######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000081 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن القيم #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله #META# 011.AuthorBORN :: 691 #META# 011.AuthorDIED :: 751 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: مجموعة ابن القيم :: مجموعة ابن القيم في التزكية والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: مدارج السالكين #META# 030.LibURI :: JK_000081 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد حامد الفقي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتاب العربي #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1393 - 1973 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم # الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ~~وأشهد أن لا إله إلاالله وحده لا شريك له رب العالمين وإله المرسلين وقيوم ~~السموات والأرضين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالكتاب المبين ~~الفارق بين الهدى والضلال والغي والرشاد والشك واليقين أنزله لنقرأه تدبرا ~~ونتأمله تبصرا ونسعد به تذكرا ونحمله على أحسن وجوهه ومعانيه ونصدق به ~~ونجتهد على إقامة أوامره ونواهيه ونجتني ثمار علومه النافعة الموصلة إلى ~~الله سبحانه من أشجاره ورياحين الحكم من بين رياضه وأزهاره فهو كتابه الدال ~~عليه لمن أراد معرفته وطريقه الموصلة لسالكها إليه ونوره المبين الذي أشرقت ~~له الظلمات ورحمته المهداة التي بها صلاح جميع المخلوقات والسبب الواصل ~~بينه وبين عباده إذا انقطعت الأسباب وبابه الأعظم الذي منه الدخول فلا يغلق ~~إذا غلقت الأبواب وهو الصراط المستقيم الذي لاتميل به الآراء والذكر الحكيم ~~الذي لا تزيغ به الأهواء والنزل الكريم الذي لا يشبع منه العلماء لا تفنى ~~عجائبه ولا تقلع سحائبه ولا تنقضي آياته ولا تختلف دلالاته كلما ازدادت ~~البصائر فيه تأملا وتفكيرا زادها هداية وتبصيرا وكلما بجست معينه فجر لها ~~ينابيع الحكمة تفجيرا فهو نور البصائر من عماها وشفاء الصدور من أدوائها ~~وجواها وحياة القلوب ولذة النفوس ورياض القلوب وحادي الأرواح إلى بلاد ~~الأفراح والمنادي بالمساء والصباح ياأهل الفلاح حي على الفلاح نادى منادى ~~الإيمان على رأس الصراط المستقيم 46 31 @QB@ يا قومنا أجيبوا داعي الله ~~وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم @QE@ # أسمع والله لو صادف آذانا واعية وبصر لو صادف قلوبا من الفساد ~~PageV01P003 خالية لكن عصفت على القلوب هذه الأهواء فأطفأت مصابيحها وتمكنت ~~منها آراء الرجال فأغلقت أبوابها وأضاعت مفاتيحها وران عليها كسبها فلم تجد ~~حقائق القرآن إليها منفذا وتحكمت فيها أسقام الجهل فلم تنتفع معها بصالح ~~العمل # واعجبا لها كيف جعلت غذاءها من هذه الأراء التي لا تسمن ولا تغني من جوع ms0001 ~~ولم تقبل الإغتذاء بكلام رب العالمين ونصوص حديث نبيه المرفوع أم كيف اهتدت ~~في ظلم الآراء إلى التمييز بين الخطإ والصواب وخفى عليها ذلك في مطالع ~~الأنوار من السنة والكتاب # واعجبا كيف ميزت بين صحيح الآراء وسقيمها ومقبولها ومردودها وراجحها ~~ومرجوحها وأقرت على أنفسها بالعجز عن تلقى الهدى والعلم من كلام من كلامه ~~لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو الكفيل بإيضاح الحق مع غاية ~~البيان وكلام من أوتي جوامع الكلم واستولى كلامه على الأقصى من البيان # كلا بل هي والله فتنة أعمت القلوب عن مواقع رشدها وحيرت العقول عن طرائق ~~قصدها يربى فيها الصغير ويهرم فيها الكبير # وظنت خفافيش البصائر أنها الغاية التي يتسابق إليها المتسابقون والنهاية ~~التي تنافس فيها المنافسون وتزاحموا عليها وهيهات أين السهى من شمس الضحى ~~وأين الثرى من كواكب الجوزاء وأين الكلام الذي لم تضمن لنا عصمة قائله ~~بدليل معلوم من النقل المصدق عن القائل المعصوم وأين الأقوال التي أعلا ~~درجاتها أن تكون سائغة الإتباع من النصوص الواجب على كل مسلم تقديمها ~~وتحكيمها والتحاكم إليها في محل النزاع وأين الآراء التي نهى قائلها عن ~~تقليده فيها وحذر من النصوص التي فرض على كل عبد أن يهتدي بها PageV01P004 ~~ويتبصر وأين المذاهب التي إذا مات أربها فهي من جملة الأموات من النصوص ~~التي لا تزول إذا زالت الأرض والسموات # سبحان الله ماذا حرم المعرضون عن نصوص الوحي واقتباس العلم من مشكاته من ~~كنوز الذخائر وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر قنعوا بأقوال ~~استنبطتها معاول الآراء فكرا وتقطعوا أمرهم بينهم لأجلها زبرا وأوحى بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا فاتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورا # درست معالم القرآن في قلوبهم فليسوا يعرفونها ودثرت معاهده عندهم فليسوا ~~يعمرونها ووقعت ألويته وأعلامه من أيديهم فليسوا يرفعونها وأفلت كواكبه ~~النيرة من آفاق نفوسهم فلذلك لا يحبونها وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم ~~وعقدها فليسوا يبصرونها # خلعوا نصوص الوحي عن سلطان الحقيقة وعزلوها عن ولاية اليقين وشنوا عليها ~~غارات ms0002 التأويلات الباطلة فلا يزال يخرج عليها من جيوشهم كمين بعد كمين نزلت ~~عليهم نزول الضيف على أقوام لئام فعاملوها بغير ما يليق بها من الإجلال ~~والإكرام وتلقوها من بعيد ولكن بالدفع في صدورها والأعجاز وقالوا مالك ~~عندنا من عبور وإن كان ولا بد فعلى سبيل الإجتياز أنزلوا النصوص منزلة ~~الخليفة في هذا الزمان له السكة والخطبة وماله حكم نافذ ولا سلطان المتمسك ~~عندهم بالكتاب والسنة صاحب ظواهر مبخوس حظه من المعقول والمقلد للآراء ~~المتناقضة المتعارضة والأفكار المتهافتة لديهم هو الفاضل المقبول وأهل ~~الكتاب والسنة المقدمون لنصوصها على غيرها جهال لديهم منقوصون 2 13 @QB@ ~~وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم ~~السفهاء ولكن لا يعلمون @QE@ # حرموا والله الوصول بعدولهم عن منهج الوحي وتضييعهم الأصول PageV01P005 ~~وتمسكوا بأعجاز لا صدور لها فخانتهم أحرص ما كانوا عليها وتقطعت بهم ~~أسبابها أحوج ما كانوا إليها حتى إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور ~~وتميز لكل قوم حاصلهم الذي حصلوه وانكشفت لهم حقيقة ما اعتقدوه وقدموا على ~~ما قدموه 39 48 وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون وسقط في أيديهم عند ~~الحصاد لما عاينوا غلة ما بذروه # فياشدة الحسرة عند ما يعاين المبطل سعيه وكده هباءا منثورا وياعظم ~~المصيبة عند ما يتبين بواراق أمانيه خلبا وآماله كاذبة غرورا فما ظن من ~~انطوت سريرته على البدعة والهوى والتعصب للآراء بربه يوم تبلى السرائر وما ~~عذر من نبذ الوحيين وراء ظهره في يوم لا تنفع الظالمين فيه المعاذر # أفيظن المعرض عن كتاب ربه وسنة رسوله أن ينجو من ربه بآراء الرجال أو ~~يتخلص من بأس الله بكثرة البحوث والجدال وضروب الأقيسة وتنوع الأشكال أو ~~بالإشارات والشطحات وأنواع الخيال # هيهات والله لقد ظن أكذب الظن ومنته نفسه أبين المحال وإنما ضمنت النجاة ~~لمن حكم هدى الله على غيره وتزود التقوى وائتم بالدليل وسلك الصراط ~~المستقيم واستمسك من الوحي بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والله سميع ~~عليم # وبعد ms0003 فلما كان كمال الإنسان إنما هو بالعلم النافع والعمل الصالح وهما ~~الهدى ودين الحق وبتكميله لغيره في هذين الأمرين كما قال تعالى @QB@ والعصر ~~إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر @QE@ أقسم سبحانه أن كل أحد خاسر إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان ~~وقوته العملية بالعمل الصالح وكمل غيره بالتوصية بالحق والصبر عليه فالحق ~~هو الإيمان والعمل ولا يتمان إلا بالصبر عليهما والتواصي بهما كان حقيقا ~~بالإنسان أن ينفق ساعات عمره بل أنفاسه فيما ينال به المطالب العالية ويخلص ~~به من الخسران المبين وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن وتفهمه وتدبره ~~PageV01P006 واستخراج كنوزه وإثارة دفائنه وصرف العناية إليه والعكوف ~~بالهمة عليه فإنه الكفيل بمصالح العباد في المعاش والمعاد والموصل لهم إلى ~~سبيل الرشاد فالحقيقة والطريقة والأذواق والمواجيد الصحيحة كلها لا تقتبس ~~إلا من مشكاته ولا تستثمر إلا من شجراته # ونحن بعون الله ننبه على هذا بالكلام على فاتحة الكتاب وأم القرآن وعلى ~~بعض ما تضمنته هذه السورة من هذه المطالب وما تضمنته من الرد على جميع ~~طوائف أهل البدع والضلال وما تضمنته من منازل السائرين ومقامات العارفين ~~والفرق بين وسائلها وغاياتها ومواهبها وكسبياتها وبيان أنه لا يقوم غير هذه ~~السورة مقامها ولا يسد مسدها ولذلك لم ينزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ~~ولا في القرآن مثلها # والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم # أعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال ~~وتضمنتها أكمل تضمن # فاشتملت على التعريف بالمعبود تبارك وتعالى بثلاثة أسماء مرجع الأسماء ~~الحسنى والصفات العليا إليها ومدارها عليها وهي الله والرب الرحمن وبنيت ~~السورة على الإلهية والربوبية والرحمة ف @QB@ إياك نعبد @QE@ مبنى على ~~الإلهية @QB@ وإياك نستعين @QE@ على الربوبية وطلب الهداية إلى الصراط ~~المستقيم بصفة الرحمة والحمد يتضمن الأمور الثلاثة فهو المحمود في إلهيته ~~وربوبيته ورحمته والثناء والمجد كمالان لجده # وتضمنت إثبات المعاد وجزاء العباد بأعمالهم حسنها وسيئها وتفرد الرب ~~تعالى بالحكم إذ ذاك بين ms0004 الخلائق وكون حكمه بالعدل وكل هذا تحت قوله @QB@ ~~مالك يوم الدين @QE@ # وتضمنت إثبات النبوات من جهات عديدة PageV01P007 # أحدها كونه رب العالمين فلا يليق به أن يترك عباده سدى هملا لا يعرفهم ما ~~ينفعهم في معاشهم ومعادهم وما يضرهم فيهما فهذا هضم للربوبية ونسبة الرب ~~تعالى إلى ما لا يليق به وما قدره حق قدره من نسبه إليه # الثاني أخذها من اسم الله وهو المألوه المعبود ولا سبيل للعباد إلى معرفة ~~عبادته إلا من طريق رسله # الموضع الثالث من اسمه الرحمن فإن رحمته تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ~~ما ينالون به غاية كما لهم فمن أعطى اسم الرحمن حقه عرف أنه متضمن لإرسال ~~الرسل وإنزال الكتب أعظم من تضمنه إنزال الغيث وإنبات الكلأ وأخراج الحب ~~فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما ~~تحصل به حياة الأبدان والأشباح لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الإسم حظ ~~البهائم والدواب وأدرك منه أولو الألباب أمرا وراء ذلك PageV01P008 # الموضع الرابع من ذكر @QB@ يوم الدين @QE@ فإنه اليوم الذي يدين الله ~~العباد فيه بأعمالهم فيثيبهم على الخيرات ويعاقبهم على المعاصي والسيئات ~~وما كان الله ليعذب أحدا قبل إقامة الحجة عليه والحجة إنما قامت برسله ~~وكتبه وبهم استحق الثواب والعقاب وبهم قام سوق يوم الدين وسيق الأبرار إلى ~~النعيم والفجار إلى الجحيم # الموضع الخامس من قوله @QB@ إياك نعبد @QE@ فإن ما يعبد به الرب تعالى لا ~~يكون إلا على ما يحبه ويرضاه وعبادته وهي شكره وحبه وخشيته فطرى ومعقول ~~للعقول السليمة لكن طريق التعبد وما يعبد به لا سبيل إلى معرفته إلا برسله ~~وبيانهم وفي هذا بيان أن إرسال الرسل أمر مستقر في العقول يستحيل تعطيل ~~العالم عنه كما يستحيل تعطيله عن الصانع فمن أنكر الرسول فقد أنكر المرسل ~~ولم يؤمن به ولهذا جعل الله سبحانه الكفر برسله كفرا به # الموضع السادس من قوله @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ فالهداية هي ~~البيان والدلالة ثم التوفيق والإلهام وهو بعد البيان والدلالة ولا سبيل إلى ~~البيان والدلالة إلا ms0005 من جهة الرسل فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف ترتب ~~عليه هداية التوفيق وجعل الإيمان في القلب وتحبيبه إليه وتزيينه في القلب ~~وجعله مؤثرا له راضيا به راغبا فيه # وهما هدايتان مستقلتان لا يحصل الفلاح إلا بهما وهما متضمنتان تعريف مالم ~~نعلمه من الحق تفصيلا وإجمالا وإلهامنا له وجعلنا مريدين لإتباعه ظاهرا ~~وباطنا ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدى بالقول والعمل والعزم ثم ~~إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة # ومن هنا يعلم اضطرار العبد إلى سؤال هذه الدعوة فوق كل ضرورة وبطلان قول ~~من يقول إذا كنا مهتدين فكيف نسأل الهداية فإن المجهول لنا من الحق أضعاف ~~المعلوم وما لا نريد فعله تهاونا وكسلا مثل ما نريده PageV01P009 أو أكثر ~~منه أو دونه وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك وما نعرف جملته ولا نهتدي ~~لتفاصيله فأمر يفوت الحصر ونحن محتاجون إلى الهداية التامة فمن كملت له هذه ~~الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام # وللهداية مرتبة أخرى وهي آخر مراتبها وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق ~~الجنة وهو الصرط الموصل إليها فمن هدى في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم ~~الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه هدى هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى ~~جنته ودار ثوابه وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله ~~لعباده في هذه الدار يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم وعلى ~~قدر سيره على هذه الصراط يكون سيره على ذاك الصراط فمنهم من يمر كالبرق ~~ومنهم من يمر كالطرف ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كشد الركاب ومنهم من ~~يسعى سعيا ومنهم من يمشي مشيا ومنهم من يحبوا حبوا ومنهم المخدوش المسلم ~~ومنهم المكردس في النار فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا ~~حذو القذة بالقذة جزاء وفاقا @QB@ هل تجزون إلا ما كنتم تعملون @QE@ # ولينظر الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم ~~فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط تخطفه ms0006 وتعوقه عن المرور عليه فإن ~~كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك @QB@ وما ربك بظلام للعبيد @QE@ # فسؤال الهداية متضمن لحصول كل خير والسلامة من كل شر # الموضع السابع من معرفة نفس المسئول وهو الصراط المستقيم ولا تكون الطريق ~~صراطا حتى تتضمن خمسة أمور الإستقامة والإيصال إلى المقصود والقرب وسعته ~~للمارين عليه وتعينه طريقا للمقصود ولا يخفى تضمن الصراط المستقيم لهذه ~~الأمور الخمسة # فوصفه بالإستقامة يتضمن قربه لأن الخط المستقيم هو أقرب خط فاصل ~~PageV01P010 بين نقطتين وكلما تعوج طال وبعد واستقامته تتضمن إيصاله إلى ~~المقصود ونصبه لجميع من يمر عليه يستلزم سعته وإضافته إلى المنعم عليهم ~~ووصفه بمخالفة صراط أهل الغضب والضلال يستلزم تعينه طريقا # والصراط تارة يضاف إلى الله إذ هو الذي شرعه ونصبه كقوله تعالى 6 153 ~~@QB@ وأن هذا صراطي مستقيما @QE@ وقوله 42 153 @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم صراط الله @QE@ وتارة يضاف إلى العباد كما في الفاتحة لكونهم أهل ~~سلوكه وهو المنسوب لهم وهم المارون عليه # الموضع الثامن من ذكر المنعم عليهم وتمييزهم عن طائفتي الغضب والضلال # فانقسم الناس بحسب معرفة الحق والعمل به إلى هذه الأقسام الثلاثة لأن ~~العبد إما أن يكون عالما بالحق أو جاهلا به والعالم بالحق إما أن يكون ~~عاملا بموجبه أو مخالفا له فهذه أقسام المكلفين لا يخرجون عنها ألبتة ~~فالعالم بالحق العامل به هو المنعم عليه وهو الذي زكى نفسه بالعلم النافع ~~والعمل الصالح وهو المفلح 91 9 @QB@ قد أفلح من زكاها @QE@ والعالم به ~~المتبع هواه هو المغضوب عليه والجاهل بالحق هو الضال والمغضوب عليه ضال عن ~~هداية العمل والضال مغضوب عليه لضلاله عن العلم الموجب للعمل فكل منهما ضال ~~مغضوب عليه ولكن تارك العمل بالحق بعد معرفته به أولى بوصف الغضب وأحق به # ومن ههنا كان اليهود أحق به وهو متغلظ في حقهم كقوله تعالى في حقهم 2 90 ~~@QB@ بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من ~~فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على ms0007 غضب @QE@ وقال تعالى 5 60 قل هل ~~أنبئكم بشر من ذلك مثوبة من عندالله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم ~~القردة والخنازير وعبدالطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل والجاهل ~~بالحق أحق باسم الضلال ومن هنا وصفت النصارى به في قوله تعالى 5 77 قل يا ~~أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق PageV01P011 @QB@ ولا تتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ فالأولى في ~~سياق الخطاب مع اليهود والثانية في سياقه مع النصارى وفي الترمذي وصحيح ابن ~~حبان من حديث عدي بن حاتم قال قال رسول الله اليهود مغضوب عليهم والنصارى ~~ضالون / ح / # ففي ذكر المنعم عليهم وهم من عرف الحق واتبعه والمغضوب عيهم وهم من عرفه ~~واتبع هواه والضالين وهم من جهله ما يستلزم ثبوت الرسالة والنبوة لأن ~~انقسام الناس إلى ذلك هو الواقع المشهود وهذه القسمة إنما أوجبها ثبوت ~~الرسالة # وأضاف النعمة إليه وحذف فاعل الغضب لوجوه # منها أن النعمة هي الخير والفضل والغضب من باب الإنتقام والعدل والرحمة ~~تغلب الغضب فأضاف إلى نفسه أكمل الأمرين وأسبقهما وأقواهما وهذه طريقة ~~القرآن في إسناد الخيرات والنعم إليه وحذف الفاعل في مقابلتهما كقول مؤمني ~~الجن 72 10 وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ومنه ~~قول الخضر في شأن الجدار واليتيمين 18 82 فأراد ربك أن يبلغا أشدهم ~~ويستخرجا كنزهما وقال في خرق السفينة 18 79 فأردت أن أعيبها ثم قال بعد ذلك ~~@QB@ وما فعلته عن أمري @QE@ وتأمل قوله تعالى 2 187 أحل لكم ليلة الصيام ~~الرفث إلى نسائكم وقوله 5 3 حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وقوله 4 ~~23 حرمت عليكم أمهاتكم ثم قال 4 24 وأحل لكم ما رواء ذلكم # وفي تخصيصه لأهل الصراط المستقيم بالنعمة ما دل على أن النعمة المطلقة هي ~~الموجبة للفلاح الدائم وأما مطلق النعمة فعلى المؤمن والكافر فكل الخلق في ~~نعمه وهذا فصل النزاع في مسألة هل لله ms0008 على الكافر من نعمة أم لا # فالنعمة المطلقة لأهل الإيمان ومطلق النعمة تكون للمؤمن والكافر ~~PageV01P012 # كما قال تعالى 14 34 وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم ~~كفار # والنعمة من جنس الإحسان بل هي الإحسان والرب تعالى إحسانه على البر ~~والفاجر والمؤمن والكافر # وأما الإحسان المطلق فللذين اتقوا والذين هم محسنون # الوجه الثاني أن الله سبحانه هو المنفرد بالنعم 16 53 وما بكم من نعمة ~~فمن الله فأضيف إليه ما هو منفرد به وإن أضيف إلى غيره فلكونه طريقا ومجرى ~~للنعمة وأما الغضب على أعدائه فلا يختص به تعالى بل ملائكته وأنبياؤه ورسله ~~وأولياؤه يغضبون لغضبه فكان في لفظة @QB@ المغضوب عليهم @QE@ بموافقة ~~أوليائه له من الدلالة على تفرده بالإنعام وأن النعمة المطلقة منه وحده ~~هوالمنفرد بها ما ليس في لفظة المنعم عليهم # الوجه الثالث أن في حذف فاعل الغضب من الإشعار بإهانة المغضوب عليه ~~وتحقيره وتصغير شأنه ما ليس في ذكر فاعل النعمة من إكرام المنعم عليه ~~والإشادة بذكره ورفع قدره ما ليس في حذفه فإذا رأيت من قد أكرمه ملك وشرفه ~~ورفع قدره فقلت هذا الذي أكرمه السلطان وخلع عليه وأعطاه ما تمناه كان أبلغ ~~في الثناء والتعظيم من قولك هذا الذي أكرم وخلع عليه وشرف وأعطى # وتأمل سرا بديعا في ذكر السبب والجزاء للطوائف الثلاثة بأوجز لفظ وأخصره ~~فإن الإنعام عليهم يتضمن إنعامه بالهداية التي هي العلم النافع والعمل ~~الصالح وهي الهدى ودين الحق ويتضمن كمال الإنعام بحسن الثواب والجزاء فهذا ~~تمام النعمة ولفظ @QB@ أنعمت عليهم @QE@ يتضمن الأمرين # وذكر غضبه على المغضوب عليهم يتضمن أيضا أمرين الجزاء بالغضب الذي موجبه ~~غاية العذاب والهوان والسبب الذي استحقوا به غضبه سبحانه PageV01P013 فإنه ~~أرحم وأرأف من أن يغضب بلا جناية منهم ولا ضلال فكأن الغضب عليهم مستلزم ~~لضلالهم وذكر الضالين مستلزم لغضبه عليهم وعقابه لهم فإن من ضل استحق ~~العقوبة التي هي موجب ضلاله وغضب الله عليه # فاستلزم وصف كل واحد من الطوائف الثلاث للسبب والجزاء أبين استلزام ~~واقتضاه ms0009 أكمل اقتضاء في غاية الإيجاز والبيان والفصاحة مع ذكر الفاعل في ~~أهل السعادة وحذفة في أهل الغضب وإسناد الفعل إلى السبب في أهل الضلال # وتأمل المقابلة بين الهداية والنعمة والغضب والضلال فذكر @QB@ المغضوب ~~عليهم @QE@ و @QB@ الضالين @QE@ في مقابلة المهتدين المنعم عليهم وهذا كثير ~~في القرآن يقرن بين الضلال والشقاء وبين الهدى والفلاح فالثاني كقوله 2 4 ~~أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون وقوله @QB@ أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون @QE@ والأول كقوله تعالى 54 47 إن المجرمين في ضلال وسعر وقوله 2 7 ~~ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم وقد جمع ~~سبحانه بين الأمور الأربعة في قوله 20 123 فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع ~~هداي فلا يضل ولا يشقى فهذا الهدى والسعادة ثم قال 20 124 ومن أعرض عن ذكرى ~~فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت ~~بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى فذكر الضلال والشقاء # فالهدى والسعادة متلازمان والضلال والشقاء متلازمان # | فصل وذكر الصراط المستقيم مفردا معرفا تعريفين تعريفا باللام # وتعريفا بالإضافة وذلك يفيد تعينه واختصاصه وأنه صراط واحد وأما طرق أهل ~~الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها كقوله 6 153 وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله فوحد لفظ PageV01P014 ~~@QB@ الصراط @QE@ و @QB@ سبيله @QE@ وجمع @QB@ السبل @QE@ المخالفة له وقال ~~ابن مسعود خط لنا رسول الله خطا وقال هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه ~~وعن يساره وقال هذه سبل على كل سبيل شيطان يدعو إليه ثم قرأ قوله تعالى ~~@QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ~~ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون @QE@ وهذا لأن الطريق الموصل إلى الله واحد وهو ~~ما بعث به رسله وأنزل به كتبه لا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق # ولو أتى الناس من كل طريق واستفتحوا من كل باب فالطرق عليهم مسدودة ~~والأبواب عليهم مغلقة إلا ms0010 من هذا الطريق الواحد فإنه متصل بالله موصل إلى ~~الله قال الله تعالى 15 14 هذا صراط علي مستقيم قال الحسن معناه صراط إلي ~~مستقيم وهذا يحتمل أمرين أن يكون أراد به أنه من باب إقامة الأدوات بعضها ~~مقام بعض فقامت أداة على مقام إلى والثاني أنه أراد التفسير على المعنى وهو ~~الأشبه بطريق السلف أي صراط موصل إلي وقال مجاهد الحق يرجع إلى الله وعليه ~~طريقه لا يعرج على شيء وهذا مثل قول الحسن وأبين منه وهو من أصح ما قيل في ~~الآية وقيل علي فيه للوجوب أي علي بيانه وتعريفه والدلالة عليه والقولان ~~نظير القولين في آية النحل وهي 16 9 وعلى الله قصد السبيل والصحيح فيها ~~كالصحيح في آية الحجر أن السبيل القاصد وهو المستقيم المعتدل يرجع إلى الله ~~ويوصل إليه قال طفيل الغنوي # مضوا سلفا قصد السبيل عليهم % وصرف المنايا بالرجال تشقلب # أي ممرنا عليهم وإليهم وصولنا وقال الآخر # فهن المنايا أي واد سلكته % عليها طريقي أو علي طريقها # فإن قيل لو أريد هذا المعنى لكان الأليق به أداة إلى التي هي للإنتهاء لا ~~أداة على التي هي للوجوب ألا ترى أنه لما أراد الوصول قال PageV01P015 88 ~~22 23 إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم @QB@ وقال @QE@ 30 23 إلينا ~~مرجعهم @QB@ وقال @QE@ 6 108 ثم إلى ربهم مرجعهم وقال لما أراد الوجوب 88 ~~26 ثم إن علينا حسابهم @QB@ وقال @QE@ 75 17 إن علينا جمعه وقرآنه @QB@ ~~وقال @QE@ 6 38 وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ونظائر ذلك # قيل في أداة على سر لطيف وهو الإشعار بكون السالك على هذا الصراط على هدى ~~وهو حق كما قال في حق المؤمنين 2 4 أولئك على هدى من ربهم وقال لرسوله 27 ~~79 فتوكل على الله إنك على الحق المبين والله عز وجل هو الحق وصراطه حق ~~ودينه حق فمن استقام على صراطه فهو على الحق والهدى فكان في أداة على على ~~هذا المعنى ما ليس في ms0011 أداة إلى فتأمله فإنه سر بديع # فإن قلت فما الفائدة في ذكر على في ذلك أيضا وكيف يكون المؤمن مستعليا ~~على الحق وعلى الهدى # قلت لما فيه من استعلائه وعلوه بالحق والهدى مع ثباته عليه واستقامته ~~إليه فكان في الإتيان بأداة على ما يدل على علوه وثبوته واستقامته وهذا ~~بخلاف الضلال والريب فإنه يؤتى فيه بأداة في الدالة على انغماس صاحبه ~~وانقماعه وتدسسه فيه كقوله تعالى 9 45 فهم في ريبهم يترددون وقوله 6 39 ~~والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات وقوله 23 24 فذرهم في غمرتهم حتى ~~حين وقوله 42 14 وإنهم لفي شك منه مريب # وتأمل قوله تعالى 34 24 وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين فإن طريق ~~الحق تأخذ علوا صاعدة بصاحبها إلى العلي الكبير وطريق الضلال تأخذ سفلا ~~هاوية بسالكها في أسفل سافلين # وفي قوله تعالى 15 41 قال هذا صراط علي مستقيم قول ثالث وهو قول الكسائي ~~إنه على التهديد والوعيد نظير قوله 89 14 إن ربك لبالمرصاد كما يقال طريقك ~~على وممرك على لمن تريد إعلامه بأنه PageV01P016 غير فائت لك ولا معجز ~~والسياق يأبى هذا ولا يناسبه لمن تأمله فإنه قاله مجيبا لإبليس الذي قال 15 ~~39 لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين فإنه لا سبيل لي إلى إغوائهم ~~ولا طريق لي عليهم # فقرر الله عز وجل ذلك أتم التقرير وأخبر أن الإخلاص صراط عليه مستقيم فلا ~~سلطان لك على عبادي الذين هم على هذا الصراط لأنه صراط علي ولا سبيل لإبليس ~~إلى هذا الصراط ولا الحوم حول ساحته فإنه محروس محفوظ بالله فلا يصل عدو ~~الله إلى أهله # فليتأمل العارف هذا الموضع حق التأمل ولينظر إلى هذا المعنى ويوازن بينه ~~وبين القولين الآخرين أيهما أليق بالآيتين وأقرب إلى مقصود القرآن وأقوال ~~السلف # وأما تشبيه الكسائي له بقوله إن ربك لبالمرصاد فلا يخفى الفرق بينهما ~~سياقا ودلالة فتأمله ولا يقال في التهديد هذا طريق مستقيم علي لمن لا يسلكه ~~وليست ms0012 سبيل المهدد مستقيمة فهو غير مهدد بصراط الله المستقيم وسبيله التي ~~هو عليها ليست مستقيمة على الله فلا يستقيم هذا القول ألبتة # وأما من فسره بالوجوب أي علي بيان استقامته والدلالة عليه فالمعنى صحيح ~~لكن في كونه هو المراد بالآية نظر لأنه حذف في غير موضع الدلالة ولم يؤلف ~~الحذف المذكور ليكون مدلولا عليه إذا حذف بخلاف عامل الظرف إذا وقع صفة ~~فإنه حذف مألوف معروف حتى إنه لا يذكر ألبتة فإذا قلت له درهم على كان ~~الحذف معروفا مألوفا فلو أردت علي نقده أو علي وزنه وحفظه ونحو ذلك وحذفت ~~لم يسغ وهو نظير علي بيانه المقدر في الآية مع أن الذي قاله السلف أليق ~~بالسياق وأجل المعنيين وأكبرهما # وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رضي الله عنه يقول وهما نظير ~~قوله تعالى 92 12 13 إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى قال فهذه ثلاثة ~~مواضع في القرآن في هذا المعنى PageV01P017 # قلت وأكثر المفسرين لم يذكر في سورة والليل إذا يغشى إلا معنى الوجوب أي ~~علينا بيان الهدى من الضلال ومنهم من لم يذكر في سورة النحل إلا هذا المعنى ~~كالبغوي وذكر في الحجر الأقوال الثلاثة وذكر الواحدي في بسيطه المعنيين في ~~سورة النحل واختار شيخنا قول مجاهد والحسن في السور الثلاث # | فصل والصراط المستقيم هو صراط الله وهو يخبر أن الصراط عليه سبحانه # كما ذكرنا ويخبر أنه سبحانه على الصراط المستقيم وهذا في موضعين من ~~القرآن في هود والنحل قال في هود 11 56 ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ~~ربي على صراط مستقيم وقال في النحل 16 76 وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم ~~لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن ~~يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم فهذا مثل ضربه الله للأصنام التي لا تسمع ~~ولا تنطق ولا تعقل وهي كل على عابدها يحتاج الصنم إلى أن يحمله عابده ويضعه ~~ويقيمه ويخدمه ms0013 فكيف يسوونه في العادة بالله الذي يأمر بالعدل والتوحيد وهو ~~قادر متكلم غنى وهو على صراط مستقيم في قوله وفعله فقوله صدق ورشد ونصح ~~وهدى وفعله حكمة وعدل ورحمة ومصلحة هذا أصح الأقول في الآية وهو الذي لم ~~يذكر كثير من المفسرين غيره ومن ذكر غيره قدمه على الأقوال ثم حكاها بعده ~~كما فعل البغوي فإنه جزم به وجعله تفسير الآية ثم قال وقال الكلبي يدلكم ~~على صراط مستقيم # قلت ودلالته لنا على الصراط هي من موجب كونه سبحانه على الصراط ~~PageV01P018 المستقيم فإن دلالته بفعله وقوله وهو على الصراط المستقيم في ~~أفعاله وأقواله فلا يناقض قول من قال إنه سبحانه على الصراط المستقيم # قال وقيل هو رسول الله يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم # قلت وهذا حق لا يناقض القول الأول فالله على الصراط المستقيم ورسوله عليه ~~فإنه لا يأمر ولا يفعل إلا مقتضاه وموجبه وعلى هذا يكون المثل مضروبا لإمام ~~الكفار وهاديهم وهو الصنم الذي هو أبكم لا يقدر على هدى ولا خير والإمام ~~الأبرار وهو رسول الله الذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم PageV01P019 # وعلى القول الأول يكون مضروبا لمعبود الكفار ومعبود الأبرار والقولان ~~متلازمان فبعضهم ذكر هذا وبعضهم ذكر هذا وكلاهما مراد من الآية قال وقيل ~~كلاهما للمؤمن والكافر يرويه عطية عن ابن عباس وقال عطاء الأبكم أبي بن خلف ~~ومن يأمر بالعدل حمزة وعثمان بن عفان وعثمان بن مظعون # قلت والآية تحتمله ولا يناقض القولين قبله فإن الله على صراط مستقيم ~~ورسوله وأتباع رسوله وضد ذلك معبود الكفار وهاديهم والكافر التابع والمتبوع ~~والمعبود فيكون بعض السلف ذكر أعلى الأنواع وبعضهم ذكر الهادي وبعضهم ذكر ~~المستجيب القابل وتكون الآية متناولة لذلك كله ولذلك نظائر كثيرة في القرآن # وأما آية هود فصريحة لا تحتمل إلا معنى واحدا وهو أن الله سبحانه على ~~صراط مستقيم وهو سبحانه أحق من كان على صراط مستقيم فإن أقواله كلها صدق ~~ورشد وهدى وعدل وحكمة 6 115 وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا وأفعاله ms0014 كلها مصالح ~~وحكم ورحمة وعدل وخير فالشر لا يدخل في أفعاله ولا أقواله ألبتة لخروج الشر ~~عن الصراط المستقيم فكيف يدخل في أفعال من هو على الصراط المستقيم أو ~~أقواله وإنما يدخل في أفعال من خرج عنه وفي أقواله # وفي دعائه عليه الصلاة والسلام لبيك وسعديك والخير كله بيديك والشر ليس ~~إليك ولا يلتفت إلى تفسير من فسره بقوله والشر لا يتقرب به PageV01P020 ~~إليك أو لا يصعد إليك فإن المعنى أجل من ذلك وأكبر وأعظم قدرا فإن من ~~أسماؤه كلها حسنى وأوصافه كلها كمال وأفعاله كلها حكم وأقواله كلها صدق ~~وعدل يستحيل دخول الشر في أسمائه أو أوصافه أو أفعاله أو أقواله فطابق بين ~~هذا المعنى وبين قوله إن ربي على صراط مستقيم وتأمل كيف ذكر هذا عقيب قوله ~~11 56 إني توكلت على الله ربي وربكم أي هو ربي فلا يسلمني ولا يضيعني وهو ~~ربكم فلا يسلطكم علي ولا يمكنكم مني فإن نواصيكم بيده لا تفعلون شيئا بدون ~~مشيئته فإن ناصية كل دابة بيده لا يمكنها أن تتحرك إلا بإذنه فهو المتصرف ~~فيها ومع هذا فهو في تصرفه فيها وتحريكه لها ونفوذ قضائه وقدره فيها على ~~صراط مستقيم لا يفعل ما يفعل من ذلك إلا بحكمة وعدل ومصلحة ولو سلطكم علي ~~فله من الحكمة في ذلك ماله الحمد عليه لأنه تسليط من هو على صراط مستقيم لا ~~يظلم ولا يفعل شيئا عبثا بغير حكمة # فهكذا تكون المعرفة بالله لا معرفة القدرية المجوسية والقدرية الجبرية ~~نفاة الحكم والمصالح والتعليل والله الموفق سبحانه # | فصل ولما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس ناكبون عنه # مريدا لسلوك طريق مرافقه فيها في غاية القلة والعزة والنفوس مجبولة على ~~وحشة التفرد وعلى الأنس بالرفيق نبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق ~~وأنهم هم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~وحسن أولئك رفيقا فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له وهم الذين أنهم الله ~~عليهم ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط ms0015 وحشة تفرده عن أهل زمانه وبنى ~~جنسه # وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط هم الذين أنعم الله عليهم فلا يكترث ~~بمخالفة PageV01P021 الناكبين عنه له فإنهم هم الأقلون قدرا وإن كانوا ~~الأكثرين عددا كما قال بعض السلف عليك بطريق الحق ولا تستوحش لقلة السالكين ~~وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين وكلما استوحشت في تفردك فانظر ~~إلى الرفيق السابق واحرص على اللحاق بهم وغض الطرف عمن سواهم فإنهم لن ~~يغنوا عنك من الله شيئا وإذا صاحوا بك في طريق سيرك فلا تلتفت إليهم فإنك ~~متى التفت إليهم أخذوك وعاقوك # وقد ضربت لذلك مثلين فليكونا منك على بال # المثل الأول رجل خرج من بيته إلى الصلاة لا يريد غيرها فعرض له في طريقه ~~شيطان من شياطين الإنس فألقى عليه كلاما يؤذيه فوقف ورد عليه وتماسكا فربما ~~كان شيطان الإنس أقوى منه فقهره ومنعه عن الوصول إلى المسجد حتى فاتته ~~الصلاة وربما كان الرجل أقوى من شيطان الإنس ولكن اشتغل بمهاوشته عن الصف ~~الأول وكمال إدراك الجماعة فإن التفت إليه أطمعه في نفسه وربما فترت عزيمته ~~فإن كان له معرفة وعلم زاد في السعي والجمز بقدر التفاته أو أكثر فإن أعرض ~~عنه واشتغل بما هو بصدده وخاف فوت الصلاة أوالوقت لم يبلغ عدوه منه ما شاء # المثل الثاني الظبي أشد سعيا من الكلب ولكنه إذا أحس به التفت إليه فيضعف ~~سعيه فيدركه الكلب فيأخذه # والقصد أن في ذكر هذا الرفيق ما يزيل وحشة التفرد ويحث على السير ~~والتشمير للحاق بهم # وهذه إحدى الفوائد في دعاء القنوت اللهم اهدني فيمن هديت أي أدخلني في ~~هذه الزمرة واجعلني رفيقا لهم ومعهم # والفائدة الثانية أنه توسل إلى الله بنعمه وإحسانه إلى من أنعم عليه ~~بالهداية PageV01P022 أي قد أنعمت بالهداية على من هديت وكان ذلك نعمة منك ~~فاجعل لي نصيبا من هذه النعمة واجعلني واحدا من هؤلاء المنعم عليهم فهو ~~توسل إلى الله بإحسانه # والفائدة الثالثة كما يقول السائل للكريم تصدق علي في جملة من تصدقت ~~عليهم ms0016 وعلمني في جملة من علمته وأحسن إلي في جملة من شملته بإحسانك # | فصل ولما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب # ونيله أشرف المواهب علم الله عباده كيفية سؤاله وأمرهم أن يقدموا بين ~~يديه حمده والثناء عليه وتمجيده ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم فهاتان وسيلتان ~~إلى مطلوبهم توسل إليه بأسمائه وصفاته وتوسل إليه بعبوديته وهاتان ~~الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء ويؤيدهما الوسيلتان المذكورتان في ~~حديثي الإسم الأعظم اللذين رواهما ابن حبان في صحيحه والإمام أحمد والترمذي # أحدهما حديث عبدالله بن بريدة عن أبيه قال سمع النبي رجلا يدعو ويقول ~~اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي ~~لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال والذي نفسي بيده لقد سأل الله ~~باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى قال الترمذي حديث صحيح ~~فهذا توسل إلى الله بتوحيده وشهادة الداعي له بالواحدانية وثبوت صفاته ~~المدلول عليها باسم الصمد وهو كما قال ابن عباس العالم الذي كمل علمه ~~القادر الذي كملت قدرته وفي رواية عنه هو السيد الذي قد كمل فيه جميع أنواع ~~السؤدد وقال أبو وائل هو السيد الذي انتهى سؤده وقال سعيد بن جبير هو ~~الكامل في جميع صفاته وأفعاله وأقواله PageV01P023 وبنفي التشبيه والتمثيل ~~عنه بقوله ولم يكن له كفوا أحد وهذه ترجمة عقيدة أهل السنة والتوسل ~~بالإيمان بذلك والشهادة به هو الإسم الأعظم # والثاني حديث أنس أن رسول الله سمع رجلا يدعو اللهم إني أسألك بأن لك ~~الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام ياحي ~~يا قيوم فقال لقد سأل الله باسمه الأعظم فهذا توسل إليه بأسمائه وصفاته # وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين وهما التوسل بالحمد والثناء عليه وتمجيده ~~والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده ثم جاء سؤال أهم المطالب وأنجح الرغائب وهو ~~الهداية بعد الوسيلتين فالداعي به حقيق بالإجابة # ونظير هذا دعاء النبي الذي كان يدعو به إذا قام يصلي من ms0017 الليل رواه ~~البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ~~ومن فيهن ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت الحق ~~ووعدك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق والساعة حق ومحمد حق ~~اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت ~~فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت ~~فذكر التوسل إليه بحمده والثناء عليه وبعبوديته له ثم سأله المغفرة # | فصل في اشتمال هذه السورة على أنواع التوحيد الثلاثة التي اتفقت # عليها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم # التوحيد نوعان نوع في العلم والإعتقاد ونوع في الإرادة والقصد ويسمى ~~PageV01P024 الأول التوحيد العلمي والثاني التوحيد القصدي الإرادي لتعلق ~~الأول بالأخبار والمعرفة والثاني بالقصد والإرادة وهذا الثاني أيضا نوعان ~~توحيد في الربوبية وتوحيد في الإلهية فهذه ثلاثة أنواع # فأما توحيد العلم فمداره إلى إثبات صفات الكمال وعلى نفي التشبيه والمثال ~~والتنزيه عن العيوب والنقائص وقد دل على هذا شيئان مجمل ومفصل # أما المجمل فإثبات الحمد له سبحانه وأما المفصل فذكر صفة الإلهية ~~والربوبية والرحمة والملك وعلى هذه الأربع مدار الأسماء والصفات # فأما تضمن الحمد لذلك فإن الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله ونعوت ~~جلاله مع محبته والرضا عنه والخضوع له فلا يكون حامدا من جحد صفات المحمود ~~ولا من أعرض عن محبته والخضوع له وكلما كانت صفات كمال المحمود أكثر كان ~~حمده أكمل وكلما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحسبها ولهذا كان الحمد لله ~~حمدا لا يحصيه سواه لكمال صفاته وكثرتها ولأجل هذا لا يحصى أحد من خلقه ~~ثناء عليه لما له من صفات الكمال ونعوت الجلال التي لا يحصيها سواه ولهذا ~~ذم الله تعالى آلهة الكفار وعابها بسلب أوصاف الكمال عنها فعابها بأنها لا ~~تسمع ولا تبصر ولا تتكلم ولا تهدي ولا تنفع ولا تضر وهذه صفة إله الجهمية ~~التي عاب بها الأصنام نسبوها إليه تعالى ms0018 الله عما يقول الظالمون والجاحدون ~~علوا كبيرا فقال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم عليه السلام في محاجته لأبيه ~~19 42 يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا فلو كان إله ~~إبراهيم بهذه الصفة والمثابة لقال له آزر وأنت إلهك بهذه المثابة فكيف تنكر ~~علي لكن كان مع شركه أعرف بالله من الجهمية وكذلك كفار قريش كانوا مع شركهم ~~مقرين بصفات الصانع سبحانه وعلوه على خلقه وقال تعالى 7 148 واتخذ قوم موسى ~~من بعده من حليهم عجلا PageV01P025 جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ~~ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين فلو كان إله الخلق سبحانه كذلك لم ~~يكن في هذا إنكار عليهم واستدلال على بطلان الإلهية بذلك # فإن قيل فالله تعالى لا يكلم عباده # قيل بلى قد كلمهم فمنهم من كلمه الله من وراء حجاب منه إليه بلا واسطة ~~كموسى ومنهم من كلمه الله على لسان رسوله الملكي وهم الأنبياء وكلم الله ~~سائر الناس على ألسنة رسله فأنزل عليهم كلامه الذي بلغته رسله عنه وقالوا ~~لهم هذا كلام الله الذي تكلم به وأمرنا بتبليغه إليكم ومن ههنا قال السلف ~~من أنكر كون الله متكلما فقد أنكر رسالة الرسل كلهم لأن حقيقتها تبليغ ~~كلامه الذي تكلم به إلى عباده فإذا انتفى كلامه انتفت الرسالة وقال تعالى ~~في سورة طه عن السامري 20 88 فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم ~~وإله موسى فنسى أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ~~ورجع القول هو التكلم والتكليم وقال تعالى 16 76 ضرب الله مثلا رجلين ~~أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل ~~يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم فجعل نفي صفة الكلام موجبا ~~لبطلان الإلهية وهذا أمر معلوم بالفطر والعقول السليمة والكتب السماوية أن ~~فاقد صفات الكمال لا يكون إلها ولا مدبرا ولا ربا بل هو مذموم ms0019 معيب ناقص ~~ليس له الحمد لا في الأولى ولا في الآخرة وإنما الحمد في الأولى والآخرة ~~لمن له صفات الكمال ونعوت الجلال التي لأجلها استحق الحمد ولهذا سمى السلف ~~كتبهم التي صنفوها في السنة وإثبات صفات الرب وعلوه على خلقه وكلامه ~~وتكليمه توحيدا لأن نفي ذلك وإنكاره والكفر به إنكار للصانع وجحد له وإنما ~~توحيده إثبات صفات كماله وتنزيهه عن التشبيه والنقائص فجعل المعطلة جحد ~~الصفات وتعطيل الصانع عنها PageV01P026 توحيدا وجعلوا إثباتها لله تشبيها ~~وتجسيما وتركيبا فسموا الباطل باسم الحق ترغييا فيه وزخرفا ينفقونه به ~~وسموا الحق باسم الباطل تنفيرا عنه والناس أكثرهم مع ظاهر السكة ليس لهم ~~نقد النقاد 18 17 من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ~~والمحمود لا يحمد على العدم والسكوت ألبتة إلا إذا كانت سلب عيوب ونقائص ~~تتضمن إثبات أضدادها من الكمالات الثبوتية وإلا فالسلب المحض لا حمد فيه ~~ولا مدح ولا كمال # وكذلك حمده لنفسه على عدم اتخاذ الولد المتضمن لكمال صمديته وغناه وملكه ~~وتعبيد كل شيء له فاتخاذ الولد ينافي ذلك كما قال تعالى 10 67 قالوا اتخذ ~~الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض # وحمد نفسه على عدم الشريك المتضمن تفرده بالربوبية والإلهية وتوحده بصفات ~~الكمال التي لا يوصف بها غيره فيكون شريكا له فلو عدمها لكان كل موجود أكمل ~~منه لأن الموجود أكمل من المعدوم ولهذا لا يحمد نفسه سبحانه بعدم إلا إذا ~~كان متضمنا لثبوت كمال كما حمد نفسه بكونه لا يموت لتضمنه كمال حياته وحمد ~~نفسه بكونه لا تأخذه سنة ولا نوم لتضمن ذلك كمال قيوميته وحمد نفسه بأنه لا ~~يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ~~لكمال علمه وإحاطته وحمد نفسه بأنه لا يظلم أحدا لكمال عدله وإحسانه وحمد ~~نفسه بأنه لا تدركه الأبصار لكمال عظمته يرى ولا يدرك كما أنه يعلم ولا ~~يحاط به علما فمجرد نفي الرؤية ms0020 ليس بكمال لأن العدم لا يرى فليس في كون ~~الشيء لا يرى كمال ألبتة وإنما الكمال في كونه لا يحاط به رؤية ولا إدراكا ~~لعظمته في نفسه وتعاليه عن إدراك المخلوق له وكذلك حمد نفسه بعدم الغفلة ~~والنسيان لكمال علمه # فكل سلب في القرآن حمدالله به نفسه فلمضادته لثبوت ضده ولتضمنه كمال ثبوت ~~ضده PageV01P027 فعلمت أن حقيقة الحمد تابعة لثبوت أوصاف الكمال وأن نفيها ~~نفي لحمده ونفي الحمد مستلزم لثبوت ضده # | فصل فهذه دلالة على توحيد الأسماء والصفات وأما دلالة الأسماء # الخمسة عليها وهي الله والرب والرحمن والرحيم والملك فمبنى على أصلين # أحدهما أن أسماء الرب تبارك وتعالى دالة على صفات كماله فهي مشتقة من ~~الصفات فهي أسماء وهي أوصاف وبذلك كانت حسنى إذ لو كانت ألفاظا لا معانى ~~فيها لم تكن حسنى ولا كانت دالة على مدح ولا كمال ولساغ وقوع أسماء ~~الإنتقام والغضب في مقام الرحمة والإحسان وبالعكس فيقال اللهم إني ظلمت ~~نفسي فاغفر لي إنك أنت المنتقم واللهم أعطني فإنك أنت الضار المانع ونحو ~~ذلك # ونفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها قال تعالى 7 170 وذروا ~~الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ولأنها لو لم تدل على معان ~~وأوصاف لم يجز أن يخبر عنها بمصادرها ويوصف بها لكن الله أخبر عن نفسه ~~بمصادرها وأثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله كقوله تعالى 51 58 إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين فعلم أن القوى من أسمائه ومعناه الموصوف بالقوة ~~وكذلك قوله 35 10 فلله العزة جميعا فالعزيز من له العزة فلولا ثبوت القوة ~~والعزة له لم يسم قويا ولا عزيزا وكذلك قوله 4 166 أنزله بعلمه 11 14 ~~فاعلموا أنما أنزل بعلم الله 2 255 ولا يحيطون بشيء من علمه # وفي الصحيح عن النبي إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ~~ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل PageV01P028 الليل ~~حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى ms0021 إليه بصره من خلقه فأثبت ~~المصدر الذي اشتق منه اسمه البصير # وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها الحمد لله الذي وسع سمعه ~~الأصوات # وفي الصحيحح حديث الإستخارة اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك فهو ~~قادر بقدرة # وقال تعالى لموسى 7 144 إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فهو ~~متكلم بكلام # وهو العظيم الذي له العظمة كما في الصحيح عنه يقول الله تعالى العظمة ~~إزاري والكبرياء ردائي وهو الحكيم الذي له الحكم 40 12 فالحكم لله العلي ~~الكبير وأجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة الله أو سمعه أو بصره أو قوته أو ~~عزته أو عظمته انعقدت يمينه وكانت مكفرة لأن هذه صفات كماله التي اشتقت ~~منها أسماؤه # وأيضا لو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات لم يسغ أن يخبر عنه ~~بأفعالها فلا يقال يسمع ويرى ويعلم ويقدر ويريد فإن ثبوت أحكام الصفات فرع ~~ثبوتها فإذا انتقى أصل الصفة استحال ثبوت حكمها # وأيضا فلو لم تسكن أسماؤه ذوات معان وأوصاف لكانت جامدة كالأعلام المحضة ~~التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قام به فكانت كلها سواء ولم يكن فرق بين ~~مدلولاتها وهذا مكابرة صريحة وبهت بين فإن من جعل معنى اسم القدير هو معنى ~~اسم السميع البصير ومعنى اسم التواب هو معنى اسم المنتقم ومعنى اسم المعطي ~~هو معنى اسم المانع فقد كابر العقل واللغة والفطرة # فنفي معاني أسمائه من أعظم الإلحاد فيها والإلحاد فيها أنواع هذا أحدها ~~PageV01P029 # الثاني تسمية الأوثان بها كما يسمونها آلهة وقال ابن عباس ومجاهد عدلوا ~~بأسماء الله تعالى عما هي عليه فسموا بها أوثانهم فزادوا ونقصوا فاشتقوا ~~اللات من الله والعزى من العزيز ومناة من المنان وروي عن ابن عباس يلحدون ~~في أسمائه يكذبون عليه وهذا تفسير بالمعنى # وحقيقة الإلحاد فيها العدول بها عن الصواب فيها وإدخال ما ليس من معانيها ~~فيها وإخراج حقائق معانيها عنها هذا حقيقة الإلحاد ومن فعل ذلك فقد كذب على ~~الله ففسر ابن عباس الإلحاد بالكذب أو هو غاية الملحد ms0022 في أسمائه تعالى فإنه ~~إذا أدخل في معانيها ما ليس منها وخرج بها عن حقائقها أو بعضها فقد عدل بها ~~عن الصواب والحق وهو حقيقة الإلحاد # فالإلحاد إما بجحدها وإنكارها وإما بجحد معانيها وتعطيلها وإما بتحريفها ~~عن الصواب وإخراجها عن الحق بالتأويلات الباطلة وإما بجعلها أسماء لهذه ~~المخلوقات المصنوعات كإلحاد أهل الإتحاد فإنهم جعلوها أسماء هذا الكون ~~محمودها ومذمومها حتى قال زعيمهم وهو المسمى بكل اسم ممدوح عقلا وشرعا ~~وعرفا وبكل اسم مذموم عقلا وشرعا وعرفا تعالى الله عما يقول الملحدون علوا ~~كبيرا # | فصل الأصل الثاني أن الإسم من أسمائه تبارك وتعالى كما يدل على # الذات والصفة التي اشتق منها بالمطابقة فإنه يدل عليه دلالتين أخريين ~~بالتضمن واللزوم فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن وكذلك على الذات المجردة ~~عن الصفة ويدل على الصفة الأخرى باللزوم فإن اسم السميع يدل على ذات الرب ~~وسمعه بالمطابقة وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمن ويدل على اسم ~~الحي وصفة الحياة بالإلتزام وكذلك سائر أسمائه وصفاته ولكن يتفاوت الناس ~~PageV01P030 في معرفة اللزوم وعدمه ومن ههنا يقع اختلافهم في كثير من ~~الأسماء والصفات والأحكام فإن من علم أن الفعل الإختياري لازم للحياة وأن ~~السمع والبصر لازم للحياة الكاملة وأن سائر الكمال من لوازم الحياة الكاملة ~~أثبت من أسماء الرب وصفاته وأفعاله ما ينكره من لم يعرف لزوم ذلك ولا عرف ~~حقيقة الحياة ولوازمها وكذلك سائر صفاته # فإن اسم العظيم له لوازم ينكرها من لم يعرف عظمة الله ولوازمها # وكذلك اسم العلي واسم الحكيم وسائر أسمائه فإن من لوازم اسم العلي العلو ~~المطلق بكل اعتبار فله العلو المطلق من جميع الوجوه علو القدر وعلو القهر ~~وعلو الذات فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسمه العلي # وكذلك اسمه الظاهر من لوازمه أن لا يكون فوقه شيء كما في الصحيح عن النبي ~~وأنت الظاهر فليس فوقك شيء بل هو سبحانه فوق كل شيء فمن جحد فوقيته سبحانه ~~فقد جحد لوازم اسمه الظاهر ولا يصح أن يكون الظاهر هو ms0023 من له فوقية القدر ~~فقط كما يقال الذهب فوق الفضة والجوهر فوق الزجاج لأن هذه الفوقية تتعلق ~~بالظهور بل قد يكون المفوق أظهر من الفائق فيها ولا يصح أن يكون ظهور القهر ~~والغلبة فقط وإن كان سبحانه ظاهرا بالقهر والغلبة لمقابلة الإسم الباطن وهو ~~الذي ليس دونه شيء كما قابل الأول الذي ليس قبله شيء ب الآخر الذي ليس بعده ~~شيء # وكذلك اسم الحكيم من لوازمه ثبوت الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله ~~ووضعه الأشياء في مواضعها وإيقاعها على أحسن الوجوه فإنكار ذلك إنكار لهذا ~~الإسم ولوازمه وكذلك سائر أسمائه الحسنى PageV01P031 # | فصل إذا تقرر هذان الأصلان فاسم الله دال على جميع الأسماء الحسنى # والصفات العليا بالدلالات الثلاث فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت ~~صفات الإلهية له مع نفي أضدادها عنه # وصفات الإلهية هي صفات الكمال المنزهة عن التشبيه والمثال وعن العيوب ~~والنقائص ولهذا يضيف الله تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الإسم العظيم ~~كقوله تعالى 7 180 ولله الأسماء الحسنى ويقال الرحمن والرحيم والقدوس ~~والسلام والعزيز والحكيم من أسماء الله ولا يقال الله من أسماء الرحمن ولا ~~من أسماء العزيز ونحو ذلك # فعلم أن اسمه الله مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى دال عليها بالإجمال ~~والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم الله واسم ~~الله دال على كونه مألوها معبودا تألهه الخلائق محبة وتعظيما وخضوعا وفزعا ~~PageV01P032 إليه في الحوائج والنوائب وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته ~~المتضمنين لكمال الملك والحمد وإلهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم ~~لجميع صفات كماله إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا ~~قادر ولا متكلم ولا فعال لما يريد ولا حكيم في أفعاله # وصفات الجلال والجمال أخص باسم الله # وصفات الفعل والقدرة والتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع ونفوذ المشيئة ~~وكمال القوة وتدبير أمر الخليقة أخص باسم الرب # وصفات الإحسان والجود والبر والحنان والمنة والرأفة واللطف أخص باسم ~~الرحمن وكرر إيذانا بثبوت الوصف وحصول أثره وتعلقه بمتعلقاته # فالرحمن الذي الرحمة وصفه والرحيم الراحم ms0024 لعباده ولهذا يقول تعالى 33 43 ~~وكان بالمؤمنين رحيما 9 117 إنه بهم رءوف رحيم ولم يجيء رحمان بعباده ولا ~~رحمان بالمؤمنين مع ما في اسم الرحمن الذي هو على وزن فعلان من سعة هذا ~~الوصف وثبوت جميع معناه الموصوف به # ألا ترى أنهم يقولون غضبان للممتليء غضبا وندمان وحيران وسكران ولهفان ~~لمن ملىء بذلك فبناء فعلان للسعة والشمول ولهذا يقرن استواءه على العرش ~~بهذا الإسم كثيرا كقوله تعالى 20 5 الرحمن على العرش استوى 26 59 ثم استوى ~~على العرش الرحمن فاستوى على عرشه باسم الرحمن لأن العرش محيط بالمخلوقات ~~قد وسعها والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم كما قال تعالى 7 156 ورحمتي وسعت ~~كل شيء فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات فلذلك وسعت رحمته كل شيء ~~وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله لما قضى الله ~~الخلق كتب في كتاب فهو عنده موضوع على العرش إن رحمتي تغلب غضبي وفي لفظ ~~فهو عنده على العرش PageV01P033 # فتأمل اختصاص هذا الكتاب بذكر الرحمة ووضعه عنده على العرش وطابق بين ذلك ~~وبين قوله الرحمن على العرش استوى وقوله 25 156 ثم استوى على العرش الرحمن ~~فاسأل به خبيرا ينفتح لك باب عظيم من معرفة الرب تبارك وتعالى إن لم يغلقه ~~عنك التعطيل والتجهم # وصفات العدل والقبض والبسط والخفض والرفع والعطاء والمنع والإعزاز ~~والإذلال والقهر والحكم ونحوها أخص باسم الملك وخصه بيوم الدين وهو الجزاء ~~بالعدل لتفرده بالحكم فيه وحده ولأنه اليوم الحق وما قبله كساعة ولأنه ~~الغاية وأيام الدنيا مراحل إليه # | فصل وتأمل ارتباط الخلق والأمر بهذه الأسماء الثلاثة وهي الله # والرب والرحمن كيف نشأ عنها الخلق والأمر والثواب والعقاب وكيف جمعت ~~الخلق وفرقتهم فلها الجمع ولها الفرق # فاسم الرب له الجمع الجامع لجميع المخلوقات فهو رب كل شيء وخالقه والقادر ~~عليه لا يخرج شيء عن ربوبيته وكل من في السموات والأرض عبد له في قبضته ~~وتحت قهره فاجتمعوا بصفة الربوبية وافترقوا بصفة الإلهية فألهه ms0025 وحده ~~السعداء وأقروا له طوعا بأنه الله الذي لا إله إلا هو الذي لا تنبغي ~~العبادة والتوكل والرجاء والخوف والحب والإنابة والإخبات والخشية والتذلل ~~والخضوع إلا له # وهنا افترق الناس وصاروا فريقين فريقا مشركين في السعير وفريقا موحدين في ~~الجنة # فالإلهية هي التي فرقتهم كما أن الربوبية هي التي جمعتهم # فالدين والشرع والأمر والنهي مظهره وقيامه من صفة الإلهية والخلق ~~PageV01P034 والإيجاد والتدبير والفعل من صفة الربوبية والجزاء بالثواب ~~والعقاب والجنة والنار من صفة الملك وهو ملك يوم الدين فأمرهم بإلهيته ~~وأعانهم ووفقهم وهداهم وأضلهم بربوبيته وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله وكل ~~واحدة من هذه الأمور لا تنفك عن الأخرى # وأما الرحمة فهي التعلق والسبب الذي بين الله وبين عباده فالتأليه منهم ~~له والربوبية منه لهم والرحمة سبب واصل بينه وبين عباده بها أرسل إليهم ~~رسله وأنزل عليهم كتبه وبها هداهم وبها أسكنهم دار ثوابه وبها رزقهم ~~وعافاهم وأنعم عليهم فبينهم وبينه سبب العبودية وبينه وبينهم سبب الرحمة # واقتران ربوبيته برحمته كاقتران استوائه على عرشه برحمته ف الرحمن على ~~العرش استوى مطابق لقوله رب العالمين الرحمن الرحيم فإن شمول الربوبية ~~وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها أقصى شمول الرحمة وسعتها فوسع كل شيء برحمته ~~وربوبيته مع أن في كونه ربا للعالمين ما يدل على علوه على خلقه وكونه فوق ~~كل شيء كما يأتي بيانه إن شاء الله # | فصل في ذكر هذه الأسماء بعد الحمد وإيقاع الحمد على مضمونها # ومقتضاها ما يدل على أنه محمود في إلهيته محمود في ربوبيته محمود في ~~رحمانيته محمود في ملكه وأنه إله محمود ورب محمود ورحمان محمود وملك محمود ~~فله بذلك جميع أقسام الكمال كمال من هذا الإسم بمفرده وكمال من الآخر ~~بمفرده وكمال من اقتران أحدهما بالآخر # مثال ذلك قوله تعالى والله غني حميد والله عليم حكيم والله قدير والله ~~غفور رحيم فالغنى صفة كمال والحمد صفة كمال واقتران غناه بحمده كمال ~~PageV01P035 أيضا وعلمه كمال وحكمته كمال واقتران العلم بالحكمة كمال أيضا ~~وقدرته كمال ومعفرته كمال ms0026 واقتران القدرة بالمغفرة كمال وكذلك العفو بعد ~~القدرة 4 14 إن الله كان عفوا قديرا واقتران العلم بالحلم 4 11 والله عليم ~~حليم # وحملة العرش أربعة اثنان يقولان سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك ~~بعد علمك واثنان يقولان سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ~~فما كل من قدر عفا ولا كل من عفا يعفو عن قدرة ولا كل من علم يكون حليما ~~ولا كل حليم عالم فما قرن شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم ومن عفو إلى ~~قدرة ومن ملك إلى حمد ومن عزة إلى رحمة 26 9 وإن ربك لهو العزيز الرحيم ومن ~~ههنا كان قول المسيح عليه السلام 5 121 إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم أحسن من أن يقول وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور ~~الرحيم أي إن غفرت لهم كان مصدر مغفرتك عن عزة وهي كمال القدرة وعن حكمة ~~وهي كمال العلم فمن غفر عن عجز وجهل بجرم الجاني لا يكون قادرا حكيما عليما ~~بل لا يكون ذلك إلا عجزا فأنت لا تغفر إلا عن قدرة تامة وعلم تام وحكمة تضع ~~بها الأشياء مواضعها فهذا أحسن من ذكر الغفور الرحيم في هذا الموضع الدال ~~ذكره على التعريض بطلب المغفرة في غير حينها وقد فاتت فإنه لو قال وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت الغفور الرحيم كان في هذا من الإستعطاف والتعريض بطلب المغفرة ~~لمن لا يستحقها ما ينره عنه منصب المسيح عليه السلام لا سيما والموقف موقف ~~عظمة وجلال وموقف انتقام ممن جعل لله ولدا واتخذه إلها من دونه فذكر العزة ~~والحكمة فيه أليق من ذكر الرحمة والمغفرة وهذا بخلاف قول الخليل عليه ~~السلام 14 35 و 36 واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ولم يقل PageV01P036 ~~فإنك عزيز حكيم لأن المقام استعطاف وتعريض بالدعاء أي إن تغفر لهم وترحمهم ~~بأن توفقهم للرجوع ms0027 من الشرك إلى التوحيد ومن المعصية إلى الطاعة كما في ~~الحديث اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون # وفي هذا أظهر الدلالة على أن أسماء الرب تعالى مشتقة من أوصاف ومعان قامت ~~به وأن كل اسم يناسب ما ذكر معه واقترن به من فعله وأمره والله الموفق ~~للصواب # | فصل في مراتب الهداية الخاصة والعامة وهي عشر مراتب المرتبة # الأولى مرتبة تكليم الله عز وجل لعبده يقظة بلا واسطة بل منه إليه وهذه ~~أعلى مراتبها كما كلم موسى بن عمران صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه قال ~~الله تعالى 4 163 وكلم الله موسى تكليما فذكر في أول الآية وحيه إلى نوح ~~والنبيين من بعده ثم خص موسى من بينهم بالإخبار بأنه كلمه وهذا يدل على أن ~~التكليم الذي حصل له أخصمن مطلق الوحي الذي ذكر في أول الآية ثم أكده ~~بالمصدر الحقيقي الذي هو مصدر كلم هو التكليم رفعا لما يتوهمه المعطلة ~~والجهمية والمعتزلة وغيرهم من أنه إلهام أو إشارة أو تعريف للمعنى النفسي ~~بشيء غير التكليم فأكده بالمصدر المفيد تحقيق النسبة ورفع توهم المجاز قال ~~الفراء العرب تسمى ما يوصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل ولكن لا تحققه ~~بالمصدر فإذا حققته بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام كالإرادة يقال فلان ~~أراد إرادة يريدون حقيقة الإرادة ويقال أراد الجدار ولا يقال إرادة لأنه ~~مجاز غير حقيقة هذا كلامه وقال تعالى 7 142 ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ~~ربه قال رب أرني أنظر إليك وهذا التكليم غير التكليم الأول الذي أرسله به ~~إلى فرعون وفي هذا التكليم PageV01P037 الثاني سأل النظر لا في الأول وفيه ~~أعطى الألواح وكان عن مواعدة من الله له والتكليم الأول لم يكن عن مواعدة ~~وفيه قال الله له 7 143 يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي أي ~~بتكليمي لك بإجماع السلف # وقد أخبر سبحانه في كتابه أنه ناداه وناجاه فالنداء من بعد والنجاء من ~~قرب تقول العرب إذا كبرت الحلقة فهو نداء أو نجاء وقال ms0028 له أبوه آدم في ~~محاجته أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده وكذلك يقوله ~~له أهل الموقف إذا طلبوا منه الشفاعة إلى ربه وكذلك في حديث الإسراء في ~~رؤية موسى في السماء السادسة أو السابعة على اختلاف الرواية قال وذلك ~~بتفضيله بكلام الله ولو كان التكليم الذي حصل له من جنس ما حصل لغيره من ~~الأنبياء لم يكن لهذا التخصيص به في هذه الأحاديث معنى ولا كان يسمى كليم ~~الرحمن وقال تعالى 42 51 وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ففرق بين تكليم الوحي والتكليم ~~بإرسال الرسول والتكليم من وراء حجاب # | فصل المرتبة الثانية مرتبة الوحي المختص بالأنبياء قال الله تعالى # 4 126 إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده @QB@ وقال ~~@QE@ 42 51 وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب الآية ~~فجعل الوحي في هذه الآية قسما من أقسام التكليم وجعله في آية النساء قسيما ~~للتكليم وذلك باعتبارين فإنه قسيم التكليم الخاص الذي هو بلا واسطة وقسم من ~~التكليم العام الذي هو إيصال المعنى بطرق متعددة PageV01P038 # والوحي في اللغة هو الإعلام السريع الخفي ويقال في فعله وحى وأوحى قال ~~رؤية وحى لها القرار فاستقرت وهو أقسام كما سنذكره # | فصل المرتبة الثالثة إرسال الرسول الملكي إلى الرسول البشري فيوحى # إليه عن الله ما أمره أن يوصله إليه # فهذه المراتب الثلاث خاصة بالأنبياء لا تكون لغيرهم # ثم هذا الرسول الملكي قد يتمثل للرسول البشرى رجلا يراه عيانا ويخاطبه ~~وقد يراه على صورته التي خلق عليها وقد يدخل فيه الملك ويوحى إليه ما يوحيه ~~ثم يفصم عنه أي يقلع والثلاثة حصلت لنبينا # | فصل المرتبة الرابعة مرتبة التحديث وهذه دون مرتبة الوحي الخاص # وتكون دون مرتبة الصديقين كما كانت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه كما قال ~~النبي إنه كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في هذه الأمة فعمر ms0029 بن الخطاب ~~/ ح / # وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله يقول جزم بأنهم كائنون ~~في الأمم قبلنا وعلق وجودهم في هذه الأمة ب إن الشرطية مع أنها أفضل الأمم ~~لاحتياج الأمم قبلنا إليهم واستغناء هذه الأمة عنهم بكمال نبيها ورسالته ~~فلم يحوج الله الأمة بعده إلى محدث ولا ملهم ولا صاحب كشف ولا منام فهذا ~~التعليق لكمال الأمة واستغنائها لا لنقصها # والمحدث هو الذي يحدث في سره وقلبه بالشيء فيكون كما يحدث به # قال شيخنا والصديق أكمل من المحدث لأنه استغنى بكمال صديقيته PageV01P039 # ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشف فإنه قد سلم قلبه كله وسره وظاهره ~~وباطنه للرسول فاستغنى به عما منه # قال وكان هذا المحدث يعرض ما يحدث به على ما جاء به الرسول فإن وافقه ~~قبله وإلا رده فعلم أن مرتبة الصديقية فوق مرتبة التحديث # قال وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات حدثني قلبي عن ربي ~~فصحيح أن قلبه حدثه ولكن عمن عن شيطانه أو عن ربه فإذا قال حدثني قلبي عن ~~ربي كان مسندا الحديث إلى من لم يعلم أنه حدثه به وذلك كذب قال ومحدث الأمة ~~لم يكن يقول ذلك ولا تفوه به يوما من الدهر وقد أعاذه الله من أن يقول ذلك ~~بل كتب كاتبه يوما هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فقال لا ~~امحه واكتب هذا ما رأى عمر بن الخطاب فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ ~~فمن عمر والله ورسوله منه برىء وقال في الكلالة أقول فيها برأيى فإن يكن ~~صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان فهذا قول المحدث بشهادة ~~الرسول وأنت ترى الإتحادي والحلولي والإباحي الشطاح والسماعي مجاهر بالقحة ~~والفرية يقول حدثني قلبي عن ربي # فانظر إلى ما بين القائلين والمرتبتين والقولين والحالين وأعط كل ذي حق ~~حقه ولا تجعل الزغل والخالص شيئا واحدا PageV01P040 # | فصل المرتبة الخامسة مرتبة الإفهام قال الله تعالى وداود # وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه ms0030 غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ~~ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما فذكر هذين النبيين الكريمين وأثنى ~~عليهما بالعلم والحكم وخص سليمان بالفهم في هذه الواقعة المعينة وقال على ~~ابن أبي طالب وقد سئل هل خصكم رسول الله بشيء دون الناس فقال لا والذي فلق ~~الحبة وبرأ النسمة إلافهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة ~~وكان فيها العقل وهو الديات وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر وفي كتاب ~~عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما والفهم الفهم فيما أدلى ~~إليك فالفهم نعمة من الله على عبده ونور يقذفه الله في قلبه يعرف به ويدرك ~~مالا يدركه غيره ولا يعرفه فيفهم من النص مالا يفهمه غيره مع استوائهما في ~~حفظه وفهم أصل معناه # فالفهم عن الله ورسوله عنوان الصديقية ومنشور الولاية النبوية وفيه ~~تفاوتت مراتب العلماء حتى عد ألف بواحد فانظر إلى فهم ابن عباس وقد سأله ~~عمر ومن حضر من أهل بدر وغيرهم عن سورة إذا جا نصر الله والفتح وما خص به ~~ابن عباس من فهمه منها أنها نعى الله سبحانه نبيه إلى نفسه وإعلامه بحضور ~~أجله وموافقة عمر له على ذلك وخفائه عن غيرهما من الصحابة وابن عباس إذ ذاك ~~أحدثهم سنا وأين تجد في هذه السورة الإعلام بأجله لولا الفهم الخاص ويدق ~~هذا حتى يصل إلى مراتب تتقاصر عنها أفهام أكثر الناس فيحتاج مع النص إلى ~~غيره ولا يقع الإستغناء بالنصوص في حقه وأما في حق صاحب الفهم فلا يحتاج مع ~~النصوص إلى غيرها PageV01P041 # | فصل المرتبة السادسة مرتبة البيان العام وهو تبيين الحق وتمييزه من # الباطل بأدلته وشواهده وأعلامه بحيث يصير مشهودا للقلب كشهود العين ~~للمرئيات وهذه المرتبة هي حجة الله على خلقه التي لا يعذب أحدا ولا يضله ~~إلا بعد وصوله إليها قال الله تعالى 9 115 وما كان الله ليضل قوما بعد إذ ~~هداهم حتى يبين لهم ما يتقون فهذا الإضلال عقوبة منه لهم حين بين لهم فلم ~~يقبلوا ما ms0031 بينه لهم ولم يعملوا به فعاقبهم بأن أضلهم عن الهدى وما أضل الله ~~سبحانه أحدا قط إلا بعد هذا البيان # وإذا عرفت هذا عرفت سر القدر وزالت عنك شكوك كثيرة وشبهات في هذا الباب ~~وعلمت حكمة الله في إضلاله من يضله من عباده والقرآن يصرح بهذا في غير موضع ~~كقوله 61 5 فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم 4 155 وقولهم قلوبنا غلف بل طبع ~~الله عليها بكفرهم فالأول كفر عناد والثاني كفر طبع وقوله 6 110 ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ~~فعاقبهم على ترك الإيمان به حين تيقنوه وتحققوه بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم ~~فلم يهتدوا له # فتأمل هذا الموضع حق التأمل فإنه موضع عظيم # وقال تعالى 41 17 وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فهذا هدى ~~بعد البيان والدلالة وهو شرط لا موجب فإنه إن لم يقترن به هدى آخر بعده لم ~~يحصل به كمال الإهتداء وهو هدى التوفيق والإلهام # وهذا البيان نوعان بيان بالآيات المسموعة المتلوة وبيان بالآيات المشهودة ~~المرئية وكلاهما أدلة وآيات على توحيد الله وأسمائه وصفاته وكماله وصدق ما ~~أخبرت به رسله عنه ولهذا يدعو عباده بآياته المتلوة إلى التفكير في آياته ~~المشهودة PageV01P042 ويحضهم على التفكر في هذه وهذه وهذا البيان هو الذي ~~بعثت به الرسل وجعل إليهم وإلى العلماء بعدهم وبعد ذلك يضل الله من يشاء ~~قال الله تعالى 64 4 وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل ~~الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم فالرسل تبين والله هو الذي ~~يضل من يشاء ويهدي من يشاء بعزته وحكمته # | فصل المرتبة السابعة البيان الخاص وهو البيان المستلزم للهداية # الخاصة وهو بيان تقارنه العناية والتوفيق والإجتباء وقطع أسباب الخذلان ~~وموادها عن القلب فلا تتخلف عنه الهداية ألبتة قال تعالى في هذه المرتبة 16 ~~37 إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل @QB@ وقال @QE@ 38 56 إنك لا ~~تهدي من أحببت ولكن الله ms0032 يهدي من يشاء فالبيان الأول شرط وهذا موجب # | فصل المرتبة الثامنة مرتبة الإسماع قال الله تعالى ولو علم # الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون وقد قال تعالى 35 ~~22 وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور ~~وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في ~~القبور إن أنت إلا نذير وهذا الإسماع أخص من إسماع الحجة والتبليغ فإن ذلك ~~حاصل لهم وبه قامت الحجة عليهم لكن ذاك إسماع الآذان وهذا إسماع القلوب فإن ~~الكلام له لفظ ومعنى وله نسبة إلى الآذان والقلب وتعلق بهما فسماع لفظه حظ ~~الأذن وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظ القلب فإنه سبحانه نفى عن الكفار سماع ~~المقصود والمراد الذي هو حظ القلب وأثبت لهم سماع الألفاظ الذي هو حظ الأذن ~~PageV01P043 في قوله 21 2 ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم ~~يلعبون لاهية قلوبهم وهذا السماع لا يفيد السامع إلا قيام الحجة عليه أو ~~تمكنه منها # وأما مقصود السماع وثمرته والمطلوب منه فلا يحصل مع لهو القلب وغفلته ~~وإعراضه بل يخرج السامع قائلا للحاضر معه 47 16 ماذا قال آنفا أولئك الذين ~~طبع الله على قلوبهم # والفرق بين هذه المرتبة ومرتبة الإفهام أن هذه المرتبة إنما تحصل بواسطة ~~الأذن ومرتبة الإفهام أعم فهي أخص من مرتبة الفهم من هذا الوجه ومرتبة ~~الفهم أخص من وجه آخر وهي أنها تتعلق بالمعنى المراد ولوازمه ومتعلقاته ~~وإشاراته ومرتبة السماع مدارها على إيصال المقصود بالخطاب إلى القلب ويترتب ~~على هذا السماع سماع القبول # فهو إذن ثلاث مراتب سماع الأذن وسماع القلب وسماع القبول والإجابة # | فصل المرتبة التاسعة مرتبة الإلهام قال تعالى ونفس وما # سواها فألهمها فجورها وتقواها وقال النبي لحصير بن منذر الخزاعي لما أسلم ~~قل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي # وقد جعل صاحب المنازل الإلهام هو مقام المحدثين قال وهو فوق مقام الفراسة ~~لأن الفراسة ربما وقعت نادرة واستصعبت على صاحبها ms0033 وقتا أو استعصت عليه ~~والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد # قلت التحديث أخص من الإلهام فإن الإلهام عام للمؤمنين بحسب إيمانهم فكل ~~مؤمن فقد ألهمه الله رشده الذي حصل له به الإيمان فأما التحديث فالنبي قال ~~فيه إن يكن في هذه الأمة أحد فعمر يعني من المحدثين فالتحديث إلهام خاص وهو ~~الوحي إلى غير الأنبياء PageV01P044 إما من المكلفين كقوله تعالى 28 7 ~~وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه وقوله 5 111 وإذ أوحيت إلى الحواريين أن ~~آمنوا بي وبرسولي وإما من غير المكلفين كقوله تعالى 16 29 وأوحى ربك إلى ~~النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون فهذا كله وحي إلهام # وأما جعله فوق مقام الفراسة فقد احتج عليه بأن الفراسة ربما وقعت نادرة ~~كما تقدم والنادر لا حكم له وربما استعصت على صاحبها واستصعبت عليه فلم ~~تطاوعه والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد يعني في مقام القرب والحضور # والتحقيق في هذا أن كل واحد من الفراسة والإلهام ينقسم إلى عام وخاص وخاص ~~كل واحد منهما فوق عام الآخر وعام كل واحد قد يقع كثيرا وخاصة قد يقع نادرا ~~ولكن الفرق الصحيح أن الفراسة قد تتعلق بنوع كسب وتحصيل وأما الإلهام ~~فموهبة مجردة لا تنال بكسب ألبتة # | فصل قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى نبأ يقع وحيا قاطعا # مقرونا بسماع إذ مطلق النبأ الخبر الذي له شأن فليس كل خبر نبأ وهو نبأ ~~خبر عن غيب معظم # ويريد بالوحي والإلهام الإعلام الذي يقطع من وصل إليه بموجبه إما بواسطة ~~سمع أو هو الإعلام بلا واسطة # قلت أما حصوله بواسطة سمع فليس ذلك إلهاما بل هو من قبيل الخطاب وهذا ~~يستحيل حصوله لغير الأنبياء وهو الذي خص به موسى إذ كان المخاطب هو الحق عز ~~وجل # وأما ما يقع لكثير من أرباب الرياضات من سماع فهو من أحد وجوه ثلاثة لا ~~رابع لها أعلاها أن يخاطبه الملك خطابا جزئيا فإن هذا يقع لغير الأنبياء ~~فقد ms0034 كانت الملائكة تخاطب عمران بن حصين بالسلام فلما اكتوى تركت خطابه فلما ~~ترك الكي عاد إليه خطاب ملكي وهو نوعان PageV01P045 # أحدها خطاب يسمعه بأذنه وهو نادر بالنسبة إلى عموم المؤمنين # والثاني خطاب يلقى في قلبه يخاطب به الملك روحه كما في الحديث المشهور إن ~~للملك لمة بقلب ابن آدم وللشيطان لمة فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق ~~بالوعد ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالوعد ثم قرأ 2 268 الشيطان يعدكم ~~الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا وقال تعالى 8 12 إذ ~~يوحى ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا قيل في تفسيرها قووا ~~قلوبهم وبشروهم بالنصر وقيل احضروا معهم القتال والقولان حق فإنهم حضروا ~~معهم القتال وثبتوا قلوبهم # ومن هذا الخطاب واعظ الله عز وجل في قلوب عباده المؤمنين كما في جامع ~~الترمذي ومسند أحمد من حديث النواس بن سمعان عن النبي إن الله تعالى ضرب ~~مثلا صراطا مستقيما وعلى كنفتي الصراط سوران لهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ~~ستور مرخاة وداع يدعو على رأس الصراط وداع يدعو فوق الصراط فالصراط ~~المستقيم الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله فلا يقع ~~أحد في حد من حدود الله حتى يكشف الستر والداعي على رأس الصراط كتاب الله ~~والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن فهذا الواعظ في قلوب المؤمنين ~~هو الإلهام الإلهي بواسطة الملائكة # وأما وقوعه بغير واسطة فمما لم يتبين بعد والجزم فيه بنفي أو إثبات موقوف ~~على الدليل والله أعلم # | فصل النوع الثاني من الخطاب المسموع خطاب الهواتف من الجان وقد # يكون المخاطب جنيا مؤمنا صالحا وقد يكون شيطانا وهذا أيضا نوعان أحدهما ~~أن يخاطبه خطابا يسمعه بأذنه PageV01P046 # والثاني أن يلقى في قلبه عند ما يلم به ومنه وعده وتمنيته حين يعد الإنسى ~~ويمنيه ويأمره وينهاه كما قال تعالى 4 120 يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان ~~إلا غرورا @QB@ وقال @QE@ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء وللقلب من ~~هذا الخطاب نصيب وللأذن أيضا منه نصيب والعصمة منتفية ms0035 إلا عن الرسل ومجموع ~~الأمة # فمن أين للمخاطب أن هذا الخطاب رحماني أو ملكي بأي برهان أو بأي دليل ~~والشيطان يقذف في النفس وحيه ويلقى في السمع خطابه فيقول المغرور المخدوع ~~قيل لي وخوطبت صدقت لكن الشأن في القائل لك والمخاطب وقد قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه لغيلان بن سلمة وهو من الصحابة لما طلق نساءه وقسم ماله بين ~~بنيه إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك فمن ~~يأمن القراء بعدك يا شهر # | فصل النوع الثالث خطاب حالي تكون بدايته من النفس وعوده إليها # فيتوهمه من خارج وإنما هو من نفسه منها بدا وإليها يعود # وهذا كثيرا ما يعرض للسالك فيغلط فيه ويعتقد أنه خطاب من الله كلمه به ~~منه إليه وسبب غلطه أن اللطيفة المدركة من الإنسان إذا صفت بالرياضة ~~وانقطعت علقها عن الشواغل الكثيفة صار الحكم لها بحكم إستيلاء الروح والقلب ~~على البدن ومصير الحكم لهما فتنصرف عناية النفس والقلب إلى تجريد المعاني ~~التي هي متصلة بهما وتشتد عناية الروح بها وتصير في محل PageV01P047 تلك ~~العلائق والشواغل فتملأ القلب فتصرف تلك المعاني إلى المنطق والخطاب القلبي ~~الروحي بحكم العادة ويتفق تجرد الروح فتتشكل تلك المعاني للقوة السامعة ~~بشكل الأصوات المسموعة وللقوة الباصرة بشكل الأشخاص المرئية فيرى صورها ~~ويسمع الخطاب وكله في نفسه ليس في الخارج منه شيء ويحلف أنه رأى وسمع وصدق ~~لكن رأى وسمع في الخارج أو في نفسه ويتفق ضعف التمييز وقلة العلم واستيلاء ~~تلك المعاني على الروح وتجردها عن الشواغل # فهذه الوجوه الثلاثة هي وجوه الخطاب ومن سمع نفسه غيرها فإنما هو غرور ~~وخدع وتلبيس وهذا الموضع مقطع القول وهو من أجل المواضع لمن حققه وفهمه ~~والله الموفق للصواب # | فصل قال الدرجة الثانية إلهام يقع عيانا وعلامة صحته أنه لا يخرق # سترا ولا يجاوز حدا ولا يخطىء أبدا # الفرق بين هذا وبين الإلهام في الدرجة الأولى أن ذلك علم شبيه بالضروري ~~الذي لا يمكن دفعه عن القلب وهذا ms0036 معاينة ومكاشفة فهو فوقه في الدرجة وأتم ~~منه ظهورا ونسبته إلى القلب نسبة المرئي إلى العين وذكر له ثلاث علامات # إحداها أنه لا يخرق سترا أي صاحبه إذا كوشف بحال غير المستور عنه لا يخرق ~~ستره ويكشفه خيرا كان أو شرا أو أنه لا يخرق ما ستره الله من نفسه عن الناس ~~بل يستر نفسه ويستر من كوشف بحاله # الثانية أنه لا يجاوز حدا يحتمل وجهين # أحدهما أنه لا يتجاوز به إلى ارتكاب المعاصي وتجاوز حدود الله مثل الكهان ~~وأصحاب الكشف الشيطاني # الثاني أنه لا يقع على خلاف الحدود الشرعية مثل أن يتجسس به على ~~PageV01P048 العورات التي نهى الله عن التجسس عليها وتتبعها فإذا تتبعها ~~وقع عليها بهذا الكشف فهو شيطاني لا رحماني # الثالثة أنه لا يخطىء أبدا بخلاف الشيطاني فإن خطأه كثير كما قال النبي ~~لابن صائد ما ترى قال أرى صادقا وكاذبا فقال لبس عليك فالكشف الشيطاني لا ~~بد أن يكذب ولا يستمر صدقه ألبتة # | فصل قال الدرجة الثالثة إلهام يجلو عين التحقيق صرفا وينطق عن عين # الأزل محضا والإلهام غاية تمتنع الإشارة إليها # عين التحقيق عنده هي الفناء في شهود الحقيقة بحيث يضمحل كل ما سواها في ~~ذلك الشهود وتعود الرسوم أعداما محضة فالإلهام في هذه الدرجة يجلو هذا ~~العين للملهم صرفا بحيث لا يمازجها شيء من إدراك العقول ولا الحواس فإن كان ~~هناك إدراك عقلي أو حسي لم يتمحض جلاء عين الحقيقة والناطق عن هذا الكشف ~~عندهم لا يفهم عنه إلا من هو معه ومشارك له وعند أرباب هذا الكشف أن كل ~~الخلق عنه في حجاب وعندهم أن العلم والعقل والحال حجب عليه وأن خطاب الخلق ~~إنما يكون على لسان الحجاب وأنهم لا يفهمون لغة ما وراء الحجاب من المعنى ~~المحجوب فلذلك تمتنع الإشارة إليه والعبارة عنه فإن الإشارة والعبارة إنما ~~يتعلقان بالمحسوس والمعقول وهذا أمر وراء الحس والعقل # وحاصل هذا الإلهام أنه إلهام ترتفع معه الوسائط وتضمحل وتعدم لكن في ~~الشهود لا في الوجود وأما ms0037 الإتحادية القائلون بوحدة الوجود فإنهم يجعلون ~~ذلك PageV01P049 اضمحلالا وعدما في الوجود ويجعلون صاحب المنازل منهم وهو ~~برىء منهم عقلا ودينا وحالا ومعرفة والله أعلم # | فصل المرتبة العاشرة من مراتب الهداية الرؤيا الصادقة وهي من أجزاء # النبوة كما ثبت عن النبي أنه قال الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا ~~من النبوة / ح / # وقد قيل في سبب هذا التخصيص المذكور إن أول مبتدأ الوحي كان هو الرؤيا ~~الصادقة وذلك نصف سنة ثم انتقل إلى وحي اليقظة مدة ثلاث وعشرين سنة من حين ~~بعث إلى أن توفي صلوات الله وسلامه عليه فنسبة مدة الوحي في المنام من ذلك ~~جزء من ستة وأربعين جزءا وهذا حسن لولا ما جاء في الرواية الأخرى الصحيحة ~~إنها جزء من سبعين جزءا # وقد قيل في الجمع بينهما إن ذلك بحسب حال الرائي فإن رؤيا الصديقين من ~~ستة وأربعين ورؤيا عموم المؤمنين الصادقة من سبعين والله أعلم # والرؤيا مبدأ الوحي وصدقها بحسب صدق الرائي وأصدق الناس رؤيا أصدقهم ~~حديثا وهي عند اقتراب الزمان لا تكاد تخطىء كما قال النبي وذلك لبعد العهد ~~بالنبوة وآثارها فيتعوض المؤمنون بالرؤيا وأما في زمن قوة نور النبوة ففي ~~ظهور نورها وقوته ما يغني عن الرؤيا # ونظير هذا الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة ولم تظهر عليهم لإستغنائهم ~~عنها بقوة إيمانهم واحتياج من بعدهم إليها لضعف إيمانهم وقد PageV01P050 نص ~~أحمد على هذا المعنى وقال عبادة بن الصامت رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب ~~عبده في المنام وقد قال النبي لم يبق من النبوة إلا المبشرات قيل وما ~~المبشرات يا رسول الله قال الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له / ح / ~~وإذا تواطأت رؤيا المسلمين لم تكذب وقد قال النبي لأصحابه لما أروا ليلة ~~القدر في العشر الأواخر قال أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر فمن كان ~~منكم متحريها فليتحرها في العشر الأواخر من رمضان / ح / # والرؤيا كالكشف منها رحماني ومنها نفساني ومنها شيطاني وقال النبي الرؤيا ~~ثلاثة رؤيا من الله ورؤيا تحزين ms0038 من الشيطان ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه ~~في اليقظة فيراه في المنام / ح / # والذي هو من أسباب الهداية هو الرؤيا التي من الله خاصة # ورؤيا الأنبياء وحي فإنها معصومة من الشيطان وهذا باتفاق الأمة ولهذا ~~أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام بالرؤيا # وأما رؤيا غيرهم فتعرض على الوحي الصريح فإن وافقته وإلا لم يعمل بها فإن ~~قيل فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة أو تواطأت # قلنا متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي بل لا تكون إلا مطابقة له ~~منبهة عليه أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمه لم يعرف الرائي اندراجها ~~فيه فيتنبه بالرؤيا على ذلك ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحر الصدق ~~PageV01P051 وأكل الحلال والمحافظة على الأمر والنهي ولينم على طهارة كاملة ~~مستقبل القبلة ويذكر الله حتى تغلبه عيناه فإن رؤياه لا تكاد تكذب ألبتة # وأصدق الرؤيا رؤيا الأسحار فإنه وقت النزول الإلهي واقتراب الرحمة ~~والمغفرة وسكون الشياطين وعكسه رؤيا العتمة عند انتشار الشياطين والأرواح ~~الشيطانية وقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه رؤيا المؤمن كلام يكلم به ~~الرب عبده في المنام # وللرؤيا ملك موكل بها يريها العبد في أمثال تناسبه وتشاكله فيضربها لكل ~~أحد بحسبه وقال مالك الرؤيا من الوحي وحى وزجر عن تفسيرها بلا علم وقال ~~أتتلاعب بوحي الله # ولذكر الرؤيا وأحكامها وتفاصيلها وطرق تأويلها مظان مخصوصة بها يخرجنا ~~ذكرها عن المقصود والله أعلم # | فصل في بيان اشتماله الفاتحة على الشفاءين شفاء القلوب وشفاء # الأبدان # فأما اشتمالها على شفاء القلوب فإنها اشتملت عليه أتم اشتمال فإن مدار ~~اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين فساد العلم وفساد القصد # ويترتب عليهما داءان قاتلان وهما الضلال والغضب فالضلال نتيجة فساد العلم ~~والغضب نتيجة فساد القصد وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها ~~فهداية الصراط المستقيم تتضمن الشفاء من مرض الضلال ولذلك كان سؤال هذه ~~الهداية أفرض دعاء على كل عبد وأوجبه عليه كل يوم وليلة في كل صلاة لشدة ~~ضرورته وفاقته إلى الهداية المطلوبة ولا يقوم غير ms0039 هذا السؤال مقامه # والتحقيق ب إياك نعبد وإياك نستعين علما ومعرفة وعملا وحالا يتضمن ~~PageV01P052 الشفاء من مرض فساد القلب والقصد فإن فساد القصد يتعلق ~~بالغايات والوسائل فمن طلب غاية منقطعة مضمحلة فانية وتوسل إليها بأنواع ~~الوسائل الموصلة إليها كان كلا نوعي قصده فاسدا وهذا شأن كل من كان غاية ~~مطلوبه غير الله وعبوديته من المشركين ومتبعي الشهوات الذين لا غاية لهم ~~رواءها وأصحاب الرياسات المتبعين لإقامة رياستهم بأي طريق كان من حق أو ~~باطل فإذا جاء الحق معارضا في طريق رياستهم طحنوه وداسوه بأرجلهم فإن عجزوا ~~عن ذلك دفعوه دفع الصائل فإن عجزوا عن ذلك حبسوه في الطريق وحادوا عنه إلى ~~طريق أخرى وهم مستعدون لدفعه بحسب الإمكان فإذا لم يجدوا منه بدا أعطوه ~~السكة والخطبة وعزلوه عن التصرف والحكم والتنفيذ وإن جاء الحق ناصرا لهم ~~وكان لهم صالوا به وجالوا وأتوا إليه مذعنين لا لأنه حق بل لموافقته غرضهم ~~وأهواءهم وانتصارهم به 24 48 50 وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا ~~فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ~~ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون # والمقصود أن قصد هؤلاء فاسد في غاياتهم ووسائلهم وهؤلاء إذا بطلت الغايات ~~التي طلبوها واضمحلت وفنيت حصلوا على أعظم الخسران والحسرات وهم أعظم الناس ~~ندامة وتحسرا إذا حق الحق وبطل الباطل وتقطعت بهم أسباب الوصل التي كانت ~~بينهم وتيقنوا انقطاعهم عن ركب الفلاح والسعادة وهذا يظهر كثيرا في الدنيا ~~ويظهر أقوى من ذلك عند الرحيل منها والقدوم على الله ويشتد ظهوره وتحققه في ~~البرزخ وينكشف كل الإنكشافيوم اللقاء إذا حقت الحقائق وفاز المحقون وخسر ~~المبطلون وعلموا أنهم كانوا PageV01P053 كاذبين وكانوا مخدوعين مغرورين ~~فياله هناك من علم لا ينفع عالمه ويقين لا ينجني مستيقنه # وكذلك من طلب الغاية العليا والمطلب الأسمى ولكن لم يتوسل إليه بالوسيلة ~~الموصلة له وإليه بل توسل إليه بوسيلة ظنها موصلة إليه وهي من أعظم القواطع ~~عنه ms0040 فحاله أيضا كحال هذا وكلاهما فاسد القصد ولا شفاء من هذا المرض إلا ~~بدواء إياك نعبد وإياك نستعين # فإن هذا الدواء مركب من ستة أجزاء عبودية الله لا غيره بأمره وشرعه لا ~~بالهوى ولا بآراء الرجال وأوضاعهم ورسومهم وأفكارهم بالإستعانة على عبوديته ~~به لا بنفس العبد وقوته وحوله ولا بغيره # فهذه هي أجزاء إياك نعبد وإياك نستعين فإذا ركبها الطبيب اللطيف العالم ~~بالمرض واستعملها المريض حصل بها الشفاء التام وما نقص من الشفاء فهو لفوات ~~جزء من أجزائها أو اثنين أو أكثر # ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى ~~التلف ولا بد وهما الرياء والكبر فدواء الرياء ب إياك نعبد ودواء الكبر ب ~~إياك نستعين # وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول إياك نعبد ~~تدفع الرياء وإياك نستعين تدفع الكبرياء # فإذا عوفى من مرض الرياء ب إياك نعبد ومن مرض الكبرياء والعجب ب إياك ~~نستعين ومن مرض الضلال والجهل ب اهدنا الصراط المستقيم عوفى من أمراضه ~~وأسقامه ورفل في أثواب العافية وتمت عليه النعمة وكان من المنعم عليهم غير ~~المغضوب عليهم وهم أهل فساد القصد الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه والضالين ~~وهم أهل فساد العلم الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه # وحق لسورة تشتمل على هذين الشفاءين أن يستشفى بها من كل مرض PageV01P054 ~~ولهذا لما اشتملت على هذا الشفاء الذي هو أعظم الشفاءين كان حصدك الشفاء ~~الأدنى بها أولى كما سنبينه فلا شيء أشفى للقلوب التي عقلت عن الله وكلامه ~~وفهمت عنه فهما خاصا اختصها به من معاني هذه السورة # وسنبين إن شاء الله تعالى تضمنها للرد على جميع أهل البدع بأوضح البيان ~~وأحسن الطرق # | فصل وأما تضمنها لشفاء للأبدان فنذكر منه ما جاءت به السنة وما # شهدت به قواعد الطب ودلت عليه التجربة # فأما ما دلت عليه السنة ففي الصحيح من حديث أبي المتوكل الناجي عن أبي ~~سعيد الخدري أن ناسا من أصحاب النبي مروا بحي من العرب ms0041 فلم يقروهم ولم ~~يضيفوهم فلدغ سيد الحي فأتوهم فقالوا هل عندكم من رقية أو هل فيكم من راق ~~فقالوا نعم ولكنكم لم تقرونا فلا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا فجعلوا لهم على ~~ذلك قطيعا من الغنم فجعل رجل منا يقرأ عليه بفاتحة الكتاب فقام كأن لم يكن ~~به قلبة فقلنا لا تعجلوا حتى نأتي النبي فأتيناه فذكرنا له ذلك فقال ما ~~يدريك أنها رقية كلوا واضربوا لي معكم بسهم # فقد تضمن هذا الحديث حصول شفاء هذا اللديغ بقراءة الفاتحة عليه فأغنته عن ~~الدواء وربما بلغت من شفائه مالم يبلغه الدواء # هذا مع كون المحل غير قابل إما لكون هؤلاء الحي غير مسلمين أو أهل بخل ~~ولؤم فكيف إذا كان المحل قابلا PageV01P055 # | فصل وأما شهادة قواعد الطب بذلك فاعلم أن اللدغة تكون من ذوات # الحمات والسموم وهي ذوات الأنفس الخبيثة التي تتكيف بكيفية غضبية تثير ~~فيها سمية نارية يحصل بها اللدغ وهي متفاوتة بحسب تفاوت خبث تلك النفوس ~~وقوتها وكيفيتها فإذا تكيفت أنفسها الخبيثة بتلك الكيفية الغضبية أحدث لها ~~ذلك طبيعة سمية تجد راحة ولذة في إلقائها إلى المحل القابل كما يجد الشرير ~~من الناس راحة ولذة في إيصال شره إلى من يوصله إليه وكثير من الناس لا يهنأ ~~له عيش في يوم لا يؤذي فيه أحدا من بني جنسه ويجد في نفسه تأذيا بحمل تلك ~~السمية والشر الذي فيه حتى يفرغه في غيره فيبرد عند ذلك أنينه وتسكن نفسه ~~ويصيبه في ذلك نظير ما يصيب من اشتدت شهوته إلى الجماع فيسوء خلقه وتثقل ~~نفسه حتى يقضي وطره هذا في قوة الشهوة وذاك في قوة الغضب # وقد أقام الله تعالى بحكمته السلطان وازعا لهذه النفوس الغضبية فلولا هو ~~لفسدت الأرض وخرجت 2 251 ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن ~~الله ذو فضل على العالمين وأباح الله بلطفه ورحمته لهذه النفوس من الأزواج ~~وملك اليمين ما يكسر حدتها # والمقصود أن هذه النفوس الغضبية إذا اتصلت بالمحل القابل أثرت فيه ms0042 ومنها ~~ما يؤثر في المحل بمجرد مقابلته له وإن لم يمسه فمنها ما يطمس البصر ويسقط ~~الحبل # ومن هذا نظر العائن فإنه إذا وقع بصره على المعين حدثت في نفسه كيفية ~~سمية أثرت في المعين بحسب عدم استعداده وكونه أعزل من السلاح وبحسب قوة تلك ~~النفس وكثير من هذه النفوس يؤثر في المعين إذا وصف له فتتكيف نفسه وتقابله ~~على البعد فيتأثر به ومنكر هذا ليس معدودا من بني آدم إلا بالصورة ~~PageV01P056 والشكل فإذا قابلت النفس الزكية العلوية الشريفة التي فيها غضب ~~وحمية للحق هذه النفوس الخبيثة السمية وتكيفت بحقائق الفاتحة وأسرارها ~~ومعانيها وما تضمنته من التوحيد والتوكل والثناء على الله وذكر أصول أسمائه ~~الحسنى وذكر اسمه الذي ما ذكر على شر إلا أزاله ومحقه ولا على خير إلا نماه ~~وزاده دفعت هذه النفس بما تكيفت به من ذلك أثر تلك النفس الخبيثة الشيطانية ~~فحصل البرء فإن مبنى الشفاء والبرء على دفع الضد بضده وحفظ الشيء بمثله ~~فالصحة تحفظ بالمثل والمرض يدفع بالضد أسباب ربطها بمسبباتها الحكيم العليم ~~خلقا وأمرا ولا يتم هذا إلا بقوة من النفس الفاعلة وقبول من الطبيعة ~~المنفعلة فلو لم تنفعل نفس الملدوغ لقبول الرقية ولم تقو نفس الراقي على ~~التأثير لم يحصل البرء # فهنا أمور ثلاثة موافقة الدواء للداء وبذل الطبيب له وقبول طبيعة العليل ~~فمتى تخلف واحد منها لم يحصل الشفاء وإذا اجتمعت حصل الشفاء ولا بد بإذن ~~الله سبحانه وتعالى # ومن عرف هذا كما ينبغي تبين له أسرار الرقي وميز بين النافع منها وغيره ~~ورقى الداء بما يناسبه من الرقي وتبين له أن الرقية براقيها وقبول المحل ~~كما أن السيف بضاربه مع قبول المحل للقطع وهذه إشارة مطلعة على ما وراءها ~~لمن دق نظره وحسن تأمله والله أعلم # وأما شهادة التجارب بذلك فهي أكثر من أن تذكر وذلك في كل زمان وقد جربت ~~أنا من ذلك في نفسي وفي غيري أمورا عجيبة ولا سيما مدة PageV01P057 المقام ~~بمكة فإنه كان يعرض لي آلام مزعجة ms0043 بحيث تكاد تقطع الحركة مني وذلك في أثناء ~~الطواف وغيره فأبادر إلى قراءة الفاتحة وأمسح بها على محل الألم فكأنه حصاة ~~تسقط جربت ذلك مرارا عديدة وكنت آخذ قدحا من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة ~~مرارا فأشربه فأجد به من النفع والقوة ما لم أعهد مثله في الدواء والأمر ~~أعظم من ذلك ولكن بحسب قوة الإيمان وصحة اليقين والله المستعان # | فصل في اشتماله الفاتحة على الرد على جميع المبطلين من أهل الملل # والنحل والرد على أهل البدع والضلال من هذه الأمة # وهذا يعلم بطريقين مجمل ومفصل # أما المجمل فهو أن الصراط المستقيم متضمن معرفة الحق وإيثاره وتقديمه على ~~غيره ومحبته والإنقياد له والدعوة إليه وجهاد أعدائه بحسب الإمكان # والحق هو ما كان عليه رسول الله وأصحابه وما جاء به علما وعملا في باب ~~صفات الرب سبحانه وأسمائه وتوحيده وأمره ونهيه ووعده ووعيده وفي حقائق ~~الإيمان التي هي منازل السائرين إلى الله تعالى وكل ذلك مسلم إلى رسول الله ~~دون آراء الرجال وأوضاعهم وأفكارهم واصطلاحاتهم # فكل علم أو عمل أو حقيقة أو حال أو مقام خرج من مشكاة نبوته وعليه السكة ~~المحمدية بحيث يكون من ضرب المدينة فهو من الصراط المستقيم وما لم يكن كذلك ~~فهو من صراط أهل الغضب والضلال فما ثم خروج عن هذه الطرق الثلاث طريق ~~الرسول وما جاء به وطريق أهل PageV01P058 الغضب وهي طريق من عرف الحق ~~وعانده وطريق أهل الضلال وهي طريق من أضله الله عنه ولهذا قال عبدالله ابن ~~عباس وجابر بن عبدالله رضي الله عنهم الصراط المستقيم هو الإسلام وقال ~~عبدالله بن مسعود وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما هو القرآن وفيه حديث ~~مرفوع في الترمذي وغيره وقال سهل بن عبدالله طريق السنة والجماعة وقال بكر ~~بن عبدالله المزني طريق رسول الله # ولا ريب أن ما كان عليه رسول الله وأصحابه علما وعملا وهو معرفة الحق ~~وتقديمه وإيثاره على غيره فهو الصراط المستقيم # وكل هذه الأقوال المتقدمة دالة عليه جامعة له # فبهذا الطريق ms0044 المجمل يعلم أن كل ما خالفه فباطل وهو من صراط الأمتين ~~الأمة الغضبية وأمة أهل الضلال # | فصل وأما المفصل فبمعرفة المذاهب الباطلة واشتمال كلمات الفاتحة # على إبطالها فنقول # الناس قسمان مقر بالحق تعالى وجاحد له فتضمنت الفاتحة إثبات الخالق تعالى ~~والرد على من جحده بإثبات ربوبيته تعالى للعالمين # وتأمل حال العالم كله علويه وسفليه بجميع أجزائه تجده شاهدا بإثبات صانعه ~~وفاطره ومليكه فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر بمنزلة إنكار العلم ~~وجحده لا فرق بينهما بل دلالة الخالق على المخلوق والفعال على الفعل ~~والصانع على أحوال المصنوع عند العقول الزكية المشرقة العلوية والفطر ~~الصحيحة أظهر من العكس # فالعارفون أرباب البصائر يستدلون بالله على أفعاله وصنعه إذا استدل الناس ~~PageV01P059 بصنعه وأفعاله عليه ولا ريب أنهما طريقان صحيحان كل منهما حق ~~والقرآن مشتمل عليهما # فأما الإستدلال بالصنعة فكثير وأما الإستدلال بالصانع فله شأن وهو الذي ~~أشارت إليه الرسل بقولهم لأممهم 14 10 أفي الله شك أي أيشك في الله حتى ~~يطلب إقامة الدليل على وجوده وأي دليل أصح وأظهر من هذا المدلول فكيف يستدل ~~على الأظهر بالأخفى ثم نبهوا على الدليل بقولهم فاطر السموات والأرض # وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية قدس الله روح يقول كيف يطلب الدليل ~~على من هو دليل على كل شيء وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت # وليس يصح في الأذهان شيء % إذا احتاج النهار إلى دليل # ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار ومن لم ير ~~ذلك في عقله وفطرته فليتهمها # وإذا بطل قول هؤلاء بطل قول أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود وأنه ما ~~ثم وجود قديم خالق ووجود حادث مخلوق بل وجود هذا العالم هو عين وجود الله ~~وهو حقيقة وجود هذا العالم فليس عند القوم رب وعبد ولا مالك ومملوك ولا ~~راحم ومرحوم ولا عابد ومعبود ولا مستعين ومستعان به ولا هاد ولا مهدي ولا ~~منعم ولا منعم عليه ولا غضبان ومغضوب عليه بل الرب هو نفس العبد وحقيقته ~~والمالك ms0045 هو عين المملوك والراحم هو عين المرحوم والعابد هو نفس المعبود ~~وإنما التغاير أمر اعتباري PageV01P060 بحسب مظاهر الذات وتجلياتها فتظهر ~~تارة في صورة معبود كما ظهرت في صورة فرعون وفي صورة عبد كما ظهرت في صورة ~~العبيد وفي صورة هاد كما في صورة الأنبياء والرسل والعلماء والكل من عين ~~واحدة بل هو العين الواحدة فحقيقة العابد ووجوده أو إنيته هي حقيقة المعبود ~~ووجوده وإنيته # والفاتحة من أولها إلى آخرها تبين بطلان قول هؤلاء الملاحدة وضلالهم # | فصل والمقرون بالرب سبحانه وتعالى أنه صانع العالم نوعان نوع # ينفي مباينته لخلقه ويقولون لا مباين ولا محايث ولا داخل العالم ولا ~~خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا خلفه ولا أمامه ولا ~~فيه ولا بائن عنه # فتضمنت الفاتحة الرد على هؤلاء من وجهين # أحدهما إثبات ربوبيته تعالى للعالم فإن الربوبية المحضة تقتضي مباينة ~~الرب للعالم بالذات كما باينهم بالربوبية وبالصفات والأفعال فمن لم يثبت ~~ربا مباينا للعالم فما أثبت ربا فإنه إذا نفى المباينة لزمه أحد أمرين ~~لزوما لا انفكاك له عنه ألبتة إما أن يكون هو نفس هذا العالم وحينئذ يصح ~~قوله فإن العالم لا يباين ذاته ونفسه ومن ههنا دخل أهل الوحدة وكانوا معطلة ~~أولا واتحادية ثانيا # وإما أن يقول ما ثم رب يكون مباينا ولا محايثا ولا داخلا ولا خارجا كما ~~قالته الدهرية المعطلة للصانع # وأما هذا القول الثالث المشتمل على جمع النقيضين إثبات رب مغاير للعالم ~~مع نفي مباينته للعالم وإثبات خالق قائم بنفسه لا في العالم ولا خارج ~~العالم ولا فوق العالم ولا تحته ولا خلفه ولا أمامه ولا يمنته ولا يسرته ~~فقول له PageV01P061 خبىء والعقول لا تتصوره حتى تصدق به فإذا استحال في ~~العقل تصوره فاستحالة التصديق به أظهر وأظهر وهو منطبق على العدم المحض ~~والنفي الصرف وصدقه عليه أظهر عند العقول والفطر من صدقه على رب العالمين # فضع هذا النفي وهذه الألفاظ الدالة عليه على العدم المستحيل ثم ضعها على ~~الذات العلية ms0046 القائمة بنفسها التي لم تحل في العالم ولا حل العالم فيها ثم ~~انظر أي المعلومين أولى به # واستيقظ لنفسك وقم لله قومة مفكر في نفسه في الخلوة في هذا الأمر متجرد ~~عن المقالات وأربابها وعن الهوى والحمية والعصبية صادقا في طلب الهداية من ~~الله فالله أكرم من أن يخيب عبدا هذا شأنه وهذه المسألة لا تحتاج إلى أكثر ~~من إثبات رب قائم بنفسه مباين لخلقه بل هذا نفس ترجمتها # | فصل ثم المثبتون للخالق تعالى نوعان أهل توحيد وأهل إشراك وأهل # الإشراك نوعان # أحدهما أهل الإشراك به في ربوبيته وإلهيته كالمجوس ومن ضاهاهم من القدرية ~~فإنهم يثبتون مع الله خالقا آخر وإن لم يقولوا إنه مكافىء له والقدرية ~~المجوسيه تثبت مع الله خالقين للأفعال ليس أفعالهم مقدورة لله ولا مخلوقة ~~لهم وهي صادرة بغير مشيئته ولا قدرة له عليها ولا هو الذي جعل أربابها ~~فاعلين لها بل هم الذين جعلوا أنفسهم شائين مريدين فاعلين # فربوبية العالم الكاملة المطلقة الشاملة تبطل أقوال هؤلاء كلهم لأنها ~~تقتضي ربوبيته لجميع ما فيه من الذوات والصفات والحركات والأفعال # وحقيقة قول القدرية المجوسية أنه تعالى ليس ربا لأفعال الحيوان ولا ~~تناولتها ربوبيته وكيف تتناول مالا يدخل تحت قدرته ومشيئته وخلقه مع أن في ~~عموم حمده ما يقتضي حمده على طاعات خلقه إذ هو المعين عليها والموفق لها ~~وهو PageV01P062 الذي شاءها منهم كما قال في غير موضع من كتابه 76 30 وما ~~تشاءون إلا أن يشاء الله فهو محمود على أن شاءها لهم وجعلهم فاعليها بقدرته ~~ومشيئته فهو المحمود عليها في الحقيقة وعندهم أنهم هم المحمودون عليها ولهم ~~الحمد على فعلها وليس لله حمد على نفس فاعليتها عندهم ولا على ثوابه وجزائه ~~عليها # أما الأول فلأن فاعليتها بهم لا به وأما الثاني فلأن الجزاء مستحق عليه ~~استحقاق الأجرة على المستأجر فهو محض حقهم الذي عاوضوه عليه # وفي قوله وإياك نستعين رد ظاهر عليهم إذ استعانتهم به إنما تكون عن شيء ~~هو بيده وتحت قدرته ومشيئته فكيف يستعين ms0047 من بيده الفعل وهو موجده إن شاء ~~أوجده وإن شاء لم يوجده بمن ليس ذلك الفعل بيده ولا هو داخل تحت قدرته ولا ~~مشيئته # وفي قوله إهدنا الصراط المستقيم أيضا رد عليهم فإن الهداية المطلقة ~~التامة هي المستلزمة لحصول الإهتداء ولولا أنها بيده تعالى دونهم لما سألوه ~~إياها وهي المتضمنة للإرشاد والبيان والتوفيق والإقدار وجعلهم مهتدين وليس ~~مطلوبهم مجرد البيان والدلالة كما ظنته القدرية لأن هذا القدر وحده لا يوجب ~~الهدى ولا ينجي من الردى وهو حاصل لغيرهم من الكفار الذين استحبوا العمى ~~على الهدى واشتروا الضلالة بالهدى # | فصل النوع الثاني أهل الإشراك به في إلهيته وهم المقرون بأنه وحده # رب كل شيء ومليكه وخالقه وأنه ربهم ورب آبائهم الأولين ورب السموات السبع ~~ورب العرش العظيم وهم مع هذا يعبدون غيره ويعدلون به سواه في المحبة ~~والطاعة والتعظيم وهم الذين اتخذوا من دون الله أندادا فهؤلاء لم يوفوا ~~إياك نعبد حقه وإن كان لهم نصيب من نعبدك لكن ليس لهم نصيب من إياك نعبد ~~المتضمن معنى لا نعبد إلا إياك حبا وخوفا ورجاء PageV01P063 وطاعة وتعظيما ~~ف إياك نعبد تحقيق لهذا التوحيد وإبطال للشرك في الإلهية كما أن إياك ~~نستعين تحقيق لتوحيد الربوبية وإبطال للشرك به فيها وكذلك قوله اهدنا ~~الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم فإنهم أهل التوحيد وهم أهل تحقيق ~~إياك نعبد وإياك نستعين وأهل الإشراك هم أهل الغضب والضلال # | فصل في تضمنها الرد على الجهمية معطلة الصفات وذلك من وجوه # أحدها من قوله الحمد لله فإن إثبات الحمد الكامل له يقتضي ثبوت كل ما ~~يحمد عليه من صفات كماله ونعوت جلاله إذ من عدم صفات الكمال فليس بمحمود ~~على الإطلاق وغايته أنه محمود من وجه دون وجه ولا يكون محمودا بكل وجه وبكل ~~اعتبار بجميع أنواع الحمد إلا من استولى على صفات الكمال جميعها فلو عدم ~~منها صفة واحدة لنقص من حمده بحسبها # وكذلك في إثبات صفة الرحمة له ما يتضمن إثبات الصفات التي تستلزم من ~~الحياة والإرادة ms0048 والقدرة والسمع والبصر وغيرها # وكذلك صفة الربوبية تستلزم جميع صفات الفعل وصفة الإلهية تسلتزم جميع ~~أوصاف الكمال ذاتا وأفعالا كما تقدم بيانه # فكونه محمودا إلها ربا رحمانا رحيما ملكا معبودا مستعانا هاديا منعما ~~يرضى ويغضب مع نفي قيام الصفات به جمع بين النقيضين وهو من أمحل المحال # وهذه الطريق تتضمن إثبات الصفات الخبرية من وجهين # أحدهما أنها من لوازم كماله المطلق فإن استواءه على عرشه من لوازم علوه ~~ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا في نصف الليل الثاني من لوازم رحمته ~~وربوبيته وهكذا سائر الصفات الخبرية PageV01P064 # الوجه الثاني أن السمع ورد بها ثناء على الله ومدحا له وتعرفا منه إلى ~~عباده بها فجحدها وتحريفها عما دلت عليه وعما أريد بها مناقض لما جاءت به ~~فلك أن تستدل بطريق السمع على أنها كمال وأن تستدل بالعقل كما تقدم # | فصل في تضمنها للرد على الجبرية وذلك من وجوه أحدها من # إثبات عموم حمده سبحانه فإنه يقتضي أن لا يعاقب عبيده على مالا قدرة لهم ~~عليه ولا هو من فعلهم بل هو بمنزلة ألوانهم وطولهم وقصرهم بل هو يعاقبهم ~~على نفس فعله بهم فهو الفاعل لقبائحهم في الحقيقة وهو المعاقب لهم عليها ~~فحمده عليها يأبى ذلك أشد الإباء وينفيه أعظم النفي فتعالى من له الحمد كله ~~عن ذلك علوا كبيرا بل إنما يعاقبهم على نفس أفعالهم التي فعلوها حقيقة فهي ~~أفعالهم لا أفعاله وإنما أفعاله العدل والإحسان والخيرات # الوجه الثاني إثبات رحمته ورحمانيته ينفي ذلك إذ لا يمكن اجتماع هذين ~~الأمرين قط أن يكون رحمانا رحيما ويعاقب العبد على مالا قدرة له عليه ولا ~~هو من فعله بل يكلفه ما لا يطيقه ولا له عليه قدرة ألبتة ثم يعاقبه عليه ~~وهل هذا إلا ضد الرحمة ونقض لها وإبطال وهل يصح في معقول أحد اجتماع ذلك ~~والرحمة التامة الكاملة في ذات واحدة # الوجه الثالث إثبات العبادة والإستعانة لهم ونسبتها إليهم بقولهم نعبد ~~ونستعين وهي نسبة حقيقية لا مجازية والله لا يصح وصفه بالعبادة والإستعانة ms0049 ~~التي هي من أفعال عبيده بل العبد حقيقة هو العابد المستعين والله هو ~~المعبود المستعان به PageV01P065 # | فصل في بيان تضمنها للرد على القائلين بالموجب بالذات دون الإختيار # والمشيئة وبيان أنه سبحانه فاعل مختار وذلك من وجوه # أحدها من إثبات حمده إذ كيف يحمد على ما ليس مختارا لوجوده ولا هو ~~بمشيئته وفعله وهل يصح حمد الماء على آثاره وموجباته أو النار والحديد ~~وغيرها في عقل أو فطرة وإنما يحمد الفاعل المختار بقدرته ومشيئته على ~~أفعاله الحميدة هذا الذي ليس يصح في العقول والفطر سواه فخلافه خارج عن ~~الفطرة والعقل وهو لا ينكر خروجه عن الشرائع والنبوات بل يتبجح بذلك ويعده ~~فخرا # الثاني إثبات ربوبيته تعالى يقتضي فعله بمشيئته واختياره وتدبيره وقدرته ~~وليس يصح في عقل ولا فطرة ربوبية الشمس لضوئها والماء لتبريده وللنبات ~~الحاصل به ولا ربوبية شيء أبدا لما لا قدرة له عليه ألبتة وهل هذا إلا ~~تصريح بجحد الربوبية # فالقوم كنوا للأغمار وصرحوا لأولي الأفهام # الثالث إثبات ملكه وحصول ملك لمن لا اختيار له ولا فعل ولا مشيئة غير ~~معقول بل كل مملوك له مشيئة واختيار وفعل أتم من هذا الملك وأكمل 16 17 ~~أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون # الرابع من كونه مستعانا فإن الإستعانة بمن لا اختيار له ولا مشيئة ولا ~~قدرة محال # الخامس من كونه مسئولا أن يهدي عباده فسؤال من لا اختيار له محال وكذلك ~~من كونه منعما PageV01P066 # | فصل في بيان تضمنها للرد على منكري تعلق علمه تعالى بالجزئيات وذلك # من وجوه # أحدها كمال حمده وكيف يستحق الحمد من لا يعلم شيئا من العالم وأحواله ~~وتفاصيله ولا عدد الأفلاك ولا عدد النجوم ولا من يطيعه ممن يعصيه ولا من ~~يدعوه ممن لا يدعوه # الثاني أن هذا مستحيل أن يكون إلها وأن يكون ربا فلا بد للإله المعبود ~~والرب المدبر من أن يعلم عابده ويعلم حاله # الثالث من إثبات رحمته فإنه يستحيل أن يرحم من لا يعلم # الرابع إثبات ملكه فإن ملكا لا يعرف ms0050 أحدا من رعيته ألبتة ولا شيئا من ~~أحوال مملكته ألبتة ليس بملك بوجه من الوجوه # الخامس كونه مستعانا # السادس كونه مسئولا أن يهدي سائله ويجيبه # السابع كونه هاديا # الثامن كونه منعما # التاسع كونه غضبانا على من خالفه # العاشر كونه مجازيا يدين الناس بأعمالهم يوم الدين فنفي علمه بالجزيئات ~~مبطل لذلك كله PageV01P067 # | فصل في بيان تضمنها للرد على منكري النبوات وذلك من وجوه أحدها # إثبات حمده التام فإنه يقتضي كمال حكمته وأن لا يخلق خلقه عبثا ولا ~~يتركهم سدى لا يؤمرون ولا ينهون ولذلك نزه الله نفسه عن هذا في غير موضع من ~~كتابه وأخبر أن من أنكر الرسالة والنبوة وأن يكون ما أنزل على بشر من شيء ~~فإنه ما عرفه حق معرفته ولا عظمه حق تعظيمه ولا قدره حق قدره بل نسبه إلى ~~ما لا يليق به ويأباه حمده ومجده # فمن أعطى الحمد حقه علما ومعرفة وبصيرة استنبط منه أشهد أن محمدا رسول ~~الله كما يستنبط منه أشهد أن لا إله إلا الله وعلم قطعا أن تعطيل النبوات ~~في منافاته للحمد كتعطيل صفات الكمال وكإثبات الشركاء والأنداد # الثاني إلهيته وكونه إلها فإن ذلك مستلزم لكونه معبودا مطاعا ولا سبيل ~~إلى معرفة ما يعبد به ويطاع إلا من جهة رسله # الثالث كونه ربا فإن الربوبية تقتضي أمر العباد ونهيهم وجزاء محسنهم ~~بإحسانه ومسيئهم بإساءته هذا حقيقة الربوبية وذلك لا يتم إلا بالرسالة ~~والنبوة # الرابع كونه رحمانا رحيما فإن من كمال رحمته أن يعرف عباده نفسه وصفاته ~~ويدلهم على ما يقربهم إليه ويباعدهم منه ويثيبهم على طاعته ويجزيهم بالحسنى ~~وذلك لا يتم إلا بالرسالة والنبوة فكانت رحمته مقتضية لها # الخامس ملكه فإن الملك يقتضي التصرف بالقول كما أن الملك يقضي التصرف ~~بالفعل فالملك هو المتصرف بأمره وقوله فتنفذ أوامره ومراسيمه حيث شاء ~~والمالك هو المتصرف في ملكه بفعله والله له الملك وله الملك فهو المتصرف في ~~خلقه بالقول والفعل PageV01P068 # وتصرفه بقوله نوعان تصرف بكلماته الكونية وتصرف بكلماته الدينية وكمال ~~الملك بهما # فإرسال ms0051 الرسل موجب كمال ملكه وسلطانه وهذا هو الملك المعقول في فطر الناس ~~وعقولهم فكل ملك لا تكون له رسل يبثهم في أقطار مملكته فليس بملك # وبهذه الطريق يعلم وجود ملائكته وأن الإيمان بهم من لوازم الإيمان بملكه ~~فإنهم رسل الله في خلقه وأمره # السادس ثبوت يوم الدين وهو يوم الجزاء الذي يدين الله فيه العباد ~~بأعمالهم خيرا وشرا وهذا لايكون إلا بعد ثبوت الرسالة والنبوة وقيام الحجة ~~التي بسببها يدان المطيع والعاصي # السابع كونه معبودا فإنه لا يعبد إلا بما يحبه ويرضاه ولا سبيل للخلق إلى ~~معرفة ما يحبه ويرضاه إلا من جهة رسله فإنكار رسله إنكار لكونه معبودا # الثامن كونه هاديا إلى الصراط المستقيم وهو معرفة الحق والعمل به وهو ~~أقرب الطرق الموصلة إلى المطلوب فإن الخط المستقيم هو أقرب خط موصل بين ~~نقطتين وذلك لا يعلم إلا من جهة الرسل فتوقفه على الرسل ضروري أعظم من توقف ~~الطريق الحسى على سلامة الحواس # التاسع كونه منعما على أهل الهداية إلى الصراط المستقيم فإن إنعامه عليهم ~~إنما تم بإرسال الرسل إليهم وجعلهم قابلين الرسالة مستجيبين لدعوته وبذلك ~~ذكرهم منته عليهم وإنعامه في كتابه # العاشر انقسام خلقه إلى منعم عليهم ومغضوب عليهم وضالين فإن هذا الإنقسام ~~ضروري بحسب إنقسامهم في معرفة الحق والعمل به إلى عالم به PageV01P069 عامل ~~بموجبه وهم أهل النعمة وعالم به معاند له وهم أهل الغضب وجاهل به وهم ~~الضالون هذا الإنقسام إنما نشأ بعد إرسال الرسل فلولا الرسل لكانوا أمة ~~واحدة فانقسامهم إلى هذه الأقسام مستحيل بدون الرسالة وهذا الإنقسام ضروري ~~بحسب الواقع فالرسالة ضرورية وقد تبين لك بهذه الطريق والتي قبلها بيان ~~تضمنها للرد على من أنكر المعاد الجسماني وقيامة الأبدان وعرفت اقتضاءها ~~ضرورة لثبوت الثواب والعقاب والأمر والنهي وهو الحق الذي خلقت به وله ~~السموات والأرض والدنيا والآخرة وهو مقتضى الخلق والأمر ونفيه نفي لهما # | فصل إذا ثبتت النبوات والرسالة ثبتت صفة التكلم والتكليم فإن # حقيقة الرسالة تبليغ كلام المرسل فإذا لم يكن ثم كلام ms0052 فماذا يبلغ الرسول ~~بل كيف يعقل كونه رسولا ولهذا قال غير واحد من السلف من أنكر أن يكون الله ~~متكلما أو يكون القرآن كلامه فقد أنكر رسالة محمد بل ورسالة جميع الرسل ~~التي حقيقتها تبليغ كلام الله تبارك وتعالى ولهذا قال منكرو رسالته عن ~~القرآن 74 24 25 إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر وإنما عنوا ~~القرآن المسموع الذي بلغوه وأنذروا به # فمن قال إن الله لم يتكلم به فقد ضاهأ قوله قولهم تعالى الله عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا PageV01P070 # | فصل في بيان تضمنها للرد على من قال بقدم العالم وذلك من وجوه # أحدها إثبات حمده فإنه يقتضي ثبوت أفعاله لا سيما وعامة مواد الحمد في ~~القرآن أو كلها إنما هي على الأفعال وكذلك هو ههنا فإنه حمد نفسه على ~~ربوبيته المتضمنة لأفعاله الإختيارية ومن المستحيل مقارنة الفعل لفاعله هذا ~~ممتنع في كل عقل سليم وفطرة مستقيمة فالفعل متأخر عن فاعله بالضرورة # وأيضا فإنه متعلق الإرادة والتأثير والقدرة ولا يكون متعلقها قديما ألبتة # الثاني إثبات ربوبيته للعالمين وتقريرما ذكرناه والعالم كل ما سواه فثبت ~~أن كل ما سواه مربوب والمربوب مخلوق بالضرورة وكل مخلوق حادث بعد أن لم يكن ~~فإذا ربوبيته تعالى لكل ماسواه تستلزم تقدمه عليه وحدوث المربوب ولا يتصور ~~أن يكون العالم قديما وهو مربوب أبدا فإن القديم مستغن بأزليته عن فاعل له ~~وكل مربوب فهو فقير بالذات فلا شيء من المربوب بغنى ولا قديم # الثالث إثبات توحيده فإنه يقتضي عدم مشاركة شيء من العالم له في خصائص ~~الربوبية والقدرة من خصائص الربوبية فالتوحيد ينفى ثبوته لغيره ضرورة كما ~~ينفى ثبوت الربوبية والإلهية لغيره PageV01P071 # | فصل في بيان تضمنها للرد على الرافضة وذلك من قوله اهدنا الصراط # المستقيم إلى آخرها # ووجه تضمنه إبطال قولهم أنه سبحانه قسم الناس إلى ثلاثة أقسام منعم عليهم ~~وهم أهل الصراط المستقيم الذين عرفوا الحق واتبعوه ومغضوب عليهم وهم الذين ~~عرفوا الحق ورفضوه وضالون وهم الذين جهلوه فأخطأوه # فكل من ms0053 كان أعرف للحق وأتبع له كان أولى بالصراط المستقيم # ولا ريب أن أصحاب رسول الله ورضي الله عنهم هم أولى بهذه الصفة من ~~الروافض فإنه من المحال أن يكون أصحاب رسول الله ورضى الله عنهم جهلوا الحق ~~وعرفه الروافض أو رفضوه وتمسك به الروافض # ثم إنا رأينا آثار الفريقين تدل على أهل الحق منهما فرأينا أصحاب رسول ~~الله فتحوا بلاد الكفر وقلبوها بلاد إسلام وفتحوا القلوب بالقرآن والعلم ~~والهدى فآثارهم تدل على أنهم هم أهل الصراط المستقيم ورأينا الرافضة بالعكس ~~في كل زمان ومكان فإنه قط ما قام للمسلمين عدو من غيرهم إلا كانوا أعوانهم ~~على الإسلام وكم جروا على الإسلام وأهله من بلية وهل عاثت سيوف المشركين ~~عباد الأصنام من عسكر هولاكو وذويه من التتار إلا من تحت رءوسهم وهل عطلت ~~المساجد وحرقت المصاحف وقتل سروات المسلمين وعلماؤهم وعبادهم وخليفتهم إلا ~~بسببهم ومن جرائهم ومظاهرتهم للمشركين والنصارى معلومة عند الخاصة والعامة ~~وآثارهم في الدين معلومة # فأي الفريقين أحق بالصراط المستقيم وأيهم أحق بالغضب والضلال إن كنتم ~~تعلمون # ولهذا فسر السلف الصراط المستقيم وأهله بأبي بكر وعمر وأصحاب PageV01P072 # رسول الله ورضى الله عنهم وهو كما فسروه فإنه صراطهم الذي كانوا عليه وهو ~~عين صراط نبيهم وهم الذين أنعم الله عليهم وغضب على أعدائهم وحكم لأعدائهم ~~بالضلال وقال أبو العالية رفيع الرياحي والحسن البصري وهما من أجل التابعين ~~الصراط المستقيم رسول الله وصاحباه وقال أبو العالية أيضا في قوله صراط ~~الذين أنعمت عليهم هم آل رسول الله وأبو بكر وعمر وهذا حق فإن آله وأبا بكر ~~وعمر على طريق واحدة ولا خلاف بينهم وموالاة بعضهم بعضا وثناؤهم عليهما ~~ومحاربة من حاربا ومسالمة من سالما معلومة عند الأمة خاصها وعامها وقال زيد ~~بن أسلم الذين أنعم الله عليهم هم رسول الله وأبو بكر وعمر # ولا ريب أن المنعم عليهم هم أتباعه والمغضوب عليهم هم الخارجون عن أتباعه ~~وأتبع الأمة له وأطوعهم أصحابه وأهل بيته وأتبع الصحابة له السمع والبصر ~~أبو بكر وعمر ms0054 وأشد الأمة مخالفة له هم الرافضة فخلافهم له معلوم عند جميع ~~فرق الأمة ولهذا يبغضون السنة وأهلها ويعادونها ويعادون أهلها فهم أعداء ~~سنته وأهل بيته وأتباعه من بنيهم أكمل ميراثا بل هم ورثته حقا PageV01P073 ~~فقد تبين أن الصراط المستقيم طريق أصحابه وأتباعه وطريق أهل الغضب والضلال ~~طريق الرافضة # وبهذه الطريق بعينها يرد على الخوارج فإن معاداتهم الصحابة معروفة # | فصل وسر الخلق والأمر والكتب والشرائع والثواب والعقاب انتهى إلى # هاتين الكلمتين وعليهما مدار العبودية والتوحيد حتى قيل أنزل الله مائة ~~كتاب وأربعة كتب جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن وجمع معاني هذه ~~الكتب الثلاثة في القرآن وجمع معاني القرآن في المفصل وجمع معاني المفصل في ~~الفاتحة ومعاني الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين # وهما الكلمتان المقسومتان بين الرب وبين عبده نصفين فنصفهما له تعالى وهو ~~إياك نعبد ونصفهما لعبده وهو إياك نستعين # وسيأتي سر هذا ومعناه إن شاء الله في موضعه # والعبادة تجمع أصلين غاية الحب بغاية الذل والخضوع والعرب تقول طريق معبد ~~أي مذلل والتعبد التذلل والخضوع فمن أحببته ولم تكن خاضعا له لم تكن عابدا ~~له ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدا له حتى تكون محبا خاضعا ومن ههنا كان ~~المنكرون محبة العباد لربهم منكرين