######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000036 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الغزالي #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن محمد الغزالي أبو حامد #META# 011.AuthorBORN :: 450 #META# 011.AuthorDIED :: 505 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب أخرى :: كتب العقائد والملل :: مواضيع عقدية :: مواضيع عقدية محددة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: المقصد الأسنى #META# 030.LibURI :: JK_000036 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: بسام عبد الوهاب الجابي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: الجفان والجابي #META# 044.EdPLACE :: قبرص #META# 045.EdYEAR :: 1407 - 1987 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى PageV01P001 # | الفصل الأول في بيان معنى الاسم والمسمى والتسمية # قد كثر الخائضون في الاسم والمسمى وتشعبت بهم الطرق وزاغ عن الحق أكثر ~~الفرق فمن قائل إن الاسم هو المسمى ولكنه غير التسمية ومن قائل إن الاسم ~~غير المسمى ولكنه هو التسمية ومن ثالث معروف بالحذق في صناعة الجدل والكلام ~~يزعم أن الاسم قد يكون هو المسمى كقولنا لله تعالى إنه ذات وموجود وقد يكون ~~غير المسمى كقولنا إنه خالق ورازق فإنهما يدلان على الخلق والرزق وهما غيره ~~وقد يكون بحيث لا يقال إنه المسمى ولا هو غيره كقولنا إنه عالم وقادر ~~فإنهما يدلان على العلم والقدرة وصفات الله لا يقال إنها هي الله تعالى ولا ~~إنها غيره # والخلاف يرجع إلى أمرين # أحدهما أن الاسم هل هو التسمية أم لا # والثاني أن الاسم هل هو المسمى أم لا # والحق أن الاسم غير التسمية وغير المسمى وأن هذه ثلاثة أسماء متباينة غير ~~مترادفة ولا سبيل إلى كشف الحق فيه إلا ببيان معنى كل واحد من هذه الألفاظ ~~الثلاثة مفردا ثم بيان معنى قولنا هو هو ومعنى قولنا هو غيره فهذا منهاج ~~الكشف للحقائق ومن عدل عن هذا المنهج لم ينجح أصلا PageV01P024 # فإن كل علم تصديقي أعني علم ما يتطرق إليه التصديق أو التكذيب فإنه لا ~~محالة لفظه قضية تشتمل على موصوف وصفة ونسبة لتلك الصفة إلى الموصوف فلا بد ~~أن تتقدم عليه المعرفة بالموصوف وحده على سبيل التصور لحده وحقيقته ثم ~~المعرفة بالصفة وحدها على سبيل التصور لحدها وحقيقتها ثم النظر في نسبة تلك ~~الصفة إلى الموصوف أنها موجودة له أو منفية عنه فمن أراد مثلا أن يعلم أن ~~الملك قديم أو حادث فلا بد أن يعرف أولا معنى لفظ الملك ثم معنى القديم ~~والحادث ثم ينظر في إثبات أحد الوصفين للملك أو نفيه عنه فلذلك لا بد من ~~معرفة معنى الاسم ومعنى المسمى ومعنى التسمية ومعرفة معنى الهوية والغيرية ~~حتى يتصور أن يعرف بعد ms001 ذلك أنه هو أو غيره # فنقول في بيان حد الاسم وحقيقته إن للأشياء وجودا في الأعيان ووجودا في ~~الأذهان ووجودا في اللسان # أما الوجود في الأعيان فهو الوجود الأصلي الحقيقي والوجود في الأذهان هو ~~الوجود العلمي الصوري والوجود في اللسان هو الوجود اللفظي الدليلي فإن ~~السماء مثلا لها وجود في عينها ونفسها ثم لها وجود في أذهاننا ونفوسنا لأن ~~صورة السماء تنطبع في أبصارنا ثم في خيالنا حتى لو عدمت السماء مثلا وبقينا ~~لكانت صورة السماء حاضرة في خيالنا وهذه الصورة هي التي يعبر عنها بالعلم ~~وهو مثال المعلوم فإنه محاك للمعلوم ومواز له وهي كالصورة المنطبعة في ~~المرآة فإنها محاكية للصورة الخارجة المقابلة لها # وأما الوجود في اللسان فهو اللفظ المركب من أصوات قطعت أربع تقطيعات يعبر ~~عن القطعة الأولى بالسين وعن الثانية بالميم وعن الثالثة بالألف وعن ~~الرابعة بالهمزة وهو قولنا سماء فالقول دليل على ما هو في الذهن وما في ~~الذهن صورة لما في الوجود مطابقة له ولو لم يكن وجود في PageV01P025 ~~الأعيان لم ينطبع صورة في الأذهان ولو لم ينطبع في صورة الأذهان لم يشعر ~~بها إنسان ولو لم يشعر بها الإنسان لم يعبر عنها باللسان فإذا اللفظ والعلم ~~والمعلوم ثلاثة أمور متباينة لكنها متطابقة متوازية وربما تلتبس على البليد ~~فلا يميز البعض منها عن البعض # وكيف لا تكون هذه الوجودات متمايزة ويلحق كل واحد منها خواص لا يلحق ~~الأخرى فإن ذالإنسان مثلا من حيث أنه موجود في الأعيان يلحقه أنه نائم ~~ويقظان وحي وميت وقائم وماش وقاعد وغير ذلك ومن حيث أنه موجود في الأذهان ~~يلحقه أنه مبتدأ وخبر وعام وخاص وجزئي وكلي وقضية وغير ذلك ومن حيث أنه ~~موجود في اللسان يلحقه أنه عربي وعجمي وتركي وزنجي وكثير الحروف وقليلها ~~وأنه اسم وفعل وحرف وغير ذلك وهذا الوجود يجوز أن يختلف بالأعصار ويتفاوت ~~في عادة أهل الأمصار # فأما الوجود الذي في الأعيان والأذهان فلا يختلف بالأعصار والأمم البتة # فإذا عرفت هذا فدع عنك الآن ms002 الوجود الذي في الأعيان والأذهان وانظر في ~~الوجود اللفظي فإن غرضنا يتعلق به فنقول # الألفاظ عبارة عن الحروف المقطعة الموضوعة بالاختيار الإنساني للدلالة ~~على أعيان الأشياء وهي منقسمة إلى ما هو موضوع أولا وإلى ما هو موضوع ثانيا # أما الموضوع أولا فكقولك سماء وشجر وإنسان وغير ذلك # وأما الموضوع ثانيا فكقولك اسم وفعل وحرف وأمر ونهي ومضارع وإنما قلنا ~~إنه موضوع وضعا ثانيا لأن الألفاظ الموضوعة للدلالة على الأشياء منقسمة إلى ~~ما يدل على معنى في غيره فيسمى حرفا وإلى ما يدل على معنى في نفسه وما يدل ~~على معنى في نفسه ينقسم إلى ما يدل على زمان وجود ذلك PageV01P026 المعنى ~~ويسمى فعلا كقولك ضرب يضرب وإلى ما لا يدل على الزمان ويسمى اسما كقولك ~~سماء وأرض # فأولا وضعت الألفاظ دلالات على الأعيان ثم بعد ذلك وضع الاسم والفعل ~~والحرف دلالات على أقسام الألفاظ لأن الألفاظ بعد وضعها أيضا صارت موجودات ~~في الأعيان وارتسمت صورها في الأذهان فاستحقت أيضا أن يدل عليها بحركات ~~اللسان # ويتصور الألفاظ أن تكون موضوعة وضعا ثالثا ورابعا حتى إذا قسم الاسم إلى ~~أقسام وعرف كل قسم باسم كان ذلك الاسم في الدرجة الثالثة كما يقال مثلا ~~الاسم ينقسم إلى نكرة وإلى معرفة وغير ذلك والغرض من هذا كله أن تعرف أن ~~الاسم يرجع إلى لفظ موضوع وضعا ثانيا # فإذا قيل لنا ما حد الاسم # قلنا إنه اللفظ الموضوع للدلالة وربما نضيف إلى ذلك ما يميزه عن الحرف ~~والفعل # وليس تحرير الحد من غرضنا الآن إنما الغرض أن المراد بالاسم المعنى الذي ~~هو في الرتبة الثالثة وهو الذي في اللسان دون الذي في الأعيان والأذهان # فإذا عرفت أن الاسم إنما يعنى به اللفظ الموضوع للدلالة فاعلم أن كل ~~موضوع للدلالة فله واضع ووضع وموضوع له يقال للموضوع له مسمى وهو المدلول ~~عليه من حيث أنه يدل عليه ويقال للواضع المسمي ويقال للوضع التسمية يقال ~~سمى فلان ولده إذا وضع لفظا يدل عليه ويسمي وضعه تسمية وقد ms003 يطلق لفظ ~~التسمية على ذكر الاسم الموضوع كالذي ينادي شخصا ويقول يا زيد فيقال سماه ~~فإن قال يا أبا بكر يقال كناه وكان PageV01P027 لفظ التسمية مشتركا بين وضع ~~الاسم وبين ذكر الاسم وإن كان الأشبه أنه أحق بالوضع منه بالذكر # ويجري الاسم والتسمية والمسمى مجرى الحركة والتحريك والمحرك والمحرك وهذه ~~أربعة أسام متباينة تدل على معان مختلفة فالحركة تدل على النقلة من مكان ~~إلى مكان والتحريك يدل على إيجاد هذه الحركة والمحرك يدل على فاعل الحركة ~~والمحرك يدل على الشيء الذي فيه الحركة مع كونه صادرا من فاعل لا كالمتحرك ~~الذي لا يدل إلا على المحل الذي فيه الحركة ولا يدل على الفاعل # فإذا ظهر الآن مفهومات هذه الألفاظ فلينظر هل يجوز أن يقال فيها إن بعضها ~~هو البعض أو يقال إنه غيره # ولا يفهم هذا إلا بمعرفة معنى الغيرية والهوية # وقولنا هو هو يطلق على ثلاثة أوجه # الوجه الأول يضاهي قول القائل الخمر هي العقار والليث هو الأسد وهذا يجري ~~في كل شيء هو واحد في نفسه وله اسمان مترادفان لا يختلف مفهومهما البتة ولا ~~يتفاوت بزيادة ولا نقصان وإنما تختلف حروفهما فقط وأمثال هذه الأسماء تسمى ~~مترادفة # الوجه الثاني يضاهي قول القائل الصارم هو السيف والمهند هو السيف وهذا ~~يفارق الأول فإن هذه الأسامي مختلفة المفهومات وليست مترادفة لأن الصارم ~~يدل على السيف من حيث هو قاطع والمهند يدل على السيف من حيث نسبته إلى ~~الهند والسيف يدل دلالة مطلقة من غير إشارة إلى غير ذلك وإنما المترادفة هي ~~التي تختلف حروفها فقط ولا تتفاوت بزيادة ولا نقصان فلنسم هذا الجنس ~~متداخلا إذ السيف داخل في مفهوم الألفاظ الثلاثة وإن كان بعضها يشير معه ~~إلى زيادة PageV01P028 # الوجه الثالث أن يقول القائل الثلج أبيض بارد فالأبيض والبارد واحد ~~والأبيض هو البارد فهذا أبعد الوجوه ويرجع ذلك إلى وحدة الموضوع الموصوف ~~بالوصفين معناه أن عينا واحدة موصوفة بالبياض والبرودة # وعلى الجملة فقولنا هو هو يدل على كثرة لها وحدة من ms004 وجه فإنه إذا لم يكن ~~وحدة لم يمكن أن يقال هو هو واحد وما لم يكن كثرة لم يكن هو هو فإنه إشارة ~~إلى شيئين # فلنرجع إلى غرضنا فنقول من ظن أن الاسم هو المسمى على قياس الأسماء ~~المترادفة كما يقال الخمر هي العقار فقد أخطأ جدا لأن مفهوم المسمى غير ~~مفهوم الاسم إذ بينا أن الاسم لفظ دال والمسمى مدلول وقد يكون غير لفظ ولأن ~~الاسم عربي وعجمي وتركي أي موضوع العرب والعجم والترك والمسمى قد لا يكون ~~كذلك والاسم إذا سئل عنه قيل ما هو والمسمى إذا سئل عنه ربما قيل من هو كما ~~إذا حضر شخص فيقال ما اسمه فيقال زيد وإذا سئل عنه قيل من هو وإذا سمي ~~التركي الجميل باسم الهنود قيل اسم قبيح ومسمى حسن وإذا سمي باسم كثير ~~الحروف ثقيل المخارج قيل اسم ثقيل ومسمى خفيف والاسم قد يكون مجازا والمسمى ~~لا يكون مجازا والاسم قد يبدل على سبيل التفاؤل والمسمى لا يتبدل وهذا كله ~~يعرفك أن الاسم غير المسمى ولو تأملت وجدت فروقا كثيرة غير ذلك ولكن البصير ~~يكفيه اليسير والبليد لا يزيده التكثير إلا تحيرا # وأما الوجه الثاني وهو أن يقال الاسم هو المسمى على معنى أن المسمى مشتق ~~من الاسم ويدخل فيه كما يدخل السيف في مفهوم الصارم فهذا إن قيل به فيلزم ~~عليه أن يكون التسمية والمسمي والاسم والمسمى كله واحدا لأن الكل مشتق من ~~الاسم ويدل عليه وهذا مجازفة في الكلام وهو كقول القائل الحركة والتحريك ~~والمحرك والمحرك واحد إذ الكل مشتق من الحركة وهو PageV01P029 خطأ فإن ~~الحركة تدل على النقلة من غير دلالة على المحل والفاعل والفعل والمحرك يدل ~~على فاعل الحركة والمحرك يدل على محل الحركة مع كونه مفعولا بخلاف المتحرك ~~فإنه يدل على محل الحركة ولا يدل على كونه مفعولا والتحريك يدل على فعل ~~الحركة من غير دلالة على الفاعل والمحل فهذه الحقائق متباينة وإن كانت ~~الحركة غير خارجة عن جميعها # ولكن للحركة حقيقة في ms005 نفسها تعقل وحدها ثم تعقل نسبتها إلى فاعل وهذه ~~الإضافة غير المضاف إذ الإضافة تعقل بين شيئين والمضاف قد يعقل وحده وتعقل ~~نسبته إلى المحل وهو غير نسبته إلى الفاعل كيف ونسبة الحركة إلى المحل ~~واحتياجها إليه ضروري ونسبتها إلى الفاعل نظري أعني به الحكم بوجود ~~النسبتين دون التصور فكذلك الاسم له دلالة وله مدلول وهو المسمى ووضعه فعل ~~فاعل مختار وهو التسمية ثم ليست هذه المداخلة من قبيل دخول السيف في مفهوم ~~الصارم والمهند لأن الصارم سيف بصفة وكذا المهند فالسيف داخل فيه وليس ~~المسمى اسما بصفة ولا التسمية اسما بصفة فلا يصح فيه هذا التأويل # وأما الوجه الثالث الذي يرجع إلى اتحاد المحل مع تعدد الصفة فهو أيضا مع ~~بعده غير جار في الاسم والمسمى ولا في الاسم والتسمية حتى يقال إن شيئا ~~واحدا موضوع لأن يسمى اسما ويسمى تسمية كما كان في مثال الثلج إذ هو معنى ~~واحد موصوف بالبارد والأبيض وإلا هو كقول القائل الصديق رضي الله عنه هو ~~ابن أبي قحافة لأن تأويله أن الشخص الذي وصف بأنه صديق هو الذي نسب ~~بالولادة إلى أبي قحافة فيكون معنى ال هو هو اتحاد الموضوع مع القطع بتباين ~~الصفتين فإن مفهوم الصديق رضي الله عنه غير مفهوم بنوة أبي قحافة ~~PageV01P030 # فالتأويلات التي تطلق عليها هو هو غير جارية في الاسم والمسمى وفي الاسم ~~والتسمية البتة لا حقيقتها ولا مجازها والحقيقة من جملتها ما يرجع إلى ~~ترادف الأسماء كقولنا الليث هو الأسد بشرط أن لا يكون في اللغة فرق بين ~~مفهوم اللفظين فإن كان بينهما فرق فليطلب له مثال آخر وهذا يرجع إلى اتحاد ~~الحقيقة وكثرة الاسم ولا بد في قولنا هو هو من كثرة من وجه ووحدة من وجه ~~وأحق الوجوه أن تكون الوحدة في المعنى والكثرة في مجرد اللفظ # وهذا القدر كاف في الكشف عن هذا الخلاف الطويل الذيل القليل النيل فقد ~~ظهر لك أن الاسم والتسمية والمسمى ألفاظ متباينة المفهوم مختلفة المقصود ~~وإنما يصح على ms006 الواحد منها أن يقال هو غير الثاني لا أنه هو لأن الغير في ~~مقابلة الهو هو # وأما المذهب الثالث المقسم للاسم إلى ما هو المسمى وإلى ما هو غيره وإلى ~~ما لا هو هو ولا هو غيره فأبعد المذاهب عن السداد وأجمعها لقبول الاضطراب ~~إلا أن يؤول ويقال ما أراد بالاسم الذي قسمه إلى ثلاثة أقسام الاسم نفسه بل ~~أراد به مفهوم الاسم ومدلوله ومفهوم الاسم غير الاسم فإن مفهوم الاسم هو ~~المدلول والمدلول غير الدليل وهذا الانقسام الذي ذكره متطرق إلى مفهوم ~~الاسم فالصواب أن يقال مفهوم الاسم قد يكون ذات المسمى وحقيقته وماهيته وهي ~~أسماء الأنواع التي ليست مشتقة كقولك إنسان وعلم وبياض وما هو مشتق فلا يدل ~~على حقيقة المسمى بل يترك الحقيقة مبهمة ويدل على صفة له كقولك عالم وكاتب # ثم المشتق ينقسم وماهيته وهي أسماء الأنواع إلى ما ليست مشتقة كقولك ~~إنسان وعلم وبياض وما هو مشتق إلى ما يدل على وصف حال في المسمى كالعالم ~~والأبيض وإلى ما يدل على إضافة له إلى غير مفارق كالخالق والكاتب ~~PageV01P031 وحد القسم الأول كل اسم يقال في جواب ما هو فإنه إذا أشير إلى ~~شخص آدمي وقيل ما هو ليس كقول من هو فجوابه أن يقال إنسان فلو قيل حيوان لم ~~يكن قد ذكر تمام الماهية لأنه ليس تتقوم ماهيته بمجرد الحيوانية لأنه هو هو ~~بأنه حيوان عاقل لا بأنه حيوان فقط ولفظ الإنسان اسم للحيوان العاقل فلو ~~قيل بدل الإنسان أبيض أو طويل أو عالم أو كاتب لم يكن جوابا لأن مفهوم ~~الأبيض شيء مبهم له وصف البياض ما يدري ما ذلك الشيء ومفهوم العالم شيء ~~مبهم له وصف العلم ومفهوم الكاتب شيء مبهم له فعل الكتابة نعم يجوز أن يفهم ~~أن الكاتب إنسان ولكن من أمور خارجة وأدلة زائدة على مفهوم اللفظ وكذلك إذا ~~أشير إلى لون وقيل ما هو فجوابه أنه بياض فلو ذكر اسما مشتقا فقال مشرق أو ~~مفرق لضوء البصر لم يكن ms007 جوابا لأن المطلوب بقولنا ما هو حقيقة الذات ~~وماهيتها التي بها هي ما هي والمشرق شيء مبهم له الإشراق والمفرق شيء مبهم ~~له التفريق # فهذا التقسيم في مدلول الأسامي ومفهومها صحيح ويجوز أن يعبر عن هذا بأن ~~الاسم قد يدل على الذات وقد يدل على غير الذات ويكون ذلك على سبيل المساهلة ~~في الإطلاق فإن قولنا يدل على غير الذات إن لم يفسر بأنا أردنا به غير ~~الماهية المقولة في جواب ما هو لم يصح فإن العالم يدل على ذات له العلم فقد ~~دل على الذات أيضا ففرق بين أن يقول عالم وبين أن يقول علم لأن العالم يدل ~~على ذات له العلم ولفظ العلم لا يدل إلا على العلم # فقوله الاسم قد يكون ذات المسمى فيه خللان ويحتاج فيه إلى إصلاحين # أحدهما أن يبدل الاسم بمفهوم الاسم PageV01P032 # والآخر أن يبدل الذات بماهية الذات فيقال مفهوم الاسم قد يكون حقيقة ~~الذات وماهيتها وقد يكون غير الحقيقة # وأما قوله إن الخالق هو غير المسمى إن أراد به لفظ الخالق فاللفظ أبدا هو ~~غير مدلول اللفظ وإن أراد به أن مفهوم اللفظ غير المسمى فهو محال لأن ~~الخالق اسم وكل اسم مفهومه مسماه فإن لم يفهم المسمى منه فليس اسما له ~~والخالق ليس اسما للخلق وإن كان الخلق داخلا فيه والكاتب ليس اسما للكتابة ~~ولا المسمى اسما للتسمية بل الخالق اسم ذات من حيث يصدر عنه الخلق فالمفهوم ~~من الخالق هو الذات أيضا لكن لا حقيقة الذات فقط بل المفهوم هو الذات من ~~حيث له صفة إضافية كما إذا قلنا أب لم يكن المفهوم منه ذات الأب بل المفهوم ~~ذات الأب من حيث إضافته إلى الابن والأوصاف تنقسم إلى إضافية وغير إضافية ~~والموصوف بجميعها الذوات فإن قال قائل الخالق وصف وكل وصف فهو إثبات وليس ~~في مضمون هذا اللفظ إثبات سوى الخلق والخلق غير الخالق وليس للخالق وصف ~~حقيقي من الخلق فلذلك قيل إنه يرجع إلى غير المسمى فنقول قول القائل الاسم ms008 ~~يفهم غير المسمى منتاقض كقول القائل الدليل يعرف غير المدلول فإن المسمى ~~عبارة عن مفهوم الاسم فكيف يكون المفهوم غير المسمى والمسمى غير المفهوم # وأما قوله إن الخالق لا وصف له من الخلق والكاتب لا وصف له من الكتابة ~~فليس كذلك والدليل على أن له وصفا منه أنه يوصف به مرة وينفى عنه أخرى ~~والإضافة وصف للمضاف ينفي ويثبت كالبياض الذي ليس بمضاف فمن عرف زيدا وبكرا ~~ثم عرف أن زيدا أب لبكر فقد عرف شيئا لا محالة وهذا الشيء إما وصف أو موصوف ~~وليس هو ذات الموصوف بل هو وصف وليس وصفا قائما بنفسه بل هو وصف لزيد ~~فالإضافات من قبيل PageV01P033 الأوصاف للمضافات إلا أن مضمونها لا يعقل ~~إلا بالقياس بين شيئين وذلك لا يخرجها عن كونها أوصافا # ولو قال القائل ليس الله عز وجل موصوفا بكونه خالقا كفر كما لو قال ليس ~~موصوفا بكونه عالما كفر ولكن إنما وقع هذا القائل في هذا الخبط لأن الإضافة ~~عند المتكلمين غير معدودة في جملة الأعراض مع أنهم إذا قيل لهم ما معنى ~~العرض قالوا إنه الموجود في محل لا يقوم بنفسه وإذا قيل لهم هل الإضافة ~~تقوم بنفسها قالوا لا وإذا قيل لهم هل الإضافة موجودة أم لا قالوا نعم إذ ~~لا يمكنهم أن يقولوا الأبوة معدومة إذ لو كانت الأبوة معدومة لم يكن في ~~العالم أب وإذا قيل لهم الأبوة تقوم بنفسها قالوا لا فيضطرون إلى الاعتراف ~~بأنها موجودة في محل وأنها لا تقوم بنفسها بل تقوم في محل ويعترفون بأن ~~العرض عبارة عن موجود في محل ثم يعودون وينكرون أنه عرض # وأما قوله إن من الاسم ما لا يقال إنه المسمى ولا يقال هو غيره فهو أيضا ~~خطأ لأنه سيفسر ذلك بالعالم وهذا إذا اعتذر فيه بأن الشرع لم يأذن في إطلاق ~~ذلك في حق الله عز وجل فربما قيل ليس التصريح بالحق والصدق موقوفا على إذن ~~خاص وربما سومح الآن فيه ورد النظر معه إلى الإنسان إذا ms009 وصف بالعلم أفتقول ~~إن العلم ليس غير الإنسان وقد كان الإنسان موجودا ولم يكن العلم وحد العلم ~~غير حد الإنسان لا محالة فإن قال العلم غير الإنسان ولكن إذا قلنا عن شخص ~~واحد إنه عالم وإنه إنسان لم يكن العالم هو الإنسان ولا هو غير الإنسان لأن ~~الإنسان هو الموصوف به قلنا ويلزم هذا من الكاتب والنجار فإن الموصوف به ~~أيضا هو الإنسان # على أن الحق فيه التفصيل وهو أن يقال مفهوم لفظ الإنسان غير مفهوم ~~PageV01P034 لفظ العالم إذ مفهوم الإنسان حيوان ناطق عاقل ومفهوم العالم ~~شيء مبهم له علم فأحد اللفظين غير اللفظ الآخر ومفهوم أحدهما غير مفهوم ~~الآخر فهو بهذا الوجه هو غير لا يجوز أن يقال هو هو وبوجه آخر هو هو ولا ~~يجوز أن يقال بذلك الوجه إلا هو غيره وذلك إذا نظرت إلى الذات الواحدة التي ~~توصف بأنها إنسان وأنها عالمة فإن المسمى بالإنسان هو الموصوف بأنه عالم ~~كما أن المسمى بالثلج هو الموصوف بأنه بارد وأبيض فبهذا النوع من النظر ~~والاعتبار هو هو وبالاعتبار الأول هو غيره ومحال في العقل أن يكون الاعتبار ~~واحدا ويكون لا هو هو ولا غيره كما يستحيل أن يكون هو هو وغيره لأن الغير ~~والهو هو متقابلان تقابل النفي والإثبات فليس بينهما واسطة # ومن فهم هذا علم أنه إذا أثبت لله عز وجل وصف القدرة والعلم زائدا على ~~الذات فقد أثبت ما هو غير الذات وأثبت للغيرية معنى وإن لم يطلقه لفظا ~~توقفا إلى ورود التوقيف فكيف لا وإذا ذكر حد العلم دخل فيه علم الله عز وجل ~~ولم يدخل فيه قدرته ولا ذاته والخارج عن الحد كيف لا يكون غير الداخل في ~~الحد وكيف لا يجوز لحاد العلم إذا لم يدخل في حده القدرة أن يعتذر ويقول لا ~~يضرني خروج القدرة عن الحد لأني حددت العلم والقدرة غير العلم فلا يلزمني ~~إدخالها في حد العلم فكذلك الذات العالمة غير العلم فلا يلزمني إدخالها في ~~حد العلم فمن استنكر ms010 قول القائل الداخل في الحد غير الخارج منه وأحال إطلاق ~~لفظ الغير هاهنا كان من جملة من لم يفهم معنى لفظ الغير وما عندي أنه لا ~~يفهم فإن معنى لفظ الغير ظاهر لكن عساه يقول بلسانه ما ينبو عنه عقله ~~ويكذبه فيه سره وليس الغرض من المحاجة البرهانية اقتناص الألسنة بل اقتناص ~~العقول لتعترف باطنا بما هو الحق أفصح عنه باللسان أو لم يفصح # فإن قيل إنما اضطر القائلين بأن الاسم هو المسمى إلى القول به الحذر ~~PageV01P035 من أن يقولوا الاسم هو اللفظ الدال بالاصطلاح فيلزمهم القول ~~بأن الله عز وجل لم يكن له اسم في الأزل إذ لم يكن لفظ ولا لافظ فإن اللفظ ~~حادث فنقول هذه ضرورة ضعيفة يهون دفعها إذ يقال معاني الأسماء كانت ثابتة ~~في الأزل ولم تكن الأسماء لأن الأسماء عربية وعجمية وكلها حادثة وهذا في كل ~~اسم يرجع إلى معنى الذات أو صفة الذات مثل القدوس فإنه كان بصفة القدس في ~~الأزل ومثل العالم فإنه كان عالما في الأزل # فإنا قد بينا أن الأشياء لها ثلاث مراتب في الوجود # أحدها في الأعيان وهذا الوجود موصوف بالقدم فيما يتعلق بذات الله عز وجل ~~وصفاته # والثاني في الأذهان وهذا الوجود حادث إذ كانت الأذهان حادثة # والثالث في اللسان وهي الأسماء وهذا الوجود أيضا حادث بحدوث اللسان # نعم نريد بالثابت في الأذهان المعلوم وهي أيضا إذا أضيفت إلى ذات الله عز ~~وجل كانت قديمة لأن الله عز وجل موجود وعالم في الأزل وكان يعلم أنه موجود ~~وعالم فكان وجوده ثابتا في نفسه وفي علمه أيضا وكانت الأسماء التي سيلهمها ~~عباده ويخلقها في أذهانهم وألسنتهم أيضا معلومة عنده فبهذا التأويل يجوز أن ~~يقال كانت الأسماء في الأزل # أما الأسامي التي ترجع إلى الفعل كالخالق والمصور والوهاب فقد قال قوم ~~يوصف بأنه خالق في الأزل وقال آخرون لا يوصف وهذا خلاف لا أصل له فإن ~~الخالق يطلق لمعنيين أحدهما ثابت في الأزل قطعا والآخر منفي قطعا ولا وجه ~~للخلاف ms011 فيهما إذ السيف يسمى قاطعا وهو في الغمد ويسمى قاطعا حالة حز الرقبة ~~فهو في الغمد قاطع بالقوة وعند الحز قاطع بالفعل والماء في الكوز مرو ولكن ~~بالقوة وفي المعدة مرو بالفعل ومعنى PageV01P036 كون الماء في الكوز مرويا ~~أنه بالصفة التي بها يحصل الإرواء عند مصادفة المعدة وهي صفة المائية ~~والسيف في الغمد قاطع أي هو بالصفة التي بها يحصل القطع إذا لاقى المحل وهي ~~الحدة إذ لا يحتاج إلى أن يستجد وصفا آخر في نفسه # فالبارىء سبحانه وتعالى في الأزل خالق بالمعنى الذي به يقال الماء الذي ~~في الكوز مرو وهو أنه بالصفة التي بها يصح الفعل والخلق وهو بالمعنى الثاني ~~غير الخالق أي الخلق غير صادر منه وكذلك هو في الأزل على المعنى الذي به ~~يسمى عالما وقدوسا وغير ذلك ويكون في الأبد كذلك سماه غيره بذلك الاسم أو ~~لم يسم وأكثر أغاليط الجدليين منشؤه عدم التمييز بين معاني الأسامي ~~المشتركة وإذا ميزت ارتفع أكثر اختلافاتهم # فإن قيل فقد قال الله تعالى @QB@ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وآباؤكم @QE@ 12 يوسف الآية 40 ومعلوم أنهم ما كانوا يعبدون الألفاظ ~~التي هي حروف مقطعة بل كانوا يعبدون المسميات فنقول المستدل بهذا لا يفهم ~~وجه دلالته ما لم يقل إنهم يعبدون المسميات دون الأسماء فيكون في كلامه ~~التصريح بأن الأسماء غير المسميات إذ لو قال القائل العرب كانت تعبد ~~المسميات دون المسميات كان متناقضا ولو قال تعبد المسميات دون الأسماء كان ~~مفهوما غير متناقض فلو كانت الأسماء هي المسميات لكان القول الأخير كالأول # ثم يقال معناه أن اسم الآلهة التي أطلقوها على الأصنام كان اسما بلا مسمى ~~لأن المسمى هو المعنى الثابت في الأعيان من حيث دل عليه باللفظ ولم تكن ~~الإلهية ثابتة في الأعيان ولا معلومة في الأذهان بل كانت أساميها موجودة في ~~اللسان فكانت أسامي بلا معان ومن سمي باسم الحكيم ولم يكن حكيما وفرح به ~~قيل فرح بالاسم إذ ليس وراء الاسم معنى وهذا هو ms012 الدليل على أن الاسم غير ~~المسمى لأنه أضاف الاسم إلى التسمية وأضاف التسمية إليهم وجعلها ~~PageV01P037 فعلا لهم فقال @QB@ أسماء سميتموها @QE@ 12 سورة يوسف الآية 40 ~~يعني أسماء حصلت بتسميتهم وفعلهم وأشخاص الأصنام لم تكن هي الحادثة ~~بتسميتهم # فإن قيل فقد قال الله تعالى @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ 87 سورة الأعلى ~~الآية 1 والذات هي المسبحة دون الاسم قلنا الاسم هاهنا زيادة على سبيل ~~الصفة وعادة العرب بمثله جارية وهو كقوله عز وجل @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ ~~42 سورة الشورى الآية 11 ولا يجوز أن يستدل فيقال فيه إثبات المثل إذ قال ~~@QB@ ليس كمثله شيء @QE@ 42 سورة الشورى الآية 11 كما يقال ليس كولده أحد ~~إذ فيه إثبات الولد بل الكاف فيه زيادة # ولا يبعد أن يكنى عن المسمى بالاسم إجلالا للمسمى كما يكنى عن الشريف ~~بالجناب والحضرة والمجلس فيقال السلام على حضرته المباركة ومجلسه الشريف ~~والمراد به السلام عليه ولكن يكنى عنه بما يتعلق به نوعا من التعلق إجلالا ~~وكذلك الاسم وإن كان غير المسمى فهو متعلق بالمسمى ومطابق له وهذا لا ينبغي ~~أن يلتبس على البصير في أصل الوضع # كيف وقد استدل القائلون بأن الاسم غير المسمى بقوله عز وجل @QB@ ولله ~~الأسماء الحسنى @QE@ 7 سورة الأعراف الآية 180 وبقوله صلى الله عليه وسلم ~~إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما مئة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة وقالوا ~~لو كان هو المسمى لكان المسمى تسعا وتسعين وهو محال لأن المسمى واحد فاضطر ~~أولئك إلى الاعتراف هاهنا بأن الاسم غير المسمى وقالوا يجوز أن يرد بمعنى ~~التسمية لا بمعنى المسمى كما سلم الآخرون بأن الاسم قد يرد بمعنى المسمى ~~وإن كان هو غير المسمى في الأصل وعليه نزلوا قوله PageV01P038 تعالى @QB@ ~~سبح اسم ربك الأعلى @QE@ 87 سورة الأعلى الآية 1 ولم يحسن كل واحد من ~~الفريقين في الاستدلال والجواب جميعا # أما قوله @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ 87 سورة الأعلى الآية 1 فقد ذكرنا ~~ما فيه وعليه وأما هذا الاستدلال فجوابهم عنه بأن الاسم ms013 والمسمى واحد وإنما ~~أريد بالاسم هاهنا التسمية فقط خطأ من وجهين # أحدهما أن من يقول الاسم هو المسمى لا يعجز عن أن يقول المسمى هاهنا تسعة ~~وتسعون لأن المراد بالمسمى مفهوم الاسم عند هذا القائل ومفهوم العليم غير ~~مفهوم القدير والقدوس والخالق وغير ذلك بل لكل اسم مفهوم ومعنى على حياله ~~وإن كان الكل يرجع إلى وصف ذات واحدة فكأن هذا القائل يقول الاسم هو المعنى ~~ويمكن أن يقول لله تعالى المعاني الحسنى فإن المسميات هي المعاني وفيها ~~كثرة لا محالة # والثاني أن قوله المراد بالاسم هاهنا التسمية خطأ فإنا قد بينا أن ~~التسمية هو ذكر الاسم أو وصفه والتسمية تتعدد وتكثر بكثرة المسمين وإن كان ~~الاسم واحد كما أن الذكر والعلم يكثر بكثرة الذاكرين والعالمين وإن كان ~~المذكور والمعلوم واحدا فكثرة التسمية لا تفتقر إلى كثرة الأسماء لأن ذلك ~~يرجع إلى أفعال المسمين فما أريد بالأسماء هاهنا التسميات بل أريد الأسماء ~~والأسماء هي الألفاظ الموضوعة الدالة على المعاني المختلفة فلا حاجة إلى ~~هذا التعسف في التأويل قيل الاسم هو المسمى أو لم يقل # فهذا القدر يكفيك في كشف هذه المسألة وإن كانت المسألة لقلة جدواها لا ~~تستحق هذا الإطناب ولكن قصدنا بالشرح تعليم طريق التعرف لأمثال هذه المباحث ~~لتستعمل في مسائل أهم من هذه المسألة فإن أكثر تطواف النظر في هذه المسألة ~~حول الألفاظ دون المعاني والله أعلم PageV01P039 # | الفصل الثاني في بيان الأسامي المتقاربة في المعنى وأنها هل يجوز أن ~~تكون مترادفة لا تدل إلا على معنى واحد أو لا بد أن تختلف مفهوماتها # فأقول الخائضون في شرح هذه الأسامي لم يتعرضوا لهذا الأمر ولم يبعدوا أن ~~يكون اسمان لا يدلان إلا على معنى واحد كالكبير والعظيم والقادر والمقتدر ~~والخالق والبارئ والمصور وهذا مما أستبعده غاية الاستبعاد مهما كان الاسمان ~~من جملة التسعة والتسعين لأن الاسم لا يراد لحروفه بل لمعانيه والأسامي ~~المترادفة لا يختلف إلا حروفها وإنما فضيلة هذه الأسامي لما تحتها من ~~المعاني فإذا خلت عن المعنى ms014 لم يبق إلا الألفاظ والمعنى إذا دل عليه بألف ~~اسم لم يكن له فضل على المعنى الذي يدل عليه باسم واحد فيبعد أن يكمل هذا ~~العدد المحصور بتكرير الألفاظ على معنى واحد بل الأشبه أن يكون تحت كل لفظ ~~خصوص معنى # فإذا رأينا لفظين