######OpenITI# #META# Origin: converted with Kraken (ocr model: 12-24-2021_ArabPersGeneralized.mlmodel, segmentation model: DEFAULT) #META# Date: 2022-04-14 #META#Header#End# ~~============================================================ ~~5اان ~~بشالله الرمزالرحينو ~~وبهو ذستتوين ~~[خطبه الكثابث] ~~قال الشيخ الفقيهآ الصالح الزاهد عبد الملك بن عبد الله رضي الله عنه : أملى ~~علي الإمام الأجل، الزاهذ الموفق، حجة الإسلام، زين الدين، شرف ~~الأئمة ، محيي الأقة ، أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي رضي الله عنه ~~هذذا الكتاب، وهو آخر كتاب صيقه، ولم يلتمسه منه إلأ الخواص من ~~اصحابه وهو: ~~الحمذ لله الملك الحكيم، الجواد الكريم، العزيز الرحيم، الذي فطر ~~السماوات والأرض بقدرته ، ودير الأمر في الدارين بحكمته ، وما خلق الجن ~~والإنس إلأ لعبادته، فالطريق إليه واضح للقاصدين، والدليل عليه لاتخ ~~للناظرين ، ولكن الله يضل من يشاء ، ويهدي من يشاءآ ، وهو أعلم بالمهتدين. # والصلاة على سيدنا محمد سيد المرسلين ، وعلى آله الأبرارالطيبين ~~الطاهرين، وصحبه أجمعين، وسلم وعظم إلى يوم الدين : ~~اعلموا إخواني - أسعدكم الله وإيانا بمرضاته - أن العبادة ثمرة العلم، وفائدة ~~العمر، وحاصل العبد، وبضاعة الأولياء، وطريق الأقوياء ، وقسمة الأعزة، ~~ومقصد ذوي الهمة ، وشعار الكرام، وحرفة الرجال ، وأختيار أولي الأبصار، ~~وهي سبيل الشعادة ، ومنهاج الجنة ، قال الله تعالل : وأنا ريكم ~~فأعبدوت}، وقال تعالى : إن هلذا كان لݣرجزاء وكان سعيكر مشكورا) ~~ثم إنا نظرنا فيها ، وتأملنا طريقها من مبادئها إلى مقاصدها التي هي أماني ~~سالكيها.. فإذا هي طريق وغر، وسبيل صعب، كثيرة العقبات، شديدة PageV00P035 ~~============================================================ ~~المشقات، بعيدة المسافات، عظيمة الآفات، كثيرة العواثق والموانع، خفية ~~المهالك والمقاطع ، غزيرة الأعداء والقطاع ، عزيزة الأشياع والأتباع، وهلكذا ~~يجب أن تكون ؛ لأنها طريق الجنة ، فيصير هلذا تصديقا لما قاله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : " إن الجنة حفت بالمكاره ، وإن النارحفت بالشهوات "(1). # وقال صلى الله عليه وسلم : " ألا وإن الجنة حزن بربوة ، ألا وإن النار سهل ~~بسهوة"(2). # ثم مع ذلك كله فإن العبد ضعيف ، والزمان صعب ، وأمر الدين متراجع، ~~والفراغ قليل، والشغل كثير ، والعمر قصيرة ، وفي العمل تقصير ، والناقد بصير ، ~~وإلى الله المصير، والأجل قريث، والسفربعيد ، والطاعة هي الزاد فلا بد منها، ~~وهي فائته فلا مرد لها، فمن ظفر بها. . فقد فاز وسعد أبد الآبدين، ومن فاته ~~ذلك. ms001 . فقد خسرمع الخاسرين، وهلك مع الهالكين. # فصار هذا الخطب إذن والله معضلا، والخطر عظيما، ولذلك عز من يقصد ~~هلذا الطريق وقل، ثم عز من القاصدين من يسلكه ، ثم عز من السالكين من يصل ~~إلى المقصود ، ويظفر بالمطلوب ، وهم الإآعزة الذين أصطفاهم الله عز وجل ~~لمعرفته ومحبته، وسددهم بتوفيقه وعصمته، ثم أوصلهم بفضله إلى رضوانه ~~وجنته، فنسأله جل ذكرهآ أن يجعلكم وإيانا من أولئك الفائزين برحمته . # نعم؛ ولما وجذنا هلذه الطريق بهلذه الصفة . . نظرنا فأمعنا النظر في كيفية ~~قطعها، وما يحتاج إليه العبذ من الأهبة والعدة والآلة والحيلة من علم وعمل، ~~عسى أن يقطعها بحسن توفيق الله تعالى في سلامة، ولا ينقطع في عقباتها ~~المهلكة، فيهلك مع الهالكين، والعياذ بالله. PageV00P036 # ============================================================ ~~فصنفنا في قطع هلذه الطريق وسلوكها كتبا ، ك " إحياء علوم الدين" ، ~~و1 القربة إلى الله تعالى" ، وغير ذلك، فاحتوت على دقائق من العلوم اعتاصت ~~علن أفهام العامة(1)، فقدحوا فيها، وخاضوا فيما لم يحسنوه منها، فأيي كلام ~~أفصح من كلام رب العالمين وقد قالوا فيه : إنه أساطير الأؤلين ؟! # الم تسمع إلى قول زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنهم أجمعين حيث يقول : ~~اني لاكتم من علمي جواهره كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا ~~وقد تقدم في هنذا أبو حسن إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا ~~يا رب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ~~ولأستحل رجان مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونهآ حسنا ~~وأقتضت الحال عند ذوي الألباب الذين هم أشرف خلق الله النظر إلى كافة ~~خلق الله تعالى بعين الوحمة وترك المماراة ، فابتهلت إلى من بيده الخلق والأمر ~~أن يوفقني لتصنيف كتاب يقع عليه الإجماع ، ويحصل بقراءته الانتفاع، فأجابني ~~إلى ذلك الذي يجيب المضطر إذا دعاهآ ، وأطلعني بفضله على أسرار ذلك، ~~وألهمني فيه ترتيبا عجيبا لم أذكزه فى المصنفات التى تقدمث في أسرار معاملات ~~الدين ، وهو الذي أنا له واصف ، فأقول وبالله التوفيق : ~~إن أول ما يتنبه العبذ للعبادة، ويتحرك لسلوك ms002 طريقها.. يكون بخطرة ~~سماوية من الله تعالى، وتوفيق خاص إللهي ، وهو المعني بقوله سبحانه وتعالى : ~~أفمن شرح الله صذره للإسلكو فهو على نور من رته} ، وإليه أشار صاحب الشرع ~~صلى الله عليه وسلم فقال : " إن النور إذا دخل القلب . . انفسح وانشرح" فقيل : ~~يا رسول الله؛ هل لذلك من علامة يعرف بها؟ فقال : " نعم ، التجافي عن دار ~~الغرور، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت "(2). # () اعتاصت على افهام العامة : عسر كشفها، فلم يهتد إلى جهة الصواب فيها ~~(2) أخرجه الحاكم (311/4)، والبيهقي في "الشعب "(10068) عن ابن مسعود رضي الله عنه PageV00P037 ~~============================================================ ~~فاذا خطر بقلب العبد اول كل شيء : أني أجدني منعما بضروب من النعم ، ~~كالحياة والقدرة، والعقل والنطق، وسائر المعاني الشريفة واللذات ، ~~وما ينصرف عني من ضروب المضار والافات ، وأن لهذه النعمة منعما يطالبني ~~بشكره وخدمته ، إن غفلت عن ذلك.. فيزيل عني نعمته، ويذيقني بأسه ~~ونقمته، وقد بعث إلي رسولا نذيرا، ايده بالمعجزات الخارقة للعادات، ~~الخارجة عن مقدور البشر ، وأخبرتي أن لي ربا - جل ذكؤه - قادرا عالما، حيا ~~متكلما، يأمروينهى، قادرا على أن يعاقب إن عصيته، ويثيب إن أطعته، عالما ~~بأسراري وما يختلج في أفكاري، وقد وعد وأوعد، وأمر بالتزام قوانين ~~الشرع.. فيقع(1) في قلبه أنه ممكن - إذ لا استحالة لذلك في العقل - بأول ~~البديهة، فيخاف على نفسه عند ذلك ويفزع ~~فهذا خاطو الفزع الذي ينبه العبد ويلزمه الحكة، ويقطع عنه المعذرة ، ~~ويزعجه إلى النظر والاستدلال ، فيهتاج العبد عند ذلك، ويقلق وينظر في طريق ~~الخلاص وحصول الأمان له مما وقع بقلبه، أو سمع بأذنه، فلم يجذ فيه سبيلا ~~سوى النظر بعقله في الدلاتل ، والاستدلال بالصنعة على الصانع ، ليحصل له ~~العلم اليقين بما هو الغيث، ويعلم أن له ربا كلفه وأمره ونهاه. # فهلذه أول عقبة استقبلثه في طريق العبادة ، وهي عقبة العلم والمعرفة، ~~ليكون من الأمر على بصيرة، فيأخذ في قطعها من غير بد بحسن النظر في ~~الدلائل، ووفور الثائل والتعلم، والشؤال من علماء الآخرة الذين هم أدلأء ~~الطريق ، سرج الأمة، وقادة ms003 الأنمة، والاستفادة منهم، واستمداد الدعاء ~~الصالح منهم، للتوفيق والإعانة إلى أن يقطعها بتوفيق الله سبحانه وتعالى، ~~فيحصل له العلم واليقين بالغيب ، وهو أن له إلها واحدا لا شريك له ، هو الذي ~~خلقه وأنعم عليه بكل هلذه النعم ، وأنه كلفه بشكره، وأمره بخدمته وطاعته ~~بظاهره وباطنه، وحذره الكفر وضروب المعاصي ، وحكم له بالثواب الخالد إن PageV00P038 ~~============================================================ ~~أطاعه، وبالعقاب الخالد إن عصاه وتولى عنه، فعند ذلك تبعثه هذذه المعرفة ~~واليقين بالغيب على التشمير للخدمة ، والإقبال على العبادة لهاذا السيد المنعم ~~الذي طلبه فوجده، وعرقه بعد ما جهله، ولكنه لا يدري كيف يعبده، وماذا ~~يلزمه من خدمته بظاهره وباطنه ~~فبعد حصول هذذه المعرفة بالله سبحانه وتعالى، واستكمال العلم والمعرفة. # جهد حتى يتعلم ما يلزمآه من الفرائض الشرعية ظاهرا وباطنا . # فلما استكمل العلم والمعرفة بالفرائض. . انبعث ليأخذ في العبادة ويشتغل ~~بها، فنظر فإذا هو صاحث جنايات وذنوب - هلذا حال الأكثر من الناس- ~~فيقول : كيف أقبل على العبادة وأنا مصر على المعصية متلطخ بها ؟! فيجب علي ~~أولا أن أتوب إليه؛ ليغفر لي ذنوبي، ويخلصني من أسرها ، ويطهرني من ~~أقذارها، فأصلح للخدمة وبساط القربة، فتستقبله هلهنا عقبة التوبة، فيحتاج ~~لا محالة إلى قطعها، ليصل إلى ما هو المقصوذ منها، فأخذ في ذلك باقامة ~~التوبة في حقوقها وشرائطها إلى أن قطعها ~~فلما حصلث له الثوبة الصادقة ، وفرغ من قطع هلذه العقبق. حنا ~~العبادة ليأخذ فيها، فنظر فإذا حوله عوائق محدقة به، كل واحدة منها تعوقه ~~عما قصد من العبادة بضرب من التعويق، فتأمل فإذا هي آربع: الدنيا، ~~والخلق، والشيطان، والنفس، فاحتاج لا محالة إلى دفع هلذه العوائق ~~وإزاحتها عنه، وإلا.. فلا يتأتى له أمرآه من العبادة، فاستقبلته هلهنا عقبة ~~بوائق، فيحتاج إلى قطعها بأربعة أمور: التجرؤد عن الدنيا ، والتفرود عن ~~الخلق، والمحاربة مع الشيطان، والمخالفة للنفس. # فأما التفس فأشدها ؛ إذ لا يمكنه التجرود عنها ، ولا أن يقهرها بمرة ويقمعها ~~كالشيطان؛ إذ هي المطية والآلة، ولا مطمع أيضا في موافقتها على ما يقصده ~~العبد من العبادة والإقبال عليها ؛ إذ هي ms004 مجبولة على ضد الخير كالهوى واتباعها ~~له، فاحتاج إذن إلى أن يلجمها بلجام التقوى؛ لتبقى له فلا تنقطع، وتنقاد له PageV00P039 ~~============================================================ ~~فلا تطغى، فيستعملها في المصالح والمراشد، ويمنغها عن المهالك ~~والمفاسد، فيأخذ إذن في قطع هلذه العقبة، ويستعين بالله جل ذكره على ذلك : ~~فلما فرغ من قطعها.. رجع إلى قصد العبادة، فإذا عوارض تعترضه، ~~فتشغله عن الإقبال على مقصوده من العبادة، وتصده عن التفرغ لذلك ~~كما ينبغي ، فتأمل فإذا هي أربعة: ~~الأول : الرزق، تطالبه النفس به وتقول : لا بد لي من رزق وقوام، وقد ~~تجردت عن الدنيا ، وتفردت أيضا عن الخلق ، فمن أين يكون قوامي ورزقي ؟! # والثاني : الأخطار من كل شيء يخافه أو يرجوه ، أو يريده أو يكرهه، ~~ولا يدري صلاحه في ذلك أو فساده ؛ فإن عواقب الأمور مبهمة، فيشتغل قلبه ~~بها، فإنه ريما يقع في فساد أو مهلكة . # والثالث: الشدائد والمصائب تنصث عليه من كل جانب ، لا سيما وقد ~~انتصب لمخالفة الخلق ، ومحاربة الشيطان، ومضادة النفس، فكم من غصة ~~يتجرغها، وكم من شدة تستقبله، وكم من هم وحزن يعترضه، وكم من مصيبة ~~تتلقاه. # والوابع : أنواع القضاء من الله سبحانه وتعالى بالحلو والمر ، ترد عليه حالا ~~فحالا، والنفس تسارع إلى الشخط، وتبادر إلى الفتنة ، فاستقبلته هلهنا عقبة ~~العوارض الأربعة ، فاحتاج إلى قطعها بأربعة أشياء : التوكل على الله سبحانه في ~~مواضع الرزق ، والتفويض إليه في مواضع الخطر ، والصبر عند نزول الشدائد، ~~والرضا عند نزول القضاء، فأخذ في قطع هذه العقبة باذن الله تعالى وتسديده ~~وحسن تأييده. # فلما فرغ من قطعها وعاد إلى قصد العبادة. . نظر فإذا النفس فاترة كسلى ، ~~لا تنشط ولا تنبعث لخير كما يحق وينبغي، وإنما ميلها أبدا إلى غفلة ودعة، ~~وراحة وبطالة، بل إلى شر وفضول، وبلية وجهالة ، فاحتاج معها هلهنا إلى ~~سائي يسوقها إلى الخير والطاعة وينشطها له ، وزاجر يزجرها عن الشر والمعصية PageV00P040 ~~============================================================ ~~ويفترها عنه، وهما: الرجاء والخوف، فالرجاء في عظيم ثواب الله سبحانه ~~وحسن ما وعد من أنواع الكرامة وتذكر ذلك سائق يسوقها فيبعثها على الطاعة ، ~~ويحركها ms005 لذلك وينشطها ، والخوف من أليم عقاب الله عز وجل وصعوبة ما أوعد ~~من أنواع العقوبة والإهانة زاجر يزجرها عن المعصية، ويجنبها ويفتروها عن ~~ذلك: ~~فهذه عقبة البواعث استقبلته هلهنا، فاحتاج إلى قطعها بهلذين ~~الذكرين(1)، فأخذ فيها بحسن توفيق الله عز وجل فقطعها ~~فلما فرغ منها.. رجع إلى الإقبال على العبادة ، فلم ير عائقا ولا شاغلا ، ~~ووجد باعثا وداعيا، فنشط في العبادة فأقامها، وعانقها بتمام الشوق والرغبة ~~فأدامها، فنظر فإذا تبدو لهذه العبادة التي احتمل فيها كل ذلك آفتان عظيمتان ، ~~وهما: الرياء والعجب، تارة يرائي بطاعته الناس فيفسدها ، وأخرى يمتنع عن ~~ذلك ويلوم تفسه فيها، فيعجب بنفسه فيحبط العبادة عليه ويتلفها ويفسدها، ~~فاستقبلته هلهنا عقبة القوادح، فاحتاج إلى قطعها بالإخلاص وذكر المنة ~~ونحوها، ليسلم له ما يعمل من خير، فأخذ في قطع هلذه العقبة بإذن الله سبحانه ~~وتعالى بجد واحتياط، وتيقظ بحسن عصمة الجبار تعالى وتأييده. # فلما فرغ من هلذه كلها.. حصلت له العبادة كما يحق وينبغي، وسلمت من ~~كل آفة، وللكنه نظر فإذا هو غريق في بحور منن الله تعالى وأياديه من كثرة ~~ما أنعم الله عليه من إمداد التوفيق والعصمة، وأنواع التأييد والحراسة، وخاف ~~أن يكون منه إغفال للشكر ، فيقع في الكفران ، فينحط عن تلك المرتبة الرفيعة ~~التي هي مرتبة الخدم المخلصين لله عز وجل، وتزول عنه تلك النعم الكريمة من ~~ضروب ألطاف الله تعالى وحسن تأييده ونظره إليه، فاستقبلته ههنا عقبة الحمد ~~والشكر، فأخذ في قطعها بما أمكنه من كثرة الحمد والشكر على كثير نعيه . # فلما فرغ من قطع هلذه العقبة وتزل. . نظر فإذا هو بمقصوده ومبتغاه بين PageV00P041 ~~============================================================ ~~يديه، فلم يسز إلأ قليلا حتى وقع في سهل الفضل ، وصحراء الشوق، ~~وعرصات المحبة ~~ثم يقع في رياض العرفان والرضوان ، وبساتين الأنس إلى بساط الانبساط، ~~ومرتبة التقريب ، ومجلس المناجاة ، ونيل الخلع والكرامات(1)، فهو يتنعم في ~~هلذه الحالات، ويتقلب في طيبها أيام بقائه، وبقية عمره ، بشخصي في الثنيا، ~~وقلب في العقبى، ينتظر البريد يوما فيوما، وساعة فساعة، حتى يمل الخلق ~~كلهم، ms006 ويستقذر الذنيا ويحن إلى الموت: ~~ل واستكمل الشوق إلى الملأ الأعلى ، فإذا هو برسل رب العالمين إليه ، ~~يردون عليه بالروح والريحان، والبشرى والرضوان، من عند رب راضي غير ~~غضبان، فينقلونه في طيبة نفسي، وتمام البشر والأنس، من هلذه الدار الفانية ~~المفتنة إلى الحضرة الإلهية ، ومستقر رياض الجنة، فيرى لنفسه الضعيفة الفقيرة ~~نعيما مقيما، وملكا عظيما، ويلقط هناك من سيده الرحيم المفضل الكريم جل ~~ذكره من اللطف به والعطف، والترحيب والتقريب، والإنعام والإكرام، ~~ما لا يحيط به وصف الواصفين، ونعت الناعتين، فهو في كل يوم في زيادة إلى ~~أبد الابدين، فيا لها من سعادة عظيمة ا ويا لها من دولة عالية ! ويا له من عبد ~~مسعود، وامرىء مغبوط، وشأن محمود ، فطوبى له وحسن مآب ~~نسأل الله البر الرحيم سبحانه أن يمن علينا وعليكم بهلذه النعمة العظيمة، ~~والمنة الجسيمة ، وما ذلك على الله بعزيز ، وألا يجعلنا من الذين لا نصيب لهم ~~من هلذا الأمر إلأ وصف وسماغ ، وعلم وتمن بلا انتفاع ، وألا يجعل ما تعلمناه ~~من العلم حجة علينا يوم القيامة، وأن يوفقنا جميعا للعمل بذلك، والقيام به ~~كما يحث ويرضى، إنه أرحم الراحمين ، واكرم الأكرمين. # فهلذا هو الترتيب الذي ألهمني مولاي في طريق العبادة. PageV00P042 # ============================================================ ~~فاعلم الآن : أن الحاصل من الجملة سبع عقبات : ~~الأولى : عقبة العلم. # الثانية : عقبة التوبة. # الثالثة : عقبة العوائق. # الوابعة: عقبة العوارض. # الخامسة : عقبة البواعث. # الشادسة : عقبة القوادح. # الشابعة : عقبة الحمد والشكر، وبتمامها يتم كتاب " منهاج العابدين إلى ~~الج" ~~ونحن الآن نتتيع هلذه العقبات بشرح موجز اللفظ ، مشتمل على النكت ~~المقصودة من هلذا الشأن ، كل منها في باب مفرد إن شاء الله تعالى. # والله سبحانه ولئ التوفيق والتسديد بمنه، ولا حول ولا قوة إلأ بالله العلي ~~العظيم PageV00P043 ~~============================================================ ~~العقبة الأولى ~~وهي عقبة العلم ~~فأقول وبالله التوفيق : يا طالب الخلاص والعبادة ؛ عليك أولا - وفقك الله - ~~بالعلم؛ فإنه القطب وعليه المدار. # واعلم : أن العلم والعبادة جوهران ، لأجلهما كان كل ما ترى وتسمع من ~~تصنيف المصنفين ، وتعليم المعلمين، ووعظ الواعظين، ونظر الناظرين ، بل ms007 ~~لأجلهما أنزلت الكتب، وأرسلت الؤسل، بل لأجلهما خلقت السماوات ~~والأرض وما فيهما من الخلق ؛ فتأمل آيتين في كتاب الله عز وجل : ~~إحداهما : قوله تعالى : الله الذى خنلق سبع سمويت وهن الأرض مثلهن يننزل الأر ~~بينهن لنعلموا أن الله على كل شى وقدير وأن الله قدأحاط يكل شى وعلما} ، وكفى بهلذه الآية ~~دليلا على شرف العلم ، لا سيما علم التوحيد . # والثانية : قوله جل من قائل : وما خلقت الجمن وآلاينس إلا ليقبدون، وكفى ~~بهذه الآية دليلا على شرف العبادة ولزوم الإقبال عليها، فأعظم بأمرين هما ~~المقصود من خلق الدارين ! فحق للعبد ألا يشتغل إلا بهما، ولا يتعب ~~إلا لهما، ولا ينظر إلا فيهما ، فاعلم أن ما سواهما من الأمور باطل لا خير فيه ، ~~ولغؤلا حاصل له. # فإذا علمت ذلك. . فاعلم أن العلم أشرف الجوهرين وأفضلهما، ولذلك ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى ~~رجل من امتي "(1). PageV00P044 # ============================================================ ~~وقال صلى الله عليه وسلم : ل" نظرة إلى العالم أحث إلي من عبادة سنة ~~صيامها وقيامها"(1). # وقال صلى الله عليه وسلم : " ألا أدلكم على أشرف أهل الجنة ؟" قالوا : ~~بلى يا رسول الله، قال : 9 هم علماء أمتي"(2). # فبان لك أن العلم أشرف جوهرا من العبادة ، ولكن لا بد للعبد من العبادة ~~مع العلم، وإلأ.. كان علمه هباء منثورا؛ فإن العلم بمنزلة الشجرة، والعبادة ~~بمنزلة ثمرة من ثمراتها ، فالشرف للشجرة؛ إذ هي الأصل، للكن الانتفاع ~~بثمرتها، فإذن لا بد للعبد من العبادة ؛ ليسلم له شرف العلم ، ولا بد أن يكون ~~له من كلا الأمرين حظ ونصيث، ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله: ~~(اطلبوا هذذا العلم طلبا لا يضر بالعبادة، واطلبوا هذذه العبادة طلبا لا يضر ~~بالعلم)(11. # ولما استقر أنه لا بد للعبد منهما جميعا.. فالعلم أولى بالتقديم لا محالة؛ ~~لأنه الأصل والدليل ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : "العلم إمام العمل ، ~~والعمل تابعه "(4) ~~وإنما صار العلم أصلا متبوعا، يلزمك تقديمآه على العبادة لأمرين : ~~أحدهما: لتحصل لك العبادة وتسلم؛ فإنك أولا ms008 يجب عليك أن تعرف ~~المعبود ثم تعبده، وكيف تعبذ من لا تعرفه بأسمائه وصفات ذاته، وما يجب له ~~وما يستحيل في نعته ؟! فربما تعتقذ فيه وفي صفاته شيئا - والعياذ بالله- ~~مما يخالف الحق، فتكون عبادتك هباء منثورا، وقد شرحنا ما في ذلك من PageV00P045 # ============================================================ ~~الخطر العظيم في بيان معنى سوء الخاتمة من (كتاب الخوف) من جملة كتب ~~"إحياء علوم الدين" . # ثم يجب أن تعلم ما يلزمك فعله من الواجبات الشرعية على ما أمرت به ~~لتفعل ذلك، وما يلزمك تركه من المناهي لتترك ذلك، وإلا.. فكيف تقوم ~~بطاعات لا تعرفها ما هي، وكيف هي ، وكيف يجب أن تفعل؟ ! وكيف تجتنب ~~معاصي لا تعلم أنها معاص ، حتى لا توقع نفسك فيها؟ ! # فالعبادات الشرعية ، كالطهارة والصلاة، والصوم وغيرها، يجب أن ~~تعلمها بأحكامها وشرائطها حتى تقيمها، فربما أنت مقيم على شيء سنين وأزمانا ~~مما يفسد عليك طهارتك وصلواتك، أو يخرجهما عن كونهما واقعتين على ~~وفاق الشنة وأنت لا تشعر بذلك ، ورئما يعترض لك مشكل ولا تجد من تسأله ~~عن ذلك، وأنت ما تعلمته ~~ثم مدار هلذا الشأن أيضا على العبادات الباطنة التي هي مساعي القلب ، ~~يجب أن تعلمها؛ من التوكل والتفويض، والرضا والصبر، والتوبة ~~والإخلاص، وغير ذلك مما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. # ويجث أن تعلم مناهيها التي هي أضداذ هلذه الأمور؛ كالشخط والأمل، ~~والرياء والكبر والعجب؛ لتجتنب ذلك ؛ فإن هذذه فرائض نص الله تعالى على ~~الأمر بها ، والنهي عن أضدادها في كتابه العزيز، وعلى لسان نبيه صلى الله ~~عليه وسلم - كما قال تعالى : ( وعلى الله فتوكلوا إن كنشر مومنين}، واشكروا ~~لله إن كنتر إيياء تعبدو}، وأصير وما صبرك إلا يألله}، وقوله تعالى : ~~وتبتل إليه بتيلا} أي : أخلص إليه إخلاصا ، ونحو ذلك من الآيات - كما نص ~~على الأمر بالصلاة والصوم ، فما لك أقبلت على الصلاة والصوم ، وتركت هلذه ~~الفرائض والأمر بهما من رب واحد، في كتاب واحد؟! بل غفلت عنهما، ~~فلا تعرف شيئا منهما، فصرت ممن أصبح بعاجل حظه مشغوفا، حتى صير ~~المعروف منكرا ، والمنكر ms009 معروفا، ومن أهمل العلوم التي سماها الله تعالى في ~~كتابه نورا وحكمة وهدى، وأقبل على ما به يكتسب الحرام، ويكون مصيدة PageV00P046 ~~============================================================ ~~للحطام ، أما تخاف أيها المسترشد أن تكون مضيعا لشيء من هلذه الواجبات بل ~~لأكثرها ، وتشتغل بصلاة التطؤع وصوم النفل ، فتكون في لا شيء ؟ # وريما أنت مصر على معصية من هلذه المعاصي التي تستوجب بها النار، ~~وتترك مباحا من طعام أو شراب أو نوم ، تبتغي به قربة إلى الله تعالى ، فتكون في ~~لا شيء: ~~وأشد من ذلك كله أنك تكون في أمر الأمل ، والأمل معصية محضة ، فتظنه ~~نية خير؛ لجهلك بالفرق بينهما وتقاربهط فيمهعض الوجوه. # وكذلك تكون في جزع وسخط، فتظنه تضؤعا وابتهالا إلى الله عز وجل، ~~وتكون في رياء محضي، وتحسبه حمدا لله سبحانه، أو دعوة للناس إلى الخير، ~~فتأخذ تعد على الله سبحانه المعاصي بالطاعات، وتحتسب الثواب العظيم في ~~موضع العقوبات، فتكون في غرور عظيم، وغفلة قبيحة، وهذذه والله مصيبة ~~فظيعة للعاملين من غير علم: ~~ثم مع ذلك إن للاعمال الظاهرة علائق من المساعي الباطنة تصلحها ~~وتفسدها؛ كالإخلاص والرياء والعجب، وذكر المنة وغيره ، فمن لم يعلم ~~هذذه المساعي الباطنة، ووجه تأثيرها في العبادات الظاهرة، وكيفية الاحتراس ~~منها، وحفظ العمل عنها. . فقلما يسلم له عمل الظاهر أيضا، فتفوته طاعات ~~الظاهر والباطن ، فلا يبقى بيده غير الشقاء والكد ، وهلذا هو الخسران المبين ، ~~ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن نوما على علم خير من صلاة ~~على جهل "(1) ؛ فإن العامل بغير علم يفسد أكثر مما يصلح ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة العلم : " إنه يلهمه الشعداء ، ~~ويحرمه الأشقياء "(2) فالمعنى - والعلم عند الله - : أن إحدى شقوتيه ألآ يتعلم ~~العلم، ثم يشقى ويتعث في العبادة على خبط عشواء، فما يكون له من ذلك PageV00P047 ~~============================================================ ~~إلأ العناء ، نعوذ بالله من علم لا ينفع، وعملي لا يقبل، ولهلذا عظمت عناية ~~العلماء الزهاد العاملين رضي الله عنهم بالعلم خاصة من بين أفنان الناس؛ فإن ~~مدار أمر العبودية، وملاك العبادة والخدمة لله رب ms010 العالمين على العلم، وهكذا ~~يكون نظر أولي الأبصار ، وأهل التاييد والتوفيق . # فإذا تبين لك بهلذه الجملة أن الطاعة لا تحصل للعبد، ولا تسلم له ~~الأ بالعلم. . فيلزم إذن تقديمآه في شأن العبادة . # وأما الخصلة الثانية التي توجب تقديم العلم : أن العلم النافع يثمر خشية الله ~~تعالى ومهابته ، قال الله تعالى : إنما يخشى الله من عباده العلكؤا)، وذلك أن من ~~لم يعرفه حق معرفته.. لم يهبنه حق مهابته، ولم يعظئه حق تعظيمه وحرمته، ~~فبالعلم يعرفه ويعظمه ويهائه، فصار العلم يثمر الطاعة كلها، ويحجز عن ~~المعصية كلها بتوفيق الله تعالى: ~~وليس وراء هذين مقصد للعبد في عبادة الله سبحانه وتعالى، فعليك بالعلم ~~-أرشدك الله يا سالك طريق الآخرة - أول كل شيء ، والله ولي التوفيق بفضله ~~ورحته ~~ولعلك أن تقول : قد ورد الخبر عن صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامآه ~~أنه قال : "طلب العلم فريضة على كل مسلم"(1)، فما العلم الذي طلبه فرض ~~لازم؟ وما الحد الذي لا بد للعبد من تحصيله في أمر العبادة ؟ # فاعلم : أن العلوم التي طلبها فرض في الجملة ثلاثة : علم التوحيد، وعلم ~~السر- أعني به : ما يتعلق بالقلب ومساعيه - وعلم الشريعة. # وأما حد ما يجب من كل واحد منها : فالذي يتعين فرضه من علم التوحيد ~~مقدار ما تعرف به أصول الدين، وهو أن لك إلها عالما، قادرا حيا، مريدا ~~متكلما، سميعا بصيرا، واحدا لا شريك له، متصفا بصفات الكمال، متنزها PageV00P048 ~~============================================================ ~~عن دلالات الحدث، منفردا بالقدم عن كل محدث، وأن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم عبده ورسوله، الصادق فيما جاء به عن الله سبحانه وتعالى، وفيما ~~ورد على لسانه من أمور الآخرة. # ثم مسائل في شعائر السنة تجب معرفتها، وإياك أن تبتدع في دين الله تعالى ~~ما لم يأت به كتاث ولا أثر، فتكون مع الله سبحانه على أعظم خطر : ~~وجميع أدلة التوحيد موجود أصلها في كتاب الله تعالى ، وقد ذكرها شيوخنا ~~رضي الله عنهم في كتبهم التي صنفوها في أصول الديانات . # وعلى الجملة : كل ما لا تأمن الهلاك مع ms011 جهله فطلب علمه فرض لا يسوغ ~~لك تركه، فهذه هلذه ، وبالله التوفيق. # وأما الذي يتعين فرضه من علم السر : فمعرفة مواجبه ومناهيه ، حتى يحصل ~~لك تعظيم الله تعالى، والإخلاص، والنية، وسلامة العمل ، وعامة ذلك يأتي ~~في كتابنا هلذا إن شاء الله تعالى. # وأما ما يتعين من علم الشريعة : فكل ما تعين عليك فرض فعله وجب عليك ~~معرفته لتؤديه، كالطهارة والصلاة والصيام، وأما الحج والجهاد والزكاة : إن ~~تعين عليك.. وجب عليك علمه لتؤديه، وإلأ.. فلا. # فهذا حد ما يلزم العبد تحصيله من العلم لا محالة، ويتعين فرضه بحيث ~~لا بد لك من ذلك: ~~فإن قلت : فهل يفترض علي أن أتعلم من علم التوحيد ما أنقض به جميع ~~ملل الكفر وألزمهم حجة الإسلام، وأنقض به جميع البدع وألزمهم حجة السنة؟ # فاعلم : أن هلذا فرض على الكفاية ، وإنما يتعين عليك ما تصخح به ~~اعتقادك في أصول الدين لا غير. # وكذلك لا يتعين عليك معرفة فروع علم التوحيد ودقائقه، والإتيان على ~~جميع مسائله. # نعم؛ إن وردت عليك شبهة في أصول الدين، تخاف أن تقدح في PageV00P049 ~~============================================================ ~~اعتقادك.. فيتعين عليك حل تلك الشبهة بما أمكن من الكلام المقنع ، وإتاك ~~والمماراة والمجادلة؛ فإنها داء محض لا دواء له، فاحترز منه جهدك؛ فإن من ~~ارتداه.. لم يفلخ إلأ ان يتغمده الله تعالى برحمته ولطفه ~~ثم اعلم : أنه إذا كان في كل قطر داع من دعاة أهل الشنة ، يحل الشبهة ، ~~ويرد على أهل البدع ، ويشتغل بهذا العلم، ويصفي قلوب أهل الحق عن ~~وساوس المبتدعة. فقد سقط الفرض عمن سواه. # وكذلك لا يلزمك من معرفة دقائق علم السو، وجميع شرح عجاتآب القلب ~~الا ما يفسد عليك عبادتك، فتجب عليك معرفته لتجتنبه ~~وما يلزمك فعله؛ كالإخلاص والحمد ، والشكر والتوكل ، ونحو ذلك:: ~~فيلزمك معرفته لتؤديه، وأما ما سواه فلا ~~وكذلك لا يلزمك معرفة سائر أبواب الفقه؛ من البيوع والإجارات، ~~والنكاح والطلاق والجنايات ، إنما كل ذلك فرض على الكفاية. # فإن قلت : هذا القذر من علم التوحيد هل يحصل بنظر الإنسان من غير ~~معلم؟ ms012 # فاعلم : أن الأستاذ فاتخ ومعلم ومسهل ، والتحصيل معه أسهل وأروخ ، ~~والله تعالى بفضله يمن على من يشاءآ من عباده ، فيكون هو معلمهم سبحانه ~~وتعالى ~~ثم اعلم : أن هلذه العقبة التي هي عقبة العلم عقبة كؤود ، وللكن بها ينال ~~المطلوب والمقصوذ، نفعها كثير، وقطعها شديد، وخطرها عظيم، كم من ~~عدل عنها فضل، وكم من سلكها فزك، وكم من تائه فيها متحيرو، وكم من ~~حسير فيها منقطع(1)، وكم من سالك قطعها في مدة يسيرة ، وآخر متردد فيها ~~سبعين سنة ، والأمر كله بيد الله عز وجل: ~~1) سير: ضعيف متلهف: PageV00P050 ~~============================================================ ~~أما نفعه : فعلى ما ذكرناه من شدة الحاجة للعبد إليه ، وبناء أمر العبادة كله ~~عليه، لا سيما علم التوحيد وعلم السر ، فلقد روي : أن الله تعالى أوحى إلى ~~داوود عليه السلام فقال : يا داووذ؛ تعلم العلم النافع، فقال : إلهي ؛ ~~وما العلم النافع ؟ قال : أن تعرف جلالي وعظمتي وكبريائي، وكمال قدرتي ~~على كل شيء ؛ فإن هذا الذي يقريك إلي . # وعن علي كرم الله وجهه أنه قال : (ما يسرآني أن لو مث طفلا وأدخلث ~~الجنة ولم اكبر فأعرف ربآي)(1) ؛ فإن أعلم الناس بالله أشدهم له خشية ، ~~وأكثرهم عبادة، وأحسنهم في الله سبحانه وتعالى نصيحة ~~وأما شدتها (2) : فابذل نفسك في الإخلاص في طلب العلم ، وليكن الطلب ~~طلب دراية لا طلب رواية ~~واعلم : أن الخطر عظيم، فمن طلب العلم ليصرف به وجوة الناس إليه ، ~~ويجالس به الأمراء، ويباهي به النظراء، ويتصيد به الحطام.. فتجارته بائرة، ~~وصفقته خاسرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من طلب العلم ليفاخر ~~به العلماء، أو ليماري به الشفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه. أدخله الله ~~النار"(3). # قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله : (عملث في المجاهدة ثلاثين سنة، فما ~~وجدت شيئا أشد علي من العلم وخطره)(4). # وإياك أن يزين لك الشيطان فيقول لك : إذا كان قد ورد هذا الخطر العظيم ~~في العلم. فتركه أولى، فلا تظنن ذلك ، فلقد روي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : " أطلعت ليلة المعراج على ms013 التار، فرأيت اكثر أهلها PageV00P051 # ============================================================ ~~الفقراء " قالوا : يا رسول الله ؛ من المال ؟ قال : " لا، بل من العلم" . # فمن لم يتعلم العلم. . لا تتأتى له أحكام العبادة والقيام بحقوقها ، ولو آن ~~رجلأ عبد الله سبحانه عبادة ملائكة السماوات بغير علم . كان من الخاسرين، ~~فشمز في طلب العلم بالبحث والتلقين والتدريس، واجتنب الكسل والملال ، ~~والا.. فأنت في خطر الضلال والعياذ بالله عز وجل . # ثم جملة الأمر : أنك إذا نظرت في دلائل صنع الله تعالى ، وأمعنت النظر ، ~~فعلمت أن لك إلها قادرا ، عالما حيا ، مريدا سميعا، بصيرا متكلما ، منزها عن ~~حدوث الكلام والعلم والإرادة، مقدسا عن كل نقصي وآفة، لا يوصف بصفات ~~المحدثين، ولا يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين، ولا يشبهآ شينا من خلقه، ~~ولا يشبهه شيء، ولا تتضمنه الأماكن والجهات، ولا تحله الحوادث ~~والافات. # ونظرت في معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعلام نبوته، فعلمت ~~أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمينه على وحيه. # وما كان السلف الصالح يعتقدونه ؛ من أن الله تعالى يرى في الآخرة؛ لأنه ~~موجود، وليس في جهة محدودة ، وهو غير محدود ، وأن القرآن كلام الله تعالى ~~غير مخلوق، ليس بحروف مقطعة ، ولا أصوات مختلقة؛ إذ لو كان كذلك.. # لكان من جملة المخلوقات ، وأنه لا يكون في الملك والملكوت فلتة خاطر(1) ، ~~ولا لفتة ناظر ، إلا بقضاء الله تعالى وقدره ، وإرادته ومشيئته سبحانه، فمنه ~~الخير والشر ، والنفع والضو ، والإيمان والكفر ، وأنه لا واجب على الله تعالى ~~لأحد من خلقه، فمن أثابه. فبفضله، ومن عاقبه.. فبعدله. # وما ورد على لسان صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامآه من أمور ~~الآخرة؛ كالحشر والنشر، وعذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، والميزان ~~والضراط: PageV00P052 # ============================================================ ~~فهلذه أصول درج السلف رضوان الله عليهم على اعتقادها والتمشك بها، ~~ووقع عليها الإجماع قبل تنؤع البدع وظهور الأهواء ، نعوذ بالله من الابتداع في ~~الدين، وأتباع الهوى بغير دليل ~~ثم نظرت في أعمال القلب والمواجب الباطنة، والمناهي التي تأتي في هلذا ~~الكتاب ليحصل لك علمه: ~~ثم تعرف جملة ما تحتاج إلى استعماله؛ ms014 كالطهارة والصلاة، والصوم ~~ونحوه ~~فإن فعلت ذلك(1). . فقد أديت فرض الله تعالى عليك الذي تعبدك به في ~~باب العلم ، ولقد صرت من علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، الراسخين ~~في العلم، إن عملت بعلمك، وأقبلت على عمارة معادك، وكنت عبدا عالما ~~عاملا لله تعالى على بصيرة غير جاهل ولا مقلد ولا غافل، ولك الشرف ~~العظيم، ولعلمك القيمة الكثيرة والثواب الجزيل، وكنت قد قطعت هلذه العقبة ~~وخلفتها وراءك، وقضيت حقها بإذن الله تعالى ، والله سبحانه المسؤول أن يمدك ~~وإيانا بحسن توفيقه وتيسيره، إنه أرحم الراحمين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم. PageV00P053 ~~============================================================ ~~العقبة الثانية ~~وهي عقبة التوبة ~~ثم عليك يا طالب العبادة - وفقك الله- بالتوبة ، وذلك لأمرين : ~~أحذهما: ليحصل لك توفيق الطاعة ؛ فإن شؤم الذنوب يورث الحرمان ، ~~ويعقب الخذلان، وإن قيد الدنوب يمنع من المشي إلى طاعة الله عز وجل ~~والمسارعة إلى خدمته ؛ لأن ثقل الذنوب يمنع من الخفة للخيرات ، والنشاط في ~~الطاعات، وإن الإصرار على الذنوب يسؤد القلوب، فتجدها في ظلمة ~~وقساوة، ولا خلوص فيها ولا صفاوة، ولا لذة ولا حلاوة، وإن لم يرحم الله ~~تعالى.. فستجر صاحبها إلى الكفر والشقاوة. # فيا عجبا كيف يوفق للطاعة من هو في شؤم وقسوة؟! وكيف ئدعى إلى ~~الخدمة من هو مصر على المعصية والجفوة ؟! وكيف يقرب للمناجاة من هو ~~متلطخ بالأقذار والنجاسات ؟! ففي الخبر عن الصادق المصدوق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا كذب العبد.. تنخى الملكان عن نتن ~~ما يخرج من فيه "(1)، فكيف يصلح هذذا اللسان لذكر الله عز وجل ؟1 ~~فلا جرم لا يكاد يجذ المصو على العصيان توفيقا، ولا تخفت أركانه ~~لعبادة الله تعالى، وإن أتفق. . فبكد لا حلاوة معه ولا صفوة، وكل ذلك لشؤم ~~الذنوب وترك التوبة ، ولقد صدق من قال : (إذا لم تقو على قيام الليل وصيام PageV00P054 # ============================================================ ~~النهار.. فاعلم أنك مكبول، وقد كبلتك خطيئئك)(1)، فهلذه هذذه. # والثاني من الأمرين : إنما تلزمك الثوبة لتقبل منك عبادتك ؛ فإن رب الدين ~~لا يقبل الهدية ، وذلك أن التوبة ms015 عن المعاصي وارضاء الخصوم فرض لازم ، ~~وعامة العبادة التي تقصدها نفل، فكيف يقبل منك تبرعك والدين عليك حاك لم ~~تقضه؟1 وكيف تترك لأجله الحلال والمباح وأنت مصر على فعل المحظور ~~والحرام ؟1 وكيف تناجيه وتدعوه وتثني عليه وهو - والعياذ بالله- عليك ~~غضبان؟1 ~~فهذا ظاهر حال العصاة المصرين على المعصية، والله المستعان ~~فإن قلت : فما معنى التوبة النصوح وحدها ؟ وما ينبغي للعبد أن يفعله حتى ~~يخرج من الذنوب كلها؟ # فأقول : أما التوبة : فإنها سعي من مساعي القلب ، وهي عند التحصيل في ~~قول العلماء رضي الله عنهم : تنزيه القلب عن الذنب : ~~قال شيخنا رحمه الله في حد التوبة : إنه ترك آختيار ذنب سبق مثله عنه ، ~~منزلة لا صورة، تعظيما لله تعالى، وحذرا من سخطه. # فلها إذن أربع شرائط : ~~إحداها: ترك أختيار الدنب ، وهو أن يوطن قلبه، ويجرد عزمه على أنه ~~لا يعود إلى الذنب ألبئة ، فأما إن ترك الدنب وفي نفسه أنه ربما يعود إليه ، أو ~~لا يعزم على ذلك ، بل يتردد ، فإنه ربما يقع له العود. . فإنه ممتنع عن الذنب ~~غير تائب عنه. # والثانية : أن يتوب من ذنب قد سبق عنه مثله؛ إذ لو لم يسبق عنه مثله.. # لكان متقيا غير تائب ، ألا ترى أنه يصغ القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~مثقيا عن الكفر ، ولا يصخ القول بأنه كان تائبا عن الكفر؟ إذ لم يسبق عنه كفر PageV00P055 ~~============================================================ ~~بحال، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان تائبا عن الكفر؛ لما سبق عنه ~~ذلك. # والثالثة : أن الذي سبق يكون مثل ما يترك اختياره في المنزلة والدرجة لا في ~~الضورة ، ألا ترى أن الشيخ الهرم الفاني الذي قد سبق منه الزنا وقطع الطريق إذا ~~أراد أن يتوب عن ذلك.. تمكنه الثوبة لا محالة؟ إذ لم يغلق عنه بابآها، ~~ولا يمكنه ترك اختيار الزنا وقطع الطريق ؛ إذ هو لا يقدر الساعة على فعل ذلك ، ~~فلا يقدر على تركه ، فلا يصخ وصفه بأنه تارك له ممتنع عنه وهو عاجز عنه غير ~~متمكن منه ms016 ، للكنه يقدر على ما هو مثل الزنا وقطع الطريق في المنزلة والدرجة؛ ~~كالقذف والغيبة والنميمة ؛ إذ جميع ذلك معاصي وإن كان الإثم يتفاوث في كل ~~واحدة بقدرها: ~~للكن جميع هذذه المعاصي الفرعية كلها بمنزلة واحدة ، وهي دون منزلة ~~البدعة ، ومنزلة البدعة دون منزلة الكفر ، فلذلك صح منه التوبة عن الزنا وقطع ~~الطريق وسائر ما مضى من الدنوب التي هو عاجز عن أمثالها اليوم في الصورة. # والرابعة : أن يكون ترك اختياره لذلك تعظيما لله سبحانه وتعالى ، وحذرا ~~من سخطه وأليم عقابه، مجردا لا لرغبة دنيوية، أو رهبة من الناس، أو طلب ~~ثناء وصيت ، أو ضعف في النفس، أو فقر، أو غير ذلك: ~~فهلذه شرائط التوبة وأركانها، فإذا حصلت واستكملت.. فهي توبة حقيقة ~~صادقةآ. # وأما مقدمات الثوبة فثلاث : ~~احداها : ذكر غاية قبح الدنوب. # والثانية : ذكر شدة عقوبة الله تعالى، وأليم سخطه وغضبه الذي لا طاقة ~~لكبه ~~والثالثة : ذكرضعفك وقلة حيلتك في ذلك ؛ فإن من لا يحتمل حر شمس، ~~ولطمة شرطي، وقرص نملة. كيف يحتمل حر نار جهنم، وضرب مقامع PageV00P056 ~~============================================================ ~~الزبانية، ولسع حيات كأعناق البخت، وعقارب كالبغال، خلقت من التار في ~~دار الغضب والبوار ؟! نعوذ بالله من سخطه وعذابه. # فإذا واظبت على هذه الأذكار، وعاودتها آناء الليل وأطراف النهار.. فإنها ~~ستحملك على التوبة النصوح من الدنوب ، والله الموفق بفضله. # فإن قيل : أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " الندم توبة "(1) ، ولم ~~يذكز مما ذكرتم من شرائطها وشددتم شيئا؟ # يقال له : اعلم أولا : أن الندم غير مقدور للعبد ، الا ترى أنه تقع الندامة ~~عن أمور في قلبه وهو يريد الا يكون ذلك ، والتوبة مقدورة للعبد مأمور بها ؟ # ثم إنا قد علمنا أنه لو ندم على الدنوب لما ذهب بذلك جاهه بين الناس، أو ~~ماله في النفقة فيها (2) .. فإن ذلك لا يكون توية بلا ريب ، فعلمت بذلك أن في ~~الخبر معنى لم تفهئه من ظاهرة ، وهو أن الندم لتعظيم الله سبحانه وتعالى وخوف ~~عقابه مما يبعث على التوبة النصوح، فإن ذلك من صفات التائبين ms017 وحالهم ، فإنه ~~إذا ذكر الأذكار الثلاثة التي هي مقدمات التوبة .. يندم ، وحملته الندامةآ على ترك ~~اختيار الدنب، وتبقى ندامته في قلبه في المستقبل، فتحمله على الابتهال ~~والتضروع، فلما كان ذلك من أسباب التوبة وصفات التائب. . سماه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم باسم التوبة ، فافهم ذلك موفقا إن شاء الله تعالى: ~~فإن قلت : كيف يمكن الإنسان أن يصير بحيث لا يقع منه ذنت ألبتة من ~~صغير أو كبير؟ كيف وأنبياء الله صلوات الله عليهم الذين هم أشرف خلق الله ~~سبحانه وتعالى قد اختلف فيهم أهل العلم : هل نالوا هذذه الدرجة أم لا؟ # فاعلم : أن هلذا أمر ممكن غير مستحيل ، ثم هو هين ، وألله تعالى يختص ~~برحمته من يشاء PageV00P057 ~~============================================================ ~~ثم من شرط التوبة : ألا يتعمد ذنبا ، فأما إن وقع منه بسهو أو خطأ.. فهو ~~معفؤ عنه بفضل الله تعالى ، وهاذا هين على من وفقه الله تعالى: ~~فإن قلت : إنما يمنعني من التوبة أني أعلم من نفسي أني أعود إلى الذنب ~~ولا أثبت على التوبة ؛ فلا فائدة في ذلك . # فاعلم : أن هذا من غرور الشيطان، ومن أين لك هلذا العلم؟ فعسى أن ~~تموت تائبا قبل أن تعود إلى الدنب . # وأما الخوف من العود : فعليك العزم والصدق في ذلك وعليه الإتمام، فإن ~~أتم.. فذاك من فضله، وإن لم يتم.. فقد غفرت ذنوبك الشالفة كلها، ~~وتخلصت منها وتطهرت ، وليس عليك إلآ هلذا الذنب الذي أحدثته الآن ، ~~وهذا هو الربح العظيم ، والفائدة العظيمة الكبيرة، ولا يمنعك خوف العود عن ~~التوبة؛ فإنك من التوبة أبدا بين إحدى الحسنيين (1) ، والله تعالى ولي التوفيق ~~والهداية، فهذه هذه ~~وأما الخروج عن الذنوب والتخلص منها : فاعلم أن الذنوب في الجملة ~~ثلاثة أقسام: ~~أحدها: ترك واجبات الله سبحانه وتعالى عليك؛ من صلاة، أو صوم ، أو ~~زكاة، أو كفارة، أو غيرها، فتقضي ما أمكنك منها . # والثاني : ذنوب بينك وبين الله سبحانه وتعالى؛ كشرب الخمر، وضرب ~~المزامير، واكل الربا، ونحو ذلك، فتندم على ذلك ، وتوطن قلبك على ترك ~~العود إلى مثلها أبدا ~~والثالث ms018 : ذنوث بينك وبين العباد ، وهذا أشكل وأصعب ، وهي أقسام : ~~قد تكون في المال ، وفي النفس ، وفي العرض ، وفي الخرمة، وفي الدين: ~~فما كان في المال : فيجب أن ترده عليه إن أمكنك، فإن عجزت عن ذلك PageV00P058 ~~============================================================ ~~لعدم أو فقر.. فتستحل منه، وإن عجزت عن ذلك لغيبة الرجل أو موته وأمكن ~~التصدق عنه.. فافعل، وإن لم يمكن.. فعليك بتكثير حسناتك(1)، والوجوع ~~إلى الله سبحانه وتعالى بالتضوع والابتهال إليه أن يرضيه عنك يوم القيامة. # وأما ما كان في النفس : فتمكنه من القصاص أو أولياءه حتى يقتص منك . # أو يجعلك في حل، فإن عجزت. . فالوجوع إلى اللهو سبحانه والابتهال إليه أن ~~يرضيه عنك يوم القيامة ~~وأما العرض : فإن اغتبته أو بهته أو شتمته .. فحقك أن تكذب نفسك بين ~~يدي من فعلت ذلك عنده، وأن تستحل من صاحبه إن أمكنك، هذذا إن لم تخش ~~زيادة غيظ أو هيج فتنة في إظهار ذلك أو تجديده ، فإن خشيت ذلك.. فالوجوع ~~إلى الله سبحانه وتعالى ليرضيه عنك، ويجعل له خيرا كثيرا في مقابلته، ~~والاستغفار الكثير لصاحبه ~~وأما الحرمة؛ بأن خنته في أهله وولده أو نحوه : فلا وجه للاستحلال ~~والإظهار؛ لأنه يولد فتنة وغيظا، بل تتضرع إلى الله سبحانه ليرضيه عنك، ~~ويجعل له خيرا كثيرا في مقابلته، فإن أمنت الفتنة والهيج - وهو نادر - فتستحل ~~وأما في الدين ؛ بأن كفرته أو بدعته أو ضللته : فهو أصعب الأمور، فتحتاج ~~إلى تكذيب نفسك بين يدي من قلت له ذلك، وأن تستحل من صاحبك إن ~~أمكنك، وإلا.. فالابتهال إلى الله سبحانه وتعالى جدا ، والتندم على ذلك ~~ليرضيه عنك ~~وجملة الأمر: فما أمكنك من إرضاء الخصوم. عملت، وما لم ~~يمكنك.. رجعت إلى الله سبحانه وتعالى بالتضوع والصدق ليرضيه عنك، ~~فيكون ذلك في مشيئة الله سبحانه يوم القيامة، والرجاء منه بفضله العظيم، PageV00P059 # ============================================================ ~~واحسانه العميم : أنه إذا علم الصدق من قلب العبد.. فإنه يرضي خصماءه عنه ~~من خزانة فضله، ولا حكم(1)، فاعلم هذذه حقها راشدا، فهذه هذه . # فإذا أنت عملت ما وصفناه، وبرأت القلب عن اختيار ms019 مثلها في المستقبل.: ~~فقد خرجت من الدنوب كلها، وإن حصلت منك تبرئة القلب، ولم يحصل منك ~~قضاء الفوائت، وإرضاء الخصوم. . فالتبعات لازمة(2)، وسائر الذنوب مغفورة. # ولهذا الباب شرخ يطول؛ فلا يحتمله هلذا المختصر، وانظر (كتاب ~~التوبة) من كتب " إحياء علوم الدين" أولا ، وكتاب " القربة إلى الله تعالى" ~~ثانيا، وكتاب " الغاية القصوى" ثالثا. . تجذ فوائد كثيرة، وشرحا جما ، ~~والذي ذكرناه ههنا هو الأصل الذي لا بد منه ، وبالله التوفيق. # فتاى ~~(في بيان حقيقة التوبة وما جاء في ذلك من أقوال السلف] ~~ثم اعلم يقينا أن هلذه العقبة عقبة صعبة، أمزآها مهم ، وضررها عظيم ، ~~فلقد بلغنا عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني رحمه الله تعالى - وكان من ~~الراسخين في العلم ، العاملين به - : أنه قال : دعوث الله سبحانه ثلاثين سنة أن ~~يرزقني توبة نصوحا، ثم تعجبت في نفسي وقلت : سبحان الله! حاجة ~~دعوت الله سبحانه فيها ثلاثين سنة فما قضيت إلى الآن ، فرأيت فيما يرى النائم ~~كأن قائلا يقول لي : أتتعجب من ذلك ؟ أتدري ماذا تسأل الله سبحانه ؟ # إنما تسأل الله سبحانه أن يحبك ، أما سمغت قوله تعالى : { إن الله يحب التوابين ~~ويحث المتطهرير} ؟ أهلذه حاجة هينة؟ # فانظر إلى هؤلاء الأئمة واهتمامهم، ومواظبتهم على صلاح قلوبهم، ~~والترؤد لمعادهم: PageV00P060 ~~============================================================ ~~وأما الضرر المخوف في تأخير التوبة : فإن أول الذنب قسوة، وآخره ~~-والعياذ بالله - شؤم وشقوة، فإياك أن تنسى أمر ابليس وبلعم بن باعوراء(1) ، ~~كان مبتدأ أمرهما ذنبا، وآخروه كفرا ، فهلكا مع الهالكين أبد الابدين: ~~فعليك - رحمك الله- بالتيقظ والجهد، عسى أن تقلع من قلبك عرق هلذا ~~الإصرار، وتخلص رقبتك من هلذه الأوزار، ولا تأمن قساوة القلب من ~~الذنوب، وتأمل حالك، فلقد قال بعض الصالحين : إن سواد القلب من ~~الذنوب. # وعلامة سواد القلب : ألا تجد للقلوب من الذنوب مفزعا، ولا للطاعة ~~موقعا، ولا للموعظة منجعل(2)، ولا تستحقرن الذنوب ، فتحسب نفسك تائبا ~~وأنت مصر على الكبائر ، كما قال الشاعر : ~~([من الكامل) ~~لا تحقرن من الدنوب أقلها إن القليل مع الدوام كثير ~~لقد بلغنا عن كهمسي بن الحسن أنه قال ms020 : (أذنبث ذنبا فأنا أبكي عليه منذ ~~أريعين سنة ، قيل : ما هو يا أبا عبد الله؟ قال : زارني أخ لي في الله ، فاشتريت ~~له سمكا، فأكل، ثم قمت إلى حائط جار لي، فأخذت منه قطعة طين ، فغسل ~~بهايده)(3). # فناقش نفسك وحاسبها، وسارغ إلى التوبة وبادر؛ فإن الأجل مكتوم، ~~والدنيا غروة، والنفس والشيطان عدؤان، وتضرع إلى الله سبحانه وتعالى ~~وابتهل، واذكز حال أبينا آدم عليه السلام الذي خلقه الله سبحانه وتعالى بيده، ~~ونفخ فيه من روحه، وحمله إلى جنته على أعناق الملائكة، لم يذنب إلا ذنبا ~~واحدا ، فنزل به ما نزل ، حتى روي : ( أن الله تعالى قال له : يا آدم؛ أي جار ~~كنث لك؟ قال : نعم الجار يا رب، قال : يا آدم؛ اخرج من جواري، وضع PageV00P061 # ============================================================ ~~عن رأسك تاج كرامتي ؛ فإنه لا يجاورني من عصاني)(1) . # حتى إنه فيما روي: بكى على ذنبه مثتي سنة حتى قبل توبته، وغفر ذنبه الواحد. # هلذا حاله مع نبيه وصفئه في ذنب واحد، فكيف حال الغير في ذنوب ~~لا تحصى ؟1 وهذا تضروع التائب وابتهاله ، فكيف بالمصر المتعسف ؟! # ولقد أحسن من قال : ~~(من المتقارب] ~~يخاف على نفسه من يتوت فكيف ترى حال من لا يتوب؟!(2 ~~فإن تبت ، ثم نقضت التوبة ، وعدت إلى الذنب ثانيا. . فعذ إلى التوبة ~~مبادرا ، وقل لنفسك : لعلي أموث قبل أن أعود إلى الذنب هلذه المرة، وكذلك ~~ثالثا ورابعا، وكما اتخذت الدنب والعود إليه حرفة.. فاتخذ التوبة والعود إليها ~~حرفة، ولا تكن في الثوبة أعجز منك في الذنب ، ولا تيأس، ولا يمنغك ~~الشيطان من التوبة بسبب ذلك ، فإنه دلالة الخير ، أما تسمع قوله صلى الله ~~عليه وسلم : "خياركم كل مفئن تواب "(3) أي : كثير الابتلاء بالذنب ، كثير ~~التوبة منه والوجوع إلى الله جل جلاله بالندامة والاستغفار ، وتذكر قوله سبحانه : ~~{ومن يعمل سوءا آو يظلم نفسه ثر يستغفر الله يجد الله عفورا تحيما} ، فهلذه ~~هلذه، وبالله التوفيق. # تاق ~~(في بيان حقيقة التوبة الصادقة) ~~وجملة الأمر : أنك إذا ابتدأت ، فبرأت قلبك عن الذنوب كلها؛ بأن توطنه ~~على ms021 الأ تعود إلى الدنب أبدا ألبتة. . ليكن ما كان منك على وجه علم الله سبحانه ~~وتعالى صدق عزمك فيه من قلب صادقي تقي، وترضي الخصوم بما أمكنك، PageV00P062 ~~============================================================ ~~وتقضي الفوائت بما تقدر عليه، وترجع في الباقي إلى الله سبحانه وتعالى ~~بالابتهال والتضروع ليكفيك ذلك . # ثم تذهب فتغتسل، وتغسل ثيابك، وتصلي آربع ركعات كما يجب، ~~وتضع وجهك على الأرض في مكان خال لا يراك إلأ الله سبحانه ، ثم تجعل ~~الثراب على رأسك، وتمرغ وجهك الذي هو أعز أعضائك في الثراب بدمع ~~جار، وقلب حزين، وصوت عال، وتذكر ذنوبك واحدا واحدا ما أمكنك، ~~وتلوم نفسك العاصية عليها ، وتوبخها وتقول : أما تستحي يا نفس؟ أما آن لك ~~أن تتوبي؟ ألك طاقة بعذاب الله سبحانه ؟ ألك حاجة بسخط الله سبحانه ؟ وتذكر ~~من هلذا كثيرا وتبكي. # ثم ترفع يديك إلى الرب الرحيم سبحانه وتقول : إلهي ؛ عبذك الابق رجع ~~الى بابك ، عبذك العاصي رجع إلى الصلح، عبدك المذنب أتاك بالعذر، فاعف ~~عني بجودك، وتقبلني بفضلك، وانظر إلي برحمتك، اللهم؛ أغفر لي ~~ما سلف من الذنوب ، واعصمني فيما بقي من الأجل ، فإن الخير كله بيدك ، ~~وأنت بنا رؤوف رحيم. # ثم تدعو دعاء الشدة، وهو : يا مجلي عظائم الأمور، يا منتهى همة ~~المهمومين ، يا من إذا أراد أمرا.. فإنما يقول له كن فيكون، أحاطت بي ذنوت ~~أنت المذخور لها(1)، يا مذخورا لكل شدة؛ كنث أدخرك لهذه الساعة، فتث ~~علي ، إنك أنت التواب الرحيم. # ثم اكثز من البكاء والتذلل ، وقل : يا من لا يشغله شأن عن شأن ، ولا سمع ~~عن سمع ، يا من لا تغلطه المسائل ، يا من لا يبرمه إلحاح الملحين(2) ؛ أذقني ~~برد عفوك، وحلاوة مغفرتك ، برحمتك يا أرحم الراحمين، إنك على كل شيءآ ~~قدير. PageV00P063 ~~============================================================ ~~ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وتستغفر لجميع المؤمنين ~~والمؤمنات ، وترجع إلى طاعة الله جل جلاله، فتكون قد تبت توبة نصوحا، ~~وقد خرجت من الذنوب طاهرا كيوم ولدتك أمك ، وأحبك الله تعالى ولك من ~~الأجر والثواب، وعليك من البركة والرحمة ما لا ms022 يحيط به وصف واصف ، ~~وحصل لك الأمن والخلاص، ونجوت من غصة المعاصي وبليتها في الدنيا ~~والاخرة، وكنت قد قطعت هذذه العقبة بإذن الله سبحانه، والله تعالى ولي ~~الهداية والتوفيق بمنه وفضله. PageV00P064 # ============================================================ ~~العقبة الثاثة ~~وهي عقبة العوائق ~~ثم عليك يا طالب العبادة - وفقك الله تعالى - بدفع العوائق حتى تستقيم ~~عبادتك، وقد ذكرنا أن العوائق أريعة : ~~أحدها : الدنيا ، ودفعها إنما هو بالتجرد عنها ، والزهد فيها، وإنما لزمك ~~هلذا التجرود والزهد لأمرين : ~~أحدهما : لتستقيم لك العبادة وتكثر؛ فإن الرغبة في الدنيا تشغلك (1) ؛ أما ~~ظاهرك : فبالطلب ، وأما باطنك : فبالإرادة وحديث النفس ، وكلاهما يمنع عن ~~العبادة؛ فإن النفس واحدة، والقلب واحد ؛ فإذا اشتغل بشيء.. انقطع عن ~~ضده: ~~وان مثل الدنيا والآخرة كمثل الضرتين؛ إن أرضيت إحداهما.. أسخطت ~~الأخرى، وإنهما كالمشرق والمغرب، بقدر ما تميل إلى أحدهما.. أعرضت ~~عن الآخر: ~~أما شغلها في الظاهر : فقد روينا عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال : ~~(زاولت أن أجمع بين العبادة والتجارة فلم يجتمعا، فاقبلت على العبادة، ~~وتركث الثجارة)(2). # وعن عمر رضي الله عنه أنه قال : (لو كانتا مجتمعتين لأحد غيري.: ~~لاجتمعتالي؛ لما أعطاني الله تعالى من القوة واللين) . PageV00P065 ~~============================================================ ~~فإذا كان الأمر كذلك . . فأضر بالفانية ، والسلام. # وأما شغلها بالقلب - وهو الباطن لمكان الإرادة - : فما روي عن ~~التبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أحب دنياه.. أضر بآخرته ، ومن أحب PageV00P066 ~~============================================================ ~~وأما الزهذ الذي هو غير مقدور للعبد: فهو برودة الشيء على قلب ~~الزاهد(1). # ثم الزهذ الذي هو مقدور مقدمات للزهد الذي هو غير مقدور ، فإذا أتى به ~~العبد؛ بألا يطلب ما ليس عنده من الذنيا ، ولأن] يفرق ما عنده منها، ويترك ~~بالقلب إرادتها وأختيارها لأجل الله وعظيم ثوابه بتذكره لافاتها.. أورثته تلك ~~برودة الأنيا على قلبه، وهلذا عندي هو الزهذ الحقيقي. # ثم أعلم : أن أصعب الأمور الثلاثة إنما هو ترك الإرادة بالقلب ؛ إذ كم من ~~تارك لها بظاهره، محث مريد لها بباطنه، فهو في مكافحة ومقاساة من نفسه ~~شديدة، والشان كله في هلذا ، ألم تسمع إلى قوله سبحانه ms023 وتعالى : { تلك الدار ~~الخرة نحصلها للذين لا يرييون علوا فى الأرض ولا فسادا) ؟ علق الحكم بنفي الإرادة ، ~~دون الطلب والفعل للمراد. # وقوله تعالى : { من كاب يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثد ومن كاب يريد ~~حرث الذنيا نؤتهه منها وما له فى الأخرة من تصيب) . # وقوله تعالى : { من كان يريد العاجلة عبلنا له فيها ما نشاء لمن نريد) الآية ~~وقوله : { ومن أراد اللخرة وسعن لها سعيها وهو مؤمن} الآية ~~أما ترى الإشارة كلها إلى الإرادة ؟! فأمرها هو المهم إذن ، للكن العبد إذا ~~واظب واستقام على الأمرين الأؤلين - أعني : الترك والتفريق - فمأمول من ~~فضل الله سبحانه أن يوفقه لدفع هلذه الإرادة والاختيار عن قلبه؛ فإنه المتفضل ~~الكريم عز وجل. # ثم الذي يبعث على الترك والتفريق ، ويهون عليك ذلك : ذكر آفات الذنيا ~~وعيوبها، وقد أكثر الناس القول في ذلك، فمنه قول بعضهم : تركث الذنيا لقلة ~~غنائها، وكثرة عنائها، وسرعةآ فنائها، وخسة شركائها. PageV00P067 ~~============================================================ ~~قال شيخي الإمام رحمه الله : للكن يجيء من هلذا رائحة الرغبة ؛ لأن من ~~شكا فراق أحد.. أحب وصاله، ومن ترك شيئا لمكان الشركاء فيه.. أخذه لو ~~انفرد به. # فالقول البالغ فيه : ما قاله شيخنا رحمه الله : إن الذنيا عدوة الله عز وجل ، ~~وأنت محثه، ومن أحب أحدا.. أبغض عدوه . قال : ولأنها في أصلها وسخة ~~جيفة ، الا ترى أن آخرها إلى القذر والفساد ، والتلاشي والاضمحلال والنفاد ؟ # للكنها جيفة ضمخت بطيب(1)، وطرزت بزينة، فاغتر بظاهرها الغافلون، ~~وزهد فيها العاقلون : ~~فإن قيل : فما حكم الزهد في الذنيا ؛ أهو فرض أم نفل ؟ # فاعلم : أن الزهد يقع عندنا في الحلال والحرام ، فهو في الحرام فرض، ~~وفي الحلال نفل. # ثم منزلة هذذا الحرام لمستقيمي الطاعة بمنزلة الميتة المستقذرة ، لا يقدم ~~عليها إلا عند الضرورة بمقدار دفع الضرر: ~~وأما الزهذ في الحلال : فإنما يكون في منزلة الأبدال ، يكون عندهم ~~الحلال بمنزلة الميتة ، لا يتناولون منها إلا قدرا لا بد منه، والحرام عندهم ~~بمنزلة الثار، لا يخطر ببالهم قصد تناولها بحالي، وهلذا معنى البرودة على ~~القلب؛ بأن تنقطع ms024 هيئه عنها، ويستقذرها ويستنكرها جدا، فلا يبقى لها في ~~قلبه اختيار ولا إرادة. # فإن قلت : كيف يمكن أن تصير الثنيا في شهواتها ولداتها العجيبة المطلوبة ~~عند الإنسان بمنزلة النار، أو بمنزلة الجيفة المستحيلة ، والبنية بنيثنا، والطبع ~~طبعنا 4(2) ~~فاعلم : أن من وفق التوفيق الخاصر ، وعلم آفاتها وقذرها في أصلها.. PageV00P068 ~~============================================================ ~~فتصير عنده كذلك ، وإنما يتعجب من هلذا الراغبون العميان عن عيب الدنيا ~~وآفاتها، المغترؤون بظاهرها وزينتها، وسأضرب لك مثلا لذلك : ~~فاعلم : أن هذا يمثل بإنسان صنع خبيصا بشرائطه من الشكر وغيره(1)، ثم ~~طرح فيه قطعة سم قاتل، فأبصر ذلك رجل ولم يبصره آخر، ووضع الخبيص بين ~~أيديهما مزينا مزخرفا ؛ فالرجل الذي أبصر ما جعل فيه من الشم يكون زاهدا في ~~ذلك الخبيص، لا يخطرو بباله أن يتناول منه بحال ألبتة، ويكون ذلك عنده بمنزلة ~~النار، بل أصعب؛ لمكان ما يعلم من آفته، ولا يغتر بظاهره وزينته، ~~وأما الرجل الآخر الذي لم يبصر ما جعل فيه. . أغتر بظاهره المزخرف ، وحرص ~~عليه، ولم يصبو عنه، وأخذ يتعجب من صاحبه الزاهد فيه، ورئما يسفهه في ~~ذلك. # فهلذا مثل حرام الدنيا مع البصراء المستقيمين، والجهال الراغبين. # فإن لم يطرح فيه الشم، للكن بزق فيه أو أمتخط، ثم ضمخه وزينه؛ ~~فالرجل الذي شاهد منه ذلك الفعل يكون مستقذرا لذلك الخبيص ، نافرا عنه، ~~لا يكاد يقدم عليه إلا عند الضرورة وشدة الحاجة إليه ، والذي لم يشاهذ ذلك ~~فهو جاهل بآفته، مغتر بظاهره، حريصن عليه، مكث معجبت محق ~~فهذا مثل حلال الدنيا مع الفريقين ؛ أهل البصيرة والاستقامة، وأهل الرغبة ~~والغفلة ~~وإنما آختلف حال الرجلين مع تساويهما في الطبع والبنية لبصيرة وعلم كان ~~لأحدهما، وجهل وغفلة وجفاء كان للآخر، فلو علم الراغب، وأبصر ما علمه ~~الزاهذ.. لكان زاهدا مثله، ولو جهل الزاهذ، وعمي عما عمي عنه الراغب.. # لكان راغبا مثله: ~~فعلمت بذلك أن هذا التمييز لمكان البصائر دون الطبائع ، وهلذا أصل PageV00P069 ~~============================================================ ~~مفيد، وكلام بين سديد، أعترف به من عقل وأنصف، والله تعالى وليي الهداية ~~والتوفيق بفضله. # فإن قيل : فلا ms025 بد لنا من قذر من الدنيا ليكون قوامآ لنا ، فكيف نزهذ فيها ؟! # فاعلم : أن الزهد في الفضول مما لا يحتاج إليه في قوام البنية، ~~فالمقصود : القوام والقوة حتى تعبد ألله سبحانه لا الأكل والشرب والتلذذ ، والله ~~تعالى إن شاء.. أقامها بشيء وسبب ، وإن شاء. أقامها بغير سبب كالملائكة ~~ثم إن كان بشيء؛ إن شاء.. فبشيء حاصل عندك، أو بطلبك وكسبك ، وإن ~~شاء.. فبشيء غيره يسببه لك من حيث لا تحتسب، من غير طلب منك وكسب ، ~~كما قال اللهآ تعالى : ( ومن يتق الله يجعل له يخربا * ويرزقه من حيث لا يحتسب) ~~فإذن لا تحتاج بحال إلى طلب وإرادة، فإن لم تقو على ذلك، وطلبت ~~وأردت.. فانو بذلك العدة والقؤة على عبادة الله تعالى ، دون الشهوة واللذة؛ ~~فإنك إذا نويت ذلك. . كان الطلب والإرادة منك خيرا وطلبا للآخرة بالحقيقة ~~لا للدنيا، ولا يقدح في زهدك وتجودك، فاعلم هلذه الجملة راشدا إن شاء الله ~~تعالى، وبالله التوفيق ~~العائق الثاني : الخلق، ثم عليك - وفقك الله وإيانا لطاعته - بالتفرؤد عن ~~الخلق، وذلك لأمرين : ~~أحذهما : أنهم يشغلونك عن عبادة الله عز وجل، على ما خكي عن بعضهم ~~أنه قال : مررث بجماعة يترامؤن وواحد جالس بعيدا منهم ، فأردث أن أكلمه ~~فقال لي : ذكر الله أشهى إلي من كلامك، فقلت : أنت وحدك؟ فقال : معي ~~رئي وملكاي، فقلت : من سبق من هؤلاء؟ فقال : من غفر الله له، فقلت : ~~اين الطريق؟ فأشار بيده إلى السماء ، وقام وتركني ، وقال : أكثر خلقك عنك ~~شاغل. # فالخلق إذن يشغلونك عن العبادة، بل يمنعونك منها، بل يوقعونك في ~~الشر والهلاك ، على ما قال حاتم الأصم رحمه الله تعالى : طلبت من هلذا الخلق PageV00P070 ~~============================================================ ~~خمسة أشياء فلم أجذها : طلبت منهم الطاعة والزهادة فلم يفعلوا، فقلت : ~~أعينوني عليهما إن لم تفعلوا ، فلم يفعلوا، فقلت : ارضوا عني إن فعلت، فلم ~~يفعلوا، فقلث : لا تمنعوني عنهما إذن، فمنعوني، فقلت : لا تذعوني إلى ~~ما لا يرضي الله العظيم ولا تعادوني عليها إن لم أتابغكم ، ففعلو(1)، فتركثهم ~~واشتغلت بخاصة نفسي ~~واعلم أيها ms026 الأخ في الدين : أن نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم وصف ~~زمان العزلة، وبين نعته ونعت أهله، وأمر فيه بالتفرد، وكان صلى الله ~~عليه وسلم لا محالة أعلم بالمصالح ، وأنصح لنا منا لأنفسنا: ~~فان وجدت زمانك على ما وصف وبين.. فامتثل أمره صلى الله ~~عليه وسلم ، واقبل نصيحته ، ولا تشك في أنه صلى الله عليه وسلم كان أعرف ~~بما يصلع لك في زمانك، ولا تتعلل بالعلل الكاذبة، ولا تخادغ نفسك، ~~وإلا.. فأنت هالك ولا عذرلك . # والوصف الذي ذكرناه منها هو في الخبر المشهور عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاصي رضي الله عنهما أنه قال : بينما نحي حول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذ ذكر الفتنة فقال : " إذا رأيتم الناس مرجتث عهودهم، وخفت ~~أماناتهم، وكانوا هكذا" وشبك بين أصابعه، قلث: ما أصنع عند ذلك ~~جعلني الله فداءك؟ قال: " الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذما تعرف، ~~ودع ما تنكر، وعليك بأمر الخاصة، ودغ عنك أمر العامة "(2). # وذكر في خبر آخر أنه عليه الصلاة والسلام قال : " ذلك أيام الهزج " قيل : ~~وما أيام الهزج ؟ قال : " حين لا يأمن الرجل جليسه "(3) . # وذكر أبن مسعود رضي الله عنه في خبر آخر للحارث بن عميرة أنه قال : PageV00P071 ~~============================================================ ~~"إن يدفع عن عمرك.. فسيأتي عليك زمان كثير خطباؤه، قليل علماؤه، كثير ~~سؤاله، قليل معطوه، الهوى فيه قائد العلم " قال : ومتى ذلك ؟ قال : 9 إذا ~~أميتت الصلاة، وقبلت الرآشا، ويباع الدين بعرض يسير من الذنيا ، فالنجاء ~~ويحك ثم النجاء"(1). # قلث : وجميع ما ذكر في هلذه الأخبار تراه بعينك في زمانك وأهله ، فانظز ~~لنفسك. # ثم إن السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعوا على التحذير من زمانهم ~~وأهله، وآثروا العزلة، وأمروا بذلك، وتواصوا به، ولا شك أنهم كانوا أبصر ~~وأنصح، وأن الزمان لم يصر بعدهم خيرا مما كان، بل أشو وأمر، وهو ما ذكر ~~عن يوسف بن أسباط أنه قال : سمعت الثوري يقول : (والله الذي لا إله ~~إلأ هو ؛ لقد حلت العزلة في هلذا الزمان)(2) . # (2) ~~(3) ~~قلث أنا : ولئن حلت في ms027 زمانه . . ففي زماننا هلذا وجبت وافترضت(3). # وعن سفيان أيضا أنه كتب إلى عباد الخواص رحمهما الله تعالى : ~~(أما بعد : فإنك في زمان كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله ~~عنهم يتعوذون بالله من آن يدركوه - فيما بلغنا- ولهم من العلم ما ليس لنا، ~~فكيف بنا حين أدركناه على قلة علم ، وقلة صبر ، وقلة أعوان على الخير ، وكدر ~~من الدنيا، وفساد من الناس ؟1 فعليك بالأمر الأول، وعليك بالعزلة وترك PageV00P072 # ============================================================ ~~الجدل وترك مخالطة الناس)(1) ، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ~~(في العزلة راحة من خلطاء الشوء)(2). # امن البسيط ~~وفي مثل هذا قيل: ~~هذا الزمان الذي كتا نحاذره في قول كعب وفي قول آبن مسعود ~~دهر به الحق مردوذ بأجمعه والظلم والبغي فيه غير مردود ~~إن دام هلذا ولم تحدث له غير لم يبك ميث ولم يفرخ بمولود ~~ولقد وجدث عن سفيان بن عيينة أنه قال : (قلت للثوري : أوصني، ~~فقال : أقلل من معرفة الناس ، قلت : يرحمك الله ! أليس قد جاء في الخبر : ~~" أكثروا من معرفة الناس؛ فإن لكل مؤمن شفاعة ؟"(3) قال : لا أحسبك رأيت ~~قط ما تكرهآ إلا ممن تعرف، قلت : أجل، ثم مات ، فرأيته بعد موته في المنام ~~بحجج، فقلت : يا أبا عبد الله؛ أوصني، فقال : أقلل من معرفة الناس ~~ما استطعت، فإن التخلص منهم شديد)(4) ~~[من الطويل] ~~وقد قيل في معنى هذذا الخبر نظما : ~~أفتش عن هلذا الورى وأكشف ~~وما زلت مذ لاح المشيب بمفرقي ~~فما إن عرفت الناس إلآ ذممثهم ~~جزى ألله خيرا كل من لست أعرف ~~سوى أنني أحببت من ليس ينصف (5) ~~وما لي ذنث أستحق به الجفا ~~وقال الفضيل رحمه الله تعالى : هلذا زمان أحفظ فيه لسانك، وأخف PageV00P073 ~~============================================================ ~~مكانك، وعالج قلبك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر: ~~وقال الثوري رحمه الله تعالى : هذا زمان الشكوت، ولزوم البيوت، ~~والرضا بالقوت إلى أن تموت. # وعن داوود الطائي رحمه الله تعالى : (صم عن الدنيا، واجعل فطرك ~~الآخرة، وفر من الناس فرارك من الأسد)(1) . # وعن أبي عبيد أنه ms028 قال : ما رأيث حكيما قط إلأ قال لي في عقب كلامه : إن ~~أحببت ألا تعرف. . فأنت من الله تعالى على بال. # والأخبار في هذا الباب أكثر من أن تحصى؛ فلا يحتمله هذا الكتاب ، ~~وقد صنفنا فيه كتابا مفردا، وسميناه : "كتاب أخلاق الأبرار والتجاة من ~~الأشرار"، فقف عليه تر العجب العجاب، والعاقل تكفيه إشارة، والله ولي ~~التوفيق والهداية بفضله. # وأما الخصلة الثانية التي تقتضي التفرد عن الثاس في هلذا الشأن : أن الناس ~~يفسدون عليك ما يحصل لك من العبادة إن لم يعصم اللهآ سبحانه، بسبب ~~ما يعرض من قبلهم من دواعي الرياء والتزئن ، ولقد صدق يحيى بن معاذ الرازي ~~رحمه الله حيث قال : رؤية الناس بساط الرياء: ~~وهؤلاء الزهاد قد خافوا على أنفسهم من هلذا المعنى حتى تركوا الملاقاة ~~والتزاور. # ولقد ذكر أن هرم بن حيان قال لأويس القرني رحمهما الله : يا أويس؛ صلنا ~~بالزيارة واللقاء، فقال أويس: قد وصلئك بما هو أنفع لك منهما ، وهو الدعاء ~~على ظهر الغيب ؛ لأن الزيارة واللقاء يعرض فيهما التزين والرياء . # وقيل لسليمان الخواص : قدم إبراهيم بن أدهم، أفلا تأتيه ؟ فقال : لأن ~~القى شيطانا ماردا أحث إلي من لقائه، فاستنكروا ذلك من قوله، فقال : إني PageV00P074 ~~============================================================ ~~أخاف إذا لقيتآه أن أتزين له ، وإذا لقيت شيطانا أمتنع منه. # ولقد لقي شيخي الإمام بعض العارفين، فتذاكرا مليا، ثم دعوا في آخر ~~حدييهما، فقال شيخي الإمام للعارف : ما أظنني جلست مجلسا أنا له أرجى من ~~مجلسي هلذا، فقال له العارف : للكني ما جلست مجلسا أنا له أخوف من ~~مجلسي هذا، ألست تعمد إلى أحسن حديثك وعلومك فتحدثني بها ، وتظهرها ~~بين يدي، وأنا كذلك؟ فقد وقع الرياء، فبكى شيخي الإمام مليا، ثم غشي ~~[من السريع) ~~عليه، فكان بعد ذلك يتمثل بهذه الأبيات : ~~يا ويلتسا من موقف ما به أخوف من آن يعدل الحاكم ~~اارذ الله بعصيان ه ولي لي من دونه راحم ~~يا رب عفوا منك عن مذنب أسرف إلا أته نادم ~~يقول في الليل إذا ما دجا آهأ لذنب ms029 ستر العالة(1) ~~فهذا حال أهل الزآهد والرياضة في ملاقاتهم ، فكيف حال أهل الرغبة ~~والبطالة ، بل حال أهل الشر والجهالة ؟1 ~~وأعلم : أن الزمان قد أصبح في فساد عظيم ، وأصبح الناس في ضر كثير؛ ~~فإتهم يشغلونك عن عبادة الله تعالى حتى لا يكاد يحصل لك منها شيء، ثم ~~يفسدون عليك ما حصل لك حتى لا يكاد يسلم لك منها شيء، فلزمتك العزلة ~~والتفرآد عن الناس ، والاستعاذة بالله تعالى من شرهذا الزمان وأهله، والله تعالى ~~الحافظ بفضله ورحمته ~~فإن قيل : فما حكم العزلة والتفرود عن الناس ؟ فبين لنا - يرحمك الله - حال ~~طبقات الخلق فيها، والحد الذي يجب منها. # فاعلم - رحمك الله وإيانا - : أن الناس في هذا الباب رجلان : ~~رجل لا حاجة بالخلق إليه في علم وبيان حكم ، فالأولى بهذا الرجل التفرد PageV00P075 ~~============================================================ ~~عن الناس، فلا يخالطهم إلا في جمعة أو جماعة، أو عيد أو حج، أو مجلس ~~علم بالشنة، أو حاجة في معيشة لا بد له من ذلك ، وإلا.. فيواري شخصه، ~~ويلزم كنه ، لا يعرف ولا يعرف. # فأما إن أحب هلذا الرجل أن ينقطع عن الناس فلا يخالطهم في أمر من الأمور ~~ألبية، من دين ودنيا، وجماعة وجمعة وغيرها؛ لما يرى له في ذلك من ~~مصلحته وفراغه.. فإنه لا يسعه ذلك إلأ بأحد أمرين : ~~اقا أن يصير إلى موضع لا يلزمه هنالك هلذه الفرائض، كرؤوس الجبال، ~~وبطون الأودية ونحوها ، ولعل هذا أحد الوجوه التي دعت العباد إلى تلك ~~المواضع البعيدة عن الناس . # واما أن يتيقن بالحقيقة أن الضرر الذي يلحقه في مخالطة الناس بسبب هلذه ~~الفروض أعظم من تركها ، فحينئذ يكون له عذر في ذلك . # ولقدرايت أنا بمكة - حرسها الله- بعض المشايخ المتفردين من أهل العلم، ~~وهو لا يحضر المسجد الحرام في الجماعة، مع قربه منه، وسلامة حاله، ~~فحاورته في ذلك يوما في حال ترددي إليه ، فذكر من عذره ما أشرنا إليه ، وهو ~~أن ما يحصل من الثواب لا يفي بما يلحقه من الآثام والتبعات في الخروج إلى ~~المسجد ولقاء الناس. # قلث أنا : وجملة ms030 الأمر : فلا عتب على المعذور، وألله تعالى أولى ~~بالعذر، وهو عليم بذات الضدور، ولكن الطريق العدل فيه هو الأول، بأن ~~يشارك الناس في الجمعة والجماعات، وضروب الخيرات، ويباينهم فيما سوى ~~ذلك: ~~فإن أحب الطريق الثاني ؛ بأن ينقطع عن الناس بمرة. . فسبيله الخروج إلى ~~مواضع لا تتوجهآ عليه هذذه الفروض ثم . # الطريق الثالث : أن يكون مع الناس في مصر واحد ، لا يحضر جمعة ~~ولا جماعة، لعذر يراه في ذلك؛ من وزر أو تبعة عليه، فإنه يحتاج إلى نظر PageV00P076 ~~============================================================ ~~دقيق، وعوارض عظيمة، حتى يسقط ذلك عنه، وفيه خطر من الغلط، ~~فالأولان أسلم وأحفظ له، والله ولي الهداية بفضله. # وأما الرجل الثاني : فرجل يكون قدوة في العلم ، بحيث يحتاج الناس إليه ~~في أمر دينهم لبيان حق، أو رد على مبتدع ، أو دعوة إلى خير بفعل أو بقول، أو ~~نحو ذلك، فلا يسع هذا الرجل الاعتزال عن الناس ، بل ينصب نفسه بينهم ~~ناصحا لخلق الله تعالى ، ذابا عن دين الله تعالى ، مبينا لأحكام الله تعالى، فلقد ~~روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا ظهرت البدع وسكت ~~العالم. . فعليه لعنة الله 8(1). # هلذا إذا كان بينهم ، وإذا خرج من بينهم. . فلا يجوز له أيضا الاعتزال ، ~~ولقد حكي : أن الأستاذ أبا بكر ابن فورك رحمه الله قصد أن ينفرد لعبادة الله ~~تعالى عن الخلق، فبينما هو في بعض الجبال.. إذ سمع صوتا ينادي : يا أبا ~~بكر؛ إذ صرت من حجج الله على خلقه. . تركت عباد الله تعالى ! فرجع، وكان ~~هذا سبب صحبته للخلق ~~وذكر لي مأمون بن أحمد رحمه الله : أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني ~~رحمه الله قال لعباد جبل لبنان : يا أكلة الحشيش؛ تركثم أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم في أيدي المبتدعة واشتغلتم هلهنا بأكل الحشيش! قالوا له: إنا ~~لا نقوى على صحبة الناس، وإنما أعطاك اللهقوة فلزمك ذلك، فصنف بعد ذلك ~~كتابه " الجامع للجلي والخفي". # وكان لهم رضي الله عنهم مع غزارة علمهم العمل الجم، والنظر الدقيق في ~~سلوك ms031 طريق الاخرة. # واعلم : أن مثل هذا الرجل المحتاج إليه الناس في طروق باب الدين يحتاج ~~في صحبة الخلق إلى أمرين شديدين : PageV00P077 # ============================================================ ~~أحذهما: صبرو طويل، وحلم عظيم، ونظرو لطيف ، واستعانة بالله تعالى ~~دائمهآ. # والثاني : أن يكون في هذا المعنى منفردا عنهم وإن كان بالشخص معهم ، ~~فإن كلموه.. كلمهم، وإن زاروه.. عظمهم على قدرهم وشكرهم، وإن سكتوا ~~عنه وأعرضوا عنه.. استغنم ذلك منهم، وإن كانوا في حق وخير.. ساعدهم، ~~وان صاروا إلى لغو وشر.. خالفهم وهجرهم، بل رد عليهم وزجرهم إن رجا ~~قبولهم ~~ثم يقوم بجميع حقوقهم من الزيارات والعيادات، وقضاء الحاجات التي ~~ترفع إليه ما أمكنه، ولا يطالبهم بالمكافآت، ولا يرجو ذلك منهم، ولا يريهم ~~من نفسه استيحاشا لذلك، ويباسطهم بالبذل إذا قدر، وينقبض عنهم في الأخذ ~~إن أعطي، ويتحمل منهم الأذى، ويظهر لهم البشر، ويتجمل بظاهره لهم، ~~ويكتم حاجاته عنهم، فيقاسيها بتفسه، ويعالجها في سره وباطنه. # ثم يحتاج مع ذلك إلى أن ينظر لنفسه خاصة، فيجعل لها حظا من العبادة ~~الخالصة ، كما قال عمؤ بن الخطاب رضي الله عنه : ( إن نمت الليل. . لأضيعن ~~نفسي، وإن نمث النهار.. لأضيعن الرعية، فكيف لي بالنوم بين ~~هاتين ؟1)(1). # (من الطويل] ~~وفي هلذا المعنى غرض لي أبيات من الشعر ، وهي : ~~فوطن على أن ترتكبك الوقائع ~~فإن كنت في هدي الأئمة راغبا ~~وقلب صبور وهو في الصدر مانع ~~بنفس وقسور عند كل كريهة ~~لوسوك مكتوم لدى الرب ذائع ~~لسانك مخزون وطرفك ملجم ~~وثغرك بسام وبطنك جائع ~~وذكرك مغمور وبابآك مغلق ~~وفضلك مدفون وطعنك شائع ~~وقلبك مجروخ وسوقك كاسد ~~من ألدهر والإخوان والقلب طائع ~~وفي كل يوم أنت جارع غصة PageV00P078 # ============================================================ ~~نهارك شغل الناس من غير منة وليلك شوق غاب عنه الطلاتع ~~فدونك هذا الليل خذه ذريعة ليوم عبوس عز فيه الذرائع ~~نعم؛ يكون بالنفس معهم والقلب ما أبعده عنهم! وذلك لعمري أمر ~~شديد، وعيش نكذ ، وفيه يقول شيخنا رحمه الله في وصيته : يا بني، عش مع ~~أهل زمانك ولا تقتد بهم ، ثم قال : ما أشد هذا ms032 العيش مع الأحياء والاقتداء ~~بالأموات ~~وعن أبن مسعود رضي الله عنه أنه قال : (خالط الناس وزايلهم، ودينك ~~لا تكلمنه)(1)، فهلذه نكتة مقنعة . # ثم أقول : إذا ماج الفتن بعضها في بعض، وتراجع الأمر، وولى الناس عن ~~أمر الدين مدبرين، لا يرقبون في مؤمن إلأ ولا ذمة، ولا يطلبون عالما ، ~~ولا يرمقون مفيدا، ولا يعنيهم أمر دينهم ألبتة، وترى الفتنة تعم العامة ، وتدث ~~بين الخاصة.. فللعالم العذر في العزلة والتفرود ودفن العلم، وأخاف أن ~~ما ذكرناه هو هلذا الزمان النكذ الصعب ، والله المستعان ، وعليه الثكلان: ~~فهاذا حكم العزلة والتفرود عن الناس ، فافهمه؛ فإن الغلط فيه عظيم، ~~وضرره كثير، وبالله التوفيق. # فإن قيل : أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " عليكم بالجماعة ؛ فإن ~~يد الله تعالى على الجماعة "(2) ، ول" إن الشيطان ذئب الإنسان ، يأخذ الشاذة ~~والناحية والقاصية"(3) ، وقال عليه الصلاة والسلام : " إن الشيطان مع الفذ، ~~وهو من الاثنين أبعد "(4). PageV00P079 ~~============================================================ ~~فاعلم: أن هلذه وردث، وورد أيضا : " الزم بيتك، وعليك بالخاصة ، ~~ودع أمر العامة"(1)، وأمر بالعزلة والتفرود في الزمان الشوء ، ولا تناقض في قوله ~~صلى الله عليه وسلم ، ولا بد من الجمع بين الحديثين بحول الله وتوفيقه . # فأقول : قوله صلى الله عليه وسلم : "عليكم بالجماعة " يحتمل ثلاثة ~~اوجه: ~~أحذها : أنه يعني به في الدين والحكم؛ إذ لا تجتمع هذه الأمة على ~~ضلالة، فخرق الإجماع، والحكم بخلاف ما عليه جمهور الأمة، والشذوذ ~~عنهم.. باطل وضلا، وأما أن يعتزل عنهم لصلاح في دينه.. فليس هلذا من ~~ذلك في شيء: ~~والثاني : (عليكم بالجماعة)؛ بألا تنقطعوا عنهم في جمعهم وجماعاتهم ~~ونحوها؛ فإن فيها قوة الدين ، وجمال الإسلام ، وغيظ الكفار والملحدين، ~~ولا يخلو ذلك من بركات ونظر من الله عز وجل بالرحمة ، وكذلك نقول : إن ~~حق المنفرد أن يشارك الناس في الجموع العامة في الخير ، وأن يجانبهم في ~~الضحبة والمزاحمة في سائر الأمور ؛ لما فيها من ضروب الأفات:. # والثالث : أن ذلك في غير زمان الفتنة للرجل الضعيف في أمر الدين، ~~وأما الرجل البصير القويي في أمر الله تعالى إذا رأى ms033 زمان الفتنة الذي حذر ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأمة منه ، وأمرهم بالعزلة فيه. . فالعزلة أولى؛ لما ~~في الخلطة من الفساد والآفة ، ولا ينقطع من جموع الإسلام والخيرات العامة ، ~~وإن أراد أن ينفرد عن الناس بمرة. . فليسكن شاهق جبلي ، أو بطن فلاة ، لصلاح ~~يراه في دينه. # ثم قلث : ولا أرى مثل هذذا الرجل أينما كان إلا ويمكنه الله عز وجل من ~~حضور الجماعات والجمعات وسائر جموع الإسلام، فيحضر لئلا يفوته الحظ PageV00P080 ~~============================================================ ~~منها أيضا ؛ فإن جموع الإسلام من الله عز وجل بمكان وإن تغير الناس وفسدوا ، ~~كذا سمعنا من حال الأبدال أنهم يحضرون جموع الإسلام أينما كانت ، ويسيرون ~~من الأرض حيث شاؤوا ، وأن الأرض لهم قدم واحد ~~وفي الأخبار : أن الأرض تطوى لهم ، وينادون بالتحيات ، ويتحفون بأنواع ~~البر والكرامات، فهنيئا لهم بما ظفروا به، وأحسن الله عزاء من غفل عن النظر ~~في خلاص نفسه، وأعان الطالب الذي لم يصل إلى المقصود كأمثالنا، ولقد ~~(من الخفيف] ~~غرض لي في صفة حالي أبيات من الشعر ، وهي : ~~ل وفاز الأحباب بالأحباب ~~ظفر الطالبون وأتصل الوص ~~بين حذ الوصال والإجتناب ~~وبشيا مذبذبين حيارى ~~نفس حال المحال للألباب ~~نرتجي القرب بالبعاد وهلذا ~~م وتهدي إلى طريق الصواب ~~فاسقنا منك شربة تذهب الغم ~~ح ويا منقذي من الأوصاب ~~يا طبيب السقام يا مرهم الجر ~~أو بماذا أفوز يوم الحساب ~~لست آدري بما آداوي سقامي ~~ولنقبض الآن عنان الجنان ، ونرجع إلى المقصود من شأن العزلة؛ فقد ~~خرجناعن شرط الباب: ~~فإن قيل : أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم : 1 رهبانية أمتي الجلوس ~~في المساجد" ، وفيه زجر عن التفرود ؟ # فاعلم : أن ذلك في غير زمان الفتنة كما ذكزناه ، وأيضا فإنه يجلس في ~~المسجد ولا يخالط الناس ولا يداخلهم، فيكون بالشخص معهم ، وفي المعنى ~~منفردا عنهم ، وهذا هو المعنيي في العزلة والتفرد الذي نحن في شرحه، ~~لا التفرد بالشخص والمكان ، فافهم ذلك رحمك الله، وفيه يقول إبراهيم بن ~~أدهم رحمه الله : كن واحدا جامعيا، ومن ربك ذا أنس ، ومن ms034 الناس وحشيا . PageV00P081 # ============================================================ ~~فإن قيل : فما تقول في مدارس علماء الآخرة، ورباطات الصوفية سالكي ~~طريق الاخرة، والكون فيها ؟(1) ~~فاعلم : أن تلك الطريقة المثلى في هلذا الشأن لعامة أهل العلم والاجتهاد ، ~~وذلك أنها جمعت المعنيين والفائدتين اللتين إحداهما : العزلة عن الناس، ~~والتفرود عنهم بالضحبة والمخالطة والمزاحمة في أمورهم ، والثانية : المشاركة ~~معهم في جمعهم وجماعاتهم، وتكثير شعائر الإسلام، فتحصل السلامة التي ~~هي للمنفردين ، والخير الكثير الذي هو لعامة المسلمين ، مع ما للناس فيهم من ~~العدة والبركة والتصيحة ، فصار الكون فيها أعدل طريق، وأحسن حال، وأسلم ~~سبيل ، ولهلذا الشأن أقام أكثر العارفين بين الناس ؛ لنفعهم لعباد الله تعالى في ~~باب الدين، وقلة أذاهم، ومشاهدة الخلق لادابهم وحسن رسومهم ليقتدوا ~~بهم ؛ فإن لسان الحال أفصح من لسان المقال ، فصار ذلك أحسن تدبير في أمر ~~الدين للعلم والعبادة، وأحكم رأي: ~~فإن قيل : فما حال المريد مع المجتهدين والمرتاضين، أيصحبهم أم يعتزلهم؟ # فاعلم: أنهم إذا كانوا ثابتين على رسومهم الأولى، وسيرتهم الموروثة عن ~~سلفهم.. فهم أجل إخوان في الله عز وجل، وأصحاب وأعوان على عبادة ألله ~~تعالى؛ فلا تسعك عنهم عزلة وتفرد، وإنما مثلهم مثل ما تسمع من زهاد لبنان ~~وغيرهم أن منهم جماعات يتعاونون على البر والتقوى ، ويتواصون بالحق والصبر: ~~وأما إذا تغيروا وتركوا رسومهم، وأخلوا بطريقتهم الموروثة عن أسلافهم ~~الصالحين. فحكم هذا المجتهد المرتاض معهم كحكمه مع سائر الناس ، يلزم ~~زاويته ويكفك لسانه، ويشاركهم في خيراتهم، ويجانيهم في سائر أحوالهم ~~وآفاتهم، فيكون هو في عزلة من أهل العزلة، منفردأ عن المنفردين ~~فإن قلت : فإن أختار هاذا المجتهد المرتاض أن يخرج من بينهم إلى مكان ~~آخر؛ لصلاح يراه في نفسه ، وتجنب آفة تدخل عليه في صحبتهم؟ PageV00P082 ~~============================================================ ~~فاعلم : أن هذه المدارس والرباطات بمنزلة حصن حصين يتحصن بها ~~المجتهدون عن القطاع والشراق، وأن الخارج بمنزلة الصحراء، تدور فيه ~~فرسان الشياطين عسكرا عسكرا، فتسلبه أو تستأسره، فكيف حاله إذا خرج إلى ~~الصحراء، وتمكن العدؤ منه من كل جانب ، يعمل فيه ما يشاء ؟! فإذن ليس ~~لهاذا الضعيف إلا لزوم الحصن ms035 ~~وأما الرجل القوي البصير الذي لا تغلبه الأعداء ، وأستوى عنده الحصن ~~والصحراء.. فلا خوف عليه إذا خرج غير أن الكون في الحصن أحوط على كل ~~حال؛ إذ لا يؤمن من الفلتات والاتفاقات مع قرناء الشوء ، وإذا كان الأمر بهذه ~~الجملة.. فالكون مع رجال الله ، والصبر على مشقة الصحبة أولى للمرتاض ~~وطالب الخير بكل حال، وأن لا مانع للقوي البالغ مبلغ الاستقامة عن التفرؤد ~~منهم، فاعلم هذه الجملة وتأملها تغنم وتسلم إن شاء الله تعالى: ~~فإن قيل : فما تقول في زيارة الإخوان في الله عز وجل، ومواصلة الأحباب ~~بالثلاقي والتذاكر؟ # فاعلم : أن زيارة الإخوان في الله تعالى من جواهر عبادة الله تعالى ، وفيها ~~الزلفة الكريمة إلى الله عز وجل، مع ما فيها من ضروب الفوائد وصلاح القلب ، ~~وللكن بشرطين : ~~أحدهما : ألا يخرج في ذلك إلى الإكثار والإفراط ، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه : " زر غبا تزدد حبا "(1). # والثاني : أن تحفظ حق ذلك ؛ بالتجنب عن الرياء والترين، وقول اللغو ~~والغيبة، ونحو ذلك، فيعوذ عليك وعلى أخيك الوبال، فلقد حكي : أن ~~الفضيل وسفيان رحمهما الله تعالى تذاكرا شيئا فبكيا ، فقال سفيان : يا أبا علي؛ ~~أرجو أنا ما جلسنا مجلسا أرجى لنا من هلذا المجلس ، فقال الفضيل: PageV00P083 ~~============================================================ ~~ما جلست مجلسا أخوف علي من هلذا ، قال : وكيف يا أبا علي؟ قال : ألست ~~تعمد إلى أحسن حديثك فتحدثني به، وأنا عمدث إلى أحسن ما عندي فحدثتك ~~به، فتزينت لي ، وتزئنت لك؟ فبكى سفيان(1). # فيجب أن تكون مجالستك للإخوان وملاقاتهم على مقدار قصد في أحتياط ~~ونظر لطيف ، فلا يقدح ذلك حييذ في عزلتك وتفردك عن الناس، ولا يعود ~~عليك وعلى أخيك بضرر وآفة ، بل بخير كثير، ونفع عظيم، والله الموفق ~~فإن قلت : فما يبعثني على العزلة عن الناس والتفرد، ويهون علي ذلك ؟ # فاعلم : أن الذي يهون عليك ذلك ثلاثة أمور : ~~أحذها : أستغراق أوقاتك في العبادة؛ فإن في العبادة شغلا، وإن ~~الاستثناس بالناس من علامات الإفلاس: ~~فإذا رأيت نفسك تتطلع إلى ملاقاة الناس ms036 وكلامهم من غير حاجة وضرورة.. # فاعلم أن ذلك فضول ساقه إليك الفراغ والبطو، ولقد أحسن من قال في هذا ~~[من الكامل] ~~المعنى: ~~ان الفراغ إلى سلامك قادني ولربما عمل الفضول الفارغ ~~فإذن إذا أعطيت العبادة حقها.. وجدت حلاوة المناجاة، واستأنست ~~بكتاب الله سبحانه، واشتغلت عن الخلق، واستوحشت من صحبتهم ~~وكلامهم، وفي الخبر : أن موسى عليه الصلاة والسلام كان إذا رجع من ~~المناجاة.. يستوحش من الناس، وكان يجعل إصبعيه في أذنيه؛ لئلا يسمع ~~كلامهم، وكان كلامآهم عنده في النفور والوحشة في ذلك الوقت كأصوات ~~الحمير، فعليك بما قاله شيخنا رحمه الله: ~~امن مجزوء الخفيف] ~~ااض بالله صاحيا وذر الناس جاني ~~ادق الوذ شاهدا كنت فيهم وغائا ~~ق ب التاس كيف شيء ت تجدهم عقاربا PageV00P084 # ============================================================ ~~والثاني : قطع الطمع عنهم بمرة، فيهون عليك أمرهم ؛ لأن من لا ترجو ~~نفعه، ولا تخاف ضره.. فوجوده وعدمه سواء ~~والثالث: تبصر آفاتهم، وتتذكر ذلك، وتكرره على قلبك؛ فإن هلذه ~~الأذكار الثلاثة إذا لزمتها. . طردتك عن صحبة الخلق إلى باب الله تعالى ، ~~والتفرود لعبادته، وحببته إليك، والزمتك بابه، وبالله التوفيق والعصمة ~~العائق الثالث: الشيطان، ثم عليك - يا أخي - بمحاربة الشيطان وقهره، ~~وذلك لخصلتين: ~~احداهما: أنه عدؤ مضل مبينآ، ولا مطمع فيه بمصالحة وإبقاء عليك، بل ~~لا يقنعه إلأ هلائك أصلا، فلا وجه إذن للأمن من مثل هلذا العدو والغفلة عنه ، ~~و تأمل آيتين من كتاب الله سبحانه : ~~إحداهما : قوله تعالى : ألم أفهد إليكم ينبنى ءادم أن لا تعبدوا الشيطلن إنه ~~لكزعدوثبين. # والثانية : قوله تعالى : إن الشيطان لكرعدو فاتخذوه عدوا} ، وهلذا أقصى ~~التحذير وغايئه: ~~والخصلة الثانية : أنه مجبول على عداوتك، ومنتصت أبدا لمحاربتك، ~~فهو آناء الليل وأطراف النهار يرميك بسهامه وأنت غافل عنه، فكيف يكون الحال؟! # ثم وقعث معك نكتهآ أخرى، وهي أنك في عبادة الله تعالى، ودعوة الخلق ~~إلى باب الله سبحانه بفعلك وقولك، وهذا ضد صنيع الشيطان وهمته، ومراده ~~وحرفته، فصرت كأنك قمت وشددت وسطك لتغايظ الشيطان وتكايده ~~وتناقضه، فهو أيضا يشد وسطه ليعاديك ويقاتلك ويماكرك حتى ms037 يفسد عليك ~~شأنك ، بل حتى يهلكك رأسا ؛ إذ لا يأمن من جانبك بعد ؛ فإنه الذي يسيء ~~ويقصد بالهلاك إلى من لا يغايظه ولا يناقضه، بل يصادقه ويوافقه، كالكفار ~~وأهل الضلالة ، وأهل الرغبة في بعض الأحوال، فكيف قصده لمن قام ~~لمغايظته، وتجرد لمناقضته ؟! PageV00P085 # ============================================================ ~~فله إذن مع سائر الناس عداوة عامة، ومعك أيها المجتهذ في العبادة والعلم ~~عداوة خاصة، وإن أمرك له لمهم، ومعه عليك أعوان، أشدها عليك نفسك ~~وهواك، وله اسبات ومداخل وأبوات أنت عنها غافل، ولقد صدق يحيى بن ~~معاذ الرازي رحمه الله حيث قال : الشيطان فارغ وأنت مشغول، والشيطان يراك ~~وأنت لا تراه، وأنت تنساه وهو لا ينساك، ومن نفسك للشيطان عليك عون: ~~فإذن لا بد من محاربته وقهره ، وإلا.. فلا تأمن الفساد والهلاك. # فإن قلت : فبأي شيء أحارب الشيطان ؟ وبأي شيء أقهره وأدفعه ؟ # فاعلم : أن لأهل هلذه الصناعة (1) في هلذه المسألة طريقين : ~~أحذهما : ما قاله بعضهم : إن التدبير في دفع الشيطان الاستعاذة بالله ~~سبحانه لا غير؛ فإن الشيطان كلث سلطه الله تعالى عليك؛ فإن اشتغلت ~~بمحاربته ومعالجته.. تعبت، وضاع عليك وقتآك، وريما يظفر بك فيعقرك ~~ويجرحك؛ فإن الؤجوع إلى رب الكلب ليصرفه عنك أولى: ~~والثاني : ما قال آخرون : إن الطريق المجاهدة، والقيام عليه بالدفع والرد ~~والمخالفة ~~قلث : والذي عندي أن الطريق العدل الجامع في أمره أن تجمع بين ~~الطريقين ؛ فتستعيذ بالله تعالى أولا من شره كما أمرنا، وهو الكافي شره، ثم إن ~~رأيناه يتغلب علينا.. علمنا أنه أبتلاءآ من الله تعالى ليرى صدق مجاهدتنا وقوتنا ~~في أمره سبحانه وتعالى ويرى صبرنا ، كما أنه يسلط علينا الكفار مع قدرته على ~~كفاية أمرهم وشرهم ليكون لنا حظ من الجهاد والصبر والتمحيص والشهادة ، ~~كما قال تعالى : وليعلم الله الذي ء امثوا ويتخذ منكم شهداء) ، وقال تعالى : ~~{أمر حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلو الله الذين جلهدوا منكم ويعلم العدبرين} ، ~~فكذلك هو PageV00P086 # ============================================================ ~~ثم إن محاربته وقهره - فيما قاله علماؤنا رضي الله عنهم - في ثلاثة أشياء: ~~أحدها: أن تتعرف وتتعلم مكايده وحيله، فلا ms038 يتجاسر حينئذ عليك، ~~كاللص إذا علم أن صاحب الدار قد أحس به.. فر. # والثاني : أن تستخف بدعوته، فلا تعلق قلبك بذلك وتتبعه؛ فإنه بمنزلة ~~الكلب النابح؛ إن أقبلت عليه. . أولع بك ولج، وإن أعرضت عنه. . سكت . # والثالث : أن تديم ذكر الله تعالى بلسانك وقلبك، فلقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : " إن ذكر الله تعالى في جنب الشيطان كالأكلة في جنب أبن ~~آدم"(1). # فإن قلت : كيف تعلم مكايده ؟ وكيف الطريق إلى معرفة ذلك ؟ # فاعلم (أولا] : أن له وساوس هي بمنزلة السهام التي يرميها، وذلك إنما ~~يتبين لك بمعرفة الخواطر وأقسامها ~~والثاني : أن له حيلا بمنزلة الشبكات التي تنصبها ، وذلك يتبين لك بمعرفة ~~المكايد وأوصافها ومجاريها ~~ولقد ذكر علماؤنا رضي الله عنهم أبوابا في الخواطر، وقد صنفنا كتابا ~~سميناه : "تلبيس إبليس" ، وكتابنا هاذا لا يحتمل الإكثار، للكنا نذكر لك إن ~~شاء الله تعالى من كل واحد منها أصلا كافيا إذا أعتصمت به. # فأما أصل الخواطر : فاعلم أن الله تعالى وكل بقلب أبن آدم ملكا يدعوه إلى ~~الخير، يقال له : (الملهم)، ولدعوته : (إلهام)، وسلط في مقابلته شيطانا ~~يدعو العبد إلى الشر يقال له : (وسواس)، ولدعوته : (وسوسة)، فالملهم PageV00P087 ~~============================================================ ~~لا يدعو إلا إلى الخير ، والوسواس لا يدعو إلا إلى الشر في قول أكثر علمائنا . # وقد حكي عن شيخنا رحمه الله : أن الشيطان ربما يدعو إلى الخير وقصده ~~في ذلك الشرو؛ بأن يدعوه إلى المفضول ليمنعه عن الفاضل ، أو يدعوه إلى خير ~~ليجره إلى ذنب عظيم لا يفي خيره بذلك الشر من عجب أو غيره . # فهذان داعيان قائمان على قلبه، يدعوانه وهو يسمع قلبه يحس بذلك، ~~على ما روي في الأخبار : أنه إذا ؤلد لابن آدم مولود.. قرن الله سبحانه به ~~ملكا ، وقرن الشيطان به شيطانا ؛ فالشيطان جائم على أذن قلب أبن آدم الأيسر ، ~~والملك جاثم على أذن قلبه الأيمن، فهما يدعوانه: ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " للشيطان لمة بابن آدم، وللملك ~~لمة"(1) يعني : نزلة بالدعوة ، من قولهم : لم بالمكان وألم به إذا ms039 نزل به. # ثم ركب الله تعالى في بنية الإنسان طبيعة مائلة إلى الشهوات ونيل اللذات ~~كيف كانت ، من حسن أو قبح، فذلك هوى النفس الضارفة إلى الآفات ، فهلذه ~~ثلاث دعاة(2). # ثم أعلم بعد هلذه المقدمة : أن الخواطر هي آثار تحدث في قلب العبد، ~~تبعثه على الأفعال والثروك، وتدعوه إليها، وسمآيت خواطر لاضطرابها، من ~~خطرات الريح ونحوها، وحدوثها جميعا في قلب العبد بالحقيقة من الله سبحانه ~~وتعالى، للكنها أربعة أقسام : ~~منها ما يحدثه الله تعالى في القلب ابتداء، فيقال له : الخاطر فقط ~~-وقسم يحدثه موافقا لطبع الإنسان، فيقال له : هوى النفس، وينسب ~~إليها. # وقسم يحديه عقيب دعوة الملهم، فيسب إليه ويقال له : الإلهام PageV00P088 ~~============================================================ ~~وقسم يحدثه عقيب دعوة الشيطان، فينسب إليه ويقال له : الوسوسة ، ~~وتنسب إليه بأنها خواطو من الشيطان ، وإنما هي في الحقيقة حادثة عند دعوته، ~~فهو كالسبب في ذلك، وللكنه تنسب إليه ، فهلذه أربعة أقسام من الخواطر . # ثم أعلم بعد هذا التقسيم : أن الخاطر الذي من قبل الله تعالى آبتداء قد ~~يكون بخير؛ إكراما وإلزاما للحجة، وقديكون بشر؛ أمتحانا وتغليظا للمحنة. # والخاطر الذي يكون من قبل الملهم لا يكون إلأ بخير ؛ إذ هو ناصح مرشد ~~لم يرسل إلأ لذلك . # والخاطر الذي يكون من قبل الشيطان لا يكون إلأ بشر إغواء واستزلالا(1) ، ~~وريما يكون بالخير مكرا واستدراجا. # والذي يكون من قبل هوى النفس يكون بالشر وبما لا خير فيه تمنعا وتعشفا . # ولقد وجدث عن بعض السلف أن هوى النفس أيضا قد يدعو إلى الخير ~~والمقصوذ منه شرؤ كالشيطان، فهلذه أنواغها ~~ثم اعلم بعد هلذا : أنك محتاج إلى معرفة ثلاثة فصول لا بد لك منها ألبتة ، ~~وفيها المقصود: ~~أحدها : الفرق بين خاطر الخير وخاطر الشرفي الجملة: ~~والثاني : الفرق بين خاطر شر أبتدائي أو شيطاني أو هوائي ، وبماذا تفرق ~~بينها ؟ فإن لكل واحد منها دفعا من نوع آخر. # والثالث : الفرق بين خاطر خير ابتدائي وإلهامي ، أو شيطاني أو هوائي ~~لتتبع ما يكون من الله تعالى أو من الملهم ، وتجتنب ما يكون من الشيطان ms040 ، ~~وكذلك الهوى على قول من يقول به ~~فأما الفصل الأول : فقد قال علماؤنا رضي الله عنهم : إذا أردت أن تعرف ~~خاطر الخير من خاطر الشر وتفرق بينهما . . فزنه بأحد الموازين الثلاثة يتبين لك ~~حاله: PageV00P089 # ============================================================ ~~فالأول : أن تعرض الأمر الذي خطر ببالك على الشرع ، فإن وافق جنسه.. # فهو خير، وإن كان بالضد برخصة أو شبهة. . فهو شرە . # فإن لم يستبن لك بهذا الميزان. . فاعرضه على الاقتداء، فإن كان في فعله ~~أقتداء بالصالحين.. فهو خير ، وإن كان بالضد أتباعا للطالحين.. فهو شة . # فإن لم يستين لك بهذا الميزان. . فاعرضه على النفس والهوى ، وانظو؛ ~~فإن كان مما تنفر عنه النفس نفرة طبع لا نفرة خشية وترهيب. . فاعلم أنه خير، ~~وإن كان مما تميل إليه النفس ميل طبع وجبلة لا ميل رجاء إلى الله تعالى ~~وترغيب.. فهو شر ؛ إذ النفس أمارة بالشوء لا تميل بأصلها إلى خير ~~فبأحد هذذه الموازين - إذا نظرت وأمعنت النظر - يستبين لك خاطر الخير من ~~خاطر الشر، والله تعالى ولي الهداية بفضله ، إنه جواد كريم. # وأما الفصل الثاني : فقال علماؤنا : إذا أردت أن تفرق بين خاطر شر يكون ~~من قبل الشيطان ، وبين خاطر شر يكون من قبل هوى التفس أو من الله تعالى ~~ابتداء. فانظر فيه من ثلاثة أوجه : ~~أحدها : إن وجدته مصمما راتبا على حالة واحدة. فهو من الله تعالى أو من ~~هوى النفس ، وإن وجدته مترددا مضطربا. فاعلم أنه من الشيطان . # وكان بعض العارفين رحمه الله يقول : مثل هوى النفس مثل النمر إذا ~~حارب.. لا ينصرف إلآ بقمع بالغ ، وقهر ظاهر ، أو مثل الخارجي الذي يقاتل ~~2 ~~تدينا ، لا يكاد يرجع حتى يقتل، ومثل الشيطان مثل الذتب ، إذا طردته من ~~جانب.. دخل من جانب آخر. # وثانيها : إن وجدته عقيب ذنب أحدثته.. فهو من الله تعالى؛ إهانة وعقوبة ~~بشؤم ذلك الذنب ، قال الله تعالى : { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ~~قال شيخي الإمام رحمه الله : هلكذا تؤدي الذنوب إلى قسوة القلب ؛ أولها ~~خاطهآ، ثم تؤدي إلى القسوة ms041 والرين. # وإن كان هذا الخاطر مبتدأ لا عقيب ذنب كان منك. . فاعلم أنه من قبل PageV00P090 ~~============================================================ ~~الشيطان ، هلذا في الأكثر؛ لأنه يبتدىء بدعوة الشر ، ويطلب الإغواء بكل حال . # وثالثها : إن وجدته لا يضعف، ولا يقل بذكر الله تعالى ، ولا يزول. فهو ~~من الهوى ، وإن وجدته يضعف ويقل بذكر الله تعالى. . فهو من الشيطان ، كما ~~ذكر في تفسير قوله تعالى : من شر آلوسواس الخناس} : ( أن الشيطان جائم ~~على قلب أبن آدم ، إذا ذكر الله تعالى.. خنس ، وإذا غفل.. وسوس)(1). # وأما الفصل الثالث : إذا أردت أن تفرق بين خاطر خير يكون من الله تعالى أو ~~من الملك. . فانظر في ذلك من ثلاثة أوجه : ~~أحدها : أن تنظر؛ فإن كان قويا مصمما.. فهو من الله تعالى ، وإن كان ~~مترددا.. فهو من الملك؛ إذهو بمنزلة ناصح يدخل معك من كل جانب ووجه، ~~ويعرض عليك كل نصح؛ رجاء إجابتك ورغبتك في الخير: ~~والثاني : إن كان عقيب أجتهاد منك وطاعة . فهو من الله تعالى ، قال الله ~~تعالى: وألذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}، والنين أهتدوا زادهر هدى وهاللهم ~~تقوه ~~وإن كان مبتدأ . . فهو من الملك في الأغلب . # والثالث : إن كان في الأصول والأعمال الباطنة.. فهو من الله سبحانه ~~وتعالى، وإن كان في الفروع والأعمال الظاهرة.. فهو من الملك في الأكثر؛ إذ ~~الملك لا سبيل له إلى معرفة باطن العبد في قول أكثرهم . # وأما خاطر الخير الذي يكون من قبل الشيطان أستدراجا إلى شر يربو عليه : ~~فلقد قال شيخنا رحمه الله : انظر؛ إن وجدت نفسك في ذلك الفعل الذي خطر ~~بقلبك مع نشاط لا مع خشية، ومع عجلة لا مع تأن، ومع أمن لا مع خوف، ومع ~~عمى عن العاقبة لا مع بصيرة. . فاعلم أنه من الشيطان فاجتنبه، وإن وجدت نفسك ~~على ضد ذلك مع خشية لا مع نشاط، ومع تأن لا مع عجلة، ومع خوف لا مع PageV00P091 ~~============================================================ ~~أمن، ومع بصيرة للعاقبة لا مع عمى. فاعلم أنه من الله تعالى أو من الملك. # قلث أنا : وكأن التشاط خفة في الإنسان ms042 للفعل من غير بصيرة وذكر ثواب ~~ينشطه في ذلك. # وأما التأني : فمحمود إلا في مواضع معدودة، وذكر في الخبر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : " العجلة من الشيطان إلآ في خمسة مواضع : ~~تزويج البكر إذا أدركث، وقضاء الدين إذا وجب ، وتجهيز الميت إذا مات، ~~وقرى الضيف إذا نزل ، والتوبة من الذنب إذا أذنبت "(1) : ~~وأما الخوف : فيحتمل أن يكون في إتمامه وأدائه على وجهه وحقه، ~~وقبول الله تعالى إياه . # وأما بصارة العاقبة : فبأن يتبصر ويتيقن أنه رشد وخير ، ويحتمل أن يكون ~~لرؤية الثواب في العقبى ورجائه، فاعلم ذلك موفقا . # فهذه جملة الفصول الثلاثة التي لزمتك معرفتها في فصل الخواطر، فارعها ~~حقها، وأمعن النظر فيها ما استطعت ؛ فإنها من العلوم اللطيفة والأسرار الشريفة ~~في هذا الباب، والله الموفق بفضله. # وأما فصل الحيل والمخادعات من الشيطان : فمجرى ذلك ومثاله أن مكايد ~~الشيطان مع ابن آدم في الطاعة من سبعة أوجه : ~~أحدها: أن ينهاه عنها، فإن عصمه الله تعالى.. رده؛ بأن قال : إني ~~محتاج إلى ذلك جدا ؛ إذ لا بد لي من التزؤد من هذه ألذنيا الفانية للآخرة التي ~~لا أنقضاء لها ~~ثم يأمره بالتسويف ، فإن عصمه الله تعالى. . رده؛ بأن قال : ليس أجلي PageV00P092 ~~============================================================ ~~بيدي ، على أني إن سوفت عمل اليوم إلى غد. . فعمل غد متى أعمله ؟ فإن لكل ~~يوم عملا: ~~ثم يأمره بالعجلة فيقول له : عجل عجل لتفرغ لكذا وكذا ، فإن عصمه الله ~~تعالى. . رده(1) ؛ بأن قال : قليل العمل مع التمام خير من كثيره مع النقصان . # ثم يأمره بإتمام العمل مراءاة للناس، فإن عصمه الله تعالى. . رده؛ بأن ~~قال : ما الذي أعمل بمراءاة الناس ؟ أفلا تكفيني رؤية الله تعالى ؟ # ثم يريد أن يوقعه في العجب فيقول : ما أعقلك وأيقظك ! فإن عصمه الله ~~تعالى.. رده؛ بأن قال : المنة لله تعالى في ذلك دوني، وهو الذي خصني ~~بتوفيقه، وجعل لعملي قيمة عظيمة بفضله، ولولا فضله.. فماذا كان قيمة هذا ~~العمل في جنب نعمة الله تعالى علي وجنب معصيتي له ؟ # ثم يأتيه من وجه سادس، ms043 وهو أعظئها، ولا يقف عليه إلأكل متيقظ ، ~~وهو أن يقول : أجتهذ أنت في السر ؛ فإن الله تعالى سيظهره عليك، ويلبس كل ~~عامل عمله، وأراد بذلك ضربا من الرياء ، فإن عصمه الله تعالى. . رده ؛ بأن ~~قال : يا ملعون؛ إلى الآن كنت تأتيني من وجه إفساد عملي ، والآن تأتيني من ~~وجه إخلاصه لتفسده، إنما أنا عبد الله تعالى، وهو سيدي، إن شاء.. أظهر، ~~وإن شاء.. أخفى، وإن شاء.. جعلني خطيرا، وإن شاء.. جعلني حقيرا، ~~وذلك إليه ، وما أبالي إن أظهر ذلك للناس أو لم يظهزه ؛ فليس بأيديهم شيء. # ثم يأتيه من وجه سابع ويقول : لا حاجة لك إلى هلذا العمل؛ لأنك إن ~~خلقت سعيدا.. لم يضرك ترك العمل، وإن خلقت شقيا.. لم ينفغك فعله، ~~فإن عصمه الله تعالى. . رده؛ بأن قال : إنما أنا عبد ، وعلى العبد أمتثال الأمر ~~لعبوديته، والرث أعلم بربوبيته، يحكم ما يشاءآ، ويفعل ما يريد ، ولأنه ينفعني ~~العمل كيفما كنث ؛ لأني إن كنث سعيدا. . أحتجت إليه لزيادة الثواب ، وإن PageV00P093 ~~============================================================ ~~كنت شقيا. . فأنا محتاج إليه كي لا ألوم نفسي ، على أن الله تعالى لا يعاقبني ~~على الطاعة بكل حال ، ولا تضرني، على أني إن أدخلت النار وأنا مطيع.. # أحث إلي من أن أدخلها وأنا عاصي، فكيف ووعذه حق، وقوله صدق، وقد ~~وعد على الطاعات بالثواب ؟! فمن لقي الله تعالى على الإيمان والطاعة.. لم ~~يدخل النار ألبتة، ودخل الجنة ؛ لا لاستحقاقه بعمله الجنة، وللكن لوعده ~~الصادق تعالى ، ولهلذا المعنى أخبر الله تعالى عن الشعداء إذ قالوا : الحمد ~~لله الزى صدقنا وقده) ~~فتيقظ رحمك الله، فإن الأمر كما ترى وتسمع، وقس عليه سائر الأفعال ~~والأحوال، واستعن بالله تعالى واستعذ به؛ فإن الأمر بيده، ومنه التوفيق، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # العائق الرابع : النفس، ثم عليك - عصمك الله وإيانا - بالحذر من هلذه النفس ~~الأمارة بالشوء؛ فإنها أضرآ الأعداء، وبلاؤها أصعب البلاء، وعلاجها أعسر ~~الأشياء ، وداؤها أعضل الداء ، ودواؤها أشكل الدواء ، وإنما ذلك لأمرين : ~~أحذهما : أنه(1) عدؤ من داخلي ، واللصل إذا ms044 كان من داخل البيت.. عزت ~~الحيلة فيه وعظم الضرر، ولقد صدق القائل : ~~امن السريع) ~~نفسي إلى ما ضرتي داعي تكثر أسقامي وأوجاعي ~~كيف أحتيالي من عدوي إذا كان عذوي بين أضلاعي(2 ~~والثاني : أنه عدؤ محبوت، والإنسان عم عن عيب محبويه، لا يكاد يبصر ~~عيبه، كما قال القائل: ~~[من الطويل] ~~ولست ترى عيبا لذي الود والإخا ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا ~~وعين الرضا عن كل عيب كليلة وللكن عين الشخط تبدي المساويا (2) PageV00P094 # ============================================================ ~~فإذن يستحسن الإنسان من نفسه كل قبيح، ولا يكاد يطلع على عيب لها ~~وهي في عداوتها وأضرارها، فما أوشك ما توقعه في كل هلاك وفضيحة وهو ~~لا يشعر إلا أن يحفظه الله تعالى بفضله ، ويعينه عليها برحميه ~~ثم أقول : تأمل ايها الرجل نكتة واحدة مقنعة ، وهي أنك إذا نظرت.. # وجدت أصل كل فتنة وفضيحة، وخزي وهلاك، وذنب وآفة وقع في خلق الله ~~تعالى من أول الخلق إلى يوم القيامة من قبل هلذه التفس ؛ إما بها وحدها، أو ~~بمعونتها ومشاركتها ومساعدتها ~~فأولك معصية لله تعالى كانت من إبليس، وكان سببه بعد القضاء السابق هوى ~~النفس بكبرها وحسدها، ألقته بعد عبادة ثمانين ألف سنة - فيما قيل- في بحر ~~الضلال ، فغرق إلى أبد الآبدين ؛ إذ لم يكن هنالك دنيا ولا خلق ولا شيطان، ~~بل كانت النفس بكبرها وحسدها، فعملت به ما عملت: ~~ثم ذنب آدم وحواء عليهما السلام، طرحتهما شهوة النفس في ذلك، ~~وحرضهما على البقاء والحياة، حتى آغترا بقول إبليس، فكان ذلك إذن بعون ~~النفس وشركتها، حتى سقطا بذلك من جوار الله تعالى وقرار الفردوس إلى هذذه ~~الدنيا الحقيرة النكدة ، الفانية المهلكة ، ولقي أولادهما ما لقوا من ذلك اليوم ~~إلى أبد الابدين. # ثم حديث قابيل وهابيل ، كان السبب في أمرهما الحسد والشخ. # ثم حديث هاروت وماروت، كان السبب في شأنهما الشهوة(1)، ثم هلم ~~جرا إلى يوم القيامة. PageV00P095 ~~============================================================ ~~فلا تجد في الخلق فتنة ولا فضيحة ، ولا ضلالا ولا معصية، إلأ وأصلها ~~النفس وهواها ، وإلأ . كان الخلق في سلامة وخير. # واذا كان ms045 عدؤ بهذا الضرر كله. . فحق للعاقل أن يهتم بأمره، والله تعالى ~~ولي التوفيق والهداية بفضله. # فإن قلت : فما الحيلة إذن لنا في هذا العدو ؟ وما التدبير في أمره ؟ فبين لنا ~~ذلك: ~~فاعلم : أنا ذكزنا فيما تقدم أن أمرها عسر صعبث ؛ إذ لا يمكن قهرها بمرة ~~كسائر الأعداء؛ إذهي المطية والآلة، قيل : إن أعرابيا دعا لإنسان بخير فقال : ~~كبت الله كل عدؤ لك إلا نفسك(1) . # ولا يمكن إهمالها بمرة؛ لمكان ضررها ، فتحتاج إلى طريق بين ~~الطريقين : تربآيها وتقؤيها بقذر ما تحتمل فعل الخير، وتضعفها وتحبسها على ~~حد لا تتمادى، فأنت من أمرها في علاج شديد ، ونظر لطيف . # ثم إنا قد ذكزنا في أمرها أن تلجمها بلجام التقوى والورع؛ لتحصل ~~الفائدتين جميعا ~~فإن قيل : إن هلذه دايه جموح ، وبهيمة صعبة شكسة لا تنقاد للجام ، فما ~~الحيلة فيها حتى تمݣننا منها ؟ # فاعلم : أنك لصادق، والحيلة : تذليلها حتى تنقاد للجام . # قال علماؤنا رضي الله عنهم : إنما تذلل النفس ويكسر هواها بثلاثة أشياء : ~~أحذها : منع الشهوات ؛ فإن الدابة الحرون تلين إذا نقص من علفها . # والثاني : حمل أثقال العبادات عليها؛ فإن الحمار إذا زيد في حمله مع ~~النقصان من علفه. . تذلل وأنقاد . PageV00P096 ~~============================================================ ~~والثالث : الاستعانة بالله تعالى والتضرع إليه بأن يعينك، وإلأ.. # فلا مخلص، أما تسمع قول يوسف عليه الصلاة والسلام : إن النفس لأمارة" ~~بالشوه إلامارحه رتى} ؟ # فإذا واظبت على هذذه الأمور الثلاثة . . أنقادت لك النفس الجموح بإذن الله ~~تعالى، فحينثذ تبادر إلى أن تملكها وتلجمها وتأمن من شرها . # فإن قلت : فبين لنا الآن ما هو التقوى حتى نعلمه ؟ # فاعلم أؤلا : أن التقوى كنز عزيز ، فلئن ظفرت به . . فكم تجد فيه من جوهر ~~شريف، وعلق نفيس(1)، وخير كثير، ورزقي كريم، وفوز كبير، وغنم ~~جسيم، وملك عظيم، فكأن خيرات الدنيا والاخرة جمعث فجعلت تحت هلذه ~~الخصلة الواحدة التي هي التقوى، وتأمل ما في القرآن من ذكرها، كم علق بها ~~من خير، وكم وعد عليها من ثواب وأجر، وكم أضاف إليها من سعادة، وأنا ~~أعذ لك من جملتها أثنتي ms046 عشرة خصلة: ~~أؤلها : المدحة والثناء ، قال الله تعالى : وإن تصيروا وتتقوا فإن ذاللك من ~~عزو الأمور. # والثاني : الحفظ والحراسة من الأعداء ، قال الله تعالى : { وإن تصيروا ~~وتتقوالا يضركم كيدهم شيعا ~~والثالث : التأييد والنصرة ، قال الله تعالى : إن الله مع الزين أتقوا ، ~~وقال تعالى : واغلموا أن الله مع اليثقين) ~~والرابع : النجاة من الشدائد ، والرزق من الحلال ، قال الله تعالى : ومن ~~يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب) ~~والخامس : إصلاح العمل ، قال الله تعالى : يكأيها الزين ء امنوا أتقوأ الله ~~وقولوا قولا سديا * يصلع لكم اعللكنه PageV00P097 # ============================================================ ~~بد ~~والشادس : غفران الذنوب ، قال الله تعالى : ويغفر لكم ذتويكم)(1). # والشابع : محبة الله تعالى ، قال الله تعالى : { إن الله يحب المثقين . # والثامن : القبول ، قال الله تعالى : { إنما يتقبل الله من المتقين) : ~~والتاسع : الإكرام والإعزاز، قال الله تعالى : إن أكرمكر عند الله ~~اتقلكم). # والعاشر : البشارة عند الموت ، قال الله تعالى : { الذي *امنوا وكانوا ~~يتقوت ~~والحادي عشر : النجاة من النار ، قال الله تعالى : ثم تنجى الذين اتقوا ، ~~وقال تعالى : { وسيجنبها الأنقى) ~~والثاني عشر : الخلود في الجنة ، قال الله تعالى : أعدت للمتقين)(2) . # فهذا بيان كل خير وسعادة في الدارين تحت هلذه التقوى، فلا تنس نصيبك ~~أيها الرجل منها. # ثم الذي يختص به هلذا الشأن من أمر العبادة ثلاثة أصول : ~~أحذها : التوفيق والتأييد أولا، وهو للمتقين ، كما قال الله تعالى : ~~( واغلموا أن الله مع المثقين) ~~والثاني : إصلاح العمل وإتمام التقصير، وهو للمتقين، كما قال الله ~~تعالى : يصلغ لكم اللكر ~~والثالث : قبول العمل ، وهو للمتقين ، كما قال الله تعالى : إنما يتقبل ~~الله من المنقين) ~~ومدار العبادة على هلذه الأمور الثلاثة؛ التوفيق أولا حتى يعمل، ثم ~~الإصلاح للتقصير حتى يتم ، ثم القبول إذا تم ، وهلذه الثلاثة هي التي يتضرع PageV00P098 ~~============================================================ ~~فيها العابدون إلى الله عز وجل، ويسألون فيقولون : رينا؛ وفقنا لطاعتك ، ~~وأتمم تقصيرنا، وتقبل منا، وقد وعد الله تعالى ذلك كله على التقوى، وأكرم ~~بها المتقي ، سأل أو لم يسأل. # فعليك بهلذه التقوى إن أردت عبادة الله سبحانه، بل إن ms047 أردت سعادة الذنيا ~~والعقبى، ولقد صدق القائل: ~~[من السريع) ~~من أتقى الله فذاك الذي سيق إليه المتجر الرابع(1) ~~والقائل: ~~[من السريع) ~~من عرف الله ولم تغنه معرفة الله فذاك الشقي ~~ما ضر ذا الطاعة ما نال في طساعة آلله وماذا لقي ~~ما يصنع العبذ بعز الغنى والعز كل العز للمتقي ؟! # امن مجزوء المخفيف) ~~وكتب على بعض القبور: ~~لي زاذ سوى التقى فخذي منه أو دعي(4) ~~ثم تامآل أصلا واحدا ، وهو : هب انك قد تعبت جميع عمرك في العبادة، ~~وجاهدت وكابدت ، حتى حصل لك ما تمنيت، أليس الشان كله في القبول وقد ~~علمت ان الله تعالى يقول : إنما يتقبل الله من المتقين) ؟1 ~~فرجع الأمر كله إلى الثقوى ، ولذلك روي عن عائشة رضي الله عنها أنها ~~قالث : (ما أعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من الدنيا ولا أعجبه ~~(32 ~~أحد إلأ ذو تقى)(3). # وعن قتادة أنه قال : (مكتوث في التوراة : يا بن آدم ؛ اتق الله، ونم حيث ~~شيت)(14 PageV00P099 # ============================================================ ~~وبلغني عن عامر ابن عبد قيس : (أنه بكى عند موته ، وكان يصلي كل يوم ~~وليلة ألف ركعة ، ثم يأتي فراشه فيقول [لنفسه](1) : يا مأوى كل شر؛ والله ~~ما رضيئك لله طرفة عين)(2) . # وبكى يوما ، فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : قوله تعالى : إنما يتقبل الله من ~~المنقين(3). # ثم تأمل نكتة أخرى ، وهي أصل الأصول ، وهي ما ذكر أن بعض الصالحين ~~قال لبعض أشياخه: أوصني بوصية ، قال : أوصيك بوصية الله رب العالمين ~~للأؤلين والآخرين ؛ قوله تعالى : ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكلثب من قبلكم ~~واياكم أن اتقوا الله) ~~قلث أنا : أليس الله تعالى أعلم بصلاح العبد من كل أحد ؟ أوليس هو أنصح ~~له وأرحم وأرأف من كل أحد ؟ ولو كانت في العالم خصلة هي أصلح للعبد ، ~~وأجمع للخير، وأعظم للأجر ، وأجل في العبودية، وأعظم في القذر، وأولى ~~بالحال، وأنجع في المآل من هلذه الخصلة التي هي التقوى.. لكان الله تعالى ~~أمر بها عباده، وأوصى بها خواضه؛ لكمال حكمته، وسعة رحمته، فلما ~~أوصى بهذه الخصلة الواحدة ms048 ، وجمع الأولين والأخرين من عباده في ذلك، ~~واقتصر عليها.. علمت أنها الغاية التي لا متجاوز عنها، ولا مقتصر دونها، ~~وأنه عز وجل قد جمع كل نصح ودلالة، وإرشاد وتنبيه وتأديب، وتعليم ~~وتهذيب في هذذه الوصية الواحدة كما يليق بحكمته ورحمته، وعلمت أن هذذه ~~الخصلة التي هي التقوى هي الجامعة لخير الدنيا والآخرة، الكافية لجميع ~~المهمات ، المبلغة إلى أعلى الدرجات في العبودية. # امن الطويل] ~~وقد أحسن من قال : ~~الا إنما التقوى هي العز والكرم وحبك للدنيا هو الذل والعدم PageV00P100 # ============================================================ ~~وليس على عبد تقي نقيصة إذا صكع التقوى وإن حاك أو حجم(1) ~~وهذا أصل لا مزيد عليه، وفيه كفاية لمن أبصر النور وأهتدى، وعمل ~~بذلك واستغنى ، والله ولي الهداية والتوفيق بفضله. # فإن قلت : لقد عظم قدر هذذه الخصلة، وجل موقغها، وآشتدت الحاجة ~~الى معرفتها، فلا بد الآن من تفصيلها. # فاعلم : أن الأمر كذلك ، فحق لها أن يجل قدرها ، ويلزم طلبها، وتمس ~~الحاجة إلى علمها، وللكنك تعلم أن كل خطير وكبير يحتاج في أجتلابه إلى ~~طلب كثير، وتعب كبير، وهمة عالية، وجهد شديد، فإذن كما أن هلذه ~~الخصلة خصلة عظيمة كبيرة فالمجاهدة في طلبها ، والقيام بحقها ، والعناية في ~~تحصيلها أيضا.. لفعل كبيرآ، وشأن عظيم ؛ فإن المكارم على حسب المكاره، ~~وإن اللذات على حسب المؤنات ، وألله تعالى يقول : { وألزين جهدوا فينا ~~لنمدينهم سبلنا ~~وإن الله تعالى هو الرؤوف الرحيم الذي بيده تيسير كل عسير، فاستمع ~~وتنيه، وتفهم حد بيان هلذه الخصلة حتى تعلمها، ثم تشمر للقيام بها، واستعن ~~بألله عز وجل حتى تعمل بما تعلم؛ فإن الشأن كله في ذلك ، والله تعالى ولي ~~الهداية والتوفيق بفضله ~~فنقول : أعلم أولا : أن التقوى في قول شيوخنا رحمهم الله تعالى هو : ~~تتزيهآ القلب عن ذنب لم يسبق عنك مثله، حتى يجعل العبذ من قوة العزم على ~~تركها وقاية بينه وبين المعاصي ، هنكذا قال شيخنا رحمه الله تعالى، وذلك أن ~~أصل لفظة التقوى في اللغة هو الوقوى بالواو ، وهو مصدر الوقاية ، يقال : وقط ~~يقي وقاية ووقوى، فأبدلت عن ms049 الواو تاء، كما هو في الوكلان والثكلان ~~ونحوهما، فقيل تقوى: ~~فإذن لما حصلت وقاية بين العبد وبين المعاصي؛ من قوة عزمه على PageV00P101 ~~============================================================ ~~تركها، وتوطين قلبه على ذلك. . فيوصف حييذ بأنه متق، ويقال لذلك التنزيه ~~والعزم والتوطين تقوى: ~~والتقوى في القرآن تنطلق على ثلاثة أشياء : ~~أحدها : بمعنى الخشية والهيبة ، قال الله تعالى : وإيى فاتقون}، وقال ~~تعالى : واتقوأ يوما ترجموب فيه إلى الله} ~~والثاني : بمعنى الطاعة والعبادة ، قال الله تعالى : { يأيها ألذينه امنوا أتقوا الله ~~حقتقانه) ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما : (أطيعوا الله حق طاعته) ~~وقال مجاهذ : (هو أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى ، وآن يشكر ~~فلا يكفر)(1) ~~والثاث: بمعنى تنزيه القلب عن الذنوب ، وهذه هي الحقيقة في التقوى ~~دون الأولين ، الا ترى أن الله تعالى يقول : { ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولكيك هم الفآيزون} ؟ ذكر الطاعة والخشية ، ثم ذكر الثقوى ، فعلمت أن حقيقة ~~الثقوى معنى سوى الطاعة والخشية، وهي تنزيه القلب عما ذكرناه: ~~ثم قالوا رحمهم الله : منازل التقوى ثلاثة : تقوى عن الشرك ، وتقوى عن ~~البدعة ، وتقوى عن المعاصي الفرعية ، ولقد ذكرها الله سبحانه وتعالى في آية ~~واحدة ، وهي قوله تعالى : { ليس على الذين مامثوا وعلوا الصللحت جنا فيما طهموا ~~إذاما اتقواوه امثوا وعيلوا الصللحت ثم انقواوه امنوا ئم انقوا واخستوا) ~~فالثقوى الأولى تقوى عن الشرك ، والإيمان الذي ذكر معها في مقابلة ~~التوحيد، والتقوى الثانية عن البدعة ، والإيمان الذي ذكر معها إقرار بالشنة ~~والجماعة، والتقوى الثالثة عن المعاصي الفرعية، ولا إقرار في هلذه المنزلة ، PageV00P102 ~~============================================================ ~~فقابلها بالإحسان، وهو الطاعة والاستقامة عليها، فتكون منزلة مستقيمي ~~الطاعة ~~فالآية جمعث ذكر المنازل الثلاث ؛ منزلة الإيمان ، ومنزلة الشنة ، ومنزلة ~~استقامة الطاعة، فهذا ما قاله العلماء رحمهم الله في بيان معنى التقوى: ~~قلث أنا : وجدت التقوى بمعنى آجتناب فضول الحلال ، وهو ما روي في ~~الخبر المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنما سمي المتقون ~~متقين لتركهم ما لا بأس به حذرا مما به بأس "(1). # فأحببت أن أجمع بين ما ms050 قاله علماؤنا رحمهم الله وبين ما جاء في الخبر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون حدا جامعا، ومعنى بالغا. # فأقول : التقوى هو آجتناب كل ما تخاف منه ضررا في دينك، ألا ترى أنه ~~يقال للمريض المحتمي : إنه متق إذا أجتنب كل شيء يضره في بدنه ؛ من طعام ~~أو شراب، أو فاكهة أو غيرها. # ثم الذي يخاف منه الضرر في أمر الدين قسمان : محض الحرام والمعصية، ~~وفضول الحلال ، لأن الاشتغال بفضول الحلال والانهماك فيه يستجرو صاحبه إلى ~~الحرام ومحض العصيان، وذلك لشره النفس وطغيانها(2)، وتمؤد الهوى ~~وعصيانه، فمن أراد أن يأمن الضرر في أمر دينه.. أجتنب الخطر ، فامتنع عن ~~فضول الحلال؛ حذرا أن يجره إلى محض الحرام، على ما قاله صلى الله ~~عليه وسلم: "لتركهم ما لا بأس به حذرا مما به بأس" يعني: لتركهم فضول ~~الحلال حذرا عن الوقوع في الحرام. # فالتقوى البالغة الجامعة : أجتناب كل ما فيه ضرر لأمر الدين، وهو ~~المعصية والفضول، هذذا تفصيلها. PageV00P103 ~~============================================================ ~~وأما إذا أرذنا تحديدها على موضوع علم الشرع.. فنقول : حد الثقوى ~~الجامع : تنزيهآ القلب عن شر لم يسبق عنك مثله ، بقؤة العزم على تركه ، حتى ~~يصير ذلك وقاية بينك وبين كل شر . # ثم الشرور ضربان : شرؤ أصليي، وهو ما نهي عنه كالمعاصي المحضة، ~~وشرە غير أصلي، وهو ما نهي عنه تأديبا، وهو فضول الحلال، كالمباحات ~~المأخوذة بالشهوات. # فالأولى تقوى فرضي ، يلزم بتركها عذاب النار ، والثانية تقوى خير وأدب، ~~يلزم بتركها الحبس والحساب ، والتعيير واللوم؛ فمن أتى بالأولى.. فهو في ~~الدرجة الدنيا من التقوى ، وهي منزلة مستقيمي الطاعة ، ومن أتى بالأخرى.: ~~فهو في الدرجة العليا من التقوى ، وذلك منزلة مستقيمي ترك المباح. # فإذا جمع العبد بينهما - أعني : اجتناب كل معصية وفضول - فقد أستكمل ~~معنى التقوى ، وقام بحقها، وجمع كل خير فيها ، وهذا هو الورع الكامل الذي ~~هو ملاك أمر الدين ، وذلك منزلة الأدب على باب الله تعالى ، فهلذا معنى التقوى ~~وبيانها في الجملة ، فافهمه موفقا إن شاء الله تعالى. # فإن قلت : ففصل لنا الآن ms051 هلذا المعنى في النفس وأستعماله فيها؛ فإن ~~الحاجة جاءت من هنالك؛ لنعلم كيف نلجم هذه النفس بهذا المعنى الذي ~~فصلت من حقيقة التقوى : ~~فأقول : أجل، إنما تفصيله في أمر هذه النفس أن تقوم عليها بقوة العزم ، ~~فتمنعها عن كل معصية، وتصونها عن كل فضول. # فإذا فعلت ذلك .. كنت قد اتقيت الله تعالى في عينك وأذنك، ولسانك ~~وقلبك، وبطنك وفرجك، وجميع أعضائك، وألجمتها بلجام التقوى، ولهلذا ~~الباب شرخ يطول، وقد أشرنا إليه في كتاب 8 إحياء علوم الدين" . # وأما الذي لا بد منه هلهنا فأن نقول : من أراد أن يتقي الله تعالى.. فليراع ~~الأعضاء الخمسة؛ فإنهن الأصول ، وهي : العين ، والأذن، واللسان، ~~104 PageV00P104 ~~============================================================ ~~والقلب، والبطن، فيحرص عليها بالصيانة لها عن كل ما يخاف منه ضررا في ~~أمر الدين؛ من معصية وحرام، وفضول وإسراف من حلال. # فإذا حصل صيانة هذه الأعضاء.. فمرجؤ أن يكفى سائر أركانه، ويكون قد ~~قام بالتقوى الجامعة بجميع بدنه لله عز وجل، فدعت الحاجة إلى بيان خمسة ~~فصول لهذذه الأعضاء، وتفصيل ما يحرم في حق كل واحد منها، على قدر ~~ما يليق بهذذا الكتاب. # الفصل الأول : العين. # ثم عليك - وفقك الله وإيانا - بحفظ العين؛ فإنها سبب كل فتنة وآفة، وأذكر ~~في أمرها ثلاثة أصول كافية. # أحذها : ما قال سبحانه : قل للمومنيب يغضوا من أبص رهم ويخفظوأ فررجهة ~~ذالك أزكن لهم إن الله خبير بمايصنعون} ~~وأعلم : أني تأملت هلذه الآية فوجدت فيها مع قصرها ثلاثة معان عزيزة : ~~تأديث، وتنبيه، وتهديد. # فأما التأديب : فقوله تعالى : { قل للمؤمني يغضوا من ابصرهم}، ولا بد ~~للعبد من أمتثال أمر السيد، والتأدب بأدبه ، وإلا.. فيكون سيء الأدب ، ~~فيحجب فلا يؤذن له في حضور المجلس والمثول بالحضرة، فافهم هذذه ~~النكتة، وتأمل ما تحتها؛ فإن فيها ما فيها. # وأما التنبيهآ : فقوله تعالى : ذالك أزكي لهم}، وينطلق على معنيين والله ~~أعلم: ~~الأؤل : أن ذلك أطهر لقلوبهم ، والزكاة الطهارة، والتزكية التطهير . # والثاني : ذلك أنمى لخيرهم وأكثر ، والزكاة في الأصل النمؤ ، فنبة على أن ~~في غض البصر تطهير القلب، وتكثير ms052 الطاعة والخير ، وذلك أنك إن لم تغض ~~بصرك، وأرخيت عنانه تنظر إلى ما لا يعنيك.. فلا يخلو من أن تقع عينك على ~~15 PageV00P105 ~~============================================================ ~~حرام، فإن تعمدت.. فذنب وكبيرةآ، وربما تعلق قلبك بذلك، فتهلك إن لم ~~يرحم الله تعالى ، فلقد روي : ( إن العبد لينظر النظرة ينغل فيها قلبه كما ينغل ~~الأديم في الدباغ ، لا ينتفع به أبدا)(1) . # وإن كان مباحا.. فرتما يشتغل قلبك به، فجاءك الوسواس والخواطر ~~بسببه، ولعلك لا تصل إليه فتبقى مشغول القلب ، منقطعا عن الخير، وإن كنت ~~لم تر ذلك.. فقد كنت مستريحا عن ذلك كله ، وفي هذذا المعنى ذكر عن عيسى ~~صلوات الله وسلامآه عليه وعلى نبئنا أنه قال : (إياكم والنظرة؛ فإنها تزرع في ~~القلب الشهوة ، وكفى بها لصاحبها فتنة)(2): ~~وقال ذو النون رحمه الله تعالى : نعم حاجب الشهوات غض الأبصار. # ولقد أحسن القائل: ~~(من الطويل] ~~وأنت إذا أرسلت طزفك رائدا لقلبك يوما أتعبتك المناظر ~~رأيت الذي لا كله أنت قاد عليه ولا عن بعضه أنت صابرو(3 ~~فإذن لما كنت غاضا للبصر، حافظا للعين، لا تنظر إلى ما لا يعنيك ~~ولا يهئك. كنت نقي الصدر، فارغ القلب ، مستريحا عن كثير من الوسواس ، ~~سالم النفس عن الآفات ، متزايدا في الخيرات، فتنبه لهلذه النكتة الجامعة ، ~~واللهعز وجل الموفق بمنه وفضله . # وأما التهديد : فقوله تعالى : إن الله خبير بما يضنعون} ، وقال تعالى : ~~يعلم خآينة الاعين وما تخفى الضدور) ~~وكفى بهذا تحذيرا لمن خاف مقام ربه، فهذا أصل واحد من كتاب الله ~~عز وجل. PageV00P106 ~~============================================================ ~~والأصل الثاني : ما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~"النظر إلى محاسن المرآة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن تركها. . أذاقه الله ~~تعالى طعم عبادة تسره 1114. # وإن وجدان حلاوة العبادة ولذة المناجاة من العابدين بمكان ، وهلذا شيءآ ~~مجرت، علمه وتحققه من عمل به ؛ أنه إذا امتنع عن النظر إلى ما لا يعنيه.. # يجذلذة للعبادة، وحلاوة للطاعة، وللقلب صفوة لم يجدها قبل ذلك : ~~والأصل الثالث : أن تنظر إلى كل عضو من أعضائك يصلح لماذا؟ ms053 وينتظر ~~له ماذا؟ فعلى حسب ذلك تصونه وتحفظه؛ فالرجل للمشي في رياض الجنة ~~وقصورها، واليذ لكأس الشراب وتناؤل الأثمار، وكذلك في سائر الأعضاء ، ~~فالعين إنما هي للنظر إلى رب العالمين سبحانه وتعالى ، وليس في الدارين كرامة ~~أجل وأكبر من ذلك ، فحقيق لشيء ينتظر ويرجى له مثل هلذه الكرامة أن يصان ~~ويحفظ، ويعز ويكرم: ~~فهذه الأصول الثلاثة إذا أحسنت التايل فيها.. كفتك المؤنة في هلذا ~~الفصل، والله ولي التوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل: ~~الفصل الثاني : الأذن . # فعليك بصيانة سمعك عن الخنا والفضول (2)، وذلك لأمرين : ~~أحدهما : لما روي أن المستمع شريك المتكلم. # وفي ذلك يقول القائل: ~~[من المتقارب) ~~تحر من الطرق أوساطها وعد عن الجانب المشتبة ~~وسمعك صن عن سماع القبيخ كصون اللسان عن النطق به PageV00P107 ~~============================================================ ~~فانك عند استماع القبيخ شريك لقائله فانتبه(1 ~~والثاني : أن ذلك يهيج الخواطر والوسواس في القلب ، ثم من ذلك يبدو ~~الاشتغال في البدن ، فما يبقى في العبادة شيء . # ثم اعلم : أن الكلام الذي يقع في قلب الإنسان وسمعه بمنزلة الطعام الذي ~~يقع في جوفه، فمنه الضار ومنه النافع، ومنه الغذاء ومنه الشم القاتل، بل إن ~~بقاء الكلام وتجرعه اكثر وأبلغ من الطعام ؛ فإن الطعام يزول عن المعدة بنوم أو ~~غيره ، وربما يبقى أثره زمانا ثم يزول ، وله دواءآ يزيل أثره من جسم الإنسان . # وأما الكلام الذي وقع في قلب الإنسان : فرتما يبقى معه جميع عمره ~~ولا ينساه، فإن كان شيئا رديئا. . فلا يزال يتعبه ويعنيه(2)، وترد بسببه خواطر ~~في القلب ، ووساوس يحتاج إلى أن يعرض عنها، ويعدل بقلبه عن تذگرها، ~~ويستعيذ بالله تعالى من شرها، ولا يأمن من أن تحمله على بلية، وتحركه حتى ~~يقع آخر الأمر في آفة عظيمة بسبب ذلك، ولو كنت حفظت سمعك ~~عما لا يعنيك. كنت عن هلذه المؤن مستريحا، فلينظر العاقل في ذلك، وبالله ~~التوفيق. # الفصل الثالث : اللسان . # ثم عليك بحفظ اللسان وضبطه وتقييده؛ فإنه أشذ الأعضاء جماحا ~~وطغيانا، واكثرها فسادا وعدوانا. # ولقد روينا عن سفيان بن عبد الله أنه قال : قلت ms054 : يا رسول الله؛ ما أكثر ~~ما تخاف علي ؟ فأخذ عليه الصلاة والسلام بلسان نفسه ثم قال : "هذذا "(3): ~~وعن يونس بن عبيد أنه قال : (إني وجدت نفسي تحتمل مؤنة الصوم في PageV00P108 ~~============================================================ ~~الحر الشديد بالبصرة ، ولا تحتمل ترك كلمة لا تعنيها)(1) . # فعليك إذن بالتحفظ جدا وبذل المجهود ~~ونذكر خمسة أصول : ~~أحلها : ما روى أبو سعيد الخدري : "أن ابن آدم إذا أصبح.. كفرت ~~الأعضاء كلها للسان ، وقلن : ننشدك بالله أن تستقيم ؛ فإنك إن استقمت. . # استقمنا، وإن اعوججت.. اعوججنا4(2) ~~قلث : والمعنى فيه والله أعلم : أن نطق اللسان يؤثر في أعضاء الإنسان ~~بالتوفيق والخذلان ، ويؤكذ هلذا المعنى ما حكي عن مالك بن دينار انه قال : إذا ~~رأيت قساوة في قلبك، ووهنا في بدنك ، وحرمانا في رزقك.. فاعلم انك قد ~~تكلمت فيما لا يعنيك ~~والأصل الثاني : حفظ وقتك ؛ فإن أكثر ما يتكلم به الإنسان من غير ذكر الله ~~تعالى ، فعلى الأقل يكون لغوايضيع الوقت به. # وذكر أن حسان بن أبي سنان مر على غرفة بنيت فقال : (منذ كم بنيت ~~هذه ؟ ثم أقبل على نفسه وقال : يا نفسي الغرورة ؛ تسألين عما لا يعنيك ؟! # (3) ~~وعاقبها بصوم ستة)11. # قلث : فيا طوبى للمهتمآين بأنفسهم ! ويا ويح الغافلين الذين خلعوا ~~العذار، وأرخوا العنان 1 والله المستعان: ~~امن الخفيف) ~~ولقد صدق القائل وأحسن حيث يقول : ~~واغتنم ركعتين في ظلمة اللي حل إذا كنت خاليا مستريحا ~~وإذا ما هممت باللغو في البا طل فاجعل مكانه تسبيحا PageV00P109 ~~============================================================ ~~فلزوم الشكوت خير من النط قي وإن كنت في الكلام فصيحا (1) ~~والأصل الثالث : حفظ الأعمال الصالحة ، فإن من لم يصن لسانه، وأكثر ~~الكلام.. يقع لا محالة في غيبة الناس، كما قيل : من كثر لغطه.. كثر ~~سقطه(2) ~~والغيبة هي الصاعقة المهلكة للطاعات، على ما قيل : إن مثل من يغتاب ~~الناس مثل من نصب متجنيقا، فهو يرمي به حسناته شرقا وغربا، يمينا وشمالا. # وبلغنا عن الحسن أنه قيل له : يا أبا سعيد؛ إن فلانا اغتابك، فبعث إليه ~~بطبق فيه رطت، وقال : بلغني أنك أهديت إلي حسنايك ، فأحببت أن اكافئك ms055 . # وذكرت الغيبة عند ابن المبارك فقال : لو كنث مغتابا. . لاغتبت أمي؛ لأنها ~~أحق بحسناتي ~~وذكر أنه فات حاتما الأصم ليلة القيام ، فعزته زوجته ، فقال : إن أقواما ~~صلوا بالليل البارحة، فلما أصبحوا. . نالوا مني، فتكون صلاتهم يوم القيامة في ~~ميزاني ~~والأصل الوابع : السلامة من آفات الدنيا ، على ما قال سفيان : لا تتكلم ~~بلسانك ما تكسر به أسنانك. # وقال آخر : لا تبسطن لسانك، فيفسد عليك شأنك ، وأنشدوا : [من الكامل ~~احفظ لسانك لا تقول فتبتلى إن البلاء موكل بالمنطق PageV00P110 ~~============================================================ ~~ولابن المبارك: ~~امن المتقارب] ~~سريع إلى المرء في قتله ~~احفظ لسانك إن اللسان ~~يدك السرجال على عقله (1) ~~وإن اللسان دليل الفؤاد ~~[من الوافر] ~~ولابن مطيع : ~~إذا خلى عليه له إغارهآ ~~لسان المرء ليث في كمين ~~يكن لك من بليات ستاره ~~فصنه عن الخنا بلجام صمت ~~وفي المثل السائر : (رب كلمة تقول لصاحبها : دغني)(2). # والأصل الخامس : ذكر آفات الآخرة وعاقبتها ، وأذكر فيه نكتة واحدة ، ~~وهو أنه لا يخلو : إما أن تقول قولا محظورا حراما، أو قولا مباحا من فضول ~~لا يعنيك. # فإن كان محظورا.. ففيه من عذاب الله تعالى الذي لا طاقة لك به، فقد ~~روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليلة أسري بي إلى الشماء ~~نظرت في النار قوما يأكلون الجيف، قلت : يا جبريل؛ من هؤلاء؟ قال : ~~هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس"(3) . # ولقد قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ : "اقطع لسانك عن حملة القرآن ~~وطلأب العلم ، ولا تمزق الناس بلسانك فتمزقك كلاب النار"(4). # وعن أبي قلابة : إن في الغيبة خراب القلب من الهدى. # قنسأل الله تعالى العصمة من ذلك بفضله. # هلذا الكلام في المحظور ، وأما المباح : ففيه أربعة أمور : PageV00P111 ~~============================================================ ~~أحذها: شغل الكرام الكاتبين بما لا خير فيه ولا فائدة، وحق للمرء أن ~~يستحي منهما فلا يؤذيهما ، قال الله سبحانه وتعالى : { ما يلفظ من قول إلالديه رقيب ~~عيد ~~والثاني : إرسال كتاب إلى الله تعالى من اللغو والهذر ، فليحذر العبد من ~~ذلك، وليخش الله عز وجل. # وذكر : أن بعضهم نظر إلى رجل ms056 يتكلم بالخنا ، فقال : يا هلذا؛ إنما تملي ~~كتابا إلى ربك، فانظر ما تملي ! # والثالث : قراءته بين يدي الملك الجبار يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ، ~~بين الشدائد والأهوال ، عطشان عريان جيعان، منقطعا عن الجنة، محبوسأ عن ~~النعمة. # والوابع : اللوم والتعيير لماذا قلت، وانقطاع الحكة ، والحياء من رب ~~العزة ، وقد قيل : إياك والفضول ؛ فإن حسابه يطول . # وكفى بهذه الأصول واعظا لمن اتعظ، وقد بسطنا في كتاب "أسرار ~~معاملات الدين" ما فيه مقنع، فانظر فيه تجد الشفاء. # الفصل الرابع : القلب. # ثم عليك بحفظ القلب واصلاحه، وحسن النظر في ذلك، وبذل ~~المجهود؛ فإنه أعظم هلذه الأعضاء خطرا، وأكثرها أثرا، وأديها أمرا ، ~~وأشقها إصلاحا، وأذكر فيه خمسة أصول مقنعة : ~~الأصل الأول : قوله تعالى : ( يعلم خاينة الأقين وما تخفى الصدور) ، وقوله ~~تعالى : والله يعلم ما فى قلوبكم} ، وقوله تعالى : إنهرعليو بذات الصدور، كم ~~ذكره وكرر ذكره في القرآن ، فكفى باطلاع العليم الخبير تحذيرا وتهديدا ~~للخواص من العباد ؛ لأن المعاملة مع علام الغيوب خطرة، فانظر ماذا يعلم من ~~قلبك. # الأصل الثاني : قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى لا ينظر ~~112 PageV00P112 ~~============================================================ ~~الى صوركم وأجسادكم وأبشاركم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم "(1). # فالقلب إذن موضع نظر رب العالمين ، فيا عجبا ممن يهتم بوجهه الذي هو ~~موضع نظر الخلق ، فيغسله وينظفه من الأقذار والأدناس ، ويزئنه بما أمكنه؛ ~~لئلا يطلع مخلوق فيه على عيب، ولا يهتم بقلبه الذي هو موضع نظر رب ~~العالمين ، فيطهره ويزينه ويطيبه؛ كي لا يطلع الرث جل ذكره على دنس فيه ~~وشين، وآفة وعيب ، بل يهمله مملوءا بفضائح وأقذار وقبائح لو اطلع الخلق ~~على واحد منها.. لهجروه وتبرؤوا منه وطردوه ! والله المستعان. # الأصل الثالث : أن القلب ملك مطاع ، ورئيس متبع ، والأعضاء كلها تبع ~~له، فإذا صلح المتبوع.. صلح التابع، وإذا استقام الملك.. استقامت الرعية، ~~يبين ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن في الجسد ~~مضغة، إذا صلحث.. صلح الجسذ كله، وإذا فسدت. فسد الجسذ كله، ~~ألا وهي القلب "(2). # وإذا ms057 كان صلاح الكل في ذلك. . وجب صرف العناية إليه . # الأصل الرابع : أن القلب خزانة كل جوهر نفيس للعبد ، وكل معنى خطير ، ~~أؤلها العقل ، وأجلها معرفة الله تعالى التي هي سبب سعادة الدارين ، ثم البصائر ~~التي بها التقدم والوجاهة عند الله عز وجل ، ثم النية الخالصة في الطاعات التي ~~بها يتعلق ثواب الأبد، ثم أنواع العلوم والحكم التي هي شرف العبد، وسائر ~~الأخلاق الشريفة، والخصال الحميدة التي بها تفاضل الرجال، على ما فصلنا ~~وشرخنا في كتاب " أسرار معاملات الدين" . # وحق لمثل هلذه الخزانة أن تحفظ وتصان عن الأدناس والآفات، وتحرس ~~ل وتحرز من الشراق والقطاع، وتكرم وتجل بضروب الكرامات ؛ لثآلا يلحق تلك PageV00P113 ~~============================================================ ~~الجواهر العزيزة دنس، ولا يظفر بها - والعياذ بالله - عدو . # الأصل الخامس : أني تأملث حاله فوجدت له خمسة أحوال ليست لغيره من ~~أعضاء ابن آدم. # أحذها : أن العدو قاصد إليه ، مقبل عليه، ملازم له؛ فإن الشيطان جاثم ~~على قلب ابن آدم الأيسر، فهو منزل الإلهام والوسوسة ، يقرعانه أبدا بالدعوتين ~~كلاهما ؛ الملك والشيطان(1). # والثاني : أن الشغل له أكثر؛ فإن الهوى والعقل كلاهما فيه ، فهو معترك ~~العسكرين : الهوى وجنوده، والعقل وجنوده ، فهو أبدا بين تحاربهما وتقاتلهما ~~وتناقضهما، وحق للثغر أن يحرس ويحصن ولا يغفل عنه : ~~والثالث : أن العوارض له أكثر؛ فإن الخواطر له كالسهام ، لا تزال تقع ~~فيه ، وكالمطر ، لا تزال تمطرو عليه ليلا ونهارا لا تنقطع عنه ، ولا أنت تقدر علىا ~~منعها فتمتنع، وليس هو بمنزلة العين التي بين جفنين تغقض فتستريخ، أو تكون ~~في موضع خال أو ليل مظلم فتكفى رؤيتها ، أو اللسان الذي هو وراء الحجابين : ~~الأسنان والشفتين، وأنت القادر عليى منعه وتسكينه، بل القلب غرض ~~للخواطر، لا تقدر على منعها والتحفظ عنها بحال، ولا هي تنقطع عنك ~~بوقت، ثم النفس مسارعة إلى اتباعها، والامتناع عن ذلك في مجهود الطاقة أمر ~~شديد، ومحنةآ عظيمةآ ~~والرابع : أن علاجه عليك عسير ؛ إذ هو غيب عنك ، فلا تكاد تشعر حتى ~~تدب فيه آفه، وتحدث له حالة، فتحتاج إلى أن تبحث عن ذلك ms058 أتم البحث، ~~بطول الجهد، ودقيق النظر ، وكثرة الرياضة. # والخامسن : أن الآفات إليه أسرع ، فهو إلى الانقلاب أقرب، فلقد قيل : ~~أمن البسيط) ~~إن القلب أسرع انقلابا من القدر في غليانها، ولذلك قيل : ~~ما سمي القلب إلا من تقلبه والرأي يضرب بالإنسان أطوارا PageV00P114 ~~============================================================ ~~ثم إن زل القلب - والعياذ بالله - فزلله عظيم، ووقوغه أصعب وأفظع، ~~أدناه : قسوة وميل إلى غير الله سبحانه ، ومنتهاه : ختم ونكرة لله تعالى ، ~~أما تسمع قوله تعالى : أبن وآستكبر وكان من الكفريب) ؟ فكان الكبر بقلبه ، ~~فحمله على الإباء والكفر بظاهره ~~أما تسمع قوله تعالى : ولكنه، أخلد إل الأرض وآتبع هوله} ؟ فكان الميل ~~واتباع الهوى بقلبه ، فحمله ذلك على الذنب المشؤوم بنفسه. # أما تسمع قوله تعالى : ونقلب أفعدتهم وأبصكرهم كما لو يومثوا بوه أول مرق ~~ونذرهم فى ظغينهه يعمهون} ؟ # ولهذا المعنى - أيها الرجل- خاف عباد الله تعالى الخواص على قلوبهم، ~~وبكوا عليها، وصرفوا عنايتهم إليها، قال الله تعالى في وصفهم : { يخافون يوما ~~للقلب فيه القلوب والأبصكر . # جعلنا الله وإياكم من المعتبرين بالعبر، المهتمين بمواضع الخطر، ~~الموفقين لإصلاح قلوبهم بحسن التنظر ، إنه أرحم الراحمين. # فإن قيل : إن أمر هذا القلب لمهم جدا ، فأخبرنا عن المعاني التي ~~تصلحه، وعن الآفات التي تعترضه فتفسذه ، عسى أن نوفق للاجتهاد في العمل ~~بذلك: ~~يقال له : اعلم : أن تفصيل هلذه المعاني لطويل، لا يحتمله هذذا ~~الكتاب، وإنما علماء الآخرة عنوا باستخراج ذلك وتصنيفه في هلذه النكتة ~~لا غير، وقد ذكروا فيما يحتاج إليه من ذلك نحو تسعين خصلة محمودة ، وفي ~~أضدادها المذمومة، ثم من الأفعال والمساعي الواجبة والمحظورة نحو ذلك في ~~سائر تفاصيلها. # ولعمري؛ إن من أهمه أمر دينه، وانتبه من رقدة الغافلين، فنظر لنفسه.. # فلا يكون تحصيل جميع ذلك والعمل به عليه كثيرا إذا وفقه الله تعالى ، وقد ذكرنا ~~نبذة منها في (شرح عجائب القلب) من كتاب " إحياء علوم الدين" ، وأتينا على ~~115 PageV00P115 ~~============================================================ ~~شرح جميعها بتفاصيلها وكيفية علاجها في كتاب " أسرار معاملات الدين" ، ~~وهو كتات مستقل بنفسه، عظيم الفائدة، ولا ينتفع به إلأ فحول العلماء ~~الراسخين ms059 في علم الأخرة، وموضوع هذا الكتاب أن ينتفع به المبتدي ~~والمنتهي ، والقوي والضعيف. # فنظرنا في الأصول التي لا بد من ذكرها في علاج القلب ، والحاجة إليها ~~ماسة، ولا غنية عنها ألبتة في شأن العبادة ، فوجدناها أربعة أمور هي مداحض ~~العابدين، وآفات المجتهدين، وهي فتن القلوب ، وبليات النفوس، تعوق ~~وتشين، وتفسد وتتلف، وأربعة في مقابلتها فيها قوام العباد، وانتظام العبادة، ~~واصلاح القلوب. # فالآفات الأربع : الأمل، والاستعجال، والحسد ، والكبر . # والمناقب الأربع : قصر الأمل، والتأني في الأمور، والنصيحة للخلق ، ~~والتواضع والخشوع. # فهذه هي الأصول في صلاح القلوب وفسادها، والنكتة التي عليها المدار، ~~فلتبذل المجهود في التحوز من هذذه الأفات ، والتحصيل لهاذه المناقب.. تكف ~~المؤن، وتظفر بالمقصود إن شاء الله تعالى، وسأخبرك عن هلذه الافات ~~بكلمات وجيزة مقنعة . # أما طول الأمل : فإنه العائق عن كل خير وطاعة ، الجالب لكل شر وفتنة ، ~~وإنه الداء العضال الذي يوقع الخلق في أنواع البليات . # واعلم : أنك إذا طال أملك . . هاج لك منه أربعة أشياء : ~~أحدها : ترك الطاعة والكسل فيها ، تقول : سوف أفعل، والأيام بين ~~يدي، ولا يفوتني ذلك، ولقد صدق داوود الطائي رحمه الله حيث قال : (من ~~خاف الوعيد. . قرب عليه البعيد، ومن طال أمله.. ساء عمله)(1): PageV00P116 ~~============================================================ ~~وقال يحيى بن معاذ الرازيي رحمه الله : الأمل قاطع عن كل خير ، والطمع ~~مانع من كل حق، والصبر صائر إلى كل ظفر ، والنفس داعية إلى كل شر . # والثاني : ترك التوية وتسويفها ، تقول : سوف أتوب ، وفي الأيام سعة ، ~~وأنا شات، وسني قليل، والتوبة بين يدي، وأنا قادر عليها متى رمثها، ~~وربما اغتاله الحمام على الإصرار(1)، فاختطفه الأجل قبل إصلاح العمل. # والثالث : الحرص على الجمع والاشتغال بالدنيا عن الآخرة، تقول : ~~أخاف الفقر في الكبر ، وربما أضعف عن الاكتساب ، ولا بد لي من شيء فاضل ~~أدخره لمرضي أو هرم أو فقر ، هلذا ونحوه مما يحرك إلى الرغبة في الدنيا ، ~~والحرص عليها ، والاهتمام للرزق ، تقول : أيش آكل، وأيش أشرب، وأيش ~~ألبس، وهلذا الشتاء وهلذا الصيف وما لي شيء ، ولعل العمر يطول فأحتاج، ~~والحاجة مع الشيب ms060 شديدة ، ولا بد من قوت وغنية عن الناس. # فهذه وأمثالها تحرك إلى طلب الدنيا والرغبة فيها، والجمع لها والمنع ~~لما عندك منها، وأقل ما في الباب أن تشغل قلبك، وتضيع عليك وقتك، ~~وتكثر همك وغمك بلا فائدة ولا طائلي ، على ما روي عن أبي ذر رضي الله عنه ~~أنه قال : (قتلني هم يوم لم أدركه) ، قيل : وكيف ذلك يا أبا ذر؟ قال : (إن ~~أملي جاوز أجلي). # والرابع : القسوة في القلب ، والنسيان للآخرة؛ لأنك إذا أملت العيش ~~الطويل.. لا تذكر الموت والقبر ، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ~~( إن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان : طول الأمل ، واتباع الهوى ، ألا وإن طول ~~الأمل ينسي الآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق)(2) ~~فإذن يصير فكرك ومعظم أمرك في حديث الدنيا وأسباب العيش في صحبة PageV00P117 ~~============================================================ ~~الخلق ونحوها ، فيقسو القلب من ذلك، وإنما رقة القلب وصفوته بذكر الموت ~~والقبر ، والثواب والعقاب وأحوال الآخرة ، وإذا لم يكن شيء من ذلك.. فمن ~~أين يكون لقلبك رقة وصفوة ؟! قال الله تعالى : { فطال عليهم الأمد فقست قلوثهم) ~~فاذن إنك إذا طؤلت أملك.. قلث طاعتك، وتأخرث توبتك، وكثرت ~~معصيتك، واشتد حرصك، وقسا قلبك، وعظمت غفلتآك عن العاقبة، ~~فذهبت - والعياذ بالله إن لم يرحم اللهآ - آخرتك، فأيي حال أسوأ من هلذه ؟! وأيي ~~آفة أعظم من هلذه ؟! وكل هلذا بسبب طول الأمل: ~~وأما إن قصرت أملك، وقربت من نفسك موتك، وتذكرت حال أقرانك ~~واخوانك الذين غافصهم الموث في وقت لم يحتسبوه(1)، ولعل حالك مثل ~~حالهم.. قلت لنفسك : احذري يا نفسي الغرور، واذكري ما قال عون بن ~~عبد الله رحمه اللهآ: (كم من مستقبل يومأ لم يستكمله، ومنتظر غدا لم يدركه، ~~ولو رأيتم الأجل ومسيره. لأبغضتم الأمل وغروره)(2). # أما سمعت قول عيسى ابن مريم عليه السلام : الذنيا ثلاثة أيام : أمسي مضى ~~ما بيدك منه شيء ، وغد لا تدري أتدركه أم لا؟ ويوم أنت فيه فاغتنيه . # ثم قول أبي ذر رضي الله عنه : (الذنيا ثلاث ساعات : ساعة مضت ، ~~وساعة أنت فيها، وساعة ms061 لا تدري أتدركها أم لا؟) ~~فلست تملك بالحقيقة إلا ساعة واحدة؛ إذ الموث من ساعة إلى ساعة ~~ثم قول شيخنا رحمه الله : الذنيا ثلاثة أنفاس: نفس مضى، عملت فيه ~~ما عملت ، ونفسي أنت فيه ، ونفس لا تدري أتدركه أم لا؟ إذ كم من متنفس ~~نفسا ففاجأه الموث قبل النفس الآخر ، فلست تملك إلأ نفسا واحدا بالحقيقة ، ~~لا يوما ولا ساعة ، فبادر في هذذا النفس الواحد إلى الطاعة قبل أن يفوت ، وإلى PageV00P118 ~~============================================================ ~~التوبة؛ فلعلك في النفس الثاني تموث ، ولا تهتمي يا نفس بالرزق؛ فلعلك ~~لا تبقين لتحتاجي إليه ، فيكون وقتك ضائعا، والهم فاضلا، وما عسى أن يهتم ~~الإنسان بالرزق ليوم واحد ، أو ساعة واحدة، أو نفس واحد؟ أما تذكرين ~~ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " ألا تعجبون من أسامة المشتري ~~بصبر شهر ؟! إن اسامة لطويل الأمل ، والله ؛ ما وضعت قدما .. فظننت أني ~~أرفعها، ولا لقمة.. فظننت أني أسيغها حتى يدركني الموث، والذي نفسي ~~بيده؛ إن ما توعدون لات وما أنتم بمعجزين "(1). # فإذا أنت أيها الرجل تذكرت هذه الأذكار ، وواظبت على ذلك بالإعادة ~~والتكرار.. قصر أملك بإذن الله تعالى ، فحيثذ ترى نفسك تبادر إلى الطاعات ، ~~وتعجل توبتك، وتسقط عنك معصيئك، وتزهذ في الدنيا وطلبها، فيخف ~~حسائك وتبعتك، ويقع قلبك في تذكر الآخرة وأهوالها، وما هو إلآ من تفسي ~~الى نفس، تصير إليها وتعاينها واحدا فواحدا، فتزول عنك القسوة، وتبدو لك ~~الرقة والصفوة، وتستشعر عند ذلك الخوف من الله تعالى والخشية، فيستقيم لك ~~أمر عبادتك، ويقوى الرجاء في أن تسعد في عاقبتك، فتظفر بالمراد في ~~آخرتك، وكل ذلك بعد فضل الله تعالى بسبب هلذه الخصلة التي هي قصر ~~الأمل. # ولقد حكي : أن زرارة بن أوفى رحمه الله تعالى قيل له في النوم بعد موته : ~~أي الأعمال أبلغ فيما عندكم ؟ قال : الرضا، وقصر الأمل. # فانظز لنفسك أيها الأخ ، وابذل المجهود في هلذا الأصل الكبير؛ فإنه الأهم ~~والأعظم في صلاح القلب والنفس ، والله تعالى وليك التوفيق بفضله ورحمته . # وأما الحسد : فإنه المفسد للطاعات ms062 ، الباعث على الخطيئات ، وإنه الداء ~~العضال الذي يبتلى به الكثير من القراء والعلماء، فضلا عن العامة والجهال ، PageV00P119 ~~============================================================ ~~حتى أهلكهم وأوردهم النار، أما تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~"ستةآ يدخلون النار بستة : العرب بالعصبية ، والأمراء بالجور، والدهاقين ~~بالكبر، والثجار بالخيانة، وأهل الرساتيق بالجهل ، والعلماء بالحسد"(1). # وإن بلية بلغ شؤمها أن أوردت العلماء النار لحقيق أن يحذر منها. # واعلم : أن الحسد يهيج خمسة أشياء: ~~أحدها : إفساد الطاعات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحسد ~~يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب "(2) : ~~والثاني : فعل المعاصي والشرور، على ما قال وهب بن منبو رحمه الله ~~تعالى : (للحاسد ثلاث علامات : يتملق إذا شهد، ويغتاب إذا غاب، ويشمتآ ~~(3 ~~بالمصيية)(11. # قلث : وحسبك أن الله تعالى أمرنا بالاستعاذة من شر الحاسد فقال : { ومن ~~شرحاسه إذا حسد كما أمر بالاستعاذة من شر الشيطان الوجيم والساحر(4) . # فانظر كم له من الشر والفتنة ، حتى أنزله منزلة الشيطان والساحر ، حتى أن ~~لا مستعان عليه ولا مستعاذ إلا بالله رب العالمين. # والثالث: التعب والهم من غير فائدة ، بل مع ذلك وزر ومعصية، كما قال ~~ابن السماك رحمه الله : (لم أر ظالما أشبة بالمظلوم من الحاسد ، نفس دائم، ~~(5)( ~~وعقل هائم، وغه لازم)(5 PageV00P120 ~~============================================================ ~~والروابع : عمى القلب ، حتى لا يكاد يفهم حكما من أحكام الله عز وجل ، ~~فلقد قال سفيان الثوري رحمه الله : (عليك بطول الصمت تملك الورع، ~~ولا تكن حريصا على الذنيا تكن حافظا ، ولا تكن طعانا تنج من ألسن الناس، ~~ولا تكن حاسدا تكن سريع الفهم)(1) . # والخامسن : الحرمان والخذلان، فلا يكاد يظفر بمراد، ولا ينصر على ~~عدؤ، كما قال حاتم الأصم رحمه الله : الضغين غير ذي دين ، والعائب غير ~~عابد، والنمام غيرمأمون، والحسود غير منصور. # قلتث: الحسوذ كيف يظفر بمراده ومراده زوال نعم الله تعالى عن عباده ~~المسلمين ؟! وكيف ينصو على أعداثآه وهم عباد الله المؤمنون ؟! # ولقد أحسن أبو يعقوب رحمه الله فيما قال : اللهم ؛ صبرنا على تمام النعم ~~على عبادك وحسن أحوالهم: ~~وإن داء يفسد عليك الطاعة، ويكثر شرك ms063 ومعصيتك، ويمنعك راحة ~~النفس، وفهم القلب ، والنصرة على الأعداء، والظفر بالمطلوب.. فأي داء ~~يكون أدوأ منه ؟! فعليك بمعالجة نفسك من ذلك ، والله تعالى وليي التوفيق بمنه ~~وكريه ~~وأما الاستعجال والترق(2) : فإنه الخصلة المفوتة للمقاصد ، الموقعة في ~~المعاصي، وإن منها تبدو آفات أربع: ~~إحداها : أن يقصد العابد منزلة في الخير والاستقامة ويجتهد، ~~فربما يستعجل في نيلها وليس ذلك بوقتها؛ فإما أن يفتر ويياس، ويترك ~~الاجتهاد فيحرم تلك المنزلة ، وإما أن يغلو في الجهد وإتعاب النفس فينقطع عن ~~تلك المنزلة، فهو بين إفراط وتفريط، وكلاهما نتيجة الاستعجال، ولقد روينا PageV00P121 ~~============================================================ ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن ديننا هذا متين ، فأوغل فيه برفق ؛ ~~فإن المنبت لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى"(1) . # وفي المثل السائر : (إن لم تستعجل.. تصل) : ~~وقول القائل في ذلك : ~~امن البسيط] ~~(2)9 ~~قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل(2 ~~والثانية : أن يكون للعابد حاجة، فيدعو الله تعالى فيها، ويكثر الدعاء ~~ويجد، فربما يستعجل الإجابة قبل وقتها فلا يجذها، فيفتر ويسأم، فيترك ~~الذعاء فيحرم حاجته ومقصوده ~~والثالثة : أن يظلمه إنسان فيغيظه، فيعجل في الدعاء عليه، فيهلك مسلم ~~بسببه ، وريما يتجاوز عن الحد فيقع في معصية وهلاك ، قال الله تعالى : { ويدع ~~الإنين بالشردعلة بالخيروكان الإنكن عجولا ~~والرابعة : أن أصل العبادة وملاكها الورع ، والورع أصله النظر البالغ في كل ~~شيء، والبحث التام عن كل شيء هو بصدده؛ من أكل وشرب ، ولبس وكلام ~~وفعل ، فإذا كان الرجل مستعجلا في الأمور غير متأن ولا متثبت متبين.. لم يقع ~~منه توئ ونظر في الأمور كما يجب ، ويتسارع إلى كل كلام فيقع في الزلل ، ~~والى كل طعام فيقع في الحرام والشبهة ، وكذلك في كل أمر ، فيفوته الورغ، ~~وأي خير في عبادة بلا ورع ؟1 ~~وإذا كان في خصلة الانقطاع عن منازل الخير ، وحرمان الحاجات ، وهلالە ~~المسلمين وهلاكه، ثم خطر فوت الورع الذي هو رأسن المال. . فحق للإنسان أن ~~يهتم لها بالإزالة وإصلاح النفس بعدها ، والله ولي التوفيق بمنه وفضله . # وأما الكبر : فإنه ms064 الخصلة المهلكة رأسا، أما تسمع قوله تعالى: أبى ~~وأستكبروكان من الكنفريب} ؟ PageV00P122 ~~============================================================ ~~وليست هذه الخصلة بمنزلة سائر الخصال التي تقدح في عمل، وتضو ~~بفرع، إنما تضرو بالأصل، وتقدح في الدين والاعتقاد ، وإذا قويت وغلبث.. # لا تتدارك والعياذ بالله سبحانه. # ثم أقل ما يهيج منها على صاحبها أربع آفات : ~~إحداها: حرمان الحق، وعمى القلب عن معرفة آيات الله تعالى وفهم ~~أحكامه ، قال الله تعالى : سأضرف عن هايتى الذين يتكبروت فى الأرض بغير ~~الحق)، وقال تعالى : كذالك يطبع الله على كل قلب متكير جبار ~~الثانية : المقت والبغض من الله تعالى ، قال الله عز وجل : { إنه لا يحث ~~المشتكبريب ~~وروي أن موسى عليه الصلاة والسلام قال : يا رب؛ من أبغض خلقك ~~إليك؟ قال: من تكبر قلبه، وغلظ لسانه، وصفق عينه(1)، وبخلت يده، ~~وساء خلقه ~~الثالثة: الخزي والنكال في الدنيا والآخرة ، قال حاتم رحمه الله : اجتنبت ~~الموت على ثلاثة : على الكبر، والحرص، والخيلاء؛ فإن المتكبر ~~لا يخرجه الله تعالى من الدنيا حتى يريه الهوان من أرذل أهله وخدامه، والحريص ~~لا يخرجه الله تعالى من الدنيا حتى يحوجه إلى كسرة أو شربة ولا يجد مساغا ، ~~والمختالك لا يخرجه الله من الأنيا حتى يمرغه ببوله وقذره. # وقيل : من تكبر بغير حق.. أورثه الله تعالى ذلا بحق. # الرابعة: النار والعذاب في العقبى ، على ما روي أن الله تعالى يقول : ~~"الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحد منهما.. أدخلته نار ~~جهنم"(2). PageV00P123 ~~============================================================ ~~والمعنى : أن العظمة والكبرياء من الصفات التي تختص بي، ولا تنبغي ~~لأحد غيري ، كما أن رداء الإنسان وإزاره يختصى به ، لا يشارك فيه . # وإن خصلة تفوتك معرفة الحق، وفهم معاني آيات الله تعالى وأحكامه الذي ~~هو أصل الأمر كله، ثم تثمر لك المقت من الله سبحانه وتعالى ، والخزي في ~~الذنيا ، والنار في الآخرة .. لا يسع العاقل أن يغفل عن نفسه فيها ، فلا يصلحها ~~بإزالتها؛ بالحذر والتحوز والاستعاذة بالله تعالى من ذلك ، وهو وليك العصمة ~~والتوفيق بمنه وكرمه. # فهذا بعض ما حضرنا في هذذه الخصال الأربع من الافات، ms065 وحسب العاقل ~~واحدة منها فضلا عن الكل إذا أهمه أمر قلبه ، وحامى عن أمر دينه ، والله الموفق ~~للصواب ~~فإن قلت : فإذا كان الأمر بهلذه المنزلة من آفات هذه الخصال، ولزم ~~التحفظ منها.. فلا بد من معرفة حقيقتها وحدها، فبين لنا ذلك لنعرف كيف ~~الطريق إلى التحفظ عنها. # فاعلم : أن في كل واحدة منها كلاما كثيرا ، وقد أشبعنا القول فيه في كتابي ~~"الإحياء" و" الأسرار"(1)، ونحن نذكر هلهنا ما لا بد من ذكره، ولا يقع ~~الغنى عنه ، فنقول وبالله التوفيق: ~~أما الأمل : فإن اكثر علمائنا رحمهم الله تعالى قالوا : إنه إرادة الحياة للوقت ~~المتراخي بالحكم، وقصر الأمل : ترك الحكم فيه؛ بأن تقئده بالاستثناء ~~بمشيئة الله تعالى وعلمه في الذكر، أو بشرط الصلاح في الإرادة، فإذن إن ~~ذكرت حياتك بأني أعيش بعد نفسي ثان أو ساعة ثانية أو يوم ثان بالحكم ~~والقطع.. فأنت آمل، وذلك منك معصية؛ إذ هو حكم على الغيب ، فإن قيدته ~~بالمشيئة والعلم من الله فتقول : أعيش إن شاء الله تعالى ، أو إن علم الله أني ~~أعيش.. فقد خرجت عن حكم الأمل، وكذلك إن أردت حياتك للوقت الثاني PageV00P124 ~~============================================================ ~~قطعا.. فأنت آمل، وإن قيدت إرادتك بشرط الصلاح.. خرجت عن حكم ~~الأمل، ووصفت بقصر الأمل من حيث تركت الحكم فيه ، فعليك بترك الحكم ~~في ذكر البقاء وإرادته. # والمراد بالذكر : ذكر القلب ، ثم المراد منه : التوطين على ذلك ، والتثبيث ~~للقلب عليه، فافهمه راشدا إن شاء الله تعالى. # ثم الأمل ضربان : أمل العامة ، وأمل الخاصة. # فأمل العامة : أن تريد الحياة والبقاء لجمع الدنيا والتمئع بها، وهلذه معصية ~~محضة، وضدها قصر الأمل ، قال الله تعالى : { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم ~~الأمل فسوف يعلمون ~~وأمل الخاصة : أن تريد البقاء لإتمام عمل خير فيه خطر، وهو ما لا يستيقن ~~الصلاح له فيه؛ فإنه ربما يكون خير معين لا يكون للعبد فيه أو في إتمامه ~~صلاح؛ بأن يقع بسببه في آفة لا يقوم بها هذا الخير: ~~فإذن ليس للعبد إذا ابتدأ في صلاة أو صوم أو غيره أن ms066 يحكم بأنه يتيه؛ إذ ~~هو غيث، ولا أن يقصد ذلك قطعا ؛ لأنه ربما لا يكون له فيه صلاح ، بل يقيد ~~ذلك بالاستثناء أو شرط الصلاح ، فيخلص من عيب الأمل ، قال الله تعالى لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم : ولا نقولن لشأتىء إنى فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله) ~~وضد هلذا الأمل - فيما قاله العلماء - النية المحمودة، وإنما قالوا ذلك على ~~ضرب من الاتساع ؛ لأن الناوي بالنية المحمودة يكون ممتنعا من الأمل. # فهذا حكم الأمل والنية المحمودة؛ إذ قد مست الحاجة إلى معرفتها مع أنها ~~الأصل الأصيل، قال علماؤنا رحمهم الله تعالى في حدها الجامع التام : إن النية ~~الصحيحة المحمودة : إرادة أخذ عمل مبتدأ به قبل سائر الأعمال بالحكم، مع ~~ارادة إتمامه بالتفويض والاستثناء: ~~فإن قيل : فلم جاز الحكم في الابتداء ، ووجب التفويض والاستثناء في ~~الإتمام؟ PageV00P125 # ============================================================ ~~يقالك له : لفقد الخطر في الابتداء ؛ إذ هو في حال الابتداء ليس بشيء متراخ ~~عنك، ولشبوت الخطر في الإتمام؛ إذ هو يقع في وقت متراخ ، ففيه الخطران : ~~خطر الوصول ؛ لا تدري هل تصل إلى ذلك أم لا ؟ وخطر الفساد ؛ لا تدري هل ~~في ذلك صلاح أم لا؟ # فإذن وجب الاستثناء لخطر الوصول، والتفويض لخطر الفساد، فإذا ~~حصلت الإرادة على هلذه الشروط.. تكون حينئذ نيهآ محمودة، مخرجة عن حد ~~الأمل وآفته، فتأمل جدا، فهذه هذه. # واعلم : أن حصن قصر الأمل ذكو الموت، وحصن حصنه ذكر فجأة الموت ~~وأخذه على غرة وغفلة وهو في غرور وفتور، فاحتفظ بهذه الجملة، وحصلها ~~موفقا ؛ فإن الحاجة إليها ماسة، ودع عنك تضييع الوقت في القيل والقال، ~~وملاحاة الرجال(1) ، والله الموفق بفضله. # وأما الحسد : فهو إرادة زوال نعم الله تعالى عن أخيك المسلم مما له فيه ~~صلاح، فإن لم ترذ زوالها عنه، ولكن تريذ لنفسك مثلها... فهو غبطة، وعلى ~~هلذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم : " لا حسد إلأ في اثنتين... 4 الخبر(2) : ~~أي: لا غبطة إلأ في ذلك، فعبر عن الغبطة بالحسد اتساعا في ذلك ~~لمقاربتهما ~~فإن لم يكن له فيها ms067 صلاح، فأردت زوالها عنه.. فذلك غيرة، فهذا هو ~~الفرق بين هلذه الخصال : ~~وأما ضد الحسد : فالنصيحة، وهي : إرادة بقاء نعمة الله تعالى على أخيك ~~المسلم معا له فيها صلاخ. PageV00P126 ~~============================================================ ~~فإن قيل : كيف نعلم أن له فيها صلاحا أو فسادا لننصحه أو نحسده ؟ # فاعلم : أنه قد يقوم لنا غالب الظن بذلك ، وغلبه الظن منا تجري مجرى ~~العلم في هلذه المواضع. # ثم إن اشتبه عليك.. فلا ترد زوال نعمة أحد من المسلمين أو بقاءها ~~الا مقيدا بالتفويض وشرط الصلاح؛ لتخلص من حكم الحسد، ويحصل لك ~~فائدة النصيحة. # وأما حصن التصيحة المانع من الحسد : فهو ذكر ما أوجبه الله تعالى من ~~موالاة المسلمين، وحصن هلذا الحصن ذكر ما عظم الله تعالى من حق المؤمن ~~ورفع من قدره، وما له عند الله تعالى من الكرامات العظيمة في العقبى ، وما لك ~~فيه من الفوائد الجليلة في الانيا؛ من التعاون والتظاهر، والجماعات ~~والجمعات، ثم ما ترجو من شفاعته في الاخرة. # فهلذه ونحوها مما يبعث على التصح لكل مسلم، ويجنبك أن تحسده في ~~نعمة أعطاه الله تعالى إتاها، والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بفضله. # وأما العجلة : فإنها المعنى الراتب في القلب ، الباعث على الإقدام على ~~الأمر بأول خاطر ، دون التوقف فيه والاستطلاع منه ، بل الاستعجال في اتباعه ~~والعمل به، وضدآها الأناة، وهو المعنى الراتب في القلب، الباعث على ~~الاحتياط في الأمور، والنظر فيها، والتأني في اتباعها، والعمل بها. # وأما التوقف : فضده التعسف ، قال شيخنا رحمه الله تعالى : الفرق بين ~~التوقف والتأني : أن التوقف قبل الدخول في الأمر حتى يستبين له رشده ، ~~والتأني بعد الدخول فيه حتى يؤدي لكل جزه منه حقه. # ثم مقدمات الأناة : ذكر وجوه الخطر في الأمور التي تعترض للإنسان ، ~~وضروب الأفات المخوفة فيها، وذكرما في النظر والثثبت من السلامة ، وما في ~~التعسشف والاستعجال من الندامة والملامة ~~وهلذه وأمثالها مما يبعث على التأني والتوقف في الأمور، ويمنع من ~~12 PageV00P127 ~~============================================================ ~~الاستعجال والتعشف، والله تعالى وليي العصمة برحمته. # وأما الكبر : فاعلم أنه خاطر في رفع النفس واستعظامها ms068 ، والثكثر اتباعه ، ~~والضعة خاطو في وضع النفس واستحقارها ، والتواضع اتباعه، ولكل واحد ~~منهما عامي وخاص ~~فالتواضع العامي : هو الاكتفاء بالدون من الملبس والمسكن والمركب ، ~~والتكثر في مقابلته الترقآع عن ذلك . # والتواضع الخاصي : هو تمرين النفس على قبول الحق ممن كان وضيعا أو ~~شريفا، والتكبر في مقابلته الترفح عن ذلك ، وهو معصية كبيرة، وخطيئة ~~عظيمهآ. # ثم حصن التواضع العائي أن تذكر مبدأك ومنتهاك، وما أنت عليه في الحال ~~من ضروب الآفات والأقذار، كما قال بعضهم : (أولك نطفة مذرة ، وآخرك ~~جيفة قذرة، وأنت فيما بينها تحمل العذرة)(1). # وحصن التواضع الخاصي : هو ذكر عقوبة العادل عن الحق، المتمادي في ~~الباطل ، فهلذه جملهآ كافية لمن استبصر ، والله ولي التوفيق. # الفصل الخامس : البطن وحفظه: ~~ثم عليك - وفقك الله- بحفظ البطن وإصلاحه؛ فإنه أشق الأعضاء إصلاحا ~~على المجتهد، واكثرها مؤنة وشغلا، وأعظمها ضررا وأثرا ؛ لأنه المنبع ~~والمعدن، ومنه تهيج الأمور في الأعضاء؛ من قوة وضعف، وعفة وجماح ~~ونوه ~~فعليك إذن بصيانته عن الحرام والشبهة أولا ، ثم عن فضول الحلال ثانيا إن ~~كانت لك همة في عبادة الله تعالى. PageV00P128 ~~============================================================ ~~فأما الحرام والشبهة : فإنما يلزمك البحث عنهما لثلاثة أمور: ~~اؤلها : حذرا من نار جهنم، قال الله سبحانه وتعالى : إن الذين يأكلون ~~أموال اليتلمى ظلما إنما يأ كلون فى بطونهم نارا وسيضلور سعيرا ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "كل لحم نبت من سحت فالنار أولى ~~به"(1). # والثاني : أن اكل الحرام والشبهة مطرود لا يوفق للعبادة ؛ إذ لا يصلح ~~لخدمة الله تعالى إلا كل طاهر مطهر. # قلث أنا: أليس الله تعالى قد منع الجنب من الدخول إلى بيته، والمحدث ~~عن مس كتابه ؟ قال عز من قائل : { ولا جنبا إلاعايرى سبيل حتى تعتسلوا } ، وقال ~~تعالى: لايمس إلا المطهرون} ، مع أن الجنابة والحدث أمر مباح، فكيف ~~بمن هو منغمس في قذر الحرام، ونجاسة الشحت والشبهة، متى يدعى إلى ~~خدمة الله العزيز وذكره الشريف سبحاته ؟! كلا فلا يكون ذلك أبدا . # وقال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله : الطاعة مخزونة في خزائن الله ، ~~ومفتاحها ms069 الدعاء، وأسنانه الحلال، فإذا لم يكن للمفتاح أسنان.. فلا ينفتح ~~الباب، وإذالم ينفتخ باب الخزانة. . كيف يوصل إلى ما فيها من الطاعة ؟! # والثالث : أن آكل الحرام والشبهة محروم من فعل الخير ، وإن اتفق له فعل ~~خير. فهو مردود عليه غير مقبول منه ، فإذن لا يكون له من ذلك إلأ العناء ~~والكذ وشغل الوقت ، قال صلى الله عليه وسلم : 0 كم من قائم ليس له من قيامه ~~إلا السهر ، وكم من صائم ليس له من صيامه إلأ الجوع والظمأ "(2). PageV00P129 ~~============================================================ ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( لا يقبل الله صلاة امرىء وفي جوفه ~~حرام)، فهلذه هذه ~~وأما فضول الحلال : فإنه آفة العتاد ، وبلية أهل الاجتهاد ، وإني تأملت ~~فوجدت فيه عشر آفات هن أصول في هلذا الشأن : ~~الأولى : أن في كثرة الأكل قسوة القلب وذهاب نوره ، روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب؛ ~~فإن القلب يموث كالزرع إذا كثر عليه الماء" . # ولقد شبه ذلك بعض الصالحين بأن المعدة كالقذر تحت القلب تغلي، ~~والبخار يرتفع إليه ، فكثرة البخار تكدره وتسخمه: ~~والثانية : أن في كثرة الأكل فتنة الأعضاء وهيجها وانبعائها للفضول ~~والفساد؛ فإن الرجل إذا كان شبعان بطرا.. اشتهت عينه النظر إلى ما لا يعنيه من ~~حرام أو فضول ، والأذن الاستماع إليه ، واللسان التكلم به .، والفرج الشهوة ~~له، والرجل المشي إليه ، وإن كان جائعا. . فتكون الأعضاء كلها ساكنة هادئة ، ~~لا تطمخ إلى شيء منها ولا تنشط لها، ولقد قال الأستاذ أبو جعفر ~~رحمه الله تعالى : إن البطن عضؤ، إن جاع هو.. شبع سائر الأعضاء - يعني : ~~تسكن فلا تطالبك بشيء - وإن شبع هو.. جاع سائر الأعضاء. # وجملة الأمر : أن أفعال الرجل وأقواله على حسب طعامه وشرابه ؛ إن دخل ~~الحرام.. خرج الحرام، وإن دخل الفضول.. خرج الفضول، كأن الطعام بذر ~~الأفعال ، والأفعال نبت تبدو منه: ~~والثالثة : أن في كثرة الأكل قلة الفهم والعلم؛ فإن البطنة تذهب الفطنة ، ~~ولقد صدق الداراني رحمه الله حيث قال : (إذا أردت حاجة من ms070 حوائج الذنيا ~~والآخرة.. فلا تأكل حتى تقضيها؛ فإن الأكل يغير العقل)(1). # وهذا أمر ظاهر، علمه من اختبره. PageV00P130 ~~============================================================ ~~والوابعة : أن في كثرة الأكل قلة العبادة؛ لأنه إذا أكثر الإنسان الأكل .. ثقل ~~بدنه، وغلبته عيناه، وفترت أعضاؤه؛ فلا يجيء منه شيء - وإن اجتهد ~~إلأ النوم كالجيفة الملقاة ، ولقد قيل : إذا كنت بطنا . . فعد نفسك زمنا. # ولقد ذكر عن يحيى عليه الصلاة والسلام : أن إبليس بدا له وعليه ~~معالية(1)، فقال له يحيى : ما هلذه ؟ فقال : هلذه الشهوات التي أصيد بها بني ~~آدم ، قال : هل تجد لي فيها شيئا ؟ قال : لا ، إلأ أنك شبعت ذات ليلة فثقلناك ~~عن الصلاة ، فقال يحيى عليه الصلاة والسلام : لا جرم أني لا أشبع بعدها أبدا ، ~~فقال إبليس : لا جرم أني لا أنصح بعدها أحدا أبدا : ~~فهذه فيمن لم يشبع في عمره إلأ ليلة واحدة، فكيف بمن لا يجوع في عمره ~~ليلة واحدة ثم يطمع في العبادة ؟1 ~~وقال سفيان رحمه الله : العبادة حرفة، وحانوتها الخلوة، وآلثها ~~المجاعة ~~والخامسة : أن في كثرة الأكل فقد حلاوة العبادة ، قال أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه : (ما شبعت منذ أسلمت؛ لأجد حلاوة عبادة ربآي، وما روية ~~منذ أسلمت ؛ اشتياقا إلى لقاء ربي) ~~وهذذه صفات المكاشفين ، وكان أبو بكر رضي الله عنه مكاشفا، وإليه ~~أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " ما فضلكم أبو بكر بفضل صوم أو ~~صلاة، وإنما هو بشيء وقرفي صدره "(2). # وقال الداراني : ( أحلى ما تكون العبادة إذا التزق بطني بظهري)(3) . # والشادسة : أن فيه خطر الوقوع في الشبهة والحرام ؛ لأن الحلال لا يأتيك PageV00P131 ~~============================================================ ~~الا قوتا ، ولقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إن الحلال ~~لا يأتيك إلأ قوتا ، والحرام يأتيك جزافا جزافا". # والسابعة : أن فيه شغل القلب والبدن؛ بتحصيله أولا، وبتهيئته ثانيا، ثم ~~بأكله ثالثا، ثم بإفراغه والتخلص منه رابعا، ثم بالسلامة منه خامسا، بأن تبدو ~~منه آفة في البدن ، بل آفات وعلل ، ولقد قال صلى الله عليه وسلم : " أصل كل ~~داء البردة - يعني الثخمة - وأصل كل ms071 دواء الأزمة "(1) يعني الجوع والحمية. # وعن مالك بن دينار أنه كان يقول : يا هؤلاء؛ لقد اختلفت إلى الخلاء حتى ~~استحييث من رئي وملكي، فيا ليت أن الله جعل رزقي في حصاة أمضها حتى ~~اموت. # ثم في هلذه الجملة ؛ من طلب الدنيا، والطمع في الناس، وتضييع الوقت ~~بسبب كثرة الأكل ما لم يخف. # والثامنة: ما يناله من أمور الآخرة وشدة سكرات الموت ، روي في ~~الأخبار: أن شدة سكرات الموت على قدر لذات الحياة، فمن أكثر من هلذه .. # أكثر له من تلك. # والتاسعة : نقصان الثواب في العقبى ، قال الله تعالى : أذهبتم طيبتكر فى ~~حياتكو الدنيا الآية. # فإنه بقدر ما تأخذ من لذات الدنيا ينقص لك من لذات الآخرة، ولهلذا ~~المعنى لروي] أن الله تعالى لما عرض الدنيا على نبينا محقد صلى الله ~~عليه وسلم.. قال له : " ولا أنقصك من آخرتك شيئا "(2)، خصه بذلك، فدل PageV00P132 ~~============================================================ ~~على أن لغيره النقصان ، إلا أن يتفضل الله عليه بذلك : ~~ولقد روي : أن خالد بن الوليد أضاف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ~~وهيأ له طعاما، فقال عمر : (هذا لنا، فما للفقراء المهاجرين الذين ماتوا ولم ~~يشبعوا من خبز شعير ؟) ، قال خالد : (لهم الجنة يا أمير المؤمنين) ، فقال ~~عمر: (لئن فازوا بالجنة، وكان هلذا حظنا من الذنيا. . فقد بانوا منا بونا مبينا) . # وروي : أن عمر رضي الله عنه عطش يوما، فدعا بماع، فأعطاه رجل إداوة ~~فيها ماء نبذ فيه تمرات، فلما قربها عمر من فيه.. وجد الماء باردا حلوا ، ~~فأمسك وقال : أوه ، فقال الرجل : والله ؛ ما ألؤته حلاوة يا أمير المؤمنين(1) ، ~~(1 ~~فقال عمر رضي الله عنه : ذلك الذي منعني منه ، ويحك ! لولا الآخرة. # لشار كناكم في عيشكم. # والعاشره : الحبس والحساب، واللوم والتعيير في ترك الأدب في أخذ ~~الفضول وطلب الشهوات؛ فإن الدنيا حلالها حسابت، وحرائها عقاب، وزينتها ~~الى تباب. # فهلذه جملة العشرة ، وفي إحداها كفاية لمن نظر لنفسه، فعليك أيها ~~المجتهد بالاحتياط البالغ في القوت ؛ كي لا تقع في حرام أو شبهة فيلزمك ~~العذاب، ثم بالاقتصار من ms072 الحلال على ما يكون عدة على عبادة الله تعالى؛ ~~فلا تقع في شر فتبقى في الحبس والحساب ، والله سبحانه ولي التوفيق . # فإن قلت : فبين لنا أولا حكم الحرام والشبهة وحدهما : ~~فأقول: لعمر الله لقد أشبعنا القول فيه في " أسرار معاملات الدين"، ~~وذكرنا له كتابا مفردا في كتاب "الإحياء "(2)، للكنا نشير إلى كلمات مفردة ~~بحيث تصل إلى فهم الضعيف المبتدي؛ إذ مقصوذ هذا الكتاب أن ينتفع به ~~المبتدي في العبادة، ويعين الطالب : PageV00P133 ~~============================================================ ~~قال بعض العلماء : كل ما تيقنت كونه ملكا للغير، منهيا عنه في الشرع فهو ~~حرام محض، وأما إذا لم يكن لك يقين بذلك، وللكن يغلب على ظنك أنه ~~كذلك.. فهو شبهة. # وقال آخرون : بل الحرام المحض ما يكون به علم أو غالب ظن؛ لأن غلبة ~~الظن منا تجري مجرى العلم في كثير من الأحكام، فأما إذا تساوت الأمارتان ~~حتى تبقى شاكا، لا يكون لأحدهما ترجيخ عندك.. فذلك شبهة، يشبهآ أنه ~~حلال، ويشبهآ أنه حرام، فاشتبه أمره عليك، والتبس حاله ~~ثم الامتناع عن الذي هو حرام محضق حتم واجث، وعن الذي هو شبهة ~~تقوى وورع ، وهلذا أولى القولين عندنا. # فإن قيل : فما تقول في قبول جوائز السلاطين في هلذا الزمان ؟ # فاعلم : أن العلماء اختلفوا فيه : ~~فقال قوم : كل ما لا يتيقن أنه حرام فله أخذه . # وقال آخرون : لا يحل أن يأخذ ما لا يتحقق أنه حلال ؛ لأن الأغلب في ~~هاذا العصر على أموال السلاطين الحرام، والحلال في أيديهم معدوم عزيز. # وقال قوم : إن صلات السلاطين تجل للغني والفقير إذا لم يتحقق أنها ~~حرام، وإنما التبعة على المعطي ، قالوا : لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل ~~هدية المقوقس ملك الإسكندرية(1)، واستقرض من اليهود مع قول الله سبحانه ~~وتعالى : { آكالون للشخت) ~~قالوا : وقد أدرك جماعة من الصحابة أيام الظلمة وأخذوا منهم ، فمنهم : ~~أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم ، رضوان الله عليهم أجمعين PageV00P134 ~~============================================================ ~~وقال آخرون : لا يحل من أموالهم شيءآ لغني ولا لفقير؛ إذ هم موسومون ~~بالظلم، والغالب على أموالهم الشحث والحرام، ms073 والحكم للغالب، فيلزم ~~الاجتناب ~~وقال آخرون : ما لا يتيقن أنه حرام فهو حلال للفقير دون الغني ، إلأ أن ~~يعلم الفقير أن ذلك عين الغصب ، فليس له أن يأخذه إلآ ليرده على مالكه، ~~ولا حرج على الفقير أن يأخذ من أموال الشلطان ؛ لأنها إن كانث ملك الشلطان ~~فأعطى الفقير.. فله أخذه بلا ريب ، وإن كانت من فيء أو خراج أو عشر.: ~~فللفقير فيه حق، وكذلك لأهل العلم، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ~~(من دخل الإسلام طائعا ، وقرأ القرآن ظاهرا(1).. فله في بيت مال المسلمين ~~كل سنة مثتا درهم - وروي مئتا دينار - إن لم يأخذها في الدنيا.. أخذها في ~~الآخرة): ~~واذا كان كذلك . . فالفقير والعالم يأخذان من حقهما. # قالوا : وإذا كان المال مختلطا بمال مغصوب ولا يمكن تمييزه، أو غصبا ~~لا يمكن رده على صاحبه وذريته.. فلا مخلص للشلطان منه إلا أن يتصدق به ، ~~وما كان الله ليأمره بالصدقة على الفقير وينهى الفقير عن قبولها، أو يأذن للفقير ~~في القبول وهو عليه حرام، فإذن للفقير أن يأخذ إلا عين الغصب والحرام فليس ~~له أخذه ~~وهلذه المسائل لا يمكن الفتوى فيها إلا ببسط وتشقيي(2)، وأستيعاب القول ~~فيها يخرج عن المقصود من الكتاب، فإن أردت معرفتها.. فطالع (كتاب ~~الحلال والحرام) من كتاب " إحياء علوم الدين " تجذه مشروحا مبينا إن شاء الله ~~تعالى ~~فإن قيل : فما تقول في صلات أهل الشوق وغيرهم ، هل يلزم ردها PageV00P135 ~~============================================================ ~~والبحث عنها وقد علمت مجازفتهم وقلة نظرهم في معاملاتهم ، وكذلك صلات ~~الإخوان؟ # فالجواب : أنه إذا كان ظاهر الإنسان الصلاح والستر. . فلا حرج عليك في ~~قبول صلته وصدقته، ولا يلزم البحث عنها بأن تقول : قد فسد الزمان؛ فإن ~~هلذا سوء ظن بذلك الرجل المسلم ، بل حسن الظن بالمسلمين مأمور به. # ثم أعلم : ما هو الأصل في هلذا الباب ، وهو أن ههنا شيئين : ~~أحذهما : حكم الشرع وظاهره: ~~والثاني : حكم الورع وحقه. # فحكم الشرع : أن تأخذ ما أتاك ممن ظاهره صلاح ولا تسأن إلا أن تتيقن أنه ~~غصب أو حرام ms074 بعينه ~~وحكم الورع : ألا تأخذ شيئا من أحد حتى تبحث عنه غاية البحث ، ~~وتستقصي غاية الاستقصاء، فتستيقن أنه لا شبهة فيه بحال، وإلأ.. فترده . # فلقد روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه : أن غلاما له أتاه بلبن فشريه ، ~~فقال الغلام : كنت إذا جئتك بشيء.. تسألني عنه ، ولم لم تسألني عن هلذا ~~اللبن؟ فقال : (وما قصته ؟) ، قال : رقيث قوما في الجاهلية فأعطوني هلذا ، ~~فتقيأ أبو بكر وقال : (اللهم؛ هلذه مقدرتي، فما بقي في العروق فأنت ~~حسبه)(1) ~~فهذا يدلك على وجوب البحث عما تقدم عليه إن كان لك نظر في الورع ~~وحقه، فهذه هذه ~~فإن قلت : فكأن الورع يخالف الشرع وحكمه. # فاعلم: أن الشرع موضوع على اليسر واليماحة ، ولذلك قال رسول الله PageV00P136 ~~============================================================ ~~صلى الله عليه وسلم : "بعثث بالحنيفية السمحة "(1)، والورع موضوع على ~~التشديد والاحتياط ، كما قيل : الأمرعلى المتقي أضيق من عقد التسعين (2) . # ثم الورع من الشرع أيضا، وكلاهما في الأصل واحذد، وللكن للشرع ~~حكمان : حكم الجواز، وحكم الأفضل الأحوط، فالجائز يقال لهآ حكم ~~الشرع، والأفضل الأحوط يقال له حكم الورع ، فهما مع تميزهما واحد في ~~الأصل، فافهم ذلك راشدا ~~فإن قلت : إذا جاز البحث والاستقصاءآ عن كل شيء: . فسد علينا ما نأخذه ~~في هذا الزمان، وتعذر الأمر بمرة على صاحب الورع ؛ إذ لا بد له من بلاغ ~~يبلغه إلى الطاعة . # فاعلم : أن طريق الورع شديد، وأن من قصد سلوكه.. فشرطه : أن يوطن ~~نفسه وقلبه على احتمال الشدة، وإلا.. فلا يتم له ذلك، ولهذا المعنى صار ~~الكثير من أهل الورع والسابقون إلى جبل لبنان وغيره، فاقتصروا على أكل ~~الحشيش وثمرات تافهة لا شبهة فيها بحال ، فمن سمت همثه إلى نيل منزلة الورع ~~الأعلى.. فعليه أن يحتمل الشدائد ويصبر عليها، ويسلك طريق أولئك لينال ~~منزلتهم ، وأما إن أقام بين الناس، وأكل مما يتداولونه في أيديهم.. فليكن ~~عنده بمنزلة الميتة لا يقدم عليها إلا عند الضرورة ، ثم لا يتناول منها إلا مقدار ~~ما يبلغه إلى الطاعة، فيكون له عذر في ذلك، ولا يضرؤه إن ms075 كان في أصله ~~شبهة؛ فإن الله تعالى أولى بالعذر، ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله ~~تعالى: فسد الشوق، فعليكم بالقوت. # ولقد بلغني عن وهيب بن الورد رحمه الله أنه كان يجوع نفسه يوما ويومين ~~وثلاثة، ثم يأخذ رغيفا ويقول : اللهم ؛ إنك تعلم أني لا أقوى على العبادة ~~وأخشى الضعف، وإلا. لم آكله، اللهم؛ إن كان فيه شيء من خبث أو PageV00P137 ~~============================================================ ~~حرام. . فلا تؤاخذني به ، ثم يبل الرغيف في الماء ويأكله . # قلث : فهلذان الطريقان للطبقة العليا من أهل الورع فيما نعلمه، وأما من ~~دونهم.. فلهم احتياط وبحث على مقدار، ولهم أيضا نصيث من الورع على ~~مقدار، وبقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى، والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن ~~عملا، وهو عليم بما يفعلون. # فإن قيل : فهذا جانب الحرام، فأخبرنا عن جانب الحلال، وما حد ~~الفضول الذي يلزم منه الحبس والحساب 9 وما المقدار الذي إذا أخذه العبد. # يكون ذلك أدبا ولا يكون فضولا ، ولا عليه فيه حبس ولا حساب؟ # يقال له : فاعلم : أن أحوال المباح في الجملة ثلاثة أقسام : ~~أحدها : أن يأخذه العبد مفاخرا مكاثرا ، مباهيا مرائيا ، فيكون الأخذ منه ~~فعلا منكرا، يستوجب على ظاهر فعله الحبس والحساب، واللوم والتعيير، ~~وهو منكر وشر يستوجب على باطن فعله - وهو التكاثر والتفاخر- عذاب النار، ~~وذلك القصد منه معصية وذنب ؛ لقوله تعالى : أنما الحيوة الدنيا لعب ولمتو وزينة ~~وتفاخ إلى قوله : { وفى الآخرة عذاب شديد) ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم : 8 من طلب الدنيا حلالا مباهيا، مكائرا ~~مفاخرا مرائيا.. لقي الله تعالى وهو عليه غضبان "(1)، فالوعيذ على قصده ذلك ~~بقلبه. # والقسم الثاني : أن يأخذ الحلال لشهوة نفسه لا غير، فذلك منه شر ~~يستوجب عليه الحبس والحساب؛ لقوله تعالى: { ثر لتسعلن يؤميذ عن ~~النعيو) ~~وقال صلى اللهعليه وسلم : " الدنيا حلالها حساث ، وحرامآها عقاي "(2) PageV00P138 ~~============================================================ ~~والقسم الثالث : أن يأخذ من الحلال في حال العذر قذرا يستعين به على ~~عبادة الله تعالى، ويقتصر على ذلك، فذلك منه خير وحسنة وأدب، فلا حساب ~~عليه ولا عقاب، بل يستوجب ms076 عليه الأجر والمدحة؛ لقوله تعالى: أولكيك ~~لهر نصيب متا كسبوا) ~~وقال صلى الله عليه وسلم : 1 من طلب الذنيا حلالا ؛ أستعفافا عن ~~المسألة، وتعطفأ على جاره، وسعيا على عياله.. جاء يوم القيامة ووجهه ~~كالقمر ليلة البدر"(1)، وذلك لما قصد به هلذه القصود المحمودة لله سبحانه، ~~فهاذه هده فاعلمها ~~فإن قيل : فما شرط المباح حتى يصير خيرا وحسنة كما ذكرتم ؟ # فاعلم : أنه يحتاج لكونه خيرا في الأصل إلى شرطين : ~~أحذهما: الحال: ~~والثاني : القصد : ~~فالحال: يجب أن يكون في حال عذر ، وهو بحيث إن لم يأخذه تؤخذ ~~نفسه(2)، وتفسيره : أن يكون حاله إن لم يأخذ ذلك المباح . . ينقطع بسببه عن ~~فرضي أو سنة أو نفل ، فيكون ذلك أفضل من ترك المياح؛ فإن ترك مباح الدنيا ~~فضيلة، وإذا كان الحال كذلك. . فهو حال العذر . # وأما القصد : فأن يقصد به العدة والاستعانة على عبادة الله سبحانه وتعالى، ~~وهو أن يذكر بقلبه : أنه لولا ما فيه من التوصل إلى عبادة الله تعالى. . لما أخذت ~~ذلك، فهذا ذكر الحجة، فلما حصل ذكو الحجة في حال العذر.. صار ذلك ~~الأخذ من الدنيا الحلال خيرا وحسنة وأدبا ~~وأما لو كان حاله حال العذر ولا يكون له هلذا القصد والذكر، أو يكون له PageV00P139 ~~============================================================ ~~هلذا القصد والذكر ولا يكون في حال العذر. . فلا يصير ذلك الأخذ من جملة ~~الخيرات ~~ثم الاستقامة على حفظ هذا الأدب تحتاج إلى بصيرة وقصد مجمل بأنه ~~لا يأخذ من الدنيا بحال إلأ للعدة على عبادة الله تعالى ، حتى إنه إن سها عن ذكر ~~الحكة في حال. . أجزأه ذلك القصذ المجمل عن تجديد ذكر الحجة . # قال شيخنا رحمه الله تعالى : فصارت الأمور الثلاثة معتبرة فيه (1) ، كل ~~واحد من وجه ؛ يعني : أن الذكر والحال معتبران في حصول كونه خيرا أصلا ، ~~والقصذ المجمل المقتضي عن بصيرة منزلة الأدب معتبر في الاستقامة عليه، ~~فافهم ذلك راشدا ~~فإن قيل : فإن أخذ من الذنيا الحلال لشهوة. . فهل يكون ذلك معصية ؟ # وهل يلزمآه عليه عذات؟ وهل الأخذ بالعذر فرض أم لا ؟ # فاعلم ms077 : أن ذلك فضيلة، ونسميه خيرا وحسنة، والأمر به أمر تأديب، ~~والأخذ بالشهوة شر وسيية، والنهي عنه نهي زجر وأدب ، وليس ذلك بمعصية، ~~ولا يكون عليه عذاب النار ، وإتما عليه الحب والحساب ، واللوم والتعيير. # فإن قلت : فما هذذا الحبس والحساب الذي يلزم العبد ؟ # فاعلم : أن الحساب أن تسأل يوم القيامة عن ماذا اكتسبت ؟ وفي ماذا ~~أنفقت ؟ وماذا أردت بذلك ؟ والحبس حبس عن الجنة مدة الحساب بذلك في ~~عرصات القيامة بين أهوالها ومخاوفها غريان عطشان، وكفى بذلك بلية . # فإن قيل : فالله سبحانه قد أحل لنا هذا الحلال، فاللوم والتعيير في أخذه ~~لماذا ؟ # فاعلم : أن اللوم والتعيير لتركه الأدب ، كمن أجلس على مائدة الملك فترك ~~الأدب، فإنه يعير بذلك وئلام وإن كان الطعام له مباحا . PageV00P140 ~~============================================================ ~~والأصل في هذا الباب : أن الله تعالى خلق العبد لعبادته ، فهو عبد الله ~~تعالى من كل وجه ، فحق للعبد أن يعبد الله تعالى من كل وجه يمكنه ، ويجعل ~~افعاله كلها عبادة من أي وجه أمكنه، فإن لم يفعل ذلك وآثر شهوة نفسه، ~~واشتغل بذلك عن عبادة ربه ، مع تمكنه من ذلك من غير تعدر ، والدار دار خدمة ~~وعبادة، لا دار تنغم وشهوة. استحق اللوم بذلك والتعيير من سيده، فتأمل ~~هذذا الأصل راشدا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # فهلذه الجملة التي أردنا بيانها في إصلاح النفس وإلجامها بلجام التقوى ، ~~فأرعها حقها، واحتفظ بها جدا تفز بالخير الكثير في الدارين إن شاء الله تعالى، ~~والله ولي التوفيق والعصمة بفضله. # فحتاق ~~(في بيان معالجة الدنيا والشيطان والخلق والنفس] ~~فعليك - أيها الرجل- ببذل المجهود في قطع هلذه العقبة العظيمة الطويلة؛ ~~فإنها أعظم العقبات شدة، وأكثرها مؤونة، وأكبرها آفة وفتنة ؛ فإن من هلك من ~~الخلق كلهم إنما انقطعوا عن طريق الحق: إما بسبب دنيا، أو خلق، أو ~~شيطان، أو نفسي، ولقد ذكرنا في كتبنا المصنفة من كتاب "الأسرار" ~~و" الإحياء " و8 القربة" ما يبعث على الاهتمام بذلك: ~~ومقصود هذا الكتاب : أني سألث الله تعالى أن يطلعني على سر معالجة ~~النفس، وأن ms078 يصلحني ويصلح بي، فاقتصرث في هذا الكتاب الشريف على ~~نكت وجيزة اللفظ، غزيرة المعنى، تقنع من تأملها، وتدغه على واضحة من ~~الطريق إن شاء الله تعالى ، وهلذا الفصل يختصى بنكت في معالجة الدنيا والخلق ~~والشيطان والنفس. # أما الدنيا : فحق لك أن تحذرها وتزهد فيها ؛ لأن الأمر لا يخلو من ثلاثة : ~~إما أنت من ذوي البصائر والفطن، فحسبك أن الدنيا عدوة الله سبحانه، ~~141 PageV00P141 ~~============================================================ ~~وهو حبيبك ووليك، وأن الدنيا نقيصة عقلك ، والعقل قيمتك. # وإما أنت من ذوي الهمم في عبادة الله تعالى والاجتهاد ، فحسبك أن الثنيا ~~بلغ من شؤمها ما يمنعك من إرادتها، وتشغلك الفكرة فيها عن العبادة والخير، ~~فكيف نفسها؟ # وإما أنت من أهل الغفلة لا بصيرة لك تبصر الحقائق، ولا همة لك تبعث ~~على المكارم، فحسبك أن الدنيا لا تبقى؛ إما أن تفارقها، وإما أن تفارقك ، ~~كما قال الحسن رضي الله عنه : إن بقيث لك الدنيا. . لم تبق لها. # فأي فائدة إذن في طلبها، وإنفاق العمر العزيز عليها ؟! ولقد أحسن ~~القائل: ~~[من الوافر ~~اليس مصير ذاك إلى زوال ؟! # هب الدنيا تساق إليك عفوا ~~وشيكا قد تغيره الليالي ~~فما ترجو بعيش ليس يبقى ~~وما دنياك إلأ مثل ظل ~~آظلك ثم آذن بارتحال( ~~فلا ينبغي لعاقل إذن أن يخدع بها، ولقد صدق القائل فيما قال : (من الكامل) ~~أحلام نوم أو كظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع ~~2 ~~(2) ~~حتى متى تسقى النفوس بكاسها ريب المنون وآنت لاو ترتع ؟ # وأما الشيطان : فحسبك فيه ما قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم : وقل رب أعوذ باك من همزات الشيلطين * وأعوذ يك رب أن يحضرون ~~فهذا خير العالمين وأعلمهم، وأعقلهم وأفضلهم عند الله تعالى يحتاج مع ~~ذلك إلى أن يستعيذ بالله من شر الشيطان، فكيف بك مع جهلك ونقصك ~~وغفلتك ؟! # وأما الخلق: فحسبك فيهم أنك لو خالطتهم ووافقتهم في آهوائهم.. آثآمت PageV00P142 ~~============================================================ ~~وأفسدت أمر آخرتك، وإن خالفتهم.. تعبت بأذياتهم وجفواتهم، وكدرت ~~عليك أمر دنياك، ثم لا تأمن أن يلجثوك إلى معاداتهم ومناوأتهم فتقع ms079 في ~~شرهم، ولأنهم إن مدحوك وعظموك. أخاف عليك الفتنة والعجب، وإن ~~ذثوك وحقروك.. أخاف عليك الحزن تارة، والغضب لغير الله تعالى أخرى، ~~وكلا الأمرين آفة مهلكة ~~ثم اذكر حالك معهم بعد ما صرت إلى القبر بثلاثة أيام كيف يتركونك ~~ويهجرونك وينسونك، فلا يكادون يذكرونك ، كأنك لم ترهم يوما ولم يروك، ~~فلا يبقى لك هنالك إلا الله تعالى ، أفلا يكون من الغبن العظيم أن تضيع أيامك ~~مع هؤلاء الخلق، مع قلة الوفاء وقلة البقاء معهم ، وتترك خدمة الله تعالى الذي ~~يرجع إليه آخر الأمر وحده ، ولا يبقى لك إلأ هو أبد الآبدين ، والحاجاث كلها ~~إليه، والثكلان كله عليه، والاعتصام كله في كل حال وعند كل شدة وهول به ~~وحده لا شريك له؟ فتأمل يا مسكين ؛ لعلك ترشد إن شاء الله تعالى ، والله ولي ~~الهداية والتوفيق بفضله. # وأما التفسن: فحسبك ما تشاهذ من حالاتها، ورداءة إرادتها، وسوء ~~اختيارها، فهي في حال الشهوة بهيمة، وفي حال الغضب سبع، وفي حال ~~المصيبة تراها طفلا، وفي حال النعمة تراها فرعونا، وفي حال الجوع تراها ~~مجنونا، وفي حال الشبع تراها مختالا، إن أشبعتها.. بطرت ومرحت، وإن ~~جوعتها.. صاحت وجزعت، فهي كما قال الأول: ~~(من الرمل] ~~كحمار الشوء إن أشبعته رمح الناس وإن جاع نهق (1) ~~ولقد صدق بعض الصالحين حيث قال : إن رداءة هذذه النفس وجهلها ~~بحيث إذا هقت بمعصية أو انبعثت لشهوة. لو تشفعت إليها بالله سبحاته ثم ~~برسوله، وبجميع آآنبيائه وبكتابه، ويجميع السلف الصالح من عباده ، وتعرض PageV00P143 ~~============================================================ ~~عليها الموت والقبر، والقيامة والجنة والنار.. لا تعطي القياد، ولا تترك ~~الشهوة، ثم إن استقبلتها بمنع رغيف.. تسكن وتترك شهوتها، لتعلم خستها ~~وجهلها، فإياك أيها الرجل أن تغفل عنها؛ فإنها كما قال خالقها العالم بها جل ~~جلاله: إن النفس لأمارة بالشوء}، فكفى بهذا تنبيها لمن عقل. # ولقد بلغنا عن رجلي من الصالحين يقال له أحمد بن أرقم البلخيي رحمه الله ~~أنه قال : نازعثني نفسي بالخروج إلى الغزو ، فقلت : سبحان الله ! إن الله تعالى ~~يقول: إن النفس لأمارة بالشوه} ms080 وهلذه تأمرني بالخير ؟ لا يكون هذا أبدا ، ~~وللكنها استوحشت فأرادت لقاء الناس لتستروح إليهم، ويتسامع الناس بها، ~~فيستقبلونها بالتعظيم والبر والإكرام ، فقلت لها : لا أنزلك العمران، ولا أنزلك ~~على معرفة، فأجابت، فأسأث الظن بها، وقلت: الله تعالى أصدق، فقلة ~~لها: أقاتل العدو حاسرا فتكونين أول قتيل ، فأجابت ، وعذ أشياء مما أرادها ~~فأجابت إلى كل ذلك ، قال : فقلت : يا رب؛ نبهني لها؛ فإني متهم لها، ~~مصدق لك، فكوشفت بها كأنها تقول : يا أحمد ؛ أنت تقتلني كل يوم بمنعك ~~اياي من شهواتي مرات وبمخالفتك ولا يشعر به أحد ، فإن قاتلت.. قتلت مرة ~~واحدة فنجوت منك، ويتسامع الناس، فيقال : أستشهد أحمد، ويكون لي ~~شرف وذكر، قال : فقعدت ولم أخرج إلى الغزو في ذلك العام . # فانظر إلى خداع النفس وغرورها، ترائي الناس بعد الموت بعمل لم يكن ~~بعد: ~~امن البسيط) ~~ولقد صدق القائل فأحسن: ~~توق نفسك لا تأمن غوائلها فالنفس أخبث من سبعين شيطانا ~~فتنبه - رحمك الله - لهذه الخداعة الأمارة بالشوء، ووطن على مخالفتها ~~قلبك بكل حال تصت وتسلم إن شاء الله تعالى، ثم عليك بإلجامها بالتقوى ~~لا حيلة لها سواه ~~واعلم : أن ههنا أصلا أصيلا، وهو أن العبادة شطران : شطر الاكتساب ، ~~144 PageV00P144 ~~============================================================ ~~وشطر الاجتناب؛ فالاكتساب : فعل الطاعات، والاجتناب : الامتناع عن ~~المعاصي والسيئات، وهو التقوى، وإن شطر الاجتناب على كل حال أسلم ~~وأصلح، وأفضل وأشرف للعبد من شطر الاكتساب، ولذلك يشتغل المبتدتون ~~من أهل العبادة الذين هم في أول درجة الاجتهاد بشطر الاكتساب ، كل هقتهم أن ~~يصوموا نهارهم، ويقوموا ليلهم، وتحو ذلك، ويشتغل المنتهون أولو البصائر ~~من أهل العبادة بشطر الاجتناب، إنما همتهم أن يحفظوا قلوبهم عن الميل إلى ~~غير الله تعالى، وبطونهم عن الفضول، وألسنتهم عن اللغو، وأعينهم عن النظر ~~الى ما لا يعنيهم ~~ولهلذا المعنى قال العابد الثاني من العباد - وكانوا سبعة- ليونس ~~عليه السلام : يا يونس؛ من الناس من خبب إليهم الصلوات فلا يؤثرون عليها ~~شيئا ، وهي عمود العبادة بالثبات لله تعالى والصدق والتضروع والابتهال، ومنهم ~~من حبب إليهم الصوم فلا يؤثرون ms081 عليه شيئا، ومنهم من حبب إليهم الصدقة ~~فلا يؤثرون عليها شيئا ~~يا يون- وأنا مفسه لك هذذه الخصال - اجعل طول صلاتك الصبر على ~~البأساء، والتسليم لأمر الله عز وجل، واجعل صومك الصمت عن كل سوءآ، ~~واجعل صدقتك كفت الأذى؛ فإنك لا تتصدق بشيء أفضل منه، ولا تصوم بشيء ~~أزكى منه. # فإذا علمت أن جانب الاجتناب أولى بالرعاية والاجتهاد فيه ؛ فإن حصل لك ~~الشطران جميعا - الاكتساب والاجتناب - فقد استكمل أمرك، وحصل مرادك، ~~وقد سلمت وغنمت، فإن لم تبلغ إلأ إلى أحدهما.. فليكن ذلك جانب ~~الاجتناب، فتسلم إن لم تغنم، وإلأ.. خسرت الشطرين جميعا، وما ينفعك ~~قيام ليل وتعيه، ثم يحبط بارادة واحدة، وما يغنيك صيام نهار طويل، ثم تفسده ~~بكلمة واحدة. # ولقد روينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قيل له : ما تقول في رجلين ~~145 PageV00P145 ~~============================================================ ~~أحدهما كثير الخير ، كثير الشر، والآخر قليل الخير ، قليل الشر؟ قال : ~~(لا أعدل بالسلامة شيئا)(1): ~~ومثالك ما قلناه : حال المريض، وذلك أن معالجة المريض نصفان : نصف ~~هو الدواء، ونصث هو الاحتماء، فإن اجتمعا معا.. فكأنك بالمريض قد برىء ~~وصح، وإلا.. فالاحتماء به أولى؛ إذ لا ينفع دواء مع ترك الاحتماء، ولقد ~~ينفع الاحتماء مع ترك الدواء: ~~ولقد قال صلى الله عليه وسلم : 0 أصل كل دواء الجمية"(2) ، والمعني بها ~~والله أعلم: أنها تغني عن كل دواء ، ولذا يقال : إن أهل الهند جل معالجتهم الحمية ~~بمنع المريض عن الأكل والشرب والكلام عدة أيام، فيبرأ ويصح بذلك لا غير . # فتبين لك بهلذه الجملة أن التقوى ملاك الأمر وجوهره ، وأهلها هم الطبقة ~~العليا من العباد ، فعليك ببذل المجهود في ذلك وصرف كل العناية إليه ، والله ~~سبحانه ولي التوفيق. # فتا ~~(في رعاية العين واللسان والبطن والقلب] ~~ثم راع هلذه الأعضاء الأربعة التي هي الأصول : ~~الأول : العين ، وحسبك فيها أن مدار أمر الدين والدنيا على القلب ، وأن ~~خطر القلب وشغله وفساده في الأكثر من العين، ولذلك قال علي ~~رضي الله عنه : (من لم يملك عينه.. فليس للقلب عنده قيمة) ~~والثاني ms082 : اللسان، وحسبك أن فيه ربحك وغنيمتك وثمرة تعبك واجتهادك ~~كله للعبادة والطاعة، وأن خطر العبادة وإحباطها وإفسادها في الأكثر من قبل ~~اللسان، بالتصنع والتزين والغيبة ونحوها، يتلف عليك بلحظة واحدة ما تعبت PageV00P146 ~~============================================================ ~~فيه سنة، بل خمسا وعشرا، ولذلك قيل : (ما شيء أحق بطول السجن من ~~اللسان)(1). # وفيما روي : أن أحد العباد السبعة قال ليونس عليه الصلاة والسلام : ~~يا يونس؛ إن العباد إذا اجتهدوا في العبادة.. لم يتقووا على عبادتهم بشيءآ ~~أفضل من الصبر عن الكلام في فصل طويل ، ثم عاد إلى ذلك فقال : فلا يكونن ~~عنذك شيءآ آثر من حفظ لسانك، ولا تكونى لشيء أعنى به من سلامة صدرك ، ~~فهذه هاذده ~~ثم أذكر النفس الذي تكلمت فيه بفضول ماذا كان يضؤك لو قلت : ~~استغفر الله؟ فربما يوافق ساعة عزيزة فيغفر الله لك، فتربح رأسك، أو قلت : ~~لا إله إلا اللهآ، فيكون لك من الأجر والدخر ما لا يحيط به وفمك ، أو تقول : ~~أسأل الله العافية، فربما يتفق حسن نظر، فيستجيب الله تعالى دعوتك، فنجوت ~~من بلية الدنيا والآخرة. # أفلا يكون من الخسران العظيم والغبن الفظيع أن تفوت على نفسك كل هذذه ~~الفوائد الكريمة، وتجعل نفسك ووقتك في فضول، أقل ما يلزمك فيه اللوم ~~والحساب والحبسن يوم القيامة ؟ # امن الخفيف) ~~ولقد أحسن القائل : ~~ل إذا كنت فارغا مستريحا ~~اغتنم ركعتين في ظلمة اللي ~~طل فساجعل مكانه تسبيحا ~~واذا ما هممت بالنطق في البا ~~ض وإن كنت بالحديث فصيحا (2) ~~فاغتنام الشكوت أفضل من خو ~~والثالث : البطن، وحسبك أن مقصودك العبادة، وأن الطعام بذر العمل ~~وماؤه، منه يبدو وينبت، وإذا خبث البذر. . لا يطيب الزرغ، بل فيه خطر أن PageV00P147 ~~============================================================ ~~يفسد عليك أرضك فلا تفلع أبدأ، ومن ذلك ما بلغنا عن معروف الكرخي أنه ~~قال : إذا صمت.. فأنظر على أي شيء تفطو، وعند من تفطر، وطعام من ~~تأكل؟ فكم من يأكل أثلة فينقلب قلبه عما كان عليه ، فلا يعود إلى حاله أبدا ، ~~وكم من أكلة حرمت قيام ليلة، وكم من نظرة منعت قراءة سورة، ms083 وإن العبد ~~ليأكل الأكلة فيحرم بها قيام سنة. # فعليك - أيها الرجل- بالنظر الدقيق والاحتياط البالغ الشديد في قوتك إن ~~كان لك عناية بقلبك ، وهمة في عبادة ربك ~~هلذا في أصل القوت حتى يكون من وجهه(1)، ثم عليك بالأدب فيه ، ~~وإلا.. كنت حمالا للطعام ، مضيعا للأيام؛ إذ قد علمنا يقينا ، بل رأينا عيانا أن ~~العبادة لا يجيء منها شيء إذا امتلا البطن، وإن أكرهت النفس على ذلك ، ~~وجاهدت بضروب الحيل.. فلا يكون لتلك العبادة لذة ولا حلاوة، ولذلك ~~قيل : لا تطمع بحلاوة في العبادة مع كثرة الأكل ، وأي نور في نفسي بلا عبادة، ~~وفي عبادة بلا لذة ولا حلاوة ؟! # ولهذا المعنى قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله : صحبث أكثر رجال الله ~~تعالى في جبل لبنان، فكانوا يوصونني: إذا رجغت إلى أبناء الدنيا.. فعظهم ~~بأربع؛ قل لهم : من يكثر الأكل.. لا يجذ لذة العبادة ، ومن ينم كثيرا.. # لا يجد في عمره بركة، ومن طلب رضا الناس. . فلا ينتظر رضا الله، ومن يكثر ~~الكلام بفضول وغيبة. . فلا يخرج من الدنيا على دين الإسلام. # وعن سهل رحمه الله أنه قال : جماع الخير كله في هلذه الخصال الأربع، ~~وبها صارت الأبدال أبدالا: إخماص البطون، والصمت، والاعتزال عن ~~الخلق ، وسهر الليل. # وقال بعض العارفين : الجوع رأس مالنا ، ومعناه : أن ما يحصل لنا من فراغ ~~وسلامة، وعبادة وحلاوة، وعلم نافع.. بسبب الجوع والصبر عليه لله سبحانه: PageV00P148 ~~============================================================ ~~وأما القلب : فحسبك أنه أصل الكل؛ إن أفسدته.. فسد الكل، وإن ~~أصلحته.. صلح الكل؛ إذهو الشجرة، وسائر الأعضاء أغصان، ومن الشجرة ~~تشرب الأغصان وتصلح وتفسد، وإنه الملك، وسائر الأعضاء تبع وأركان، ~~وإذا صلح الملك.. صلحت الرعية، وإذا فسد.. فسدت، فإذن صلاح العين ~~واللسان والبطن وغيره دليل على صلاح القلب وعمرانه، وإذا رأيت فيها خللا ~~وفسادا.. فاعلم أن ذلك من خلل في القلب وفساد وقع ثم ، بل الفساد فيه أكثر ، ~~فاصرف عنايتك إليه فأصلخه يصلح الكل بمرة فتستريح. # ثم أمره دقيق عسير؛ إذ هو مبنئ على الخواطر، وهي ليست تحت يدك، ~~والامتناع من ms084 اتباعها مجهود طاقتك، ففيه أقصى المشقة، ولهذا المعنى صار ~~اصلاحه أشد على أهل الاجتهاد ، والاهتمام بأمره أكبر وأكثر عند ذوي البصائر . # وعن أبي يزيد رحمه الله أنه قال : عالجت قلبي عشرا، ولساني عشرا، ~~ونفسي عشرا، فكان قلبي أصعب الثلاثة، فهلذه هذه . # ثم عليك بالاهتمام بالخصال الأربع التي ذكرناها؛ من الأمل ، والعجلة في ~~الأمور، والحسد، والكبر، وإنما خصصنا هلذه الأربعة من بين سائر الخصال ~~في هذا الموضع، وحضضنا على الاحتراس منها؛ لأنها علل القراء خاصة؛ إذ ~~هي تعتري سائر الناس عموما، والقراء خصوصا ، فتكون أقبح وأشنع. # ترى الرجل القارىء يطول الأمل ويعده نية خير فيوقعه في الكسل والتواني في ~~العمل ~~وتراه يستعجل في تحصيل منازل الخير فينقطع عنها، أو في إجابة دعاء ~~صالح فيحرم ذلك، أو في الدعاء على أحد بسوء فيندم على ذلك ، كما ذكر عن ~~نوح عليه الصلاة والسلام . # وتراه يحسذ نظراءه على ما آتاهم الله من فضله، حتى ربما يبلغ منه ذلك ~~مبلغا يحمله على قبائح وفضائح لا يقدم عليها فاسق ولا فاجر، ولهذا المعنى ~~قال سفيان الثوريي رحمه الله : ما أخاف على دمي إلأ القراء والعلماء ، فاستنكروا ~~149 PageV00P149 ~~============================================================ ~~منه ذلك ، فقال : ما أنا قلته، إنما قاله إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: ~~وعن عطاء قال : (قال لي الثوري رحمه الله : أحذروا القراء واحذروني ~~معهم ، فلو خالفت أودهم لي في رمانة؛ فأقول: إنها حلوة، ويقول : إنها ~~حامضة.. ما أمنثه أن يسعى بدمي إلى سلطان جائر)(1). # وعن مالك بن دينار رحمه الله تعالى أنه قال : ( إني أقبل شهادة القراء على ~~جميع الخلق ، ولا أقبل شهادة بعضهم على بعض؛ لأني وجدتهم حسادا)(2): ~~وعن الفضيل أنه قال لابنه : اشتر لي دارا بعيدة من القراء ، ما لي ولقوم إن ~~ظهرت مني زلهآ. هتكوني، وإن ظهرت علي نعمة.. حسدوني. # وكذلك تراه يتكبر على الناس ويستخف بهم، مصعرأ خده، معبسا وجهه، ~~كأنما يمن على الناس بما يصلي زيادة ركعتين ، وكأنما جاءه من الله تعالى منشور ~~بالجنة والبراءة من النار ، أو كأنه استيقن السعادة لنفسه والشقاوة ms085 لسائر الناس ، ~~ثم مع ذلك يلبس لباس المتواضعين من صوف وغيره ويتماوث، وهذذا لا يليق ~~بالترفع والتكبر ولا يلائمآه، بل يناقضه ، ولكن الأعمى لا يبصر. # وذكر أن فرقدا السبخي دخل على الحسن وعليه كساءآ ، وعلى الحسن حلة ، ~~فجعل يلمسها، فقال الحسن : (ما لك تنظر إلى ثيابي؟ ثيابي ثياب أهل ~~الجنة ، وثيابك ثياب أهل النار، بلغني أن اكثر أهل النار أصحاب الأكسية) ، ثم ~~قال الحسن : (جعلوا الژهد في ثيابهم ، والكبر في صدورهم، والذي يحلف ~~به؛ لأحذكم بكسائه أعظم كبرا من صاحب المطرف بمطرفه)(3). # وإلى هلذا المعنى أشار ذو النون رحمه الله حيث قال : ~~امن الوافر] ~~تصوف فازدهى بالصوف جهلا وبعض الناس يلبسه مجانه PageV00P150 ~~============================================================ ~~يريك مهانة ويريك كبرا وليس الكبر من شكل المهانة ~~تصوف كي يقال له أمين وما معنى تصؤفه الأمانه ~~ولم يرد الإله به ولكن أراد به الطريق إلى الخيانسة(1) ~~فلتحذر - أيها الروجل- من هلذه الآفات الأربع ، لا سيما الكبر؛ فإن الثلاث ~~الأول مداحض لو زللت فيها.. لوقعت في العصيان، والكبر مدحض لو زللت ~~فيه.. لوقعت في بحار الكفر والطغيان ، ولا تنس حديث إبليس وفتنته أنه أبى ~~واستكبر وكان من الكافرين. # والروجوع إلى الله عز وجل أن يعصمنا جميعا بحسن نظره، إنه الجواد ~~الكريم. # فلتاى ~~(في إجمال ما مر تفصيله بشأن الدنيا والخلق والشيطان والنفس] ~~وجملة الأمر : أنك إذا نظرت بعقلك أيها الرجل، فعلمت أن الدنيا لا بقاء ~~لها، وأن نفعها لا يفي بضرها وتبعاتها؛ من كد البدن وشغل القلب في الدنيا ، ~~والعذاب الأليم والحساب الطويل في الآخرة.. زهدت في فضولها، فلا تأخذ ~~منها إلأ ما لا بد لك منه في عبادة ربك ، وتدع التنعم والتلذذ إلى الجنة دار النعيم ~~المقيم في جوار رب العالمين ، الملك القادر الغني الكريم: ~~وعلمت أن الخلق لا وفاء لهم، وأن مؤونتهم اكثر من معونتهم ~~فيما يعنيك، وتركت مخالطتهم إلأ فيما لا بد لك منه، تتتفع بخيرهم، ~~وتجتتث ضرهم، وتجعل صحبتك لمن لا تخسر في صحبته، ولا تندم على ~~خدمته، وأنسك بكتابه وملازمتك إياه، فيكون لك ms086 بكل حال ، وترى منه كل ~~جميل وإفضال، وتجذه عند كل نائبة في الدنيا والآخرة، كما قال عليه الصلاة PageV00P151 ~~============================================================ ~~والسلام : " أحفظ الله تجده حيث اتجهت "(1) ~~وعلمت أن الشيطان خبيث قد تجرد لمعاداتك، فأستعذت بربك القادر ~~القاهر من هذذا الكلب اللعين، ولا تغفل عن مكايده ومصايده فتطرده بذكر الله ~~تعالى، ولا تعبأن بذلك؛ فإنه يسير إذا ظهرت منك عزيمة الرجال ، فإنه ~~كما قال تعالى : إنه ليس له سلطن على الذيء امثوا وعل رتبهة يتوكلون) ~~ولقد صدق أبو حازم فيما قال : (ما الدنيا وما إبليس؟ أما الدنيا : ~~فما مضى فحلم، وما بقي فأماني، وأما الشيطان : فوالله ؛ لقد أطيع فما نفع، ~~ولقدغصي فما ضر)(2): ~~وعلمت جهالة هذذه التفس وجماخها إلى ما يضوها ويهلكها، فنظرت إليها ~~رحمة لها - نظر العقلاء والعلماء الذين ينظرون في العواقب، لا نظر الجهال ~~والصبيان الذين ينظرون في الحال، ولا يفطنون لغائلة الأذى، وينفرون من ~~مرارة الدواء، وألجمتها بلجام التقوى؛ بأن تمنعها عما لا تحتاج إليه ~~بالحقيقة؛ من فضول كلام ونظر ، وتليي بخصلة فاسدة؛ من طول أمل، أو ~~عجل، أو حسد مسلم، أو تكئر في غير موضعه، أو أكل بمحض شهوة وشره، ~~وتعطيها ما ليس لها منه بذ، ولا تخاف منه ضررا ؛ إذ لا ضرورة إلى الفضول، ~~وقد وسع الله تعالى الأمر على عباده برحمته، وأغناهم عن جميع ما يضروهم في ~~أمر دينهم ، فأي حاجة إلى ذلك؟! فإن الأمر كما قال بعض الصالحين : (إن ~~التقوى أهون شيء ؛ إذا رابني شيء. . تركته)(3). # فإن النفس ستلين وتتعود ما عودتها ، وإنها لكما قال القائل : (من الكامل) ~~فالنفس راغبةآ إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنع(1 PageV00P152 ~~============================================================ ~~وقال آخر: ~~(هي النفس ما حملتها تتحمل)(1) ~~وئروى : (ما عؤدتها تتعود). # وقال آخر: ~~صبرت عن اللذات حتى تولت وألزمت نفسي صبرها فاستمرت ~~وما النفس إلأحيث يجعلها الفتى فإن أطعمت تاقث وإلا تسلت(2) ~~فإذا علمت الذي وصفناه . . كنت من الزاهدين في الدنيا ، الراغبين في الأخرة. # وأعلم : أن من سمي باسم الزاهد.. فلقد شمي بألف أسم ممدوح ~~وكنت من المنفردين المنقطعين ms087 إلى الله سبحانه ، الذين هم أهل الأنس ، ~~خدم رب العالمين ، فتكون كما قال القائل : ~~تشاغل قوم بدنياهم وقوم تخلوا لمولاهم ~~وعن سائر الخلق أغناهم ~~فالزمهم باب مرضاته ~~اذا فكروا بالذي أسلفوا ~~أذاب القلوب وأبكاهم ~~و طاعته طول محياهم ~~ولا يعرفون سوى حته ~~وعين المهيمن ترعاهم ~~يصفون بالليل أقدامهم ~~ويبكون طورا خطاياهم ~~فطورا ينادونه سخدا ~~تبارك من هو قواهم ~~واضحوا صيامأ بجهده ~~هم الحامدون لمولاهم ~~هم الذاكرون هم الساجدون ~~أرادوا رضاه فأرضاهم ~~م المخبتون بيي اته ~~اذا بالتحية حياهم ~~فطوبى لهم ثم طوبى لهم ~~وأعلى المنازل بسواهم ~~اكهم في فراديسه PageV00P153 ~~============================================================ ~~وكنت من المجاهدين في الله تعالى ، الخواص من عباد الله تعالى ، الذين ~~قال فيهم سبحانه : إن عبادى ليس لك عليهم ملطكن) ~~وكنت من المتقين ، الذين لهم سعادة الدارين ، وصرت حينئذ أفضل من ~~كثير من الملائكة المقريين؛ إذ ليست لهم شهوة تدعو إلى قبيح ، ولا نفس ~~خبيثه. # وكنت قد خلفت هلذه العقبة الطويلة الشديدة وراءك، وسيقت العوائق كلها ~~إلى مقصودك ، ولا يهولنك ؛ فإنه مع الاستعانة بالله تعالى والاعتصام به لهين. # نسال الله تعالى وهو خير مسؤول أن يمدك وإيانا بحسن توفيقه وعونه ~~وتيسيره؛ فإنه الكافي لكل مهم ، والمستعان(1) به في كل معضلي ، فبيده الخلق ~~والأمر، وهو على كل شيء قدير. # فهذا ما أردنا ذكره في هذا الباب، ولا حول ولا قؤة إلأ بالله العلي ~~العظيم PageV00P154 ~~============================================================ ~~العقبة الرابعة ~~وهي عقبة العوارض ~~ثم عليك يا طالب العبادة - وفقك الله تعالى - بكفاية العوارض الشاغلة عن ~~عبادة الله تعالى، وسد سبيلها عنك ؛ لثآلا تشغل عن مقصودك ، وقد ذكرنا أنها ~~أربعة: ~~أحذها: الرزق ومطالبة النفس بذلك ، وإنما كفايته في التوكل ، فعليك ~~بالتوكل على الله تعالى في موضع الرزق والحاجة بكل حال ، وذلك لأمرين : ~~أحذهما: لتتفرغ للعبادة، ويتمشى لك من الخير حقه؛ فإن من لم يكن ~~متوكلا . . فلا بد من أشتغاله عن عبادة الله بسبب الحاجة والرزق والمصلحة ؛ ~~إما ظاهرا، وإما باطنا؛ إما بطلب وكسب بالبدن كعامة الراغبين، وإما بذكر ~~وإرادة ووسوسة بالقلب كالمجتهدين المعلقين: ~~والعبادة تحتاج إلى ms088 فراغ القلب والبدن ليحصل حقها ، والفراغ لا يكون ~~الأ للمتوكلين ، بل أقول : كل من هو ضعيف القلب ، لا يكاد يطمئن قلبه ~~إلا بشيء معلوم فلا يكاد يتم له أمر خطير من دنيا وآخرة. # وكثيرا ما سمعتث من شيخي أبي محمد رحمه الله تعالى يقول : إنما الأمور ~~تتمشىل في هلذا العالم لرجلين : متوكل، أو متهور. # قلث : وهلذا كلام جامع في معناه ؛ فإن المتهؤر يقصد الأمور على قوة عادة ~~وجرأة قلب، لا يلتفث إلى صارف يصرفه، أو خاطر يضعفه، فتجري له ~~الأمور. # والمتوكل يقصد الأمور على قوة وبصيرة، وكمال يقين بوعد الله سبحانه، PageV00P155 ~~============================================================ ~~وتمام ثقة بضمانه، فلا يلتفت إلى إنسان يخوفه، أو شيطان يوسوسه، فيفوز ~~بمقاصده، ويظفر بمطالبه ~~وأما المعلق الضعيف(1) : فهو أبدا بين توكل وتردد ، وفتور وتحير، ~~كالحمار في معلفه ، والدجاج في قفصه، يرمق ما تعود من صاحبه، لا يكاد ~~ينفك من ذلك، قد تقاعدث نفسه عن معالي الأمور، وأنقطعث همثه، فلا يكاد ~~يقصد أمرا شريفا، وإن قصده. . فلا يكاد يظفر به ولا يتم له ذلك، أما ترى ~~أصحاب الهمم من أبناء الدنيا لم ينالوا مرتبة كبيرة ومنزلة خطيرة إلأ بانقطاع ~~قلوبهم عن أنفسهم وأموالهم وأهليهم ؟! # وأما الملوك : فيباشرون الحروب، ويكافحون الأعداء : إما هلكا، ~~واما ملكا، حتى تحصل لهم مرتبة الملك وعقد الولاية. # وقيل : إن معاوية رضي الله عنه لما نظر إلى العسكرين يوم صفين. . قال : ~~(من أراد خطيرا.. خاطر بعظيمته) ~~وأما التجار: فيركبون المهالك برا وبحرا ، ويطرحون أنفسهم وأموالهم في ~~المقاطع شرقا وغربا، ويوطنون أنفسهم على أحد الأمرين : إما فوت الأرواح ، ~~وإما حصول الأرباح، حتل يحصل لهم بذلك كل ربح عظيم، ومال جسيم، ~~وعلق نفيس: ~~وأما الشوقي الذي قد ضعف قلبه، ورق عزمه : لا يكاد يقطع القلب عن ~~علاقته من نفسه وماله، فهو من بيته إلى دكانه طول عمره لا يصل إلى مرتبة شريفة ~~كالملوك ، ولا إلى ربح عظيم كالتجار المخاطرين ، فإن نال في سوقه رئح درهم ~~على بضاعته.. فذلك له كثير، وذلك لتعلق قلبه بشيء معلوم، فهلذا في الدنيا ms089 ~~وأبنائها ~~وأما أبناء الآخرة : فرأس مالهم هلذه الخصلة التي هي التوكل وقطع القلب ~~عن العلائق، لما أحكموها وأعطوها حقها. تفرغوا لعبادة الله تعالى، وتمكنوا PageV00P156 ~~============================================================ ~~من التفرود عن الخلق، والسياحة في الأرض، واقتحام الفيافي ، وأستيطان ~~الجبال والشعاب، فصاروا أقوياء العباد، ورجال الدين ، وأحرار الناس، ~~وملوك الأرض بالحقيقة ، يسيرون حيث يشاؤون، وينزلون حيث يشاؤون، ~~ويقصدون من الأمور العظام علما وعبادة ما يشاؤون، لا عائق لهم، ولا حاجز ~~لهم دونهم، فكل الأماكن لهم واحذ، وكل الأزمان عندهم واحذ، وإليه ~~الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : 1 من سره أن يكون أقوى الناس. . فليتوكل ~~على الله ، ومن سره أن يكون أكرم الناس. . فليتق الله، ومن سره أن يكون أغنى ~~الناس.. فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده "(1) . # وعن سليمان الخواص رحمه الله قال : لو أن رجلا توكل على الله سبحانه ~~بصدق النية لاحتاج إليه الأمراء ومن دونهم ، وكيف يحتاج إلى أحد ومولاه ~~الغنئ الحميد ؟1 ~~وعن إبراهيم الخواص رحمه الله قال : (لقيت غلاما في التيه كأنه سبيكة ~~فضة، قلت : إلى أين يا غلام ؟ قال : إلى مكة، قلت : بلا زاد ولا راحلة ؟ # فقال : يا ضعيف اليقين؛ الذي يقدر على حفظ السماوات والأرض يقدر أن ~~يوصلني إلى مكة بلا زاد ولا راحلة ، فلما دخلت مكة. . فإذا هو في الطواف ~~يقول: ~~امن مجزوء الرجز] ~~ف سيحى ابدا پا نفن موتي كمدا ~~ولا تحي احدا إلا الجلي ل الصم دا ~~فلما رآني.. قال : يا شيخ؛ أنت بعذ على ذلك الضعف ؟!)(2). # وقال أبو مطيع لحاتم الأصم : (بلغني أنك تقطع المفاوز بالتوكل من غير ~~زاد ولا راحلة ، قال حاتم : زادي أربعة أشياء ، قال : ما هي؟ قال : أرى PageV00P157 ~~============================================================ ~~الدنيا والآخرة مملوكة لله عز وجل ، وأرى الخلق كلهم عبيد الله وعياله، وأرى ~~الأرزاق والأسباب كلها بيد الله ، وأرى قضاء الله نافذا في جميع أرض الله)(1) . # ولقد أحسن من قال : ~~[من الوافر] ~~أرى الزقاد في رؤح وراحة قلوئهم عن الدنيا مزاحة ~~اذا أبصرتهم أبصرت قوما ملوك الأرض سيمتهم سماحة ~~وأما ms090 الأمر الثاني الذي أقتضى التوكل على الله سبحانه في هذا الشأن : فهو ~~ما في تركه من الخطر العظيم والأمر الكبير. # قلث : أليس الله سبحانه قرن الرزق بالخلق فقال : خلقكم ثر رزقكم) ؟ # فدل على أن الرزق من الله لا غير كالخلق . # ثم لم يكتف بالدلالة حتى وعد فقال : إن الله هوالرزاق) : ~~ثم لم يكتف بالوعد حتى ضمن فقال : { وما من دابآة فى الأرض إلا على الله ~~رزقها: ~~. ثم لم يكتف بالضمان حتى أقسم فقال : فورب السمله والأرض إنه لحق مثل ما ~~أنݣم تنطقون) ~~شم لم يكتف بذلك كله حتىل أمر بالتوئل وأبلغ وأنذر فقال : { وتوكل على ~~و ~~الحى الذى لايموث) ، وقال سبحانه : وعلى الله فتوكلوا إن كنشر ثومنين) ~~فمن لم يعتبو بقوله، ولم يكتف بوعده، ولم يطمئن إلى ضمانه، ولم يقنع ~~بقسمه، ثم لم يبال بأمره ووعده ووعيده.. فانظر ماذا يكون حاله؟! وانتبهآ أيي ~~محنة تجيء من هلذا ؟! وهذه والله مصيبة شديدة، ونحن منها في غفلة ~~عظيمة، ولقد قال الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم لابن عمر : " كيف أنت ~~إذا بقيت بين قوم يخبيون رزق سنتهم لضعف اليقين 14"(2) : PageV00P158 ~~============================================================ ~~وعن الحسن قال : لعن الله أقواما أقسم لهم ريهم فلم يصدقوه. # وقالت الملائكة عند نزول هذه الآية : فورب السماء والآرض} : هلكث بنو ~~آدم، أغضبوا الرب حتى أقسم لهم على أرزاقهم ~~وعن أويس القرني أنه قال : لو عبدت الله عبادة أهل السماوات والأرض.: ~~لما تقبل منك حتى تصدقه ، قيل : وكيف تصدقه ؟ قال : تكون آمنا ~~بما تكفل الله تعالى لك من أمر رزقك، وترى جسدك فارغا لعبادته . # ولقد قال له هرم بن حيان : أين تأمرني أن أقيم ؟ فأومأ بيده إلى الشام ، قال ~~هرم : كيف المعيشة بها؟ قال : أف لهلذه القلوب، لقد خالطها الشك؛ ~~فما تنفعها الموعظة. # وبلغنا أن نباشا تاب على يد أبي يزيد البسطامي رحمه الله تعالى ، فسأله أبو ~~يزيد عن حاله، فقال: نبشت عن ألف قبر فلم أر وجوههم إلى القبلة ~~إلأ رجلين، فقال أبو يزيد : مساكين أولئك، تهمة الرزق حولت وجوههم ms091 عن ~~القبلة ~~وذكرلي بعض أصحابنا : أنه رأى رجلا من أهل الصلاح ، فسأله عن حاله، ~~فقال : هل سلمت بإيمانك؟ فقال : إنما يسلم الإيمان للمتوكلين: ~~نسال الله تعالى أن يصلحنا بفضله، ولا يؤاخذنا بما نحن أهله، إنه أرحم ~~الواحمين، فهذه هلذه ~~فإن قلت : فأخبرنا ما حقيقة التوكل وحكمه ؟ وما يلزم العبد منه من أمر ~~الرزق؟ # فاعلم : أنه إنما يتبين لك هلذا في أربعة فصول : بيان لفظة الثوكل ، ~~و وضيه وحده، وحصنه ~~فأما اللفظة : فإنما هي توئل ، تفعل من الوكالة ، فالمتوكل على أحد هو ~~الذي يتخذه بمنزلة الوكيل القائم بأمره ، الضامن لإصلاحه ، الكافي له من غير ~~تكلف وأهتمام، فهذه جملته: ~~159 PageV00P159 ~~============================================================ ~~وأما الموضع : فاعلم أن التويل أسم مطلق في ثلاثة مواضع : ~~أحدها : في موضع القسمة ، وهو الثقة بالله تعالى بأنه لا يفوتك ما قسم ~~لك؛ فإن حكمه لا يتبدل، وهذا واجث بالسمع: ~~والثاني : في موضع النصرة ، وهو الاعتماد والوثاقة بنصر الله عز وجل لك ~~اذا نصرته وجاهدت ، قال الله تعالى : قإذا عزهت فتوكل على الله}، وقال : إن ~~نصروا الله يصركم}، وقال : { لقوريومنون} ، وهذذا واجب بالوعد . # والثالث : في موضع الرزق والحاجة ؛ بأن الله تعالى متكفل بما يقيم بنيتك ~~لخدمته، وتتمكن به من عبادته ، وذلك قوله تعالى : { ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه ~~وقال الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم : " لو توكلتم على الله حق ~~توكله.. لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا"(1). # وهذا فرض لازم للعبد بدليل العقل والشرع جميعا، وهلذا هو الأشهر ~~والأغلب منه - أعني : التوكل في موضع الوزق - وهو المقصود من هلذا ~~الفصل، فموضع التوكل إذن هو الرزق، وهو الؤزق المضمون - فيما قال ~~العلماء- بالله تعالى، وإنما يتضح لك هلذا ببيان أقسام الرزق: ~~فاعلم: أن الرزق أربعة أقسام : مضمون، ومقسوم، ومملوك، وموعود. # فالمضمون : هو الغذاء وما به قوام البنية دون سائر الأسباب، فالضمان ~~من الله تعالى لهذا النوع ، والتوئل يجب بإزائه بدليل العقل والشرع ؛ لأن الله ~~تعالى كلفنا خدمته وطاعته بأبداننا، فضمن لنا ما يسد خلل البنية لنقوم ~~بما كلفنا . # وقال بعض ms092 مشايخ الكرامية كلاما حسنا على أصله : إن ضمان أرزاق العباد ~~واجث في حكمة الله تعالى لثلاثة أشياء : PageV00P160 ~~============================================================ ~~أحذها : أنه سيد ونحن العبيد ، وعلى السيد كفاية مؤنة العبيد ، كما أن ~~على العبيد خدمة السيد. # والثاني : أنه خلقهم محتاجين إلى الوزق ، ولم يجعل لهم سبيلا إلى طلبه ؛ ~~إذ لا يدرون ما هو رزقهم؟ وأين هو؟ ومتى هو؟ ليطلبوه بعينه من مكانه ، وفي ~~وقته ليصلوا إليه، فوجب أن يكفيهم أمر ذلك ويوصلهم إليه. # والثالث : أنه كلفهم الخدمة ، وطلب الرزق شاغل عنها، فوجب أن ~~يكفيهم المؤنة ليتفرغوا للخدمة. # وهذذا كلام من لم يحط بأسرار الوبويتة ، والقائل بأن الرزق على الله ~~واجث تائهآ، وقد أوضخنا في فن الكلام فساده ، ولنرجع إلى المقصود من ~~غرضتا ~~وأما الرزق المقسوم : فهو ما قسمه الله سبحانه وكتبه في اللوح المحفوظ ~~ما يأكله ويشربه ويلبسه كل واحد بمقدار ووقت مؤقت ، لا يزيذ ولا ينقص، ~~ولا يتقدم ولا يتأخر عما كتب بعينه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~"الرزق مقسوم مفروغ منه، ليس تقوى متي بزائده، ولا فجور فاجر ~~بناقصه"(1). # وأمآ المملوك : فما يملكه كل واحد من أموال الدنيا على حسب ما قدر الله ~~تعالى وقسم له أن يملكه ، وهو من رزق الله تعالى ، قال الله تعالى : { وأنفقوأمن ~~ماردقتكم اي : ممآ ملكناكم . # وأما الموعود : فهو ما وعد الله تعالى المتقين من عباده بشرط الثقوى حلالا ~~من غير كذ ، قال الله تعالى : { ومن يتقى الله يجعل له يخرجا * ويرذقه من حيث لا ~~حتسب ~~فهذه أقسام الرزق، والتويل إنما يجب بإزاء المضمون منها، فاعلم ~~ذلك: PageV00P161 ~~============================================================ ~~وأما حد التويل : فقد قال بعض شيوخنا : إنه أتكال القلب إلى الله تعالى ~~بالانقطاع إليه، والإياس عما دونه. # وقال بعضهم : حفظ القلب إلى الله تعالى بموضع المصلحة، بترك تعليقه ~~على شيء دونه. # قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله(1) : التوكل ترك التعليق ، والتعليق : ذكر ~~قوام بنيتك عن شيء دون الله تعالى. # قال شيخي الإمام رحمه الله : التوكل والتعليق ذكران ، فالتوئل : هو ذكر ~~قوام بنيتك من قبل الله تعالى، ms093 والتعليق : ذكر قوامها عمن دون الله تعالى. # والأقاويل عندي ترجع إلى أصلي واحد ، وهو أن توطن قلبك على أن قوام ~~بنيتك وسد خلتك وكفايتك إنما هو من الله عز وجل ، لا بأحد دون الله تعالى ، ~~ولا بحطام من الدنيا ، ولا بسبب من الأسباب ، ثم إن الله تعالى إن شاء. . سبب ~~له مخلوقا أو حطاما، وإن شاء. . كفاه بقدرته دون الأسباب والوسائط، فإذا ~~ذكرت ذلك بقلبك، وتوطنت عليه ، وانقطع القلب عن المخلوقين والأسباب ~~بمرة إلى الله سبحانه وحده.. فقد حصل التويل حقه، فهذا حده. # وأما حصن التوكل الباعث عليه : فهو ذكر ضمان الله تعالى، وحصن ~~حصنه : ذكر جلال الله وكماله في علمه وقدرته ونزاهته عن الخلف والشهو ~~والعجز وصفات النقص، فإذا واظب العبذ على هلذه الأذكار. بعثثه على ~~التوكل على الله سبحانه في أمر الرزق. # فإن قيل : هل يلزم العبد طلب الرزق بحال ؟ # فأعلم : أن الرزق المضمون الذي هو الغذاء والقوام لا يمكثنا طلبه ؛ إذ هو PageV00P162 ~~============================================================ ~~شيءآ من فعل الله سبحانه بالعبد ، كالحياة والموت ، لا يقدر العبذ على تحصيله ~~ولا دفعه ~~وأما المقسوم من الأسباب : فلا يلزم العبد طلبه ؛ إذ لا حاجة للعبد إلى ذلك ، ~~وإنما حاجئه إلى المضمون ، وهو من الله تعالى ، وفي ضمان الله تعالى. # وأما قوله تعالى : وأبتغوأ من فضل ألله) . . فالمراد به : العلم والثواب ، ~~وقيل: بل هو رخصة؛ إذ هو أمر وارد بعد الحظر، فيكون بمعنى الإباحة، ~~لا بمعنى الإيجاب والإلزام. # فان قيل : للكن لهذا الوزق المضمون أسباث، فهل يلزمنا طلب ~~الأسباب؟ # قيل له : لا يلزمك ذلك ؛ إذ لا حاجة للعبد إليه ؛ إذ الله سبحاته يفعل بسبب ~~وبغير سبپ ، فمن أين يلزمنا طلب السبب ؟1 ~~ثم إن الله تعالى ضمن لنا ضمانا مطلقا من غير شرط الطلب والكسب ، ~~قال الله عز وجل : وما من دآبةر فى الأرض إلا على الله رزقها) ~~ثم كيف يصح أن يأمر العبد بطلب ما لا يعرف مكانه فيطلبه ؟1 إذ لا يعرف ~~أي سبب منها رزقه الذي يتناوله لا غير، والذي يصير ms094 سبب غذائه وتربيته ~~لا غير، فالواحد منا لا يعرف ذلك السبب بعينه ، ومن أين يحصل له ، فلا يصخ ~~تكليفه ، فتأمل ذلك راشدا ؛ فإنه بين . # ثم حسبك أن الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين والأولياء المتوكلين لم ~~يطلبوا رزقا في الأكثر والأعم، وتجردوا للعبادة، وبالإجماع أنهم لم يكونوا ~~تاركين لأمر الله تعالى ، ولا عاصين له تعالى في ذلك ، فتبين لك أن طلب الرزق ~~وأسبابه ليس بأمر لازم للعبد. # فإن قلت : هل يزيد الروزق بالطلب ؟ وهل ينقص بترك الطلب ؟ # قلث : كلا ؛ فإنه مكتوث في اللوح المحفوظ ، مقدر مؤقت، ولا تبديل ~~لحكم الله، ولا تغيير لقسمته وكتابته. # 113 PageV00P163 ~~============================================================ ~~هذا هو الصحيح عند علمائنا رضي الله عنهم، خلاف ما ذهب إليه بعض ~~أصحاب حاتم وشقيق، قالوا: إن الرزق لا يزيد ولا ينقص بفعل العبد، ~~للكن المال يزيد وينقص، وهلذا فاسد ؛ لأن الدليل في الموضعين واحد، ~~وهو الكتابة والقسمة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : لكيلا تأسوا على ما فاتكم ~~ولاتفرخوابمآءاتككم}، ولو كان بالطلب يزيد ، وبالترك ينقص.. لكان ~~للأسى والفرح موضع إذا هو قصر وتوانى حتى فاته ، وجد وشمآر حتى ~~حصله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للسائل : "هاك، لو لم تأتها.. # لأتتك"(1) ~~وقال عليه الصلاة والسلام : " لو ند أحذكم من رزقه. . لأدركه كما يدركه ~~الموت "(2) ~~فإن قيل : فالثواب والعقاب أيضا مكتوث في اللوح المحفوظ ، ثم يلزمنا ~~طلب الثواب، وترك موجب العقاب، فهل يزيد بالطلب، أو ينقص بالترك ؟ # فاعلم : أن طلب الثواب إنما وجب لأن الله تعالى أمر به أمرا حتما، وأوعد ~~على تركه ، ولم يضمن الثواب على غير فعل منا ، وزيادة الثواب والعقاب بفعل ~~العبد، فالفرق بينهما في نكتة ، وهي ما قاله بعض علمائنا رضي الله عنهم : إن ~~المكتوب في اللوح المحفوظ قسمان : ~~قسم هو مكتوت مطلقا من غير شرط وتعليق بفعل العبد، وهو الأرزاق ~~والآجال ، أما ترى كيف ذكرهما الله تعالى مطلقا غير مشروط ، قال الله تعالى : ~~( وما من دايتر فى الأرض إلا على الله رزقها) ، وقال تعالى : فإذا جماء أجلهم لا يستأخرود ~~ساعة ولا يسلقد ms095 موب} PageV00P164 ~~============================================================ ~~وقال صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام : " أربعة قد فرغ منهن : الخلق ، ~~والخلق ، والرزق، والأجل"؟(1) ~~وقسم مكتوثت بشرط معلق، مشروط بفعل العبد ، وهو الثواب ~~والعقاب، أما ترى كيف ذكرهما الله تعالى في كتابه معلقا بفعل العبد ، قال الله ~~تعالى : { ولو أن أهل الكتلب * امثوا واتقوا لكفرنا عنهم سيغاتهم ولأدخلنلهة ~~جنلت النعيو} ؟ # وهذا بين فاعليه. # فإن قيل : فنحن نجد الطالبين يجدون الأرزاق والأموال، والتاركين يعدمون ~~ويفتقرون ~~قيل له : كأنك لا تجد مع ذلك طالبا محروما فقيرا ، أو فارغا مرزوقا غنيا ، ~~بل إن هذا هو الأكثر؛ لتعلم أن ذلك تقدير العزيز العليم، وتدبير الملك الحكيم. # وأنشدني أبو بكر محمد بن سابق الصقلي الواعظ رحمه الله تعالى ~~بالشام: ~~امن البسيط] ~~كم من قوي قوي في تقلبه مهذب الرأي عنه الرزق منحرف ~~وكم ضعيف ضعيف في تقلب كأنه من خليج البحر يغترف ~~هلذا دليل على أن الإله له في الخلق سر خفي ليس ينكشة (2 ~~فإن قلت : فهل ندخل البادية بلا زاد ؟ # فاعلم : أنه إن كان لك قوة القلب بالله والثقة البالغة بوعد الله. . فادخل، ~~وإلا.. فكن كالعوام بعلائقهم، ولقد سمعث الإمام أبا المعالي رحمه الله ~~يقول : إن من جرى مع الله تعالى على عادة الناس. . جرى الله تعالى معه على PageV00P165 ~~============================================================ ~~ما هو عادة الناس في كفاية المؤنة ، وهذا كلام حسن جدا ، وفيه فوائد جمة لمن ~~تأمآلها: ~~فإن قلت : أليس الله تعالى يقول : وتزود وأفا خير الزاد التقوى) ؟ # فاعلم : أن فيه قولين : ~~أحدهما : أنه زاد الآخرة ، ولذلك قال : خير الزاد التقوى}، ولم يقل : ~~حطام الدنيا وأسبائها. # والثاني : ( أنه كان قوم لا يأخذون زادا في طريق الحج لأنفسهم اتكالا على ~~الناس، ويسألون ويلثون ويؤذون الناس ، فأمروا بالزاد أمر تنبيه)(1). # على أن أخذ الزاد من مالك خير من أخذ مال الناس والاتكال عليهم ، ~~وكذلك نقول : ~~فإن قلت : فالمتوكل هل يحمل الزاد معه في الأسفار أم لا؟ # فاعلم : أنه ربما يحمل الزاد ولا يعلق القلب به بأنه لا محالة رزقه، وفيه ~~قوائه، إنما يعلق القلب بالله تعالى ms096 ويتوكل عليه ، ويقول : إن الرزق مقسوم ~~مفروغ منه ، والله تعالى إن شاء.. أقام بنيتي بهذا أو بغيره، وربما يحمل بنية ~~أخرى؛ بأن يعين مسلما أو نحو ذلك، وليس الشأن في أخذ الزاد وتركه ، ~~إنما الشأن في القلب ، لا تعلق قلبك إلأ بوعد الله تعالى وحسن كفايته وضمانه ، ~~فكم من حامل للزاد وقلبه مع الله تعالى دون الزاد ، وكم من تارك للزاد وقلبه مع ~~الزاد دون الله تعالى ، فالشأن إذن في القلب ، فافهم هذه الأصول تكف المؤنة ~~إن شاء الله تعالى. # فإن قيل : فالنبيي صلى الله عليه وسلم كان يحمل الزاد ، وكذلك الصحابة ~~والسلف الصالح. PageV00P166 ~~============================================================ ~~يقال له : لا جرم أن ذلك مباح غير حرام، إنما الحرام تعليق القلب بالزاد ، ~~وترك التوكل على الله سبحانه وتعالى، فافهم ذلك . # ثم ما ظنك برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال الله تعالى له : ~~(وتوكل على الحى الزى لا يموت)، أعصاه في ذلك وعلق قلبه بطعام أو شراب أو ~~درهم أو دينار؟ كلا وحاشا أن يكون ذلك ، بل كان قلبه مع الله تعالى ، وتوكله ~~على الله تعالى ، فإنه الذي لم يلتفت إلى الذنيا بأسرها ، ولم يمد يده إلى مفاتيح ~~خزائن الأرض كلها ، وإنما كان أخذ الزاد منه ومن السلف الصالح لنيات الخير ، ~~لا لميل قلوبهم عن الله تعالى إلى الزاد ، والمعتبر القصد على ما أعلمناك، فانتبهآ ~~من رقدتك. # فإن قلت : أيهما أفضل ؛ أخذ الزاد أم تركه ؟ # فاعلم : أن هذذا يختلف باختلاف الحال ؛ إن كان مقتدى به يريد أن يبين أن ~~أخذ الزاد مباح، أو ينوي به عون مسلم ، أو إغاثة ملهوف ونحو ذلك. . فالأخذ ~~أفضل، وإن كان منفردا، قوي القلب بالله سبحانه، يشغله الزاذ عن عبادة الله ~~تعالى.. فالترك أفضل، فتفهم هلذه الجملة واحتفظ بها راشدا ، وبالله التوفيق. # العارض الثاني : الأخطار وارادتها وقصودها، وإنما كفايتها في التفويض ، ~~فعليك بتفويض الأمر كله إلى الله سبحانه وتعالى ، وذلك لأمرين : ~~أحذهما : لطمأنينة القلب في الحال ؛ فإن الأمور إذا كانت خطيرة مبهمة ~~لا يدرى صلاحها من فسادها. . تكون ms097 بها مضطرب القلب ، هائم النفس، ~~لا تدري تقع في صلاح أو فساد ، فإذا فؤضت الأمر كله إلى الله تعالى.. علمت ~~أنك لا تقع إلأ في صلاح وخير، فتكون آمنا من الخطر والآفة والمخالفة ، ~~مطمئن القلب في الحال ، وهلذه الطمأنينة والأمن والراحة في القلب غنيمة ~~عظيمة، وكان شيخنا رحمه الله يقول في مجالسه كثيرا : دع التدبير على من ~~(من الخفيف) ~~خلقك تسترخ، وقد أنشد في ذلك : ~~ان من كان ليس يدري آفي المح بوب نفع له أو المكروه ~~117 PageV00P167 ~~============================================================ ~~لحري بأن يفوض ما يع جز عنه إلى الذي يكفيه ~~الإلكه البر الذي هو بالوا فة أحنى من أمه وأبيه (1) ~~والثاني من الأمرين : حصول الصلاح والخير في الاستقبال، وذلك لأن ~~الأمور بالعواقب مبهمة، فكم من شر في صورة خير، وكم من ضر في حلية ~~نفع، وكم من سم في هيئة شهد، وأنت الجاهل بالعواقب والأسرار، فإذا ~~أردت الأمور قطعا، وأخذت فيها باختيارك متحكما.. فما أسرع ما تقع في ~~هلاك وأنت لا تشعر . # ولقد حكي أن بعض العباد كان يسأل الله تعالى أن يريه إبليس ، فقيل له : ~~سل الله تعالى العافية ، فأبى إلأ ذلك ، فأظهره الله تعالى له ، فلما رآه العابد.: ~~قصده بالضرب، فقال له إيليس : لولا أنك تعيش مثة سنة.. لأهلكتك ~~وعاقبتك، فاغتر بقوله ، وقال في نفسه : إن عمري بعيد طويل، فأفعل ما أريد ~~ثم أتوب، فوقع في الفسق، وترك العبادة، فهلك: ~~ففي هلذه ما ينبهك على ترك الحكم في إرادتك، واللجاج في مطلويك ، ~~ويحذوك طول الأمل أيضا ؛ فإنه الآفة العظيمة ، ولقد صدق القائل : (من الوافرا ~~ألا يا تفس إن ترضي بقوت تكوني حرة أبدا مليهآ ~~وإياك المطامع والأماني فكم أمنية جلبت منيه (2) ~~وأما إذا فوضت أمرك إلى الله سبحانه، وسألته أن يختار لك ما هو ~~صلاحك.. لم تلق إلأ الخير والسداد ، ولا تقع إلاعلى الصلاح ، قال الله ~~تعالى حكاية عن العبد الصالح : وأفوض أمريت إلى الله إيب الله بصير بالعباد * ~~فوقه الله سيغات مامكروا ~~أما ترى كيف أعقب تفويضه الوقاية من ms098 الأسواء ، والنصر على الأعداء، PageV00P168 # ============================================================ ~~وبلوغ المراد ؟ فتأمل موفقا إن شاء الله تعالى . # فإن قلت : بين لنا معنى التفويض وحكمه . # فاعلم : أن هلهنا فصلين ، بهما يتضح الكلام : ~~أحذهما: موضع التفويض: ~~والثاني : معناه وحده وضده. # أما موضعه : فاعلم أن المرادات ثلاثة : ~~مراد تعلم يقينا أنه فساد وشر لا شك فيه ألبثة، كالنار والعذاب ، وفي ~~الأفعال كالكفر والبدعة والمعصية، فلا سبيل إلى ارادة ذلك . # والثاني : مرادآ تعلم قطعا أنه صلاح ، كالجنة والإيمان والشنة ونحو ذلك ، ~~فلك إرادتها بالحكم ، لا موضع للتفويض فيه؛ إذ لا خطر فيه ولا شك أنه خير ~~وصلاح. # والثالث : مراد لا تعلم يقينا أن لك فيه صلاحا أو فسادا ، وذلك نحؤ الثوافل ~~والمباحات، فهلذا موضع التفويض، فليس لك أن تريذها قطعأ، بل بالاستثناء ~~وشرط الخير والصلاح، فإن قيدت إرادتك بالاستثناء.. فهو تفويض، وإن ~~أردت دون الاستثناء.. فهو طمع مذموم منهيئ عنه ~~فموضع التفويض إذن : كل مراد فيه الخطو، وهو ألا تستيقن صلاحك ~~فيه ~~وأما معنى التفويض : فقد قال بعض شيوخنا رحمهم الله : هو ترك اختيار ~~ما فيه مخاطرة إلى المختار المدبر ، العالم بمصلحة الخلق ، لا إله إلأ هو . # وعبارة الشيخ أبي محمد السجزي رحمه الله : هو ترك اختيارك المخاطرة ~~على المختار، ليختار لك ما هو خير لك: ~~وقال الشيخ أبو عمرو رحمه الله : هو ترك الطمع ، والطمع هو إرادة الشيء ~~المخاطر بالحكم: ~~169 PageV00P169 ~~============================================================ ~~فهذه عباراث المشايخ رحمهم الله. # والذي نقوله : أن التفويض إرادة أن يحفظ الله عليك مصالحك فيما لا تأمن ~~فيه الخطر. # وضد التفويض : الطمع ، والطمع في الجملة يجري على وجهين : ~~أحذهما: في معنى الرجاء، تريد شيئا لا خطر فيه، أو فيه مخاطرة ~~بالاستثناء ، وذلك ممدوح غير مذموم ، كما قال الله تعالى : { والذى أطمع أن ~~يغفر لى خطئتى يوم الدين} ، وقال : { إنانطمع أن يغفر لنا ربنا خطينا) ~~وهذا القسم ليس مما نحن فيه بسبيل ههنا. # والثاني : طمع مذموم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إياكم والطمع : ~~فإنه فقر حاضر"(1). # وقيل : هلاك الدين وفساده الطمع، وملاكه الورع. # قال شيخنا رحمه ms099 ألله: الطمع المذموم شيئان : ~~أحذهما: سكون القلب إلى منفعة مشكوكة ~~والثاني : إرادة الشيء المخاطر بالحكم ، وهلذه الإرادة تقابل التفويض ~~لاغير، فأعلم ذلك: ~~وأما حصن التفويض : فهو ذكر خطر الأمور وإمكان الهلاك والفساد فيها ، ~~وحصن حصنه: ذكر عجزك عن الاعتصام عن ضروب الخطر، والامتناع عن ~~الوقوع فيها بجهلك وغفلتك وضعفك ~~فالمواظبة على هلذين الذكرين تحملك على تفويض الأمور كلها إلى الله ~~عز وجل، والتحفظ عن الحكم فيها، والامتناع عن إرادتها إلا بشرط الخير ~~والصلاح، فهلذه هذه وبالله التوفيق. PageV00P170 ~~============================================================ ~~فإن قيل : ما هلذا الخطر الذي يوجبون التفويض لأجله في الأمور؟ # فاعلم : أن الخطر في الجملة خطران : ~~خطر الشك بأنه يكون أو لا يكون، وأنك تصل إليه أو لا تصل إليه ، وهذذا ~~يحتاج إلى الاستثناء ، ويقع في باب النية والأمل. # والثاني : خطر الفساد بألا تستيقن فيه الصلاح لنفسك أو الفساد ، وهلذا ~~الذي يحتاج فيه إلى التفويض. # ثم أختلفت عبارات الأئمة في الخطر : ~~فعن بعضهم : أن الخطر في الفعل هو أن تكون دونه نجاة، ويمكن أن ~~يجامعه ذنت، فالإيمان والاستقامة والسنة لا خطر فيها؛ إذ لا يمكن دون ~~الإيمان نجاة البئة، والاستقامة لا يجامعها ذنب، فإذن تصخ إرادة الإيمان ~~والاستقامة بالحكم. # وقال الأستاذ رحمه الله : الخطر في الفعل ما يمكن أن يعترض فيه ما يكون ~~الاشتغال بالعارض أولى من الإقدام على ذلك الفعل ، وذلك يقع في المباحات ~~والسنن والفرائض ، الا ترى أن من تضيق عليه وقث الصلاة وقصد أداءها ، ~~فقصده غريق أو حريق يمكنه إنقاذه. . فالاشتغال بإنقاذه أولى من الإقبال على ~~الصلاة ؟ فلا تصح إذن إرادة المباحات والنوافل والكثير من الفرائض بالحكم . # فإن قيل : كيف يصح أن يفترض الله على عبده شيئا ، ويوعده على تركه، ~~ثم لا يكون له صلاح في فعله ؟ # فاعلم : أن شيخنا رحمه الله تعالى قال : إن ألله تعالى لا يأمر العبد بشيء ~~إلا وفيه صلاحه إذا تجرد عن العوارض، ولا يضيق عليه فعلا فرضا بحيث ~~لا معدل له عن ذلك إلأوله فيه صلاح، وإنما ربما يسبب الله تعالى له عذرا ms100 ~~لأجله ، يكون العدول عن أحد المأمورين أولى من الاشتغال بالآخر كما ذكرنا ، ~~فيكون العبد في ذلك معذورا بل مأجورا، لا بترك هذذا الفرض، بل بفعل ~~الفرض الثاني الذي هو أولى. # 11 PageV00P171 ~~============================================================ ~~ولقد سمعت الإمام رحمه الله تعالى يقول في هلذه المسألة : إن كل ~~ما افترض الله على عباده من الصلاة والحج والصوم ونحوه ففيها صلاح لا محالة ~~للعبد، وصحث إرادتها بالحكم، فاتفق راينا على ذلك، فبقي المباحات ~~والنوافل إذن في هذا الحكم، فاعلم ذلك فإنه من غوامض الباب ، وبالله ~~التوفيق. # فإن قيل : هل يأمن المفوض الهلاك والفساد والدار دار محنة ؟ # فاعلم : أن في الأغلب لا يفعل بالمفوض إلأ الصلاح، وقد يفعل به في ~~النادر غير الصلاح، ولذلك ربما يخذله الله تعالى فيقع عن منزلة التفويض) ~~ولا صلاح للعبد في الخذلان والوقوع عن منزلة التفويض ، وبه قال الشيخ أبو ~~عمرو رحمه الله ~~وقيل : لا يفعل بالمفؤض إلا ما فيه صلاحه فيما فؤض إلى الله سبحانه، ~~والخذلان والقصور عن منزلة التفويض مما لا يقع فيه التفويض؛ إذ لا شك في ~~فساد ذلك، والتفويض إنما يقع فيما يشك في فساده وصلاحه، وهذا أولى ~~القولين عند شيخنا رحمه الله ؛ إذ لولا ذلك. . لما قويت الباعثة على التفويض ~~فإن قيل : فهل يجب أن يفعل بالمفوض ما هو الأفضل ؟ # فاعلم : أن الإيجاب مستحيل في حق الله سبحانه وتعالى، ولا يجب لعباده ~~عليه شيء ، وقد يفعل بالعبد الأصلح دون الأفضل حكمة من فعله ، ألا ترى أنه ~~قدر للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أن يناموا طول الليل إلى ~~طلوع الشمس في بعض الأسفار حتى فاتتهم صلاة الليل وصلاة الفجر والصلاة ~~افضل من النوم ؟(1) . # وربما يقدر للعبد الغنى والنعمة في الدنيا وإن كان الفقر أفضل ، ويقدر له ~~الاشتغال بالأزواج والأولاد وإن كان التجود لعبادة الله تعالى أفضل؛ فإنه بعباده ~~خبير بصيره. PageV00P172 ~~============================================================ ~~وهلذا كما أن الطبيب الحاذق الناصح يختار للمريض ماء الشعير وإن كان ماء ~~الشكر أفضل وأنفس؛ لما علم أن صلاح علته في ماء الشعير ms101 ، والمقصود للعبد ~~النجاة من الهلاك ، لا الفضل والشرف مع الفساد والهلاك: ~~فإن قيل : هل يكون المفؤض مختارا؟ # فاعلم : أن الصحيح عند علمائنا أنه يكون مختارا ولا يقدح في تفويضه، ~~وذلك أن المعنى فيه إذا كان له صلاح في المفضول والأفضل.. فهو يريد من آلله ~~تعالى أن يسبب له الأفضل ، كما أن المريض يقول للطبيب : أجعل دوائي ماء ~~الشكر دون ماء الشعير إذا كان لي صلاح في كليهما؛ ليحصل لي الفضل ~~والصلاح جميعا، فكذلك العبذ إذا سأل الله تعالى أن يجعل صلاحه فيما هو ~~الأفضل ويسبب له ذلك ليجمع له الفضل والصلاح جميعا، وللكن بشرط أنه إن ~~أختار الله تعالى له الصلاح في غير الأفضل أن يكون راضيا بذلك: ~~فإن قيل : فلماذا كان للعبد أن يختار الأفضل وليس له أن يختار الأصلح ؟ # فاعلم : أن الفرق بينهما : أن العبد يعرف الأفضل من المفضول ولا يعرف ~~الصلاح من الفساد ليريده بالحكم ، ثم معنى أختياره الأفضل : أن يريد من الله ~~تعالى أن يجعل صلاحه فيما هو الأفضل، ويختار له ذلك ويقدره، لا أن للعبد ~~تحكمأ في شيء من ذلك، فاعلمه. # فهلذه جملة من دقيق هلذا العلم وأسراره ، ولولا أن الحاجة مست إليه.. # لما تعرضنا لإيراده؛ لأنه يلاطم بحار علوم المكاشفة ، مع أني اقتصرتث على ~~النكت المقنعة في هذذا الكتاب، وقصدت الإيضاح لينتفع به فحول العلماء ~~والمبتدثون إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق. # العارض الثالث : القضاء وورود أنواعه، وإنما كفايثه في الرضا به، فعليك ~~أن ترضى بقضاء الله عز وجل، وذلك لأمرين : ~~أحذهما: التفرغ للعبادة؛ لأنك إذا لم ترض بقضاء الله عز وجل.. تكون ~~مهموما مشغول القلب أبدا بأنه لم كان كذا؟ ولم لا يكون كذا ؟ # 13 PageV00P173 ~~============================================================ ~~فإذا أشتغل القلب بشيء من هلذه الهموم. . كيف يتفرغ للعبادة 14 إذ ليس ~~لك إلأ قلب واحد وقد ملأته من الهموم وماكان وما يكون من أمر الدنيا ، فأي ~~موضع يكون فيه لذكر العبادة وفكر الآخرة ؟! # ولقد صدق شقيق رحمه الله حيث قال : إن حسرة الأمور الماضية وتدبير ~~الأتية ms102 قد ذهبت ببركةآ ساعتك هذذه : ~~والثاني من الأمرين : خطر ما في السخط من غضب الله تعالى، ولقد روينا ~~في الأخبار : أن نبيا من الأنبياء شكا بعض ما ناله من المكروه إلى الله سبحانه ~~وتعالى، فأوحى الله تعالى إليه : أتشكوني ولست بأهل ذم ولا شكوى ؟! هلكذا ~~بدا شأنك في علم الغيب، فلم تسخط قضائي عليك؟ أتريد أن أغير الذنيا ~~لأجلك، أو أبدل اللوح المحفوظ بسبيك، فأقضي ما تريد دون ما أريد، ~~ويكون ما تحث دون ما أحب؟ فبعزتي حلفت ؛ لثن تلجلج هلذا في صدرك مرة ~~أخرى.. لأسلبنك ثوب النبؤة ، ولأوردنك النار ولا أبالي . # قلث : فليستمع العاقل هلذه السياسة العظيمة والوعيد الهائل مع أنبيائه ~~وأصفيائه صلوات الله عليهم، فكيف مع غيرهم ؟! # ثم استمع ما يقول : (لئن تلجلج هلذا في صدرك مرة أخرى)، فهلذا في ~~حديث النفس وتردد القلب، فكيف بمن يصرخ ويستغيث ويشكو، أو ينادي ~~بالويل والضراخ من ربه على رؤوس الملأ ويتخذ له أعوانا وأصحابا ؟! # وهذذا لمن سخط مرة، فكيف بمن هو في الشخط على الله تعالى جميع ~~عمره ؟1 ~~وهذذا لمن شكا إليه ، فكيف بمن شكا إلى غيره ؟! # نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، ونسأله أن يعفو عنا، ويغفر ~~لنا سوء آداينا، ويصلحنا بحسن نظره، إنه أرحم الراحمين: ~~فإن قيل : فما معنى الرضا بالقضاء وحقيقة ذلك وحكمه ؟ # فاعلم : أن علماءنا قالوا : إن الرضا ترك الشخط ، والشخط ذكر غير ~~174 PageV00P174 ~~============================================================ ~~ما قضى الله تعالى بأنه أولى به وأصلح له فيما لا يستيقن فساده وصلاحه، هذذا ~~شرط فيه، فاعلم ذلك. # قإن قلت : آليس الشرور والمعاصي بقضاء الله تعالى وقدره ؟ فكيف يرضى ~~العبد الشر ويلزمه ذلك ؟! # فاعلم : أن الوضا إنما يلزم بالقضاء ، وقضاء الشر ليس بشر، وإنما الشر ~~هو المقضي ؛ فلا يكون رضا بالشر: ~~وقد قال شيوخنا رحمهم الله تعالى : المقضيات أربعة : نعمة، وشدة ، ~~وخير، وشرو. # فالتعمة: يجب الوضا فيها بالقاضي، والقضاء، والمقضي، ويجب عليه ~~الشكر من حيث إنها نعمة ، وإظهار النعمة عليه ؛ بإبداء أثر النعمة . # والشدة : يجب الوضا فيها بالقاضي، والقضاء، ms103 والمقضي، ويجب عليه ~~الصبر من حيث إنهاشدة . # والخير: يجب الوضا فيه بالقاضي، والقضاء، والمقضي، ويجث عليه ~~ذكر المنة من حيث إنه خير وفقه له ~~والشر : يجب عليه فيه الوضا بالقاضي، والقضاء، والمقضي من حيث إنه ~~مقضي، لا من حيث إنه شرآ، وكونه مقضيا يرجع إلى القاضي والقضاء ~~بالحقيقة ، وهلذا كما أنك ترضى مذهب المخالف أن يكون معلوما لك، لا أن ~~يكون مذهبا لك ، ثم كونه معلوما يرجع إلى العلم ، فالرضا والمحبة إنما يكون ~~بالحقيقة للعلم بمذهب المخالف لا بمذهبه، وكذلك الروضا بالمقضي ~~فإن قيل : فالراضي هل يكون مستزيدا ؟ # قيل له : نعم، بشرط الخير والصلاح دون الحكم، ولا يخرجه ذلك عن ~~الرضا، بل أن يدل على الرضا فهو أولى ؛ لأن من أعجبه شيء ورضي ذلك.. # أستزاد منه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حضر اللبن.. يقول : ~~175 PageV00P175 ~~============================================================ ~~"اللهم؛ بارك لنا فيه، وزذنا منه " ، وفي غيره يقول : " وزدنا خيرا منه "(1) ، ~~وفي موضع من الموضعين لم يدل على أنه غير راضي بما قدر الله تعالى له من ~~ذلك ~~فإن قلت : فلم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم الاستثناء وشرط الخير ~~والصلاح. # فاعلم : أن هلذه الأمور إنما تكون بالقلب ، وأن ما يقال باللسان عبارةآ عن ~~ذلك، فلا معتبر بترك عبارته مع حصوله بالقلب، فاعلم ذلك موقنا ~~العارض الوابع : الشدائد والمصائب ، وإنما كفايثها بالصبر عليها، فعليك ~~بالصبر في المواطن كلها ، وإنما ذلك لأمرين : ~~أحذهما: للوصول إلى العبادة وحصول المقصود منها؛ فإن مبنى أمر ~~العبادة كلها على الصبر وأحتمال المشقات، فمن لم يكن صبورا.. لم يصل إلى ~~شيء منها بالحقيقة ، وذلك أن من قصد عبادة الله تعالى وتجرد لها. أستقبلئه ~~شدائد ومحن ومصاتآب من وجوه : ~~أحدها : أنه لا عبادة إلأ وفي نفسها مشقة ، ولذلك كان كل هلذا الترغيب ~~فيه ووغد الثواب عليه؛ إذ لا يتأتى فعل العبادة إلا بقمع الهوى وقهر النفس؛ إذ ~~هي زاجرة عن الخير، ومخالفة الهوى وقهر النفس من أشد الأمور على ~~الإنسان. # وثانيها : أن العبد إذا فعل الخير مع المشقة ms104 . . لزمه الاحتياط له حتى لا يفسد ~~عليه، والابقاء على العمل أشد من العمل: ~~وثالثها : أن الدار دار محنة ، فمن كان فيها. . لا بد له من الابتلاء بشدائدها ~~ومصائبها، وذلك أقسام: فمنها المصيبة في الأهل والقرابات والإخوان ~~والأصحاب بالموت والفقد والفراق ، وفي النفس بأنواع الأمراض والأوجاع، PageV00P176 ~~============================================================ ~~وفي العرض بقتال الناس إياه، والطمع فيه، والازدراء به، والغية له، ~~والكذب عليه ، وفي المال بالذهاب والزوال. # ولكل واحدة من هلذه المصائب لذعة وحرقة من نوع آخر ، فيحتاج إلى ~~الصبر عليها كلها ، وإلأ.. فيمنعه الجزع والتلفف من التفرغ للعبادة. # ورابعها : أن طالب الآخرة أشد أبتلاء وأكثر محنة أبدا ، ومن كان إلى آلله ~~تعالى أقرب.. فالمصاتآب له في الدنيا أكثر ، والبلاء عليه أشد ، أما تسمع قوله ~~صلى الله عليه وسلم : " أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الشهداء ، ثم الأمثل ~~فالأمثل؟"(1). # فإذن من قصد الخير وتجرد لطريق الآخرة.. استقبلته هلذه المحن، فإن لم ~~يصبر عليها ، ولا يكون بحيث لا يلتفت إليها. . أنقطع عن الطريق ، وأشتغل عن ~~العبادة ، فلا يصل إلى شيء من ذلك . # ولقد أعلمنا الله سبحانه بالتقاء المحن والمصائب وأبتلائنا بها، وحقق ذلك ~~وأكده فقال: لتبلوب في أموالكم وأنفسكم ولتتمعب من الذيين ~~و9 ~~أوثوا الكتلب من قبلكم ومن الذي أشركوا أذى كثيرا} ، ثم قال ~~سبحانه : وإن تصيروا وتتقوا فإن ذلك من عزو ألأمور) ، فكأنه يقول : وطنوا ~~أنفسكم على أنه لا بد لكم من أنواع البلايا، فإن تصبروا.، فأنتم الرجال ، ~~وعزائمكم عزائم الرجال. # فإذن من عزم على عبادة الله تعالى. . يجب أولا أن يعزم على الصبر ~~الطويل، ويوطن نفسه على احتمال المشاق العظيمة المتوالية إلى الموت، ~~وإلا.. فقد قصد الأمر بغير آلته، وأتاه من غير وجهه. # ولقد ذكر عن الفضيل رحمه ألله أنه قال : (من عزم على قطع طريق ~~الآخرة.. فليجعل على نفسه أربعة ألوان من الموت : الأبيض، والأحمر، ~~والأسود، والأخضر؛ فالموث الأبيض: الجوع، والأسود : ذم الناس، PageV00P177 ~~============================================================ ~~والأحمر : مخالفة الشيطان ، والأخضو : الوقائع بعضها على بعض)(1). PageV00P178 ~~============================================================ ~~ومنها : المحبة من الله تعالى ، قال الله تعالى : { إن الله مع الصديرين} . # ومنها ms105 : الدرجات العلا في الجنة ، قال الله تعالى : { أولكل يجزوب ~~الفرفة يماصبررا. # ومنها : الكرامة العظيمة ، قال الله تعالى : سلم عليكر بما صبرتم فنعم عقبى ~~الدار ~~ومنها : ثوابت بلا غاية ولا نهاية، خارج عن أوهام الخلق وأعدادهم ، ~~قال الله تعالى : { إنما يوفى الصنيرون أجرهم بغير حساب ~~فسبحانه من سيد ماجد ما اكرمه، كل هلذه الكرامات في الذنيا والآخرة ~~يعطيها عبده على صبر ساعة !1 ~~فبان لك أن خير الذنيا والآخرة في الصبر ، قال النبيي صلى الله عليه وسلم : ~~" ما أعطي أحد من عطاء خير أوسع من الصبر"(1). # وعن عمر رضي الله عنه أنه قال : جميع خير المؤمنين في صبر ساعة ~~واحدة ~~ولقد أحسن القائل : ~~امن مخلع اليسيط ~~وك خير به يكون ~~الصبر مفتاح ما يرجى ~~فربما أمكن الحرون ~~اصبر وإن طالت الليالي ~~ما قيل هيهات لا يكون ~~ورا نيل باصطيار ~~[من الطويل] ~~وقال آخر: ~~وحسبك أن الله أثنى على الصبر ~~صبرت وكان الصبر مني سجية ~~سموث إلى العلياء من جانب الفقر ~~اذا كان باب الذل من جانب الفنى ~~فائا إلى يسر وإما إلى عسر ~~سأصر حتى يحكم اللهآ بيننا PageV00P179 ~~============================================================ ~~فعليك باغتنام هذه الخصلة الشريفة وبذل المجهود فيها.. تكن من ~~الفائزين ، والله تعالى ولي التوفيق بفضله. # فإن قلت : فما حقيقة الصبر وحكمه ؟ # فاعلم : أن لفظة الصبر من طريق اللغة : الحبس ، قال الله تعالى : وأصبر ~~نفساك مع الزين يدعوب رتبهم} أي : احبسن نفسك معهم، وإنما يوصف الله تعالى ~~بالصبر على معنى حبه العذاب عن المجرمين فلا يعاجلهم به ~~ثم المعنى الذي هو من مساعي القلب سمي صبرا ؛ لأنه حبس النفس عن ~~الجزع ، والجزع فيما قاله العلماء : ذكر اضطرابك في الشدة ، وقيل : بل إرادة ~~الخروج عن الشدة بالحكم ، والصبرتركه . # وحصن الصبر: ذكر مقدار الشدة ووقتها، وأنها لا تزيد ولا تنقص ، ~~ولا تتقدم ولا تتأخر، ولا فائدة في الجزع ، بل فيه الضرر والخطر . # وحصن هذا الحصن : ذكر خسن عوض الله تعالى عليه ، وكريم الدخر في ~~ذلك لديه، فهذه هذذه، وبالله التوفيق. # فشتاق ~~(فيما ينبغي أن يكون ms106 عليه العبد في تدبير رزقه] ~~فعليك بقطع هذه العقبة الشديدة المنيعة بدفع هذذه العوارض الأربعة وإزاحة ~~علتها، وإلا.. فلا تدعك تذكر مقصودك من العبادة وتتفكر فيها، فضلا عن أن ~~تدركها وتحصلها، وإن لكل واحد منها شغلا شاغلا عاجلا وآجلا. # ثم إن أعظمها وأعضلها أمؤ هذا الرزق وتدبيره؛ فإنه البلية الكبرى لعاقة ~~الخلق، آتعبت نفوسهم، وشغلت قلوبهم، واكثرث همومهم، وضيعة ~~أعمارهم، وأعظمت تبعاتهم وأوزارهم، وعدلت بهم عن الله تعالى وخدمته إلى ~~خدمة الثنيا وخدمة المخلوقين، فعاشوا في الدآنيا في ظلمة وغفلة، وتعب ~~18 PageV00P180 ~~============================================================ ~~ونصب، ومهانة وذل، وقدموا الآخرة مفاليس، بين أيديهم الحساب والعذاب ~~إن لم يرحم الله تعالى بفضله: ~~وانظز كم من آية أنزل الله تعالى في ذلك، وكم ذكر من وعده وضمانه ~~وقسمه على ذلك، ولم تزل الأنبياء والعلماء يعظون الناس، ويبينون لهم ~~الطريق، ويصنفون لهم الكتب، ويضربون لهم الأمثال، ويخوفونهم بالله ~~تعالى، وهم مع ذلك لا يهتدون ولا يثقون ولا يطمئنون ، بل هم في غمرة من ~~ذلك لا يزالون يخافون أن يفوتهم غداء أو عشاءآ. # وأصل ذلك كله : قلة التدبر لآيات الله سبحانه ، وقلة التفكر في ~~صنائع الله ، وترك التذكر لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترك التأئل ~~لأقوال الصالحين ، مع الاسترسال لوساوس الشيطان، والإصغاء إلى كلام ~~الجاهلين، والاغترار بعادات الغافلين، حتى تمكن الشيطان منهم، ورسخت ~~العادات في قلويهم، فتأدى بهم ذلك إلى ضعف القلب ورقة اليقين. # وأما الأخيار الذين هم أولو الأبصار وأرباب الجد والاجتهاد : فأبصروا ~~طريق السماء فلم يعبؤوا بأسباب الأرض، واعتصموا بحبل الله فلم يكترثوا ~~بعلائق الخلق، وتيقنوا بآيات الله تعالى وأبصروا طريقه فلم يلتفتوا إلى وساوس ~~الشيطان والخلق والنفس. # فإذا وسوس لهم شيطان أو نفس أو إنسان بشيء. . قاموا بالمشاقة والمدافعة ~~والمخالفة، حتى ولى الخلق عنهم ، وأعتزل عنهم الشيطان، وانقادت لهم ~~النفس، واستقام لهم الطريق المستقيم، على ما ذكر عن إبراهيم بن أدهم ~~رحمه الله تعالى أنه لما أراد أن يدخل البادية.. أتاه الشيطان فخوفه بأن هلذه بادية ~~مهلكة ولا زاد معك ولا سبب ms107 ، فعزم على نفسه رحمه الله أن يقطع البادية على ~~تجوده ذلك ، وألأ يقطعها حتى يصلي تحت كل ميل من أميالها ألف ركعة(1) ، ~~وقام بما عزم عليه ، وبقي في البادية اثآنتي عشرة سنة ، حتى إن الرشيد حج في PageV00P181 ~~============================================================ ~~بعض تلك السنين فرآه تحت ميل يصلي ، فقيل له : هلذا إبراهيم بن أدهم، فأتاه ~~فقال : كيف تجدك يا أبا إسحاق؟ فأنشأ إبراهيم يقول : ~~[من الطويل] ~~نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع ~~فطوبى لعبد آثر الله ريه وجاد بدنياه لما يتوقع(1) ~~وعن بعض الصالحين رحمه الله أنه كان في بعض البوادي ، فوسوس له ~~الشيطان بأنك متجرد ، وهذه بادية مهلكة لا عمران فيها ولا ناس ، فعزم على ~~نفسه بأن يمضي على تجؤده، وأن يترك الطريق حتى لا يقع بأحد من الناس، ~~وألا ياكل شيئا حتى يجعل الله في فيه السمن والعسل ، ثم عدل عن الطريق ومر ~~على وجهه، قال رحمه الله : فسرث ما شاء الله، فإذا بقافلة قد أضلت الطريق ~~وهم يسيرون، فلما أبصرتهم. رميث بنفسي إلى الأرض لعلهم لا يبصرونني، ~~فسيرهم الله حتى وقفوا علي ، فغمضت عيني ، فدنوا مني وقالوا : هذا منقطع ~~قد غشي عليه من الجوع والعطش، فهاتوا سمنا وعسلا نجعله في فيه لعله يفيق، ~~فأتوا بسمن وعسل، فسددث فمي وأسناني، فأتوا بسكين فعالجوا فمي حتى ~~يفتحوه، فضحكث، وفتحث فاي، فلما رأوا ذلك مني.. قالوا : أمجنون ~~أنت؟ قلت : لا والحمد لله تعالى(2)، وأخبرتهم ببعض ما جرى لي مع ~~الشيطان ~~وعن بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى قال : نزلث في بعض أسفاري أيام ~~التعليم مسجدا، وكنث متجردا على عادة أوليائنا، فوسوس إلي الشيطان بأن PageV00P182 ~~============================================================ ~~هلذا مسجد بعيد عن الناس ، لو صرت إلى مسجد بين الناس. . لرآك أهله وقاموا ~~بكفايتك ، فقلث : لا أبيت إلأ ههنا ، وعلي عهد الله ألأ آكل شيئا إلا الحلواء ، ~~ولا آكل حتى توضع في فمي لقمة لقمة ، وصليت العتمة وأغلقت الباب، فلما ~~مضى صدر من الليل.. إذا أنا بإنسان يدق الباب ومعه سراج، فلما أكثر الدق.: ~~فتحث الباب؛ ms108 فإذا أنا بعجوز معها شاث وقد دخلت فوضعت بين يدي طبقأ من ~~الخبيص، وقالت: هذا الشات ولدي، صنعث له هذا الخبيص، وجرى بيننا ~~كلام، فحلف الأ يأكل حتى يأكل معه رجل غريب ، - أو قالث : هلذا الغريب ~~الذي في المسجد - فكل رحمك الله، وأخذت تضع في فمي لقمة وفي فم ولدها ~~لقمة حتى اكتفينا، ثم انصرفا وأغلقت الباب علي متعجبا معا جرى !1 ~~فهاذه وأمثالها من مجاهدات الصالحين ومناقضاتهم للشيطان ، فإن لك في ~~ذلك فوائد ثلاثة: ~~إحداها : أن تعلم أن الرزق لا يفوت من قدر له بحال . # والثانية : أن تعلم أن أمر الرزق والتوكل لمهم جدا ، وأن للشيطان فيه غوائل ~~ال ووساوس عظيمة، حتى إن مثل أولئك الأئمة الزقاد لم يتخلصوا من ذلك، ولم ~~ييأس منهم الشيطان بعد طول تلك الرياضات وكثرة تلك المجاهدات التي سبقت ~~لهم حتى يحتاجوا إلى دفعه بهذه المناقضات ، ولعمري؛ إن من جاهد النفس ~~والشيطان سبعين سنة لا يأمن أن يوسوسا له كما يوسوسان للمبتدىء في العبادة، ~~بل لغافل لم يجتهذ ساعة في الرياضة، ولو ظفرا به.. لفضحاه وأهلكاه هلاك ~~الغافلين المغترين ، وفي ذلك عبرة لأولي الأبصار. # والثالثة : أن تعلم أن الأمر لا يتم إلا بالجد المحض والمجاهدة البالغة ؛ ~~فإنهم كانوا لحما ودما وبدنا وروحا مثلك، بل كانوا أنحف أبدانا، وأضعف ~~أركانا، وأدق عظاما منك ، وللكن كانث لهم قوة العلم ، ونور اليقين ، وهمة ~~أمر الدين، حتى قووا على مثل تلك المجاهدات ، والقيام بحق تلك المقامات ، ~~فانظر لنفسك رحمنا الله وإياك، وداوها من هذذا الداء المعضل لعلك تفلح إن ~~شاء الله تعالى: ~~183 PageV00P183 ~~============================================================ ~~تا ~~(في ذكر فوائد وتفصيلات تتعلق بتدبير الرزق] ~~ثم أعلم بعد هذه الجملة : أني مجرد لك نكتا وجدتها ، بحيث تنكث في ~~القلب إذا تذكرتها، وتكفيك مؤنة هذا الباب ، وتدغك على واضحة من الحق ~~إن تأملتها وعملت بها ، والله سبحانه الموفق. # الأولى : أن تعلم أن الله تعالى ضمن رزقك في كتابه، وتكفل لك به ، ~~فما تقول لو وعدك ملك من ملوك الدنيا أنه يضيفك الليلة ويعشيك ms109 وأنت حسن ~~الظن به أنه صادق لا يكذب ، ولا يخلف الوعد؟ بل لو وعدك بذلك سوقي أو ~~يهودي(1)، أو نصراني أو مجوسي، مستور عندك بظاهره، عفيف في ~~معاملته.. ألست تثق بوعده ، وتطمئي بقوله، ولا تهتم لعشائك تلك الليلة ~~أتكالا عليه ؟ فما لك وقد وعدك الله، وضمن لك رزقك وتكفل به ، بل أقسم ~~عليه في غير موضع، وأنت لا تطمئي بوعده، ولا تسكن إلى قوله وضمانه، ~~ولا تنظر إلى قسمه، بل يضطرب قلبك ويهتم ؟! فيا لها من فضيحة لو رأيت ~~وبالها اويا لها من مصيبة لو علمت نكالها ! # [من الطويل] ~~وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ~~اتطلب رزق الله من عند غيره وتصبح من خوف العواقب آمنا ~~وترضى بصراف وإن كان مشركا ضمينا ولا ترضى بربك ضامنا ~~كأنك لم تقرا بما في كتابه فأصبحت منحول اليقين مباينا ؟!(2) ~~ولهذا المعنى ينجو هذا الأمر إلى الشك والشبهة ، ويخاف على صاحبه ~~- والعياذ بالله - سلب المعرفة والدين ، ولهلذا قال سبحانه : وعلى الله فتوكلوا إن ~~كنتو ثومنين} وعلى الله فليستوكل المؤمثون) PageV00P184 ~~============================================================ ~~فحسب المؤمن المهتم لأمر دينه هلذه النكتة الواحدة، ولا حول ولا قوة ~~الأ بالله العلي العظيم. # الثانية : أن تعلم أن الرزق مقسوم ، صح ذلك من كتاب الله تعالى وأخبار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعلم أن قسمته لا تتغير ولا تتبدل، فإن ~~أنكرت القسمة أو جوزت نقضها.. فذلك باب الكفر تقرغه، نعوذ بالله، وإن ~~علمت أنه حق لا يتغير.. فأيي فائدة في الاهتمام والطلب إلا الذك والهوان في ~~الدنيا ، والشدة والخسران في الآخرة؟ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ~~"مكتوت على ظهر الحوت والثور هذا رزق فلان بن فلان ، فلا يزداد الحريص ~~إلا جهدا": ~~وفي مثل ذلك يقول شيخنا رحمه الله : إن ما قدر لماضغيك أن يمضغاه ~~فلا يمضغه غيرك، فكل- ويحك - رزقك بالعز ، ولا تأكله بالذل، فهذه نكتةآ ~~حسنة مقنعة للرجال. # الثالثة : ما سمعث من شيخي الإمام رحمه الله يحكي عن الأستاذ رحمه الله ~~أنه كان يقول : إن مما يقنعني في أمر ms110 الرزق أني تذكرت وقلت لنفسي : أليس ~~هذا الرزق للحياة والعيش؟ قالت : نعم ، فقلت لها : فالميت ما يصنع بالرزق ~~إذا مات ؟ قالت : لا شيء ، قلت : فإذا كان حياة العبد في خزائن الله تعالى ~~وحده وبيده.. فكذلك الرزق؛ إن شاء يعطيني، وإن شاء يمنعني، وهو غيث ~~عني، موكول إلى الله سبحانه، يديره كيف يشاء، وأنا ساكن النفس بذلك : ~~وهذه نكتةآ لطيفة مقنعة لأهل التحقيق. # الثكتة الرابعة : مما ذكرنا في هلذا الفصل : أن الله تعالى ضمن رزق العبد ، ~~ل ولم يضمن إلأ الرزق المضمون الذي هو الغذاء والتربية ، وفيه القوام والعدة . # وأما الأسباب من الطعام والشراب : فالعبد إذا تجرد لعبادة الله تعالى وتوكل ~~عليه.. فربما تحبس عنه الأسباب، فلا يعبأن بذلك ولا يضجر؛ لما علم من ~~حقيقة الأمر أن الضمان لقوام البنية، والتوكل على الله تعالى إنما هو في هذذا ~~185 PageV00P185 ~~============================================================ ~~المعنى لا غير، والمنتظر من الله تعالى هلذا المعنى ؛ فإن الله تعالى لا محالة ~~يمده بالقوة ليقوم بحق العبادة والخدمة ما دام له أجل وتكليف بالعبادة، وهذا ~~هو المقصوذ، والله سبحانه قادر على ما يشاءآ، إن شاء يقيم بنية عبده بطعام ~~وشراب، أو بطين وتراب، أو بتسبيح وتهليل كالملائكة، وإن شاء بدون هلذا ~~كله: ~~فليس مطلوب العبد إلا القوام والقؤة للعبادة ، ليس الأكل والشرب وشدة ~~الشهوة ونيل اللذة، فلا أعتبار بالأسباب إذن، ولهلذا المعنى قويت الزهاد ~~والعباد على الأسفار وطي الليالي والايام. # فمنهم من لم يأكل عشرة أيام ، ومنهم من لم ياكل شهرا وشهرين وهو على ~~قؤته ، ومنهم من كان يستفك الومل فيجعله الله عز وجل له غذاء ، نحوما ذكر عن ~~الثوري رحمه الله تعالى : أنه نفدث نفقته بمكة، فمكث خمسة عشر يوما يستفت ~~الرمل. # وقال أبو معاوية الأسود : ( رأيث إبراهيم بن أدهم يأكل الطين عشرين ~~يوما)(1). # وعن الأعمش قال : (قال لي إبراهيم التيمي رحمه الله : ما أكلث منذ ~~شهر، قلت : منذ شهر؟ قال : ولا شهرين ، إلأ أن إنسانا ناشدني على عنقود ~~(27 ~~من عنب فأكلته، فأنا أشتكي بطني) (2) . # قلت : فلا تعجبن ms111 من ذلك ، فإن لله القدرة على ما يشاء، وهلذا مريض تراه ~~لا يأكل شهرا وهو حي يعيش ، والمريض على كل حال أضعف نفسا وأرق طبعا ~~من القوي. # وأما الذي يموت جوعا : فذلك اجل حضره ، كالذي يموت شبعا وتخمة، ~~ولقد بلغني عن أبي سعيد الخراز رحمه الله أنه قال : كان حالي مع الله تعالى أن PageV00P186 ~~============================================================ ~~يطعمني في كل ثلاثة أيام ، فدخلت البادية، فمضت علي ثلاثة أيام ما طعمت ~~فيها، فلما كان في اليوم الرابع.. وجدت ضعفا، فجلست مكاني، فإذا بهاتف ~~يقول : يا أبا سعيد؛ أيما أحث إليك : سبت أو قوى؟ فقلت : لا، ~~الا القوى، فقمت من وقتي وقد أستقللت، فأقمت اثني عشر يوما ما طعمت ~~ولا وجدت ألمآلذلك . # فإذا رأى العبذ احتباس الأسباب عنه ، وعلم من نفسه التوكل على آلله.. # فليستيقن بأن الله تعالى يمده بالقوة ، فلا يضجرن لذلك ، بل حقه أن يشكر الله ~~تعالى على ذلك شكرا كثيرا؛ فإن له المنة والصنع اللطيف ؛ إذ رفع عنه ~~المؤونة، وأعطاه المعونة، وحصل له الأصل والمقصوذ، ودفع عنه الثقل ~~والواسطة، وخرق له علائق العادة، وأراه طريق القدرة؛ أن شبه حاله بحال ~~الملائكة ، ورفعه عن حالة البهائم والعامة في تلك الكرامة ، فتأمل هذذا الأصل ~~الكبير تغنم الربح العظيم إن شاء الله تعالى : ~~قلث : لعلك تقول : إنك أطنبت في هلذا الفصل خلاف شرط الكتاب . # فأقول : لعمر الله ؛ إنه لقليل في جنب ما يحتاج إليه في هذذا المعنى؛ إذ ~~هو أهم شأنا في العبادة ، بل عليه مدار أمر الدنيا والعبودية، فمن له همة في هلذا ~~الشأن. فليستمسك بذلك وليرعه حقه، وإلا.. فهو عن المقصود بمعزل. # والذي يدلك على بصيرة علماء الآخرة العارفين بالله : أنهم بنوا أمرهم على ~~التويل على الله، والتفروغ لعبادة الله، وقطع العلائق كلها، فكم صنفوا من ~~كتاب ، وكم أوصوا من وصية، وقيض الله سبحانه لهم أعوانا من السادة ~~وأصحابا، فتمشىل لهم من الخير المحض ما لم يتمش لطائفة من طوائف الأئمة ~~الزهاد الكرامية؛ فإنهم بنوا مذهبهم على أصول غير مستقيمة، وما زلنا أعزة ms112 ~~ما دمنا على منهاج أيعتنا، يخرج من معابدنا ومدارسنا كل حين : إما إمام في ~~العلم، كالأستاذ أبي إسحاق، وأبي حامد ، وأبي الطيب الطبري، وابن ~~فورك، وشيخنا الامام، وأمثالهم من السادة، وإما صديق في العبادة، كأبي ~~اسحاق الشيرازي، وأبي سعيد الصوفي، ونصر المقدسي ، وغيرهم ممن فاق ~~187 PageV00P187 ~~============================================================ ~~الأمة علما وزهدا، حتى ضعفت القلوب من بعضنا ، وتلطخنا بشيء من العلائق ~~التي ضرؤها أكثر من نفعها، فتراجعت الأمور، وتقاعدت الهمم، وطارت ~~البركات ، وزالت اللذات والحلاوات، فلا تكاد تصفو لأحد عبادة، أو يحصل ~~له علم وحقيقة ، فإن اللمعة التي تظهر منا الآن ليسث إلأ ممن بقي على منهاج ~~أسلافنا وشيوخنا المتقدمين (1)، كالحارث المحاسبي، ومحمد بن إدريس ~~الشافعي، والمزني، وحرملة، وغيرهم من أئمة الدين، رضي الله عنهم ~~[من الطويل] ~~أجمعين، فهم كما قيل: ~~رعى الله أقواما رعوا حق ربهم فلا نقضوا عهدا ولا أخلفوا عهدا ~~فما صحبوا الأيام إلا تعففا وما وجدوا من حب سيدهم بدا ~~أفاضل صديقون أهل ولاية إلى سيد السادات قد جعلوا القصدا ~~تحلل عقد الصبر من كل صابر وما حلت الأيام من عقدهم عقدا ~~وكنا في الصدر الأول ملوكا فصرنا سوقة، وكنا فرسانا فصرنا رجالة، وليتنا ~~لا ننقطع عن الطريق بمرة ، والله المستعان على المصائب ، والمسؤول ألا يسلبنا ~~هلذا الرمق، إنه جواد كريم، منان رحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # وأما التفويض : فتأمل فيه أصلين : ~~أحدهما : أنك تعلم أن الاختيار لا يصلح إلأ لمن كان عالما بالأمور بجميع ~~جهاتها، ظاهرها وباطنها، وحالها وعاقبتها، وإلأ.. فلا يأمن أن يختار الفساد ~~والهلاك على ما فيه الخير والصلاح ، ألا ترى أنك لو قلت لبدوي او قروي أو ~~راعي غنم : انقذ لي هلذه الدراهم وميز لي بين جيدها ورديئها.. فإنه لا يهتدي ~~لذلك، ولو قلت لسوقي غير صيرفي. فرئما يعسر أيضا؟ # فلا تأمن إذن إلا بأن تعرضها على الصيرفي الخبير بالذهب والفضة وما فيهما PageV00P188 ~~============================================================ ~~من الخواص والأسرار، وهلذا العلم المحيط بالأمور من جميع الوجوه لا يصلخ ~~إلأ لله رب العالمين ، فلا يستحق ms113 إذن أحد أن يكون له الاختيار والتدبير إلأ الله ~~وحده لا شريك له ، ولذلك يقول عز من قائل : { ودتك يخلق ما يشاء ويختارما ~~كا لهم الخيره}، ثم قال تعالى : ورتك يعله ما تكن صدورهم وما ~~يعلنو ~~ولحكي عن بعض الصالحين أنه قيل له عن الله تعالى : سل تعط - وكان ~~موفقا - فقال : إن عالما بجميع الوجوه يقول لجاهل من جميع الوجوه : سل ~~تعط، أيش أعلم ماذا يصلح لي فأسأله ؟! وللكن اختر أنت لي، فهلذه هذه . # الأصل الثاني : ما تقول لو أن رجلا قال لك : أنا أقوم بجميع أمورك ، وأدبر ~~جميع ما تحتاج إليه من مصالحك ؛ ففؤض الأمر كله إلي، واشتغل أنت بشأنك ~~الذي يعنيك، وهو عندك أعلم أهل زمانك ، وأحكمهم وأقواهم، وأرحيهم ~~وأتقاهم، وأصدقهم وأوفاهم ألست تغتنم ذلك وتعده أعظم نعمة، وتمتن ~~منه أكبر منة ، وتقدم له أوفر شكر وأجمل ثناء ؟ # ثم إذا اختار لك شيئا لا تعرف وجه الصلاح فيه. . فلا تضجر لذلك ، بل تثق ~~وتطمئن إلى تدبيره ، وتعلم أنه لا يختار لك إلأ ما هو الخير، وما ينظر لك ~~الأ الصلاح كيفما كان الأمر، بعدما وكلت الأمر إليه وضمن ذلك: ~~فما لك إذن لا تفوض الأمور إلى رب العالمين سبحانه وهو الذي يدير الأمر ~~من السماء إلى الأرض ، فهو أعلم كل عالم، وأقدر كل قادر، وأرحم كل ~~راحم، وأغنى كل غني؛ ليختار لك بلطيف علمه وحسن تدبيره ما لا يبلغه ~~علمك ، ولا يدركه فهمك، وتشتغل أنت بشأنك الذي يعنيك في عاقبتك، وإذا ~~اختار لك أمرا لا تعلم وجه سره.. رضيت بذلك ، واطمأننت إليه كيفما كان، ~~فهو الصلاح والخير؟! فتأمل راشدا إن شاء الله تعالى ، وبالله سبحانه التوفيق. # وأما الرضا بالقضاء : فتأمل فيه أصلين مقنعين لا مزيد لك عليهما : ~~أحدهما : ما في الرضا من الفائدة في الحال والمآل . # 189 PageV00P189 ~~============================================================ ~~أما الفائدة الحالية : ففراغ القلب ، وقلة الهم من غير فائدة ، ولذلك قال ~~بعض الزهاد رحمه الله : إذا كان القدرحقا. . فالهم فضل ، وأصله الخبر المأثور ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms114 قال لابن مسعود رضي الله عنه : " ليقل ~~هئك، وما قدريكون، وما لم ترزق لم يأتك "(1). # هلذا هو الكلام الجامع النبوي، البالغ في قلة اللفظ وكثرة المعنى. # وأما الفائدة في المآل : فثواب الله تعالى ورضوانه، قال تعالى: رضحك ~~الله عنهم ورضواعنهة) ~~وما في الشخط من الهم والخزن والضجر في الحال ، والوزر والعقوبة في ~~الأخرة بلا فائدة. # اذ القضاء نافذ؛ فلا ينصرف بهمآك وسخطك، كما قيل : (من الكاملا ~~ما قد قضي يا نفس فاصطبري له ولك الأمان من الذي لم يقدر ~~وتيقني أن المقدر كائن حتما عليك صبرت أم لم تصبري(2 ~~والعاقل لا يختار الهم بلا فائدة مع الوزر والعقوبة على راحة القلب وثواب ~~الجنة. # والأصل الثاني : ما في الشخط من عظيم الخطر والضرر والكفر والنفاق ، ~~إلا أن يتداركه الله تعالى ، وتامل قوله تعالى : { فلا وريك لا يؤمثوت حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهر ثم لا يجدوا فى انفسهم حرجا مما قضيت وييسلموا ~~سليما، نفى الإيمان وأقسم على من سخط قضاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فكيف حال من سخط قضاء الله تعالى ؟! # ولقد روينا أن الله تعالى يقول : " من لم يرض بقضائي، ولم يصبر على PageV00P190 ~~============================================================ ~~بلائي، ولم يشكر نعمائي.. فليتخذ إلها سوائي "(1). # قيل : كأنه يقول : هذا لا يرضاني ربا حين يسخط، فليتخذ ربا آخر ~~يرضاه، وهذا غايةآ الوعيد والتهديد لمن عقل، ولقد صدق بعض السلف إذ قيل ~~له: ما العبودية والربوبية ؟ فقال : الرث يقضي، والعبد يرضى، فإذا قضى ~~الرث، ولم يرض العبد.. فما هناك ربوبية ولا عبودية. # فتأمل هلذا الأصل، وانظر لنفسك لعلك تسلم بعون الله تعالى وتوفيقه . # وأما الصبر : فإنه دواء مؤ، وشربة كريهة، لإلا أنها] مباركة كريمة ، ~~تجلب كل منفعة، وتدفع عنك كل مضرة، وإذا كان الدواء بهذه الصفة.. # فالإنسان العاقل يكره النفس على شربه وتجرعه، ويغضي على مرارته وحدته، ~~ويقول : مرارة ساعة، وراحة سنة: ~~وأما المنافع التي يجلبها : فاعلم أن الصبر أربعة : ~~صبر على الطاعة. # وصبرعن المعصية ~~وصبر عن فضول الدنيا: ~~وصبةعلى المحن والمصائب: ~~فإذا احتمل مرارة الصبر ms115 ، وصبر في هذذه المواطن الأربعة.. تحصل له ~~الطاعات ومنازلها من الاستقامة، وثوابها الجزيل في العاقبة، ثم لا يقع في ~~المعاصي وبلياتها في الدنيا وتبعاتها في الآخرة، ثم لا يبتلى بطلب الدنيا وما لها ~~من الشغل في الحال والتبعة في المآل ، ثم لا يحبط أجره على ما ابتلي به وذهب ~~عنه، فحصل إذن بسبب الصبر الطاعة ومنازلها الشريفة وثوابها، والتقوى ~~والزهذ والعوض والثواب الجزيل من الله تعالى ، وتفصيل ذلك أمر لا يعلمه ~~الا الله عز وجل. PageV00P191 ~~============================================================ ~~وأما دفع المضار : فيريخه أولا من مؤنة الجزع ومقاساته في الدنيا ، ثم ~~وزره وعقوبته في الآخرة. # وأما إن هو ضعف عن الصبر ، وسلك طريق الجزع.. فاته كل منفعة، ~~ولحقه كل مضرة؛ إذ لا يصبر على مشقة الطاعة فلا يفعل الطاعة، ولا يصبر ~~على حفظها فيحبطها، أو لا يصبر على المواظبة عليها فلا يصل إلى منزلة شريفة ~~فيها من درجات الاستقامة، أو لا يصبر عن معصية فيقع فيها، أو عن فضول ~~فيشتغل به، أو لا يصبر على مصيبة فيحرم ثواب الصبر ، وربما يكثر الجزع حتى ~~يفوت العوض بسبب ذلك ، فتكون له مصيبتان : فوت الشيء ، والأخرى فوت ~~ت اا ال ار ش اع عب ~~ولا يرذ عليك الداهب المفقود 4! وإذا فاتك أحدهما. . فلا يفوتك الآخر: ~~ومن الكلام الجامع : ما ذكر أن عليا رضي الله عنه عزى رجلا فقال : ( إن ~~صبرت.. جرت عليك المقادير وأنت مأجور، وإن جزعت.. جرث عليك ~~المقادير وأنت مأزور)(1). # ثم أقول : وجملة الأمر : أن قطع القلب عن العلائق المألوفة ، وقطع النفس ~~عن العادات الراسخة؛ بالتوكل المحض على الله عز وجل، وترك التدبير في ~~الأمور، وتفويضها إلى الله عز وجل من غير علم بما هو السؤفيها ، وكبح النفس ~~عن الشخط والجزع مع تسارع النفس إليه، وإكراهها على لجام الرضا وتجوع ~~شرية الصبر مع نفرتها عن ذلك.. لأمر مر، وعلاج شديد ، وحمل ثقيل، ~~وللكنه تدبير سديد، وطريق مستقيم، وله عاقبة محمودة، وأحوال سديدة ~~مسعودة: ~~وما تقول في الوالد المشفق الغني إذا منع ولده العزيز رطبة أو ms116 تفاحة يأكلها PageV00P192 ~~============================================================ ~~وهو أرمد، ويسلمه إلى المعلم الغليظ السائس، ويحبسه طول النهار عنده ~~ويضجره، ويحمله إلى الحكام ليحجمه فيرجعه ويقلقه؟ أترى منع ذلك من ~~بخل فيه ؟1 كيف وهو يعطي الأجانب ويوسع عليهم ؟! أو هوان لهذا الولد ~~عنده ؟ كيف وهو يكنز له جميع ما في يده ؟! أو قصد بذلك إتعابه وإيذاءه لبغض ~~له؟ كيف وهو قرة عينه، وثمرة فؤاده ، لو هبت عليه ريخ.. لعز عليه ذلك ؟! # كلا ، وللكن لما علم أن صلاحه في ذلك ، وأن بهلذا التعب القليل يصل إلى ~~خير كثير، ونفع عظيم: ~~وما تقول في الطبيب الحاذق الناصح المحب إذا منع المريض الدنف شربة ~~ماء وهو ظمآن يتقلى كبذه(1) ، وسقاه شربة إهليلج كريهة(2) ، تجزع عن ذلك ~~نفسه وطبعه؟ أترى أن ذلك منه معاداة وإيذاء 14 كلا ، بل هو نصح وإحسان ~~لما علم يقينا أن في إعطائه شهوته ساعة هلاكه وعطبه رأسا، وفي منع ذلك ~~شفاؤه وبقاؤه. # فتأمل أيها الرجل إذا حبس الله عنك رغيفا أو درهما ، فتعلم يقينا أنه يملك ~~ما تريد، ويقدر على إيصاله إليك، وله الجوذ والفضل، ويعلم حالك ~~فلا يخفى عليه شيء، فلا عذم ولا عجز، ولا خفاء ولا بخل، تعالى الله عن ~~ذلك وتقدس؛ فإنه أغنى الأغنياء، وأقدر القادرين ، وأعلم العلماء ، وأجود ~~الأجودين، فتعلم إذن بالحقيقة أنه لم يمنغك إلأ لصلاح واختيار لك، كيف ~~وهو الذي يقول : خلق لكم ما فى الأرض جميعا) ؟ # كيف وهو الذي جاد عليك بمعرفته ، وهي التي تتلاشى في جنبها الدنيا ~~بأسرها؟ # وفي الخبر المشهور : ( إن الله سبحانه وتعالى يقول : إني لأذود أوليائي عن PageV00P193 ~~============================================================ ~~نعيم الدنيا كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرة)(1). # وإذا ابتلاك بشدة. . فاعلم يقينا أنه غني عن امتحانك وابتلائك، عالم ~~بحالك، بصير بضعفك، وهو بك رؤوف رحيم، آما تسمع قوله صلى الله ~~عليه وسلم : "لله أرحم بعبده المؤمن من الوالدة الشفيقة بولدها" ؟(2). # فإذا علمت هلذا.. علمت أنه لم ينزل بك هلذا المكروه إلا لصلاح لك جهلته ~~آنت وهو عالم بذلك ، ولهاذا المعنى تراه يكثر ابتلاء ms117 أوليائه وأصفيائه الذين هم أعز ~~عباده، حتى يقول صلى الله عليه وسلم : " إذا أحب الله قوما.. ابتلاهم "(3) ، ~~(3)8 ~~ويقول : " أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الشهداء ، ثم الأمثل فالأمثل "(4) . # وإذا رأيت الله تعالى يحبس عنك الدنيا ، أو يكثر عليك الشدائد والبلوى.. # فاعلم أنك عنده عزيز ، وأنك عنده بمكان علي ، وأنه يسلك بك طريق أوليائه ، ~~فإنه يراك ولا يحتاج إلى ذلك ، أما تسمع قوله تعالى : واضير لحكر رتك فإنك ~~باعيتنا}؟ بل اعرف منته عليك فيما يحفظ عليك من صلاحك، ويكثر من ~~أجرك وثوابك، وينزلك منازل الأبرار والأعزة عنده، فكم ترى من عواقب ~~حميدة، ومواهب كريمة، والله ولي التوفيق بمنه وفضله. # فشتاق ~~(في أن من عرف صفات الباري جل وعلا ترك تدبير الأمور إليه] ~~وبالجملة : إذا علمت يقينا أن الله تعالى المليء بضمان رزقك الذي لا بد ~~لك منه في بقائك وقيامك بعبادته، وأنه القادر على ما يشاءآ كيف يشاءآ، وهو PageV00P194 ~~============================================================ ~~البصير بحاجتك حالا فحالا، ساعة فساعة.. اتكلت على ضمانه الحق، ووعده ~~الصدق، وسكن قلبك بذلك، وأضربت عن ذكر العلائق والأسباب، وتعلق ~~قلبك بها ؛ إذ العلائق لا تغنيك ولا تكفيك دون الله عز وجل ؛ فإنه تعالى ييسر ~~أكلها وشربها، ثم هو الذي يمرئها ويهئها، ثم هو الذي يلحقك قوتها ونفعها، ~~ويدفع عنك ثقلها وضرها ، وهو تعالى يغنيك ويكفيك دونها إذا شاء، فالأمر كله ~~اليه وحده لا شريك له، فتوكل عليه لا غير . # وكذلك تترك التدبير في أمورك على من يدبو السماء والأرض، وتريخ ~~نفسك عن كل شيء لا يبلغه علمك وبصرك من أمر يكون غدا أو لا يكون ، وأنه ~~كيف يكون، وتكف عن لعل ولو؛ إذ ليس فيه إلأ شغل القلب ، وتضييع ~~الوقت، ولعله تكون أمور لم تخطر ببالك، فيكون ما سبق من فكرك وتدبيرك، ~~وتضييعك الوقت العزيز فيه لغوا بلا فائدة، بل خسرانا تندم عليه، وتغبن فيه ؛ ~~لمكان شغل القلب ، وتضييع العمر في ذلك ، وفي هلذا المعنى لبعض الزهاد ~~(من الكامل] ~~رضي الله عنهم : ~~سبقت مقادير الإله وحكمه فأرح فؤادك من لعل ms118 ومن لو ~~([من الكامل] ~~وقال آخر: ~~سيكون ما هو كائن في وقته وأخو الجهالة متعث محزون ~~فلعل ما تخشاه ليس بكائن ولعل ما ترجوه ليس يكون(1) ~~وتقول لنفسك في الجملة : يا نفس؛ لن يصيبنا إلأ ما كتب الله لنا، هو ~~مولانا، وهو حسبنا ونعم الوكيل؛ إذ هو قدير لا نهاية لقدرته، حكيم لا نهاية ~~لحكمته ، رحيم لا نهاية لرحمته ، ومن كان بهلذه الصفة. . فحقيق أن يتوكل ~~عليه، ويفوض الأمر كله إليه، فعليك بالتفويض: ~~وكذلك توطن قلبك على أن ما يقضي الله لك فهو الأوفق والأصلح ، وأن PageV00P195 ~~============================================================ ~~ذلك لا يبلغ علمنا كيفيته وسره ، وتقول : يا نفس؛ المقدور كائن لا محالة؛ ~~فلا فائدة في الشخط، والخيرة فيما يصنع الله تعالى ؛ فلا وجه للشخط، ألست ~~تقولين : رضيث بالله ربا ، فكيف لا ترضين بقضائه ، والقضاء من شأن الوبوبية ~~وحقها، فعليك بالرضا ؟ا ~~وكذلك إذا أصابتك مصيبة، وحل بك مكروهآ. فتراعي نفسك عند ذلك ، ~~وتضبط قلبك حتى لا تجزع ولا تظهر منك شكاية وقلق ، لا سيما عند الصدمة ~~الأولى؛ فإن الشأن هنالك ، والنفس متسارعة جدا إلى عادة الجزع عند ذلك ، ~~وتقول : يا نفس؛ هذذه قد وقعت فلا حيلة لدفعها، وقد دفع الله تعالى ما هو ~~أكبر منها، فإن أنواع البلاء في خزائنه لكثيرة، وإن هذذه ستنقضي فلا تبقى ، ~~وانها سحابة ستنقشع، فتجلدي يا نفس قليلا تجدي لذلك سرورا طويلا، وثوابا ~~جزيلا ، بعد أن لا دفع للنازل ، ولا فائدة في الجزع ، ولا مصيبة في الحقيقة مع ~~العزاء والصبر، فتشغل لسانك بالاسترجاع ، وقلبك بذكر ما يحصل لك عند الله ~~تعالى من الأجر، وتتذكر صبر أولي العزم على المصائب العظام من الأنبياء ~~والأولياء والأعزة على الله تعالى . # وإذا حبس الله عنك الدنيا في وقت. . فتقول : يا نفس؛ هو أعلم بالحال ~~وأرحم بك وأكرم؛ فإنه الذي يطعم الكلب في خسته، ويطعم الكافر في ~~عداوته، وأنا عبذه العارف الموحذ، أما أساوي عنده رغيفا ؟1 هذا محال ~~أيضا، فاعلمي بالحقيقة أنه لم يحبسن ذلك عنك إلأ لنفع عظيم، وسيجعل الله ~~بعد ms119 عسر يسرا، فاصبري قليلأ تري العجب من لطيف صنعه، أما سمعت قول ~~القائل : ~~[من الوافر] ~~توقع صنع ربك سوف يأتي بما تهواه من فرج قريب ~~ولا تيأس إذا ما ناب خطث فكم في الغيب من عجب عجيب ~~وقول الآخر: ~~(من الهزجا ~~الا يا أيها المرء ال ذي الهي به بوح ~~196 PageV00P196 ~~============================================================ ~~اذا أشتدث بك العسرى ففكز في ألم نشرح ~~بين يسرين اذا ذكرته فافرحرل) ~~فإذا جربت هلذه الأذكار ونحوها ، وواظبت عليها بالتكرير والتمرين.. فإن ~~ذلك سيهؤن عليك إذا كانت لك همة وأجتهاد زمانا غير طويل. # ولقد دفعت هلذه العوارض الأربعة عن نفسك(2)، وكفيت مؤنتها، وصرت ~~عند الله تعالى من المتوكلين المفوضين ، الراضين بقضائه ، الصايرين على ~~بلائه، وحصلت لنفسك راحة القلب والبدن في الدنيا، وعظيم الثواب والدخر ~~في العقبى، وجليل القدر والمحبة عند رب العالمين، فيجتمع لك خير ~~الدارين، وتستقيم لك طريق العبادة؛ إذ لا عائق ولا شاغل، وكنت حينئذ قد ~~قطعت هلذه العقبة العسيرة، والله سبحانه المسؤول أن يمدك وإيانا بحسن ~~توفيقه؛ فإن الأمر كله بيده ، وهو أرحم الراحمين ، ولا حول ولا قوة إلأ بالله ~~العلي العظيم. PageV00P197 ~~============================================================ ~~العقبة الخامسة ~~وهي عقبة البواعث ~~ثم عليك - يا أخي- بالسير إذا أستقام لك الطريق، وسهلت لك السبيل، ~~وارتفعت العوائق، وزالت العوارض، ولا يحصل لك السير المستقيم ~~الا باستشعار الخوف والرجاء والتزامهما حقهما على حدهما: ~~أما الخوف : فإنما يجب التزامه لأمرين : ~~احذهما : للرجر عن المعاصي ؛ فإن هذه النفس أمارة بالشوء ، مياله إلى ~~الشر، طماحة إلى الفتنة، ولا تنتهي عن ذلك إلا بتخويف عظيم، وتهديد ~~بالغ، ليست هي في طبعها حرة يهئها الوفاءآ، ويمنعها الحياءآ عن الجفاء، ~~وانما هي كما قال القائل: ~~امن مجزوه الكامل] ~~العبذ يقرع بالعصا والعر تكفيه الملامة(1) ~~والتدبير في أمرها : أن تقرعها أبدا بسوط التخويف قولا وفعلا وفكرا، نحو ~~ما ذكر عن بعض الصالحين أن نفسه دعته إلى معصية، فانطلق ونزع ثيابه، ~~وجعل يتمرغ في الرمضاء ويقول لنفسه : ذوقي ، فنار جهنم أشد حرا من هلذه ، ~~اي جيفة بالليل ، وبطالة بالنهار. # والثاني : لثآلا ms120 تعجب بالطاعات فتهلك ، بل تقمعها بالذم والعيب والنقص ~~من الأسواء والأوزار التي فيها ضروب الأخطار، وذلك نحو ما ذكر عن النبي PageV00P198 ~~============================================================ ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لو أني وعيسى أوخذنا بما كسبت هاتان.. # لعذبنا عذابا لم يعدبه أحد" وأشار بإصبعيه(1) . # وعن الحسن أنه كان يقول : ما يأمن أحدنا أن يكون قد أصاب ذنبا فطبق باب ~~المغفرة دونه ، فهو يعمل في غير معملي: ~~وعن ابن السماك فيما يعاتب نفسه : (تقولين قول الزاهدين ، وتعملين عمل ~~المنافقين ، وفي الجنة تطمعين ، هيهات هيهات ! إن للجنة قوما آخرين، ولهم ~~أعمال غير ما تعملين)(2). # فهلذه وأمثالها مما يلزم العبد تذكيرها للنفس وتكريرها عليها؛ لئلا تعجب ~~بطاعة، أو تقع في معصية، وبالله التوفيق. # وأما الرجاء : فإنما يلزمك أستشعاره لأمرين : ~~أحذهما : للبعث على الطاعات، وذلك أن الخير ثقيل، والشيطان عنه ~~زاجر، والهوى إلى ضده داع ، وحال أهل الغفلة من عامة الخلق في النفس ~~منطبع مشاهد ، والثواب الذي يطلب بالطاعات عن العين غائث ، وأمد الوصول ~~إليه فيما يحسبه بعيد، وإذا كان الحال على هلذه الحالة.. فلا تنبعث النفس ~~للخير، ولا ترغب فيه حقه، ولا تهتز له إلأ بأمر يقابل كل هذه الموانع ~~ويساويها، بل يزيذ عليها، وذلك الأمر هو الرجاء القوي في رحمة الله تعالى) ~~والترغيب البالغ في حسن ثوابه وكريم أجره ، ولقد قال شيخنا رحمه الله : الحزن ~~يمنع من الطعام ، والخوف يمنع من الذنوب ، والرجاء يقوي على الطاعات ، ~~وذكر الموت يزهذ في الفضول. # والثاني : ليهؤن عليك أحتمال الشدائد والمشقات. # وأعلم : أن من عرف ما يطلب. . هان عليه ما يبذل ، ومن طاب له شيءآ PageV00P199 ~~============================================================ ~~ورغب فيه حق رغبته.. أحتمل شدته ولم يبال بما يلقى من مؤنته ، ومن أحب ~~أحدا حق محبته.. أحب أيضا أحتمال محنته، حتى إنه ليجذ لتلك المحنة ضروبا ~~من اللدة ، ألا ترى مشتار العسل لا يفكر بلسع النحل (1) ؛ لما يتذكر من حلاوة ~~العسل، والأجير لا يعبأ بارتقاء الشلم الطويل مع الحمل الثقيل طول النهار الصائف ~~المديد؛ لما يتذكر من أخذ درهمين بالعشي ، وإن الفلأح لا ms121 يفكر بمقاساة الحر ~~والبرد ومباشرة الشقاء والكد طول السنة؛ لما يتذكر من البيدر أوان الغلة ؟ # وكذلك - يا أخي - العباد الذين هم أهل الاجتهاد ، إذا ذكروا الجنة في طيب ~~مقيلها، وأنواع نعيمها؛ من قصورها وحورها، وطعامها وشرابها، وحليها ~~وحللها، وسائر ما أعده الله تعالى لأهلها.. هان عليهم ما احتملوه من تعب في ~~عبادة، أو فاتهم في الدنيا من لذة ونعمة ، أو نالهم من ضر ومشقة . # ولقد حكي أن أصحاب سفيان الثوري رحمه الله كلموه فيما كانوا يرون من ~~خوفه وآجتهاده ورتة حاله، فقالوا : (يا أستاذ؛ لو نقضت من هذا الجهد. # نلت مرادك أيضا إن شاء الله تعالى ، فقال سفيان : كيف لا أجتهذ وقد بلغني أن ~~أهل الجنة يكونون في منازلهم ، فيتجلى لهم نور تضيء له الجناث الثمانية ، ~~فيظتون أن ذلك نوو من جهة الرب سبحانه وتعالى، فيخروون ساجدين، ~~فينادؤن : أن أرفعوا رؤوسكم ، ليس الذي تظنون ، إنما هو نور جارية تبسمت ~~امن البسيط ~~في وجه زوجها ؟! ثم أنشأ يقول : ~~ماذا تحمل من بؤس واقتار ~~ما ضر من كانت الفردوس مسكنه ~~إلى المساجد يمشي بين أطمار ~~تراه يمشي كئيبا خاثفا وجلا ~~قد حان أن تقبلي من بعد إدبار) (2) ~~يا نفس مالك من صبر على لهب PageV00P200 ~~============================================================ ~~قلث أنا : وإذا كان مدار أمر العبودية على الأمرين : القيام بالطاعة ، ~~والانتهاء عن المعصية، وذلك لا يتم مع هلذه النفس الأمارة بالشوء إلا بترغيب ~~وترهيب ، وترجية وتخويف ؛ فإن الدابة الحرون تحتاج إلى قائد يقودها ، وإلى ~~سائق يسوقها، وإذا وقعت في مهواة فريما تضرب بالسوط من جانب ، ويلوخ ~~لها بالشعير من جانب آخر ، حتى تنهض وتتخلص مما وقعث فيه ، وإن الصبي ~~العرم(1) لا يمد إلى الكتاب إلأ بترجية من الوالدين ، وتخويف من المعلم.. # فكذلك هلذه النفس دابة حرون، وقعت في مهواة الدنيا، فالخوف سوطها ~~وسائقها، والرجاء شعيرها وقائدها، وإنها الصبي العرم، يحمل إلى كتاب ~~العبادة والتقوى، فذكر النار والعقاب تخويفه، وذكر الجنة وثوابها ترجيته ~~وترغيبه ، ولذلك يلزم العبد الطالب للعبادة والرياضة أن يشعر النفس بالأمرين ~~اللذين هما : الخوف، والرجاء، ms122 وإلأ.. فلا تساعده نفسه الجموح على ذلك، ~~وبهذا المعنى أتى الذكر الحكيم بمجموع الأمرين : الوعد والوعيد ، والترغيب ~~والتهديد، وأبلغ في كل منهما ، فذكر من الثواب الكريم ما لا صبر عنه، وذكر ~~من العقاب الأليم ما لا صبر عليه. # فعليك إذن بالتزام هذين المعنيين يحصل لك مرادك، ويسهل عليك ~~احتمال المشقة، والله تعالى وليك التوفيق بفضله ورحمته. # فإن قلت : فما حقيقة الرجاء والخوف وحكمهما ؟ # فاعلم : أن الخوف والرجاء عند علمائنا رحمهم الله تعالى يرجعان إلى قبيل ~~الخواطر، وإنما المقدور للعبد مقدماتهما ~~قالوا : والخوف رعدة تحدث في القلب عند ظن مكروه يناله، والخشية ~~نحوه، للكن الخشية تقتضي ضربا من الاستعظام والمهابة، وضد الخوف ~~الجراءة ، وللكن قد يقابل بالأمن ، فيقال : خائف وآمن ، وخوف وأمن ؛ لأن ~~الآمن الذي يجترىء على الله سبحانه وتعالى ، والحقيقة أن الجراءة تضادآه PageV00P201 ~~============================================================ ~~ومقدمات الخوف أربع: ~~الأولى : ذكر الذنوب الكثيرة التي سبقت ، وكثرة الخصوم الذين مضوا في ~~المظالم وأنت مرتهن لم يتبين لك الخلاص بعد . # والثانية : ذكر شدة عقوبة الله سبحانه التي لا طاقة لك بها . # والثالثة : ذكرضعف نفسك عن احتمال العقوبة ~~والرابعة : ذكر قدرة الله تعالى عليك متى شاء وكيف شاء . # وأما الرجاء: فهو ابتهاج القلب بمعرفة فضل الله تعالى ، وأسترواحه إلى ~~سعة رحمة الله تعالى، وهذا من جملة الخواطر غير مقدور للعبد، ورجاء هو ~~مقدو، وهو تذكر فضل الله تعالى وسعة رحمته، وقد تسمى أيضا إرادة ~~المخاطرة بالاستثناء رجاء ، والمراد من هلذا الباب هو الأول، وهو التذكر على ~~حسب الابتهاج والاسترواح، وضده اليأس، وهو تذكر فوات رحمة الله ~~وفضله، وقطع القلب عن ذلك، وهو معصية محضة ~~وهذا الرجاء فرض إذا لم يكن للعبد سبيل إلى الامتناع عن اليأس إلآ به ، ~~وإلا.. فهو نفل بعد أعتقاد الجملة في فضل الله سبحانه وسعة رحمته. # ومقدمات الرجاء أربع : ~~الأولى : ذكر سوابق فضله إليك من غير قدم أو شفيع(1) . # والثانية: ذكر ما وعد من جزيل ثوابه وعظيم كرامته على حسب فضله ~~وكرمه، دون أستحقاقك إياء بالفعل ؛ إذ لو كان على حسب الفعل.. ms123 لكان أقل ~~شيء وأصغر أمر. # والثالثة : ذكر كثرة نعمة الله تعالى عليك في أمر دينك ودنياك في الحال من ~~أنواع الإمداد والألطاف من غير أستحقاق أو سؤال. # والوابعة : ذكر سعة رحمة الله تعالى وسبقها غضبه، وأنه الرحمن الرحيم، PageV00P202 ~~============================================================ ~~الغني الكريم، الرؤوف بعباده المؤمنين ~~فإذا واظبت على هلذين النوعين من الأذكار.. أفضيا بك إلى أستشعار ~~الخوف والرجاء بكل حال ، والله تعالى ولي التوفيق بمنه وفضله . # فتا ~~افي وجوب أخذ الاحتياط عند قطع عقبة البواعث] ~~فعليك - أيها الرجل - بقطع هلذه العقبة في تمام الاحتياط والتحرز ونهاية ~~الرعاية؛ فإنها عقبة دقيقة المسلك، خطرة الطريق، وذلك أن طريقها بين ~~طريقين مخوفين مهلكين: ~~أحذهما : طريق الأمن. # والثاني : طريق اليأس. # وطريق الرجاء والخوف هو الطريق العدل بين الطريقين الجاثآرين ، فإن غلب ~~الرجاء عليك حتى فقدت الخوف ألبتة.. وقعت في طريق الأمن، ولا يأمن ~~مكر الله إلا القوم الخاسرون، وإن غلب الخوف عليك حتى فقدت الرجاء ~~ألبتة. . وقعت في طريق اليأس ، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون . # فإن كنت ركبت بين الرجاء والخوف، واعتصمت بهما جميعا.. فهو ~~الطريق العدل المستقيم التي هي سبيل أولياء الله تعالى وأصفيائه الذين وصفهم ~~بقوله: إنهم كانوا يسترعورب فى الختيرت ويدهوننا رغبا ورهبا وكانوالنا ~~خشعيب ~~فإذن ظهر لك في هلذه العقبة ثلاثة طرقي : طريق الأمن والجراءة ، وطريق ~~اليأس والقنوط، وطريق الخوف والرجاء ممتە بينهما، فإن ملت عنه بقدم إلى ~~يمينك أو يسارك.. وقعت في المهلكين ، وهلكت مع الهالكين. # ثم الشأن أن الطريقين الجائرين المهلكين أوسع مجالا ، وأكثر داعيا ، ~~و أسهل سلوكا من الطريق العدل ؛ لأنك إذا نظرت من جانب الأمن.. رأيت من ~~20 PageV00P203 ~~============================================================ ~~سعة رحمة الله وكثرة فضله وغاية جوده ما لا يبقى لك معه خوف، فتتكل على ~~ذلك بمرة وتأمن، وإن نظرت من جانب الخوف. . رأيت من عظيم سياسة الله ~~تعالى وكثرة هيبته ودقة أمره وغاية مناقشته مع أوليائه وأصفيائه ما لا يكاد يبقى ~~لك معه رجاء، فتيأس بمرة وتقنط. # فتحتاج إذن ألأ تنظر إلى سعة رحمة الله تعالى ms124 فقط حتى تتكل وتأمن ، ~~ولا إلى عظيم الهيبة والمناقشة فقط حتى تقنط وتيأس، بل تنظر إلى هلذا وإلى ~~هلذا جميعا، وتأخذ من هلذا بعضا، ومن هلذا بعضا، فتركب بينهما طريقا ~~دقيقا، وتسلك ذلك لتسلم؛ فإن طريق الرجاء المحض سهل واسع عريض، ~~وعاقبيه تؤديك إلى الأمن والخسران، وطريق الخوف المحض واسع عريض، ~~وعاقبته تؤديك إلى الضلال والكفران، والطريق العدل بينهما طريق الخوف ~~والرجاء، وإن كان دقيقا عسرا.. فإنه سبيل سالم، ومنهج بين، يؤدي إلى ~~الغفران والإحسان، ثم إلى الجنان والرضوان ، ولقاء الملك الرحمان سبحانه، ~~أما تسمع قوله تعالى في أبناء هلذا الشبيل : يدعون ربهم خوفا وطمعا) ، ثم ~~قال : ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهكم من قرة أعين جزله بما كانوا يعملون} ؟ # فتأمل هلذه الجملة جدا وتشمر وتنبه للأمر؛ فإنه لا يجيء بالهوينى ، والله ~~الموفق ~~ثم أعلم : أنه لا يتأتى لك سلوك هلذه الطريق ، وحمل هلذه النفس الجموح ~~الكسلانة على الخير باجتناب المحبوب عندها، واكتساب الطاعات الثقيلة ~~عليها.، إلأ بالتحفظ بثلاثة أصول ، : والتذكر لها على سبيل الدوام من غير فترة ~~ولا غفلة ~~أحذها : ذكر أقواله تعالى في الترغيب والترهيب : ~~والثاني : ذكر أفعاله سبحانه في الأخذ والعفو. # والثالث : ذكر جزائه للعباد في المعاد من الثواب والعقاب . # وتفصيل كل أصلي منها يحتاج إلى صحف كثيرة، ولأجلها صنفنا كتاب ~~24 PageV00P204 ~~============================================================ ~~ل"تنبيه الغافلين " ، ونحن نشير في هذا الكتاب إلى كلمات توقفك على المقصود ~~إن شاء الله تعالى. # الأصل الأؤل : في أقواله سبحانه . # تدبر - ايها الرجل- ما في الكتاب العزيز من آيات الترغيب والترهيب ~~والترجية والتخويف. # فمن آيات الرجاء : قوله تعالى : لا نقنطوأ من رخمة الله إن ألله يغفر الذنوب ~~جميعا}، ومن يغفر الذنوب إلا الله)، غافر الذنب وقابل التوب}، وهو ~~الذى يقبل النوية عن عبادهه ويعفوا عن السيعات} ، كنب على نفسه الرحمة ~~ليجمعنكم، ورخمتى وسعت كل مىء فساكثبها للزين ينقون)، ~~الله يالناس لره وفك تحي}، وكان بالمؤمنين رحيما ~~فهذه ونحوها من آيات الرجاء: ~~ومن آيات التخويف والسياسة : قوله تعالى : يعبادفاتتون)، أفحسبتة ~~أنما خلقنكم عبيا وأنكم إلينالا ترجمون} ms125 ، أيخسب الإيسن أن يترل شيى}، لتس ~~بأمانيكم ولا أماني أهل الكتلب من يعمل سوها يجز به}، وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا، وبدا لهم م الله ما لم يكونوا يحتسبون} ، وقدمنا إلك ما عملواين ~~عمل فجعلنه هباء تنثورا ~~نسأل الله تعالى أن يسلمنا برحمته. # ومن الآيات اللطيفة الجامعة بين الخوف والرجاء : قوله تعالى : نبي ~~عباوى أف أنا الضفور الرحي} ثم قال في عقبه : { وأن عذابى هو العداب الألير ~~لئلا يستولي عليك الرجاء بمرة. # وقوله: { شديد العقاب} ثم قال في عقبه : { ذى الطول} لثآلا يستولي ~~عليك الخوف بمرة. # وأعجب من ذلك قوله تعالى : { ويحذركم الله نفسه} ثم قال في عقبه : ~~والله ر وفا آلعباد ~~205 PageV00P205 ~~============================================================ ~~وأعجب منه قوله تعالى : من خشى الرحمن بالغيب}، علق الخشية باسم ~~الرحمن دون أسم الجبيار والمنتقم والمتكبر ونحوه ؛ لتكون الخشية مع ذكر ~~الرحمة، فلا تكون الخشية تطير قلبك بمرة، فيكون تخويفا في تأمين، ~~وتحريكا في تسكين ، كما تقول : أما تخشى الوالدة الرحيمة؟ أما تخاف الوالد ~~الشفيق؟ أما تحذر الأمير الكريم ؟ والمراد من ذلك أن يكون الطريق عدلا ، ~~فلا تذهب إلى أمن ولا قنوط. # جعلنا الله وإياكم من المتدبرين لهذا الذكر الحكيم ، العاملين بما فيه ، إنه ~~الجواد الكريم. # الأصل الثاني : في أفعاله ومعاملاته. # أما من جانب الخوف : فاعلم أن إبليس عبد الله ثمانين ألف سنة، فلم يترە ~~فيما قيل- موضع قدم إلا وسجد لله تعالى فيه سجدة، ثم ترك له أمرا واحدا ~~فطرده عن بايه ، وضرب بوجهه عبادة ثمانين ألف سنة ، ولعنه إلى يوم الدين، ~~وأعد له عذابا أليما أبد الأبدين. # حكى روي : (أن الصادق الأمين صلوات الله عليه وسلامآه رأى جبريل ~~عليه السلام متعلقا بأستار الكعبة وهو يصرخ وينادي: إللهي وسيدي؛ لا تغير ~~أسمي ، ولا تبدل جسمي)(1) . # ثم آدم صلى الله عليه وسلم، صفئه ونبئه الذي خلقه بيده، وأسجد له ~~ملائكته ، وحمله على أعناقهم إلى جواره، أنبسط فأكل أكلة واحدة لم يؤذن له ~~فيها، فنودي : (ألا لا يجاورني من عصاني)(2) ، وأمر الملائكة الذين حملوا ~~سريره يزجونه من سماء ms126 إلى سماء، حتى أوقعوه بالأرض ، ولم تقبل توبئه - فيما ~~روي - حتى بكى على ذلك مثتي سنة(2)، ولحقه من الهوان والبلاء ما لحقه، ~~وبقيت ذريثه في تبعات ذلك إلى الأبد . PageV00P206 ~~============================================================ ~~ثم إن نوحا شيخ المرسلين صلواتث الله وسلامآه عليهم أجمعين، الذي ~~أحتمل في أمر دينه ما أحتمل.. لم يقل إلأ كلمة واحدة على غير وجهها ، إذ ~~نودي : فلاتتعان ماليتس لك بهه علم إن أعظك أن تكون من الجلهلين) ~~حتى روي في بعض الأخبار: أته لم يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله ~~تعالى أربعين سنة. # ثم إبراهيم عليه الصلاة والسلام خليل الله تعالى لم يكن منه إلآ هفوة ~~واحدة ، فكم خاف وتضرع وقال : { والذى أطمع أن يغفر لى خطيئقى يوم الدين) ~~حتى روي : ( أنه كان يبكي من شدة الخوف ، فيرسل الله تعالى الأمين ~~جبريل عليه السلام ، فيقول : يا إبراهيم؛ هل رأيت خليلا يعذب خليله بالنار؟ # فيقول : يا جبريل؛ إذا ذكرت خطيئتي.. نسيث خلته)(1). # ثم موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام لم يكن منه إلأ لطمة واحدة عن ~~حدة(2)، فكم خاف وتضرع وأستغفر وقال : رب إنى ظلمت نفسى فأغفر لى} ~~ثم في زمانه بلعم بن باعوراء، كان بحيث إذا نظر إلى السماء.. يرى ~~العرش ، وهو المعني بقوله تعالى : { وأتل عليهم نبا الذزى ءاتينله مايكئنا فأنسلخ ~~منها} - ولم يقل : آية واحدة - إلا أنه مال إلى الدنيا وأهلها ميلة واحدة، وترك ~~لولي من أوليائه حرمة واحدة(3)، فسلبه الله معرفته، وجعله بمنزلة الكلب ~~المطرود ، فقال : فشله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهت}، فأوقعه في ~~بحر الضلال والهلاك إلى الأبد، حتى سمعت بعض العلماء يقول : إنه كان في ~~أول أمره بحيث يكون في مجلسه أثنا عشر ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون PageV00P207 ~~============================================================ ~~عنه ، ثم صار بحيث كان أول من صنف كتابا وذكر فيه أن ليس للعالم صانع ، نعوذ ~~بالله ثم نعوذ بالله من سخطه وعذابه الأليم ، وفظيع خذلانه الذي لا طاقة لنابه . # فأنظر حب الدنيا وشؤمها ماذا تجلب للعلماء خاصة، فتنبه؛ فإن الأمر ~~خطير، والعمر قصير، وفي ms127 العمل تقصيرة، والناقد بصير، فإن ختم بالخير ~~أعمالنا، وأقالنا عثراتنا.. فما ذلك عليه بعسير: ~~ثم إن داوود عليه الصلاة والسلام خليفته في أرضه أذنب ذنبا واحدا، فبكى ~~على ذلك حتى نبت العشب في الأرض من دموعه، وقال : إلهي وسيدي؛ ~~آما ترحم بكائي وتضرعي؟ فأجيب : يا داوود؛ نسيت ذنبك، وذكرت ~~بكاءك ؟! ولم تقبل توبته أربعين يوما ، وقيل : أربعين سنة . # ثم يونس عليه الصلاة والسلام غضب غضبة واحدة في غير موضعها، ~~فسجنه في بطن الحوت تحث قعر البحار أربعين يوما وهو ينادي : لا إله إلأ أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين ، وسمعت الملائكة صوته، فقالوا : إلهنا ~~وسيدنا؛ صوثآ معروف في موضع مجهول، قال اللهآ تعالى : ذلك عبدي ~~يونس، فتشفعث فيه الملائكة(1) ، ثم مع ذلك كله غير آسمه ، فقال : وذا ~~النون} ، فنسبه إلى سجنه ، ثم قال : فالنقمه المحوث وهو مليم * فلولا أنه كان ين ~~المسبحين * للبث فى يطنهه إلك يوو يبعثون} ، ثم ذكر نعمته ومنته عليه فقال : لولا أن ~~تداركه نفمة من ريد لنيذ يالعرله وهومذموم) ، فأنظر إلى هلذه السياسة أيها المسكين . # وكذلك هلم جرا إلى سيد المرسلين اكرم خلقه عليه بقوله له : فأستقم كما ~~أمرت ومن تاب معك ولا تطغرا إنله يما تعملوب بصي)، حئل كان يقول صلى الله عليه ~~وسلم : " شيبتني هود وأخواتها"(2) قيل : عنى هلذه الآية وأشكالها في القرآن . PageV00P208 ~~============================================================ ~~وقال تعالى : واستغفر لدنبك} إلى أن من عليه بالغفران فقال : ~~ووضعنا عناك وزرلك * الذى أنقض خلهرك ~~وقال: ليغفرلك الله ما تقدم من ذببك وما تأخر}، وكان بعد ذلك عليه الصلاة ~~والسلام يصلي الليل حتى تورمت قدماه ، فيقولون : أتفعل هلذا يا رسول الله ~~وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنيك وما تأخر؟! فيقول : " أفلا أكون عبدا ~~شكورا؟"(1) ~~وكان عليه الصلاة والسلام يقول : " لو أني وعيسى أوخذنا بما كسبت ~~(2) ~~هاتان .. لعدبنا عذابالم يعدبه أحد من العالمين "(2) . # كان صلى الله عليه وسلم يصلي الليل ويبكي ويقول : " أعوذ بعفوك من ~~عقابك، وبرضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت ~~كما أثنيت ms128 على نفسك "(3). # ثم الصحابة رضي الله عنهم الذين هم خير قرن من خير أمة كان يبدو منهم ~~شيءآ من المزاح ، فتزل قوله تعالى : ألتربأن للذينء امثوا أن تخشع قلومهم لذكر الله ~~وما نزل من الحق الآية(2) . # ثم وضع في هلذه الأمة مع كونها مرحومة الحدود والسياسات العظيمة ~~والآداب، حتىل كان يونس بن غبيد يقول : لا تأمن من قطع في خمسة دراهم خير ~~عضو منك أن يكون عذابآه هكذا غدا ~~رضي الله عنه، والطبراني في " الكيير* (286/17) عن عقية ين عامر رضي الله عنه، وقد روي ~~الحديث بروايات عدة في بيان آخوات (هود)، وقد ذكر جملة منها مع مخرجيها السيوطي في الدر ~~المنثور"(396/4- 398) PageV00P209 ~~============================================================ ~~نسال الله تعالى الكريم الروحيم ألأ يعاملنا إلأ بمحض كرمه ، إنه أرحم ~~الراحمين ~~وأما من جانب الرجاء : فحدث عن رحمة الله الواسعة ولا حرج، ومن ~~الذي يعرف غايتها أو يحسن وصفها ؟! فإنه الذي يهب كفر سبعين سنة بإيمان ~~ساعة ، قال الله تعالى : { قل للزين كفروا إن ينتهوا يغفرلهم ما قد سلف} ~~أما ترى في أمر سحرة فرعون الذين جاؤوا لحربه (1)، وحلفوا بعزة فرعون ~~عدؤه، فما كان إلأ أن رأوا آية موسى عليه الصلاة والسلام فعرفوا الحق؛ ~~فقالوا: {ءامنا برب هون ومومى}، ولم يذكر أنهم زادوا عليها عملا ، ثم انظر كم ~~كرر ذكرهم في معنى المدح في كتابه العزيز ، وكم كبائر وصغائر غفرها لهم ~~بايمان ساعة بل لحظة، فما قالوا إلآ {ءامنا عن صدق القلوب.. كيف قبلهم ~~ووهب لهم جميع ما سلف ؟! ثم كيف جعلهم رؤوس الشهداء في الجنة أبد ~~الآبدين ؟! # فهذا حال من عرفه ووحده ساعة بعد كل ذلك الكفر والضلال والفساد ، ~~فكيف حال من أفنى في توحيده عمره ، لا يرى لذلك أهلا في الدارين غيره ؟1 ~~أما ترى أصحاب الكهف وما كانوا عليه من الكفر طول أعمارهم إذ قالوا : ~~{رتنارث الشمكوات والأرض}، والتجؤوا إليه.. كيف قبلهم، ثم أعزهم وأكرمهم ~~فقال: ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} ؟! وكيف أعظم لهم الحرمة، ~~والبسهم المهابة والخشية ، حتى يقول لأكرم الخلق عليه الصلاة ms129 والسلام : لو ~~اطلعت عليهم لولتيت منهه فرارا ولملنت منهم رقبا} ؟! بل كيف أكرم كلبا تبعهم . # حتى ذكره في كتابه العزيز مرات، ثم جعله معهم في الدنيا محجويا، ويدخله ~~الجنة في الآخرة مكرما ؟! فهلذا فضله مع كلب خطا خطوات مع قوم عرفوه ~~ووخدوه أياما معدودة من غير عبادة أو خدمة، فكيف فضله مع عبده المؤمن PageV00P210 ~~============================================================ ~~الذي خدمه ووحده وعبده سبعين سنة، ولو عاش سبعين ألف سنة.. لكان ~~قاصدا للعبودية ؟! # أما سمعت كيف عاتب إبراهيم عليه السلام في دعائه على المجرمين ~~بالهلاك؟!(1) ~~وكيف عاتب موسى [عليه السلام) في أمر قارون فقال : (آستغاث بك ~~قارون فلم تغثه، فوعزتي ؛ لو آستغاث بي. . لاغثته وعفوت عنه) ؟!(1) ~~وكيف عاتب يونس عليه السلام في شأن قومه بأنك تحزن على شجرة يقطين ~~3)86 ~~أتبتآها في ساعة، وأيبستها في ساعة ، ولا تحزن على مئة ألف أو يزيدون ؟!(3 ~~ثم كيف قبل عذرهم، وصرف عذابه العظيم عنهم بعدما أضلهم ؟! # ثم كيف عاتب سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله أجمعين فيما روي : ~~أنه دخل من باب بني شيبة ، فرأى قوما يضحكون، فقال : " لم تضحكون ؟ ألا ~~أراكم تضحكون ؟" ، حتى إذا كان عند الحجر.. رجع إليهم القهقرى وقال : ~~لاجاءني جبريل فقال : يا محمد ؛ إن الله تعالى يقول لك : لم تقنط عبادي من ~~رحمتي ؟ { نبئ عباوى أف أنا الغفور الرحير) "؟!(4) ~~وهذذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "لله أرحم بعبده المؤمن من ~~الوالدة الشفيقة بولدها "(5). # وفي الخبر المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن لله تعالى PageV00P211 ~~============================================================ ~~مثة رحمة، فواحدة منها قسمها بين الجن والإنس والبهائم، فبها يتعاطفون ، ~~وبها يتراحمون، واتخر منها تسعة وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم ~~القيامة"(1). # واذ قد أعطاك الله تعالى من الرحمة الواحدة كل هلذه العطايا الكريمة ~~العزيزة؛ من معرفته سبحانه وتعالى ، والكون من هلذه الأمة المرحومة(2)، ثم ~~معرفة الشنة والجماعة ، إلى سائر ما لديك من النعم الظاهرة والباطنة.. فمرجؤ ~~من فضله العظيم أن يتم ذلك ؛ فإن من بدأ بالإحسان. . فعليه الإتمام، ويجعل ~~من تسع ms130 وتسعين رحمة لك الحظ الوافر ، نسأل الله تعالى ألا يخيب آمالنا من ~~فضله العظيم بفضله، إنه السيذ الكريم ، الجواد الرحيم. # وأما الأصل الثالث : في ذكر ما وعد واوعد في المعاد . # فلنذكر في ذلك الأحوال الأربعة : الموت، والقبر، والقيامة، والجنة ~~والنار، وما في كل مقام منها من الخطر للمطيعين ، والعاصين، والمقصرين، ~~والمجتهدين ~~أما الموث : فأذكر فيه حال رجلين : ~~أحدهما : ما روي عن أبن شبرمة أنه قال : دخلت مع الشعبي على رجل ~~مريض نعوده وهو بما به وعنده رجل يلقنه : لا إله إلأ ألله ، فقال الشعبيي : أرفق ~~به، فتكلم المريض وقال : إن تلقني أو لم تلقني. . فإني لا أدعها، ثم قرأ : ~~وألزمهم كلمة النقوى وكانوا أحق بها وأهلها) ، فقال الشعبيي : الحمد لله الذي ~~ن صاحبنا. # والآخر : ما حكي أن تلميذا للفضيل بن عياضي حضرته الوفاة ، فدخل عليه ~~الفضيل وجلس عند رأسه ، وقرأ (سورة يس) ، فقال : يا أستاذ ؛ لا تقرأ هذه ~~الشورة، فسكت ، ثم لقته فقال : قل : لا إله إلأ الله ، فقال : لا أقولها ؛ لأني PageV00P212 ~~============================================================ ~~منها بريء ، ومات على ذلك ، فدخل الفضيل منزله وجعل يبكي أربعين يوما لم ~~يخرج من البيت ، ثم رآه في النوم وهو يسحب إلى جهنم ، فقال : بأي شيء ~~نزع الله المعرفة منك وكنت أعلم تلامذتي ؟ قال : بثلاثة أشياء : ~~أؤلها : بالنميمة؛ فإني قلت لأصحابي بخلاف ما قلت لك . # والثاني : بالحسد؛ فإني حسدت أصحابي ~~والثالث : كان بي علة ، فجئت إلى الطبيب فسألته عنها ، فقال : تشرب في ~~كل سنة قدحا من خمر، فإن لم تفعل. . تبق بك العلة، فكنت أشرئه. # نعوذ بالله من سخطه الذي لا طاقة لنا به ~~ثم أذكر حال رجلين آخرين : ~~أحدهما: ما حكي عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى : أنه ~~لما أحتضر.. نظر إلى السماء فضحك وقال : { ليثل هذا فليعمل العكملون} ~~وسمعت إمام الحرمين رضي الله عنه يحكي عن الأستاذ أبي بكر رحمه الله أنه ~~قال : كان لي صاحث أيام التعليم ، وكان مبتديا كثير الجهد في التعلم، تقيا ~~متعبدا، وكان لا يحصل له مع ذلك الاجتهاد ms131 إلا القليل، وكنا نتعجب من ~~حاله، فمرض فلزم مكانه بين الأولياء في الرباط ولم يدخل إلى بيت المرضى، ~~وكان يجتهد مع مرضه، فأشتدث به الحال وأنا إلى جانبه ، فبينما هو كذلك.. # اذ شخص ببصره إلى السماء ثم قال لي : يا بن فورك؛ ليثل هذذا فليعمل ~~العكملون}، وتوفي عند ذلك رحمة الله عليه . # وأما الآخر : فنحو ما روي عن مالك بن دينار رحمه الله أنه دخل على جار له ~~أحتضر، فقال له : يا مالك ؛ جبلان من نار بين يدي أكلف الضعود عليهما، ~~قال : فسألت أهله فقالوا : كان له مكيالان، يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر ، ~~فدعوت بهما، فضربت أحدهما بالآخر حتى كسرتهما ، ثم سألت الرجل فقال : ~~ما يزداد الأمز علي إلأ عظما . # وأما القبر والحال بعد الموت : فأذكر فيه حال رجلين : ~~21 PageV00P213 ~~============================================================ ~~أحدهما : ما ذكر عن بعض الصالحين [أنه] قال : (رأيت سفيان الثوري في ~~النوم بعد موته، فقلت : كيف حالك يا أبا عبد الله؟ فأعرض عني وقال : ليس ~~هلذا زمان الكنى ، فقلت : كيف حالك يا سفيان؟ فأنشأ يقول : (من الطويل) ~~نظرت إلى ربآي عيانا فقال لي هنيئا رضائي عنك يا بن سعيد ~~لقد كنت قواما إذا الليل قد دجا بعبرة مشتاق وقلب عميد ~~فدونك فأختز أي قصر تريده وزرني فإني عنك غير بعيد) (1) ~~والرجل الثاني : ما ذكر أن بعضهم رثي في النوم شاحب اللون ، مغلولة يداه ~~إلى عنقه ، فقيل له : ما فعل الله بك؟ فأنشد يقول : ~~[من المتقارب] ~~وى زمان لعيا به وهذا زمان بنا يلعي ~~وحال رجلين آخرين : ~~أحذهما : ما روي عن بعض الصالحين أنه قال : كان لي أبن أستشهد، فلم ~~أره في المنام إلى ليلة توفي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، إذ تراءى لي تلك ~~الليلة ، فقلت : يا بني؛ ألم تك ميتا ؟1 فقال : لا ، وللكني أستشهدت ، وأنا ~~حي عند الله تعالى أرزق، فقلت : ما جاء بك؟ قال : نودي في أهل السماء : ~~ألا لا يبقى نبي ولا صديق ولا شهيد إلأ وحضر الصلاة على عمر بن ~~عبد العزيز، فجئت ms132 لأشهد الصلاة عليه، ثم جيتكم لأسلم عليكم ~~وأما الآخر : فما روي عن هشام بن حسان أنه قال : مات لي أبن حدث ، ~~فرأيته في المنام ، فإذا هو أشيب ، فقلت : يا بني؛ ما هذا الشيب؟ فقال : ~~لما قدم علينا فلان.. زفرت جهنم لقدومه زفرة لم يبق منا أحد إلآ شاب. # نعوذ بالله الرحيم من العذاب الأليم. # وأما القيامة : فتأمل قول الله تعالى : يوم نحشر المتقين إلى الرخمن وفدا ~~* ونسوق الشجرمين إلى جهنم وردا PageV00P214 ~~============================================================ ~~فواحد يخرج من قبره فإذا البراق على رأس القبر والتاج والحلل ، فيلبس ~~ويركب إلى جنات النعيم ، لا يخلى من عزته أن يمشي إلى الجنة برجليه . # وآخر يخرج من قبره فإذا الزبانية والأغلال والأنكال، لا يخلون الشقي أن ~~يمشي إلى النار برجليه، بل يسحب إلى سواء الجحيم على وجهه، نعوذ بالله من ~~له ~~ولقد سمعت بعض العلماء يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~1إذا كان يوم القيامة.. يخرج قوم من قبورهم ، لهم نجث من نور يركبونها، لها ~~أجنحة خضر، فتطير بهم في عرصات القيامة ، حيى إذا أتؤا على خيطان الجنة؛ ~~فإذا رأتهم الملائكة.. قال بعضهم لبعض : من هؤلاء؟ فيقولون : ما ندري، ~~لعلهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فيأتيهم بعض الملائكة فيقولون لهم : ~~من أنتم؟ ومن أي الأمم أنتم؟ فيقولون : نحن من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فتقول لهم الملائكة : هل خوسبتم؟ فيقولون : لا، فيقولون : ~~هل وزنتم؟ فيقولون : لا ، فيقولون : هل قرأتم كتبكم ؟ فيقولون : لا ، فتقول ~~الملائكة : أرجعوا ، فكل ذلك وراءكم، فيقولون : هل أعطيتمونا شيئا ~~فنحاسب عليه ؟!2 ~~وفي خبر آخر: ما ملكنا شيئا فنعدل أو نجور ! وللكن عبدنا ربنا حتى ~~دعانا فأجبناه، فينادي متاد: صدق عبادي، ما على المحسنين من سبيل، والله ~~غفور رحيم". # أما تسمع قوله تعالى : { أفمن يلقل فى النار خيرام من يأتى * امنا يوم القيكمة ؟ # فأعظم برجل يشاهد تلك الأهوال والزلازل والوقائع وهو آمن لا يدخل قلبه ~~فزع ، ولا يكون على قلبه ثقل ! # نسال الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أولئك ms133 الشعداء، وما ذلك على الله ~~بعزيز PageV00P215 ~~============================================================ ~~وأما الجية والثار : فتأمل فيهما آيتين من كتاب الله تعالى : ~~إحداهما : قوله تعالى : { وسقدهم ربهم شرابا طهورا * إن هلذا كان لكر جزاء وكان ~~1 ~~سعيكر مشكورا} . # و[الثانية] : قال تعالى حكاية عن آخرين : ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ~~ظللمو * قال اخسثوا فيها ولا تكلمون} ، فروي : أنهم يصيرون عند ذلك كلابا ~~يتعاوون في النار. # نعوذ بالله الرؤوف الرحيم من عذابه الأليم ؛ فإن الأمر كما قال يحيى بن معاذ ~~رحمه الله: لا ندري أيي المصيبتين أعظم : فوث الجنان ، أم دخول النيران ؟ # أما الجنة: فلا صبر عنها، وأما النار : فلا صبر عليها . # وعلى كل حال : فوث النعيم أيسر من مقاساة الجحيم : ~~ثم الطامة الكبرى والمصيبة العظمى هي الخلود ؛ إذ لو كان الأمؤ على كل ~~حال منقطعا. . لكان الأمرهينا ، وللكن الشأن في أبد بلا آخر ، فأي قلب يحتمل ~~ذلك؟ وأي نفسي تصبر على ذلك؟ ولذلك قال عيسى ابن مريم عليه السلام : ~~" ذكر خلود الخالدين يقطع قلوب الخائفين" . # وذكر عند الحسن : أن آخر من يخرج من النار رجل يقال له هناد ، عذب ~~ألف عام، ينادي : يا حنان يا منان، فبكى الحسن وقال : يا ليتني كنت هنادا ، ~~فتعجبوا منه، فقال : ويحكم! أليس يوما يخرج؟ # قلث أنا : فرجع الأمر كله إذن إلى أصلي واحد ، وهي النكتة التي تقصم ~~الظهور، وتصفر الوجوه، وتقطع القلوب، وتذيب الأكباد، وتدمي العيون من ~~العباد، وهي خوف نزع المعرفة، فهلذه الغاية التي ينتهي إليها خوف الخائفين، ~~وتبكي عليها آعين الباكين. # ولقد قال بعضهم : إن الغموم ثلاثة : غم الطاعة الأ تقبل، وغم المعصية ~~الا تغفر، وغم المعرفة أن تسلب . # 211 PageV00P216 ~~============================================================ ~~وقال المخلصون : بل الغم كله واحد بالحقيقة، وهو غم المعرفة، وكل ~~غم دونه جلل(1) ؛ إذ له أنقضاء :. # ولقد بلغنا عن يوسف بن أسباط رحمه الله أنه قال : (دخلت على سفيان ~~فبكى ليله أجمع ، فقلت : بكاؤك هلذا على الذنوب ؟ قال : فحمل تبنا وقال : ~~الذنوب على الله أهون من هلذا ، إنما أخشى أن يسلبني الله الإسلام) (2). # نسأل الله ربنا الحتان ms134 المنان سبحانه ألأ يبتلينا بمصيبة، وأن يتم علينا بفضله ~~كبير نعمته ، وأن يتوفانا على ملة الإسلام ، إنه أرحم الراحمين: ~~وقد ذكرنا سبب سوء الخاتمة ومعناها في كتاب " إحياء علوم الدين"، ~~فتأمله هناك ؛ فإن الخوض فيه هلهنا خروج إلى الإكثار، فتأقل هذذه الجملة ~~راشدا ؛ فإن التفصيل أكثر من أن يأتي عليه الوهم والذكر ، لعلك تفلح بعون الله ~~وحسن توفيقه. # فإن قلت : فأي الطريقين أسلك : طريق الخوف ، أم طريق الرجاء ؟ # يقالك لك : بل المركب بينهما، فلقد قيل : من غلب عليه الرجاء.. صار ~~مرجي(3)، وربما يخاف عليه أن يصير خرمية(4)، ومن غلب عليه الخوف.. # صار حروري(5)، والمراد : الأ ينفرد بأحدهما دون الآخر؛ فإن - بالحقيقة- ~~(50 ~~الرجاء الحقيقي لا ينفك عن الخوف الحقيقي ، والخوف الحقيقي لا ينفك عن ~~الرجاء الحقيقي ، ولذلك قيل : الرجاء كله لأهل الخوف إلأ الأمن، والخوف ~~كله لأهل الرجاء إلأ اليأس : PageV00P217 ~~============================================================ ~~فإن قلت : فهل يكون أحدهما أرجح وأكثر ذكرا بحال ؟ # فاعلم: أن العبد إذا كان صحيحا قويا.. فالخوف أولى به، وإذا مرض وضعآف ~~-لا سيما إذا أشرف على الاخرة - فالرجاء أولى، كذا سمعت العلماء يقولون. # قلت : وذلك لما روي أن الله تعالى يقول : " أنا عند المنكسرة قلوئهم من ~~مخافتي "(1)، فيصير رجاؤه أولى في ذلك الوقت ؛ لانكسار قلبه وخوفه المتقدم ~~زمان الصحة والقوة والإمكان ، ولذلك يقال لهم : لا تخافوا ولا تحزنوا . # فإن قلت : أليس قد جاءت الأخبار الكثيرة في حسن الظن بالله والترغيب في ~~ذلك؟ # فاعلم: آن من حسن الظن بالله تعالى الحذر من معصيته، والخوف من ~~عقابه، والاجتهاد في خدمته. # وأعلم : أن ههنا أصلا أصيلا ونكتة عزيزة يغلط فيها الكثير من الناس، ~~وهو أن الفرق بين الرجاء والأمنية : أن الرجاء يكون على أصلي ، والتمني ~~لا يكون علي آصلي: ~~مثاله : من زرع زرعا ، وأجتهد وجمع بيدرا ، ثم يقول : أرجو أن يحصل ~~لي منه مئة قفيز. . فذلك منه رجاء، وآخر لا يزرع زرعا، ولا يعمل يوما عملا، ~~فذهب ونام وأغفل سنته، فإذا جاء وقت البيادر.. يقول : أرجو أن يحصل لي ~~مثة قفيز ، فيقال له ms135 : من أين لك هذا الرجاء؟ وإنما ذلك أمنية منه بلا أصلي . # فكذلك العبد إذا أجتهد في عبادة الله تعالى ، وآنتهىل عن معصية الله تعالى ؟ # يقول : أرجو أن يتقبل الله هذذا اليسير ، ويتم هذا التقصير، ويعظم الثواب ، ~~ويعفو عن الزلل ، وأحسن الظن. . فهاذا منه رجاء ~~وأما إذا غفل وترك الطاعات، وأرتكب المعاصي، ولم يبال بسخط الله PageV00P218 ~~============================================================ ~~تعالى ولا رضاه، ولا وعده ووعيده ، ثم أخذ يقول : أرجو من الله الجنة ~~والنجاة من الثار.. فذلك منه أمنية لا حاصل تحتها ، سماها رجاء وحسن ظن ، ~~وذلك منه خطأ وضلال، وقد نظم المعنى القائل : ~~امن البسيط ~~ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس(1) ~~قلث : ومما يبين هلذا الأصل ما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه ~~هواها، وتمنى على الله الأماني "(2) . # وفي ذلك قال الحسن البصريي : (إن أقواما ألهتهم أماني المغفرة حتىل ~~خرجوا من الدنيا مفاليس وليست لهم حسنة ، فيقول أحدهم : إني أحسن الظن ~~برئي ، وكذب ، لو أحسن الظن بربه لأحسن العمل له ، نيم تلا قوله تعالى : ~~وذلكر ظيكر الذى ظننشم برتبك أرد سݣو فأصبحتم من الختسرين)) (3) . # وعن جعفر الضبعي قال : رأيث أبا ميسرة العابد وقد بدث أضلاعه من ~~الاجتهاد، قلت : يرحمك الله؛ إن رحمة الله واسعة، فغضب وقال : هل ~~رأيت مني ما يدل على القنوط ؟ إن رحمة الله قريث من المحسنين ، قال جعفر : ~~فأبكاني قوله. # فاذا كان الروسل والأبدال والأولياء مع كل هذا الاجتهاد في الطاعة والحذر ~~عن المعصية. . فاي شيء تقول ؟! أما كان لهم حسن ظن بالله تعالى؟ بلى ؛ ~~فإنهم كانوا أعلم بسعة رحمة الله وأحسن ظنا بجوده منك، وللكن علموا أن ذلك ~~دون الاجتهاد أمنية وغرود. # فأعتبر بهذه النكتة، وتأمل حالهم ، وأنتبه من رقدتك ، والله تعالى ولي ~~التوفيق. PageV00P219 ~~============================================================ ~~فتا ~~(في خلاصة الكلام وزبدته بشأن مقامي الخوف والرجاء] ~~وجملة الأمر : أنك إذا تذكرت سعة رحمة الله تعالى التي سبقت غضبه ~~ووسعت كل شيء، ثم كنت ms136 من هلذه الأمة المرحومة الكريمة على الله تعالى، ~~ثم غاية فضله العظيم ، وكمال جوده القديم ، وجعل عنوان كتابه إليك : يشه ~~الله الرقكن الرحيو)، ثم كثرة أياديه إليك ونعمه عليك ظاهرة وباطنة من غير شفيع ~~أو قدم سابقة لك: ~~وتذكرت من جانب آخر كمال جلاله وعظمته، وعظم سلطانه وهيبته، ثم ~~شدة غضبه الذي لا تقوم له السماوات والأرض، ثم غاية غفلتك ، وكثرة ذنوبك ~~وجفوتك، مع دقة آمره وخطر معاملته في إحاطة عليه وبصره بالعيوب ~~والغيوب ، ثم حسن وعده وثوابه الذي لا تبلغ كنهه الأوهام ، وشدة وعيده وأليم ~~عقابه الذي لا تحتمل ذكره القلوب، تارة تنظر إلى فضله، وتارة تنظر إلى ~~عذابه، وتارة تنظر إلى رأفته ورحمته، وطورا تنظر إلى نفسك في جفواتها ~~وجناياتها.. يؤدي بك جميع ذلك إلى الخوف والرجاء، وكنت قد سلكت ~~السبيل الشارع القصد(1)، وعدلت عن الجانبين المهلكين : الأمن واليأس ، ~~ولا تتيهآ فيهما مع التائهين ، ولا تهلك مع الهالكين ، وشربت الشراب الممزوج ~~العدل ؛ فلا تهلك ببرودة الرجاء الصرف ، ولا بحرارة الخوف الصرف ، فكأني ~~بك وقد وصلت إلى المقصود غانما، وشفيت من العلتين سالما، ووجدت ~~النفس قد أنبعثث للطاعة، ودانت في الخدمة ليلا ونهارا من غير فترة ولا غفلة، ~~واجتنبت المعاصي والمخازي وهجرتهما بمرة، كما قال نوف : (إن نوفا إذا ~~ذكر الجنة. . طال شوقه ، وإذا ذكر النار. . طارنومه)(2). PageV00P220 ~~============================================================ ~~وصرت حينئذ من الأصفياء الخواص العابدين ، الذين وصفهم الله تعالى ~~بقوله : { إنهم كانوا يسترعوب فى الخيرات ويد عوتنا رغبا ورهبا وكانوألنا ~~خشعيب ~~وكنت قد خلفت هلذه العقبة الخطيرة وراءك باذن الله تعالى وحسن توفيقه ، ~~فكم لك من حلاوة وصفوة في الدنيا ، وكم لك من ذخر كريم وأجر عظيم في ~~العقبى، واللهآ سبحانه وتعالى مسؤول أن يمدك وايانا بحسن توفيقه وتسديده، إنه ~~أرحم الراحمين ، وأجود الأجودين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # 221 PageV00P221 ~~============================================================ ~~العقبة الشادسة ~~وهي عقبة القوادح ~~[القادح الأول : عدم الإخلاص] . # ثم عليك يا أخي - أيدك الله وإيانا بحسن توفيقه - بعد ما أستبان لك السبيل، ~~وأستقام لك المسير بتمييز سعيك ms137 وصيانته عما يفسده ويضيعه عليك، ~~وإنما لزمك ذلك بإقامة الإخلاص وذكر المنة لله ، والاجتناب عن ضده لأمرين : ~~أحدهما : لما في فعله من الفائدة ، وهو حسن القبول من الله تعالى، وفوز ~~الثواب عليه. # وإلل1).. فتكون مردودا ، ذاهب الثواب حكما، كلا أو بعضا، على ~~ما روي في الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله سبحانه ~~يقول : أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ، من عمل عملا فأشرك فيه غيري.. فنصيبي ~~له؛ فإني لا أقبل إلأ ما كان خالصا"(2) . # وقيل : ( إن الله تعالى يقول لعبده يوم القيامة إذا التمس ثواب عمله: ألم ~~يوسع لك في المجالس ؟ ألم تكن المرآس في الدنيا؟ ألم يرخص بيعك ~~وشراؤك؟ ألم تكرم؟)(3) . PageV00P222 ~~============================================================ ~~هلذا وأشباهه(1) من الخطر والضرر. # قلث: ومن خطر الرياء فضيحتان ومصيبتان : ~~أما الفضيحتان : ~~فاحداهما: فضيحة السر، وهي اللوم على رؤوس الملائكة، وذلك ~~لما روي : " إن الملائكة تصعذد بعمل العبد مبتهجين ، فيقول الله تعالى : ردوه ~~إلى سجين ؛ فإنه لم يردني به "(2) ، فيفتضح ذلك العمل والعبد : ~~والثانية : فضيحة العلانية، وهي يوم القيامة على رؤوس الخلائق. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن المرائي ينادى يوم القيامة بأربعة ~~آسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر؛ ضل سعيك، وبطل أجرك؛ ~~فلا خلاق لك اليوم ؛ التمس الأجر ممن كنت تعمل له يا مخادع"(3). # وروي : " أنه ينادي مناد يوم القيامة يسمع الخلائق : أين الذين كانوا ~~يعبدون الناس؟ قوموا، خذوا أجوركم ممن كنتم عملئم له؛ فإني لا أقبل عملا ~~خالطه شيء"2). # وأما المصيبتان : ~~فإحداهما: فوات الجنة، وذلك ما روي عن التبي صلى الله عليه وسلم : ~~عندما يلاقي الله عز وجل ثلاثة من الرجال ، فيقول للأول : " أي فل - أي : يا فلان - ألم أكرمك ~~وأسودك وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع ؟ فيقول : بلى" قال : ~~"فيقول : أفظتنت أنك ملاقي؟ فيقول : لا ، فيقول : فإني آنساك كما نسيتني . الحديث . PageV00P223 ~~============================================================ ~~" إن الجنة تكلمت وقالث : أنا حرام على كل بخيل ومراء"(1). # والخبر يحتمل معنيين : ~~أحذهما : أن هلذا البخيل من يبخل بأقبح بخل ، وهو قول ms138 : (لا إله ~~إلا الله، محمد رسول الله) . # وهذا المرائي من يرائي بأقبح رياء، وهو المنافق الذي يرائي بايمانه ~~وتوحيده، وفي هذا القول ترجية. # والثاني : أنه من لم ينته عن البخل والرياء ، ولم يراع نفسه ، ففيه خطران : ~~أحذهما: أن يلحقه شؤم ذلك فيقع في الكفر، فتفوته الجنة رأسا والعياذ ~~بالله. # والآخر: سلب الايمان الذي يستحق به النار، نعوذ بالله من سخطه وشديد ~~ضبه ~~والمصيبة الثانية : دخول النار، وذلك لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أول من يدعى يوم القيامة رجل قد جمع ~~القرآن ، ورجل قاتل في سبيل الله، ورجل كثير المال. # فيقول الله تعالى للقارىء : ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فيقول : بلى ~~يا رب، فيقول : ماذا عملت فيما علمت ؟ فيقول : يا رب؛ قمت به آناء الليل ~~وأطراف النهار، فيقول الله : كذبت ، وتقول الملائكة : كذبت ، ويقول الله : ~~بل أردت أن يقال : فلان قارىء ، فقد قيل ذلك . # ويؤتى بصاحب المال فيقول له : ألم أوشع عليك حتى لم أدغك تحتاج إلى ~~أحد؟ فيقول : بلى يا رب؛ فيقول : ماذا عملت فيما آتيتك؟ فيقول : كنت ~~أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله : كذبت، وتقول الملائكة : كذبت ، ~~فيقول الله سبحانه : بل أردت أن يقال : فلان جواد ، فقد قيل ذلك . PageV00P224 ~~============================================================ ~~وئوتى بالذي قتل في سبيل الله ، فيقول الله : ما فعلت ؟ فيقول : أمرث ~~بالجهاد في سبيلك، فقاتلث حتى قتلت، فيقول الله تعالى : كذبت، وتقول ~~الملائكة : كذبت ، ويقول الله : بل أردت أن يقال : فلان جريء ، فقد قيل ~~ذلك ~~قال: ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على ركبتي وقال : ~~" يا أبا هريرة؛ أولئك اول خلق الله تسعر بهم نار جهنم "(1) . # وعن ابن عياس رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول : "إن النار وأهلها يعثجون من أهل الرياء" قيل : ~~يا رسول الله ؛ وكيف تعج النار؟ قال : 1 من حر الثار التي يعدبون بها" . # وفي هلذه الفضائح عبرة لأولي الأبصار، والله سبحانه ولي الهداية بفضله . # فإن قلت ms139 : فأخيرنا عن حقيقة الإخلاص والرياء ، وحكمهما وتأثيرهما في ~~العمل: ~~فأعلم : أن الإخلاص عند علمائنا إخلاصان : إخلاصى العمل، واخلاص ~~طلب الأجر. # فأما إخلاص العمل : فهو إرادة التقروب إلى الله تعالى، وتعظيم أمره، ~~واجابة دعوته، والباعث عليه : الاعتقاد الصحيخ ~~وضه هلذا الإخلاص : النفاق، وهو التقرب إلى من دون الله سبحانه ~~وتعالى ~~وقال شيخنا رحمه الله تعالى : النفاق هو الاعتقاد الفاسد الذي هو للمنافق ~~وكان شيخنا رحمه الله تعالى يقول : إنه إرادة نفع الآخرة بخير لم يرد ردا PageV00P225 ~~============================================================ ~~يتعذر خيره بحيث ترجى به تلك المنفعة، وقد شرحنا هلذه الشرائط : ~~وقال الحوارئون لعيسى ابن مريم عليه الصبلاة والسلام : ما الخالص من ~~الأعمال ؟ قال : ( الذي يعمل لله تعالى ولا يحث أن يحمده عليه أحة)(1). # وهلذا تعروض لترك الوياء، وإنما خصه بالذكر؛ لأنه أقوى الأسباب ~~المشؤشة للاخلاص: ~~وقال الجنيد : الإخلاص : تصفية الأعمال من الكدورات. # وقال الفضيل : الإخلاص : دوام المراقبة ونسيان الحظوظ كلها . # وهذذا هو البيان الكامل، والأقاويل في هذا كثيرة؛ فلا فائدة في تكثير ~~النقل بعد انكشاف الحقيقة ، وقد قال سيد الأولين والاخرين صلى الله عليه وسلم ~~إذ سئل عن الإخلاص فقال : " تقول : ربآي الله، ثم تستقيم كما أمرت "(2) ~~أي : لا تعبذ هواك ونفسك، ولا تعبذ إلأ ربك، وتستقيم في عبادتك ~~كما أمرت. # وهذه إشارة إلى قطع كل ما سوى الله عز وجل عن مجرى النظر ، وهو ~~الإخلاص حقا. # وضد الإخلاص : الرياء(3) ، وهو إرادة نفع الانيا بعمل الآخرة. # ثم الرياء ضربان: رياء محضق، ورياء تخليط. # فالمحض : أن تريد به نفع الدنيا لا غير . PageV00P226 ~~============================================================ ~~والتخليط : أن تريدهما جميعا؛ نفع الذنيا، ونفع الآخرة ، هلذا حدهما: ~~وأما تأثيرهما : فإن إخلاص العمل أن تجعل الفعل قربة، وإخلاص طلب ~~الأجر أن تجعله مقبولا وافر الأجر والتعظيم. # والنفاق يحبط العمل ويخرجه عن كونه قربة مستحقا عليه الثواب بالوعد ~~من الله تعالى: ~~فالرياء المحض لا يكون من العارف عند بعض العلماء وإن كان أبطل لنصف ~~الثواب، وعند آخرين قد يكون الرياء المحض من العارف ، وأنه يذهب بنصف ~~الأضعاف، والتخليط يذهب بربع الأضعاف : ~~والصحيح ms140 عند شيخنا رحمه الله : أن الوياء المحض لا يكون من العارف مع ~~تذكر الآخرة، ويكون مع الشهو. # والمختار : أن من تأثير الرياء رفع القبول والنقصان في الثواب ، وألا تقدير ~~له بصفي ولا ربع: ~~وشرخ هلذه المسائل يطول، وقد شرحناها في كتاب " إحياء علوم الدين" ~~شرحا مستقصيا ، وأشبعنا القول في " أسرار معاملات الدين" . # فإن قلت : فما موضع الإخلاص؟ وفي أي طاعة يقع ويجب ؟ # فاعلم : أن الأعمال عند بعض العلماء ثلاثة أقسام : ~~قسم يقع فيه الإخلاصان جميعا، وهو العبادات الظاهرة الأصلية. # - وقسم لا يقع فيه شيء منهما، وهو الباطنة الأصلية. # -وقسم يقع فيه إخلاص طلب الأجر دون إخلاص العمل ، وهو المباحات ~~المأخوذة للعدة . # قال شيخنا رحمه الله : إن كل عمل يحتمل الصرف إلى غير الله تعالىل من ~~العبادات الأصلية يقع فيه إخلاص العمل ، فالعبادات الباطنة اكثرها يقع فيها ~~اخلاص العمل. PageV00P227 # ============================================================ ~~وأما إخلاص طلب الأجر : قال مشايخ الكرامية : لا يقع في العبادات ~~الباطنة؛ إذ لا يطلع عليها أحد إلا الله سبحانه، فامتنع منها دواعي الرياء، فلم ~~يحتخ إلى إخلاص طلب الأجر. # وكان شيخنا رحمه الله يقول : إذا أراد العبذ المتقرب من الله تعالى بالعبادات ~~الباطنة نفع الدنيا. . فهو أيضا رياء . # قلث أنا : فلا يبعد إذن أن يقع في كثير من العبادات الباطنة الإخلاصان ، ~~وكذلك في التوافل ، يجب فيها الإخلاصان جميعا عند الشروع فيها . # وأما المباحات المأخوذة للعدة : فإنما يقع فيها إخلاص طلب الأجر دون ~~اخلاص العمل ؛ إذهي لا تصلح أن تكون بنفسها قربة، بل هي عدة على القربة. # قإن قلت : هذا موضعهما، فبين لنا وقتهما من العمل. # فاعلم : أن إخلاص العمل مع الفعل يقارنه لا محالة ولا يتأخر عنه، ~~وأما إخلاص طلب الأجر : فريما يتأخوعنه ، وعند بعض العلماء : يعتبرون فيه ~~وقت الفراغ من العمل ، فإذا فرغ على إخلاص أو رياء.. فقد انقضى الأمر، ~~ولا يمكنه استدراكه بعذ. # وعند عبدان من المشايخ الكرامية : ما لم ينل المنفعة المطلوبة بالرياء يمكنه ~~اقامةه الإخلاص في ذلك العمل، فإذا نال المطلوب. . فقد فات . # وقال بعض العلماء : إن ms141 الفريضة يمكن إقامة الإخلاص فيها إلى الموت ، ~~وأما النوافل : فلا سبيل إلى ذلك . # قال : والفرق بينهما : أن الله تعالى أدخل العبد في الفريضة ، فمأمول منه ~~التفضل والتيسير فيها ، وأما النفل : فالعبد الذي أدخل نفسه فيه وتكلفه فطولب ~~بحق ما تكلفه. # قلث أنا : وفي هلذه المسألة فائدة ، وهي أن من سبق منه الرياء، أو ترك ~~الإخلاص في عملي فيمكنه استدراك ذلك وتلافيه على أحد الوجوه التي ~~ذكرناها ~~228 PageV00P228 ~~============================================================ ~~والمقصود من نقل مذاهب الناس في هلذه الدقائق : علمنا الآن بقلة ~~العاملين، وقلة الرغبة في سلوك هذه الطريق، والتقريب على المبتدىء في ~~العبادة، فإن لم يجذ لعلته دواء في هذا القول. . وجده في الآخر؛ لاختلاف ~~الأعراض وعلل الأعمال وآفاتها ، فافهم راشدا إن شاء الله تعالى. # فإن قلت : أكل عملي يحتاج إلىل إخلاص مفرد ؟ # فاعلم : أنه قد اختلف في ذلك : ~~فقيل : إنه يجب لكل عمل إخلاص مفرد . # وقيل : يجوز تناول الإخلاص لجملة من العبادات ، فالعمل ذو الأركان ~~كالصلاة والوضوء يكفيهما إخلاص واحد؛ لأن بعضها متعلق ببعض صلاحا ~~وفسادا، فصارت كشيء واحد ~~فإن قلت : إن أراد بعمله الخير نفعا من الله تعالى ولا يريد من الناس شيئا من ~~مدحة أو سمعة أو منفعة . . أيكون ذلك رياء؟ # فاعلم : أن ذلك محض الرياء. # قال علماؤنا رحمهم الله : الاعتبار في الرياء بالمراد ، لا بالذي تريد منه، ~~فإن كان مرادك من عمل الخير نفعا دنيويا. . فإنه رياء ، سواء أردته من الله أو من ~~الناس ، قال الله تعالى : { من كاب يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثهه ومن كات ~~يريد حرث الدنيانؤتهء منها وماله فى الآخرة من نصيب) ~~وليس الاعتبار بلفظة الرياء واشتقاقها من معنى الرؤية، وإنما سميث هذذه ~~الإرادة الفاسدة بهلذا الاسم ؛ لأنها أكثر ما تقع وتكون من قبل الناس ورؤيتهم ، ~~فافهم ~~فإن قلت : إذا كان القصد في الدنيا التي يريدها من الله التعفف عن الناس ، ~~والعدة على عبادة الله تعالى. . أيكون ذلك رياء ؟ # فاعلم : أن التعفف ليس في كثرة المال والجاه ، وإنما هو في القناعة والثقة ~~بكفاية الله ms142 تعالى. # 229 PageV00P229 ~~============================================================ ~~وأما العدة على عبادة الله تعالى : فإذا كان مراده ذلك. . فلا يكون رياء . # وكذلك ما يتصل بأمر الآخرة وأسبابها ويصير قصده قطعا لذلك، فإن أريد ~~بعمل الخير هلذا النوع. . فلا تكون تلك الإرادة رياء ؛ لأن هلذه الأمور تصير ~~بتلك النية خيرا ، وتصير في حكم أعمال الآخرة ، ولا تكون إرادة الخير رياء . # وكذلك إن أردت أن يكون لك تعظيم عند الناس ، أو محبة عند المشايخ ~~والأئمة ، ويكون قصدك من ذلك التمكن من تأييد مذهب الحق، والرد على أهل ~~البدع، والنشر للعلم أو حض الناس على العبادة ونحو ذلك، دون أن تقصد ~~بذلك شرف نفسك من حيث هي أو دنيا تنالها.. فإن هذه كلها إرادات سديدة، ~~ونيات محمودة، لا يدخل شيء منها في باب الرياء؛ إذ المقصوذ منها أمر ~~الآخرة بالحقيقة ~~واعلم : أني سألت بعض مشايخنا عما يعتاده أولياؤنا من قراءة (سورة ~~الواقعة) في أيام العسرة؛ أليس المراد بذلك أن يدفع الله تعالى تلك الشدة ~~عنهم ، ويوسع عليهم بشيء من الدنيا على ما جرت به العادة؟ فكيف تصخ إرادة ~~متاع الدنيا بعمل الآخرة ؟! # فقال في جوابه رحمه الله كلاما معناه : إن المراد منهم أن يرزقهم الله قناعة أو ~~قوتا يكون لهم عدة على عبادة الله تعالى وقوة على درس العلم ، وهلذه من جملة ~~ارادات الخير دون الذنيا : ~~واعلم : أن هذه السيرة - أعني : قراءة هلذه الشورة عند الشدة في أمر ~~الرزق والخصاصة - إنما هو شيء وردت به الأخبار المأثورة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم(1)، حتى إن ابن مسعود رضي الله عنه PageV00P230 ~~============================================================ ~~حين عوتب في أمر ولده ؛ إذ لم يترك لهم من الدنيا شيئا قال : (لقد خلفت لهم ~~"سورة الواقعة")(1): ~~ومن ذلك الأصل في السنة جرث هذه الخصلة في سير علمائنا ~~رحمهم الله تعالى(2) ، وإلأ .. فلا مبالاة بحمد الله تعالى بشدة في أمر الدنيا أو ~~سعة وهم الذين يغتنمون ضيق الدنيا وعسرها، ويتغالؤن بذلك فيما بينهم(3) ، ~~ويعدونه من الله تعالى منة عظيمة ، ويخافون إذا بدا لهم ms143 سعة من الذنيا التي ~~لا يعدها أكثر الناس إلا الإحسان والنعمة أن يكون ذلك الضيق والشدة استدراجا ~~من الله تعالى ومصيبة ، كيف وبطانتهم الطي والأسفار في عموم أحوالهم(2)، ~~ومقدموهم يقولون : الجوع رأسن مالنا ؟! # فهذا وضع مذهب أهل التصوف ، وهو مذهبي ومذهب أشياخي، وبذلك ~~جرت سيرة سلفنا. # وأما تقصير بعض المتأخرين : فلا يعتبر به، وإنما ذكرنا هذذا الفصل ~~لئلا يغمز فيهم مخالفك، جهلا منه بمقاصد القوم في أمورهم، أو يغلط فيه ~~مبتدىء سليم الصدر لم يأخذ من العلم حقه فيقول : كيف يليق هذذا بحال أهل ~~الزهد والتجود وأرباب الصبر والرياضة ولم يعلم أن هلذا شيء مأخوذ من ~~الشنة؟1 ~~ثم المقصود : حصول القناعة والعدة ، لا آتباغ الشره والشهوة ، والضعف ~~عن احتمال العسرة والشدة، وأكثر ما ترى في عقيب ذلك قناعة في القلب ، ~~وفقذ كلب الجوع وضعفه، وسلؤه عن الطعام ونهمته، وقد علم ذلك من ~~امتحنه، فاعلم هلذه الجملة موفقا إن شاء الله تعالى: PageV00P231 ~~============================================================ ~~القادح الثاني : العجب . # وإنما يلزمك اجتنائه لأمرين: ~~أحذهما : أنه يحجب عن التوفيق والتأييد من الله تعالى؛ فإن المعجب ~~مخذول، فإذا انقطع عن العبد التاييد والتوفيق.. فما أسرع ما يهلك، ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم : "ثلاث مهلكات : شغ مطاع، وهوى متبع، ~~واعجاب المرء بنفسه "(1). # الثاني : أنه يفسد العمل الصالح، ولذلك قال المسيخ ~~عليه الصلاة والسلام : يا معشر الحوارئين؛ كم من سراج قد أطفأته الريح، ~~وكم من عابد قد أفسده العجب:. # وإذا كان المقصود والفائدة العبادة وهذه الخصلة تحرم العبد حتى لا يحصل ~~له خير، وإن حصل فقليل من ذلك يفسده ، حتى لا يبقى بيده شيء.. فحقيق أن ~~يحذر من ذلك ويتحفظ، والله تعالى وليي التوفيق والعصمة. # فإن قلت : فما حقيقة العجب ؟ وما معناه ؟ وما تأثيره وحكمه؟ فبين لنا ~~ذلك: ~~فاعلم: أن حقيقة العجب استعظام العمل الصالح، وتفصيله عند علمائنا ~~رحمهم الله : ذكر العبد حصول شرف العمل الصالح بشيء دون الله عز وجل، ~~أو الناس، أو النفس ، قالوا : وقد يكون العجب مثلثا ؛ بأن يذكر ذلك من هلذه ~~الثلاثة جميعا؛ النفس، ms144 والخلق ، والشيء، ومثنى؛ بأن يذكره من اثنين، ~~وموحدا؛ بأن يذكره من واحد. # وضد العجب : ذكر المنة ، وهو أن يذكر أنه بتوفيق الله تعالى ، وأنه الذي ~~شرفه وعظم ثوابه وقذره ، وهذا الذكر فرض عند دواعي العجب ، نفل في سائر ~~الأوقات. PageV00P232 ~~============================================================ ~~وأما تأثير العجب في العمل : قال بعض العلماء : المعجب ينتظر ~~الإحباط؛ فإن تاب قبل موته.. سلم ، وإلأ.. أحبط، وإليه ذهب محمد بن ~~صابر من شيوخ الكرامية ، والإحباط عنده : أن يذهب عن العمل جميع الأسماء ~~الحسنة، حتى لا يستحق بذلك ثوابا ولا مدحة ألبتة ، وفي قول غيره : هو ذهاب ~~الإضعاف لا غير. # فإن قلت : كيف يلتبس على العبد العارف أن الله تعالى هو الذي وفق للعمل ~~الصالح، وعظم قذره ، واكثر ثوابه بفضله ومنه ؟ # فاعلم: أن هلهنا نكتة لطيفة ، وذخيرة شريفة، وهي أن الناس في العجب ~~ثلاثة أصنافي : ~~صنف هم المعجبون بكل حال، وهم المعتزلة والقدرية، الذين لا يرون ~~لله عليهم منة في أفعالهم ، وينكرون العون والتوفيق الخاص واللطف، وذلك ~~لشبهة آستولت عليهم ~~وصنف هم الذاكرون المنة بكل حال، وهم المستقيمون ، لا يعجبون ~~بشيء من الأعمال، وذلك لبصيرة أكرموا بها، وتأييد خصوا به. # والصف الثالث هم المخلطون، وهم عامة أهل الشنة، تارة ينتبهون ~~فيذكرون منة الله تعالى ، وتارة يغفلون فيعجبون، وذلك لمكان الغفلة ~~العارضة ، والفترة في الاجتهاد ، والنقص في البصيرة. # فإن قلت : كيف حال القدرية والمعتزلة في أفعالهم ؟ # فاعلم : أن في ذلك أختلافا : ~~فقيل : إنه محبط؛ لمكان آعتقادهم ~~وقيل : لا يحبط عمل باعتقاد بالجملة من فرق الإسلام حتى يخص كل عمل ~~باعجاب، كما أن اعتقاد أهل الشنة لا يمنع العجب في كل عمل حتى يخصه ~~بذكر المنة. # فإن قيل : فهل سوى العجب والرياء من قادح في العمل ؟ # 233 PageV00P233 ~~============================================================ ~~قيل له : أجل، إن فيه لقوادح سواهما، للكنا خصصناهما بالذكر؛ لأنهما ~~الأصل الذي يدور عليهما معظم الباب. # وقد قال بعض المشايخ : إن حق العبد أن يتحفظ في العمل من عشرة ~~أشياء: النفاق، والرياء، والتخليط(1)، والمن، والأذى، والندامة، ~~والعجب، والحسرة، والتهاون، وخوف ملامة الناس:. # ثم ذكر ms145 شيخنا رحمه الله ضد كل خصلة منها وإضرارها بالعمل؛ فضد النفاق ~~اخلاص العمل، وضد الرياء إخلاص طلب الأجر ، وضد التخليط التفريد ، ~~وضد المن تسليم العمل إلى الله تعالى ، وضد الأذى تحصين العمل، وضد ~~الندامة تثبيث النفس، وضد العجب ذكر المنة، وضد الحسرة أغتنام الخير، ~~وضد التهاون تعظيم التوفيق ، وضد خوف الملامة الخشية. # واعلم : أن النفاق يحبط العمل، والرياء يوجب رده، والمن والأذى ~~يحبطان الصدقة أصلا في الوقت، وعند بعض المشايخ يبطلان إضعافها، ~~وأما الندامة: فإنها تحبط العمل في قولهم جميعا، والعجب يذهب إضعاف ~~العمل ، والحسرة والتهاون وخوف الملامة تخفف العمل فتذهب رزانته (2): ~~قلث : فالقبول والرد عند أهل التحصيل يرجعان إلى ضروب من التعظيم ~~والاستخفاف ، والإحباط إبطال منافع تكون بالفعل وبسببه ، ثم تارة يكون إبطالا ~~للثواب، وأخرى إبطالا للتضعيف، والثواب منفعة يقتضيها الفعل بعينه وقرائنه ~~وأحواله، والتضعيف زيادة على هلذا ، والرزانة زيادة تحصل بمقتضى قرائن ~~وأحوال أخر، كالإحسان إلى أحد من أهل الخير ، ثم إلى الوالدين ، ثم إلى نبي ~~من الأنبياء ، ففي السر يكون رزانة ولا يكون تضعيفا . # فهذا تهذيب ما تحققت من هلذه المعاني، فافهم ذلك وبالله التوفيق. PageV00P234 ~~============================================================ ~~فتا ~~(في بيان آصول الرياء والعجب] ~~فعليك بقطع هذذه العقبة المخوفة ، ذات المقاطع والمهالك والمتالف في ~~غاية التحروز، فإن صاحب يضاعة الطاعات قد قطع تلك العقبات، وتحمل تلك ~~المشقات، حتى حصلت له بضاعة من العبادة عزيزة شريفة ، فإنه لا يخاف على ~~بضاعته تلك إلا في هلذه العقبة ؛ فإن فيها مقاطع يحذر أن تسلب فيها بضاعته، ~~ومتالف يحذر أن يبدو منها آفات تفسد عليه طاعته، ثم أعظمها خطرا وأعثها ~~وقوعا هذان القاطعان اللذان هما : الرياء والعجب، فلنذكز في كل واحد منهما ~~أصولا مقنعة نجردها لك، لعلك تكفى مؤنتها بإذن الله تعالى: ~~أما الرياء : فأذكر فيه : ~~أؤلا : قول الله سبحانه : الله الذى خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن ينزل الأر ~~بينهن للعلموا أن الله على كل شىء قدير وأن الله قد أحاط يكل شىء علما} ، كان الله سبحانه ~~وتعالى يقول : إني خلقت السماوات والأرض ms146 وما بينهما في كل هلذه الصنائع ~~والبدائع واكتفيت بنظرك لتعلم أني عالم قادر وأنت تصلي ركعتين ، مع ما فيهما ~~من المعايب والتقصير، فلا تكتفي بنظري إليك، وبعلمي بك، وثنائي عليك، ~~وشكري لك حثى تحب أن يعلم الخلق ليمدحوك بذلك، أيكون ذلك وفاء ؟ # أيكون ذلك عقلا يرضاه أحد لنفسه ؟ ويحك أفلا تعقل ؟! # والأصل الثاني : أن من كان له جوهر نفيس ، يمكنه أن يأخذ في ثمنه ألف ~~ألف دينار، فباعه بفلسي. أليس يكون ذلك خسرانا عظيما، وغبنا فظيعا، ~~ودليلا بينا على خسة الهمة ، وقصور العلم ، وضعف الرأي، وقلة العقل ؟ # فما يناله العبذ بعمله من الخلق من مدحة وحطام بالإضافة إلى رضا رب ~~العالمين وشكره وثنائه وثوابه .. لأقل من فلس في جنب ألف ألف دينار وأضعاف ~~ذلك ، بل في جنب الدنيا وما فيها واكثر وأكبر، ألا يكون من الخسران المبين أن ~~235 PageV00P235 ~~============================================================ ~~تفؤت نفسك تلك الكرامات العزيزة الشريفة بهلذه الأمور الحقيرة الدنية ؟ # ثم إن كان ولا بد لك من هلذه الدنيا الخسيسة . . فاقصذ أنت الآخرة تتبغك ~~الذنيا، بل أطلب الرب وحده يعطك الدارين؛ إذ هو مالكهما جميعا، وذلك ~~قوله تعالى : من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواث الدنيا والآخرة) ~~وقال عليه الصلاة والسلام : " إن الله تعالى يعطي الدنيا بعمل الآخرة، ~~ولا يعطي الآخرة بعمل الدنيا"(1). # فإذا أنت أخلصت النية، وجردت الهمة للآخرة.. حصلت لك الآخرة ~~والدنيا جميعا، وإن أنت أردت الدنيا.. ذهبت عنك الآخرة في الوقت ، ~~وربما لا تنال الذنيا كما تريذ، وإن نلتها. . فلا تبقى لك، فتكون قد خسرت ~~الدنيا والآخرة، فتأمل ايها العاقل. # والأصل الثالث : أن المخلوق الذي لأجله تعمل، ورضاه تطلب ، لو علم ~~أنك تعمل لأجله. لأبغضك، ولسخط عليك، وأستهان بك، وأستخف ~~بك، فكيف يعمل العاقل العمل لأجل من لو علم به أنه يطلب رضاه.. لسخط ~~عليه وأهانه ؟! # فأعمل يا مسكين لأجل من إذا عملت لأجله، وقصدته بسعيك، وطلبت ~~رضاه بذلك.. أحبك وأكرمك وأعطاك، حتى أرضاك وأغناك عن الكل وكفاك، ~~فهذه هذذه، فافطن لها إن كنت تعقل ~~والأصل الرابع ms147 : أن من حصل له سعئ يمكن أن يكتسب به رضا أعظم ملك ~~في الدنيا ، فطلب به رضا كناس خسيس بين الناس.. فيكون ذلك دليلا على ~~السفه ورداءة الرأي منه وسوء الحظ له، ويقال : ما حاجتك إلى رضا هلذا ~~الكناس مع إمكانك من رضا الملك ؟ فكيف وقد سخط الكناس عليك بسبب ~~سخط الملك ، ففاتك الكل ؟! فهذا حال المرائي PageV00P236 ~~============================================================ ~~وايي حاجة إلى إرضاء مخلوق حقير ضعيف مهين وهو متمكن من تحصيل ~~رضوان الله رب العالمين الكافي عن الكل ؟ # فإن ضعفت الهمة، وكلت البصيرة، حتى طلبت رضا مخلوق لا محالة.. # فسبيلك أن تجرد إرادتك، وتخلص سعيك لله تعالى؛ فإن القلوب والنواصي ~~بيده، فهو يميل إليك القلوب، ويجمع لك التفوس، ويشحن من حبك ~~الضدور، فتنال من ذلك ما لا تناله بجهدك وقصدك، فإن لم تفعل، وقصدت ~~بعملك رضا المخلوقين دونه سبحانه.. فإنه يصرف عنك القلوب، وينفر عنك ~~النفوس، ويسخط عليك الخلق، فيحصل لك بهذا الأمر سخط الله وسخط ~~الناس جميعا، فيا له من خسران وحرمان ~~ولقد ذكر عن الحسن أنه قال : (كان رجل يقول : والله ؛ لأعبدن الله عبادة ~~أذكر بها ، فكان أول داخل المسجد ، وآخر خارج منه ، لا يراه أحد حين الصلاة ~~الأ قائما يصلي، وصائما لا يفطر، ويجلس إلى حلق الذكر ، فلبث كذا سبعة ~~أشهر، وكان لا يمر بقوم إلأ قالوا : فعل الله بهذا المرائي كذا وصنع، فأقبل ~~على نفسه باللوم ، وقال لها : إني أراني في غير شيء ، لأجعلن عملي كله لله، ~~فلم يزذ على عمله الذي كان يعمله قبل ذلك ، إلا أنه تغيرث نييه إلى الخير ، ~~فكان بعد ذلك يمرآ بالناس فيقولون : رحم الله فلانا ، الآن قد أقبل على الخير ، ~~ثم قرأ الحسن : إن الذي ء امنوا وعملوا الصتلكت سيجعل لهم الرحمان ودا، ~~قال : يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين)(1). # ولقدصدق القائل: ~~امن مخلع البسيط] ~~يا مبتغي الحمد والثوابا في عمل تبتغي محالا ~~د خيب الله ذا رياء وأبطل الشعي والكلالا ~~من كان يرجو لقاء رت أخلص من خوفه الفعالا ~~الخلذ والتاد في يديه ms148 فرائه يعطك التوالا PageV00P237 ~~============================================================ ~~والناس لا يملكون شينا فكيف راءيتهم ضلالا ~~وأما العجب : فلنذكز فيه أصولا : ~~أحذها : أن فعل العبد إنما صارث له قيمة لما وقع من الله موقع الرضا ~~والقبول، وإلأ.. فترى الأجير يعمل طول النهار بدرهمين، والحارس يسهر ~~طول الليل بدانقين ، وكذلك أصحاب الصناعات والحرف كل واحد يعمل في ~~الليل والنهار، فيكون قيمة ذلك دراهم معدودة ، فإن صرفت الفعل إلى الله ~~سبحانه وتعالى، فصمت لله تعالى يوما.. فيكون صومك ذلك اليوم لا قيمة له ~~إذا رضيه وتقبله ، قال الله تعالى : { إنما يوفى الصنبرون أجرهم بغير حساب} ~~وفي الخبر : " أعددث لعبادي الصائمين ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعث، ولا خطرعلى قلب بشر"(1). # فهلذا يومك الذي قيمته درهمان مع أحتمال التعب العظيم. صارت له هلذه ~~القيمة بتأخير غداء إلى عشاء ، ولو قمت ليلة لله تعالى وأخلصتها له . . كان قيامك ~~لا قيمة له في الشرف والنفاسة ، قال الله تعالى : ({ فلا تعلم نقس ما أخفى لهم من قرة ~~أقين جزله بما كاثوا يعملون} ، فهذا الذي قيمته دانقان أو درهمان صار له هلذه ~~القيمة والقذر، بل لو جعلت لله تعالى ساعة تصلي فيها ركعتين خفيفتين ، بل ~~نفسا قلت فيه : لا إله إلأ الله ، قال الله تعالى : { ومن عمل صتلحا من ذكر أو ~~أنف وهو مؤمرب فأولكيك يدخلوب الجحنة يرزقون فيها يغير حساب} ، فهلذا نفس من ~~أنفاسك التي لا قيمة لها عند أهل الدنيا ولا عندك، فكم تضيعها في لا شيء، ~~وكم تمر عليك بلا فائدة.. صار له كل هذا القذر العظيم لماذا؟ لما أنه وقع ~~مرضيا لله تعالى، فعظم قدره، وكبر قيمته بفضله. # فحق إذن للعاقل أن يرى حقارة عمله ، وقلة مقداره من حيث هو، وألا يرى ~~الا منة الله تعالى عليه فيما شرف من قذر عمله، وأعظم من جزائه، وأن يحذر PageV00P238 ~~============================================================ ~~على فعله من أن يقع على وجه لا يصلح لله ولا يقع منه موقع الوضا، فتذهب عنه ~~القيمة التي حصلت له ، ويعود إلى ما كان في الأصل من الثمن الحقير من ms149 دراهم ~~أو دوانق، وأحقر وأخس من ذلك : ~~ومثاله : أن العنقود من العنب ، والإضبارة من الريحان (1)، يكون قيمثه في ~~الشوق دانقا، فإن أهداه واحد إلى ملك مع خسته، فوقع منه موقع الرضا.. # فيهب له على ذلك ألف دينار؛ لما وقع من الملك موقع الرضا، فصار ما قيمته ~~حبة بألف دينار، فإذا لم يرضه الملك ورده عليه. . رجع إلى قيمته الخسيسة من ~~حبة أو داني، فكذلك ما نحن فيه، فتنبه وأبصر منة الله تعالى، وصن فعلك ~~عما يشينه عند الله عز وجل: ~~والأصل الثاني : ما تعلم أن الملك في الدنيا إذا أجرى على أحد جراية ؛ من ~~طعام أو كسوق، آو دراهم آو دنانير معدودة فانيةآ. فإنه يستخدمآه بضروب ~~الخدمة آناء الليل والنهار ، مع ما في ذلك من ألذل والصغار، ويقوم على رأسه ~~حتى تخدر رجلاه، ويسعى بين يديه إذا ركب ، وربما يحتاج أن يكون على بابه ~~طول الليل حارسا، وربآما يبدو له عدؤ ، فيحتاج أن يقاتل عدوه ، فيبذل روحه ~~التي لا خلف عنها لأجله، ويحتمل كل هذذه الخدمة والكلفة والخطر والضرر ~~لأجل تلك المنفعة النكدة الحقيرة ، مع أنها بالحقيقة من الله تعالى ، وإنما هو ~~بمنزلة سبب في ذلك، فربك الذي خلقك ولم تك شيئا ، ثم رياك فأحسن ~~التربية، ثم أنعم عليك من النعم الظاهرة والباطنة في دينك ونفسك ودنياك ~~ما لا يبلغ كنهها فهمك ووهمك ، قال عز من قائل : { وإن تعدوا تعمت الله لا ~~تحضوها}، ثم إنك تصلي ركعتين مع ما فيهما من المعايب والافات، ومع ~~ما وعد عليهما في المستقبل من حسن الثواب وضروب الكرامات، حتى تستعظم ~~ذلك وتعجب به، فليس هذا من شأن عاقل إذا نظرت، فهذه هلذه . # والأصل الثالث : أن الملك الذي من شأنه أن تخدمه الملوك والأمراء ، PageV00P239 ~~============================================================ ~~وتقوم على رأسه السادات والعظماء، ويتولى خدمته الألباء والحكماء، ويطلب ~~مدحته العقلاء والعلماء ، ويمشي بين يديه الأكابر والرؤساء.. إذا أذن لسوقي أو ~~قروي بمقتضى رأفة وعناية له في بابه حتى زاحم أولئك الملوك والسادات والأكابر ~~والفضلاء في خدمته ومدحته، وجعل له ms150 مقاما من حضرته معلوما، ونظر إلى ~~خدمته بعين الوضا وإن كانت مشوشة معيوبة.. أليس يقال له : لقد كبرت على ~~هلذا الحقير المنة من الملك ، وعظمت عنايثه به، فإن أخذ هذذا الحقير يمن ~~على الملك بتلك الخدمة المعيوبة، ويستعظم ذلك ويعجب به.. ألا يقال : إن ~~ذلك لسفيهآ جدا، ومجنون لا يعقل شيئا؟! # ولما تقرر هذا.. فإن إلهنا سبحانه هو الملك الذي يسبع له السماوات ~~السبع والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبع بحمده ، والمعبود الذي ~~يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها . # فمن الخدم على بابه : جبريل الأمين، وميكائيل ، وإسرافيل، وعزرائيل، ~~وحملة العرش ، والكرويئون ، والروحانيون ، وسائر الملائكة المقربين ، الذين ~~لا يحصي عددهم إلا الله رث العالمين في منازلهم الرفيعة، وأنفسهم الطاهرة، ~~وعباداتهم العظيمة. # ثم من خدامه الذين على بابه : آدم، ونوخ، وابراهيم، وموسى، ~~وعيسى، ومحمد خير العالمين، مع سائر الأنبياء والمرسلين، صلوات الله ~~وسلامه عليهم أجمعين، في مراتبهم المنيفة، ومناقبهم العزيزة الشريفة، ~~ومقاماتهم الكريمة، وعباداتهم الجليلة الخطيرة ~~ثم من العلماء : الأئمة الأبرار والزهاد في مراتبهم العظيمة الفاخرة، ~~وأبدانهم النقية الطاهرة، وعباداتهم الكثيرة الخالصة المتظاهرة ~~وأذك الخدم على بابه : ملوك الذنيا وجبابرتها، يخرون له على الأذقان ~~ساجدين صاغرين، ويعفرون الوجوة في الثراب خاضعين، ويرفعون إليه ~~حوائجهم باكين ضارعين، ويعترفون له بالعبودية ولأنفسهم بالنقص ساجدين ~~24 PageV00P240 ~~============================================================ ~~صاغرين، حتى ربما ينظر إليهم نظرة، ويقضي لهم بفضله حاجة، أو يتجاوز عنهم ~~بكرمه زلة، فمع هلذه العظمة والجلال ، والملك والكمال قد أذن لك في حقارتك ~~وعيوبك، وأنت الذي لو أستأذنت على رئيس بلدك.. فربما لا يأذن لك، وإن ~~كلمت أمير ناحيتك.. فربما لا يكلمك، وإن سجدت لسلطان بلدك بالأرض.. # فربما لا يلتفت إليك، أذن لك جل جلاله حتى تعبده وتثني عليه وتخاطبه ، بل تدل ~~عليه بالمسألة وتباسطه، فتستقضيه حاجاتك، وتستكفيه مهماتك، ثم إنه يرضى ~~ركعتيك في معايبهما ، بل يعدآ لك عليهما من الثواب ما لا يخطر بقلب بشر، وأنت ~~مع ذلك تعجب بهاتين الركعتين ، وتستكثر ذلك وتستعظمه، ولا ترى منة الله عليك ~~في ذلك، ms151 فما أسوأك من عبد ! وما أجهلك من إنسان ! والله تعالى المستعان، وإليه ~~المشتكى من هلذه النفس الجاهلة وعليه الثكلان، فهاذه هلذه . # فتاق ~~(في ضرب مثال تتضح به حقيقة المعجب بعمله] ~~وعلى وجه آخر: الملك العظيم إذا أذن بإدخال الهدايا إليه ، فيدخل ~~بحضرته الأمراء، والكبراء والرؤساء، والنبلاء والأغنياء بأنواع الهدايا؛ من ~~الجواهر الثمينة، والذخائر النفيسة، والأموال الجليلة. . فإن جاء بقال بباقة ~~بقل ، أو قروي بسلة عنب تساوي دانقا أو حبة، فيدخل في حضرته ويزاحم ~~أولئك الأكابر والأغنياء بهداياهم الكثيرة الشريفة ، وهذا الملك يقبل من هلذا ~~الفقير هديته، وينظر إليه بنظر القبول والرضا، ويأمر له بأنفس خلعة وكرامة.. # ألا يكون منه ذلك غاية الفضل والكرم ؟ # فإن أخذ هذا الفقير يمن بذلك على الملك ويعجب به، ويستعظمه وينسى ~~ذكر منة الملك. . الا يقال: هلذا مجنون مضطرب العقل ، أو سفيهآ سيىءآ ~~الأدب، عظيم الجهل؟ # فالآن إنك إذا قمت لله ليلة وصليت له ركعتين؛ فإذا فرغت.. فتفكر كم قام ~~لله سبحانه في هلذه الليلة من الخدم في أقطار الأرض برها وبحرها ، وجبالها ~~24 PageV00P241 ~~============================================================ ~~وبلادها، من أصناف المستقيمين والصديقين، والخائفين والمشتاقين، ~~والمجتهدين والمتضرعين، وكم حضرث في هلذه الشاعة بباب الله سبحانه من ~~عبادة صافية، وخدمة خالصة، عن أنفس خاشعة، وألسن طاهرة، وعيون ~~باكية، وقلوب عامرة، وصدور نقية، وأركان تقية، وصلاتك إن كنت بذلت ~~المجهود في تحسينها وإحكامها واخلاصها.. فلا تكاذ تصلح بحضرة هذا ~~الملك العظيم ، ولا تتبين في جنب تلك العبادات التي تعرض هنالك، كيف وقد ~~كانت منك عن قلب غافل مختلط بأنواع العيوب ، وبدن نجسي بأقذار الذنوب ، ~~لولسان متلطخ بأنواع المعصية والفضول ؟! فكيف يصلح هلذا أن يحمل إلى تلك ~~د ~~الحضرة ؟! وكيف يستأهل أن يهدى إلى رب العزة ؟! # قال شيخنا رحمه الله : أنظر أيها الغافل، هل وجهت قط صلاة من صلواتك ~~إلى السماء كمائدة بعثتها إلى بيوت الأغنياء ؟ # وكان أبو بكر الوراق يقول : ما فرغت قط من صلاة إلأ استحييت منها حين ~~فرغت منها أشد حياء من أمرأة فرغت من الزنا : ~~ثم إن الرب الكريم ms152 سبحانه بمحض كرمه وفضله عظم قدر هاتين الركعتين، ~~ووعد عليهما من جزيل الثواب ما وعد، وأنت عبده وفي جرايته، وعملت ~~ما عملت بتوفيقه وتيسيره، ثم مع ذلك تعجب بذلك وتنسى منة الله عليك، هذا ~~والله أعجب العجب ، لا يكاد يصدر مثله إلأ عن جاهل لا فكر له، وغافل ~~لا ذهن له، وقلب ميت خاو لا خير فيه، فهلذه هذه، نسال الله حسن الكفاية ~~بمنه وفضله ~~فشتا ~~(افي بيان دقة عقبة القوادح، وشدة غبنها، وعظيم خطرها] ~~ثم أقول بعد هلذه الجملة : تيقظ من رقدتك أيها الرجل في هلذه العقية ، ~~وإلا .. كنت من الخاسرين؛ فإن هذذه العقبة أشد وأشق وأمر وأضر عقبة ~~242 PageV00P242 ~~============================================================ ~~أستقبلئك في هلذه الطريق؛ إذ إليها تنتهي ثمرة كل ما مضى من العقبات ، فإن ~~سلمت.. غنمت وربحت، وإن كانت الأخرى.. فقد ضاع الشعي كله، وخاب ~~الأمل، وبطل العمر. # ثم الشأن كله : أنه قد أجتمع في هلذه العقبة هلهنا ثلاثة أمور : الأول : أن ~~الأمر دقيق جدا، والغبن شديذك، والخطر عظيم. # أما دقة الأمر : فإن مجاري الرياء والعجب في الأعمال دقيقة خفية بالغاية، ~~فلا يكاد يتنبه لذلك إلأ كل نحرير في أمر الدين ، بصير يقظان القلب متحرز ، ~~وأنى يطلع عليه الجاهل اللعوب، والغافل النؤوم ؟! # ولقد سمعث بعض علمائنا رحمهم الله بنيسابور يحكي أن عطاء السليمي (1) ~~رحمه الله تسج ثوبا فأحكمه وحسنه جذا ، ثم حمله إلى الشوق فعرضه فاسترخصه ~~البزاز وقال : إن فيه عيوبا كيت وكيت، فأخذه عطاءآ وجلس يبكي بكاء شديدا ، ~~فندم الرجل على ذلك ، وجعل يعتذر إليه ، ويبذل له في ثمنه ما يريذ، فقال له ~~عطاءآ : ليس ذلك ما تظن، إنما أنا عامل في هلذه الصناعة ، وقد أجتهدت في ~~احكام هلذا الثوب واصلاحه وتحسينه حتى لا يوجد به عيث، فلما غرض على ~~البصير بعيويه.. أظهر فيه عيوبا كنث عنها غافلا، فكيف أعمالنا هلذه إذا ~~عرضت غدا على الله الخبير البصير، كم يبدو فيها من العيوب والنقصان الذي ~~نحن اليوم عنه غافلون ؟1 ~~وعن بعض الصالحين قال : كنت ليلة في وقت ms153 السحر في غرفة لي شارعة ~~أقرأ (سورة طه) ، فلما أن ختمثها.. غفوت غفوة، فرأيت شخصا نزل من ~~السماء بيده صحيفة، فنشرها بين يدي ، فإذا فيها (سورة طه)، وإذا تحت كل ~~كلمة عشر حسنات مثبتة إلآ كلمة واحدة، فإني رأيت مكانها محوا ولم أر تحتها PageV00P243 ~~============================================================ ~~شيئا ، فقلت : والله؛ لقد قرأت هلذه الكلمة ولا أرى لها ثوابا ولا أراها ~~أثبتث، فقال الشخص : صدقت، قد قرأتها وكتبناها، إلأ أنا سمعنا مناديا ~~ينادي من قبل العرش : أمحوها وأسقطوا ثوابها، فمحوناها، قال : فبكيث في ~~منامي وقلت : لم فعلتم ذلك ؟ قالوا : مر رجل فرفعت بها صوتك لأجله فذهب ~~ثوابها، فهذه هلذه ~~وأما شدة الغين : فلأن الرياء والعجب آفهآ عظيمة تقع في لحظة ، ~~فربما تفسد عليك عبادة سبعين سنة ~~وحكي أن رجلا أضاف سفيان الثوري - رحمه اللهآ - وأصحابه، فقال ~~لأهله : هاتوا الطبق الذي أتيت به في الحجة الأولى ، بل الذي أتيث به في الحجة ~~الثانية ، فنظر إليه سفيان وقال : مسكينآ، قد أفسد عليه بهذا حجتيه ~~ووجهآ آخر في الغبن : أن أقل طاعة سلمت عن هلذا الرياء والعجب يكون ~~لها من الله عز وجل من القيمة ما لا نهاية له ، وأكبر طاعة إذا أصابتها هذذه ~~الآفة.. بقيت لا قيمة لها إلا أن يتداركها الله تعالى ، على ما روي عن علي ~~رضي الله عنه أنه قال : (لا يقل عمل مقبول ألبتة ، وكيف يقل عمل ~~مقبول؟1)(1). # وسيل النخعي عن عمل كذا وكذا ما ثوابآه؟ فقال : إذا قبل. . لا يحصى ~~ثوائه. # وعن وهب قال : كان فيمن كان قبلكم رجل عبد الله سبعين عاما صائما، ~~يفطرو من سبت إلى سبت ، فطلب إلى الله تعالى حاجة فلم تقض له ، فأقبل على ~~نفسه يلومآها وقال : من قبلك أتيث، لو كان عندك خير.. لقضيت حاجتك، ~~فأنزل الله تعالى ملكا فقال : يا بن آدم ؛ ساعتك التي أزريت بنفسك خير من ~~عبادتك التي مضت. # قلث : فلينظر العاقل إلى هلذا الكلام ، أليس من الغبن أن واحدا يكدح PageV00P244 ~~============================================================ ~~ويتعب سبعين سنة، وآخر يتفكر ساعة واحدة، فيكون فكره ساعة أفضل ms154 من ~~سبعين سنة وخيرا؟ أليس من الغبن العظيم أنك متمكن من ساعة خير من سبعين ~~سنة وتترك ذلك من غير حاجة ؟1 بلى والله إنه لأعظم الغبن ، وإن إغفاله لأشد ~~خسرانا، وإن الخصلة التي لها هلذه القيمة والخطر يجب أن تحذر وتجتنب، ~~ل ولمثل هلذا المعنى إنما وقع نظر أولي الأبصار من العباد في مثل هلذه الدقائق ، ~~وأهتئوا لمثل هلذه الأسرار بمعرفتها أولا ، ثم رعايتها والتحفظ عنها ثانيا، ولم ~~تغنهم كثرة الأعمال بالظاهر، وقالوا : الشأن في الصفوة لا في الكثرة ، وقالوا : ~~جوهرة واحدة خير من ألف خرزة: ~~وأما الذين قل علمهم، وكل في هذذا الباب نظرهم ، فجهلوا المعاني، ~~وأغفلوا ما في القلوب من العيوب، وأشتغلوا بإتعاب النفوس في الوكوع ~~والشجود، والإمساك عن الطعام والشراب ونحوه. . فغرهم العدذ والكثرة، ~~ولم ينظروا ما فيها من المخ والصفوة ، وما يغني عدد الجوز ولا لب فيها ؟! # وما ينفع رفع الشقوف ولم تحكم مبانيها ؟! وما يعقل هلذه الحقائق إلا العالمون ~~بالله المكاشفون ، والله تعالى ولي الهداية والتوفيق بفضله. # وأما عظم الخطر : فمن وجوه : ~~-أحذها : أن المعبود ملك لا نهاية لجلاله وعظمته . # -وله عليك نعم لا تعد ولا تحصى: ~~ولك بدن معيوت بعيوب خفية، مؤوف بآفات كثيرة ~~- وأمور مخوفة إن وقع زلل مع تسارع النفس إليه ، فتحتاج أن تستخرج عملا ~~صالحا صافيا سالما من بدن معيوب، ونفس ميالة إلى الشر، أمارة بالشوء ، ~~على وجه يصلح لرب العالمين في جلاله وعظمته ، وكثرة أياديه ومنته ، ويقع منه ~~موقع ألوضا والقبول، وإلا.. فيفوتك الربح العظيم الذي لا تسمع النفس ~~بفوته ، بل ربما يصييك فيه مصيبةآ لا طاقة لك بها، وهذا وآلله شأن عظيم ، ~~وخطب جسيم. # 245 PageV00P245 ~~============================================================ ~~وأما جلال الملك وعظمئه : بحيث إن الملائكة المقربين الأبرار قائمون له ~~بالخدمة آناء الليل والنهار، حتى إن منهم من هو منذ خلقه الله تعالى في قيام ، ~~ومنهم من هو في ركوع، ومنهم من هو في سجود، ومنهم من هو في تسبيح ~~وتهليل، فلا يتم القائم قيامه، ولا الراكع ركوعه، ولا الساجذ سجوده، ~~ولا ms155 المسبح تسبيحه، ولا المهال تهليله، مادا به صوته إلى نفخة الضور، ثم ~~لما فرغوا من هذذه الخدمة العظيمة.. نادوا بأجمعهم : سبحانك ما عبدناك حق ~~عبادتك ~~وهذذا سيد المرسلين وخير العالمين أعلم الخلق وأفضلهم محيد صلى الله ~~عليه وسلم يقول : "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك "(1) ، ~~يقول : أنا لا أقدر أن أثني عليك ثناء أنت له أهل، فضلا عن أن أعبدك كما أنت ~~له أهل. # وهو الذي يقول : " ليس أحد يدخل الجنة بعمله" ، قالوا : ولا أنت ~~يا رسول الله ؟ قال : " ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمته "(2). # وأما النعم والأيادي : فكما قال الله تعالى : { وإن تعدوا نعمت الله لا ~~تحصوها) ~~وعلى ما روي : " أنه يحشر الناس على ثلاثة دواوين : ديوان الحسنات، ~~وديوان السيئات، وديوان النعم، فتقابل الحسنات بالنعم، فلا يؤتى بحسنة ~~الأ وئؤتى بنعمة، حتى تعم الحسنات النعم ، وتبقى المييات وألذنوب، فلله ~~تعالى فيها المشيئة "(3). PageV00P246 ~~============================================================ ~~وأما عيوب النفس وآفاتها : فقد قدمناها في بابها. # والأمر المخوف : أن العبد يكدح ويدأب سبعين سنة غافلا عن عيوبه ~~وآفاته، فربما لا يكون واحد منها مقبولا، وربما يتعب أعواما فتفسد بساعة ~~واحدة، وأعظم خطرا من ذلك كله : أنه ربما ينظر الله تعالى إلى العبد وهو يرائي ~~الناس بعبادته وخدمته؛ حيث جعل ظاهره لله، وقلبه وباطنه للخلق، فيطرده ~~طردا لا مرد له، والعياذ بالله. # ولقد سمعث بعض العلماء يحكي عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه ~~رثي في المنام بعد موته، فسئل عن حاله، فقال : أقامني الله تعالى بين يديه ~~وقال : يا حسن؛ أتذكو يوم كنت تصلي في المسجد إذ رمقك الناس بأبصارهم ~~فزدت حسنا لصلاتك ؟ فلولا أن أول صلاتك كان لي خالصا. . لطردتك اليوم ~~عن بابي ، ولقطعتك عني مرة واحدة : ~~ولما كان الأمر في الجملة من الدقة والصعوبة إلى حد عظيم.. نظر أولو ~~الأبصار فيه فخافوا على أنفسهم، حتى إن منهم من لا يلتفت إلى جميع ما يظهر ~~للناس من أعماله ، حتى حكي عن رابعة أنها قالت : ما ظهر من أعمالي لا أعده ms156 ~~شيئا . # وقال آخر: اكتم حسناتك كما تكتم سيئاتك. # وآخر يقول : إن أمكنك أن تجعل لك خبيا من الخير. . فافعل(1) . # ولقد حكي : أنه قيل لرابعة : بم تربحين اكثر ما ترتجين؟ فقالت : بيأسي ~~من جل عملي: ~~وحكي : (أنه أجتمع محمد بن واسع ومالك بن دينار، فقال مالك : ~~إما الطاعة وإما النار، فقال محمد بن واسع : إما رحمة الله أو النار، فقال ~~مالك : ما أحوجني إلى معلم مثلك!) (2). # 1) البه بفتح الخاء ويكسر-: ما خبىء وغاب، سمي بالمصدر ~~(2) أخرجه أبو نعيم في * الحلية "(349/2) ، وأحمد في الزهد" (1901) . # 247 PageV00P247 ~~============================================================ ~~وعن أبي يزيد البسطامي رحمه الله قال : (كابدت العبادة ثلاثين سنة، ~~فرأيث قائلا يقول لي : يا أبا يزيد؛ خزائنه مملوءة من العبادة ، فإن أردت ~~الوصول إليه.. فعليك بالذلة والافتقار)(1). # وسمعت الأستاذ أبا الحسن يحكي عن الأستاذ أبي الفضل رحمهما ألله : أنه ~~كان يقول : إني أعلم أن ما أعمله من الطاعات غير مقبولة عند الله تعالى، فقيل ~~له في ذلك، فأجاب : إني أعلم ما يحتاج إليه الفعل حتى يكون مقبولا، وأعلم ~~أني لست أقوم بذلك ، فعلمت أنها غير مقبولة ، قيل له : فلم تفعلها؟ قال : ~~عسل أن يصلحني الله تعالى يوما فتكون النفس متعودة لعمل الخير ، فلا أحتاج ~~الى أن أعودها ذلك من ألرأس ؟ # فهاذه حال هؤلاء الأعلام، وذوي المجاهدات والأقدار، فكنت أنت ~~كما قال الشاعر : ~~(امن الكامل] ~~فاطلب لنفسك صحبة مع غيرهم وقع الإياس وخابت الآمال ~~هيهات تدرك بالتواني سادة كذوا النفوس وساعد الإقبال ~~ثم رأيت أني أثبت هلهنا الخبر المأثور عن الصادق المصدوق صلوات الله ~~وسلامه عليه، وقد ذكرناه في غير كتاب(2). # روي عن أبن المبارك رحمه الله عن رجل(3) أنه قال لمعاذ : حدثني حديثا ~~سمعته من رسول الله صلى اللهآ عليه وسلم ، حفظته وذكرته في كل يوم من شدته ~~ودقته، قال: نعم، ثم بكن بكاه طويلا ، ثم قال : واشوقاه إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وإلى لقائه، ثم قال : بينا أنا عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذ ركب وأردفني، ثم سرنا فرفع ms157 بصره إلى السماء وقال : 8 الحمد لله ~~الذي يقضي في خلقه ما يشاءآ، يا معاذ" PageV00P248 ~~============================================================ ~~قلث : لبيك يا سيد المرسلين. # قال : " أحدثك بحديث؛ إن آنت حفظته.. نفعك، وإن ضيعته.. # أنقطعت حجتك عند الله عز وجل، يا معاذ ؛ إن الله تعالى خلق سبعة أملاك قبل ~~أن يخلق السماوات والأرض، لكل سماء ملك، وجعل على كل باب من أبواب ~~السماوات ملكا بؤابا على قذر الباب وجلالته. # فتصعد الحفظة بعمل العبد وله نور وشعاع كالشمس، حتى إذا بلغ السماء ~~الذنيا والحفظة تستكثر عمله وتزكيه؛ فإذا آنتهى إلى الباب.. قال الملك ~~للحفظة : أضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا صاحب الغيبة، أمرني رئي ~~ألا أدع عمل من يغتاب الناس يتجاوزني إلى غيري. # ثم تجيء الحفظة من الغد معهم عمل صالخ له نور، تستكثره الحفظة ~~وتزكيه ، حتى إذا أنتهوا به إلى السماء الثانية. . قال الملك : قفوا وأضربوا بهذا ~~العمل وجه صاحبه؛ فإنه أراد به عرض الدنيا، وأمرني ربآي ألأ أدع عمله ~~يتجاوزني إلى غيري ، فتلعنه الملائكة حتى يمسي. # وتصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجا به، فيه صدقة وصيام وكثير من البر، ~~فتستكثره الحفظة وتزكيه ، فإذا أنتهوا به إلى السباء الثالثة. . قال الملك البواب : ~~قفوا وأضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا الملك صاحث الكبر ، أمرني رئي ~~ألآ ادع عمله يتجاوزني إلى غيري؛ إنه كان يتكبر على الناس في مجالسهم . # وتصعد الحفظة بعمل العبد وهو يزهر كما تزهر النجوم والكوكب الدري، ~~له دوي وتسبيخ بصوم وصلاة وحج وعمرة، فإذا أنتهوا به إلى السماء الرابعة.. # قال الملك الموكل بها : قفوا وأضربوا بهذا العمل وجه صاحبه، أنا الملك ~~صاحث الإعجاب ، أمرني ربآي الأ أدع عمله يتجاوزني إلى غيري ؛ إنه كان إذا ~~عمل عملا أدخل العجب فيه. # وتصعذ الحفظة بعمل العبد يزف كما تزف العروس إلى أهلها، حتى إذا ~~آنتهوا إلى السماء الخامسة بذلك العمل الحسن من جهاد وحج، له ضوءآ كضوء ~~249 PageV00P249 ~~============================================================ ~~الشمس.. فيقول الملك الموكل : أنا الملك صاحب الحسد ، إنه كان يحسد ~~الناس على ما آتاهم ألله من فضله ، فقد ms158 سخط ما رضي الله، أمرني ربآي ألأ أدع ~~عمله يجاوزني إلى غيري ~~وتصعذ الحفظة بعمل العبد بوضوء تام، وصلاة كثيرة، وصيام وحج ~~وعمرة ، فيتجاوزون به إلى السماء السادسة، فيقول الملك الموكل بالباب : ~~أنا صاحب الرحمة، أضربوا بهاذا العمل وجه صاحبه؛ إنه كان لا يرحم إنسانا ~~قط، وإن أصيب عبد.. شمت به، أمرني ربآي الأ أدع عمله يتجاوزني إلى ~~غيري ~~وتصعذ الحفظة بعمل العيد؛ بنفقة كثيرة، وصوم وصلاة وحج، واجتهاد ~~وورع، له صوث كصوت الرعد ، وضوء كضوء البرق ، فإذا أنتهوا به إلى السماء ~~السابعة.. يقول الملك الموكل بالسماء : أنا صاحب ألذكر، إن صاحب هلذا ~~العمل أراد به الذكر في المجالس ، والوفعة عند القراء ، والجاه عند الكبراء، ~~أمرني رئي ألا أدع عمله يجاوزني الى غيري، وكل عمل لم يكن لله تعالى خالصا ~~فهو رياء ، ولا يقبل الله تعالى عمل المرائي ~~وتصعذ الحفظة بعمل العبد؛ من صلاة وزكاة وصيام، وحج وعمرة، ~~وخلق حسن، وصمت وذكر لله تعالى ، وتشيعآه ملائكة الشماوات الستبع ، حتى ~~تقطع الحجب كلها إلى الله تعالى ، فيقفون بين يدي الرب جل جلاله، ويشهدون ~~له بالعمل الصالح المخلص ، فيقول الله تعالى : أنتم الحفظة على عمل عبدي، ~~وأنا الرقيث على ما في نفسه، إنه لم يرذني بهذا العمل ولا أخلصه لي، ~~وأنا أعلم بما أراده بعمله، عليه لعنتي، غر الآدميين وغركم ولم يغرني ~~وأنا علام الغيوب، المطلع على ما في القلوب، لا تخفى علي خافية، ~~ولا تعزب عني عازبة، علمي بما كان كعلمي بما لم يكن، وعلمي بما مضى ~~كعلمي بما بقي، وعلمي بالأولين كعلمي بالاخرين ، أعلم السر وأخفى، ~~فكيف يغرني عبدي بعمله ؟! إنما يغر المخلوقين الذين لا يعلمون، وأنا علام ~~الغيوب، عليه لعنتي ، وتقول الملائكة السبعة والثلاثة الآلاف المشيعون : PageV00P250 ~~============================================================ ~~يا ربنا؛ عليه لعنتك ولعنثنا، فيقول أهل السماوات : عليه لعنة الله ولعنة ~~اللآعنين". # ثم بكى معاذ رحمه الله وأنتحب أنتحابا شديدا ، وقال : يا رسول الله ~~كيف النجاة مما ذكرت ؟ # قال : " يا معاذ ؛ أقتد بنبيك في اليقين " . # قلت : أنت رسول الله ، وأنا معاذ بن ms159 جبل ، كيف لي بالنجاة والخلاص؟ # قال : " نعم يا معاذ، إن كان في عملك تقصير . . فاقطع لسانك عن الوقيعة ~~في الناس، وعن إخوانك من حملة القرآن خاصة ، وليردك عن الوقيعة في الناس ~~ما تعلمه من عيب نفسك، ولا تزك نفسك بذم إخوانك ، ولا ترفع نفسك بوضع ~~اخوانك، ولا تراء بعملك كي تعرف في الناس، ولا تدخل في الدنيا دخولا ~~ينسيك أمر الآخرة، ولا تناج رجلا وعندك آخر، ولا تتعظم على الناس فتنقطع ~~عنك خيرات الدنيا والآخرة، ولا تفحش في مجلسك حتى يحذروك من سوء ~~خلقك، ولا تمزق الناس بلسانك فتمزقك كلاب جهنم ، وهو قوله تعالى : ~~والتشطلت نشطا} - يقول - تنزع اللحم عن العظام " . # قلت : يا رسول الله؛ ومن يطيق هذه الخصال ؟ # قال : ل يا معاذ ؛ إن الذي وصفت لك ليسير على من يسره الله تعالى عليه، ~~إنما يكفيك من ذلك أن تحب للناس ما تحث لنفسك، وتكره لهم ما تكرهآ ~~لنفسك، فإذن آنت قد سلمت " ~~قال خالد بن معدان : وكان معاذ لا يكثر من تلاوة القرآن كما يكثر من تلاوة ~~هلذا الحديث وذكره في مجلسه(1). PageV00P251 ~~============================================================ ~~ولما سمعت أيها الرجل بهلذا الحديث العظيم نبؤه ، الكبير خطره، الأليم ~~أثره، الذي تطير له القلوب، وتحير له العقول، وتضيق عن حمله الصدور ، ~~وتجزع من هوله النفوس.. فاعتصم بمولاك إله العالمين ، والزم الباب بالتضؤع ~~والابتهال والبكاء آناء الليل وأطراف النهار مع المتضرعين المبتهلين؛ فإنه ~~لا نجاة من هذا الأمر إلا برحمته، ولا سلامة من هذا البحر إلا بنظره وتوفيقه ~~وعنايته، فتنبه من رقدة الغافلين ، واعقل الأمر حقه، وجاهذ نفسك في هلذه ~~العقبة المخوفة لعلك لا تهلك مع الهالكين، والمستعان بالله تعالى على كل ~~حال، فإنه خير معين، وهو تعالى أرحم الراحمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم ~~فتا ~~(في بيان ما يصرف الإنسان عن الالتفات إلى الخلق والنفس) ~~وجملة الأمر : أنك إذا أحسنت النظر ، فرأيت قذر طاعة الله تعالى ، ورأيت ~~عجز الخلق وضعفهم وجهلهم.. فلا تلتفت إليهم بقلبك، وكن زاهدا في ثنائهم ~~ومدجهم وتعظيمهم الذي ms160 لا فائدة تحته، فلا ترد بطاعتك شيئا من ذلك: ~~وإذا رأيت خسة الدنيا وحقارتها وسرعة زوالها. . فلا ترذها أيضا بطاعتك ~~من الله تعالى ، وقل : يا نفس؛، أثناء رب العالمين وشكره وإعزازه خير أم ثناء ~~المخلوقين العاجزين الجاهلين ، الذين لا يعرفون قذر عملك بالحقيقة، ~~وما تحملت فيه، وما يبلغون حقك فيما عملت وتحملت؟ بل ربما يفضلون ~~عليك من هو أدون حالا منك بألف درجة، ويضيعونك في أحوج الأوقات ~~وينسونك، وإن لم يفعلوا ذلك.. فماذا عسى أن يكون بأيديهم ؟ وإلى ماذا تبلغ ~~قدرتهم؟ ثم هم في قبضة الله تعالى يصرفهم كيف يشاءآ، وإلى ما يشاءآ، فاعقلي ~~أيتها النفس ولا تضيعي طاعتك العزيزة بهم ، ولا يفوتك ثناء من ثناؤه كل فخر ، ~~وعطاء من عطاؤه كل ذخر ، ولقد صدق القائل: ~~(من الكامل] ~~سهر العيون لغير وجهك باطل وبكاؤهن لغير قطعك ضائع ~~252 PageV00P252 ~~============================================================ ~~وقل : يا نفس؛ أجنة الخلد خير أم لطخة من حرام الدنيا وحطامها النكد ~~الفاني وأنت متمكنة من أن يحصل لك بطاعتك هلذا النعيم المقيم؟ فلا تكوني ~~حسيسة الهمة، رديئة الإرادة، دنيئة الأفعال ، أما ترين الحمام إذا كان سماويا ~~كيف تغلو قيمثه(1)، ويزداد قذره؟ فارفعي همتك كلها إلى السماء، وجردي ~~قلبك لله تعالى الواحد، الذي بيده الأمر كله، ولا تضيعي ما ظفرت به من ~~طاعتك بلا شيء ~~وكذلك إذا أحسنت التايل، فرأيت أيادي الله تعالى ومننه العظام عليك في ~~هلذه الطاعة ؛ بأن أمكنك منها ، وأعطاك الآلة أولا ، ثم أزاح عنك العوائق حتى ~~تفرغت لهلذه الطاعة ثانيا، ثم خصك بالتوفيق والتأييد، ويسرها عليك، وزئنها ~~في قلبك حثى عملتها ثالثا، ثم مع جلاله وعظمته، واستغنائه عنك وعن ~~طاعتك، وكثرة نعمه عليك أعد لك على هلذا العمل اليسير الثناء الجزيل، ~~والثواب العظيم الذي لا تستحقينه رابعا، ثم شكرك على ذلك، وأثنى عليك، ~~وأحبك بذلك خامسا. . فهلذه كلها بفضله العظيم لا غير، وإلا.. فأي أستحقاق ~~لك ؟! وأي قذر لعملك الحقير المعيوب ؟! # فأذكري أيتها النفس منة ربك الكريم الرحيم سبحانه فيما أحسن إليك في ~~هذذه الطاعة ، وأستحيي من ms161 أن تلتفتي إلى عملي ، بل الفضل والمنة لله تعالى ~~عليك وعلينا بكل حال ، ولا يكون لك شغل بعد حصول هلذه الطاعة إلأ التضؤع ~~والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى بأن يتقبلها، أما تسمعين قول خليله إبراهيم ~~عليه السلام لما فرغ من خدمته في بناء بيته كيف أبتهل إلى الله تعالى في أن يتفضل ~~عليه بالقبول فقال : رتنا تقبل منا إنك أنت السميع العليي} ، ولما فرغ من دعائه ~~قال : ربناوتقبل دعاه)؟ # فلئن من عليك بقبول هلذه البضاعة المزجاة. . فلقد أكمل المنة، وأعظم ~~النعمة، فيا لها من سعادة ودولة، وعز ورفعة، وكم ترين في ذلك من خلعة PageV00P253 ~~============================================================ ~~ونعمة، وذخر وكرامة، وإن تكن الأخرى.. فيا له من خسران وغبن وحرمان، ~~فاهتمي وأشتغلي بهذا الشأن . # فإذا واظبت على مثل هذذا وكررته على قلبك عند الفراغ من طاعتك، ~~وأستعنت بالله عز وجل.. صرفك عن الالتفات إلى الخلق والنفس، وشغلك ~~عن مراءاة وإعجاب، وبعثك على محض الإخلاص لله تعالى في الطاعات، ~~والتمشك بذكر منة الله تعالى عليك في جميع الحالات، ويحصل لك أرجى ~~طاعات طاهرة لا عيب فيها، وخيرات خالصة لا شوب فيها، وعبادات مقبولة ~~لا نقص فيها، بل مثل هلذه الطاعة وإن حصلت في العمر مثلا مرة واحدة ~~لا غير.. فإنها بالحقيقة لكثيرة، ولعمري؛ إنها وإن قل عددها.. لقد كثر ~~معناها، وعظم قدرها، وكثر نفعها، وطابت عقباها، وإن التوفيق لمثلها ~~لعزيز، والفضل به لله تعالى على العبد لكثير، فأي هدية أجل من هدية يقبلها ~~رث العالمين ؟! وأي سعي اكرم من سعي يشكره ويثني عليه رت العالمين ؟