حقيقة العبودية والمنكرون لكونه محبوبا ~~لهم بل هو غاية مطلوبهم ووجهه الأعلى نهاية بغيتهم منكرين لكونه إلها وإن ~~أقروا بكونه ربا للعالمين وخالقا لهم فهذا غاية توحيدهم وهو توحيد الربوبية ~~الذي اعترف به مشركو العرب ولم يخرجوا به عن الشرك كما قال تعالى 43 87 ~~ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله وقال تعالى 39 38 ولئن سألتهم من خلق ~~PageV01P074 السموات والأرض ليقولن الله 22 84 89 قل لمن الأرض ومن فيها ~~إلى قوله @QB@ سيقولون لله قل فأنى تسحرون @QE@ ولهذا يحتج عليهم به على ~~توحيد إلهيته وأنه لا ينبغي أن يعبد غيره كما أنه لا خالق غيره ولا رب سواه # والإستعانة تجمع أصلين الثقة بالله والإعتماد عليه فإن العبد قد يثق ~~بالواحد من ms0055 الناس ولا يعتمد عليه في أموره مع ثقته به لإستغنائه عنه وقد ~~يعتمد عليه مع عدم ثقته به لحاجته إليه ولعدم من يقوم مقامه فيحتاج إلى ~~اعتماده عليه مع أنه غير واثق به # والتوكل معنى يلتئم من أصلين من الثقة والإعتماد وهو حقيقة @QB@ إياك ~~نعبد وإياك نستعين @QE@ وهذان الأصلان وهما التوكل والعبادة قد ذكرا في ~~القرآن في عدة مواضع قرن بينهما فيها هذا أحدها # الثاني قول شعيب 11 88 وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب # الثالث قوله تعالى 10 123 ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ~~فاعبده وتوكل عليه # الرابع قوله تعالى حكاية عن المؤمنين 60 4 ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا ~~وإليك المصير # الخامس قوله تعالى 73 8 9 واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق ~~والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا # السادس قوله تعالى 43 10 قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب # فهذه ستة مواضع يجمع فيها بين الأصلين وهما @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين ~~@QE@ وتقديم العبادة على الإستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على ~~الوسائل إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها والإستعانة وسيلة إليها ~~PageV01P075 ولأن @QB@ إياك نعبد @QE@ متعلق بألوهيته واسمه الله وإياك ~~نستعين متعلق بربوبيته واسمه الرب فقدم @QB@ إياك نعبد @QE@ على إياك ~~نستعين كما قدم اسم الله على الرب في أول السورة ولأن @QB@ إياك نعبد @QE@ ~~قسم الرب فكان من الشطر الأول الذي هو ثناء على الله تعالى لكونه أولى به ~~@QB@ وإياك نستعين @QE@ قسم العبد فكان من الشطر الذي له وهو @QB@ اهدنا ~~الصراط المستقيم @QE@ إلى آخر السورة # ولأن العبادة المطلقة تتضمن الإستعانة من غير عكس فكل عابد لله عبودية ~~تامة مستعين به ولا ينعكس لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على ~~شهواته فكانت العبادة أكمل وأتم ولهذا كانت قسم الرب # ولأن الإستعانة جزء من العبادة من غير عكس ولأن الإستعانة طلب منه ~~والعبادة طلب له # ولأن العبادة لا تكون إلا من مخلص والإستعانة تكون من ms0056 مخلص ومن غير مخلص # ولأن العبادة حقه الذي أوجبه عليك والإستعانة طلب العون على العبادة وهو ~~بيان صدقته التي تصدق بها عليك وأداء حقه أهم من التعرض لصدقته # ولأن العبادة شكر نعمته عليك والله يحب أن يشكر والإعانة فعله بك وتوفيقه ~~لك فإذا التزمت عبوديته ودخلت تحت رقها أعانك عليها فكان التزامها والدخول ~~تحت رقها سببا لنيل الإعانة وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من ~~الله له أعظم # والعبودية محفوفة بإعانتين إعانة قبلها على التزامها والقيام بها وإعانة ~~بعدها على عبودية أخرى وهكذا أبدا حتى يقضي العبد نحببه # ولأن @QB@ إياك نعبد @QE@ له @QB@ وإياك نستعين @QE@ به وماله مقدم على ~~ما به PageV01P076 لأن ماله متعلق بمحبته ورضاه وما به متعلق بمشيئته وما ~~تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته فإن الكون كله متعلق بمشيئته ~~والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار والطاعات والمعاصي والمتعلق بمحبته ~~طاعاتهم وإيمانهم فالكفار أهل مشيئته والمؤمنون أهل محبته ولهذا لا يستقر ~~في النار شيء لله أبدا وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته # فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم @QB@ إياك نعبد @QE@ على إياك نستعين # وأما تقديم المعبود والمستعان على الفعلين ففيه أدبهم مع الله بتقديم ~~اسمه على فعلهم وفيه الإهتمام وشدة العناية به وفيه الإيذان بالإختصاص ~~المسمى بالحصر فهو في قوة لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك والحاكم في ~~ذلك ذوق العربية والفقه فيها واستقراء موارد استعمال ذلك مقدما وسيبويه نص ~~على الإهتمام ولم ينف غيره # ولأنه يقبح من القائل أن يعتق عشرة أعبد مثلا ثم يقول لأحدهم إياك أعتقت ~~ومن سمعه أنكر ذلك عليه وقال وغيره أيضا أعتقت ولولا فهم الإختصاص لما قبح ~~هذا الكلام ولا حسن إنكاره # وتأمل قوله تعالى 2 40 وإياي فارهبون 2 41 وإياي فاتقون كيف تجده في قوة ~~لا ترهبوا غيري لا تتقوا سواي وكذلك @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ هو ~~في قوة لا نعبد غيرك ولا نستعين بسواك وكل ذي ذوق سليم يفهم هذا الإختصاص ~~من علة السياق # ولا عبرة بجدل ms0057 من قل فهمه وفتح عليه باب الشك والتشكيك فهؤلاء هم آفة ~~العلوم وبلية الأذهان والفهوم مع أن في ضمير إياك من الإشارة إلى نفس الذات ~~والحقيقة ما ليس في الضمير المتصل ففي إياك قصدت وأحببت من الدلالة على ~~معنى حقيقتك وذاتك قصدي ما ليس في قولك قصدتك وأحببتك وإياك أعني فيه معنى ~~نفسك وذاتك وحقيقتك أعني PageV01P077 # ومن ههنا قال من قال من النحاة إن إيا اسم ظاهر مضاف إلى الضمير المتصل ~~ولم يرد عليه برد شاف # ولولا أنا في شأن وراء هذا لأشبعنا الكلام في هذه المسألة وذكرنا مذاهب ~~النحاة فيها ونصرنا الراجح ولعلنا أن نعطف على ذلك بعون الله # وفي إعادة إياك مرة أخرى دلالة على تعلق هذه الأمور بكل واحد من الفعلين ~~ففي إعادة الضمير من قوة الإقتضاء لذلك ما ليس في حذفه فإذا قلت لملك مثلا ~~إياك أحب وإياك أخاف كان فيه من اختصاص الحب والخوف بذاته والإهتمام بذكره ~~ما ليس في قولك إياك أحب وأخاف # | فصل إذا عرفت هذا فالناس في هذين الأصلين وهما العبادة والإستعانة # أربعة أقسام # أجلها وأفضلها أهل العبادة والإستعانة بالله عليها فعبادة الله غاية ~~مرادهم وطلبهم منه أن يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها ولهذا كان من أفضل ~~ما يسأل الرب تبارك وتعالى الإعانة على مرضاته وهو الذي علمه النبي لحبه ~~معاذ بن جبل رضي الله عنه فقال يا معاذ والله إني لأحبك فلا تنس أن تقول ~~دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك / ح / # فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته وأفضل المواهب إسعافه بهذا المطلوب ~~وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا وعلى دفع ما يضاده وعلى تكميله ~~وتيسير أسبابه فتأملها # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه تأملت أنفع الدعاء فإذا هو ~~سؤال العون على مرضاته ثم رأيته في الفاتحة في @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين ~~@QE@ ومقابل هؤلاء القسم الثاني وهم المعرضون عن عبادته والإستعانة به فلا ~~عبادة ولا إستعانة بل إن سأله أحدهم واستعان به فعلى حظوظه وشهواته ms0058 لا على ~~PageV01P078 مرضاة ربه وحقوقه فإنه سبحانه يسأله من في السموات والأرض ~~يسأله أولياؤه وأعداؤه ويمد هؤلاء وهؤلاء وأبغض خلقه عدوه إبليس ومع هذا ~~فقد سأله حاجة فأعطاه إياها ومتعه بها ولكن لما لم تكن عونا له على مرضاته ~~كانت زيادة له في شقوته وبعده عن الله وطرده عنه وهكذا كل من استعان به على ~~أمر وسأله إياه ولم يكن عونا على طاعته كان مبعدا له عن مرضاته قاطعا له ~~عنه ولا بد # وليتأمل العاقل هذا في نفسه وفي غيره وليعلم أن إجابة الله لسائليه ليست ~~لكرامة السائل عليه بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له وفيها هلاكه وشقوته ~~ويكون قضاؤها له من هوانه عليه وسقوطه من عينه ويكون منعه منها لكرامته ~~عليه ومحبته له فيمنعه حماية وصيانة وحفظا لا بخلا وهذا إنما يفعله بعبده ~~الذي يريد كرامته ومحبته ويعامله بلطفه فيظن بجهله أن الله لا يحبه ولا ~~يكرمه ويراه يقضي حوائج غيره فيسيء ظنه بربه وهذا حشو قلبه ولا يشعر به ~~والمعصوم من عصمه الله والإنسان على نفسه بصيرة وعلامة هذا حمله على ~~الأقدار وعتابه الباطن لها كما قيل # وعاجز الرأي مضياع لفرصته % حتى إذا فات أمر عاتب القدرا # فوالله لو كشف عن حاصله وسره لرأي هناك معاتبة القدر وإتهامه وأنه قد كان ~~ينبغي أن يكون كذا وكذا ولكن ما حيلتي والأمر ليس إلي والعاقل خصم نفسه ~~والجاهل خصم أقدار ربه # فاحذر كل الحذر أن تسأله شيئا معينا خيرته وعاقبته مغيبة عنك وإذا لم تجد ~~من سؤاله بدا فعلقه على شرط علمه تعالى فيه الخيرة وقدم بين يدي سؤالك ~~الإستخارة ولا تكن استخارة باللسان بلا معرفة بل استخارة من لا علم له ~~بمصالحه ولا قدرة له عليها ولا اهتداء له إلى تفاصيلها ولا يملك لنفسه ضرا ~~ولا نفعا بل إن وكل إلى نفسه هلك كل الهلاك وانفرط عليه أمره PageV01P079 # وإذا أعطاك ما أعطاك بلا سؤال تسأله أن يجعله عونا لك على طاعته وبلاغا ~~إلى مرضاته ولا يجعله قاطعا لك عنه ms0059 ولا مبعدا عن مرضاته ولا تظن أن عطاءه ~~كل ما أعطى لكرامة عبده عليه ولا منعه كل ما يمنعه لهوان عبده عليه ولكن ~~عطاؤه ومنعه ابتلاء وامتحان يمتحن بهما عباده قال الله تعالى 89 25 و 16 ~~فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا أي ليس كل من أعطيته ونعمته ~~وخولته فقد أكرمته وما ذاك لكرامته علي ولكنه ابتلاء علي وامتحان له ~~أيشكرني فأعطيه فوق ذلك أم يكفرني فأسلبه إياه وأخول فيه غيره وليس كل من ~~ابتليته فضيقت عليه رزقه وجعلته بقدر لا يفضل عنه فذلك من هوانه علي ولكنه ~~ابتلاء وامتحان مني له أيصبر فأعطيه أضعاف أضعاف ما فاته من سعة الرزق أم ~~يتسخط فيكون حظه السخط # فرد الله سبحانه على من ظن أن سعة الرزق إكرام وأن الفقر إهانة فقال لم ~~أبتل عبدي بالغنى لكرامته علي ولم أبتله بالفقر لهوانه علي فأخبر أن ~~الإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة الرزق وتقديره فإنه سبحانه يوسع ~~على الكافر لا لكرامته ويقتر على المؤمن لا لإهانته إنما يكرم من يكرمه ~~بمعرفته ومحبته وطاعته ويهين من يهينه بالإعراض عنه ومعصيته فله الحمد على ~~هذا وعلى هذا وهو الغني الحميد # فعادت سعادة الدنيا والآخرة إلى @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ ~~PageV01P080 # | فصل القسم الثالث من له نوع عبادة بلا استعانة وهؤلاء نوعان # أحدهما القدرية القائلون بأنه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من الألطاف وأنه ~~لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها ~~وتعريف الطريق وإرسال الرسل وتمكينه من الفعل فلم يبق بعد هذا إعانة مقدورة ~~يسأله إياها بل قد ساوى بين أوليائه وأعدائه في الإعانة فأعان هؤلاء كما ~~أعان هؤلاء ولكن أولياءه اختاروا لنفوسهم الإيمان وأعداءه اختاروا لنفوسهم ~~الكفر من غير أن يكون الله سبحانه وفق هؤلاء بتوفيق زائد أوجب لهم الإيمان ~~وخذل هؤلاء بأمر آخر أوجب لهم الكفر فهولاء لهم نصيب منقوص ms0060 من العبادة لا ~~استعانة معه فهم موكولون إلى أنفسهم مسدود عليهم طريق الإستعانة والتوحيد ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن آمن بالله ~~وكذب بقدره نقض تكذيبه توحيده # النوع الثاني من لهم عبادات وأوراد ولكن حظهم ناقص من التوكل والإستعانة ~~لم تتسع قلوبهم لإرتباط الأسباب بالقدر وتلاشيها في ضمنه وقيامها به وأنها ~~بدون القدر كالموات الذي لا تأثير له بل كالعدم الذي لا وجود له وأن القدر ~~كالروح المحرك لها والمعول على المحرك الأول # فلم تنفذ قوى بصائرهم من المتحرك إلى المحرك ومن السبب إلى المسبب ومن ~~الآلة إلى الفاعل فضعفت عزائمهم وقصرت هممهم فقل نصيبهم من إياك نستعين ولم ~~يجدوا ذوق التعبد بالتوكل والإستعانة وإن وجدوا ذوقه بالأوراد والوظائف # فهؤلاء لهم نصيب من التوفيق والنفوذ والتأثير بحسب استعانتهم وتوكلهم ~~ولهم من الخذلان والضعف والمهانة والعجز بحسب قلة استعانتهم وتوكلهم ولو ~~توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه وكان مأمورا بإزالته ~~لأزاله PageV01P081 # فإن قلت فما معنى التوكل والإستعانة # قلت هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله والإيمان بتفرده بالخلق والتدبير ~~والضر والنفع والعطاء والمنع وأنه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس وما لم يشأ ~~لم يكن وإن شاءه الناس فيوجب له هذا اعتمادا عليه وتفويضا إليه وطمأنينة به ~~وثقة به ويقينا بكفايته لما توكل عليه فيه وأنه ملي به ولا يكون إلا ~~بمشيئته شاءه الناس أم أبوه # فتشبه حالته حالة الطفل مع أبويه فيما ينويه من رغبة ورهبة هما مليان ~~بهما فانظر في تجرد قلبه عن الإلتفات إلى غير أبويه وحبس همه على إنزال ما ~~ينويه بهما فهذه حال المتوكل ومن كان هكذا مع الله فالله كافيه ولا بد قال ~~الله تعالى 65 3 ومن يتوكل على الله فهو حسبه أي كافيه والحسب الكافي فإن ~~كان مع هذا من أهل التقوى كانت له العاقبة الحميدة وإن لم يكن من أهل ~~التقوى فهو # القسم الرابع وهو من شهد تفرد الله بالنفع والضر ms0061 وأنه ما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن ولم يدر مع ما يحبه ويرضاه فتوكل عليه واستعان به على حظوظه ~~وشهواته وأغراضه وطلبها منه وأنزلها به فقضيت له وأسعف بها سواء كانت ~~أموالا أو رياسة أو جاها عند الخلق أو أحوالا من كشف وتأثير وقوة وتمكين ~~ولكن لا عاقبة له فإنها من جنس الملك الظاهر والأموال لا تستلزم الإسلام ~~فضلا عن الولاية والقرب من الله فإن الملك والجاه والمال والحال معطاة للبر ~~والفاجر والمؤمن والكافر فمن استدل بشيء من ذلك على محبة الله لمن آتاه ~~إياه ورضاه عنه وأنه من أوليائه المقربين فهو من أجهل الجاهلين وأبعدهم عن ~~معرفة الله ومعرفة دينه والتمييز بين ما يحبه ويرضاه ويكرهه ويسخطه فالحال ~~من الدنيا فهو كالملك والمال إن أعان صاحبه على طاعة الله ومرضاته وتنفيذ ~~أوامره ألحقه بالملوك العادلين البررة وإلا فهو وبال على صاحبه ومبعد له عن ~~الله وملحق له بالملوك الظلمة والأغنياء الفجرة PageV01P082 # | فصل إذا عرف هذا فلا يكون العبد متحققا ب إياك نعبد # إلا بأصلين عظيمين # أحدهما متابعة الرسول # والثاني الإخلاص للمعبود فهذا تحقيق @QB@ إياك نعبد @QE@ # والناس منقسمون بحسب هذين الأصلين أيضا إلى أربعة أقسام # أحدها أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة وهم أهل @QB@ إياك نعبد @QE@ حقيقة ~~فأعمالهم كلها لله وأقوالهم لله وعطاؤهم لله ومنعهم لله وحبهم لله وبغضهم ~~لله فمعاملتهم ظاهرا وباطنا لوجه الله وحده لا يريدون بذلك من الناس جزاء ~~ولا شكورا ولا ابتغاء الجاه عندهم ولا طلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم ولا ~~هربا من ذمهم بل قد عدوا الناس بمنزلة أصحاب القبور لا يملكون لهم ضرا ولا ~~نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فالعمل لأجل الناس وابتغاء الجاه ~~والمنزلة عندهم ورجائهم للضر والنفع منهم لا يكون من عارف بهم ألبتة بل من ~~جاهل بشأنهم وجاهل بربه فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم ومن عرف الله أخلص له ~~أعماله وأقواله وعطاءه ومنعه وحبه وبغضه ولا يعامل أحد الخلق دون الله إلا ~~لجهله بالله وجهله بالخلق وإلا فإذا عرف ms0062 الله وعرف الناس آثر معاملة الله ~~على معاملتهم # وكذلك أعمالهم كلها وعبادتهم موافقة لأمر الله ولما يحبه ويرضاه وهذا هو ~~العمل الذي لا يقبل الله من عامل سواه وهو الذي بلا عباده بالموت والحياة ~~لأجله قال الله تعالى 67 2 الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ~~وجعل ما على الأرض زينة لها ليختبرهم أيهم أحسن عملا قال الفضيل بن عياض ~~العمل الحسن هو أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه قال إن ~~العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا ~~لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص ما كان لله PageV01P083 والصواب ما ~~كان على السنة وهذا هو المذكور في قوله تعالى 18 110 فمن كان يرجو لقاء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا وفي قوله 4 125 ومن أحسن دينا ~~ممن أسلم وجهه لله وهو محسن فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه ~~على متابعة أمره وما عدا ذلك فهو مردود على عامله يرد عليه أحوج ما هو إليه ~~هباء منثورا وفي الصحيح من حديث عائشة عن النبي كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ~~رد / ح / وكل عمل بلا اقتداء فإنه لا يزيد عامله من الله إلا بعدا فإن الله ~~تعالى إنما يعبد بأمره لا بالآراء والأهواء # | فصل الضرب الثاني من لا إخلاص له ولا متابعة فليس عمله موافقا لشرع # وليس هو خالصا للمعبود كأعمال المتزينين للناس المرائين لهم بما لم يشرعه ~~الله ورسوله وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى الله عز وجل ولهم أوفر نصيب من ~~قوله 3 188 لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ~~فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم يفرحون بما أتوا من البدعة ~~والضلالة والشرك ويحبون أن يحمدوا باتباع السنة والإخلاص # وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة عن ~~الصراط المستقيم فإنهم يرتكبون البدع والضلالات والرياء والسمعة ويحبون ms0063 أن ~~يحمدوا بما لم يفعلوه من الإتباع والإخلاص والعلم فهم أهل الغضب والضلال ~~PageV01P084 # | فصل الضرب الثالث من هو مخلص في أعماله لكنها على غير متابعة الأمر # كجهال العباد والمنتسبين إلى طريق الزهد والفقر وكل من عبد الله بغير ~~أمره واعتقد عبادته هذه قربة إلى الله فهذا حاله كمن يظن أن سماع المكاء ~~والتصدية قربة وأن الخلوة التي يترك فيها الجمعة والجماعة قربة وأن مواصلة ~~صوم النهار بالليل قربة وأن صيام يوم فطر الناس كلهم قربة وأمثال ذلك # | فصل الضرب الرابع من أعماله على متابعة الأمر لكنها لغير الله # كطاعة المرائين وكالرجل يقاتل رياء وحمية وشجاعة ويحج ليقال ويقرأ القرآن ~~ليقال فهؤلاء أعمالهم ظاهرها أعمال صالحة مأمور بها لكنها غير صالحة فلا ~~تقبل 98 5 وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين فكل أحد لم يؤمر إلا ~~بعبادة الله بما أمر والإخلاص له في العبادة وهم أهل @QB@ إياك نعبد وإياك ~~نستعين @QE@ # | فصل ثم أهل مقام إياك نعبد لهم في أفضل العبادة وأنفعها # وأحقها بالإيثار والتخصيص أربع طرق فهم في ذلك أربعة أصناف # الصنف الأول عندهم أنفع العبادات وأفضلها أشقها على النفوس وأصعبها # قالوا لأنه أبعد الأشياء عن هواها وهو حقيقة التعبد # قالوا والأجر على قدر المشقة ورووا حديثا لا أصل له أفضل الأعمال أحمرها ~~أي أصعبها وأشقها # وهؤلاء هم أهل المجاهدات والجور على النفوس PageV01P085 # قالوا وإنما تستقيم النفوس بذلك إذ طبعها الكسل والمهانة والإخلاد إلى ~~الأرض فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل المشاق # الصنف الثاني قالوا أفضل العبادات التجرد والزهد في الدنيا والتقلل منها ~~غاية الإمكان واطراح الإهتمام بها وعدم الإكتراث بكل ما هو منها # ثم هؤلاء قسمان # فعوامهم ظنوا أن هذا غاية فشمروا إليه وعملوا عليه ودعوا الناس إليه ~~وقالوا هو أفضل من درجة العلم والعبادة فرأوا الزهد في الدنيا غاية كل ~~عبادة ورأسها # وخواصهم رأوا هذا مقصودا لغيره وأن المقصود به عكوف القلب على الله وجمع ~~الهمة عليه وتفريغ القلب لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه والإشتغال ~~بمرضاته فرأوا ms0064 أن أفضل العبادات في الجمعية على الله ودوام ذكره بالقلب ~~واللسان والإشتغال بمراقبته دون كل ما فيه تفريق للقلب وتشتيت له # ثم هؤلاء قسمان فالعارفون المتبعون منهم إذا جاء الأمر والنهي بادروا ~~إليه ولو فرقهم وأذهب جمعيتهم والمنحرفون منهم يقولون المقصود من العبادة ~~جمعية القلب على الله فإذا جاء ما يفرقه عن الله لم يلتفت إليه وربما يقول ~~قائلهم # يطالب بالأوراد من كان غافلا % فكيف بقلب كل أوقاته ورد ثم هولاء أيضا ~~قسمان منهم من يترك الواجبات والفرائض لجمعيته ومنهم من يقوم بها ويترك ~~السنن والنوافل وتعلم العلم النافع لجمعيته # وسأل بعض هؤلاء شيخا عارفا فقال إذا أذن المؤذن وأنا في جمعيتي على الله ~~فإن قمت وخرجت تفرقت وإن بقيت على حالي بقيت على جمعيتي فما الأفضل في حقي ~~PageV01P086 # فقال إذا أذن المؤذن وأنت تحت العرش فقم وأجب داعي الله ثم عد إلى موضعك ~~وهذا لأن الجمعية على الله حظ الروح والقلب وإجابة الداعي حق الرب ومن آثر ~~حظ روحه على حق ربه فليس من أهل @QB@ إياك نعبد @QE@ # الصنف الثالث رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفع متعد فرأوه ~~أفضل من ذي النفع القاصر فرأوا خدمة الفقراء والإشتغال بمصالح الناس وقضاء ~~حوائجهم ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل فتصدوا له وعملوا عليه ~~واحتجوا بقول النبي الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله / ح / ~~رواه أبو يعلى # واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه وعمل النفاع متعد إلى الغير وأين ~~أحدهما من الآخر # قالوا ولهذا كان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب # قالوا وقد قال رسول الله لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لأن يهدي الله بك ~~رجلا واحدا خير لك من حمر النعم / ح / وهذا التفضيل إنما هو للنفع المتعدي ~~واحتجوا بقوله من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ~~ينقص من أجورهم شيء / ح / واحتجوا بقوله إن الله وملائكته يصلون على معلمي ~~الناس الخير / ح / وبقوله ms0065 إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض ~~حتى الحيتان في البحر والنملة في جحرها / ح / # واحتجوا بأن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله وصاحب النفع لا ينقطع عمله ~~ما دام نفعه الذي نسب إليه PageV01P087 # واحتجوا بأن الأنبياء إنما بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم ونفعم في ~~معاشهم ومعادهم لم يبعثوا بالخلوات والإنقطاع عن الناس والترهب ولهذا أنكر ~~النبي على أولئك النفر الذين هموا بالإنقطاع للتعبد وترك مخالطة الناس ورأى ~~هؤلاء التفرق في أمر الله ونفع عباده والإحسان إليهم أفضل من الجمعية عليه ~~بدون ذلك # الصنف الرابع قالوا إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما ~~هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته فأفضل العبادات في وقت الجهاد الجهاد وإن آل ~~إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض ~~كما في حالة الأمن # والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا القيام بحقه والإشتغال به عن الورد ~~المستحب وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل # والأفضل في أوقات السحر الإشتغال بالصلاة والقرآن والدعاء والذكر ~~والإستغفار # والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل الإقبال على تعليمه ~~والإشتغال به # والأفضل في أوقات الأذان ترك ما هو فيه من ورده والإشتغال بإجابة المؤذن ~~والأفضل في أوقات الصلوات الخمس الجد والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه ~~والمبادرة إليها في أول الوقت والخروج إلى الجامع وإن بعد كان أفضل # والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال ~~الإشتغال بمساعدته وإغاثة لهفته وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك # والأفضل في وقت قراءة القرآن جمعية القلب والهمة على تدبره وتفهمه حتى ~~كأن الله تعالى يخاطبك به فتجمع قلبك على فهمه وتدبره والعزم على ~~PageV01P088 تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ~~ذلك # والأفضل في وقت الوقوف بعرفة الإجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون ~~الصوم المضعف عن ذلك # والأفضل في أيام عشر ذي الحجة الإكثار من التعبد لا سيما التكبير ~~والتهليل والتحميد فهو أفضل من الجهاد ms0066 غير المتعين # والأفضل في العشر الأخير من رمضان لزوم المسجد فيه والخلوة والإعتكاف دون ~~التصدي لمخالطة الناس والإشتغال بهم حتى إنه أفضل من الإقبال على تعليمهم ~~العلم وإقرائهم القرآن عند كثير من العلماء # والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته عيادته وحضور جنازته وتشييعه ~~وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك # والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاة الناس لك أداء واجب الصبر مع خلطتك ~~بهم دون الهرب منهم فإن المؤمن الذي يخالط الناس ليصبر على أذاهم أفضل من ~~الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه # والأفضل خلطتهم في الخير فهي خير من اعتزالهم فيه واعتزالهم في الشر فهو ~~أفضل من خلطتهم فيه فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قلله فخلطتهم حينئذ ~~أفضل من اعتزالهم فالأفضل في كل وقت وحال إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت ~~والحال والإشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه # وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق والأصناف قبلهم أهل التعبد المقيد فمتى خرج ~~أحدهم عن النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقص وترك ~~عبادته فهو يعبدالله على وجه واحد وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد ~~بعينه يؤثره على غيره بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت # فمدار تعبده عليها فهو لا يزال متنقلا في منازل العبودية كلما رفعت له ~~منزلة PageV01P089 عمل على سيره إليها واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى ~~فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره فإن رأيت العلماء رأيته معهم وإن رأيت ~~العباد رأيته معهم وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم وإن رأيت الذاكرين رأيته ~~معهم وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف ~~القلب على الله رأيته معهم فهذا هو العبد المطلق الذي لم تملكه الرسوم ولم ~~تقيده القيود ولم يكن عمله على مراد نفسه وما فيه لذتها وراحتها من ~~العبادات بل هو على مراد ربه ولو كانت راحة نفسه ولذتها في سواه فهذا هو ~~المتحقق ب @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ حقا القائم بهما صدقا ملبسه ما ms0067 ~~تهيأ ومأكله ما تيسر واشتغاله بما أمر الله به في كل وقت بوقته ومجلسه حيث ~~انتهى به المكان ووجده خاليا لا تملكه إشارة ولا يتعبده قيد ولا يستولي ~~عليه رسم حر مجرد دائر مع الأمر حيث دار يدين بدين الآمر أني توجهت ركائبه ~~ويدور معه حيث استقلت مضاربه يأنس به كل محق ويستوحش منه كل مبطل كالغيث ~~حيث وقع نفع وكالنخلة لا يسقط ورقها وكلها منفعة حتى شوكها وهو موضع الغلظة ~~منه على المخالفين لأمر الله والغضب إذا انتهكت محارم الله فهو لله وبالله ~~ومع الله قد صحب الله بلا خلق وصحب الناس بلا نفس بل إذا كان مع الله عزل ~~الخلائق عن البين وتخلى عنهم وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط وتخلى ~~عنها فواها له ما أغربه بين الناس وما أشد وحشته منهم وما أعظم أنسه بالله ~~وفرحه به وطمأنينته وسكونه إليه والله المستعان وعيه التكلان PageV01P090 # | فصل ثم للناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها طرق أربعة وهم في # ذلك أربعة أصناف # الصنف الأول نفاة الحكم والتعليل الذين يردون الأمر إلى محض المشيئة وصرف ~~الإرادة فهؤلاء عندهم القيام بها ليس إلا لمجرد الأمر من غير أن تكون سببا ~~لسعادة في معاش ولا معاد ولا سببا لنجاة وإنما القيام بها لمجرد الأمر ومحض ~~المشيئة كما قالوا في الخلق إنه لم يخلق ما خلقه لعلة ولا لغاية هي ~~المقصودة به ولا لحكمة تعود إليه منه وليس في المخلوقات أسباب مقتضيات ~~لمسبباتها ولا فيها قوى ولا طبائع فليست النار سببا للإحراق ولا الماء سببا ~~للإرواء والتبريد وإخراج النبات ولا فيه قوة ولا طبيعة تقتضي ذلك وحصول ~~الإحراق والري ليس بهما لكن بإجراء العادة الإقترانية على حصول هذا عند هذا ~~لا بسبب ولا بقوة قامت به وهكذا الأمر عندهم في أمره الشرعي سواء لا فرق في ~~نفس الأمر بين المأمور والمحظور ولكن المشيئة اقتضت أمره بهذا ونهيه عن هذا ~~من غير أن يقوم بالمأمور به صفة اقتضت حسنه ولا المنهي عنه صفة ms0068 اقتضت قبحه # ولهذا الأصل لوازم وفروع كثيرة فاسدة وقد ذكرناها في كتابنا الكبير ~~المسمى مفتاح دار السعادة ومطلب أهل العلم والإرادة وبينا فساد هذا الأصل ~~من نحو ستين وجها وهو كتاب بديع في معناه وذكرناه أيضا في كتابنا المسمى ~~سفر الهجرتين وطريق السعادتين # وهؤلاء لا يجدون حلاوة العبادة ولا لذتها ولا يتنعمون بها وليست الصلاة ~~قرة أعينهم وليست الأوامر سرور قلوبهم وغذاء أرواحهم وحياتهم ولهذا يسمونها ~~تكاليف أي قد كلفوا بها ولو سمى مدع لمحبة ملك من الملوك أو غيره ما يأمره ~~به تكليفا وقال إني إنما أفعله بكلفة لم يعده أحد محبا له ولهذا ~~PageV01P091 أنكر هؤلاء أو كثير منهم محبة العبد لربه وقالوا إنما يحب ~~ثوابه وما يخلقه له من النعيم الذي يتمتع به لا أنه يحب ذاته فجعلوا المحبة ~~لمخلوقه دونه وحقيقة العبودية هي كمال المحبة فأنكروا حقيقة العبودية ولبها ~~وحقيقة الإلهية كونه مألوها محبوبا بغاية الحب المقرون بغاية الذل والخضوع ~~والإجلال والتعظيم فأنكروا كونه محبوبا وذلك إنكار لإلهيته وشيخ هؤلاء هو ~~الجعد بن درهم الذي ضحى به خالد بن عبدالله القسري في يوم أضحى وقال إنه ~~زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا وإنما كان إنكاره ~~لكونه تعالى محبوبا محبا لم ينكر حاجة إبراهيم إليه التي هي الخلة عند ~~الجهمية التي يشترك فيها جميع الخلائق فكلهم أخلاء لله عندهم # وقد بينا فساد قولهم هذا وإنكارهم محبة الله من أكثر من ثمانين وجها في ~~كتابنا المسمى قرة عيون المحبين وروضة قلوب العارفين وذكرنا فيه وجوب تعلق ~~المحبة بالحبيب الأول من جميع طرق الأدلة النقلية والعقلية والذوقية ~~والفطرية وأنه لا كمال للإنسان بدون ذلك ألبتة كما أنه لا كمال لجسمه إلا ~~بالروح والحياة ولا لعينه إلا بالنور الباصر ولا لأذنه إلا بالسمع وأن ~~الأمر فوق ذلك وأعظم # | فصل الصنف الثاني القدرية النفاة الذين يثبتون نوعا من الحكمة # والتعليل ولكن لا يقوم بالرب ولا يرجع إليه بل يرجع إلى مجرد مصلحة ~~المخلوق ومنفعته # فعندهم أن العبادات ms0069 شرعت أثمانا لما يناله العباد من الثواب والنعيم ~~وأنها بمنزلة استيفاء أجرة الأجير # قالوا ولهذا يجعلها الله تعالى عوضا كقوله 7 43 ونودوا أن تلكم الجنة ~~أورثتموها بما كنتم تعملون وقوله @QB@ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون @QE@ ~~وقوله @QB@ هل تجزون إلا ما كنتم تعملون @QE@ وقوله فيما يحكى عن ربه ~~PageV01P092 عز وجل يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها / ~~ح / وقوله تعالى 39 10 إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # قالوا وقد سماه الله سبحانه جزاء وأجرا وثوابا لأنه يثوب إلى العامل من ~~عمله أي يرجع إليه منه # قالوا ولولا ارتباطه بالعمل لم يكن لتسميته جزاءا ولا أجرا ولا ثوابا ~~معنى # قالوا ويدل عليه الوزن فلولا تعلق الثواب والعقاب بالأعمال واقتضائها لها ~~وكونها كالأثمان لها لم يكن للوزن معنى وقد قال تعالى 7 8 9 والوزن يومئذ ~~الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين ~~خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون # وهاتان الطائفتان متقابلتان أشد التقابل وبينهما أعظم التباين # فالجبرية لم تجعل للأعمال ارتباطا بالجزاء ألبتة وجوزت أن يعذب الله من ~~أفنى عمره في طاعته وينعم من أفنى عمره في معصيته وكلاهما بالنسبة إليه ~~سواء وجوزت أن يرفع صاحب العمل القليل على من هو أعظم منه عملا وأكثر وأفضل ~~درجات والكل عندهم راجع إلى محض المشيئة من غير تعليل ولا سبب ولا حكمة ~~تقتضي تخصيص هذا بالثواب وهذا بالعقاب # والقدرية أوجبت على الله سبحانه رعاية الأصلح وجعلت ذلك كله بمحض الأعمال ~~وثمنا لها وأن وصول الثواب إلى العبد بدون عمله فيه تنغيص بإحتمال منة ~~الصدقة عليه بلا ثمن PageV01P093 فقاتلهم الله ما أجهلهم بالله وأغرهم به ~~جعلوا تفضله وإحسانه إلى عبده بمنزلة صدقة العبد على العبد حتى قالوا إن ~~إعطاءه ما يعطيه أجرة على عمله أحب إلى العبد وأطيب له من أن يعطيه فضلا ~~منه بلا عمل # فقابلتهم الجبرية أشد المقابلة ولم يجعلوا للأعمال تأثيرا في الجزاء ~~ألبتة # والطائفتان جائرتان منحرفتان عن الصراط المستقيم الذي فطر ms0070 الله عليه ~~عباده وجاءت به الرسل ونزلت به الكتب وهو أن الأعمال أسباب موصلة إلى ~~الثواب والعقاب مقتضية لهما كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها وأن الأعمال ~~الصالحة من توفيق الله وفضله ومنه وصدقته على عبده إن أعانه عليها ووفقه ~~لها وخلق فيه إرادتها والقدرة عليها وحببها إليه وزينها في قلبه وكره إليه ~~أضداها ومع هذا فليست ثمنا لجزائه وثوابه ولا هي على قدره بل غايتها إذا ~~بذل العبد فيها نصحه وجهده وأوقعها على أكمل الوجوه أن تقع شكرا له على بعض ~~نعمه عليه فلو طالبه بحقه لبقى عليه من الشكر على تلك النعمة بقية لم يقم ~~بشكرها فلذلك لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو ~~رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم كما ثبت ذلك عن النبي ولهذا نفى ~~النبي دخول الجنة بالعمل كما قال لن يدخل أحدا منكم الجنة عمله وفي لفظ لن ~~يدخل أحد منكم الجنة بعمله وفي لفظ لن ينجى أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت ~~يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل / ح / وأثبت ~~سبحانه دخول الجنة بالعمل كما في قوله 16 32 ادخولا الجنة بما كنتم تعملون ~~ولا تنافي بينها إذا توارد النفي والإثبات ليس على معنى واحد فالمنفي ~~استحقاقها بمجرد الأعمال وكون الأعمال ثمنا وعوضا لها ردا على القدرية ~~المجوسية التي زعمت أن التفضل بالثواب ابتداء متضمن لتكرير المنة # وهذه الطائفة من أجهل الخلق بالله وأغلظهم عنه حجابا وحق لهم PageV01P094 ~~أن يكونوا مجوس هذه الأمة ويكفي في جهلهم بالله أنهم لم يعلموا أن أهل ~~سمواته وأرضه في منته وأن من تمام الفرح والسرور والغبطة واللذة اغتباطهم ~~بمنة سيدهم ومولاهم الحق وأنهم إنما طاب لهم عيشهم بهذه المنة وأعظمهم منه ~~منزلة وأقربهم إليه أعرفهم بهذه المنة وأعظمهم إقرارا بها وذكرا لها وشكرا ~~عليها ومحبة له لأجلها فهل يتقلب أحد قط إلا في منته 49 17 يمنون عليك أن ~~أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل ms0071 الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنت ~~صادقين # واحتمال منة المخلوق إنما كانت نقصا لأنه نظيره فإذا من عليه استعلى عليه ~~ورأى الممنون عليه نفسه دونه هذا مع أنه ليس في كل مخلوق فلرسول الله المنة ~~على أمته وكان أصحابه يقولون الله ورسوله أمن ولا نقص في منة الوالد على ~~ولده ولا عار عليه في احتمالها وكذلك السيد على عبده فكيف برب العالمين ~~الذي إنما يتقلب الخلائق في بحر منته عليهم ومحض صدقته عليهم بلا عوض منهم ~~ألبتة وإن كانت أعمالهم أسبابا لما ينالونه من كرمه وجوده فهو المنان عليهم ~~بأن وفقهم لتلك الأسباب وهداهم لها وأعانهم عليها وكملها لهم وقبلها منهم ~~على ما فيها وهذا هو المعنى الذي أثبت به دخول الجنة في قوله @QB@ بما كنتم ~~تعملون @QE@ # فهذه باء السببية ردا على القدرية والجبرية الذين يقولون لا ارتباط بين ~~الأعمال والجزاء ولا هي أسباب له وإنما غايتها أن تكون أمارات # قالوا وليست أيضا مطردة لتخلف الجزاء عنها في الخير والشر فلم يبق إلا ~~محض الأمر الكوني والمشيئة فالنصوص مبطلة لقول هؤلاء كما هي مبطلة لقول ~~أولئك وأدلة المعقول والفطرة أيضا تبطل قول الفريقين وتبين لمن له قلب ولب ~~مقدار قول أهل السنة وهم الفرقة الوسط المثبتون لعموم مشيئة الله وقدرته ~~وخلقه العباد PageV01P095 وأعمالهم ولحكمته التامة المتضمنة ربط الأسباب ~~بمسبباتها وانعقادها بها شرعا وقدرا وترتيبها عليها عاجلا وآجلا # وكل واحدة من الطائفتين المنحرفتين تركت نوعا من الحق وارتكبت لأجله نوعا ~~من الباطل بل أنواعا وهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه 2 ~~213 والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم و @QB@ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم @QE@ # | فصل الصنف الثالث الذين زعموا أن فائدة العبادة رياضة النفوس # واستعدادها لفيض العلوم عليها وخروج قواها عن قوى النفوس السبعية ~~والبهيمية فلو عطلت عن العبادات لكانت من جنس نفوس السباع والبهائم ~~والعبادات تخرجها عن مألوفاتها وعوائدها وتنقلها إلى مشابهة العقول المجردة ~~فتصير عالمة قابلة لانتقاش ms0072 صور العلوم والمعارف فيها وهذا يقوله طائفتان # إحداهما من يقرب إلى النبوات والشرائع من الفلاسفة القائلين بقدم العالم ~~وعدم إنشقاق الأفلاك وعدم الفاعل المختار # الطائفة الثانية من تفلسفت من صوفية الإسلام وتقرب إلى الفلاسفة فإنهم ~~يزعمون أن العبادات رياضات لإستعداد النفوس وتجردها ومفارقتها العالم الحسى ~~ونزول الواردات والمعارف عليها # ثم من هؤلاء من لا يوجب العبادات إلا لهذا المعنى فإذا حصل لها بقي مخيرا ~~في حفظه أورده أو الإشتغال بالوارد عنها ومنهم من يوجب القيام بالأوراد ~~والوظائف وعدم الإخلال بها وهم صنفان أيضا PageV01P096 # أحدهما من يوجبونه حفظا للقانون وضبطا للنفوس # والآخرون الذين يوجبونه حفظا للوارد وخوفا من تدرج النفس بمفارقتها له ~~إلى حالتها الأولى من البهيمية # فهذه نهاية أقدام المتكلمين على طريق السلوك وغاية معرفتهم بحكم العبادة ~~وما شرعت لأجله ولا تكاد تجد في كتب القوم غير هذه الطرق الثلاثة على سبيل ~~الجمع أو على سبيل البدل # | فصل وأما الصنف الرابع فهم الطائفة المحمدية الإبراهيمية أتباع # الخليلين العارفون بالله وحكمته في أمره وشرعه وخلقه وأهل البصائر في ~~عبادته ومراده بها # فالطوائف الثلاث محجوبون عنهم بما عندهم من الشبه الباطلة والقواعد ~~الفاسدة ما عندهم وراء ذلك شيء قد فرحوا بما عندهم من المحال وقنعوا بما ~~ألفوه من الخيال ولو علموا أن وراءه ما هو أجل منه وأعظم لما ارتضوا بدونه ~~ولكن عقولهم قصرت عنه ولم يهتدوا إليه بنور النبوة ولم يشعروا به ليجتهدوا ~~في طلبه ورأوا أن ما معهم خير من الجهل ورأوا تناقض ما مع غيرهم وفساده # فتركب من هذه الأمور إيثار ما عندهم على ما سواه وهذه بلية الطوائف ~~والمعافى من عافاه الله # | فصل فاعلم أن سر العبودية وغايتها وحكمتها إنما يطلع عليها من عرف # صفات الرب عز وجل ولم يعطلها وعرف معنى الإلهية وحقيقتها ومعنى كونه إلها ~~بل هو الإله الحق وكل إله سواه فباطل بل أبطل الباطل وأن حقيقة الإلهية لا ~~تنبغي إلا له وأن العبادة موجب إلهيته وأثرها ومقتضاها وارتباطها بها ~~كإرتباط متعلق الصفات بالصفات وكإرتباط ms0073 المعلوم بالعلم والمقدور بالقدرة ~~والأصوات بالسمع والإحسان بالرحمة والعطاء بالجود PageV01P097 فمن أنكر ~~حقيقة الإلهية ولم يعرفها كيف يستقيم له معرفة حكمة العبادات وغاياتها ~~ومقاصدها وما شرعت لأجله وكيف يستقيم له العلم بأنها هي الغاية المقصودة ~~بالخلق والتي لها خلقوا ولها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب ولأجلها خلقت الجنة ~~والنار وأن فرض تعطيل الخليقة عنها نسبة لله إلى مالا يليق به ويتعالى عنه ~~من خلق السموات والأرض بالحق ولم يخلقهما باطلا ولم يخلق الإنسان عبثا ولم ~~يتركه سدى مهملا قال تعالى 23 115 أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون أي لغير شيء ولا حكمة ولا لعبادتي ومجازاتي لكم وقد صرح تعالى ~~بهذا في قوله @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ فالعبادة هي ~~الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها قال الله تعالى 75 36 أيحسب ~~الإنسان أن يترك سدى أي مهملا قال الشافعي لا يؤمر ولا ينهى وقال غيره لا ~~يثاب ولا يعاقب والصحيح الأمران فإن الثواب والعقاب مترتبان على الأمر ~~والنهي والأمر والنهي طلب العبادة وإرادتها وحقيقة العبادة امتثالهما وقال ~~تعالى 3 191 ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ~~فقنا عذاب النار وقال وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وقال ~~45 22 وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت # فأخبر أنه خلق السموات والأرض بالحق المتضمن أمره ونهيه وثوابه وعقابه ~~فإذا كانت السموات والأرض وما بينهما خلقت لهذا وهو غاية الخلق فكيف يقال ~~إنه لا علة له ولا حكمة مقصودة هي غايته أو إن ذلك لمجرد استئجار العباد ~~حتى لا ينكد عليهم الثواب بالمنة أو لمجرد استعداد النفوس للمعارف العقلية ~~وارتياضها بمخالفة العوائد # فليتأمل اللبيب الفرقان بين هذه الأقوال وبين ما دل عليه صريح الوحي يجد ~~أن أصحاب هذه الأقوال ما قدروا الله حق قدره ولا عرفوه حق معرفته ~~PageV01P098 # فالله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته مع الخضوع له ~~والإنقياد لأمره # فأصل العبادة محبة الله بل ms0074 إفراده بالمحبة وأن يكون الحب كله لله فلا يحب ~~معه سواه وإنما يحب لأجله وفيه كما يجب أنبياءه ورسله وملائكته وأولياءه ~~فمحبتنا لهم من تمام محبته وليست محبة معه كمحبة من يتخذ من دون الله ~~أندادا يحبونهم كحبه # وإذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرها فهي إنما تتحقق باتباع أمره ~~واجتناب نهيه فعند اتباع الأمر واجتناب النهي تتبين حقيقة العبودية والمحبة ~~ولهذا جعل تعالى اتباع رسوله علما عليها وشاهدا لمن ادعاها فقال تعالى 3 31 ~~قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فجعل اتباع رسوله مشروطا ~~بمحبتهم لله وشرطا لمحبة الله لهم ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شرطه ~~وتحققه بتحققه فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة فانتفاء محبتهم لله ~~لازم لانتفاء المتابعة لرسوله وانتفاء المتابعة ملزوم لإنتفاء محبة الله ~~لهم فيستحيل إذا ثبوت محبتهم لله وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسوله # ودل على أن متابعة الرسول هي حب الله ورسوله وطاعة أمره ولا يكفي ذلك في ~~العبودية حتى يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما فلا يكون عنده شيء ~~أحب إليه من الله ورسوله ومتى كان عنده شيء أحب إليه منهما فهذا هو الشرك ~~الذي لا يغفره الله لصاحبه ألبتة ولا يهديه الله قال الله تعالى 9 24 قل إن ~~كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين # فكل من قدم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله أو قول أحد ~~PageV01P099 منهم على قول الله ورسوله أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ~~ورسوله أو خوف أحد منهم ورجاءه والتوكل عليه على خوف الله ورجائه والتوكل ~~عليه أو معاملة أحدهم على معاملة الله فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه ~~مما سواهما وإن قاله بلسانه فهو كذب منه وإخبار بخلاف ما هو عليه وكذلك من ~~قدم حكم أحد على حكم الله ورسوله ms0075 فذلك المقدم عنده أحب إليه من الله ورسوله ~~لكن قد يشتبه الأمر على من يقدم قول أحد أو حكمه أو طاعته أو مرضاته ظنا ~~منه أنه لا يأمر ولا يحكم ولا يقول إلا ما قاله الرسول فيطيعه ويحاكم إليه ~~ويتلقى أقواله كذلك فهذا معذور إذا لم يقدر على غير ذلك وأما إذا قدر على ~~الوصول إلى الرسول وعرف أن غير من اتبعه هو أولى به مطلقا أو في بعض الأمور ~~ولم يلتفت إلى الرسول ولا إلى من هو أولى به فهذا الذي يخاف عليه وهو داخل ~~تحت الوعيد فإن استحل عقوبة من خالفه وأذله ولم يوافقه على اتباع شيخه فهو ~~من الظلمة المعتدين وقد جعل الله لكل شيء قدرا # | فصل وبنى إياك نعبد على أربع قواعد التحقق بما يحبه الله # ورسوله ويرضاه من قولاللسان والقلب وعمل القلب الجوارح # فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع فأصحاب @QB@ إياك نعبد @QE@ حقا ~~هم أصحابها # فقول القلب هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه وعن أسمائه وصفاته ~~وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله PageV01P100 # وقول اللسان الإخبار عنه بذلك والدعوة إليه والذب عنه وتبيين بطلان البدع ~~المخالفة له والقيام بذكره وتبليغ أوامره # وعمل القلب كالمحبة له والتوكل عليه والإنابة إليه والخوف منه والرجاء له ~~وإخلاص الدين له والصبر على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره والرضى به وعنه ~~والموالاة فيه والمعاداة فيه والذل له والخضوع والإخبات إليه والطمأنينة به ~~وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح ومستحبها أحب ~~إلى الله من مستحبها وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة # وأعمال الجوارح كالصلاة والجهاد ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات ~~ومساعدة العاجز والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك # ف @QB@ إياك نعبد @QE@ التزام لأحكام هذه الأربعة وإقرار بها و إياك ~~نستعين طلب للإعانة عليها والتوفيق لها و @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ ~~متضمن للتعريف بالأمرين على التفصيل وإلهام القيام بهما وسلوك طريق ~~السالكين إلى الله بها # | فصل وجميع الرسل إنما دعوا إلى إياك نعبد وإياك ms0076 نستعين فإنهم # كلهم دعوا إلى توحيد الله وإخلاص عبادته من أولهم إلى آخرهم فقال نوح ~~لقومه 7 59 اعبدوا لله مالكم من إله غيره وكذلك قال هود وصالح وشعيب 7 65 ~~73 85 وإبراهيم قال الله تعالى 16 36 ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت وقال 21 25 وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدوا وقال تعالى 23 51 52 يا أيها الرسل كلوا ~~من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة ~~وأنا ربكم فاتقون PageV01P101 # | فصل والله تعالى جعل العبودية وصف أكمل خلقه وأقربهم إليه فقال # 172 لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف ~~عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا وقال 7 206 إن الذين عند ربك لا ~~يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون وهذا يبين أن الوقف التام في قوله ~~في سورة الأنبياء 21 19 وله من في السموات والأرض ههنا ثم يبتدىء @QB@ ومن ~~عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ~~@QE@ فهما جملتان تامتان مستقلتان أي إن له من في السموات ومن في الأرض ~~عبيدا وملكا ثم استأنف جملة أخرى فقال @QB@ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ~~@QE@ يعني أن الملائكة الذين عنده لا يستكبرون عن عبادته يعني لا يأنفون ~~عنها ولا يتعاظمون ولا يستحسرون فيعيون وينقطعون يقال حسر واستحسر أيإذا ~~تعب وأعيا بل عبادتهم وتسبيحهم كالنفس لبني آدم فالأول وصف لعبيد ربوبيته ~~والثاني وصف لعبيد إلهيته وقال تعالى 25 63 77 وعباد الرحمن الذين يمشون ~~على الأرض هونا إلى آخر السورة وقال 76 6 عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها ~~تفجيرا وقال 38 17 واذكروا عبدنا داود وقال 38 41 واذكر عبدنا أيوب وقال 38 ~~45 واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب وقال عن سليمان 38 30 نعم العبد إنه ~~أواب وقال عن المسيح 43 59 إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ms0077 فجعل غايته العبودية ~~لا الإلهية كما يقول أعداؤه النصارى ووصف أكرم خلقه عليه وأعلاهم عنده ~~منزلة بالعبودية في أشرف مقاماته فقال تعالى 2 25 وإن كنتم في ريب مما ~~نزلنا على عبدنا وقال تبارك وتعالى @QB@ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ~~@QE@ وقال @QB@ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب @QE@ فذكره بالعبودية ~~في مقام إنزال الكتاب عليه وفي مقام التحدي بأن ياتوا بمثله وقال وأنه لما ~~قام عبدالله يدعوه PageV01P102 @QB@ كادوا يكونون عليه لبدا @QE@ فذكره ~~بالعبودية في مقام الدعوة إليه وقال @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا @QE@ ~~فذكره بالعبودية في مقام الإسراء وفي الصحيح عنه أنه قال لا تطروني كما ~~أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله / ح / ~~وفي الحديث أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد / ح / وفي ~~صحيح البخاري عن عبدالله بن عمرو قال قرأت في التوراة صفة محمد محمد رسول ~~الله عبدي ورسولي سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا ~~يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر / ح / # وجعل الله سبحانه البشارة المطلقة لعباده فقال تعالى فبشر عبادي الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه وجعل الأمن المطلق لهم فقال تعالى @QB@ يا ~~عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا ~~مسلمين @QE@ وعزل الشيطان عن سلطانه عليهم خاصة وجعل سلطانه على من تولاه ~~وأشرك به فقال @QB@ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ~~@QE@ وقال @QB@ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون @QE@ # وجعل النبي إحسان العبودية أعلى مراتب الدين وهو الإحسان فقال في حديث ~~جبريل وقد سأله عن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك / ح / # | فصل في لزوم إياك نعبد لكل عبد إلى الموت قال الله تعالى # لرسوله @QB@ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين @QE@ وقال أهل النار @QB@ وكنا ~~نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين @QE@ واليقين ههنا هو الموت بإجماع أهل ms0078 ~~التفسير وفي الصحيح في قصة موت عثمان بن مظعون PageV01P103 رضي الله عنه أن ~~النبي قال أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه أي الموت وما فيه فلا ينفك ~~العبد من العبودية ما دام في دار التكليف بل عليه في البرزخ عبودية أخرى ~~لما يسأله الملكان من كان يعبد وما يقول في رسول الله ويلتمسان منه الجواب ~~وعليه عبودية أخرى يوم القيامة يوم يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود فيسجد ~~المؤمنون ويبقى الكفار والمنافقون لا يستطيعون السجود فإذا دخلوا دار ~~الثواب والعقاب انقطع التكليف هناك وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحا مقرونا ~~بأنفاسهم لا يجدون له تعبا ولا نصبا # ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد فهو زنديق كافر بالله ~~وبرسوله وإنما وصل إلى مقام الكفر بالله والإنسلاخ من دينه بل كلما تمكن ~~العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم والواجب عليه منها أكبر وأكثر ~~من الواجب على من دونه ولهذا كان الواجب على رسول الله بل على جميع الرسل ~~أعظم من الواجب على أممهم والواجب على أولى العزم أعظم من الواجب على من ~~دونهم والواجب على أولى العلم أعظم من الواجب على من دونهم وكل أحد بحسب ~~مرتبته PageV01P104 # | فصل في إنقسام العبودية إلى عامة وخاصة العبودية نوعان عامة # وخاصة فالعبودية العامة عبودية أهل السموات والأرض كلهم لله برهم وفاجرهم ~~مؤمنهم وكافرهم فهذه عبودية القهر والملك قال تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال ~~هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في ~~السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم # وقال تعالى @QB@ ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم ~~عبادي هؤلاء @QE@ فسماهم عباده مع ضلالهم لكن تسمية مقيدة بالإشارة وأما ~~المطلقة فلم تجيء إلا لأهل النوع الثاني كما سيأتي بيانه إن شاء الله # وقال تعالى قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم ~~بين ms0079 عبادك فيما كانوا فيه يختلفون وقال @QB@ وما الله يريد ظلما للعباد ~~@QE@ وقال @QB@ إن الله قد حكم بين العباد @QE@ فهذا يتناول العبودية ~~الخاصة والعامة # وأما النوع الثاني فعبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر قال تعالى يا ~~عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون وقال فبشر عبادي الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه وقال @QB@ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما @QE@ وقال تعالى عن إبليس @QB@ لأغوينهم ~~أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ فقال تعالى عنهم @QB@ إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان @QE@ # فالخلق كلهم عبيد ربوبيته وأهل طاعته وولايته هم عبيد إلهيته PageV01P105 ~~ولا يجىء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقا إلا لهؤلاء # وأما وصف عبيد ربوبيته بالعبودية فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه إما ~~منكرا كقوله إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا والثاني معرفا ~~باللام كقوله @QB@ وما الله يريد ظلما للعباد @QE@ @QB@ إن الله قد حكم بين ~~العباد @QE@ # الثالث مقيدا بالإشارة أو نحوها كقوله @QB@ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ~~@QE@ # الرابع أن يذكروا في عموم عباده فيندرجوا مع أهل طاعته في الذكر كقوله ~~@QB@ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون @QE@ # الخامس أن يذكروا موصوفين بفعلهم كقوله قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقطنوا من رحمة الله # وقد يقال إنما سماهم عباده إذ لم يقنطوا من رحمته وأنابوا إليه واتبعوا ~~أحسن ما أنزل إليهم من ربهم فيكونون من عبيد الإلهية والطاعة # وإنما انقسمت العبودية إلى خاصة وعامة لأن أصل معنى اللفظة الذل والخضوع ~~يقال طريق معبد إذا كان مذللا بوطء الأقدام وفلان عبده الحب إذا ذلله لكن ~~أولياؤه خضعوا له وذلوا طوعا واختيارا وانقيادا لأمره ونهيه وأعداؤه خضعوا ~~له قهرا ورغما # ونظير انقسام العبودية إلى خاصة وعامة انقسام القنوت إلى خاص وعام ~~والسجود كذلك قال تعالى في القنوت الخاص أمن هو قانت آناء الليل ساجدا ~~وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه وقال في حق مريم @QB@ وكانت من القانتين ~~@QE@ وهو كثير في القرآن # وقال في القنوت العام ms0080 وله من في السموات والأرض كل له قانتون أي خاضعون ~~أذلاء # وقال في السجود الخاص @QB@ إن الذين عند ربك لا يستكبرون @QE@ ~~PageV01P106 @QB@ عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون @QE@ وقال @QB@ إذا تتلى ~~عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا @QE@ وهو كثير في القرآن # وقال في السجود العام ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم ~~بالغدو والآصال # ولهذا كان هذا السجود الكره غير السجود المذكور في قوله ألم تر أن الله ~~يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر ~~والدواب وكثير من الناس فخص بالسجود هنا كثيرا من الناس وعمهم بالسجود في ~~سورة النحل ولله يسجد ما في السموات والأرض من دابة والملائكة وهو سجود ~~الذل والقهر والخضوع فكل أحد خاضع لربوبيته ذليل لعزته مقهور تحت سلطانه ~~تعالى # | فصل في مراتب إياك نعبد علما وعملا للعبودية مراتب بحسب # العلم والعمل فأما مراتبها العلمية فمرتبتان # إحداهما العلم بالله والثانية العلم بدينه # فأما العلم به سبحانه فخمس مراتب العلم بذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه ~~وتنزيهه عما لا يليق به # والعلم بدينه مرتبتان إحداهما دينه الأمري الشرعي وهو الصراط المستقيم ~~الموصل إليه # والثانية دينه الجزائي المتضمن ثوابه وعقابه وقد دخل في هذا العلم العلم ~~بملائكته وكتبه ورسله # وأما مراتبها العلمية فمرتبتان مرتبة لأصحاب اليمين ومرتبة للسابقين ~~المقربين فأما مرتبة أصحاب اليمين فأداء الواجبات وترك المحرمات مع ارتكاب ~~المباحات وبعض المكروهات وترك بعض المستحبات PageV01P107 # وأما مرتبة المقربين فالقيام بالواجبات والمندوبات وترك المحرمات ~~والمكروهات زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم متورعين عما يخافون ضرره # وخاصتهم قد انقلبت المباحات في حقهم طاعات وقربات بالنية PageV01P108 ~~فليس في حقهم مباح متساوي الطرفين بل كل أعمالهم راجحة ومن دونهم يترك ~~المباحات مشتغلا عنها بالعبادات وهؤلاء يأتونها طاعات وقربات ولأهل هاتين ~~المرتبتين درجات لا يحصيها إلا الله # | فصل ورحى العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة من كملها كمل مراتب # العبودية # وبيانها أن العبودية منقسمة على القلب اللسان والجوارح وعلى كل منها ~~عبودية تخصه # والأحكام التي للعبودية خمسة واجب ومستحب ms0081 وحرام ومكروه ومباح وهي لكل ~~واحد من القلب واللسان والجوارح PageV01P109 # فواجب القلب منه متفق على وجوبه ومختلف فيه # فالمتفق على وجوبه كالإخلاص والتوكل والمحبة والصبر والإنابة والخوف ~~والرجاء والتصديق الجازم والنية في العبادة وهذه قدر زائد على الإخلاص فإن ~~الإخلاص هو إفراد المعبود عن غيره # ونية العبادة لها مرتبتان # إحداهما تمييز العبادة عن العادة والثانية تمييز مراتب العبادات بعضها عن ~~بعض # والأقسام الثلاثة واجبة # وكذلك الصدق والفرق بينه وبين الإخلاص أن للعبد مطلوبا وطلبا فالإخلاص ~~توحيد مطلوبه والصدق توحيد طلبه # فالإخلاص أن لا يكون المطلوب منقسما والصدق أن لا يكون الطلب منقسما ~~فالصدق بذل الجهل والإخلاص إفراد المطلوب # واتفقت الأمة على وجوب هذه الأعمال على القلب من حيث الجملة # وكذلك النصح في العبودية ومدار الدين عليه وهو بذل الجهد في إيقاع ~~العبودية على الوجه المحبوب للرب المرضي له وأصل هذا واجب وكماله مرتبة ~~المقربين # وكذلك كل واحد من هذه الواجبات القلبية له طرفان واجب مستحق وهو مرتبة ~~أصحاب اليمين وكمال مستحب وهو مرتبة المقربين # وكذلك الصبر واجب بإتفاق الأمة قال الإمام أحمد ذكر الله الصبر في تسعين ~~موضعا من القرآن أو بضعا وتسعين وله طرفان أيضا واجب مستحق وكمال مستحب # وأما المختلف فيه فكالرضا فإن في وجوبه قولين للفقهاء والصوفية ~~PageV01P110 والقولان لأصحاب أحمد فمن أوجبه قال السخط حرام ولا خلاص عنه ~~إلا بالرضا ومالا خلاص عن الحرام إلا به فهو واجب # واحتجوا بأثر من لم يصبر على بلائي ولم يرض بقضائي فليتخذ ربا سواي # ومن قال هو مستحب قال لم يجىء الأمر به في القرآن ولا في السنة بخلاف ~~الصبر فإن الله أمر به في مواضع كثيرة من كتابه وكذلك التوكل قال @QB@ إن ~~كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين @QE@ وأمر بالإنابة فقال ~~@QB@ وأنيبوا إلى ربكم @QE@ وأمر بالإخلاص كقوله @QB@ وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين @QE@ وكذلك الخوف كقوله @QB@ فلا تخافوهم ~~وخافون إن كنتم مؤمنين @QE@ وقوله @QB@ فلا تخشوهم واخشون @QE@ وقوله @QB@ ~~وإياي فارهبون @QE@ وكذلك الصدق قال تعالى @QB@ يا أيها ms0082 الذين آمنوا اتقوا ~~الله وكونوا مع الصادقين @QE@ وكذلك المحبة وهي أفرض الواجبات إذ هي قلب ~~العبادة المأمور بها ومخها وروحها # وأما الرضا فإنما جاء في القرآن مدح أهله والثناء عليهم لا الأمر به ~~قالوا وأما الأثر المذكور فإسرائيلي لا يحتج به # قالوا وفي الحديث المعروف عن النبي إن استطعت أن تعمل الرضا مع اليقين ~~فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره النفس خيرا كثيرا وهو في بعض ~~السنن # قالوا وأما قولكم لا خلاص عن السخط إلا به فليس بلازم فإن مراتب الناس في ~~المقدور ثلاثة الرضا وهو أعلاها والسخط وهو أسفلها والصبر عليه بدون الرضا ~~به وهو أوسطها فالأولى للمقربين السابقين والثالثة للمقتصدين والثانية ~~للظالمين وكثير من الناس يصبر على المقدور فلا يسخط وهو غير راض به فالرضا ~~أمر آخر PageV01P111 # وقد أشكل على بعض الناس اجتماع الرضا مع التألم وظن أنهما متباينان وليس ~~كما ظنه فالمريض الشارب للدواء الكريه متألم به راض به والصائم في شهر ~~رمضان في شدة الحر متألم بصومه راض به والبخيل متألم بإخراج زكاة ماله راض ~~بها فالتألم كما لا ينافي الصبر لا ينافي الرضا به وهذا الخلاف بينهم إنما ~~هو في الرضا بقضائه الكوني وأما الرضا به ربا وإلها والرضا بأمره الديني ~~فمتفق على فرضيته بل لا يصير العبد مسلما إلا بهذا الرضا أن يرضى بالله ربا ~~وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا # ومن هذا أيضا اختلافهم في الخشوع في الصلاة وفيه قولان للفقهاء وهما في ~~مذهب أحمد وغيره # وعلى القولين اختلافهم في وجوب الإعادة على من غلب عليه الوسواس في صلاته ~~فأوجبها ابن حامد من أصحاب أحمد وأبو حامد الغزالي في إحيائه ولم يوجبها ~~أكثر الفقهاء # واحتجوا بأن النبي أمر من سها في صلاته بسجدتي السهو ولم يأمره بالإعادة ~~مع قوله إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته فيقول اذكر كذا اذكر كذا لما لم ~~يكن يذكر حتى يضل الرجل أن يدري كم صلى / ح / ولكن لا نزاع أن هذه الصلاة ~~لا يثاب على ms0083 شيء منها إلا بقدر حضور قلبه وخضوعه كما قال النبي إن العبد ~~لينصرف من الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها ثلثها ربعها حتى بلغ عشرها / ح / ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها / ح / ~~فليست صحيحة باعتبار ترتب كمال مقصودها عليها وإن سميت صحيحه باعتبار أنا ~~لا نأمره بالإعادة PageV01P112 ولا ينبغي أن يعلق لفظ الصحة عليها فيقال ~~صلاة صحيحة مع أنه لا يثاب عليها فاعلها # والقصد أن هذه الأعمال واجبها ومستحبها هي عبودية القلب فمن عطلها فقد ~~عطل عبودية الملك وإن قام بعبودية رعيته من الجوارح # والمقصود أن يكون ملك الأعضاء وهو القلب قائما بعبوديته لله سبحانه هو ~~ورعيته # وأما المحرمات التي عليه فالكبر والرياء والعجب والحسد والغفلة والنفاق ~~وهي نوعان كفر ومعصية # فالكفر كالشك والنفاق والشرك وتوابعها # والمعصية نوعان كبائر وصغائر # فالكبائر كالرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والقنوط من رحمة الله ~~واليأس من روح الله والأمن من مكر الله والفرح والسرور بأذى المسلمين ~~والشماتة بمصيبتهم ومحبة أن تشيع الفاحشة فيهم وحسدهم على ما آتاهم الله من ~~فضله وتمنى زوال ذلك عنهم وتوابع هذه الأمور التي هي أشد تحريما من الزنا ~~وشرب الخمر وغيرهما من الكبائر الظاهرة ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلا ~~باجتنابها والتوبة منها وإلا فهو قلب فاسد وإذا فسد القلب فسد البدن # وهذه الآفات إنما تنشأ من الجهل بعبودية القلب وترك القيام بها # فوظيفة إياك نعبد على القلب قبل الجوارح فإذا جهلها وترك القيام بها ~~امتلأ بأضدادها ولا بد وبحسب قيامه بها يتخلص من أضدادها PageV01P113 # وهذه الأمور ونحوها قد تكون صغائر في حقه وقد تكون كبائر بحسب قوتها ~~وغلظها وخفتها ودقتها # ومن الصغائر أيضا شهوة المحرمات وتمنيها وتفاوت درجات الشهوة في الكبر ~~والصغر بحسب تفاوت درجات المشتهي فشهوة الكفر والشرك كفر وشهوة البدعة فسق ~~وشهوة الكبائر معصية فإن تركها لله مع قدرته عليها أثيب وإن تركها عجزا بعد ~~بذله مقدوره في تحصيلها استحق عقوبة الفاعل لتنزيله منزلته في أحكام الثواب ms0084 ~~والعقاب وإن لم ينزل منزلته في أحكام الشرع ولهذا قال النبي إذا تواجه ~~المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا هذا القاتل يا رسول ~~الله فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه فنزله منزلة القاتل ~~لحرصه على قتل صاحبه في الإثم دون الحكم وله نظائر كثيرة في الثواب والعقاب # وقد علم بهذا مستحب القلب ومباحه # | فصل وأما عبوديات اللسان الخمس فواجبها النطق بالشهادتين وتلاوة ما # يلزمه تلاوته من القرآن وهو ما تتوقف صحة صلاته عليه وتلفظه بالأذكار ~~الواجبة في الصلاة التي أمر الله بها ورسوله كما أمر بالتسبيح في الركوع ~~والسجود وأمر بقول ربنا ولك الحمد بعد الأعتدال وأمر بالتشهد وأمر بالتكبير # ومن واجبه رد السلام وفي ابتدائه قولان PageV01P114 # ومن واجبه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل وإرشاد الضال ~~وأداء الشهادة المتعينة وصدق الحديث # وأما مستحبه فتلاوة القرآن ودوام ذكر الله والمذاكرة في العلم النافع ~~وتوابع ذلك # وأما محرمه فهو النطق بكل ما يبغضه الله ورسوله كالنطق بالبدع المخالفة ~~لما بعث الله به رسوله والدعاء إليها وتحسينها وتقويتها وكالقذف وسب المسلم ~~وأذاه بكل قول والكذب وشهادة الزور والقول على الله بلا علم وهو أشدها ~~تحريما # ومكروهة التكلم بما تركه خير من الكلام به مع عدم العقوبة عليه # وقد اختلف السلف هل في حقه كلام مباح متساوي الطرفين على قولين ذكرهما ~~ابن المنذر وغيره أحدهما أنه لا يخلو كل ما يتكلم به إما أن يكون له أو ~~عليه وليس في حقه شيء لا له ولا عليه # واحتجوا بالحديث المشهور وهو كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ما كان من ~~ذكر الله وما والاه # واحتجوا بأنه يكتب كلامه كله ولا يكتب إلا الخير والشر # وقالت طائفة بل هذا الكلام مباح لا له ولا عليه كما في حركات الجوارح # قالوا لأن كثيرا من الكلام لا يتعلق به أمر ولا نهي وهذا شأن المباح # والتحقيق أن حركة اللسان بالكلام لا تكون متساوية الطرفين بل إما راجحة ~~وإما مرجوحة ms0085 لأن للسان شأنا ليس لسائر الجوارح وإذا أصبح ابن آدم فإن ~~الأعضاء كلها تكفر اللسان تقول اتق الله فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا ~~وإن اعوججت اعوججنا وأكثر ما يكب الناس على مناخرهم في النار حصائد ألسنتهم ~~وكل ما يتلفظ به اللسان فإما أن يكون مما يرضى الله ورسوله أولا فإن كان ~~كذلك فهو الراجح وإن لم يكن كذلك فهو PageV01P115 المرجوح وهذا بخلاف سائر ~~الجوارح فإن صاحبها ينتفع بتحريكها في المباح المستوى الطرفين لما له في ~~ذلك من الراحة والمنفعة فأبيح له استعمالها فيما فيه منفعة له ولا مضرة ~~عليه فيه في الآخرة وأما حركة اللسان بما لا ينتفع به فلا يكون إلا مضرة ~~فتأمله # فإن قيل فقد يتحرك بما فيه منفعة دنيوية مباحة مستوية الطرفين فيكون حكم ~~حركته حكم ذلك الفعل # قيل حركته بها عند الحاجة إليها راجحة وعند عدم الحاجة إليها مرجوحة لا ~~تفيده فتكون عليه لا له # فإن قيل فإذا كان الفعل متساوي الطرفين كانت حركة اللسان التي هي الوسيلة ~~إليه كذلك إذ الوسائل تابعة للمقصود في الحكم # قيل لا يلزم ذلك فقد يكون الشيء مباحا بل واجبا ووسيلته مكروهة كالوفاء ~~بالطاعة المنذورة هو واجب مع أن وسيلته وهو النذر مكروه منهى عنه وكذلك ~~الحلف المكروه مرجوح مع وجوب الوفاء به أو الكفارة وكذلك سؤال الخلق عند ~~الحاجة مكروه ويباح له الإنتفاع بما أخرجته له المسألة وهذا كثير جدا فقد ~~تكون الوسيلة متضمنة مفسدة تكره أو تحرم لأجلها وما جعلت وسيلة إليه ليس ~~بحرام ولا مكروه # | فصل وأما العبوديات الخمس على الجوارح فعلى خمس وعشرين مرتبة أيضا # إذ الحواس خمسة وعلى كل حاسة خمس عبوديات # فعلى السمع وجوب الإنصات والإستماع لما أوجبه الله ورسوله عليه من ~~PageV01P116 استماع الإسلام والإيمان وفروضهما وكذلك استماع القراءة في ~~الصلاة إذا جهر بها الإمام واستماع الخطبة للجمعة في أصح قولي العلماء # ويحرم عليه استماع الكفر والبدع إلا حيث يكون في استماعه مصلحة راجحة من ~~رده أو الشهادة على قائله أو زيادة قوة ms0086 الإيمان والسنة بمعرفة ضدهما من ~~الكفر والبدعة ونحو ذلك وكإستماع أسرار من يهرب عنك بسره ولا يحب أن يطلعك ~~عليه ما لم يكن متضمنا لحق لله يجب القيام به أو لأذى مسلم يتعين نصحه ~~وتحذيره منه # وكذلك استماع أصوات النساء الأجانب التي تخشى الفتنة بأصواتهن إذا لم تدع ~~إليه حاجة من شهادة أو معاملة أو استفتاء أو محاكمة أو مداواة ونحوها # وكذلك استماع المعازف وآلات الطرب واللهو كالعود والطنبور واليراع ونحوها ~~ولا يجب عليه سد أذنه إذا سمع الصوت وهو لا يريد استماعه إلا إذا خاف ~~السكون إليه والإنصات فحينئذ يجب لتجنب سماعها وجوب سد الذرائع # ونظير هذا المحرم لا يجوز له تعمد شم الطيب وإذا حملت الريح رائحته ~~وألقتها في مشامه لم يجب عليه سد أنفه # ونظير هذا نظرة الفجاءة لا تحرم على الناظر وتحرم عليه النظرة الثانية ~~إذا تعمدها # وأما السمع المستحب فكاستماع المستحب من العلم وقراءة القرآن وذكر الله ~~واستماع كل ما يحبه الله وليس بفرض # والمكروه عكسه وهو استماع كل ما يكره ولا يعاقب عليه والمباح ظاهر # وأما النظر الواجب فالنظر في المصحف وكتب العلم عند تعين تعلم الواجب ~~منها والنظر إذا تعين لتمييز الحلال من الحرام في الإعيان التي يأكلها أو ~~ينفقها أو يستمتع بها والأمانات التي يؤديها إلى أربابها ليميز بينها ونحو ~~ذلك PageV01P117 # والنظر الحرام النظر إلى الأجنبيات بشهوة مطلقا وبغيرها إلا لحاجة كنظر ~~الخاطب والمستام والمعامل والشاهد والحاكم والطبيب وذي المحرم # والمستحب النظر في كتب العلم والدين التي يزداد بها الرجل إيمانا وعلما ~~والنظر في المصحف ووجوه العلماء الصالحين والوالدين والنظر في آيات الله ~~المشهودة ليستدل بها على توحيده ومعرفته وحكمته # والمكروه فضول النظر الذي لا مصلحة فيه فإن له فضولا كما للسان فضولا وكم ~~قاد فضولها إلى فضول عز التلخص منها وأعيى دواؤها وقال بعض السلف كانوا ~~يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام # والمباح النظر الذي لا مضرة فيه في العاجل والآجل ولا منفعة # ومن النظر الحرام النظر إلى العورات وهي ms0087 قسمان # عورة وراء الثياب وعورة وراء الأبواب # ولو نظر في العورة التي وراء الأبواب فرماه صاحب العورة ففقأ عينه لم يكن ~~عليه شيء وذهبت هدرا بنص رسول في الحديث المتفق على صحته وإن ضعفه بعض ~~الفقهاء لكونه لم يبلغه النص أو تأوله PageV01P118 # وهذا إذا لم يكن للناظر سبب يباح النظر لأجله كعورة له هناك ينظرها أو ~~ريبة هو مأمور أو مأذون له في الإطلاع عليها # وأما الذوق الواجب فتناول الطعام والشراب عند الإضطرار إليه وخوف الموت ~~فإن تركه حتى مات مات عاصيا قاتلا لنفسه قال الإمام أحمد وطاووس من اضطر ~~إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار # ومن هذا تناول الدواء إذا تيقن النجاة له من الهلاك على أصح القولين وإن ~~ظن الشفاء به فهل هو مستحب مباح أو الأفضل تركه فيه نزاع معروف بين السلف ~~والخلف # والذوق الحرام كذوق الخمر والسموم القاتلة والذوق الممنوع منه للصوم ~~الواجب # وأما المكروه فكذوق المشتبهات والأكل فوق الحاجة وذوق الطعام الفجاءة وهو ~~الطعام الذي تفجأ آكله ولم يرد أن يدعوك إليه وكأكل أطعمة المرائين في ~~الولائم والدعوات ونحوها وفي السنن أن رسول الله نهى عن طعام المتبارين ~~وذوق طعام من يطعمك حياء منك لا بطيبة نفس # والذوق المستحب أكل ما يعينك على طاعة الله عز وجل مما أذن الله فيه ~~والأكل مع الضيف ليطيب له الأكل فينال منه غرضه والأكل من طعام صاحب الدعوة ~~الواجب إجابتها أو المستحب # وقد أوجب بعض الفقهاء الأكل من الوليمة الواجب إجابتها للأمر به عن ~~الشارع # والذوق المباح ما لم يكن فيه إثم ولا رجحان # وأما تعلق العبوديات الخمس بحاسة الشم فالشم الواجب كل شم تعين طريقا ~~للتمييز بين الحلال والحرام كالشم الذي تعلم به هذه العين هل هي خبيثة ~~PageV01P119 أو طيبة وهل هي سم قاتل أو لا مضرة فيه أو يميز به بين ما يملك ~~الإنتفاع به وما لا يملك ومن هذا شم المقوم ورب الخبرة عند الحكم بالتقويم ~~وشم العبيد ونحو ذلك # وأما الشم ms0088 الحرام فالتعمد لشم الطيب في الإحرام وشم الطيب المغصوب ~~والمسروق وتعمد شم الطيب من النساء الأجنبيات خشية الإفتتان بما وراءه # وأما الشم المستحب فشم ما يعينك على طاعة الله ويقوي الحواس ويبسط النفس ~~للعلم والعمل ومن هذا هدية الطيب والريحان إذا أهديت لك ففي صحيح مسلم عن ~~النبي من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه طيب الريح خفيف المحمل / ح / # والمكروه كشم طيب الظلمة وأصحاب الشبهات ونحو ذلك # والمباح مالا منع فيه من الله ولا تبعة ولا فيه مصلحة دينية ولا تعلق له ~~بالشرع # وأما تعلق هذه الخمسة بحاسة اللمس فاللمس الواجب كلمس الزوجة حين يجب ~~جماعها والأمة الواجب إعفافها # والحرام لمس ما لا يحل من الأجنبيات # والمستحب إذا كان فيه غض بصره وكف نفسه عن الحرام وإعفاف أهله # والمكروه لمس الزوجة في الإحرام للذة وكذلك في الإعتكاف وفي الصيام إذا ~~لم يأمن على نفسه # ومن هذا لمس بدن الميت لغير غاسله لأن بدنه قد صار بمنزلة عورة الحي ~~تكريما له ولهذا يستحب ستره عن العيون وتغسيله في قميصه في أحد القولين ~~ولمس فخذ الرجل إذا قلنا هي عورة # والمباح مالم يكن فيه مفسدة ولا مصلحة دينية PageV01P120 # وهذه المراتب أيضا مرتبة على البطش باليد والمشي بالرجل وأمثلتها لا تخفى # فالتكسب المقدور للنفقة على نفسه وأهله وعياله واجب وفي وجوبه لقضاء دينه ~~خلاف والصحيح وجوبه ليمكنه من أداء دينه ولا يجب لإخراج الزكاة وفي وجوبه ~~لأداء فريضة الحج نظر والأقوى في الدليل وجوبه لدخوله في الإستطاعة وتمكنه ~~بذلك من أداء النسك والمشهور عدم وجوبه # ومن البطش الواجب إعانة المضطر ورمي الجمار ومباشرة الوضوء والتيمم # والحرام كقتل النفس التي حرم الله قتلها ونهب المال المعصوم وضرب من لا ~~يحل ضربه ونحو ذلك وكأنواع اللعب المحرم بالنص كالنرد أو ما هو أشد تحريما ~~منه عند أهل المدينة كالشطرنج أو مثله عند فقهاء الحديث كأحمد وغيره أو ~~دونه عند بعضهم ونحو كتابة البدع المخالفة للسنة تصنيفا أو نسخا إلا مقرونا ~~بردها ونقضها وكتابة الزور ms0089 والظلم والحكم الجائر والقذف والتشبيب بالنساء ~~الأجانب وكتابة ما فيه مضرة على المسلمين في دينهم أو دنياهم ولا سيما أن ~~كسبت عليه مالا @QB@ فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون @QE@ ~~وكذلك كتابة المفتى على الفتوى ما يخالف حكم الله ورسوله إلا أن يكون ~~مجتهدا مخطئا فالإثم موضوع عنه # وأما المكروه فكالعبث واللعب الذي ليس بحرام وكتابة مالا فائدة في كتابته ~~ولا منفعة فيه في الدنيا والآخرة # والمستحب كتابة كل ما فيه منفعة في الدين أو مصلحة لمسلم والإحسان بيده ~~بأن يعين صانعا أو يصنع لأخرق أو يفرغ من دلوه في دلو المستسقى أو يحمل له ~~على دابته أو يمسكها حتى يحمل عليها أو يعاونه بيده فيما يحتاج له ونحو ذلك ~~ومنه لمس الركن بيده في الطواف وفي تقبيلها بعد اللمس قولان والمباح مالا ~~مضرة فيه ولا ثواب # وأما المشي الواجب فالمشي إلى الجمعات والجماعات في أصح القولين لبضعة ~~PageV01P121 وعشرين دليلا مذكورة في غير هذا الموضع والمشي حول البيت ~~للطواف الواجب والمشي بين الصفا والمروة بنفسه أو بمركوبه والمشي إلى حكم ~~الله ورسوله إذا دعي إليه والمشي إلى صلة رحمه وبر والديه والمشي إلى مجالس ~~العلم الواجب طلبه وتعلمه والمشي إلى الحج إذا قربت المسافة ولم يكن عليه ~~فيه ضرر # والحرام المشي إلى معصية الله وهو من رجل الشيطان قال تعالى @QB@ وأجلب ~~عليهم بخيلك ورجلك @QE@ قال مقاتل استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم فكل ~~راكب وماش في معصية الله فهو من جند إبليس # وكذلك تتعلق هذه الأحكام الخمس بالركوب أيضا # فواجبه في الركوب في الغزو والجهاد الحج الواجب # ومستحبه في الركوب المستحب من ذلك ولطلب العلم وصلة الرحم وبر الوالدين ~~وفي الوقوف بعرفة نزاع هل الركوب فيه أفضل أم على الأرض والتحقيق أن الركوب ~~أفضل إذا تضمن مصلحة من تعليم للمناسك واقتداء به وكان أعون على الدعاء ولم ~~يكن فيه ضرر على الدابة # وحرامه الركوب في معصية الله عز وجل # ومكروهه الركوب للهو واللعب وكل ما تركه خير من فعله ms0090 # ومباحه الركوب لما لم يتضمن فوت أجر ولا تحصيل وزر # فهذه خمسون مرتبة على عشرة أشياء القلب واللسان والسمع والبصر والأنف ~~والفم واليد والرجل والفرج والإستواء على ظهر الدابة # | فصل في منازل إياك نعبد التي ينتقل فيها القلب منزلة منزلة في حال # سيره إلى الله # وقد أكثر الناس في صفة المنازل وعددها من جعلها ألفا ومنهم من جعلها مائة ~~ومنهم من زاد ونقص فكل وصفها بحسب سيره وسلوكه PageV01P122 # وسأذكر فيها أمرا مختصرا جامعا نافعا إن شاء الله تعالى # فأول منازل العبودية اليقظة وهي انزعاج القلب لروعة الإنتباه من رقدة ~~الغافلين ولله ما أنفع هذه الروعة وما أعظم قدرها وخطرها وما أشد إعانتها ~~على السلوك فمن أحس بها فقد أحس والله بالفلاح وإلا فهو في سكرات الغفلة ~~فإذا انتبه شمر لله بهمته إلى السفر إلى منازله الأولى وأوطانه التي سبى ~~منها # فحي على جنات عدن فإنها % منازلك الأولى وفيها المخيم # ولكننا سبى العدو فهل ترى % نعود إلى أوطاننا ونسلم # فأخذ في أهبة السفر فانتقل إلى منزلة العزم وهو العقد الجازم على المسير ~~ومفارقة كل قاطع ومعوق ومرافقة كل معين وموصل وبحسب كمال انتباهه ويقظته ~~يكون عزمه وبحسب قوة عزمه يكون استعداده # فإذا استيقظ أوجبت له اليقظة الفكرة وهي تحديق القلب نحو المطلوب الذي قد ~~استعد له مجملا ولما يهتد إلى تفصيله وطريق الوصول إليه # فإذا صحت فكرته أوجبت له البصيرة فهي نور في القلب يبصر به الوعد والوعيد ~~والجنة والنار وما أعد الله في هذه لأوليائه وفي هذه لأعدائه فأبصر الناس ~~وقد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحق وقد نزلت ملائكة السموات فأحاطت بهم ~~وقد جاء الله وقد نصب كرسيه لفصل القضاء وقد أشرقت الأرض بنوره ووضع الكتاب ~~وجىء بالنبيين والشهداء وقد نصب الميزان وتطايرت الصحف واجتمعت الخصوم ~~وتعلق كل غريم بغريمه ولاح الحوض وأكوابه عن كثب وكثر العطاش وقل الوارد ~~ونصب الجسر للعبور ولز الناس إليه وقسمت الأنوار دون ظلمته للعبور عليه ~~والنار يحطم بعضها بعضا تحته والمتساقطون فيها أضعاف ms0091 أضعاف الناجين # فينفتح في قلبه عين يرى بها ذلك ويقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة يريه ~~الآخرة ودوامها والدنيا وسرعة انقضائها PageV01P123 # ف البصيرة نور يقذفه الله في القلب يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل كأنه ~~يشاهده رأى عين فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل وتضرره بمخالفتهم ~~وهذا معنى قول بعض العارفين البصيرة تحقق الإنتفاع بالشيء والتضرر به وقال ~~بعضهم البصيرة ما خلصك من الحيرة إما بإيمان وإما بعيان # والبصيرة على ثلاث درجات من استكملها فقد استكمل البصيرة بصيرة في ~~الأسماء والصفات وبصيرة في الأمر والنهي وبصيرة في الوعد والوعيد # فالبصيرة في الأسماء والصفات أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف الله ~~به نفسه ووصفه به رسوله بل تكون الشبه المعارضة لذلك عندك بمنزلة الشبه ~~والشكوك في وجود الله فكلاهما سواء في البلاء عند أهل البصائر # وعقد هذا أن يشهد قلبك الرب تبارك وتعالى مستويا على عرشه متكلما بأمره ~~ونهيه بصيرا بحركات العالم علويه وسفليه وأشخاصه وذواته سميعا لأصواتهم ~~رقيبا على ضمائرهم وأسرارهم وأمر الممالك تحت تدبيره نازل من عنده وصاعد ~~إليه وأملاكه بين يديه تنفذ أوامره في أقطار الممالك موصوفا بصفات الكمال ~~منعوتا بنعوت الجلال منزها عن العيوب والنقائص والمثال هو كما وصف نفسه في ~~كتابه وفوق ما يصفه به خلقه حي لا يموت قيوم لا ينام عليم لا يخفى عليه ~~مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض بصير يرى دبيب النملة السوداء على ~~الصخرة الصماء في الليلة الظلماء سميع يسمع ضجيج الأصوات بإختلاف اللغات ~~على تفنن الحاجات تمت كلماته صدقا وعدلا وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه ~~شبها ومثلا وتعالت ذاته أن تشبه شيئا من الذوات أصلا ووسعت الخليقة أفعاله ~~عدلا وحكمة ورحمة وإحسانا وفضلا له الخلق والأمر وله النعمة والفضل وله ~~الملك والحمد وله الثناء والمجد أول PageV01P124 ليس قبله شيء وآخر ليس ~~بعده شيء ظاهر ليس فوقه شيء باطن ليس دونه شيء أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد ~~وثناء وتمجيد ولذلك كانت حسنى وصفاته كلها ms0092 صفات كمال ونعوته كلها نعوت جلال ~~وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل كل شيء من مخلوقاته دال عليه ومرشد ~~لمن رآه بعين البصيرة إليه لم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلا ولا ~~ترك الإنسان سدى عاطلا بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته وأسبغ عليهم نعمه ~~يتوسلوا بشكرها إلى زيادة كرامته تعرف إلى عباده بأنواع التعرفات وصرف لهم ~~الآيات ونوع لهم الدلالات ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب ومد بينه ~~وبينهم من عهده أقوى الأسباب فأتم عليهم نعمه السابغة وأقام عليهم حجته ~~البالغة أفاض عليهم النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذي كتبه أن ~~رحمته تغلب غضبه # وتفاوت الناس في هذه البصيرة بحسب تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية ~~وفهمها والعلم بفساد الشبه المخالفة لحقائقها # وتجد أضعف الناس بصيرة أهل الكلام الباطل المذموم الذي ذمه السلف لجهلهم ~~بالنصوص ومعانيها وتمكن الشبه الباطلة من قلوبهم وإذا تأملت حال العامة ~~الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم رأيتهم أتم بصيرة منهم وأقوى إيمانا وأعظم ~~تسليما للوحي وانقيادا للحق # | فصل المرتبة الثانية من البصيرة البصيرة في الأمر والنهي وهي # تجريده عن المعارضة بتأويل أو تقليد أو هوى فلا يقوم بقلبه شبهة تعارض ~~العلم بأمر الله ونهيه ولا شهوة تمنع من تنفيذه وامتثاله والأخذ به ولا ~~تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقى الأحكام من مشكاة النصوص PageV01P125 وقد ~~علمت بهذا أهل البصائر من العلماء من غيرهم # | فصل المرتبة الثالثة البصيرة في الوعد والوعيد وهي أن تشهد قيام # الله على كل نفس بما كسبت في الخير والشر عاجلا وآجلا في دار العمل ودار ~~الجزاء وأن ذلك هو موجب إلهيته وربوبيته وعدله وحكمته فإن الشك في ذلك شك ~~في إلهيته وربوبيته بل شك في وجوده فإنه يستحيل عليه خلاف ذلك ولا يليق أن ~~ينسب إليه تعطيل الخليقة وإرسالها هملا وتركها سدى تعالى الله عن هذا ~~الحسبان علوا كبيرا # فشهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانية ولهذا كان الصحيح أن المعاد ~~معلوم بالعقل وإنما اهتدى إلى تفاصيله بالوحي ولهذا يجعل الله سبحانه ms0093 إنكار ~~المعاد كفرا به سبحانه لأنه إنكار لقدرته ولإلهيته وكلاهما مستلزم للكفر به ~~قال تعالى @QB@ وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد ~~أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون @QE@ # وفي الآية قولان # أحدهما إن تعجب من قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد فعجب قولهم ~~كيف ينكرون هذا وقد خلقوا من تراب ولم يكونوا شيئا # والثاني إن تعجب من شركهم مع الله غيره وعدم انقيادهم لتوحيده وعبادته ~~وحده لا شريك له فإنكارهم للبعث وقولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد ~~أعجب # وعلى التقديرين فإنكار المعاد عجب من الإنسان وهو محض إنكار الرب والكفر ~~به والجحد لإلهيته وقدرته وحكمته وعدله وسلطانه PageV01P126 ولصاحب المنازل ~~في البصيرة طريقة أخرى قال البصيرة ما يخلصك من الحيرة وهي على ثلاث درجات ~~الدرجة الأولى أن تعلم أن الخبر القائم بتمهيد الشريعة يصدر عن عين لا يخاف ~~عواقبها فترى من حقه أن تؤديه يقينا وتغضب له غيرة # ومعنى كلامه أن ما أخبر به الرسول صادر عن حقيقة صادقة لا يخاف متبعها ~~فيما بعد مكروها بل يكون آمنا من عاقبة اتباعها إذ هي حق ومتبع الحق لا خوف ~~عليه ومن حق ذلك الخبر عليك أن تؤدي ما أمرت به منه من غير شك ولا شكوى ~~والأحوط بك والذي لا تبرأ ذمتك إلا به تناول الأمر بإمتثال صادر عن تصديق ~~محقق لا يصحبه شك وأن تغضب على من خالف ذلك غيرة عليه أن يضيع حقه ويهمل ~~جانبه # وإنما كانت الغيرة عند شيخ الإسلام من تمام البصيرة لأنه على قدر المعرفة ~~بالحق ومستحقه ومحبته وإجلاله تكون الغيرة عليه أن يضيع والغضب على من ~~أضاعه فإن ذلك دليل على محبة صاحب الحق وإجلاله وتعظيمه وذلك عين البصيرة ~~فكما أن الشك القادح في كمال الإمتثال معم لعين البصيرة فكذلك عدم الغضب ~~والغيرة على حقوق الله إذا ضيعت ومحارمه إذا انتهكت معم لعين البصيرة # قال الدرجة الثانية أن تشهد في ms0094 هداية الحق وإضلاله إصابة العدل وفي تلوين ~~أقسامه رعاية البر وتعاين في جذبه حبل الوصل # يريد رحمه الله بشهود العدل في هدايته من هداه وفي إضلاله من أضله أمرين # أحدهما تفرده بالخلق والهدى والضلال # والثاني وقوع ذلك منه على وجه الحكمة والعدل لا بالإتفاق ولا بمحض ~~المشيئة المجردة عن وضع الأشياء مواضعها وتنزيلها منازلها بل بحكمة اقتضت ~~PageV01P127 هدى من علم أنه يزكو على الهدى ويقبله ويشكره عليه ويثمر عنده ~~فالله أعلم حيث يجعل رسالاته أصلا وميراثا قال تعالى @QB@ وكذلك فتنا بعضهم ~~ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ~~@QE@ وهم الذين يعرفون قدر نعمته بالهدى ويشكرونه عليها ويحبونه ويحمدونه ~~على أن جعلهم من أهله فهو سبحانه ما عدل عن موجب العدل والإحسان في هداية ~~من هدى وإضلال من أضل ولم يطرد عن بابه ولم يبعد عن جنابه من يليق به ~~التقريب والهدى والإكرام بل طرد من لا يليق به إلا الطرد والإبعاد وحكمته ~~وحمده تأبى تقريبه وإكرامه وجعله من أهله وخاصته وأوليائه # ولا يبقى إلا أن يقال فلم خلق من هو بهذه المثابة # فهذا سؤال جاهل ظالم ضال مفرط في الجهل والظلم والضلال لأن خلق الأضداد ~~والمتقابلات هو من كمال الربوبية كالليل والنهار والحر والبرد واللذة ~~والألم والخير والشر والنعيم والجحيم # قوله وفي تلوين أقسامه رعاية البر # يريد بتلوين الأقسام اختلافها في الجنس والقدر والصفة من أقسام الأموال ~~والقوى والعلوم والأعمال والصنائع وغيرها قسمها على وجه البر والمصلحة ~~فأعطى كلا منهم ما يصلحه وما هو ألأنفع له برا وإحسانا # وقوله وتعاين في جذبه حبل الوصال # يريد تعاين في توفيقه لك للطاعة وجذبه إياك من نفسك أنه يريد تقريبك منه ~~فاستعار للتوفيق الخاص الجذب وللتقريب الوصال وأراد بالحبل السبب الموصل لك ~~إليه # فأشار بهذا إلى أنك تستدل بتوفيقه لك وجذبك نفسك وجعلك متمسكا بحبله الذي ~~هو عهده ووصيته إلى عباده على تقريبه لك تشاهد ذلك ليكون PageV01P128 أقوى ~~في المحبة والشكر وبذل النصيحة في العبودية وهذا كله من ms0095 تمام البصيرة فمن ~~لا بصيرة له فهو بمعزل عن هذا # قال الدرجة الثالثة بصيرة تفجر المعرفة وتثبت الإشارة وتنبت الفراسة يريد ~~بالبصيرة في الكشف والعيان أن تتفجر بها ينابيع المعارف من القلب ولم يقل ~~تفجر العلم لأن المعرفة أخص من العلم عند القوم ونسبتها إلى العلم نسبة ~~الروح إلى الجسد فهي روح العلم ولبه # وصدق رحمه الله فإن بهذه البصيرة تتفجر من قلب صاحبها ينابيع من المعارف ~~التي لا تنال بكسب ولا دراسة إن هو إلا فهم يؤتيه الله عبدا في كتابه ودينه ~~على قدر بصيرة قلبه # وقوله وتثبت الإشارة # يريد بالإشارة ما يشير إليه القوم من الأحوال والمنازلات والأذواق التي ~~ينكرها الأجنبي من السلوك ويثبتها أهل البصائر وكثير من هذه الأمور ترد على ~~السالك فإن كان له بصيرة ثبتت بصيرته ذلك له وحققته عنده وعرفته تفاصيله ~~وإن لم يكن له بصيرة بل كان جاهلا لم يعرف تفصيل ما يرد عليه ولم يهتد ~~لتثبيته # قوله وتنبت الفراسة # يعني أن البصيرة تنبت في أرض القلب الفراسة الصادقة وهي نور يقذفه الله ~~في القلب يفرق به بين الحق والباطل والصادق والكاذب قال الله تعالى @QB@ إن ~~في ذلك لآيات للمتوسمين @QE@ قال مجاهد للمتفرسين وفي الترمذي من حديث أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي أنه قال اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر ~~بنور الله عز وجل / ح / ثم قرأ @QB@ إن في ذلك لآيات للمتوسمين @QE@ ~~PageV01P129 # والتوسم تفعل من السيما وهي العلامة فسمى المتفرس متوسما لأنه يستدل بما ~~يشهد على ما غاب فيستدل بالعيان على الإيمان ولهذا خص الله تعالى بالآيات ~~والإنتفاع بها هؤلاء لأنهم يستدلون بما يشاهدون منها على حقيقة ما أخبرت به ~~الرسل من الأمر والنهي والثواب والعقاب وقد ألهم الله ذلك لآدم وعلمه إياه ~~حين علمه أسماء كل شيء وبنوه هم نسخته وخلفاؤه فكل قلب فهو قابل لذلك وهو ~~فيه بالقوة وبه تقوم الحجة وتحصل العبرة وتصح الدلالة وبعث الله رسله ~~مذكرين ومنبهين ومكملين لهذا الإستعداد بنور الوحي والإيمان فينضاف ذلك إلى ms0096 ~~نور الفراسة والإستعداد فيصير نورا على نور فتقوى البصيرة ويعظم النور ~~ويدوم بزيادة مادته ودوامها ولا يزال في تزايد حتى يرى على الوجه والجوارح ~~والكلام والأعمال ومن لم يقبل هدى الله ولم يرفع به رأسا دخل قلبه في ~~الغلاف والأكنة فأظلم وعمى عن البصيرة فحجبت عنه حقائق الإيمان فيرى الحق ~~باطلا والباطل حقا والرشد غيا والغي رشدا قال تعالى @QB@ كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون @QE@ والرين والران هو الحجاب الكثيف المانع للقلب ~~من رؤية الحق والإنقياد له # وعلى حسب قوة البصيرة وضعفها تكون الفراسة وهي نوعان # فراسة علوية شريفة مختصة بأهل الإيمان وفراسة سفلية دنيئة مشتركة بين ~~المؤمن والكافر وهي فراسة أهل الرياضة والجوع والسهر والخلوة وتجريد ~~البواطن من أنواع الشواغل فهؤلاء لهم فراسة كشف الصور والإخبار ببعض ~~المغيبات السفلية التي لا يتضمن كشفها والإخبار بها كما لا للنفس ولا زكاة ~~ولا PageV01P130 إيمانا ولا معرفة وهؤلاء لا تتعدى فراستهم هذه السفليات ~~لأنهم محجوبون عن الحق تعالى فلا تصعد فراستهم إلى التمييز بين أوليائه ~~وأعدائه وطريق هؤلاء وهؤلاء # وأما فراسة الصادقين العارفين بالله وأمره فإن همتهم لما تعلقت بمحبة ~~الله ومعرفته وعبوديته ودعوة الخلق إليه على بصيرة كانت فراستهم متصلة ~~بالله متعلقة بنور الوحي مع نور الإيمان فميزت بين ما يحبه الله وما يبغضه ~~من الأعيان والأقوال والأعمال وميزت بين الخبيث والطيب والمحق والمبطل ~~والصادق والكاذب وعرفت مقادير استعداد السالكين إلى الله فحملت كل إنسان ~~على قدر استعداده علما وإرادة وعملا # ففراسة هؤلاء دائما حائمة حول كشف طرق الرسول وتعرفها وتخليصها من بين ~~سائر الطرق وبين كشف عيوب النفس وآفات الأعمال العائقة عن سلوك طريق ~~المرسلين فهذا أشرف أنواع البصيرة والفراسة وأنفعها للعبد في معاشه ومعاده # | فصل فإذا انتبه وأبصر أخذ في القصد وصدق الإرادة وأجمع القصد # والنية على سفر الهجرة إلى الله وعلم وتيقن أنه لابد له منه فأخذ في أهبة ~~السفر وتعبئة الزاد ليوم المعاد والتجرد عن عوائق السفر وقطع العلائق التي ~~تمنعه من الخروج # وقد قسم ms0097 صاحب المنازل القصد إلى ثلاثة درجات فقال # الدرجة الأولى قصد يبعث على الإرتياض ويخلص من التردد ويدعو إلى مجانبة ~~الأغراض # فذكر له ثلاث فوائد أنه يبعث على السلوك بلا توقف ولا تردد ولا علة غير ~~العبودية من رياء أو سمعة أو طلب محمدة أو جاه ومنزلة عند الخلق ~~PageV01P131 # قال الدرجة الثانية قصد لا يلقى سببا إلا قطعه ولا حائلا إلا منعه ولا ~~تحاملا إلا سهله # يعني أنه لا يلق سببا يعوق عن المقصود إلا قطعه ولا حائلا دونه إلا منعه ~~ولا صعوبة إلا سهلها # قال الدرجة الثالثة قصد الإستسلام لتهذيب العلم وقصد إجابة داعي الحكم ~~وقصد اقتحام بحر الفناء # يريد أنه ينقاد إلى العلم ليتهذب به ويصلح ويقصد إجابة داعي الحكم الديني ~~الأمري كلما دعاه فإن للحكم في كل مسألة من مسائل العلم مناديا ينادي ~~للإيمان بها علما وعملا فيقصد إجابة داعيها ولكن مراده بداعي الحكم الأسرار ~~والحكم الداعية إلى شرع الحكم فإجابتها قدر زائد على مجرد الإمتثال فإنها ~~تدعو إلى المحبة والإجلال والمعرفة والحمد فالأمر يدعو إلى الإمتثال وما ~~تضمنه من الحكم والغايات تدعو إلى المعرفة والمحبة # وقوله وقصد اقتحام بحر الفناء # هذا هو الغاية المطلوبة عند القوم وهو عند بعضهم لازم من لوازم الطريق ~~وليس بغاية وعند آخرين عارض من عوارض الطريق وليس بغاية ولا هو لازم لكل ~~سالك وأهل القوة والعزم لا يعرض لهم وحال البقاء أكمل منه ولهذا كان البقاء ~~حال نبينا ليلة الإسراء وقد رأى ما رأى وحال موسى الفناء ولهذا خر صعقا عند ~~تجلي الله للجبل وامرأة العزيز كانت أكمل حبا ليوسف من النسوة ولم يعرض لها ~~ما عرض لهن عند رؤية يوسف لفنائهن وبقائها وسيأتي إن شاء الله تحقيق الكلام ~~فيه # | فصل فإذا استحكم قصده صار عزما جازما مستلزما للشروع في السفر # مقرونا بالتوكل على الله قال تعالى @QB@ فإذا عزمت فتوكل على الله @QE@ ~~PageV01P132 # والعزم هو القصد الجازم المتصل بالفعل ولذلك قيل إنه أول الشروع في ~~الحركة لطلب المقصود وأن التحقيق أن الشروع في ms0098 الحركة ناشىء عن العزم لا ~~أنه هو نفسه ولكن لما اتصل به من غير فصل ظن أنه هو # وحقيقته هو استجماع قوى الإرادة على الفعل # والعزم نوعان أحدهما عزم المريد على الدخول في الطريق وهو من البدايات ~~والثاني عزم في حال السير معه وهو أخص من هذا وهو من المقامات وسنذكره في ~~موضعه إن شاء الله # وفي هذه المنزلة يحتاج السالك إلى تمييز ما له مما عليه ليستصحب ما له ~~ويؤدى ما عليه وهو المحاسبة وهي قبل التوبة في المرتبة فإنه إذا عرف ما له ~~وما عليه أخذ في أداء ما عليه والخروج منه وهو التوبة # وصاحب المنازل قدم التوبة على المحاسبة ووجه هذا أنه رأى التوبة أول ~~منازل السائر بعد يقظته ولا تتم التوبة إلا بالمحاسبة فالمحاسبة تكميل مقام ~~التوبة فالمراد بالمحاسبة الإستمرار على حفظ التوبة حتى لا يخرج عنها وكأنه ~~وفاء بعقد التوبة # واعلم أن ترتيب هذه المقامات ليس باعتبار أن السالك يقطع المقام ويفارقه ~~وينتقل إلى الثاني كمنازل السير الحسي هذا محال ألا ترى أن اليقظة معه في ~~كل مقام لا تفارقه وكذلك البصيرة والإرادة والعزم وكذلك التوبة فإنها كما ~~أنها من أول المقامات فهي آخرها أيضا بل هي في كل مقام مستصحبة ولهذا جعلها ~~الله تعالى آخر مقامات خاصته فقال تعالى في غزوة تبوك وهي آخر الغزوات التي ~~قطعوا فيها الأودية والبدايات والأحوال والنهايات @QB@ لقد تاب الله على ~~النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ ~~قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم @QE@ PageV01P133 رؤف رحيم فجعل ~~التوبة أول أمرهم وآخره وقال في سورة أجل رسول الله التي هي آخر سورة أنزلت ~~@QB@ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح ~~بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا @QE@ # وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ما صلى صلاة بعد إذ ~~أنزلت عليه هذه السورة إلا قال في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ~~اللهم اغفر ms0099 لي يتأول القرآن فالتوبة هي نهاية كل سالك وكل ولي لله وهي ~~الغاية التي يجري إليها العارفون بالله وعبوديته وما ينبغي له قال تعالى ~~إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا ~~رحيما فجعل سبحانه التوبة غاية كل مؤمن ومؤمنة # وكذلك الصبر فإنه لا ينفك عنه في مقام من المقامات # وإنما هذا الترتيب ترتيب المشروط المتوقف على شرطه المصاحب له # ومثال ذلك أن الرضا مترتب على الصبر لتوقف الرضا عليه واستحالة ثبوته ~~بدونه فإذا قيل إن مقام الرضا أو حاله على الخلاف بينهم هل هو مقام أو حال ~~بعد مقام الصبر لا يعني به أنه يفارق الصبر وينتقل إلى الرضا وإنما يعني ~~أنه لا يحصل له مقام الرضا حتى يتقدم له قبله مقام الصبر فافهم هذا الترتيب ~~في مقامات العبودية # وإذا كان كذلك علمت أن القصد والعزم متقدم على سائر المنازل فلا وجه ~~لتأخيره وعلمت بذلك أن المحاسبة متقدمة على التوبة بالرتبة أيضا فإنه إذا ~~حاسب العبد نفسه خرج مما عليه وهي حقيقة التوبة وأن منزلة التوكل قبل منزلة ~~الإنابة لأنه يتوكل في حصولها فالتوكل وسيلة والإنابة غاية وأن مقام ~~التوحيد أولى المقامات أن يبدأ به كما أنه أول دعوة PageV01P134 الرسل كلهم ~~قال النبي لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ~~أن لا إله إلا الله وفي رواية إلى أن يعرفوا الله ولأنه لا يصح مقام من ~~المقامات ولا حال من الأحوال إلا به فلا وجه لجعله آخر المقامات وهو مفتاح ~~دعوة الرسل وأول فرض فرضه الله على العباد وما عدا هذا من الأقوال فخطأ ~~كقول من يقول أول الفروض النظر أو القصد إلى النظر أو المعرفة أو الشك الذي ~~يوجب النظر # وكل هذه الأقوال خطأ بل أول الواجبات مفتاح دعوة المرسلين كلهم وهو أول ~~ما دعا إليه فاتحهم نوح ms0100 فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره وهو أول ~~ما دعا إليه خاتمهم محمد # ولأرباب السلوك اختلاف كثير في عدد المقامات وترتيبها كل يصف منازل سيره ~~وحال سلوكه ولهم اختلاف في بعض منازل السير هل هي من قسم الأحوال والفرق ~~بينهما أن المقامات كسبية والأحوال وهيبة ومنهم من يقول الأحوال من نتائج ~~المقامات والمقامات نتائح الأعمال فكل من كان أصلح عملا كان أعلى مقاما وكل ~~من كان أعلى مقاما كان أعظم حالا # فمما اختلفوا فيه الرضا هل هو حال أو مقام فيه خلاف بين الخراسانيين ~~والعراقيين # وحكم بينهم بعض الشيوخ فقال إن حصل بكسب فهو مقام وإلا فهو حال # والصحيح في هذا أن الواردات والمنازلات لها أسماء باعتبار أحوالها فتكون ~~لوامع وبوارق ولوائح عند أول ظهورها وبدوها كما يلمع البارق ويلوح عن بعد ~~فإذا نازلته وباشرها فهي أحوال فإذا تمكنت منه وثبتت له من غير انتقال فهي ~~مقامات وهي لوامع ولوائح في أولها وأحوال في أوسطها ومقامات في PageV01P135 ~~نهاياتها فالذي كان بارقا هو بعينه الحال والذي كان حالا هو بعينه المقام ~~وهذه الأسماء له باعتبار تعلقه بالقلب وظهوره له وثباته فيه # وقد ينسلخ السالك من مقامه كما ينسلخ من الثوب وينزل إلى ما دونه ثم قد ~~يعود إليه وقد لا يعود # ومن المقامات ما يكون جامعا لمقامين # ومنها ما يكون جامعا لأكثر من ذلك # ومنها ما يندرج فيه جميع المقامات فلا يستحق صاحبه اسمه إلا عند استجماع ~~جميع المقامات فيه # فالتوبة جامعة لمقام المحاسبة ومقام الخوف لا يتصور وجودها بدونهما # والتوكل جامع لمقام التفويض والإستعانة والرضى لا يتصور وجوده بدونها # والرجاء جامع لمقام الخوف والإرادة # والخوف جامع لمقام الرجاء والإرادة # والإنابة جامعة لمقام المحبة والخشية لا يكون العبد منيبا إلا باجتماعهما # والإخبات له جامع لمقام المحبة والذل والخضوع لا يكمل أحدها بدون الآخر ~~إخباتا # والزهد جامع لمقام الرغبة والرهبة لا يكون زاهدا من لم يرغب فيما يرجو ~~نفعه ويرهب مما يخاف ضرره # ومقام المحبة جامع لمقام المعرفة والخوف ms0101 والرجاء والإرادة فالمحبة معنى ~~يلتئم من هذه الأربعة وبها تحققها # ومقام الخشية جامع لمقام المعرفة بالله والمعرفة بحق عبوديته فمتى عرف ~~الله وعرف حقه اشتدت خشيته له كما قال تعالى @QB@ إنما يخشى الله من @QE@ ~~PageV01P136 @QB@ عباده العلماء @QE@ فالعلماء به وبأمره هم أهل خشيته قال ~~النبي أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية / ح / # ومقام الهيبة جامع لمقام المحبة والإجلال والتعظيم # ومقام الشكر جامع لجميع مقامات الإيمان ولذلك كان أرفعها وأعلاها وهو فوق ~~الرضا وهو يتضمن الصبر من غير عكس ويتضمن التوكل والإنابة والحب والإخبات ~~والخشوع والرجاء فجميع المقامات مندرجة فيه لا يستحق صاحبه اسمه على ~~الإطلاق إلا باستجماع المقامات له ولهذا كان الإيمان نصفين نصف صبر ونصف ~~شكر والصبر داخل في الشكر فرجع الإيمان كله شكرا والشاكرون هم أقل العباد ~~كما قال تعالى @QB@ وقليل من عبادي الشكور @QE@ # ومقام الحياء جامع لمقام المعرفة والمراقبة # ومقام الأنس جامع لمقام الحب مع القرب فلو كان المحب بعيدا من محبوبة لم ~~يأنس به ولو كان قريبا من رجل ولم يحبه لم يأنس به حتى يجتمع له حبه مع ~~القرب منه # ومقام الصدق جامع للإخلاص والعزم فباجتماعهما يصح له مقام الصدق # ومقام المراقبة جامع للمعرفة مع الخشية فبحسبهما يصح مقام المراقبة # ومقام الطمأنينة جامع للإنابة والتوكل والتفويض والرضى والتسليم فهو معنى ~~ملتئم من هذه الأمور إذا اجتمعت صار صاحبها صاحب طمأنينة وما نقص منها نقص ~~من الطمأنينة # وكذلك الرغبة والرهبة كل منهما ملتئم من الرجاء والخوف والرجاء على ~~الرغبة أغلب والخوف على الرهبة أغلب # وكل مقام من هذه المقامات فالسالكون بالنسبة إليه نوعان أبرار ~~PageV01P137 ومقربون فالأبرار في أذياله والمقربون في ذروة سنامه وهكذا ~~مراتب الإيمان جميعها وكل من النوعين لا يحصى تفاوتهم وتفاضل درجاتهم إلا ~~الله # وتقسيمهم ثلاثة أقسام عام وخاص وخاص خاص إنما نشأ من جعل الفناء غاية ~~الطريق وعلم القوم الذي شمروا إليه وسنذكر ما في ذلك وأقسام الفناء محموده ~~ومذمومه فاضله ومفضوله فإن إشارة القوم إليه إن شاء الله ومدارهم عليه # على أن الترتيب ms0102 الذي يشير إليه كل مرتب للمنازل لا يخلو عن تحكم ودعوى من ~~غير مطابقة فإن العبد إذا التزم عقد الإسلام ودخل فيه كله فقد التزم لوازمه ~~الظاهرة والباطنة ومقاماته وأحواله وله في كل عقد من عقوده وواجب من ~~واجباته أحوال ومقامات لايكون موفيا لذلك العقد والواجب إلا بها وكلما وفى ~~واجبا أشرف على واجب آخر بعده وكلما قطع منزلة استقبل أخرى # وقد يعرض له أعلى المقامات والأحوال في أول بداية سيره فينفتح عليه من ~~حال المحبة والرضا والأنس والطمأنينة ما لم يحصل بعد لسالك في نهايته ~~ويحتاج هذا السالك في نهايته إلى أمور من البصيرة والتوبة والمحاسبة أعظم ~~من حاجة صاحب البداية إليها فليس في ذلك ترتيب كلى لازم للسلوك # وقد ذكرنا أن التوبة التي جعلوها من أول المقامات هي غاية العارفين ~~ونهاية أولياء الله المقربين ولا ريب أن حاجتهم إلى المحاسبة في نهايتهم ~~فوق حاجتهم إليها في بدايتهم # فالأولى الكلام في هذه المقامات على طريقة المتقدمين من أئمة القوم كلاما ~~مطلقا في كل مقام مقام ببيان حقيقته وموجبه وآفته المانعة من حصوله والقاطع ~~عنه وذكر عامه وخاصه # فكلام أئمة الطريق هو على هذا المنهاج فمن تأمله كسهل بن عبدالله التستري ~~وأبي طالب المكي والجنيد بن محمد وأبي عثمان النيسابوري PageV01P138 ويحيى ~~بن معاذ الرازي وأرفع من هؤلاء طبقة مثل أبي سليمان الداراني وعون ابن ~~عبدالله الذي كان يقال له حكيم الأمة وأضرابهما فإنهم تكلموا على أعمال ~~القلوب وعلى الأحوال كلاما مفصلا جامعا مبينا مطلقا من غير ترتيب ولا حصر ~~للمقامات بعدد معلوم فإنهم كانوا أجل من هذا وهمهم أعلى وأشرف إنما هم ~~حائمون على اقتباس الحكمة والمعرفة وطهارة القلوب وزكاة النفوس وتصحيح ~~المعاملة ولهذا كلامهم قليل فيه البركة وكلام المتأخرين كثير طويل قليل ~~البركة # ولكن لا بد من مخاطبة أهل الزمان باصطلاحهم إذ لا قوة لهم للتشمير إلى ~~تلقي السلوك عن السلف الأول وكلماتهم وهديهم ولو برز لهم هديهم وحالهم ~~لأنكروه ولعدوه سلوكا عاميا وللخاصة سلوك آخر كما يقال ضلال ms0103 المتكلمين ~~وجهلتهم إن القوم كانوا أسلم وإن طريقنا أعلم كما يقول من لم يقدر قدرهم من ~~المنتسبين إلى الفقه إنهم لم يتفرغوا لإستنباطه وضبط قواعده وأحكامه ~~اشتغالا منهم بغيره والمتأخرون تفرغوا لذلك فهم أفقه # فكل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف وعن عمق علومهم وقلة تكلفهم ~~وكمال بصائرهم وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف والإشتغال ~~بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها وضبط قواعدها وشد معاقدها ~~وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء فالمتأخرون في شأن والقوم في ~~شأن و @QB@ قد جعل الله لكل شيء قدرا @QE@ PageV01P139 # فالأولى بنا أن نذكر منازل العبودية الواردة في القرآن والسنة ونشير إلى ~~معرفة حدودها ومراتبها إذ معرفة ذلك من تمام معرفة حدود ما أنزل الله على ~~رسوله وقد وصف الله تعالى من لم يعرفها بالجهل والنفاق فقال تعالى الأعراب ~~أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله فبمعرفة ~~حدودها دراية والقيام بها رعاية يستكمل العبد الإيمان ويكون من أهل @QB@ ~~إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ # ونذكر لها ترتيبا غير مستحق بل مستحسن بحسب ترتيب السيرالحسي ليكون ذلك ~~أقرب إلى تنزيل المعقول منزلة المشهود بالحس فيكون التصديق أتم ومعرفته ~~أكمل وضبطه أسهل # فهذه فائدة ضرب الأمثال وهي خاصة العقل ولبه ولهذا أكثر الله تعالى منها ~~في القرآن ونفى عقلها عن غير العلماء فقال تعالى @QB@ وتلك الأمثال نضربها ~~للناس وما يعقلها إلا العالمون @QE@ # فاعلم أن العبد قبل وصول الداعي إليه في نوم الغفلة قلبه نائم وطرفه ~~يقظان فصاح به الناصح وأسمعه داعي النجاح وأذن به مؤذن الرحمن حي على ~~الفلاح # فأول مراتب هذا النائم اليقظة والإنتباه من النوم وقد ذكرنا أنها إنزعاج ~~القلب لروعة الإنتباه # وصاحب المنازل يقول هي القومة لله المذكورة في قوله @QB@ قل إنما أعظكم ~~بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى @QE@ PageV01P140 # قال القومة لله هي اليقظة من سنة الغفلة والنهوض عن ورطة الفترة وهي أول ~~ما يستنير قلب العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه وهي على ثلاثة أشياء لحظ ~~القلب ms0104 إلى النعمة على اليأس من عدها والوقوف على حدها والتفرغ إلى معرفة ~~المنة بها والعلم بالتقصير في حقها # وهذا الذي ذكره هو موجب اليقطة وأثرها فإنه إذا نهض من ورطة الغفلة ~~لإستنارة قلبه برؤية نور التنبيه أوجب له ملاحظة نعم الله الباطنة والظاهرة ~~وكلما حدق قلبه وطرفه فيها شاهد عظمتها وكثرتها فيئس من عدها والوقوف على ~~حدها وفرغ قلبه لمشاهدة منة الله عليه بها من غير استحقاق ولا استجلاب لها ~~بثمن فتيقن حينئذ تقصيره في واجبها وهو القيام بشكرها # فأوجب له شهود تلك المنة والتقصير نوعين جليلين من العبودية محبة المنعم ~~واللهج بذكره وتذكر الله وخضوعه له وإزراءه على نفسه حيث عجز عن شكر نعمه ~~فصار متحققا ب أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب ~~إلا أنت وعلم حينئذ أن هذا الإستغفار حقيق بأن يكون سيد الإستغفار وعلم ~~حينئذ أن الله لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو ~~رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم وعلم أن العبد دائما سائر إلى الله ~~بين مطالعة المنة ومشاهدة التقصير # قال الثاني مطالعة الجناية والوقوف على الخطر فيها والتشمير لتداركها ~~والتخلص من رقها وطلب النجاة بتمحيصها # فينظر إلى ما سلف منه من الإساءة ويعلم أنه على خطر عظيم فيها وأنه مشرف ~~على الهلاك بمؤاخذة صاحب الحق بموجب حقه وقد ذم الله تعالى في كتابه من نسي ~~ما تقدم يداه فقال @QB@ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما ~~قدمت يداه @QE@ فإذا طالع جنايته شمر لإستدراك الفارط بالعلم والعمل وتخلص ~~من رق الجناية بالإستغفار والندم وطلب التمحيص وهو PageV01P141 تخليص ~~إيمانه ومعرفته من خبث الجناية كتمحيص الذهب والفضة وهو تخليصهما من خبثهما ~~ولا يمكن دخوله الجنة إلا بعد هذا التمحيص فإنها طيبة لا يدخلها إلا طيب ~~ولهذا تقول لهم الملائكة @QB@ سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة ~~@QE@ فليس في الجنة ذرة خبث # وهذا التمحيص ms0105 يكون في دار الدنيا بأربعة أشياء بالتوبة والإستغفار وعمل ~~الحسنات الماحية والمصائب المكفرة فإن محصته هذه الأربعة وخلصته كان من ~~الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يبشرونهم بالجنة وكان من الذين @QB@ تتنزل ~~عليهم الملائكة @QE@ عند الموت أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة ~~التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما ~~تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم # وإن لم تف هذه الأربعة بتمحيصه وتخليصه فلم تكن التوبة نصوحا وهي العامة ~~الشاملة الصادقة ولم يكن الإستغفار كاملا تاما وهو المصحوب بمفارقة الذنب ~~والندم عليه وهذا هو الإستغفار النافع لا استغفار من في يده قدح السكر وهو ~~يقول أستغفر الله ثم يرفعه إلى فيه ولم تكن الحسنات في كميتها وكيفيتها ~~وافية بالتكفير ولا المصائب وهذا إما لعظم الجناية وإما لضعف الممحص وإما ~~لهما محص في البرزخ بثلاثة أشياء # أحدها صلاة أهل الإيمان الجنازة عليه واستغفارهم له وشفاعتهم فيه # الثاني تمحيصه بفتنة القبر وروعة الفتان والعصرة والإنتهار وتوابع ذلك # الثالث ما يهدي إخوانه المسلمون إليه من هدايا الأعمال من الصدقة عنه ~~والحج والصيام عنه وقراءة القرآن عنه والصلاة وجعل ثواب ذلك له PageV01P142 ~~وقد أجمع الناس على وصول الصدقة والدعاء قال الإمام أحمد لا يختلفون في ذلك ~~وما عداهما فيه إختلاف والأكثرون يقولون بوصول الحج وأبو حنيفة يقول إنما ~~يصل إليه ثواب الإنفاق وأحمد ومن وافقه مذهبهم في ذلك أوسع المذاهب يقولون ~~يصل إليه ثواب جميع القرب بدنيها وماليها والجامع للأمرين واحتجوا بأن ~~النبي قال لمن سأله يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد ~~مماتهما قال نعم فذكر الحديث وقد قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه / ح / # فإن لم تف هذه بالتمحيص محص بين يدي ربه في الموقف بأربعة أشياء أهوال ~~القيامة وشدة الموقف وشفاعة الشفعاء وعفو الله عز وجل # فإن لم تف هذه الثلاثة بتمحيصه فلا بد له من دخول الكير رحمة في حقه ~~ليتخلص ويتمحص ويتطهر في النار ms0106 فتكون النار طهرة له وتمحيصا لخبثه ويكون ~~مكثه فيها على حسب كثرة الخبث وقلته وشدته وضعفه وتراكمه فإذا خرج خبثه ~~وصفى ذهبه وصار خالصا طيبا أخرج من النار وأدخل الجنة # قال الثالث يعني من مراتب اليقظة الإنتباه لمعرفة الزيادة والنقصان من ~~الأيام والتنصل من تضييعها والنظر إلى الظن بها لتدارك فائتها وتعمير ~~باقيها PageV01P143 # يعني أنه يعرف ما معه من الزيادة والنقصان فيتدارك ما فاته في بقية عمره ~~التي لاثمن لها ويبخل بساعاته بل بأنفاسه عن ذهابها ضياعا في غير ما يقر به ~~إلى الله فهذا هو حقيقة الخسران المشترك بين الناس مع تفاوتهم في قدره قلة ~~وكثرة فكل نفس يخرج في غير ما يقرب إلى الله فهو حسرة على العبد في معاده ~~ووقفة له في طريق سيره أو نكسه إن استمر أو حجاب إن انقطع به # قال فأما معرفة النعمة فإنها تصفو بثلاثة أشياء بنور العقل وشيم بروق ~~المنة والإعتبار بأهل البلاء # يعني أن حقيقة مشاهدة النعمة يصفو بهذه الثلاثة فهي النور الذي أوجب ~~اليقظة فاستنار القلب به لرؤية التنبه وعلى حسبه قوة وضعفا تصفو له مشاهدة ~~النعمة فإن من لم ير نعمة الله عليه إلا في مأكله وملبسه وعافية بدنه وقيام ~~وجهه بين الناس فليس له نصيب من هذا النور ألبتة فنعمة الله بالإسلام ~~والإيمان وجذب عبده إلى الإقبال عليه والتنعم بذكره والتلذذ بطاعته هو أعظم ~~النعم وهذا إنما يدرك بنور العقل وهداية التوفيق # وكذلك شيمه بروق منن الله عليه وهو النظر إليها ومطالعتها من خلال سحب ~~الطبع وظلمات النفس والنظر إلى أهل البلاء وهم أهل الغفلة عن الله ~~والإبتداع في دين الله فهذان الصنفان هم أهل البلاء حقا فإذا رآهم وعلم ما ~~هم عليه عظمت نعمة الله عليه في قلبه وصفت له وعرف قدرها فالضد يظهر حسنه ~~الضد وبضدها تتميز الأشياء # حتى إن من تمام نعيم أهل الجنة رؤية أهل النار وما هم فيه من العذاب # قال وأما مطالعة الجناية فإنها تصح بثلاثة أشياء بتعظيم الحق ومعرفة ~~النفس ms0107 وتصديق الوعيد # يعني أن من كملت عظمة الحق تعالى في قلبه عظمت عنده مخالفته لأن مخالفة ~~العظيم ليست كمخالفة من هو دونه ومن عرف قدر نفسه وحقيقتها وفقرها ~~PageV01P144 الذاتي إلى مولاها الحق في كل لحظة ونفس وشدة حاجتها إليه عظمت ~~عنده جناية المخالفة لمن هو شديد الضرورة إليه في كل لحظة ونفس # وأيضا فإذا عرف حقارتها مع عظم قدر من خالفه عظمت الجناية عنده فشمر في ~~التخلص منها وبحسب تصديقه بالوعيد ويقينه به يكون تشميره في التخلص من ~~الجناية التي تلحق به # ومدار السعادة وقطب رحاها على التصديق بالوعيد فإذا تعطل من قلبه التصديق ~~بالوعيد خرب خرابا لا يرجى معه فلاح ألبتة والله تعالى أخبر أنه إنما تنفع ~~الآيات والنذر لمن صدق بالوعيد وخاف عذاب الآخرة فهؤلاء هم المقصودون ~~بالإنذار والمنتفعون بالآيات دون من عداهم قال الله تعالى @QB@ إن في ذلك ~~لآية لمن خاف عذاب الآخرة @QE@ وقال @QB@ إنما أنت منذر من يخشاها @QE@ ~~وقال @QB@ فذكر بالقرآن من يخاف وعيد @QE@ وأخبر تعالى أن أهل النجاة في ~~الدنيا والآخرة هم المصدقون بالوعيد الخائفون منه فقال تعالى @QB@ ~~ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد @QE@ # قال وأما معرفة الزيادة والنقصان من الأيام فإنها تستقيم بثلاثة أشياء ~~سماع العلم وإجابة داعي الحرمة وصحبة الصالحين وملاك ذلك كله خلع العادات # يعني أن السالك على حسب علمه بمراتب الأعمال ونفائس الكسب تكون معرفته ~~بالزيادة والنقصان في حاله وإيمانه وكذلك تفقد إجابة داعي تعظيم حرمات الله ~~من قلبه هل هو سريع الإجابة لها أم هو بطىء عنها فبحسب إجابة الداعي سرعة ~~وإبطاء تكون زيادته ونقصانه # وكذلك صحبة أرباب العزائم المشمرين إلى اللحاق بالملأ الأعلى يعرف به ما ~~معه من الزيادة والنقصان PageV01P145 # والذي يملك به ذلك كله خروجه عن العادات والمألوفات وتوطين النفس على ~~مفارقتها والغربة بين أهل الغفلة والإعراض وما على العبد أضر من ملك ~~العادات له وما عارض الكفار الرسل إلا بالعادات المستقرة الموروثة لهم عن ~~الأسلاف الماضين فمن لم يوطن نفسه على مفارقتها والخروج ms0108 عنها والإستعداد ~~للمطلوب منه فهو مقطوع وعن فلاحه وفوزه ممنوع @QB@ ولو أرادوا الخروج ~~لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين @QE@ # | فصل فإذا استحكمت يقظته أوجبت له الفكرة وهي كما تقدم تحديق القلب # إلى جهة المطلوب التماسا له # وصاحب المنازل جعلها بعد البصيرة وقال في حدها هي تلمس البصيرة لإستدراك ~~البغية أي التماس العقل المطلوب بالتفتيش عليه # قال وهي ثلاثة أنواع فكرة في عين التوحيد وفكرة في لطائف الصنعة وفكرة في ~~معاني الأعمال والأحوال # قلت الفكرة فكرتان فكرة تتعلق بالعلم والمعرفة وفكرة تتعلق بالطلب ~~والإرادة # فالتي تتعلق بالعلم والمعرفة فكرة التمييز بين الحق والباطل والثابت ~~والمنفي والتي تتعلق بالطلب والإرادة هي الفكرة التي تميز بين النافع ~~والضار # ثم يترتب عليها فكرة أخرى في الطريق إلى حصول ما ينفع فيسلكها والطريق ~~إلى ما يضر فيتركها # فهذه ستة أقسام لا سابع لها هي مجال أفكار العقلاء # فالفكرة في التوحيد استحضار أدلته وشواهد الدلالة على