متقاربين فلا بد فيه من أحد أمرين # أحدهما أن تتبين أن أحدهما خارج عن التسعة والتسعين مثل الأحد والواحد ~~فإن الرواية المشهورة عن أبي هريرة رضي الله عنه ورد فيها الواحد وفي رواية ~~أخرى ورد الأحد بدل الواحد فيكون مكمل العدد معنى التوحيد إما بلفظ الواحد ~~أو بلفظ الأحد فأما أن يقوما في تكميل العدد مقام اسمين والمعنى واحد فهو ~~بعيد عندي جدا # الثاني أن نتكلف إظهار مزية لأحد اللفظين على الآخر ببيان اشتماله على ~~PageV01P040 دلالة لا يدل عليها الآخر مثاله لو ورد الغافر والغفور والغفار ~~لم يكن بعيدا أن تعد هذه ثلاثة أسام لأن الغافر يدل على أصل المغفرة فقط ~~والغفور يدل على كثرة المغفرة بالإضافة إلى كثرة الذنوب حتى إن من لا يغفر ~~إلا نوعا واحدا من الذنوب قد لا يقال له غفور والغفار يشير إلى كثرة على ~~سبيل التكرار أي يغفر الذنوب مرة بعد أخرى حتى إن من يغفر جميع الذنوب ولكن ~~أول مرة ولا يغفر العائد إلى الذنب مرة بعد أخرى لم يستحق اسم الغفار # وكذلك الغني والملك فإن الغني هو الذي لا يحتاج إلى شيء والملك أيضا هو ~~الذي لا يحتاج إلى شيء ويحتاج إليه كل شيء فيكون الملك مفيدا معنى الغنى ~~وزيادة وكذلك العليم والخبير فإن العليم يدل على العلم فقط والخبير يدل على ~~علمه بالأمور الباطنة وهذا القدر من التفاوت يخرج الأسامي عن أن تكون ~~مترادفة وتكون من جنس السيف والمهند والصارم لا من جنس الأسد والليث فإن ~~عجزنا في بعض هذه الأسامي المتقاربة عن هذين المسلكين فينبغي أن نعتقد ~~تفاوتا بين معنى اللفظين وإن عجزنا عن التنصيص على خصوص ما به الافتراق ~~كالعظيم والكبير مثلا فإنه يصعب علينا ms015 أن نذكر وجه الفرق بين معنييهما في ~~حق الله تعالى ولكنا لا نشك في أصل الافتراق # ولذلك قال عز من قائل الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ففرق بينهما فرقا يدل ~~على التفاوت فإن كل واحد من الرداء والإزار زينة للابس ولكن الرداء أشرف من ~~الإزار # ولذلك جعل مفتاح الصلاة الله أكبر ولم يقم عند ذوي البصائر النافذة الله ~~أعلم مقامه وكذلك العرب في استعمالها تفرق بين اللفظين إذ تستعمل الكبير ~~حيث لا تستعمل العظيم ولو كانا مترادفين لتواردا في كل PageV01P041 مقام ~~تقول العرب فلان أكبر سنا من فلان ولا تقول أعظم سنا وكذلك الجليل غير ~~الكبير والعظيم فإن الجلال يشير إلى صفات الشرف ولذلك لا يقال فلان أجل سنا ~~من فلان ويقال أكبر ويقال العرش أعظم من الإنسان ولا يقال أجل من الإنسان # فهذه الأسامي وإن كانت متقاربة المعاني فليست مترادفة وعلى الجملة يبعد ~~الترادف المحض في الأسماء الداخلة في التسعة والتسعين لأن الأسامي لا تراد ~~لحروفها ومخارج أصواتها بل لمفهوماتها ومعانيها فهذا أصل لا بد من اعتقاده ~~PageV01P042 # | الفصل الثالث في الاسم الواحد الذي له معان مختلفة وهو مشترك بالإضافة ~~إليها # كالمؤمن مثلا فإنه قد يراد به المصدق وقد يشتق من الأمن ويكون المراد ~~إفادة الأمن والأمان فهل يجوز أن يحمل على كلا المعنيين حمل العموم على ~~مسمياته كما يحمل العليم على العلم بالغيب والشهادة والظاهر والباطن وغير ~~ذلك من المعلومات الكثيرة وهذا إذا نظر إليه من حيث اللغة فبعيد أن يحمل ~~الاسم المشترك على جميع المسميات حمل العموم إذ العرب تطلق اسم الرجل وتريد ~~به كل واحد من الرجال وهذا هو العموم ولا تطلق اسم العين وتريد به عين ~~الشمس والدينار وعين الميزان والعين المنفجرة من الماء والعين الباصرة من ~~الحيوان وهذا هو اللفظ المشترك بل تطلق مثل ذلك لإرادة أحد معانيه وتميز ~~ذلك بالقرينة وقد حكي عن الشافعي رضي الله عنه في الأصول أنه قال الاسم ~~المشترك يحمل على جميع مسمياته إذا ورد مطلقا ما لم تدل قرينة على ms016 التخصيص ~~وهذا إن صح منه فهو بعيد بل مطلق لفظ العين مبهم في اللغة لا يتعين به واحد ~~من مسمياته إلا أن تدل قرينة على التعيين # فأما التعميم فربما خالف وضع الشرع وضع اللسان نعم فيما تصرف الشرع فيه ~~من الألفاظ لا يبعد أن يكون من وضعه وتصرفه إطلاق اللفظ لإرادة جميع ~~المعاني فيكون اسم المؤمن بالشرع محمولا على المصدق ومفيدا الأمن بوضع شرعي ~~لا بوضع لغوي كما أن اسم الصلاة والصيام قد اختص بتصرف الشرع ببعض أمور لا ~~يقتضي وضع اللغة ذلك فهذا غير بعيد لو كان عليه دليل PageV01P043 ولكن لم ~~يدل دليل على أن الشرع قد غير الوضع فيه والأغلب على ظني أنه لم يغير وأن ~~من قال من المصنفين إن الاسم الواحد من أسماء الله عز وجل إذا احتمل معاني ~~ولم يدل العقل على إحالة شيء منها حمل على الجميع بطريق العموم فقد أبعد ~~فيه # نعم من المعاني ما يتقارب تقاربا يكاد يرجع الاختلاف فيه إلى الإضافات ~~فيقرب شبهه من العموم فالتعميم فيه أقرب كالسلام فإنه يحتمل أن يكون المراد ~~سلامته من العيب والنقص ويحتمل أن يكون المراد سلامة الخلق به ومنه فهذا ~~وأمثاله أشبه بالعموم فإذا ثبت أن الميل الأظهر إلى منع التعميم فطلب ~~التعيين لبعض المعاني لا يكون إلا بالاجتهاد فيكون الحامل للمجتهد على ~~تعيين بعض المعاني إما أنه أليق كمفيد الأمان فإنه أليق بالمدح في حق الله ~~عز وجل من التصديق فإن التصديق أليق بغيره إذ يجب على الكل الإيمان به ~~والتصديق بكلامه فإن رتبة المصدق فوق رتبة المصدق وإما أن يكون أحد ~~المعنيين لا يؤدي إلى الترادف بين اسمين كحمل المهيمن على غير الرقيب فإنه ~~أولى من الرقيب لأن الرقيب قد ورد والترادف بعيد كما ذكرناه وإما أن يكون ~~أحد المعنيين أظهر في التعارف وأسبق إلى الإفهام لشهرته أو أدل على الكمال ~~والمدح فهذا وما يجري مجراه ينبغي أن يعول عليه في بيان الأسامي ولا نذكر ~~لكل اسم إلا معنى واحدا نراه أقرب ms017 ونضرب عما عداه صفحا إلا إذا رأيناه ~~مقاربا في الدرجة لما ذكرناه فأما تكثير الأقاويل المختلفة فيه مع أنا لا ~~نرى تعميم الألفاظ المشتركة فلا نرى فيه فائدة PageV01P044 # | الفصل الرابع في بيان أن كمال العبد وسعادته في التخلق بأخلاق الله ~~تعالى والتحلي بمعاني صفاته وأسمائه بقدر ما يتصور في حقه # اعلم أن من لم يكن له حظ من معاني أسماء الله عز وجل إلا بأن يسمع لفظه ~~ويفهم في اللغة معنى تفسيره ووضعه ويعتقد بالقلب وجود معناه في الله تعالى ~~فهو مبخوس الحظ نازل الدرجة ليس يحسن به أن يتبجح بما ناله فإن سماع اللفظ ~~لا يستدعي إلا سلامة حاسة السمع التي بها تدرك الأصوات وهذه رتبة تشارك ~~البهيمة فيها وأما فهم وضعه في اللغة فلا يستدعي إلا معرفة العربية وهذه ~~رتبة يشارك فيها الأديب اللغوي بل الغبي اللغوي البدوي وأما اعتقاد ثبوت ~~معناه لله سبحانه وتعالى من غير كشف فلا يستدعي إلا فهم معاني الألفاظ ~~والتصديق بها وهذه رتبة يشارك فيها العامي بل الصبي فإنه بعد فهم الكلام ~~إذا ألقي إليه هذه المعاني تلقاها وتلقنها واعتقدها بقلبه وصمم عليها وهذه ~~درجات أكثر العلماء فضلا عن غيرهم ولا ينكر فضل هؤلاء بالإضافة إلى من لم ~~يشاركهم في هذه الدرجات الثلاث ولكنه نقص ظاهر بالإضافة إلى ذروة الكمال ~~فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين بل حظوظ المقربين من معاني أسماء الله ~~تعالى ثلاثة # الحظ الأول معرفة هذه المعاني على سبيل المكاشفة والمشاهدة حتى يتضح لهم ~~حقائقها بالبرهان الذي لا يجوز فيه الخطأ وينكشف لهم اتصاف الله عز وجل بها ~~انكشافا يجري في الوضوح والبيان مجرى اليقين الحاصل للإنسان PageV01P045 ~~بصفاته الباطنة التي يدركها بمشاهدة باطنه لا بإحساس ظاهر وكم بين هذا وبين ~~الإعتقاد المأخوذ من الآباء والمعلمين تقليدا والتصميم عليه وإن كان مقرونا ~~بأدلة جدلية كلامية # الحظ الثاني من حظوظهم استعظامهم ما ينكشف لهم من صفات الجلال على وجه ~~ينبعث من الاستعظام يشوقهم إلى الاتصاف بما يمكنهم من تلك الصفات ليقربوا ~~بها من ms018 الحق قربا بالصفة لا بالمكان فيأخذوا من الاتصاف بها شبها بالملائكة ~~المقربين عند الله عز وجل ولن يتصور أن يمتلئ القلب باستعظام صفة ~~واستشرافها إلا ويتبعه شوق إلى تلك الصفة وعشق لذلك الكمال والجلال وحرص ~~على التحلي بذلك الوصف إن كان ذلك ممكنا للمستعظم بكماله فإن لم يكن بكماله ~~فينبعث الشوق إلى القدر الممكن منه لا محالة # ولا يخلو عن هذا الشوق أحد إلا لأحد أمرين إما لضعف المعرفة واليقين بكون ~~الوصف المعلوم من أوصاف الجلال والكمال وإما لكون القلب ممتلئا بشوق آخر ~~مستغرقا به فالتلميذ إذا شاهد كمال أستاذه في العلم انبعث شوقه إلى التشبه ~~والاقتداء به إلا إذا كان مملوءا بالجوع مثلا فإن استغراق باطنه بشوق القوت ~~ربما يمنع انبعاث شوق العلم ولهذا ينبغي أن يكون الناظر في صفات الله تعالى ~~خاليا بقلبه عن إرادة ما سوى الله عز وجل فإن المعرفة بذر الشوق ولكن مهما ~~صادف قلبا خاليا عن حسيكة الشهوات فإن لم يكن خاليا لم يكن البذر منجحا # الحظ الثالث السعي في اكتساب الممكن من تلك الصفات والتخلق بها والتحلي ~~بمحاسنها وبه يصير العبد ربانيا أي قريبا من الرب تعالى وبه يصير رفيقا ~~للملأ الأعلى من الملائكة فإنهم على بساط القرب فمن ضرب إلى شبه من صفاتهم ~~نال شيئا من قربهم بقدر ما نال من أوصافهم المقربة لهم إلى الحق تعالى ~~PageV01P046 # فإن قلت طلب القرب من الله عز وجل بالصفة أمر غامض تكاد تشمئز القلوب عن ~~قبوله والتصديق به فزده شرحا تكسر به سورة إنكار المنكرين فإن هذا كالمنكر ~~عند الأكثرين إن لم تكشف حقيقته فأقول لا يخفى عليك ولا على من ترعرع قليلا ~~من درجة عوام العلماء أن الموجودات منقسمة إلى كاملة وناقصة والكامل أشرف ~~من الناقص ومهما تفاوتت درجات الكمال واقتصر منتهى الكمال على واحد حتى لم ~~يكن الكمال المطلق إلا له ولم يكن للموجودات الأخر كمال مطلق بل كانت لها ~~كمالات متفاوتة بالإضافة فأكملها أقرب لا محالة إلى الذي له الكمال المطلق ~~أعني ms019 قربا بالرتبة والدرجة لا بالكمال # ثم الموجودات منقسمة إلى حية وميتة وتعلم أن الحي أشرف وأكمل من الميت ~~وأن درجات الأحياء ثلاثة درجة الملائكة ودرجة الإنس ودرجة البهائم ودرجة ~~البهائم أسفل في نفس الحياة التي بها شرفها لأن الحي هو الدراك الفعال وفي ~~إدراك البهيمة نقص وفي فعلها نقص أما إدراكها فنقصانه أنه مقصور على الحواس ~~وإدراك الحس قاصر لأنه لا يدرك الأشياء إلا بمماسة أو بقرب منها فالحس ~~معزول عن الإدراك إن لم يكن مماسة ولا قرب فإن الذوق واللمس يحتاجان إلى ~~المماسة والسمع والبصر والشم يحتاج إلى القرب وكل موجود لا يتصور فيه ~~المماسة والقرب فالحس معزول عن إدراكه في الحال وأما فعلها فهو أنه مقصور ~~على مقتضى الشهوة والغضب لا باعث لها سواهما وليس لها عقل يدعو إلى أفعال ~~مخالفة لمقتضى الشهوة والغضب # وأما الملك فدرجته أعلى الدرجات لأنه عبارة عن موجود لا يؤثر القرب ~~والبعد في إدراكه بل لا يقتصر إدراكه على ما يتصور فيه القرب والبعد إذ ~~القرب والبعد يتصور على الأجسام والأجسام أخس أقسام الموجودات ثم هو مقدس ~~عن الشهوة والغضب فليست أفعاله بمقتضى الشهوة والغضب بل داعيه PageV01P047 ~~إلى الأفعال أمر أجل من الشهوة والغضب وهو طلب التقرب إلى الله عز وجل # وأما الإنسان فإن درجته متوسطة بين الدرجتين وكأنه مركب من بهيمية وملكية ~~والأغلب عليه في بداية أمره البهيمية إذ ليس له أولا من الإدراك إلا الحواس ~~التي يحتاج في الإدراك بها إلى طلب القرب من المحسوس بالسعي والحركة إلى أن ~~يشرق عليه بالآخرة نور العقل المتصرف في ملكوت السموات والأرض من غير حاجة ~~إلى حركة بالبدن وطلب قرب أو مماسة مع المدرك به بل مدركه الأمور المقدسة ~~عن قبول القرب والبعد بالمكان وكذلك المستولي عليه أولا شهوته وغضبه وبحسب ~~مقتضاهما انبعاثه إلى أن يظهر فيه الرغبة في طلب الكمال والنظر للعاقبة ~~وعصيان مقتضى الشهوة والغضب فإن غلب الشهوة والغضب حتى ملكهما وضعفا عن ~~تحريكه وتسكينه أخذ بذلك شبها من الملائكة وكذلك إن ms020 فطم نفسه عن الجمود على ~~الخيالات والمحسوسات وأنس بإدراك أمور تجل عن أن ينالها حس أو خيال أخذ ~~شبها أخر من الملائكة فإن خاصية الحياة الإدراك والعقل وإليهما يتطرق ~~النقصان والتوسط والكمال ومهما اقتدى بالملائكة في هاتين الخاصيتين كان ~~أبعد عن البهيمية وأقرب من الملك والملك قريب من الله عز وجل والقريب من ~~القريب قريب # فإن قلت فظاهر هذا الكلام يشير إلى إثبات مشابهة بين العبد وبين الله ~~تعالى لأنه إذا تخلق بأخلاقه كان شبيها له ومعلوم شرعا وعقلا أن الله ~~سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء فأقول مهما ~~عرفت معنى المماثلة المنفية عن الله عز وجل عرفت أنه لا مثل له ولا ينبغي ~~أن يظن أن المشاركة في كل وصف توجب المماثلة # افترى أن الضدين يتماثلان وبينهما غاية البعد الذي لا يتصور أن يكون بعد ~~PageV01P048 فوقه وهما متشاركان في أوصاف كثيرة إذ السواد يشارك البياض في ~~كونه عرضا وفي كونه لونا وفي كونه مدركا بالبصر وأمور أخر سواها أفترى أن ~~من قال إن الله عز وجل موجود لا في محل وإنه سميع بصير عالم مريد متكلم حي ~~قادر فاعل والإنسان أيضا كذلك فقد شبه وأثبت المثل هيهات ليس الأمر كذلك ~~ولو كان كذلك لكان الخلق كلهم مشبهة إذ لا أقل من إثبات المشاركة في الوجود ~~وهو موهم للمشابهة بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية والفرس ~~وإن كان بالغا في الكياسة لا يكون مثلا للإنسان لأنه مخالف له بالنوع وإنما ~~يشابهه بالكياسة التي هي عارضة خارجة عن الماهية المقومة لذات الإنسانية # والخاصية الإلهية أنه الموجود الواجب الوجود بذاته الذي عنه يوجد كل ما ~~في الإمكان وجوده على أحسن وجوه النظام والكمال وهذه الخاصية لا يتصور فيها ~~مشاركة البتة والمماثلة بها لا تحصل فكون العبد رحيما صبورا شكورا لا يوجب ~~المماثلة ككونه سمعيا بصيرا عالما قادرا حيا فاعلا بل أقول الخاصية الإلهية ~~ليست إلا لله تعالى ولا يعرفها إلا الله ولا يتصور أن ms021 يعرفها إلا هو أو من ~~هو مثله وإذا لم يكن له مثل فلا يعرفها غيره فإذا الحق ما قاله الجنيد رحمه ~~الله حيث قال لا يعرف الله إلا الله ولذلك لم يعط أجل خلقه إلا اسما حجبه ~~به فقال @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ 87 سورة الأعلى الآية 1 فوالله ما ~~عرف الله غير الله في الدنيا والآخرة وقيل لذي النون وقد أشرف على الموت ~~ماذا تشتهي فقال أن أعرفه قبل أن أموت ولو بلحظة وهذا الآن يشوش قلوب أكثر ~~الضعفاء ويوهم عندهم القول بالنفي والتعطيل وذلك لعجزهم عن فهم هذا الكلام # وأنا أقول لو قال القائل لا أعرف الله كان صادقا ولو قال أعرف الله كان ~~صادقا ومعلوم أن النفي والإثبات لا يصدقان معا بل يتقاسمان PageV01P049 ~~الصدق والكذب فإن صدق النفي كذب الإثبات وبالعكس ولكن إذا اختلف وجه الكلام ~~تصور الصدق في القسمين وهو كما لو قال القائل لغيره هل تعرف الصديق أبا بكر ~~رضي الله عنه فقال والصديق ممن يجهل ولا يعرف أو يتصور في العالم من لا ~~يعرفه مع ظهوره واشتهاره وانتشار اسمه فهل على المنابر إلا حديثه وهل في ~~المساجد إلا ذكره وهل على الألسنة إلا ثناؤه ووصفه لكان هذا القائل صادقا ~~ولو قيل لآخر هل تعرفه فقال ومن أنا حتى أعرف الصديق هيهات لا يعرف الصديق ~~سوى الصديق أو من هو مثله أو فوقه ومن أين لي أن أدعي معرفته أو أطمع فيها ~~وإنما مثلي يسمع اسمه وصفته فأما أن يدعي معرفته فذلك محال فهذا أيضا صادق ~~وله وجه وهو أقرب إلى التعظيم والاحترام # وهكذا ينبغي أن يفهم قول من قال أعرف الله وقول من قال لا أعرف الله # بل لو عرضت خطا منظوما على عاقل وقلت هل تعرف كاتبه فقال لا صدق ولو قال ~~نعم كاتبه هو الإنسان الحي القادر السميع البصير السليم اليد العالم بصناعة ~~الكتابة فإذا عرفت كل هذا منه فكيف لا أعرفه فهذا أيضا صدق ولكن الأحق ~~والأصدق قوله لا أعرفه فإنه ms022 بالحقيقة ما عرفه وإنما عرف احتياج الخط ~~المنظوم إلى كاتب حي عالم قادر سميع بصير سليم اليد عالم بصناعة الكتابة ~~ولم يعرف الكاتب نفسه فكذلك الخلق كلهم لم يعرفوا إلا احتياج هذا العالم ~~المنظوم المحكم إلى صانع مدبر حي عالم قادر # وهذه المعرفة لها طرفان أحدهما يتعلق بالعالم ومعلومه احتياجه إلى مدبر ~~والآخر يتعلق بالله عز وجل ومعلومه أسامي مشتقة من صفات غير داخلة في حقيقة ~~الذات وماهيتها فإنا قد بينا أنه إذا أشار المشير إلى شيء PageV01P050 وقال ~~ما هو لم يكن ذكر الأسماء المشتقة جوابا أصلا فلو أشار إلى شخص حيوان فقال ~~ما هو فقيل طويل أو أبيض أو قصير أو أشار إلى ماء فقال ما هو فقيل بأنه ~~بارد أو أشار إلى نار وقال ما هو فقيل حار فكل ذلك ليس بجواب عن الماهية ~~البتة والمعرفة بالشيء هي معرفة حقيقته وماهيته لا معرفة الأسامي المشتقة ~~فإن قولنا حار معناه شيء مبهم له وصف الحرارة وكذلك قولنا قادر وعالم معناه ~~شيء مبهم له وصف العلم والقدرة # فإن قلت فقولنا إنه الواجب الوجود الذي عنه وحده يوجد كل ما في الإمكان ~~وجوده عبارة عن حقيقته وحده وقد عرفنا هذا فأقول هيهات فقولنا واجب الوجود ~~عبارة عن استغنائه عن العلة والفاعل وهذا يرجع إلى سلب السبب عنه وقولنا ~~يوجد عنه كل موجود يرجع إلى إضافة الأفعال إليه وإذا قيل لنا ما هذا الشيء ~~وقلنا هو الفاعل لم يكن جوابا وإذا قلنا هو الذي له علة لم يكن جوابا فكيف ~~قولنا هو الذي لا علة له لأن كل ذلك نبأ عن غير ذاته وعن إضافة له إلى ذاته ~~إما بنفي أو إثبات وكل ذلك أسماء وصفات وإضافات # فإن قلت فما السبيل إلى معرفته فأقول لو قال لنا صبي أو عنين ما السبيل ~~إلى معرفة لذة الوقاع وإدراك حقيقته قلنا هاهنا سبيلان أحدهما أن نصفه لك ~~حتى تعرفه والآخر أن تصبر حتى تظهر فيك غريزة الشهوة ثم تباشر الوقاع حتى ~~تظهر فيك لذة ms023 الوقاع فتعرفه وهذا السبيل الثاني هو السبيل المحقق المفضي ~~إلى حقيقة المعرفة # فأما الأول فلا يفضي إلا إلى توهم وتشبيه للشيء بما لا يشبهه إذ غايتنا ~~أن نمثل لذة الوقاع عنده بشيء من اللذات التي يدركها العنين كلذة الطعام ~~PageV01P051 والشراب الحلو مثلا فنقول له أما تعرف أن السكر لذيذ فإنك تجد ~~عند تناوله حالة طيبة وتحس في نفسك راحة قال نعم قلنا فالجماع أيضا كذلك ~~أفترى أن هذا يفهمه حقيقة لذة الجماع كما هي حتى ينزل في معرفته منزلة من ~~ذاق تلك اللذة وأدركها هيهات إنما غاية هذا الوصف إيهام وتشبيه خطأ وتفهيم ~~ومشاركة في الاسم # أما الإيهام فهو أنه يتوهم أن ذلك أمر طيب على الجملة وأما التشبيه فهو ~~أنه يشبهه بحلاوة السكر وهو خطأ إذ لا مناسبة بين حلاوة السكر ولذة الوقاع ~~وأما المشاركة في الاسم فهو أنه يعلم أنه مستحق أن يسمى لذة ومهما ظهرت ~~الشهوة وذاق علم قطعا أنه لا يشبهه حلاوة السكر وأن ما كان توهمه لم يكن ~~على الوجه الذي توهمه نعم يعلم أن الذي كان قد سمع من اسمه وصفته وأنه لذيذ ~~وطيب كان صادقا بل كان أصدق عليه منه على حلاوة السكر # فكذلك لمعرفة الله سبحانه وتعالى سبيلان أحدهما قاصر والآخر مسدود # أما القاصر فهو ذكر الأسماء والصفات وطريقة التشبيه بما عرفناه من أنفسنا ~~فإنا لما عرفنا أنفسنا قادرين عالمين أحياء متكلمين ثم سمعنا ذلك في أوصاف ~~الله عز وجل أو عرفناه بالدليل فهمناه فهما قاصرا كفهم العنين لذة الوقاع ~~بما يوصف له من لذة السكر بل حياتنا وقدرتنا وعلمنا أبعد من حياة الله عز ~~وجل وقدرته وعلمه من حلاوة السكر من لذة الوقاع بل لا مناسبة بين البعيدين ~~وفائدة تعريف الله عز وجل بهذه الأوصاف أيضا إيهام وتشبيه ومشاركة في الاسم ~~لكن يقطع التشبيه بأن يقال ليس كمثله شيء فهو حي لا كالأحياء وقادر لا ~~كالقادرين كما تقول الوقاع لذيذ كالسكر ولكن تلك اللذة لا تشبه هذه البتة ~~ولكن تشاركها في ms024 الاسم PageV01P052 # وكأنا إذا عرفنا أن الله تعالى حي قادر عالم فلم نعرف إلا أنفسنا ولم ~~نعرفه إلا بأنفسنا إذ الأصم لا يتصور أن يفهم معنى قولنا إن الله سميع ولا ~~الأكمه يفهم معنى قولنا إنه بصير ولذلك إذا قال القائل كيف يكون الله عز ~~وجل عالما بالأشياء فنقول كما تعلم أنت الأشياء فإذا قال فكيف يكون قادرا ~~فنقول كما تقدر أنت فلا يمكنه أن يفهم شيئا إلا إذا كان فيه ما يناسبه ~~فيعلم أولا ما هو متصف به ثم يعلم غيره بالمقايسة إليه فإن كان لله عز وجل ~~وصف وخاصية ليس فينا ما يناسبه ويشاركه في الاسم ولو مشاركة حلاوة السكر ~~لذة الوقاع لم يتصور فهمه البتة فما عرف أحد إلا نفسه ثم قايس بين صفات ~~الله تعالى وصفات نفسه وتتعالى صفاته عن أن تشبه صفاتنا فتكون هذه معرفة ~~قاصرة يغلب عليها الإيهام والتشبيه فينبغي أن تقترن بها المعرفة بنفي ~~المشابهة وينفي أصل المناسبة مع المشاركة في الاسم # وأما السبيل الثاني المسدود فهو أن ينتظر العبد أن تحصل له الصفات ~~الربوبية كلها حتى يصير ربا كما ينتظر الصبي أن يبلغ فيدرك تلك اللذة وهذا ~~السبيل مسدود ممتنع إذ يستحيل أن تحصل تلك الحقيقة لغير الله تعالى وهذا هو ~~سبيل المعرفة المحققة لا غير وهو مسدود قطعا إلا على الله تعالى # فإذا يستحيل أن يعرف الله تعالى بالحقيقة غير الله بل أقول يستحيل أن ~~يعرف النبي غير النبي وأما من لا نبوة له فلا يعرف من النبوة إلا اسمها ~~وأنها خاصية موجودة لإنسان بها يفارق من ليس نبيا ولكن لا يعرف ماهية تلك ~~الخاصية إلا بالتشبيه بصفات نفسه # بل أزيد وأقول لا يعرف أحد حقيقة الموت وحقيقة الجنة والنار إلا بعد ~~الموت ودخول الجنة أو النار لأن الجنة عبارة عن أسباب ملذة ولو فرضنا شخصا ~~لم يدرك قط لذة لم يمكننا أصلا أن نفهمه الجنة تفهيما يرغبه في طلبها ~~PageV01P053 والنار عبارة عن أسباب مؤلمة ولو فرضنا شخصا لم يقاس قط ألما ms025 ~~لم يمكننا قط أن نفهمه النار فإذا قاساه فهمناه إياه بالتشبيه بأشد ما ~~قاساه وهو ألم النار # وكذلك إذا أدرك شيئا من اللذات فغايتنا أن نفهمه الجنة بالتشبيه بأعظم ما ~~ناله من اللذات وهي المطعم والمنكح والمنظر فإن كان في الجنة لذة مخالفة ~~لهذه اللذات فلا سبيل إلى تفهيمه أصلا إلا بالتشبيه بهذه اللذات كما ذكرناه ~~في تشبيه لذة الوقاع بحلاوة السكر ولذات الجنة أبعد من كل لذة أدركناها في ~~الدنيا من لذة الوقاع عن لذة السكر بل العبارة الصحيحة عنها أنها ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فإن مثلناها بالأطعمة قلنا مع ذلك لا ~~كهذه الأطعمة وإن مثلناها بالوقاع قلنا لا كالوقاع المعهود في الدنيا فكيف ~~يتعجب المتعجبون من قولنا لم يحصل أهل الأرض والسماء معرفة من الله تعالى ~~إلا على الصفات والأسماء ونحن نقول لم يحصلوا من الجنة إلا على الصفات ~~والأسماء وكذلك في كل ما سمع الإنسان اسمه وصفته وما ذاقه وما أدركه ولا ~~انتهى إليه ولا اتصف به # فإن قلت فماذا نهاية معرفة العارفين بالله تعالى فنقول نهاية معرفة ~~العارفين عجزهم عن المعرفة ومعرفتهم بالحقيقة أنهم لا يعرفونه وأنه لا ~~يمكنهم البتة معرفته وأنه يستحيل أن يعرف الله المعرفة الحقيقية المحيطة ~~بكنه صفات الربوبية إلا الله عز وجل فإذا انكشف لهم ذلك انكشافا برهانيا ~~كما ذكرناه فقد عرفوه أي بلغوا المنتهى الذي يمكن في حق الخلق من معرفته # وهو الذي أشار إليه الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه حيث قال العجز عن ~~درك الإدراك إدراك بل هو الذي عناه سيد البشر صلوات الله عليه وسلامه حيث ~~قال لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على PageV01P054 نفسك ولم يرد به أنه ~~عرف منه ما لا يطاوعه لسانه في العبارة عنه بل معناه إني لا أحيط بمحامدك ~~وصفات إلهيتك وإنما أنت المحيط بها وحدك # فإذا لا يحظى مخلوق في ملاحظة حقيقة ذاته إلا بالحيرة والدهشة وأما اتساع ~~المعرفة فإنها تكون في ms026 معرفة أسمائه وصفاته # فإن قلت فبماذا تتفاوت درجات الملائكة والأنبياء والأولياء في معرفته إن ~~كان لا يتصور معرفته فأقول قد عرفت أن للمعرفة سبيلين أحدهما السبيل ~~الحقيقي وذلك مسدود إلا في حق الله تعالى فلا يهتز أحد من الخلق لنيله ~~وإدراكه إلا ردته سبحات الجلال إلى الحيرة ولا يشرئب أحد لملاحظته إلا غضت ~~الدهشة طرفه # وأما السبيل الثاني وهو معرفة الصفات والأسماء فذلك مفتوح للخلق وفيه ~~تتفاوت مراتبهم فليس من يعلم أنه عز وجل عالم قادر على الجملة كمن شاهد ~~عجائب آياته في ملكوت السموات والأرض وخلق الأرواح والأجساد واطلع على ~~بدائع المملكة وغرائب الصنعة ممعنا في التفصيل ومستقصيا دقائق الحكمة ~~ومستوفيا لطائف التدبير ومتصفا بجميع الصفات الملكية المقربة من الله عز ~~وجل نائلا لتلك الصفات نيل اتصاف بها بل بينهما من البون العظيم ما لا يكاد ~~يحصى وفي تفاصيل ذلك ومقاديره يتفاوت الأنبياء والأولياء # ولن يصل إلى فهمك هذا إلا بمثال @QB@ ولله المثل الأعلى @QE@ سورة النحل ~~/ الآية 60 ولكنك تعلم أن العالم التقي الكامل مثلا مثل الشافعي رضي الله ~~عنه يعرفه بواب داره ويعرفه المزني رحمه الله تلميذه فالبواب يعرفه أنه ~~عالم بالشرع ومصنف فيه ومرشد خلق الله عز PageV01P055 وجل إليه على الجملة ~~والمزني يعرفه لا كمعرفة البواب بل معرفة محيطة بتفاصيل صفاته ومعلوماته بل ~~العالم الذي يحسن عشرة أنواع من العلوم لا يعرفه بالحقيقة تلميذه الذي لم ~~يحصل إلا نوعا واحدا فضلا عن خادمه الذي لم يحصل شيئا من علومه بل الذي حصل ~~علما واحدا فإنما عرف على التحقيق عشره إن ساواه في ذلك العلم حتى لم يقصر ~~عنه فإن قصر عنه فليس يعرف بالحقيقة ما قصر عنه إلا بالاسم وإيهام الجملة ~~وهو أنه يعرف أنه يعلم شيئا سوى ما علمه فكذلك فافهم تفاوت الخلق في معرفة ~~الله تعالى بقدر ما انكشف لهم من معلومات الله عز وجل وعجائب مقدوراته ~~وبدائع آياته في الدنيا والآخرة والملك والملكوت تزداد معرفتهم بالله عز ~~وجل وتقرب معرفتهم من معرفة الحقيقة من ms027 معرفة الله تعالى # فإن قلت فإذا لم يعرفوا حقيقة الذات واستحال معرفتها فهل عرفوا الأسماء ~~والصفات معرفة تامة حقيقية قلنا هيهات ذلك أيضا لا يعرفه بالكمال والحقيقة ~~إلا الله عز وجل لأنا إذا علمنا أن ذاتا عالمة فقد علمنا شيئا مبهما لا ~~ندري حقيقته لكن ندري أن له صفة العلم فإن كانت صفة العلم معلومة لنا حقيقة ~~كان علمنا بأنه عالم علما تاما بحقيقة هذه الصفة وإلا فلا ولا يعرف أحد ~~حقيقة علم الله عز وجل إلا من له مثل علمه وليس ذلك إلا له فلا يعرفه أحد ~~سواه وإنما يعرفه غيره بالتشبيه بعلم نفسه كما أوردنا من مثال التشبيه ~~بالسكر وعلم الله عز وجل لا يشبه علم الخلق البتة فلا يكون معرفة الخلق به ~~معرفة تامة حقيقية بل إيهامية تشبيهية # ولا تتعجبن من هذا فإني أقول لا يعرف الساحر إلا الساحر نفسه أو ساحر ~~مثله أو فوقه فأما من لا يعرف السحر وحقيقته وماهيته لا يعرف من الساحر إلا ~~اسمه ويعرف أن له علما وخاصية لا يدري ما ذلك العلم إذ لا يدري معلومه ولا ~~يدري ما تلك الخاصية نعم يدري أن تلك الخاصية وإن PageV01P056 كانت مبهمة ~~فهي من جنس العلوم وثمرتها تغيير القلوب وتبديل أوصاف الأعيان والتفريق بين ~~الأزواج وهذا بمعزل عن معرفة حقيقة السحر ومن لم يعرف حقيقة السحر لا يعرف ~~حقيقة الساحر لأن الساحر من له خاصية السحر وحاصل اسم الساحر أنه اسم مشتق ~~من تلك الصفة إن كانت مجهولة فهو مجهول وإن كانت معلومة فهو معلوم والمعلوم ~~من السحر لغير الساحر وصف عام بعيد عن الماهية وهو أنه من جنس العلوم فإن ~~اسم العلم ينطلق عليه # فكذلك الحاصل عندنا من قدرة الله عز وجل أنه وصف ثمرته وأثره وجود ~~الأشياء وينطلق عليه اسم القدرة لأنه يناسب قدرتنا مناسبة لذة الوقاع لذة ~~السكر وهذا كله بمعزل عن حقيقة تلك القدرة نعم كلما ازداد العبد إحاطة ~~بتفاصيل المقدورات وعجائب الصنع في ملكوت السموات كان حظه من معرفة ms028 صفة ~~القدرة أوفر لأن الثمرة تدل على المثمر كما أنه كلما ازداد التلميذ إحاطة ~~بتفاصيل علوم الأستاذ وتصانيفه كانت معرفته له أكمل واستعظامه له أتم # فإلى هذا يرجع تفاوت معرفة العارفين ويتطرق إليه تفاوت لا يتناهى لأن ما ~~لا يقدر الآدمي على معرفته من معلومات الله تعالى لا نهاية له وما يقدر ~~عليه أيضا لا نهاية له وإن كان ما يدخل منه في الوجود متناهيا ولكن مقدور ~~الآدمي من العلوم لا نهاية له نعم الخارج إلى الوجود متفاوت في الكثرة ~~والقلة وبه يظهرالتفاوت وهو كالتفاوت بين الناس في القدرة الحاصلة لهم ~~بالغنى بالمال فمن واحد يملك الدانق والدرهم ومن آخر يملك ألافا فكذلك ~~العلوم بل التفاوت في العلوم أعظم لأن المعلومات لا نهاية لها وأعيان ~~الأموال أجسام والأجسام متناهية لا يتصور أن تنتفي النهاية عنها # فإذا قد عرفت كيف يتفاوت الخلق في بحار معرفة الله عز وجل وأن ~~PageV01P057 ذلك لا نهاية له وعرفت أن من قال لا يعرف الله غير الله فقد ~~صدق وأن من قال لا أعرف إلا الله فقد صدق أيضا فإنه ليس في الوجود إلا الله ~~عز وجل وأفعاله فإذا نظر إلى أفعاله من حيث هي أفعاله وكان مقصور النظر ~~عليه ولم يره من حيث هو سماء وأرض