال رؤيته وتمام الانكشاف في صورته بإشراق الضوء عليه ~~والثاني أن يرى وجه محبوبه ولا يرى شعره مثلا ولا سائر محاسنه فيشتاق ~~لرؤيته وإن لم ms2390 يرها قط ولم يثبت في نفسه خيال صادر عن الرؤية ولكنه يعلم أن ~~له عضوا وأعضاء جميلة ولم يدرك تفصيل جمالها بالرؤية فيشتاق إلى أن ينكشف ~~له ما لم يره قط # والوجهان جميعا متصوران في حق الله تعالى بل هما لازمان بالضرورة لكل ~~العارفين فإن ما اتضح للعارفين من الأمور الإلهية وإن كان في غاية الوضوح ~~فكأنه من وراء ستر رقيق فلا يكون متضحا غاية الاتضاح بل يكون مشوبا بشوائب ~~التخيلات فإن الخيالات لا تفتر في هذا العالم عن التمثيل والمحاكاة لجميع ~~المعلومات وهي مكدرات للمعارف ومنغصات وكذلك ينضاف إليها شواغل الدنيا ~~فإنما كمال الوضوح بالمشاهدة وتمام إشراق التجلي ولا يكون ذلك إلا في ~~الآخرة وذلك بالضرورة يوجب الشوق فإنه منتهى محبوب العارفين # فهذا أحد نوعي الشوق وهو استكمال الوضوح فيما اتضح اتضاحا ما الثاني أن ~~الأمور الإلهية لا نهاية لها وإنما ينكشف لكل عبد من العباد بعضها وتبقى ~~أمور لا نهاية لها غامضة والعارف يعلم وجودها وكونها معلومة لله تعالى ~~ويعلم أن ما غاب عن علمه من المعلومات أكثر مما حضر فلا يزال متشوقا إلى أن ~~يحصل له أصل المعرفة فيما لم يحصل مما بقي من المعلومات التي لم يعرفها ~~أصلا لا معرفة واضحة ولا معرفة غامضة # والشوق الأول ينتهي في الدار الآخرة بالمعنى الذي يسمى رؤية ولقاء ~~ومشاهدة ولا يتصور أن يسكن في الدنيا # وقد كان إبراهيم بن أدهم من المشتاقين فقال قلت ذات يوم يارب إن أعطيت ~~أحدا من المحبين لك ما يسكن به قلبه قبل لقائك فأعطني ذلك فقد أضر بي القلق ~~قال فرأيت في النوم أنه أوقفني بين يديه وقال يا إبراهيم أما استحييت مني ~~أن تسألني أن أعطيك ما يسكن به قلبك قبل لقائي وهل يسكن المشتاق قبل لقاء ~~حبيبه فقلت يا رب تهت في حبك فلم أدر ما أقول فاغفر لي وعلمني ما أقول فقال ~~قل اللهم رضني بقضائك وصبرني على بلائك وأوزعني شكر نعمائك فإن هذا الشوق ~~يسكن في الآخرة # وأما الشوق ms2391 الثاني فيشبه أن لا يكون له نهاية لا في الدنيا ولا في الآخرة ~~إذ نهايته أن ينكشف للعبد في الآخرة من جلال الله تعالى وصفاته وحكمته ~~وأفعاله ما هو معلوم لله تعالى وهو محال لأن ذلك لا نهاية له # ولا يزال العبد عالما بأنه بقي من الجمال والجلال ما لم يتضح له فلا يسكن ~~قط شوقه لا سيما من يرى فوق درجته درجات كثيرة إلا أنه تشوق إلى استكمال ~~الوصال مع حصول أصل الوصال فهو يجد لذلك شوقا لذيذا لا يظهر فيه ألم ولا ~~يبعد أن تكون ألطاف الكشف والنظر متوالية إلى غير نهاية فلا يزال النعيم ~~واللذة متزايدا أبد الآباد PageV04P323 # وتكون لذة ما يتجدد من لطائف النعيم شاغلة عن الإحساس بالشوق إلى ما لم ~~يحصل وهذا بشرط أن يمكن حصول الكشف فيما لم يحصل فيه كشف في الدنيا أصلا ~~فإن كان ذلك غير مبذول فيكون النعيم واقفا على حد لا يتضاعف ولكن يكون ~~مستمرا على الدوام # وقوله سبحانه وتعالى {نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم ~~لنا نورنا} محتمل لهذا المعنى وهو أن ينعم عليه بإتمام النور مهما تزود من ~~الدنيا أصل النور ويحتمل أن يكون المراد به إتمام النور في غير ما استنار ~~في الدنيا استنارة محتاجة إلى مزيد الاستكمال والإشراق فيكون هو المراد ~~بتمامه وقوله تعالى {انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا ~~نورا} يدل على أن الأنوار لابد وأن يتزود أصلها في الدنيا ثم يزداد في ~~الآخرة إشراقا فأما أن يتجدد نور فلا والحكم في هذا برجم الظنون مخطر ولم ~~ينكشف لنا فيه بعد ما يوثق به فنسأل الله تعالى أن يزيدنا علما ورشدا ~~ويرينا الحق حقا # فهذا القدر من أنوار البصائر كاشف لحقائق الشوق ومعانيه # وأما شواهد الأخبار والآثار فأكثر من أن تحصى فمما اشتهر من دعاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء ~~وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى ms2392 لقائك (1) ~~وقال أبو الدرداء لكعب أخبرني عن أخص آية يعني في التوراة فقال يقول الله ~~تعالى طال شوق الأبرار إلى لقائي وإني إلى لقائهم لأشد شوقا قال ومكتوت إلى ~~جانبها من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني فقال أبو الدرداء أشهد إني ~~لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا # وفي أخبار داود عليه السلام إن الله تعالى قال يا داود أبلغ أهل أرضي أني ~~حبيب لمن أحبني وجليس لمن جالسني ومؤنس لمن أنس بذكري وصاحب لمن صاحبني ~~ومختار لمن اختارني ومطيع لمن أطاعني ما أحبني عبد أعلم ذلك يقينا من قلبه ~~إلا قبلته لنفسي وأحببته حبا لا يتقدمه أحد من خلقي من طلبني بالحق وجدني ~~ومن طلب غيري لم يجدني فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها وهلموا ~~إلى كرامتى ومصاحبتي ومجالستي وائنسوا بي أؤانسكم وأسارع إلى محبتكم فإني ~~خلقت طينة أحبائي من طينة إبراهيم خليلي وموسى نجي ومحمد صفي وخلقت قلوب ~~المشتاقين من نوري ونعمتها بجلالي # وروي عن بعض السلف أن الله تعالى أوحى إلى بعض الصديقين إن لي عبادا من ~~عبادي يحبوني وأحبهم ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم ويذكروني وأذكرهم وينظرون ~~إلي وأنظر إليهم فإن حذوت طريقهم أحببتك وإن عدلت عنهم مقتك قال يارب وما ~~علامتهم قال يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي الشفيق غنمه ويحنون ~~إلى غروب الشمس كما يحن الطائر إلى وكره عند الغروب فإذا جنهم الليل واختلط ~~الظلام وفرشت الفرش ونصبت الأسرة وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا إلى أقدامهم ~~وافترشوا إلى وجوههم وناجوني بكلامي وتملقوا إلي بإنعامي فبين صارخ وباك ~~وبين متأوه وشاك وبين قائم وقاعد وبين راكع وساجد بعيني ما يتحملون من أجلي ~~وبسمعي ما يشتكون من حبي أول ما أعطيهم ثلاث أقذف من نوري في قلوبهم ~~فيخبرون عني كما أخبر عنهم # والثانية لو كانت السموات والأرض وما فيها في موازينهم لاستقللنها لهم # والثالثة أقبل بوجهي عليهم فترى من أقبلت عليه يعلم أحد ما أريد أن أعطيه # وفي أخبار داود ms2393 عليه السلام أن الله تعالى أوحى إليه يا داود إلى كم تذكر ~~الجنة ولا تسألنى الشوق إلى PageV04P324 # قال يا رب من المشتاقون إليك قال إن المشتاقين إلى الذين صفيتهم من كل ~~كدر ونبهتهم بالحذر وخرقت من قلوبهم إلي خرقا ينظرون إلي وإنى لأحمل قلوبهم ~~بيدى فأضعها على سمائي ثم أدعو نجباء ملائكتي فإذا اجتمعوا سجدوا لي فأقول ~~إني لم أدعكم لتسجدوا لي ولكني دعوتكم لأعرض عليكم قلوب المشتاقين إلي ~~وأباهي بكم أهل الشوق إلي فإن قلوبهم لتضيء في سمائي لملائكتي كما تضيء ~~الشمس لأهل الأرض يا داود إني خلقت قلوب المشتاقين من رضواني ونعمتها بنور ~~وجهي فاتخذتهم لنفسي محدثي وجعلت أبدانهم موضع نظري إلى الأرض وقطعت من ~~قلوبهم طريقا ينظرون به إلي يزدادون في كل يوم شوقا قال داود يا رب أرني ~~أهل محبتك فقال يا داود ائت جبل لبنان فإن فيه أربعة عشر نفسا فيهم شبان ~~وفيهم شيوخ وفيهم كهول فإذا أتيتهم فأقرئهم مني السلام وقل لهم إن ربكم ~~يقرئكم السلام ويقول لكم ألا تسألون حاجة فإنكم أحبائي وأصفيائي وأوليائي ~~أفرح لفرحكم وأسارع إلى محبتكم # فأتاهم داود عليه السلام فوجدهم عند عين من العيون يتفكرون في عظمة الله ~~عز وجل فلما نظروا إلى داود عليه السلام نهضوا ليتفرقوا عنه فقال داود إني ~~رسول الله إليكم جئتكم لأبلغكم رسالة ربكم فأقبلوا نحوه وألقوا أسماعهم نحو ~~قوله وألقوا أبصارهم إلى الأرض فقال داود إني رسول الله إليكم يقرئكم ~~السلام ويقول لكم ألا تسألون حاجة ألا تنادوني أسمع صوتكم وكلامكم فإنكم ~~أحبائي وأصفيائي وأوليائي أفرح لفرحكم وأسارع إلى محبتكم وأنظر إليكم في كل ~~ساعة نظر الوالدة الشفيقة الرفيقة قال فجرت الدموع على خدودهم فقال شيخهم ~~سبحانك سبحانك نحن عبيدك وبنو عبيدك فاغفر لنا ما قطع قلوبنا عن ذكرك فيما ~~مضى من أعمارنا وقال الآخر سبحانك سبحانك نحن عبيدك وبنو عبيدك فامنن علينا ~~بحسن النظر فيما بيننا وبينك وقال الآخر سبحانك سبحانك نحن عبيدك وبنو عبيد ~~أفنجترىء على الدعاء وقد علمت أنه لا ms2394 حاجة لنا في شيء من أمورنا فأدم لنا ~~لزوم الطريق إليك وأتمم بذلك المنة علينا # وقال الآخر نحن مقصرون في طلب رضاك فأعنا علينا بجودك # وقال الآخر من نطفة خلقتنا ومننت علينا بالتفكر في عظمتك أفيجترىء على ~~الكلام من هو مشتغل بعظمتك متفكر في جلالك وطلبتنا الدنو من نورك # وقال الآخر كلت ألسنتنا عن دعائك لعظم شأنك وقربك من أوليائك وكثرة منتك ~~على أهل محبتك # وقال الآخر أنت هديت قلوبنا لذكرك فرغتنا للاشتغال بك فاغفر لنا تقصيرنا ~~في شكرك # وقال الآخر قد عرفت حاجتنا إنما هي النظر إلى وجهك # وقال الآخر كيف يجترىء العبد على سيده إذ أمرتنا بالدعاء بجودك فهب لنا ~~نورا نهتدي به في الظلمات من أطباق السموات # وقال آخر ندعوك أن تقبل علينا وتديمه عندنا # وقال الآخر نسألك تمام نعمتك فيما وهبت لنا وتفضلت به علينا # وقال الآخر لا حاجة لنا في شيء من خلقك فامنن علينا بالنظر إلى جمال وجهك # وقال الآخر أسألك من بينهم أن تعمي عيني عن النظر إلى الدنيا وأهلها ~~وقلبي عن الاشتغال بالآخرة # وقال الآخر قد عرفت تباركت وتعاليت أنك تحب أولياءك فامنن علينا باشتغال ~~القلب بك عن كل شيء دونك فأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام قل لهم قد ~~سمعت كلامكم وأجبتكم إلى ما أحببتم فليفارق كل واحد منكم صاحبه وليتخذ ~~لنفسه سربا فإني كاشف الحجاب فيما بيني وبينكم حتى تنظروا إلى نوري وجلالى # فقال داود يارب بم نالوا هذا منك قال بحسن الظن والكف عن الدنيا وأهلها ~~والخلوات بي ومناجاتهم لي وإن هذا منزل لا يناله إلى من رفض الدنيا وأهلها ~~ولم يشتغل بشيء من ذكرها وفرغ قلبه لي واختارني على جميع خلقي فعند ذلك ~~أعطف عليه وأفرغ نفسه وأكشف الحجاب فيما بيني وبينه حتى ينظر إلي نظر ~~الناظر PageV04P325 # بعينه إلى الشيء وأريه كرامتي في كل ساعة وأقربه من نور وجهي إن مرض ~~مرضته كما تمرض الوالدة الشفيقة ولدها وإن عطش أرويته وأذيقه طعم ذكري فإذا ~~فعلت ذلك به ms2395 يا داود عميت نفسه عن الدنيا وأهلها ولم أحببها إليه لا يفتر ~~عن الاشتغال بي يستعجلني القدوم وأنا أكره أن أميته لأنه موضع نظري من بين ~~خلقي لا يرى غيري ولا أرى غيره فلو رأيته يا داود وقد ذابت نفسه ونحل جسمه ~~وتهشمت أعضاؤه وانخلع قلبه إذا سمع بذكرى أباهي به ملائكتي وأهل سمواتي ~~يزداد خوفا وعبادة وعزتي وجلالي يا داود لأقعدنه في الفردوس ولأشفين صدره ~~من النظر إلي حتى يرضى وفوق الرضا # وفي أخبار داود أيضا قل لعبادي المتوجهين إلى محبتي ما ضركم إذا احتجبت ~~عن خلقي ورفعت الحجاب فيما بيني وبينكم حتى تنظروا إلي بعيون قلوبكم وما ~~ضركم ما زويت عنكم من الدنيا إذا بسطت ديني لكم وما ضركم مسخطة الخلق إذا ~~التمستم رضائي # وفي أخبار داود أيضا إن الله تعالى أوحى إليه تزعم أنك تحبني فإن كنت ~~تحبني فأخرج حب الدنيا من قلبك فإن حبي وحبها لا يجتمعان في قلب # يا داود خالص حبيبي مخالصة وخالط أهل الدنيا مخالطة ودينك فقلدنيه ولا ~~تقلد دينك الرجال أما ما استبان لك مما وافق محبتي فتمسك به وأما ما أشكل ~~عليك فقلدنيه حقا على أني أسارع إلى سياستك وتقويمك وأكن قائدك ودليلك ~~أعطيك من غير أن تسألني وأعينك على الشدائد وإني قد حلفت على نفسي أني لا ~~أثيب إلا عبدا قد عرفت من طلبته وإرادته إلفاء كنفه بين يدي وأنه لا غنى به ~~عني # فإذا كنت كذلك نزعت الذلة والوحشة عنك وأسكن الغنى قلبك فإني قد حلفت على ~~نفسي أنه لا يطمئن عبد لي إلى نفسه ينظر إلى فعالها إلا وكلته إليها أضف ~~الأشياء إلي لا تضاد عملك فتكون متعنيا ولا ينتفع بك من يصحبك ولا تجد ~~لمعرفتي حدا فليس لها غاية ومتى طلبت مني الزيادة أعطك ولا تجد للزيادة مني ~~حدا ثم أعلم بنى إسرائيل أنه ليس بيني وبين أحد من خلقي نسب فلتعظم رغبتهم ~~وإرادتهم عندي أبح لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ms2396 قلب بشر ~~ضعني بين عينيك وانظر إلي ببصر قلبك ولا تنظر بعينك التي في رأسك إلى الذين ~~حجبت عقولهم عنى فأمر جوها وسخت بانقطاع ثوابي عنها فإني حلفت بعزتي وجلالي ~~لا أفتح ثوابي لعبد دخل في طاعتي للتجربة والتسويف تواضع لمن تعلمه ولا ~~تطاول على المريدين فلو علم أهل محبتي منزلة المريدين عندي لكانوا لهم أرضا ~~يمشون عليها # يا دواد لأن تخرج مريدا من سكرة هو فيها تستنقذه فأكتبك عندي جهيدا ومن ~~كتبته عندي جهيدا لا تكون عليه وحشة ولا فاقة إلى المخلوقين # يا داود تمسك بكلامي وخذ من نفسك لنفسك لا تؤتين منها فأحجب عنك محنتي لا ~~تؤيس عبادي من رحمتي اقطع شهوتك لي فإنما أبحت الشهوات لضعفة خلقي ما بال ~~الأقوياء أن ينالوا الشهوات فإنها تنقص حلاوة مناجاتي وإنما عقوبة الأقوياء ~~عندي في موضع التناول أدنى ما يصل إليهم أن أحجب عقولهم عني فإني لم أرض ~~الدنيا لحبيبي ونزهته عنها # يا داود لا تجعل بينى وبينك عالما يحجبك بسكره عن محبتي أولئك قطاع ~~الطريق على عبادي المريدين استعن على ترك الشهوات بإدمان الصوم وإياك ~~والتجربة في الإفطار فإن محبتي للصوم إدمانه # يا داود تحبب إلي بمعاداة نفسك امنعها الشهوات أنظر إليك وترى الحجب بيني ~~وبينك مرفوعة إنما أداريك مداراة لتقوى على ثوابي إذا مننت عليك به وإني ~~أحبسه عنك وأنت متمسك بطاعتي # أوحى الله تعالى إلى داود يا داود لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ~~ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقا إلي وتقطعت أوصالهم من محبتي # يا داود هذه إرادتي في المدبرين عنى فكيف إرادتي في المقبلين علي PageV04P326 # يا داود أحوج ما يكون العبد إلي إذا استغنى عني وأرحم ما أكون بعبدي إذا ~~أدبر عني وأجل ما يكون عندي إذا رجع إلي فهذه الأخبار ونظائرها مما لا يحصى ~~تدل على إثبات المحبة والشوق والأنس وإنما تحقيق معناها ينكشف بما سبق ### ||| بيان محبة الله للعبد ومعناها # اعلم أن شواهد القرآن متظاهرة على أن الله تعالى يحب ms2397 عبده فلا بد من ~~معرفة مع معنى ذلك ولنقدم الشواهد على محبته فقد قال الله تعالى {يحبهم ~~ويحبونه} وقال تعالى {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} وقال تعالى ~~{إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} ولذلك رد سبحانه على من ادعى أنه ~~حبيب الله فقال {قل فلم يعذبكم بذنوبكم} وقد روى أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال إذا أحب الله تعالى عبدا لم يضره ذنب والتائب من الذنب ~~كمن لا ذنب له ثم تلا إن الله يحب التوابين (1) ومعناه أنه إذا أحبه تاب ~~عليه قبل الموت فلم تضره الذنوب الماضية وإن كثرت كما لا يضر الكفر الماضي ~~بعد الإسلام وقد اشترط الله تعالى للمحبة غفران الذنب فقال {قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي ~~الإيمان إلا من يحب (2) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تواضع لله ~~رفعه الله ومن تكبر وضعه الله ومن أكثر ذكر الله أحبه الله (3) وقال عليه ~~السلام قال الله تعالى لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به (4) الحديث وقال زيد بن ~~أسلم إن الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول اعمل ما شئت فقد غفرت ~~لك وما ورد من ألفاظ المحبة خارج عن الحصر # وقد ذكرنا أن محبة العبد لله تعالى حقيقة وليست بمجاز إذ المحبة في وضع ~~اللسان عبارة عن ميل النفس إلى الشيء الموافق والعشق عبارة عن الميل الغالب ~~المفرط وقد بينا أن الإحسان موافق للنفس والجمال موافق أيضا وأن الجمال ~~والإحسان تارة يدرك بالبصر وتارة يدرك بالبصيرة والحب يتبع كل واحد منهما ~~فلا يختص بالبصر # فأما حب الله للعبد فلا يمكن أن يكون بهذا المعنى أصلا بل الأسامي كلها ~~إذا أطلقت على الله تعالى وعلى غير الله لم تنطلق ms2398 عليهما بمعنى واحد أصلا ~~حتى إن اسم الوجود الذي هو أعم الأسماء اشتراكا لا يشمل الخالق والخلق على ~~وجه واحد بل كل ما سوى الله تعالى فوجوده مستفاد من وجود الله تعالى ~~فالوجود التابع لا يكون مساويا للوجود المتبوع # وإنما الاستواء في إطلاق الاسم نظيره اشتراك الفرس والشجر في اسم الجسم ~~إذ معنى الجسمية وحقيقتها متشابهة فيهما من غير استحقاق أحدهما لأن يكون ~~فيه أصلا فليست الجسمية لأحدهما مستفادة من الآخر وليس كذلك اسم الوجود لله ~~ولا لخلقه وهذا التباعد في سائر الأسامي أظهر كالعلم والإرادة PageV04P327 # والقدرة وغيرها فكل ذلك لا يشبه فيه الخالق الخلق وواضع اللغة إنما وضع ~~هذه الأسامى أولا للخلق فإن الخلق أسبق إلى العقول والأفهام من الخالق فكان ~~استعمالها في حق الخالق بطريق الاستعارة والتجوز والنقل والمحبة في وضع ~~اللسان عبارة عن ميل النفس إلى موافق ملائم وهذا إنما يتصور في نفس ناقصة ~~فاتها ما يوافقها فتستفيد بنيله كمالا فتلتذ بنيله وهذا محال على الله ~~تعالى فإن كل كمال وجمال وبهاء وجلال ممكن في حق الإلهية فهو حاضر وحاصل ~~وواجب الحصول أبدا وأزلا ولا يتصور تجدده ولا زواله فلا يكون له إلى غيره ~~نظر من حيث إنه غيره بل نظره إلى ذاته وأفعاله فقط وليس في الوجود إلا ذاته ~~وأفعاله ولذلك قال الشيخ أبو سعيد الميهني رحمه الله تعالى لما قرىء عليه ~~قوله تعالى يحبهم ويحبونه فقال بحق يحبهم فإنه ليس يحب إلا نفسه على معنى ~~أنه الكل وأن ليس في الوجود غيره فمن لا يحب إلا نفسه وأفعال نفسه وتصانيف ~~نفسه فلا يجاوز حبه ذاته وتوابع ذاته من حيث هي متعلقة بذاته فهو إذن لا ~~يحب إلا نفسه وما ورد من الألفاظ في حبه لعباده فهو مؤول ويرجع معناه إلى ~~كشف الحجاب عن قلبه حتى يراه بقلبه وإلى تمكينه إياه من القرب منه وإلى ~~إرادته ذلك به في الأزل فحبه لمن أحبه أزلي مهما أضيف إلى الإرادة الأزلية ~~التي اقتضت تمكين هذا العبد من سلوك ms2399 طرق هذا القرب وإذا أضيف إلى فعله الذي ~~يكشف الحجاب عن قلب عبده فهو حادث يحدث بحدوث السبب المقتضي له كما قال ~~تعالى لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فيكون تقربه بالنوافل سببا ~~لصفاء باطنه وارتفاع الحجاب عن قلبه وحصوله في درجة القرب من ربه فكل ذلك ~~فعل الله تعالى ولطفه به فهو معنى حبه # ولا يفهم هذا إلا بمثال وهو أن الملك قد يقرب عبده من نفسه ويأذن له في ~~كل وقت في حضور بساطه لميل الملك إليه إما لينصره بقوته أو ليستريح ~~بمشاهدته أو ليستشيره في رأيه أو ليهيىء أسباب طعامه وشرابه فيقال إن الملك ~~يحبه ويكون معناه ميله إليه لما فيه من المعنى الموافق الملائم له # وقد يقرب عبدا ولا يمنعه من الدخول عليه لا للانتفاع به ولا للاستنجاد به ~~ولكن لكون العبد في نفسه موصوفا من الأخلاق المرضية والخصال الحميدة بما ~~يليق به أن يكون قريبا من حضرة الملك وافر الحظ من قربه مع أن الملك لا غرض ~~له فيه أصلا فإذا رفع الملك الحجاب بينه وبينه يقال قد أحبه وإذا اكتسب من ~~الخصال الحميدة ما اقتضى رفع الحجاب يقال قد توصل وحبب نفسه إلى الملك # فحب الله للعبد إنما يكون بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول # وإنما يصح تمثيله بالمعنى الثاني بشرط أن لا يسبق إلى فهمك دخول تغير ~~عليه عند تجدد القرب فإن الحبيب هو القريب من الله تعالى والقرب من الله في ~~البعد من صفات البهائم والسباع والشياطين والتخلق بمكارم الأخلاق التي هي ~~الأخلاق الإلهية فهو قرب بالصفة لا بالمكان ومن لم يكن قريبا فصار قريبا ~~فقد تغير فربما يظن بهذا أن القرب لما تجدد فقد تغير وصف العبد والرب جميعا ~~إذ صار قريبا بعد أن لم يكن وهو محال في حق الله تعالى إذ التغير عليه محال ~~بل لا يزال في نعوت الكمال والجلال على ما كان عليه في أزل الآزال # ولا ينكشف هذا إلا بمثال في القرب بين الأشخاص فإن ms2400 الشخصين قد يتقاربان ~~بتحركهما جميعا وقد يكون أحدهما ثابتا فيتحرك الآخر فيحصل القرب بتغير في ~~أحدهما من غير تغير في الآخر بل القرب في الصفات أيضا كذلك فإن التلميذ ~~يطلب القرب من درجة أستاذه في كمال العلم وجماله والأستاذ واقف في كمال ~~علمه غير متحرك بالنزول إلى درجة تلميذه والتلميذ متحرك مترق من حضيض الجهل ~~إلى ارتفاع العلم فلا يزال دائبا PageV04P328 # في التغير والترقي إلى أن يقرب من أستاذه والأستاذ ثابت غير متغير فكذلك ~~ينبغي أن يفهم ترقي العبد في درجات القرب فكلما صار أكمل صفة وأتم علما ~~وإحاطة بحقائق الأمور وأثبت قوة في قهر الشيطان وقمع الشهوات وأظهر نزاهة ~~عن الرذائل صار أقرب من درجة الكمال ومنتهى الكمال لله وقرب كل واحد من ~~الله تعالى بقدر كماله # نعم قد يقدر التلميذ على القرب من الأستاذ وعلى مساواته وعلى مجاوزته ~~وذلك في حق الله محال فإنه لا نهاية لكماله وسلوك العبد في درجات الكمال ~~متناه ولا ينتهي إلا إلى حد محدود فلا مطمع له في المساواة ثم درجات القرب ~~تتفاوت تفاوتا لا نهاية له أيضا لأجل انتفاء النهاية عن ذلك الكمال # فإذن محبة الله للعبد تقريبه من نفسه بدفع الشواغل والمعاصي عنه وتطهير ~~باطنه عن كدورات الدنيا ورفع الحجاب عن قلبه حتى يشاهده كأنه يراه بقلبه # وأما محبة العبد لله فهو ميله إلى درك هذا الكمال الذي هو مفلس عنه فاقد ~~له فلا جرم يشتاق إلى ما فاته وإذا أدرك منه شيئا يلتذ به والشوق والمحبة ~~بهذا المعنى محال على الله تعالى # فإن قلت محبة الله للعبد أمر ملتبس فبم يعرف العبد أنه حبيب الله فأقول ~~يستدل عليه بعلاماته # وقد قال صلى الله عليه وسلم إذا أحب الله عبدا ابتلاه فإذا أحبه الحب ~~البالغ اقتناه قيل وما اقتناه قال لم يترك له أهلا ولا مالا (1) فعلامة ~~محبة الله للعبد أن يوحشه من غيره ويحول بينه وبين غيره قيل لعيسى عليه ~~السلام لم لا تشتري حمارا فتركبه فقال أنا أعز على ms2401 الله تعالى من أن يشغلني ~~عن نفسه بحمار # وفي الخبر إذاأحب الله تعالى عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن رضي اصطفاه ~~(2) وقال بعض العلماء إذا رأيتك تحبه ورأيته يبتليك فاعلم أنه يريد أن ~~يصافيك وقال بعض المريدين لأستاذه قد طولعت بشيء من المحبة فقال يا بني هل ~~ابتلاك بمحبوب سواء فآثرت عليه إياه قال لا قال فلا تطمع في المحبة فإنه لا ~~يعطيها عبدا حتى يبلوه # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أحب الله تعالى عبدا جعل له ~~واعظا من نفسه وزاجرا من قلبه يأمره وينهاه // حديث إذا أحب الله عبدا جعل ~~له واعظا من نفسه الحديث أخرجه أبو منصور الديلمى في مسند الفردوس من حديث ~~أم سلمة بإسناد حسن بلفظ إذا أراد الله تعالى بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه ~~حديث إذا أراد الله بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه أخرجه أبو منصور الديلمي في ~~مسند الفردوس من حديث أنس بزيادة فيه بإسناد ضعيف فأخص علاماته حبه لله ~~تعالى # وأما الفعل الدال على كونه محبوبا فهو أن يتولى الله تعالى أمره ظاهره ~~وباطنه سره وجهره فيكون هو المشير عليه والمدبر لأمره والمزين لأخلاقه ~~والمستعمل لجوارحه والمسدد لظاهره وباطنه والجاعل همومه هما واحد واحدا ~~والمبغض للدنيا في قلبه والموحش له من غيره والمؤنس له بلذة المناجاة في ~~خلواته والكاشف له عن الحجب بينه وبين معرفته # فهذا وأمثاله هو علامة حب الله للعبد # فلنذكر الآن علامة محبة العبد لله تعالى فإنها أيضا من علامات حب الله ~~تعالى للعبد ### ||| القول في علامات محبة العبد لله تعالى # اعلم أن المحبة يدعيها كل أحد وما أسهل الدعوى وما أعز المعنى فلا ينبغي ~~أن يغتر الإنسان بتلبيس الشيطان PageV04P329 # وخدع النفس مهما ادعت محبة الله تعالى ما لم يمتحنها بالعلامات ولم ~~يطالبها بالبراهين والأدلة # والمحبة شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وثمارها تظهر في القلب ~~واللسان والجوارح # وتدل تلك الآثار الفائضة منها على القلب والجوارح على المحبة دلالة ~~الدخان على النار ودلالة الثمار على ms2402 الأشجار وهي كثيرة فمنها حب لقاء ~~الحبيب بطريق الكشف والمشاهدة في دار السلام فلا يتصور أن يحب القلب محبوبا ~~إلا ويحب مشاهدته ولقاءه وإذا علم أنه لا وصول إلا بالارتحال من الدنيا ~~ومفارقتها بالموت فينبغي أن يكون محبا للموت غير فار منه فإن المحب لا يثقل ~~عليه السفر عن وطنه إلى مستقر محبوبه ليتنعم بمشاهدته والموت مفتاح اللقاء ~~وباب الدخول إلى المشاهدة # قال صلى الله عليه وسلم من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه (1) وقال حذيفة ~~عند الموت حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم # وقال بعض السلف ما من خصلة أحب إلى الله أن تكون في العبد بعد حب لقاء ~~الله من كثرة السجود فقدم حب لقاء الله على السجود # وقد فرط الله سبحانه لحقيقة الصدق في الحب القتل في سبيل الله حيث قالوا ~~إنا نحب الله فجعل القتل في سبيل الله وطلب الشهادة علامته فقال تعالى إن ~~الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا وقال عز وجل يقاتلون في سبيل الله ~~فيقتلون ويقتلون وفي وصية أبي بكر لعمر رضي الله تعالى عنهما الحق ثقيل وهو ~~مع ثقله مرىء والباطل خفيف وهو مع خفته وبىء فإن حفظت وصيتي لم يكن غائب ~~أحب إليك من الموت وهو مدركك وإن ضيعت وصيتي لم يكن غائب أبغض إليك من ~~الموت ولن تعجزه # ويروى عن إسحق بن سعد بن أبي وقاص قال حدثني أبي أن عبد الله بن جحش قال ~~له يوم أحد ألا ندعو الله فخلوا في ناحية فدعا عبد الله بن جحش فقال يارب ~~إني أقسمت عليك إذا لقيت العدو غدا فلقني رجلا شديدا بأسه شديدا حرده ~~أقاتله فيك ويقاتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني ويبقر بطني فإذا لقيتك غدا ~~قلت يا عبد الله من جدع أنفك وأذنك فأقول فيك يارب وفي رسولك فتقول صدقت ~~قال سعد فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط (2) قال ~~سعيد بن المسيب أرجو أن يبر الله آخر قسمه كما أبر أوله ms2403 # وقد كان الثوري وبشر الحافي يقولان لا يكره الموت إلا مريب لأن الحبيب ~~على كل حال لا يكره لقاء حبيبه # وقال البويطي لبعض الزهاد أتحب الموت فكأنه توقف فقال لو كنت صادقا ~~لأحببته وتلا قوله تعالى فتمنوا الموت إن كنتم صادقين فقال الرجل فقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يتمنينأحدكم الموت (3) فقال إنما قاله لضر نزل ~~به لأن الرضا بقضاء الله تعالى أفضل من طلب الفرار منه # فإن قلت من لا يحب الموت فهل يتصور أن يكون محبا لله فأقول كراهة الموت ~~قد تكون لحب الدنيا والتأسف على فراق الأهل والمال والولد وهذا ينافي كمال ~~حب الله تعالى لأن الحب الكامل هو الذي يستغرق كل القلب ولكن لا يبعد أن ~~يكون له مع حب الأهل والولد شائبة من حب الله تعالى ضعيفة فإن الناس ~~متفاوتون في الحب ويدل على التفاوت ما روي أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة ~~بن عبد شمس لما زوج أخته فاطمة من سالم مولاه عاتبته قريش في ذلك وقالوا ~~أنكحت عقيلة من عقائل قريش لمولى فقال والله لقد أنكحته إياها PageV04P330 # وإني لأعلم أنه خير منها فكان قوله ذلك أشد عليهم من فعله فقالوا وكيف ~~وهي أختك وهو مولاك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أراد ~~أن ينظر إلى رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم (1) فهذا يدل على أن من ~~الناس من لا يحب الله بكل قلبه فيحبه ويحب أيضا غيره فلا جرم يكون نعيمه ~~بلقاء الله عند القدوم عليه على قدر حبه وعذابه بفراق الدنيا عند الموت على ~~قدر حبه لها # وأما السبب الثاني للكراهة فهو أن يكون العبد في ابتداء مقام المحبة وليس ~~يكره الموت وإنما يكره عجلته قبل أن يستعد للقاء الله فذلك لا يدل على ضعف ~~الحب وهو كالمحب الذي وصله الخبر بقدوم حبيبه عليه فأحب أن يتأخر قدومه ~~ساعة ليهيء له داره ويعد له أسبابه فيلقاه كما يهواه فارغ القلب عن الشواغل ~~خفيف ms2404 الظهر عن العوائق فالكراهة بهذا السبب لا تنافي كمال الحب أصلا ~~وعلامته لدءوب في العمل واستغراق الهم في الاستعداد # ومنها أن يكون مؤثرا ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه ~~فيلزم مشاق العمل ويجتنب اتباع الهوى ويعرض عن دعة الكسل ولا يزال مواظبا ~~على طاعة الله ومتقربا إليه بالنوافل وطالبا عنده مزايا الدرجات كما يطلب ~~المحب مزيد القرب في قلب محبوبه وقد وصف الله تعالى المحبين بالإيثار فقال ~~يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن بقي مستقرا على متابعة الهوى فمحبوبه ما ~~يهواه بل يترك المحب هوى نفسه كما قيل: # أريد وصاله ويريد هجري ... فأترك ما أريد لما يريد # بل الحب إذا غلب قمع الهوى فلم يبق له تنعم بغير المحبوب كما روي أن ~~زليخا لما آمنت وتزوج بها يوسف عليه السلام انفردت عنه وتخلت للعبادة ~~وانقطعت إلى الله تعالى فكان يدعوها إلى فراشه نهارا فتدافعه إلى الليل ~~فإذا دعاها ليلا سوفت به إلى النهار وقالت: يا يوسف إنما كنت أحبك قبل أن ~~أعرفه فأما إذ عرفته فما أبقت محبته محبة لسواه وما أريد به بدلا حتى قال ~~لها إن الله جل ذكره أمرني بذلك وأخبرني أنه مخرج منك ولدين وجاعلهما نبيين ~~فقالت: أما إذا كان الله تعالى أمرك بذلك وجعلني طريقا إليه فطاعة لأمر ~~الله تعالى فعندها سكنت إليه فإذن من أحب الله لا يعصيه ولذلك قال ابن ~~المبارك فيه: # تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في الفعال بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع # وفي هذا المعنى قيل أيضا: # وأترك ما أهوى ... لما قد هويته ... فأرضى بما ترضى وإن سخطت نفسي # وقال سهل رحمه الله تعالى: علامة الحب إيثاره على نفسك وليس كل من عمل ~~بطاعة الله عز وجل صار حبيبا وإنما الحبيب من اجتنب المناهي: وهو كما قال ~~لأن محبته لله تعالى سبب محبة الله له كما ms2405 قال تعالى يحبهم ويحبونه وإذا ~~أحبه الله تولاه ونصره على أعدائه وإنما عدوه نفسه وشهواته فلا يخذله الله ~~ولا يكله إلى هواه وشهواته PageV04P331 # ولذلك قال تعالى والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا # فإن قلت: فالعصيان هل يضاد أصل المحبة فأقول: إنه يضاد كمالها ولا يضاد ~~أصلها فكم من إنسان يحب نفسه وهو مريض ويحب الصحة ويأكل ما يضره مع العلم ~~بأنه يضره وذلك لا يدل على عدم حبه لنفسه ولكن المعرفة قد تضعف والشهوة قد ~~تغلب فيعجز عن القيام بحق المحبة ويدل عليه ما روي أن نعيمان كان يؤتى به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل قليل فيحده في معصية يرتكبها إلى أن ~~أتي به يوما فحده فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله 1 فلم ~~يخرجه بالمعصية عن المحبة نعم تخرجه المعصية عن كمال الحب وقد قال بعض ~~العارفين: إذا كان الإيمان في ظاهر القلب أحب الله تعالى حبا متوسطا فإذا ~~دخل سويداء القلب أحبه الحب البالغ وترك المعاصي وبالجملة في دعوى المحبة ~~خطر ولذلك قال الفضيل: إذا قيل لك أتحب الله تعالى فاسكت فإنك إن قلت لا ~~كفرت وإن قلت نعم فليس وصفك وصف المحبين فاحذر المقت ولقد قال بعض العلماء: ~~ليس في الجنة نعيم أعلى من نعيم أهل المعرفة والمحبة ولا في جهنم عذاب أشد ~~من عذاب من ادعى المعرفة والمحبة ولم يتحقق بشيء من ذلك # ومنها أن يكون مستهترا بذكر الله تعالى لا يفتر عنه لسانه ولا يخلو عنه ~~قلبه فمن أحب شيئا أكثر بالضرورة من ذكره وذكر ما يتعلق به فعلامة حب الله: ~~حب ذكره وحب القرآن الذي هو كلامه وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب كل ~~من ينسب إليه فإن من يحب إنسانا يحب كلب محلته فالمحبة إذا قويت تعدت من ~~المحبوب إلى كل ما يكتنف بالمحبوب ويحيط به ms2406 ويتعلق بأسبابه وذلك ليس شركة ~~في الحب فإن من أحب رسول المحبوب لأنه رسوله وكلامه لأنه كلامه فلم يجاوز ~~حبه إلى غيره بل هو دليل على كمال حبه ومن غلب حب الله على قلبه أحب جميع ~~خلق الله لأنهم خلقه فكيف لا يحب القرآن والرسول وعباد الله الصالحين وقد ~~ذكرنا تحقيق هذا في كتاب الأخوة والصحبة ولذلك قال تعالى قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبوا الله ~~لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لله تعالى وقال سفيان // حديث أحبوا الله: ~~من أحب من يحب الله تعالى فإنما أحب الله ومن أكرم من يكرم الله تعالى ~~فإنما يكرم الله # وحكي عن بعض المريدين قال: كنت قد وجدت حلاوة المناجاة في سن الإرادة ~~فأدمنت قراءة القرآن ليلا ونهارا ثم لحقتني فترة فانقطعت عن التلاوة قال: ~~فسمعت قائلا يقول في المنام إن كنت تزعم أنك تحبني فلم جفوت كتابي أما ~~تدبرت ما فيه من لطيف عتابي قال: فانتبهت وقد أشرب في قلبي محبة القرآن ~~فعاودت إلى حالي # وقال ابن مسعود: لا ينبغي أن يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب ~~القرآن فهو يحب الله عز وجل وإن لم يكن يحب القرآن فليس يحب الله # وقال سهل رحمه الله تعالى عليه علامة حب الله حب القرآن وعلامة حب الله ~~وحب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم وعلامة حب النبي صلى الله عليه ~~وسلم حب السنة وعلامة حب السنة حب الآخرة وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا ~~وعلامة بغض الدنيا أن لا يأخذ منها إلا زادا وبلغة إلى الآخرة # ومنها أن يكون أنسه بالخلوة ومناجاته لله تعالى وتلاوة كتابه فيواظب على ~~التهجد ويغتنم هدء الليل وصفاء الوقت بانقطاع العوائق وأقل درجات الحب ~~التلذذ بالخلوة بالحبيب والتنعم بمناجاته فمن كان النوم والاشتغال بالحديث ~~ألذ عنده وأطيب من مناجاة الله كيف تصح محبته قيل لإبراهيم بن أدهم وقد نزل ~~من الجبل: من أين أقبلت PageV04P332 # فقال من ms2407 الأنس بالله وفي أخبار داود عليه السلام لا تستأنس إلى أحد من ~~خلقي فإني إنما أقطع عني رجلين رجل استبطأ ثوابي فانقطع ورجلا نسيني فرضي ~~بحاله وعلامة ذلك أن أكله إلى نفسه وأن أدعه في الدنيا حيران ومهما أنس ~~بغير الله كان بقدر أنسه بغير الله مستوحشا من الله تعالى ساقطا عن درجة ~~محبته وفي قصة برخ وهو العبد الأسود الذي استسقى به موسى عليه السلام إن ~~الله تعالى قال لموسى عليه السلام إن برخا نعم العبد هو لي إلا أن فيه عيبا ~~قال يارب وما عيبه فقال يعجبه نسيم الأسحار فيسكن إليه ومن أحبني لم يسكن ~~إلى شيء وروي أن عابدا عبد الله تعالى في غيضة دهرا طويلا فنظر إلى طائر ~~وقد عشش في شجرة يأوي إليها ويصفر عندها فقال لو حولت مسجدي إلى تلك الشجرة ~~فكنت آنس بصوت هذا الطائر قال: ففعل فأوحى الله تعالى إلى نبي ذلك الزمان ~~قل لفلان العابد استأنست بمخلوق لأحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك أبدا # فإذن علامة المحبة كمال الأنس بمناجاة المحبوب وكمال التنعم بالخلوة به ~~وكمال الاستيحاش من كل ما ينغص عليه الخلوة ويعوق عن لذة المناجاة وعلامة ~~الأنس مصير العقل والفهم كله مستغرقا بلذة المناجاة كالذي يخاطب معشوقه ~~ويناجيه وقد انتهت هذه اللذة ببعضهم حتى كان في صلاته ووقع الحريق في داره ~~فلم يشعر به وقطعت رجل بعضهم بسبب علة أصابته وهو في الصلاة فلم يشعر به ~~ومهما غلب عليه الحب والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرة عينه يدفع بها جميع ~~الهموم بل يستغرق الأنس والحب قلبه حتى لا يفهم أمور الدنيا ما لم تكرر على ~~سمعه مرارا مثل العاشق الولهان فإنه يكلم الناس بلسانه وأنسه في الباطن ~~بذكر حبيبه فالمحب من لا يطمئن إلا بمحبوبه وقال قتادة في قوله تعالى الذين ~~آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب قال هشت إليه ~~واستأنست به وقال الصديق رضي الله تعالى عنه من ذاق من خالص محبة الله شغله ms2408 ~~ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع البشر # وقال مطرف بن أبي بكر: الحب لا يسأم من حديث حبيبه وأوحى الله تعالى إلى ~~داود عليه السلام قد كذب من ادعى محبتي إذا جنه الليل نام عني أليس كل محب ~~يحب لقاء حبيبه فها أنا ذا موجود لمن طلبني وقال موسى عليه السلام يا رب ~~أين أنت فأقصدك فقال إذا قصدت فقد وصلت وقال يحيى بن معاذ من أحب الله أبغض ~~نفسه وقال أيضا من لم تكن فيه ثلاث خصال فليس بمحب يؤثر كلام الله تعالى ~~على كلام الخلق ولقاء الله تعالى على لقاء الخلق والعبادة على خدمة الخلق ~~ومنها أن لا يتأسف على مما يفوته ما سوى الله عز وجل ويعظم تأسفه على فوت ~~كل ساعة خلت عن ذكر الله تعالى وطاعته فيكثر رجوعه عند الغفلات بالاستعطاف ~~والاستعتاب والتوبة قال بعض العارفين إن لله عبادا أحبوه واطمأنوا إليه ~~فذهب عنهم التأسف على الفائت فلم يتشاغلوا بحظ أنفسهم إذ كان ملك مليكهم ~~تاما وما شاء كان فما كان لهم فهو واصل إليهم وما فاتهم فبحسن تدبيره لهم ~~وحق المحب إذا رجع من غفلته في لحظته أن يقبل على محبوبه ويشتغل بالعتاب ~~ويسأله ويقول رب بأي ذنب قطعت برك عني وأبعدتني عن حضرتك وشغلتني بنفسي ~~وبمتابعة الشيطان فيستخرج ذلك منه صفاء ذكر ورقة قلب يكفر عنه ما سبق من ~~الغفلة وتكون هفوته سببا لتجدد ذكره وصفاء قلبه ومهما لم ير المحب إلا ~~المحبوب ولم ير شيئا إلا منه لم يتأسف ولم يشك واستقبل الكل بالرضا وعلم أن ~~المحبوب لم يقدر له إلا ما فيه خيرته ويذكر قوله وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم # ومنها أن يتنعم بالطاعة ولا يستثقلها ويسقط عنه تعبها كما قال بعضهم ~~كابدت الليل عشرين سنة ثم تنعمت به PageV04P333 # عشرين سنة # وقال الجنيد علامة المحب دوام النشاط والدعوب بشهوة تفتر بدنه ولا تفتر ~~قلبه وقال بعضهم العمل على المحبة لا يدخله الفتور # وقال بعض العلماء والله ما اشتفى ms2409 محب لله من طاعته ولو حل بعظيم الوسائل # فكل هذا وأمثاله موجود في المشاهدات فإن العاشق لا يستثقل السعي في هوى ~~معشوقه ويستلذ خدمته بقلبه وإن كان شاقا على بدنه ومهما عجز بدنه كان أحب ~~الأشياء إليه أن تعاوده القدرة وأن يفارقه العجز حتى يشغل به فهكذا يكون حب ~~الله تعالى فإن كل حب صار غالبا قهر لا محالة ماهو دونه فمن كان محبوبه أحب ~~إليه من الكسل ترك الكسل في خدمته وإن كان أحب إليه من المال ترك المال في ~~حبه # وقيل لبعض المحبين وقد كان بذل نفسه وماله حتى لم يبق له شيء ما كان سبب ~~حالك هذه في المحبة فقال سمعت يوما محبا وقد خلا بمحبوبه وهو يقول أنا ~~والله أحبك بقلبي كله وأنت معرض عني بوجهك كله فقال له المحبوب إن كنت ~~تحبني فأيش تنفق علي قال يا سيدي أملكك ما أملك ثم أنفق عليك روحي حتى تهلك ~~فقلت هذا خلق لخلق وعبد لعبد فكيف بعبيد لمعبود فكل هذا بسببه # ومنها أن يكون مشفقا على جميع عباد الله رحيما بهم شديدا على جميع أعداء ~~الله وعلى كل من يقارف شيئا مما يكرهه كما قال الله تعالى أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم ولا تأخذه لومة لائم ولا يصرفه عن الغضب لله صارف وبه وصف الله ~~أولياءه إذ قال الذين يكلفون بحبي كما يكلف الصبي بالشيء ويأوون إلى ذكري ~~كما يأوي النسر إلى وكره ويغضبون لمحارمه كما يغضب النمر إذا حرد فإنه لا ~~يبالي قل الناس أو كثروا فانظر إلى هذا المثال فإن الصبي إذا كلف بالشيء لم ~~يفارقه أصلا وإن أخذ منه لم يكن له شغل إلا البكاء والصياح حتى يرد إليه ~~فإن نام أخذه معه في ثيابه فإذا انتبه عاد وتمسك به ومهما فارقه بكى ومهما ~~وجده ضحك ومن نازعه فيه أبغضه ومن أعطاه أحبه وأما النمر فإنه لا يملك نفسه ~~عند الغضب حتى يبلغ من شدة غضبه أنه يهلك نفسه فهذه علامات المحبة فمن تمت ms2410 ~~فيه هذه العلامات فقد تمت محبته وخلص حبه فصفا في الآخرة شرابه وعذب مشربه ~~ومن امتزج بحبه حب غير الله تنعم في الآخرة بقدر حبه إذ يمزج شرابه بقدر من ~~شراب المقربين كما قال تعالى في الأبرار إن الأبرار لفي نعيم {ثم قال} ~~يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من ~~تسنيم عينا يشرب بها المقربون فإذا طاب شراب الأبرار لشوب الشراب الصرف ~~الذي هو للمقربين # والشراب عبارة عن جملة نعيم الجنان كما أن الكتاب عبر به عن جميع الأعمال ~~فقال إن كتاب الأبرار لفي عليين {ثم قال} يشهده المقربون فكان أمارة علو ~~كتابهم أنه ارتفع إلى حيث يشهده المقربون وكما أن الأبرار يجدون المزيد في ~~حالهم ومعرفتهم بقربهم من المقربين ومشاهدتهم لهم فكذلك يكون حالهم في ~~الآخرة ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة كما بدأنا أول خلق نعيده وكما ~~قال تعالى جزاء وفاقا أي وافق الجزاء أعمالهم فقوبل الخالص بالصرف من ~~الشراب وقوبل المشوب بالمشوب # وشوب كل شراب على قدر ما سبق من الشوب في حبه وأعماله فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ~~ما بأنفسهم إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها وإن كان مثقال ~~حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين فمن كان حبه في الدنيا رجاءه لنعيم ~~الجنة والحور العين والقصور مكن من الجنة ليتبوأ منها حيث يشاء فيلعب مع ~~الولدان ويتمتع بالنسوان فهناك تنتهي لذته في الآخرة لأنه إنما يعطى كل ~~إنسان في المحبة ما تشتهيه نفسه وتلذ عينه # ومن كان مقصده رب الدار ومالك الملك ولم يغلب عليه إلا حبه بالإخلاص ~~والصدق أنزل في مقعد PageV04P334 # صدق عند مليك مقتدر فالأبرار يرتعون في البساتين ويتنعمون في الجنان مع ~~الحورالعين والولدان والمقربون ملازمون للحضرة عاكفون بطرفهم عليها ~~يستحقرون نعيم الجنان بالإضافة إلى ذرة منها فقوم بقضاء شهوة البطن والفرج ~~مشغولون وللمجالسة أقوام آخرون ولذلك ms2411 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوى الألباب (1) حديث شيبتنى هود أخرجه ~~الترمذى وقد تقدم غير مرة (2) حديث من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان يومه ~~شرا من أمسه فهو ملعون لا أعلم هذا إلا في منام لعبد العزيز بن أبي رواد ~~قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت يا رسول الله أوصنى فقال ~~ذلك بزيادة في آخره رواه البيهقى في الزهد (3) حديث إنه ليغان على قلبي ~~متفق عليه من حديث الأغر وقد تقدم // وإنما كان استغفاره من القدم الأول ~~فإنه كان بعدا بالإضافة إلى القدم الثاني ويكون ذلك عقوبة لهم على الفتور ~~في الطريق والالتفات إلى غير المحبوب كما روي أن الله تعالى يقول إن أدنى ~~ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوات الدنيا على طاعتي أن أسلبه لذيذ مناجاتي # فسلب المزيد بسبب الشهوات عقوبة للعموم فأما الخصوص فيحجبهم عن المزيد ~~مجرد الدعوى والعجب والركون إلى ما ظهر من مبادىء اللطف وذلك هو المكر ~~الخفي الذي لا يقدر على الاحتراز منه إلا ذوو الأقدام الراسخة ثم خوف فوت ~~ما لا يدرك بعد فوته سمع إبراهيم بن أدهم قائلا يقول وهو في سياحة وكان على ~~الجبل # كل شيء منك مغفو ... ر سوى الإعراض عنا # قد وهبنا لك ما فا ... ت فهب لنا ما فات منا # فاضطرب وغشي عليه فلم يفق يوما وليلة وطرأت عليه أحوال ثم قال سمعت ~~النداء من الجبل يا إبراهيم كن عبدا فكنت عبدا واسترحت # ثم خوف السلو عنه فإن المحب يلازمه الشوق والطلب الحثيث فلا يفتر عن طلب ~~المزيد ولا يتسلى إلا بلطف جديد فإن تسلى عن ذلك كان ذلك سبب وقوفه أو سبب ~~رجعته # والسلو يدخل عليه من حيث لا يشعر كما قد يدخل عليه الحب من حيث لا يشعر ~~فإن هذه التقلبات لها أسباب خفية سماوية ليس في قوة البشر الإطلاع عليها ~~فإذا PageV04P335 # أراد الله المكر به واستدراجه أخفى عنه ما ورد عليه من السلو فيقف ms2412 مع ~~الرجاء ويغتر بحسن النظر أو بغلبة الغفلة أو الهوى أو النسيان فكل ذلك من ~~جنود الشيطان التي تغلب جنود الملائكة من العلم والعقل والذكر والبيان وكما ~~أن من أوصاف الله تعالى ما يظهر فيقتضى هيجان الحب وهي أوصاف اللطف والرحمة ~~والحكمة فمن أوصافه ما يلوح فيورث السلو كأوصاف الجبرية والعزة والاستغناء ~~وذلك من مقدمات المكر والشقاء والحرمان # ثم خوف الاستبدال به بانتقال القلب من حبه إلى حب غيره وذلك هو المقت ~~والسلو عنه مقدمة هذا المقام والإعراض والحجاب مقدمة السلو وضيق الصدر ~~بالبر وانقباضه عن دوام الذكر وملاله لوظائف الأوراد أسباب هذه المعاني ~~ومقدماتها # وظهور هذه الأسباب دليل على النقل عن مقام الحب إلى مقام المقت نعوذ ~~بالله منه وملازمة الخوف لهذه الأمور وشدة الحذر منها بصفاء المراقبة دليل ~~صدق الحب فإن من أحب شيئا خاف لا محالة فقده فلا يخلو المحب عن خوف إذا كان ~~المحبوب مما يمكن فواته # وقد قال بعض العارفين من عبد الله تعالى بمحبة من غير خوف هلك بالبسط ~~والإدلال ومن عبده من طريق الخوف من غير محبة انقطع عنه بالبعد والاستيحاش ~~ومن عبده من طريق المحبة والخوف أحبه الله تعالى فقربه ومكنه وعلمه فالمحب ~~لا يخلو عن خوف والخائف لا يخلو عن محبة ولكن الذي غلبت عليه المحبة حتى ~~اتسع فيها ولم يكن له من الخوف إلا يسير يقال هو في مقام المحبة ويعد من ~~المحبين وكان شوب الخوف يسكن قليلا من سكر الحب فلو غلب الحب واستولت ~~المعرفة لم تثبت لذلك طاقة البشر فإنما الخوف يعدله ويخفف وقعه على القلب # فقد روي في بعض الأخبار أن بعض الصديقين سأله بعض الأبدال أن يسأل الله ~~تعالى أن يرزقه ذرة من معرفته ففعل ذلك فهام في الجبال وحار عقله ووله قلبه ~~وبقي شاخصا سبعة أيام لا ينتفع بشيء ولا ينتفع به شيء فسأل له الصديق ربه ~~تعالى فقال يارب أنقصه من الذرة بعضها فأوحى الله تعالى إليه إنما أعطيناه ~~جزءا من مائة ألف جزء ms2413 من المعرفة وذلك أن مائة ألف عبد سألوني شيئا من ~~المحبة في الوقت الذي سألني هذا فأخرت إجابتهم إلى أن شفعت أنت لهذا فلما ~~أجتبنك فيما سألت أعطيتهم كما أعطيته فقسمت ذرة من المعرفة بين مائة ألف ~~عبد فهذا ما أصابه من ذلك فقال سبحانك يا أحكم الحاكمين أنقصه مما أعطيته ~~فأذهب الله عنه جملة الجزء وبقي معه عشر معشاره وهو جزء من عشرة آلاف جزء ~~من مائة ألف جزء من ذرة فاعتدل خوفه وحبه ورجاؤه وسكن وصار كسائر العارفين ~~وقد قيل في وصف حال العارف # قريب الوجد ذو مرمى بعيد ... عن الأحرار منهم والعبيد # غريب الوصف ذو علم غريب ... كان فؤاده زبر الحديد # لقد عزت معانيه وجلت ... عن الأبصار إلا للشهيد # يرى الأعياد في الأوقات تجري ... له في كل يوم ألف عيد # وللأحباب أفراح بعيد ... ولا يجد السرور له بعيد # وقد كان الجنيد رحمه الله ينشد أبياتا يشير بها إلى أسرار أحوال العارفين ~~وإن كان ذلك لا يجوز إظهاره وهي هذه الأبيات # سرت بأناس في الغيوب قلوبهم ... فحلوا بقرب الماجد المتفضل # عراضا بقرب الله في ظل قدسه ... تجول به أرواحهم وتنقل # مواردهم فيها على العز والنهي ... ومصدرهم عنها لما هو أكمل PageV04P336 # تروح بعز مفرد من صفاته ... وفي حلل التوحيد تمشي وترفل # ومن بعد هذا ما تدق صفاته ... وما كتمه أولى لديه وأعدل # سأكتم من علمي به ما يصونه ... وأبذل منه ما أرى الحق يبذل # وأعطي عباد الله منه حقوقهم ... وأمنع منه ما أرى المنع يفضل # على أن للرحمن سرا يصونه ... إلى أهله في السر والصون أجمل # وأمثال هذه المعارف التي إليها الإشارة لا يجوز أن يشترك الناس فيها ولا ~~يجوز أن يظهرها من انكشف له شيء من ذلك لمن لم ينكشف له بل لو اشترك الناس ~~فيها لخربت الدنيا فالحكمة تقتضي شمول الغفلة لعمارة الدنيا بل لو أكل ~~الناس كلهم الحلال أربعين يوما لخربت الدنيا لزهدهم فيها وبطلت الأسواق ~~والمعايش بل لو أكل العلماء الحلال لاشتغلوا بأنفسهم ولوقفت الألسنة ms2414 ~~والأقلام عن كثير مما انتشر من العلوم ولكن لله تعالى فيما هو شر في الظاهر ~~أسرار وحكم كما أن له في الخير أسرارا وحكما ولا منتهى لحكمته كما لا غاية ~~لقدرته # ومنها كتمان الحب واجتناب الدعوى والتوقى من إظهار الوجد والمحبة تعظيما ~~للمحبوب وإجلالا له وهيبة منه وغيرة على سره فإن الحب سر من أسرار الحبيب ~~ولأنه قد يدخل في الدعوى ما يتجاوز حد المعنى ويزيد عليه فيكون ذلك من ~~الافتراء وتعظم العقوبة عليه في العقبى وتتعجل عليه البلوى في الدنيا # نعم قد يكون للمحب سكرة في حبه حتى يدهش فيه وتضطرب أحواله فيظهر عليه ~~حبه فإن وقع ذلك عن غير تمحل أو اكتساب فهو معذور لأنه مقهور وربما تشتعل ~~من الحب نيرانه فلا يطاق سلطانه وقد يفيض القلب به فلا يندفع فيضانه # فالقادر على الكتمان يقول # وقالوا قريب قلت # ما أنا صانع ... بقرب شعاع الشمس لو كان في حجري # فمالي منه غير ذكر بخاطر ... يهيج نار الحب والشوق في صدري # والعاجز عنه يقول # يخفى فيبدي الدمع أسراره ... ويظهر الوجد عليه النفس # ويقول أيضا # ومن قلبه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم # وقد قال بعض العارفين أكثر الناس من الله بعدا أكثرهم إشارة به # كأنه أراد من يكثر التعريض به في كل شيء ويظهر التصنع بذكره عند كل أحد ~~فهو ممقوت عند المحبين والعلماء بالله عز وجل ودخل ذو النون المصري على بعض ~~إخوانه ممن كان يذكر المحبة فرآه مبتلى ببلاء فقال لا يحبه من وجد ألم ضره ~~فقال الرجل لكني أقول لا يحبه من لم يتنعم بضره فقال ذو النون ولكنى أقول ~~لا يحبه من شهر نفسه بحبه فقال الرجل أستغفر الله وأتوب إليه # فإن قلت المحبة منتهى المقامات وإظهارها إظهار للخير فلماذا يستنكر فاعلم ~~أن المحبة محمودة وظهورها محمود أيضا وإنما المذموم التظاهر بها لما يدخل ~~فيها من الدعوى والاستكبار وحق المحب أن ينم على حبه الخفي أفعاله وأحواله ~~دون أقواله وأفعاله # وينبغي أن ms2415 يظهر حبه من غير قصد منه إلى إظهار الحب ولا إلى إظهار الفعل ~~الدال على الحب بل ينبغي أن يكون قصد المحب إطلاع الحبيب فقط فأما إرادته ~~إطلاع غيره فشرك في الحب PageV04P337 # وقادح فيه كما ورد في الإنجيل إذا تصدقت فتصدق بحيث لا تعلم شمالك ما ~~صنعت يمينك # فالذي يرى الخفيات يجزيك علانية وإذا صمت فاغسل وجهك وادهن رأسك لئلا ~~يعلم بذلك غير ربك # فإظهار القول والفعل كله مذموم إلا إذا غلب سكر الحب فانطلق اللسان ~~واضطربت الأعضاء فلا يلام فيه صاحبه # حكي أن رجلا رأى من بعض المجانين ما استجهله فيه فأخبر بذلك معروفا ~~الكرخي رحمه الله فتبسم ثم قال يا أخي له محبون صغار وكبار وعقلاء ومجانين ~~فهذا الذي رأيته من مجانينهم # ومما يكره التظاهر بالحب بسبب أن المحب إن كان عارفا وعرف أحوال الملائكة ~~في حبهم الدائم وشوقهم اللازم الذي به يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا ~~يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لاستنكف من نفسه ومن إظهار حبه وعلم ~~قطعا أنه من أخس المحبين في مملكته وأن حبه أنقص من حب كل محب لله # قال بعض الكاشفين من المحبين عبدت الله تعالى ثلاثين سنة بأعمال القلوب ~~والجوارح على بذل المجهود واستفراغ الطاقة حتى ظننت أن لي عند الله شيئا ~~فذكر أشياء من مكاشفات آيات السموات في قصة طويلة قال في آخرها فبلغت صفا ~~من الملائكة بعدد جميع ما خلق الله من شيء فقلت من أنتم فقالوا نحن المحبون ~~لله عز وجل نعبده ههنا منذ ثلثمائة ألف سنة ما خطر على قلوبنا قط سواه ولا ~~ذكرنا غيره قال فاستحييت من أعمالي فوهبتها لمن حق عليه الوعيد تخفيفا عنه ~~في جهنم # فإذن من عرف نفسه وعرف ربه واستحيا منه حق الحياء خرس لسانه عن التظاهر ~~بالدعوى # نعم يشهد على حبه حركاته وسكناته وإقدامه وإحجامه وتردداته كما حكي عن ~~الجنيد أنه قال مرض أستاذنا السري رحمه الله فلم نعرف لعلته دواء ولا عرفنا ~~لها سببا فوصف لنا طبيب ms2416 حاذق فأخذ قارورة مائه فنظر إليها الطبيب وجعل ينظر ~~إليه مليا ثم قال لي أراه بول عاشق قال الجنيد فصعقت وغشي علي ووقعت ~~القارورة من يدي ثم رجعت إلى السري فأخبرته فتبسم قال قاتله الله ما أبصره ~~قلت يا أستاذ وتبين المحبة في البول قال نعم # وقد قال السري مرة لو شئت أقول ما أيبس جلدي على عظمي ولا سل جسمي إلا ~~حبه ثم غشي عليه # وتدل الغشية على أنه أفصح في غلبة الوجد ومقدمات الغشية فهذه مجامع ~~علامات الحب وثمراته # ومنها الأنس والرضا كما سيأتي # وبالجملة جميع محاسن الدين ومكارم الأخلاق ثمرة الحب وما لا يثمره الحب ~~فهو إتباع الهوى وهو من رذائل الأخلاق # نعم قد يحب الله لإحسانه إليه وقد يحبه لجلاله وجماله وإن لم يحسن إليه # والمحبون لا يخرجون عن هذين القسمين ولذلك قال الجنيد الناس في محبة الله ~~تعالى عام وخاص فالعوام نالوا ذلك بمعرفتهم في دوام إحسانه وكثرة نعمه فلم ~~يتمالكوا أن أرضوه إلا أنهم تقل محبتهم وتكثر على قدر النعم والإحسان فأما ~~الخاصة فنالوا المحبة بعظم القدر والقدرة والعلم والحكمة والتفرد بالملك # ولما عرفوا صفاته الكاملة وأسماءه الحسنى لم يمتنعوا أن أحبوه إذ استحق ~~عندهم المحبة بذلك لأنه أهل لها ولو أزال عنهم جميع النعم نعم من الناس من ~~يحب هواه # وعدو الله إبليس وهو مع ذلك يلبس على نفسه بحكم الغرور والجهل فيظن أنه ~~محب لله عز وجل وهو الذي فقدت فيه هذه العلامات أو يلبس بها نفاقا ورياء ~~وسمعة وغرضه عاجل حظ الدنيا وهو يظهر من نفسه خلاف ذلك كعلماء السوء وقراء ~~السوء أولئك بغضاء الله في أرضه # وكان سهل إذا تكلم مع إنسان قال يا دوست أي يا حبيب فقيل له قد لا يكون ~~حبيبا فكيف تقول هذا فقال في أذن القائل سرا لا يخلو إما أن يكون مؤمنا أو ~~منافقا فإن كان مؤمنا فهو حبيب الله عز وجل وإن كان منافقا فهو حبيب إبليس ~~وقد PageV04P338 # قال أبو تراب النخشبى في ms2417 علامات المحبة أبياتا # لا تخدعن فللحبيب دلائل ... ولديه من تحف الحبيب وسائل # منها تنعمه بمر بلائه ... وسروره في كل ما هو فاعل # فالمنع منه عطية مقبولة ... والفقر إكرام وبر عاجل # ومن الدلائل أي ترى من عزمه ... طوع الحبيب وإن ألح العاذل # ومن الدلائل أن يرى متبسما ... والقلب فيه من الحبيب بلابل # ومن الدلائل أن يرى متفهما ... لكلام من يحظى لديه السائل # ومن الدلائل أن يرى متقشفا ... متحفظا من كل ما هو قائل # وقال يحيى بن معاذ # ومن الدلائل أن تراه مشمرا ... في خرقتين على شطوط الساحل # ومن الدلائل حزنه ونحيبه ... جوف الظلام فما له من عاذل # ومن الدلائل أن تراه مسافرا ... نحو الجهاد وكل فعل فاضل # ومن الدلائل زهده فيما يرى ... من دار ذل والنعيم الزائل # ومن الدلائل أن تراه باكيا ... أن قد رآه على قبيح فعائل # ومن االدلائل أن تراه مسلما ... كل الأمور إلى المليك العادل # ومن الدلائل أن تراه راضيا ... بمليكه في كل حكم نازل # ومن الدلائل ضحكه بين الورى ... والقلب محزون كقلب الثاكل ### |||| بيان معنى الأنس بالله تعالى # قد ذكرنا أن الأنس والخوف والشوق من آثار المحبة إلا أن هذه آثار تختلف ~~على المحب بحسب نظره وما يغلب عليه في وقته فإذا غلب عليه التطلع من وراء ~~حجب الغيب إلا منتهى الجمال واستشعر قصوره عن الإطلاع على كنه الجلال انبعث ~~القلب إلى الطلب وانزعج له وهاج إليه وتسمى هذه الحالة في الانزعاج شوقا ~~وهو بالإضافة إلى أمر غائب وإذا غلب عليه الفرح بالقرب ومشاهدة الحضور بما ~~هو حاصل من الكشف وكان نظره مقصورا على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف غير ~~ملتفت إلى ما لم يدركه بعد استبشر القلب بما يلاحظه فيسمى استبشاره أنسا ~~وإن كان نظره إلى صفات العز والاستغناء وعدم المبالاة وخطر إمكان الزوال ~~والبعد تألم القلب بهذا الاستشعار فيسمى تألمه خوفا # وهذه الأحوال تابعة لهذه الملاحظات والملاحظات تابعة لأسباب تقتضيها لا ~~يمكن حصرها فالأنس معناه استبشار القلب فرحه بمطالعة الجمال حتى إنه إذا ~~غلب وتجرد عن ms2418 ملاحظة ما غاب عنه وما يتطرق إليه من خطر الزوال عظم نعيمه ~~ولذته ومن هنا نظر بعضهم حيث قيل له أنت مشتاق فقال لا إنما الشوق إلى غائب ~~فإذا كان الغائب حاضرا فإلى من يشتاق وهذا كلام مستغرق بالفرح بما ناله غير ~~ملتفت إلى ما بقي في الإمكان من مزايا الألطاف # ومن غلب عليه حال الأنس لم تكن شهوته إلا في الانفراد والخلوة كما حكي أن ~~إبراهيم بن أدهم نزل من الجبل فقيل له من أين أقبلت فقال من الأنس بالله ~~وذلك لأن الأنس بالله يلازمه التوحش من غير الله بل كل PageV04P339 # ما يعوق عن الخلوة فيكون من أثقل الأشياء على القلب كما روي أن موسى عليه ~~السلام لما كلمه ربه مكث دهرا لا يسمع كلام أحد من الناس إلا أخذه الغثيان ~~لأن الحب يوجب عذوبة كلام المحبوب وعذوبة ذكره فيخرج من القلب عذوبة ما ~~سواه # ولذلك قال بعض الحكماء في دعائه يا من آنسني بذكره وأوحشني من خلقه وقال ~~الله عز وجل لداود عليه السلام كن لي مشتاقا وبي متأنسا ومن سواي مستوحشا ~~وقيل لرابعة بم نلت هذه المنزلة قالت بتركي ما لا يعنيني وأنسي بمن لم يزل # وقال عبد الواحد بن زيد مررت براهب فقلت له يا راهب لقد أعجبتك الوحدة ~~فقال يا هذا لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك الوحدة رأس ~~العبادة فقلت يا راهب ما أقل ما تجده في الوحدة قال الراحة من مداراة الناس ~~والسلامة من شرهم قلت يا راهب متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله تعالى قال ~~إذا صفا الود وخلصت المعاملة قلت ومتى يصفو الود قال إذا اجتمع الهم فصار ~~هما واحد في الطاعة وقال بعض الحكماء عجبا للخلائق كيف أرادوا بك بدلا عجبا ~~للقلوب كيف استأنست بسواك عنك # فإن قلت فما علامة الأنس فاعلم أن علامته الخاصة ضيق الصدر من معاشرة ~~الخلق والتبرم بهم واستهتاره بعذوبة الذكر فإن خالط فهو كمنفرد في جماعة ~~ومجتمع في خلوة وغريب في حضر وحاضر ms2419 في سفر وشاهد في غيبة وغائب في حضور ~~مخالط بالبدن منفرد بالقلب مستغرق بعذوبة الذكر كما قال علي كرم الله وجهه ~~في وصفهم هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين ~~واستلانوا ما استوعر المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون صحبوا الدنيا ~~بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى ~~دينه # فهذا معنى الأنس بالله وهذه علامته وهذه شواهده # وقد ذهب بعض المتكلمين إلى إنكار الأنس والشوق والحب لظنه أن ذلك يدل على ~~التشبيه وجهله بأن جمال المدركات بالبصائر أكمل من جمال المبصرات ولذة ~~معرفتها أغلب على ذوي القلوب ومنهم أحمد بن غالب يعرف بغلام الخليل أنكر ~~على الجنيد وعلى أبي الحسن النوري والجماعة حديث الحب والشوق والعشق حتى ~~أنكر بعضهم مقام الرضا وقال ليس إلا الصبر فأما الرضا فغير متصور # وهذا كله كلام ناقص قاصر لم يطلع من مقامات الدين إلا على القشور فظن أنه ~~لا وجود إلا للقشر فإن المحسوسات وكل ما يدخل في الخيال من طريق الدين قشر ~~مجرد ووراءه اللب المطلوب فمن لم يصل من الجوز إلا إلى قشره يظن أن الجوز ~~خشب كله ويستحيل عنده خروج الدهن منه لا محالة وهو معذور ولكن عذره غير ~~مقبول وقد قيل # الأنس بالله لا يحويه بطال ... وليس يدركه بالحول محتال # والآنسون رجال كلهم نجب ... وكلهم صفوة لله عمال ### |||| بيان معنى الانبساط والإدلال الذي تثمره غلبة الأنس # اعلم أن الأنس إذا دام وغلب واستحكم ولم يشوشه قلق الشوق ولم ينغصه خوف ~~التغير والحجاب فإنه يثمر نوعا من الانبساط في الأقوال والأفعال والمناجاة ~~مع الله تعالى وقد يكون منكر الصورة لما فيه من الجراءة وقلة الهيبة ولكنه ~~محتمل ممن أقيم في مقام الأنس ومن لم يقم في ذلك المقام ويتشبه بهم في ~~الفعل والكلام هلك به وأشرف على الكفر # ومثاله مناجاة برخ الأسود الذي أمر الله تعالى كليمه موسى عليه السلام أن ~~يسأله ليستسقي لبني إسرائيل PageV04P340 # بعد أن قحطوا سبع سنين وخرج موسى ms2420 عليه السلام ليستسقي لهم في سبعين ألفا ~~فأوحى الله عز وجل إليه كيف أستجيب لهم وقد أظلمت عليهم ذنوبهم سرائرهم ~~خبيثة يدعونني على غير يقين ويأمنون مكري ارجع إلى عبد من عبادي يقال له ~~برخ فقل له يخرج حتى أستجيب له فسأل عنه موسى عليه السلام فلم يعرف فبينما ~~موسى ذات يوم يمشي في طريق إذا بعبد أسود قد استقبله بين عينيه تراب من أثر ~~السجود في شملة قد عقدها على عنقه فعرفه موسى عليه السلام بنور الله عز وجل ~~فسلم عليه وقال له ما اسمك فقال اسمي برخ قال فأنت طلبتنا منذ حين أخرج ~~فاستسق لنا # فخرج فقال في كلامه ما هذا من فعالك ولا هذا من حلمك وما الذى بدالك ~~أنقصت عليك عيونك أم عاندت الرياح عن طاعتك أم نفد ما عندك أم اشتد غضبك ~~على المذنبين ألست كنت غفارا قبل خلق الخطائين خلقت الرحمة وأمرت بالعطف أم ~~ترينا أنك ممتنع أم تخشى الفوت فتجعل بالعقوبة قال فما برح حتى اخضلت بنو ~~إسرائيل بالقطر وأنبت الله تعالى العشب في نصف يوم حتى بلغ الركب قال فرجع ~~برخ فاستقبله موسى عليه السلام فقال كيف رأيت حين خاصمت ربى كيف أنصفني فهم ~~موسى عليه السلام به فأوحى الله تعالى إليه إن برخا يضحكني كل يوم ثلاث ~~مرات # وعن الحسن قال احترقت أخصاص بالبصرة فبقي في وسطها خص لم يحترق وأبو موسى ~~يومئذ أمير البصرة فأخبر بذلك فبعث إلى صاحب الخص قال فأتي بشيخ فقال يا ~~شيخ ما بال خصك لم يحترق قال إني أقسمت على ربي عز وجل أن لا يحرقه فقال ~~أبو موسى رضي الله عنه إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يكون في ~~أمتي قوم شعثة رءوسهم دنسة ثيابهم لو أقسموا على الله لأبرهم (1) قال ووقع ~~حريق بالبصرة فجاء أبو عبيدة الخواص فجعل يتخطى النار فقال له أمير البصرة ~~انظر لا تحترق بالنار فقال إني أقسمت على ربي عز وجل أن لا يحرقني بالنار ~~قال ms2421 فاعزم على النار أن تطفأ قال فعزم عليها فطفئت # وكان أبو حفص يمشي ذات يوم فاستقبله رستاقي مدهوش فقال له أبو حفص ما ~~أصابك فقال ضل حماري ولا أملك غيره قال فوقف أبو حفص وقال وعزتك لا أخطو ~~خطوة ما لم ترد عليه حماره قال فظهر حماره في الوقت ومر أبو حفص رحمه الله # فهذا وأمثاله يجري لذوي الأنس وليس لغيرهم أن يتشبه بهم # قال الجنيد رحمه الله أهل الأنس يقولون في كلامهم ومناجاتهم في خلواتهم ~~أشياء هي كفر عند العامة # وقال مرة لو سمعها العموم لكفروهم وهم يجدون المزيد في أحوالهم بذلك # وذلك يحتمل منهم ويليق بهم وإليه أشار القائل # قوم تخالجهم زهو بسيدهم ... والعبد يزهو على مقدار مولاه # تاهوا برؤيته عما سواه له ... يا حسن رؤيتهم في عز ما تاهوا # ولا تستبعدون رضاه عن العبد بما يغضب به على غيره مهما اختلف مقامهما ففي ~~القرآن تنبيهات على هذه المعاني لو فطنت وفهمت فجميع قصص القرآن تنبيهات ~~لأولي البصائر والأبصار حتى ينظروا إليها بعين الاعتبار فإنما هي عند ذوي ~~الاعتبار من الأسماء # فأول القصص قصة آدم عليه السلام وإبليس أما تراهما كيف اشتركا في اسم ~~المعصية والمخالفة ثم تباينا في الاجتباء والعصمة # أما إبليس فأبلس عن رحمته وقيل إنه من المبعدين # وأما آدم عليه السلام فقيل فيه وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب ~~عليه وهدى PageV04P341 # وقد عاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم في الإعراض عن عبد والإقبال على ~~عبد وهما في العبودية سيان ولكن في الحال مختلفان فقال وأما من جاءك يسعى ~~وهو يخشى فأنت عنه تلهى وقال فى الآخرة أما من استغنى فأنت له تصدى وكذلك ~~أمره بالقعود مع طائفة فقال عز وجل وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل ~~سلام عليكم وأمره بالإعراض عن غيرهم فقال وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم حتى قال فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمبن وقال تعالى ~~واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي # فكذلك الانبساط ms2422 والإدلال يحتمل من بعض العباد دون بعض فمن انبساط الأنس ~~قول موسى عليه السلام إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء وقوله ~~في التعليل والاعتذار لما قيل له اذهب إلى فرعون {فقال} ولهم على ذنب وقوله ~~إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني وقوله إننا نخاف أن يفرط ~~علينا أو أن يطغى وهذا من غير موسى عليه السلام من سوء الأدب لأن الذي أقيم ~~مقام الأنس يلاطف ويحتمل ولم يحتمل ليونس عليه السلام ما دون هذا لما أقيم ~~مقام القبض والهيبة فعوقب بالسجن في بطن الحوت في ظلمات ثلاث ونودي عليه ~~إلى يوم القيامة لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم قال ~~الحسن العراء هو القيامة ونهى نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقتدى به # وقيل له فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم # وهذه الاختلافات بعضها لاختلاف الأحوال والمقامات وبعضها لما سبق في ~~الأزل من التفاضل والتفاوت في القسمة بين العباد وقد قال تعالى ولقد فضلنا ~~بعض النبين على بعض وقد قال منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات فكان عيسى ~~عليه السلام من المفضلين ولإدلاله سلم على نفسه فقال والسلام علي يوم ولدت ~~ويوم أموت ويوم أبعث حيا وهذا انبساط منه لما شاهد من اللطف في مقام الأنس # وأما يحيى بن زكريا عليه السلام فإنه أقيم مقام الهيبة والحياء فلم ينطق ~~حتى أثنى عليه خالقه فقال وسلام عليه # وانظر كيف احتمل لأخوة يوسف ما فعلوه بيوسف وقد قال بعض العلماء قد عددت ~~من أول قوله تعالى إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا إلى رأس العشرين ~~من إخباره تعالى عن زهدهم فيه نيفا وأربعين خطيئة بعضها أكبر من بعض وقد ~~يجتمع في الكلمة الواحدة الثلاث والأربع فغفر لهم وعفا عنهم ولم يحتمل ~~العزير في مسألة واحدة سأل عنها في القدر حتى قيل محي من ديوان النبوة ~~وكذلك كان بلعام بن باعوراء من أكابر العلماء ms2423 فأكل الدنيا بالدين فلم يحتمل ~~له ذلك # وكان آصف من المسرفين وكانت معصيته في الجوارح فعفا عنه # فقد روي أن الله تعالى أوحى إلى سليمان عليه السلام يا رأس العابدين ويا ~~ابن محجة الزاهدين إلى كم يعصيني ابن خالتك آصف وأنا أحلم عليه مرة بعد مرة ~~فوعزتى وجلالي لئن أخذته عصفة من عصفاتي عليه لأتركنه مثلة لمن معه ونكالا ~~لمن بعده فلما دخل آصف على سليمان عليه السلام أخبره بما أوحى الله تعالى ~~إليه فخرج حتى علا كثيبا من رمل ثم رفع رأسه ويديه نحو السماء وقال إلهي ~~وسيدي أنت أنت وأنا وأنا فكيف أتوب إن لم تتب علي وكيف أستعصم إن لم تعصمني ~~لأعودن فأوحى الله تعالى إليه صدقت يا آصف أنت أنت وأنا وأنا أستقبل التوبة ~~وقد تبت عليك وأنا التواب الرحيم وهذا كلام مدل به عليه وهارب منه إليه ~~وناظر به إليه PageV04P342 # وفي الخبر إن الله تعالى أوحى إلى عبد تداركه بعد أن كان أشفى على الهلكة ~~كم من ذنب واجهتني به غفرته لك قد أهلكت في دونه أمة من الأمم # فهذه سنة الله تعالى في عباده بالتفضيل والتقديم والتأخير على ما سبقت به ~~المشيئة الأزلية # وهذه القصص وردت في القرآن لتعرف بها سنة الله في عباده الذين خلوا من ~~قبل فما في القرآن شيء إلا وهو هدى ونور وتعرف من الله تعالى إلى خلقه ~~فتارة يتعرف إليهم بالتقديس فيقول قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد وتارة يتعرف إليهم بصفات جلاله فيقول الملك ~~القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر وتارة يتعرف إليهم في ~~أفعاله المخوفة والمرجوة فيتلو عليهم سنته في أعدائه وفي أنبيائه فيقول ألم ~~تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # ولايعدو القرآن هذه الأقسام الثلاثة وهي الإرشاد إلى معرفة ذات الله ~~وتقديسه أو معرفة صفاته وأسمائه أو معرفة أفعاله وسنته مع عباده # ولما اشتملت سورة الإخلاص على ms2424 أحد هذه الأقسام الثلاثة وهو التقديس ~~وازنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلث القرآن فقال من قرأ سورة الإخلاص ~~فقد قرأ ثلث القرآن (1) حديث دعائه لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه ~~التأويل متفق عليه دون قوله وعلمه التأويل ورواه أحمد بهذه الزيادة وتقدم ~~في العلم ### ||| القول في معنى الرضا بقضاء الله تعالى وحقيقته وما ورد في فضيلته # اعلم أن الرضا ثمرة من ثمار المحبة وهو من أعلى مقامات المقربين وحقيقته ~~غامضة على الأكثرين وما يدخل عليه من التشابه والإبهام غير منكشف إلا لمن ~~علمه الله تعالى التأويل وفهمه وفقهه في الدين فقد أنكر منكرون تصور الرضا ~~بما يخالف الهوى ثم قالوا إن أمكن الرضا بكل شيء لأنه فعل الله فينبغى أن ~~يرضى بالكفر والمعاصى وانخدع بذلك قوم فرأوا الرضا بالفجور والفسوق وترك ~~الاعتراض والإنكار من باب التسليم لقضاء الله تعالى # ولو انكشفت هذه الأسرار لمن اقتصر على سماع ظواهر الشرع لما دعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس حيث قال اللهم فقهه في الدين وعلمه ~~التأويل # فلنبدأ ببيان فضيلة الرضا # ثم بحكايات أحوال الراضين PageV04P343 # ثم نذكر حقيقة الرضا وكيفية تصوره فيما يخالف الهوى ثم نذكر ما يظن أنه ~~من تمام الرضا وليس منه كترك الدعاء والسكوت على المعاصي ### |||| بيان فضيلة الرضا # أما من الآيات فقوله تعالى {رضي الله عنهم ورضوا عنه} وقد قال تعالى {هل ~~جزاء الإحسان إلا الإحسان} ومنتهى الإحسان رضا الله عن عبده وهو ثواب رضا ~~العبد عن الله تعالى # وقال تعالى {ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر} فقد رفع الله ~~الرضا فوق جنات عدن كما رفع ذكره فوق الصلاة حيث قال {إن الصلاة تنهي عن ~~الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} فكما أن مشاهدة المذكور في الصلاة أكبر ~~من الصلاة فرضوان رب الجنة أعلى من الجنة بل هو غاية مطلب سكان الجنان # وفي الحديث إن الله تعالى يتجلى للمؤمنين فيقول سلوني فيقولون رضاك (1) ~~فسؤالهم الرضا بعد النظر نهاية التفضيل # وأما رضا ms2425 العبد فسنذكر حقيقته وأما رضوان الله تعالى عن العبد فهو بمعنى ~~آخر يقرب مما ذكرناه في حب الله للعبد ولا يجوز أن يكشف عن حقيقته إذ تقصر ~~أفهام الخلق عن دركه ومن يقوى عليه فيستقل بإدراكه من نفسه # وعلى الجملة فلا رتبة فوق النظر إليه فإنما سألوه الرضا لأنه سبب دوام ~~النظر فكأنهم رأوه غاية الغايات وأقصى الأماني لما ظفروا بنعيم النظر فلما ~~أمروا بالسؤال لم يسألوا إلا دوامه وعلموا أن الرضا هو سبب دوام رفع الحجاب # وقال الله تعالى {ولدينا مزيد} قال بعض المفسرين يأتي أهل الجنة في وقت ~~المزيد ثلاث تحف من عند رب العالمين أحداها هدية من عند الله تعالى ليس ~~عندهم في الجنان مثلها فذلك قوله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة ~~عين والثانية السلام عليهم من ربهم فيزيد ذلك على الهدية فضلا وهو قوله ~~تعالى {سلام قولا من رب رحيم} والثالثة يقول الله تعالى إني عنكم راض فيكون ~~ذلك أفضل من الهدية والتسليم فذلك قوله تعالى {ورضوان من الله أكبر} أي من ~~النعيم الذي هم فيه فهذا فضل رضا الله تعالى وهو ثمرة رضا العبد # وأما من الأخبار فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل طائفة من ~~أصحابه ما أنتم فقالوا مؤمنون فقال ما علامة إيمانكم فقالوا نصبر على ~~البلاء ونشكر عند الرخاء ونرضى بمواقع القضاء فقال مؤمنون ورب الكعبة (2) ~~وفي خبر آخر أنه قال حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء (3) وفي ~~الخبر طوبى لمن هدي للإسلام وكان رزقه كفافا ورضي به (4) وقال صلى الله ~~عليه وسلم من رضي من الله تعالى بالقليل من الرزق رضي الله تعالى منه ~~بالقليل من العمل (5) وقال أيضا إذا أحب الله تعالى عبدا ابتلاه فإن صبر ~~اجتباه فإن رضي اصطفاه وقال أيضا إذا كان يوم القيامة أنبت الله تعالى ~~لطائفة من أمتي أجنحة فيطيرون من قبورهم إلى PageV04P344 # الجنان يسرحون فيها ويتنعمون فيها كيف شاءوا فتقول لهم الملائكة هل رأيتم ~~الحساب فيقولون ما ms2426 رأينا حسابا فتقول لهم هل جزتم الصراط فيقولون ما رأينا ~~صراطا فتقول لهم هل رأيتم جهنم فيقولون ما رأينا شيئا فتقول الملائكة من ~~أمة من أنتم فيقولون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فتقول ناشدناكم الله ~~حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا فيقولون خصلتان كانتا فينا فبلغنا هذه ~~المنزلة بفضل رحمة الله فيقولون وماهما فيقولون كنا إذا خلونا نستحي أن ~~نعصيه ونرضى باليسير مما قسم لنا فتقول الملائكة يحق لكم هذا (1) وقال صلى ~~الله عليه وسلم يا معشر الفقراء أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب ~~فقركم وإلا فلا (2) # وفي أخبار موسى عليه السلام إن بني إسرائيل قالوا له سل لنا ربك أمرا إذا ~~نحن فعلناه يرضى به عنا فقال موسى عليه السلام # إلهي قد سمعت ما قالوا فقال يا موسى قل لهم يرضون عنى حتى أرضى عنهم # ويشهد لهذا ما روي عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال من أحب أن يعلم ~~ماله عند الله عز وجل فلينظر ما لله عز وجل عنده فإن الله تبارك وتعالى ~~ينزل العبد منه حيث أنزله العبد من نفسه (3) حديث قال الله أنا الله لا إله ~~إلا أنا من لم يصبر على بلائي الحديث أخرجه الطبرانى في الكبير وابن حبان ~~في الضعفاء من حديث أبى هند الدارى مقتصرا على قوله من لم يرض بقضائى ويصبر ~~على بلائى فليلتمس ربا سواى وإسناده ضعيف (4) وفي الخبر المشهور يقول الله ~~تعالى خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه وويل ~~لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يديه وويل ثم ويل لمن قال لم وكيف (5) # وفي الأخبار السالفة أن نبيا من الأنبياء شكا إلى الله عز وجل الجوع ~~والفقر والقمل عشر سنين فما أجيب إلى ما أراد ثم أوحى الله تعالى إليه كم ~~تشكو هكذا كان بدؤك عندي في أم الكتاب قبل أن أخلق السموات PageV04P345 # والأرض وهكذا سبق لك مني وهكذا قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا أفتريد أن ~~أعيد خلق الدنيا ms2427 من أجلك أم تريد أن أبدل ما قدرته عليك فيكون ما تحب فوق ~~ما أحب ويكون ما تريد فوق ما أريد وعزتي وجلالي لئن تلجلج هذا في صدرك مرة ~~أخرى لأمحونك من ديوان النبوة # وروي أن آدم عليه السلام كان بعض أولاده الصغار يصعدون على بدنه وينزلون ~~يجعل أحدهم رجله على أضلاعه كهيئة الدرج فيصعد إلى رأسه من ينزل على أضلاعه ~~كذلك وهو مطرق إلى الأرض لا ينطق ولا يرفع رأسه فقال له بعض ولده يا أبت ~~أما ترى ما يصنع هذا بك لو نهيته عن هذا فقال يا بني إني رأيت ما لم تروا ~~وعلمت ما لم تعلموا إني تحركت حركة واحدة فأهبطت من دار الكرامة إلى دار ~~الهوان ومن دار النعيم إلى دار الشقاء # فأخاف أن أتحرك أخرى فيصيبنى مالا أعلم # وقال أنس بن مالك رضي الله عنه خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ~~سنين فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته ولا ~~قال في شيء كان ليته لم يكن ولا في شيء لم يكن ليته كان وكان إذا خاصمني ~~مخاصم من أهله يقول دعوه لو قضي شيء لكان (1) # ويروى أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يا داود إنك تريد وأريد ~~وإنما يكون ما أريد فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لما أريد ~~أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد # وأما الآثار فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما # أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله تعالى على كل حال # وقال عمر بن عبد العزيز ما بقي لي سرور إلا في مواقع القدر وقيل له ما ~~تشتهي فقال ما يقضي الله # وقال ميمون بن مهران من لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء # وقال الفضيل إن لم تصبر على تقدير الله لم تصبر على تقدير نفسك وقال عبد ~~العزيز بن أبي رواد ليس الشأن في أكل خبز الشعير والخل ms2428 ولا في لبس الصوف ~~والشعر ولكن الشأن في الرضا عن الله عز وجل وقال عبد الله بن مسعود لأن ~~الحس جمرة أحرقت ما أحرقت وأبقت ما أبقت أحب إلي من أن أقول لشئ كان ليته ~~لم يكن أو لشيء لم يكن ليته كان # ونظر رجل إلى قرحة في رجل محمد بن واسع فقال إني لأرحمك من هذه القرحة ~~فقال إني لأشكرها منذ خرجت إذ لم تخرج في عيني # وروي في الإسرائيليات أن عابدا عبد الله دهرا طويلا فأري في المنام فلانة ~~الراعية رفيقتك في الجنة فسأل عنها إلى أن وجدها فاستضافها ثلاثا لينظر إلى ~~عملها فكان يبيت قائما وتبيت نائمة ويظل صائما وتظل مفطرة # فقال أما لك عمل غير ما رأيت فقالت ماهو والله إلا ما رأيت لا أعرف غيره ~~فلم يزل يقول تذكري حتى قالت خصيلة واحدة هي في إن كنت في شدة لم أتمن أن ~~أكون في رخاء وإن كنت في مرض لم أتمن أن أكون في صحة وإن كنت في الشمس لم ~~أتمن أن أكون في الظل فوضع العابد يده على رأسه وقال أهذه خصيلة هذه والله ~~خصلة عظيمة يعجز عنها العباد # وعن بعض السلف أن الله تعالى إذا قضى في السماء قضاء أحب من أهل الأرض أن ~~يرضوا بقضائه # وقال أبو الدرداء ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر وقال عمر رضي ~~الله عنه # ما أبالي على أي حال أصبحت وأمسيت من شدة أو رخاء # وقال الثوري يوما عند رابعة اللهم ارض عني فقالت أما تستحي من الله أن ~~تسأله الرضا وأنت عنه غير راض فقال أستغفر الله فقال جعفر بن سليمان الضبعي ~~فمتى يكون العبد راضيا عن الله PageV04P346 # تعالى قالت إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنعمة # وكان الفضيل يقول إذا استوى عنده المنع والعطاء فقد رضي عن الله تعالى ~~وقال أحمد بن أبي الحواري قال أبو سليمان الداراني إن الله عز وجل من كرمه ~~قد رضي من عبيده بما رضي العبيد من مواليهم قلت وكيف ms2429 ذاك قال أليس مراد ~~العبد من الخلق أن يرضى عنه مولاه قلت نعم قال فإن محبة الله من عبيده أن ~~يرضوا عنه # وقال سهل حظ العبيد من اليقين على قدر حظهم من الرضا وحظهم من الرضا على ~~قدر عيشهم مع الله عز وجل وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل ~~بحكمته وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين وجعل الغم والحزن في الشك ~~والسخط (1) ### |||| بيان حقيقة الرضا وتصوره فيما يخالف الهوى # اعلم أن من قال ليس فيما يخالف الهوى وأنواع البلاء إلا الصبر فأما الرضا ~~فلا يتصور فإنما أتى من ناحية إنكار المحبة فأما إذا ثبت تصور الحب لله ~~تعالى واستغراق الهم به فلا يخفى أن الحب يورث الرضا بأفعال الحبيب ويكون ~~ذلك من وجهين # {أحدهما} أن يبطل الإحساس بالألم حتى يجري عليه المؤلم ولا يحس وتصيبه ~~جراحة ولا يدرك ألمها # ومثاله الرجل المحارب فإنه في حال غضبه أو في حال خوفه قد تصيبه جراحة ~~وهو لا يحس بألم ذلك لشغل قلبه # بل الذي يحجم أو يحلق رأسه بحديدة كآلة يتألم به فإن كان مشغول القلب ~~بمهم من مهماته فرغ المزين والحجام وهو لا يشعر به # وكل ذلك لأن القلب إذا صار مستغرقا بأمر من الأمور مستوفى به لم يدرك ما ~~عداه فكذلك العاشق المستغرق الهم بمشاهدة معشوقه أو بحبه قد يصيبه ما كان ~~يتألم به أو يغتم له لولا عشقه ثم لا يدرك غمه وألمه لفرط استيلاء الحب على ~~قلبه # هذا إذا أصابه من غير حبيبه فكيف إذا أصابه من حبيبه وشغل القلب بالحب ~~والعشق من أعظم الشواغل وإذا تصور هذا في ألم يسير بسبب حب خفيف تصور في ~~الألم العظيم بالحب العظيم فإن الحب أيضا يتصور تضاعفه في القوة كما يتصور ~~تضاعف الألم وكما يقوى حب الصور الجميلة المدركة بحاسة البصر فكذا يقوى حب ~~الصور الجميلة الباطنة المدركة بنور البصيرة وجمال حضرة الربوبية وجلالها ~~لا يقاس به جمال ولا جلال فمن ينكشف له شيء ms2430 منه فقد يبهره بحث يدهش ويغشى ~~عليه فلا يحس مما يجري عليه # فقد روي أن امرأة فتح الموصلي عثرت فانقطع ظفرها فضحكت فقيل لها أما ~~تجدين الوجع فقالت إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه # وكان سهل رحمه الله تعالى به علة يعالج غيره منها ولا يعالج نفسه فقيل له ~~في ذلك فقال يا دوست ضرب الحبيب لا يوجع # وأما الوجه الثاني فهو أن يحس به ويدرك ألمه ولكن يكون راضيا به بل راغبا ~~فيه مريدا له أعني بعقله وإن كان كارها بطبعه كالذي يلتمس من الفصاد الفصد ~~والحجامة فإنه يدرك ألم ذلك إلا انه راض به وراغب فيه ومتقلد من الفصاد به ~~منة بفعله فهذا حال الراضي بما يجري عليه من الألم # وكذلك كل من يسافر في طلب الربح يدرك مشقة السفر ولكن حبه لثمرة سفره طيب ~~عنده مشقة السفر وجعله راضيا بها # ومهما أصابه بلية من الله تعالى وكان له يقين بأن ثوابه الذي ادخر له فوق ~~ما فاته رضي به ورغب فيه وأحبه وشكر الله عليه هذا إن كان PageV04P347 # يلاحظ الثواب والإحسان الذي يجازى به عليه ويجوز أن يغلب الحب بحيث يكون ~~حظ المحب في مراد محبوبه ورضاء لا لمعنى آخر وراءه فيكون مراد حبيبه ورضاه ~~محبوبا عنده ومطلوبا وكل ذلك موجود في المشاهدات في حب الخلق وقد تواصفها ~~المتواصفون في نظمهم ونثرهم ولا معنى له إلا ملاحظة جمال الصورة الظاهرة ~~بالبصر فإن نظر إلى الجمال فما هو إلا جلد ولحم ودم مشحون بالأقذار ~~والأخباث بدايته من نطفة مذرة ونهايته جيفة قذرة وهو فيما بين ذلك يحمل ~~العذرة # وإن نظر إلى المدرك للجمال فهي العين الخسيسة التي تغلط فيما ترى كبيرا ~~فترى الصغير كبيرا والكبير صغيرا والبعيد قريبا والقبيح جميلا فإذا تصور ~~استيلاء هذا الحب فمن أين يستحيل ذلك في حب الجمال الأزلي الأبدي الذي لا ~~منتهى لكماله المدرك بعين البصيرة التي لا يعتريها الغلط ولا يدور بها ~~الموت بل تبقى بعد الموت حية عند الله ms2431 فرحة برزق الله تعالى مستفيدة بالموت ~~مزيد تنبيه واستكشاف فهذا أمر واضح من حيث النظر بعين الاعتبار ويشهد لذلك ~~الوجود وحكايات أحوال المحبين وأقوالهم # فقد قال شقيق البلخي من يرى ثواب الشدة لا يشتهي المخرج منها وقال الجنيد ~~سألت سريا السقطي هل يجد المحب ألم البلاء قال لا قلت وإن ضرب بالسيف قال ~~نعم وإن ضرب بالسيف سبعين ضربة ضربة على ضربة # وقال بعضهم أحببت كل شيء يحبه حتى لو أحب النار أحببت دخول النار وقال ~~بشر بن الحارث مررت برجل وقد ضرب ألف سوط في شرقية بغداد ولم يتكلم ثم حمل ~~إلى الحبس فتبعته فقلت له لم ضربت فقال لأني عاشق فقلت له ولم سكت قال لأن ~~معشوقي كان بحذائي ينظر إلي فقلت فلو نظرت إلى المعشوق الأكبر قال فزعق ~~زعقة خر ميتا # وقال يحي بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى إذا نظر أهل الجنة إلى الله ~~تعالى ذهبت عيونهم في قلوبهم من لذة النظر إلى الله تعالى ثمانمائة سنة لا ~~ترجع إليهم فما ظنك بقلوب وقعت بين جماله وجلاله إذا لاحظت جلاله هابت وإذا ~~لاحظت جماله تاهت وقال بشر قصدت عبادان في بدايتي فإذا برجل أعمى مجذوم ~~مجنون قد صرع والنمل يأكل لحمه فرفعت رأسه فوضعته في حجري وأنا أردد الكلام ~~فلما أفاق قال من هذا الفضولي الذي يدخل بيني وبين ربي لو قطعني إربا إربا ~~ما ازددت له إلا حبا قال بشر فما رأيت بعد ذلك نقمة بين عبد وبين ربه ~~فأنكرتها # وقال أبو عمرو محمد بن الأشعث إن أهل مصر مكثوا أربعة أشهر لم يكن لهم ~~غذاء إلا النظر إلى وجه يوسف الصديق عليه السلام كانوا إذا جاعوا نظروا إلى ~~وجهه فشغلهم جماله عن الإحساس بألم الجوع بل في القرآن ما هو أبلغ من ذلك ~~وهو قطع النسوة أيديهن لاستهتارهن بملاحظة جماله حتى ما أحسسن بذلك # وقال سعيد بن يحيى رأيت بالبصرة في خان عطاء بن مسلم شابا وفي يده مدية ~~وهو ينادي بأعلى صوته والناس ms2432 حوله وهو يقول # يوم الفراق من القيامة أطول ... والموت من ألم التفرق أجمل # قالوا الرحيل فقلت لست براحل ... لكن مهجتي التي تترحل # ثم بقر بالمدية بطنه وخر ميتا فسألت عنه وعن أمره فقيل لي إنه كان يهوى ~~فتى لبعض الملوك حجب عنه يوما واحدا # ويروى أن يونس عليه السلام قال لجبريل دلني على أعبد أهل الأرض فدله على ~~رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه وذهب ببصره فسمعه وهو يقول إلهي متعتني بهما ~~ما شئت أنت وسلبتني ما شئت أنت وأبقيت لي فيك الأمل يا بر يا وصول # ويروى عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه اشتكى له ابن فاشتد PageV04P348 # وجده عليه حتى قال بعض القوم لقد خشينا على هذا الشيخ إن حدث بهذا الغلام ~~حدث فمات الغلام فخرج ابن عمر في جنازته وما رجل أشد سرورا أبدا منه فقيل ~~له في ذلك فقال ابن عمر إنما كان حزني رحمة له فلما وقع أمر الله رضينا به # وقال مسروق كان رجل بالبادية له كلب وحمار وديك فالديك يوقظهم للصلاة ~~والحمار ينقلون عليه الماء ويحمل لهم خباءهم والكلب يحرسهم قال فجاء الثعلب ~~فأخذ الديك فحزنوا له وكان الرجل صالحا فقال عسى أن يكون خيرا ثم جاء ذئب ~~فخرق بطن الحمار فقتله فحزنوا عليه فقال الرجل عسى أن يكون خيرا ثم أصيب ~~الكلب بعد ذلك فقال عسى أن يكون خيرا ثم أصبحوا ذات يوم فنظروا فإذا قد سبي ~~من حولهم وبقوا هم قال وإنما أخذوا أولئك لما كان عندهم من أصوات الكلاب ~~والحمير والديكة فكانت الخيرة لهؤلاء في هلاك هذه الحيوانات كما قدره الله ~~تعالى # فإذن من عرف خفي لطف الله تعالى رضي بفعله على كل حال # ويروى أن عيسى عليه السلام مر برجل أعمى أبرص مقعد مضروب الجنبين بفالج ~~وقد تناثر لحمه من الجذام وهو يقول الحمد لله الذي عافاني مما ابتلي به ~~كثيرا من خلقه فقال له عيسى يا هذا أي شيء من البلاء أراه مصروفا عنك فقال ms2433 ~~يا روح الله أنا خير ممن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته ~~فقال له صدقت هات يدك فناوله يده فإذا هو أحسن الناس وجها وأفضلهم هيئة وقد ~~أذهب الله عنه ما كان به فصحب عيسى عليه السلام وتعبد معه # وقطع عروة بن الزبير رجله من ركبته من أكلة خرجت بها ثم قال الحمد لله ~~الذي أخذ مني واحدة وليت لئن كنت أخذت لقد أبقيت ولئن كنت ابتليت لقد عافيت ~~ثم لم يدع ورده تلك الليلة # وكان ابن مسعود يقول الفقر والغنى مطيبتان ما أبالي أيتهما ركبت إن كان ~~الفقر فإن فيه الصبر وإن كان الغنى فإن فيه البذل # وقال أبو سليمان الداراني قلت قد نلت من كل مقام حالا إلا الرضا فمالى ~~منه إلا مشام الريح وعلى ذلك لو أدخل الخلائق كلهم الجنة وأدخلني النار كنت ~~بذلك راضيا # وقيل لعارف آخر هل نلت غاية الرضا عنه فقال أما الغاية فلا ولكن مقام ~~الرضا قد نلته لو جعلني جسرا على جهنم يعبر الخلائق علي إلى الجنة ثم ملأ ~~بي جهنم تحلة لقسمه وبدلا من خليقته لأحببت ذلك من حكمه ورضيت به من قسمه # وهذا كلام من علم أن الحب قد استغرق همه حتى منعه الإحساس بألم النار فإن ~~بقي إحساس فيغمره ما يحصل من لذته في استشعاره حصول رضا محبوبه بإلقائه ~~إياه في النار # واستيلاء هذه الحالة غير محال في نفسه وإن كان بعيدا من أحوالنا الضعيفة ~~ولكن لا ينبغي أن يستنكر الضعيف المحروم أحوال الأقوياء ويظن أن ما هو عاجز ~~عنه يعجز عنه الأولياء # وقال الروذباري قلت لأبي عبد الله بن الجلاء الدمشقي قول فلان وددت أن ~~جسدي قرض بالمقاريض وأن هذا الخلق أطاعوه ما معناه فقال يا هذا إن كان هذا ~~من طريق التعظيم والإجلال فلا أعرف وإن كان هذا من طريق الإشفاق والنصح ~~للخلق فأعرف قال ثم غشي عليه # وقد كان عمران بن الحصين قد استسقى بطنه فبقي ملقى على ظهره ثلاثين سنة ms2434 ~~لا يقوم ولا يقعد قد نقب له في سرير من جريد كان عليه موضع لقضاء حاجته ~~فدخل عليه مطرف وأخوه العلاء فجعل يبكي لما يراه من حاله فقال لم تبكي قال ~~لأني أراك على هذه الحالة العظيمة قال لا تبك فإن أحبه إلى الله تعالى أحبه ~~إلي ثم قال أحدثك شيئا لعل الله أن ينفعك به واكتم علي حتى أموت إن ~~الملائكة تزورني فآنس بها وتسلم علي فأسمع تسليمها فأعلم بذلك أن هذا ~~البلاء ليس بعقوبة إذ هو سبب هذه النعمة الجسيمة فمن يشاهد هذا في بلائه ~~كيف لا يكون راضيا به قال ودخلنا على سوبد بن متعبه نعوده فرأيناه ثوبا ~~ملقى فما ظننا أن تحته شيئا حتى كشف فقالت له امرأته أهلي PageV04P349 # فداؤك ما نطعمك # ما نسقيك فقال طالت الضجعة ودبرت الحراقيف وأصبحت نضوا لا أطعم طعاما ولا ~~أسيغ شرابا منذ كذا فذكر أياما وما يسرني أني نقصت من هذا قلامة ظفر ولما ~~قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة وقد كان كف بصره جاءه الناس يهرعون إليه كل ~~واحد يسأله أن يدعو له فيدعو لهذا ولهذا وكان مجاب الدعوة قاله عبد الله بن ~~السائب فأتيته وأنا غلام فتعرفت إليه فعرفني وقال أنت قارئ أهل مكة قلت نعم ~~فذكر قصة قال في آخرها فقلت له يا عم أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك فرد ~~الله عليك بصرك فتبسم وقال يا بني قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري وضاع ~~لبعض الصوفية ولد صغير ثلاثة أيام لم يعرف له خبر فقيل له لو سألت الله ~~تعالى أن يرده عليك فقال اعتراضي عليه فيما قضي أشد علي من ذهاب ولدي # وعن بعض العباد أنه قال إني أذنبت ذنبا عظيما فأنا أبكي عليه منذ ستين ~~سنة وكان قد اجتهد في العبادة لأجل التوبة من الذنب فقيل له وما هو قال قلت ~~مرة لشيء كان ليته لم يكن # وقال بعض السلف لو قرض جسمي بالمقاريض لكان أحب إلي من أن أقول لشيءقضاه ~~الله ms2435 تعالى سبحانه ليته لم يقضه # وقيل لعبد الواحد بن زيد ههنا رجل قد تعبد خمسين سنة فقصده فقال له يا ~~حبيبي أخبرني عنك هل قنعت به قال لا قال أنست به قال لا قال فهل رضيت عنه ~~قال لا قال فإنما مزيدك منه الصوم والصلاة قال نعم قال لولا أني أستحيي منك ~~لأخبرتك بأن معاملتك خمسين سنة مدخولة ومعناه أنك لم يفتح لك باب القلب ~~فتترقى إلى درجات القرب بأعمال القلب وإنما أنت تعد في طبقات أصحاب اليمين ~~لأن مزيدك منه في أعمال الجوارح التى هى مزيد أهل العموم # ودخل جماعة من الناس على الشبلي رحمه الله تعالى في مارستان قد حبس فيه ~~وقد جمع بين يديه حجارة فقال من أنتم فقالوا محبوك فأقبل عليهم يرميهم ~~بالحجارة فتهاربوا فقال ما بالكم ادعيتم محبتي إن صدقتم فاصبروا على بلائي # وللشبلي رحمه الله تعالى # إن المحبة للرحمن أسكرني ... وهل رأيت محبا غير سكران # وقال بعض عباد أهل الشام كلكم يلقى الله عز وجل مصدقا ولعله قد كذبه وذلك ~~أن أحدكم لو كان له إصبع من ذهب ظل يشير بها ولو كان بها شلل ظل يواريها ~~يعني بذلك أن الذهب مذموم عند الله والناس يتفاخرون به والبلاء زينة أهل ~~الآخرة وهم يستنكفون منه # وقيل إنه وقع الحريق في السوق فقيل للسري احترق السوق وما احترق دكانك ~~فقال الحمد لله ثم قال كيف قلت الحمد لله على سلامتي دون المسلمين فتاب من ~~التجارة وترك الحانوت بقية عمره توبة واستغفارا من قوله الحمد لله # فإذا تأملت هذه الحكايات عرفت قطعا أن الرضا بما يخالف الهوى ليس مستحيلا ~~بل هو مقام عظيم من مقامات أهل الدين # ومهما كان ذلك ممكنا في حب الخلق وحظوظهم كان ممكنا في حق حب الله تعالى ~~وحظوظ الآخرة قطعا # وإمكانه من وجهين {أحدهما} الرضا بالألم لما يتوقع من الثواب الموجود ~~كالرضا بالفصد والحجامة وشرب الدواء انتظارا للشفاء # والثاني الرضا به لا لحظ وراءه بل لكونه مراد المحبوب ورضا له فقد يغلب ms2436 ~~الحب بحيث ينغمر مراد المحب في مراد المحبوب فيكون ألذ الأشياء عنده سرور ~~قلب محبوبه ورضاه ونفوذ إرادته ولو في هلاك روحه كما قيل # فما لجرح إذا أرضاكم ألم ... # وهذا ممكن مع الإحساس بالألم وقد يستولي الحب بحيث يدهش عن إدراك الألم ~~فالقياس والتجربة والمشاهدة PageV04P350 # دالة على وجوده فلا ينبغي أن ينكره من فقده من نفسه لأنه إنما فقده لفقد ~~سببه وهو فرط حبه ومن لم يذق طعم الحب لم يعرف عجائبه فللمحبين عجائب أعظم ~~مما وصفناه # وقد روى عن عمرو بن الحارث الرافعي قال كنت في مجلس بالرقة عند صديق لي ~~وكان معنا فتى يتعشق جارية مغنية وكانت معنا في المجلس فضربت بالقضيب وغنت # علامة ذل الهوى ... على العاشقين البكا # ولا سيما عاشق ... إذا لم يجد مشتكى # فقال لها الفتى أحسنت والله يا سيدتي أفتأذنين لي أن أموت فقالت مت راشدا ~~قال فوضع رأسه على الوسادة وأطبق فمه وغمض عينيه فحركناه فإذا هو ميت # وقال الجنيد رأيت رجلا متعلقا بكم صبي وهو يتضرع إليه ويظهر له المحبة ~~فالتفت إليه الصبي وقال له إلى متى ذا النفاق الذي تظهر لي فقال قد علم ~~الله أني صادق فيما أورده حتى لو قلت لي مت لمت فقال إن كنت صادقا فمت قال ~~فتنحى الرجل وغمض عينيه فوجد ميتا وقال سمنون المحب كان في جيراننا رجل وله ~~جارية يحبها غاية الحب فاعتلت الجارية فجلس الرجل ليصلح لها حيسا فبينا هو ~~يحرك القدر إذ قالت الجارية آه قال فدهش الرجل وسقطت الملعقة من يده وجعل ~~يحرك ما في القدر بيده حتى سقطت أصابعه فقالت الجارية ما هذا قال هذا مكان ~~قولك آه # وحكى عن محمد ابن عبد الله البغدادي قال رأيت بالبصرة شابا على سطح مرتفع ~~وقد أشرف على الناس وهو يقول # من مات عشقا فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت # ثم رمى بنفسه إلى الأرض فحملوه ميتا # فهذا وأمثاله قد يصدق به في حب المخلوق والتصديق به في حب الخالق أولى ms2437 ~~لأن البصيرة الباطنة أصدق من البصر الظاهر وجمال الحضرة الربانية أو في من ~~كل جمال بل كل جمال في العالم فهو حسنة من حسنات ذلك الجمال # نعم الذي فقد البصر ينكر جمال الصور والذي فقد السمع ينكر لذة الألحان ~~والنغمات الموزونة فالذي فقد القلب لا بد وأن ينكر أيضا هذه اللذات التي ~~لامظنة لها سوى القلب ### |||| بيان أن الدعاء غير مناقض للرضا # ولا يخرج صاحبه عن مقام الرضا وكذلك كراهة المعاصي ومقت أهلها ومقت ~~أسبابها والسعي في إزالتها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يناقضه ~~أيضا # وقد غلط في ذلك بعض البطالين المغترين وزعم أن المعاصي والفجور والكفر من ~~قضاء الله وقدره عز وجل فيجب الرضا به وهذا جهل بالتأويل وغفلة عن أسرار ~~الشرع فأما الدعاء فقد تعبدنا به وكثرة دعوات رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسائر الأنبياء عليهم السلام على ما نقلناه في كتاب الدعوات تدل عليه ولقد ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى المقامات من الرضا # وقد أثنى الله تعالى على بعض عباده بقوله {ويدعوننا رغبا ورهبا} وأما ~~إنكار المعاصي وكراهتها وعدم الرضا بها فقد تعبد الله به عباده وذمهم على ~~الرضا به فقال {ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} وقال تعالى {رضوا بأن ~~يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم} وفي