بطلان الشرك ~~واستحالته وأن الإلهية يستحيل ثبوتها لاثنين كما يستحيل ثبوت الربوبية ~~لاثنين فكذلك من أبطل الباطل عبادة اثنين والتوكل على اثنين بل لا تصح ~~العبادة إلا للإله الحق والرب الحق وهو الله الواحد القهار PageV01P146 # وقد خبط صاحب المنازل في هذا الموضع وجاء بما يرغب عنه الكمل من سادات ~~السالكين والواصلين إلى الله # فقال الفكرة في عين التوحيد اقتحام بحر الجحود # وهذا بناء على أصله الذي أصله وانتهى إليه كتابه في أمر الفناء فإنه لما ~~رأى أن الفكرة في عين التوحيد تبعد العبد من التوحيد الصحيح عنده لأن ~~التوحيد الصحيح عنده لا يكون إلا بعد فناء الفكرة والتفكر والفكرة تدل على ~~بقاء رسم لاستلزامها مفكرا وفعلا قائما به والتوحيد التام عنده لا يكون مع ~~بقاء رسم أصلا كانت الفكرة عنده علامة الجحود واقتحاما لبحره وقد صرح بهذا ~~في أبياته في آخر الكتاب # ما وحد الواحد من واحد % إذ كل من وحده جاحد # توحيد من ينطق عن نعته % عارية أبطلها الواحد # توحيده إياه توحيده % ونعت ms0109 من ينعته لأحد # ومعنى أبياته ما وحد الله عز وجل أحد حق توحيده الخاص الذي تفنى فيه ~~الرسوم ويضمحل فيه كل حادث ويتلاشى فيه كل مكون فإنه لا يتصور منه التوحيد ~~إلا ببقاء الرسم وهو الموحد وتوحيده القائم به فإذا وحده شهد فعله الحادث ~~ورسمه الحادث وذلك جحود لحقيقة التوحيد الذي تفنى فيه الرسوم وتتلاشى فيه ~~الأكوان فلذلك قال إذ كل من وحده جاحد هذا أحسن ما يحمل عليه كلامه وقد ~~فسره أهل الوحدة بصريح كلامهم في مذهبهم # قالوا معنى كل من وحده جاحد أي كل من وحده فقد وصف الموحد بصفة تتضمن جحد ~~حقه الذي هو عدم انحصاره تحت الأوصاف فمن وصفه فقد جحد إطلاقه عن قيود ~~الصفات # وقوله توحيد من ينطق عن نعته أي توحيد المحدث له الناطق عن نعته عارية ~~مستردة فإنه الموحد قبل توحيد هذا الناطق وبعد فنائه فتوحيده له عارية ~~أبطلها الواحد الحق بإفنائه كل ما سواه PageV01P147 # والإتحادي يقول معناه أن الموحد واحد من جميع الوجوه فأبطل ببساطة ذاته ~~تركيب نطق واصفه وأبطل بإطلاقه تقييد نعت موحده # وقوله توحيده إياه توحيده يعني أن توحيده الحقيقي هو توحيده لنفسه حيث لا ~~هناك رسم ولا مكون فما وحد الله حقيقة إلا الله # والإتحادي يقول ما ثم غير يوحده بل هو الموحد لنفسه بنفسه إذ ليس ثم سوى ~~في الحقيقة # قوله ونعت من ينعته لأحد أي نعت الناعت له ميل وخروج عن التوحيد الحقيقي ~~والإلحاد أصله الميل لأنه بنعته له قائم بالرسوم وبقاء الرسوم ينافي توحيده ~~الحقيقي # والإتحادي يقول نعت الناعت له شرك لأنه أسند إلى المطلق ما لا يليق به ~~إسناده من التقييد وذلك شرك وإلحاد # فرحمة الله على أبي إسماعيل فتح للزنادقة باب الكفر والإلحاد فدخلوا منه ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم إنه لمنهم وما هو منهم وغره سراب الفناء فظن أنه ~~لجة بحر المعرفة وغاية العارفين وبالغ في تحقيقه وإثباته فقاده قسرا إلى ما ~~ترى # والفناء الذي يشير إليه القوم ويعملون عليه أن تذهب المحدثات في ms0110 شهود ~~العبد وتغيب في أفق العدم كما كانت قبل أن توجد ويبقى الحق تعالى كما لم ~~يزل ثم تغيب صورة المشاهد ورسمه أيضا فلا يبقى له صورة ولا رسم ثم يغيب ~~شهوده أيضا فلا يبقى له شهود ويصير الحق هو الذي يشاهد نفسه بنفسه كما كان ~~الأمر قبل إيجاد المكونات وحقيقته أن يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل # قال صاحب المنازل هو اضمحلال ما دون الحق علما ثم جحدا ثم حقا وهو على ~~ثلاث درجات PageV01P148 # الدرجة الأولى فناء المعرفة في المعروف وهو الفناء علما وفناء العيان في ~~المعاين وهو الفناء جحدا وفناء الطلب في الوجود وهو الفناء حقا # الدرجة الثانية فناء شهود الطلب لإسقاطه وفناء شهود المعرفة لإسقاطها ~~وفناء شهود العيان لإسقاطه # الدرجة الثالثة الفناء عن شهود الفناء وهو الفناء حقا شائما برق العين ~~راكبا بحر الجمع سالكا سبيل البقاء # فنذكر ما في هذا الكلام من حق وباطل ثم نتبعه ذكر أقسام الفناء والفرق ~~بين الفناء المحمود الذي هو فناء خاصة أولياء الله المقربين والفناء ~~المذموم الذي هو فناء أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود وفناء المتوسطين ~~الناقصين عن درجة الكمال بعون الله وحوله وتأييده # فقوله الفناء اضمحلال ما دون الحق جحدا لا يريد به أنه يعدم من الوجود ~~بالكلية وإنما يريد اضمحلاله في العلم فيعلم أن ما دونه باطل وأن وجوده بين ~~عدمين وأنه ليس له من ذاته إلا العدم فعدمه بالذات ووجوده بإيجاد الحق له ~~فيفنى في علمه كما كان فانيا في حال عدمه فإذا فنى في علمه ارتقى إلى درجة ~~أخرى فوق ذلك وهي جحد السوى وإنكاره وهذه أبلغ من الأولى لأنها غيبته عن ~~السوى فقد يغيب عنه وهو غير جاحد له وهذه الثانية جحده وإنكاره # ومن هاهنا دخل الإتحادي وقال المراد جحد السوى بالكلية وأنه ما ثم غير ~~بوجه ما # وحاشا شيخ الإسلام من إلحاد أهل الإتحاد وإن كانت عبارته موهمة بل مفهمة ~~ذلك وإنما أراد بالجحد في الشهود لا في الوجود أي يجحده أن ms0111 يكون مشهودا ~~فيجحد وجوده الشهودي العلمي لا وجوده العيني الخارجي فهو أولا يغيب عن ~~وجوده الشهودي العلمي ثم ينكر ثانيا وجوده في علمه وهو اضمحلاله جحدا ثم ~~يرتقي من هذه الدرجة إلى درجة أخرى أبلغ منها وهي PageV01P149 اضمحلاله في ~~الحقيقة وأنه لا وجود له ألبته وإنما وجوده قائم بوجود الحق فلولا وجود ~~الحق لم يكن هو موجودا ففي الحقيقة الموجود إنما هو الحق وحده والكائنات من ~~أثر وجوده هذا معنى قولهم إنها لا وجود لها ولا أثر لها وإنها معدومة ~~وفانية ومضمحلة # والإتحادي يقول إن السالك في أول سلوكه يرى أنه لا فاعل في الحقيقة إلا ~~الله فهذا توحيد العلم ولا يقدر في طوره الأول على أكثر من ذلك ثم ينتقل عن ~~هذا إلى الدرجة الثانية وهي شهود عود الأفعال إلى الصفات والصفات إلى الذات ~~فعاد الأمر كله إلى الذات فيجحد وجود السوي بالكلية فهذا هو الإضمحلال جحدا ~~ثم يرتقي عن هذه الدرجة إلى ركوب البحر الذي تغرق فيه الأفعال والأسماء ~~والصفات ولا يبقى إلا أمر مطلق لا يتقيد باسم ولا فعل ولا صفة قد اضمحل فيه ~~كل معنى وقيد وصفة ورسم وهذا عندهم غاية السفر الأول فحينئذ يأخذ في السفر ~~الثاني وهو البقاء # قوله الدرجة الأولى فناء المعرفة في المعروف # يريد اضمحلال معرفته وتلاشيها في معروفه وأن يغيب بمعروفه عن معرفته كما ~~يغيب بمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن ذكره وبمحبوبه عن حبه وبمخوفه عن خوفه ~~وهذا لا ريب في إمكانه ووقوعه فإن القلب إذا امتلأ بشيء لم يبق فيه متسع ~~لغيره وأنت ترى الرجل يشاهد محبوبه الذي قد استغرق في حبه بحيث تخلل حبه ~~جميع أجزاء قلبه أو يشاهد المخوف الذي امتلأ قلبه بخوفه فتراه دهشا عن ~~شعوره بحبه أو خوفه لإستيلاء سلطان المحبوب أو المخوف على قلبه وعدم اتساعه ~~لشهود غيره ألبتة لكن هذا لنقصه لا لكماله والكمال وراء ذلك فلا أحد أعظم ~~محبة لله عز وجل من الخليلين عليهما الصلاة والسلام وكانت حالهما أكمل من ~~هذه الحال ms0112 وشهود العبودية أكمل وأتم وأبلغ من الغيبة عنها بشهود المعبود ~~فشهود العبودية والمعبود درجة الكمل والغيبة بأحدهما PageV01P150 عن الآخر ~~للناقصين فكما أن الغيبة بالعبادة عن المعبود نقص فكذلك الغيبة بالمعبود عن ~~عبادته نقص حتى إن من العارفين من لا يعتد بهذه العبادة ويرى وجودها عدما ~~هي بمنزلة عبودية النائم وزائل العقل لا يعتد بها ولم يبعد هذا القائل # فالحق تعالى مراده من عبده استحضار عبوديته لا الغيبة عنها والعامل على ~~الغيبة عنها عامل على مراده من الله وعلى حظه والتنعم بالفناء في شهوده لا ~~على مراد الله منه وبينهما ما بينهما # فكيف يكون قائما بحقيقة العبودية من يقول إياك نعبد ولا شعور له بعبوديته ~~ألبتة بل حقيقة إياك نعبد علما ومعرفة وقصدا وإرادة وعملا وهذا مستحيل في ~~وادي الفناء ومن له ذوق يعرف هذا وهذا # قوله وفناء العيان في المعاين وهو الفناء جحدا # لما كان ما قبل هذا فناء العلم في المعلوم والمعرفة في المعروف والعيان ~~فوق العلم والمعرفة إذنسبته إلى العلم كنسبة المرئي إليه كان الفناء في هذه ~~المرتبة فناء عيانه في معاينه ومحو أثره واضمحلال رسمه # قوله وفناء الطلب في الموجود وهو الفناء حقا # يريد أنه لا يبقى لصاحب هذا العيان طلب لأنه قد ظفر بموجوده ومطلوبه وطلب ~~الموجود محال لأنه إنما يطلب المفقود عن العيان لا الموجود فإذا استقرت في ~~عيانه وشهوده فنى الطلب حقا # قوله الدرجة الثانية فناء شهود الطلب لإسقاطه وفناء شهود المعرفة ~~لإسقاطها وفناء شهود العيان لإسقاطه # يريد أن الطلب يسقط فيشهد العبد عدمه فهاهنا أمور ثلاثة مترتبة أحدها ~~فناء الطلب وسقوطه ثم شهود سقوطه ثم سقوط شهوده # فهذا هو فناء شهود الطلب لإسقاطه PageV01P151 # وأما فناء شهود المعرفة لإسقاطها فيريد به أن المعرفة تسقطه في شهود ~~العيان إذ هو فوقها وهي تفنى فيه فيشهد سقوطها في العيان ثم يسقط شهود ~~سقوطها وصاحب المنازل يرى أن المعرفة قد يصحبها شيء من حجاب العلم ولا ~~يرتفع ذلك الحجاب إلا بالعيان فحينئذ تفنى في حقه المعارف فيشهد ms0113 فناءها ~~وسقوطها ولكن عليه بعد بقية لا تزول عنه حتى يسقط شهود فنائها وسقوطها منه ~~فالعارف يخالطه بقية من العلم لا تزول إلا بالمعاينة والمعاين قد يخالطه ~~بقية من المعرفة لا تزول إلا بشهود سقوطها ثم سقوط شهود هذا السقوط # وأما فناء شهود العيان لإسقاطه فيعني أن العيان أيضا يسقط فيشهد العبد ~~ساقطا فلا يبقى إلا المعاين وحده # قال الإتحادي هذا دليل على أن الشيخ يرى مذهب أهل الوحدة لأن العيان إنما ~~يسقط في مبادى حضرة الجمع لأنه يقتضي ثلاثة أمور معاين ومعاين ومعاينة ~~وحضرة الجمع تنفى التعداد # وهذا كذب على شيخ الإسلام وإنما مراده فناء شهود العيان فيفنى عن مشاهدة ~~المعاينة ويغيب بمعاينه عن معاينته لأن مراده انتفاء التعدد والتغاير بين ~~المعاين والمعاين وإنما مراده انتفاء الحاجب عن درجة الشهود لا عن حقيقة ~~الوجود ولكنه باب لإلحاد هؤلاء الملاحدة منه يدخلون # وفرق بين إسقاطه الشيء عن درجة الوجود العلمي الشهودي وإسقاطه عن رتبة ~~الوجود الخارجي العيني فشيخ الإسلام بل مشايخ القوم المتكلمين بلسان الفناء ~~هذا مرادهم # وأما أهل الوحدة فمرادهم أن حضرة الجمع والوحدة تنفى التعدد والتقييد في ~~الشهود والوجود بحيث يبقى المعروف والمعرفة والعارف من عين واحدة لا بل ذلك ~~هو نفس العين الواحدة وإنما العلم والعقل والمعرفة حجب بعضها أغلظ من ~~PageV01P152 بعض ولا يصير السالك عندهم محققا حتى يخرق حجاب العلم والمعرفة ~~والعقل فحينئذ يفضي إلى ما وراء الحجاب من شهود الوحدة المطلقة التي لا ~~تتقيد بقيد ولا تختص بوصف # قوله الدرجة الثالثة الفناء عن شهود الفناء # أي يشهد فناء كل ما سوى الحق تعالى في وجود الحق ثم يشهد الفناء قد فنى ~~أيضا ثم يفنى عن شهود الفناء فذلك هو الفناء حقا وقوله شائما برق العين # يعني ناظرا إلى عين الجمع فإذا شام برقه من بعد انتقل من ذلك إلى ركوب ~~لجة بحر الجمع وركوبه إياها هو فناؤه في جمعه # ويعني بالجمع الحقيقة الكونية القدرية التي يجتمع فيها جميع المتفرقات ~~وتشمير القوم إلى شهودها والإستغراق والفناء ms0114 فيها هو غاية السلوك والمعرفة ~~عندهم # وسنذكر إن شاء الله تعالى أن العبد لا يدخل بهذا الفناء والشهود في ~~الإسلام فضلا أن يكون به من المؤمنين فضلا أن يكون به من خاصة أولياء الله ~~المقربين فإن هذا شهود مشترك لأمر أقر به عباد الأصنام وسائر أهل الملل أنه ~~لا خالق إلا الله قال الله تعالى @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله @QE@ @QB@ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله @QE@ فالإستغراق ~~والفناء في شهود هذا القدر غاية التحقيق لتوحيد الربوبية الذي أقر به ~~المشركون ولم يدخلوا به في الإسلام وإنما الشأن في توحيد الإلهية الذي دعت ~~إليه الرسل وأنزلت به الكتب وتميز به أولياء الله من أعدائه وهو أن لا يعبد ~~إلا الله ولا يحب سواه ولا يتوكل على غيره # والفناء في هذا التوحيد هو فناء خاصة المقربين كما سيأتي إن شاء الله # | فصل إذا عرفت مراد القوم بالفناء فنذكر أقسامه ومراتبه وممدوحه # ومذمومه ومتوسطه PageV01P153 # فاعلم أن الفناء مصدر فني فناء إذا اضمحل وتلاشى وعدم وقد يطلق على ما ~~تلاشت قواه وأوصافه مع بقاء عينه كا قال الفقهاء لا يقتل في المعركة شيخ ~~فان وقال تعالى @QB@ كل من عليها فان @QE@ أي هالك ذاهب ولكن القوم اصطلحوا ~~على وضع هذه اللفظة لتجريد شهود الحقيقة الكونية والغيبة عن شهود الكائنات # وهذا الإسم يطلق على ثلاثة معان الفناء عن وجود السوى والفناء عن شهود ~~السوى والفناء عن إرادة السوى # فأما الفناء عن وجود السوى فهو فناء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود وأنه ~~ماثم غير وأن غاية العارفين والسالكين الفناء في الوحدة المطلقة ونفى ~~التكثر والتعدد عن الوجود بكل اعتبار فلا يشهد غيرا أصلا بل يشهد وجود ~~العبد عين وجود الرب بل ليس عندهم في الحقيقة رب وعبد # وفناء هذه الطائفة في شهود الوجود كله واحد وهو الواجب بنفسه ماثم وجودان ~~ممكن وواجب ولا يفرقون بين كون وجود المخلوقات بالله وبين كون وجودها هو ~~عين وجوده وليس عندهم فرقان بين العالمين ورب العالمين ويجعلون الأمر ~~والنهي ms0115 للمحجوبين عن شهودهم وفنائهم والأمر والنهي تلبيس عندهم والمحجوب ~~عندهم يشهد أفعاله طاعات أو معاص ما دام في مقام الفرق فإذا ارتفعت درجته ~~شهد أفعاله كلها طاعات لا معصية فيها لشهوده الحقيقة الكونية الشاملة لكل ~~موجود فإذا ارتفعت درجته عندهم فلا طاعة ولا معصية بل ارتفعت الطاعات ~~والمعاصي لأنها تستلزم اثنينية وتعددا وتستلزم مطيعا ومطاعا وعاصيا ومعصيا ~~وهذا عندهم محض الشرك والتوحيد المحض يأباه فهذا فناء هذه الطائفة # وأما الفناء عن شهود السوى فهو الفناء الذي يشير إليه أكثر الصوفية ~~PageV01P154 المتأخرين ويعدونه غاية وهو الذي بنى عليه أبو إسماعيل ~~الأنصاري كتابه وجعله الدرجة الثالثة في كل باب من أبوابه # وليس مرادهم فناء وجود ما سوى الله في الخارج بل فناؤه عن شهودهم وحسهم ~~فحقيقته غيبة أحدهم عن سوى مشهوده بل غيبته أيضا عن شهوده ونفسه لأنه يغيب ~~بمعبوده عن عبادته وبمذكوره عن ذكره وبموجوده عن وجوده وبمحبوبه عن حبه ~~وبمشهوده عن شهوده # وقد يسمى حال مثل هذا سكرا واصطلاحا ومحوا وجمعا وقد يفرقون بين معاني ~~هذا الأسماء وقد يغلب شهود القلب بمحبوبه ومذكوره حتى يغيب به ويفنى به ~~فيظن أنه اتحد به وامتزح بل يظن أنه هو نفسه كما يحكى أن رجلا ألقى محبوبه ~~نفسه في الماء فألقى المحب نفسه وراءه فقال له مال الذي أوقعك في الماء ~~فقال غبت بك عني فظننت أنك أني # وهذا إذا عاد إليه عقله يعلم أنه كان غالطا في ذلك وأن الحقائق متميزة في ~~ذاتها فالرب رب والعبد عبد والخالق بائن عن المخلوقات ليس في مخلوقاته شيء ~~من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته ولكن في حال السكر والمحو والإصطلام ~~والفناء قد يغيب عن هذا التمييز وفي هذه الحال قد يقول صاحبها ما يحكى عن ~~أبي يزيد أنه قال سبحاني أو ما في الجبة إلا الله ونحو ذلك من الكلمات التي ~~لو صدرت عن قائلها وعقله معه لكان كافرا ولكن مع سقوط التمييز والشعور قد ~~يرتفع عنه قلم المؤاخذة # وهذا الفناء يحمد منه ms0116 شيء ويذم منه شيء ويعفى منه عن شيء # فيحمد منه فناؤه عن حب ما سوى الله وعن خوفه ورجائه والتوكل PageV01P155 ~~عليه والإستعانة به والإلتفات إليه بحيث يبقى دين العبد ظاهرا وباطنا كله ~~لله # وأما عدم الشعور والعلم بحيث لا يفرق صاحبه بين نفسه وغيره ولا بين الرب ~~والعبد مع اعتقاده الفرق ولا بين شهوده ومشهوده بل لا يرى السوى ولا الغير ~~فهذا ليس بمحمود ولا هو وصف كمال ولا هو مما يرغب فيه ويؤمر به بل غاية ~~صاحبه أن يكون معذورا لعجزه وضعف قلبه وعقله عن احتمال التمييز والفرقان ~~وإنزال كل ذي منزلة منزلته موافقة لداعي العلم ومقتضى الحكمة وشهود الحقائق ~~على ما هي عليه والتمييز بين القديم والمحدث والعبادة والمعبود فينزل ~~العبادة منازلها ويشهد مراتبها ويعطي كل مرتبة منها حقها من العبودية ويشهد ~~قيامه بها فإن شهود العبد قيامه بالعبودية أكمل في العبودية من غيبته عن ~~ذلك فإن أداء العبودية في حال غيبة العبد عنها وعن نفسه بمنزلة أداء ~~السكران والنائم وأداؤها في حال كمال يقظته وشعوره بتفاصيلها وقيامه بها ~~أتم وأكمل وأقوى عبودية # فتأمل حال عبدين في خدمة سيدهما أحدهما يؤدي حقوق خدمته في حال غيبته عن ~~نفسه وعن خدمته لإستغراقه بمشاهدة سيده والآخر يؤديها في حال كمال حضوره ~~وتمييزه وإشعار نفسه بخدمة السيد وابتهاجا بذلك فرحا بخدمته وسرورا ~~والتذاذا منه واستحضارا لتفاصيل الخدمة ومنازلها وهو مع ذلك عامل على مراد ~~سيده منه لا على مراده من سيده فأي العبدين أكمل # فالفناء حظ الفاني ومراده والعلم والشعور والتمييز والفرق وتنزيل الأشياء ~~منازلها وجعلها في مراتبها حق الرب ومراده ولا يستوي صاحب هذه العبودية ~~وصاحب تلك # نعم هذا أكمل حالا من الذي لا حضور له ولا مشاهدة بالمرة بل هو غائب ~~بطبعه ونفسه عن معبوده وعن عبادته وصاحب التمييز والفرقان وهو PageV01P156 ~~صاحب الفناء الثالث أكمل منهما فزوال العقل والتمييز والغيبة عن شهود نفسه ~~وأفعالها لا يحمد فضلا عن أن يكون في أعلى مراتب الكمال بل يذم إذا تسبب ~~إليه ms0117 وباشر أسبابه وأعرض عن الأسباب التي توجب له التمييز والعقل ويعذر إذا ~~ورد عليه ذلك بلا استدعاء بأن كان مغلوبا عليه كما يعذر النائم والمغمى ~~عليه والمجنون والسكران الذي لا يذم على سكره كالموجر والجاهل بكون الشراب ~~مسكرا ونحوهما # وليس أيضا هذه الحال بلازمة لجميع السالكين بل هي عارضة لبعضهم منهم من ~~يبتلى بها كأبي يزيد وأمثاله ومنهم من لا يبتلى بها وهم أكمل وأقوى فإن ~~الصحابة رضي الله عنهم وهم سادات العارفين وأئمة الواصلين المقربين وقدوة ~~السالكين لم يكن منهم من ابتلى بذلك مع قوة إرادتهم وكثرة منازلاتهم ~~ومعاينة مالم يعاينه غيرهم ولا شم له رائحة ولم يخطر على قلبه فلو كان هذا ~~الفناء كمالا لكانوا هم أحق به وأهله وكان لهم منه ما لم يكن لغيرهم # ولا كان هذا أيضا لنبينا ولا حالا من أحواله ولهذا في ليلة المعراج لما ~~أسرى به وعاين ما عاين مما أراه الله إياه من آياته الكبرى لم تعرض له هذه ~~الحال بل كان كما وصفه الله عز وجل بقوله @QB@ ما زاغ البصر وما طغى لقد ~~رأى من آيات ربه الكبرى @QE@ وقال @QB@ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا ~~فتنة للناس @QE@ وقال ابن عباس PageV01P157 هي رؤيا عين أريها رسول الله ~~ليلة أسري به ومع هذا فأصبح بينهم لم يتغير عليه حاله ولم يعرض له صعق ولا ~~غشى يخبرهم عن تفصيل ما رأى غير فان عن نفسه ولا عن شهوده ولهذا كانت حاله ~~أكمل من حال موسى ابن عمران لما خر صعقا حين تجلى ربه للجبل وجعله دكا # | فصل وهذا الفناء له سببان أحدهما قوة الوارد وضعف المورود وهذا # لا يذم صاحبه # الثاني نقصان العلم والتمييز وهذا يذم صاحبه لاسيما إذا أعرض عن العلم ~~الذي يحول بينه وبين هذا الفناء وذمه وذم أهله ورأى ذلك عائقا من عوائق ~~الطريق فهذا هو المذموم المخوف عليه # ولهذا عظمت وصية القوم بالعلم وحذروا من السلوك بلا علم وأمروا بهجر من ~~هجر العلم وأعرض عنه وعدم القبول منه لمعرفتهم ms0118 بمآل أمره وسوء عاقبته في ~~سيره وعامة من تزندق من السالكين فلإعراضه عن دواعي العلم وسيره على جادة ~~الذوق والوجد ذاهبة به الطريق كل مذهب فهذا فتنته والفتنة به شديدة وبالله ~~التوفيق # | فصل وأصل هذا الفناء الإستغراق في توحيد الربوبية وهو رؤية تفرد # الله بخلق الأشياء وملكها واختراعها وأنه ليس في الوجود قط إلا ما شاءه ~~وكونه فيشهد ما اشتركت فيه المخلوقات من خلق الله إياها ومشيئته لها وقدرته ~~عليها وشمول قيوميته وربوبيته لها ولا يشهد ما افترقت فيه من محبة الله ~~لهذا وبغضه لهذا وأمره بما أمر به ونهيه عما نهى عنه وموالاته لقوم ~~ومعاداته لآخرين PageV01P158 # فلا يشهد التفرقة في الجمع وهي تفرقة الخلق والأمر في جمع الربوبية تفرقة ~~موجب الإلهية في جمع الربوبية تفرقة الإرادة الدينية في جمع الإرادة ~~الكونية تفرقة ما يحبه ويرضاه في جمع ما قدره وقضاه ولا يشهد الكثرة في ~~الوجود وهي كثرة معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى واقتضاؤها لآثارها في ~~وحدة الذات الموصوفة بها # فلا يشهد كثرة دلالات أسماء الرب تعالى وصفاته على وحدة ذاته # فهو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن ~~المهيمن العزيز الجبار المتكبر وكل اسم له صفة وللصفة حكم فهو سبحانه واحد ~~الذات كثير الأسماء والصفات فهذه كثرة في وحدة # والفرق بين مأموره ومنهيه ومحبوبه ومبغوضه ووليه وعدوه تفرقة في جمع فمن ~~لم يتسع شهوده لهذه الأمور الأربعة فليس من خاصة أولياء الله العارفين بل ~~إن انصرف شهوده عنها مع اعترافه بها فهو مؤمن ناقص وإن جحدها أو شيئا منها ~~فكفر صريح أو بتأويل مثل أن يجحد تفرقة الأمر والنهي أو جمع القضاء والقدر ~~أو كثرة معاني الأسماء والصفات ووحدة الذات # فليتدبر اللبيب السالك هذا الموضع حق التدبر وليعرف قدره فإنه مجامع طرق ~~العالمين وأصل تفرقتهم قد ضبطت لك معاقده وأحكمت لك قواعده وبالله التوفيق # وإنما يعرف قدر هذا من اجتاز القفار واقتحم البحار وعرض له ما يعرض لسالك ~~القفر وراكب البحر ومن لم يسافر ms0119 ولم يخرج عن وطن طبعه ومرباه وما ألف عليه ~~أصحابه وأهل زمانه فهو بمعزل عن هذا فإن عرف قدره وكفى الناس شره فهذا يرجى ~~له السلامة وإن عدا طوره وأنكر ما لم يعرفه وكذب بما لم يحط به علما ثم ~~تجاوز إلى تكفير من خالفه ولم يقلد شيوخه ويرضى بما رضى هو به لنفسه فذلك ~~الظالم الجاهل الذي ما ضر إلا نفسه ولا أضاع إلا حظه PageV01P159 # | فصل ويعرض للسالك على درب الفناء معاطب ومهالك لا ينجيه منها إلا # بصيرة العلم التي إن صحبته في سيره وإلا فبسبيل من هلك # منها أنه إذا اقتحم عقبة الفناء ظن أن صاحبها قد سقط عنه الأمر والنهي ~~لتشويشه على الفناء ونقضه له والفناء عنده غاية العارفين ونهاية التوحيد ~~فيرى ترك كل ما أبطله وأزاله من أمر ونهي أو غيرهما ويصرح بعضهم بأنه إنما ~~يسقط الأمر والنهي عمن شهد الإرادة وأما من لم يشهدها فالأمر والنهي لازمان ~~له ولم يعلم هذا المغرور أن غاية ما معه الفناء في توحيد أهل الشرك الذي ~~أقروا به ولم يكونوا به مسلمين ألبتة كما قال تعالى ولئن سألتهم من خلق ~~السموات والأرض ليقولن الله وقال قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ~~سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم ~~سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ~~إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون وقال تعالى @QB@ وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QE@ قال ابن عباس تسألهم من خلق السموات ~~والأرض فيقولون الله وهم يعبدون غيره # ومن كان هذا التوحيد والفناء غاية توحيده انسلخ من دين الله ومن جميع ~~رسله وكتبه إذ لم يتميز عنده ما أمر الله به مما نهى عنه ولم يفرق بين ~~أولياء الله وأعدائه ولا بين محبوبه ومبغوضه ولا بين المعروف والمنكر وسوى ~~بين المتقين والفجار والطاعة والمعصية بل ليس عنده في الحقيقة إلا طاعة ~~لإستواء الكل في الحقيقة ms0120 التي هي المشيئة العامة الشاملة # ثم صاحب هذا المقام يظن أنه صاحب الجمع والتوحيد وأنه وصل إلى عين ~~الحقيقة وإنما وصل المسكين إلى الحقيقة الشاملة التي يدخل فيها إبليس ~~وجنوده PageV01P160 أجمعون وكل كافر ومشرك وفاجر فإن هؤلاء كلهم تحت ~~الحقيقة الكونية القدرية فغاية صاحب هذا المشهد وصوله إلى أن يشهد استواء ~~هؤلاء والمؤمنين الأبرار وأولياء الله وخاصة عباده في هذه الحقيقة ومع هذا ~~فلا بد له من الفرق والموالاة والمعاداة ضرورة فينسلخ عن الفرق الشرعي ~~ويعود إلى الفرق الطبعي النفسي بهواه وطبعه إذ لا بد أن يفرق بين ما ينفعه ~~فيميل إليه وما يضره فيهرب منه فبينا هو منكر على أهل الفرق الشرعي ناكبا ~~عن طريقتهم إلى عين الجمع إذ انتكس وارتكس وعاد إلى الفرق الطبعي النفسي ~~فيوالي ويعادي ويحب ويبغض بحسب هواه وإرادته # فإن الفرق أمر ضروري للإنسان فمن لم يكن فرقه قرآنيا محمديا فلا بد له من ~~قانون يفرق به إما سياسة سائس فوقه أو ذوق منه أو من غيره أو رأى منه أو من ~~غيره أو يفرق فرقا بهيميا حيوانيا بحسب مجرد شهوته وغرضه أين توجهت به فلا ~~بد من التفريق بأحد هذه الوجوه # فلينظر العبد من الحاكم عليه في الفرق وليزن به إيمانه قبل أن يوزن ~~وليحاسب نفسه قبل أن يحاسب وليستبدل الذهب بالخزف والدر بالبعر والماء ~~الزلال بالسراب الذي @QB@ يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب @QE@ قبل أن يسأل الرجعة إلى دار ~~الصرف فيقال هيهات اليوم يوم الوفاء وما مضى فقد فات أحصي المستخرج ~~والمصروف وستعلم الآن ما معك من النقد الصحيح والزيوف # وأصحاب هذه الحقيقة أتباع كل ناعق يميلون مع كل صائح لم يستضيئوا بنور ~~العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق إذا تناهوا في حقيقتهم أضافوا الجميع إلى ~~الله إضافة المحبة والرضى وجعلوها عين المشيئة والخلق ضاهؤا الذين قال الله ~~تعالى فيهم @QB@ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ms0121 ~~نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء @QE@ وقولهم عن آلهتهم ~~PageV01P161 @QB@ لو شاء الرحمن ما عبدناهم @QE@ وقوله @QB@ وإذا فعلوا ~~فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها @QE@ فاحتجوا بإقرار الله ~~لهم قدرا وكونا على رضاه ومحبته وأمره وأنه لو كره ذلك منهم لحال بينهم ~~وبينه ولما أقرهم عليه فجعلوا قضاءه وقدره عين محبته ورضاه وورثهم من سوى ~~بين المخلوقات ولم يفرق بالفرق النبوي القرآني # وطائفة من المشركين ذكرت ذلك معارضين لأمر الله ونهيه وما بعث به رسله ~~بقضائه وقدره فعارضوا الحقيقة الدينية الشرعية بالحقيقة الكونية القدرية ~~وورثهم من يحتج بالقضاء والقدر في مخالفة الأمر والنهي وكلا الطائفتين ~~أبطلت أمره ونهيه بقضائه وقدره # وظنت طائفة ثالثة أن إثبات القضاء والقدر يبطل الشرائع والنبوات وأن ~~المشركين احتجوا على بطلانها بإثباته فجعلت التكذيب به من أصول الإيمان بل ~~أعظم أصوله فردت قضاء الله وقدره الشامل العام بأمره ونهيه # فانظر إلى اقتسام الطوائف هذا الموضع وافتراقهم في مفرق هذا الطريق علما ~~وخبرا وسلوكا وحقيقة وتأمل أحوال الخلق في هذا المقام تنكشف لك أسرار ~~العالمين وتعلم أين أنت وأين مقامك وتعرف ما جنى هذا الجمع وهذا الفناء على ~~الإيمان وما خرب من القواعد والأركان وتتحقق حينئذ أن الدين كله فرقان في ~~القرآن فرق في جمع وكثرة في وحدة كما تقدم بيانه وأن أولى الناس بالله ~~وكتبه ورسله ودينه أصحاب الفرق في الجمع فيقومون بالفرق بين ما يحبه الله ~~ويبغضه ويأمر به وينهى عنه ويواليه ويعاديه علما وشهودا وإرادة وعملا مع ~~شهودهم الجمع لذلك كله في قضائه وقدره ومشيئته الشاملة العامة فيؤمنون ~~بالحقيقة الدينية والكونية ويعطون كل حقيقة حظها من العبادة # فحظ الحقيقة الدينية القيام بأمره ونهيه ومحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه ~~وموالاة من والاه ومعادات من عاداه وأصل ذلك الحب فيه والبغض فيه # وحظ الحقيقة الكونية إفراده بالإفتقار إليه والإستعانة به والتوكل عليه ~~PageV01P162 والإلتجاء إليه وإفراده بالسؤال والطلب والتذلل والخضوع ~~والتحقق بأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا يملك ms0122 أحد سواه لهم ضرا ~~ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وأنه مقلب القلوب فقلوبهم ونواصيهم ~~بيده وأنه ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابعه إن شاء أن يقيمه أقامه ~~وإن شاء أن يزيغه أزاغه # فلهذه الحقيقة عبودية ولهذه الحقيقة عبودية ولا تبطل إحداهما الأخرى بل ~~لا تتم إلا بها ولا تتم العبودية إلا بمجموعها وهذا حقيقة قوله @QB@ إياك ~~نعبد وإياك نستعين @QE@ بخلاف من أبطل حقيقة إياك نعبد بحقيقة إياك نستعين ~~وقال إنها جمع وإياك نعبد فرق وقد يغلو في هذا المشهد فلا يستحسن حسنة ولا ~~يستقبح قبيحة ويصرح بذلك ويقول العارف لا يستحسن حسنة ولا يستقبح قبيحة ~~لإستبصاره بسر القدر # ومنهم من يقول حقيقة هذا المشهد أن يشهد الوجود كله حسنا لا قبيح فيه ~~وأفعالهم كلها طاعات لا معصية فيها لأنهم وإن عصوا الأمر فهم مطيعون ~~المشيئة ويقولون # أصبحت منفعلا لما تختاره % منى ففعلى كله طاعات # ويقول قائلهم من شهد الحقيقة سقط عنه الأمر ويحتجون بقوله تعالى @QB@ ~~واعبد ربك حتى يأتيك اليقين @QE@ ويفسرون اليقين بشهود الحكم الكوني وهي ~~الحقيقة عندهم PageV01P163 # ولا ريب أن العامة خير من هؤلاء وأصح إيمانا فإن هذا زندقة ونفاق وكذب ~~منهم على أنفسهم ونبيهم وإلههم # أما كذبهم على أنفسهم فإنهم لا بد أن يفرقوا قطعا فرغبوا عن الفرق النبوي ~~والقرآني ووقعوا في الفرق النفسي الطبعي مثل حال إبليس تكبر عن السجود لآدم ~~ورضى لنفسه بالقيادة لفساق ذريته ومثل المشركين تكبروا عن عبادة الله الحي ~~القيوم ورضوا لأنفسهم بعبادة الأحجار والأشجار والموتى والأوثان ومثل أهل ~~البدع تكبروا عن تقليد النصوص وتلقى الهدى من مشكاتها ورضوا لأنفسهم بتقليد ~~أقوال مخالفة للفطرة والعقل والشرع وظنوها قواطع عقليه وقدموها على نصوص ~~الأنبياء وهي في الحقيقة شبهات مخالفة للسمع والعقل # ومثل الجهمية نزهوا الرب عن عرشه وجعلوه في أجواف البيوت والحوانيت ~~والحمامات وقالوا هو في كل مكان بذاته ونزهوه عن صفات كماله ونعوت جلاله ~~حذرا بزعمهم من التشبيه فشبهوه بالجامدات الناقصة الخسيسة التي لا تتكلم ~~ولا سمع ms0123 لها ولا بصر ولا علم ولا حياة بل شبهوه بالمعدومات الممتنع وجودها # ومثل المعطلة الذين قالوا ما فوق العرش إلا العدم وليس فوق العرش رب يعبد ~~ولا إله يصلى له ويسجد ولا ترتفع الأيدي إليه ولا رفع المسيح إليه ولا تعرج ~~الملائكة والروح إليه ولا أسرى برسول الله إليه ولا دنى منه حتى كان قاب ~~قوسين أو أدنى ولا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يراه أهل الجنة ~~من فوقهم يوم القيامة واستواؤه على PageV01P164 عرشه لا حقيقة له بل على ~~المجاز الذي يصح نفيه وعلوه فوق خلقه بالرتبة والشرف لا بالذات وكذلك ~~فوقيته فوقية قهر لا فوقية ذات فنزهوه عن كمال علوه وفوقيته ووصفوه بما ~~ساووا به بينه وبين العدم والمستحيل فقالوا لا هو داخل العلم ولا خارجه ولا ~~متصل به ولا منفصل عنه ولا محايث له ولا مباين له ولا هو فينا ولا خارج عنا # ومعلوم أنه لو قيل لأحدهم صف لنا العدم لوصفه بهذا بعينه # وانطباق هذا السلب على العدم المحض أقرب إلى العقول والفطر من انطباقه ~~على رب العالمين الذي ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من ~~مخلوقاته بل هو بائن من خلقه مستو على عرشه عال على كل شيء وفوق كل شيء # والقصد أن كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده وقع في باطل مقابل لما أعرض ~~عنه من الحق وجحده ولا بد حتى في الأعمال من رغب عن العمل لوجه الله وحده ~~ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق فرغب عن العمل لمن ضره ونفعه وموته وحياته ~~وسعادته بيده فابتلى بالعمل لمن لا يملك له شيئا من ذلك # وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتلي بإنفاقه لغير الله وهو ~~راغم # وكذلك من رغب عن التعب لله ابتلي بالتعب في خدمه الخلق ولا بد # وكذلك من رغب عن الهدى بالوحي ابتلي بكناسة الآراء وزبالة الأذهان ووسخ ~~الأفكار # فليتأمل من يريد نصح نفسه وسعادتها وفلاحها هذا الموضع في ms0124 نفسه وفي غيره # ولا ريب أن العامة مع غفلتهم وشهواتهم أصح إيمانا من هؤلاء إذا لم يعطلوا ~~الأمر والنهي فإن إيمانا مع تفرقة وغفلة خير من شهود وجمعية يصحبها فساد ~~الإيمان والإنسلاخ منه # وأما كذبهم على نبيهم فاعتقادهم أنه إنما كان قيامه بالأوراد والعبادات ~~PageV01P165 لأجل التشريع لا لأنها فرض عليه إذ قد سقط ذلك عنه بشهود ~~الحقيقة وكمال اليقين فإن الله عز وجل أمره وأمر سائر رسله بعبادته إلى حين ~~انقضاء آجالهم فقال @QB@ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين @QE@ وهو الموت ~~بالإجماع كما قال في الآية الأخرى عن الكفار @QB@ وكنا نكذب بيوم الدين حتى ~~أتانا اليقين @QE@ وقال أما عثمان بن مظعون فقد جاءه اليقين من ربه قاله ~~لما مات عثمان وقال المسيح إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني ~~مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا فهذه وصية الله ~~للمسيح وكذلك لجميع أنبيائه ورسله وأتباعهم قال الحسن لم يجعل الله لعبده ~~المؤمن أجلا دون الموت # وإذا جمع هؤلاء التجهم في الأسماء والصفات إلى شهود الحقيقة والوقوف ~~عندهم فأعاذك الله من تعطيل الرب وشرعه بالكلية فلا رب يعبد ولا شرع يتبع ~~بالكلية # ومن أراد الوقوف على حقيقة ما ذكرنا فليسير طرفه بين تلك المعالم وليقف ~~على تلك المعاهد وليسأل الأحوال والرسوم والشواهد فإن لم تجبه حوارا أجابته ~~حالا واعتبارا وإنما يصدق بهذا من رافق السالكين وفارق القاعدين وتبوأ ~~الإيمان وفارق عوائد أهل الزمان ولم يرض بقول القائل دع المعالي لا تنهض ~~لبغيتها % واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # | فصل الدرجة الثالثة من درجات الفناء فناء خواص الأولياء وأئمة # المقربين وهو الفناء عن إرادة السوي شائما PageV01P166 برق الفناء عن ~~إرادة ما سواه سالكا سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه فانيا بمراد محبوبه منه ~~على مراده هو من محبوبه فضلا عن إرادة غيره قد اتحد مراده بمراد محبوبه ~~أعني المراد الديني الأمري لا المراد الكوني القدري فصار المرادان واحدا # وليس في العقل اتحاد صحيح إلا هذا والإتحاد في العلم والخبر فيكون ~~المرادان ms0125 والمعلومان والمذكوران واحدا مع تباين الإرادتين والعلمين ~~والخبرين فغاية المحبة إتحاد مراد المحب بمراد المحبوب وفناء إرادة المحب ~~في مراد المحبوب # فهذا الإتحاد والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم فنوا بعبادة محبوبهم ~~عن عبادة ما سواه وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإستعانة به والطلب ~~منه عن حب ما سواه وخوفه ورجائه والتوكل عليه # ومن تحقيق هذا الفناء أن لا يحب إلا في الله ولا يبغض إلا فيه ولا يوالي ~~إلا فيه ولا يعادي إلا فيه ولا يعطي إلا له ولا يمنع إلا له ولا يرجو إلا ~~إياه ولا يستعين إلا به فيكون دينه كله ظاهرا وباطنا لله ويكون الله ورسوله ~~أحب إليه مما سواهما فلا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه ~~بل # يعادي الذي عادى من الناس كلهم % جميعا ولو كان الحبيب المصافيا # وحقيقة ذلك فناؤه عن هوى نفسه وحظوظها بمراضى ربه وحقوقه # والجامع لهذا كله تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله علما ومعرفة وعملا ~~وحالا وقصدا # وحقيقة هذا النفي والإثبات الذي تضمنته هذه الشهادة هو الفناء والبقاء ~~فيفنى عن تأليه ما سواه علما وإقرارا وتعبدا ويبقى بتألهيه وحده ~~PageV01P167 # فهذا الفناء وهذا البقاء هو حقيقة التوحد الذي عليه المرسلون وأنزلت به ~~الكتب وخلقت لأجله الخليقة وشرعت له الشرائع وقام عليه سوق الجنة وأسس عليه ~~الخلق والأمر # وحقيقته أيضا البراء والولاء البراء من عبادة غير الله والولاء لله كما ~~قال تعالى @QB@ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده @QE@ وقال @QB@ وإذ قال ~~إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين @QE@ ~~وقال أيضا يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات ~~والأرض حنيفا مسلما وقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم قل يا أيها ~~الكافرون لا أعبد ما تعبدون إلى آخرها وهذه براءة منهم ms0126 ومن معبودهم وسماها ~~براءة من الشرك # وهي حقيقة المحو والإثبات فيمحو محبة ما سوى الله عز وجل من قلبه علما ~~وقصدا وعبادة كما هي ممحوة من الوجود ويثبت فيه إلهيته سبحانه وحده # وهي حقيقة الجمع والفرق فيفرق بين الإله الحق وبين من ادعيت له الإلهية ~~بالباطل ويجمع تأليهه وعبادته وحبه وخوفه ورجاءه وتوكله واستعانته على إلهه ~~الحق الذي لا إله سواه # وهي حقيقة التجريد والتفريد فيتجرد عن عبادة ما سواه ويفرده وحده ~~بالعبادة فالتجريد نفي والتفريد إثبات ومجموعهما هو التوحيد # فهذا الفناء والبقاء والولاء والبراء والمحو والإثبات والجمع والتجريد ~~PageV01P168 والتفريد المتعلق بتوحيد الإلهية هو النافع المثمر المنجى الذي ~~به تنال السعادة والفلاح # وأما تعلقه بتوحيد الربوبية الذي أقر به المشركون عباد الأصنام فغايته ~~فناء في تحقيق توحيد مشترك بين المؤمنين والكفار وأولياء الله وأعدائه لا ~~يصير به وحده الرجل مسلما فضلا عن كونه عارفا محققا # وهذا الموضع مما غلط فيه كثير من أكابر الشيوخ وأصحاب الإرادة ممن غلظ ~~حجابه والمعصوم من عصمه الله وبالله المستعان والتوفيق والعصمة # | فصل فلنرجع إلى ذكر منازل إياك نعبد وإياك نستعين التي لا # يكون العبد من أهلها حتى ينزل منازلها # فذكرنا منها اليقظة والبصيرة والفكرة والعزم # وهذه المنازل الأربعة لسائر المنازل كالأساس للبنيان وعليها مدار منازل ~~السفر إلى الله ولا يتصور السفر إليه بدون نزولها ألبتة وهي على ترتيب ~~السير الحسي فإن المقيم في وطنه لا يتأتى منه السفر حتى يستيقظ من غفلته عن ~~السفر ثم يتبصر في أمر سفره وخطره وما فيه من المنفعة له والمصلحة ثم يفكر ~~في أهبة السفر والتزود وإعداد عدته ثم يعزم عليه فإذا عزم عليه وأجمع قصده ~~انتقل إلى منزلة المحاسبة وهي التمييز بين ماله وعليه فيستصحب ماله ويؤدي ~~ما عليه لأنه مسافر سفر من لا يعود # ومن منزلة المحاسبة يصح له نزول منزلة التوبة لأنه إذا حاسب نفسه عرف ما ~~عليه من الحق فخرج منه وتنصل منه إلى صاحبه وهي حقيقة التوبة فكان تقديم ~~المحاسبة عليها لذلك أولى ms0127 # ولتأخيرها عنها وجه أيضا وهو أن المحاسبة لا تكون إلا بعد تصحيح التوبة ~~PageV01P169 # والتحقيق أن التوبة بين محاسبتين محاسبة قبلها تقتضي وجوبها ومحاسبة ~~بعدها تقتضي حفظها فالتوبة محفوفة بمحاسبتين وقد دل على المحاسبة قوله ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد @QE@ ~~فأمر سبحانه العبد أن ينظر ما قدم لغد وذلك يتضمن محاسبة نفسه على ذلك ~~والنظر هل يصلح ما قدمه أن يلقى الله به أو لا يصلح # والمقصود من هذا النظر ما يوجبه ويقتضيه من كمال الإستعداد ليوم المعاد ~~وتقديم ما ينجيه من عذاب الله ويبيض وجهه عند الله وقال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا وتزينوا ~~للعرض الأكبر @QB@ يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية @QE@ أو قال على من لا ~~تخفى عليه أعمالكم # قال صاحب المنازل المحاسبة لها ثلاثة أركان # أحدها أن تقايس بين نعمته وجنايتك # يعني تقايس بين ما من الله وما منك فحينئذ يظهر لك التفاوت وتعلم أنه ليس ~~إلا عفوه ورحمته أو الهلاك والعطب # وبهذه المقايسة تعلم أن الرب رب والعبد عبد ويتبين لك حقيقة النفس ~~وصفاتها وعظمة جلال الربوبية وتفرد الرب بالكمال والإفضال وأن كل نعمة منه ~~فضل وكل نقمة منه عدل وأنت قبل هذه المقايسة جاهل بحقيقة نفسك وبربوبية ~~فاطرها وخالقها فإذا قايست ظهر لك أنها منبع كل شر وأساس كل نقص وأن حدها ~~الجاهلة الظالمة وأنه لولا فضل الله ورحمته لتزكيته لها ما زكت أبدا ولولا ~~هداه ما اهتدت ولولا إرشاده وتوقفه لما كان لها وصول إلى خير ألبتة وأن ~~حصول ذلك لها من بارئها وفاطرها وتوقفه عليه كتوقف وجودها على إيجاده فكما ~~أنها ليس لها من ذاتها وجود فكذلك ليس لها PageV01P170 من ذاتها كمال ~~الوجود فليس لها من ذاتها إلا العدم عدم الذات وعدم الكمال فهناك تقول حقا ~~أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي # ثم تقايس بين الحسنات والسيئات فتعلم بهذه المقايسة أيهما أكثر وأرجح ~~قدرا وصفة # وهذه ms0128 المقايسة الثانية مقايسة بين أفعالك وما منك خاصة # قال وهذه المقايسة تشق على من ليس له ثلاثة أشياء نور الحكمة وسوء الظن ~~بالنفس وتمييز النعمة من الفتنة # يعني أن هذه المقايسة والمحاسبة تتوقف على نور الحكمة وهو النور الذي نور ~~الله به قلوب أتباع الرسل وهو نور الحكمة فبقدره ترى التفاوت وتتمكن من ~~المحاسبة # ونور الحكمة ههنا هو العلم الذي يميز به العبد بين الحق والباطل والهدى ~~والضلال والضار والنافع والكامل والناقص والخير والشر ويبصر به مراتب ~~الأعمال راجحها ومرجوحها ومقبولها ومردودها وكلما كان حظه من هذا النور ~~أقوى كان حظه من المحاسبة أكمل وأتم # وأما سوء الظن بالنفس فإنما احتاج إليه لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال ~~التفتيش ويلبس عليه فيرى المساوىء محاسن والعيوب كمالا فإن المحب يرى ~~مساوىء محبوبه وعيوبه كذلك # فعين الرضى عن كل عيب كليلة % كما أن عين السخط تبدي المساويا # ولا يسيء الظن بنفسه إلا من عرفها ومن أحسن ظنه بنفسه فهو من أجهل الناس ~~بنفسه # وأما تمييز النعمة من الفتنة فليفرق بين النعمة التي يرى بها الإحسان ~~واللطف ويعان بها على تحصيل سعادته الأبدية وبين النعمة التي يرى بها ~~الإستدراج فكم PageV01P171 من مستدرج بالنعم وهو لا يشعر مفتون بثناء ~~الجهال عليه مغرور بقضاء الله حوائجه وستره عليه وأكثر الخلق عندهم أن هذه ~~الثلاثة علامة السعادة والنجاح ذلك مبلغهم من العلم # فإذا كملت هذه الثلاثة فيه عرف حينئذ أن ما كان من نعم الله عليه بجمعه ~~على الله فهو نعمة حقيقة وما فرقه عنه وأخذه منه فهو البلاء في صورة النعمة ~~والمحنة في صورة المنحة فليحذر فإنما هو مستدرج ويميز بذلك أيضا بين المنة ~~والحجة فكم تلتبس إحداهما عليه بالأخرى # فإن العبد بين منة من الله عليه وحجة منه عليه ولا ينفك عنهما فالحكم ~~الديني متضمن لمنته وحجته قال الله تعالى @QB@ لقد من الله على المؤمنين إذ ~~بعث فيهم رسولا من أنفسهم @QE@ وقال @QB@ بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان @QE@ وقال @QB@ فلله الحجة البالغة ms0129 @QE@ # والحكم الكوني أيضا متضمن لمنته وحجته فإذا حكم له كونا حكما مصحوبا ~~بإتصال الحكم الديني به فهو منة عليه وإن لم يصحبه الديني فهو حجة منه عليه # وكذلك حكمه الديني إذا اتصل به حكمه الكوني فتوفيقه للقيام به منة منه ~~عليه وإن تجرد عن حكمه الكوني صار حجة منه عليه فالمنة باقتران أحد الحكمين ~~بصاحبه والحجة في تجرد أحدهما عن الآخر فكل علم صحبه عمل يرضى الله سبحانه ~~فهو منة وإلا فهو حجة # وكل قوة ظاهرة وباطنة صحبها تنفيذ لمرضاته وأوامره فهي منة وإلا فهي حجة ~~وكل حال صحبه تأثير في نصرة دينه والدعوة إليه فهو منة منه وإلا فهو حجة ~~وكل مال اقترن به إنفاق في سبيل الله وطاعته لا لطلب الجزاء ولا الشكور فهو ~~منة من الله عليه وإلا فهو حجة PageV01P172 # وكل فراغ اقترن به اشتغال بما يريد الرب من عبده فهو منة عليه وإلا فهو ~~حجة # وكل قبول في الناس وتعظيم ومحبة له اتصل به خضوع للرب وذل وانكسار ومعرفة ~~بعيب النفس والعمل وبذل النصيحة للخلق فهو منة وإلا فهو حجة # وكل بصيرة وموعظة وتذكير وتعريف من تعريفات الحق سبحانه إلى العبد اتصل ~~به عبرة ومزيد في العقل ومعرفة في الإيمان فهي منة وإلا فهي حجة # وكل حال مع الله تعالى أو مقام اتصل به السير إلى الله وإيثار مراده على ~~مراد العبد فهو منة من الله وإن صحبه الوقوف عنده والرضى به وإيثار مقتضاه ~~من لذة النفس به وطمأنيتها إليه وركونها إليه فهو حجة من الله عليه # فليتأمل العبد هذا الموضع العظيم الخطر ويميز بين مواقع المنن والمحن ~~والحجج والنعم فما أكثر ما يلتبس ذلك على خواص الناس وأرباب السلوك @QB@ ~~والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ # | فصل الركن الثاني من أركان المحاسبة وهي أن تميز ما للحق عليك # من وجوب العبودية والتزام الطاعة واجتناب المعصية وبين ما لك وما عليك ~~فالذي لك هو المباح الشرعي فعليك حق ولك حق فأد ما عليك يؤتك ما لك ms0130 # ولا بد من التمييز بين ما لك وما عليك وإعطاء كل ذي حق حقه # وكثير من الناس يجعله كثيرا مما عليه من الحق من قسم ماله فيتحير بين ~~فعله وتركه وإن فعله رأى أنه فضل قام به لاحق أداه # وبإزاء هؤلاء من يرى كثيرا مما له فعله وتركه من قسم ما عليه فعله أو ~~تركه PageV01P173 فيتعبد بترك ما له فعله كترك كثير من المباحات ويظن ذلك ~~حقا عليه أو يتعبد بفعل ما له تركه ويظن ذلك حقا عليه # مثال الأول من يتعبد بترك النكاح أو ترك أكل اللحم أو الفاكهة مثلا أو ~~الطيبات من المطاعم والملابس ويرى لجهله أن ذلك مما عليه فيوجب على نفسه ~~تركه أو يرى تركه من أفضل القرب وأجل الطاعات وقد أنكر النبي على من زعم ~~ذلك ففي الصحيح أن نفرا من أصحاب النبي سألوا عن عبادته في السر فكأنهم ~~تقالوها فقال أحدهم أما أنا فلا آكل اللحم فقال الآخر أما أنا فلا أتزوج ~~النساء # وقال الآخر أما أنا فلا أنام على فراش فبلغ النبي مقالتهم فخطب وقال ما ~~بال أقوام يقول أحدهم أما أنا فلا آكل اللحم ويقول الآخر أما أنا فلا أتزوج ~~ويقول الآخر أما أنا فلا أنام على فراش لكني أتزوج النساء وآكل اللحم وأنام ~~وأقوم وأصوم وأفطر فمن رغب عن سنتي فليس مني / ح / فتبرأ ممن رغب عن سنته ~~وتعبد لله بترك ما أباحه لعباده من الطيبات رغبة عنه واعتقادا أن الرغبة ~~عنه وهجره عبادة فهذا لم يميز بين ما عليه وما له # ومثال الثاني من يتعبد بالعبادات البدعية التي يظنها جالبة للحال والكشف ~~والتصرف ولهذه الأمور لوازم لا تحصل بدونها ألبتة فيتعبد بإلتزام تلك ~~اللوازم فعلا وتركا ويراها حقا عليه وهي حق له وله تركها كفعل الرياضات ~~والأوضاع التي رسمها كثير من السالكين بأذواقهم ومواجيدهم واصطلاحاتهم من ~~غير تمييز بين ما فيها من حظ العبد والحق الذي عليه فهذا لون وهذا لون ~~PageV01P174 # ومن أركان المحاسبة ما ذكره صاحب المنازل فقال # الثالث ms0131 أن تعرف أن كل طاعة رضيتها منك فهي عليك وكل معصية عيرت بها أخاك ~~فهي إليك # رضاء العبد بطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه وجهله بحقوق العبودية وعدم ~~عمله بما يستحقه الرب جل جلاله ويليق أن يعامل به # وحاصل ذلك أن جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله وجهله بربه وحقوقه ~~وما ينبغي أن يعامل به يتولد منهما رضاه بطاعته وإحسان ظنه بها ويتولد من ~~ذلك من العجب والكبر والآفات ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة من الزنا وشرب ~~الخمر والفرار من الزحف ونحوها # فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها # وأرباب العزائم والبصائر أشد ما يكونون استغفارا عقيب الطاعات لشهودهم ~~تقصيرهم فيها وترك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه وأنه لولا ~~الأمر لما أقدم أحدهم على مثل هذه العبودية ولا رضيها لسيده # وقد أمر الله تعالى وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات ~~وهو أجل المواقف وأفضلها فقال @QB@ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند ~~المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا ~~من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~والمستغفرين بالأسحار @QE@ قال الحسن مدوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا ~~يستغفرون الله عز وجل وفي الصحيح أن النبي كان إذا سلم من الصلاة استغفر ~~ثلاثا ثم قال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ~~وأمره الله تعالى بالإستغفار بعد أداء الرسالة والقيام بما عليه من أعبائها ~~وقضاء فرض الحج واقتراب أجله فقال في آخر سورة أنزلت عليه @QB@ إذا جاء نصر ~~الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره ~~إنه كان توابا @QE@ PageV01P175 # ومن ههنا فهم عمر وابن عباس رضي الله عنهم أن هذا أجل رسول الله أعلمه به ~~فأمره أن يستغفره عقيب أداء ما كان عليه فكأنه إعلام بأنك قد أديت ما عليك ~~ولم يبق عليك شيء فاجعل خاتمته الإستغفار كما كان خاتمة الصلاة والحج وقيام ~~الليل وخاتمة الوضوء أيضا أن ms0132 يقول بعد فراغه سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن ~~لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من ~~المتطهرين # فهذا شأن من عرف ما ينبغي لله ويليق بجلاله من حقوق العبودية وشرائطها لا ~~جهل أصحاب الدعاوى وشطحاتهم # وقال بعض العارفين متى رضيت نفسك وعملك لله فاعلم أنه غير راض به ومن عرف ~~أن نفسه مأوى كل عيب وشر وعمله عرضة لكل آفة ونقص كيف يرضى لله نفسه وعمله # ولله در الشيخ أبي مدين حيث يقول من تحقق بالعبودية نظر أفعاله بعين ~~الرياء وأحواله بعين الدعوى وأقواله بعين الإفتراء وكلما عظم المطلوب في ~~قلبك صغرت نفسك عندك وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله وكلما شهدت ~~حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية وعرفت الله وعرفت النفس وتبين لك أن ما معك ~~من البضاعة لا يصلح للملك الحق ولاو جئت بعمل الثقلين خشيت عاقبته وإنما ~~يقبله بكرمه وجوده وتفضله ويثيبك عليه أيضا بكرمه وجوده وتفضله # | فصل وقوله وكل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك يحتمل أن يريد # به أنها صائرة إليك ولا بد أن تعملها وهذا مأخوذ من الحديث الذي رواه ~~الترمذي في جامعه عن النبي من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله / ح / قال ~~الإمام أحمد في تفسير هذا الحديث من ذنب قد تاب منه PageV01P176 # وأيضا ففي التعيير ضرب خفى من الشماتة بالمعير وفي الترمذي أيضا مرفوعا ~~لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك # ويحتمل أن يريد أن تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثما من ذنبه وأشد من معصيته ~~لما فيه من صولة الطاعة وتزكية النفس وشكرها والمناداة عليها بالبراءة من ~~الذنب وأن أخاك باء به ولعل كسرته بذنبه وما أحدث له من الذلة والخضوع ~~والإزراء على نفسه والتخلص من مرض الدعوى والكبر والعجب ووقوفه بين يدي ~~الله ناكس الرأس خاشع الطرف منكسر القلب أنفع له وخير من صولة طاعتك وتكثرك ~~بها والإعتداد بها والمنة على الله وخلقه بها فما أقرب هذا العاصي من رحمة ~~الله وما أقرب هذا المدل من ms0133 مقت الله فذنب تذل به لديه أحب إليه من طاعة ~~تدل بها عليه وإنك أن تبيت نائما وتصبح نادما خير من أن تبيت قائما وتصبح ~~معجبا فإن المعجب لا يصعد له عمل وإنك أن تضحك وأنت معترف خير من أن تبكي ~~وأنت مدل وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين ولعل الله ~~أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا هو فيك ولا تشعر # فلله في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلا هو ولا يطالعها إلا أهل ~~البصائر فيعرفون منها بقدر ما تناله معارف البشر ووراء ذلك مالا يطلع عليه ~~الكرام الكاتبون وقد قال النبي إذا زنت أمة أحدكم فليقم عليها الحد ولا ~~يثرب / ح / أي لا يعير من قول يوسف عليه السلام لإخوته @QB@ لا تثريب عليكم ~~اليوم @QE@ فإن الميزان بيد الله والحكم لله فالسوط الذي ضرب به هذا العاصي ~~بيد مقلب القلوب والقصد إقامة الحد لا التعيير والتثريب ولا يأمن كرات ~~القدر وسطوته إلا أهل الجهل بالله وقد قال الله تعالى لأعلم الخلق به ~~وأقربهم إليه وسيلة @QB@ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ~~@QE@ وقال يوسف الصديق @QB@ وإلا تصرف @QE@ PageV01P177 @QB@ عني كيدهن أصب ~~إليهن وأكن من الجاهلين @QE@ وكانت عامة يمين رسول الله لا ومقلب القلوب / ~~ح / وقال ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل إن شاء أن ~~يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه ثم قال اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا ~~على دينك اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك # | فصل فإذا صح هذا المقام ونزل العبد في هذه المنزلة أشرف منها على # مقام التوبة لأنه بالمحاسبة قد تميز عنده ماله مما عليه فليجمع همته ~~وعزمه على النزول فيه والتشمير إليه إلى الممات # ومنزل التوبة أول المنازل وأوسطها وآخرها فلا يفارقه العبد السالك ولا ~~يزال فيه إلى الممات وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به واستصحبه معه ونزل به ~~فالتوبة هي بداية العبد ونهايته وحاجته إليها في النهاية ضرورية كما ms0134 أن ~~حاجته إليها في البداية كذلك وقد قال الله تعالى @QB@ وتوبوا إلى الله ~~جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون @QE@ وهذه الآية في سورة مدنية خاطب الله ~~بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وهجرتهم ~~وجهادهم ثم علق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه وأتى بأداة لعل المشعرة ~~بالترجي إيذانا بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح فلا يرجو الفلاح إلا ~~التائبون جعلنا الله منهم # قال تعالى @QB@ ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون @QE@ قسم العباد إلى تائب ~~وظالم وما ثم قسم ثالث ألبتة وأوقع اسم الظالم على من لم يتب ولا أظلم منه ~~لجهله بربه وبحقه وبعيب نفسه وآفات أعماله وفي الصحيح عنهأنه قال يا أيها ~~الناس توبوا إلى الله فوالله إني لأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة / ~~ح / وكان أصحابه يعدون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم رب PageV01P178 ~~اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة وما صلى صلاة قط بعد إذ ~~أنزلت عليه @QB@ إذا جاء نصر الله والفتح @QE@ إلى آخرها إلا قال فيها ~~سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي وصح عنه أنه قال لن ينجي أحدا منكم ~~عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة ~~منه وفضل # فصلوات الله وسلامه على أعلم الخلق بالله وحقوقه وعظمته وما يستحقه جلاله ~~من العبودية وأعرفهم بالعبودية وحقوقها وأقومهم بها # | فصل ولما كانت التوبة هي رجوع العبد إلى الله ومفارقته لصراط المغضوب # عليهم والضالين وذلك لا يحصل إلا بهداية الله إلى الصراط المستقيم ولا ~~تحصل هدايته إلا بإعانته وتوحيده فقد انتظمتها سورة الفاتحة أحسن انتظام ~~وتضمنتها أبلغ تضمن فمن أعطى الفاتحة حقها علما وشهودا وحالا معرفة علم أنه ~~لا تصح له قراءتها على العبودية إلا بالتوبة النصوح فإن الهداية التامة إلى ~~الصراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذنوب ولا مع الإصرار عليها فإن الأول ~~جهل ينافي معرفة الهدى والثاني غي ينافي قصده وإرادته فلذلك لا تصح التوبة ~~إلا ms0135 بعد معرفة الذنب والإعتراف به وطلب التخلص من سوء عواقبه أولا وآخرا # قال في المنازل وهي أن تنظر في الذنب إلى ثلاثة أشياء إلى انخلاعك من ~~العصمة حين إتيانه وفرحك عند الظفر به وقعودك على الإصرار عن تداركه مع ~~تيقنك نظر الحق إليك # يحتمل أن يريد بالإنخلاع عن العصمة انخلاعه عن اعتصامه بالله فإنه لو ~~اعتصم بالله لما خرج عن هداية الطاعة قال الله تعالى @QB@ ومن يعتصم بالله ~~فقد هدي إلى صراط مستقيم @QE@ فلو كملت عصمته بالله لم يخذله أبدا قال الله ~~تعالى PageV01P179 @QB@ واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ~~@QE@ أي متى اعتصمتم به تولاكم ونصركم على أنفسكم وعلى الشيطان وهما ~~العدوان اللذان لا يفارقان العبد وعداوتهما أضر من عداوة العدو الخارج ~~فالنصر على هذا العدو أهم والعبد إليه أحوج وكمال النصرة على العدو بحسب ~~كمال الإعتصام بالله # وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى بعد هذا في حقيقة الإعتصام وأن الإيمان ~~لا يقوم إلا به # ويحتمل أن يريد الإنخلاع من عصمة الله له وأنك إنما ارتكبت الذنب بعد ~~إنخلاعك من توبة عصمته لك فمتى عرف هذا الإنخلاع وعظم خطره عنده واشتدت ~~عليه مفارقته وعلم أن الهلك كل الهلك بعده وهو حقيقة الخذلان فما خلى الله ~~بينك وبين الذنب إلا بعد أن خذلك وخلى بينك وبين نفسك ولو عصمك ووفقك لما ~~وجد الذنب إليك سبيلا # فقد أجمع العارفون بالله على أن الخذلان أن يكلك الله إلى نفسك ويخلى ~~بينك وبينها والتوفيق أن لا يكلك الله إلى نفسك وله سبحانه في هذه التخلية ~~بينك وبين الذنب وخذلانك حتى واقعته حكم وأسرار سنذكر بعضها # وعلى الإحتمالين فترجع التوبة إلى اعتصامك به وعصمته لك # قوله وفرحك عند الظفر به # الفرح بالمعصية دليل على شدة الرغبة فيها والجهل بقدر من عصاه والجهل ~~بسوء عاقبتها وعظم خطرها ففرحه بها غطى عليه ذلك كله وفرحه بها أشد ضررا ~~عليه من مواقعتها والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبدا ولا يكمل بها فرحه بل ~~لا يباشرها إلا ms0136 والحزن مخالط لقلبه ولكن سكر الشهوة يحجبه عن الشعور به ~~ومتى خلي قلبه من هذا الحزن واشتدت غبطته وسروره فليتهم إيمانه وليبك على ~~موت قلبه فإنه لو كان حيا لأحزنه ارتكابه للذنب وغاظه وصعب عليه ولا يحس ~~القلب بذلك فحيث لم يحس به فما لجرح بميت إيلام PageV01P180 # وهذه النكتة في الذنب قل من يهتدي إليها أو ينتبه لها وهي موضع مخوف جدا ~~مترام إلى هلاك إن لم يتدارك بثلاثة أشياء خوف من الموافاة عليه قبل التوبة ~~وندم على ما فاته من الله بمخالفة أمره وتشمير للجد في استدراكه # قوله وقعودك على الإصرار عن تداركه # الإصرار هو الإستقرار على المخالفة والعزم على المعاودة وذلك ذنب آخر ~~لعله أعظم من الذنب الأول بكثير وهذا من عقوبة الذنب أنه يوجب ذنبا أكبر ~~منه ثم الثاني كذلك ثم الثالث كذلك حتى يستحكم الهلاك # فالإصرار على المعصية معصية أخرى والقعود عن تدراك الفارط من المعصية ~~إصرار ورضا بها وطمأنينة إليها وذلك علامة الهلاك وأشد من هذا كله المجاهرة ~~بالذنب مع تيقن نظر الرب جل جلاله من فوق عرشه إليه فإن آمن بنظره إليه ~~وأقدم على المجاهرة فعظيم وإن لم يؤمن بنظره إليه واطلاعه عليه فكفر ~~وانسلاخ من الإسلام بالكلية فهو دائر بين الأمرين بين قلة الحياء ومجاهرة ~~نظر الله إليه وبين الكفر والإنسلاخ من الدين فلذلك يشترط في صحة التوبة ~~تيقنه أن الله كان ناظرا ولا يزال إليه مطلعا عليه يراه جهرة عند مواقعة ~~الذنب لأن التوبة لا تصح إلا من سلم إلا أن يكون كافرا بنظر الله إليه ~~جاحدا له فتوبته دخوله في الإسلام وإقراره بصفات الرب جل جلالة PageV01P181 # قال وشرائط التوبة ثلاثة الندم والإقلاع والإعتذار # فحقيقة التوبة هي الندم على ما سلف منه في الماضي والإقلاع عنه في الحال ~~والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل # والثلاثة تجتمع في الوقت الذي تقع فيه التوبة فإنه في ذلك الوقت يندم ~~ويقلع ويعزم # فحينئذ يرجع إلى العبودية التي خلق لها وهذا الرجوع هو حقيقة التوبة ms0137 # ولما كان متوقفا على تلك الثلاثة جعلت شرائط له # فأما الندم فإنه لا تتحقق التوبة إلا به إذ من لم يندم على القبيح فذلك ~~دليل على رضاه به وإصراره عليه وفي المسند الندم توبة # وأما الإقلاع فتستحيل التوبة مع مباشرة الذنب # وأما الإعتذار ففيه إشكال فإن من الناس من يقول من تمام التوبة ترك ~~الإعتذار فإن الإعتذار محاجة عن الجناية وترك الإعتذار اعتراف بها ولا تصح ~~التوبة إلا بعد الإعتراف وفي ذلك يقول بعض الشعراء لرئيسه وقد عتب عليه في ~~شيء # وما قابلت عتبك بإعتذار % ولكني أقول كما تقول # وأطرق باب عفوك بإنكسار % ويحكم بيننا الخلق الجميل # فلما سمع الرئيس مقالته قام وركب إليه من فوره وأزال عتبه عيه فتمام ~~الإعتراف ترك الإعتذار بأن يكون في قلبه ولسانه اللهم لا براءة لي من ذنب ~~فأعتذر ولا قوة لي فأنتصر ولكني مذنب مستغفر اللهم لاعذر لي وإنما هو محض ~~حقك ومحض جنايتي فإن عفوت وإلا فالحق لك # والذي ظهر لي من كلام صاحب المنازل أنه أراد بالإعتذار إظهار الضعف ~~والمسكنة وغلبة العدو وقوة سلطان النفس وأنه لم يكن مني ما كان عن استهانة ~~بحقك ولا جهلا به ولا إنكارا لإطلاعك ولا استهانة بوعيدك وإنما كان ~~PageV01P182 من غلبة الهوى وضعف القوة عن مقاومة مرض الشهوة وطمعا في ~~مغفرتك واتكالا على عفوك وحسن ظن بك ورجاء لكرمك وطمعا في سعة حلمك ورحمتك ~~وغرني بك الغرور والنفس الأمارة بالسوء وسترك المرخي علي وأعانني جهلي ولا ~~سبيل إلى الإعتصام لي إلا بك ولا معونة على طاعتك إلا بتوفيقك ونحو هذا من ~~الكلام المتضمن للإستعطاف والتذلل والإفتقار والإعتراف بالعجز والإقرار ~~بالعبودية # فهذا من تمام التوبة وإنما يسلكه الأكياس المتملقون لربهم عز وجل والله ~~يحب من عبده أن يتملق له # وفي الحديث تملقوا لله وفي الصحيح لا أحد أحب إليه العذر من الله وإن كان ~~معنى ذلك الإعذار كما قال في آخر الحديث من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ~~ومنذرين وقال تعالى @QB@ فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا ms0138 @QE@ فإنه من تمام ~~عدله وإحسانه أن أعذر إلى عباده وأن لا يؤاخذ ظالمهم إلا بعد كمال الأعذار ~~وإقامة الحجة عليه فهو أيضا يحب من عبده أن يعتذر إليه ويتنصل إليه من ذنبه ~~وفي الحديث من اعتذر إلى الله قبل الله عذره فهذا هو الإعتذار المحمود ~~النافع # وأما الإعتذار بالقدر فهو مخاصمة لله واحتجاج من العبد على الرب وحمل ~~لذنبه على الأقدار وهذا فعل خصماء الله كما قال بعض شيوخهم في قوله تعالى ~~@QB@ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة @QE@ قال أتدرون ما المراد بهذه الآية قالوا ما المراد بها قال ~~إقامة أعذار الخليفة # وكذب هذا الجاهل بالله وكلامه وإنما المراد بها التزهيد في هذا الفاني ~~الذاهب والترغيب في الباقي الدائم والإزراء بمن آثر هذا المزين واتبعه ~~بمنزلة الصبي الذي يزين له ما يلعب به فيهش إليه ويتحرك له مع أنه لم يذكر ~~فاعل PageV01P183 التزيين فلم يقل زينا للناس والله تعالى يضيف تزيين ~~الدنيا والمعاصي إلى الشياطين كما قال تعالى @QB@ وزين لهم الشيطان ما ~~كانوا يعملون @QE@ وقال @QB@ وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم ~~شركاؤهم @QE@ وفي الحديث بعثت هاديا وداعيا وليس إلي من الهداية شيء وبعث ~~إبليس مغويا ومزينا وليس إليه من الضلالة شيء / ح / ولا يناقض هذا قوله ~~تعالى @QB@ كذلك زينا لكل أمة عملهم @QE@ فإن إضافة التزيين إليه قضاء ~~وقدرا وإلى الشيطان تسببا مع أن تزيينه تعالى عقوبة لهم على ركونهم إلى ما ~~زينه الشيطان لهم فمن عقوبة السيئة السيئة بعدها ومن ثواب الحسنة الحسنة ~~بعدها # والمقصود أن الإحتجاج بالقدر مناف للتوبة وليس هو من الإعتذار في شيء وفي ~~بعض الآثار إن العبد إذا أذنب فقال يا رب هذا قضاؤك وأنت قدرت علي وأنت ~~حكمت علي وأنت كتبت علي يقول الله عز وجل وأنت عملت وأنت كسبت وأنت أردت ~~واجتهدت وأنا أعاقبك عليه وإذا قال يا رب أنا ظلمت وأنا أخطأت وأنا اعتديت ~~وأنا فعلت يقول الله عز وجل وأنا قدرت عليك وقضيت وكتبت وأنا ms0139 أغفر لك وإذا ~~عمل حسنة فقال يارب أنا عملتها وأنا تصدقت وأنا صليت وأنا أطعمت يقول الله ~~عز وجل وأنا اعنتك وأنا وفقتك وإذا قال يا رب أنت أعنتني ووفقتني وأنت مننت ~~علي يقول الله وأنت عملتها وأنت أردتها وأنت كسبتها # فالإعتذار اعتذاران اعتذار ينافي الإعتراف فذلك مناف للتوبة واعتذار يقرر ~~الإعتراف فذلك من تمام التوبة # قال صاحب المنازل وحقائق التوبة ثلاثة أشياء تعظيم الجناية واتهام التوبة ~~وطلب أعذار الخليقة # يريد بالحقائق ما يتحقق به الشيء وتتبين به صحته وثبوته كما قال النبي ~~لحارثة إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك / ح / PageV01P184 # فأما تعظيم الجناية فإنه إذا استهان بها لم يندم عليها وعلى قدر تعظيمها ~~يكون ندمه على ارتكابها فإن من استهان فإضاعة فلس مثلا لم يندم على إضاعته ~~فإذا علم أنه دينار اشتد ندمه وعظمت إضاعته عنده # وتعظيم الجناية يصدر عن ثلاثة أشياء تعظيم الآمر وتعظيم الأعمر والتصديق ~~بالجزاء # وأما اتهام التوبة فلأنها حق عليه لا يتيقن أنه أدى هذا الحق على الوجه ~~المطلوب منه الذي ينبغي له أن يؤديه عليه فيخاف أنه ما وفاها حقها وأنها لم ~~تقبل منه وأنه لم يبذل جهده في صحتها وأنها توبة علة وهو لا يشعر بها كتوبة ~~أرباب الحوائج والإفلاس والمحافظين على حاجاتهم ومنازلهم بين الناس أو أنه ~~تاب محافظة على حاله فتاب للحال لا خوفا من ذي الجلال أو أنه تاب طلبا ~~للراحة من الكد في تحصيل الذنب أو اتقاء ما يخافه على عرضه وماله ومنصبه أو ~~لضعف داعي المعصية في قلبه وخمود نار شهوته أو لمنافاة المعصية لما يطلبه ~~من العلم والرزق ونحو ذلك من العلل التي تقدح في كون التوبة خوفا من الله ~~وتعظيما له ولحرماته وإجلالا له وخشية من سقوط المنزلة عنده وعن البعد ~~والطرد عنه والحجاب عن رؤية وجهه في الدار الآخرة فهذه التوبة لون وتوبة ~~أصحاب العلل لون # ومن اتهام التوبة أيضا ضعف العزيمة والتفات القلب إلى الذنب الفينة بعد ~~الفينة وتذكر حلاوة مواقعته فربما تنفس ms0140 وربما هاج هائجه # ومن اتهام التوبة طمأنينته ووثوقه من نفسه بأنه قد تاب حتى كأنه قد أعطي ~~منشورا بالأمان فهذا من علامات التهمة # ومن علاماتها جمود العين واستمرار الغفلة وأن لا يستحدث بعد التوبة ~~أعمالا صالحة لم تكن له قبل الخطيئة # فالتوبة المقبولة الصحيحة لها علامات PageV01P185 # منها أن يكون بعد التوبة خيرا مما كان قبلها # ومنها أنه لايزال الخوف مصاحبا له لا يأمن مكر الله طرفة عين فخوفه مستمر ~~إلى أن يسمع قول الرسل لقبض روحه أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة ~~التي كنتم توعدون فهناك يزول الخوف # ومنها انخلاع قلبه وتقطعه ندما وخوفا وهذا على قدر عظم الجناية وصغرها ~~وهذا تأويل ابن عيينة لقوله تعالى @QB@ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في ~~قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم @QE@ قال تقطعها بالتوبة ولا ريب أن الخوف ~~الشديد من العقوبة العظيمة يوجب انصداع القلب وانخلاعه وهذا هو تقطعه وهذا ~~حقيقة التوبة لأنه يتقطع قلبه حسرة على ما فرط منه وخوفا من سوء عاقبته فمن ~~لم يتقطع قلبه في الدنيا على ما فرط حسرة وخوفا تقطع في الآخرة إذا حقت ~~الحقائق وعاين ثواب المطيعين وعقاب العاصين فلا بد من تقطع القلب إما في ~~الدنيا وإما في الآخرة # ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضا كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء ولا ~~تكون لغير المذنب لا تحصل بجوع ولا رياضة ولا حب مجرد وإنما هي أمر وراء ~~هذا كله تكسر القلب بين يدي الرب كسرة تامة قد أحاطت به من جميع جهاته ~~وألقته بين يدي ربه طريحا ذليلا خاشعا كحال عبد جان آبق من سيده فأخذ فأحضر ~~بين يديه ولم يجد من ينجيه من سطوته ولم يجد منه بدا ولا عنه غناء ولا منه ~~مهربا وعلم أن حياته وسعادته وفلاحه ونجاحه في رضاه عنه وقد علم إحاطة سيده ~~بتفاصيل جناياته هذا مع حبه لسيده وشدة حاجته إليه وعلمه بضعفه وعجزه وقوة ~~سيده وذله وعز سيده # فيجتمع من هذه الأحوال كسرة وذلة وخضوع ما أنفعها ms0141 للعبد وما أجدى عائدتها ~~عليه وما أعظم جبره بها وما أقر به بها من سيده فليس شيء أحب إلى سيده من ~~هذه الكسرة والخضوع والتذلل والإخبات والإنطراح بين PageV01P186 يديه ~~والإستسلام له فلله ما أحلى قوله في هذه الحال أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني ~~أسألك بقوتك وضعفي وبغناك عني وفقري إليك هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين ~~يديك عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك لا ملجأ ولا منجي منك إلا إليك ~~أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل وأدعوك دعاء الخائف ~~الضرير سؤال من خضعت لك رقبته ورغم لك أنفه وفاضت لك عيناه وذل لك قلبه # يامن ألوذ به فيما أؤمله % ومن أعوذ به مما أحاذره # لا يجبر الناس عظما أنت كاسره % ولا يهيضون عظما أنت جابره # فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتهم ~~توبته وليرجع إلى تصحيحها فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة وما أسهلها ~~باللسان والدعوى وما عالج الصادق بشيء أشق عليه من التوبة الخالصة الصادقة ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله # وأكثر الناس من المتنزهين عن الكبائر الحسية والقاذروات في الكبائر مثلها ~~أو أعظم منها أو دونها ولا يخطر بقلوبهم أنها ذنوب ليتوبوا منها فعندهم من ~~الإزراء على أهل الكبائر واحتقارهم وصولة طاعاتهم ومنتهم على الخلق بلسان ~~الحال واقتضاء بواطنهم لتعظيم الخلق لهم على طاعاتهم اقتضاء لا يخفى على ~~أحد غيرهم وتوابع ذلك ما هو أبغض إلى الله وأبعد لهم عن بابه من كبائر ~~أولئك فإن تدارك الله أحدهم بقاذورة أو كبيرة يوقعه فيها ليكسر بها نفسه ~~ويعرفه قدره ويذله بها ويخرج بها صولة الطاعة من قلبه فهي رحمة في حقه كما ~~أنه إذا تدارك أصحاب الكبائر بتوبة نصوح وإقبال بقلوبهم إليه فهو رحمة في ~~حقهم وإلا فكلاهما على خطر PageV01P187 # | فصل وأما طلب أعذار الخليقة فهذا له وجهان وجه محمود ووجه مذموم # حرام فالمذموم أن تطلب أعذارهم نظرا إلى الحكم القدري وجريانه عليهم ~~شاءوا أم أبوا فتعذرهم بالقدر # وهذا القدر ينتهي إليه ms0142 كثير من السالكين الناظرين إلى القدر الفانين في ~~شهوده وهو كما تقدم درب خطر جدا قليل المنفعة لا ينجي وحده # وأظن هذا مراد صاحب المنازل لأنه قال بعد ذلك # مشاهدة العبد الحكم لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من ~~جميع المعاني إلى معنى الحكم # وهذا الشهود شهود ناقص مذموم إن طرده صاحبه فعذر أعداء الله وأهل مخالفته ~~ومخالفة رسله وطلب أعذارهم كان مضادا لله في أمره عاذرا من لم يعذره الله ~~طالبا عذر من لامه الله وأمر بلومه وليست هذه موافقة لله بل موافقته لوم ~~هذا واعتقاد أنه لا عذر له عند الله ولا في نفس الأمر فالله عز وجل قد أعذر ~~إليه وأزال عذره بالكلية ولو كان معذورا في نفس الأمر عند الله لما عاقبه ~~ألبتة فإن الله عز وجل أرحم وأغنى وأعدل من أن يعاقب صاحب غدر فلا أحد أحب ~~إليه العذر من الله ومن أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب إزالة لأعذار خلقه ~~لئلا يكون لهم عليه حجة # ومعلوم أن طالب عذرهم ومصححه مقيم لحجة قد أبطلها الله من جميع الوجوه ~~فلله الحجة البالغة ومن له عذر من خلقه كالطفل الذي لا يميز والمعتوه ومن ~~لم تبلغه الدعوة والأصم الأعمى الذي لا يبصر ولا يسمع فإن الله لا يعذب ~~هؤلاء بلا ذنب ألبتة وله فيهم حكم آخر في المعاد يمتحنهم بأن يرسل إليهم ~~رسولا يأمرهم وينهاهم فمن أطاع الرسول منهم أدخله الجنة ومن عصاه أدخله ~~النار حكى ذلك أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والحديث في مقالاته وفيه عدة ~~أحاديث PageV01P188 بعضها في مسند أحمد كحديث الأسود بن سريع وحديث أبي ~~هريرة # ومن طعن في هذه الأحاديث بأن الآخرة دار جزاء لادار تكليف فهذه الأحاديث ~~مخالفة للعقل فهو جاهل فإن التكليف إنما ينقطع بدخول دار القرار الجنة أو ~~النار وإلا فالتكليف واقع في البرزخ وفي العرصات ولهذا يدعوهم إلى السجود ~~له في الموقف فيسجد المؤمنون له طوعا واختيارا ويحال بين الكفار والمنافقين ~~وبين السجود # والمقصود ms0143 أنه لا عذر لأحد ألبتة في معصية الله ومخالفة أمره مع علمه بذلك ~~وتمكنه من الفعل والترك ولو كان له عذرا لما استحق العقوبة واللوم لا في ~~الدينا ولا في العقبى # فإن قيل هذا كلام بلسان الحال بالشرع ولو نطقت بلسان الحقيقة لعذرت ~~الخليقة إذ هم صائرون إلى مشيئة الله فيهم وما قضاه وقدره عليهم ولا بد فهم ~~مجار لأقداره وسهامها نافذة فيهم وهم أغراض لسهام الأقدار لا تخطئهم ألبتة ~~ولكن من غلب عليه مشاهدة الحكم الشرعي لم يمكنه طلب العذر لهم ومن غلب عليه ~~مشاهدة الحكم الكوني عذرهم فأنت معذور في الإنكار علينا بحقيقة الشرع ونحن ~~معذورون في طلب العذر بحقيقة الحكم وكلانا مصيب # فالجواب من وجوه # أحدها أن يقال العذر إن لم يكن مقبولا لم يكن نافعا والإعتذار بالقدر غير ~~مقبول ولا يعذر أحد به ولو اعتذر فهو كلام باطل لا يفيد شيئا ألبتة بل يزيد ~~في ذنب الجاني ويغضب الرب عليه وما هذا شأنه لا يشتغل به عاقل # الثاني أن الإعتذار بالقدر يتضمن تنزيه الجاني نفسه وتنزيه ساحته وهو ~~الظالم الجاهل والجهل على القدر نسبة الذنب إليه وتظليمه بلسان الحال ~~PageV01P189 والقال بتحسين العبارة وتلطيفها وربما غلبه الحال فصرح بالوجد ~~كما قال بعض خصماء الله # ألقاه في اليم مكتوفا وقال له % إياك إياك أن تبتل بالماء وقال خصم آخر # وضعوا اللحم للبزا % ة على ذروتي عدن # ثم لاموا البزاة أن % خلعوا عنهم الرسن # لو أرادوا صيانتي % ستروا وجهك الحسن # وقال خصم آخر # أصبحت منفعلا لما تختاره منى ففعلي كله طاعات # وقال خصم آخر شاكيا متظلما # إذا كان المحب قليل حظ % فما حسناته إلا ذنوب # وقال خصم آخر معتذرا عن إبليس لما عصى من كان إبليسه # ولخصماء الله ههنا تظلمات وشكايات ولو فتشوا زوايا قلوبهم لوجدوا هناك ~~خصما متظلما شاكيا عاتبا يقول لا أقدر أن أقول شيئا وإني مظلوم في صورة ~~ظالم ويقول بحرقة ويتنفس الصعداء مسكين ابن آدم لا قادر ولا معذور # وقال الآخر ابن آدم كرة تحت ms0144 صولجانات الأقدار يضر بها واحد ويردها الآخر ~~وهل تستطيع الكرة الإنتصاف من الصولجان # ويتمثل خصم آخر بقول الشاعر # بأبي أنت وإن أس % رفت في هجري وظلمي # فجعله هاجرا بلا ذنب ظالما بل مسرفا قد تجاوز الحد في ظلمه ويقول آخر ~~PageV01P190 أظلت علينا منك يوما سحابة % أضاءت لنا برقا وأبطا رشاشها # فلا غيمها يجلو فييئس طالب ولا غيثها يأتي فيروي عطاشها # ويقول آخر # يدنو إليك ونقص الحظ يبعده % ويستقيم وداعي البين يلويه # ويقول خصم آخر # واقف في الماء ظمآ % ن ولكن ليس يسقى # ومن له أدنى فهم وبصيرة يعلم أن هذا كله تظلم وشكاية وعتب ويكاد أحدهم ~~يقول يا ظالمي لولا ولو فتش نفسه كما ينبغي لوجد ذلك فيها وهذا مالا غاية ~~بعده من الجهل والظلم والإنسان كما قال الله تعالى @QB@ إنه كان ظلوما ~~جهولا @QE@ @QB@ والله هو الغني الحميد @QE@ # ولو علم هذا الظالم الجاهل أن بلاءه من نفسه ومصابه منها وأنها أولى بكل ~~ذم وظلم وأنها مأوى كل سوء و @QB@ إن الإنسان لربه لكنود @QE@ قال ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة كفور جحود لنعم الله وقال الحسن هو الذي يعد المصائب وينسى ~~النعم وقال أبو عبيدة هو قليل الخير والأرض الكنود التي لا نبت بها وقيل ~~التي لا تنبت شيئا من المنافع وقال الفضل ابن عباس الكنود الذي أنسته ~~الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان # ولو علم هذا الظالم الجاهل أنه هو القاعد على طريق مصالحه يقطعها عن ~~الوصول إليه فهو الحجر في طريق الماء الذي به حياته وهو السكر الذي قد سد ~~مجرى الماء إلى بستان قلبه ويستغيث مع ذلك العطش العطش وقد وقف في طريق ~~الماء ومنع وصوله إليه فهو حجاب قلبه عن سر غيبه وهو الغيم المانع لإشراق ~~شمس الهدى على القلب فما عليه أضر منه ولا له أعداء أبلغ في نكايته وعداوته ~~منه PageV01P191 # ما تبلغ الأعداء من جاهل % ما يبلغ الجاهل من نفسه # فتبا له ظالما في صورة مظلوم وشاكيا والجناية منه قد جد في الإعراض وهو ms0145 ~~ينادي طردوني وأبعدوني ظهره الباب بل أغلقه على نفسه وأضاع مفاتيحه وكسرها ~~ويقول # دعاني وسد الباب دوني فهل إلى % دخولي سبيل بينوا لي قصتي # يأخذ الشفيق بحجزته عن النار وهو يجاذبه ثوبه ويغلبه ويقتحمها ويستغيث ما ~~حيلتي وقد قدموني إلى الحفيرة وقذفوني فيها والله كم صاح به الناصح الحذر ~~الحذر إياك إياك وكم أمسك بثوبه وكم أراه مصارع المقتحمين وهو يأبى إلا ~~الإقتحام # وكم سقت في آثاركم من نصيحة % وقد يستفيد الظنة المتنصح # يا ويله ظهيرا للشيطان على ربه خصما لله مع نفسه جبري المعاصي قدري ~~الطاعات عاجز الرأي مضياع لفرصته قاعد عن مصالحه معاتب لأقدار ربه يحتج على ~~ربه بما لا يقبله من عبده وامرأته وأمته إذا احتجوا به عليه في التهاون في ~~بعض أمره فلو أمر أحدهم بأمر ففرط فيه أو نهاه عن شيء فارتكبه وقال القدر ~~ساقني إلى ذلك لما قبل منه هذه الحجة ولبادر إلى عقوبته # فإن كان القدر حجة لك أيها الظالم الجاهل في ترك حق ربك فهلا كان حجة ~~لعبدك وأمتك في ترك بعض حقك بل إذا أساء إليك مسيء وجنى عليك جان واحتج ~~بالقدر لا شتد غضبك عليه وتضاعف جرمه عندك ورأيت حجته داحضة ثم تحتج على ~~ربك به وتراه عذرا لنفسك فمن أولى بالظلم والجهل ممن هذه حاله # هذا مع تواتر إحسان الله إليك على مدى الأنفاس أزاح عللك ومكنك من التزود ~~إلى جنته وبعث إليك الدليل وأعطاك مؤنة السفر وما تتزود به وما تحارب به ~~قطاع الطريق عليك فأعطاك السمع والبصر والفؤاد وعرفك الخير PageV01P192 ~~والشر والنافع والضار وأرسل إليك رسوله وأنزل إليك كتابه ويسره للذكر ~~والفهم والعمل وأعانك بمدد من جنده الكرام يثبتونك ويحرسونك ويحاربون عدوك ~~ويطردونه عنك ويريدون منك أن لا تميل إليه ولا تصالحه وهم يكفونك مؤنته ~~وأنت تأبى إلا مظاهرته عليهم وموالاته دونهم بل تظاهره وتواليه دون وليك ~~الحق الذي هو أولى بك قال الله تعالى @QB@ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق ms0146 عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من ~~دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا @QE@ طرد إبليس عن سمائه وأخرجه من ~~جنته وأبعده من قربه إذ لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك آدم لكرامتك عليه ~~فعاداه وأبعده ثم واليت عدوه وملت إليه وصالحته وتتظلم مع ذلك وتشتكي الطرد ~~والإبعاد وتقول # عودوني الوصال والوصل عذب % ورموني بالصد والصد صعب # نعم وكيف لا يطرد من هذه معاملته وكيف لا يبعد عنه من كان هذا وصفه وكيف ~~يجعل من خاصته وأهل قربه من حاله معه هكذا قد أفسد ما بينه وبين الله وكدره # أمره الله بشكره لا لحاجته إليه ولكن لينال به المزيد من فضله فجعل كفر ~~نعمه والإستعانة بها على مساخطه من أكبر أسباب صرفها عنه # وأمره بذكره ليذكره بإحسانه فجعل نسيانه سببا لنسيان الله له @QB@ نسوا ~~الله فأنساهم أنفسهم @QE@ @QB@ نسوا الله فنسيهم @QE@ أمره بسؤاله ليعطيه ~~فلم يسأله بل أعطاه أجل العطايا بلا سؤال فلم يقبل يشكو من يرحمه إلى من لا ~~يرحمه ويتظلم ممن لا يظلمه ويدع من يعاديه ويظلمه إن أنفم عليه بالصحة ~~PageV01P193 والعافية والمال والجاه إستعان بنعمه على معاصيه وإن سلبه ذلك ~~ظل متسخطا على ربه وهو شاكيه لا يصلح له على عافية ولا على ابتلاء العافية ~~تلقيه إلى مساخطه والبلاء يدفعه إلى كفرانه وجحود نعمته وشكايته إلى خلقه # دعاه إلى بابه فما وقف عليه ولا طرقه ثم فتحه له فما عرج عليه ولا ولجه ~~أرسل إليه رسوله يدعوه إلى دار كرامته فعصى الرسول وقال لا أبيع ناجزا ~~بغائب ونقدا بنسيئة ولا أترك ما أراه لشيء سمعت به ويقول # خذ ما رأيت ودع شيئا سمعت به % في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل # فإن وافق حظه طاعة الرسول أطاعه لنيل حظه لا لرضى مرسله لم يزل يتمقت ~~إليه بمعاصيه حتى أعرض عنه وأغلق الباب في وجهه # ومع هذا فلم يؤيسه من رحمته بل قال متى جئتني قبلتك إن أتيتني ليلا قبلتك ~~وإن أتيتني نهارا قبلتك وإن تقربت مني شبرا ms0147 تقربت منك ذراعا وإن تقربت مني ~~ذراعا تقربت منك باعا وإن مشيت إلى هرولت إليك ولو لقيتني بقراب الأرض ~~خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا أتيتك بقرابها مغفرة ولو بلغت ذنوبك عنان ~~السماء ثم استغفرتني غفرت لك ومن أعظم مني جودا وكرما # عبادي يبارزونني بالعظائم وأنا أكلؤهم على فرشهم إني والجن والإنس في نبإ ~~عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي خيري إلى العباد نازل وشرهم إلى ~~صاعد أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر ~~شيء إلي # من أقبل إلي تلقيته من بعيد ومن أعرض عني ناديته من قريب ومن ترك لأجلي ~~أعطيته فوق المزيد ومن أراد رضاي أردت ما يريد ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت ~~له الحديد # أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل PageV01P194 ~~كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا إلي فأنا حبيبهم فإني أحب ~~التوابين وأحب المتطهرين لم يتوبوا إلي فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب ~~لأطهرهم من المعايب # ومن آثرني على سواي آثرته على سواه الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ~~ضعف إلى أضعاف كثيرة والسيئة عندي بواحدة فإن ندم عليها واستغفرني غفرتها ~~له # أشكر اليسير من العمل وأغفر الكثير من الزلل رحمتي سبقت غضبي وحلمي سبق ~~مؤاخذتي وعفوي سبق عقوبتي أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها لله أشد فرحا ~~بتوبة عبده من رجل أضل راحلته بأرض مهلكة دوية عليها طعامه وشرابه فطلبها ~~حتى إذا أيس من حصولها نام في أصل شجرة ينتظر الموت فاستيقظ فإذا هي على ~~رأسه قد تعلق خطامها بالشجرة فالله أفرح بتوبة عبده من هذا براحلته # وهذه فرحة إحسان وبر ولطف لا فرحة محتاج إلى توبة عبده منتفع بها وكذلك ~~موالاته لعبده إحسانا إليه ومحبة له وبرا به لا يتكثر به من قلة ولا يتعزز ~~به من ذلة ولا ينتصر به من غلبة ولا يعده لنائبة ولا يستعين به في أمر @QB@ ~~وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في ms0148 الملك ولم يكن له ولي ~~من الذل وكبره تكبيرا @QE@ فنفى أن يكون له ولي من الذل والله ولي الذين ~~آمنوا وهم أولياؤه # فهذا شأن الرب وشأن العبد وهم يقيمون أعذار أنفسهم ويحملون ذنوبهم على ~~أقداره # استأثر الله بالمحامد والمجد % وولي الملامة الرجلا # وما أحسن قول القائل # تطوي المراحل عن حبيبك دائبا وتظل تبكيه بدمع ساجم # كذبتك نفسك لست من أحبابه % تشكو البعاد وأنت عين الظالم PageV01P195 # | فصل فهذا أحد المعنيين في قوله إن من حقائق التوبة طلب أعذار # الخليقة وقد ظهر لك بهذا أن طلب أعذارهم في الجناية عائد على التوبة ~~بالنقض والإبطال # المعنى الثاني أن يكون مراده إقامة أعذارهم في إساءتهم إليك وجنايتهم ~~عليك والنظر في ذلك إلى الأقدار وأن أفعالهم بمنزلة حركات الأشجار فتعذرهم ~~بالقدر في حقك لا في حق ربك فهذا حق وهو من شأن سادات العارفين وخواص ~~أولياء الله الكمل لفني أحدهم عن حقه ويستوفي حق ربه ينظر في التفريط في ~~حقه وفي الجناية عليه إلى القدر وينظر في حق الله إلى الأمر فيطلب لهم ~~العذر في حقه ويمحو عنهم العدر ويطلبه في حق الله # وهذه كانت حال نبينا كما قالت عائشة رضي الله عنها ما انتقم رسول الله ~~لنفسه قط ولا نيل منه شيء فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا ~~انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله # وقالت عائشة رضي الله عنها أيضا ما ضرب رسول الله بيده خادما ولا دابة ~~ولا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله # وقال أنس رضي الله عنه خدمت النبي عشر سنين فما قال لي شيء صنعته لم ~~صنعته ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنعه وكان إذا عاتبني بعض أهله يقول دعوه ~~فلو قضي شيء لكان # فانظر إلى نظره إلى القدر عند حقه وقيامه بالأمر وقطع يد المرأة عند حق ~~الله ولم يقل هناك القدر حكم عليها # وكذلك عزمه على تحريق المتخلفين عن الصلاة معه في الجماعة ولم يقل لو قضى ~~لهم الصلاة ms0149 لكانت PageV01P196 # وكذلك جمة المرأة والرجل لما زنيا ولم يحتج في ذلك لهما بالقدر # وكذلك فعله في العرنيين الذين قتلوا راعيه واستاقوا الذود وكفروا بعد ~~إسلامهم ولم يقل قدر عليهم بل أمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمرت ~~أعينهم وتركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا عطشا إلى غير ذلك مما ~~يطول بسطه # وكان رسول الله أعرف بالله وبحقه من أن يحتج بالقدر على ترك أمره ويقبل ~~الإحتجاج به من أحد ومع هذا فعذر أنسا بالقدر في حقه وقال لو قضى شيء لكان ~~فصلوات الله وسلامه عليه # فهذا المعنى الثاني وإن كان حقا لكن ليس هو من شرائط التوبة ولا من ~~أركانها ولا له تعلق بها فإنه لو لم يقم أعذارهم في إساءتهم إليه لما نقص ~~ذلك شيئا من توبته فما أراد إلا المعنى الأول وقد عرفت ما فيه # ولا ريب أن صاحب المنازل إنما أراد أن يعذرهم بالقدر ويقيم عليهم حكم ~~الأمر فينظر بعين القدر ويعذرهم بها وينظر بعين الأمر ويحملهم عليها ~~بموجبها فلا يحجبه مطالعة الأمر عن القدر ولا ملاحظة القدر عن الأمر # فهذا وإن كان حقا لا بد منه فلا وجه لعذرهم وليس عذرهم من التوبة في شيء ~~ألبتة ولو كان صحيحا فضلا عن كونه باطلا فلا هم معذورون ولا طلب عذرهم من ~~حقائق التوبة بل التحقيق أن الغيرة لله والغضب له من حقائق التوبة فتعطيل ~~عذر الخليقة في مخالفة الأمر والنهي وشدة الغضب هو من علامات تعظيم الحرمة ~~وذلك بأن يكون من حقائق التوبة أولى من عذر مخالفة الأمر والنهي # ولا سيما أنه يدخل في هذا عذر عباد الأصنام والأوثان وقتلة الأنبياء ~~وفرعون وهامان ونمروذ بن كنعان وأبو جهل وأصحابه وإبليس وجنوده PageV01P197 ~~وكل كافر وظالم ومتعد حدود الله ومنتهك محارم الله فإنهم كلهم تحت القدر ~~وهم من الخليقة أفيكون عذر هؤلاء من حقيقة التوبة # فهذا مما أوجبه السير في طريق الفناء في توحيد الربوبية وجعله الغاية ~~التي يشمر إليها السالكون # ثم أي موافقة للمحبوب في ms0150 عذر من لا يعذره هو بل قد اشتد غضبه عليه وأبعده ~~عن قربه وطرده عن بابه ومقته أشد المقت فإذا عذرته فهل يكون عذره إلا تعرضا ~~لسخط المحبوب وسقوطا من عينه # ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه وإساءة الظن به فمحله من ~~العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يجهل وكل ~~أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه والكامل من ~~عد خطؤه ولا سيما في مثل هذا المجال الضنك والمعترك الصعب الذي زلت فيه ~~أقدام وضلت فيه أفهام وافترقت بالسالكين فيه الطرقات وأشرفوا إلا أقلهم على ~~أودية الهلكات # وكيف لا وهو البحر الذي تجري سفينة راكبه في موج كالجبال والمعترك الذي ~~تضاءلت لشهوده شجاعة الأبطال وتحيرت فيه عقول ألباء الرجال ووصلت الخليقة ~~إلى ساحله يبغون ركوبه # فمنهم من وقف مطرقا دهشا لا يستطيع أن يملأ منه عينه ولا ينقل عن موقفه ~~قدمه قد امتلأ قلبه بعظمة ما شاهد منه فقال الوقوف على الساحل أسلم وليس ~~بلبيب من خاطر بنفسه # ومنهم من رجع على عقبيه لما سمع هديره وصوت أمواجه ولم يطق نظرا إليه # ومنهم من رمى بنفسه في لججه تخفضه موجة وترفعه أخرى # فهؤلاء الثلاثة على خطر إذ الواقف على الساحل عرضة لوصول الماء ~~PageV01P198 تحت قدميه والهارب ولو جد في الهرب فماله مصير إلا إليه ~~والمخاطر ناظر إلى الغرق كل ساعة بعينيه وما نجا من الخلق إلا الصنف الرابع ~~وهم الذين انتظروا موافاة سفينة الأمر فلما قربت منهم ناداهم الربان اركبوا ~~فيها بسم الله مجريها ومرساها فهي سفينة نوح حقا وسفينة من بعده من الرسل ~~من ركبها نجا ومن تخلف عنها الغرقى فركبوا سفينة الأمر بالقدر تجري بهم في ~~تصاريف أمواجه على حكم التسليم لمن بيده التصرف في البحار فلم يك إلا غفوة ~~حتى قيل لأرض الدنيا وسمائها يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء ~~وقضى الأمر واستوت على وجودي دار القرار # والمتخلفون عن السفينة كقوم نوح أغرقوا ms0151 ثم أحرقوا ونودي عليهم على رؤوس ~~العالمين @QB@ وقيل بعدا للقوم الظالمين @QE@ @QB@ وما ظلمناهم ولكن كانوا ~~هم الظالمين @QE@ ثم نودي بلسان الشرع والقدر تحقيقا لتوحيده وإثباتا لحجته ~~وهو أعدل العادلين @QB@ قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين @QE@ # | فصل وراكب هذا البحر في سفينة الأمر وظيفته مصادمة أمواج القدر # ومعارضتها بعضها ببعض وإلا هلك فيرد القدر بالقدر وهذا سير أرباب العزائم ~~من العارفين وهو معنى قول الشيخ العارف القدوة عبد القادر الكيلاني الناس ~~إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا إلا إلاأنا فانفتحت لي فيه روزنة ~~فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والرجل من يكون منازعا للقدر لا من يكون ~~مستسلما مع القدر ولا تتم مصالح العباد في معاشهم إلا بدفع الأقدار بعضها ~~ببعض فكيف في معادهم # والله تعالى أمر أن تدفع السيئة وهي من قدره بالحسنة وهي من قدره وكذلك ~~الجوع من قدره وأمر بدفعه بالأكل الذي هو من قدره ولو استسلم PageV01P199 ~~العبد لقدر الجوع مع قدرته على دفعه بقدر الأكل حتى مات مات عاصيا وكذلك ~~البرد والحر والعطش كلها من أقداره وأمر بدفعها بأقدار تضادها والدافع ~~والمدفوع والدفع من قدره # وقد أفصح النبي عن هذا المعنى كل الإفصاح إذ قالوا يا رسول الله أرأيت ~~أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقى نتقى بها هل ترد من قدر الله شيئا ~~قال هي من قدر الله \ ح \ # وفي الحديث الآخر إن الدعاء والبلاء ليعتلجان بين السماء والأرض \ ح \ # وإذا طرق العدو من الكفار بلد الإسلام طرقوه بقدر الله أفيحل للمسلمين ~~الإستسلام للقدر وترك دفعه بقدر مثله وهو الجهاد الذي يدفعون به قدر الله ~~بقدره # وكذلك المعصية إذا قدرت عليك وفعلتها بالقدر فادفع موجبها بالتوبة النصوح ~~وهي من القدر # | فصل ودفع القدر بالقدر نوعان # أحدهما دفع القدر الذي قد انعقدت أسبابه ولما يقع بأسباب أخرى من القدر ~~تقابله فيمتنع وقوعه كدفع العدو بقتاله ودفع الحر والبرد ونحوه # الثاني دفع القدر الذي وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله كذفع قدر المرض ~~بقدر التداوي ودفع قدر ms0152 الذنب بقدر التوبة ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان # فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار لا الإستسلام لها وترك الحركة والحيلة ~~فإنه عجز والله تعالى يلوم على العجز فإذا غلب العبد وضاقت به الحيل ولم ~~يبق له مجال فهنالك الإستسلام للقدر والأنطراح كالميت بين يدي الغاسل يقلبه ~~كيف يشاء وهنا ينفع الفناء في القدر علما وحالا وشهودا وأما في حال ~~PageV01P200 القدرة وحصول الأسباب فالفناء النافع أن يفنى عن الخلق بحكم ~~الله وعن هواه بأمر الله وعن إرادته ومحبته بإرادة الله ومحبته وعن حوله ~~وقوته بحول الله وقوته وإعانته فهذا الذي قام بحقيقة @QB@ إياك نعبد وإياك ~~نستعين @QE@ علما وحالا وبالله المستعان # | فصل قال صاحب المنازل وسرائر حقيقة التوبة ثلاثة أشياء تمييز # التقية من العزة ونسيان الجناية والتوبة من التوبة لأن التائب داخل في ~~الجميع من قوله تعالى @QB@ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم ~~تفلحون @QE@ فأمر التائب بالتوبة # تمييز التقية من العزة أن يكون المقصود من التوبة تقوي الله وهو خوفه ~~وخشيته والقيام بأمره واجتناب نهيه فيعمل بطاعة الله على نور من الله يرجو ~~ثواب الله ويترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله لا يريد بذلك ~~عز الطاعة فإن للطاعة وللتوبة عزا وظاهرا وباطنا فلا يكون مقصوده العزة وإن ~~علم أنها تحصل له بالطاعة والتوبة فمن تاب لأجل العزة فتوبته مدخولة وفي ~~بعض الآثار أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء قل لفلان الزاهد أما زهدك ~~في الدنيا فقد تعجلت به الراحة وأما انقطاعك إلي فقد اكتسبت به العزة ولكن ~~ما عملت فيما لي عليك قال يا رب وما لك علي بعد هذا قال هل واليت في وليا ~~أو عاديت في عدوا # يعني أن الراحة والعز حظك وقد نلتهما بالزهد والعبادة ولكن أين القيام ~~بحقي وهو الموالاة في والمعاداة في # فالشأن في التفريق في الأوامر بين حظك وحق ربك علما وحالا # وكثير من الصادقين قد يلتبس عليهم حال نفوسهم في ذلك ولا يميزه إلا أولو ~~البصائر منهم وهم في الصادقين ms0153 كالصادقين في الناس PageV01P201 وأما نسيان ~~الجناية فهذا موضع تفصيل فقد اختلف فيه أرباب الطريق # فمنهم من رأى الإشتغال عن ذكر الذنب والإعراض عنه صفحا فصفاء الوقت مع ~~الله تعالى أولى بالتائب وأنفع له ولهذا قيل ذكر الجفا في وقت الصفا جفا # ومنهم من رأى أن الأولى أن لا ينسى ذنبه بل لا يزال جاعلا له نصب عينيه ~~يلاحظه كل وقت فيحدث له ذلك انكسارا وذلا وخضوعا أنفع له من جمعيته وصفاء ~~وقته # قالوا ولهذا نقش داود الخطيئة في كفه وكان ينظر إليها ويبكي # قالوا ومتى تهت عن الطريق فارجع إلى ذنبك تجد الطريق # ومعنى ذلك أنك إذا رجعت إلى ذنبك انكسرت وذللت وأطرقت بين يدي الله عز ~~وجل خاشعا ذليلا خائفا وهذه طريق العبودية # والصواب التفصيل في هذه المسألة وهو أن يقال إذا أحس العبد من نفسه حال ~~الصفاء غيما من الدعوى ورقيقة من العجب ونسيان المنة وخطفته نفسه عن حقيقة ~~فقره ونقصه فذكر الذنب أنفع له وإن كان في حال مشاهدته منة الله عليه وكمال ~~افتقاره إليه وفنائه به وعدم استغنائه عنه في ذرة من ذراته وقد خالط قلبه ~~حال المحبة والفرح بالله والأنس به والشوق إلى لقائه وشهود سعة رحمته وحلمه ~~وعفوه وقد أشرقت على قلبه أنوار الأسماء والصفات فنسيان الجناية والإعراض ~~عن الذنب أولى به وأنفع فإنه متى رجع إلى ذكر الجناية توارى عنه ذلك ونزل ~~من علو إلى أسفل ومن حال إلى حال بينهما من التفاوت أبعد مما بين السماء ~~والأرض وهذا من حسد الشيطان له أراد أن يحطه عن مقامه وسير قلبه في ميادين ~~المعرفة والمحبة والشوق إلى وحشة الإساءة وحصر الجناية # والأول يكون شهوده لجنايته منة من الله من بها عليه ليؤمنه بها من مقت ~~PageV01P202 الدعوى وحجاب الكبر الخفي الذي لا يشعر به فهذا لون وهذا لون # وهذا المحل فيه أمر وراء العبارة وبالله التوفيق وهو المستعان # | فصل وأما التوبة من التوبة فهي من المجملات التي يراد بها حق وباطل # ويكون مراد المتكلم بها ms0154 حقا فيطلقه من غير تمييز # فإن التوبة من أعظم الحسنات والتوبة من الحسنات من أعظم السيئات وأقبح ~~الجنايات بل هي كفر إن أخذت على ظاهرها ولا فرق بين التوبة من التوبة ~~والتوبة من الإسلام والإيمان فهل يسوغ أن يقال بالتوبة من الإيمان # ولكن مرادهم أن يتوب من رؤية التوبة فإنها إنما حصلت له بمنة الله ~~ومشيئته ولو خلي ونفسه لم تسمح بها ألبتة فإذا رآها وشهد صدورها منه ~~ووقوعها به وغفل عن منه الله عليه تاب من هذه الرؤية والغفلة ولكن هذه ~~الرؤية والغفلة ليست هي التوبة ولا جزءا منها ولا شرطا لها بل هي جناية ~~أخرى عرضت له بعد التوبة فيتوب من هذه الجناية كما تاب من الجناية الأولى # فما تاب إلا من ذنب أولا وأخرا فكيف يقال يتوب من التوبة # هذا كلام غير معقول ولا هو توبة صحيح في نفسه بل قد يكون في التوبة علة ~~ونقص وآفة تمنع كما لها وقد يشعر صاحبها بذلك وقد لا يشعر به فيتوب من ~~نقصان التوبة وعدم توفيتها حقها # وهذا أيضا ليس من التوبة وإنما هو من عدم التوبة فإن القدر الموجود منها ~~طاعة لا يتاب منها والقدر المفقود هو الذي يحتاج أن يتوب منه PageV01P203 # فالتوبة من التوبة إنما تعقل على أحد هذين الوجهين # نعم ههنا وجه ثالث لطيف جدا وهو أن من حصل له مقام أنس بالله وصفا وقته ~~مع الله بحيث يكون إقباله على الله واشتغاله بذكر آلائه وأسمائه وصفاته ~~أنفع شيء له حتى نزل عن هذه الحالة واشتغل بالتوبة من جناية سالفة قد تاب ~~منها وطالع الجنابة واشتغل بها عن الله فهذا نقص ينبغي له أن يتوب إلى الله ~~منه وهو توبة من هذه التوبة لأنه نزول من الصفاء إلى الجفاء والله أعلم # | فصل قال صاحب المنازل ولطائف أسرار التوبة ثلاثة أشياء أولها أن # ينظر الجناية والقضية فيعرف مراد الله فيها إذ خلاك وإتيانها فإن الله عز ~~وجل إنما خلى العبد والذنب لأجل معنيين # أحدهما أن يعرف عزته ms0155 في قضائه وبره في ستره وحلمه في إمهال راكبه وكرمه ~~في قبول العذر منه وفضله في مغفرته # الثاني أن يقيم على عبده حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته # اعلم أن صاحب البصيرة إذا صدرت منه الخطيئة فله نظر إلى خمسة أمور # أحدها أن ينظر إلى أمر الله ونهيه فيحدث له ذلك الإعتراف بكونها خطيئة ~~والإقرار على نفسه بالذنب # الثاني أن ينظر إلى الوعد والوعيد فيحدث له ذلك خوفا وخشية تحمله على ~~التوبة # الثالث أن ينظر إلى تمكين الله له منها وتخليته بينه وبينها وتقديرها ~~عليه وأنه لو شاء لعصمه منها فيحدث له ذلك أنواعا من المعروفة بالله ~~وأسمائه وصفاته وحكمته ورحمته ومغفرته وعفوه وحلمه وكرمه وتوجب له هذه ~~المعرفة عبودية بهذه الأسماء لا تحصل بدون لوازمها ألبتة ويعلم ارتباط ~~الخلق PageV01P204 والأمر والجزاء والوعد والوعيد بأسمائه وصفاته وأن ذلك ~~موجب الأسماء والصفات وأثرها في الوجود وأن كل اسم وصفة مقتض لأثره وموجبه ~~متعلق به لا بد منه # وهذا المشهد يطلعه على رياض مونقة من المعارف والإيمان وأسرار القدر ~~والحكمة يضيق عن التعبير عنها نطاق الكلم # فمن بعضها ما ذكره الشيخ أن يعرف العبد عزته في قضائه وهو أنه سبحانه ~~العزيز الذي يقضي بماء يشاء وأنه لكمال عزته حكم على العبد وقضى عليه بأن ~~قلب قلبه وصرف إرادته على ما يشاء وحال بين العبد وقلبه وجعله مريدا شائيا ~~لما شاء منه العزيز الحكيم وهذا من كمال العزة إذ لا يقدر على ذلك إلا الله ~~وغاية المخلوق أن يتصرف في بدنك وظاهرك وأما جعلك مريدا شائبا لما يشاؤه ~~منك ويريده فلا يقدر عليه إلا ذو العزة الباهرة # فإذا عرف العبد عز سيده ولاحظه بقلبه وتمكن شهوده منه كان الإشتغال به عن ~~ذل المعصية أولى به وأنفع له لأنه يصير مع الله لا مع نفسه # ومن معرفة عزته في قضائه أن يعرف أنه مدبر مقهور ناصيته بيد غيره لا عصمة ~~له إلا بعصمته ولا توفيق له إلا بمعونته فهو ذليل حقير في قبضة عزيز ms0156 حميد # ومن شهود عزته أيضا في قضائه أن يشهد أن الكمال والحمد والغناء التام ~~والعزة كلها لله وأن العبد نفسه أولى بالتقصير والذم والعيب والظلم والحاجة ~~وكلما ازداد شهوده لذله ونقصه وعيبه وفقره ازداد شهوده لعزة الله وكماله ~~وحمده وغناه وكذلك بالعكس فنقص الذنب وذلته يطلعه على مشهد العزة # ومنها أن العبد لا يريد معصية مولاه من حيث هي معصية فإذا شهد جريان ~~الحكم وجعله فاعلا لما هو غير مختار له مريد بإرادته ومشيئته واختياره ~~فكأنه مختار غير مختار مريد غير مريد شاءغير شاء فهذا يشهد عزة الله وعظمته ~~وكمال قدرته PageV01P205 # ومنها أن يعرف بره سبحانه في ستره عليه حال ارتكاب المعصية مع كمال رؤيته ~~له ولو شاء لفضحه بين خلقه فحذروه وهذا من كمال بره ومن أسمائه البر وهذا ~~البر من سيده كان عن به كمال غناه عنه وكمال فقر العبد إليه فيشتغل بمطالعة ~~هذه المنة ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم فيذهل عن ذكر الخطيئة فيبقى مع ~~الله سبحانه وذلك أنفع له من الإشتغال بجنايته وشهود ذل معصيته فإن ~~الإشتغال بالله والغفلة عما سواه هو المطلب الأعلى والمقصد الأسني # ولا يوجب هذا نسيان الخطيئة مطلقا بل في هذه الحال فإذا فقدها فليرجع إلى ~~مطالعة الخطيئة وذكر الجناية ولكل وقت ومقام عبودية تليق به # ومنها شهود حلم الله سبحانه وتعالى في إمهال راكب الخطيئة ولو شاء لعاجله ~~بالعقوبة ولكنه الحليم الذي لا يعجل فيحدث له ذلك معرفة ربه سبحانه باسمه ~~الحليم ومشاهدة صفة الحلم والتعبد بهذا الإسم والحكمة والمصلحة الحاصلة من ~~ذلك بتوسط الذنب أحب إلى الله وأصلح للعبد وأنفع من فوتها ووجود الملزوم ~~بدون لازمه ممتنع # ومنها معرفة العبد كرم ربه في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه بنحو ما ~~تقدم من الإعتذار لا بالقدر فإنه مخاصمة ومحاجة كما تقدم فيقبل عذره بكرمه ~~وجوده فيوجب له ذلك اشتغالا بذكره وشكره ومحبة أخرى لم تكن حاصلة له قبل ~~ذلك فإن محبتك لمن شكرك على إحسانك وجازاك به ثم غفر لك ms0157 إساءتك ولم يؤاخذك ~~بها أضعاف محبتك على شكر الإحسان وحده والواقع شاهد بذلك فعبودية التوبة ~~بعد الذنب لون وهذا لون آخر # ومنها أن يشهد فضله في مغفرته فإن المغفرة فضل من الله وإلا فلو أخذك ~~بمحض حقه كان عادلا محمودا وإنما عفوه بفضله لا بإستحقاقك فيوجب لك ذلك ~~أيضا شكرا له ومحبة وإنابه إليه وفرحا وابتهاجا به ومعرفة له باسمه الغفار ~~ومشاهدة لهذه الصفة وتعبدا بمقتضاها وذلك أكمل في العبودية والمحبة ~~والمعرفة PageV01P206 # ومنها أن يكمل لعبده مراتب الذل والخضوع والإنكسار بين يديه والإفتقار ~~إليه فإن النفس فيها مضاهات للربوبية ولو قدرت لقالت كقول فرعون ولكنه قدر ~~فأظهر وغيره عجز فأضمر وإنما يخلصها من هذه المضاهاة ذل العبودية وهو أربع ~~مراتب # المرتبة الأولى مشتركة بين الخلق وهي ذل الحاجة والفقر إلى الله فأهل ~~السموات والأرض جميعا محتاجون إليه فقراء إليه وهو وحده الغني عنهم وكل أهل ~~السموات والأرض يسألونه وهو لا يسأل أحدا # المرتبة الثانية ذل الطاعة والعبودية وهو ذل الإختيار وهذا خاص بأهل ~~طاعته وهو سر العبودية # المرتبة الثالثة ذل المحبة فإن المحب ذليل بالذات وعلى قدر محبته له يكون ~~ذله فالمحبة أسست على الذلة للمحبوب كما قيل # اخضع وذل لمن تحب فليس في % حكم الهوى أنف يشال ويعقد # وقال آخر # مساكين أهل الحب حتى قبورهم % عليها تراب الذل بين المقابر # المرتبة الرابعة ذل المعصية والجناية # فإذا اجتمعت هذه المراتب الأربع كان الذل لله والخضوع له أكمل وأتم إذ ~~يذل له خوفا وخشية ومحبة وإنابة وطاعة وفقرا وفاقة # وحقيقة ذلك هو الفقر الذي يشير إليه القوم وهذا المعنى أجل من أن يسمى ~~بالفقر بل هو لب العبودية وسرها وحصوله أنفع شيء للعبد وأحب شيء إلى الله ~~PageV01P207 # فلا بد من تقدير لوازمه من أسباب الضعف والحاجة وأسباب العبودية والطاعة ~~وأسباب المحبة والإنابة وأسباب المعصية والمخالفة إذ وجود الملزوم بدون ~~لازمه ممتنع والغاية من تقدير عدم هذا الملزوم ولازمه مصلحة وجوده خير من ~~مصلحة فوته ومفسدة فوته أكبر من مفسدة وجوده والحكمة ms0158 مبناها على دفع أعظم ~~المفسدتين بإحتمال أدناهما وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وقد فتح ~~لك الباب فإن كنت من أهل المعرفة فادخل وإلا فرد الباب وارجع بسلام # ومنها أن أسماءه الحسنى تقتصي آثارها اقتضاء الأسباب التامة لمسبباتها ~~فاسم السميع البصير يقتضي مسموعا ومبصرا واسم الرزاق يقتضي مرزوقا واسم ~~الرحيم يقتضي مرحوما وكذلك أسماء الغفور والعفو والتواب والحليم يقتضي من ~~يغفر له ويتوب عليه ويعفو عنه ويحلم ويستحيل تعطيل هذه الأسماء والصفات إذ ~~هي أسماء حسنى وصفات كمال ونعوت جلال وأفعال حكمة وإحسان وجود فلا بد من ~~ظهور آثارها في العالم وقد أشار إلى هذا أعلم الخلق بالله صلوات الله ~~وسلامه عليه حيث يقول لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم ~~يستغفرون فيغفر لهم \ ح \ # وأنت إذا فرضت الحيوان بجملته معدوما فمن يرزق الرزاق سبحانه وإذا فرضت ~~المعصية والخطيئة منتفية من العالم فلمن يغفر وعمن يعفو وعلى من يتوب ويحلم ~~وإذا فرضت الفاقات كلها قد سدت والعبيد أغنياء معافون فأين السؤال والتضرع ~~والإبتهال والإجابة وشهود الفضل والمنة والتخصيص بالإنعام والإكرام # فسبحان من تعرف إلى خلقه بجميع أنواع التعرفات ودلهم عليه بأنواع ~~الدلالات وفتح لهم إليه جميع الطرقات ثم نصب إليه الصراط المستقيم وعرفهم ~~PageV01P208 به ودلهم عليه @QB@ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ~~وإن الله لسميع عليم @QE@ # | فصل ومنها السر الأعظم الذي لا تقتحمه العبارة ولا تجسر عليه # الإشارة ولا ينادي عليه منادي الإيمان على رءوس الأشهاد بل شهدته قلوب ~~خواص العباد فازدادت به معرفة لربها ومحبة له وطمأنينة به وشوقا إليه ولهجا ~~بذكره وشهودا لبره ولطفه وكرمه وإحسانه ومطالعة لسر العبودية وإشرافا على ~~حقيقة الإلهية وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله لله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان عليه ~~راحلة بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة ~~فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو ms0159 كذلك إذا هو بها قائمة عنده ~~فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة ~~الفرح هذا لفظ مسلم # وفي الحديث من قواعد العلم أن اللفظ الذي يجري على لسان العبد خطأ من فرح ~~شديد أو غيظ شديد ونحوه لا يؤاخذ به ولهذا لم يكن هذا كافرا بقوله أنت عبدي ~~وأنا ربك # ومعلوم أن تأثير الغضب في عدم القصد يصل إلى هذه الحال أو أعظم منها فلا ~~ينبغي مؤاخذة الغضبان بما صدر منه في حال شدة غضبه من نحو هذا الكلام ولا ~~يقع طلاقه بذلك ولا ردته وقد نص الإمام أحمد على تفسير الإغلاق في قوله لا ~~طلاق في إغلاق \ ح \ بأنه الغضب وفسره به غير واحد من الأئمة وفسروه ~~بالإكراه والجنون # قال شيخنا وهو يعم هذا كله وهو من الغلق لإنغلاق قصد المتلكم عليه فكأنه ~~لم ينفتح قلبه لمعنى ما قاله PageV01P209 # والقصد أن هذا الفرح له شأن ينبغي للعبد أهماله والإعراض عنه ولا يطلع ~~عليه إلا من له معرفة خاصة بالله وأسمائه وصفاته وما يليق بعز جلاله # وقد كان الأولى بنا طي الكلام فيه إلى ما هو اللائق بأفهام بني الزمان ~~وعلومهم ونهاية أقدامهم من المعرفة وضعف عقولهم عن احتماله # غير أنا نعلم أن الله عز وجل سيسوق هذه البضاعة إلى تجارها ومن هو عارف ~~بقدرها وإن وقعت في الطريق بيد من ليس عارفا بها فرب حامل فقه ليس بفقيه ~~ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه # فاعلم أن الله سبحانه وتعالى اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرمه ~~وفضله وشرفه وخلقه لنفسه وخلق كل شيء له وخصه من معرفته ومحبته وقربه ~~وإكرامه بما لم يعطه غيره وسخر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما حتى ~~ملائكته الذين هم أهل قربه استخدمهم له وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته ~~وظعنه وإقامته وأنزل إليه وعليه كتبه وأرسله وأرسل إليه وخاطبه وكلمه منه ~~إليه واتخذ منهم الخليل والكليم والأولياء والخواص والأحبار وجعلهم معدن ms0160 ~~أسراره ومحل حكمته وموضع حبه وخلق لهم الجنة والنار فالخلق والأمر والثواب ~~والعقاب مداره على النوع الإنساني فإنه خلاصة الخلق وهو المقصود بالأمر ~~والنهي وعليه الثواب والعقاب # فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات وقد خلق أباه بيده ونفخ فيه من روحه ~~وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأظهر فضله على الملائكة فمن دونهم من ~~جميع المخلوقات وطرد إبليس عن قربه وأبعده عن بابه إذ لم يسجد له مع ~~الساجدين واتخذه عدوا له # فالمؤمن من نوع الإنسان خير البرية على الإطلاق وخيرة الله من العالمين ~~فإنه خلقه ليتم نعمته عليه وليتواتر إحسانه إليه وليخصه من كرامته وفضله ~~بما لم تنله أمنيته ولم يخطر على باله ولم يشعر به ليسأله من المواهب ~~والعطايا الباطنة PageV01P210 والظاهرة العاجلة والآجلة التي لا تنال إلا ~~بمحبته ولا تنال محبته إلا بطاعته وإيثاره على ما سواه فاتخذه محبوبا له ~~وأعد له أفضل ما يعده محب غني قادر جواد لمحبوبه إذا قدم عليه وعهد إليه ~~عهدا تقدم إليه فيه بأوامره ونواهيه وأعلمه في عهده ما يقربه إليه ويزيده ~~محبة له وكرامة عليه وما يبعده منه ويسخطه عليه ويسقطه من عينه # وللمحبوب عدو هو أبغض خلقه إليه قد جاهره بالعداوة وأمر عباده أن يكون ~~دينهم وطاعتهم وعبادتهم له دون وليهم ومعبودهم الحق واستقطع عباده واتخذ ~~منهم حزبا ظاهروه ووالوه على ربهم وكانوا أعداء له مع هذا العدو يدعون إلى ~~سخطه ويطعنون في ربوبيته وإلهيته ووحدانيته ويسبونه ويكذبونه ويفتنون ~~أولياءه ويؤذونهم بأنواع الأذى ويجهدون على إعدامهم من الوجود وإقامة ~~الدولة لهم ومحو كل ما يحبه الله ويرضاه وتبديله بكل ما يسخطه ويكرهه فعرفه ~~بهذا العدو وطرائقهم وأعمالهم ومالهم وحذره موالاتهم والدخول في زمرتهم ~~والكون معهم # وأخبره في عهده أنه أجود الأجودين وأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين وأنه ~~سبقت رحمته غضبه وحلمه عقوبته وعفوه مؤاخذته وأنه قد أفاض على خلقه النعمة ~~وكتب على نفسه الرحمة وأنه يحب الإحسان والجود والعطاء والبر وأن الفضل كله ~~بيده والخير كله منه والجود كله له وأحب ms0161 ما إليه أن يجود على عباده ويوسعهم ~~فضلا ويغمرهم إحسانا وجودا ويتم عليهم نعمته ويضاعف لديهم منته ويتعرف ~~إليهم بأوصافه وأسمائه ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه # فهو الجواد لذاته وجود كل جواد خلقه الله ويخلقه أبدا أقل من ذرة بالقياس ~~إلى جوده فليس الجواد على الإطلاق إلا هو وجود كل جواد فمن جوده ومحبته ~~للجود والإعطاء والإحسان والبر والإنعام والإفضال فوق ما يخطر PageV01P211 ~~ببال الخلق أو يدور في أوهامهم وفرحه بعطائه وجوده وإفضاله أشد من فرح ~~الآخذ بما يعطاه ويأخذه أحوج ما هو إليه أعظم ما كان قدرا فإذا اجتمع شدة ~~الحاجة وعظم قدر العطية والنفع بها فما الظن بفرح المعطي ففرح المعطي ~~سبحانه بعطائه أشد وأعظم من فرح هذا بما يأخذه ولله المثل الأعلى إذ هذا ~~شأن الجواد من الخلق فإنه يحصل له من الفرح والسرور والإبتهاج واللذة ~~بعطائه وجوده فوق ما يحصل لمن يعطيه ولكن الآخذ غائب بلذة أخذه عن لذة ~~المعطي وابتهاجه وسروره هذا مع كمال حاجته إلى ما يعطيه وفقره إليه وعدم ~~وثوقه بإستخلاف مثله وخوف الحاجة إليه عند ذهابه والتعرض لذل الإستعانة ~~بنظيره ومن هو دونه ونفسه قد طبعت على الحرص والشح # فما الظن بمن تقدس وتنزه عن ذلك كله ولو أن أهل سماواته وأرضه وأول خلقه ~~وآخرهم وإنسهم وجنهم ورطبهم ويابسهم قاموا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كل ~~واحد ما سأله ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة # وهو الجواد لذاته كما أنه الحي لذاته العليم لذاته السميع البصير لذاته ~~فجوده العالي من لوازم ذاته والعفو أحب إليه من الإنتقام والرحمة أحب إليه ~~من العقوبة والفضل أحب إليه من العدل والعطاء أحب إليه من المنع # فإذا تعرض عبده ومحبوبه الذي خلقه لنفسه وأعد له أنواع كرامته وفضله على ~~غيره وجعله محل معرفته وأنزل إليه كتابه وأرسل إليه رسوله واعتنى بأمره ولم ~~يهمله ولم يتركه سدى فتعرض لغضبه وارتكب مساخطه وما يكرهه وأبق منه ووالى ~~عدوه وظاهره عليه وتحيز إليه وقطع طريق نعمه وإحسانه إليه التي ms0162 هي أحب شيء ~~إليه وفتح طريق العقوبة والغضب والإنتقام فقد استدعى من الجواد الكريم خلاف ~~ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبر وتعرض لإغضابه وإسخاطه وانتقامه ~~وأن يصير غضبه وسخطه في موضع رضاه وانتقامه وعقوبته في موضع كرمه وبره ~~وعطائه فاستدعى بمعصيته من أفعاله PageV01P212 ما سواه أحب إليه منه وخلاف ~~ما هو من لوازم ذاته من الجود والإحسان # فبينما هو حبيبه المقرب المخصوص بالكرامة إذا انقلب آبقا شاردا رادا ~~لكرامته مائلا عنه إلى عدوه مع شدة حاجته إليه وعدم استغنائه عنه طرفة عين # فبينما ذلك الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته ناسيا لسيده منهمكا في ~~موافقة عدوه قد استدعى من سيده خلاف ما هو أهله إذ عرضت له فكرة فتذكر بر ~~سيده وعطفه وجوده وكرمه وعلم أنه لا بد له من وأن مصيره إليه وعرضه عليه ~~وأنه إن لم يقدم عليه بنفسه قدم به عليه على أسوأ الأحوال ففر إلى سيده من ~~بلد عدوه وجد في الهرب إليه حتى وصل إلى بابه فوضع خده على عتبة بابه وتوسد ~~ثرى أعتابه متذللا متضرعا خاشعا باكيا آسفا يتملق سيده ويسترحمه ويستعطفه ~~ويعتذر إليه قد ألقى بيده إليه واستسلم له وأعطاه قياده وألقى إليه زمامه ~~فعلم سيده ما في قلبه فعاد مكان الغضب عليه رضا عنه ومكان الشدة عليه رحمة ~~به وأبدله بالعقوبة عفوا وبالمنع عطاء وبالمؤاخذة حلما فاستدعى بالتوبة ~~والرجوع من سيده ما هو أهله وما هو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا فكيف ~~يكون فرح سيده به وقد عاد إليه حبيبه ووليه طوعا واختيارا وراجع ما يحبه ~~سيده منه برضاه وفتح طريق البر والإحسان والجود التي هي أحب إلى سيده من ~~طريق الغضب والإنتقام والعقوبة # وهذا موضع الحكاية المشهورة أنه حصل له شرود وإباق من سيده فرأى في بعض ~~السكك بابا قد فتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي وأمه خلفه تطرده حتى خرج ~~فأغلقت الباب في وجهه ودخلت فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكرا فلم يجد له ~~مأوى غير البيت ms0163 الذي أخرج منه ولا من يؤيه غير والدته فرجع مكسور القلب ~~حزينا فوجد الباب مرتجا فتوسده ووضع خده على عتبة الباب ونام فخرجت أمه ~~فلما رأته على تلك الحال PageV01P213 لم تملك أن رمت نفسها عليه والتزمته ~~تقبله وتبكي وتقول يا ولدي أين تذهب عني ومن يؤيك سواي ألم أقل لك لا ~~تخالفني ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك والشفقة ~~عليك وإرادتي الخير لك ثم أخذته ودخلت # فتأمل قول الأم لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة ~~والشفقة # وتأمل قوله لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها وأين تقع رحمة الوالدة من ~~رحمة الله التي وسعت كل شيء # فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه فإذا تاب ~~إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به # فهذه نبذة يسيرة تطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح هذا ~~الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها # ووراء هذا ما تجفو عنه العبارة وتدق عن إدراكه الأذهان # وإياك وطريقة التعطيل والتمثيل فإن كلا منهما منزل ذميم ومرتع على علاته ~~وخيم ولا يحل لأحدهما أن يجد روائح هذا الأمر ونفسه لأن زكام التعطيل ~~والتمثيل مفسد لحاسة الشم كما هو مفسد لحاسة الذوق فلا يذوق طعم الإيمان ~~ولا يجد ريحه والمحروم كل المحروم من عرض عليه الغني والخير فلم يقبله فلا ~~مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع والفضل بيد الله يوتيه من يشاء والله ~~ذو الفضل العظيم # | فصل هذا إذا نظرت إلى تعلق الفرح الإلهي بالإحسان والجود والبر # وأما إن لاحظت تعلقه بإلهيته وكونه معبودا فذاك مشهد أجل من هذا وأعظم ~~منه وإنما يشهده خواص المحبين PageV01P214 # فإن الله سبحانه إنما خلق لعبادته الجامعة لمحبته والخضوع له وطاعته وهذا ~~هو الحق الذي خلقت به السموات والأرض وهو غاية الخلق والأمر ونفيه كما يقول ~~أعداؤه هو الباطل والعبث الذي نزه الله نفسه عنه وهو السدى الذي نزه نفسه ~~عنه ms0164 أن يترك الإنسان عليه وهو سبحانه يحب أن يعبد ويطاع ولا يعبأ بخلقه ~~شيئا لولا محبتهم له وطاعتهم له ودعاؤهم له # وقد أنكر على من زعم أنه خلقهم لغير ذلك وأنهم لو خلقوا لغير عبادته ~~وتوحيده وطاعته لكان خلقهم عبثا وباطلا وسدى وذلك مما يتعالى عنه أحكم ~~الحاكمين والإله الحق فإذا خرج العبد عما خلق له من الطاعة والعبودية فقد ~~خرج عن أحب الأشياء إليه وعن الغاية التي لأجلها خلقت الخليقة وصار كأنه ~~خلق عبثا لغير شيء إذ لم تخرج أرضه البذر الذي وضع فيها بل قلبته شوكا ~~ودغلا فإذا راجع ما خلق له وأوجد لأجله فقد رجع إلى الغاية التي هي أحب ~~الأشياء إلى خالقه وفاطره ورجع إلى مقتضى الحكمة التي خلق لأجلها وخرج عن ~~معنى العبث والسدى والباطل فاشتدت محبة