وشجر بل من حيث أنه صنعه فلم يجاوز ~~معرفته حضرة الربوبية فيمكنه أن يقول ما أعرف إلا الله وما أرى إلا الله عز ~~وجل # ولو تصور شخص لا يرى إلا الشمس ونورها المنتشر في الآفاق يصح منه أن يقول ~~ما أرى إلا الشمس فإن النور الفايض منها هو من جملتها ليس خارجا منها وكل ~~ما في الوجود نور من أنوار القدرة الأزلية وأثر من آثارها # وكما أن الشمس ينبوع النور الفايض على كل مستنير فكذلك المعنى الذي قصرت ~~العبارة عنه فعبر عنه بالقدرة الأزلية للضرورة وهو ينبوع الوجود الفابض على ~~كل موجود فليس في الوجود إلا الله عز وجل فيجوز أن يقول العارف لا أعرف إلا ~~الله # ومن العجائب ms029 أن يقول لا أعرف إلا الله ويكون صادقا ويقول لا يعرف الله ~~إلا الله عز وجل ويكون أيضا صادقا ولكن ذلك بوجه وهذا بوجه ولو كذبت ~~المتناقضات إذا اختلفت وجوه الاعتبارات لما صدق قوله تعالى @QB@ وما رميت ~~إذ رميت ولكن الله رمى @QE@ سورة الأنفال الآية 17 ولكنه صادق لأن للرمي ~~اعتبارين هو منسوب إلى العبد بأحدهما ومنسوب إلى الرب تعالى بالثاني فلا ~~تناقض فيه # ولنقبض هاهنا عنان البيان فقد خضنا لجة بحر لا ساحل له وأمثال هذه ~~الأسرار لا ينبغي أن تبتذل بإيداع الكتب وإذ جاء هذا عرضا غير مقصود فلنكف ~~عنه ولنرجع إلى شرح معاني أسماء الله الحسنى على التفصيل PageV01P058 # | الفن الثاني في المقاصد والغايات وفي فصول ثلاثة # PageV01P059 # | الفصل الأول في شرح معاني أسماء الله التسعة والتسعين # وهي التي اشتملت عليها رواية أبي هريرة رضي الله عنه إذ قال قال رسول صلى ~~الله عليه وسلم إن لله عز وجل تسعة وتسعين اسما مئة إلا واحدا إنه وتر يحب ~~الوتر من أحصاها دخل الجنة # هو الله الذي لا إله هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن ~~المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب ~~الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع ~~البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي ~~الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم ~~الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي ~~المبدئ المعيد المحي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر ~~المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر ~~التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع ~~الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث ~~الرشيد الصبور PageV01P060 # فأما قوله الله فهو اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية المنعوت بنعوت ~~الربوبية المتفرد بالوجود الحقيقي فإن كل موجود سواه غير مستحق الوجود ~~بذاته وإنما استفاد الوجود منه فهو من حيث ذاته هالك ومن الجهة التي تليه ~~موجود فكل ms030 موجود هالك إلا وجهه والأشبه أنه جار في الدلالة على هذا المعنى ~~مجرى أسماء الأعلام وكل ما ذكر في اشتقاقه وتعريفه تعسف وتكلف فائدة # اعلم أن هذا الإسم أعظم أسماء الله عز وجل التسعة والتسعين لأنه دال على ~~الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها حتى لا يشذ منها شيء وسائر الأسماء لا ~~يدل آحادها إلا على آحاد المعاني من علم أو قدرة أو فعل أو غيره ولأنه أخص ~~الأسماء إذ لا يطلقه أحد على غيره لا حقيقة ولا مجازا وسائر الأسماء قد ~~يسمى به غيره كالقادر والعليم والرحيم وغيره فلهذين الوجهين يشبه أن يكون ~~هذا الاسم أعظم هذه الأسماء دقيقة # معاني سائر الأسماء يتصور أن يتصف العبد بشيء منها حتى ينطلق عليه الإسم ~~كالرحيم والعليم والحليم والصبور والشكور وغيره وإن كان إطلاق الاسم عليه ~~على وجه آخر يباين إطلاقه على الله عز وجل وأما معنى هذا الاسم فخاص خصوصا ~~لا يتصور فيه مشاركة لا بالمجاز ولا بالحقيقة ولأجل هذا الخصوص يوصف سائر ~~الأسماء بأنها اسم الله عز وجل ويعرف بالإضافة إليه فيقال الصبور والشكور ~~والملك والجبار من أسماء الله عز وجل ولا يقال الله من أسماء الشكور ~~والصبور لأن ذلك من حيث هو أدل على كنه المعاني الإلهية وأخص بها فكان أشهر ~~وأظهر فاستغني عن التعريف بغيره وعرف غيره بالإضافة إليه PageV01P061 تنبيه # ينبغي أن يكون حظ العبد من هذا الاسم التأله وأعني به أن يكون مستغرق ~~القلب والهمة بالله عز وجل لا يرى غيره ولا يلتفت إلى سواه ولا يرجو ولا ~~يخاف إلا إياه وكيف لا يكون كذلك وقد فهم من هذا الإسم أنه الموجود الحقيقي ~~الحق وكل ما سواه فان وهالك وباطل إلا به فيرى أولا نفسه أول هالك وباطل ~~كما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال أصدق بيت قالته العرب قول ~~لبيد # ألا كل شيء ما خلا الله باطل % وكل نعيم لا محالة زائل # | الرحمن الرحيم # اسمان مشتقان من الرحمة والرحمة تستدعي مرحوما ولا مرحوم إلا ms031 وهو محتاج ~~والذي ينقضي بسببه حاجة المحتاج من غير قصد وإرادة وعناية بالمحتاج لا يسمى ~~رحيما والذي يريد قضاء حاجة المحتاج ولا يقضيها فإن كان قادرا على قضائها ~~لم يسم رحيما إذ لو تمت الإرادة لوفى بها وإن كان عاجزا فقد يسمى رحيما ~~باعتبار ما اعتوره من الرقة ولكنه ناقص وإنما الرحمة التامة إفاضة الخير ~~على المحتاجين وإرادته لهم عناية بهم والرحمة العامة هي التي تتناول ~~المستحق وغير المستحق ورحمة الله عز وجل تامة وعامة أما تمامها فمن حيث أنه ~~أراد قضاء حاجات المحتاجين وقضاها وأما عمومها فمن حيث شمولها المستحق وغير ~~المستحق وعم الدنيا والآخرة وتناول الضرورات والحاجات والمزايا الخارجة ~~عنهما فهو الرحيم المطلق حقا دقيقة # الرحمة لا تخلو عن رقة مؤلمة تعتري الرحيم فتحركه إلى قضاء حاجة المرحوم ~~والرب سبحانه وتعالى منزة عنها فلعلك تظن أن ذلك نقصان في PageV01P062 معنى ~~الرحمة فاعلم أن ذلك كمال وليس بنقصان في معنى الرحمة # أما أنه ليس بنقصان فمن حيث أن كمال الرحمة بكمال ثمرتها ومهما قضيت حاجة ~~المحتاج بكمالها لم يكن للمرحوم حظ في تألم الراحم وتفجعه وإنما تألم ~~الراحم لضعف نفسه ونقصانها ولا يزيد ضعفها في غرض المحتاج شيئا بعد أن قضيت ~~كمال حاجته # وأما أنه كمال في معنى الرحمة فهو أن الرحيم عن رقة وتألم يكاد يقصد ~~بفعله دفع ألم الرقة عن نفسه فيكون قد نظر لنفسه وسعى في غرض نفسه وذلك ~~ينقص عن كمال معنى الرحمة بل كمال الرحمة أن يكون نظره إلى المرحوم لأجل ~~المرحوم لا لأجل الاستراحة من ألم الرقة فائدة # الرحمن أخص من الرحيم ولذلك لا يسمى به غير الله عز وجل # والرحيم قد يطلق على غيره فهو من هذا الوجه قريب من اسم الله تعلى الجاري ~~مجرى العلم وإن كان هذا مشتقا من الرحمة قطعا ولذلك جمع الله عز وجل بينهما ~~فقال @QB@ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ~~@QE@ 17 سورة الإسراء / الآية 110 فيلزم من هذا الوجه ومن ms032 حيث منعنا ~~الترادف في الأسماء المحصاة أن يفرق بين معنى الاسمين فبالحري أن يكون ~~المفهوم من الرحمن نوعا من الرحمة هي أبعد من مقدروات العباد وهي ما يتعلق ~~بالسعادة الأخروية فالرحمن هو العطوف على العباد بالإيجاد أولا وبالهداية ~~إلى الإيمان وأسباب السعادة ثانيا وبالإسعاد في الآخرة ثالثا والإنعام ~~بالنظر إلى وجهه الكريم رابعا PageV01P063 تنبيه # حظ العبد من اسم الرحمن أن يرحم عباد الله الغافلين فيصرفهم عن طريق ~~الغفلة إلى الله عز وجل بالوعظ والنصح بطريق اللطف دون العنف وأن ينظر إلى ~~العصاة بعين الرحمة لا بعين الإزراء وأن يكون كل معصية تجري في العالم ~~كمصيبة له في نفسه فلا يألو جهدا في إزالتها بقدر وسعه رحمة لذلك العاصي أن ~~يتعرض لسخط الله ويستحق البعد من جواره # وحظه من اسم الرحيم أن لا يدع فاقة لمحتاج إلا يسدها بقدر طاقته ولا يترك ~~فقيرا في جواره وبلده إلا ويقوم بتعهده ودفع فقره إما بماله أو جاهه أو ~~السعي في حقه بالشفاعة إلى غيره فإن عجز عن جميع ذلك فيعينه بالدعاء وإظهار ~~الحزن بسبب حاجته رقة عليه وعطفا حتى كأنه مساهم له في ضره وحاجته سؤال ~~وجوابه # لعلك تقول ما معنى كونه تعالى رحيما وكونه أرحم الراحمين والرحيم لا يرى ~~مبتلى ومضرورا ومعذبا ومريضا وهو يقدر على إماطة ما بهم إلا ويبادر إلى ~~إماطته والرب سبحانه وتعالى قادر على كفاية كل بلية ودفع كل فقر وغمة ~~وإماطة كل مرض وإزالة كل ضرر والدنيا طافحة بالأمراض والمحن والبلايا وهو ~~قادر على إزالة جميعها وتارك عباده ممتحنين بالرزايا والمحن # فجوابك إن الطفل الصغير قد ترق له أمه فتمنعه عن الحجامة والأب العاقل ~~يحمله عليها قهرا والجاهل يظن أن الرحيم هي الأم دون الأب والعاقل يعلم أن ~~إيلام الأب إياه بالحجامة من كمال رحمته وعطفه وتمام شفقته وأن الأم له عدو ~~في صورة صديق فإن الألم القليل إذا كان سببا للذة الكثيرة لم يكن شرا بل ~~كان خيرا PageV01P064 # والرحيم يريد الخير للمرحوم لا محالة وليس في ms033 الوجود شر إلا وفي ضمنه خير ~~لو رفع ذلك الشر لبطل الخير الذي في ضمنه وحصل ببطلانه شرا أعظم من الشر ~~الذي يتضمنه فاليد المتآكلة قطعها شر في الظاهر وفي ضمنه الخير الجزيل وهو ~~سلامة البدن ولو ترك قطع اليد لحصل هلاك البدن ولكان الشر أعظم وقطع اليد ~~لأجل سلامة البدن شر في ضمنه خير ولكن المراد الأول السابق إلى نظر القاطع ~~السلامة التي هي خير محض ثم لما كان السبيل إليه قطع اليد قصد قطع اليد ~~لأجله فكانت السلامة مطلوبة لذاتها أولا والقطع مطلوبا لغيره ثانيا لا ~~لذاته فهما داخلان تحت الإرادة ولكن أحدهما مراد لذاته والآخر مراد لغيره ~~والمراد لذاته قبل المراد لغيره ولأجله قال الله عز وجل سبقت رحمتي غضبي ~~فغضبه إرادته للشر والشر بإرادته ورحمته إرادته للخير والخير بإرادته ولكن ~~إذا أراد الخير للخير نفسه وأراد الشر لا لذاته ولكن لما في ضمنه من الخير ~~فالخير مقضي بالذات والشر مقضي بالعرض وكل بقدر وليس في ذلك ما ينافي ~~الرحمة أصلا # فالآن إن خطر لك نوع من الشر لا ترى تحته خيرا أو خطر لك أنه كان تحصيل ~~ذلك الخير ممكنا لا في ضمن الشر فاتهم عقلك القاصر في أحد الخاطرين # أما في قولك إن هذا الشر لا خير تحته فإن هذا مما تقصر العقول عن معرفته ~~ولعلك فيه مثل الصبي الذي يرى الحجامة شرا محضا أو مثل الغبي الذي يرى ~~القتل قصاصا شرا محضا لأنه ينظر إلى خصوص شخص المقتول لأنه في حقه شر محض ~~ويذهل عن الخير العام الحاصل للناس كافة ولا يدري أن التوصل بالشر الخاص ~~إلى الخير العام خير محض لا ينبغي للغير أن يهمله PageV01P065 # أو اتهم عقلك في الخاطر الثاني وهو قولك إن تحصيل ذلك لا في ضمن ذلك الشر ~~ممكن فإن هذا أيضا دقيق غامض فليس كل محال وممكن مما يدرك إمكانه واستحالته ~~بالبديهة ولا بالنظر القريب بل ربما عرف ذلك بنظر غامض دقيق يقصر عنه ~~الأكثرون # فاتهم عقلك في هذين ms034 الطرفين ولا تشكن أصلا في أنه أرحم الراحمين وفي أنه ~~سبقت رحمته غضبه ولا تستريبن في أن مريد الشر للشر لا للخير غير مستحق لاسم ~~الرحمة وتحت هذا الغطاء سر منع الشرع عن إفشائه فاقنع بالإيماء ولا تطمع في ~~الإفشاء ولقد نبهت بالرمز والإيماء إن كنت من أهله فتأمل # لقد أسمعت لو ناديت حيا % ولكن لا حياة لمن تنادي # هذا حكم الأكثرين وأما أنت أيها الأخ المقصود بالشرح فلا أظنك إلا ~~مستبصرا بسر الله عز وجل في القدر مستغنيا عن هذه التحويمات والتنبيهات # الملك هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود ويحتاج إليه كل موجود ~~بل لا يستغني عنه شيء في شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في وجوده ولا في ~~بقائه بل كل شيء فوجوده منه أو مما هو منه فكل شيء سواه هو له مملوك في ~~ذاته وصفاته وهو مستغن عن كل شيء فهذا هو الملك مطلقا تنبيه # العبد لا يتصور أن يكون ملكا مطلقا فإنه لا يستغني عن كل شيء فإنه أبدا ~~فقير PageV01P066 إلى الله تعالى وإن استغنى عمن سواه ولا يتصور أن يحتاج ~~إليه كل شيء بل يستغني عنه أكثر الموجودات ولكن لما تصور أن يستغني عن بعض ~~الأشياء ولا يستغني عنه بعض الأشياء كان له شوب من الملك # فالملك من العباد هو الذي لا يملكه إلا الله تعالى بل يستغني عن كل شيء ~~سوى الله عز وجل وهو مع ذلك يملك مملكته بحيث يطيعه فيها جنوده ورعاياه ~~وإنما مملكته الخاصة به قلبه وقالبه وجنده شهوته وغضبه وهواه ورعيته لسانه ~~وعيناه ويداه وسائر أعضائه فإذا ملكها ولم تملكه وأطاعته ولم يطعها فقد نال ~~درجة الملك في عالمه فإن انضم إليه استغناؤه عن كل الناس واحتاج الناس كلهم ~~إليه في حياتهم العاجلة والآجلة فهو الملك في عالم الأرض # وتلك رتبة الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين فإنهم استغنوا في الهداية ~~إلى الحياة الآخرة عن كل أحد إلا عن الله عز وجل واحتاج إليهم كل ms035 أحد ~~ويليهم في هذا الملك العلماء الذين هم ورثة الأنبياء وإنما ملكهم بقدر ~~قدرتهم على إرشاد العباد واستغنائهم عن الاسترشاد # وبهذه الصفات يقرب العبد من الملائكة في الصفات ويتقرب إلى الله تعالى ~~بها وهذا الملك عطية للعبد من الملك الحق الذي لا مثنوية في ملكه # ولقد صدق بعض العارفين لما قال له بعض الأمراء سلني حاجتك حيث قال أوتقول ~~لي هذا ولي عبدان هما سيداك فقال ومن هما قال الحرص والهوى فقد غلبتهما ~~وغلباك وملكتهما وملكاك وقال بعضهم لبعض الشيوخ أوصني فقال له كن ملكا في ~~الدنيا تكن ملكا في الآخرة قال وكيف أفعل ذلك فقال ازهد في الدنيا تكن ملكا ~~في الآخرة معناه اقطع حاجتك وشهوتك عن الدنيا فإن الملك في الحرية ~~والاستغناء PageV01P067 # القدوس # هو المنزه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أو يختلج ~~به ضمير أو يقضي به تفكير ولست أقول منزه عن العيوب والنقائص فإن ذكر ذلك ~~يكاد يقرب من ترك الأدب فليس من الأدب أن يقول القائل ملك البلد ليس بحائك ~~ولاحجام فإن نفي الوجود يكاد يوهم إمكان الوجود وفي ذلك الإيهام نقص # بل أقول القدوس هو المنزه عن كل وصف من أوصاف الكمال الذي يظنه أكثر ~~الخلق كمالا في حقه لأن الخلق أولا نظروا إلى أنفسهم وعرفوا صفاتهم وأدركوا ~~انقسامها إلى ما هو كمال ولكنه في حقهم مثل علمهم وقدرتهم وسمعهم وبصرهم ~~وكلامهم وإرادتهم واختيارهم ووضعوا هذه الألفاظ بإزاء هذه المعاني وقالوا ~~إن هذه هي أسماء الكمال وإلى ما هو نقص في حقهم مثل جهلهم وعجزهم وعماهم ~~وصممهم وخرسهم فوضعوا بإزاء هذه المعاني هذه الألفاظ # ثم كان غايتهم في الثناء على الله تعالى ووصفه أن وصفوه بما هو أوصاف ~~كمالهم من علم وقدرة وسمع وبصر وكلام وأن نفوا عنه ما هو أوصاف نقصهم والله ~~سبحانه وتعالى منزه عن أوصاف كمالهم كما أنه منزه عن أوصاف نقصهم بل كل صفة ~~تتصور للخلق فهو منزه ومقدس عنها وعما يشبهها ويماثلها ولولا ms036 ورود الرخصة ~~والإذن بإطلاقها لم يجز إطلاق أكثرها وقد فهمت معنى هذا في الفصل الرابع من ~~فصول المقدمات فلا حاجة إلى الإعادة تنبيه # قدس العبد في أن ينزه إرادته وعلمه أما علمه فينزهه عن المتخيلات ~~والمحسوسات والموهومات وكل ما يشاركه فيه البهائم من الإدراكات بل يكون ~~تردد نظره وتطواف علمه حول الأمور الأزلية الإلهية المنزهة عن أن تقرب ~~فتدرك بالحس أو تبعد فتغيب عن الحس بل يصير متجردا في نفسه عن المحسوسات ~~PageV01P068 والمتخيلات كلها ويقتني من العلوم ما لو سلب آلة حسه وتخيله ~~بقي ريانا بالعلوم الشريفة الكلية الإلهية المتعلقة بالمعلومات الأزلية ~~الأبدية دون الشخصيات المتغيرة المستحيلة # وأما إرادته فينزهها عن أن تدور حول الحظوظ البشرية التي ترجع إلى لذة ~~الشهوة والغضب ومتعة المطعم والمشرب والمنكح والملبس والملمس والمنظر وما ~~لا يصل إليه من اللذات إلا بواسطة الحس والقلب بل لا يريد إلا الله عز وجل ~~ولا يبقى له حظ إلا فيه ولا يكون له شوق إلا إلى لقائه ولا فرح إلا بالقرب ~~منه ولو عرضت عليه الجنة وما فيها من النعيم لم تلتفت همته إليها ولم يقنع ~~من الدار إلا برب الدار # وعلى الجملة الإدراكات الحسية والخيالية تشارك البهائم فيها فينبغي أن ~~يترقى عنها إلى ما هو من خواص الإنسانية والحظوظ البشرية الشهوانية يزاحم ~~البهائم أيضا فيها فينبغي أن يتنزه عنها فجلالة المريد على قدر جلالة مراده # ومن همته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج منه ومن لم يكن له همة سوى الله ~~عز وجل فدرجته على قدر همته ومن رقى علمه عن درجة المتخيلات والمحسوسات ~~وقدس إرادته عن مقتضى الشهوات فقد نزل بحبوحة حظيرة القدس # | السلام # هو الذي تسلم ذاته عن العيب وصفاته عن النقص وأفعاله عن الشر حتى إذا كان ~~كذلك لم يكن في الوجود سلامة إلا وكانت معزية إليه صادرة منه وقد فهمت أن ~~أفعاله تعالى سالمة عن الشر أعني الشر المطلق المراد لذاته لا لخير حاصل في ~~ضمنه أعظم منه وليس في الوجود شر ms037 بهذه الصفة كما سبق الإيماء إليه إلا لله ~~سبحانه PageV01P069 تنبيه # كل عبد سلم عن الغش والحقد والحسد وإرادة الشر قلبه وسلمت عن الآثام ~~والمحظورات جوارحه وسلم عن الانتكاس والانعكاس صفاته فهو الذي يأتي الله ~~تعالى بقلب سليم وهو السلام من العباد القريب في وصفه من السلام المطلق ~~الحق الذي لا مثنوية في صفته # وأعني بالانتكاس في صفاته أن يكون عقله أسير شهوته وغضبه إذ الحق عكسه ~~وهو أن تكون الشهوة والغضب أسير العقل وطوعه فإذا انعكس فقد انتكس ولا ~~سلامة حيث يصير الأمير مأمورا والملك عبدا ولن يوصف بالسلام والإسلام إلا ~~من سلم المسلمون من لسانه ويده فكيف يوصف به من لم يسلم هو من نفسه # | المؤمن # هو الذي يعزى إليه الأمن والأمان بإفادته أسبابه وسده طرق المخاوف ولا ~~يتصور أمن وأمان إلا في محل الخوف ولا خوف إلا عند إمكان العدم والنقص ~~والهلاك والمؤمن المطلق هو الذي لا يتصور أمن وأمان إلا ويكون مستفادا من ~~جهته وهو الله سبحانه وتعالى # وليس يخفى أن الأعمى يخاف أن يناله هلاك من حيث لا يرى فعينه البصيرة ~~تفيده أمنا منه والأقطع يخاف آفة لا تندفع إلا باليد فاليد السليمة أمان ~~منها وهكذا جميع الحواس والأطراف والمؤمن خالقها ومصورها ومقويها # ولو قدرنا إنسانا وحده مطلوبا من جهة أعدائه وهو ملقى في مضيعة لا تتحرك ~~عليه أعضاؤه لضعفه وإن تحركت فلا سلاح معه وإن كان معه سلاح لم يقاوم ~~أعداءه وحده وإن كان له جنود لم يأمن أن تنكسر جنوده ولا يجد حصنا يأوي ~~إليه فجاء من عالج ضعفه فقواه وأمده بجنوده وأسلحته PageV01P070 وبنى حوله ~~حصنا حصينا فقد أفاده أمنا وأمانا فالبحري أن يسمى مؤمنا في حقه # والعبد ضعيف في أصل فطرته وهو عرضة الأمراض والجوع والعطش من باطنه وعرضة ~~الآفات المحرقة والمغرقة والجارحة والكاسرة من ظاهره ولم يؤمنه من هذه ~~المخاوف إلا الذي أعد الأدوية نافعة ورافعة لأمراضه والأطعمة مزيلة لجوعه ~~والأشربة مميطة لعطشه والأعضاء دافعة عن بدنه والحواس جواسيس منذرة بما ~~يقرب ms038 من مهلكاته ثم خوفه الأعظم من هلاك الآخرة ولا يحصنه عنه إلا كلمة ~~التوحيد والله سبحانه وتعالى هاديه إليها ومرغبه فيها حيث قال لا إله إلا ~~الله حصني فمن دخل حصني أمن عذابي فلا أمن في العالم إلا وهو مستفاد بأسباب ~~هو متفرد بخلقها والهداية إلى استعمالها فهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ~~فهو المؤمن المطلق حقا تنبيه حظ العبد من هذا الاسم والوصف أن يأمن الخلق ~~كلهم جانبه بل يرجو كل خائف الاعتضاد به في دفع الهلاك عن نفسه في دينه ~~ودنياه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فليأمن جاره بوائقه وأحق العباد باسم المؤمن من كان سببا لأمن الخلق ~~من عذاب الله بالهداية إلى طريق الله عز وجل والإرشاد إلى سبيل النجاة وهذه ~~حرفة الأنبياء والعلماء PageV01P071 # ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم تتهافتون في النار تهافت ~~الفراش وأنا آخذ بحجزكم خيال وتنبيه # لعلك تقول الخوف على الحقيقة من الله تعالى فلا مخوف إلا إياه فهو الذي ~~خوف عباده وهو الذي خلق أسباب الخوف فكيف ينسب إليه الأمن # فجوابك إن الخوف منه والأمن منه وهو خالق سبب الأمن والخوف جميعا وكونه ~~مخوفا لا يمنع كونه مؤمنا كما أن كونه مذلا لم يمنع كونه معزا بل هو المعز ~~والمذل وكونه خافضا لم يمنع كونه رافعا بل هو الخافض الرافع فكذلك هو ~~المؤمن المخوف لكن المؤمن ورد التوقيف به خاصة دون المخوف # | المهيمن # معناه في حق الله عز وجل أنه القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم ~~وإنما قيامه عليهم باطلاعه واستيلائه وحفظه وكل مشرف على كنه الأمر مستول ~~عليه حافظ له فهو مهيمن عليه والإشراف يرجع إلى العلم والاستيلاء إلى كمال ~~القدرة والحفظ إلى الفعل فالجامع بين هذه المعاني اسمه المهين ولن يجتمع ~~ذلك على الإطلاق والكمال إلا لله عز وجل ولذلك قيل إنه من أسماء الله تعالى ~~في الكتب القديمة تنبيه # كل عبد راقب قلبه حتى أشرف ms039 على أغواره وأسراره واستولى مع ذلك على ~~PageV01P072 تقويم أحواله وأوصافه وقام بحفظها على الدوام على مقتضى تقويمه ~~فهو مهيمن بالإضافة إلى قلبه فإن اتسع إشرافه واستيلاؤه حتى قام بحفظ بعض ~~عباد الله عز وجل على نهج السداد بعد اطلاعه على بواطنهم وأسرارهم بطريق ~~التفرس والاستدلال بظواهرهم كان نصيبه من هذا المعنى أوفر وحظه أكثر # | العزيز # هو الخطير الذي يقل وجود مثله وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه فما ~~لم يجتمع عليه هذه المعاني الثلاثة لم يطلق عليه اسم العزيز فكم من شيء يقل ~~وجوده ولكن إذا لم يعظم خطره ولم يكثر نفعه لم يسم عزيزا وكم من شئ يعظم ~~خطره ويكثر نفعه ولا يوجد نظيره ولكن إذا لم يصعب الوصول إليه لم يسم عزيزا ~~كالشمس مثلا فإنه لا نظير لها والأرض كذلك والنفع عظيم في كل واحد منهما ~~والحاجة شديدة إليهما ولكن لا يوصفان بالعزة لأنه لا يصعب الوصول إلى ~~مشاهدتهما فلا بد من اجتماع المعاني الثلاثة # ثم في كل واحد من المعاني الثلاثة كمال ونقصان والكمال في قلة الوجود أن ~~يرجع إلى واحد إذ لا أقل من الواحد ويكون بحيث يستحيل وجود مثله وليس هذا ~~إلا الله تعالى فإن الشمس وإن كانت واحدة في الوجود فليست واحدة في الإمكان ~~فيمكن وجود مثلها في الكمال والنفاسة وشدة الحاجة أن يحتاج إليه كل شيء في ~~كل شيء حتى في وجوده وبقائه وصفاته وليس ذلك على الكمال إلا لله عز وجل ~~والكمال في صعوبة المنال أن يستحيل الوصول إليه على معنى الإحاطة بكنهه ~~وليس ذلك على الكمال إلا لله عز وجل فإنا قد بينا أنه لا يعرف الله إلا ~~الله فهو العزيز المطلق الحق لا يوازيه فيه غيره PageV01P073 تنبيه # العزيز من العباد من يحتاج إليه عباد الله في أهم أمورهم وهي الحياة ~~الأخروية والسعادة الأبدية وذلك مما يقل لا محالة وجوده ويصعب إدراكه وهذه ~~رتبة الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ويشاركهم في العز من ينفرد بالقرب ~~من درجتهم في عصره كالخلفاء وورثتهم ms040 من العلماء وعزة كل واحد منهم بقدر علو ~~رتبته عن سهولة النيل والمشاركة وبقدر عنائه في إرشاد الخلق # | الجبار # هو الذي ينفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل واحد ولا تنفذ فيه مشيئة أحد ~~الذي لا يخرج أحد من قبضته وتقصر الأيدي دون حمى حضرته فالجبار المطلق هو ~~الله سبحانه وتعالى فإنه يجبر كل أحد ولا يجبره أحد ولا مثنوية في حقه في ~~الطرفين تنبيه # الجبار من العباد من ارتفع عن الأتباع ونال درجة الاستتباع وتفرد بعلو ~~رتبته بحيث يجبر الخلق بهيئته وصورته على الاقتداء به ومتابعته في سمته ~~وسيرته فيفيد الخلق ولا يستفيد ويؤثر ولا يتأثر ويستتبع ولا يتبع ولا ~~يشاهده أحد إلا ويفنى عن ملاحظة نفسه ويصير متشوقا إليه غير ملتفت إلى ذاته ~~ولا يطمع أحد في استدراجه واستتباعه وإنما حظي بهذا الوصف سيد البشر صلى ~~الله عليه وسلم حيث قال لو كان موسى بن عمران حيا ما وسعه إلا اتباعي وأنا ~~سيد ولد آدم ولا فخر PageV01P074 # | المتكبر # هو الذي يرى الكل حقيرا بالإضافة إلى ذاته ولا يرى العظمة والكبرياء إلا ~~لنفسه فينظر إلى غيره نظر الملوك إلى العبيد فإن كانت هذه الرؤية صادقة كان ~~التكبر حقا وكان صاحبها متكبرا حقا ولا يتصور ذلك على الإطلاق إلا لله عز ~~وجل وإن كان ذلك التكبر والاستعظام باطلا ولم يكن ما يراه من التفرد ~~بالعظمة كما يراه كان التكبر باطلا ومذموما وكل من رأى العظمة والكبرياء ~~لنفسه على الخصوص دون غيره كانت رؤيته كاذبة ونظره باطلا إلا الله سبحانه ~~وتعالى تنبيه # المتكبر من العباد هو الزاهد العارف ومعنى زهد العارف أن يتنزه عما شغل ~~سره عن الحق ويتكبر على كل شيء سوى الحق سبحانه وتعالى فيكون مستحقرا ~~للدنيا والآخرة جميعا مترفعا عن أن يشغله كلاهما عن الحق تعالى # وزهد غير العارف معاملة ومعاوضة فإنه يشتري بمتاع الدنيا متاع الآخرة ~~فيترك الشيء عاجلا طمعا في أضعافه آجلا وإنما هو سلم ومبايعة ومن استعبدته ~~شهوة المطعم والمنكح فهو حقير وإن كان ذلك ms041 دائما وإنما المتكبر من يستحقر ~~كل شهوة وحظ يتصور أن يساهمه البهائم فيها والله أعلم # | الخالق البارئ المصور # قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة وأن الكل يرجع إلى الخلق والاختراع ولا ~~ينبغي أن يكون كذلك بل كل ما يخرج من العدم إلى الوجود فيفتقر إلى تقدير ~~أولا وإلى الإيجاد على وفق التقدير ثانيا وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثا ~~والله سبحانه وتعالى خالق من حيث أنه مقدر وبارئ من حيث أنه مخترع موجد ~~ومصور من حيث أنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب PageV01P075 # وهذا كالبناء مثلا فإنه يحتاج إلى مقدر يقدر ما لا بد له منه من الخشب ~~واللبن ومساحة الأرض وعدد الأبنية وطولها وعرضها وهذا يتولاه المهندس ~~فيرسمه ويصوره ثم يحتاج إلى بناء يتولى الأعمال التي عندها يحدث أصول ~~الأبنية ثم يحتاج إلى مزين ينقش ظاهره ويزين صورته فيتولاه غير البناء هذه ~~هي العادة في التقدير والبناء والتصوير وليس كذلك في أفعال الله عز وجل بل ~~هو المقدر والموجد والمزين فهو الخالق البارئ المصور # ومثاله الإنسان وهو أحد مخلوقاته وهو محتاج في وجوده أولا إلى أن يقدر ما ~~منه وجوده فإنه جسم مخصوص فلا بد من الجسم أولا حتى يخصص بالصفات كما يحتاج ~~البناء إلى آلات حتى يبني ثم لا يصلح لبنية الإنسان إلا الماء والتراب ~~جميعا إذ التراب وحده يابس محض لا ينثني ولا ينعطف في الحركات والماء وحده ~~رطب محض لا يتماسك ولا ينتصب بل ينبسط فلا بد أن يمتزج الرطب باليابس حتى ~~يعتدل ويعبر عنه بالطين ثم لا بد من حرارة طابخة حتى يستحكم مزج الماء ~~بالتراب ولا ينفصل فلا يتخلق الإنسان من الطين المحض بل من صلصال كالفخار ~~والفخار هو الطين المعجون بالماء الذي قد عملت فيه النار حتى أحكمت مزاجه ~~ثم يحتاج إلى تقدير الماء والطين بمقدار مخصوص فإنه إن صغر مثلا لم تحصل ~~منه الأفعال الإنسانية بل كان على قدر الذر والنمل فتسفيه الرياح ويهلكه ~~أدنى شيء ولا يحتاج إلى مثل الجبل من الطين فإن ms042 ذلك يزيد على قدر الحاجة بل ~~الكافي من غير زيادة ونقصان قدر معلوم يعلمه الله عز وجل # وكل ذلك يرجع إلى التقدير فهو باعتبار تقدير هذه الأمور خالق وباعتبار ~~الإيجاد على وفق التقدير مصور وباعتبار مجرد الإيجاد والإخراج من العدم إلى ~~الوجود بارئ والإيجاد المجرد شئ والإيجاد على وفق التقدير شيء آخر وهذا ~~يحتاج إليه من يبعد رد الخلق إلى مجرد التقدير مع أن له في اللغة ~~PageV01P076 وجها إذ العرب تسمي الحذاء خالقا لتقديره بعض طاقات النعل على ~~بعض ولذلك قال الشاعر # ولأنت تفري ما خلقت وبعض % القوم يخلق ثم لا يفري # فأما اسم المصور فهو له من حيث رتب صور الأشياء أحسن ترتيب وصورها أحسن ~~تصوير وهذا من أوصاف الفعل فلا يعلم حقيقته إلا من يعلم صورة العالم على ~~الجملة ثم على التفصيل فإن العالم كله في حكم شخص واحد مركب من أعضاء ~~متعاونة على الغرض المطلوب منه وإنما أعضاؤه وأجزاؤه السموات والكواكب ~~والأرضون وما بينهما من الماء والهواء وغيرهما وقد رتبت أجزاؤه ترتيبا ~~محكما لو غير ذلك الترتيب لبطل النظام فخصص بجهة الفوق ما ينبغي أن يعلو ~~وبجهة السفل ما ينبغي أن يسفل وكما أن البناء يضع الحجارة أسفل الحيطان ~~والخشب فوقها لا بالاتفاق بل بالحكمة والقصد لإرادة الإحكام ولو قلب ذلك ~~فوضع الحجارة فوق الحيطان والخشب أسفلها لانهدم البناء ولم تثبت صورته أصلا # فكذلك ينبغي أن يفهم السبب في علو الكواكب وتسفل الأرض والماء وسائر ~~أنواع الترتيب في الأجزاء العظام من أجزاء العالم ولو ذهبنا نصف أجزاء ~~العالم ونحصيها ثم نذكر الحكمة في تركيبها لطال الكلام وكل من كان أوفر ~~علما بهذا التفصيل كان أكثر إحاطة بمعنى اسم المصور وهذا الترتيب والتصوير ~~موجود في كل جزء من أجزاء العالم وإن صغر حتى في النملة والذرة بل في كل ~~عضو من أعضاء النملة بل الكلام يطول في شرح صورة العين التي هي أصغر عضو في ~~الحيوان ومن لم يعرف