الخبر المشهور من شهد منكرا فرضي ~~به فكأنه قد فعله وفي الحديث الدال على الشر كفاعله (1) وعن ابن مسعود إن ~~العبد ليغيب عن المنكر ويكون عليه مثل وزر صاحبه وقيل وكيف ذلك قال يبلغه ~~فيرضى به وفي الخبر لو أن عبدا قتل بالمشرق ورضي بقتله آخر بالمغرب كان ~~PageV04P351 # شريكا في قتله (1) وقد أمر الله تعالى بالحسد والمنافسة في الخيرات وتوقي ~~الشرور فقال تعالى {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله حكمة فهو يبثها في الناس ويعلمها ~~ورجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق (2) وفي لفظ آخر ورجل آتاه ~~الله القرآن فهو ms2438 يقوم به آناء الليل والنهار فيقول الرجل لو آتاني الله مثل ~~ما آتى هذا لفعلت مثل ما يفعل # وأما بغض الكفار والفجار والإنكار عليهم ومقتهم فما ورد فيه من شواهد ~~القرآن والأخبار لا يحصى مثل قوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ~~من دون المؤمنين وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء وقال تعالى وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا وفي الخبر إن الله تعالى ~~أخذ الميثاق على كل مؤمن أن يبغض كل منافق وعلى كل منافق أن يبغض كل مؤمن ~~(3) وقال عليه السلام المرء مع من أحب (4) وقال من أحب قوما ووالاهم حشر ~~معهم يوم القيامة (5) وقال عليه السلام أوثق عرى الإيمان الحب في الله ~~والبغض في الله (6) وشواهد هذا قد ذكرناها في بيان الحب والبغض في الله ~~تعالى من كتاب آداب الصحبة وفي كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا ~~نعيده # فإن قلت فقد وردت الآيات والأخبار بالرضا بقضاء الله تعالى (7) فإن كانت ~~المعاصي بغير قضاء الله تعالى فهو محال وهو قادح في التوحيد وإن كانت بقضاء ~~الله تعالى فكراهتها ومقتها كراهة لقضاء الله تعالى وكيف السبيل إلى الجمع ~~وهو متناقض على هذا الوجه وكيف يمكن الجمع بين الرضا والكراهة في شيء واحد ~~فاعلم أن هذا مما يلتبس على الضعفاء القاصرين عن الوقوف على أسرار العلوم ~~وقد التبس على قوم حتى رأوا السكوت عن المنكر مقاما من مقامات الرضا وسموه ~~حسن الخلق وهو جهل محض بل نقول الرضا والكراهة يتضادان إذا تواردا على شيء ~~واحد من جهة واحدة على وجه واحد فليس من التضاد في شيء واحد أن يكرهه من ~~وجه ويرضى به من وجه إذ قد يموت عدوك الذي هو أيضا عدو بعض أعدائك وساع في ~~إهلاكه فتكره موته من حيث إنه مات عدو عدوك وترضاه من حيث إنه مات عدوك # وكذلك المعصية لها وجهان وجه إلى الله تعالى من حيث إنه فعله واختياره ~~وإرادته فيرضى به من هذا الوجه تسليما للملك إلى مالك ms2439 الملك ورضا بما يفعله ~~فيه ووجه إلى العبد من حيث إنه كسبه ووصفه وعلامة كونه ممقوتا عند الله ~~وبغيضا عنده حيث سلط عليه أسباب البعد والمقت فهو من هذا الوجه منكر ومذموم # ولا ينكشف هذا لك إلا بمثال PageV04P352 # فلنفرض محبوبا من الخلق قال بين يدي محبيه # إني أريد أن أميز بين من يحبني ويبغضني وأنصب فيه معيارا صادقا وميزانا ~~ناطقا وهو أني أقصد إلى فلان فأوذيه وأضربه ضربا يضطره ذلك إلى الشتم لي # حتى إذا شتمني أبغضته واتخذته عدوا لي فكل من أحبه أعلم أيضا أنه عدوي ~~وكل من أبغضه أعلم أنه صديقي ومحبي # ثم فعل ذلك وحصل مراده من الشتم الذي هو سبب البغض وحصل البغض الذي هو ~~سبب العداوة # فحق على كل من هو صادق في محبته وعالم بشروط المحبة أن يقول أما تدبيرك ~~في إيذاء هذا الشخص وضربه وإبعاده وتعريضك إياه للبغض والعداوة فأنا محب له ~~وراض به فإنه رأيك وتدبيرك وفعلك وإرادتك وأما شتمه إياك فإنه عدوان من ~~جهته إذ كان حقه أن يصبر ولا يشتم ولكنه كان مرادك منه فإنك قصدت بضربه ~~استنطاقه بالشتم الموجب للمقت فهو من حيث إنه حصل على وفق مرادك وتدبيرك ~~الذي دبرته فأنا راض به ولو لم يحصل لكان ذلك نقصانا في تدبيرك وتعويقا في ~~مرادك وأنا كاره لفوات مرادك ولكنه من حيث إنه وصف لهذا الشخص وكسب له ~~وعدوان وتهجم منه عليك على خلاف ما يقتضيه جمالك إذ كان ذلك يقتضي أن يحتمل ~~منك الضرب ولا يقابل بالشتم فأنا كاره له من حيث نسبته إليه ومن حيث هو وصف ~~له لا من حيث هو مرادك ومقتضى تدبيرك وأما بغضك له بسبب شتمك فأنا راض به ~~ومحب له لأنه مرادك وأنا على موافقتك أيضا مبغض له لأن شرط المحب أن يكون ~~لحبيب المحبوب حبيبا ولعدوه عدوا # وأما بغضه لك فإني أرضاه من حيث إنك أردت أن يبغضك إذ أبعدته عن نفسك ~~وسلطت عليه دواعي البغض ولكني أبغضه من حيث إنه ms2440 وصف ذلك المبغض وكسبه وفعله ~~وأمقته لذلك فهو ممقوت عندي لمقته إياك وبغضه ومقته لك أيضا عندي مكروه من ~~حيث أنه وصفه وكل ذلك من حيث إنه مرادك فهو مرضي # وإنما التناقض أن يقول هو من حيث إنه مرادك مرضي ومن حيث إنه مرادك مكروه ~~وأما إذا كان مكروها لا من حيث إنه فعله ومراده بل من حيث إنه وصف غيره ~~وكسبه فهذا لا تناقض فيه ويشهد لذلك كل ما يكره من وجه ويرضى به من وجه ~~ونظائر ذلك لا تحصى # فإذن تسليط الله دواعي الشهوة والمعصية عليه حتى يجره ذلك إلى حب المعصية ~~ويجره الحب إلى فعل المعصية يضاهي ضرب المحبوب للشخص الذي ضربناه مثلا ~~ليجره الضرب إلى الغضب والغضب إلى الشتم # ومقت الله تعالى لمن عصاه وإن كانت معصيته بتدبيره يشبه بغض المشتوم لمن ~~شتمه وإن كان شتمه إنما يحصل بتدبيره واختياره لأسبابه وفعل الله تعالى ذلك ~~بكل عبد من عبيده أعني تسليط دواعي المعصية عليه يدل على أنه سبقت مشيئته ~~بإبعاده ومقته # فواجب على كل عبد محب لله أن يبغض من أبغضه الله ويمقت من مقته الله ~~ويعادي من أبعده الله عن حضرته وإن اضطره بقهره وقدرته إلى معاداته ~~ومخالفته فإنه بعيد مطرود ملعون عن الحضرة وإن كان بعيدا بإبعاده قهرا ~~ومطرودا بطرده واضطراره # والمبعد عن درجات القرب ينبغي أن يكون مقيتا بغيضا إلى جميع المحبين ~~موافقة للمحبوب بإظهار الغضب على من أظهر المحبوب الغضب عليه بإبعاده # بهذا يتقرر جميع ما وردت به الأخبار من البغض في الله والحب في الله ~~والتشديد على الكفار والتغليظ عليهم والمبالغة في مقتهم مع الرضا بقضاء ~~الله تعالى من حيث إنه قضاء الله عز وجل # وهذا كله يستمد من سر القدر الذي لا رخصه فى إفشائه وهو أن الشر والخير ~~كلاهما داخلان في المشيئة والإرادة ولكن الشر مراد مكروه والخير مراد مرضي ~~به # قمن قال ليس الشر من الله فهو جاهل وكذا من قال إنهما جميعا منه من غير ~~افتراق في ms2441 الرضا والكراهة فهو أيضا مقصر # وكشف الغطاء عنه غير مأذون فيه فالأولى السكوت والتأدب بأدب PageV04P353 # الشرع فقد قال صلى الله عليه وسلم القدر سر الله فلا تفشوه (1) وذلك ~~يتعلق بعلم المكاشفة # وغرضنا الآن بيان الإمكان فيما تعبد به الخلق من الجمع بين الرضا بقضاء ~~الله تعالى ومقت المعاصي مع أنها من قضاء الله تعالى وقد ظهر الغرض من غير ~~حاجة إلى كشف السر فيه # وبهذا يعرف أيضا أن الدعاء بالمغفرة والعصمة من المعاصي وسائر الأسباب ~~المعينة على الدين غير مناقض للرضا بقضاء الله تعالى فإن الله تعبد العباد ~~بالدعاء ليستخرج الدعاء منهم صفاء الذكر وخشوع القلب ورقة التضرع ويكون ذلك ~~جلاء للقلب ومفتاحا للكشف وسببا لتواتر مزايا اللطف # كما أن حمل الكوز وشرب الماء ليس مناقضا للرضا بقضاء الله تعالى في العطش ~~وشرب الماء طلبا لإزالة العطش مباشرة سبب رتبه مسبب الأسباب فكذلك الدعاء ~~سبب رتبه الله تعالى وأمر به # وقد ذكرنا أن التمسك بالأسباب جريا على سنة الله تعالى لا يناقض التوكل ~~واستقصيناه في كتاب التوكل فهو أيضا لا يناقض الرضا لأن الرضا مقام ملاصق ~~للتوكل ويتصل به نعم إظهار البلاء في معرض الشكوى وإنكاره بالقلب على الله ~~تعالى مناقض للرضا وإظهار البلاء على سبيل الشكر والكشف عن قدرة الله تعالى ~~لايناقض # وقد قال بعض السلف من حسن الرضا بقضاء الله تعالى أن لا يقول هذا يوم حار ~~أي في معرض الشكاية وذلك في الصيف فأما الشتاء فهو شكر والشكوى تناقض الرضا ~~بكل حال وذم الأطعمة وعيبها يناقض الرضا بقضاء الله تعالى لأن مذمة الصنعة ~~مذمة للصانع والكل من صنع الله تعالى # وقول القائل الفقر بلاء ومحنة والعيال هم وتعب والاحتراف كد ومشقة كل ذلك ~~قادح في الرضا بل ينبغي أن يسلم التدبير لمدبره والمملكة لمالكها ويقول ما ~~قاله عمر رضي الله عنه لا أبالي أصبحت غنيا أو فقيرا فإني لا أدري أيهما ~~خير لي ### |||| بيان أن الفرار من البلاد التي هي مظان المعاصي ومذمتها لا يقدح في الرضا ms2442 # اعلم أن الضعيف قد يظن أن نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخروج من ~~بلد ظهر به الطاعون (2) يدل على النهي عن الخروج من بلد ظهرت فيه المعاصي ~~لأن كل واحد منهما فرار من قضاء الله تعالى وذلك محال بل العلة في النهي عن ~~مفارقة البلد بعد ظهور الطاعون أنه لو فتح هذا الباب لارتحل عنه الأصحاء ~~وبقي فيه المرضى مهملين لا متعهد لهم فيهلكون هزالا وضرا ولذلك شبهه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأخبار بالفرار من الزحف (3) ولو كان ذلك ~~للفرار من القضاء لما أذن لمن قارب البلدة في الانصراف وقد ذكرنا حكم ذلك ~~في كتاب التوكل وإذا عرف المعنى ظهر أن الفرار من البلاد التي هي مظان ~~المعاصي ليس فرارا من القضاء بل من القضاء الفرار مما لا بد من الفرار منه # وكذلك مذمة المواضع التي تدعو إلى المعاصي والأسباب التي تدعو إليها لأجل ~~التنفير عن المعصية ليست مذمومة # فما زال السلف الصالح يعتادون ذلك حتى اتفق جماعة على ذم بغداد وإظهارهم ~~ذلك وطلب الفرار منها فقال ابن المبارك قد طفت الشرق والغرب فما رأيت بلدا ~~شرا من بغداد قيل وكيف قال هو بلد تزدري فيه نعمة الله وتستصغر فيه معصية ~~الله # ولما قدم خراسان قيل له كيف رأيت بغداد قال ما رأيت بها إلا شرطيا غضبان ~~أو تاجرا لهفان أو قارئا حيران ولا ينبغي أن تظن أن ذلك PageV04P354 # من الغيبة لأنه لم يتعرض لشخص بعينه حتى يستضر ذلك الشخص به وإنما قصد ~~بذلك تحذير الناس وكان يخرج إلى مكة وقد كان مقامه ببغداد يرقب استعداد ~~القافلة ستة عشر يوما فكان يتصدق بستة عشر دينار لكل يوم دينار كفارة ~~لمقامه # وقد ذم العراق جماعة كعمر بن عبد العزيز وكعب الأحبار # وقال ابن عمر رضي الله عنهما لمولى له أين تسكن فقال العراق قال فما تصنع ~~به بلغني أن ما من أحد يسكن العراق إلا قيض الله قرينا من البلاء # وذكر كعب الأحبار يوما ms2443 العراق فقال فيه تسعة أعشار الشر وفيه الداء ~~العضال # وقد قيل قسم الخير عشرة أجزاء فتسعة أعشاره بالشام وعشره بالعراق وقسم ~~الشر عشرة أجزاء على العكس من ذلك # وقال بعض أصحاب الحديث كنا يوما عند الفضيل بن عياض فجاءه صوفي متدرع ~~بعباءة فأجلسه إلى جانبه وأقبل عليه ثم قال أين تسكن فقال بغداد فأعرض عنه ~~وقال يأتينا أحدهم في زي الرهبان فإذا سألناه أين تسكن قال في عش الظلمة ~~وكان بشر بن الحارث يقول مثال المتعبد ببغداد مثال المتعبد في الحش # وكان يقول لا تقتدوا بي في المقام بها من أراد أن يخرج فليخرج # وكان أحمد بن حنبل يقول لولا تعلق هؤلاء الصبيان بنا كان الخروج من هذا ~~البلد آثر في نفسي قيل وأين تختار السكنى قال بالثغور # وقال بعضهم وقد سئل عن أهل بغداد زاهدهم زاهد وشريرهم شرير # فهذا يدل على أن من بلي ببلدة تكثر فيها المعاصي ويقل فيها الخير فلا عذر ~~له في المقام بها بل ينبغي أن يهاجر قال الله تعالى ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها فإن منعه عن ذلك عيال أو علاقة فلا ينبغي أن يكون راضيا ~~بحاله مطمئن النفس إليه بل ينبغي أن يكون منزعج القلب منها قائلا على ~~الدوام ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها وذلك لأن الظلم إذا عم نزل ~~البلاء ودمر الجميع وشمل المطيعين قال الله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خاصة فإذن ليس في شيء من أسباب نقص الدين البتة رضا مطلق ~~إلا من حيث إضافتها إلى فعل الله تعالى فأما هي في نفسها فلا وجه للرضا بها ~~بحال # وقد اختلف العلماء في الأفضل من أهل المقامات الثلاث رجل يحب الموت شوقا ~~إلى لقاء الله تعالى ورجل يحب البقاء لخدمة المولى ورجل قال لا أختار شيئا ~~بل أرضى بما اختاره الله تعالى ورفعت هذه المسألة إلى بعض العارفين فقال ~~صاحب الرضا أفضلهم لأنه أقلهم فضولا # واجتمع ذات يوم وهيب بن الورد وسفيان الثوري ويوسف ms2444 بن أسباط فقال الثوري ~~كنت أكره موت الفجأة قبل اليوم واليوم وددت أني مت فقال له يوسف لم قال لما ~~أتخوف من الفتنة فقال يوسف لكني لا أكره طول البقاء فقال سفيان لم قال لعلي ~~أصادف يوما أتوب فيه وأعمل صالحا فقيل لوهيب إيش تقول أنت فقال أنا لا ~~أختار شيئا أحب ذلك إلي أحبه إلى الله سبحانه وتعالى فقبله الثوري بين ~~عينيه وقال روحانية ورب الكعبة ### |||| بيان جملة من حكايات المحبين وأقوالهم ومكاشفاتهم # قيل لبعض العارفين إنك محب فقال لست محبا إنما أنا محبوب والمحب متعوب # وقيل له أيضا الناس يقولون إنك واحد من السبعة فقال أنا كل السبعة وكان ~~يقول إذا رأيتموني فقد رأيتم أربعين بدلا قيل وكيف وأنت شخص واحد قال لأني ~~رأيت أربعين بدلا وأخذت من كل بدل خلقا من أخلاقه # وقيل له بلغنا أنك ترى الخضر عليه السلام فتبسم وقال ليس العجب ممن يرى ~~الخضر ولكن العجب ممن يريد الخضر أن يراه فيحتجب عنه وحكي عن الخضر عليه ~~السلام أنه قال ما حدثت نفسي يوما قط أنه لم يبق ولي لله تعالى إلا عرفته PageV04P355 # إلا ورأيت في ذلك اليوم وليا لم أعرفه # وقيل لأبي يزيد البسطامي مرة حدثنا عن مشاهدتك من الله تعالى فصاح ثم قال ~~ويلكم لا يصلح لكم أن تعلموا ذلك قيل فحدثنا بأشد مجاهدتك لنفسك في الله ~~تعالى فقال وهذا أيضا لا يجوز أن أطلعكم عليه # قيل فحدثنا عن رياضة نفسك في بدايتك فقال نعم دعوت نفسي إلى الله فجمحت ~~علي فعزمت عليها أن لا أشرب الماء سنة ولا أذوق النوم سنة فوفت لي بذلك # ويحكى عن يحيى بن معاذ أنه رأى أبا يزيد في بعض مشاهداته من بعد صلاة ~~العشاء إلى طلوع الفجر مستوفزا على صدور قدميه رافعا أخمصيه مع عقبيه عن ~~الأرض ضاربا بذقنه على صدره شاخصا بعينيه لايطرف قال ثم سجد عند السحر ~~فأطاله ثم قعد فقال اللهم إن قوما طلبوك فأعطيتهم الشىء على الماء والمشي ~~في الهواء فرضوا ms2445 بذلك وإني أعوذ بك من ذلك وإن قوما طلبوك فأعطيتهم طى ~~الأرض فرضوا بذل وإني أعوذ بك من ذلك وإن قوما طلبوك فأعطيتهم كنوز الأرض ~~فرضوا بذلك وإني أعوذ بك من ذلك حتى عد نيفا وعشرين مقاما من كرامات ~~الأولياء ثم التفت فرآني فقال يحيى قلت نعم يا سيدي فقال منذ متى أنت ههنا ~~قلت منذ حين فسكت فقلت يا سيدي حدثني بشيء فقال أحدثك بما يصلح لك أدخلني ~~في الفلك الأسفل فدورني في الملكوت السفلى وأراني الأرضين وما تحتها إلى ~~الثرى ثم أدخلني في الفلك العلوي فطوف بي في السموات وأراني ما فيها من ~~الجنان إلى العرش أوقفني بين يديه فقال سلني أي شيء رأيت حتى أهبه لك فقلت ~~يا سيدي ما رأيت شيئا استحسنته فأسألك إياه فقالأنت عبدي حقا تعبدني لأجلي ~~صدقا لأفعلن بك ولأفعلن فذكر أشياء # قال يحيى فهالني ذلك وامتلأت به وعجبت منه فقلت ياسيدى لم لا سألته ~~المعرفة به وقد قال لك ملك الملوك سلني ما شئت قال فصاح بي صيحة وقال اسكت ~~ويلك عرت عليه مني حتى لا أحب أن يعرفه سواه # وحكي أن أبا تراب التخشبي كان معجبا ببعض المريدين فكان يدنيه ويقوم ~~بمصالحه والمريد مشغول بعبادته ومواجدته فقال له أبو تراب يوما لو رأيت أبا ~~يزيد فقال إني عنه مشغول فلما أكثر عليه أبو تراب من قوله لو رأيت أبا يزيد ~~هاج وجد المريد فقال ويحك ما أصنع بأبي يزيد قد رأيت الله تعالى فأغناني عن ~~أبي يزيد قال أبو تراب فهاج طبعي ولم أملك نفسي فقلت ويلك تغتر بالله عز ~~وجل لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة قال ~~فبهت الفتى من قوله وأنكره فقال وكيف ذلك قال له ويلك أما ترى الله تعالى ~~عندك فيظهر لك على مقدارك وترى أبا يزيد عند الله قد ظهر له على مقداره ~~فعرف ما قلت فقال احملني إليه فذكر قصة قال في آخرها فوقفنا على تل ms2446 تنتظره ~~ليخرج إلينا من الغيضة وكان يأوي إلى غيضة فيها سباع قال فمر بنا وقد قلب ~~فروة على ظهره فقلت للفتى هذا أبو يزيد فانظر إليه فنظر إليه الفتى فصعق ~~فحركناه فإذا هو ميت فتعاونا على دفنه فقلت لأبي يزيد يا سيدي نظره إليك ~~قتله قال لا ولكن كان صاحبكم صادقا واستكن في قلبه سر لم ينكشف له بوصفه ~~فلما رآنا انكشف له سر قلبه فضاق عن حمله لأنه في مقام الضعفاء المريدين ~~فقتله ذلك # ولما دخل الزنج البصرة فقتلوا الأنفس ونهبوا الأموال اجتمع إلى سهل ~~إخوانه فقالوا لو سألت الله تعالى دفعهم فسكت ثم قال إن لله عبادا في هذه ~~البلدة لو دعوا على الظالمين لم يصبح على وجه الأرض ظالم إلا مات في ليلة ~~واحدة ولكن لا يفعلون قيل لم قال لأنهم لا يحبون ما لا يحب ثم ذكر من إجابة ~~الله تعالى أشياء لا يستطاع ذكرها حتى قال ولو سألوه أن لا يقيم الساعة لم ~~يقمها # وهذه أمور ممكنة في أنفسها فمن لم يحظ بشيء منها فلا ينبغي أن يخلو عن ~~التصديق والإيمان بإمكانها فإن القدرة واسعة والفضل عميم وعجائب الملك ~~والملكوت PageV04P356 # كثيرة ومقدورات الله تعالى لا نهاية لها وفضله على عباده الذين اصطفى لا ~~غاية له # ولذلك كان أبو يزيد يقول إن أعطاك مناجاة موسى وروحانية عيسى وخلة ~~إبراهيم فاطلب ما وراء ذلك فإن عنده فوق ذلك أضعافا مضاعفة فإن سكنت إلى ~~ذلك حجبك به وهذا بلاء مثلهم ومن هو في مثل حالهم لأنهم الأمثل فالأمثل # وقد قال بعض العارفين كوشفت بأربعين حوراء رأيتهن يتساعين في الهواء ~~عليهن ثياب من ذهب وفضة وجوهر يتخشخش ويتثنى معهن فنظرت إليهن نظرة فعوقبت ~~أربعين يوما ثم كوشفت بعد ذلك بثمانين حوراء فوقهن في الحسن والجمال وقيل ~~لي انظر إليهن قال فسجدت وغمضت عيني في سجودي لئلا أنظر إليهن وقلت أعوذ بك ~~مما سواك لا حاجة لي بهذا فلم أزل أتضرع حتى صرفهن الله عني # فأمثال هذه المكاشفات لا ينبغي ms2447 أن ينكرها المؤمن لإفلاسه عن مثلها فلو لم ~~يؤمن كل واحد إلا بما يشاهده من نفسه المظلمة وقلبه القاسي لضاق مجال ~~الإيمان عليه بل هذه أحوال تظهر بعد مجاوزة عقبات ونيل مقامات كثيرة أدناها ~~الإخلاص وإخراج حظوظ النفس وملاحظة الخلق عن جميع الأعمال ظاهرا وباطنا ثم ~~مكاتمة ذلك عن الخلق بستر الحال حتى يبقى متحصنا بحصن الخمول فهذه أوائل ~~سلوكهم وأقل مقاماتهم وهي أعز موجود في الأتقياء من الناس # وبعد تصفية القلب عن كورة الالتفات إلى الخلق يفيض عليه نور اليقين ~~وينكشف له مبادي الحق وإنكار ذلك دون التجربة وسلوك الطريق يجري مجرى إنكار ~~من أنكر إمكان انكشاف الصورة في الحديدة إذا شكلت ونقيت وصقلت وصورت بصورة ~~المرأة فنظر المنكر إلى ما في يده من زبرة حديد مظلم قد استولى عليه الصدأ ~~والخبث وهو لا يحكي صورة من الصور فأنكر إمكان انكشاف المرئي فيها عند ظهور ~~جوهرها وإنكار ذلك غاية الجهل والضلال # فهذا حكم كل من أنكر كرامات الأولياء إذ لا مستند له إلا قصوره عن ذلك ~~وقصور من رآه وبئس المستند ذلك في إنكار قدرة الله تعالى بل إنما يشم روائح ~~المكاشفة من سلك شيئا ولو من مبادي الطريق كما قيل لبشر بأي شيء بلغت هذه ~~المنزلة قال كنت أكاتم الله تعالى حالي # معناه أسأله أن يكتم على ويخفي أمري # وروي أنه رأى الخضر عليه السلام فقال له ادع الله تعالى لي فقال يسر الله ~~عليك طاعته قلت زدني قال وسترها عليك # فقيل معناه سترها عن الخلق وقيل معناه سترها عنك حتى لا تلتفت أنت إليها # وعن بعضهم أنه قال أقلقني الشوق إلى الخضر عليه السلام فسألت الله تعالى ~~مرة أن يريني إياه ليعلمني شيئا كان أهم الأشياء علي قال فرأيته فما غلب ~~علي همي ولا همتي إلا أن قلت له يا أبا العباس علمني شيئا إذا قلته حجبت عن ~~قلوب الخليقة فلم يكن لي فيها قدر ولا يعرفني أحد بصلاح ولا ديانة فقال قل ~~اللهم أسبل علي كثيف ms2448 سترك وحط علي سرادقات حجبك واجعلني في مكنون غيبك ~~واحجبني عن قلوب خلقك قال ثم غاب فلم أره ولم أشتق إليه بعد ذلك فما زلت ~~أقول هذه الكلمات في كل يوم فحكي أنه صار بحيث كان يستذل ويمتهن حتى كان ~~أهل الذمة يسخرون منه ويستسخرونه في الطرق يحمل الأشياء لهم لسقوطه عندهم ~~وكان الصبيان يلعبون به فكانت راحته ركود قلبه واستقامة حاله في ذله وخموله # فهكذا حال أولياء الله تعالى ففي أمثال هؤلاء ينبغي أن يطلبوا والمغرورون ~~إنما يطلبونهم تحت المرقعات والطيالسة وفي المشهورين بين الخلق بالعلم ~~والورع والرياسة وغيرة الله تعالى على أوليائه تأبى إلا إخفاءهم كما قال ~~تعالى أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري # وقال صلى الله عليه وسلم رب أشعث أغبر ذى طمرين لايؤبه له لو أقسم على ~~الله لأبره (1) PageV04P357 # وبالجملة فأبعد القلوب عن مشام هذه المعاني القلوب المتكبرة المعجبة ~~بأنفسها المستبشرة بعملها وعلمها وأقرب القلوب إليها القلوب المنكسرة ~~المستشعرة ذل نفسها استشعارا إذا ذل واهتضم لم يحس بالذل كما لا يحس العبد ~~بالذل مهما ترفع عليه مولاه فإذا لم يحس بالذل ولم يشعر أيضا بعدم التفاته ~~إلى الذل بل كان عند نفسه أخس منزلة من أن يرى جميع أنواع الذل ذلا في حقه ~~بل يرى نفسه دون ذلك حتى صار التواضع بالطبع صفة ذاته فمثل هذا القلب يرجى ~~له أن يستنشق مبادئ هذه الروائح فإن فقدنا مثل هذا القلب وحرمنا مثل هذا ~~الروح فلا ينبغي أن يطرح الإيمان بإمكان ذلك لأهله فمن لا يقدر أن يكون من ~~أولياء الله فليكن محبا لأولياء الله مؤمنا بهم فعسى أن يحشر مع من أحب # ويشهد لهذا ما روي أن عيسى عليه السلام قال لبني إسرائيل أين ينبت الزرع ~~قالوا في التراب فقال بحق أقول لكم لا تنبت الحكمة إلا في قلب مثل التراب # ولقد انتهى المريدون لولاية الله تعالى في طلب شروطها بإذلال النفس إلى ~~منتهى الضعة والخسة حتى روي أن ابن الكريبي وهو أستاذ الجنيد دعاه رجل إلى ms2449 ~~طعام ثلاث مرات ثم كان يرده ثم يستدعيه فيرجع إليه بعد ذلك حتى أدخله في ~~المرة الرابعة فسأله عن ذلك فقال قد رضت نفسي على الذل عشرين سنة حتى صارت ~~بمنزلة الكلب يطرد فينطرد ثم يدعى فيرمى له عظم فيعود ولو رددتني خمسين مرة ~~ثم دعوتني بعد ذلك لأجبت # وعنه ايضا أنه قال نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح فتشتت علي قلبي فدخلت ~~الحمام وعدلت إلى ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها ثم لبست مرقعتي فوقها وخرجت ~~وجعلت أمشي قليلا قليلا فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني ~~وأوجعوني ضربا فصرت بعد ذلك أعرف بلص الحمام فسكنت نفسي # فهكذا كانوا يروضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق ثم من ~~النظر إلى النفس فإن الملتفت إلى نفسه محجوب عن الله تعالى وشغله بنفسه ~~حجاب له فليس بين القلب وبين الله حجاب بعد وتخلل حائل وإنما بعد القلوب ~~شغلها بغيره أو بنفسه وأعظم الحجب شغل النفس # ولذلك حكي أن شاهدا عظيم القدر من أعيان أهل بسطام كان لا يفارق مجلس أبي ~~يزيد فقال له يوما أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر لاأفطر وأقوم الليل لا ~~أنام ولا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكر شيئا وأنا أصدق به وأحبه فقال ~~أبو يزيد ولو صمت ثلثمائة سنة وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة قال ولم قال ~~لأنك محجوب بنفسك قال فلهذا دواء قال نعم قال قل لي حتى أعمله قال لا تقبله ~~قال فاذكره لي حتى أعمل قال اذهب الساعة إلى المزين فاحلق رأسك ولحيتك ~~وانزع هذا اللباس واتزر بعباءة وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزا واجمع ~~الصبيان حولك وقل كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة وادخل السوق وطف الأسواق ~~كلها عند الشهود وعند من يعرفك وأنت على ذلك فقال الرجل سبحان الله تقول لي ~~مثل هذا فقال أبو يزيد قولك سبحان الله شرك قال وكيف قال لأنك عظمت نفسك ~~فسبحتها وما سبحت ربك فقال هذا لا أفعله ولكن دلني على غيره ms2450 فقال ابتدئ ~~بهذا قبل كل شيء فقال لا أطيقه قال قد قلت لك إنك لا تقبل فهذا الذي ذكره ~~أبو يزيد هو دواء من اعتل بنظره إلى نفسه ومرض بنظر الناس إليه ولا ينجي من ~~هذا المرض دواء سوى هذا وأمثاله فمن لا يطيق الدواء فلا ينبغي أن ينكر ~~إمكان الشفاء في حق من داوى نفسه بعد المرض أو لم يمرض بمثل هذا المرض أصلا # فأقل درجات الصحة الإيمان بإمكانها فويل لمن حرم هذا القدر القليل أيضا # وهذه أمور جلية في الشرع واضحة وهي مع ذلك مستبعدة عند من يعد نفسه من ~~علماء الشرع فقد قال صلى الله عليه وسلم PageV04P358 # لا يستكمل العبد الإيمان حتى تكون قلة الشيء أحب إليه من كثرته وحتى يكون ~~أن لا يعرف أحب من أن يعرف (1) وقد قال عليه السلام ثلاث من كن فيه استكمل ~~إيمانه لا يخاف في الله لومة لائم ولا يرائي بشيء من عمله وإذا عرض عليه ~~أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة آثر أمر الآخرة على الدنيا (2) وقال ~~عليه السلام لا يكمل إيمان عبد حتى يكون فيه ثلاث خصال إذا غضب لم يخرجه ~~غضبه عن الحق وإذا رضاه لم يدخله رضاء في باطل وإذا قدر لم يتناول ما ليس ~~له (3) وفي حديث آخر ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود العدل في ~~الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وخشية الله في السر والعلانية (4) ~~فهذه شروط ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأولى الإيمان فالعجب ممن ~~يدعي علم الدين ولا يصادف في نفسه ذرة من هذه الشروط ثم يكون نصيبه من علمه ~~وعقله أن يجحد مالا يكون إلا بعد مجاوزة مقامات عظيمة علية وراء الإيمان ~~وفي الأخبار أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه إنما اتخذ لخلتي من لا ~~يفتر عن ذكري ولا يكون له هم غيري ولا يؤثر علي شيئا من خلقي وإن حرق ~~بالنار لم يجد لحرق النار وجعا وإن قطع بالمناشير لم يجد لمس الحديد ألما ms2451 # فمن لم يبلغ إلى أن يغلبه الحب إلى هذا الحد فمن أين يعرف ما وراء الحب ~~من الكرامات والمكاشفات وكل ذلك وراء الحب والحب وراء كمال الإيمان ومقامات ~~الإيمان وتفاوته في الزيادة والنقصان لا حصر له # ولذلك قال عليه السلام للصديق رضي الله تعالى عنه إن الله تعالى قد أعطاك ~~مثل إيمان كل من آمن بي من أمتي وأعطاني مثل إيمان كل من آمن به من ولد آدم ~~(5) وفي حديث آخر إن لله تعالى ثلثمائة خلق من لقيه بخلق منها مع التوحيد ~~دخل الجنة فقال أبو بكر يا رسول الله هل في منها خلق فقال كلها فيك يا أبا ~~بكر وحبها إلى الله تعالى السخاء (6) وقال عليه السلام رأيت ميزانا دلي من ~~السماء فوضعت في كفة ووضعت أمتي في كفة فرجحت بهم ووضع أبو بكر في كفة وجيء ~~بأمتي فوضعت في كفة فرجح بهم (7) ومع هذا كله فقد كان استغراق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالله تعالى بحيث لم يتسع قلبه للخلة مع غيره فقال لو ~~كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله ~~تعالى (8) يعني نفسه PageV04P359 ### ||| خاتمة الكتاب بكلمات متفرقة تتعلق بالمحبة ينتفع بها # قال سفيان المحبة إتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال غيره دوام ~~الذكر وقال غيره إيثار المحبوب وقال بعضهم كراهية البقاء في الدنيا # وهذا كله إشارة إلى ثمرات المحبة فأما نفس المحبة فلم يتعرضوا لها # وقال بعضهم المحبة معنى من المحبوب قاهر للقلوب عن إدراكه وتمتنع الألسن ~~عن عبارته # وقال الجنيد حرم الله تعالى المحبة على صاحب العلاقة # وقال كل محبة تكون بعوض فإذا زال العوض زالت المحبة # وقال ذو النون قل لمن أظهر حب الله احذر أن تذل لغير الله # وقيل للشبلي رحمه الله صف لنا العارف والمحب فقال العارف إن تكلم هلك ~~والمحب إن سكت هلك وقال الشبلي رحمه الله # يا أيها السيد الكريم ... حبك بين الحشا مقيم # يا رافع النوم عن جفوني ... أنت بما مر ms2452 بي عليم # عجبت لمن يقول ذكرت إلفي ... وهل أنسى فأذكر ما نسيت # أموت إذا ذكرتك ثم أحيا ... ولولا حسن ظني ما حييت # فأحيا بالمنى وأموت شوقا ... فكم أحيا عليك وكم أموت # شربت الحب كأسا بعد كأس ... فما نفد الشرب وما رويت # فليت خياله نصب لعيني ... فإن قصرت في نظري عميت # وقالت رابعة العدوية يوما من يدلنا على حبيبنا فقالت خادمة لها حبيبنا ~~معنا ولكن الدنيا قطعتنا عنه # وقال ابن الجلاء رحمه الله تعالى أوحى الله إلى عيسى عليه السلام إني إذا ~~اطلعت على سر عبد فلم أجد فيه حب الدنيا والآخرة ملأته من حبي وتوليته ~~بحفظي وقيل تكلم سمنون يوما في المحبة فإذا بطائر نزل بين يديه فلم يزل ~~ينقر بمنقاره الأرض حتى سال الدم منه فمات # وقال إبراهيم بن أدهم إلهي إنك تعلم أن الجنة لا تزن عندي جناح بعوضة في ~~جنب ما أكرمتني من محبتك وآنستني بذكرك وفرغتني للتفكر في عظمتك وقال السري ~~رحمه الله من أحب الله عاش ومن مال إلى الدنيا طاش والأحمق يغدو ويروح في ~~لاش والعاقل عن عيوبه فتاش # وقيل لرابعة كيف حبك للرسول صلى الله عليه وسلم فقالت والله إني لأحبه ~~حبا شديدا ولكن حب الخالق شغلني عن حب المخلوقين # وسئل عليه السلام عن أفضل الأعمال فقال الرضا عن الله تعالى والحب له # وقال أبو يزيد المحب لايحب الدنيا ولا الآخرة إنما يحب من مولاه مولاه # وقال الشبلي الحب دهش في لذة وحيرة في تعظيم # وقيل المحبة أن تمحو أثرك عنك حتى لا يبقى فيك شيء راجع منك إليك وقيل ~~المحبة قرب القلب من المحبوب بالاستبشار والفرح # وقال الحواص المحبة محو الإرادات واحتراق الصفات والحاجات وسئل سهل عن ~~المحبة فقال عطف الله بقلب عبده لمشاهدته بعد الفهم للمراد منه # وقيل معاملة المحب على أربع منازل على المحبة والهيبة والحياء والتعظيم ~~وأفضلها التعظيم والمحبة لأنهاتين المنزلتين تبقيان مع أهل الجنة في الجنة ~~ويرفع عنهم غيرهما وقال هرم بن حبان المؤمن إذا عرف ربه عز ms2453 وجل أحبه وإذا ~~أحبه أقبل عليه وإذا وجد حلاوة الإقبال عليه لم ينظر إلى الدنيا بعين ~~الشهوة ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة وهي تحسره في الدنيا وتروحه في ~~الآخرة وقال عبد الله بن محمد سمعت امرأة من المتعبدات تقول وهي باكية ~~والدموع على خدها جارية والله لقد سئمت من الحياة حتى لو وجدت الموت يباع ~~لاشتريته شوقا إلى الله تعالى وحبا للقائه قال PageV04P360 # فقلت لها فعلى ثقة أنت من عملك قالت لا ولكن لحبي إياه وحسن ظني به ~~أفتراه يعذبني وأنا أحبه وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام لو يعلم ~~المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقا ~~إلي وتقطعت أوصالهم من محبتي يا داود هذه إرادتي في المدبرين علي فكيف ~~إرادتي في المقبلين علي يا داود أحوج ما يكون العبد إلي إذا استغنى عني ~~وأرحم ما أكون بعبدي إذا أدبر عني وأجل ما يكون عبدي إذا رجع إلي وقال أبو ~~خالد الصفار لقي نبي من الأنبياء عابدا فقال له إنكم معاشر العباد تعملون ~~على أمر لسنا معشر الأنبياء نعمل عليه أنتم تعملون على الخوف والرجاء ونحن ~~نعمل على المحبة والشوق # وقال الشبلي رحمه الله أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود ~~ذكري للذاكرين وجنتي للمطيعين وزيارتي للمشتاقين وأنا خاصة للمحبين وأوحى ~~الله تعالى إلى آدم عليه السلام يا آدم من أحب حبيبا صدق قوله من أنس ~~بحبيبه رضي فعله ومن اشتاق إليه جد في مسيره # وكان الخواص رحمه الله يضرب على صدره ويقول واشوقاه لمن يراني ولا أراه # وقال الجنيد رحمه الله بكى يونس عليه السلام حتى عمي وقام حتى انحنى وصلى ~~حتى أقعد وقال وعزتك وجلالك لو كان بيني وبينك بحر من نار لخضته إليك شوقا ~~مني إليك # وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن سنته فقال المعرفة رأس مالي والعقل أصل ديني والحب أساسي والشوق ~~مركبي وذكر الله ms2454 أنيسي والثقة كنزي والحزن رفيقي والعلم سلاحي والصبر ردائي ~~والرضا غنيمتي والعجز فخري والزهد حرفتي واليقين قوتي والصدق شفيعي والطاعة ~~حبي والجهاد خلقي وقرة عيني في الصلاة (1) وقال ذو النون سبحان من جعل ~~الأرواح جنود مجندة فأرواح العارفين جلالية قدسية فلذلك اشتاقوا إلى الله ~~تعالى وأرواح المؤمنين روحانية فلذلك حنوا إلى الجنة # وأرواح الغافلين هوائية فلذلك مالوا إلى الدنيا وقال بعض المشايخ رأيت في ~~جبل اللكام رجلا أسمر اللون ضعيف البدن وهو يقفز من حجر إلى حجر ويقول # الشوق والهوى ... صيراني كما ترى # ويقال الشوق نار الله أشعلها في قلوب أوليائه حتى يحرق بها ما في قلوبهم ~~من الخواطر والإرادات والعوارض والحاجات فهذا القدر كاف في شرح المحبة ~~والأنس والشوق والرضا فلنقتصر عليه والله الموفق للصواب # تم كتاب المحبة والشوق والأنس يتلوه كتاب النية والإخلاص والصدق ### || كتاب النية والإخلاص والصدق وهو الكتاب السابع من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # نحمد الله حمد الشاكرين ونؤمن به إيمان الموقنين ونقر بوحدانيته إقرار ~~الصادقين ونشهد أن لا إله PageV04P361 # إلا الله رب العالمين وخالق السموات والأرضين ومكلف الجن والإنس ~~والملائكة المقربين أن يعبدوه عبادة المخلصين فقال تعالى {وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين} فما لله إلا الدين الخالص المتين فإنه أغنى ~~الأغنياء عن شركة المشاركين والصلاة على نبيه محمد سيد المرسلين وعلى جميع ~~النبيين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين # أما بعد فقد انكشف لأرباب القلوب ببصيرة الإيمان وأنوار القرآن أن لا ~~وصول إلى السعادة إلا بالعلم والعبادة فالناس كلهم هلكى إلا العالمون ~~والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون ~~والمخلصون على خطر عظيم # فالعمل بغير نية عناء والنية بغير إخلاص رياء وهو للنفاق كفاء ومع ~~العصيان سواء والإخلاص من غير صدق وتحقيق هباء وقد قال الله تعالى في كل ~~عمل كان بإرادة غير الله مشوبا مغمورا {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه ~~هباء منثورا} وليت شعري كيف يصحح نيته من لا يعرف ms2455 حقيقة النية أو كيف يخلص ~~من صحح النية إذا لم يعرف حقيقة الإخلاص أو كيف تطالب المخلص نفسه بالصدق ~~إذا لم يتحقق معناه فالوظيفة الأولى على كل عبد أراد طاعة الله تعالى أن ~~يتعلم النية أولا لتحصل المعرفة ثم يصححها بالعمل بعد فهم حقيقة الصدق ~~والإخلاص اللذين هما وسيلتنا العبد إلى النجاة والخلاص # ونحن نذكر معاني الصدق والإخلاص في ثلاثة أبواب # الباب الأول في حقيقة النية ومعناها # الباب الثاني في الإخلاص وحقائقه # والباب الثالث في الصدق وحقيقته ### ||| الباب الأول في حقيقة النية ومعناها # وفيه بيان فضيلة النية # و بيان حقيقة النية # وبيان كون النية خيرا من العمل وبيان تفضيل الأعمال المتعلقة بالنفس ~~وبيان خروج النية عن الاختيار ### |||| بيان فضيلة النية # قال الله تعالى {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} ~~والمراد بتلك الإرادة هي النية # وقال صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى فمن كانت ~~هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا ~~يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه (1) وقال صلى الله عليه ~~وسلم أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته (2) ~~وقال تعالى {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} فجعل النية سبب التوفيق # وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ~~ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم (3) وإنما نظر إلى القلوب لأنها مظنة النية وقال ~~صلى الله عليه وسلم إن العبد ليعمل أعمالا حسنة فتصعد الملائكة في صحف ~~مختمة فتلقى بين يدي الله تعالى فيقول ألقوا هذه الصحيفة PageV04P362 # فإنه لم يرد بما فيها وجهي ثم ينادي الملائكة اكتبوا له كذا وكذا اكتبوا ~~له كذا وكذا فيقولون يا ربنا إنه لم يعمل شيئا من ذلك فيقول الله تعالى إنه ~~نواه (1) وقال صلى الله عليه وسلم الناس أربعة رجل أتاه الله عز وجل علما ~~ومالا فهو يعمل بعلمه في ماله فيقول رجل لو آتاني الله تعالى مثل ما آتاه ms2456 ~~لعملت كما يعمل فهما في الأجر سواء ورجل آتاه الله تعالى مالا ولم يؤته ~~علما فهو يتخبط بجهله في ماله فيقول رجل لو آتاني الله مثل ما آتاه عملت ~~كما يعمل فهما في الوزر سواء (2) ألا ترى كيف شركه بالنية في محاسن عمله ~~ومساويه # وكذلك في حديث أنس بن مالك لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~تبوك قال إن بالمدينة أقواما ما قطعنا واديا ولا وطئنا موطئا يغيظ الكفار ~~ولا أنفقنا نفقة ولا أصابتنا مخمصة إلا شركونا في ذلك وهم بالمدينة قالوا ~~وكيف ذلك يا رسول الله وليسوا معنا قال حبسهم العذر فشركوا بحسن النية (3) ~~وفي حديث ابن مسعود من هاجر يبتغي شيئا فهو له فهاجر رجل فتزوج امرأة منا ~~فكان يسمى مهاجر أم قيس (4) وكذلك جاء في الخبر إن رجلا قتل في سبيل الله ~~وكان يدعى قتيل الحمار (5) لأنه قاتل رجلا ليأخذ سلبه وحماره فقتل على ذلك ~~فأضيف إلى نيته # وفي حديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم من غزا وهو لا ينوي إلا ~~عقالا فله ما نوى (6) وقال أبي استعنت رجلا يغزو معي فقال لا حتى تجعل لي ~~جعلا فجعلت له فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال ليس له من دنياه ~~وآخرته إلا ما جعلت له (7) وروي في الإسرائيليات أن رجلا مر بكثبان من رمل ~~في مجاعة فقال في نفسه لو كان هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس فأوحى الله ~~تعالى إلى نبيهم أن قل له إن الله تعالى قبل صدقتك وقد شكر حسن نيتك وأعطاك ~~ثواب مالو كان طعاما فتصدقت به وقد ورد في أخبار كثيرة من هم بحسنة ولم ~~يعملها كتبت له حسنة (8) وفي حديث عبد الله بن عمرو من كانت الدنيا نيته ~~جعل الله فقره بين عينيه وفارقها أرغب ما يكون فيها ومن تكن الآخرة نيته ~~جعل الله تعالى غناه في قلبه وجمع عليه ضيعته وفارقها أزهد ما يكون فيها ~~(9) وفي حديث أم سلمة أن النبي صلى الله ms2457 عليه وسلم ذكر جيشا يخسف بهم ~~البيداء فقلت يا رسول الله يكون فيهم المكره والأجير فقال يحشرون على ~~نياتهم (10) وقال عمر رضي الله PageV04P363 # عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنما يقتتل المقتتلون على ~~النيات أخرجه ابن أبى الدنيا في كتاب الإخلاص والنية من حديث عمر بإسناد ~~ضعيف بلفظ إنما يبعث ورويناه في فوائد تمام بلفظ إنما يبعث المسلمون على ~~النيات ولابن ماجه من حديث أبى هريرة إنما يبعث الناس على نياتهم وفيه ليث ~~بن أبى سليم مختلف فيه وقال عليه السلام إذا التقى الصفان نزلت الملائكة ~~تكتب الخلق على مراتبهم فلان يقاتل للدنيا فلان يقاتل حمية فلان يقاتل ~~عصيبة ألا فلا تقولوا فلان قتل في سبيل الله فمن قاتل لتكون كلمة الله هي ~~العليا فهو في سبيل الله (1) هي العليا فهو في سبيل الله وعن جابر عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يبعث كل عبد على ما مات عليه (2) وفي حديث ~~الأحنف عن أبي بكرة إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ~~قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال لأنه أراد قتل صاحبه (3) ~~وفي حديث أبي هريرة من تزوج امرأة على صداق وهو لا ينوي أداءه فهو زان ومن ~~ادان دينا وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق (4) وقال صلى الله عليه وسلم من تطيب ~~لله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك ومن تطيب لغير الله جاء يوم ~~القيامة وريحه أنتن من الجيفة (5) # وأما الآثار فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفضل الأعمال أداء ما ~~افترض الله تعالى والورع عما حرم الله تعالى وصدق النية فيما عند الله ~~تعالى وكتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز اعلم أن عون الله تعالى ~~للعبد على قدر النية فمن تمت نيته تم عون الله له وإن نقصت نقص بقدره # وقال بعض السلف رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية # وقال داود الطائي البر همته ms2458 التقوى فلو تعلقت جميع جوارحه بالدنيا لردته ~~نيته يوما إلى نية صالحة وكذلك الجاهل بعكس ذلك # وقال الثوري كانوا يتعلمون النية للعمل كما تتعلمون العمل # وقال بعض العلماء اطلب النية للعمل قبل العمل وما دمت تنوي الخير فأنت ~~بخير # وكان بعض المريدين يطوف على العلماء يقول من يدلني على عمل لا أزال فيه ~~عاملا لله تعالى فإني لا أحب أن يأتي علي ساعة من ليل أو نهار إلا وأنا ~~عامل من عمال الله فقيل له قد وجدت حاجتك فاعمل الخير ما استطعت فإذا فترت ~~أو تركته فهم بعمله فإن الهام بعمل الخير كعامله # وكذلك قال بعض السلف وإن نعمة الله عليكم أكثر من أن تحصوها وإن ذنوبكم ~~أخفى من أن تعلموها ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين يغفر لكم ما بين ذلك # وقال عيسى عليه السلام طوبى لعين نامت ولا تهم بمعصية وانتبهت إلى غير ~~إثم # وقال أبو هريرة يبعثون يوم القيامة على قدر نياتهم وكان الفضيل بن عياض ~~إذا قرأ {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} يبكي ~~ويرددها ويقول إنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا # وقال الحسن إنما خلد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بالنيات ~~وقال أبو هريرة مكتوب في التوراة ما أريد به وجهي فقليله كثير وما أريد به ~~غيري فكثيره قليل # وقال بلال بن سعد إن العبد ليقول قول مؤمن فلا يدعه الله عز وجل وقوله ~~حتى ينظر في عمله فإذا عمل لم يدعه الله حتى ينظر في ورعه فإن تورع لم يدعه ~~حتى ينظر ماذا نوى فإن صلحت نيته فبالحري أن يصلح ما دون ذلك PageV04P364 # فإذن عماد الأعمال بالنيات فالعمل مفتقر إلى النية ليصير بها خيرا والنية ~~في نفسها خير وإن تعذر العمل بعائق ### |||| بيان حقيقة النية # اعلم أن النية والإرادة والقصد عبارات على متوارده معنى واحد وهو حالة ~~وصفة للقلب يكتنفها أمران علم وعمل {العلم} يقدمه لأنه أصله وشرطه {والعمل} ~~يتبعه لأنه ثمرته وفرعه وذلك لأن كل عمل أعني كل حركة ms2459 وسكون اختياري فإنه ~~لا يتم إلا بثلاثة أمور علم وإرادة وقدرة لأنه لا يريد الإنسان مالا يعلمه ~~فلابد وأن يعلم ولا يعمل ما لم يرد فلا بد من إرادة # ومعنى الإرادة انبعاث القلب إلى ما يراه موافقا للغرض إما في الحال أو في ~~المآل فقد خلق الإنسان بحيث يوافقه بعض الأمور ويلائم غرضه ويخالفه بعض ~~الأمور فيحتاج إلى جلب الملائم الموافق إلى نفسه ودفع الضار المنافي عن ~~نفسه فافتقر بالضرورة إلى معرفة وإدراك للشيء المضر والنافع حتى يجلب هذا ~~ويهرب من هذا فإن من لا يبصر الغذاء ولا يعرفه لا يمكنه أن بتناول ومن لا ~~يبصر النار لا يمكنه الهرب منها فخلق الله الهداية والمعرفة وجعل لها ~~أسبابا وهي الحواس الظاهرة والباطنة وليس ذلك من غرضنا ثم لو أبصر الغذاء ~~وعرف أنه موافق له فلا يكفيه ذلك للتناول ما لم يكن فيه ميل إليه ورغبة فيه ~~وشهوة له باعثة عليه إذا المريض يرى الغذاء ويعلم أنه موافق ولا يمكنه ~~التناول لعدم الرغبة والميل ولفقد الداعية المحركة إليه فخلق الله تعالى له ~~الميل والرغبة والإرادة وأعني به نزوعا في نفسه إليه وتوجها في قلبه إليه ~~ثم ذلك لايكفيه فكم من مشاهد طعاما راغب فيه مريد تناوله عاجز عنه لكونه ~~زمنا فخلقت له القدرة والأعضاء المتحركة حتى يتم به التناول والعضو لا ~~يتحرك إلا بالقدرة والقدرة تنتظر الداعية الباعثة والداعية تنتظر العلم ~~والمعرفة أو الظن والاعتقاد وهو أن يقوى في نفسه كون الشيء موافقا له فإذا ~~جزمت المعرفة بأن الشيء موافق ولا بد وأن يفعل وسمت عن معارضة باعث آخر ~~صارف عنه انبعثت الإرادة وتحقق الميل فإذا انبعثت الإرادة انتهضت القدرة ~~لتحريك الأعضاء لأن القدرة خادمة للإردة والإرادة تابعة لحكم الاعتقاد ~~والمعرفة # فالنية عبارة عن الصفة المتوسطة وهي الإرادة وانبعاث النفس بحكم الرغبة ~~والميل إلى ما هو موافق للغرض إما في الحال وإما في المآل # فالمحرك الأول هو الغرض المطلوب وهو الباعث والغرض الباعث هو المقصد ~~المنوي والانبعاث هو القصد والنية وانتهاض ms2460 القدرة لخدمة الإرادة بتحريك ~~الأعضاء هو العمل إلا أن انتهاض القدرة للعمل قد يكون بباعث واحد وقد يكون ~~بباعثين اجتمعا في فعل واحد وإذا كان بباعثين فقد يكون كل واحد بحيث لو ~~انفرد لكان مليا بإنهاض القدرة وقد يكون كل واحد قاصرا عنه إلا بالاجتماع ~~وقد يكون أحدهما كافيا لولا الآخر لكن الآخر انتهض عاضدا له ومعاونا # فيخرج من هذا القسم أربعة أقسام فلنذكر لكل واحد مثالا واسما # أما الأول فهو أن ينفرد الباعث الواحد يتجرد كما إذا هجم على الإنسان سبع ~~فكلما رآه قام من موضعه فلا مزعج له إلا غرض الهرب من السبع فإنه رأى السبع ~~وعرفه ضارا فانبعثت نفسه إلى الهرب ورغبت فيه فانتهضت القدرة عاملة بمقتضى ~~الانبعاث فيقال نيته للفرار من السبع لا نية له في القيام لغيره وهذه النية ~~تسمى خالصة ويسمى العمل بموجبها إخلاصا بالإضافة إلى الغرض الباعث ومعناه ~~أنه خلص عن مشاركة غيره وممازجته # وأما الثاني فهو أن يجتمع باعثان كل واحد مستقل بالإنهاض لو انفرد # ومثاله من المحسوس أن يتعاون رجلان على حمل شيء بمقدار من القوة كان ~~كافيا في الحمل لو انفرد ومثاله في غرضنا أن يسأله قريبه الفقير حاجة PageV04P365 # فيقضيها لفقره وقرابته وعلم أنه لولا فقره لكان يقضيها بمجرد القرابة ~~وأنه لولا قرابته لكان يقضيها بمجرد القرابة وأنه لولا قرابته لكان يقضيها ~~بمجرد الفقر وعلم ذلك من نفسه بأنه يحضره قريب غني فيرغب في قضاء حاجته ~~وفقير أجنبي فيرغب أيضا فيه # وكذلك من أمره الطبيب بترك الطعام ودخل عليه يوم عرفة فصام وهو يعلم أنه ~~لو لم يكن يوم عرفة لكان يترك الطعام حمية ولولا الحمية لكان يتركه لأجل ~~أنه يوم عرفة وقد اجتمعا جميعا فأقدم على الفعل وكان الباعث الثاني رفيق ~~الأول # فلنسم هذا مرافقة للبواعث والثالث أن لا يستقل كل واحد لو انفرد ولكل قوى ~~مجموعهما على إنهاض القدرة # ومثاله في المحسوس أن يتعاون ضعيفان على حمل مالا ينفرد أحدهما به # ومثاله في غرضنا أن يقصده قريبه الغني ms2461 فيطلب درهما فلا يعطيه ويقصده ~~الأجنبي الفقير فيطلب درهما فلا يعطيه ثم يقصده القريب الفقير فيعطيه فيكون ~~انبعاث داعيته المجموع الباعثين وهو القرابة والفقر # وكذلك الرجل يتصدق بين يدي الناس لغرض الثواب ولغرض الثناء ويكون بحيث لو ~~كان منفردا لكان لا يبعثه مجرد قصد الثواب على العطاء ولو كان الطالب فاسقا ~~لا ثواب في التصدق عليه لكان لا يبعثه مجرد الرياء على العطاء ولو اجتمعا ~~أورثا بمجموعهما تحريك القلب # ولنسم هذا الجنس مشاركة والرابع أن يكون أحد الباعثين مستقلا لو انفرد ~~بنفسه والثاني لا يستقل # ولكن لما انضاف إليه لم ينفك عن تأثير بالإعانة والتسهيل # ومثاله في المحسوس أن يعاون الضعيف الرجل القوي على الحمل ولو انفرد ~~القوي لاستقل ولو انفرد الضعيف لم يستقل فإن ذلك بالجملة يسهل العمل ويؤثر ~~في تخفيفه # ومثاله في غرضنا أن يكون للإنسان ورد في الصلاة وعادة في الصدقات فاتفق ~~أن حضر في وقتها جماعة من الناس فصار الفعل أخف علة بسبب مشاهدتهم وعلم من ~~نفسه أنه لو كان منفردا خاليا لم يفتر عن عمله وعلم أن عمله لو لم يكن طاعة ~~لم يكن مجرد الرياء يحمله عليه فهو شوب تطرق إلى النية # ولنسم هذا الجنس المعاونة # فالباعث الثانى إما أن يكون رفيقا أو شريكا أو معينا # وسنذكر حكمها في باب الإخلاص # والغرض الآن بيان أقسام النيات فإن العمل تابع للباعث عليه فيكتسب الحكم ~~منه # ولذلك قيل إنما الأعمال بالنيات لأنها تابعة لا حكم لها في نفسها وإنما ~~الحكم للمتبوع ### |||| بيان سر قوله صلى الله عليه وسلم نية المؤمن خير من عمله # (1) # اعلم أنه قد يظن أن سبب هذا الترجيح أن النية سر لا يطلع عليه إلا الله ~~تعالى والعمل ظاهر ولعمل السر فضل # وهذا صحيح ولكن ليس هو المراد لأنه لو نوى أن يذكر الله بقلبه أو يتفكر ~~في مصالح المسلمين فيقتضي عموم الحديث أن تكون نية التفكر خيرا من التفكر ~~وقد يظن أن سبب الترجيح أن النية تدوم إلى آخر العمل والأعمال لا ms2462 تدوم وهو ~~ضعيف لأن ذلك يرجع معناه إلى أن العمل الكثير خير من القليل بل ليس كذلك ~~فإن نية أعمال الصلاة قد لا تدوم إلا في لحظات معدودة والأعمال تدوم ~~والعموم يقتضي أن تكون نيته خيرا من عمله # وقد يقال إن معناه أن النية بمجردها خير من العمل بمجرده دون النية وهو ~~كذلك ولكنه بعيد أن يكون هو المراد إذ العمل بلا نية أو على الغفلة لا خير ~~فيه أصلا والنية بمجردها خير وظاهر الترجيح للمشتركين في أصل الخير بل ~~المعنى أن كل طاعة تنتظم بنية وعمل وكانت النية من جملة الخيرات وكان العمل ~~من جملة الخيرات ولكن النية من جملة الطاعة خير من العمل أي لكل واحد منهما ~~أثر في المقصود وأثر النية أكثر من أثر العمل PageV04P366 # فمعناه نية المؤمن من جملة طاعته خير من عمله الذي هو من جملة طاعته ~~والغرض أن للعبد اختيارا في النية وفى العمل فمهما عملان والنية من الجملة ~~خيرهما فهذا معناه # وأما سبب كونها خيرا ومترجحة على العمل فلا يفهمه إلا من فهم مقصد الدين ~~وطريقه ومبلغ أثر الطريق في الاتصال إلى المقصد وقاس بعض الآثار بالبعض حتى ~~يظهر له بعد ذلك الأرجح بالإضافة إلى المقصود # فمن قال الخبز خير من الفاكهة فإنما يعني به أنه خير بالإضافة إلى مقصود ~~القوت والاغتذاء ولا يفهم ذلك إلا من فهم أن للغذاء مقصدا وهو الصحة ~~والبقاء وأن الأغذية مختلفة الآثار فيها وفهم أثر كل واحد وقاس بعضها ~~بالبعض فالطاعات غذاء للقلوب والمقصود شفاؤها وبقاؤها وسلامتها في الآخرة ~~وسعادتها وتنعمها بلقاء الله تعالى فالمقصد لذة السعادة بلقاء الله فقط ولن ~~يتنعم بلقاء الله إلا من مات محبا لله تعالى عارفا بالله ولن يحبه إلا من ~~عرفه ولن يأنس بربه إلا من طال ذكره له # فالآنس يحصل بدوام الذكر والمعرفة تحصل بدوام الفكر والمحبة تتبع المعرفة ~~بالضرورة ولن يتفرغ القلب لدوام الذكر والفكر إلا إذا فرغ من شواغل الدنيا ~~ولن يتفرغ من شواغلها إلا إذا انقطع عنه ms2463 شهواتها حتى يصير مائلا إلى الخير ~~مريدا له نافرا عن الشر مبغضا له وإنما يميل إلى الخيرات والطاعات إذا علم ~~أن سعادته في الآخرة منوطة بها كما يميل العاقل إلى القصد والحجامة لعلمه ~~بأن سلامته فيهما # وإذا حصل أصل الميل بالمعرفة فإنما يقوى بالعمل بمقتضى الميل والمواظبة ~~عليه فإن المواظبة على مقتضى صفات القلب وأرادتها بالعمل تجري مجرى الغذاء ~~والقوت لتلك الصفة حتى تترشح الصفة وتقوى بسببها # فالمائل إلى طلب العلم او طلب الرياسة لا يكون ميله في الابتداء إلا ~~ضعيفا فإن اتبع بمقتضى الميل واشتغل بالعلم وتربية الرياسة والأعمال ~~المطلوبة لذلك تأكيد ميله ورسخ وعسر عليه النزوع وإن خالف مقتضى ميله ضعف ~~ميله وانكسر وربما زال والمحق # بل الذي ينظر إلى وجه حسن مثلا فيميل إليه طبعا لا ضعفا لو تبعه وعمل ~~بمقتضاه فداوم على النظر والمجالسة والمخالطة والمحاورة تأكد ميله حتى يخرج ~~أمره عن اختياره فلا يقدر على النزوع عنه ولو فطم نفسه ابتداء وخالف مقتضى ~~ميله لكان ذلك كقطع القوت والغذاء عن صفة الميل ويكون ذلك زبرا ودفعا في ~~وجهه حتى يضعف وينكسر بسببه وينقمع وينمحي # وهكذا جميع الصفات والخيرات والطاعات كلها هي التي تراد بها الآخرة ~~والشرور كلها هي التي تراد بها الدنيا لا الآخرة # وميل النفس إلى الخيرات الأخروية وانصرافها عن الدنيوية هو الذي يفرغها ~~للذكر والفكر ولن يتأكد ذلك إلا بالمواظبة على أعمال الطاعة وترك المعاصي ~~بالجوارح لأن بين الجوارح وبين القلب علاقة حتى إنه يتأثر كل واحد منهما ~~بالآخر فترى العضو إذا أصابته جراحة تألم بها القلب وترى القلب إذا تألم ~~بعلمه بموت عزيز من أعزته أو بهجوم أمر مخوف تأثرت به الأعضاء وارتعدت ~~الفرائض وتغير اللون إلا أن القلب هو الأصل المتبوع فكأنه الأمير والراعي ~~والجوارح كالخدم والرعايا والأتباع # فالجوارح خادمة للقلب بتأكيد صفاتها فيه فالقلب هو المقصود والأعضاء آلات ~~موصلة إلى المقصود ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم إن في الجسد مضغة ~~إذا صلحت صلح لها سائر الجسد (1) وقال عليه ms2464 الصلاة والسلام اللهم أصلح ~~الراعي والرعية (2) وأراد بالراعي القلب وقال الله تعالى لن ينال لحومها ~~ولا دماؤها ولكن يناله التقوى PageV04P367 # {منكم} وهي صفة القلب # فمن هذا الوجه يجب لا محالة أن تكون أعمال القلب على الجملة أفضل من ~~حركات الجوارح # ثم يجب أن تكون النية من جملتها أفضل لأنها عبارة عن ميل القلب إلى الخير ~~وإرادته له # وغرضنا من الأعمال بالجوارح أن يعود القلب إرادة الخير ويؤكد فيه الميل ~~إليه ليفرغ من شهوات الدنيا ويكب على الذكر والفكر فبالضرورة يكون خيرا ~~بالإضافة إلى الغرض لأنه متمكن من نفس المقصود وهذا كما أن المعدة إذا ~~تألمت فقد تداوى بأن يوضع الطلاء على الصدر وتداوى بالشرب والدواء الواصل ~~إلى المعدة فالشرب خير من طلاء الصدر لأن طلاء الصدر أيضا إنما أريد به أن ~~يسري منه الأثر إلى المعدة فما بلاقى عين المعدة فهو خير وأنفع # فهكذا ينبغي أن تفهم تأثير الطاعات كلها إذ المطلوب منها تغيير القلوب ~~وتبديل صفاتها فقط دون الجوارح فلا تظنن أن في وضع الجبهة على الأرض غرضا ~~من حيث إنه جمع بين الجبهة والأرض بل من حيث إنه بحكم العادة يؤكد صفة ~~التواضع في القلب فإن من يجد في نفسه تواضعا فإذا استكان بأعضائه وصورها ~~بصورة التواضع تأكد تواضعه ومن وجد في قلبه رقة على يتيم فإذا مسح رأسه ~~وقبله تأكد الرقة في قلبه ولهذا لم يكن العمل بغير نية مفيدا أصلا لأن من ~~يمسح رأس يتيم وهو غافل بقلبه أو ظان أنه يمسح ثوبا لم ينتشر من أعضائه أثر ~~إلى قلبه لتأكيد الرقة وكذلك من يسجد غافلا وهو مشغول الهم بأعراض الدنيا ~~لم ينتشر من جبهته ووضعها على الأرض أثر إلى قلبه يتاكد به التواضع فكان ~~وجود ذلك كعدمه وما ساوى وجوده عدمه بالإضافة إلى الغرض المطلوب منه يسمى ~~باطلا فيقال العبادة بغير نية باطلة وهذا معناه إذا فعل عن غفلة فإذا قصد ~~به رياء أو تعظيم شخص آخر لم يكن وجوده كعدمه بل زاده شرا فإنه ms2465 لم يؤكد ~~الصفة المطلوبة تأكيدها حتى أكد الصفة المطلوب قمعها وهي صفة الرياء التي ~~هي من الميل إلى الدنيا فهذا وجه كون النية خير من العمل # وبهذا أيضا يعرف معنى قوله صلى الله عليه وسلم من هم بحسنة فلم يعملها ~~كتبت له حسنة لأن هم القلب هو ميله إلى الخير وانصرافه عن الهوى وحب الدنيا ~~وهي غاية الحسنات وإنما الإتمام بالعمل يزيدها تأكيدا فليس المقصود من ~~إراقة دم القربان الدم واللحم بل ميل القلب عن حب الدنيا وبذلها إيثارا ~~لوجه الله تعالى وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهمة وإن عاق عن العمل ~~عائق ف لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم والتقوى ~~ههنا صفة القلب ولذلك قال صلى الله عليه وسلم إن قوما بالمدينة قد شركونا ~~في جهادنا كما تقدم ذكره لأن قلوبهم في صدق إرادة الخير وبذل المال والنفس ~~والرغبة في طلب الشهادة وإعلاء كلمة الله تعالى كقلوب الخارجين في الجهاد ~~وإنما فارقوهم بالأبدان لعوائق تخص الأسباب الخارجة عن القلب وذلك غير ~~مطلوب إلا لتأكيد هذه الصفات # وبهذه المعاني تفهم جميع الأحاديث التى أوردناها في فضيلة النية فاعرضها ~~عليها لينكشف لك أسرارها فلا نطول بالإعادة ### |||| بيان تفصيل الأعمال المتعلقة بالنية # اعلم أن الأعمال وإن انقسمت أقساما كثيرة من فعل وقول وحركة وسكون وجلب ~~ودفع وفكر وذكر وغير ذلك مما لا يتصور إحصاؤه واستقصاؤه فهي ثلاثة أقسام ~~معاص وطاعات ومباحات القسم الأول المعاصي وهي لا تتغير عن موضعها بالنية ~~فلا ينبغي أن يفهم الجاهل ذلك من عموم قوله عليه السلام إنما الأعمال ~~بالنيات فيظن أن المعصية تنقلب طاعة بالنية كالذي يغتاب إنسانا مراعاة لقلب PageV04P368 # غيره أو يطعم فقيرا من مال غيره أو يبني مدرسة أو مسجدا أو رباطا بمال ~~حرام وقصده الخير فهذا كله جهل والنية لا تؤثر في إخراجه عن كونه ظلما ~~وعدوانا ومعصية بل قصده الخير بالشر على خلاف مقتضى الشرع شر آخر فإن عرفه ~~فهو معاند للشرع وإن جهله فهو عاص بجهله ms2466 إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم ~~والخيرات إنما يعرف كونها خيرات للشرع فكيف يمكن أن يكون الشر خير هيهات بل ~~المروج لذلك على القلب خفي الشهوة وباطن الهوى فإن القلب إذا كان مائلا إلى ~~طلب الجاه واستمالة قلوب الناس وسائر حظوظ النفس توسل الشيطان به إلى ~~التلبيس على الجاهل ولذلك قال سهل رحمه الله تعالى ما عصي الله تعالى ~~بمعصية أعظم من الجهل قيل يا أبا محمد هل تعرف شيئا أشد من الجهل قال نعم ~~الجهل بالجهل # وهو كما قال لأن الجهل بالجهل يسد بالكلية باب التعلم فمن يظن بالكلية ~~بنفسه أنه عالم فكيف يتعلم وكذلك أفضل ما أطيع الله تعالى به العلم ورأس ~~العلم العلم بالعلم كما أن رأس الجهل الجهل بالجهل # فإن من لا يعلم العلم النافع من العلم الضار اشتغل بما أكب الناس عليه من ~~العلوم المزخرفة التي هي وسائلهم إلى الدنيا وذلك هو مادة الجهل ومنبع فساد ~~العالم والمقصود أن من قصد الخير بمعصية عن جهل فهو غير معذور إلا إذا كان ~~قريب العهد بالإسلام ولم يجد بعد مهلة للتعلم # وقد قال الله سبحانه فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يعذر الجاهل على الجهل ولا يحل للجاهل أن يسكت على جهله ~~ولا للعالم أن يسكت على علمه (1) # ويقرب من تقرب السلاطين ببناء المساجد والمدارس بالمال الحرام تقرب ~~العلماء السوء بتعليم العلم للسفهاء والأشرار المشغولين بالفسق والفجور ~~القاصرين هممهم على مماراة العلماء ومباراة السفهاء واستمالة وجوه الناس ~~وجمع حطام الدنيا وأخذ أموال السلاطين واليتامى والمساكين فإن هؤلاء إذا ~~تعلموا كانوا قطاع طريق الله تعالى وانتهض كل واحد منهم في بلدته نائبا عن ~~الدجال يتكالب على الدنيا ويتبع الهوى ويتباعد عن التقوى ويستجرى الناس ~~بسبب مشاهدته على معاصي الله تعالى ثم قد ينتشر ذلك العلم إلى مثله وأمثاله ~~ويتخذونه أيضا آلة ووسيلة في الشر وإتباع الهوى ويتسلسل ذلك ووبال جميعه ~~يرجع إلى المعلم الذي علمه العلم مع علمه بفساد ms2467 نيته وقصده ومشاهدته أنواع ~~المعاصي من أقواله وأفعاله وفي مطعمه وملبسه ومسكنه فيموت هذا العالم وتبقى ~~آثار شره منتشرة في العالم ألف سنة مثلا وألفي سنة وطوبى لمن إذا مات ماتت ~~معه ذنوبه ثم العجب من جهله حيث يقول إنما الأعمال بالنيات وقد قصدت بذلك ~~نشر علم الدين فإن استعمله هو في الفساد فالمعصية منه لا مني وما قصدت به ~~إلا أن يستعين به على الخير # وإنما حب الرياسة والاستتباع والتفاخر بعلو العلم يحسن ذلك في قلبه ~~والشيطان بواسطة حب الرياسة يلبس عليه وليت شعري ما جوابه عمن وهب سيفا من ~~قاطع طريق وأعد له خيلا وأسبابا يستعين بها على مقصوده ويقول إنما أردت ~~البذل والسخاء والتخلق بأخلاق الله الجميلة وقصدت به أن يغزو بهذا السيف ~~والفرس في سبيل الله تعالى فإن إعداد الخيل والرباط والقوة للغزاة من أفضل ~~القربات فإن هو صرفه إلى قطع الطريق فهو العاصي # وقد أجمع الفقهاء على أن ذلك حرام مع أن السخاء هو أحب الأخلاق إلى الله ~~تعالى حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله تعالى ثلثمائة خلق من ~~تقرب إليه PageV04P369 # بواحد منها دخل الجنة وأحبها إليه السخاء (1) فليت شعري لم حرم هذا ~~السخاء ولم وجب عليه أن ينظر إلى قرينه الحال من هذا الظالم فإذا لاح له من ~~عادته أنه يستعين بالسلاح على الشر فينبغي أن يسعى في سلب سلاحه لا أن يمده ~~بغيره والعلم سلاح يقاتل به الشيطان وأعداء الله تعالى وقد يعاون به أعداء ~~الله عز وجل وهو الهوى فمن لا يزال مؤثرا لدنياه على دينه ولهواه على آخرته ~~وهو عاجز عنها لقلة فضله فكيف يجوز إمداده بنوع علم يتمكن به من الوصول إلى ~~شهواته بل لم يزل علماء السلف رحمهم الله تعالى يتفقدون أحوال من يتردد ~~إليهم فلو رأوا منه تقصيرا في نفل من النوافل أنكروه وتركوا إكرامه وإذا ~~رأوا منه فجورا واستحلال حرام هجروه ونفوه عن مجالسهم وتركوا تكليمه فضلا ~~عن تعليمه لعلمهم بأن من تعلم ms2468 مسألة ولم يعمل بها وجاوزها إلى غيرها فليس ~~يطلب إلا آلة الشر وقد تعوذ جميع السلف بالله تعالى من الفاجر العالم ~~بالسنة وما تعوذوا من الفاجر الجاهل حكي عن بعض أصحاب أحمد بن حنبل رحمه ~~الله أنه كان يتردد إليه سنين ثم اتفق أن أعرض عنه أحمد وهجره وصار لا ~~يكلمه فلم يزل يسأله عن تغيره عليه وهو لا يذكره حتى قال بلغني أنك طينت ~~حائط دارك من جانب الشارع وقد أخذت قدر سمك الطين وهو أنملة من شارع ~~المسلمين فلا تصلح لنقل العلم فهكذا كانت مراقبة السلف لأحوال طلاب العلم ~~وهذا وأمثاله مما يلتبس على الأغبياء وأتباع الشيطان وإن كانوا أرباب ~~الطيالسة والأكمام الواسعة وأصحاب الألسنة الطويلة والفضل الكثير أعني ~~الفضل من العلوم التي لا تشتمل على التحذير من الدنيا والزجر عنها والترغيب ~~في الآخرة والدعاء إليها بل هي العلوم التي تتعلق بالخلق ويتوصل بها إلى ~~جمع الحطام واستتباع الناس والتقدم على الأقران # فإذن قوله عليه السلام إنما الأعمال بالنيات يختص من الأقسام الثلاثة ~~بالطاعات والمباحات دون المعاصي إذ الطاعة تنقلب معصية بالقصد والمباح ~~ينقلب معصية وطاعة بالقصد فأما المعصية فلا تنقلب طاعة بالقصد أصلا نعم ~~للنية دخل فيها وهو أنه إذا انضاف إليها قصود خبيثة تضاعف وزرها وعظم ~~وبالها كما ذكرنا ذلك في كتاب التوبة # القسم الثاني الطاعات وهي مرتبطة بالنيات في أصل صحتها وفي تضاعف فضلها ~~أما الأصل فهو أن ينوي بها عبادة الله تعالى لا غير فإن نوى الرياء صارت ~~معصية وأما تضاعف الفضل فبكثرة النيات الحسنة فإن الطاعة الواحدة يمكن أن ~~ينوي بها خيرات كثيرة فيكون له بكل نية ثواب إذ كل واحدة منها حسنة ثم ~~تضاعف كل حسنة عشر أمثالها (2) كما ورد به الخبر # ومثاله القعود في المسجد فإنه طاعة ويمكن أن ينوي فيه نيات كثيرة حتى ~~يصير من فضائل أعمال المتقين ويبلغ به درجات المقربين أولها أن يعتقد أنه ~~بيت الله وأن داخله زائر الله فيقصد به زيارة مولاه رجاء لما وعده به ms2469 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حيث قال من قعد في المسجد فقد زار الله تعالى وحق ~~على المزور أن يكرم زائره (3) وثانيها أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون في ~~جملة انتظاره في الصلاة وهو معنى قوله تعالى {ورابطوا} وثالثها الترهب بكف ~~السمع والبصر والأعضاء عن الحركات والترددات فإن الاعتكاف كف وهو في معنى ~~PageV04P370 # الصوم وهو نوع ترهب ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رهبانية أمتي ~~القعود في المساجد (1) ورابعها عكوف الهم على الله ولزوم السر للفكر في ~~الآخرة ودفع الشواغل الصارفة عنه بالاعتزال إلى المسجد وخامسها التجرد لذكر ~~الله أو لاستماع ذكره وللتذكر به كما روي في الخبر من غدا إلى المسجد ليذكر ~~الله تعالى أو يذكر به كان كالمجاهد في سبيل الله تعالى (2) وسادسها أن ~~يقصد إفادة العلم بأمر بمعروف ونهي عن منكر إذ المسجد لا يخلو عمن يسئ في ~~صلاته أو يتعاطى مالا يحل له فيأمره بالمعروف ويرشده إلى الدين فيكون شريكا ~~معه في خيره الذي يعلم منه فتتضاعف خيراته وسابعها أن يستفيد أخا في الله ~~فإن ذلك غنيمة وذخيرة للدار الآخرة والمسجد معشش أهل الدين المحبين لله وفي ~~الله وثامنها أن يترك الذنوب حياء من الله تعالى وحياء من أن يتعاطى في بيت ~~الله ما يقتضي هتك الحرمة وقد قال الحسن بن علي رضي الله عنهما من أدمن ~~الاختلاف إلى المسجد رزقه الله إحدى سبع خصال أخا مستفادا في الله أو رحمة ~~مستنزلة أو علما مستظرفا أو كلمة تدل على هدى أو تصرفه عن ردى أو يترك ~~الذنوب خشية أو حياء فهذا طريق تكثير النيات وقس به سائر الطاعات والمباحات ~~إذ ما من طاعة إلا وتحتمل نيات كثيرة وإنما تحضر في قلب العبد المؤمن بقدر ~~جده في طلب الخير وتشمره له وتفكر فيه فبهذا تزكوا الأعمال وتتضاعف الحسنات ~~القسم الثالث المباحات وما من شيء من المبحاثات إلا ويحتمل نية أو نيات ~~يصير بها من محاسن القربات وينال بها معالي الدرجات فما أعظم خسران من ms2470 يغفل ~~عنها ويتعاطاها تعاطي البهائم المهملة عن سهو وغفلة ولا ينبغي أن يستحقر ~~العبد شيئا من الخطرات والخطوات واللحظات فكل ذلك يسئل عنه يوم القيامة أنه ~~لم فعله وما الذي قصد به هذا في مباح محض لا يشوبه كراهة ولذلك قال صلى ~~الله عليه وسلم حلالها حساب وحرامها عقاب (3) وفي حديث معاذ بن حبل أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إن العبد ليسأل يوم القيامة عن كل شيء حتى عن ~~كحل عينيه وعن فتات الطينة بإصبعيه وعن لمسه ثوب أخيه (4) وفي خبر آخر من ~~تطيب لله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك ومن تطيب لغير الله ~~تعالى جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة فاستعمال الطيب مباح ولكن لا ~~بد فيه من نية فإن قلت فما الذي يمكن أن ينوي بالطيب وهو حظ من حظوظ النفس ~~وكيف يتطيب لله فاعلم أن من يتطيب مثلا يوم الجمعة وفي سائر الأوقات يتصور ~~أن يقصد التنعم بلذات الدنيا أو يقصد به إظهار التفاخر بكثرة المال ليحسده ~~الأقران أو يقصد به رياء الخلق ليقوم له الجاه في قلوبهم ويذكر بطيب ~~الرائحة أو ليتودد به إلى قلوب النساء الأجنبيات إذا كان مستحلا للنظر ~~إليهن ولأمور أخرى لا تحصى وكل هذا يجعل التطيب معصية فبذلك يكون أنتن من ~~الجيفة في القيامة إلا القصد الأول وهو التلذذ والتنعم فإن ذلك ليس بمعصية ~~إلا أنه يسئل عنه ومن PageV04P371 # نوقش الحساب عذب ومن أتى شيئا من مباح الدنيا لم يعذب عليه في الآخرة ~~ولكن ينقص من نعيم الآخرة له بقدره وناهيك خسرانا بأن يستعجل ما يفنى ويخسر ~~زيادة نعيم لا يفنى # وأما النية الحسنة فإنه ينوي به اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوم الجمعة (1) وينوي بذلك أيضا تعظيم المسجد واحترام بيت الله فلا يرى أن ~~يدخله زائرا لله إلا طيب الرائحة وأن يقصد به ترويح جيرانه ليستريحوا في ~~المسجد عند مجاورته بروائحه وأن يقصد به دفع الروائح الكريهة عن نفسه التي ~~تؤدي إلى ms2471 إيذاء مخالطيه وأن يقصد حسم باب الغيبة عن المغتابين إذا اغتابوه ~~بالروائح الكريهة فيعصون الله بسببه فمن تعرض للغيبة وهو قادر على الاحتراز ~~منها فهو شريك في تلك المعصية كما قيل # إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... أن لا تفارقهم فالراحلون هم # وقال الله تعالى {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا ~~بغير علم} أشار به إلى أن التسبب إلى الشر شر وأن يقصد به معالجة دماغه ~~لتزيد به فطنته وذكاؤه ويسهل عليه درك مهمات دينه بالفكر فقد قال الشافعي ~~رحمه الله من طاب ريحه زاد عقله # فهذا وأمثاله من النيات لا يعجز الفقيه عنها إذا كانت تجارة الآخرة وطلب ~~الخير غالبة على قلبه وإذا لم يغلب على قلبه إلا نعيم الدنيا لم تحضره هذه ~~النيات وإن ذكرت له لم ينبعث لها قلبه فلا يكون معه منها إلا حديث النفس ~~وليس ذلك من النية في شيء # والمباحات كثيرة ولا يمكن إحصاء النيات فيها فقس بهذا الواحد ما عداه ~~ولهذا قال بعض العارفين من السلف إني أستحب أن يكون لي في كل شيء نية حتى ~~في أكلي وشربي ونومي ودخولي إلى الخلاء وكل ذلك مما يمكن أن يقصد به التقرب ~~إلى الله تعالى لأن كل ما هو سبب لبقاء البدن وفراغ القلب من مهمات البدن ~~فهو معين على الدين فمن قصده من الأكل التقوي على العبادة ومن الوقاع تحصين ~~دينه وتطييب قلب أهله والتوصل به إلى نسل صالح يعبد الله تعالى بعده فتكثر ~~به أمة محمد صلى الله عليه وسلم كان مطيعا بأكله ونكاحه وأغلب حظوظ النفس ~~الأكل والوقاع وقصد الخير بهما غير ممتنع لمن غلب على قلبه هم الآخرة ولذلك ~~ينبغي أن يحسن نيته مهما ضاع له مال ويقول هو في سبيل الله وإذا بلغه ~~اغتياب غيره له فليطيب قلبه بأنه سيحمل سيآته وستنقل إلى ديوانه حسناته ~~ولينوي ذلك بسكوته عن الجواب # ففي الخبر إن العبد ليحاسب فتبطل أعماله لدخول الآفة فيها حتى يستوجب ~~النار ثم ينشر ms2472 له من الأعمال الصالحة ما يستوجب به الجنة فيتعجب ويقول يا ~~رب هذه أعمال ما عملتها قط فيقال هذه أعمال الذين اغتابوك وآذوك وظلموك (2) ~~وفي الخبر إن العبد ليوافى القيامة بحسنات أمثال الجبال لو خلصت له لدخل ~~الجنة فيأتي وقد ظلم هذا وشتم هذا وضرب هذا فيقتص لهذا من حسناته ولهذا من ~~حسناته حتى لا يبقى له حسنة فتقول الملائكة قد فنيت حسناته وبقي طالبون ~~فيقول الله تعالى ألقوا عليه من PageV04P372 # سيآتهم ثم صكوا له صكا إلى النار (1) وبالجملة فإياك ثم إياك أن تستحقر ~~شيئا من حركاتك فلا تحترز من غرورها وشرورها ولا تعد جوابها يوم السؤال ~~والحساب فإن الله تعالى مطلع عليك وشهيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ~~وقال بعض السلف كتبت كتابا وأردت أن أتربه من حائط جار لي فتحرجت ثم قلت ~~تراب وما تراب فتربته فهتف بي هاتف سيعلم من استخف بتراب جاره ما يلقى غدا ~~من سوء الحساب # وصلى رجل مع الثوري فرآه مقلوب الثوب فعرفه فمد يده ليصلحه ثم قبضها فلم ~~يسوه فسأله عن ذلك فقال إني لبسته لله تعالى ولا أريد أن أسويه لغير الله # وقد قال الحسن إن الرجل ليتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول بيني وبينك الله ~~فيقول والله ما أعرفك فيقول بلى أنت أخذت لبنة من حائطي وأخذت خيطا من ثوبي # فهذا وأمثاله من الأخبار قطع قلوب الخائفين فإن كنت من أولي العزم والنهى ~~ولم تكن من المغترين فانظر لنفسك الآن ودقق الحساب على نفسك قبل أن يدقق ~~عليك وراقب أحوالك ولا تسكن ولا تتحرك ما لم تتأمل أولا أنك لم تتحرك وماذا ~~تقصد وما الذي تنال به من الدنيا وما الذي يفوتك من الآخرة وبماذا ترجح ~~الدنيا على الآخرة فإذا علمت أنه لا باعث إلا الدين فأمض عزمك وما خطر ~~ببالك وإلا فأمسك ثم راقب أيضا قلبك في إمساكك وامتناعك فإن ترك الفعل فعل ~~ولا بد له من نية صحيحة فلا ينبغي أن يكون الداعي هوى خفي لا ms2473 يطلع عليه ولا ~~يغرنك ظواهر الأمور ومشهورات الخيرات وافطن للأغوار والأسرار تخرج من حيز ~~أهل الاغترار # فقد روي عن زكريا عليه السلام أنه كان يعمل في حائط بالطين وكان أجيرا ~~لقوم فقدموا له رغيفا إذ كان لا يأكل إلا من كسب يده فدخل عليه قوم فلم ~~يدعهم إلى الطعام حتى فرغ فتعجبوا منه لما علموا من سخائه وزهده وظنوا أن ~~الخير في طلب المساعدة في الطعام فقال إني أعمل لقوم بالأجرة وقدموا إلي ~~الرغيف لأتقوى به على عملهم فلو أكلتم معي لم يكفكم ولم يكفني وضعفت عن ~~عملهم فالبصير هكذا ينظر في البواطن بنور الله فإن ضعفه عن العمل نقص في ~~فرض وترك الدعوة إلى الطعام نقص في فضل ولا حكم للفضائل مع الفرائض وقال ~~بعضهم دخلت على سفيان وهو يأكل فما كلمني حتى لعق أصابعه ثم قال لولا أني ~~أخذته بدين لأحببت أن تأكل منه # وقال سفيان من دعا رجلا إلى طعامه وليس له رغبة أن يأكل منه فإن أجابه ~~فأكل فعليه وزران وإن لم يأكل فعليه وزر واحد وأراد بأحد الوزرين النفاق ~~وبالثاني تعريضه أخاه لما يكره لو علمه # فهكذا ينبغي أن يتفقد العبد نيته في سائر الأعمال فلا يقدم ولا يحجم إلا ~~بنية فإن لم تحضره النية توقف فإن النية لا تدخل تحت الاختيار ### |||| بيان أن النية غير داخلة تحت الاختيار # اعلم أن الجاهل يسمع ما ذكرناه من الوصية بتحسين النية وتكثيرها مع قوله ~~صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات فيقول في نفسه عند تدريسه أو ~~تجارته أو أكله نويت أن أدرس لله أو آكل لله # ويظن ذلك نية وهيهات فذلك حديث نفس وحديث لسان وفكر أو انتقال من خاطر ~~إلى خاطر والنية بمعزل من جميع ذلك وإنما النية انبعاث النفس وتوجهها ~~وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها إما عاجلا وإما آجلا # والميل إذا لم يكن لا يمكن اختراعه واكتسابه بمجرد الإرادة بل ذلك كقول ~~الشبعان نويت أن أشتهي الطعام وأميل إليه أو قول ms2474 الفارغ نويت أن أعشق فلانا ~~وأحبه وأعظمه بقلبي فذلك محال # بل لا طريق إلى اكتساب PageV04P373 # صرف القلب إلى الشيء وميله إليه وتوجهه نحوه إلا باكتساب أسبابه وذلك مما ~~قدم يقدر عليه وقد لايقدر عليه # وإنما تنبعث النفس إلى الفعل إجابة للغرض الباعث الموافق للنفس الملائم ~~لها وما لم يعتقد الإنسان أن غرضه منوط بفعل من الأفعال فلا يتوجه نحوه ~~قصده # وذلك مما لا يقدر على اعتقاده في كل حين وإذا اعتقد فإنما يتوجه القلب ~~إذا كان فارغا غير مصروف عنه بغرض شاغل أقوى منه وذلك لا يمكن في كل وقت ~~والدواعي والصوارف لها أسباب كثيرة بها تجتمع ويختلف ذلك بالأشخاص ~~وبالأحوال وبالأعمال # فإذا غلبت شهوة النكاح مثلا ولم يعتقد غرضا صحيحا في الولد دينا ولا دنيا ~~لا يمكنه أن يواقع على نية الولد بل لا يمكن إلا على نية قضاء الشهوة إذ ~~النية هي إجابة الباعث ولا باعث إلا الشهوة فكيف ينوي الولد وإذا لم يغلب ~~على قلبه أن إقامة سنة النكاح (1) اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعظم فضلها لا يمكن أن ينوى بالنكاح إتباع السنة إلا أن يقول ذلك بلسانه ~~وقلبه وهو حديث محض ليس بنية نعم طريق اكتساب هذه النية مثلا أن يقوي أولا ~~إيمانه بالشرع ويقوي إيمانه بعظم ثواب من سعى في تكثير أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ويدفع عن نفسه جميع المنفرات عن الولد من ثقل المؤنة وطول التعب ~~وغيره فإذا فعل ذلك ربما انبعث من قلبه رغبة إلى تحصيل الولد للثواب فتحركه ~~تلك الرغبة وتتحرك أعضاؤه لمباشرة العقد فإذا انتهضت القدرة المحركة للسان ~~بقبول العقد طاعة لهذا الباعث الغالب على القلب كان ناويا فإن لم يكن كذلك ~~فما يقدره في نفسه ويردده في قلبه من قصد الولد وسواس وهذيان # ولهذا امتنع جماعة من السلف من جملة من الطاعات إذ لم تحضرهم النية ~~وكانوا يقولون ليس تحضرنا فيه نية حتى إن ابن سيرين لم يصل على جنازة الحسن ~~البصري وقال ليس تحضرني نية ms2475 # ونادى بعضهم امرأته وكان يسرح شعره أن هات المدري فقالت أجيء بالمرآة ~~فسكت ساعة ثم قال نعم فقيل له في ذلك فقال كان لي في المدري نية ولم تحضرني ~~في المرآة نية فتوقفت حتى هيأها الله تعالى # ومات حماد بن سليمان وكان أحد علماء أهل الكوفة فقيل للثوري ألا تشهد ~~جنازته فقال لو كان لي نية لفعلت وكان أحدهم إذا سئل عملا من أعمال البر ~~يقول إن رزقني الله تعالى نية فعلت # وكان طاوس لا يحدث إلا بنية وكان يسئل أن يحدث فلا يحدث ولا يسئل فيبتدئ ~~فقيل له في ذلك قال # أفتحبون أن أحدث بغير نية إذا حضرتني نية فعلت # وحكي أن داود بن المحبر لما صنف كتاب العقل جاءه أحمد بن حنبل فطلبه منه ~~فنظر فيه أحمد صفحا ورده فقال مالك قال فيه أسانيد ضعاف فقال له داود أنا ~~لم أخرجه على الأسانيد فانظر فيه بعين الخبر إنما نظرت فيه بعين العمل ~~فانتفعت قال أحمد فرده علي حتى أنظر فيه بالعين التي نظرت فأخذه ومكث عنده ~~طويلا ثم قال جزاك الله خيرا فقد انتفعت به # وقيل لطاوس ادع لنا فقال حتى أجد له نية # وقال بعضهم أنا في طلب نية لعيادة رجل منذ شهر فما صحت لي بعد # وقال عيسى بن كثير مشيت مع ميمون بن مهران فلما انتهى إلى باب داره ~~انصرفت فقال ابنه ألا تعرض عليه العشاء قال ليس من نيتي # وهذا لأن النية تتبع النظر فإذا تغير النظر تغيرت النية وكانوا لا يرون ~~أن يعملوا عملا إلا بنية لعلمهم بأن النية روح العمل وأن العمل بغير نية ~~صادقة رياء وتكلف وهو سبب مقت لا سبب قرب وعلموا أن النية ليست هي قول ~~القائل بلسانه نويت بل هو انبعاث القلب يجري مجرى الفتوح من الله تعالى فقد ~~تتيسر في بعض PageV04P374 # الأوقات وقد تتعذر في بعضها نعم من كان الغالب على قلبه أمر الدين تيسر ~~عليه في أكثر الأحوال إحضار النية للخيرات فإن قلبه مائل بالجملة إلى ms2476 أصل ~~الخير فينبعث إلى التفاصيل غالبا # ومن مال قلبه إلى الدنيا وغلبت عليه لم يتيسر له ذلك بل لا يتيسر له في ~~الفرائض إلا بجهد جهيد وغايته أن يتذكر النار ويحذر نفسه عقابها أو نعيم ~~الجنة ويرغب نفسه فيها فربما تنبعث له داعية ضعيفة فيكون ثوابه بقدر رغبته ~~ونيته # وأما الطاعة على نية إجلال الله تعالى لاستحقاقه الطاعة والعبودية فلا ~~تتيسر للراغب في الدنيا وهذه أعز النيات وأعلاها ويعز على بسيط الأرض من ~~يفهمها فضلا عمن يتعاطاها # ونيات الناس في الطاعات أقسام إذ منهم من يكون عمله إجابة لباعث الخوف ~~فإنه يتقي النار # ومنهم من يعمل إجابة لباعث الرجاء وهو الرغبة في الجنة وهذا وإن كان ~~نازلا بالإضافة إلى قصد طاعة الله وتعظيمه لذاته ولجلاله لا لأمر سواه فهو ~~من جملة النيات الصحيحة لأنه ميل إلى الموعود في الآخرة وإن كان من جنس ~~المألوفات في الدنيا وأغلب البواعث باعث الفرج والبطن وموضع قضاء وطرهما ~~الجنة فالعامل لأجل الجنة عامل لبطنه وفرجه كالأجير السوء ودرجته درجة ~~البله # وإنه لينالها بعمله إذ أكثر أهل الجنة البله وأما عبادة ذوي الألباب ~~فإنها لا تجاوز ذكر الله تعالى والفكر فيه لجماله لماله وجلاله وسائر ~~الأعمال تكون مؤكدات وروادف وهؤلاء أرفع درجة من الالتفات إلى المنكوح ~~والمطعوم في الجنة فإنهم لم يقصدوها بل هم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه فقط وثواب الناس بقدر نياتهم فلا جرم يتنعمون بالنظر إلى وجهه ~~الكريم ويسخرون ممن يلتفت إلى وجه الحور العين كما يسخر المتنعم بالنظر إلى ~~الحور العين ممن يتنعم بالنظر إلى وجه الصور المصنوعة من الطين بل أشد فإن ~~التفاوت بين جمال حضرة الربوبية وجمال الحور العين أشد وأعظم كثيرا من ~~التفاوت بين جمال الحور العين والصور المصنوعة من الطين بل استعظام النفوس ~~البهيمية الشهوانية لقضاء الوطر من مخالطة الحسان وإعراضهم عن جمال وجه ~~الله الكريم يضاهي استعظام الخنفساء لصاحبتها وإلفها لها وإعراضها عن النظر ~~إلى جمال وجوه النساء فعمي أكثر القلوب عن إبصار جمال ms2477 الله وجلاله يضاهي ~~عمى الخنفساء عن إدراك جمال النساء بأنها لا تشعر به أصلا ولا تلتفت إليه ~~ولو كان لها عقل وذكرن لها لاستحسنت عقل من يلتفت إليهن ولا يزالون مختلفين ~~كل حزب بما لديهم فرحون ولذلك خلقهم # حكي أن أحمد بن خضرويه رأى ربه عز وجل في المنام فقال له كل الناس يطلبون ~~مني الجنة إلا أبا يزيد فإنه يطلبني ورأى أبو يزيد ربه في المنام فقال يا ~~رب كيف الطريق إليك فقال اترك نفسك وتعال إلي # ورؤي الشبلي بعد موته في المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال لم يطالبني ~~على الدعاوي بالبرهان إلا على قول واحد قلت يوما أي خسارة أعظم من خسران ~~الجنة فقال أي خسارة أعظم من خسران لقائي # والغرض أن هذه النيات متفاوتة الدرجات ومن غلب على قلبه واحدة منها ربما ~~لا يتيسر له العدول إلى غيرها # ومعرفة هذه الحقائق تورث أعمالا وأفعالا لا يستنكرها الظاهريون من ~~الفقهاء فإنا نقول من حضرت له نية في مباح ولم تحضر في فضيلة فالمباح أولى ~~وانتقلت الفضيلة إليه وصارت الفضيلة في حقه نقيصة لأن الأعمال بالنيات # وذلك مثل العفو فإنه أفضل من الانتصار في الظلم وربما تحضره نية في ~~الانتصار دون العفو فيكون ذلك أفضل # ومثل أن يكون له نية في الأكل والشرب والنوم ليريح نفسه ويتقوى على ~~العبادات في المستقبل وليس تنبعث نيته في الحالين للصوم والصلاة فالأكل ~~والشرب والنوم هو الأفضل له # بل لو مل العبادة PageV04P375 # لمواظبته عليها وسكن نشاطه وضعفت رغبته وعلم أنه لو ترفه ساعة بلهو وحديث ~~عاد نشاطه فاللهو أفضل له من الصلاة # قال أبو الدرداء إني لأستجم نفسي بشيء من اللهو فيكون ذلك عونا لي على ~~الحق وقال علي كرم الله وجهه روحوا القلوب فإنها إذا أكرهت عميت # وهذه دقائق لا يدركها إلا سماسرة العلماء دون الحشوية منهم بل الحاذق ~~بالطب قد يعالج المحرور باللحم مع حرارته ويستبعده القاصر في الطب وإنما ~~يبتغي به أن يعيد أولا قوته ليحتمل المعالجة ms2478 بالضد والحاذق في لعب الشطرنج ~~مثلا قد ينزل عن الرخ والفرس مجانا ليتوصل بذلك إلى الغلبة والضعيف البصيرة ~~قد يضحك به ويتعجب منه # وكذلك الخبير بالقتال قد يفر بين يدي قرينه ويوليه دبره حيلة منه ليستجره ~~إلى مضيق فيكر عليه فيقهره # فكذلك سلوك طريق الله تعالى كله قتال مع الشيطان ومعالجة للقلب والبصير ~~الموفق يقف فيها على لطائف من الحيل يستبعدها الضعفاء فلا ينبغي للمريد أن ~~يضمر إنكارا على ما يراه من شيخه ولا للمتعلم أن يعترض على أستاذه بل ينبغي ~~أن يقف عند حد بصيرته ومالا يفهمه من أحوالهما يسلمه لهما إلى أن ينكشف له ~~أسرار ذلك بأن يبلغ رتبتهما وينال درجتهما ومن الله حسن التوفيق ### ||| الباب الثاني في الإخلاص وفضيلته وحقيقته ودرجاته ### |||| فضيلة الإخلاص # قال الله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين {وقال} ألا ~~لله الدين الخالص وقال تعالى إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله ~~وأخلصوا دينهم لله وقال تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا نزلت فيمن يعمل لله ويحب أن يحمد عليه وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثلاث لا يغل عليهن قلب رجل مسلم إخلاص العمل لله (1) وعن ~~مصعب بن سعد عن أبيه قال ظن أبي أن له فضلا على من هو دونه من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما نصر الله عز ~~وجل هذه الأمة بضعفائها ودعوتهم وإخلاصهم (2) وعن الحسن قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى الإخلاص سر من سري استودعته قلب من ~~أحببت من عبادي (3) وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لاتهتموا لقلة ~~العمل واهتموا للقبول فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل أخلص ~~العمل يجزك منه القليل (4) وقال عليه السلام ما من عبد يخلص لله العمل ~~أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه (5) PageV04P376 # وقال عليه الصلاة والسلام أول من يسئل يوم ms2479 القيامة ثلاثة رجل آتاه الله ~~العلم فيقول الله تعالى ما صنعت فيما علمت فيقول يارب كنت أقوم آناء الليل ~~وأطراف النهار فيقول الله تعالى كذبت وتقول الملائكة كذبت بل أردت أن يقال ~~فلان عالم ألا فقد قيل ذلك # ورجل آتاه الله مالا فيقول الله تعالى لقد أنعمت عليك فماذا صنعت فيقول ~~يارب كنت أتصدق به آناء الليل وأطراف النهار فيقول الله تعالى كذبت وتقول ~~الملائكة كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد ألا فقد قيل ذلك # ورجل قتل في سبيل الله تعالى فيقول الله تعالى ماذا صنعت فيقول يارب أمرت ~~بالجهاد فقاتلت حتى قتلت فيقول الله كذبت وتقول الملائكة كذبت بل أردت أن ~~يقال فلان شجاع ألا فقد قيل ذلك قال أبو هريرة ثم خبط رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فخذي وقال يا أبا هريرة أولئك أول خلق تسعر نار جهنم بهم يوم ~~القيامة (1) فدخل راوي هذا الحديث على معاوية وروى له ذلك فبكى حتى كادت ~~نفسه تزهق ثم قال صدق الله إذ قال من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها الآية # وفي الإسرائيليات أن عابدا كان يعبد الله دهرا طويلا فجاءه قوم فقالوا إن ~~ههنا قوما يعبدون شجرة من دون الله تعالى فغضب لذلك وأخذ فأسه على عاتقه ~~وقصد الشجرة ليقطعها فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال أين تريد رحمك الله ~~قال أريد أن أقطع هذه الشجرة قال وما أنت وذاك تركت عبادتك واشتغالك بنفسك ~~وتفرغت لغير ذلك فقال إن هذا من عبادتي قال فإنى لا أتركك أن تقطعها فقاتله ~~فأخذه العابد فطرحه إلى الأرض وقعد على صدره فقال له إبليس أطلقني حتى ~~أكلمك فقام عنه فقال إبليس يا هذا إن الله تعالى قد أسقط عنك هذا ولم يفرضه ~~عليك وما تعبدها أنت وما عليك من غيرك ولله تعالى أنبياء في أقاليم الأرض ~~ولو شاء لبعثهم إلى أهلها وأمرهم بقطعها فقال العابد لا بد لي من قطعها ~~فنابذه للقتال فغلبه العابد وصرعه وقعد على صدره فعجز إبليس فقال له ms2480 هل لك ~~في أمر فصل بيني وبينك وهو خير لك وأنفع قال وما هو قال أطلقني حتى أقول لك ~~فأطلقه فقال إبليس أنت رجل فقير لا شيء لك إنما أنت كل على الناس يعولونك ~~ولعلك تحب أن تتفضل على إخوانك وتواسي جيرانك وتشبع وتستغني عن الناس قال ~~نعم قال فارجع عن هذا الأمر ولك على أن أجعل عند رأسك في كل ليلة دينارين ~~إذا أصبحت أخذتهما فأنفقت على نفسك وعيالك وتصدقت على إخوانك فيكون ذلك ~~أنفع لك وللمسلمين من قطع هذه الشجرة التي يغرس مكانها ولا يضرهم قطعها ~~شيئا ولا ينفع إخوانك المؤمنين قطعك إياها فتفكر العابد فيما قال وقال صدق ~~الشيخ لست بنبي فيلزمني قطع هذه الشجرة ولا أمرني الله أن أقطعها فأكون ~~عاصيا بتركها وما ذكره أكثر منفعة فعاهده على الوفاء بذلك وحلف له فرجع ~~العابد إلى متعبده فبات فلما أصبح رأى دينارين عند رأسه فأخذهما وكذلك الغد ~~ثم أصبح اليوم الثالث وما بعده فلم ير شيئا # فغضب وأخذ فأسه على عاتقه فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال له إلى أين ~~قال أقطع تلك الشجرة فقال كذبت والله ما أنت بقادر على ذلك ولا سبيل لك ~~إليها قال فتناوله العابد ليفعل به كما فعل أول مرة فقال هيهات فأخذه إبليس ~~وصرعه فإذا هو كالعصفور بين رجليه وقعد إبليس على صدره وقال لتنتهين عن هذا ~~الأمر أو لأذبحنك فنظر العابد فإذا لا طاقة له به قال يا هذا غلبتني فخل ~~عني وأخبرني كيف غلبتك أولا وغلبتني الآن فقال لأنك غضبت أول مرة لله وكانت ~~نيتك الآخرة فسخرني الله لك وهذه المرة غضبت لنفسك وللدنيا فصرعتك ~~PageV04P377 # هذه الحكايات تصديق قوله تعالى إلا عبادك منهم المخلصين إذ لا يتخلص ~~العبد من الشيطان إلا بالإخلاص ولذلك كان معروف الكرخي رحمه الله تعالى ~~يضرب نفسه ويقول يا نفس أخلصي تتخلصي # وقال يعقوب المكفوف المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته # وقال سليمان طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله ms2481 تعالى # وكتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري من خلصت ~~نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس وكتب بعض الأولياء إلى أخ له أخلص ~~النية في أعمالك يكفك القليل من العمل وقال أيوب السختياني تخليص النيات ~~على العمال أشد عليهم من جميع الأعمال # وكان مطرف يقول من صفا صفي له ومن خلط خلط عليه # ورؤي بعضهم في المنام فقيل له كيف وجدت أعمالك فقال كل شيء عملته لله ~~وجدته حتى حبة رمان لقطتها من طريق وحتى هرة ماتت لنا رأيتها في كفة ~~الحسنات وكان في قلنسوتي خيط من حرير فرأيته في كفة السيئات وكان قد نفق ~~حمار لي قيمته مائة دينار فما رأيت له ثوابا فقلت موت سنور في كفة الحسنات ~~وموت حمار ليس فيها فقيل لي إنه قد وجهحيث بعثت به فإنه لما قيل لك قد مات ~~قلت في لعنة الله فبطل أجرك فيه ولو قلت في سبيل الله لوجدته في حسناتك # وفي رواية قال وكنت قد تصدقت بصدقة بين الناس فأعجبني نظرهم إلي فوجدت ~~ذلك لا علي ولا لي قال سفيان لما سمع هذا ما أحسن حاله إذ لم يكن عليه فقد ~~أحسن إليه وقال يحيى بن معاذ الإخلاص يميز العمل من العيوب كتمييز اللبن من ~~الفرث والدم # وقيل كان رجل يخرج في زي النساء ويحضر كل موضع يجتمع فيه النساء من عرس ~~أو مأتم فاتفق أن حضر يوما موضعا فيه مجمع للنساء فسرقت درة فصاحوا أن ~~أغلقوا الباب حتى نفتش فكانوا يفتشون واحدة واحدة حتى بلغت النوبة إلى ~~الرجل وإلى امرأة معه فدعا الله تعالى بالإخلاص وقال إن نجوت من هذه ~~الفضيحة لا أعود إلى مثل هذا فوجدت الدرة مع تلك المرأة فصاحواأن أطلقوا ~~الحرة فقد وجدنا الدرة وقال بعض الصوفية كنت قائما مع أبي عبيد التستري وهو ~~يحرث أرضه بعد العصر من يوم عرفة فمر به بعض أخوانه من الأبدال فساره بشيء ~~فقال أبو عبيد لا فمر كالسحاب يمسح الأرض ms2482 حتى غاب عن عيني فقلت لأبي عبيد ~~ما قال لك فقال سألني أن أحج معه قلت لا قلت فهلا فعلت قال ليس لي في الحج ~~نية وقد نويت أن أتمم هذه الأرض العشية فأخاف إن حججت معه لأجله تعرضت لمقت ~~الله تعالى لأني أدخل في عمل الله شيئا غيره فيكون ما أنا فيه أعظم عندي من ~~سبعين حجة # ويروى عن بعضهم قال غزوت في البحر فعرض بعضنا مخلاة فقلت أشتريها فأنتفع ~~بها في غزوي فإذا دخلت مدينة كذا بعتها فربحت فيها فاشتريتها فرأيت تلك ~~الليلة في النوم كأن شخصين قد نزلا من السماء فقال أحدهما لصاحبه اكتب ~~الغزاة فأملي عليه خرج فلان متنزها وفلان مرائيا وفلان تاجرا وفلان في سبيل ~~الله ثم نظر إلي وقال اكتب فلان خرج تاجرا فقلت الله الله في أمري ما خرجت ~~أتجر وما معي تجارة أتجر فيها ما خرجت إلا للغزو فقال يا شيخ قد اشتريت أمس ~~مخلاة تريد أن تربح فيها فبكيت وقلت لا تكتبوني تاجرا فنظر إلى صاحبه وقال ~~ما ترى فقال اكتب خرج فلان غازيا إلا أنه اشترى في طريقه مخلاة ليربح فيها ~~حتى يحكم الله عز وجل فيه بما يرى # وقال سري السقطي رحمه الله تعالى لأن تصلي ركعتين في خلوة تخلصهما خير لك ~~من أن تكتب سبعين حديثا أو سبعمائة بعلو وقال بعضهم في إخلاص ساعة نجاة ~~الأبد ولكن الإخلاص عزيز ويقال العلم بذر والعمل زرع وماؤه الإخلاص وقال ~~بعضهم إذا أبغض الله عبدا أعطاه ثلاثا ومنعه ثلاثا أعطاه صحبة الصالحين ~~ومنعه القبول منهم وأعطاه الأعمال الصالحة ومنعه PageV04P378 # الإخلاص فيها وأعطاه الحكمة ومنعه الصدق فيها وقال السوسي مراد الله من ~~عمل الخلائق الإخلاص فقط وقال الجنيد إن لله عبادا عقلوا فلما عقلوا عملوا ~~فلما عملوا أخلصوا فاستدعاهم الإخلاص إلى أبواب البر أجمع وقال محمد بن ~~سعيد المروزي الأمر كله يرجع إلى أصلين فعل منه بك وفعل منك له فترضى ما ~~فعل وتخلص فيما تعمل فإذن أنت سعدت بهذين وفزت في ms2483 الدارين ### |||| بيان حقيقة الإخلاص # اعلم أن كل شيء يتصور أن يشوبه غيره فإذا صفا عن شوبه وخلص عنه سمي خالصا ~~ويسمى الفعل المصفى المخلص إخلاصا قال الله تعالى من بين فرث ودم لبنا ~~خالصا سائغا للشاربين فإنما خلوص اللبن أن لا يكون فيه شوب من الدم والفرث ~~ومن كل ما يمكن أن يمتزج به والإخلاص يضاده الإشراك فمن ليس مخلصا فهو مشرك ~~إلا أن الشرك درجات فالإخلاص في التوحيد يضاده التشريك في الإلهية والشرك ~~منه خفي ومنه جلي وكذا الإخلاص والإخلاص وضده يتواردان على القلب فمحله ~~القلب وإنما يكون ذلك في القصود والنيات # وقد ذكر حقيقة النية وأنها ترجع إلى إجابة البواعث فمهما كان الباعث واحد ~~على التجرد سمي الفعل الصادر عنه إخلاصا بالإضافة إلى المنوي فمن تصدق ~~وغرضه محض الرياء فهو مخلص ومن كان غرضه محض التقرب إلى الله تعالى فهو ~~مخلص ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرب إلى الله ~~تعالى عن جميع الشوائب كما أن الإلحاد عبارة عن الميل ولكن خصصته العادة ~~بالميل عن الحق ومن كان باعثه مجرد الرياء فهو معرض للهلاك ولسنا نتكلم فيه ~~إذ قد ذكرنا ما يتعلق به في كتاب الرياء من ربع المهلكات وأقل أموره ما ورد ~~في الخبر من إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربع أسام يا مرائي يا مخادع يا ~~مشرك يا كافر (1) # وإنما نتكلم الآن فيمن انبعث لقصد التقرب ولكن امتزج بهذا الباعث باعث ~~آخر إما من الرياء أو من غيره من حظوظ النفس ومثال ذلك أن يصوم لينتفع ~~بالحمية الحاصلة بالصوم مع قصد التقرب أو يعتق عبدا ليتخلص من مؤنته وسوء ~~خلقه أو يحج ليصح مزاجه بحركة السفر أو يتخلص من شر يعرض له في بلده أو ~~ليهرب عن عدو له في منزله أو يتبرم بأهله وولده أو بشغل هو فيه فأراد أن ~~يستريح منه أياما أو ليغزو وليمارس الحرب ويتعلم أسبابه ويقدر به على تهيئة ~~العساكر وجرها أو يصلي بالليل وله غرض في دفع النعاس ms2484 عن نفسه به ليراقب ~~أهله أو رحله أو يتعلم العلم ليسهل عليه طلب ما يكفيه من المال أو ليكون ~~عزيزا بين العشيرة أو ليكون عقاره أو ماله محروسا بعز العلم عن الأطماع أو ~~اشتغل بالدرس والوعظ ليتخلص عن كرب الصمت ويتفرج بلذة الحديث # أو تكفل بخدمة العلماء الصوفية لتكون حرمته وافرة عندهم وعند الناس أو ~~لينال به رفقا في الدنيا أو كتب مصحفا ليجود بالمواظبة على الكتابة خطه أو ~~حج ماشيا ليخفف عن نفسه الكراء أو توضأ ليتنظف أو يتبرد # أو اغتسل لتطيب رائحته أو روى الحديث ليعرف بعلو الإسناد أو اعتكف في ~~المسجد ليخف كراء المسكن # أو صام ليخفف عن نفسه التردد في طبخ الطعام أو ليتفرغ لأشغاله فلا يشغله ~~الأكل عنها أو تصدق على السائل ليقطع إبرامه في السؤال عن نفسه أو يعود ~~مريضا ليعاد إذا مرض أو يشيع جنازة ليشيع جنائز أهله أو يفعل شيئا من ذلك ~~ليعرف بالخير ويذكر به وينظر إليه بعين الصلاح والوقار فمهما كان باعثه هو ~~التقرب إلى الله تعالى PageV04P379 # ولكن انضاف إليه خطرة من هذه الخطرات حتى صار العمل أخف عليه بسبب هذه ~~الأمور فقد خرج عمله عن حد الإخلاص وخرج عن أن يكون خالصا لوجه الله تعالى ~~وتطرق إليه الشرك # وقد قال تعالى أنا أغني الشركاء عن الشركة وبالجملة كل حظ من حظوظ الدنيا ~~تستريح إليه النفس ويميل إليه القلب قل أم كثر إذا تطرق إلى العمل تكدر به ~~صفوه وزال به إخلاصه # والإنسان مرتبط في حظوظه منغمس في شهواته قلما ينفك فعل من أفعاله وعبادة ~~من عباداته عن حظوظ وأغراض عاجلة من هذه الأجناس # فلذلك قيل من سلم له من عمره لحظة واحده خالصة لوجه الله نجا وذلك لعزة ~~الإخلاص وعسر تنقية القلب عن هذه الشوائب بل الخالص هو الذي لا باعث عليه ~~إلا طلب القرب من الله تعالى # وهذه الحظوظ إن كانت هي الباعثة وحدها فلا يخفى شدة الأمر على صاحبه فيها ~~وإنما نظرنا فيما إذا كان القصد الأصلي ms2485 هو التقرب وانضافت إليه هذه الأمور ~~ثم هذه الشوائب إما أن تكون في رتبة الموافقة أو في رتبة المشاركة أو في ~~رتبة المعاونة كما