الرب له فإن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين فأوجبت هذه المحبة فرحا كأعظم ما يقدر من الفرح ولو كان في الفرح ~~المشهود في هذا العالم نوع أعظم من هذا الذي ذكره النبي لذكره ولكن لا فرحة ~~أعظم من فرحة هذا الواجد الفاقد لمادة حياته وبلاغه في سفره بعد إياسه من ~~أسباب الحياة بفقده وهذا كشدة محبته لتوبة التائب المحب إذا اشتدت محبته ~~للشيء وغاب عنه ثم وجده وصار طوع يده فلا فرحة أعظم من فرحته به # فما الظن بمحبوب لك تحبه حبا شديدا أسره عدوك وحال بينك وبينه وأنت تعلم ~~أن العدو سيسومه سوء العذاب ويعرضه لأنواع الهلاك وأنت أولى به منه وهو ~~غرسك وتربيتك ثم إنه انفلت من عدوه ووافاك على غير ميعاد فلم يفجأك إلا وهو ~~على بابك يتملقك ويترضاك ويستعينك ويمرغ خديه على PageV01P215 تراب أعتابك ~~فكيف يكون فرحك به وقد اختصصته لنفسك ورضيته لقربك وآثرته على سواه # هذا ولست الذي أوجدته وخلقته وأسبغت عليه نعمك والله عز وجل هو الذي أوجد ~~عبده وخلقه وكونه وأسبغ عليه نعمه وهو يحب أن يتمها عليه فيصير مظهرا لنعمه ~~قابلا لها شاكرا لها محبا لوليها مطيعا له عابدا له ms0165 معاديا لعدوه مبغضا له ~~عاصيا له والله تعالى يحب من عبده معاداة عدوه ومعصيته ومخالفته كما يحب أن ~~يوالى الله مولاه سبحانه ويطيعه ويعبده فتنصناف محبته لعبادته وطاعته ~~والإنابة إليه إلى محبته لعداوة عدوه ومعصيته ومخالفته فتشتد المحبة منه ~~سبحانه مع حصول محبوبه وهذا هو حقيقة الفرح # وفي صفة النبي في بعض الكتب المتقدمة عبدي الذي سرت به نفسي وهذا لكمال ~~محبته له جعله مما تسر نفسه به سبحانه # ومن هذا ضحكه سبحانه من عبده حين يأتي من عبوديته بأعظم ما يحبه فيضحك ~~سبحانه فرحا ورضا كما يضحك من عبده إذا ثار عن وطائه وفراشه ومضاجعة حبيبه ~~إلى خدمته يتلو آياته ويتملقه # ويضحك من رجل هرب أصحابه عن العدو فأقبل إليه وباع نفسه لله ولقاهم نحره ~~حتى قتل في محبته ورضاه # ويضحك إلى من أخفى الصدقة عن أصحابه لسائل اعترضهم فلم يعطوه فتخلف ~~بأعقابهم وأعطاه سرا حيث لا يراه إلا الله الذي أعطاه فهذا الضحك منه حبا ~~له وفرحا به وكذلك الشهيد حين يلقاه يوم القيامة فيضحك إليه فرحا به ~~وبقدومه عليه # وليس في إثبات هذه الصفات محذور ألبتة فإنه فرح ليس كمثله شيء وضحك ليس ~~كمثله شيء وحكمه حكم رضاه ومحبته وإرادته وسائر صفاته فالباب باب واحد لا ~~تمثيل ولا تعطيل PageV01P216 # وليس ما يلزم به المعطل المثبت إلا ظلم محض وتناقض وتلاعب فإن هذا لو كان ~~لازما للزم رحمته وإرادته ومشيئته وسمعه وبصره وعلمه وسائر صفاته فكيف جاء ~~هذا اللزوم لهذه الصفة دون الأخرى وهل يجد ذو عقل إلى الفرق سبيلا فما ثم ~~إلا التعطيل المحض المطلق أو الإثبات المطلق لكل ما ورد به النص والتناقض ~~لا يرضاه المحصلون # | فصل قوله الثاني أن يقيم على عبده حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته # اعتراف العبد بقيام حجة الله عليه من لوازم الإيمان أطاع أم عصى فإن حجة ~~الله قامت على العبد بإرسال الرسول وإنزال الكتاب وبلوغ ذلك إليه وتمكنه من ~~العلم به سواء علم أو جهل فكل من تمكن من ms0166 معرفة ما أمر الله به ونهى عنه ~~فقصر عنه ولم يعرفه فقد قامت عليه الحجة والله سبحانه لا يعذب أحدا إلا بعد ~~قيام الحجة عليه فإذا عاقبه على ذنبه عاقبه بحجته على ظلمه قال الله تعالى ~~@QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ وقال كلما ألقي فيها فوج سألهم ~~خزنتها ألم يأتكم نذيرا قالو بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله ~~من شيء وقال @QB@ وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون @QE@ # وفي الآية قولان أحدهما ما كان ليهلكها بظلم منهم الثاني ما كان ليهلكها ~~بظلم منه # والمعنى على القول الأول ما كان ليهلكها بظلمهم المتقدم وهم مصلحون الآن ~~أي إنهم بعد أن أصلحوا وتابوا لم يكن ليهلكهم بما سلف منهم من الظلم # وعلى القول الثاني إنه لم يكن ظالما لهم في إهلاكهم فإنه لم يهلكهم وهم ~~مصلحون وإنما أهلكهم وهم ظالمون فهم الظالمون لمخالفتهم وهو العادل ~~PageV01P217 في إهلاكهم والقولان في آية الأنعام أيضا @QB@ ذلك أن لم يكن ~~ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون @QE@ # قيل لم يكن مهلكهم يظلمهم وشركهم وهم غافلون لم ينذروا ولم يأتهم رسول # وقيل لم يهلكهم قبل التذكير بإرسال الرسول فيكون قد ظلمهم فإنه سبحانه لا ~~يأخذ أحدا ولا يعاقبه إلا بذنبه وإنما يكون مذنبا إذا خالف أمره ونهيه وذلك ~~إنما يعلم بالرسل من # فإذا شاهد العبد القدر السابق بالذنب علم أن الله سبحانه قدره سببا ~~متقضيا لأثره من العقوبة كما قدر الطاعة سببا مقتضيا للثواب وكذلك تقدير ~~سائر أسباب الخير والشر كجعل السم سببا للموت والنار سببا للإحراق والماء ~~سببا للإغراق # فإذا أقدم العبد على سبب الهلاك وقد عرف أنه سبب الهلاك فهلك فالحجة ~~مركبة عليه والمؤاخذة لازمة له كالحريق مثلا والذنب كالنار وإتيانه له ~~كتقديمه نفسه للنار وملاحظة لحكم فيما لا يجدي عليه شيئا فإنما الذي يشهده ~~عند قيام الحجة عليه ملاحظة الأمر لا ملاحظة القدر # فجعل صاحب المنازل هذه اللطيفة من ملاحظة الجناية والقضية ليس بالبين بل ~~هو من ملاحظة الجناية والأمر ms0167 لكن مراده أن سر التقدير أنه قد علم أن هذا ~~العبد لا يصلح إلا للوقود كالشوك الذي لا يصلح إلا للنار والشجرة تشتمل على ~~الثمر والشوك فاقتضى عدله سبحانه أن يسوق هذا العبد إلى ما لا يصلح إلا له ~~وأن يقيم عليه حجة عدله فإن قدر عليه الذنب فواقعه فاستحق ما خلق له قال ~~الله تعالى @QB@ وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ~~لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين @QE@ # فأخبر سبحانه أن الناس قسمان حي قابل للإنتفاع يقبل الإنذار PageV01P218 ~~وينتفع به وميت لا يقبل الإنذار ولا ينتفع به لأن أرضه غير زاكية ولا قابلة ~~لخير ألبتة فيحق عليه القول بالعذاب وتكون عقوبته بعد قيام الحجة عليه لا ~~بمجرد كونه غير قابل للهدى والإيمان بل لأنه غير قابل ولا فاعل وإنما يتبين ~~كونه غير قابل بعد قيام الحجة عليه بالرسول إذ لو عذبه بكونه غير قابل لقال ~~لو جاءني رسول منك لامتثلت أمرك فأرسل إليه رسوله فامره ونهاه فعصى الرسول ~~بكونه غير قابل للهدى فعوقب بكونه غير فاعل فحق عليه القول أنه لا يؤمن ولو ~~جاءه الرسول كما قال تعالى وكذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا ~~يؤمنون حق عليه العذاب كقوله تعالى @QB@ وكذلك حقت كلمة ربك على الذين ~~كفروا أنهم أصحاب النار @QE@ # فالكلمة التي حقت كلمتان كلمة الإضلال وكلمة العذاب كما قال تعالى @QB@ ~~ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين @QE@ وكلمته سبحانه إنما حقت عليهم ~~بالعذاب بسبب كفرهم فحقت عليه كلمة حجته وكلمة عدله بعقوبته # وحاصل هذا كله أن الله سبحانه أمر العباد أن يكونوا مع مراده الديني منهم ~~لا مع مراد أنفسهم فأهل طاعته آثروا الله ومراده على مرادهم فاستحقوا ~~كرامته وأهل معصيته آثروا مرادهم على مراده وعلم سبحانه منهم أنه لا يؤثرون ~~مراده ألبتة وإنما يؤثرون أهوائهم ومرادهم فأمرهم ونهاهم فظهر بأمره ونهيه ~~من القدرالذي قدر عليهم من إيثارهم هوى أنفسهم ومرادهم على مرضاة ربهم ~~ومراده فقامت عليهم بالمعصية حجة ms0168 عدله فعاقبهم بظلمهم # | فصل قد ذكرنا أن العبد في الذنب له نظر إلى أربعة أمور نظر # إلى الأمر والنهي # ونظر إلى الحكم والقضاء وذكرنا ما يتعلق بهذين النظرين # النظر الثالث النظر إلى محل الجناية ومصدرها وهو النفس الأمارة بالسوء ~~ويفيده نظره إليها أمورا PageV01P219 # منها أن يعرف أنها جاهلة ظالمة وأن الجهل والظلم يصدر عنهما كل قول عمل ~~قبيح ومن وصفه الجهل والظلم لا مطمع في استقامته واعتداله ألبتة فيوجب له ~~ذلك بذل الجهد في العلم النافع الذي يخرجها به عن وصف الجهل والعمل الصالح ~~الذي يخرجها به عن وصف الظلم ومع هذا فجهلها أكثر من علمها وظلمها أعظم من ~~عدلها # فحقيق بمن هذا شأنه أن يرغب إلى خالقها وفاطرها أن يقيها شرها وأن يؤتيها ~~تقواها ويزكيها فهو خير من زكاها فإنه ربها ومولاها وأن لا يكله إليها طرفة ~~عين فإنه إن وكله إليها هلك فما هلك من هلك إلا حيث وكل إلى نفسه وقال ~~النبي لحصين بن المنذر قل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي وفي خطبة الحاجة ~~الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~ومن سيئات أعمالنا وقد قال تعالى @QB@ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ~~@QE@ وقال @QB@ إن النفس لأمارة بالسوء @QE@ # فمن عرف حقيقة نفسه وما طبعت عليه علم أنها منبع كل شر ومأوى كل سوء وأن ~~كل خير فيها ففضل من الله من به عليها لم يكن منها كما قال تعالى @QB@ ~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم الراشدون @QE@ فهذا الحب وهذه الكراهة لم يكونا في النفس ~~ولا بها ولكن هو الله الذي من بهما فجعل العبد بسببهما من الراشدين فضلا من ~~الله ونعمة الله عليم حكيم عليم بمن يصلح لهذا الفضل ويزكوا عليه وبه ويثمر ~~عنده حكيم فلا يضعه عند غير أهله فيضيعه بوضعه في غير موضعه # ومنها ما ذكره صاحب ms0169 المنازل فقال PageV01P220 # اللطيفة الثانية أن يعلم أن نظر البصير الصادق في سيئته لم يبق له حسنة ~~بحال لأنه يسير بين مشاهدة المنة وتطلب عيب النفس والعمل # يريد أن من له بصيرة بنفسه وبصيرة بحقوق الله وهو صادق في طلبه لم يبق له ~~نظره في سيئاته حسنة ألبتة فلا يلقى الله إلا بالإفلاس المحض والفقر الصرف ~~لأنه إذا فتش عن عيوب نفسه وعيوب عمله علم أنها لا تصلح لله وأن تلك ~~البضاعة لا تشتري بها النجاة من عذاب الله فضلا عن الفوز بعظيم ثواب الله ~~فإن خلص له عمل وحال مع الله وصفا له معه وقت شاهد منة الله عليه به ومجرد ~~فضله وأنه ليس من نفسه ولا هي أهل لذاك فهو دائما مشاهد لمنة الله عليه ~~ولعيوب نفسه وعمله لأنه متى تطلبها رآها # وهذا من أجل أنواع المعارف وأنفعها للعبد ولذلك كان سيد الإستغفار اللهم ~~أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ~~أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا ~~يغفر الذنوب إلا أنت # فتضمن هذا الإستغفار الإعتراف من العبد بربوبية الله وإلهيته وتوحيده ~~والإعتراف بأنه خالقه العالم به إذ أنشأه نشأة تستلزم عجزه عن أداء حقه ~~وتقصير فيه والإعتراف بأنه عبده الذي ناصيته بيده وفي قبضته لا مهرب له منه ~~ولا ولي له سواه ثم التزام الدخول تحت عهده وهو أمره ونهيه الذي عهده إليه ~~على لسان رسوله وأن ذلك بحسب استطاعتي لا بحسب أداء حقك فإنه غير مقدور ~~للبشر وإنما هو جهد المقل وقدر الطاقة ومع ذلك فأنا مصدق بوعدك الذي وعدته ~~لأهل طاعتك بالثواب ولأهل معصيتك بالعقاب فأنا مقيم على عهدك مصدق بوعدك ثم ~~أفزع إلى الإستعاذة والإعتصام بك من شر ما فرطت فيه من أمرك ونهيك فإنك إن ~~لم تعذني من شره وإلا أحاطت بي الهلكة فإن إضاعة حقك سبب الهلاك وأنا أقر ~~لك وألتزم بنعمتك علي PageV01P221 وأقر وألتزم وأبخع ms0170 بذنبي فمنك النعمة ~~والإحسان والفضل ومني الذنب والإساءة فأسألك أن تغفر لي بمحو ذنبي وأن ~~تعفيني من شره إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت # فلهذا كان هذا الدعاء سيد الإستغفار وهو متضمن لمحض العبودية فأي حسنة ~~تبقى للبصير الصادق مع مشاهدته عيوب نفسه وعمله ومنة الله عليه فهذا الذي ~~يعطيه نظره إلى نفسه ونقصه # | فصل النظر الرابع نظره إلى الآمر له بالمعصية المزين له فعلها # الحاض له عليها وهو شيطانه الموكل به # فيفيده النظر إليه وملاحظته اتخاذه عدوا وكمال الإحتراز منه والتحفظ ~~واليقظة والإنتباه لما يريد منه عدوه وهو لا يشعر فإنه يريد أن يظفر به في ~~عقبة من سبع عقبات بعضها أصعب من بعض لا ينزل منه من العقبة الشاقة إلى ما ~~دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها # العقبة الأولى عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه وبصفات كماله وبما أخبرت ~~به رسله عنه فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح فإن ~~اقتحم هذه العقبة ونجا منها ببصيرة الهداية وسلم معه نور الإيمان طلبه على # العقبة الثانية وهي عقبة البدعة إما بإعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به ~~رسوله وأنزل به كتابه وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله من الأوضاع والرسوم ~~المحدثة في الدين التي لا يقبل الله منها شيئا والبدعتان في الغالب ~~متلازمتان قل أن تنفك إحداهما عن الأخرى كما قال بعضهم تزوجت بدعة الأقوال ~~ببدعة الأعمال فاشتغل الزوجان بالعرس فلم يفجأهم إلا وأولاد الزنا يعيثون ~~في بلاد الإسلام تضج منهم العباد والبلاد إلى الله تعالى PageV01P222 # وقال شيخنا تزوجت الحقيقة الكافرة بالبدعة الفاجرة فتولد بينهما خسران ~~الدنيا والآخرة # فإن قطع هذه العقبة وخلص منها بنور السنة واعتصم منها بحقيقة المتابعة ~~وما مضى عليه السلف الأخيار من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وهيهات أن ~~تسمح الأعصار المتأخرة بواحد من هذا الضرب فإن سمحت به نصب له أهل البدع ~~الحبائل وبغوه الغوائل وقالوا مبتدع محدث # فإذا وفقه الله لقطع هذه العقبة طلبه على # العقبة الثالثة وهي ms0171 عقبة الكبائر فإن ظفر به فيها زينها له وحسنها في ~~عينه وسوف به وفتح له باب الإرجاء وقال له الإيمان هو نفس التصديق فلا تقدح ~~فيه الأعمال وربما أجرى على لسانه وأذنه كلمة طالما أهلك بها الخلق وهي ~~قوله لا يضر مع التوحيد ذنب كما لا ينفع مع الشرك حسنة والظفر به في عقبة ~~البدعة أحب إليه لمناقضتها الدين ودفعها لما بعث الله به رسوله وصاحبها لا ~~يتوب منها ولا يرجع عنها بل يدعو الخلق إليها ولتضمنها القول على الله بلا ~~علم ومعاداة صريح السنة ومعاداة أهلها والإجتهاد على إطفاء نور السنة ~~وتولية من عزله الله ورسوله وعزل من ولاه الله ورسوله واعتبار مارده الله ~~ورسوله ورد ما اعتبره وموالاة من عاداه ومعاداة من والاه وإثبات ما نفاه ~~ونفي ما أثبته وتكذيب الصادق وتصديق الكاذب ومعارضة الحق بالباطل وقلب ~~الحقائق بجعل الحق باطلا والباطل حقا والإلحاد في دين الله وتعمية الحق على ~~القلوب وطلب العوج لصراط الله المستقيم وفتح باب تبديل الدين جملة ~~PageV01P223 # فإن البدع تستدرج بصغيرها إلى كبيرها حتى ينسلخ صاحبها من الدين كما تنسل ~~الشعرة من العجين فمفاسد البدع لا يقف عليها إلا أرباب البصائر والعميان ~~ضالون في ظلمة العمى @QB@ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ # فإن قطع هذه العقبة بعصمة من الله أو بتوبة نصوح تنجيه منها طلبه على ~~العقبة الرابعة وهي عقبة الصغائر فكال له منها بالقفزان وقال ما عليك إذا ~~اجتنبت الكبائر ما غشيت من اللمم أو ما علمت بأنها تكفر باجتناب الكبائرر ~~وبالحسنات ولا يزال يهون عليه أمرها حتى يصر عليها فيكون مرتكب الكبيرة ~~الخائف الوجل النادم أحسن حالا منه فالإصرار على الذنب أقبح منه ولا كبيرة ~~مع التوبة والإستغفار ولا صغيرة مع الإصرار وقد قال إياكم ومحقرات الذنوب / ~~ح / ثم ضرب لذلك مثلا بقوم نزلوا بفلاة من الأرض فأعوزهم الحطب فجعل هذا ~~يجيء بعود وهذا بعود حتى جمعوا حطبا كثيرا فأوقدوا نارا وأنضجوا خبزتهم ~~فكذلك فإن محقرات الذنوب تجتمع ms0172 على العبد وهو يستهين بشأنها حتى تهلكه \ ح ~~\ # فإن نجا من هذه العقبة بالتحرز والتحفظ ودوام التوبة والإستغفار وأتبع ~~السيئة الحسنة طلبه على # العقبة الخامسة وهي عقبة المباحات التي لا حرج على فاعلها فشغله بها عن ~~الإستكثار من الطاعات وعن الإجتهاد في التزود لمعاده ثم طمع فيه أن يستدرجه ~~منها إلى ترك السنن ثم من ترك السنن إلى ترك الواجبات وأقل ما ينال منه ~~تفويته الأرباح والمكاسب العظيمة والمنازل العالية ولو عرف السعر لما فوت ~~على نفسه شيئا من القربات ولكنه جاهل بالسعر PageV01P224 # فإن نجا من هذه العقبة ببصيرة تامة ونور هاد ومعرفة بقدر الطاعات ~~والإستكثار منها وقلة المقام على الميناء وخطر التجارة وكرم المشتري وقدر ~~ما يعوض به التجار فبخل بأوقاته وضن بأنفاسه أن تذهب في غير ربح طلبه العدو ~~على # العقبة السادسة وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات فأمره بها ~~وحسنها في عينه وزينها له وأراه ما فيها من الفضل والربح ليشغله بها عما هو ~~أفضل منها وأعظم كسبا وربحا لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في ~~تخسيره كماله وفضله ودرجاته العالية فشغله بالمفضول عن الفاضل وبالمرجوح عن ~~الراجح وبالمحبوب لله عن الأحب إليه وبالمرضي عن الأرضى له # ولكن أين أصحاب هذه العقبة فهم الأفراد في العالم والأكثرون قد ظفر بهم ~~في العقبات الأول # فإن نجا منها بفقه في الأعمال ومراتبها عند الله ومنازلها في الفضل ~~ومعرفة مقاديرها والتمييز بين عاليها وسافلها ومفضولها وفاضلها ورئيسها ~~ومرؤسها وسيدها ومسودها فإن في الأعمال والأقوال سيدا ومسودا ورئيسا ومرؤسا ~~وذروة وما دونها كما في الحديث الصحيح سيد الإستغفار أن يقول العبد اللهم ~~أنت ربي لا إله إلا أنت الحديث وفي الحديث الآخر الجهاد ذروة سنام الأمر ~~وفي الأثر الآخر إن الأعمال تفاخرت فذكر كل عمل منها مرتبته وفضله وكان ~~للصدقة مزية في الفخر عليهن ولا يقطع هذه العقبة إلا أهل البصائر والصدق من ~~أولى العلم السائرين على جادة التوفيق قد أنزلوا الأعمال منازلها وأعطوا كل ~~ذي حق حقه ms0173 # فإذا نجا منها لم يبق هناك عقبة يطلبه العدو عليها سوى واحدة لا بد منها ~~ولو نجا منها أحد لنجا منها رسل الله وأنبياؤه وأكرم الخلق عليه وهي عقبة ~~PageV01P225 تسليط جنده عليه بأنواع الأذى باليد واللسان والقلب على حسب ~~مرتبته في الخير فكلما علت مرتبته أجلب عليه العدو بخيله ورجله وظاهر عليه ~~بجنده وسلط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط وهذه العقبة لا حيلة له في ~~التخلص منها فإنه كلما جد في الإستقامة والدعوة إلى الله والقيام له بأمره ~~جد العدو في إغراء السفهاء به فهو في هذه العقبة قد لبس لأمة الحرب وأخذ في ~~محاربة العدو لله وبالله فعبوديته فيها عبودية خواص العارفين وهي تسمى ~~عبودية المراغمة ولا ينتبه لها إلا أولو البصائر التامة ولا شيء أحب إلى ~~الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في ~~مواضع من كتابه # أحدها قوله @QB@ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ~~@QE@ سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغعما يراغم به عدو الله ~~وعدوه والله يحب من وليه مراغمة عدوه وإغاظته كما قال تعالى @QB@ ذلك بأنهم ~~لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ~~ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين @QE@ وقال تعالى في مثل رسول الله وأتباعه @QB@ ومثلهم في الإنجيل ~~كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم ~~الكفار @QE@ فمغايظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة له فموافقته فيها من ~~كمال العبودية وشرع النبي للمصلي إذا سها في صلاته سجدتين وقال إن كانت ~~صلاته تامة كانتا ترغمان أنف الشيطان وفي رواية ترغيما للشيطان وسماها ~~المرغمتين # فمن تعبد الله بمراغمة عدوه فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر وعلى قدر محبة ~~العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة ولأجل هذه ~~المراغمة حمد التبختر بين الصفين والخيلاء والتبختر عند صدقة السر ~~PageV01P226 حيث ms0174 لا يراه إلا الله لما في ذلك من إرغام العدو وبذل محبوبه ~~من نفسه وماله لله عز وجل # وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس ومن ذاق طعمه ولذته ~~بكى على أيامه الأول # وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله # وصاحب هذا المقام إذا نظر إلى الشيطان ولاحظه في الذنب راغمه بالتوبة ~~النصوح فأحدثت له هذه المراغمة عبودية أخرى # فهذه نبذة من بعض لطائف أسرار التوبة لا تستهزىء بها فلعلك لا تظفر بها ~~في مصنف آخر البتة ولله الحمد والمنة وبه التوفيق # | فصل قال صاحب المنازل اللطيفة الثالثة أن مشاهدة العبد الحكم لم # تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى ~~الحكم # هذا الكلام إن أخذ على ظاهره فهو من أبطل الباطل الذي لولا إحسان الظن ~~بصاحبه وقائله ومعرفة قدره من الإمامة والعلم والدين لنسب إلى لازم هذا ~~الكلام ولكن من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك ومن ذا الذي لم تزل به ~~القدم ولم يكب به الجواد # ومعنى هذا أن العبد ما دام في مقام التفرقة فإنه يستحسن بعض الأفعال ~~ويستقبح بعضها نظرا إلى ذواتها وما افترقت فيه فإذا تجاوزها نظر إلى مصدرها ~~الأول وصدورها عن عين الحكم واجتماعها كلها في تلك العين وانسحاب ذيل ~~المشيئة عليها ووحدة المصدر وهو المشيئة الشاملة العامة الموجبة فهي ~~بالنسبة إلى مصدر الحكم وعين المشيئة لا توصف بحسن ولا قبح إذ الحسن والقبح ~~إنما عرضا لها عند قيامها بالكون وجريانها عليه فهي بمنزلة نور الشمس واحد ~~في نفسه غير متلون ولا يوصف بحمرة ولا صفرة ولا خضرة فإذا اتصل PageV01P227 ~~بالمحال المتلونة وصف حينئذ بحسب تلك المحال لإضافته إليها واتصاله بها ~~فيرى أحمر وأصفر وأخضر وهو بريء من ذلك كله إذا صعد من تلك المحال إلى ~~مصدره الأول المجرد عن القوابل فهذا أحسن ما يحمل عليه كلامه # وعلى أن له محملا آخر مبنيا على أصول فاسدة وهي أن إرادة الرب تعالى هي ~~عين ms0175 محبته ورضاه فكل ما شاءه فقد أحبه ورضيه وكل ما لم يشأه فهو مسخوط له ~~مبغوض فالمبغوض المسخوط هو ما لم يشأه والمحبوب المرضي هو ما شاءه # هذا أصل عقيدة القدرية الجبرية المنكرين للحكم والتعليل والأسباب وتحسين ~~العقل وتقبيحه وأن الأفعال كلها سواء لا يختص بعضها بما صار حسنا لأجله ~~وبعضها بما صار قبيحا لأجله ويجوز في العقل أن يأمر بما نهى عنه وينهى عما ~~أمر به ولا يكون ذلك مناقضا للحكمة # إذ الحكمة ترجع عندهم إلى مطابقة العلم الأزلي لمعلومه والإرادة الأزلية ~~لمرادها والقدرة لمقدورها فإذا الأفعال بالنسبة إلى المشيئة والإرادة ~~مستوية لا توصف بحسن ولا قبح فإذا تعلق بها الأمر والنهي صارت حينئذ حسنة ~~وقبيحة وليس حسنها وقبحها أمرا زائدا على كونها مأمورا بها ومنهيا عنها ~~فعلى هذا إذا صعد العبد من تفرقة الأمر والنهي إلى جمع المشيئة والحكم لم ~~يستحسن حسنة ولم يستقبح قبيحة فإذا نزل فرق الأمر صح له الإستحسان ~~والإستقباح # فهذا محمل ثان لكلامه # وله محمل ثالث هو أبعد الناس منه ولكن قد حمل عليه وهو أن السالك ما دام ~~محجوبا عن شهود الحقيقة بشهود الطاعة والمعصية رأى الأفعال بعين الحسن ~~والقبح فرأى منها الطاعة والمعصية فإذا ترقى إلى شهود الحقيقة الأولى وهي ~~الحقيقة الكونية ورأى شمول الحكم الكوني للكائنات وإحاطته بها وعدم خروج ~~ذرة منها عنه زال عنه استقباح شيء من الأفعال وشهدها PageV01P228 كلها ~~طاعات للأقدار والمشيئة وفي مثل هذا الحال يقول إن كنت عصيت الأمر فقد أطعت ~~الإرادة ويقول # أصبحت منفعلا لما تختاره % مني ففعلي كله طاعات # فإذا ترقى مرتبة أخرى وزال عنه الفرق بين الرب والعبد كما زال عنه في ~~المرتبة الثانية الفرق بين المحبوب والمسخوط والمأمور والمحظور قال ما ثم ~~طاعة ولا معصية إذ الطاعة والمعصية إنما يكونان بين اثنين ضرورة والمطيع ~~عين المطاع فما ههنا غير فالوحدة المطلقة تنفي الطاعة والمعصية فالصعود من ~~وحدة الفعل إلى وحدة الوجود يزيل عنه بزعمه توهم الإنقسام إلى طاعة ومعصية ~~كما كان الصعود من ms0176 تفرقة الأمر إلى وحدة الحكم يزيل عنه ثبوت المعصية # وهذا عند القوم من الأسرار التي لا يستجيزون كشفها إلا لخواصهم وأهل ~~الوصول منهم # ولكن صاحب المنازل بريء من هؤلاء وطريقتهم وهو مكفر لهم بل مخرج لهم من ~~جملة الأديان ولكن ذكرنا ذلك لأنهم يحملون كلامه عليه ويظنونه منهم ~~PageV01P229 # فاعلم أن هذا مقام عظيم زلت فيه أقدام طائفتين من الناس طائفة من أهل ~~الكلام والنظر وطائفة من أهل السلوك والإرادة # فنفى لأجله كثير من النظار التحسين والتقبيح العقليين وجعلوا الأفعال ~~كلها سواء في نفس الأمر وأنها غير منقسمة في ذواتها إلى حسن وقبيح ولا يميز ~~القبيح بصفة اقتضت قبحه بحيث يكون منشأ القبح وكذلك الحسن فليس للفعل عندهم ~~منشأ حسن ولا قبح ولا مصلحة ولا مفسدة ولا فرق بين السجود للشيطان والسجود ~~للرحمن في نفس الأمر ولا بين الصدق والكذب ولا بين السفاح والنكاح إلا أن ~~الشارع حرم هذا وأوجب هذا فمعنى حسنه كونه مأمورا به لا أنه منشأ مصلحة ~~ومعنى قبحه كونه منهيا عنه لا أنه منشأ مفسدة ولا فيه صفة اقتضت قبحه ومعنى ~~حسنه أن الشارع أمر به لا أنه منشأ مصلحة ولا فيه صفة اقتضت حسنه # وقد بينا بطلان هذا المذهب من ستين وجها في كتابنا المسمى تحفة النازلين ~~بجوار رب العالمين وأشبعنا الكلام في هذه المسألة هناك وذكرنا جميع ما احتج ~~به أرباب هذا المذهب وبينا بطلانه # فإن هذا المذهب بعد تصوره وتصور لوازمه يجزم العقل ببطلانه وقد دل القرآن ~~على فساده في غير موضع والفطرة أيضا وصريح العقل # فإن الله سبحانه فطر عباده على استحسان الصدق والعدل والعفة والإحسان ~~ومقابلة النعم بالشكر وفطرهم على استقباح أضدادها ونسبة هذا إلى فطرهم ~~وعقولهم كنسبة الحلو والحامض إلى أذواقهم وكنسبة رائحة المسك ورائحة النتن ~~إلى مشامهم وكنسبة الصوت اللذيذ وضده إلى أسماعهم وكذلك كل ما يدركونه ~~بمشاعرهم الظاهرة والباطنة فيفرقون بين طيبه وخبيثه ونافعه وضاره # وقد زعم بعض نفاة التحسين والتقبيح أن هذا متفق عليه وهو راجع إلى ~~PageV01P230 الملائمة ms0177 والمنافرة بحسب اقتضاء الطباع وقبولها للشيء ~~وانتفاعها به ونفرتها من ضده # قالوا وهذا ليس الكلام فيه وإنما الكلام في كون الفعل متعلقا للذم والمدح ~~عاجلا والثواب والعقاب آجلا فهذا الذي نفيناه وقلنا إنه لا يعلم إلا بالشرع ~~وقال خصومنا إنه معلوم بالعقل والعقل متقض له # فيقال هذا فرار من الزحف إذ ههنا أمران متغيران لا تلازم بينهما # أحدهما هل الفعل نفسه مشتمل على صفة اقتضت حسنه وقبحه بحيث ينشأ الحسن ~~والقبح منه فيكون منشأ لهما أم لا # والثاني أن الثواب المرتب على حسن الفعل والعقاب المرتب على قبحه ثابت بل ~~واقع بالعقل أم لا يقع إلا بالشرع # ولما ذهب المعتزلة ومن وافقهم إلى تلازم الأصلين استطلتم عليهم وتمكنتم ~~من إبداء تناقضهم وفضائحهم ولما نفيتم أنتم الأصلين جميعا استطالوا عليكم ~~وأبدوا من فضائحكم وخلافكم لصريح العقل والفطرة ما أبدوه وهم غلطوا في ~~تلازم الأصلين وأنتم غلطتم في نفي الأصلين # والحق الذي لا يجد التناقض إليه السبيل أنه لا تلازم بينهما وأن الأفعال ~~في نفسها حسنة وقبيحة كما أنها نافعة وضاره والفرق بينهما كالفرق بين ~~المطعومات والمشمومات والمرئيات ولكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا ~~بالأمر والنهي وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحا موجبا للعقاب مع قبحه ~~في نفسه بل هو في غاية القبح والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل ~~فالسجود للشيطان والأوثان والكذب والزنا والظلم والفواحش كلها قبيحة في ~~ذاتها والعقاب عليها مشروط بالشرع # فالنفاة يقولون ليست في ذاتها قبيحة وقبحها والعقاب عليها إنما ينشأ ~~بالشرع والمعتزلة تقول قبحها والعقاب عليها ثابتان بالعقل PageV01P231 # وكثير من الفقهاء من الطوائف الأربع يقولون قبحها ثابت بالعقل والعقاب ~~متوقف على ورود الشرع وهو الذي ذكره سعد بن علي الزنجاني من الشافعية وأبو ~~الخطاب من الحنابلة وذكره الحنفية وحكوه عن أبي حنيفة نصا لكن المعتزلة ~~منهم يصرحون بأن العقاب ثابت بالعقل # وقد دل القرآن أنه لا تلازم بين الأمرين وأنه لا يعاقب إلا بإرسال الرسل ~~وأن الفعل نفسه حسن وقبيح ونحن نبين ms0178 دلالته على الأمرين # أما الأول ففي قوله تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ وفي ~~قوله @QB@ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ~~@QE@ وفي قوله @QB@ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا ~~بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء @QE@ فلم يسألوهم عن ~~مخالفتهم للعقل بل للنذر وبذلك دخلوا النار وقال تعالى يا معشر الجن والإنس ~~ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليك آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا ~~على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين وفي ~~الزمر @QB@ ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا @QE@ ثم قال في الأنعام بعدها @QB@ ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ~~وأهلها غافلون @QE@ وعلى أحد القولين وهو أن يكون المعنى لم يهلكهم بظلمهم ~~قبل إرسال الرسل فتكون الآية دالة على الأصلين أن أفعالهم وشركهم ظلم قبيح ~~قبل البعثة وأنه لا يعاقبهم عليه إلا بعد الإرسال وتكون هذه الآية في ~~دلالتها على الأمرين نظير الآية التي في القصص @QB@ ولولا أن تصيبهم مصيبة ~~بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من ~~المؤمنين @QE@ فهذا يدل على أن ما قدمت أيديهم سبب لنزول المصيبة بهم ولولا ~~قبحه لم يكن سببا لكن امتنع إصابة المصيبة لإنتفاء شرطها وهو عدم مجيء ~~الرسول إليهم فمذ جاء الرسول PageV01P232 انعقد السبب ووجد الشرط فأصابهم ~~سيئات ما عملوا وعوقبوا بالأول والآخر # | فصل وأما الأصل الثاني وهو دلالته على أن الفعل في نفسه حسن وقبيح # فكثير جدا كقوله تعالى وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله ~~أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون قل ~~أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما ~~بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين ~~أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد ms0179 وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله ~~التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~خالصة يوم القيامة كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون فأخبر سبحانه أن فعلهم ~~فاحشة قبل نهيه عنه وأمر بإجتنابه بأخذ الزينة والفاحشة ههنا هي طوافهم ~~بالبيت عراة الرجال والنساء غير قريش ثم قال تعالى PageV01P233 @QB@ إن ~~الله لا يأمر بالفحشاء @QE@ أي لا يأمر بما هو فاحشة في العقول والفطر ولو ~~كان إنما علم وإنه لا معنى لكونه فاحشة إلا تعلق النهي به لصار معنى الكلام ~~إن الله لا يأمر بما ينهى عنه وهذا يصان عن التكلم به آحاد العقلاء فضلا عن ~~كلام العزيز الحكيم وأي فائدة في قوله إن الله لا يأمر بما ينهى عنه فإنه ~~ليس لمعنى كونه فاحشة عندهم إلا أنه منهي عنه لا أن العقول تستفحشه # ثم قال تعالى قل أمر ربي بالقسط والقسط عندهم هو المأمور به لا أنه قسط ~~في نفسه فحقيقة الكلام قل أمر ربي بما أمر به # ثم قال قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق دل على ~~أنه طيب قبل التحريم وأن وصف الطيب فيه مانع من تحريمه مناف للحكمة # ثم قال قل إنما حرم ربي الفواحش ما طهر منها وما بطن ولو كان كونها فواحش ~~إنما هو لتعلق التحريم بها وليست فواحش قبل ذلك لكان حاصل الكلام قل إنما ~~حرم ربي ما حرم وكذلك تحريم الإثم والبغي فكون ذلك فاحشة وإثما وبغيا ~~بمنزلة كون الشرك شركا فهو شرك في نفسه قبل النهي وبعده # فمن قال إن الفاحشة والقبائح والآثام إنما صارت كذلك بعد النهي فهو ~~بمنزلة من يقول الشرك إنما صار شركا بعد النهي وليس شركا قبل ذلك # ومعلوم أن هذا وهذا مكابره صريحة ms0180 للعقل والفطرة فالظلم ظلم في نفسه قبل ~~النهي وبعده والقبيح قبيح في نفسه قبل النهي وبعده والفاحشة كذلك وكذلك ~~الشرك لا أن هذه الحقائق صارت بالشرع كذلك PageV01P234 # نعم الشارع كساها بنهيه عنها قبحا إلى قبحها فكان قبحها من ذاتها وازدادت ~~قبحا عند العقل بنهي الرب تعالى عنها وذمه لها وإخباره ببغضها وبغض فاعلها ~~كما أن العدل والصدق والتوحيد ومقابلة نعم المنعم بالثناء والشكر حسن في ~~نفسه وازداد حسنا إلى حسنه بأمر الرب به وثنائه على فاعله وإخباره بمحبته ~~ذلك ومحبة فاعله # بل من أعلام نبوة محمد أنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم ~~الطيبات ويحرم عليهم الخبائث # فلو كان كونه معروفا ومنكرا وخبيثا وطيبا إنما هو لتعلق الأمر والنهي ~~والحل والتحريم به لكأن بمنزلة أن يقال يأمرهم بما يأمرهم به وينهاهم عما ~~ينهاهم عنه ويحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم وأي فائدة في ~~هذا وأي علم يبقى فيه لنبوته وكلام الله يصان عن ذلك وأن يظن به ذلك وإنما ~~المدح والثناء والعلم الدال على نبوته أن ما يأمر به تشهد العقول الصحيحة ~~حسنه وكونه معروفا وما ينهى عنه تشهد قبحه وكونه منكرا وما يحله تشهد كونه ~~طيبا وما يحرمه تشهد كونه خبيثا وهذه دعوة جميع الرسل صلوات الله وسلامه ~~عليهم وهي بخلاف دعوة المتغلبين المبطلين والكذابين والسحرة فإنهم يدعون ~~إلى ما يوافق أهواءهم وأغراضهم من كل قبيح ومنكر وبغي وإثم وظلم # ولهذا قيل لبعض الأعراب وقد أسلم لما عرف دعوته عن أي شيء وما رأيت منه ~~مما دلك على أنه رسول الله قال ما أمر بشيء فقال العقل ليته نهى عنه ولا ~~نهى عن شيء فقال العقل ليته أمر به ولا أحل شيئا فقال العقل ليته حرمه ولا ~~حرم شيئا فقال العقل ليته أباحه فانظر إلى هذا الأعرابي وصحة عقله وفطرته ~~وقوة إيمانه واستدلاله على صحة دعوته بمطابقة أمره لكل ما حسن في العقل ~~وكذلك مطابقة تحليلة وتحريمه ولو كان جهة الحسن والقبح والطيب والخبث ms0181 مجرد ~~تعلق الأمر والنهي والإباحة PageV01P235 والتحريم به لم يحسن منه هذا ~~الجواب ولكان بمنزلة أن يقول وجدته يأمر وينهى ويبيح ويحرم وأي دليل في هذا # كذلك قوله تعالى @QB@ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ~~وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي @QE@ # وهؤلاء يزعمون أن الظلم في حق عباده هو المحرم والمنهي عنه لا أن هناك في ~~نفس الأمر ظلما نهى عنه وكذلك الظلم الذي نزه نفسه عنه هو الممتنع المستحيل ~~لا أن هناك أمرا ممكنا مقدورا لو فعله لكان ظلما فليس في نفس الأمر عندهم ~~ظلم منهي عنه ولا منزه عنه إنما هو المحرم في حقه والمستحيل في حقه فالظلم ~~المنزه عنه عندهم هو الجمع بين النقيضين وجعل الجسم الواحد في مكانين في آن ~~واحد ونحو ذلك # والقرآن صريح في إبطال هذا المذهب أيضا قال الله تعالى @QB@ قال قرينه ~~ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم ~~بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد @QE@ أي لا أؤاخذ عبدا ~~بغير ذنب ولا أمنعه من أجر ما عمله من صالح ولهذا قال قبله @QB@ وقد قدمت ~~إليكم بالوعيد @QE@ المتضمن لإقامة الحجة وبلوغ الأمر والنهي وإذا آخذتكم ~~بعد التقدم فلست بظالم بخلاف من يؤاخذ العبد قبل التقدم إليه بأمره ونهيه ~~فذلك الظلم الذي تنزه الله سبحانه وتعالى عنه # وقال تعالى @QB@ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ~~@QE@ يعني لا يحمل عليه من سيئات ما لم يعمله ولا ينقص من حسنات ما عمل ولو ~~كان الظلم هو المستحيل الذي لا يمكن وجوده لم يكن لعدم الخوف منه معنى ولا ~~للأمن من وقوعه فائدة # وقال تعالى @QB@ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام ~~للعبيد @QE@ أي لا يحمل المسيء عقاب ما لم يعمله ولا يمنع المحسن من ثواب ~~عمله PageV01P236 # وقال تعالى @QB@ وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون @QE@ فدل ~~على أنه لو أهلكهم مع إصلاحهم لكان ظالما وعندهم يجوز ذلك ms0182 وليس بظلم لو فعل ~~ويؤولون الآية على أنه سبحانه أخبر أنه لا يهلكهم مع إصلاحهم وعلم أنه لا ~~يفعل ذلك وخلاف خبره ومعلومه مستحيل وذلك حقيقة الظلم ومعلوم أن الآية لم ~~يقصد بها هذا قطعا ولا أريد بها ولا تحتمله بوجه إذ يؤول معناها إلى أنه ما ~~كان ليهلك القرى بظلم بسبب اجتماع لنقيضين وهم مصلحون وكلامه تعالى يتنزه ~~عن هذا ويتعالى عنه # وكذلك عند هؤلاء أيضا العبث والسدى والباطل كلها هي المستحيلات الممتنعة ~~التي لا تدخل تحت المقدور والله سبحانه قد نزه نفسه عنها إذ نسبه إليها ~~أعداؤه المكذبون بوعده ووعيده المنكرون لأمره ونهيه فأخبر أن ذلك يستلزم ~~كون الخلق عبثا وباطلا وحكمته وعزته تأبى ذلك قال تعالى @QB@ أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون @QE@ أي لغير شيء لا تؤمرون ولا تنهون ~~ولا تثابون ولا تعاقبون والعبث قبيح فدل على أن قبح هذا مستقر في الفطر ~~والعقول ولذلك أنكره عليهم إنكار منبه لهم على الرجوع إلى عقولهم وفطرهم ~~وأنهم لو فكروا وأبصروا لعلموا أنه لا يليق به ولا يحسن منه أن يخلق خلقه ~~عبثا لا لأمر ولا لنهي ولا لثواب ولا لعقاب وهذا يدل على أن حسن الأمر ~~والنهي والجزاء مستقر في العقول والفطر وأن من جوز على الله الإخلال به فقد ~~نسبه إلى ما لا يليق به وإلى ما تأباه أسماؤه الحسنى وصفاته العليا # وكذلك قوله تعالى @QB@ أيحسب الإنسان أن يترك سدى @QE@ قال الشافعي مهملا ~~لا يؤمر ولا ينهى وقال غيره لا يثاب ولا يعاقب وهما متلازمان فأنكر على من ~~يحسب ذلك فدل على أنه قبيح تأباه حكمته وعزته وأنه لا يليق به ولهذا استدل ~~على أنه لا يترك سدى لقوله ألم يكن نطفة من منى يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى ~~إلى آخر السورة ولو كان قبحه PageV01P237 إنما علم بالسمع لكان يستدل عليه ~~بأنه خلاف السمع وخلاف ما أعلمناه وأخبرنا به ولم يكن إنكاره لكونه قبيحا ~~في نفسه بل لكونه خلاف ما أخبر به ومعلوم أن ms0183 هذا ليس وجه الكلام # وكذلك قوله وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين ~~كفروا والباطل الذي ظنوه ليس هو الجمع بين النقيضين بل الذي ظنوه أنه لا ~~شرع ولا جزاء ولا أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب فأخبر أن خلقها لغير ذلك ~~هو الباطل الذي تنزه عنه وذلك هو الحق الذي خلقت به وهو التوحيد وحقه ~~وجزاؤه وجزاء من جحده وأشرك بربه وقال تعالى @QB@ أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون @QE@ فأنكر سبحانه هذا الحسبان إنكار منبه للعقل على قبحه وأنه ~~حكم سيء والحاكم به مسيء ظالم ولو كان قبحه لكونه خلاف ما أخبر به لم يكن ~~الإنكار لما اشتمل عليه من القبح اللازم من التسوية بين المحسن والمسيء ~~المستقر قبحه في فطر العالمين كلهم ولا كان هنا حكم سيء في نفسه ينكر على ~~من حكم به # وكذلك قوله أن نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم ~~نجعل المتقين كالفجار وهذا استفهام إنكار فدل على أن هذا قبيح في نفسه منكر ~~تنكره العقول والفطر أفتظنون أن ذلك يليق بنا أو يحسن منا فعله فأنكر ~~سبحانه إنكار منبه للعقل والفطرة على قبحه وأنه لا يليق بالله نسبته إليه # وكذلك إنكاره سبحانه قبح الشرك به في إلهيته وعبادة غيره معه بما ضر به ~~لهم من الأمثال وأقام على بطلانه من الأدلة العقلية ولو كان إنما قبح ~~بالشرع لم يكن لتلك الأدلة والأمثال معنى PageV01P238 # وعند نفاة التحسين والتقبيح يجوز في العقل أن يأمر بالإشراك به وبعبادة ~~غيره وإنما علم قبحه بمجرد النهي عنه # فياعجبا أي فائدة تبقى في تلك الأمثال والحجج والبراهين الدالة على قبحه ~~في صريح العقول والفطر وأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم وأي شيء يصح في العقل ~~إذا لم يكن فيه علم بقبح الشرك الذاتي وأن العلم بقبحه بديهي معلوم بضرورة ~~العقل وأن الرسل نبهوا الأمم على ما في عقولهم وفطرهم من قبحه وأن أصحابه ms0184 ~~ليست لهم عقول ولا ألباب ولا أفئدة بل نفى عنهم السمع والبصر والمراد سمع ~~القلب وبصره فأخبر أنهم صم بكم عميوذلك وصف قلوبهم أنها لا تسمع ولا تبصر ~~ولا تنطق وشبههم بالأنعام التي لا عقول لها تميز بها بين الحسن والقبيح ~~والحق والباطل ولذلك اعترفوا في النار بأنهم لم يكونوا من أهل السمع والعقل ~~وأنهم لو رجعوا إلى أسماعهم وعقولهم لعلموا حسن ما جاءت به الرسل وقبح ~~مخالفتهم # قال الله تعالى حاكيا عنهم @QB@ وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير @QE@ وكم يقول لهم في كتابه @QB@ أفلا تعقلون @QE@ @QB@ لعلكم ~~تعقلون @QE@ فينبههم على ما في عقولهم وفطرهم من الحسن والقبيح ويحتج عليهم ~~بها ويخبر PageV01P239 أنه أعطاهموها لينتفعوا بها ويميزوا بها بين الحسن ~~والقبيح والحق والباطل # وكم في القرآن من مثل عقلي وحسي ينبه به العقول على حسن ما أمر به وقبح ~~ما نهى عنه فلو لم يكن في نفسه كذلك لم يكن لضرب الأمثال للعقول معنى ولكان ~~إثبات ذلك بمجرد الأمر والنهي دون ضرب الأمثال وتبيين جهة القبح المشهودة ~~بالحسن والعقل # والقرآن مملوء لهذا لمن تدبره كقوله تعالى ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم ~~مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم ~~أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون يحتج سبحانه عليهم لما في عقولهم من ~~قبح كون مملوك أحدهم شريكا له فإذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكه شريكه ~~ولا يرضى بذلك فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي وهذا يبين ~~أن قبح عبادة غير الله تعالى مستقر في العقول والفطر والسمع نبه العقول ~~وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك # وكذلك قوله تعالى @QB@ ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما ~~لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون @QE@ احتج سبحانه على ~~قبح الشرك بما تعرفه العقول من الفرق بين حال مملوك يملكه أرباب متعاسرون ~~سيئو الملكة وحال عبد يملكه سيد واحد قد سلم كله له ms0185 فهل يصح في العقول ~~استواء حال العبدين فكذلك حال المشرك والموحد الذي قد سلمت عبوديته لإلهه ~~الحق لا يستويان # وكذلك قوله تعالى 2 264 ممثلا لقبح الرياء المبطل للعمل والمن والأذى ~~المبطل للصدقات ب صفوان وهو الحجر الأملس عليه تراب غبار قد لصق به فأصابه ~~مطر شديد فأزال ما عليه من التراب فتركه صلدا أملس لا شيء عليه وهذا المثل ~~في غاية المطابقة لمن فهمه ف الصفوان وهو الحجر كقلب PageV01P240 المرائي ~~والمان والمؤذي والتراب الذي لصق به ما تعلق به من أثر عمله وصدقته والوابل ~~المطر الذي به حياة الأرض فإذا صادفها لينة قابلة نبت فيها الكلأ وإذا صادف ~~الصخور والحجارة الصم لم ينبت فيها شيئا فجاء هذا الوابل إلى التراب الذي ~~على الحجر فصادفه رقيقا فأزاله فأفضى إلى حجر غير قابل للنبات # وهذا يدل على أن قبح المن والأذى والرياء مستقر في العقول فلذلك نبهها ~~على شبهه ومثاله # وعكس ذلك قوله تعالى ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ~~وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم ~~يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير فإن كانت هذه الجنة التي بموضع عال ~~حيث لا تحجب عنها الشمس والرياح وقد أصابها مطر شديد فأخرجت ثمرتها ضعفي ما ~~يخرج غيرها إن كانت مستحسنة في العقل والحس فكذلك نفقة من أنفق ماله لوجه ~~الله لا لجزاء من الخلق ولا لشكور بل بثبات من نفسه وقوة على الإنفاق لا ~~يخرج النفقة وقلبه يرجف على خروجها ويداه ترتعشان ويضعف قلبه ويخور عند ~~الإنفاق بخلاف نفقة صاحب التثبيت والقوة # ولما كان الناس في الإنفاق على هذين القسمين كان مثل نفقة صاحب الإخلاص ~~والقوة والتثبيت كمثل الوابل ومثل نفقة الآخر كمثل الطل وهو المطر الضعيف ~~فهذا بحسب كثرة الإنفاق وقلته وكمال الإخلاص والقوة واليقين فيه وضعفه أفلا ~~تراه سبحانه نبه العقول على ما فيها من استحسان هذا واستقباح فعل الأول # وكذلك قوله @QB@ أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري ms0186 من تحتها ~~الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار ~~فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون @QE@ PageV01P241 ~~فنبه سبحانه العقول على ما فيها من قبح الأعمال السيئة التي تحبط ثواب ~~الحسنات وشبهها بحال شيخ كبير له ذرية ضعفاء بحيث يخشى عليهم الضيعة وعلى ~~نفسه وله بستان هو مادة عيشه وعيش ذريته فيه النخيل والأعناب ومن كل ~~الثمرات فأرجى وأفقر ما هو له وأسر ما كان به إذ أصابه نار شديدة فأحرقته ~~فنبه العقول على أن قبح المعاصي التي تغرق الطاعات كقبح هذه الحال وبهذا ~~فسرها عمر وابن عباس رضي الله عنهم لرجل غني عمل بطاعة الله زمانا فبعث ~~الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله ذكره البخاري في صحيحه # أفلا تراه نبه العقول على قبح المعصية بعد الطاعة وضرب لقبحها هذا المثل ~~ونقاة التعليل والأسباب والحكم وحسن الأفعال وقبحها يقولون ما ثم إلا محض ~~المشيئة لا أن بعض الأعمال يبطل بعضا وليس فيها ما هو قبيح لعينه حتى يشبه ~~بقبيح آخر وليس فيها ما هو منشأ لمفسدة أو مصلحة تكون سببا لها ولا لها علل ~~غائية هي مفضية إليها وإنما هي متعلق المشيئة والإرادة والأمر والنهي فقط # والفقهاء لا يمكنهم البناء على هذه الطريقة ألبتة فكلهم مجمعون إذا ~~تكلموا بلسان الفقه على بطلانها إذ يتكلمون في العلل والمناسبات الداعية ~~لشرع الحكم ويفرقون بين المصالح الخالصة والراجحة والمرجوحة والمفاسد التي ~~هي كذلك ويقدمون أرجح المصلحتين على مرجوحهما ويدفعون أقوى المفسدتين ~~بإحتمال أدناهما ولا يتم لهم ذلك إلا بإستخراج الحكم والعلل ومعرفة المصالح ~~والمفاسد الناشئة من الأفعال ومعرفة ربها # وكذلك الأطباء لا يصلح لهم علم الطب وعمله إلا بمعرفة قوى الأدوية ~~والأمزجة والأغذية وطبائعها ونسبة بعضها إلى بعض ومقدار تأثير بعضها في بعض ~~وانفعال بعضها عن بعض والموازنة بين قوة الدواء وقوة المرض وقوة المريض ~~ودفع الضد بضده وحفظ ما يريدون حفظه بمثله ومناسبه فصناعة الطب PageV01P242 ~~وعمله مبني على معرفة الأسباب والعلل والقوى ms0187 والطبائع والخواص فلو نفوا ذلك ~~وأبطلوه وأحالوا على محض المشيئة وصرف الإرادة المجردة عن الأسباب والعلل ~~وجعلوا حقيقة النار مساوية لحقيقة الماء وحقيقة الدواء مساوية لحقيقة ~~الغذاء ليس في أحدهما خاصية ولا قوة يتميز بها عن الآخر لفسد علم الطب ~~ولبطلت حكمة الله فيه بل العالم مربوط بالأسباب والقوى والعلل الفاعلية ~~والغائية # وعلى هذا قام الوجود بتقدير العزيز العليم والكل مربوط بقضائه وقدره ~~ومشيئته ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فإذا شاء سلب قوة الجسم الفاعل منه ~~ومنع تأثيرها وإذا شاء جعل في الجسم المنفعل قوة تدفعها وتمنع موجبها مع ~~بقائها وهذا لكمال قدرته ونفوذ مشيئته # والناس في الأسباب والقوى والطبائع ثلاثة أقسام # منهم من بالغ في نفيها وإنكارها فأضحك العقلاء على عقله وزعم أنه بذلك ~~ينصر الشرع فجنى على العقل والشرع وسلط خصمه عليه # ومنهم من ربط العالم العلوي والسفلي بها بدون ارتباطها بمشيئة فاعل مختار ~~ومدبر لها يصرفها كيف أراد فيسلب قوة هذا ويقيم لقوة هذا قوة تعارضه # ويكف قوة هذا عن التأثير مع بقائها ويتصرف فيها كما يشاء ويختار # وهذان طرفان جائران عن الصواب # ومنهم من أثبتها خلقا وأمرا قدرا وشرعا وأنزلها بالمحل الذي أنزلها الله ~~به من كونها تحت تدبيره ومشيئته وهي طوع المشيئة والإرادة ومحل جريان حكمها ~~عليها فيقوي سبحانه بعضها ببعض ويبطل إن شاء بعضها ببعض ويسلب بعضها قوته ~~وسببيته ويعريها منها ويمنعه من موجبها مع بقائها عليه ليعلم خلقه أنه ~~الفعال لما يريد وأنه لا مستقل بالفعل والتأثير غير مشيئته وأن التعلق ~~بالسبب دونه كالتعلق ببيت العنكبوت مع كونه سببا # وهذا باب عظيم نافع في التوحيد وإثبات الحكم يوجب للعبد إذا PageV01P243 ~~تبصر فيه الصعود من الأسباب إلى مسببها والتعلق به دونها وأنها لا تضر ولا ~~تنفع إلا بإذنه وأنه إذا شاء جعل نافعها ضارا وضارها نافعا ودواءها داء ~~وداءها دواء فالإلتفات إليها بالكلية شرك مناف للتوحيد وإنكار أن تكون ~~أسبابا بالكلية قدح في الشرع والحكمة والإعراض عنها مع العلم بكونها أسبابا ms0188 ~~نقصان في العقل وتنزيلها منازلها ومدافعة بعضها ببعض وتسليط بعضها على بعض ~~وشهود الجمع في تفرقها والقيام بها هو محض العبودية والمعرفة وإثبات ~~التوحيد والشرع والقدر والحكمة والله أعلم # | فصل وأما غلط من غلط من أرباب السلوك والإرادة في هذا الباب فحيث # ظنوا أن شهود الحقيقة الكونية والفناء في توحيد الربوبية من مقامات ~~العارفين بل أجل مقاماتهم فساروا شائمين لبرق هذا الشهود سالكين لأودية ~~الفناء فيه وحثهم على هذا السير ورغبهم فيه ما شهدوه من حال أرباب الفرق ~~الطبعي فأنفوا من صحبتهم في الطريق ورأوا مفارقتهم فرض عين لا بد منه فلما ~~عرض لهم الفرق الشرعي في طريقهم ورد عليهم منه أعظم وارد فرق جمعيتهم وقسم ~~وحدة عزيمتهم وحال بينهم وبين عين الجمع الذي هو نهاية منازل سيرهم فافترقت ~~طرقهم في هذا الوارد العظيم # فمنهم من اقتحمه ولم يلتفت إليه وقال الإشتغال بالأوراد عن عين المورود ~~انقطاع عن الغاية والقصد من الأوراد الجمعية على الآمر فما الإشتغال عن ~~المقصود بالوسيلة بعد الوصول إليه والرجوع من حضرته إلى منازل السفر إليه ~~وربما أنشد بعضهم # يطالب بالأوراد من كان غافلا % فكيف بقلب كل أوقاته ورد # فإذا اضطر أحدهم إلى التفرقة بوارد الأمر قال ينبغي أن يكون الفرق على ~~اللسان موجودا والجمع في القلب مشهودا PageV01P244 ثم من هؤلاء من يسقط ~~الأوامر والنواهي جملة ويرى القيام بها من باب ضبط ناموس الشرع ومصلحة ~~العموم ومبادىء السير فهي التي تحث أهل الغفلة على التشمير للسير فإذا جد ~~في المسير استغنى بقربه وجمعيته عنها # ومنهم من لا يرى سقوطها إلا عمن شهد الحقيقة الكونية ووصل إلى مقام ~~الفناء فيها فمن كان هذا مشهده سقط عنه الأمر والنهي عندهم # وقد يقولون شهود إلإرادة يسقط الأمر وفي هذا المشهد يقولون العارف ~~لايستقبح قبيحة ولا يستحسن حسنة # ويقول قائلهم العارف لا ينكر منكرا لإستبصاره بسر الله في القدر ويقولون ~~القيام بالعبادة مقام التلبيس ويحتجون بقوله تعالى @QB@ وللبسنا عليهم ما ~~يلبسون @QE@ # وهذا من أقبح الجهل فإن هذا داخل في جواب ms0189 لو التي ينتفي بها الملزوم وهو ~~المقدم لإنتفاء اللازم وهو الجواب وهو التالي فانتفاء جعل الرسول ملكا كما ~~اقترحوه لإنتفاء التلبيس من الله عليهم والكفار كانوا قد قالوا @QB@ لولا ~~أنزل عليه ملك @QE@ أن أي نعاينه ونراه وإلا فالملك لم يزل يأتيه من عند ~~الله بأمره ونهيه فهم اقترحوا نزول ملك يعاينونه فأخبرسبحانه عن الحكمة ~~التي لأجلها لم يجعل رسوله إليهم من الملائكة ولا أنزل ملكا يرونه # فقال @QB@ ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون @QE@ أي لوجب العذاب ~~وفرغ من الأمر ثم لا يمهلون إن أقاموا على التكذيب # وهذا نظير قوله في سورة الحجر @QB@ وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر ~~إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين @QE@ قال الله عز ~~وجل @QB@ ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين @QE@ والحق ههنا ~~العذاب ثم قال @QB@ ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا @QE@ أي لو أنزلنا عليهم ~~PageV01P245 ملكا لجعلناه في صورة آدمي إذ لا يستطيعون التلقي عن الملك في ~~صورته التي هو عليها وحيئنذ فيقع اللبس منا عليهم لأنهم لا يدرون أرجل هو ~~أم ملك ولو جعلناه رجلا لخلطنا عليهم وشبهنا عليهم الذي طلبوه بغيره # وقوله ما يلبسون فيه قولان # أحدهما أنه جزاء لهم على لبسهم على ضعفائهم والمعنى أنهم شبهوا على ~~ضعفائهم ولبسوا عليهم الحق بالباطل فشبه عليهم وتلبس عليهم الملك بالرجل # والثاني أنا نلبس عليهم ما لبسوا على أنفسهم وأنهم خلطوا على أنفسهم ولم ~~يؤمنوا بالرسول منهم بعد معرفتهم صدقه وطلبوا رسولا ملكيا يعاينونه وهذا ~~تلبيس منهم على أنفسهم فلو أجبناهم إلى ما اقترحوه لم يؤمنوا عنده # وللبسنا عليهم لبسهم على أنفسهم # وأي تعلق لهذا بالتلبيس الذي ذكرته هذه الطائفة من تعليق الكائنات ~~والمثوبات والعقوبات بالأسباب وتعليق المعارف بالوسائط والقضايا بالحجج ~~والأحكام والعلل والإنتقام بالجنايات والمثوبات بالطاعات مما هو محض الحكمة ~~وموجبها # وأثر اسمه الحكيم في الخلق والأمر إنما قام بالأسباب وكذلك الدنيا ~~والآخرة وكذلك الثواب والعقاب فجعل الأسباب منصوبة للتلبيس من أعظم الباطل ~~شرعا وقدرا # وإن ms0190 الذي أوقع هؤلاء في هذا الغلو هو نفرتهم من أرباب الفرق الأول ~~ومشاهدتهم قبح ما هم عليه # وهم لعمر الله خير منهم مع ما هم عليه فإنهم مقرون بالجمع والفرق وأن ~~الله رب كل شيء ومليكه وخالقه وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه فرق بين ~~المأمور والمحظور والمحبوب والمكروه وإن كانوا كثيرا ما يفرقون بأهوائهم ~~ونفوسهم فهم في فرقهم النفسي خير من أهل هذا الجمع إذ هم PageV01P246 مقرون ~~أن الله يأمر بالحسنات ويحبها وينهى عن السيئات ويبغضها وإذا فرقوا بحسب ~~أهوائهم وفرقوا بنفوسهم لم يجعلوا هذا الفرق دينا يسقط عنهم أمر الله ونهيه ~~بل يعترفون أنه ذنب قبيح وأنهم مقصرون بل مفرطون في الفرق الشرعي ونهاية ما ~~معهم صحة إيمان مع غفلة وفرق نفساني وأولئك معهم جمع وشهود يصحبه فساد ~~إيمان وخروج عن الدين # ومن العجب أنهم فروا من فرق أولئك النفسي إلى جمع أسقط التفرقة الشرعية ~~ثم آل أمرهم إلى أن صار فرقهم كله نفسيا فهم في الحقيقة راجعون إلى فرقهم ~~ولا بد فإن الفرق أمر ضروري للإنسان ولا بد فمن لم يفرق بالشرع فرق بالنفس ~~والهوى فهم أعظم الناس اتباعا لأهوائهم يميلون مع الهوى حيث مال بهم ~~ويزعمون أنه الحقيقة # وبالجملة فلهذا السلوك لوازم عظيمة البطلان منافية للإيمان جالبة للخسران ~~@QB@ أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل @QE@ # وآخر أمر صاحبه الفناء في شهود الحقيقة العامة المشتركة بين الأبرار ~~والفجار وبين الملائكة والشياطين وبين الرسل وأعدائهم وهي الحقيقة الكونية ~~القدرية ومن وقف معها ولم يصعد إلى الفرق الثاني وهو الحقيقة الدينية ~~النبوية فهو زنديق كافر # | فصل ومنهم من لم ير إسقاط الفرق الثاني جملة بل إنما يسقطه عن # الواصل إلى عين الجمع الشاهد للحقيقة وما دام سالكا أو محجوبا عن شهود ~~الحقيقة فالفرق لازم له # وهؤلاء أيضا من جنس الفريق الأول بل هم خواصهم فإذا وصل واصلهم إلى شهود ~~حقيقة الجمع لم يجب عليه القيام بتفرقة الأوامر وإن قام بها فلحفظ ~~PageV01P247 المرتبة وضبط الناموس وحفظ السالكين ms0191 عن الذهاب مع الفرق ~~الطبيعي قبل شهودهم الحقيقة ويسمون هذه الحال تلبيسا وقد تقدم ذكره # وسيأتي إن شاء الله تعالى كشف هذا التلبيس الذي يشيرون إليه كشفا بينا ~~وقد تقدم أنهم يحتجون على سقوط الفرق عمن شهد الحقيقة بقوله تعالى @QB@ ~~واعبد ربك حتى يأتيك اليقين @QE@ # ويقولون إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه كان في هذا المقام وإنما كان ~~في قيامه بالأعمال تشريعا وقد ذكرنا أن اليقين الموت وأنه من المعلوم ~~بالإضطرار من دين الإسلام أن الأوامر والنواهي لا تسقط عن العبد ما دام في ~~دار التكليف إلا إذا زال عقله وصار مجنونا # | فصل ومنهم من يرى القيام بالأوامر والنواهي واجبا إذا لم تفرق # جمعيته فإذا فرقت جمعيته رأى الجمعية أوجب منها فيزعم أنه يترك واجبا لما ~~هو أوجب منه وهذا أيضا جهل وضلال # فإن رأى أن الأمر لم يتوجه إليه من حال الجمعية فهو كافر وإن علم توجهه ~~إليه وأقدم على تركه فله حكم أمثاله من العصاة والفساق # | فصل ومنهم من يرى الأمر لا يسقط عنه ولكن إذا ورد عليه وارد الفناء # والجمع غيب عقله واصطلمه فلم يشعر بوقت الواجب ولا حضوره حتى يفوته ~~فيقضيه فهذا متى استدعى ذلك الفناء وطلبه فليس بمعذور في اصطلامه بل هو عاص ~~لله في استدعائه ما يعرضه لإضاعة حقه وهو مفرط أمره إلى الله ومتى هجم عليه ~~بغير استدعاء وغلب عليه مع مدافعته له خشية إضاعة الحق فهذا معذور وليس ~~بكامل في حاله بل الكمال وراء ذلك وهو الإنتقال عن وادي الجمع PageV01P248 ~~والفناء والخروج عنه إلى أودية الفرق الثاني والبقاء فالشأن كل الشأن فيه ~~وهو الذي كان ينادي عليه شيخ الطائفة على الإطلاق الجنيد بن محمد رحمه الله ~~ووقع بينه وبين أصحاب هذا الجمع والفناء ما وقع لأجله فهجرهم وحذر منهم ~~وقال عليكم بالفرق الثاني فإن الفرق فرقان الفرق الأول وهو النفسي الطبيعي ~~المذموم وليس الشأن في الخروج منه إلى الجمع والفناء في توحيد الربوبية ~~والحقيقة الكونية بل الشأن في شهود هذا الجمع واستصحابه ms0192 في الفرق الثاني ~~وهو الحقيقة الدينية ومن لم يتسع قلبه لذلك فليترك جمعه وفناءه تحت قدمه ~~ولينبذه وراء ظهره مشتغلا بالفرق الثاني والكمال أيضا وراء ذلك وهو شهود ~~الجمع في الفرق والكثرة في الوحدة وتحكيم الحقيقة الدينية على الحقيقة ~~الكونية فهذا حال العارفين الكمل # يسقى ويشرب لا تلهيه سكرته % عن النديم ولا يلهو عن الكاس # إني لاسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة فأتجوز فيها كراهة أن أشق على أمه ~~وكان في صلاته واشتغاله بالله وإقباله عليه يشعر بعائشة إذا استفتحت الباب ~~فيمشي خطوات يفتح لها ثم يرجع إلى مصلاه وذكر في صلاته تبرا كان عنده فصلى ~~ثم قام مسرعا فقسمه وعاد إلى مجلسه فلم تشغله جمعيته العظمى التي لا يدرك ~~لها من بعده رائحة عن هذه الجزيئات صلوات الله وسلامه عليه # | فصل ومنهم من يتمكن الإيمان والعلم من قلبه فإذا جاء الأمر قام # إليه وبادر بجمعيته فإن صحبته وإلا طرحها وبادر إلى الأمر وعلم أنه لا ~~يسعه غير ذلك وأن الجمعية فضل والأمر فرض ومن ضيع الفروض للفضول حيل بينه ~~وبين الوصول لكن إذا جاءت المندوبات التي هي محل الأرباح والمكاسب ~~PageV01P249 العظيمة والمصالح الراجحة من عيادة المريض واتباع الجنازة ~~والجهاد المستحب وطلب العلم النافع والخلطة التي ينتفع بها وينفع غيره ولم ~~يؤثرها على جمعيته إذا رأى جمعيته خيرا له وأنفع منها فهذا غير آثم ولا ~~مفرط إلا إذا تركها رغبة عنها بالكلية واستبدالا بالجمعية فهذا ناقص # أما إذا قام بها أحيانا وتركها أحيانا لإشتغاله بجمعيته فهذا غير مذموم ~~بل هذا حقيقة الإعتكاف المشروع وهو جمعية العبد على ربه وخلوته به وكان ~~النبي يحتجر بحصير في المسجد في اعتكافه يخلو به مع ربه عز وجل ولم يكن ~~يشتغل بتعليم الصحابة وتذكيرهم في تلك الحال ولهذا كان المشهور من مذهب ~~أحمد وغيره أنه لا يستحب للمعتكف إقراء القرآن والعلم وخلوته للذكر ~~والعبادة أفضل له واحتجوا بفعل النبي # | فصل وأكمل من هؤلاء من إذا جاءه تفرقة الأمر ورآها أرجح من مصلحة # الجمعية ولم ms0193 يمكنه الجمع في التفرقة اشترى الفاضل بالمفضول والراجح ~~بالمرجوح فإذا كان المندوب مفضولا مرجوحا والجمع خيرا منه اشتغل بالجمع عنه ~~فهذا أعلى الأقسام والرجل كل الرجل من يرد من تفرقته على جمعه ومن جمعه على ~~تفرقته فيقوي كل واحد منهما بالآخر ولا يلغى الحرب بينهما فإذا جاءت تفرقة ~~الأمر جد فيها وقام بها لجمعيته مقويا لها بالأمر فإذا جاءت حالة الجمعية ~~تقوى بها على تفرقة الأمر والبقاء به فيرد من هذا على هذا ومن هذا على هذا ~~فإذا جاءت تفرقة الأمر قال أتفرق لله ليجمعني عليه وإذا جاءت الجمعية قال ~~أجتمع لأتقوى على أمر الله ورضاه لا لمجرد حظي ولذتي من هذه الجمعية فما ~~أكثر من يغيب بحظه منها ولذتها ونعيمها وطيبها عن مراد الله منه # فتدبر هذا الفصل وأحط به علما فإنه من قواعد السلوك والمعرفة وكم قد ~~PageV01P250 زلت فيه من أقدام وضلت فيه من أفهام ومن عرف ما عند الناس ونهض ~~من مدينة طبعه إلى السير إلى الله عرف مقداره فمن عرفه عرف مجامع الطرق ~~ومفترق الطرق التي تفرقت بالسالكين وأهل العلم والنظر والله سبحانه الموفق ~~للصواب # | فصل أصل ذلك كله هو الفرق بين محبة الله ورضاه ومشيئته وإرادته # الكونية ومنشأ الضلال في هذا الباب من التسوية بينهما أو اعتقاد تلازمهما ~~فسوى بينهما الجبرية والقدرية وقالوا المشيئة والمحبة سواء أو متلازمان # ثم اختلفوا فقالت الجبرية الكون كله قضاؤه وقدره طاعته ومعاصيه خيره وشره ~~فهو محبو به # ثم من تعبد منهم وسلك على هذا الإعتقاد رأى أن الأفعال جميعها محبوبة ~~للرب إذ هي صادرة عن مشيئته وهي عين محبته ورضاه وفنى في هذا الشهود الذي ~~كان اعتقادا ثم صار مشهدا فلزم من ذلك ما تقدم من أنه لا يستقبح سيئة ولا ~~يستنكر منكرا وتلك اللوازم الباطلة المنافية للشرائع جملة # ولما ورد على هؤلاء قوله تعالى @QB@ والله لا يحب الفساد @QE@ @QB@ ولا ~~يرضى لعباده الكفر @QE@ وقوله @QB@ كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها @QE@ ~~واعتاص عليهم كيف يكون مكروها له وقد أراد ms0194 كونه وكيف لا يحبه وقد أراد ~~وجوده أولوا هذه الآيات ونحوها بأنه لا يحبها دينا ولا يرضاه شرعا ويكرهها ~~كذلك بمعنى أنه لا يشرعها مع كونه يحب وجودها ويريده # فشهدوا في مقام الفناء كونها محبوبة الوجود ورأوا أن المحبة تقتضي موافقة ~~المحبوب المحبوب فيما يحبه والكون كله محبوبه فأحبوا بزعمهم جميع ما في ~~الكون وكذبوا وتناقضوا فإنما أحبوا ما تهواه نفوسهم وإرادتهم فإذا كان في ~~الكون PageV01P251 مالا يلائم أحدهم ويكرهه طبعه أبغضه ونفر منه وكرهه مع ~~كونه مرادا للمحبوب فأين الموافقة وإنما وافقوا أهواءهم وإراداتهم # ثم بنوا على ذلك أنهم مأمورون بالرضاء بالقضاء وهذه قضاء من قضائه فنحن ~~نرضى بها فمالنا ولإنكارها ومعاداة فاعلها ونحن مأمورون بالرضا بالقضاء ~~فتركب من اعتقادهم كونها محبوبة للرب وكونهم مأمورين بالرضا بها والتسوية ~~بين الأفعال وعدم استقباح شيء منها أو إنكاره # وانضاف إلى ذلك اعتقادهم جبر العبد عليها وأنها ليست فعله # فلزم من ذلك رفع الأمر والنهي وطي بساط الشرع والإستسلام للقدر والذهاب ~~معه حيث كان وصارت لهم هذه العقائد مشاهد وكل أحد إذا ارتاض وصفا باطنه ~~تجلى له فيه صورة معتقدة فهو يشاهدها بقلبه فيظنها حقا فهذا حال هذه ~~الطائفة # وقالت القدرية النفاة ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له فليست مقدرة ~~له ولا مقضية فهي خارجة عن مشيئته وخلقه # قالوا ونحن مأمورون بالرضا بالقضاء ومأمورون بسخط هذه الأفعال وبغضها ~~وكراهتها فليست إذا بقضاء الله إذ الرضا والقضاء متلازمان كما أن محبته ~~ومشيئته متلازمان أو متحدان # وهؤلاء لا يجيء من سالكيهم وعبادهم ما جاء من سالكي الجبرية وعبادهم ~~ألبتة لمنافاة عقائدهم لمشاهد أولئك وعقائدهم بل غايتهم التعبد والورع وهم ~~في تعظيم الذنوب والمعاصي خير من أولئك وأولئك قد يكونون أقوى حالا وتأثيرا ~~منهم # فمنشأ الغلط التسوية بين المشيئة والمحبة واعتقادهم وجوب الرضا بالقضاء ~~ونحن نبين ما في الفصلين إن شاء الله تعالى فإن القوة لله جميعا ~~PageV01P252 # فأما المشيئة والمحبة فقد دل على الفرق بينهما القرآن والسنة والعقل ~~والفطرة وإجماع المسلمين # قال الله تعالى ms0195 يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ~~مالا يرضى من القول فقد أخبر أنه لا يرضى بما يبيتونه من القول المتضمن ~~البهت ورمى البريء وشهادة الزور وبراءة الجاني فإن الآية نزلت في قصة هذا ~~شأنها مع أن ذلك كله بمشيئته إذ أجمع المسلمون على أنه ما شاء الله كان وما ~~لم يشأ يكن ولم يخالف في ذلك إلا القدرية المجوسية الذين يقولون يشاء مالا ~~يكون ويكون مالا يشاء # وتأويل من تأول الآية على أنه لا يرضاه دينا مع محبته لوقوعه مما ينبغي ~~أن يصان كلام الله عنه إذ المعنى عندهم أنه محبوب له ولكن لا يثاب فاعله ~~عليه فهو محبوب بالمشيئة غير مثاب عليه شرعا # ومذهب سلف الأمة وأئمتها أنه مسخوط للرب مكروه له قدرا وشرعا مع أنه وجد ~~بمشيئته وقضائه فإنه يخلق ما يحب وما يكره وهذا كما أن الأعيان كلها خلقه ~~وفيها ما يبغضه ويكرهه كإبليس وجنوده وسائر الأعيان الخبيثة وفيها ما يحبه ~~ويرضاه كأنبيائه ورسله وملائكته وأوليائه وهكذا الأفعال كلها خلقه ومنها ما ~~هو محبوب له وما هو مكروه له خلقه لحكمة له في خلق ما يكره ويبغض كالأعيان ~~وقال تعالى @QB@ والله لا يحب الفساد @QE@ مع أنه بمشيئته وقضائه وقدره ~~وقال تعالى @QB@ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن ~~تشكروا يرضه لكم @QE@ فالكفر والشكر واقعان بمشيئة وقدره وأحدهما محبوب له ~~مرضي والآخر مبغوض له مسخوط # وكذلك قوله عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر PageV01P253 # @QB@ كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها @QE@ فهو مكروه له مع وقوعه بمشئته ~~وقضائه وقدره # وفي الصحيح عن النبي أنه قال إن الله كره لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة ~~السؤال وإضاعة المال فهذه كراهة لموجود تعلقت به المشيئة # وفي المسند إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته فهذه محبة ~~وكراهة لأمرين موجودين اجتمعا في المشيئة وافترقا في المحبة والكراهة وهذا ~~في الكتاب والسنة أكثر من أن يذكر جميعه # وقد ms0196 فطر الله عباده على قولهم هذا الفعل يحبه الله وهذا يكرهه الله ~~ويبغضه وفلان يفعل مالا يحبه الله والقرآن مملوء بذكر سخطه وغضبه على ~~أعدائه وذلك صفة قائمة به ويترتب عليها العذاب واللعنة لا أن السخط هو نفس ~~العذاب واللعنة بل هما أثر السخط والغضب وموجبهما ولهذا يفرق بينهما كما ~~قال تعالى @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما @QE@ ففرق بين عذابه وغضبه ولعنته وجعل كل ~~واحد غير الآخر # وكان من دعاء النبي اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من ~~عقوبتك وأعوذ بك منك # فتأمل ذكر استعاذته بصفة الرضا من صفة السخط وبفعل المعافاة من فعل ~~العقوبة فالأول للصفة والثاني لأثرها المترتب عليها ثم ربط ذلك كله بذاته ~~سبحانه وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره فما أعوذ منه واقع بمشيئتك ~~وإرادتك وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك إن شئت أن ترضى ~~عن عبدك وتعافيه وإن شئت أن تغضب عليه وتعاقبه فإعادتي مما أكره وأحذر ~~ومنعه أن يحل بي هو بمشيئتك أيضا فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك ~~فعياذي بك منك عياذي بحولك وقوتك وقدرتك ورحمتك وإحسانك مما يكون بحولك ~~وقوتك PageV01P254 وقدرتك وعدلك وحكمتك فلا أستعيذ بغيرك من غيرك ولا ~~أستعيذ إلا بك من شيء هو صادر عن مشيئتك وخلقك بل هو منك ولا أستعيذ بغيرك ~~من شيء هو صادر عن مشيئتك وقضائك بل أنت الذي تعيذني بمشيئتك مما هو كائن ~~بمشيئتك فأعوذ بك منك # ولا يعلم ما في هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية إلا الراسخون ~~في العلم بالله ومعرفته ومعرفة عبوديته # وأشرنا إلى شيء يسير من معناها ولو استقصينا شرحها لقام منه سفر ضخم ولكن ~~قد فتح لك الباب فإن دخلت رأيت عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر # والمقصود أن انقسام الكون في أعيانه وصفاته وأفعاله إلى محبوب للرب مرضى ~~له ومسخوط مبغوض له مكروه له أمر معلوم بجميع ms0197 أنواع الأدلة من العقل والنقل ~~والفطرة والإعتبار فمن سوى بين ذلك كله فقد خالف فطرة الله التي فطر عليها ~~عباده وخالف المعقول والمنقول وخرج عما جاءت به الرسل # ولأي شيء نوع الله سبحانه العقوبات البليغة في الدنيا والآخرة وأشهد ~~عباده منها ما أشهدهم لولا شدة غضبه وسخطه على الفاعلين لما اشتدت كراهته ~~وبغضه له فأوجبت تلك الكراهة والبغض منه وقوع أنواع المكاره بهم كما أن ~~محبته لما يحبه من الأفعال ويرضاه أوجبت وقوع أنواع المحاب لمن فعلها وشهود ~~ما في العالم من إكرام أوليائه وإتمام نعمه عليهم ونصرهم وإعزازهم وإهانة ~~أعدائه وعقوبتهم وإيقاع المكاره بهم من أدل الدليل على حبه وبغضه وكراهته ~~بل نفس موالاته لمن والاه ومعاداته لمن عاداه هي عين محبته وبغضه فإن ~~الموالاة أصلها الحب والمعاداة أصلها البغض فإنكار صفة المحبة والكراهة ~~إنكار لحقيقة الموالاة والمعاداة # وبالجملة فشهود القلوب لمحبته وكراهته كشهود العيان لكرامته وإهانته ~~PageV01P255 # | فصل وأما حديث الرضا بالقضاء فيقال أولا بأي كتاب أم بأي سنة # أم بأي معقول علمتم وجوب الرضا بكل ما يقضيه ويقدره بل بجواز ذلك فضلا عن ~~وجوبه هذا كتاب الله وسنة رسوله وأدلة العقول ليس في شيء منها الأمر بذلك ~~ولا إباحته # بل من المقضي ما يرضى به ومنه ما يسخطه ويمقته فلا نرضى بكل قضاء كما لا ~~يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه بل من القضاء ما يسخطه كما أن من الأعيان ~~المقضية ما يغضب عليه ويمقت عليه ويلعن ويذم # ويقال ثانيا ها هنا أمران قضاء وهو فعل قائم بذات الرب تعالى ومقضي وهو ~~المفعول المنفصل عنه فالقضاء خير كله وعدل وحكمة فيرضى به كله والمقضي ~~قسمان منه ما يرضى به ومنه مالا يرضى به # وهذا جواب من يقول الفعل غير المفعول والقضاء غير المقضي # وأما من يقول إن الفعل هو عين المفعول والقضاء هو عين المقضي فلا يمكنه ~~أن يجيب بهذا الجواب # ويقال ثالثا القضاء له وجهان # أحدهما تعلقه بالرب تعالى ونسبته إليه فمن هذا الوجه يرضى به كله # الوجه ms0198 الثاني تعلقه بالعبد ونسبته إليه فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى ~~به وإلى مالا يرضى به # مثال ذلك قتل النفس مثلا له اعتباران فمن حيث إنه قدره الله وقضاه وكتبه ~~وشاءه وجعله أجلا للمقتول ونهاية لعمره يرضى به ومن حيث إنه صدر من القاتل ~~وباشره وكسبه وأقدم عليه بإختياره وعصى الله بفعله يسخطه ولا يرضى به # فهذه نهاية أقدام العالم المقرين بالنبوات في هذه المسألة ومفترق طرقهم ~~PageV01P256 قد حصرت لك أقوالهم ومآخذهم وأصول تلك الأقوال بحيث لا يشذ ~~منها شيء وبالله التوفيق # ولا تنكر الإطالة في هذا الموضع فإنه مزلة أقدام الخلق وما نجا من معاطبه ~~إلا أهل البصائر والمعرفة بالله وصفاته وأمره وشرائعه # | فصل ثم قال صاحب المنازل فتوبة العامة الإستكثار من الطاعة وهو # يدعو إلى جحود نعمة الستر والإمهال ورؤية الحق على الله والإستغناء الذي ~~هو عين الجبروت والتوثب على الله # العامة عندهم من عدا باب الجمع والفناء وإن كانوا أهل سلوك وإرادة وعلم ~~هذا مرادهم بالعامة ويسمونهم أهل الفرق ويسميهم غلاتهم المحجوبين # ومراده أن توبتهم مدخولة عند الخواص منقوصة فإن توبتهم من استكثارهم لما ~~يأتون به من الحسنات والطاعات أي رؤيتهم كثرتها وذلك يتضمن ثلاث مفاسد عند ~~الخاصة # إحداها أن حسناتهم التي يأتون بها سيئات بالنسبة إلى مقام الخاصة فإن ~~حسنات الأبرار سيئات المقربين فهم محتاجون إلى التوبة من هذه الحسنات ~~فلغفلتهم بإستكثارها عن عيوبها ورؤيتها وملاحظتها هم جاحدون نعمة الله في ~~سترها عليهم وإمهالهم كستره على أهل الذنوب الظاهرة تحت ستره وإمهالهم ~~كستره على أهل الذنوب الظاهرة تحت ستره وإمهاله لكن أهل الذنوب مقرون بستره ~~وإمهاله وهؤلاء جاحدون لذلك لأنهم قد توفرت هممهم على استكثارهم من الحسنات ~~دون مطالعة عيب النفس والعمل والتفتيش على دسائسهما وأن الحامل لهم على ~~استكثارها رؤيتها والإعجاب بها ولو تفرغوا لتفتيشها ومحاسبة النفس عليها ~~والتمييز بين ما فيها من الحظ والحق لشغلهم ذلك على استكثارها ولأجل هذا ~~كان من عدم الحضور والمراقبة والجمعية PageV01P257 في العمل خف عليه ~~واستكثر منه فكثر ms0199 في عينه وصار بمنزلة العادة فإذا أخذ نفسه بتخليصها من ~~الشوائب وتنقيتها من الكدر وما في ذلك من شوك الرياء وشبرق الإعجاب وجمعية ~~القلب والهم على الله بكليته وجد له ثقلا كالجبال وقل في عينه ولكن إذا وجد ~~حلاوته سهل عليه حمل أثقاله والقيام بأعبائه والتلذذ والتنعم به مع ثقله # وإذا أردت منهم هذا القدر كما ينبغي فانظر وقت أخذك في القراءة إذا أعرضت ~~عن واجبها وتدبرها وتعقلها وفهم ما أريد بكل آية وحظك من الخطاب بها ~~وتنزيلها على أدواء قلبك والتقيد بها كيف تدرك الختمة أو أكثرها أو ما قرأت ~~منها بسهولة وخفة مستكثرا من القراءة فإذا ألزمت نفسك التدبر ومعرفة المراد ~~والنظر إلى ما يخصك منه والتعبد به وتنزيل دوائه على أدواء قلبك والإستشفاء ~~به لم تكد تجوز السورة أو الآية إلى غيرها وكذلك إذا جمعت قلبك كله على ~~ركعتين أعطيتهما ما تقدر عليه من الحضور والخشوع والمراقبة لم تكد أن تصلي ~~غيرهما إلا بجهد فإذا خلا القلب من ذلك عددت الركعات بلا حساب فالإستكثار ~~من الطاعات دون مراعاة آفاتها وعيوبها ليتوب منها هي توبة العامة # المفسدة الثانية رؤية فاعلها أن له حقا على الله في مجازاته على تلك ~~الحسنات بالجنات والنعيم والرضوان ولهذا كثرت في عينه مع غفلته عن أعماله ~~ولو كانت أعمال الثقلين لا تستقل بدخول الجنة ولا بالنجاة من النار وأنه لن ~~ينجو أحد ألبتة من النار بعمله إلا بعفو الله ورحمته # الثالثة استشعارهم الإستغناء عن مغفرة الله وعفوه بما يشهدون من استحقاق ~~المغفرة والثواب بحسناتهم وطاعاتهم فإن ظنهم أن حصول النجاة والثواب ~~بطاعاتهم واستكثارهم منها لذلك وكثرتها في عيونهم إظهار للإستغناء عن مغفرة ~~الله وعفوه وذلك عين الجبروت والتوثب على الله PageV01P258 ولا ريب أن مجرد ~~القيام بأعمال الجوارح من غير حضور ولا مراقبة ولا إقبال على الله قد يتضمن ~~تلك المفاسد الثلاث وغيرها مع أنه قليل المنفعة دينا وأخرى كثير المؤنة فهو ~~كالعمل على غير متابعة الأمر والإخلاص للمعبود فإنه وإن كثر متعب غير ms0200 مفيد ~~فهكذا العمل الخارجي القشوري بمنزلة النخالة الكثيرة المنظر القليلة ~~الفائدة فإن الله لا يكتب للعبد من صلاته إلا ما عقل منها وهكذا ينبغي أن ~~يكون سائر الأعمال التي يؤمر بالحضور فيها والخشوع كالطواف وأعمال المناسك ~~ونحوها فإن انضاف إلى ذلك إحسان ظنه بها واستكثارها وعدم التفاته إلى ~~عيوبها ونقائصها والتوبة إلى الله واستغفاره منها : جاءت تلك المفاسد التي ~~ذكرها وما هو أكثر منها وقد ظن بعض الشارحين لكلامه : أن مراده : الإزراء ~~بالاستكثار من الطاعات وأن مجرد الفناء والشهود والاستغراق في حضرة ~~المراقبة خير منها وأنفع وهذا باطل وكذب عليه وعلى الطريقة والحقيقة ولا ~~ريب أن هذه طريقة المنحرفين من السالكين وهو تعبد بمراد العبد وحظه من الله ~~وتقديم له على مراد الله ومحابه من العبد فإن للعبد حظا وعليه حقا فحق الله ~~عليه : تنفيذ أوامره والقيام بها والاستكثار من طاعاته بحسب الإمكان ~~والاشتغال بمحاربة أعدائه ومجادلتهم ولو فرق ذلك جمعيته وشتت حضوره فهذا هو ~~العبودية التي هي مراد الله PageV01P259 وأما الجمعية والمراقبة والاستغراق ~~في الفناء وتعطيل الحواس والجوارح عن إرسالها في الطاعات والاستكثار منها : ~~فهذا مجرد حظ العبد ومراده وهو بلا شك أنعم وألذ وأطيب من تفرقة الاستكثار ~~من الطاعات لا سيما إذا شهدوا تفرقة المستكثرين منها وقلة نصيبهم من ~~الجمعية فإنهم تشتد نفرتهم منهم ويعيبون عليهم ويزرون بهم وقد يسمون من ~~رأوه كثير الصلاة ثقاقيل الحصر ومن رأوه كثير الطواف حمر المدار ونحو ذلك ~~وقد أخبرنى من رأى ابن سبعين قاعدا في طرف المسجد الحرام وهو يسخر من ~~الطائفين ويذمهم ويقول : كأنهم الحمر حول المدار ونحو هذا وكان يقول : ~~إقبالهم على الجمعية أفضل لهم ولا ريب أن هؤلاء مؤثرون لحظوظهم على حقوق ~~ربهم واقفون مع أذواقهم ومواجيدهم فانين بها عن حق الله ومراده وسمعت شيخ ~~الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يحكي عن بعض العارفين أنه قال : العامة ~~تعبدون الله وهؤلاء يعبدون نفوسهم وصدق رحمه الله فإن هؤلاء المستكثرين من ~~الطاعات الذائقين لروح العبادة الراجين ثوابها قد رفع ms0201 لهم علم الثواب وأنه ~~مسبب عن الأعمال فشمروا إليه راجين أن تقبل منهم أعمالهم على عيبها ونقصها ~~بفضل الله خائفين أن ترد عليهم إذ لا تصلح لله ولا تليق به فيردها بعدله ~~وحقه فهم مستكثرون بجهدهم PageV01P260 من طاعاته بين خوفه ورجائه والإزراء ~~على أنفسهم والحرص على استعمال جوارحهم في كل وجه من وجوه الطاعات رجاء ~~مغفرته ورحمته وطمعا في النجاة فهم يقاتلون بكل سلاح لعلم ينجون قالوا : ~~وأما ما أنتم فيه من الفناء ومشاهدة الحقيقة والقيومية والاستغراق في ذلك : ~~فنحن في شغل عنه بتنفيذ أوامر صاحب الحقيقة والقيومية والاستكثار من طاعاته ~~وتصريف الجوارح في مرضاته كما أنكم بفنائكم واستغراقكم فى شهود الحقيقة ~~وحضرة الربوبية في شغل عما نحن فيه فكيف كنتم أولى بالله منا ونحن فى حقوقه ~~ومراده منا وأنتم في حظوظكم ومرادكم منه قالوا : وقد ضرب لنا ولكم مثل ~~مطابق لمن تأمله : بملك ادعى محبته مملوكان من مماليكه فاستحضرهما وسألهما ~~عن ذلك فقالا : أنت أحب شيء إلينا ولا نؤثر عليك غيرك فقال : إن كنتما ~~صادقين فاذهبا إلى سائر مماليكي وعرفاهم بحقوقي عليهم وأخبراهم بما يرضيني ~~عنهم ويسخطني عليهم وابذلا قواكما في تخليصهم من مساخطي ونفذا فيهم أوامرى ~~واصبرا على أذاهم وعودا مريضهم وشيعا ميتهم وأعينا ضعيفهم بقوا كما ~~وأموالكما وجاهكما ثم اذهبا إلى بلاد أعدائي بهذه الملطفات وخالطوهم ~~وادعوهم إلى موالاتى واشتغلا بهم ولا تخافوهم فعندي من جندي وأوليائي من ~~يكفيكما شرهم فأما أحد المملوكين : فقام مبادرا إلى امتثال أمره وبعد عن ~~حضرته في طلب مرضاته وأما الآخر فقال له : لقد غلب على قلبي من محبتك ~~والاستغراق في مشاهدة حضرتك وجمالك : ما لا أقدر معه على مفارقة حضرتك ~~ومشاهدتك فقال له : إن رضائي في أن تذهب مع صاحبك فتفعل كما فعل وإن بعدت ~~عن مشاهدتي فقال : لا أوثر على مشاهدتك والاستغراق فيك شيئا PageV01P261 ~~فأي المملوكين أحب إلى هذا الملك وأحظى عنده وأخص به وأقرب إليه أهذا الذى ~~آثر حظه ومراده وما فيه لذته على مراد الملك وأمره ورضاه أم ms0202 ذلك الذي ذهب ~~في تنفيذ أوامره وفرغ لها قواه وجوارحه وتفرق فيها في كل وجه فما أولاه أن ~~يجمعه أستاذه عليه بعد قضاء أوامره وفراغه منها ويجعله من خاصته وأهل قربه ~~وما أولى صاحبه بأن يبعده عن قربه ويحجبه عن مشاهدته ويفرقه عن جمعيته عليه ~~ويبدله بالتفرقة التي هرب منها في تفرقة أمره تفرقة في هواه ومراده بطبعه ~~وبنفسه فليتأمل اللبيب هذا حق التأمل وليفتح عين بصيرته ويسير بقلبه فينظر ~~في مقامات العبيد وأحوالهم وهممهم ومن هو أولى بالعبودية ومن هو البعيد ~~منها ولا ريب أن من أظهر الاستغناء عن الله وطاعاته وتوثب عليه وأورثته ~~الطاعات جبروتا وحجبا عن رؤيته عيوب نفسه وعمله وكثرت حسناته فى عينه فهو ~~أبغض الخلق إلى الله تعالى وأبعدهم عن العبودية وأقربهم إلى الهلاك لا من ~~استكثر من الباقيات الصالحات ومن مثل ما وصى به النبي من سأله مرافقته في ~~الجنة فقال : أعنى على نفسك بكثرة السجود ومن قوله تعالى : كانوا قليلا من ~~الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون 1718 قال الحسن مدوا الصلاة إلى ~~السحر ثم جلسوا يستغفرون وقال النبي : تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ~~ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد وقال لمن سأله أن يوصيه ~~بشيء يتشبث به : لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله \ ح \ والدين كله استكثار ~~من الطاعات وأحب خلق الله إليه : أعظمهم استكثارا منها وفي الحديث الصحيح ~~الإلهي : ما تقرب إلي عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب ~~إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه PageV01P262 الذي يسمع به ~~وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي ~~يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه فهذا ~~جزاؤه وكرامته للمستكثرين من طاعته لا لأهل الفناء المستغرقين في شهود ~~الربوبية وقال لآخر : عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك ~~الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة \ ح \ # | فصل وهذه الطريقة في الإرادة والطلب ms0203 : نظير طريقة التجهم في العلم # والمعرفة تلك تعطيل للصفات والتوحيد وهذه تعطيل للأمر والعبودية وانظر ~~إلى هذا النسب والإخاء الذى بينهما كيف شرك بينهما نفي اللفظ كما شرك بينها ~~فى المعنى فتلك طريقة النفي وهذه طريقة الفناء تلك نفى لصفات المعبود وهذه ~~فناء عن عبوديته وأما نفي خواص العبيد وفناؤهم : فأمر وراء نفي أولئك ~~وفنائهم لأن نفيهم لصفات النقائص وما يضاد أوصاف الكمال وفناءهم عن إرادة ~~غيره ومحبته وخوفه ورجائه ففناؤهم عن كل ما يخالف أمره ومحابه ونفيهم لكل ~~ما يضاد كماله وجلاله ومن له فرقان فهو يعرف هذا وهذا وغيره لا اعتبار به ~~وصاحب المنازل رحمه الله كان شديد الإثبات للأسماء والصفات مضادا للجهمية ~~من كل وجه وله كتاب الفاروق استوعب فيه أحاديث الصفات وآثارها ولم يسبق إلى ~~مثله وكتاب ذم الكلام وأهله طريقته فيه أحسن طريقة وكتاب لطيف في أصول ~~الدين يسلك فيه طريقة أهل PageV01P263 الإثبات ويقررها وله مع الجهمية ~~المقامات المشهودة وسعوا بقتله إلى السلطان مرارا عديدة والله يعصمه منهم ~~ورموه بالتشبيه والتجسيم على عادة بهت الجهمية والمعتزلة لأهل السنة ~~والحديث الذين لم يتحيزوا إلى مقالة غير ما دل عليه الكتاب والسنة ولكنه ~~رحمه الله كانت طريقته في السلوك مضادة لطريقته في الأسماء والصفات فإنه لا ~~يقدم على الفناء شيئا ويراه الغاية التي يشمر إليها السالكون والعلم الذي ~~يؤمه السائرون واستولى عليه ذوق الفناء وشهود الجمع وعظم موقعه عنده واتسعت ~~إشاراته إليه وتنوعت به الطرق الموصلة إليه علما وحالا وذوقا فتضمن ذلك ~~تعطيلامن العبودية باديا على صفحات كلامه وزان تعطيل الجهمية لما اقتضته ~~أصولهم من نفي الصفات ولما اجتمع التعطيلان لمن اجتمعا له من السالكين تولد ~~منهما القول بوحدة الوجود المتضمن لإنكار الصانع وصفاته وعبوديته وعصم الله ~~أبا إسماعيل باعتصامه بطريقة السلف في إثبات الصفات فأشرف من عقبة الفناء ~~على وادى الاتحاد بأرض الحلول فلم يسلك فيها ولوقوفه على عقبته وإشرافه على ~~تلك الربوع الخراب ودعوة الخلق أقسمت إلى الوقوف على تلك العقبة الاتحادية ~~بالله جهد أيمانهم ms0204 : إنه لمعهم ومنهم وحاشاه وتولى شرح كتابه أشدهم في ~~الاتحاد طريقة وأعظمهم فيه مبالغة وعنادا لأهل الفرق : العفيف التلمساني ~~ونزل الجمع الذي يشير إليه صاحب المنازل PageV01P264 على جمع الوجود وهو لم ~~يرد به حيث ذكره إلا جمع الشهود ولكن الألفاظ مجملة وصادفت قلبا مشحونا ~~بالاتحاد ولسانا فصيحا متمكنا من التعبير عن المراد @QB@ ومن لم يجعل الله ~~له نورا فما له من نور @QE@ # | فصل قال : وتوبة الأوساط : من استقلال العبد المعصية وهو عين الجرأة # والمبارزة ومحض التزين بالحمية والاسترسال للقطيعة يريد : أن استقلال ~~المعصية ذنب كما أن استكثار الطاعة ذنب والعارف من صغرت حسناته في عينه ~~وعظمت ذنوبه عنده وكلما صغرت الحسنات فى عينك كبرت عند الله وكلما كبرت ~~وعظمت في قلبك قلت وصغرت عند الله وسيئاتك بالعكس ومن عرف الله وحقه وما ~~ينبغى لعظمته من العبودية : تلاشت حسناته عنده وصغرت جدا في عينه وعلم أنها ~~ليست مما ينجو بها من عذابه وأن الذي يليق بعزته ويصلح له من العبودية : ~~أمر آخر وكلما استكثر منها استقلها واستصغرها لأنه كلما استكثر منها فتحت ~~له أبواب المعرفة بالله والقرب منه فشاهد قلبه من عظمته سبحانه وجلاله ما ~~يستصغر معه جميع أعماله ولو كانت أعمال الثقلين وإذا كثرت في عينه وعظمت دل ~~على أنه محجوب عن الله تعالى غير عارف به وبما ينبغي له وبحسب هذه المعرفة ~~ومعرفته بنفسه يستكثر ذنوبه وتعظم في عينه لمشاهدته الحق ومستحقه وتقصيره ~~في القيام به وإيقاعه على الوجه اللائق الموافق لما يحبه الرب ويرضاه من كل ~~وجه إذا عرف هذا فاستقلال العبد المعصيته عين الجرأة على الله وجهل بقدر من ~~عصاه وبقدر حقه وإنما كان مبارزة لأنه إذا استصغر المعصية واستقلها هان ~~عليه أمرها وخفت على قلبه وذلك نوع مبارزة وأما قوله : ومحض التزين بالحمية ~~أي بالمحاماة عن النفس وإظهار براءة ساحتها لا سيما إن انضاف إلى ذلك ~~مشاهدة الحقيقة والاحتجاج بالقدر وقوله : PageV01P265 وأي ذنب لي والمحرك ~~لي غيري والفاعل في سواي وإنما أنا كالميت بين يدي الغاسل ms0205 وما حيلة من ليس ~~له حيلة وما قدرة من ليس له قدرة ونحو هذا مما يتضمن الجرأة على الله ~~ومبارزته والمحاماة عن النفس واستصغار ذنوبه ومعاصيه إذا أضافها إلى الحكم ~~فيسترسل إذا للقطيعة وهي المقاطعة لربه والانقطاع عنه فيصير خصما لله مع ~~نفسه وشيطانه وهذا حال المحتجين بالقدر على الذنوب فإنهم خصماء الله عز وجل ~~وهم مع الشياطين والنفوس على الله وهذا غاية البعد والطرد والانقطاع عن ~~الله فإن قلت : فكيف كانت توبة العامة من استكثار الطاعات وتوبة من هم أخص ~~منهم وأعلى درجة من استقلال المعصية وهلا كان الأمر بالضد قلت : الاوساط ~~لما كانوا أشد طلبا لعيوب النفس والعمل وأكثر تفتيشا عليها : انكشف لهم من ~~ذنوبهم ومعاصيهم ما لم ينكشف للعامة إذ حرص العامة على الاستكثار من ~~الطاعات ولذلك كثرت في أعينهم وحرص هؤلاء على تنقية أنفسهم من الآفات ~~والتفتيش على عيوب الأعمال فاستقلال السيئات آفة هؤلاء وقاطع طريقهم ~~واستكثار الحسنات وعظمها في قلوب أولئك آفتهم وقاطع طريقهم فذكر ما هو ~~الأخص الأغلب على كل واحدة من الطائفتين # | فصل قال وتوبة الخواص : من تضييع الوقت فإنه يفضي إلى درك النقيصة # ويطفىء نور المراقبة ويكدر عين الصحبة ليس مراده بتضييع الوقت : إضاعته ~~في الاشتغال بمعصية أو لغو أو الإعراض عن واجبه وفرضه فإنهم لو أضاعوه بهذا ~~المعنى لم يكونوا من الخواص بل هذه توبة العامة بعينها و الوقت عند القوم : ~~أخص منه في لغة العرب حتى إن منهم من يقول : الوقت : هو الحق ومنهم من يقول ~~استغراق رسم العبد في وجود الحق يشيرون إلى الفناء فى حضرة الجمع والغالب ~~على اصطلاحهم : أنه PageV01P266 من الإقبال على الله بالمراقبة والحضور ~~والفناء فى الوحدانية ويقولون : هو صاحب وقت مع الله فخصوا الوقت بهذا ~~الاسم تخصيصا للفظ العام ببعض أفراده وإلا فكل من هو مشغول بأمر يعنى به ~~فان في شهوده وطلبه : فله وقت معه بل أوقاته مستغرقة فيه فتوبة هؤلاء من ~~إضاعة هذا الوقت الخاص الذي هو وقت وجد صادق وحال صحيحة مع ms0206 الله تعالى لا ~~يكدرها الأغيار وربما يمر بك إشباع القول في الوقت والفرق بين الصحيح منه ~~والفاسد فيما بعد إن شاء الله والقصد : أن إضاعة الوقت الصحيح يدعو إلى درك ~~النقيصة إذ صاحب حفظه مترق على درجات الكمال فإذا أضاعه لم يقف موضعه بل ~~ينزل إلى درجات من النقص فإن لم يكن في تقدم فهو متأخر ولا بد فالعبد سائر ~~لا واقف فإما إلى فوق وإما إلى أسفل إما إلى أمام وإما إلى وراء وليس في ~~الطبيعة ولا في الشريعة وقوف ألبتة ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة ~~أو إلى النار فمسرع ومبطىء ومتقدم ومتقدم ومتأخر وليس في الطريق واقف ألبتة ~~وإنما يتخالفون فى جهة المسير وفي السرعة والبطء @QB@ إنها لإحدى الكبر ~~نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر @QE@ [ المدثر : 3537 ] ولم ~~يذكر واقفا إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك إلى غير الدارين ~~ألبتة فمن لم يتقدم إلى هذه الآعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال ~~السيئة فإن قلت : كل مجد في طلب شيء لا بد أن يعرض له وقفة وفتور ثم ينهض ~~إلى طلبه قلت : لا بد من ذلك ولكن صاحب الوقفة له حالان : إما أن يقف ليجم ~~نفسه ويعدها للسير فهذا وقفته سير ولا تضره الوقفة فإن لكل عمل شرة ولكل ~~شرة فترة PageV01P267 وإما أن يقف لداع دعاه من ورائه وجاذب جذبه من خلفه ~~فإن أجابه أخره ولا بد فإن تداركه الله برحمته وأطلعه على سبق الركب له ~~وعلى تأخره : نهض نهضة الغضبان الآسف على الانقطاع ووثب وجمز واشتد سعيا ~~ليلحق الركب وإن استمر مع داعي التأخر وأصغى إليه لم يرض برده إلى حالته ~~الأولى من الغفلة وإجابة داعي الهوى حتى يرده إلى أسوأ منها وأنزل دركا وهو ~~بمنزلة النكسة الشديدة عقيب الإبلال من المرض فإنها أخطر منه وأصعب ~~وبالجملة : فإن تدارك الله سبحانه وتعالى هذا العبد بجذبة منه من يد عدوه ~~وتخليصه وإلا فهو في تأخر إلى الممات راجع ms0207 القهقرى ناكص على عقيبه أو مول ~~ظهره ولا قوة إلا بالله والمعصوم من عصمه الله وقوله : ويطفىء نور المراقبة ~~يعني أن المراقبة تعطي نورا كاشفا لحقائق المعرفة والعبودية وإضاعة الوقت ~~تغطي ذلك النور وتكدر الصحبة مع الله فإن صاحب الوقت مع صحبة الله وله مع ~~الله معية خاصة بحسب حفظه وقته مع الله فإن كان مع الله كان الله معه فإذا ~~أضاع وقته كدر عين هذه المعية الخاصة وتعرض لقطع هذه الصحبة فلا شيء أضر ~~على العارف بالله من إضاعة وقته مع الله ويخشى عليه إن لم يتداركه بالرجوع ~~: أن تستمر الإضاعة إلى يوم القيامة فتكون حسرته وندامته أعظم من حسرة غيره ~~وندامته وحجابه عن الله أشد من حجاب من سواه ويكون حاله شبيها بحال قوم ~~يؤمر بهم إلى الجنة حتى إذا عاينوها وشاهدوا ما فيها صرفت وجوههم عنها إلى ~~النار فإذن توبة الخواص تكون من تضييع أوقاتهم مع الله التي تدعو إلى هذه ~~الأمور # | فصل وفوق هذا مقام آخر من التوبة أرفع منه وأخص لا يعرفه إلا الخواص # المحبون الذين يستقلون في حق محبوبهم جميع أعمالهم وأحوالهم وأقوالهم فلا ~~PageV01P268 يرونها قط إلا بعين النقص والإزراء عليها ويرون شأن محبوبهم ~~أعظم وقدره أعلى من أن يرضوا نفوسهم وأعمالهم له فهم أشد شيء احتقارا لها ~~وإزراء بها وإذا غفلوا عن مراد محبوبهم منهم ولم يوفوه حقه : تابوا إليه من ~~ذلك توبة أرباب الكبائر منها فالتوبة لا تفارقهم أبدا وتوبتهم لون وتوبة ~~غيرهم لون وفوق @QB@ كل ذي علم عليم @QE@ [ يوسف : 76 ] وكلما ازدادوا حبا ~~له ازدادوا معرفة بحقه وشهودا لتقصيرهم فعظمت لذلك توبتهم ولذلك كان خوفهم ~~أشد وإزراؤهم على أنفسهم أعظم وما يتوب منه هؤلاء قد يكون من كبار حسنات ~~غيرهم وبالجملة : فتوبة المحبين الصادقين العارفين بربهم وبحقه : هي التوبة ~~وسواهم محجوب عنها وفوق هذه توبة أخرى الأولى بنا الإضراب عنها صفحا # | فصل قال صاحب المنازل ولا يتم مقام التوبة إلا بالانتهاء إلى التوبة ~~مما # دون الحق ثم رؤية علة التوبة ثم ms0208 التوبة من رؤية تلك العلة التوبة مما دون ~~الله : أن يخرج العبد بقلبه عن إرادة ما سوى الله تعالى فيعبده وحده لا ~~شريك له بأمره وباستعانته فيكون كله له وبه وهذا أمر لا يصح إلا لمن استولى ~~عليه سلطان المحبة فامتلأ قلبه من الله محبة له وإجلالا وتعظيما وذلا ~~وخضوعا وانكسارا بين يديه وافتقارا إليه فإذا صح له ذلك بقيت عليه عندهم ~~بقية أخرى هي علة في توبته وهي شعوره بها ورؤيته لها وعدم فنائه عنها وذلك ~~بالنسبة إلى مقامه وحاله ذنب فيتوب من هذه الرؤية فههنا ثلاثة أمور : توبته ~~مما سوى الله ورؤيته هذه التوبة وهي علتها وتوبته من رؤية تلك الرؤية وهذا ~~عند القوم الغاية التي لا شيء بعدها والنهاية PageV01P269 التي لا تكون إلا ~~لخاصة الخاصة ولعمر الله إن رؤية العبد فعله واحتجابه به عن ربه ومشاهدته ~~له : علة في طريقه موجبة للتوبة وأما رؤيته له واقعا بمنة الله وفضله وحوله ~~وقوته وإعانته : فهذا أكمل من غيبته عنه : وهو أكمل من المقام الذي يشيرون ~~إليه وأتم عبودية وأدعى للمحبة وشهود المنة إذ يستحيل شهود المنة على شيء ~~لا شعور للشاهد به ألبتة والذي ساقهم إلى ذلك : سلوك وادي الفناء فى الشهود ~~فلا يشهد مع الحق سببا ولا وسيلة ولا رسما ألبتة ونحن لا ننكر ذوق هذا ~~المقام وأن السالك ينتهي إليه ويجد له حلاوة ووجدا ولذة لا يجدها لغيره ~~ألبتة وإنما يطالب أربابه والمشمرون إليه بأمر وراءه وهو أن هذا هو الكمال ~~وهو أكمل من حال من شهد أفعاله ورآها ورأى تفاصيلها مشاهدا لها صادرة عنه ~~بمشيئة الله وإرادته ومعونته فشهد عبوديته مع شهود معبوده ولم يغب في شهود ~~العبودية عن المعبود ولا بشهود المعبود عن العبودية فكلاهما نقص والكمال : ~~أن تشهد العبودية حاصلة بمنة المعبود وفضله ومشيئته فيجتمع لك الشهودان فإن ~~غبت بأحدهما عن الآخر فالمقام مقام توبة وهل في الغيبة عن العبودية إلا هضم ~~لها والواجب : أن يقع التحاكم في ذلك إلى الله ورسوله وإلى حقائق ms0209 الإيمان ~~دون الذوق فإننا لا ننكر ذوق هذه الحال وإنما ننكر كونها أكمل من غيرها ~~فأين الإشارة في القرآن أو في السنة أو في كلام سادات العارفين من الصحابة ~~ومن تبعهم إلى هذا الفناء وأنه هو الكمال وأن رؤية العبد لفعله بالله وحوله ~~وفضله وشهوده له كذلك : علة تجب التوبة منها وهذا القدر مما يصعب إنكاره ~~على القوم جدا ويرمون منكره بأنه محجوب من أهل الفرق وأنه لم يصل إلى هذا ~~المقام ولو وصل إليه لما أنكره وليس في PageV01P270 شيء من ذلك حجة لتصحيح ~~قولهم ولا جواب المطالبة فقد سألك هذا المحجوب عن مسألة شرعية وما ذكرتموه ~~ليس بجواب لها ولعمر الله إنه يراكم محجوبين عن حال أعظم من هذه الحال ~~ومقام أرفع منه وليس في مجرد الفناء والاستغراق في شهود القيومية وإسقاط ~~الأسباب والعلل والحكم والوسائط كثير علم ولا معرفة ولا عبودية وهل المعرفة ~~كل المعرفة والعبودية : إلا شهود الأشياء على ما هي عليه والقرآن كله مملوء ~~من دعاء العباد إلى التفكر فى الآيات والنظر في أحوال المخلوقات ونظر ~~الإنسان في نفسه وتفاصيل أحواله وأخص من ذلك : نظره فيما قدم لغده ومطالعته ~~لنعم الله عليه بالإيمان والتوفيق والهداية وتذكر ذلك والتفكر فيه وحمد ~~الله وشكره عليه وهذا لا يحصل مع الفناء حتى عن رؤية الرؤية وشهود الشهود ~~ثم إن هذا غير ممكن ألبتة فإنكم إذا جعلتم رؤيته لتوبته علة يتوب منها فإن ~~رؤيته لتلك الرؤية أيضا علة توجب عليه توبة وهلم جرا فلا ينتهي الأمر إلا ~~بسقوط التمييز جملة والسكر والطمس المنافي للعبودية فضلا عن أن يكون غاية ~~للعبودية فتأمل الآن تفاصيل عبودية الصلاة كيف لا تتم إلا بشهود فعلك الذى ~~متى غبت عنه كان ذلك نقصا في العبودية فإذا قال المصلي : وجهت وجهي للذى ~~فطر السموات والأرض حنيفا فعبودية هذا القول : أن يشهد وجهه وهو قصده ~~وإرادته وأن يشهد حقيقته وهي إقباله على الله ثم إذا قال : إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين فعبودية هذا القول ms0210 : أن يشهد الصلاة والنسك ~~المضافين ولو غاب عنهما كان قد أضاف إلى الله بلسانه ما هو غائب عن ~~استحضاره بقلبه فكيف يكون هذا أكمل وأعلى من حال من استحضر فعله وعبوديته ~~وأضافهما إلى الله وشهد مع PageV01P271 ذلك كونهما به فأين هذا من حال ~~المستغرق الفاني المصطلم الذي قد غاب بمعبوده عن حقه وقد أخذ منه وغيب عنه ~~نعم غاية هذا : أن يكون معذورا أما أن يكون مقامه أعلى مقام وأجله : فكلا ~~وكذلك إذا قال في قراءته @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فعبودية هذا ~~القول : فهم معنى العبادة والاستعانة واستحضارهما وتخصيصهما بالله ونفيهما ~~عن غيره فهذا أكمل من قول ذلك بمجرد اللسان وكذلك إذا قال في ركوعه : اللهم ~~لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وما استقلت به ~~قدمي فكيف يؤدي عبودية هذه الكلمات غائب عن فعله مستغرق في فنائه وهل يبقى ~~غير أصوات جارية على لسانه ولولا العذر لم تكن هذه عبودية نعم رؤية هذه ~~الأفعال والوقوف عندها والاحتجاب بها عن المنعم بها الموفق لها المان بها : ~~من أعظم العلل والقواطع قال تعالى يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي ~~إسلامكم بل الله يمن عليكم : أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين [ الحجرات : ~~17 ] فالعارف غائب بمنة الله عليه في طاعته مع شهودها ورؤيتها والجاهل غائب ~~بها عن رؤية منة الله والفاني غائب باستغراقه في الفناء وشهود القيومية عن ~~شهودها وهو ناقص وقد جعل الله لك شيء قدرا # | فصل ونذكر نبذا تتعلق بأحكام التوبة تشتد الحاجة إليها ولا يليق # بالعبد جهلها منها : أن المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور ولا ~~يجوز تأخيرها فمتى أخرها عصى بالتأخير فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة ~~أخرى وهي توبته من تأخير التوبة وقل أن تخطر هذه ببال التائب بل عنده : أنه ~~إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيء آخر وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة ~~PageV01P272 ولا ينجي من هذا إلا توبة عامة مما يعلم من ms0211 ذنوبه ومما لا يعلم ~~فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر مما يعلمه ولا ينفعه في عدم المؤاخذة ~~بها جهله إذا كان متمكنا من العلم فإنه عاص بترك العلم والعمل فالمعصية في ~~حقه أشد وفي صحيح ابن حبان : أن النبي قال : الشرك في هذه الأمة أخفى من ~~دبيب النمل فقال أبو بكر فكيف الخلاص منه يا رسول الله قال : أن تقول : ~~اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم فهذا طلب ~~الاستغفار مما يعلمه الله أنه ذنب ولا يعلمه العبد وفي الصحيح عنه : أنه ~~كان يدعو في صلاته : اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي فى أمري وما أنت ~~أعلم به مني اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطأي وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر ~~لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت إلهي لا ~~إله إلا أنت وفي الحديث الآخر : اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله خطأه ~~وعمده سره وعلانيته أوله وآخره \ ح \ فهذا التعميم وهذا الشمول لتأتي ~~التوبة على ما علمه العبد من ذنوبه وما لم يعلمه # | فصل وهل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره فيه قولان لأهل العلم # وهما روايتان عن الإمام أحمد رضي الله عنه ولم يطلع على الخلاف من حكى ~~الإجماع على صحتها كالنووي وغيره والمسألة مشكلة ولها غور ويحتاج الجزم ~~بأحد القولين إلى دليل يحصل به الجزم والذين صححوها احتجوا بأنه لما صح ~~الإسلام وهو توبة من الكفر PageV01P273 مع البقاء على معصية لم يتب منها ~~فهكذا تصح التوبة من ذنب مع بقائه على آخر وأجاب الآخرون عن هذا بأن ~~الإسلام له شأن ليس لغيره لقوته ونفاذه وحصوله تبعا بإسلام الأبوين أو ~~أحدهما للطفل وكذلك بانقطاع نسب الطفل من أبيه أو بموت أحد أبويه في أحد ~~القولين وكذلك يكون بكون سابيه ومالكه مسلما في أحد القولين أيضا وذلك ~~لقوته وتشوف الشرع إليه حتى حصل بغير القصد بل بالتبعية واحتج الآخرون بأن ms0212 ~~التوبة : هى الرجوع إلى الله من مخالفته إلى طاعته وأي رجوع لمن تاب من ذنب ~~واحد وأصر على ألف ذنب قالوا : والله سبحانه إنما لم يؤاخذ التائب لأنه قد ~~رجع إلى طاعته وعبوديته وتاب توبة نصوحا والمصر على مثل ما تاب منه أو أعظم ~~لم يراجع الطاعة ولم يتب توبة نصوحا قالوا : ولأن التائب إذا تاب إلى الله ~~فقد زال عنه اسم العاصي كالكافر إذا أسلم زال عنه اسم الكافر فأما إذا أصر ~~على غير الذنب الذي تاب منه فاسم المعصية لا يفارقه فلا تصح توبته وسر ~~المسألة أن التوبة : هل تتبعض كالمعصية فيكون تائبا من وجه دون وجه ~~كالإيمان والإسلام والراجح : تبعضها فإنها كما تتفاضل في كيفيتها كذلك ~~تتفاضل في كميتها ولو أتى العبد بفرض وترك فرضا آخر لاستحق العقوبة على ما ~~تركه دون ما فعله فهكذا إذا تاب من ذنب وأصر على آخر لأن التوبة فرض من ~~الذنبين فقد PageV01P274 أدى أحد الفرضين وترك الآخر فلا يكون ما ترك موجبا ~~لبطلان ما فعل كمن ترك الحج وأتى بالصلاة والصيام والزكاة والآخرون يجيبون ~~عن هذا بأن التوبة فعل واحد معناه الإقلاع عما يكرهه الله والندم عليه ~~والرجوع إلى طاعته فإذا لم توجد بكمالها لم تكن صحيحة إذ هي عبادة واحدة ~~فالإتيان ببعضها وترك بعض واجباتها كالإتيان ببعض العبادة الواجبة وترك ~~بعضها فإن ارتباط أجزاء العبادة الواحدة بعضها ببعض أشد من ارتباط العبادات ~~المتنوعات بعضها ببعض وأصحاب القول الآخر يقولون : كل ذنب له توبة تخصه وهي ~~فرض منه لا تتعلق بالتوبة من الآخر كما لا يتعلق أحد الذنبين بالآخر والذي ~~عندي في هذه المسألة : أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه ~~وأما التوبة من ذنب مع مباشرة آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه : فتصح كما ~~إذا تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر مثلا فإن توبته من الربا صحيحة وأما ~~إذا تاب من ربا الفضل ولم يتب من ربا النسيئة وأصر عليه ms0213 أو بالعكس أو تاب ~~من تناول الحشيشة وأصر على شرب الخمر أو بالعكس : فهذا لا تصح توبته وهو ~~كمن يتوب عن الزنا بامرأة وهو مصر على الزنا بغيرها غير تائب منها أو تاب ~~من شرب عصير العنب المسكر وهو مصر على شرب غيره من الأشربة المسكرة فهذا في ~~الحقيقة لم يتب من الذنب وإنما عدل عن نوع منه إلى نوع آخر بخلاف من عدل عن ~~معصية إلى معصية أخرى غيرها في الجنس إما لأن وزرها أخف وإما لغلبة دواعي ~~الطبع إليها وقهر سلطان شهوتها له وإما لأن أسبابها حاضرة لديه عتيدة لا ~~يحتاج إلى استدعائها بخلاف معصية يحتاج إلى استدعاء أسبابها وإما لاستحواذ ~~قرنائه وخلطائه عليه فلا يدعونه يتوب منها وله بينهم حظوة بها و جاه فلا ~~تطاوعه نفسه على إفساد جاهه بالتوبة كما قال أبو نواس لأبي العتاهية وقد ~~لامه على تهتكه في المعاصي : PageV01P275 # أتراني يا عتاهي % تاركا تلك الملاهي # أتراني مفسدا بالنسك % عند القوم جاهي فمثل هذا إذا تاب من قتل النفس ~~وسرقة أموال المعصومين وأكل أموال اليتامى ولم يتب من شرب الخمر والفاحشة : ~~صحت توبته مما تاب منه ولم يؤاخذ به وبقي مؤاخذا بما هو مصر عليه والله ~~أعلم # | فصل ومن أحكام التوبة أنه : هل يشترط في صحتها أن لا يعود إلى # الذنب أبدا أم ليس ذلك بشرط فشرط بعض الناس عدم معاودة الذنب وقال : متى ~~عاد إليه تبينا أن التوبة كانت باطلة غير صحيحة والأكثرون على أن ذلك ليس ~~بشرط وإنما صحة التوبة تتوقف على الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم ~~الجازم على ترك معاودته فإن كانت في حق آدمي : فهل يشترط تحلله فيه تفصيل ~~سنذكره إن شاء الله فإذا عاوده مع عزمه حال التوبة على أن لا يعاوده صار ~~كمن ابتدأ المعصية ولم تبطل توبته المتقدمة والمسألة مبنية على أصل وهو : ~~أن العبد إذا تاب من الذنب ثم عاوده فهل يعود إليه إثم الذنب الذي قد تاب ~~منه ثم عاوده بحيث يستحق العقوبة على الأول ms0214 والآخر إن مات مصرا أو إن ذلك ~~قد بطل بالكلية فلا يعود إليه إثمه وإنما يعاقب على هذا الأخير وفي هذا ~~الأصل قولان فقالت طائفة : يعود إليه إثم الذنب الأول لفساد التوبة ~~وبطلانها بالمعاودة قالوا : لأن التوبة من الذنب بمنزلة الإسلام من الكفر ~~والكافر إذا أسلم هدم إسلامه ما قبله من إثم الكفر وتوابعه فإن ارتد عاد ~~إليه الإثم الأول مع PageV01P276 إثم الردة كما ثبت فى الصحيح عن النبي أنه ~~قال : من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء في ~~الإسلام أخذ بالأول والآخر فهذا حال من أسلم وأساء فى إسلامه ومعلوم أن ~~الردة من أعظم الإساءة في الإسلام فإذا أخذ بعدها بما كان منه فى حال كفره ~~ولم يسقطه الإسلام المتخلل بينهما فهكذا التوبة المتخللة بين الذنبين لا ~~تسقط الإثم السابق كما لا تمنع الإثم اللاحق قالوا : واولأن صحة التوبة ~~مشروطة باستمرارها والموافاة عليها والمعلق على الشرط يعدم عند عدم الشرط ~~كما أن صحة الإسلام مشروطة باستمراره والموافاة عليه قالوا : والتوبة واجبة ~~وجوبا مصينقا مدى العمر فوقتها مدة العمر إذ يجب عليه استصحاب حكمها في مدة ~~عمره فهي بالنسبة إلى العمر كالإمساك عن المفطرات في صوم اليوم فإذا أمسك ~~معظم النهار ثم نقض إمساكه بالمفطرات : بطل ما تقدم من صيامه ولم يعتد به ~~وكان بمنزلة من لم يمسك شيئا من يومه قالوا : ويدل على هذا : الحديث الصحيح ~~وهو قوله : إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ~~ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وهذا أعم من أن يكون ~~هذا العمل الثاني كفرا موجبا للخلود أو معصية موجبة للدخول فإنه لم يقل : ~~فيرتد فيفارق الإسلام وإنما أخبر أنه يعمل بعمل يوجب له النار وفي بعض ~~السنن : إن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة فإذا كان عند الموت جار في ~~وصيته فدخل النار فالخاتمة السيئة أعم من أن تكون خاتمة بكفر أو بمعصية ~~والأعمال بالخواتيم فإن قيل : فهذا يلزم منه ms0215 إحباط الحسنات بالسيئات وهذا ~~قول المعتزلة والقرآن والسنة قد دلا على أن الحسنات هي التي تحبط السيئات ~~لا العكس كما قال إن الحسنات يذهبن السيئات [ هود : 114 ] وقال النبي ~~PageV01P277 لمعاذ : اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق ~~الناس بخلق حسن قيل : والقرآن والسنة قد دلا على الموازنة وإحباط الحسنات ~~بالسيئات فلا يضرب كتاب الله بعضه ببعض ولا يرد القرآن بمجرد كون المعتزلة ~~قالوه فعل أهل الهوى والتعصب بل نقبل الحق ممن قاله ويرد الباطل على من ~~قاله فأما الموازنة : فمذكورة في سورة الأعراف [ آيه : 79 ] والأنبياء [ ~~آيه 21 : 47 ] والمؤمنين [ آيه : 101111 ] والقارعة والحاقة [ آيه : 1937 ] ~~وأما الإحباط : فقد قال الله تعالى : @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم @QE@ [ محمد : 33 ] وتفسير الإبطال ها ~~هنا بالردة لأنها أعظم المبطلات لا لأن المبطل ينحصر فيها وقال تعالى : ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى @QE@ [ البقره : ~~264 ] فهذان سببان عرضا بعد للصدقة فأبطلاها شبه سبحانه بطلانها بالمن ~~والأذى بحال المتصدق رياء فى بطلان صدقة كل واحد منهما وقال تعالى : يا ~~أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول ~~كجهر بعضكم لبعض : أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون [ الحجرات : 2 ] وفي ~~الصحيح عن النبي قال : من ترك صلاة العصر فقط حبط عمله وقالت عائشة رضى ~~الله عنها لأم ولد زيد بن أرقم وقد باع بيع العينة : أخبري زيدا : أنه قد ~~أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب وقد نص أحمد على هذا في رواية فقال : ~~ينبغي للعبد أن يتزوج إذا خاف على نفسه فيستدين ويتزوج لا يقع في محظور ~~فيحبط عمله فإذا استقرت قاعدة الشريعة أن من السيئات ما يحبط الحسنات ~~بالإجماع ومنها ما يحبطها بالنص جاز ان المعاوده حسنة التوبة فتصير التوبة ~~كأنها لم تكن فيلتقي العملان ولا حاجز بينهما فيكون التأثير لهما جميعا ~~قالوا : وقد دل القرآن والسنة وإجماع السلف على الموازنة وفائدتها : ~~PageV01P278 اعتبار الراجح فيكون التأثير ms0216 والعمل له دون المرجوح قال ابن ~~مسعود يحاسب يوم القيامة فمن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ~~ومن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ثم قرأ : فمن ثقلت ~~موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم [ ~~الأعراف : 89 ] ثم قال : إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح قال : ومن ~~استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الاعراف وعلى هذا : فهل يحبط الراجح ~~المرجوح حتى يجعله كأن لم يكن أو يحبط ما قابله بالموازنة ويبقى التأثير ~~للقدر الزائد فيه قولان للقائلين بالموازنة ينبني عليهما : أنه إذا كانت ~~الحسنات أرجح من السيئات بواحدة مثلا فهل يدفع الراجح المرجوح جملة فيثاب ~~على الحسنات كلها أو يسقط من الحسنات ما قابل السيئات فلا يثاب عليه ولا ~~يعاقب على تلك السيئات فيبقى القدر الزائد لا مقابل له فيثاب عليه وحده ~~وهذا الأصل فيه قولان لأصحاب الموازنة وكذلك إذا رجحت السيئات بواحدة هل ~~يدخل النار بتلك الواحدة التي سلمت عن مقابل أو بكل السيئات التي رجحت على ~~القولين هذا كله على أصل أصحاب التعليل والحكم PageV01P279 وأما على أصول ~~الجبرية نفاة التعليل والحكم والأسباب واقتضائها للثواب والعقاب : فالأمر ~~مردود عندهم إلى محض المشيئة من غير اعتبار شيء من ذلك ولا يدرى عندهم ما ~~يفعل الله بل يجوز عندهم أن يعاقب صاحب الحسنات الراجحة ويثيب صاحب السيئات ~~الراجحة وأن يدخل الرجلين النار مع استوائهما في العمل وأحدهما في الدرك ~~تحت الآخر ويغفر لزيد ويعاقب عمرا مع استوائهما من جميع الوجوه وينعم من لم ~~يطعه قط ويعذب من لم يعصه قط فليس عندهم سبب ولا حكمة ولا علة ولا موازنة ~~ولا إحباط ولا تدافع بين الحسنات والسيئات والخوف على المحسن والمسيء واحد ~~إذ من الجائز تعذيبهما وكل مقدور له فجائز عليه لا يعلم امتناعه إلا بإخبار ~~الرسول : أنه لا يكون فيمتنع وقوعه لمطابقة خبره لعلمه الله عز وجل بعد ~~وقوعه # | فصل واحتج الفريق الآخر وهم القائلون بأنه لا يعود إليه إثم الذنب # الذي ms0217 تاب منه بنقض التوبة بأن ذلك الإثم قد ارتفع بالتوبة وصار بمنزلة ما ~~لم يعمله وكأنه لم يكن فلا يعود إليه بعد ذلك وإنما العائد إثم المستأنف لا ~~الماضي قالوا : ولا يشترط في صحة التوبة العصمة إلى الممات بل إذا ندم ~~وأقلع وعزم على الترك : محي عنه إثم الذنب بمجرد ذلك فإذا استأنفه استأنف ~~إثمه قالوا : فليس هذا كالكفر الذي يحبط الأعمال فإن الكفر له شأن آخر ~~ولهذا يحبط جميع الحسنات ومعاودة الذنب لا تحبط ما تقدمه من الحسنات قالوا ~~: والتوبة من أكبر الحسنات فلو أبطلتها معاودة الذنب لأبطلت غيرها من ~~الحسنات وهذا باطل قطعا وهو يشبه مذهب الخوارج المكفعرين بالذنب والمعتزلة ~~المخلدين في النار بالكبيرة التى تقدمها الألوف من الحسنات فإن الفريقين ~~متفقان على خلود أرباب الكبائر في النار ولكن الخوارج كفروهم والمعتزلة ~~فسقوهم وكلا المذهبين باطل في دين الإسلام مخالف للمنقول PageV01P280 ~~والمعقول وموجب العدل : إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ~~ويؤت من لدنه أجرا عظيما [ النساء : 40 ] قالوا : وقد ذكر الإمام أحمد في ~~مسنده مرفوعا إلى النبي : إن الله يحب العبد المفتن التواب قلت : وهو الذي ~~كلما فتن بالذنب تاب منه فلو كانت معاودته تبطل توبته لما كان محبوبا للرب ~~ولكان ذلك أدعى إلى مقته قالوا : وقد علق الله سبحانه قبول التوبة ~~بالاستغفار وعدم الإصرار دون المعاودة فقال تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة ~~أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ~~ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون [ آل عمران : 135 ] والإصرار : عقد ~~القلب على ارتكاب الذنب متى ظفر به فهذا الذي يمنع مغفرته قالوا : وأما ~~استمرار التوبة : فشرط في صحة كمالها ونفعها لا شرط في صحة ما مضى منها ~~وليس كذلك العبادات كصيام اليوم وعدد ركعات الصلاة فإن تلك عبادة واحدة لا ~~تكون مقبولة إلا بالإتيان بجميع أركانها وأجزائها وأما التوبة : فهي عبادات ~~متعددة بتعدد الذنوب فكل ذنب له توبة تخصه فإذا أتى بعبادة وترك أخرى لم ~~يكن ما ms0218 ترك موجبا لبطلان ما فعل كما تقدم تقريره بل نظير هذا : أن يصوم من ~~رمضان ويفطر منه بلا عذر فهل يكون ما أفطره منه مبطلا لأجر ما صامه منه بل ~~نظير من صلى ولم يصم أو زكى ولم يحج ونكتة المسألة : أن التوبة المتقدمة ~~حسنة ومعاودة الذنب سيئة فلا تبطل معاودته هذه الحسنة كما لا تبطل ما ~~قارنها من الحسنات قالوا : وهذا على أصول السنة أظهر فإنهم متفقون على أن ~~الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعداوة من وجهين مختلفين ويكون محبوبا لله ~~مبغوضا PageV01P281 له من وجهين أيضا بل يكون فيه إيمان ونفاق وإيمان وكفر ~~ويكون إلى أحدهما أقرب منه إلى الآخر فيكون من أهله كما قال تعالى هم للكفر ~~يومئذ أقرب منهم للإيمان ] وقال : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون [ ~~يوسف : 106 ] أثبت لهم الإيمان به مع مقارنة الشرك فإن كان مع هذا الشرك ~~تكذيب لرسله لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله وإن كان معه تصديق لرسله ~~وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا تخرجهم عن الإيمان بالرسل وباليوم الآخر ~~فهؤلاء مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر وشركهم قسمان : شرك ~~خفي وشرك جلي فالخفي قد يغفر وأما الجلي فلا يغفره الله تعالى إلا بالتوبة ~~منه فإن الله لا يغفر أن يشرك به وبهذا الأصل أثبت أهل السنة دخول أهل ~~الكبائر النار ثم خروجهم منها ودخولهم الجنة لما قام بهم من السببين فإذا ~~ثبت هذا فمعاود الذنب : مبغوض لله من جهة معاودة الذنب محبوب له من جهة ~~توبته وحسناته السابقة فيرتب الله سبحانه على كل سبب أثره ومسببه بالعدل ~~والحكمة ولا يظلم مثقال ذرة وما ربك بظلام للعبيد [ فصلت : 46 # | فصل وإذا استغرقت سيئاته الحديثات حسناته القديمات وأبطلتها ثم تاب ~~منها # توبة نصوحا خالصة : عادت إليه حسناته ولم يكن حكمه حكم المستأنف لها بل ~~يقال له : تبت على ما أسلفت من خير فان الحسنات التى فعلها فى الإسلام أعظم ~~من الحسنات التي يفعلها الكافر في كفره : من عتاقة ms0219 وصدقة وصلة وقد قال حكيم ~~بن حزام : يا رسول الله أرأيت عتاقة أعتقتها فى الجاهلية وصدقة تصدقت بها ~~وصلة وصلت بها رحمي فهل لي فيها من أجر فقال : أسلمت على ما أسلفت من خير ~~وذلك لأن الإساءة المتخللة بين الطاعتين قد ارتفعت بالتوبة وصارت كأنها لم ~~تكن فتلاقت الطاعتان واجتمعتا والله أعلم PageV01P282 # | فصل ومن أحكامها : أن العاصي إذا حيل بينه وبين أسباب المعصية وعجز # عنها بحيث يتعذر وقوعها منه هل تصح توبته وهذا كالكاذب والقاذف وشاهد ~~الزور إذا قطع لسانه والزاني إذا جب والسارق إذا أتي على أطرافه الأربعة ~~والمزور إذا قطعت يده ومن وصل إلى حد بطلت معه دواعيه إلى معصية كان ~~يرتكبها ففي هذا قولان للناس فقالت طائفة : لا تصح توبته لأن التوبة إنما ~~تكون ممن يمكنه الفعل والترك فالتوبة من الممكن لا من المستحيل ولهذا لا ~~تتصور التوبة من نقل الجبال عن أماكنها وتنشيف البحار والطيران إلى السماء ~~ونحوه قالوا : ولأن التوبة مخالفة داعي النفس وإجابة داعي الحق ولا داعي ~~للنفس هنا إذ يعلم استحالة الفعل منها قالوا : ولأن هذا كالمكره على الترك ~~المحمول عليه قهرا ومثل هذا لا تصح توبته قالوا : ومن المستقر في فطر الناس ~~وعقولهم : أن توبة المفاليس وأصحاب الجوائح : توبة غير معتبرة ولا يحمدون ~~عليها وبل يسمونها توبة إفلاس وتوبة جائحة قال الشاعر : ورحت عن توبة سائلا ~~وجدتها توبة إفلاس قالوا : ويدل على هذا أيضا : أن النصوص المتضافرة ~~المتظاهرة قد دلت على أن التوبة عند المعاينة لا تنفع لأنها توبة ضرورة لا ~~اختيار قال تعالى : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم ~~يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما وليست التوبة ~~للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال : إني تبت الآن ولا ~~الذين يموتون وهم كفار PageV01P283 أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما [ النساء ~~: 1718 ] و الجهالة ههنا : جهالة العمل وإن كان عالما بالتحريم قال قتادة : ~~أجمع أصحاب رسول الله على أن كل ما عصي الله به ms0220 فهو جهالة عمدا كان أو لم ~~يكن وكل من عصى الله فهو جاهل وأما التوبة من قريب : فجمهور المفسرين : على ~~أنها التوبة قبل المعاينة قال عكرمة : قبل الموت وقال الضحاك : قبل معاينة ~~ملك الموت وقال السدى والكلبى : أن يتوب فى صحته قبل مرض موته وفي المسند ~~وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي قال : إن الله يقبل توبة العبد ~~ما لم يغرغر وفى نسخة