طبقات العين وعددها وهيئاتها وشكلها ومقاديرها ~~وألوانها ووجه الحكمة ms043 فيها فلن يعرف صورتها ولم يعرف مصورها PageV01P077 ~~إلا بالاسم المجمل وهكذا القول في كل صورة لكل حيوان ونبات بل لكل جزء من ~~كل حيوان ونبات تنبيه # حظ العبد من هذا الاسم أن يحصل في نفسه صورة الوجود كله على هيئته ~~وترتيبه حتى يحيط بهيئة العالم وترتيبه كله كأنه ينظر إليها ثم ينزل من ~~الكل إلى التفاصيل فيشرف على صورة الإنسان من حيث بدنه وأعضائه الجسمانية ~~فيعلم أنواعها وعددها وتركيبها والحكمة في خلقها وترتيبها ثم يشرف على ~~صفاتها المعنوية ومعانيها الشريفة التي بها إدراكاته وإرادته وكذلك يعرف ~~صورة الحيوانات وصورة النبات ظاهرا وباطنا بقدر ما في وسعه حتى يحصل نقش ~~الجميع وصورته في قلبه وكل ذلك يرجع إلى معرفة صورة الجسمانيات وهي معرفة ~~مختصرة بالإضافة إلى معرفة ترتيب الروحانيات وفيه يدخل معرفة الملائكة ~~ومعرفة مراتبهم وما وكل إلى كل واحد منهم من التصرف في السموات والكواكب ثم ~~التصرف في القلوب البشرية بالهداية والإرشاد ثم التصرف في الحيوانات ~~بالإلهامات الهادية لها إلى مظنة الحاجات # فهذا حظ العبد من هذا الاسم وهو اكتساب الصورة العلمية المطابقة للصورة ~~الوجودية فإن العلم صورة في النفس مطابقة للمعلوم وعلم الله عز وجل بالصور ~~سبب لوجود الصور في الأعيان والصورة الموجودة في الأعيان سبب لحصول الصور ~~العلمية في قلب الإنسان وبذلك يستفيد العبد العلم بمعنى اسم المصور من ~~أسماء الله سبحانه وتعالى ويصير أيضا باكتساب الصورة في نفسه كأنه مصور وإن ~~كان ذلك على سبيل المجاز فإن تلك الصور العلمية إنما تحدث فيه على التحقيق ~~بخلق الله تعالى واختراعه لا بفعل العبد ولكن العبد PageV01P078 يسعى في ~~التعرض لفيضان رحمة الله تعالى عليه ف @QB@ إن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم @QE@ 13 سورة الرعد الآية 11 ولذلك قال صلى الله عليه ~~وسلم إن لربكم في أيام دهركم نفخات من رحمته ألا فتعرضوا لها # وأما الخالق البارئ فلا مدخل للعبد أيضا في هذين الاسمين إلا بنوع من ~~المجاز بعيد ووجهه أن الخلق والإيجاد يرجع إلى استعمال ms044 القدرة بموجب العلم ~~وقد خلق الله تعالى للعبد علما وقدرة وله سبيل إلى تحصيل مقدوراته على وفق ~~تقديره وعلمه # والأمور الموجودة تنقسم إلى ما لا يرتبط حصولها بقدرة العباد أصلا ~~كالسماء والكواكب والأرض والحيوان والنبات وغير ذلك وإلى ما لا حصول لها ~~إلا بقدرة العباد وهي التي ترجع إلى أعمال العباد كالصناعات والسياسات ~~والعبادات والمجاهدات فإذا بلغ العبد في مجاهدة نفسه بطريق الرياضة في ~~سياستها وسياسة الخلق مبلغا ينفرد فيها باستنباط أمور لم يسبق إليها ويقدر ~~مع ذلك على فعلها والترغيب فيها كان كالمخترع لما لم يكن له وجود من قبل إذ ~~يقال لواضع الشطرنج إنه الذي وضعه واخترعه حيث وضع ما لم يسبق إليه إلا أن ~~وضع ما لا خير فيه لا يكون من صفات المدح # وكذلك في الرياضات والمجاهدات والسياسات والصناعات التي هي منبع الخيرات ~~صور وترتيبات يتعلمها الناس بعضهم من بعض ويرتقي لا محالة إلى أول مستنبط ~~وواضع فيكون ذلك الواضع كالمخترع لتلك الصورة والخالق المقدر لها حتى يجوز ~~إطلاق الاسم عليه مجازا PageV01P079 # ومن أسماء الله تعالى ما يكون نقلها إلى العبد مجازا وهو الأكثر ومنها ما ~~يكون في حق العبد حقيقة وفي حق الله تعالى مجازا كالصبور والشكور ولا ينبغي ~~أن تلاحظ المشاركة في الاسم وتذهل عن هذا التفاوت العظيم الذي ذكرناه # | الغفار # هو الذي أظهر الجميل وستر القبيح والذنوب من جملة القبائح التي سترها ~~بإسبال الستر عليها في الدنيا والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة والغفر هو ~~الستر # وأول ستره على العبد أن جعل مقابح بدنه التي تستقبحها الأعين مستورة في ~~باطنه مغطاة بجمال ظاهره فكم بين باطن العبد وظاهره في النظافة والقذارة ~~وفي القبح والجمال فانظر ما الذي أظهره وما الذي ستره # وستره الثاني أن جعل مستقر خواطره المذمومة وإرادته القبيحة سر قلبه حتى ~~لا يطلع أحد على سره ولو انكشف للخلق ما يخطر بباله في مجاري وسواسه وما ~~ينطوي عليه ضميره من الغش والخيانة وسوء الظن بالناس لمقتوه بل سعوا في تلف ~~روحه وأهلكوه ms045 فانظر كيف ستر عن غيره أسراره وعوراته # وستره الثالث مغفرته ذنوبه التي كان يستحق الافتضاح بها على ملأ الخلق ~~وقد وعد أن يبدل سيئاته حسنات ليستر مقابح ذنوبه بثواب حسناته مهما مات على ~~الإيمان تنبيه # حظ العبد من هذا الاسم أن يستر من غيره ما يجب أن يستر منه فقد قال ~~PageV01P080 النبي صلى الله عليه وسلم من ستر على مؤمن عورته ستر الله عز ~~وجل عورته يوم القيامة والمغتاب والمتجسس والمكافئ على الإساءة بمعزل عن ~~هذا الوصف # وإنما المتصف به من لا يفشى من خلق الله تعالى إلا أحسن ما فيه ولا ينفك ~~مخلوق عن كمال ونقص وعن قبح وحسن فمن تغافل عن المقابح وذكر المحاسن فهو ذو ~~نصيب من هذا الوصف كما روي عن عيسى صلوات الله عليه أنه مر مع الحواريين ~~بكلب ميت قد غلب نتنه فقالوا ما أنتن هذه الجيفة فقال عيسى عليه السلام ما ~~أحسن بياض أسنانه تنبيها على أن الذي ينبغي أن يذكر من كل شيء ما هو أحسن # القهار هو الذي يقصم ظهور الجبابرة من أعدائه فيقهرهم بالإماتة والإذلال ~~بل الذي لا موجود إلا وهو مسخر تحت قهره ومقدرته عاجز في قبضته تنبيه # | القهار # من العباد من قهر أعداءه وأعدى عدو الإنسان نفسه التي بين جنبيه فهي أعدى ~~له من الشيطان الذي قد حذر عداوته ومهما قهر شهوات نفسه فقد قهر الشيطان إذ ~~الشيطان يستهويه إلى الهلاك بواسطة شهواته # وإحدى حبائك الشيطان النساء ومن فقد شهوة النساء لم يتصور أن ينعقل بهذه ~~الأحبولة فكذلك من قهر هذه الشهوة تحت سطوة الدين وإشارة العقل ومهما قهر ~~شهوات النفس فقد قهر الناس كافة فلم يقدر عليه أحد إذ غاية PageV01P081 ~~أعدائه السعي في إهلاك بدنه وذلك إحياء لروحه فإن من مات عن شهواته في ~~حياته عاش في مماته @QB@ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون فرحين @QE@ 3 سورة آل عمران الآية 169 و 170 # | الوهاب # الهبة هي العطية الخالية عن الأعواض ms046 والأغراض فإذا كثرت العطايا بهذه ~~الصفة سمي صاحبها وهابا وجوادا ولن يتصور الجود والهبة حقيقة إلا من الله ~~تعالى فإنه الذي يعطي كل محتاج ما يحتاج إليه لا لعوض ولا لغرض عاجل ولا ~~آجل ومن وهب وله في هبته غرض يناله عاجلا وآجلا من ثناء أو مدح أو مودة أو ~~تخلص من مذمة أو اكتساب شرف وذكر فهو معامل معتاض وليس بوهاب ولا جواد فليس ~~العوض كله عينا يتناول بل كل ما ليس بحاصل ويقصد الواهب حصوله بالهبة فهو ~~عوض ومن وهب وجاد ليشرف أو ليثنى عليه أو لئلا يذم فهو معامل وإنما الجواد ~~الحق هو الذي يفيض منه الفوائد على المستفيد لا لغرض يعود إليه بل الذي ~~يفعل شيئا لو لم يفعل لكان يقبح به فهو بما يفعله متخلص وذلك غرض وعوض ~~تنبيه # لا يتصور من العبد الجود والهبة فإنه ما لم يكن الفعل أولى به من الترك ~~لم يقدم عليه فيكون إقدامه لغرض نفسه ولكن الذي يبذل جميع ما يملكه حتى ~~الروح لوجه الله عز وجل فقط لا للوصول إلى نعيم الجنة أو الحذر من عذاب ~~النار أو لحظ عاجل أو آجل مما يعد من حظوظ البشرية فهو جدير بأن يسمى وهابا ~~وجوادا ودونه الذي يجود لينال نعيم الجنة ودونه من PageV01P082 يجود لينال ~~حسن الأحدوثة وكل من لم يطلب عوضا يتناول سمي جوادا عند من يظن أن لا عوض ~~إلا الأعيان # فإن قلت فالذي يجود بكل ما يملكه خالصا لوجه الله تعالى من غير توقع حظ ~~عاجل أو آجل كيف لا يكون جوادا ولا حظ له أصلا فيه # فنقول حظه هو الله تعالى ورضاؤه ولقاؤه والوصول إليه وذلك هو السعادة ~~التي يكتسبها الإنسان بأفعاله الاختيارية وهو الحظ الذي تستحقر سائر الحظوظ ~~في مقابلته # فإن قلت فما معنى قولهم إن العارف بالله تعالى هو الذي يعبد الله عز وجل ~~خالصا لله لا لحظ وراءه فإن كان لا يخلو فعل العبد عن حظ فما الفرق بين من ~~يعبد الله تعالى ms047 لله خالصا وبين من يعبده لحظ من الحظوظ فاعلم أن الحظ ~~عبارة عند الجماهير عن الأغراض أو الأعواض المشهورة عندهم ومن تنزه عنها ~~ولم يبق له مقصد إلا الله تعالى فيقال إنه قد برئ من الحظوظ أي عما يعده ~~الناس حظا وهو كقولهم إن العبد يراعي سيده لا لسيده ولكن لحظ يناله من سيده ~~من نعمة أو إكرام والسيد يراعي عبده لا لعبده ولكن لحظ يناله منه بخدمته ~~وأما الوالد فإنه يراعي ولده لذاته لا لحظ يناله منه بل لو لم يكن منه حظ ~~أصلا لكان معنيا بمراعاته # ومن طلب شيئا لغيره لا لذاته فكأنه لم يطلبه فإنه ليس غاية طلبه بل غاية ~~طلب غيره كمن يطلب الذهب فإنه لا يطلبه لذاته بل ليتوصل به إلى المطعم ~~والملبس والمطعم والملبس لا يرادان لذاتهما بل للتوصل بهما إلى جلب اللذة ~~ودفع الألم واللذة تراد لذاتها لا لغاية أخرى وراءها وكذا دفع الألم فيكون ~~الذهب واسطة إلى الطعام والطعام واسطة إلى اللذة واللذة هي الغاية وليست ~~واسطة إلى غيرها وكذلك الولد ليس واسطة في حق الوالد بل مطلوبه سلامة الولد ~~لذات الولد لأن عين الولد حظه PageV01P083 # فكذلك من يعبد الله عز وجل للجنة فقد جعل الله سبحانه وتعالى واسطة طلبه ~~ولم يجعله غاية مطلبه وعلامة الواسطة أنه لو حصلت الفائدة دونها لم تطلب ~~كما لو حصلت المقاصد دون الذهب لم يكن الذهب محبوبا ولا مطلوبا فالمحبوب ~~بالحقيقة الغاية المطلوبة دون الذهب ولو حصلت الجنة لمن يعبد الله لأجلها ~~دون عبادة الله عز وجل لما عبد الله فمحبوبه ومطلوبه الجنة إذا لا غير وأما ~~من لم يكن له محبوب سوى الله عز وجل ولا مطلوب سواه بل حظه الابتهاج بلقاء ~~الله تعالى والقرب منه والمرافقة مع الملأ الأعلى المقربين من حضرته فيقال ~~إنه يعبد الله تعالى لله لا على معنى أنه غير طالب للحظ بل على معنى أن ~~الله عز وجل هو حظه وليس يبغي وراءه حظا # ومن لم يؤمن بلذة البهجة بلقاء ms048 الله عز وجل ومعرفته والمشاهدة له والقرب ~~منه لم يشتق إليه ومن لم يشتق إليه لم يتصور أن يكون ذلك من حظه فلم يتصور ~~أن يكون ذلك مقصده أصلا فلذلك لا يكون في عبادة الله تعالى إلا كالأجير ~~السوء لا يعمل إلا بأجرة طمع فيها وأكثر الخلق لم يذوقوا هذه اللذة ولم ~~يعرفوها ولا يفهمون لذة النظر إلى وجه الله عز وجل وإنما إيمانهم بذلك من ~~حيث النطق باللسان فأما بواطنهم فإنها مائلة إلى التلذذ بلقاء الحور العين ~~ومصدقة به فقط فافهم من هذا أن البراءة من الحظوظ محال إن كنت تجوز أن يكون ~~الله تعالى أي لقاءه والقرب منه مما يسمى حظا وإن كان الحظ عبارة عما يعرفه ~~الجماهير وتميل إليه قلوبهم فليس هذا حظا وإن كان عبارة عما حصوله أوفى من ~~عدمه في حق العبد فهو حظ # | الرزاق # هو الذي خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إليهم وخلق لهم أسباب التمتع بها ~~PageV01P084 # والرزق رزقان ظاهر وهي الأقوات والأطعمة وذلك للظواهر وهي الأبدان وباطن ~~وهي المعارف والمكاشفات وذلك للقلوب والأسرار وهذا أشرف الرزقين فإن ثمرته ~~حياة الأبد وثمرة الرزق الظاهر قوة الجسد إلى مدة قريبة الأمد والله عز وجل ~~هو المتولي لخلق الرزقين والمتفضل بالإيصال إلى كلا الفريقين ولكنه يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر تنبيه # غاية حظ العبد من هذا الوصف أمران # أحدهما أن يعرف حقيقة هذا الوصف وأنه لا يستحقه إلا الله عز وجل فلا ~~ينتظر الرزق إلا منه ولا يتوكل فيه إلا عليه كما روي عن حاتم الأصم رحمه ~~الله أنه قال له رجل من أين تأكل فقال من خزانته فقال الرجل أيلقي عليك ~~الرزق من السماء فقال لو لم تكن الأرض له لكان يلقيه من السماء فقال الرجل ~~إنكم تقولون الكلام فقال لأنه لم ينزل من السماء إلا الكلام فقال الرجل إني ~~لا أقوى على مجادلتك فقال لأن الباطل لا يقوى مع الحق # الثاني أن يرزقه علما هاديا ولسانا مرشدا معلما ويدا منفقة متصدقة ويكون ~~سببا لوصول الأرزاق ms049 الشريفة إلى القلوب بأقواله وأعماله ووصول الأرزاق إلى ~~الأبدان بأفعاله وأعماله وإذا أحب الله عبدا أكثر حوائج الخلق إليه ومهما ~~كان واسطة بين الله وبين العباد في وصول الأرزاق إليهم فقد نال حظا من هذه ~~الصفة قال رسول لله صلى الله عليه وسلم الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به ~~طيبة به نفسه أحد المتصدقين وأيدي العباد خزائن الله تعالى PageV01P085 فمن ~~جعلت يده خزانة أرزاق الأبدان ولسانه خزانة أرزاق القلوب فقد أكرم بشوب من ~~هذه الصفة # | الفتاح # هو الذي ينفتح بعنايته كل منغلق وبهدايته ينكشف كل مشكل فتارة يفتح ~~الممالك لأنبيائه ويخرجها من أيدي أعدائه ويقول @QB@ إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا @QE@ 48 سورة الفتح الآية 1 وتارة يرفع الحجاب عن قلوب أوليائه ويفتح ~~لهم الأبواب إلى ملكوت سمائه وجمال كبريائه ويقول @QB@ ما يفتح الله للناس ~~من رحمة فلا ممسك لها @QE@ 35 سورة فاطر الآية 2 ومن بيده مفاتح الغيب ~~ومفاتيح الرزق فبالحري أن يكون فتاحا تنبيه # ينبغي أن يتعطش العبد إلى أن يصير بحيث ينفتح بلسانه مغاليق المشكلات ~~الإلهية وأن يتيسر بمعرفته ما يتعسر على الخلق من الأمور الدينية والدنيوية ~~ليكون له حظ من اسم الفتاح # | العليم # معناه ظاهر وكماله أن يحيط بكل شيء علما ظاهره وباطنه دقيقه وجليله أوله ~~وآخره عاقبته وفاتحته وهذا من حيث كثرة المعلومات وهي لا نهاية لها ثم يكون ~~العلم في ذاته من حيث الوضوح والكشف على أتم ما يمكن فيه بحيث لا يتصور ~~مشاهدة وكشف أظهر منه ثم لا يكون مستفادا من المعلومات بل تكون المعلومات ~~مستفادة منه PageV01P086 تنبيه # للعبد حظ من وصف العليم لا يكاد يخفى ولكن يفارق علمه علم الله تعالى في ~~الخواص الثلاث # إحداها المعلومات في كثرتها فإن معلومات العبد وإن اتسعت فهي محصورة في ~~قلبه فأنى يناسب ما لا نهاية له # والثانية أن كشفه وإن اتضح فلا يبلغ الغاية التي لا يمكن وراءها بل تكون ~~مشاهدته للأشياء كأنه يراها من وراء ستر رقيق ولا تنكرن درجات الكشف فإن ~~البصيرة الباطنة ms050 كالبصر الظاهر وفرق بين ما يتضح في وقت الإسفار وبين ما ~~يتضح ضحوة النهار # والثالثة أن علم الله سبحانه وتعالى بالأشياء غير مستفاد من الأشياء بل ~~الأشياء مستفادة منه وعلم العبد بالأشياء تابع للأشياء وحاصل بها # وإن اعتاص عليك فهم هذا الفرق فانسب علم متعلم الشطرنج إلى علم واضعه فإن ~~علم الواضع هو سبب وجود الشطرنج ووجود الشطرنج هو سبب علم المتعلم وعلم ~~الواضع سابق على الشطرنج وعلم المتعلم مسبوق ومتأخر فكذلك علم الله عز وجل ~~بالأشياء سابق عليها وسبب لها وعلمنا بخلاف ذلك # وشرف العبد بسبب العلم من حيث أنه من صفات الله عز وجل ولكن العلم الأشرف ~~ما معلومه أشرف وأشرف المعلومات هو الله تعالى فلذلك كانت معرفة الله تعالى ~~أفضل المعارف بل معرفة سائر الأشياء أيضا إنما تشرف لأنها معرفة لأفعال ~~الله عز وجل أو معرفة للطريق الذي يقرب العبد من الله عز وجل أو الأمر الذي ~~يسهل به الوصول إلى معرفة الله تعالى والقرب منه وكل معرفة خارجة عن ذلك ~~فليس فيها كثير شرف PageV01P087 # | القابض والباسط # هو الذي يقبض الأرواح عن الأشباح عند الممات ويبسط الأرواح في الأجساد ~~عند الحياة ويقبض الصدقات من الأغنياء ويبسط الأرزاق للضعفاء يبسط الرزق ~~على الأغنياء حتى لا يبقي فاقة ويقبضه عن الفقراء حتى لا يبقي طاقة ويقبض ~~القلوب فيضيقها بما يكشف لها من قلة مبالاته وتعاليه وجلاله ويبسطها بما ~~يتقرب إليها من بره ولطفه وجماله تنبيه # | القابض الباسط # من العباد من ألهم بدائع الحكم وأوتي جوامع الكلم فتارة يبسط قلوب العباد ~~بما يذكرهم من آلاء الله عز وجل ونعمائه وتارة يقبضها بما ينذرهم به من ~~جلال الله وكبريائه وفنون عذابه وبلائه وانتقامه من أعدائه كما فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حيث قبض قلوب الصحابة عن الحرص على العبادة حيث ~~ذكر لهم أن الله عز وجل يقول لآدم عليه الصلاة والسلام يوم القيامة ابعث ~~بعث النار فيقول كم فيقول من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعون فانكسرت قلوبهم ~~حتى ms051 فتروا عن العبادة فلما أصبح ورآهم على ما هم عليه من القبض والفتور روح ~~قلوبهم وبسطهم فذكر أنهم في سائر الأمم قبلهم كشامة سوداء في مسك ثور أبيض # الخافض الرافع # هو الذي يخفض الكفار بالإشقاء ويرفع المؤمنين بالإسعاد يرفع أولياءه ~~بالتقريب ويخفض أعداءه بالإبعاد ومن رفع مشاهدته عن المحسوسات والمتخيلات ~~وإرادته عن ذميم الشهوات فقد رفعه إلى أفق الملائكة المقربين ومن قصر ~~مشاهدته على المحسوسات وهمته على ما يشارك PageV01P088 فيه البهائم من ~~الشهوات فقد خفضه إلى أسفل السافلين ولا يفعل ذلك إلا الله تعالى فهو ~~الخافض الرافع تنبيه # حظ العبد من ذلك أن يرفع الحق ويخفض الباطل وذلك بأن ينصر المحق ويزجر ~~المبطل فيعادي أعداء الله ليخفضهم ويوالي أولياء الله ليرفعهم ولذلك قال ~~الله تعالى لبعض أوليائه أما زهدك في الدنيا فقد استعجلت به راحة نفسك وأما ~~ذكرك إياي فقد تشرفت بي فهل واليت في وليا وهل عاديت في عدوا # | المعز المذل # هو الذي يؤتي الملك من يشاء ويسلبه ممن يشاء والملك الحقيقي إنما هو في ~~الخلاص من ذل الحاجة وقهر الشهوة ووصمة الجهل فمن رفع الحجاب عن قلبه حتى ~~شاهد جمال حضرته ورزقه القناعة حتى استغنى بها عن خلقه وأمده بالقوة ~~والتأييد حتى استولى بها على صفات نفسه فقد أعزه وآتاه الملك عاجلا وسيعزه ~~في الآخرة بالتقريب ويناديه @QB@ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي @QE@ 89 سورة الفجر الآيات 3027 # ومن مد عينه إلى الخلق حتى احتاج إليهم وسلط عليه الحرص حتى لم يقنع ~~بالكفاية واستدرجه بمكره حتى اغتر بنفسه وبقي في ظلمة الجهل فقد أذله وسلبه ~~الملك وذلك صنع الله عز وجل كما يشاء حيث يشاء فهو المعز المذل يعز من يشاء ~~ويذل من يشاء وهذا الذليل هو الذي يخاطب ويقال PageV01P089 له ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله ~~الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية 57 سورة الحديد الآية 14 و 15 وهذا غاية ~~الذل ms052 وكل عبد استعمل في تيسير أسباب العز على يده ولسانه فهو ذو حظ من هذا ~~الوصف # | السميع # هو الذي لا يعزب عن إدراكه مسموع وإن خفي فيسمع السر والنجوى بل ما هو ~~أدق من ذلك وأخفى ويدرك دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة ~~الظلماء يسمع حمد الحامدين فيجازيهم ودعاء الداعين فيستجيب لهم ويسمع بغير ~~أصمخة وآذان كما يفعل بغير جارحة ويتكلم بغير لسان وسمعه منزه عن أن يتطرق ~~إليه الحدثان ومهما نزهت السميع عن تغير يعتريه عند حدوث المسموعات وقدسته ~~عن أن يسمع بأذن أو بآلة وأداة علمت أن السمع في حقه عبارة عن صفة ينكشف ~~بها كمال صفات المسموعات ومن لم يدقق نظره فيه وقع بالضرورة في محض التشبيه ~~فخذ منه حذرك ودقق فيه نظرك تنبيه # للعبد من حيث الحس حظ في السمع لكنه قاصر فإنه لا يدرك جميع المسموعات بل ~~ما قرب من الأصوات ثم إن إدراكه بجارحة وأداة معرضة للآفات فإن خفي الصوت ~~قصر عن الإدراك وإن بعد لم يدرك وإن عظم الصوت ربما بطل السمع واضمحل # وإنما حظه الديني منه أمران # أحدهما أن يعلم أن الله عز وجل سميع فيحفظ لسانه PageV01P090 # والثاني أن يعلم أنه لم يخلق له السمع إلا ليسمع كلام الله عز وجل وكتابه ~~الذي أنزله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستفيد به الهداية إلى ~~طريق الله عز وجل فلا يستعمل سمعه إلا فيه # | البصير # هو الذي يشاهد ويرى حتى لا يعزب عنه ما تحت الثرى وإبصاره أيضا منزه عن ~~أن يكون بحدقة وأجفان ومقدس عن أن يرجع إلى انطباع الصور والألوان في ذاته ~~كما ينطبع في حدقة الإنسان فإن ذلك من التغير والتأثر المقتضي للحدثان وإذا ~~نزه عن ذلك كان البصر في حقه عبارة عن الصفة التي ينكشف بها كمال نعوت ~~المبصرات وذلك أوضح وأجلى مما يفهم من إدراك البصر القاصر على ظواهر ~~المرئيات تنبيه # حظ العبد من حيث الحس من وصف البصر ظاهر ولكنه ضعيف قاصر إذ لا ms053 يمتد إلى ~~ما بعد ولا يتغلغل إلى باطن ما قرب بل يتناول الظواهر ويقصر عن البواطن ~~والسرائر # وإنما حظه الديني منه أمران # أحدهما أن يعلم أنه خلق له البصر لينظر إلى الآيات وإلى عجائب الملكوت ~~والسموات فلا يكون نظرة إلا عبرة قيل لعيسى عليه السلام هل أحد من الخلق ~~مثلك فقال من كان نظره عبرة وصمته فكرة وكلامه ذكرا فهو مثلي # والثاني أن يعلم أنه بمرأى من الله عز وجل ومسمع فلا يستهين بنظره ~~PageV01P091 إليه واطلاعه عليه ومن أخفى عن غير الله ما لا يخفيه عن الله ~~فقد استهان بنظر الله عز وجل والمراقبة إحدى ثمرات الإيمان بهذه الصفة فمن ~~قارف معصية وهو يعلم أن الله عز وجل يراه فما أجسره وما أخسره ومن ظن أن ~~الله تعالى لا يراه فما أظلمه وأكفره # | الحكم # وهو الحاكم المحكم والقاضي المسلم الذي لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه ومن ~~حكمه في حق العباد أن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى وأن الأبرار ~~لفي نعيم وأن الفجار لفي جحيم ومعنى حكمه للبر والفاجر بالسعادة والشقاوة ~~أنه جعل البر والفجور سببا يسوق صاحبهما إلى السعادة والشقاوة كما جعل ~~الأدوية والسموم أسباب تسوق متناوليها إلى الشقاء والهلاك # وإذا كان معنى الحكمة ترتيب الأسباب وتوجيهها إلى المسببات كان المتصف ~~بها على الإطلاق حكما مطلقا لأنه مسبب كل الأسباب جملتها وتفصيلها # ومن الحكم ينشعب القضاء والقدر فتدبيره أصل وضع الأسباب ليتوجه إلى ~~المسببات حكمه ونصبه الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ~~ولا تحول كالأرض والسموات السبع والكواكب والأفلاك وحركاتها المتناسبة ~~الدائمة التي لا تتغير ولا تنعدم إلى أن يبلغ الكتاب أجله قضاؤه كما قال ~~تعالى فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها 41 سورة فصلت ~~الآية 12 وتوجيه هذه الأسباب بحركاتها المتناسبة المحدودة المقدرة المحسوبة ~~إلى المسببات الحادثة منها لحظة بعد لحظة قدره فالحكم هو التدبير الأول ~~الكلي والأمر الأزلي الذي هو كلمح البصر والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب ms054 ~~الكلية الدائمة والقدر هو توجيه الأسباب PageV01P092 الكلية بحركتها ~~المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة المحدودة بقدر معلوم لا يزيد ولا ~~ينقص ولذلك لا يخرج عن قضائه وقدره شيء # ولا تفهم ذلك إلا بمثال ولعلك شاهدت صندوق الساعات التي بها يتعرف أوقات ~~الصلوات وإن لم تشاهده فجملة ذلك أنه لا بد فيه من آلة على شكل أسطوانة ~~تحوي مقدارا من الماء معلوما وآلة أخرى مجوفة موضوعة فيها فوق الماء وخيط ~~مشدود أحد طرفيه في هذه الآلة المجوفة وطرفه الآخر في أسفل ظرف صغير موضوع ~~فوق الأسطوانة المجوفة وفيه كره وتحته طاس بحيث لو سقطت الكرة وقعت في ~~الطاس وسمع طنينها ثم يثقب أسفل الآلة الأسطوانية ثقب بقدر معلوم ينزل ~~الماء منه قليلا قليلا فإذا انخفض الماء انخفضت الآلة المجوفة الموضوعة على ~~وجه الماء فامتد الخيط المشدود بها فحرك الظرف الذي فيه الكره تحريكا يقربه ~~من الانتكاس إلى أن ينتكس فتتدحرج منه الكرة وتقع في الطاس وتطن وعند ~~انقضاء كل ساعة تقع واحدة # وإنما يتقدر الفصل بين الوقعتين بتقدير خروج الماء وانخفاضه وذلك بتقدير ~~سعة الثقب الذي يخرج منه الماء ويعرف ذلك بطريق الحساب # فيكون نزل الماء بمقدار مقدر معلوم بسبب تقدير سعة الثقب بقدر معلوم # ويكون انخفاض أعلى الماء بذلك المقدار وبه يتقدر انخفاض الآلة المجوفة ~~وانجرار الخيط المشدود بها وتولد الحركة في الظرف الذي فيه الكرة وكل ذلك ~~يتقدر بتقدر سببه لا يزيد ولا ينقص ويمكن أن يجعل وقوع الكرة في الطاس سببا ~~لحركة أخرى وتكون الحركة الأخرى سببا لحركة ثالثة وهكذا إلى درجات كثيرة ~~حتى تتولد منه حركات عجيبة مقدرة بمقادير محدودة # وسببها الأول نزول الماء بقدر معلوم # فإذا تصورت هذه الصورة فاعلم أن واضعها يحتاج إلى ثلاثة أمور PageV01P093 # أولها التدبير وهو الحكم بأنه ما الذي ينبغي أن يكون من الآلات والأسباب ~~والحركات حتى يؤدي إلى حصول ما ينبغي أن يحصل وذلك هو الحكم # والثاني إيجاد هذه الآلات التي هي الأصول وهي الآلة الأسطوانية لتحوي ~~الماء والآلة المجوفة لتوضع على ms055 وجه الماء والخيط المشدود به والظرف الذي ~~فيه الكرة والطاس الذي يقع فيه الكرة وذلك هو القضاء # والثالث نصب سبب يوجب حركة مقدرة محسوبة محدودة وهو ثقب أسفل الآلة ثقبا ~~مقدر السعة ليحدث بنزول الماء منها حركة في الماء تؤدي إلى حركة وجه الماء ~~بنزوله ثم إلى حركة الآلة المجوفة الموضوعة على وجه الماء ثم إلى حركة ~~الخيط ثم إلى حركة الظرف الذي فيه الكرة ثم إلى حركة الكرة ثم إلى الصدمة ~~بالطاس إذا وقعت فيه ثم إلى الطنين الحاصل منها ثم إلى تنبيه الحاضرين ~~وإسماعهم ثم إلى حركاتهم في الاشتغال بالصلوات والأعمال عند معرفتهم انقضاء ~~الساعة وكل ذلك يكون بقدر معلوم ومقدار مقدر بسبب تقدر جميعها بقدر الحركة ~~الأولى وهي حركة الماء # فإذا فهمت أن هذه الآلات أصول لا بد منها للحركة وأن الحركة لا بد من ~~تقدرها ليتقدر ما يتولد منها فكذلك فافهم حصول الحوادث المقدرة التي لا ~~يتقدم منها شيء ولا يتأخر إذا جاء أجلها أي حضر سببها وكل ذلك بمقدار معلوم ~~وأن الله بالغ أمره إذ جعل الله لكل شيء قدرا فالسموات والأفلاك والكواكب ~~والأرض والبحر والهواء وهذه الأجسام العظام في العالم كتلك الآلات والسبب ~~المحرك للأفلاك والكواكب والشمس والقمر بحساب معلوم كتلك الثقبة الموجبة ~~لنزول الماء بقدر معلوم وإفضاء حركة الشمس والقمر والكواكب إلى حصول ~~الحوادث في الأرض كإفضاء حركة الماء إلى حصول تلك الحركات المفضية إلى سقوط ~~الكرة المعرفة لانقضاء الساعة PageV01P094 # ومثال تداعي حركات السماء إلى تغيرات الأرض هو أن الشمس بحركتها إذا بلغت ~~إلى المشرق واستضاء العالم وتيسر على الناس الإبصار فيتيسر عليهم الانتشار ~~في الأشغال وإذا بلغت المغرب تعذر عليهم ذلك فرجعوا إلى المساكن وإذا قربت ~~من وسط السماء وسمت رؤوس أهل الأقاليم حمي الهواء واشتد القيظ وحصل نضج ~~الفواكه وإذا بعدت حصل الشتاء واشتد البرد وإذا توسطت حصل الاعتدال وظهر ~~الربيع وأنبتت الأرض وظهرت الخضرة وقس بهذه الأمور المشهورات التي تعرفها ~~الغرائب التي لا تعرفها # واختلاف هذه الفصول كلها مقدر بقدر ms056 معلوم لأنها منوطة بحركات الشمس ~~والقمر و الشمس والقمر بحسبان 55 سورة الرحمن / الآية 5 أي حركتهما بحساب ~~معلوم فهذا هو التقدير ووضع الأسباب الكلية هو القضاء والتدبير الأول الذي ~~هو كلمح البصر هو الحكم والله تعالى حكم عدل باعتبار هذه الأمور وكما أن ~~حركة الآلة والخيط والكرة ليست خارجة عن مشيئة واضع الآلة بل ذلك هو الذي ~~أراده بوضع الآلة فكذلك كل ما يحدث في العالم من الحوادث شرها وخيرها نفعها ~~وضرها غير خارج عن مشيئة الله عز وجل بل ذلك مراد الله تعالى ولأجله دبر ~~أسبابه وهو المعني بقوله ولذلك خلقهم 11 سورة هود / الآية 119 # وتفهيم الأمور الإلهية بالأمثلة العرفية عسير ولكن المقصود من الأمثلة ~~التنبيه فدع المثال وتنبه للغرض واحذر من التمثيل والتشبيه تنبيه # قد فهمت من المثال المذكور ما إلى العبد من الحكم والتدبير والقضاء ~~والتقدير وذلك أمر يسير وإنما الخطير منه ما إليه في تدبير الرياضيات ~~PageV01P095 والمجاهدات وتقدير السياسات التي تفضي إلى مصالح الدين والدنيا ~~وبذلك استخلف الله عباده في الأرض واستعمرهم فيها لينظر كيف يعملون # وإنما الحظ الديني من مشاهدة هذا الوصف لله تعالى أن يعلم أن الأمر مفروغ ~~منه وليس بالأنف وقد جف القلم بما هو كائن وأن الأسباب قد توجهت إلى ~~مسبباتها وانسياقها إليها في أحيانها وأجالها حتم واجب فكل ما يدخل في ~~الوجود فإنما يدخل بالوجوب فهو واجب أن يوجد وإن لم يكن واجبا لذاته ولكن ~~واجب بالقضاء الأزلي الذي لا مرد له فيعلم أن المقدور كائن وأن الهم فضل ~~فيكون العبد في رزقه مجملا في الطلب مطمئن النفس ساكن الجأش غير مضطرب ~~القلب # فإن قلت فيلزم منه إشكالان # أحدهما أن الهم كيف يكون فضلا وهو أيضا مقدور لأنه قدر له سبب إذا جرى ~~سببه كان حصول الهم واجبا # والثاني أن الأمر إذا كان مفروغا منه ففيم العمل وقد فرغ هو عن سبب ~~السعادة والشقاوة # فالجواب عن الأول أن قولهم المقدور كائن والهم فضل ليس معناه أنه فضل على ~~المقدور ms057 خارج عنه بل أنه فضل أي لغو لا فائدة فيه فإنه لا يدفع المقدور ~~ولأن سبب الهم بما يتوقع كونه هو الجهل المحض لأن ذلك إن قدر كونه فالحذر ~~والهم لا يدفعه وهو استعجال نوع من الألم خوفا من وقوع الألم وإن لم يقدر ~~كونه فلا