سبق في النية وبالجملة فإما أن يكون الباعث النفسي مثل ~~الباعث الديني أو أقوى منه أو أضعف ولكل واحد حكم آخر كما سنذكره وإنما ~~الإخلاص تخليص العمل عن هذه الشوائب كلها قليلها وكثيرها حتى يتجرد فيه قصد ~~التقرب فلا يكون في باعث سواه # وهذا لا يتصور إلا من محب لله مستهتر بالله مستغرق الهم بالآخرة بحيث لم ~~يبق لحب الدنيا في قلبه قرار حتى لا يحب الأكل والشرب أيضا بل تكون رغبته ~~فيه كرغبته في قضاء الحاجة من حيث إنه ضرورة الجبلة فلا يشتهي الطعام لأنه ~~طعام بل لأنه يقويه على عبادة الله تعالى ويتمنى أن لو كفي شر الجوع حتى لا ~~يحتاج إلى الأكل فلا يبقى في قلبه حظ من الفضول الزائدة على الضرورة ويكون ~~قدر الضرورة مطلوبا عنده لأنه ضرورة دينه فلا يكون له هم إلا الله تعالى # فمثل هذا الشخص لو أكل أو شرب أو قضى حاجته كان خالص العمل صحيح النية في ~~جميع حركاته وسكناته فلو نام مثلا حتى يريح نفسه ليتقوى على العبادة بعده ~~كان نومه عبادة وكان له درجة المخلصين فيه ومن ليس كذلك فباب الإخلاص في ~~الأعمال مسدود عليه إلا على الندور وكما أن من غلب عليه حب الله وحب الآخرة ~~فاكتسبت حركاته الاعتيادية صفة همه وصارت إخلاصا فالذي يغلب على نفسه ~~الدنيا والعلو والرياسة وبالجملة غير الله فقد اكتسبت جميع حركاته تلك ~~الصفة فلا تسلم له عباداته من صوم وصلاة وغير ذلك إلا نادرا فإذن علاج ~~الإخلاص كسر حظوظ النفس وقطع الطمع عن الدنيا والتجرد للآخرة بحيث يغلب ذلك ~~على القلب فإذا ذاك يتيسر الإخلاص # وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه الله ويكون فيها ~~مغرور لأنه لا يرى وجه الآفة فيها كما حكي عن بعضهم أنه قال قضيت صلاة ~~ثلاثين سنة كنت صليتها في ms2486 المسجد في الصف الأول لأني تأخرت يوما لعذر فصليت ~~في الصف الثاني فاعترتني خجلة من الناس حيث رأوني في الصف الثاني فعرفت أن ~~نظر الناس إلي في الصف الأول كان مسرتي وسبب استراحة قلبي من حيث لا أشعر # وهذا دقيق غامض قلما تسلم الأعمال من أمثاله وقل من يتنبه له إلا من وفقه ~~الله تعالى والغافلون يرون حسناتهم كلها في الآخرة سيئات وهم المرادون ~~بقوله تعالى وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيئات ما كسبوا ~~وبقوله تعالى قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وأشد الخلق تعرضا لهذه الفتنة العلماء ~~فإن الباعث للأكثرين على نشر العلم لذة الاستيلاء والفرح بالاستتباع ~~والاستبشار بالحمد والثناء والشيطان يلبس عليهم ذلك ويقول غرضكم نشر دين ~~الله والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم # وترى الواعظ يمن على الله تعالى بنصيحة الخلق ووعظه للسلاطين ويفرح بقبول ~~الناس قوله وإقبالهم عليه PageV04P380 # وهو يدعي أنه يفرح بما يسر له من نصرة الدين ولو ظهر من أقرانه من هو ~~أحسن منه وعظا وانصرف الناس عنه وأقبلوا عليه ساءه ذلك وغمه ولو كان باعثه ~~الدين لشكر الله تعالى إذ كفاه الله تعالى هذا المهم بغيره # ثم الشيطان مع ذلك لا يخليه ويقول إنما غمك لانقطاع الثواب عنك لا ~~لانصراف وجوه الناس عنك إلى غيرك إذ لو اتعظوا بقولك لكنت أنت المثاب ~~واغتمامك لفوات الثواب محمود ولا يدري المسكين أن انقياده للحق وتسليمه ~~الأمر أفضل وأجزل ثوابا وأعوذ عليه في الآخرة من انفراده # وليت شعري لو اغتم عمر رضي الله عنه بتصدي أبي بكر رضي الله تعالى عنه ~~للإمامة أكان غمه محمودا أو مذموما ولا يستريب ذو دين أن لو كان ذلك لكان ~~مذموما لأن انقياده للحق وتسليمه الأمر إلى من هو أصلح منه أعود عليه في ~~الدين من تكفله بمصالح الخلق مع ما فيه من الثواب الجزيل بل فرح عمر رضي ~~الله تعالى ms2487 عنه باستقلال من هو أولى منه بالأمر # فما بال العلماء لا يفرحون بمثل ذلك وقد ينخدع بعض أهل العلم بغرور ~~الشيطان فيحدث نفسه بأنه لو ظهر من هو أولى منه بالأمر لفرح به وإخباره ~~بذلك عن نفسه قبل التجربة والامتحان محض الجهل والغرور فإن النفس سهلة ~~القياد في الوعد بأمثال ذلك قبل نزول الأمر ثم إذا دهاه الأمر تغير ورجع ~~ولم يف بالوعد # وذلك لا يعرفه إلا من عرف مكايد الشيطان والنفس وطال اشتغاله بامتحانها ~~فمعرفة حقيقة الإخلاص والعمل به بحر عميق يغرق فيه الجميع إلا الشاذ النادر ~~والفرد الفذوهو المستثنى في قوله تعالى إلا عبادك منهم المخلصين فليكن ~~العبد شديد التفقد والمراقبة لهذه الدقائق وإلا التحق بأتباع الشياطين وهو ~~لا يشعر ### |||| بيان أقاويل الشيوخ في الإخلاص # قال السوسي الإخلاص فقد رؤية الإخلاص فإن من شاهد في إخلاصه الإخلاص فقد ~~احتاج إخلاصه إلى إخلاص # وما ذكره إشارة إلى تصفية العمل عن العجب بالفعل فإن الالتفات إلى ~~الإخلاص والنظر إليه عجب وهو من جملة الآفات # والخالص ما صفا عن جميع الآفات فهذا تعرض لآفة واحد وقال سهل رحمه الله ~~تعالى الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة وهذه كلمة جامعة ~~محيطة بالغرض وفي معناه قول إبراهيم بن أدهم الإخلاص صدق النية مع الله ~~تعالى # وقيل لسهل أي شيء أشد على النفس فقال الإخلاص إذ ليس لها فيه نصيب وقال ~~رويم الإخلاص في العمل هو أن لا يريد صاحبه عليه عوضا في الدارين # وهذا إشارة إلى أن حظوظ النفس آفة آجلا وعاجلا # والعابد لأجل التنعم بالشهوات في الجنة معلول بل الحقيقة أن لا يراد ~~بالعمل إلا وجه الله تعالى وهو إشارة إلى إخلاص الصديقين وهو الإخلاص ~~المطلق # فأما من يعمل لرجاء الجنة وخوف النار فهو مخلص بالإضافة إلى الحظوظ ~~العاجلة وإلا فهو في طلب حظ البطن والفرج وإنما المطلوب الحق لذوي الألباب ~~وجه الله تعالى فقط وهو القائل لا يتحرك الإنسان إلا لحظ والبراءة من ~~الحظوظ صفة الإلهية ومن ادعى ms2488 ذلك فهو كافر # وقد قضى القاضي أبو بكر الباقلاني بتكفير من يدعي البراءة من الحظوظ وقال ~~هذا من صفات الإلهية وما ذكره حق ولكن القوم إنما أرادوا به البراءة عما ~~يسميه الناس حظوظا وهو الشهوات الموصوفة في الجنة فقط فأما التلذذ بمجرد ~~المعرفة والمناجاة والنظر إلى وجه الله تعالى فهذا حظ هؤلاء وهذا لا يعده ~~الناس حظا بل يتعجبون منه # وهؤلاء لو عوضوا عما هم فيه من لذة الطاعة والمناجاة وملازمة السجود ~~للحضرة الإلهية سرا وجهرا جميع نعيم الجنة لاستحقروه ولم يلتفتوا إليه ~~فحركتهم لحظ وطاعتهم لحظ ولكن حظهم معبودهم فقط دون غيره # وقال أبو عثمان الإخلاص نسيان روية PageV04P381 # الخلق بدوام النظر إلى الخالق فقط # وهذا إشارة إلى آفة الرياء فقط ولذلك قال بعضهم الإخلاص في العمل أن لا ~~يطلع عليه شيطان فيفسده ولا ملك فيكتبه فإنه إشارة إلى مجرد الإخفاء # وقد قيل الإخلاص ما استتر عن الخلق وصفا عن العلائق # وهذا أجمع للمقاصد # وقال المحاسبي الإخلاص هو إخراج الخلق عن معاملة الرب # وهذا إشارة إلى مجرد نفي الرياء # وكذلك قول الخواص من شرب من كأس الرياسة فقد خرج عن إخلاص العبودية # وقال الحواريون لعيسى عليه السلام ما الخالص من الأعمال فقال الذي يعمل ~~لله تعالى لا يحب أن يحمده عليه أحد # وهذا أيضا تعرض لترك الرياء وإنما خصه بالذكر لأنه أقوى الأسباب المشوشة ~~للإخلاص # وقال الجنيد الإخلاص تصفية العمل من الكدورات # وقال الفضيل ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك ~~والإخلاص أن يعافيك الله منهما # وقيل الإخلاص دوام المراقبة ونسيان الحظوظ كلها # وهذا هو البيان الكامل والأقاويل في هذا كثيرة ولا فائدة في تكثير النقل ~~بعد انكشاف الحقيقة # وإنما البيان الشافي بيان سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم إذ ~~سئل عن الإخلاص فقال أن تقول ربي الله ثم تستقيم كما أمرت (1) أي لا تعبد ~~هواك ونفسك ولا تعبد إلا ربك وتستقيم في عبادته كما أمرت وهذا إشارة إلى ~~قطع ما سوى الله عن مجرى ms2489 النظر وهو الإخلاص حقا ### |||| بيان درجات الشوائب والآفات المكدرة للإخلاص # اعلم أن الآفات المشوشة للإخلاص بعضها جلي وبعضها خفي وبعضها ضعيف مع ~~الجلاء وبعضها قوي مع الخفاء ولا يفهم اختلاف درجاتها في الخفاء والجلاء ~~إلا بمثال # وأظهر مشوشات الإخلاص الرياء فلنذكر منه مثالا # فنقول الشيطان يدخل الآفة على المصلي مهما كان مخلصا في صلاته ثم نظر ~~إليه جماعة أو دخل عليه داخل فيقول له حسن صلاتك حتى ينظر إليك هذا الحاضر ~~بعين الوقار والصلاح ولا يزدريك ولا يغتابك فتخشع جوارحه وتسكن أطرافه ~~وتحسن صلاته وهذا هو الرياء الظاهر ولا يخفى ذلك على المبتدئين من المريدين # الدرجة الثانية يكون المريد قد فهم هذه الآفة وأخذ منها حذره فصار لا ~~يطيع الشيطان فيها ولا يلتفت إليه ويستمر في صلاته كما كان # فيأتيه في معرض الخير ويقول أنت متبوع ومقتدى بك ومنظور إليك وما تفعله ~~يؤثر عنك ويتأسى بك غيرك فيكون لك ثواب أعمالهم إن أحسنت وعليك الوزر إن ~~أسأت فأحسن عملك بين يديه فعساه يقتدي بك في الخشوع وتحسين العبادة وهذا ~~أغمض من الأول وقد ينخدع به من لا ينخدع بالأول وهو أيضا عين الرياء ومبطل ~~للإخلاص فإنه إن كان يرى الخشوع وحسن العبادة خيرا لا يرضى لغيره تركه فلم ~~لم يرتض لنفسه ذلك في الخلوة ولا يمكن أن تكون نفس غيره أعز عليه من نفسه ~~فهذا محض التلبيس بل المقتدي به هو الذى استقام في نفسه واستنار قلبه ~~فانتشر نوره إلى غيره فيكون له ثواب عليه PageV04P382 # فأما هذا فمحض النفاق والتلبيس فمن اقتدى به أثيب عليه وأما هو فيطالب ~~بتلبيسه ويعاقب على إظهاره من نفسه ما ليس متصفا به # الدرجة الثالثة وهي أدق مما قبلها أن يجرب العبد نفسه في ذلك ويتنبه لكيد ~~الشيطان ويعلم أن مخالفته بين الخلوة والمشاهدة للغير محض الرياء ويعلم أن ~~الإخلاص في أن تكون صلاته في الخلوة مثل صلاته في الملأ ويستحيي من نفسه ~~ومن ربه أن يتخشع لمشاهدة خلقه تخشعا زائدا على عادته فيقبل على ms2490 نفسه في ~~الخلوة ويحسن صلاته على الوجه الذي يرتضيه في الملأ ويصلي في الملأ أيضا ~~كذلك # فهذا أيضا من الرياء الغامض لأنه حسن صلاته في الخلوة لتحسن في الملأ فلا ~~يكون قد فرق بينهما فالتفاته في الخلوة والملأ إلى الخلق # بل الإخلاص أن تكون مشاهدة البهائم لصلاته ومشاهدة الخلق على وتيرة واحدة ~~فكأن نفس هذا ليست تسمح بإساءة الصلاة بين أظهر الناس ثم يستحيي من نفسه أن ~~يكون في صورة المرائين ويظن أن ذلك يزول بأن تستوي صلاته في الخلا والملا ~~وهيهات بل زوال ذلك بأن لا يلتفت إلى الخلق كما لا يلتفت إلى الجمادات في ~~الخلا والملأ جميعا وهذا من شخص مشغول الهم بالخلق في الملأ والخلا جميعا ~~وهذا من المكايد الخفية للشيطان # الدرجة الرابعة وهي أدق وأخفى أن ينظر إليه الناس وهو في صلاته فيعجز ~~الشيطان عن أن يقول له اخشع لأجلهم فإنه قد عرف أنه قد تفطن لذلك فيقول له ~~الشيطان تفكر في عظمة الله تعالى وجلاله ومن أنت واقف بين يديه واستحي من ~~أن ينظر الله إلى قلبك وهو غافل عنه فيحضر بذلك قلبه وتخشع جوارحه ويظن أن ~~ذلك عين الإخلاص وهو عين المكر والخداع فإن خشوعه لو كان لنظره إلى جلاله ~~لكانت هذه الخطرة تلازمه في الخلوة ولكان لا يختص حضورها بحالة حضور غيره ~~وعلامة الأمن من هذه الآفة أن يكون هذا الخاطر مما يألفه في الخلوة كما ~~يألفه في الملأ ولا يكون حضور الغير هو السبب في حضور الخاطر كما لا يكون ~~حضور البهيمة سببا فما دام يفرق في أحواله بين مشاهدة إنسان ومشاهدة بهيمة ~~فهو بعد خارج عن صفو الإخلاص مدنس الباطن بالشرك الخفي من الرياء وهذا ~~الشرك أخفي في قلب ابن آدم من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على ~~الصخرة الصماء (1) كما ورد في الخبر ولا يسلم من الشيطان إلا من دق نظره ~~وسعد بعصمة الله تعالى وتوفيقه وهدايته وإلا فالشيطان ملازم للمتشعرين ~~لعبادة الله تعالى لا يغفل عنهم لحظة حتى ms2491 يحملهم على الرياء في كل حركة من ~~الحركات حتى في كحل العين وقص الشارب وطيب يوم الجمعة ولبس الثياب فإن هذه ~~سنن في أوقات مخصوصة وللنفس فيها حظ خفي لارتباط نظر الخلق بها ولاستئناس ~~الطبع بها فيدعوه الشيطان إلى فعل ذلك ويقول هذه سنة لا ينبغي أن تتركها ~~ويكون انبعاث القلب باطنا لها لأجل تلك الشهوة الخفية أو مشوبة بها شوبا ~~يخرج عن حد الإخلاص بسببه ومالا يسلم عن هذه الآفات كلها فليس بخالص بل من ~~يعتكف في مسجد معمور نظيف حسن العمارة يأنس إليه الطبع فالشيطان يرغبه فيه ~~ويكثر عليه من فضائل الاعتكاف وقد يكون المحرك الخفي في سره هو الأنس بحسن ~~صورة المسجد واستراحة الطبع إليه ويتبين ذلك في ميله إلى أحد المسجدين أو ~~أحد الموضعين إذا كان أحسن من الآخر وكل ذلك امتزاج بشوائب الطبع وكدورات ~~النفس ومبطل حقيقة الإخلاص لعمري الغش الذي يمزج بخالص الذهب له درجات ~~متفاوتة فمنها ما يغلب ومنها ما يقل لكن يسهل دركه # ومنها ما يدق بحيث لا يدركه إلا الناقد البصير # وغش القلب ودغل الشيطان وخبث النفس أغمض من ذلك وأدق كثيرا PageV04P383 # ولهذا قيل ركعتان من عالم أفضل من عبادة سنة من جاهل وأريد به العالم ~~البصير بدقائق آفات الأعمال حتى يخلص عنها فإن الجاهل نظره إلى ظاهر ~~العبادة واغتراره بها كالنظر السوادي إلى حمرة الدينار المموه واستدارته ~~وهو مغشوش زائف في نفسه وقيراط من الخالص الذي يرتضيه الناقد البصير خير من ~~دينار يرتضيه الغر الغبي # فهكذا يتفاوت أمر العبادات بل أشد وأعظم ومداخل الآفات المتطرقة إلى فنون ~~الأعمال لا يمكن حصرها وإحصاؤها فلينتفع بما ذكرناه مثالا والفطن يغنيه ~~القليل عن الكثير والبليد لا يغنيه التطويل أيضا فلا فائدة في التفصيل ### |||| بيان حكم العمل المشوب واستحقاق الثواب به # اعلم أن العمل إذا لم يكن خالصا لوجه الله تعالى بل امتزج به شوب من ~~الرياء أو حظوظ النفس فقد اختلف الناس في أن ذلك هل يقتضي ثوابا أم يقتضي ~~عقابا أم لا ms2492 يقتضي شيئا أصلا فلا يكون له ولا عليه أما الذي لم يرد به إلا ~~الرياء فهو عليه قطعا وهو سبب المقت والعقاب # وأما الخالص لوجه الله تعالى فهو سبب الثواب وإنما النظر في المشوب وظاهر ~~الأخبار تدل على أنه لا ثواب له (1) وليس تخلو الأخبار عن تعارض فيه والذي ~~ينقدح لما فيه والعلم عند الله أن ينظر إلى قدر قوة الباعث فإن كان الباعث ~~الديني مساويا للباعث النفسي تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه وإن ~~كان باعث الرياء أغلب وأقوى فهو ليس بنافع وهو مع ذلك مضر ومفض للعقاب # نعم العقاب الذي فيه أخف من عقاب العمل الذي تجرد للرياء ولم يمتزج به ~~شائبة التقرب # وإن كان قصد التقرب أغلب بالإضافة إلى الباعث الآخر فله ثواب بقدر ما فضل ~~من قوة الباعث الديني وهذا لقوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره ولقوله تعالى إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك ~~حسنة يضاعفها فلا ينبغي أن يضيع قصد الخير بل إن كان غالبا على قصد الرياء ~~حبط منه القدر الذي يساويه وبقيت زيادة وإن كان مغلوبا سقط بسببه شيء من ~~عقوبة القصد الفاسد # وكشف الغطاء عن هذا أن الأعمال تأثيرها في القلوب بتأكيد صفاتها فداعية ~~الرياء من المهلكات وإنما غذاء هذا المهلك وقوته العمل على وفقه وداعية ~~الخير من المنجيات وإنما قوتها بالعمل على وفقها # فإذا اجتمعت الصفتان في القلب فهما متضادتان فإذا عمل على وفق مقتضى ~~الرياء فقد قوي تلك الصفة وإذا كان العمل على وفق مقتضى التقرب فقد قوي ~~أيضا تلك الصفة وأحدهما مهلك والآخر منج فإن كان تقوية هذا بقدر تقوية ~~الآخر فقد تقاوما فكان كالمستضر بالحرارة إذا تناول ما يضره ثم تناول من ~~المبردات ما يقاوم قدر قوته فيكون بعد تناولهما كأنه لم يتناولهما وإن كان ~~أحدهما غالبا لم يخل الغالب عن أثر فكما لا يضيع مثقال ذرة من الطعام ~~والشراب والأدوية ولا ينفك عن أثر في ms2493 الجسد بحكم سنة الله تعالى فكذلك لا ~~يضيع مثقال ذرة من الخير والشر ولا ينفك عن تأثيره في إنارة القلب أو ~~تسويده وفي تقريبه من الله أو إبعاده فإذا جاء بما يقربه شبرا مع ما يبعده ~~شبرا فقد عاد إلى ما كان PageV04P384 # فلم يكن له ولا عليه وإن كان الفعل مما يقربه شبرين والآخر يبعده شبرا ~~واحدا فضل له لا محالة شبر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أتبع السيئة ~~الحسنة تمحها (1) فإذا كان الرياء المحض يمحوه الإخلاص المحض عقيبه فإذا ~~اجتمعا جميعا فلا بد وأن يتدافعا بالضرورة # ويشهد لهذا إجماع الأمة على أن من خرج حاجا ومعه تجارة صح حجه وأثيب عليه ~~وقد امتزج به حظ من حظوظ النفس # نعم يمكن أن يقال إنما يثاب على أعمال الحج عند انتهائه إلى مكة وتجارته ~~غير موقوفة عليه فهو خالص وإنما المشترك طول المسافة ولا ثواب فيه مهما قصد ~~التجارة # ولكن الصواب أن يقال مهما كان الحج هو المحرك الأصلي وكان غرض التجارة ~~كالمعين والتابع فلا ينفك نفس السفر عن ثواب ما # وعندي أن الغزاة لا يدركون في أنفسهم تفرقة بين غزو الكفار في جهة تكثر ~~فيها الغنائم وبين جهة لا غنيمة فيها ويبعد أن يقال إدراك هذه التفرقة يحبط ~~بالكلية ثواب جهادهم بل العدل أن يقال إذا كان الباعث الأصلي والمزعج القوي ~~هو إعلاء كلمة الله تعالى وإنما الرغبة في الغنيمة على سبيل التبعية فلا ~~يحبط به الثواب # نعم لا يساوي ثوابه ثواب من لا يلتفت قلبه إلى الغنيمة أصلا فإن هذا ~~الالتفات نقصان لا محالة # فإن قلت فالآيات والأخبار تدل على أن شوب الرياء محبط للثواب وفي معناه ~~شوب طلب الغنيمة والتجارة وسائر الحظوظ فقد روى طاوس وغيره من التابعين أن ~~رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عمن يصطنع المعروف أو قال يتصدق فيحب أن ~~يحمد ويؤجر فلم يدر ما يقول له حتى نزلت {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل ~~عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} ms2494 (2) وقد قصد الأجر والحمد جميعا وروى ~~معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أدنى الرياء شرك (3) وقال أبو ~~هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم يقال لمن أشرك في عمله خذ أجرك ممن ~~عملت له (4) وروي عن عبادة إن الله عز وجل يقول أنا أغنى الأغنياء عن ~~الشركة من عمل لي عملا فأشرك معي غيري ودعت نصيبي لشريكي وروى أبو موسى أن ~~أعرابيا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله الرجل يقاتل ~~حمية والرجل يقاتل شجاعة والرجل يقاتل ليرى مكانه فأيهم في سبيل الله فقال ~~صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ~~(5) وقال عمر رضي الله عنه تقولون فلان شهيد ولعله أن يكون قد ملأ دفتي ~~راحلته ورقا وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من هاجر يبتغي شيئا من الدنيا فهو له (6) فنقول هذه الأحاديث لا ~~تناقض ما ذكرناه بل المراد بها من لم يرد بذلك إلا الدنيا كقوله من هاجر ~~يبتغي شيئا من الدنيا وكان ذلك هو الأغلب على همه وقد ذكرنا أن ذلك عصيان ~~وعدوان لا لأن طلب الدنيا حرام ولكن طلبها بأعمال الدين حرام لما فيه من ~~الرياء وتغيير العبادة عن موضعها وأما لفظ الشركة حيث ورد فمطلق للتساوي ~~وقد بينا أنه إذا تساوى القصدان تقاوما ولم يكن له PageV04P385 # ولا عليه فلا ينبغي أن يرجى عليه ثواب ثم إن الإنسان عند الشركة أبدا في ~~خطر فإنه لا يدري أي الأمرين أغلب على قصده فربما يكون عليه وبالا ولذلك ~~قال تعالى {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا} أي لا يرجى اللقاء مع الشركة التي أحسن أحوالها التساقط ويجوز أن ~~يقال أيضا منصب الشهادة لا ينال إلا بالإخلاص في الغزو # وبعيد أن يقال من كانت له داعيته الدينية بحيث تزعجه إلى مجرد الغزو وإن ~~لم يكن غنيمة وقدر على غزو ms2495 طائفتين من الكفار إحداهما غنية والأخرى فقيرة ~~فمال إلى جهة الأغنياء لإعلاء كلمة الله وللغنيمة لاثواب له على غزوه البتة ~~ونعوذ بالله أن يكون الأمر كذلك فإن هذا حرج في الدين ومدخل لليأس على ~~المسلمين لأن أمثال هذه الشوائب التابعة قط لا ينفك الإنسان عنها إلا على ~~الندور فيكون تأثير هذا في نقصان الثواب فأما أن يكون في إحباطه فلا نعم ~~الإنسان فيه على خطر عظيم لأنه ربما يظن أن الباعث الأقوى هو قصد التقرب ~~إلى الله ويكون الأغلب على سره الحظ النفسي وذلك مما يخفى غاية الخفاء # فلا يحصل الأجر إلا بالإخلاص والإخلاص قلما يستيقنه العبد من نفسه وإن ~~بالغ في الاحتياط فلذلك ينبغي أن يكون أبدا بعد كمال الاجتهاد مترددا بين ~~الرد والقبول خائفا أن تكون في عبادته آفة يكون وبالها أكثر من ثوابها # وهكذا كان الخائفون من ذوي البصائر وهكذا ينبغي أن يكون كل ذي بصيرة ~~ولذلك قال سفيان رحمه الله لا أعتد بما ظهر من عملي # وقال عبد العزيز بن أبي رواد جاورت هذا البيت ستين سنة وحججت ستين حجة ~~فما دخلت في شيء من أعمال الله تعالى إلا وحاسبت نفسي فوجدت نصيب الشيطان ~~أوفى من نصيب الله ليته لا لي ولا علي # ومع هذا فلا ينبغي أن يترك العمل عند خوف الآفة والرياء فإن ذلك منتهى ~~بغية الشيطان منه إذ المقصود أن لا يفوت الإخلاص # ومهما ترك العمل فقد ضيع العمل والإخلاص جميعا # وقد حكي أن بعض الفقراء كان يخدم أبا سعيد الخراز وكيف في أعماله فتكلم ~~أبو سعيد في الإخلاص يوما يريد إخلاص الحركات فأخذ الفقير يتفقد قلبه عند ~~كل حركة ويطالبه بالإخلاص فتعذر عليه قضاء الحوائج واستضر الشيخ بذلك فسأله ~~عن أمره فأخبره بمطالبته نفسه بحقيقة الإخلاص وأنه يعجز عنها في أكثر ~~أعماله فيتركها فقال أبو سعيد لا تفعل إذ الإخلاص لا يقطع المعاملة فواظب ~~على العمل واجتهد في تحصيل الإخلاص فما قلت لك اترك العمل وإنما قلت لك ~~أخلص العمل وقد قال ms2496 الفضيل ترك العمل بسبب الخلق رياء وفعله لأجل الخلق شرك ### ||| الباب الثالث في الصدق وفضيلته وحقيقته ### |||| فضيلة الصدق # قال الله تعالى {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق ~~حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار ~~وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا (1) ويكفي في فضيلة الصدق أن ~~الصديق مشتق منه والله تعالى وصف الأنبياء به في معرض المدح والثناء فقال ~~{واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا} وقال PageV04P386 # واذكر في الكتاب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وقال تعالى ~~{واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا} وقال ابن عباس أربع من كن فيه ~~فقد ربح الصدق والحياء وحسن الخلق والشكر # وقال بشر ابن الحارث من عامل الله بالصدق استوحش من الناس # وقال أبو عبد الله الرملي رأيت منصور الدينوري في المنام فقلت له ما فعل ~~الله بك قال غفر لي ورحمني وأعطاني ما لم أؤمل فقلت له أحسن ما توجه العبد ~~به إلى الله ماذا قال الصدق وأقبح ما توجه به الكذب # وقال أبو سليمان اجعل الصدق مطيتك والحق سيفك والله تعالى غاية طلبتك ~~وقال رجل لحكيم ما رأيت صادقا فقال له لو كنت صادقا لعرفت الصادقين # وعن محمد بن علي الكناني قال وجدنا دين الله تعالى مبنيا على ثلاثة أركان ~~على الحق والصدق والعدل فالحق على الجوارح والعدل على القلوب والصدق على ~~العقول # وقال الثوري في قوله تعالى {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة} قال هم الذين ادعوا محبة الله تعالى ولم يكونوا بها صادقين # وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود من صدقني في سريرته صدقته ~~عند المخلوقين في علانيته # وصاح رجل في مجلس الشبلي ورمى نفسه في دجلة فقال الشبلي إن كان صادقا ~~فالله تعالى ينجيه كما نجى موسى عليه السلام وإن كان ms2497 كاذبا فالله تعالى ~~يغرقه كما أغرق فرعون # وقال بعضهم أجمع الفقهاء والعلماء على ثلاث خصال أنها إذا صحت ففيها ~~النجاة ولا يتم بعضها إلا ببعض الإسلام الخالص عن البدعة والهوى والصدق لله ~~تعالى في الأعمال وطيب المطعم # وقال وهب بن منبه وجدت على حاشية التوراة اثنين وعشرين حرفا كان صلحاء ~~بني إسرائيل يجتمعون فيقرءونها ويتدارسونها لا كنز أنفع من العلم ولا مال ~~أربح من الحلم ولا حسب أوضع من الغضب ولا قرين أزين من العمل ولا رفيق أشين ~~من الجهل ولا شرف أعز من التقوى ولا كرم أوفى من ترك الهوى ولا عمل أفضل من ~~الفكر ولا حسنة أعلى من الصبر ولا سيئة أخزى من الكبر ولا دواء ألين من ~~الرفق ولا داء أوجع من الخرق ولا رسول أعدل من الحق ولا دليل أنصح من الصدق ~~ولا فقر أذل من الطمع ولا غنى أشقى من الجمع ولا حياة أطيب من الصحة ولا ~~معيشة أهنأ من العفة ولا عبادة أحسن من الخشوع ولا زهد خير من القنوع ولا ~~حارس أحفظ من الصمت ولا غائب أقرب من الموت # وقال محمد بن سعيد المروزي إذا طلبت الله بالصدق آتاك الله تعالى مرآة ~~بيدك حتى تبصر كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة # وقال أبو بكر الوراق احفظ الصدق فيما بينك وبين الله تعالى والرفق فيما ~~بينك وبين الخلق وقيل لذي النون هل للعبد إلى صلاح أموره سبيل فقال # قد بقينا من الذنوب حيارى ... نطلب الصدق ما إليه سبيل # فدعاوى الهوى تخف علينا ... وخلاف الهوى علينا ثقيل # وقيل لسهل ما أصل هذا الأمر الذي نحن عليه فقال الصدق والسخاء والشجاعة # فقيل زدنا فقال التقى والحياء وطيب الغذاء # وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الكمال ~~فقال قول الحق والعمل بالصدق (1) وعن الجنيد في قوله تعالى {ليسأل الصادقين ~~عن صدقهم} قال يسأل الصادقين عند أنفسهم عن صدقهم عند ربهم وهذا أمر على ~~خطر ### |||| بيان حقيقة الصدق ومعناه ومراتبه # اعلم ms2498 أن لفظ الصدق يستعمل في ستة معان صدق في القول وصدق في النية ~~والإرادة وصدق في العزم PageV04P387 # وصدق في الوفاء بالعزم وصدق في العمل وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها ~~فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك فهو صديق لأنه مبالغة في الصدق # ثم هم أيضا على درجات فمن كان له حظ في الصدق في شيء من الجملة فهو صادق ~~بالإضافة إلى ما فيه صدقه الصدق الأول صدق اللسان وذلك لا يكون إلا في ~~الإخبار أو فيما يتضمن الإخبار وينبه عليه والخبر إما أن يتعلق بالماضي أو ~~بالمستقبل وفيه يدخل الوفاء بالوعد والخلف فيه # وحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه فلا يتكلم إلا بالصدق وهذا هو أشهر أنواع ~~الصدق وأظهرها # فمن حفظ لسانه عن الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه فهو صادق ولكن ~~لهذا الصدق كمالان # {أحدهما} الاحتراز عن المعاريض فقد قيل في المعاريض مندوحة عن الكذب وذلك ~~لأنها تقوم مقام الكذب إذ المحذور من الكذب تفهيم الشيء على خلاف ما هو ~~عليه في نفسه إلا أن ذلك مما تمس إليه الحاجة وتقتضيه المصلحة في بعض ~~الأحوال وفي تأديب الصبيان والنسوان ومن يجري مجراهم وفي الحذر عن الظلمة ~~وفي قتال الأعداء والاحتراز عن إطلاعهم على أسرار الملك فمن اضطر إلى شيء ~~من ذلك فصدقه فيه أن يكون نطقه فيه لله فيما يأمره الحق به ويقتضيه الدين ~~فإذا نطق به فهو صادق وإن كان كلامه مفهما غير ما هو عليه لأن الصدق ما ~~أريد لذاته بل للدلالة على الحق والدعاء إليه فلا ينظر إلى صورته بل إلى ~~معناه نعم في مثل هذا الموضع ينبغي أن يعدل إلى المعاريض ما وحد إليه سبيلا ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توجه إلى سفر ورى بغيره (1) وذلك كي ~~لا ينتهي الخبر إلى الأعداء فيقصد وليس هذا من الكذب في شيء قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو أنمى خيرا ~~(2) ورخص في ms2499 النطق على وفق المصلحة في ثلاثة مواضع من أصلح بين اثنين ومن ~~كان له زوجتان ومن كان في مصالح الحرب # والصدق ههنا يتحول إلى النية فلا يراعى فيه إلا صدق النية وإرادة الخير ~~فمهما وصح قصده وصدقت نيته وتجردت للخير إرادته صار صادقا وصديقا كيفما كان ~~لفظه ثم التعريض فيه أولى وطريقه ما حكي عن بعضهم أنه كان يطلبه بعض الظلمة ~~وهو في داره فقال لزوجته خطي بأصبعك دائرة وضعي الأصبع على الدائرة وقولي ~~ليس هو ههنا واحترز بذلك عن الكذب ودفع الظالم عن نفسه فكان قوله صدق وأفهم ~~الظالم أنه ليس في الدار # فالكمال الأول في اللفظ أن يحترز عن صريح اللفظ وعن المعاريض أيضا إلا ~~عند الضرورة والكمال الثاني أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ~~ربه كقوله وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض فإن قلبه إن كان منصرفا عن ~~الله تعالى مشغولا بأماني الدنيا وشهواته فهو كذب # وكقوله إياك نعبد وقوله أنا عبد الله فإنه إذا لم يتصف بحقيقة العبودية ~~وكان له مطلب سوى الله لم يكن كلامه صدقا ولو طولب يوم القيامة بالصدق في ~~قوله أنا عبد الله لعجز تحقيقه فإنه إن كان عبدا لنفسه أو عبدا لدنيا أو ~~عبدا لشهواته لم يكن صادقا في قوله # وكل ما تقيد العبد به فهو عبد له كما قال عيسى عليه السلام يا عبيد ~~الدنيا وقال نبينا صلى الله عليه وسلم تعس عبد الدنيا وتعس عبد الدرهم وعبد ~~الحلة وعبد الخميصة (3) فسمى كل من تقيد قلبه بشيء عبدا له # وإنما العبد الحق لله عز وجل من أعتق أولا من غير الله تعالى فصار حرا ~~مطلقا فإذا تقدمت هذه الحرية صار القلب فارغا فحلت فيه العبودية لله فتشغله ~~بالله وبمحبته وتقيد باطنه وظاهره بطاعته فلا يكون له مراد PageV04P388 # إلا الله تعالى ثم تجاوز هذا إلى مقام آخر أسنى منه يسمى الحرية وهو أن ~~يعتق أيضا عن إرادته لله من حيث هو بل يقنع بما يريد الله له من ms2500 تقريب أو ~~إبعاد فتفنى إرادته في إرادة الله تعالى # وهذا عبد عتق عن غير الله فصار حرا ثم عاد وعتق عن نفسه فصار حرا # وصار مفقودا لنفسه موجودا لسيده ومولاه إن حركه تحرك وإن سكنه سكن وإن ~~ابتلاه رضي لم يبق فيه متسع لطلب والتماس واعتراض بل هو بين يدي الله ~~كالميت بين يدي الغاسل وهذا منتهى الصدق في العبودية لله تعالى # فالعبد الحق هو الذي وجوده لمولاه لا لنفسه وهذه درجة الصديقين # وأما الحرية عن غير الله فدرجات الصادقين وبعدها تتحقق العبودية لله ~~تعالى وما قبل هذا فلا يستحق صاحبه أن يسمى صادقا ولا صديقا فهذا هو معنى ~~الصدق في القول # الصدق الثاني في النية والإرادة ويرجع ذلك إلى الإخلاص وهو أن لا يكون له ~~باعث في الحركات والسكنات إلا الله تعالى فإن مازجه شوب من حظوظ النفس بطل ~~صدق النية وصاحبه يجوز أن يسمى كاذبا كما روينا في فضيلة الإخلاص من حديث ~~الثلاثة حين يسئل العالم ما عملت فيما علمت فقال فعلت كذا وكذا فقال الله ~~تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان عالم (1) فإنه لم يكذبه ولم يقل له لم ~~تعمل ولكنه كذبه في إرادته ونيته # وقد قال بعضهم الصدق صحة التوحيد في القصد # وكذلك قول الله تعالى والله يشهد إن المنافقين لكاذبون وقد قالوا إنك ~~لرسول الله وهذا صدق ولكن كذبهم لا من حيث نطق اللسان بل من حيث ضمير القلب ~~وكان التكذيب يتطرق إلى الخبر # وهذا القول يتضمن إخبارا بقرينة الحال إذ صاحبه يظهر من نفسه أن يعتقد ما ~~يقول فكذب في دلالته بقرينة الحال على ما في قلبه فإنه كذب في ذلك ولم يكذب ~~فيما يلفظ به فيرجع أحد معاني الصدق إلى خلوص النية وهو الإخلاص فكل صادق ~~فلا بد وأن يكون مخلصا # الصدق الثالث صدق العزم فإن الإنسان قد يقدم العزم على العمل فيقول في ~~نفسه # إن رزقني الله مالا تصدقت بجميعه أو بشطره أو إن لقيت عدوا في سبيل الله ~~تعالى قاتلت ms2501 ولم أبال وإن قتلت وإن أعطاني الله تعالى ولاية عدلت فيها ولم ~~أعص الله تعالى بظلم وميل إلى خلق # فهذه العزيمة قد يصادفها من نفسه وهي عزيمة جازمة صادقة وقد يكون في عزمه ~~نوع ميل وتردد وضعف يضاد الصدق في العزيمة فكان الصدق ههنا عبارة عن التمام ~~والقوة كما يقال لفلان شهوة صادقة # ويقال هذا المريض شهوته كاذبة مهما لم تكن شهوته عن سبب ثابت قوي أو كانت ~~ضعيفة فقد يطلق الصدق ويراد به هذا المعنى # والصادق والصديق هو الذي تصادف عزيمته في الخيرات كلها قوة تامة ليس فيها ~~ميل ولا ضعف ولا تردد بل تسخو نفسه أبدا بالعزم المصمم الجازم على الخيرات ~~وهو كما قال عمر رضي الله عنه لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمر على ~~قوم فيهم أبو بكر رضي الله عنه فإنه قد وجد من نفسه العزم الجازم والمحبة ~~الصادقة بأنه لا يتأمر مع وجود أبي بكر رضي الله عنه وأكد ذلك بما ذكره من ~~القتل # ومراتب الصديقين في العزائم تختلف فقد يصادف العزم ولا ينتهي به إلى أن ~~يرضى بالقتل فيه ولكن إذا خلي ورأيه لم يقدم ولو ذكر له حديث القتل لم ينقض ~~عزمه بل في الصادقين والمؤمنين من لو خير بين أن يقتل هو أو أبو بكر كانت ~~حياته أحب من حياة أبي بكر الصديق # الصدق الرابع في الوفاء بالعزم فإن النفس قد تسخو بالعزم في الحال إذ لا ~~مشقة في الوعد والعزم PageV04P389 # والمؤنة فيه خفيفة فإذا حقت الحقائق وحصل التمكن وهاجت الشهوات انحلت ~~العزيمة وغلبت الشهوات ولم يتفق الوفاء بالعزم وهذا يضاد الصدق فيه ولذلك ~~قال الله تعالى رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فقد روي عن أنس أن عمه أنس ~~بن النضر لم يشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك على قلبه ~~وقال أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه أما والله لئن ~~أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى الله ms2502 عليه وسلم ليرين الله ما أصنع قال ~~فشهد أحدا في العام القابل فاستقبله سعد بن معاذ فقال يا أبا عمرو إلى أين ~~فقال واها لريح الجنة إني أجد ريحها دون أحد # فقاتل حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين رمية وضربة وطعنة فقالت ~~أخته بنت النضر ما عرفت أخي إلا بثيابه فنزلت هذه الآية رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه (1) ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مصعب بن عمير ~~وقد سقط على وجهه يوم أحد شهيدا وكان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال صلى الله عليه وسلم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى ~~نحبه ومنهم من ينتظر (2) وقال فضالة بن عبيد سمعت عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الشهداء أربعة رجل مؤمن ~~جيد الإيمان لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم ~~يوم القيامة هكذا ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوته قال الراوي فلا أدري قلنسوة ~~عمر أو قلنسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل جيد الإيمان إذا لقي ~~العدو فكأنما يضرب وجهه بشوك الطلح أتاه سهم عاثر فقتله فهو في الدرجة ~~الثانية ورجل مؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا لقي العدو فصدق الله حتى قتل ~~فذاك في الدرجة الثالثة ورجل أسرف على نفسه لقي العدو فصدق الله حتى قتل ~~فذلك في الدرجة الرابعة (3) وقال مجاهد رجلان خرجا على ملأ من الناس قعود ~~فقالا إن رزقنا الله تعالى مالا لنتصدقن فبخلوا به فنزلت ومنهم من عاهد ~~الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين وقال بعضهم إنما هو شيء ~~نووه في أنفسهم لم يتكلموا به فقال ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ~~لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ~~فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون فجعل العزم عهدا وجعل ms2503 الخلف فيه كذبا والوفاء به صدقا # وهذا الصدق أشد من الصدق الثالث فإن الناس قد تسخو بالعزم ثم تكيع عند ~~الوفاء لشدته عليها ولهيجان الشهوة عند التمكن وحصول الأسباب # ولذلك استثنى عمر رضي الله عنه فقال لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن ~~أتأمر على قوم فيهم أبو بكر اللهم إلا أن تسول لي نفسي عند القتل شيئا لا ~~أجده الآن لأني لا آمن أن يثقل عليها ذلك فتتغير عن عزمها # وأشار بذلك إلى شدة الوفاء بالعزم # وقال أبو سعيد الخراز رأيت في المنام كأن ملكين نزلا من السماء فقالا لي ~~ما الصدق قلت الوفاء بالعهد فقالا لي صدقت وعرجا إلى السماء # الصدق الخامس في الأعمال وهو أن يجتهد حتى لا تدل أعماله الظاهرة على أمر ~~في باطنه لا يتصف هو به لا بأن يترك الأعمال ولكن بأن يستجر الباطن إلى ~~تصديق الظاهر وهذا مخالف ما ذكرناه من ترك الرياء لأن PageV04P390 # المرائي هو الذي يقصد ذلك ورب واقف على هيئة الخشوع في صلاته ليس يقصد به ~~مشاهدة غيره ولكن قلبه غافل عن الصلاة فمن ينظر إليه يراه قائمابين يدي ~~الله تعالى وهو بالباطن قائم في السوق بين يدي شهوة من شهواته فهذه أعمال ~~تعرب بلسان الحال عن الباطن إعراباهو فيه كاذب وهو مطالب بالصدق في الأعمال ~~وكذلك قد يمشي الرجل على هيئة السكون والوقار وليس باطنه موصوفا بذلك ~~الوقار فهذا غير صادق في عمله وإن لم يكن ملتفتا إلى الخلق ولا مرائيا ~~إياهم ولا ينجو من هذا إلا باستواء السريرة والعلانية بأن يكون باطنه مثل ~~ظاهره أو خيرا من ظاهره # ومن خيفة ذلك اختار بعضهم تشويش الظاهر ولبس ثياب الأشرار كيلا يظن به ~~الخير بسبب ظاهره فيكون كاذبا في دلالة الظاهر على الباطن # إذن مخالفة الظاهر للباطن إن كانت عن قصد سميت رياء ويفوت بها الإخلاص ~~وإن كانت عن غير قصد فيفوت بها الصدق # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اجعل سريرتي خيرا من ~~علانيتي واجعل ms2504 علانيتي صالحة (1) وقال يزيد بن الحارث إذا استوت سريرة ~~العبد وعلانيته فذلك النصف وإن كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل وإن ~~كانت علانيته أفضل من سريرته فذلك الجور وأنشدوا # إذا السر والإعلان في المؤمن استوى ... فقد عز في الدارين واستوجب الثنا # فإن خالف الإعلان سرا فما له ... على سعيه فضل سوى الكد والعنا # فما خالص الدينار في السوق نافق ... ومغشوشه المردود لا يقتضى المنا # وقال عطية بن عبد الغافر إذا وافقت سريرة المؤمن علانيته باهى الله به ~~الملائكة يقول هذا عبدي حقا # وقال معاوية بن قرة من يدلني على بكاء بالليل بسام بالنهار # وقال عبد الواحد بن زيد كان الحسن إذا أمر بشيء كان من أعمل الناس به ~~وإذا نهي عن شيء كان من أترك الناس له # ولم أر أحدا قط أشبه سريرة بعلانية منه # وكان أبو عبد الرحمن الزاهد يقول إلهي عاملت الناس فيما بيني وبينهم ~~بالأمانة وعاملتك فيما بيني وبينك بالخيانة ويبكي # وقال أبو يعقوب النهر جوري الصدق موافقة الحق في السر والعلانية # فإذن مساواة السريرة للعلانية أحد أنواع الصدق # الصدق السادس وهو أعلى الدرجات وأعزها الصدق في مقامات الدين كالصدق في ~~الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والتوكل والحب وسائر هذه الأمور # فإن هذه الأمور لها مباد ينطلق الاسم بظهورها ثم لها غايات وحقائق ~~والصادق المحقق من نال حقيقتها وإذا غلب الشيء وتمت حقيقته سمي صاحبه صادقا ~~فيه كما يقال فلان صدق القتال # ويقال هذا هو الخوف الصادق وهذه هي الشهوة الصادقة # وقال الله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~إلى قوله أولئك هم الصادقون وقال تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم ~~الآخر إلى قوله أولئك الذين صدقوا وسئل أبو ذر عن الإيمان فقرأ هذه الآية ~~فقيل له سألناك عن الإيمان فقال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الإيمان فقرأ هذه الآية // حديث أبى ذر سألته عن الإيمان فقرأ قوله تعالى ~~{ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} إلى قوله ms2505 {أولئك الذين صدقوا} رواه ~~محمد بن نصر المروزى في تعظيم قدر الصلاة بأسانيد منقطعة لم أجد له اسنادا # ولنضرب للخوف مثلا فما من عبد يؤمن بالله واليوم الآخر إلا وهو خائف من ~~الله خوفا ينطلق عليه الاسم PageV04P391 # ولكنه خوف غير صادق أي غير بالغ درجة الحقيقة أما تراه إذا خاف سلطانا أو ~~قاطع طريق في سفره كيف يصفر لونه وترتعد فرائصه ويتنغص عليه عيشه ويتعذر ~~عليه أكله ونومه وينقسم عليه فكره حتى لا ينتفع به أهله وولده وقد ينزعج عن ~~الوطن فيستبدل بالأنس الوحشة وبالراحة التعب والمشقة والتعرض للأخطار كل ~~ذلك خوفا من درك المحذور # ثم إنه يخاف النار ولا يظهر عليه شيء من ذلك عند جريان معصية عليه ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم لم أر مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام ~~طالبها (1) تقدم فالتحقيق في هذه الأمور عزيز جدا ولا غاية لهذه المقامات ~~حتى ينال تمامها ولكن لكل عبد منه حظ بحسب حاله إما ضعيف وإما قوي فإذا قوي ~~سمي صادقا فيه # فمعرفة الله تعالى وتعظيمه والخوف منه لا نهاية لها ولذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام أحب أن أراك في صورتك التي هي صورتك ~~فقال لا تطيق ذلك قال بلى بل أرني فواعده البقيع في ليلة مقمرة فأتاه فنظر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو به قد سد الأفق يعني جوانب السماء فوقع ~~النبي صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه فأفاق وقد عاد جبريل لصورته الأولى ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما ظننت أن أحدا من خلق الله هكذا قال وكيف ~~لو رأيت إسرافيل إن العرش لعلى كاهله وإن رجليه قد مرقتا تحت تخوم الأرض ~~السفلى وإنه ليتصاغر من عظمة الله حتى يصير كالوصع (2) يعني كالعصفور ~~الصغير فانظر ما الذي يغشاه من العظمة والهيبة حتى يرجع إلى ذلك الحد وسائر ~~الملائكة ليسوا كذلك لتفاوتهم في المعرفة فهذا هو الصدق في التعظيم # وقال جابر قال رسول الله صلى الله عليه ms2506 وسلم مررت ليلة أسري بي وجبريل ~~بالملأ الأعلى كالحلس البالي من خشية الله تعالى (3) يعني الكساء الذي يلقى ~~على ظهر البعير وكذلك الصحابة كانوا خائفين وما كانوا بلغوا خوف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما لن تبلغ حقيقة ~~الإيمان حتى تنظر الناس كلهم حمقى في دين الله # وقال مطرف ما من الناس أحد إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه إلا أن بعض ~~الحمق أهون من بعض وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يبلغ عبد حقيقة ~~الإيمان حتى ينظر إلى الناس كالأباعر في جنب الله ثم يرجع إلى نفسه فيجدها ~~أحقر حقير (4) فالصادق إذن في جميع هذه المقامات عزيز # ثم درجات الصدق لا نهاية لها وقد يكون للعبد صدق في بعض الأمور دون بعض ~~فإن كان صادقا في الجميع فهو الصديق حقا # قال سعد بن معاذ ثلاثة أنا فيهن قوي وفيما سواهن ضعيف ما صليت صلاة منذ ~~أسلمت فحدثت نفسي حتى أفرغ منها ولا شيعت جنازة فحدثت نفسي بغير ما هي ~~قائلة وما هو مقول لها حتى يفرغ من دفنها وما سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول قولا إلا علمت أنه حق فقال ابن المسيب ما ظننت أن هذه الخصال ~~تجتمع إلا في النبي # صلى الله عليه وسلم فهذا صدق في هذه الأمور وكم قوم من جلة الصحابة قد ~~أدوا الصلاة واتبعوا الجنائز ولم يبلغوا هذا المبلغ فهذه هي درجات الصدق ~~ومعانيه # والكلمات المأثورة عن المشايخ في حقيقة الصدق في الأغلب لا تتعرض إلا ~~لآحاد هذه المعاني نعم قد قال أبو بكر الوراق الصدق ثلاثة صدق التوحيد وصدق ~~الطاعة وصدق المعرفة # فصدق التوحيد لعامة المؤمنين قال الله تعالى {والذين آمنوا بالله ورسله ~~أولئك هم الصديقون} وصدق الطاعة لأهل العلم PageV04P392 # والورع وصدق المعرفة لأهل الولاية الذين هم أوتاد الأرض وكل هذا يدور على ~~ما ذكرناه في الصدق السادس ولكنه ذكر أقسام ما فيه الصدق وهو أيضا غير محيط ~~بجميع الأقسام وقال ms2507 جعفر الصادق الصدق هو المجاهدة وأن لا تختار على الله ~~غيره كما لم يختر عليك غيرك فقال تعالى {هو اجتباكم} وقيل أوحى الله تعالى ~~إلى موسى عليه السلام إني إذا أحببت عبدا ابتليته ببلايا لا تقوم لها ~~الجبال لأنظر كيف صدقه فإن وجدته صابرا اتخذته وليا وحبيبا وإن وجدته جزوعا ~~يشكوني إلى خلقي خذلته ولا أبالي # فإذن من علامات الصدق كتمان المصائب والطاعات جميعا وكراهة إطلاع الخلق ~~عليها # تم كتاب الصدق والإخلاص يتلوه كتاب المراقبة والمحاسبة # والحمد لله ### || كتاب المراقبة والمحاسبة وهو الكتاب الثامن من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله القائم على كل نفس بما كسبت الرقيب على كل جارحة بما اجترحت ~~المطلع على ضمائر القلوب إذا هجست الحسيب على خواطر عباده إذا اختلجت الذي ~~لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات والأرض تحركت أو سكنت المحاسب على ~~النقير والقطمير والقليل والكثير من الأعمال وإن خفيت المتفضل بقبول طاعات ~~العباد وإن صغرت المتطول بالعفو عن من معاصيهم وإن كثرت وإنما يحاسبهم ~~لتعلم كل نفس ما أحضرت وتنظر فيما قدمت وأخرت فتعلم أنه لولا لزومها ~~للمراقبة والمحاسبة في الدنيا لشفيت في صعيد القيامة وهلكت وبعد المجاهدة ~~والمحاسبة والمراقبة لولا فضله بقبول بضاعتها المزجاة لخابت وخسرت فسبحان ~~من عمت نعمته كافة العباد وشملت واستغرقت رحمته الخلائق في الدنيا والآخرة ~~وغمرت فبنفحات فضله اتسعت القلوب للإيمان وانشرحت وبيمن توفيقه تقيدت ~~الجوارح بالعبادات وتأدبت وبحسن هدايته انجلت عن القلوب ظلمات الجهل ~~وانقشعت وبتأييده ونصرته انقطعت مكايد الشيطان واندفعت وبلطف عنايته تترجح ~~كفة الحسنات إذا ثقلت وبتيسيره تيسرت من الطاعات ما تيسرت فمنه العطاء ~~والجزاء والإبعاد والإدناء والإسعاد والإشقاء والصلاة والسلام على محمد سيد ~~الأنبياء وعلى آله سادة الأصفياء وعلى أصحابه قادة الأتقياء # أما بعد فقد قال الله تعالى {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} وقال تعالى ~~{ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ms2508 مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا ~~الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا} وقال تعالى {يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه ~~الله ونسوه والله على كل شيء شهيد} وقال تعالى {يومئذ يصدر الناس أشتاتا ~~ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} ~~وقال تعالى {ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} وقال تعالى {يوم تجد كل ~~نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا ويحذركم الله نفسه} وقال تعالى {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم ~~فاحذروه} فعرف أرباب البصائر من جملة العباد أن الله تعالى لهم بالمرصاد ~~وأنهم سيناقشون PageV04P393 # في الحساب ويطالبون بمثاقيل الذر من الخطرات واللحظات وتحققوا أنه لا ~~ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة ومطالبة النفس في ~~الأنفاس والحركات ومحاسبتها في الخطرات واللحظات فمن حاسب نفسه قبل أن ~~يحاسب خف في القيامة حسابه وحضر عند السؤال جوابه وحسن منقلبه ومآبه ومن لم ~~يحاسب نفسه دامت حسراته وطالت في عرصات القيامة وقفاته وقادته إلى الخزي ~~والمقت سيئاته فلما انكشف لهم ذلك علموا أنه لا ينجيهم منه إلا طاعة الله ~~وقد أمرهم بالصبر والمرابطة فقال عز من قائل يا أيها الذين آمنو اصبروا ~~وصابروا ورابطوا فرابطوا أنفسهم أولا بالمشارطة ثم بالمراقبة ثم بالمحاسبة ~~ثم بالمعاقبة ثم بالمجاهدة ثم بالمعاتبة # فكانت لهم في المرابطة ست مقامات ولا بد من شرحها وبيان حقيقتها وفضيلتها ~~وتفصيل الأعمال فيها وأصل ذلك المحاسبة ولكن كل حساب فبعد مشارطة ومراقبة ~~ويتبعه عند الخسران المعاتبة والمعاقبة # فلنذكر شرح هذه المقامات وبالله التوفيق ### |||| المقام الأول من المرابطة: المشارطة # اعلم أن مطالب المتعاملين في التجارات المشتركين في البضائع عند المحاسبة ~~سلامة الربح وكما أن التاجر يستعين بشريكه فيسلم إليه المال حتى يتجر ثم ~~يحاسبه فكذلك العقل هو التاجر في طريق الآخرة وإنما مطالبة وربحه تزكية ~~النفس ms2509 لأن بذلك فلاحها قال الله تعالى {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} ~~وإنما فلاحها بالأعمال الصالحة # والعقل يستعين بالنفس في هذه التجارة إذ يستعملها ويستسخرها فيما يزكيها ~~كما يستعين التاجر بشريكه وغلامه الذي يتجر في ماله وكما أن الشريك يصير ~~خصما منازعا يجاذبه في الربح فيحتاج إلى أن يشارطه أولا ويراقبه ثانيا ~~ويحاسبه ثالثا ويعاقبه أو يعاتبه رابعا فكذلك العقل يحتاج إلى مشارطة النفس ~~أولا فيوظف عليها الوظائف ويشرط عليها الشروط ويرشدها إلى طريق الفلاح ~~ويحزم عليها الأمر بسلوك تلك الطرق ثم لا يغفل عن مراقبتها لحظة فإنه لو ~~أهملها لم ير منها إلا الخيانة وتضييع رأس المال كالعبد الخائن إذا خلا له ~~الجو وانفرد بالمال # ثم بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها فإن هذه ~~تجارة ربحها الفردوس الأعلى وبلوغ سدرة المنتهى مع الأنبياء والشهداء ~~فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهم كثيرا من تدقيقه في أرباح الدنيا مع ~~أنها محتقرة بالإضافة إلى نعيم العقبى ثم كيفما كانت فمصيرها إلى التصرم ~~والانقضاء ولا خير في خير لا يدوم بل شر لا يدوم خير من خير لا يدوم لأن ~~الشر الذي لا يدوم إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائما وقد انقضى الشر ~~والخير الذي لا يدوم يبقى الأسف على انقطاعه دائما وقد انقضى الخير # ولذلك قيل # أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا فختم على كل ذي حزم ~~آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في ~~حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة ~~لا عوض لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد ~~فانقباض هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك خسران عظيم هائل ~~لا تسمح به نفس عاقل # فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة ~~النفس كما أن التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك العامل يفرغ المجلس ~~لمشارطته # فيقول ms2510 للنفس ما لي بضاعة إلا العمر ومهما فني فقد فني رأس المال ووقع ~~اليأس عن التجارة وطلب الربح وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه وأنسأ ~~في أجلي وأنعم علي به ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا يوما ~~واحدا حتى أعمل فيه صالحا فاحسبي PageV04P394 # أنك قد توفيت ثم قد رددت فإياك ثم إياك أن تضيعي هذا اليوم فإن كل نفس من ~~الأنفاس جوهرة لا قيمة لها واعلمي يا نفس أن اليوم والليلة أربع وعشرون ~~ساعة وقد ورد في الخبر أنه ينشر للعبد بكل يوم وليلة أربع وعشرون خزانة ~~مصفوفة فيفتح له منها خزانة فيراها مملوءة نورا من حسناته التي عملها في ~~تلك الساعة فيناله من الفرح والسرور والاستبشار بمشاهدة تلك الأنوار التي ~~هي وسيلته عند الملك الجبار ما لو وزع على أهل النار لأدهشهم ذلك الفرح عن ~~الإحساس بألم النار ويفتح له خزانة أخرى سوداء مظلمة يفوح منها نتنها ~~ويغشاه ظلامها وهي الساعة التي عصي فيها فيناله من الهول والفزع ما لو قسم ~~على أهل الجنة لتنغص عليهم نعيمها ويفتح له خزانة أخرى فارغة ليس فيها ما ~~يسره ولا ما يسؤه (1) وهي الساعة التي نام فيها أو غفل أو اشتغل بشيء من ~~مباحات الدنيا فيتحسر على خلوها ويناله من غبن ذلك ما ينال القادر على ~~الربح الكثير والملك الكبير إذا أهمله وتساهل فيه حتى فاته وناهيك به حسرة ~~وغبنا وهكذا تعرض عليه خزائن أوقاته طول عمره فيقول لنفسه اجتهدي اليوم في ~~أن تعمري خزانتك ولا تدعيها فارغة عن كنوزك التي هي أسباب ملكك ولا تميلي ~~إلى الكسل والدعة والاستراحة فيفوتك من درجات عليين ما يدركه غيرك وتبقى ~~عندك حسرة لا تفارقك وإن دخلت الجنة فألم الغبن وحسرته لا يطاق وإن كان دون ~~ألم النار # وقد قال بعضهم هب أن المسيء قد عفي عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين أشار ~~به إلى الغبن والحسرة وقال الله تعالى {يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم ~~التغابن} فهذه وصيته لنفسه في أوقاته ms2511 # ثم ليستأنف لها وصية في أعضائه السبعة وهي العين والأذن واللسان والبطن ~~والفرج واليد والرجل وتسليمها إليها فإنها رعايا خادمة لنفسه في هذه ~~التجارة وبها تتم أعمال هذه التجارة وإن لجهنم سبعة أبواب لكل باب منهم جزء ~~مقسوم وإنما تتعين تلك الأبواب لمن عصى الله تعالى بهذه الأعضاء فيوصيها ~~بحفظها عن معاصيها أما العين فيحفظها عن النظر إلى وجه من ليس له بمحرم أو ~~إلى عورة مسلم أو النظر إلى مسلم بعين الاحتقار بل عن كل فضول مستغنى عنه ~~فإن الله تعالى يسأل عبده عن فضول النظر كما يسأله عن فضول الكلام ثم إذا ~~صرفها عن هذا لم تقنع به حتى يشغلها بما فيه تجارتها وربحها وهو ما خلقت له ~~من النظر إلى عجائب صنع الله بعين الاعتبار والنظر إلى أعمال الخير ~~للاقتداء والنظر في كتاب الله وسنة رسوله ومطالعة كتب الحكمة للاتعاظ ~~والاستفادة # وهكذا ينبغي أن يفصل الأمر عليها في عضو عضو لا سيما اللسان والبطن أما ~~اللسان فلأنه منطلق بالطبع ولا مؤنة عليه في الحركة وجنايته عظيمة بالغيبة ~~والكذب والنميمة وتزكية النفس ومذمة الخلق والأطعمة واللعن والدعاء على ~~الأعداء والمماراة في الكلام وغير ذلك مما ذكرناه في كتاب آفات اللسان فهو ~~بصدد ذلك كله مع أنه خلق للذكر والتذكير وتكرار العلم والتعليم وإرشاد عباد ~~الله إلى طريق الله وإصلاح ذات البين وسائر خيراته فليشترط على نفسه أن لا ~~يحرك اللسان طول النهار إلا في الذكر فنطق المؤمن ذكر ونظره وعبرة وصمته ~~فكرة و {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} وأما البطن فيكلفه ترك الشره ~~وتقليل الأكل من الحلال PageV04P395 # واجتناب الشبهات ويمنعه من الشهوات ويقتصر على قدر الضرورة # ويشرط على نفسه أنها إن خالفت شيئا من ذلك عاقبها بالمنع عن شهوات البطن ~~ليفوتها أكثر مما نالته بشهواتها # هكذا يشرط عليها في جميع الأعضاء واستقصاء ذلك يطول ولا تخفى معاصي ~~الأعضاء وطاعاتها # ثم يستأنف وصيتها في وظائف الطاعات التي تتكرر عليه في اليوم والليلة ثم ~~النوافل التي يقدر ms2512 عليها ويقدر على الاستكثار منها ويرتب لها تفصيلها ~~وكيفيتها وكيفية الاستعداد لها بأسبابها # وهذه شروط يفتقر إليها في كل يوم ولكن إذا تعود الإنسان شرط ذلك على نفسه ~~أياما وطاوعته نفسه في الوفاء بجميعها استغنى عن المشارطة فيها وإن أطاعت ~~في بعضها بقيت الحاجة إلى تجديد المشارطة فيما بقي ولكن لا يخلو كل يوم عن ~~مهم جديد وواقعة حادثة لها حكم جديد ولله عليه في ذلك حق ويكثر هذا على من ~~يشتغل بشيء من أعمال الدنيا من ولاية أو تجارة أو تدريس إذ قلما يخلو يوم ~~عن واقعة جديدة يحتاج إلى أن يقضي حق الله فيها فعليه أن يشترط على نفسه ~~الاستقامة فيها والانقياد للحق في مجاريها ويحذرها مغبة الإهمال ويعظها كما ~~يوعظ العبد الآبق المتمرد فإن النفس بالطبع متمردة عن الطاعات مستعصية عن ~~العبودية ولكن الوعظ والتأديب يؤثر فيها {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} # فهذا وما يجري مجراه هو أول مقام المرابطة مع النفس وهي محاسبة قبل العمل # والمحاسبة تارة تكون بعد العمل وتارة قبله للتحذير قال الله تعالى ~~{واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه} وهذا للمستقبل # وكل نظر في كثرة ومقدار لمعرفة زيادة ونقصان فإنه يسمى محاسبة # فالنظر فيما بين يدي العبد في نهاره ليعرف زيادته من نقصانه من المحاسبة ~~وقد قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا} ~~وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} وقال تعالى ~~ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ماتوسوس به نفسه ذكر ذلك تحذيرا وتنبيها للاحتراز ~~منه في المستقبل # وروى عبادة بن الصامت أنه عليه السلام قال لرجل سأله أن يوصيه ويعظه إذا ~~أردت أمرا فتدبر عاقبته فإن كان رشدا فامضه وإن كان غيا فانته عنه (1) # وقال بعض الحكماء إذا أردت أن يكون العقل غالبا للهوى فلا تعمل ~~بقضاءالشهوة حتى تنظر العاقبة فإن مكث الندامة في القلب أكثر من مكث خفة ~~الشهوة وقال لقمان إن المؤمن إذا أبصر العاقبة أمن الندامة وروى شداد ms2513 بن ~~أوس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ~~والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله (2) دان نفسه أي حاسبها ويوم ~~الدين يوم الحساب وقوله {أئنا لمدينون} أي لمحاسبون # وقال عمر رضي الله عنه حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن ~~توزنوا وتهيئوا للعرض الأكبر وكتب إلى أبي موسى الأشعري حاسب نفسك في ~~الرخاء قبل حساب الشدة # وقال لكعب كيف تجدها في كتاب الله قال ويل لديان الأرض من ديان السماء ~~فعلاه بالدرة وقال إلا من حاسب نفسه فقال كعب ياأمير المؤمنين إنها إلى ~~جنبها في التوراة ما بينهما حرف إلا من حاسب نفسه # وهذا كله إشارة إلى المحاسبة للمستقبل إذ قال من دان نفسه يعمل لما بعد ~~الموت # ومعناه وزن الأمور أولا وقدرها ونظر فيها وتدبرها ثم أقدم عليها فباشرها ### ||| المرابطة الثانية: المراقبة # إذا أوصى الإنسان نفسه وشرط عليها ما ذكرناه فلا يبقى إلا المراقبة لها ~~عند الخوض في الأعمال وملاحظاتها PageV04P396 # بالعين الكالئة فإنها إن تركت طغت وفسدت # ولنذكر فضيلة المراقبة ثم درجاتها # أما الفضيلة فقد سأل جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال أن تعبد الله ~~كأنك تراه (1) وقال عليه السلام اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك (2) وقد قال تعالى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وقال تعالى ألم ~~يعلم بأن الله يرى وقال الله تعالى إن الله كان عليكم رقيبا وقال تعالى ~~والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم بشهاداتهم قائمون وقال ابن ~~المبارك لرجل راقب الله تعالى فسأله عن تفسيره فقال كن أبدا كأنك ترى الله ~~عز وجل # وقال عبد الواحد بن زيد إذا كان سيدي رقيبا على فلا أبالى بغيره # وقال أبو عثمان المغربي أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطريقة ~~المحاسبة والمراقبة وسياسة عمله بالعلم وقال ابن عطاء أفضل الطاعات مراقبة ~~الحق على دوام الأوقات وقال الجريري أمرنا هذا مبنى على أصلين أن تلزم نفسك ~~المراقبة لله عز ms2514 وجل ويكون العلم على ظاهرك قائما وقال أبو عثمان قال لي ~~أبو حفص إذا جلست للناس فكن واعظا لنفسك وقلبك ولا يغرنك اجتماعهم عليك ~~فإنهم يراقبون ظاهرك والله رقيب على باطنك # وحكى أنه كان لبعض المشايخ من هذه الطائفة تلميذ شاب وكان يكرمه ويقدمه ~~فقال له بعض أصحابه كيف تكرم هذا وهو شاب ونحن شيوخ فدعا بعدة طيور وناول ~~كل واحد منهم طائرا وسكينا وقال ليذبح كل واحد منكم طائره في موضع لا يراه ~~أحد ودفع إلى الشاب مثل ذلك وقال له كما قال لهم فرجع كل واحد بطائره ~~مذبوحا ورجع الشاب والطائر حي في يده فقال ما لك لم تذبح كما ذبح أصحابك ~~فقال لم أجد موضعا لا يراني فيه أحد إذ الله مطلع على فى كل مكان فاستحسنوا ~~منه هذه المراقبة وقالوا حق لك أن تكرم # وحكى أن زليخا لما همت بيوسف عليه السلام قامت فغطت وجه صنم كان لها فقال ~~يوسف مالك أتستحيين من مراقبة جماد ولا أستحيى من مراقبة الملك الجبار وحكى ~~عن بعض الأحداث أنه راود جارية عن نفسها فقالت له ألا تستحيى فقال ممن ~~أستحيى وما يرانا إلا الكواكب قالت فأين مكوكبها وقال رجل للجنيد بم أستعين ~~على غض البصر فقال بعلمك أن نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه # وقال الجنيد إنما يتحقق بالمراقبة من يخاف على فوت حظه من ربه عز وجل وعن ~~مالك بن دينار قال جنات عدن من جنات الفردوس وفيها حور خلقن من ورد الجنة ~~قيل له ومن يسكنها قال يقول الله عز وجل وإنما يسكن جنات عدن الذين إذا ~~هموا بالمعاصي ذكروا عظمتي فراقبوني والذين انثنت أصلابهم من خشيتي وعزتي ~~وجلالى إنى لأهم بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى أهل الجوع والعطش من مخافتي ~~صرفت عنهم العذاب # وسئل المحاسبي عن المراقبة فقال أولها علم القلب بقرب الله تعالى وقال ~~المرتعش المراقبة مراعاة السر بملاحظة الغيب مع كل لحظة ولفظة # ويروى أن الله تعالى قال لملائكته أنتم ms2515 موكلون بالظاهر وأنا الرقيب على ~~الباطن # وقال محمد بن علي الترمذي اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك وأجعل ~~شكرك لمن لا تنقطع نعمة عنك وأجعل طاعتك لمن لا تستغنى عنه وأجعل خضوعك لمن ~~لا تخرج عن ملكه وسلطانه # وقال سهل لم يتزين القلب بشىء أفضل ولا أشرف من علم العبد بأن الله شاهدة ~~حيث كان وسئل بعضهم عن قوله تعالى رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ~~فقال معناه ذلك لمن راقب ربه عز وجل وحاسب نفسه وتزود لمعاده وسئل ذو النون ~~بم ينال العبد الجنة فقال بخمس استقامة ليس فيها روغان واجتهاد ليس معه ~~سهوومراقبة الله تعالى في السر والعلانية وانتظار الموت بالتأهب ~~PageV04P397 # له ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسب وقد قيل # إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل على رقيب # ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما تخفيه عنه يغيب # ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب ... وأن غدا إذا للناظرين قريب # وقال حميد الطويل لسليمان بن علي عظنى فقال لئن كنت إذا عصيت الله خاليا ~~ظننت أنه يراك لقد اجترأت على أمر عظيم ولئن كنت تظن أنه لا يراك فلقد كفرت ~~وقال سفيان الثورى عليك بالمراقبة ممن لا تخفى عليه خافية وعليك بالرجاء ~~ممن يملك الوفاء وعليك بالحذر ممن يملك العقوبة # وقال فرقد السنجى إن المنافق ينظر فإذا لم ير أحدا دخل مدخل السوء وإنما ~~يراقب الناس ولا يراقب الله تعالى # وقال عبد الله بن دينار خرجت مع عمر ابن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة ~~فعرسنا في بعض الطريق فانحدر عليه راع من الجبل فقال له يا راعي بعنى شاة ~~من هذه الغنم فقال إنى مملوك فقال قل لسيدك أكلها الذئب قال فأين الله قال ~~فبكى عمر رضي الله عنه ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه وأعتقه وقال ~~أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة وأرجو أن تعتقك في الآخرة ### |||| بيان حقيقة المراقبة ودرجاتها # أعلم أن حقيقة المراقبة هي ملاحظة الرقيب ms2516 والصراف الهم إليه فمن احترز من ~~أمر من الأمور بسبب غيره يقال أنه يراقب فلانا ويراعى جانبه ويعنى بهذه ~~المراقبة حالة للقلب يثمرها نوع من المعرفة وتثمر تلك الحالة أعمالا في ~~الجوارح وفي القلب # أما الحالة فهي مراعاة القلب للرقيب واشتغاله به والتفاته إليه ~~وملاحظتهإياه وانصرافه إليه # وأما المعرفة التي تثمر هذه الحالة فهو العلم بأن الله مطلع على الضمائر ~~عالم بالسرائر رقيب على أعمال العباد قائم على كل نفس بما كسبت وأن سر ~~القلب في حقه مكشوف كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف بل أشد من ذلك # فهذه المعرفة إذا صارت يقينا أعنى أنها خلت عن الشك ثم استولت بعد ذلك ~~على القلب قهرته فرب علم لا شك فيه لا يغلب على القلب كالعلم بالموت فإذا ~~استولت على القلب استجرت القلب إلى مراعاة جانب الرقيب وصرفت همه إليه ~~والموقنون بهذه المعرفة هم المقربون وهم ينقسمون إلى الصديقين وإلى أصحاب ~~اليمين فمراقبتهم على درجتين # الدرجة الأولى مراقبة المقربين من الصديقين وهي مراقبة التعظيم والإجلال ~~وهو أن يصير القلب مستغرقا بملاحظة ذلك الجلال ومنكسرا تحت الهيبة فلا يبقى ~~فيه متسع للالتفات إلى الغير أصلا وهذه مراقبة لا نطول النظر في تفصيل ~~أعمالها فإنها مقصورة على القلب # أما الجوارح فإنها تتعطل عن التلفت إلى المباحات فضلا عن المحظورات وإذا ~~تحركت بالطاعات كانت كالمستعملة بها فلا تحتاج إلى تدبير وتثبيت في حفظها ~~على سنن السداد # بل يسدد الرعية من ملك كلبة الراعى والقلب هو الراعى فإذا صار مستغرقا ~~بالمعبود صارت الجوارح مستعملة جارية على السداد والاستقامة من غير تكلف ~~وهذا هو الذي صار همه هما واحدا فكفاه الله سائر الهموم # ومن نال هذه الدرجة فقد يغفل عن الخلق حتى لا يبصر من يحضر عنده وهو فاتح ~~عينيه ولا يسمع ما يقال له مع أنه لا صمم به وقد يمر على ابنه مثلا فلا ~~يكلمه حتى كان بعضهم يجري عليه ذلك فقال لمن عاتبه إذا مررت بي فحركنى # ولا تستبعد هذا فإنك تجد نظير ms2517 هذا في القلوب المعظمة لملوك الأرض حتى إن ~~خدم الملك قد لا يحسون بما يجري عليهم في مجالس الملوك لشدة استغراقهم بهم ~~بل قد يشتغل القلب بمهم حقير من مهمات الدنيا فيغوص PageV04P398 # الرجل في الفكر فيه ويمشى فربما يجاوز الموضع الذي قصده وينسى الشغل الذي ~~نهض له # وقد قيل لعبد الواحد ابن زيد هل تعرف في زمانك هذا رجلا قد اشتغل بحاله ~~عن الخلق فقال ما أعرف إلا رجلا سيدخل عليكم الساعة فما كان إلا سريعا حتى ~~دخل عتبه الغلام فقال له عبد الواحد بن زيد من أين جئت يا عتبه فقال من ~~موضع كذا وكان طريقه على السوق فقال من لقيت في الطريق فقال ما رأيت أحدا # ويروى عن يحيى بن زكريا عليهما السلام أنه مر بامرأة فدفعها فسقطت على ~~وجهها فقيل له لم فعلت هذا فقال ما ظننتها إلا جدارا # وحكى عن بعضهم أنه قال مررت بجماعة يترامون وواحد جالس بعيدا منهم فتقدمت ~~إليه فأردت أن أكلمه فقال ذكر الله تعالى أشهى فقلت وحدك فقال معي ربي ~~وملكاي فقلت من سبق من هؤلاء فقال من غفر الله له فقلت أين الطريق فأشار ~~نحو السماء وقام ومشى وقال أكثر خلقك شاغل عنك فهذا كلام مستغرق بمشاهدة ~~الله تعالى لا يتكلم إلا منه ولا يسمع إلا فيه # فهذا لا يحتاج إلى مراقبة لسانة وجوارحه فإنها لا تتحرك إلا بما هو فيه # ودخل الشبلى على أبي الحسين النووي وهو معتكف فوجده ساكنا حسن الاجتماع ~~لا يتحرك من ظاهرة شيء فقال له من أين أخذت هذه المراقبة والسكون فقال من ~~سنور كانت لنا فكانت إذا أرادت الصيد رابطت رأس الحجر لا تتحرك لها شعرة # وقال أبو عبد الله بن خفيف خرجت من مصر أريد الرملة للقاء أبي على ~~الروذبارى فقال لي عيسى بن يونس المصري المعروف بالزاهد وأن في صور شابا ~~وكهلا قد اجتمعا على حال المراقبة فلو نظرت إليهما نظرة لعلك تستفيد منهما ~~فدخلت صورا وأنا جائع عطشان وفي وسطى خرقة ms2518 وليس على كتفي شيء فدخلت المسجد ~~فإذا بشخصين قاعدين مستقبلى القبلة فسلمت عليهما فما أجابانى فسلمت ثانية ~~وثالثة فلم أسمع الجواب فقلت نشدتكما بالله إلا رددتما على السلام فرفع ~~الشاب رأسه من مرقعته فنظر إلى وقال يا ابن خفيف الدنيا قليل ومابقى من ~~القليل إلا القليل فخذ من القليل الكثير يا ابن خفيف ما أقل شغلك حتى تتفرغ ~~إلى لقائنا قال فأخذ بكليتي ثم طأطأ رأسه في المكان فبقيت عندهما حتى صلينا ~~الظهر والعصر فذهب جوعي وعطشي وعنائي فلما كان وقت العصر قلت عظنى فرفع ~~رأسه إلى وقال يا ابن خفيف نحن أصحاب المصائب ليس لنا لسان العظة فبقيت ~~عندهما ثلاثة أيام لا آكل ولا أشرب ولا أنام ولا رأيتهما أكلا شيئا ولا ~~شربا فلما كان اليوم الثالث قلت في سري أحلفهما أن يعظاني لعلى أن أنتفع ~~اضطرها فرفع الشاب رأسه وقال لي يا ابن خفيف عليك بصحبة من يذكرك الله ~~رؤيته وتقع هيبته على قلبك يعظك بلسان فعله ولا يعظك بلسان قوله والسلام قم ~~عنا فهذه درجة المراقبين الذين غلب على قلوبهم الإجلال والتعظيم فلم يبق ~~فيهم متسع لغير ذلك # الدرجة الثانية مراقبة الورعين من أصحاب اليمين وهم قوم غلب يقين اطلاع ~~الله على ظاهرهم وباطنهم وعلى قلوبهم ولكن لم تدهشهم ملاحظة الجلال بل بقيت ~~قلوبهم على حد الاعتدال متسعة للتلفت إلى الأحوال والأعمال إنها مع ممارسة ~~الأعمال لا تخلو عن المراقبة # نعم غلب عليهم الحياء من الله فلا يقدمون ولا يحجمون إلا بعد التثبت فيه ~~ويمتنعون عن كل ما يفتضحون به في القيامة فإنهم يرون الله في الدنيا مطلعا ~~عليهم فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة # وتعرف اختلاف الدرجتين بالمشاهدات فإنك في خلوتك قد تتعاطى أعمالا فيحضرك ~~صبي أو امرأة فتعلم أنه مطلع عليك فتستحيى منه فتحسن جلوسك وتراعى أحوالك ~~لا عن إجلال وتعظيم بل عن حياء فإن PageV04P399 # مشاهدته وإن كانت لا تدهشك ولا تستغرقك فإنها تهيج الحياء منك # وقد يدخل عليك ملك من الملوك أو كبير من الأكابر ms2519 فيستغرقك التعظيم حتى ~~تترك كل ما أنت فيه شغلا به لا حياء منه فهكذا تختلف مراتب العباد في ~~مراقبة الله تعالى # ومن كان في هذه الدرجة فيحتاج أن يراقب جميع حركاته وسكناته وخطراته ~~ولحظاته وبالجملة جميع اختياراته وله فيها نظران نظر قبل العمل ونظر في ~~العمل أما قبل العمل فلينظر أن ما ظهر له وتحرك بفعله خاطره أهو لله خاصة ~~أو هو في هوى النفس ومتابعة الشيطان فيتوقف فيه ويتثبت حتى ينكشف له ذلك ~~بنور الحق فإن كان لله تعالى أمضاه وإن كان لغير الله استحيا من الله وانكف ~~عنه ثم لام نفسه على رغبته فيه وهمه به وميله إليه وعرفها سوء فعلها وسعيها ~~في فضيحتها وأنها عدوة نفسها إن لم يتداركها الله بعصمته # وهذا التوقف في بداية الأمور إلى حد البيان واجب محتوم لا محيص لأحد عنه ~~فإن في الخبر أنه ينشر للعبد في كل حركة من حركاته وإن صغرت ثلاثة دواوين ~~الديوان الأول لم والثاني كيف والثالث لمن (1) ومعنى لم أي لم فعلت هذا ~~أكان عليك أن تفعله لمولاك أو ملت إليه بشهوتك وهواك فإن سلم منه بأن كان ~~عليه أن يعمل ذلك لمولاه سئل عن الديوان الثاني فقيل له كيف فعلت هذا فإن ~~لله في كل عمل شرطا وحكما لا يدرك قدره ووقته وصفته إلا بعلم فيقال له كيف ~~فعلت أبعلم محقق أم بجهل وظن فإن سلم من هذا نشر الديوان الثالث وهو ~~المطالبة بالإخلاص فيقال له لمن عملت ألوجه الله خالصا وفاء بقولك لا إله ~~إلا الله فيكون أجرك على الله أو لمراءاة خلق مثلك فخذ أجرك منه أم عملته ~~لتنال عاجل دنياك فقد وفيناك نصيبك من الدنيا أم عملته بسهو وغفلة فقد سقط ~~أجرك وحبط عملك وخاب سعيك وإن عملت لغيري فقد استوجبت مقتى وعقابي إذ كنت ~~عبدا لي تأكل رزقي وتترفه بنعمتي ثم تعمل لغيري أما سمعتني أقول إن الذين ~~تدعون من دون الله عباد أمثالكم إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون ms2520 لكم ~~رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ويحك أما سمعتني أقول ألا لله الدين ~~الخالص فإذا عرف العبد أنه بصدد هذه المطالبات والتوبيخات طالب نفسه قبل أن ~~تطالب وأعد للسؤال جوابا وليكن الجواب صوابا فلا يبدئ ولا يعيد إلا بعد ~~التثبت ولايحرك جفنا ولا أنمله إلا بعد التأمل # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ إن الرجل ليسئل عن كحل عينيه وعن ~~فته الطين بإصبعيه وعن لمسه ثوب أخيه (2) حديث سعد حين أوصاه سلمان أن اتق ~~الله عند همك إذا هممت أخرجه أحمد والحاكم وصححه وهذا القدر منه موقوف ~~وأوله مرفوع تقدم // وقال محمد بن علي إن المؤمن وقاف متأن يقف عند همه ليس ~~كحاطب ليل # فهذا هو النظر الأول في هذه المراقبة ولا يخلص من هذا إلا العلم المتين ~~والمعرفة الحقيقة بأسرار الأعمال وأغوار النفس ومكايد الشيطان فمتى لم يعرف ~~نفسه وربه وعدوة إبليس ولم يعرف ما يوافق هواه ولم يميز بينه وبين ما يحبه ~~الله ويرضاه في نيته وهمته وفكرته وسكونه وحركته فلا يسلم في هذه المراقبة ~~بل الأكثرون يرتكبون الجهل فيما يكرهه الله تعالى وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا ولا تظنن أن الجاهل بما يقدر على التعلم فيه يعذر هيهات بل طلب العلم ~~فريضة على كل مسلم ولهذا كانت ركعتان من عالم PageV04P400 # أفضل من ألف ركعة من غير عالم لأنه يعلم آفات النفوس ومكايد الشيطان ~~ومواضع الغرور فيتقى ذلك والجاهل لا يعرفه فكيف يحترز منه فلا يزال الجاهل ~~في تعب والشيطان منه في فرح وشماته فنعوذ بالله من الجهل والغفلة فهو رأس ~~كل شقاوة وأساس كل خسران # فحكم الله تعالى على كل عبد أن يراقب نفسه عند همه بالفعل وسعيه بالجارحة ~~فيتوقف عن الهم وعن السعي حتى ينكشف له بنور العلم أنه لله تعالى فيمضيه أو ~~هو لهوى النفس فيتقيه ويزجر القلب عن الفكر فيه وعن الهم به فإن الخطوة ~~الأولى في الباطل إذا لم تدفع أورثت الرغبة والرغبة تورث الهم والهم يورث ~~جزم القصد والقصد ms2521 يورث الفعل والفعل يورث البوار والمقت فينبغى أن تحسم ~~مادة الشر من منبعه الأول وهو الخاطر فإن جميع ما وراءه يتبعه # ومهما أشكل على العبد ذلك وأظلمت الواقعة فلم ينكشف له فيتفكر في ذلك ~~بنور العلم ويستعيذ بالله من مكر الشيطان بواسطة الهوى فإن عجز عن الاجتهاد ~~والفكر بنفسه فيستضىء بنور علماء الدين وليفر من العلماء المضلين المقبلين ~~على الدنيا فراره من الشيطان بل أشد فقد أوحى الله تعالى إلى داود عليه ~~السلام لاتسأل عنى عالما أسكره حب الدنيا فيقطعك عن محبتي أولئك قطاع ~~الطريق على عبادي فالقلوب المظلمة بحب الدنيا وشدة الشرة والتكآلب عليها ~~محجوبة عن نور الله تعالى فإن مستضاء أنوار القلوب حضرة الربوبية فكيف ~~يستضئ بها من أستدبرها وأقبل على عدوها وعشق بغيضها ومقيتها وهي شهوات ~~الدنيا فلتكن همه المريد أولا في أحكام العلم أو في طلب عالم معرض عن ~~الدنيا أو ضعيف الرغبة فيها إن لم يجد من هو عديم الرغبة فيها وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات والعقل ~~الكامل عند هجوم الشهوات (1) جمع بين الأمرين وهما متلازمان حقا فمن ليس له ~~عقل وازع عن الشهوات فليس له بصر ناقد في الشبهات # ولذلك قال عليه السلام من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا (2) فما ~~قدر العقل الضعيف الذي سعد الآدمي به حتى يعمد إلى محوه ومحقه بمقارنة ~~الذنوب ومعرفة آفات الأعمال قد اندرست في هذه الأعصار فإن الناس كلهم قد ~~هجروا هذه العلوم واشتغلوا بالتوسط بين الخلق في الخصومات الثائرة في اتباع ~~الشهوات وقالوا هذا هو الفقة وأخرجوا هذا العلم الذي هو فقه الدين عن جملة ~~العلوم وتجردوا لفقه الدنيا الذى ما قصد به الا دفع الشواغل عن القلوب ~~ليتفرغ لفقه الدين فكان فقه الدنيا من الدين بواسطة هذا الفقه # وفي الخبر أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع وسيأتى عليكم زمان خيركم ~~فيه المتثبت (3) ولهذا توقف طائفة من الصحابة في القتال مع أهل ms2522 العراق وأهل ~~الشام لما أشكل عليهم الأمر كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأسامة ~~ومحمد بن مسلمة وغيرهم # فمن لم يتوقف عند الاشتباه كان متبعا لهواه معجبا برأيه وكان ممن وصفه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال فإذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ~~وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك وكل من خاض في شبهه بغير تحقيق ~~فقد خالف قوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم (4) وقوله عليه السلام إياكم ~~والظن فإن الظن أكذب الحديث (5) وأراد به ظنا بغير دليل كما يستفتى بعض ~~العوام قلبه فيما أشكل عليه ويتبع ظنه ولصعوبة هذا الأمر وعظمة كان دعاء ~~الصديق رضي الله تعالى عنه اللهم أرني الحق حقا وارزقنى اتباعه وأرني ~~الباطل باطلا وارزقنى اجتنابه ولا تجعله متشابها على فأتبع الهوى وقال عيسى ~~عليه PageV04P401 # السلام الأمور ثلاثة أمر استبان رشده فاتبعه وأمر استبان غيه فاجتنبه ~~وأمر أشكل عليك فكله إلى عالمه (1) وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم اللهم إني أعوذ بك أن أقول في الدين بغير علم (2) فأعظم نعمة الله على ~~عباده هو العلم وكشف الحق والإيمان عبارة عن نوع كشف وعلم ولذلك قال تعالى ~~امتنانا على عبده {وكان فضل الله عليك عظيما} وأراد به العلم وقال تعالى ~~{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} وقال تعالى {إن علينا للهدى} وقال ~~{ثم إن علينا بيانه} وقال {وعلى الله قصد السبيل} # وقال علي كرم الله وجهه الهوى شريك العمى ومن التوفيق التوقف عند الحيرة ~~ونعم طارد الهم اليقين وعاقبة الكذب الندم وفي الصدق السلامة رب بعيد أقرب ~~من قريب وغريب من لم يكن له حبيب والصديق من صدق غيبه ولا يعدمك من حبيب ~~سوء ظن نعم الخلق التكرم والحياء سبب إلى كل جميل وأوثق العرا التقوى واوثق ~~سبب أخذت به سبب بينك وبين الله تعالى إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك ~~والرزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك فان لم تأته أتاك وإن ms2523 كنت جازعا على ما ~~أصيب مما في يديك فلا تجزع على ما لم يصل إليك واستدل على ما لم يكن بما ~~كان فإنما الأمور أشباه والمرء يسره درك ما لم يكن ليفوته ويسوءه فوت ما لم ~~يكن ليدركه فما نالك من دنياك فلا تكثرن به فرحا وما فاتك منها فلا تتبعه ~~نفسك أسفا وليكن سرورك بما قدمت وأسفك على ما خلفت وشغلك لآخرتك وهمك فيما ~~بعد الموت # وغرضنا من نقل هذه الكلمات قوله ومن التوفيق التوقف عند الحيرة فإذن ~~النظر الأول للمراقب نظره في الهم والحركة أهي لله أم للهوى وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم ثلاث من كن فيه استكمل إيمانه لا يخاف في الله لومة لائم ~~ولا يرائي بشيء من عمله وإذا عرض له أمران أحدهما للدنيا والآخر للآخرة آثر ~~الآخرة على الدنيا (3) وأكثر ما ينكشف له في حركاته أن يكون مباحا ولكن لا ~~يعنيه فيتركه لقوله صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه ~~(4) # النظر الثاني للمرقبة عند الشروع في العمل وذلك بتفقد كيفية العمل ليقضي ~~حق الله فيه ويحسن النية في إتمامه ويكمل صورته ويتعاطاه على أكمل ما يمكنه ~~وهذا ملازم له في جميع أحواله فإنه لا يخلو في جميع أحواله عن حركة وسكون ~~فإذا راقب الله تعالى في جميع ذلك قدر على عبادة الله تعالى فيها بالنية ~~وحسن الفعل ومراعاة الأدب فإن كان قاعدا مثلا فينبغى أن يقعد مستقبل القبلة ~~لقوله صلى الله عليه وسلم خير المجالس ما استقبل به القبلة (5) ولا يجلس ~~متربعا إذ لا يجالس الملوك كذلك وملك الملوك مطلع عليه قال إبراهيم بن أدهم ~~رحمه الله جلست مرة متربعا فسمعت هاتفا يقول هكذا تجالس الملوك فلم أجلس ~~بعد ذلك متربعا وإن كان ينام # فينام على اليد اليمنى مستقبل القبلة مع سائر الآداب التي ذكرناها في ~~موضعها فكل ذلك داخل في المراقبة بل لو كان في قضاء الحاجة فمراعاته ~~لآدابها وفاء بالمراقبة # فإذن لا يخلو العبد إما أن يكون في ms2524 طاعة أو في معصية أو في مباح # فمراقبته في الطاعة بالإخلاص والإكمال ومراعاة الأدب وحراستها عن الآفات ~~PageV04P402 # وإن كان في معصية فمراقبته بالتوبة والندم والإقلاع والحياء والاشتغال ~~بالتفكر # وإن كان في مباح فمراقبته بمراعاة الأدب ثم بشهود المنعم في النعمة ~~وبالشكر عليها # ولا يخلو العبد في جملة أحواله عن بلية لا بد له من الصبر عليها ونعمة لا ~~بد له من الشكر عليها وكل ذلك من المراقبة # بل لا ينفك العبد في كل حال من فرض لله تعالى عليه إما فعل يلزمه مباشرته ~~أو محظور يلزمه تركه أو ندب حث عليه ليسارع به إلى مغفرة الله تعالى ويسابق ~~به عباد الله أو مباح فيه صلاح جسمه وقلبه وفيه عون له على طاعته ولكل واحد ~~من ذلك حدود لابد من مراعاتها بدوام المراقبة {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم ~~نفسه} فينبغي أن يتفقد العبد نفسه في جميع أوقاته في هذه الأقسام الثلاثة ~~فإذا كان فارغا من الفرائض وقدر على الفضائل فينبغي أن يلتمس أفضل الأعمال ~~ليشتغل بها فإن من فاته مزيد ربح وهو قادر على دركه فهو مغبون والأرباح ~~تنال بمزايا الفضائل فبذلك يأخذ العبد من دنياه لآخرته كما قال تعالى {ولا ~~تنس نصيبك من الدنيا} # وكل ذلك إنما يمكن بصبر ساعة واحدة فإن الساعات ثلاث ساعة مضت لا تعب ~~فيها على العبد كيفما انقضت في مشقة أو رفاهية # وساعة مستقبلة لم تأت بعد لا يدري العبد أيعيش إليها أم لا ولا يدرى ما ~~يقضى الله فيها وساعة راهنة ينبغي أن يجاهد فيها نفسه ويراقب فيها ربه فإن ~~لم تأته الساعة الثانية لم يتحسر على فوات هذه الساعة وإن أتته الساعة ~~الثانية استوفى حقه منها كما استوفى من الاولى # ولا يطول أمله خمسين سنة فيطول عليه العزم على المراقبة فيها بل يكون ابن ~~وقته كأنه في آخر أنفاسه فلعله آخر أنفاسه وهو لا يدرى وإذا أمكن أن يكون ~~آخر أنفاسه فينبغي أن يكون على وجه لا يكره أن يدركه الموت وهو ms2525 على تلك ~~الحالة وتكون جميع أحواله مقصورة على ما رواه أبو ذر رضي الله تعالى عنه من ~~قوله عليه السلام لا يكون المؤمن ظاعنا إلا في ثلاث تزود لمعاد أو مرمة ~~لمعاش أو لذة في غير محرم (1) # وما روى عنه أيضا في معناه وعلى العاقل أن تكون له أربعة ساعات ساعة ~~يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكر فيها في صنع الله تعالى ~~وساعة يخلو فيها للمطعم والمشرب (2) فإن في هذه الساعة عونا له على بقية ~~الساعات # ثم هذه الساعات التي هو فيها مشغول الجوارح بالمطعم والمشرب لا ينبغي أن ~~يخلو عن عمل هو أفضل الأعمال وهو الذكر والفكر فإن الطعام الذى يتناوله ~~مثلا فيه من العجائب ما لو تفكر فيه وفطن له كان ذلك أفضل من كثير من أعمال ~~الجوارح # والناس فيه أقسام قسم ينظرون إليه بعين التبصر والاعتبار فينظرون في ~~عجائب صنعته وكيفية ارتباط قوام الحيوانات به وكيفية تقدير الله لأسبابه ~~وخلق الشهوات الباعثة عليه وخلق الآلات المسخرة للشهوة فيه كما فصلنا بعضه ~~في كتاب الشكر وهذا مقام ذوى الألباب # وقسم ينظرون فيه بعين المقت والكراهة ويلاحظون وجه الاضطرار إليه وبودهم ~~لو استغنوا عنه ولكن يرون أنفسهم مقهورين فيه مسخرين لشهواته وهذا مقام ~~الزاهدين # وقوم يرون في الصنعة الصانع ويترقون منها إلى صفات الخالق فتكون مشاهدة ~~ذلك سببا لتذكر أبواب من الفكر تنفتح عليهم بسببه وهو أعلى المقامات وهو من ~~مقامات العارفين وعلامات المحبين إذ المحب إذا رأي صنعة حبيبه وكتابه ~~وتصنيفه نسى الصنعة واشتغل قلبه بالصانع وكل ما يتردد العبد فيه صنع الله ~~تعالى فله في النظر منه إلى PageV04P403 # الصانع مجال رحب إن فتحت له أبواب الملكوت وذلك عزيز جدا # وقسم رابع ينظرون إليه بعين الرغبة والحرص فيتأسفون على ما فاتهم منه ~~ويفرحون بما حضرهم من جملته ويذمون منه مالا يوافق هواهم ويعيبونه ويذمون ~~فاعله فيذمون الطبيخ والطباخ ولا يعلمون أن الفاعل للطبيخ والطباخ ولقدرته ~~ولعلمه هو الله تعالى وأن من ذم شيئا من خلق ms2526 الله بغير إذن فقد ذم الله ~~ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر (1) ~~فهذه المرابطة الثانية بمراقبة الأعمال على الدوام والاتصال وشرح ذلك يطول ~~وفيما ذكرناه تنبيه على المنهاج لمن أحكم الأصول ### ||| المرابطة الثالثة محاسبة النفس بعد العمل ولنذكر فضيلة المحاسبة ثم حقيقتها # أما الفضيلة فقد قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر ~~نفس ما قدمت لغد} وهذه إشارة إلى المحاسبة على ما مضى من الأعمال ولذلك قال ~~عمر رضي الله تعالى عنه حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا ~~وفي الخبر انه عليه السلام جاءه رجل فقال يا رسول الله أوصنى فقال أمستوص ~~أنت فقال نعم قال إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته فإن كان رشدا فامضه وإن كان ~~غيا فانته عنه وفي الخبر وينبغى للعاقل أن يكون له أربع ساعات ساعة يحاسب ~~فيها نفسه وقال تعالى {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} ~~والتوبة نظر في الفعل بعد الفراغ منه بالندم عليه وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم إني لأستغفر الله تعالى وأتوب إليه في اليوم مائة مرة (2) وقال تعالى ~~{إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} وعن عمر ~~رضي الله عنه انه كان يضرب قدميه بالدره إذا جنه الليل ويقول لنفسه ماذا ~~عملت اليوم وعن ميمون ابن مهران أنه قال لا يكون العبد من المتقين حتى ~~يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه والشريكان يتحاسبان بعد العمل وروى عن ~~عائشة رضي الله تعالى عنها أن أبا بكر رضوان الله عليه قال لها عند الموت ~~ما أحد من الناس أحب إلي من عمر ثم قال لها كيف قلت فأعادت عليه ما قال ~~فقال لا أحد أعز على من عمر # فانظر كيف نظر بعد الفراغ من الكلمة فتدبرها وأبدلها بكلمة غيرها وحديث ~~أبى طلحة حين شغله الطائر في صلاته فتدبر ذلك فجعل حائطه صدقة لله تعالى ~~ندما ورجاء للعوض مما فاته (3) # وفي حديث ms2527 ابن سلام أنه حمل حزمة من حطب فقيل له يا أبا يوسف قد كان في ~~بنيك وغلمانك ما يكفونك هذا فقال أردت أن أجرب نفسي هل تنكره وقال الحسن ~~المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم ~~في الدنيا وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير ~~محاسبه ثم فسر المحاسبة فقال إن المؤمن يفجؤه الشيء يعجبه فيقول والله إنك ~~لتعجبني وإنك من حاجتي ولكن هيهات حيل بيني وبينك وهذا حساب قبل العمل ثم ~~قال ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول ماذا أردت بهذا والله لا أعذر ~~بهذا والله لا أعود لهذا أبدا إن شاء الله وقال أنس بن مالك سمعت عمر بن ~~الخطاب رضي الله تعالى عنه يوما وقد خرج وخرجت معه حتى دخل حائطا فسمعته ~~يقول وبيني وبينه جدار وهو في الحائط عمر PageV04P404 # ابن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ والله لتتقين الله أو ليعذبنك وقال الحسن ~~في قوله تعالى {ولا أقسم بالنفس اللوامة} قال لا يلقى المؤمن إلا يعاتب ~~نفسه ماذا أردت بكلمتي ماذا أردت بأكلتي ماذا أردت بشربتي والفاجر يمضى ~~قدما لا يعاتب نفسه وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى رحم الله عبدا قال ~~لنفسه ألست صاحبة كذا ألست صاحبة كذا ثم ذمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله ~~تعالى فكان له قائدا وهذا من معاتبة النفس كما سيأتي في موضعه وقال ميمون ~~بن مهران التقى أشد محاسبة لنفسه من سلطان غاشم ومن شريك شحيح وقال إبراهيم ~~التيمي مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها ~~ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها ~~وأغلالها فقلت لنفسي يا نفس أي شيء تريدين فقالت أريد أن أرد إلى الدنيا ~~فأعمل صالحاقلت فأنت في الأمنية فاعملي وقال مالك بن دينار سمعت الحجاج ~~يخطب وهو يقول رحم الله امرأ حاسب نفسه قبل أن يصير الحساب إلى غيره رحم ~~الله امرأ ms2528 أخذ بعنان عمله فنظر ماذا يريد به رحم الله امرأ نظر في مكياله ~~رحم الله امرأ نظر في ميزانه فما زال يقول حتى أبكانى وحكى صاحب للأحنف ابن ~~قيس قال كنت أصحبه فكان عامة صلاته بالليل الدعاء وكان يجئ إلى المصباح ~~فيضع أصبعه فيه حتى يحس بالنار ثم يقول لنفسه ياحنيف ما حملك على ما صنعت ~~يوم كذا ما حملك على ما صنعت يوم كذا ### |||| بيان حقيقة المحاسبة بعد العمل # أعلم أن العبد كما يكون له وقت في أول النهار يشارط فيه نفسه على سبيل ~~التوصية بالحق فينبغى أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ~~ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء ~~في آخر كل سنة أو شهر أو يوم حرصا منهم على الدنيا وخوفا من أن يفوتهم منها ~~ما لو فاتهم لكانت الخيرة لهم في فواته ولو حصل ذلك لهم فلا يبقى إلا أياما ~~قلائل فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة أبد ~~الآباد ما هذه المساهلة إلا عن الغفلة والخذلان وقلة التوفيق نعوذ بالله من ~~ذلك ومعنى المحاسبة مع الشريك أن ينظر في رأس المال وفي الربح والخسران ~~ليتبين له الزيادة من النقصان فإن كان من فضل حاصل استوفاه وشكره وإن كان ~~من خسران طالبه بضمانه وكلفه تداركه في المستقبل فكذلك رأس مال العبد في ~~دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل وخسرانه المعاصي وموسم هذه التجارة ~~جملة النهار ومعامله نفسه الأمارة بالسوء فيحاسبها على الفرائض أولا فإن ~~أداها على وجهها شكر الله تعالى عليه ورغبها في مثلها وإن فوتها من أصلها ~~طالبها بالقضاء وإن أداها ناقصة كلفها الجبران بالنوافل وإن ارتكب معصية ~~اشتغل بعقوبتها وتعذيبها ومعاتبتها ليستوفي منها ما يتدارك به ما فرط كما ~~يصنع التاجر بشريكه وكما أنه يفتش في حساب الدنيا عن الحبة والقيراط فيحفظ ~~مداخل الزيادة والنقصان حتى لا يغبن في شيء منها فينبغى أن يتقى غبينة ~~النفس ومكرها فإنها خداعة ملبسة مكارة فليطالبها ms2529 أولا بتصحيح الجواب عن ~~جميع ماتكلم به طول نهاره وليتكفل بنفسه من الحساب ما سيتولاه غيره في صعيد ~~القيامة وهكذا عن نظره بل عن خواطره وأفكاره وقيامه وقعوده وأكله وشربه ~~ونومه حتى عن سكوته أنه لم سكت وعن سكونه لم سكن فإذا عرف مجموع الواجب على ~~النفس وصح عنده قدر أدى الواجب فيه كان ذلك القدر محسوبا له فيظهر له ~~الباقي على نفسه فليثبته عليها وليكتبه على صحيفة قلبه كما يكتب الباقي ~~الذي على شريكه على قلبه وفي جريدة حسابه # ثم النفس غريم يمكن أن يستوفى منه الديون أما بعضها فبالغرامة والضمان ~~وبعضها برد عينه وبعضها PageV04P405 # بالعقوبة لها على ذلك ولا يمكن شيء من ذلك إلى بعد تحقيق الحساب وتمييز ~~الباقي من الحق الواجب عليه فإذا حصل ذلك اشتغل بعده بالمطالبة والاستيفاء # ثم ينبغي أن يحاسب النفس على جميع العمر يوما يوما وساعة ساعة في جميع ~~الأعضاء الظاهرة والباطنة كما نقل عن توبه ابن الصمة وكان بالرقة وكان ~~محاسبا لنفسه فحسب يوما فإذا هو ابن ستين سنة فحسب أيامها فإذا هي أحد ~~وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال يا ويلتي ألقى الملك بأحد وعشرين ~~ألف ذنب فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب ثم خر مغشيا عليه فإذا هو ميت ~~فسمعوا قائلا يقول يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى فهكذا ينبغي أن يحاسب ~~نفسه على الأنفاس وعلى معصيته بالقلب والجوارح في كل ساعة ولو رمى العبد ~~بكل معصية حجرا في داره لامتلأت داره في مدة يسيرة قريبة من عمره ولكنه ~~يتساهل في حفظ المعاصى والملكان يحفظان عليه ذلك {أحصاه الله ونسوه} ### ||| المرابطة الرابعة في معاقبة النفس على تقصيرها # مهما حاسب نفسه فلم تسلم عن مقارفه معصية وارتكاب تقصير في حق الله تعالى ~~فلا ينبغى أن يهملها فإنه أن أهملها سهل عليه مقارفة المعاصي وأنست بها ~~نفسه وعسر عليه فطامها وكان ذلك بسبب هلاكها بل ينبغي أن يعاقبها فإذا أكل ~~لقمة شبهة بشهوة نفس ينبغى أن يعاقب البطن بالجوع وإذا ms2530 نظر إلى غير محرم ~~ينبغي أن يعاقب العين بمنع النظر وكذلك يعاقب كل طرف من أطراف بدنه بمنعه ~~عن شهواته # هكذا كانت عادة سالكي طريق الآخرة فقد روى عن منصور بن إبراهيم أن رجلا ~~من العباد كلم امرأة فلم يزل حتى وضع يده على فخذها ثم ندم فوضع يده على ~~النار حتى يبست وروى أنه كان في بني إسرائيل رجل يتعبد في صومعته فمكث كذلك ~~زمانا طويلا فأشرف ذات يوم فإذا هو بامرأة فافتتن بها وهم بها فأخرج رجله ~~لينزل إليها فأدركه الله بسابقه فقال ما هذا الذي أريد أن أصنع فرجعت إليه ~~نفسه وعصمه الله تعالى فندم فلما أراد أن يعيد رجله إلى الصومعة قال هيهات ~~هيهات رجل خرجت تريد أن تعصى الله تعود في صومعتي لا يكون والله له ذلك ~~أبدا فتركها معلقة في الصومعة تصيبها الأمطار والرياح والثلج والشمس حتى ~~تقطعت فسقطت فشكر الله له ذلك وأنزل في بعض كتبه ذكره ويحكى عن الجنيد قال ~~سمعت ابن الكريبي يقول أصابتني ليلة جنابة فاحتجت أن أغتسل وكانت ليلة ~~باردة فوجدت في نفسي تأخرا وتقصيرا فحدثتني نفسي بالتأخير حتى أصبح وأسخن ~~الماء أو أدخل الحمام ولا أعنى على نفسي فقلت واعجبا أنا أعامل الله في طول ~~عمري فيجب له على حق فلا أجد في المسارعة وأجد الوقوف والتأخر آليت أن لا ~~أغتسل إلا في مرقعتي هذه وآليت أن لا أنزعها ولا أعصرها ولا أجففها في ~~الشمس ويحكى أن غزوان وأبا موسى كانا في بعض مغازيهما فتكشفت جارية فنظر ~~إليها غزوان فرفع يده فلطم عينه حتى بقرت وقال إنك للحاظة إلى ما يضرك # ونظر بعضهم نظرة واحدة امرأة فجعل على نفسه أن لا يشرب الماء البارد طول ~~حياته فكان يشرب الماء الحار لينغص على نفسه العيش # ويحكى أن حسان بن أبي سنان مر بغرفة فقال متى بنيت هذه ثم أقبل على نفسه ~~فقال تسألين عما لا يعنيك لأعاقبنك بصوم سنة فصامها # وقال مالك بن ضيغم جاء رباح القيسي يسأل عن ms2531 أبي بعد العصر فقلنا إنه نائم ~~فقال أنوم هذه الساعة هذا وقت نوم ثم ولى منصرفا فأتبعناه رسولا وقلنا له ~~ألا نوقظه لك فجاء الرسول وقال هو أشغل من أن يفهم عني شيئا أدركته وهو ~~يدخل المقابر وهو يعاتب نفسه ويقول أقلت وقت نوم هذه الساعة أفكان هذا عليك ~~ينام الرجل متى شاء وما يدريك أن هذا ليس وقت PageV04P406 # نوم تتكلمين بما لا تعلمين أما إن لله على عهدا لا أنقضه أبدا لا أوسدك ~~الأرض لنوم حولا إلا لمرض حائل أو لعقل زائل سوأة لك أما تستحين كم توبخين ~~وعن غيك لا تنتهين قال وجعل يبكى وهو لا يشعر بمكاني فلما رأيت ذلك انصرفت ~~وتركته # ويحكى عن تميم الداري أنه نام ليلة لم يقم فيها يتهجد فقام سنة لم ينم ~~فيها عقوبة للذي صنع # وعن طلحة رضي الله تعالى عنه قال انطلق رجل ذات يوم فنزع ثيابه وتمرغ في ~~الرمضاء فكان يقول لنفسه ذوقى ونار جهنم أشد حرا أجيفة بالليل بطالة ~~بالنهار فبينما هو كذلك إذ أبصر النبي صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة فأتاه ~~فقال غلبتني نفسي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ألم يكن لك بد من الذي ~~صنعت أما لقد فتحت لك أبواب السماء ولقد باهى الله بك الملائكة ثم قال ~~لأصحابه تزودوا من أخيكم فجعل الرجل يقول له يا فلان أدع لي يا فلان ادع لى ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم عمهم فقال اللهم أجعل التقوى زادهم واجمع ~~على الهدى أمرهم # فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللهم سدده فقال الرجل اللهم أجعل ~~الجنة مآبهم // حديث طلحة: انطلق رجل ذات يوم فنزع ثيابه وتمرغ في الرمضاء ~~وكان يقول لنفسه: ونار جهنم أشد حراالحديث بطوله أخرجه ابن أبي الدنيا في ~~محاسبة النفس من رواية ليث بن أبي سليم عنه وهذا منقطع أو مرسل