دراج أبى الهيثم عن أبي سعيد مرفوعا : إن الشيطان قال ~~: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب عز ~~وجل : وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ~~PageV01P284 فهذا شأن التائب من قريب وأما إذا وقع في السياق فقال : إني ~~تبت الآن لم تقبل توبته وذلك لأنها توبة اضطرار لا اختيار فهي كالتوبة بعد ~~طلوع الشمس من مغربها ويوم القيامة وعند معاينة بأس الله قالوا : ولأن ~~حقيقة التوبة : هي كف النفس عن الفعل الذى هو متعلق النهي والكف إنما يكون ~~عن أمر مقدور وأما المحال : فلا يعقل كف النفس عنه ولأن التوبة هى الإقلاع ~~عن الذنب وهذا لا يتصور منه الإيقاع حتى يتأتى منه الإقلاع قالوا : ولأن ~~الذنب عزم جازم على فعل المحرم يقترن به فعله المقدور والتوبة منه : عزم ~~جازم على ترك المقدور يقترن به الترك والعزم على غير المقدور محال والترك ~~في حق هذا ضروري لا عزم غير مقدور بل هو بمنزلة ترك الطيران إلى السماء ~~وتقل الجبال وغير ذلك والقول الثاني وهو الصواب أن توبته صحيحة ممكنة بل ~~واقعة فإن أركان التوبة مجتمعة فيه والمقدور له منها الندم وفي المسند ~~مرفوعا الندم توبة فإذا تحقق ندمه على الذنب ولومه نفسه عليه فهذه توبة ~~وكيف يصح أن تسلب التوبة عنه مع شدة ندمه ندمه على الذنب ولومه نفسه عليه ~~ولا سيما ما يتبع ذلك من بكائه وحزنه وخوفه وعزمه الجازم ونيته أنه لو كان ~~صحيحا والفعل مقدورا له لما فعله وإذا كان الشارع قد ms0221 نزل العاجز عن الطاعة ~~منزلة الفاعل لها إذا صحت نيته كقوله في الحديث الصحيح : إذا مرض العبد أو ~~سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما وفي الصحيح أيضا عنه : إن بالمدينة ~~أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم قالوا : وهم بالمدينة ~~قال : وهم بالمدينة حبسهم العذر وله نظائر في الحديث فتنزيل العاجز عن ~~المعصية التارك لها قهرا مع نيته تركها اختيارا لو أمكنه منزلة التارك ~~المختار أولى PageV01P285 يوضحه : أن مفسدة الذنب التى يترتب عليها الوعيد ~~تنشأ من العزم عليه تارة ومن فعله تارة ومنشأ المفسدة معدوم في حق هذا ~~العاجز فعلا وعزما والعقوبة تابعة للمفسدة وأيضا فإن هذا تعذر منه الفعل ما ~~تتعذر منه التمني والوداد فإذا كان يتمنى ويود لو واقع الذنب ومن نيته : ~~أنه لو كان سليما لباشره فتوبته : بالإقلاع عن هذا الوداد والتمني والحزن ~~على فوته فإن الإصرار متصور في حقه قطعا فيتصور في حقه ضده وهو التوبة بل ~~هي أولى بالإمكان والتصور من الإصرار وهذا واضح والفرق بين هذا وبين ~~المعاين ومن ورد القيامة : أن التكليف قد انقطع بالمعاينة وورود القيامة ~~والتوبة إنما تكون في زمن التكليف وهذا العاجز لم ينقطع عنه التكليف ~~فالأوامر والنواهي لازمة له والكف متصور منه عن التمني والوداد والأسف على ~~فوته وتبديل ذلك بالندم والحزن على فعله والله أعلم # | فصل ومن أحكامها : أن من توغل في ذنب وعزم على التوبة منه ولا # يمكنه التوبة منه إلا بارتكاب بعضه كمن أولج في فرج حرام ثم عزم على ~~التوبة قبل النزع الذي هو جزء الوطء وكمن توسط أرضا مغصوبة ثم عزم على ~~التوبة ولا يمكنه إلا بالخروج الذى هو مشى فيها وتصرف فكيف يتوب من الحرام ~~بحرام مثله وهل تعقل التوبة من الحرام بحرام فهذا مما أشكل على بعض الناس ~~حتى دعاه ذلك إلى أن قال بسقوط التكليف عنه في هذا الفعل الذي يتخلص به من ~~الحرام قال : لأنه لا يمكن أن يكون مأمورا به وهو حرام وقد تعين ms0222 في حقه ~~طريقا للخلاص من الحرام لا يمكنه التخلص بدونه فلا حكم في هذا الفعل ألبتة ~~وهو بمنزلة العفو الذي لا يدخل تحت التكليف PageV01P286 وقالت طائفة : بل ~~هو حرام واجب فهو ذو وجهين مأمور به من أحدهما منهي عنه من الآخر فيؤمر به ~~من حيث تعينه طريقا للخلاص من الحرام وهو من هذا الوجه واجب وينهى عنه من ~~جهة كونه مباشرة للحرام وهو من هذا الوجه محرم فيستحق عليه الثواب والعقاب ~~قالوا : ولا يمتنع كون الفعل في الشرع ذا وجهين مختلفين كالاشتغال عن ~~الحرام بمباح فإن المباح إذا نظرنا إلى ذاته مع قطع النظر عن ترك الحرام ~~قضينا بإباحته وإذا اعتبرناه من جهة كونه تاركا للحرام كان واجبا نعم غايته ~~: أنه لا يتعين مباح دون مباح فيكون واجبا مخيرا قالوا : وكذلك الصلاة في ~~الدار المغصوبة هي حرام وهي واجبة وستر العورة بثوب الحرير كذلك : حرام ~~واجب من وجهين مختلفين والصواب : أن هذا النزع والخروج من الأرض : توبة ليس ~~بحرام إذ هو مأمور به ومحال أن يؤمر بالحرام وإنما كان النزع الذي هو جزء ~~الوطء حراما بقصد التلذذ به وتكميل الوطء وأما النزع الذي يقصد به مفارقة ~~الحرام وقطع لذة المعصية فلا دليل على تحريمه لا من نص ولا إجماع ولا قياس ~~صحيح يستوي فيه الأصل والفرع فى علة الحكم ومحال خلو هذه الحادثة عن حكم ~~الله فيها وحكمه فيها : الأمر بالنزع قطعا وإلا كانت الاستدامة مباحة وذلك ~~عين المحال وكذلك الخروج من الأرض المغصوبة : مأمور به وإنما تكون الحركة ~~والتصرف في ملك الغير حراما إذا كان على وجه الانتفاع بها المتضمن لإضرار ~~مالكها أما إذا كان القصد ترك الانتفاع وإزالة الضرر عن المالك فلم يحرم ~~الله ولا رسوله ذلك ولا دل على تحريمه نظر صحيح ولا قياس صحيح وقياسه على ~~مشي مستديم الغصب وقياس نزع التائب على نزع المستديم : من أفسد القياس ~~وأبينه بطلانا ونحن لا ننكر كون الفعل الواحد يكون له PageV01P287 وجهان ~~ولكن إذا تحقق النهي عنه والأمر به ms0223 : أمكن اعتبار وجهيه فإن الشارع أمر ~~بستر العورة ونهى عن لبس الحرير فهذا الساتر لها بالحرير قد ارتكب الأمرين ~~فصار فعله ذا وجهين وأما محل النزاع : فلم يتحقق فيه النهي عن النزع ~~والخروج عن الأرض المغصوبة من الشارع ألبتة لا بقوله ولا بمعقول قوله إلا ~~باعتبار هذا الفرد بفرد آخر بينهما أشد تباين وأعظم فرق في الحس والعقل ~~والفطرة والشرع وأما إلحاق هذا الفرد بالعفو : فإن أريد به أنه : معفو له ~~عن المؤاخذة به فصحيح وإن أريد أنه لا حكم لله فيه بل هو بمنزلة فعل ~~البهيمة والنائم والناسي والمجنون : فباطل إذ هؤلاء غير مخاطبين وهذا مخاطب ~~بالنزع والخروج فظهر الفرق والله الموفق للصواب فإن قيل : هذا يتأتى لكم ~~فيما إذا لم يكن فى المفارقة بنزع أو خروج مفسدة فما تصنعون فيما إذا تضمن ~~مفسدة مثل مفسدة الإقامة كمن توسط جماعة جرحى لسلبهم فطرح نفسه على واحد إن ~~أقام عليه قتله بثقله وإن انتقل عنه لم يجد بدا من انتقاله إلى مثله يقتله ~~بثقله وقد عزم على التوبة فكيف تكون توبته قيل : توبة مثل هذا : بالتزام ~~أخف المفسدتين من الإقامة على الذنب المعين أو الانتقال عنه فإن تساوت ~~مفسدة الإقامة على الذنب ومفسدة الانتقال عنه من كل وجه فهذا يؤمر من ~~التوبة بالمقدور له منها وهو الندم والعزم الجازم على ترك المعاودة وأما ~~الإقلاع : فقد تعذر في حقه إلا بالتزام مفسدة أخرى مثل مفسدته فقيل : إنه ~~لا حكم لله في هذه الحادثة لاستحالة ثبوت شىء من الأحكام الخمسة فيها إذ ~~إقامته على الجريح تتضمن مفسدة قتله فلا يؤمر بها ولا هو مأذون له فيها ~~وانتقاله عنه يتضمن مفسدة قتل الآخر فلا يؤمر بالانتقال ولا يؤذن له فيه ~~فيتعذر الحكم في هذه الحادثة وعلى هذا فتتعذر التوبة منها PageV01P288 ~~والصواب : أن التوبة غير متعذرة فإن إلا حكم فإنه لا واقعة إلا ولله فيها ~~حكم علمه من علمه وجهله من جهله فيقال : حكم الله في هذه الواقعة : كحكمه ~~في الملجأ فإنه قد ألجىء ms0224 قدرا إلى إتلاف أحد النفسين ولا بد والملجأ ليس له ~~فعل يضاف إليه بل هو آلة فإذا صار هذا كالملجأ فحكمه : أن لا يكون منه حركة ~~ولا فعل ولا اختيار فلا يعدل من واحد إلى واحد بل يتخلى عن الحركة ~~والاختيار ويستسلم استسلام من هو عليه من الجرحى إذ لا قدرة له على حركة ~~مأذون له فيها ألبتة فحكمه الفناء عن الحركة والاختيار وشهود نفسه كالحجر ~~الملقى على هذا الجريح ولا سيما إن كان قد ألقى عليه بغير اختياره فليس له ~~أن يلقي نفسه على جاره لينجيه بقتله والقدر ألقاه على الأول فهو معذور به ~~فإذا انتقل إلى الثاني انتقل بالاختيار والإرادة فهكذا إذا ألقى نفسه عليه ~~باختياره ثم تاب وندم لا نأمره بإلقاء نفسه على جاره ليتخلص من الذنب بذنب ~~مثله سواء وتوبة مثل هذا إنما تتصور بالندم والعزم فقط لا بالإقلاع ~~والإقلاع في حقه مستحيل فهو كمن أولج في فرج حرام ثم شد وربط في حال إيلاجه ~~بحيث لا يمكنه النزع ألبته فتوبته بالندم والعزم والتجافي بقلبه عن السكون ~~إلى الاستدامة وكذلك توبة الأول بذلك وبالتجافي عن الإرادة والاختيار والله ~~أعلم # | فصل ومن أحكامها : أنها إذا كانت متضمنة لحق آدمي : أن يخرج التائب # إليه منه إما بأدائه وإما باستحلاله منه بعد إعلامه به وإن كان حقا ماليا ~~أو جناية على بدنه أو بدن موروثه كما ثبت عن النبي أنه قال : من كان لاخيه ~~عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ~~إلا الحسنات والسيئات PageV01P289 وإن كانت المظلمة بقدم فيه بغيبة أو قدف ~~: فهل يشترط في توبته منها إعلامه بذلك بعينه والتحلل منه أو إعلامه قد نال ~~من عرضه ولا يشترط تعيينه أو لا يشترط لا هذا ولا هذا بل يكفي في توبته أن ~~يتوب بينه وبين الله تعالى من غير إعلام من قذفه واعتابه على ثلاثة أقوال ~~وعن أحمد روايتان منصوصتان في حد القذف هل يشترط في توبة القاذف : إعلام ~~المقذوف ms0225 والتحلل منه أم لا ويخرج عليهما توبة المغتاب والشاتم والمعروف في ~~مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك اشتراط الإعلام والتحلل هكذا ذكره أصحابهم ~~في كتبهم والذين اشترطوا ذلك احتجوا بأن الذنب حق آدمي : فلا يسقط إلا ~~بإحلاله منه وإبرائه ثم من لم يصحح البراءة من الحق المجهول شرط إعلامه ~~بعينه لا سيما إذا كان من عليه الحق عارفا بقدره فلا بد من إعلام مستحقه به ~~لأنه قد لا تسمح نفسه بالإبراء منه إذا عرف قدره واحتجوا بالحديث المذكور ~~وهو قوله : من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم قالوا : ~~ولأن فى هذه الجناية حقين : حقا لله وحقا للآدمي فالتوبة منها بتحلل الآدمي ~~لأجل حقه والندم فيما بينه وبين الله لأجل حقه قالوا : ولهذا كانت توبة ~~القاتل لا تتم إلا بتمكين ولي الدم من نفسه إن شاء اقتص وإن شاء عفا وكذلك ~~توبة قاطع الطريق والقول الآخر : أنه لا يشترط الإعلام بما نال من عرضه ~~وقذفه واغتيابه بل يكفي توبته بينه وبين الله وأن يذكر المغتاب والمقذوف في ~~مواضع غيبته وقذفه PageV01P290 بضد ما ذكره به من الغيبة فيبدل غيبته بمدحه ~~والثناء عليه وذكر محاسنه وقذفه بذكر عفته وإحصانه ويستغفر له بقدر ما ~~اغتابه وهذا اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه واحتج أصحاب ~~هذه المقالة بأن إعلامه مفسدة محضة لا تتضمن مصلحة فإنه لا يزيده إلا أذى ~~وحنقا وغما وقد كان مستريحا قبل سماعه فإذا سمعه ربما لم يصبر على حمله ~~وأورثته ضررا في نفسه أو بدنه كما قال الشاعر : # فإن الذي يؤذيك منه سماعه % وإن الذي قالوا وراءك لم يقل وما كان هكذا ~~فإن الشارع لا يبيحه فضلا عن أن يوجبه ويأمر به قالوا : وربما كان إعلامه ~~به سببا للعداوة والحرب بينه وبين القائل فلا يصفو له أبدا ويورثه علمه به ~~عداوة وبغضاء مولدة لشر أكبر من شر الغيبة والقذف وهذا ضد مقصود الشارع من ~~تأليف القلوب والتراحم والتعاطف والتحابب قالوا : والفرق بين ذلك وبين ~~الحقوق ms0226 المالية وجنايات الأبدان من وجهين أحدهما : أنه قد ينتفع بها إذا ~~رجعت إليه فلا يجوز إخفاؤها عنه فإنه محض حقه فيجب عليه أداؤه إليه بخلاف ~~الغيبة والقذف فإنه ليس هناك شيء ينفعه يؤديه إليه إلا إضراره وتهييجه فقط ~~فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس والثاني : أنه إذا أعلمه بها لم ~~تؤذه ولم تهج منه غضبا ولا عداوة بل ربما سره ذلك وفرح به بخلاف إعلامه بما ~~مزق به عرضه طول عمره ليلا ونهارا من أنواع القذف والغيبة والهجو فاعتبار ~~أحدهما بالآخر اعتبار فاسد وهذا هو الصحيح في القولين كما رأيت والله أعلم # | فصل ومن أحكامها : أن العبد إذا تاب من الذنب : فهل يرجع إلى # ما كان عليه قبل الذنب من الدرجة التى حطه عنها الذنب أو لا يرجع إليها ~~اختلف في ذلك PageV01P291 فقالت طائفة : يرجع إلى درجته لأن التوبة تجب ~~الذنب بالكلية وتصيره كأن لم يكن والمقتضي لدرجته : ما معه من الإيمان ~~والعمل الصالح فعاد إليها بالتوبة قالوا : لأن التوبة حسنة عظيمة وعمل صالح ~~فإذا كان ذنبه قد حطه عن درجته فحسنته بالتوبة رقته إليها وهذا كمن سقط في ~~بئر وله صاحب شفيق أدلى إليه حبلا تمسك به حتى رقي منه إلى موضعه فهكذا ~~التوبة والعمل الصالح مثل هذا القرين الصالح والأخ الشفيق وقالت طائفة : لا ~~يعود إلى درجته وحاله لأنه لم يكن في وقوف وإنما كان في وصعود فبالذنب صار ~~في نزول وهبوط فإذا تاب نقص عليه ذلك القدر الذي كان مستعدا به للترقي ~~قالوا : ومثل هذا مثل رجلين سائرين على طريق سيرا واحدا ثم عرض لأحدهما ما ~~رده على عقبه أو أوقفه وصاحبه سائر فإذا استقال هذا رجوعه ووقفته وسار بإثر ~~صاحبه : لم يلحقه أبدا لأنه كلما سار مرحلة تقدم ذاك أخرى قالوا : والأول ~~يسيره بقوة أعماله وإيمانه وكلما ازداد سيرا ازدادت قوته وذلك الواقف الذي ~~رجع قد ضعفت قوة سيره وإيمانه بالوقوف والرجوع وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ~~رحمه الله يحكي هذا الخلاف ثم قال : والصحيح ms0227 : أن من التائبين من لا يعود ~~إلى درجته ومنهم من يعود إليها ومنهم من يعود إلى أعلى منها فيصير خيرا مما ~~كان قبل الدنب وكان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة قال : وهذا بحسب ~~حال التائب بعد توبته وجده وعزمه وحذره وتشميره فإن كان ذلك أعظم مما كان ~~له قبل الذنب عاد خيرا مما كان وأعلى درجة وإن كان مثله عاد إلى مثل حاله ~~وإن كان دونه لم يعد إلى درجته وكان منحطا عنها وهذا الذي ذكره هو فصل ~~النزاع في هذه المسألة PageV01P292 ويتبين هذا بمثلين مضروبين أحدهما : رجل ~~مسافر سائر على الطريق بطمأنينة وأمن فهو يعدو مرة ويمشي أخرى ويستريح تارة ~~وينام أخرى فبينا هو كذلك إذ عرض له في سيره ظل ظليل وماء بارد ومقيل وروضة ~~مزهرة فدعته نفسه إلى النزول على تلك الاماكن فنزل عليها فوثب عليه منها ~~عدو فأخذه وقيده وكتفه ومنعه عن السير فعاين الهلاك وظن أنه منقطع به وأنه ~~رزق الوحوش والسباع وأنه قد حيل بينه وبين مقصده الذي يؤمه فبينا هو على ~~ذلك تتقاذفه الظنون إذ وقف على رأسه والده الشفيق القادر فحل كتافه وقيوده ~~وقال له : اركب الطريق واحذر هذا العدو فإنه على منازل الطريق لك بالمرصاد ~~واعلم أنك ما دمت حاذرا منه متيقظا له لا يقدر عليك فإذا غفلت وثب عليك ~~وأنا متقدمك إلى المنزل وفرط لك فاتبعني على الأثر فإن كان هذا السائر تيسأ ~~فطنا لبيبا حاضر الذهن والعقل استقبل سيره استقبالا آخر أقوى من الأول وأتم ~~واشتد حذره وتأهب لهذا العدو وأعد له عدته فكان سيره الثاني أقوى من الأول ~~وخيرا منه ووصوله إلى المنزل أسرع وإن غفل عن عدوه وعاد إلى مثل حاله الأول ~~من غير زيادة ولا نقصان ولا قوة حذر ولا استعداد عاد كما كان وهو معرض لما ~~عرض له أولا وإن أورثه ذلك توانيا فى سيره وفتورا وتذكرا لطيب مقيله وحسن ~~ذلك الروض وعذوبة مائه وتفيؤ ظلاله وسكونا بقلبه إليه : لم يعد إلى مثل ms0228 ~~سيره ونقص عما كان المثل الثاني : عبد في صحة وعافية جسم عرض له مرض أوجب ~~له حمية وشرب دواء وتحفظا من التخليط ونقص بذلك مادة ردية كانت منقصة لكمال ~~قوته وصحته فعاد بعد المرض أقوى مما كان قبله كما قيل : # لعل عتبك محمود عواقبه % وربما صحت الأجسام بالعلل PageV01P293 وإن أوجب ~~له ذلك المرض ضعفا في القوة وتداركه بمثل ما نقص من قوته عاد إلى مثل ما ~~كان وإن تداركه بدون ما نقص من قوته عاد إلى دون ما كان عليه من القوة وفي ~~هذين المثلين كفاية لمن تدبرهما وقد ضرب لذلك مثل آخر برجل خرج من بيته ~~يريد الصلاة في الصف الأول لا يلوي على شيء في طريقه فعرض له رجل من خلفه ~~جبذ ثوبه وأوقفه قليلا يريد تعويقه عن الصلاة فله معه حالان : أحدهما : أن ~~يشتغل به حتى تفوته الصلاة فهذه حال غير التائب الثاني : أن يجاذبه على ~~نفسه ويتفلت منه لئلا تفوته الصلاة ثم له بعد هذا التفلت ثلاثة أحوال أحدها ~~: أن يكون سيره جمزا أو وثوبا ليستدرك ما فاته بتلك الوقفة فربما استدركه ~~وزاد عليه الثاني : أن يعود إلى مثل سيره الثالث : أن تورثه تلك الوقفة ~~فتورا وتهاونا فيفوته فضيلة الصف الأول أو فضيلة الجماعة وأول الوقت فهكذا ~~حال التائبين السائرين سواء # | فصل ويتبين هذا بمسألة شريفة وهي أنه : هل المطيع الذي لم يعص خير من # العاصي الذي تاب إلى الله توبة نصوحا أو هذا التائب أفضل منه اختلف في ~~ذلك فطائفة رجحت من لم يعص على من عصى وتاب توبة نصوحا واحتجوا بوجوه أحدها ~~: أن أكمل الخلق وأفضلهم : أطوعهم لله وهذا الذي لم يعص أطوع فيكون أفضل ~~الثاني : أن في زمن اشتغال العاصي بمعصيته يسبقه المطيع عدة مراحل إلى ~~PageV01P294 فوق فتكون درجته أعلى من درجته وغايته : أنه إذا تاب استقبل ~~سيره ليلحقه وذاك في سير آخر فأنى له بلحاقه فهما بمنزلة رجلين مشتركين في ~~الكسب كلما كسب أحدهما شيئا كسب الآخر مثله فعمد أحدهما إلى كسبه ms0229 فأضاعه ~~وأمسك عن الكسب المستأنف والآخر مجد فى الكسب فإذا أدركته حمية المنافسة ~~وعاد إلى الكسب : وجد صاحبه قد كسب في تلك المدة شيئا كثيرا فلا يكسب شيئا ~~إلا كسب صاحبه نظيره فأنى له بمساواته الثالث : أن غاية التوبة : أن تمحو ~~عن هذا سيئاته ويصير بمنزلة من لم يعملها فيكون سعيه في مدة المعصية لا له ~~ولا عليه فأين هذا السعي من سعي من هو كاسب رابح الرابع : أن الله يمقت على ~~معاصيه ومخالفة أوامره ففي مدة اشتغال هذا بالذنوب : كان حظه المقت وحظ ~~المطيع الرضا فالله لم يزل عنه راضيا ولا ريب أن هذا خير ممن كان الله ~~راضيا عنه ثم مقته ثم رضى عنه فإن الرضى المستمر خير من الذى تخلله المقت ~~الخامس : أن الذنب بمنزلة شرب السم والتوبة ترياقه ودواؤه والطاعة هي الصحة ~~والعافية وصحة وعافية مستمرة : خير من صحة تخللها مرض وشرب سم أفاق منه ~~وربما أديا به إلى التلف أو المرض أبدا السادس : أن العاصي على خطر شديد ~~فإنه دائر بين ثلاثة أشياء أحدها : العطب والهلاك بشرب السم الثاني : ~~النقصان من القوة وضعفها إن سلم من الهلاك والثالث : عود قوته إليه كما ~~كانت أو خيرا منها بعيد والأكثر إنما هو القسمان الأولان ولعل الثالث نادر ~~جدا فهو على يقين من ضرر السم وعلى رجاء من من حصول العافية بخلاف من لم ~~يتناول ذلك السابع : أن المطيع قد أحاط على بستان طاعته حائطا حصينا لا يجد ~~الأعداء إليه سبيلا فثمرته وزهرته وخضرته وبهجته في زيادة ونمو أبدا ~~والعاصي PageV01P295 قد فتح فيه ثغرا وثلم فيه ثلمة ومكن منه السراق ~~والأعداء فدخلوا فعاثوا فيه يمينا وشمالا : أفسدوا أغصانه وخربوا حيطانه ~~وقطعوا ثمراته وأحرقوا فى نواحيه وقطعوا ماءه ونقصوا سقيه فمتى يرجع هذا ~~إلى حاله الأول فإذا تداركه قيمه ولم شعثه وأصلح ما فسد منه وفتح طرق مائه ~~وعمر ما خرب منه فإنه إما أن يعود كما كان أو أنقص أو خيرا ولكن لا يلحق ~~بستان صاحبه الذى لم ms0230 يزل على نضارته وحسنه بل في زيادة ونمو وتضاعف ثمرة ~~وكثرة غرس والثامن : أن طمع العدو في هذا العاصي إنما كان لضعف علمه وضعف ~~عزيمته ولذلك يسمى جاهلا قال قتادة : أجمع أصحاب رسول الله على أن كل ما ~~عصي الله به فهو جهالة وكذلك قال الله تعالى في حق آدم : ولم نجد له عزما [ ~~طه : 115 ] وقال في حق غيره : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل [ الأحقاف ~~: 35 ] وأما من قويت عزيمته وكمل علمه وقوى إيمانه : لم يطمع فيه عدوه وكان ~~أفضل التاسع : أن المعصية لا بد أن تؤثر أثرا سيئا ولا بد : إما هلاكا كليا ~~وإما خسرانا وعقابا يعقبه : إما عفو ودخول الجنة وإما نقص درجة وإما خمود ~~مصباح الإيمان وعمل التائب فى رفع هذه الآثار والتكفير وعمل المطيع فى ~~الزيادة ورفع الدرجات ولهذا كان قيام الليل نافلة للنبي خاصة فإنه يعمل في ~~زيادة الدرجات وغيره يعمل فى تكفير السيئات وأين هذا من هذا العاشر : أن ~~المقبل على الله المطيع له يسير بجمله أعماله وكلما زادت طاعاته وأعماله ~~ازداد كسبه بها وعظم وهو بمنزلة من سافر فكسب عشرة أضعاف رأس ماله فسافر ~~ثانيا برأس ماله الأول وكسبه فكسب عشرة أضعافه أيضا فسافر ثالثا أيضا بهذا ~~المال كله وكان ربحه كذلك وهلم جرا فإذا فتر عن السفر في آخر أمره مرة ~~واحدة فاته من الربح بقدر جميع ما ربح أو أكثر منه وهذا معنى PageV01P296 ~~قول الجنيد رحمه الله : لو أقبل صادق على الله ألف عام ثم أعرض عنه لحظة ~~واحدة كان ما فاته أكثر مما ناله وهو صحيح بهذا المعنى فإنه قد فاته في مدة ~~الإعراض ربح تلك الأعمال كلها وهو أزيد من الربح المتقدم فإذا كان هذا حال ~~من أعرض فكيف من عصى وأذنب وفي هذا الوجه كفاية # | فصل وطائفة رجحت التائب وإن لم تنكر كون الأول أكثر حسنات منه واحتجت # بوجوه أحدها : أن عبودية التوبه من احب العبوديات إلى الله وأكرمها عليه ~~فإنه سبحانه يحب التوابين ولو ms0231 لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى ~~بالذنب أكرم الخلق عليه فلمحبته لتوبة عبده ابتلاه بالذنب الذي يوجب وقوع ~~محبوبه من التوبة وزيادة محبته لعبده فإن للتائبين عنده محبة خاصة يوضح ذلك ~~: الوجه الثاني : أن للتوبة عنده سبحانه منزلة ليست لغيرها من الطاعات ~~ولهذا يفرح سبحانه بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يقدر كما مثله النبي ~~بفرح الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض الدوية المهلكة بعد ~~ما فقدها وأيس من أسباب الحياة ولم يجىء هذا الفرح في شيء من الطاعات سوى ~~التوبة ومعلوم أن لهذا الفرح تأثيرا عظيما في حال التائب وقلبه ومزيده لا ~~يعبر عنه وهو من أسرار تقدير الذنوب على العباد فإن العبد ينال بالتوبة ~~درجة المحبوبية فيصير حبيبا لله فإن الله يحب التوابين ويحب العبد المفتن ~~التواب ويوضحه : الوجه الثالث : أن عبودية التوبة فيها من الذل والانكسار ~~والخضوع والتملق لله والتذلل له ما هو أحب إليه من كثير من الأعمال الظاهرة ~~وإن PageV01P297 زادت فى القدر والكمية على عبودية التوبة فإن الذل ~~والانكسار روح العبودية ومخها ولبها يوضحه : الوجه الرابع : أن حصول مراتب ~~الذل والانكسار للتائب أكمل منها لغيره فإنه قد شارك من لم يذنب في ذل ~~الفقر والعبودية والمحبة وامتاز عنه بانكسار قلبه بالمعصية والله سبحانه ~~أقرب ما يكون إلى عبده عند ذله وانكسار قلبه كما في الأثر الإسرائيلي يا رب ~~أين أجدك قال : عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ولأجل هذا كان أقرب ما يكون ~~العبد من ربه وهو ساجد لأنه مقام ذل وانكسار بين يدي ربه وتأمل قول النبي ~~فيما يروى عن ربه عز وجل أنه يقول يوم القيامة : يا ابن آدم استطعمتك فلم ~~تطعمني قال : يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال : استطعمك عبدي فلان ~~فلم تطعمه أما لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال : ~~يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما لو ~~سقيته لوجدت ذلك عندي ابن آدم ms0232 مرضت فلم تعدني قال : يا رب كيف أعودك وأنت ~~رب العالمين قال : أما إن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما لو عدته لوجدتني ~~عنده فقال في عيادة المريض : لوجدتني عنده وقال في الإطعام والإسقاء : ~~لوجدت ذلك عندي ففرق بينهما فإن المريض مكسور القلب ولو كان من كان فلا بد ~~أن يكسره المرض فإذا كان مؤمنا قد انكسر قلبه بالمرض كان الله عنده وهذا ~~والله أعلم هو السر في استجابة دعوة الثلاثة : المظلوم والمسافر والصائم ~~للكسرة التي في قلب كل واحد منهم فإن غربة المسافر وكسرته مما يجده العبد ~~في نفسه وكذلك الصوم فإنه يكسر سورة النفس السبعية الحيوانية ويذلها ~~PageV01P298 والقصد : أن شمعة الخبر والفضل والعطايا إنما تنزل فى شمعدان ~~الانكسار وللعاصى التائب من ذلك نصيب اوفر نصيب يوضحه الوجه الخامس : أن ~~الذنب قد يكون أنفع للعبد إذا اقترنت به التوبة من كثير من الطاعات وهذا ~~معنى قول بعض السلف : قد يعمل العبد الذنب فيدخل به الجنة ويعمل الطاعة ~~فيدخل بها النار قالوا : وكيف ذلك قال : يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه إن ~~قام وإن قعد وإن مشى : ذكر بنه فيحدث له إنكساراتوبة واستغفارا وندما فيكون ~~ذلك سبب نجاته ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه إن قام وإن قعد وإن مشى ~~كلما ذكرها أورثته عجبا وكبرا ومنة فتكون سبب هلاكه فيكون الذنب موجبا ~~لترتب طاعات وحسنات ومعاملات قلبية من خوف الله والحياء منه والإطراق بين ~~يديه منكسا رأسه خجلا باكيا نادما مستقيلا ربه وكل واحد من هذه الآثار أنفع ~~للعبد من طاعة توجب له صولة وكبرا وازدراء بالناس ورؤيتهم بعين الاحتقار ~~ولا ريب أن هذا الذنب خير عند الله وأقرب إلى النجاة والفوز من هذا المعجب ~~بطاعته الصائل بها المان بها وبحاله على الله عز وجل وعباده وإن قال بلسانه ~~خلاف ذلك فالله شهيد على ما في قلبه ويكاد يعادى الخلق إذا لم يعظموه ~~ويرفعوه ويخضعوا له ويجد في قلبه بغضة لمن لم يفعل به ذلك ولو فتش نفسه حق ~~التفتيش ms0233 لرأى فيها ذلك كامنا ولهذا تراه عاتبا على من لم يعظمه ويعرف له ~~حقه متطلبا لعيبه في قالب حمية لله وغضب له وإذا قام بمن يعظمه ويحترمه ~~ويخضع له من الذنوب أضعاف ما قام بهذا فتح له باب المعاذير والرجاء وأغمض ~~عنه عينه وسمعه وكف لسانه وقلبه وقال : باب العصمة عن غير الأنبياء مسدود ~~وربما ظن أن ذنوب من يعظمه تكفر بإجلاله وتعظيمه وإكرامه إياه فإذا أراد ~~الله بهذا العبد خيرا ألقاه في ذنب يكسره به ويعرفه قدره ويكفي PageV01P299 ~~به عباده شره وينكس به رأسه ويستخرج به منه داء العجب والكبر والمنة عليه ~~وعلى عباده فيكون هذا الذنب أنفع لهذا من طاعات كثيرة ويكون بمنزلة شرب ~~الدواء ليستخرج به الداء العضال كما قيل بلسان الحال في قصة آدم وخروجه من ~~الجنة بذنبه : يا آدم لا تجزع من كأس زلل كانت سبب كيسك فقد استخرج بها منك ~~داء لا يصلح أن تجاورنا به وألبست بها حلة العبودية # لعل عتبك محمود عواقبه % وربما صحت الأجسام بالعلل يا آدم إنما ابتليتك ~~بالذنب لأني أحب أن أظهر فضلي وجودي وكرمي على من عصاني لو لم تذنبوا لذهب ~~الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم يا آدم كنت تدخل علي دخول ~~الملوك على الملوك واليوم تدخل علي دخول العبيد على الملوك يا آدم إذا ~~عصمتك وعصمت بنيك من الذنوب فعلى من أجود بحلمى وعلى من أجود بعفوي ومغفرتي ~~وتوبتي وأنا التواب الرحيم يا آدم لا تجزع من قولي لك : اخرج منها فلك ~~خلقتها ولكن اهبط إلى دار المجاهدة وابذر بذر التقوى وأمطر عليه سحائب ~~الجفون فإذا اشتد الحب واستغلظ واستوى على سوقه فتعال فاحصده يا آدم ما ~~أهبطتك من الجنة إلا لتتوسل إلي في الصعود وما أخرجتك منها نفيا لك عنها ما ~~أخرجتك فيها إلا لتعود إن جرى بيننا وبينك عتب وتناءت منا ومنك الديار ~~فالوداد الذي عهدت مقيم والعثار الذى أصبت جيار يا آدم ذنب تذل به لدينا ~~أحب إلينا من طاعة تدل ms0234 بها علينا يا آدم أنين المذنبين : أحب إلينا من ~~تسبيح المدلين PageV01P300 يا ابن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ~~ما كان منك ولا أبالى يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى ~~غفرت لك يا ابن آدم لو لقيتنى بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بى شيئا ~~أتيتك بقرابها مغفرة ويذكر عن بعض العباد : أنه كان يسأل ربه في الطواف ~~طاوفه بالبيت أن يعصمه ثم غلبته عيناه فنام فسمع قائلا يقول : أنت تسألني ~~العصمة وكل عبادي يسألونني العصمة فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل وأجود بمغفرتى ~~وعفوى وعلى من أتوب وأين كرمي وعفوي ومغفرتي وفضلي ونحو هذا من الكلام يا ~~ابن آدم إذا آمنت بي ولم تشرك بي شيئا أقمت حملة عرشي ومن حوله يسبحون ~~بحمدي ويستغفرون لك وأنت على فراشك وفي الحديث العظيم الإلهى حديث أبى ذر : ~~يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فمن علم أني ~~ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أبالي قل يا عبادى الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاإنه هو الغفور ~~الرحيم [ الزمر : 53 ] يا عبدي لا تعجز فمنك الدعاء وعلي الإجابة ومنك ~~الاستغفار وعلي المغفرة ومنك التوبة وعلي تبديل سيئاتك حسنات يوضحه : الوجه ~~السادس : وهو قوله تعالى : إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل ~~الله سيآتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما [ الفرقان : 70 ] وهذا من أعظم ~~البشارة للتائبين إذا اقترن بتوبتهم إيمان وعمل صالح وهو حقيقة التوبة قال ~~ابن عباس رضى الله عنهما : ما رأيت النبي فرح بشيء قط فرحه بهذه الآية لما ~~أنزلت وفرحه بنزول @QB@ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر @QE@ [ الفتح : 12 ] واختلفوا في صفة هذا التبديل وهل هو في ~~الدنيا أو في الآخرة على قولين PageV01P301 فقال ابن عباس وأصحابه : هو ~~تبديلهم بقبائح أعمالهم محاسنها فبدلهم بالشرك إيمانا وبالزنا عفة وإحصانا ~~وبالكذب صدقا وبالخيانة أمانة فعلى ms0235 هذا معنى الآية : أن صفاتهم القبيحة ~~وأعمالهم السيئة عوضها صفات جميلة وأعمالا صالحة كما يبدل المريض بالمرض ~~صحة والمبتلى ببلائه عافية وقال سعيد بن المسيب وغيره من التابعين : هو ~~تبديل الله سيئاتهم التي عملوها بحسنات يوم القيامة فيعطيهم مكان كل سيئة ~~حسنة واحتج أصحاب هذا القول بما روى الترمذى في جامعه : حدثنا الحسين بن ~~حريث قال : حدثنا وكيع قال : حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر ~~قال : قال رسول الله : إني لأعلم آخر رجل يخرج من النار : يؤتى بالرجل يوم ~~القيامة فيقال : اعرضوا عليه صغار ذنوبه ويخبأ عنه كبارها فيقال : عملت يوم ~~كذا كذا وكذا وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من كبارها فيقال : أعطوه مكان كل ~~سيئة عملها حسنة فيقول : إن لي ذنوبا ما أراها ههنا قال أبو ذر فلقد رأيت ~~رسول الله ضحك حتى بدت نواجذه فهذا حديث صحيح ولكن في الاستدلال به على صحة ~~هذا القول نظر فإن هذا قد عذب بسيئاته ودخل بها النار ثم بعد ذلك أخرج منها ~~وأعطي مكان كل سيئة حسنة صدقة تصدق الله بها عليه ابتداء بعدد ذنوبه وليس ~~فى هذا تبديل تلك الذنوب بحسنات إذ ولو كان كذلك لما عوقب عليها كما لم ~~يعاقب التائب والكلام إنما هو في تائب أثبت له مكان كل سيئة حسنة فزادت ~~حسناته فأين في هذا الحديث ما يدل على ذلك والناس استقبلوا هذا الحديث ~~مستدلين به في تفسير هذه الآية على هذا القول وقد علمت ما فيه لكن للسلف ~~غور ودقة فهم لا يدركها كثير من المتأخرين فالاستدلال به صحيح بعد تمهيد ~~قاعدة إذا عرفت عرف لطف الاستدلال به ودقته وهي أن الذنب لا بد له من أثر ~~وأثره يرتفع بالتوبة تارة وبالحسنات PageV01P302 الماحية تارة وبالمصائب ~~المكفرة تارة وبدخول النار ليتخلص من أثره تارة وكذلك إذا اشتد أثره ولم ~~تقو تلك الأمور على محوه فلا بد إذا من دخول النار لأن الجنة لا يكون فيها ~~ذرة من الخبيث ولا يدخلها إلا من طاب ms0236 من كل وجه فإذا بقي عليه شيء من خبث ~~الذنوب أدخل كير الامتحان ليخلص ذهب إيمانه من خبثه فيصلح حينئذ لدار الملك ~~إذا علم هذا فزوال موجب الذنب وأثره تارة يكون بالتوبة النصوح وهي أقوى ~~الأسباب وتارة يكون باستيفاء الحق منه وتطهيره في النار فإذا تطهر بالنار ~~وزال أثر الوسخ والخبث عنه أعطي مكان كل سيئة حسنة فإذا تطهر بالتوبة ~~النصوح وزال عنه بها أثر وسخ الذنوب وخبثها كان أولى بأن يعطى مكان كل سيئة ~~حسنة لأن إزالة التوبة لهذا الوسخ والخبث أعظم من إزالة النار وأحب إلى ~~الله وإزالة النار بدل منها وهي الأصل فهي أولى بالتبديل مما بعد الدخول ~~يوضحه : الوجه التاسع : وهو أن التائب قد بدل كل سيئة حسنه بندمه عليها إذ ~~هو توبة تلك السيئة والندم توبة والتوبة من كل ذنب حسنة فصار كل ذنب عمله ~~زائلا بالتوبة التي حلت محله وهي حسنة فصار له مكان كل سيئة حسنة بهذا ~~الاعتبار فتأمله فإنه من ألطف الوجوه وعلى هذا فقد تكون هذه الحسنة مساوية ~~في القدر لتلك السيئة وقد تكون دونها وقد تكون فوقها وهذا بحسب نصح هذه ~~التوبة وصدق التائب فيها وما يقترن بها من عمل القلب الذي تزيد مصلحته ~~ونفعه على مفسدة تلك السيئة وهذا من أسرار مسائل التوبة ولطائفها يوضحه : ~~الوجه العاشر : أن ذنب العارف بالله وبأمره قد يترتب عليه حسنات أكبر منه ~~وأكثر وأعظم نفعا وأحب إلى الله من عصمته من ذلك الذنب : من ذل وانكسار ~~وخشية وإنابة وندم وتدارك بمراغمة العدو بحسنة أو حسنات أعظم PageV01P303 ~~منه حتى يقول الشيطان : يا ليتني لم أوقعه فيما أوقعته فيه ويندم الشيطان ~~على إيقاعه في الذنب كندامة فاعله على ارتكابه لكن شتان ما بين الندمين ~~والله تعالى يحب من عبده مراغمة عدوه وغيظه كما تقدم أن هذا من العبودية من ~~أسرارا فيحصل من العبد مراغمة العدو بالتوبة والتدارك وحصول محبوب الله ~~تعالى من التوبة وما يتبعها من زيادة الأعمال هنا : ما يوجب جعل مكان ~~السيئة حسنة ms0237 بل حسنات وتأمل قوله في الآية @QB@ يبدل الله سيئاتهم حسنات ~~@QE@ [ الفرقان : 70 ] ولم يقل مكان كل واحدة واحدة فهذا يجوز أن يبدل ~~السيئة الواحدة بعدة حسنات بحسب حال المبدل وأما فى الحديث : فإن الذى عذب ~~على ذنوبه لم يبدلها في الدنيا بحسنات من التوبة النصوح وتوابعها فلم يكن ~~له ما يجعل مكان السيئة حسنات فأعطي مكان كل سيئة حسنة واحدة وسكت النبي عن ~~كبار ذنوبه ولما انتهى إليها ضحك ولم يبين ما يفعل الله بها وأخبر أن الله ~~يبدل مكان كل صغيرة حسنة ولكن فى الحديث إشارة لطيفة إلى أن هذا التبديل ~~يعم كبارها وصغارها من وجهين أحدهما : قوله : أخبئوا عنه كبارها فهذا إشعار ~~بأنه إذا رأى تبديل الصغائر ذكرها وطمع فى تبديلها فيكون تبديلها أعظم ~~موقعا عنده من تبديل الصغائر وهو به أشد فرحا واغتباطا والثانى : ضحك النبي ~~عند ذكر ذلك وهذا الضحك مشعر بالتعجب مما يفعل به من الإحسان وما يقر به ~~على نفسه من الذنوب من غير أن يقرر عليها ولا يسأل عنها وإنما عرضت عليه ~~الصغائر فتبارك الله رب العالمين وأجود الأجودين وأكرم الأكرمين البر ~~اللطيف المتودد إلى عباده بأنواع الإحسان وإيصاله إليهم من كل طريق بكل نوع ~~لا إله إلا هو الرحمن الرحيم PageV01P304 # | فصل وكثير من الناس إنما يفسر التوبة بالعزم على أن لا يعاود الذنب # وبالإقلاع عنه فى الحال وبالندم عليه في الماضي وإن كان في حق آدمي : فلا ~~بد من أمر رابع وهو التحلل منه وهذا الذي ذكروه بعض مسمى التوبة بل شرطها ~~وإلا فالتوبة في كلام الله ورسوله كما تتضمن ذلك تتضمن العزم على فعل ~~المأمور والتزامه فلا يكون بمجرد الإقلاع والعزم والندم تائبا حتى يوجد منه ~~العزم الجازم على فعل المأمور والإتيان به هذا حقيقة التوبة وهي اسم لمجموع ~~الأمرين لكنها إذا قرنت بفعل المأمور كانت عبارة عما ذكروه فإذا أفردت ~~تضمنت الأمرين وهي كلفظة التقوى التى تقتضى عند إفرادها فعل ما أمر الله به ~~وترك ما نهى الله عنه وتقتضى ms0238 عند اقترانها بفعل المأمور الانتهاء عن ~~المحظور فإن حقيقة التوبة الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يحب وترك ما يكره ~~فهي رجوع من مكروه إلى محبوب فالرجوع إلى المحبوب جزء مسماها والرجوع عن ~~المكروه الجزء الآخر ولهذا علق سبحانه الفلاح المطلق على فعل المأمور وترك ~~المحظور بها فقال : @QB@ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم @QE@ ~~PageV01P305 @QB@ تفلحون @QE@ [ النور : 31 ] فكل تائب مفلح ولا يكون مفلحا ~~إلا من فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه وقال تعالى : @QB@ ومن لم يتب فأولئك ~~هم الظالمون @QE@ [ الحجرات : 11 ] وتارك المأمور ظالم كما أن فاعل المحظور ~~ظالم وزوال اسم الظلم عنه إنما يكون بالتوبة الجامعة للأمرين فالناس قسمان ~~: تائب وظالم ليس إلا فالتائبون هم @QB@ العابدون الحامدون السائحون ~~الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود ~~الله @QE@ [ التوبه : 112 ] فحفظ حدود الله : جزء التوبة والتوبة هي مجموع ~~هذه الأمور وإنما سمي تائبا : لرجوعه إلى أمر الله من نهيه وإلى طاعته من ~~معصيته كما تقدم فإذا التوبة هي حقيقة دين الإسلام والدين كله داخل في مسمى ~~التوبة وبهذا استحق التائب أن يكون حبيب الله فإن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين وإنما يحب الله من فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه فإذا التوبة هي ~~الرجوع مما يكرهه الله ظاهرا وباطنا إلى ما يحبه ظاهرا وباطنا ويدخل في ~~مسماها الإسلام والإيمان والإحسان وتتناول جميع المقامات ولهذا كانت غاية ~~كل مؤمن وبداية الأمر وخاتمته كما تقدم وهي الغاية التي وجد لأجلها الخلق ~~والأمر والتوحيد جزء منها بل هو جزؤها الأعظم الذي عليه بناؤها وأكثر الناس ~~لا يعرفون قدر التوبة ولا حقيقتها فضلا عن القيام بها علما وعملا وحالا ولم ~~يجعل الله تعالى محبته للتوابين إلا وهم خواص الخلق لديه PageV01P306 ولولا ~~أن التوبة اسم جامع لشرائع الإسلام وحقائق الإيمان لم يكن الرب تعالى يفرح ~~بتوبة عبده ذلك الفرح العظيم فجميع ما يتكلم فيه الناس من المقامات ~~والأحوال هو تفاصيل التوبة وآثارها # | فصل وأما الاستغفار فهو نوعان : مفرد ومقرون ms0239 بالتوبة فالمفرد : كقول # نوح عليه السلام لقومه : @QB@ استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء ~~عليكم مدرارا @QE@ [ نوح : 1011 ] وكقول صالح لقومه : @QB@ لولا تستغفرون ~~الله لعلكم ترحمون @QE@ [ النمل : 46 ] وكقوله تعالى : @QB@ واستغفروا الله ~~إن الله غفور رحيم @QE@ [ البقره : 199 ] وقوله : وما كان الله يعذبهم وأنت ~~فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون [ الأنفال : 33 ] والمقرون كقوله ~~تعالى : @QB@ استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ~~ويؤت كل ذي فضل فضله @QE@ [ هود : 3 ] وقول هود لقومه @QB@ استغفروا ربكم ~~ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا @QE@ [ هود : 52 ] وقول صالح لقومه ~~: هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب ~~مجيب [ هود : 61 ] وقول شعيب واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ~~ودود [ هود : 90 ] فالاستغفار المفرد كالتوبة بل هو التوبة بعينها مع تضمنه ~~طلب المغفرة من الله وهو محو الذنب وإزالة أثره ووقاية شره لا كما ظنه بعض ~~الناس : أنها الستر فإن الله يستر على من يغفر له ومن لا يغفر له ولكن ~~PageV01P307 الستر لازم مسماها أو جزؤه فدلالتها عليه إما بالتضمن وإما ~~باللزوم وحقيقتها : وقاية شر الذنب ومنه المغفر لما يقي الرأس من الأذى ~~والستر لازم لهذا المعنى وإلا فالعمامة لا تسمى مغفرا ولا القبع ونحوه مع ~~ستره فلا بد في لفظ المغفر من الوقاية وهذا الاستغفار هو الذي يمنع العذاب ~~في قوله : @QB@ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون @QE@ [ الأنفال : 33 ] ~~فإن الله لا يعذب مستغفرا وأما من أصر على الذنب وطلب من الله مغفرته فهذا ~~ليس باستغفار مطلق ولهذا لا يمنع العذاب فالاستغفار يتضمن التوبة والتوبة ~~تتضمن الاستغفار وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق وأما عند اقتران ~~إحدى اللفظتين بالأخرى فالاستغفار : طلب وقاية شر ما مضى والتوبة : الرجوع ~~وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله فها هنا ذنبان : ذنب ~~قد مضى فالاستغفار منه : طلب وقاية شره وذنب يخاف وقوعه فالتوبة : العزم ~~على أن لا يفعله والرجوع إلى ms0240 الله يتناول النوعين : رجوع إليه ليقيه شر ما ~~مضى ورجوع إليه ليقيه شر ما يستقبل من شر نفسه وسيئات أعماله وأيضا فإن ~~المذنب بمنزلة من ركب طريقا تؤديه إلى هلاكه ولا توصله إلى المقصود فهو ~~مأمور أن يوليها ظهره ويرجع إلى الطريق التي فيها نجاته والتى توصله إلى ~~مقصوده وفيها فلاحه فههنا أمران لا بد منهما : مفارقة شيء والرجوع إلى غيره ~~فخصت التوبة بالرجوع و الاستغفار بالمفارقة وعند إفراد أحدهما يتناول ~~الأمرين ولهذا PageV01P308 جاء والله أعلم الأمر بهما مرتبا بقوله @QB@ ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه @QE@ [ هود : 3 52 90 ] فإنه الرجوع إلى طريق ~~الحق : بعد مفارقة الباطل وأيضا فالاستغفار من باب إزالة الضرر والتوبة طلب ~~جلب المنفعة فالمغفرة أن يقيه شر الذنب والتوبة : أن يحصل له بعد هذه ~~الوقاية ما يحبه وكل منهما يستلزم الآخر عند إفراده والله أعلم # | فصل وهذا يتبين بذكر التوبة النصوح وحقيقتها قال الله تعالى : @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ~~ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار @QE@ [ التحريم : 8 ] فجعل وقاية شر ~~السيئات وهو تكفيرها بزوال ما يكره العبد ودخول الجنات وهو حصول ما يحب ~~العبد منوطا بحصول التوبة النصوح و النصوح على وزن فعول المعدول به عن فاعل ~~قصدا للمبالغة كالشكور والصبور وأصل مادة ن ص ح لخلاص الشيء من الغش ~~والشوائب الغريبة وهو ملاق في الاشتقاق الأكبر لنصح إذا خلص فالنصح في ~~التوبة والعبادة والمشورة : تخليصها من كل غش ونقص وفساد وإيقاعها على أكمل ~~الوجوه والنصح ضد الغش وقد اختلفت عبارات السلف عنها ومرجعها إلى شيء واحد ~~فقال عمر بن الخطاب وأبي بن كعب رضي الله عنهما : التوبة النصوح : أن يتوب ~~من الذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع وقال الحسن البصري : ~~هي أن يكون العبد نادما على ما مضى مجمعا على أن لا يعود فيه وقال الكلبي : ~~أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن وقال سعيد بن المسيب توبة ~~نصوحا ms0241 تنصحون بها أنفسكم جعلها بمعنى ناصحة للتائب كضروب المعدول عن ضارب ~~وأصحاب القول الأول يجعلونها بمعنى المفعول أي قد نصح فيها التائب ولم ~~PageV01P309 يشبها بغش فهي إما بمعنى منصوح فيها كركوبة وحلوبة بمعنى ~~مركوبة ومحلوبة أو بمعنى الفاعلأى ناصحة كخالصة وصادقة وقال محمد بن كعب ~~القرظي يجمعها أربعة أشياء : الاستغفار باللسان والإقلاع بالأبدان وإضمار ~~ترك العود بالجنان ومهاجرة سيء الإخوان قلت : النصح في التوبة يتضمن ثلاثة ~~أشياء الأول : تعميم جميع الذنوب واستغراقها بها بحيث لا تدع ذنبا إلا ~~تناولته والثاني : إجماع العزم والصدق بكليته عليها بحيث لا يبقى عنده تردد ~~ولا تلوم ولا انتظار بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادرا بها الثالث : ~~تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها ووقوعها لمحض الخوف من الله ~~وخشيته والرغبة فيما لديه والرهبة مما عنده لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته ~~ومنصبه ورياسته ولحفظ حاله أو لحفظ قوته وماله أو استدعاء حمد الناس أو ~~الهرب من ذمهم أو لئلا يتسلط عليه السفهاء أو لقضاء نهمته من الدنيا أو ~~لإفلاسه وعجزه ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها لله عز وجل ~~فالأول : يتعلق بما يتوب منه والثالث : يتعلق بمن يتوب إليه والأوسط : ~~يتعلق بذات التائب ونفسه فنصح التوبة الصدق فيها والإخلاص وتعميم الذنوب ~~بها ولا ريب أن هذه التوبة تستلزم الاستغفار وتتضمنه وتمحو جميع الذنوب وهي ~~أكمل ما يكون من التوبة والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله # فصل في الفرق بين تكفير السيئات ومغفرة الذنوب وقد جاء في كتاب الله # | تعالى ذكرهما مقترنين وذكر كلا منهما منفردا عن الآخر فالمقترنان كقوله ~~تعالى حاكيا عن عباده المؤمنين : @QB@ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا ~~سيئاتنا وتوفنا @QE@ PageV01P310 مع الأبرار [ آل عمران : 193 ] والمنفرد ~~كقوله : والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ~~ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم [ محمد : 2 ] وقوله في المغفرة : ولهم ~~فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم [ محمد : 15 ] وكقوله : ربنا اغفر لنا ms0242 ~~ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا [ آل عمران : 147 ] ونظائره فههنا أربعة أمور : ~~ذنوب وسيئات ومغفرة وتكفير فالذنوب : المراد بها الكبائر والمراد بالسيئات ~~: الصغائر وهي ما تعمل فيه الكفارة من الخطأ وما جرى مجراه ولهذا جعل لها ~~التكفير ومنه أخذت الكفارة ولهذا لم يكن لها سلطان ولا عمل في الكبائر في ~~أصح القولين فلا تعمل في قتل العمد ولا في اليمين الغموس في ظاهر مذهب أحمد ~~وأبي حنيفة والدليل على أن السيئات هي الصغائر والتكفير لها : قوله تعالى : ~~إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما [ ~~النساء : 31 ] وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله كان يقول : ~~الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان : مكفرات لما بينهن إذا ~~اجتنبت الكبائر ولفظ المغفرة أكمل من لفظ التكفير ولهذا كان مع الكبائر ~~والتكفير مع الصغائر فإن لفظ المغفرة يتضمن الوقاية والحفظ ولفظ ~~PageV01P311 التكفير يتضمن الستر والإزالة وعند الإفراد : يدخل كل منهما في ~~الآخر كما تقدم فقوله تعالى : كفر عنهم سيآتهم [ محمد : ] يتناول صغائرها ~~وكبائرها ومحوها ووقاية شرها بل التكفير المفرد يتناول أسوأ الأعمال كما ~~قال تعالى : ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا [ ] وإذا فهم هذا فهم السر في ~~الوعد على المصائب والهموم والغموم والنصب والوصب بالتكفير دون المغفرة ~~كقوله : فى الحديث الصحيح ما يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا أذى حتى الشوكه ~~يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه فإن المصائب لا تستقل بمغفرة الذنوب ولا ~~تغفر الذنوب جميعها إلا بالتوبة أو بحسنات تتضاءل وتتلاشى فيها الذنوب فهى ~~كالبحر لا يتغير بالجيف وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث فلأهل الذنوب ~~ثلاثة أنهار عظام يتطهرون بها في الدنيا فإن لم تف بطهرهم طهروا في نهر ~~الجحيم يوم القيامة : نهر التوبة النصوح ونهر الحسنات المستغرقة للأوزار ~~المحيطة بها ونهر المصائب العظيمة المكفرة فإذا أراد الله بعبده خيرا أدخله ~~أحد هذه الأنهار الثلاثة فورد القيامة طيبا طاهرا فلم يحتج إلى التطهير ~~الرابع # فصل وتوبة العبد إلى ربه ms0243 محفوفة بتوبة من الله عليه قبلها وتوبة منه # | بعدها فتوبته بين توبتين من الله سابقة ولاحقة فإنه تاب عليه أولا إذنا ~~وتوفيقا PageV01P312 وإلهاما فتاب العبد فتاب الله عليه ثانيا قبولا وإثابة ~~قال الله سبحانه وتعالى لقد تاب الله سبحانه تعالى على النبي والمهاجرين ~~والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ~~ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت ~~عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا ~~إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم [ التوبه : 117118 ~~فأخبر سبحانه أن توبته عليهم سبقت توبتهم وأنها هي التي جعلتهم تائبين ~~فكانت سببا ومقتضيأ لتوبتهم فدل على أنهم ما تابوا حتى تاب الله تعالى ~~عليهم والحكم ينتف لانتفاء علته ونظير هذا : هدايته لعبده قبل الاهتداء ~~فيهتدي بهدايته فتوجب له تلك الهداية هداية أخرى يثيبه الله بها هداية على ~~هدايته فإن من ثواب الهدى : الهدى بعده كما أن من عقوبة الضلالة : الضلالة ~~بعدها قال الله تعالى : والذين اهتدوا زادهم هدى [ محمد : 17 ] فهداهم أولا ~~فاهتدوا فزادهم هدى ثانيا وعكسه في أهل الزيغ كقوله تعالى : @QB@ فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم @QE@ [ الصف : 5 ] فهذه الإزاغة الثانية عقوبة لهم ~~على زيغهم وهذا القدر من سر اسميه الأول والآخر فهو المعد وهو الممد ومنه ~~السبب والمسبب وهو الذي يعيذ من نفسه بنفسه كما قال أعرف الخلق به : وأعوذ ~~بك منك والعبد تواب والله تواب فتوبة العبد : رجوعه إلى سيده بعد الإباق ~~وتوبة الله نوعان : إذن وتوفيق وقبول وإمداد PageV01P313 # فصل و التوبة لها مبدأ ومنتهى فمبدؤها : الرجوع إلى الله بسلوك صراطه # | المستقيم الذي نصبه لعباده موصلا إلى رضوانه وأمرهم بسلوكه بقوله : ~~تعالى وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل [ الأنعام : 153 ] ~~وبقوله : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما ~~في الأرض وبقوله : وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد ms0244 [ الحجر ~~: 24 ] ونهايتها : الرجوع إليه في المعاد وسلوك صراطه الذى نصبه موصلا إلى ~~جنته فمن رجع إلى الله في هذه الدار بالتوبة : رجع إليه في المعاد بالثواب ~~وهذا هو أحد التأويلات في قوله تعالى : ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى ~~الله متابا [ الفرقان : 71 ] قال البغوي وغيره : يتوب إلى الله متابا : ~~يعود إليه بعد الموت متابا حسنا يفضل على غيره فالتوبة الأولى وهي قوله : ~~ومن تاب رجوع عن الشرك والثانية : رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة والتأويل ~~الثاني : أن الجزاء متضمن معنى الأوامر والمعنى : ومن عزم على التوبة ~~وأرادها فليجعل توبته إلى الله وحده ولوجهه خالصا لا لغيره التأويل الثالث ~~: أن المراد لازم هذا المعنى وهو إشعار التائب وإعلامه بمن تاب إليه ورجع ~~إليه والمعنى : فليعلم توبته إلى من ورجوعه إلى من فإنها إلى الله لا إلى ~~غيره ونظير هذا على أحد التأويلين قوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته [ المائده : 67 ] أي : اعلم ما ~~يترتب على من عصى أوامره ولم يبلغ رسالته والتأويل الرابع : أن التوبة تكون ~~أولا بالقصد والعزم على فعلها ثم إذا قوي العزم وصار جازما : وجد به فعل ~~التوبة فالتوبة الأولى : بالعزم والقصد PageV01P314 لفعلها والثانية : بنفس ~~إيقاع التوبة وإيجادها والمعنى : فمن تاب إلى الله قصدا ونية وعزما فتوبته ~~إلى الله عملا وفعلا وهذا نظير قوله : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ~~فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها ~~فهجرته إلى ما هاجر إليه # فصل و الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف # | وبلاعتبار قال تعالى : @QB@ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم @QE@ [ النساء : ] وقال تعالى : @QB@ الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم @QE@ [ النجم : 32 ] وفي الصحيحعن النبي : أنه قال ~~الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا ~~اجتنبت الكبائر وأما ما يحكى عن أبي إسحاق الإسفرائيني أنه قال : الذنوب ~~كلها كبائر ms0245 وليس فيها صغائر فليس مراده : أنها مستوية فى الإثم بحيث يكون ~~إثم النظر المحرم كإثم الوطء في الحرام وإنما المراد : أنها بالنسبة إلى ~~عظمة من عصي بها كلها كبائر ومع هذا فبعضها أكبر من بعض ومع هذا فالأمر في ~~ذلك لفظي لا يرجع إلى معنى والذي جاء في لفظ الشارع تسمية ذلك لمما و ~~محقرات كما في الحديث : إياكم ومحقرات الذنوب وقد قيل : إن اللمم المذكور ~~فى الآية من الكبائر حكاه البغوي وغيره قالوا : ومعنى الاستثناء : أن يلم ~~بالكبيرة مرة ثم يتوب منها ويقع فيها ثم ينتهي عنها لا يتخذها دأبه وعلى ~~هذا يكون استثناء اللمم : من الاجتناب إذ معناه : لا يصدر منهم ولا تقع ~~منهم الكبائر إلا لمما PageV01P315 والجمهور على أنه استثناء من الكبائر ~~وهو منقطع أي لكن يقع منهم اللمم وحسن وقوع الانقطاع بعد الإيجاب والغالب ~~خلافه أنه إنما يقع حيث يقع التفريغ إذ في الإيجاب هنا معنى النفي صريحا ~~فالمعنى : لا يأتون ولا يفعلون كبائر الإثم والفواحش فحسن استثناء اللمم ~~ولعل هذا الذي شجع أبا إسحاق على أن قال : الذنوب كلها كبائر إذ الأصل في ~~الاستثناء الاتصال ولا سيما وهو من موجب ولكن النصوص وإجماع السلف على ~~انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر ثم اختلفوا في فصلين أحدهما : في اللمم ما ~~هو والثاني : في الكبائر وهل لها عدد يحصرها أو حد يحدها فلنذكر شيئا يتعلق ~~بالفصلين # فصل فأما اللمم فقد روي عن جماعة من السلف : أنه الإلمام بالذنب مرة # | ثم لا يعود إليه وإن كان كبيرا قال البغوي هذا قول أبي هريرة ومجاهد ~~والحسن ورواية عطاء عن ابن عباس قال : وقال عبدالله بن عمرو بن العاص : ~~اللمم ما دون الشرك قال السدي : قال أبو صالح : سئلت عن قول الله عز وجل : ~~إلا اللمم فقلت : هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده فذكرت ذلك لابن عباس ~~فقال : لقد أعانك عليها ملك كريم والجمهور : على أن اللمم ما دون الكبائر ~~وهو أصح الروايتين عن ابن عباس كما في صحيح البخارى ms0246 من حديث طاووس عنه قال ~~: ما رأيت أشبه PageV01P316 باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي إن الله كتب ~~على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر : وزنا ~~اللسان : النطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه رواه مسلم من ~~حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة وفيه والعينان زناهما : النظر ~~والأذنان : زناهما الاستماع واللسان : زناه الكلام واليد : زناها البطش ~~والرجل : زناها الخطى وقال الكلبي : اللمم على وجهين كل ذنب لم يذكر الله ~~عليه حدا في الدنيا ولا عذابا فى الآخرة فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما ~~لم يبلغ الكبائر والفواحش والوجه الآخر : هو الذنب العظيم يلم به المسلم ~~المرة بعد المرة فيتوب منه وقال سعيد بن المسيب : هو ما ألم بالقلب أي ما ~~خطر عليه قال الحسين بن الفضل : اللهم النظر من غير تعمد فهو مغفور فإن ~~أعاد النظر فليس بلمم وهو ذنب وقد روى عطاء عن ابن عباس قال : قال رسول ~~الله : إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما وذهبت طائفة ثالثة إلى ~~أن اللمم ما فعلوه في الجاهلية قبل إسلامهم فالله لا يؤاخذهم به وذلك أن ~~المشركين قالوا للمسلمين : أنتم بالأمس كنتم تعملون معنا فأنزل الله هذه ~~الآية وهذا قول زيد بن ثابت وزيد بن أسلم والصحيح : قول الجمهور : أن اللمم ~~صغائر الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة ونحو ذلك هذا قول جمهور الصحابة ومن ~~بعدهم وهو قول أبي هريرة وعبدالله بن مسعود وابن عباس ومسروق والشعبي ولا ~~ينافى هذا قول أبي هريرة وابن عباس في الرواية الأخرى : إنه يلم بالكبيرة ~~ثم لا يعود إليها فإن اللمم إما أنه يتناول هذا وهذا ويكون على وجهين كما ~~قال الكلبي PageV01P317 أو أن أبا هريرة وابن عباس ألحقا من ارتكب الكبيرة ~~مرة واحدة ولم يصر عليها بل حصلت منه فلتة في عمره باللمم ورأيا أنها إنما ~~تتغلظ وتكبر وتعظم في حق من تكررت منه مرارا عديدة وهذا من فقه الصحابة رضي ms0247 ~~الله عنهم وغور علومهم ولا ريب أن الله يسامح عبده المرة والمرتين والثلاث ~~وإنما يخاف العنت على من اتخذ الذنب عادته وتكرر منه مرارا كثيرة وفي ذلك ~~آثار سلفية والاعتبار بالواقع يدل على هذا ويذكر عن علي رضي الله عنه : أنه ~~دفع إليه سارق فأمر بقطع يده فقال : يا أمير المؤمنين والله ما سرقت غير ~~هذه المرة فقال : كذبت فلما قطعت يده قال : اصدقني كم لك بهذه المرة فقال : ~~كذا وكذا مرة فقال : صدقت إن الله لا يؤاخذ بأول ذنب أو كما قال فأول ذنب ~~إن لم يكن هو اللمم فهو من جنسه ونظيره فالقولان عن أبي هريرة وابن عباس ~~متفقان غير مختلفين والله أعلم وهذه اللفظة فيها معنى المقاربة والإعتاب ~~بالفعل حينا بعد حين فإنه يقال : ألم بكذا إذا قاربه ولم يغشه ومن هذا سميت ~~القبلة والغمزة لمما لأنها تلم بما بعدها ويقال : فلان لا يزورنا إلا لماما ~~أى حينا بعد حين فمعنى اللفظة ثابت في الوجهين اللذين فسر الصحابة بهما ~~الآية وليس معنى الآية والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ~~فإنهم لا يجتنبونه فإن هذا يكون ثناء عليهم بترك اجتناب اللمم وهذا محال ~~وإنما هذا استثناء من مضمون الكلام ومعناه فان سياق الكلام في تقسيم الناس ~~إلى محسن ومسيء وأن الله يجزى هذا بإساءته وهذا بإحسانه ثم ذكر المحسنين ~~ووصفهم بأنهم يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ومضمون هذا : أنه لا يكون محسنا ~~مجزيا بإحسانه ناجيا من عذاب الله إلا من اجتنب كبائر الإثم والفواحش فحسن ~~حينئذ استثناء اللمم وإن لم يدخل في الكبائر فإنه داخل في جنس الإثم ~~والفواحش وضابط الانقطاع : أن يكون له دخول في جنس المستثنى منه وإن لم ~~يدخل PageV01P318 فى نفسه ولم يتناوله لفظه كقوله تعالى : @QB@ لا يسمعون ~~فيها لغوا إلا سلاما @QE@ [ ] فإن السلام داخل في الكلام الذي هو جنس اللغو ~~والسلام وكذلك قوله @QB@ لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا ~~@QE@ [ النبأ : 2425 ] فإن الحميم والغساق داخل فى جنس الذوق المنقسم فكأنه ~~قيل ms0248 في الأول : لا يسمعون فيها شيئا إلا سلاما وفي الثاني : لا يذوقون فيها ~~شيئا إلا حميما وغساقا ونص على فرد من أفراد الجنس تصريحا ليكون نفيه بطريق ~~التصريح والتنصيص لا بطريق العموم الذى يتطرق إليه تخصيص هذا الفرد وكذلك ~~قوله : @QB@ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن @QE@ [ النساء : 157 ] فإن ~~الظن داخل في الشعور الذي هو جنس العلم والظن وأدق من هذا : دخول الانقطاع ~~فيما يفهمه الكلام بلازمه كقوله تعالى : @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء إلا ما قد سلف @QE@ [ النساء : 22 ] إذ مفهوم هذا : أن نكاح منكوحات ~~الآباء سبب للعقوبة إلا ما قد سلف منه قبل التحريم فإنه عفو وكذلك : وأن ~~تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف [ النساء : 23 ] وإن كان المراد به : ما ~~كان في شرع من تقدم فهو استثناء من القبح المفهوم من ذلك التحريم والذم لمن ~~فعله فحسن أن يقال : إلا ما قد سلف فتأمل هذا فإنه من فقه العربية وأما ~~قوله لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى [ الدخان : 56 ] فهذا ~~الاستثناء هو لتحقيق دوام الحياة وعدم ذوق الموت وهو يجعل النفي الأول ~~العام بمنزلة النص الذي لا يتطرق إليه استثناء ألبتة إذ لو تطرق إليه ~~استثناء فرد من أفراده لكان أولى بذكره من العدول عنه إلى الاستثناء ~~المنقطع مجزى هذا الاستثناء مجرى التأكيد والتنصيص على حفظ العموم وهذا جار ~~في كل منقطع فتأمله فإنه من أسرار العربية فقوله : وما بالربع من أحد ~~الأواري يفهم منه لو وجدت فيها أحدا لاستثنيته ولم أعدل إلى الأواري التي ~~ليست بأحد PageV01P319 وقريب من هذا لفظة أو فى قوله تعالى : ثم قست قلوبكم ~~من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة [ البقره : 74 ] وقوله : وأرسلناه إلى ~~مائة ألف أو يزيدون [ الصافات : 147 ] هو كالتنصيص على أن المراد بالأول ~~الحقيقة لا المبالغة فإنها إن لم تزد قسوتها على الحجارة فهي كالحجارة فى ~~القسوة لا دونها وأنه إن لم يزد عددهم على مئة ألف لم ينقص عنها فذكر ms0249 أو ~~ههنا كالتنصيص على حفظ المئة الألف وأنها ليست مما أريد بها المبالغة والله ~~أعلم # فصل وأما الكبائر : فاختلف السلف فيها اختلافا لا يرجع إلى تباين وتضاد # | وأقوالهم متقاربة وفى الصحيحين من حديث الشعبي عن عبدالله بن عمرو عن ~~النبي قال : الكبائر : الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين ~~الغموس وفيهما عن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي : ألا أنبئكم ~~بأكبر الكبائر ثلاثا قالوا : بلى يا رسول الله قال : الإشراك بالله وعقوق ~~الوالدين وجلس وكان متكئا فقال : ألا وقول الزور فما زال يكررها حتى قلنا : ~~ليته سكت وفى الصحيح من حديث أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبدالله بن ~~مسعود قال : قلت : يا رسول الله أي الذنب أعظم قال : أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك قال قلت : ثم أي قال : أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قال : قلت : ثم ~~أي قال : أن تزانى بحليلة جارك فأنزل الله تعالى تصديق قول النبي والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون [ الفرقان : 68 ] PageV01P320 وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي قال : اجتنبوا السبع الموبقات قالوا : يا رسول الله وما ~~هن قال : الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل ~~الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقدف المحصنات الغافلات المؤمنات ~~وروى شعبة عن سعد بن إبراهيم : سمعت حميد بن عبدالرحمن يحدث عن عبدالله بن ~~عمرو رضي الله عنهما عن النبي قال : من أكبر الكبائر : أن يسب الرجل والديه ~~قالوا : وكيف يسب الرجل والديه قال : يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه ~~فيسب أمه وفى حديث أي هريرة رضي الله عنه آخرعن النبي : قال إن من أكبر ~~الكبائر : استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم بغير حق وقال عبدالله بن مسعود ~~رضي الله عنه : أكبر الكبائر : الشرك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من ~~رحمة الله واليأس من روح الله قال سعيد بن جبير ms0250 : سأل رجل ابن عباس عن ~~الكبائر أسبع هن قال : هن إلى السبعمائة أقرب إلا أنه لا كبيرة مع ~~الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار وقال : كل شيء عصي الله به فهو كبيرة من ~~عمل شيئا منها فليستغفر الله فإن الله لا يخلد في النار من الأمة إلا من ~~كان راجعا عن الإسلام أو جاحدا فريضة أو مكذبا بالقدر وقال عبدالله بن ~~مسعود رضي الله عنه : ما نهى الله عنه في سورة النساء من أولها إلى قوله : ~~إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [ النساء : 31 ] فهو ~~كبيرة وقال علي بن أبي طلحة : هي كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو ~~عذاب وقال الضحاك : هي ما أوعد الله عليه حدا في الدنيا أو عذابا في الآخرة ~~وقال الحسين بن الفضل : ما سماه الله في القرآن كبيرا أو عظيما نحو قوله : ~~PageV01P321 إنه كان حوبا كبيرا [ النساء : 2 ] إن قتلهم كان خطئا كبيرا [ ~~الإسراء : 31 ] إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : 13 ] إن كيدكن عظيم [ يوسف : ~~28 ] سبحانك هذا بهتان عظيم [ النور : 16 ] إن ذلكم كان عند الله عظيما [ ~~الأحزاب : 53 ] وقال سفيان الثورى : الكبائر ما كان فيه من المظالم بينك ~~وبين العباد والصغائر : ما كان بينك وبين الله لأن الله كريم يعفو واحتج ~~بحديث يزيد بن هرون عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله : ~~ينادي مناد من قبل بطنان العرش يوم القيامة : يا أمة محمد إن الله عز وجل ~~قد عفا عنكم جمعكم المؤمنين والمؤمنات فتواهبوا المظالم بينكم وادخلوا ~~الجنة برحمتي قلت : مراد سفيان الثوري أن الذنوب التي بين العبد وبين الله ~~أسهل أمرا من مظالم العباد فإنها تزول بالاستغفار والعفو والشفاعة وغيرها ~~وأما مظالم العباد : فلا بد من استيفائها وفى المعجم الطبرانى الظلم عند ~~الله يوم القيامة ثلاثة دواوين : ديوان لا يغفر الله منه شيئا وهو الشرك ~~بالله ثم قرأ : إن الله لا يغفر أن يشرك به [ النسار : 48 ] وديوان لا يترك ~~الله منه ms0251 شيئا وهو مظالم العباد بعضهم بعضا وديوان لا يعبأ الله به شيئا ~~وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين الله ومعلوم أن هذا الديوان مشتمل على ~~الكبائر والصغائر لكن مستحقه أكرم الأكرمين وما يعفو عنه من حقه ويهبه ~~أضعاف أضعاف ما يستوفيه فأمره أسهل من الديوان الذي لايترك منه شيئا لعدله ~~وإيصال كل حق إلى صاحبه وقال مالك بن مغول : الكبائر ذنوب أهل البدع ~~والسيئات ذنوب أهل السنة قلت : يريد أن البدعة من الكبائر وأنها أكبر من ~~كبائر أهل السنة فكبائر أهل السنة صغائر بالنسبة إلى البدع وهذا معنى قول ~~بعض السلف : البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها ~~والمعصية يتاب منها PageV01P322 وقيل : الكبائر ذنوب العمد والسيئات : ~~الخطأ والنسيان وما أكره عليه وحديث النفس المرفوعة عن هذه الأمة قلت : هذا ~~من أضعف الأقوال طردا وعكسا فإن الخطأ والنسيان والإكراه لا يدخل تحت جنس ~~المعاصي حتى يكون أحد قسميها والعمد نوعان : نوع كبائر ونوع صغائر ولعل ~~صاحب هذا القول يرى : أن الذنوب كلها كبائر وأن الصغائر ما عفا الله لهذه ~~الأمة عنه ولم يدخل تحت التكليف وهذا غير صحيح فإن الكبائر والصغائر نوعان ~~تحت جنس المعصية ويستحيل وجود النوع بدون جنسه وقيل : الكبائر ذنوب ~~المستحلين مثل ذنب إبليس والصغائر : ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم قلت : أما ~~المستحل : فذنبه دائر بين الكفر والتأويل فإنه إن كان عالما بالتحريم فكافر ~~وإن لم يكن عالما به فمتأول أو مقلد وأما المستغفر : فإن استغفاره الكامل ~~يمحو كبائره وصغائره فلا كبيرة مع الاستغفار فهذا الفرق ضعيف أيضا إلا أن ~~يكون مراد صاحبه : أن ما يفعله المستحل من الذنب أعظم عقوبة مما يفعله ~~المعترف بالتحريم النادم على الذنب المستغفر منه وهذا صحيح وقال السدى : ~~الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبار والسيئات مقدماتها وتوابعها مما ~~يجتمع فيه الصالح والفاسق مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها واحتج بقول ~~النبي : بالعينان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه ~~وقيل : الكبائر ما يستصغره العباد والصغائر ms0252 : ما يستعظمونه فيخافون مواقعته ~~واحتج أرباب هذه المقالة بما روى البخارى فى صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال ~~إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا PageV01P323 نعدها على ~~عهد رسول الله من الموبقات قلت : أما قول السدى الكبائر ما نهى الله عنه من ~~الذنوب الكبار فبيان للشيء بنفسه فإن الذنوب الكبائر : هي الكبائر وإنما ~~مراده : أن المنهي عنه قسمان أحدهما : ما هو مشتمل على المفسدة بنفسه ونفس ~~فعله منشأ المفسدة فهذا كبيرة كقتل النفس والسرقة والقذف والزنا الثاني : ~~ما كان من مقدمات ذلك ومباديه كالنظر واللمس والحديث والقبلة الذي هو مقدمة ~~الزنا فهو من الصغائر فالصغائر : من جنس المقدمات والكبائر : من جنس ~~المقاصد والغايات وأما من قال : ما يستصغره العباد فهو كبائر وما يستكبرونه ~~فهو صغائرا فإن أراد : أن الفرق راجع إلى استكبارهم واستصغارهم فهو باطل ~~فإن العبد يستصغر النظرة ويستكبر الفاحشة وإن أراد : أن استصغارهم للذنب ~~يكبره عند الله واستعظامهم له يصغره عند الله تعالى فهذا صحيح فإن العبد ~~كلما صغرت ذنوبه عنده كبرت عند الله وكلما كبرت عنده صغرت عند الله والحديث ~~إنما يدل على هذا المعنى فإن الصحابة لعلو مرتبتهم عند الله وكمالهم كانوا ~~يعدون تلك الأعمال موبقات ومن بعدهم لنقصان مرتبتهم عنهم وتفاوت ما بينهم ~~صارت تلك الأعمال في أعينهم أدق من الشعر وإذا أردت فهم هذا فانظر : هل كان ~~في الصحابة من إذا سمع نص رسول اللهعارضه بقياسه أو ذوقه أو وجده أو عقله ~~أو سياسته وهل كان قط أحد منهم يقدم على نص رسول الله عقلا أو قياسا أو ~~ذوقا أو سياسة أو تقليد مقلد فلقد أكرم الله أعينهم وصانها أن تنظر إلى وجه ~~من هذا حاله أو يكون في زمانهم ولقد حكم عمر بن الخطاب رضى الله عنه على من ~~قدم حكمه على نص الرسول بالسيف وقال : هذا حكمي فيه PageV01P324 فيالله كيف ~~لو رأى ما رأينا وشاهد ما بلينا به من تقديم رأي كل فلان وفلان على قول ~~المعصوم ومعاداة ms0253 من اطرح آراءهم وقدم عليها قول المعصوم فالله المستعان وهو ~~الموعد وإليه المرجع وقيل : الكبائر : الشرك وما يؤدي إليه والصغائر : ما ~~عدا الشرك من ذنوب أهل التوحيد واحتج أرباب هذه المقالة بقوله تعالى : إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [ النساء : 48 ] ~~واحتجوا بقوله فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى : ابن آدم لو أتيتني بقراب ~~الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا : لأيتتك بقرابها مغفرة ا واحتجوا ~~أيضا بالحديث الذى روي مرفوعا وموقوفا : الظلم ثلاث دواوين ديوان لا يغفر ~~الله منه شيئا وهو الشرك وديوان لا يترك الله منه شيئا وهو ظلم العباد ~~بعضهم بعضا وديوان لا يعبأ به الله شيئا وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه ~~فهذا جملة ما احتج به أرباب هذه المقالة ولا حجة لهم في شيء منه أما الآية ~~: فإن غايتها التفريق بين الشرك وغيره وأن الشرك لان يغفر إلا بالتوبة منه ~~وأما ما دون الشرك : فهو موكول إلى مشيئة وهذا يدل على أن المعاصي دون ~~الشرك وهذا حق فإن أراد أرباب هذا القول هذا : فلا نزاع فيه وإن أرادوا أن ~~كل ما دون الشرك : فهو صغيرة فى نفسه فباطل فإن قيل : فإذا كان الشرك وغيره ~~مما تأتي عليه التوبة فما وجه الفرق بين الشرك وما دونه وهل هما في حق ~~التائب أم غير التائب أم أحدهما في حق التائب والآخر في حق غيره وما الفرق ~~بين هذه الآية وبين قوله قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم [ الزمر : 53 ] ~~PageV01P325 فالجواب : أن كل واحدة من الآيتين لطائفة فآية النساء إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [ النساء : 48 ] هي لغير ~~التائبين فى القسمين والدليل عليه : أنه فرق بين الشرك وغيره في المغفرة ~~ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام : أن الشرك يغفر بالتوبة وإلا لم يصح ~~إسلام كافر أبدا ms0254 وأيضا فإنه خصص مغفرة ما دون الشرك بمن يشاء ومغفرة الذنوب ~~للتائبين عامة لا تخصيص فيها فخصص وقيد وهذا يدل على أنه حكم غير التائب ~~وأما آية الزمر @QB@ إن الله يغفر الذنوب جميعا @QE@ [ الزمر : 53 ] فهي في ~~حق التائب لأنه أطلق وعمم فلم يخصها بأحد ولم يقيدها بذنب ومن المعلوم ~~بالضرورة : أن الكفر لا يغفره وكثير من الذنوب لا يغفرها فعلم أن هذا ~~الإطلاق والتعميم في حق التائب فكل من تاب من أي ذنب كان : غفر له وأما ~~الحديث الآخر : لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ~~أتيتك بقرابها مغفرة ا فلا يدل على أن ما عدا الشرك كله صغائر بل يدل على ~~أن من لم يشرك بالله شيئا فذنوبه مغفورة كائنة ما كانت ولكن ينبغي أن يعلم ~~ارتباط ايمان القلوب بأعمال الجوارح وتعلقها بها وإلا لم يفهم مراد الرسول ~~ويقع الخلط والتخبيط فاعلم أن هذا النفي العام للشرك أن لا يشرك بالله شيئا ~~ألبتة لا يصدر من مصر على معصية أبدا ولا يمكن مدمن الكبيرة والمصر على ~~الصغيرة أن يصفو له التوحيد حتى لا يشرك بالله شيئا هذا من أعظم المحال ولا ~~يلتفت إلى جدلي لاحظ له من أعمال القلوب بل قلبه كالحجر أو أقسى يقول : وما ~~المانع وما وجه الإحالة ولو فرض ذلك واقعا لم يلزم منه محال لذاته فدع هذا ~~القلب المفتون بجدله وجهله واعلم أن الإصرار على المعصية يوجب PageV01P326 ~~من خوف القلب من غير الله ورجائه لغير الله وحبه لغير الله وذله لغير الله ~~وتوكله على غير الله : ما يصير به منغمسا في بحار الشرك والحاكم في هذا ما ~~يعلمه الإنسان من نفسه إن كان له عقل فإن ذل المعصية لا بد أن يقوم بالقلب ~~فيورثه خوفا من غير الله تعالى وذلك شرك ويورثه محبة لغير الله واستعانة ~~بغيره في الأسباب التي توصله إلى غرضه فيكون عمله لا بالله ولا لله وهذا ~~حقيقة الشرك نعم قد يكون معه توحيد أبي جهل وعباد ms0255 الأصنام وهو توحيد ~~الربوبية وهو الاعتراف بأنه لا خالق إلا الله ولو أنجى هذا التوحيد وحده ~~لأنجى عباد الأصنام والشأن في توحيد الإلهية الذي هو الفارق بين المشركين ~~والموحدين والمقصود : أن من لم يشرك بالله شيئا يستحيل أن يلقى الله بقراب ~~الأرض خطايا مصرا عليها غير تائب منها مع كمال توحيده الذي هو غاية الحب ~~والخضوع والذل والخوف والرجاء للرب تعالى وأما حديث الدواوين : فإنما فيه ~~أن حق الرب تعالى لا يؤوده أن يهبه ويسقطه ولا يحتفل به ويعتني به كحقوق ~~عباده وليس معناه : أنه لا يؤاخذ به ألبتة أو أنه كله صغائر وإنما معناه : ~~أنه يقع فيه من المسامحة والمساهلة والإسقاط والهبة ما لا يقع مثله في حقوق ~~الآدميين فظهر أنه لا حجة لهم في شيء مما احتجوا به والله أعلم وقالت فرقة ~~: الصغائر ما دون الحدين والكبائر : ما تعلق به أحد الحدين ومرادهم بالحدين ~~: عقوبة الدنيا والآخرة فكل ذنب عليه عقوبة مشروعة محدودة في الدنيا كالزنا ~~وشرب الخمر والسرقة والقذف أو عليه وعيد في الآخرة كأكل مال اليتيم والشرب ~~في آنية الفضة والذهب وقتل الإنسان نفسه وخيانته أمانته ونحو ذلك فهو من ~~الكبائر وصدق ابن عباس رضي الله عنهما في قوله هي إلى السبعمائة أقرب منها ~~إلى السبع PageV01P327 # فصل وههنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الكبيرة ا قد يقترن بها من الحياء # | والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر وقد يقترن بالصغيرة من قلة ~~الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر بل ~~يجعلها في أعلى رتبها وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب وهو قدر زائد على ~~مجرد الفعل والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره وأيضا فإنه يعفى للمحب ~~ولصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره ويسامح بما لا يسامح به غيره وسمعت ~~شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : انظر إلى موسى صلوات الله ~~وسلامه عليه رمى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه بيده فكسرها وجر ~~بلحية نبي مثله وهو هارون ms0256 ولطم عين ملك الموت ففقأها وعاتب ربه ليلة ~~الإسراء في محمدورفعه عليه وربه تعالى يحتمل له ذلك ويحبه ويكرمه ويدلله ~~لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدو له وصدع بأمره وعالج ~~أمتي القبط وبني إسرائيل أشد المعالجة فكانت هذه الأمور كالشعرة فى البحر ~~وانظر إلى يونس بن متى حيث لم يكن له هذه المقامات التي لموسى غاضب ربه مرة ~~فأخذه وسجنه في بطن الحوت ولم يحتمل له ما احتمل لموسى وفرق بين من إذا أتى ~~بذنب واحد ولم يكن له من الإحسان والمحاسن ما يشفع له وبين من إذا أتى بذنب ~~جاءت محاسنه بكل شفيع كما قيل : وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه ~~بألف شفيع PageV01P328 فالأعمال تشفع لصاحبها عند الله وتذكر به إذا وقع في ~~الشدائد قال تعالى عن ذي النون @QB@ فلولا أنه كان من المسبحين للبث في ~~بطنه إلى يوم يبعثون @QE@ [ ] وفرعون لما لم تكن له سابقة خير تشفع له وقال ~~: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل قال له جبريل آلآن وقد ~~عصيت قبل وكنت من المفسدين [ يونس : 8990 ] وفى المسندا عنه : إنه قال إن ~~ما تذكرون من جلال الله من التسبيح والتكبير والتحميد يتعاطفن حول العرش ~~لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن أفلا يحب أحدكم أن يكون له من يذكر به ا ~~ولهذا من رجحت حسناته على سيئاته أفلح ولم يعذب ووهبت له سيئاته لأجل ~~حسناته ولأجل هذا يغفر لصاحب التوحيد ما لا يغفر لصاحب الإشراك لأنه قد قام ~~به مما يحبه الله ما اقتضى أن يغفر له ويسامحه ما لا يسامح به المشرك وكما ~~كان توحيد العبد أعظم كانت مغفرة الله له أتم فمن لقيه لا يشرك به شيئا ~~ألبتة غفر له ذنوبه كلها كائنة ما كانت ولم يعذب بها ولسنا نقول : إنه لا ~~يدخل النار أحد من أهل التوحيد بل كثير منهم يدخل بذنوبه ويعذب على مقدار ~~جرمه ثم يخرج منها ولا تنافي بين الأمرين لمن أحاط علما ms0257 بما قدمناه ونزيد ~~ههنا إيضاحا لعظم هذا المقام من شدة الحاجة إليه اعلم أن أشعة لا إله إلا ~~الله بتدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه فلها نور ~~وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفا لا يحصيه إلا الله تعالى فمن الناس : ~~من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس ومنهم : من نورها في قلبه كالكوكب ~~الدريومنهم : من نورها في قلبه كالمشعل العظيم PageV01P329 وآخر : كالسراج ~~المضيء وآخر كالسراج الضعيف ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين ~~أيديهم على هذا المقدار بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علما وعملا ~~ومعرفة وحالا وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد : أحرق من الشبهات والشهوات ~~بحسب قوته وشدته حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهة ولا شهوة ولا ~~ذنبا إلا أحرقه وهذا حال الصادق في توحيده الذي لم يشرك بالله شيئا فأي ذنب ~~أو شهوة أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها فسماء إيمانه قد حرست بالنجوم من ~~كل سارق لحسناته فلا ينال منها السارق إلا على غرة وغفلة لا بد منها للبشر ~~فإذا استيقظ وعلم ما سرق منه استنقذه من سارقه أو حصل أضعافه بكسبه فهو ~~هكذا أبدا مع لصوص الجن والإنس ليس كمن فتح لهم خزانته وولى الباب ظهره ~~وليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله وأن الله رب كل شيء ~~ومليكه كما كان عباد الأصنام مقرين بذلك وهم مشركون بل التوحيد يتضمن من ~~محبة الله والخضوع له والذل وكمال الانقياد لطاعته وإخلاص العبادة له ~~وإرادة وجهة الأعلى بجميع الأقوال والأعمال والمنع والعطاء والحب والبغض ما ~~يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها ومن عرف ~~هذا عرف قول النبي : إن الله حرم على النار من قال : لا إله إلا الله يبتغي ~~بذلك وجه الله وقوله لا يدخل النار من قال : لا إله إلا الله وما جاء من ~~هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس حتى ظنها بعضهم ms0258 منسوخة ~~وظنها بعضهم قيلت قبل ورود الأوامر والنواهي واستقرار الشرع وحملها بعضهم ~~على نار المشركين والكفار وأول بعضهم الدخول بالخلود وقال : المعنى لا ~~يدخلها خالدا ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة PageV01P330 والشارع صلوات ~~الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلا بمجرد قول اللسان فقط فإن هذا خلاف ~~المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم وهم تحت ~~الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار فلا بد من قول القلب وقول اللسان ~~وقول القلب : يتضمن من معرفتها والتصديق بها ومعرفة حقيقة ما تضمنته من ~~النفي والإثبات ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله المختصة به التي ~~يستحيل ثبوتها لغيره وقيام هذا المعنى بالقلب : علما ومعرفة ويقينا وحالا : ~~ما يوجب تحريم قائلها على النار وكل قول رتب الشارع ما رتب عليه من الثواب ~~فإنما هو القول التام كقوله : من قال في يوم : سبحان الله وبحمده مائة مرة ~~حطت عنه خطاياه أو غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وليس هذا مرتبا على ~~مجرد قول اللسان نعم من قالها بلسانه غافلا عن معناها معرضا عن تدبرها ولم ~~يواطىء قلبه لسانه ولا عرف قدرها وحقيقتها راجيا مع ذلك ثوابها حطت من ~~خطاياه بحسب ما في قلبه فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها وإنما تتفاضل ~~بتفاضل ما في القلوب فتكون صورة العملين واحدة وبينهما في التفاضل كما بين ~~السماء والأرض والرجلان يكون مقامهما في الصف واحدا وبين صلاتيهما كما بين ~~السماء والأرض PageV01P331 وتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة ويقابلها ~~تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر فتثقل البطاقة وتطيش السجلات فلا ~~يعذب ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة وكثير منهم يدخل النار بذنوبه ~~ولكن السر الذي ثقل بطاقة ذلك الرجل وطاشت لأجله السجلات : لما لم يحصل ~~لغيره من أرباب البطاقات انفردت بطاقته بالثقل والرزانة وإذا اردت زيادة ~~الإيضاح لهذا المعنى فانظر إلى ذكر من قلبه ملآن بمحبتك وذكر من هو معرض ~~عنك غافل ساه مشغول بغيرك قد انجذبت دواعي قلبه إلى ms0259 محبة غيرك وإيثاره عليك ~~هل يكون ذكرهما واحدا أم هل يكون ولداك اللذان هما بهذه المثابة أو عبداك ~~أو زوجتاك عندك سواء وتأمل ما قام بقلب قاتل المائة من حقائق الإيمان التي ~~لم تشغله عند السياق عن السير إلى القرية وحملته وهو في تلك الحال على أن ~~جعل ينوء بصدره ويعالج سكرات الموت فهذا أمر آخر وإيمان آخر ولا جرم أن ~~ألحق بالقرية الصالحة وجعل من أهلها وقريب من هذا : ما قام بقلب البغي التي ~~رأت ذلك الكلب وقد اشتد به العطش يأكل الثرى فقام بقلبها ذلك الوقت مع عدم ~~الآلة وعدم المعين وعدم من ترائيه بعملها ما حملها على أن غررت بنفسها في ~~نزول البئر وملء الماء في خفها ولم تعبأ بتعرضها للتلف وحملها خفها بفيها ~~وهو ملآن حتى أمكنها الرقي من البئر ثم تواضعها لهذا المخلوق الذى جرت عادة ~~الناس بضربه فأمسكت له الخف بيدها حتى شرب من غير أن ترجو منه جزاء ولا ~~شكورا فأحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء فغفر لها ~~فهكذا الأعمال والعمال عند الله والغافل في غفلة من هذا الإكسير الكيماوي ~~الذي إذا وضع منه مثقال ذرة على قناطير من نحاس الأعمال قلبها ذهبا والله ~~المستعان PageV01P332 # فصل فإن قيل : قد ذكرتم : أن المحب يسامح بما لا يسامح به # | غيره ويعطى للولي عما لا يعفى لسواه وكذلك العالم أيضا يغفر له ما لا ~~يغفر للجاهل كما روى الطبراني بإسناد جيد مرفوعا إلى النبي : إن الله ~~سبحانه إذا جمع الناس يوم القيامة فى صعيد واحد قال للعلماء : إني كنت أعبد ~~بفتواكم وقد علمت أنكم كنتم تخلطون كما يخلط الناس وإنى لم أضع علمي فيكم ~~وأنا أريد أن أعذبكم اذهبوا فقد غفرت لكم هذا معنى الحديث وقد روي مسندا ~~ومرسلا فهذا الذي ذكرتم صحيح وهو مقتضى الحكمة والجود والإحسان ولكن ماذا ~~تصنعون بالعقوبة المضاعفة التى ورد التهديد بها فى حق أولئك إن وقع منهم ما ~~يكره كقوله تعالى @QB@ يا نساء النبي من ms0260 يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها ~~العذاب ضعفين @QE@ [ الأحزاب : 30 ] وقوله تعالى : @QB@ ولولا أن ثبتناك ~~لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا ~~تجد لك علينا نصيرا @QE@ [ الإسراء : 7475 ] أى لولا تثبيتنا لك لقد كدت ~~تركن إليهم بعض الشيء ولو فعلت لأذقناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات ~~أى ضاعفنا لك العذاب في الدنيا والآخرة وقال تعالى : ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين [ الحاقة : 4446 ] اي : ~~لو أتى بشيءمن عند نفسه لأخذنا منه بيمينه وقطعنا نياط قلبه وأهلكناه وقد ~~أعاذه الله من الركون إلى أعدائه بذرة من قلبه ومن التقول عليه سبحانه وكم ~~من راكن إلى أعدائه ومتقول عليه من قبل نفسه قد أمهله ولم يعبأ به كأرباب ~~البدع كلهم المتقولين على أسمائه وصفاته ودينه وما ذكرتم في قصة يونس هو من ~~هذا الباب فإنه لم يسامح بغضبة وسجن لأجلها فى بطن الحوت ويكفي حال أبي ~~البشر حيث لم يسامح بلقمة وكانت سبب إخراجه من الجنة PageV01P333 فالجواب : ~~أن هذا أيضا حق ولا تنافي بين الأمرين فإن من كملت عليه نعمة الله واختصه ~~منها بما لم يختص به غيره : في أعطاءه منها ما حرمه غيره فحبي بالإنعام وخص ~~بالإكرام وخص بمزيد التقريب وجعل في منزلة الولي الحبيب اقتضت حاله من حفظ ~~مرتبة الولاية والقرب والاختصاص : بأن يراعي مرتبته من أدنى مشوش وقاطع ~~فلشدة الاعتناء به ومزيد تقريبه واتخاذه لنفسه واصطفائه على غيره تكون حقوق ~~وليه وسيده عليه أتم ونعمه عليه أكمل والمطلوب منه فوق المطلوب من غيره فهو ~~إذا غفل وأخل بمقتضى مرتبته نبه بما لم ينبه عليه البعيد البراني مع كونه ~~يسامح بما لم يسامح به ذلك أيضا فيجتمع في حقه الأمران وإذا أردت معرفة ~~اجتماعهما وعدم تناقضهما فالواقع شاهد به فإن الملك يسامح خاصته وأولياءه ~~بما لم يسامح به من ليس في منزلتهم ويأخذهم ويؤدبهم بما لم يأخذ به غيرهم ~~وقد ذكرنا شواهد هذا وهذا ولا تناقض ms0261 بين الأمرين وأنت إذا كان لك عبدان أو ~~ولدان أو زوجتان أحدهما : أحب إليك من الآخر وأقرب إلى قلبك وأعز عليك : ~~عاملته بهذين الأمرين واجتمع في حقه المعاملتان بحسب قربه منك وحبك له ~~وعزته عليك فإذا نظرت إلى كمال إحسانك إليه وإتمام نعمتك عليه : اقتضت ~~معاملته بما لا تعامل به من دونه من التنبيه وعدم الإهمال وإذا نظرت إلى ~~إحسانه ومحبته لك وطاعته وخدمته وكمال عبوديته ونصحه : وهبت له وسامحته ~~وعفوت عنه بما لا تفعله مع غيره فالمعاملتان بحسب ما منك وما منه وقد ظهر ~~اعتبار هذا المعنى في الشرع حيث جعل حد من أنعم عليه بالتزوج إذا تعداه إلى ~~الزنا : الرجم وحد من لم يعطه هذه النعمة الجلد وكذلك ضاعف PageV01P334 ~~الحد على الحر الذى قد ملكه نفسه وأتم عليه نعمته ولم يجعله مملوكا لغيره ~~وجعل حد العبد المنقوص بالرق الذي لم يحصل له هذه النعمة : نصف ذلك فسبحان ~~من بهرت حكمته في خلقه وأمره وجزائه عقول العالمين وشهدت بأنه أحكم ~~الحاكمين لله سر تحت كل لطيفة فأخو البصائر غائص يتملق # فصل في أجناس ما يتاب منه ولا يستحق العبد اسم التائب حتى يتخلص منها # | وهى اثنا عشر جنسا مذكورة فى كتاب الله عز وجل هي أجناس المحرمات : ~~الكفر والشرك والنفاق والفسوق والعصيان والإثم والعدوان والفحشاء والمنكر ~~والبغي والقول على الله بلا علم واتباع غير سبيل المؤمنين فهذه الاثنا عشر ~~جنسا عليها مدار كل ما حرم الله وإليها انتهاء العالم بأسرهم إلا أتباع ~~الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وقد يكون في الرجل أكثرها وأقلها أو واحدة ~~منها وقد يعلم ذلك وقد لا يعلم فالتوبة النصوح : هي بالتخلص منها والتحصن ~~والتحرز من مواقعتها وإنما يمكن التخلص منها لمن عرفها ونحن نذكرها ونذكر ~~ما اجتمعت فيه وما افترقت تتبين حدودها وحقائقها والله الموفق لما وراء ذلك ~~كما وفق له ولا حول ولا قوة إلا بالله وهذا الفصل من أنفع فصول الكتاب ~~والعبد أحوج شيء إليه فأما الكفر فنوعان : كفر أكبر وكفر أصغر ms0262 فالكفر ~~الأكبر : هو الموجب للخلود في النار والأصغر : موجب لاستحقاق الوعيد دون ~~الخلود كما في قوله تعالى وكان PageV01P335 مما يتلى فنسخ لفظه : لا ترغبوا ~~عن آبائكم فإنه كفر بكم وقولهفي الحديث الصحيح : إثنتان في أمتي هما بهم ~~كفر : الطعن في النسب والنياحة وقوله في السنن : من أتى امرأة في دبرها فقد ~~كفر بما أنزل على محمد وفي الحديث الآخر : من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما ~~يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد وقوله لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب ~~بعضكم رقاب بعض وهذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة فى قوله تعالى ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [ المائده : 44 ] قال ابن عباس : ~~ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعله فهو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم ~~الآخر وكذلك قال طاووس وقال عطاء : هو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون ~~فسق ومنهم : من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدا له وهو قول ~~عكرمة وهو تأويل مرجوح فإن نفس جحوده كفر سواء حكم أو لم يحكم ومنهم : من ~~تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله قال : ويدخل في ذلك الحكم ~~بالتوحيد والإسلام وهذا تأويل عبدالعزيز الكناني وهو أيضا بعيد إذ الوعيد ~~على نفي الحكم بالمنزل وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه وببعضه ومنهم : من ~~تأولها على الحكم بمخالفة النص تعمدا من غير جهل به ولا خطأ في التأويل ~~حكاه البغوي عن العلماء عموما ومنهم : من تأولها على أهل الكتاب وهو قول ~~قتادة والضحاك وغيرهما وهو بعيد وهو خلاف ظاهر اللفظ فلا يصار إليه ومنهم : ~~من جعله كفرا ينقل عن الملة والصحيح : أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول ~~الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل ~~الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانا لأنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة ~~فهذا كفر أصغر وإن PageV01P336 اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه مع تيقنه ~~أنه حكم الله تعالى ms0263 فهذا كفر أكبر وإن جهله وأخطأه : فهذا مخطىء له حكم ~~المخطئين والقصد : أن المعاصي كلها من نوع الكفر الأصغر فإنها ضد الشكر ~~الذي هو العمل بالطاعة فالسعي : إما شكر وإما كفر وإما ثالث لا من هذا ولا ~~من هذا والله أعلم # فصل وأما الكفر الأكبر فخمسة أنواع : كفر تكذيب وكفر استكبار وإباء # | مع التصديق وكفر إعراض وكفر شك وكفر نفاق فأما كفر التكذيب : فهو ~~اعتقاد كذب الرسل وهذا القسم قليل في الكفار فإن الله تعالى أيد رسله ~~وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة وأزال به المعذرة ~~قال الله تعالى عن فرعون وقومه وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [ ~~النمل : 14 ] وقال لرسوله : فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون [ الأنعام : 33 ] وإن سمي هذا كفر تكذيب أيضا فصحيح إذ هو تكذيب ~~باللسان وأما كفر الإباء والاستكبار : فنحو كفر إبليس فإنه لم يجحد أمر ~~الله ولا قابله بالإنكار وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار ومن هذا كفر من ~~عرف صدق الرسول وأنه جاء بالحق من عند الله ولم ينقد له إباء واستكبارا وهو ~~الغالب على كفر أعداء الرسل كما حكى الله تعالى عن فرعون وقومه : أنؤمن ~~لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون [ المؤمنون : 47 ] وقول الأمم لرسلهم : إن ~~أنتم إلا بشر مثلنا [ إبراهيم : 10 ] وقوله كذبت ثمود بطغواها [ الشمس : 11 ~~] وهو كفر اليهود كما قال تعالى : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به [ البقره : ~~89 ] وقال يعرفونه كما يعرفون أبناءهم [ البقره : 146 ] وهو كفر أبي طالب ~~أيضا فإنه صدقه ولم يشك في صدقه ولكن أخذته الحمية وتعظيم آبائه أن يرغب عن ~~ملتهم ويشهد عليهم بالكفر PageV01P337 وأما كفر الإعراض : فأن يعرض بسمعه ~~وقلبه عن الرسول لا يصدقه ولا يكذبه ولا يواليه ولا يعاديه ولا يصغي إلى ما ~~جاء به ألبتة كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي : والله أقول لك كلمة إن كنت ~~صادقا فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك وإن كنت كاذبا فأنت أحقر من أن ~~أكلمك وأما ms0264 كفر الشك : فإنه لا يجزم بصدقه ولا بكذبه بل يشك في أمره وهذا ~~لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسولجملة ~~فلا يسمعها ولا يلتفت إليها وأما مع إلتفاته إليها ونطره فيها : فإنه لا ~~يبقى معه شك لأنها مستلزمة للصدق ولا سيما بمجموعها فإن دلالتها على الصدق ~~كدلالة الشمس على النهار وأما كفر النفاق : فهو أن يظهر بلسانه الإيمان ~~وينطوي بقلبه على التكذيب فهذا هو النفاق الأكبر وسيأتى بيان أقسامه إن شاء ~~الله تعالى # فصل وكفر الجحود نوعان : كفر مطلق عام وكفر مقيد خاص فالمطلق : أن # | يجحد جملة ما أنزله الله وإرساله الرسول والخاص المقيد : أن يجحد فرضا ~~من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته أو صفة وصف الله بها نفسه أو ~~خبرا أخبر الله به عمدا أو تقديما لقول من خالفه عليه لغرض من الأغراض وأما ~~جحد ذلك جهلا أو تأويلا يعذر فيه صاحبه : فلا يكفر صاحبه به كحديث الذي جحد ~~قدرة الله عليه وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح ومع PageV01P338 هذا ~~فقد غفر الله له ورحمه لجهله إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة ~~الله على إعادته عنادا أو تكذيبا # فصل وأما الشرك فهو نوعان : أكبر وأصغر فالأكبر : لا يغفره الله إلا # | بالتوبة منهوهو أن يتخذ من دون الله ندا يحبه كما يحب الله وهو الشرك ~~الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين ولهذا قالوا لآلهتهم في النار ~~: الله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [ الشعراء : 9798 ] مع ~~إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه وأن آلهتهم لا تخلق ولا ~~ترزق ولا تحيي ولا تميت وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم ~~والعبادة كما هو حال أكثر مشركي العالم بل كلهم يحبون معبوداتهم ويعظمونها ~~ويوالونها من دون الله وكثير منهم بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة ~~الله ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله وحده ويغضبون لمنتقص ~~معبوديهم وآلهتهم من ms0265 المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين ~~وإذا انتهكت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوداتهم غضبوا غضب الليث إذا حرد وإذا ~~انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لها بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئا ~~رضوا عنه ولم تتنكر له قلوبهم وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة وترى ~~أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله على لسانه ديدنا له إن قام وإن ~~قعد وإن عثر وإن مرض وإن استوحش فذكر إلهه ومعبوده من دون الله هو الغالب ~~على قلبه ولسانه وهو لا ينكر ذلك ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده ~~ووسيلته إليه PageV01P339 وهكذا كان عباد الأصنام سواء وهذا القدر هو الذي ~~قام بقلوبهم وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم فأولئك كانت آلهتهم من ~~الحجر وغيرهم اتخذوها من البشر قال الله تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء ~~المشركين : والذين اتخذوا من دونه أولياء : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون [ الزمر : 3 ] ثم شهد ~~عليهم بالكفر والكذب وأخبر : أنه لا يهديهم فقال : إن الله لا يهدي من هو ~~كاذب كفار [ الزمر : 3 ] فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا يزعم أنه يقربه ~~إلى الله وما أعز من يخلص من هذا بل ما أعز من لا يعادي من أنكره والذي في ~~قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم : أن آلهتهم تشفع لهم عند الله وهذا عين الشرك ~~وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله وأخبر أن الشفاعة كلها له وأنه لا ~~يشفع عنده أحد إلا لمن أذن الله أن يشفع فيه ورضي قوله وعمله وهم أهل ~~التوحيد الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء فإنه سبحانه يأذن لمن شاء في ~~الشفاعة لهم حيث لم يتخذهم شفعاء من دونه فيكون أسعد الناس بشفاعة من يأذن ~~الله له : صاحب التوحيد الذي لم يتخذ شفيعا من دون الله ربه ومولاه و ~~الشفاعة التي أثبتها الله ورسوله : هي الشفاعة الصادرة عن إذنه لمن وحده ~~والتي نفاها ms0266 الله : هي الشفاعة الشركية التي في قلوب المشركين المتخذين من ~~دون الله شفعاء فيعاملون بنقيض قصدهم من شفعائهم ويفوز بها الموحدون ~~PageV01P340 وتأمل قول النبيلأبي هريرة وقد سأله : من أسعد الناس بشفاعتك ~~يا رسول الله قال : أسعد الناس بشفاعتي : من قال لا إله إلا الله خالصا من ~~مكبه كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته : تجريد التوحيد عكس ما ~~عند المشركين : أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء وعبادتهم ~~وموالاتهم من دون الله فقلب النبيما باتخاذهم أولياءهم شفعاء وعبادتهم ~~ومولاتهم من دون الله فقلب النبي ما في زعمهم الكاذب وأخبر أن سبب الشفاعة ~~: هو تجريد التوحيد فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع ومن جهل المشرك : ~~اعتقاده أن من اتخذه وليا أو شفيعا : أنه يشفع له وينفعه عند الله كما يكون ~~خواص الملوك والولاة تنفع شفاعتهم من ولاهم والهم ولم يعلموا أن الله ولا ~~يشفع عنده أحد إلا بإذنه ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله كما ~~قال تعالى في الفصل الأول : من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه [ البقره : 255 ~~] وفي الفصل الثاني ولا يشفعون إلا لمن ارتض [ الأنبياء : 28 ] وبقي فصل ~~ثالث وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع الرسول وعن هاتين ~~الكلمتين يسأل الأولين والآخرين كما قال أبو العالية : كلمتان يسأل عنهما ~~الأولون والآخرون : ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين ا فهذه ثلاثة ~~أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها : لا شفاعة إلا بإذنه ولا ~~يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله ولا يرضى من القول والعمل إلا توحيده واتباع ~~رسوله فالله تعالى : لا يغفر شرك العادلين به غيره كما قال تعالى : ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون [ الأنعام : 1 ] وأصح القولين : أنهم يعدلون به ~~غيره في العبادة والموالاة والمحبة كما في الآية الأخرى الله إن كنا لفى ~~ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين [ الشعراء : 9798 ] وكما فى آية البقرة ~~ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله [ البقره : 165 ] ~~وترى ms0267 المشرك يكذب حاله وعمله قوله فإنه يقول : لا نحبهم كحب الله ~~PageV01P341 ولا نسويهم بالله ثم يغضب لهم ولحرماتهم إذا انتهكت أعظم مما ~~يغضب لله ويستبشر بذكرهم ويتبشبش به سيما إذا ذكر عنهم ماليس فيهم : من ~~إغاثة اللهفات وكشف الكربات وقضاء الحاجات وأنهم الباب بين الله وبين عباده ~~فإنك ترى المشرك يفرح ويسر ويحن قلبه وتهيج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم ~~والموالاة وإذا ذكرت له الله وحده وجردت توحيده لحقته وحشة وضيق وحرج ورماك ~~بنقص الإلهية التي له وربما عاداك رأينا والله منهم هذا عيانا ورمونا ~~بعداوتهم وبغوا لنا الغوائل والله مخزيهم في الدنيا والآخرة ولم تكن حجتهم ~~إلا أن قالوا كما قال إخوانهم : عاب آلهتنا فقال هؤلاء : تنقصتم مشايخنا ~~وأبواب حوائجنا إلى الله وهكذا قال النصارى للنبي لما قال لهم : بإن المسيح ~~عبد الله قالوا : تنقصت المسيح وعبته وهكذا قال أشباه المشركين لمن منع ~~اتخاذ القبور أوثانا تعبد ومساجد تقصد وأمر بزيارتها على الوجه الذي أذن ~~الله فيه ورسوله قالوا : تنقصت أصحابها PageV01P342 فانظر إلى هذا التشابه ~~بين قلوبهم حتى كأنهم قد تواصوا به ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن ~~تجد له وليا مرشدا [ الكهف : 17 ] وقد قطع الله تعالى كل الأسباب التي تعلق ~~بها المشركون جميعا قطعا يعلم من تأمله وعرفه : أن من اتخذ من دون الله ~~وليا أو شفيعا فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ~~[ العنكبوت : 41 ] فقال تعالى : قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له [ سبأ : 2223 ] فالمشرك ~~إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع والنفع لا يكون إلا ~~ممن فيه خصلة من هذه الأربع : إما مالك لما يريده عابده منه فإن لم يكن ~~مالكا كان شريكا للمالك فإن لم يكن شريكا له كان معينا له وظهيرا فإن لم ~~يكن معينا ms0268 ولا ظهيرا كان شفيعا عنده فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا ~~مترتبا متنقلا من الأعلى إلى ما دونه فنفى الملك والشركة والمظاهرة ~~والشفاعة التي يظنها المشرك وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة ~~بإذنه فكفى بهذه الآية نورا وبرهانا ونجاة وتجريدا للتوحيد وقطعا لأصول ~~الشرك ومواداه لمن عقلها والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها ولكن أكثر ~~الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له ويظنونه في نوع وفي قوم قد ~~خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن ~~ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو ~~دونهم وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه : إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا ~~يعرف الجاهلية PageV01P343 وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك وما عابه ~~القرآن وذمه : وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه وهو لا يعرف : أنه هو ~~الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو دونه فينقض بذلك عرى ~~الإسلام عن قلبه ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا والبدعة سنة والسنة ~~بدعة ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد ويبدع بتجريد متابعة ~~الرسولومفارقة الأهواء والبدع ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا والله ~~المستعان # فصل وأما الشرك الأصغر : فكيسير الرياء والتصنع للخلق والحلف بغير # | الله كما ثبت عن النبيأنه قال : من حلف بغير الله فقد أشرك وقول الرجل ~~للرجل : ما شاء الله وشئتا و هذا من الله ومنا و أنا بالله وبك و مالي إلا ~~الله وأنتا و بأنا متوكل على الله وعليك و لولا أنت لم يكن كذا وكذاا وقد ~~يكون هذا شركا أكبر بحسب قائله ومقصده وصح عن النبيأنه قال لرجل قال له : ~~ما شاء الله وشئت : أجعلتنى لله ندا قل : ما شاء الله وحده وهذا اللفظ أخف ~~من غيره من الألفاظ ومن أنواع الشرك : سجود المريد للشيخ فإنه شرك ms0269 من ~~الساجد والمسجود له والعجب : أنهم يقولون : ليس هذا سجود وإنما هو وضع ~~الرأس قدام الشيخ احتراما وتواضعا فيقال لهؤلاء : ولو سميتموه ما سميتموه ~~فحقيقة السجود : PageV01P344 وضع الرأس لمن يسجد له وكذلك السجود للصنم ~~وللشمس وللنجم وللحجر كله وضع الرأس قدامه ومن أنواعه : ركوع المتعممين ~~بعضهم لبعض عند الملاقاة وهذا سجود في اللغة وبه فسر قوله تعالى : ادخلوا ~~الباب سجدا [ البقره : 58 ] أي منحنين وإلا فلا يمكن الدخول بالجبهة على ~~الأرض ومنه قول العرب : سجدت الأشجار إذا أمالتها الريح ومن أنواعه : حلق ~~الرأس للشيخ فإنه تعبد لغير الله ولا يتعبد بحلق الرأس إلا في النسك لله ~~خاصة ومن أنواعه : التوبة للشيخ فإنها شرك عظيم فإن التوبة لا تكون إلا لله ~~كالصلاة والصيام والحج والنسك فهي خالص حق الله وفي المسند : أن رسول ~~اللهأتى بأسير فقال : اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال رسول ~~الله : عرف الحق لأهله فالتوبة عبادة لا تنبغي إلا لله كالسجود والصيام ومن ~~أنواعه : النذر لغير الله فإنه شرك وهو أعظم من الحلف بغير الله فإذا كان ~~من حلف بغير الله فقد أشرك فكيف بمن نذر لغير الله مع أن في السنن من حديث ~~عقبة بن عامر عنه النذر حلفة ا ومن أنواعه : الخوف من غير الله والتوكل على ~~غير الله والعمل لغير الله والإنابة والخضوع والذل لغير الله وابتغاء الرزق ~~من عند غيره وحمد غيره على ما أعطى والغنية بذلك عن حمده سبحانه والذم ~~والسخط على ما لم يقسمه ولم PageV01P345 يجر به القدر وإضافة نعمه إلى غيره ~~واعتقاد أن يكون في الكون ما لا يشاؤه ومن أنواعه : طلب الحوائج من الموتى ~~والاستغانة بهم والتوجه إليهم وهذا أصل شرك العالم فإن الميت قد انقطع عمله ~~وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا فضلا عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته أو ~~سأله أن يشفع له إلى الله فيها وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده كما ~~تقدم فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا ms0270 بإذنه والله لم يجعل استغاثته ~~وسؤاله سببا لإذنه وإنما السبب لإذنه : كمال التوحيد فجاء هذا المشرك بسبب ~~يمنع الإذن وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها وهذه حالة كل ~~مشرك والميت محتاج إلى من يدعو له ويترحم عليه ويستغفر له كما أوصانا النبي ~~إذا زرنا قبور المسلمين : أن نترحم عليهم ونسأل لهم العافية والمغفرة ا ~~فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة واستقضاء الحوائج والاستغاثة بهم ~~وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد وسموا قصدها حجا واتخذوا عندها الوقفة وحلق ~~الرأس فجمعوا بين الشرك بالمعبود الحق وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ~~ونسبة أهله إلى التنقص للأموات وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك وأولياءه ~~الموحدين له الذين لم يشركوا به شيئا بذمهم وعيبهم ومعاداتهم وتنقصوا من ~~أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا وأنهم أمروهم به وأنهم ~~يوالونهم عليه وهؤلاء هم أعداء الرسل والتوحيد في كل زمان ومكان وما أكثر ~~المستجيبين لهم ولله خليله إبراهيم عليه السلام حيث يقول واجنبني وبني أن ~~نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس وما نجا من شرك هذا الشرك ~~الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى ~~الله واتخذ الله وحده وليه وإلهه ومعبوده فجرد حبه لله وخوفه لله ورجاءه ~~لله وذله لله وتوكله على الله واستعانته بالله والتجاءه إلى الله واستغاثته ~~بالله وأخلص قصده لله متبعا لأمره متطلبا PageV01P346 لمرضاته إذا سأل سأل ~~الله وإذا استعان استعان بالله وإذا عمل عمل لله فهو لله وبالله ومع الله ~~والشرك أنواع كثيرة لا يحصيها إلا الله ولو ذهبنا نذكر أنواعه لاتسع الكلام ~~أعظم اتساع ولعل الله أن يساعد بوضع كتاب فيه وفي أقسامه وأسبابه ومباديه ~~ومضرته وما يندفع به فإن العبد إذا نجا منه ومن التعطيل وهما الداءان ~~اللذان هلكت بهما الأمم فما بعدهما أيسر منهما وإن هلك بهما فبسبيل من هلك ~~ولا آسى على الهالكين # فصل وأما النفاق : فالداء العضال الباطن الذى يكون الرجل ممتلئا منه $ ~~وهو لا يشعر فإنه ms0271 أمر خفي على الناس وكثيرا ما يخفى على من تلبس به فيزعم ~~أنه مصلح وهو مفسد وهو نوعان : أكبر وأصغر فالأكبر : يوجب الخلود في النار ~~في دركها الأسفل وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به لا يؤمن بأن الله ~~تكلم بكلام أنزله على بشر جعله رسولا للناس يهديهم بإذنه وينذرهم بأسه ~~ويخوفهم عقابه وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن ~~وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر وذكر طوائف العالم ~~الثلاثة فى أول سورة البقرة : المؤمنين والكفار والمنافقين فذكر في ~~المؤمنين أربع آيات وفي الكفار آيتين وفي المنافقين ثلاث عشرة آية لكثرتهم ~~وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله فإن بلية الإسلام بهم ~~شديدة جدا لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة ~~PageV01P347 يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح وهو غاية ~~الجهل والإفساد فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه وكم من حصن له قد قلعوا ~~أساسه وخربوه وكم من علم له قد طمسوه وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه وكم ~~ضربوا بمعاول الشبه فى أصول غراسه ليقلعوها وكم عموا عيون موارده بآرائهم ~~ليدفنوها ويقطعوها فلا يزال الإسلام وأهله منهم فى محنة وبلية ولا يزال ~~يطرقه من شبههم سرية بعد سرية ويزعمون أنهم بذلك مصلحون ألا إنهم هم ~~المفسدون ولكن لا يشعرون [ البقره : 12 ] يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ~~والله متم نوره ولو كره الكافرون [ الصف : 8 ] اتفقوا على مفارقة الوحي فهم ~~على ترك الاهتداء به مجتمعون وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم ~~فرحون [ المؤمنون : 53 ] يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا [ الأنعام : ~~112 ] ولأجل ذلك اتخذوا هذا القرآن مهجورا [ الفرقان : 30 ] درست معالم ~~الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها ~~وأفلت كواكبه النيرة من قلوبهم فليسوا يحيونها وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم ~~آرائهم وأفكارهم فليسوا يبصرونها لم ms0272 يقبلوا هدى الله الذي أرسل به رسوله ~~ولم يرفعوا به رأسا ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأسا خلعوا ~~نصوص الوحي عن سلطنة الحقيقة وعزلوها عن ولاية اليقين وشنوا عليها غارات ~~التأويلات الباطلة فلا يزال يخرج عليها منهم كمين بعد كمين نزلت عليهم نزول ~~الضيف على أقوام لئام فقايلوها بغير ما ينبغي لها من القبول والإكرام ~~وتلقوها من بعيد ولكن بالدفع فى الصدور منها والأعجاز وقالوا : ما لك عندنا ~~من عبور وإن كان لا بد فعلى سبيل الاجتياز أعدوا PageV01P348 لدفعها أصناف ~~العدد وضروب القوانين وقالوا لما حلت بساحتهم : مالنا ولظواهر لفظية لا ~~تفيدنا شيئا من اليقين وعوامهم قالوا : حسبنا ما وجدنا عليه خلفنا من ~~المتأخرين فإنهم أعلم بها من السلف الماضين وأقوم بطرائق الحجج والبراهين ~~وأولئك غلبت عليهم السذاجة وسلامة الصدور ولم يتفرغوا لتمهيد قواعد النظر ~~ولكن صرفوا هممهم إلى فعل المأمور وترك المحظور فطريقة المتأخرين : أعلم ~~وأحكم وطريقة السلف الماضين : أجهل لكنها أسلم أنزلوا نصوص السنة والقرآن ~~منزلة الخليفة في هذا الزمان اسمه على السكة وفي الخطبة فوق المنابر مرفوع ~~والحكم النافذ لغيره فحكمه غير مقبول ولا مسموع لبسوا ثياب أهل الإيمان على ~~قلوب أهل الزيغ والخسران والغل والكفران فالظواهر ظواهر الأنصار والبواطن ~~قد تحيزت إلى الكفار فألسنتهم ألسنة المسالمين وقلوبهم قلوب المحاربين ~~ويقولون @QB@ آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين @QE@ [ البقره رأس ~~مالهم الخديعة والمكر وبضاعتهم الكذب والختر وعندهم العقل المعيشي أن ~~الفريقين عنهم راضون وهم بينهم آمنون @QB@ يخادعون الله والذين آمنوا وما ~~يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون @QE@ [ البقره : 9 ] قد نهكت أمراض الشبهات ~~والشهوات قلوبهم فأهلكتها وغلبت القصود السيئة على إراداتهم ونياتهم ~~فأفسدتها ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك فعجز عنه الأطباء العارفون @QB@ في ~~قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون @QE@ [ ~~البقره : 10 ] من علقت مخالب شكوكهم بأديم إيمانه مزقته كل تمزيق ومن تعلق ~~شرر فتنتهم بقلبه ألقاه في عذاب الحريق ومن دخلت شبهات تلبيسهم في مسامعه ~~حال بين قلبه وبين التصديق ففسادهم ms0273 في الأرض كثير وأكثر الناس عنه ~~PageV01P349 غافلون وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا : إنما نحن ~~مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون [ البقره : 1112 ] المتمسك ~~عندهم بالكتاب والسنة صاحب ظواهر مبخوس حظه من المعقول والدائر مع النصوص ~~عندهم كحمار يحمل أسفارا فهمه في حمل المنقول وبضاعة تاجر الوحي لديهم ~~كاسدة وما هو عندهم بمقبول وأهل الاتباع عندهم سفهاء فهم في خلواتهم ~~ومجالسهم بهم يتطيرون وإذا قيل لهم : آمنوا كما آمن الناس قالوا : أنؤمن ~~كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون [ البقره : 13 ] لكل ~~منهم وجهان وجه يلقى به المؤمنين ووجه ينقلب به إلى إخوانه من الملحدين وله ~~لسانان : أحدهما يقبله بظاهره المسلمون والآخر يترجم به عن سره المكنون ~~وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا ~~معكم إنما نحن مستهزئون [ البقره : 14 ] قد أعرضوا عن الكتاب والسنة ~~استهزاء بأهلهما واستحقارا وأبوا أن ينقادوا لحكم الوحيين فرحا بما عندهم ~~من العلم الذى لا ينفع الاستكثار منه أشرا واستكبارا فتراهم أبدا ~~بالمتمسكين بصريح الوحى يستهزئون الله يستهزىء بهم ويمدهم فى ظغيانهم ~~يعمهون [ البقره : 15 ] خرجوا في طلب التجارة البائرة في بحار الظلمات ~~فركبوا مراكب الشبه والشكوك تجري بهم في موج الخيالات فلعبت بسفنهم الريح ~~العاصف فألقتها بين سفن الهالكين @QB@ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ~~فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين @QE@ [ البقره : 16 ] أضاءت لهم نار ~~الإيمان فأبصروا في ضوئها مواقع الهدى والضلال ثم طفىء ذلك النور وبقيت ~~نارا تأجج ذات لهب واشتعال فهم بتلك النار معذبون وفي تلك الظلمات يعمهون ~~مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله : ذهب الله بنورهم وتركهم ~~في ظلمات لا يبصرون [ البقره : 17 ] PageV01P350 أسماع قلوبهم قد أثقلها ~~الوقر فهي لا تسمع منادي الإيمان وعيون بصائرهم عليها غشاوة العمى فهي لا ~~تبصر حقائق القرآن وألسنتهم بها خرس عن الحق فهم به لا ينطقون @QB@ صم بكم ~~عمي فهم لا يرجعون @QE@ [ البقره : 18 ] صاب عليهم صيب الوحي وفيه حياة ms0274 ~~القلوب والأرواح فلم يسمعوا منه إلا رعد التهديد والوعيد والتكاليف التي ~~وظعت عليهم في المساء والصباح فجعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ~~وجدوا فى الهرب والطلب فى آثارهم والصياح فنودي عليهم على رءوس الأشهاد ~~وكشفت حالهم للمستبصرين وضرب لهم مثلان بحسب حال الطائفتين منهم : ~~المناظرين والمقلدين فقيل : @QB@ أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ~~يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين @QE@ ~~[ البقره : 19 ] ضعفت أبصار بصائرهم عن احتمال ما في الصيب من بروق أنواره ~~وضياء معانيه وعجزت أسماعهم عن تلقي وعوده وعيده وأوامره ونواهيه فقاموا ~~عند ذلك حيارى في أودية التيه لا ينتفع بسمعه السامع ولا يهتدي ببصره ~~البصير @QB@ كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله ~~لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير @QE@ [ البقره : 20 ] لهم ~~علامات يعرفون بها مبينة في السنة والقرآن بادية لمن تدبرها من أهل بصائر ~~الإيمان قام بهم والله الرياء وهو أقبح مقام قامه الإنسان وقعد بهم الكسل ~~عما أمروا به من أوامر الرحمن فأصبح الإخلاص عليهم لذلك ثقيلا @QB@ وإذا ~~قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا @QE@ ~~[ النساء : 142 ] أحدهم كالشاة العائرة بين الغنمين تيعر إلى هذه مرة وإلى ~~هذه مرة ولا تستقر مع إحدى الفئتين فهم واقفون بين الجمعين ينظرون أيهم ~~أقوى وأعز PageV01P351 قبيلا @QB@ مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا @QE@ [ النساء : 143 ] يتربصون ~~الدوائر بأهل السنة والقرآن فإن كان لهم فتح من الله قالوا : إلم تكن معكم ~~واقسموا على ذلك بالله جهد ايمانهم وان كان لأعداء الكتاب والسنة من النصرة ~~نصيب قالوا : ألم تعلموا أن عقد الإخاء بيننا محكم وان النسب بيننا قريب ~~فيا من يريد معرفتهم خذ صفتهم من كلام رب العالمين فلا تحتاج بعده دليلا : ~~الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان ~~للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ms0275 ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم ~~بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين بيلا [ النساء : ] ~~يعجب السامع قول أحدهم لحلاوته ولينه ويشهد الله على ما في قلبه من كذبه ~~ومينه فتراه عند الحق نائما وفي الباطل على الأقدام فخذ وصفهم من قول ~~القدوس السلام : @QB@ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله ~~على ما في قلبه وهو ألد الخصام @QE@ [ البقره : 204 ] أوامرهم التي يأمرون ~~بها أتباعهم متضمنة لفساد البلاد والعباد ونواهيهم عما فيه صلاحهم