معنى للهم به فبهذين الوجهين كان الهم فضلا # وأما العمل فجوابه قوله صلى الله عليه وسلم اعملوا فكل ميسر لما خلق له ~~PageV01P096 ومعناه أن من قدرت له السعادة قدرت بسبب فيتيسر له أسبابها وهو ~~الطاعة ومن قدرت له الشقاوة والعياذ بالله قدرت بسبب وهو بطالته عن مباشرة ~~أسبابها # وقد يكون سبب بطالته أن يستقر في خاطره إني إن كنت سعيدا فلا أحتاج إلى ~~العمل وإن كنت شقيا فلا ينفعني العمل وهذا جهل فإنه لا يدري أنه إن كان ~~سعيدا فإنما يكون سعيدا لأنه يجري عليه أسباب السعادة من العلم والعمل وإن ~~لم يتيسر له ذلك ولم يجر عليه فهو أمارة شقاوته # ومثاله الذي يتمنى أن يكون فقيها بالغا درجة الإمامة فيقال له اجتهد ~~وتعلم وواظب فيقول إن قضى الله عز وجل لي في الأزل بالإمامة فلا أحتاج إلى ~~الجهد وإن قضى لي بالجهل فلا ينفعني الجهد فيقال له إن سلط عليك هذا الخاطر ~~فهذا يدل على أنه قضى لك بالجهل فإن من قضى له في الأزل بالإمامة فإنما ~~يقضيها بأسبابها فيجري عليه الأسباب ويستعمله بها ويدفع عنه الخواطر التي ~~تدعوه إلى الكسل والبطالة بل الذي لا يجتهد لا ينال درجة الإمامة قطعا ~~والذي يجتهد ويتيسر له أسبابها يصدق رجاؤه في بلوغها إن استقام على جهده ~~إلى آخر أمره ولم يستقبله عائق يقطع عليه الطريق فكذلك ينبغي أن يفهم أن ~~السعادة لا ينالها إلا من أتى الله بقلب سليم وسلامة القلب صفة تكتسب ~~بالسعي كفقه النفس وصفة الإمامة من غير فرق # نعم العباد في مشاهدة الحكم على درجات فمن ناظر إلى الخاتمة أنه بماذا ~~يختم له ومن ناظر إلى السابقة أنه بما قضى له في ms058 الأزل وهو أعلى لأن ~~الخاتمة تبع السابقة ومن تارك للماضي والمستقبل هو ابن وقته فهو ناظر إليه ~~راض بمواقع قدر الله عز وجل وما يظهر منه وهو أعلى مما قبله ومن تارك للحال ~~والماضي والمستقبل مستغرق القلب بالحكم ملازم في الشهود وهذه هي الدرجة ~~العليا PageV01P097 # | العدل # معناه العادل وهو الذي يصدر منه فعل العدل المضاد للجور والظلم ولن يعرف ~~العادل من لم يعرف عدله ولا يعرف عدله من لم يعرف فعله فمن أراد أن يفهم ~~هذا الوصف فينبغي أن يحيط علما بأفعال الله تعالى من ملكوت السموات إلى ~~منتهى الثرى حتى إذا لم ير في خلق الرحمن من تفاوت ثم رجع البصر فما رأى من ~~فطور ثم رجع مرة أخرى فانقلب إليه البصر خاسئا وهو حسير وقد بهره جمال ~~الحضرة الربوبية وحيره اعتدالها وانتظامها فعند ذلك يعبق بفهمه شيء من ~~معاني عدله تعالى وتقدس # وقد خلق أقسام الموجودات جسمانيها وروحانيها كاملها وناقصها وأعطى كل شيء ~~خلقه وهو بذلك جواد ورتبها في مواضعها اللائقة بها وهو بذلك عدل فمن ~~الأجسام العظام في العالم الأرض والماء والهواء والسموات والكواكب وقد ~~خلقها ورتبها فوضع الأرض في أسفل السافلين وجعل الماء فوقها والهواء فوق ~~الماء والسموات فوق الهواء ولو عكس هذا الترتيب لبطل النظام # ولعل شرح وجه استحقاق هذا الترتيب في العدل والنظام مما يصعب على أكثر ~~الأفهام فلننزل إلى درجة العوام ونقول لينظر الإنسان إلى بدنه فإنه مركب من ~~أعضاء مختلفة كما أن العالم مركب من أجسام مختلفة فأول اختلافه أنه ركبه من ~~العظم واللحم والجلد وجعل العظم عمادا مستبطنا واللحم صوانا له مكتنفا إياه ~~والجلد صوانا للحم فلو عكس هذا الترتيب وأظهر ما أبطن لبطل النظام # وإن خفي عليك هذا فقد خلق للإنسان أعضاء مختلفة مثل اليد والرجل والعين ~~والأنف والأذن فهو بخلق هذه الأعضاء جواد وبوضعها مواضعها الخاصة عدل لأنه ~~وضع العين في أولى المواضع بها من البدن إذ لو خلقها على القفا أو على ~~الرجل أو على اليد أو على ms059 قمة الرأس لم يخف ما يتطرق إليه من PageV01P098 ~~النقصان والتعرض للآفات وكذلك علق اليدين من المنكبين ولو علقهما من الرأس ~~أو من الحقو أو من الركبتين لم يخف ما يتولد منه من الخلل وكذلك وضع جميع ~~الحواس في الرأس فإنها جواسيس لتكون مشرفة على جميع البدن فلو وضعها في ~~الرجل اختل نظامها قطعا وشرح ذلك في كل عضو يطول # وبالجملة فينبغي أن تعلم أنه لم يخلق شيء في موضع إلا لأنه متعين له ولو ~~تيامن عنه أو تياسر أو تسفل أو تعلى لكان ناقصا أو باطلا أو قبيحا أو خارجا ~~عن المتناسب كريها في المنظر وكما أن الأنف خلق على وسط الوجه ولو خلق على ~~الجبهة أو على الخد لتطرق نقصان إلى فوائده # وإذا قوي فهمك على إدراك حكمته فاعلم أن الشمس أيضا لم يخلقها في السماء ~~الرابعة وهي واسطة السموات السبع هزلا بل ما خلقها إلا بالحق وما وضعها إلا ~~موضعها المستحق لها لحصول مقاصده منها إلا أنك ربما تعجز عن درك الحكمة فيه ~~لأنك قليل التفكر في ملكوت السموات والأرض وعجائبها ولو نظرت فيها لرأيت من ~~عجائبها ما تستحقر فيه عجائب بدنك وكيف لا وخلق السموات والأرض أكبر من خلق ~~الناس وليتك وفيت بمعرفة عجائب نفسك وتفرغت للتأمل فيها وفيما يكتنفها من ~~الأجسام فتكون ممن قال الله عز وجل فيهم سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم 41 سورة فصلت الآية 53 ومن أين لك أن تكون ممن قال فيهم وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السموات والأرض 6 سورة الأنعام الآية 75 وأنى تفتح أبواب ~~السماء لمن استغرقه هم الدنيا واستعبده الحرص والهوى # فهذا هو الرمز إلى تفهيم مبدأ الطريق إلى معرفة هذا الاسم الواحد وشرحه ~~يفتقر إلى مجلدات وكذا شرح معنى كل اسم من الأسامي فإن الأسامي المشتقة من ~~الأفعال لا تفهم إلا بعد فهم الأفعال وكل ما في الوجود من أفعال الله تعالى ~~PageV01P099 ومن لم يحط علما بتفاصيلها ولا بجملتها فلا يكون معه منها إلا ~~محض التفسير واللغة ms060 ولا مطمع في العلم بتفصيلها فإنه لا نهاية له وأما ~~الجملة فللعبد طريق إلى معرفتها وبقدر اتساع معرفته فيها يكون حظه من معرفة ~~الأسماء وذلك يستغرق العلوم كلها وإنما غاية مثل هذا الكتاب الإيماء إلى ~~مفاتحها ومعاقد جملها فقط تنبيه # حظ العبد من العدل لا يخفى فأول ما عليه من العدل في صفات نفسه وهو أن ~~يجعل الشهوة والغضب أسيرين تحت إشارة العقل والدين ومهما جعل العقل خادما ~~للشهوة والغضب فقد ظلم هذا جملة عدله في نفسه وتفصيله مراعاة حدود الشرع ~~كلها وعدله في كل عضو أن يستعمله على الوجه الذي أذن الشرع فيه وأما عدله ~~في أهله وذويه ثم في رعيته إن كان من أهل الولاية فلا يخفى # وربما يظن أن الظلم هو الإيذاء والعدل هو إيصال النفع إلى الناس وليس ~~كذلك بل لو فتح الملك خزانته المشتملة على الأسلحة والكتب وفنون الأموال ~~ولكن فرق الأموال على الأغنياء ووهب الأسلحة للعلماء وسلم إليهم القلاع ~~ووهب الكتب للأجناد وأهل القتال وسلم إليهم المساجد والمدارس فقد نفع ولكنه ~~قد ظلم وعدل عن العدل إذ وضع كل شيء في غير موضعه اللائق به ولو آذى المرضى ~~بسقي الأدوية والفصد والحجامة وبالإجبار على ذلك وآذى الجناة بالعقوبة قتلا ~~وقطعا وضربا كان عدلا لأنه وضعها في مواضعها # وحظ العبد دينا من مشاهدة هذا الوصف الإيمان بأن الله عز وجل عدل أن لا ~~يعترض عليه في تدبيره وحكمه وسائر أفعاله وافق مراده أو لم PageV01P100 ~~يوافق لأن كل ذلك عدل وهو كما ينبغي وعلى ما ينبغي ولو لم يفعل ما فعله ~~لحصل منه أمر آخر هو أعظم ضررا مما حصل كما أن المريض لو لم يحتجم لتضرر ~~ضررا يزيد على ألم الحجامة وبهذا يكون الله تعالى عدلا والإيمان به يقطع ~~الإنكار والاعتراض ظاهرا وباطنا وتمامه أن لا يسب الدهر ولا ينسب الأشياء ~~إلى الفلك ولا يعترض عليه كما جرت به العادة بل يعلم أن كل ذلك أسباب مسخرة ~~وأنها رتبت ووجهت إلى المسببات أحسن ترتيب وتوجيه ms061 بأقصى وجوه العدل واللطف # | اللطيف # إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها وما دق منها وما ~~لطف ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح سبيل الرفق دون العنف فإذا اجتمع ~~الرفق في الفعل واللطف في الإدراك تم معنى اللطف ولا يتصور كمال ذلك في ~~العلم والفعل إلا لله سبحانه وتعالى فأما إحاطته بالدقائق والخفايا فلا ~~يمكن تفصيل ذلك بل الخفي مكشوف في علمه كالجلي من غير فرق وأما رفقه في ~~الأفعال ولطفه فيها فلا يدخل أيضا تحت الحصر إذ لا يعرف اللطف في الفعل إلا ~~من عرف تفاصيل أفعاله وعرف دقائق الرفق فيها وبقدر اتساع المعرفة فيها تتسع ~~المعرفة لمعنى اسم اللطيف وشرح ذلك يستدعي تطويلا ثم لا يتصور أن يفي بعشر ~~عشيره مجلدات كثيرة وإنما يمكن التنبيه على بعض جمله # فمن لطفه خلقه الجنين في بطن أمه في ظلمات ثلاث وحفظه فيها وتغذيته ~~بواسطة السرة إلى أن ينفصل فيستقل بالتناول بالفم ثم إلهامه إياه عند ~~الانفصال التقام الثدي وامتصاصه ولو في ظلام الليل من غير تعليم ومشاهدة بل ~~يتفقأ البيضة عن الفرخ وقد ألهمه التقاط الحب في الحال ثم تأخير خلق السن ~~عن أول الخلقة إلى وقت الحاجة للاستغناء في الاغتذاء باللبن PageV01P101 عن ~~السن ثم إنباته السن بعد ذلك عند الحاجة إلى طحن الطعام ثم تقسيم الأسنان ~~إلى عريضة للطحن وإلى أنياب للكسر وإلى ثنايا حادة الأطراف للقطع ثم ~~استعمال اللسان الذي الغرض الأظهر منه النطق في رد الطعام إلى المطحن ~~كالمجرفة ولو ذكر لطفه في تيسير لقمة يتناولها العبد من غير كلفة يتجشمها ~~وقد تعاون على إصلاحها خلق لا يحصى عددهم من مصلح الأرض وزارعها وساقيها ~~وحاصدها ومنقيها وطاحنها وعاجنها وخابزها إلى غير ذلك لكان لا يستوفي شرحه # وعلى الجملة فهو من حيث دبر الأمور حكم ومن حيث أوجدها جواد ومن حيث ~~رتبها مصور ومن حيث وضع كل شيء موضعه عدل ومن حيث لم يترك فيها دقائق وجوه ~~الرفق لطيف ولن يعرف حقيقة هذه الأسماء من لم ms062 يعرف حقيقة هذه الأفعال # ومن لطفه بعباده أنه أعطاهم فوق الكفاية وكلفهم دون الطاقة ومن لطفه أنه ~~يسر لهم الوصول إلى سعادة الأبد بسعي خفيف في مدة قصيرة وهي العمر فإنه لا ~~نسبة لها بالإضافة إلى الأبد ومن لطفه إخراج اللبن الصافي من بين الفرث ~~والدم وإخراج الجواهر النفيسة من الأحجار الصلبة وإخراج العسل من النحل ~~والإبريسم من الدود والدر من الصدف وأعجب من ذلك خلقه من النطفة القذرة ~~مستودعا لمعرفته وحاملا لأمانته ومشاهدا لملكوت سمواته وهذا أيضا لا يمكن ~~إحصاؤه تنبيه # حظ العبد من هذا الوصف الرفق بعباد الله عز وجل والتلطف بهم في الدعوة ~~إلى الله تعالى والهداية إلى سعادة الآخرة من غير إزراء وعنف ومن ~~PageV01P102 غير تعصب وخصام وأحسن وجوه اللطف فيه الجذب إلى قبول الحق ~~بالشمائل والسيرة المرضية والأعمال الصالحة فإنها أوقع وألطف من الألفاظ ~~المزينة # | الخبير # هو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة فلا يجري في الملك والملكوت شيء ولا ~~تتحرك ذرة ولا تسكن ولا تضطرب نفس ولا تطمئن إلا ويكون عنده خبرها وهو ~~بمعنى العليم ولكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي خبرة ويسمى ~~صاحبها خبيرا تنبيه # حظ العبد من ذلك أن يكون خبيرا بما يجري في عالمه وعالمه قلبه وبدنه ~~والخفايا التي يتصف القلب بها من الغش والخيانة والتطواف حول العاجلة ~~وإضمار الشر وإظهار الخير والتجمل بإظهار الإخلاص مع الإفلاس عنه لا يعرفها ~~إلا ذو خبرة بالغة قد خبر نفسه ومارسها وعرف مكرها وتلبيسها وخدعها فحاذرها ~~وتشمر لمعاداتها وأخذ الحذر منها فذلك من العباد جدير بأن يسمى خبيرا # | الحليم # هو الذي يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر ثم لا يستفزه غضب ولا ~~يعتريه غيظ ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة ~~وطيش كما قال تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة 16 ~~سورة النحل الآية 61 PageV01P103 تنبيه # حظ العبد من وصف الحليم ظاهر فالحلم من محاسن خصال العباد وذلك مستغن عن ~~الشرح والإطناب # | العظيم # اعلم ms063 أن اسم العظيم في أول الوضع إنما أطلق على الأجسام يقال هذا جسم ~~عظيم وهذا الجسم أعظم من ذلك الجسم إذا كان امتداد مساحته في الطول والعرض ~~والعمق أكثر منه ثم هو ينقسم إلى عظيم يملأ العين ويأخذ منها مأخذا وإلى ما ~~لا يتصور أن يحيط البصر بجميع أطرافه كالأرض والسماء فإن الفيل عظيم ولكن ~~البصر قد يحيط بأطرافه فهو عظيم بالإضافة إلى ما دونه وأما الأرض فلا يتصور ~~أن يحيط البصر بأطرافها وكذا السماء فذلك هو العظيم المطلق في مدركات البصر # فافهم أن في مدركات البصائر أيضا تفاوتا فمنها ما تحيط العقول بكنه ~~حقيقته ومنها ما تقصر العقول عنه وما تقصر العقول عنه ينقسم إلى ما يتصور ~~أن يحيط به بعض العقول وإن قصر عنه أكثرها وإلى ما لا يتصور أن يحيط العقل ~~أصلا بكنه حقيقته وذلك هو العظيم المطلق الذي جاوز جميع حدود العقول حتى لا ~~تتصور الإحاطة بكنهه وذلك هو الله تعالى وقد سبق بيان ذلك في الفن الأول ~~تنبيه # العظيم من العباد الأنبياء والعلماء الذين إذا عرف العاقل شيئا من صفاتهم ~~امتلأ بالهيبة صدره وصار مستوفى بالهيبة قلبه حتى لا يبقى فيه متسع ~~PageV01P104 فالنبي عظيم في حق أمته والشيخ في حق مريده والأستاذ في حق ~~تلميذه إذ يقصر عقله عن الإحاطة بكنه صفاته فإن ساواه أو جاوزه لم يكن ~~عظيما بالإضافة إليه وكل عظيم يفرض غير الله عز وجل فهو ناقص وليس بعظيم ~~مطلق لأنه إنما يظهر بالإضافة إلى شيء دون شيء سوى عظمة الله تعالى فإنه ~~العظيم المطلق لا بطريق الإضافة # | الغفور # بمعنى الغفار ولكنه بشيء ينبئ عن نوع مبالغة لا ينبئ عنها الغفار فإن ~~الغفار مبالغة في المغفرة بالإضافة إلى مغفرة متكررة مرة بعد أخرى فالفعال ~~ينبئ عن كثرة الفعل والفعول ينبئ عن جودته وكماله وشموله فهو غفور بمعنى ~~أنه تام المغفرة والغفران كاملها حتى يبلغ أقصى درجات المغفرة والكلام عليه ~~قد سبق # | الشكور # هو الذي يجازي بيسير الطاعات كثير الدرجات ويعطي بالعمل في ms064 أيام معدودة ~~نعيما في الآخرة غير محدود ومن جازى الحسنة بأضعافها يقال إنه شكر تلك ~~الحسنة ومن أثنى على المحسن أيضا يقال إنه شكر فإن نظرت إلى معنى الزيادة ~~في المجازاة لم يكن الشكور المطلق إلا الله عز وجل لأن زياداته في المجازاة ~~غير محصورة ولا محدودة فإن نعيم الجنة لا آخر له والله سبحانه وتعالى يقول ~~كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية 69 سورة الحاقة الآية 24 ~~وإن نظرت إلى معنى الثناء فثناء كل مثن على فعل غيره والرب عز وجل إذا أثنى ~~على أعمال عباده فقد أثنى على فعل نفسه لأن أعمالهم من خلقه فإن كان الذي ~~أعطى فأثنى شكورا فالذي PageV01P105 أعطى وأثنى على المعطي أحق بأن يكون ~~شكورا وثناء الله تعالى على عباده كقوله والذاكرين الله كثيرا والذاكرات 33 ~~سورة الأحزاب الآية 35 وكقوله نعم العبد إنه أواب 38 سورة ص الآية 30 وما ~~يجري مجراه فكل ذلك عطية منه تنبيه # العبد يتصور أن يكون شاكرا في حق عبد آخر مرة بالثناء عليه بإحسانه إليه ~~وأخرى بمجازاته بأكثر مما صنعه إليه وذلك من الخصال الحميدة قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من لم يشكر الناس لم يشكر الله وأما شكره لله عز وجل ~~فلا يكون إلا بنوع من المجاز والتوسع فإنه إن أثنى فثناؤه قاصر لأنه لا ~~يحصي ثناء عليه وإن أطاع فطاعته نعمة أخرى من الله عليه بل عين شكره نعمة ~~أخرى وراء النعمة المشكورة وإنما أحسن وجوه الشكر لنعم الله عز وجل أن لا ~~يستعملها في معاصيه بل في طاعته وذلك أيضا بتوفيق الله وتيسيره في كون ~~العبد شاكرا لربه # وتصور ذلك كلام دقيق ذكرناه في كتاب الشكر من كتاب إحياء علوم الدين ~~فليطلب منه فإن هذا الكتاب لا يحتمله # | العلي # هو الذي لا رتبة فوق رتبته وجميع المراتب منحطة عنه وذلك لأن العلي مشتق ~~من العلو والعلو مأخوذ من العلو المقابل للسفل وذلك إما في PageV01P106 ~~درجات محسوسة كالدرج والمراقي وجميع الأجسام ms065 الموضوعة بعضها فوق بعض وإما ~~في الرتب المعقولة للموجودات المرتبة نوعا من الترتيب العقلي فكل ما له ~~الفوقية في المكان فله العلو المكاني وكل ما له الفوقية في الرتبة فله ~~العلو في الرتبة والتدريجات العقلية مفهومة كالتدريجات الحسية ومثال ~~الدرجات العقلية هو التفاوت الذي بين السبب والمسبب والعلة والمعلول ~~والفاعل والقابل والكامل والناقص فإذا قدرت شيئا فهو سبب لشيء ثان وذلك ~~الثاني سبب لثالث والثالث لرابع إلى عشر درجات مثلا فالعاشر واقع في الرتبة ~~الأخيرة فهو الأسفل الأدنى والأول واقع في الدرجة الأولى من السببية فهو ~~الأعلى ويكون الأول فوق الثاني فوقية بالمعنى لا بالمكان والعلو عبارة عن ~~الفوقية # فإذا فهمت معنى التدريج العقلي فاعلم أن الموجودات لا يمكن قسمتها إلى ~~درجات متفاوتة في العقل إلا ويكون الحق سبحانه وتعالى في الدرجة العليا من ~~درجات أقسامها حتى لا يتصور أن يكون فوقه درجة وذلك هو العلي المطلق وكل ما ~~سواه فيكون عليا بالإضافة إلى ما دونه ويكون دنيا أو سافلا بالإضافة إلى ما ~~فوقه # ومثال قسمة العقل أن الموجودات تنقسم إلى ما هو سبب وإلى ما هو مسبب ~~والسبب فوق المسبب فوقية بالرتبة فالفوقية المطلقة ليست إلا لمسبب الأسباب ~~وكذلك ينقسم الموجود إلى ميت وحي والحي ينقسم إلى ما ليس له إلا الإدراك ~~الحسي وهو البهيمة وإلى ما له مع الإدراك الحسي الإدراك العقلي والذي له ~~الإدراك العقلي ينقسم إلى ما يعارضه في معلوماته الشهوة والغضب وهو الإنسان ~~وإلى ما يسلم إدراكه عن معارضة المكدرات والذي يسلم ينقسم إلى ما يمكن أن ~~يبتلى به ولكن رزق السلامة كالملائكة وإلى ما يستحيل ذلك في حقه وهو الله ~~سبحانه وتعالى وليس يخفى عليك في هذا PageV01P107 التقسيم والتدريج أن ~~الملك فوق الإنسان والإنسان فوق البهيمة وأن الله عز وجل فوق الكل فهو ~~العلي المطلق فإنه الحي المحيي العالم المطلق الخالق لعلوم العلماء المنزه ~~المقدس عن جميع أنواع النقص فقد وقع الميت في الدرجة السفلى من درجات ~~الكمال ولم يقع في الطرف الآخر إلا ms066 الله تعالى فهكذا ينبغي أن تفهم فوقيته ~~وعلوه # فإن هذه الأسامي وضعت أولا بالإضافة إلى إدراك البصر وهو درجة العوام ثم ~~لما تنبه الخواص لإدراك البصائر ووجدوا بينها وبين الأبصار موازنات ~~استعاروا منها الألفاظ المطلقة وفهمها الخواص وأدركوها وأنكرها العوام ~~الذين لم يجاوز إدراكهم عن الحواس التي هي رتبة البهائم فلم يفهموا عظمة ~~إلا بالمساحة ولا علوا إلا بالمكان ولا فوقية إلا به فإذا فهمت هذا فقد ~~فهمت معنى كونه فوق العرش لأن العرش أعظم الأجسام وهو فوق جميع الأجسام ~~والموجود المنزه عن التحديد والتقدر بحدود الأجسام ومقاديرها فوق الأجسام ~~كلها في الرتبة ولكن خص العرش بالذكر لأنه فوق جميع الأجسام فلما كان فوقها ~~كان فوق جميعها وهو كقول القائل الخليفة فوق السلطان تنبيها به على أنه إذا ~~كان فوقه كان فوق جميع الناس الذين هم دون السلطان # والعجب من الحشوي الذي لا يفهم من فوق إلا المكان ومع ذلك إذا سئل عن ~~شخصين من الأكابر وقيل له كيف يجلسان في الصدر والمحافل فيقول هذا يجلس فوق ~~ذاك وهو يعلم أنه ليس يجلس إلا بجنبه وإنما يكون جالسا فوقه لو جلس على ~~رأسه أو مكان مبني فوق رأسه ولو قيل له كذبت ما جلس فوقه ولا تحته ولكنه ~~جلس بجنبه اشمأزت نفسه من هذا الإنكار وقال إنما أعني به فوقية الرتبة ~~والقرب من الصدر فإن الأقرب إلى الصدر الذي هو المنتهى فوق بالإضافة إلى ~~الأبعد ثم لا يفهم من هذا أن كل ترتيب له PageV01P108 طرفان يجوز أن يطلق ~~على أحد طرفيه اسم الفوق والعلو وعلى الطرف الآخر ما يقابله تنبيه # العبد لا يتصور أن يكون عليا مطلقا إذ لا ينال درجة إلا ويكون في الوجود ~~ما هو فوقها وهو درجات الأنبياء والملائكة نعم يتصور أن ينال درجة لا يكون ~~في جنس الإنس من يفوقه وهي درجة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولكنه قاصر ~~بالإضافة إلى العلو المطلق من وجهين أحدهما أنه علو بالإضافة إلى بعض ~~الموجودات والآخر أنه علو ms067 بالإضافة إلى الوجود لا بطريق الوجوب بل يقارنه ~~إمكان وجود إنسان فوقه فالعلي المطلق هو الذي له الفوقية لا بالإضافة وبحسب ~~الوجوب لا بحسب الوجود الذي يقارنه إمكان نقيضه # | الكبير # هو ذو الكبرياء والكبرياء عبارة عن كمال الذات وأعني بكمال الذات كمال ~~الوجود وكمال الوجود يرجع إلى شيئين # أحدهما دوامه أزلا وأبدا فكل وجود مقطوع بعدم سابق أو لاحق فهو ناقص ~~ولذلك يقال للإنسان إذا طالت مدة وجوده إنه كبير أي كبير السن طويل مدة ~~البقاء ولا يقال عظيم السن فالكبير يستعمل فيما لا يستعمل فيه العظيم فإن ~~كان ما طال مدة وجوده مع كونه محدود مدة البقاء كبيرا فالدائم الأزلي ~~الأبدي الذي يستحيل عليه العدم أولى أن يكون كبيرا # والثاني أن وجوده هو الوجود الذي يصدر عنه وجود كل موجود فإن PageV01P109 ~~كان الذي تم وجوده في نفسه كاملا وكبيرا فالذي حصل منه الوجود لجميع ~~الموجودات أولى أن يكون كاملا وكبيرا تنبيه # الكبير من العباد هو الكامل الذي لا تقتصر عليه صفات كماله بل تسري إلى ~~غيره فلا يجالسه أحد إلا ويفيض عليه شيئا من كماله وكمال العبد في عقله ~~وورعه وعلمه فالكبير من عباده هو العالم التقي المرشد للخلق الصالح لأن ~~يكون قدوة يقتبس من أنواره وعلومه ولذلك قال عيسى عليه السلام من علم وعمل ~~فذلك يدعى عظيما في ملكوت السماء # | الحفيظ # هو الحافظ جدا ولن يفهم ذلك إلا بعد فهم معنى الحفظ وهو على وجهين # أحدهما إدامة وجود الموجودات وإبقاؤها ويضاده الإعدام والله تعالى هو ~~الحافظ للسموات والأرض والملائكة والموجودات التي يطول أمد بقائها والتي لا ~~يطول أمد بقائها مثل الحيوانات والنبات وغيرهما # والوجه الثاني وهو أظهر المعنيين أن الحفظ صيانة المتعاديات والمتضادات ~~بعضها عن بعض وأعني بهذا التعادي ما بين الماء والنار فإنهما يتعاديان ~~بطباعهما فإما أن يطفئ الماء النار وإما أن تحيل النار الماء إن غلبت الماء ~~بخارا ثم هواء والتضاد والتعادي ظاهر بين الحرارة والبرودة إذ تقهر إحداهما ~~الأخرى وكذلك بين الرطوبة واليبوسة وسائر الأجسام ms068 الأرضية مركبة من هذه ~~الأصول المتعادية إذ لا بد للحيوان من حرارة غريزية لو بطلت لبطلت حياته ~~ولا بد له من رطوبة تكون غذاء لبدنه كالدم وما يجري مجراه ولا بد ~~PageV01P110 من يبوسة بها تتماسك أعضاؤه خصوصا ما صلب منها كالعظام ولا بد ~~من برودة تكسر سورة الحرارة حتى تعتدل ولا تحرق ولا تحلل الرطوبات الباطنة ~~بسرعة وهذه متعاديات متنازعات # وقد جمع الله عز وجل بين هذه المتضادات المتنازعة في إهاب الإنسان وبدن ~~الحيوانات والنبات وسائر المركبات ولولا حفظه تعالى إياها لتنافرت وتباعدت ~~وبطل امتزاجها واضمحل تركيبها وبطل المعنى الذي صارت مستعدة لقبوله ~~بالتركيب والمزاج وحفظ الله تعالى إياها بتعديل قواها مرة وبإمداد المغلوب ~~منها ثانيا # أما التعديل فهو أن يكون مبلغ قوة البارد مثل مبلغ قوة الحار فإذا اجتمعا ~~لم يغلب أحدهما الآخر بل يتدافعان إذ ليس أحدهما بأن يغلب أولى من أن يغلب ~~فيتقاومان ويبقى قوام المركب بتقاومهما وتعادلهما وهو الذي يعبر عنه ~~باعتدال المزاج # والثاني إمداد المغلوب منهما بما يعيد قوته حتى يقاوم الغالب ومثاله أن ~~الحرارة تفني الرطوبة وتجففها لا محالة فإذا غلبت ضعفت البرودة والرطوبة ~~وغلبت الحرارة واليبوسة ويكون إمداد الضعيف بالجسم البارد الرطب وهو الماء ~~ومعنى العطش هو الحاجة إلى البارد الرطب فخلق الله تعالى البارد الرطب مددا ~~للبرودة والرطوبة إذا غلبتا وخلق الأطعمة والأدوية وسائر الجواهر المتضادة ~~حتى إذا غلب شيء عورض بضده فانقهر وهذا هو الإمداد وإنما تم ذلك بخلق ~~الأطعمة والأدوية وخلق الآلات المصلحة لها وخلق المعرفة الهادية إلى ~~استعمالها وكل ذلك لحفظ الله عز وجل أبدان الحيوانات والمركبات من ~~المتضادات # وهذه هي الأسباب التي تحفظ الإنسان من الهلاك الداخل وهو متعرض ~~PageV01P111 للهلاك من أسباب خارجة كسباع ضارية وأعداء متنازعة فحفظه من ~~ذلك بما خلق له من الجواسيس المنذرة بقرب العدو وهي طلائعه كالعين والأذن ~~وغيرهما ثم خلق له اليد الباطشة والأسلحة الدافعة كالدرع والترس والقاضية ~~كالسيف والسكين ثم ربما يعجز مع ذلك عن الدفع فأمده بآلة الهرب وهي الرجل ~~للحيوان ms069 الماشي والجناح للطائر وكذلك شمل حفظه جلت قدرته كل ذرة في ملكوت ~~السموات والأرض حتى الحشيش الذي ينبت في الأرض يحفظ لبابه بالقشر الصلب ~~وطراوته بالرطوبة وما لا يحفظ بمجرد القشر يحفظه بالشوك النابت منه ليندفع ~~به بعض الحيوانات المتلفة له فالشوك سلاح النبات كالقرون والمخالب والأنياب ~~للحيوانات # بل كل قطرة من ماء فمعها ملك حافظ يحفظها عن الهواء المضاد لها فإن الماء ~~إذا جعل في إناء وترك مدة استحال هواء وسلب الهواء المضاد له صفة المائية ~~عنه ولو غمست الإصبع في ماء ورفعتها ونكستها تدلت منها قطرة ماء تبقى منكسة ~~لا تنفصل مع أن من شأنها الهوي إلى أسفل ولكنها لو انفصلت وهي صغيرة استولى ~~الهواء عليها وأحالها ولا تزال تمكث متدلية حتى يجتمع إليها بقية البلل ~~فتكبر القطرة فتستجري على خرق الهواء بسرعة ولا يستولي الهواء على إحالتها ~~وليس ذلك حفظا منها لنفسها عن معرفة بضعفها وقوة ضدها وحاجة استمدادها من ~~بقية البلل وإنما ذلك حفظ من ملك موكل بها بواسطة معنى متمكن من ذاتها وقد ~~ورد في الخبر أنه لا تنزل قطرة من المطر إلا ومعها ملك يحفظها إلى أن تصل ~~إلى مستقرها من الأرض وذلك حق والمشاهدة الباطنة لأرباب البصائر قد دلت ~~عليه وأرشدت إليه فآمنوا بالخبر لا عن تقليد بل عن بصيرة # والكلام أيضا في شرح حفظ الله تعالى السموات والأرض وما بينهما طويل ~~PageV01P112 كما في سائر الأفعال وبه يعرف هذا الاسم لا بمعرفة الاشتقاق في ~~اللغة وتوهم معنى الحفظ على الإجمال تنبيه # الحفيظ من العباد من يحفظ جوارحه وقلبه ويحفظ دينه عن سطوة الغضب وخلابة ~~الشهوة وخداع النفس وغرور الشيطان فإنه على شفا جرف هار وقد اكتنفته هذه ~~المهلكات المفضية إلى البوار # | المقيت # معناه خالق الأقوات وموصلها إلى الأبدان وهي الأطعمة وإلى القلوب وهي ~~المعرفة فيكون بمعنى الرزاق إلا أنه أخص منه إذ الرزق يتناول القوت وغير ~~القوت والقوت ما يكتفى به في قوام البدن # وإما أن يكون معناه المستولي على الشيء القادر عليه ms070 والاستيلاء يتم ~~بالقدرة والعلم وعليه يدل قوله عز وجل وكان الله على كل شيء مقيتا 4 سورة ~~النساء الآية 85 أي مطلعا قادرا فيكون معناه راجعا إلى القدرة والعلم أما ~~العلم فقد سبق وأما القدرة فستأتي ويكون بهذا المعنى وصفه بالمقيت أتم من ~~وصفه بالقادر وحده وبالعالم وحده لأنه دال على اجتماع المعنيين وبذلك يخرج ~~هذا الاسم عن الترادف # | الحسيب # هو الكافي وهو الذي من كان له كان حسبه والله سبحانه PageV01P113 وتعالى ~~حسيب كل أحد وكافيه وهذا وصف لا تتصور حقيقته لغيره فإن الكفاية إنما يحتاج ~~إليها المكفي لوجوده ولدوام وجوده ولكمال وجوده وليس في الوجود شيء هو وحده ~~كاف لشيء إلا الله عز وجل فإنه وحده كاف لكل شيء لا لبعض الأشياء أي هو ~~وحده كاف ليحصل به وجود الأشياء ويدوم به وجودها ويكمل به وجودها # ولا تظنن أنك إذا احتجت إلى طعام وشراب وأرض وسماء وشمس وغير ذلك فقد ~~احتجت إلى غيره ولم يكن هو حسبك فإنه هو الذي كفاك بخلق الطعام والشراب ~~والأرض والسماء فهو حسبك ولا تظنن أن الطفل الذي يحتاج إلى أم ترضعه ~~وتتعهده فليس الله حسيبه وكافيه بل الله عز وجل حسيبه وكافيه إذ خلق أمه ~~وخلق اللبن في ثديها وخلق له الهداية إلى التقامه وخلق الشفقة والمودة في ~~قلب الأم حتى مكنته من الالتقام ودعته إليه وحملته عليه فالكفاية إنما حصلت ~~بهذه الأسباب والله تعالى وحده هو المتفرد بخلقها لأجله ولو قيل لك إن الأم ~~وحدها كافية للطفل وهي حسبه لصدقت به ولم تقل إنها لا تكفيه لأنه يحتاج إلى ~~اللبن فمن أين تكفيه الأم إذا لم يكن لبن ولكنك تقول نعم يحتاج إلى اللبن ~~ولكن اللبن أيضا من الأم فليس محتاجا إلى غير الأم فاعلم أن اللبن ليس من ~~الأم بل هو والأم من الله سبحانه وتعالى ومن فضله وجوده فهو وحده حسب كل ~~أحد وليس في الوجود شيء وحده هو حسب شيء سواه بل الأشياء يتعلق بعضها ببعض ~~وكلها تتعلق بقدرة ms071 الله سبحانه وتعالى تنبيه # ليس للعبد مدخل في هذا الوصف إلا بنوع من المجاز بعيد وبالإضافة إلى بادئ ~~الرأي وسابق الظن العامي أما كونه مجازا فهو أنه إن كان كافيا لطفله ~~PageV01P114 في القيام بتعهده أو لتلميذه في تعليمه حتى لم يفتقر إلى ~~الاستعانة بغيره كان واسطة في الكفاية ولم يكن كافيا لأن الله سبحانه ~~وتعالى هو الكافي إذ لا قوام له بنفسه ولا كفاية له بنفسه فكيف يكون هو ~~كفاية غيره # وأما كونه بالإضافة إلى سابق الظن هو أنه وإن قدر أنه مستقل بالكفاية ~~وليس بواسطة فهو وحده لا يكفي إذ يحتاج إلى محل قابل لفعله وكفايته وهذا ~~أقل الأمور فالقلب الذي هو محل العلم لا بد منه أولا ليكون هو كافيا في ~~التعليم والمعدة التي هي