ولا أدري من ~~طلحة هذا وقال حذيفة بن قتاده قيل لرجل كيف تصنع بنفسك في شهواتها فقال ما ~~على وجه ms2532 الأرض نفس أبغض إلى منها فكيف أعطيها شهواتها ودخل ابن السماك على ~~داود الطائي حين مات وهو في بيته على التراب فقال: يا داود سجنت نفسك قبل ~~أن تسجن وعذبت نفسك قبل أن تعذب فاليوم ترى ثواب من كنت تعمل له # وعن وهب بن منبه: إن رجلا تعبد زمانا ثم بدت له إلى الله تعالى حاجة فقام ~~سبعين سبتا يأكل في كل سبت إحدى عشرة تمرة ثم سأل حاجته فلم يعطها فرجع إلى ~~نفسه وقال منك أتيت لو كان فيك خير لأعطيت حاجتك فنزل إليه ملك وقال يا ابن ~~آدم ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت وقد قضى الله حاجتك # وقال عبد الله بن قيس كنا في غزاة لنا فحضر العدو فصيح في الناس فقاموا ~~إلى المصاف في يوم شديد الريح وإذا رجل أمامي وهو يخاطب نفسه ويقول أي نفسي ~~ألم أشهد مشهد كذا فقلت لي أهلك وعيالك فأطعتك ورجعت ألم أشهد مشهد كذا ~~وكذا فقلت لي أهلك وعيالك فأطعتك ورجعت والله لأعرضنك اليوم على الله أخذك ~~أو تركك فقلت لأرمقنه اليوم فرمقته فحمل الناس على عدوهم فكان في أوائلهم ~~ثم أن العدو حمل على الناس فانكشفوا فكان في موضعه حتى انكشفوا مرات وهو ~~ثابت يقاتل فوالله ما زال ذاك دأبه حتى رأيته صريعا فعددت به وبدابته ستين ~~أو أكثر من ستين طعنة # وقد ذكرنا حديث أبى طلحة لما اشتغل قلبه في الصلاة بطائر في حائطه فتصدق ~~بالحائط كفارة لذلك # وإن عمر كان يضرب قدميه بالدره كل ليلة ويقول ماذا عملت اليوم وعن مجمع ~~أنه رفع رأسه إلى السطح فوقع بصره على امرأة فجعل على نفسه أن لا يرفع رأسه ~~إلى السماء ما دام في الدنيا # وكان الأحنف بن قيس لا يفارقه المصباح بالليل فكان يضع أصبعه عليه ويقول ~~لنفسه ما حملك على أن صنعت يوم كذا كذا وأنكر وهيب بن الورد شيئا على نفسه ~~فنتف شعرات على صدره حتى عظم ألمه ثم جعل يقول لنفسه ويحك إنما أريد ms2533 بك ~~الخير # ورأى محمد بن بشر داود الطائى وهو يأكل عند إفطاره خبزا بغير ملح فقال له ~~لو اكلته بملح فقال أن نفسى لتدعوني الى الملح منذ سنة ولا ذاق دواد ملحا ~~ما دام في الدنيا # فكذا كانت عقوبة أولى الحزم لأنفسهم والعجب انك تعاقب عبدك وأمتك واهلك ~~وولدك على ما يصدر منهم من سوء خلق وتقصير في أمر وتخاف انك لو تجاوزت عنهم ~~لخرج أمرهم عن الاختيار وبغوا عليك ثم تهمل PageV04P407 # نفسك وهى أعظم عدو لك واشد طغيانا عليك وضررك من طغيانها أعظم من ضررك من ~~طغيان أهلك فان غايتهم أن يشوشوا عليك معيشة الدنيا ولو عقلت لعلمت إن ~~العيش عيش الآخرة وإن فيه النعيم المقيم الذى لا آخر له ونفسك هى التي تنغص ~~عليك عيش الآخرى فهى بالمعاقبة أولى من غيرها ### ||| المرابطة الخامسة: المجاهدة # وهو انه إذا حاسب نفسه فرآها قد قارفت معصية فينبغى ان يعاقبها بالعقوبات ~~التي مضت وان رآها تتوانى بحكم الكسل في شىء من الفضائل أو ورد من الأوراد ~~فينبغى أن يؤدبها بتثقيل الأوراد عليها ويلزمها فنونا من الوظائف جبرا لما ~~فات منه وتداركالما فرط فهكذا كان يعمل عمال الله تعالى فقد عاقب عمر بن ~~الخطاب نفسه حين فاتته صلاة العصر في جماعة بأن تصدق بأرض كانت له قيمتها ~~مائتا ألف درهم وكان ابن عمر إذا فاتته صلاة في جماعة أحيا تلك الليلة وأخر ~~ليلة صلاة المغرب حتى طلع كوكبان فأعتق رقبتين # وفات ابن أبى ربيعة ركعتا الفجر فاعتق رقبة # وكان بعضهم يجعل على نفسه صوم سنة أو الحج ما شيا أو التصدق بجميع ماله # كل ذلك مرابطه للنفس ومؤاخذة لها بما فيه نجاتها # فإن قلت إن كانت نفسى لا تطاوعنى على المجاهدة والمواظبة على الأوراد فما ~~سبيل معالجتها فأقول سبيلك في ذلك ان تسمعها ما ورد في الأخبار من فضل ~~المجتهدين (1) ومن أنفع أسباب العلاج أن تطلب صحبة عبد من عباد الله مجتهد ~~في العبادة فتلاحظ أقواله وتقتدى به وكان بعضهم يقول كنت إذا ms2534 اعترتنى فترة ~~في العبادة نظرت إلى أحوال محمد بن واسع والى اجتهاده فعملت على ذلك أسبوعا ~~إلا أن هذا العلاج قد تعذر اذ قد فقد في هذا الزمان من يجتهد في العبادة ~~اجتهاد الاولين فينبغى ان يعدل من المشاهدة الى السماع فلا شىء انفع من ~~سماع أحوالهم ومطالعة اخبارهم وما كانوا فيه من الجهد الجهيد وقد انقضى ~~تعبهم وبقى ثوابهم ونعيمهم ابد الاباد لا ينقطع فما اعظم ملكهم وما أشد ~~حسرة من لا يقتدى بهم فيمتع نفسه أياما قلائل بشهوات مكدرة ثم يأتيه الموت ~~ويحال بينه وبين كل ما يشتهيه أبد الآباد نعوذ بالله تعالى من ذلك # ونحن نورد من اوصاف المجتهدين وفضائلهم ما يحرك رغبة المريد في الاجتهاد ~~اقتداء بهم فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله اقواما يحسبهم ~~الناس مرضى وما هم بمرضى (2) حديث طوبي لمن طال عمره وحسن عمله أخرجه ~~الطبراني من حديث عبد الله بن بشر وفيه بقية رواه بصيغة عن وهو مدلس ~~وللترمذى من حديث أبى بكرة خير الناس من طال عمره وحسن عمله وقال حسن صحيح ~~وقد تقدم // # ويروى أن الله تعالى يقول لملائكته ما بال عبادي مجتهدين فيقولون الهنا ~~خوفتهم شيئا فخافوه وشوقتهم الى شىء فاشتاقوا إليه فيقول الله تبارك وتعالى ~~فكيف لو رآنى عبادى لكانوا اشد اجتهادا وقال الحسن أدركت أقواما وصحبت ~~PageV04P408 # طوائف منهم ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل ولا يتأسفون على شيء ~~منها أدبر ولهى كانت أهون في أعينهم من هذا التراب الذى تطئونه بارجلكم أن ~~كان احدهم ليعيش عمره كله ما طوى له ثوب ولا أمر أهله بصنعة طعام قط ولا ~~جعل بينه وبين الأرض شيئا قط وأدركتهم عاملين بكتاب ربهم وسنة نبيهم إذا ~~جنهم الليل فقيام على أطرافهم يفترشون وجوههم تجري دموعهم على خدودهم ~~يناجون ربهم في فكاك رقابهم إذا عملوا الحسنة فرحوا بها ودأبوا في شكرها ~~وسألوا الله ان يتقبلها وإذا عملوا السيئة أحزنتهم وسألوا الله تعالى أن ~~يغفرها لهم والله ما زالوا ms2535 كذلك وعلى ذلك ووالله ما سلموا من الذنوب ولا ~~نجوا الا بالمغفرة ويحكى أن قوما دخلوا على عمر بن عبد العزيز يعودونه في ~~مرضه واذا فيهم شاب ناحل الجسم فقال عمر له يا فتى ما الذى بلغ بك ما أرى ~~فقال يا أمير المؤمنين اسقام وأمراض فقال سألتك بالله الا صدقتنى فقال يا ~~أمير المؤمنين ذقت حلاوة الدنيا فوجدتها مرة وصغر عندى زهرتها وحلاوتها ~~واستوى عند ذهبها وحجرها وكأنى أنظر إلى عرش ربى والناس يساقون إلى الجنة ~~والنار فأظمأت لذلك نهارى وأسهرت ليلى وقليل حقير كل ما إنا فيه في جنب ~~ثواب الله وعقابه وقال أبو نعيم كان داود الطائى يشرب الفتيت ولا يأكل ~~الخبز فقيل له في ذلك فقال بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية # ودخل رجل عليه يوما فقال ان في سقف بيتك جذعا مكسورا فقال يا ابن أخي ان ~~لى في البيت منذ عشرين سنة ما نظرت الى السقف # وكانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام # وقال محمد بن عبد العزيز جلسنا إلى أحمد بن رزين من غدوة إلى العصر فما ~~التفت يمنه ولا يسرة فقيل له في ذلك فقال إن الله عز وجل خلق العينين لينظر ~~بهما العبد الى عظمة الله تعالى فكل من نظر بغير اعتبار كتبت عليه خطيئة ~~وقالت امرأة مسروق ما كان يوجد مسروق إلا وساقاه منتفختان من طول الصلاة # وقالت والله ان كنت لاجلس خلفه فابكى رحمة له # وقال أبو الدرداء لولا ثلاث ما أحببت العيش يوما واحدا الظمأ لله ~~بالهواجر والسجود لله في جوف الليل ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ~~ينتقى أطايب الثمر وكان الأسود بن يزيد يجتهد في العبادة ويصوم فى الحر حتى ~~يخضر جسده ويصفر فكان علقمة بن قيس يقول له لم تعذب نفسك فيقول كرامتها ~~أريد # وكان يصوم حتى يخضر جسده ويصلى حتى يسقط فدخل عليه أنس بن مالك والحسن ~~فقالا له إن الله عز وجل لم يأمرك بكل هذا فقال إنما أنا عبد ms2536 مملوك لا أدع ~~من الاستكانة شيئا الا جئت به # وكان بعض المجتهدين يصلى كل يوم الف ركعة حتى أقعد من رجليه فكان يصلى ~~جالسا ألف ركعة فإذا صلى العصر احتبى ثم قال عجبت للخليقة كيف أرادت بك ~~بدلا منك عجبت للخليقة كيف أنست بسواك بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها ~~بذكر سواك وكان ثابت البنانى قد حببت إليه الصلاة فكان يقول اللهم ان كنت ~~أذنت لأحد أن يصلى لك في قبره فائذن لي أن أصلى في قبرى # وقال الجنيد ما رأيت أعبد من السرى اتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤى ~~مضطجعا إلا في علة الموت # وقال الحارث بن سعد مر قوم براهب فرأوا ما يصنع بنفسه من شدة اجتهاده ~~فكلموه في ذلك فقال وما هذا عند ما يراد بالخلق من ملاقاة الأهوال وهم ~~غافلون قد اعتكفوا على حظوظ أنفسهم ونسوا حظهم الأكبر من ربهم فبكى القوم ~~عن آخرهم # وعن أبى محمد المغازلى قال جاور أبو محمد الجريرى بمكة سنة فلم ينم ولم ~~يتكلم ولم يستند إلى عمود ولا الى حائط ولم يمد رجليه فعبر عليه أبو بكر ~~الكتانى فسلم عليه وقال له يا أبا محمد بم قدرت على اعتكافك هذا فقال علم ~~صدق باطنى فأعاننى على ظاهرى فاطرق الكتاني ومشى مفكرا وعن بعضهم قال دخلت ~~على فتح الموصلى فرأيته قد مد كفيه PageV04P409 # يبكى حتى رأيت الدموع تنحدر من بين أصابعه فدنوت منه فإذا دموعه قد ~~خالطها صفرة فقلت ولم بالله يا فتح بكيت الدم فقال لولا أنك أحلفتنى بالله ~~ما أخبرتك نعم بكيت دما فقلت له على ماذا بكيت الدموع فقال على تخلفى عن ~~واجب حق الله تعالى وبكيت الدم على الدموع لئلا يكون ما صحت لى الدموع قال ~~فرأيته بعد موته في المنام فقلت ما صنع الله بك قال غفر لى فقلت له فماذا ~~صنع في دموعك فقال قربنى ربى عز وجل وقال لى يا فتح الدمع على ماذا قلت ~~يارب على تخلفى عن واجب حقك فقال والدم ms2537 على ماذا فقلت على دموعى أن لا تصح ~~لى فقال لى يا فتح ما أردت بهذا كله وعزتى وجلالى لقد صعد حافظاك أربعين ~~سنة بصحيفتك ما فيها خطيئة # وقيل إن قوما أرادوا سفرا فحادوا عن الطريق فانتهوا إلى راهب منفرد عن ~~الناس فنادوه فأشرف عليهم من صومعته فقالوا يا راهب إنا قد أخطأنا الطريق ~~فكيف الطريق فأومأ برأسه إلى السماء فعلم القوم ما أراد فقالوا يا راهب إنا ~~سائلوك فهل أنت مجيبنا فقال سلوا ولا تكثروا فإن النهار لن يرجع والعمر لا ~~يعود والطالب حثيث فعجب القوم من كلامه فقالوا يا راهب علام الخلق غدا عند ~~مليكهم فقال على نياتهم فقالوا أوصنا فقال تزودوا على قدر سفركم فإن خير ~~الزاد ما بلغ البغية # ثم أرشدهم إلى الطريق وأدخل رأسه في صومعته # وقال عبد الواحد بن زيد مررت بصومعة راهب من رهبان الصين فناديته يا راهب ~~فلم يجبنى فناديته الثانية فلم يجبنى فناديته الثالثة فأشرف على وقال يا ~~هذا ما أنا براهب إنما الراهب من رهب الله في سمائه وعظمه في كبريائه وصبر ~~على بلائه ورضى بقضائه وحمده على آلائه وشكره على نعمائه وتواضع لعظمته وذل ~~لعزته واستسلم لقدرته وخضع لمهابته وفكر في حسابه وعقابه فنهاره صائم وليله ~~قائم قد أسهره ذكر النار ومسألة الجبار فذلك هو الراهب وأما أنا فكلب عقور ~~حسبت نفسى فى هذه الصومعة عن الناس لئلا أعقرهم فقلت يا راهب فما الذى قطع ~~الخلق عن الله تعالى بعد أن عرفوه فقال يا أخى لم يقطع الخلق عن الله تعالى ~~إلا حب الدنيا وزينتها لأنها محل المعاصى والذنوب والعاقل من رمى بها عن ~~قلبه وتاب إلى الله تعالى من ذنبه وأقبل على ما يقربه من ربه # وقيل لداود الطائى لو سرحت لحيتك فقال إنى إذن لفارغ # وكان أويس القرنى يقول هذه ليلة الركوع فيحيى الليل كله في ركعة وإذا ~~كانت الليلة الآتية قال هذه ليلة السجود فيحيى الليل كله في سجدة # وقيل لما تاب عتبة الغلام كان لا ms2538 يتهنأ بالطعام والشراب فقالت له أمه لو ~~رفقت بنفسك قال الرفق أطلب دعينى أتعب قليلا وأتنعم طويلا وحج مسروق فما ~~نام قط إلا ساجدا وكان سفيان الثورى يقول عند الصباح يحمد القوم السرى وعند ~~الممات يحمد القوم التقى # وقال عبد الله بن داود كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنة طوى فراشه أى كان لا ~~ينام طول الليل # وكان كهمس بن الحسن يصلى كل يوم ألف ركعة ثم يقول لنفسه قومى يا مأوى كل ~~شر فلما ضعف اقتصر على خمسمائة ثم كان يبكى ويقول ذهب نصف عملى # وكانت ابنة الربيع بن خثيم تقول له يا أبت مالى أرى الناس ينامون وأنت لا ~~تنام فيقول يا ابنتاه إن أباك يخاف البيات # ولما رأت أم الربيع ما يلقى الربيع من البكاء والسهر نادته يا بنى لعلك ~~قتلت قتيلا قال نعم يا أماه قالت فمن هو حتى نطلب أهله فيعفو عنك فوالله لو ~~يعلمون ما أنت فيه لرحموك وعفوا عنك فيقول يا أماه هى نفسى # وعن عمر ابن أخت بشر بن الحارث قال سمعت خالى بشر بن الحارث يقول لأمى يا ~~أختى جوفي وخواصرى تضرب على فقالت له أمى يا أخى أتأذن لى حتى أصلح لك قليل ~~حساء بكف دقيق عندى تتحساه يرم جوفك فقال لها ويحك أخاف أن يقول أين لك هذا ~~الدقيق فلا أدرى إيش PageV04P410 # أقول له # فبكت أمى وبكى معهما وبكيت معهم # قال عمر ورأت أمى ما ببشر من شدة الجوع وجعل يتنفس نفسا ضعيفا فقالت له ~~أمى يا أخى ليت أمك لم تلدنى فقد والله تقطعت كبدى مما أرى بك فسمعته يقول ~~لها وأنا فليت أمى لم تلدنى وإذ ولدتنى لم يدر ثديها على # قال عمر وكانت أمى تبكى عليه الليل والنهار # وقال الربيع أتيت أويسا فوجدته جالسا حتى صلى الفجر ثم جلس فجلست فقلت لا ~~أشغله عن التسبيح فمكث مكانه حتى صلى الظهر ثم قام إلى الصلاة حتى صلى ~~العصر ثم جلس موضعه حتى صلى المغرب ثم ثبت مكانه ms2539 حتى صلى العشاء ثم ثبت ~~مكانه حتى صلى الصبح ثم جلس فغلبته عيناه فقال اللهم إني أعوذ بك من عين ~~نوامة ومن بطن لا تشبع فقلت حسبى هذا منه ثم رجعت # ونظر رجل إلى أويس فقال يا أبا عبد الله ما لى أراك كأنك مريض فقال وما ~~لأويس أن لا يكون مريضا يطعم المريض وأويس غير طاعم وينام المريض وأويس غير ~~نائم # وقال أحمد بن حرب يا عجبا لمن يعرف أن الجنة تزين فوقه وأن النار تسعر ~~تحته كيف ينام بينهما وقال رجل من النساك أتيت إبراهيم ابن أدهم فوجدته قد ~~صلى العشاء فقعدت أرقبه فلف نفسه بعباءة ثم رمى بنفسه فلم ينقلب من جنب إلى ~~جنب الليل كله حتى طلع الفجر وأذن المؤذن فوثب إلى الصلاة ولم يحدث وضوءا ~~فحاك ذلك في صدرى فقلت له رحمك الله قد نمت الليل كله مضطجعا ثم لم تجدد ~~الوضوء فقال كنت الليل كله جائلا في رياض الجنة أحيانا وفي أودية النار ~~أحيانا فهل في ذلك نوم # وقال ثابت البنانى أدركت رجالا كان أحدهم يصلى فيعجز عن أن يأتى فراشه ~~إلا حبوا وقيل مكث أبو بكر بن عياش أربعين سنة لا يضع جنبه على فراش ونزل ~~الماء في إحدى عينيه فمكث عشرين سنة لا يعلم به أهله وقيل كان ورد سمنون في ~~كل يوم خمسمائة ركعة # وعن أبى بكر المطوعى قال كان وردى في شبيبتى كل يوم وليلة أقرأ فيه قل هو ~~الله أحد إحدى وثلاثين ألف مرة أو أربعين ألف مرة شك الراوى وكان منصور بن ~~المعتمر إذا رأيته قلت رجل أصيب بمصيبة منكسر الطرف منخفض الصوت رطب ~~العينين إن حركته جاءت عيناه بأربع ولقد قالت له أمه ما هذا الذى تصنع ~~بنفسك تبكى الليل عامته لا تسكت لعلك يا بنى أصبت نفسا لعلك قتلت قتيلا ~~فيقول يا أمه أنا أعلم بما صنعت بنفسى وقيل لعامر ابن عبد الله كيف صبرك ~~على سهر الليل وظمأ الهواجر فقال هل هو إلا أنى صرفت ms2540 طعام النهار إلى الليل ~~ونوم الليل إلى النهار وليس في ذلك خطير أمر وكان يقول ما رأيت مثل الجنة ~~نام طالبها ولا مثل النار نام هاربها وكان إذا جاء الليل قال أذهب حر النار ~~النوم فما ينام حتى يصبح فإذا جاء النهار قال أذهب حر النار النوم فما ينام ~~حتى يمسى فإذا جاء الليل قال من خاف أدلج وعند الصباح يحمد القوم السرى # وقال بعضهم صحبت عامر بن عبد القيس أربعة أشهر فما رأيته نام بليل ولا ~~نهار # ويروى عن رجل من أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال صليت ~~خلف علي رضي الله تعالى عنه الفجر فلما سلم انفتل عن يمينه وعليه كآبة فمكث ~~حتى طلعت الشمس ثم قلب يده وقال والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم وما أرى اليوم شيئا يشبههم كانوا يصبحون شعثا غبرا صفرا قد باتوا لله ~~سجدا وقياما يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم وكانوا إذا ذكروا ~~الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم وكأن ~~القوم باتوا غافلين يعنى من كان حوله وكان أبو مسلم الخولاني قد علق سوطا ~~في مسجد بيته يخوف به نفسه وكان يقول لنفسه قومى فوالله لأزحفن بك زحفا حتى ~~يكون الكلل منك لا منى فإذا دخلت الفترة تناول سوطه وضرب به ساقه ويقول أنت ~~أولى بالضرب من دابتى وكان يقول أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن ~~يستأثروا به دوننا كلا والله لنزاحمهم عليه زحاما PageV04P411 # حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالا # وكان صفوان بن سليم قد تعقدت ساقاه من طول القيام وبلغ من الاجتهاد ما لو ~~قيل له القيامة غدا ما وجد متزايدا # وكان إذا جاء الشتاء اضطجع على السطح ليضر به البرد وإذا كان في الصيف ~~اضطجع داخل البيوت ليجد الحر فلا ينام وانه مات وهو ساجد وانه كان يقول ~~اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي # وقال القاسم بن محمد غدوت يوما وكنت ms2541 إذا غدوت بدأت بعائشة رضي الله عنها ~~أسلم عليها فغدوت يوما إليها فإذا هى تصلى صلاة الضحى وهى تقرأ فمن الله ~~علينا ووقانا عذاب السموم وتبكى وتدعو وتردد الآية فقمت حتى مللت وهى كما ~~هى فلما رأيت ذلك ذهبت إلى السوق فقلت أفرغ من حاجتى ثم أرجع ففرغت من ~~حاجتى ثم رجعت وهى كما هى تردد الآية وتبكى وتدعو # وقال محمد بن إسحاق لما ورد علينا عبد الرحمن ابن الأسود حاجا اعتلت إحدى ~~قدميه فقام يصلى على قدم واحدة حتى صلى الصبح بوضوء العشاء # وقال بعضهم ما أخاف من الموت إلا من حيث يحول بيني وبين قيام الليل # وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه سيما الصالحين صفرة الألوان من السهر ~~وعمش العيون من البكاء وذبول الشفاه من الصوم عليهم غبرة الخاشعين وقيل ~~للحسن ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها فقال لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم ~~نورا من نوره وكان عامر بن عبد القيس يقول إلهى خلقتنى ولم تؤامرنى وتميتنى ~~ولا تعلمنى وخلقت معى عدوا وجعلته يجرى منى مجرى الدم وجعلته يرانى ولا ~~أراه ثم قلت لى استمسك إلهى كيف أستمسك إن لم تمسكنى إلهى في الدنيا الهموم ~~والأحزان وفي الآخرة العقاب والحساب فأين الراحة والفرح وقال جعفر بن محمد ~~كان عتبة الغلام يقطع الليل بثلاث صيحات كان إذا صلى العتمة وضع رأسه بين ~~ركبتيه يتفكر فإذا مضى ثلث الليل صاح صيحة ثم وضع رأسه بين ركبتيه يتفكر ~~فإذا مضى الثلث الثانى صاح صيحة ثم وضع رأسه بين ركبتيه يتفكر فإذا كان ~~السحر صاح صيحة قال جعفر بن محمد فحدثت به بعض البصريين فقال # لا تنظر الى صياحه ولكن انظر إلى ما كان فيه بين الصيحتين حتى صاح وعن ~~القاسم بن راشد الشيبانى قال كان زمعة نازلا عندنا بالمحصب وكان له أهل ~~وبنات وكان يقوم فيصلى ليلا طويلا فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته أيها ~~الركب المعرسون أكل هذا الليل ترقدون أفلا تقومون فترحلون فيتواثبون فيسمع ~~من ههنا باك ومن ms2542 ههنا داع من ههنا قارئ ومن ههنا متوضئ فإذا طلع الفجر نادى ~~بأعلى صوته عند الصباح يحمد القوم السرى # وقال بعض الحكماء إن لله عبادا أنعم عليهم فعرفوه وشرح صدورهم فأطاعوه ~~وتوكلوا عليه فسلموا الخلق والأمر إليه فصارت قلوبهم معادن لصفاء اليقين ~~وبيوتا للحكمة وتوابيت للعظمة وخزائن للقدرة فهم بين الخلق مقبلون ومدبرون ~~وقلوبهم تجول في الملكوت وتلوذ بمحجوب الغيوم ثم ترجع ومعها طوائف من لطائف ~~الفوائد وما لا يمكن واصفا أن يصفه فهم في باطن أمورهم كالديباج حسنا وهم ~~الظاهر مناديل مبذولون لمن أرادهم تواضعا # وهذه طريقة لا يبلغ إليها بالتكلف وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء # وقال بعض الصالحين بينما أنا أسير في بعض جبال بيت المقدس إذ هبطت إلى ~~واد هناك فإذا أنا بصوت قد علا وإذا تلك الجبال تجيبه لها دوى عال فاتبعت ~~الصوت فإذا أنا بروضة عليها شجر ملتف وإذا أنا برجل قائم فيها يردد هذه ~~الآية يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا إلى قوله ويحذركم الله نفسه قال ~~فجلست خلفه أسمع كلامه وهو يردد هذه الآية إذ صاح صيحة خر مغشيا عليه فقلت ~~وا أسفاه هذا لشقائى # ثم انتظرت إفاقته فأفاق بعد ساعة فسمعته وهو يقول أعوذ بك من مقام ~~الكذابين أعوذ بك من أعمال البطالين أعوذ بك من إعراض الغافلين # ثم قال لك خشعت قلوب الخائفين وإليك PageV04P412 # فزعت آمال المقصرين ولعظمتك ذلت قلوب العارفين ثم نفض يده فقال مالى ~~وللدنيا وما للدنيا وما لى عليك يا دنيا بأبناء جنسك وألاف نعيمك إلى محبيك ~~فاذهبى وإياهم فاخدعى ثم قال أين القرون الماضية وأهل الدهور السالفة في ~~التراب يبلون وعلى الزمان يفنون فناديته يا عبد الله أنا منذ اليوم خلفك ~~أنتظر فراغك فقال وكيف يفرغ من يبادر الأوقات وتبادره يخاف سبقها بالموت ~~إلى نفسه أم كيف يفرغ من ذهبت أيامه وبقيت آثامه ثم قال أنت لها ولكل شدة ~~أتوقع نزولها ثم لها عنى ساعة وقرأ وبدا لهم من الله ما لم ms2543 يكونوا يحتسبون ~~ثم صاح صيحة أخرى أشد من الأولى وخر مغشيا عليه فقلت قد خرجت روحه فدنوت ~~منه فإذا هو يضطرب ثم أفاق وهو يقول من أنا ما خطرى هب لى إساءتى من فضلك ~~وجللني بسترك واعف عن ذنوبى بكرم وجهك إذا وقفت بين يديك فقلت له بالذى ~~ترجوه لنفسك وتثق به إلا كلمتنى فقال عليك بكلام من ينفعك كلامه ودع كلام ~~من أو بقته ذنوبه إنى لفى هذا الموضع مذ شاء الله أجاهد إبليس ويجاهدنى فلم ~~يجد عونا على ليخرجنى مما أنا فيه غيرك فإليك عنى يا مخدوع فقد عطلت على ~~لسانى وميلت إلى حديثك شعبة من قلبى وأنا أعوذ بالله من شرك ثم أرجو أن ~~يعيذنى من سخطه ويتفضل على برحمته قال فقلت هذا ولى الله أخاف أن أشغله ~~فأعاقب فى موضعى هذا فانصرفت وتركته # وقال بعض الصالحين بينما أنا أسير في مسير لى إذ ملت إلى شجرة لأستريح ~~تحتها فإذا أنا بشيخ قد أشرف على فقال لى يا هذا قم فإن الموت لم يمت ثم ~~هام على وجه فاتبعته فسمعته وهو يقول كل نفس ذائقة الموت اللهم بارك لى في ~~الموت فقلت وفيما بعد الموت فقال من أيقن بما بعد الموت شمر مئزر الحذر ولم ~~يكن له في الدنيا مستقر ثم قال يا من لوجهه عنت الوجوه بيض وجهى بالنظر ~~إليك واملأ قلبى من المحبة لك وأجرنى من ذلك التوبيخ غدا عندك فقد آن لى ~~الحياء منك وحان لى الرجوع عن الإعراض عنك قم قال لولا حلمك لم يسعنى أجلى ~~ولولا عفوك لم ينبسط فيما عندك أملى ثم مضى وتركنى # وقد أنشدوا في هذا المعنى # نحيل الجسم مكتئب الفؤاد ... تراه بقمة أو بطن وادى # ينوح على معاص فاضحات ... يكدر ثقلها صفو الرقاد # فإن هاجت مخاوفه وزادت ... فدعوته أغثنى يا عمادى # فأنت بما ألاقيه عليم # كثير الصفح عن زلل العباد وقيل أيضا # ألذ من التلذذ بالغوانى ... إذا أقبلن في حلل حسان # منيب فر من أهل ومال ... يسيح إلى ms2544 مكان من مكان # ليخمل ذكره ويعيش فردا ... ويظهر في العبادة بالأمانى # تلذذه التلاوة أين ولى ... وذكر بالفؤاد وباللسان # وعند الموت يأتيه بشير ... يبشر بالنجاة من الهوان # فيدرك ما أراد وما تمنى ... من الراحات في غرف الجنان # وكان كرز بن وبرة يختم القرآن في كل يوم ثلاث مرات ويجاهد نفسه في ~~العبادات غاية المجاهدة فقيل له قد أجهدت نفسك فقال كم عمر الدنيا فقيل ~~سبعة آلاف سنة فقال كم مقدار يوم القيامة فقيل خمسون ألف سنة فقال كيف يعجز ~~أحدكم أن يعمل سبع يوم حتى يأمن ذلك اليوم يعنى أنك لو عشت عمر الدنيا ~~واجتهدت PageV04P413 # سبعة آلاف سنة وتخلصت من يوم واحد كان مقداره خمسين ألف سنة لكان ربحك ~~كثيرا وكنت بالرغبة فيه جديرا فكيف وعمرك قصير والآخرة لا غاية لها فهكذا ~~كانت سيرة السلف الصالحين في مرابطة النفس ومراقبتها # فمهما تمردت نفسك عليك وامتنعت من المواظبة على العبادة فطالع أحوال ~~هؤلاء فإنه قد عز الآن وجود مثلهم ولو قدرت على مشاهدة من اقتدى بهم فهو ~~أنجع في القلب وأبعث على الاقتداء فليس الخبر كالمعاينة وإذا عجزت عن هذا ~~فلا تغفل عن سماع أحوال هؤلاء فإن لم تكن إبل فمعزى وخير نفسك بين الاقتداء ~~بهم والكون في زمرتهم وغمارهم وهم العقلاء والحكماء وذوو البصائر في الدين ~~وبين الاقتداء بالجهلة الغافلين من أهل عصرك ولا ترض لها أن تنخرط في سلك ~~الحمقى وتقنع بالتشبه بالأغبياء وتؤثر مخالفة العقلاء # فإن حدثتك نفسك بأن هؤلاء رجال أقوياء لا يطاق الاقتداء بهم فطالع أحوال ~~النساء المجتهدات وقل لها يا نفس لا تستنكفى أن تكونى أقل من امرأة فأخسس ~~برجل يقصر عن امرأة في أمر دينها ودنياها ولنذكر الآن نبذة من أحوال ~~المجتهدات فقد روى عن حبيبة العدوية أنها كانت إذا صلت العتمة قامت على سطح ~~لها وشدت عليها درعها وخمارها ثم قالت إلهى قد غارت النجوم ونامت العيون ~~وغلقت الملوك أبوابها وخلا كل حبيب بحبيبه وهذا مقامى بين يديك ثم تقبل على ~~صلاتها فإذا طلع ms2545 الفجر قالت إلهى هذا الليل قد أدبر وهذا النهار قد أسفر ~~فليت شعرى أقبلت منى ليلتى فأهنا أم رددتها على فأعزى وعزتك لهذا دأبى ~~ودأبك ما أبقيتنى وعزتك لو انتهرتنى عن بابك ما برحت لما وقع في نفسى من ~~جودك وكرمك # ويروى عن عجزة أنها كانت تحيى الليل وكانت مكفوفة البصر فإذا كان في ~~السحر نادت بصوت لها محزون إليك قطع العابدون دجى الليالى يستبقون إلى ~~رحمتك وفضل مغفرتك فبك يا إلهى أسألك لا بغيرك أن تجعلنى في أول زمرة ~~السابقين وأن ترفعنى لديك في عليين في درجة المقربين وان تلحقنى بعبادك ~~الصالحين فأنت أرحم الرحماء وأعظم العظماء وأكرم الكرماء يا كريم ثم تخر ~~ساجدة فيسمع لها وجبة ثم لا تزال تدعو وتبكى إلى الفجر # وقال يحيى بن بسطام كنت أشهد مجلس شعوانة فكنت أرى ما تصنع من النياحة ~~والبكاء فقلت لصاحب لى لو أتيناها إذا خلت فأمرناها بالرفق بنفسها فقال أنت ~~وذاك قال فأتينا فقلت لها لو رفقت بنفسك وأقصرت عن هذا البكاء شيئا فكان لك ~~أقوى على ما تريدين قال فبكت ثم قالت والله لوددت أنى أبكى حتى تنفد دموعى ~~ثم أبكى دما حتى لا تبقى قطرة من دم في جارحة من جوارحى وأنى لى بالبكاء ~~وأنى لى بالبكاء # فلم تزل تردد وأنى لى بالبكاء حتى غشى عليها # وقال محمد بن معاذ حدثتنى امرأة من المتعبدات قالت رأيت في منامى كأنى ~~أدخلت الجنة فإذا أهل الجنة قيام على أبوابهم فقلت ما شأن أهل الجنة قيام ~~فقال لى قائل خرجوا ينظرون إلى هذه المرأة التى زخرفت الجنان لقدومها فقلت ~~ومن هذه المرأة فقيل أمة سوداء من أهل الأيكة يقال لها شعوانة # قالت فقلت أختى والله قالت فبينما أنا كذلك إذ أقبل بها على نجيبة تطير ~~بها في الهواء فلما رأيتها ناديت يا أختى أما ترين مكانى من مكانك فلو دعوت ~~لى مولاك فألحقنى بك قالت فتبسمت إلى وقالت لم يأن لقدومك ولكن احفظى عنى ~~اثنتين ألزمى الحزن قلبك وقدمى ms2546 محبة الله على هواك ولا يضرك متى مت وقال ~~عبد الله بن الحسن كانت لى جارية رومية وكنت بها معجبا فكانت في بعض ~~الليالى نائمة إلى جنبى فانتبهت فالتمستها فلم أجدها فقمت أطلبها فإذا هى ~~ساجدة وهي تقول بحبك لي الا ما غفرت لي ذنوبي فقلت لها لا تقولي بحبك لي ~~ولكن قولي بحبى لك فقالت يا مولاي بحبه لي أخرجني من الشرك إلى الاسلام ~~وبحبه لي أيقظ عيني وكثير من خلقه نيام وقال أبو هاشم القرشي قدمت علينا ~~امرأة من أهل اليمن يقال لها سرية فنزلت في بعض PageV04P414 # ديارنا قال فكنت أسمع لها من الليل أنينا وشهيقا فقلت يوما لخادم لي أشرف ~~على هذه المرأة ماذا تصنع قال فأشرف عليها فما رآها تصنع شيئيا غير أنها لا ~~ترد طرفها عن السماء وهي مستقبلة القبلة تقول خلقت سرية ثم غذيتها بنعمتك ~~من حال إلى حال وكل أحوالك لها حسنة وكل بلائك عندها جميل وهي مع ذلك ~~متعرضة لسخطك بالتوثب على معاصيك فلتة بعد فلتة أتراها تظن أنك لا ترى ~~فعالها وأنت عليم خبير وأنت على كل شيء قدير وقال ذو النون المصري خرجت ~~ليلة من وادي كنعان فلما علوت الوادي إذا سواد مقبل على وهو يقول وبدا لهم ~~من الله ما لم يكونوا يحتسبون ويبكي فلما قرب مني السواد اذا هي امرأة ~~عليها جبة صوف وبيدها ركوة فقالت لي من أنت غير فزعة مني فقلت رجل غريب ~~فقالت يا هذا وهل يوجد مع الله غربة قال فبكيت لقولها فقالت ما الذي أبكاك ~~فقلت قد وقع الدواء على داء قد قرح فأسرع في نجاحه قالت فإن كنت صادقا فلم ~~بكيت قلت يرحمك الله والصادق لا يبكي قالت لا قلت ولم ذاك قالت لأن البكاء ~~راحة القلب فسكت متعجبا من قولها # وقال أحمد بن علي استأذنا على عفيرة فحجبتنا فلازمنا الباب فلما علمت ذلك ~~قامت لتفتح الباب لنا فسمعتها وهي تقول اللهم إني أعوذ بك ممن جاء يشغلني ~~عن ذكرك ثم فتحت ms2547 الباب ودخلنا عليها فقلنا لها يا أمة الله ادعي لنا فقالت ~~جعل الله قراءكم في بيتى المغفرة ثم قالت لنا مكث عطاء السلمي أربعين سنة ~~فكان لا ينظر إلى السماء فحانت منه نظرة فخر مغشيا عليه فأصابه فتق في بطنه ~~فيا ليت عفيرة إذا رفعت رأسها لم تعص وياليتها إذا عصت لم تعد وقال بعض ~~الصالحين خرجت يوما إلى السوق ومعى جارية حبشية فاحتبستها في موضع بناحية ~~السوق وذهبت في بعض حوائجى وقلت لا تبرحى حتى أنصرف إليك قال فانصرفت فلم ~~أجدها في الموضع فانصرفت إلى منزلى وأنا شديد الغضب عليها فلما رأتنى عرفت ~~الغضب في وجهى فقالت يا مولاى لا تعجل على إنك أجلستنى في موضع لم أر فيه ~~ذاكرا لله تعالى فخفت أن يخسف بذلك الموضع فعجبت لقولها وقلت لها أنت حرة # فقالت ما صنعت كنت أخدمك فيكون لى أجران وأما الآن فقد ذهب عنى أحدهما # وقال ابن العلاء السعدى كانت لى ابنة عم يقال لها بريرة تعبدت وكانت ~~كثيرة القراءة في المصحف فكلما أتت على آية فيها ذكر النار بكت فلم تزل ~~تبكى حتى ذهبت عيناها من البكاء فقال بنو عمها انطلقوا بنا إلى هذه المرأة ~~حتى نعدلها في كثرة البكاء قال فدخلنا عليها فقلنا يا بريرة كيف أصبحت قالت ~~أصبحنا أضيافا منيخين بأرض غربة ننتظر متى ندعى فنجيب فقلنا لها ما هذا ~~البكاء قد ذهبت عيناك منه فقالت إن يكن لعينى عند الله خير فما يضرهما ما ~~ذهب منهما في الدنيا وإن كان لهما عند الله شر فسيزيدهما بكاء أطول من هذا ~~ثم أعرضت # قال فقال القوم قوموا بنا فهى والله في شىء غير ما نحن فيه وكانت معاذة ~~العدوية إذا جاء النهار تقول هذا يومى الذى أموت فيه فما تطعم حتى تمسى ~~فإذا جاء الليل تقول هذه الليلة التى أموت فيها فتصلى حتى تصبح وقال أبو ~~سليمان الداراني بت ليلة عند رابعة فقامت إلى محراب لها وقمت أنا إلى ناحية ~~من البيت فلم تزل قائمة ms2548 إلى السحر فلما كان السحر قلت ما جزاء من قوانا على ~~قيام هذه الليلة قالت جزاؤه أن تصوم له غدا وكانت شعوانة تقول في دعائها ~~إلهى ما أشوقنى إلى لقائك وأعظم رجائى لجزائك وأنت الكريم الذى لا يخيب ~~لديك أمل الآملين ولا يبطل عندك شوق المشتاقين إلهى إن كان دنا أجلى ولم ~~يقربنى منك عمل فقد جعلت الاعتراف بالذنب وسائل عللى فإن عفوت فمن أولى منك ~~بذلك وإن عذبت فمن أعدل منك هنالك إلهى قد جرت على نفسى في النظر لها وبقى ~~لها حسن نظرك فالويل لها إن لم تسعدها إلهى إنك لم تزل بى برا أيام حياتى ~~فلا تقطع عنى برك بعد مماتى PageV04P415 # ولقد رجوت ممن تولانى في حياتى بإحسانه أن يسعفنى عند مماتى بغفرانه إلهى ~~كيف أيأس من حسن نظرك بعد مماتى ولم تولنى إلا الجميل في حياتى إلهى إن ~~كانت ذنوبى قد أخافتنى فإن محبتى لك قد أجارتنى فتول من أمرى ما أنت أهله ~~وعد بفضلك على من غره جهله إلهى لو أردت إهانتى لما هديتنى ولو أردت فضيحتى ~~لم تسترنى فمتعنى بما له هديتنى وأدم لى ما به سترتنى إلهى ما أظنك تردنى ~~في حاجة أفنيت فيها عمرى إلهى لولا ما قارفت من الذنوب ما خفت عقابك ولولا ~~ما عرفت من كرمك ما رجوت ثوابك وقال الخواص دخلنا على رحلة العابدة وكانت ~~قد صامت حتى اسودت وبكت حتى عميت وصلت حتى أقعدت وكانت تصلى قاعدة فسلمنا ~~عليها ثم ذكرناها شيئا من العفو ليهون عليها الأمر قال فشهقت ثم قالت علمى ~~بنفسى قرح فؤادى وكلم كبدى والله لوددت أن الله لم يخلقنى ولم أك شيئا ~~مذكورا ثم أقبلت على صلاتها # فعليك إن كنت من المرابطين المراقبين لنفسك أن تطالع أحوال الرجال ~~والنساء من المجتهدين لينبعث نشاطك ويزيد حرصك وإياك أن تنظر إلى أهل عصرك ~~فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك على سبيل الله # وحكايات المجتهدين غير محصورة وفيما ذكرناه كفاية للمعتبر # وإن أردت مزيدا فعليك ms2549 بالمواظبة على مطالعة كتاب حلية الأولياء فهو مشتمل ~~على شرح أحوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم وبالوقوف عليه يستبين لك بعدك ~~وبعد أهل عصرك من أهل الدين # فإن حدثتك نفسك بالنظر إلى أهل زمانك وقالت إنما تيسر الخير في ذلك ~~الزمانلكثرة الأعوان والآن فإن خالفت أهل زمانك رأوك مجنونا وسخروا بك ~~فوافقهم فيما هم فيه وعليه فلا يجرى عليك إلا ما يجرى عليهم والمصيبة إذا ~~عمت طابت فإياك أن تتدلى بحبل غرورها وتنخدع بتزويرها وقل لها أرأيت لو هجم ~~سيل جارف يغرق أهل البلد وثبتوا على مواضعهم ولم يأخذوا حذرهم لجهلهم ~~بحقيقة الحال وقدرت أنت على أن تفارقيهم وتركبى في سفينة تتخلصين بها من ~~الغرق فهل يختلج في نفسك أن المصيبة إذا عمت طابت أم تتركين موافقتهم ~~وتستجهلينهم في صنيعهم وتأخذين حذرك مما دهاك فإذا كنت تتركين موافقتهم ~~خوفا من الغرق وعذاب الغرق لا يتمادى إلا ساعة فكيف لا تهربين من عذاب ~~الأبد وأنت متعرضة له في كل حال ومن أين تطيب المصيبة إذا عمت ولأهل النار ~~شغل شاغل عن الالتفات إلى العموم والخصوص ولم يهلك الكفار إلا بموافقة أهل ~~زمانهم حيث قالو إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون فعليك ~~إذا اشتغلت بمعاتبة نفسك وحملها على الاجتهاد فاستعصت أن لا تترك معاتبتها ~~وتوبيخها وتعريفها سوء نظرها لنفسها فعساها تنزجر عن طغيانها ### ||| المرابطة السادسة في توبيخ النفس ومعاتبتها # اعلم أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك وقد خلقت أمارة بالسوء ميالة إلى ~~الشر فرارة من الخير وأمرت بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل القهر إلى ~~عبادة ربها وخالقها ومنعها عن شهواتها وفطامها عن لذاتها فإن أهملتها جمحت ~~وشردت ولم تظفر بها بعد ذلك وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة والعذل ~~والملامة كانت نفسك هى النفس اللوامة التى أقسم الله بها ورجوت أن تصير ~~النفس المطمئنة المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد الله راضية مرضية قال ~~تغفلن ساعة عن تذكيرها ومعاتبتها ولا تشتغلن بوعظ غيرك ما لم تشتغل أولا ~~بوعظ نفسك أوحى الله ms2550 تعالى إلى عيسى عليه السلام يا ابن مريم عظ نفسك فإن ~~اتعظت فعظ الناس إلا فاستحى منى وقال تعالى وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ~~وسبيلك أن تقبل عليها فتقرر عندها جهلها وغباوتها وأنها أبدا تتعزر بفطنتها ~~وهدايتها ويشتد أنفها واستنكافها إذا نسبت إلى الحمق فتقول لها يا نفس ما ~~أعظم جهلك تدعين الحكمة PageV04P416 # والذكاء والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وحمقا أما تعرفين ما بين يديك من ~~الجنة والنار وأنك صائرة إلى إحداهما على القرب فما لك تفرحين وتضحكين ~~وتشتغلين باللهو وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم وعساك اليوم تختطفين أو غدا ~~فأراك ترين الموت بعيدا ويراه الله قريبا أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب ~~وأن البعيد ما ليس بآت أما تعلمين أن الموت يأتى بغتة من غير تقديم رسول ~~ومن غير مواعدة ومواطأة وأنه لا يأتى في شيء دون شيء ولا في شتاء دون صيف ~~ولا في صيف دون شتاء ولا في نهار دون ليل ولا في ليل دون نهار ولا يأتى في ~~الصبا دون الشباب ولا في الشباب دون الصبا بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن ~~يكون فيه الموت فجأة فإن لم يكن الموت فجأة فيكون المرض فجأة ثم يفضى إلى ~~الموت فما لك لا تستعدين للموت وهو أقرب إليك من كل قريب أما تتدبرين قوله ~~تعالى اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم ويحك يا نفس إن كانت جراءتك على ~~معصية الله لاعتقادك أن الله لا يراك فما أعظم كفرك وإن كان مع علمك ~~باطلاعه عليك فما أشد وقاحتك وأقل حياءك ويحك يا نفس لو واجهك عبد من عبيدك ~~بل أخ من إخوانك بما تكرهينه كيف كان غضبك عليه ومقتك له فبأي جسارة ~~تتعرضين لمقت الله وغضبه وشديد عقابه أفتظنين أنك تطيقين عذابه هيهات هيهات ~~جربي نفسك إن ألهاك البطر عن أليم عذابه فاحتبسي ساعة في الشمس أو في بيت ~~الحمام أو قربي ms2551 أصبعك من النار ليتبين قدر طاقتك أمتغترين بكرم الله وفضله ~~واستغنائه عن طاعتك وعبادتك فما لك لا تعولين على كرم الله تعالى في مهمات ~~دنياك فإذا قصدك عدو فلم تستنبطين الحيل في دفعه ولا تكلينه إلى كرم الله ~~تعالى وإذا أرهقتك حاجة إلى شهوة من شهوات الدنيا مما لا ينقضي إلا ~~بالدينار والدرهم فما لك تنزعين الروح في طلبها وتحصيلها من وجوه الحيل فلا ~~تعولين على كرم الله تعالى حتى يعثر بك على كنز أو يسخر عبدا من عبيده ~~فيحمل إليك حاجتك من غير سعي منك ولا طلب أفتحسبين أن الله كريم في الآخرة ~~دون الدنيا وقد عرفت أن سنة الله لا تبديل لها وأن رب الآخرة والدنيا واحد ~~وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # ويحك يا نفس ما أعجب نفاقك ودواعيك الباطلة فإنك تدعين الإيمان بلسانك ~~وأثر النفاق ظاهر عليك ألم يقل لك سيدك ومولاك وما من دابة في الأرض إلا ~~على الله رزقها وقال في أمر الآخرة وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فقد تكفل لك ~~بأمر الدنيا خاصة وصرفك عن السعى فيها فكذبته بأفعالك وأصبحت تتكالبين على ~~طلبها تكالب المدهوش المستهتر ووكل أمر الآخرة إلى سعيك فأعرضت عنها إعراض ~~المغرور المستحقر ما هذا من علامات الإيمان لو كان الإيمان باللسان فلم كان ~~المنافقون في الدرك الأسفل من النار ويحك يا نفس كأنك لا تؤمنين بيوم ~~الحساب وتظنين أنك إذا مت انفلت وتخلصت وهيهات أتحسبين أنك تتركين سدى ألم ~~تكونى نطفة من مني يمنى ثم كنت علقة فخلق فسوى أليس ذلك بقادر على أن يحيى ~~الموتى فإن كان هذا من إضمارك فما أكفرك وأجهلك أما تتفكرين أنه مماذا خلقك ~~من نطفة خلقك فقدرك ثم السبيل يسرك ثم أماتك فأقبرك أفتكذبينه في قوله # ثم إذا شاء أنشرك فإن لم تكونى مكذبة فما لك لا تأخذين حذرك ولو أن ~~يهوديا أخبرك في ألذ أطعمتك بأنه يضرك في مرضك لصبرت عنه وتركته وجاهدت ~~نفسك فيه أفكان قول الأنبياء المؤيدين بالمعجزات وقول ms2552 الله تعالى في كتبه ~~المنزلة أقل عندك تأثيرا من قول يهودى يخبرك عن حدس وتخمين وظن مع نقصان ~~عقل وقصور علم والعجب أنه لو أخبرك طفل بأن في ثوبك عقربا لرميت ثوبك في ~~الحال من غير مطالبة له بدليل وبرهان أفكان قول الأنبياء والعلماء والحكماء ~~وكافة PageV04P417 # الأولياء أقل عندك من قول صبى من جملة الأغبياء أم صار حر جهنم وأغلالها ~~وأنكالها وزقومها ومقامعها وصديدها وسمومها وأفاعيها وعقاربها أحقر عندك من ~~عقرب لا تحسين بألمها إلا يوما أو أقل منه ما هذه أفعال العقلاء بل لو ~~انكشف للبهائم حالك لضحكوا منك وسخروا من عقلك فإن كنت يا نفس قد عرفت جميع ~~ذلك وآمنت به فما لك تسوفين العمل والموت لك بالمرصاد ولعله يختطفك من غير ~~مهلة فبماذا أمنت استعجال الأجل وهبك أنك وعدت بالإمهال مائة سنة أفتظنين ~~أن من يطعم الدابة في حضيض العقبة يفلح ويقدر على قطع العقبة بها إن ظننت ~~ذلك فما أعظم جهلك أرأيت لو سافر رجل ليتفقه في الغربة فأقام فيها سنين ~~متعطلا بطالا يعد نفسه بالتفقه فى السنة الأخيرة عند رجوعه إلى وطنه هل كنت ~~تضحكين من عقله وظنه أن تفقيه النفس مما يطمع فيه بمدة قريبة أو حسبانه أن ~~مناصب الفقهاء تنال من غير تفقه اعتمادا على كرم الله سبحانه وتعالى ثم هبى ~~أن الجهد في آخر العمر نافع وأنه موصل إلى الدرجات العلا فلعل اليوم آخر ~~عمرك فلم تشتغلين فيه بذلك فإن أوحى إليك بالإمهال فما المانع من المبادرة ~~وما الباعث لك على التسويف هل له سبب إلا عجزك عن مخالفة شهواتك لما فيها ~~من التعب والمشقة أفتنتظرين يوما يأتيك لا تعسر فيه مخالفة الشهوات هذا يوم ~~لم يخلقه الله قط ولا يخلقه فلا تكون الجنة قط إلا محفوفة بالمكاره ولا ~~تكون المكاره قط خفيفة على النفوس وهذا محال وجوده أما تتأملين مذ كم تعدين ~~نفسك وتقولين غدا غدا فقد جاء الغد وصار يوما فكيف وجدته أما علمت أن الغد ~~الذى جاء وصار يوما ms2553 كان له حكم الأمس لا بل الذى تعجزين عنه اليوم فأنت غدا ~~عنه أعجز وأعجز لأن الشهوة كالشجرة الراسخة التى تعبد العبد بقلعها فإذا ~~عجز العبد عن قلعها للضعف وأخرها كان كمن عجز عن قلع شجرة وهو شاب قوى ~~فأخرها إلى سنة أخرى مع العلم بأن طول المدة يزيد الشجرة قوة ورسوخا ويزيد ~~القالع ضعفا ووهنا فما لا يقدر عليه في الشباب لا يقدر عليه قط فى المشيب ~~بل من العناء رياضة الهرم ومن التعذيب تهذيب الذيب # والقضيب الرطب يقبل الانحناء فإذا جف وطال عليه الزمان لم يقبل ذلك فإذا ~~كنت أيتها النفس لا تفهمين هذه الأمور الجلية وتركنين إلى التسويف فما بالك ~~تدعين الحكمة وأية حماقة تزيد على هذه الحماقة # ولعلك تقولين ما يمنعنى عن الاستقامة إلا حرصى على لذة الشهوات وقلة صبرى ~~على الآلام والمشقات فما أشد غباوتك وأقبح اعتذارك إن كنت صادقة في ذلك ~~فاطلبى التنعم بالشهوات الصافية عن الكدورات الدائمة أبد الآباد ولا مطمع ~~في ذلك إلا في الجنة فإن كنت ناظرة لشهوتك فالنظر لها في مخالفتها قرب أكلة ~~تمنع أكلات # وما قولك في عقل مريض أشار عليه الطبيب بترك الماء البارد ثلاثة أيام ~~ليصح ويهنأ بشربة طول عمره وأخبره أنه إن شرب ذلك مرض مرضا مزمنا وامتنع ~~عليه شربه طول العمر فما مقتضى العقل في قضاء حق الشهوة أيصبر ثلاثة أيام ~~ليتنعم طول العمر أم يقضى شهوته في الحال خوفا من ألم المخالفة ثلاثة أيام ~~حتى يلزمه ألم المخالفة ثلثمائة يوم وثلاثة آلاف يوم وجميع عمرك بالإضافة ~~إلى الأبد الذى هو مدة نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار أقل من ثلاثة أيام ~~بالإضافة إلى جميع العمر وإن طالت مدته # وليت شعرى ألم الصبر عن الشهوات أعظم شدة وأطول مدة أو ألم النار في ~~دركات جهنم فمن لا يطيق الصبر على ألم المجاهدة كيف يطيق ألم عذاب الله ما ~~أراك تتوانين عن النظر لنفسك إلا لكفر خفى أو لحمق جلى # أما الكفر الخفى فهو ضعف إيمانك ms2554 بيوم الحساب وقلة معرفتك بعظم قدر الثواب ~~والعقاب # وأما الحمق الجلى فاعتمادك على كرم الله تعالى وعفوه من غير التفات إلى ~~مكره واستدراجه واستغنائه عن عبادتك مع أنك لا تعتمدين على كرمه في لقمة من ~~الخبز أو حبة من المال أو كلمة واحدة تسمعينها PageV04P418 # من الخلق بل تتوصلين إلى غرضك في ذلك بجميع الحيل وبهذا الجهل تستحقين ~~لقب الحماقة من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال الكيس من دان نفسه ~~وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسههواها وتمنى على الله الأماني # ويحك يا نفس لا ينبغى أن تغرك الحياة الدنيا ولا يغرنك بالله الغرور ~~فانظرى لنفسك فما أمرك بمهم لغيرك ولا تضيعى أوقاتك فالأنفاس معدودة فإذا ~~مضى منك نفس فقد ذهب بعضك فاغتنمى الصحة قبل السقم والفراغ قبل الشغل ~~والغنى قبل الفقر والشباب قبل الهرم والحياة قبل الموت واستعدي للآخرة على ~~قدر بقائك فيها يا نفس أما تستعدين للشتاء بقدر طول مدته فتجمعين له القوت ~~والكسوة والحطب وجميع الأسباب ولا تتكلين في ذلك على فضل الله وكرمه حتى ~~يدفع عنك البرد من غير جبة ولبد وحطب وغير ذلك فإنه قادر على ذلك أفتظنين ~~أيتها النفس أن زمهرير جهنم أخف بردا وأقصر مدة من زمهرير الشتاء أم تظنين ~~أن ذلك دون هذا كلا أن يكون هذا كذلك أو أن يكون بينهما مناسبة في الشدة ~~والبرودة أفتظنين أن العبد ينجو منها يغير سعي هيهات كما لا يندفع برد ~~الشتاء إلا بالجبة والنار وسائر الأسباب فلا يندفع حر النار وبردها إلا ~~بحصن التوحيد وخندق الطاعات وإنما كرم الله تعالى في أن عرفك طريق التحصن ~~ويسر لك أسبابه لا فى أن يندفع عنك العذاب دون حصنه كما أن كرم الله تعالى ~~فى دفع برد الشتاء أن خلق النار وهداك لطريق استخراجها من بين حديدة وحجر ~~حتى تدفعى بها برد الشتاء عن نفسك وكما ان شراه الحطب والجبة مما يستغنى ~~عنه خالقك ومولاك وإنما تشترينه لنفسك إذ خلقه سببا لاستراحتك فطاعاتك ~~ومجاهداتك ms2555 أيضا هو مستغن عنها وإنما هى طريقك إلى نجاتك فمن أحسن فلنفسه ~~ومن أساء فعليها والله غنى عن العالمين # ويحك يا نفس انزعى عن جهلك وقيسى آخرتك بدنياك فما خلقكم ولا بعثكم إلا ~~كنفس واحدة وكما بدأنا أول خلق نعيده وكما بدأكم تعودون وسنة الله تعالى لا ~~تجدين لها تبديلا ولا تحويلا ويحك يا نفس ما أراك إلا ألفت الدنيا وأنست ~~بها فعسر عليك مفارقتها وأنت مقبلة على مقاربتها وتؤكدين في نفسك مودتها ~~فاحسن أنك غافلة عن عقاب الله وثوابه وعن أهوال القيامة وأحوالها فما أنت ~~مؤمنة بالموت المفرق بينك وبين محابك أفترين أن من يدخل دار ملك ليخرج من ~~الجانب الآخر فمد بصره إلى وجه مليح يعلم أنه يستغرق ذلك قلبه ثم يضطر لا ~~محالة إلى مفارقته أهو معدود من العقلاء أم من الحمقى أما تعلمين أن الدنيا ~~دار لملك الملوك ومالك فيها إلا مجاز وكل ما فيها لا يصحب المجتازين بها ~~بعد الموت ولذلك قال سيد البشر صلى الله عليه وسلم إن روح القدس نفث في ~~روعي أحبب من أحببت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزى به وعش ما شئت فإنك ~~ميت (1) ويحك يا نفس أتعلمين أن كل من يلتفت إلى ملاذ الدنيا ويأنس بها مع ~~أن الموت من ورائه فإنما يستكثر من الحسرة عند المفارقة وإنما يتزود من ~~السم المهلك وهو لا يدرى أو ما تنظرين إلى الذين مضوا كيف بنوا وعلوا ثم ~~ذهبوا وخلوا وكيف أورث الله أرضهم وديارهم أعداءهم أما ترينهم كيف يجمعون ~~ما لا يأكلون ويبنون ما لا يسكنون ويؤملون ما لا يدركون يبنى كل واحد قصرا ~~مرفوعا إلى جهة السماء ومقره قبر محفور تحت الأرض فهل في الدنيا حمق ~~وانتكاس أعظم من هذا يعمر الواحد دنياه وهو مرتحل عنها يقينا ويخرب آخرته ~~وهو صائر إليها قطعا # أما تستحيين يا نفس من مساعدة هؤلاء الحمقى على حماقتهم واحسبى أنك لست ~~ذات بصيرة تهتدى إلى هذه الأمور وإنما تميلين بالطبع إلى التشبه والاقتداء ~~فقيسى ms2556 عقل الأنبياء والعلماء PageV04P419 # والحكماء بعقل هؤلاء المنكبين على الدنيا واقتدى من الفريقين بمن هو أعقل ~~عندك إن كنت تعتقدين في نفسك العقل والذكاء # يا نفس ما أعجب أمرك وأشد جهلك وأظهر طغيانك عجبا لك كيف تعمين عن هذه ~~الأمور الواضحة الجليلة ولعلك يا نفس أسكرك حب الجاه وأدهشك عن فهمها أو ما ~~تتفكرين أن الجاه لا معنى له إلا ميل القلوب من بعض الناس إليك فاحسبى أن ~~كل من على وجه الأرض سجد لك وأطاعك أفما تعرفين أنه بعد خمسين سنة لا تبقين ~~انت ولا أحد ممن على وجه الأرض ممن عبدك وسجد لك وسيأتى زمان لا يبقى ذكرك ~~ولا ذكر من ذكرك كما أتى على الملوك الذين كانوا من قبلك فهل تحس منهم من ~~أحد أو تسمع لهم ركزا فكيف تبيعين يا نفس ما يبقى أبد الآباد بما لا يبقى ~~أكثر من خمسين سنة إن بقى هذا إن كنت ملكا من ملوك الأرض سلم لك الشرق ~~والغرب حتى أذعنت لك الرقاب وانتظمت لك الأسباب كيف ويأبى إدبارك وشقاوتك ~~أن يسلم لك أمر محلتك بل أمر دارك فضلا عن محلتك فإن كنت يا نفس لا تتركين ~~الدنيا رغبة في الآخرة لجهلك وعمى بصيرتك فما لك لا تتركينها ترفعا عن خسة ~~شركائها وتنزها عن كثرة عنائها وتوقيا من سرعة فنائها أم ما لك لا تزهدين ~~في قليلها بعد أن زهد فيك كثيرها وما لك تفرحين بدنيا إن ساعدتك فلا تخلو ~~بلدك من جماعة من اليهود والمجوس يسبقونك بها ويزيدون عليك في نعيمها ~~وزينتها فأف لدنيا يسبقك بها هؤلاء الأخساء فما أجهلك وأخس همتك وأسقط رأيك ~~إذ رغبت عن ان تكونى في زمرة المقربين من النبيين والصديقين في جوار رب ~~العالمين أبد الآبدين لتكونى في صف النعال من جملة الحمقى الجاهلين أياما ~~قلائل فيا حسرة عليك إن خسرت الدنيا والدين فبادرى ويحك يا نفس فقد أشرفت ~~على الهلاك واقترب الموت وورد النذير فمن ذا يصلى عنك بعد الموت ومن ذا ~~يصوم عنك ms2557 بعد الموت ومن ذا يترضى عنك ربك بعد الموت # ويحك يا نفس مالك إلا أيام معدودة هى بضاعتك إن اتجرت فيها وقد ضيعت ~~أكثرها فلو بكيت بقية عمرك على ما ضيعت منها لكنت مقصرة في حق نفسك فكيف ~~إذا ضيعت البقية وأصررت على عادتك أما تعلمين يا نفس أن الموت موعدك والقبر ~~بيتك والتراب فراشك والدود أنيسك والفزع الأكبر بين يديك أما علمت يا نفس ~~أن عسكر الموتى عندك على باب البلد ينتظرونك وقد آلوا على أنفسهم كلهم ~~بالأيمان المغلظة أنهم لا يبرحون من مكانهم ما لم يأخذوك معهم أما تعلمين ~~يا نفس أنهم يتمنون الرجعة إلى الدنيا يوما ليشتغلوا بتدارك ما فرط منهم ~~وأنت في أمنيتهم ويوم من عمرك لو بيع منهم بالدنيا بحذافيرها لا شتروه لو ~~قدروا عليه وأنت تضيعين أيامك في الغفلة والبطالة ويحك يا نفس أما تستحيين ~~تزينين ظاهرك للخلق وتبارزين الله في السر بالعظائم أفتستحيين من الخلق ولا ~~تستحيين من الخالق ويحك أهو أهون الناظرين عليك أتأمرين الناس بالخير وأنت ~~متلطخة بالرذائل تدعين إلى الله وأنت عنه فارة وتذكرين بالله وأنت له ناسية ~~أما تعلمين يا نفس أن المذنب أنتن من العذرة وأن العذرة لا تطهر غيرها فلم ~~تطمعين في تطهير غيرك وأنت غير طيبة في نفسك ويحك يا نفس لو عرفت نفسك حق ~~المعرفة لظننت أن الناس ما يصيبهم بلاء إلا بشؤمك ويحك يا نفس قد جعلت نفسك ~~حمارا لإبليس يقودك إلى حيث يريد ويسخر بك ومع هذا فتعجبين بعملك وفيه من ~~الآفات ما لو نجوت منه رأسا برأس لكان الربح في يديك وكيف تعجبين بعملك مع ~~كثرة خطاياك وزللك وقد لعن الله إبليس بخطيئة واحدة بعد أن عبده مائتى ألف ~~سنة وأخرج آدم من الجنة بخطيئة واحدة مع كونه نبيه وصفيه ويحك يا نفس ما ~~أغدرك ويحك يا نفس ما أوقحك ويحك يا نفس ما أجهلك وما أجرأك على المعاصى ~~ويحك كم تعقدين فتنقضين ويحك كم تعهدين فتغدرين ويحك يا نفس أتشتغلين مع ms2558 ~~هذه الخطايا بعمارة دنياك كأنك غير PageV04P420 # مرتحلة عنها أما تنظرين إلى أهل القبور كيف كانوا جمعوا كثيرا وبنوا ~~مشيدا وأملوا بعيدا فأصبح جمعهم بورا وبنيانهم قبورا وأملهم غرورا ويحك يا ~~نفس أما لك بهم عبرة أما لك إليهم نظرة أتظنين أنهم دعوا إلى الآخرة وأنت ~~من المخلدين هيهات هيهات ساء ما تتوهمين ما أنت إلا فى هدم عمرك منذ سقطت ~~من بطن أمك فابنى على وجه الأرض قصرك فإن بطنها عن قليل يكون قبرك أما ~~تخافين إذا بلغت النفس منك التراقى أن تبدو رسل ربك منحدرة إليك بسواد ~~الألوان وكلح الوجوه وبشرى بالعذاب فهل ينفعك حينئذ الندم أو يقبل منك ~~الحزن أو يرحم منك البكاء والعجب كل العجب منك يا نفس أنك مع هذا تدعين ~~البصيرة والفطنة ومن فطنتك أنك تفرحين كل يوم بزيادة مالك ولا تحزنين ~~بنقصان عمرك وما نفع مال يزيد وعمر ينقص ويحك يا نفس تعرضين عن الآخرة وهى ~~مقبلة عليك وتقبلين على الدنيا وهى معرضة عنك فكم من مستقبل يوما لا ~~يستكمله وكم من مؤمل لغد لا يبلغه فأنت تشاهدين ذلك في إخوانك وأقاربك ~~وجيرانك فترين تحسرهم عند الموت ثم لا ترجعين عن جهالتك فاحذرى أيتها النفس ~~المسكينة يوما آلى الله فيه على نفسه أن لا يترك عبد أمره في الدنيا ونهاه ~~حتى يسأله عن عمله دقيقه وجليله سره وعلانيته فانظرى يا نفس بأي بدن تقفين ~~بين يدي الله وبأي لسان تجيبين وأعدي للسؤال جوابا وللجواب صوابا واعملي ~~بقية عمرك في أيام قصار لأيام طوال وفي دار زوال لدار مقامة وفي دار حزن ~~ونصب لدار نعيم وخلود اعملى قبل أن لا تعملى اخرجى من الدنيا اختيارا خروج ~~الأحرار قبل أن تخرجى منها على الاضطرار ولا تفرحى بما يساعدك من زهرات ~~الدنيا فرب مسرور مغبون ورب مغبون لا يشعر فويل لمن له الويل ثم لا يشعر ~~يضحك ويفرح ويلهو ويمرح ويأكل ويشرب وقد حق له في كتاب الله انه من وقود ~~النار فليكن نظرك يا نفس إلى ms2559 الدنيا اعتبارا وسعيك لها اضطرارا ورفضك لها ~~اختيارا وطلبك للآخرة ابتدارا ولا تكونى ممن يعجز عن شكر ما أوتى ويبتغى ~~الزيادة فيما بقى وينهى الناس ولا ينتهى واعلمى يا نفس أنه ليس للدين عوض ~~ولا للإيمان بدل ولا للجسد خلف ومن كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به ~~وإن لم يسر # فاتعظي يا نفس بهذه الموعظة واقبلي هذه النصيحة فإن من أعرض عن الموعظة ~~فقد رضى بالنار وما أراك بها راضية ولا لهذه الموعظة واعية فإن كانت ~~القساوة تمنعك عن قبول الموعظة فاستعينى عليها بدوام التهجد والقيام فإن لم ~~تزل فالمواظبة على الصيام فإن لم يزل فبقلة المخالطة والكلام فإن لم تزل ~~فبصلة الأرحام واللطف بالأيتام فإن لم تزل فاعلمى أن الله قد طبع على قلبك ~~وأقفل عليه وأنه قد تراكمت ظلمة الذنوب على ظاهره وباطنه فوطنى نفسك على ~~النار فقد خلق الله الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلا فكل ميسر ~~لما خلق له فإن لم يبق فيك مجال للوعظ فاقنطى من نفسك والقنوط كبيرة من ~~الكبائر نعوذ بالله من ذلك فلا سبيل لك إلى القنوط ولا سبيل لك إلى الرجاء ~~مع انسداد طرق الخير عليك فإن ذلك اغترار وليس برجاء فانظرى الآن هل يأخذك ~~حزن على هذه المصيبة التى ابتليت بها وهل تسمح عينك بدمعة رحمة منك على ~~نفسك فإن سمحت فمستقى الدمع من بحر الرحمة فقد بقى فيك موضع للرجاء فواظبي ~~على النياحة والبكاء واستعينى بأرحم الراحمين واشتكى إلى أكرم الأكرمين ~~وأدمنى الاستغاثة ولا تملى طول الشكاية لعله أن يرحم ضعفك ويغيثك فإن ~~مصيبتك قد عظمت وبليتك قد تفاقمت وتماديك قد طال وقد انقطعت منك الحيل ~~وراحت عنك العلل فلا مذهب ولا مطلب ولا مستغاث ولا مهرب ولا ملجأ ولا منجا ~~إلا إلى مولاك فافزعى إليه بالتضرع واخشعى في تضرعك على قدر عظم جهلك وكثرة ~~ذنوبك لأنه يرحم المتضرع الذليل ويغيث الطالب المتلهف ويجيب دعوة PageV04P421 # المضطر وقد أصبحت إليه اليوم مضطرة وإلى رحمته محتاجة وقد ms2560 ضاقت بك السبل ~~وانسدت عليك الطرق وانقطعت منك الحيل ولم تنجح فيك العظات ولم يكسرك ~~التوبيخ فالمطلوب منه كريم والمسئول جواد والمستغاث به بر رءوف والرحمة ~~واسعة والكرم فائض والعفو شامل وقولى يا أرحم الراحمين يا رحمن يا رحيم يا ~~حليم يا عظيم يا كريم أنا المذنب المصر أنا الجرىء الذى لا أقلع أنا ~~المتمادى الذى لا أستحى هذا مقام المتضرع المسكين والبائس الفقير والضعيف ~~الحقير والهالك الغريق فعجل إغاثتى وفرجى وأرنى آثار رحمتك وأذقنى برد عفوك ~~ومغفرتك وارزقنى قوة عظمتك يا أرحم الراحمين # اقتداء بأبيك آدم عليه السلام فقد قال وهب بن منبه لما أهبط الله آدم من ~~الجنة إلى الأرض مكث لا ترقأ له دمعة فاطلع الله عز وجل عليه في اليوم ~~السابع وهو محزون كئيب كظيم منكس رأسه فأوحى الله تعالى إليه يا آدم ما هذا ~~الجهد الذى أرى بك قال يا رب عظمت مصيبتى وأحاطت بى خطيئتى وأخرجت من ملكوت ~~ربى فصرت في دار الهوان بعد الكرامة وفي دار الشقاء بعد السعادة وفي دار ~~النصب بعد الراحة وفي دار البلاء بعد العافية وفي دار الزوال بعد القرار ~~وفي دار الموت والفناء بعد الخلود والبقاء فكيف لا أبكى على خطيئتى فأوحى ~~الله تعالى إليه يا آدم ألم أصطفك لنفسى وأحللتك دارى وخصصتك بكرامتى ~~وحذرتك سخطى ألم أخلقك بيدى ونفخت فيك من روحى وأسجدت لك ملائكتى فعصيت ~~أمرى ونسيت عهدى وتعرضت لسخطى فو عزتى وجلالى لو ملأت الأرض رجالا كلهم ~~مثلك يعبدونني ويسبحونني ثم عصونى لأنزلتهم منازل العاصين فبكى آدم عليه ~~السلام عند ذلك ثلثمائة عام # وكان عبيد الله البجلى كثير البكاء يقول في بكائه طول ليله إلهى أنا الذى ~~كلما طال عمرى زادت ذنوبى أنا الذى كلما هممت بترك خطيئة عرضت لى شهوة أخرى ~~واعبيداه خطيئة لم تبل وصاحبها في طلب أخرى واعبيداه إن كانت النار لك ~~مقيلا ومأوى واعبيداه إن كانت المقامع برأسك تهيأ واعبيداه قضيت حوائج ~~الطالبين ولعل حاجتك لا تقضى # وقال منصور بن عمار ms2561 سمعت في بعض الليالى بالكوفة عابدا يناجى ربه وهو ~~يقول يا رب وعزتك ما أرد بمعصيتك مخالفتك ولا عصيتك إذ عصيتك وأنا بمكانك ~~جاهل ولا لعقوبتك متعرض ولا لنظرك مستخف ولكن سولت لى نفسى وأعاننى على ذلك ~~شقوتى وغرنى سترك المرخى على فعصيتك بجهلى وخالفتك بفعلى فمن عذابك الآن من ~~يستنقذنى أو بحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عنى واسوأتاه من الوقوف بين يديك ~~غدا إذا قيل للمخفين جوزوا وقيل للمثقلين حطوا أمع المخفين أجوز أم مع ~~المثقلين أحط ويلى كلما كبرت سنى كثرت ذنوبى ويلى كلما طال عمرى كثرت معاصى ~~فإلى متى أتوب وإلى متى أعود أما آن لى أن أستحيى من ربي # فهذه طرق القوم في مناجاة مولاهم وفي معاتبة نفوسهم وإنما مطلبهم من ~~المناجاة الاسترضاء ومقصدهم من المعاتبة التنبيه والاسترعاء فمن أهمل ~~المعاتبة والمناجاة لم يكن لنفسه مراعيا ويوشك أن لا يكون الله تعالى عنه ~~راضيا والسلام ثم كتاب المحاسبة والمراقبة # يتلوه كتاب التفكر إن شاء الله تعالى والحمد لله وحده وصلاته على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه وسلامه PageV04P422 ### || كتاب التفكر وهو الكتاب التاسع من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي لم يقدر لانتهاء عزته نحوا ولا قطرا ولم يجعل لمراقى ~~أقدام الأوهام ومرمى سهام الأفهام إلى حمى عظمته مجرى بل ترك قلوب الطالبين ~~في بيداء كبريائه والهة حيرى كلما اهتزت لنيل مطلوبها ردتها سبحات الجلال ~~قسرا وإذا همت بالانصراف آيسة نوديت من سرادقات الجمال صبرا صبرا ثم قيل ~~لها أجيلى فى ذل العبودية منك فكرا لأنك لو تفكرت في جلال الربوبية لم ~~تقدرى له قدرا وإن طلبت وراء الفكر في صفاتك أمرا فانظرى في نعم الله تعالى ~~وأياديه كيف توالت عليك تترى وجددى لكل نعمة منها ذكرا وشكرا وتأملى في ~~بحار المقادير كيف فاضت على العالمين خيرا وشرا ونفعا وضرا وعسرا ويسرا ~~وفوزا وخسرا وجبرا وكسرا وطيا ونشرا وإيمانا وكفرا وعرفانا ونكرا فإن جاوزت ~~النظر في الأفعال إلى النظر ms2562 في الذات فقد حاولت أمرا إمرا وخاطرت بنفسك ~~مجاوزة حد طاقة البشر ظلما وجورا فقد انبهرت العقول دون مبادى ~~إشراقهوانتكصت على أعقابها اضطرارا وقهرا والصلاة على محمد سيد ولد آدم وإن ~~كان لم يعد سيادته فخرا صلاة تبقى لنا في عرصات القيامة عدة وذخرا وعلى آله ~~وأصحابه الذين أصبح كل واحد منهم في سماء الدين بدرا ولطوائف المسلمين صدرا ~~وسلم تسليما كثيرا # أما بعد فقد وردت السنة بأن تفكر ساعة خير من عبادة سنة (1) وكثر الحث في ~~كتاب الله تعالى على التدبر والاعتبار والنظر والافتكار ولا يخفى أن الفكر ~~هو مفتاح الأنوار ومبدأ الاستبصار وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم ~~وأكثر الناس قد عرفوا فضله ورتبته لكن جهلوا حقيقته وثمرته ومصدره ومورده ~~ومجراه ومسرحه وطريقه وكيفيته ولم يعلم أنه كيف يتفكر وفيماذا يتفكر ولماذا ~~يتفكر وما الذى يطلب به أهو مراد لعينه أم لثمرة تستفاد منه فإن كان لثمرة ~~فما تلك الثمرة أهى من العلوم أو من الأحوال أو منهما جميعا وكشف جميع ذلك ~~مهم ونحن نذكر أولا فضيلة التفكر # ثم حقيقة التفكر وثمرته # ثم مجارى الفكر ومسارحه إن شاء الله تعالى ### ||| فضيلة التفكر # قد أمر الله تعالى بالتفكر والتدبر في كتابه العزيز في مواضع لا تحصى ~~وأثنى على المتفكرين فقال تعالى الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا وقد قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما إن قوما تفكروا في الله عز وجل فقال صلى الله عليه ~~وسلم تفكروا في PageV04P423 # خلق الله ولا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره (1) وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه خرج على قوم ذات يوم وهم يتفكرون فقال ما لكم لا ~~تتكلمون فقالوا نتفكر في خلق الله عز وجل قال فكذلك فافعلوا تفكروا في خلقه ~~ولا تتفكروا فيه فإن بهذا المغرب أرضا بيضاء نورها بياضها وبياضها نورها ~~مسيرة الشمس أربعين يوما بها خلق من خلق الله عز وجل لم يعصوا الله طرفة ~~عين ms2563 قالوا يا رسول الله فأين الشيطان منهم قال ما يدرون خلق الشيطان أم لا ~~قالوا من ولد آدم قال لا يدرون خلق آدم أم لا (2) وعن عطاء قال انطلقت يوما ~~أنا وعبيد بن عمير إلى عائشة رضي الله عنها فكلمتنا وبيننا وبينها حجاب ~~فقالت يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا قال قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~زر غبا تزدد حبا قال ابن عمير فأخبرينا بأعجب شئ رأيته من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال فبكت وقالت كل أمره كان عجبا أتانى في ليلتى حتى مس ~~جلده جلدى ثم قال ذرينى أتعبد لربى عز وجل فقام إلى القربة فتوضأ منها ثم ~~قام يصلي فبكى حتى بل لحيته ثم سجد حتى بل الأرض ثم اضطجع على جنبه حتى أتى ~~بلال يؤذنه بصلاة الصبح فقال يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر فقال ويحك يا بلال وما يمنعنى أن أبكى وقد أنزل الله ~~تعالى على في هذه الليلة إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~لآيات لأولى الألباب ثم قال ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها (3) فقيل ~~للأوزاعى ما غاية التفكير فيهن قال يقرؤهن ويعقلهن # وعن محمد بن واسع إن رجلا من أهل البصرة ركب إلى أم ذر بعد موت أبى ذر ~~فسألها عن عبادة أبى ذر فقالت كان نهاره أجمع في ناحية البيت يتفكر # وعن الحسن قال تفكر ساعة خير من قيام ليلة # وعن الفضيل قال الفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك # وقيل لإبراهيم إنك تطيل الفكرة فقال الفكرة مخ العقل وكان سفيان بن عيينة ~~كثيرا ما يتمثل بقول القائل # إذا المرء كانت له فكرة ... ففى كل شئ له عبرة # وعن طاوس قال قال الحواريون لعيسى بن مريم يا روح الله هل على الأرض ~~اليوم مثلك فقال نعم من كان منطقه ذكرا وصمته فكرا ونظره عبرة فإنه مثلى # وقال الحسن من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو ومن لم يكن سكوته ms2564 تفكرا فهو سهو ~~ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو وفي قوله تعالى سأصرف عن آياتي الذين ~~يتكبرون في الأرض يغير الحق قال أمنع قلوبهم التفكر في أمرى # وعن أبى سعيدى الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطوا أعينكم ~~حظها من العبادة فقالوا يا رسول الله وما حظها من العبادة قال النظر في ~~المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه (4) وعن امرأة كانت تسكن البادية ~~قريبا من مكة أنها قالت لو تطالعت قلوب المتقين بفكرها إلى ما قد ادخر لها ~~في حجب الغيب من خير الآخرة لم يصف لهم في الدنيا عيش ولم تقر لهم في ~~الدنيا عين # وكان لقمان يطيل الجلوس وحده فكان يمر به مولاه فيقول يا لقمان إنك تديم ~~الجلوس وحدك فلو PageV04P424 # جلست مع الناس كان آنس لك فيقول لقمان إن طول الوحدة أفهم للفكر وطول ~~الفكر دليل على طريق الجنة وقال وهب بن منبه ما طالت فكرة امرئ قط إلا علم ~~وما علم امرؤ قط إلا عمل # وقال عمر بن عبد العزيز الفكرة في نعم الله عز وجل من أفضل العبادة # وقال عبد الله بن المبارك يوما لسهل بن على ورآه ساكتا متفكرا أين بلغت ~~قال الصراط # وقال بشر لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله عز وجل وعن ابن عباس ~~ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب # وبينا أبو شريح يمشى إذ جلس فتقنع بكسائه فجعل يبكى فقيل له ما يبكيك قال ~~تفكرت في ذهاب عمرى وقلة عملى واقتراب أجلى # وقال أبو سليمان عودوا أعينكم البكاء وقلوبكم التفكر وقال أبو سليمان ~~الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة وعقوبة لأهل الولاية والفكر في الآخرة يورث ~~الحكمة ويحيى القلوب وقال حاتم من العبرة يزيد العلم ومن الذكر يزيد يزيد ~~الحب ومن التفكر يزيد الخوف # وقال ابن عباس التفكر في الخير يدعو إلى العمل به والندم على الشر يدعو ~~إلى تركه # ويروى أن الله تعالى قال في بعض كتبه إنى لست ms2565 أقبل كلام كل حكيم ولكن ~~انظر إلى همه وهواه فإذا كان همه وهواه لى جعلت صمته تفكرا وكلامه حمدا وإن ~~لم يتكلم # وقال الحسن إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر وبالفكر على ~~الذكر حتى استنطقوا قلوبهم فنطقت بالحكمة # وقال إسحاق بن خلف كان داود الطائي رحمة الله تعالى على سطح في ليلة ~~قمراء فتفكر في ملكوت السموات والأرض وهو ينظر إلى السماء ويبكى حتى وقع في ~~دار جار له قال فوثب صاحب الدار من فراشه عريانا وبيده سيف وظن أنه لص فلما ~~نظر إلى داود رجع ووضع السيف وقال من ذا الذى طرحك من السطح قال ما شعرت ~~بذلك # وقال الجنيد اشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد ~~والتنسم بنسيم المعرفة والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد والنظر بحسن الظن ~~لله عز وجل ثم قال يا لها من مجالس ما أجلها ومن شراب ما ألذه طوبى لمن ~~رزقه # وقال الشافعي رحمه الله تعالى استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط ~~بالفكر # وقال أيضا صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور والعزم في الرأي سلامة من ~~التفريط والندم والروية والفكر يكشفان عن الحزم والفطنة ومشاورة الحكماء ~~ثبات في النفس وقوة في البصيرة ففكر قبل أن تعزم وتدبر قبل أن تهجم وشاور ~~قبل أن تقدم # وقال أيضا الفضائل أربع إحداها الحكمة وقوامها الفكرة # والثانية العفة وقوامها في الشهوة # والثالثة القوة وقوامها في الغضب والرابعة العدل وقوامه في اعتدال قوى ~~النفس # فهذه أقاويل العلماء في الفكرة وما شرع أحد منهم في ذكر حقيقتها وبيان ~~مجاريها ### ||| بيان حقيقة الفكر وثمرته # أعلم أن معنى الفكر هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة # ومثاله أن من مال إلى العاجلة وآثر الحياة الدنيا وإراد أن يعرف أن ~~الآخرة أولى بالإيثار من العاجلة فله طريقان {أحدهما} أن يسمع من غيره أن ~~الآخرة أولى بالإيثار من الدنيا فيقلده ويصدقه من غير بصيرة بحقيقة الأمر ~~فيميل بعمله إلى إيثار الآخرة اعتمادا على مجرد قوله ms2566 وهذا يسمى تقليدا ولا ~~يسمى معرفة # والطريق الثاني أن يعرف أن الأبقى أولى بالإيثار ثم يعرف أن الآخرة أبقى # فيحصل له من هاتين المعرفتين معرفة ثالثة وهو أن الآخرة أولى بالإيثار ~~ولا يمكن تحقق المعرفة بأن الآخرة أولى بالإيثار إلا بالمعرفتين السابقتين # فإحضار المعرفتين السابقتين في القلب للتوصل به إلى المعرفة الثالثة يسمى ~~تفكرا واعتبارا وتذكرا ونظرا PageV04P425 # وتأملا وتدبرا # أما التدبر والتأمل والتفكر فعبارات مترادفة على معنى واحد ليس تحتها ~~معان مختلفة # وأما اسم التذكر والاعتبار والنظر فهى مختلفة المعانى وإن كان أصل المسمى ~~واحد كما أن اسم الصارم والمهند والسيف يتوارد على شيء واحد ولكن باعتبارات ~~مختلفة # فالصارم يدل على السيف من حيث هو قاطع والمهند يدل عليه من حيث نسبته إلى ~~موضعه والسيف يدل دلالة مطلقة من غير إشعار بهذه الزوائد # فكذلك الاعتبار ينطلق على إحضار المعرفتين من حيث إنه يعبر منهما إلى ~~معرفة ثالثة وإن لم يقع العبور ولم يمكن إلا الوقوف على المعرفتين فينطلق ~~عليه اسم التذكر لا اسم الاعتبار وأما النظر والتفكر فيقع عليه من حيث إن ~~فيه طلب معرفة ثالثة فمن ليس يطلب المعرفة الثالثة لا يسمى ناظرا فكل متفكر ~~فهو متذكر وليس كل متذكر متفكرا # وفائدة التذكار تكرار المعارف على القلب لترسخ ولا تنمحى عن القلب # وفائدة التفكر تكثير العلم واستجلاب معرفة ليست حاصلة # فهذا هو الفرق بين التذكر والتفكر # والمعارف إذا اجتمعت في القلب وازدوجت في القلب على ترتيب مخصوص أثمرت ~~معرفة أخرى فالمعرفة نتاج المعرفة # فإذا حصلت معرفة أخرى وازدوجت مع معرفة أخرى حصل من ذلك نتاج آخر # وهكذا يتمادى النتاج وتتمادى العلوم ويتمادى الفكر إلى غير نهاية وإنما ~~تنسد طريق زيادة المعارف بالموت # أو بالعوائق وهذا لمن يقدر على استثمار العلوم ويهتدى إلى طريق التفكير # وأما أكثر الناس فإنما منعوا الزيادة في العلوم لفقدهم رأس المال وهو ~~المعارف التى بها تستثمر العلوم كالذى لا بضاعة له فإنه لا يقدر على الربح ~~وقد يملك البضاعة ولكن لا يحسن صناعة التجارة فلا ms2567 يربح شيئا فكذلك قد يكون ~~معه من المعارف ما هو رأس مال العلوم ولكن ليس يحسن استعمالها وتأليفها ~~وإيقاع الازدواج المفضى إلى النتاج فيها # ومعرفة طريق الاستعمال والاستثمار تارة تكون بنور إلهى في القلب يحصل ~~بالفطرة كما كان للأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وذلك عزيز جدا وقد تكون ~~بالتعلم والممارسة وهو الأكثر # ثم المتفكر قد تحضره هذه المعارف وتحصل له الثمرة وهو لا يشعر بكيفية ~~حصولها ولا يقدر على التعبير عنها لقلة ممارسته لصناعة التعبير في الإيراد # فكم من إنسان يعلم أن الآخرة أولى بالإيثار علما حقيقيا ولو سئل عن سبب ~~معرفته لم يقدر على إيراده والتعبير عنه مع أنه لم تحصل معرفته إلا عن ~~المعرفتين السابقتين وهو أن الأبقى أولى بالإيثار وأن الآخرة أبقى من ~~الدنيا فتحصل له معرفة ثالثة وهو أن الآخرة أولى بالإيثار فرجع حاصل حقيقة ~~التفكر إلى إحضار معرفتين للتوصل بهما إلى معرفة ثالثة # وأما ثمرة الفكر فهى العلوم والأحوال والأعمال ولكن ثمرته الخاصة # العلم لا غير # نعم إذا حصل العلم في القلب تغير حال القلب وإذا تغير حال القلب تغيرت ~~أعمال الجوارح # فالعمل تابع الحال والحال تابع العلم والعلم تابع الفكر # فالفكر إذن هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها وهذا هو الذى يكشف لك فضيلة ~~التفكر وأنه خير من الذكر والتذكر لأن الفكر ذكر وزيادة # وذكر القلب خير من عمل الجوارح بل شرف العمل لما فيه من الذكر # فإذن التفكر أفضل من جملة الأعمال ولذلك قيل تفكر ساعة خير من عبادة سنة ~~فقيل هو الذى ينقل من المكاره إلى المحاب ومن الرغبة والحرص إلى الزهد ~~والقناعة وقيل هو الذى يحدث مشاهدة وتقوى ولذلك قال تعالى {لعلهم يتقون أو ~~يحدث لهم ذكرا} وإن أردت أن تفهم كيفية تغير الحال بالفكر فمثاله ما ذكرناه ~~من أمر الآخرة فإن الفكر يعرفنا أن الآخرة أولى بالإيثار فإذا رسخت هذه ~~المعرفة يقينا PageV04P426 # في قلوبنا تغيرت القلوب إلى الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا # وهذا ما عنيناه بالحال إذ كان حال القلب ms2568 قبل هذه المعرفة حب العاجلة ~~والميل إليها والنفرة عن الآخرة وقلة الرغبة فيها # وبهذه المعرفة تغير حال القلب وتبدلت إرادته ورغبته ثم أثمر تغير الإرادة ~~أعمال الجوارح في إطراح الدنيا والإقبال على أعمال الآخرة # فههنا خمس درجات أولاها التذكر وهو إحضار المعرفتين في القلب وثانيتها ~~التفكر وهو طلب المعرفة المقصودة منهما والثالثة حصول المعرفة المطلوبة ~~واستنارة القلب بها # والرابعة تغير حال القلب عما كان بسبب حصول نور المعرفة # {والخامسة} خدمة الجوارح للقلب بحسب ما يتجدد له من الحال # فكما يضرب الحجر على الحديد فيخرج منه نار يستضىء بها الموضع فتصير العين ~~مبصرة بعد أن لم تكن مبصرة وتنتهض الأعضاء للعمل فكذلك زناد نور المعرفة هو ~~الفكر فيجمع بين المعرفتين كما يجمع بين الحجر والحديد ويؤلف بينهما تأليفا ~~مخصوصا كما يضرب الحجر على الحديد ضربا مخصوصا فينبعث نور المعرفة كما ~~تنبعث النار من الحديد ويتغير القلب بسبب هذا النور حتى يميل إلى ما لم يكن ~~يميل إليه كما يتغير البصر بنور النار فيرى ما لم يكن يراه # ثم تنتهض الأعضاء للعمل بمقتضى حال القلب كما ينتهض العاجز عن العمل بسبب ~~الظلمة للعمل عند إدراك البصر ما لم يكن يبصره # فإذن ثمرة الفكر العلوم والأحوال والعلوم لا نهاية لها والأحوال التى ~~تتصور أن تتقلب على القلب لا يمكن حصرها # ولهذا لو أراد مريد أن يحصر فنون الفكر ومجاريه وأنه فيماذا يتفكر لم ~~يقدر عليه لأن مجارى الفكر غير محصورة وثمراته غير متناهية نعم نحن نجتهد ~~في ضبط مجاريه بالإضافة إلى مهمات العلوم الدينية وبالإضافة إلى الأحوال ~~التى هى مقامات السالكين ويكون ذلك ضبطا جمليا فإن تفصيل ذلك يستدعى شرح ~~العلوم كلها وجملة هذه الكتب كالشرح لبعضها فإنها مشتملة على علوم تلك ~~العلوم تستفاد من أفكار مخصوصة # فلنشر إلى ضبط الجامع فيها ليحصل الوقوف على مجارى الفكر ### ||| بيان مجارى الفكر # أعلم أن الفكر قد يجرى في أمر يتعلق بالدين وقد يجرى فيما يتعلق بغير ~~الدين وإنما غرضنا ما يتعلق بالدين فلنترك القسم الآخر ms2569 # ونعنى بالدين المعاملة التى بين العبد وبين الرب تعالى فجميع أفكار العبد ~~إما أن تتعلق بالعبد وصفاته وأحواله وإما أن تتعلق بالمعبود وصفاته وأفعاله ~~لا يمكن أن يخرج عن هذين القسمين # وما يتعلق بالعبد إما أن يكون نظرا فيما هو محبوب عند الرب تعالى أو فيما ~~هو مكروه ولا حاجة إلى الفكر في غير هذين القسمين # وما يتعلق بالرب تعالى إما ان يكون نظرا في ذاته وصفاته وأسمائه الحسنى ~~وإما أن يكون في أفعاله وملكه وملكوته وجميع ما في السموات والأرض وما ~~بينهما # وينكشف لك انحصار الفكر في هذه الأقسام بمثال وهو أن حال السائرين إلى ~~الله تعالى والمشتاقين إلى لقائه يتعلق بمعشوقه أو يتعلق بنفسه # فإن تفكر في معشوقه فإما أن يتفكر في جماله وحسن صورته في ذاته ليتنعم ~~بالفكر فيه وبمشاهدته وإما ان يتفكر في أفعاله اللطيفة الحسنة الدالة على ~~أخلاقه وصفاته ليكون ذلك مضعفا للذة ومقويا لمحبته PageV04P427 # وإن تفكر في نفسه فيكون فكره في صفاته التى تسقطه من عين محبوبه حتى ~~يتنزه عنها أو في الصفات التى تقربه منه وتحببه إليه حتى يتصف بها # فإن تفكر في شيء خارج عن هذه الأقسام فذلك خارج عن حد العشق وهو نقصان ~~فيه لأن العشق التام الكامل ما يستغرق العاشق ويستوفي القلب حتى لا يترك ~~فيه متسعا لغيره # فمحب الله تعالى ينبغى أن يكون كذلك فلا يعدو نظره وتفكره محبوبه # ومهما كان تفكره محصورا في هذه الأقسام الأربعة لم يكن خارجا عن مقتضى ~~المحبة أصلا فلنبدأ بالقسم الأول وهو تفكره في صفات نفسه وأفعال نفسه ليميز ~~المحبوب منها عن المكروه فإن هذا الفكر هو الذى يتعلق بعلم المعاملة الذى ~~هو المقصود بهذا الكتاب وأما القسم الآخر فيتعلق بعلم المكاشفة # ثم كل واحد مما هو مكروه عند الله أو محبوب ينقسم إلى ظاهر كالطاعات ~~والمعاصى وإلى باطن كالصفات المنجيات والمهلكات التى محلها القلب وذكرنا ~~تفصيلها في ربع المهلكات والمنجيات # والمعاصى تنقسم إلى ما يتعلق بالأعضاء السبعة وإلى ما ينسب إلى جميع ms2570 ~~البدن كالفرار من الزحف وعقوق الوالدين والسكون في المسكن الحرام # ويجب في كل واحد من المكاره التفكر في ثلاثة أمور {الأول} التفكر في أنه ~~هل هو مكروه عند الله أم لا فرب شيء لا يظهر كونه مكروها بل يدرك بدقيق ~~النظر والثاني التفكر في أنه إن كان مكروها فما طريق الاحتراز عنه والثالث ~~أن هذا المكروه هل هو متصف به في الحال فيتركه أو هو متعرض له في الاستقبال ~~فيحترز عنه أو قارفه فيما مضى من الأحوال فيحتاج إلى تداركه وكذلك كل واحد ~~من المحبوبات ينقسم إلى هذه الانقسامات فإذا جمعت هذه الاقسام زادت مجارى ~~الفكر في الأقسام على مائة والعبد مدفوع إلى الفكر إما في جميعها أو في ~~أكثرها # وشرح آحاد هذه الانقسامات يطول ولكن انحصر هذا القسم في أربعة أنواع ~~الطاعات والمعاصى والصفات المهلكات والصفات المنجيات # فلنذكر في كل نوع مثالا ليقيس به المريد سائرها وينفتح له باب الفكر ~~ويتسع عليه طريقه # النوع الأول المعاصى ينبغى أن يفتش الإنسان صبيحة كل يوم جميع أعضائه ~~السبعة تفصيلا ثم بدنه على الجملة هل هو في الحال ملابس لمعصية بها فيتركها ~~أو لابسها بالأمس فيتداركها بالترك والندم أو هو متعرض لها في نهاره فيستعد ~~للاحتراز والتباعد عنها # فينظر في اللسان ويقول إنه متعرض للغيبة والكذب وتزكية النفس والاستهزاء ~~بالغير والمماراة والممازحة والخوض فيما لا يعني إلى غير ذلك من المكاره ~~فيقرر أولا في نفسه أنها مكروهة عند الله تعالى ويتفكر في شواهد القرآن ~~والسنة على شدة العذاب فيها ثم يتفكر في أحواله أنه كيف يتعرض لها من حيث ~~لا يشعر ثم يتفكر أنه كيف يحترز منه ويعلم أنه لا يتم له ذلك إلا بالعزلة ~~والانفراد أو بأن لا يجالس إلا صالحا تقيا ينكر عليه مهما تكلم بما يكرهه ~~الله وإلا فيضع حجرا في فيه إذا جالس غيره حتى يكون ذلك مذكرا له فهكذا ~~يكون الفكر في حيلة الاحتراز # ويتفكر في سمعه يصغي به إلى الغيبة والكذب وفضول الكلام وإلى اللهو ~~والبدعة ms2571 وأن ذلك إنما يسمعه من زيد وعمرو وأنه ينبغى أن يحترز عنه ~~بالاعتزال أو بالنهى عن المنكر فمهما كان ذلك فيتفكر في بطنه أنه إنما يعصي ~~الله تعالى فيه بالأكل والشرب إما بكثرة الأكل من الحلال PageV04P428 # فإن ذلك مكروه عند الله ومقوى للشهوة التى هى سلاح الشيطان عدو الله وإما ~~بأكل الحرام أو الشبهة فينظر من أين مطعمه وملبسه ومسكنه ومكسبه وما مكسبه ~~ويتفكر في طريق الحلال ومداخله # ثم يتفكر في طريق الحيلة في الاكتساب منه والاحتراز من الحرام ويقرر على ~~نفسه أن العبادات كلها ضائعة مع أكل الحرام وأن أكل الحلال هو أساس ~~العبادات كلها وأن الله تعالى لا يقبل صلاة عبد في ثمن ثوبه درهم حرام (1) ~~كما ورد الخبر به # فهكذا يتفكر في أعضائه ففى هذا القدر كفاية عن الاستقصاء # فمهما حصل بالتفكر حقيقة المعرفة بهذه الأحوال اشتغل بالمراقبة طول ~~النهار حتى يحفظ الأعضاء عنها # وأما النوع الثاني وهو الطاعات فينظر أولا في الفرائض المكتوبة عليه أنه ~~كيف يؤديها وكيف يحرسها عن النقصان والتقصير أو كيف يجبر نقصانها بكثرة ~~النوافل ثم يرجع إلى عضو عضو فيتفكر في الأفعال التى تتعلق بها مما يحبه ~~الله تعالى فيقول مثلا # إن العين خلقت للنظر في ملكوت السموات والأرض عبرة ولتستعمل في طاعة الله ~~تعالى وتنظر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأنا قادر على أن ~~أشغل العين بمطالعة القرآن والسنة فلم لا أفعله وأنا قادر على أن أنظر إلى ~~فلان المطيع بعين التعظيم فأدخل السرور على قلبه وأنظر إلى فلان الفاسق ~~بعين الازدراء فأزجره بذلك عن معصيته فلم لا أفعله # وكذلك يقول في سمعه إلى قادر على استماع كلام ملهوف أو استماع حكمة ~~وعلمالسرور على قلبه وأنظر إلى فلان الفاسق بعين الازدراء فأزجره بذلك عن ~~معصيته فلم لا أفعله وكذلك يقول في سمعه إلى قادر على استماع كلام ملهوف أو ~~استماع حكمة وعلم أو استماع قراءة وذكر فمالى أعطله وقد أنعم الله علي به ~~وأودعنيه لأشكره فمالى أكفر ms2572 نعمة الله فيه بتضييعه أو تعطيله # وكذلك يتفكر في اللسان ويقول إني قادر على أن أتقرب إلى الله تعالى ~~بالتعليم والوعظ والتودد إلى قلوب أهل الصلاح وبالسؤال عن أحوال الفقراء ~~وإدخال السرور على قلب زيد الصالح وعمرو العالم بكلمة طيبة وكل كلمة طيبة ~~فإنها صدقة # وكذلك يتفكر في ماله فيقول أنا قادر على أن أتصدق بالمال الفلاني فإنا ~~مستغن عنه ومهما احتجت إليه رزقني الله تعالى مثله وإن كنت محتاجا الآن ~~فأبا إلى ثواب الإيثار أحوج مني إلى ذلك المال # وهكذا يفتش عن جميع أعضائه وجملة بدنه وأمواله بل عن دوابه وغلمانه ~~وأولاده فإن كل ذلك أدواته وأسبابه ويقدر على أن يطيع الله تعالى بها ~~فيستنبط بدقيق الفكر وجوه الطاعات الممكنة بها ويتفكر فيما يرغبه في البدار ~~إلى تلك الطاعات ويتفكر في إخلاص النية فيها ويطلب لها مظان الاستحقاق حتى ~~يزكو بها عمله وقس على هذا سائر الطاعات # وأما النوع الثالث فهى الصفات المهلكة التي محلها القلب فيعرفها مما ~~ذكرناه في ربع المهلكات وهي استيلاء الشهوة والغضب والبخل والكبر والعجب ~~والرياء والحسد وسوء الظن والغفلة والغرور وغير ذلك ويتفقد من قلبه هذه ~~الصفات فإن ظن أن قلبه منزه عنها فيتفكر في كيفية امتحانه والاستشهاد ~~بالعلامات عليه فإن النفس أبدا تعد بالخير من نفسها وتخلف فإذا ادعت ~~التواضع والبراءة من الكبر فينبغى أن تجرب بحمل حزمة حطب في السوق كما كان ~~الأولون يجربون به أنفسهم # وإذا ادعت الحلم تعرض لغضب يناله من غيره ثم يجربها في كظم الغيظ وكذلك ~~في سائر الصفات # وهذا تفكر في أنه هل هو موصوف بالصفة المكروهة أم لا ولذلك علامات ~~ذكرناها PageV04P429 # في ربع المهلكات فإذا دلت العلامة على وجودها فكر في الأسباب التى تقبح ~~تلك الصفات عنده وتبين أن منشأها من الجهل والغفلة وخبث الدخلة # كما لو رأى من نفسه عجبا بالعمل فيتفكر ويقول إنما عمل ببدني وجارحتى ~~وبقدرتى وإرادتى وكل ذلك ليس مني ولا إلى وإنما هو من خلق الله وفضله علي ~~فهو الذي خلقني ms2573 وخلق جارحتي وخلق قدرتي وإرادتي وهو الذي حرك أعضائي بقدرته ~~وكذلك قدرتي وإرادتي فكيف أعجب بعملي أو بنفسي ولا أقوم لنفسي بنفسي # فإذا أحس في نفسه بالكبر قرر على نفسه ما فيه من الحماقة ويقول لها لم ~~ترين نفسك أكبر والكبير من هو عند الله كبير وذلك ينكشف بعد الموت وكم من ~~كافر في الحال يموت مقربا إلى الله تعالى بنزوعه عن الكفر وكم من مسلم يموت ~~شقيا بتغير حاله عند الموت بسوء الخاتمة # فإذا عرف أن الكبر مهلك وأن أصله الحماقة فيتفكر في علاج إزالة ذلك بأن ~~يتعاطى أفعال المتواضعين # وإذا وجد في نفسه شهوة الطعام وشرهه تفكر في أن هذه صفة البهائم ولو كان ~~في شهوة الطعام والوقاع كمال لكان ذلك من صفات الله وصفات الملائكة كالعلم ~~والقدرة ولما اتصف به البهائم ومهما كان الشره عليه أغلب كان بالبهائم أشبه ~~وعن الملائكة المقربين أبعد # وكذلك يقرر على نفسه في الغضب ثم يتفكر في طريق العلاج وكل ذلك ذكرناه في ~~هذه الكتب # فمن يريد أن يتسع له طريق الفكر فلا بد له من تحصيل ما في هذه الكتب # وأما النوع الرابع وهو المنجيات فهو التوبة والندم على الذنوب والصبر على ~~البلاء والشكر على النعماء والخوف والرجاء والزهد في الدنيا والإخلاص ~~والصدق في الطاعات ومحبة الله وتعظيمه والرضا بأفعاله والشوق إليه والخشوع ~~والتواضع له # وكل ذلك ذكرناه في هذا الربع وذكرنا أسبابه وعلاماته # فليتفكر العبد كل يوم في قلبه ما الذي يعوزه من هذه الصفات التي هي ~~المقربة إلى الله تعالى فإذا افتقر إلى شيء منها فليعلم أنها أحوال لا ~~يثمرها إلا علوم وأن العلوم لا يثمرها إلا أفكار # فإذا أراد أن يكتسب لنفسه أحوال التوبة والندم فليفتش ذنوبه أولا وليتفكر ~~فيها وليجمعها على نفسه وليعظمها في قلبه # ثم لينظر في الوعيد والتشديد الذي ورد في الشرع فيها وليتحقق عند نفسه ~~أنه متعرض لمقت الله تعالى حتى ينبعث له حال الندم # وإذا أراد أن يستثير من قلبه حال الشكر فلينظر ms2574 في إحسان الله إليه ~~وأياديه عليه وفي إرساله جميل ستره عليه على ما شرحنا بعضه في كتاب الشكر ~~فليطالع ذلك # وإذا أراد حال المحبة والشوق فليتفكر في جلال الله وجماله وعظمته ~~وكبريائه وذلك بالنظر في عجائب حكمته وبدائع صنعه كما سنشير إلى طرف منه في ~~القسم الثاني من الفكر وإذا أراد حال الخوف فلينظر أولا في ذنوبه الظاهرة ~~والباطنة ثم لينظر في الموت وسكراته ثم فيما بعده من سؤال منكر ونكير وعذاب ~~القبر وحياته وعقاربه وديدانه ثم في هول النداء عند نفخة الصور ثم في هول ~~المحشر عند جمع الخلائق على صعيد واحد ثم في المناقشة في الحساب في النقير ~~والقطمير ثم في الصراط ودقته وحدته ثم في خطر الأمر عنده أنه يصرف إلى ~~الشمال فيكون من أصحاب النار أو يصرف إلى اليمين فينزل دار القرار ثم ليحضر ~~بعد أهوال القيامة في قلبه صورة جهنم ودركاتها ومقامعها وأهوالها وسلاسلها ~~وأغلالها وزقومها وصديدها وأنواع العذاب فيها وقبح صور الزبانية الموكلين ~~بها وأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها # وأنهم كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وأنهم إذا رأوها من مكان ~~بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وهلم جرا إلى جميع ما ورد في القرآن من شرحها # وإذا أراد أن يستجلب حال الرجاء فلينظر إلى الجنة ونعيمها وأشجارها ~~وأنهارها وحورها وولدانها ونعيمها المقيم وملكها الدائم PageV04P430 # فهكذا طريق الفكر الذي يطلب به العلوم التي تثمر اجتلاب أحوال محبوبة أو ~~التنزه عن صفات مذمومة # وقد ذكرنا في كل واحد من هذه الأحوال كتابا مفردا يستعان به على تفصيل ~~الفكر أما بذكر مجامعه فلا يوجد فيه أنفع من قراءة القرآن بالتفكر فإنه ~~جامع لجميع المقامات والأحوال وفيه شفاء للعالمين وفيه ما يورث الخوف ~~والرجاء والصبر والشكر والمحبة والشوق وسائر الأحوال وفيه ما يزجر عن سائر ~~الصفات المذمومة فينبغي أن يقرأه العبد ويردد الآية التي هو محتاج إلى ~~التفكر فيها مرة بعد أخرى ولو مائة مرة فقراءة آية بتفكر وفهم خير من ختمة ~~بغير تدبر وفهم ms2575 فليتوقف في التأمل فيها ولو ليلة واحدة فإن تحت كل كلمة ~~منها أسرارا لا تنحصر ولا يوقف عليها إلا بدقيق الفكر عن صفاء القلب بعد ~~صدق المعاملة # وكذلك مطالعة أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قد أوتي جوامع ~~الكلم (1) وكل كلمة من كلماته بحر من بحور الحكمة ولو تأملها العالم حق ~~التأمل لم ينقطع فيها نظره طول عمره # وشرح آحاد الآيات والأخبار يطول فانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم إن ~~روح القدس نفث في روعي أحبب من أحببت فإنك مفارقه وعش ما شئت فإنك ميت ~~واعمل ما شئت فإنك مجزى به (2) فإن هذه الكلمات جامعة حكم الأولين والآخرين ~~وهي كافية للمتأملين فيها طول العمر إذ لو وقفوا على معانيها وغلبت على ~~قلوبهم غلبة يقين لاستغرقتهم ولحال ذلك بينهم وبين التلفت إلى الدنيا ~~بالكلية # فهذا هو طريق الفكر في علوم المعاملة وصفات العبد من حيث هي محبوبة عند ~~الله تعالى أو مكروهة # والمبتدئ ينبغي أن يكون مستغرق الوقت في هذه الأفكار حتى يعمر قلبه ~~بالأخلاق المحمودة والمقامات الشريفة وينزه باطنه وظاهره عن المكاره وليعلم ~~أن هذا مع أنه أفضل من سائر العبادات فليس هو له غاية المطلب بل المشغول به ~~محجوب عن مطلب الصديقين وهوالتنعم بالفكر في جلال الله تعالى وجماله ~~واستغراق القلب بحيث يفنى عن نفسه أي ينسى نفسه وأحواله ومقاماته وصفاته ~~فيكون مستغرق الهم بالمحبوب كالعاشق المستهتر عند لقاء الحبيب فإنه لا ~~يتفرغ للنظر في أحوال نفسه وأوصافها بل كالمبهوت الغافل عن نفسه وهو منتهى ~~لذة العشاق # فأما ما ذكرناه فهو تفكر في عمارة الباطن ليصلح للقرب والوصال فإذا ضيع ~~جميع عمره في إصلاح نفسه فمتى يتنعم بالقرب ولذلك كان الخواص يدور في ~~البوادي فلقيه الحسين بن منصور وقال فيم أنت قال أدور في البوادي أصلح حالي ~~في التوكل فقال الحسين أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد ~~فالفناء في الواحد الحق هو غاية مقصد الطالبين ومنتهى نعيم الصديقين # وأما التنزه عن الصفات المهلكات ms2576 فيجري مجرى الخروج عن العدة في النكاح # وأما الاتصاف بالصفات المنجيات وسائر الطاعات فيجري مجرى تهيئة المرأة ~~وجهازها وتنظيفها ووجهها ومشطها شعرها لتصلح بذلك للقاء زوجها فإن استغرقت ~~جميع عمرها في تبرئة الرحم وتزيين الوجه كان ذلك حجابا لها عن لقاء المحبوب # فهكذا ينبغي أن تفهم طريق الدين إن كنت من أهل المجالسة وإن كنت كالعبد ~~السوء لا يتحرك إلا خوفا من الضرب وطمعا في الأجرة فدونك وإلعاب البدن ~~بالأعمال الظاهرة فإن بينك وبين القلب حجابا كثيفا فإذا قضيت حق الأعمال ~~كنت من أهل الجنة ولكن للمجالسة أقوم آخرون # وإذا عرفت مجال الفكر في علوم المعاملة التى بين العبد وبين ربه فينبغي ~~أن تتخذ ذلك عادتك وديدنك صباحا ومساء فلا تغفل عن نفسك وعن صفاتك المبعدة ~~من الله تعالى وأحوالك المقربة إليه سبحانه وتعالى # بل كل مريد فينبغي أن يكون له جريدة يثبت فيها PageV04P431 # جملة الصفات المهلكات وجملة الصفات المنجيات وجملة المعاصي والطاعات ~~ويعرض نفسه عليها كل يوم # ويكفيه من المهلكات النظر في عشرة فإنه إن سلم منها سلم من غيرها وهي ~~البخل والكبر والعجب والرياء والحسد وشدة الغضب وشره الطعام وشره الوقاع ~~وحب المال وحب الجاه # ومن المنجيات عشرة الندم على الذنوب والصبر على البلاء والرضا بالقضاء ~~والشكر على النعماء واعتدال الخوف والرجاء والزهد في الدنيا والإخلاص في ~~الأعمال وحسن الخلق مع الخلق وحب الله تعالى والخشوع له # فهذه عشرون خصلة عشرة مذمومة وعشرة محمودة فمهما كفى من المذمومات واحدة ~~فيخط عليها في جريدته ويدع الفكر فيها ويشكر الله تعالى على كفايته إياها ~~وتنزيه قلبه عنها ويعلم أن ذلك لم يتم إلا بتوفيق الله تعالى وعونه ولو ~~وكله إلى نفسه لم يقدر على محو أقل الرذائل عن نفسه فيقبل على التسعة ~~الباقية وهكذا يفعل حتى يخط على الجميع وكذا يطالب نفسه بالاتصاف بالمنجيات ~~فإذا اتصف بواحدة منها كالتوبة والندم مثلا خطعليها واشتغل بالباقي وهذا ~~يحتاج إليه المريد المشمر # وأما أكثر الناس من المعدودين من الصالحين فينبغي أن يثبتوا في ms2577 جرائدهم ~~المعاصي الظاهرة كأكل الشبهة وإطلاق اللسان بالغيبة والنميمة والمراء ~~والثناء على النفس والإفراط في معاداة الأعداء وموالاة الأولياء والمداهنة ~~مع الخلق في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن أكثر من يعد نفسه من ~~وجوه الصالحين لا ينفك عن جملة من هذه المعاصي في جوارحه وما لم يظهر ~~الجوارح عن الآثام لا يمكن الاشتغال بعمارة القلب وتطهيره # بل كل فريق من الناس يغلب عليهم نوع من المعصية فينبغي أن يكون تفقدهم ~~لها وتفكرهم فيها لا في معاص هم بمعزل عنها # مثاله العالم الورع فإنه لا يخلو في غالب الأمر عن إظهار نفسه بالعلم ~~وطلب الشهرة وانتشار الصيت إما بالتدريس أو بالوعظ ومن فعل ذلك تصدى لفتنة ~~عظيمة لا ينجو منها إلا الصديقون فإنه إن كان كلامه مقبولا حسن الوقع في ~~القلوب لم ينفك عن الإعجاب والخيلاء والتزين والتصنع وذلك من المهلكات وإن ~~رد كلامه لم يخل عن غيظ وأنفة وحقد على من يرده وهو أكثر من غيظه على من ~~يرد كلام غيره وقد يلبس الشيطان عليه ويقول إن غيظك من حيث إنه رد الحق ~~وأنكره فإن وجد تفرقة بين أن يرد عليه كلامه أو يرد على عالم آخر فهو مغرور ~~وضحكة للشيطان ثم مهما كان له ارتياح بالقبول وفرح بالثناء واستنكاف من ~~الرد أو الإعراض لم يخل عن تكلف وتصنع لتحسين اللفظ والإيراد حرصا على ~~استجلاب الثناء والله لا يحب المتكلفين والشيطان قد يلبس عليه ويقول إنما ~~حرصك على تحسين الألفاظ والتكلف فيها لينتشر الحق ويحسن موقعه في القلب ~~إعلاء لدين الله # فإن كان فرحه بحسن ألفاظه وثناء الناس عليه أكثر من فرحه بثناء الناس على ~~واحد من أقرانه فهو مخدوع وإنما يدور حول طلب الجاه وهو يظن أن مطلبه الدين ~~ومهما اختلج ضميره بهذه الصفات ظهر على ظاهره ذلك حتى يكون للموقر له ~~المعتقد لفضله أكثر احتراما ويكون بلقائه أشد فرحا واستبشارا ممن يغلو في ~~موالاة غيره وإن كان ذلك الغير مستحقا للموالاة وربما ينتهي الأمر بأهل ~~العلم ms2578 إلى أن يتغايروا تغاير النساء فيشق على أحدهم أن يختلف بعض تلامذته ~~إلى غيره وإن كان يعلم أنه منتفع بغيره ومستفيد منه في دينه # وكل ذلك رشح الصفات المهلكات المستكنة في سر القلب التى قد يظن العالم ~~النجاة منها وهو مغرور فيها وإنما ينكشف ذلك بهذه العلامات ففتنة العالم ~~عظيمة وهو إما مالك وإماهالك ولا مطمع له في سلامة العوام # فمن أحس في نفسه بهذه الصفات فالواجب عليه العزلة والانفراد وطلب الخمول ~~والمدافعة للفتاوي مهما سئل PageV04P432 # فقد كان المسجد يحوى في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم جميعا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم مفتون وكانوا يتدافعون الفتوى # وكل من كان يفتى كان يود أن يكفيه غيره # وعند هذا ينبغي أن يتقى شياطين الإنس إذا قالوا لا تفعل هذا فإن هذا ~~الباب لو فتح لاندرست العلوم من بين الخلق وليقل لهم إن دين الإسلام مستغن ~~عني فإنه قد كان معمورا قبلي وكذلك يكون بعدي ولو مت لا تنهدم أركان ~~الإسلام فإن الدين مستغن عني وأما أنا فلست مستغنيا عن إصلاح قلبي # وأما أداء ذلك إلى اندارس العلم فخيال يدل على غاية الجهل فإن الناس لو ~~حبسوا في السجن وقيدوا بالقيود وتوعدوا بالنار على طلب العلم لكان حب ~~الرياسة والعلو يحملهم على كسر القيود وهدم حيطان الحصون والخروج منها ~~والاشتغال بطلب العلم # فالعلم لا يندرس ما دام الشيطان يحبب إلى الخلق الرياسة والشيطان لا يفتر ~~عن عمله إلى يوم القيامة # بل ينتهض لنشر العلم أقوام لا نصيب لهم في الآخرة كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم (1) وإن الله ~~ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر (2) فلا ينبغي أن يغتر العالم بهذه ~~التلبيسات فيشتغل بمخالطة الخلق حتى يتربي في قلبه حب الجاه والثناء ~~والتعظيم فإن ذلك بذر النفاق # قال صلى الله عليه وسلم حب الجاه والمال ينبت النفاق في القلب كما ينبت ~~الماء البقل (3) وقال رسول الله صلى الله عليه ms2579 وسلم ما ذئبان ضاريان أرسلا ~~في زريبة غنم بأكثر إفساد فيها من حب الجاه والمال في دين المرء المسلم (4) ~~ولا ينقلع حب الجاه من القلب إلا بالاعتزال عن الناس والهرب من مخالطتهم ~~وترك كل ما يزيد جاهه في قلوبهم # فليكن فكر العالم في التفطن لخفايا هذه الصفات من قلبه وفي استنباط طريق ~~الخلاص منها وهذه وظيفة العالم المتقي # فأما أمثالنا فينبغي أن يكون تفكرنا فيما يقوي إيماننا بيوم الحساب إذ لو ~~رآنا السلف الصالحون لقالوا قطعا