1 ~~وأيي بضاعة أعز من بضاعة أختارها ورضيها رث العالمين ؟! # فتأمل أيها المسكين ، وإياك أن تكون من المغبونين ، وإذا جرى الأمر على ~~هذذه الجملة. . كنت من المخلصين لله تعالى الخالصين، الذاكرين لمننه ~~المرضيين، وكنت قد خلفت هذه العقبة المخوفة وراءك، وسلمت من آفاتها، ~~وسبقت بخيراتها وثمراتها فائزا على الأبد بكراماتها وسعاداتها، واللهآ سبحانه ~~ولي التوفيق والعصمة بمنه وكرمه ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # 254 PageV00P254 ~~============================================================ ~~العقبة الشابعة ~~وهي ms162 عقبة الحمد والشكر ~~ثم عليك - وفقك الله وإيانا بحسن توفيقه - بعد قطع هلذه العقبات، والظفر ~~بالمقصود من هذذه العبادات السالمة من الأفات بالحمد والشكر لله سبحانه ~~وتعالى على هلذه النعمة العظيمة ، والمنة الكريمة، وإنما يلزمك ذلك لأمرين : ~~أحذهما: لدوام النعمة. # والثاني : لحصول الزيادة. # فأما دوام النعمة : فلأن الشكر قيد النعمة ، به تدوم وتبقى ، وبتركه تزول ~~وتحول، قال الله سبحانه وتعالى : { إب الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بانفسم. # وقال جل من قائل : { فكفرت بأنعو الله فاذاقها الله لباس الجوع والخوف ~~بماكانوا يضنعوت ~~وقال سبحانه : ما يفعل الله يعذايكم إن شكرتر وه امنتم) ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إن للنعم أوابد كأوابد الوحش ، ~~فقيدوها بالشكر "(1). # وأما حصول الزيادة : فلما كان الشكر هو قيد النعمة. . فهو ثمن الزيادة، PageV00P255 ~~============================================================ ~~قال الله تعالى : { لين شكرتو لأزيدنكم}، والنين أهتدوا زادهر هدى} الآية، ~~والزين جنهدوا فينالنهدينهم شبآلنا) ~~فالسيد الحكيم إذا راى العبد قد قام بحق نعمة.. يمن عليه بأخرى ، ويراه ~~أهلا لها، وإلا.. فيقطع ذلك عنه. # ثم النعم قسمان : دنيوئة، ودينيةآ. # فالدنيوئة ضربان : نعمةآ نفع، ونعمة دفع: ~~فنعمة النفع : أن أعطاك المصالح والمنافع ، وهي ضربان : ~~الخلقة الشوية في سلامتها وعافيتها ~~والملاذ الشهية من المطعم والمشرب والملبس والمنكح وغيرها من ~~فوائدها ~~ونعمة الدفع : أن صرف عنك المفاسد والمضار، وهي ضريان : ~~أحدهما : في النفس؛ بأن سلمك من زمانتها وسائر آفاتها وعللها. # والثاني : دفع ما يلحقك به من ضرر من أنواع العوائق، أو يقصدك بسوء من ~~انس أوجن، أو سباع أو هوام أو نحوها: ~~وأئا الثعم الدينية فضربان : نعمة التوفيق ، ونعمة العصمة. # فنعمة التوفيق : أن وفقك الله أؤلا للإسلام ، ثم للشنة ، ثم للطاعة . # ونعمة العصمة : أن عصمك أولا عن الكفر والشرك، ثم عن البدعة ~~والضلالة، ثم سائر المعاصي: ~~وتفصيل ذلك لا يحصيه إلأ السيذ العالم الذي أنعم عليك، كما قال ~~جل وعلا : { وإن تعد وانعمت الله لا تحصوها) ~~وإن دوام هذه النعم كلها بعد أن من عليك بها ، والزيادة عليها من كل باب ~~منها مما لا ms163 يحصيه ولا يبلغه وهمك.. كلها متعلق بشيء واحد ، وهو الشكر ~~256 PageV00P256 ~~============================================================ ~~والحمذ لله، وإن خصلة تكون لها كل هلذه القيمة ، وتكون فيها كل هلذه الفائدة ~~لحقيق أن يتمسك بها من غير إغفال بحال ؛ فإنه جوهر ثمين ، وكيمياء عزيزة ، ~~واللهولي التوفيق بفضله ورحمته: ~~فإن قيل : فما حقيقة الحمد والشكر؟ وما معناهما وحكمهما؟ # فاعلم : أن العلماء فرقوا بين الحمد والشكر عند التحصيل؛ بأن الحمد من ~~أشكال التسبيح والتهليل ، فيكون من المساعي الظاهرة ، والشكر من أشكال ~~الصبر والتفويض ، فيكون من المساعي الباطنة ~~ولأن الشكر يقابل الكفران ، والحمد يقابل اللوم ، ولأن الحمد أعم ~~وأكثر ، والشكر أقل وأخص. . قال الله تعالى : وقليل من عبارى الشكور) ~~فثبت آنهما معنيان متميزان. # ثم الحمذ هو : الثناء على أحد بالفعل الحسن ، هذذا مقتضى كلام شيخنا ~~رحمه اللهتعالى: ~~وأما الشكر : فتكلموا في معناه وأكثروا . # فعن آبن عباس رضي الله عنهما أنه قال : (الشكر : هو الطاعة بجميع ~~الجوارح لرب الخلائق في السر والعلانية) ~~وإلى نحوه ذهب بعض مشايخنا فقال : الشكر : هو أداء الطاعات في الظاهر ~~والباطن ، ثم رجع إلى أنه أجتناب المعاصي ظاهرا وباطنا ~~وقال غيره : الشكر : الاحتراس عن أختيار معاصي الله تعالى، تحترسن ~~على قلبك ولسانك وأركانك حتى لا تعصي الله تعالى بشيء من هلذه الثلاثة بوجه ~~من الوجوه: ~~والفرق بين قوله وبين قول الشيخ الأول : أنه رحمه الله جعل الاحتراس معنى ~~مثبتا زائدا على الاجتناب عن المعاصي، وأما الاجتناب عن المعصية ما هو ~~إلا الأ يفعل المعصية عند دواعيها ، ولا يكون في نفسه معنى محصلا يكون العبد ~~به مشتغلا، وعن الكفران معتصما. # 26 PageV00P257 ~~============================================================ ~~وقال شيخنا رحمه الله تعالى : إن الشكر : تعظيم المنعم على مقابلة نعمته ~~على حد يمنغه عن جفاء المنعم وكفرانه، ولو قلت : تعظيم المحسن على مقابلة ~~إحسانه ؛ ليصح أن يكون من الله تعالى الشكر للعبد.. فحسن : ~~وفيه تفاصيل قد شرحناها في كتاب " إحياء علوم الدين" وغيره، وللكن ~~التحصيل : أن الشكر من العبد تعظيم يمنع من جفاء من أحسن إليه، وذلك بتذكر ~~إحسانه وحسن حال الشاكر في شكره ms164 ، وقبح حال الكافر في كفرانه. # قلث : إن أقل ما يستوجبه المنعم بنعمته ألا يتوصل بها إلى معصية، ~~وما أقبح حال من جعل نعمة المنعم سلاحا على عصيانه ~~فعلى العبد إذن من فرض الشكر في حقيقته أن يكون له من تعظيم الله سبحانه ~~ما يحول بينه وبين معاصيه على حسب تذكر نعمه، فإذا أتى بذلك.. فقد أتى ~~بما هو الأصل فيه، ثم يقابل ذلك بجد في الطاعة، وجه في القيام بالخدمة؛ ~~إذهو من حقوق النعمة ، فلا بد من الاحتراس عن المعصية، وبالله التوفيق. # فإن قلت : فما موضع الشكر؟ # فاعلم : أن موضعه النعم الدينية والدنيوية على أقدارهما ~~وأما الشدائد والمصائب في الدنيا ؛ في نفس أو أهل أو مالي : فتكلموا في ~~ذلك هل يلزم العبد الشكر عليها ؟ # قال بعضهم : لا يلزم العبد الشكر عليها من حيث هي ، وإنما يجب فيها ~~الصبر، وأما الشكر : فهو على النعمة لا غير ، قالوا : ولا شدة إلأ وفي جنبها ~~نعم الله تعالى ، فيلزم الشكر على تلك النعم المقترنة بها دون نفس الشدة ، وتلك ~~النعم ما قاله ابن عمر رضي الله عنهما : (ما أبتليت ببلية إلأ كان لله تعالى علي ~~فيها أربع نعم : إذ لم تكن في ديني، وإذ لم تكن أعظم، وإذ لم أحرم الرضا ~~بها، وإذ رجوث الثواب عليها) ~~وقد قيل أيضا : من تلك النعم : أن تلك الشدة زائلة غير دائمة، وأنها ~~258 PageV00P258 ~~============================================================ ~~من الله تعالى دون غيره ، وإن كانت بسبب مخلوقي. . فإنها لك عليه لا له عليك. # فإذن يلزم العبد الشكر على النعم المقترنة بالشدة . # وقال آخرون - وهو الأولى عند شيخنا رحمه الله تعالى - : إن شدائد الدنيا ~~مما يلزم العبد الشكر عليها ؛ لأن تلك الشدائد نعم بالحقيقة ، بدليل أنها تعرض ~~العبد لمنافع عظيمة ، ومثوبات جزيلة، وأعواض كريمة في العاقية، تتلاشى في ~~جنبها مشقة هلذه الشدائد ، وأيي نعمة تكون أكبر من هلذه ؟! # ومثال ذلك : من يسقيك دواء كريها مرا لداء شديد، أو يفصذك أو يحجمك ~~لعلة عظيمة مخوفة الخطر، فيؤدي ذلك إلى صحة النفس، وسلامة البدن، ~~وصفوة ms165 العيش. . فيكون إيلامه إتاك بمرارة الدواء، أو جراحة الفصد والحجامة ~~نعمة بالغة بالحقيقة، ومنة ظاهرة، وإن كان في صورته مكروها، ينفر عنه ~~الطبع، وتستوحش منه النفس، وأنت تحمد الذي تولى منك هلذا ، بل تحسن ~~إليه ما أمكنك : ~~فكذلك حكم هلذه الشدائد ، أما ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كيف ~~حمد الله تعالى وشكره على الشدائد شكره على المسار حيث قال : 8 الحمد لله ~~عليى ما ساء وسر"؟ # أما ترى كيف يقول جل جلاله : فعسى أن تكرهوا شيعا ويجعل الله فيه خيرا ~~كثيرا}؟ وما سماه الله تعالى خيرا فهو أكثر مما يبلغه وهمك، يؤكذ هلذا ~~القول أن النعمة ليست خبرا عن اللذة وما تشتهيه النفس بمقتضى الطبع ، وإنما هو ~~ما يزيد في رفعة الدرجة ، ولذلك تسمى نعمة في معنى الزيادة، وإذا كانت الشدة ~~مما تصير سببأ في زيادة شرف العيد ورفعة درجته.. فتكون نعما بالحقيقة وإن ~~كانت تعد في الشدائد والمحن بظاهرها ، فاعلم ذلك موفقا . # فإن قلت : فالشاكر أفضل أم الصابر ؟ # فاعلم : أنه قيل : إن الشاكر أفضل، بدليل قوله تعالى : { وقليل من عبادى ~~الشكور)، فجعلهم أخص الخواص: ~~259 PageV00P259 ~~============================================================ ~~وقال في نوح عليه السلام : إنه كا عبدا شكورا) ~~وقال في إيراهيم صلى الله عليه وسلم : { شاكرا لأنصمه ~~ولأنه في منزلة الإنعام والعافية ، ولذلك قيل : لأن أنعم فأشكر أحث إلي ~~من أن أبتلى فأصبر. # وقيل : بل الصابر أفضل؛ لأنه أعظم مشقة ، فيكون أعظم ثوابا وأرفع ~~منزلة ، قال الله تعالى : { إنا وجدنله صابرا نعم العبد : ~~وقال : إنما يوفى الصبرون أجرهم بغير حساب) . # وقال تعالى : والله يحب الصدبرين} ~~قلث أنا : الشاكر بالحقيقة لا يكون إلأ صابرا ، والصابر بالحقيقة لا يكون ~~إلأ شاكرا ؛ لأن الشاكر في دار المحنة لا يخلو من محنة يصبر عليها لا محالة ~~ولا يجزع؛ فإن الشكر تعظيم المنعم على حد يمنع من عصيانه ، والجزع ~~عصيان، والصابر لا يخلو من نعمة ، كما ذكرنا أن الشدائد نعم بالحقيقة على ~~المعنى المتقدم، فإنه شكر بالحقيقة إذ صبر؛ لأنه حبس نفسه عن الجزع ~~تعظيما لله ms166 تعالى ، وهذا هو الشكر بعينه؛ إذهو تعظيم يمنع عن العصيان: ~~ولأن الشاكر يمنع نفسه عن الكفران فصبر عن المعصية، وحمل نفسه على ~~الشكر، وصبر على الطاعة، فصار صابرا على الحقيقة، والصابر عظم الله ~~تعالى، حتى منعه تعظيمآه عن الجزع فيما أصابه، وحمله على الصبر، فقد ~~شكر الله تعالى، فصار شاكرا بالحقيقة. # ولأن حبس النفس عن الكفران مع قصد النفس له شدة يصبر عليها الشاكز ، ~~وتوفيق الصبر والعصمة نعمة يشكر عليها الصابر، فأحذهما لا ينفك عن الآخر؛ ~~لأن البصيرة الباعثة عليهما واحدة، وهي بصيرة الاستقامة في قول بعض ~~علمائنا، فمن هلذه الوجوه قلتا : إن أحدهما لا ينفك عن الاخر، فاعرف هلذه ~~الجملة ، وبالله التوفيق ~~29 PageV00P260 ~~============================================================ ~~فتتا ~~(في بيان أصول الحمد والشكر] ~~فعليك - ايها الرجل- ببذل المجهود في قطع هلذه العقبة اليسيرة المؤنة، ~~الكبيرة الجدوى ، العزيزة العنصر ، العظيمة القذر ، وتأمل أصلين : ~~أحذهما: أن النعمة إنما تعطى من يعرف قذرها، وإنما يعرف قذرها ~~الشاكر : ~~ودليل ما قلناه : قوله سبحانه في الحكاية عن الكفار والرد عليهم : أهكؤلاه ~~مب الله عليهر منا ييننا أليس الله يأعلم بالشكرين} ، ظن أولئك الجهال : أن ~~النعمة العظيمة والمنة الكريمة إنما تعطى من يكون اكثرهم مالا ، وأشرفهم حسبا ~~ونسبأ، فقالوا : ما باك هؤلاء الفقراء - بزعمهم - من العبيد والأحرار أعطوا هذه ~~النعمة العظيمة- بزعمكم- دوننا؟ فقالوا على طريق الاستكبار ومجرى ~~الاستهزاء : { أهكؤلاه من الله عليهر من بيننا}، فأجابهم الله تعالى بهلذه النكتة ~~الزاهرة فقال : أليس الله يأعلم بالشككرين} ~~تقدير الكلام : أن السيد الكريم إنما يعطي نعمته من يعرف قدرها، ~~وإنما يعرف قدرها من أقبل عليها بنفسه وقلبه فاختارها على غيرها، ولا يعبأ ~~بما تحمل من أعباء المؤنة في تحصيلها ، ثم لا يزال قائما بالباب يؤدي شكرها، ~~وكان في علمنا السابق أن هؤلاء الضعفاء يعرفون قدر هذه النعمة ويقومون ~~بشكرها، فكانوا أولى بهذه النعمة منكم، فلا اعتبار بغناكم وثروتكم، ~~ولا جاهكم في الدنيا ولا حشمكم، ولا نسبكم في الأنساب ولا حسبكم، ~~إنما تحسبون النعمة كلها الدنيا وحطامها ، والحسب والنسب وعلوه ، لا الدين ~~والعلم والحق ومعرفته، ms167 وإنما تعظمون ذلك وتتفاخرون به، أما ترون أنكم ~~لا تكادون تقبلون هلذا الدين والعلم والحق إلآ بمنة على من أتاكم به ، وذلك ~~لاستحقاركم ذلك، وقلة مبالاتكم به ؟ وإن هؤلاء الضعفاء يقتلون أنفسهم على ~~ذلك، ويبذلون مهجهم فيه، ولا يبالون بما فاتهم وبمن عاداهم مع ذلك؛ ~~221 PageV00P261 ~~============================================================ ~~لتعلموا أنهم هم الذين عرفوا قدر هذذه النعمة، ورسخ في قلوبهم تعظيمآها، ~~وهان عليهم فوت كل شيء دونها، فطاب لهم احتمال كل شدة دونها، ~~يستغرقون جميع العمر في شكرها، فلذلك أستأهلوا هذه المنة الكريمة والنعمة ~~العظيمة في سابق علمنا، وخصصناهم بها دونكم، فهلذه هلذه ~~ثم أقول : وكذلك كل فريق من الناس خصهم الله تعالى بنعمة من نعم ألدين من ~~علم أو عمل. فإنك تجدهم بالحقيقة أعرف الناس بقدرها، وأشدهم تعظيما لها، ~~وأجدهم في تحصيلها، وأعظمهم في إكرامها، وأقومهم بشكرها، والذين ~~حرمهم الله ذلك فلقلة أحتفالهم وتعظيمهم لحقها بعد القذر السابق ~~فلو كان تعظيم العلم والعبادة في قلوب الشوقة والعامة مثل ما هو في قلوب ~~العلماء والمتعبدين.. لما آثروا سوقهم عليه ، وهان عليهم تركه، ألا ترى أن ~~فقيها إذا ظفر بتعليم مسألة كانت ملتبسة عليه.. كيف يرتاح قلئه، ويعظم ~~سروره، ويجل موقعها من قلبه؟ حتى ربما لو وجد ألف ألف دينار.. ما كان ~~يعدل ذلك، وريما يهمه أمر مسألة في باب الدين فيتفكر فيها سنة، بل عشرا ، ~~بل عشرين وأكثر، لا يستكثر ذلك ولا يمل، حتى ربما يرزقه الله تعالى فهم ~~ذلك فيعده أعظم منة، وأكبر نعمة ، ويرى نفسه بذلك أغنى كل غني ، وأشرف ~~كل شريف، بل ربما يتبين مثل هلذه المسألة لسوقي أو متعلم كسلان يرى من ~~نفسه أنه مثله في الرغبة في العلم والمحبة له فلا يستمع إليه حقه، وربما إن طال ~~عليه الكلام يمل وينام ، وإن تبين ذلك له .. فلا يعده كبير أمر : ~~وكذلك المنيب إلى الله تعالى ، كم يجتهد ويدأب بالرياضة وصيانة النفس ~~عن الشهوات واللذات، وإلجام الأركان في الحركات والسكنات، عسى أن ~~يتهم الله تعالى له ركعتين في آداب وطهارة ms168 ، وكم يتضرع إلى الله تعالى عسى أن ~~يرزقه ساعة مناجاة بصفوة وحلاوة ، فلئن ظفر بذلك في شهر مرة ، بل في سنة ~~مرة، بل في العمر كله مرة.. عذ ذلك اكبرمنة، وأعظم نعمة، فكم يسو، وكم ~~يشكر الله تعالى ولا يكترث بما قاساه من المشقات ، وكابد من الليالي ، وهجر ~~من اللذات فيها. PageV00P262 # ============================================================ ~~ثم ترى الذي يزعم أنه راغب في العبادة يحث أن يحصل منها شيئا : لو ~~أحتاج أحدهم في تحصيل مثل هذذه العبادة الصافية إلى نقصان لقمة من ~~عشائهم، أو ترك كلمة لا تعنيهم ، أو دفع نوم ساعة عن أعينهم.. فلا تسمخ ~~أنفسهم بذلك، ولا تطيب قلوبآهم، وإن أتفق لهم في النادر حصول عبادة في ~~صفوة.. فلا يعدونه خطير أمر، ولا يقدمون فيه كثير شكر، إنما يعظم ~~سرورهم، ويكثو بالظاهر حمدهم إذا حصل لهم درهم، أو آستقامت لهم ~~كسرة، أو طابت لهم مرقة ، أو طالت لهم في سلامة البدن رقدة، فيقولون عند ~~ذلك : الحمد لله، هلذا من فضل الله ، فأنى يساوى هؤلاء الغافلون العاجزون ~~مع أولئك الشعداء المجدين المجتهدين 4! ولذلك صار هؤلاء المساكين عن هلذا ~~الخير محرومين، وأولئك المؤيدون به ظافرين فائزين، وكذلك قسم الأمر ~~أحكم الحاكمين سبحانه، وهو أعلم العالمين ، فهاذا تفصيل قوله تعالى : ~~أليس الله يأعلم بالشككرين ~~فتفهم وراعه حقه، وأعلم أنك لم تحرم قط خيرا أنت تتمناه إلأ من قبل ~~نفسك، فابذك مجهودك لتعرف قدر نعمة الله تعالى، وتعظمها حق تعظيمها، ~~فتكون أهلا لها ولإعطائها، ثم يمن عليك بابقائها، كما من عليك بابتدائها، ~~على ما نذكره في الأصل الثاني ، إنه هو الرؤوف الرحيم. # الأصل الثاني : أن النعمة إنما تسلب ممن لا يعرف قدرها ، والذي لا يعرف ~~قدرها الكفور الذي كفرها، ولا يؤدي شكرها : ~~ودليل ذلك : قوله تعالى : وأتل عليهم نبا الذى ماتينله *ايثنا فأنسلخ منها ~~فاتآبعه الشيطنن قكان من الغاورب * ولو شثنا لرفعنله بها الآية. # تقدير الكلام : أنا أنعمنا على هلذا العبد بالنعم العظام ، والأيادي الجسام ~~في باب الدين؛ بما مكناه بذلك من تحصيل الؤتبة الكبيرة ، والمنزلة الرفيعة ms169 على ~~بابنا، فيصير رفيعا عندنا، عظيم القدر، كبير الجاه، وللكنه جهل قدر نعمتنا، ~~فمال إلى الدنيا الخسيسة الحقيرة ، وآثر شهوة نفسه الدنيئة الرديئة، ولم يعلم أن ~~الدنيا كلها لا تزن عند الله أدنى نعمة من نعم الدين ، ولا تساوي عنده جناح ~~223 PageV00P263 ~~============================================================ ~~بعوضة ، فكان في ذلك بمنزلة الكلب الذي لا يعرف الإكرام والراحة من الإهانة ~~والمشقة، والرفعة والشرف من الحقارة والخية، فهو في الحالتين يلهث، ~~وإنما الكرامة كلها عنده في كسرة يطعمها ، أو عراق مائدة يرمى إليه (1)، سواء ~~تقعده على سرير معك، أو تقيمه في الثراب والقذر بين يديك، فهمثه وكرامثه ~~ونعمثه كلها في ذلك . # فهذا العبذ الشوء جهل قدر نعمتنا، ولم يعرف حق ما آتيناه من كرامتنا، ~~فكلت بصيرته ، وساء في مقام القربة أدبه بالالتفات إلى غيرنا، والاشتغال عن ~~ذكر نعمتنا بدنيا حقيرة، ولذة خسيسة، فنظزنا إليه نظر السياسة، وأحضزناه ~~ميدان العدل، وأمرتا فيه بحكم الجبروت، فسلبناه جميع لعنا وكرامتنا، ~~ونزغنا من قلبه معرفتنا، فانسلخ عاريا عن جميع ما آتيناه من فضلنا ، فصار كلبا ~~طريدا، وشيطانا رجيما مريدا، نعوذ بالله ثم نعوذ بالله من سخطه، وأليم ~~عقابه، إنه بنا رؤوف رحيم. # ثم أقنع بمثال ملك يكرم عبدا له، فيخلع عليه خاصة ثيابه، ويقربه منه، ~~ويجعله فوق سائر خدامه وحجابه، وأمره بملازمة بابه، ثم أمر أن تبنى له في ~~موضع آخر القصور، وتوضع له الأسرة، وتنصب له الموائد، وتزين له ~~الجواري، وتقام له الغلمان، حتى إذا رجع من الخدمة.. أجلس هنالك ملكا ~~مخدوما مكرما، وما بين حال خدمته إلى ملكه وولايته إلأ ساعة من نهار أو ~~أقل، فإن أبصر هلذا العبذ بجانب باب الملك سائسا للدواب يأكل رغيفا، أو ~~كلبا يمضغ عظما، فيشتغل عن خدمة الملك بنظره إليه، وإقباله عليه، ~~ولا يلتفت إلى ما له من الخلع والكرامة ، فيسعى إلى ذلك الشائس، ويمدآ يده، ~~ويسأله كسرة من رغيفه ، أو يزاحم الكلب على عظمه، ويغبطهما ويعظم ما هما ~~فيه. أليس الملك إذا نظر إليه على مثل هلذه الحالة. . يقول : هذا سفيهآ، ms170 ~~حسيس الهمة، لم يعرف حق كرامتنا، ولم ير قدر إعزازنا إتاه بخلعنا، PageV00P264 ~~============================================================ ~~والتقريب إلى حضرتنا، مع ما صرفنا إليه من عنايتنا، وأمزآنا له من الذخائر ~~وضروب الأيادي، ما هذا إلأ ساقط الهمة، عظيم الجهل، قليل التمييز، ~~أسلبوه الخلع وأطردوه عن بابنا ؟1 ~~فهذا حال العالم إذا مال إلى الدنيا، والعابد إذا اتبع الهوى، فبعدما ~~أكرمه الله تعالى بعبادته ومعرفة آياته وشريعته وأحكامه، ثم إنه لم يعرف قدر ~~ذلك، فيصير إلى أحقر شيء عند الله عز وجل وأهونه عنده، فيرغب فيه ~~ويحرص عليه، ويكون أعظم في قلبه وأحب إليه من جميع ما أعطي من تلك ~~النعم العزيزة؛ من العلم والعبادة، والحكم والحقاثق. # وكذلك من خصه الله تعالى بأنواع توفيقه وعصمته، وزينه بأنوار خدمته ~~وعبادته، ويديم النظر إليه بالرحمة في اكثر أوقاته ، ويباهي به ملائكته ، وأعطاه ~~على بابه القيادة والوجاهة، وأحله محل الشفاعة ، وأنزله منزلة الأعزة، حتى ~~صار بحيث لو دعاه.. لأجابه ولباه، ولو سأله. لأعطاه وأغناه، ولو شفع في ~~عالم. لشفعه فيهم وأرضاه، ولو أقسم عليه.. لأبره وأوفاه، ولو خطر بباله ~~شيء.. لأعطاه قبل أن يسأله بلسانه، فمن كانت هلذه حاله، ثم لم يعرف قدر ~~هذا المنعم ، ولم ينظر إلى قذر هذه النعمة، فيعدل عن ذلك إلى شهوة نفس ~~رديثآة لا حياء لها ، أو لعقة من الدنيا الدنيثة التي لا بقاء لها ، ولم ينظر إلى تلك ~~الكرامات والخلع والهدايا ، والمنن والعطايا ، ثم ما وعد وأعد له في الاخرة من ~~الثواب العظيم، والنعيم المقيم. فما أحقرها إذن من نفسي ، وما أسوأه من ~~عبد، وما أعظم خطره لو علم، وما أفحش صنيعه لوفهم !! # نسال الله البر الرحيم أن يصلحنا بعظيم فضله ، وسعة رحمته، إنه أرحم ~~الراحمين ~~فعليك - أيها الرجل- ببذل المجهود حتى تعرف قدر نعم الله تعالى عليك، ~~فإذا أنعم عليك بنعمة ألدين. . فإياك أن تلتفت إلى الدنيا وحطامها ؛ فإن ذلك ~~لا يكون منك إلا بضرب من التهاون بما أولاك ربك من نعم ألدين ، أما تسمع ~~قوله تعالى لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ms171 : ولقد وانيتاك سبعا من المثانى ~~265 PageV00P265 ~~============================================================ ~~والقره اب العظيم * لا تمدن عينيك إلى ما متعنايهه أزوجا منهو} الآية؟ # تقديره : أن كل من أوتي القرآن العظيم حق له ألا ينظر إلى الدنيا الحقيرة ~~نظرة باستحلاء واستحسان قط ، فضلا عن أن يكون له فيها رغبة ، وليلزم الشكر ~~لله على ذلك؛ فإنها الكرامة التي حرص خليله إبراهيم صلوات الله ~~على نيئتا وعليه أن يمن بها على أبيه فلم يفعل، وحرص حبيبه المصطفى ~~صلى الله عليه وسلم أن يمن بها على عمه أبي طالب فلم يفعل: ~~وأما حطام الدنيا : فإنه يصئه على كل كافر وفرعون، وملحد وزنديق، ~~وجاهل وفاسق ، الذين هم أهون خلقه عليه ، حتى يغرقوا فيه ، ويصرفه عن كل ~~نبي وصفي، وصديق وعالم وعابد، الذين هم أعز خلقه عليه، حتى إنهم ~~لا يكادون يصيبون كسرة وخرقة، ويمن عليهم بألأ يلطخهم بقذرها، حتى قال ~~عز من قائل لموسى وهارون عليهما السلام : ( ولو أشاء أن أزينكما بزينة يعلم ~~فرعون حين يراها أن مقدرته تعجز عنها.. لفعلت ، وللكني أزوي عنكما الدنيا ~~وأرغب بكما عنها ، وكذلك أفعل بأوليائي ، وإني لأذودهم عن نعيمها كما يذود ~~الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرة، وإني لأجنبهم سلوتها وعيشها(1) ، وليس ~~(2 ~~ذلك لهوانهم علي، ولكن ليستكملوا حظهم من كرامتي)(2). # وقال تعالى : ( ولؤلا أن يكون الناش أتة وحدة لجعلنا لمن يكفر بالرمن ~~ابيوتهم سقفا من فضة الآيتين . # فانظر الفرق بين الأمرين إن كنت مبصرا ، وقل : الحمد لله الذي من علينا ~~بمنن أوليائه وأصفيائه، وصرف عنا فتنة أعدائه، لنحظى ونخص بالشكر ~~الأوفر ، والحمد الاكبر، والمنة الكبرى، والنعمة العظمى التي هي الإسلام ، ~~فإنها الأؤلى والأحرى بألا تفتر ليلك ونهارك عن شكرها ، فإن كنت عاجزا عن ~~عرفان قذرها.. فاعلم بالحقيقة أنك لو خلقت من أول الدنيا ، وأخذت في شكر PageV00P266 ~~============================================================ ~~الإسلام من أول الوقت إلى الأبد.. لما كنت تقوم بذلك، ولما قضيت بعض ~~الحق؛ لما هنالك من الفوز العظيم : ~~قلث : وأعلم : أن الموضع لا يحتمل ذكر ما يبلغه علمي من قذر هذذه ~~النعمة ، ولو أمليت فيه ألف ms172 ورقة.. لكان مبلغ علمي فوق ذلك، مع أعترافي ~~بأن ما أعلمه في جنب ما لا أعلمه كنفثة في بحار الدنيا بأسرها ، أما تسمع ~~-ويحك - قوله تعالى لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم : ما كنت تدرى ما ~~الكتب ولا الإيين إلى أن قال(1) : وعلمك ما لم تكن تعلم وكا فضل الله ~~عليك عظيما}؟ # وقال تعالى لقوم : بل الله يمن عليكر أن هدنكر للايمن} الآية ~~أما تسمع قوله صلى الله عليه وسلم وقد سمع رجلا يقول : الحمذ لله على ~~الإسلام، فقال : "إنك لتحمد الله على نعمة عظيمة " ؟(2). # ولما قدم البشير على يعقوب عليه الصلاة والسلام. قال : (على أي دين ~~تركته ؟ قال : على الإسلام ، قال : الآن تمت النعمة)(3). # وقيل : ما من كلمة أحب إلى الله تعالى ، ولا أبلغ عنده في الشكر من أن ~~يقول العبد : الحمد لله الذي أنعم علينا وهدانا إلى الإسلام . # وإياك أن تغفل الشكر وتغتر بما أنت عليه في الحال من الإسلام والمعرفة، ~~والتوفيق والعصمة؛ فإن مع ذلك لا موضع للأمن والغفلة؛ فإن الأمور ~~بالعواقب. PageV00P267 ~~============================================================ ~~وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى يقول : ما أمن أحد على دينه إلأ سلب . # وكان شيخنا رحمه الله تعالى يقول : إذا سمعت بحال الكفار وخلودهم في ~~النار. . فلا تأمن على نفسك ؛ فإن الأمر على الخطر ، ولا تدري ماذا يكون من ~~العاقبة وماذا سبق لك في حكم الغيب ؛ فلا تغتر بصفاوة الأوقات؛ فإن تحتها ~~غوامض الافات: ~~وقال بعضهم : يا معشر المغترين بالعصم؛ إن تحتها أنواع النقم ، زين الله ~~ابليس بأنواع عصمته وهو عنده في حقائق لعنته، وزين بلعم بأنوار ولايته وهو ~~عنده في حقائق عداوته. # وعن علي رضي الله عنه أنه قال : (كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم ~~من مفتون بحسن القول فيه ، وكم من مغرور بالستر عليه)(1). # وقيل لذي النون : ما أقصى ما ئخدع به العبد؟ قال: (بالألطاف ~~والكرامات)(1). # ولذلك قال الله سبحانه : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ~~قال أهل المعرفة : (نسبغ عليهم النعم ، وننسيهم الشكر)(3)، كما قال ~~الشاعر: ~~أمن البسيط) ~~أحسنت ظنك بالأيام إذ ms173 حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر ~~وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر(4) ~~واعلم: أنك كلما صرت أقرب.. فأمرك أخوف وأصعب، والمعاملة أشد ~~وأدق، والخطر عليك أعظم؛ فإن الشيء كلما كان أبلغ علوا إذا أنقلب . . كان PageV00P268 ~~============================================================ ~~امن مجزوه الرجز] ~~أصعب وقوعا، كما قيل: ~~ما طار طيو فارتفع إلأ كما طار وقم(1) ~~فإذن لا سبيل إلى الأمن، وإغفال الشكر، وترك الابتهال في الحفظ ~~بحال: ~~وكان إبراهيم بن أدهم يقول : كيف تأمن وإبراهيم الخليل صلوات الله ~~وسلامآه عليه يقول : وأجنبنى وبني أن نعبد الأصنام}، ويوسف الصديق ~~عليه السلام يقول : { توفنى مسلما) ؟! # وكان سفيان الثوريي لا يزال يقول : (اللهم؛ سلم سلم)(2) ، كأنه في ~~سفينة يخشى الغرق. # وبلغنا عن محمد بن يوسف رحمه الله أنه قال : تأملت سفيان الثوري ليلة ~~فبكى الليل أجمع، فقلث : بكاؤك هلذا على الدنوب ؟ قال : فحمل تبنة ~~وقال : الذنب أهون على الله من هلذا ، إنما أخشى أن يسلبني الإسلام ، والعياذ ~~بالله. # وسمعث أنا بعض العارفين يقول : إن بعض الأنبياء صلوات الله عليهم ~~سأل الله تعالى عن أمر بلعم وطرده بعد تلك الآيات والكرامات، فقال الله ~~تعالى : لم يشكرني يوما من الأيام على ما أعطيته، ولو شكرني على ذلك مرة ~~واحدة.. لما سلبيه: ~~فتيقظ أيها الرجل، واحتفظ بركن الشكر جدا جدا ، وأحمد الله تعالى على ~~نعمه في الدين، وأعلاها الإسلام والمعرفة، وأدناها مثلا توفيق تسبيح أو عصمة ~~عن كلمة لا تعنيك ، عسى أن يتم نعمه عليك ، ولا يبتليك بمرارة الزوال؛ فإن ~~أمر الأمور وأصعبها الإهانة بعد الإكرام ، والطرد بعد التقريب، والفراق بعد ~~الوصال، والله تعالى الماجد الكريم، الرؤوف الرحيم. PageV00P269 ~~============================================================ ~~فتاق ~~(في أن حسن التعامل مع نعم الله تعالى سبب للاستقامة والاستزادة] ~~وجملة الأمر : أنك إذا أحسنت النظر في منن الله تعالى العظام عليك ، ~~وأياديه الجسام الكرام لديك، التي لا يحصرها قلبك، ولا يحيط بها وهمك، ~~حتى خلفت هذذه العقبات الصعاب، فوجدت العلوم والبصائر، وتطهرت من ~~الأوزار والكبائر، وسبقت العوائق، ودفعت العوارض، وظفرت بالبواعث، ~~ال وسلمت من القوادح، ms174 فكم حصل لك فيها من خصلة شريفة، ورتبة منيفة، ~~أولها التبصير والتعريف، وآخوها التقريب والتشريف، فتأملت فيها بمقدار ~~عقلك وتوفيقك، وشكرت الله جل جلاله على قذر طوقك؛ بأن يشغل لسانك ~~بحمده وثنائه، ويملأ قلبك بعظمته، ويبلغك مبلغأ يحول بينك وبين عصيانه، ~~ويبعثك على الخدمة له بما أمكنك، أو بسعة طاقتك، معترفا بالقصور عن حق ~~انعامه وإحسانه، وكلما أغفلت شكره أو فترت أو زللت.. عاودت وآجتهدت، ~~وتضرعت إليه وابتهلت وتوسلت، وقلت : يا ألله، يا مولاي؛ كما بدأت ~~بالإحسان بفضلك من غير أستحقاق.. فأتمثه بفضلك أيضأ من غير أستحقاق، ~~وتناديه بنداء الأولياء الذين وجدوا تاج هدايته ، وذاقوا حلاوة معرفته، فخافوا ~~على أنفسهم حرقة الطرد والإهانة، ووحشة البعد والضملالة، ومرارة العزل ~~والإزالة، فتضرعوا بالباب مستغيئين ، ومدوا إليه الأكف مبتهلين ، ونادوا في ~~الخلوات مستصرخين : ربنا لا ترغ قلوينا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لانك رحمة إناك أنت ~~الوهاب} ~~قلث أنا : تقديره والله اعلم : أنا وجذنا منك نعمة فطمعنا في أخرى؛ لأنك ~~أنت الجواد الوهاب الكريم، فكما وهبت لنا مزية الإنعام في الابتداء. . فهب لنا ~~رحمة الإتمام في الانتهاء ، أما تسمع - ويحك - أن أول دعاء علمه رت العالمين ~~عباده المسلمين الذين أصطفاهم من بين خلقه هذا الدعاء؛ قوله تعالى : ~~27 PageV00P270 ~~============================================================ ~~آهدنا الصرط المستقيد) أي : ثبتنا عليه وأدمه لنا ، هلكذا تتضرع إليه ؛ فإن ~~الخطر عظيم ~~وقيل: إن الحكماء نظروا فرثوا مصائب العالم ومحنهم إلى خمسي : ~~المرض في الغربة، والفقر في الشيب، والموت في الشباب، والعمى بعد ~~البصر، والنكرة بعد المعرفة. # وأحسن من ذلك قول من قال : ~~(من البسيط) ~~لكل شيء إذا فارقته عوض وليس لله إن فارقت من عوض ~~[من الطويل) ~~ولغيره: ~~إذا أبقت الثنيا على المرء دينه فما فاته منها فليس بضائر (1) ~~وكذلك في كل نعمة أنعم بها عليك، وتأييد أيدك به في قطع عقبة من ~~العقبات؛ ليثبت عليك ما أعطى، ويزيدك فوق ما تريذ وتتمنى، فاذا فعلت ~~ذلك(2).. كنت قد خلفت هلذه العقبة الخطيرة ، وكنت قد ظفرت بالكنزين ~~الكريمين العزيزين، اللذين هما : الاستقامة ms175 والاستزادة ، فتدوم لك النعم ~~الموجودة التي أعطاكها فلا تخشى زوالها، ويزيذك من النعم المفقودة التي لم ~~تعط بعذ ما لا تحسن أن تسألها وتتمناها فلا تخشى فواتها، وكنت حينئذ من ~~العارفين العلماء العاملين بالدين ، التائبين الطاهرين ، الزاهدين في الدنيا ، ~~المتجردين للخدمة ، القاهرين للشيطان ، المتقين الله حق التقوى بالقلب ~~والأركان ، القاصرين للأمل، الناصحين الخاشعين المتواضعين ، المتوكلين ~~المفوضين ، الراضين الصابرين ، الخائفين الراجين ، المخلصين الذاكرين ~~المنة، الشاكرين لأنعم سيدهم رب العالمين ، ثم تصير بعد ذلك من المستقيمين ~~المكرمين الصديقين ، فتأمل هلذا الكلام ، والله تعالى ولي التوفيق . # فإن قلت : إذا كان الأمر كذلك . . لقد قل من الناس العابد لهذا المعبود ، PageV00P271 ~~============================================================ ~~والواصل إلى هلذا المقصود ، ومن الذي يقوى على هذذه المؤن وتحصيل هذذه ~~الشرائط والشنن ؟! # فاعلم : أن الله تعالى كذلك يقول : وقليل من عبارى الشكور) ، ( والنكن ~~أكثرالناس لا يشكرون)، لا يعقلون)، لا يعلموب ~~ثم إن ذلك يسير على من يسره الله تعالى عليه، وعلى العبد الاجتهاد ، ~~وعلى الله سبحانه الهداية ، قال الله تعالى : ({ وألزين جهدوا فينا لنهدينهم ~~شسبلنا) ~~وإذا كان العبذ الضعيف يقوم بما عليه.. فما ظنك بالرب القدير الغني ~~الكريم الرحيم ؟! # فإن قلت : فالعمر قصير ، وهلذه عقبات طويلة شديدة، فكيف يبقى العمر ~~حتى تكمل هذه الشرائط، وتقطع هلذه العقباث ؟! # فلعمري؛ إن هذذه العقبات طويلة، والشرائط فيها شديدة، وللكن إذا ~~أراد الله تعالى أن يجتبي عبده.. قصر عليه طويلها، وهون عليه شديدها، حتى ~~يقول بعد قطعها: ما أقرب هذه الطريق وأقصرها! وما أهون هذذا الأمر ~~وأيسره ! # وفي مثل ذلك قلت أنا عند وقوفي على هلذه الغاية : ~~[من الكامل) ~~علم المحجة واضخ لمريده وأرى القلوب عن المحجة في عمى ~~ولقد عجبث لهالك ونجاته موجودة ولقد عجبت لمن نجا(1) ~~حتى إن منهم من يقطع هذذه العقبات في سبعين سنة، ومنهم من يقطعها في ~~عشرين سنة، ومنهم من يقطغها في عشر سنين، ومنهم من يحصل له في سنة، ~~ومنهم من يقطعها في شهر، بل في جمعة، بل في ساعة، حتى إن منهم من ~~يحصل له في لحظة بتوفيق ms176 خاص وعناية سابقة من الله سبحانه. PageV00P272 ~~============================================================ ~~أما تذكر أصحاب الكهف ؟ كانث مدتهم خطرة؛ حيث رأوا التغير في وجه ~~ملكهم دقيانوس فقالوا : رتنارت السملوت والأرض) الآية ~~حصلت لهم المعرفة في تلك اللحظة، وأبصروا ما في هذا الطريق من ~~الحقائق، وقطعوا هلذه الطريق فصاروا مفوضين متوكلين مستقيمين؛ إذ قالوا : ~~( فأوها إلى الكفف ينشر لكز ريكم من رحمته } الآية. # وكل ذلك إنما حصل لهم في مقدار ساعة أو لحظة. # أما تذكر سحرة فرعون؟ ما كانث مدتهم إلأ لحظة، حيث رأوا معجزة ~~موسى عليه السلام فقالوا: ءامنا برب اللمين)، فأبصروا الطريق وقطعوه، ~~فصاروا من ساعة إلى ساعة بل أقل من العارفين بالله ، الراضين بقضاء الله تعالى، ~~الصابرين على بلائه ، الشاكرين لآلائه ، المشتاقين إلى لقائه، فنادوا: لاضير ~~إنا إن رينا منقلبون ~~ولقد حكينا أن إبراهيم بن أدهم رحمه الله كان على ما كان عليه من أمر ~~ألدنيا ، فعدل عن ذلك وقصد هذه الطريق(1) ، فلم يكن إلا مقدار مسيره من بلخ ~~الى مرو الروذ حتى صار بحيث أشار إلى رجل سقط من القنطرة في الماء الكثير ~~هنالك : أن قف ، فوقف الرجل مكانه في الهواء فتخلص. # وأن رابعة البصرية كانث أمة كبيرة السن ، يطاف بها في سوق البصرة ، ~~ولا يرغب فيها أحد لكبر سنها، فرحمها بعض الثجار فاشتراها بنحو مثة درهم ~~وأعتقها، فاختارث هذذه الطريق وأقبلت على العبادة ، فما تفت لها سنة حتى ~~زارها زهاد البصرة وقراؤها وعلماؤها لعظم منزلتها. # وأما الذي لم تسبق له العناية ، ولم يعامل بالفضل والهداية.. فيوكل إلى ~~نفسه، فرئما يبقى في شعب من عقبة واحدة سبعين سنة ولا يقطعها، وكم يصيخ ~~ويصرخ: ما أظلم هذا الطريق وأشكله، وأعسر هلذا الأمر وأعضله ! فإن ~~الشأن كله إلى أصلي واحد، وذلك تقدير العزيز العليم ، العدل الحكيم: PageV00P273 ~~============================================================ ~~فإن قلت : لم أختص هذا بالتوفيق الخاص وحرم هذا وكلاهما مشتركان ~~في ربقة العبودية ؟ # فعند هلذا الشؤال ثنادى من سرادق الجلال : أن الزم الأدب، وأعرف سر ~~الربوبية وحقيقة العبودية ؛ فإنه لا يستل عما يفعل وهم يشتلوب ~~قلث أنا : ومثال ms177 هلذا الطريق في الثنيا الصراط في الآخرة؛ في عقباتها ~~ومسافاتها ومقاطعها، واختلاف أحوال الخلائق فيها، فمنهم من يمرؤ عليه ~~كالبرق الخاطف ، ومنهم من يمر عليه كالريح العاصف، وآخر كالفرس ~~الجواد، وآخر كالطائر، وآخر يمشي، وآخر يزحف حتى يصير فحمة، وآخر ~~يسمع حسيسها، وآخريؤخذ بكلاليب فيطرح في جهنم. # وكذلك حال هلذا الطريق مع سالكيه في الثنيا ، فهما صراطان : صراط ~~ألدنيا ، وصراط الآخرة، فصراط الآخرة للأنفس ، يرى أهوالها أهل الأبصار، ~~وصراط الذنيا للقلوب ، يرى أهوالها ذوو البصائر والألباب، وإنما أختلفت ~~أحوال السالكين في الآخرة لاختلاف أحوالهم في الدنيا ، فتأمل ذلك حقه ، ~~فهذه هذذه، وبالله التوفيق. # فتاق ~~لافي بيان طريق الآخرة وذكر المنح الدنيوية والأخروية المستحقة لملازم الطاعة] ~~ثم أعلم ما هو التحقيق في هلذا الباب ، وهو أنه ليس هلذا الطريق في طوله ~~وقصره مثل المسافات المكانية التي تسلكها الأنفس، فتقطعها بالأقدام ، فيقع ~~قطعها على حسب قوة الأنفس وضعفها، إنما هو طريق روحاني، تسلكه ~~القلوب، فتقطعه بالأفكار على حسب العقائد والبصائر، أصله نور سماوي، ~~ونظر إلهي، يقع في قلب العبد ، ينظر به نظرة فيرى بها أمر الدارين بالحقيقة، ~~يم هذذا النور ربما يطلبه العبد مثآة سنة فلا يجده، ولا يرى أثرا منه، وذلك ~~لخطئه في الطلب ، وتقصيره في الاجتهاد، وجهله بطريق ذلك، وآخر يجده في ~~274 PageV00P274 ~~============================================================ ~~خمسين، وآخر يجده في عشرين، وآخر في عشر، وآخر في يوم، وآخر في ~~ساعة، وآخر بلحظة، بعناية رب العالمين، وهو تعالى ولي الهداية، للكن ~~العبد مأمور بالاجتهاد، فعليه بما أمر، والأمر مقسوم مقدور، والرث حكم ~~عدل، يفعل ما يشاءآ، ويحكم ما يريد. # فإن قلت : فما أعظم هلذا الخطر وأشد هلذا الأمر ! وما أكثر ما يحتاج إليه ~~هلذا العبذ الضعيف ! فكل هلذا العمل والجهد وتحصيل هلذه الشرائط لماذا ؟ # فأقول : لعمري؛ إنك لصادق في قولك : إن الأمر شديد، والخطر ~~عظيم، ولذلك قال الله تعالى : لقد خلقا الابسن فى كبو: ~~وقال تعالى : { إنا عرضنا الأمانة على التموت والأرض وآلجبال فأبيب أن يحملنها ~~وأشفقن منها وحملها الانسن إنه كان ظلوما جهولا ms178 ~~ولذلك قال سيذ المرسلين صلوات الله وسلائه عليه وعليهم : "لو علمتم ~~ما أعلم.. لبكيتم كثيرا، ولضحكتم قليلا "(1). # وما روي : أن المنادي ينادي من قبل السماء : (ليت الخلق لم يخلقوا ، ~~(22 ~~وليتهم إذخلقوا علموا لماذا خلقوا)(2): ~~وكذلك يقول السلف رضي الله عنهم : ~~فعن أبي بكر الصديق رضي ألله عنه أنه قال : (وددث أني كنت خضراء ~~تأكلني الدواب)(3) مخافة العذاب . # وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع إنسانا يقرأ : هل أت على الا نسكن حين من الدهر ~~لم يكن شيامذكورا فقال : (ليتها تيت)(4). # (4 PageV00P275 ~~============================================================ ~~وقال أبو عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه : (وددت أني كبش لأهلي ، ~~فيتفرق لحمي، ويتحسى مرقي ، ولم أخلق)(1) . # وعن وهب بن منبآه قال : (خلق أبن آدم أحمق ، ولولا حمقه.. ما هنأه ~~(4 ~~عيش)(2). # وعن الفضيل بن عياضي رحمه الله قال : ( إني لا أغبط ملكا مقربا ، ولا نبيا ~~مرسلا، ولا عبدا صالحا، أليس هؤلاء يعاتبون يوم القيامة ؟ إنما أغبط من لم ~~3 ~~يخلق)(3). # وعن عطاء السليمي رحمه الله أنه قال : ( لو أن نارا أوقدت فقيل : من ألقى ~~نفسه فيها صار لا شيء.. لخشيت أن أموت من الفرح قبل أن أصل إلى ~~النار)(2). # فالأمر إذن - أيها الرجل - شديد كما تقول ، بل هو أشد وأعظم مما تظن ~~وتتوهم، وللكته أمه سبق في العلم القديم ، وتدبير أجراه العزيز العليم؛ ~~فلا حيلة للعبد إلا ببذل المجهود في العبودية، والاعتصام بحبل الله، والابتهال ~~دائما إلى الله تعالى، عسى أن يرحمه فيسلم بفضله. # وأما قولك : كل هلذا لماذا ؟ # فهذا كلام يدك منك على غفلة عظيمة ، بل الصواب أن تقول : كل هلذا في ~~جنب ما يطلبه العبذ الضعيف ماذا(5) 4 أتدري ما يطلب العبذ الضعيف ؟ أقل ~~ما يطلبه على الجملة شيئان : PageV00P276 ~~============================================================ ~~أحذهما : السلامة في الدارين . # والثاني : الملك في الدارين. # أما السلامة : فإن الثنيا وفتنتها وآفاتها وغوائلها بحيث لم يسلم منها ~~الملائكة المقربون، فقد سمعت حديث هاروت وماروت(1)، حتى روي : أنه ~~اذا غرج بروح العبد إلى السماء. . تقول ملائكة السماوات متعخبين : كيف نجا ~~هاذا من دار فسد ms179 فيها خيارنا ؟! # وإن الآخرة في أهوالها وشدائدها بحيث تصرخ فيها الأنبياء والؤسل ~~عليهم السلام : نفسي نفسي ، لا أسألك اليوم إلأ نفسي ، حتى روي : (أنه لو ~~كان للرجل عمل سبعين نبيا. . لظن أنه لا ينجو)(2) . # (4 ~~فمن أراد أن يسلم من فتن هلذه الدنيا ، فيخرج منها بالإسلام سالما لا تصيبه ~~فتنةآ من أهوال هلذه ، فيدخل الجنة سالما لا تصيبه نكبة. . أيكون ذلك أمرا ~~هينا؟1 ~~وأما الملك والكرامة : فإن الملك نفاذ التصؤف والمشيئة ، وإن ذلك ~~بالحقيقة في الدنيا لأولياء الله عز وجل وأصفيائه، الواضين بقضائه، فالبر ~~والبحر والأرض لهم قدم، والحجر والمدر لهم ذهث وفضة ، والجن والإنس ~~والبهائم والطيور لهم مسخرون، لا يشاؤون شيئا إلأ وهو كائن لهم؛ لأنهم ~~لا يشاؤون(3) إلأ ما شاء الله ، وما شاء الله كائن ، ولا يهابون أحدا من الخلق ~~ويهابهم كل الخلق ، ولا يخدمون أحدا إلأ الله ويخدمهم كل من دون الله ، وأنى ~~لملوك الدنيا بعشر معشار هلذه الؤتبة ، بل هم أقل وأذل ؟! # وأما ملك الآخرة : فيقول الله تعالى : وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيزا}، ~~وأعظم بما يقول فيه رث العزة : إنه ملك كبير ! وأنت تعلم أن الذنيا بأسرها PageV00P277 ~~============================================================ ~~قليلة ، وأن بقاءها من أولها إلى آخرها لقليل، ونصيب أحدنا من هلذا القليل ~~قليل، ثم الواحد منا قد يبذل ماله وروحه حتى ربما يظفر بقذر قليل من هلذا ~~القليل في بقاء قليل، وإن حصل له ذلك. . فيعذر، بل يغبط (1). # ولا يستكثر ما بذل فيه من المال والتفس، نحو ما ذكر عن أمرىء القيس ~~حيث يقول: ~~[من الطويلا ~~بكل صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا ~~فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذرا (2) ~~فكيف حال من يطلب الملك الكبير في دار النعيم الخالد المقيم ؟! أيستكثر ~~مع ذلك أن يصلي ركعتين لله تعالى ، أو ينفق درهمين ، أو يسهر ليلتين ؟ كلا ، ~~بل لو كان له ألف ألف نفسي ، وألف ألف روح ، وألف ألف عمر ، كل عمر مثل ~~عمر الدنيا واكثر، فبذل ذلك كله في ms180 هذا المطلوب العزيز. . لكان ذلك قليلا ، ~~ولئن ظفر بعده بما طلب. . كان ذلك غنما عظيما، وفضلا من الله الذي أعطاه ~~كبيرا ، فتنبة أيها المسكين من رقدة الغافلين. # ثم إني تأملت ما يعطيه الله تعالى العبد إذا أطاعه، ولزم خدمته، وسلك ~~هذذه الطريق عمره، فوجدتها على الجملة أربعين كرامة وخلعة، عشرون منها ~~في الدنيا، وعشرون في العقبى. # أما التي في الدنيا : ~~فالأولى : أن يذكره الله سبحانه ويثني عليه ، وأكرم بعبد يكون رث العالمين ~~يمن عليه في ذكره وثنائه ! # والثانية : أن يشكره جل جلاله ويعظمه، ولو شكرك مخلوق ضعيف مثلك ~~وعظمك.. لشرفت به، فكيف بإله الأولين والآخرين ؟! PageV00P278 ~~============================================================ ~~والثالثة : أن يحبه، ولو أحبك رئيس محلة، أو أمير بلدة. . لافتخرت ~~بذلك ، وأنتفعت به في مواطن عزيزة ، فكيف بمحبة رب العالمين ؟! # والرابعة : أن يكون له وكيلا يدبر أموره . # والخامسة : أن يكون له برزقه كفيلا يوجهه إليه من حال إلى حال، من غير ~~تعب أو وبال. # والشادسة : أن يكون له نصيرا يكفيه كل عدو ، ويدفع عنه كل قاصد بسوء. # والشابعة : أن يكون له أنيسا، لا يستوحش بحالي، ولا يخاف التغيير ~~والاستبدال. # والثامنة : عز النفس ، فلا يلحقه ذل خدمة الدنيا وأهلها ، بل لا يرضى أن ~~تخدمه ملوك الدنيا وجبابرتها. # والتاسعة : رفع الهمة ، فيترفع عن التلطخ بأقذار الذنيا وأهلها ، ولا يلتفت ~~إلى زخارفها وملاهيها، ترقع الرجال الألباء عن ملاعب الصبيان والنسوان. # والعاشرة : غنى القلب ، فيكون أغنى من كل غني في الذنيا ، لا يزال طيب ~~النفس، فسيح الصدر، لا يفزغه حدث، ولا يهئه عذم . # والحادية عشرة : نور القلب، فيهتدي بنور قلبه الى علوم وأسرار وحكم ~~لا يهتدي إلى بعضها غيره إلا بجهد جهيد، وعمر مديه. # والثانية عشرة : شرح الصدر، فلا يضيق ذرعا بشيء من محن الدنيا ~~ومصائبها، ومؤن الناس ومكايدهم. # والثالثة عشرة : المهابة والموقع في النفوس ، يحترمه الأخيار والأشرار، ~~ويهابه كل فرعون وجبار. # والرابعة عشرة : المحبة في القلوب ، يجعل له الرحمان ودا، فترى القلوب ~~كلها مجبولة على حبه، والنفوس كلها بأجمعها مطبوعة على تعظيمه وإكرامه. # والخامسة عشرة : البركة العامة ms181 في كل شيء ؛ من كلام أو نفسي ، أو فعلي أو ~~274 PageV00P279 ~~============================================================ ~~ثوب أو مكان، حتى يتبرك بتراب وطئه، وبمكان جلس فيه يوما، وبانسان ~~صحبه أو رآه حينا. # والسادسة عشرة : تسخير الأرض من البر والبحر، حتى إن شاء سار في ~~الهواء، أو مشى على الماء ، أو قطع وجه الأرض بأقل من ساعة ~~والسابعة عشرة : تسخير الحيوان من الشباع والوحوش والهوام وغيرها ، ~~فتجيبه الوحوش، وتبصبص له الأسوة(1): ~~والثامنة عشرة : ملك مفاتيح الأرض ، فحيئما يضرب بيده.. فله كنز إن ~~أراد، وحيثما يضرب برجله. . فله عين ماء إن أحتاج، وأينما نزل.. فله مائدة ~~تحضره إن قصد ~~والتاسعة عشرة : القيادة والوجاهة على باب رب العزة جل جلاله، فيبتغي ~~الخلق الوسيلة إلى الله تعالى بخدمته ، وتستنجع الحاجات من الله تعالى بوجاهته ~~وبركته. # والعشرون : إجابة الدعوة من ألله ؛ فلا يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه ، ~~ولا يشفع لأحد إلا شفع ، ولو أقسم على ألله تعالى. . لأبره بما شاء ، حتى إن ~~منهم من لو أشار إلى جبل. . لزال من مكانه ، فلا يحتاج إلى الشؤال باللسان ، ~~ولو خطر بباله شيء.. لحضر، فلا يحتاج إلى الإشارة باليد ، فهاذه كرامات في ~~الدنيا. # وأما التي في العقبى : ~~فالحادية والعشرون : أن يهون الله عليه أولا سكرات الموت ، وهي التي ~~وجلت قلوب الأنبياء صلوات الله وسلائه عليهم منها، حتى سألوا الله تعالى أن ~~يهونها عليهم، حتى إن منهم من يكون الموث عنده مثل شربة الماء الزلال ~~للظمآن ، قال الله تعالى : { الذين تتوفكهم الملكيكة طييين) PageV00P280 ~~============================================================ ~~والثانية والعشرون : التثبيث على المعرفة والإيمان ، وهو الذي منه كل ~~الخوف والفزع ، وعليه كل البكاء والجزع ، قال عز من قائل : يتبت الله ~~الذيبء امثوا بالقول الثايت فيى الحيوة الذنيا وف الآخرة ~~والثالثة والعشرون : إرسال الروح والريحان بالبشرى والأمان(1) ؛ قوله ~~سرر ~~تعالى : ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنشم توعدوب ) ، ~~فلا يخاف مما يقدم عليه في العقبى، ولا يحزن على ما خلفه في الثنيا : ~~والوابعة والعشرون : الخلود في الجنان ، ومجاورة الرحمان : ~~والخامسة والعشرون : الحياة في السر لروحه، فيعرج على ملائكة ms182 ~~السماوات بالإكرام والإلطاف والإنعام، ولبدنه في العلانية؛ بتعظيم جنازته، ~~والمزاحمة على الصلاة عليه، والمبادرة إلى تجهيزه، يرجون بذلك أكثر ~~ثواب، ويعدونه أعظم غنم ~~والسادسة والعشرون : الأمان من فتنة سؤال القبر ، وتلقين الصواب فيه، ~~فيأمن من ذلك الهول. # والسابعة والعشرون : توسيع القبر وتنويره، فيكون في روضة من رياض ~~الجنة إلى يوم القيامة. # والثامنة والعشرون : إيناس روحه ونسمته وإكرامها(2)، فتجعل في أجواف ~~طير خضر مع الإخوان الصالحين ، فرحين مستبشرين بما آتاهم ألله من فضله. # والتاسعة والعشرون : الحشر في العز والكرامة ؛ من خلل وتاج وبراق. # والثلاثون : بياض الوجه ونوره ، قال الله تعالى : { وجوه يؤميذ ناضرة * إلى رتها ~~ناظرە ~~وقال : وجوه يوميز تسفرة * ضاحكة تشتبشرة PageV00P281 ~~============================================================ ~~والحادية والثلاثون : الأمن من أهوال يوم القيامة ، قال الله تعالى : { أم من ~~يأتىء امنايوم القيكمة ~~والثانية والثلاثون : الكتاب باليمين ، ومنهم من كفي الكتاب رأسا : ~~والثالثة والثلاثون : تيسير الحساب ، ومنهم من لا يحاسب أصلا . # والرابعة والثلاثون : ثقل الميزان ، ومنهم من لا يوقف للوزن أصلا . # والخامسة والثلاثون : ورود الحوض على النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~فيشرب شربة لا يظمأ بعدها أبدا : ~~والشادسة والثلاثون : جواز الصراط والنجاة من النار، حتى إن منهم من ~~لا يسمع حسيسها وتخمد له النار. # والسابعة والثلاثون : الشفاعة في عرصات القيامة نحوا من شفاعة الأنبياء ~~والوسل. # والثامنة والثلاثون : ملك الأبد في الجنة . # والتاسعة والثلاثون : الرضوان الأكبر . # والأربعون : لقاء رب العالمين إلله الأولين والآخرين بلا كيف جل جلاله. # ثم أقول: وإنما عددت ذلك على حسب فهمي ومبلغ علمي في قصوره ~~ونقصه، ومع ذلك فقد أجملت وأوجزت، وذكرث الأصول والجمل، ولو ~~فصلت بعض ذلك.. لما أحتمله الكتاب، الا ترى أني جعلت ملك الأبد خلعة ~~واحدة، ولو فصلتها.. لارتفعت على أربعين خلعة من نوع الحور والقصور ~~واللباس وغير ذلك ، ثم كل نوع يشتمل على تفاصيل لا يحيط بها إلا عالم الغيب ~~والشهادة الذي هو خالقها ومالݣها ؟ # وأي مطمع لنا في فعرفة ذلك وربنا سبحانه يقول : { فلا تعلم نفس ما أخفى للم ~~من قرة أعين} الآية ؟! # 282 PageV00P282 ~~============================================================ ~~ثم إن رسول الله صلى ms183 الله عليه وسلم يقول : " خلق فيها ما لا عين رأث ، ~~ولا أذن سمعث، ولا خطر على قلب بشر "(1). # وإن المفسرين يقولون في قوله تعالى : لنفد البحرقبل أن نتفد كلمكث رى} : إن ~~هلذه هي الكلمات التي يقولها الله تعالى لأهل الجنة في الجنة باللطف والإكرام، ~~ومن تكون حاله هلذه. . فأنل يبلغ جزءا من ألف ألف جزء منه وهم بشر؟! أو ~~كيف يحيط به علم مخلوق؟! كلا، بل تقاعدت الهمم، وتقاصرت دونه ~~العقول، وحق أن يكون ذلك كذلك ، وهو عطاءآ العزيز العليم على مقتضى ~~الفضل العظيم، وحسب الجود القديم، ألا لمثل هلذا فليعمل العاملون، ~~وليبذل المجتهدون جهدهم لهلذا المطلوب العظيم ، وليعلموا أن ذلك كله لأقل ~~قليل في جنب ما هم إليه محتاجون، وإئاه يطلبون، وله يتعرضون: ~~وليعلموا أن العبد لا بد له في الجملة من أربعة : العلم، والعمل، ~~والإخلاص، والخوف، فيعلم أولا الطريق ، وإلأ.. فهو أعمى، ثم يعمل ~~بالعلم، وإلا.. فهو محجوب، ثم يخلص العمل، وإلا.. فهو مغبون، ثم ~~لا يزال يخاف ويحذر من الآفات إلى أن يجد الأمان، وإلا.. فهو مغرود . # ولقد صدق ذو النون رحمه الله حيث قال : (الخلق كلهم موتى ~~إلا العلماء، والعلماء كلهم نيام إلأ العاملين ، والعاملون كلهم مغترؤون ~~إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم)(2). # قلت أنا : والعجب كل العجب من أربعة : ~~أحدها: من عاملي غير عالم، أما يهتم بمعرفة ما بين يديه؟ أما يتعرف ~~ما هو مطلع بعد الموت عليه بالنظر في هلذه الدلائل والعبر، والاستماع إلى PageV00P283 ~~============================================================ ~~هلذه الآيات والنذر ، والانزعاج لهلذه الخواطر والهواجس في النفس؟ قال الله ~~تعالى : { أولر ينظروا فى ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شىو) ~~وقال تعالى : { ألا يظن أولكهك أنهم تبعوثون * ليقع عظيم) . # والثاني : من عالم غير عامل، أما يتذكر ما يعلم يقينا مما بين يديه من ~~الأهوال العظام والعقبات الصعاب، وهلذا هو النبأ العظيم الذي أنتم عنه ~~معرضون؟ # والثالث : من عامل غير مخلص ، أما يتأمل قوله تعالى : { فمن كان يرحوا لقاء ~~ريو فليعمل عملا صلحا ولا يشرله بعبادة ريده أحدا}؟ ms184 # والرابع: من مخلصي غير خائف، أما ينظر إلى معاملاته جل جلاله مع ~~أصفيائه وأولياته وخدمه الدالة بينه وبين خلقه ؟ حتى يقول لأكرم الخلق عليه ~~محمد صلى الله عليه وسلم: ( ولقد أوحى إليك وإلى ألذين من قبلك لين أشركت ~~ليحبطن عملك الآيات ونحوها: ~~حتى كان عليه الصلاة والسلام يقول : 8 شيبتني هود وأخواتها"(1). # ثم جملة الأمر وتفصيله ما قاله رث العالمين في أربع آيات من الكتاب ~~العزيز: ~~قوله عز وجل : { أفحسبتر انما خلقنلكم عبما وانكم إلتنالا ترجعون) ~~22و4244 ~~ثم قال جل اسمه : ولتنظز نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما ~~تعملون) ~~وقال جل من قائل : { وألذين جنهدوا فينالنهدينهم شبلنا) ~~ثم أجمل الكل فقال وهو أصدق القائلين : { ومن جلهد فإنما يجلهد لنفسهء إن ~~الله لضفي عن العكلمين) PageV00P284 ~~============================================================ ~~ات- ~~امه ~~ال ونحن نستغفر الله من كل ما زل به القدم ، أو طغى به القلم، ونستغفره من ~~أقاويلنا التي لا توافق أعمالنا، ونستغفره من كل ما آدعيناه وأظهرناه من العلم ~~بدين الله تعالى ، مع التقصير فيه، ونستغفره من كل خطرة دعثنا إلى تصنع ~~وتزين؛ في كتاب سطرناه ، أو كلام نظمناه، أو علم أفدناه ، ونسأله أن يجعلنا ~~وإياكم معشر الإخوان بما علمناه عاملين ، ولوجهه به مريدين، وألا يجعله وبالا ~~علينا ، وأن يضعه في ميزان الصالحات إذا ردث أعمالنا إلينا، إنه جواد كريم. # فهذا ما أردنا أن نذكره في شرح كيفية سلوك طريق الآخرة ، وقد وفينا ~~بالمقصود ، والحمذ لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تنزل البركات، ~~وصلى الله على خير مولود دعا إلى أفضل معبود ، محمد النبي المحمود ، وعلى ~~آله وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين ، والحمد لله رب العالمين ، والعاقبة ~~(1 ~~للمثقين ، آمين آمين آمين(1) . PageV00P285 ~~============================================================ ms185