مستقر الطعام لا بد منها لتكون كافية بإيصال ~~الطعام إلى بدنه وهذا مع ما يحتاج إليه من أمور كثيرة لا يحصيها ولا يدخل ~~شيء منها في اختياره فأقل درجات الفعل حاجته إلى فاعل وقابل فالفاعل لا ~~يكفي دون القابل أصلا وإنما صح هذا في حق الله عز وجل لأنه خالق الفعل ~~وخالق المحل القابل وخالق شرائط قبوله وما يكتنفه ولكن بادئ الرأي ربما ~~يسبق إلى الفاعل ولا يخطر بالبال غيره فيظن أن الفاعل حسبه وحده وليس كذلك # نعم الحظ الذي منه للعبد أن يكون الله وحده حسبه بالإضافة إلى همته ~~وإرادته وهو أنه لا يريد إلا الله عز وجل فلا يريد الجنة ولا يشغل قلبه ~~بالنار ليحذر منها بل يكون مستغرق الهم بالله تعالى وحده وإذا كاشفه بجلاله ~~قال ذلك حسبي فلست أريد غيره ولا أبالي فاتني غيره أم لم يفت # | الجليل # هو الموصوف بنعوت الجلال ونعوت الجلال هي العز والملك والتقدس والعلم ~~والغنى والقدرة وغيرها من الصفات التي ذكرناها فالجامع لجميعها هو الجليل ~~المطلق والموصوف ببعضها جلالته بقدر ما نال من هذه النعوت فالجليل المطلق ~~هو الله عز وجل فقط فكأن الكبير يرجع إلى كمال الذات PageV01P115 والجليل ~~إلى كمال الصفات والعظيم يرجع ms072 إلى كمال الذات والصفات جميعا منسوبا إلى ~~إدراك البصيرة إذا كان بحيث يستغرق البصيرة ولا تستغرقه البصيرة # ثم صفات الجلال إذا نسبت إلى البصيرة المدركة لها سميت جمالا وسمي المتصف ~~به جميلا واسم الجميل في الأصل وضع للصورة الظاهرة المدركة بالبصر مهما ~~كانت بحيث تلائم البصر وتوافقه ثم نقل إلى الصورة الباطنة التي تدرك ~~بالبصائر حتى يقال سيرة حسنة جميلة ويقال خلق جميل وذلك يدرك بالبصائر لا ~~بالأبصار والصورة الباطنة إذا كانت كاملة متناسبة جامعة جميع كمالاتها ~~اللائقة بها كما ينبغي وعلى ما ينبغي فهي جميلة بالإضافة إلى البصيرة ~~الباطنة المدركة لها وملائمة لها ملاءمة يدرك صاحبها عند مطالعتها من اللذة ~~والبهجة والاهتزاز أكثر مما يدركه الناظر بالبصر الظاهر إلى الصورة الجميلة ~~فالجميل الحق المطلق هو الله سبحانه وتعالى فقط لأن كل ما في العالم من ~~جمال وكمال وبهاء وحسن فهو من أنوار ذاته وآثار صفاته وليس في الوجود موجود ~~له الكمال المطلق الذي لا مثنوية فيه لا وجوبا ولا إمكانا سواه ولذلك يدرك ~~عارفه والناظر إلى جماله من البهجة والسرور واللذة والغبطة ما يستحقر معه ~~نعيم الجنة وجمال الصورة المبصرة بل لا مناسبة بين جمال الصورة الظاهرة ~~وبين جمال المعاني الباطنة المدركة بالبصائر # وهذا المعنى كشفنا عنه الغطاء في كتاب المحبة من كتب إحياء علوم الدين # فإذا ثبت أنه جليل وجميل فكل جميل فهو محبوب ومعشوق عند مدرك جماله فلذلك ~~كان الله عز وجل محبوبا ولكن عند العارفين كما تكون الصورة الجميلة الظاهرة ~~محبوبة ولكن عند المبصرين لا عند العميان PageV01P116 تنبيه # الجليل الجميل من العباد من حسنت صفاته الباطنة التي تستلذها القلوب ~~البصيرة فأما جمال الظاهر فنازل القدر # | الكريم # هو الذي إذا قدر عفا وإذا وعد وفى وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء ولا ~~يبالي كم أعطى ولمن أعطى وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى وإذا جفي عاتب وما ~~استقصى ولا يضيع من لاذ به والتجأ ويغنيه عن الوسائل والشفعاء فمن اجتمع له ~~جميع ذلك لا بالتكلف فهو ms073 الكريم المطلق وذلك لله سبحانه وتعالى فقط تنبيه # هذه الخصال قد يتجمل العبد في اكتسابها ولكن في بعض الأمور ومع نوع من ~~التكلف فلذلك قد يوصف بالكريم ولكنه ناقص بالإضافة إلى الكريم المطلق وكيف ~~لا يوصف به العبد وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقولوا للعنب ~~الكرم فإن الكرم هو الرجل المسلم وقيل إنما وصف شجرة العنب بالكرم لأنه ~~لطيف الشجرة طيب الثمرة سهل القطاف قريب المتناول سليم عن الشوك والأسباب ~~المؤذية بخلاف النخل # | الرقيب # هو العليم الحفيظ فمن راعى الشيء حتى لم يغفل عنه ولاحظه ملاحظة دائمة ~~لازمة لزوما لو عرفه الممنوع عنه لما أقدم عليه سمي رقيبا فكأنه ~~PageV01P117 يرجع إلى العلم والحفظ ولكن باعتبار كونه لازما دائما بالإضافة ~~إلى ممنوع عنه محروس عن المتناول تنبيه # وصف المراقبة للعبد إنما يحمد إذا كانت مراقبته لربه وقلبه وذلك بأن يعلم ~~أن الله تعالى رقيبه وشاهده في كل حال ويعلم أن نفسه عدو له وأن الشيطان ~~عدو له وأنهما ينتهزان منه الفرص حتى يحملانه على الغفلة والمخالفة فيأخذ ~~منهما حذره بأن يلاحظ مكانهما وتلبيسهما ومواضع انبعاثهما حتى يسد عليهما ~~المنافذ والمجاري فهذه مراقبته # | المجيب # هو الذي يقال مسألة السائلين بالإسعاف ودعاء الداعين بالإجابة وضرورة ~~المضطرين بالكفاية بل ينعم قبل النداء ويتفضل قبل الدعاء وليس ذلك إلا لله ~~عز وعلا فإنه يعلم حاجة المحتاجين قبل سؤالهم وقد علمها في الأزل فدبر ~~أسباب كفاية الحاجات بخلق الأطعمة والأقوات وتيسير الأسباب والآلات الموصلة ~~إلى جميع المهمات تنبيه # العبد ينبغي أن يكون مجيبا أولا لربه تعالى فيما أمره ونهاه وفيما ندبه ~~إليه ودعاه ثم لعباده فيما أنعم الله عز وجل عليه بالاقتدار عليه وفي إسعاف ~~كل سائل بما يسأله إن قدر عليه وفي لطف الجواب إن عجز عنه قال الله عز وجل ~~وأما السائل فلا تنهر 93 سورة الضحى الآية PageV01P118 10 وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع لقبلت وكان ~~حضوره الدعوات وقبوله ms074 الهدايا غاية الإكرام والإيجاب منه فكم من خسيس متكبر ~~يترفع عن قبول كل هدية ولا يتبذل في حضور كل دعوة بل يصون جاهه وكبره ولا ~~يبالي بقلب السائل المستدعي وإن تأذى بسببه فلا حظ لمثله في معنى هذا الاسم # | الواسع # مشتق من السعة والسعة تضاف مرة إلى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات ~~الكثيرة وتضاف أخرى إلى الإحسان وبسط النعم وكيف ما قدر وعلى أي شيء نزل ~~فالواسع المطلق هو الله سبحانه وتعالى لأنه إن نظر إلى علمه فلا ساحل لبحر ~~معلوماته بل تنفد البحار لو كانت مدادا لكلماته وإن نظر إلى إحسانه ونعمه ~~فلا نهاية لمقدوراته وكل سعة وإن عظمت فتنتهي إلى طرف والذي لا ينتهي إلى ~~طرف فهو أحق باسم السعة والله سبحانه وتعالى هو الواسع المطلق لأن كل واسع ~~بالإضافة إلى ما هو أوسع منه ضيق وكل سعة تنتهي إلى طرف فالزيادة عليه ~~متصورة وما لا نهاية له ولا طرف فلا يتصور عليه زيادة تنبيه # سعة العبد في معارفه وأخلاقه فإن كثرت علومه فهو واسع بقدر سعة علمه وإن ~~اتسعت أخلاقه حتى لم يضيقها خوف الفقر وغيظ الحسد وغلبة الحرص وسائر الصفات ~~فهو واسع وكل ذلك فهو إلى نهاية وإنما الواسع الحق هو الله تعالى ~~PageV01P119 # | الحكيم # ذو الحكمة والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم وأجل ~~الأشياء هو الله سبحانه وقد سبق أنه لا يعرف كنه معرفته غيره فهو الحكيم ~~الحق لأنه يعلم أجل الأشياء بأجل العلوم إذ أجل العلوم هو العلم الأزلي ~~الدائم الذي لا يتصور زواله المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليه خفاء ولا ~~شبهة ولا يتصف بذلك إلا علم الله سبحانه وتعالى وقد يقال لمن يحسن دقائق ~~الصناعات ويحكمها ويتقن صنعتها حكيم وكمال ذلك أيضا ليس إلا لله تعالى فهو ~~الحكيم الحق تنبيه # من عرف جميع الأشياء ولم يعرف الله عز وجل لم يستحق أن يسمى حكيما لأنه ~~لم يعرف أجل الأشياء وأفضلها والحكمة أجل العلوم وجلالة العلم بقدر جلالة ~~المعلوم ولا أجل من ms075 الله عز وجل ومن عرف الله تعالى فهو حكيم وإن كان ضعيف ~~الفطنة في سائر العلوم الرسمية كليل اللسان قاصر البيان فيها إلا أن نسبة ~~حكمة العبد إلى حكمة الله تعالى كنسبة معرفته به إلى معرفته بذاته وشتان ~~بين المعرفتين فشتان بين الحكمتين ولكنه مع بعده عنه فهو أنفس المعارف ~~وأكثرها خيرا ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا # نعم من عرف الله كان كلامه مخالفا لكلام غيره فإنه قلما يتعرض للجزئيات ~~بل يكون كلامه كليا ولا يتعرض لمصالح العاجلة بل يتعرض لما ينفع في العاقبة ~~ولما كان ذلك أظهر عند الناس من أحوال الحكيم من معرفته بالله عز وجل ربما ~~أطلق الناس اسم الحكمة على مثل تلك الكلمات الكلية # ويقال للناطق بها حكيم PageV01P120 # وذلك مثل قول سيد البشر صلاة الرحمن وسلامه عليه رأس الحكمة مخافة الله ~~وقوله صلى الله عليه وسلم الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من ~~أتبع نفسه هواها وتمنى على الله وقوله عليه الصلاة والسلام ما قل وكفى خيرا ~~مما كثر وألهى وقوله صلى الله عليه وسلم من أصبح معافى في بدنه آمنا في ~~سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها وقوله عليه أفضل ~~الصلاة كن ورعا تكن أعبد الناس وكن قنعا تكن أشكر الناس وقوله البلاء موكل ~~بالمنطق وقوله من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وقوله السعيد من وعظ ~~بغيره وقوله الصمت حكمة وقليل فاعله وقوله القناعة مال لا ينفد وقوله الصبر ~~نصف الإيمان واليقين الإيمان كله فهذه PageV01P121 الكلمات وأمثالها تسمى ~~حكمة وصاحبها يسمى حكيما # | الودود # هو الذي يحب الخير لجميع الخلق فيحسن إليهم ويثني عليهم وهو قريب من معنى ~~الرحيم لكن الرحمة إضافة إلى مرحوم والمرحوم هو المحتاج والمضطر وأفعال ~~الرحيم تستدعي مرحوما ضعيفا وأفعال الودود لا تستدعي ذلك بل الإنعام على ~~سبيل الابتداء من نتائج الود وكما أن معنى رحمته سبحانه وتعالى إرادته ~~الخير للمرحوم وكفايته له وهو منزه عن رقة الرحمة فكذلك وده إرادته الكرامة ms076 ~~والنعمة وإحسانه وإنعامه وهو منزه عن ميل المودة والرحمة لكن المودة ~~والرحمة لا تراد في حق المرحوم والمودود إلا لثمرتهما وفائدتهما لا للرقة ~~والميل فالفائدة هي لباب الرحمة والمودة وروحهما وذلك هو المتصور في حق ~~الله سبحانه وتعالى دون ما هو مقارن لهما وغير مشروط في الإفادة تنبيه # الودود من عباد الله من يريد لخلق الله كل ما يريده لنفسه وأعلى من ذلك ~~من يؤثرهم على نفسه كمن قال منهم أريد أن أكون جسرا على النار يعبر علي ~~الخلق ولا يتأذون بها وكمال ذلك أن لا يمنعه عن الإيثار والإحسان الغضب ~~والحقد وما ناله من الأذى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كسرت ~~رباعيته وأدمي وجهه وضرب اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون فلم يمنعه سوء ~~صنيعهم عن إرادته الخير لهم وكما أمر صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه ~~حيث PageV01P122 قال إن أردت أن تسبق المقربين فصل من قطعك وأعط من حرمك ~~واعف عمن ظلمك # | المجيد # هو الشريف ذاته الجميل أفعاله الجزيل عطاؤه ونوله فكأن شرف الذات إذا ~~قارنه حسن الفعال سمي مجدا وهو الماجد أيضا ولكن أحدهما أدل على المبالغة ~~وكأنه يجمع معاني اسم الجليل والوهاب والكريم وقد سبق الكلام فيها # | الباعث # هو الذي يحيي الخلق يوم النشور ويبعث من في القبور ويحصل ما في الصدور ~~والبعث هو النشأة الآخرة ومعرفة هذا الاسم موقوفة على معرفة حقيقة البعث ~~وذلك من أغمض المعارف وأكثر الخلق منه على توهمات مجملة وتخيلات مبهمة ~~وغايتهم فيه تخيلهم أن الموت عدم والبعث إيجاد مبتدأ بعد عدم مثل الإيجاد ~~الأول فظنهم أن الموت عدم غلط وظنهم أن الإيجاد الثاني مثل الإيجاد الأول ~~غلط # فأما ظنهم أن الموت عدم فهو باطل بل القبر إما حفرة من حفر النيران أو ~~روضة من رياض الجنة والميت إما من السعداء وأولئك ليسوا أمواتا بل أحياء ~~عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله 3 سورة آل عمران الآية 169 و ~~170 وإما من ms077 الأشقياء وهم أيضا أحياء ولذلك ناداهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في وقعة بدر وقال إني وجدت ما وعدني ربي PageV01P123 حقا فهل وجدتم ما ~~وعد ربكم حقا ثم لما قيل له كيف تنادي قوما قد جيفوا قال ما أنتم بأسمع لما ~~أقول منهم لكنهم لا يقدرون أن يجيبوا والمشاهدة الباطنة دلت أرباب البصائر ~~على أن الإنسان خلق للأبد وأنه لا سبيل عليه للعدم نعم تارة يقطع تصرفه عن ~~الجسد فيقال مات وتارة يعاد إليه فيقال أحيي وبعث أي أحيي جسده وكشف ذلك ~~بالحقيقة مما لا يحتمله هذا الكتاب # وأما ظنهم أن البعث ليس إيجادا ثانيا وهو مثل الإيجاد الأول فغير صحيح بل ~~البعث إنشاء آخر لا يناسب الإنشاء الأول أصلا وللإنسان نشآت كثيرة وليست هي ~~نشأتين فقط ولذلك قال تعالى وننشئكم فيما لا تعلمون 56 سورة الواقعة الآية ~~61 ولذلك قال بعد خلق المضغة والعلقة وغير ذلك ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك ~~الله أحسن الخالقين 23 سورة المؤمنين الآية 14 بل النطفة نشأة من التراب ~~والعلقة نشأة من النطفة والمضغة نشأة من العلقة والروح نشأة من المضغة ~~ولشرف نشأة الروح وجلالته وكونه أمرا ربانيا قال عند ذلك ثم أنشأناه خلقا ~~آخر فتبارك الله أحسن الخالقين 23 سورة المؤمنون الآية 14 وقال تعالى ~~ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي 17 سورة الإسراء الآية 85 ثم خلق ~~الإدراكات الحسية بعد خلق أصل الروح نشأة أخرى ثم خلق التمييز الذي يظهر ~~بعد سبع سنين نشأة أخرى ثم خلق العقل بعد خمس عشرة سنة وما يقاربها نشأة ~~أخرى وكل نشأة طور وقد خلقكم أطوارا 71 سورة نوح الآية 14 ثم ظهور خاصية ~~الولاية لمن رزق تلك الخاصية نشأة أخرى ثم ظهور خاصية النبوة بعد نشأة أخرى ~~وهي PageV01P124 نوع من العبث والله سبحانه وتعالى باعث الرسل كما أنه ~~الباعث يوم النشور # وكما أنه يعسر على ابن المهد فهم حقيقة التمييز قبل حصول التمييز ويعسر ~~على المميز فهم حقيقة العقل وما ينكشف في ms078 طوره من العجائب قبل حصول العقل ~~فكذلك يعسر فهم طور الولاية والنبوة في طور العقل فإن الولاية طور كمال ~~وراء نشأة العقل كما أن العقل طور كمال وراء نشأة التمييز والتمييز طور ~~كمال وراء نشأة الحواس وكما أن من طباع الناس إنكار ما لم يبلغوه ولم ~~ينالوه حتى إن كل واحد ينكر ما لم يشاهده ولم يحصل له ولا يؤمن بما غاب عنه ~~فمن طباعهم إنكار الولاية وعجائبها والنبوة وغرائبها بل من طباعهم إنكار ~~النشأة الثانية والحياة الآخرة لأنهم لم يبلغوها بعد ولو عرض طور العقل ~~وعالمه وما يظهر فيه من العجائب على المميز لأنكره وجحده وأحال وجوده فمن ~~آمن بشيء مما لم يبلغه فقد آمن بالغيب وذلك هو مفتاح السعادات # وكما أن طور العقل وإدراكاته ونشأته بعيد المناسبة عن الإدراكات التي ~~قبله فكذلك النشأة الآخرة بل أبعد فلا ينبغي أن تقاس النشأة الآخرة بالأولى ~~وهذه النشآت هي أطوار ذات واحدة ومراقيها التي تصعد فيها إلى درجات الكمال ~~حتى تقرب من الحضرة التي هي منتهى كل كمال وتكون عند الله عز وجل بين رد ~~وقبول وحجاب ووصول فإن قبل رقي إلى أعلى العليين وإلا رد إلى أسفل السافلين ~~والمقصود أن لا مناسبة بين النشأتين إلا من حيث الاسم ومن لم يعرف النشأة ~~والبعث لم يعرف معنى اسم الباعث وشرح ذلك يطول فلنتجاوزه PageV01P125 تنبيه # حقيقة البعث ترجع إلى إحياء الموتى بإنشائهم نشأة أخرى والجهل هو الموت ~~الأكبر والعلم هو الحياة الأشرف وقد ذكر الله سبحانه وتعالى العلم والجهل ~~في كتابه العزيز وسماهما حياة وموتا ومن رقى غيره من الجهل إلى المعرفة فقد ~~أنشأه نشأة أخرى وأحياه حياة طيبة فإن كان للعبد مدخل في إفادة الخلق العلم ~~ودعائهم إلى الله تعالى فذلك نوع من الإحياء وهي رتبة الأنبياء ومن يرثهم ~~من العلماء # | الشهيد # يرجع معناه إلى العليم مع خصوص إضافة فإن الله عز وجل عالم الغيب ~~والشهادة والغيب عبارة عما بطن والشهادة عما ظهر وهو الذي يشاهد فإذا اعتبر ~~العلم مطلقا فهو ms079 العليم وإذا أضيف إلى الغيب والأمور الباطنة فهو الخبير ~~وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد وقد يعتبر مع هذا أن يشهد على ~~الخلق يوم القيامة بما علم وشاهد منهم والكلام في هذا الاسم يقرب من الكلام ~~في العليم والخبير فلا نعيده # | الحق # هو في مقابلة الباطل والأشياء قد تستبان بأضدادها وكل ما يخبر عنه فإما ~~باطل مطلقا وإما حق مطلقا وإما حق من وجه باطل من وجه فالممتنع بذاته هو ~~الباطل مطلقا والواجب بذاته هو الحق مطلقا والممكن بذاته الواجب بغيره هو ~~حق من وجه باطل من وجه فهو من حيث ذاته لا وجود له فهو باطل وهو من جهة ~~غيره مستفيد للوجود فهو من هذا الوجه الذي يلي مفيد الوجود موجود فهو من ~~ذلك الوجه حق ومن جهة نفسه باطل فلذلك قال تعالى كل شيء هالك إلا وجهه 28 ~~سورة PageV01P126 القصص الآية 88 وهو كذلك أزلا وأبدا ليس ذلك في حال دون ~~حال لأن كل شيء سواه أزلا وأبدا من حيث ذاته لا يستحق الوجود ومن جهته ~~يستحق فهو باطل بذاته حق بغيره وعند هذا تعرف أن الحق المطلق هو الموجود ~~الحقيقي بذاته الذي منه يأخذ كل حق حقيقته # وقد يقال أيضا للمعقول الذي صادف به العقل الموجود حتى طابقه إنه حق فهو ~~من حيث ذاته يسمى موجودا ومن حيث إضافته إلى العقل الذي أدركه على ما هو ~~عليه يسمى حقا فإذا أحق الموجودات بأن يكون حقا هو الله تعالى وأحق المعارف ~~بأن تكون حقا هيمعرفة الله عز وجل فإنه حق في نفسه أي مطابق للمعلوم أزلا ~~وأبدا ومطابقته لذاته لا لغيره لا كالعلم بوجود غيره فإنه لا يكون إلا ما ~~دام ذلك الغير موجودا فإذا عدم عاد ذلك الإعتقاد باطلا وذلك الإعتقاد أيضا ~~لا يكون حقا لذات المعتقد لأنه ليس موجودا لذاته بل هو موجود لغيره # وقد يطلق ذلك على الأقوال فيقال قول حق وقول باطل وعلى ذلك فأحق الأقوال ~~قولك لا إله إلا الله لأنه صادق ms080 أبدا وأزلا لذاته لا لغيره # فإذا يطلق الحق على الوجود في الأعيان وعلى الوجود في الأذهان وهو ~~المعرفة وعلى الوجود الذي في اللسان وهو النطق فأحق الأشياء بأن يكون حقا ~~هو الذي يكون وجوده ثابتا لذاته أزلا وأبدا ومعرفته حقا أزلا وأبدا ~~والشهادة له حقا أزلا وأبدا وكل ذلك لذات الموجود الحقيقي لا لغيره تنبيه # حظ العبد من هذا الاسم أن يرى نفسه باطلا ولا يرى غير الله عز ~~PageV01P127 وجل حقا والعبد إن كان حقا فليس حقا بنفسه بل هو حق بالله عز ~~وجل فإنه موجود به لا بذاته بل هو بذاته باطل لولا إيجاد الحق له فقد أخطأ ~~من قال أنا الحق إلا بأحد التأويلين # أحدهما أن يعني أنه بالحق وهذا التأويل بعيد لأن اللفظ لا ينبىء عنه ولأن ~~ذلك لا يخصه بل كل شيء سوى الحق فهو بالحق # التأويل الثاني أن يكون مستغرقا بالحق حتى لا يكون فيه متسع لغيره وما ~~أخذ كلية الشيء واستغرقه فقد يقال إنه هو كما يقول الشاعر # أنا من أهوى ومن أهوى أنا % نحن روحان حللنا بدنا # ويعني به الاستغراق # وأهل التصوف لما كان الغالب عليهم رؤية فناء أنفسهم من حيث ذاتهم كان ~~الجاري على لسانهم من أسماء الله تعالى وفي أكثر الأقوال والأحوال هو الحق ~~لأنهم يلحظون الذات الحقيقية دون ما هو هالك في نفسه # وأهل الكلام لما كانوا أبعد في مقام الاستدلال بالأفعال كان الجاري على ~~لسانهم في الأكثر اسم البارئ الذي هو بمعنى الخالق # وأكثر الخلق يرون كل شيء سواه فيستشهدون عليه بما يرونه وهم المخاطبون ~~بقوله تعالى أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء 7 ~~سورة الأعراف الآية 185 # والصديقون لا يرون شيئا سواه فيستشهدون به عليه وهم المخاطبون بقوله ~~تعالى أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد 41 سورة فصلت الآية 53 ~~PageV01P128 # | الوكيل # هو الموكول إليه الأمور ولكن الموكول إليه ينقسم إلى من يوكل إليه بعض ~~الأمور وذلك ناقص وإلى من يوكل إليه ms081 الكل وليس ذلك إلا الله سبحانه وتعالى ~~والموكول إليه ينقسم إلى من يستحق أن يكون موكولا إليه لا بذاته ولكن ~~بالتفويض والتوكيل وهذا ناقص لأنه فقير إلى التفويض والتولية وإلى من يستحق ~~بذاته أن تكون الأمور موكولة إليه والقلوب متوكلة عليه لا بتولية وتفويض من ~~جهة غيره وذلك هو الوكيل المطلق والوكيل أيضا ينقسم إلى من يفي بما وكل ~~إليه وفاء تاما من غير قصور وإلى من لا يفي بالجميع والوكيل المطلق هو الذي ~~الأمور موكولة إليه وهو ملي بالقيام بها وفي بإتمامها وذلك هو الله تعالى ~~فقط وقد فهمت من هذا مقدار مدخل العبد في معنى هذا الاسم # | القوي المتين # القوة تدل على القدرة التامة والمتانة تدل على شدة القوة والله سبحانه ~~وتعالى من حيث إنه بالغ القدرة تامها قوي ومن حيث إنه شديدة القوة متين ~~وذلك يرجع إلى معاني القدرة وسيأتي ذلك # | الولي # هو المحب الناصر ومعنى وده ومحبته قد سبق ومعنى نصرته ظاهر فإنه يقمع ~~أعداء الدين وينصر أولياءه قال الله سبحانه وتعالى الله ولي الذين آمنوا ~~وقال تعالى ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ~~PageV01P129 محمد الآية 11 أي لا ناصر لهم وقال عز وجل كتب الله لأغلبن أنا ~~ورسلي 58 سورة المجادلة الآية 21 تنبيه # الولي من العباد من يحب الله عز وجل ويحب أولياءه وينصره وينصر أولياءه ~~ويعادي أعداءه ومن أعدائه النفس والشيطان فمن خذلهما ونصر أمر الله تعالى ~~ووالى أولياء الله وعادى أعداءه فهو الولي من العباد # | الحميد # هو المحمود المثنى عليه والله عز وجل هو الحميد بحمده لنفسه أزلا وبحمد ~~عباده له أبدا ويرجع هذا إلى صفات الجلال والعلو والكمال منسوبا إلى ذكر ~~الذاكرين له فإن الحمد هو ذكر أوصاف الكمال من حيث هو كمال تنبيه # الحميد من العباد من حمدت عقائده وأخلاقه وأعماله وأقواله كلها من غير ~~مثنوية وذاك هو محمد صلى الله عليه وسلم ومن يقرب منه من الأنبياء ومن ~~عداهم من الأولياء والعلماء وكل واحد ms082 منهم حميد بقدر ما يحمد من عقائده ~~وأخلاقه وأعماله وأقواله وإذا كان لا يخلو أحد عن مذمة ونقص وإن كثرت ~~محامده فالحميد المطلق هو الله تعالى # | المحصي # هو العالم ولكن إذا أضيف العلم إلى المعلومات من حيث يحصي PageV01P130 ~~المعلومات ويعدها ويحيط بها سمي إحصاء والمحصي المطلق هو الذي ينكشف في ~~علمه حد كل معلوم وعدده ومبلغه # والعبد وإن أمكنه أن يحصي بعلمه بعض المعلومات فإنه يعجز عن حصر أكثرها ~~فمدخله في هذا الاسم ضعيف كمدخله في أصل العلم # | المبدئ المعيد # معناه الموجد لكن الإيجاد إذا لم يكن مسبوقا بمثله سمي إبداء وإذا كان ~~مسبوقا بمثله سمي إعادة والله سبحانه وتعالى بدأ خلق الناس ثم هو الذي ~~يعيدهم أي يحشرهم والأشياء كلها منه بدأت وإليه تعود وبه بدأت وبه تعود # | المحيي المميت # هذا أيضا يرجع إلى الإيجاد ولكن الموجود إذ كان هو الحياة سمي فعله إحياء ~~وإذا كان هو الموت سمي فعله إماتة ولا خالق للموت والحياة إلا الله سبحانه ~~وتعالى فلا مميت ولا محيي إلا الله عز وجل وقد سبقت الإشارة إلى معنى ~~الحياة في اسم الباعث فلا نعيده # | الحي # هو الفعال الدراك حتى إن من لا فعل له أصلا ولا إدراك فهو ميت وأقل درجات ~~الإدراك أن يشعر المدرك بنفسه فما لا يشعر بنفسه فهو الجماد والميت فالحي ~~الكامل المطلق هو الذي يندرج جميع المدركات تحت إدراكه وجميع الموجودات تحت ~~فعله حتى لا يشذ عن علمه مدرك ولا عن فعله مفعول وذلك الله عز وجل فهو الحي ~~المطلق وكل حي سواه PageV01P131 فحياته بقدر إدراكه وفعله وكل ذلك محصور في ~~قلة ثم إن الأحياء يتفاوتون فيه فمراتبهم بقدر تفاوتهم كما سبقت الإشارة ~~إليه في مراتب الملائكة والإنس والبهائم # | القيوم # اعلم أن الأشياء تنقسم إلى ما يفتقر إلى محل كالأغراض والأوصاف فيقال ~~فيها إنها ليست قائمة بأنفسها وإلى ما يحتاج إلى محل فيقال إنه قائم بنفسه ~~كالجواهر إلا أن الجوهر وإن قام بنفسه مستغنيا عن محل يقوم به فليس مستغنيا ~~عن ms083 أمور لا بد منها لوجوده وتكون شرطا في وجوده فلا يكون قائما بنفسه لأنه ~~يحتاج في قوامه إلى وجود غيره وإن لم يحتج إلى محل # فإن كان في الوجود موجود يكفي ذاته بذاته ولا قوام له بغيره ولا يشترط في ~~دوام وجوده وجود غيره فهو القائم بنفسه مطلقا فإن كان مع ذلك يقوم به كل ~~موجود حتى لا يتصور للأشياء وجود ولا دوام وجود إلا به فهو القيوم لأن ~~قوامه بذاته وقوام كل شيء به وليس ذلك إلا الله سبحانه وتعالى # ومدخل العبد في هذا الوصف بقدر استغنائه عما سوى الله تعالى # | الواجد # هو الذي لا يعوزه شيء وهو في مقابلة الفاقد ولعل من فاته ما لا حاجة به ~~إلى وجوده لا يسمى فاقدا والذي يحضره ما لا تعلق له بذاته ولا بكمال ذاته ~~لا يسمى واجدا بل الواجد من لا يعوزه شيء مما لا بد منه وكل ما لا بد منه ~~في صفات الإلهية وكمالها فهو موجود لله سبحانه وتعالى فهو بهذا PageV01P132 ~~الاعتبار واجد وهو الواجد المطلق ومن عداه إن كان واجدا لشيء من صفات ~~الكمال وأسبابه فهو فاقد لأشياء فلا يكون واجدا إلا بالإضافة # | الماجد # بمعنى المجيد كالعالم بمعنى العليم لكن الفعيل أكثر مبالغة وقد سبق معناه # | الواحد # هو الذي لا يتجرأ ولا يثنى # أما الذي لا يتجزأ فكالجوهر الواحد الذي لا ينقسم فيقال إنه واحد بمعنى ~~أنه لا جزء له وكذا النقطة لا جزء لها والله تعالى واحد بمعنى أنه يستحيل ~~تقدير الانقسام في ذاته # وأما الذي لا يتثنى فهو الذي لا نظير له كالشمس مثلا فإنها وإن كانت ~~قابلة للانقسام بالوهم متجزئة في ذاتها لأنها من قبيل الأجسام فهي لا نظير ~~لها إلا أنه يمكن أن يكون لها نظير فإن كان في الوجود موجود يتفرد بخصوص ~~وجوده تفردا لا يتصور أن يشاركه غيره فيه أصلا فهو الواحد المطلق أزلا ~~وأبدا # والعبد إنما يكون واحدا إذا لم يكن له في أبناء جنسه نظير في خصلة من ~~خصال ms084 الخير وذلك بالإضافة إلى أبناء جنسه وبالإضافة إلى الوقت إذ يمكن أن ~~يظهر في وقت آخر مثله وبالإضافة إلى بعض الخصال دون الجميع فلا وحدة على ~~الإطلاق إلا لله تعالى PageV01P133 # | الصمد # هو الذي يصمد إليه في الحوائج ويقصد إليه في الرغائب إذ ينتهي إليه منتهى ~~السؤدد ومن جعله الله تعالى مقصد عباده في مهمات دينهم ودنياهم وأجرى على ~~يده ولسانه حوائج خلقه فقد أنعم عليه بحظ من معنى هذا الوصف لكن الصمد ~~المطلق هو الذي يقصد إليه في جميع الحوائج وهو الله سبحانه وتعالى # | القادر المقتدر # معناهما ذو القدرة لكن المقتدر أكثر مبالغة والقدرة عبارة عن المعنى الذي ~~به يوجد الشيء متقدرا بتقدير الإرادة والعلم واقعا على وفقهما والقادر هو ~~الذي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل وليس من شرطه أن يشاء لا محالة فإن الله ~~قادر على إقامة القيامة الآن لأنه لو شاء أقامها فإن كان لا يقيمها لأنه لم ~~يشأها ولا يشاؤها لما جرى في سابق علمه من تقدير أجلها ووقتها فلذلك لا ~~يقدح في القدرة والقادر المطلق هو الذي يخترع كل موجود اختراعا يتفرد به ~~ويستغني فيه عن معاونة غيره وهو الله تعالى # وأما العبد فله قدرة على الجملة ولكنها ناقصة إذ لا يتناول إلا بعض ~~الممكنات ولا يصلح للاختراع بل الله تعالى هو المخترع لمقدورات العبد ~~بواسطة قدرته مهما هيأ له جميع أسباب الوجود لمقدوره وتحت هذا غور لا يحتمل ~~مثل هذا الكتاب كشفه # | المقدم والمؤخر # هو الذي يقرب ويبعد ومن قربه فقد قدمه ومن أبعده فقد أخره وقد قدم ~~أنبياءه وأولياءه بتقريبهم وهدايتهم وأخر أعداءه بإبعادهم وضرب الحجاب بينه ~~وبينهم والملك إذا قرب شخصين مثلا ولكن جعل أحدهما أقرب إلى نفسه يقال قدمه ~~أي جعله قدام غيره PageV01P134 # والقدام تارة يكون في المكان وتارة يكون في الرتبة وهو مضاف لا محالة إلى ~~متأخر عنه ولا بد فيه من مقصد هو الغاية بالإضافة إليه يتقدم ما يتقدم ~~ويتأخر ما يتأخر والمقصد هو الله سبحانه وتعالى والمقدم ms085 عند الله تعالى هو ~~المقرب فقد قدم الملائكة ثم الأنبياء ثم الأولياء ثم العلماء وكل متأخر فهو ~~مؤخر بالإضافة إلى ما قبله مقدم بالإضافة إلى ما بعده والله سبحانه وتعالى ~~هو المقدم والمؤخر لأنك إذا أحلت تقدمهم وتأخرهم على توفيرهم وتقصيرهم ~~وكمالهم في الصفات ونقصهم فمن الذي حملهم على التوفير بالعلم والعبادة ~~بإثارة دواعيهم ومن الذي حملهم على التقصير بصرف دواعيهم إلى ضد الصراط ~~المستقيم وذلك كله من الله تعالى فهو المقدم والمؤخر والمراد هو التقديم ~~والتأخير في الرتبة وفيه إشارة إلى أنه لم يتقدم من تقدم بعلمه وعمله بل ~~بتقديم الله عز وجل إياه وكذلك المتأخر وقد صرح بذلك قوله تعالى إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون 21 سورة الأنبياء الآية 101 وقوله ~~تعالى ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم 32 سورة ~~السجدة الآية 13 تنبيه # حظ العبد من صفات الأفعال ظاهر فلذلك قد لا نشتغل بإعادته في كل اسم حذرا ~~من التطويل إذ فيما ذكرناه تعريف لطريق الكلام # | الأول والآخر # اعلم أن الأول يكون أولا بالإضافة إلى شيء والآخر يكون آخرا بالإضافة إلى ~~شيء وهما متناقضان فلا يتصور أن يكون الشيء الواحد من وجه واحد بالإضافة ~~إلى شيء واحد أولا وآخرا جميعا بل إذا نظرت إلى PageV01P135 ترتيب الوجود ~~ولاحظت سلسلة