إن هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب فما ~~أعمالنا أعمال من يؤمن بالجنة والنار فإن من خاف شيئا هرب منه ومن رجا شيئا ~~طلبه وقد علمنا أن الهرب من النار بترك الشبهات والحرام وبترك المعاصي ونحن ~~منهمكون فيها وأن طلب الجنة بتكثير نوافل الطاعات ونحن مقصرون في الفرائض ~~منها # فلم يحصل لنا من ثمرة العلم إلا أنه يقتدى بنا في الحرص على الدنيا ~~والتكالب عليها ويقال لو كان هذا مذموما لكان العلماء أحق وأولى باجتنابه ~~منا # فليتنا كنا كالعوام إذا متنا ماتت معنا ذنوبنا # فما أعظم الفتنة التى تعرضنا لها لو تفكرنا فنسأل الله تعالى أن يصلحنا ~~ويصلح بنا ويوفقنا للتوبة قبل أن يتوفانا إنه الكريم اللطيف بنا المنعم ~~علينا # فهذه مجاري أفكار العلماء والصالحين في علم المعاملة فإن فرغوا منها ~~انقطع التفاتهم عن أنفسهم وارتقوا منها إلى التفكر في جلال الله وعظمته ~~والتنعم بمشاهدته بعين القلب ولا يتم ذلك إلا بعد الانفكاك من جميع ~~المهلكات والاتصاف بجميع المنجيات وإن ظهر شيء منه قبل ذلك كان مدخولا ~~معلولا مكدرا مقطوعا وكان ضعيفا كالبرق الخاطف لا يثبت ولا يدوم ويكون ~~كالعاشق الذي خلا بمعشوقه ولكن تحت ثيابه حيات وعقارب تلدغه مرة بعد أخرى ~~فتنغص عليه لذة المشاهدة ولا طريق له في كمال التنعم إلا بإخراج العقارب ~~والحيات من ثيابه # وهذه الصفات المذمومة عقارب وحيات وهي مؤذيات ومشوشات وفي القبر يزيد ألم ~~لدغها على PageV04P433 # لدغ العقارب والحيات # فهذا القدر كاف في التنبيه على مجارى فكر العبد في ms2580 صفات نفسه المحبوبة ~~والمكروهة عنه ربه تعالى # القسم الثاني الفكر في جلال الله وعظمته وكبريائه # وفيه مقامان المقام الأعلى الفكر في ذاته وصفاته ومعاني أسمائه وهذا مما ~~منع منه حيث قيل تفكروا في خلق الله تعالى ولا تفكروا في ذات الله وذلك لأن ~~العقول تتحير فيه فلا يطيق مد البصر إليه إلا الصديقون ثم لا يطيقون دوام ~~النظر # بل سائر الخلق أحوال أبصارهم بالإضافة إلى جلال الله تعالى كحال بصر ~~الخفاش بالإضافة إلى نور الشمس فإنه لا يطيقه البتة بل يختفي نهارا وانما ~~يتردد ليلا ينظر في بقية نور الشمس إذا وقع على الأرض # وأحوال الصديقين كحال الإنسان في النظر إلى الشمس فإنه يقدر على النظر ~~إليها ولا يطيق دوامه ويخشى على بصره لو أدام النظر ونظره المختطف إليها ~~يورث العمش ويفرق البصر # وكذلك النظر إلى ذات الله تعالى يورث الحيرة والدهش واضطراب العقل ~~فالصواب إذن أن لا يتعرض لمجاري الفكر في ذات الله سبحانه وصفاته فإن أكثر ~~العقول لا تحتمله بل القدر اليسير الذي صرح به بعض العلماء وهو أن الله ~~تعالى مقدس عن المكان ومنزه عن الأقطار والجهات وأنه ليس داخل العالم ولا ~~خارجه ولا هو متصل بالعالم ولا هو منفصل عنه قد حير عقول أقوام حتى أنكروه ~~إذ لم يطيقوا سماعه ومعرفته # بل ضعفت طائفة عن احتمال أقل من هذا إذ قيل لهم إنه يتعاظم ويتعالى عن أن ~~يكون له رأس ورجل ويد وعين وعضو وأن يكون جسما مشخصا له مقدار وحجم # فأنكروا هذا وظنوا أن ذلك قدح في عظمة الله وجلاله حتى قال بعض الحمقى من ~~العوام إن هذا وصف بطيخ هندي لا وصف الإله لظن المسكين أن الجلالة والعظمة ~~في هذه الأعضاء # وهذا لأن الإنسان لا يعرف إلا نفسه فلا يستعظم إلا نفسه فكل ما لا يساويه ~~في صفاته فلا يفهم العظمة فيه نعم غايته أن يقدر نفسه جميل الصورة جالسا ~~على سريره وبين يديه غلمان يمتثلون أمره فلا جرم غايته أن يقدر ذلك في ms2581 حق ~~الله تعالى وتقدس حتى يفهم العظمة # بل لو كان للذباب عقل وقيل له ليس لخالقك جناحان ولا يد ولا رجل ولا له ~~طيران لأنكر ذلك وقال كيف يكون خالقي أنقص مني أفيكون مقصوص الجناح أو يكون ~~زمنا لا يقدر على الطيران أو يكون لي آلة وقدرة لا يكون له مثلها وهو خالقي ~~ومصوري وعقول أكثر الخلق قريب من هذا العقل وإن الإنسان لجهول ظلوم كفار ~~ولذلك أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه لا تخبر عبادي بصفاتى فينكروني ولكن ~~أخبرهم عني بما يفهمون # ولما كان النظر في ذات الله تعالى وصفاته خطرا من هذا الوجه اقتضى أدب ~~الشرع وصلاح الخلق أن لا يتعرض لمجاري الفكر فيه لكنا نعدل إلى المقام ~~الثاني وهو النظر في أفعاله ومجاري قدره وعجائب صنعه وبدائع أمره في خلقه ~~فإنها تدل على جلاله وكبريائه وتقدسه وتعاليه وتدل على كمال علمه وحكمته ~~وعلى نفاذ مشيئته وقدرته # فينظر إلى صفاته من آثار صفاته فإنا لا نطيق النظر إلى صفاته كما أنا ~~نطيق النظر إلى الأرض مهما استنارت بنور الشمس # ونستدل بذلك على عظم نور الشمس بالإضافة إلى نور القمر وسائر الكواكب لأن ~~الأرض من آثار نور الشمس والنظر في الآثار يدل على المؤثر دلالة ما وإن كان ~~لا يقوم مقام النظر في نفس المؤثر # وجميع موجودات الدنيا أثر من آثار قدرة الله تعالى ونور من أنوار ذاته بل ~~لا ظلمة أشد من العدم ولا نور أظهر من الوجود # ووجود الأشياء كلها نور من أنوار ذاته تعالى وتقدس إذ قوام وجود الأشياء ~~بذاته القيوم بنفسه كما أن قوام PageV04P434 # نور الأجسام بنور الشمس المضيئة بنفسها ومهما انكشف بعض الشمس فقد جرت ~~العادة بأن يوضع طشت ماء حتى ترى الشمس فيه ويمكن النظر إليها فيكون الماء ~~واسطة يغض قليلا من نور الشمس حتى يطاق النظر إليها فكذلك الأفعال واسطة ~~نشاهد فيها صفات الفاعل ولا نبهر بأنوار الذات بعد أن تباعدنا عنها بواسطة ~~الأفعال # فهذا سر قوله صلى الله عليه وسلم تفكروا ms2582 في خلق الله ولا تتفكروا في ذات ~~الله تعالى ### ||| بيان كيفية التفكر في خلق الله تعالى # اعلم أن كل ما في الوجود مما سوى الله تعالى فهو فعل الله وخلقه وكل ذرة ~~من الذرات من جوهر وعرض وصفة وموصوف ففيها عجائب وغرائب تظهر بها حكمة الله ~~وقدرته وجلاله وعظمته وإحصاء ذلك غير ممكن لأنه لو كان البحر مدادا لذلك ~~لنفد البحر قبل أن ينفد عشر عشيره # ولكنا نشير إلى جمل منه ليكون ذلك كالمثال لماعداه # فنقول الموجودات المخلوقة منقسمة الى مالا يعرف أصلها فلا يمكننا التفكر ~~فيها وكم من الموجودات التى لا نعلمها كما قال الله تعالى ويخلق ما لا ~~تعلمون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا ~~يعلمون {وقال} وننشئكم فيما لا تعلمون {وإلى} ما يعرف أصلها وجملتها ولا ~~يعرف تفصيلها فيمكننا أن نتفكر في تفصيلها # وهي منقسمة إلى ما أدركناه بحس البصر وإلى ما لا ندركه بالبصر أما الذي ~~لا ندركه بالبصر فكالملائكة والجن والشياطين والعرش والكرسي وغير ذلك # ومجال الفكر في هذه الأشياء مما يضيق ويغمض # فلنعدل إلى الأقرب إلى الأفهام وهي المدركات بحس البصر وذلك هو السموات ~~السبع والأرض وما بينهما فالسموات مشاهدة بكواكبها وشمسها وقمرها وحركتها ~~ودورانها في طلوعها وغروبها والأرض مشاهدة بما فيها من جبالها ومعادنها ~~وأنهارها وبحارها وحيوانها ونباتها وما بين السماء والأرض وهو الجو مدرك ~~بغيومها وأمطارها وثلوجها ورعدها وبرقها وصواعقها وشهبها وعواصف رياحها # فهذه هي الأجناس المشاهدة من السموات والأرض وما بينهما وكل جنس منها ~~ينقسم إلى أنواع وكل نوع ينقسم إلى أقسام ويتشعب كل قسم إلى أصناف # ولا نهاية لانشعاب ذلك وانقسامه في اختلاف صفاته وهيآته ومعانيه الظاهرة ~~والباطنة وجميع ذلك مجال الفكر # فلا تتحرك ذرة في السموات والأرض من جماد ولا نبات ولا حيوان ولا فلك ولا ~~كوكب إلا والله تعالى هو محركها وفي حركتها حكمة أو حكمتان أو عشر أو ألف ~~حكمة كل ذلك شاهد لله تعالى بالوحدانية ودال على جلاله وكبريائه وهي ms2583 الآيات ~~الدالة عليه # وقد ورد القرآن بالحث على التفكر في هذه الايات كما قال الله تعالى إن في ~~خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب وكما قال ~~تعالى ومن آياته من أول القرآن إلى آخره فلنذكر كيفية الفكر في بعض الآيات # فمن آياته الإنسان المخلوق من النطفة وأقرب شيء إليك نفسك وفيك من ~~العجائب الدالة على عظمة الله تعالى ما تنقضي الأعمار في الوقوف على عشر ~~عشيره وأنت غافل عنه # فيامن هو غافل عن نفسه وجاهل بها كيف تطمع في معرفة غيرك وقد أمرك الله ~~تعالى بالتدبر في نفسك في كتابه العزيز فقال وفي أنفسكم أفلا تبصرون وذكر ~~أنك مخلوق من نطفة قذرة فقال قتل الإنسان ما أكفره من أي شئ خلقه من نطفة ~~خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره وقال تعالى ~~ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون وقال تعالى PageV04P435 # ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى وقال تعالى ألم نخلقكم من ~~ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم {وقال} أولم ير الإنسان أنا ~~خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين {وقال} إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ~~ثم ذكر كيف جعل النطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظاما فقال تعالى ولقد ~~خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا ~~النطفة علقة الآية # فتكرير ذكر النطفة في الكتاب العزيز ليس ليسمع لفظه ويترك التفكر في ~~معناه فانظر الآن إلى النطفة وهي قطرة من الماء قذرة لو تركت ساعة ليضربها ~~الهواء فسدت وأنتنت كيف أخرجها رب الأرباب من الصلب والترائب وكيف جمع بين ~~الذكر والأنثى وألقى الألفة والمحبة في قلوبهم وكيف قادهم بسلسلة المحبة ~~والشهوة إلى الاجتماع وكيف استخرج النطفة من الرجل بحركة الوقاع وكيف ~~استجلب دم الحيض من أعماق العروق وجمعه في الرحم # ثم كيف خلق المولود من النطفة وسقاه بماء الحيض وغذاه حتى نما وربا ms2584 وكبر ~~وكيف جعل النطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء ثم كيف جعلها مضغة ثم كيف قسم ~~أجزاء النطفة وهي متساوية متشابهة إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار ~~واللحم ثم كيف ركب من اللحوم والأعصاب والعروق الأعضاء الظاهرة فدور الرأس ~~وشق السمع والبصر والأنف والفم وسائر المنافذ ثم مد اليد والرجل وقسم ~~رءوسها بالأصابع وقسم الأصابع بالأنامل ثم كيف ركب الأعضاء الباطنة من ~~القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل واحد على ~~شكل مخصوص ومقدار مخصوص لعمل مخصوص ثم كيف قسم كل عضو من هذه الأعضاء ~~بأقسام أخر فركب العين من سبع طبقات لكل طبقة وصف مخصوص وهيئة مخصوصة لو ~~فقدت طبقة منها أو زالت صفة من صفاتها تعطلت العين عن الإبصار فلو ذهبنا ~~إلى أن نصف ما في آحاد هذه الأعضاء من العجائب والآيات لانقضي فيه الأعمار # فانظر الآن إلى العظام وهي أجسام صلبة قوية كيف خلقها من نطفة سخيفة ~~رقيقة ثم جعلها قواما للبدن وعمادا له ثم قدرها بمقادير مختلفة وأشكال ~~مختلفة فمنه صغير وكبير وطويل ومستدير ومجوف ومصمت وعريض ودقيق # ولما كان الإنسان محتاجا إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه مفتقرا ~~للتردد في حاجاته لم يجعل عظمه عظما واحدا بل عظاما كثيرة بينها مفاصل حتى ~~تتيسر بها الحركة وقدر شكل كل واحدة منها على وفق الحركة المطلوبة بها ثم ~~وصل مفاصلها وربط بعضها ببعض بأوتار أنبتها من أحد طرفي العظم وألصقه ~~بالعطم الآخر كالرباط له ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة منه وفي ~~الآخر حفرا غائصة فيه موافقة لشكل الزوائد لتدخل فيها وتنطبق عليها فصار ~~العبد إن أراد تحريك جزء من بدنه لم يمتنع عليه ولولا المفاصل لتعذر عليه ~~ذلك # ثم انظر كيف خلق عظام الرأس وكيف جمعها وركبها وقد ركبها من خمسة وخمسين ~~عظما مختلفة الأشكال والصور فألف بعضها إلى بعض بحيث استوى به كرة الرأس ~~كما تراه فمنها ستة تخص القحف وأربعة عشر للحي الأعلى واثنان للحي الأسفل ~~والبقية هي الأسنان بعضها عريضة ms2585 تصلح للطحن وبعضها حادة تصلح للقطع وهي ~~الأنياب والأضراس والثنايا ثم جعل الرقبة مركبا للرأس وركبها من سبع خرزات ~~مجوفات مستديرات فيها تحريفات PageV04P436 # وزيادات ونقصانات لينطبق بعضها على بعض ويطول ذكر وجه الحكمة فيها # ثم ركب الرقبة على الظهر وركب الظهر من أسفل الرقبة إلى منتهى عظم العجز ~~من أربع وعشرين خرزة وركب عظم العجز من ثلاثة أجزاء مختلفة فيتصل به من ~~أسفله عظم العصعص وهو أيضا مؤلف من ثلاثة أجزاء # ثم وصل عظام الظهر بعظام الصدر وعظام الكتف وعظام اليدين وعظام العانة ~~وعظام العجز وعظام الفخذين والساقين وأصابع الرجلين فلا نطول بذكر عدد ذلك ~~ومجموع عدد العظام فى بدن الإنسان مائتا عظم وثمانية وأربعون عظما سوى ~~العظام الصغيرة التى حشى بها خلل المفاصل فانظر كيف خلق جميع ذلك من نطفة ~~سخيفة رقيقة # وليس المقصود من ذكر أعداد العظام أن يعرف عددها فإن هذا علم قريب يعرفه ~~الأطباء والمشرحون إنما الغرض أن ينظر منها فى مدبرها وخالقها أنه كيف ~~قدرها ودبرها وخالف بين أشكالها وأقدارها وخصصها بهذا العدد المخصوص لأنه ~~لو زاد عليها واحدا لكان وبالا على الإنسان يحتاج إلى قلعه ولو نقص منها ~~واحدا لكان نقصانا يحتاج إلى جبره فالطبيب ينظر فيها ليعرف وجه العلاج فى ~~جبرها وأهل البصائر ينظرون فيها ليستدلوا بها على جلالة خالقها ومصورها ~~فشتان بين النظرين # ثم انظر كيف خلق الله تعالى آلات لتحريك العظام وهو العضلات فخلق فى بدن ~~الإنسان خمسمائة عضلة وتسعا وعشرين عضلة والعضلة مركبة من لحم وعصب ورباط ~~وأغشية وهى مختلفة المقادير والأشكال بحسب اختلاف مواضعها وقدر حاجاتها ~~فأربع وعشرون عضلة منها هى لتحريك حدقة العين وأجفانها لو نقصت واحدة من ~~جملتها اختل أمر العين وهكذا لكل عضو عضلات بعدد مخصوص وقدر مخصوص وأمر ~~الاعصاب والعروق والأوردة والشرايين وعددها ومنابتها وانشعاباتها أعجب من ~~هذا كله وشرحه يطول فللفكر مجال فى آحاد هذه الأجزاء ثم فى جملة البدن فكل ~~ذلك نظر إلى عجائب أجسام البدن وعجائب المعانى والصفات التي لا تدرك ~~بالحواس ms2586 أعظم فانظر الآن إلى ظاهر الإنسان وباطنه وإلى بدنه وصفاته فترى به ~~من العجائب والصنعة ما يقضى به العجب وكل ذلك صنع الله في قطرة ماء قذرة ~~فترى من هذا صنعه في قطرة ماء فما صنعه فى ملكوت السموات وكواكبها وما ~~حكمته فى أوضاعها وأشكالها ومقاديرها وأعدادها واجتماع بعضها وتفرق بعضها ~~واختلاف صورها وتفاوت مشارقها ومغاربها فلا تظنن أن ذرة من ملكوت السموات ~~تنفك عن حكمة وحكم بل هي أحكم حلقا وأتقن صنعا وأجمع للعجائب من بدن ~~الإنسان بل لا نسبة لجميع ما في الأرض إلى عجائب السموات ولذلك قال تعالى ~~أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها # فارجع الآن إلى النطفة وتأمل حالها أولا وما صارت إليه ثانيا وتأمل أنه ~~لو اجتمع الجن والإنس على أن يخلقوا للنطفة سمعا أو بصرا أو عقلا أو قدرة ~~أو علما أو روحا أو يخلقوا فيها عظما أو عرقا أو عصبا أو جلدا أو شعرا هل ~~يقدرون على ذلك بل لو أرادوا أن يعرفوا كنه حقيقته وكيفية خلقته بعد أن خلق ~~الله تعالى ذلك لعجزوا عنه فالعجب منك لو نظرت إلى صورة إنسان مصور على ~~حائط تأنق النقاش فى تصويرها حتى قرب ذلك من صورة الإنسان وقال الناظر ~~إليها كأنه إنسان عظم تعجبك من صنعة النقاش وحذقه وخفة يده وتمام فطنته ~~وعظم فى قلبك محله مع أنك تعلم أن تلك الصورة إنما تمت بالصبغ والقلم واليد ~~وبالقدرة وبالعلم وبالإرادة وشىء من ذلك ليس من PageV04P437 # فعل النقاش ولا خلقه بل هو من خلق غيره وإنما منتهى فعله الجمع بين الصبغ ~~والحائط على ترتيب مخصوص فيكثر تعجبك منه وتستعظمه # وأنت ترى النطفة القذرة كانت معدومة فخلقها خالقها في الأصلاب والترائب ~~ثم أخرجها منها وشكلها فأحسن تشكيلها وقدرها فأحسن تقديرها وتصويرها وقسم ~~أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة فأحكم العظام في أرجائها وحسن أشكال ~~أعضائها وزين ظاهرها وباطنها ورتب عروقها وأعصابها وجعلها مجرى لغذائها ~~ليكون ذلك سبب بقائها وجعلها سميعة بصيرة ms2587 عالمة ناطفة وخلق لها الظهر أساسا ~~لبدنها والبطن حاويا لآلات غذائها والرأس جامعا لحواسها ففتح العينين ورتب ~~طبقاتها وأحسن شكلها ولونها وهيئاتها ثم حماها بالأجفان لتسترها وتحفظها ~~وتصقلها وتدفع الأقذاء عنها ثم أظهر في مقدار عدسة منها صورة السموات مع ~~اتساع أكنافها وتباعد أقطارها فهو ينظر إليها ثم شق أذنيه وأودعهما ماء مرا ~~ليحفظ سمعها ويدفع الهوام عنها وحوطها بصدقة الأذن لتجمع الصوت فترده إلى ~~صماخها ولتحس بدبيب الهوام إليها وجعل فيها تحريفات واعوجاجات لتكثر حركة ~~ما يدب فيها ويطول طريقه فيتنبه من النوم صاحبها إذا قصدها دابة في حال ~~النوم ثم رفع الأنف من وسط الوجه وأحسن شكله وفتح منخريه وأودع فيه حاسه ~~الشم ليستدل باستنشاق الروايح على مطاعمه وأغذيته وليستنشقة بمنفذ المنخرين ~~روح الهواء غذاء لقلبه وترويحا لحرارة باطنه وفتح الفم وأودعه اللسان ناطقا ~~وترجما ومعربا عما في القلب وزين الفم بالأسنان لتكون آلة الطحن والكسر ~~والقطع فأحكم أصولها وحدد رءوسها وبيض لونها ورتب صفوفها متساوية الرءوس ~~متناسقة الترتيب كأنها الدر المنظوم وخلق الشفتين وحسن لونها وشكلها لتنطبق ~~على الفم فتسد منفذه وليتم بها حروف الكلام وخلق الحنجرة وهيأها لخروج ~~الصوت وخلق للسان قدرة للحركات والتقطيعات لتتقطع الصوت في مخارج مختلفة ~~تختلف بها الحروف ليتسع بها طريق النطق بكثرتها ثم خلق الحناجر مختلفة ~~الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة وصلابة الجوهر ورخاوته والطول ~~والقصر حتى اختلفت بسببها الأصوات فلا يتشابه صوتان بل يظهر بين كل صوتين ~~فرقا حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت في الظلمة ثم زين الرأس ~~بالشعر والأصداغ وزين الوجه باللحية والحاجبين وزين الحاجب برقة الشعر ~~واستقواس الشكل وزين العينين بالأهداب # ثم خلق الأعضاء الباطنة وسخر كل واحد لفعل مخصوص فسخر المعدة لنضج الغذاء ~~والكبد لإحالة الغذاء إلى الدم والطحال والمرارة والكلية لخدمة الكبد ~~فالطحال يخدمها بجذب السوداء عنها والمرارة تخدمها بجذب الصفراء عنها ~~والكلية تخدمها بجذب المائية عنها والمثانة تخدم الكلية بقبول الماء عنها ~~ثم تخرجه في طريق الإحليل والعروق تخدم الكبد ms2588 في إيصال الدم إلى سائر أطراف ~~البدن ثم خلق اليدين وطولهما لتمتد إلى المقاصد وعرض الكف وقسم الأصابع ~~الخمس وقسم كل أصبع بثلاث أنامل ووضع الأربعة في جانب والإبهام في جانب ~~لتدور الإبهام على الجميع ولو اجتمع الأولون والآخرون على أن يستنبطوا ~~بدقيق الفكر وجها آخر فى وضع الأصابع سوى ما وضعت عليه من بعد الإبهام عن ~~الأربع وتفاوت الأربع فى الطول وترتيبها فى صف واحد لم يقدروا عليه إذ بهذا ~~الترتيب صلحت اليد للقبض والإعطاء فإن بسطها كانت له طبقا يضع عليها ما ~~يريد وإن جمعها كانت له آلة للضرب وإن ضمها ضما غير تام كانت مغرفة له وإن ~~بسطها وضم أصابعها كانت مجرفة له ثم خلق الأظفار على رءوسها زينة للأنامل ~~وعمادا لها من ورائها حتى لا تنقطع وليلتقط بها الأشياء الدقيقة التي PageV04P438 # لا تتناولها الأنامل وليحك بها بدنه عند الحاجة فالظفر الذى هو أخس ~~الأعضاء لو عدمه الإنسان وظهر به حكة لكان أعجز الخلق وأضعفهم ولم يقم أحد ~~مقامه فى حك بدنه ثم هدى اليد إلى موضع الحك حتى تمتد إليه ولو في النوم ~~والغفلة من غير حاجة إلى طلب ولو استعان بغيره لم يعثر على موضع الحك إلا ~~بعد تعب طويل ثم خلق هذا كله من النطفة وهي في داخل الرحم فى ظلمات ثلاث ~~ولو كشف الغطاء والغشاء وامتد إليه البصر لكان يرى التخطيط والتصوير يظهر ~~عليها شيئا فشيئا ولا يرى المصور ولا آلته فهل رأيت مصورا أو فاعلا لا يمس ~~آلته ومصنوعه ولا يلاقيه وهو يتصوف فيه فسبحانه ما أعظم شأنه وأظهر برهانه # ثم انظر مع كمال قدرته إلى تمام رحمته فإنه لما ضاق الرحم عن الصبي لما ~~كبر كيف هداه السبيل حتى تنكس وتحرك وخرج من ذلك المضيق وطلب المنفذ كأنه ~~عاقل بصير بما يحتاج إليه # ثم لما خرج واحتاج إلى الغذاء كيف هداه إلى التقام الثدي ثم لما كان بدنه ~~سخيفا لا يحتمل الأغذية الكثيفة كيف دبر له في خلق اللبن اللطيف واستخرجه ms2589 ~~من بين الفرث والدم سائغا خالصا وكيف خلق الثديين وجمع فيهما اللبن وأنبت ~~منهما حلمتين على قدر ما ينطبق عليهما فم الصبي ثم فتح في حلمة الثدي ثقبا ~~ضيقا جدا حتى لا يخرج اللبن منه إلا بعد المص تدريجا فإن الطفل لايطيق منه ~~إلا القليل ثم كيف هداه للامتصاص حتى يستخرج من ذلك المضيق اللبن الكثير ~~عند شدة الجوع # ثم انظر إلى عطفه ورحمته ورأفته كيف أخر خلق الأسنان إلى تمام الحولين ~~لأنه في الحولين لا يتغذى إلا باللبن فيستغني عن السن وإذا كبر لم يوافقه ~~اللبن السخيف ويحتاج إلى طعام غليظ ويحتاج الطعام إلى المضغ والطحن فأنبت ~~له الأسنان عند الحاجة لا قبلها ولا بعدها فسبحانه كيف أخرج تلك العظام ~~الصلبة فى تلك اللثات اللينة ثم حنن قلوب الوالدين عليه للقيام بتدبيره في ~~الوقت الذي كان عاجزا عن تدبير نفسه فلو لم يسلط الله الرحمة على قلوبهما ~~لكان الطفل أعجز الخلق عن تدبير نفسه # ثم انظر كيف رزقه القدرة والتمييز والعقل والهداية تدريجا حتى بلغ وتكامل ~~فصار مراهقا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا إما كفورا أو شكورا مطيعا أو عاصيا ~~مؤمنا أو كافرا تصديقا لقوله تعالى هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن ~~شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ~~إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا فانظر إلى اللطف والكرم ثم إلى ~~القدرة والحكمة تبهرك عجائب الحضرة الربانية # والعجب كل العجب ممن يرى خطا حسنا أو نقشا حسنا على حائط فيستحسنه فيصرف ~~جميع همه إلى التفكر في النقاش والخطاط وأنه كيف نقشه وخطه وكيف اقتدر عليه ~~ولا يزال يستعظمه في نفسه ويقول ما أحذقه وما أكمل صنعته وأحسن قدرته ثم ~~ينظر إلى هذه العجائب في نفسه وفي غيره ثم يغفل عن صانعه ومصوره فلا تدهشه ~~عظمته ولا يحيره جلاله وحكمته فهذه نبذة من عجائب بدنك التي لا يمكن ~~استقصاؤها فهو أقرب مجال لفكرك وأجلى شاهد على عظمة خالقك وأنت غافل ms2590 عن ذلك ~~مشغول ببطنك وفرجك ولا تعرف من نفسك إلا أن تجوع فتأكل وتشبع فينام وتشتهى ~~فتجامع وتغضب فتقاتل والبهائم كلها تشاركك في معرفة ذلك وإنما خاصية ~~الإنسان التي حجبت البهائم عنها معرفة الله تعالى بالنظر في ملكوت السموات ~~والأرض وعجائب الآفاق والأنفس إذ بها يدخل العبد في زمرة الملائكة المقربين ~~ويحشر في زمرة النبيين والصديقين مقربا من حضرة رب العالمين وليست هذه ~~المنزلة للبهائم ولا لإنسان رضي من الدنيا بشهوات البهائم فإنه شر من ~~البهائم بكثير PageV04P439 # إذ لا قدرة للبهيمة على ذلك وأما هو فقد خلق الله له القدرة ثم عطلها ~~وكفر نعمة الله فيها فأولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا # وإذا عرفت طريق الفكر في نفسك فتفكر في الأرض التي هي مقرك ثم في أنهارها ~~وجبالها ومعادتها ثم ارتفع منها إلى ملكوت السموات أما الأرض فمن آياته أن ~~خلق الأرض فراشا ومهادا وسلك فيها سبلا فجاجا وجعلها ذلولا لتمشوا في ~~مناكبها وجعلها قارة لا تتحرك وأرسى فيها الجبال أوتادا لها تمنعها من أن ~~تميد ثم وسع أكنافها حتى عجز الآدميون عن بلوغ جميع جوانبها وإن طالت ~~إعمارهم وكثر تطوافهم فقال تعالى والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض ~~فرشناها فنعم الماهدون وقال تعالى هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى ~~مناكبها وقال تعالى الذى جعل لكم الأرض فراشا وقد أكثر فى كتابه العزيز ممن ~~ذكر الأرض ليتفكر في عجائبها فظهرها مقر للأحياء وبطنها مرقد للأموات قال ~~تعالى ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا # فانظر إلى الأرض وهى ميتة فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت واخضرت ~~وأنبتت عجائب النبات وخرجت منها أصناف الحيوانات ثم انظر كيف أحكم جوانب ~~الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب وكيف أودع المياه تحتها ففجر ~~العيون وأسال الأنهار تجري على وجهها وأخرج من الحجارة اليابسة ومن التراب ~~الكدر ماء رقيقا عذبا صافيا زلالا وجعل به كل شيء حي فأخرج به فنون الأشجار ~~والنبات من حب وعنب وقضب وزيتون ونخل ورمان وفواكه كثيرة لا تحصى مختلفة ms2591 ~~الأشكال والألوان والطعوم والصفات والأرابيح يفضل بعضها على بعض في الأكل ~~تسقى بماء واحد وتخرج من أرض واحدة # فإن قلت إن اختلافها باختلاف بذورها وأصولها فمتى كان فى النواة نخلة ~~مطوقة لعناقيد الرطب ومتى كان فى حبة واحدة سمع سنابل فى كل سنبلة مائة ثم ~~انظر إلى أرض البوادي وفتش ظاهرها وباطنها فتراها ترابا متشابها فإذا أنزل ~~عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ألوانا مختلفة ونباتا ~~متشابها وغير متشابه لكل واحد طعم وريح ولون وشكل يخالف الآخر فانظر إلى ~~كثرتها واختلاف أصنافها وكثرة أشكالها ثم اختلاف طبائع النبات وكثرة منافعه ~~وكيف أودع الله تعالى العقاقير المنافع الغريبة فهذا النبات يغذي وهذا يقوي ~~وهذا يحيي وهذا يقتل وهذا يبرد وهذا يسخن وهذا إذا حصل في المعدة قمع ~~الصفراء من أعماق العروق وهذا يستحيل إلى الصفراء وهذا يقمع البلغم ~~والسوداء وهذا يستحيل إليهما وهذا يصفى الدم وهذا يستحل دما وهذا يفرح وهذا ~~ينوم وهذا يقوى وهذا يضعف فلم تنبت من الأرض ورقة ولا تبنة إلا وفيها منافع ~~لا يقوى البشر على الوقوف على كنهها وكل واحد من هذا النبات يحتاج الفلاح ~~في تربيته إلى عمل مخصوص فالنخل تؤثر الكرم يكسح والزرع ينقى عنه الحشيش ~~والدغل وبعض ذلك يستنبت ببث البذر فى الأرض وبعضه بغرس الأغصان وبعضه يركب ~~فى الشجر ولو أردنا أن نذكر اختلاف أجناس النبات وأنواعة ومنافعه وأحواله ~~وعجائبه لا نقضت الأيام في وصف ذلك فيكفيك من كل جنس نبذة يسيرة تدلك على ~~طريق الفكر فهذه عجائب النبات # ومن أياته الجواهر المودعة تحت الجبال والمعادن الحاصلة من الأرض ففى ~~الأرض قطع متجاورات مختلفة فانظر إلى الجبال كيف يخرج منها الجواهر النفيسة ~~من الذهب والفضة والفيروزج واللعل وغيرها بعضها منطبعة تحت المطارق كالذهب ~~والفضة والنحاس والرصاص والحديد وبعضها لا ينطبع كالفيروزوج واللعل PageV04P440 # وكيف هدى الله الناس إلى استخراجها وتنقيتها واتخاذ الأوانى والآلات ~~والنقود والحلى منها ثم انظر إلى معادن الأرض من النفط والكبريت والقار ~~وغيرها وأقلها الملح ولا يحتاج ms2592 إليه إلا لتطييب الطعام ولو خلت عنه بلدة ~~لتسارع الهلاك إليها فانظر إلى رحمة الله تعالى كيف خلق بعض الأراضى سبخة ~~بجوهرها بحيث يجتمع فيها الماء الصافى من المطر فيستحيل ملحا مالحا محرقا ~~لا يمكن تناول مثقال منه ليكون ذلك تطييبا لطعامك إذا أكلته فيتهنأ عيشك ~~وما من جماد ولا حيوان ولا نبات إلا وفيه حكمة وحكم من هذا الجنس ما خلق ~~شىء منها عبثا ولا لعبا ولا هزلا بل خلق الكل بالحق كما ينبغى وعلى الوجه ~~الذى ينبغى وكما يليق بجلاله وكرمه ولطفه ولذلك قال تعالى وما خلقنا ~~السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقنهما إلا بالحق # ومن آياته أصناف الحيوانات وانقسمها إلى ما يطير وإلى ما يمشي وانقسام ما ~~يمشي إلى ما يمشي على رجلين وإلى ما يمشى على أربع وعلى عشر وعلى مائة كما ~~يشاهد في بعض الحشرات ثم انقسامها في المنافع والصور والأشكال والأخلاق ~~والطباع فانظر إلى طيور الجو وإلى وحوش البر والبهائم الأهلية ترى فيها من ~~العجائب ولا تشك معه في عظمة خالقها وقدرة مقدرها وحكمة مصورها وكيف يمكن ~~أن يستقصى ذلك بل لو أردنا أن نذكر عجائب البقة أو النملة أو النخلة أو ~~العنكبوت وهى من صغار الحيوانات بنائها بيتها وفي جمعها غذاءها وفي إلفها ~~لزوجها وفى ادخارها لنفسا وفي حذقها في هندسة بيتها وفي هدايتها إلى ~~حاجاتها لم نقدر على ذلك فترى العنكبوت يبنى بيته على طرف نهر فيطلب أولا ~~موضعين متقاربين بينهما فرجة بمقدار ذراع فما دونه حتى يمكنه أن يصل بالخيط ~~بين طرفيه ثم يبتدىء ويلقى اللعاب الذى هو خيطه على جانب ليلتصق به ثم يغدو ~~إلى الجانب الآخر فيحكم الطرف الآخر من الخيط ثم كذلك يتردد ثانيا وثالثا ~~ويجعل بعد ما بينهما متناسبا تناسبا هندسيا حتى إذا أحكم معاقد القمط ورتب ~~الخيوط كالسدى اشتغل باللحمة فيضع اللحمة على السدى ويضيف بعضه إلى بعض ~~ويحكم العقد على موضع التقاء اللحمة بالسدى ويراعى فى جميع ذلك تناسب ~~الهندسة ويجعل ذلك شبكة يقع ms2593 فيها البق والذباب ويقعد فى زاوية مترصدا لوقوع ~~الصيد فى الشبكة فإذا وقع الصيد بادر إلى أخذه وأكله فإن عجز عن الصيد كذلك ~~طلب لنفسه زاوية من حائط ووصل بين طرفى الزاوية بخيط ثم علق نفسه فيها بخيط ~~آخر وبقى منكسا فى الهواء ينتظر ذبابة تطير فإذا طارت رمى بنفسه إليه فإخذه ~~ولف خيطه على رجليه وأحكمه ثم أكله وما من حيوان صغير ولا كبير إلا وفيه من ~~العجائب ما لا يحصى أفترى أنه تعلم هذه الصنعة من نفسه أو تكون بنفسه أو ~~كونه آدمى أو علمه أو لا هادى له ولا معلم أفيشك ذو بصيرة فى أنه مسكين ~~ضعيف عاجز بل الفيل العظيم شخصه الظاهرة قوته عاجز عن أمر نفسه فكيف هذا ~~الحيوان الضعيف أفلا يشهد هو بشكله وصورته وحركته وهدايته وعجائب صنعته ~~لفاطره الحكيم وخالقه القادر العليم فالبصير يرى في هذا الحيوان الصغير من ~~عظمة الخالق المدبر وجلاله وكمال قدرته وحكمته ما تتحير فيه الألباب ~~والعقول فضلا عن سائر الحيوانات وهذا الباب أيضا لا حصر له فإن الحيوانات ~~وأشكالها وأخلاقها وطباعها غير محصورة وإنما سقط تعجب القلوب منها لأنسها ~~بكثرة المشاهدة نعم إذا رأى حيوانا غريبا ولو دودا تجدد تعجبه وقال سبحان ~~الله ما أعجبه والإنسان أعجب الحيوانات وليس يتعجب من نفسه بل لو نظر إلى ~~الأنعام التى ألفها تعجبه وقال سبحان الله ما أعجبه والإنسان أعجب ~~الحيوانات وليس يتعجب من نفسه بل لو نظر إلى الأنعام التي ألفها ونظر إلى ~~أشكالها وصورها ثم إلى منافعها وفوائدها من جلودها وأصوافها وأوبارها ~~وأشعارها التي جعلها الله لباسا لخلقه وأكانا لهم في ظعنهم وإقامتهم وآنية ~~لأشربتهم وأوعية لأغذيتهم وصوانا لأقدامهم وجعل PageV04P441 # ألبانها ولحومها أغذية لهم ثم جعل بعضها زينة للركوب وبعضها حاملة ~~للأثقال قاطعة للبوادي والمفازات البعيدة لأكثر الناظر التعجب من حكمة ~~خالقها ومصورها فإنه ما خلقها إلا بعلم محيط بجميع منافعها سابق على خلقه ~~إياها فسبحان من الأمور مكشوفة في علمه من غير تفكر ومن غير تأمل وتدبر ومن ms2594 ~~غير استعانة بوزير أو مشير فهو العليم الخبير القدير فلقد استخرج بأقل ~~القليل مما خلقه صدق الشهادة من قلوب العارفين بتوحيده فما للخلق إلا ~~الإذعان لقهره وقدرته والاعتراف بربوبيته والإقرار بالعجز عن معرفة جلاله ~~وعظمته فمن ذا الذي يحصي ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وإنما غاية ~~معرفتنا الاعتراف بالعجز عن معرفته فنسأل الله تعالى أن يكرمنا بهدايته ~~بمنه ورأفته ومن آياته البحار العميقة المكتنفة لأقطار الأرض التى هى قطع ~~من البحر الأعظم المحيط بجميع الأرض حتى إن جميع المكشوف من البوادى ~~والجبال والأرض بالإضافة إلى الماء كجزيرة صغيرة فى بحر عظيم وبقية الأرض ~~مستورة بالماء قال النبي صلى الله عليه وسلم الأرض في البحر كالاصطبل في ~~الأرض فانسب اصطبلا إلى جميع الأرض واعلم أن الأرض بالإضافة إلى البحر مثله # وقد شاهدت عجائب الأرض وما فيها فتأمل الآن عجائب البحر فإن عجائب ما فيه ~~من الحيوان والجواهر أضعاف عجائب ما تشاهده على وجه الأرض كما أن سعته ~~أضعاف سعة الارض ولعظم البحر كان فيه من الحيوانات العظام ما ترى ظهورها فى ~~البحر فتظن أنها جزيرة فينزل أنها جزيرة فينزل الركاب عليها فربما تحس ~~بالنيران إذا اشتغلت فتتحرك ويعلم أنها حيوان وما من صنف من أصناف حيوان ~~البر من فرس أو طير أو بقر أو إنسان إلا وفى البحر أمثاله وأضعافه وفيه ~~أجناس لا يعهد لها نظير فى البر وقد ذكرت أوصافها فى مجلدات وجمعها أقوام ~~عنوا بركوب البحر وجمع عجائبه # ثم انظر كيف خلق الله اللؤلؤ ودوره في صدفه تحت الماء وانظر كيف أنبت ~~المرجان من صم الصخور تحت الماء وإنما هو نبات على هيئة شجر ينبت من الحجر ~~ثم تأمل ما عداه من العنبر وأصناف النفائس التي يقذفها البحر وتستخرج منه ~~ثم انظر إلى عجائب السفن كيف أمسكها الله تعالى على وجه الماء وسير فيها ~~التجار وطلاب الأموال وغيرهم وسخر لهم الفلك لتحمل أثقالهم ثم أرسل الرياح ~~لتسوق السفن ثم عرف الملاحين موارد الرياح ومهابها ومواقيتها ولا ms2595 يستقصى ~~على الجملة عجائب صنع الله فى البحر فى مجلدات وأعجب من ذلك كله ما هو أظهر ~~من كل ظاهر وهو كيفية قطرة الماء وهو جسم رقيق لطيف سيال مشف متصل الأجزاء ~~كأنه شيء واحد لطيف التركيب سريع القبول للتقطيع كأنه منفصل مسخر للتصرف ~~قابل للانفصال والاتصال به حياة كل ما على وجه الأرض من حيوان ونبات فلو ~~احتاج العبد إلى شربة ماء ومنع منها لبذل جميع خزائن الأرض وملك الدنيا في ~~تحصيلها لو ملك ذلك ثم لو شربها ومنع من إخراجها لبذل جميع خزائن الأرض ~~وملك الدنيا في إخراجها فالعجب من الآدمي كيف يستعظم الدينار والدرهم ~~ونفائس الجواهر ويغفل عن نعمة الله في شربة ماء إذا احتاج إلى شربها أو ~~الاستفراغ عنها بذل جميع الدنيا فيها فتأمل في عجائب المياه والأنهار ~~والآبار والبحار ففيها متسع للفكر ومجال # وكل ذلك شواهد متظاهرة وآيات متناصرة ناطقة بلسان حالها مفصحة عن جلال ~~بارئها معربة عن كمال حكمته فيها منادية أرباب القلوب بنغماتها قائلة لكل ~~ذى لب أما ترانى وترى صورتى وتركيبى PageV04P442 # وصفات ومنافعى واختلاف حالاتى وكثرة فوائدى أتظن أنى كونت نفسى أو خلقنى ~~أحد من جنسى أو ما تستحيى أن تنظر فى كلمة مرقومة من ثلاثة أحرف فتقطع ~~بأنها من صنعة آدمى عالم قادر مريد متكلم ثم تنظر إلى عجائب الخطوط الإلهية ~~المرقومة على صفحات وجهى بالقلم الإلهى الذى لا تدرك الأبصار ذاته ولا ~~حركته ولا اتصاله بمحل الخط ثم ينفك قلبك عن جلالة صانعه # وتقول النطفة لأرباب السمع والقلب لا للذين هم عن السمع معزولون توهمنى ~~فى ظلمة الأحشاء مغموسة فى دم الحيض فى الوقت الذى يظهر التخطيط والتصوير ~~على وجهى فينفش النقاش حدقتى وأجفانى وجبهتى وخدى وشفتى فترى التقويس يظهر ~~شيئا فشيئا على التدريج ولا ترى داخل النطفة نقاشا ولا خارجها ولا داخل ~~الرحم ولا خارجه ولا خبر منها للأم ولا للأب ولا للنطفة ولا للرحم فما هذا ~~النقاش بأعجب مما نشاهده ينقش بالقلم صورة عجيبة لو نظرت إليها مرة ms2596 أو ~~مرتين لتعلمته فهل تقدر على أن تتعلم هذا الجنس من النقش والتصوير الذى يعم ~~ظاهر النطفة وباطنها وجميع أجزائها من غير ملامسة للنطفة ومن غير اتصال بها ~~لا من داخل ولا من خارج فإن كنت لا تتعجب من هذه العجائب ولا تفهم بها أن ~~الذى صور ونقش وقدر لا نظير له ولا يساويه نقاش ولا مصور كما أن نقشه وصنعه ~~لا يساويه نقش وصنع فبين الفاعلين من المباينة والتباعد ما بين الفعلين فإن ~~كنت لا تتعجب من هذا فتعجب من عدم تعجبك فإنه أعجب من كل عجب فإن الذى أعمى ~~بصيرتك مع هذا الوضوح ومنعك من التبيين مع هذا البيان جدير بأن تتعجب منه ~~فسبحان من هدى وأضل وأغوى وأرشد وأشقى وأسعد وفتح بصائر أحبابه فشاهدوه فى ~~جميع ذرات العالم وأجزائه وأعمى قلوب أعدائه واحتجب عنهم بعزه وعلائه فله ~~الخلق والأمر والامتنان والفضل واللطف والقهر لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه # ومن آياته الهواء اللطيف المحبوس بين مقعر السماء ومحدب الأرض يدرك بحس ~~اللمس عند هبوب الرياح جسمه ولا يرى بالمين شخصه وجملته مثل البحر الواحد ~~والطيور محلقة فى جو السماء ومستبقة سباحة فيه بأجنحتها كما تسبح حيوانات ~~البحر فى الماء وتضطرب جوانبه وأمواجه عند هبوب الرياح كما تضطرب أمواج ~~البحر فإذا حرك الله الهواء وجعله ريحا هابة فإن شاء جعله نشرابين يدي ~~رحمته كما قال سبحانه وأرسلنا الرياح لواقح فيصل بحركته روح الهواء إلى ~~الحيوانات والنباتات فتستعد للنماء وإن شاء جعله عذابا على العصاة من ~~خليقته كما قال تعالى إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر تنزع ~~الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر ثم انظر إلى لطف الهواء ثم شدته وقوته مهما ~~ضغط فى الماء فالزق المنفوخ يتحامل عليه الرجل القوى ليغمسه فى الماء فيعجز ~~عنه والحديد الصلب تضعه على وجه الماء فيرسب فيه # فانظر كيف ينقبض الهواء من الماء بقوته مع لطافته وبهذه الحكمة أمسك الله ~~تعالى السفن على وجه الماء وكذلك كل مجوف فيه هواء ms2597 لا يغوص فى الماء لأن ~~الهواء ينقبض عن الغوص فى الماء فلا ينفصل عن السطح الداخل من السفينة ~~فتبقى السفينة الثقيلة مع قوتها وصلابتها معلقة فى الهواء اللطيف كالذى يقع ~~فى بئر فيتعلق بذيل رجل قوى ممتنع عن الهوى فى البئر # فالسفينة بمقعرها تتشبث بأذيال الهواء القوى حتى تمتنع من الهوى والغوص ~~فى الماء فسبحان من علق المركب الثقيل فى الهواء اللطيف من غير علاقة تشاهد ~~وعقدة تشد # ثم انظر إلى عجائب الجو وما يظهر فيه من الغيوم والرعود والبروق والأمطار ~~والثلوج والشهب والصواعق فهي عجائب ما بين السماء والأرض وقد أشار القرآن ~~إلى جملة ذلك في قوله تعالى وما خلقنا السموات والأرض PageV04P443 # وما بينهما لاعبين وهذا هو الذي بينهما # وأشار إلى تفصيله في مواضع شتى حيث قال تعالى والسحاب المسخر بين السماء ~~والأرض وحيث تعرض للرعد والبرق والسحاب والمطر فإذا لم يكن لك حظ من هذه ~~الجملة إلا أن ترى المطر بعينك وتسمع الرعد بأذنك فالبهيمة تشاركك فى هذه ~~المعرفة فارتفع من حضيض عالم البهائم إلى عالم الملأ الأعلى فقد فتحت عينيك ~~فأدركت ظاهرها فغمض عينك الظاهرة وانظر ببصيرتك الباطنة لترى عجائب باطنها ~~وغرائب أسرارها وهذا أيضا باب يطول الفكر فيه إذ لا مطمع في استقصائه # فتأمل السحاب الكثيف المظلم كيف تراه يجتمع في جو صاف لا كدورة فيه وكيف ~~يخلقه الله تعالى إذا شاء ومتى شاء وهو مع رخاوته حامل للماء الثقيل وممسك ~~له في جو السماء إلى أن يأذن الله فى إرسال الماء وتقطيع القشرات كل قطرة ~~بالقدر الذي أراده الله تعالى وعلى الشكل الذى شاءه فترى السحاب يرش الماء ~~على الأرض ويرسله قطرات متفاصلة لا تدرك قطرة منها قطرة ولا تتصل واحدة ~~بأخرى بل تنزل كل واحدة فى الطريق الذى رسم لها لا تعدل عنه فلا يتقدم ~~المتأخر ولا يتأخر المتقدم حتى يصيب الأرض قطرة قطرة فلو اجتمع الأولون ~~والآخرون على أن يخلقوا منها قطرة أو يعرفوا عدد ما ينزل منها فى بلدة ~~واحدة أو قرية ms2598 واحدة لعجز حساب الجن والإنس عن ذلك فلا يعلم عددها الا الذى ~~أوجدها # ثم كل قطرة منها عينت لكل جزء من الأرض ولكل حيوان فيها من طير ووحش ~~وجميع الحشرات والدواب ومكتوب على تلك القطرة بخط إلهى لا يدرك بالبصر ~~الظاهر أنها رزق الدودة الفلانية التى فى ناحية الجبل الفلانى تصل إليها ~~عند عطشها فى الوقف الفلانى هذا مع ما فى انعقاد البرد الصلب من الماء ~~اللطيف وفى تناثر الثلوج كالقطن المندوف من العجائب التى لا تحصى # كل ذلك فضل من الجبار القادر وقهر من الخلاق القاهر ما لأحد من الخلق فيه ~~شرك ولا مدخل بل ليس للمؤمنين من خلقه إلا الاستكانة والخضوع تحت جلاله ~~وعظمته ولا للعميان الجاحدين إلا الجهل بكيفيته ورجم الظنون بذكر سببه ~~وعلته فيقول الجاهل المغرور إنما ينزل الماء لأنه ثقيل بطبعه وإنما هذا سبب ~~نزوله ويظن أن هذه معرفة انكشفت له ويفرح بها ولو قيل له ما معنى الطبع وما ~~الذى خلقه ومن الذى خلق الماء الذي طبعه الثقل وما الذى رقى الماء المصبوب ~~فى أسافل الشجر إلى أعالى الأغصان وهو ثقيل بطبعه فكيف هوى إلى أسفل ثم ~~ارتفع إلى فوق فى داخل تجاويف الأشجار شيئا فشيئا بحيث لا يرى ولا يشاهد ~~حتى ينتشر فى جميع أطراف الأوراق فيغذى كل جزء من كل ورقة ويجرى إليها فى ~~تجاويف عروق شعرية صغار يروى منه العرق الذى هو أصل الورقة ثم ينتشر من ذلك ~~العرق الكبير الممدود فى طول الورقة عروق صغار فكأن الكبير نهر وما انشعب ~~عنه جداول ثم ينشعب من الجداول سوق أصغر منها ثم ينتشر منها خيوط عنكبوتية ~~دقيقة تخرج عن إدراك البصر حتى تنبسط فى جميع عرض الورقة فيصل الماء فى ~~أجوافها إلى سائر أجزاء الورقة ليغذيها وينميها ويزينها وتبقى طراوتها ~~ونضارتها وكذلك إلى سائر أجزاء الفواكه فإن كان الماء يتحرك بطبعه إلى أسفل ~~فكيف تحرك إلى فوق فإن كان ذلك يجذب جاذب فما الذى سخر ذلك الجاذب وإن كان ~~ينتهى بالآخرة إلى ms2599 خالق السموات والأرض وجبار الملك والملكوت فلم لا يحال ~~عليه من أول الأمر فنهاية الجاهل بداية العاقل # ومن آياته ملكوت السموات والأرض وما فيها من الكواكب وهو الأمر كله ومن ~~أدرك الكل وفاته عجائب السموات فقد فاته الكل تحقيقا # فالأرض والبحار والهواء وكل جسم سوى السموات بالإضافة إلى السموات قطرة ~~فى بحر وأصغر # ثم انظر كيف عظم الله أمر السموات والنجوم في كتابه فما من سورة إلا ~~وتشتمل على تفخيمها في مواضع وكم من قسم في القرآن بها كقوله تعالى والسماء ~~ذات البروج والسماء والطارق والسماء PageV04P444 # ذات الحبك والسماء وما بناها وكقوله تعالى والشمس وضحاها والقمر إذا ~~تلاها وكقوله تعالى فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس وقوله تعالى والنجم إذا ~~هوى فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم فقد علمت أن عجائب ~~النطفة القذرة عجز عن معرفتها الأولون والآخرون وما أقسم الله بها فما ظنك ~~بما أقسم الله تعالى به وأحال الأرزاق عليه وأضافها إليه فقال تعالى وفي ~~السماء رزقكم وما توعدون وأثنى على المفكرين فيه فقال ويتفكرون في خلق ~~السموات والأرض وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويل لمن قرأ هذه الآية ~~ثم مسح بها سبلته (1) أى تجاوزها من غير فكر وذم المعرضين عنها فقال وجعلنا ~~السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون فأى نسبة لجميع البحار والأرض إلى ~~السماء وهى متغيرات على القرب والسموات صلاب شداد محفوظات عن التغير إلى أن ~~يبلغ الكتاب أجله ولذلك سماه الله تعالى محفوظا فقال وجعلنا السماء سقفا ~~محفوظا وقال سبحانه وبنينا فوقكم سبعا شدادا {وقال} أأنتم أشد خلقا أم ~~السماء بناها رفع سمكها فسواها فانظر إلى الملكوت لترى عجائب العز والجبروت # ولا تظنن أن معنى النظر إلى الملكوت بأن تمد البصر إليه فترى زرقة السماء ~~وضوء الكواكب وتفرقها فإن البهائم تشاركك فى هذا النظر # فإن كان هذا هو المراد فلم مدح الله تعالى إبراهيم بقوله وكذلك نرى ~~إبراهيم ملكوت السموات والأرض لا بل كل ما يدرك بحاسة البصر فالقرآن يعبر ms2600 ~~عنه بالملك والشهادة وما غاب عن الأبصار فيعبر عنه بالغيب والملكوت والله ~~تعالى عالم الغيب والشهادة وجبار الملك والملكوت ولا يحيط أحد بشيء من علمه ~~إلا بما شاء وهو عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول # فأجل أيها العاقل فكر فى الملكوت فعسى يفتح لك ابواب السماء فتجول بقلبك ~~فى أقطارها إلى أن يقوم قلبك بين يدي عرش الرحمن فعند ذلك ربما يرجى لك أن ~~تبلغ رتبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال رأى قلبى ربى وهذا لأن بلوغ ~~الأقصى لا يكون إلا بعد مجاوزة الأدنى وأدنى شىء إليك نفسك ثم الأرض التى ~~هى مقرك ثم الهواء المكتنف لك ثم النبات والحيوان وما على وجه الأرض ثم ~~عجائب الجو وهو ما بين السماء والأرض ثم السموات السبع بكواكبها ثم الكرسى ~~ثم العرش ثم الملائكة الذين هم حملة العرش وخزان السموات ثم منه تجاوز إلى ~~النظر إلى رب العرش والكرسي والسموات والأرض وما بينهما فبينك وبين هذه ~~المفاوز العظيمة والمسافات الشاسعة والعقبات الشاهقة وأنت بعد لم تفرغ من ~~العقبة القريبة النازلة وهى معرفة ظاهر نفسك ثم صرت تطلق اللسان بوقاحتك ~~وتدعى معرفة ربك وتقول قد عرفته وعرفت خلقه ففي ماذا أتفكر إلى ماذا أتطلع # فارفع الآن رأسك إلى السماء وانظر فيها وفي كواكبها وفى دورانها وطلوعها ~~وغروبها وشمسها وقمرها واختلاف مشارقها ومغاربها ودؤوبها في الحركة على ~~الدوام من غير فتور في حركتها ومن غير تغير في سيرها بل تجري جميعا في ~~منازل مرتبة بحساب مقدر لا يزيد ولا ينقص إلى أن يطويها الله تعالى طى ~~السجل للكتاب وتدبر عدد كواكبها وكثرتها واختلاف ألوانها فبعضها يميل إلى ~~الحمرة وبعضها إلى البياض وبعضها إلى اللون الرصاصى ثم انظر كيفية أشكالها ~~فبعضها على صورة العقرب وبعضها على صورة الحمل والثور والأسد والإنسان وما ~~من صورة فى الأرض إلا ولها مثال فى السماء # ثم انظر إلى مسير الشمس في فلكها في مدة سنة ثم هي تطلع في كل ms2601 يوم وتغرب ~~PageV04P445 # بسير آخر سخرها له خالقها ولولا طلوعها وغروبها لما اختلف الليل والنهار ~~ولم تعرف المواقيت ولأطبق الظلام على الدوام أو الضياء على الدوام فكان لا ~~يتميز وقت المعاش عن وقت الاستراحة فانظر كيف جعل الله تعالى الليل لباسا ~~والنوم سباتا والنهار معاشا وانظر إلى إيلاجه الليل في النهار والنهار في ~~الليل وإدخاله الزيادة والنقصان عليهما على ترتيب مخصوص # وانظر إلى إمالته مسير الشمس عن وسط السماء حتى اختلف بسببه الصيف ~~والشتاء والربيع والخريف فإذا انخفضت الشمس من وسط السماء فى مسيرها برد ~~الهواء وظهر الشتاء وإذا استوت فى وسط السماء اشتد القيظ وإذا كانت فيما ~~بينهما اعتدل الزمان # وعجائب السموات لا مطمع في إحصاء عشر عشير جزء من أجزائها وإنما هذا ~~تنبيه على طريق الفكر واعتقد على طريق الجملة أنه ما من كوكب من الكواكب ~~إلا ولله تعالى حكم كثيرة فى خلقه ثم فى مقداره ثم فى شكله ثم فى لونه ثم ~~فى وضعه من السماء وقربه من الكواكب التى بجنبه وبعده وقس على ذلك ما ~~ذكرناه من أعضاء بدنك إذ ما من جزء إلا وفيه حكمة بل حكم كثيرة وأمر السماء ~~أعظم بل لا نسبة لعالم الأرض إلى عالم السماء لا فى كبر جسم ولا فى كثرة ~~معانيه # وقس التفاوت الذى بينهما فى كثرة المعانى بما بينهما من التفاوت فى كبر ~~الأرض فأنت تعرف من كبر الأرض واتساع أطرافها أنه لا يقدر آدمى على أن ~~يدركها ويدور بجوانبها وقد اتفق الناظرون على أن الشمس مثل الأرض مائة ~~ونيفا وستين مرة وفي الأخبار ما يدل على عظمتها (1) ثم الكواكب التى تراها ~~أصغرها مثل الأرض ثمانى مرات وأكبرها ينتهى إلى قريب من مائة وعشرين مرة ~~مثل الأرض # وبهذا تعرف ارتفاعها وبعدها إذ للعبد صارت ترى صغارا ولذلك أشار الله ~~تعالى إلى بعدها فقال رفع سمكها فسواها # وفى الأخبار أن ما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام (2) فإذا ~~كان مقدرا كوكب واحد مثل الأرض أضعافا فانظر إلى كثرة ms2602 الكواكب # ثم أنظر إلى السماء التى الكواكب مركوزة فيها وإلى عظمها # ثم انظر إلى سرعة حركتها وأنت لا تحس بحركتها فضلا عن أن تدرك سرعتها لكن ~~لا تشك أنها فى لحظة تسير مقدار عرض كوكب لأن الزمان من طلوع أول جزء من ~~كوكب إلى تمامه يسير وذلك الكوكب هو مثل الأرض مائة مرة وزيادة فقد دار ~~الفلك فى هذه اللحظة مثل الأرض مائة مرة وهكذا يدور على الدوام وأنت غافل ~~عنه # وانظر كيف عبر جبريل عليه السلام عن سرعة حركته إذ قال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم هل زالت الشمس فقال لا نعم فقال كيف تقول لا نعم فقال من حين قلت ~~لا إلى أن قلت نعم سارت الشمس خمسمائة عام (3) فانظر إلى عظم شخصها ثم إلى ~~خفة حركتها ثم انظر إلى قدرة الفاطر الحكيم كيف أثبت صورتها مع اتسع ~~أكنافها فى حدقة العين مع صغرها حتى تجلس على الأرض وتفتح عينيك نحوها فترى ~~جميعها # فهذه السماء بعظمها وكثرة كواكبها لا تنظر إليها بل انظر إلى بارئها كيف ~~خلقها ثم أمسكها من غير عمد ترونها ومن غير علاقة من فوقها وكل العالم ~~PageV04P446 # كبيت واحد والسماء سقفه فالعجب منك أنك تدخل بيت غني فتراه مزوقا بالصبغ ~~مموها بالذهب فلا ينقطع تعجبك منه ولا تزال تذكره وتصف حسنه طول عمرك وأنت ~~أبدا تنظر إلى هذا البيت العظيم وإلى أرضه وإلى سقفه وإلى هوائه وإلى عجائب ~~أمتعته وغرائب حيواناته وبدائع نقوشه ثم لا تتحدث فيه ولا تلتفت بقلبك إليه ~~فما هذا البيت دون ذلك البيت الذى تصفه بل ذلك البيت هو ايضا جزء من الأرض ~~التى هى أخس أجزاء هذا البيت ومع هذا فلا تنظر إليه ليس له سبب إلا أنه بيت ~~ربك هو الذى انفرد ببنائه وترتيبه وأنت قد نسيت نفسك وربك وبيت ربك واشتغلت ~~ببطنك وفرجك ليس لك هم إلا شهوتك أو حشمتك وغاية # شهوتك أن تملأ بطنك ولا تقدر على أن تأكل عشر ما تأكله بهيمة فتكون ~~البهيمة فوقك ms2603 بعشر درجات # وغاية حشمتك أن تقبل عليك عشرة أو مائة من معارفك فينافقون بألسنتهم بين ~~يديك ويضمرون خبائث الاعتقادات عليك وإن صدقوك فى مودتهم إياك فلا يملكون ~~لك ولا لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وقد يكون فى بلدك ~~من أغنياء اليهود والنصارى من يزيد جاهه على جاهك وقد اشتغلت بهذا الغرور ~~وغفلت عن النظر في جمال ملكوت السموات والأرض ثم غفلت عن التنعم بالنظر إلى ~~جلال مالك الملكوت والملك # وما مثلك ومثل عقلك إلا مثل النملة تخرج من جحرها الذى حفرته فى قصر مشيد ~~من قصور الملك رفيع البنيان حصين الأركان مزين بالجوارى والغلمان وأنواع ~~الذخائر والنفائس فإنها إذا خرجت من جحرها ولقيت صاحبتها لم تتحدث لو قدرت ~~على النطق إلا عن بيتها وغذائها وكيفية ادخارها فأما حال القصر والملك الذى ~~فى القصر فهى بمعزل عنه وعن التفكر فيه بل لا قدرة لها على المجاوزة بالنظر ~~عن نفسها وغذائها وبيتها إلى غيره # وكما غفلت النملة عن القصر وعن أرضه وسقفه وحيطانه وسائر بنيانه وغفلت ~~أيضا عن سكانه فأنت أيضا غافل عن بيت الله تعالى وعن ملائكته الذين هم سكان ~~عوانه فلا تعرف من السماء إلا ما تعرفه النملة من سقف بيتك ولا تعرف من ~~ملائكة السموات إلا ما تعرف النملة منك ومن سكان بيتك # نعم ليس للنملة طريق إلى أن تعرفك وتعرف عجائب قصرك وبدائع صنعة الصانع ~~فيه وأما أنت فلك قدرة على أن تجول فى الملكوت وتعرف من عجائبه ما الخلق ~~غافلون عنه # ولنقبض عنان الكلام عن هذا النمط فإنه مجال لا آخر له ولو استقصينا ~~أعمارا طويلة لم نقدر على شرح ما تفضل الله تعالى علينا بمعرفته وكل ما ~~عرفناه قليل نزر حقير بالإضافة إلى ما عرفه جملة العلماء والأولياء وما ~~عرفوه قليل نزر حقير بالإضافة إلى ما عرفه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~وجملة ما عرفوه قليل بالإضافة إلى ما عرفه محمد نبينا صلى الله عليه وسلم ~~وما عرفه الأنبياء كلهم قليل بالإضافة ms2604 إلى ما عرفته الملائكة المقربون ~~كإسرافيل وجبريل وغيرهما ثم جميع علوم الملائكة والجن والإنس إذا أضيف إلى ~~علم الله سبحانه وتعالى لم يستحق أن يسمى علما بل هو إلى أن يسمى دهشا ~~وحيرة وقصورا وعجزا أقرب # فسبحان من عرف عباده ما عرف ثم خاطب جميعهم فقال وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا # فهذا بيان معاقد الجمل التى تجول فيها فكر المتفكرين في خلق الله تعالى ~~وليس فيها فكر في ذات الله تعالى ولكن يستفاد من الفكر فى الخلق لا محالة ~~معرفة الخالق وعظمته وجلاله وقدرته وكلما استكثرت من معرفة عجيب صنع الله ~~تعالى كانت معرفتك بجلاله وعظمته أتم # وهذا كما أنك تعظم عالما بسبب معرفتك بعلمه فلا تزال تطلع على غريبه من ~~تصنيفه أو شعره فتزداد به معرفة وتزداد بحسنه له توقيرا وتعظيما واحتراما ~~حتى إن كل كلمة من كلماته وكل بيت عجيب من أبيات شعره يزيده محلا من قلبك ~~يستدعى التعظيم له فى نفسك # فهكذا تأمل في خلق الله تعالى وتصنيفه وتأليفه وكل ما في الوجود من خلق ~~الله وتصنيفه والنظر والفكر فيه لا يتناهى أبدا وإنما لكل عبد PageV04P447 # منها بقدر ما رزق فلنقتصر على ما ذكرناه ولنضف إلى هذا ما فصلناه في كتاب ~~الشكر فإنا نظرنا فى ذلك الكتاب فى فعل الله تعالى من حيث هو إحسان إلينا ~~وإنعام علينا # وفى هذا الكتاب نظرنا فيه من حيث أنه فعل الله فقط وكل ما نظرنا فيه فإن ~~الطبيعي ينظر فيه ويكون نظره سبب ضلاله وشقاوته والموفق ينظر فيه فيكون سبب ~~هدايته وسعادته # وما من ذرة في السماء والأرض إلا والله سبحانه وتعالى يضل بها من يشاء ~~ويهدي بها من يشاء فمن نظر في هذه الأمور من حيث إنها فعل الله تعالى وصنعه ~~استفاد منه المعرفة بجلال الله تعالى وعظمته واهتدى به ومن نظر فيها قاصرا ~~للنظر عليها من حيث تأثير بعضها فى بعض لا من حيث ارتباطها بمسبب الأسباب ~~فقد شقى وارتدى فنعوذ بالله من الضلال ونسأله أن يجنبنا ms2605 مزلة أقدام الجهال ~~بمنه وكرمه وفضله وجوده ورحمته # تم الكتاب التاسع من ربع المنجيات والحمد لله وحده وصلواته على محمد وآله ~~وسلامه يتلوه كتاب ذكر الموت وما بعده وبه كمل جميع الديوان بحمد الله ~~تعالى وكرمه ### || كتاب ذكر الموت وما بعده وهو الكتاب العاشر من ربع المنجيات وبه اختتام كتاب إحياء علوم الدين # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذى قصم بالموت رقاب الجبابرة وكسر به ظهور الأكاسرة وقصر به ~~آمال القياصرة الذين لم تزل قلوبهم عن ذكر الموت نافرة حتى جاءهم الوعد ~~الحق فأرداهم فى الحافرة فنقلوا من القصور إلى القبور ومن ضياء المهود إلى ~~ظلمة اللحود ومن ملاعبة الجوارى والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان ومن ~~التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ فى التراب ومن أنس العشرة إلى وحشة ~~الوحدة ومن المضجع الوثير إلى المصرع الوبيل فانظر هل وجدوا من الموت حصنا ~~وعزا واتخذوا من دونه حجابا وحرزا وانظر هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ~~ركزا فسبحان من انفرد بالقهر والاستيلاء واستأثر باستحقاق البقاء وأذل ~~أصناف الخلق بما كتب عليهم من الفناء ثم جعل الموت مخلصا للأتقياء وموعدا ~~فى حقهم للقاء وجعل القبر سجنا للأشقياء وحبسا ضيقا عليهم إلى يوم الفصل ~~والقضاء فله الإنعام بالنعم المتظاهرة وله الانتقام بالنقم القاهرة وله ~~الشكر فى السموات والأرض وله الحمد فى الأولى والآخرة والصلاة على محمد ذي ~~المعجزات الظاهرة والآيات الباهرة وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا # أما بعد فجدير بمن الموت مصرعه والتراب مضجعه والدود أنيسه ومنكر ونكير ~~جليسه والقبر مقره وبطن الأرض مستقره والقيامة موعده والجنة أو النار مورده ~~أن لا يكون له فكر إلا فى الموت ولا ذكر إلا له ولا استعداد إلا لأجله ولا ~~تدبير إلا فيه ولا تطلع إلا إليه ولا تعريج إلا عليه ولا اهتمام إلا به ولا ~~حول إلا حوله ولا انتظار وتربص إلا له وحقيق بأن يعد نفسه من الموتى ويراها ~~فى أصحاب القبور فإن كل ما هو آت قريب والبعيد ما ليس ms2606 بآت وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الكيس من دان نفسه وعمل PageV04P448 # لما بعد الموت (1) ولن يتيسر الاستعداد للشيء إلا عند تجدد ذكره على ~~القلب ولا يتجدد ذكره إلا عند التذكر بالإصغاء إلى المذكرات له والنظر في ~~المنبهات عليه # ونحن نذكر من أمر الموت ومقدماته ولواحقه وأحوال الآخرة والقيامة والجنة ~~والنار ما لا بد للعبد من تذكاره على التكرار وملازمته بالافتكار ~~والاستبصار ليكون ذلك مستحثا على الاستعداد فقد قرب لما بعد الموت الرحيل ~~فما بقي من العمر إلا القليل والخلق عنه غافلون اقترب للناس حسابهم وهم في ~~غفلة معرضون ونحن نذكر ما يتعلق بالموت في شطرين ### ||| الشطر الأول في مقدماته وتوابعه إلى نفخة الصور وفيه ثمانية أبواب # الباب الأول في فضل ذكر الموت والترغيب فيه # الباب الثاني في ذكر طول الأمل وقصره # الباب الثالث في سكرات الموت وشدته وما يستحب من الأحوال عند الموت # الباب الرابع في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من ~~بعده # الباب الخامس في كلام المحتضرين من الخلفاء والأمراء والصالحين # الباب السادس في أقاويل العارفين على الجنائز والمقابر وحكم زيارة القبور # الباب السابع في حقيقة الموت وما يلقاه الميت في القبر إلى نفخة الصور # الباب الثامن فيما عرف من أحوال الموتى بالمكاشفة في المنام ### |||| الباب الأول في ذكر الموت والترغيب في الإكثار من ذكره # أعلم أن المنهمك في الدنيا المكب على غرورها المحب لشهواتها يغفل قلبه لا ~~محالة عن ذكر الموت فلا يذكره وإذا ذكر به كرهه ونفر منه أولئك هم الذين ~~قال الله فيهم قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم ~~الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ثم الناس إما منهمك وإما تائب ~~مبتدئ أو عارف منته أما المنهمك فلا يذكر الموت وإن ذكره فيذكره للتأسف على ~~دنياه ويشتغل بمذمته وهذا يزيده ذكر الموت من الله بعدا # وأما التائب فإنه يكثر من ذكر الموت لينبعث به من قلبه الخوف والخشية ~~فيفي بتمام التوبة وربما يكره ms2607 الموت خيفة من أن يختطفه قبل تمام التوبة ~~وقبل إصلاح الزاد وهو معذور في كراهة الموت ولا يدخل هذا تحت قوله صلى الله ~~عليه وسلم من كره لقاء الله كره الله لقاءه (2) فإن هذا ليس يكره الموت ~~ولقاء الله وإنما يخاف فوت لقاء الله لقصوره وتقصيره وهو كالذي يتأخر عن ~~لقاء الحبيب مشتغلا بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه فلا يعد كارها للقائه # وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له لا شغل له سواه وإلا التحق ~~بالمنهمك في الدنيا وأما العارف فإنه يذكر الموت دائما لأنه موعد لقائه ~~لحبيبه والمحب لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب وهذا في غالب الأمر يستبطئ مجيء ~~الموت ويحب مجيئه ليتخلص من دار العاصين وينتقل إلى جوار رب العالمين # كما روي عن حذيفة أنه لما حضرته الوفاة قال حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ~~ندم اللهم إن كنت تعلم PageV04P449 # أن الفقر أحب إلي من الغنى والسقم أحب إلى من الصحة والموت احب إلى من ~~العيش فسهل على الموت حتى ألقاك فإذن التائب معذور في كراهة الموت وهذا ~~معذور في حب الموت وتمنيه وأعلى منهما رتبة من فوض أمره إلى الله تعالى ~~فصار لا يختار لنفسه موتا ولا حياة بل يكون أحب الأشياء إليه احبها إلى ~~مولاه # فهذا قد انتهى بفرط الحب والولاء إلى مقام التسليم والرضا وهو الغاية ~~والمنتهى # وعلى كل حال ففي ذكر الموت ثواب وفضل فإن المنهمك أيضا يستفيد بذكر الموت ~~التجافي عن الدنيا إذ ينغص عليه نعيمه ويكدر عليه صفو لذته # وكل ما يكدر على الإنسان اللذات والشهوات فهو من أسباب النجاة ### |||||| بيان فضل ذكر الموت كيفما كان # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثروا من ذكر هاذم اللذات (1) ومعناه ~~نغصوا بذكره اللذات حتى ينقطع ركونهم إليها فتقبلوا على الله تعالى وقال ~~صلى الله عليه وسلم لو تعلم البهائم من الموت ما يعلم ابن آدم ما أكلتم ~~منها سمينا (2) وقالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله هل يحشر مع الشهداء ms2608 ~~أحد قال نعم من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة (3) وإنما سبب هذه ~~الفضيلة كلها أن ذكر الموت يوجب التجافي عن دار الغرور ويتقاضى الاستعداد ~~للآخرة والغفلة عن الموت تدعو إلى الانهماك في شهوات الدنيا # وقال صلى الله عليه وسلم تحفة المؤمن الموت (4) وإنما قال هذا لأن الدنيا ~~سجن المؤمن إذ لا يزال فيها في عناء من مقاساة نفسه ورياضة شهواته ومدافعه ~~شيطانه فالموت إطلاق له من هذا العذاب والإطلاق تحفة في حقه وقال صلى الله ~~عليه وسلم الموت كفارة لكل مسلم (5) واراد بهذا المسلم حقا المؤمن صدقا ~~الذي يسلم المسلمون من لسانه ويده ويتحقق فيه أخلاق المؤمنين ولم يتدنس من ~~المعاصي إلا باللمم والصغائر فالموت يطهره منها ويكفرها بعد اجتنابه ~~الكبائر وإقامته الفرائض قال عطاء الخراساني مر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بمجلس قد استعلى فيه الضحك فقال شوبوا مجلسكم بذكر مكدر اللذات قالوا ~~وما مكدر اللذات قال الموت (6) وقال أنس رضي الله تعالى عنه قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أكثروا من ذكر الموت فإنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا ~~(7) وقال صلى الله عليه وسلم كفى بالموت مفرقا (8) وقال عليه السلام كفى ~~بالموت واعظا (9) وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فإذا قوم ~~يتحدثون ويضحكون فقال اذكروا الموت أما والذي نفسي بيده لو تعلمون ~~PageV04P450 # ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا (1) وذكر عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجل فأحسنوا الثناء عليه فقال كيف ذكر صاحبكم للموت قالوا ما كنا ~~نكاد نسمعه يذكر الموت قال فإن صاحبكم ليس هنالك (2) وقال ابن عمر رضي الله ~~عنهما أتيت النبي صلى الله عليه وسلم عاشر عشرة فقال رجل من الأنصار من ~~أكيس الناس وأكرم الناس يا رسول الله فقال أكثرهم ذكرا للموت وأشدهم ~~استعدادا له أولئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة (3) # أما الآثار فقد قال الحسن رحمه الله تعالى فضح الموت الدنيا فلم يترك لذى ~~لب فرحا # وقال الربيع بن خثيم # ما غائب ينتظره ms2609 المؤمن خيرا له من الموت وكان يقول لا تشعروا بي أحدا ~~وسلوني إلى ربي سلا # وكتب بعض الحكماء إلى رجل من إخوانه يا أخي أحذر الموت في هذه الدار قبل ~~أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده # وكان ابن سيرين إذا ذكر عنده الموت مات كل عضو منه # وكان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء فيتذا كرون الموت والقيامة ~~والآخرة ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة # وقال إبراهيم التيمى شيئان قطعا عني لذة الدنيا ذكر الموت والوقوف بين ~~يدي الله عز وجل # وقال كعب من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها # وقال مطرف رأيت فيما يرى النائم كأن قائلا يقول في وسط مسجد البصرة قطع ~~ذكر الموت قلوب الخائفين فوالله ما تراهم إلا والهين # وقال أشعث كنا ندخل على الحسن فإنما هو النار وأمر الآخرة وذكر الموت # وقالت صفية رضي الله تعالى عنها أن امرأة اشتكت إلى عائشة رضي الله عنها ~~قساوة قلبها فقالت اكثري ذكر الموت يرق قلبك ففعلت فرق قلبها فجاءت تشكر ~~عائشة رضي الله عنها وكان عيسى عليه السلام إذا ذكر الموت عنده يقطر جلده ~~دما # وكان داود عليه السلام إذا ذكر الموت والقيامة يبكي حتى تنخلع أوصاله ~~فإذا ذكر الرحمة رجعت إليه نفسه # وقال الحسن ما رأيت عاقلا قط إلا أصبته من الموت حذرا وعليه حزينا # وقال عمر بن عبد العزيز لبعض العلماء عظني فقال لست أول خليفة تموت قال ~~زدني قال ليس من آبائك أحد إلى آدم إلا ذاق الموت وقد جاءت نويتك فبكى عمر ~~لذلك وكان الربيع بن خثيم قد حفر قبرا في داره فكان ينام فيه كل يوم مرات ~~يستديم بذلك ذكر الموت وكان يقول لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة واحدة لفسد # وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير إن هذا الموت قد نغص على أهل النعيم ~~نعيمهم فاطلبوا نعيما لا موت فيه وقال عمر بن عبد العزيز لعنبسة اكثر ذكر ~~الموت فإن كنت واسع العيش ms2610 ضيقه عليك وإن كنت ضيق العيش وسعه عليك وقال أبو ~~سليمان الداراني قلت لأم هرون أتحبين الموت قالت لا قلت لم قالت لو عصيت ~~آدميا ما اشتهيت لقاءه فكيف أحب لقاءه وقد عصيته ### |||||| بيان الطريق في تحقيق ذكر الموت # اعلم أن الموت هائل وخطره عظيم وغفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه وذكرهم له ~~ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل بقلب مشغول بشهوة الدنيا فلا ينجع ذكر ~~الموت في قلبه # فالطريق فيه أن يفرغ العبد قلبه عن كل PageV04P451 # شيء إلا عن ذكر الموت الذي هو بين يديه كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة ~~مخطرة أو يركب البحر فإنه لا يتفكر إلا فيه فإذا باشر ذكر الموت قلبه فيوشك ~~أن يؤثر فيه وعند ذلك يقل فرحه وسروره بالدنيا وينكسر قلبه # وأنجع طريق فيه أن يكثر ذكر أشكاله وأقرانه الذين مضوا قبله فيتذكر موتهم ~~ومصارعهم تحت التراب ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم ويتأمل كيف محا ~~التراب الآن حسن صورهم # وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم وكيف أرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم وضيعوا ~~أموالهم وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم وانقطعت آثارهم فمهما تذكر رجل رجلا ~~وفصل في قلبه حاله وكيفية موته وتوهم صورته وتذكر نشاطه وتردده وتأمله ~~للعيش والبقاء ونسيانه للموت وانخداعه بمواتاة الأسباب وركونه إلى القوة ~~والشباب وميله إلى الضحك واللهو وغفلته عما بين يديه من الموت الذريع ~~والهلاك السريع # وأنه كيف كان يتردد والآن قد تهدمت رجلاه ومفاصله # وأنه كيف كان ينطق وقد أكل الدود لسانه # وكيف كان يضحك وقد أكل التراب أسنانه # وكيف كان يدبر لنفسه ما لا يحتاج إليه إلى عشر سنين في وقت لم يكن بينه ~~وبين الموت إلا شهر وهو غافل عما يراد به حتى جاءه الموت في وقت لم يحتسبه ~~فانكشف له صورة الملك وقرع سمعه النداء إما بالجنة أو بالنار فعند ذلك ينظر ~~في نفسه أنه مثلهم وغفلته كغفلتهم وستكون عاقبته كعاقبتهم # قال أبو الدرداء رضي الله عنه إذا ذكرت الموتى فعد نفسك كأحدهم # وقال ابن مسعود رضي ms2611 الله عنه السعيد من وعظ بغيره # وقال عمر بن عبد العزيز ألا ترون أنكم تجهزون كل يوم غاديا أو رائحا إلى ~~الله عز وجل تضعونه في صدع من الأرض قد توسد التراب وخلف الأحباب وقطع ~~الأسباب # فملازمة هذه الأفكار وأمثالها مع دخول المقابر ومشاهدة المرضى هو الذي ~~يجدد ذكر الموت في القلب حتى يغلب عليه بحيث يصير نصب عينيه فعند ذلك يوشك ~~أن يسند له ويتجافى عن دار الغرور وإلا فالذكر بظاهر القلب وعذبة اللسان ~~قليل الجدوى في التحذير والتنبيه ومهما طاب قلبه بشيء من الدنيا ينبغي أن ~~يتذكر في الحال أنه لا بد له من مفارقته نظر ابن مطيع ذات يوم إلى داره ~~فأعجبه حسنها ثم بكى فقال والله لولا الموت لكنت بك مسرورا ولولا ما نصير ~~إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ثم بكى بكاء شديدا حتى ارتفع صوته ### |||| الباب الثاني في طول الأمل وفضيلة قصر الأمل وسبب طوله وكيفية معالجته ### ||||| فضيلة قصر الأمل # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر إذا أصبحت فلا تحدث ~~نفسك بالمساء وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح وخذ من حياتك لموتك ومن ~~صحتك لسقمك فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غدا (1) وروى علي كرم الله ~~وجهه أنه صلى الله عليه وسلم قال إن أشد ما أخاف عليكم خصلتان اتباع الهوى ~~وطول الأمل فأما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق وأما طول الأمل فإنه الحب ~~للدنيا ثم قال إلا إن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ويبغض وإذا أحب عبدا ~~أعطاه الإيمان ألا إن للدين أبناء وللدنيا أبناء فكونوا من أبناء الدين ولا ~~تكونوا PageV04P452 # من أبناء الدنيا ألا إن الدنيا قد ارتحلت مولية ألا إن الآخرة قد ارتحلت ~~مقبلة ألا وإنكم في يوم عمل ليس فيه حساب ألا وإنكم توشكون في يوم حساب ليس ~~فيه عمل (1) وقالت أم المنذر اطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات عشية ~~إلى الناس فقال أيها الناس إما تستحون من ms2612 الله قالوا وما ذاك يا رسول الله ~~قال تجمعون مالا تأكلون وتأملون ما لا تدركون وتبنون ما لا تسكنون (2) وقال ~~أبو سعيد الخدري اشترى أسامة بن زيد من زيد ابن ثابت وليدة بمائة دينار إلى ~~شهر فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ألا تعجبون من أسامة المشترى ~~إلى شهر إن أسامة لطويل الأمل والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أن ~~شفري لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي ولا رفعت طرفي فظننت أنى واضعه حتى ~~أفيض ولا لقمت لقمة إلا ظننت أني لا أسيغها حتى أغص بها من الموت ثم قال يا ~~بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى والذي نفسي بيده إن ما ~~توعدون لآت وما أنتم بمعجزين (3) وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يخرج يهريق الماء فيتمسح بالتراب فأقول له يا رسول ~~الله إن الماء منك قريب فيقول ما يدريني لعلي لا أبلغه (4) والبزاز بسند ~~ضعيف وروي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ ثلاثة أعواد فغرز عودا بين يديه ~~والآخر إلى جنبه وأما الثالث فأبعده فقال هل تدرون ما هذا قالوا الله ~~ورسوله أعلم قال هذا الإنسان وهذا الأجل وذاك الأمل يتعاطاه ابن آدم ~~ويختلجه الأجل دون الأمل (5) وقال عليه السلام مثل ابن آدم وإلى جنبه تسع ~~وتسعون منية إن اخطأته المنايا وقع في الهرم (6) قال ابن مسعود هذا المرء ~~وهذه الحتوف حوله شوارع إليه والهرم وراء الحتوف والأمل وراء الهرم فهو ~~يؤمل وهذه الحتوف شوارع إليه فأيها أمر به أخذه فإن اخطأته الحتوف قتله ~~الهرم وهو ينتظر الأمل # قال عبد الله خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا وخط وسطه ~~خطا وخط خطوطا إلى جنب الخط وخط خطا خارجا وقال أتدرون ما هذا قلنا الله ~~ورسوله أعلم قال هذا الإنسان للخط الذي في الوسط وهذا الأجل محيط به وهذه ~~الأعراض للخطوط التي حوله تنهشه إن اخطأه هذا نهشه هذا وذاك الأمل ms2613 يعني ~~الخط الخط الخارج (7) وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يهرم ابن ~~آدم ويبقى معه اثنتان الحرص والأمل (8) وفي رواية وتشب معه اثنتان الحرص ~~على المال والحرص على العمر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV04P453 # نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخر هذه الأمة بالبخل والأمل (1) ~~وقيل بينما عيسى عليه السلام جالس وشيخ يعمل بمسحاة يثير بها الأرض فقال ~~عيسى اللهم أنزع منه الأمل فوضع الشيخ المسحاة واضطجع فلبث ساعة فقال عيسى ~~اللهم اردد إليه الأمل فقام فجعل يعمل فسأله عيسى عن ذلك فقال بينما أنا ~~أعمل إذ قالت لي نفسي إلى متى تعمل وأنت شيخ كبير فألقيت المسحاة واضطجعت ~~ثم قالت لي نفسي والله لا بد لك من عيش ما بقيت فقمت إلى مسحاتي # وقال الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلكم يحب أن يدخل الجنة ~~قالوا نعم يا رسول الله قال قصروا من الأمل وثبتوا آجالكم بين أبصاركم ~~واستحيوا من الله حق الحياء (2) وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه ~~اللهم إني أعوذ بك من دنيا تمنع خير الآخرة وأعوذ بك من حياة تمنع خير ~~الممات وأعوذ بك من أمل يمنع خير العمل (3) # الآثار قال مطرف بن عبد الله لو علمت متى أجلي لخشيت على ذهاب عقلي ولكن ~~الله تعالى من على عباده بالغفلة عن الموت ولولا الغفلة ما تهنأوا بعيش ولا ~~قامت بينهم الأسواق # وقال الحسن السهو والأمل نعمتان عظيمتان على بني آدم ولولاهما ما مشى ~~المسلمون في الطرق وقال الثوري بلغني أن الإنسان خلق احمق ولولا ذلك لم ~~يهنأه العيش وقال أبو سعيد بن عبد الرحمن إنما عمرت الدنيا بقلة عقول أهلها ~~وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني مؤمل الدنيا ~~والموت يطلبه وغافل وليس يغفل عنه وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط رب ~~العالمين عليه أم راض وثلاث أحزنتني حتى أبكتني فراق الأحبة محمد وحزبه ~~وهول المطلع والوقوف بين يدي الله ولا أدري إلى ms2614 الجنة يؤمر بي أو إلى النار # وقال بعضهم رأيت زرارة بن أبي أوفى بعد موته في المنام فقلت أي الأعمال ~~أبلغ عندكم قال التوكل وقصر الأمل # وقال الثوري الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا لبس العباءة # وسأل المفضل بن فضالة ربه أن يرفع عنه الأمل فذهبت عن شهوة الطعام ~~والشراب ثم دعا ربه فرد عليه الأمل فرجع إلى الطعام والشراب وقيل للحسن يا ~~أبا سعيد ألا تغسل قميصك فقال الأمر أعجل من ذلك # وقال الحسن الموت معقود بنواصيكم والدنيا تطوى من ورائكم # وقال بعضهم أنا كرجل ماد عنقه والسيف عليه ينتظر متى تضرب عنقه # وقال داود الطائي لو أملت أن أعيش شهرا لرأيتني قد أتيت عظيما وكيف أؤمل ~~ذلك وأرى الفجائع تغشى الخلائق في ساعات الليل والنهار وحكى أنه جاء شقيق ~~البلخى إلى أستاذ له يقال له أبو هاشم الرمانى وفي طرف كسائه شيء مصرور ~~فقال له استاذه إيش هذا معك فقال لوزات دفعها إلى أخ لي وقال أحب أن تفطر ~~عليها فقال يا شقيق وأنت تحدث نفسك أنك تبقى إلى الليل لا كلمتك أبدا قال ~~فأغلق في وجهي الباب ودخل وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته إن لكل سفر زادا ~~لا محالة فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة التقوى وكونوا كمن عاين ما ~~أعد الله من ثوابه وعقابه ترغبوا وترهبوا ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو ~~قلوبكم وتنقادوا لعدوكم فإنه والله ما بسط أمل من لا يدرى لعله لا يصبح بعد ~~مسائه ولا يمسى بعد صباحه وربما كانت بين ذلك خطفات المنايا وكم رأيت ~~ورأيتم من كان بالدنيا مغترا وإنما تقر عين من PageV04P454 # وثق بالنجاة من عذاب الله تعالى وإنما يفرح من أمن أهوال القيامة فأما من ~~لا يداوى كلما إلا أصابه جرح من ناحية أخرى فكيف يفرح أعوذ بالله من أن ~~آمركم بما لا أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي وتظهر عيبتي وتبدو مسكنتي في يوم ~~يبدو فيه الغنى والفقر والموازين فيه منصوبة لقد عنيتم بأمر ms2615 لو عنيت به ~~النجوم لانكدرت ولو عنيت به الجبال لذابت ولو عنيت به الأرض لتشققت أما ~~تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة وإنكم صائرون إلى إحداهما # وكتب رجل إلى أخ له أما بعد فإن الدنيا حلم والآخرة يقظة والمتوسط بينهما ~~الموت ونحن في أضغات أحلام والسلام # وكتب آخر إلى أخ له إن الحزن على الدنيا طويل والموت من الإنسان قريب ~~وللنقص في كل يوم منه نصيب وللبلاء في جسمه دبيب فبادر قبل أن تنادى ~~بالرحيل والسلام # وقال الحسن كان آدم عليه السلام قبل أن يخطئ أمله خلف ظهره وأجله بين ~~عينيه فلما أصاب الخطيئة حول فجعل أمله بين عينيه وأجله خلف ظهره # وقال عبد الله بن سميط سمعت أبي يقول أيها المغتر بطول صحته أما رأيت ~~ميتا قط من غير سقم أيها المغتر بطول المهلة أما رأيت مأخوذا قط من غير عدة ~~إنك لو فكرت في طول عمرك لنسيت ما قد تقدم من لذاتك أبالصحة تغترون أم بطول ~~العافية تمرحون أم الموت تأمنون أم على ملك الموت تجترئون إن ملك الموت إذا ~~جاء لا يمنعه منك ثروة مالك ولا كثرة احتشادك أما علمت أن ساعة الموت ذات ~~كرب وغصص وندامة على التفريط ثم يقال رحم الله عبدا عمل لما بعد الموت رحم ~~الله عبدا نظر لنفسه قبل نزول الموت وقال أبو زكريا التيمي بينما سليمان بن ~~عبد الملك في المسجد الحرام إذ أتى بحجر منقور فطلب من يقرؤه فأتى بوهب بن ~~منبه فإذا فيه ابن آدم إنك لو رأيت قرب ما بقى من أجلك لزهدت في طول أملك ~~ولرغبت في الزيادة من عملك ولقصرت من حرصك وحيلك وإنما يلقاك غدا ندمك لو ~~قد زلت بك قدمك وأسلمك أهلك وحشمك وفارقك الوالد والقريب ورفضك الولد ~~والنسيب فلا أنت إلى دنياك عائد ولا في حسناتك زائد فاعمل ليوم القيامة قبل ~~الحسرة والندامة فبكى سليمان بكاء شديدا وقال بعضهم رأيت كتابا من محمد بن ~~يوسف إلى عبد الرحمن بن يوسف سلام عليك ms2616 فإني أحمد الله إليك الذي لا إله ~~إلا هو أما بعد فإني أحذرك متحولك من دار مهلتك إلى دار إقامتك وجزاء ~~أعمالك فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها فيأتيك منكر ونكير فيقعدانك ~~وينتهرانك فإن يكن الله معك فلا يأس ولا وحشة ولا فاقة وإن يكن غير ذلك ~~فأعاذني الله وإياك من سوء مصرع وضيق مضجع ثم تبلغك صيحة الحشر ونفخ الصور ~~وقيام الجبار لفصل قضاء الخلائق وخلاء الأرض من أهلها والسماوات من سكانها ~~فباحت الأسرار وأسعرت النار ووضعت الموازين وجىء بالنبيين والشهداء وقضى ~~بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين فكم من مفتضح ومستور وكم من هالك ~~وناج وكم من معذب ومرحوم فيا ليت شعري مالى وحالك يومئذ ففي هذا ما هدم ~~اللذات وأسلى عن الشهوات وقصر عن الأمل وأيقظ النائمين وحذر الغافلين ~~أعاننا الله وإياكم على هذا الخطر العظيم وأوقع الدنيا والآخرة من قلبي ~~وقلبك موقعهما من قلوب المتقين فإنما نحن به وله والسلام وخطب عمر بن عبد ~~العزيز فحمد الله وأثنى عليه وقال أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا ولن ~~تتركوا سدى وإن لكم معادا يجمعكم الله فيه للحكم والفضل فيما بينكم فخاب ~~وشقى غدا عبد أخرجه الله من رحمته التي وسعت كل شيء وجنته التي عرضها ~~السموات والأرض وإنما يكون الأمان غدا لمن خاف واتقى وباع قليلا بكثير ~~وفانيا بباق وشقوة بسعادة ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلف بعدكم ~~الباقون ألا ترون أنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله عز وجل قد ~~قضى نحبه وانقطع أمله فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد PageV04P455 # قد خلع الأسباب وفارق الأحباب وواجه الحساب وايم الله إني لأقول مقالتي ~~هذه ولا أعلم عند أحدكم من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي ولكنها سنن من ~~الله عادلة آمر فيها بطاعته وأنهى فيها عن معصيته واستغفر الله ووضع كمه ~~على وجهه وجعل يبكي حتى بلت دموعه لحيته وما عاد إلى مجلسه حتى مات # وقال القعقاع بن ms2617 حكيم قد استعددت للموت منذ ثلاثين سنة فلو أتاني ما ~~أحببت تأخير شيء عن شيء # وقال الثوري رأيت شيخا في مسجد الكوفة يقول أنا في هذا المسجد منذ ثلاثين ~~سنة لو أنتظر الموت أن ينزل بي ولو أتاني ما أمرته بشيء ولا نهيته عن شيء ~~ولا لى على أحد شيء ولا لأحد عندي شيء # وقال عبد الله بن ثعلبة تضحك ولعل أكفانك قد خرجت من عند القصار # وقال أبو محمد بن علي الزاهد خرجنا في جنازة بالكوفة وخرج فيها داود ~~الطائي فانتبذ فقعد ناحية وهي تدفن فجئت فقعدت قريبا منه فتكلم فقال من خاف ~~الوعيد قصر عليه البعيد ومن طال أمله ضعف عمله وكل ما هو آت قريب واعلم يا ~~أخي أن كل شيء يشغلك عن ربك فهو عليك مشؤم واعلم أن أهل الدنيا جميعا من ~~أهل القبور إنما يندمون على ما يخلفون ويفرحون بما يقدمون فما ندم عليه أهل ~~القبور أهل الدنيا عليه يقتتلون وفيه يتنافسون وعليه عند القضاة يختصمون ~~وروى أن معروفا الكرخي رحمه الله تعالى أقام الصلاة قال محمد بن أبي توبة ~~فقال لي تقدم فقلت إني إن صليت بكم هذه الصلاة لم أصل بكم غيرها فقال معروف ~~وأنت تحدث نفسك أن تصلي صلاة أخرى نعوذ بالله من طول الأمل فإنه يمنع من ~~خير العمل # وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته إن الدنيا ليست بدار قراركم دار كتب ~~الله عليها الفناء وكتب على أهلها الظعن عنها فكم من عامر موثق عما قليل ~~يخرب وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة ~~بأحسن ما بحضرتكم من النقلة وتزودوا فإن خير الزاد التقوى إنما الدنيا كفىء ~~ظلال قلص فذهب بينا ابن آدم في الدنيا ينافس وهو قدير العين إذ دعاه الله ~~بقدره ورماه بيوم حتفه فسلبه آثاره ودنياه وصير لقوم آخرين مصانعه ومغناه ~~إن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر إنها تسر قليلا وتحزن طويلا # وعن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه إنه ms2618 كان يقول في خطبته أين الوضاء ~~الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها ~~بالحيطان أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب قد تضعضع بهم الدهر ~~فأصبحوا في ظلمات القبور الوحا الوحا ثم النجا النجا ### ||||| بيان السبب في طول الأمل وعلاجه # اعلم أن طول الأمل له سببان أحدهما الجهل والآخر حب الدنيا # أما حب الدنيا فهو أنه إذا أنس بها وبشهواتها ولذاتها وعلائقها ثقل على ~~قلبه مفارقتها فامتنع قلبه من الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها وكل من ~~كره شيئا دفعه عن نفسه والإنسان مشغوف بالأماني الباطلة فيمنى نفسه أبدا ~~بما يوافق مراده وإنما يوافق مراده البقاء في الدنيا فلا يزال يتوهمه ~~ويقدره في نفسه ويقدر توابع البقاء وما يحتاج إليه من مال وأهل ودار ~~وأصدقاء ودواب وسائر أسباب الدنيا فيصير قلبه عاكفا على هذا الفكر موقوفا ~~عليه فيلهو عن ذكر الموت فلا يقدر قربه فإن خطر له في بعض الأحوال أمر ~~الموت والحاجة إلى الإستعداد له سوف ووعد نفسه وقال الأيام بين يديك إلى أن ~~تكبر ثم تتوب وإذا كبر فيقول إلى أن تصير شيخا فإذا صار شيخا قال إلى أن ~~تفرغ من بناء هذه الدار وعمارة هذه الضيعة أو ترجع من هذه السفرة أو تفرغ ~~من تدبير هذا الولد وجهازه وتدبير مسكن له أو تفرغ من قهر هذا العدو الذي ~~يشمت بك # فلا يزال يسوف ويؤخر ولا يخوض في شغل إلا ويتعلق بإتمام ذلك الشغل عشرة ~~أشغال أخر وهكذا على التدريج PageV04P456 # يؤخر يوما بعد يوم ويفضي به شغل إلى شغل بل إلى أشغال إلى أن تختطفه ~~المنية في وقت لا يحتسبه فتطول عند ذلك حسرته وأكثر أهل النار وصياحهم من ~~سوف يقولون واحزناه من سوف # والمسوف المسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم هو معه غدا ~~وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخا ويظن أنه يتصور أن يكون للخائض في ~~الدنيا والحافظ لها فراغ قط وهيهات فما يفرغ منها إلا من طرحها فما ms2619 قضى أحد ~~منها لبانته ... وما انتهى أرب إلا إلى أرب # وأصل هذه الأماني كلها حب الدنيا والأنس بها والغفلة عن معنى قوله صلى ~~الله عليه وسلم أحبب من أحببت فإنك مفارقه (1) # وأما الجهل فهو أن الإنسان قد يعول على شبابه فيستبعد قرب الموت مع ~~الشباب وليس يتفكر المسكين أن مشايخ بلده لو عدوا لكانوا أقل من عشر رجال ~~البلد وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر فإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي ~~وشاب # وقد يستبعد الموت لصحته ويستبعد الموت فجأة ولا يدري أن ذلك غير بعيد وإن ~~كان ذلك بعيدا فالمرض فجأة غير بعيد وكل مرض فإنما يقع فجأة وإذا مرض لم ~~يكن الموت بعيد ولو تفكر هذا الغافل وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص من ~~شباب وشيب وكهولة ومن صيف وشتاء وخريف وربيع من ليل ونهار لعظم استشعاره ~~واشتغل بالاستعداد له ولكن الجهل بهذه الأمور وحب الدنيا دعواه إلى طول ~~الأمل وإلى الغفلة عن تقدير الموت القريب فهو أبدا يظن أن الموت يكون بين ~~يديه ولا يقدر نزوله به ووقوعه فيه وهو أبدا يظن أنه يشيع الجنائز ولا يقدر ~~أن تشيع جنازته لأن هذا قد تكرر عليه وألفه وهو مشاهدة موت غيره فأما موت ~~نفسه فلم يألفه ولم يتصور أن يألفه فإنه لم يقع وإذا وقع في دفعه أخرى بعد ~~هذه فهو الأول وهو الآخر # وسبيله أن يقيس نفسه بغيره ويعلم أنه لا بد وأن تحمل جنازته ويدفن في ~~قبره ولعل اللبن الذي يغطي به لحده قد ضرب وفرغ منه وهو لا يدري فتسويفه ~~جهل محض # وإذا عرفت أن سببه الجهل وحب الدنيا فعلاجه دفع سببه # أما الجهل فيدفع بالفكر الصافي من القلب الحاضر وبسماع الحكمة البالغة من ~~القلوب الطاهرة # وأما حب الدنيا فالعلاج في إخراجه من القلب شديد وهو الداء العضال الذي ~~أعيا الأولين والآخرين علاجه ولا علاج له إلا الإيمان باليوم الآخر وبما ~~فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل ms2620 عن قلبه ~~حب الدنيا فإن حب الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير فإذا رأى حقارة ~~الدنيا ونفاسة الآخرة استنكف أن يلتفت إلى الدنيا كلها وإن أعطى ملك الأرض ~~من المشرق إلى المغرب وكيف وليس عنده من الدنيا إلا قدر يسير مكدر منغص ~~فكيف يفرح بها أو يترسخ في القلب حبها مع الإيمان بالآخرة فنسأل الله تعالى ~~أن يرينا الدنيا كما أراها الصالحين من عباده # ولا علاج في تقدير الموت في القلب مثل النظر إلى من مات من الأقران ~~والأشكال وأنهم كيف جاءهم الموت في وقت لم يحتسبوا # أما من كان مستعدا فقد فاز فوزا عظيما وأما من كان مغرورا بطول الأمل فقد ~~خسر خسرانا مبينا # فلينظر الإنسان كل ساعة في أطرافه وأعضائه وليتدبر أنها كيف تأكلها ~~الديدان لا محالة وكيف تتفتت عظامها وليتفكر أن الدود يبدأ بحدقته اليمنى ~~أولا أو اليسرى فما على بدنه شيء إلا وهو طعمة الدود وما له من نفسه إلا ~~العلم والعمل الخالص لوجه الله تعالى PageV04P457 # وكذلك يتفكر فيما سنورده من عذاب القبر وسؤال منكر ونكير ومن الحشر ~~والنشر وأهوال القيامة وقرع النداء يوم العرض الأكبر # فأمثال هذه الأفكار هي التي تجدد ذكر الموت على قلبه وتدعوه إلى ~~الاستعداد له ### ||||| بيان مراتب الناس في طول الأمل وقصره # أعلم أن الناس في ذلك يتفاوتون فمنهم من يأمل البقاء ويشتهى ذلك أبدا قال ~~الله تعالى يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ومنهم من يأمل البقاء إلى الهرم وهو ~~أقصى العمر الذي شاهده ورآه وهو الذي يحب الدنيا حبا شديدا قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الشيخ شاب في حب طلب الدنيا وإن التفت ترقوتاه من الكبر ~~إلا الذين اتقوا وقليل ما هم (1) ومنهم من يأمل إلى سنة فلا يشتغل بتدبير ~~ما وراءها فلا يقدر لنفسه وجودا في عام قابل ولكن هذا يستعد في الصيف ~~للشتاء وفي الشتاء للصيف فإذا جمع ما يكفيه لسنته اشتغل بالعبادة ومنهم من ~~يأمل مدة الصيف أو الشتاء فلا يدخر في ms2621 الصيف ثياب الشتاء ولا في الشتاء ~~ثياب الصيف # ومنهم من يرجع أمله إلى يوم وليلة فلا يستعد إلا لنهاره وأما للغد فلا # قال عيسى عليه السلام لا تهتموا برزق غد فإن يكن غد من آجالكم فستأتى فيه ~~أرزاقكم مع آجالكم وإن لم يكن من آجالكم فلا تهتموا لآجال غيركم # ومنهم من لا يجاوز أمله ساعة كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم يا عبد ~~الله إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح ~~ومنهم من لا يقدر البقاء أيضا ساعة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيمم ~~مع القدرة على الماء قبل مضي ساعة ويقول لعلى لا أبلغه ومنهم من يكون الموت ~~نصب عينيه كأنه واقع به فهو ينتظره وهذا الإنسان هو الذي يصلي صلاة مودع ~~وفيه ورد ما نقل عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه لما سأله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن حقيقة إيمانه فقال ما خطوت خطوة إلا ظننت أنى لا أتبعها ~~أخرى (2) وكما نقل عن الأسود وهو حبشي أنه كان يصلي ليلا ويلتفت يمينا ~~وشمالا فقال له قائل ما هذا قال أنظر ملك الموت من أي جهة يأتينى # فهذه مراتب الناس ولكل درجات عند الله وليس من أمله مقصور على شهر كمن ~~أمله شهر ويوم بل بينهما تفاوت في الدرجة عند الله ف إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ثم يظهر أثر قصر الأمل في المبادرة إلى ~~العمل وكل إنسان يدعى أنه قصير الأمل وهو كاذب إنما يظهر ذلك بأعماله فإنه ~~يعتنى بأسباب ربما لا يحتاج إليها في سنة فيدل ذلك على طول أمله # وإنما علامة التوفيق أن يكون الموت نصب العين لا يغفل عنه ساعة فليستعد ~~للموت الذي يرد عليه في الوقت فإن عاش إلى المساء شكر الله تعالى على طاعته ~~وفرح بأنه لم يضيع نهاره بل استوفى منه حظه وادخره لنفسه ثم يستأنف مثله ~~إلى الصباح وهكذا إذا أصبح # ولا ms2622 يتيسر هذا إلا لمن فرغ القلب عن الغد وما يكون فيه # فمثل هذا إذا مات سعد وغنم وإن عاش سر بحسن الاستعداد ولذة المناجاة ~~فالموت له سعادة والحياة له مزيد فليكن الموت على بالك يا مسكين فإن السير ~~حاث بك وأنت غافل عن نفسك ولعلك قد قاربت المنزل وقطعت المسافة ولا تكون ~~كذلك إلا بمبادرة العمل اغتناما لكل نفس أمهلت فيه PageV04P458 ### ||||| بيان المبادرة إلى العمل وحذر آفة التأخير # اعلم أن من له أخوان غائبان وينتظر قدوم أحدهما في غد وينتظر قدوم الآخر ~~بعد شهر أو سنة فلا يستعد للذي يقدم إلى شهر أو سنة وإنما يستعد للذي ينتظر ~~قدومه غد # فالاستعداد نتيجة قرب الإنتظار فمن انتظر مجيء الموت بعد سنة اشتغل قلبه ~~بالمدة ونسى ما وراء المدة ثم يصبح كل يوم وهو منتظر للسنة بكمالها لا ينقص ~~منها اليوم الذي مضى وذلك يمنعه من مبادرة العمل أبدا يرى لنفسه متسعا في ~~تلك السنة فيؤخر العمل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينتظر ~~أحدكم من الدنيا إلا غنى مطغبا أو فقرا منسيا أو مرضا مفسدا أو هرما مقيدا ~~أو موتا مجهزا أو الدجال فالدجال شر غائب ينتظر أو الساعة والساعة أدهى ~~وأمر (1) وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه اغتنم ~~خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل ~~شغلك وحياتك قبل موتك (2) وقال صلى الله عليه وسلم نعمتان مغبون فيهما كثير ~~من الناس الصحة والفراغ (3) حديث من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل أخرجه ~~الترمذي من حديث ابن عباس وقد تقدم (4) حديث جاءت الرجفه تتبعها الرادفة ~~الحديث أخرجه الترمذي وحسنه من حديث أبي بن كعب (5) حديث كان إذا أنس من ~~أصحابه غفلة أو غرة نادى فيهم بصوت رفيع أتتكم المنية الحديث أخرجه ابن أبي ~~الدنيا في قصر الأمل من حديث زيد السليمي مرسلا (6) حديث أبي هريرة أنا ~~النذير والموت المغير والساعة الموعد أخرجه أبن أبي الدنيا في ms2623 قصر الأمل ~~وأبو القاسم البغوي بإسناد فيه لين (7) حديث ابن عمر خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والشمس على أطراف السعف فقال ما بقى من الدنيا إلا مثل ما ~~بقى من يومنا هذا في مثل ما مضى منه أخرجه ابن أبي الدنيا فيه بإسناد حسن ~~والترمذي نحوه من حديث أبي سعيد وحسنه (8) حديث مثل الدنيا مثل ثوب شق من ~~أوله إلى آخره الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا فيه من حديث أنس ولا يصح (9) ~~وقال ابن مسعود رضي الله عنه تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام {فقال} إن النور إذا دخل الصدر انفسح فقيل ~~يا رسول الله هل لذلك من علامة تعرف PageV04P459 # {قال} نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد ~~للموت قبل نزوله وقال السدي الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم احسن عملا ~~أي أيكم أكثرللموت ذكرا وأحسن له استعدادا وأشد منه خوفا وحذرا # وقال حذيفة ما من صباح ولا مساء إلا ومنادى ينادى أيها الناس الرحيل ~~الرحيل # وتصديق ذلك قوله تعالى إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن ~~يتقدم أو يتأخر في الموت # وقال سحيم مولى بني تميم جلست إلى عامر بن عبد الله وهو يصلي فأوجز في ~~صلاته ثم أقبل على فقال أرحني بحاجتك فإني أبادر قلت وما تبادر قال ملك ~~الموت رحمك الله قال فقمت عنه وقام إلى صلاته # ومر داود الطائي فسأله رجل عن حديث فقال دعنى إنما أبادر خروج نفسي قال ~~عمر رضي الله عنه التؤدة في كل شيء خير إلا في أعمال الخير للآخرة # وقال المنذر سمعت مالك بن دينار يقول لنفسه ويحك بادرى قبل أن يأتيك ~~الأمر ويحك بادرى قبل أن يأتيك الأمر حتى كرر ذلك ستين مرة أسمعه ولا يراني # وكان الحسن يقول في موعظته المبادرة المبادرة فإنما هي الأنفاس لو حبست ~~انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله عز وجل رحم الله امرأ نظر ~~إلى نفسه ms2624 وبكى على عدد ذنوبه ثم قرأ هذه الآية إنما نعد لهم عدا يعني ~~الأنفاس آخر العدد خروج نفسك آخر العدد فراق أهلك آخر العدد دخولك في قبرك # واجتهد أبو موسى الأشعري قبل موته اجتهادا شديدا فقيل له لو أمسكت أو ~~رفقت بنفسك بعض الرفق فقال إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها أخرجت ~~جميع ما عندها والذي بقي من أجلى أقل من ذلك قال فلم يزل على ذلك حتى مات # وكان يقول لامرأته شدي رحلك فليس على جهنم معبرة # وقال بعض الخلفاء على منبره عباد الله اتقوا الله ما استطعتم وكونوا قوما ~~صيح بهم فانتبهوا وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا واستعدوا للموت ~~فقد أظلكم وترحلوا فقد جد بكم وإن غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة ~~لجديرة بقصر المدة وإن غائبا يجد به الجديدان الليل والنهار لحرى بسرعة ~~الأوبة وإن قادما يحل بالفوز أو الشقوة لمستحق لأفضل العدة فالتقى عند ربه ~~من ناصح نفسه وقدم توبته وغلب شهوته فإن أجله مستور عنه وأمله خادع له ~~والشيطان موكل به يمنيه التوبة ليسوقها ويزين إليه المعصية ليرتكبها حتى ~~تهجم منيته عليه أغفل ما يكون عنها وإنه ما بين أحدكم وبين الجنة أو النار ~~إلا الموت أن ينزل به فيا لها حسرة على ذي غفلة أو يكون عمره عليه حجة وان ~~ترديه أيامه إلى شقوة جعلنا الله وإياكم ممن لا تبطره نعمة ولا تقصر به عن ~~طاعة الله معصية ولا يحل به بعد الموت حسرة إنه سميع الدعاء وإنه بيده ~~الخير دائما فعال لما يشاء # وقال بعض المفسرين في قوله تعالى فتنتم أنفسكم قال بالشهوات واللذات ~~وتربصتم قال بالتوبة وارتبتم قال شككتم حتى جاء أمر الله قال الموت وغركم ~~بالله الغرور قال الشيطان وقال الحسن تصبروا وتشددوا فإنما هي أيام قلائل ~~وإنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى الرجل منكم فيجيب ولا يلتفت فانتقلوا ~~بصالح ما بحضرتكم # وقال ابن مسعود ما منكم من أحد أصبح إلا وهو ضيف وما له عارية والضيف ~~مرتحل ms2625 والعارية مؤداة # وقال أبو عبيدة الباجي دخلنا على الحسن في مرضه الذي مات فيه فقال مرحبا ~~بكم وأهلا حياكم الله بالسلام وأحلنا وإياكم دار المقام هذه علانية حسنة إن ~~صبرتم وصدقتم واتقيتم فلا يكن حظكم من هذا الخبر رحمكم الله أن تسمعوه بهذه ~~الأذن وتخرجوه من هذه الأذن فإن من رأى محمدا صلى الله عليه وسلم فقد رآه ~~غاديا PageV04P460 # ورائحا لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة ولكن رفع