في ~~المعاش والمعاد وأحدهم تلقاه بين جماعة أهل الإيمان في الصلاة والذكر ~~والزهد والاجتهاد @QB@ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث ~~والنسل والله لا يحب الفساد @QE@ [ البقره : 205 ] فهم جنس بعضه يشبه بعضا ~~يأمرون بالمنكر بعد أن يفعلوه وينهون عن المعروف بعد أن يتركوه ويبخلون ~~بالمال في سبيل الله ومرضاته أن ينفقوه كم ذكرهم الله بنعمه فأعرضوا عن ~~ذكره ونسوه وكم كشف حالهم لعباده المؤمنين ليتجنبوه فاسمعوا أيها المؤمنون ~~@QB@ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض @QE@ PageV01P352 يأمرون بالمنكر ~~وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا لله فنسيهم إن المنافقين هم ~~الفاسقون [ التوبه : 67 ] إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين وإن ~~دعوتهم إلى حكم كتاب الله وسنة رسولهرأيتهم عنه معرضين فلو شهدت حقائقهم ~~لرأيت بينها وبين الهدى أمدا بعيدا ورأيتها معرضة عن الوحي إعراضا شديدا ~~وإذا قيل لهم : تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون ~~عنك صدودا [ النساء : 61 ] فكيف لهم بالفلاح والهدى بعد ما أصيبوا في ~~عقولهم وأديانهم وأنى لهم التخلص من الضلال والردى وقد اشترا الكفر ~~بإيمانهم فما أخسر تجارتهم البائرة وقد استبدلوا بالرحيق المختوم حريقا ~~فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله : إن أردنا ~~لا إحسانا وتوفيقا [ النساء : 62 ] نشب زقوم الشبه والشكوك فى قلوبهم فلا ~~يجدون له مسيغا @QB@ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم ~~وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا @QE@ [ النساء : 63 ] تبا لهم ما أبعدهم عن ~~حقيقة ms0276 الإيمان وما أكذب دعواهم للتحقيق والعرفان فالقوم فى شأن وأتباع ~~الرسول في شأن لقد أقسم الله جل جلاله في كتابه بنفسه المقدسة قسما عظيما ~~يعرف مضمونه أولو البصائر فقلوبهم منه على حذر إجلالا له وتعظيما فقال ~~تعالى تحذيرا لأوليائه وتنبيها على حال هؤلاء وتفهيما فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك في شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما تسبق يمين أحدهم كلامه من غير أن يعترض عليه لعلمه أن قلوب أهل ~~الإيمان لا تطمئن إليه فيتبرأ بيمينه من سوء الظن به وكشف ما لديه وكذلك ~~أهل الريبة يكذبون ويحلفون ليحسب السامع أنهم صادقون اتخذوا أيمانهم جنة ~~فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون [ المنافقون : 2 ] ~~PageV01P353 تبا لهم برزوا إلى البيداء مع ركب الإيمان فلما رأوا طول ~~الطريق وبعد الشقة نكصوا على أعقابهم ورجعوا وظنوا أنهم يتمتعون بطيب العيش ~~ولذة المنام في ديارهم فما متعوا به ولا بتلك الهجعة انتفعوا فما هو إلا أن ~~صاح بهم الصائح فقاموا عن موائد أطعمتهم والقوم جياع ما شبعوا فكيف حالهم ~~عند اللقاء وقد عرفوا ثم أنكروا وعموا بعد ما عاينوا الحق وأبصروا ذلك ~~بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون [ المنافقون : 3 ] ~~أحسن الناس أجساما وأخلبهم لسانا وألطفهم بيانا وأخبثهم قلوبا وأضعفهم ~~جنانا فهم كالخشب المسندة التى لا ثمر لها قد قلعت من مغارسها فتساندت إلى ~~حائط يقيمها لئلا يطأها السالكون وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا ~~تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم ~~الله أنى يؤفكون [ المنافقون : 4 ] يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول إلى شرق ~~الموتى فالصبح عند طلوع الشمس والعصر عند الغروب وينقرونها نقر الغراب إذ ~~هي صلاة الأبدان لا صلاة القلوب ويلتفتون فيها التفات الثعلب إذ يتيقن أنه ~~مطرود مطلوب ولا يشهدون الجماعة بل إن صلى أحدهم ففي البيت أو الدكان وإذا ~~خاصم فجر وإذا عاهد غدر وإذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن ms0277 خان هذه ~~معاملتهم للخلق وتلك معاملتهم للخالق فخذ وصفهم من أول المطففين وآخر ~~والسماء والطارق [ الطارق : 1 ] فلا ينبئك عن أوصافهم مثل خبير يا أيها ~~النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير [ ~~التوبه : 73 ] فما أكثرهم وهم PageV01P354 الأقلون وما أجبرهم وهم الأذلون ~~وما أجهلهم وهم المتعالمون وما أغرهم بالله إذ هم بعظمته جاهلون ويحلفون ~~بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون [ التوبة : 56 ] إن أصاب ~~أهل الكتاب والسنة عافية ونصر وظهور ساءهم ذلك وغمهم وإن أصابهم ابتلاء من ~~الله وامتحان يمحص به ذنوبهم ويكفر به عنهم سيئاتهم أفرحهم ذلك وسرهم وهذا ~~يحقق إرثهم وإرث من عداهم ولا يستوي من موروثه الرسول ومن موروثهم ~~المنافقون إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا : قد أخذنا أمرنا من ~~قبل ويتولوا وهم فرحون قل : لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون [ التوبه : 5051 ] وقال تعالى فى شأن السلفين ~~المختلفين والحق لا يندفع بمكابرة أهل الزيغ والتخليط إن تمسسكم حسنة تسؤهم ~~وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله ~~بما يعملون محيط [ آل عمران : 120 ] كره الله طاعاتهم لخبث قلوبهم وفساد ~~نياتهم فثبطهم عنها وأقعدهم وأبغض قربهم منه وجواره لميلهم إلى أعدائه ~~فطردهم عنه وأبعدهم وأعرضوا عن وحيه فأعرض عنهم وأشقاهم وما أسعدهم وحكم ~~عليهم بحكم عدل لا مطمع لهم في الفلاح بعده إلا أن يكونوا من التائبين فقال ~~تعالى ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل ~~اقعدوا مع القاعدين ثم ذكر حكمته في تثبيطهم وإقعادهم وطردهم عن بابه ~~وإبعادهم وأن ذلك من لطفه بأوليائه وإسعادهم فقال وهو أحكم الحاكمين @QB@ ~~لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم ~~سماعون لهم والله عليم بالظالمين @QE@ # ثقلت عليهم النصوص فكرهوها وأعياهم حملها فألقوها عن أكتافهم ووضعوها ~~وتفلتت منهم السنن أن يحفظوها فأهملوها وصالت عليهم نصوص PageV01P355 ~~الكتاب والسنة فوضعوا لها قوانين ردوها ms0278 بها ودفعوها ولقد هتك الله أستارهم ~~وكشف أسرارهم وضرب لعباده أمثالهم واعلم أنه كلما انقرض منهم طوائف خلفهم ~~أمثالهم فذكر أوصافهم لأوليائه ليكونوا منها على حذر وبينها لهم فقال @QB@ ~~ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم @QE@ # هذا شأن من ثقلت عليه النصوص فرآها حائلة بينه وبين بدعته وهواه فهي في ~~وجهه كالبنيان المرصوص فباعها بمحصل من الكلام الباطل واستبدل منها بالفصوص ~~فأعقبهم ذلك أن أفسد عليهم إعلانهم وإسرارهم @QB@ ذلك بأنهم قالوا للذين ~~كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم فكيف إذا ~~توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ~~وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم @QE@ # أسروا سرائر النفاق فأظهرها الله على صفحات الوجوه منهم وفلتات اللسان ~~ووسمهم لأجلها بسيماء لا يخفون بها على أهل البصائر والإيمان وظنوا أنهم إذ ~~كتموا كفرهم وأظهروا إيمانهم راجوا على الصيارف والنقاد كيف والناقد البصير ~~قد كشفها لكم @QB@ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو ~~نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم ~~أعمالكم @QE@ # فكيف إذا جمعوا ليوم التلاق وتجلى الله جل جلاله للعباد وقد كشف عن ساق ~~ودعوا إلى السجود فلا يستطيعون @QB@ خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا ~~يدعون إلى السجود وهم سالمون @QE@ PageV01P356 أم كيف بهم إذا حشروا إلى ~~جسر جهنم وهو أدق من الشعرة وأحد من الحسام وهو دحض مزلة مظلم لا يقطعه أحد ~~إلا بنور يبصر به مواطيء الأقدام فقسمت بين الناس الأنوار وهم على قدر ~~تفاوتها في المرور والذهاب وأعطوا نورا ظاهرا مع أهل الإسلام كما كانوا ~~بينهم في هذه الدار يأتون بالصلاة والزكاة والحج والصيام فلما توسطوا الجسر ~~عصفت على أنوارهم أهوية النفاق فأطفأت ما بأيديهم من المصابيح فوقفوا حيارى ~~لا يستطيعون المرور فضرب بينهم وبين أهل الإيمان بسور له باب ولكن قد حيل ~~بين القوم وبين المفاتيح باطنه الذي يلي المؤمنين فيه الرحمة وما يليهم من ~~قبلهم العذاب والنقمة ينادون من تقدمهم من وفد الإيمان ومشاعل ms0279 الركب تلوح ~~على بعد كالنجوم تبدو لناظر الإنسان @QB@ انظرونا نقتبس من نوركم @QE@ ~~لنتمكن في هذا المضيق من العبور فقد طفئت أنوارنا ولا جواز اليوم إلا ~~بمصباح من النور @QB@ قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا @QE@ حيث قسمت ~~الأنوار فهيهات الوقوف لأحد في مثل هذا المضمار كيف نلتمس الوقوف في هذا ~~المضيق فهل يلوي اليوم أحد على أحد في هذا الطريق وهل يلتفت اليوم رفيق إلى ~~رفيق فذكروهم باجتماعهم معهم وصحبتهم لهم في هذه الدار كما يذكر الغريب ~~صاحب الوطن بصحبته له في الأسفار @QB@ ألم نكن معكم @QE@ نصوم كما تصومون ~~ونصلي كما تصلون ونقرأ كما تقرؤون ونتصدق كما تصدقون ونحج كما تحجون فما ~~الذي فرق بيننا اليوم حتى انفردتم دوننا بالمرور @QB@ قالوا بلى @QE@ ~~ولكنكم كانت ظواهركم معنا وبواطنكم مع كل ملحد وكل ظلوم كفور @QB@ ولكنكم ~~فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله ~~الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي ~~مولاكم وبئس المصير @QE@ PageV01P357 لا تستطل أوصاف القوم فالمتروك والله ~~أكثر من المذكور كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم لكثرتهم على ظهر الأرض ~~وفي أجواف القبور فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات ~~وتتعطل بهم أسباب المعايش وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات سمع حذيفة رضي ~~الله عنه رجلا يقول اللهم أهلك المنافقين فقال يا ابن أخي لو هلك المنافقون ~~لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك # تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين لعلمهم بدقة وجله ~~وتفاصيله وجمله ساءت ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين ~~قال عمر بن الخطاب لحذيفة رضي الله عنهما يا حذيفة نشدتك بالله هل سماني لك ~~رسول الله منهم قال لا ولا أزكي بعدك أحدا وقال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين ~~من أصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إن إيمانه ~~كإيمان جبريل وميكائيل ذكره البخاري وذكر عن الحسن البصري ما أمنه إلا ~~منافق وما خافه إلا مؤمن ولقد ms0280 ذكر عن بعض الصحابة أنه كان يقول في دعائه ~~اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق قيل وما خشوع النفاق قال أن يرى البدن ~~خاشعا والقلب ليس بخاشع # تالله لقد ملئت قلوب القوم إيمانا ويقينا وخوفهم من النفاق شديد وهمهم ~~لذلك ثقيل وسواهم كثير منهم لا يجاوز إيمانهم حناجرهم وهم يدعون أن إيمانهم ~~كإيمان جبريل وميكائيل # زرع النفاق ينبت على ساقيتين ساقية الكذب وساقية الرياء ومخرجهما من ~~عينين عين ضعف البصيرة وعين ضعف العزيمة فإذا تمت هذه الأركان الأربع ~~استحكم نبات النفاق وبنيانه ولكنه بمدارج السيول على شفا جرف هار فإذا ~~شاهدوا سيل الحقائق يوم تبلى السرائر وكشف المستور وبعثر PageV01P358 ما في ~~القبور وحصل ما في الصدور تبين حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق أن حواصله ~~التي حصلها كانت كالسراب @QB@ يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ~~ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب @QE@ # قلوبهم عن الخيرات لاهية وأجسادهم إليها ساعية والفاحشة في فجاجهم فاشية ~~وإذا سمعوا الحق كانت قلوبهم عن سماعه قاسية وإذا حضروا الباطل وشهدوا ~~الزور انفتحت أبصار قلوبهم وكانت آذانهم واعية # فهذه والله أمارات النفاق فاحذرها أيها الرجل قيل أن تنزل بك القاضية إذا ~~عاهدوا لم يفوا وإن وعدوا أخلفوا وإن قالوا لم ينصفوا وإن دعوا إلى الطاعة ~~وقفوا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدفوا وإذا دعتهم ~~أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من ~~الهوان والخزي والخسران فلا تثق بعهودهم ولا تطمئن إلى وعودهم فإنهم فيها ~~كاذبون وهم لما سواها مخالفون ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ~~ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ~~فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه بما ~~كانوا يكذبون # | فصل وأما الفسوق فهو في كتاب الله نوعان مفرد مطلق ومقرون بالعصيان # والمفرد نوعان أيضا فسوق كفر يخرج عن الإسلام وفسوق لا يخرج عن الإسلام ~~فالمقرون كقوله تعالى ولكن ms0281 الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره ~~إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون # والمفرد الذي هو فسوق كفر كقوله تعالى يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما ~~يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله الآية وقوله عز وجل ولقد أنزلنا ~~إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون PageV01P359 وقوله وأما الذين ~~فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها الآية فهذا ~~كله فسوق كفر # وأما الفسوق الذي لا يخرج عن الإسلام فكقوله تعالى وإن تفعلوا فإنه فسوق ~~بكم الآية وقوله يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ الآية فإن هذه ~~الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط لما بعثه رسول الله إلى بني ~~المصطلق بعد الوقعة مصدقا وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية فلما سمع ~~القوم بمقدمه تلقوه تعظيما لأمر رسول الله فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله ~~فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله فقال إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم ~~وأرادوا قتلى فغضب رسول الله وهم أن يغزوهم فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول ~~الله فقالوا يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما ~~قبلنا من حق الله فبدا له في الرجوع فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب ~~جاء منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله فاتهمهم رسول ~~الله وبعث خالد بن الوليد خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدومه وقال له ~~انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم وإن لم تر ~~ذلك فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكفار ففعل ذلك خالد ووافاهم فسمع منهم ~~أذان صلاتي المغرب والعشاء فأخذ منهم صدقاتهم ولم ير منهم إلا الطاعة ~~والخير فرجع إلى رسول الله وأخبره الخبر فنزل يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم ~~فاسق بنبأ فتبينوا الآية # والنبأ هو الخبر الغائب عن المخبر إذا كان له شأن والتبين طلب بيان حقيقة ~~والإحاطة بها علما # وههنا فائدة لطيفة وهي أنه سبحانه لم ms0282 يأمر برد خبر الفاسق وتكذيبه ~~PageV01P360 ورد شهادته جملة وإنما أمر بالتبين فإن قامت قرائن وأدلة من ~~خارج تدل على صدقه عمل بدليل الصدق ولو أخبر به من أخبر فهكذا ينبغي ~~الإعتماد في رواية الفاسق وشهادته وكثير من الفاسقين يصدقون في أخبارهم ~~ورواياتهم وشهاداتهم بل كثير منهم يتحرى الصدق غاية التحري وفسقه من جهات ~~أخر فمثل هذا لا يرد خبره ولا شهادته ولو ردت شهادة مثل هذا وروايته لتعطلت ~~أكثر الحقوق وبطل كثير من الأخبار الصحيحة ولا سيما من فسقه من جهة ~~الإعتقاد والرأي وهو متحر للصدق فهذا لا يرد خبره ولا شهادته # وأما من فسقه من جهة الكذب فإن كثر منه وتكرر بحيث يغلب كذبه على صدقه ~~فهذا لا يقبل خبره ولا شهادته وإن ندر منه مرة ومرتين ففي رد شهادته وخبره ~~بذلك قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله # والمقصود ذكر الفسوق الذي لا يخرج إلى الكفر # والفسوق الذي تجب التوبة منه أعم من الفسوق الذي ترد به الرواية والشهادة ~~وكلامنا الآن فيما تجب التوبة منه وهو قسمان فسق من جهة العمل وفسق من جهة ~~الإعتقاد # ففسق العمل نوعان مقرون بالعصيان ومفرد # فالمقرون بالعصيان هو ارتكاب ما نهى الله عنه والعصيان هو عصيان أمره كما ~~قال الله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم وقال موسى لأخيه هرون عليهما السلام ~~ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني أفعصيت أمري وقال الشاعر # أمرتك أمرا جازما فعصيتني % فأصبحت مسلوب الإمارة نادما # فالفسق أخص بارتكاب النهى ولهذا يطلق عليه كثيرا كقوله تعالى وإن تفعلوا ~~فإنه فسوق بكم والمعصية أخص بمخالفة الأمر كما تقدم ويطلق كل منهما على ~~صاحبه كقوله تعالى إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه PageV01P361 فسمى ~~مخالفته للأمر فسقا وقال وعصى آدم ربه فغوى فسمى ارتكابه للنهي معصية فهذا ~~عند الإفراد فإذا اقترنا كان أحدهما لمخالفة الأمر والآخر لمخالفة النهي # والتقوى اتقاء مجموع الأمرين وبتحقيقها تصح التوبة من الفسوق والعصيان ~~بأن يعمل العبد بطاعة الله على نور ms0283 من الله يرجو ثواب الله ويترك معصية ~~الله على نور من الله يخاف عقاب الله # وفسق الإعتقاد كفسق أهل البدع الذين يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر ~~ويحرمون ما حرم الله ويوجبون ما أوجب الله ولكن ينفون كثيرا مما أثبت الله ~~ورسوله جهلا وتأويلا وتقليدا للشيوخ ويثبتون ما لم يثبته الله ورسوله كذلك # وهؤلاء كالخوارج المارقة وكثير من الروافض والقدرية والمعتزلة وكثير من ~~الجهمية الذين ليسوا غلاة في التجهم # وأما غالية الجهمية فكغلاة الرافضة ليس للطائفتين في الإسلام نصيب ~~PageV01P362 # ولذلك أخرجهم جماعة من السلف من الثنتين والسبعين فرقة وقالوا هم مباينون ~~للملة # وليس مقصودنا الكلام في أحكام هؤلاء وإنما المقصود تحقيق التوبة من هذه ~~الأجناس العشرة # فالتوبة من هذا الفسوق بإثبات ما أثبته الله لنفسه ورسوله من غير تشبيه ~~ولا تمثيل وتنزيهه عما نزه نفسه عنه ونزهه عنه رسوله من غير تحريف ولا ~~تعطيل وتلقى النفي والإثبات من مشكاة الواحي لا من آراء الرجال ونتائج ~~أفكارهم التي هي منشأ البدعة والضلالة # فتوبة هؤلاء الفساق من جهة الإعتقادات الفاسدة بمحض اتباع السنة ولا ~~يكتفى منهم بذلك أيضا حتى يبينوا فساد ما كانوا عليه من البدعة إذ التوبة ~~من ذنب هي بفعل ضده ولهذا شرط الله تعالى في توبة الكاتمين ما أنزل الله من ~~البينات والهدى البيان لأن ذنبهم لما كان بالكتمان كانت توبتهم منه بالبيان ~~قال الله تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما ~~بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم وذنب المبتدع فوق ذنب ~~الكاتم لأن ذاك كتم الحق وهذا كتمه ودعا إلى خلافه فكل مبتدع كاتم ولا ~~ينعكس # وشرط في توبة المنافق الإخلاص لأن ذنبه بالرياء فقال تعالى إن المنافقين ~~في الدرك الأسفل من النار @QB@ ثم قال @QE@ إلا الذين تابوا وأصلحوا ~~واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتي الله ~~المؤمنين أجرا عليما ولذلك كان الصحيح من القولين أن توبة ms0284 القاذف إكذابه ~~نفسه لأنه ضد الذنب الذي ارتكبه وهتك به عريض المسلم المحصن PageV01P363 ~~فلا تحصل التوبة منه إلا بإكذابه نفسه لينتفي عن المقذوف العار الذي ألحقه ~~به بالقذف وهو مقصود التوبة # وأما من قال إن توبته أن يقول أستغفر الله من القذف ويعترف بتحريمه فقول ~~ضعيف لأن هذا لا مصلحة فيه للمقذوف ولا يحصل له به براءة عرضه مما قذفه به ~~فلا يحصل به مقصود التوبة من هذا الذنب فإن فيه حقين حقا لله وهو تحريم ~~القذف فتوبته منه باستغفاره واعترافه بتحريم القذف وندمه عليه وعزمه على أن ~~لا يعود وحقا للعبد وهو إلحاق العار به فتوبته منه بتكذيبه نفسه فالتوبة من ~~هذا الذنب بمجموع الأمرين # فإن قيل إذا كان صادقا قد عاين الزنا فأخبره به فكيف يسوغ له تكذيب نفسه ~~وقذفها بالكذب ويكون ذلك من تمام توبته # قيل هذا هو الإشكال الذي قال صاحب هذا القول لأجله ما قال إن توبته ~~الإعتراف بتحريم القذف والإستغفار منه وهو موضع يحتاج فيه إلى بيان الكذب ~~الذي حكم الله به على القاذف وأخبر أنه كاذب عنده ولو كان خبره مطابقا ~~للواقع فنقول # الكذب يراد به أمران أحدهما الخبر غير المطابق لمخبره وهو نوعان كذب عمد ~~وكذب خطأ فكذب العمد معروف وكذب الخطأ ككذب أبي السنابل بن بعكك في فتواه ~~للمتوفى عنها إذا وضعت حملها أنها لا تحل حتى تتم لها أربعة أشهر وعشرا ~~فقال النبي كذب أبو السنابل ومنه قوله كذب من قالها لمن قال حبط عمل عامر ~~حيث قتل نفسه خطأ ومنه قول عبادة بن الصامت كذب أبو محمد حيث قال الوتر ~~واجب فهذا كله من كذب الخطأ ومعناه أخطأ قائل ذلك # والثاني من أقسام الكذب الخبر الذي لا يجوز الإخبار به وإن كان ~~PageV01P364 خبره مطابقا لمخبره كخبر القاذف المنفرد برؤية الزنا والإخبار ~~به فإنه كاذب في حكم الله وإن كان خبره مطابقا لمخبره ولهذا قال تعالى فإذ ~~لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون فحكم الله في مثل هذا ms0285 أن ~~يعاقب عقوبة المفترى الكاذب وإن كان خبره مطابقا وعلى هذا فلا تتحقق توبته ~~حتى يعترف بأنه كاذب عند الله كما أخبر الله تعالى به عنه فإذا لم يعترف ~~بأنه كاذب وجعله الله كاذبا فأي توبة له وهل هذا إلا محض الإصرار والمجاهرة ~~بمخالفة حكم الله الذي حكم به عليه # | فصل واختلف في توبة السارق إذا قطعت يده هل من شرطها ضمان العين # المسروقة لربها # وأجمعوا على أن من شرط صحة توبته أداؤها إليه إذا كانت موجودة بعينها ~~وإنما اختلفوا إذا كانت تالفة فقال الشافعي وأحمد من تمام توبته ضمانها ~~لمالكها ويلزمه ذلك موسرا كان أو معسرا وقال أبو حنيفة إذا قطعت يده وقد ~~استهلكت العين لم يلزمه ضمانها ولا تتوقف صحة توبته على الضمان لأن قطع ~~اليد هو مجموع الجزاء والتضمين عقوبة زائدة عليه لا تشرع # قال وهذا بخلاف ما إذا كانت العين قائمة فإن صاحبها قد وجد عين ماله فلم ~~يكن أخذها عقوبة ثانية بخلاف التضمين فإنه غرامة وقد قطع طرفه فلا نجمع ~~عليه غرامة الطرف وغرامة المال # قالوا ولهذا لم يذكر الله في عقوبة السارق والمحارب غير إقامة الحد ~~عليهما ولو كان الضمان لما أتلفوه واجبا لذكره مع الحد ولما جعل مجموع جزاء ~~المحاربين ما ذكره من العقوبة بأداة إنما التي هي عندكم للحصر فقال إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا الآية ومدلول هذا ~~الكلام عند من يجعل أداة إنما للحصر أنه لا جزاء لهم غير ذلك PageV01P365 # قالوا وقد روى النسائي في سننه عن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه عن ~~النبي أنه قضى في السارق إذا أقيم عليه الحد أنه لا غرم عليه # قالوا وهذا هو المستقر في فطر الناس وعليه عملهم أنهم يقعطون السراق ولا ~~يغرمونهم ما أتلفوه من أموال الناس وما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن # قالوا ولأنها لو ثبتت في ذمته بعد القطع لكان قد ملكها إذ لا يجتمع لربها ~~البدل والمبدل وثبوت بدلها في ذمته يستلزم ms0286 تقدير ملكها وهو شبهة في إسقاط ~~القطع # وأصحاب القول الأول يقولون هذه العين تعلق بها حقان حق لله وحق لمالكها ~~وهما حقان متغايران لمستحقين متباينين فلا يبطل أحدهما الآخر بل يستوفيان ~~معا لأن القطع حق لله والضمان حق للمالك ولهذا لا يسقط القطع بإسقاطه بعد ~~الرفع إلى الإمام ولو أسقط الضمان سقط # وهذا كما إذا أكره أمة غيره على الزنا لزمه الحد لحق الله والمهر لحق ~~السيد وكذلك إذا أكره الحرة على الزنا أيضا بل لو زنا بأمة ثم قتلها لزمه ~~حد الزنا وقيمتها لمالكها وهو نظير ما إذا سرقها ثم قتلها قطعت يده لسرقتها ~~وضمنها لمالكها # قالوا وكذلك إذا قتل في الإحرام صيدا مملوكا لمالكه فعليه الجزاء لحق ~~الله وقيمة الصيد لمالكه وكذلك إذا غصب خمر ذمي وشربها لزمه الحد حقا لله ~~ولزمه عندكم ضمانها للذمي ولم يلزمه ضمان عند الجمهور لأنها ليست بمال فلا ~~تضمن بالإتلاف كالميتة # قالوا وأما قولكم إن قطع اليد مجموع الجزاء إن أردتم أنه مجموع العقوبة ~~فصحيح فإنه لم يبق عليه عقوبة ثانية ولكن الضمان ليس بعقوبة للسرقة ولهذا ~~يجب في حق غير الجاني كمن أتلف مال غيره خطأ أو إكراها PageV01P366 أو في ~~حال نومه أو أتلفه إتلافا مأذونا له فيه كالمضطر إلى أكله أو المضطر إلى ~~إلقائه في البحر لإنجاء السفينة ونحو ذلك فليس الضمان من العقوبة في شيء # وأما قولكم إن الله لم يذكر في القرآن تضمين السارق والمحارب فهو لم ينفه ~~أيضا وإنما سكت عنه فحكمه مأخوذ من قواعد الشرع ونصوصه كقوله فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وهذا قد اعتدى بالإتلاف فيعتدى ~~عليه بالتضمين ولهذا أوجبنا رد العين إذا كانت قائمة ولم يذكر في القرآن ~~وليس هذا من باب الزيادة على النص بل من باب إعمال النصوص كلها لا يعطل ~~بعضها ويعمل ببعضها وكذلك الجواب عن قوله تعالى في المحاربين إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله أي عقوبتهم # قالوا وأما حديث عبدالرحمن بن عوف فمنقطع لا يثبت ms0287 يرويه سعد بن إبراهيم ~~عن منصور وقد طعن في الحديث ابن المنذر فقال سعد بن إبراهيم مجهول وقال ابن ~~عبدالبر الحديث ليس بالقوي # وأما استقرار ذلك في فطر الناس فمن قال إنه مستقر في فطرهم أن الغني ~~الواجد إذا سرق مال فقير محتاج أو يتيم وأتلفه وقطعت يده أنه لا يضمن مال ~~هذا الفقير واليتيم مع تمكنه من الضمان وقدرته عليه وضرورة صاحبه وضعفه وهل ~~المستقر في فطر الناس إلا عكس هذا # وأما قولكم لو ثبت في ذمته بعد القطع لكان قد ملكها فضعيف جدا لأنها ~~بالإتلاف قد استقرت في ذمته ولهذا له المطالبة ببذلها اتفاقا وهذا ~~الإستقرار في ذمته لا يمنع القطع فإنه يقطع بعد إتلافها واستقرارها في ذمته ~~فكيف يزيل القطع ما ثبت في ذمته ويكون مبرئا له منه # وتوسط فقهاء المدينة مالك وغيره بين القولين فقالوا إن كان له مال ضمنها ~~بعد القطع وإن لم يكن له مال فلا ضمان عليه PageV01P367 وهذا استحسان حسن ~~جدا وما أقر به من محاسن الشرع وأولاه بالقبول والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل وأما الإثم والعدوان فهما قرينان قال الله تعالى وتعاونوا على # البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان وكل منهما إذا أفرد تضمن ~~الآخر فكل إثم عدوان إذ هو فعل ما نهى الله عنه أو ترك ما أمر الله به فهو ~~عدوان على أمره ونهيه وكل عدوان إثم فإنه يأثم به صاحبه ولكن عند اقترانهما ~~فهما شيئان بحسب متعلقهما ووصفهما # فالإثم ما كان محرم الجنس كالكذب والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك والعدوان ما ~~كان محرم القدر والزيادة # فالعدوان تعدى ما أبيح منه إلى القدر المحرم والزيادة كالإعتداء في أخذ ~~الحق ممن هو عليه إما بأن يتعدى على ماله أو بدنه أو عرضه فإذا غصبه خشبة ~~لم يرض عوضها إلا داره وإذا أتلف عليه شيئا أتلف عليه أضعافه وإذا قال فيه ~~كلمة قال فيه أضعافها فهذا كله عدوان وتعد للعدل # وهذا العدوان نوعان عدوان في حق الله وعدوان في حق العبد ms0288 وعدوان في حق ~~العبد فالعدوان في حق الله كما إذا تعدى ما أباح الله له من الوطء الحلال ~~في الأزواج والمملوكات إلى ما حرم عليه من سواهما كما قال تعالى والذين هم ~~لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون وكذلك تعدى ما أبيح له من زوجته وأمته ~~إلى ما حرم عليه منها كوطئها في حيضها أو نفاسها أو في غير موضع الحرث أو ~~في إحرام أحدهما أو صيامه الواجب ونحو ذلك # وكذلك كل من أبيح له منه قدر معين فتعداه إلى أكثر منه فهو من العدوان ~~كمن أبيح له إساغة الغصة بجرعة من خمر فتناول الكأس كلها PageV01P368 أو ~~أبيح له نظرة الخطبة والسوم والشهادة والمعاملة والمداواة فأطلق عنان طرفه ~~في ميادين محاسن المنظور وأسام طرف ناظره في تلك الرياض والزهور فتعدى ~~المباح إلى القدر المحظور وحام حول الحمى المحوط المحجور فصار ذا بصر حائر ~~وقلب عن مكانه طائر أرسل طرفه رائدا يأتيه بالخبر فخامر عليه وأقام في تلك ~~الخيام فبعث القلب في آثاره فلم يشعر إلا وهو أسير يحجل في قيوده بين تلك ~~الخيام فما أقلعت لحظات ناظره حتى تشحط بينهن قتيلا وما برحت تنوشه سيوف ~~تلك الجفون حتى جندلته تجديلا هذا خطر العدوان وما أمامه أعظم وأخطر وهذا ~~فوت الحرمان وما حرمه من فوات ثواب من غض طرفه لله عز وجل أجل وأكبر سافر ~~الطرف في مفاوز محاسن المنظور إليه فلم يربح إلا أذى السفر وغرر بنفسه في ~~ركوب تلك البيداء وما عرف أن راكبها على أعظم الخطر يا لها من سفرة لم يبلغ ~~المسافر منها ما نواه ولم يضع فيها عن عاتقه عصاه حتى قطع عليه فيها الطريق ~~وقعد له فيها الرصد على كل نقب ومضيق لا يستطيع الرجوع إلى وطنه والإياب ~~ولا له سبيل إلى المرور والذهاب يرى هجير الهاجرة من بعيد فيظنه برد الشراب ~~حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه ms0289 حسابه والله سريع الحساب ~~وتيقن أنه كان مغرورا بلامع السراب تالله ما استوت هذه الذلة وتلك اللذة في ~~القيمة فيشتريها بها العارف الخبير ولا تقاربا في المنفعة فيتحير بينهما ~~البصير ولكن على العيون غشاوة فلا تفرق بين مواطن السلامة ومواضع العثور ~~والقلوب تحت أغطية الغفلات راقدة فوق فرش الغرور فإنها لا تعمى الأبصار ~~ولكن تعمى القلوب التي في الصدور # ومن أمثلة العدوان تجاوز ما أبيح من الميتة للضرورة إلى ما لم يبح منها ~~إما بأن يشبع وإنما أبيح له سد الرمق على أحد القولين في مذهب أحمد ~~والشافعي وأبي حنيفة PageV01P369 وأباح مالك له الشبع والتزود إذا احتاج ~~إليه فإذا استغنى عنها وأكلها واقيا لماله وبخلا عن شراء المذكى ونحوه كان ~~تناولها عدوانا قال تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله ~~غفور رحيم قال قتادة والحسن لا يأكلها من غير اضطرار ولا يعدو شبعه وقيل ~~غير باغ غير طالبها وهو يجد غيرها ولا عاد أي لا يتعدى ما حد له منها فيأكل ~~حتى يشبع ولكن سد الرمق وقال مقاتل غير مستحل لها ولا متزود منها # وقيل لا يبغى بتجاوز الحد الذي حد له منها ولا يتعدى بتقصيره عن تناوله ~~حتى يهلك فيكون قد تعدى حد الله بمجاوزته أو التقصير عنه فهذا آثم وهذا آثم ~~وقال مسروق من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل ولم يشرب حتى ~~مات دخل النار وهذا أصح القولين في الآية وقال ابن عباس وأصحابه والشافعي ~~غير باغ على السلطان ولا عاد في سفره فلا يكون سفر معصية وبنوا على ذلك أن ~~العاصي بسفره لا يترخص # والقول الأول أصلح لعشرة أوجه ليس هذا موضع ذكرها إذ الآية لا تعرض فيها ~~للسفر بنفي ولا إثبات ولا للخروج على الإمام ولا هي مختصة بذلك ولا سيقت له ~~وهي عامة في حق المقيم والمسافر والبغي والعدوان فيها يرجعان إلى الأكل ~~المقصود بالنهي لا إلى أمر خارج عنه لا تعلق له بالأكل ولأن نظير هذا ms0290 قوله ~~تعالى في الآية الأخرى فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فهذا هو الباغي ~~العادي والمتجانف للإثم المائل إلى القدر الحرام من أكلها وهذا هو الشرط ~~الذي لا يباح له بدونه ولأنها إنما أبيحت للضرورة فتقدرت الإباحة بقدرها ~~وأعلمهم أن الزيادة عليها بغي وعدوان وإثم فلا تكون الإباحة للضرورة سببا ~~لحله والله أعلم # والإثم والعدوان هما الإثم والبغي المذكوران في سورة الأعراف مع أن البغي ~~غالب استعماله في حقوق العباد والإستطالة عليهم PageV01P370 وعلى هذا فإذا ~~قرن البغي بالعدوان كان البغي ظلمهم بمحرم الجنس كالسرقة والكذب والبهت ~~والإبتداء بالأذى والعدوان تعدى الحق في استيفائه إلى أكبر منه فيكون البغي ~~والعدوان في حقهم كالإثم والعدوان في حقهم كالإثم والعدوان في حدود الله # فههنا أربعة أمور حق لله وله حد وحق لعباده وله حد فالبغي والعدوان ~~والظلم تجاوز الحدين إلى ما رواءهما أو التقصير عنهما فلا يصل إليهما # | فصل وأما الفحشاء والمنكر فالفحشاء صفة لموصوف قد حذف تجريدا لقصد # الصفة وهي الفعلة الفحشاء والخصلة الفحشاء وهي ما ظهر قبحها لكل أحد ~~واستفحشه كل ذي عقل سليم ولهذا فسرت بالزنا واللواط وسماها الله فاحشة ~~لتناهي قبحهما وكذلك القبيح من القول يسمى فحشا وهو ما ظهر قبحه جدا من ~~السب القبيح والقذف ونحوه # وأما المنكر فصفة لموصوف محذوف أيضا أي الفعل المنكر وهو الذي تستنكره ~~العقول والفطر ونسبته إليها كنسبة الرائحة القبيحة إلى حاسة الشم والمنظر ~~القبيح إلى العين والطعم المستكره إلى الذوق والصوت المستنكر إلى الأذن فما ~~اشتد إنكار العقول والفطر له فهو فاحشة كما فحش إنكار الحواس له من هذه ~~المدركات # فالمنكر لها ما لم تعرفه ولم تألفه والقبيح المستكره لها الذي تشتد ~~نفرتها عنه هو الفاحشة ولذلك قال ابن عباس الفاحشة الزنا والمنكر ما لم ~~يعرف في شريعة ولا سنة # فتأمل تفريقه بين ما لم يعرف حسنه ولم يؤلف وبين ما استقر قبحه في الفطر ~~والعقول PageV01P371 # وأما القول على الله بلا علم فهو أشد هذه المحرمات تحريما وأعظمها إثما ~~ولهذا ذكر ms0291 في المرتبة الرابعة من المحرمات التي اتفقت عليها الشرائع ~~والأديان ولا تباح بحال بل لا تكون إلا محرمة وليست كالميتة والدم ولحم ~~الخنزير الذي يباح في حال دون حال # فإن المحرمات نوعان محرم لذاته لا يباح بحال ومحرم تحريما عارضا في وقت ~~دون وقت قال الله تعالى في المحرم لذاته قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال والإثم والبغي بغير ~~الحق ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثما فإنه يتضمن الكذب على الله ~~ونسبته إلى ما لا يليق به وتغيير دينه وتبديله ونفي ما أثبته وإثبات ما ~~نفاه وتحقيق ما أبطله وإبطال ما حققه وعداوة من والاه وموالاة من عاداه وحب ~~ما أبغضه وبغض ما أحبه ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله ~~وأفعاله # فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه ولا أشد إثما وهو أصل الشرك ~~والكفر ووعليه أسست البدع والضلالات فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول ~~على الله بلا علم # ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض وحذروا ~~فتنتهم أشد التحذير وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش ~~والظلم والعدوان إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد وقد أنكر ~~تعالى على من نسب إلى دينه تحليل شيء أو تحريمه من عنده بلا برهان من الله ~~فقال ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على ~~الله الكذب @QB@ الآية @QE@ PageV01P372 فكيف بمن نسب إلى أوصافه سبحانه ~~وتعالى ما لم يصف به نفسه أو نفى عنه منها ما وصف به نفسه # قال بعض السلف ليحذر أحدكم أن يقول أحل الله كذا وحرم الله كذا فيقول ~~الله كذبت لم أحل هذا ولم أحرم هذا # يعني التحليل والتحريم بالرأي المجرد بلا برهان من الله ورسوله # وأصل الشرك والكفر هو القول ms0292 على الله بلا علم فإن المشرك يزعم أن من ~~اتخذه معبودا من دون الله يقر به إلى الله ويشفع له عنده ويقضى حاجته ~~بواسطته كما تكون الوسائط عند الملوك فكل مشرك قائل على الله بلا علم دون ~~العكس إذ القول على الله بلا علم قد يتضمن التعطيل والإبتداع في دين الله ~~فهو أعم من الشرك والشرك فرد من أفراده # ولهذا كان الكذب على رسول الله موجبا لدخول النار PageV01P373 واتخاذ ~~منزلة منها مبوءا وهو المنزل اللازم لا يفارقه صاحبه لأنه متضمن للقول على ~~الله بلا علم كصريح الكذب عليه لأن ما انضاف إلى الرسول فهو مضاف إلى ~~المرسل والقول على الله بلا علم صريح افتراء الكذب عليه ومن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا # فذنوب أهل البدع كلها داخلة تحت هذا الجنس فلا تتحقق التوبة منه إلا ~~بالتوبة من البدع # وأتى بالتوبة منها لمن لم يعلم أنها بدعة أو يظنها سنة فهو يدعو إليها ~~ويحض عليها فلا تنكشف لهذا ذنوبه التي تجب عليه التوبة منها إلا بتضلعه من ~~السنة وكثرة اطلاعه عليها ودوام البحث عنها والتفتيش عليها ولا ترى صاحب ~~بدعة كذلك أبدا # فإن السنة بالذات تمحق البدعة ولا تقوم لها وإذا طلعت شمسها في قلب العبد ~~قطعت من قلبه ضباب كل بدعة وأزالت ظلمة كل ضلالة إذ لا سلطان للظلمة مع ~~سلطان الشمس ولا يرى العبد الفرق بين السنة والبدعة ويعينه على الخروج من ~~ظلمتها إلى نور السنة إلا المتابعة والهجرة بقلبه كل وقت إلى الله ~~بالإستعانة والإخلاص وصدق اللجإ إلى الله والهجرة إلى رسوله بالحرص على ~~الوصول إلى أقواله وأعماله وهديه وسنته فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ~~فهجرته إلى الله ورسوله ومن هاجر إلى غير ذلك فهو حظه ونصيبه في الدنيا ~~والآخرة والله المستعان # | فصل ومن أحكام التوبة # أن من تعذر عليه أداء الحق الذي فرط فيه ولم يمكنه تداركه ثم تاب فكيف ~~حكم توبته وهذا يتصور في حق الله سبحانه وحقوق عباده PageV01P374 # فأما في حق الله فكمن ms0293 ترك الصلاة عمدا من غير عذر مع علمه بوجوبها وفرضها ~~ثم تاب وندم فاختلف السلف في هذه المسألة # فقالت طائفة توبته بالندم والإشتغال بأداء الفرائض المستأنفة وقضاء ~~الفرائض المتروكة وهذا قول الأئمة الأربعة وغيرهم # وقالت طائفة توبته باستئناف العمل في المستقبل ولا ينفعه تدارك ما مضى ~~بالقضاء ولا يقبل منه فلا يجب عليه وهذا قول أهل الظاهر وهو مروى عن جماعة ~~من السلف # وحجة الموجبين للقضاء قول النبي من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها # قالوا فإذا وجب القضاء على النائم والناسي مع عدم تفريطهما فوجوبه على ~~العامد والمفرط أولى # قالوا ولأنه كان يجب عليه أمران الصلاة وإيقاعها في وقتها فإذا ترك أحد ~~الأمرين بقي الآخر # قالوا ولأن القضاء إن قلنا يجب عليه بالأمر الأول فظاهر وإن قلنا يجب ~~عليه بأمر جديد فأمر النائم والناسي به تنبيه على العامد كما تقدم # قالوا ولأن مصلحة الفعل إن لم يمكن العبد تداركها تدارك منها ما أمكن # وقد فاتت مصلحة الفعل في الوقت فيتدارك ما أمكن منها وهو الفعل في خارج ~~الوقت # قالوا وقد قال النبي إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم وهذا قد ~~استطاع الإتيان بالمأمور خارج الوقت وقد تعذر عليه الإتيان به في وقته فيجب ~~عليه الإتيان بالمستطاع PageV01P375 # قالوا وكيف يظن بالشرع أنه يخفف عن هذا المتعمد المفرط العاصي لله ورسوله ~~بترك الوجوب ويوجبه على المعذور بالنوم أو النسيان # قالوا ولأن الصلاة خارج الوقت بدل عن الصلاة في الوقت والعبادة إذا كان ~~لها بدل وتعذر المبدل انتقل المكلف إلى البدل كالتيمم مع الوضوء وصلاة ~~القاعد عند تعذر القيام والمضطجع عند تعذر القعود وإطعام العاجز عن الصيام ~~لكبر أو مرض غير مرجو البرء عن كل يوم مسكينا ونظائر ذلك كثيرة في الشرع # قالوا ولأن الصلاة حق مؤقت فتأخيره عن وقته لا يسقط إلا بمبادرته خارج ~~الوقت كديون الآدميين المؤجلة # قالوا ولأن غايته أنه أثم بالتأخير وهذا لا يسقط القضاء كمن أخر الزكاة ~~عن وقت وجوبها تأخيرا أثم به أو ms0294 أخر الحج تأخيرا ثم به # قالوا ولو ترك الجمعة حتى صلاها الإمام عمدا عصى بتأخيرها ولزمه أن يصلى ~~الظهر ونسبة الظهر إلى الجمعة كنسبة صلاة الصبح بعد طلوع الشمس إلى صلاتها ~~قبل الطلوع # قالوا وقد أخر النبي صلاة العصر يوم الأحزاب إلى أن صلاها بعد غروب الشمس ~~فدل على أن فعلها ممكن خارج الوقت في العمد سواء كان معذورا به كهذا ~~التأخير وكتأخير من أخرها من الصحابة يوم بنى قريظة إلى بعد غروب الشمس أو ~~لم يكن معذورا به كتأخير المفرط فتأخيرهما إنما تختلف في الإثم وعدمه لا في ~~وجوب التدارك بعد الترك # قالوا ولو كانت الصلاة خارج الوقت لا تصح ولا تجب لما أمر النبي الصحابة ~~يوم بني قريظة بتأخير صلاة العصر إلى أن يصلوها فيهم فأخرها بعضهم حتى ~~صلاها فيهم بالليل فلم يعنفهم ولم يعنف من صلاها في الطريق لاجتهاد ~~الفريقين PageV01P376 # قالوا ولأن كل تائب له طريق إلى التوبة فكيف تسد عن هذا طريق التوبة ~~ويجعل إثم التضييع لازما له وطائرا في عنقه فهذا لا يليق بقواعد الشرع ~~وحكمته ورحمته ومراعاته لمصالح العباد في المعاش والمعاد # فهذا أقصى ما يحتج به لهذه المقالة # قال أصحاب القول الآخر العبادة إذا أمر بها على صفة معينة أو في وقت ~~بعينه لم يكن المأمور ممتثلا للأمر إلا إذا أوقعها على الوجه المأمور به من ~~وصفها ووقتها وشرطها فلا يتناولها الأمر بدونه # قالوا وإخراجها عن وقتها كإخراجها عن استقبال القبلة مثلا وكالسجود على ~~الخد بدل الجبهة والبروك على الركبة بدل الركوع ونحوه # قالوا والعبادات التي جعل لها ظرف من الزمان لا تصح إلا فيه كالعبادات ~~التي جعل لها ظرف من المكان فلو أراد نقلها إلى أمكنة أخرى غيرها لم تصح ~~إلا في أمكنتها ولا يقوم مكان مقام مكان آخر كأمكنة المناسك من عرفة ~~ومزدلفة والجمار والسعي بين الصفا والمروة والطواف بالبيت فنقل العبادة إلى ~~أزمنة غير أزمنتها التي جعلت أوقاتا لها شرعا إلى غيرها كنقلها عن أمكنتها ~~التي جعلت لها شرعا إلى ms0295 غيرها لا فرق بينهما في الإعتداد وعدمه كما لا فرق ~~بينهما في الإثم # قالوا فنقل الصلاة المحدودة الوقت أولا وآخرا عن زمنها إلى زمن آخر كنقل ~~الوقوف بعرفة عن زمنه إلى مزدلفة ونقل أشهر الحج عن زمنها إلى زمن آخر # قالوا فأي فرق بين من نقل صوم رمضان إلى شوال أو صلى العصر نصف الليل ~~وبين من حج في المحرم ووقف فيه فكيف تصح صلاة هذا وصيامه دون حج هذا ~~وكلاهما مخالف لأمر الله تعالى عاص آثم # قالوا فحقوق الله المؤقتة لا يقبلها الله في غير أوقاتها فكما لا تقبل ~~قبل PageV01P377 دخول أوقاتها لا تقبل بعد خروج أوقاتها فلو قال أنا أصوم ~~شوال عن رمضان كان كما لو قال أنا أصوم شعبان الذي قبله عنه # قالوا فإن الحق الليلي لا يقبل بالنهار والنهاري لا يقبل بالليل ولهذا ~~جاء في وصية الصديق لعمر رضي الله عنهما التي تلقاها بالقبول هو وسائر ~~الصحابة واعلم أن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار وحقا بالنهار لا يقبله ~~بالليل # قالوا ولأنها إذا فات وقتها المحدود لها شرعا لم تبق تلك العبادة بعينها ~~ولكن شيء آخر غيرها فإذا فعلت العصر بعد غروب الشمس لم تكن عصرا فإن العصر ~~صلاة هذا الوقت المحدود وهذه ليست عصرا فلم يفعل مصليها العصر ألبتة وإنما ~~أتى بأربع ركعات صورتها صورة صلاة العصر لا أنها هي # قالوا وقد ثبت عن النبي أنه قال من ترك صلاة العصر حبط عمله وفي لفظ الذي ~~تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله فلو كان له سبيل إلى التدارك ~~وفعلها صحيحة لم يحبط عمله ولم يوتر أهله وماله مع صحتها منه وقبولها لأن ~~معصية التأخير عندكم لا تحقق الترك والفوات لاستدراكه بالفعل في الوقت ~~الثاني # قالوا وهذه الصلاة مردودة بنص الشارع فلا يسوغ أن يقال بقبولها وصحتها مع ~~تصريحه بردها وإلغائها كما ثبت في الصحيح عنه من حديث عائشة رضي الله عنها ~~قالت قال رسول الله من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وفي ms0296 لفظ كل عمل ليس ~~عليه أمرنا فهو رد وهذا عمل على خلاف أمره فيكون ردا والرد بمعنى المردود ~~كالخلق بمعنى المخلوق والضرب بمعنى المضروب # وإذا ثبت أن هذه الصلاة مردودة فليست بصحيحة ولا مقبولة # قالوا ولأن الوقت شرط في سقوط الإثم وامتثال الأمر فكان شرطا في براءة ~~PageV01P378 الذمة والصحة كسائر شروطها من الطهارة والإستقبال وستر العورة ~~فالأمر تناول الشروط تناولا واحدا فكيف ساغ التفريق بينها مع استوائها في ~~الوجوب والأمر والشرطية # قالوا وليس مع المصححين لها بعد الوقت لا نص ولا إجماع ولا قياس صحيح ~~وسنبطل جميع أقيستهم التي قاسوا عليها ونبين فسادها # قالوا وفي مسند الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي أنه قال من أفطر يوما من رمضان لغير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر فكيف ~~يقال يقضيه عنه يوم مثله # قالوا ولأن صحة العبادة إن فسرت بموافقة الأمر فلا ريب أن هذه العبادة ~~غير موافقة له فلا تكون صحيحة وإن فسرت بسقوط القضاء فإنما يسقط القضاء ما ~~وقع على الوجه المأمور به وهذا لم يقع كذلك ولا سبيل إلى وقوعه على الوجه ~~المأمور به فلا سبيل إلى صحته وإن فسرت بما أبرأ الذمة فهذه لم تبريء الذمة ~~من الإثم قطعا ولم يثبت بدليل يجب المصير إليه إبراؤها للذمة من توجه ~~المطالبة بالمأمور # قالوا ولأن الصحيح من العبادات ما اعتبره الشارع ورضيه وقبله وهذا لا ~~يعلم إلا بإخباره عن صحتها أو بموافقتها أمره وكلاهما منتف عن هذه العبادة ~~فكيف يحكم لها بالصحة # قالوا فالصحة والفساد حكمان شرعيان مرجعهما إلى الشارع فالصحيح ما شهد له ~~بالصحة أو علم أنه وافق أمره أو كان مماثلا لما شهد له بالصحة فيكون حكم ~~المثل مثله وهذه العبادة قد انتفى عنها كل واحد من هذه الأمور # ومن أفسد الإعتبار اعتبارها بالتأخير المعذور به أو المأذون فيه وهو ~~اعتبار PageV01P379 الشيء بضده وقياسه على مخالفه في الحقيقة والشرع وهو من ~~أفسد القياس كما سيأتي # قالوا وأما استدلالكم بقول النبي من ms0297 نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها فأوجب القضاء على المعذور فالمفرط أولى فهذه الحجة إلى أن تكون عليكم ~~أقرب منها أن تكون لكم فإن صاحب الشرع شرط في فعلها بعد الوقت أن يكون ~~الترك عن نوم أو نسيان والمعلق على الشرط يعدم عند عدمه فلم يبق معكم إلا ~~مجرد قياس المفرط العاصي المستحق للعقوبة على عذره الله ولم ينسب إلى تفريط ~~ولا معصية كما ثبت عنه في الصحيح ليس في النوم تفريط إنما التفريط في ~~اليقظة أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت التي بعدها وأي قياس في الدنيا أفسد من ~~هذا القياس وأبطل # قالوا وأيضا فهذا لم يؤخر الصلاة عن وقتها بل وقتها المأمور به لمثله حين ~~استيقظ وذكر كما قال النبي من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ~~ذلك وقتها فإن الله يقول أقم الصلاة لذكري وهذه اللام عند كثير من النحاة ~~اللام الوقتية أي عند ذكري أو في وقت ذكري # قالوا والنبي ما صلى الصبح يوم الوادي بعد طلوع الشمس إلا في وقتها حقيقة # قالوا والأوقات ثلاثة أنواع وقت للقادر المستيقظ الذاكر غير المعذور فهي ~~خمسة ووقت للذاكر المستيقظ المعذور وهي ثلاثة فإن في حقه وقت الظهر والعصر ~~واحد ووقت المغرب والعشاء واحد ووقت الفجر واحد فالأوقات في حق هذا ثلاثة ~~وإذا أخر الظهر إلى أن فعلها فين وقت العصر فإنما صلاها في وقتها ~~PageV01P380 ووقت في حق غير المكلف بنوم أو نسيان فهو غير محدود ألبتة بل ~~الوقت في حقه عند يقظته وذكره لا وقت له إلا ذلك # هذا الذي دلت عليه نصوص الشرع وقواعده وهذا المفرط المضيع خارج عن هذه ~~الأقسام وهو قسم رابع فبأيها تلحقونه # قالوا وقد شرع الله سبحانه قضاء رمضان لمن أفطره لعذر من حيض أو سفر أو ~~مرض ولم يشرعه قط لمن أفطره متعمدا من غير عذر لا بنص ولا بإيماء ولا تنبيه ~~ولا تقتضيه قواعده وإنما غاية ما معكم قياسه على المعذور مع إطراد قواعد ~~الشرع على ms0298 التفريق بينهما بل قد أخبر الشارع أن صيام الدهر لا يقضيه عن يوم ~~يفطره بلا عذر فضلا عن يوم مثله # قالوا وأما قولكم إنه كان يجب عليه أمران العبادة وإيقاعها في وقتها فإذا ~~ترك أحدهما بقي عليه الآخر فهذا إنما ينفع فيما إذا لم يكن أحد الأمرين ~~مرتبطا بالآخر ارتباط الشرطية كمن أمر بالحج والزكاة فترك أحدهما لم يسقط ~~عنه الآخر أما إذا كان أحدهما شرطا في الآخر وقد تعذر الإتيان بالشرط الذي ~~لم يؤمر بالمشروط إلا به فكيف يقال إنه يؤمر بالآخر بدونه ويصح منه بدون ~~وصفه وشرطه فأين أمره الله بذلك وهل الكلام إلا فيه # قالوا وإن قلنا إنما يجب القضاء بأمر جديد فلا أمر معكم بالقضاء في محل ~~النزاع وقياسه على مواقع الإجماع ممتنع كما بيناه وإن قلنا يجب بالأمر ~~الأول فهذا فيما إذا كان القضاء نافعا ومصلحته كمصلحة الأداء كقضاء المريض ~~والمسافر والحائض للصوم وقضاء المغمى عليه والنائم والناسي أما إذا كان ~~القضاء غير مبريء للذمة ولا هو معذور بتأخير الواجب عن وقته فهذا لم ~~يتناوله الأمر الأول ولا أمر ثان وإنما هو القياس الذي علم افتراق الأصل ~~والفرع فيه في وصف ظاهر التأثير مانع للإلحاق # قالوا وأما قولكم إنه إذا لم يمكن تدارك مصلحة الفعل تدارك منها ~~PageV01P381 ما أمكن فهذا إنما يفيد إذا لم يمكن حصول المصلحة على شرط تزول ~~المصلحة بزواله والتدارك بعد فوات شرطه وخروجه عن الوجه المأمور به ممتنع ~~إلا بأمر آخر من التوبة وتكثير النوافل والحسنات وأما تدارك غير هذا الفعل ~~فكلا ولما # قالوا وأما قوله إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم فقد أبعد النجعة ~~من احتج به فإن هذا إنما يدل على أن المكلف إذا عجز عن جملة المأمور به أتى ~~بما يقدر عليه منه كمن عجز عن القيام في الصلاة أو عن إكمال غسل أعضاء ~~الوضوء أو عن إكمال الفاتحة أو عن تمام الكفاية في الإنفاق الواجب ونحو ذلك ~~أتى بما يقدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه ms0299 أما من ترك المأمور به حتى خرج ~~وقته عمدا وتفريطا بلا عذر فلا يتناوله الحديث ولو كان الحديث متناولا له ~~لما توعده بإحباط عمله وتشبيهه بمن سلب أهله وماله وبقى بلا أهل ولا مال # قالوا وأما قولكم إنه لا يظن بالشرع تخفيفه عن هذا العامد المفرط بعدم ~~إيجاب القضاء عليه وتكليف المعذور به فكلام بعيد عن التحقيق بين البطلان ~~فإن هذا المعذور إنما فعل ما أمر به في وقته كما تقدم فهو في فعل ما أمر به ~~كغير المعذور الذي صلى في وقته ونحن لم نسقط القضاء عن العامد المفرط ~~تخفيفا عنه بل لأنه غير نافع له ولا مقبول منه ولا مأمور به فلا سبيل له ~~إلى تحصيل مصلحة ما تركه فأين التخفيف عنه # قالوا وأما قولكم إن الصلاة خارج الوقت بدل عن الصلاة في الوقت وإذا تعذر ~~المبدل انتقل إلى بدله فهل هذا إلا مجرد دعوى وهل وقع النزاع PageV01P382 ~~إلا في هذا فما الدليل على أن صلاة هذا المفرط العامد بدل ونحن نطالبكم ~~بالأمر بها أولا وبكونها مقبولة نافعة ثانيا وبكونها بدلا ثالثا ولا سبيل ~~لكم إلى إثبات شيء من ذلك ألبتة # وإنما يعلم كون الشيء بدلا بجعل الشارع له كذلك كشرعه التيمم عند العجز ~~عن استعمال الماء والإطعام عند العجز عن الصيام وبالعكس كما في كفارة ~~اليمين فأين جعل الشرع قضاء هذا المفرط المضيع بدلا عن فعله العبادة في ~~الوقت وهذ ذلك إلا القياس الذي قد تبين فساده # قالوا وأما قياسكم فعلها خارج الوقت على صحة أداء ديون الآدميين بعد ~~وقتها فمن هذا النمط لأن وقت الوجوب في حقه ليس محدود الطرفين كوقت الصلاة ~~فالوجوب في حقه ليس مؤقتا محدودا بل هو على الفور كالزكاة والحج عند من ~~يراه على الفور فلا يتصور فيه إخراج عن وقت محدود هو شرط لفعله # نعم أولى الأوقات به الوقت الأول على الفور وتأخيره عنه لا يوجب كونه ~~قضاء # فإن قيل فما تصنعون بقضاء رمضان فإنه محدود على جهة التوسعة بما بين ms0300 ~~رمضانين ولا يجوز تأخيره مع القدرة إلى رمضان آخر ومع هذا لو أخره لزمه ~~فعله وإطعام كل يوم مسكينا كما أفتى به الصحابة رضي الله عنهم وهذا دليل ~~على أن العبادة المؤقتة لا يتعذر فعلها بعد خروج وقتها المحدود لها شرعا # قيل قد فرق الشارع بين أيام رمضان وبين أيام القضاء فجعل أيام رمضان ~~محدودة الطرفين لا يجوز تقدمها ولا تأخرها وأطلق أيام قضائه فقال سبحانه ~~كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات ~~فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر فأطلق العدة ولم يوقتها ~~وهذا يدل على أنها تجزيء في أي أيام كانت ولم يجيء نص عن الله ولا عن رسوله ~~ولا إجماع على تقييدها بأيام لا تجزيء في غيرها PageV01P383 وليس في الباب ~~إلا حديث عائشة رضي الله عنها كان يكون على الصوم من رمضان فلا أقضيه إلا ~~في شعبان من الشغل برسول الله ومعلوم أن هذا ليس صريحا في التوقيت بما بين ~~الرمضانين كتوقيت أيام رمضان بما بين الهلالين فاعتبار أحدهما بالآخر ممتنع ~~وجمع بين ما فرق الله بينهما فإنه جعل أيام رمضان محدودة بحد لا تتقدم عنه ~~ولا تتأخر وأطلق أيام القضاء وأكد إطلاقها بقوله أخر وأفتى من أفتى من ~~الصحابة بالإطعام لمن أخرها إلى رمضان آخر جبرا لزيادة التأخير عن المدة ~~التي بين الرمضانين ولا تخرج بذلك عن كونها قضاء بل هي قضاء وإن فعلت بعد ~~رمضان آخر فحكمها في القضاء قبل رمضان وبعده واحد بخلاف أيام رمضان # يوضح هذا انه لو أفطر يوما من أيام رمضان عمدا بغير عذر لم يتمكن أن يقيم ~~مقامه يوما آخر مثله ألبتة ولو أفطر يوما من أيام القضاء قام اليوم الذي ~~بعد مقامه # وسر الفرق أن المعذور لم يتعين في حقه أيام القضاء بل هو مخير فيها وأي ~~يوم صامه قام مقام الآخر وأما غير المعذور فأيام الوجوب متعينة في حقه لا ~~يقوم غيرها مقامها # قالوا وأما من ترك الجمعة ms0301 عمدا فإنما أوجبنا عليه الظهر لأن الواجب في ~~هذا الوقت أحد الصلاتين ولا بد إما الجمعة وإما الظهر فإذا ترك الجمعة فوقت ~~الظهر قائم وهو مخاطب بوظيفة الوقت PageV01P384 قالوا ولا سيما عند من يجعل ~~الجمعة بدلا من الظهر فإنه إذا فاته البدل رجع إلى الأصل وهذا إن كان ~~القضاء ثابتا بالإجماع أو بالنص وإن كان فيه خلاف أجبنا بالجواب المركب # فنقول إن كان ترك الجمعة مساويا لترك الصلاة حتى يخرج وقتها فالحكم في ~~الصورتين واحد ولا فرق حينئذ عملا بما ذكرنا من الدليل وإن كان بينهما فرق ~~مؤثر بطل الإلحاق فامتنع القياس فعلى التقديرين بطل القياس # قالوا وأما تأخير النبي صلاة العصر يوم الأحزاب إلى غروب الشمس فللناس في ~~هذا التأخير هل هو منسوخ أم لا قولان # فقال الجمهور كأحمد والشافعي ومالك هذا كان قبل نزول صلاة الخوف ثم نسخ ~~بصلاة الخوف وكان ذلك التأخير كتأخير صلاة الجمع بين الصلاتين فلا يجوز ~~اعتبار الترك المحرم به ويكون الفرق بينهما كالفرق بين تأخير النائم ~~والناسي وتأخير المفرط بل أولى فإن هذا التأخير حينئذ مأمور به فهو كتأخير ~~المغرب ليلة جمع إلى مزدلفة # القول الثاني أنه ليس بمنسوخ بل هو باق وللمقاتل تأخير الصلاة حال القتال ~~واشتغاله بالحرب والمسايفة وفعلها عند تمكنه منها وهذا قول أبي حنيفة ويذكر ~~رواية عن أحمد # وعلى التقديرين فلا يصح إلحاق تأخير العامد المفرط به وكذلك تأخير ~~الصحابة العصر يوم بني قريظة فإنه كان تأخيرا مأمورا به عند طائفة من أهل ~~العلم كأهل الظاله أو تأخيرا سائغا للتأويل عند بعضهم ولهذا لم يعنف النبي ~~من صلاها في الطريق في وقتها ولا من أخرها إلى الليل حتى صلاها في بني ~~قريظة لأن هؤلاء تمسكوا بظاهر الأمر وأولئك نظروا إلى المعنى والمراد منهم ~~وهو سرعة السير # واختلف علماء الإسلام في تصويب أي الطائفتين PageV01P385 # فقالت طائفة لو كنا مع القوم لصلينا في الطريق مع الذين فهموا المراد ~~وعقلوا مقصود الأمر فجمعوا بين إيقاع الصلاة في وقتها وبين المبادرة إلى ~~العدول ms0302 ولم يفتهم مشهدهم إذ المقدار الذي سبقهم به أولئك لحقوهم به لما ~~اشتغلوا بالصلاة وقت النزول في بني قريظة # قالوا فهؤلاء أفقه الطائفتين جمعوا بين الامتثال والاجتهاد والمبادرة إلى ~~الجهاد مع فقه النفس # وقالت طائفة لو كنا معهم لأخرنا الصلاة مع الذين أخروها إلى بني قريظة ~~فهم الذين أصابوا حكم الله قطعا وكان هذا التأخير واجبا لأمر رسول الله به ~~فهو الطاعة لله ذلك اليوم خاصة والله يأمر بما يشاء فأمره بالتأخير في وجوب ~~الطاعة كأمره بالتقديم فهؤلاء كانوا أسعد بالنص وهم الذين فازا بالأجرين ~~وإنما لم يعنف الآخرين لأجل التأويل والاجتهاد فإنهم إنما قصدوا طاعة الله ~~ورسوله وهم أهل الأجر الواحد وهم كالحاكم الذي يجتهد فيخطىء الحق # والمقصود أن إلحاق المفرط العاصي بالتأخير بهؤلاء في غاية الفساد # قالوا وأما قولكم هذا تائب نادم فكيف تسد عليه طريق التوبة ويجعل إثم ~~التضييع لازما له وطائرا في عنقه فمعاذ الله أن نسد عليه بابا فتحه الله ~~لعباده المذنبين كلهم ولم يغله عن أحد إلى حين موته أو إلى وقت طلوع الشمس ~~من مغربها وإنما الشأن في طريق توبته وتحقيقها هل يتعين لها القضاء أم ~~يستأنف العمل ويصير ما مضى لا له ولا عليه ويكون حكمه حكم الكافر إذا أسلم ~~في استئناف العمل وقوبل التوبة فإن ترك فريضة من فراض الإسلام لا يزيد على ~~ترك الإسلام بجملته وفرائضه فإذا كانت توبة تارك الإسلام مقبولة صحيحة لا ~~يشترط في صحتها إعادة ما فاته في حال إسلامه أصليا كان أو مرتدا كما أجمع ~~عليه الصحابة في ترك أمر المرتدين لما رجعوا إلى الإسلام بالقضاء فقبول ~~توبة تارك الصلاة وعدم توقفها على القضاء أولى والله أعلم PageV01P386 # | فصل وأما في حقوق العباد فيتصور في مسائل إحداها من غصب أموالا # ثم تاب وتعذر عليه ردها إلى أصحابها أو إلى ورثتهم لجهله بهم أو ~~لانقراضهم أو لغير ذلك فاختلف في توبة مثل هذا # فقالت طائفة لا توبة له إلا بأداء هذه المظالم إلى أربابها فإذا كان ذلك ~~قد ms0303 تعذر عليه فقد تعذرت عليه التوبة والقصاص أمامه يوم القيامة بالحسنات ~~والسيئات ليس إلا # قالوا فإن هذا حق للآدمي لم يصل إليه والله سبحانه لا يترك من حقوق عباده ~~شيئا بل يستوفيها لبعضهم من بعض ولا يجاوزه ظلم ظالم فلا بد أن يأخذ ~~للمظلوم حقه من ظالمه ولو لطمة ولو كلمة ولو رمية بحجر # قالوا وأقرب ما لهذا في تدارك الفارط منه أن يكثر من الحسنات ليتمكن من ~~الوفاء منها يوم لا يكون الوفاء بدينار ولا بدرهم فيتجر تجارة يمكنه الوفاء ~~منها ومن أنفع ما له الصبر على ظلم غيره له وأذاه وغيبته وقذفه فلا يستوفى ~~حقه في الدنيا ولا يقابله ليحيل خصمه عليه إذا أفلس من حسناته فإنه كما ~~يؤخذ منه ما عليه يستوفى أيضا ماله وقد يتساويان وقد يزيد أحدهما عن الآخر # ثم اختلف هؤلاء في حكم ما بيده من الأموال # فقالت طائفة يوقف أمرها ولا يتصرف فيها ألبتة # وقالت طائفة يدفعها إلى الإمام أو نائبه لأنه وكل أربابها فيحفظها لهم ~~ويكون حكمها حكم الأموال الضائعة # وقالت طائفة أخرى بل بال التوبة مفتوح لهذا ولم يغلقه الله عنه ولا عن ~~مذنب وتوبته أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها فإذا كان يوم استيفاء الحقوق ~~كان هلم الخيار بين أن يجيزا ما فعل وتكون أجورها لهم وبين أن لا يجيزوا ~~ويأخذوا من حسناته بقدر أموالهم ويكون ثواب تلك الصدقة PageV01P387 له إذ ~~لا يبطل الله سبحانه ثوابها ولا يجمع لأربابها بين العوض والمعوض فيغرمه ~~إياها ويجعل أجرها لهم وقد غرم من حسناته بقدرها # وهذا مذهب جماعة من الصحابة كما هو مروى عن ابن مسعود ومعاوية وحجاج بن ~~الشاعر فقد روى أن ابن مسعود اشترى من رجل جارية ودخل يزن له الثمن فذهب رب ~~الجارية فانتظره حتى يئس من عوده فتصدق بالثمن وقال اللهم هذا عن رب ~~الجارية فإن رضى فالأجر له وإن أبى فالأجر لي وله من حسناتي بقدره وغل رجل ~~من الغنيمة ثم تاب فجاء بما غله إلى أمي الجيش ms0304 فأبى أن يقبله منه وقال كيف ~~لي بإيصاله إلى الجيش وقد تفرقوا فأتى حجاج بن الشاعر فقال يا هذا إن الله ~~يعلم الجيش وأسماءهم وأنسابهم فادفع خمسه إلى صاحب الخمس وتصدق بالباقي ~~عنهم فإن الله يوصل ذلك إليهم أو كما قال ففعل فلما أخبر معاوية قال لأن ~~أكون أفيتتك بذلك أحب إلي من نصف ملكي # قالوا وكذلك اللقطة إذا لم يجد ربها بعد تعريفها ولم يرد أن يتملكها تصدق ~~بها عنه فإن ظهر مالكها خيره بين الأجر والضمان # قالوا وهذا لأن المجهول في الشرع كالمعدوم فإذا جهل الملك صار بمنزلة ~~المعدوم وهذا مال لم يعلم له مالك معين ولا سبيل إلى تعطيل الانتفاع به لما ~~فيه من المفسدة والضرر بمالكه وبالفقراء وبمن هو في يده أما المالك فلعدم ~~وصول نفعه إليه وكذلك الفقراء وأما من هو في يده فلعدم تمكنه من الخلاص من ~~إثمه فيغرمه يوم القيامة من غير انتفاع به ومثل هذا لا تبيحه شريعة فضلا عن ~~أن تأمر به وتوجبه فإن الشرائع مبناها على المصالح بحسب الإمكان وتكميلها ~~وتعطيل المفاسد بحسب الإمكان وتقيلها وتعطيل هذا المال ووقفه ومنعه عن ~~الانتفاع به مفسدة محضة لا مصلحة فيها فلا يصار إليه # قالوا وقداستقرت قواعد الشرع على أن الإذن العرفي كاللفظي فمن رأى ~~PageV01P388 رأى بمال غيره موتا وهو مما يمكن استدراكه بذبحه فذبحه إحسانا ~~إلى مالكه ونصحا له فهو مأذون له فيه عرفا وإن كان المالك سفيها فإذا ذبحه ~~لمصلحة مالكه لم يضمنه لأنه محسن و ما على المحسنين من سبيل وكذلك إذا غصبه ~~ظالم أو خاف عليه منه فصالحه عليه ببعضه ليس الباقي لمالكه وهو غائب عنه أو ~~رآه آيلا إلى تلف محض فباعه وحفظ ثمنه له ونحو ذلك فإن هذا كله مأذون فيه ~~عرفا من المالك وقد باع عروة بن الجعد البارقي وكيل النبي ملك النبي بغير ~~إذنه لفظا واشترى له ببعض ثمنه مثل ما وكله في شرائه بذلك الثمن كله ثم ~~جاءه بالثمن وبالمشترى فقبله النبي ودعا له ms0305 # وأشكل هذا على بعض الفقهاء وبناه على تصرف الفضولي فأورد عليه أن الفضولي ~~لا يقبض ولا يقبض وهذا قبض وأقبض # وبناه آخرون على أنه كان وكيلا مطلقا في كل شيء وهذا أفسد من الأول فإنه ~~لا يعرف عن رسول الله أنه وكل أحدا وكالة مطلقة ألبتة ولا نقل ذلك عنه مسلم # والصواب أنه مبني على هذه القاعدة أن الإذن العرفي كالإذن اللفظي ومن رضي ~~بالمشتري وخرج ثمنه عن مكله فهو بأن يرضى به ويحصل له الثمن أشد رضى # ونظير هذا مريض عجز أصحابه في السفر أو الحضر عن استئذانه في إخراج شيء ~~من ماله في علاجه وخيف عليه فإنهم يخرجون من ماله ما هو مضطر إليه بدون ~~استئذانه بناء على العرف في ذلك ونظائر ذلك مما مصلحته وحسنه مستقر في فطر ~~الخلق ولا تأتي شريعة بتحريمه كثير # وإذا ثبت ذلك فمن المعلوم أن صاحب هذا المال الذي قد حيل بينه وبينه أشد ~~شيء رضى بوصول نفعه الآخروي إليه وهو أكره شيء لتعطيله أو إبقائه ~~PageV01P389 مقطوعا عن الإنتفاع به دنيا وأخرى وإذا وصل إليه ثواب ماله سره ~~ذلك أعظم من سروره بوصوله إليه في الدنيا فكيف يقال مصلحة تعطيل هذا المال ~~عن انتفاع الميت والمساكين به ومن هو بيده أرجح من مصلحة إنفاقه شرعا بل أي ~~مصلحة دينية أو دنيوبة في هذا التعطيل وهل هو إلا محض المفسدة # ولقد سئل شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه سأله شيخ فقال هربت ~~من أستاذي وأنا صغير إلى الآن لم أطلع له على خبر وأنا مملوك وقد خفت من ~~الله عز وجل وأريد براءة ذمتي من حق أستاذي من رقبتي وقد سألت جماعة من ~~المفتين فقالوا لي اذهب فاقعد في المستودع فضحك شيخنا وقال تصدق بقيمتك ~~أعلى ما كانت عن سيدك ولا حاجة لك بالمستودع تقعد فيه عبثا في غير مصلحة ~~وإضرارا بك وتعطيلا عن مصالحك ولا مصلحة لأستاذك في هذا ولا لك ولا ~~للمسلمين أو نحو هذا من الكلام والله أعلم ms0306 # | فصل المسألة الثانية إذا عاوض غيره معاوضة محرمة وقبض العوض # كالزانية والمغنى وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم ثم تاب والعوض بيده # فقالت طائفة يرده إلى مالكه إذ هو عين ماله ولم يقبضه بإذن الشارع ولا ~~حصل لربه في مقابلته نفع مباح # وقالت طائفة بل توبته بالتصدق به ولا يدفعه إلى من أخذه منه وهو اختيار ~~شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أصوب القولين فإن قابضه إنما قبضه ببذل مالكه له ~~ورضاه ببذله وقد استوفى عوضه المحرم فكيف يجمع له بين العوض والمعوض وكيف ~~يرد عليه مالا قد استعان به على معاصي الله ورضى PageV01P390 بإخارجه فيما ~~يستعين به عليها ثانيا وثالثا وهل هذا إلا محض إعانته على الإثم والعدوان ~~وهل يناسب هذا محاسن الشرع أن يقضى للزاني بكل ما دفعه إلى من زنى بها ~~ويؤخذ منها ذلك طوعا أو كرها فيعطاه وقد نال عوضه # وهب أن هذا المال لم يملكه الآخذ فملك صاحبه قد زال عنه بإعطائه لمن أخذه ~~وقد سلم له ما في قبالته من النفع فكيف يقال ملكه باق عليه ويجب رده إليه ~~وهذا بخلاف أمره بالصدقة به فإنه قد أخذه من وجه خبيث برضى صاحبه وبذله له ~~بذلك وصاحبه قد رضى بإخراجه عن ملكه بذلك وأن لا يعود إليه فكان أحق الوجوه ~~به صرفه في المصلحة التي ينتفع بها من قبضه ويخفف عنه الإثم ولا يقوى ~~الفاجر به ويعان ويجمع له بين الأمرين # وهكذا توبة من اختلط ماله الحلال بالحرام وتعذر عليه تمييزه أن يتصدق ~~بقدر الحرام ويطيب باقي ماله والله أعلم # | فصل إذا غصب مالا ومات ربه وتعذر رده عليه تعين عليه رده إلى وارثه # فإن مات الوارث رده إلى وارثه وهلم جرا فإن لم يرده إلى ربه ولا إلى أحد ~~ورثته فهل تكون المطالبة به في الآخرة للموروث إذ هو ربه الأصلي وقد غصبه ~~عليه أو للوارث الأخير إذ الحق فد انتقل إليه # فيه قولان للفقهاء وهم وجهان في مذهب الشافعي # ويحتمل أن يقال المطالبة للموروث ولكل ms0307 واحدة من الورثة إذ كل منهم قد كان ~~يستحقه ويجب عليه الدفع إليه فقد ظلمه بترك إعطائه ما وجب عليه دفعه إليه ~~فيتوجه عليه المطالبة في الآخرة له # فإن قيل فكيف يتخلص بالتوبة من حقوق هؤلاء # قيل طريق التوبة أن يتصدق عنهم بمال تجري منافع ثوابه عليهم بقدر ~~PageV01P391 ما فات كل واحد منهم من منفعة ذلك المال لو صار إليه متحريا ~~للممكن من ذلك وهكذا لو تطاولت على المال سنون وقد كان يمكن ربه أن ينميه ~~بالربح فتوبته بأن يخرج المال ومقدار ما فوته من ربح ماله # فإن كان قد ربح فيه بنفسه فقيل الربح كله للمالك وهو قول الشافعي وظاهر ~~مذهب أحمد رحمهما الله # وقيل كله للغاصب وهو مذهب أبي حنيفة ومالك رحمهما الله # وكذلك لو أودعه مالا فاتجر به وربح فربحه له دون مالكه عندهما وضمانه ~~عليه # وفيها قول ثالث أنهما شريكان في الربح وهو رواية عن أحمد رحمه الله ~~واختيار شيخنا رحمه الله وهو أصح الأقوال فتضم حصة المالك من الربح إلى أصل ~~المال ويتصدق بذلك # وهكذا لو غصب ناقة أو شاة فنتجت أولادا فقيل أولاده كلها للمالك فإن ماتت ~~أو شيء من النتاج رد أولادها وقيمة الأم وما مات من النتاج هذا مذهب ~~الشافعي وأحمد في المشهور عند أصحابه # وقال مالك إذا ماتت فربها بالخيار بين أخذ قيمتها يوم ماتت وترك نتاجها ~~للغاصب وبين أخذ نتاجها وترك قيمتها وعلى القول الثالث الراجح يكون عليه ~~قيمتها وله نصف النتاج والله أعلم # | فصل اختلف الناس هل من الذنوب ذنب لا تقبل توبته أم لا # فقال الجمهور التوبة تأتي على كل ذنب فكل ذنب يمكن التوبة منه وتقبل # وقالت طائفة لا توبة للقاتل وهذا مذهب ابن عباس المعروف عنه PageV01P392 ~~وإحدى الروايتين عن أحمد وقد ناظر ابن عباس في ذلك أصحابه فقالوا أليس قد ~~قال الله تعالى في سورة الفرقان ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ~~إلى أن قال إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل ms0308 الله سيئاتهم ~~حسنات وكان الله غفورا رحيما فقال كانت هذه الآية في الجاهلية وذلك أن ناسا ~~من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا فأتوا رسول الله فقالوا إن الذي تدعو ~~إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة فنزل والذين لا يدعون مع الله ~~إلها آخر الآية فهذه في أولئك وأما التي في سورة النساء وهي قوله تعالى ومن ~~يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له ~~عذاب عظيما فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم وقال زيد بن ~~ثابت لما نزلت التي في الفرقان والذين لا يدعون مع الله إلها آخر عجبنا من ~~لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت اللينة وأراد ~~بالغليظة هذه الآية التي في سورة النساء وباللينة آية الفرقان قال ابن عباس ~~آية الفرقان مكية وآية النساء مدنية نزلت ولم ينسخها شيء # قال هؤلاء ولأن التوبة من قتل المؤمن عمدا متعذرة إذ لا سبيل إليها إلا ~~باستحلاله أو إعادة نفسه التي فوتها عليه إلى جسده إذ التوبة من حق الآدمي ~~لا تصح إلا بأحدهما وكلاهما متعذر على القاتل فكيف تصح توبته من حق آدمي لم ~~يصل إليه ولم يستحله منه # ولا يرد عليهم هذا في المال إذا مات ربه ولم يوفه إياه لأنه يتمكن من ~~إيصال نظيره إليه بالصدقة # قالوا ولا يرد علينا أن الشرك أعظم من القتل وتصح التوبة منه فإن ذلك محض ~~حق الله فالتوبة منه ممكنة وأما حق الآدمي فالتوبة موقوفة على أدائه إليه ~~واستحلاله وقد تعذر PageV01P393 واحتج الجمهور بقوله تعالى قل يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~إنه هو الغفور الرحيم فهذه في حق التائب وبقوله إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فهذه في حق غير التائب لأنه فرق بين الشرك وما ~~دونه وعلق المغفرة بالمشيئة فخصص وعلق وفي التي قبلها عمم وأطلق # واحتجوا بقوله ms0309 تعالى وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى فإذا ~~تاب هذا القاتل وآمن وعمل صالحا فإن الله عز وجل غفار له # قالوا وقد صح عن النبي حديث الذي قتل المائة ثم تاب فنفعته توبته وألحق ~~بالقرية الصالحة التي خرج إليها وصح عنه من حديث عبادة بن الصامت رضي الله ~~عنه أن رسول الله قال وحوله عصابة من أصحابه بايعوني على أن لا تشركوا ~~بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان ~~تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفى منكم فأجره على ~~الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ~~ذلك شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه ~~فبايعناه على ذلك # قالوا وقد قال فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى ابن آدم لو لقيتني بقراب ~~الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة وقال من مات لا ~~يشرك بالله شيئا دخل الجنة وقال من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل ~~الجنة وقال إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه ~~الله وفي حديث الشفاعة أخرجوا من النار من في قلبه مثال حبة من خردل من ~~إيمان وفيه يقول الله تعالى وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال لا إله ~~إلا الله وأضعاف هذه النصوص كثير تدل على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل ~~التوحيد PageV01P394 # قالوا وأما هذه الآية التي في النساء فهي نظائر أمثالها من نصوص الوعيد ~~كقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله ~~عذاب مهين وقوله ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدا فيها وقوله إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ~~وقوله من قتل نفسه بحديدة فحديدته يتوجأبها خالدا مخلدا في نار جهنم ~~ونظائره كثيرة # وقد اختلف الناس ms0310 في هذه النصوص على طرق # أحدها القول بظاهرها وتخلد أرباب هذه الجرائم في النار وهو قول الخوارج ~~والمعتزلة ثم اختلفوا # فقالت الخوارج هم كفار لأنه لا يخلد في النار إلا كافر وقالت المعتزلة ~~ليسوا بكفار بل فساق مخلدون في النار هذا كله إذا لم يتوبوا # وقالت فرقة بل هذا الوعيد في حق المستحل لها لأنه كافر وأما من فعلها ~~معتقدا تحريمها فلا يلحقه هذا الوعيد وعيدالخلود وإن لحقه وعيد الدخول # وقد أنكر الإمام أحمد هذا القول وقال لو استحل ذلك ولم يفعله كان كافرا ~~والنبي إنما قال من فعل كذا وكذا # وقالت فرقة ثالثة الاستدلال بهذه النصوص مبني على ثبوت العموم وليس في ~~اللغة ألفاظ عامة ومن ههنا أنكر العموم من أنكره وقصدهم تعطيل هذه الأدلة ~~عن استدلال المعتزلة والخوارج بها لكن ذلك يستلزم تعطيل الشرع جملة بل ~~تعطيل عامة الأخبار فهؤلاء ردوا باطلا بأبطل منه وبدعة بأقبح منها وكانوا ~~كمن رام أن يبني قصرا فهم مصرا # وقالت فرقة رابعة في الكلام إضمار # قالوا والإضمار في كلامهم كثير معروف PageV01P395 ثم اختلفوا في هذا ~~المضمر فقالت طائفة بإضمار الشرط والتقدير فجزاؤه كذا إن جازاه أو إن شاء # وقالت فرقة خامسة بإضمار الإستثناء والتقدير فجزاؤه كذا إلا أن يعفو وهذه ~~دعوى لا دليل في الكلام عليها ألبتة ولكن إثباتها بأمر خارج عن اللفظ # وقالت فرقة سادسة هذا وعيد وإخلاف الوعيد لا يذم بل يمدح والله تعالى ~~يجوز عليه إخلاف الوعيد ولا يجوز عليه خلف الوعد والفرق بينهما أن الوعيد ~~حقه فإخلافه عفو وهبة وإسقاط وذلك موجب كرمه وجوده وإحسانه والوعد حق عليه ~~أوجبه على نفسه والله لا يخلف الميعاد # قالوا ولهذا مدح به كعب بن زهير رسول الله حيث يقول # نبئت أن رسول الله أوعدني % والعفو عند رسول الله مأمول # وتناظر في هذه المسألة أبو عمرو بن العلاء وعمرو بن عبيد فقال عمرو بن ~~عبيد يا أبا عمرو لا يخلف الله وعده وقد قال ومن يقتل مؤمنا متعمدا الآية ~~فقال له أبو ms0311 عمرو ويحك يا عمرو من العجمة أتيت إن العرب لا تعد إخلاف ~~الوعيد ذما بل جودا وكرما أما سمعت قول الشاعر # ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي % ولا يختشى من سطوة المتهدد # وإني إن أوعدته أو وعدته % لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # وقالت فرقة سابعة هذه النصوص وأمثالها مما ذكر فيه المقتضى للعقوبة ولا ~~يلزم من وجود مقتضى الحكم وجوده فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء ~~مانعه وغاية هذه النصوص الإعلام بأن كذا سبب للعقوبة ومقتض لها وقد قام ~~الدليل على ذكر الموانع فبعضها بالإجماع وبعضها بالنص فالتوبة مانع ~~بالإجماع والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها والحسنات ~~العظيمة الماحية مانعة والمصائب الكبار المكفرة مانعة وإقامة الحدود في ~~PageV01P396 الدنيا مانع بالنص ولا سبيل إلى تعطي لهذه النصوص فلا بد من ~~إعمال النصوص من الجانبين # ومن ههنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات اعتبارا بمقتضى العقاب ~~ومانعه وإعمالا لأرجحها # قالوا وعلى هذا بناء مصالح الدارين ومفاسدهما وعلى هذا بناء الأحكام ~~الشرعية والأحكام القدرية وهو مقتضى الحكمة السارية في الوجود وبه ارتباط ~~الأسباب ومسبباتها خلقا وأمرا وقد جعل الله سبحانه لكل ضد ضدا يدافعه ~~ويقاومه ويكون الحكم للأغلب منهما فالقوة مقتضية للصحة والعافية وفساد ~~الأخلاط وبغيها مانع من عمل الطبيعة وفعل القوة والحكم للغالب منهما وكذلك ~~قوى الأدوية والأمراض والعبد يكون فيه مقتض للصحة ومقتض للعطي وأحدهما يمنع ~~كمال تأثير الآخر ويقاومه فإذا ترجح عليه وقهره كان التأثير له # ومن ههنا يعلم انقسام الخلق إلى من يدخل الجنة ولا يدخل النار وعكسه ومن ~~يدخل النار ثم يخرج منها ويكون مكثه فيها بحسب ما فيه من مقتضى المكث في ~~سرعة الخروج وبطئه # ومن له بصيرة نورة يرى بها كل ما أخبر الله به في كتابه من أمر المعاد ~~وتفاصيله حتى كأنه يشاهده رأى عين ويعلم أن هذا هو مقتضى إلهيته سبحانه ~~وربوبيته وعزته وحكمته وأنه يستحيل عليه خلاف ذلك ونسبة خلاف ذلك إليه نسبة ~~مالا يليق به إليه فيكون نسبة ذلك إلى ms0312 بصيرته كنسبة الشمس والنجوم إلى بصره ~~وهذا يقين الإيمان وهو الذي يحرق السيئات كما تحرق النار الحطب # وصاحب هذا المقام من الإيمان يستحيل إصراره على السيئات وإن وقعت ~~PageV01P397 منه وكثرت فإن ما معه من نور الإيمان يأمره بتجديد التوبة كل ~~وقت بالرجوع إلى الله بعدد أنفاسه وهذا من أحب الخلق إلى الله # فهذه مجامع طرق الناس في نصوص الوعيد # | فصل واختلفوا فيما إذا تاب القاتل وسلم نفسه فقتل قصاصا هل يبقى # عليه يوم القيامة للمقتول حق # فقالت طائفة لا يبقى عليه شيء لأن القصاص حده والحدود كفارة لأهلها وقد ~~استوفى ورثة المتقول حق موروثهم وهم قائمون مقامه في ذلك فكأنه قد استوفاه ~~بنفسه إذ لا فرق بين استيفاء الرجل حقه بنفسه أو بنائبه ووكيله # يوضح هذا أنه أحد الجنايتين فإذا استوفيت منه لم يبق عليه شيء كما لو جنى ~~على طرفه فاستقاد منه فإنه لا يبقى له عليه شيء # وقالت طائفة المقتول قد ظلم وفاتت عليه نفسه ولم يستدرك ظلامته والوارث ~~إنما أدرك ثأر نفسه وشفاء غيظه وأي منفعة حصلت للمقتول بذلك رأى ظلامة ~~استوفاها من القاتل # قالوا فالحقوق في القتل ثلاثة حق لله وحق للمقتول وحق للوارث فحق الله لا ~~يزول إلا بالتوبة وحق الوارث قد استوفاه بالقتل وهو مخير بين ثلاثة أشياء ~~بين القصاص والعفو مجانا أو إلى مال فلو أحله أو أخذ منه مالا لم يسقط حق ~~المقتول بذلك فكذلك إذا اقتص منه لأنه أحد الطرق الثلاثة في استيفاء حقه ~~فكيف يسقط حق المقتول بواحد منها دون الآخرين # قالوا ولو قال القتيل لا تقتلوه لأطالبه بحقي يوم القيامة فقتلوه أكان ~~يسقط حقه ولم يسقطه فإن قلتم يسقط فباطل لأنه لم يرض بإسقاطه وإن قلتم لا ~~يسقط فكيف تسقطونه إذا اقتص منه مع عدم العلم برضا المقتول بإسقاط حقه ~~PageV01P398 # وهذه حجج كما ترى في القوة لا تندفع إلا بأقوى منها أو بأمثالها # فالصواب والله أعلم أن يقال إذا تاب القاتل من حق الله وسلم نفسه طوعا ~~إلى الوارث ms0313 ليستوفى منه حق موروثه سقط عنه الحقان وبقي حق الموروث لا يضيعه ~~الله ويجعل من تمام مغفرته للقاتل تعويض المقتول لأن مصيبته لم تنجبر بقتل ~~قاتله والتوبة النصوح تهدم ما قبلها فيعوض هذا عن مظلمته ولا يعاقب هذا ~~لكمال توبته وصار هذا كالكافر المحارب لله ولرسوله إذا قتل مسلما في الصف ~~ثم أسلم وحسن إسلامه فإن الله سبحانه يعوض هذا الشهيد المقتول ويغفر للكافر ~~بإسلامه ولا يؤاخذه بقتل المسلم ظلما فإن هدم التوبة لما قبلها كهدم ~~الإسلام لما قبله # وعلى هذا إذا سلم نفسه وانقاد فعفا عنه الولي وتاب القاتل توبة نصوحا ~~فالله تعالى يقبل توبته ويعوض المقتول # فهذا الذي يمكن أن يصل إليه نظر العالم واجتهاده والحكم بعد ذلك لله إن ~~ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم # | فصل في مشاهد الخلق في المعصية # وهي ثلاثة عشر مشهدا # مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة ومشهد اقتضاء رسوم الطبيعة ولوازم الخلقة ~~ومشهد الجبر ومشهد القدر ومشهد الحكمة ومشهد التوفيق والخذلان ومشهد ~~التوحيد ومشهد الأسماء والصفات ومشهد الإيمان وتعدد شواهده ومشهد الرحمة ~~ومشهد العجز والضعف ومشهد الذل والافتقار ومشهد المحبة والعبودية # فالأربعة الأول للمنحرفين والثمانية البواقي لأهل الاستقامة وأعلاها ~~المشهد العاشر PageV01P399 # وهذا الفصل من أجل فصول الكتاب وأنفعها لكل أحد وهو حقيق بأن تثنى عليه ~~الخناصر ولعلك لا تظفر به في كتاب سواه إلا ما ذكرناه في كتابنا المسمى سفر ~~الهجرتين في طريق السعادتين # | فصل فأما مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة فمشهد الجهال الذين لا فرق # بينهم وبين سائر الحيوان إلا في اعتدال القامة ونطق اللسان ليس همهم إلا ~~مجرد نيل الشهوة بأي طريق أفضت إليها فهؤلاء نفوسهم نفوس حيوانية لم تترق ~~عنها إلى درجة الإنسانية فضلا عن درجة الملائكة فهؤلاء حالهم أخس من أن ~~تذكر وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفلوت الحيوانات التي هم على أخلاقها ~~وطباعها # فمنهم من نفسه كلبية لو صادف جيفة تشبع ألف كلب لوقع عليها وحماها من ~~سائر الكلاب ونبح كل كلب يدنو منها فلا تقربها الكلاب إلا على ms0314 كره منه ~~وغلبة ولا يسمح لكلب بشيء منها وهمه شبع بطنه من أي طعام اتفق ميتة أو مذكى ~~خبيث أو طيب ولا يستحى من قبيح إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث إن أطعمته ~~بصبص بذنبه ودار حولك وإن منعته هرك ونبحك # ومنهم من نفسه حمارية لم تخلق إلا للكدر والعلف كلما زيد في علفه زيد في ~~كده أبكم الحيوان وأقله بصيرة ولهذا مثل الله سبحانه وتعالى به من حمله ~~كتابه فلم يحمله معرفة ولا فقها ولا عملا ومثل بالكلب عالم السوء الذي آتاه ~~الله آياته فانسلخ منها وأخلد إلى الأرض واتبع هواه وفي هذين المثلين أسرار ~~عظيمة ليس هذا موضوع ذكرها PageV01P400 # ومنهم من نفسه سبعية غضبية همته العدوان على الناس وقهرهم بما وصلت إليه ~~قدرته طبيعته تتقاضى ذلك كتقاضي طبيعة السبع لما يصدر منه # ومنهم من نفسه فأرية فاسق بطبعه مفسد لما جاروه تسبيحه بلسان الحال سبحان ~~من خلقه للفساد # ومنهم من نفسه على نفوس ذوات السموم والحمات كالحية والعقرب وغيرهما وهذا ~~الضرب هو الذي يؤذي بعينه فيدخل الرجل القبر والجمل القدر والعين وحدها لم ~~تفعل شيئا وإنما النفس الخبيثة السمية تكيفت بكيفية غضبية مع شدة حسد ~~وإعجاب وقابلت المعين على غرة منه وغفلة وهو أعزل من سلاحه فلدغته كالحية ~~التي تنظر إلى موضع مكشوف من بدن الإنسان فتنهشه فإما عطب وإما أذى ولهذا ~~لا يتوقف أذى العائن على الرؤية والمشاهدة بل إذا وصف له الشيء الغائب عنه ~~وصل إليه أذاه والذنب لجهل المعين وغفلته وغرته عن حمل سلاحه كل وقت ~~فالعائن لا يؤثر في شاكي السلاح كالحية إذا قابلت درعا سابغا على جميع ~~البدن ليس فيه موضع مكشوف فحق على من أراد حفظ نفسه وحمايتها أن لا يزال ~~متدرعا متحصنا لابسا أداة الحرب مواظبا على أوراد التعوذات والتحصينات ~~النبوية التي في القرآن والتي في السنة # وإذا عرف الرجل بالأذى بالعين ساغ بل وجب حبسه وإفراده عن الناس ويطعم ~~ويسقي حتى يموت ذكر ذلك غير واحد من الفقهاء ولا ms0315 ينبغي أن يكون في ذلك خلاف ~~لأن هذا من نصيحة المسلمين ودفع الأذى عنهم ولو قيل فيه غير ذلك لم يكن ~~بعيدا من أصول الشرع PageV01P401 # فإن قيل فهل تقيدون منه فإذا قتل بعينه # قيل إن كان ذلك بغير اختياره بل غلب على نفسه لم يقتص منه وعليه الدية ~~وإن تعمد وقدر على رده وعلم أنه يقتل به ساغ للولي أن يقتله بمثل ما قتل به ~~فيعينه إن شاء كما عان هو المقتول وأما قتله بالسيف قصاصا فلا لأن هذا ليس ~~مما يقتل غالبا ولا هو مماثل لجنايته # وسألت شيخنا أبا العباس ابن تيمية قدس الله روحه عن القتل بالحال هل يوجب ~~القصاص # فقال للولي أن يقتله بالحال كما قتل به # فإن قيل فما الفرق بين القتل بهذا وبين القتل بالسحر حيث توجبون القصاص ~~به بالسيف # قلنا الفرق من وجهين # أحدهما أن السحر الذي يقتل به هو السحر الذي يقتل مثله غالبا ولا ريب أن ~~هذا كثير في السحر وفيه مقالات وأبواب معروفة للقتل عند أربابه # الثاني أنه لا يمكن أن يقتص منه بمثل ما فعل لكونه محرما لحق الله فهو ~~كما لو قتله باللواط وتجريع الخمر فإنه يقتص منه بالسيف # وليس هذا موضع ذكر هذه المسائل وإنما ذكرت لما ذكرنا أن من النفوس ~~البشرية ما هي على نفوس الحيوانات العادية وغيرها وهذا هو تأويل سفيان بن ~~عيينة في قوله تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء # وعلى هذا الشبه اعتماد أهل التعير للرؤيا في رؤية هذه الحيوانات في ~~المنام عند الإناسن وفي داره أو أنها تحاريه وهو كما اعتمدوه وقد وقع لنا ~~ولغيرنا من ذلك في المنام وقائع كثيرة فكان تأويلها مطابقا لأقوام على طباع ~~تلك PageV01P402 الحيوانات وقد رأى النبي في قصة أحد بقرا تنحر فكان من ~~أصيب من المؤمنين بنحر الكفار فإن البقر أنفع الحيوانات للأرض وبها صلاحها ~~وفلاحها مع ما فيها من السكينة والمنافع والذل بكسر ms0316 الذال فإنها ذلول مذللة ~~منقادة غير أبية والجواميس كبارهم ورؤساؤهم ورأى عمر بن الخطاب كأن ديكا ~~نقره ثلاث نقرات فكان طعن أبي لؤلؤة له والديك رجل أعجمي شرير # ومن الناس من طبعه طبع خنزير يمر بالطيبات فلا يلوى عليها فإذا قام ~~الإنسان عن رجيعه قمه وهكذا كثير من الناس يسمع منك ويرى من المحاسن أضعاف ~~أضعاف المساوىء فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه فإذا رأى سقطة أو كلمة ~~عوراء وجد بغيته وما يناسبها فجعلها فاكهته ونقله # ومنهم من هو على طبيعة الطاوس ليس له إلا التطوس والتزين بالريش وليس ~~وراء ذلك من شيء # ومنهم من هو على طبيعة الجمل أحقد الحيوان وأغلظه كبدا # ومنهم من هو على طبيعة الدب أبكم خبيث وعلى طبيعة القرد # وأحمد طبائع الحيوانات طبائع الخيل التي هي أشرف الحيوانات نفوسا وأكرمها ~~طبعا وكذلك الغنم وكل من ألف ضربا من ضورب هذه الحيوانت اكتسب من طبعه ~~وخلقه فإن تغذى بلحمه كان الشبه أقوى فإن الغاذي شبيه بالمغتذى # ولهذا حرم الله أكل لحوم السباع وجوارح الطير لما تورث آكلها من شبه ~~نفوسها بها والله أعلم # والمقصود أنأصحاب هذا المشهد ليس لهم شهود سوى ميل نفوسهم وشهواتهم لا ~~يعرفون ما وراء ذلك ألبتة PageV01P403 # | فصل المشهد الثاني # مشهد رسوم الطبيعة ولوازم الخلقة كمشهد زنادقة الفلاسفة والأطباء الذين ~~يشهدون أن ذلك من لوازم الخلقة الإنسانية وأن تركيب الإنسان من الطبائع ~~الأربع وامتزاجها واختلاطها كما يقتضى بغي بعضها على بعض وخروجه عن ~~الاعتدال بحسب اختلاف هذه الاخلاط فكذلك تركيبه من البدن والنفس والطبيعة ~~والأخلاط الحيوانية تتقاضاه آثار هذه الخلقة ورسوم تلك الطبيعة ولا تنقهر ~~إلا بقاهر إما من نفسه وإما من خارج عنه وأكثر النوع الإنساني ليس له قاهر ~~من نفسه فاحتياجه إلى قاهر فوقه يدخله تحت سياسة وإيالة ينتظم بها أمره ~~ضرورة كحاجته إلى مصاحله من الطعام والشراب واللباس # وعند هؤلاء أن العاقل متى كان له وازع من نفسه قاهر لم يحتج إلى أمر غيره ~~ونهيه وضبطه # فمشهد هؤلاء من حركات ms0317 النفس الاختيارية الموجبة للجنايات كمشهدهم من ~~حركات الطبيعة الاضطرارية الموجبة للتغيرات وليس لهم مشهد وراء ذلك # | فصل المشهد الثالث # مشهد أصحاب الجبر وهم الذين يشهدون أنهم مجبورون على أفعالهم وأنها واقعة ~~بغير قدرتهم بل لا يشهدون أنها أفعالهم ألبتة # يقولون إن أحدهم غير فاعل في الحقيقة ولا قادر وأن الفاعل فيه غيره ~~والمحرك له سواه وأنه آلة محضة وحركاته بمنزلة هبوب الرياح وحركات الأشجار # وهؤلاء إذا أنكرت عليهم أفعالهم احتجوا بالقدر وحملوا ذنوبهم عليه ~~PageV01P404 وقد يغلون في ذلك حتى يروا أفعالهم كلها طعات خيرها وشرها ~~لموافقتها للمشيئة والقدر # ويقولون كما أن موافقة الأمر طاعة فموافقة المشيئة طاعة كما حكى الله ~~تعالى عن المشركين إخوانهم أنهم جعلوا مشيئة الله تعالى لأفعالهم دليلا على ~~أمره بها ورضاه وهؤلاء شر من القدرية النفاة وأشد منهم عداوة لله ومناقضة ~~لكتبه ورسله ودينه حتى إن من هؤلاء من يعتذر عن إبليس ويتوجع له ويقيم عذره ~~بجهده وينسب ربه تعالى إلى ظلمه بلسان الحال والمقال ويقول ما ذنبه وقد صان ~~وجهه عن السجود لغير خالقه وقد وافق حكمه ومشيئته فيه وإرادته منه ثم كيف ~~يمكنه السجود وهو الذي منعه منه وحال بينه وبينه وهل كان في ترك السجود ~~لغير الله إلا محسنا ولكن # إذا كان المحب قليل حظ % فما حسناته إلا ذنوب # وهؤلاء أعداء الله حقا وأولياء إبليس وأحباؤه وإخوانه وإذا ناح منهم نائح ~~على إبليس رأيت من البكاء والحنين أمرا عجبا ورأيت من ظلمهم الأقدار ~~واتهامهم الجبار ما يبدو على فلتات ألسنتهم وصفحات وجوههم وتسمع من أحدهم ~~من التظلم والتوجع ما تسمعه من الخصم المغلوب العاجز عن خصمه فهؤلاء هم ~~الذين قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته # ويدعى خصوم الله يوم معادهم % إلى النار طرا فرقة القدرية # | فصل المشهد الرابع # مشهد القدرية النفاة يشهدون أن هذه الجنايات والذنوب هم الذين أحدثوها ~~وأنها واقعة بمشيئتهم دون مشيئة الله تعالى وأن الله لم يقدر ذلك عليهم ولم ~~يكتبه ولا شاء ولا خلق أفعالهم وأنه لا ms0318 يقدر أن يهدي أحدا PageV01P405 ولا ~~يضله إلا بمجرد البيان لا أنه يلهمه الهدى والضلال والفجور والتقوى فيجعل ~~ذلك في قلبه # ويشهدون أنه يكون في ملك الله مالا يشاؤه وأنه يشاء مالا يكون وأن العباد ~~خالقون لأفعالهم بدون مشيئة الله # فالمعاصي والذنوب خلقهم وموجب مشيئتهم لا أنها خلق الله ولا تتعلق ~~بمشيئته وهم لذلك مبخوسو الحظ جدا من الاستعانة بالله والتوكل عليه ~~والاعتصام به وسؤاله أن يهديهم وأن يثبت قلوبهم وأن لا يزيغها وأن يوفقهم ~~لمرضاته ويجنبهم معصيته إذ هذا كله واقع بهم وعين أفعالهم لا يدخل تحت ~~مشيئة الرب شيء منها # والشيطان قد رصى منهم بهذا القدر فلا يؤزهم إلى المعاصي ذلك الأز ولا ~~يزعجهم إليها ذلك الإزعاج وله في ذلك غرضان مهمان # أحدهما أن يقر في قلوبهم صحة هذا المشهد وهذه العقيدة وأنكم تاركون ~~الذنوب والكبائر التي يقع فيها أهل السنة فدل على أن الأمر مفوض إليكم واقع ~~بكم وأنكم العاصمون لأنفسكم المانعون لها من المعصية # الغرض الثاني أنه يصطاد على أيديهم الجهال فإذا رأوهم أهل عبادة وزهادة ~~وتورع عن المعاصي وتعظيم لها قالوا هؤلاء أهل الحق والبدعة آثر عنده وأحب ~~إليه من المعصية فإذا ظفر بها منهم واصطاد الجهال على أيديهم كيف يأمرهم ~~بالمعصية بل ينهاهم عنها ويقبحها في أعينهم وقلوبهم ولا يكشف هذه الحقائق ~~إلا أرباب البصائر # | فصل المشهد الخامس # وهو أحد مشاهد أهل الإستقامة مشهد الحكمة وهو مشهد حكمة الله في تقديره ~~على عبده ما يبغضه سبحانه ويكرهه ويلوم ويعاقب عليه وأنه PageV01P406 لو ~~شاء لعصمه منه ولحال بينه وبينه وأنه سبحانه لا يعصى قسرا وأنه لا يكون في ~~العالم شيء إلا بمشيئته ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # وهؤلاء يشهدون أن الله سبحانه لم يخلق شيئا عبثا ولا سدى وأن له الحكمة ~~البالغة في كل ما قدره وقضاه من خير وشر وطاعة ومعصية وحكمة باهرة تعجز ~~العقول عن الإحاطة بكنهها وتكل الألسن عن التعبير عنها # فمصدر قضائه وقدره لما يبغضه ويسخطه اسمه الحكيم الذي ms0319 بهرت حمته الألباب ~~وقد قال تعالى لملائكته لما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ~~ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فأجابهم سبحانه بقوله إني أعلم ما لا تعلمون فلله ~~سبحانه في ظهور المعاصي والذنوب والجرائم وترتب آثارها من الآيات والحكم ~~وأنواع التعرفات إلى خلقه وتنويع آياته ودلائل ربوبيته ووحدانيته وإلهيته ~~وحكمته وعزته وتمام ملكه وكمال قدرته وإحاطة علمه ما يشهده أولو البصائر ~~عيانا ببصائر قلوبهم فيقولون ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك إن هي إلا ~~حكمتك الباهرة وآياتك الظاهرة # ولله في كل تحريكة % وتسكينة أبدا شاهد # وفي كل شيء له آية % تدل على أنه واحد # فكم من آية في الأرض بينة دالة على الله وعلى صدق رسله وعلى أن لقاءه حق ~~كان سببها معاصي بني آدم وذنوبهم كآيته في إغراق قوم نوح وعلو الماء على ~~رءوس الجبال حتى أغرق جميع أهل الأرض ونجى أولياءه وأهل معرفته وتوحيده فكم ~~في ذلك من آية وعبرة ودلالة باقية على ممر الدهور وكذلك إهلاك قوم عاد ~~وثمود # وكم له من آية في فرعون وقومه من حين بعث موسى عليه السلام إليهم بل قبل ~~مبعثه إلى حين إغراقهم لولا معاصيهم وكفرهم لم تظهر تلك الآيات PageV01P407 ~~والعجائب وفي التوراة أن الله تعالى قال لموسى اذهب إلى فرعون فإني سأقسي ~~قلبه وأمنعه عن الإيمان لأظهر آياتي وعجائبي بمصر وكذلك فعل سبحانه فأظهر ~~من آياته وعجائبه بسبب ذنوب فرعون وقومه ما أظهر # وكذلك إظهاره سبحانه ما أظهر من جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم بسبب ~~ذنوب قومه ومعاصيهم وإلقائهم له في النار حتى صارت تلك الآية حتى نال ~~إبراهيم بها ما نال من كمال الخلة # وكذلك ما حصل للرسل من الكرامة والمنزلة والزلفى عند الله والوجاهة عنده ~~بسبب صبرهم على أذى قومهم وعلى محاربتهم لهم ومعاداتهم # وكذلك اتخاذ الله تعالى الشهداء والأولياء والأصفياء من بني آدم بسبب ~~صبرهم على أذى بني آدم من أهل المعاصي والظلم ومجاهدتهم في الله وتحملهم ~~لأجله من أعدائه ما هو بعينه وعلمه ms0320 واستحقاقهم بذلك رفعة الدرجات # إلى غير ذلك من المصالح والحكم التي وجدت بسبب ظهور المعاصي والجرائم ~~وكان من سببها تقدير ما يبغضه الله ويسخطه وكان ذلك محض الحكمة لما يترتب ~~عليه مما هو أحب إليه وآثر عنده من فوته بتقدير عدم المعصية # فحصول هذا المحبوب العظيم أحب إليه من فوات ذلك المبغوض المسخوط فإن ~~فواته وعدمه وإن كان محبوبا له لكن حصول هذا المحبوب الذي لم يكن يحصل بدون ~~وجود ذلك المبغوض أحب إليه وفوات هذا المحبوب أكره إليه من فوات ذلك ~~المكروه المسخوط وكمال حكمته تقتضي حصول أحب الأمرين إليه بفوات أدنى ~~المحبوبين وأن لا يعطل هذا الأحب بتعطيل ذلك المكروه وفرض الذهن وجود هذا ~~بدون هذا كفرضه وجود المسببات بدون أسبابها والملزومات بدون لوازمها مما ~~تمنعه حكمة الله وكمال قدرته وربوبيته # ويكفي من هذا مثال واحد وهو أنه لولا المعصية من أبي البشر بأكله من ~~الشجرة لما ترتب على ذلك ما ترتب من وجود هذه المحبوبات العظام للرب تعالى ~~PageV01P408 من امتحان خلقه وتكليفهم وإرسال رسله وإنزال كتبه وإظهار آياته ~~وعجائبه وتنويعها وتصريفها وإكرام أوليائه وإهانة أعدائه وظهور عدله وفضله ~~وعزته وانتقامه وعفوه ومغفرته وصفحه وحلمه وظهور من يعبده ويحبه ويقوم ~~بمراضيه بين أعدائه في دار الابتلاء والامتحان # فلو قدر أن آدم لم يأكل من الشجرة ولم يخرج من الجنة هو وأولاده لم يكن ~~شيء من تلك ولا ظهر من القوة إلى الفعل ما كان كامنا في قلب إبليس يعلمه ~~الله ولا تعلمه الملائكة ولم يتميز خبيث الخلق من طيبهم ولم تتم المملكة ~~حيث لم يكن هناك إكرام وثواب وعقوبة وإهانة ودار سعادة وفضل ودار شقاوة ~~وعدل # وكم في تسليط أوليائه على أعدائه وتسليط أعدائه على أوليائه والجمع ~~بينهما في دار واحدة وابتلاء بعضهم ببعض من حكمة بالغة ونعمة سابغة # وكم فيها من حصول محبوب للرب وحمد له من أهل سمواته وأرضه وخضوع له وتذلل ~~وتبعد وخشية وافتقار إليه وانكسار بين يديه أن لا يجعلهم من أعدائه إذ هم ms0321 ~~يشاهدونهم ويشاهدون خذلان الله لهم وإعراضه عنهم ومقته لهم وما أعد لهم من ~~العذاب وكل ذلك بمشيئته وإرادته وتصرفه في مملكته فأولياؤه من خشية خذلانه ~~خاضعون مشفقون على أشد وجل وأعظم مخافة وأنم انكسار # فإذا رأت الملائكة إبليس وما جرى له وهارون ومارون وضعت رؤوسها بين يدي ~~الرب خضوعا لعظمته واستكانه لعزته وخشية من إبعاده وطرده وتذللا لهيبته ~~وافتقارا إلى عصمته ورحمته وعلمت بذلك منته عليهم وإحسانه إليهم وتخصيصه ~~لهم بفضله وكرامته # وكذلك أولياؤه المتقون إذا شاهدوا أحوال أعدائه ومقته لهم وغضبه عليهم ~~وخذلانه لهم ازدادوا خضوعا وذلا وافتقارا وانكسارا وبه استعانة PageV01P409 ~~وإليه إنابة وعليه توكلا وفيه رغبة ومنه رهبة وعلموا أنهم لا ملجألهم منه ~~إلا إليه وأنهم لا يعيذهم من بأسه إلا هو ولا ينجيهم من سخطهم إلا مرضاته ~~فالفضل بيده أولا وآخرا # وهذه قطرة من بحر حكمته المحيطة بخلقه والبصير يطالع ببصيرته ما وراءه ~~فيطلعه على عجائب من حكمته لا تبلغها العبارة ولا تنالها الصفة # وأما حظ العبد في نفسه وما يخصه من شهود هذه الحكمة فبحسب استعداده وقوة ~~بصيرته وكمال علمه ومعرفته بالله وأسمائه وصفاته ومعرفته بحقوق العبودية ~~والربوبية وكل مؤمن له من ذلك شرب معلوم ومقام لا يتعداه ولا يتخطاه والله ~~الموفق والمعين # | فصل المشهدالسادس مشهد التوحيد # وهو أن يشهد انفراد الرب تبارك وتعالى بالخلق والحكم وأنه ما شاء كان وما ~~لم يشأ لم يكن وأنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه وأن الخلق مقهورون تحت قبضته ~~وأنه ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابعه إن شاء أن يقيمه أقامه وإن ~~شاء أن يزيغه أزاغه فالقلوب بيده وهو مقلبها ومصرفها كيف شاء وكيف أراد ~~وأنه هو الذي آتى نفوس المؤمنين تقواها وهو الذي هداها وزكاها وألهم نفوس ~~الفجار فجورها وأشقاها من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له يهدي ~~من يشاء بفضله ورحمته ويضل من يشاء بعدله وحكمته هذا فضله وعطاؤه وما فضل ~~الكريم بممنون وهذا عدله وقضاؤه لا يسأل عما يفعل ms0322 وهم يسألون # قال ابن عباس رضي الله عنهما الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر ~~نقض تكذيبه توحيده ومن آمن بالقدر صدق إيمانه توحيده PageV01P410 # وفي هذه المشهد يتحقق للعبد مقام إيام نعبد وإياك نستعين علما وحالا ~~فيثبت قدم العبد في توحيد الربوبية ثم يرقى منه صاعدا إلى توحيد الإلهية ~~فإنه إذا تيقن أن الضر والنفع والعطاء والمنع والهدى والضلال والسعادة ~~والشقاء كل ذلك بيد الله لا بيد غيره وأنه الذي يقلب القلوب ويصرفها كيف ~~يشاء وأنه لا موفق إلا من وفقه وأعانه ولا مخذول إلا من خذله وأهانه وتخلى ~~عنه وأن أصح القلوب وأسلمها وأقومها وأرقها وأصفاها وأشدها وألينها من ~~اتخذه وحده إلها ومعبودا فكان أحب إليه من كل ما سواه وأخوف عنده من كل ما ~~سواه وأرجى له من كل ما سواه فتتقدم محبته في قلبه جميع المحاب فتنساق ~~المحاب تبعا لها كما ينساق الجيش تبعا للسلطان ويتقدم خوفه في قلبه جميع ~~المخوفات فتنساق المخاوف كلها تبعا لخوفه ويتقدم رجاؤه في قلبه جميع الرجاء ~~فينساق كل رجاء تبعا لرجائه # فهذا علامة توحيد الإلهية في هذا القلب والباب الذي دخل إليه منه توحيد ~~الربوبية أي باب توحيدالإلهية هو توحيد الربوبية # فإن أول ما يتعلق القلب يتعلق بتوحيد الربوبية ثم يرتقي إلى توحيد ~~الإلهية كما يدعو الله سبحانه عباده في كتابه بهذا النوع من التوحيد إلى ~~النوع الآخر ويحتج عليهم به ويقررهم به ثم يخبر أنهم ينقضونه بشركهم به في ~~الإلهية # وفي هذا المشهد يتحقق له مقام إياك نعبد قال الله تعالى ولئن سألتهم من ~~خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون أي فأين يصرفون عن شهادة أن لا إله إلا الله ~~وعن عبادته وحده وهم يشهدون أنه لا رب غيره ولا خالق سواه وكذلك قوله قل ~~لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون فتعلمون أنه ~~إذا كان هو وحده مالك الأر ضومن فيها وخالقهم وربهم ومليكهم فهو وحده إلههم ~~ومعبودهم فكما لا رب لهم غيره فهكذا لا ms0323 إله لهم سواه قل من رب السموات ~~السبع ورب PageV01P411 العرش العظيم سيقولون الله قل أفلا تتقون قل من بيده ~~ملكون كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه الآيات وهكذا قوله في سورة النمل قل ~~الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أم ما يشركون أمن خلق ~~السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان ~~لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون إلى آخر الآيات # يحتج عليهم بأن من فعل لهم هذا وحده فهو الإله لهم وحده فإن كان معه رب ~~فعل هذا فينبغي أن تعبدوه وإن لم يكن معه رب فعل هذا فكيف تجعلون معه إلها ~~آخر # ولهذا كان الصحيح من القولين في تقدير الآية أإله مع الله فعل هذا حتى ~~يتم الدليل فلا بد من الجواب بلا فإذا لم يكن معه إله فعل كفعله فكيف ~~تعبدون آلهة أخرى سواه فعلم أن إلهية ما سواه باطلة كما أن ربوبية ما سواه ~~باطلة بإقراركم وشهادتكم # ومن قال المعنى هل مع الله إله آخر من غير ان يكون المعنى فعل هذا فقوله ~~ضعيف لوجهين # أحدهما أنهم كانوا يقولون مع الله آهلة أخرى ولا ينكرون ذلك # الثاني أنه لا يتم الدليل ولا يحلصل إفحامهم وإقامة الحجة عليهم إلا بهذا ~~التقدير أي فإذا كنتم تقولون إنه ليس معه إله آخر فعل مثل فعله فكيف تجعلون ~~معه إلها آخر لا يخلق شيئا وهو عاجز وهذا كقوله أم جعلوا لله شركاء خلقوا ~~كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار وقوله هذا ~~خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه وقوله أفمن يخلق كمن لا يخلق وقوله ~~والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون وقوله واتخذوا من دونه ~~آلهة PageV01P412 لا يخلقون شيا وهم يخلقون وهو كثير في القرآن وبه تتم ~~الحجة كما تبين # والمقصود أن العبد يحصل له هذا في المشهد من مطالعة الجنايات والذنوب ~~وجريانها عليه ms0324 وعلى الخليقة بتقدير العزيز الحكيم وأنه لا عاصم من غضبه ~~وأسباب سخطه إلا هو ولا سبيل إلى طاعته إلا بمعونته ولا وصول إلى مرضاته ~~إلا بتوفيقه فموارد الأمور كلها منه ومصادرها إليه وأزمة التوفيق جميعها ~~بيديه فلا مستعان للعباد إلا به ولا متكل إلا عليه كما قال شعيب خطيب ~~الأنبياء وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب # | فصل المشهد السابع مشهد التوفيق والخذلان # وهو من تمام هذا المشهد وفروعه ولكن أفرد بالذكر لحاجة العبد إلى شهوده ~~وانتفاعه به وقد أجمع العارفون بالله أن التوفيق هو أن لا يكلك الله إلى ~~نفسك وأن الخذلان هو أن يخلى بينك وبين نفسك فالعبيد متقلبون بين توفيقه ~~وخذلانه بل العبد في الساعة الواحدة ينال نصيبه من هذا وهذا فيطيعه ويرضيه ~~ويذكره ويشكره بتوفيقه له ثم يعصيه ويخالفه ويسخطه ويغفل عنه بخذلانه له ~~فهو دائر بين توفيقه وخذلانه فإن وفقه فبفضله ورحمته وإن خذله فبعدله ~~وحكمته وهو المحمود على هذا وهذا له أتم حمد وأكمله ولم يمنع العبد شيئا هو ~~له وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه وهو أعلم حيث يضعه وأين يجعله # فمتى شهد العبد هذا المشهد وأعطاه حقه علم شدة ضرورته وحاجته إلى التوفيق ~~في كل نفس وكل لحفظ وطرفة عين وأن إيمانه وتوحيده بيده تعالى لو تخلى عنه ~~طرفة عين لثل عرش تويحده ولخرت سماء إيمانه على الأرض وأن الممسك له هو من ~~يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه فهجيرى قلبه ودأب PageV01P413 ~~لسانه يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك ~~ودعواه يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام لا إله ~~إلا أنت برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا ~~إلى أحد من خلقك # ففي هذا المشهد يشهد توفيق الله وخذلانه كما يشهد ربوبيته وخلقه فيسأله ~~توفيقه مسألة المضطر ويعوذ به من خذلانه عياذ الملهوف ويلقي نفسه بين يديه ~~طريحا ببابه ms0325 مستسلما له ناكس الرأس بين يديه خاضعا ذليلا مستكينا لا يملك ~~لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ونشورا # والتوفيق إرادة الله من نفسه أن يفعل بعبده ما يصلح به العبد بأن يجعله ~~قادرا على فعل ما يرضيه مريدا له محبا له مؤثرا له على غيره ويبغض إليه ما ~~يسخطه ويكرهه إليه وهذا مجرد فعله والعبد محل له قال تعالى @QB@ ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم @QE@ فهو سبحانه ~~عليم بمن يصلح لهذا الفضل ومن لا يصح له حكيم يضعه في مواضعه وعند أهله لا ~~يمنعه أهله ولا يضعه عند غير أهله وذكر هذا عقيب قوله @QB@ واعلموا أن فيكم ~~رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم @QE@ ثم جاء به بحرف الاستدراك ~~فقال @QB@ ولكن الله حبب إليكم الإيمان @QE@ # يقول سبحانه لم تكن محبتكم للإيمان وإرادتكم له وتزيينه في قلوبكم منكم ~~ولكن الله هو الذي جعله في قلوبكم كذلك فآثرتموه ورضيتموه فلذلك فلذلك لا ~~تقدموا بين يدي رسولي ولا تقولوا حتى يقو لولا تفعلوا حتى يأمر فالذي حبب ~~إليكم الإيمان أعلم بمصالح عباده منكم وأنت مفلولا توفيقه لكم لما أذعنت ~~نفوسكم للإيمان فلم يكن الإيمان بمشورتكم وتوفيق أنفسكم ولا تقدمتم به ~~إليها فنفوسكم تصر وتعجز عن ذلك ولا تبلغه فلو أطاعكم رسولي في كثير مما ~~PageV01P414 تريدون لشق عليكم ذلك ولهلكتم وفسدت مصالحكم وأنتم لا تشعرون ~~ولا تظنوا أن نفوسكم تريد لكم الرشد والصلاح كما أردتم الإيمان فلولا أني ~~حببته إليكم وزينته في قلوبكم وكرهت إليكم ضده لما وقع منكم ولا سمحت به ~~أنفسكم # وقد ضرب للتوفيق والخذلان مثل ملك أرسل إلى أهل بلد من بلاده رسولا وكتب ~~معه إليهمن كتابا يعلمهم أن العدو مصبحهم عن قريب ومجتاحهم ومخرب البلد ~~ومهلك من فيها وأرسل إليهم أموالا ومراكب وزادا وعدة وأدلة وقال ارتحلوا مع ~~هؤلاء الأدلة وقد أرسلت إليكم جميع ما تحتاجون إليه ثم قال ms0326 لجماعة من ~~مماليكه اذهبوا إلى فلان فخذوا بيده واحملوه ولا تذروه يعقد واذهبوا إلى ~~فلان كذلك وإلى فلان وذروا من عداهم فإنهم لا يصلحون أن يساكنوني في بلدي ~~فذهب خواص مماليكه إلى من أمروا بحملهم فلم يتركوهم يقرون بل حملوهم حملا ~~وساقوهم سوقا إلى الملك فاجتاح العدو من بقي في المدينة وقتلهم وأسر من أسر # فهل يعد الملك ظالما لهؤلاء أم عادلا فيهم نعم خص أولئك بإحسانه وعنايته ~~وحمرها من عداهم إذ لا يجب عليه التسوية بينهم في فضله وإكرامه بل ذلك فضلة ~~يؤتيه من يشاء # وقد فسرت القدرية الجبرية التوفيق بأنه خلق الطاعة والخذلان بأنه خلق ~~المعصية # ولكن بنو ذلك على أصولهم الفاسدة من إنكار الأسباب والحكم وردوا الأمر ~~إلى محض المشيئة من غير سبب ولا حكمة # وقابلهم القدرية النفاة ففسروا التوفيق بالبيان العام والهدى العام ~~PageV01P415 والتمكن من الطاعة والإقبال عليها وتهيئة أسبابها هذا حاصل لكل ~~كافر ومشرك بلغته الحجة وتمكن من الإيمان # فالتوفيق عندهم أمر مشترك بين الكفار والمؤمنين إذ الإقدار والتمكين ~~والدلالة والبيان قد عم به الفريقين ولم يفرد المؤمنين عندهم بتوفيق وقع به ~~الإيمان منهم والكفار بخذلان امتنع به الإيمان منهم ولو فعل ذلك لكان عندهم ~~محاباة وظلما # والتزموا لهذا الأصل لوازم قامت بها عليهم سوق الشناعة بين العقلاء ولم ~~يجدوا بدا من التزامها فظهر فساد مذهبهم وتناقض قولهم لمن أحاط به علما ~~وتصوره حق تصوره وعلم أنه من أبطل مذهب في العالم وأردأه # وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء ~~إلى صارط مستقيم فلم يرضوا بطريق هؤلاء ولا بطريق هؤلاء وشهدوا انحراف ~~الطريقين عن الصراط المستقيم فأثبتوا القضاء والقدر وعموم مشيئة الله ~~للكائنات وأثبتوا الأسباب والحكم والغايات والمصالح ونزهوا الله عز وجل أن ~~يكون في ملكه ما لا يشاء أو أن يقدر خلقه على ما لا يدخل تحت قدرته ولا ~~مشيئته أو أن يكون شيء من أفعالهم واقعا بغير اختياره وبدون مشيئته ومن قال ~~ذلك فلم يعرف ربه ms0327 ولم يثبت له كمال الربوبية # ونزهوه مع ذلك عن العبث وفعل القبيح وأن يخلق شيئا سدى وأن تخلوا أفعاله ~~عن حكم بالغة لأجلها أو جدها وأسباب بها سببها وغايات جعلت طرقا ووسائل ~~إليها وأن له في كل ما خلقه وقضاه حكمة بالغة وتلك الحكمة صفة له قائمة به ~~ليست مخلوقة كما تقول القدرية النفاة للقدر والحكمة في الحقيقة # فأهل الصراط المستقيم بريئون من الطائفتين إلا من حق تتضمنه مقالاتهم ~~فإنهم يوافقونهم عليه ويجمعون حق كل منهما إلى حق الأخرى ولا يبطلون ~~PageV01P416 ما معهم من الحق لما قالوه من الباطل فهم شهداء الله على ~~الطوائف وأمناؤه عليهم حكام بينهم حاكمون عليهم ولا يحكم عليهم أحد منهم ~~يكشفون أحوال الطوائف ولا يكشفهم إلا من كشف له عن معرفة ما جاء به الرسول ~~وعرف الفرق بينه وبين غيره ولم يلتبس عليه وهؤلاء أفراد العالم ونخبته ~~وخلاصته ليسوا من الذين فرقوا دنيهم وكانوا شيعا ولا من الذين تقطعوا أمرهم ~~بينهم زبرا بل ممن هم على بينة من ربه وبصيرة في إيمانه ومعرفة بما عند ~~الناس والله الموفق # | فصل المشهد الثامن مشهد الأسماء والصفات # وهو من أجل المشاهد وهو أعلى مما قبله وأوسع # والمطلع على هذا المشهد معرفة تعلق الوجود خلقا وأمرا بالأسماء الحسنى ~~والصفات العلى وارتباطه بها وإن كان العالم بما فيه من بعض آثارها ~~ومقتضياتها # وهذا من أجل المعارف وأشرفها وكل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة فإن ~~أسماءه أوصاف مدح وكمال وكل صفة لها مقتض وفعل إما لازم وإما متعد ولذلك ~~الفعل تعلق بمفعول هو من لوازمه وهذا في خلقه وأمره وثوابه وعقابه كل ذلك ~~آثار الأسماء الحسنى وموجباتها # ومن المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه ~~وتستدعيه من الأفعال وتعطيل الأفعال عن المفعولات كما أنه يستحيل تعطيل ~~مفعوله عن أفعاله وأفعاله عن صفاته وصفاته عن أسمائه وتعيطل أسمائه وأوصافه ~~عن ذاته # وإذا كانت أوصافه صفات كمال وأفعاله حكما ومصالح وأسماؤه حسنى ففرض ~~تعطيلها عن موجباتها مستحيل في ms0328 حقه ولها ينكر سبحانه على من عطله ~~PageV01P417 عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه وأنه بذلك نسبه إلى ما لا يليق به ~~وإلى ما يتنزه عنه وأن ذلك حكم سيىء ممن حكم به عليه وأن من نسبه إلى ذلك ~~فما قدره حق قدره ولا عظمه حق تعظيمه كما قال تعالى في حق منكري النبوة ~~وإرسال الرسل وإنزال الكتب @QB@ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل ~~الله على بشر من شيء @QE@ وقال تعالى في حق منكري المعاد والثواب والعقاب ~~وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات ~~بيمينه وقال في حق من جوز عليه التسوية بين المختلفين كالأبرار والفجار ~~والمؤمنين والكفار @QB@ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون @QE@ فأخبر أن ~~هذا حكم سيء لا يليق به تأباه أسماؤه وصفته وقال سبحانه @QB@ أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو ~~رب العرش الكريم @QE@ عن هذا الظن والحسبان الذين تأباه أسماؤه وصفاته # ونظائر هذا في القرآن كثيرة ينفي فيها عن نفسه خلاف موجب أسمائه وصفاته ~~إذ ذلك مستلزم تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها # فاسمه الحميد المجيد يمنع ترك الإنسان سدى مهملا معطلا لا يؤمر ولا ينهى ~~ولا يثاب ولا يعاقب وكذلك اسمه الحكيم يأبى ذلك وكذلك اسمه الملك واسمه ~~الحي يمنع أن يكون معطلا من الفعل بل حقيقة الحياة الفعل فكل حي فعال وكونه ~~سبحانه خالقا قيوما من موجبات حياته ومقتضياتها واسمه السميع البصير يوجب ~~مسموعا ومرئيا واسمه الخالق يقتضي مخلوقا وكذلك الرزاق واسمه الملك يقتضي ~~مملكة وتصرفا وتدبيرا وإعطاء ومنعا وإحسانا وعدلا وثوابا وعقابا واسم البر ~~المحسن المعطي المنان ونحوها تقتضي آثارها وموجباتها PageV01P418 # إذا عرف هذا فمن أسمائه سبحانه الغفار التواب العفو فلا بد لهذه الأسماء ~~من متعلقات ولا بد من جناية تغفر وتوبة تقبل وجرائم يعفى عنها ولا بد لاسمه ~~الحكيم من متعلق يظهر فيه حكمه إذ اقتضاء هذه الأسماء ms0329 لآثارها كاقتضاء اسم ~~الخالق الرزاق المعطي المانع للمخلوق والمرزوق والمعطي والممنوع وهذه ~~الأسماء كلها حسنى # والرب تعالى يحب ذاته وأوصافه وأسماءه فهو عفو يحب العفو ويحب المغفرة ~~ويحب التوبة ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يخطر بالبال # وكان تقدير ما يغفره ويعفو عن فاعله ويحلم عنه ويتوب عليه ويسامحه من ~~موجب أسمائه وصفاته وحصول ما يحبه ويرضاه من ذلك وما يحمد به نفسه ويحمده ~~به أهل سمواته وأهل أرضه ما هو من موجبات كماله ومقتضى حمده # وهو سبحانه الحميد المجيد وحمده ومجده يقتضيان آثارهما # ومن آثارهما مغفرة الزلات وإقالة العثرات والعفو عن السيئات والمسامحة ~~على الجنايات مع كمال اقدرة على استيفاء الحق والعلم منه سبحانه بالجناية ~~ومقدار عقوبتها فحلمه بعد علمه وعفوه بعد قدرته ومغفرته عن كمال عزته ~~وحكمته كما قال المسيح صلى الله عليه وسلم إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت العزيز الحكيم أي فمغفرتك عن كمال قدرتك وحكمتك لست كمن يغفر ~~عجزا ويسامح جهلا بقدر الحق بل أنت عليم بحقك قادر على استيفائه حكيم في ~~الأخذ به # فمن تأمل سريان آثار الأسماء والصفات في العالم وفي الأمر تبين له أن ~~مصدر قضاء هذه الجنايات من العبيد وتقديرها هو من كمال الأسماء والصفات ~~والأفعال وغايتها أيضا مقتضى حمده ومجده كما هو مقتضى ربوبيته وإلهيته # فله في كل ما قضاه وقدره الحكمة البالغة والآيات الباهرة والتعرفات إلى ~~عباده بأسمائه وصفاته واستدعاء محبتهم له وذكرهم له وشكرهم له وتعبدهم له ~~PageV01P419 بأسمائه الحسنى إذ كل اسم فله تعبد مختص به علما ومعرفة وحالا ~~وأكمل الناس عبودية : المتعبد بجميع الأسماء والصفات التى يطلع عليها البشر ~~فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر كمن يحجبه التعبد باسمه القدير عن ~~التعبد باسمه الحليم الرحيم أو يحجبه عبودية اسمه المعطي عن عبودية اسمه ~~المانع أو عبودية اسمه الرحيم والعفو والغفور عن اسمه المنتقم أو التعبد ~~بأسماء التودد والبر واللطف والإحسان عن أسماء العدل والجبروت والعظمة ~~والكبرياء ونحو ذلك وهذه طريقة ms0330 الكمل من السائرين إلى الله وهي طريقة مشتقة ~~من قلب القرآن قال الله تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [ الأعراف ~~: 180 ] والدعاء بها يتناول دعاء المسألة ودعاء الثناء ودعاء التعبد وهو ~~سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته ويثنوا عليه بها ويأخذوا ~~بحظهم من عبوديتها وهو سبحانه يحب موجب أسمائه وصفاته فهو عليم يحب كل عليم ~~جواد يحب كل جواد وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال عفو يحب العفو وأهله حيي ~~يحب الحياء وأهله بر يحب الأبرار شكور يحب الشاكرين صبور يحب الصابرين حليم ~~يحب أهل الحلم فلمحبته سبحانه للتوبة والمغفرة والعفو والصفح : خلق من يغفر ~~له ويتوب عليه ويعفو عنه وقدر عليه ما يقتضي وقوع المكروه والمبغوض له ~~ليترتب عليه المحبوب له المرضي له فتوسطه كتوسط الأسباب المكروهة المفضية ~~إلى المحبوب فربما كان مكروه العباد إلى محبوبها سبب ما مثله سبب والأسباب ~~مع مسبباتها أربعة أنواع : محبوب يفضي إلى محبوب ومكروه يفضي إلى محبوب ~~وهذان النوعان عليهما مدار أقضيته وقداره سبحانه بالنسبة إلى ما يحبه وما ~~يكرهه PageV01P420 والثالث : مكروه يفضي إلى مكروه والرابع : محبوب يفضي ~~إلى مكروه وهذان النوعان ممتنعان في حقه سبحانه إذ الغايات المطلوبة من ~~قضائه وقدره الذي ما خلق ما خلق ولا قضى ما قضى إلا لأجل حصولها لا تكون ~~إلا محبوبة للرب مرضية له والأسباب الموصلة إليها منقسمة إلى محبوب له ~~ومكروه له فالطاعات والتوحيد : أسباب محبوبة له موصلة إلى الإحسان والثواب ~~المحبوب له أيضا والشرك والمعاصي : أسباب مسخوطة له موصلة إلى العدل ~~المحبوب له وإن كان الفضل أحب إليه من العدل فاجتماع العدل والفضل أحب إليه ~~من انفراد أحدهما عن الآخر لما فيهما من كمال الملك والحمد وتنوع الثناء ~~وكمال القدرة فإن قيل : كان يمكن حصول هذا المحبوب من غير توسط المكروه قيل ~~: هذا سؤال باطل لأن وجود الملزوم بدون لازمه ممتنع والذي يقدر في الذهن ~~وجوده شيء آخر سوى غير هذا المطلوب المحبوب للرب وحكم الذهن عليه بأنه ~~محبوب للرب حكم بلا ms0331 علم بل قد يكون مبغوضا للرب تعالى لمنافاته حكمته فإذا ~~حكم الذهن عليه بأنه محبوب له كان نسبة له إلى ما لا يليق به ويتعالى عنه ~~فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التأمل فإنه مزلة أقدام ومضلة أفهام ولو ~~أمسك عن الكلام من لا يعلم لقل الخلاف وهذا المشهد أجل من أن يحيط به كتاب ~~أو يستوعبه خطاب وإنما أشرنا إليه أدنى إشارة تطلع على ما وراءها والله ~~الموفق والمعين # | فصل المشهد التاسع : مشهد زيادة الإيمان وتعدد شواهده وهو من ألطف # المشاهد وأخصها بأهل المعرفة ولعل سامعه يبادر إلى إنكاره ويقول : كيف ~~يشهد زيادة الإيمان من الذنوب والمعاصي ولا سيما من ذنوب العبد ومعاصيه وهل ~~ذلك إلا منقص للإيمان فإنه بإجماع السلف : يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ~~PageV01P421 فاعلم أن هذا حاصل من التفات العارف إلى الذنوب والمعاصي منه ~~ومن غيره وإلى ترتب آثارها عليها وترتب هذه الآثار عليها علم من أعلام ~~النبوة وبرهان من براهين صدق الرسل وصحة ما جاءوا به فإن الرسل صلوات الله ~~وسلامه عليهم أمروا العباد بما فيه صلاح ظواهراهم وبواطنهم في معاشهم ~~ومعادهم ونهوهم عما فيه فساد ظواهرهم وبواطنهم في المعاش والمعاد وأخبروهم ~~عن الله عز وجل : أنه يحب كذا وكذا ويثيب عليه بكذا وكذا وأنه يبغض كيت ~~وكيت ويعاقب عليه بكيت وكيت وأنه إذا أطيع بما أمر به : شكر عليه بالإمداد ~~والزيادة والنعم في القلوب والأبدان والأموال ووجد العبد زيادته وقوته في ~~حاله كلها وأنه إذا خولف أمره ونهيه ترتب عليه من النقص والفساد والضعف ~~والذل والمهانة والحقارة وضيق العيش وتنكد الحياة ما ترتب كما قال تعالى : ~~من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون [ النحل : 