الموجودات المترتبة فالله تعالى بالإضافة إليها أول إذ ~~الموجودات كلها استفادت الوجود منه وأما هو فموجود بذاته وما استفاد الوجود ~~من غيره # ومهما نظرت إلى ترتيب السلوك ولاحظت مراتب منازل السائرين إليه فهو آخر ~~إذ هو آخر ما يرتقي إليه درجات العارفين وكل معرفة تحصل قبل معرفته فهي ~~مرقاة إلى معرفته والمنزل الأقصى هو معرفة الله سبحانه وتعالى فهو آخر ~~بالإضافة إلى السلوك أول بالإضافة إلى الوجود فمنه المبدأ أولا وإليه ~~المرجع والمصير آخرا # | الظاهر الباطن # هذان الوصفان أيضا من المضافات فإن الظاهر يكون ظاهرا لشيء وباطنا لشيء ~~ولا يكون من وجه واحد ظاهرا وباطنا بل يكون ظاهرا من ms086 وجه بالإضافة إلى ~~إدراك وباطنا من وجه آخر فإن الظهور والبطون إنما يكون بالإضافة إلى ~~الإدراكات والله سبحانه وتعالى باطن إن طلب من إدراك الحواس وخزانة الخيال ~~ظاهر إن طلب من خزانة العقل بطريق الاستدلال فإن قلت أما كونه باطنا ~~بالإضافة إلى إدراك الحواس فظاهر وأما كونه ظاهرا للعقل فغامض إذ الظاهر ما ~~لا يتمارى فيه ولا يختلف الناس في إدراكه وهذا مما قد وقع فيه الريب الكثير ~~للخلق فكيف يكون ظاهرا فاعلم أنه إنما خفي مع ظهوره لشدة ظهوره فظهوره سبب ~~بطونه ونوره هو حجاب نوره وكل ما جاوز حده انعكس على ضده # ولعلك تتعجب من هذا الكلام وتستبعده ولا تفهمه إلا بمثال # فأقول لو نظرت إلى كلمة واحدة كتبها كاتب لاستدللت بها على كون الكاتب ~~عالما قادرا سميعا بصيرا واستفدت منه اليقين بوجود هذه PageV01P136 الصفات ~~بل لو رأيت كلمة مكتوبة لحصل لك يقين قاطع بوجود كاتب لها عالم قادر سميع ~~بصير حي ولم يدل عليه إلا صورة كلمة واحدة وكما تشهد هذه الكلمة شهادة ~~قاطعة بصفات الكاتب فما من ذرة في السموات والأرض من فلك وكوكب وشمس وقمر ~~وحيوان ونبات وصفة وموصوف إلا وهي شاهدة على نفسها بالحاجة إلى مدبر دبرها ~~وقدرها وخصصها بخصوص صفاتها بل لا ينظر الإنسان إلى عضو من أعضاء نفسه وجزء ~~من أجزائه ظاهرا وباطنا بل إلى صفة من صفاته وحالة من حالاته التي تجري ~~عليه قهرا بغير اختياره إلا ويراها ناطقة بالشهادة لخالقها وقاهرها ومدبرها ~~وكذلك كل ما يدركه بجميع حواسه في ذاته وخارجا من ذاته # ولو كانت الأشياء مختلفة في الشهادة يشهد بعضها ولا يشهد بعضها لكان ~~اليقين حاصلا للجميع ولكن لما كثرت الشهادات حتى اتفقت خفيت وغمضت لشدة ~~الظهور ومثاله أن أظهر الأشياء ما يدرك بالحواس وأظهرها ما يدرك بحاسة ~~البصر وأظهر ما يدرك بحاسة البصر نور الشمس المشرق على الأجسام الذي به ~~يظهر كل شيء فما به يظهر كل شيء كيف لا يكون ظاهرا # وقد أشكل ذلك على خلق كثير ms087 حتى قالوا الأشياء الملونة ليس فيها إلا ~~ألوانها فقط من سواد وحمرة فأما أن يكون فيها مع اللون ضوء ونور مقارن للون ~~فلا وهؤلاء إنما نبهوا على قيام النور بالمتلونات بالتفرقة التي يدركونها ~~بين الظل وموضع النور وبين الليل والنهار فإن الشمس لما تصور غيبتها بالليل ~~واحتجابها بالأجسام المظلمة بالنهار انقطع أثرها عن المتلونات فأدركت ~~التفرقة بين المتأثر المستضيء بها وبين المظلم المحجوب عنها فعرف وجود ~~النور بعدم النور إذا أضيف حالة العدم إلى حالة الوجود فأدركت التفرقة مع ~~بقاء الألوان في الحالتين ولو أطبق نور الشمس كل الأجسام الظاهرة لشخص ولم ~~تغب الشمس حتى يدرك التفرقة لتعذر عليه معرفة كون النور PageV01P137 شيئا ~~موجودا زائدا على الألوان مع أنه أظهر الأشياء بل هو الذي به يظهر جميع ~~الأشياء # ولو تصور لله تعالى وتقدس عدم أو غيبة عن بعض الأمور لانهدت السموات ~~والأرض وكل ما انقطع نوره عنه ولأدركت التفرقة بين الحالتين وعلم وجوده ~~قطعا ولكن لما كانت الأشياء كلها متفقة في الشهادة والأحوال كلها مطردة على ~~نسق واحد كان ذلك سببا لخفائه فسبحان من احتجب عن الخلق بنوره وخفي عليهم ~~بشدة ظهوره فهو الظاهر الذي لا أظهر منه وهو الباطن الذي لا أبطن منه تنبيه # لا تتعجبن من هذا في صفات الله تعالى وتقدس فإن المعنى الذي به الإنسان ~~إنسان ظاهر باطن فإنه ظاهر إن استدل عليه بأفعاله المرتبة المحكمة باطن إن ~~طلب من إدراك الحس فإن الحس إنما يتعلق بظاهر بشرته وليس الإنسان إنسانا ~~بالبشرة المرئية منه بل لو تبدلت تلك البشرة بل سائر أجزائه فهو هو ~~والأجزاء متبدلة ولعل أجزاء كل إنسان بعد كبره غير الأجزاء التي كانت فيه ~~عند صغره فإنها تحللت بطول الزمان وتبدلت بأمثالها بطريق الاغتذاء وهويته ~~لم تتبدل فتلك الهوية باطنة عن الحواس ظاهرة للعقل بطريق الاستدلال عليها ~~بآثارها وأفعالها # | البر # هو المحسن والبر المطلق هو الذي منه كل مبرة وإحسان والعبد إنما يكون برا ~~بقدر ما يتعاطاه من البر ولا سيما بوالديه وأستاذه ms088 وشيوخه # روي أن موسى عليه السلام لما كلمه ربه رأى رجلا قائما عند ساق ~~PageV01P138 العرش فتعجب من علو مكانه فقال يا رب بم بلغ هذا العبد هذا ~~المحل فقال إنه كان لا يحسد عبدا من عبادي على ما آتيته وكان بارا بوالديه ~~هذا بر العبد فأما تفصيل بر الله تعالى وإحسانه إلى خلقه فيطول شرحه وفي ~~بعض ما ذكرناه ما ينبه عليه # | التواب # هو الذي يرجع إلى تيسير أسباب التوبة لعباده مرة بعد أخرى بما يظهر لهم ~~من آياته ويسوق إليهم من تنبيهاته ويطلعهم عليه من تخويفاته وتحذيراته حتى ~~إذا اطلعوا بتعريفه على غوائل الذنوب استشعروا الخوف بتخويفه فرجعوا إلى ~~التوبة فرجع إليهم فصل الله تعالى بالقبول تنبيه # من قبل معاذير المجرمين من رعاياه وأصدقائه ومعارفه مرة بعد أخرى فقد ~~تخلق بهذا الخلق وأخذ منه نصيبا # | المنتقم # هو الذي يقصم ظهور العتاة وينكل بالجناة ويشدد العقاب على الطغاة وذلك ~~بعد الإعذار والإنذار وبعد التمكين والإمهال وهو أشد للانتقام من المعاجلة ~~بالعقوبة فإنه إذا عوجل بالعقوبة لم يمعن في المعصية فلم يستوجب غاية ~~النكال في العقوبة تنبيه # المحمود من انتقام العبد أن ينتقم من أعداء الله تعالى وأعدى الأعداء ~~PageV01P139 نفسه وحقه أن ينتقم منها مهما قارفت معصية أو أخلت بعبادة كما ~~نقل عن أبي يزيد رحمه الله أنه قال تكاسلت نفسي علي في بعض الليالي عن بعض ~~الأوراد فعاقبتها بأن منعتها الماء سنة فهكذا ينبغي أن يسلك سبيل الانتقام # | العفو # هو الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي وهو قريب من الغفور ولكنه أبلغ ~~منه فإن الغفران ينبئ عن الستر والعفو ينبئ عن المحو والمحو أبلغ من الستر ~~تنبيه # وحظ العبد من ذلك لا يخفى وهو أن يعفو عن كل من ظلمه بل يحسن إليه كما ~~يرى الله تعالى محسنا في الدنيا إلى العصاة والكفرة غير معاجل لهم بالعقوبة ~~بل ربما يعفو عنهم بأن يتوب عليهم وإذا تاب عليهم محا سيئاتهم إذ التائب من ~~الذنب كمن لا ذنب له وهذا غاية المحو ms089 للجناية # | الرؤوف # ذو الرأفة والرأفة شدة الرحمة فهو بمعنى الرحيم مع المبالغة فيه وقد سبق ~~الكلام عليه # | مالك الملك # هو الذي ينفذ مشيئته في مملكته كيف شاء وكما شاء إيجادا وإعداما وإبقاء ~~وإفناء والملك هاهنا بمعنى المملكة والمالك بمعنى القادر التام PageV01P140 ~~القدرة والموجودات كلها مملكة واحدة وهو مالكها وقادرها وإنما كانت ~~الموجودات كلها مملكة واحدة لأنها مرتبطة بعضها ببعض فإنها وإن كانت كثيرة ~~من وجه فلها وحدة من وجه ومثاله بدن الإنسان فإنه مملكة لحقيقة الإنسان وهي ~~أعضاء كثيرة مختلفة ولكنها كالمتعاونة على تحقيق غرض مدبر واحد فكانت مملكة ~~واحدة فكذلك العالم كله كشخص واحد وأجزاء العالم كأعضائه وهي متعاونة على ~~مقصود واحد وهو إتمام غاية الخير الممكن وجوده على ما اقتضاه الجود الإلهي ~~ولأجل انتظامها على ترتيب متسق وارتباطها برابطة واحدة كانت مملكة واحدة ~~والله تعالى مالكها فقط # ومملكة كل عبد بدنه خاصة فإذا نفذت مشيئته في صفات قلبه وجوارحه فهو مالك ~~مملكة نفسه بقدر ما أعطي من القدرة عليها # | ذو الجلال والإكرام # هو الذي لا جلال ولا كمال إلا وهو له ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهي صادرة ~~منه فالجلال له في ذاته والكرامة فائضة منه على خلقه وفنون إكرامه خلقه لا ~~تكاد تنحصر وتتناهى وعليه دل قوله تعالى ولقد كرمنا بني آدم 17 سورة ~~الإسراء الآية 70 # | الوالي # هو الذي دبر أمور الخلق ووليها أي تولاها وكان مليا بولايتها وكأن ~~الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل وما لم يجتمع جميع ذلك فيه لم ينطلق ~~اسم الوالي عليه ولا والي للأمور إلا الله سبحانه وتعالى فإنه المتفرد ~~بتدبيرها أولا والمنفذ للتدبير بالتحقيق ثانيا والقائم عليها بالإدامة ~~والإبقاء ثالثا PageV01P141 # | المتعالي # بمعنى العلي مع نوع من المبالغة وقد سبق معناه # | المقسط # هو الذي ينتصف للمظلوم من الظالم وكما له في أن يضيف إلى إرضاء المظلوم ~~إرضاء الظالم وذلك غاية العدل والإنصاف ولا يقدر عليه إلا الله سبحانه ~~وتعالى # ومثاله ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بينما هو جالس ms090 إذ ضحك حتى ~~بدت ثناياه فقال عمر رضي الله عنه بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما الذي ~~أضحكك قال رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة فقال أحدهما يا رب خذ لي ~~مظلمتي من هذا فقال الله عز وجل رد على أخيك مظلمته فقال يا رب لم يبق لي ~~من حسناتي شيء فقال عز وجل للطالب كيف تصنع بأخيك لم يبق من حسناته شيء ~~فقال يا رب فليحمل عني من أوزاري ثم فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالبكاء وقال إن ذلك ليوم عظيم يوم يحتاج الناس إلى أن يحمل عنهم من ~~أوزارهم قال فيقول الله عز وجل للمتظلم ارفع بصرك فانظر في الجنان فقال يا ~~رب أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا أو لأي صديق ~~أو لأي شهيد قال الله عز وجل هذا لمن أعطى الثمن قال يا رب ومن يملك ذلك ~~قال أنت تملكه قال بماذا يا رب قال بعفوك عن أخيك قال يا رب قد عفوت عنه ~~قال الله عز وجل خذ بيد أخيك فأدخله الجنة ثم قال صلى الله عليه وسلم اتقوا ~~الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله تبارك وتعالى يصلح بين المؤمنين يوم ~~القيامة PageV01P142 # فهذا سبيل الانتصاف والإنصاف ولا يقدر على مثله إلا رب الأرباب وأوفر ~~العباد حظا من هذا الاسم من ينتصف أولا من نفسه ثم لغيره من غيره ولا ينتصف ~~لنفسه من غيره # | الجامع # هو المؤلف بين المتماثلات والمتباينات والمتضادات # أما جمع الله المتماثلات فكجمعه الخلق الكثير من الإنس على ظهر الأرض ~~وكحشره إياهم في صعيد القيامة # وأما المتباينات فكجمعه بين السموات والكواكب والهواء والأرض والبحار ~~والحيوانات والنبات والمعادن المختلفة كل ذلك متباين الأشكال والألوان ~~والطعوم والأوصاف وقد جمعها في الأرض وجمع بين الكل في العالم وكذلك جمعه ~~بين العظم والعصب والعرق والعضلة والمخ والبشرة والدم وسائر الأخلاط في بدن ~~الحيوان # وأما المتضادات فكجمعه بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة في أمزجة ~~الحيوانات وهي ms091 متنافرات متعاديات وذلك أبلغ وجوه الجمع # وتفصيل جمعه لا يعرفه إلا من يعرف تفصيل مجموعاته في الدنيا والآخرة وكل ~~ذلك مما يطول شرحه تنبيه # الجامع من العباد من جمع بين الآداب الظاهرة في الجوارح وبين الحقائق ~~الباطنة في القلوب فمن كملت معرفته وحسنت سيرته فهو الجامع ولذلك قيل ~~الكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه وكان الجمع بين الصبر PageV01P143 ~~والبصيرة متعذر لذلك ترى صبورا على الزهد والورع لا بصيرة له وترى ذا بصيرة ~~لا صبر له والجامع من جمع بين الصبر والبصيرة والسلام # | الغني المغني # الغني هو الذي لا تعلق له بغيره لا في ذاته ولا في صفات ذاته بل يكون ~~منزها عن العلاقة مع الأغيار فمن تتعلق ذاته أو صفات ذاته بأمر خارج من ~~ذاته يتوقف عليه وجوده أو كماله فهو فقير محتاج إلى الكسب ولا يتصور ذلك ~~إلا لله سبحانه وتعالى # والله عز وجل هو المغني أيضا ولكن الذي أغناه لا يتصور أن يصير بإغنائه ~~غنيا مطلقا فإن أقل أموره أنه محتاج إلى المغني فلا يكون غنيا بل يستغني عن ~~غير الله بأن يمده بما يحتاج إليه لا بأن يقطع عنه أصل الحاجة والغني ~~الحقيقي هو الذي لا حاجة له إلى أحد أصلا والذي يحتاج ومعه ما يحتاج فهو ~~غني بالمجاز وهو غاية ما يدخل في الإمكان في حق غير الله سبحانه وتعالى # وأما فقد الحاجة فلا ولكن إذا لم يبق حاجة إلا إلى الله تعالى سمي غنيا ~~ولو لم يبق له أصل الحاجة لما صح قوله تعالى والله الغني وأنتم الفقراء 47 ~~سورة محمد الآية 38 ولولا أنه يتصور أن يستغني عن كل شيء سوى الله عز وجل ~~لما صح لله تعالى وصف المغني # | المانع # هو الذي يرد أسباب الهلاك والنقصان في الأديان والأبدان بما يخلقه من ~~الأسباب المعدة للحفظ وقد سبق معنى الحفيظ وكل حفظ فمن ضرورته PageV01P144 ~~منع ودفع فمن فهم معنى الحفيظ فهم معنى المانع والمنع إضافة إلى السبب ~~المهلك والحفظ إضافة إلى المحروس ms092 عن الهلاك وهو مقصود المنع وغايته إذ ~~المنع يراد للحفظ والحفظ لا يراد للمنع فكل حافظ مانع وليس كل مانع حافظا ~~إلا إذا كان مانعا مطلقا لجميع أسباب الهلاك والنقص حتى يحصل الحفظ من ~~ضرورته # | الضار النافع # هو الذي يصدر منه الخير والشر والنفع والضر وكل ذلك منسوب إلى الله تعالى ~~إما بواسطة الملائكة والإنس والجمادات أو بغير واسطة فلا تظنن أن السم يقتل ~~ويضر بنفسه وأن الطعام يشبع وينفع بنفسه وأن الملك والإنسان والشيطان أو ~~شيئا من المخلوقات من فلك أو كوكب أو غيرهما يقدر على خير أو شر أو نفع أو ~~ضر بنفسه بل كل ذلك أسباب مسخرة لا يصدر منها إلا ما سخرت له # وجملة ذلك بالإضافة إلى القدرة الأزلية كالقلم بالإضافة إلى الكاتب في ~~اعتقاد العامي وكما أن السلطان إذا وقع بكرامة أو عقوبة لم ير ضرر ذلك ولا ~~نفعه من القلم بل من الذي القلم مسخر له فكذلك سائر الوسائط والأسباب وإنما ~~قلنا في اعتقاد العامي لأن الجاهل هو الذي يرى القلم مسخرا للكاتب والعارف ~~يعلم أنه مسخر في يده لله سبحانه وتعالى وهو الذي الكاتب مسخر له فإنه مهما ~~خلق الكاتب وخلق له القدرة وسلط القدرة وسلط عليه الداعية الجازمة التي لا ~~تردد فيها صدر منه حركة الأصابع والقلم لا محالة شاء أم أبى بل لا يمكنه أن ~~لا يشاء فإذا الكاتب بقلم الإنسان ويده هو الله تعالى وإذا عرفت هذا في ~~الحيوان المختار فهو في الجماد أظهر PageV01P145 # | النور # هو الظاهر الذي به كل ظهور فإن الظاهر في نفسه المظهر لغيره يسمى نورا ~~ومهما قوبل الوجود بالعدم كان الظهور لا محالة للوجود ولا ظلام أظلم من ~~العدم فالبريء عن ظلمة العدم بل عن إمكان العدم المخرج كل الأشياء من ظلمة ~~العدم إلى ظهور الوجود جدير بأن يسمى نورا والوجود نور فائض على الأشياء ~~كلها من نور ذاته فهو نور السموات والأرض وكما أنه لا ذرة من نور الشمس إلا ~~وهي دالة على وجود الشمس ms093 المنورة فلا ذرة من موجودات السموات والأرض وما ~~بينهما إلا وهي بجواز وجودها دالة على وجوب وجود موجدها وما ذكرناه في معنى ~~الظاهر يفهمك معنى النور ويغنيك عن التعسفات المذكورة في معناه # | الهادي # هو الذي هدى خواص عباده أولا إلى معرفة ذاته حتى استشهدوا بها على ~~الأشياء وهدى عوام عباده إلى مخلوقاته حتى استشهدوا بها على ذاته وهدى كل ~~مخلوق إلى ما لا بد له منه في قضاء حاجاته فهدى الطفل إلى التقام الثدي عند ~~انفصاله والفرخ إلى التقاط الحب وقت خروجه والنحل إلى بناء بيته على شكل ~~التسديس لكونه أوفق الأشكال لبدنه وأحواها وأبعدها عن أن يتخللها فرج ضائعة ~~وشرح ذلك يطول وعنه عبر قوله تعالى الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى 20 سورة ~~طه الآية 50 وقال تعالى والذي قدر فهدى 87 سورة الأعلى الآية 3 # والهداة من العباد الأنبياء والعلماء الذين أرشدوا الخلق إلى السعادة ~~الأخروية وهدوهم إلى صراط الله المستقيم بل الله الهادي لهم على ألسنتهم ~~وهم مسخرون تحت قدرته وتدبيره PageV01P146 # | البديع # هو الذي لا عهد بمثله فإن لم يكن بمثله عهد لا في ذاته ولا في صفاته ولا ~~في أفعاله ولا في كل أمر راجع إليه فهو البديع المطلق وإن كان شيء من ذلك ~~معهودا فليس ببديع مطلق ولا يليق هذا الاسم مطلقا إلا بالله سبحانه وتعالى ~~فإنه ليس له قبل فيكون مثله معهودا قبله وكل موجود بعده فحاصل بإيجاده وهو ~~غير مناسب لموجده فهو بديع أزلا وأبدا # وكل عبد اختص بخاصية في النبوة أو الولاية أو العلم لم يعهد مثلها إما في ~~سائر الأوقات وإما في عصره فهو بديع بالإضافة إلى ما هو منفرد به وفي الوقت ~~الذي هو منفرد فيه # | الباقي # هو الموجود الواجب وجوده بذاته ولكنه إذا أضيف في الذهن إلى الاستقبال ~~سمي باقيا وإذا أضيف إلى الماضي سمي قديما والباقي المطلق هو الذي لا ينتهي ~~تقدير وجوده في الاستقبال إلى آخر ويعبر عنه بأنه أبدي # والقديم المطلق هو الذي لا ms094 ينتهي تمادي وجوده في الماضي إلى أول ويعبر ~~عنه بأنه أزلي وقولك واجب الوجود بذاته متضمن لجميع ذلك وإنما هذه الأسامي ~~بحسب إضافة هذا الوجود في الذهن إلى الماضي والمستقبل # وإنما يدخل في الماضي والمستقبل المتغيرات لأنهما عبارتان عن الزمان ولا ~~يدخل في الزمان إلا التغير والحركة إذ الحركة إنما تنقسم إلى ماض ومستقبل ~~والمتغير يدخل في الزمان بواسطة التغير فما جل عن التغير والحركة فليس في ~~زمان فليس فيه ماض ومستقبل فلا ينفصل فيه القدم عن البقاء بل الماضي ~~والمستقبل إنما يكون لنا إذ مضى علينا وفينا أمور وستتجدد أمور ولا بد من ~~أمور تحدث شيئا بعد شيء حتى تنقسم إلى ماض قد انعدم وانقطع وإلى راهن حاضر ~~وإلى ما يتوقع تجدده من بعد فحيث لا تجدد ولا انقضاء فلا زمان PageV01P147 # وكيف لا والحق سبحانه وتعالى قبل الزمان وحيث خلق الزمان لم يتغير من ~~ذاته شيء وقبل خلق الزمان لم يكن للزمان عليه جريان وبقي بعد خلق الزمان ~~على ما عليه كان ولقد أبعد من قال البقاء صفة زائدة على ذات الباقي وأبعد ~~منه من قال القدم وصف زائد على ذات القديم وناهيك برهانا على فساده ما لزمه ~~من الخبط في بقاء البقاء وبقاء الصفات وقدم القدم وقدم الصفات # | الوارث # هو الذي يرجع إليه الأملاك بعد فناء الملاك وذلك هو الله سبحانه وتعالى ~~إذ هو الباقي بعد فناء الخلق وإليه مرجع كل شيء ومصيره وهو القائل إذ ذاك ~~لمن الملك اليوم 40 سورة غافر الآية 16 وهو المجيب لله الواحد القهار 40 ~~سورة غافر الآية 16 وهذا بحسب ظن الأكثرين إذ يظنون لأنفسهم ملكا وملكا ~~فينكشف لهم ذلك اليوم حقيقة الحال وهذا النداء عبارة عن حقيقة ما ينكشف لهم ~~في ذلك الوقت # فأما أرباب البصائر فإنهم أبدا مشاهدون لمعنى هذا النداء سامعون له من ~~غير صوت ولا حرف موقنون بأن الملك لله الواحد القهار في كل يوم وفي كل ساعة ~~وفي كل لحظة وكذلك كان أزلا وأبدا وهذا إنما ms095 يدركه من أدرك حقيقة التوحيد ~~في الفعل وعلم أن المنفرد بالفعل في الملك والملكوت واحد وقد أشرنا إلى ذلك ~~في أول كتاب التوكل من كتاب إحياء علوم الدين فليطلب منه فإن هذا الكتاب لا ~~يحتمله # | الرشيد # هو الذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سنن السداد من غير إشارة مشير ~~وتسديد مسدد وإرشاد مرشد وهو الله سبحانه وتعالى PageV01P148 # ورشد كل عبد بقدر هدايته في تدابيره إلى ما يشاكل الصواب من مقاصده ودينه ~~ودنياه # | الصبور # هو الذي لا تحمله العجلة على المسارعة إلى الفعل قبل أوانه بل ينزل ~~الأمور بقدر معلوم ويجريها على سنن محدود لا يؤخرها على آجالها المقدورة ~~لها تأخير متكاسل ولا يقدمها على أوقاتها تقديم مستعجل بل يودع كل شيء في ~~أوانه على الوجه الذي يجب أن يكون وكما ينبغي وكل ذلك من غير مقاساة داع ~~على مضادة الإرادة # وأما صبر العبد فلا يخلو عن مقاساة لأن معنى صبره هو ثبات داعي الدين أو ~~العقل في مقابلة داعي الشهوة أو الغضب فإذا تجاذبه داعيان متضادان فدفع ~~الداعي إلى الإقدام والمبادرة ومال إلى باعث التأخير سمي صبورا إذ جعل باعث ~~العجلة مقهورا وباعث العجلة في حق الله سبحانه معدوم فهو أبعد عن العجلة ~~ممن باعثه موجود ولكنه مقهور فهو أحق بهذا الاسم بعد أن أخرجت عن الاعتبار ~~تناقض البواعث ومصابرتها بطريق المجاهدة PageV01P149 # | خاتمة لهذا الفصل واعتذار # اعلم أنه إنما حملني على ذكر هذه التنبيهات ردف هذه الأسامي والصفات قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلقوا بأخلاق الله تعالى وقوله عليه الصلاة ~~والسلام إن لله كذا وكذا خلقا من تخلق بواحد منها دخل الجنة وما تداولته ~~ألسنة الصوفية من كلمات تشير إلى ما ذكرناه لكن على وجه يوهم عند غير ~~المحصل شيئا من معنى الحلول والاتحاد وذلك غير مظنون بعاقل فضلا عن ~~المتميزين بخصائص المكاشفات ولقد سمعت الشيخ أبا علي الفارمذي يحكي عن شيخه ~~أبي القاسم الكركاني قدس الله روحهما أنه قال إن الأسماء التسعة والتسعين ~~تصير أوصافا للعبد السالك ms096 وهو بعد في السلوك غير واصل وهذا الذي ذكره إن ~~أراد به شيئا يناسب ما أوردناه فهو صحيح ولا يظن به إلا ذلك ويكون في اللفظ ~~نوع من التوسع والاستعارة فإن معاني الأسماء هي صفات الله تعالى وصفاته لا ~~تصير صفة لغيره ولكن معناه أنه يحصل له ما يناسب تلك الأوصاف كما يقال فلان ~~حصل علم أستاذه وعلم الأستاذ لا يحصل للتلميذ بل يحصل له مثل علمه # وإن ظن ظان أن المراد به ليس ما ذكرناه فهو باطل قطعا فإني أقول قول ~~القائل إن معاني أسماء الله سبحانه وتعالى صارت أوصافا له لا يخلو إما أن ~~يعني به عين تلك الصفات أو مثلها فإن عنى به مثلها فلا يخلو إما عنى به ~~مثلها مطلقا من كل وجه وإما أنه عنى به مثلها من حيث الاسم والمشاركة في ~~PageV01P150 عموم الصفات دون خواص المعاني فهذان قسمان وإن عنى به عينها ~~فلا يخلو إما أن يكون بطريق انتقال الصفات من الرب إلى العبد أو لا انتقال ~~فإن لم يكن بالانتقال فلا يخلو إما أن يكون باتحاد ذات العبد بذات الرب حتى ~~يكون هو هو فتكون صفاته وإما أن يكون بطريق الحلول وهذه أقسام ثلاثة وهو ~~الانتقال والاتحاد والحلول وقسمان مقدمان # فهذه خمسة أقسام الصحيح منها قسم واحد وهو أن يثبت للعبد من هذه الصفات ~~أمور تناسبها على الجملة وتشاركها في الاسم ولكن لا تماثلها مماثلة تامة ~~كما ذكرناه في التنبيهات # وأما القسم الثاني وهو أن يثبت له أمثالها على التحقيق فمحال فإن من ~~جملته أن يكون له علم محيط بجميع المعلومات حتى لا يعزب عنه ذرة في الأرض ~~ولا في السموات وأن يكون له قدرة واحدة تشمل جميع المخلوقات حتى يكون هو ~~بها خالق الأرض والسموات وما بينهما وكيف يتصور هذا لغير الله تعالى وكيف ~~يكون العبد خالق السموات والأرض وما بينها وهو من جملة ما بينهما فكيف يكون ~~خالق نفسه ثم إن ثبتت هذه الصفات لعبدين يكون كل واحد منهما خالق صاحبه ms097 ~~فيكون كل واحد خالقا من خلقه وكل ذلك ترهات ومحالات # وأما القسم الثالث وهو انتقال عين صفات الربوبية فهو أيضا محال لأن ~~الصفات يستحيل مفارقتها للموصوفات وهذا لا يختص بالذات القديمة بل لا يتصور ~~أن ينتقل عين علم زيد إلى عمرو بل لا قيام للصفات إلا بخصوص الموصوفات ولأن ~~الانتقال يوجب فراغ المنتقل عنه فيوجب أن تعرى الذات التي عنها انتقال ~~الصفات الربوبية فتعرى عن الربوبية وصفاتها وذلك أيضا ظاهر الاستحالة ~~PageV01P151 # وأما القسم الرابع وهو الاتحاد فذلك أيضا أظهر بطلانا لأن قول القائل إن ~~العبد صار هو الرب كلام متناقض في نفسه بل ينبغي أن ينزه الرب سبحانه ~~وتعالى عن أن يجري اللسان في حقه بأمثال هذه المحالات ونقول قولا مطلقا إن ~~قول القائل إن شيئا صار شيئا آخر محال على الإطلاق لأنا نقول إذا عقل زيد ~~وحده وعمرو وحده ثم قيل إن زيدا صار عمروا واتحد به فلا يخلو عند الاتحاد ~~إما أن يكون كلاهما موجودين أو كلاهما معدومين أو زيد موجودا وعمرو معدوما ~~أو بالعكس ولا يمكن قسم وراء هذه الأربعة # فإن كانا موجودين فلم يصر عين أحدهما عين الآخر بل عين كل واحد منهما ~~موجود وإنما الغاية أن يتحد مكانهما وذلك لا يوجب الاتحاد فإن العلم ~~والإرادة والقدرة قد تجتمع في ذات واحدة ولا تتباين محالها ولا تكون القدرة ~~هي العلم ولا الإرادة ولا يكون قد اتحد البعض بالبعض # وإن كان معدومين فما اتحدا بل عدما ولعل الحادث شيء ثالث # وإن كان أحدهما معدوما والآخر موجودا فلا اتحاد إذ لا يتحد موجود بمعدوم # فالاتحاد بين شيئين مطلقا محال وهذا جار في الذوات المتماثلة فضلا عن ~~المختلفة فإنه يستحيل أن يصير هذا السواد ذاك السواد كما يستحيل أن يصير ~~هذا السواد ذلك البياض أو ذلك العلم والتباين بين العبد والرب أعظم من ~~التباين بين السواد والبياض والجهل والعلم # فأصل الاتحاد إذا باطل وحيث يطلق الاتحاد ويقال هو هو لا يكون إلا بطريق ~~التوسع والتجوز اللائق بعادة الصوفية والشعراء ms098 فإنهم لأجل تحسين موقع ~~الكلام من الإفهام يسلكون سبيل الاستعارة كما يقول الشاعر PageV01P152 # أنا من أهوى ومن أهوى أنا % نحن روحان حللنا بدنا # وذلك مؤول عند الشاعر فإنه لا يعني به أنه هو تحقيقا بل كأنه هو فإنه ~~مستغرق الهم به كما يكون هو مستغرق الهم بنفسه فيعبر عن هذه الحالة ~~بالاتحاد على سبيل التجوز # وعليه ينبغي أن يحمل قول أبي يزيد رحمه الله حيث قال انسلخت من نفسي كما ~~تنسلخ الحية من جلدها فنظرت فإذا أنا هو ويكون معناه أن من ينسلخ من شهوات ~~نفسه وهواها وهمها فلا يبقى فيه متسع لغير الله ولا يكون له همة سوى الله ~~سبحانه وتعالى وإذا لم يحل في القلب إلا جلال الله وجماله حتى صار مستغرقا ~~به يصير كأنه هو لا أنه هو تحقيقا وفرق بين قولنا كأنه هو وبين قولنا هو هو ~~لكن قد يعبر بقولنا هو هو عن قولنا كأنه هو كما أن الشاعر تارة يقول كأني ~~من أهوى وتارة يقول أنا من أهوى وهذه مزلة قدم فإن من ليس له قدم راسخ في ~~المعقولات ربما لم يتميز له أحدهما عن الآخر فينظر إلى كمال ذاته وقد تزين ~~بما تلألأ فيه من حلية الحق فيظن أنه هو فيقول أنا الحق # وهو غالط غلط النصارى حيث رأوا ذلك في ذات المسيح عيسى عليه السلام ~~فقالوا هو الإله بل هو غلط من ينظر إلى مرآة قد انطبع فيها صورة متلونة ~~بتلونه فيظن أن تلك الصورة هي صورة المرآة وأن ذلك اللون لون المرآة وهيهات ~~بل المرآة في ذاتها لا لون لها وشأنها قبول صور الألوان على وجه يتخايل إلى ~~الناظرين إلى ظاهر الأمور أن ذلك صورة المرآة حتى إن الصبي إذا رأى إنسانا ~~في المرآة ظن أن الإنسان في المرآة فكذلك القلب خال عن الصور في نفسه وعن ~~الهيئات وإنما هيآته قبول معاني الهيئات والصور والحقائق فما يحله يكون ~~كالمتحد به لا أنه متحد به تحقيقا ومن لا يعرف PageV01P153 الزجاج والخمر ~~إذا ms099 رأى زجاجة فيها خمر لا يدرك تباينهما فتارة يقول لا خمر وتارة يقول لا ~~زجاجة كما عبر عنه الشاعر حيث قال # رق الزجاج وراقت الخمر % فتشابها فتشاكل الأمر # فكأنما خمر ولا قدح % وكأنما قدح ولا خمر # وقول من قال منهم أنا الحق فإما أن يكون معناه معنى قول الشاعر # أنا من أهوى ومن أهوى أنا % # وإما أن يكون قد غلط في ذلك كما غلط النصارى في ظنهم اتحاد اللاهوت ~~بالناسوت # وقول أبي يزيد رحمه الله إن صح عنه سبحاني ما أعظم شأني إما أن يكون ذلك ~~جاريا على لسانه في معرض الحكاية عن الله عز وجل كما لو سمع وهو يقول لا ~~إله إلا أنا فاعبدني لكان يحمل على الحكاية وإما أن يكون قد شاهد كمال حظه ~~من صفة القدس على ما ذكرنا في الترقي بالمعرفة عن الموهومات والمحسوسات ~~وبالهمة عن الحظوظ والشهوات فأخبر عن قدس نفسه وقال سبحاني ورأى عظم شأنه ~~بالإضافة إلى شأن عموم الخلق فقال ما أعظم شأني وهو مع ذلك يعلم أن قدسه ~~وعظم شأنه بالإضافة إلى الخلق ولا نسبة له إلى قدس الرب تعالى وتقدس وعظم ~~شأنه ويكون قد جرى هذا اللفظ في سكره وغلبات حاله فإن الرجوع إلى الصحو ~~واعتدال الحال يوجب حفظ اللسان عن الألفاظ الموهمة وحال السكر ربما لا ~~يحتمل ذلك فإن جاوزت هذين التأويلين إلى الاتحاد فذلك محال قطعا فلا ينظر ~~إلى مناصب الرجال حتى يصدق بالمحال بل ينبغي أن يعرف الرجال بالحق لا الحق ~~بالرجال # وأما القسم الخامس وهو الحلول فذلك يتصور أن يقال إن الرب PageV01P154 ~~تبارك وتعالى حل في العبد أو العبد حل في الرب تعالى رب الأرباب عن قول ~~الظالمين وهذا لو صح لما أوجب الاتحاد ولا أن يتصف العبد بصفات الرب فإن ~~صفات الحال لا تصير صفة المحل بل تبقى صفة للحال كما كان ووجه استحالة ~~الحلول لا يفهم إلا بعد فهم معنى الحلول فإن المعاني المفردة إذا لم تدرك ~~بطريق التصور لم يمكن أن يفهم نفيها ms100 أو إثباتها فمن لا يدري معنى الحلول ~~فمن أين يدري أن الحلول موجود أو محال # فنقول المفهوم من الحلول أمران # أحدهما النسبة التي بين الجسم وبين مكانه الذي