له علم فشمر ~~إليه الوحا الوحا النجا النجا علام تعرجون أتيتم ورب الكعبة كأنكم والأمر ~~معا رحم الله عبدا جعل العيش عيشا واحدا فأكل كسرة ولبس خلقا ولزق بالأرض ~~واجتهد في العبادة وبكى على الخطيئة وهرب من العقوبة وابتغى الرحمة حتى ~~يأتيه أجله وهو على ذلك وقال عاصم الأحول قال لي فضيل الرقاشي وأنا سائلة ~~يا هذا لا يشغلنك كثرة الناس عن نفسك فإن الأمر يخلص إليك دونهم ولا تقل ~~أذهب ههنا وههنا فينقطع عنك النهار في لا شيء فإن الأمر محفوظ عليك ولم تر ~~شيئا قط أحسن طلبا ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم ### |||| الباب الثالث في سكرات الموت وشدته وما يستحب من الأحوال عنده # اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى ~~سكرات الموت بمجردها لكان جديرا بأن يتنغص عليه عيشه ويتكدر عليه سروره ~~ويفارقه سهوه وغفلته وحقيقا بأن يطول فيه فكره ويعظم له استعداده لا سيما ~~وهو في كل نفس بصدده كما قال بعض الحكماء كرب بيد سواك لا تدري متى يغشاك # وقال لقمان لابنه # يا بني أمر لا تدري متى يلقاك استعد له قبل أن يفجأك # والعجب أن الإنسان لو كان في أعظم اللذات وأطيب مجالس اللهو فانتظر أن ~~يدخل عليه جندي فيضربه خمس خشبات لتكدرت عليه لذته وفسد عليه عيشه وهو في ~~كل نفس بصدد أن يدخل عليه ملك الموت بسكرات النزع وهو عنه غافل فما لهذا ~~سبب إلا الجهل والغرور واعلم أن شدة الألم ms2626 في سكرات الموت لا يعرفها ~~بالحقيقة إلا من ذاقها ومن لم يذقها فإنما يعرفها إلا بالقياس إلى الآلام ~~التي أدركها وإما الاستدلال بأحوال الناس في النزع على شدة ما هم فيه # فأما القياس الذي يشهد له فهو أن كل عضو لا روح فيه فلا يحس بالألم فإذا ~~كان فيه الروح فالمدرك للألم هو الروح فمهما أصاب العضو جرح أو حريق سرى ~~الأثر إلى الروح فيقدر ما يسري إلى الروح يتألم والمؤلم يتفرق على اللحم ~~والدم وسائر الأجزاء فلا يصيب الروح إلا بعض الألم فإن كان في الآلام ما ~~يباشر نفس الروح ولا يلاقي غيره فما أعظم ذلك الألم وما أشده # والنزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الروح فاستغرق جميع أجزائه حتى لم يبق جزء ~~من أجزاء الروح المنتشر في أعماق البدن إلا وقد حل به الألم فلو أصابته ~~شوكة فالألم الذي يجده إنما يجري في جزء من الروح يلاقي ذلك الموضع الذي ~~أصابته الشوكة وإنما يعظم أثر الاحتراق لأن أجزاء النار تغوص في سائر أجزاء ~~البدن فلا يبقى جزء من العضو المحترق ظاهرا وباطنا إلا وتصيبه النار فتحسه ~~الأجزاء الروحانية المنتشرة في سائر أجزاء اللحم # وأما الجراحة فإنما تصيب الموضع الذي مسه الحديد فقط فكان لذلك ألم الجرح ~~دون ألم النار فألم النزع يهجم على نفس الروح ويستغرق جميع أجزائه فإنه ~~المنزوع المجذوب من كل عرق من العروق وعصب من الأعصاب وجزء من الأجزاء ~~ومفصل من المفاصل ومن أصل كل شعرة وبشرة من الفرق إلى القدم فلا تسأل عن ~~كربة وألمه حتى قالوا إن الموت لا شد من ضرب بالسيف ونشر بالمناشير وقرض ~~بالمقاريض لأن قطع البدن بالسيف إنما يؤلم لتعلقه بالروح فكيف إذا كان ~~المقاول المباشر نفس الروح وإنما يستغيث المضروب ويصيح لبقاء قوته في قلبه ~~وفي لسانه وإنما انقطع صوت الميت وصياحه من شدة ألمه لأن الكرب قد بالغ فيه ~~وتصاعد على قلبه وبلغ كل PageV04P461 # موضع منه فهد كل قوة وضعف كل جارحة فلم يترك له قوة الاستغاثة ms2627 # أما العقل فقد غشيه وشوشه # وأما اللسان فقد أبكمه وأما الأطراف فقد ضعفها # ويود لو قدر على الاستراحة بالأنين والصياح والاستغاثة ولكنه لا يقدر على ~~ذلك فإن بقيت فيه قوة سمعت له عند نزع الروح وجذبها خوارا وغرغرة من حلقه ~~وصدره وقد تغير لونه واربد حتى كأنه ظهر منه التراب الذي هو أصل فطرته وقد ~~جذب منه كل عرق على حياله فالألم منتشر في داخله وخارجه حتى ترتفع الحدقتان ~~إلى أعالي أجفانه وتتقلص الشفتان ويتقلص اللسان إلى أصله وترتفع الأنثيان ~~إلى أعالي موضعهما وتخضر أنامله # فلا تسل عن بدن يجذب منه كل عرق من عروقه ولو كان المجذوب عرقا واحدا ~~لكان ألمه عظيما فكيف والمجذوب نفس الروح المتألم لا من عرق واحد بل من ~~جميع العروق # ثم يموت كل عضو من أعضائه تدريجا فتبرد أولا قدماه ثم ساقاه ثم فخذاه ~~ولكل عضو سكرة بعد سكرة وكربة بعد كربة حتى يبلغ بها إلى الحلقوم فعند ذلك ~~ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها ويغلق دونه باب التوبة وتحيط به الحسرة ~~والندامة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقبل توبة العبد ما لم يغرغر ~~(1) وقال مجاهد في قوله تعالى وليست التوبة للذين يعلمون السيئات حتى إذا ~~حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن قال إذا عاين الرسل فعند ذلك تبدو له ~~صفحة وجه ملك الموت فلا تسأل عن طعم مرارة الموت وكربه عند ترادف سكراته ~~ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم هون على محمد سكرات ~~الموت (2) والناس إنما لا يستعيذون منه ولا يستعظمونه لجهلهم به فإن ~~الأشياء قبل وقوعها إنما تدرك بنور النبوة والولاية ولذلك عظم خوف الأنبياء ~~عليهم السلام والأولياء من الموت حتى قال عيسى عليه السلام يا معشر ~~الحواريين ادعوا الله تعالى أن يهون على هذه السكرة يعني الموت فقد خفت ~~الموت مخافة أوقفني خوفي من الموت على الموت وروى أن نفرا من إسرائيل مروا ~~بمقبرة فقال بعضهم لبعض لو دعوتم الله تعالى أن يخرج لكم من ms2628 هذه المقبرة ~~ميتا تسألونه فدعوا الله تعالى فإذا هم برجل قد قام وبين عينيه أثر السجود ~~قد خرج من قبر من القبور فقال يا قوم ما أردتم مني لقد ذقت الموت منذ خمسين ~~سنة ما سكنت مرارة الموت من قلبي # وقالت عائشة رضي الله عنها لا أغبط أحد يهون عليه الموت بعد الذي رأيت من ~~شدة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي أنه عليه السلام كان يقول اللهم ~~إنك تأخذ الروح من بين العصب والقصب والأنامل اللهم فأعني على الموت وهونه ~~علي (3) وعن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الموت وغصته وألمه ~~فقال هو قدر ثلثمائة ضربة بالسيف (4) وسئل صلى الله عليه وسلم عن الموت ~~وشدته فقال إن أهون الموت بمنزلة حسكة في صوف فهل تخرج الحسكة من الصوف إلا ~~ومعها صوف (5) ودخل صلى الله عليه وسلم على مريض ثم قال إني أعلم ما يلقى ~~ما منه عرق إلا ويألم للموت على حدته // حديث دخل على مريض فقال أني لايعلم ~~ما يلقى ما منه عرق إلا ويألم للموت على جدته أخرجه ابن أبي الدنيا فيه من ~~حديث سلمان بسند ضعيف ورواه في المرض والكفارات من رواية عبيد بن عمير ~~مرسلا مع إختلاف ورجاله ثقات وكان علي كرم الله وجهه يحض على القتال ويقول ~~PageV04P462 # إن لم تقتلوا تموتوا والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون علي من موت ~~على فراش # وقال الأوزاعي بلغنا أن الميت يجد ألم الموت ما لم يبعث من قبره # وقال شداد بن أوس الموت افظع هول في الدنيا والآخرة على المؤمن وهو أشد ~~من نشر بالمناشير وقرض بالمقاريض وإلى في القدور ولو أن الميت نشر فأخبر ~~أهل الدنيا بالموت ما انتفعوا بعيش ولا لذوا بنوم # وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال إذا بقي على المؤمن من درجاته شيء لم يبلغها ~~بعمله شدد عليه الموت ليبلغ بسكرات الموت وكربه درجته في الجنة وإذا كان ~~للكافر معروف لم يجز به هون عليه في ms2629 الموت ليستكمل ثواب معروفه فيصير إلى ~~النار # وعن بعضهم أنه كان يسأل كثيرا من المرضى كيف تجدون الموت فلما مرض قيل له ~~فأنت كيف تجده فقال كأن السموات مطبقة على الأرض وكأن نفسي يخرج من ثقب ~~إبرة # وقال صلى الله عليه وسلم موت الفجأة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر (1) ~~وروى عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لو أن شعرة من شعر ~~الميت وضعت على أهل السموات والأرض لماتوا بإذن الله تعالى لأن في كل شعرة ~~الموت ولا يقع الموت بشيء إلا مات (2) ويروى لو أن قطرة من ألم الموت وضعت ~~على جبال الدنيا كلها لذابت (3) وروى إن إبراهيم عليه السلام لما مات قال ~~الله تعالى له كيف وجدت الموت يا خليلي قال كسفود جعل في صوف رطب ثم جذب ~~فقال أما إنا قد هونا عليك وروى عن موسى عليه السلام أنه لما صارت روحه إلى ~~الله تعالى قال له ربه يا موسى كيف وجدت الموت قال وجدت نفسي كالعصفور حين ~~يقلى على المقلى لا يموت فيستريح ولا ينجو فيطير وروى عنه أنه قال وجدت ~~نفسي كشاة حية تسلخ بيد القصاب وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~عنده قدح من ماء عند الموت فجعل يدخل يده في الماء ثم يمسح بها وجهه ويقول ~~اللهم هون علي سكرات الموت (4) وفاطمة رضي الله عنها تقول واكرباه لكربك يا ~~أبتاه وهو يقول لا كرب على أبيك بعد اليوم (5) وقال عمر رضي الله عنه لكعب ~~الأحبار يا كعب حدثنا عن الموت فقال نعم يا أمير المؤمنين إن الموت كغصن ~~كثير الشوك أدخل في جوف رجل وأخذت كل شوكة بعرق ثم جذبه رجل شديد الجذب ~~فأخذ ما أخذ وأبقى ما أبقى وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن العبد ليعالج ~~كرب الموت وسكرات الموت وإن مفاصله ليسلم بعضها على بعض تقول عليك السلام ~~تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة (6) # فهذه سكرات الموت على أولياء الله وأحبابه في حالنا ونحن المنهمكون ms2630 في ~~المعاصي وتتوالى علينا مع سكرات الموت بقية الدواهي فإن دواهي الموت ثلاث # الأولى شدة النزع كما ذكرناه PageV04P463 # الدهية الثانية مشاهدة صورة ملك الموت ودخول الروع والخوف منه على القلب ~~فلو رأى صورته التي يقبض عليها روح العبد المذنب أعظم الرجال قوة لم يطق ~~رؤيته # فقد روى عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه قال لملك الموت هل تستطيع أن ~~تريني صورتك التي تقبض عليها روح الفاجر قال لا تطيق ذلك قال بلى قال فأعرض ~~عنى فأعرض عنه # ثم التفت فإذا هو برجل أسود قائم الشعر منتن الريح أسود الثياب يخرج من ~~فيه ومناخيره لهيب النار والدخان فغشى على إبراهيم عليه السلام # ثم أفاق وقد عاد ملك الموت إلى صورته الأولى فقال ملك الموت لو لم يلق ~~الفاجر عند الموت إلا صورة وجهك لكان حسبه وروى أبو هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن داود عليه السلام كان رجلا غيورا وكان إذا خرج أغلق ~~الأبواب فأغلق ذات يوم وخرج فأشرفت امرأته فإذا هي برجل في الدار فقالت من ~~أدخل هذا الرجل لئن جاء داود ليلقين منه عناء فجاء داود فرآه فقال من أنت ~~فقال أنا الذي لا أهاب الملوك ولا يمنع مني الحجاب فقال فأنت والله إذن ملك ~~الموت وزمل داود عليه السلام مكانه (1) وروي أن عيسى عليه السلام مر بجمجمة ~~فضربها برجله فقال تكلمي بإذن الله فقالت يا روح الله أنا ملك زمان كذا ~~وكذا بينا أنا جالس في ملكي على تاجي وحولي جنودي وحشمي على سرير ملكي إذ ~~بدا لي ملك الموت فزال مني كل عضو على حياله ثم خرجت نفسي إليه فيا ليت ما ~~كان من تلك الجموع كان فرقة وياليت ما كان من ذلك الأنس كان وحشة فهذه ~~يلقاها العصاة ويكفاها المطيعون فقد حكى الأنبياء مجرد سكرة النزع دون ~~الروعة التي يدركها من يشاهد صورة ملك الموت كذلك ولو رآها في منامه ليلة ~~لتنغص عليه بقية عمره فكيف برؤيته في مثل تلك الحال # وأما المطيع فإنه ms2631 يراه في أحسن صورة وأجملها فقد روى عكرمة عن ابن عباس ~~إن إبراهيم عليه السلام كان رجلا غيورا وكان له بيت يتعبد فيه فإذا خرج ~~أغلقه فرجع ذات يوم فإذا برجل في جوف البيت فقال من أدخلك داري فقال ~~أدخلنيها ربها فقال أنا ربها فقال أدخلنيها من هو أملك بها مني ومنك فقال ~~من أنت من الملائكة قال أنا ملك الموت قال هل تستطيع أن تريني الصورة التي ~~تقبض فيها روح المؤمن قال نعم فأعرض عني فأعرض ثم التفت فإذا هو بشاب فذكر ~~من حسن وجهه وحسن ثيابه وطيب ريحه فقال يا ملك الموت لو لم يلق المؤمن عند ~~الموت إلا صورتك كان حسبه # ومنها مشاهدة الملكين الحافظين قال وهيب بلغنا أنه ما من ميت يموت حتى ~~يتراءى له ملكاه الكاتبان عمله فإن كان مطيعا قالا له جزاك الله عنا خيرا ~~فرب مجلس صدق أجلستنا وعمل صالح أحضرتنا وإن كان فاجرا قالا له لا جزاك ~~الله عنا خيرا فرب مجلس سوء أجلستنا وعمل غير صالح أحضرتنا وكلام قبيح ~~أسمعنا فلا جزاك الله عنا خيرا # فذلك شخوص بصر الميت إليهما ولا يرجع إلى الدنيا أبدا # الداهية الثالثة مشاهدة العصاة مواضعهم من النار وخوفهم قبل المشاهدة ~~فإنهم في حال السكرات قد تخاذلت قواهم واستسلمت للخروج أرواحهم ولن تخرج ~~أرواحهم ما لم يسمعوا نغمة ملك الموت بأحد البشريين إما أبشر يا عدو الله ~~بالنار أو أبشر يا ولي الله بالجنة # ومن هذا كان خوف أرباب الألباب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لن يخرج ~~أحدكم من الدنيا حتى يعلم أين مصيره وحتى يرى مقعده من الجنة أو النار (2) ~~وقال صلى الله عليه وسلم PageV04P464 # من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ~~وفقالوا كلنا نكره الموت قال ليس ذاك بذاك إن المؤمن إذا فرج له عما هو ~~قادم عليه أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه (1) وروى أن حذيفة بن اليمان قال ~~لابن مسعود وهو لما به من ms2632 آخر الليل قم فأنظر أي ساعة هي فقام ابن مسعود ثم ~~جاءه فقال قد طلعت الحمراء فقال حذيفة أعوذ بالله من صباح إلى النار ودخل ~~مروان على أبي هريرة فقال مروان اللهم خفف عنه فقال أبو هريرة اللهم اشدد ~~ثم بكى أبو هريرة وقال والله ما أبكى حزنا على الدنيا ولا جزعا من فراقكم ~~ولكن انتظر إحدى البشريين من ربى بجنة أم بنار # وروى في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله إذا رضى عن ~~عبد قال يا ملك الموت أذهب إلى فلان فأتني بروحه لأريحه حسبي من عمله قد ~~بلوته فوجدته حيث أحب فينزل ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة ومعهم ~~قضبان الريحان وأصول الزعفران كل واحد منهم يبشره ببشارة سوى بشارة صاحبه ~~وتقوم الملائكة صفين لخروج روحه معهم الريحان فإذا نظر إليهم إبليس وضع يده ~~على رأسه ثم صرخ قال فيقول له جنوده مالك يا سيدنا فيقول أما ترون ما أعطى ~~هذا العبد من الكرامة أين كنتم من هذا قالوا قد جهدنا به فكان معصوما (2) ~~وقال الحسن لا راحة للمؤمن إلا في لقاء الله ومن كانت راحته في لقاء الله ~~تعالى فيوم الموت يوم سروره وفرحه وأمنه وعزه وشرفه # وقيل لجابر بن زيد عند الموت ما تشتهي قال نظرة إلى الحسن فلما دخل عليه ~~الحسن قيل له هذا الحسن فرفع طرفه إليه ثم قال يا إخواناه الساعة والله ~~افارقكم إلى النار أو إلى الجنة # وقال محمد بن واسع عند الموت يا إخواناه عليكم السلام إلى النار أو يعفو ~~الله وتمنى بعضهم أن يبقى في النزع أبدا ولا يبعث لثواب ولا عقاب فخوف سوء ~~الخاتمة قطع قلوب العارفين وهو من الدواهي العظيمة عند الموت # وقد ذكرنا معنى سوء الخاتمة وشدة خوف العارفين منه في كتاب الخوف والرجاء ~~وهو لائق بهذا الموضع # ولكننا لا نطول بذكره وإعادته ### ||||| بيان ما يستحب من أحوال المحتضر عند الموت # أعلم أن المحبوب عند الموت من صورة المحتضر هو الهدوء والسكون ms2633 ومن لسانه ~~أن يكون ناطقا بالشهادة ومن قلبه أن يكون حسن الظن بالله تعالى # أما الصورة فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ارقبوا الميت ~~عند ثلاث إذا رشح جبينة ودمعت عيناه ويبست شفتاه فهي من رحمة الله قد نزلت ~~به وإذا غط غطيط المخنوق وأحمر لونه واربدت شفتاه فهو من عذاب الله قد نزل ~~به // حديث ارقبوا الميت عند ثلاث إذا رشح جبينه وذرفت عيناه الحديث أخرجه ~~الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث سلمان ولا يصح # وأما انطلاق لسانه بكلمة الشهادة فهي علامة الخير قال أبو سعيد الخدري ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV04P465 # لقنوا موتاكم لا إله إلا الله (1) وفي رواية حذيفة فإنها تهدم ما قبلها ~~من الخطايا (2) وقال عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات وهو ~~يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة (3) وقال عبيد الله وهو يشهد وقال عثمان ~~إذا احتضر الميت فلقنوه لا إله إلا الله فإنه ما من عبد يختم له بها عند ~~موته إلا كانت زاده إلى الجنة # وقال عمر رضي الله عنه احضروا موتاكم وذكروهم فإنهم يرون ما لا ترون ~~ولقنوهم لا إله إلا الله # وقال أبو هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حضر ملك الموت ~~رجلا يموت فنظر في قلبه فلم يجد فيه شيئا ففك لحييه فوجد طرف لسانه لاصقا ~~بحنكه يقول لا إله إلا الله فغفر له بكلمة الإخلاص (4) # وينبغي للملقن أن لا يلح في التلقين ولكن يتلطف فربما لا ينطق لسان ~~المريض فيشق عليه ذلك ويؤدى إلى استثقاله التلقين وكراهيته للكلمة ويخشى أن ~~يكون ذلك سبب سوء الخاتمة # وإنما معنى هذه الكلمة أن يموت الرجل وليس في قلبه شيء غير الله فإذا لم ~~يبق له مطلوب سوى الواحد الحق كان قدومه بالموت على محبوبه غاية النعيم في ~~حقه وإن كان القلب مشغوفا بالدنيا ملتفتا إليها متأسفا على لذاتها وكانت ~~الكلمة على رأس اللسان ولم ينطبق القلب على ms2634 تحقيقها وقع الأمر في خطر ~~المشيئة فإن مجرد حركة اللسان قليل الجدوى إلا أن يتفضل الله تعالى بالقبول # وأما حسن الظن فهو مستحب في هذا الوقت وقد ذكرنا ذلك في كتاب الرجاء وقد ~~وردت الأخبار بفضل حسن الظن بالله # دخل وائلة بن الأسقع على مريض فقال أخبرني كيف ظنك بالله قال أغرقتني ~~ذنوب لي وأشرفت على هلكة ولكني أرجو رحمة ربي فكبر واثلة وكبر أهل البيت ~~بتكبيره وقال الله أكبر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يقول الله ~~تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء ودخل النبي صلى الله عليه وسلم ~~على شاب وهو يموت فقال كيف تجدك قال أرجو الله وأخاف ذنوبي فقال صلى الله ~~عليه وسلم ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا المظن إلا أعطاه الله الذي يرجو ~~وآمنه من الذي يخاف (5) (6) وقال ثابت البناني كان شاب به حدة وكان له أم ~~تعظه كثيرا وتقول له يا بني إن لك يوما فاذكر يومك فلما نزل به أمر الله ~~تعالى أكبت عليه أمه وجعلت تقول له يا بني قد كنت أحذرك مصرعك هذا وأقول إن ~~لك يوما فقال يا أمه إن لي ربا كثير المعروف وإني لأرجو أن لا يعدمني اليوم ~~بعض معروفه قال ثابت فرحمه الله بحسن ظنه بربه # وقال جابر بن وداعة كان شاب به رهق فاحتضر فقالت له أمه يا بني توصي بشيء ~~قال نعم خاتمى لا تسلبينيه فإن فيه ذكر الله تعالى فلعل الله يرحمني فلما ~~دفن رؤى في المنام فقال أخبروا أمي أن الكلمة قد نفعتني وأن الله قد غفر لي # ومرض اعرابي فقيل له إنك تموت فقال أين يذهب بي قالوا إلى الله قال فما ~~كراهتي أن أذهب إلى من لا يرى الخير إلا منه # وقال أبو المعتمر بن سليمان قال أبي لما حضرته الوفاة يا معتمر حدثني ~~بالرخص لعلى ألقى الله عز وجل وأنا حسن الظن به وكانوا يستحبون أن يذكر ~~للعبد محاسن عمله عند ms2635 موته لكى يحسن ظنه بربه PageV04P466 ### ||||| بيان الحسرة عند لقاء ملك الموت بحكايات يعرب لسان الحال عنها # قال أشعث بن أسلم سأل إبراهيم عليه السلام ملك الموت وأسمه عزرائيل وله ~~عينان عين في وجهه وعين في قفاه فقال يا ملك الموت ما تصنع # إذا كان نفس بالمشرق ونفس بالمغرب ووقع الوباء بأرض والتقى الزحفان كيف ~~تصنع قال أدعوا الأرواح بإذن الله فتكون بين اصبعي هاتين وقال قد دحيت له ~~الأرض فتركت مثل الطشت بين يديه يتناول منها ما يشاء قال وهو يبشره بأنه ~~خليل الله عز وجل # وقال سليمان بن داود عليهما السلام لملك الموت عليه السلام مالى لا أراك ~~تعدل بين الناس تأخذ هذا وتدع هذا قال ما أنا بذلك بأعلم منك إنما هي صحف ~~أو كتب تلقى إلي فيها أسماء وقال وهب بن منبه كان ملك من الملوك أراد أن ~~يركب إلى أرض فدعا بثياب ليلبسها فلم تعجبه فطلب غيرها حتى لبس ما أعجبه ~~بعد مرات وكذلك طلب دابة فأتى بها فلم تعجبه حتى أتى بدواب فركب أحسنها ~~فجاء إبليس فنفخ في منخره نفخة فملأه كبرا # ثم سار وسارت معه الخيول وهو لا ينظر إلى الناس كبرا فجاءه رجل رث الهيئة ~~فسلم فلم يرد عليه السلام فأخذ بلجام دابته فقال أرسل اللجام فقد تعاطيت ~~أمر عظيما قال إن لي إليك حاجة قال اصبر حتى أنزل قال لا الآن فقهره على ~~لجام دابته فقال أذكرها قال هو سر فأدنى له رأسه فساره وقال أنا ملك الموت ~~فتغير لون الملك واضطرب لسانه ثم قال دعني حتى أرجع إلى أهلي وأقضي حاجتي ~~وأودعهم قال لا والله لا ترى أهلك وثقلك أبدا فقبض روحه فخر كأنه خشبة ثم ~~مضى فلقي عبدا مؤمنا في تلك الحال فسلم عليه فرد السلام فقال إن لي إليك ~~حاجة أذكرها في أذنك فقال هات فساره وقال أنا ملك الموت فقال أهلا ومرحبا ~~بمن طالت غيبته على فوالله ما كان في الأرض غائب أحب إلى أن ألقاه منك فقال ms2636 ~~ملك الموت اقض حاجتك التي خرجت لها فقال مالي حاجة أكبر عندي ولا أحب من ~~لقاء الله تعالى قال فاختر على أي حال شئت أن أقبض روحك فقال تقدر على ذلك ~~قال نعم إني أمرت بذلك قال فدعني حتى اتوضأ وأصلي ثم اقبض روحي وأنا ساجد ~~فقبض روحه وهو ساجد وقال أبو بكر بن عبد الله المزني جمع رجل من بني ~~إسرائيل مالا فلما أشرف على الموت قال لبنيه أروني أصناف أموالي فأتى بشيء ~~كثير من الخيل والإبل والرقيق وغيره فلما نظر إليه بكي تحسرا عليه فرآه ملك ~~الموت وهو يبكى فقال له ما يبكيك فوالذي خولك ما أنا بخارج من منزلك حتى ~~أفرق بين روحك وبدنك قال فالمهلة حتى أفرقه قال هيهات انقطعت عنك المهلة ~~فهلا كان ذلك قبل حضور أجلك فقبض روحه # وروى أن رجلا جمع مالا فأوعى ولم يدع صنفا من المال إلا اتخذه وابتنى ~~قصرا وجعل عليه بابين وثيقين وجمع عليه حرسا من غلمانه ثم جمع أهله وصنع ~~لهم طعاما وقعد على سريره ورفع إحدى رجليه على الأخرى وهم يأكلون فلما ~~فرغوا قال يا نفس أنعمي لسنين فقد جمعت لك ما يكفيك فلم يفرغ من كلامه حتى ~~أقبل إليه ملك الموت في هيئة رجل عليه خلقان من الثياب وفي عنقه مخلاة ~~يتشبه بالمساكين فقرع الباب بشدة عظيمة قرعا أفزعه وهو على فراشه فوثب إليه ~~الغلمان وقالوا ما شأنك فقال أدعوا إلى مولاكم فقالوا وإلى مثلك يخرج ~~مولانا قال نعم فأخبروه بذلك فقال هلا فعلتم به وفعلتم فقرع الباب قرعة أشد ~~من الأولى فوثب إليه الحرس فقال أخبروه أني ملك الموت فلما سمعوه ألقى ~~عليهم الرعب ووقع على مولاهم الذل والتخشع فقال قولوا له قولا لينا وقولوا ~~هل تأخذ به أحدا فدخل عليه وقال اصنع في مالك ما أنت صانع فإني لست بخارج ~~منها حتى أخرج روحك فأمر بماله حتى وضع بين يديه فقال حين رآه لعنك الله من ~~مال أنت شغلتني عن عبادة ربي ومنعتني أن ms2637 أتخلى لربي فأنطق PageV04P467 # الله المال فقال لم تسبني وقد كنت تدخل على السلاطين بي ويرد المتقي عن ~~بابهم وكنت تنكح المتنعمات بي وتجلس مجالس الملوك بي وتنفقني في سبيل الشر ~~فلا امتنع منك ولو أنفقتني في سبيل الخير نفعتك خلقت يا بن آدم من تراب ~~فمنطلق ببر ومنطلق بإثم ثم قبض ملك الموت روحه فسقط # وقال وهب بن منبه قبض ملك الموت روح جبار من الجبابرة ما في الأرض مثله ~~ثم عرج إلى السماء فقالت الملائكة لمن كنت أشد رحمة ممن قبضت روحه قال أمرت ~~بقبض نفس امرأة في فلاة من الأرض فأتيتها وقد ولدت مولودا فرحمتها لغربتها ~~ورحمت ولدها لصغره وكونه في فلاة لا متعهد له بها # فقالت الملائكة الجبار الذي قبضت الآن روحه هو ذلك المولود الذي رحمته ~~فقال ملك الموت سبحان اللطيف لما يشاء قال عطاء بن يسار إذا كانت ليلة ~~النصف من شعبان دفع إلى ملك الموت صحيفة فيقال اقبض في هذه السنة من في هذه ~~الصحيفة قال فإن العبد ليغرس الغراس وينكح الأزواج ويبني البنيان وإن اسمه ~~في تلك الصحيفة وهو لا يدري # وقال الحسن ما من يوم إلا وملك اليوم يتصفح كل بيت ثلاث مرات فمن وجده ~~منهم قد استوفى رزقه وانقضى أجله قبض روحه فإذا قبض روحه أقبل أهله برنة ~~وبكاء فيأخذ ملك الموت بعضادتي الباب فيقول والله ما أكلت له رزقا ولا ~~أفنيت له عمرا ولا انتقصت له أجلا وإن لي فيكم لعودة بعد عودة حتى لا ابقي ~~منكم أحدا # قال الحسن فوالله لو يرون مقامه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم ولبكوا ~~على أنفسهم وقال يزيد الرقاشى بينما جبار من الجبابرة من بني إسرائيل جالس ~~في منزله قد خلا ببعض أهله إذ نظر إلى شخص قد دخل من باب بيته فثار إليه ~~فزعا مغضبا فقال له من أنت ومن أدخلك على داري فقال أما الذي أدخلني الدار ~~فربها وأما أنا فالذي لا يمنع من الحجاب ولا استأذن على الملوك ولا أخاف ~~صولة ms2638 المتسلطين ولا يمتنع مني كل جبار عنيد ولا شيطان مريد قال فسقط في يد ~~الجبار وارتعد حتى سقط منكبا على وجهه ثم رفع رأسه إليه مستجديا متذللا له ~~فقال له أنت إذن ملك الموت قال أنا هو قال فهل أنت ممهل حتى أحدث عهدا قال ~~هيهات انقطعت مدتك وانقضت أنفاسك ونفدت ساعاتك فليس إلى تأخيرك سبيل قال ~~فإلى أين تذهب بي قال إلى عملك الذي قدمته وإلى بيتك الذي مهدته قال فإني ~~لم اقدم عملا صالحا ولم أمهد بيتا حسنا قال فإلى لظى نزاعة للشوى ثم قبض ~~روحه فسقط ميتا بين أهله فمن بين صارخ وباك # قال يزيد الرقاشى لو يعلمون سوء المنقلب كان العويل على ذلك اكثر # وعن الأعمش عن خيثمة قال دخل ملك الموت على سليمان بن داود عليه السلام ~~فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فلما خرج قال الرجل من هذا ~~قال هذا ملك الموت قال لقد رايته ينظر إلى كأنه يريدني قال فماذا تريد قال ~~أريد أن تخلصني منه فتأمر الريح حتى تحملني إلى أقصى الهند ففعلت الريح ذلك ~~ثم قال سليمان لملك الموت بعد أن أتاه ثانيا رأيتك تديم النظر إلى واحد من ~~جلسائي قال نعم كنت أتعجب منه لأني كنت أمرت أن أقبضه بأقصى الهند في ساعة ~~قريبة وكان عندك فعجبت من ذلك ### |||| الباب الرابع في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده ### ||||| وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم # اعلم أن في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة حيا وميتا وفعلا ~~وقولا وجميع أحواله عبرة للناظرين PageV04P468 # وتبصرة للمستبصرين إذ لم يكن أحد أكرم على الله منه إذ كان خليل الله ~~وحبيبه ونجيه وكان صفيه ورسوله ونبيه فأنظر هل أمهله ساعة عند انقضاء مدته ~~وهل أخره لحظة بعد حضور منيته لا بل أرسل إليه الملائكة الكرام الموكلين ~~بقبض أرواح الأنام فجدوا بروحه الزكية الكريمة لينقلوها وعالجوها ليرحلوها ~~عن جسده الطاهر إلى رحمة ورضوان وخيرات حسان ms2639 بل إلى مقعد صدق في جوار ~~الرحمن فاشتد مع ذلك في النزع كربه وظهر أنينه وترادف قلقه وارتفع حنينه ~~وتغير لونه وعرق جبينه واضطربت في الإنقباض والإنبساط شماله ويمينه حتى بكى ~~لمصرعه من حضره وانتحب لشدة حاله من شهد منظره فهل رأيت منصب النبوة دافعا ~~عنه مقدورا وهل راقب الملك فيه أهلا وعشيرا وهل سامحه إذ كان للحق نصيرا ~~وللخلق بشيرا ونذيرا هيهات بل امتثل ما كان به مأمورا واتبع ما وجده في ~~اللوح مسطورا فهذا كان حاله وهو عند الله ذو المقام المحمود والحوض المورود ~~وهو أول من تنشق عنه الأرض وهو صاحب الشفاعة يوم العرض فالعجب أنا لا نعتبر ~~به ولسنا على ثقة فيما نلقاه بل نحن أسراء الشهوات وقرناء المعاصي والسيئات ~~فما بالنا لا نتعظ بمصرع محمد سيد المرسلين وإمام المتقين وحبيب رب ~~العالمين لعلنا نظن أننا مخلدون أو نتوهم أنا مع سوء أفعالنا عند الله ~~مكرمون هيهات هيهات بل نتيقن أنا جميعا على النار واردون ثم لا ينجو منها ~~إلا المتقون فنحن للورود مستيقنون وللصدور عنها متوهمون لا بل ظلمنا أنفسنا ~~إن كنا كذلك لغالب الظن منتظرين فما نحن والله من المتقين وقد قال الله رب ~~العالمين {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ~~ونذر الظالمين فيها جثيا} فلينظر كل عبد إلى نفسه أنه إلى الظالمين أقرب أم ~~إلى المتقين فانظر إلى نفسك بعد أن تنظر إلى سيرة السلف الصالحين فلقد ~~كانوا مع ما وفقوا له من الخائفين # ثم انظر إلى سيد المرسلين فإنه كان من أمره على يقين إذ كان سيد النبيين ~~وقائد المتقين واعتبر كيف كان كربه عند فراق الدنيا وكيف اشتد أمره عند ~~الانقلاب إلى جنة المأوى قال ابن مسعود رضي الله عنه دخلنا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في بيت أمنا عائشة رضي الله عنها حين دنا الفراق فنظر ~~إلينا فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم ثم قال مرحبا بكم حياكم الله آواكم ~~الله ms2640 نصركم الله وأوصيكم بتقوى الله وأوصى بكم الله إني لكم منه نذير مبين ~~ألا تعلوا على الله في بلاده وعباده وقد دنا الأجل والمنقلب إلى الله وإلى ~~سدرة المنتهى وإلى جنة المأوى وإلى الكأس الأوفى فاقرءوا على أنفسكم وعلى ~~من دخل في دينكم بعدى مني السلام ورحمة الله حديث ابن مسعود دخلنا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في بيت أمنا عائشة حين دنا الفراق الحديث رواه ~~البزار وقال هذا الكلام قد روى عن مرة عن عبد الله من غير وجه وأسانيدها ~~متقاربة قال وعبد الرحمن الأصبهاني لم يسمع هذا من مرة وإنما هو عمن أخبره ~~عن مرة قال ولا أعلم أحد رواه عن عبد الله غير مرة قلت وقد روى من غير وجه ~~رواه ابن سعد في الطبقات من رواية ابن عوف عن ابن مسعود وروينا في مشيخة ~~القاضي أبي بكر الأنصاري من رواية الحسن العربي عن ابن مسعود ولكنهما ~~منقطعان وضعيفان والحسن العربي إنما يرويه عن مرة كما رواه ابن أبي الدنيا ~~والطبراني في الأوسط (1) حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عند موته ~~من لأمتي بعدي فأوحى الله تعالى إلى جبريل أن بشر حبيبي ان لا أخذله في ~~أمته الحديث أخرجه الطبراني من حديث جابر وابن عباس في حديث طويل فيه من ~~لأمتي المصطفاة من بعدي قال أبشر ياحبيب الله فإن الله عز وجل يقول قد حرمت ~~الجنة على جميع الأنبياء والأمم حتى تدخلها أنت وأمتك قال الآن طابت نفسي ~~وإسناده ضعيف وقالت عائشة رضي الله عنها أمرنا PageV04P469 # رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغسله بسبع قرب من سبعة آبار ففعلنا ذلك ~~فوجد راحة فخرج فصلى بالناس واستغفر لأهل أحد ودعا لهم وأوصى بالأنصار فقال ~~أما بعد يا معشر المهاجرين فإنكم تزيدون وأصبحت الأنصار لا تزيد على التى ~~هي عليها اليوم وإن الأنصار عيبتي التي أويت إليها فأكرموا كريمهم يعنى ~~محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ثم قال إن عبدا خير بين الدنيا وبين ما عند ms2641 الله ~~فاختار ما عند الله فبكى أبو بكر رضي الله عنه وظن أنه يريد نفسه فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم على رسلك يا أبا بكر سدوا هذه الأبواب الشوارع في ~~المسجد إلا باب أبي بكر فإني لا أعلم أمرا أفضل عندي في الصحبة من أبي بكر ~~(1) قالت عائشة رضي الله عنها فقبض صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي ~~وبين سحري ونحري وجمع الله بين ريقي وريقه عند الموت فدخل على أخي عبد ~~الرحمن وبيده سواك فجعل ينظر إليه فعرفت انه يعجبه ذلك فقلت له آخذه لك ~~فأومأ برأسه أن نعم فناولته إياه فأدخله في فيه فاشتد عليه فقلت إلينه لك ~~فأومأ برأسه أن نعم فلينته وكان بين يديه ركوة ماء فجعل يدخل فيها يده ~~ويقول لا إله إلا الله إن للموت لسكرات ثم نصب يده يقول الرفيق الأعلى ~~الرفيق الأعلى فقلت إذن والله لا يختارنا (2) وروى سعيد بن عبد الله عن ~~أبيه قال لما رأت الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم يزداد ثقلا أطافوا ~~بالمسجد فدخل العباس رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم فأعلمه ~~بمكانهم وإشفاقهم ثم دخل عليه الفضل فأعلمه بمثل ذلك ثم دخل عليه علي رضي ~~الله عنه فأعلمه بمثله فمد يده وقال ها فتناولوه فقال {ما تقولون} قالوا ~~نقول نخشى أن تموت وتصايح نساؤهم لاجتماع رجالهم إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فثار رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج متوكئا على علي والفضل ~~والعباس أمامه ورسول الله صلى الله عليه وسلم معصوب الرأس يخط برجليه حتى ~~جلس على أسفل مرقاة من المنبر وثاب الناس إليه فحمد الله وأثنى عليه وقال ~~أيها الناس إنه بلغني أنكم تخافون على الموت كأنه استنكار منكم للموت وما ~~تنكرون من موت نبيكم ألم أنع إليكم وتنعى إليكم أنفسكم هل خلد نبي قبلي ~~فيمن بعث فأخلد فيكم ألا إني لاحق بربي وإنكم لاحقون به وإني أوصيكم ~~بالمهاجرين الأولين خيرا وأوصي المهاجرين فيما بينهم فإن الله ms2642 عز وجل قال ~~والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا إلى آخرها وإن الأمور تجري بإذن ~~الله فلا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله فإن الله عز وجل لا يعجل لعجلة ~~أحد ومن غالب الله غلبه ومن خادع الله خدعه فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا ~~في الأرض وتقطعوا أرحامكم وأوصيكم بالأنصار خيرا فإنهم الذين تبوءوا الدار ~~والإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم ألم يشاطروكم الثمار ألم يوسعوا عليكم ~~في الديار ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة ألا فمن ولي أن يحكم بين ~~رجلين فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم ألا ولا تستأثروا عليهم ألا ~~وإني فرط لكم وأنتم لاحقون بي ألا وإن موعدكم الحوض حوضي أعرض مما بين بصرى ~~الشام وصنعاء اليمن يصب فيه ميزاب الكوثر ماؤه أشد بياضا من اللبن وألين من ~~الزبد وأحلى من الشهد من شرب منه لم يظمأ أبدا حصباؤه اللؤلؤ وبطحاؤه المسك ~~من حرمه في الموقف غدا حرم الخير كله ألا فمن أحب أن يرده علي غدا فليكفف ~~لسانه ويده إلا مما ينبغي فقال العباس يا نبي الله أوص بقريش فقال إنما ~~أوصي بهذا الأمر قريشا والناس تبع لقريش برهم لبرهم وفاجرهم لفاجرهم ~~فاستوصوا آل قريش بالناس خيرا يا أيها الناس إن الذنوب تغير النعم وتبدل ~~القسم فإذا بر الناس برهم أئمتهم وإذا فجر الناس عقولهم قال الله تعالى ~~وكذلك نولى PageV04P470 # بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (1) حديث ابن مسعود أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لأبي بكر سل يا أبا بكر فقال يا رسول الله دنا الأجل ~~فقال قد دنا الأجل الحديث في سؤالهم له من يلي غسلك وفيم نكفنك وكيفية ~~الصلاة عليه رواه ابن سعد في الطبقات عن محمد بن عمر وهو الواقدي باسناد ~~ضعيف إلى ابن عوف عن ابن مسعود وهو مرسل ضعيف كما تقدم (2) فقام عمر فلما ~~كبر وكان رجلا صيتا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته بالتكبير فقال ~~أين أبو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون قالها ms2643 ثلاث مرات مروا أبا بكر فليصل ~~بالناس فقالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق القلب ~~إذا قام في مقامك غلبه البكاء فقال إنكن صويحبات يوسف مروا أبا بكر فليصل ~~بالناس قال فصلى أبو بكر بعد الصلاة التي صلى عمر فكان عمر يقول لعبد الله ~~بن زمعة بعد ذلك ويحك ماذا صنعت بي والله لولا أني ظننت أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمرك ما فعلت # فيقول عبد الله إني لم أر أحدا أولى بذلك منك قالت عائشة رضي الله عنها ~~وما قلت ذاك ولا صرفته عن أبي بكر إلا رغبة به عن الدنيا ولما في الولاية ~~من المخاطرة والهلكة إلا من سلم الله وخشيت أيضا أن لا يكون الناس يحبون ~~رجلا صلى في مقام النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي أبدا إلا أن يشاء الله ~~فيحسدونه ويبغون عليه ويتشاءمون به فإذن الأمر أمر الله والقضاء قضاؤه ~~وعصمه الله من كل ما تخوفت عليه من أمر الدنيا والدين (3) وقالت عائشة رضي ~~الله عنها فلما PageV04P471 # كان اليوم الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا منه خفة في ~~أول النهار فتفرق عنه الرجال إلى منازلهم وحوائجهم مستبشرين وأخلوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالنساء فبينا نحن على ذلك لم نكن على مثل حالنا ~~في الرجاء والفرح قبل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اخرجن عني هذا ~~الملك يستأذن علي فخرج من في البيت غيري ورأسه في حجري فجلس وتنحيت في جانب ~~البيت فناجى الملك طويلا ثم إنه دعاني فأعاد رأسه في حجري وقال للنسوة ~~ادخلن فقلت ما هذا بحس جبريل عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أجل يا عائشة هذا ملك الموت جاءني فقال إن الله عز وجل أرسلني وأمرني ~~أن لا أدخل عليك إلا بإذن فإن لم تأذن لي أرجع وإن أذنت لي دخلت وأمرني أن ~~لا أقبضك حتى تأمرني فماذا أمرك فقلت أكفف عني ms2644 حتى يأتيني جبريل عليه ~~السلام فهذه ساعة جبريل فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها فاستقبلنا بأمر لم ~~يكن له عندنا جواب ولا رأى فوجمنا وكأنما ضربنا بصاخة ما نحير إليه شيئا ~~وما يتكلم أحد من أهل البيت إعظاما لذلك الأمر وهيبة ملأت أجوافنا قالت ~~وجاء جبريل في ساعته فسلم فعرفت حسه وخرج أهل البيت فدخل فقال إن الله عز ~~وجل يقرأ عليك السلام ويقول كيف تجدك وهو أعلم بالذي تجد منك ولكن أراد أن ~~يزيدك كرامة وشرفا وأن يتم كرامتك وشرفك على الخلق وأن تكون سنة في أمتك ~~فقال أجدني وجعا فقال أبشر فإن الله تعالى أراد أن يبلغك ما أعد لك فقال يا ~~جبريل إن ملك الموت استأذن علي وأخبره الخبر فقال جبريل يا محمد إن ربك ~~إليك مشتاق ألم يعلمك الذي يريد بك لا والله تعالى ما استأذن ملك الموت على ~~أحد قط ولا يستأذن عليه أبدا إلا أن ربك متم شرفك وهو إليك مشتاق قال فلا ~~تبرح إذن حتى يجىء وأذن للنساء فقال يا فاطمة ادنى فأكبت عليه فناجاها ~~فرفعت رأسها وعيناها تدمع وما تطيق الكلام ثم قال أدني مني رأسك فأكبت عليه ~~فناجاها فرفعت رأسها وهي تضحك وما تطيق الكلام فكان الذي رأينا منها عجبا ~~فسألتها بعد ذلك فقالت أخبرني وقال إني ميت اليوم فبكيت ثم قال إني دعوت ~~الله أن يلحقك بي في أول أهلي وأن يجعلك معي فضحكت وأدنت ابنيها منه فشمهما ~~قالت وجاء ملك الموت واستأذن فأذن له فقال الملك # ما تأمرنا يا محمد قال الحقني بربي الآن فقال بلى من يومك هذا أما إن ربك ~~إليك مشتاق ولم يتردد عن أحد تردده عنك ولم ينهنى عن الدخول على أحد إلا ~~بإذن غيرك ولكن ساعتك أمامك وخرج قالت وجاء جبريل فقال السلام عليك يا رسول ~~الله هذا آخر ما أنزل فيه إلى الأرض أبدا طوى الوحي وطويت الدنيا وما كان ~~لي في الأرض حاجة غيرك ومالي فيها حاجة إلا حضورك ثم لزوم موقفي ms2645 لا والذي ~~بعث محمدا بالحق ما في البيت أحد يستطيع أن يحير إليه في ذلك كلمة ولا يبعث ~~إلى أحد من رجاله لعظم ما يسمع من حديثه ووجدنا وإشفاقنا قالت فقمت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى أضع رأسه بين ثديي وأمسكت بصدره وجعل يغمى ~~عليه حتى يغلب وجبهته ترشح رشحا ما رأيته من إنسان قط فجعلت أسلت ذلك العرق ~~وما وجدت رائحة شيء أطيب منه فكنت أقول له إذا أفاق بأبي أنت وأمي ونفسي ~~وأهلي ما تلقى جبهتك من الرشح فقال يا عائشة إن نفس المؤمن تخرج بالرشح ~~ونفس الكافر تخرج من شدقيه كنفس الحمار فعند ذلك ارتعنا وبعثنا إلى أهلنا ~~فكان أول رجل جاءنا ولم يشهده أخي بعثه إلى أبي فمات رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قبل أن يجيء أحد وإنما صدهم الله عنه لأنه ولاه جبريل وميكائيل ~~وجعل إذا أغمى عليه قال بل الرفيق الأعلى كأن الخيرة تعاد عليه فإذا أطاق ~~الكلام قال الصلاة الصلاة إنكم لا تزالون متماسكين ما صليتم جميعا الصلاة ~~الصلاة كان يوصي بها حتى مات وهو PageV04P472 # يقول الصلاة الصلاة (1) قالت عائشة رضي الله عنها مات رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين ارتفاع الضحى وانتصاف النهار يوم الاثنين (2) قالت فاطمة رضي ~~الله عنها ما لقيت من يوم الاثنين والله لا تزال الأمة تصاب فيه بعظيمة ~~وقالت أم كلثوم يوم أصيب علي كرم الله وجهه بالكوفة مثلها ما لقيت من يوم ~~الاثنين مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه قتل علي كرم وفيه قتل ~~أبي فما لقيت من يوم الاثنين وقالت عائشة رضي الله عنها لما مات رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم اقتحم الناس حين ارتفعت الرنة وسجى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الملائكة بثوبة فاختلفوا فكذب بعضهم بموته وأخرس بعضهم فما تكلم ~~إلا بعد البعد وخلط آخرون فلاثوا الكلام بغير بيان وبقي آخرون معهم عقولهم ~~وأقعد آخرون فكان عمر بن الخطاب فيمن كذب بموته وعلي فيمن أقعد ms2646 وعثمان فيمن ~~أخرس # فخرج عمر على الناس وقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت ~~وليرجعنه الله عز وجل وليقطعن أيدي وأرجل رجال من المنافقين يتمنون لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الموت إنما واعده الله عز وجل كما واعد موسى وهو ~~آتيكم (3) وفي رواية أنه قال يا أيها الناس كفوا ألسنتكم عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فإنه لم يمت والله لا أسمع أحدا يذكر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد مات إلا علوته بسيفي هذا # وأما علي فإنه أقعد فلا يبرح البيت # وأما عثمان فجعل لا يكلم أحدا يؤخذ بيده فيجاء به ويذهب به ولم يكن أحد ~~من المسلمين في مثل حال أبي بكر والعباس فإن الله عز وجل أيدهما بالتوفيق ~~والسداد وإن كان الناس لم يرعووا إلا بقول أبي بكر حتى جاء العباس فقال ~~والله الذي لا إله إلا هو لقد ذاق رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت ولقد ~~قال وهو بين أظهركم {إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم ~~تختصمون} # وبلغ أبا بكر الخبر وهو في بني الحرث بن الخزرج فجاء ودخل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنظر إليه PageV04P473 # ثم أكب عليه فقبله ثم قال بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما كان الله تعالى ~~ليذيقك الموت مرتين فقد والله توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج ~~إلى الناس فقال أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان ~~يعبد رب محمد فإنه حى لا يموت قال الله تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل أفإن مات أو قتل أنقلبتم على أعقابكم الآية (1) فكأن الناس لم ~~يسمعوا هذه الآية إلا يومئذ وفي رواية أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لما ~~بلغه الخبر دخل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعيناه تهملان وغصصه ترتفع كقصع الجرة وهو في ms2647 ذلك جلد الفعل ~~والمقال فأكب عليه فكشف عن وجهه وقبل جبينه وخديه ومسح وجهه وجعل يبكي ~~ويقول بأبي أنت وأمي ونفسي وأهلي طبت حيا وميتا انقطع لموتك ما لم ينقطع ~~لموت أحد من الأنبياء والنبوة فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء وخصصت حتى ~~صرت مسلاة وعممت حتى صرنا فيك سواء ولولا أن موتك كان اختيارا منك لجدنا ~~لحزنك بالنفوس ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفذنا عليك ماء العيون فأما مالا ~~نستطيع نفيه عنا فكمد وأدكار محالفان لا يبرحان اللهم فأبلغه عنا اذكرنا يا ~~محمد صلى الله عليك عند ربك ولنكن من بالك فلولا ما خلفت من السكينة لم يقم ~~أحد لما خلفت من الوحشة اللهم أبلغ نبيك عنا وأحفظه فينا (2) # وعن ابن عمر أنه لما دخل أبو بكر البيت وصلى وأثنى عج أهل البيت عجيجا ~~سمعه أهل المصلى كلما ذكر شيئا ازدادوا فما سكن عجيجهم إلا تسليم رجل على ~~الباب صيت جلد قال السلام عليكم يا أهل البيت {كل نفس ذائقة الموت} الآية ~~إن في الله خلفا من كل أحد ودركا لكل رغبة ونجاة من كل مخافة فالله تعالى ~~فارجوا وبه فثقوا # فاستمعوا له وأنكروه وقطعوا البكاء فلما انقطع البكاء فقد صوته فاطلع ~~أحدهم فلم ير أحدا ثم عادوا فبكوا فناداهم مناد آخر لا يعرفون صوته يا اهل ~~البيت اذكروا الله تعالى واحمدوه على كل حال تكونوا من المخلصين إن في الله ~~عزاء من كل مصيبة وعوضا من كل رغيبة فالله فأطيعوا وبأمره فاعملوا # فقال أبو بكر هذا الخضر واليسع عليهما السلام حضرا النبي صلى الله عليه ~~وسلم (3) واستوفى القعقاع بن عمرو حكاية خطبة أبي بكر رضي الله عنه فقال ~~قام أبو بكر في الناس PageV04P474 # خطيبا حيث قضى الناس عبراتهم بخطبة جلها الصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فحمد الله وأثنى عليه على كل حال وقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~صدق وعده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلله الحمد وحده وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله وخاتم ms2648 أنبيائه وأشهد أن الكتاب كما شرع وأن الدين كما شرع وأن ~~الحديث كما حدث وأن القول كما قال وأن الله هو الحق المبين اللهم فصل على ~~محمد عبدك ورسولك ونبيك وحبيبك وأمينك وخيرتك وصفوتك بأفضل ما صليت به على ~~أحد من خلقك اللهم واجعل صلواتك ومعافاتك ورحمتك على سيد المرسلين وخاتم ~~النبيين وإمام المتقين محمد قائد الخير وإمام الخير ورسول الرحمة اللهم قرب ~~زلفته وعظم برهانه وكرم مقامه وابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأولون ~~وألاخرون وانفعنا بمقامه المحمود يوم القيامة واخلفه فينا في الدنيا ~~والآخرة وبلغه الدرجة والوسيلة في الجنة اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد ~~وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم إنك حميد مجيد ~~أيها الناس إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن ~~الله حي لم يمت وإن الله قد قدم إليكم في أمره فلا تدعوه جزعا فإن الله عز ~~وجل قد اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم ما عنده على ما عندكم وقبضه إلى ~~ثوابه وخلف فيكم كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فمن أخذ بهما عرف ومن ~~فرق بينهما أنكر {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط} ولا يشغلنكم ~~الشيطان بموت نبيكم ولا يفتننكم عن دينكم وعالجوا الشيطان بالخير تعجزوه ~~ولا تستنظروه فيلحق بكم ويفتنكم # وقال ابن عباس لما فرغ أبو بكر من خطبته قال يا عمر أنت الذي بلغني انك ~~تقول ما مات نبي الله صلى الله عليه وسلم أما ترى أن نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم قال يوم كذا كذا وكذا ويوم كذا كذا وكذا وقال تعالى في كتابه ~~{إنك ميت وإنهم ميتون} فقال والله لكأني لم أسمع بها في كتاب الله قبل الآن ~~لما نزل بنا أشهد أن الكتاب كما أنزل وأن الحديث كما حدث وأن الله حي لا ~~يموت {إنا لله وإنا إليه راجعون} وصلوات الله على رسوله وعند الله نحتسب ~~رسوله صلى الله عليه وسلم ثم جلس ms2649 إلى أبي بكر # وقالت عائشة رضي الله عنها لما اجتمعوا لغسله قالوا والله ما ندري كيف ~~نغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنجرده عن ثيابه كما نصنع بموتانا أو ~~نغسله في ثيابه قالت فأرسل الله عليهم النوم حتى ما بقي منهم رجل إلا واضع ~~لحيته على صدره نائما ثم قال قائل لا يدري من هو غسلوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في ثيابه فانتبهوا ففعلوا ذلك فغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في قميصه حتى إذا فرغوا من غسله كفن # وقال علي كرم الله وجهه أردنا خلع قميصه فنودينا لا تخلعوا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثيابه # فأقررناه فغسلناه في قميصه كما نغسل موتانا مستلقيا ما نشاء أن يقلب لنا ~~منه عضو لم يبالغ فيه إلا قلب لنا حتى نفرغ منه وإن معنا لحفيفا في البيت ~~كالريح الرخاء ويصوت بنا ارفقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكم ~~ستكفون فهكذا كانت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يترك PageV04P475 # سبدا ولا لبدا إلا دفن معه # قال أبو جعفر فرش لحده بمفرشه وقطيفته وفرشت ثيابه عليها التي كان يلبس ~~يقظان على القطيفة والمفرش ثم وضع عليها في أكفانه فلم يترك بعد وفاته مالا ~~ولا نبي في حياته لبنة على لبنة ولا وضع قصبة على قصبة (1) ففي وفاته عبرة ~~تامة وللمسلمين به أسوة حسنة ### ||||| وفاة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه # لما احتضر أبو بكر رضي الله تعالى عنه جاءت عائشة رضي الله عنها فتمثلت ~~بهذا البيت لعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها ~~الصدر # فكشف عن وجهه وقال ليس كذا ولكن قولي {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت ~~منه تحيد} انظروا ثوبي هذين فاغسلوهما وكفنوني فيهما فإن الحي إلى الجديد ~~أحوج من الميت # وقالت عائشة رضي الله عنها عند موته # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل # فقال أبو بكر ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلوا ms2650 عليه فقالوا ألا ~~ندعوا لك طبيبا ينظر إليك قال قد نظر إلى طبيبي وقال إني فعال لما أريد # ودخل عليه سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه يعوده فقال يا أبا بكر أوصنا ~~فقال إن الله فاتح عليكم الدنيا فلا تأخذن منها إلا بلاغك واعلم أن من صلى ~~صلاة الصبح فهو في ذمة الله فلا تخفرن الله في ذمته فيكبك في النار على ~~وجهك # ولما ثقل أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأراد الناس منه أن يستخلف فاستخلف ~~عمر رضي الله عنه فقال الناس له استخلفت علينا فظا غليظا فماذا تقول لربك ~~فقال أقول استخلفت على خلقك خير خلقك # ثم أرسل إلى عمر رضي الله عنه فجاء فقال إني موصيك بوصية اعلم إن لله حقا ~~في النهار لا يقبله في الليل وأن لله حقا في الليل لا يقبله في النهار وأنه ~~لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم ~~القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا ~~الحق أن يثقل وإنما خفت موازين من خفت موزاينهم يوم القيامة باتباع الباطل ~~وخفته عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلاالباطل أن يخف وإن الله ذكر أهل ~~الجنة بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئاتهم فيقول القائل أنا دون هؤلاء ولا ~~أبلغ مبلغ صالح الذي عملوا فيقول القائل أنا أفضل من هؤلاء وإن الله ذكر ~~آية الرحمة وآية العذاب ليكون المؤمن راغبا راهبا ولا يلقى بيديه إلى ~~التهلكة ولا يتمنى على الله غير الحق # فإن حفظت وصيتي هذه فلا يكون غائب أحب إليك من الموت ولا بد لك منه وإن ~~ضيعت وصيتي فلا يكون غائب أبغض إليك من الموت ولا بد لك منه ولست بمعجزه # وقال سعيد بن المسيب لما احتضر أبو بكر رضي الله عنه أتاه ناس من الصحابة ~~فقالوا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم زودنا فإنا نراك لما بك # فقالوا أبو بكر من قال هؤلاء الكلمات ثم مات جعل الله روحه ms2651 في الأفق ~~المبين قالوا وما الأفق المبين قال قاع بين يديالعرش فيه رياض الله وأنهار ~~وأشجار يغشاه كل يوم مائة PageV04P476 # رحمة فمن قال هذا القول جعل الله روحه في هذا المكان اللهم إنك ابتدأت ~~الخلق من غير حاجة بك إليهم ثم جعلتهم فريقين فريقا للنعيم وفريقا للسعير ~~فاجعلني للنعيم ولا تجعلني للسعير اللهم إنك خلقت الخلق فرقا وميزتهم قبل ~~أن تخلقهم فجعلت منهم شقيا وسعيدا وغويا ورشيدا فلا تشقني بمعاصيك # اللهم إنك علمت ما تكسب كل نفس قبل أن تخلقها فلا محيص لها مما علمت ~~فاجعلني ممن تستعمله بطاعتك اللهم إن أحدا لا يشاء حتى تشاء فاجعل مشيئتك ~~أن أشاء ما يقربني إليك # اللهم إنك قد قدرت حركات العباد فلا يتحرك شيء إلا بإذنك فاجعل حركاتي في ~~تقواك اللهم إنك خلقت الخير والشر وجعلت لكل واحد منهما عاملا يعمل به ~~فاجعلني من خير القسمين اللهم إنك خلقت الجنة والنار وجعلت لكل واحدة منهما ~~أهلا فاجعلني من سكان جنتك # اللهم إنك أردت بقوم الضلال وضيقت به صدورهم فاشرح صدري للإيمان وزينه في ~~قلبي اللهم إنك دبرت الأمور وجعلت مصيرها إليك فأحيني بعد الموت حياة طيبة ~~وقربني إليك زلفى اللهم من أصبح وأمسى ثقته ورجاؤه غيرك فأنت ثقتي ورجائي ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله قال أبو بكر هذا كله في كتاب الله عز وجل ### ||||| وفاة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه # قال عم بن ميمون كنت قائما غداة أصيب عمر ما بيني وبينه إلا عبد الله بن ~~عباس وكان إذا مر بين الصفين قام بينهما فإذا رأى خللا قال استووا حتى إذا ~~لم ير فيهم خللا لا تقدم فكبر قال وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك ~~في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس فما هو إلا أن أكبر فسمعته يقول قتلني أو ~~أكلني الكلب حين طعنه أبو لؤلؤة وطار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد ~~يمينا أو شمالا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا فمات ms2652 منهم تسعة وفي رواية ~~سبعة # فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا فلما ظن العلج أنه مأخوذ ~~نحر نفسه # وتناول عمر رضي الله تعالى عنه عبد الرحمن بن عوف فقدمه فأما من كان يلي ~~عمر فقد رأى ما رأيت وأما نواحي المسجد ما يدرون ما الأمر غير أنهم فقدوا ~~صوت عمر وهم يقولون سبحان الله سبحان الله فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة ~~فلما انصرفوا قال يا ابن العباس انظر من قتلني قال فغاب ساعة ثم جاء فقال ~~غلام المغيرة بن شعبة فقال عمر رضي الله عنه قاتله الله لقد كنت أمرت به ~~معروفا # ثم قال الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل مسلم قد كنت أنت وأبوك ~~تحبان أن يكثر العلوج بالمدينة وكان العباس أكثرهم رقيقا فقال ابن عباس إن ~~شئت فعلت أي إن شئت قتلناهم قال بعدما تكلموا بلسانكم وصلوا إلى قبلتكم ~~وحجوا حجكم فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه قال وكأن الناس لم تصبهم مصيبة ~~قبل يومئذ قال فقائل يقول أخاف عليه وقائل يقول لا بأس # فأتى بنبيذ فشرب منه فخرج من جوفه ثم أتى بلبن فشرب منه فخرج من جوفه ~~فعرفوا أنه ميت # قال فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون عليه وجاء رجل شاب فقال أبشر يا أمير ~~المؤمنين ببشرى من الله عز وجل قد كان لك صحبة من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقدم في الإسلام ما قد علمت ثم وليت فعدلت ثم شهادة فقال وددت أن ذلك ~~كان كفافا لا علي ولا لي # فلما أدبر الرجل إذا إزاره يمس الأرض فقال ردوا على الغلام فقال يا ابن ~~أخي أرفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك # ثم قال يا عبد الله انظر ما على من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا ~~أو نحوه فقال إن وفي به مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فسل في بني عدي بن ~~كعب فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم وأد عني ms2653 هذا المال ~~وانطلق إلى أم المؤمنين عائشة فقل PageV04P477 # عمر يقرأ عليك السلام ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين ~~أميرا وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه # فذهب عبد الله فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال يقرأ ~~عليك عمر ابن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه فقالت كنت أريده ~~لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي فلما اقبل قيل هذا عبد الله بن عمر قد جاء ~~فقال ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال ما لديك قال الذي تحب يا أمير المؤمنين ~~قد أذنت قال الحمد لله ما كان شيء أهم إلى من ذلك فإذا أنا قبضت فاحملوني ~~ثم سلم وقل يستأذن عمر فإن أذنت لي فأدخلوني وإن ردتني ردوني إلى مقابر ~~المسلمين # وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء يسترنها فلما رأيناها قمنا فولجت عليه ~~فكبت عنده ساعة واستأذن الرجال فولجت داخلا فسمعنا بكاءها من داخل فقالوا ~~أوص يا أمير المؤمنين واستخلف فقال ما أرى أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر ~~الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض فسمى عليا وعثمان ~~والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن وقال يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من ~~الأمر شيء كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمارة سعدا فذاك وإلا فليستعن به ~~أيكم أمر فإني لم اعز له من عجز ولا خيانة # وقال أوصى الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم فضلهم وبحفظ ~~لهم حرمتهم وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم أن ~~يقبل من محسنهم وأن يعفو عن مسيئهم وأوصيه بأهل الأمصار خيرا فإنهم ردء ~~الإسلام وجباة الأموال وغيظ العدو وأن لا يأخذ منهم إلا فضلهم عن رضا منهم ~~وأوصيه بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام وأن يأخذ من حواشي ~~أموالهم ويرد على فقرائهم وأوصيه بذمة الله عز وجل وذمة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم وأن يقاتل لهم من وراءهم ولا يكلفهم إلا ~~طاقتهم قال فلما قبض خرجنا ms2654 به فانطلقنا نمشي فسلم عبد الله بن عمر وقال ~~يستأذن عمر بن الخطاب فقالت أدخلوه فأدخلوه في موضع هنالك مع صاحبيه الحديث # وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال لي جبريل عليه السلام ليبك الإسلام ~~على موت عمر (1) وعن ابن عباس قال وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ~~ويصلون قبل أن يرفع وأنا فيهم فلم يرعني إلا رجل قد أخذ بمنكبي فالتفت فإذا ~~هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه فترحم على عمر وقال ما خلفت أحد أحب إلى ~~أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت لأظن ليجعلنك الله مع صاحبيك ~~وذلك أني كنت كثيرا أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذهبت أنا وأبو بكر ~~وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر // حديث ابن عباس ~~قال وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويصلون فذكر قول علي بن أبي طالب ~~كنت كثيرا أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذهبت أنا وأبو بكر وعمر ~~الحديث متفق عليه فإني كنت لأرجو أن لأظن أن يجعلك الله معهما ### ||||| وفاة عثمان رضي الله عنه # الحديث في قتله مشهور # وقد قال عبد الله بن سلام أتيت أخي عثمان لأسلم عليه وهو محصور فدخلت ~~عليه فقال مرحبا يا أخي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة في هذه ~~الخوخة وهي خوخة في البيت فقال يا عثمان حصروك قلت نعم قال عطشوك قلت نعم ~~فأدلى إلى دلوا فيه ماء فشربت حتى رويت حتى PageV04P478 # إني لأجد برده بين ثديي وبين كتفي وقال لي إن شئت نصرت عليهم وإن شئت ~~أفطرت عندنا فاخترت أن أفطر عنده فقتل ذلك اليوم رضي الله عنه وقال عبد ~~الله بن سلام لمن حضر تشحط عثمان في الموت حين جرح ماذا قال عثمان وهو ~~يتشحط قالوا سمعناه يقول اللهم اجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثا قال ~~والذي نفسي بيده لو دعا الله أن لا يجتمعوا أبدا ما اجتمعوا إلى ms2655 يوم ~~القيامة # وعن ثمامة بن حزن القشيري قال شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان رضي الله ~~عنه فقال ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم على قال فجيء بهما كأنما هما حملان ~~أو حماران فأشرف عليهم عثمان رضي الله عنه فقال أنشدكم بالله والإسلام هل ~~تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب ~~غير بئر رومة فقال من يشترى رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها ~~في الجنة فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني ان أشرب منها ومن ماء ~~البحر قالوا اللهم نعم قال أنشدكم الله والإسلام هل تعلمون أنى جهزت جيش ~~العسرة من مالي قالوا نعم أنشدكم الله والإسلام هل تعلمون أن المسجد كان ~~ضاق بأهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يشترى بقعة آل فلان ~~فيزيدها في المسجد بخير منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالى فأنتم اليوم ~~تمنعونى أن أصلى فيها ركعتين قالوا اللهم نعم قالوا أنشدكم الله والإسلام ~~هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على ثبير بمكة ومعه أبو بكر ~~وعمر وأنا فتحرك الجبل حتى تساقط حجارته بالحضيض قال فركضه برجله وقال أسكن ~~ثبير فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان قالوا اللهم نعم قال الله أكبر شهدوا ~~لي ورب الكعبة أني شهيد (1) وروى عن شيخ من ضبة أن عثمان حين ضرب والدماء ~~تسيل على لحيته جعل يقول {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} ~~اللهم إني أستعديك عليهم وأستعينك على جميع أموري وأسألك الصبر على ما ~~ابتليتني ### ||||| وفاة علي كرم الله وجهه # قال الأصبغ الحنظلي لما كانت الليلة التي أصيب فيها علي كرم الله وجهه ~~اتاه ابن التياح حين طلع الفجر يؤذنه بالصلاة وهو مضطجع متثاقل فعاد ~~الثانية وهو كذلك ثم عاد الثالثة فقام علي يمشي وهو يقول # اشدد حيازيمك للموت ... فإن الموت لافيكا # ولا تجزع من الموت ... إذا حل بواديكا # فلما بلغ الباب الصغير شد عليه ابن ملجم فضربه # فخرجت أم ms2656 كلثوم أبنة علي رضى الله وعنه فجعلت تقول مالي ولصلاة الغداة ~~قتل زوجي أمير المؤمنين صلاة الغداة وقتل أبي صلاة # الغداة وعن شيخ من قريش أن عليا كرم الله وجهه لما ضربه ابن ملجم قال فزت ~~ورب الكعبة # وعن محمد بن علي أنه لما ضرب أوصى بنيه ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله ~~حتى قبض # ولما ثقل الحسن بن علي رضي الله عنهما دخل عليه الحسين رضي الله عنه فقال ~~يا أخي لأي شيء تجزع تقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى علي بن ~~أبي طالب وهما أبواك وعلى خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وهما أماك وعلى ~~حمزة وجعفر وهما عماك قال يا أخي أقدم على أمر لم أقدم على مثله # وعن محمد بن الحسن رضي الله عنهما قال لما نزل القوم بالحسين رضي الله ~~عنه وأيقن أنهم قاتلوه قام في أصحابه خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال قد ~~نزل من الأمر ما ترون وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر PageV04P479 # معروفها وانشمرت حتى لم يبق منها إلا كصبابة الإناء ألا حسبي من عيش ~~كالمرعي الوبيل ألا ترون الحق لا يعمل به والباطل لا ينتاهي عنه ليرغب ~~الؤمن في لقاء الله تعالى وإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين ~~إلا جرما ### |||| الباب الخامس في كلام المحتضرين من الخلفاء والأمراء والصالحين # لما حضرت معاوية بن أبي سفيان الوفاة قال أقعدوني فأقعد فجعل يسبح الله ~~تعالى ويذكره ثم بكى وقال تذكر ربك يا معاوية بعد الهرم والانحطاط إلا كان ~~هذا وغصن الشباب نضر ريان وبكى حتى علا بكاؤه وقال يا رب أرحم الشيخ العاصي ~~ذا القلب القاسي اللهم أقل العثرة واغفر الزلة وعد بحلمك على من لا يرجو ~~غيرك ولم يثق بأحد سواك # وروى عن شيخ من قريش انه دخل مع جماعة عليه في مرضه فرأوا في جلده غضونا ~~فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فهل الدنيا أجمع إلا ما جربنا ورأينا ~~أما ms2657 والله لقد استقبلنا زهرتها بجدتنا وباستلذاذنا بعيشنا فما لبثتنا ~~الدنيا أن نقضت ذلك منا حالا بعد حال وعروة بعد عروة فأصبحت الدنيا وقد ~~وترتنا وأخلفتنا واستلأمت إلينا أف للدنيا من دار ثم أف لها من دار # ويروى أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال أيها الناس إني من زرع قد استحصد ~~وإني وليتكم ولن يليكم أحد من بعدي إلا وهو شر مني كما كان من قبلي خيرا ~~مني ويا يزيد إذا وفى أجلي فول غسلي رجلا لبيبا فإن اللبيب من الله بمكان ~~فلينعم الغسل وليجهر بالتكبير ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ~~ثياب النبي صلى الله عليه وسلم وقراضة من شعره وأظفاره فاستودع القراضة ~~أنفي وفمي وأذني وعيني واجعل الثوب على جلدي دون أكفاني ويا يزيد احفظ وصية ~~الله في الوالدين فإذا أدرجتموني في جديدي ووضعتموني في حفرتي فخلوا معاوية ~~وأرحم الراحمين وقال محمد بن عقبة لما نزل بمعاوية الموت قال يا ليتني كنت ~~رجلا من قريش بذي طوى وإني لم أل من هذا الأمر شيئا # ولما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة نظر إلى غسال بجانب دمشق يلوي ثوبا ~~بيده ثم يضرب به المغسلة فقال عبد الملك ليتني كنت غسالا آكل من كسب يدي ~~يوما بيوم ولم أل من أمر الدنيا شيئا فبلغ ذلك أبا حازم فقال الحمد لله ~~الذي جعلهم إذا حضرهم الموت يتمنون ما نحن فيه وإذا حضرنا الموت لم نتمن ما ~~هم فيه # وقيل لعبد الملك بن مروان في مرضه الذي مات فيه كيف تجدك يا أمير ~~المؤمنين قال أجدني كما قال الله تعالى {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم ~~أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} الآية ومات # وقالت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان امرأة عمر بن عبد العزيز كنت أسمع ~~عمر في مرضه الذي مات فيه يقول اللهم أخف عليهم موتي ولو ساعة من نهار فلما ~~كان اليوم الذي قبض فيه خرجت من عنده فجلست في بيت آخر بيني وبينه باب ms2658 وهو ~~في قبة له فسمعته يقول {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في ~~الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} ثم هدا فجعلت لا أسمع حركة ولا كلاما ~~فقلت لوصيف له انظر أنائم هو فلما دخل صاح فوثبت فإذا هو ميت # وقيل له لما حضره الموت أعهد يا أمير المؤمنين قال احذركم مثل مصرعي هذا ~~فإنه لا بد لكم منه وروى أنه لما ثقل عمر بن عبد العزيز دعى له طبيب فلما ~~نظر إليه قال أرى الرجل قد سقى السم ولا آمن عليه الموت فرفع عمر بصره وقال ~~ولا تأمن الموت أيضا على من لم يسق السم قال الطبيب هل أحسست بذلك يا أمير ~~المؤمنين قال نعم قد عرفت ذلك حين وقع في بطني قال فتعالج يا أمير المؤمنين ~~فإني أخاف أن تذهب نفسك قال ربي خير مذهوب إليه والله لو علمت أن شفائي عند ~~شحمة أذنى PageV04P480 # ما رفعت يدي إلى أذنى فتناولته # اللهم خر لعمر في لقائك فلم يلبث إلا أياما حتى مات وقيل لما حضرته ~~الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك يا أمير المؤمنين أبشر فقد أحيا الله بك سننا ~~وأظهر بك عدلا فبكى ثم قال أليس أوقف فأسئل عن أمر هذا الخلق فوالله لو ~~عدلت فيهم لخفت على نفسي أن لا تقوم بحجتها بين يدي الله إلا أن يلقنها ~~الله حجتها فكيف بكثير مما ضيعنا وفاضت عيناه فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات ~~ولما قرب وقت موته قال أجلسوني فأجلسوه فقال أنا الذي امرتني فقصرت ونهيتني ~~فعصيت ثلاث مرات ولكن لا إله إلا الله ثم رفع رأسه فأحد النظر فقيل له في ~~ذلك فقال إني لأرى خضرة ما هم بإنس ولا جن ثم قبض رحمه الله # وحكى عن هرون الرشيد أنه انتقى أكفانه بيده عند الموت وكان ينظر إليها ~~ويقول {ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه} # وفرش المأمون رمادا واضطجع عليه وكان يقول يا من لا يزول ملكه ارحم من قد ~~زال ملكه وكان المعتصم يقول ms2659 عند موته لو علمت ان عمري هكذا قصير ما فعلت # وكان المنتصر يضطرب على نفسه عند موته فقيل له لا بأس عليك يا أمير ~~المؤمنين فقال ليس إلا هذا لقد ذهبت الدنيا واقبلت الآخرة # وقال عمرو بن العاص عند الوفاة وقد نظر إلى صناديق لبنيه من يأخذها بما ~~فيها ليته كان بعرا # وقال الحجاج عند موته اللهم أغفر لي فإن الناس يقولون إنك لا تغفر لي # فكان عمر بن عبد العزيز تعجبه هذه الكلمة منه ويغبطه عليها ولما حكى ذلك ~~للحسن قال أقالها قيل نعم قال عسى ### ||||| بيان أقاويل جماعة من خصوص الصالحين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل التصوف رضي الله عنهمم أجمعين # لما حضرت معاذا رضي الله عنه الوفاة قال اللهم إني قد كنت أخافك وأنا ~~اليوم ارجوك اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجرى ~~الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة ~~العلماء بالركب عند حلق الذكر ولما اشتد به النزع ونزع نزعا لم ينزعه احد ~~كان كلما أفاق من غمرة فتح طرفه ثم قال رب ما أخنقني خنقك فوعزتك إنك تعلم ~~أن قلبي يحبك # ولما حضرت سلمان الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك قال ما أبكى جزعا على ~~الدنيا ولكن عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون بلغة أحدنا من ~~الدنيا كزاد الراكب (1) فلما مات سلمان نظر في جميع ما ترك فإذا قيمته بضعة ~~عشر درهما # ولما حضرت بلالا الوفاة قالت امرأته واحزناه فقال بل واطرباه غدا نلقى ~~الأحبة محمدا وحزبه # وقيل فتح عبد الله بن المبارك عينه عند الوفاة وضحك وقال {لمثل هذا ~~فليعمل العاملون} # ولما حضرت إبراهيم النخعي الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك قال انتظر من الله ~~رسولا يبشرني بالجنة أو بالنار ولما حضرت ابن المنكدر الوفاة بكى فقيل له ~~ما يبكيك فقال والله ما أبكى لذنب أعلم أني أتيته ولكن PageV04P481 # أخاف أني أتيت شيئا حسبته هينا وهو عند الله عظيم # ولما ms2660 حضرت عامر بن عبد القيس الوفاة بكى فقيل له ما يبكيك قال ما أبكى ~~جزعا من الموت ولا حرصا على الدنيا ولكن ابكي على ما يفوتني من ظمأ الهواجر ~~وعلى قيام الليل في الشتاء ولما حضرت فضيلا الوفاة غشي عليه ثم فتح عينيه ~~وقال وابعد سفراه واقلة زاده # ولما حضرت ابن المبارك الوفاة قال لنصر مولاه # اجعل رأسي على التراب فبكى نصر فقال له ما يبكيك قال ذكرت ما كنت فيه من ~~النعيم وأنت هو ذا تموت فقيرا غريبا قال اسكت فإني سألت الله تعالى أن ~~يحييني حياة الأغنياء وأن يميتني موت الفقراء ثم قال له لقنى ولا تعد علي ~~ما لم أتكلم بكلام ثان # وقال عطاء بن يسار تبدى إبليس لرجل عند الموت فقال له نجوت فقال ما آمنك ~~بعد # وبكى بعضهم عند الموت فقيل له ما يبكيك آية في كتاب الله تعالى قوله عز ~~وجل {إنما يتقبل الله من المتقين} ودخل الحسن رضي الله عنه على رجل يجود ~~بنفسه فقال إن أمرا هذا أوله لجدير أن يتقي آخره وإن أمرا هذا آخره لجدير ~~أن يزهد في أوله وقال الجريري كنت عند الجنيد في حال نزعه وكان يوم الجمعة ~~ويوم النيروز وهو يقرأ القرآن فختم فقلت له في الحالة يا أبا القاسم فقال ~~ومن أولى بذلك مني وهو ذا تطوى صحيفتى وقال رويم حضرت وفاة أبي سعيد الخراز ~~وهو يقول حنين قلوب العارفين إلى الذكر ... وتذكارهم وقت المناجاة للسر # أديرت كؤوس للمنايا عليهم ... فأغفوا عن الدنيا كإغفاء ذي الشكر # همومهم جوالة بمعسكر ... به أهل ود الله كالأنجم الزهر # فأجسامهم في الأرض قتلى بحبه ... وأرواحهم في الحجب نحو العلا تسري # فما عرسوا إلا بقرب حبيبهم ... وما عرجوا من مس بؤس ولا ضر # وقيل للجنيد إن أبا سعيد الخزاز كان كثير التواجد عند الموت فقال لم يكن ~~بعجب أن تطير روحه اشتياقا # وقيل لذي النون عند موته ما تشتهي قال أن أعرفه قبل موتي بلحظة # وقيل لبعضهم وهو في النزع قل ms2661 الله فقال إلى متى تقولون الله وأنا محترق ~~بالله # وقال بعضهم كنت عند ممشاد الدينوري فقدم فقيرا وقال السلام عليكم هل هنا ~~موضع نظيف يمكن الإنسان أن يموت فيه قال فأشاروا إليه بمكان وكان ثم عين ~~ماء فجدد الفقير الوضوء وركع ما شاء الله ومضى إلى ذلك المكان ومد رجليه ~~ومات وكان أبو عباس الدينوري يتكلم في مجلسه فصاحت امرأة تواجدا فقال لها ~~موتى فقامت المرأة فلما بلغت الدار التفتت إليه وقالت قد مت ووقعت ميتة # ويحكى عن فاطمة أخت أبي علي الروذباري قالت لما قرب أجل أبي علي ~~الروذباري وكان رأسه في حجري فتح عينيه وقال هذه أبواب السماء قد فتحت وهذه ~~الجنان قد زينت وهذا قائل يقول يا أبا علي قد بلغناك الرتبة القصوى وإن لم ~~تردها ثم أنشا يقول # وحقك لا نظرت إلى سواكا ... بعين مودة حتى أراكا # أراك معذبي بفتور لحظ ... وبالخد المورد من حياكا # وقيل للجنيد قل لا إله إلا الله فقال ما نسيته فأذكره وسأل جعفر بن نصير ~~بكران أن الدينوري خادم الشبلي ما الذي رأيت منه فقال قال على درهم مظلمة ~~وتصدقت عن صاحبه بألوف فما على قلبي شغل أعظم منه ثم PageV04P482 # قال وضئني للصلاة ففعلت فنسيت تخليل لحيته وقد أمسك على لسانه فقبض على ~~يدي وأدخلها في لحيته ثم مات فبكى جعفر وقال ما تقولون في رجل لم يفته في ~~آخر عمره أدب من آداب الشريعة وقيل لبشر بن الحارث لما احتضر وكان يشق عليه ~~كأنك تحب الحياة فقال القدوم على الله شديد # وقيل لصالح بن مسمار ألا توصي بابنك وعيالك فقال إني لأستحي من الله أن ~~أوصي بهم إلى غيره ولما احتضر أبو سليمان الداراني أتاه أصحابه فقالوا أبشر ~~فإنك تقدم على رب غفور رحيم فقال لهم ألا تقولون احذر فإنك تقدم على رب ~~يحاسبك بالصغير ويعاقبك بالكبير ولما احتضر أبو بكر الواسطي قيل له أوصنا ~~فقال احفظوا مراد الحق فيكم واحتضر بعضهم فبكت امرأته فقال لها ما يبكيك ~~فقالت عليك ms2662 أبكي فقال إن كنت باكية فابكي على نفسك فلقد بكيت لهذا اليوم ~~أربعين سنة # وقال الجنيد دخلت على سري السقطي أعوده في مرض موته فقلت كيف تجدك فأنشأ ~~يقول # كيف أشكو إلى طبيبي ما بي ... والذي بي أصابني من طبيبي # فأخذت المروحة لأروحه فقال كيف ريح المروحة يجد من جوفه يحترق ثم أنشأ ~~يقول # القلب محترق والدمع مستبق ... والكرب مجتمع والصبر مفترق # كيف القرار على من لا قرار له ... مما جناه الهوى والشوق والقلق # يا رب إن يك شيء فيه لي فرج ... فامنن على به ما دام بي رمق # وحكي أن قوما من أصحاب الشبلي دخلوا عليه وهو في الموت فقالوا له قل لا ~~إله إلا الله فأنشأ يقول # إن بيتا أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السرج # وجهك المأمول حجتنا ... يوم يأتي الناس بالحجج # لا أتاح الله لي فرجا ... يوم أدعو منك بالفرج # وحكى أن أبا العباس بن عطاء دخل على الجنيد في وقت نزعه فسلم عليه فلم ~~يجبه ثم أجاب بعد ساعة وقال أعذرني فإني كنت في وردى ثم ولى وجهه إلى ~~القبلة وكبر ومات # وقيل للكناني لما حضرته الوفاة ما كان عملك فقال لو لم يقرب أجلي ما ~~أخبرتكم به وقفت على باب قلبي أربعين سنة فكلما مر فيه غير الله حجبته عنه # وحكى عن المعتمر قال كنت فيمن حضر الحكم بن عبد الملك حين جاءه الحق فقلت ~~اللهم هون عليه سكرات الموت فإنه كان وكان فذكرت محاسنه فأفاق فقال من ~~المتكلم فقلت أنا فقال إن ملك الموت عليه السلام يقول لي إني بكل سخي رفيق ~~ثم طفئ # ولما حضرت يوسف بن أسباط الوفاة شهده حذيفة فوجده قلقا فقال يا أبا محمد ~~هذا أوان القلق والجزع فقال يا أبا عبد الله وكيف لا أقلق ولا أجزع وإني لا ~~أعلم أني صدقت الله في شيء من عملي فقال حذيفة واعجباه لهذا الرجل الصالح ~~يخلف عند موته أنه لا يعلم أنه صدق الله في شيء من عمله # وعن المغازلي قال ms2663 دخلت على شيخ لي من أصحاب هذه الصفة وهو عليل وهو يقول ~~يمكنك أن تعمل ما تريد فارفق بي ودخل بعض المشايخ على ممشاد الدينوري في ~~وقت وفاته فقال له فعل الله تعالى وصنع من باب الدعاء فضحك ثم قال منذ ~~ثلاثين سنة تعرض على الجنة بما فيها فما أعرتها طرفي # وقيل لرويم عند الموت قل لا إله إلا الله فقال لا أحسن غيره # ولما حضرت الثوري الوفاة قيل له قل لا إله إلا الله فقال أليس ثم أمر ~~ودخل المزني على الشافعي رحمة الله عليهما في مرضه الذي توفي فيه فقال له ~~كيف أصبحت PageV04P483 # يا أبا عبد الله فقال أصبحت من الدنيا راحلا وللإخوان مفارقا ولسوء عملي ~~ملاقيا ولكأس المنية شاربا وعلى الله تعالى واردا ولا أدري أروحي تصير إلى ~~الجنة فأهنيها أم إلى النار فأعزيها ثم أنشأ يقول # ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي نحو عفوك سلما # تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما # فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما # ولولاك لم يغوي بإبليس عابد ... فكيف وقد أغوى صفيك آدما # ولما حضرت أحمد بن خضروية الوفاة سئل عن مسئلة فدمعت عيناه وقال يا بني ~~باب كنت أدقه خمسا وتسعين سنة هو ذا يفتح الساعة لي لا أدري أيفتح بالسعادة ~~أو الشقاوة فآن لي أوان الجواب # فهذه أقاويلهم وإنما اختلفت بحسب اختلاف أحوالهم فغلب على بعضهم الخوف ~~وعلى بعضهم الرجاء وعلى بعضهم الشوق والحب فتكلم كل واحد منهم على مقتضى ~~حاله والكل صحيح بالإضافة إلى أحوالهم ### |||| الباب السادس في أقاويل العارفين على الجنائز والمقابر وحكم زيارة القبور # أعلم أن الجنائز عبرة للبصير وفيها تنبيه وتذكير لأهل الغفلة فإنها لا ~~تزيدهم مشاهدتها إلا قساوة لأنهم يظنون أنهم أبدا إلى جنازة غيرهم ينظرون ~~ولا يحسبون أنهم لا محالة على الجنائز يحملون أو يحسبون ذلك ولكنهم على ~~القرب لا يقدرون ولا يتفكرون أن المحمولين على الجنائز هكذا كانوا يحسبون ~~فبطل حسبانهم وانقرض على ms2664 القرب زمانهم فلا ينظر عبد إلى جنازة إلا ويقدر ~~نفسه محمولا عليها فإنه محمول عليها على القرب وكأن قد ولعله في غد أو بعد ~~غد # ويروى عن أبي هريرة أنه كان إذا رأى جنازة قال امضوا فإنا على الأثر # وكان مكحول الدمشقي إذا رأى جنازة قال اغدوا فإنا رائحون # موعظة بليغة وغفلة سريعة يذهب الأول والآخر لا عقل له # وقال أسيد بن حضير ما شهدت جنازة فحدثتني نفسي بشيء سوى ما هو مفعول به ~~وما هو صائر إليه # ولما مات اخو مالك بن دينار خرج مالك في جنازته يبكي ويقول والله لا تقر ~~عيني حتى أعلم إلى ماذا صرت إليه ولا أعلم ما دمت حيا # وقال الأعمش كنا نشهد الجنائز فلا ندري من نعزى لحزن الجميع # وقال ثابت البناني كنا نشهد الجنائز فلا نرى إلا متقنعا باكيا # فهكذا كان خوفهم من الموت # والآن لا ننظر إلى جماعة يحضرون جنازة إلا وأكثرهم يضحكون ويلهون ولا ~~يتكلمون إلا في ميراثه وما خلفه لورثته ولا يتفكر أقرانه وأقاربه إلا في ~~الحيلة التي بها يتناول بعض ما خلفه ولا يتفكر واحد منهم إلا ما شاء الله ~~في جنازة نفسه وفي حاله إذا حمل عليها ولا سبب لهذه الغفلة إلا قسوة القلوب ~~بكثرة المعاصي والذنوب حتى نسينا الله تعالى واليوم الآخر والأهوال التي ~~بين أيدينا فصرنا نلهو ونغفل ونشتغل بما لا يعنينا # فنسأل الله تعالى اليقظة من هذه الغفلة فإن أحسن أحوال الحاضرين على ~~الجنائز بكاؤهم على الميت ولو عقلوا لبكوا على أنفسهم لا على الميت # نظر إبراهيم الزيات إلى إناس يترحمون على الميت فقال لو ترحمون على ~~أنفسكم لكان خيرا لكم إنه نجا من أهوال ثلاثة وجه ملك الموت وقد رأى ومرارة ~~الموت وقد ذاق وخوف الخاتمة وقد أمن # وقال أبو عمرو بن العلاء جلست إلى جرير وهو يملي على كاتبه شعرا فأطلعت ~~جنازة فأمسك وقال شيبتي والله هذه الجنائز # وأنشأ يقول # تروعنا الجنائز مقبلات ... ونلهو حين تذهب مدبرات PageV04P484 # كروعة ثلة لمغار ذئب ... فلما ms2665 غاب عادت راتعات # فمن آداب حضور الجنائز التفكر والتنبه والاستعداد والمشي أمامها على هيئة ~~التواضع كما ذكرنا آدابه وسننه في فن الفقه ومن آدابه حسن الظن بالميت وإن ~~كان فاسقا وإساءة الظن بالنفس وإن كان ظاهرها الصلاح فإن الخاتمة مخطرة لا ~~تدري حقيقتها # ولذلك روي عن عمر بن ذر أنه مات واحد من جيرانه وكان مسرفا على نفسه ~~فتجافى كثير من الناس عن جنازته فحضرها هو وصلى عليها فلما دلى في قبره وقف ~~على قبره وقال يرحمك الله يا أبا فلان فلقد صحبت عمرك بالتوحيد وعفرت وجهك ~~بالسجود وإن قالوا مذنب وذو خطايا فمن منا غير مذنب وغير ذي خطايا ويحكى أن ~~رجلا من المنهمكين في الفساد مات في بعض نواحي البصرة فلم تجد امرأته من ~~يعينها على مل جنازته إذ لم يدر بها أحد من جيرانه لكثرة فسقه فاستأجرت ~~حمالين وحملتها إلى المصلى فما صلى عليه أحد فحملتها إلى الصحراء للدفن ~~فكان على جبل قريب من الموضع زاهد من الزهاد الكبار فرأته كالمنتظر للجنازة ~~ثم قصد أن يصلي عليها فانتشر الخبر في البلد بأن الزاهد نزل ليصلي على فلان ~~فخرج أهل البلد فصلى الزاهد وصلوا عليه وتعجب الناس من صلاة الزاهد عليه ~~فقال قيل لي في المنام انزل إلى موضع فلان ترى فيه جنازة ليس معها أحد إلا ~~امرأة فصل عليه فإنه مغفور له فزاد تعجب الناس فاستدعى الزاهد امرأته ~~وسألها عن حاله وأنه كيف كانت سيرته قالت كما عرف كان طول نهاره في الماخور ~~مشغولا بشرب الخمر فقال انظري هل تعرفين منه شيئا من أعمال الخير قالت نعم ~~ثلاثة أشياء كان كل يوم يفيق من سكره وقت الصبح يبدل ثيابه ويتوضأ ويصلي ~~الصبح في جماعة ثم يعود إلى الماخور ويشتغل بالفسق والثاني أنه كان أبدا لا ~~يخلو بيته من يتيم أو يتيمين وكان إحسانه إليهم أكثر من إحسانه إلى أولاده ~~وكان شديد التفقد لهم # والثالث أنه كان يفيق في أثناء سكره في ظلام الليل فيبكي ويقول يا رب ms2666 أي ~~زاوية من زوايا جهنم تريد أن تملأها بهذا الخبيث يعني نفسه # فانصرف الزاهد وقد ارتفع إشكاله من أمره # وعن صلة بن أشيم وقد دفن أخ له فقال على قبره # فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا أخالك ناجيا ### ||||| بيان حال القبر وأقاويلهم عند القبور # قال الضحاك قال رجل يا رسول الله من أزهد الناس قال من لم ينس القبر ~~والبلى وترك فضل زينة الدنيا وآثر ما يبقى على ما يفنى ولم يعد غدا من ~~أيامه وعد نفسه من أهل القبور (1) وقيل لعلي كرم الله وجهه ما شأنك جاورت ~~المقبرة قال إني أجدهم خير جيران أجدهم جيران صدق يكفون الألسنة ويذكرون ~~الآخرة # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه ~~(2) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المقابر فجلس إلى قبر وكنت أدنى القوم منه # فبكى وبكيت وبكوا فقال ما يبكيكم قلنا بكينا لبكائك قال هذا قبر أمي آمنة ~~بنت وهب استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي فاستأذنته أن أستغفر لها فأبى علي ~~فأدركني ما يدرك الولد من الرقة (3) وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا ~~وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته PageV04P485 # فسئل عن ذلك وقيل له تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتبكى إذا وقفت على قبر ~~فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن القبر أول منازل الآخرة ~~فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد (1) وقيل ~~أن عمرو بن العاص نظر إلى المقبرة فنزل وصلى ركعتين فقيل له هذا شيء لم تكن ~~تصنعه فقال ذكرت أهل القبور وما حيل بينهم وبينه فأحببت أن أتقرب إلى الله ~~بهما # وقال مجاهد أول ما يكلم ابن آدم حفرته فتقول أنا بيت الدود وبيت الوحدة ~~وبيت الغربة وبيت الظلمة هذا ما أعددت لك فما أعددت لي وقال أبو ذر ألا ~~أخبركم بيوم فقري ms2667 يوم أوضع في قبري # وكان أبو الدرداء يقعد إلى القبور فقيل له في ذلك فقال أجلس إلى قوم ~~يذكروني معادي وإذا قمت لم يغتابوني # وكان جعفر بن محمد يأتي القبور ليلا ويقول يا أهل القبور مالي إذا دعوتكم ~~لا تجيبوني ثم يقول حيل والله بينهم وبين جوابي وكأن بي أكون مثلهم ثم ~~يستقبل الصلاة إلى طلوع الفجر # وقال عمر بن عبد العزيز لبعض جلسائه يا فلان لقد أرقت الليلة أتفكر في ~~القبر وساكنه وإنك لو رأيت الميت بعد ثلاثة في قبره لاستوحشت من قربه بعد ~~طول الأنس منك به ولرأيت بيتا تجول فيه الهوام ويجري فيه الصديد وتخترقه ~~الديدان مع تغير الريح وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الريح ونقاء الثوب ~~قال ثم شهق شهقة خر مغشيا عليه # وكان يزيد الرقاشي يقول أيها المقبور في حفرته والمتخلي في القبر بوحدته ~~المستأنس في بطن الأرض بأعماله ليت شعري بأي أعمالك استبشرت وبأي إخوانك ~~اغتبطت ثم يبكي حتى يبل عمامته ثم يقول استبشر والله بأعماله الصالحة ~~واغتبط والله بإخوانه المتعاونين على طاعة الله تعالى وكان إذا نظر إلى ~~القبور خار كما يخور الثور # وقال حاتم الأصم من مر بالمقابر فلم يتفكر لنفسه ولم يدع لهم فقد خان ~~نفسه وخانهم # وكان بكر العابد يقول يا أماه ليتك كنت بي عقيما إن لابنك في القبر حبسا ~~طويلا ومن بعد ذلك منه رحيلا # وقال يحيى بن من معاذ يا ابن آدم دعاك ربك إلى دار السلام فانظر من أين ~~تجيبه إن أجبته من دنياك واشتغلت بالرحلة إليه دخلتها وإن أجبته من قبرك ~~منعتها # وكان الحسن بن صالح إذا أشرف على المقابر يقول ما أحسن ظواهرك إنما ~~الدواهي في بواطنك وكان عطاء السلمي إذا جن عليه الليل خرج إلى المقبرة ثم ~~يقول يا أهل القبور متم فواموتاه وعاينتم أعمالكم فواعملاه ثم يقول غدا ~~عطاء في القبور فلا يزال ذلك دأبه حتى يصبح وقال سفيان من أكثر من ذكر ~~القبر وجده روضة من رياض الجنة ومن غفل ms2668 عن ذكره وجده حفرة من حفر النار # وكان الربيع بن خيثم قد حفر في داره قبرا فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل ~~فيه فاضطجع ومكث ما شاء الله ثم يقول رب أرجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت ~~يرددها ثم يرد على نفسه يا ربيع قد رجعتك فاعمل # وقال أحمد بن حرب تتعجب الأرض من رجل يمهد مضجعه ويسوى فراشه للنوم فتقول ~~يا ابن آدم لم لا تذكر طول بلاك وما بيني وبينك شيء وقال ميمون بن مهران ~~خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة فلما نظر إلى القبور بكى ثم أقبل ~~على فقال يا ميمون هذه قبور آبائي بني أمية كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في ~~لذاتهم وعيشهم أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلات واستحكم فيهم البلى ~~وأصابت الهوام مقيلا في أبدانهم ثم بكى وقال والله ما أعلم أحدا أنعم ممن ~~صار إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب الله # وقال ثابت البناني دخلت المقابر فلما قصدت الخروج منها فإذا بصوت قائل ~~يقول يا ثابت لا يغرنك صموت أهلها فكم من نفس مغمومة فيها # ويروى أن فاطمة بنت الحسين نظرت إلى جنازة زوجها الحسن بن الحسن فغطت ~~وجهها وقالت PageV04P486 # وكانوا رجاء ثم أمسوا رزية ... لقد عظمت تلك الرزايا وجلت # وقيل إنها ضربت على قبره فسطاطا واعتكفت عليه سنة # فلما مضت السنة قلعوا الفسطاط ودخلت المدينة فسمعوا صوتا من جانب البقيع ~~هل وجدوا ما فقدوا فسمعوا من الجانب الآخر بل يئسوا فانقلبوا # وقال أبو موسى التميمي توفيت امرأة الفرزدق فخرج في جنازتها وجوه البصرة ~~وفيهم الحسن فقال له الحسن يا أبا فراس ماذا أعددت لهذا اليوم فقال شهادة ~~أن لا إله إلا الله منذ ستين سنة فلما دفنت أقام الفرزدق على قبرها فقال # أخاف وراء القبر إن لم تعافني ... أشد من القبر التهابا وأضيقا # إذا جاءني يوم القيامة قائد ... عنيف وسواق يسوق الفرزدقا # لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النار مغلول القلادة أزرقا # وقد أنشدوا في ms2669 أهل القبور قف بالقبور وقل على ساحاتها ... من منكم ~~المغمور في ظلماتها ومن المكرم منكم في قعرها ... قد ذاق برد الأمن من ~~روعاتها # أما السكون لذي العيون فواحد ... لا يستبين الفضل في درجاتها # لو جاوبوك لأخبروك بألسن ... تصف الحقائق بعد من حالاتها # أما المطيع فنازل في روضة ... يفضي إلى ما شاء من دوحاتها # والمجرم الطاغي بها متقلب ... في حفرة يأوى إلى حياتها وعقارب تسعى إليه ~~فروحه ... في شدة التعذيب من لدغاتها # ومر داود الطائي على امرأة تبكي على قبر وهي تقول # عدمت الحياة ولا نلتها ... إذا كنت في القبر قد ألحدوكا # فكيف وأين أذوق لطعم الكرى ... وأنت بيمناك قد وسدوكا # ثم قالت يا ابناه بأي خديك بدأ الدود فصعق داود مكانه وخر مغشيا عليه # وقال مالك بن دينار مررت بالمقبرة فأنشأت أقول # أتيت القبور فناديتها ... فأين المعظم والمحتقر # وأين المدل بسلطانه ... وأين المزكى إذا ما أفتخر # قال فنوديت من بينها أسمع صوتا ولا أرى شخصا وهو يقول # تفانوا جميعا فما مخبر ... وماتوا جميعا ومات الخبر # تروح وتغدو بنات الثرى ... فتمحو محاسن تلك الصور # فيا سائلي عن أناس مضوا ... أما لك فيما ترى معتبر # قال فرجعت وأنا باك أبيات وجدت مكتوبة على القبور # وجد مكتوبا على قبر # تناجيك أجداث وهن صموت ... وسكانها تحت التراب خفوت PageV04P487 # أيا جامع الدنيا لغير بلاغة ... لمن تجمع الدنيا وأنت تموت ووجد على قبر ~~آخر مكتوبا # أيا غانم أما ذراك فواسع ... وقبرك معمور الجوانب محكم # وما ينفع المقبور عمران قبره ... إذا كان فيه جسمه يتهدم # وقال ابن السماك مررت على المقابر فإذا على قبر مكتوب # يمر أقاربي جنبات قبرى ... كأن أقاربي لم يعرفوني # ذوو الميراث يقتسمون مالي ... وما يألون أن جححدوا ديوني # وقد أخذوا سهامهم وعاشوا ... فيالله أسرع ما نسوني # ووجد على قبر مكتوبا # إن الحبيب من الأحباب مختلس ... لا يمنع الموت بواب ولا حرس # فكيف تفرح بالدنيا ولذتها ... يا من يعد عليه اللفظ والنفس # أصبحت يا غافلا في النقص منغمسا ... وأنت دهرك في اللذات منغمس لا ms2670 يرحم ~~الموت ذا جهل لغرته ... ولا الذي كان منه العلم يقتبس # كم أخرس الموت في قبر وقفت به ... عن الجواب لسنا ما به خرس قد كان قصرك ~~معمورا له شرف ... فقبرك اليوم في الأجداث مندرس # ووجد على قبر آخر مكتوبا # وقفت على الأحبة حين صفت ... قبورهم كأفراس الرهان # فلما أن بكيت وفاض دمعي ... رأت عيناي بينهم مكاني # ووجد على قبر طبيب مكتوبا # قد قلت لما قال لي قائل ... صار لقمان إلى رمسه # فأين ما يوصف من طبه ... وحذقه في الماء مع جسه # هيهات لا يدفع عن غيره ... من كان لا يدفع عن نفسه # ووجد على قبر آخر مكتوبا # يا أيها الناس كان لي أمل ... قصر بي عن بلوغه الأجل # فليتق الله ربه رجل ... أمكنه في حياته العمل # ما أنا وحدي نقلت حيث ترى ... كل إلى مثقله سينتقل # فهذه أبيات كتبت على قبور لتقصير سكانها عن الأعتبار قبل الموت # والبصير هو الذي ينظر إلى غيره فيرى مكانه بين أظهرهم فيستعد للحوق بهم ~~ويعلم أنهم لا يبرحون من مكانهم ما لم يلحق بهم وليتحقق أنه لو عرض عليهم ~~يوم من أيام عمره الذي هو مضيع له لكان ذلك أحب إليهم من الدنيا بحذافيرها ~~لأنهم عرفوا قدر الأعمار وانكشفت لهم حقائق الأمور فإنما حسرتهم على يوم من ~~العمر ليتدارك المقصر به تقصيره فيتخلص من العقاب وليستزيد الموفق به رتبته ~~فيتضاعف له الثواب فإنهم إنما عرفوا قدر العمر بعد انقطاعه فحسرتهم على ~~ساعة من الحياة وأنت PageV04P488 # قادر على تلك الساعة ولعلك تقدر على أمثالها ثم أنت مضيع لها فوطن نفسك ~~على التحسر على تضييعهما عند خروج الأمر من الاختيار إذا لم تأخذ نصيبك من ~~ساعتك على سبيل الإبتدار فقد قال بعض الصالحين رأيت أخا لي في الله فيما ~~يرى النائم فقلت يا فلان عشت الحمد لله رب العالمين قال لأن أقدر على أن ~~أقولها يعني الحمد لله رب العالمين أحب إلى من الدنيا وما فيها ثم قال ألم ~~تر حيث كانوا يدفنونني فإن فلانا ms2671 قد قام فصلى ركعتين لأن أكون أقدر على أن ~~أصليهما أحب إلي من الدنيا وما فيها ### ||||| بيان أقاويلهم عند موت الولد # حق على من مات ولده أو قريب من أقاربه أن ينزله في تقدمه عليه في الموت ~~منزلة ما لو كانا في سفر فسبقه الولد إلى البلد الذي هو مستقره ووطنه فإنه ~~لا يعظم عليه تأسفه لعلمه أنه لاحق به على القرب وليس بينهما إلا تقدم ~~وتأخر # وهكذا الموت فإن معناه السبق إلى الوطن إلى أن يلحق المتأخر وإذا اعتقد ~~هذا قل جزعه وحزنه لا سيما وقد ورد في موت الولد من الثواب ما يعزى به كل ~~مصاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن أقدم سقطا أحب إلي من أن أخلف ~~مائة فارس كلهم يقاتل في سبيل الله (1) وإنما ذكر السقط تنبيها بالأدنى على ~~الأعلى وإلا فالثواب على قدر محل الولد من القلب # وقال زيد بن أسلم توفي ابن لداود عليك السلام فحزن عليه حزنا شديدا فقيل ~~له ما كان عدله عندك قال ملء الأرض ذهبا قيل له فإن لك من الأجر في الآخرة ~~مثل ذلك وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة ~~من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار فقالت امرأة عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو اثنان قال أو اثنان (2) وليخلص الوالد الدعاء لولده ~~عند الموت فإنه أرجى دعاء وأقربه إلى الإجابة # وقف محمد بن سليمان على قبر ولده فقال اللهم إني أصبحت أرجوك له وأخافك ~~عليه فحقق رجائي وآمن خوفي # ووقف أبو سنان على قبر ولده فقال اللهم إني قد غفرت له ما وجب لي عليه ~~فاغفر له ما وجب لك عليه فإنك أجود وأكرم # ووقف أعرابي على قبر ابنه فقال اللهم إني قد وهبت له ما قصر فيه من بري ~~فهب له ما قصر فيه من طاعتك # ولما مات ذر بن عمر بن ذر قام أبوه عمر بن ذر بعد وضعه في لحده فقال ms2672 يا ~~ذر لقد شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك فليت شعري ماذا قلت وماذا قيل لك ثم ~~قال اللهم إن هذا ذر متعتني به ما متعتني ووفيته أجله ورزقه ولم تظلمه ~~اللهم وقد كنت ألزمته طاعتك وطاعتي اللهم ما وعدتني عليه من الأجر في ~~مصيبتي فقد وهبت له ذلك فهب لي عذابه ولا تعذبه # فأبكى الناس ثم قال عند انصرافه ما علينا بعدك من خصاصة يا ذر وما بنا ~~إلى إنسان مع الله حاجة فلقد مضينا وتركناك ولو أقمنا ما نفعناك ونظر رجل ~~إلى امرأة في البصرة فقال ما رأيت مثل هذه النضارة وما ذاك إلا من قلة ~~الحزن فقالت يا عبد الله أني لفي حزن ما يشركني فيه أحد قال فكيف قالت أن ~~زوجي ذبح شاة في يوم عيد الأضحى وكان لي صبيان مليحان يلعبان فقال أكبرهما ~~للآخر أتريد أن أريك كيف ذبح أبي الشاة قال نعم فأخذه وذبحه وما شعرنا به ~~إلا متشطحا في دمه فلما ارتفع الصراخ هرب الغلام فلجأ إلى جبل فرهقه ذئب ~~فأكله فخرج أبوه يطلبه فمات عطشا من شدة الحر