97 ] وقال تعالى : قل : يا عبادي الذين ~~آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير [ ~~الزمر : 10 ] وقال تعالى : @QB@ وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم ~~متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله ms0332 @QE@ [ هود : 3 ] وقال تعالى ~~: @QB@ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى @QE@ [ ~~طه : 124 ] وفسرت المعيشة الضنك : بعذاب القبر والصحيح : أنها في الدنيا ~~وفي البرزخ فإن من أعرض عن ذكره الذي أنزله فله من ضيق الصدر ونكد العيش ~~وكثرة PageV01P422 الخوف وشدة الحرص والتعب على الدنيا والتحسر على فواتها ~~قبل حصولها وبعد حصولها والآلام التي في خلال ذلك ما لا يشعر به القلب ~~لسكرته وانغماسه في السكر فهو لا يصحو ساعة إلا أحس وشعر بهذا الألم فبادر ~~إلى إزالته بسكر ثان فهو هكذا مدة حياته وأي عيشة أضيق من هذه لو كان للقلب ~~شعور فقلوب أهل البدع والمعرضين عن القرآن وأهل الغفلة عن الله وأهل ~~المعاصي فى جحيم قبل الجحيم الأكبر وقلوب الأبرار في نعيم قبل النعيم ~~الأكبر @QB@ إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم @QE@ [ الإنفطار : ~~1314 هذا في دورهم الثلاث ليس مختصا بالدار الآخرة وإن كان تمامه وكماله ~~وظهوره : إنما هو في الدار الآخرة وفي البرزخ دون ذلك كما قال تعالى : @QB@ ~~وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك @QE@ [ الطور : 47 ] وقال تعالى : ويقولون : ~~متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل : عسى أن يكون ردف لكم بعض الذى تستعجلون ~~[ النمل : 7172 ] وفي هذه الدار دون ما في البرزخ ولكن يمنع من الإحساس به ~~: الاستغراق في سكرة الشهوات وطرح ذلك عن القلب وعدم التفكر فيه والعبد قد ~~يصيبه ألم حسي فيطرحه عن قلبه ويقطع التفاته عنه ويجعل إقباله على غيره ~~لئلا يشعر به جملة فلو زال عنه ذلك الالتفات لصاح من شدة الألم فما الظن ~~بعذاب القلوب وآلامها وقد جعل الله سبحانه للحسنات والطاعات آثارا محبوبة ~~لذيذة طيبة لذتها فوق لذة المعصية بأضعاف مضاعفة لا نسبة لها إليها وجعل ~~للسيئات والمعاصي آلاما وآثارا مكروهة وحزازات تربي على لذة تناولها بأضعاف ~~مضاعفة قال PageV01P423 ابن عباس : إن للحسنة نورا في القلب وضياء في الوجه ~~وقوة في البدن وزيادة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة سوادا في ~~الوجه وظلمة ms0333 في القلب ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق ~~وهذا يعرفه صاحب البصيرة ويشهده من نفسه ومن غيره فما حصل للعبد حال مكروهة ~~قط إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر قال تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [ الشورى : 30 ] وقال لخيار خلقه وأصحاب نبيه : ~~أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم : أنى هذا قل هو من عند أنفسكم [ ~~آل عمران : 165 ] وقال : ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك [ النساء : 79 ] والمراد بالحسنة والسيئة هنا : النعم والمصائب التي ~~تصيب العبد من الله ولهذا قال : ما أصابك ولم يقل : ما أصبت فكل نقص وبلاء ~~وشر في الدنيا والآخرة فسببه الذنوب ومخالفة أوامر الرب فليس في العالم شر ~~قط إلا الذنوب وموجباتها وآثار الحسنات والسيئات في القلوب والأبدان ~~والأموال : أمر مشهود في العالم لا ينكره ذو عقل سليم بل يعرفه المؤمن ~~والكافر والبر والفاجر وشهود العبد هذا في نفسه وفي غيره وتأمله ومطالعته : ~~مما يقوي إيمانه بما جاءت به الرسل ؤوبالثواب والعقاب فإن هذا عدل مشهود ~~محسوس فى هذا العالم ومثوبات وعقوبات عاجلة دالة على ما هو أعظم منها لمن ~~كانت له بصيرة كما قال بعض الناس : إذا صدر مني ذنب ولم أبادره ولم أتداركه ~~بالتوبة : انتظرت أثره السيء فإذا أصابني أو فوقه أو دونه كما حسبت يكون ~~هجيراى : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ويكون ذلك من ~~شواهد الإيمان PageV01P424 وأدلته فإن الصادق متى أخبرك أنك إذا فعلت كذا ~~وكذا ترتب عليه من المكروه كذا وكذا فجعلت كلما فعلت شيئا من ذلك حصل لك ما ~~قال من المكروه لم تزدد إلا علما بصدقه وبصيرة فيه وليس هذا لكل أحد بل ~~أكثر الناس ترين الذنوب على قلبه فلا يشهد شيئا من ذلك ولا يشعر به ألبتة ~~وإنما يكون هذا لقلب فيه نور الإيمان وأهوية الذنوب والمعاصي تعصف فيه فهو ~~يشاهد هذا وهذا ويرى حال ms0334 مصباح إيمانه مع قوة تلك الأهوية والرياح فيرى ~~نفسه كراكب البحر عند هيجان الرياح وتقلب السفينة وتكفئها ولا سيما إذا ~~انكسرت به وبقي على لوح تلعب به الرياح فهكذا المؤمن يشاهد نفسه عند ارتكاب ~~الذنوب إذا أريد به الخير وإن أريد به غير ذلك فقلبه في واد آخر ومتى انفتح ~~هذا الباب للعبد : انتفع بمطالعة تاريخ العالم وأحوال الأمم وماجريات الخلق ~~بل انتفع بماجريات أهل زمانه وما يشاهده من أحوال الناس وفهم حينئذ معنى ~~قوله تعالى : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت [ الرعد : 33 ] وقوله : شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم [ آل عمران : 18 ] فكل ما تراه في الوجود من شر وألم وعقوبة ~~وجدب ونقص في نفسك وفي غيرك فهو من قيام الرب تعالى بالقسط وهو عدل الله ~~وقسطه وإن أجراه على يد ظالم فالمسلط له أعدل العادلين كما قال تعالى لمن ~~أفسد في الأرض : بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار ~~الآية [ الإسراء : 5 ] فالذنوب مثل السموم مضرة بالذات فإن تداركها من سقي ~~بالأدوية المقاومة لها وإلا قهرت القوة الإيمانية وكان الهلاك كما قال بعض ~~السلف : المعاصي بريد الكفر كما أن الحمى بريد الموت فشهود العبد نقص حاله ~~إذا عصى ربه وتغير القلوب عليه وجفولها منه PageV01P425 وانسداد الأبواب في ~~وجهه وتوعر المسالك عليه وهوانه على أهل بيته وأولاده وزوجته وإخوانه ~~وتطلبه ذلك حتى يعلم من أين أتى ووقوعه على السبب الموجب لذلك : مما يقوي ~~إيمانه فإن أقلع وباشر الأسباب التي تفضي به إلى ضد هذه الحال رأى العز بعد ~~الذل والغنى بعد الفقر والسرور بعد الحزن والأمن بعد الخوف والقوة في قلبه ~~بعد ضعفه ووهنه ازداد إيمانا مع إيمانه فتقوى شواهد الإيمان في قلبه ~~وبراهينه وأدلته في حال معصيته وطاعته فهذا من الذين قال الله فيهم ليكفعر ~~الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون [ الزمر ~~: 35 ] وصاحب هذا ms0335 المشهد متى تبصر فيه وأعطاه حقه : صار من أطباء القلوب ~~العالمين بدائها ودوائها فنفعه الله في نفسه ونفع به من شاء من خلقه والله ~~أعلم # | فصل المشهد العاشر : مشهد الرحمة فإن العبد إذا وقع في الذنب خرج من # قلبه تلك الغلظة والقسوة والكيفية الغضبية التي كانت عنده لمن صدر منه ~~ذنب حتى لو قدر عليه لأهله وربما دعا الله عليه أن يهلكه ويأخذه غضبا منه ~~لله وحرصا على أن لا يعصى فلا يجد في قلبه رحمة للمذنبين الخاطئين ولا ~~يراهم إلا بعين الاحتقار والازدراء ولا يذكرهم إلا بلسان الطعن فيهم والعيب ~~لهم والذم فإذا جرت عليه المقادير وخلي ونفسه استغاث الله والتجأ اليه ~~وتململ بين يديه تململ السليم ودعاه دعاء المضطر فتبدلت تلك الغلظة على ~~المذنبين رقة وتلك القساوة على الخاطئين رحمة ولينا مع قيامه بحدود الله ~~وتبدل دعاؤه عليهم دعاء لهم وجعل لهم وظيفة من عمره يسأل الله أن يغفر لهم ~~فما أنفعه له من مشهد وما أعظم جدواه عليه والله أعلم PageV01P426 # | فصل فيورثه ذلك : المشهد الحادي عشر وهو مشهد العجز والضعف وأنه أعجز # شيء عن حفظ نفسه وأضعفه وأنه لا قوة له ولا قدرة ولا حول إلا بربه فيشهد ~~قلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح يمينا وشمالا ويشهد نفسه كراكب ~~سفينة في البحر تهيج بها الرياح وتتلاعب بها الأمواج ترفعها تارة وتخفضها ~~تارة أخرى تجري عليه أحكام القدر وهو كالآلة طريحا بين يدي وليه ملقى ببابه ~~واضعا خده على ثرى أعتابه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ~~ولا نشورا ليس له من نفسه إلا الجهل والظلم وآثارهما ومقتضياتهما فالهلاك ~~أدنى إليه من شراك نعله كشاة ملقاة بين الذئاب والسباع لا يردها عنها إلا ~~الراعي فلو تخلى عنها طرفة عين لتقاسموها أعضاء وهكذا حال العبد ملقى بين ~~الله وبين أعدائه من شياطين الإنس والجن فإن حماه منهم وكفهم عنه لم يجدوا ~~إليه سبيلا وإن تخلى عنه ووكله إلى نفسه طرفة عين لم ينقسم عليهم ms0336 بل هو ~~نصيب من ظفر به منهم وفي هذا المشهد يعرف نفسه حقا ويعرف ربه وهذا أحد ~~التأويلات للكلام المشهور من عرف نفسه عرف ربه وليس هذا حديثا عن رسول الله ~~إنما هو أثر إسرائيلي بغير هذا اللفظ أيضا يا إنسان اعرف نفسك تعرف ربك ~~وفيه ثلاث تأويلات : أحدهما : أن من عرف نفسه بالضعف عرف ربه بالقوة ومن ~~عرفها بالعجز عرف ربه بالقدرة ومن عرفها بالذل عرف ربه بالعز ومن عرفها ~~بالجهل عرف ربه بالعلم فإن الله سبحانه استأثر بالكمال المطلق والحمد ~~والثناء والمجد والغنى والعبد فقير ناقص محتاج وكلما ازدادت معرفة العبد ~~بنقصه وعيبه وفقره وذله وضعفه : ازدادت معرفته لربه بأوصاف كماله ~~PageV01P427 التأويل الثاني : أن من نظر إلى نفسه وما فيها من الصفات ~~الممدوحة من القوة والإرادة والكلام والمشيئة والحياة عرف أن من أعطاه ذلك ~~وخلقه فيه أولى به فمعطي الكمال أحق بالكمال فكيف يكون العبد حيا متكلما ~~سميعا بصيرا مريدا عالما يفعل باختياره ومن خلقه وأوجده لا يكون أولى بذلك ~~منه فهذا من أعظم المحال بل من جعل العبد متكلما أولى أن يكون هو متكلما ~~ومن جعله حيا عليما سميعا بصيرا فاعلا قادرا أولى أن يكون كذلك فالتأويل ~~الأول من باب الضد وهذا من باب الأولوية والتأويل الثالث : أن هذا من باب ~~النفي أي كما أنك لا تعرف نفسك التي هي أقرب الأشياء إليك فلا تعرف حقيقتها ~~ولا ماهيتها ولا كيفيتها فكيف تعرف ربك وكيفية صفاته والمقصود : أن هذا ~~المشهد يعرف العبد أنه عاجز ضعيف فتزول عنه رعونات الدعاوى والإضافات إلى ~~نفسه ويعلم أنه ليس له من الأمر شيء إن هو إلا محض القهر والعجز والضعف # | فصل فحينئذ يطلع منه على : المشهد الثاني عشر وهو مشهد الذل # والانكسار والخضوع والافتقار للرب جل جلاله فيشهد في كل ذرة من ذراته ~~الباطنة والظاهرة : ضرورة تامة وافتقارا تاما إلى ربه ووليه ومن بيده صلاحه ~~وفلاحه وهداه وسعادته وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارة حقيقتها ~~وإنما تدرك بالحصول فيحصل لقلبه ms0337 كسرة خاصة لا يشبهها شىء بحيث يرى نفسه ~~كالإناء المرضوض تحت الأرجل الذى لا شىء فيه ولا به ولا منه ولا فيه منفعة ~~ولا يرغب فى مثله وأنه لا يصلح للانتفاع إلا بجبر جديد من صانعه وقيمه ~~فحينئد يستكثر فى هذا المشهد ما من ربه إليه من الخير ويرى أنه لا يستحق ~~قليلا منه ولا كثيرا فأي خير ناله من PageV01P428 الله استكثره على نفسه ~~وعلم أن قدره دونه وأن رحمة ربه هى التى اقتضت ذكره به وسياقته إليه واستقل ~~ما من نفسه من الطاعات لربه ورآها ولو ساوت طاعات الثقلين من أقل ما ينبغى ~~لربه عليه واستكثر قليل معاصيه وذنوبه فإن الكسرة التي حصلت لقلبه أوجبت له ~~هذا كله فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور وما أدنى النصر والرحمة ~~والرزق منه وما أنفع هذا المشهد له وأجداه عليه وذرة من هذا ونفس منه أحب ~~إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المدلين المعجبين بأعمالهم وعلومهم ~~وأحوالهم وأحب القلوب إلى الله سبحانه : قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة ~~وملكته هذه الذلة فهو ناكس الرأس بين يدي ربه لا يرفع رأسه إليه حياء وخجلا ~~من الله قيل لبعض العارفين : أيسجد القلب قال : نعم يسجد سجدة لا يرفع رأسه ~~منها إلى يوم اللقاء فهذا سجود القلب فقلب لا تباشره هذه الكسرة فهو غير ~~ساجد السجود المراد منه إذا سجد القلب لله هذه السجدة العظمى سجدت معه جميع ~~الجوارح وعنا الوجه حينئذ للحي القيوم وخشع الصوت والجوارح كلها وذل العبد ~~وخضع واستكان ووضع خده على عتبة العبودية ناظرا بقلبه إلى ربه ووليه نظر ~~الذليل إلى العزيز الرحيم فلا يرى إلا متملقا لربه خاضعا له ذليلا مستعطفا ~~له يسأله عطفه ورحمته فهو يترضى ربه كما يترضى المحب الكامل المحبة محبوبه ~~المالك له الذى لا غنى له عنه ولا بد له منه فليس له هم غير استرضائه ~~واستعطافه لأنه لا حياة له ولا فلاح إلا في قربه ورضاه عنه ومحبته له يقول ~~: كيف أغضب من ms0338 حياتى في رضاه وكيف أعدل عمن سعادتي وفلاحي وفوزي في قربه ~~وحبه وذكره وصاحب هذا المشهد : يشهد نفسه كرجل كان في كنف أبيه يغذوه بأطيب ~~الطعام والشراب واللباس ويربيه أحسن التربية ويرقيه على درجات الكمال أتم ~~ترقية وهو القيم بمصالحه كلها فبعثه أبوه في حاجة له فخرج عليه فى طريقه ~~PageV01P429 عدو فأسره وكتفه وشده وثاقا ثم ذهب به إلى بلاد الأعداء فسامه ~~سوء العذاب وعامله بضد ما كان أبوه يعامله به فهو يتذكر تربية والده ~~وإحسانه إليه الفينة بعد الفينة فتهيج من قلبه لواعج الحسرات كلما رأى حاله ~~ويتذكر ما كان عليه وكل ما كان فيه فبينا هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب ~~ويريد نحره في آخر الأمر إذ حانت منه التفاتة إلى نحو ديار أبيه فرأى أباه ~~منه قريبا فسعى إليه وألقى نفسه عليه وانطرح بين يديه يستغيث : يا أبتاه يا ~~أبتاه يا أبتاه انظر إلى ولدك وما هو فيه ودموعه تستبق على خديه قد اعتنقه ~~والتزمه وعدوه في طلبه حتى وقف على رأسه وهو ملتزم لوالده ممسك به فهل تقول ~~: إن والده يسلمه مع هذه الحال إلى عدوه ويخلي بينه وبينه فما الظن بمن هو ~~أرحم بعبده من الوالد بولده ومن الوالدة بولدها إذا فر عبد إليه وهرب من ~~عدوه إليه وألقى بنفسه طريحا ببابه يمرغ خده في ثرى أعتابه باكيا بين يديه ~~يقول : يا رب يا رب ارحم من لا راحم له سواك ولا ناصر له سواك ولا مؤوي له ~~سواك ولا مغيث له سواك مسكينك وفقيرك وسائلك ومؤملك ومرجيك لا ملجأ له ولا ~~منجا له منك إلا إليك أنت معاذه وبك ملاذه يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن ~~أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ولا يهيضون عظما أنت ~~جابره # | فصل فإذا استبصر في هذا المشهد تمكن من قلبه وباشره وذاق طعمه # وحلاوته ترقى منه إلى : المشهد الثالث عشر وهو الغاية التي شمر إليها ~~السالكون وأمها القاصدون ولحظ إليها العاملون وهو ms0339 مشهد العبودية والمحبة ~~والشوق إلى لقائه والابتهاج به والفرح والسرور به فتقر به عينه ويسكن إليه ~~قلبه وتطمئن إليه جوارحه ويستولى PageV01P430 ذكره على لسان محبه وقلبه ~~فتصير خطرات المحبة مكان خطرات المعصية وإرادات التقرب إليه وإلى مرضاته ~~مكان إرادة معاصيه ومساخطه وحركات اللسان والجوارح بالطاعات مكان حركاتها ~~بالمعاصي قد امتلأ قلبه من محبته ولهج لسانه بذكره وانقادت الجوارح لطاعته ~~فإن هذه الكسرة الخاصة لها تأثير عجيب في المحبة لا يعبر عنه ويحكى عن بعض ~~العارفين أنه قال : دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها فما دخلت من باب ~~إلا رأيت عليه الزحام فلم أتمكن من الدخول حتى جئت باب الذل والافتقار فإذا ~~هو أقرب باب إليه وأوسعه ولا مزاحم فيه ولا معوق فما هو إلا أن وضعت قدمي ~~في عتبته فإذا هو سبحانه قد أخذ بيدي وأدخلني عليه وكان شيخ الإسلام ابن ~~تيمية رضي الله عنه يقول : من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية ~~وقال بعض العارفين : لا طريق أقرب إلى الله من العبودية ولا حجاب أغلظ من ~~الدعوى ولا ينفع مع الإعجاب والكبر عمل واجتهاد ولا يضر مع الذل والافتقار ~~بطالة يعني بعد فعل الفرائض والقصد : أن هذه الذلة والكسرة الخاصة تدخله ~~على الله وترميه على طريق المحبة فيفتح له منها باب لا يفتح له من غير هذه ~~الطريق وإن كانت طرق سائر الأعمال والطاعات تفتح للعبد أبوابا من المحبة ~~لكن الذي يفتح منها من طريق الذل والانكسار والافتقار وازدراء النفس ~~ورؤيتها بعين الضعف والعجز PageV01P431 والعيب والنقص والذم بحيث يشاهدها ~~ضيعة وعجزا وتفريطا وذنبا وخطيئة : نوع آخر وفتح آخر والسالك بهذه الطريق ~~غريب في الناس هم في واد وهو في واد وهي تسمى طريق الطير يسبق النائم فيها ~~على فراشه السعاة فيصبح وقد قطع الطريق وسبق الركب بينا هو يحدثك وإذا به ~~قد سبق الطرف و فات السعاة والله المستعان خير الغافرين وهذا الذي حصل له ~~من آثار محبة الله له وفرحه بتوبة عبده فإنه سبحانه يحب التوابين ويفرح ms0340 ~~بتوبتهم أعظم فرح وأكمله فكلما طالع العبد منن ربه سبحانه عليه قبل الذنب ~~وفي حال مواقعته وبعده وبره به وحلمه عنه وإحسانه إليه : هاجت من قلبه ~~لواعج محبته والشوق إلى لقائه فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وأي ~~إحسان أعظم من إحسان من يبارزه العبد بالمعاصي وهو يمده بنعمه ويعامله ~~بألطافه ويسبل عليه ستره ويحفظه من خطفات أعدائه المترقبين له أدنى عثرة ~~ينالون منه بها بغيتهم ويردهم عنه ويحول بينهم وبينه وهو في ذلك كله بعينه ~~يراه ويطلع عليه فالسماء تستأذن ربها أن تحصبه والأرض تستأذنه أن تخسف به ~~والبحر يستأذنه أن يغرقه كما في مسند الإمام أحمد عن النبي ما من يوم إلا ~~والبحر يستأذن ربه : أن يغرق ابن آدم والملائكة تستأذنه : أن تعاجله وتهلكه ~~والرب تعالى يقول : دعوا عبدي فأنا أعلم به إذ أنشأته من الأرض إن كان ~~عبدكم فشأنكم به وإن كان عبدي فمني وإلي عبدى وعزتي وجلالي إن أتاني ليلا ~~قبلته وإن أتاني نهارا قبلته وإن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا وإن تقرب ~~مني ذراعا تقربت منه باعا وإن مشى إلي هرولت إليه وإن استغفرني غفرت له وإن ~~استقالني أقلته وإن تاب إلي تبت عليه من أعظم مني جودا وكرما وأنا الجواد ~~الكريم عبيدي يبيتون يبارزونني بالعظائم وأنا أكلؤهم في مضاجعهم وأحرسهم ~~على فرشهم من PageV01P432 أقبل إلي تلقيته من بعيد ومن ترك لأجلي أعطيته ~~فوق المزيد ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد ومن أراد مرادي أردت ما ~~يريد أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي ~~وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا إلي فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا ~~فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب ولنقتصر على هذا القدر من ~~ذكر التوبة وأحكامها وثمراتها فإنه ما أطيل الكلام فيها إلا لفرط الحاجة ~~والضرورة إلى معرفتها ومعرفة أحكامها وتفاصيلها ومسائلها والله الموفق ~~لمراعاة ذلك والقيام به عملا وحالا كما وفق له علما ومعرفة فما خاب من توكل ms0341 ~~عليه ولاذ به ولجأ إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله # | فصل قد علمت أن من نزل في منزل التوبة وقام في مقامها نزل في جميع # منازل الإسلام فإن التوبة الكاملة متضمنة لها وهي مندرجة فيها ولكن لابد ~~من إفرادها بالذكر والتفصيل تبيينا لحقائقها وخواصها وشروطها فإذا استقرت ~~قدمه فى منزل التوبة نزل بعده منزل الإنابة وقد أمر الله تعالى بها في ~~كتابه وأثنى على خليله بها فقال : وأنيبوا إلى ربكم الزمر : 54 ] وقال : إن ~~إبراهيم لحليم أواه منيب @QB@ هود @QE@ 75 ] وأخبر أن آياته إنما يتبصر بها ~~ويتذكر أهل الإنابة فقال أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ~~إلى أن قال تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ق 68 ] وقال تعالى هو الذي يريكم ~~آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب @QB@ غافر @QE@ 13 ] ~~وقال تعالى منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة الآية فمنيبين منصوب على ~~الحال من الضمير المستكن في قوله فأقم وجهك لأن هذا الخطاب له ولأمته أي ~~أقم وجهك أنت وأمتك منيبين إليه نظيره قوله يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ~~ويجوز أن يكون حالا من المفعول فى PageV01P433 قوله فطر الناس عليها أي ~~فطرهم منيبين إليه فلو خلو وفطرهم لما عدلت عن الإنابة إليه ولكنها تحول ~~وتتغير عما فطرت عليه كما قال ما من مولود إلا يولد على الفطرة وفي رواية : ~~على الملة حتى يعرب عنه لسانه وقال عن نبيه داود فاستغفر ربه وخر راكعا ~~وأناب ص : 24 ] وأخبر أن ثوابه وجنته لأهل الخشية والإنابة فقال : وأزلفت ~~الجنة للمتقين غير بعيد هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب ~~وجاء بقلب منيب ادخلوها بسلام ق : 3134 ] وأخبر سبحانه أن البشرى منه إنما ~~هي لأهل الإنابة فقال : والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى ~~الله لهم البشرى الزمر : 17 ] و الإنابة إنابتان : إنابة لربوبيته وهي ~~إنابة المخلوقات كلها يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر قال الله ~~تعالى : وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين ms0342 إليه الروم : 33 ] فهذا عام في ~~حق كل داع أصابه ضر كما هو الواقع وهذه الإنابة لا تستلزم الإسلام بل تجامع ~~الشرك والكفر كما قال تعالى في حق هؤلاء ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق ~~منهم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم الروم : 3334 ] فهذا حالهم بعد ~~إنابتهم و الإنابة الثانية إنابة أوليائه وهي إنابة لإلهيته إنابة عبودية ~~ومحبة وهي تتضمن أربعة أمور : محبته والخضوع له والإقبال عليه والإعراض عما ~~سواه فلا يستحق اسم المنيب إلا من اجتمعت فيه هذه الأربعة وتفسير السلف ~~لهذه اللفظة يدور على ذلك وفي اللفظة معنى الإسراع والرجوع والتقدم و ~~المنيب إلى الله : المسرع إلى مرضاته الراجع إليه كل وقت المتقدم إلى محابه # | قال صاحب المنازل : الإنابة في اللغة : الرجوع وهي ههنا الرجوع إلى ~~الحق # PageV01P434 وهى ثلاثة أشياء : الرجوع إلى الحق إصلاحا كما رجع إليه ~~اعتذارا والرجوع إليه وفاء كما رجع إليه عهدا والرجوع إليه حالا كما رجعت ~~إليه إجابة لما كان التائب قد رجع إلى الله بالاعتذار والإقلاع عن معصيته ~~كان من تتمة ذلك : رجوعه إليه بالاجتهاد والنصح في طاعته كما قال : إلا من ~~تاب وآمن وعمل عملا صالحا الفرقان : 70 ] وقال : إلا الذين تابوا وأصلحوا ~~البقره : 160 ] فلا تنفع توبة وبطالة فلا بد من توبة وعمل صالح : ترك لما ~~يكره وفعل لما يحب تخل عن معصيته وتحل بطاعته وكذلك الرجوع إليه بالوفاء ~~بعهده كما رجعت إليه عند أخذ العهد عليك فرجعت إليه بالدخول تحت عهده أولا ~~فعليك بالرجوع بالوفاء بما عاهدته عليه ثانيا والدين كله : عهد ووفاء فإن ~~الله أخذ عهده على جميع المكلفين بطاعته فأخذ عهده على أنبيائه ورسله على ~~لسان ملائكته أو منه إلى الرسول بلا واسطة كما كلم موسى وأخذ عهده على ~~الأمم بواسطة الرسل وأخذ عهده على الجهال بواسطة العلماء فأخذ عهده على ~~هؤلاء بالتعليم وعلى هؤلاء بالتعلم ومدح الموفين بعهده وأخبرهم بما لهم ~~عنده من الأجر فقال : ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ~~الفتح : 10 ms0343 ] وقال : وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا الإسراء : 34 ] ~~وقال : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم النحل : 91 ] وقال : والموفون بعهدهم ~~إذا عاهدوا البقره : 177 ] وهذا يتناول عهودهم مع الله بالوفاء له بالإخلاص ~~والإيمان والطاعة وعهودهم مع الخلق وأخبر النبي : أن من علامات النفاق ~~الغدر بعد العهد فما أناب إلى الله عز وجل من خان عهده وغدر به كما أنه لم ~~ينب إليه من لم يدخل تحت عهده فالإنابة لا تتحقق إلا بالتزام العهد والوفاء ~~به وقوله : والرجوع إليه حالا كما رجعت إليه إجابة PageV01P435 أي هو ~~سبحانه قد دعاك فأجبته بلبيك وسعديك قولا فلا بد من الإجابة حالا تصدق به ~~المقال فإن الأحوال تصدق الأقوال أو تكذبها وكل قول فلصدقه وكذبه شاهد من ~~حال قائله فكما رجعت إلى الله إجابة بالمقال فارجع إليه إجابة بالحال قال ~~الحسن رحمه الله : ابن آدم لك قول وعمل وعملك أولى بك من قولك ولك سريرة ~~وعلانية وسريرتك أملك بك من علانيتك # | فصل قال : وإنما يستقيم الرجوع إليه إصلاحا بثلاثة أشياء : بالخروج # من التبعات والتوجع للعثرات واستدراك الفائتات والخروج من التبعات : هو ~~بالتوبة من الذنوب التي بين العبد وبين الله وأداء الحقوق التي عليه للخلق ~~والتوجع للعثرات يحتمل شيئين أحدهما : أن يتوجع لعثرته إذا عثر فيتوجع قلبه ~~وينصدع وهذا دليل على إنابته إلى الله بخلاف من لا يتألم قلبه ولا ينصدع من ~~عثرته فإنه دليل على فساد قلبه وموته الثاني : أن يتوجع لعثرة أخيه المؤمن ~~إذا عثر حتى كأنه هو الذي عثر بها ولا يشمت به فهو دليل على رقة قلبه ~~وإنابته واستدراك الفائتات : هو استدراك ما فاته من طاعة وقربة بأمثالها أو ~~خير منها ولا سيما في بقية عمره عند قرب رحيله إلى الله فبقية عمر المؤمن ~~لا قيمة لها يستدرك بها ما فات ويحيي بها ما أمات # | فصل قال : وإنما يستقيم الرجوع إليه عهدا : بثلاثة أشياء بالخلاص من # لذة الذنب وبترك الاستهانة بأهل الغفلة تخوفا عليهم مع الرجاء لنفسك ~~وبالاستقصاء في رؤية علة الخدمة ms0344 PageV01P436 إذا صفت له الإنابة إلى ربه ~~تخلص من الفكرة في لذة الذنب وعاد مكانها ألما وتوجعا لذكره والفكرة فيه ~~فما دامت لذة الفكرة فيه موجودة في قلبه فإنابته غير صافية فإن قيل : أي ~~الحالين أعلى حال من يجد لذة الذنب في قلبه فهو يجاهدها لله ويتركها من ~~خوفه ومحبته وإجلاله أو حال من ماتت لذة الذنب في قلبه وصار مكانها ألما ~~وتوجعا وطمأنينة إلى ربه وسكونا إليه والتذاذا بحبه وتنعما بذكره قيل : حال ~~هذا أكمل وأرفع وغاية صاحب المجاهدة أن يجاهد نفسه حتى يصل إلى مقام هذا ~~ومنزلته ولكنه يتلوه في المنزلة والقرب ومنوط به فإن قيل : فأين أجر مجاهدة ~~صاحب اللذة وتركه محابه لله وإيثاره رضى الله على هواه وبهذا كان النوع ~~الإنساني أفضل من النوع الملكي عند أهل السنة وكانوا خير البرية والمطمئن ~~قد استراح من ألم هذه المجاهدة وعوفي منها فبينهما من التفاوت ما بين درجة ~~المعافى والمبتلى قيل : النفس لها ثلاثة أحوال : الأمر بالذنب ثم اللوم ~~عليه والندم منه ثم الطمأنينة إلى ربها والإقبال بكليتها عليه وهذه الحال ~~أعلى أحوالها وأرفعها وهي التي يشمر إليها المجاهد وما يحصل له من ثواب ~~مجاهدته وصبره فهو لتشميره إلى درجة الطمأنينة إلى الله فهو بمنزلة راكب ~~القفار والمهامه والأهوال ليصل إلى البيت فيطمئن قلبه برؤيته والطواف به ~~والآخر بمنزلة من هو مشغول به طائفا وقائما وراكعا وساجدا ليس له التفات ~~إلى غيره فهذا مشغول بالغاية وذاك بالوسيلة وكل له أجر ولكن بين أجر ~~الغايات وأجر الوسائل بون وما يحصل للمطمئن من الأحوال والعبودية والإيمان ~~فوق ما يحصل لهذا المجاهد نفسه في ذات الله وإن كان أكثر عملا فقدر عمل ~~المطمئن المنيب بجملته وكيفيته أعظم وإن كان هذا المجاهد أكثر عملا وذلك ~~فضل الله يؤتيه من PageV01P437 يشاء فما سبق الصديق الصحابة بكثرة عمل وقد ~~كان فيهم من هو أكثر صياما وحجا وقراءة وصلاة منه ولكن بأمر آخر قام بقلبه ~~حتى إن أفضل الصحابة كان يسابقه ولا يراه إلا أمامه ولكن ms0345 عبودية مجاهد نفسه ~~على لذة الذنب والشهوة قد تكون أشق ولا يلزم من مشقتها تفضيلها في الدرجة ~~فأفضل الأعمال الإيمان بالله والجهاد أشق منه وهو تاليه في الدرجة ودرجة ~~الصديقين أعلى من درجة المجاهدين والشهداء وفي مسند الإمام أحمد من حديث ~~عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ذكر الشهداء فقال : إن أكثر شهداء ~~أمتي لأصحاب الفرش ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته # | فصل ومن علامات الإنابة : ترك الاستهانة بأهل الغفلة والخوف عليهم مع # فتحك باب الرجاء لنفسك فترجو لنفسك الرحمة وتخشى على أهل الغفلة النقمة ~~ولكن ارج لهم الرحمة واخش على نفسك النقمة فإن كنت لا بد مستهينا بهم ماقتا ~~لهم لانكشاف أحوالهم لك ورؤية ما هم عليه فكن لنفسك أشد مقتا منك لهم وكن ~~لهم أرجى لهم لرحمة الله منك لنفسك قال بعض السلف : لن تفقه كل الفقه حتى ~~تمقت الناس في ذات الله ثم ترجع إلى نفسك فتكون لها أشد مقتا وهذا الكلام ~~لا يفقه معناه إلا الفقيه في دين الله فإن من شهد حقيقة الخلق وعجزهم ~~وضعفهم وتقصيرهم بل تفريطهم وإضاعتهم لحق الله وإقبالهم على غيره وبيعهم ~~حظهم من الله بأبخس الثمن من هذا العاجل الفاني لم يجد بدا من مقتهم ولا ~~يمكنه غير ذلك ألبتة ولكن إذا رجع إلى نفسه وحاله وتقصيره وكان على بصيرة ~~من ذلك : كان لنفسه أشد مقتا واستهانة فهذا هو الفقيه PageV01P438 وأما ~~الاستقصاء في رؤية علل الخدمة : فهو التفتيش عما يشوبها من حظوظ النفس ~~وتمييز حق الرب منها من حظ النفس ولعل أكثرها أو كلها أن تكون حظا لنفسك ~~وأنت لا تشعر فلا إله إلا الله كم فى النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع ~~الأعمال : أن تكون لله خالصة وأن تصل إليه وإن العبد ليعمل العمل حيث لا ~~يراه بشر ألبتة وهو غير خالص لله ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه ~~نطاقا وهو خالص لوجه الله ولا يميز هذا إلا أهل البصائر وأطباء القلوب ~~العالمون بأدوائها وعللها فبين العمل ms0346 وبين القلب مسافة وفى تلك المسافة ~~قطاع تمنع وصول العمل إلى القلب فيكون الرجل كثير العمل وما وصل منه إلى ~~قلبه محبة ولا خوف ولا رجاء ولا زهد في الدنيا ولا رغبة في الآخرة ولا نور ~~يفرق به بين أولياء الله وأعدائه وبين الحق والباطل ولا قوة في أمره فلو ~~وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق ورأى الحق والباطل وميز بين أولياء ~~الله وأعدائه وأوجب له ذلك المزيد من الأحوال ثم بين القلب وبين الرب مسافة ~~وعليها قطاع تمنع وصول العمل إليه من كبر وإعجاب وإدلال ورؤية العمل ونسيان ~~المنة وعلل خفية لو استقصى فى طلبها لرأى العجب ومن رحمة الله تعالى : ~~سترها على أكثر العمال إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها من ~~اليأس والقنوط والاستحسار وترك العمل وخمود العزم وفتور الهمة ولهذا لما ~~ظهرت رعاية أبي عبدالله الحارث بن أسد المحاسبي واشتغل بها العباد عطلت ~~منهم مساجد كانوا يعمرونها بالعبادة والطبيب الحاذق يعلم كيف يطب النفوس ~~فلا يعمر قصرا ويهدم مصرا # | فصل قال : وإنما يستقيم الرجوع إليه حالا بثلاثة أشياء : بالإياس من # عملك وبمعاينة اضطرارك وشيم برق لطفه بك PageV01P439 الإياس من العمل ~~يفسر بشيئين أحدهما : أنه إذا نظر بعين الحقيقة إلى الفاعل الحق والمحرك ~~الأول وأنه لولا مشيئته لما كان منك فعل فمشيئته أوجبت فعلك لا مشيئتك : ~~بقي بلا فعل فههنا تنفع مشاهدة القدر والفناء عن رؤية الأعمال والثاني : أن ~~تيأس من النجاة بعملك وترى النجاة إنما هى برحمته تعالى وعفوه وفضله كما في ~~الصحيح عن النبي أنه قال : لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا : ولا أنت يا رسول ~~الله قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل فالمعنى الأول ~~يتعلق ببداية الفعل والثاني بغايته ومآله وأما معاينة الاضطرار : فإنه إذا ~~أيس من عمله بداية وأيس من النجاة به نهاية شهد به شهد فى كل ذرة منه ضرورة ~~تامة إليه وليست ضرورته من هذه الجهة وحدها بل من جميع الجهات وجهات ضرورته ~~لا ms0347 تنحصر بعدد ولا لها سبب بل هو مضطر إليه بالذات كما أن الله عز وجل غني ~~بالذات فإن الغنى وصف ذاتي للرب والفقر والحاجة والضرورة وصف ذاتي للعبد ~~قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه : # والفقر لي وصف ذات لازم أبدا % كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وأما شيم برق ~~لطفه بك : فإنه إذا تحقق له قوة ضرورية وأيس من عمله والنجاة به نظر إلى ~~ألطاف الله وشام برقها وعلم أن كل ما هو فيه وما يرجوه وما تقدم له : لطف ~~من الله به ومنة من بها عليه وصدقة تصدق بها عليه بلا سبب منه إذ هو المحسن ~~بالسبب والمسبب والأمر له من قبل ومن بعد وهو الأول والآخر لا اله غيره ولا ~~رب سواه # | فصل ثم ينزل القلب منزل التذكر وهو قرين الإنابة قال الله تعالى وما # يتذكر إلا من ينيب غافر : 123 ] وقال : تبصرة وذكرى لكل عبد PageV01P440 ~~@QB@ منيب @QE@ ق : 8 ] وهو من خواص أولي الألباب كما قال تعالى : @QB@ ~~إنما يتذكر أولوا الألباب @QE@ الرعد : 19 ] وقال تعالى : وما يذكر إلا ~~أولو الألباب البقره : 269 ] و التذكر و التفكر منزلان يثمران أنواع ~~المعارف وحقائق الإيمان والإحسان والعارف لا يزال يعود بتفكره على تذكره ~~وبتذكره على تفكره حتى يفتح قفل قلبه بإذن الفتاح العليم قال الحسن البصري ~~ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر ويناطقون ~~القلوب حتى نطقت # | قال صاحب المنازل التذكر فوق التفكر لأن التفكر طلب والتذكر وجود يريد ~~أن # التفكر التماس الغايات من مباديها كما قال : التفكر تلمس البصيرة ~~واستدراك البغية وأما قوله : التذكر وجود فلأنه يكون فيما قد حصل بالتفكر ~~ثم غاب عنه بالنسيان فإذا تذكره وجده فظفر به و التذكر تفعل من الذكر وهو ~~ضد النسيان وهو حضور صورة المذكور العلمية فى القلب واختير له بناء التفعل ~~لحصوله بعد مهلة وتدرج كالتبصر والتفهم والتعلم فمنزلة التذكر من التفكر ~~منزلة حصول الشيء المطلوب بعد التفتيش عليه ولهذا كانت آيات الله المتلوة ~~والمشهودة ذكرى ms0348 كما قال في المتلوة ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني ~~إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب غافر : 5354 ] وقال عن القرآن : ~~وإنه لتذكرة للمتقين الحاقة : 69 ] وقال في آياته المشهودة : @QB@ أفلم ~~ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج @QE@ ~~PageV01P441 @QB@ والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل ~~زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب @QE@ ق : 58 ] ف التبصر آلة البصر و ~~التذكره آلة الذكر وقرن بينهما وجعلهما لأهل الإنابة لأن العبد إذا أناب ~~إلى الله أبصر مواقع الآيات والعبر فاستدل بها على ما هي آيات له فزال عنه ~~الإعراض بالإنابة والعمى بالتبصرة والغفلة بالتذكرة لأن التبصرة توجب له ~~حصول صورة المدلول في القلب بعد غفلته عنها فترتب المنازل الثلاثة أحسن ~~ترتيب ثم إن كلا منها يمد صاحبه ويقويه ويثمره وقال تعالى في آياته ~~المشهودة : وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل ~~من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ق : 3637 ] ~~والناس ثلاثة : رجل قلبه ميت فذلك الذي لا قلب له فهذا ليست هذه الآية ذكرى ~~في حقه الثاني : رجل له قلب حي مستعد لكنه غير مستمع للآيات المتلوة التي ~~يخبر بها الله عن الآيات المشهودة : إما لعدم ورودها أو لوصولها إليه ولكن ~~قلبه مشغول عنها بغيرها فهو غائب القلب ليس حاضرا فهذا أيضا لا تحصل له ~~الذكرى مع استعداده ووجود قلبه والثالث : رجل حي القلب مستعد تليت عليه ~~الآيات فأصغى بسمعه وألقى السمع وأحضر قلبه ولم يشغله بغير فهم ما يسمعه ~~فهو شاهد القلب ملق السمع فهذا القسم هو الذي ينتفع بالآيات المتلوة ~~والمشهودة فالأول : بمنزلة الأعمى الذي لا يبصر والثاني : بمنزلة البصير ~~الطامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه فكلاهما لا يراه PageV01P442 ~~والثالث : بمنزلة البصير الذي قد حدق إلى جهة المنظور وأتبعه بصره وقابله ~~على توسط من البعد والقرب فهذا هو الذي يراه فسبحان من جعل كلامه شفاء لما ~~في الصدور ms0349 فإن قيل : فما موقع أو من هذا النظم على ما قررت قيل : فيها سر ~~لطيف ولسنا نقول : إنها بمعنى الواو كما يقوله ظاهرية النحاة فاعلم أن ~~الرجل قد يكون له قلب وقاد مليء باستخراج العبر واستنباط الحكم فهذا قلبه ~~يوقعه على التذكر والاعتبار فإذا سمع الآيات كانت له نورا على نور وهؤلاء ~~أكمل خلق الله وأعظمهم إيمانا وبصيرة حتى كأن الذي أخبرهم به الرسول مشاهد ~~لهم لكن لم يشعروا بتفاصيله وأنواعه حتى قيل : إن مثل حال الصديق مع النبي ~~كمثل رجلين دخلا دارا فرأى أحدهما تفاصيل ما فيها وجزئياته والآخر : وقعت ~~يده على ما في الدار ولم ير تفاصيله ولا جزئياته لكن علم أن فيها أمورا ~~عظيمة لم يدرك بصره تفاصيلها ثم خرجا فسأله عما رأى فى الدار فجعل كلما ~~أخبره بشيء صدقه لما عنده من شواهده وهذه أعلى درجات الصديقية ولا تستبعد ~~أن يمن الله المنان على عبد بمثل هذا الإيمان فإن فضل الله لا يدخل تحت حصر ~~ولا حسبان فصاحب هذا القلب إذا سمع الآيات وفي قلبه نور من البصيرة ازداد ~~بها نورا إلى نوره فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب فألقى السمع وشهد قلبه ~~ولم يغب حصل له التذكر أيضا فإن لم يصبها وابل فطل والوابل والطل في جميع ~~الأعمال وآثارها وموجباتها وأهل الجنة سابقون مقربون وأصحاب يمين وبينهما ~~في درجات التفضيل ما بينهما حتى إن شراب أحد النوعين الصرف يطيب به شراب ~~النوع الآخر ويمزج به مزجا قال الله تعالى ويرى الذين أوتوا العلم الذي ~~أنزل إليك من ربك الحق ويهدي إلى صراط العزيز PageV01P443 الحميد فكل مؤمن ~~يرى ذ هذا ولكن رؤية أهل العلم له لون ورؤية غيرهم له لون آخر # | قال صاحب المنازل أبنية التذكر ثلاثة : الانتفاع بالعظة والاستبصار # بالعبرة والظفر بثمرة الفكرة الانتفاع بالعظة : هو أن يقدح في القلب قادح ~~الخوف والرجاء فيتحرك للعمل طلبا للخلاص من الخوف ورغبة في حصول المرجو و ~~العظة هي الأمر والنهي المعروف بالترغيب والترهيب و العظة نوعان ms0350 : عظة ~~بالمسموع وعظة بالمشهود فالعظة بالسموع : الانتفاع بما يسمعه من الهدى ~~والرشد والنصائح التي جاءت على يد الرسل وما أوحى إليهم وكذلك الانتفاع ~~بالعظة من كل ناصح ومرشد في مصالح الدين والدنيا و العظة بالمشهود : ~~الانتفاع بما يراه ويشهده في العالم من مواقع العبر وأحكام القدر ومجاريه ~~وما يشاهده من آيات الله الدالة على صدق رسله وأما استبصار العبرة : فهو ~~زيادة البصيرة عما كانت عليه في منزل التفكر بقوة الاستحضار لأن التذكر ~~يعتقل المعاني التي حصلت بالتفكر في مواقع الآيات والعبر فهو يظفر بها ~~بالتفكر وتنصقل له وتنجلي بالتذكر فيقوي العزم على السير بحسب قوة ~~الاستبصار لأنه يوجب تحديد النظر فيما يحرك المطلب إذ الطلب فرع الشعور ~~فكلما قوي الشعور بالمحبوب اشتد سفر القلب إليه وكلما اشتغل الفكر به ازداد ~~الشعور به والبصيرة فيه والتذكر له وأما الظفر بثمرة الفكرة : فهذا موضع ~~لطيف وللفكرة ثمرتان : حصول المطلوب تماما بحسب الإمكان والعمل بموجبه ~~رعاية لحقه فإن العقل حال التفكر كان قد كل بأعماله في تحصيل المطلوب ~~PageV01P444 فلما حصلت له المعاني وتخمرت في القلب واستراح العقل : عاد ~~فتذكر ما كان حصله وطالعه فابتهج به وفرح به وصحح في هذا المنزل ما كان ~~فاته في منزل التفكر لأنه قد أشرف عليه في مقام التذكر الذي هو أعلى منه ~~فأخذ حينئذ في الثمرة المقصودة وهي العمل بموجبه مراعاة لحقه فإن العمل ~~الصالح : هو ثمرة العلم النافع الذي هو ثمرة التفكر وإذا أردت فهم هذا ~~بمثال حسي : فطالب المال ما دام جادا في طلبه فهو في كلال وتعب حتى إذا ظفر ~~به استراح من كد الطلب وقدم من سفر التجارة فطالع ما حصله وأبصره وصحح في ~~هذه الحال ما عساه غلط فيه في حال اشتغاله بالطلب فإذا صح له وبردت غنيمته ~~له أخذ في صرف المال في وجوه الانتفاع المطلوبة منه والله أعلم # | فصل قال : وإنما ينتفع بالعظة بعد حصول ثلاثة أشياء : شدة الافتقار ~~إليها # والعمى عن عيب الواعظ وتذكر الوعد والوعيد إنما يشتد افتقار ms0351 العبد إلى ~~العظة وهي الترغيب والترهيب إذا ضعفت إنابته وتذكره وإلا فمتى قويت إنابته ~~وتذكره : لم تشتد حاجته إلى التذكير والترغيب والترهيب ولكن تكون الحاجة ~~منه شديدة إلى معرفة الأمر النهي و العظة يراد بها أمران : الأمر والنهي ~~المقرونان بالرغبة والرهبة ونفس الرغبة والرهبة فالمنيب المتذكر : شديد ~~الحاجة إلى الأمر والنهي والمعرض الغافل شديد الحاجة إلى الترغيب والترهيب ~~والمعارض المتكبر : شديد الحاجة إلى المجادلة فجاءت هذه الثلاثة في حق ~~هؤلاء الثلاثة في قوله : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم ~~بالتي هي أحسن النحل : 125 ] أطلق الحكمة ولم يقيدها بوصف الحسنة إذ كلها ~~حسنة ووصف الحسن لها ذاتي وأما الموعظة فقيدها بوصف الإحسان إذ ليس كل ~~موعظة حسنة PageV01P445 وكذلك الجدال قد يكون بالتي هي أحسن وقد يكون بغير ~~ذلك وهذا يحتمل أن يرجع إلى حال المجادل وغلظته ولينه وحدته ورفقه فيكون ~~مأمورا بمجادلتهم بالحال التي هي أحسن ويحتمل أن يكون صفة لما يجادل به من ~~الحجج والبراهين والكلمات التي هي أحسن شيء وأبينه وأدله على المقصود ~~وأوصله إلى المطلوب والتحقيق : أن الآية تتناول النوعين وأما ما ذكره بعض ~~المتأخرين : أن هذا إشارة إلى أنواع القياسات ف الحكمة هى طريقة البرهان و ~~الموعظة الحسنة هي طريقة الخطابة و المجادلة بالتي هي أحسن طريقة الجدل ~~فالأول : بذكر المقدمات البرهانية لمن لا يرضى إلا بالبرهان ولا ينقاد إلا ~~له وهم خواص الناس والثاني : بذكر المقدمات الخطابية التي تثير رغبة ورهبة ~~لمن يقنع بالخطابة وهم الجمهور والثالث : بذكر المقدمات الجدلية للمعارض ~~الذي يندفع بالجدل وهم المخالفون فتنزيل القرآن على قوانين أهل المنطق ~~اليوناني واصطلاحهم وذلك باطل قطعا من وجوه عديدة ليس هذا موضع ذكرها وإنما ~~ذكر هذا استطرادا لذكر العظة وأن المنيب المتذكر لا تشتد حاجته إليها كحاجة ~~الغافل المعرض فإنه شديد الحاجة جدا إلى العظة ليتذكر ما قد نسيه فينتفع ~~بالتذكر وأما العمى عن عيب الواعظ : فإنه إذا اشتغل به حرم الانتفاع ~~بموعظته لأن النفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا ms0352 يعمل بعلمه ولا ~~ينتفع به وهذا بمنزلة من يصف له الطبيب دواء لمرض به مثله والطبيب معرض عنه ~~غير ملتفت إليه بل الطبيب المذكور عندهم : أحسن حالا من هذا الواعظ المخالف ~~لما يعظ به لأنه قد يقوم عنده دواء آخر عنده مقام هذا الدواء وقد يرى أن به ~~قوة على ترك التداوي وقد يقنع بعمل الطبيعة وغير ذلك بخلاف هذا الواعظ فإن ~~ما يعظ به طريق معين للنجاة لا يقوم غيرها مقامها ولا بد منها ولأجل هذه ~~النفرة قال PageV01P446 شعيب عليه السلام لقومه : وما أريد أن أخالفكم إلى ~~ما أنهاكم عنه هود : 88 ] وقال بعض السلف : إذا أردت أن يقبل منك الأمر ~~والنهي : فإذا أمرت بشيء فكن أول الفاعلين له المؤتمرين به وإذا نهيت عن ~~شيء فكن أول المنتهين عنه وقد قيل : يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك ~~كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام من الضنى ومن الضنى تمسي وأنت سقيم ~~لا تنه عن خلق وتأتى مثله % عار عليك إذا فعلت ذميم ابدأ بنفسك فانهها عن ~~غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل ما تقول ويقتدى % بالقول منك ~~وينفع التعليم فالعمى عن عيب الواعظ : من شروط تمام الانتفاع بموعظته وأما ~~تذكر الوعد والوعيد : فإن ذلك يوجب خشيته والحذر منه ولا تنفع الموعظة إلا ~~لمن آمن به وخافه ورجاه قال الله تعالى إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ~~هود : 103 ] وقال : سيذكر من يخشى الأعلى : 10 ] وقال : إنما أنت منذر من ~~يخشاها النازعات : 45 ] وأصرح من ذلك قوله تعالى @QB@ فذكر بالقرآن من يخاف ~~وعيد @QE@ بالوعد والوعيد وذكره : شرط في الانتفاع بالعظات والآيات والعبر ~~يستحيل حصوله بدونه قال وإنما تستبصر العبرة بثلاثة أشياء : بحياة العقل ~~ومعرفة الأيام والسلامة من الأغراض إنما تتميز العبرة وترى وتتحقق بحياة ~~العقل و العبرة هي الاعتبار وحقيقتها : العبور من حكم الشيء إلى حكم مثله ~~فإذا رأى من قد أصابته محنة وبلاء لسبب ارتكبه علم أن حكم من ارتكب ذلك ~~السبب كحكمه وحياة ms0353 العقل : هي صحة الإدراك وقوة الفهم وجودته وتحقق ~~الانتفاع PageV01P447 بالشيء والتضرر به وهو نور يخص الله به من يشاء من ~~خلقه وبحسب تفاوت الناس في قوة ذلك النور وضعفه ووجوده وعدمه يقع تفاوت ~~أذهانهم وأفهامهم وإدراكاتهم ونسبته إلى القلب كنسبة النور الباصر إلى ~~العين ومن تجريبات السالكين التي جربوها فألفوها صحيحة : أن من أدمن يا حي ~~ياقيوم لا إله إلا أنت أورثه ذلك حياة القلب والعقل وكان شيخ الإسلام ابن ~~تيمية قدس الله روحه شديد اللهج بها جدا وقال لي يوما : لهذين الاسمين وهما ~~الحي القيوم تأثير عظيم في حياة القلب وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم ~~وسمعته يقول : من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر ~~ياحي ياقيوم لاإله إلا أنت برحمتك أستغيث حصلت له حياة القلب ولم يمت قلبه ~~ومن علم عبوديات الأسماء الحسنى والدعاء بها وسر ارتباطها بالخلق والأمر ~~وبمطالب العبد وحاجاته عرف ذلك وتحققه فإن كل مطلوب يسأل بالمناسب له فتأمل ~~أدعية القرآن والأحاديث النبوية تجدها كذلك وأما معرفة الأيام : فيحتمل أن ~~يريد به أيامه التى تخصه وما يلحقه فيها من الزيادة والنقصان ويعلم قصرها ~~وأنها أنفاس معدودة منصرمة كل نفس منها يقابله آلاف آلاف من السنين في دار ~~البقاء فليس لهذه الأيام الخالية قط نسبة إلى أيام البقاء والعبد منساق ~~زمنه وفي مدة العمر إلى النعيم أو إلى الجحيم وهي كمدة المنام لمن له عقل ~~حي وقلب واع فما أولاه أن لايصرف منها نفسا إلا في أحب الأمور إلى الله فلو ~~صرفه فيما يحبه وترك الأحب لكان مفرعطا فكيف إذا صرفه فيمالا ينفعه فكيف ~~إذا صرفه فيما يمقته عليه ربه فالله المستعان ولا قوة إلا به ويحتمل أن ~~يريد بالأيام أيام الله التي أمر رسله بتذكير أممهم بها كما قال تعالى @QB@ ~~ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى @QE@ PageV01P448 ~~@QB@ النور وذكرهم بأيام الله @QE@ إبراهيم : 5 ] وقد فسرت أيام الله بنعمه ~~وفسرت بنقمة من أهل الكفر والمعاصي فالأول تفسير ابن ms0354 عباس وأبي بن كعب ~~ومجاهد والثاني : تفسير مقاتل والصواب : أن أيامه تعم النوعين وهي وقائعه ~~التي أوقعها بأعدائه ونعمه التي ساقها إلى أوليائه وسميت هذه النعم والنقم ~~الكبار المتحدث بها أياما لأنها ظرف لها تقول العرب فلان عالم بأيام العرب ~~وأيام الناس أي بالوقائع التي كانت في تلك الأيام فمعرفة هذه الأيام توجب ~~للعبد استبصار العبر وبحسب معرفته بها تكون عبرته وعظته قال الله تعالى ~~@QB@ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ يوسف : 111 ] ولا يتم ذلك ~~إلا بالسلامة من الأغراض وهي متابعة الهوى والانقياد لداعي النفس الأمارة ~~بالسوء فإن اتباع الهوى يطمس نور العقل ويعمي بصيرة القلب ويصد عن اتباع ~~الحق ويضل عن الطريق المستقيم فلا تحصل بصيرة العبرة معه ألبتة والعبد إذا ~~اتبع هواه فسد رأيه ونظره فأرته نفسه الحسن في صورة القبيح والقبيح في صورة ~~الحسن فالتبس عليه الحق بالباطل فأنى له الانتفاع بالتذكر والتفكر أو ~~بالعظة # | فصل قال : وإنما تجتنى ثمرة الفكرة بثلاثة أشياء : بقصر الأمل # والتأمل في القرآن وقلة الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع والمنام ~~يعنى : أن في منزل التذكر تجتني ثمرة الفكرة لأنه أعلى منها وكل مقام تجتنى ~~ثمرته في الذي هو أعلى منه ولا سيما على ما قرره في خطبة كتابه أن كل مقام ~~يصحح ما قبله ثم ذكر أن هذه الثمرة تجتنى بثلاثة أشياء أحدها : قصر الأمل ~~والثاني : تدبر القرآن والثالث : تجنب مفسدات القلب الخمسة PageV01P449 ~~فأما قصر الأمل : فهو العلم بقرب الرحيل وسرعة انقضاء مدة الحياة وهو من ~~أنفع الأمور للقلب فإنه يبعثه على معافصة الأيام وانتهاز الفرص التي تمر مر ~~السحاب ومبادرة طي صحائف الأعمال ويثير ساكن عزماته إلى دار البقاء ويحثه ~~على قضاء جهاز سفره وتدارك الفارط ويزهده في الدنيا ويرغبه في الآخرة فيقوم ~~بقلبه إذا داوم مطالعة قصر الأمل شاهد من شواهد اليقين يريه فناء الدنيا ~~وسرعة انقضائها وقلة ما بقي منها وأنها قد ترحلت مدبرة ولم يبق منها إلا ~~صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها وأنها لم يبق ms0355 منها إلا كما بقي من يوم ~~صارت شمسه على رءوس الجبال ويريه بقاء الآخرة ودوامها وأنها قد ترحلت مقبلة ~~وقد جاء أشراطها وعلاماتها وأنه من لقائها كمسافر خرج صاحبه يتلقاه فكل ~~منهما يسير إلى الآخر فيوشك أن يلتقيا سريعا ويكفى فى قصر الأمل قوله تعالى ~~: @QB@ أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما ~~كانوا يمتعون @QE@ الشعراء : 20520 وقوله تعالى @QB@ ويوم يحشرهم كأن لم ~~يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم @QE@ يونس : 45 ] وقوله تعالى : ~~@QB@ كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها @QE@ وقوله تعالى قالوا ~~لبثنا يوما أوبعض يوم فاسأل العادين قال : إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم ~~تعلمون المؤمنون : 1131 وقوله تعالى كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا ~~إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون وقوله تعالى يتخافتون ~~بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة : إن ~~لبثتم إلا يوما طه : 103104 ] وخطب النبيأصحابه يوما والشمس على رءوس ~~الجبال فقال : إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم ~~هذا فيما مضى منه ومر رسول اللهببعض أصحابه وهم يعالجون خصا لهم قد وهى وهم ~~يصلحونه فقال : ما هذا قالوا : خص لنا قد وهى فنحن نعالجه فقال : ما أرى ~~الأمر إلا أعجل من هذا PageV01P450 وقصر الأمل بناؤه على أمرين : تيقن زوال ~~الدنيا ومفارقتها وتيقن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها ثم يقايس بين الأمرين ~~ويؤثر أولاهما بالإيثار # | فصل وأما التأمل في القرآن : فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه وجمع # الفكر على تدبره وتعقله وهو المقصود بإنزاله لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا ~~تدبر قال الله تعالى : @QB@ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر ~~أولوا الألباب @QE@ ص : 29 ] وقال تعالى @QB@ أفلا يتدبرون القرآن أم على ~~قلوب أقفالها @QE@ محمد : 24 ] وقال تعالى @QB@ أفلم يدبروا القول @QE@ ~~المؤمنون : 68 ] وقال تعالى @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون @QE@ ~~الزخرف : 3 ] وقال الحسن : نزل القرآن ليتدبر ويعمل به ms0356 فاتخذوا تلاوته عملا ~~فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته : من تدبر القرآن ~~وإطالة التأمل وجمع منه الفكر على معاني آياته فإنها تطلع العبد على معالم ~~الخير والشر بحذافيرهما وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ومآل ~~أهلهما وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة وتثبت قواعد ~~الإيمان في قلبه وتشيد بنيانه وتوطد أركانه وتريه صورة الدنيا والآخرة ~~والجنة والنار في قلبه وتحضره بين الأمم وتريه أيام الله فيهم وتبصره مواقع ~~العبر وتشهده عدل الله وفضله وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله وما يحبه ~~وما يبغضه وصراطه الموصل إليه وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه وقواطع ~~الطريق وآفاتها وتعرفه النفس وصفاتها ومفسدات الأعمال ومصححاتها وتعرفه ~~طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم وأحوالهم وسيماهم ومراتب أهل السعادة ~~وأهل الشقاوة وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه وافتراقهم فيما ~~يفترقون فيه PageV01P451 وبالجملة : تعرفه الرب المدعو إليه وطريق الوصول ~~اليه وما له من الكرامة إذا قدم عليه وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى : ما ~~يدعو إليه الشيطان والطريق الموصلة إليه وما للمستجيب لدعوته من الإهانة ~~والعذاب بعد الوصول إليه فهذه ستة أمور ضرورية للعبد معرفتها ومشاهدتها ~~ومطالعتها فتشهده الآخرة حتى كأنه فيها وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها ~~وتميز له بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه العالم فتريه الحق حقا ~~والباطل باطلا وتعطيه فرقانا ونورا يفرق به بين الهدى والضلال والغي ~~والرشاد وتعطيه قوة في قلبه وحياة وسعة وانشراحا وبهجة وسرورا فيصير في شأن ~~والناس فى شأن آخر فإن معاني القرآن دائرة على التوحيد وبراهينه والعلم ~~بالله وماله من أوصاف الكمال وما ينزه عنه من سمات النقص وعلى الإيمان ~~بالرسل وذكر براهين صدقهم وأدلة صحة نبوتهم والتعريف بحقوقهم وحقوق مرسلهم ~~وعلى الإيمان بملائكته وهم رسله في خلقه وأمره وتدبيرهم الأمور بإذنه ~~ومشيئته وما جعلوا عليه من أمر العالم العلوي والسفلي وما يختص بالنوع ~~الإنسانى منهم من حين يستقر في رحم أمه إلى يوم يوافي ربه ويقدم عليه وعلى ~~الإيمان باليوم ms0357 الآخر وما أعد الله فيه لأوليائه من دار النعيم المطلق التى ~~لا يشعرون فيها بألم ولا نكد ولا تنغيص وما أعد لأعدائه من دار العقاب ~~الوبيل التى لا يخالطها سرور ولا رخاء ولا راحة ولا فرح وتفاصيل ذلك أتم ~~تفصيل وأبينه وعلى تفاصيل الأمر والنهي والشرع والقدر والحلال والحرام ~~والمواعظ والعبر والقصص والأمثال والأسباب والحكم والمبادىء والغايات في ~~خلقه وأمره فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل وتحذره ~~وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم ~~الثقيل وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل وتصده عن اقتحام طرق ~~البدع والأضاليل PageV01P452 وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل ~~وتبصره بحدود الحلال والحرام وتوقفه عليها لئلا يتعداها فيقع في العناء ~~الطويل وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق والتحويل وتسهل عليه الأمور ~~الصعاب والعقبات الشاقة غاية التسهيل وتناديه كلما فترت عزماته وونى في ~~سيره : تقدم الركب وفاتك الدليل فاللحاق اللحاق والرحيل الرحيل وتحدو به ~~وتسير أمامه سير الدليل وكلما خرج عليه كمين من كمائن العدو أو قاطع من ~~قطاع الطريق نادته : الحذر الحذر فاعتصم بالله واستعن به وقل : حسبي الله ~~ونعم الوكيل وفي تأمل القرآن وتدبره وتفهمه : أضعاف أضعاف ما ذكرنا من ~~الحكم والفوائد وبالجملة : فهو أعظم الكنوز طلسمه الغوص بالفكر إلى قرار ~~معانيه : # نزه فؤادك عن سوى روضاته % فرياضه حل لكل منزه # والفهم طلسم لكنز علومه فاقصد إلى الطلسم تحظ بكنزه # لا تخش من بدع لهم وحوادث % ما دمت فى كنف الكتاب وحرزه # من كان حارسه الكتاب ودرعه % لم يخش من طعن العدو ووخزه # لا تخش من شبهاتهم واحمل إذا ما قابلتك بنصره وبعزه # والله ما هاب امرؤ شبهاتهم % إلا لضعف القلب منه وعجزه # يا ويح تيس ظالع يبغي مسا % بقة الهزبر بعدوه وبجمزه # ودخان زبل يرتقى للشمس يس % تر عينها لما سرى فى أزه # وجبان قلب أعزل قد رام يأس % ر فارسا شاكى السلاح بهزه # | فصل وأما مفسدات القلب الخمسة : فهي التي أشار ms0358 إليها : من كثرة # الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع والمنام فهذه الخمسة من أكبر ~~مفسدات القلب فنذكر آثارها التي اشتركت فيها وما تميز به كل واحد منها ~~PageV01P453 اعلم أن القلب يسير إلى الله عز وجل والدار الآخرة ويكشف عن ~~طريق الحق ونهجه وآفات النفس والعمل وقطاع الطريق بنوره وحياته وقوته وصحته ~~وعزمه وسلامة سمعه وبصره وغيبه الشواغل والقوطع عنه وهذه الخمسة تطفىء نوره ~~وتعور عين بصيرته وتثقل سمعه إن لم تصمه وتبكمه وتضعف قواه كلها وتوهن صحته ~~وتفتر عزيمته وتوقف همته وتنكسه إلى وراءه ومن لا شعور له بهذا فميت القلب ~~وما لجرح بميت إيلام فهي عائقة له عن نبل كماله قاطعه له عن الوصول إلى ما ~~خلق له وجعل نعيمه وسعادته وابتهاجه ولذته في الوصول إليه فإنه لا نعيم له ~~ولا لذة ولا ابتهاج ولا كمال إلا بمعرفة الله ومحبته والطمأنينة بذكره ~~والفرح والابتهاج بقربه والشوق إلى لقائه فهذه جنته العاجلة كما أنه لا ~~نعيم له في الآخرة ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنه الآجلة فله ~~جنتان لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى وسمعت شيخ الإسلام ابن ~~تيمية قدس الله روحه يقول : إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة ~~الآخرة وقال بعض العارفين : إنه ليمر بالقلب أوقات أقول : إن كان أهل الجنة ~~في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب وقال بعض المحبين : مساكين أهل الدنيا خرجوا ~~من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها قالوا : وما أطيب ما فيها قال : محبة ~~الله والأنس به والشوق إلى لقائه والإقبال عليه والإعراض عما سواه أو نحو ~~هذا من الكلام وكل من له قلب حى يشهد هذا ويعرفه ذوقا وهذه الأشياء الخمسة ~~: قاطعة عن هذا حائلة بين القلب وبينه عائقة له عن سيره ومحدثة له أمراضا ~~وعللا إن لم يتداركها المريض خيف عليه منها فأما ما تؤثره كثرة الخلطة : ~~فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى PageV01P454 يسود ويوجب له تشتتا ~~وتفرقا وهما وغما وضعفا ms0359 وحملا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء وإضاعة ~~مصاحله والاشتغال عنها بهم وبأمورهم وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم ~~فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة هذا وكم جلبت خلطة الناس من نقمة ودفعت ~~من نعمة وأنزلت من منحة وعطلت من منحة وأحلت من رزية وأوقعت في بلية وهل ~~آفة الناس إلا الناس وهل كان على أبي طالب عند الوفاة أضر من قرناء السوء ~~لم يزالوا به حتى حالوا بينه وبين كلمة واحدة توجب له سعادة الأبد وهذه ~~الخلطة التي تكون على نوع مودة في الدنيا وقضاء وطر بعضهم من بعض تنقلب إذا ~~حقت الحقائق عداوة ويعض المخلط عليها يديه ندما كما قال تعالى : ويوم يعض ~~الظالم على يديه يقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم ~~أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني الفرقان : 2729 ] وقال ~~تعالى : @QB@ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين @QE@ الزخرف : 67 ] ~~وقال خليله إبراهيم لقومه إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في ~~الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم ~~النار ومالكم من ناصرين العنكبوت : 25 ] وهذا شأن كل مشتركين في غرض ~~يتوادون ما داموا متساعدين على حصوله فإذا انقطع ذلك الغرض أعقب ندامة ~~وحزنا وألما وانقلبت تلك المودة بغضا ولعنة وذما من بعضهم لبعض لما انقلب ~~ذلك الغرض حزنا وعذابا كما يشاهد في هذه الدار من أحوال المشتركين في خزيه ~~إذا أخذوا وعوقبوا فكل متساعدين على باطل متوادين عليه : لا بد أن تنقلب ~~مودتهما بغضا وعداوة والضابط النافع في أمر الخلطة : أن يخالط الناس في ~~الخير كالجمعة والجماعة والأعياد والحج وتعلم العلم والجهاد والنصيحة ~~ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات فإذا دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر ولم ~~يمكنه اعتزالهم : فالحذر PageV01P455 الحذر أن يوافقهم وليصبر على أذاهم ~~فإنهم لا بد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر ولكن أذى يعقبه عز ومحبة ~~له وتعظيم وثناء عليه منهم ومن المؤمنين ms0360 ومن رب العالمين وموافقتهم يعقبها ~~ذل وبغض له ومقت وذم منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين فالصبر على أذاهم ~~خير وأحسن عاقبة وأحمد مآلا وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات ~~فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه ويشجع نفسه ويقوي قلبه ولا ~~يلتفت إلى الوارد الشيطاني القاطع له عن ذلك بأن هذا رياء ومحبة لإظهار ~~علمك وحالك ونحو ذلك فليحاربه وليستغن بالله ويؤثر فيهم من الخير ما أمكنه ~~فإن أعجزته المقادير عن ذلك فليسل قلبه من بينهم كسل الشعرة من العجين ~~وليكن فيهم حاضرا غائبا قريبا بعيدا نائما يقظانا ينظر إليهم ولا يبصرهم ~~ويسمع كلامهم ولا يعيه لأنه قد أخذ قلبه من بينهم ورقى به إلى الملأ الأعلى ~~يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية وما أصعب هذا وأشقه على النفوس ~~وإنه ليسير على من يسره الله عليه فبين العبد وبينه أن يصدق الله تبارك ~~وتعالى ويديم اللجأ إليه ويلقي نفسه على بابه طريحا ذليلا ولا يعين على هذا ~~إلا محبة صادقة والذكر الدائم بالقلب واللسان وتجنب المفسدات الأربع ~~الباقية الآتي ذكرها ولا ينال هذا إلا بعدة صالحة ومادة قوة من الله عز وجل ~~وعزيمة صادقة وفراغ من التعلق بغير الله تعالى والله تعالى أعلم # | فصل المفسد الثاني : من مفسدات القلب ركوبه بحر التمنى وهو بحر لا ساحل # له وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم كما قيل إن المنى رأس أموال ~~المفاليس وبضاعة ركابه مواعيد الشيطان PageV01P456 وخيالات المحال والبهتان ~~فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة والخيالات الباطلة تتلاعب براكبه كما ~~تتلاعب الكلاب بالجيفة وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية ليست لها همة ~~تنال بها الحقائق الخارجية بل أعتاضت عنها بالأماني الذهبية وكل بحسب حاله ~~: من متمن للقدرة والسلطان وللضرب فى الأرض والتطراف في البلدان أو للأموال ~~والأثمان أو للنسوان والمردان فيمثل المتمني صورة مطلوبه في نفسه وقد فاز ~~بوصولها والتذ بالظفر بها مبيننا هو على هذه الحال إذ استيقظ فإذا يده ~~والحصير وصاحب الهمة العلية أمانيه ms0361 حائمة حول العلم والإيمان والعمل الذى ~~يقربه إلى الله ويدنيه من جواره فأماني هذا إيمان ونور وحكمة وأماني أولئك ~~خدع وغرور وقد مدح النبيمتمني الخير وربما جعل أجره في بعض الأشياء كأجر ~~فاعله كالقائل : لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان الذي يتقي في ماله ربه ويصل ~~فيه رحمه ويخرج منه حقه وقال : هما في الأجر سواء وتمنى في حجة الوداع : ~~أنه لو كان تمتع وحل ولم يسق الهدي وكان قد قرن فأعطاه الله ثواب القران ~~بفعله وثواب التمتع الذي تمناه بأمنيته فجمع له بين الأجرين # | فصل المفسد الثالث من مفسدات القلب التعلق بغير الله تبارك وتعالى وهذا # أعظم مفسداته على الإطلاق فليس عليه أضر من ذلك ولا أقطع له عن مصالحه ~~وسعادته منه فإنه إذا تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق به وخذله من ~~جهة ما تعلق به وفاته تحصيل مقصوده من الله عز وجل بتعلقه بغيره والتفاته ~~إلى سواه فلا على نصيبه من الله حصل ولا إلى ما أمله ممن تعلق به وصل قال ~~الله تعالى : PageV01P457 @QB@ واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ~~كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا @QE@ مريم : 8182 ] وقال تعالى : ~~واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرونلا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند ~~محضرون يس : 7475 ] فأعظم الناس خذلانا من تعلق بغير الله فإن مافاته من ~~مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به وهو معرض للزوال ~~والفوات ومثل المتعلق بغير الله : كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت ~~العنكبوت أوهن البيوت وبالجملة : فأساس الشرك وقاعدته التي بنى عليها : ~~التعلق بغير الله ولصاحبه الذم والخذلان كما قال تعالى : لا تجعل مع الله ~~إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا الإسراء : 22 ] مذموما لا حامد لك مخذولا لا ~~ناصر لك إذ قد يكون بعض الناس مقهورا محمودا كالذي قهر بباطل وقد يكون ~~مذموما منصورا كالذي قهر وتسلط عليه بباطل وقد يكون محمودا منصورا كالذي ~~تمكن وملك بحق والمشرك المتعلق بغير الله قسمه أردأ الأقسام الأربعة ms0362 لا ~~محمود ولا منصور # | فصل المفسد الرابع من مفسدات القلب : الطعام والمفسد له من ذلك نوعان : # أحدهما ما يفسده لعينه وذاته كالمحرمات وهي نوعان : محرمات لحق الله ~~كالميتة والدم ولحم الخنزير وذي الناب من السباع والمخلب من الطير ومحرمات ~~لحق العباد كالمسروق والمغصوب والمنهوب وما أخذ بغير رضى صاحبه إما قهرا ~~وإما حياء وتذمما والثاني : ما يفسده بقدره : وتعدي حده كالإسراف في الحلال ~~والشبع المفرط فإنه يثقله عن الطاعات ويشغله بمزاولة مؤنة البطنة ومحاولتها ~~حتى يظفر بها فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرفها ووقاية ضررها والتأذى ~~بثقلها وقوى عليه مواد الشهوة وطرق مجاري الشيطان ووسعها فإنه يجرى من ابن ~~آدم مجرى الدم فالصوم يضيق مجاريه ويسد عليه طرقها والشبع يطرقها ~~PageV01P458 ويوسعها ومن أكل كثيرا شرب كثيرا فنام كثيرا فخسر كثيرا وفي ~~الحديث المشهور : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن ~~صلبه فإن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ويحكى أن ~~إبليس لعنه الله عرض ليحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام فقال له يحيى : ~~هل نلت مني شيئا قط قال : لا إلا أنه قدم إليك الطعام ليلة فشهيته إليك حتى ~~شبعت منه فنمت عن وردك فقال يحيى : الله علي أن لا أشبع من طعام أبدا فقال ~~إبليس : وأنا لله علي أن لا أنصح آدمي أبدا # | فصل المفسد الخامس كثرة النوم فإنه يميت القلب ويثقل البدن ويضيع الوقت # ويورث كثرة الغفلة والكسل ومنه المكروه جدا ومنه الضار غير النافع للبدن ~~وأنفع النوم : ما كان عند شدة الحاجة إليه ونوم أول الليل أحمد وأنفع من ~~آخره ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه ~~وكثر ضرره ولا سيما نوم العصر والنوم أول النهار إلا لسهران ومن المكروه ~~عندهم : النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس فإنه وقت غنيمة وللسير ذلك الوقت ~~عند السالكين مزية عظيمة حتى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن ~~السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس ms0363 فإنه أول النهار ومفتاحه ووقت نزول الأرزاق ~~وحصول القسم وحلول البركة ومنه ينشأ النهار وينسحب حكم جميعه على حكم تلك ~~الحصة فينبغى أن يكون نومها كنوم المضطر وبالجملة فأعدل النوم وأنفعه : نوم ~~نصف الليل الأول وسدسه الأخير وهو مقدار ثمان ساعات وهذا أعدل النوم عند ~~الأطباء وما زاد عليه أو نقص منه أثر عندهم في الطبيعة انحرافا بحسبه ~~PageV01P459 ومن النوم الذي لا ينفع أيضا : النوم أول الليل عقيب غروب ~~الشمس حتى تذهب فحمة العشاء وكان رسول اللهيكرهه فهو مكروه شرعا وطبعا وكما ~~أن كثرة النوم مورثة لهذه الآفات فمدافعته وهجره مورث لآفات أخرى عظام : من ~~سوء المزاج ويبسه وانحراف النفس وجفاف الرطوبات المعينة على الفهم والعمل ~~ويورث أمراضا متلفة لا ينتفع صاحبها بقلبه ولا بدنه معها وما قام الوجود ~~إلا بالعدل فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير وبالله المستعان # | فصل ثم ينزل القلب منزل الاعتصام وهو نوعان : اعتصام بالله واعتصام # بحبل الله قال الله تعالى : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا آل ~~عمران : 103 ] وقال : واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ~~الحج : 78 و الاعتصام افتعال من العصمة وهو التمسك بما يعصمك ويمنعك من ~~المحذور والمخوف فالعصمة : الحمية والاعتصام : الاحتماء ومنه سميت القلاع : ~~العواصم لمنعها وحمايتها ومدار السعادة الدنيوية والأخروية : على الاعتصام ~~بالله والاعتصام بحبله ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين فأما ~~الاعتصام بحبله : فإنه يعصم من الضلالة والاعتصام به : يعصم من الهلكة فإن ~~السائر إلى الله كالسائر على طريق نحو مقصده فهو محتاج إلى هداية الطريق ~~والسلامة فيها فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول هذين الأمرين له فالدليل ~~كفيل بعصمته من الضلالة وأن يهديه إلى الطريق والعدة والقوة والسلاح التى ~~بها تحصل له السلامة من قطاع الطريق وآفاتها PageV01P460 نالاعتصام بحبل ~~الله : يوجب له الهداية واتباع الدليل والاعتصام بالله يوجب له القوة ~~والعدة والسلاح والمادة التي يستلئم بها فى طريقه ولهذا اختلفت عبارات ~~السلف في الاعتصام بحبل الله بعد إشارتهم كلهم إلى هذا ms0364 المعنى فقال ابن ~~عباس : تمسكوا بدين الله وقال ابن مسعود : هو الجماعة وقال : عليكم ~~بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير ~~مما تحبون في الفرقة وقال مجاهد وعطاء : بعهد الله وقال قتادة والسدي وكثير ~~من أهل التفسير هو القرآن قال ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي : إن هذا ~~القرآن هو حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع وعصمة من تمسك به ~~ونجاة من تبعه وقال علي بن أبي طالب رضى الله عنه عن النبيفي القرآن : هو ~~حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به ~~الأهواء ولا تختلف به الألسن ولا يخلق على كثرة الرد ولا يشبع منه العلماء ~~وقال مقاتل : بأمر الله وطاعته ولا تفرقوا كما تفرقت اليهود والنصارى وفي ~~الموطأ من حديث مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول ~~اللهقال : إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم : أن تعبدوه ~~ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن تناصحوا من ولاه الله ~~أمركم ويسخط لكم : قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال رواه مسلم في الصحيح # | قال صاحب المنازل : الاعتصام بحبل الله : هو المحافظة على طاعته مراقبا # لأمره PageV01P461 ويريد بمراقبة الأمر : القيام بالطاعة لأجل أن الله ~~أمر بها وأحبها لا لمجرد العادة أو لعلة باعثة سوى امتثال الأمر كما قال ~~طلق بن حبيب رضي الله عنه في التقوى : هى العمل بطاعة الله على نور من الله ~~ترجو ثواب الله وترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله وهذا هو ~~الإيمان والاحتساب المشار إليه فى كلام النبيكقوله من صام رمضان إيمانا ~~واحتسابا ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له فالصيام والقيام : هو ~~الطاعة و الإيمان مراقبة الأمر وإخلاص الباعث : هو أن يكون الإيمان الآمر ~~لا شيء سواه و الاحتساب رجاء ثواب الله فالاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة ~~وآفات العمل والله أعلم # | فصل وأما ms0365 الاعتصام به : فهو التوكل عليه والامتناع به والاحتماء به # وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه ويعصمه ويدفع عنه فإن ثمرة الاعتصام به : هو ~~الدفع عن العبد والله يدافع عن الذين آمنوا فيدفع عن عبده المؤمن إذا اعتصم ~~به كل سبب يفضي به إلى العطب ويحميه منه فيدفع عنه الشبهات والشهوات وكيد ~~عدوه الظاهر والباطن وشر نفسه ويدفع عنه موجب أسباب الشر بعد انعقادها بحسب ~~قوة الاعتصام به وتمكنه فتفقد في حقه أسباب العطب فيدفع عنه موجباتها ~~ومسبباتها ويدفع عنه قدره بقدره وإرادته بإرادته ويعيذه به منه # | فصل وأما صاحب المنازل فقال : الاعتصام بالله الترقي عن كل موهوم ~~الموهوم # عنده ما سوى الله تعالى و الترقي عنه الصعود من شهود PageV01P462 نفعه ~~وضره وعطائه ومنعه وتأثيره إلى الله تعالى وهذه إشارة إلى الفناء ومراده : ~~الصعود عن شهود ما سوى الله إلى الله والكمال في ذلك : الصعود عن إرادة ما ~~سوى الله إلى إرادته والاتحادي يفسره بالصعود عن وجود ما سواه إلى وجوده ~~بحيث لا يرى لغيره وجودا ألبتة ويرى وجود كل موجود هو وجوده فلا وجود لغيره ~~إلا في الوهم الكاذب عنده قال : وهو على ثلاث درجات : اعتصام العامة بالخبر ~~استسلاما وإذعانا بتصديق الوعد والوعيد وتعظيم الأمر والنهي وتأسيس ~~المعاملة على اليقين والانصاف يعني أن العامة اعتصموا بالخبر الوارد عن ~~الله استسلاما من غير منازعة بل إيمانا واستسلاما وانقادوا إلى تعظيم الأمر ~~والنهي والإذعان لهما والتصديق بالوعد والوعيد وأسسوا معاملتهم على اليقين ~~لا على الشك والتردد وسلوك طريقة الاحتياط كما قال القائل : زعم المنجم ~~والطبيب كلاهما لا تبعث الأجساد قلت : إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو ~~صح قولي فالخسار عليكما هذه طريق أهل الريب والشك يقومون بالأمر والنهي ~~احتياطا وهذه الطريق لا تنجي من عذاب الله ولا تحصل لصاحبها السعادة ولا ~~توصله إلى المأمن وأما الإنصاف الذي أسسوا معاملتهم عليه : فهو الإنصاف في ~~معاملتهم لله ولخلقه فأما الإنصاف في معاملة الله : فأن يعطى العبودية حقها ~~وأن لا ينازع ربه صفات إلهيته التي ms0366 لا تليق بالعبد ولا تنبغي له : من ~~العظمة والكبرياء والجبروت ومن إنصافه لربه : أن لا يشكر سواه على نعمه ~~وينساه ولا يستعين بها PageV01P463 على معاصيه ولا يحمد على رزقه غيره ولا ~~يعبد سواه كما في الأثر الإلهي إني والجن والإنس في نبإ عظيم : أخلق ويعبد ~~غيري وأرزق ويشكر سواي وفي أثر آخر : ابن آدم : ما أنصفتني خيري إليك نازل ~~وشرك إلي صاعد أتحبب إليك بالنعم وأنا عنك غني وتتبغض إلي بالمعاصي وأنت ~~فقير إلي ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح وفي أثر آخر : يا ~~ابن آدم ما من يوم جديد إلا يأتيك من عندي رزق جديد وتأتي عنك الملائكة ~~بعمل قبيح تأكل رزقي وتعصيني وتدعوني فأستجيب لك وتسألني فأعطيك وأنا أدعوك ~~إلى جنتي فتأبى ذلك وما هذا من الإنصاف وأما الإنصاف في حق العبيد : فأن ~~يعاملهم مثل ما يحب أن يعاملوه به ولعمر الله هذا الذي ذكر أنه اعتصام ~~العامة : هو اعتصام خاصة الخاصة في الحقيقة ولكن الشيخ ممن رفع له علم ~~الفناء فشمر إليه فلا تأخذه فيه لومة لائم ولا يرى مقاما أجل منه # | فصل قال : واعتصام الخاصة : بالانقطاع وهو صون الإرادة قبضا وإسبال ~~الخلق # عن الخلق بسطا ورفض العلائق عزما وهو التمسك بالعروة الوثقى يريد انقطاع ~~النفس عن أغراضها من هذه الوجوه الثلاثة فيصون إرادته ويقبضها عما سوى الله ~~سبحانه وهذا شبيه بحال أبي يزيد رحمه الله فيما أخبر به عن نفسه لما قيل له ~~: ما تريد فقال : أريد أن لا أريد الثاني : إسبال الخلق على الخلق بسطا ~~وهذا حقيقة التصوف فإنه كما PageV01P464 قال أبو بكر الكتانى : التصوف خلق ~~فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف فإن حسن الخلق وتزكية النفس ~~بمكارم الأخلاق : يدل على سعة قلب صاحبه وكرم نفسه وسجيته وفي هذا الوصف : ~~يكف الأذى ويحمل الأذى ويوجد الراحة ويدير خده الأيسر لمن لطم الأيمن ويعطي ~~رداءه لمن سلبه قميصه ويمشى ميلين مع من سخره ميلا وهذا علامة انقطاعه عن ~~حظوظ نفسه ms0367 وأغراضها وأما رفض العلائق عزما : فهو العزم التام على رفض ~~العلائق وتركها في ظاهره وباطنه والأصل هو قطع علائق الباطن فمتى قطعها لم ~~تضره علائق الظاهر فمتى كان المال في يدك وليس في قلبك لم يضرك ولو كثر ~~ومتى كان في قلبك ضرك ولو لم يكن في يدك منه شيء قيل للإمام أحمد : الرجل ~~زاهدا ومعه ألف دينار قال : نعم على شريطة ألالا يفرح إذا زادت ولا يحزن ~~إذا نقصت ولهذا كان الصحابة أزهد الأمة مع ما بأيديهم من الأموال ~~PageV01P465 وقيل لسفيان الثورى : أيكون ذو المال زاهدا قال : نعم إن كان ~~إذا زيد فى ماله شكر وإن نقص شكر وصبر وإنما يحمد قطع العلائق الظاهرة في ~~موضعين : حيث يخاف منها ضررا في دينه أو حيث لا يكون فيها مصلحة راجحة ~~والكمال من ذلك : قطع العلائق التى تصير كلاليب على الصراط تمنعه من العبور ~~وهي كلاليب الشهوات والشبهات ولا يضره ما تعلق به بعدها # | فصل قال : واعتصام خاصة الخاصة : بالاتصال وهو شهود الحق تفريدا بعد # الاستحذاء له تعظيما والاشتغال به قربا لما كان ذلك الانقطاع موصلا إلى ~~هذا الاتصال : كان ذلك للمتوسطين وهذا عنده لأهل الوصول ويعني بشهود الحق ~~تفريدا : أن يشهد الحق سبحانه وحده منفردا ولا شيء معه وذلك لفناء الشاهد ~~في الشهود والحوالة في ذلك عند القوم : على الكشف وقد تقدم أن هذا ليس ~~بكمال وأن الكمال : أن يفنى بمراده عن مراد نفسه وأما فناؤه بشهوده عن شهود ~~ما سواه : فدون هذا الفناء في الرتبة كما تقدم وأما قوله : بعد الاستحذاء ~~له تعظيما فالشيخ لكثرة لهجه بالاستعارات عبر عن معنى لطيف عظيم بلفظة ~~الاستحذاء التي هي استفعال من المحاذاة وهي المقابلة التي لا يبقى فيها جزء ~~من المحاذي خارجا عما حاذاه بل قد واجهه وقابله بكليته وجميع أجزائه ومراده ~~بذلك : القرب وارتفاع الوسائط المانعة PageV01P466 منه ولا ريب أن العبد ~~يقرب من ربه والرب يقرب من عبده فأما قرب العبد : فكقوله تعالى : واسجد ~~واقترب [ العلق : 19 ] وقوله فى الأثر الإلهي ms0368 من تقرب منى شبرا تقربت منه ~~ذراعا وكقوله : وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ~~يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبي يسمع وبي يبصر وبي ~~يبطش وبي يمشي وفي الحديث الصحيح : أقرب ما يكون الرب من عبده : فى جوف ~~الليل الأخير وفي الحديث أيضا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وفي ~~الحديث الصحيح لما ارتفعت أصواتهم بالتكبير مع النبيفي السفر فقال : يا ~~أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه ~~سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته فعبر الشيخ رحمه الله عن طلب القرب ~~منه ورفض الوسائط الحائلة بينه وبين القرب المطلوب الذي لا تقر عيون عابديه ~~وأوليائه إلا به : بالاستحذاء وحقيقته : موافاة العبد إلى حضرته وقدامه ~~وبين يديه عكس حال من نبذه وراءه ظهريا وأعرض عنه ونأى بجانبه بمنزلة من ~~ولى المطاع ظهره ومال بشقه عنه وهذا الأمر لا يدرك معناه إلا بوجوده وذوقه ~~وأحسن ما يعبر عنه : بالعبارة النبوية المحمدية وأقرب عبارات القوم : أنه ~~التقريب برفع الوسائط التى بارتفاعها يحصل للعبد حقيقة التعظيم فلذلك قال ~~الاستحذاء له تعظيما ومن أراد فهم هذا كما ينبغي فعليه بفهم اسمه تعالى ~~الباطن وفهم PageV01P467 اسمه القريب مع امتلاء القلب بحبه ولهج اللسان ~~بذكره ومن ههنا يؤخذ العبد إلى الفناء الذى كان مشمرا إليه عاملا عليه فإن ~~كان مشمرا إلى الفناء المتوسط وهو الفناء عن شهود السوى لم يبق فى قلبه ~~شهود لغيره ألبتة بل تضمحل الرسوم وتفنى الإشارات ويفنى من لم يكن ويبقى من ~~لم يزل وفى هذا المقام يجيب داعي الفناء طوعا ورغبة لا كرها لأن هذا المقام ~~امتزج فيه الحب بالتعظيم مع القرب وهو منتهى سفر الطالبين لمقام الفناء وإن ~~كان العبد مشمرا للفناء العالي وهو الفناء عن إرادة السوى : لم يبق في قلبه ~~مراد يزاحم مراده ms0369 الديني الشرعي النبوي القرآني بل يتحد المرادان فيصير عين ~~مراد الرب هو مراد العبد وهذا حقيقة المحبة الخالصة وفيها يكون الاتحاد ~~الصحيح وهو الاتحاد في المراد لا في المريد ولا في الإرادة فتدبر هذا ~~الفرقان في هذا الموضع الذى طالما زلت فيه أقدام السالكين وضلت فيه أفهام ~~الواجدين وفي هذا المقام حقيقة يفنى من لم يكن إرادة وإيثارا ومحبة وتعظيما ~~وخوفا ورجاء وتوكلا ويبقى من لم يزل وفيه ترتفع الوسائط بين الرب والعبد ~~حقيقة ويحصل له الاستحذاء المذكور مقرونا بغاية الحب وغاية التعظيم وفي هذا ~~المقام : يجيب داعي الفناء في المحبة طوعا واختيارا لا كرها بل ينجذب إليه ~~انجذاب قلب المحب وروحه الذي قد ملأت المحبة قلبه بحيث لم يبق فيه جزء فارغ ~~منها إلى محبوبه الذي هو أكمل محبوب وأجله وأحقه بالحب وهذا الفناء أوجبه ~~الحب الكامل الممتزج بالتعظيم والإجلال والقرب ومحو ما سوى مراد المحبوب من ~~القلب بحيث لم يبق في القلب إلا المحبوب ومراده وهذا حقيقة الاعتصام به ~~وبحبله والله المستعان PageV01P468 وأما قوله : والاشتغال به قربا أي يشغله ~~قرب الحق عن كل ما سواه وهذا حقيقة القرب ألا ترى أن القريب من السلطان ~~جداالمقبل عليه المكلم له : لا يشتغل بشيء سواه ألبتة فعلى قدر القرب من ~~الله يكون اشتغال العبد به والله أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الفرار # قال الله تعالى : ففروا إلى الله الذاريات : 50 ] وحقيقة الفرار : الهرب ~~من شيء إلى شيء وهو نوعان : فرار السعداء وفرار الأشقياء ففرار السعداء : ~~الفرار إلى الله عز وجل وفرار الأشقياء : الفرار منه لا إليه وأما الفرار ~~منه إليه : ففرار أوليائه قال ابن عباس في قوله تعالى : ففروا إلى الله ~~الذاريات : 50 ] : فروا منه إليه واعملوا بطاعته وقال سهل بن عبدالله : ~~فروا مما سوى الله إلى الله وقال آخرون : اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه ~~بالإيمان والطاعة وقال صاحب المنازل : هو الهرب مما لم يكن إلى من لم يزل ~~وهو على ثلاث درجات : فرار العامة من ms0370 الجهل إلى العلم عقدا وسعيا ومن الكسل ~~إلى التشمير جدا وعزما ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء يريد بما لم يكن ~~الخلق وبما لم يزل الحق وقوله : فرار العامة : من الجهل إلى العلم عقدا ~~وسعيا الجهل نوعان : عدم العلم بالحق النافع وعدم العمل بموجبه ومقتضاه ~~فكلاهما جهل لغة وعرفا وشرعا وحقيقة قال موسى : أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين البقره : 67 ] لما قال له قومه : أتتخذنا هزوا البقره : 67 ] أى ~~من المستهزئين وقال يوسف الصديق : وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين يوسف : 33 ] أي من مرتكبي ما حرمت عليهم وقال تعالى : إنما التوبة ~~PageV01P469 @QB@ على الله للذين يعملون السوء بجهالة @QE@ النساء : ] قال ~~قتادة : أجمع أصحاب رسول اللهأن كل ما عصى الله به فهو جهالة وقال غيره : ~~أجمع الصحابة رضي الله عنه أن كل من عصى الله فهو جاهل وقال الشاعر : ألا ~~لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا وسمى عدم مراعاة العلم جهلا ~~إما لأنه لم ينتفع به فنزل منزلة الجاهل وإما لجهله بسوء ما تجني عواقب ~~فعله فالفرار المذكور : هو الفرار من الجهلين : من الجهل بالعلم إلى تحصيله ~~اعتقادا ومعرفة وبصيرة ومن جهل العمل إلى السعي النافع والعمل الصالح قصدا ~~وسعيا قوله ومن الكسل إلى التشمير جدا وعزما أي : يفر من إجابة داعي الكسل ~~إلى داعي العمل والتشمير بالجد والاجتهاد و الجد ههنا هو صدق العمل وإخلاصه ~~من شوائب الفتور ووعود التسويف والتهاون وهو تحت السين وسوف وعسى ولعل فهى ~~أضر شىء على العبد وهي شجرة ثمرها الخسران والندامات والفرق بين الجد ~~والعزم : أن العزم صدق الإرادة واستجماعها و الجد صدق العمل وبذل الجهد فيه ~~وقد أمر الله سبحانه وتعالى بتلقى أوامره بالعزم والجد فقال : خذوا ما ~~آتيناكم بقوة البقره : 63 ] وقال : وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة ~~وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة الأعراف : : 145 ] وقال : يا يحيى خذ الكتاب ~~بقوة مريم : 12 ] أي بجد واجتهاد وعزم لا كمن يأخذ ما أمر به بتردد ms0371 وفتور ~~وقوله : ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء يريد هروب العبد من ضيق صدره ~~بالهموم والغموم والأحزان والمخاوف التي تعتريه في هذه الدار من جهة نفسه ~~وما هو خارج عن نفسه مما يتعلق بأسباب مصالحه ومصالح من يتعلق به وما يتعلق ~~بماله وبدنه وأهله وعدوه يهرب من PageV01P470 ضيق صدره بذلك كله إلى سعة ~~فضاء الثقة بالله تبارك وتعالى وصدق التوكل عليه وحسن الرجاء لجميل صنعه به ~~وتوقع المرجو من لطفه وبره ومن أحسن كلام العامة قولهم : لا هم مع الله قال ~~الله تعالى : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب الطلاق : ~~23 ] قال الربيع بن خثيم : يجعل له مخرجا من كل ما ضاق على الناس وقال أبو ~~العالية : مخرجا من كل شدة وهذا جامع لشدائد الدنيا والآخرة ومضايق الدنيا ~~والآخرة فإن الله يجعل للمتقي من كل ما ضاق على الناس واشتد عليهم فى ~~الدنيا والآخرة مخرجا وقال الحسن : مخرجا مما نهاه عنه ومن يتوكل على الله ~~فهو حسبه الطلاق : 3 ] أي كافي من يثق به فى نوائبه ومهماته يكفيه كل ما ~~أهمه و الحسب الكافي حسبنا الله التوبه : 59 ] كافينا الله وكلما كان العبد ~~حسن الظن بالله حسن الرجاء له صادق التوكل عليه : فإن الله لا يخيب أمله ~~فيه ألبتة فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل ولا يضيع عمل عامل وعبر عن الثقة ~~وحسن الظن بالسعة فإنه لا أشرح للصدر ولا أوسع له بعد الإيمان من ثقته ~~بالله ورجائه له وحسن ظنه به # | فصل قال : وفرار الخاصة من الخبر : إلى الشهود ومن الرسوم : إلى الأصول # ومن الحظوظ : إلى التجريد يعني أنهم لا يرضون أن يكون إيمانهم عن مجرد ~~خبر حتى يترقوا منه إلى مشاهدة المخبر عنه فيطلبون الترقى من علم اليقين ~~بالخبر إلى عين اليقين بالشهود كما طلب إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه ~~عليه ذلك من ربه إذ قال : رب أرنى : كيف تحيي الموتى قال : أو لم تؤمن قال ~~: بلى ولكن ليطمئن قلبي البقره : 260 ] فطلب ms0372 إبراهيم أن يكون اليقين عيانا ~~والمعلوم مشاهدا وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبيبالشك فى قوله نحن أحق ~~بالشك من إبراهيم حيث قال رب أرني كيف تحيي الموتى وهولم يشك PageV01P471 ~~ولا إبراهيم حاشاهما من ذلك وإنما عبر عن هذا المعنى بهذه العبارة هذا أحد ~~الأقوال في الحديث وفيه قول ثان : أنه على وجه النفي أي لم يشك إبراهيم حيث ~~قال ما قال ولم نشك نحن وهذا القول صحيح أيضا أي لو كان ما طلبه للشك لكنا ~~نحن أحق به منه لكن لم يطلب ما طلب شكا وإنما طلب ما طلبه طمأنينة فالمراتب ~~ثلاث علم يقين يحصل عن الخبر ثم تتجلى حقيقة المخبر عنه للقلب أو البصر حتى ~~يصير العلم به عين يقين ثم يباشره ويلابسه فيصير حق يقين فعلمنا بالجنة ~~والنار الآن علم يقين فإذا أزلفت الجنة للمتقين في الموقف وبرزت الجحيم ~~للغاوين وشاهدوهما عيانا كان ذلك عين يقين كما قال تعالى : لترون الجحيم ثم ~~لترونها عين اليقين التكاثر : 67 ] فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار ~~النار فذلك حق اليقين وسنزيد ذلك إيضاحا إن شاء الله تعالى إذا انتهينا ~~إليه وأما قوله : ومن الرسوم إلى الأصول فإنه يريد بالرسوم ظواهر العلم ~~والعمل وبالأصول : حقائق الإيمان ومعاملات القلوب وأذواق الإيمان ووارداته ~~فيفر من إحكام العلم والعمل إلى خشوع السر للعرفان فإن أرباب العزائم في ~~السير لا يقنعون برسوم الأعمال وظواهرها ولا يعتدون إلا بأرواحها وحقائقها ~~وما يثبته لهم التعرف الإلهي وهو نصيبهم من الأمر والتعرف الإلهي لا يقتضي ~~مفارقة الأمر كما يظن قطاع الطريق وزنادقة الصوفية بل يستخرج منهم حقائق ~~الأمر وأسرار العبودية وروح المعاملة فحظهم من الأمر : حظ العالم بمراد ~~المتكلم من كلامه تصريحا وإيماء وتنبيها وإشارة وحظ غيرهم منه : حظ التالي ~~له حفظا بلا فهم ولا معرفة لمراده وهؤلاء أحوج شيء إلى الأمر لأنهم لم ~~يصلوا إلى تلك التعرفات والحقائق إلا به فالمحافظة عليه لهم علما ومعرفة ~~وعملا وحالا ضرورية لا عوض لهم عنه ألبتة PageV01P472 وهذا القدر هو ms0373 الذي ~~فات الزنادقة وقطاع الطريق من المنتسبين إلى طريقة القوم فإنهم لما علموا ~~أن حقائق هذه الأوامر هي المطلوبة وأرواحها لا صورها وأشباحها ورسومها ~~قالوا : نجمع هممنا على مقاصدها وحقائقها ولا حاجة لنا إلى رسومها وظواهرها ~~بل الاشتغال برسومها اشتغال عن الغاية بالوسيلة وعن المطلوب لذاته بالمطلوب ~~لغيره وغرهم ما رأوا فيه الواقفين مع رسوم الأعمال وظواهرها دون مراعاة ~~حقائقها ومقاصدها وأرواحها فرأوا نفوسهم أشرف من نفوس أولئك وهممهم أعلى ~~وأنهم المشتغلون باللب وأولئك بالقشر فتركب من تقصير هؤلاء وعدوان هؤلاء ~~تعطيل وجملة الأمر أن هؤلاء عطلوا سره ومقصوده وحقيقته وهؤلاء عطلوا رسمه ~~وصورته فظنوا أنهم يصلون إلى حقيقته من غير رسمه وظاهره فلم يصلوا إلا إلى ~~الكفر والزندقة وجحدوا ما علم بالضرورة مجيء الرسل به فهؤلاء كفار زنادقة ~~منافقون وأولئك مقصرون غير كاملين والقائمون بهذا وهذا هم الذين يرون أن ~~الأمر متوجه إلى قلوبهم قبل جوارحهم وأن على القلب عبودية في الأمر كما على ~~الجوارح وأن تعطيل عبودية القلب بمنزلة تعطيل عبودية الجوراح وأن كمال ~~العبودية قيام كل من الملك وجنوده بعبوديته : فهؤلاء خواص أهل الإيمان وأهل ~~العلم والعرفان # | فصل قوله ومن الحظوظ إلى التجريد يريد الفرار من حظوظ النفوس على ~~اختلاف # مراتبها فإنه لا يعرفها إلا المعتنون بمعرفة الله ومراده وحقه على عبده ~~ومعرفة نفوسهم وأعمالهم وآفاتهما PageV01P473 ورب مطالب عالية لقوم من ~~العباد هي حظوظ لقوم آخرين يستغفرون الله منها ويفرون إليه منها يرونها ~~حائلة بينهم وبين مطلوبهم وبالجملة فالحظ : ما سوى مراد الله الدينى منك ~~كائنا ما كان وهو ما يبرح حظ محرم إلى مكروه إلى مباح إلى مستحب غيره أحب ~~إلى الله منه ولا يتميز هذا إلا في مقام الرسوخ في العلم بالله وأمره ~~وبالنفس وصفاتها وأحوالها فهناك تتبين له الحظوظ من الحقوق ويفر من الحظ ~~إلى التجريد وأكثر الناس لا يصلح لهم هذا لأنهم إنما يعبدون الله على ~~الحظوظ وعلى مرادهم منه وأما تجريد عبادته على مراده من عبده : فتلك منزلة ~~لم يعطها أحد سوى ms0374 نبي وصديق من البشر والزهد زهدك فيها ليس زهدك في ما قد ~~أبيح لنا في محكم السور والصدق صدقك في تجريدها وكذا الإخلاص تخليصها إن ~~كنت ذا بصر كذا توكل أرباب البصائر في تجريد أعمالهم من ذلك الكدر كذاك ~~توبتهم منها فهم أبدا في توبة أو يصيروا داخل الحفر وبالجملة فصاحب هذا ~~التجريد : لا يقنع من الله بأمر يسكن إليه دون الله ولا يفرح بما حصل له ~~دون الله ولا يأسى على ما فاته سوى الله ولا يستغني برتبة شريفة وإن عظمت ~~عنده أو عند الناس فلا يستغني إلا بالله ولا يفتقر إلا إلى الله ولا يفرح ~~إلا بموافقته لمرضاة الله ولا يحزن إلا على ما فاته من الله ولا يخاف إلا ~~من سقوطه من عين الله واحتجاب الله عنه فكله بالله وكله لله وكله مع الله ~~وسيره دائما إلى الله قد رفع له علمه فشمر إليه وتجرد له مطلوبه فعمل عليه ~~تناديه الحظوظ : إلي وهو يقول : إنما أريد من إذا حصل لي حصل لي كل شيء ~~وإذا فاتني فاتني كل شيء فهو مع الله مجرد عن خلقه ومع خلقه مجرد عن نفسه ~~ومع الأمر مجرد عن حظه أعني الحظ المزاحم للأمر وأما الحظ المعين على الأمر ~~: فإنه لا يحطه تناوله عن مرتبته ولا يسقطه من عين ربه PageV01P474 وهذا ~~أيضا موضع غلط فيه من غلط من الشيوخ فظنوا أن إرادة الحظ نقص فى الإرادة ~~والتحقيق فيه : أن الحظ نوعان حظ يزاحم الأمر وحظ يؤازر الأمر فينفذه ~~فالأول هو المذموم والثاني ممدوح وتناوله من تمام العبودية فهذا لون وهذا ~~لون # | فصل قال : وفرار خاصة الخاصة : مما دون الحق إلى الحق ثم من # شهود الفرار إلى الحق ثم الفرار من شهود الفرار هذا على قاعدته في جعل ~~الفناء عن الشهود غاية السالكين فيفر أولا من الخلق إلى الحق ويشهد بهذا ~~الفرار انفراد مشهوده الذي فر إليه لكن بقيت عليه بقية وهي شهود فراره ~~فيعدله إحساسا بالخلق فيفر ثانيا من شهود فراره فتنقطع ms0375 النسب كلها بينه ~~وبين الخلق بهذا الفرار الثاني فلا يبقى فيه بقية إلا ملاحظة فراره من شهود ~~فراره فيفر من شهود الفرار فتنقطع حينئذ النسب كلها وقد تقدم الكلام على ~~هذا وأنه ليس أعلى المقامات والرتب ولا هو غاية الكمال وأن فوقه ما هو أعلى ~~منه مقاما وأشرف منزلا وهو أن يشهد فراره وأنه بالله من الله إلى الله ~~فيشهد أنه فر به منه إليه ويعطي كل مشهد حقه من العبودية وهذا حال الكمل ~~والله المستعان # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين : منزلة الرياضة هي تمرين # النفس على الصدق والإخلاص قال صاحب المنازل : هي تمرين النفس على قبول ~~الصدق وهذا يراد به أمران : تمرينها على قبول الصدق إذا عرضه عليها في ~~أقواله وأفعاله وإرادته فإذا عرض عليها الصدق قبلته وانقادت له وأذعنت له ~~PageV01P475 والثاني : قبول الحق ممن عرضه عليه قال الله تعالى : @QB@ ~~والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون @QE@ الزمر : 33 ] فلا يكفي ~~صدقك بل لا بد من صدقك وتصديقك للصادقين فكثير من الناس يصدق ولكن يمنعه من ~~التصديق كبر أو حسد أو غير ذلك قال : وهي على ثلاث درجات : رياضة العامة ~~وهي تهذيب الأخلاق بالعلم وتصفية الأعمال بالإخلاص وتوفير الحقوق في ~~المعاملة أما تهذيب الأخلاق بالعلم : فالمراد به إصلاحها وتصفيتها بموجب ~~العلم فلا يتحرك بحركة ظاهرة أو باطنة إلا بمقتضى العلم فتكون حركات ظاهرة ~~وباطنة موزونة بميزان الشرع وأما تصفية الأعمال بالإخلاص : فهو تجريدها عن ~~أن يشوبها باعث لغير الله وهي عبارة عن توحيد المراد وتجريد الباعث إليه ~~وأما توفير الحقوق في المعاملة : فهو أن تعطي ما أمرت به من حق الله وحقوق ~~العباد كاملا موفرا قد نصحت فيه صاحب الحق غاية النصح وأرضيته كل الرضى ~~ففزت بحمده لك وشكره ولما كانت هذه الثلاثة شاقة على النفس جدا : كان ~~تكلفها رياضة فإذا اعتادها صارت خلقا قال : ورياضة الخاصة : حسم التفرق ~~وقطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه وإبقاء العلم يجري مجراه يريد بحسم ~~التفرق : قطع ما يفرق قلبك ms0376 عن الله بالجمعية عليه والإقبال بكليتك إليه ~~حاضرا معه بقلبك كله لا تلتفت إلى غيره وأما قطع الالتفات إلى المقام الذي ~~جاوزه : فهو أن لا يشتغل باستحسان علوم ذلك المقام ولذته واستحسانه بل يلهى ~~عنه معرضا مقبلا على الله طالبا للزيادة خائفا أن يكون ذلك المقام له حجابا ~~يقف عنده عن السير فهمته حفظه ليس له PageV01P476 قوة ولا همة أن ينهض إلى ~~ما فوقه ومن لم تكن همته التقدم فهو فى تأخر ولا يشعر فإنه لا وقوف في ~~الطبيعة ولا في السير بل إما إلى قدام وإما إلى وراء فالسالك الصادق لا ~~ينظر إلى ورائه ولا يسمع النداء إلا من أمامه لا من ورائه وأما إبقاء العلم ~~يجرى مجراه : فالذهاب مع داعي العلم أين ذهب به والجري معه في تياره أين ~~جرى وحقيقة ذلك : الاستسلام للعلم وأن لا تعارضه بجمعية ولا ذوق ولا حال بل ~~امض معه حيث ذهب فالواجب تسليط العلم على الحال وتحكيمه عليه وأن لا يعارض ~~به وهذا صعب جدا إلا على الصادقين من أرباب العزائم فلذلك كان من أنواع ~~الرياضة ومتى تمرنت النفس عليه وتعودته صار خلقا وكثير من السالكين إذا ~~لاحت له بارقة أو غلبه حال أو ذوق : خلى العلم وراء ظهره ونبذه وراءه ظهريا ~~وحكم عليه الحال هذا حال أكثر السالكين وهي حال أهل الانحراف الذين يصدون ~~عن سبيل الله ويبغونها عوجا ولهذا عظمت وصية أهل الاستقامة من الشيوخ ~~بالعلم والتمسك به # | فصل قال : ورياضة خاصة الخاصة : تجريد الشهود والصعود إلى الجمع ورفض # المعارضات وقطع المعاوضات أما تجريد الشهود فنوعان أحدهما : تجريده عن ~~الالتفات إلى غيره والثاني : تجريده عن رؤيته وشهوده وأما الصعود إلى الجمع ~~: فيعني به الصعود عن معاني التفرقة إلى الجمع الذاتي وهذا يحتمل أمرين ~~PageV01P477 أحدهما : أن يصعد عن تفرقة الأفعال إلى وحدة مصدرها والثاني : ~~أن يصعد عن علائق الأسماء والصفات إلى الذات فإن شهود الذات بدون علائق ~~الأسماء والصفات عندهم هو حضرة الجمع وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام لا ~~بد ms0377 من تحقيقه فنقول : التفرقة تفرقتان : تفرقة في المفعولات وتفرقة في ~~معاني الأسماء والصفات والجمع جمعان : جمع في الحكم الكوني وجمع ذاتي ~~فالجمع في الحكم الكوني : اجتماع المفعولات كلها في القضاء والقدر والحكم ~~والجمع الذاتي : اجتماع الأسماء والصفات في الذات فالذات واحدة جامعة ~~للأسماء والصفات والقدر : جامع لجميع المقضيات والمقدروات والشهود مترتب ~~على هذا وهذا فشهود اجتماع الكائنات في قضائه وقدره وإن كان حقا فهو لا ~~يعطى إيمانا فضلا عن أن يكون أعلى مقامات الإحسان والفناء في هذا الشهود : ~~غايته فناء في توحيد الربوبية الذي لا ينفع وحده ولا بد منه وشهود اجتماع ~~الأسماء والصفات في وحدة الذات : شهود صحيح وهو شهود مطابق للحق في نفسه ~~وأما الصعود عن شهود تفرقة الأسماء والصفات وعلائقها إلى وحدة الذات ~~المجردة : فغايته أن يكون صاحبه معذورا لضيق قلبه وأما أن يكون محمودا في ~~شهوده ذاتا مجردة عن كل اسم وصفة وعن علائقها فكلا ولما وأي إيمان يعطي ذلك ~~وأي معرفة وإنما هو سلب ونفي في الشهود كالسلب والنفي في العلم والاعتقاد ~~فنسبته إلى الشهود كنسبة نفي الجهمية وسلبهم PageV01P478 إلى الأخبار لكن ~~الفرق بينهما : أن ذلك السلب في العلم والاعتقاد مخالف للحق الثابت في نفس ~~الأمر وكذب على الله ونفي لما يستحقه من صفات كماله ونعوت جلاله ومعاني ~~أسمائه الحسنى وأما هذا السلب : ففي الشعور به للصعود منه إلى الجمع الذاتي ~~مع الإيمان به والاعتراف بثبوته فهذا لون وذاك لون والكمال شهود الأمر على ~~ما هو عليه ويشهد الذات موصوفة بصفات الجلال منعوتة بنعوت الكمال وكلما كثر ~~شهوده لمعاني الأسماء والصفات كان أكمل نعم قد يعذر في الفناء في الذات ~~المجردة لقوة الوارد وضعف المحل عن شهود معاني الأسماء والصفات فتأمل هذا ~~الموضوع وأعطه حقه ولا يصدنك عن تحقيق ذلك ما يحيل عليه أرباب الفناء من ~~الكشف والذوق فإنا لا ننكره بل نقر به ولكن الشأن في مرتبته وبالله التوفيق ~~وأما رفض المعارضات : فيحتمل أمرين أحدهما : ما يعارض شهوده الجمعي من ~~التفرقات وهو مراده والثانى ms0378 : ما يعارض إرادته من الإرادات وما يعارض مراد ~~الله من المرادات وهذا أكمل من الأول وأعلى منه وأما قطع المعاوضات : فهو ~~تجريد المعاملة عن إرادة المعاوضة بل يجردها لذاته وأنه أهل أن يعبد ولو لم ~~يحصل لعابده عوض منه فإنه يستحق أن يعبد لذاته لا لعلة ولا لعوض ولا لمطلوب ~~وهذا أيضا موضع لابد من تجريده PageV01P479 فيقال : ملاحظة المعاوضة ضرورية ~~للعامل وإنما الشأن في ملاحظة الأعواض وتباينها فالمحب الصادق الذي قد تجرد ~~عن ملاحظة عوض قد لاحظ أعظم الأعواض وشمر إليها وهي قربه من الله ووصوله ~~إليه واشتغاله به عما سواه والتنعم بحبه ولذة الشوق إلى لقائه فهذه أعواض ~~لا بد للخاصة منها وهي من أجل مقاصدهم وأغراضهم ولا تقدح فى مقاماتهم ~~وتجريد عبودياتهم بل أكملهم عبودية أشدهم التفاتا إلى هذه الأعواض نعم طلب ~~الأعواض المنفصلة المخلوقة من الجاه والمال والرياسة والملك أو طلب الحور ~~العين والقصور والولدان ونحو ذلك بالنسبة إلى تلك الأعواض التي تطلبها ~~الخاصة معلولة وهذا لا شك فيه إذا تجرد طلبهم لها أما إذا كان مطلوبهم ~~الأعظم الذاتي : هو قربه والوصول إليه والتنعم بحبه والشوق إلى لقائه ~~وانضاف إلى هذا طلبهم لثوابه المخلوق المنفصل : فلا علة في هذه العبودية ~~بوجه ما ولا نقص وقد قال النبي حولها ندندن يعنى الجنة وقال : إذا سألتم ~~الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه ~~تفجر أنهار الجنة ومعلوم أن هذا مسكن خاصة الخاصة وسادات العارفين فسؤالهم ~~إياه ليس علة في عبوديتهم ولا قدحا فيها PageV01P480 وقد استوفينا ذكر هذا ~~الموضع فى كتاب سفر الهجرتين عند الكلام على علل المقامات ويحتمل أن يريد ~~الشيخ بقطع المعاوضات : أن تشهد أن الله ما أعطاك شيئا معاوضة بل إنما ~~أعطاكتفضلا وإحسانا لا لعوض يرجوه منك كما يكون عطاء العبد للعبد وإنما ~~نتكلم فيما من العبد مما يؤمر بالتجرد عنه كتجرده عن التفرقة والمعاوضة ~~فهذا أليق المعنيين بكلامه والله أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة السماع # وهو اسم ms0379 مصدر كالنبات وقد أمر الله به في كتابه وأثنى على أهله وأخبر أن ~~البشرى لهم فقال تعالى @QB@ واتقوا الله واسمعوا @QE@ المائده : 108 ] وقال ~~@QB@ واسمعوا وأطيعوا @QE@ التغابن : 16 ] وقال ولو أنهم قالوا سمعنا ~~وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم النساء : 46 ] وقال فبشر عبادي ~~الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو ~~الألباب الزمر : 1718 ] وقال : وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ~~الأعراف : 204 ] وقال : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من ~~الدمع مما عرفوا من الحق وجعل الإسماع منه والسماع منهم دليلا على علم ~~الخير فيهم وعدم ذلك دليلا على عدم الخير فيهم فقال : ولو علم الله فيهم ~~خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون الأنفال : 23 ] وأخبر عن أعدائه ~~: أنهم هجروا السماع ونهوا عنه فقال : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا ~~القرآن والغوا فيه فصلت : 26 ] فالسماع رسول الإيمان إلى القلب وداعيه ~~ومعلمه وكم في القرآن من قوله : أفلا يسمعون وقال : أفلم يسيروا في الأرض ~~فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها الآية الحج : 46 ] ~~PageV01P481 فالسماع أصل العقل وأساس الإيمان الذي انبنى عليه وهو رائده ~~وجليسه ووزيره ولكن الشأن كل الشأن في المسموع وفيه وقع خبط الناس ~~واختلافهم وغلط منهم من غلط وحقيقة السماع تنبيه القلب على معاني المسموع ~~وتحريكه عنها : طلبا وهربا وحبا وبغضا فهو حاد يحدو بكل أحد إلى وطنه ~~ومألفه وأصحاب السماع منهم : من يسمع بطبعه ونفسه وهواه فهذا حظه من مسموعه ~~: ما وافق طبعه ومنهم : من يسمع بحاله وإيمانه ومعرفته وعقله فهذا يفتح له ~~من المسموع بحسب استعداده وقوته ومادته ومنهم : من يسمع بالله لا يسمع ~~بغيره كما في الحديث الإلهي الصحيح : فبي يسمع وبي يبصر وهذا أعلى سماعا ~~وأصح من كل أحد والكلام في السماع مدحا وذما يحتاج فيه إلى معرفة صورة ~~المسموع وحقيقته وسببه والباعث عليه وثمرته وغايته فبهذه الفصول الثلاثة ~~يتحرر أمر السماع ويتميز النافع منه والضار والحق والباطل والممدوح ~~والمذموم فأما ms0380 المسموع فعلى ثلاثة أضرب أحدها : مسموع يحبه الله ويرضاه ~~وأمر به عباده وأثنى على أهله ورضي عنهم به الثاني : مسموع يبغضه ويكرهه ~~ونهى عنه ومدح المعرضين عنه الثالث : مسموع مباح مأذون فيه لا يحبه ولا ~~يبغضه ولا مدح صاحبه ولا ذمه فحكمه حكم سائر المباحات : من المناظر والمشام ~~والمطعومات والملبوسات المباحة فمن حرم هذا النوع الثالث فقد قال على الله ~~ما لا يعلم وحرم ما أحل الله ومن جعله دينا وقربة يتقرب به إلى الله فقد ~~كذب على الله وشرع دينا لم يأذن به الله وضاهأ بذلك المشركين PageV01P482 # | فصل فأما النوع الأول : فهو السماع الذي مدحه الله في كتابه وأمر به # وأثنى على أصحابه وذم المعرضين عنه ولعنهم وجعلهم أضل من الأنعام سبيلا ~~وهم القائلون فى النار : @QB@ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ~~@QE@ الملك : 10 ] وهو سماع آياته المتلوة التي أنزلها على رسوله فهذا ~~السماع أساس الإيمان الذى يقوم عليه بناؤه وهو على ثلاثة أنواع سماع إدراك ~~: بحاسة الأذن وسماع فهم وعقل وسماع منهم إجابة وقبول والثلاثة في القرآن ~~فأما سماع الإدراك : ففي قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن قولهم : @QB@ إنا ~~سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به @QE@ الجن : 12 ] وقولهم : @QB@ ~~يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى @QE@ الآية الأحقاف : 30 ] فهذا ~~سماع إدراك اتصل به الإيمان والإجابة وأما سماع الفهم : فهو المنفي عن أهل ~~الإعراض والغفلة بقوله تعالى : فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء ~~الروم : 52 ] وقوله : إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور ~~فاطر : 22 ] فالتخصيص ههنا لإسماع الفهم والعقل وإلا فالسمع العام الذي ~~قامت به الحجة : لا تخصيص فيه ومنه قوله تعالى : ولو علم الله فيهم خيرا ~~لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون الأنفال : 23 ] أى لو علم الله في ~~هؤلاء الكفار قبولاوانقيادا PageV01P483 لأفهمهم وإلا فهم قد سمعوا سمع ~~الإدراك ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون أي ولو أفهمهم لما انقادوا ولا ~~انتفعوا بما فهموا ms0381 لأن في قلبهم من داعي التولي والإعراض ما يمنعهم عن ~~الانتفاع بما سمعوه وأما سماع القبول والإجابة : ففي قوله تعالى حكاية عن ~~عباده المؤمنين : أنهم قالوا : سمعنا وأطعنا النور : 51 ] فإن هذا سماع ~~قبول وإجابة مثمر للطاعة والتحقيق : أنه متضمن للأنواع الثلاثة وأنهم ~~أخبروا بأنهم أدركوا المسوع وفهموه واستجابوا له ومن سمع القبول : وفيكم ~~سماعون لهم التوبه : 47 ] أى قابلون منهم مستجيبون لهم هذا أصح القولين في ~~الآية وأما قول من قال : عيون لهم وجواسيس فضعيف فإنه سبحانه أخبر عن حكمته ~~في تثبيطهم عن الخروج : بأن خروجهم يوجب الخبال والفساد والسعي بين العسكر ~~بالفتنة وفي العسكر من يقبل منهم ويستجيب لهم فكان في إقعادهم عنهم لطفا ~~بهم ورحمة حتى لا يقعوا في عنت القبول منهم أما اشتمال العسكر على جواسيس ~~وعيون لهم : فلا تعلق له بحكمة التثبيط والإقعاد ومعلوم أن جواسيسهم ~~وعيونهم منهم وهو سبحانه قد أخبر أنه أقعدهم لئلا يسعوا بالفساد في العسكر ~~ولئلا يبغوهم الفتنة وهذه الفتنة إنما تندفع بإقعادهم وإقعاد جواسيسهم ~~وعيونهم وأيضا فإن الجواسيس إنما تسمى عيونا هذا المعروف في الاستعمال لا ~~تسمى سماعين وأيضا فإن هذا نظير قوله تعالى في إخوانهم اليهود : سماعون ~~للكذب أكالون للسحت المائده : 42 ] أي قابلون له والمقصود : أن سماع خاصة ~~الخاصة المقربين : هو سماع القرآن بالاعتبارات PageV01P484 الثلاثة : ~~إدراكا وفهما وتدبرا وإجابة وكل سماع في القرآن مدح الله أصحابه وأثنى ~~عليهم وأمر به أولياءه : فهو هذا السماع وهو سماع الآيات لا سماع الأبيات ~~وسماع القرآن لا سماع مزامير الشيطان وسماع كلام رب الأرض والسماء لا سماع ~~قصائد الشعراء وسماع المراشد لا سماع القصائد وسماع الأنبياء والمرسلين لا ~~سماع المغنين والمطربين فهذا السماع حاد يحدو القلوب إلى جوار علام الغيوب ~~وسائق يسوق الأرواح إلى ديار الأفراح ومحرك يثير ساكن العزمات إلى أعلى ~~المقامات وأرفع الدرجات ومناد ينادي للإيمان ودليل يسير بالركب في طريق ~~الجنان وداع يدعو القلوب بالمساء والصباح من قبل فالق الإصباح حي على ~~الفلاح حي على الفلاح فلم يعدم من ms0382 اختار هذا السماع إرشادا لحجة وتبصرة ~~لعبرة وتذكرة لمعرفة وفكرة في آية ودلالة على رشد وردا على ضلالة وإرشادا ~~من غي وبصيرة من عمى وأمرا بمصلحة ونهيا عن مضرة ومفسدة وهداية إلى نور ~~وإخراجا من ظلمة وزجرا عن هوى وحثا على تقى وجلاء لبصيرة وحياة لقلب وغذاء ~~ودواء وشفاء وعصمة ونجاة وكشف شبهة وإيضاح برهان وتحقيق حق وإبطال باطل ~~ونحن نرضى بحكم أهل الذوق في سماع الأبيات والقصائد ونناشدهم بالذي أنزل ~~القرآن هدى وشفاء ونورا وحياة : هل وجدوا ذلك أو شيئا منه فى الدف والمزمار ~~ونغمة الشادن ومطربات الألحان والغناء المشتمل على تهييج الحب المطلق الذي ~~يشترك فيه محب الرحمن ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب العلم والعرفان ومحب ~~الأموال والأثمان ومحب النسوان والمردان ومحب الصلبان فهو يثير من قلب كل ~~مشتاق ومحب لشيء ساكنه ويزعج قاطنه فيثور وجده ويبدو شوقه فيتحرك على حسب ~~ما في قلبه من الحب والشوق PageV01P485 والوجد بذلك المحبوب كائنا ما كان ~~ولهذا تجد لهؤلاء كلهم ذوقا فى السماع وحالا ووجدا وبكاء ويالله العجب أي ~~إيمان ونور وبصيرة وهدى ومعرفة تحصل باستماع أبيات بألحان وتوقيعات لعل ~~أكثرها قيلت فيما هو محرم من يبغضه الله ورسوله ويعاقب عليه : من غزل ~~وتشبيب بمن لا يحل له من ذكر أو أنثى فإن غالب التغزل والتشبيب : إنما هو ~~في الصور المحرمة ومن أندر النادر تغزل الشاعر وتشبيبه فى امرأته وأمته وأم ~~ولده مع أن هذا واقع لكنه كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود فكيف يقع ~~لمن له أدنى بصيرة وحياة قلب : أن يتقرب إلى الله ويزداد إيمانا وقربا منه ~~وكرامة عليه بالتذاذه بما هو بغيض إليه مقيت عنده يمقت قائله والراضي به ~~وتترقى به الحال حتى يزعم أن ذلك أنفع لقلبه من سماع القرآن والعلم النافع ~~وسنة نبيه يالله إن هذا القلب مخسوف به ممكور به منكوس لم يصلح لحقائق ~~القرآن وأذواق معانيه ومطالعة أسراره فبلاه بقرآن الشيطان كما فى معجم ~~الطبراني وغيره مرفوعا وموقوفا : إن الشيطان قال : يارب اجعل لي ms0383 قرآنا قال ~~: قرآنك الشعر قال : اجعل لي كتابا قال : كتابك الوشم قال : اجعل لي مؤذنا ~~قال : مؤذنك المزمار قال : اجعل لى بيتا قال : بيتك الحمام قال : اجعل لي ~~مصائد قال : مصائدك النساء قال : اجعل لي طعاما قال : طعامك ما لم يذكر ~~عليه اسمي والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل القسم الثاني من السماع ما يبغضه الله ويكرهه ويمدح المعرض عنه # وهو سماع كل ما يضر العبد في قلبه ودينه كسماع الباطل كله إلا إذا تضمن ~~رده وإبطاله والاعتبار به وقصد أن يعلم به حسن ضده فإن الضد يظهر حسنه الضد ~~كما قيل : PageV01P486 وإذا سمعت إلى حديثك زادني حبا له : سمعي حديث سواكا ~~وكسماع اللغو الذي مدح التاركين لسماعه والمعرضين عنه بقوله : @QB@ وإذا ~~سمعوا اللغو أعرضوا عنه @QE@ القصص : 55 ] وقوله : @QB@ وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما @QE@ الفرقان : 72 ] قال محمد بن الحنفية : هو الغناء وقال ~~الحسن أو غيره : أكرموا نفوسهم عن سماعه قال ابن مسعود : الغناء ينبت ~~النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل وهذا كلام عارف بأثر الغناء وثمرته ~~فإنه ما اعتاده أحد إلا نافق قلبه وهو لا يشعر ولو عرف حقيقة النفاق وغايته ~~لأبصره في قلبه فإنه ما اجتمع في قلب عبد قط محبة الغناء ومحبة القرآن إلا ~~طردت إحداهما الأخرى وقد شاهدنا نحن وغيرنا ثقل القرآن على أهل الغناء ~~وسماعه وتبرمهم به وصياحهم بالقارىء إذا طول عليهم وعدم انتفاع قلوبهم بما ~~يقرأه فلا تتحرك ولا تطرب ولا تهيج منها بواعث الطلب فإذا جاء قرآن الشيطان ~~فلا إله إلا الله كيف تخشع منهم الأصوات وتهدأ الحركات وتسكن القلوب وتطمئن ~~ويقع البكاء والوجد والحركة الظاهرة والباطنة والسماحة بالأثمان والثياب ~~وطيب السهر وتمني طول الليل فإن لم يكن هذا نفاقا فهو آخية النفاق وأساسه ~~تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة لكنه إطراق ساه لاهي وأتى الغناء فكالذباب ~~تراقصوا والله ما رقصوا من أجل الله دف ومزمار ونغمة شاهد فمتى شهدت عبادة ~~بملاهي ثقل الكتاب عليهم لما رأوا تقييده بأوامر ونواهي وعليهم خف الغنا ~~لما ms0384 رأوا إطلاقه في اللهو دون مناهي يا فرقة ما ضر دين محمد وجنى عليه ومله ~~إلا هى سمعوا له رعدا وبرقا إذ حوى زجرا وتخويفا بفعل مناهي ورأوه أعظم ~~قاطع للنفس عن شهواتها يا ويحها المتناهي وأتى السماع موافقا أغراضها فلأجل ~~ذاك غدا عظيم الجاه PageV01P487 أين المساعد للهوى من قاطع أسبابه عند ~~الجهول الساهي إن لم يكن خمر الجسوم فإنه خمر العقول مماثل ومضاهي فانظر ~~إلى النشوان عند شرابه وانظر إلى النشوان عند تلاهي وانظر إلى تمزيق ذا ~~أثوابه من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي فاحكم بأي الخمرتين أحق بالتحريم ~~والتأثيم عند الله وكيف يكون السماع الذي يسمعه العبد بطبعه وهواه أنفع له ~~من الذي يسمعه بالله ولله وعن الله فإن زعموا أنهم يسمعون هذا السماع ~~الغنائي الشعري كذلك فهذا غاية اللبس على القوم فإنه إنما يسمع بالله ولله ~~وعن الله ما يحبه الله ويرضاه ولهذا قلنا : إنه لا يتحرر الكلام في هذه ~~المسألة إلا بعد معرفة صورة المسموع وحقيقته ومرتبته فقد جعل الله لكل شيء ~~قدرا ولن يجعل الله من شربه ونصيبه وذوقه ووجده من سماع الآيات البينات كمن ~~نصيبه وشربه وذوقه ووجده من سماع الغناء والأبيات ومن أعجب العجائب : ~~استدلال من استدل على أن هذا السماع من طريق لقوم وأنه مباح : بكونه مستلذا ~~طبعا تلذه النفوس وتستروح إليه وأن الطفل يسكن إلى الصوت الطيب والجمل ~~يقاسي تعب السير ومشقة الحمولة فيهون عليه بالحداء وبأن الصوت الطيب نعمة ~~من الله على صاحبه وزيادة فى خلقه وبأن الله ذم الصوت الفظيع فقال : @QB@ ~~إن أنكر الأصوات لصوت الحمير @QE@ [ لقمان : 19 ] وبأن الله وصف نعيم أهل ~~الجنة فقال فيه : @QB@ فهم في روضة يحبرون @QE@ [ الروم : 15 ] وأن ذلك هو ~~السماع الطيب فكيف يكون حراما وهو في الجنة وبأن الله تعالى ما أذن لشيء ~~كأذنه أي كاستماعه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن وبأن أبا موسى الأشعري ~~استمع النبي إلى صوته وأثنى عليه بحسن الصوت وقال : لقد أوتي هذا مزمارا من ~~مزامير آل داود فقال له ms0385 أبو موسى : لو علمت أنك استمعت لحبرته لك تحبيرا أي ~~زينته لك وحسنته وبقوله : زينوا القرآن بأصواتكم PageV01P488 وبقوله : ليس ~~منا من لم يتغن بالقرآن والصحيح : أنه من التغني بمعنى تحسين الصوت وبذلك ~~فسره الإمام أحمد رحمه الله فقال : يحسنه بصوته ما استطاع وبأن النبي أقر ~~عائشة على غناء القينتين يوم العيد وقال لأبي بكر : دعهما فإن لكل قوم عيدا ~~وهذا عيدنا أهل الإسلام وبأنه أذن في العرس في الغناء وسماه لهوا وقد سمع ~~رسول الله الحداء وأذن فيه وكان يسمع أنسا والصحابة وهم يرتجزون بين يديه ~~في حفر الخندق : نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا ودخل مكة ~~والمرتجز يرتجز بين يديه بشعر عبد الله بن رواحة وحدا به الحادي في منصرفه ~~من خيبر فجعل يقول : والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ~~فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الذين قد بغوا علينا إذا ~~أرادوا فتنة أبينا ونحن إن صيح بنا أتينا وبالصياح عولوا علينا ونحن عن ~~فضلك ما استغنينا فدعا لقائله وسمع قصيدة كعب بن زهير وأجازه ببردة واستنشد ~~الأسود بن سريع قصائد حمد بها ربه واستنشد من شعر أمية بن أبي الصلت مائة ~~قافية وأنشده الأعشى شيئا من شعره فسمعه وصدق لبيدا في قوله ألا كل شيءما ~~خلا الله باطل ودعا لحسان أن يؤيده الله بروح القدس مادام ينافح عنه وكان ~~يعجبه شعره وقال له : اهجهم وروح القدس معك PageV01P489 وأنشدته عائشة قول ~~أبي كبير الهذلي : ومبرأ من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء مغيل وإذا نظرت ~~إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل وقالت : أنت أحق بهذا البيت فسر ~~بقولها وبأن ابن عمر رضي الله عنهما رخص فيه وعبد الله بن جعفر وأهل ~~المدينة وبأن كذا وكذا وليا لله حضروه وسمعوه فمن حرمه فقد قدح في هؤلاء ~~السادة القدوة الأعلام وبأن الإجماع منعقد على إباحة أصوات الطيور المطربة ~~الشجية فلذة سماع صوت الآدمي أولى بالإباحة أو مساوية وبأن السماع يحدو روح ~~السامع ms0386 وقلبه إلى نحو محبوبه فإن كان محبوبه حراما كان السماع معينا له على ~~الحرام وإن كان مباحا كان السماع في حقه مباحا وإن كانت محبته رحمانية كان ~~السماع في حقه قربة وطاعة لأنه يحرك المحبة الرحمانية ويقويها ويهيجها وبأن ~~التذاذ الأذن بالصوت الطيب كالتذاذ العين بالمنظر الحسن والشم بالروائح ~~الطيبة والفم بالطعوم الطيبة فإن كان هذا حراما كانت جميع هذه اللذات ~~والإدراكات محرمة فالجواب : أن هذه حيدة عن المقصود وروغان عن محل النزاع ~~وتعلق بما PageV01P490 لا متعلق به فإن جهة كون الشىء مستلذا للحاسة ملائما ~~لها لا يدل على إباحته ولا تحريمه ولا كراهته ولا استحبابه فإن هذه اللذة ~~تكون فيما فيه الأحكام الخمسة : تكون فى الحرام والواجب والمكروه والمستحب ~~والمباح فكيف يستدل بها على الإباحة من يعرف شروط الدليل ومواقع الاستدلال ~~وهل هذا إلا بمنزلة من استدل على