يكون فيه وذلك لا يكون إلا ~~بين جسمين فالبريء عن معنى الجسمية يستحيل في حقه ذلك # والثاني النسبة التي بين العرض والجوهر فإن العرض يكون قوامه بالجوهر فقد ~~يعبر عنه بأنه حال فيه وذلك محال على كل ما قوامه بنفسه فدع عنك ذكر الرب ~~تعالى وتقدس في هذا المعرض فإن كل ما قوامه بنفسه يستحيل أن يحل فيما قوامه ~~بنفسه إلا بطريق المجاورة الواقعة بين الأجسام فلا يتصور الحلول بين عبدين ~~فكيف يتصور بين العبد والرب # وإذا بطل الحلول والانتقال والاتحاد والاتصاف بأمثال صفات الله سبحانه ~~وتعالى على سبيل الحقيقة لم يبق لقولهم معنى إلا ما أشرنا إليه في ~~التنبيهات وذلك يمنع من إطلاق القول بأن معاني أسماء الله تعالى تصير ~~أوصافا للعبد إلا على نوع من التقييد خال عن الإيهام وإلا فمطلق هذا اللفظ ~~موهم # فإن قلت فما معنى قوله إن العبد مع الاتصاف بجميع ذلك سالك لا واصل فما ~~معنى السلوك وما معنى الوصول على رأي هذا القائل فاعلم أن السلوك هو تهذيب ~~الأخلاق والأعمال والمعارف وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن والعبد في ~~جميع ذلك مشغول بنفسه عن ربه سبحانه وتعالى إلا أنه PageV01P155 مشتغل ~~بتصفية باطنه ليستعد للوصول وإنما الوصول هو أن ينكشف له جلية الحق ويصير ~~مستغرقا به فإن نظر إلى معرفته فلا يعرف إلا الله وإن نظر إلى همته فلا همة ~~له سواه فيكون كله مشغولا بكله مشاهدة وهما لا يلتفت في ذلك إلى نفسه ليعمر ~~ظاهره بالعبادة أو باطنه بتهذيب الأخلاق وكل ذلك طهارة وهي البداية وإنما ~~النهاية أن ينسلخ من نفسه بالكلية ويتجرد له فيكون كأنه هو وذلك هو الوصول ~~عنده # فإن قلت كلمات الصوفية بناء على مشاهدات انفتحت لهم في طور الولاية ~~والعقل يقصر عن درك ذلك وما ذكرتموه تصرف ببضاعة العقل فاعلم أنه لا ms101 يجوز ~~أن يظهر في طور الولاية ما يقضي العقل باستحالته نعم يجوز أن يظهر ما يقصر ~~العقل عنه بمعنى أنه لا يدركه بمجرد العقل مثاله أنه يجوز أن يكاشف الولي ~~بأن فلانا سيموت غدا ولا يدرك ذلك ببضاعة العقل بل يقصر العقل عنه ولا يجوز ~~أن يكاشف بأن الله سبحانه وتعالى غدا سيخلق مثل نفسه فإن ذلك يحيله العقل ~~لا أنه يقصر عنه وأبعد من ذلك أن يقول إن الله تبارك وتعالى سيجعلني مثل ~~نفسه وأبعد منه أن يقول إن الله عز وجل سيصيرني نفسه أي أصير أنا هو لأن ~~معناه أني حادث والله تعالى وتقدس يجعلني قديما ولست خالق السموات والأرضين ~~والله يجعلني خالق السموات والأرضين وهذا معنى قوله نظرت فإذا أنا هو إذا ~~لم يؤول ومن صدق بمثل هذا فقد انخلع عن غريزة العقل ولم يتميز عنده ما يعلم ~~عما لا يعلم فليصدق بأنه يجوز أن يكاشف ولي بأن الشريعة باطلة وأنها إن ~~كانت حقا فقد قلبها الله باطلا وأنه جعل جميع أقاويل الأنبياء كذبا وإن من ~~قال يستحيل أن ينقلب الصدق كذبا فإنما يقوله ببضاعة العقل فإن انقلاب الصدق ~~كذبا ليس بأبعد من انقلاب الحادث قديما والعبد ربا ومن لم يفرق بين ما ~~أحاله العقل وبين ما لا يناله العقل فهو أخس من أن يخاطب فليترك وجهله ~~PageV01P156 # | الفصل الثاني من المقاصد والغايات في بيان وجه رجوع هذه الأسامي ~~الكثيرة إلى ذات وسبع صفات على مذهب أهل السنة # لعلك تقول هذه أسماء كثيرة وقد منعت الترادف فيها وأوجبت أن يتضمن كل ~~واحد معنى آخر فكيف يرجع جميعها إلى سبع صفات فاعلم أن الصفات إن كانت سبعا ~~فالأفعال كثيرة والإضافات كثيرة والسلوب كثيرة ويكاد يخرج جميع ذلك عن ~~الحصر ثم يمكن التركيب من مجموع صفتين أو صفة وإضافة أو صفة وسلب أو سلب ~~وإضافة ويوضع بإزائه اسم فتكثر الأسامي بذلك وكان مجموعها يرجع إلى ما يدل ~~منها على الذات أو على الذات مع سلب أو على الذات مع إضافة ms102 أو على الذات مع ~~سلب وإضافة أو على واحد من الصفات السبع أو على صفة وسلب أو على صفة وإضافة ~~أو على صفة فعل أو على صفة فعل وإضافة أو سلب فهذه عشرة أقسام # الأول ما يدل على الذات كقولك الله ويقرب منه اسم الحق إذا أريد به الذات ~~من حيث هي واجبة الوجود # الثاني ما يدل على الذات مع سلب مثل القدوس والسلام والغني والأحد ~~ونظائره فإن القدوس هو المسلوب عنه كل ما يخطر بالبال ويدخل في الوهم ~~والسلام هو المسلوب عنه العيوب والغني هو المسلوب عنه الحاجة والأحد هو ~~المسلوب عنه النظير والقسمة PageV01P157 # الثالث ما يرجع إلى الذات مع إضافة كالعلي والعظيم والأول والآخر والظاهر ~~والباطن ونظائره فإن العلي هو الذات التي هي فوق سائر الذوات في المرتبة ~~فهي إضافة والعظيم يدل على الذات من حيث تجاوز حدود الإدراكات والأول هو ~~السابق على الموجودات والآخر هو الذي إليه مصير الموجودات والظاهر هو الذات ~~بالإضافة إلى دلالة العقل والباطن هو الذات مضافة إلى إدراك الحس والوهم ~~وقس على هذا غيره # الرابع ما يرجع إلى الذات مع سلب وإضافة كالملك والعزيز فإن الملك يدل ~~على ذات لا تحتاج إلى شيء ويحتاج إليه كل شيء والعزيز هو الذي لا نظير له ~~وهو ما يصعب نيله والوصول إليه # الخامس ما يرجع إلى صفة كالعليم والقادر والحي والسميع والبصير # السادس ما يرجع إلى العلم مع إضافة كالخبير والشهيد والحكيم والمحصي فإن ~~الخبير يدل على العلم مضافا إلى الأمور الباطنة والشهيد يدل على العلم ~~مضافا إلى ما يشاهد والحكيم يدل على العلم مضافا إلى أشرف المعلومات ~~والمحصي يدل على العلم من حيث يحيط بمعلومات محصورة معدودة التفصيل # السابع ما يرجع إلى القدرة مع زيادة إضافة كالقهار والقوي والمقتدر ~~والمتين فإن القوة هي تمام القدرة والمتانة شدتها والقهر تأثيرها في ~~المقدور بالغلبة # الثامن ما يرجع إلى الإرادة مع إضافة أو مع فعل كالرحمن والرحيم والرؤوف ~~والودود فإن الرحمة ترجع إلى الإرادة مضافة إلى قضاء حاجة ms103 المحتاج الضعيف ~~والرأفة شدة الرحمة وهي مبالغة في الرحمة والود يرجع إلى الإرادة مضافا إلى ~~الإحسان والإنعام وفعل الرحيم يستدعي محتاجا وفعل الودود PageV01P158 لا ~~يستدعي ذلك بل الإنعام على سبيل الابتداء يرجع إلى الإرادة مضافا إلى ~~الإحسان وقضاء حاجة الضعيف وقد عرفت وجه ذلك فيما تقدم # التاسع ما يرجع إلى صفات الفعل كالخالق والبارئ والمصور والوهاب والرزاق ~~والفتاح والقابض والباسط والخافض والرافع والمعز والمذل والعدل والمغيث ~~والمجيب والواسع والباعث والمبدئ والمعيد والمحيي والمميت والمقدم والمؤخر ~~والوالي والبر والتواب والمنتقم والمقسط والجامع والمانع والمغني والهادي ~~ونظائره # العاشر ما يرجع إلى الدلالة على الفعل مع زيادة كالمجيد والكريم واللطيف ~~فإن المجيد يدل على سعة الإكرام مع شرف الذات والكريم كذلك واللطيف يدل على ~~الرفق في الفعل # فلا تخرج هذه الأسامي وغيرها عن مجموع هذه الأقسام العشرة فقس بما ~~أوردناه ما لم نورده فإن ذلك يدل على وجه خروج الأسامي عن الترادف مع ~~رجوعها إلى هذه الصفات المحصورة المشهورة PageV01P159 # | الفصل الثالث في بيان كيفية رجوع ذلك كله إلى ذات واحدة على مذهب ~~المعتزلة والفلاسفة # وهذا الفصل وإن كان لا يليق بهذا الكتاب ولكن أودعته هذه الكلمات على ~~الإيجاز بحكم الالتماس فمن شاء أن لا يثبته في الكتاب فليفعل فإنه غير مهم ~~في هذا الكتاب # فأقول هؤلاء وإن أنكروا الصفات ولم يثبتوا إلا ذاتا واحدة فلم ينكروا ~~الأفعال ولا كثرة السلوب ولا كثرة الإضافات فما رددناه من الأسامي إلى هذه ~~الأقسام فهم عليها مساعدون # أما الصفات السبع التي هي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر ~~والكلام فيرجع جميع ذلك عندهم إلى العلم ثم العلم يرجع إلى الذات وبيانه أن ~~السمع عندهم عبارة عن علمه التام المتعلق بالأصوات والبصر عبارة عن علمه ~~التام المتعلق بالألوان وسائر المبصرات والكلام عندهم يرجع إلى فعله وهو ما ~~يخلقه من الكلام في جسم من الجمادات عند المعتزلة ويرجع عند الفلاسفة إلى ~~سماع يخلقه في ذات النبي صلى الله عليه وسلم حتى يسمع هو كلاما منظوما من ~~غير أن يكون ms104 له وجود من خارج كما يسمعه النائم ويضاف ذلك إلى الله تعالى ~~على معنى أنه لم يحصل ذلك فيه بفعل الآدميين وأصواتهم وأما الحياة فعبارة ~~عندهم عن علمه بذاته لأن كل ما يشعر بذاته فيقال إنه حي وما لا يشعر بذاته ~~لا يسمى حيا PageV01P160 # ولم يبق إلا الإرادة والقدرة ومعنى إرادته عندهم أنه تعالى وتقدس يعلم ~~وجه الخير ونظامه فيوجده كما يعلمه ويكون علمه بالشيء سببا لوجود ذلك الشيء ~~وإذا علم وجه الخير في شيء فيحصل ولم يكن فيه كراهة كان راضيا والراضي قد ~~يسمى مريدا فكانت الإرادة ترجع إلى العلم مع عدم الكراهة وأما القدرة ~~فمعناها أنه يفعل إذا شاء ولا يفعل إذا شاء وفعله معلوم ومشيئته ترجع إلى ~~علمه بوجه الخير ومعناه أن ما علم أن الخير في وجوده فيوجد منه وما علم أن ~~الخير في أن لا يوجد فلا يوجد منه ولا يحتاج وجود نظام الخير إلا إلى علمه ~~بوجه الخير ولا يحتاج ما لا يوجد في أن لا يوجد إلا عدم العلم بكون الخير ~~فيه فالنظام المعقول هو سبب النظام الموجود والنظام الموجود تبع النظام ~~المعقول # وزعموا أن علمنا إنما يحتاج في تحقيق المعلوم إلى القدرة لأن فعلنا إنما ~~يكون بجارحة فلا بد أن تكون الجارحة سليمة وموصوفة بالقوة وأما هو فلا يفعل ~~بجارحة فيكفي علمه بوجود المعلوم فترجع القدرة أيضا إلى العلم # ثم زعموا أن العلم أيضا يرجع إلى ذاته لأنه يعلم ذاته بذاته فيكون العلم ~~والعالم والمعلوم واحدا وإنما يعلم غيره من ذاته لأنه يعلم ذاته مبدأ كل ~~موجود فيعلم سائر الموجودات من ذاته على سبيل التبعية فلا يوجب ذلك كثرة في ~~ذاته # وزعموا أن نسبة علم الواحد وهو ذاته إلى كثرة المعلومات كنسبة علم الحاسب ~~مثلا حيث يقال له ما ضعف الاثنين وضعف ضعفه وضعف ضعف ضعفه وهكذا مثلا عشر ~~مرات فإنه قبل أن يفصل تلك الأضعاف في ذاته فله يقين حاصل بأنه عالم به ~~وذلك اليقين هو مبدأ التفصيل إذا اشتغل بتفصيله ms105 وذلك اليقين خطة واحدة لها ~~نسبة إلى سائر أضعاف الاثنين بل إلى PageV01P161 تضعيفاته التي لا نهاية ~~لها من غير تفصيل وكما أن تضعيف الاثنين يستمر إلى كثرة على التدريج فكذلك ~~الموجودات أيضا عندهم فيها ترتيب ولا كثرة في أولها ثم يتداعى إلى الكثرة ~~على التدريج # وشرح ذلك وإبطاله مما يطول وليستظهر في ذلك بما ذكرناه في كتاب التهافت ~~فإنه كالخارج عن مقصود هذا الكتاب والله أعلم PageV01P162 # | الفن الثالث في اللواحق والتكميلات وفيه فصول ثلاث # PageV01P163 # | الفصل الأول في بيان أن أسماء الله تعالى من حيث التوقيف غير مقصورة ~~على تسعة وتسعين # بل ورد التوقيف بأسام سواها إذ في رواية أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~إبدال لبعض هذه الأسامي بما يقرب منها وإبدال بما لا يقرب فأما الذي يقرب ~~فالأحد بدل الواحد والقاهر بدل القهار والشاكر بدل الشكور والذي لا يقرب ~~كالهادي والكافي والدائم والبصير والنور والمبين والجميل والصادق والمحيط ~~والقريب والقديم والوتر والفاطر والعلام والملك والأكرم والمدبر والرفيع ~~وذي الطول وذي المعارج وذي الفضل والخلاق # وقد ورد أيضا في القرآن ما ليس متفقا عليه في الروايتين جميعا كالمولى ~~والنصير والغالب والقريب والرب والناصر ومن المضافات كقوله تعالى شديد ~~العقاب و قابل التوب وغافر الذنب و مولج الليل في النهار ومولج النهار في ~~الليل و مخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي # وقد ورد في الخبر أيضا السيد إذ قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يا سيد فقال السيد هو الله عز وجل وكأنه قصد المنع من المدح في الوجه وإلا ~~فقد قال صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم ولا فخر والديان أيضا قد ورد ~~وكذا الحنان والمنان وغير ذلك مما لو تتبع في الأحاديث لوجد PageV01P164 # ولو جوز اشتقاق الأسامي من الأفعال فستكثر هذه الأسامي المشتقة لكثرة ~~الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى في القرآن كقوله تعالى يكشف السوء 27 سورة ~~النمل الآية 62 ويقذف بالحق 34 سورة سبأ الآية 38 ويفصل بينهم 22 سورة الحج ms106 ~~الآية 17 و 32 سورة السجدة الآية 25 وقضينا إلى بني إسرائيل 17 سورة ~~الإسراء الآية 4 فيشتق له من ذلك الكاشف والقاذف بالحق والفاصل والقاضي # ويخرج ذلك عن الحصر وفيه نظر سيأتي # والغرض أن نبين أن الأسامي ليست هي التسعة والتسعين التي عددناها ~~وشرحناها ولكنا جرينا على العادة في شرح تلك الأسامي فإنها هي الرواية ~~المشهورة وليست هذه التعديدات والتفصيلات المروية عن أبي هريرة في الصحيحين ~~إنما الذي تشتمل عليه الصحاح قوله صلى الله عليه وسلم إن لله سبحانه وتعالى ~~تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة أما بيان ذلك وتفصيله فلا # ومما وقع عليه الاتفاق بين الفقهاء والعلماء من الأسامي المريد والمتكلم ~~والموجود والشيء والذات والأزلي والأبدي وإن ذلك مما يجوز إطلاقه في حق ~~الله سبحانه وتعالى وورد في الحديث لا تقولوا جاء رمضان فإن رمضان اسم من ~~أسماء الله تعالى لكن قولوا جاء شهر رمضان وكذلك ورد عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ما أصاب أحدا هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك وابن عبدك ~~وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت ~~به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم ~~الغيب عندك أن تجعل القرآن PageV01P165 ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني ~~وذهاب همي إلا أذهب الله عز وجل همه وحزنه وأبدل مكانه فرحا وقوله استأثرت ~~به في علم الغيب عندك يدل على أن الأسماء غير محصورة فيما وردت به الروايات ~~المشهورة وعند هذا ربما يخطر ببالك طلب الفائدة في الحصر في تسعة وتسعين ~~ولا بد من ذكرها PageV01P166 # | الفصل الثاني في بيان فائدة الإحصاء والتخصيص بتسعة وتسعين # وفي هذا الفصل أنظار في أمور فلنوردها في معرض الأسئلة # فإن قال قائل أسماء الله سبحانه وتعالى هل تزيد على تسعة وتسعين أم لا ~~فإن زادت فما معنى هذا التخصيص ومن يملك ألف درهم لا يجوز أن يقول القائل ~~إن له ms107 تسعة وتسعين درهما لأن الألف وإن اشتمل على ذلك ولكن تخصيص العدد ~~بالذكر يفهم نفي ما وراء المعدود وإن كانت الأسامي غير زائدة على هذا العدد ~~فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو ~~أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك ~~فإن هذا صريح في أنه استأثر ببعض الأسامي وكذلك قال في رمضان إنه من أسماء ~~الله تعالى وكذلك كان السلف يقولون فلان أوتي الاسم الأعظم وكان ينسب ذلك ~~إلى بعض الأنبياء والأولياء وذلك يدل على أنه خارج عن التسعة والتسعين # فنقول إن الأشبه أن الأسامي زائدة على تسعة وتسعين لهذه الأخبار وأما ~~الحديث الوارد في الحصر فإنه يشتمل على قضية واحدة لا على قضيتين وهو ~~كالملك الذي له ألف عبد مثلا فيقول القائل إن للملك تسعة وتسعين عبدا من ~~استظهر بهم لم يقاومه الأعداء فيكون التخصيص لأجل حصول الاستظهار بهم إما ~~لمزيد قوتهم وإما لكفاية ذلك العدد في دفع الأعداء من غير حاجة إلى زيادة ~~لا لاختصاص الوجود بهم PageV01P167 # ويحتمل أن تكون الأسامي غير زائدة على هذا العدد ويكون لفظ الخبر مشتملا ~~على قضيتين إحداهما أن لله تعالى تسعة وتسعين اسما والثاني أن من أحصاها ~~دخل الجنة حتى لو اقتصر على ذكر القضية الأولى كان الكلام تاما وعلى المذهب ~~الأول لا يمكن الاقتصار على ذكر القضية الأولى # وذا هو الأسبق إلى الفهم من ظاهر هذا الحصر ولكنه بعيد من وجهين # أحدهما أن هذا يمنع أن يكون من الأسامي ما استأثر الله به في علم الغيب ~~عنده وفي الحديث إثبات ذلك # والثاني أنه يؤدي إلى أن يختص بالإحصاء نبي أو ولي ممن أوتي الاسم الأعظم ~~حتى يتم العدد به وإلا فيكون ما أحصى وراء ذلك ناقصا عن العدد أو كان الاسم ~~خارجا عن العدد فيبطل به الحصر # والأظهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذا في معرض الترغيب ~~للجماهير في الإحصاء والاسم ms108 الأعظم لا يعرفه الجماهير # فإن قيل فإذا كان الأظهر أن الأسامي زائدة على تسعة وتسعين فلو قدرنا ~~مثلا أن الأسامي ألف وأن الجنة تستحق بإحصاء تسعة وتسعين منها فهي تسعة ~~وتسعون بأعيانها أو تسعة وتسعون أيها كان حتى إن من بلغ ذلك المبلغ في ~~الإحصاء استحق دخول الجنة وحتى إن من أحصى ما رواه أبو هريرة مرة دخل الجنة ~~ولو أحصى أيضا ما اشتملت الرواية الثانية عليه أيضا دخل الجنة إذا قدرنا أن ~~جميع ما في الروايتين من أسماء الله تعالى # فتقول الأظهر أن المراد به تسعة وتسعون بأعيانها فإنها إذا لم تتعين لم ~~تظهر فائدة الحصر والتخصيص فإن قول القائل إن للملك مئة عبد من استظهر بهم ~~لم يقاومه عدو إنما يحسن مع كثرة عبيد الملك إذا اختص مئة من PageV01P168 ~~بينهم بمزيد قوة وشوكة فأما إذا حصل ذلك بأي مئة كان من جملة العبيد لم ~~يحسن نظم الكلام # فإن قيل فما بال تسعة وتسعين من الأسماء اختصت بهذه القضية مع أن الكل ~~أسماء الله سبحانه وتعالى # فنقول الأسامي يجوز أن تتفاوت فضيلتها لتفاوت معانيها في الجلالة والشرف ~~فيكون تسعة وتسعون منها تجمع أنواعا من المعاني المنبئة عن الجلال لا يجمع ~~ذلك غيرها فتختص بزيادة شرف # فإن قيل فاسم الله الأعظم داخل فيها أم لا فإن لم يدخل فكيف يختص مزيد ~~الشرف بما هو خارج عنها وإن كان داخلا فيها فكيف ذلك وهي مشهورة والاسم ~~الأعظم يختص بمعرفته نبي أو ولي وقد قيل إن آصف إنما جاء بعرش بلقيس لأنه ~~كان قد أوتي الاسم الأعظم وهو سبب كرامات عظيمة لمن عرفه # فنقول يحتمل أن يقال إن اسم الله الأعظم خارج عن هذا العدد الذي رواه أبو ~~هريرة رضي الله عنه ويكون شرف هذه الأسامي المعدودة بالإضافة إلى جميع ~~الأسماء المشهورة عند الجماهير لا بالإضافة إلى الأسماء التي يعرفها ~~الأولياء والأنبياء ويحتمل أن يقال إنها تشتمل على اسم الله الأعظم ولكنه ~~مبهم فيها لا يعرفه بعينه إلا ولي إذ ورد في ms109 الخبر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وإلهكم إله واحد لا إله إلا ~~هو الرحمن الرحيم 2 سورة البقرة الآية 163 وفاتحة آل عمران آلم الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم 3 سورة آل عمران الآية 1 وروي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سمع رجلا يدعو وهو يقول اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك ~~PageV01P169 أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم ~~يكن له كفوا أحد فقال والذي نفسي بيده لقد سأل الله تعالى باسمه الأعظم ~~الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى # فإن قيل فما سبب تخصيص هذا العدد من بين سائر الأعداد ولم لم يبلغ مئة ~~وقد قارب ذلك # قلنا فيه احتمالان # أحدهما أن يقال لأن المعاني الشريفة بلغت هذا المبلغ لا لأن العدد مقصود ~~ولكن وافقت المعاني هذا العدد كما أن الصفات عند أهل السنة سبع وهي الحياة ~~والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام لا لأنها سبع ولكن صفات ~~الربوبية لا تتم إلا بها # والثاني وهو الأظهر أن السبب فيه بيان ما ذكره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حيث قال مئة إلا واحدة والله وتر يحب الوتر وإلا أن هذا يدل على أن ~~هذه الأسامي هي بالتسمية الإرادية الاختيارية لا من حيث انحصار صفات الشرف ~~فيها لأن ذلك يكون لذاته لا بالإرادة ولا يقول أحد إن صفات الله سبحانه ~~وتعالى سبع لأنه وتر ويحب الوتر بل ذلك لذاته وإلهيته والعدد فيه غير مقصود ~~بل ليس وجود ذلك بقصد قاصد وإرادة مريد حتى يقصد الوتر دون غيره وهذا يكاد ~~يؤيد الاحتمال الذي ذكرناه وهو أن الأسامي التي سمى الله سبحانه وتعالى بها ~~نفسه هي تسعة وتسعون لا غير وأنه إنما لم يجعلها مئة لأنه يحب الوتر وسنشير ~~إلى ما يؤيد هذا الاحتمال PageV01P170 # فإن قيل فهذه الأسماء التسعة والتسعون هل عدها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأحصاها قصدا ms110 إلى جمعها أو ترك جمعها إلى من يلتقطها من الكتاب والسنة ~~والأخبار الدالة عليه # فنقول الأظهر وهو الأشهر أن ذلك مما أحصاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وجمعها قصدا إلى جمعها وتعليمها على ما نقله أبو هريرة رضي الله عنه إذ ~~ظاهر الكلام هو الترغيب في الإحصاء وذلك مما يعسر على الجماهير إذا لم ~~يذكره رسول الله على سبيل الجمع وهذا يدل على صحة رواية أبي هريرة رضي الله ~~عنه وقد قبل الجماهير روايته المشهورة التي أجرينا شرحنا على منوالها # وقد تكلم أحمد البيهقي على رواية أبي هريرة وذكر أنها من رواية من فيه ~~ضعف وأشار أبو عيسى الترمذي في مسنده إلى شيء من ذلك ويدل على ضعف هذه ~~الرواية سوى ما ذكره المحدثون ثلاثة أمور # أحدها اضطراب الرواية عن أبي هريرة إذ عنه روايتان وبينهما تباين ظاهر في ~~الإبدال والتغيير # والثاني أن روايته ليست تشتمل على ذكر الحنان والمنان ورمضان وجملة من ~~الأسامي التي وردت الأخبار بها # والثالث أن الذي أورد في الصحيح هذا القدر وهو قوله صلى الله عليه وسلم ~~إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة # وأما ذكر الأسامي فلم تورد في الصحيح بل وردت به رواية غريبة وفي إسنادها ~~ضعف وهذا القدر الظاهر يدل على أن الأسامي لا تزيد على هذا العدد وإنما ~~حملنا على الميل عن الظاهر خروج بعض هذه الأسامي عن رواية أبي PageV01P171 ~~هريرة فإن ضعفنا الرواية التي فيها عدد الأسامي اندفع عنها جملة من ~~الإشكالات # فإنا نقول الأسامي هي تسعة وتسعون فقط سمى الله سبحانه وتعالى بها نفسه ~~ولم يكملها مئة لأنه وتر يحب الوتر ويدخل في جملتها الحنان والمنان وغيرهما ~~ولا يمكن معرفة جميعها إلا بالبحث في الكتاب والسنة إذ يصح جملة منها في ~~كتاب الله سبحانه وتعالى وجملة في الأخبار ولم أعرف أحدا من العلماء اعتنى ~~بطلب ذلك وجمعه سوى رجل من حفاظ المغرب يقال له علي بن حزم فإنه قال رحمه ~~الله صح عندي قريب من ثمانين ms111 اسما يشتمل عليها الكتاب والصحاح من الأخبار ~~والباقي ينبغي أن يطلب من الأخبار بطريق الاجتهاد وأظن أنه لم يبلغه الحديث ~~الذي فيه عدد الأسامي وإن كان بلغه فكأنه استضعف إسناده إذ عدل عنه إلى ~~الأخبار الواردة في الصحاح وإلى التقاط ذلك منها وعلى هذا فمن أحصاها أي ~~جمعها وحفظها نال تعبا شديدا في اجتهاده فبالحري أن يدخل الجنة وإلا فإحصاء ~~ما وردت الرواية به مرة واحدة سهل على اللسان نعم قد ورد في بعض الألفاظ ~~الصحاح من حفظها دخل الجنة والحفظ يحوج إلى مزيد تعب # فهذا ما يظهر لي من الاحتمالات في هذا الحديث وأكثر ذلك مما لم يتعرض له ~~وهي أمور اجتهادية لا تعلم إلا بتخمين فإنها خارجة عن مجاري العقول والله ~~أعلم PageV01P172 # | الفصل الثالث في أن الأسامي والصفات المطلقة على الله عز وجل هل تقف ~~على التوقيف أم تجوز بطريق العقل # والذي مال إليه القاضي أبو بكر أن ذلك جائز إلا ما منع منه الشرع أو أشعر ~~بما يستحيل معناه على الله سبحانه وتعالى فأما ما لا مانع فيه فإنه جائز ~~والذي ذهب إليه الأشعري أن ذلك موقوف على التوقيف فلا يجوز أن يطلق في حق ~~الله تعالى ما هو موصوف بمعناه إلا إذا أذن فيه والمختار عندنا أن نفصل ~~ونقول كل ما يرجع إلى الاسم فذلك موقوف على الإذن وما يرجع إلى الوصف فذلك ~~لا يقف على الإذن بل الصادق منه مباح دون الكاذب ولا يفهم هذا إلا بعد فهم ~~الفرق بين الاسم والوصف # فنقول الاسم هو اللفظ الموضوع للدلالة على المسمى فزيد مثلا اسمه زيد وهو ~~في نفسه أبيض وطويل فلو قال له قائل يا طويل يا أبيض فقد دعاه بما هو موصوف ~~به وصدق ولكنه عدل عن اسمه إذ اسمه زيد دون الطويل والأبيض وكونه طويلا ~~أبيض لا يدل على أن الطويل اسمه بل تسميتنا الولد قاسما وجامعا لا يدل على ~~أنه موصوف بمعاني هذه الأسماء بل دلالة هذه الأسماء وإن كانت معنوية عليه ~~كدلالة ms112 قولنا زيد وعيسى وما لا معنى له بل إذا سميناه عبد الملك فلسنا نعني ~~به أنه عبد الملك ولذلك نقول عبد الملك اسم مفرد كعيسى وزيد وإذا ذكر في ~~معرض الوصف كان مركبا وكذلك عبد الله لذلك يجمع فيقال عبادلة ولا يقال عباد ~~الله PageV01P173 # وإذا فهمت معنى الاسم فاسم كل أحد ما سمى به نفسه أو سماه به وليه من ~~أبيه أو سيده والتسمية أعني وضع الاسم تصرف في المسمى ويستدعي ذلك ولاية ~~والولاية للإنسان على نفسه أو على عبده أو على ولده فلذلك تكون التسميات ~~إلى هؤلاء ولذلك لو وضع غير هؤلاء اسما على مسمى ربما أنكره المسمى وغضب ~~على المسمي وإذا لم يكن لنا أن نسمي إنسانا أي لا نضع له اسما فكيف نضع لله ~~تعالى اسما وكذلك أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم معدودة وقد عدها وقال ~~إن لي أسماء أحمد ومحمد والمقفي والماحي والعاقب ونبي التوبة ونبي الرحمة ~~ونبي الملحمة وليس لنا أن نزيد على ذلك في معرض التسمية بل في معرض الإخبار ~~عن وصفه فيجوز أن نقول إنه عالم ومرشد ورشيد وهاد وما يجري مجراه كما نقول ~~لزيد إنه أبيض طويل لا في معرض التسمية بل في معرض الإخبار عن وصفه فيجوز ~~أن نقول إنه عالم ومرشد ورشيد وهاد وما يجري مجراه كما نقول لزيد إنه أبيض ~~وطويل لا في معرض التسمية بل في معرض الإخبار عن صفته وعلى الجملة فهذه ~~مسألة فقهية إذ هو نظر في إباحة لفظ وتحريمه # فنقول أما الدليل على المنع من وضع اسم لله سبحانه وتعالى هو المنع من ~~وضع اسم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسم به نفسه ولا سماه به ربه ~~تعالى ولا أبواه وإذا منع في حق الرسول صلى الله عليه وسلم بل في حق آحاد ~~الخلق فهو في حق الله أولى وهذا نوع قياس فقهي تبنى على مثله الأحكام ~~الشرعية # وأما دليل إباحة الوصف فهو أنه خبر عن أمر والخبر ينقسم إلى صدق ms113 وكذب ~~والشرع قد دل على تحريم الكذب في الأصل فالكذب حرام إلا بعارض ودل على ~~إباحة الصدق فالصدق حلال إلا بعارض وكما أنه يجوز لنا PageV01P174 أن نقول ~~في زيد إنه موجود فكذلك في حق الله تعالى ورد به الشرع أو لم يرد ونقول إنه ~~قديم وإن قدرنا أن الشرع لم يرد به وكما أنا لا نقول لزيد إنه طويل أشقر ~~لأن ذلك ربما يبلغ زيدا فيكرهه لأن فيه إيهام نقص فكذلك لا نقول في حق الله ~~سبحانه وتعالى ما يوهم نقصا البتة فأما ما لا يوهم نقصا أو يدل على مدح ~~فذلك مطلق ومباح بالدليل الذي أباح الصدق مع السلامة عن العوارض المحرمة # ولذلك قد يمنع من إطلاق لفظ فإذا قرن به قرينة جوزناه فلا يجوز أن يقال ~~لله سبحانه وتعالى يا زارع يا حارث ويجوز أن يقال من وطئ فأمنى فليس هو ~~الحارث وإنما الله تعالى وتقدس هو الحارث ومن بث البذر فليس هو الزارع إنما ~~الله هو الزارع ومن رمى فليس هو الرامي وإنما الله هو الرامي كما قال تعالى ~~وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى 8 سورة الأنفال الآية 17 ولا نقول لله ~~سبحانه وتعالى يا مذل ونقول يا معز يا مذل فإنه إذا جمع بينهما كان وصف ~~المدح إذ يدل على أن طرفي الأمور بيديه # وكذلك في الدعاء ندعو الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى كما أمرنا به ~~وإذا جاوزنا الأسامي دعوناه بصفات المدح والجلال فلا نقول يا موجود يا محرك ~~يا مسكن بل نقول يا مقيل العثرات يا منزل البركات يا ميسر كل عسير وما يجري ~~مجراه كما أنا إذا نادينا إنسانا فإما أن نناديه باسمه أو بصفة من صفات ~~المدح كما نقول يا شريف يا فقيه ولا نقول يا طويل يا أبيض إلا إذا قصدنا ~~الاستحقار وأما إذا استخبرنا عن صفاته أخبرنا بأنه أبيض اللون أسود الشعر ~~ولا يذكر ما يكرهه إذا بلغه وإن كان صدقا لعارض الكراهة وإنما يكره ما يقدر ~~فيه نقصا ms114 PageV01P175 # فكذلك إذا استخبرنا عن محرك الأشياء ومسكنها ومسودها ومبيضها قلنا هو ~~الله سبحانه وتعالى ولا نتوقف في نسبة الأفعال والأوصاف إليه إلى إذن وارد ~~فيه على الخصوص بل الإذن قد ورد شرعا في الصدق إلا ما يستثنى عنه بعارض ~~والله تعالى هو الموجود والموجد والمظهر والمخفي والمسعد والمشقي والمبقي ~~والمفني وكل ذلك يجوز إطلاقه وإن لم يرد فيه توقيف # فإن قيل فلم لا يجوز أن يقال له العارف والعاقل والفطن والذكي وما يجري ~~مجراه # قلنا إنما المانع من هذا وأمثاله ما فيه من إيهامات وما فيه إيهام لا ~~يجوز إلا بالإذن كالصبور والحليم والرحيم فإن فيه إيهاما ولكن الإذن قد ورد ~~به وأما هذا فلم يرد به الإذن والإيهام فيه أن العاقل هو الذي له معرفة ~~تعقله أي تمنعه إذ يقال عقله عقله والفطنة والذكاء يشعران بسرعة الإدراك ~~لما غاب عن المدرك والمعرفة قد تشعر بسبق نكرة فلا يمنع عن إطلاق شيء منه ~~إلا شيء مما ذكرناه فإن حقق لفظ لا يوهم أصلا بين المتفاهمين ولم يرد الشرع ~~بالمنع منه فإنا نجوز إطلاقه قطعا والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب ~~PageV01P176 ms115