قالت فأرداني الدهر كما ترى # فأمثال هذه المصائب ينبغي أن تتذكر عند موت الأولاد ليتسلى بها عن شدة ~~الجزع فما من مصيبة إلا ويتصور ما هو أعظم منها وما يدفعه الله في كل حال ~~فهو الأكثر PageV04P489 ### ||||| بيان زيارة القبور والدعاء للميت وما يتعلق به # زيارة القبور مستحبة على الجملة للتذكر والاعتبار وزيارة قبور الصالحين ~~لأجل التبرك مع الاعتبار وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~زيارة القبور ثم أذن في ذلك بعد (1) روي عن علي رضي الله عنه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال كنت نهيتكم عم زيارة القبور فزوروها فإنها ~~تذكركم الآخرة غير أن لا تقولوا هجرا (2) # وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه في ألف مقنع فلم ير باكيا ~~أكثر من يومئذ (3) وفي هذا اليوم قال أذن لي في الزيارة دون الاستغفار (4) ~~كما أوردنا ms2673 من قبل # وقال ابن أبي مليكة أقبلت عائشة رضي الله عنها يوما من المقابر فقلت يا ~~أم المؤمنين من أين أقبلت قالت من قبر أخي عبد الرحمن فقلت أليس كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها قالت نعم ثم أمر بها (5) ولا ينبغي أن ~~يتمسك بهذا فيؤذن للنساء في الخروج إلى المقابر فإنهن يكثرن الهجر على رءوس ~~المقابر فلا يفي خير زيارتهن بشرها ولا يخلون في الطريق عن تكشف وتبرج وهذه ~~عظائم والزيارة سنة فكيف يحتمل ذلك لأجلها # نعم لا بأس بخروج المرأة في ثياب بذلة ترد أعين الرجال عنها وذلك بشرط ~~الاقتصار على الدعاء وترك الحديث على رأس القبر # وقال أبو ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم زر القبور تذكر بها الآخرة ~~واغسل الموتى فإن معالجة جسد خاو موعظة بليغة وصل على الجنائز لعل ذلك أن ~~يحزنك فإن الحزين في ظل الله (6) وقال ابن أبي مليكة قال رسول الله زروا ~~موتاكم وسلموا عليهم فإن لكم فيهم عبرة (7) وعن نافع أن ابن عمر كان لا يمر ~~بقبر أحد إلا وقف عليه وسلم عليه وعن جعفر بن محمد عن أبيه أن فاطمة بنت ~~النبي صلى الله عليه وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة في الأيام فتصلي وتبكي ~~عنده وقال النبي صلى الله عليه وسلم من زار قبر والديه أو أحدهما في كل ~~جمعة غفر له وكتب برا (8) وعن ابن سيرين قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما فيدعو الله لهما من بعدهما فيكتبه ~~الله من البارين (9) وقال النبي صلى الله عليه وسلم من زار قبري فقد ~~PageV04P490 # وجبت له شفاعتي (1) وقال صلى الله عليه وسلم من زارني بالمدينة محتسبا ~~كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة (2) وقال كعب الأحبار ما من فجر يطلع إلا ~~نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك ~~حتى ms2674 إذا انشقت الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة يوقرونه # والمستحب في زيارة القبور أن يقف مستدبر القبلة مستقبلا بوجهه الميت وأن ~~يسلم ولا يمسح القبر ولا يمسه ولا يقبله فإن ذلك من عادة النصارى قال نافع ~~كان ابن عمر رأيته مائة مرة أو أكثر يجيء إلى القبر فيقول السلام على النبي ~~السلام على أبي بكر السلام على أبي وينصرف وعن أبي أمامة قال رأيت أنس بن ~~مالك أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح ~~الصلاة فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف وقالت عائشة رضي الله ~~عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده ~~إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم (3) وقال سليمان بن سحيم رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك ويسلمون ~~عليك أتفقه سلامهم قال نعم وأرد عليهم وقال أبو هريرة إذا مر الرجل بقبر ~~لرجل يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام وعرفه وإذا مر بقبر لا يعرفه وسلم ~~عليه رد عليه السلام وقال رجل من آل عاصم الجحدري رأيت عاصما في منامي بعد ~~موته بسنتين فقلت أليس قد مت قال بلى فقلت أين أنت قال أنا والله فى روضة ~~من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى أبى بكر ~~ابن عبد الله المزني فنتلاقى أخباركم قلت أجسامكم أم أرواحكم قال هيهات ~~بليت الأجسام وإنما تتلاقى الأرواح قال قلت فهل تعلمون بزيارتنا إياكم قال ~~نعم تعلم بها عشية الجمعة ويوم الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس قلت ~~وكيف ذاك دون الأيام كلها قال لفضل يوم الجمعة وعظمه وكان محمد بن واسع ~~يزور يوم الجمعه فقيل له لو أخرت إلى يوم الأثنين قال بلغنى أن الموتى ~~يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوما قبله ويوما بعده وقال الضحاك من زار قبرا ~~قبل طلوع الشمس يوم السبت علم الميت ms2675 بزيارته قيل وكيف ذاك قال لمكان يوم ~~الجمعة وقال بشر ابن منصور لما كان زمن الطاعون كان رجل يختلف إلى الجبانة ~~فيشهد الصلاة على الجنائز فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال آنس الله ~~وحشتكم ورحم غربتكم وتجاوز عن سيئاتكم وقبل الله حسناتكم لا يزيد على هذه ~~الكلمات قال الرجل فأمسيت ذات ليلة فانصرفت إلى أهلى ولم آت إلى المقابر ~~فأدعو كما كنت أدعو فبينما أنا نائم إذا بخلق كثير قد جاءونى فقلت ما أنتم ~~وما حاجتكم قالوا نحن أهل المقابر قلت ما جاء بكم قالوا إنك قد عودتنا منك ~~هدية عند انصرافك إلى أهلك قلت وما هي قالوا الدعوات التي كنت تدعو لنا بها ~~قلت فإني أعود لذلك فما تركتها بعد ذلك وقال بشار بن غالب النجراني رأيت ~~رابعة العدوية العابدة فى منامي وكنت كثير الدعاء لها فقالت لي يا بشار بن ~~غالب هداياك تأتينا على طبق من نور مخمرة بمناديل الحرير قلت وكيف ذاك قالت ~~وهكذا دعاء المؤمنين الأحياء إذا دعوا للموتى فاستجيب لهم جعل ذلك الدعاء ~~على أطباق من نور وخمر مناديل الحرير ثم أتى به الميت فقيل له هذه هدية ~~فلان إليك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الميت فى قبره إلا كالغريق ~~المتغوث ينتظر دعوة تلحقه PageV04P491 # من أبيه أو أخيه أو صديق له فإذا لحقته كان أحب إليه من الدنيا وما فيها ~~وإن هدايا الأحياء للأموات الدعاء والاستغفار (1) حديث سعيد بن عبد الله ~~الأزدي قال شهدت أبا أمامة الباهلي وهو في النزع فقال يا سعيد إذا مت ~~فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إذا مات أحدكم ~~فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره ثم يقول يا فلان ابن فلانة ~~الحديث في تلقين الميت في قبره أخرجه الطبراني // # ولا بأس بقراءة القرآن على القبور روي عن علي بن موسى الحداد قال كنت مع ~~أحمد بن حنبل في جنازة ومحمد بن قدامة الجوهرى معنا فلما دفن الميت جاء رجل ms2676 ~~ضرير يقرأ عند القبر فقال له أحمد يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة فلما ~~خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر ~~بن إسماعيل الحلبي قال ثقه قال هل كتبت عنه شيئا قال نعم قال أخبرني مبشر ~~بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا دفن ~~أن يقرأ عند رأسه فاتحة البقرة وخاتمتها وقال سمعت ابن عمر يوصى بذلك فقال ~~له أحمد فارجع إلى الرجل فقل له يقرأ وقال محمد بن أحمد المروزى سمعت أحمد ~~بن حنبل يقول إذا دخلتم المقابر فاقرءوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو ~~الله أحد واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم وقال أبو قلابة ~~أقبلت من الشام إلى البصرة فنزلت الخندق فتطهرت وصليت ركعتين بليل ثم وضعت ~~رأسي على قبر فنمت ثم تنبهت فإذا صاحب القبر يشتكيني يقول لقد آذيتني منذ ~~الليلة ثم قال إنكم لا تعلمون ونحن نعلم ولا نقدر على العمل ثم قال ~~للركعتان اللتان ركعتهما خير من الدنيا وما فيها ثم قال جزى الله عنا أهل ~~الدنيا خيرا أقرئهم السلام فإنه قد يدخل علينا من دعائهم نورا مثل الجبال ~~فالمقصود من زيارة القبور للزائر الاعتبار بها وللمزور الانتفاع بدعائه فلا ~~ينبغي أن يغفل الزائر عن الدعاء لنفسه وللميت ولا عن الاعتبار به وإنما ~~يحصل له الاعتبار بأن يصور في قلبه الميت كيف تفرقت أجزاءه وكيف يبعث من ~~قبره وأنه على القرب سيلحق به كما روى عن مطرف بن أبي بكر الهذلي قال كانت ~~عجوز في عبد القيس متعبدة فكان إذا جاء الليل تحزمت ثم قامت إلى المحراب ~~وإذا جاء النهار خرجت إلى القبور فبلغني أنها عوتبت في كثرة إتيانها ~~المقابر فقالت إن القلب القاسي إذا جفا لم يلينه إلا رسوم البلى وإني لآتي ~~القبور فكأني PageV04P492 # انظر وقد خرجوا من بين أطباقها وكأني انظر إلى تلك الوجوه المتعفرة وإلى ~~تلك الأجسام المتغيرة وإلى تلك الأجفان الدسمة فيا ms2677 لها من نظرة لو أشربها ~~العباد قلوبهم ما أنكل مرارتها للأنفس وأشد تلفها للأبدان بل ينبغي أن يحضر ~~من صورة الميت ما ذكره عمر بن عبد العزيز حيث دخل عليه فقيه فتعجب من تغير ~~صورته لكثرة الجهاد والعبادة فقال له يا فلان لو رأيتني بعد ثلاث وقد أدخلت ~~قبريى وقد خرجت الحدقتان فسالتا على الخدين وتقلصت الشفتان عن الأسنان وخرج ~~الصديد من الفم وانفتح الفم ونتأ البطن فعلا الصدر وخرج الصلب من الدبر ~~وخرج الدود والصديد من المناخر لرأيت أعجب مما تراه الآن # ويستحب الثناء على الميت وألا يذكر إلا بالجميل قالت عائشة رضي الله عنها ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه (1) ~~وقال صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الأموات فإنهم قد أمضوا إلى ما قدموا (2) ~~وقال صلى الله عليه وسلم لا تذكروا موتاكم إلا بخير فإنهم إن يكونوا من أهل ~~الجنة تأثموا وإن يكونوا من أهل النار فحسبهم ما هم فيه (3) وقال أنس بن ~~مالك مرت جنازة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنوا عليها شرا فقال ~~عليه السلام وجبت ومروا بأخرى فأثنوا عليها خيرا فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وجبت فسأله عمر عن ذلك فقال إن هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له ~~الجنة وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار وأنتم شهداء الله في الأرض (4) ~~وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن العبد ليموت فيثني ~~عليه القوم الثناء يعلم الله منه غيره ليقول الله تعالى لملائكته أشهدكم ~~أني قد قبلت شهادة عبيدي على عبدي وتجاوزت عن علمي في عبدي (5) ### |||| الباب السابع في حقيقة الموت وما يلقاه الميت في القبر إلى نفخة الصور ### ||||| بيان حقيقة الموت # أعلم أن للناس في حقيقة الموت ظنونا كاذبة قد اخطأوا فيها فظن بعضهم أن ~~الموت هو العدم وأنه لا حشر ولا نشر ولا عاقبة للخير والشر وأن موت الإنسان ~~كموت الحيوانات وجفاف النبات وهذا رأى الملحدين وكل من ms2678 لا يؤمن بالله ~~واليوم الآخر وظن قوم أنه ينعدم بالموت ولا يتأم بضار ولا يتنعم بثواب ما ~~دام في القبر إلى أن يعاد في وقت الحشر وقال آخرون إن الروح باقية لا تنعدم ~~بالموت وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح دون الأجساد وإن الأجساد لا تبعث ~~ولا تحشر أصلا وكل هذه ظنون فاسدة ومائلة عن الحق بل الذي تشهد له طرق ~~الاعتبار وتنطق به الآيات والأخبار أن الموت معناه تغير حال فقط وأن الروح ~~باقية بعد مفارقة الجسد إما معذبة وإما منعمة ومعنى مفارقتها للجسد ~~PageV04P493 # انقطاع تصرفها عن الجسد بخروج الجسد عن طاعتها فإن الأعضاء آلات الروح ~~تستعملها حتى أنها لتبطش باليد وتسمع بالأذن وتبصر بالعين وتعلم حقيقة ~~الأشياء بالقلب والقلب ههنا عبارة عن الروح والروح تعلم الأشياء بنفسها من ~~غير آلة ولذلك قد يتألم بنفسه بأنواع الحزن والغم والكمد ويتنعم بأنواع ~~الفرح والسرور وكل ذلك لا يتعلق بالأعضاء فكل ما هو وصف للروح بنفسها فيبقى ~~معها بعد مفارقة الجسد وما هو لها بواسطة الأعضاء فيتعطل بموت الجسد إلى أن ~~تعاد الروح إلى الجسد ولا يبعد أن تعاد الروح إلى الجسد في القبر ولا يبعد ~~أن تؤخر إلى يوم البعث والله أعلم بما حكم به على كل عبد من عباده وإنما ~~تعطل الجسد بالموت يضاهي تعطل أعضاء الزمن بفساد مزاج يقع فيه وبشدة تقع في ~~الأعصاب تمنع نفوذ الروح فيها فتكون الروح العالمة العاقلة المدركة باقية ~~مستعملة لبعض الأعضاء وقد استعصى عليها بعضها والموت عبارة عن استعصاء ~~الأعضاء كلها وكل الأعضاء آلات والروح هي المستعملة لها وأعنى بالروح ~~المعنى الذي يدرك من الإنسان العلوم وآلام الغموم ولذات الأفراح ومهما بطل ~~تصرفها في الأعضاء لم تبطل منها العلوم والإدراكات ولا بطل منها الأفراح ~~والغموم ولا بطل منها قبولها للآلآم واللذات والإنسان بالحقيقة هو المعنى ~~المدرك للعلوم وللآلام واللذات وذلك لا يموت أي لا ينعدم ومعنى الموت ~~انقطاع تصرفه عن البدن وخروج البدن عن أن يكون آلة له كما أن معنى الزمانة ~~خروج ms2679 اليد عن أن تكون آلة مستعملة فالموت زمانة مطلقة في الأعضاء كلها ~~وحقيقة الإنسان نفسه وروحه وهي باقية نعم تغير حاله من جهتين إحداهما أنه ~~سلب منه عينه وأذنه ولسانه ويده ورجله وجميع أعضائه وسلب منه أهله وولده ~~وأقاربه وسائر معارفه وسلب منه خيله ودوابه وغلمانه ودوره وعقاره وسائر ~~أملاكه ولا فرق بين أن تسلب هذه الأشياء من الإنسان وبين أن يسلب الإنسان ~~من هذه الأشياء فإن المؤلم هو الفراق والفراق يحصل تارة بأن ينهب مال الرجل ~~وتارة بأن يسبى الرجل عن الملك والمال والألم واحد في الحالتين وإنما معنى ~~الموت سلب الإنسان عن أمواله بإزعاجه إلى عالم آخر لا يناسب هذا العالم فإن ~~كان له في الدنيا شيء يأنس به ويستريح إليه ويعتد بوجوده فيعظم تحسره عليه ~~بعد الموت ويصعب شقاؤه في مفارقته بل يلتفت قلبه إلى واحد واحد من ماله ~~وجاهه وعقاره حتى إلى قميص كان يلبسه مثلا ويفرح به وإن لم يكن يفرح إلا ~~بذكر الله ولم يأنس إلا به عظم نعيمه وتمت سعادته إذا خلى بينه وبين محبوبه ~~وقطعت عنه العوائق والشواغل إذ جميع أسباب الدنيا شاغلة عن ذكر الله فهذا ~~أحد وجهى المخالفة بين حال الموت وحال الحياة # والثاني أنه ينكشف له بالموت ما لم يكن مكشوفا له في الحياة كما قد ينكشف ~~للمتيقظ ما لم يكن مكشوفا له في النوم والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وأول ~~ما ينكشف له ما يضره وينفعه من حسناته وسيئاته وقد كان ذلك مسطورا في كتاب ~~مطوي في سر قلبه وكان يشغله عن الاطلاع عليه شواغل الدنيا فإذا انقطعت ~~الشواغل انكشف له جميع أعماله فلا ينظر إلى سيئه إلا ويتحسر عليها تحسرا ~~يؤثر أن يخوض غمرة النار للخلاص من تلك الحسرة وعبد ذلك يقال له {كفى بنفسك ~~اليوم عليك حسيبا} وينكشف كل ذلك عند انقطاع النفس وقبل الدفن وتشتعل فيه ~~نيران الفراق أعنى فراق ما كان يطمئن إليمن هذه الدنيا الفانية دون ما أراد ~~منها لأجل الزاد والبلغة فإن ms2680 من طلب الزاد للبلغة فإذا بلغ المقصد فرح ~~بمفارقته بقية الزاد إذ لم يكن يريد الزاد لعينه وهذا حال من لم يأخذ من ~~الدنيا إلا بقدر الضرورة وكان يود أن تنقطع ضرورته ليستغنى عنه فقد حصل ما ~~كان يوده PageV04P494 # واستغنى عنه وهذه أنواع من العذاب والآلام عظيمة تهجم عليه قبل الدفن ثم ~~عند الدفن قد ترد روحه إلى الجسد لنوع آخر من العذاب وقد يعفى عنه ويكون ~~حال المتنعم بالدنيا المطمئن إليها كحال من تنعم عند غيبة ملك من الملوك في ~~داره وملكه وحريمه اعتمادا على أن الملك يتساهل في أمره أو على أن الملك ~~ليس يدري ما يتعاطاه من قبيح أفعاله فأخذه الملك بغتة وعرض عليه جريدة قد ~~دونت فيها جميع فواحشه وجناياته ذرة ذرهوخطوة خطوة والملك قاهر متسلط وغيور ~~على حرمه ومنتقم من الجناة على ملكه وغير ملتفت إلى من يتشفع إليه في ~~العصاة عليه فانظر إلى هذا المأخوذ كيف يكون حاله قبل نزول عذاب الملك به ~~من الخوف والخجلة والحياء والتحسر والندم فهذا حال الميت الفاجر المغتر ~~بالدنيا المطمئن إليها قبل نزول عذاب القبر به بل عند موته نعوذ بالله منه ~~فإن الخزى والافتضاح وهتك الستر أعظم من كل عذاب يحل بالجسد من الضرب ~~والقطع وغيرهما فهذه إشارة إلى حال الميت عند الموت شاهدها أولو البصائر ~~بمشاهدة باطنة أقوى من مشاهدة العين وشهد لذلك شواهد الكتاب والسنة # نعم لا يمكن كشف الغطاء عن كنه حقيقة الموت إذ لا يعرف الموت من لا يعرف ~~الحياة ومعرفة الحياة بمعرفة حقيقة الروح في نفسها وإدراك ماهية ذاتها ولم ~~يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن يتكلم فيها ولا أن يزيد على أن يقول ~~{الروح من أمر ربي} (1) فليس لأحد من علماء الدين أن يكشف عن سر الروح وإن ~~اطلع عليه وإنما المأذون فيه ذكر حال الروح بعد الموت # ويدل على أن الموت ليس عبارة عن انعدام الروح وانعدام إدراكها آيات ~~وأخبار كثيرة أما الآيات فما ورد في الشهداء إذ ms2681 قال تعالى {ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين} ولما قتل ~~صناديد قريش يوم بدر ناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا فلان يا ~~فلان يا فلان قد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فقيل ~~يا رسول الله أتناديهم وهم أموات فقال صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ~~إنهم لأسمع لهذا الكلام منكم إلا أنهم لا يقدرون على الجواب (2) فهذا نص في ~~روح الشقي وبقاء إدراكها ومعرفتها والآية نص أرواح في الشهداء ولا يخلو ~~الميت عن سعادة أو شقاوة وقال صلى الله عليه وسلم القبر إما حفرة من حفر ~~النار أو روضة من رياض الجنة (3) وهذا نص صريح على أن الموت معناه تغير حال ~~فقط وأن ما سيكون من شقاوة الميت وسعادته يتعجل عند الموت من غير تأخير ~~وإنما يتأخر بعض أنواع العذاب والثواب دون أصله # وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الموت القيامة فمن مات فقد ~~قامت قيامته (4) وقال صلى الله عليه وسلم إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده ~~غدوة وعشية إن كان من أهل الجنة فمن الجنة وإن كان من أهل النار فمن النار ~~ويقال هذا مقعدك حتى تبعث إليه يوم القيامة (5) وليس يخفى ما في مشاهدة ~~المقعدين من عذاب ونعيم في الحال وعن أبي قيس قال كنا مع علقمة في جنازة ~~فقال أما هذا فقد قامت قيامته وقال علي كرم الله وجهه PageV04P495 # حرام على نفس أن تخرج من الدنيا حتى تعلم من أهل الجنة هى أم من أهل ~~النار وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات غريبا مات ~~شهيدا ووقى فتانات القبر وغدى وريح عليه برزقه من الجنة (1) وقال مسروق ما ~~غبطت مؤمنا في اللحد قد استراح من نصب الدنيا وأمن عذاب الله تعالى وقال ~~يعلى بن الوليد كنت أمشي يوما مع أبي الدرداء فقلت له ما تحب لمن تحب قال ~~الموت قلت ms2682 فإن لم يمت قال يقل ماله وولده وإنما أحب الموت لأنه لا يحبه إلا ~~المؤمن والموت إطلاق المؤمن من السجن وإنما أحب قلة المال والولد لأنه فتنة ~~وسبب للأنس بالدنيا والأنس بمن لا بد من فراقه غاية الشقاء فكل ما سوى الله ~~وذكره والأنس به فلا بد من فراقه عند الموت لا محالة ولهذا قال عبد الله بن ~~عمرو إنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه أو روحه مثل رجل بات في سجن فأخرج منه ~~فهو يتفسح في الأرض ويتقلب فيها وهذا الذي ذكره حال من تجافى عن الدنيا ~~وتبرم بها ولم يكن له أنس إلا بذكر الله تعالى وكانت شواغل الدنيا تحبسه عن ~~محبوبه ومقاساة الشهوات تؤذيه فكان في الموت خلاصه من جميع المؤذيات ~~وانفراده بمحبوبه الذي كان به أنسه من غير عائق ولا دافع وما أجدر ذلك بأن ~~يكون منتهى النعيم واللذات وأكل اللذات للشهداء الذين قتلوا في سبيل الله ~~لأنهم ما أقدموا على القتال إلا قاطعين التفاتهم عن علائق الدنيا مشتاقين ~~إلى لقاء الله راضين بالقتل في طلب مرضاته فإن نظر إلى الدنيا فقد باعها ~~طوعا بالآخرة والبائع لا يلتفت قلبه إلى المبيع وإن نظر إلى الآخرة فقد ~~اشتراها وتشوق إليها فما أعظم فرحه بما اشتراه إذا رآه وما أقل التفاته إلى ~~ما باعه إذا فارقه وتجرد القلب لحب الله تعالى قد يتفق في بعض الأحوال ولكن ~~لا يدركه الموت عليه فيتغير والقتال سبب للموت فكان سببا لإدراك الموت على ~~مثل هذه الحالة فلهذا عظيم النعيم إذ معنى النعيم أن ينال الإنسان ما يريده ~~قال الله تعالى {ولهم ما يشتهون} فكان هذا أجمع عبارة لمعاني لذات الجنة ~~وأعظم العذاب أن يمنع الإنسان عن مراده كما قال الله تعالى {وحيل بينهم ~~وبين ما يشتهون} فكان هذا أجمع عبارة لعقوبات أهل جهنم وهذا النعيم يدركه ~~الشهيد كما انقطع نفسه من غير تأخير وهذا أمر انكشف لأرباب القلوب بنور ~~اليقين وأن أردت عليه شهادة من جهة السمع فجميع أحاديث الشهداء تدل ms2683 عليه ~~وكل حديث يشتمل على التعبير عن منتهى نعيمهم بعبارة أخرى فقد روي عن عائشة ~~رضي الله عنها أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر ألا أبشرك ~~يا جابر وكان قد استشهد أبوه يوم أحد فقال بلى بشرك الله بالخير فقال إن ~~الله عز وجل قد أحيا أباك وأقعده بين يديه وقال تمن علي يا عبدي ما شئت ~~أعطيكه فقال يا رب ما عبدتك حق عبادتك أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا ~~فأقاتل مع نبيك فأقتل فيك مرة أخرى قال له أنه قد سبق منى أنك إليها لا ~~ترجع (2) وقال كعب يوجد رجل في الجنة يبكي فيقال له لم تبكي وأنت في الجنة ~~قال أبكي لأني لم أقتل في الله إلا قتلة واحدة فكنت أشتهى أن أرد فأقتل فيه ~~قتلات # واعلم أن المؤمن ينكشف له عقيب الموت من سعة جلال الله ما تكون الدنيا ~~بالإضافة إليه كالسجن والمضيق PageV04P496 # ويكون مثاله كالمحبوس في بيت مظلم فتح له باب إلى بستان واسع الأكناف لا ~~يبلغ طرفه أقصاه فيه أنواع الأشجار والأزهار والثمار والطيور فلا يشتهى ~~العود إلى السجن المظلم وقد ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا فقال ~~لرجل مات أصبح هذا مرتحلا عن الدنيا وتركها لأهلها فإن كان قد رضي فلا يسره ~~أن يرجع إلى الدنيا كما لا يسر أحدكم أن يرجع إلى بطن أمه (1) فعرفك بهذا ~~أن نسبة سبعة الآخرة إلى الدنيا كنسبة سعة الدنيا إلى ظلمة الرحم وقال صلى ~~الله عليه وسلم أن مثل المؤمن في الدنيا كمثل الجنين في بطن أمه إذا خرج من ~~بطنها بكى على مخرجه حتى إذا رأى الضوء ووضع لم يحب أن يرجع إلى مكانه (2) ~~وكذلك المؤمن يجزع من الموت فإذا أفضى إلى ربه لم يحب أن يرجع إلى الدنيا ~~كما لا يحب الجنين أن يرجع إلى بطن أمه وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن فلانا قد مات فقال مستريح أو مستراح منه (3) أشار بالمستريح إلى المؤمن ms2684 ~~وبالمستراح منه إلى الفاجر إذ يستريح أهل الدنيا منه وقال أبو عمر صاحب ~~السقيا مر بنا ابن عمر ونحن صبيان فنظر إلى قبر فإذا جمجمة بادية فأمر رجلا ~~فواراها ثم قال إن هذه الأبدان ليس يضرها هذا الثرى شيئا وإنما الأرواح ~~التي تعاقب وتثاب إلى يوم القيامة وعن عمرو بن دينار قال ما من ميت يموت ~~إلا وهو يعلم ما يكون في أهله بعده وإنهم ليغسلونه ويكفنونه وإنه لينظر ~~إليهم وقال مالك بن أنس بلغني أن أرواح المؤمنين مرسلة تذهب حيث شاءت وقال ~~النعمان ابن بشير سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول ألا ~~إنه لم يبق من الدنيا إلا مثل الذباب يمور في جوها فالله الله في إخوانكم ~~من أهل القبور فإن أعمالكم تعرض عليهم (4) وقال أبو هريرة قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا تفضحوا موتاكم بسيئات أعمالكم فإنها تعرض على أوليائكم ~~من أهل القبور (5) ولذلك قال أبو الدرداء اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا ~~أخزى به عند عبد الله بن رواحة وكان قد مات وهو خاله وسئل عبد الله بن عمرو ~~بن العاص عن أرواح المؤمنين إذا ماتوا أين هي قال في حواصل طير بيض في ظل ~~العرش وأرواح الكافرين في الأرض السابعة وقال أبو سعيد الخدري سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الميت يعرف من يغسله ومن يحمله ومن يدليه ~~في قبره (6) وقال صالح المري بلغني أن الأرواح تتلاقى عند الموت فتقول ~~أرواح الموتى للروح التي تخرج إليهم كيف كان مأواك وفي أي الجسدين كنت في ~~طيب أو خبيث وقال عبيد بن عمير أهل القبور يترقبون الأخبار فإذا أتاهم ~~الميت قالوا ما فعل فلان فيقول ألم يأتكم أو PageV04P497 # ما قدم عليكم فيقولون {إنا لله وإنا إليه راجعون} سلك به غير سبيلنا وعن ~~جعفر بن سعيد قال إذا مات الرجل استقبله ولده كما يستقبل الغائب وقال مجاهد ~~إن الرجل ليبشر بصلاح ولده في قبره وروى أبو أيوب الأنصاري عن النبي ms2685 صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقاها أهل الرحمة من عند ~~الله كما يتلقى البشير في الدنيا يقولون انظروا أخاكم حتى يستريح فإنه كان ~~في كرب شديد فيسألونه ماذا فعل فلان وماذا فعلت فلانه وهل تزوجت فلانة فإذا ~~سألوه عن رجل ميت قبله وقال مات قبلي قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب ~~به إلى أمه الهاوية (1) حديث يقول القبر للميت حين يوضع فيه ويحك يا ابن ~~آدم ما غرك بي ألم تعلم أني بيت الفتنه الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في ~~كتاب القبور والطبراني في مسند الشامين وأبو أحمد الحاكم في السكني من حديث ~~أبي الحجاج التمالي بإسناد ضعيف // والفذاذ هو الذي يقدم رجلا ويؤخر أخرى ~~هكذا فسره الراوي وقال عبيد بن عمير الليثي ليس من ميت يموت إلا نادته ~~حفرته التي يدفن فيها أنا بيت الظلمة والوحدة والإنفراد فإن كنت في حياتك ~~لله مطيعا كنت عليك اليوم رحمة وإن كنت عاصيا فأنا اليوم عليك نقمة أنا ~~الذي من دخلني مطيعا خرج مسرورا ومن دخلني عاصيا خرج مثبورا وقال محمد بن ~~صبيح بلغنا أن الرجل إذا وضع في قبره عذب أو أصابه بعض ما يكره ناداه ~~جيرانه من الموتى أيها المتخلف في الدنيا بعد إخوانه وجيرانه أما كان لك ~~فينا معتبر أما كان لك في متقدمنا إياك فكرة أما رأيت انقطاع أعمالنا عنا ~~وأنت في المهلة فهلا استدركت ما فات إخوانك وتناديه بقاع الأرض أيها المغتر ~~بظاهر الدنيا هلا اعتبرت بمن غيب من أهلك في بطن الأرض ممن غرته الدنيا ~~قبلك ثم سبق به أجله إلى القبور وأنت تراه محمولا تهاداه أحبته إلى المنزل ~~الذي لا بد له منه وقال يزيد الرقاشي بلغني أن الميت إذا وضع في قبره ~~احتوشته أعماله ثم أنطقها الله فقالت أيها العبد المنفرد في حفرته انقطع ~~عنك الأخلاء والأهلون فلا أنيس لك اليوم عندنا وقال كعب إذا وضع العبد ~~الصالح في القبر احتوشته أعماله الصالحة الصلاة والصيام والحج والجهاد ms2686 ~~والصدقة قال فتجيء ملائكة العذاب من قبل رجليه فتقول الصلاة إليكم عنه فلا ~~سبيل لكم عليه فقد أطال بي القيام لله عليهما فيأتونه من قبل رأسه فيقول ~~الصيام لا سبيل لكم عليه فقد أطال ظمأه لله في الدار الدنيا فلا سبيل لكم ~~عليه فيأتونه من قبل جسده فيقول الحج والجهاد إليكم عنه فقد أنصب نفسه ~~وأتعب بدنه وحج وجاهد لله فلا سبيل لكم عليه قال فيأتونه من قبل يديه فتقول ~~الصدقة كفوا عن صاحبي فكم من صدقه خرجت من هاتين اليدين حتى وقعت في يد ~~الله تعالى ابتغاء وجهه فلا سبيل لكم عليه قال فيقال له هنيئا طبت حيا وطبت ~~ميتا قال وتأتيه ملائكة الرحمة فتفرش له فراشا من الجنة ودثارا من الجنة ~~ويفسح له في قبره مد بصره ويؤتى بقنديل من الجنة PageV04P498 # فيستضيء بنوره إلى يوم يبعثه الله من قبره وقال عبد الله بن عبيد بن عمير ~~في جنازة بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الميت يقعد وهو ~~يسمع خطو مشيعيه فلا يكلمه شيء إلا قبره ويقول ويحك ابن آدم أليس قد حذرتني ~~وحذرت ضيقي ونتني وهولي ودودي فماذا أعددت لي (1) ### ||||| بيان عذاب القبر وسؤال منكر ونكير # قال البراء بن عازب خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل ~~من الأنصار فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبره منكسا رأسه ثم قال ~~اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ثلاثا ثم قال إن المؤمن إذا كان في قبل من ~~الآخرة بعث الله ملائكة كأن وجوههم الشمس معهم حنوطه وكفنه فيجلسون مد بصره ~~فإذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وفتحت ~~أبواب السماء فليس منها باب إلا يحب أن يدخل بروحه منه فإذا صعد بروحه قيل ~~أي رب عبدك فلان فيقول ارجعوه فأروه ما أعددت له من الكرامة فإني وعدته ~~منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى وإنه ليسمع خفق نعالهم ~~إذا ولوا ms2687 مدبرين حتى يقال يا هذا من ربك وما دينك وما نبيك فيقول ربي الله ~~وديني الإسلام ونبي محمد صلى الله عليه وسلم قال فينتهرأنه انتهارا شديدا ~~وهي آخر فرصة تعرض على الميت فإذا قال ذلك نادى مناد أن قد صدقت وهي معنى ~~قوله تعالى {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} ثم يأتيه آت حسن الوجه ~~طيب الريح حسن الثياب فيقول أبشر برحمة ربك وجنات فيها نعيم مقيم فيقول ~~وأنت فبشرك الله بخير من أنت فيقول أنا عملك الصالح والله ما علمت أن كنت ~~لسريعا إلى طاعة الله بطيئا عن معصية الله فجزاك الله خيرا {قال} ثم يناد ~~مناد أن افرشوا له من فرش الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيفرش له من فرش ~~الجنة ويفتح له باب إلى الجنة فيقول اللهم عجل قيام الساعة حتى أرجع إلى ~~أهلي ومالي {قال} وأما الكافر فإنه إذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع من ~~الدنيا نزلت إليه ملائكة غلاظ شداد معهم ثياب من نار وسرابيل من قطران ~~فيحتوشونه فإذا خرجت نفسه لعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء ~~وغلقت أبواب السماء فليس بها باب إلا يكره أن يدخل بروحه منه فإذا صعد ~~بروحه نبذ وقيل أي ربعبدك فلان لم تقبله سماء ولا ارض فيقول الله عز وجل ~~ارجعوه فأروه ما أعددت له من الشر إني وعدته {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ~~ومنها نخرجكم تارة أخرى} وأنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حتى يقال ~~له يا هذا من ربك ومن نبيك وما دينك فيقول لا أدرى فيقال لا دريت ثم يأتيه ~~آت قبيح الوجه منتن الريح قبيح الثياب فيقول أبشر بسخط من الله وبعذاب أليم ~~مقيم فيقول بشرك الله شرا من أنت فيقول أنا عملك الخبيث والله إن كنت ~~لسريعا في معصية الله بطيئا عن طاعة الله فجزاك الله شرا فيقول وأنت فجزاك ~~الله شرا ثم يقيض له أعمى أصم أبكم معه مرزبة من حديد لو اجتمع عليها ~~الثقلان على أن ms2688 يقلوها لم يستطيعوا لو ضرب بها جبل صار ترابا فيضربه بها ~~ضربة فيصير ترابا ثم تعود فيه الروح فيضربه بها بين عينيه ضربة يسمعها من ~~على الأرضين ليس الثقلين {قال} ثم ينادي مناد أن افرشوا له لوحين من النار ~~وافتحوا له بابا إلى النار فيفرش له لوحان من نار ويفتح له باب إلى النار ~~(2) وقال محمد بن علي ما من ميت يموت إلا مثل له PageV04P499 # عند الموت أعماله الحسنة وأعماله السيئة قال فيشخص إلى حسناته ويطرق عن ~~سيئاته وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المؤمن إذا ~~احتضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر الريحان فتسل روحه كما تسل ~~الشعرة من العجين ويقال أيتها النفس المطمئنة اخرجي راضية ومرضيا عنك إلى ~~روح الله وكرامته فإذا أخرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان وطويت عليها ~~الحريرة وبعث بها إلى عليين وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسح فيه ~~جمرة فتنزع روحه انتزاعا شديدا ويقال أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة ~~ومسخوط عليك إلى هوان الله وعذابه فإذا أخرجت روحه وضعت على تلك الجمرة وأن ~~لها نشيشا ويطوى عليها المسح ويذهب بها إلى سجين (1) وعن محمد بن كعب ~~القرظي أنه كان يقرأ قوله تعالى حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربي أرجعون ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت قال أي شيء تريد في أي شيء ترغب أتريد أن ترجع ~~لتجمع المال وتغرس الغراس وتبني البنيان وتشق الأنهار قال لا لعلي أعمل ~~صالحا فيما تركت قال فيقول الجبار {كلا إنها كلمة هو قائلها} أي ليقولنها ~~عند الموت وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن في قبره في ~~روضة خضراء ويرحب له في قبره سبعون ذراعا ويضىء حتى يكون كالقمر ليلة البدر ~~هل تدرون فيماذا أنزلت فإن له معيشة ضنكا قالوا الله ورسوله أعلم قال عذاب ~~الكافر في قبره يسلط عليه تسعة وتسعون تنينا هل تدرون ما التنين تسعة ~~وتسعون حية لكل حية تسعة رؤوس يخدشونه ويلحسونه وينفخون في ms2689 جسمه إلى يوم ~~يبعثون (2) ولا ينبغي أن يتعجب من هذا العدد على الخصوص فإن أعداد هذه ~~الحيات والعقارب بعدد الأخلاق المذمومة من الكبر والرياء والحسد والغل ~~والحقد وسائر الصفات فإن لها أصولا معدودة ثم تتشعب منها فروع معدودة ثم ~~تنقسم فروعها إلى أقسام وتلك الصفات بأعيانها هي المهلكات وهي بأعيانها ~~تنقلب عقارب وحيات فالقوي منها يلدغ لدغ التنين والضعيف يلدغ لدغ العقرب ~~وما بينهما يؤذي إيذاء الحية وأرباب القلوب والبصائر يشاهدون بنور البصيرة ~~هذه المهلكات والشعاب فروعها إلا أن مقدار عددها لا يوقف عليه إلا بنور ~~النبوة فأمثال هذه الأخبار لها ظواهر صحيحة وأسرار خفية ولكنها عند أرباب ~~البصائر واضحة فمن لم تنكشف له حقائقها فلا ينبغي أن ينكر ظواهرها بل أقل ~~درجات الإيمان التصديق والتسليم فإن قلت فنحن نشاهد الكافر في قبره مدة ~~ونراقبه ولا نشاهد شيئا من ذلك فما وجه التصديق على خلاف المشاهدة فأعلم أن ~~لك ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا # إحداهما وهو الأظهر والأصح والأسلم أن تصدق بأنها موجودة وهي تلدغ الميت ~~ولكنك لا تشاهد ذلك فإن هذه العين لا تصلح لمشاهدة الأمور الملكوتية وكل ما ~~يتعلق بالآخرة فهو من علم الملكوت أما ترى الصحابة رضي الله عنهم كيف كانوا ~~يؤمنون بنزول جبريل وما كانوا يشاهدونه ويؤمنون بأنه عليه السلام يشاهده ~~فإن كنت لا تؤمن بهذا فتصحيح أصل الإيمان بالملائكة والوحي أهم عليك وإن ~~كنت آمنت به وجوزت أن يشاهد النبي مالا تشاهده الأمة فكيف لا تجوز هذا في ~~الميت وكما أن الملك لا يشبه الآدميين والحيوانات فالحيات والعقارب التي ~~تلدغ في القبر ليست من جنس حيات عالمنا بل هي جنس آخر وتدرك بحاسة أخرى ~~PageV04P500 # المقام الثاني أن تتذكر أمر النائم وأنه قد يرى في نومه حية تلدغه وهو ~~يتألم بذلك حتى تراه يصبح في نومه ويعرق جبينه وقد ينزعج من مكانه كل ذلك ~~يدركه من نفسه ويتأذى به كما يتأذى اليقظان وهو يشاهده وأنت ترى ظاهره ~~ساكنا ولا ترى حواليه حية والحية موجودة في ms2690 حقه والعذاب حاصل ولكنه في حقك ~~غير مشاهد وإذا كان العذاب في ألم اللدغ فلا فرق بين حية تتخيل أو تشاهد # المقام الثالث أنك تعلم أن الحية بنفسها لا تؤلم بل الذي يلقاك منها وهو ~~السم ثم السم ليس هو الألم بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم فلو ~~حصل مثل ذلك الأثر من غير سم لكان العذاب قد توفر وكان لا يمكن تعريف ذلك ~~النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي يفضى إليه في العادة فإنه لو ~~خلق في الإنسان لذة الوقاع مثلا من غير مباشرة صورة الوقاع لم يمكن تعريفها ~~إلا بالإضافة إليه لتكون الإضافة للتعريف بالسبب وتكون ثمرة السبب حاصلة ~~وإن لم تحصل صورة السبب السبب يراد لثمرته لا لذاته # وهذه الصفات المهلكات تنقلب مؤذيات ومؤلمات في النفس عند الموت فتكون ~~آلامها كآلام لدغ الحيات من غير وجود حيات وانقلاب الصفة مؤذية يضاهي ~~انقلاب العشق مؤذيا عند موت المعشوق فإن كان لذيذا فطرأت حالة صار اللذيذ ~~بنفسه مؤلما حتى يرد بالقلب وأنواع العذاب ما يتمنى معه إن لم يكن قد تنعم ~~من العشق والوصال بل هذا بعينه أحد أنواع عذاب الميت فإنه قد سلط العشق في ~~الدنيا على نفسه فصار يعشق ماله وعقاره وجاهه وولده وأقاربه ومعارفه ولو ~~أخذ جميع ذلك في حياته من لا يرجو استرجاعه منه فماذا ترى يكون حاله أليس ~~يعظم شقاؤه ويشتد عذابه ويتمنى ويقول ليته لم يكن لي مال قط ولا جاه قط ~~فكنت لا أتاذى بفراقه فالموت عبارة عن مفارقة المحبوبات الدنيوية كلها دفعة ~~واحدة ما حال من كان له واحد ... غيب عنه ذلك الواحد فما حال من لا يفرح ~~إلا بالدنيا فتؤخذ منه الدنيا وتسلم إلى أعدائه ثم ينضاف إلى هذا العذاب ~~تحسره على ما فاته من نعيم الآخرة والحجاب عن الله عز وجل فإن حب غير الله ~~يحجبه عن لقاء الله والتنعم به فيتوالى عليه ألم فراق جميع محبوباته وحسرته ~~ما فاته من نعيم الآخرة ms2691 أبد الآباد وذل الرد والحجاب عن الله تعالى وذلك هو ~~العذاب الذي يعذب به إذ لا يتبع نار الفراق إلا نار جهنم كما قال تعالى ~~{كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم} وأما من لم يأنس ~~بالدنيا ولم يحب إلا الله وكان مشتاقا إلى لقاء الله فقد تخلص من سجن ~~الدنيا ومقاساة الشهوات فيها وقدم على محبوبه وانقطعت عنه العوائق والصوارف ~~وتوفر عليه النعيم مع الأمن من الزوال أبد الآباد ولمثل ذلك فليعمل ~~العاملون # والمقصود أن الرجل قد يحب فرسه بحيث لو خير بين أن يؤخذ منه وبين أن ~~تلدغه عقرب آثر الصبر على لدغ العقرب فإذن ألم فراق الفرس عنده أعظم من ~~العقرب وحبه الفرس هو الذي يلدغه إذا أخذ منه فرسه فليستعد لهذه اللدغات ~~فإن الموت يأخذ منه فرسه ومركبه وداره وعقاره وأهله وولده وأحبائه ومعارفه ~~ويأخذ منه جاهه وقبوله بل يأخذ منه سمعه وبصره وأعضاءه وييأس من رجوع جميع ~~ذلك إليه فإذا لم يحب سواه وقد أخذ جميع ذلك منه فذلك أعظم عليه من العقارب ~~والحيات وكما لو أخذ ذلك منه وهو حي فيعظم عقابه فكذلك إذا مات لأنا قد ~~بينا أن المعنى الذي هو المدرك للآلام واللذات لم يمت بل عذابه بعد الموت ~~أشد لأنه في الحياة يتسلى بأسباب يشغل بها حواسه من مجالسة ومحادثة ويتسلى ~~برجاء العود إليه ويتسلى برجاء العوض منه ولا سلوة PageV04P501 # بعد الموت إذ قد انسد عليه طرق التسلي وحصل اليأس فإذن كل قميص له ومنديل ~~قد أحبه بحيث كان يشق عليه لو أخذ منه فإنه يبقى متأسفا عليه ومعذبا به فإن ~~كان مخفا في الدنيا سلم وهو المعني بقولهم نجا المخفون وإن كان مثقلا عظم ~~عذابه وكما أن الحال من يسرق منه دينار أخف من حال من يسرق منه عشرة دنانير ~~فكذلك حال صاحب الدرهم أخف من حال صاحب الدرهمين وهو المعنى بقوله صلى الله ~~عليه وسلم صاحب الدرهم أخف حسابا من صاحب الدرهمين (1) وما من شيء من ms2692 ~~الدنيا يتخلف عنك عند الموت إلا وهو حسرة عليك بعد الموت فإن شئت فاستكثر ~~وإن شئت فاستقلل فإن استكثرت فلست بمستكثر إلا من الحسرة وإن استقللت فلست ~~تخفف إلا من ظهرك وإنما تكثر الحيات والعقارب في قبور الأغنياء الذين ~~استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وفرحوا بها واطمأنوا إليها فهذه مقامات ~~الإيمان في حيات القبر وعقاربه وفي سائر أنواع عذابه رأى أبو سعيد الخدري ~~ابنا له قد مات في المنام فقال له يا بني عظني قال لا تخالف الله تعالى ~~فيما يريد قال يا بني زدني قال يا أبت لا تطيق قال قل قال لا تجعل بينك ~~وبين الله قميصا فما لبس قميصا ثلاثين سنة فإن قلت فما الصحيح من هذه ~~المقامات الثلاث فأعلم أن في الناس من لم يثبت إلا الأول وأنكر ما بعده ~~ومنهم من أنكر الأول وأثبت الثاني ومنهم من لم يثبت إلا الثالث وإنما الحق ~~الذي انكشف لنا بطريق الاستبصار أن كل ذلك في حيز الإمكان وأن من ينكر بعض ~~ذلك فهو لضيق حوصلته وجهله باتساع قدرة الله سبحانه وعجائب تدبيره فينكر من ~~أفعال الله تعالى ما لم يأنس به ويألفه وذلك جهل وقصور بل هذه الطرق ~~الثلاثة في التعذيب ممكنة والتصديق بها واجب ورب عبد يعاقب بنوع واحد من ~~هذه الأنواع ورب عبد تجمع عليه هذه الأنواع الثلاثة نعوذ بالله من عذاب ~~الله قليله وكثيره # هذا هو الحق فصدق به تقليدا فيعز على بسيط الأرض من يعرف ذلك تحقيقا ~~والذي أوصيك به أن لا تكثر نظرك في تفصيل ذلك ولا تشتغل بمعرفته بل اشتغل ~~بالتدبير في دفع العذاب كيفما كان فإن أهملت العمل والعبادة واشتغلت بالبحث ~~عن ذلك كنت كمن أخذه سلطان وحبسه ليقطع يده ويجدع أنفه فأخذ طول الليل ~~يتفكر في أنه هل يقطعه بسكين أو بسيف أو بموسى وأهمل طريق الحيلة في دفع ~~أصل العذاب عن نفسه وهذا غاية الجهل فقد علم على القطع أن العبد لا يخلو ~~بعد الموت من عذاب عظيم أو ms2693 نعيم مقيم فينبغي أن يكون الاستعداد له فأما ~~البحث عن تفصيل العقاب والثواب ففضول وتضييع زمان ### ||||| بيان سؤال منكر ونكير وصورتهما وضغطة القبر وبقية القول في عذاب القبر # قال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا مات العبد أتاه ~~ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما منكر وللآخر نكير فيقولان ما كنت تقول في ~~النبي فإن كان مؤمنا قال هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله فيقولان إن كنا لنعلم أنك تقول ذلك ثم يفسح له في قبره ~~سبعون ذراعا في سبعين ذراعا وينور له في قبره ثم يقال له نم فيقول دعوني ~~أرجع إلى أهلي فأخبرهم فيقال له نم فينام كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا ~~أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك وإن كان منافقا قال لا أدري ~~PageV04P502 # كنت أسمع الناس يقولون شيئا وكنت أقوله فيقولان إن كنا لنعلم أنك تقول ~~ذلك ثم يقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه حتى تختلف فيها أضلاعه فلا يزال ~~معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك (1) وعن عطاء بن يسار قال قال رسول الله ~~لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يا عمر كيف بك إذا انت مت فانطلق بك قومك ~~فقاسوا لك ثلاثة أذرع في ذراع وشبر ثم رجعوا إليك فغسلوك وكفنوك وحنطوك ثم ~~احتملوك حتى يضعوك فيه ثم يهيلوا عليك التراب ويدفنوك فإذا انصرفوا عنك ~~أتاك فتانا القبر منكر ونكير أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق ~~الخاطف يجران أشعارهما ويبحثان القبر بأنيابهما فتلتلاك وترتراك كيف بك عند ~~ذلك يا عمر فقال عمر ويكون معى مثل عقلي الآن قال {نعم} قال إذن أكفيكهما ~~(2) وهذا نص صريح في أن العقل لا يتغير بالموت إنما يتغير البدن والأعضاء ~~فيكون الميت عاقلا مدركا عالما بالآلام واللذات كما كان لا يتغيرمن عقله ~~شيء وليس العقل المدرك هذه الأعضاء بل هو شيء باطن ليس له طول ولا عرض بل ~~الذي لا ينقسم في نفسه هو المدرك للأشياء ولو تناثرت ms2694 أعضاء الإنسان كلها ~~ولم يبق إلا الجزء المدرك الذى لا يتجزأ ولا ينقسم لكان الإنسان العاقل ~~بكماله قائما باقيا وهو كذلك بعد الموت فإن ذلك الجزء لا يحله الموت ولا ~~يطرأ عليه العدم وقال محمد بن المنكدر بلغنى أن الكافر يسلط عليه في قبره ~~دابة عمياء صماء في يدها سوط من حديد في رأسه مثل غرب الجمل تضربه به إلى ~~يوم القيامة لا تراه فتتقيه ولا تسمع صوته فترحمه وقال أبو هريرة إذا وضع ~~الميت في قبره جاءت أعماله الصالحة فاحتوشته فإن أتاه من قبل رأسه جاء ~~قراءته للقرآن وإن أتاه من قبل رجليه جاء قيامه وإن أتاه من قبل يده قالت ~~اليدان والله لقد كان يبسطني للصدقة والدعاء لا سبيل لكم عليه وإن جاء من ~~قيل فيه جاء ذكره وصيامه وكذلك تقف الصلاة والصبر ناحية فيقول أما إني لو ~~رأيت خللا لكنت أنا صاحبه قال سفيان تجاحش عنه أعماله الصالحة كما يجاحش ~~الرجل عن أخيه وأهله وولده ثم يقال له عند ذلك بارك الله لك في مضجعك فنعم ~~الأخلاء أخلاؤك ونعم الأصحاب أصحابك وعن حذيفة قال كنا مع رسول صلى الله ~~عليه وسلم في جنازة فجلس على رأس القبر ثم جعل ينظر فيه ثم قال يضغط المؤمن ~~في هذا ضغطة ترد منه حمائله (3) وقالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن للقبر ضغطة ولو سلم أو نجا منها أحد لنجا سعد بن ~~معاذ (4) أحمد وعن أنس قال توفيت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكانت امرأة مسقامة فتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فساءنا حاله فلما ~~انتهينا إلى القبر فدخله انتقع وجهه صفرة فلما خرج أسفر وجهه فقلنا يا رسول ~~الله رأينا منك شأنا فمم ذلك قال ذكرت ضغطة ابنتي وشدة عذاب القبر فأتيت ~~فأخبرت أن الله قد خفف عنها وقد ضغطت ضغطة سمع صوتها ما بين الخافقين (5) ~~PageV04P503 ### |||| الباب الثامن فيما عرف من أحوال الموتى بالمكاشفة في المنام # اعلم أن أنوار ms2695 البصائر المستفادة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم ومن مناهج الاعتبار تعرفنا أحوال الموتى على الجملة وانقسامهم ~~إلى سعداء وأشقياء ولكن حال زيد وعمرو بعينه فلا ينكشف أصلا فإنا إن عولنا ~~على إيمان زيد وعمرو فلا ندري على ماذا مات وكيف ختم له وإن عولنا على ~~صلاحه الظاهر فالتقوى محله القلب وهو غامض يخفي على صاحب التقوى فكيف على ~~غيره فلا حكم لظاهر الصلاح دون التقوى الباطن قال الله تعالى إنما يتقبل ~~الله من المتقين فلا يمكن معرفة حكم زيد وعمرو إلا بمشاهدته ومشاهدة ما ~~يجري عليه وإذا مات فقد تحول من عالم الملك والشهادة إلى عالم الغيب ~~والملكوت فلا يرى بالعين الظاهرة وإنما يرى بعين أخرى خلقت تلك العين في ~~قلب كل إنسان ولكن جعل عليها غشاوة كثيفة من شهواته وأشغاله الدنيوية فصار ~~لا يبصر بها ولا يتصور أن يبصر بها شيئا من عالم الملكوت ما لم تنقشع تلك ~~الغشاوة عن عين قلبه # ولما كانت الغشاوة منقشعة عن أعين الأنبياء عليهم السلام فلا جرم نظروا ~~إلى الملكوت وشاهدوا عجائبه والموتى في عالم الملكوت فشاهدوهم وأخبروا ~~ولذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضغطة القبر في حق سعد ابن معاذ وفي ~~حق زينب ابنته (1) وكذلك حال أبي جابر لما استشهد إذ أخبره أن الله أقعده ~~بين يديه ليس بينهما ستر ومثل هذه المشاهدة لا مطمع فيها لغير الأنبياء ~~والأولياء الذين تقرب درجتهم منهم # إنما الممكن من أمثالنا مشاهدة أخرى ضعيفة إلا أنها أيضا مشاهدة نبوية ~~وأعني بها المشاهدة في المنام وهي من أنوار النبوة قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة (2) وهو أيضا ~~انكشاف لا يحصل إلا بانقشاع الغشاوة عن القلب فلذلك لا يوثق إلا برؤيا ~~الرجل الصالح الصادق ومن كثر كذبه لم تصدق رؤياه ومن كثر فساده ومعاصيه ~~أظلم قلبه فكان ما يراه أضغات أحلام ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالطهارة عند ms2696 النوم لينام طاهرا (3) وهو إشارة إلى طهارة الباطن أيضا ~~فهو الأصل وطهارة الظاهر بمنزلة التتمة والتكملة لها ومهما صفا الباطن ~~انكشف في حدقة القلب ما سيكون في المستقبل كما انكشف دخول مكة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في النوم حتى نزل قوله تعالى لقد صدق الله ورسوله ~~الرؤيا بالحق (4) وقلما يخلوا الإنسان عن منامات دلت على أمور فوجدها صحيحة ~~والرؤيا ومعرفة الغيب في النوم من عجائب صنع الله تعالى وبدائع فطرة الآدمي ~~وهو من أوضح الأدلة على عالم الملكوت والخلق غافلون عنه كغفلتهم عن سائر ~~عجائب القلب وعجائب العالم والقول في حقيقة الرؤيا من دقائق علوم المكاشفة ~~فلا يمكن ذكره علاوة على علم المعاملة ولكن القدر الذي يمكن ذكره ههنا مثال ~~يفهمك المقصود وهو أن تعلم أن القلب مثاله مثال مرآة تتراءى فيها الصور ~~وحقائق الأمور وأن كل ما قدره الله تعالى من ابتداء خلق العالم إلى آخره ~~مسطور ومثبت في خلق خلقه الله تعالى يعبر عنه تارة باللوح وتارة بالكتاب ~~المبين وتارة بإمام مبين كما ورد في القرآن فجميع PageV04P504 # ما جرى في العالم وما سيجرى مكتوب فيه ومنقوش عليه نقشا لا يشاهد بهذه ~~العين ولا تظنن أن ذلك اللوح من خشب أو حديد أو عظم وأن الكتاب من كاغد أو ~~رق بل ينبغي أن تفهم قطعا أن لوح الله لا يشبه لوح الخلق وكتاب الله لا ~~يشبه كتاب الخلق كما أن ذاته وصفاته لا تشبه ذات الخلق وصفاتهم بل إن كنت ~~تطلب له مثالا يقربه إلى فهمك فأعلم أن ثبوت المقادير في اللوح يضاهي ثبوت ~~كلمات القرآن وحروفه في دماغ حافظ القرآن وقلبه فإنه مسطور فيه حتى كأنه ~~حين يقرؤه ينظر إليه ولو فتشت دماغه جزءا جزءا لم تشاهد من ذلك الخط حرفا ~~وإن كان ليس هناك خط يشاهد ولا حرف ينظر فمن هذا النمط ينبغي أن تفهم كون ~~اللوح منقوشا بجميع ما قدره الله تعالى وقضاه واللوح في المثال كمرآة ظهر ~~فيها الصور فلو وضع في مقابلة ms2697 المرآة مرآة أخرى لكانت صورة تلك المرآة ~~تتراءى في هذه إلا أن يكون بينهما حجاب فالقلب مرآة تقبل رسوم العلم واللوح ~~مرآة رسوم العلم كلها موجودة فيها واشتغال القلب بشهواته ومقتضى حواسه حجاب ~~مرسل بينه وبين مطالعة اللوح اللوح الذي هو من عالم الملكوت فإن هبت ريح ~~حركت هذا الحجاب ورفعته تلألأ في مرآة القلب شيء من عالم الملكوت كالبرق ~~الخاطف وقد يثبت ويدوم وقد لا يدوم وهو الغالب وما دام متيقظا فهو مشغول ~~بما تورده الحواس عليه من عالم الملك والشهادة وهو حجاب عن عالم الملكوت # ومعنى النوم أن توكد الحواس عليه فلا تورده على القلب فإذا تخلص منه ومن ~~الخيال وكان صافيا في جوهره ارتفع الحجاب بينه وبين اللوح المحفوظ فوقع في ~~قلبه شيء مما في اللوح كما تقع الصورة من مرآة في مرآة أخرى إذا ارتفع ~~الحجاب بينهما إلا أن النوم مانع سائر الحواس عن العمل وليس مانعا للخيال ~~عن عمله وعن تحركه فما ويقع في القلب يبتدره الخيال فيحاكيه بمثال يقاربه ~~وتكون المتخيلات أثبت في الحفظ من غيرها فيبقى الخيال في الحفظ فإذا انتبه ~~لم يتذكر إلا الخيال فيحتاج المعبر أن ينظر إلى هذا الخيال حكاية أي معنى ~~من المعانى فيرجع إلى المعاني بالمناسبة التي بين المتخيل والمعاني وأمثلة ~~ذلك ظاهرة عند من نظر في علم التعبير ويكفيك مثال واحد وهو أن رجلا قال ~~لابن سيرين رأيت كأن بيدي خاتما أختم به أفواه الرجال وفروج النساء فقال ~~أنت مؤذن تؤذن قبل الصبح في رمضان قال صدقت فانظر أن روح الختم هو المنع ~~ولأجله يراد الختم وإنما ينكشف للقلب حال الشخص من اللوح المحفوظ كما هو ~~عليه وهو كونه مانعا للناس من الأكل والشرب ولكن الخيال ألف المنع عند ~~الختم بالخاتم فثمتله بالصورة الخيالية التي تتضمن روح المعنى ولا يبقى في ~~الحفظ إلا الصورة الخيالية # فهذه نبذة يسيرة من بحر علم الرؤيا الذي لا تنحصر عجائبه وكيف لا وهو أخو ~~الميت وإنما الموت هو عجب من العجائب ms2698 وهذا لأنه يشبهه من وجه ضعيف أثر في ~~كشف الغطاء عن عالم الغيب حتى صار النائم يعرف ما سيكون في المستقبل فماذا ~~نرى في الموت الذي يخرق الحجاب ويكشف الغطاء بالكلية حتى يرى الإنسان عند ~~انقطاع النفس من غير تأخير نفسه إما محفوفة بالأنكال والمخازي والفضائح ~~نعوذ بالله من ذلك وإما مكنوفا بنعيم مقيم وملك كبير لا آخر له وعند هذا ~~يقال للأشقياء وقد انكشف الغطاء {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك ~~فبصرك اليوم حديد} ويقال أفسخر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا ~~تبصروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون وإليهم الإشارة بقوله تعالى ~~{وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} فأعلم العلماء وأحكم الحكماء ~~ينكشف له عقيب الموت من العجائب والآيات ما لم يخطر قط بباله ولا اختلج به ~~ضميره فلو لم يكن للعاقل هم وغم إلا الفكرة في خطر تلك الحال أن الحجاب ~~عماذا يرتفع وما الذي ينكشف عنه الغطاء من PageV04P505 # شقاوة لازمة أم سعادة دائمة لكان ذلك كافيا في استغراق جميع العمر # والعجب من غفلتنا وهذه العظائم بين أيدينا وأعجب من ذلك فرحنا بأموالنا ~~وأهلينا وبأسبابنا وذريتنا بل بأعضائنا وسمعنا وبصرنا مع أنا نعلم مفارقة ~~جميع ذلك يقينا ولكن أين من ينفث روح القدس في روعة فيقول ما قال لسيد ~~النبيين أحبب من أحببت فإنك مفارقه وعش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك ~~مجزي به (1) فلا جرم لما كان ذلك مكشوفا له بعين اليقين كان في الدنيا ~~كعابر سبيل لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة (2) ولم يخلف دينارا ~~ولا درهما (3) ولم يتخذ حبيبا ولا خليلا نعم قال لو كنت متخذا خليلا لاتخذت ~~أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن (4) فبين أن خلة الرحمن تخللت باطن ~~قلبه وأن حبه تمكن من حبة قلبه فلم يترك فيه متسعا لخليل ولا لحبيب وقد قال ~~لأمته {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} فإنما أمته من اتبعه وما ms2699 ~~اتبعه إلا من أعرض عن الدنيا وأقبل على الآخرة فإنه ما دعا إلا إلى الله ~~واليوم الآخر وما صرف إلا عن الدنيا والحظوظ العاجلة فبقدر ما أعرضت عن ~~الدنيا وأقبلت على الآخرة فقد سلكت سبيله الذي سلكه وبقدر ما سلكت سبيله ~~فقد أتبعته وبقدر ما اتبعته فقد صرت من أمته وبقدر ما أقبلت على الدنيا ~~عدلت عن سبيله ورغبت عن متابعته والتحقت بالذين قال الله تعالى فيهم {فأما ~~من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى} فلو خرجت من مكمن الغرور ~~وأنصفت نفسك يا رجل وكلنا ذلك الرجل لعلمت أنك من حين تصبح إلى حين تمسي لا ~~تسعى إلا في الحظوظ العاجلة ولا تتحرك ولا تسكن إلا لعاجل الدنيا ثم تطمع ~~أن تكون غدا من أمته وأتباعه وما أبعد ظنك وما أبرد طمعك {أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} ولنرجع إلى ما كنا فيه وبصدده فقد امتد عنان ~~الكلام إلى غير مقصده ولنذكر الآن من المنامات الكاشفة لأحوال الموتى ما ~~يعظم الانتفاع به إذ ذهبت النبوة وبقيت المبشرات وليس ذلك إلا المنامات ### ||||| بيان منامات تكشف عن أحوال الموتى والأعمال النافعة في الآخرة # فمن ذلك رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال عليه السلام من رآني ~~في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي (5) وقال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فرأيته لا ينظر ~~إلى فقلت يا رسول الله ما شأني فالتفت إلي وقال ألست المقبل وأنت صائم قال ~~والذي نفسي بيده لا أقبل امرأة وأنا صائم أبدا وقال العباس رضي الله عنه ~~كنت ودا لعمر فاشتهيت أن أراه في المنام فما رأيته إلا عند رأس الحول ~~فرأيته يمسح العرق عن جبينه وهو يقول هذا أوان فراغي إن كان عرشي ليهد لولا ~~أني لقيته رءوفا رحيما وقال الحسن بن علي قال لي علي رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سنح لي الليلة ms2700 في منامي فقلت يا رسول الله ما لقيت ~~من أمتك قال أدع عليهم فقلت اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم وأبدلهم بي ~~من هو شر لهم مني فخرج فضربه ابن ملجم وقال بعض الشيوخ رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله استغفر لي فأعرض عني فقلت يا رسول الله ~~إن سفيان بن عيينة حدثنا عن محمد بن المنكدر PageV04P506 # عن جابر بن عبد الله أنك لم تسأل شيئا قط فقلت لا فأقبل علي فقال غفر ~~الله لك (1) وروى عن العباس بن عبد المطلب قال كنت مواخيا لأبي لهب مصاحبا ~~له فلما مات وأخبر الله عنه بما أخبر حزنت عليه وأهمني أمره فسألت الله ~~تعالى حولا أن يريني إياه في المنام قال فرأيته يلتهب نارا فسألته عن حاله ~~فقال صرت إلى النار في العذاب لا يخفف عني ولا يروح إلا ليلة الاثنين في كل ~~الأيام والليالي قلت وكيف ذلك قال ولد في تلك الليلة محمد صلى الله عليه ~~وسلم فجاءتني أميمة فبشرتني بولادته آمنة إياه ففرحت به وأعتقت وليدة لي ~~فرحا به فأثابني الله بذلك أن رفع عني العذاب في كل ليلة اثنين وقال عبد ~~الواحد بن زيد خرجت حاجا فصحبني رجل كان لا يقوم ولا يقعد ولا يتحرك ولا ~~يسكن إلا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال أخبرك عن ~~ذلك خرجت أول مرة إلى مكة ومعي أبي فلما انصرفنا نمت في بعض المنازل فبينما ~~أنا نائم إذ أتاني آت فقال لي قم فقد أمات الله أباك وسود وجهه قال فقمت ~~مذعورا فكشفت الثوب عن وجهه فإذا هو ميت أسود الوجه فداخلني من ذلك رعب ~~فبينما أنا في ذلك الغم إذ غلبتني عيني فنمت فإذا على رأس أبي أربعة سودان ~~معهم أعمدة حديد إذ أقبل رجل حسن الوجه بين ثوبين أخضرين فقال لهم تنحوا ~~فمسح وجهه بيده ثم أتاني فقال قم فقد بيض الله وجه أبيك فقلت له من أنت ~~بأبي ms2701 أنت وأمي فقال أنا محمد قال فقمت فكشفت الثوب عن وجه أبي فإذا هو أبيض ~~فما تركت الصلاة بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عمر بن عبد ~~العزيز قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله ~~عنهما جالسان عنده فسلمت وجلست فبينما أنا جالس إذ أتى بعلي ومعاوية فأدخلا ~~بيتا وأجيف عليهما الباب وأنا أنظر فما كان بأسرع من أن خرج علي رضي الله ~~عنه وهو يقول قضى لي ورب الكعبة وما كان بأسرع من أن خرج معاوية على أثره ~~وهو يقول غفر لي ورب الكعبة واستيقظ ابن عباس رضي الله عنهما مرة من نومه ~~فاسترجع وقال قتل الحسين والله وكان ذلك قبل قتله فأنكره أصحابه فقال رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زجاجة من دم فقال ألا تعلم ما صنعت أمتي ~~بعدي قتلوا بني الحسين وهذا دمه ودم أصحابه أرفعهما إلى الله تعالى فجاء ~~الخبر بعد أربعة وعشرين يوما بقتله في اليوم الذي رآه ورؤى الصديق رضي الله ~~عنه فقيل له إنك كنت تقول أبدا في لسانك هذا أوردني الموارد فماذا فعل الله ~~بك قال قلت به لا إله إلا الله فأوردني الجنة ### ||||| بيان منامات المشايخ رحمة الله عليهم أجمعين # قال بعض المشايخ رأيت متمما الدورقي في المنام فقلت يا سيدي ما فعل الله ~~بك فقال دير بي في الجنان فقيل لي يا متمم هل استحسنت فيها شيئا قلت لا يا ~~سيدي فقال لو استحسنت منها شيئا لوكلتك إليه ولم أوصلك إلى ورؤى يوسف بن ~~الحسين في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي قيل بماذا قال ما خلطت ~~جدا بهزل وعن منصور بن إسماعيل قال رأيت عبد الله بن البزار في النوم فقلت ~~ما فعل الله بك قال أوقفني بين يديه فغفر لي كل ذنب أقررت به إلا ذنبا ~~واحدا فإني استحييت أن أقر به فاوقفني في العرق حتى سقط لحم وجهي فقلت ~~PageV04P507 # ما ms2702 كان ذلك لذنب قال نظرت إلى غلام جميل فاستحسنته فاستحييت من الله أن ~~أذكره وقال أبو جعفر الصيدلاني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم ~~وحوله جماعة من الفقراء فبينما نحن كذلك إذ انشقت السماء فنزل ملكان أحدهما ~~بيده طشت وبيد الآخر إبريق فوضع الطشت بين يدي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فغسل يده ثم أمر حتى غسلوا ثم وضع الطشت بين يدي فقال أحدهما للآخر لا ~~تصب على يده فإنه ليس منهم فقلت يا رسول الله أليس قد روى عنك أنك قلت ~~المرء مع من أحب قال بلى قلت يا رسول الله فإني أحبك وأحب هؤلاء الفقراء ~~فقال صلى الله عليه وسلم صب على يده فإنه منهم وقال الجنيد رأيت في المنام ~~كأني أتكلم على الناس فوقف على ملك فقال أقرب ما تقرب به المتقربون إلى ~~الله تعالى ماذا فقلت عمل خفي بميزان وفي قولي الملك وهو يقول كلام موفق ~~والله ورؤى مجمع في النوم فقيل له كيف رأيت الأمر فقال رأيت الزاهدين في ~~الدنيا ذهبوا بخير الدنيا والآخرة وقال رجل من أهل الشام للعلاء بن زياد ~~رأيتك في النوم كأنك في الجنة فنزل عن مجلسه وأقبل عليه ثم قال لعل الشيطان ~~أراد أمرا فعصمت منه فأشخص رجلا يقتلني وقال محمد بن واسع الرؤيا تسر ~~المؤمن ولا تغره وقال صالح بن بشير رأيت عطاء السلمي في النوم فقلت له رحمك ~~الله لقد كنت طويل الحزن في الدنيا قال أما والله لقد أعقبني ذلك راحة ~~طويلة وفرحا دائما فقلت في أي الدرجات أنت فقال مع النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وسئل زرارة بن أبي أوفى في المنام أي ~~الأعمال أفضل عندكم فقال الرضا وقصر الأمل وقال يزيد بن مذعور رأيت ~~الأوزاعي في المنام فقلت يا أبا عمرو دلني على عمل أتقرب به إلى الله تعالى ~~قال ما رأيت هناك درجة أرفع من درجة العلماء ثم درجة المحزونين قال وكان ~~يزيد شيخا كبيرا فلم يزل يبكي ms2703 حتى أظلمت عيناه وقال ابن عيينة رأيت أخي في ~~المنام فقلت يا أخي ما فعل الله بك فقال كل ذنب استغفرت منه غفر لي وما لم ~~استغفر منه لم يغفر لي وقال على الطلحي رأيت في المنام امرأة لا تشبه نساء ~~الدنيا فقلت من أنت فقالت حوراء فقلت زوجيني نفسك قالت اخطبني إلى سيدي ~~وأمهرني قلت وما مهرك قالت حبس نفسك عن آفاتها وقال إبراهيم بن إسحق الحربي ~~رأيت زبيدة في المنام فقلت ما فعل الله بك قالت غفر لي فقلت لها بما أنفقت ~~في طريق مكة قالت أما النفقات التي أنفقتها رجعت أجورها إلى أربابها وغفر ~~لي ببنتي ولما مات سفيان الثوري رؤى في المنام فقيل له ما فعل بك قال وضعت ~~أول قدمي على الصراط والثاني في الجنة وقال أحمد بن أبي الحواري رأيت فيما ~~يرى النائم جارية ما رأيت أحسن منها وكان يتلألأ وجهها نورا فقلت لها مماذا ~~ضوء وجهك قالت تذكر تلك الليلة التي بكيت فيها قلت نعم قالت أخذت دمعك ~~فمسحت به وجهي فمن ثم ضوء وجهي كما ترى وقال الكتاني رأيت الجنيد في المنام ~~فقلت له ما فعل الله بك قال طاحت تلك الإشارات وذهبت تلك العبارات وما ~~حصلنا إلا على ركعتين كنا نصليهما في الليل ورؤيت زبيدة في المنام فقيل لها ~~ما فعل الله بك قالت غفر لي بهذه الكلمات الأربع لا إله إلا الله أفني بها ~~عمري لا إله إلا الله أدخل بها قبري لا إله إلا الله أخلو بها وحدي لا إله ~~إلا الله ألقى بها ربي عز وجل وقال يا بشر أما استحييب منى كنت تخافنى كل ~~ذلك الخوف ورؤى أبو سليمان في النوم فقيل له ما فعل الله بك قال رحمنى ورؤى ~~بشر في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال رحمني وما كان شيء أضر على من ~~إشارات القوم إلى وقال أبو بكر الكتاني رأيت في النوم شابا لم أر أحسن منه ~~فقلت له من أنت قال ms2704 التقوى قلت فأين تسكن قال كل قلب حزين ثم التفت فإذا ~~امرأة سوداء فقلت من أنت قالت أنا السقم قلت فأين PageV04P508 # تسكنين قالت كل قلب فرح مرح قال فانتبهت وتعاهدت أن لا أضحك إلا غلبة ~~وقال أبو سعيد الخراز رأيت في المنام كأن إبليس وثب على فأخذت العصا لأضربه ~~فلم يفزع منها فهتف بي هاتف إن هذا لا يخاف من هذه وإنما يخاف من نور يكون ~~في القلب وقال المسوحى رأيت إبليس في النوم يمشى عريانا فقلت ألا تستحي من ~~الناس فقال بالله هؤلاء ناس لو كانوا من الناس ما كنت ألعب بهم طرفي النهار ~~كما يتلاعب الصبيان بالكرة بل الناس قوم غير هؤلاء قد أسقموا جسمي وأشار ~~بيده إلى أصحابنا الصوفية وقال أبو سعيد الخراز كنت في دمشق فرأيت في ~~المنام كان النبي صلى الله عليه وسلم جاءني متكئا على أبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما فجاء فوقف على وأنا أقول شيئا من الأصوات وأدق في صدري فقال شر ~~هذا أكثر من 2 خيره وعن ابن عيينة قال رأيت سفيان الثوري في النوم كأنه في ~~الجنة يطير من شجرة إلى شجرة يقول لمثل هذا فليعمل العاملون فقلت له أوصني ~~قال أقلل من معرفة الناس وروى أبو حاتم الرازي عن قبيصة بن عقبة قال رأيت ~~سفيان الثوري فقلت ما فعل الله بك فقال نظرت إلى ربي كفاحا فقال لي ... ~~هنيئا رضائي عنك يا ابن سعيد فقد كنت قواما إذا أظلم الدجى ... بعبرة مشتاق ~~وقلب عميد فدونك فاختر أي قصر أردته ... وزرني فإني منك غير بعيد # ورؤي الشبلي بعد موته بثلاثة أيام فقيل له ما فعل الله بك قال ناقشني حتى ~~أيست فلما رأى يأسي تغمدني برحمته ورؤى بني عامر بعد موته في المنام فقيل ~~له ما فعل الله بك قال غفر لي وجعلني حجة على المحبين ورؤى الثوري في ~~المنام فقيل له ما فعل الله بك قال رحمني فقيل له ما حال عبد الله بن ~~المبارك فقال هو ممن يلج ms2705 على ربه في كل يوم مرتين ورؤى بعضهم فسئل عن حاله ~~فقال حاسبونا فدققوا ثم منوا فأعتقوا ورؤى مالك بن أنس فقيل ما فعل الله بك ~~قال غفر لي بكلمة كان يقولها عثمان بن عفان رضي الله عنه عند رؤية الجنازة ~~سبحان الحي الذي لا يموت ورؤى في الليلة التي مات فيها الحسن البصري كأن ~~أبواب السماء مفتحة وكأن مناديا ينادي ألا إن الحسن البصري قدم على الله ~~وهو عنه راض ورؤى الجاحظ فقيل له ما فعل الله بك فقال ولا تكتب بخطك غير ~~شيء ... يسرك في القيامة أن تراه # ورأى الجنيد إبليس في المنام عريانا فقال ألا تستحي من الناس فقال وهؤلاء ~~ناس الناس أقوام في مسجد الشونيزيه قد أضنوا جسدي وأحرقوا كبدي قال الجنيد ~~فلما انتبهت غدوت إلى المسجد فرأيت جماعة قد وضعوا رءوسهم على ركبهم ~~يتفكرون فلما رأوني قالوا لا يغرنك حديث الخبيث ورؤى النصر أباذي بمكة بعد ~~وفاته في النوم فقيل له ما فعل الله بك قال عوتبت عتاب الأشراف ثم نوديت يا ~~أبا القاسم بعد الاتصال انفصال فقلت لا يا ذا الجلال فما وضعت في اللحد حتى ~~لحقت بربي ورأى عتبة الغلام حوراء في المنام على صورة حسنة فقالت يا عتبة ~~أنا لك عاشقة فانظر لا تعمل من الأعمال شيئا فيحال بيني وبينك فقال عتبة ~~طلقت الدنيا ثلاثا لا رجعة لي عليها حتى ألقاك وقيل رأى أيوب السختياني ~~جنازة عاص فدخل الدهليز كيلا يصلي عليها فرأى الميت بعضهم في المنام فقيل ~~له ما فعل الله بك قال غفر لي وقال قل لأيوب قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ~~ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وقال بعضهم رأيت في الليلة التي مات فيها PageV04P509 # داود الطائي نورا وملائكة نزولا وملائكة صعودا فقلت أي ليلة هذه فقالوا ~~ليلة مات فيها داود الطائي وقد زخرفت الجنة لقدوم روحه # وقال أبو سعيد الشحام رأيت سهلا الصعلوكي في المنام فقلت أيها الشيخ قال ~~دع التشييخ قلت تلك الأحوال التي شاهدتها فقال لم ms2706 تغن عنا فقلت ما فعل الله ~~بك قال غفر لي بمسائل كان يسأل عنها العجز # وقال أبو بكر الرشيدي رأيت محمدا الطوسي المعلم في النوم فقال لي قل لأبي ~~سعيد الصفار المؤدب # وكنا على أن لا نحول عن الهوى ... فقد وحياة الحب حلتم وما حلنا # قال فانتبهت فذكرت ذلك له فقال كنت أزور قبره كل جمعة فلم أزره هذه ~~الجمعة # وقال ابن راشد رأيت ابن المبارك في النوم بعد موته فقلت أليس قد مت قال ~~بلى قلت فما صنع الله بك قال غفر لي مغفرة أحاطت بكل ذنب قلت فسفيان الثوري ~~قال بخ بخ ذاك من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين الآية وقال ~~الربيع بن سليمان رأيت الشافعي رحمة الله عليه بعد وفاته في المنام فقلت يا ~~أبا عبد الله ما صنع الله بك قال أجلسني على كرسي من ذهب ونثر على اللؤلؤ ~~الرطب # ورأى رجل من أصحاب الحسن البصري ليلة مات الحسن كأن مناديا ينادي إن الله ~~اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين واصطفى الحسن البصري ~~على أهل زمانه # وقال أبو يعقوب القاري الدقيقي رأيت في منامي رجلا آدم طوالا والناس ~~يتبعونه فقلت من هذا قالوا أويس القرني فأتيته فقلت أوصني رحمك الله فكلح ~~في وجهي فقلت مسترشدا فأرشدني أرشدك الله فأقبل على وقال اتبع رحمة ربك عند ~~محبته واحذر نقمته عند معصيته ولا تقطع رجاءك منه في خلال ذلك ثم ولى ~~وتركني # وقال أبو بكر بن أبي مريم رأيت ورقاء بن بشر الحضرمي فقلت ما فعلت يا ~~ورقاء قال البكاء من خشية الله # وقال يزيد بن نعامة هلكت جارية في الطاعون الجارف فرآها أبوها في المنام ~~فقال لها يا بنية أخبريني عن الآخرة قالت يا أبت قدمنا على أمر عظيم نعلم ~~ولا نعمل وتعملون ولا تعلمون والله لتسبيحه أو تسبيحتان أو ركعة أو ركعتان ~~في فسحة عمل أحب إلى من الدنيا وما فيها وقال بعض أصحاب عتبة الغلام رأيت ~~عتبة في المنام فقلت ms2707 ما صنع الله بك قال دخلت الجنة بتلك الدعوة المكتوبة ~~في بيتك قال فلما أصبحت جئت إلى بيتي فإذا خط عتبة الغلام في حائط البيت يا ~~هادي المضلين ويا راحم المذنبين ويا مقيل عثرات العاثرين ارحم عبدك ذا ~~الخطر العظيم والمسلمين كلهم أجمعين واجعلنا مع الأحياء المرزوقين الذين ~~أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين يا رب العالمين ~~وقال موسى بن حماد رأيت سفيان الثوري في الجنة يطير من نخلة إلى نخلة ومن ~~شجرة إلى شجرة فقلت يا أبا عبد الله بم نلت هذا فقال بالورع قلت فما بال ~~على بن عاصم قال ذاك لا يكاد يرى إلا كما يرى الكوكب # ورأى رجل من التابعين النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال يا رسول ~~الله عظني قال نعم من لم يتفقد النقصان فهو في نقصان ومن كان في نقصان ~~فالموت خير له # وقال الشافعي رحمة الله عليه دهمني في هذه الأيام أمر أمضني وآلمني ولم ~~يطلع عليه غير الله عز وجل فلما كان البارحة أتاني آت في منامي فقال لي يا ~~محمد بن إدريس قل اللهم إني لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ~~ولا نشورا ولا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني ولا أتقي إلا ما وقيتني اللهم ~~فوفقني لما تحب وترضى من القول والعمل في عافية فلما أصبحت أعدت ذلك فلما ~~ترحل النهار أعطاني الله عز وجل طلبتي وسهل لي الخلاص مما كنت فيه فعليكم ~~بهذه الدعوات لا تغفلوا عنها # فهذه جملة من المكاشفات تدل على أحوال الموتى وعلى الأعمال المقربة إلى PageV04P510 # الله زلفى فلنذكر بعدها ما بين يدى الموتى من ابتداء نفخة الصور إلى آخر ~~القرار إما فى الجنة أو فى النار والحمد لله حمد الشاكرين ### ||| الشطر الثانى من كتاب ذكر الموت فى أحوال الميت من وقت نفخة الصور إلى آخر الاستقرار فى الجنة أو فى النار وتفصيل ما بين يديه من الأهوال والأخطار # وفيه بيان نفخة الصور # وصفة أرض المحشر وأهله ms2708 # وصفة طول يوم القيامة # وصفة يوم القيامة ودواهيها وأساميها # وصفة المساءلة عن الذنوب # وصفة الميزان وصفة الخصماء ورد المظالم # وصفة الصراط # وصفة الشفاعة # وصفة الحوض # وصفة جهنم وأهوالها وأنكالها وحياتها وعقاربها # وصفة الجنة وأصناف نعيمها وعدد الجنان وأبوابها وغرفها وحيطانها وأنهارها ~~وأشجارها ولباس أهلها وفرشهم وسررهم وصفة طعامهم وصفة الحور العين والولدان # وصفة النظر إلى وجه الله تعالى # وباب في سعة رحمة الله تعالى وبه ختم الكتاب إن شاء الله تعالى ### |||| صفة نفخة الصور # قد عرفت فيما سبق أحوال الميت فى سكرات الموت وخطره فى خوف العاقبة ثم ~~مقاساته لظلمة القبر وديدانه ثم لمنكر ونكير وسؤالهما ثم لعذاب القبر وخطره ~~إن كان مغضوبا عليه # وأعظم من ذلك كله الأخطار التي بين يديه من نفخ الصور وبعث يوم النشور ~~والعرض على الجبار والسؤال عن القليل والكثير ونصب الميزان لمعرفة المقادير ~~ثم جواز الصراط مع دقته وحدته ثم انتظار النداء عند فصل القضاء إما ~~بالإسعاد وإما بالإشقاء فهذه أحوال وأهوال لا بد لك من معرفتها ثم الإيمان ~~بها على سبيل الجزم والتصديق ثم تطويل الفكر في ذلك لينبعث من قلبك دواعي ~~الاستعداد لها وأكثر الناس لم يدخل الإيمان باليوم الآخر صميم قلوبهم ولم ~~يتمكن من سويداء أفئدتهم ويدل على ذلك شدة تشمرهم واستعدادهم لحر الصيف ~~وبرد الشتاء وتهاونهم بحر جهنم وزمهريرها مع ما تكتنفه من المصاعب والأهوال ~~بل إذا سئلوا عن اليوم الآخر نطقت به ألسنتهم ثم غفلت عنه قلوبهم ومن أخبر ~~بأن ما بين يديه من الطعام مسموم فقال لصاحبه الذى أبصر صدقت ثم مد يديه ~~لتناوله كان مصدقا بلسانه ومكذبا بعمله وتكذيب العمل أبلغ من تكذيب اللسان # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى شتمنى ابن آدم وما ~~ينبغى له أن يشتمنى وكذبنى وما ينبغى له أن يكذبنى أما شتمه إياى فيقول إن ~~لى ولدا وأما تكذيبه فقوله لن يعيدنى كما بدأنى (1) وإنما فتور البواطن عن ~~قوة اليقين والتصديق بالبعث والنشور لقلة الفهم فى هذا العالم لأمثال ms2709 تلك ~~الأمور ولو لم يشاهد الانسان توالد الحيوانات وقيل له إن صانعا يصنع من ~~النطفة القدرة مثل هذا الآدمى المصور العاقل المتكلم المتصرف لاشتد نفور ~~باطنه عن التصديق به ولذلك قال الله تعالى {أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من ~~نطفة فإذا هو خصيم مبين} وقال تعالى {أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك ~~نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى} ~~ففى خلق الآدمى مع كثرة عجائبه واختلاف تركيب أعضائه أعاجيب تزيد على ~~الأعاجيب فى بعثه وإعادته فكيف ينكر ذلك من قدرة الله تعالى وحكمته من ~~يشاهد PageV04P511 # ذلك فى صنعته وقدرته فإن كان فى إيمانك ضعف فقو الإيمان بالنظر فى النشأة ~~الأولى فإن الثانية مثلها وأسهل منها وإن كنت قوى الإيمان بها فأشعر قلبك ~~تلك المخاوف والأخطار وأكثر فيها التفكر والاعتبار لتسلب عن قلبك الراحة ~~والقرار فتشتغل بالتشمر للعرض على الجبار وتفكر أولا فيما يقرع سمع سكان ~~القبور من شدة نفخ الصور فإنها صيحة واحدة تنفرج بها القبور عن رءوس الموتى ~~فيثورون دفعة واحدة # فتوهم نفسك وقد وثبت متغيرا وجهك مغبرا بدنك من فرقك إلى قدمك من تراب ~~قبرك مبهوتا من شدة الصعقة شاخص العين نحو النداء وقد ثار الخلق ثورة واحدة ~~من القبور التى طال فيها بلاؤهم وقد أزعجهم الفزع والرعب مضافا إلى ما كان ~~عندهم من الهموم والغموم وشدة الانتظار لعاقبة الأمر كما قال تعالى ونفخ في ~~الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى ~~فإذا هم قيام ينظرون وقال تعالى {فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير ~~على الكافرين غير يسير} وقال تعالى {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ~~ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى ~~أهلهم يرجعون ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون قالوا يا ~~ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} فلو لم يكن ms2710 بين ~~يدي الموتى إلا هول تلك النفخة لكان ذلك جديرا بأن يتقى فإنها نفخة وصيحة ~~يصعق بها من في السموات والأرض يعنى يموتون بها إلا من شاء الله وهو بعض ~~الملائكة # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم ~~القرن وحنى الجبهة وأصغى بالأذن متى يؤمر فينفخ (1) # قال مقاتل الصور هو القرن وذلك أن إسرافيل عليه السلام واضع فاه على ~~القرن كهيئة البوق ودائرة رأس القرن كعرض السموات والأرض وهو شاخص بصره نحو ~~العرش ينتظر متى يؤمر فينفخ النفخة الأولى فإذا نفخ صعق من في السموات ~~والأرض أى مات كل حيوان من شدة الفزع إلا من شاء الله وهو جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل وملك الموت # ثم يأمر ملك الموت أن يقبض روح جبريل ثم روح ميكائيل ثم روح إسرافيل ثم ~~يأمر ملك الموت فيموت # ثم يلبث الخلق بعد النفخة الأولى فى البرزخ أربعين سنة ثم يحيى الله ~~تعالى إسرافيل فيأمره أن ينفخ الثانية فذلك قوله تعالى ثم نفخ فيه أخرى ~~فإذا هم قيام ينظرون على أرجلهم ينظرون إلى البعث وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين بعث إلى بعث إلى صاحب الصور فأهوى به إلى فيه وقدم رجلا وأخر ~~أخرى ينتظر متى يؤمر بالنفخ ألا فاتقوا النفخة (2) فتفكر فى الخلائق وذلهم ~~وانكسارهم واستكانتهم عند الانبعاث خوفا من هذه الصعقة وانتظارا لما يقضى ~~عليهم من سعادة أو شقاوة وأنت فيما بينهم منكسر كانكسارهم متحير كتحيرهم # بل إن كنت فى الدنيا من المترفهين والأغنياء المتنعمين فملوك الأرض فى ~~ذلك اليوم أذل أهل أرض الجمع وأصغرهم وأحقرهم يوطئون بالأقدام مثل الذرة ~~وعند ذلك تقبل الوحوش من البرارى والجبال منكسة رءوسها مختلطة بالخلائق بعد ~~توحشها ذليلة ليوم PageV04P512 # النشور من غير خطيئة تدنست بها ولكن حشرتهم شدة الصعقة وهول النفخة ~~وشغلهم ذلك عن الهرب من الخلق والتوحش منهم وذلك قوله تعالى {وإذا الوحوش ~~حشرت} ثم أقبلت الشياطين المردة بعد تمردها وعتوها وأذعنت خاشعة من هيبة ~~العرض على الله تعالى ms2711 تصديقا لقوله تعالى {فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم ~~لنحضرنهم حول جهنم جثيا} فتفكر فى حالك وحال قلبك هنالك ### |||| صفة أرض المحشر وأهله # ثم انظر كيف يساقون بعد البعث والنشور حفاة عراة غرلا إلى أرض المحشر أرض ~~بيضاء قاع صفصف لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ولا ترى عليها ربوة يختفى ~~الإنسان وراءها ولا وهدة ينخفض عن الأعين فيها بل هو صعيد واحد بسيط لا ~~تفاوت فيه يساقون إليه زمرا فسبحان من جمع الخلائق على اختلاف أصنافهم من ~~أقطار الأرض إذ ساقهم بالراجفة تتبعها الرادفة والراجفة هى النفخة الأولى ~~والرادفة هى النفخة الثانية وحقيق لتلك القلوب أن تكون يومئذ واجفة ولتلك ~~الأبصار أن تكون خاشعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يحشر الناس يوم ~~القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرص النقي ليس فيها معلم لأحد (1) # قال الراوى والعفرة بياض ليس بالناصع والنقى هو النقى عن القشر والنخالة ~~ومعلم أى لا بناء يستر ولا تفاوت يرد البصر # ولا تظنن أن تلك الأرض مثل أرض الدنيا بل لا تساويها إلا فى الاسم قال ~~تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات # قال ابن عباس يزداد فيها وينقص وتذهب أشجارها وجبالها وأوديتها وما فيها ~~وتمد مد الأديم العكاظى أرض بيضاء مثل الفضة لم يسفك عليها دم ولم يعمل ~~عليها خطيئة والسموات تذهب شمسها وقمرها ونجومها فانظر يا مسكين في هول ذلك ~~اليوم وشدته فإنه إذا اجتمع الخلائق على هذا الصعيد تناثرت من فوقهم نجوم ~~السماء وطمس الشمس والقمر وأظلمت الأرض لخمود سراجها فبينا هم كذلك إذ دارت ~~السماء من فوق رءوسهم وانشقت مع غلظها وشدتها خمسمائة عام والملائكة قيام ~~على حافاتها وأرجائها فيا هول صوت انشقاقها فى سمعك ويا هيبة ليوم تنشق فيه ~~السماء مع صلابتها وشدتها ثم تنهار وتسيل كالفضة المذابة تخالطها صفرة ~~فصارت وردة كالدهان وصارت السماء كالمهل وصارت الجبال كالعهن واشتبك الناس ~~كالفراش المبثوث وهم حفاة عراة مشاة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث ~~الناس حفاة عراة غرلا قد ألجمهم ms2712 العرق وبلغ شحوم الآذان قالت سودة زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم راوية الحديث قلت يا رسول الله واسوأتاه ينظر ~~بعضنا إلى بعض فقال شغل الناس عن ذلك بهم لكل امرىء يومئذ شأن يغنيه (2) ~~فأعظم بيوم تنكشف فيه العورات ويؤمن فيه مع ذلك النظر والالتفات كيف وبعضهم ~~يمشون على بطونهم ووجوههم فلا قدرة لهم على الالتفات إلى غيرهم قال أبو ~~هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يحشر الناس يوم ~~القيامة ثلاثة أصناف ركبانا ومشاة وعلى وجوههم فقال رجل يا رسول الله وكيف ~~يمشون على PageV04P513 # وجوههم قال الذى أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم (1) ~~فى طبع الآدمى إنكار كل ما لم يأنس به ولو لم يشاهد الإنسان الحية وهى تمشى ~~على بطنها كالبرق الخاطف لأنكر تصور المشى على غير رجل والمشى بالرجل أيضا ~~مستبعد عند من لم يشاهد ذلك فإياك أن تنكر شيئا من عجائب يوم القيامة ~~لمخالفته قياس ما فى الدنيا فإنك لو لم تكن قد شاهدت عجائب الدنيا ثم عرضت ~~عليك قبل المشاهدة لكنت أشد إنكارا لها فأحضر فى قلبك صورتك وأنت واقف ~~عاريا مكشوفا ذليلا مدحورا متحيرا مبهوتا منتظرا لما يجرى عليك من القضاء ~~بالسعادة أو بالشقاوة وأعظم هذه الحال فإنها عظيمة ### |||| صفة العرق # ثم تفكر فى ازدحام الخلائق واجتماعهم حتى ازدحم على الموقف أهل السموات ~~السبع والأرضين السبع من ملك وجن وإنس وشيطان ووحش وسبع وطير فأشرقت عليهم ~~الشمس وقد تضاعف حرها وتبدلت عما كانت عليه من خفة أمرها ثم أدنيت من رءوس ~~العالمين كقاب قوسين فلم يبق على الأرض ظل إلا ظل رب العالمين # ولم يمكن من الاستظلال به إلا المقربون فمن بين مستظل بالعرش وبين مضح ~~لحر الشمس قد صهرته بحرها واشتد كربه وغمه من وهجها ثم تدافعت الخلائق ودفع ~~بعضهم بعضا لشدة الزحام واختلاف الأقدام وانضاف إليه شدة الخجلة والحياء من ~~الافتضاح والاختزاء عند العرض على جبار السماء فاجتمع وهج الشمس وحر ~~الأنفاس واحتراق القلوب بنار ms2713 الحياء والخوف ففاض العرق من أصل كل شعرة حتى ~~سال على صعيد القيامة ثم ارتفع على أبدانهم على قدر منازلهم عند الله ~~فبعضهم بلغ العرق ركبتيه وبعضهم حقوية وبعضهم إلى شحمة أذنيه وبعضهم كاد ~~يغيب فيه قال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين حتى يغيب أحدهم فى رشحه إلى أنصاف أذنيه (2) وقال أبو هريرة قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم فى ~~الأرض سبعين باعا ويلجمهم ويبلغ أذقنهم (3) كذا رواه البخاري ومسلم في ~~الصحيح وفى حديث آخر قياما شاخصة أبصارهم أربعين سنة إلى السماء فيلجمهم ~~العرق من شدة الكرب (4) وقال عقبة بن عامر قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس فمن الناس من يبلغ عرقه ~~عقبه ومنهم من يبلغ نصف ساقه ومنهم من يبلغ ركبته ومنهم من يبلغ فخذه ومنهم ~~من يبلغ خاصرته ومنهم من يبلغ فاه وأشار بيده فألجمها فاه ومنهم من يغطيه ~~العرق وضرب بيده على رأسه هكذا (5) فتأمل يا مسكين فى عرق أهل المحشر وشدة ~~كربهم وفيهم من ينادى فيقول رب أرحنى من هذا الكرب والانتظار ولو إلى النار ~~وكل ذلك ولم يلقوا بعد حسابا ولا عقابا فإنك واحد منهم ولا تدرى إلى أين ~~يبلغ بك العرق PageV04P514 # واعلم أن كل عرق لم يخرجه التعب فى سبيل الله من حج وجهاد وصيام وقيام ~~وتردد فى قضاء حاجة مسلم وتحمل مشقة فى أمر بمعروف ونهي عن منكر فسيخرجه ~~الحياء والخوف فى صعيد القيامة ويطول فيه الكرب ولو سلم ابن آدم من الجهل ~~والغرور لعلم أن تعب العرق فى تحمل مصاعب الطاعات أهون أمرا وأقصر زمانا من ~~عرق الكرب والانتظار فى القيامة فإنه يوم عظيمة شدته طويلة مدته ### |||| صفة طول يوم القيامة # يوم تقف فيه الخلائق شاخصة أبصارهم منفطرة قلوبهم لا يكلمون ولا ينظر فى ~~أمورهم يقفون ثلمائة عام لا يأكلون فيه أكله ولا يشربون فيه شربة ms2714 ولا يجدون ~~فيه روح نسيم قال كعب وقتادة يوم يقوم الناس لرب العلمين قال يقومون مقدار ~~ثلثمائة عام بل قال عبد الله بن عمرو تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ~~الآية ثم قال كيف بكم إنه جمعكم الله كما تجمع النبل فى الكنانة خمسين ألف ~~سنة ولا ينظر إليكم (1) وقال الحسن ما ظنك بيوم قاموا فيه على أقدامهم ~~مقدار خمسين ألف سنة لا يأكلون فيها أكلة ولا يشربون فيها شربة حتى إذا ~~انقطعت أعناقهم عطشا واحترقت أجوافهم جوعا انصرف بهم إلى النار فسقوا من ~~عين آنية قد آن حرها واشتد لفحها فلما بلغ المجهود منهم ما لا طاقة لهم به ~~كلم بعضهم بعضا فى طلب من يكرم على مولاه ليشفع فى حقهم فلم يتعلقوا بنبي ~~إلا دفعهم وقال دعونى نفسى نفسى شغلنى أمرى عن أمر غيرى واعتذر كل واحد ~~بشدة غضب الله تعالى وقال قد غضب اليوم ربنا غضبا لم يغضب قبله مثله ولا ~~يغضب بعده مثله حتى يشفع نبينا صلى الله عليه وسلم لمن يؤذن له فيه لا ~~يملكون الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا فتأمل في طول هذا اليوم ~~وشدة الانتظار فيه حتى يخف عليك انتظار الصبر عن المعاصى فى عمرك المختصر # واعلم أن من طال انتظاره فى الدنيا للموت لشدة مقاساته للصبر عن الشهوات ~~فإنه يقصر انتظاره فى ذلك اليوم خاصة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~سئل عن طول ذلك اليوم فقال والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون ~~أهون عليه من الصلاة المكتوبة يصليها فى الدنيا (2) فاجتهد أن تكون من ~~أولئك المؤمنين فما دام يبقى لك نفس من عمرك فالأمر إليك والاستعداد بيديك ~~فاعمل فى أيام قصار لأيام طوال تربح ربحا لا منتهى لسروره واستحقر عمرك بل ~~عمر الدنيا وهو سبعة الآف سنة فإنك لو صبرت سبعة الآف سنة مثلا لتخلص من ~~يوم مقداره خمسون ألفا لكان ربحك كثيرا وتعبك يسيرا ### |||| صفة يوم القيامة ودواهيه وأساميه ms2715 # فاستعد يا مسكين لهذا اليوم العظيم شأنه المديد زمانه القاهر سلطانه ~~القريب أوانه يوم ترى السماء فيه قد انفطرت والكواكب من هوله قد انتثرت ~~والنجوم الزواهر قد انكدرت والشمس قد كورت والجبال قد PageV04P515 # سيرت والعشار قد عطلت والوحوش قد حشرت والبحار قد سجرت والنفوس إلى ~~الأبدان قد زوجت والجحيم قد سعرت والجنة قد أزلفت والجبال قد نسفت والأرض ~~قد مدت يوم ترى الأرض قد زلزلت فيه زالزالها وأخرجت الأرض أثقالها يومئذ ~~يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم يوم تحمل الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ~~فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهى يومئذ واهية والملك على أرجائها ~~ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية يوم ~~تسير الجبال وترى الأرض بارزة يوم ترج الأرض فيه رجا وتبس الجبال بسا فكانت ~~هباء منبثا يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش ~~يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى ~~وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ~~وبرزوا لله الواحد القهار يوم تنسف فيه الجبال نسفا فتترك قاعا صفصفا لا ~~ترى فيها عوجا ولا أمتا يوم ترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب يوم ~~تنشق فيه السماء فتكون وردة كالدهان فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ~~يوم يمنع فيه العاصى من الكلام ولا يسئل فيه عن الأجرام بل يؤخذ بالنواصى ~~والأقدام يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن ~~بينها وبينه أمدا بعيدا يوم تعلم فيه كل نفس ما أحضرت وتشهد ما قدمت وأخرت ~~يوم تخرس فيه الألسن وتنطق الجوارح يوم شيب ذكره سيد المرسلين إذ قال له ~~الصديق رضي الله عنه أراك قد شبت يا رسول الله قال شيبتنى هود وأخواتها (1) ~~وهى الواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت فيا أيها القارىء ~~العاجز إنما حظك من قراءتك أن تمجمج القرآن وتحرك به اللسان ولو كنت ms2716 متفكرا ~~فيما تقرؤه لكنت جديرا بأن تنشق مرارتك مما شاب منه شعر سيد المرسلين وإذا ~~قنعت بحركة اللسان فقد حرمت ثمرة القرآن فالقيامة أحد ما ذكر فيه وقد وصف ~~الله بعض دواهيها وأكثر من أساميها لنقف بكثرة أساميها على كثرة معانيها ~~فليس المقصود بكثرة الأسامي تكرير الأسامي والألقاب بل الغرض تنبيه أولي ~~الألباب فتحت كل اسم من أسماء القيامة سر وفي كل نعت من نعوتها معنى فاحرص ~~على معرفة معانيها # ونحن الآن نجمع لك أساميها وهى يوم القيامة ويوم الحسرة ويوم الندامة ~~ويوم المحاسبة ويوم المساءلة ويوم المسابقة ويوم المناقشة ويوم المنافسة ~~ويوم الزلزلة ويوم الدمدمة ويوم الصاعقة ويوم الواقعة ويوم القارعة ويوم ~~الراجفة ويوم الرادفة ويوم الغاشية ويوم الداهية ويوم الآزفة ويوم الحاقة ~~ويوم الطامة ويوم الصاخة ويوم التلاق ويوم الفراق ويوم المساق ويوم القصاص ~~ويوم التناد ويوم الحساب ويوم المآب ويوم العذاب ويوم الفرار ويوم القرار ~~ويوم اللقاء ويوم البقاء ويوم القضاء ويوم الجزاء ويوم البلاء ويوم البكاء ~~ويوم الحشر ويوم الوعيد ويوم العرض ويوم الوزن ويوم الحق ويوم الحكم ويوم ~~الفصل ويوم الجمع ويوم البعث ويوم الفتح ويوم الخزى ويوم عظيم ويوم عقيم ~~ويوم عسير ويوم الدين ويوم اليقين ويوم النشور ويوم المصير ويوم النفخة ~~ويوم الصيحة ويوم الرجفة ويوم الرجة ويوم الزجرة ويوم السكرة ويوم الفزع ~~ويوم المنتهى ويوم الجزع ويوم المأوى ويوم الميقات ويوم الميعاذ ويوم ~~المرصاد ويوم القلق ويوم العرق ويوم الافتقار ويوم الانكار ويوم الانتشار ~~ويوم الانشقاق ويوم الوقوف ويوم الخروج ويوم الخلود ويوم التغابن ويوم عبوس ~~ويوم معلوم ويوم الساعة ويوم مشهود ويوم لا ريب فيه ويوم تبلى فيه السرائر ~~ويوم لا تجزي نفس عن نفس شيئا ويوم تشخص فيه الأبصار ويوم PageV04P516 # لا يغنى مولى عن مولى شيئا ويوم لا تملك نفس لنفس شيئا ويوم يدعون إلى ~~نار جهنم دعا ويوم يسحبون فى النار على وجوههم ويوم تقلب وجوههم فى النار ~~ويوم لا يجزى والد عن ولده ويوم يفر المرء من أخيه ms2717 وأمه وأبيه ويوم لا ~~ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون يوم لا مرد له من الله يوم هم بارزون ويوم هم ~~على النار يفتنون يوم لا ينفع مال ولا بنون يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ~~ولهم اللعنة ولهم سوء الدار # يوم ترد فيه المعاذير وتبلى السرائر وتظهر الضمائر وتكشف الأستار # يوم تخشع فيه الأبصار وتسكن الأصوات ويقل فيه الالتفات وتبرز الخفيات ~~وتظهر الخطيئات يوم يساق العباد ومعهم الأشهاد ويشيب الصغير ويسكر الكبير ~~فيومئذ وضعت الموازين ونشرت الدواوين وبرزت الجحيم وأغلى الحميم وزفرت ~~النار ويئس الكفار وسعرت النيران وتغيرت الألوان وخرس اللسان ونطقت جوارح ~~الإنسان # فيا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم حيث أغلقت الأبواب وأرخيت الستور ~~واستترت عن الخلائق فقارفت الفجور فماذا تفعل وقد شهدت عليك جوارحك فالويل ~~كل الويل لنا معشر الغافلين يرسل الله لنا سيد المرسلين وينزل عليه الكتاب ~~المبين ويخبرنا بهذه الصفات من نعوت يوم الدين ثم يعرفنا غفلتنا ويقول ~~اقترب الناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا ~~استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم ثم يعرفنا قرب القيامة فيقول اقتربت ~~الساعة وانشق القمر إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا وما يدريك لعل الساعة ~~تكون قريبا ثم يكون أحسن أحوالنا أن نتخذ دراسة هذا القرآن عملا فلا نتدبر ~~معانيه ولا ننظر في كثرة أوصاف هذا اليوم وأساميه ولا نستعد للتخلص من ~~دواهيه # فنعوذ بالله من هذه الغفلة إن لم يداركنا الله بواسع رحمته ### |||| صفة المساءلة # ثم تفكر يا مسكين بعد هذه الأحوال فيما يتوجه عليك من السؤال شفاها من ~~غير ترجمان فتسئل عن القليل والكثير والنقير والقطمير فبينا أنت في كرب ~~القيامة وعرقها وشدة عظائمها إذ نزلت ملائكة من رجاء السماء بأجسام عظام ~~وأشخاص ضخام غلاظ شداد أمروا أن يأخذوا بنواصى المجرمين إلى موقف العرض على ~~الجبار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله عز وجل ملكا ما بين شفرى ~~عينيه مسيرة مائة عام (1) فما ظنك بنفسك إذا شاهدت مثلا هؤلاء الملائكة ms2718 ~~أرسلوا إليك ليأخذوك إلى مقام العرض وتراهم على عظم أشخاصهم منكسرين لشدة ~~اليوم مستشعرين مما بدا من غضب الجبار على عباده وعند نزولهم لا يبقى نبى ~~ولا صديق ولا صالح إلا ويخرون لأذقانهم خوفا من أن يكونوا هم المأخوذين ~~فهذا حال المقربين فما ظنك بالعصاة المجرمين وعند ذلك يبادر اقوام من شدة ~~الفزع فيقولون للملائكة أفيكم ربنا وذلك لعظم موكبهم وشدة هيبتهم فتفزع ~~الملائكة من سؤالهم إجلالا لخالقهم عن أن يكون فيهم فنادوا بأصواتهم منزهين ~~لمليكهم عما توهمه أهل الأرض وقالوا سبحان ربنا ما هو فينا ولكنه آت من بعد ~~وعند ذلك تقوم الملائكة صفا محدقين بالخلائق من الجوانب وعلى جميعهم شعار ~~الذل والخضوع وهيئة الخوف والمهابة لشدة اليوم # وعند ذلك يصدق الله تعالى قوله {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين} وقوله {فوربك لنسألنهم أجمعين ~~عما كانوا يعملون} فيبدأ سبحانه بالأنبياء {يوم يجمع الله الرسل فيقول} ~~PageV04P517 # {ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} فيا لشدة يوم تذهل ~~فيه عقول الأنبياء وتنمحى علومهم من شدة الهيبة إذ يقال لهم ما أجبتم وقد ~~أرسلتم إلى الخلائق وكانوا قد علموا فتدهش عقولهم فلا يدرون بماذا يجيبون ~~فيقولون من شدة الهيبة لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب # وهم فى ذلك الوقت صادقون إذ طارت منهم العقول وانمحت العلوم إلى أن ~~يقويهم الله تعالى فيدعى نوح عليه السلام فيقال له هل بلغت فيقول نعم فيقال ~~لأمته هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير # ويؤتى بعيسى عليه السلام فيقول الله تعالى له {أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله} فيبقى متشحطا تحت هيبة هذا السؤال سنين فيالعظم ~~يوم تقام فيه السياسة على الأنبياء بمثل هذا السؤال ثم تقبل الملائكة ~~فينادون واحدا واحدا يا فلان بن فلانة هلم إلى موقف العرض وعند ذلك ترتعد ~~الفرائص وتضطرب الجوارح وتبهت العقول ويتمنى أقوام أن يذهب بهم إلى النار ~~ولا تعرض قبائح أعمالهم على الجبار ولا يكشف سترهم ms2719 على ملأ الخلائق # وقبل الابتداء بالسؤال يظهر نور العرش {وأشرقت الأرض بنور ربها} وايقن كل ~~عبد بإقبال الجبار لمساءلة العباد وظن كل واحد أنه ما يراه أحد سواه وأنه ~~المأخوذ بالأخذ والسؤال دون من عداه فيقول الجبار سبحانه وتعالى عند ذلك يا ~~جبريل ائتى بالنار فيجىء لها جبريل ويقول يا جهنم أجيبي خالقك ومليكك ~~فيصادفها جبريل على غيظها وغضبها فلم يلبث بعد ندائها أن ثارت وفارت وزفرت ~~إلى الخلائق وشهقت وسمع الخلائق تغيظها وزفيرها وانتهضت خزنتها متوثبة إلى ~~الخلائق غضبا على من عصى الله تعالى وخالف أمره فأخطر ببالك وأحضر فى قلبك ~~حالة قلوب العباد وقد امتلأت فزعا ورعبا فتساقطوا جثيا على الركب وولوا ~~مدبرين يوم ترى كل أمة جاثية وسقط بعضهم على الوجوه منكبين وينادى العصاة ~~والظالمون بالويل والثبور وينادى الصديقون نفسى نفسى فبينما هم كذلك إذ ~~زفرت الناس زفرتها الثانية فتضاعف خوفهم وتخاذلت قواهم وظنوا أنهم مأخوذون ~~ثم زفرت الثالثة فتساقط الخلائق على وجوههم وشخصوا بأبصارهم ينظرون من طرف ~~خفى خاشع وانهضمت عند ذلك قلوب الظالمين فبلغت الحناجر كاظمين وذهلت العقول ~~من السعداء والأشقياء أجمعين # وبعد ذلك اقبل الله تعالى على الرسل وقال ماذا أجبتم فإذا رأوا ما قد ~~أقيم من السياسة على الأنبياء اشتد الفزع على العصاة ففر الوالد من ولده ~~والأخ من أخيه والزوج من زوجته وبقى كل واحد منتظرا لأمره ثم يؤخذ واحد ~~واحد فيسأله الله تعالى شفاها عن قليل عمله وكثيره وعن سره وعلانيته وعن ~~جميع جوارحه وأعضائه قال أبو هريرة قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم ~~القيامة فقال هل تضارون فى رؤية الشمس فى الظهيرة ليس دونها سحاب قالوا لا ~~قال فهل تضارون فى رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا لا قال ~~فوالذي نفسي بيده لا تضارون فى رؤية ربكم فيلقى العبد فيقول له ألم أكرمك ~~وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول العبد بلى ~~فيقول أظننت أنك ملاقى فيقول لا فيقول فأنا أنساك كما نسيتنى ms2720 (1) فتوهم ~~نفسك يا مسكين وقد أخذت الملائكة بعضديك وأنت واقف بين يدي الله تعالى ~~يسألك شفاها فيقول لك ألم أنعم عليك بالشباب ففيماذا أبليته ألم أمهل لك فى ~~العمر ففيماذا أفنيته الم أرزقك المال فمن أين اكتسبته وفيماذا أنفقته ألم ~~أكرمك بالعلم فماذا عملت فيما علمت فكيف ترى حياءك وخجلتك وهو يعد عليك ~~إنعامه ومعاصيك وأياديه ومساويك فإن أنكرت شهدت عليك جوارحك قال أنس رضي ~~الله عنه كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV04P518 # فضحك ثم قال أتدرون مم أضحك قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ~~ربه يقول يا رب الم تجرنى من الظلم قال يقول بلى قال فيقول فإنى لا أجيز ~~على نفسى إلا شاهدا منى فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا وبالكرام ~~الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقى قال فتنطق بأعماله ~~ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول لأعضائه بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل ~~(1) فنعوذ بالله من الافتضاح على ملأ الخلق بشهادة الأعضاء إلا أن الله ~~تعالى وعد المؤمن بأن يستر عليه ولا يطلع عليه غيره # سأل ابن عمر رجل فقال له كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى ~~النجوى فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنو أحدكم من ربه حتى يضع ~~كنفه عليه فيقول عملت كذا وكذا فيقول نعم فيقول عملت كذا وكذا فيقول نعم ثم ~~يقول إنى سترتها عليك فى الدنيا وإنى أغفرها لك اليوم (2) وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته يوم القيامة ~~(3) فهذا إنما يرجى لعبد مؤمن ستر على الناس عيوبهم واحتمل فى حق نفسه ~~تقصيرهم ولم يحرك لسانه بذكر مساويهم ولم يذكرهم فى غيبتهم بما يكرهون لو ~~سمعوه فهذا جدير بأن يجازى بمثله فى القيامة وهب أنه قد ستره عن غيرك أليس ~~قد قرع سمعك النداء إلى العرض فيكفيك تلك الروعة جزاء عن ذنوبك إذ يؤخذ ~~بناصيتك فتقاد وفؤادك مضطرب ولبك طائر وفرائصك ms2721 مرتعدة وجوارحك مضطربة ولونك ~~متغير والعالم عليك من شدة الهول مظلم فقدر نفسك وأنت بهذه الصفة تتخطى ~~الرقاب وتخرق الصفوف وتقاد كما تقاد الفرس المجنوب وقد رفع الخلائق إليك ~~أبصارهم فتوهم نفسك أنك فى أيدى الموكلين بك على هذه الصفة حتى انتهى بك ~~إلى عرش الرحمن فرموك من أيديهم وناداك الله سبحانه وتعالى بعظيم كلامه يا ~~ابن آدم ادن منى فدنوت منه بقلب خافق محزون وجل وطرف خاشع ذليل وفؤاد منكسر ~~وأعطيت كتابك الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فكم من فاحشة ~~نسيتها فتذكرتها وكم من طاعة غفلت عن آفاتها فانكشف لك عن مساويها فكم لك ~~من خجل وجبن وكم لك من حصر وعجز فليت شعري بأي قدم تقف بين يديه وبأي لسان ~~تجيب وبأي قلب تعقل ما تقول ثم تفكر فى عظم حياتك إذا ذكرك ذنوبك شفاها إذ ~~يقول يا عبدى أما استحييت منى فبارزتنى بالقبيح واستحييت من خلقى فأظهرت ~~لهم الجميل أكنت أهون عليك من سائر عبادي استخففت بنظرى إليك فلم تكترت ~~واستعظمت نظر غيرى ألم أنعم عليك فماذا غرك بى اظننت أنى لا أراك وأنك لا ~~تلقانى # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا ويسأله الله رب ~~العالمين ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان (4) وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليقفن أحدكم بين يدي الله عز وجل ليس بينه وبينه حجاب فيقول له ألم ~~أنعم عليك ألم أوتك ما لا فيقول بلى فيقول ألم أرسل إليك رسولا فيقول بلى ~~ثم ينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار ~~فليتق أحدكم النار ولو بشق تمرة فإن لم يجد فبكلمة طيبة (5) وقاله ابن ~~مسعود ما منكم من أحد إلا سيخلو الله عز وجل به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة ~~البدر ثم يقول يا ابن آدم ما غرك بى يا ابن آدم ما عملت فيما علمت يا ابن ~~آدم ماذا أجبت المرسلين يا ابن آدم ms2722 ألم أكن رقيبا على عينك وأنت تنظر بها ~~إلى ما لا يحل PageV04P519 # لك ألم أكن رقيبا على أذنيك وهكذا حتى عد سائر أعضائه وقال مجاهد لا تزول ~~قدما عبد يوم القيامة من بين يدي الله عز وجل حتى يسأله عن أربع خصال عن ~~عمره فيما أفناه وعن علمه ما عمل فيه وعن جسده فيما أبلاه وعن ماله من أين ~~اكتسبه وفيماذا أنفقه فأعظم يا مسكين بحيائك عند ذلك بخطرك فإنك بين أن ~~يقال لك سترتها عليك فى الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فعند ذلك يعظم سرورك ~~وفرحك ويغبطك الأولون والآخرون وإما أن يقال للملائكة خذوا هذا العبد السوء ~~فغلوه ثم الجحيم صلوه وعند ذلك لو بكت السموات والأرض عليك لكان ذلك جديرا ~~بعظم مصيبتك وشدة حسرتك على ما فرطت فيه من طاعة الله وعلى ما بعت آخرتك من ~~دنيا دنيئة لم تبق معك ### |||| صفة الميزان # ثم لا تغفل عن الفكر في الميزان وتطاير الكتب إلى الأيمان والشمائل فإن ~~الناس بعد السؤال ثلاث فرق {فرقة} ليس لهم حسنة فيخرج من النار عنق أسود ~~فيلقطهم لقط الطير الحب وينطوى عليهم ويلقيهم فى النار فتبتلعهم النار ~~وينادى عليهم شقاوة لا سعادة بعدها وقسم آخر لا سيئة لهم فينادى مناد ليقم ~~الحمادون لله على كل حال فيقومون ويسرحون إلى الجنة ثم يفعل ذلك بأهل قيام ~~الليل ثم بمن لم تشغله تجارة الدنيا ولا بيعها عن ذكر الله تعالى # وينادى عليهم سعادة لا شقاوة بعدها ويبقى قسم ثالث وهم الأكثرون خلطوا ~~عملا صالحا وآخر سيئا وقد يخفى عليهم ولا يخفى على الله تعالى أن الغالب ~~حسناتهم أو سيئاتهم ولكن يأبى الله إلا أن يعرفهم ذلك ليبين فضله عند العفو ~~وعدله عند العقاب فتتطاير الصحف والكتب منطوية على الحسنات والسيئات وينصب ~~الميزان وتشخص الأبصار إلى الكتب أتقع فى اليمين أو فى الشمال ثم إلى لسان ~~الميزان أيميل إلى جانب السيئات أو إلى جانب الحسنات وهذه حالة هائلة تطيش ~~فيها عقول الخلائق وروى الحسن أن رسول الله ms2723 صلى الله عليه وسلم كان رأسه فى ~~حجر عائشة رضي الله عنها فنعس فذكرت الآخرة فبكت حتى سال دمعها فنقط على خد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتبه فقال ما يبكيك يا عائشة قالت ذكرت ~~الآخرة هل تذكرون أهليكم يوم القيامة قال والذي نفسي بيده فى ثلاث مواطن ~~فإن أحدا لا يذكر إلا نفسه إذا وضعت الموازين ووزنت الأعمال حتى ينظر ابن ~~آدم أيخف ميزانه أم يثقل # وعند الصحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ كتابه أو شماله وعند الصراط (1) وعن ~~أنس يؤتى بابن آدم يوم القيامة حتى يوقف بين كفتى الميزان ويوكل به ملك فإن ~~ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها ~~أبدا وإن خف ميزانه نادى بصوت يسمع الخلائق شقى فلان شقاوة لا يسعد بعدها ~~أبدا # وعند خفه كفة الحسنات تقبل الزبانية وبأيديهم مقامع من حديد عليهم ثياب ~~من نار فيأخذون نصيب النار إلى النار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~يوم القيامة إنه يوم ينادى الله تعالى فيه آدم عليه السلام فيقول له قم يا ~~آدم فابعث بعث النار فيقول وكم بعث النار فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة ~~وتسعون فلما سمع الصحابة ذلك أبلسوا حتى ما أوضحوا بضاحكة فلما رأى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما عند أصحابه قال اعملوا وأبشروا فوالذى نفس محمد ~~بيده إن معكم لخليقتين ما كانتا مع أحد قط إلا كثرتاه مع من هلك من بنى آدم ~~وبنى إبليس قالوا وما هما يا رسول الله قال يأجوج ومأجوج قال فسرى عن القوم ~~فقال اعملوا وأبشروا فوالذى نفس PageV04P520 # محمد بيده ما أنتم فى الناس يوم القيامة إلا كالشامة فى جنب البعير أو ~~كالرقمة فى ذراع الدابة (1) ### |||| صفة الخصماء ورد المظالم # قد عرفت هول الميزان وخطره وأن الأعين شاخصة إلى لسان الميزان فأما من ~~ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ~~ماهيه نار حامية واعلم أنه لا ينجو من ms2724 خطر الميزان إلا من حاسب في الدنيا ~~نفسه ووزن فيها بميزان الشرع أعماله وأقواله وخطراته ولحظاته كما قال عمر ~~رضي الله عنه حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وإنما ~~حسابه لنفسه أن يتوب عن كل معصية قبل الموت توبة نصوحا ويتدارك ما فرط من ~~تقصيره في فرائض الله تعالى ويرد المظالم حبة بعد حبة ويستحل كل من تعرض له ~~بلسانه ويده وسوء ظنه بقلبه وبطيب قلوبهم حتى يموت ولم يبق عليه مظلمة ولا ~~فريضة # فهذا يدخل الجنة بغير حساب وإن مات قبل رد المظالم أحاط به خصماؤه فهذا ~~يأخذ بيده وهذا يقبض على ناصيته وهذا يتعلق بلببه هذا يقول ظلمتني وهذا ~~يقول شتمتني وهذا يقول استهزأت بى وهذا يقول ذكرتنى فى الغيبة بما يسوءنى ~~وهذا يقول جاورتني فأسأت جواري وهذا يقول عاملتنى فغششتنى وهذا يقول ~~بايعتنى فغبنتنى وأخفيت عنى عيب سلعتك وهذا يقول كذبت فى سعر متاعك وهذا ~~يقول رأيتنى محتاجا وكنت غنيا فما أطعمتنى وهذا يقول وجدتني مظلوما وكنت ~~قادرا على دفع الظلم عنى فداهنت الظالم وما راعيتنى فبينا أنت كذلك وقد ~~انشب الخصماء فيك مخالبهم وأحكموا فى تلابيبك أيديهم وأنت مبهوت متحير من ~~كثرتهم حتى لم يبق فى عمرك أحد عاملته على درهم أو جالسته فى مجلس إلا وقد ~~استحق عليك مظلمة بغيبة أو خيانة أو نظر بعين استحقار وقد ضعفت عن مقاومتهم ~~ومددت عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك لعله يخلصك من أيديهم إذ قرع سمعك نداء ~~الجبار جل جلاله اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم فعند ذلك ينخلع ~~قلبك من الهيبة وتوقن نفسك بالبوار وتتذكر ما أنذرك الله تعالى على لسان ~~رسوله حيث قال ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم ~~تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ~~وأنذر الناس الآية # فما أشد فرحك اليوم بتمضمضك باعراض الناس ويناولك أموالهم وما أشد حسراتك ~~في ذلك اليوم إذا وقف ربك على بساط العدل وشوفهت ms2725 بخطاب السياسة وأنت مفلس ~~فقير عاجز مهين لا تقدر على أن ترد حقا أو تظهر عذرا فعند ذلك تؤخذ حسناتك ~~التى تعبت فيها عمرك وتنقل إلى خصمائك عوضا عن حقوقهم # قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تدرون من المفلس قلنا ~~المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا دينار ولا متاع قال المفلس من ~~أمتى من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتى وقد شتم هذا وقذف هذا ~~وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن ~~فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح فى ~~النار (2) فانظر إلى مصيبتك فى مثل هذا اليوم إذ ليس يسلم لك حسنة من آفات ~~الرياء ومكايد الشيطان فإن سلمت حسنة واحدة فى كل مدة طويلة ابتدرها خصماؤك ~~وأخذوها ولعلك لو حاسبت نفسك وأنت مواظب على صيام النهار وقيام الليل لعلمت ~~أنه لا ينقضى عنك يوم إلا ويجرى PageV04P521 # على لسانك من غيبة المسلمين ما يستوفى جميع حسناتك فكيف ببقية السيئات من ~~أكل الحرام والشبهات والتقصير فى الطاعات وكيف ترجو الخلاص من المظالم في ~~يوم يقتص فيه للجماء من القرناء فقد روى أبو ذر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رأى شاتين ينتطحان فقال يا أبا ذر أتدرى فيم ينتطحان قلت لا قال ولكن ~~الله يدرى وسيقضى بينهما يوم القيامة (1) # وقال أبو هريرة في قوله عز وجل {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير ~~بجناحيه إلا أمم أمثالكم} أنه يحشر الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب ~~والطير وكل شىء فيبلغ من عدل الله تعالى أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول ~~كونى ترابا فذلك حين يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا فكنت أنت يا مسكين فى ~~يوم ترى صحيفتك خالية عن حسنات طال فيها تعبك فتقول أين حسناتى فيقال نقلت ~~إلى صحيفة خصمائك وترى صحيفتك مشحونة بسيئات طال فى الصبر عنها نصبك واشتد ms2726 ~~بسبب الكف عنها عناؤك فتقول يا رب هذه سيئات ما قارفتها قط فيقال هذه سيئات ~~القوم الذين اغتبتهم وشتمتهم وقصدتهم بالسوء وظلمتهم فى المبايعة والمجاورة ~~والمخاطبة والمناظرة والمذاكرة والمدارسة وسائر أصناف المعاملة # قال ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان قد يئس أن ~~تعبد الأصنام بأرض العرب ولكن سيرضى منكم بما هو دون ذلك بالمحقرات وهى ~~الموبقات فاتقوا الظلم ما استطعتم فإن العبد ليجىء يوم القيامة بأمثال ~~الجبال من الطاعات فيرى أنهن سينجينه فما يزال عبد يجىء فيقول رب إن فلانا ~~ظلمنى بمظلمة فيقول امح من حسناته فما يزال كذلك حتى لا يبقى من حسناته شىء ~~وإن مثل ذلك مثل سفر نزلوا بفلاة من الأرض ليس معهم حطب فتفرق القوم فحطبوا ~~فلم يلبثوا أن أعظموا نارهم وصنعوا ما أرادوا (2) وكذلك الذنوب ولما نزل ~~قوله تعالى {إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} ~~قال الزبير يا رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا فى الدنيا مع خواص ~~الذنوب قال نعم ليكررن عليكم حتى تؤدوا إلى كل ذي حق حقه (3) قال الزبير ~~والله إن الأمر لشديد فأعظم بشدة يوم لا يسامح فيه بخطوة ولا يتجاوز فيه عن ~~لطمة ولا عن كلمة حتى ينتقم للمظلوم من الظالم قال أنس سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول يحشر الله العباد عراة غبرا بهما قال قلنا ما بهما قال ~~ليس معهم شىء ثم يناديهم ربهم تعالى بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب ~~أنا الملك أنا الديان لا ينبغى لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من ~~أهل النار عليه مظلمة حتى أقتصه منه ولا لأحد من أهل النار إن يدخل النار ~~ولأحد من أهل الجنة عنده مظلمة حتى أقتصه منه حتى اللطمة قلنا وكيف وإنما ~~نأتي الله عز وجل عراة غبرا بهما فقال بالحسنات والسيئات (4) فاتقوا الله ~~عباد الله ومظالم العباد بأخذ أموالهم PageV04P522 # والتعرض لأعراضهم وتضييق قلوبهم وإساءة الخلق فى معاشرتهم فإن ما ms2727 بين ~~العبد وبين الله خاصة فالمغفرة إليه أسرع ومن اجتمعت عليه مظالم وقد تاب ~~عنها وعسر عليه استحلال أرباب المظالم فليكثر من حسناته ليوم القصاص ويسر ~~ببعض الحسنات بينه وبين الله بكمال الإخلاص بحيث لا يطلع عليه إلا الله ~~فعساه يقربه ذلك إلى الله تعالى فينال به لطفه الذى ادخره لأحبابه المؤمنين ~~فى دفع مظالم العباد عنهم كما روى عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه يضحك حتى بدت ~~ثناياه فقال عمرا ما يضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمى قال رجلان من أمتي ~~جثيا بين يدي رب العزة فقال أحدهما يا رب خذلى مظلمتى من أخى فقال الله ~~تعالى أعط أخاك مظلمته قال يا رب لم يبق من حسناته شيء فقال الله تعالى ~~للطالب كيف تصنع ولم يبق من حسناته شىء قال يا رب يتحمل عنى من أوزارى قال ~~وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء ثم قال إن ذلك ليوم عظيم ~~يوم يحتاج الناس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم قال فقال الله للطالب ارفع ~~رأسك فانظر فى الجنان فرفع رأسه فقال يا رب أرى مدائن من فضة مرتفعة وقصورا ~~من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا أو لأى صديق هذا أو لأى شهيد هذا قال لمن ~~أعطانى الثمن قال يا رب ومن يملك ثمنه قال أنت تملكه قال وما هو قال عفوك ~~عن أخيك قال يا رب إنى قد عفوت عنه قال الله تعالى خذ بيد أخيك فأدخله ~~الجنة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك اتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم فإن الله يصلح بين المؤمنين (1) وهذا تنبيه على أن ذلك إنما ينال ~~بالتخلق بأخلاق الله وهو إصلاح ذات البين وسائر الأخلاق # فتفكر الآن فى نفسك إن خلت صحيفتك عن المظالم أو تلطف لك حتى عفا عنك ~~وأيقنت بسعادة الأبد كيف يكون سرورك فى منصرفك من مفصل الفضاء ms2728 وقد خلع عليك ~~خلعة الرضا وعدت بسعادة ليس بعدها شقاء وبنعيم لا يدور بحواشيه الفناء وعند ~~ذلك طار قلبك سرورا وفرحا وابيض وجهك واستنار وأشرق كما يشرق القمر ليلة ~~البدر فتوهم تبخترك بين الخلائق رافعا رأسك خاليا عن الأوزار ظهرك ونضرة ~~نسيم النعيم وبرد الرضا يتلألأ من جبينك وخلق الأولين والآخرين ينظرون إليك ~~وإلى حالك ويغبطونك فى حسنك وجمالك والملائكة يمشون بين يديك ومن خلفك ~~وينادون على رءوس الأشهاد هذا فلان بن فلان رضى الله عنه وأرضاه وقد سعد ~~سعادة لا يشقى بعدها أبدا أفترى أن هذا المنصب ليس بأعظم من المكانة التى ~~تنالها فى قلوب الخلق فى الدنيا بريائك ومداهنتك وتصنعك وتزينك فإن كنت ~~تعلم أنه خير منه بل لانسبة له إليه فتوسل إلى إدراك هذه الرتبة بالإخلاص ~~الصافى والنية الصادقة فى معاملتك مع الله فلن تدرك ذلك إلا به # وإن تكن الأخرى والعياذ بالله بأن خرج من صحيفتك جريمة كنت تحسبها هينة ~~وهى عند الله عظيمة فمقتك لأجلها فقال عليك لعنتى يا عبد السوء لا أتقبل ~~منك عبادتك فلا تسمع هذا النداء إلا ويسود وجهك ثم تغضب الملائكة لغضب الله ~~تعالى فيقولون وعليك لعنتنا ولعنة الخلائق أجمعين وعند ذلك تنثال إليك ~~الزبانية وقد غضبت لغضب خالقها فأقدمت عليك بفظاظتها وزعارتها وصورها ~~المنكرة فأخذوا بناصيتك يسحبونك على وجهك على ملأ الخلق وهم ينظرون إلى ~~اسوداد وجهك وإلى ظهور خزيك وأنت تنادى بالويل والثبور وهم يقولون لك لا ~~تدع اليوم ثبورا واحدا وادع ثبورا كثيرا وتنادى الملائكة ويقولون هذا فلان ~~بن فلان PageV04P523 # كشف الله عن فضائحه ومخازيه ولعنه بقبائح مساويه فشقى شقاوة لا يسعد ~~بعدها أبدا وربما يكون ذلك بذنب أذنبته خفية من عباد الله أو طلبا للمكانة ~~فى قلوبهم أو خوفا من الافتضاح عندهم فما أعظم جهلك إذ تحترز عن الافتضاح ~~عند طائفة يسيرة من عباد الله في الدنيا المنقرضة ثم لا تخشى من الافتضاح ~~العظيم فى ذلك الملأ العظيم مع التعرض لسخط الله وعقابه الأليم والسياق ~~بأيدى الزبانية ms2729 إلى سواء الجحيم فهذه أحوالك وأنت لم تشعر بالخطر الأعظم ~~وهو خطر الصراط ### |||| صفة الصراط # ثم تفكر بعد هذه الأهوال في قول الله تعالى {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ~~وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا} وفي قوله تعالى {فاهدوهم إلى صراط ~~الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون} فالناس من بعد هذه الأهوال يساقون إلى الصراط ~~وهو جسر ممدود على متن النار أحد من السيف وأدق من الشعر فمن استقام في هذا ~~العالم على الصراط المستقيم خف على صراط الآخرة ونجا ومن عدل عن الاستقامة ~~في الدنيا وأثقل ظهره بالأوزار وعصى تعثر في أول قدم من الصراط وتردى فتفكر ~~الآن فيما يحل من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقته ثم وقع بصرك على سواد ~~جهنم من تحته ثم قرع سمعك شهيق النار وتغيظها وقد كلفت أن تمشي على الصراط ~~مع ضعف حالك واضطراب قلبك وتزلزل قدمك وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك عن ~~المشي على بساط الأرض فضلا عن حدة الصراط فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك ~~فأحسست بحدته واضطررت إلى أن ترفع القدم الثانية والخلائق بين يديك يزلون ~~ويتعثرون وتتنازلهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب وأنت تنظر إليهم كيف ~~يتنكسون فتتسفل إلى جهة النار رءوسهم وتعلوا أرجلهم فياله من منظر ما أفظعه ~~ومرتقى ما أصعبه ومجاز ما أضيقه فانظر إلى حالك وأنت تزحف عليه وتصعد إليه ~~وأنت مثقل الظهر بأوزارك تلتفت يمينا وشمالا إلى الخلق وهم يتهافتون في ~~النار والرسول عليه السلام يقول يا رب سلم سلم والزعقات بالويل والثبور قد ~~ارتفعت إليك من قعر جهنم للكثرة من زل عن الصراط من الخلائق فكيف بك لو زلت ~~قدمك ولم ينفعك ندمك فناديت بالويل والثبور وقلت هذا ما كنت أخافه فياليتنى ~~قدمت لحياتي يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا ~~خليلا يا ليتني كنت ترابا يا ليتني كنت نسيا منسيا يا ليت أمي لم تلدني ~~وعند ذلك تختطفك النيران والعياذ بالله وينادي المنادي {اخسؤوا فيها ولا ~~تكلمون} فلا يبقى ms2730 سبيل إلا الصياح والأنين والتنفس والاستغاثة فكيف ترى ~~الآن عقلك وهذه الأخطار بين يديك فإن كنت غير مؤمن بذلك فما أطول مقامك مع ~~الكفار في دركات جهنم وإن كنت به مؤمنا وعنه غافلا وبالاستعداد له متهاونا ~~فما أعظم خسرانك وطغيانك وماذا ينفعك إيمانك إذا لم يبعثك على السعي في طلب ~~رضا الله تعالى بطاعته وترك معاصيه فلو لم يكن بين يديك إلا هول الصراط ~~وارتياع قلبك من خطر الجواز عليه وإن سلمت فناهيك به هولا وفزعا ورعبا قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من ~~يجيز بأمته من الرسل ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم ~~سلم اللهم سلم وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان قالوا ~~نعم يا رسول الله قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا ~~الله تعالى تختطف الناس بأعمالهم فمنهم من يوبق بعمله ومنهم من يخردل ثم ~~ينجو (1) وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله PageV04P524 # صلى الله عليه وسلم يمر الناس على جسر جهنم وعليه حسك وكلاليب وخطاطيف ~~تختطف الناس يمينا وشمالا وعلى جنبتيه ملائكة يقولون اللهم سلم اللهم سلم ~~فمن الناس من يمر مثل البرق ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالفرس ~~المجري ومنهم من يسعى سعيا ومنهم من يمشي مشيا ومنهم من يحبو حبوا ومنهم من ~~يزحف زحفا فأما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون ولا يحيون وأما ناس ~~فيؤخذون بذنوب وخطايا فيحترقون فحما ثم يؤذن في الشفاعة (1) وذكر إلى آخر ~~الحديث وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال يجمع الله ~~الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى ~~السماء ينتظرون فصل القضاء وذكر الحديث إلى أن ذكر وقت سجود المؤمنين قال ~~ثم يقول للمؤمنين ارفعوا رءوسكم فيرفعون رءوسهم فيعطيهم نورهم على قدر ~~أعمالهم فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه ومنهم من يعطى ms2731 ~~نوره أصغر من ذلك ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة ومنهم من يعطى نوره أصغر ~~من ذلك حتى يكون آخرهم رجلا يعطى نوره على إبهام قدمه فيضيء مرة ويخبو مرة ~~فإذا أضاء قدم قدمه فمشى وإذا أظلم قام ثم ذكر مرورهم على الصراط على قدر ~~نورهم فمنهم من يمر كطرف العين ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالسحاب ~~ومنهم من يمر كانقضاض الكواكب ومنهم من يمر كشد الفرس ومنهم من يمر كشد ~~الرجل حتى يمر الذي أعطي نوره على إبهام قدمه يحبو على وجهه ويديه ورجليه ~~تجر منه يد وتعلق أخرى وتعلق رجل وتجر أخرى وتصيب جوانبه النار قال فلا ~~يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف عليها ثم قال الحمد لله لقد أعطاني الله ~~ما لم يعط أحدا إذ نجاني منها بعد إذ رأيتها فينطلق به إلى غدير عند باب ~~الجنة فيغتسل (2) وقال أنس بن مالك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~الصراط كحد السيف أو كحد الشعرة وإن الملائكة ينجون المؤمنين والمؤمنات وإن ~~جبريل عليه السلام لآخذ بحجزتى وإني لأقول يا رب سلم سلم فالزالون والزالات ~~يومئذ كثير (3) # فهذه أهوال الصراط وعظائمه فطول فيه فكرك فإن أسلم الناس من أهوال يوم ~~القيامة من طال فيها فكره في الدنيا فإن الله لا يجمع بين خوفين على عبد ~~فمن خاف هذه الأهوال في الدنيا أمنها في الآخرة ولست أعني بالخوف رقة كرقة ~~النساء تدمع عينك ويرق قلبك حال السماع ثم تنساه على القرب وتعود إلى لهوك ~~ولعبك فماذا من الخوف في شيء بل من خاف شيئا هرب منه ومن رجا شيئا طلبه فلا ~~ينجيك إلا خوف يمنعك عن معاصي الله تعالى ويحثك على طاعته وابعد من رقة ~~النساء خوف الحمقى إذا سمعوا الأهوال سبق إلى ألسنتهم الاستعاذة فقال أحدهم ~~استعنت بالله نعوذ بالله اللهم سلم سلم وهم مع ذلك مصرون على المعاصي التي ~~هي سبب هلاكهم فالشيطان يضحك من استعاذتهم كما يضحك على من يقصده سبع ضار ms2732 ~~في صحراء ووراءه حصن فإذا رأى أنياب السبع وصولته من بعد قال بلسانه أعوذ ~~بهذا الحصن الحصين وأستعين بشدة بنيانه وإحكام أركانه فيقول ذلك بلسانه وهو ~~قاعد في مكانه فأنى يغني عنه ذلك من السبع وكذلك أهوال الآخرة ليس لها حصن ~~إلا قول لا إله إلا الله صادقا ومعنى صدقه أن لا يكون له مقصود سوى الله ~~تعالى ولا معبود غيره ومن اتخذ إلهه هواه فهو PageV04P525 # بعيد من الصدق في توحيده وأمره مخطر في نفسه فإن عجزت عن ذلك كله فكن ~~محبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على تعظيم سننه ومتشوقا إلى ~~مراعاة قلوب الصالحين من أمته ومتبركا بأدعيتهم فعساك أن تنال من شفاعته أو ~~شفاعتهم فتنجو بالشفاعة إن كنت قليل البضاعة ### |||| صفة الشفاعة # اعلم أن إذا حق دخول النار على طوائف من المؤمنين فإن الله تعالى بفضله ~~يقبل فيهم شفاعة الأنبياء والصديقين بل شفاعة العلماء والصالحين وكل من له ~~عند الله تعالى جاه وحسن معاملة فإن له شفاعة في أهله وقرابته وأصدقائه ~~ومعارفه فكن حريصا على أن تكتسب لنفسك عندهم رتبة الشفاعة وذلك بأن لا تحقر ~~آدميا أصلا فإن الله تعالى خبأ ولايته في عباده فلعل الذي تزدريه عينك هو ~~ولي الله ولا تستصغر معصية أصلا فإن الله تعالى خبأ غضبه في معاصيه فلعل ~~مقت الله فيه ولا تستحقر أصلا طاعة فإن الله تعالى خبأ رضاه في طاعته فلعل ~~رضاه فيه ولو الكلمة الطيبة أو النية الحسنة أو ما يجري مجراه # وشواهد الشفاعة في القرآن والأخبار كثيرة قال الله تعالى {ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى} روى عمرو ابن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول ~~إبراهيم عليه السلام {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم} وقول عيسى عليه السلام {إن تعذبهم فإنهم عبادك} ثم ~~رفع يديه وقال أمتي أمتي ثم بكى فقال الله عز وجل يا جبريل اذهب إلى محمد ~~فسله ما يبكيك فأتاه جبريل فسأله فأخبره ms2733 والله أعلم به فقال يا جبريل اذهب ~~إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك (1) وقال صلى الله عليه وسلم ~~أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبل نصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم ولم ~~تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا فأيما رجل من أمتي ~~أدركته الصلاة فليصل وأعطيت الشفاعة وكل نبي بعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى ~~الناس عامة (2) وقال صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة كنت إمام ~~النبين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم من غير فخر وقال صلى الله عليه وسلم إنا سيد ~~ولد آدم ولا فخر وأنا أول من تنشق الأرض عنه وأنا أول شافع وأول مشفع بيدي ~~لواء الحمد تحته آدم فمن دونه (3) وقال صلى الله عليه وسلم لكل نبي دعوة ~~مستجابة فأريد أن أختبىء دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة (4) وقال ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصب للأنبياء منابر من ~~ذهب فيجلسون عليها ويبقى منبري لا أجلس عليه قائما بين يدي ربي منتصبا ~~مخافة أن يبعث بي إلى الجنة وتبقى أمتي بعدي فأقول يا رب أمتي فيقول الله ~~عز وجل يا محمد وما تريد أن أصنع بأمتك فأقول يا رب عجل حسابهم فما أزال ~~أشفع حتى أعطي صكاكا برجال قد بعث بهم PageV04P526 # إلى النار وحتى إن مالكا خازن النار يقول يا محمد ما تركت للنار لغضب ربك ~~في أمتك من بقية (1) وقال صلى الله عليه وسلم إني لأشفع يوم القيامة لأكثر ~~مما على وجه الأرض من حجر ومدر (2) وقال أبو هريرة أتي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال أنا ~~سيد المرسلين يوم القيامة وهل تدرون مم ذلك يجمع الله الأولين والآخرين في ~~صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فبلغ الناس من الغم ~~والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس بعضهم لبعض ألا ترون ما قد ~~بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم ms2734 إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض عليكم بآدم ~~عليه السلام فيأتون آدم فيقولون له أنت أبو البشر خلقك الله تعالى بيده ~~ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن ~~فيه ألا ترى ما قد بلغنا فيقول لهم آدم عليه السلام إن ربي قد غضب اليوم ~~غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيته ~~نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا عليه السلام فيقولون ~~يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ~~ربك ألا ترى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ~~ولا يغضب بعده مثله وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي نفسي نفسي اذهبوا ~~إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم خليل الله فيأتون إبراهيم خليل الله عليه ~~السلام فيقولون أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ~~ما نحن فيه فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب ~~بعده مثله وإنى كنت كذبت ثلاث كذبات ويذكرها نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ~~اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى عليه السلام فيقولون يا 4 موسى أنت رسول الله ~~فضلك برسالته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه فيقول ~~إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت ~~نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى عليه ~~السلام فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه وكلمت الناس في المهد اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه فيقول ~~عيسى عليه السلام إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده ~~مثله ولم يذكر ذنبا نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد ms2735 صلى الله ~~عليه وسلم فيأتون فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم النبيين وغفر الله ~~لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه فأنطلق ~~فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله لي من محامده وحسن الثناء ~~عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعط واشفع ~~تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي أمتى يا رب فقال يا محمد أدخل من أمتك من لا ~~حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك ~~من الأبواب ثم قال والذي نفسي بيده إن بين المصراعين من مصاريع الجنة كما ~~بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى (3) وفي حديث آخر # هذا السياق بعينه مع ذكر خطايا إبراهيم وهو قوله في الكواكب هذا ربي ~~وقوله لآلهتهم بل فعله كبيرهم هذا وقوله PageV04P527 # إنى سقيم # فهذه شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولآحاد أمته من العلماء ~~والصالحين شفاعة أيضا حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الجنة ~~بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة ومضر (1) وقال صلى الله عليه وسلم يقال ~~للرجل قم يا فلان فاشفع فيقوم الرجل فيشفع للقبيلة ولأهل البيت وللرجل ~~والرجلين على قدر عمله (2) وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~رجلا من أهل الجنة يشرف يوم القيامة على أهل النار فيناديه رجل من أهل ~~النار ويقول يا فلان هل تعرفني فيقول لا والله ما أعرفك من أنت فيقول أنا ~~الذي مررت بي في الدنيا فاستسقيتني شربة ماء فسقيتك قال قد عرفت قال فاشفع ~~لي بها عند ربك فيسأل الله تعالى ذكره ويقول إني أشرفت على أهل النار ~~فناداني رجل من أهلها فقال هل تعرفني فقلت لا من أنت فقال أنا الذي ~~استسقيتني في الدنيا فسقيتك فاشفع لي عند ربك فشفعني فيه فيشفعه الله فيه ~~فيؤمر به فيخرج من النار (3) وعن أنس قال قال رسول الله صلى ms2736 الله عليه وسلم ~~أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشرهم إذا ~~يئسوا لواء الحمد يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر (4) وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أقوم بين يدي ربي عز وجل فأكسى حلة من ~~حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري ~~(5) وقال ابن عباس رضي الله عنهما جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال ~~بعضهم عجبا إن الله عز وجل اتخذ من خلقه خليلا اتخذ إبراهيم خليلا وقال آخر ~~ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه تكليما وقال آخر فعيسى كلمة الله وروحه وقال ~~آخر آدم اصطفاه الله فخرج عليهم صلى الله عليه وسلم فسلم وقال قد سمعت ~~كلامكم وتعجبكم إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك وموسى نجي الله وهو كذلك ~~وعيسى روح الله وكلمته وهو كذلك وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك ألا وأنا ~~حبيب الله ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وأنا أول شافع ~~وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي ~~فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر ~~(6) ### |||| صفة الحوض # اعلم أن الحوض مكرمة عظيمة خص الله بها نبينا صلى الله عليه وسلم وقد ~~اشتملت الأخبار على وصفه ونحن PageV04P528 # نرجو أن يرزقنا الله تعالى في الدنيا علمه وفي الآخرة ذوقه فإن من صفاته ~~أن من شرب منه لم يظمأ أبدا قال أنس أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إغفاءة فرفع رأسه متبسما فقالوا له يا رسول الله لم ضحكت فقال آية أنزلت ~~علي آنفا وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر حتى ختمها ثم قال ~~هل تدرون ما الكوثر قالوا الله ورسوله أعلم قال إنه نهر وعدنيه ربي عز وجل ~~في الجنة عليه خير كثير عليه ms2737 حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد نجوم ~~السماء (1) وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما أنا أسير في ~~الجنة إذا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف قلت ما هذا يا جبريل قال هذا ~~الكوثر الذي أعطاك ربك فضرب الملك بيده فإذا طينه مسك أذفر (2) وقال كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما بين لابتي حوضي مثل ما بين المدينة ~~وصنعاء أو مثل ما بين المدينة وعمان (3) وروى ابن عمر أنه لما نزل قوله ~~تعالى {إنا أعطيناك الكوثر} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو نهر في ~~الجنة حافتاه من ذهب شرابه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب ريحا ~~من المسك يجري على جنادل اللؤلؤ والمرجان (4) وقال ثوبان مولى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن حوضي ما بين عدن ~~إلى عمان البلقان ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأكوابه عدد نجوم ~~السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا أول الناس ورودا عليه فقراء ~~المهاجرين فقال عمر بن الخطاب ومن هم يا رسول الله قال هم الشعث رءوسا ~~الدنس ثيابا الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم أبواب السدد (5) فقال ~~عمر بن عبد العزيز والله لقد نكحت المتنعمات فاطمة بنت عبد الملك وفتحت لي ~~أبواب السدد إلا أن يرحمني الله لا جرم لا أدهن رأسي حتى يشعث ولا أغسل ~~ثوبي الذي على جسدي حتى يتسخ وعن أبي ذر قال قلت يا رسول الله ما آنية ~~الحوض قال والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها في ~~الليلة المظلمة المضحية من شرب منه لم يظمأ آخر ما عليه يشخب فيه ميزابان ~~من الجنة عرضه مثل طوله ما بين عمان وأيلة ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى ~~من العسل (6) وعن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لكل نبي ~~حوضا وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة وإني لأرجو ms2738 أن أكون أكثرهم واردة (7) ~~فهذا رجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فليرج كل عبد أن يكون في جملة ~~الواردين وليحذر أن يكون متمنيا ومغترا وهو يظن أنه راج فإن الراجي للحصاد ~~من بث البذر ونقى الأرض وسقاها الماء ثم جلس يرجو فضل الله بالإنبات ودفع ~~الصواعق إلى أوان الحصاد فأما من ترك الحراثة أو الزراعة وتنقية الأرض ~~وسقيها وأخذ يرجو من فضل الله أن ينبت له الحب والفاكهة فهذ مغتر ومتمن ~~PageV04P529 # وليس من الراجين في شيء وهكذا رجاء أكثر الخلق وهو غرور الحمقى نعوذ ~~بالله من الغرور والغفلة فإن الاغترار بالله أعظم من الاغترار بالدنيا قال ~~الله تعالى {فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} ### |||| القول في صفة جهنم وأهوالها وأنكالها # يا أيها الغافل عن نفسه المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدنيا المشرفة ~~على الانقضاء والزوال دع التفكر فيما أنت مرتحل عنه واصرف الفكر إلى موردك ~~فإنك أخبرت بأن النار مورد للجميع إذ قيل {وإن منكم إلا واردها كان على ربك ~~حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} فأنت من الورود ~~على يقين ومن النجاة في شك فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد فعساك تستعد ~~للنجاة منه وتأمل في حال الخلائق وقد قاسوا من دواهي القيامة ما قاسوا ~~فبينما هم في كربها وأهوالها وقوفا ينتظرون حقيقة أنبائها وتشفيع شفعائها ~~إذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب وأظلت عليهم نار ذات لهب وسمعوا لها ~~زفيرا وجرجرة تفصح عن شدة الغيظ والغضب فعند ذلك أيقن المجرمون بالعطب وجثت ~~الأمم على الركب حتى أشفق البرءاء من سوء المنقلب وخرج المنادي من الزبانية ~~قائلا أين فلان بن فلان المسوف نفسه في الدنيا بطول الأمل المضيع عمره في ~~سوء العمل فيبادرونه بمقامع حديد ويستقبلونه بعظائم التهديد ويسوقونه إلى ~~العذاب الشديد وينكسونه في قعر الجحيم ويقولون له {ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم} فأسكنوا دارا ضيقة الأرجاء مظلمة المسالك مبهمة المهالك يخلد فيها ~~الأسير ويوقد فيها السعير شرابهم فيها الحميم ومستقرهم ms2739 الجحيم الزبانية ~~تقمعهم والهاوية تجمعهم أمانيهم فيها الهلاك وما لهم منها فكاك قد شدت ~~أقدامهم إلى النواصي واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي ينادون من أكنافها ~~ويصيحون في نواحيها وأطرافها يا مالك قد حق علينا الوعيد يا مالك قد أثقلنا ~~الحديد يا مالك قد نضجت منا الجلود يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود فتقول ~~الزبانية هيهات لات حين أمان ولا خروج لكم من دار الهوان فاخسئوا فيها ولا ~~تكلمون ولو أخرجتم منها لكنتم إلى ما نهيتم عنه تعودون فعند ذلك يقنطون ~~وعلى ما فرطوا في جنب الله يتأسفون ولا ينجيهم الندم ولا يغنيهم الأسف بل ~~يكبون على وجوههم مغلولين النار من فوقهم والنار من تحتهم والنار عن ~~أيمانهم والنار عن شمائلهم فهم غرقى في النار طعامهم نار وشرابهم نار ~~ولباسهم نار ومهادهم نار فهم بين مقطعات النيران وسرابيل القطران وضرب ~~المقامع وثقل السلاسل فهم يتجلجلون في مضايقها ويتحطمون في دركاتها ~~ويضطربون بين غواشيها تغلى بهم النار كغلي القدور ويهتفون بالويل والعويل # ومهما دعوا بالثبور صب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم ~~والجلود ولهم مقامع من حديد تهشم بها جباههم فيتفجر الصديد من أفواههم ~~وننقطع من العطش أكبادهم وتسيل على الخدود أحداقهم ويسقط من الوجنات لحومها ~~ويتمعط من الأطراف شعورها بل جلودها وكلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها ~~قد عريت من اللحم عظامهم فبقيت الأرواح منوطة بالعروق وعلائق العصب وهي تنش ~~في لفح تلك النيران وهم مع ذلك يتمنون الموت فلا يموتون فكيف بك لو نظرت ~~إليهم وقد سودت وجوههم أشد سوادا من الحميم وأعميت أبصارهم وأبكمت ألسنتهم ~~وقصمت ظهورهم وكسرت عظامهم وجدعت آذانهم ومزقت جلودهم وغلت أيديهم إلى ~~أعناقهم وجمع بين نواصيهم وأقدامهم وهم يمشون على النار بوجوههم ويطأون حسك ~~الحديد بأحداقهم فلهيب النار سار في بواطن أجزائها وحيات الهاوية وعقاربها ~~متشبثة بظواهر أعضائهم هذا بعض جملة أحوالهم وانظر الآن في تفصيل أهوالهم ~~وتفكر أيضا في أودية جهنم وشعابها فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم PageV04P530 # إن ms2740 في جهنم سبعين ألف واد في كل واد سبعين ألف شعب في كل شعب سبعون ألف ~~ثعبان وسعون ألف عقرب لا ينتهي الكافر والمنافق حتى يوقع ذلك كله (1) وقال ~~علي كرم الله وجهه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعوذوا بالله من جب ~~الحزن أو وادي الحزن قيل يا رسول الله وما وادي أو جب الحزن قال واد في ~~جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم سبعين مرة أعده الله تعالى للقراء المرائين (2) ~~فهذه سعة جهنم وانشعاب أوديتها وهي بحسب عدد أودية الدنيا وشهوتها وعدد ~~أبوابها بعدد الأعضاء السبعة التي بها يعصي العبد بعضها فوق بعض الأعلى ~~جهنم ثم سقر ثم لظى ثم الحطمة ثم السير ثم الجحيم ثم الهاوية فانظر الآن في ~~عمق الهاوية فإنه لا حد لعمقها كما لا حد لعمق شهوات الدنيا فكما لا ينتهي ~~أرب من الدنيا إلا إلى أرب أعظم منه فلا تنتهي هاوية من جهنم إلا إلى هاوية ~~أعمق منها قال أبو هريرة كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعنا وجبة ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدرون ما هذا قلنا الله ورسوله أعلم ~~قال هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين عاما الآن انتهى إلى قعرها (3) # ثم انظر إلى تفاوت الدركات فإن الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا فكما أن ~~إكباب الناس على الدنيا يتفاوت فمن منهمك مستكثر كالغريق فيها ومن خائض ~~فيها إلى حد محدود فكذلك تناول النار لهم متفاوت فإن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة فلا تترادف أنواع العذاب على كل من في النار كيفما كان بل لكل واحد حد ~~معلوم على قدر عصيانه وذنبه إلا أن أقلهم عذابا لو عرضت عليه الدنيا ~~بحذافير لافتدى بها من شدة ما هو فيه ما هو قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن أدنى أهل النار عذابا يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه ~~من حرارة نعليه (4) فانظر الآن إلى من خفف عليه واعتبر بمن شدد عليه # ومهما تشككت في ms2741 شدة عذاب النار فقرب إصبعك من النار وقس ذلك به ثم اعلم ~~أنك أخطأت في القياس فإن نار الدنيا لا تناسب نار جهنم ولكن لما كان أشد ~~عذاب في الدنيا عذاب هذه النار عرف عذاب جهنم بها وهيهات لو وجد أهل الجحيم ~~مثل هذه النار لخاضوها طائعين هربا مما هم فيه وعن هذا عبر في بعض الأخبار ~~حيث قيل إن نار الدنيا غسلت بسبعين ماء من مياه الرحمة حتى أطاقها أهل ~~الدنيا (5) بل صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفة نار جهنم فقال أمر ~~الله تعالى أن يوقد على النار ألف عام حتى احمرت ثم أوقد عليه ألف عام حتى ~~ابيضت ثم أوقد عليه ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة (6) وقال صلى الله ~~عليه وسلم اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها في ~~نفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدونه في الصيف من حرها وأشد ~~ما تجدونه في الشتاء من زمهريرها (7) PageV04P531 # وقال أنس بن مالك يؤتى بأنعم الناس في الدنيا من الكفار فيقال اغمسوه في ~~النار غمسة ثم يقال له هل رأيت نعيما قط فيقال لا ويؤتى بأشد الناس ضرا في ~~الدنيا فيقال اغمسوه في الجنة غمسة ثم يقال له هل رأيت ضرا قط فيقول لا ~~وقال أبو هريرة لو كان في المسجد مائة ألف أو يزيدون ثم تنفس رجل من أهل ~~النار لماتوا وقد قال بعض العلماء في قوله {تلفح وجوههم النار} إنها لفحتهم ~~لفحة واحدة فما أبقت لحما على عظم إلا ألقته عند أعقابهم # ثم انظر بعد هذا في نتن الصديد الذي يسيل من أبدانهم حتى يغرقون فيه وهو ~~الغساق قال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أن دلوا ~~من غساق جهنم ألقى في الدنيا لأنتن أهل الأرض (1) فهذا شرابهم إذا استغاثوا ~~من العطش فيسقى أحرهم من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من ~~كل مكان وما هو يميت وإن يستغيثوا ms2742 يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس ~~الشراب وساءت مرتفقا # ثم انظر إلى طعامهم وهو الزقوم كما قال الله تعالى {ثم إنكم أيها الضالون ~~المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من ~~الحميم فشاربون شرب الهيم} وقال تعالى {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها ~~كأنه رؤوس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ثم إن لهم عليها ~~لشوبا من حميم ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم} وقال تعالى {تصلى نارا حامية تسقى ~~من عين آنية} وقال تعالى {إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا ~~أليما} وقال ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أن قطرة من ~~الزقوم قطرت في بحار الدنيا أفسدت على أهل الدنيا معايشهم (2) فكيف من يكون ~~طعامه ذلك وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارغبوا فيما رغبكم ~~الله واحذروا وخافوا ما خوفكم اللهبه من عذابه وعقابه ومن جهنم فإنه لو ~~كانت قطرة من الجنة معكم في دنياكم التي أنتم فيها طيبها لكم ولو كانت قطرة ~~من النار معكم في دنياكم التي أنتم فيها خبثتها عليكم (3) وقال أبو الدرداء ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم ~~فيه من العذاب فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني ~~من جوع ويستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة فيذكرون كما كانوا يجيزون ~~الغصص في الدنيا بشراب فيستغيثون بشراب فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد ~~فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم فإذا دخل الشراب بطونهم قطع ما في بطونهم ~~فيقولون ادعوا خزنة جهنم قال فيدعون خزنة جهنم أن ادعوا ربكم يخفف عنا يوما ~~من العذاب فيقولون أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا ~~وما دعاء الكافرين إلا في ضلال قال فيقولون ادعوا مالكا فيدعون فيقولون يا ~~مالك ليقض علينا ربك قال فيجيبهم إنكم ماكثون (4) قال الأعمش أنبئت أن بين ~~دعائهم وبين إجابة مالك إياهم ألف عام قال فيقولون ادعوا ms2743 ربكم فلا أحد خير ~~من ربكم فيقولون ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها ~~فإن عدنا فإنا ظالمون قال فيجيبهم اخسئوا فيها ولا تكلمون {قال} ~~PageV04P532 # فعند ذلك يئسوا من كل خير وعند ذلك أخذوا في الزفير والحسرة والويل وقال ~~أبو أمامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ويسقى من ماء ~~صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه {قال} يقرب إليه فيتكرهه فإذا أدني منه شوي ~~وجهه فوقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره يقول الله ~~تعالى {وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم} وقال تعالى {وإن يستغيثوا يغاثوا ~~بماء كالمهل يشوى الوجوه} فهذه طعامهم وشرابهم عند جوعهم وعطشهم (1) # فانظر الآن إلى حيات جهنم وعقاربها وإلى شدة سمومها وعظم أشخاصها وفظاظة ~~منظرها وقد سلطت على أهلها وأغريت بهم فهي لا تفتر عن النهش واللدغ ساعة ~~واحدة قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أتاه الله مالا ~~فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا له زييبتان يطوقه يوم القيامة ثم ~~يأخذ بلهازمه يعنى أشدافه فيقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا قوله تعالى ولا ~~يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله الآية (2) وقال الرسول صلى الله ~~عليه وسلم إن في النار لحيات مثل أعناق البخت يلسعن اللسعة فيجد حموتها ~~أربعين خريفا وإن فيها لعقارب كالبغال الموكفة يلعسن اللسعة فيجد حموتها ~~أربعين خريفا وهذه الحيات والعقارب إنما تسلط على من سلط عليه في الدنيا ~~البخل وسوء الخلق وإيذاء الناس ومن وقي ذلك وقي هذه الحيات فلم تمثل له (3) ~~ثم تفكر بعد هذا كله في تعظيم أجسام أهل النار فإن الله تعالى يزيد في ~~أجسامهم طولا وعرضا حتى يتزايد عذابهم بسببه فيحسون بلفح النار ولدغ ~~العقارب والحيات من جميع أجزائها دفعة واحدة على التوالي قال أبو هريرة قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرس الكافر في النار مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ~~ثلاث (4) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2744 شفته السفلى ساقطة على صدره ~~والعليا قالصة قد غطت وجه (5) وقال عليه السلام إن الكافر ليجر لسانه في ~~سجين يوم القيامة يتواطؤه الناس (6) ومع عظم الأجسام كذلك تحرقهم النار ~~مرات فتجدد جلودههم ولحومهم قال الحسن في قوله تعالى كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها قال تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة كلما أكلتهم ~~قيل لهم عودوا فيعودون كما كانوا # ثم تفكر الآن في بكاء أهل النار وشهيقهم ودعاتهم بالويل والثبور فإن ذلك ~~يسلط عليهم في أول إلقائهم في النار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى ~~بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك (7) وقال أنس قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل على أهل النار البكاء فيبكون حتى تنقطع ~~الدموع ثم يبكون الدم حتى يرى في وجوههم كهيئة الأخدود لو أرسلت فيها السفن ~~لجرت وما دام يؤذن لهم في البكاء والشهيق والزفير والدعوة بالويل والثبور ~~فلهم فيه مستروح ولكنهم يمنعون أيضا من ذلك (8) قال محمد بن PageV04P533 # كعب لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله عز وجل في أربعة فإذا كانت الخامسة ~~لم يتكلموا بعدها أبدا يقولون {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا ~~بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل} فيقول الله تعالى مجيبا لهم {ذلكم بأنه إذا ~~دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير} ثم ~~يقولون {ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل} فيجيبهم الله ~~تعالى أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال فيقولون ربنا أخرجنا نعمل ~~صالحا غير الذي كنا نعمل به فيجيبهم الله تعالى أو لم نعمركم ما يتذكر فيه ~~من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ثم يقولون {ربنا غلبت ~~علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} ~~فيجيبهم الله تعالى {اخسؤوا فيها ولا تكلمون} فلا يتكلمون بعدها أبدا وذلك ~~غاية شدة العذاب قال مالك بن أنس رضي الله عنه قال زيد بن أسلم في ms2745 قوله ~~تعالى {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} قال صبروا مائة سنة ثم ~~جزعوا مائة سنة ثم صبروا مائة سنة ثم قالوا {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} ~~وقال صلى الله عليه وسلم يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيذبح بين ~~الجنة والنار ويقال يا أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت ~~(1) وعن الحسن قال يخرج من النار رجل بعد ألف عام وليتني كنت ذلك الرجل ~~ورؤي الحسن رضي الله عنه جالسا في زاوية وهو يبكي فقيل له لم تبكي فقال ~~أخشى أن يطرحني في النار ولا يبالي فهذه أصناف عذاب جهنم على الجملة وتفصيل ~~عمومها وأجزائها ومحنها وحسرتها لا نهاية له فأعظم الأمور عليهم مع ما ~~يلاقونه من شدة العذاب حسرة فوت نعيم الجنة وفوت لقاء الله تعالى وفوت رضاه ~~مع علمهم بأنهم باعوا كل ذلك بثمن بخس دراهم معدودة إذ لم يبيعوا ذلك إلا ~~بشهوات حقيرة في الدنيا أياما قصيرة وكانت غير صافية بل كانت مكدرة منغصة ~~فيقولون في أنفسهم واحسرتاه كيف أهلكنا أنفسنا بعصيان ربنا وكيف لم نكلف ~~أنفسنا الصبر أياما قلائل ولو صبرنا لكانت قد انقضت عنا أيامه وبقينا الآن ~~في جوار رب العالمين متنعمين بالرضا والرضوان فيالحسرة هؤلاء وقد فاتهم ~~وبلوا بما بلوا به ولم يبق معهم شيء من نعيم الدنيا ولذاتها ثم إنهم لو لم ~~يشاهدوا نعيم الجنة لم تعظم حسرتها لكنها تعرض عليهم فقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يؤتى يوم القيامة بناس من النار إلى الجنة حتى إذا دنوا ~~منها واستنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها ~~نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون ~~والآخرون بمثلها فيقولون يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا ~~من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا فيقول الله تعالى ذاك ~~أردت بكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم ~~مخبتين تراءون ms2746 الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم هبتم الناس ولم تهابوني ~~وأجللتم الناس ولم تجلوني وتركتم للناس ولم تتركوا لي فاليوم أذيقكم العذاب ~~الأليم مع ما حرمتكم من الثواب المقيم (2) وقال أحمد بن حرب إن أحدنا يؤثر ~~الظطل على الشمس ثم لا يؤثر الجنة على النار # وقال عيسى عليه السلام كم من جسد صحيح ووجه صبيح ولسان فصيح غدا بين ~~أطباق النار يصيح # وقال داود إلهي لا صبر لي على حر شمسك فكيف صبري على حر نارك ولا صبر لي ~~على صوت رحمتك فكيف على صوت عذابك # فانظر يا مسكين في هذه الأهوال واعلم أن الله تعالى خلق النار بأهوالها ~~وخلق أهلا لا يزيدون ولا ينقصون وأن هذا أمر قد قضي وفرغ منه قال الله ~~تعالى وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون ~~PageV04P534 # ولعمري الإشارة به يوم القيامة بل في أزل ولكن أظهر يوم القيامة ما سبق ~~به القضاء فالعجب منك حيث تضحك وتلهو وتشتغل بمحقرات الدنيا ولست تدري أن ~~القضاء بماذا سبق في حقك # فإن قلت فليت شعري ماذا موردي وإلى ماذا مآلي ومرجعي وما الذي سبق به ~~القضاء في حقي فلك علامة تستأنس بها وتصدق رجاءك بسببها وهي أن تنظر إلى ~~أحوالك وأعمالك فإن كلا ميسر لما خلق له فإن كان قد يسر لك سبيل الخير ~~فأبشر فإنك مبعد عن النار وإن كنت لا تقصد خيرا إلا وتحيط بك العوائق ~~فتدفعه ولا تقصد شرا إلا ويتيسر لك أسبابه فاعلم أنك مقضي عليك فإن دلالة ~~هذا على العاقبة كدلالة المطر على النبات ودلالة الدخان على النار # فقد قال الله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم فاعرض نفسك ~~على الآيتين وقد عرفت مستقرك من الدارين والله أعلم ### |||| القول في صفة الجنة وأصناف نعيمها # اعلم أن تلك الدار التي عرفت همومها وغمومها تقابلها دار أخرى فتأمل ~~نعيمها وسرورها فإن من بعد من أحدهما استقر لا محالة في الأخرى فاستثر ~~الخوف من قلبك بطول الفكر ms2747 في أهوال الجحيم واستثر الرجاء بطول الفكر في ~~النعيم المقيم الموعود لأهل الجنان وسق نفسك بسوط الخوف وقدها بزمام الرجاء ~~إلى الصراط المستقيم فبذلك تنال الملك العظيم وتسلم من العذاب الأليم فتفكر ~~في أهل الجنة وفي وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم جالسين على منابر ~~الياقوت الأحمر في خيام من اللؤلؤ الرطب الأبيض فيها بسط من العبقري الأخضر ~~متكئين على أرائك منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمر والعسل محفوفة ~~بالغلمان والولدان مزينة بالحور العين من الخيرات الحسان كأنهن الياقوت ~~والمرجان لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان يمشين في درجات الجنان إذا اختالت ~~إحداهن في مشيها حمل أعطافها سبعون ألفا من الولدان عليها من طرائف الحرير ~~الأبيض ما تتحير فيه الأبصار مكللات بالتيجان المرصعة باللؤلؤ والمرجان ~~شكلات غنجات عطرات آمنات من الهرم والبؤس مقصورات في الخيام في قصور من ~~الياقوت بنيت وسط روضات الجنان قاصرات الطرف عين ثم يطاف عليهم وعليهن ~~بأكواب وأباريق وكأس من معين بيضاء لذة للشاربين ويطوف عليهم خدام وولدان ~~كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون في مقام أمين في جنات وعيون ~~في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر ينظرون فيها إلى وجه الملك الكريم ~~وقد أشرقت في وجوههم نضرة النعيم لا يرهقهم فتر ولا ذلة بل عباد مكرمون ~~وبأنواع التحف من ربهم يتعاهدون فهم فيما اشتهيت أنفسهم خالدون لا يخافون ~~فيها ولا يحزنون وهم من ريب المنون آمنون فهم فيها يتنعمون ويأكلون من ~~أطعمتها ويشربون من أنهارها لبنا وخمرا وعسلا في أنهار أراضيها من فضة ~~وحصباؤها مرجان وعلى أرض ترابها مسك أذفر ونباتها زعفران ويمطرون من سحاب ~~فيها من ماء النسرين على كثبان الكافور ويؤتون بأكواب وأي أكواب بأكواب من ~~فضة مرصعة بالدر والياقوت والمرجان كوب فيه من الرحيق المختوم ممزوج به ~~السلسبيل العذب كوب يشرق نوره من صفاء جوهره يبدو الشراب من ورائه برقته ~~وحمرته لم يصنعه آدمي فيقصر في تسوية صنعته وتحسين صناعته في كف خادم يحكي ~~ضياء وجهه الشمس في ms2748 إشراقها ولكن من أين للشمس حلاوة مثل حلاوة صورته وحسن ~~أصداغه وملاحة أحداقه # فيا عجبا لمن يؤمن بدار هذه صفتها ويوقن بأنه لا يموت أهلها ولا تحل ~~الفجائع بمن نزل بفنائها ولا تنظر الأحداث بعين التغيير إلى أهلها كيف يأنس ~~بدار قد أذن الله في خرابها ويتهنأ بعيش دونها والله لو لم يكن فيها إلا ~~سلامة الأبدان مع الأمن PageV04P535 # من الموت والجوع والعطش وسائر أصناف الحدثان لكان جديرا بأن يهجر الدنيا ~~بسببها وأن لا يؤثر عليها ما التصرم والتنغص من ضرورته كيف وأهلها ملوك ~~آمنون وفي أنواع السرير ممتعون لهم فيها كل ما يشتهون وهم في كل يوم بفناء ~~العرش يحضرون وإلى وجه الله الكريم ينظرون وينالون بالنظر من الله ما لا ~~ينظرون معه إلى سائر نعيم الجنان ولا يلتفتون وهم على الدوام بين أصناف هذه ~~النعم يترددون وهم من زوالها آمنون قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ينادي مناد يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن ~~لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن ~~تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قوله عز وجل ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ~~بما كنتم تعلمون (1) # ومهما أردت أن تعرف صفة الجنة فاقرأ القرآن فليس وراء بيان الله تعالى ~~بيان واقرأ من قوله تعالى لمن خاف مقام ربه جنتان إلى آخر سورة الرحمن ~~واقرأ سورة الواقعة وغيرها من السور # وإن أردت أن تعرف تفصيل صفاتها من الأخبار فتأمل الآن تفصليها بعد أن ~~اطلعت على جملتها وتأمل أولا عدد الجنان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في قوله تعالى {ولمن خاف مقام ربه جنتان} قال جنتان من فضة آنيتهما وما ~~فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ~~ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن (2) ثم انظر إلى أبواب الجنة ~~فإنها كثيرة بحسب أصول الطاعات كما أن أبواب النار بحسب أصول ms2749 المعاصي قال ~~أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنفق زوجين من ماله في سبيل ~~الله دعي من أبواب الجنة كلها وللجنة ثمانية أبواب فمن كان من أهل الصلاة ~~دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام ومن كان من أهل ~~الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد فقال ~~أبو بكر رضي الله عنه والله ما على أحد من ضرورة من أيها دعي فهل يدعى أحد ~~منها كلها قال نعم وأرجو أن تكون منهم (3) وعن عاصم بن ضمرة عن علي كرم ~~الله وجهه أنه ذكر النار فعظم أمرها ذكرا لا أحفظه ثم قال وسيق الذين اتقوا ~~ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة ~~يخرج من تحت ساقها عينان تجريان فعمدوا إلى إحداهما كما أمروا به فشربوا ~~منها فأذهبت ما في بطونهم من أذى أو بأس ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها ~~فجرت عليهم نضرة النعيم فلم تتغير أشعارهم بعدها أبدا ولا تشعث رءوسهم ~~كأنما دهنوا بالدهان ثم انتهوا إلى الجنة فقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم ~~فادخلوها خالدين ثم تلقاهم الولدان يطيفون بهم كما تطيف ولدان أهل الدنيا ~~بالحبيب يقدم عليهم من غيبة يقولون له أبشر أعد الله لك من الكرامة كذا قال ~~فينطق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين فيقول قد جاء ~~فلان باسمه الذي كان يدعى به في الدنيا فتقول أنت رأيته فيقول أنا رأيته ~~وهو بأثري فيستخفها الفرح حتى تقوم إلى أسكفة بابها فإذا انتهى إلى منزله ~~نظر إلى أساس بنيانه فإذا جندل اللؤلؤ فوقه صرح أحمر وأخضر وأصفر من كل لون ~~ثم يرفع رأسه فينظر إلى سقفه فإذا مثل البرق ولولا أن الله تعالى قدره لألم ~~أن يذهب بصره ثم يطأطىء رأسه فإذا أزواجه وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة ~~وزرابي مبثوثة ثم اتكأ فقال الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا ms2750 لنهتدي ~~PageV04P536 # لولا أن هدانا الله ثم ينادي مناد تحيون فلا تموتون أبدا وتقيمون فلا ~~تظعنون أبدا وتصحون فلا تمرضون أبدا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آتي ~~يوم القيامة باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن من أنت فأقول محمد فيقول بك ~~أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك (1) # ثم تأمل الآن في غرف الجنة واختلاف درجات العلو فيها فإن الآخرة أكبر ~~درجات وأكبر تفضيلا وكما أن بين الناس في الطاعات الظاهرة والأخلاق الباطنة ~~المحمودة تفاوتا ظاهرا فكذلك فيما يجازون به تفاوت ظاهر فإن كنت تطلب أعلى ~~الدرجات فاجتهد أن لا يسبقك أحد بطاعة الله تعالى فقد أمرك الله بالمسابقة ~~والمنافسة فيها فقال تعالى {سابقوا إلى مغفرة من ربكم} وقال تعالى {وفي ذلك ~~فليتنافس المتنافسون} والعجب أنه لو تقدم عليك أقرانك أو جيرانك بزيادة ~~درهم أو بعلو بناء ثقل عليك ذلك وضاق به صدرك وتنغص بسبب الحسد عيشك وأحسن ~~أحوالك أن تستقر في الجنة وأنت لا تسلم فيها من أقوام يسبقونك بلطائف لا ~~توازيها الدنيا بحذافيرها فقد قال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف فوقهم كما تتراءون الكوكب ~~الغائر في الأفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا يا رسول الله ~~تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا ~~بالله وصدقوا المرسلين (2) وقال أيضا إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم ~~كما ترون النجم الطالع في أفق من آفاق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما ~~(3) وقال جابر قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أحدثكم بغرف الجنة ~~قال قلت بلى يا رسول الله صلى الله عليك بأبينا أنت وأمنا قال إن في الجنة ~~غرفا من أصناف الجوهر كله يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها وفيها من ~~النعيم واللذات والسرور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ~~قال يا رسول الله ولمن هذه الغرف قال لمن أفشى السلام ms2751 وأطعم الطعام وأدام ~~الصيام وصلى بالليل والناس نيام قال قلنا يا رسول الله ومن يطيق ذلك قال ~~أمتي تطيق ذلك وسأخبركم عن ذلك من لقي أخاه فسلم عليه أو رد عليه فقد أفشى ~~السلام ومن أطعم أهله وعياله من الطعام حتى يشبعهم فقد أطعم الطعام ومن صام ~~شهر رمضان ومن كل شهر ثلاثة أيام فقد أدام الصيام ومن صلى العشاء الآخرة ~~وصلى الغداة في جماعة فقد صلى بالليل والناس نيام (4) يعني اليهود والنصارى ~~والمجوس # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله {ومساكن طيبة في جنات عدن} ~~قال قصور من لؤلؤ في كل قصر سبعون دارا من ياقوت أحمر في كل دارسبعون بيتا ~~من زمرد أخضر في كل بيت سرير على كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل ~~فراش زوجة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا ~~من الطعام في كل بيت سبعون وصيفة ويعطى المؤمن في كل غداة يعني من القوة ما ~~يأتي على ذلك أجمع (5) PageV04P537 ### |||| صفة حائط الجنة وأراضيها وأشجارها وأنهارها # تأمل في صورة الجنة وتفكر في غبطة سكانها وفي حسرة من حرمها لقناعته ~~بالدنيا عوضا عنها فقد قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~حائط الجنة لبنة من فضة ولبنة من ذهب ترابها زعفران وطينها مسك (1) وسئل ~~صلى الله عليه وسلم عن تربة الجنة فقال درمكة بيضاء مسك خالص (2) وقال أبو ~~هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سره أن يسقيه الله عز وجل الخمر ~~في الآخرة فليتركها في الدنيا ومن سره أن يكسوه الله الحرير في الآخرة ~~فليتركه في الدنيا (3) وقال أنهار الجنة تتفجر من تحت تلال أو تحت جبال ~~المسك (4) ولو كان أدنى أهل الجنة حلية عدلت بحلية أهل الدنيا جميعها لكان ~~ما يحليه الله عز وجل به في الآخرة أفضل من حلية الدنيا جميعها (5) وقال ~~أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجنة شجرة يسير ms2752 الراكب ~~في ظلها مائة عام لا يقطعها اقرءوا إن شئتم {وظل ممدود} (6) وقال أبو أمامة ~~كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إن الله عز وجل ينفعنا ~~بالأعراب ومسائلهم أقبل أعرابي فقال يا رسول الله قد ذكر الله في القرآن ~~شجرة مؤذية وما كنت أدري أن في الجنة شجرة تؤذي صاحبها فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {ما هي} قال السدر فإن لها شوكا فقال قد قال الله تعالى في ~~سدر مخضود يخضد الله شوكه فيجعل مكان كل شوكة ثمرة ثم تنفتق الثمرة منها عن ~~اثنين وسبعين لونا من الطعام ما منها لون يشبه الآخر (7) وقال جرير بن عبد ~~الله نزلنا الصفاح فإذا رجل نائم تحت شجرة قد كادت الشمس أن تبلغه فقلت ~~للغلام انطلق بهذا النطع فأظله فانطلق فأظله فلما استيقظ فإذا هو سلمان ~~فأتيته أسلم عليه فقال يا جرير تواضع لله فإن من تواضع لله في الدنيا رفعه ~~الله يوم القيامة هل تدري ما الظلمات يوم القيامة قلت لا أدري قال ظلم ~~الناس بعضهم بعضا ثم أخذ عويدا لا أكاد أراه من صغره فقال يا جرير لو طلبت ~~مثل هذا في الجنة لم تجده قلت يا أبا عبد الله فأين النخل والشجر قال ~~أصولها اللؤلؤ والذهب وأعلاها الثمر ### |||| صفة لباس أهل الجنة وفرشهم وسررهم وأرائكهم وخيامهم # قال الله يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير والآيات ~~في ذلك كثيرة وإنما تفصيله في الأخبار فقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال من يدخل الجنة ينعم لا يبأس لا تبلى PageV04P538 # ثيابه ولا يفنى شبابه في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر عن ~~قلب بشر (1) وقال رجل يا رسول الله أخبرنا عن ثياب أهل الجنة أخلق تخلق أم ~~نسج تنسج فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحك بعض القوم فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مم تضحكون من جاهل سأل عالما ثم قال رسول الله ms2753 صلى الله ~~عليه وسلم بل ينشق عنها ثمر الجنة مرتين (2) وقال أبو هريرة قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة ~~البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون آنيتهم وأمشاطهم من الذهب ~~والفضة ورشحهم المسك لكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقها من وراء اللحم من ~~الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة ~~وعشية وفي رواية على كل زوجة سبعون حلة (3) وقال صلى الله عليه وسلم في ~~قوله تعالى يحلون فيها من أساور من ذهب قال إن عليهم التيجان إن أدنى لؤلؤة ~~فيها تضيء ما بين المشرق والمغرب (4) وقال صلى الله عليه وسلم الخيمة درة ~~مجوفة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم ~~الآخرون (5) رواه البخاري في الصحيح قال ابن عباس الخيمة درة مجوفة فرسخ في ~~فرسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في قوله تعالى {وفرش مرفوعة} قال ما بين الفراشين كما بين ~~السماء والأرض (6) ### |||| صفة طعام أهل الجنة # بيان طعام أهل الجنة مذكور في القرآن من الفواكه والطيور السمان والمن ~~والسلوى والعسل واللبن وأصناف كثيرة لا تحصى قال الله تعالى كلما رزقوا ~~فيها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها وذكر الله ~~تعالى شراب أهل الجنة في مواضع كثيرة وقد قال ثوبان مولى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر من ~~أحبار اليهود فذكر أسئلة إلى أن قال فمن أول إجازة يعني على الصراط فقال ~~فقراء المهاجرين قال اليهودي فما تحفتهم حين يدخلون الجنة قال زيادة كبد ~~الحوت قال فما غداؤهم على أثرها قال ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل في ~~أطرافها قال فما شرابهم عليه قال من عين فيها تسمى سلسبيلا فقال صدقت (7) ~~وقال زيد بن أرقم جاء ms2754 رجل من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ~~يا أباالقاسم ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون وقال لأصحابه إن ~~أقرلى بها خصمته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بلى والذي نفسي بيده إن ~~أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم PageV04P539 # والمشرب والجماع فقال اليهودي فإن الذي يأكل ويشرب يكون له الحاجة فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتهم عرق يفيض من جلودهم مثل المسك فإذا ~~البطن قد ضمر (1) وقال ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك ~~لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا (2) وقال حذيفة قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجنة طيرا مثل البخاتي قال أبو بكر ~~رضي الله عنه إنها لناعمة يا رسول الله قال أنعم منها من يأكلها وأنت ممن ~~يأكلها يا أبا بكر (3) وقال عبد الله بن عمر في قوله تعالى يطاف عليهم ~~بصحاف قال يطاف عليهم بسبعين صحفة من ذهب كل صحفة فيها لون ليس في الأخرى ~~مثله وقال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه ومزاجه من تسنيم قال يمزج ~~لأصحاب اليمين ويشربه المقربون صرفا وقال لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل ~~يده فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها ### |||| صفة الحور العين والولدان # قد تكرر في القرآن وصفهم ووردت الأخبار بزيادة شرح فيه # روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال غدوة في سبيل ~~الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ولقاب قوس أحدكم أو موضع قدمه من ~~الجنة خير من الدنيا وما فيها ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى ~~الأرض لأضاءت ولملأت ما بينهما رائحة ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا بما ~~فيها (4) يعني الخمار وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في قوله تعالى {كأنهن الياقوت والمرجان} قال تنظر إلى وجهها في خدرها ~~أصفى من المرآة وإن ms2755 أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب وإنه ~~يكون عليها سبعون ثوبا ينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك (5) وقال ~~أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري بي دخلت في الجنة موضعا ~~يسمى البيدخ عليه خيام اللؤلؤ والزبرجد الأخضر والياقوت الأحمر فقلن السلام ~~عليك يا رسول الله فقلت يا جبريل ما هذا النداء قال هؤلاء المقصورات في ~~الخيام استأذن ربهن في السلام عليك فأذن لهن فطفقن يقلن نحن الراضيات فلا ~~نسخط أبدا ونحن الخالدات فلا نظعن أبدا وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قوله تعالى حور مقصورات في الخيام // حديث أنس لما أسري بي دخلت في الجنة ~~موضعا يسمى الصرح عليه خيام اللؤلؤ والزبرجد الأخضر والياقوت الأحمر الحديث ~~وفيه أن جبريل قال هؤلاء المقصورات في الخيام وفيه فطفقن يقلن نحن الراضيات ~~فلا نسخط لم أجده هكذا PageV04P540 # بتمامه وللترمذى من حديث على أن فى الجنة لمجتمعا للحور العين يرفعن ~~أصواتا لم تسمع الخلائق مثلها يقلن نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الناعمات ~~فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط طوبى لمن كان لنا وكنا له وقال غريب ولأبى ~~الشيخ فى كتاب العظمة حديث ابن أبى أوفى بسند ضعيف فيجتمعن فى كل سبعة أيام ~~فيقلن بأصوات الحديث # وقال مجاهد في قوله تعالى {وأزواج مطهرة} قال من الحيض والغائط والبول ~~والبصاق والنخامة والمني والولد # وقال الأوزاعي {في شغل فاكهون} قال شغلهم افتضاض الأبكار وقال رجل يا ~~رسول الله أيباضع أهل الجنة قال يعطى الرجل منهم من القوة في اليوم الواحد ~~أفضل من سبعين منكم (1) وقال عبد الله بن عمر إن أدنى أهل الجنة منزلة من ~~يسعى له ألف خادم كل خادم على عمل ليس عليه صاحبه وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن الرجل من أهل الجنة ليتزوج خمسمائة حوراء وأربعة آلاف بكر ~~وثمانية آلاف ثيب يعانق كل واحدة منهن مقدار عمره في الدنيا (2) وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن في الجنة سوقا ما فيها بيع ms2756 ولا شراء إلا الصور من ~~الرجال والنساء فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها وإن فيها لمجتمع الحور ~~العين يرفعن بأصوات لم تسمع الخلائق مثلها يقلن نحن الخالدات فلا نبيد ونحن ~~الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط فطوبى لمن كان لنا وكنا له (3) ~~وقال أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الحور العين في ~~الجنة يتغنين نحن الحور الحسان خبئنا لأزواج كرام (4) وقال يحيى بن كثير في ~~قوله تعالى {في روضة يحبرون} قال السماع في الجنة وقال أبو أمامة الباهلي ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من عبد يدخل الجنة إلا ويجلس عند رأسه ~~وعند رجليه ثنتان من الحور العين يغنيانه بأحسن صوت سمعه الإنس والجن وليس ~~بمزمار الشيطان ولكن بتحميد الله وتقديسه (5) ### |||| بيان جمل مفرقة من أوصاف أهل الجنة وردت بها الأخبار # روى أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ألا هل من ~~مشمر للجنة إن الجنة لا خطر 1 لها هى ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز ~~وقصر مشيد ونهر مطرد وفاكهة كثيرة نضيجة وزوجة وزوجة حسناء جميلة في حبرة ~~ونعمة في مقام أبدا ونضرة في دار عالية بهية سليمة قالوا نحن المشمرون لها ~~يا رسول الله قال قولوا إن شاء الله تعالى ثم ذكر الجهاد وحقه عليه (6) ~~وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال هل في الجنة خيل فإنها ~~تعجبني قال إن أحببت ذلك أتيت بفرس من ياقوتة حمراء فتطير بك فى الجنة حيث ~~شئت وقال له رجل إن الإبل تعجبني فهل في الجنة من إبل فقال يا عبد الله إن ~~أدخلت الجنة فلك فيها ما اشتهت نفسك ولذت PageV04P541 # عيناك (1) وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~الرجل من أهل الجنة ليولد له الولد كما يشتهي يكون حمله وفصاله وشبابه في ~~ساعة واحدة (2) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استقر أهل الجنة في ~~الجنة ms2757 اشتاق الإخوان إلى الإخوان فيسير سرير هذا إلى سرير هذا فيلتقيان ~~ويتحدثان ما كان بينهما في دار الدنيا فيقول يا أخي تذكر يوم كذا في مجلس ~~كذا فدعونا الله عز وجل فغفر لنا (3) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~أهل الجنة جرد مرد جعاد مكحولون أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم طولهم ستون ~~ذراعا في عرض سبعة أذرع (4) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أدنى أهل ~~الجنة الذي له ثمانون ألف خادم وثنتان وسبعون زوجة وينصب له قبة من لؤلؤ ~~وزبرجد وياقوت كما بين الجابية إلى صنعاء وإن عليهم التيجان وإن أدنى لؤلؤة ~~منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب (5) وقال صلى الله عليه وسلم نظرت إلى ~~الجنة فإذا الرمانة من رمانها كجلد البعير المقتب وإذا طيرها كالبخت وإذا ~~فيها جارية فقلت يا جارية لمن أنت فقالت لزيد بن حارثة وإذا في الجنة ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (6) وقال كعب خلق الله تعالى آدم ~~عليه السلام بيده وكتب التوراة بيده وغرس الجنة بيده ثم قال لها تكلمي ~~فقالت قد أفلح المؤمنون فهذه صفات الجنة ذكرناها جملة ثم نقلناها تفصيلا # وقد ذكر الحسن البصري رحمه الله جملتها فقال إن رمانها مثل الدلاء وإن ~~أنهارها لمن ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من عسل مصفى ~~لم يصفه الرجال وأنها من خمر لذة للشاربين لا تسفه الأحلام ولا تصدع منها ~~الرءوس وإن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ملوك ~~ناعمون أبناء ثلاث وثلاثون في سن واحد طولهم ستون ذراعا في السماء كحل جرد ~~مرد قد أمنوا العذاب واطمأنت بهم الدار وإن أنهارها لتجري على رضراض من ~~ياقوت وزبرجد وإن عروقها ونخلها وكرمها اللؤلؤ وثمارها لا يعلم علمها إلا ~~الله تعالى وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة سنة وإن لهم فيها خيلا وإبلا ~~هفافة رحالها وأزمتها وسروجها من ياقوت يتزاورون فيها وأزواجهم الحور العين ms2758 ~~كأنهن بيض مكنون وإن المرأة لتأخذ بين إصبعيها سبعين حلة فتلبسها فيرى ~~PageV04P542 # مخ ساقها من وراء تلك السبعين حلة قد طهر الله الأخلاق من السوء والأجساد ~~من الموت لا يمتخطون فيها ولا يبولون ولا يتغوطون وإنما هو حبشاء ورشح مسك ~~لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا أما إنه ليس ليل يكر الغدو على الرواح والرواح ~~على الغدو وإن آخر من يدخل الجنة وأدناهم منزلة ليمد له في بصره وملكه ~~مسيرة مائة عام في قصور من الذهب والفضة وخيام اللؤلؤ ويفسح له في بصره حتى ~~ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه يغدى عليهم بسبعين ألف صحفة من ذهب ~~ويراح عليهم بمثلها في كل صحفة لون ليس في الأخرى مثله ويجد طعم آخره كما ~~يجد طعم أوله وإن في الجنة لياقوتة فيها سبعون ألف دار في كل دار سبعون ألف ~~بيت ليس فيها صدع ولا ثقب # وقال مجاهد إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن يسير في ملكه ألف سنة يرى أقصاه ~~كما يرى أدناه وأرفعهم الذي ينظر إلى ربه بالغداة والعشي وقال سعيد ابن ~~المسيب ليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة سوار من ذهب وسوار من ~~لؤلؤ وسوار من فضة # وقال أبو هريرة رضي الله عنه إن في الجنة حوراء يقال لها العيناء إذا مشت ~~مشى عن يمينها ويسارها سبعون ألف وصيفة وهي تقول أين الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر وقال يحيى بن معاذ ترك الدنيا شديد وفوت الجنة أشد وترك ~~الدنيا مهر الآخرة وقال أيضا في طلب الدنيا ذل النفوس وفي طلب الآخرة عز ~~النفوس فيا عجبا لمن يختار المذلة في طلب ما يفنى ويترك العز في طلب ما ~~يبقى ### |||| صفة الرؤية والنظر إلى وجه الله تبارك تعالى # قال الله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وهذه الزيادة هي النظر إلى ~~وجه الله تعالى وهي اللذة الكبرى التي ينسى فيها نعيم أهل الجنة وقد ذكرناه ~~حقيقتها في كتاب المحبة وقد شهد لها الكتاب والسنة على خلاف ما يعتقده ms2759 أهل ~~البدعة قال جرير بن عبد الله البجلي كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فرأى القمر ليلة البدر فقال إنكم ترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون ~~في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ~~فافعلوا ثم قرأ {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} (1) وهو مخرج ~~في الصحيحين وروى مسلم في الصحيح عن صهيب قال قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة {قال} إذا دخل أهل الجنة الجنة ~~وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ~~ينجزكموه قالوا ما هذا الموعد ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا ~~الجنة ويجرنا من النار قال فيرفع الحجاب وينظرون إلى وجه الله عز وجل فما ~~أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إليه (2) وقد روى حديث الرؤيا جماعة من ~~الصحابة وهذه هي غاية الحسنى ونهاية النعمى وكل ما فصلناه من التنعم عند ~~هذه النعمة ينسى وليس لسرور أهل الجنة عند سعادة اللقاء منتهى بل لا نسبة ~~لشىء من لذات الجنة إلى لذة اللقاء وقد أوجزنا في الكلام هنا لما فصلناه في ~~كتاب المحبة والشوق والرضا فلا ينبغي أن تكون همة العبد من الجنة بشيء سوى ~~لقاء المولى وأما سائر نعيم الجنة فإنه يشارك فيه البهيمة المسرحة في ~~المرعى PageV04P543 ### |||| نختم الكتاب بباب في سعة رحمة الله تعالى على سبيل التفاؤل بذلك # فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم يحب الفأل (1) وليس لنا ~~من الأعمال ما نرجو به المغفرة فنقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~التفاؤل ونرجو أن يختم عاقبتنا بالخير في الدنيا والآخرة كما ختمنا الكتاب ~~بذكر رحمة الله تعالى # فقد قال الله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء وقال تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه ms2760 هو الغفور الرحيم وقال تعالى ومن يعمل ~~سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما # ونحن نستغفر الله تعالى من كل ما زلت به القدم أو طغى به القلم في كتابنا ~~هذا وفي سائر كتبنا ونستغفره من أقوالنا التي لا توافقها أعمالنا ونستغفره ~~مما ادعيناه وأظهرناه من العلم والبصيرة بدين الله تعالى مع التقصير فيه ~~ونستغفره من كل علم وعمل قصدنا به وجهه الكريم ثم خالطه غيره ونستغفره من ~~كل وعد وعدناه به من أنفسنا ثم قصرنا في الوفاء به ونستغفره من كل نعمة ~~أنعم بها علينا فاستعملناها في معصيته ونستغفره من كل تصريح وتعريض بنقصان ~~ناقص وتقصير مقصر كنا متصفين به ونستغفره من كل خطرة دعتنا إلى تصنع وتكلف ~~تزينا للناس في كتاب سطرناه أو كلام نظمناه أو علم أفدناه أو استفدناه ~~ونرجو بعد الاستغفار من جميع ذلك كله لنا ولمن طالع كتابنا هذا أو كتبه أو ~~سمعه أن نكرم بالمغفرة والرحمة والتجاوز عن جميع السيئات ظاهرا وباطنا فإن ~~الكرم عميم والرحمة واسعة والجود على أصناف الخلائق فائض # ونحن خلق من خلق الله عز وجل لا وسيلة لنا إليه إلا فضله وكرمه فقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله تعالى مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة ~~بين الجن والأنس والطير والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وأخر ~~تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة (2) ويروى أنه كان يوم ~~القيامة أخرج الله تعالى كتابا من تحت العرش فيه إن رحمتي سبقت غضبي وأنا ~~أرحم الراحمين فيخرج من النار مثلا أهل الجنة (3) وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يتجلى الله عز وجل لنا يوم القيامة ضاحكا فيقول أبشروا معشر ~~المسلمين فإنه ليس منكم أحد إلا وقد جعلت مكانه في النار يهوديا أو نصرانيا ~~(4) وقال النبي صلى الله عليه وسلم يشفع الله تعالى آدم يوم القيامة من ~~جميع ذريته في مائة ألف ألف وعشرة آلاف ألف (5) وقال صلى الله عليه وسلم إن ~~الله عز ms2761 وجل يقول يوم القيامة للمؤمنين هل أحببتم لقائي فيقولون نعم يا ~~ربنا فيقول لم فيقولون رجونا عفوك ومغفرتك فيقول قد أوجبت لكم مغفرتي (6) ~~وقال PageV04P544 # صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل يوم القيامة أخرجوا من النار من ~~ذكرني يوما أو خافني في مقام (1) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~اجتمع أهل النار في النار ومن شاء الله معهم من أهل القبلة قال الكفار ~~للمسلمين ألم تكونوا مسلمين قالوا بلى فيقولون ما أغنى عنكم إسلامكم إذ ~~أنتم معنا في النار فيقولون كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فيسمع الله عز وجل ما ~~قالوا فيأمر بإخراج من كان في النار من أهل القبلة فيخرجون فإذا رأى ذلك ~~الكفار قالوا يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما أخرجوا ثم قرأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} (2) وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لله أرحم بعبده المؤمن من الوالدة الشفيقة بولدها (3) ~~وقال جابر بن عبد الله من زادت حسناته على سيآته يوم القيامة فذلك الذي ~~يدخل الجنة بغير حساب ومن استوت حسناته وسيآته فذلك الذي يحاسب حسابا يسيرا ~~ثم يدخل الجنة وإنما شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أوبق نفسه ~~وأثقل ظهره # ويروى إن الله عز وجل قال لموسى عليه السلام يا موسى استغاث بك قارون فلم ~~تغثه وعزتي وجلالي لو استغاث بي لأغثته وعفوت عنه وقال سعد بن بلال يؤمر ~~يوم القيامة بإخراج رجلين من النار فيقول الله تبارك وتعالى ذلك بما قدمت ~~أيديكما وما أنا بظلام للعبيد ويأمر بردهما إلى النار فيعدو أحدهما في ~~سلاسله حتى يقتحمها ويتلكأ الآخر ويأمر بردهما ويسألهما عن فعلهما فيقول ~~الذي عدا إلى النار قد حذرت من وبال المعصية فلم أكن لأتعرض لسخطك ثانية ~~ويقول الذي تلكأ حسن ظني بك كان يشعرني أن لا تردني إليها بعد ما أخرجتني ~~منها فيأمر بهما إلى الجنة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي مناد ~~من تحت العرش ms2762 يوم القيامة يا أمة محمد أما ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم ~~وبقيت التبعات فتواهبوها وادخلوا الجنة برحمتي (4) ويروى أن أعرابيا سمع ~~ابن عباس يقرأ {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} فقال الأعرابي ~~فوالله ما أنقذكم منها وهو يريد أن يوقعكم فيها فقال ابن عباس خذوها من غير ~~فقيه وقال الصنابحي دخلت على عبادة بن الصامت وهو في مرض الموت فبكيت فقال ~~مهلا لم تبكي فوالله ما من حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكم ~~فيه خير إلا حدثتكموه إلا حديثا واحدا وسوف أحدثكموه اليوم وقد أحيط بنفسي ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من شهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله حرم الله النار عليه (5) وقال عبد الله ابن عمرو بن العاص ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يستخلص رجلا من أمتي على رءوس ~~الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل منها مثل مد البصر ~~ثم يقول أتنكر من هذا شيئا أظلمتك كتبتي الحافظون فيقول لا يا رب فيقول ~~أفلك عذر فيقول لا يا رب فيقول بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك ~~PageV04P545 # اليوم فيخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول ~~الله فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقول إنك لا تظلم قال ~~فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة قال فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فلا ~~يثقل مع اسم الله شيء (1) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر حديث ~~طويل يصف فيه القيامة والصراط إن الله يقول للملائكة من وجدتم في قلبه ~~مثقال دينار من خير فأخرجوه من النار فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون يا ربنا ~~لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ~~نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون يا ربنا لم نذر ~~فيها أحدا ممن أمرتنا ms2763 به يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير ~~فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون يا ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا ~~به فكان أبو سعيد يقول إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم إن الله ~~لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما قال فيقول ~~الله تعالى شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم ~~الراحمين فيقبض قبضة فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما ~~فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون منها كما تخرج ~~الحبة في حميل السيل ألا ترونها تكون مما يلي الحجر والشجر ما يكون إلى ~~الشمس أصفر وأخضر وما يكون منها إلى الظل أبيض قالوا يا رسول الله كأنك كنت ~~ترعى بالبادية قال فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة ~~يقولون هؤلاء عتقاء الرحمن الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير ~~قدموه ثم يقول ادخلوا الجنة فما رأيتم فهو لكم فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم ~~تعط أحدا من العالمين فيقول الله تعالى إن لكم عندي ما هو أفضل من هذا ~~فيقولون يا ربنا أي شيء أفضل من هذا فيقول رضائي عنكم فلا أسخط عليكم بعده ~~أبدا (2) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما وروى البخاري أيضا عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال ~~عرضت علي الأمم يمر النبي ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان والنبى ليس معه ~~أحد والنبي معه الرهط فرأيت سوادا كثيرا فرجوت أن تكون أمتي فقيل لي هذا ~~موسى وقومه ثم قيل لي انظر فرأيت سوادا كثيرا قد سد الأفق فقيل لي انظر ~~هكذا وهكذا فرأيت سواد كثيرا فقيل لي هؤلاء أمتك ومع هؤلاء سبعون ألفا ~~يدخلون الجنة بغير حساب فتفرق الناس ولم يبين لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فتذاكر ذلك الصحابة فقالوا أما نحن فولدنا في الشرك ولكن قد آمنا ~~بالله ms2764 ورسوله هؤلاء هم أبناؤنا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة ~~فقال ادع الله أن يجعلني منهم يا رسول الله فقال أنت منهم ثم قام آخر فقال ~~مثل قول عكاشة فقال النبي صلى الله عليه وسلم سبقك بها عكاشة (3) عن عمر بن ~~حزم الأنصاري قال تغيب عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا لا يخرج إلا ~~لصلاة مكتوبة ثم يرجع فلما كان اليوم الرابع خرج إلينا فقلنا يا رسول الله ~~احتبست عنا حتى ظننا أنه قد حدث حدث قال لم يحدث إلا خير إن ربي عز وجل ~~وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا لا حساب عليهم وإني سألت ربي في ~~هذه الثلاثة أيام المزيد فوجدت ربي ماجدا واجدا كريما فأعطاني مع كل واحد ~~من PageV04P546 # السبعين ألفا سبعين ألفا قال قلت يا رب وتبلغ أمتي هذا قال أكمل لك العدد ~~من الأعراب (1) وقال أبو ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض لى جبريل ~~فى جانب الحرة فقال بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة فقلت ~~يا جبريل وإن سرق وإن زنى قال نعم وإن سرق وإن زنى قلت وإن سرق وإن زنى قال ~~وإن سرق وإن زنى قلت وإن سرق وإن زنى قال وإن سرق وإن زنى وإن شرب الخمر ~~(2) وقال أبو الدرداء قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان فقلت وإن سرق وإن زنى يا رسول الله فقال ولمن خاف مقام ربه جنتان ~~فقلت وإن سرق وإن زنى فقال ولمن خاف مقام ربه جنتان فقلت وإنى سرق وإن زنى ~~يا رسول الله قال وإن رغم أنف أبي الدرداء (3) وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا كان يوم القيامة دفع إلى كل مؤمن رجل من أهل الملل فقيل له ~~هذا فداؤك من النار (4) وروى مسلم في الصحيح عن أبي بردة أنه ms2765 حدث عمر بن ~~عبد العزيز عن أبيه أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يموت رجل ~~مسلم إلا أدخل الله تعالى مكانه النار يهوديا أو نصرانيا فاستحلفه عمر بن ~~عبد العزيز بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أن أباه حدثه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فحلف له (5) وروي أنه وقف صبي في بعض المغازي ينادي ~~عليه فيمن يزيد في يوم صائف شديد الحر فبصرت به امرأة في خباء القوم فأقبلت ~~تشتد وأقبل أصحابها خلفها حتى أخذت الصبي وألصقته إلى صدرها ثم ألقت ظهرها ~~على البطحاء وجعلته على بطنها تقيه الحر وقالت ابني ابني فبكى الناس وتركوا ~~ما هم فيه فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف عليهم فأخبروه الخبر ~~فسر برحمتهم ثم بشرهم فقال أعجبتم من رحمة هذه لابنها قالوا نعم قال صلى ~~الله عليه وسلم فإن الله تبارك وتعالى أرحم بكم جميعا من هذه بابنها (6) ~~والحمد لله تعالى عودا على بدء والصلاة والتسليم على سيدنا محمد فى كل حركة ~~وهده يقول مؤلفه عبد الرحيم بن الحسين العراقى اننى أكملت مسودة هذا ~~التأليف فى سنة 761 وأكملت تبييض هذا المختصر منها فى يوم الأثنين 12 من ~~شهر ربيع الأول سنة 790 انتهى فتفرق المسلمون على أفضل السرور وأعظم ~~البشارة # فهذه الأحاديث وما أوردنا في كتاب الرجاء يبشرنا بسعة رحمة الله تعالى ~~فنرجو من الله تعالى أن لا يعاملنا بما نستحقه ويتفضل علينا بما هو أهله ~~بمنه وسعة جوده ورحمته PageV04P547 ms2766