إباحة الزنا بما يجده فاعله من اللذة وأن ~~لذته لا ينكرها من له طبع سليم : وهل يستدل بوجود اللذة والملاءمة على حل ~~اللذيذ الملائم أحد وهل خلت غالب المحرمات من اللذات وهل أصوات المعازف ~~التي صح عن النبى تحريمها وأن في أمته من سيستحلها بأصح إسناد وأجمع أهل ~~العلم على تحريم بعضها وقال جمهورهم : بتحريم جملتها إلا لذيذة تلذ السمع ~~وهل في التذاذ الجمل والطفل بالصوت الطيب دليل على حكمه : من إباحة أو ~~تحريم وأعجب من هذا : الاستدلال على الإباحة بأن الله خلق الصوت الطيب وهو ~~زيادة نعمة منه لصاحبه فيقال : والصورة الحسنة الجميلة أليست زيادة في ~~النعمة والله خالقها ومعطي حسنها أفيدل ذلك على إباحة التمتع بها والالتذاذ ~~على الإطلاق بهاوهل هذا إلا مذهب أهل الإباحة الجارين مع رسوم الطبيعة وهل ~~في ذم الله لصوت الحمار ما يدل على إباحة الأصوات المطربات بالنغمات ~~الموزونات والألحان اللذيذات من الصور المستحسنات بأنواع القصائد المنغمات ~~بالدفوف والشبابات وأعجب من هذا : الاستدلال بسماع أهل الجنة وما أجدر ~~صاحبه أن يستدل على إباحة الخمر بأن في الجنة خمرا و على حل لباس الحرير ~~بأن لباس ms0387 أهلها حرير وعلى حل أواني الذهب والفضة والتحلي بهما للرجال : ~~بكون ذلك ثابتا وجود النعيم به في الجنة PageV01P491 فإن قال : قد قام ~~الدليل على تحريم هذا ولم يقم على تحريم السماع قيل : هذا استدلال آخر غير ~~الاستدلال بإباحته لأهل الجنة فعلم أن استدلالكم بإباحته لأهل الجنة ~~استدلال باطل لا يرضى به محصل وأما قولكم لم يقم دليل على تحريم السماع ~~فيقال لك : أي السماعات تعني وأي المسموعات تريد فالسماعات والمسموعات : ~~منها المحرم والمكروه والمباح والواجب والمستحب فعين نوعا يقع الكلام فيه ~~نفيا وإثباتا فإن قلت : سماع القصائد قيل لك : أي القصائد تعني ما مدح به ~~الله ورسوله ودينه وكتابه وهجي به أعداؤه فهذه لم يزل المسلمون يروونها ~~ويسمعونها ويتدارسونها وهي التي سمعها رسول الله وأصحابه وأثاب عليها وحرض ~~حسانا عليها وهي التي غرت أصحاب السماع الشيطاني فقالوا : تلك قصائد ~~وسماعنا قصائد فنعم إذن والسنة كلام والبدعة كلام والتسبيح كلاموالغيبة ~~كلام والدعاء كلام والقذف كلام ولكن هل سمع رسول الله وأصحابه سماعكم هذا ~~الشيطاني المشتمل على أكثر من مفسدة مذكورة في غير هذا الموضع وقد أشرنا ~~فيما تقدم إلى بعضها ونظير هذا : ما غرهم من استحسانه الصوت الحسن بالقرآن ~~وأذنه له وإذنه فيه ومحبة الله له فنقلوا هذا الاستحسان إلى صوت النسوان ~~والمردان وغيرهم بالغناء المقرون بالمعازف والشاهد وذكر القد والنهد والخصر ~~ووصف العيون وفعلها والشعر الأسود ومحاسن الشباب وتوريد الخدود وذكر الوصل ~~والصد والتجني PageV01P492 والهجران والعتاب والاستعطاف والاشتياق والقلق ~~والفراق وما جرى هذا المجرى مما هو أفسد للقلب من شرب الخمر بما لا نسبة ~~بينهما وأي نسبة لمفسدة سكر يوم ونحوه إلى سكرة العشق التي لايستفيق الدهر ~~صاحبها إلا في عسكر الهالكين سليبا حريبا وأسيرا قتيلا وهل تقاس سكرة ~~الشراب بسكرة الأرواح بالسماع وهل يظن بحكيم أن يحرم سكرا لمفسدة فيه ~~معلومة ويبيح سكرا مفسدته أضعاف أضعاف مفسدة الشراب حاشا أحكم الحاكمين فإن ~~نازعوا في سكر السماع وتأثيره في العقول والأرواح : خرجوا عن الذوق والحس ~~وظهرت مكابرة القوم فكيف يحمي ms0388 الطبيب المريض عما يشوش عليه صحته ويبيح له ~~مافيه أعظم السقم والمنصف يعلم أنه لا نسبة بين سقم الأرواح بسكر الشراب ~~وسقمها بسكر السماع وكلامنا مع واجد لا فاقد فهو المقصود بالخطاب وأعجب من ~~هذا : استدلالكم على إباحة السماع المركب مما ذكرنا من الهيئة الاجتماعية ~~بغناء بنيتين صغيرتين دون البلوغ عند امرأة صبية في يوم عيد وفرح بأبيات من ~~أبيات العرب في وصف الشجاعة والحروب ومكارم الأخلاق والشيم فأين هذا من هذا ~~والعجب أن هذا الحديث من أكبر الحجج عليهم فإن الصديق الأكبر رضي الله عنه ~~سمى ذلك : مزمورا من مزامير الشيطان وأقره رسول الله على هذه التسمية ورخص ~~فيه لجويريتين غير مكلفتين ولا مفسدة في إنشادهما ولا إستماعهما أفيدل هذا ~~على إباحة ما تعملونه وتعلمونه من السماع المشتمل على ما لا يخفى فيا سبحان ~~الله كيف ضلت العقول والأفهام وأعجب من هذا كله : الاستدلال على إباحته بما ~~سمعه رسول الله PageV01P493 من الحداء المشتمل على الحق والتوحيد وهل حرم ~~أحد مطلق الشعر وقوله واستماعه فكم في هذا التعلق ببيوت العنكبوت وأعجب من ~~هذا : الاستدلال على إباحته بإباحة أصوات الطيور اللذيذة وهل هذا إلا من ~~جنس قياس الذين قالوا : @QB@ إنما البيع مثل الربا @QE@ [ البقره : 275 ] ~~وأين أصوات الطيور إلى نغمات الغيد الحسان والأوتار والعيدان وأصوات أشباه ~~النساء من المردان والغناء بما يحدو الأرواح والقلوب إلى مواصلة كل محبوبة ~~ومحبوب وأين الفتنة بهذا إلى الفتنة بصوت القمرى والبلبل والهزار ونحوها بل ~~نقول : لو كانا سواء لكان اتخاذ هذا السماع قربة وطاعة تستنزل به المعارف ~~والأذواق والمواجيد وتحرك به الأحوال بمنزلة التقرب إلى الله بأصوات الطيور ~~ومعاذ الله أن يكونا سواء والذي يفصل النزاع في حكم هذه المسألة : ثلاث ~~قواعد من أهم قواعد الإيمان والسلوك فمن لم يبن عليها فبناؤه على شفا جرف ~~هار القاعدة الأولى : أن الذوق والحال والوجد : هل هو حاكم أو محكوم عليه ~~فيحكم عليه بحاكم آخر أو ويتحاكم إليه فهذا منشأ ضلال من ضل من المفسدين ~~لطريق القوم الصحيحة ms0389 حيث جعلوه حاكما فتحاكموا إليه فيما يسوغ ويمتنع وفيما ~~هو صحيح وفاسد وجعلوه محكا للحق والباطل فنبذوا لذلك موجب العلم والنصوص ~~وحكموا فيها الأذواق PageV01P494 والأحوال والمواجيد فعظم الأمر وتفاقم ~~الفساد والشر وطمست معالم الإيمان والسلوك المستقيم وانعكس السير وكان إلى ~~الله فصيروه إلى النفوس فالناس المحجوبون عن أذواقهم يعبدون الله وهؤلاء ~~يعبدون نفوسهم ومن العجب : أنهم دخلوا في أنواع الرياضات والمجاهدات والزهد ~~ليتجردوا عن شهوات النفوس وحظوظها فانتقلوا من شهوات إلى شهوات أكبر منها ~~ومن حظوظ إلى حظوظ أحط منها وكان حالهم شهوات نفوسهم فى الشهوات التي ~~انتقلوا عنها أكمل وحال أربابها خير من حال هؤلاء لأنهم لم يعارضوا بها ~~العلم ولا قدموها على النصوص ولا جعلوها دينا وقربة ولا ازدروا من أجلها ~~العلم وأهله والشهوات التي انتقلوا إليها جعلوها أعلى ما يشمرون إليها فهي ~~قبلة قلوبهم فهم حولها عاكفون واقفون مع حظوظهم من الله فانون بها عن مراد ~~الله منهم الناس يعبدون الله وهم يعبدون أنفسهم عائبون على أهل الحظوظ ~~والشهوات ومزدرون لهم وهم أعظم الناس حظوظا وإنما زهدوا في حظ إلى حظ أعلى ~~منه وإنما تركوا شهوة لشهوة أحطفليتدبر اللبيب هذا الموضع في نفسه وفي غيره ~~فكل ما خالف مراد الله الديني من العبد فهو حظه وشهوته مالا كان أو رياسة ~~أو صورة أو حالا أو ذوقا أو وجدا ثم من قدمه على مراد الله فهو أسوأ حالا ~~ممن عرف أنه نقص ومحنة وأن مراد الله أولى بالتقديم منه فهو يتوب منه كل ~~وقت إلى الله ثم إنه وقع من تحكيم الذوق من الفساد ما لا يعلمه إلا الله ~~فإن الأذواق مختلفة فى أنفسها كثيرة الألوان متباينة أعظم التباين فكل ~~طائفة لهم أذواق وأحوال ومواجيد بحسب معتقداتهم وسلوكهم فالقائلون بوحدة ~~الوجود لهم ذوق وحال ووجد في معتقدهم بحسبه والنصارى لهم ذوق في النصرانية ~~بحسب رياضتهم وعقائدهم وكل من اعتقد شيئا أو سلك PageV01P495 سلوكا حقا كان ~~أو باطلا فإنه إذا ارتاض وتجرد : لزمه وتمكن من قلبه وبقي له فيه ms0390 حال وذوق ~~ووجد فنذوق من توزن الحقائق إذن ويعرف الحق من الباطل وهذا سيد أهل الأذواق ~~والمواجيد والكشوف والأحوال من هذه الأمة المحدث المكاشف عمر رضى الله عنه ~~لا يلتفت إلى ذوقه ووجده ومخاطباته فى شيء من أمور الدين حتى ينشد عنه ~~الرجال والنساء والأعراب فإذا أخبروه عن رسول الله بشيء لم يلتفت إلى ذوقه ~~ولا إلى وجده وخطابه بل يقول : لو لم نسمع بهذا لقضينا بغيره ويقول : أيها ~~الناس رجل أخطأ وامرأة أصابت فهذا فعل الناصح لنفسه وللأمة رضي الله عنه ~~ليس كفعل من غش نفسه والدين والأمة القاعدة الثانية : أنه إذا وقع النزاع ~~في حكم فعل من الأفعال أو حال من الأحوال أو ذوق من الأذواق هل هو صحيح أو ~~فاسد وحق أو باطل وجب الرجوع فيه إلى الحجة المقبولة عند الله وعند عباده ~~المؤمنين وهي وحيه الذي تتلقى أحكام النوازل والأحوال والواردات منه وتعرض ~~عليه وتوزن به فما زكاه منها وقبله ورجحه وصححه فهو المقبول وما أبطله ورده ~~فهو الباطل المردود ومن لم يبن على هذا الأصل علمه وسلوكه وعمله : فليس على ~~شىء من الدين وإن وإن وإنما معه خدع وغرور كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ~~حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنه فوفاه حسابه والله سريع الحساب ~~النور : 39 ] القاعدة الثالثة : إذا أشكل على الناظر أو السالك حكم شيء : ~~هل هو الإباحة أو التحريم فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته فإن كان مشتملا ~~على مفسدة راجحة ظاهرة فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته بل العلم ~~بتحريمه من شرعه قطعي PageV01P496 ولا سيما إذا كان طريقا مفضيا إلى ما ~~يغضب الله ورسوله موصلا إليه عن قرب وهو رقية له ورائد وبريد فهذا لا يشك ~~في تحريمه أولو البصائر فكيف يظن بالحكيم الخبير أن يحرم مثل رأس الإبرة من ~~المسكر لأنه يسوق النفس إلى السكر الذي يسوقها إلى المحرمات ثم يبيح ما هو ~~أعظم منه سوقا للنفوس إلى الحرام بكثير فإن الغناء كما قال ابن مسعود ms0391 رضي ~~الله عنه هو : رقية الزنا وقد شاهد الناس : أنه ما عاناه صبي إلا وفسد ولا ~~امرأة إلا وبغت ولا شاب إلا وإلا ولا شيخ إلا وإلا والعيان من ذلك يغني عن ~~البرهان ولا سيما إذا جمع هيئة تحدو النفوس أعظم حدو إلى المعصية والفجور ~~بأن يكون على الوجه الذي ينبغي لأهله من المكان والإمكان والعشراء والإخوان ~~وآلات المعازف : من اليراع والدف والأوتار والعيدان وكان القوال شادنا شجي ~~الصوت لطيف الشمائل من المردان أو النسوان وكان القول في العشق والوصال ~~والصد والهجران ودارت كؤوس الهوى بينهم فلست ترى فيهم صاحيا فكل على قدر ~~مشروبه وكل أجاب الهوى الداعيا فمالوا سكارى ولا سكر من تناول أم الهوى ~~خاليا وجار على القوم ساقيهم ولم يؤثروا غيره ساقيا فمزق منهم قلوبا غدت ~~لباسا عليه يرى ضافيا فلم يستفيقوا إلى أن أتى إليهم منادي اللقا داعيا ~~أجيبوا فكل امرىء منكم على حاله ربه لاقيا هنالك تعلم من حمأة شربت مع ~~القوم أم صافيا وبالله لا بد قبل اللقا سنعلم ذا إن تك واعيا لا بد تصحو ~~فإما هنا وإما هناك فكن راضيا PageV01P497 # | فصل وإذا لم يكن بد من المحاكمة إلى الذوق فهلم نحاكمك إلى ذوق لا # ننكره نحن ولا أنت غير هذه الأذواق التي ذكرناها فالقلب يعرض له حالتان : ~~حالة حزن وأسف على مفقود وحالة فرح ورضى بموجود وله بمقتضى هاتين الحالتين ~~عبوديتان وله بمقتضى الحالة الأولى : عبودية الرضاء وهي للسابقين والصبر ~~وهي لأصحاب اليمين وله بمقتضى الحالة الثانية : عبودية الشكر والشاكرون ~~فيها أيضا نوعان : سابقون وأصحاب يمين فاقتطعته النفس والشيطان عن هاتين ~~العبوديتين بصوتين أحمقين فاجرين هما للشيطان لا للرحمن : صوت الندب ~~والنياحة عند الحزن وفوات المحبوب وصوت اللهو والمزمار والغناء عند الفرح ~~وحصول المطلوب فعوضه الشيطان بهذين الصوتين عن تينك العبوديتين وقد أشار ~~النبي إلى هذا المعنى بعينه في حديث أنس رضي الله عنه : إنما نهيت عن صوتين ~~أحمقين فاجرين : صوت ويل عند مصيبة وصوت مزمار عند نعمة ووافق ذلك راحة من ms0392 ~~النفس وشهوة ولذة وسرت فيها تلك الرقائق حتى تعبد بها من قل نصيبه من النور ~~النبوي وقل مشربه من العين المحمدية وانضاف ذلك إلى صدق وطلب وإرادة مضادة ~~لشهوات أهل الغي وأهل البطالة ورأوا قساوة قلوب المنكرين لطريقتهم وكثافة ~~حجبهم وغلظة طباعهم وثقل أرواحهم وصادف ذلك تحريكا لسواكنهم وانقيادا ~~للواعج الحب وإزعاجا للنفوس إلى أوطانها الأولى ومعاهدها التي سبيت منها ~~والنفوس PageV01P498 الطالبة المرتاضة السائرة لا بد لها من محرك يحركها ~~وحاد يحدوها وليس لها من حادي القرآن عوض عن حادي السماع فتركب من هذه ~~الأمور : إيثار منهم للسماع ومحبة صادقة له تزول الجبال عن أماكنها ولا ~~تفارق قلوبهم إذ هو مثير عزماتهم ومحرك سواكنهم ومزعج بواطنهم فدواء صاحب ~~مثل هذا الحال : أن ينقل بالتدريج إلى سماع القرآن بالأصوات الطيبة مع ~~الإمعان في تفهم معانيه وتدبر خطابه قليلا قليلا إلى أن فيخلع قلبه محبة ~~سماع الأبيات ويلبس محبة سماع الآيات ويصير ذوقه وشربه وحاله ووجده فيه ~~فحينئذ يعلم هو من نفسه : أنه لم يكن على شىء ويتمثل حينئذ بقول القائل : ~~وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى إلى غاية ما فوقها لي مطلب فلما تلاقينا ~~وعاينت حسنها تيقنت أني إنما كنت ألعب ومنافاة النوح للصبر والغناء للشكر : ~~أمر معلوم بالضرورة من الدين لا يمتري فيه إلا أبعد الناس من العلم ~~والإيمان فإن الشكر إنما هو الاشتغال بطاعة الله PageV01P499 لا بالصوت ~~الأحمق الفاجر الذي هو للشيطان وكذلك النوح ضد الصبر كما قال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه في النائحة وقد ضربها حتى بدا شعرها وقال : لا حرمة لها إنها ~~تأمر بالجزع وقد نهى الله عنه وتنهى عن الصبر وقد أمر الله به وتفتن الحي ~~وتؤذي الميت وتبيع عبرتها وتبكي شجو غيرها ومعلوم عند الخاصة والعامة : أن ~~فتنة سماع الغناء والمعازف أعظم من فتنة النوح بكثير والذي شاهدناه نحن ~~وغيرنا وعرفناه بالتجارب : أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم وفشت ~~فيهم واشتغلوا بها إلا سلط الله عليهم العدو وبلوا بالقحط والجدب ms0393 وولاة ~~السوء والعاقل يتأمل أحوال العالم وينظر والله المستعان ولا تستطل كلامنا ~~في هذه المنزلة فإن لها عند القوم شأنا عظيما وأما قولهم من أنكر على أهله ~~فقد أنكر على كذا وكذا ولي لله فحجة عامية نعم إذا أنكر أولياء الله على ~~أولياء الله كان ماذا فقد أنكر عليهم من أولياء الله من هو أكثر منهم عددا ~~وأعظم عند الله وعند المؤمنين منهم قدرا وأقرب بالقرون المفضلة عهدا وليس ~~من شرط ولي الله العصمة وقد تقاتل أولياء الله في صفين بالسيوف ولما سار ~~بعضهم إلى بعض كان يقال : سار أهل الجنة إلى أهل الجنة وكون ولي الله يرتكب ~~المحظور والمكروه متأولا أو PageV01P500 لا يمنع ذلك من الإنكار عليه ولا ~~يخرجه عن أصل ولاية الله وهيهات هيهات أن يكون أحد من أولياء الله ~~المتقدمين حضر هذا السماع المحدث المبتدع المشتمل على هذه الهيئة التي تفتن ~~القلوب أعظم من فتنة المشروب وحاشا أولياء الله من ذلك وإنما السماع الذي ~~اختلف فيه مشايخ القوم : اجتماعهم في مكان خال من الاغيار يذكرون الله ~~ويتلون شيئا من القرآن ثم يقوم بينهم قوال ينشدهم شيئا من الأشعار المزهدة ~~في الدنيا المرغبة في لقاء الله ومحبته وخوفه ورجائه والدار الآخرة وينبههم ~~على بعض أحوالهم من يقظة أو غفلة أو بعد أو انقطاع أو تأسف على فائت أو ~~تدارك لفارط أو وفاء بعهد أو تصديق بوعد أو ذكر قلق وشوق أو خوف فرقة أو صد ~~وما جرى هذا المجرى فهذا السماع الذي اختلف فيه القوم لا سماع المكاء ~~والتصدية والمعازف والخمريات وعشق الصور من المردان والنسوان وذكر محاسنها ~~ووصالها وهجرانها فهذا لو سئل عنه من سئل من أولي العقول لقضى بتحريمه وعلم ~~أن الشرع لا يأتي بإباحته وأنه ليس على الناس أضر منه ولا أفسد لعقولهم ~~وقلوبهم وأديانهم وأموالهم وأولادهم وحريمهم منه والله أعلم # | فصل قال صاحب المنازل : السماع على ثلاث درجات : سماع العامة وهو # ثلاثة أشياء : إجابة زجر الوعيد رغبة وإجابة دعوة الوعد جهدا وبلوغ ~~مشاهدة المنة ms0394 استبصارا PageV01P501 الوعيد : يكون على ترك المأمور وفعل ~~المحظور وإجابة داعيه : هو العمل بالطاعة وقوله : رغبة يعني امتثالا لكون ~~الله تعالى أمر ونهى وأوعد وحقيقة الرجاء : الخوف والرجاء فيفعل ما أمر به ~~على نور الإيمان راجيا للثواب ويترك ما نهى عنه على نور الإيمان خائفا من ~~العقاب وفي الرغبة فائدة أخرى وهي أن فعله يكون فعل راغب مختار لا فعل كاره ~~كأنما يساق إلى الموت وهو ينظر وأما إجابة الوعد جهدا : فهو امتثال الأمر ~~طلبا للوصول إلى الموعود به باذلا جهده في ذلك مستفرغا فيه قواه وأما بلوغ ~~مشاهدة المنة استبصارا : فهو تنبه السامع في سماعه إلى أن جميع ما وصله من ~~خير فمن منة الله عليه وبفضله عليه من غير استحقاق منه ولا بذل عوض استوجب ~~به ذلك كما قال تعالى : يمنون عليك أن أسلموا قل : لا تمنوا علي إسلامكم بل ~~الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين الحجرات : 17 ] وكذلك يشهد ~~أن ما زوي عنه من الدنيا أو ما لحقه منها من ضرر وأذى فهو منة أيضا من الله ~~عليه من وجوه كثيرة ويستخرجها الفكر الصحيح كما قال بعض السلف : يا ابن آدم ~~لا تدري أي النعمتين عليك أفضل : نعمته فيما أعطاك أو نعمته فيما زوى عنك ~~وقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه لا أبالي على أي حال أصبحت أو أمسيت إن ~~كان الغنى إن فيه للشكر وإن كان الفقر إن فيه للصبر وقال بعض السلف : نعمته ~~فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما بسط لي منها إني رأيته أعطاها ~~قوما فاغتروا إذا عم بالسراء أعقب شكرها وإن مس بالضراء أعقبها الأجر وما ~~منهما إلا له فيه نعمة تضيق بها الأوهام والبر والبحر فإن قلت : فهل يشهد ~~منته فيما لحقه من المعصية والذنب PageV01P502 قلت : نعم إذا اقترن بها ~~التوبة النصوح والحسنات الماحية كانت من أعظم المنن عليه كما تقدم تقريره # | فصل قال : وسماع الخاصة : ثلاثة أشياء شهود المقصود في كل رمز والوقوف # على الغاية ms0395 في كل حين والخلاص من التلذذ بالتفرق والمقصود في كل رمز هو ~~فإن المسموع كله يعرف به وبصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه ووعده ووعيده ~~وأمره ونهيه وعدله وفضله وهذا الشهود ينال بالسماع بالله ولله وفي الله ومن ~~الله أما السماع به : فأن لا يسمع وفيه بقية من نفسه فإن كانت فيه بقية ~~قطعها كمال تعلقه بالمسموع فيكون سماعه بقيوميته مجردا من التفاته إلى نفسه ~~وأما السماع له : فأن يجرد النفس في السماع من كل إرادة تزاحم مراد الله ~~منه وتجمع قوى سمعه على تحصيل مراد الله من المسموع وأما السماع فيه : فشأن ~~آخر وهو تجريد ما لا يليق نسبته إلى الحق من وصف أو سمة أو نعت أو فعل مما ~~هو لائق بكماله فيثبت له ما يليق بكماله من المسموع وينزهه عما لا يليق به ~~وهذا الموضع لم يتخلص فيه إلا الراسخون في العلم والمعرفة بالله وأضل الله ~~عنه أهل التحريف والتعطيل والتشبيه والتمثيل وهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم البقره : ~~213 ] وأما السماع منه : فإنما يتصور بواسطة فهو سماع مقيد وأما المطلق : ~~فلا مطمع فيه في عالم الفناء إلا لمن اختصه الله برسالاته وبكلامه ولكن ~~السماع لكلامه كالسماع منه فإنه كلامه الذي تكلم به حقا فمن سمعه فليقدر ~~نفسه كأنه يسمعه من الله هذا هو السماع من الله لا سماع أرباب الخيال ودعوى ~~المحال القائل PageV01P503 أحدهم : ناداني في سري وخاطبني وقال لي يا ليت ~~شعري من المنادي لك ومن المخاطب يا مخدوع يا مغرور فما يدريك : أنداء ~~شيطاني أم رحماني وما البرهان على أن المخاطب لك هو الرحمن نعم نحن لا ننكر ~~النداء والخطاب والحديث وإنما الشأن في المنادي المخاطب المحدث فههنا تسكب ~~العبرات وبالجملة فمن قرىء عليه القرآن فليقدر نفسه كأنما يسمعه من الله ~~يخاطبه به فإذا حصل له مع ذلك السماع به وله وفيه ازدحمت معانى المسموع ~~ولطائفه وعجائبه على قلبه وازدلفت إليه بأيهما يبدأ فما شئت ms0396 من علم وحكم ~~وتعرف وبصيرة وهداية وغيرة وأما الوقوف على الغاية في كل حين : فهو التطلب ~~والسفر إلى الغاية المقصودة بالمسموع الذى جعل وسيلة إليها وهو الحق سبحانه ~~فإنه غاية كل طلب أن إلى ربك المنتهى النجم : 42 ] وليس وراء الله مرمى ولا ~~دونه مستقر ولا تقر العين بغيره ألبتة وكل مطلوب سواه فظل زائل وخيال مفارق ~~مائل وإن تمتع به صاحبه فمتاع الغرور وأما الخلاص من التلذذ بالتفرق : ~~فالتفرق في معاني المسموع وتنقل القلب في منازلها يوجب له لذة كما هو ~~المألوف في الانتقال فليتخلص من لذة تفرقه التي هي حظه إلى الجمعية على ~~المسموع به وله ومنه ولم يقل الشيخ من التفرق فإن المسموع إنما يدرك معناه ~~ويفهم بالتفرق لتنوعه ولكن ليتخلص من لذته لا منه لئلا يكون مع حظه وهذا من ~~لطف أحوال السامعين المخلصين # | فصل قال : وسماع خاصة الخاصة : سماع ينفي العلل عن الكشف ويصل الأبد # إلى الأزل ويرد النهايات إلى الأول PageV01P504 فالكشف : هو مكافحة القلب ~~لحقيقة المسموع وعلله أمران أحدهما : الشبه التي تنتفي بهذه المكافحة فلا ~~تبقى معها شبهة فهذا هو عين اليقين والثاني : نفي الوسائط بين السامع ~~والمسموع فيغيب بمسموعه عنها ويفنى عن شهودها ويفنى عن شهود فنائه عنها ~~بحيث يشهده هو المسمع لا الواسطة وهو الهادي فمنه الإسماع ومنه الهداية ~~ومنه الابتداء وإليه الانتهاء وأما وصله الأبد إلى الأزل : فهذا إن أخذ على ~~ظاهره : فهو محال لأن الأبد والأزل متقابلان تقابل التناقض فإيصال أحدهما ~~إلى الآخر عين المحال وإنما مراده : أن ما يكون في الأبد موجودا مشهودا فقد ~~كان في الأزل معلوما مقدرا فعاد حكم الأبد إلى الأزل علما وحقيقة وصار ~~الأزلي أبديا كما كان الأبدى أزليا في العلم والحكم وإيضاح ذلك : أن الأبد ~~ظهر فيه ما كان كامنا في الأزل خافيا فانتهى الأمر كله إلى علمه وحكمه ~~وحكمته وذلك أزلي وهذا رد النهايات إلى الأول فتصير الخاتمة هي عين السابقة ~~والله تعالى هو الأول والآخر وكل ما كان ويكون آخرا فمردود إلى ms0397 سابق علمه ~~وحكمه فرجع الأبد إلى الأزل والنهايات إلى الأول والله أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الحزن وليست من المنازل # المطلوبة ولا المأمور بنزولها وإن كان لا بد للسالك من نزولها ولم يأت ~~الحزن في القرآن إلا منهيا عنه أو منفيا فالمنهي عنه : كقوله تعالى : @QB@ ~~ولا تهنوا ولا تحزنوا @QE@ آل عمران : 139 ] وقوله : @QB@ ولا تحزن عليهم ~~@QE@ النحل : 127 ] فى غير موضع وقوله : @QB@ لا تحزن إن الله معنا @QE@ ~~التوبه : 40 ] والمنفي كقوله : @QB@ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون @QE@ ~~البقره : 38 ] PageV01P505 وسر ذلك : أن الحزن موقف غير مسير ولا مصلحة فيه ~~للقلب وأحب شيء إلى الشيطان : أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن ~~سلوكه قال الله تعالى : إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا المجادله ~~: 10 ] ونهى النبي الثلاثة أن يتناجى اثنان منهم دون الثالث لأن ذلك يحزنه ~~فالحزن ليس بمطلوب ولا مقصود ولا فيه فائدة وقد استعاذ منه النبي فقال ~~اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن فهو قرين الهم والفرق بينهما : أن ~~المكروه الذي يرد على القلب إن كان لما سيتقبل : أورثه الهم وإن كان لما ~~مضى : أورثه الحزن وكلاهما مضعف للقلب عن السير مقتر للعزم ولكن نزول ~~منزلته ضروري بحسب الواقع ولهذا يقول أهل الجنة إذا دخلوها : الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن فاطر : 34 ] فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا ~~الحزن كما يصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم وأما قوله ~~تعالى : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت : لا أجد ما أحملكم عليه ~~تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا : أن لا يجدوا ما ينفقون التوبه : 92 ] ~~فلم يمدحوا على نفس الحزن وإنما مدحوا على ما دل عليه الحزن من قوة إيمانهم ~~حيث تخلفوا عن رسول الله لعجزهم عن النفقة ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم ~~يحزنوا على تخلفهم بل غبطوا نفوسهم به وأما قوله في الحديث الصحيح : ما ~~يصيب المؤمن من هم ولا نصب ولا حزن إلا كفر الله ms0398 به من خطاياه فهذا يدل على ~~أنه مصيبة من الله يصيب بها العبد يكفر بها من سيئاته لا يدل على أنه مقام ~~ينبغي طلبه واستيطانه وأما حديث هند بن أبي هالة في صفة النبي : إنه كان ~~PageV01P506 متواصل الأحزان فحديث لا يثبت وفي إسناده من لا يعرف وكيف يكون ~~متواصل الأحزان وقد صانه الله عن الحزن على الدنيا وأسبابها ونهاه عن الحزن ~~على الكفار وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فمن أين يأتيه الحزن بل كان ~~دائم البشر ضحوك السن كما في صفته : الضحوك القتال صلوات الله وسلامه عليه ~~وأما الخبر المروي : إن الله يحب كل قلب حزين فلا يعرف إسناده ولا من رواه ~~ولا تعلم صحته وعلى تقدير صحته : فالحزن مصيبة من المصائب التي يبتلي الله ~~بها عبده فإذا ابتلى به العبد فصبر عليه أحب صبره على بلائه وأما الأثر ~~الآخر إذا أحب الله عبدا نصب في قلبه نائحة وإذا أبغض عبدا جعل في قلبه ~~مزمارا فأثر إسرائيلي قيل : إنه فى التوراة وله معنى صحيح فإن المؤمن حزين ~~على ذنوبه والفاجر لاه لاعب مترنم فرح وأما قوله تعالى عن نبيه إسرائيل : ~~وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم يوسف : 84 ] فهو إخبار عن حاله بمصابه بفقد ~~ولده وحبيبه وأنه ابتلاه بذلك كما ابتلاه بالتفريق بينه وبينه وأجمع أرباب ~~السلوك : على أن حزن الدنيا غير محمود إلا أبا عثمان الحيري فإنه قال : ~~الحزن بكل وجه فضيلة وزيادة للمؤمن ما لم يكن بسبب معصية قال : لأنه إن لم ~~يوجب تخصيصا فإنه يوجب تمحيصا فيقال : لا ريب أنه محنة وبلاء من الله ~~بمنزلة المرض والهم والغم وأما أنه من منازل الطريق : فلا والله سبحانه ~~أعلم PageV01P507 # | فصل قال صاحب المنازل رحمه الله : الحزن : توجع لفائت وتأسف على ممتنع # يريد : أن ما يفوت الإنسان قد يكون مقدورا له وقد لا يكون فإن كان مقدورا ~~توجع لفوته وإن كان غير مقدور تأسف لامتناعه قال : وله ثلاث درجات الأولى : ~~حزن العامة وهو حزن على التفريط في ms0399 الخدمة وعلى التورط في الجفاء وعلى ضياع ~~الأيام التفريط في الخدمة عندهم : فوق التفريط في العمل وتضييعه بل هذا ~~الحزن يكون مع القيام والعمل فإن الخدمة عندهم من باب الأخلاق والآداب لا ~~من باب الأفعال وهي حق العبودية وأدبها وواجبها وصاحب هذا الحزن بالأولى : ~~أن يحزن لتضييع العمل وأما التورط في الجفاء : فهو أيضا أخصى من المعصية ~~بارتكاب المحظور لأنه قد يكون لفقد أنس سابق مع الله فإذا توارى عنه تورط ~~في الجفوة فإن الشيخ ذكر الحزن في قسم الأبواب وهو عنده من قسم البدايات ~~وأما تضييع الأيام : فنوعان أيضا تضييعها بخلوها عن الطاعات وتضييعها ~~بخلوها عن مواجيد الإيمان وذوق حلاوته والأنس بالله وحسن الصحبة معه فكل ~~واحد من الثلاثة نوعان لأهل البداية وللسالكين المتوسطين وكلامه يعم ~~النوعين وإن كان بالثاني أخص قال : الدرجة الثانية : حزن أهل الإرادة وهو ~~حزن على تعلق القلب بالتفرقة وعلى اشتغال النفس عن الشهود وعلى التسلي عن ~~الحزن تعلق القلب بالتفرقة : هو عدم الجمعية في الحضور مع الله وتشتيت ~~الخواطر في أودية المرادات PageV01P508 وأما اشتغال النفس عن الشهود : فهو ~~نوعان اشتغالها عن الذكر الذي يوجب الشهود ويثمره بغيره والثاني : اشتغالها ~~عن الشهود لضعف الذكر أو لضعف القلب عن الشهود أو لمانع آخر ولكن إذا قهر ~~الشهود النفس لم تتمكن من التشاغل عنه إلا بقاهر يقهرها عنه وأما التسلي عن ~~الحزن : فيعني أن وجود الحزن في القلب دليل على الإرادة والطلب ففقده ~~والتسلي عنه نقص فيحزن على فقد الحزن كما يبكي على فقد البكاء ويخاف من عدم ~~الخوف وهذا فيه نظر وإنما يحمد الحزن على فقد الحزن أما إذا اشتغل عن الحزن ~~بفرح محمود وهو الفرح بفضل الله ورحمته فلا معنى للحزن على فوات الحزن قال ~~: صاحب المنازل وليست الخاصة من مقام الحزن في شيء لأن الحزن فقد والخاصة ~~أهل وجدان وهذا إن أراد به : أنه لا ينبغي لهم تعمد الحزن : فصحيح وإن أراد ~~به : لا يعرض لهم حزن : فليس كذلك والحزن من لوازم الطبيعة ولكن ms0400 ليس هو ~~بمقام قال : الدرجة الثالثة من الحزن : التحزن للمعارضات دون الخواطر ~~ومعارضات القصود واعتراضات الأحكام هذه ثلاثة أمور بحسب الشهود والإرادة ~~الأول : حزن المعارضات فإن القلب يعترضه وارد الرجاء مثلا فلم ينشب أن ~~يعارضه وارد الخوف وبالعكس ويعترضه وارد البسط فلم ينشب أن يعترضه وارد ~~القبض ويرد عليه وارد الأنس فيعترضه وارد الهيبة فيوجب له اختلاف هذه ~~المعارضات عليه حزنا لا محالة PageV01P509 وليست هذه المعارضات من قبيل ~~الخواطر بل هي من قبيل الواردات الإلهية فلذلك قال : دون الخواطر فإن ~~معارضات الخواطر غير هذا وعند القوم : هذا من آثار الأسماء والصفات واتصال ~~أشعة أنوارها بالقلب وهو المسمى عندهم بالتجلي وأما معارضات القصود : فهى ~~أصعب ما على القوم وفيه يظهر اضطرارهم إلى العلم فوق كل ضرورة فإن الصادق ~~يتحرى في سلوكه كله أحب الطرق إلى الله فإنه سالك به وإليه فيعترضه طريقان ~~لا يدري أيهما أرضى لله وأحب إليه فمنهم : من يحكم العلم بجهده استدلالا ~~فإن عجز فتقليدا فإن عجز عنهما سكن ينتظر ما يحكم له به القدر ويخلى باطنه ~~من المقاصد جملة ومنهم : من يلقي الكل على شيخه إن كان له شيخ ومنهم : من ~~يلجأ إلى الاستخارة والدعاء ثم ينتظر ما يجري به القدر وأصحاب العزائم ~~يبذلون وسعهم في طلب الأرضى علما ومعرفة فإن أعجزهم قنعوا بالظن الغالب فإن ~~تساوى عندهم الأمران قدموا أرجحهما مصلحة ولترجيح المصالح رتب متفاوتة ~~فتارة تترجح بعموم النفع وتارة تترجح بزيادة الإيمان وتارة تترجح بمخالفة ~~النفس وتارة تترجح باستجلاب مصلحة أخرى لا تحصل من غيرها وتارة تترجح ~~بأمنها من الخوف من مفسدة لا تؤمن في غيرها فهذه خمس جهات من الترجيح قل أن ~~يعدم واحدة منها فإن أعوزه ذلك كله تخلى عن الخواطر جملة وانتظر ما يحركه ~~به محرك القدر وافتقر إلى ربه افتقار مستنزل ما يرضيه ويحبه فإذا جاءته ~~الحركة استخار الله وافتقر إليه افتقارا ثانيا خشية أن تكون تلك الحركه ~~نفسية أو شيطانية لعدم العصمة في حقه واستمرار المحنة بعدوه ما دام في ms0401 عالم ~~الابتلاء والامتحان ثم أقدم على الفعل PageV01P510 فهذا نهاية ما في مقدور ~~الصادقين ولأهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة ~~ولهذا قال الأوزاعي وابن المبارك : إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه ~~أهل الثغر يعني أهل الجهاد فإن الله تعالى يقول : والذين جاهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلناوإن الله لمع المحسنين العنكبوت : 69 ] وأما اعتراضات ~~الأحكام : فيجوز أن يريد بالأحكام الأحكام الكونية وهو أظهر وأن يريد بها ~~الأحكام الدينية فإن أرباب الأحوال يقع منهم اعترضات على الأحكام الجارية ~~عليهم بخلاف ما يريدونه فيحزنون عند إدراكهم لتلك الاعتراضات على ما صدر ~~منهم من سوء الأدب وتلك الاعتراضات هي إرادتهم خلاف ما جرى لهم به القدر ~~فيحزنون على عدم الموافقة وإرادة خلاف ما أريد بهم وإن كان المراد به : ~~الأحكام الدينية : فإنهم تعرض لهم أحوال لا يمكنهم الجمع بينها وبين أحكام ~~الأمر كما تقدم فلا يجدون بدا من القيام بأحكام الأمر ولا بد أن يعرض لهم ~~اعتراض خفي أو جلي بحسب انقطاعهم عن الحال بالأمر فيحزنون لوجود هذه ~~المعارضة فإذا قاموا بأحكام الأمر ورأوا أن المصلحة في حقهم ذلك وحمدوا ~~عاقبته : حزنوا على تسرعهم على المعارضة فالتسليم لداعي العلم واجب ومعارضة ~~الحال من قبيل الإرادات والعلل فيحزن على نفيهما فيه والله أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الخوف وهى من أجل منازل # الطريق وأنفعها للقلب وهي فرض على كل أحد قال الله تعالى فلا تخافوهم ~~وخافون إن كنتم مؤمنين وقال تعالى فإياى فارهبون آل عمران : 175 ] وقال فلا ~~تخشوا الناس واخشون المائده : 44 ] ومدح PageV01P511 أهله فى كتابه وأثنى ~~عليهم فقال إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون إلى قوله أولئك يسارعون في ~~الخيرات وهم لها سابقون المؤمنون : 5761 وفي المسند والترمذي عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت : قلت يا رسول الله قول الله والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم ~~وجلة المؤمنون : 60 ] أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق قال : لا يا ابنة ~~الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ms0402 ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه قال الحسن : ~~عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم إن المؤمن جمع ~~إحسانا وخشية والمنافق جمع إساءة وأمنا و الوجل و الخوف و الخشية و الرهبة ~~ألفاظ متقاربة غير مترادفة قال أبو القاسم الجنيد : الخوف توقع العقوبة على ~~مجارى الانفاس وقيل : الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف وقيل : ~~الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام وهذا سبب الخوف لا أنه نفسه وقيل : الخوف ~~هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره و الخشية أخص من الخوف فإن الخشية ~~للعلماء بالله قال الله تعالى : إنما يخشى الله من عباده العلماء فاطر : 28 ~~] فهي خوف مقرون بمعرفة وقال النبي : إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية فالخوف ~~حركة والخشية انجماع وانقباض وسكون فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك : ~~له حالتان إحداهما : حركة للهرب منه وهي حالة الخوف والثانية : سكونه ~~وقراره في مكان لا يصل إليه فيه وهي الخشية ومنه : انخشى الشيء والمضاعف ~~والمعتل أخوان كتقضي البازي وتقضض وأما الرهبة فهي الإمعان في الهرب من ~~المكروه وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه PageV01P512 ~~وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو ~~عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع وأما الوجل فرجفان القلب وانصداعه لذكر من ~~يخاف سلطانه وعقوبته أو لرؤيته وأما الهيبة : فخوف مقارن للتعظيم والإجلال ~~وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة والإجلال : تعظيم مقرون بالحب فالخوف ~~لعامة المؤمنين والخشية للعلماء العارفين والهيبة للمحبين والإجلال ~~للمقربين وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية كما قال النبي : إني ~~لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية وفى رواية خوفا وقال لو تعلمون ما أعلم ~~لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى ~~الصعدات تجأرون إلى الله تعالى فصاحب الخوف : يلتجىء إلى الهرب والإمساك ~~وصاحب الخشية : يلتجىء إلى الاعتصام بالعلم ومثلهما مثل من لا علم له بالطب ~~ومثل الطبيب الحاذق فالأول يلتجىء إلى الحمية والهرب والطبيب يلتجىء إلى ~~معرفته بالأدوية والأدواء قال ms0403 أبو حفص : الخوف سوط الله يقوم به الشاردين ~~عن بابه وقال : الخوف سراج في القلب به يبصر ما فيه من الخير والشر وكل أحد ~~إذا خفته هربت منه إلا الله عز وجل فإنك إذ خفته هربت إليه فالخائف هارب من ~~ربه إلى ربه قال أبو سليمان : ما فارق الخوف قلبا إلا خرب وقال إبراهيم بن ~~سفيان : إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها ~~وقال ذو النون : الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال عنهم ~~الخوف ضلوا عن الطريق وقال حاتم الأصم : لا تغتر بمكان صالح فلا مكان أصلح ~~من PageV01P513 الجنة ولقى فيها آدم ما لقى ولا تغتر بكثرة العبادة فإن ~~إبليس بعد طول العبادة لقى ما لقى ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام بن ~~باعورا لقى ما لقى وكان يعرف الاسم الأعظم ولا تغتر بلقاء الصالحين ورؤيتهم ~~فلا شخص أصلح من النبي ولم ينتفع بلقائه أعداؤه والمنافقون والخوف ليس ~~مقصودا لذاته بل هو مقصود لغيره قصد الوسائل ولهذا يزول بزوال المخوف فإن ~~أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون والخوف يتعلق بالأفعال والمحبة تتعلق ~~بالذات والصفات ولهذا تتضاعف محبة المؤمنين لربهم إذا دخلوا دار النعيم ولا ~~يلحقهم فيها خوف ولهذا كانت منزلة المحبة ومقامها أعلى وأرفع من منزلة ~~الخوف ومقامه والخوف المحمود الصادق : ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز ~~وجل فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط قال أبو عثمان : صدق الخوف هو ~~الورع عن الآثام ظاهرا وباطنا وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ~~يقول : الخوف المحمود : ما حجزك عن محارم الله وقال صاحب المنازل : الخوف : ~~هو الانخلاع من طمأنينة الأمن بمطالعة الخبر يعني الخروج عن سكون الأمن ~~باستحضار ما أخبر الله به من الوعد والوعيد قال : وهو على ثلاث درجات ~~الدرجة الأولى : الخوف من العقوبة وهو PageV01P514 الخوف الذي يصح به ~~الإيمان وهو خوف العامة وهو يتولد من تصديق الوعيد وذكر الجناية ومراقبة ~~العاقبة الخوف مسبوق بالشعور والعلم ms0404 فمحال خوف الإنسان مما لا شعور له به ~~وله متعلقان أحدهما : نفس المكروه المحذور وقوعه والثاني : السبب والطريق ~~المفضي إليه فعلى قدر شعوره بإفضاء السبب إلى المخوف وبقدر المخوف : يكون ~~خوفه وما نقص من شعوره بأحد هذين نقص من خوفه بحسبه فمن لم يعتقد أن سبب ~~كذا يفضي إلى محذور كذا : لم يخف من ذلك السبب ومن اعتقد أنه يفضي إلى ~~مكروه ما ولم يعرف قدره : لم يخف منه ذلك الخوف فإذا عرف قدر المخوف وتيقن ~~إفضاء السبب إليه : حصل له الخوف هذا معنى تولده من تصديق الوعيد وذكر ~~الجناية ومراقبة العاقبة وفي مراقبة العاقبة : زيادة استحضار المخوف وجعله ~~نصب عينه بحيث لا ينساه فإنه وإن كان عالما به لكن نسيانه وعدم مراقبته ~~يحول بين القلب وبين الخوف فلذلك كان الخوف علامة صحة الإيمان وترحله من ~~القلب علامة ترحل الإيمان منه والله أعلم # | فصل قال : الدرجة الثانية : خوف المكر في جريان الأنفاس المستغرقة في # اليقظة المشوبة بالحلاوة يريد : أن من حصلت له اليقظة بلا غفلة واستغرقت ~~أنفاسه فيها : استحلى ذلك فإنه لا أحلى من الحضور في اليقظة فإنه ينبغي أن ~~يخاف المكر وأن يسلب هذا الحضور واليقظة والحلاوة فكم من مغبوط بحاله انعكس ~~عليه الحال ورجع من حسن المعاملة إلى قبيح الأعمال فأصبح يقلب كفيه ويضرب ~~باليمين على الشمال بينما بدر أحواله مستنيرا في ليالى التمام إذ أصابه ~~الكسوف فدخل PageV01P515 في الظلام فبدل بالأنس وحشة وبالحضور غيبة ~~وبالإقبال إعراضا وبالتقريب إبعادا وبالجمع تفرقة كما قيل : أحسنت ظنك ~~بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها ~~وعند صفو الليالي يحدث الكدر قال : الدرجة الثالثة درجة الخاصة ] وليس في ~~مقام أهل الخصوص وحشة الخوف إلا هيبة الجلال وهي أقصى درجة يشار إليها في ~~غاية الخوف يعني أن وحشة الخوف إنما تكون مع الانقطاع والإساءة وأهل الخصوص ~~أهل وصول إلى الله وقرب منه فليس خوفهم خوف وحشة كخوف المسيئين المنقطعين ~~لأن الله عز وجل معهم بصفة الإقبال ms0405 عليهم والمحبة لهم وهذا بخلاف هيبة ~~الجلال فإنها متعلقة بذاته وصفاته وكلما كان عبده به أعرف وإليه أقرب كانت ~~هيبته وإجلاله في قلبه أعظم وهي أعلى من درجة خوف العامة قال : وهي هيبة ~~تعارض المكاشف أوقات المناجاة وتصون المسامر أحيان المسامرة وتفصم المعاين ~~بصدمة العزة يعنى أن أكثر ما تكون الهيبة أوقات المناجاة وهو وقت تملق ~~العبد لربه وتضرعه بين يديه واستعطافه والثناء عليه بآلائه وأسمائه وأوصافه ~~أو مناجاته بكلامه هذا هو مراد القوم بالمناجاة وهذه المناجاة : توجب كشف ~~الغطاء بين القلب وبين الرب ورفع الحجاب المانع من مكافحة القلب لأنوار ~~أسمائه وصفاته وتجليها عليه فتعارضه الهيبة في خلال هذه الأوقات فيفيض من ~~عنان مناجاته بحسب قوة واردها PageV01P516 وأما صون المسامر أحيان المسامرة ~~: فالمسامرة عندهم : أخص من المناجاة وهي مخاطبة القلب للرب خطاب المحب ~~لمحبوبه فإن لم يقارنها هيبة جلاله أخذت به في الانبساط والإدلال فتجيء ~~الهيبة صائنة للمسامر في مسامرته عن انخلاعه من أدب العبودية وأما فصمها ~~المعاين بصدمة العزة : فإن الفصم هو القطع أي تكاد تقتله وتمحقه بصدمة عزة ~~الربوبية بمعانيها الثلاثة وهي عزة الامتناع وعزة القوة والشدة وعزة ~~السلطان والقهر فإذا صدمت المعاين كادت تفصمه وتمحق أثره إذ لا يقوم لعزة ~~الربوبية شىء والله أعلم # | فصل القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر فالمحبة رأسه والخوف # والرجاء جناحاه فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران ومتى قطع ~~الرأس مات الطائر ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر ولكن السلف ~~استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء وعند الخروج من ~~الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناج الخوف هذه طريقة أبي سليمان وغيره قال : ~~ينبغى للقلب أن تكون الغالب عليه الخوف فإن غلب عليه الرجاء فسد وقال غيره ~~: أكمل الأحوال : اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب فالمحبة هى المركب ~~والرجاء حاد والخوف سائق والله الموصل بمنه وكرمه # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإشفاق # قال الله تعالى : الذين يخشون ربهم بالغيب وهم ms0406 من الساعة مشفقون الأنبياء ~~: 49 ] PageV01P517 وقال تعالى : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا : إنا ~~كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم الأنبياء : ~~2527 الإشفاق رقة الخوف وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه فنسبته إلى ~~الخوف نسبة الرأفة إلى الرحمة فإنها ألطف الرحمة وأرقها ولهذا قال صاحب ~~المنازل : والإشفاق : دوام الحزن مقرونا بالترحم وهو على ثلاث درجات الأولى ~~: إشفاق على النفس أن تجمح إلى العناد أي تسرع وتذهب إلى طريق الهوى ~~والعصيان ومعاندة العبودية وإشفاق على العمل أن يصير إلى الضياع أي يخاف ~~على عمله أن يكون من الأعمال التي قال الله تعالى فيها : وقدمنا إلى ما ~~عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا الفرقان : 23 ] وهي الأعمال التى كانت ~~لغير الله وعلى غير أمره وسنة رسوله ويخاف أيضا أن يضيع عمله في المستقبل ~~إما بتركه وإما بمعاصى تفرقه وتحبطه فيذهب ضائعا ويكون حال صاحبه كالحال ~~التي قال الله تعالى عن أصحابها أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب ~~تجرى من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات الآية قال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه للصحابة رضي الله عنهم فيمن ترون هذه الآية نزلت فقالوا : الله ~~أعلم فغضب عمر وقال : قولوا : نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس في نفسي منها ~~شيء يا أمير المؤمنين قال : يا ابن أخي قل ولا تحقرن نفسك قال ابن عباس : ~~ضربت مثلا لعمل قال عمر : أي عمل قال ابن عباس لعمل قال عمر : لرجل غني ~~يعمل بطاعة الله فبعث الله إليه الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق جميع ~~أعماله قال : وإشفاق على الخليقة لمعرفة معاذيرها هذا قد يوهم نوع تناقض ~~فإنه كيف يشفق مع معرفة العذر وليس بمتناقض PageV01P518 فإن الإشفاق كما ~~تقدم خوف مقرون برحمة فيشفق عليهم من جهة مخالفة الأمر والنهي مع نوع رحمة ~~بملاحظة جريان القدر عليهم قال الدرجة الثانية : إشفاق على الوقت : أن ~~يشوبه تفرق أى يحذر على وقته : أن يخالطه ما يفرقه عن الحضور ms0407 مع الله عز ~~وجل قال : وعلى القلب : أن يزاحمه عارض والعارض المزاحم : إما فترة وإما ~~شبهة وإما شهوة كل سبب يعوق السالك قال وعلى اليقين : أن يداخله سبب هو ~~الطمأنينة إلى من بيده الأسباب كلها فمتى داخل يقينه ركون إلى سبب وتعلق به ~~واطمأن إليه : قدح ذلك في يقينه وليس المراد : قطع الأسباب عن أن تكون ~~أسبابا والإعراض عنها فإن هذا زندقة وكفر ومحال فإن الرسول سبب في حصول ~~الهداية والإيمان والأعمال الصالحة سبب لحصول النجاة ودخول الجنة والكفر ~~سبب لدخول النار والأسباب المشاهدة أسباب لمسبباتها ولكن الذي يريد أن يحذر ~~منه : إضافة يقينه إلى سبب غير الله ولا يتعلق بالأسباب بل يفنى بالمسبب ~~عنها والشيخ ممن يبالغ في إنكار الأسباب ولا يرى وراء الفناء في توحيد ~~الربوبية غاية وكلامه في الدرجة الثالثة في معظم الأبواب : يرجع إلى هذين ~~الأصلين وقد عرفت ما فيهما وأن الصواب خلافهما وهو إثبات الأسباب والقوى ~~وأن الفناء في توحيد الربوبية ليس هو غاية الطريق بل فوقه ما هو أجل منه ~~وأعلى وأشرف PageV01P519 ومن هاتين القاعدتين عرض في كتابه من الأمور التي ~~أنكرت عليه ما عرض قال : الدرجة الثالثة : إشفاق يصون سعيه عن العجب ويكف ~~صاحبه عن مخاصمة الخلق ويحمل المريد على حفظ الجد الأول : يتعلق بالعمل ~~والثاني : بالخلق والثالث : بالإرادة وكل منها له ما يفسده فالعجب : يفسد ~~العمل كما يفسده الرياء فيشفق على سعيه من هذا المفسد شفقة تصونه عنه ~~والمخاصمة للخلق : مفسدة للخلق فيشفق على خلقه من هذا المفسد شفقة تصونه ~~عنه والإرادة : يفسدها عدم الجد وهو الهزل واللعب فيشفق على إرادته مما ~~يفسدها فإذا صح له عمله وخلقه وإرادته : استقام سلوكه وقلبه وحاله والله ~~المستعان # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الخشوع # قال الله تعالى : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل ~~من الحق الحديد : 16 ] قال ابن مسعود رضي الله عنه : ما كان بين إسلامنا ~~وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين وقال ms0408 ابن عباس : إن الله ~~استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن وقال ~~تعالى : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون المؤمنون : 12 ] ~~والخشوع في أصل اللغة : الانخفاض والذل والسكون قال تعالى : وخشعت الأصوات ~~للرحمن طه : 108 ] أي سكنت وذلت وخضعت ومنه وصف الأرض بالخشوع وهو يبسها ~~وانخفاضها وعدم ارتفاعها بالري والنبات قال تعالى : ومن آياته أنك ترى ~~الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليهما الماء اهتزت وربت فصلت : 39 ] PageV01P520 ~~و الخشوع قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل والجمعية عليه وقيل الخشوع ~~الانقياد للحق وهذا من موجبات الخشوع فمن علاماته : أن العبد إذا خولف ورد ~~عليه بالحق استقبل ذلك بالقبول والانقياد وقيل الخشوع خمود نيران الشهوة ~~وسكون دخان الصدور وإشراق نور التعظيم في القلب وقال الجنيد الخشوع تذلل ~~القلوب لعلام الغيوب وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب وثمرته على ~~الجوارح وهي تظهره رأى النبى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال : لو خشع قلب ~~هدا لخشعت جوارحه وقال النبى التقوى ههنا وأشار إلى صدره ثلاث مرات وقال ~~بعض العارفين : حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن ورأى بعضهم رجلا خاشع ~~المنكبين والبدن فقال : يا فلان الخشوع ههنا وأشار إلى صدره لا ههنا وأشار ~~إلى منكبيه وكان بعض الصحابة رضى الله عنهم وهو حذيفة يقول إياكم وخشوع ~~النفاق فقيل له : وما خشوع النفاق قال : أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس ~~بخاشع ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا طأطأ رقبته فى الصلاة فقال يا ~~صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب ورأت ~~عائشة رضى الله عنها شبابا يمشون ويتماوتون في مشيتهم فقالت لأصحابها : من ~~هؤلاء فقالوا : نساك فقالت : كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع وإذا قال : ~~أسمع وإذا ضرب : أوجع وإذا أطعم : أشبع وكان هو الناسك حقا وقال الفضيل بن ~~عياض : كان يكره أن يرى الرجل من الخشوع أكثر مما فى قلبه وقال حذيفة رضي ~~الله عنه أول ما تفقدون من ms0409 دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة ~~ورب مصل لا خير فيه ويوشك PageV01P521 أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم ~~خاشعا وقال سهل : من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان # | فصل قال صاحب المنازل : الخشوع : خمود النفس وهمود الطباع لمتعاظم أو # مفزع يعنى : انقباض النفس والطبع وهو خمود قوى النفس عن الانبساط لمن له ~~في القلوب عظمة ومهابة أو لما يفزع منه القلب والحق : أن الخشوع معنى يلتئم ~~من التعظيم والمحبة والذل والانكسار قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة ~~الأولى : التذلل للأمر : والاستسلام للحكم والاتضاع لنظر الحقالتذلل للأمر ~~والاستسلام للحكم والاتضاع لنظر الحق التذلل للأمر : تلقيه بذلة القبول ~~والانقياد والامتثال ومواطأة الظاهر الباطن مع إظهار الضعف والافتقار إلى ~~الهداية للأمر قبل الفعل والإعانة عليه حال الفعل وقبوله بعد الفعل وأما ~~الاستسلام للحكم : فيجوز أن يريد به : الحكم الديني الشرعي فيكون معناه : ~~عدم معارضته برأي أو شهوة ويجوز أن يريد به : الاستسلام للحكم القدري وهو ~~عدم تلقيه بالتسخط والكراهة والاعتراض والحق : أن الخشوع هو الاستسلام ~~للحكمين وهو الانقياد بالمسكنة والذل لأمر الله وقضائه وأما الاتضاع لنظر ~~الحق : فهو اتضاع القلب والجوارح وانكسارها لنظر الرب إليها واطلاعه على ~~تفاصيل ما في القلب والجوارح وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى : ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان الرحمن : 46 ] وقوله : وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن ~~الهوى النازعات : 40 ] وهو مقام الرب على عبده بالاطلاع والقدرة والربوبية ~~PageV01P522 فخوفه من هذا المقام : يوجب له خشوع القلب لا محالة وكلما كان ~~أشد استحضارا له كان أشد خشوعا وإنما يفارق القلب إذا غفل عن اطلاع الله ~~عليه ونظره إليه والتأويل الثاني : أنه مقام العبد بين يدي ربه عند لقائه ~~فعلى الأول : يكون من باب إضافة المصدر إلى الفاعل وعلى الثاني : وهو أليق ~~بالآية يكون من باب إضافة المصدر إلى المخوف والله أعلم # | فصل قال : الدرجة الثانية : ترقب آفات النفس والعمل ورؤية فضل كل ذي ~~فضل # عليك وتنسم نسيم الفناء يريد : انتظار ظهور نقائص نفسك وعملك ms0410 وعيوبهما من ~~فإنه يجعل القلب خاشعا لا محالة لمطالعة عيوب نفسه وأعماله ونقائصهما : من ~~الكبر والعجب والرياء وضعف الصدق وقلة اليقين وتشتت النية وعدم تجرد الباعث ~~من الهوى نفساني وعدم إيقاع العمل على الوجه الذي ترضاه لربك وغير ذلك من ~~عيوب النفس ومفسدات الأعمال وأما رؤية فضل كل ذي فضل عليك : فهو أن تراعي ~~حقوق الناس فتؤديها ولا ترى أن ما فعلوه من حقوقك عليهم فلا تعاوضهم عليها ~~فإن هذا من رعونات النفس وحماقاتها ولا تطالبهم بحقوق نفسك وتعترف بفضل ذي ~~الفضل منهم وتنسى فضل نفسك وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول ~~: العارف لا يرى له على أحد حقا ولا يشهد له على غيره فضلا ولذلك لا يعاتب ~~ولا يطالب ولا يضارب وأما تنسم نسيم الفناء : فلما كان الفناء عنده غاية ~~جعل هذه الدرجة كالنسيم PageV01P523 لرقته وعبر عنها بالنسيم للطف موقعه من ~~الروح وشدة تشبثها به ولا ريب أن الخشوع سبب موصل إلى الفناء فاضله ومفضوله # | فصل قال الدرجة الثالثة : حفظ الحرمة عند المكاشفة وتصفية الوقت من # مراءاة الخلق وتجريد رؤية الفضل أما حفظ الحرمة عند المكاشفة : فهو ضبط ~~النفس بالذل والانكسار عن البسط والإدلال الذي تقتضيه المكاشفة فإن ~~المكاشفة توجب بسطا ويخاف منه شطح إن لم يصحبه خشوع يحفظ الحرمة وأما تصفية ~~الوقت من مراءاة الخلق : فلا يريد به أنه يصفي وقته عن الرياء فإن أصحاب ~~هذه الدرجة أجل قدرا وأعلى من ذلك وإنما المراد : أنه يخفي أحواله عن الخلق ~~جهده كخشوعه وذله وانكساره لئلا يراها الناس فيعجبه اطلاعهم عليها ورؤيتهم ~~لها فيفسد عليه وقته وقلبه وحاله مع الله وكم قد اقتطع في هذه المفازة من ~~سالك والمعصوم من عصمه الله فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة ~~والفاقة والذل وأنه لا شيء وأنه ممن لم يصح له بعد الإسلام حتى يدعي الشرف ~~فيه ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك أمرا لم ~~أشاهده من غيره وكان يقول كثيرا : ما لي ms0411 شيء ولا مني شيء ولا في شيء وكان ~~كثيرا ما يتمثل بهذا البيت : أنا المكدى وابن المكدى وهكذا كان أبي وجدي ~~وكان إذا أثنى عليه في وجهه يقول : والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت ~~وما أسلمت بعد إسلاما جيدا وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه ~~وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه : PageV01P524 أنا الفقير إلى رب البريات ~~أنا المسيكين فى مجموع حالاتى أنا الظلوم لنفسى وهي ظالمتي والخير إن يأتنا ~~من عنده ياتى لا أستطيع لنفسى جلب منفعة ولا عن النفس لى دفع المضرات وليس ~~لي دونه مولى يدبرني ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتى إلا بإذن من الرحمن خالقنا ~~إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات ولست أملك شيئا دونه أبدا ولا شريك أنا فى ~~بعض ذرات ولا ظهير له كي يستعين به كما يكون لأرباب الولايات والفقر لى وصف ~~ذات لازم أبدا كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وهذه الحال حال الخلق أجمهم ~~وكلهم عنده عبد له آتى فمن بغى مطلبا من غير خالقه فهو الجهول الظلوم ~~المشرك العاتي والحمد لله ملء الكون أجمعه ما كان منه وما من بعد قد ياتى ~~وأما تجريد رؤية الفضل : فهو أن لا يرى الفضل والإحسان إلا من الله فهو ~~المان به بلا سبب منك ولا شفيع لك تقدم إليه بالشفاعة ولا وسيلة سبقت منك ~~توسلت بها إلى إحسانه والتجريد : هو تخليص شهود الفضل لوليه حتى لا ينسبه ~~إلى غيره وإلا فهو في نفسه مجرد عن النسبة إلى سواه وإنما الشأن في تجريده ~~في الشهود ليطابق الشهود الحق في نفس الأمر والله أعلم # | فصل فإن قيل : مما تقولون في صلاة من عدم الخشوع في صلاته : # هل يعتد بها أم لا قيل : أما الاعتداد بها في الثواب : فلا يعتد له فيها ~~إلا بما عقل فيه منها وخشع فيه لربه قال ابن عباس رضى الله عنهما : ليس لك ~~من صلاتك إلا ما عقلت منها PageV01P525 وفى المسند مرفوعا : إن العبد ليصلي ~~الصلاة ms0412 ولم يكتب له إلا نصفها أو ثلثها أو ربعها حتى بلغ عشرها وقد علق ~~الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل ~~الفلاح ولو اعتد له بها ثوابا لكان من المفلحين وأما الاعتداد بها في أحكام ~~الدنيا وسقوط القضاء : فإن غلب عليها الخشوع وتعقلها اعتد بها إجماعا وكانت ~~السنن والأذكار عقيبها جوابر ومكملات لنقصها وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها ~~وعدم تعقلها فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها فأوجبها أبو عبدالله بن ~~حامد من أصحاب أحمد وأبو حامد الغزالي فى إحيائه لا في وسيطه و بسيطه ~~واحتجوا بأنها صلاة لا يثاب عليها ولم يضمن له فيها الفلاح فلم تبرأ ذمته ~~منها ويسقط القضاء عنه كصلاة المرائى قالوا : ولأن الخشوع والعقل : روح ~~الصلاة ومقصودها ولبها فكيف يعتد بصلاة فقدت روحها ولبها وبقيت صورتها ~~وظاهرها قالوا : ولو ترك العبد واجبا من واجباتها عمدا لأبطلها تركه وغايته ~~أن يكون بعضا من أبعاضها بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة ~~فكيف إذا عدمت روحها ولبها ومقصودها وصارت بمنزلة العبد الميت إذا لم يعتد ~~بالعبد المقطوع اليد يعتقه تقربا إلى الله تعالى في كفارة واجبة فكيف يعتد ~~بالعبد الميت وقال بعض السلف : الصلاة كجارية تهدى إلى ملك من الملوك فما ~~الظن بمن يهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد والرجل أو ~~مريضة أو دميمة أو قبيحة حتى يهدى إليه جارية ميتة بلا روح وجارية قبيحة ~~فكيف بالصلاة التي يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى والله ~~PageV01P526 طيب لا يقبل إلا طيبا وليس من العمل الطيب : صلاة لا روح فيها ~~كما أنه ليس من العتق الطيب عتق عبد لا روح فيه قالوا : وتعطيل القلب عن ~~عبودية الحضور والخشوع : تعطيل لملك الأعضاء عن عبوديته وعزل له عنها فماذا ~~تغني طاعة الرعية وعبوديتها وقد عزل ملكها وتعطل قالوا : والأعضاء تابعة ~~للقلب تصلح بصلاحه وتفسد بفساده فإذا لم يكن قائما بعبوديته فالأعضاء أولى ~~أن لا يعتد ms0413 بعبوديتها وإذا فسدت عبوديته بالغفلة والوسواس فأنى تصح عبودية ~~رعيته وجنده ومادتهم منه وعن أمره يصدرون وبه يأتمرون قالوا : وفي الترمذى ~~وغيره مرفوعا إلى النبي : إن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل وهذا إما ~~خاص بدعاء العبادة وإما عام له ولدعاء المسألة وإما خاص بدعاء المسألة الذي ~~هو أبعد فهو تنبيه على أنه لا يقبل دعاء العبادة الذي هو خاص حقه من قلب ~~غافل قالوا : ولأن عبودية من غلبت عليه الغفلة والسهو في الغالب لا تكون ~~مصاحبة للإخلاص فإن الإخلاص قصد المعبود وحده بالتعبد والغافل لا قصد له ~~فلا عبودية له قالوا : وقد قال الله تعالى : فويل للمصلين الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون [ الماعون : 45 ] وليس السهو عنها تركها وإلا لم يكونوا مصلين ~~وإنما هو السهو عن واجبها : إما عن الوقت كما قال ابن مسعود وغيره وإما عن ~~الحضور والخشوع والصواب : أنه يعم النوعين فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة ~~ووصفهم بالسهو عنها فهو السهو عن وقتها الواجب أو عن إخلاصها وحضورها ~~الواجب ولذلك وصفهم بالرياء ولو كان السهو سهو ترك لما كان هناك رياء ~~PageV01P527 قالوا : ولو قدرنا أنه السهو عن واجب فقط فهو تنبيه على التوعد ~~بالويل على سهو الإخلاص والحضور بطريق الأولى لوجوه أحدها : أن الوقت يسقط ~~في حال العذر وينتقل إلى بدله والإخلاص والحضور لا يسقط بحال ولا بدل له ~~الثاني : أن واجب الوقت يسقط لتكميل مصلحة الحضور فيجوز الجمع بين الصلاتين ~~للشغل المانع من فعل إحداهما في وقتها بلا قلب ولا حضور كالمسافر والمريض ~~وذي الشغل الذي يحتاج معه إلى الجمع كما نص عليه أحمد وغيره فبالجملة : ~~مصلحة الإخلاص والحضور وجمعية القلب على الله في الصلاة : أرجح في نظر ~~الشارع من مصلحة سائر واجباتها فكيف يظن به أنه يبطلها بترك تكبيرة واحدة ~~أو اعتدال في ركن أو ترك حرف أو شدة من القرآن أو ترك تسبيحه أو قول : سمع ~~الله لمن حمده أو قول ربنا ولك الحمد أو ذكر رسول الله بالصلاة عليه ثم ~~يصححها مع ms0414 فوات بها ومقصودها الأعظم وروحها وسرها فهذا ما احتجت به هذه ~~الطائفة وهي حجج كما تراها قوة وظهورا قال أصحاب القول الآخر : قد ثبت عن ~~النبي في الصحيح أنه قال : إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا ~~يسمع التأذين فإذا قضى التأذين أقبل فإذا ثوب بالصلاة أدبر فإذا قضى ~~التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وبين نفسه فيذكره ما لم يكن يذكر يقول : ~~اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يضل الرجل لا يدري كم صلى فإذا وجد ~~ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس قالوا : فأمره النبيفي هذه الصلاة التي ~~قد أغفله الشيطان PageV01P528 فيها حتى لم يدركم صلى : بأن يسجد سجدتي ~~السهو ولم يأمره بإعادتها ولو كانت باطلة كما زعمتم لأمره بإعادتها قالوا : ~~وهذا هو السر في سجدتي السهو ترغيما للشيطان في وسوسته للعبد وكونه حال ~~بينه وبين الحضور في الصلاة ولهذا سماها النبي المرغمتين وأمر من سها بهما ~~ولم يفصل في سهوه الذي صدر عنه موجب السجود بين القليل والكثير والغالب ~~والمغلوب وقال : لكل سهو سجدتان ولم يستثن من ذلك السهو الغالب مع أنه ~~الغالب قالوا : ولأن شرائع الإسلام على الأفعال الظاهرة وأما حقائق الإيمان ~~الباطنة : فتلك عليها شرائع الثواب والعقاب فلله تعالى حكمان : حكم فى ~~الدنيا على الشرائع الظاهرة وأعمال الجوارح وحكم فى الأخرة على الظواهر ~~والبواطن ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانية المنافقين ويكل ~~أسرارهم إلى الله تعالى فيناكحون ويرثون ويورثون ويعتد بصلاتهم في أحكام ~~الدنيا فلا يكون حكمهم حكم تارك الصلاة إذ قد أتوا بصورتها الظاهرة وأحكام ~~الثواب والعقاب ليست إلى البشر بل إلى الله والله يتولاه في الدار الآخرة ~~قالوا : فنحن في حكم شرائع الإسلام نحكم بصحة صلاة المنافق والمرائى مع أنه ~~لا يسقط عنه العقاب ولا يحصل له الثواب في الآخرة فصلاة المسلم الغافل ~~المبتلى بالوسواس وغفلة القلب عن كمال حضوره أولى بالصحة نعم : لا يحصل ~~مقصود هذه الصلاة من ثواب الله عاجلا ولا آجلا فإن للصلاة ms0415 مزيد ثواب عاجل ~~في القلب من قوة إيمانه واستنارته وانشراحه وانفساحه ووجود حلاوة العبادة ~~والفرح والسرور واللذة التي تحصل لمن اجتمع همه وقلبه على الله وحضر قلبه ~~بين يديه كما يحصل لمن قربه السلطان منه وخصه بمناجاته والإقبال عليه والله ~~أعلى وأجل وكذلك ما يحصل هذا من الدرجات العلى في الآخرة ومرافقة المقربين ~~PageV01P529 كل هذا يفوته بفوات الحضور والخضوع وإن الرجلين ليكون مقامهما ~~في الصف واحدا وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض وليس كلامنا في هذا كله ~~فإن أردتم وجوب الإعادة : لتحصل هذه الثمرات والفوائد : فذاك إليه إن شاء ~~أن يحصلها وإن شاء أن يفوتها على نفسه وإن أردتم بوجوبها أنا نلزمه بها ~~ونعاقبه على تركها ونرتب عليه أحكام تارك الصلاة فلا وهذا القول الثاني ~~أرجح القولين والله أعلم PageV01P530 | 2 | # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإخبات قال الله تعالى # : وبشر المخبتين ثم كشف عن معناهم فقال الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~والصابرين على ما أصابهم والمقيمين الصلاة ومما رزقناهم ينفقون الحج : 35 ] ~~وقال : @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون @QE@ # الخبت في أصل اللغة : المكان المنخفض من الأرض وبه فسر ابن عباس رضي الله ~~عنهما وقتادة لفظ المخبتين وقالا : هم المتواضعون وقال مجاهد : المخبت ~~المطمئن إلى الله عز وجل قال : والخبت : المكان المطمئن من الأرض وقال ~~الأخفش : الخاشعون وقال إبراهيم النخعي : المصلون المخلصون وقال الكلبي : ~~هم الرقيقة قلوبهم وقال عمرو بن أوس : هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ~~ينتصروا # وهذه الأقوال تدور على معنيين : التواضع والسكون إلى الله عز وجل ولذلك ~~عدي بإلى تضمينا لمعنى الطمأنينة والإنابة والسكون إلى الله تعالى # قال صاحب المنازل : هو من أول مقامات الطمأنينة يعني بمقامات الطمأنينة ~~كالسكينة واليقين والثقة بالله ونحوها فالإخبات : مقدمتها ومبدؤها قال : ~~وهو ورود المأمن من الرجوع والتردد PageV02P003 # لما كان الإخبات أول مقام يتخلص فيه السالك من التردد الذي هو نوع غفلة ~~وإعراض والسالك مسافر إلى ربه سائر إليه ms0416 على مدى أنفاسه لا ينتهي مسيره ~~إليه ما دام نفسه يصحبه شبه حصول الإخبات له بالماء العذب الذي يرده ~~المسافر على ظمأ وحاجة فى أول مناهله فيرويه مورده ويزيل عنه خواطر تردده ~~في إتمام سفره أو رجوعه إلى وطنه لمشقة السفر فإذا ورد ذلك الماء : زال عنه ~~التردد وخاطر الرجوع كذلك السالك إذا ورد مورد الإخبات تخلص من التردد ~~والرجوع ونزل أول منازل الطمأنينة بسفره وجد في السير # قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : أن تستغرق العصمة الشهوة وتستدرك ~~الإرادة الغفلة ويستهوي الطلب السلوة # المريد السالك : تعرض له غفلة عن مراده تضعف إرادته وشهوة تعارض إرادته ~~فتصده عن مراده ورجوع عن مراده وسلوة عنه # فهذه الدرجة من الإخبات تحميه عن هذه الثلاثة فتستغرق عصمته شهوته # والعصمة هي الحماية والحفظ و الشهوة الميل إلى مطالب النفس و الاستغراق ~~للشيء الاحتواء عليه والإحاطة به # يقول : تغلب عصمته شهوته وتقهرها وتستوفي جميع أجزائها فإذا استوفت ~~العصمة جميع أجزاء الشهوة : فذلك دليل على إخباته ودخوله في مقام الطمأنينة ~~ونزوله أول منازلها وخلاصه في هذا المنزل من تردد الخواطر بين الإقبال ~~والإدبار والرجوع والعزم إلى الاستقامة والعزم الجازم والجد في السير وذلك ~~علامة السكينة # وتستدرك إرادته غفلته و الإرادة عند القوم : هي اسم لأول منازل القاصدين ~~إلى الله و المريد هو الذي خرج من وطن طبعه ونفسه وأخذ في السفر إلى الله ~~والدار الآخرة فإذا نزل في منزل الإخبات أحاطت إرادته بغفلته فاستدركها ~~واستدرك بها فارطها PageV02P004 # وأما استهواء طلبه لسلوته فهو قهر محبته لسلوته وغلبتها له بحيث تهوي ~~السلوة وتسقط كالذي يهوى في بئر وهذا علامة المحبة الصادقة : أن تقهر فيه ~~وارد السلوة وتدفنها في هوة لا تحيا بعدها أبدا # فالحاصل : أن عصمته وحمايته : تقهر شهوته وإرادته تقهر غفلته ومحبته تقهر ~~سلوته # قال : الدرجة الثانية : أن لا ينقض إرادته سبب ولا يوحش قلبه عارض ولا ~~يقطع عليه الطريق فتنة # هذه ثلاثة أمور أخرى تعرض لصادق الإرادة : سبب يعرض له ينقض عزمه وإرادته ~~ووحشة تعرض ms0417 له في طريق طلبه ولا سيما عند تفرده وفتنة تخرج عليه تقصد قطع ~~الطريق عليه # فإذا تمكن من منزل الإخبات اندفعت عنه هذه الآفات لأن إرادته إذا قويت ~~وجد به السير : لم ينقضها سبب من أسباب التخلف و النقض هو الرجوع عن إرادته ~~والعدول عن جهة سفره # ولا يوحش أنسه بالله في طريقه عارض من العوارض الشواغل للقلب والجواذب له ~~عمن هو متوجه إليه # و العارض هو المخالف كالشيء الذي يعترضك في طريقك فيجيء في عرضها ومن ~~أقوى هذه العوارض : عارض وحشة التفرد فلا يلتفت إليه كما قال بعض الصادقين ~~: انفرادك في طريق طلبك : دليل على صدق الطلب وقال آخر : لا تستوحش فى ~~طريقك من قلة السالكين ولا تغتر بكثرة الهالكين # وأما الفتنة التى تقطع عليه الطريق : فهي الواردات التي ترد على القلوب ~~تمنعها من مطالعة الحق وقصده فإذا تمكن من منزل الإخبات وصحة الإرادة ~~والطلب : لم يطمع فيه عارض الفتنة PageV02P005 # وهذه العزائم لا تصح إلا لمن أشرق على قلبه أنوار آثار الأسماء والصفات ~~وتجلت عليه معانيها وكافح قلبه حقيقة اليقين بها # وقد قيل : من أخذ العلم من عين العلم ثبت ومن أخذه من جريانه أخذته أمواج ~~الشبه ومالت به العبارات واختلفت عليه الأقوال # قال : الدرجة الثالثة : أن يستوي عنده المدح والذم وتدوم لائمته لنفسه ~~ويعمى عن نقصان الخلق عن درجته # أعلم أنه متى استقرت قدم العبد في منزلة الإخبات وتمكن فيها : ارتفعت ~~همته وعلت نفسه عن خطفات المدح والذم فلا يفرح بمدح الناس ولا يحزن لذمهم ~~وهذا وصف من خرج عن حظ نفسه وتأهل للفناء في عبودية ربه وصار قلبه مطرحا ~~لأشعة أنوار الأسماء والصفات وباشر حلاوة الإيمان واليقين قلبه والوقوف عند ~~مدح الناس وذمهم : علامة انقطاع القلب وخلوه من الله وأنه لم تباشره روح ~~محبته ومعرفته ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه # وأما قوله : وأن تدوم لأئمته لنفسه فهو أن صاحب هذا المنزل لا يرضى عن ~~نفسه وهو مبغض لها متمن لمفارقتها # والمراد بالنفس عند القوم : ما ms0418 كان معلولا من أوصاف العبد مذموما من ~~أخلاقه وأفعاله سواء كان ذلك كسبياأو خلقيا فهو شديد اللائمة لها وهذا أحد ~~التأويلين في قوله تعالى : @QB@ ولا أقسم بالنفس اللوامة @QE@ قال سعيد بن ~~جبير وعكرمة : تلوم على الخير والشر ولا تصبر على السراء ولا على الضراء # وقال قتادة : اللوامة : هى الفاجرة # وقال مجاهد : تندم على ما فات وتقول : لو فعلت ولو لم أفعل # وقال الفراء : ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهى تلوم نفسها : إن كانت ~~عملت خيرا قالت : هلا زدت وإن عملت شرا قالت : ليتني لم أفعل PageV02P006 # وقال الحسن : هى النفس المؤمنة إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه : ~~ما أردت بكلمة كذا ما أردت بأكلة كذا ما أردت بكذا ما أردت بكذا وإن الفاجر ~~يمضي قدما قدما ولا يحاسب نفسه ولا يعاتبها # وقال مقاتل : هى النفس الكافرة تلوم نفسها فى الآخرة على ما فرطت فى أمر ~~الله فى الدنيا # والقصد : أن من بذل نفسه لله بصدق كره بقاءه معها لأنه يريد أن يتقبلها ~~من بذلت له ولأنه قد قربها له قربانا ومن قرب قربانا فتقبل منه ليس كمن رد ~~عليه قربانه فبقاء نفسه معه دليل على أنه لم يتقبل قربانه # وأيضا فإنه من قواعد القوم المجمع عليها بينهم التي اتفقت كلمة أولهم ~~وآخرهم ومحقهم ومبطلهم عليها : أن النفس حجاب بين العبد وبين الله وأنه لا ~~يصل إلى الله حتى يقطع هذا الحجاب كما قال أبو يزيد : رأيت رب العزة فى ~~المنام فقلت : يا رب كيف الطريق إليك فقال : خل نفسك وتعال # فالنفس جبل عظيم شاق في طريق السير إلى الله عز وجل وكل سائر لا طريق له ~~إلا على ذلك الجبل فلا بد أن ينتهى إليه ولكن منهم من هو شاق عليه ومنهم من ~~هو سهل عليه وإنه ليسير على من يسره الله عليه # وفي ذلك الجبل أودية وشعوب وعقبات ووهود وشوك وعوسج وعليق وشبرق ولصوص ~~يقتطعون الطريق على السائرين ولا سيما أهل الليل المدلجين فإذا لم يكن ms0419 معهم ~~عدد الإيمان ومصابيح اليقين تتقد بزيت الإخبات وإلا PageV02P007 تعلقت بهم ~~تلك الموانع وتشبثت بهم تلك القواطع وحالت بينهم وبين السير فإن أكثر ~~السائرين فيه رجعوا على أعقابهم لما عجزوا عن قطعه واقتحام عقباته والشيطان ~~على قلة ذلك الجبل يحذر الناس من صعوده وارتفاعه ويخوفهم منه فيتفق مشقة ~~الصعود وقعود ذلك المخوف على قلته وضعف عزيمة السائر ونيته فيتولد من ذلك : ~~الانقطاع والرجوع والمعصوم من عصمه الله # وكلما رقى السائر في ذلك الجبل اشتد به صياح القاطع وتحذيره وتخويفه فإذا ~~قطعه وبلغ قلته : انقلبت تلك المخاوف كلهن أمانا وحينئذ يسهل السير وتزول ~~عنه عوارض الطريق ومشقة عقباتها ويرى طريقاواسعاآمنا يفضي به إلى المنازل ~~والمناهل وعليه الأعلام وفيه الإقامات وفيه أعدت لركب الرحمن # فبين العبد وبين السعادة والفلاح : قوة عزيمة وصبر ساعة وشجاعة نفس وثبات ~~قلب والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم # | فصل وقوله : ويعمى عن نقصان الخلق عن درجته # يعني أنه وإن كان أعلى ممن هو دونه من الناقصين عن درجته إلا أنه ~~لاشتغاله بالله وامتلاء قلبه من محبته ومعرفته والإقبال عليه : يشتغل به عن ~~ملاحظة حال غيره وعن شهود النسبة بين حاله وأحوال الناس ويرى اشتغاله بذلك ~~والتفاته إليه نزولا عن مقامه وانحطاطا عن درجته ورجوعا على عقبيه فإن هجم ~~عليه ذلك بغير استدعاء واختيار فليداوه بشهود المنة وخوف المكر وعدم علمه ~~بالعاقبة التي يوافي عليها والله المستعان # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الزهد # PageV02P008 # قال الله تعالى @QB@ ما عندكم ينفد وما عند الله باق @QE@ وقال تعالى ~~اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال ~~والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاماوفي ~~الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ~~وقال تعالى @QB@ إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ~~نبات الأرض @QE@ وقال تعالى : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من ~~السماء فاختلط به نبات ms0420 الأرض فأصبح هشيماتذروه الرياح إلى قوله @QB@ وخير ~~أملا @QE@ وقال تعالى : @QB@ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ~~@QE@ وقال تعالى : @QB@ بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى @QE@ ~~وقال : @QB@ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة ~~الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى @QE@ وقال تعالى @QB@ إنا جعلنا ما ~~على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا ~~جرزا @QE@ وقال : @QB@ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة @QE@ إلى قوله @QB@ والآخرة عند ربك للمتقين ~~@QE@ # والقرآن مملوء من التزهيد فى الدنيا والإخبار بخستها وقلتها وانقطاعها ~~PageV02P009 وسرعة فنائها والترغيب فى الآخرة والإخبار بشرفها ودوامها فإذا ~~أراد الله بعبد خيرا أقام فى قلبه شاهدا يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة ~~ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار # وقد أكثر الناس من الكلام في الزهد وكل أشار إلى ذوقه ونطق عن جاله ~~وشاهده فإن غالب عبارات القوم عن أذواقهم وأحوالهم والكلام بلسان العلم : ~~أوسع من الكلام بلسان الذوق وأقرب إلى الحجة والبرهان # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : الزهد ترك مالا ينفع ~~في # الآخرة والورع : ترك ما تخاف ضرره في الآخرة # وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها # وقال سفيان الثورى : الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا لبس ~~العباء # وقال الجنيد : سمعت سريا يقول : إن الله عز وجل سلب الدنيا عن أوليائه ~~وحماها عن أصفيائه وأخرجها من قلوب أهل وداده لأنه لم يرضها لهم وقال : ~~الزهد في قوله تعالى : لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ~~والله لا يحب كل مختال فخور فالزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود ولا يأسف ~~منها على مفقود PageV02P010 # وقال يحيى بن معاذ : الزهد يورث السخاء بالملك والحب يورث السخاء بالروح # وقال ابن الجلاء : الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال فتصغر في عينك ~~فيسهل عليك الإعراض عنها # وقال ابن خفيف : الزهد وجود الراحة في الخروج من الملك # وقال ms0421 أيضا : الزهد سلو القلب عن الأسباب ونفض الأيدي من الأملاك # وقيل : هو عزوف القلب عن الدنيا بلا تكلف # وقال الجنيد : الزهد خلو القلب عما خلت منه اليد # وقال الإمام أحمد الزهد في الدنيا قصر الأمل وعنه رواية أخرى : أنه عدم ~~فرحه بإقبالها ولا حزنه على إدبارها فإنه سئل عن الرجل يكون معه ألف دينار ~~هل يكون زاهدا فقال : نعم على شريطة أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت # وقال عبد الله بن المبارك : هو الثقة بالله مع حب الفقر وهذا قول شقيق ~~ويوسف بن أسباط # وقال عبدالواحد بن زيد الزهد : الزهد في الدينار والدرهم # وقال أبو سليمان الداراني : ترك ما يشغل عن الله وهو قول الشبلي # وسأل رويم الجنيد عن الزهد فقال : استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب ~~وقال مرة : هو خلو اليد عن الملك والقلب عن التتبع وقال يحيى بن معاذ : لا ~~يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال : عمل بلا علاقة وقول بلا طمع ~~وعز بلا رياسة وقال أيضا : الزاهد يسعطك الخل والخردل والعارف يشمك المسك ~~والعنبر وقيل : حقيقته هو الزهد في النفس وهذا قول ذي النون المصري # وقيل : الزهد الإيثار عند الاستغاء والفتوة الإيثار عند الحاجة قال الله ~~تعالى : @QB@ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة @QE@ PageV02P011 # وقال رجل ليحيى بن معاذ : متى أدخل حانوت التوكل وألبس رداء الزاهدين ~~وأقعد معهم فقال : إذا صرت من رياضتك لنفسك إلى حد لو قطع الله الرزق عنك ~~ثلاثة أيام لم تضعف نفسك فأما ما لم تبلغ إلى هذه الدرجة فجلوسك على بساط ~~الزاهدين جهل ثم لا آمن عليك أن تفتضح # وقد قال الإمام أحمد بن حنبل : الزهد على ثلاثة أوجه الأول : ترك الحرام ~~وهو زهد العوام والثاني : ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص والثالث : ~~ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين # وهذا الكلام من الإمام أحمد يأتي على جميع ما تقدم من كلام المشايخ مع ~~زيادة تفصيله وتبيين درجاته وهو من أجمع الكلام وهو يدل ms0422 على أنه رضي الله ~~عنه من هذا العلم بالمحل الأعلى وقد شهد الشافعي رحمه الله بإمامته في ~~ثمانية أشياء أحدها الزهد # والذي أجمع عليه العارفون : أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه في ~~منازل الآخرة وعلى هذا صنف المتقدمون كتب الزهد كالزهد لعبد الله ابن ~~المبارك وللإمام أحمد ولوكيع ولهناد بن السري ولغيرهم ومتعلقه ستة أشياء : ~~لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها وهي المال والصور والرياسة والناس ~~والنفس وكل ما دون الله # وليس المراد رفضها من الملك فقد كان سليمان وداود عليهما السلام من أزهد ~~أهل زمانهما ولهما من المال والملك والنساء ما لهما وكان نبينامن أزهد ~~البشر على الإطلاق وله تسع نسوة وكان علي بن أبي طالب PageV02P012 ~~وعبدالرحمن بن عوف والزبير وعثمان رضي الله عنهم من الزهاد مع ما كان لهم ~~من الأموال وكان الحسن بن علي رضي الله عنه من الزهاد مع أنه كان من أكثر ~~الأمة محبة للنساء ونكاحا لهن وأغناهم وكان عبدالله بن المبارك من الأئمة ~~الزهاد مع مال كثير وكذلك الليث بن سعد من أئمة الزهاد وكان له رأس مال ~~يقول : لولا هو لتمندل بنا هؤلاء # ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن أو غيره : ليس الزهد في الدنيا ~~بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما ~~في يدك وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو لم تصبك ~~فهذا من أجمع كلام في الزهد وأحسنه وقد روي مرفوعا # | فصل وقد اختلف الناس فى الزهد هل هو ممكن في هذه الأزمنة أم # لا فقال أبو حفص الزهد لا يكون إلا في الحلال ولا حلال في الدنيا فلا زهد # وخالفه الناس في هذا وقالوا : بل الحلال موجود فيها وفيها الحرام كثيرا ~~وعلى تقدير : أن لا يكون فيها الحلال فهذا أدعى إلى الزهد فيها وتناول ما ~~يتناوله المضطر منها كتناوله للميتة والدم ولحم الخنزير # وقال يوسف بن أسباط : لو بلغني أن رجلا ms0423 بلغ في الزهد منزلة أبي ذر وأبي ~~الدرداء وسلمان والمقداد وأشباههم من الصحابة رضي الله عنهم ما قلت له ~~PageV02P013 زاهد لأن الزهد لايكون إلا في الحلال المحض والحلال المحض لا ~~يوجد في زماننا هذا وأما الحرام : فإن ارتكبته عذبك الله عز وجل # ثم اختلف هؤلاء في متعلق الزهد فقالت طائفة : الزهد إنما هو في الحلال ~~لأن ترك الحرام فريضة وقالت فرقة : بل الزهد لايكون إلا في الحرام وأما ~~الحلال : فنعمة من الله تعالى على عبده والله يحب أن يرى أثر نعمته على ~~عبده فشكره على نعمه والاستعانة بها على طاعته واتخاذها طريقا إلى جنته : ~~أفضل من الزهد فيها والتخلي عنها ومجانبة أسبابها # والتحقيق : أنها إن شغلته عن الله فالزهد فيها أفضل وإن لم تشغله عن الله ~~بل كان شاكرا لله فيها فحاله أفضل والزهد فيها تجريد القلب عن التعلق بها ~~والطمأنينة إليها والله أعلم # | فصل قال صاحب المنازل : الزهد : هو إسقاط الرغبة عن الشيءبالكلية # PageV02P014 يريد بالشيء المزهود فيه : ما سوى الله والإسقاط عنه : ~~إزالته عن القلب وإسقاط تعلق الرغبة به # وقوله : بالكلية أي بحيث لا يلتفت إليه ولا يتشوق إليه # قال : وهو للعامة : قربة وللمريد : ضرورة وللخاصة : خشية # يعني أن العامة تتقرب به إلى الله و القربة ما يتقرب به المتقرب إلى ~~محبوبه # وهو ضرورة للمريد لأنه لا يحصل له التخلي بما هو بصدده إلا بإسقاط الرغبة ~~فيما سوى مطلوبه فهو مضطر إلى الزهد كضرورته إلى الطعام والشراب إذ التعلق ~~بسوى مطلوبه لا يعدم منه حجابا أو وقفة أو نكسة على حسب بعد ذلك الشيء من ~~مطلوبه وقوة تعلقه به وضعفه # وإنما كان خشية للخاصة : لأنهم يخافون على ما حصل لهم من القرب والأنس ~~بالله وقرة عيونهم به : أن يتكدر عليهم صفوه بالتفاتهم إلى ما سوى الله ~~فزهدهم خشية وخوف قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الزهد في ~~الشبهة بعد ترك الحرام بالحذر من المعتبة والأنفة من المنقصة وكراهة مشاركة ~~الفساق # أما الزهد في الشبهة : فهو ترك ما يشتبه ms0424 على العبد : هل هو حلال أو حرام ~~كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي : الحلال بين والحرام ~~بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات اتقى ~~الحرام ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن ~~يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد ~~مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي ~~القلب # فالشبهات برزخ بين الحلال والحرام وقد جعل الله عز وجل بين كل ~~PageV02P015 متباينين برزخا كما جعل الموت وما بعده برزخا بين الدنيا ~~والآخرة وجعل المعاصي برزخا بين الإيمان والكفر وجعل الأعراف برزخا بين ~~الجنة والنار وكذلك جعل بين كل مشعرين من مشاعر المناسك برزخا حاجزا بينهما ~~ليس من هذا ولا هذا فمحسر برزخ بين منى ومزدلفة ليس من واحد منهما فلا يبيت ~~به الحاج ليلة جمع ولا ليالي منى وبطن عرنة برزخ بين عرفة وبين الحرم فليس ~~من الحرم ولا من عرفة وكذلك ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس برزخ بين الليل ~~والنهار ليس من الليل لتصرمه بطلوع الفجر ولا من النهار لأنه من طلوع الشمس ~~وإن دخل في اسم اليوم شرعا # وكذلك منازل السير : بين كل منزلتين برزخ يعرفه السائر في تلك المنازل ~~وكثير من الأحوال والواردات تكون برازخ فيظنها صاحبها غاية وهذا لم يتخلص ~~منه إلا فقهاء الطريق والعلماء هم الأدلة فيها # وقوله : بعد ترك الحرام أي ترك الشبهة لا يكون إلا بعد ترك الحرام # وقوله : بالحذر من المعتبة يعني أن يكون سبب تركه للشبهة : الحذر من توجه ~~عتب الله عليه # وقوله : والأنفة من المنقصة أي يأنف لنفسه من نقصه عند ربه وسقوطه من ~~عينه عينيه لاأنفته من نقصه عند الناس وسقوطه من عيونهم وإن كان ذلك ليس ~~مذموما بل هو محمود أيضا ولكن المذموم : أن تكون أنفته كلها من الناس ولا ~~يأنف من الله # وقوله وكراهة ms0425 مشاركة الفساق يعنى أن الفساق يزدحمون على مواضع الرغبة في ~~الدنيا ولتلك المواقف بهم كظيظ من الزحام فالزاهد يأنف من مشاركتهم في تلك ~~المواقف ويرفع نفسه عنها لخسة شركائه فيها كما قيل لبعضهم : ما الذي زهدك ~~في الدنيا قال : قلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها # إذا لم أترك الماء اتقاء تركت لكثرة الشركاء فيه PageV02P016 # إذا وقع الذباب على طعام % رفعت يدي ونفسي تشتهيه # وتجتنب الأسود ورود ماء % إذا كان الكلاب يلغن فيه # قال : الدرجة الثانية : الزهد في الفضول وهو ما زاد على المسكة والبلاغ ~~من القوت باغتنام التفرغ إلى عمارة الوقت وحسم الجأش والتحلي بحلية ~~الأنبياء والصديقين # الفضول ما يفضل عن قدر الحاجة و المسكة ما يمسك النفس من القوت والشراب ~~واللباس والمسكن والمنكح إذا احتاج إليه و البلاغ هو البلغة من ذلك الذي ~~يتبلغ به المسافر في منازل السفر فيزهد فيما وراء ذلك اغتناما لتفرغه ~~لعمارة وقته # ولما كان الزهد لأهل الدرجة الأولى : خوفا من المعتبة وحذرا من المنقصة : ~~كان الزهد لأهل هذه الدرجة أعلى وأرفع وهو اغتنام الفراغ لعمارة أوقاتهم مع ~~الله لأنه إذا اشتغل بفضول الدنيا فاته نصيبه من انتهاز فرصة الوقت فالوقت ~~سيف إن لم تقطعه وإلا قطعك # وعمارة الوقت : الاشتغال في جميع آنائه بما يقرب إلى الله أو يعين على ~~ذلك من مأكل أو مشرب أو منكح أو منام أو راحة فإنه متى أخذها بنية القوة ~~على ما يحبه الله وتجنب ما يسخطه كانت من عمارة الوقت وإن كان له فيها أتم ~~لذة فلا تحسب عمارة الوقت بهجر اللذات والطيبات PageV02P017 # فالمحب الصادق ربما كان سيره القلبي في حال أكله وشربه وجماع أهله وراحته ~~أقوى من سيره البدني في بعض الأحيان # وقد حكي عن بعضهم : أنه كان يرد عليه وهو على بطن امرأته حال لا يعهدها ~~في غيرها # ولهذا سبب صحيح وهو اجتماع قوى النفس وعدم التفاتها حينئذ إلى شيء مع ما ~~يحصل لها من السرور والفرح والسرور يذكر بالسرور واللذة تذكر باللذة فتنهض ~~الروح من ms0426 تلك الفرحة واللذة إلى ما لا نسبة بينها وبينها بتلك الجمعية ~~والقوة والنشاط وقطع أسباب الالتفات فيورثه ذلك حالا عجيبة # ولا تعجل بالإنكار وانظر إلى قلبك عند هجوم أعظم محبوب له عليه في هذه ~~الحال كيف تراه فهكذا حال غيرك ولا ريب أن النفس إذا نالت حظا صالحا من ~~الدنيا قويت به وسرت واستجمعت قواها وجمعيتها وزال تشتتها PageV02P018 # اللهم اغفر فقد طغى القلم وزاد الكلم فعياذا بك اللهم من مقتك # وأما حسم الجأش فهو قطع اضطراب القلب المتعلق بأسباب الدنيا رغبة ورهبة ~~وحبا وبغضا وسعيا فلا يصح الزهد للعبد حتى يقطع هذا الاضطراب من قلبه بأن ~~لا يلتفت إليها ولا يتعلق بها في حالتي مباشرته لها وتركه فإن الزهد زهد ~~القلب لا زهدالترك من اليد وسائر الأعضاء فهو تخلي القلب عنها لا خلو اليد ~~منها # وأما التحلى بحلية الأنبياء والصديقين فإنهم أهل الزهد في الدنيا حقا إذ ~~هم مشمرون إلى علم قد رفع لهم غيرها فهم زاهدون وإن كانوا لها مباشرين # | فصل قال : الدرجة الثالثة : الزهد في الزهد وهو بثلاثة أشياء : # استحقار ما زهدت فيه واستواء الحالات فيه عندك والذهاب عن شهود الاكتساب ~~ناظرا إلى وادي الحقائق # وقد فسر الشيخ مراده بالزهد في الزهد بثلاثة أشياء # أحدها : احتقاره ما زهد فيه فإن من امتلأ قلبه بمحبة الله وتعظيمه لا يرى ~~أن ما تركه لأجله من الدنيا يستحق أن يجعل قربانا لأن الدنيا بحذافيرها لا ~~تساوي عند الله جناح بعوضة فالعارف لا يرى زهده فيها كبير أمر يعتد به ~~ويحتفل له فيستحي من صح له الزهد أن يجعل لما تركه لله قدرا يلاحظ زهده فيه ~~بل يفنى عن زهده فيه كما فنى عنه ويستحي من ذكره بلسانه وشهوده بقلبه # وأما استواء الحالات فيه عنده : فهو أن يرى ترك ما زهد فيه وأخذه : ~~متساويين عنده إذ ليس له عنده قدر وهذا من دقائق فقه الزهد فيكون زاهدا في ~~حال أخذه كما هو زاهد في حال تركه إذ همته أعلى عن ملاحظته أخذا ms0427 وتركا ~~لصغره في عينه # وأما الذهاب عن شهود الاكتساب فمعناه : أن من استصغر الدنيا PageV02P019 ~~بقلبه واستوت الحالات في أخذها وتركها عنده : لم ير أنه اكتسب بتركها عند ~~الله درجة ألبتة لأنها أصغر في عينه من أن يرى أنه اكتسب بتركها الدرجات # وفيه معنى آخر : وهو أن يشاهد تفرد الله عز وجل بالعطاء والمنع فلا يرى ~~أنه ترك شيئا ولا أخذ شيئا بل الله وحده هو المعطي المانع فما أخذه فهو ~~مجري لعطاء الله إياه كمجرى الماء في النهر وما تركه لله فالله سبحانه ~~وتعالى هو الذي منعه منه فيذهب بمشاهدة الفعال وحده عن شهود كسبه وتركه ~~فإذا نظر إلى الأشياء بعين الجمع وسلك في وادي الحقيقة غاب عن شهود اكتسابه ~~وهو معنى قوله : ناظرا إلى وادي الحقائق وهذا أليق المعنين بكلامه فهذا زهد ~~الخاصة قال الشاعر # إذا زهدتني في الهوى خشية الردى % جلت لي عن وجه يزهد في الزهد # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الورع # قال الله تعالى @QB@ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني ~~بما تعملون عليم @QE@ [ المؤمنون : 51 ] وقال تعالى : @QB@ وثيابك فطهر ~~@QE@ [ المدثعر : 4 ] قال قتادة ومجاهد : نفسك فطهر من الذنب فكنى عن النفس ~~بالثوب وهذا قول إبراهيم النخعي والضحاك والشعبي والزهري والمحققين من أهل ~~التفسير قال ابن عباس : لا تلبسها على معصية ولا غدر ثم قال : أما سمعت قول ~~غيلان بن سلمة الثقفي : # وإنى بحمد الله لا ثوب غادر % لبست ولا من غدرة أتقنع # والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء : طاهر الثياب وتقول للغادر ~~والفاجر : دنس الثياب وقال أبي بن كعب : لا تلبسها على الغدر والظلم والإثم ~~ولكن البسها وأنت بر طاهر # وقال الضحاك : عملك فأصلح قال السدي : يقال للرجل إذا كان صالحا : ~~PageV02P020 إنه لطاهر الثياب وإذا كان فاجرا إنه لخبيث الثياب وقال سعيد ~~بن جبير : وقلبك وبيتك فطهر وقال الحسن والقرظي : وخلقك فحسن # وقال ابن سيرين وابن زيد : أمر بتطهير الثياب من النجاسات التى لا تجوز ~~الصلاة معها لأن المشركين ms0428 كانوا لا يتطهرون ولا يطهرون ثيابهم # وقال طاووس : وثيابك فقصر لأن تقصير الثياب طهرة لها # والقول الأول : أصح الأقوال # ولا ريب أن تطهيرها من النجاسات وتقصيرها من جملة التطهير المأمور به إذ ~~به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق لأن نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن ولذلك ~~أمر القائم بين يدي الله عز وجل بإزالتها والبعد عنها والمقصود : أن الورع ~~يطهر دنس القلب ونجاسته كما يطهر الماء دنس الثوب ونجاسته وبين الثياب ~~والقلوب مناسبة ظاهرة وباطنة ولذلك تدل ثياب المرء في المنام على قلبه ~~وحاله ويؤثر كل منهما في الآخر ولهذا نهى عن لباس الحرير والذهب وجلود ~~السباع لما تؤثر في القلب من الهيئة المنافية للعبودية والخشوع وتأثير ~~القلب والنفس في الثياب أمر خفي يعرفه أهل البصائر من نظافتها ودنسها ~~ورائحتها وبهجتها وكسفتها حتى إن ثوب البر ليعرف من ثوب الفاجر وليسا ~~عليهما وقد جمع النبيالورع كله في كلمة واحدة فقال : من حسن إسلام المرء ~~تركه ما لا يعنيه فهذا يعم الترك لما لا يعني : من الكلام والنظر والاستماع ~~والبطش والمشي والفكر وسائر الحركات الظاهرة والباطنة فهذه الكلمة كافية ~~شافية في الورع قال إبراهيم بن أدهم : الورع ترك كل شبهة وترك ما لا يعنيك ~~هو ترك الفضلات وفى الترمذي مرفوعا إلى النبي : يا أبا هريرة كن ورعا تكن ~~أعبد الناس PageV02P021 # قال الشبلي : الورع أن يتورع عن كل ما سوى الله وقال إسحاق بن خلف : ~~الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة والزهد في الرياسة : أشد منه في ~~الذهب والفضة لأنهما يبذلان في طلب الرياسة وقال أبو سليمان الداراني : ~~الورع أول الزهد كما أن القناعة أول الرضى وقال يحيى بن معاذ : الورع ~~الوقوف على حد العلم من غير تأويل وقال : الورع على وجهين ورع فى الظاهر ~~وورع فى الباطن فورع الظاهر : أن لا يتحرك إلا لله وورع الباطن : هو أن لا ~~يدخل قلبك سواه وقال : من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من ~~العطاء وقيل : الورع الخروج من الشهوات ms0429 وترك السيئات وقيل : من دق في ~~الدنيا ورعه أو نظره جل في القيامة خطره وقال يونس بن عبيد : الورع الخروج ~~من كل شبهة ومحاسبة النفس في كل طرفة عين وقال سفيان الثوري : ما رأيت أسهل ~~من الورع ما حاك في نفسك فاتركه وقال سهل : الحلال هو الذي لا يعصي الله ~~فيه والصافي منه الذي لا ينسى الله فيه وسأل الحسن غلاما فقال له : ما ملاك ~~الدين قال : الورع قال : فما آفتة قال : الطمع فعجب الحسن منه # وقال الحسن : مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة # وقال أبو هريرة : جلساء الله غدا أهل الورع والزهد # وقال بعض السلف : لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذرا ~~مما به بأس # وقال بعض الصحابة : كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من ~~الحرام PageV02P022 # | فصل قال صاحب المنازل الورع : توق مستقصى على حذر وتحرج على # تعظيم # يعني أن يتوقى الحرام والشبه وما يخاف أن يضره أقصى ما يمكنه من التوقي ~~لأن التوقي والحذر متقاربان إلا أن التوقي فعل الجوارح و الحذر فعل القلب ~~فقد يتوقى العبد الشيء لا على وجه الحذر والخوف ولكن لأمور أخرى : من إظهار ~~نزاهة وعزة وتصوف أو اعتراض آخر كتوقي الذين لا يؤمنون بمعاد ولا جنة ولا ~~نار ما يتوقونه من الفواحش والدناءة تصونا عنها ورغبة بنفوسهم عن مواقعتها ~~وطلبا للمحمدة ونحو ذلك # وقوله : أو تحرج على تعظيم يعني أن الباعث على الورع عن المحارم والشبه ~~إما حذر حلول الوعيد وإما تعظيم الرب جل جلاله وإجلالا له أن يتعرض لما نهى ~~عنه # فالورع عن المعصية : إما تخوف أو تعظيم واكتفى بذكر التعظيم عن ذكر الحب ~~الباعث على ترك معصية المحبوب لأنه لا يكون إلا مع تعظيمه وإلا فلو خلا ~~القلب من تعظيمه لم تستلزم محبته ترك مخالفته كمحبة الإنسان ولده وعبده ~~وأمته فإذا قارنه التعظيم أوجب ترك المخالفة # قال : وهو آخر مقام الزهد للعامة وأول مقام الزهد للمريد ms0430 يعني أن هذا ~~التوقي والتحرج بوصف الحذر والتعظيم : هو نهاية لزهد العامة وبداية لزهد ~~المريد وإنما كان كذلك لأن الورع كما تقدم هو أول الزهد وركنه وزهد المريد ~~: فوق زهد العامة ونهاية العامة : هى بداية المريد فنهاية مقام هذا هي ~~بداية مقام هذا فإذا انتهى ورع العامة صار زهدا وهو أول ورع المريد # قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : تجنب القبائح لصون النفس ~~وتوفير الحسنات وصيانة الإيمان PageV02P023 # هذه ثلاث فوائد من فوائد تجنب القبائح # إحداها : صون النفس وهو حفظها وحمايتها عما يشينها ويعيبها ويزري بها عند ~~الله عز وجل وملائكته وعباده المؤمنين وسائر خلقه فإن من كرمت عليه نفسه ~~وكبرت عنده : صانها وحماها وزكاها وعلاها ووضعها في أعلى المحال وزاحم بها ~~أهل العزائم والكمالات ومن هانت عليه نفسه وصغرت عنده أنقاها في الرذائل ~~وأطلق شناقها وحل زمامها وأرخاه ودساها ولم يصنها عن قبيح فأقل ما في تجنب ~~القبائح : صون النفس # وأما توفير الحسنات فمن وجهين # أحدهما : توفير زمانه على اكتساب الحسنات فإذا اشتغل بالقبائح نقصت عليه ~~الحسنات التي كان مستعدا لتحصيلها # والثاني : توفير الحسنات المفعولة عن نقصانها بموازنة السيئات وحبوطها ~~كما تقدم في منزلة التوبة : أن السيئات قد تحبط الحسنات وقد تستغرقها ~~بالكلية أو تنقصها فلا بد أن تضعفها قطعا فتجنبها يوفر ديوان الحسنات وذلك ~~بمنزلة من له مال حاصل فإذا استدان عليه فإما أن يستغرقه الدين أو يكثره أو ~~ينقصه فهكذا الحسنات والسيئات سواء # وأما صيانة الإيمان فلأن الإيمان عند جميع أهل السنة يزيد بالطاعة وينقص ~~بالمعصية وقد حكاه الشافعي وغيره عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم وإضعاف ~~المعاصي للإيمان أمر معلوم بالذوق والوجود فإن العبد كما جاء في الحديث إذا ~~أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب واستغفر صقل قلبه وإن عاد فأذنب نكت ~~فيه نكتة أخرى حتى تعلو قلبه وذلك الران الذي قال الله تعالى : كلا بل ران ~~على قلوبهم ما كالوا يكسبون [ المطففين : 14 ] فالقبائح تسود القلب وتطفىء ~~نوره والإيمان هو نور فى القلب والقبائح ms0431 تذهب به أو تقلله قطعا فالحسنات ~~تزيد نور القلب والسيئات تطفىء نور القلب وقد PageV02P024 أخبر الله عز وجل ~~أن كسب القلوب سبب للران الذي يعلوها وأخبر أنه أركس المنافقين بما كسبوا ~~فقال : @QB@ والله أركسهم بما كسبوا @QE@ [ النساء : 88 ] وأخبر أن نقض ~~الميثاق الذي أخذه على عباده سبب لتقسية القلب فقال فيما نقضهم ميثقاقهم ~~لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ~~[ المائده : 13 ] فجعل ذنب النقض موجبا لهذه الآثار : من تقسية القلب ~~واللعنة وتحريف الكلم ونسيان العلم # فالمعاصي للإيمان كالمرض والحمى للقوة سواء بسواء ولذلك قال السلف : ~~المعاصي بريد الكفر كما أن الحمى بريد الموت # فإيمان صاحب القبائح كقوة المريض على حسب قوة مرضه وضعفه # وهذه الأمور الثلاثة وهي صون النفس وتوفير الحسنات وصيانة الإيمان هي ~~أرفع من باعث العامة على الورع لأن صاحبها أرفع همة لأنه عامل على تزكية ~~نفسه وصونها وتأهيلها للوصول إلى ربها فهو يصونها عما يشينها عنده ويحجبها ~~عنه ويصون حسناته عما يسقطها ويضعها لأنه يسير بها إلى ربه ويطلب بها رضاه ~~ويصون إيمانه بربه : من حبه له وتوحيده ومعرفته به ومراقبته إياه عما يطفىء ~~نوره ويذهب بهجته ويوهن قوته # قال الشيخ # وهذه الثلاث الصفات : هي في الدرجة الأولى من ورع المريدين # يعني أن للمريدين درجتين أخريين من الورع فوق هذه ثم ذكرهما فقال : # الدرجة الثانية : حفظ الحدود عند ما لا بأس به إبقاء على الصيانة والتقوى ~~وصعودا عن الدناءة وتخلصاعن اقتحام الحدود # يقول : إن من صعد عن الدرجة الأولى إلى هذه الدرجة من الورع يترك كثيرا ~~مما لا بأس به من المباح إبقاء على صيانته وخوفا عليها أن يتكدر ~~PageV02P025 صفوها ويطفأ نورها فإن كثيرا من المباح يكدر صفو الصيانة ويذهب ~~بهجتها ويطفىء نورها ويخلق حسنها وبهجتها # وقال لي يوما شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في شيء من المباح : ~~هذا ينافي المراتب العالية وإن لم يكن تركه شرطا في النجاة أو نحو هذا من ~~الكلام # فالعارف يترك كثيرامن المباح ms0432 إبقاء على صيانته ولا سيما إذا كان ذلك ~~المباح برزخا بين الحلال والحرام فإن بينهما برزخا كما تقدم فتركه لصاحب ~~هذه الدرجة كالمتعين الذي لا بد منه لمنافاته لدرجته والفرق بين صاحب ~~الدرجة الأولى وصاحب هذه : أن ذلك يسعى في تحصيل الصيانة وهذا يسعى في حفظ ~~صفوها أن يتكدر ونورها أن يطفأ ويذهب وهو معنى قوله : إبقاء على الصيانة # وأما الصعود عن الدناءة : فهو الرفع عن طرقاتها وأفعالها # وأما التخلص عن اقتحام الحدود فالحدود : هي النهايات وهي مقاطع الحلال ~~والحرام فحيث ينقطع وينتهي فذلك حده فمن اقتحمه وقع في المعصية وقد نهى ~~الله تعالى عن تعدي حدوده وعن قربانها فقال : تلك حدود الله فلا تقربوها [ ~~البقره # وقال : تلك حدود الله فلا تعتدوها [ البقره : 229 ] فإن الحدود يراد بها ~~أواخر الحلال وحيث نهى عن القربان فالحدود هناك : أوائل الحرام يقول سبحانه ~~: لا تتعدوا ما أبحت لكم ولا تقربوا ما حرمت عليكم فالورع يخلص العبد من ~~قربان هذه وتعدي هذه وهو اقتحام الحدود قال : الدرجة الثالثة : التورع عن ~~كل داعية تدعو إلى شتات الوقت والتعلق بالتفرق وعارض يعارض حال الجمع الفرق ~~بين شتات الوقت والتعلق بالتفرق : كالفرق بين السبب والمسبب PageV02P026 ~~والنفي والإثبات فإنه يتشتت وقته فلا يجد بدا من التعلق بما سوى مطلوبه ~~الحق إذ لا تعطيل في النفس ولا في الإرادة فمن لم يكن الله مراده أراد ما ~~سواه ومن لم يكن هو وحده معبوده عبد ما سواه ومن لم يكن عمله لله فلا بد أن ~~يعمل لغيره وقد تقدم هذا # فالمخلص يصونه الله بعبادته وحده وإرادة وجهه وخشيته وحده ورجائه وحده ~~والطلب منه والذل منه والافتقار إليه وحده # وإنما كان هذا أعلى من الدرجة الثانية : لأن أربابها اشتغلوا بحفظ ~~الصيانة من الكدر وملاحظتها وذلك عند أهل الدرجة الثالثة : تفرق عن الحق ~~واشتغال عن مراقبته بحال نفوسهم فأدب أهل هذه أدب حضور وأدب أولئك أدب غيبة # وأما الورع عن كل حال يعارض حال الجمع فمعناه : أن يستغرق العبد شهود ~~فنائه في ms0433 التوحيد وجمعيته على الله تعالى فيه عن كل حال يعارض هذا الفناء ~~والجمعية وهذا عند الشيخ لما كان هو الغاية التي ليس بعدها مطلب : جعل كل ~~حال يعارضها ويقطع عنها ناقصا بالنسبة إليها فالرغبة عنه غير ورع صاحبها ~~وقد عرفت ما فيه وأن فوق هذا مقام أرفع منه وأعلى وهو الورع عن كل حظ يزاحم ~~مراده منك ولو كان الحظ فناءا وجميعة أو كائنا ما كان وبينا أن الفناء و ~~الجمعية حظ العبد وأن حق الرب وراء ذلك وهو البقاء بمراده فرقا وجمعا به ~~وله وعلى هذا فالورع الخاص : الورع عن كل حال يعارض حال القيام بالأمر ~~والبقاء به فرقا وجمعا والله المستعان PageV02P027 # | فصل الخوف يثمر الورع والاستعانة وقصر الأمل وقوة الإيمان باللقاء # تثمر الزهد والمعرفة تثمر المحبة والخوف والرجاء والقناعة تثمر الرضاء ~~والذكر يثمر حياة القلب والإيمان بالقدر يثمر التوكل ودوام تأمل الأسماء ~~والصفات يثمر المعرفة والورع يثمر الزهد أيضا والتوبة تثمر المحبة أيضا ~~ودوام الذكر يثمرها والرضا يثمر الشكر والعزيمة والصبر يثمران جميع الأحوال ~~والمقامات والإخلاص والصدق كل منهما يثمر الآخر ويقتضيه والمعرفة تثمر ~~الخلق والفكر يثمر العزيمة والمراقبة تثمر عمارة الوقت وحفظ الأيام والحياء ~~والخشية والإنابة وإماتة النفس وإذلالها وكسرها : يوجب حياة القلب وعزه ~~وجبره ومعرفة النفس ومقتها يوجب الحياء من الله عز وجل واستكثار ما منه ~~واستقلال ما منك من الطاعات ومحو أثر الدعوى من القلب واللسان وصحة البصيرة ~~تثمر اليقين وحسن التأمل لما ترى تسمع من الآيات المشهودة والمتلوة يثمر ~~صحة البصيرة وملاك ذلك كله : أمران أحدهما : أن تنقل قلبك من وطن الدنيا ~~فتسكنه في وطن الآخرة ثم تقبل به كله على معاني القرآن واستجلائها وتدبرها ~~وفهم ما يراد منه وما نزل لأجله وأخذ نصيبك وحظك من كل آية من آياته تنزلها ~~على داء قلبك فهذه طريق مختصرة قريبة سهلة موصلة إلى الرفيق الأعلى آمنة لا ~~يلحق سالكها خوف ولا عطب ولا جوع ولا عطش ولا فيها آفة من آفات سائر الطريق ~~ألبتة وعليها من ms0434 الله حارس وحافظ يكلأ السالكين فيها ويحميهم ويدفع عنهم ~~ولا يعرف قدر هذه الطريق إلا من عرف طرق الناس وغوائلها وآفاتها وقطاعها ~~والله المستعان PageV02P028 # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التبتل # قال الله تعالى : واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا [ المزمل : 8 ] و ~~التبتل الانقطاع وهو تفعل من البتل وهو القطع وسميت مريم البتول لانقطاعها ~~عن الأزواج وعن أن يكون لها نظراء من نساء زمانها ففاقت نساء الزمان شرفا ~~وفضلا وقطعت منهن ومصدر بتل تبتلا كالتعلم والتفهم ولكن جاء على التفعيل ~~مصدر تفعل لسر لطيف فإن في هذا الفعل إيذانا بالتدريج والتكلف والتعمل ~~والتكثر والمبالغة فأتى بالفعل الدال على أحدهما بالمصدر الدال على الآخر ~~فكأنه قيل : بتل نفسك إلى الله تبتيلا وتبتل إليه تبتلا ففهم المعنيان من ~~الفعل ومصدره وهذا كثير في القرآن وهو من أحسن الاختصار والإيجاز # قال صاحب المنازل : # التبتل : الانقطاع إلى الله بالكلية وقوله عز وجل : له دعوة الحق [ الرعد ~~: 14 ] أي التجريد المحض # ومراده بالتجريد المحض : التبتل عن ملاحظة الأعواض بحيث لا يكون المتبتل ~~كالأجير الذي لا يخدم إلا لأجل الأجرة فإذا أخذها انصرف عن باب المستأجر ~~بخلاف العبد فإنه يخدم بمقتضى عبوديته لا للأجرة فهو لا ينصرف عن باب سيده ~~إلا إذا كان آبقا والآبق قد خرج من شرف العبودية ولم يحصل له إطلاق الحرية ~~فصار بذلك مركوسا عند سيده وعند عبيده وغاية شرف النفس : دخولها تحت رق ~~العبودية طوعا واختيارا ومحبة لا كرها وقهرا كما قيل : # شرف النفوس دخولها في رقهم % والعبد يحوي الفخر بالتمليك # والذي حسن استشهاده بقوله : @QB@ له دعوة الحق @QE@ في هذا الموضع : ~~إرادة هذا المعنى وأنه تعالى صاحب دعوة الحق لذاته وصفاته وإن لم يوجب ~~لداعيه بها PageV02P029 ثوابا فإنه يستحقها لذاته فهو أهل أن يعبد وحده ~~ويدعى وحده ويقصد ويشكر ويحمد ويحب ويرجى ويخاف ويتوكل عليه ويستعان به ~~ويستجار به ويلجأ إليه ويصمد إليه فتكون الدعوة الإلهية الحق له وحده # ومن قام بقلبه هذا معرفة وذوقا وحالا صح له ms0435 مقام التبتل والتجريد المحض ~~وقد فسر السلف دعوة الحق بالتوحيد والإخلاص فيه والصدق ومرادهم : هذا ~~المعنى # فقال علي رضى الله عنه دعوة الحق : التوحيد وقال ابن عباس رضي الله عنهما ~~شهادة أن لا إله إلا الله وقيل : الدعاء بالإخلاص والدعاء الخالص لا يكون ~~إلا لله وحده ودعوة الحق دعوة الإلهية وحقوقها وتجريدها وإخلاصها # قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : تجريد الانقطاع عن الحظوظ ~~واللحوظ إلى العالم خوفا أو رجاء أو مبالاة بحال # قلت التبتل يجمع أمرين : اتصالا وانفصالا لا يصح إلا بهما فالانفصال : ~~انقطاع قلبه عن حظوظ النفس المزاحمة لمراد الرب منه وعن التفات قلبه إلى ما ~~سوى الله خوفا منه أو رغبة فيه أو مبالاة به أو فكرا فيه بحيث يشغل قلبه عن ~~الله # والاتصال : لا يصح إلا بعد هذا الانفصال وهو اتصال القلب بالله وإقباله ~~عليه وإقامة وجهه له حبا وخوفا ورجاء وإنابة وتوكلا # ثم ذكر الشيخ ما يعين على هذا التجريد وبأي شيء يحصل فقال : # بحسم الرجاء بالرضى وقطع الخوف بالتسليم ورفض المبالاة بشهود الحقيقة ~~يقول : إن الذى يحسم مادة رجاء المخلوقين من قلبك : هو الرضى بحكم الله ~~PageV02P030 عز وجل وقسمه لك فمن رضي بحكم الله وقسمه لم يبق لرجاء الخلق ~~في قلبه موضع # والذي يحسم مادة الخوف : هو التسليم لله فإن من سلم لله واستسلم له وعلم ~~أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وعلم أنه لن يصيبه إلا ~~ما كتب الله له لم يبق لخوف المخلوقين في قلبه موضع أيضا فإن نفسه التي ~~يخاف عليها قد سلمها إلى وليها ومولاها وعلم أنه لا يصيبها إلا ما كتب لها ~~وأن ما كتب لها لابد أن يصيبها فلا معنى للخوف من غير الله بوجه وفي ~~التسليم أيضا فائدة لطيفة وهي أنه إذا سلمها الله فقد أودعها عنده وأحرزها ~~في حرزه وجعلها تحت كنفه حيث لا تنالها يد عدو عاد ولا بغي باغ عات # والذي يحسم مادة المبالاة بالناس : شهود الحقيقة وهو رؤية ms0436 الأشياء كلها ~~من الله وبالله وفي قبضته وتحت قهره وسلطانه لا يتحرك منها شيء إلا بحوله ~~وقوته ولا ينفع ولا يضر إلا بإذنه ومشيئته فما وجه المبالاة بالخلق بعد هذا ~~الشهود # قال : الدرجة الثانية : تجريد الانقطاع عن التعريج على النفس بمجانبة ~~الهوى وتنسم روح الأنس وشيم برق الكشف # الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها : أن الأولى انقطاع عن الخلق وهذه ~~انقطاع عن النفس وجعله بثلاثة أشياء # أولها : مجانبة الهوى ومخالفته ونهي نفسه عنه لأن اتباعه يصد عن التبتل # وثانيها : وهو بعد مخالفة الهوى تنسم روح الأنس بالله والروح للروح ~~كالروح للبدن فهو روحها وراحتها وإنما حصل له هذا الروح لما أعرض عن هواه ~~فحينئذ تنسم روح الأنس بالله ووجد رائحته إذ النفس لا بد لها من ~~PageV02P031 التعلق فلما انقطع تعلقها من هواها وجدت روح الأنس بالله وهبت ~~عليها نسماته فريحتها وأحيتها # وثالثها : شيم برق الكشف وهو مطالعته واستشرافه والنظر إليه ليعلم به ~~مواقع الغيث ومساقط الرحمة # وليس مراده بالكشف ههنا : الكشف الجزئي السفلي المشترك بين البر والفاجر ~~والمؤمن والكافر كالكشف عن مخبآت الناس ومستورهموإنما هو الكشف عن ثلاثة ~~أشياء هن منتهى كشف الصادقين أرباب البصائر # أحدها : الكشف عن منازل السير # والثاني : الكشف عن عيوب النفس وآفات الأعمال ومفسداتها # والثالث : الكشف عن معاني الأسماء والصفات وحقائق التوحيد والمعرفة وهذه ~~الأبواب الثلاثة : هي مجامع علوم القوم وعليها يحومون وحولها يدندنون ~~وإليها يشمرون فمنهم من جل كلامه ومعظمه : في السير وصفة المنازل ومنهم من ~~جل كلامه : في الآفات والقواطع ومنهم من جل كلامه : في التوحيد والمعرفة ~~وحقائق الأسماء والصفات # والصادق الذكي يأخذ من كل منهم ما عنده من الحق فيستعين به على مطلبه ~~ولايرد ما يجده عنده من الحق لتقصيره في الحق الآخر ويهدره به فالكمال ~~المطلق لله رب العالمين وما من العباد إلا له مقام معلوم # قال : الدرجة الثالثة : تجريد الانقطاع إلى السبق بتصحيح الاستقامة ~~والاستغراق في قصد الوصول والنظر إلى أوائل الجمع # لما جعل الدرجة الأولى انقطاعا عن الخلق والثانية انقطاعا ms0437 عن النفس جعل ~~الثالثة طلبا للسبق وجعله بتصحيح الاستقامة وهي الإعراض عما سوى الحق ولزوم ~~الإقبال عليه والاشتغال بمحابه ثم بالاستغراق في قصد الوصول PageV02P032 ~~وهو أن يشغله طلب الوصول عن كل شيء بحيث يستغرق همومه وعزائمه وإراداته ~~أوقاته وإنما يكون ذلك بعد بدو برق الكشف المذكور له # وأما النظر إلى أوائل الجمع : فالجمع هو قيام الخلق كلهم بالحق وحده ~~وقيامه عليهم بالربوبية والتدبير # والنظر إلى أوائل ذلك : هو الالتفات إلى مقدماته وبداياته وهي العقبة ~~التي ينحدر منها على وادي الفناء # وقد قيل : إنها وقفة تعترض القاطع لأودية التفرقة قبل وصوله إلى الجمع ~~ومنها يشرف عليه # وهذه الوقفة تعترض كل طالب مجد في طلبه فمنها يرجع على عقبه أو يصل إلى ~~مطلبه كما قيل : # لابد للعاشق من وقفة % ما بين سلوان وبين غرام # وعندها ينقل أقدامه % إما إلى خلف وإما أمام # والذي يظهر لي من كلامه : أن أوائل الجمع : مباديه ولوائحه وبوارقه # وبعد هذا درجة رابعة وهي الانقطاع عن مراده من ربه والفناء عنه إلى مراد ~~ربه منه والفناء به فلا يريد منه بل يريد ما يريده منقطعا به عن كل # إرادة فينظر في أوائل الجمع في مراده الديني الأمري الذي يحبه ويرضاه # وأكثر أرباب السلوك عندهم إياك نعبد فرق وإياك نستعين جمع # ثم منهم من يرى : أن ترك الجمع زندقة وكفر فهو يعرض عن الجمع إلى الفرق # ومنهم من يرى : أن مقام التفرقة ناقص مرغوب عنه ويرى سوء حال أهله ~~وتشتتهم فيرغب عنه عاملا على الجمع يتوجه معه حيث توجهت ركائبه والمستقيمون ~~منهم يقولون : لابد للعبد السالك من جمع وفرق وقيام العبودية بهما فمن لا ~~تفرقة له لا عبودية له ومن لا جمع له لا معرفة له ولا حال PageV02P033 # ف إياك نعبد فرق و إياك نستعين جمع # والحق : أن كلا من مشهدي إياك نعبد وإياك نستعين متضمن للفرق والجمع ~~وكمال العبودية بالقيام بهما في كل مشهد # ففرق إياك نعبد تنوع ما يعبد به وكثرة تعلقاته وضروبه # وجمعه : توحيد المعبود بذلك ms0438 كله وإرادة وجهه وحده والفناء عن كل حظ ومراد ~~يزاحم حقه ومراده # فتضمن هذا المشهد فرقا في جمع وكثرة في وحدة فصاحبه يتنقل في منازل ~~العبودية من عبادة إلى عبادة ومعبوده واحد لا إله إلا هو # وأما فرق إياك نستعين فشهود ما يستعين به عليه ومرتبته ومنزلته ومحله من ~~النفع والضر وبدايته وعاقبته واتصاله بل وانفصاله وما يترتب عليه من هذا ~~الاتصال والانفصال # ويشهد مع ذلك فقر المستعين وحاجته ونقصه وضرورته إلى كمالاته التى يستعين ~~ربه في تحصيلها وآفاته التي يستعين ربه في دفعها ويشهد حقيقة الاستعانة ~~وكفاية المستعان به وهذا كله فرق يثمر عبودية هذا المشهد # وأما جمعه : فشهود تفرده سبحانه بالأفعال وصدور الكائنات بأسرها عن ~~مشيئته وتصريفها بإرادته وحكمته # فغيبته بهذا المشهد عما قبله من الفرق : نقص في العبودية كما أن تفرقه في ~~الذي قبله دون ملاحظته : نقص أيضا والكمال إعطاء الفرق والجمع حقهما في هذا ~~المشهد والمشهد الأول # فتبين تضمن إياك نعبد وإياك نستعين للجمع والفرق وبالله المستعان ~~PageV02P034 # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرجاء # قال الله تعالى : أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجعون رحمته ويخافون عذابه [ الإسراء : 57 ] فابتغاء الوسيلة إليه : طلب ~~القرب منه بالعبودية والمحبة فذكر مقامات الإيمان الثلاثة التى عليها بناؤه ~~: الحب والخوف والرجاء قال تعالى : @QB@ من كان يرجو لقاء الله فإن أجل ~~الله لآت @QE@ [ العنكبوت : 5 ] وقال : @QB@ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل ~~عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا @QE@ [ الكهف : 110 ] وقال تعالى : ~~أولئك الذين يرجون رحمة الله والله غفور رحيم [ البقره : 218 ] # وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله يقول قبل موته ~~بثلاث : لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه وفي الصحيح عنه : يقول الله ~~عز وجل : أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء # الرجاء حاد يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب وهو الله والدار الآخرة ويطيب ~~لها السير وقيل : هو الاستبشار بجود وفضل الرب تبارك وتعالى والارتياح ms0439 ~~لمطالعة كرمه سبحانه وقيل : هو الثقه بجود الرب تعالى والفرق بينه وبين ~~التمني أن التمني يكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد و ~~الرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل فالأول : كحال من يتمنى أن يكون له ~~أرض يبذرها ويأخذ زرعها والثاني : كحال من يشق أرضه ويفلحها ويبذرها ويرجو ~~طلوع الزرع ولهذا أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل ~~PageV02P035 # قال شاه الكرماني : علامة صحة الرجاء : حسن الطاعة # والرجاء ثلاثة أنواع : نوعان محمودان ونوع غرور مذموم # فالأولان : رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راج لثوابه ورجل ~~أذنب ذنوباثم تاب منها فهو راج لمغفرة الله تعالى وعفوه وإحسانه وجوده ~~وحلمه وكرمه # والثالث : رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل فهذا هو ~~الغرور والتمني والرجاء الكاذب # وللسالك نظران : نظر إلى نفسه وعيوبه وآفات عمله يفتح عليه باب الخوف إلى ~~سعة فضل ربه وكرمه وبره ونظر يفتح عليه باب الرجاء # ولهذا قيل في حد الرجاء هو النظر إلى سعة رحمة الله # وقال أبو علي الروذباري الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى ~~الطير وتم طيرانه وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص وإذا ذهبا صار الطائر في ~~حد الموت # وسئل أحمد بن عاصم : ما علامة الرجاء في العبد فقال : أن يكون إذا أحاط ~~به الإحسان ألهم الشكر راجيا لتمام النعمة من الله عليه في الدنيا والآخرة ~~وتمام عفوه عنه في الآخرة # واختلفوا أي الرجائين أكمل : رجاء المحسن ثواب إحسانه أو رجاء المسىء ~~التائب مفغرة ربه وعفوه # فطائفة رجحت رجاء المحسن لقوة أسباب الرجاء معه وطائفة رجحت رجاء المذنب ~~لأن رجاءه مجرد عن علة رؤية العمل مقرون بذلة رؤية الذنب قال يحيى بن معاذ ~~: يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال لأني أجدني أعتمد في ~~الأعمال على الإخلاص وكيف أصفيها وأحرزها وأنا PageV02P036 بالآفات معروف ~~وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف # وقال أيضا : إلهى أحلى العطايا ms0440 في قلبي رجاؤك وأعذب الكلام على لساني ~~ثناؤك وأحب الساعات إلي ساعة يكون فيها لقاؤك # | فصل قال صاحب المنازل : الرجاء : أضعف منازل المريدين لأنه # معارضة من وجه واعتراض من وجه وهو وقوع في الرعونة في مذهب هذه الطائفة ~~وفائدة واحدة نطق بها التنزيل والسنة وتلك الفائدة : هي كونه يبرد حرارة ~~الخوف حتى لا يفضي بصاحبه إلى اليأس # شيخ الإسلام حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه وكل من عدا المعصوم فمأخوذ ~~من قوله ومتروك ونحن نحمل كلامه على أحسن محامله ثم نبين ما فيه # أما قوله : الرجاء أضعف منازل المريدين فيعني بالنسبة إلى ما فوقه من ~~المنازل كمنزلة المعرفة والمحبة والإخلاص والصدق والتوكل لا أن مراده ضعف ~~حال هذه المنزلة في نفسها وأنها منزلة ناقصة وأما قوله : لأنه معارضة من ~~وجه واعتراض من وجه فلأنه تعلق بمراد العبد من ربه من الإحسان والثواب ~~والإفضال وقد يكون مراده تعالى من عبده : استيفاء حقه ومعاملته بحكم عدله ~~له لما له في ذلك من الحكمة فإذا أراد العبد منه معاملته بحكم الفضل دخل في ~~نوع معارضة وكأن الراجي تعلق قلبه بما يعارض تصرف المالك فى ملكه وذلك ~~ينافي حكم استسلامه وانقياده وانطراحه بين يدى ربه مستسلما لما يحكم به فيه ~~فرجاؤه معارض لحكمه وإرادته ووقوف مع مراده من سيده وذلك يعارض مراد سيده ~~PageV02P037 منه والمحب الصادق من فني بمراد محبوبه عن مراده منه ولو كان ~~فيه تعذيبه # وأما وجه الاعتراض : فهو أن القلب إذا تعلق بالرجاء ولم يظفر بمرجوه : ~~اعترض حيث لم يحصل له مرجوه ولم يظفر به وإن ظفر به : اعترض حيث فاته غيره ~~ذلك المرجو لأن كل أحد يرجو فضل الله ويحدث نفسه به # وفيه وجه آخر من الاعتراض : وهو أن يعترض على ربه تعالى بما يرجو منه لأن ~~الراجي متمن لما يرجو مؤثر له وذلك اعتراض على القدر مناف لكمال الاستسلام ~~والرضى بما سبق به القضاء فإذا تيقن له أنه سبق القضاء بشيء فإنه لابد أن ~~يناله فعلق قلبه برجاء شيء ms0441 من الفضل فقد اعترض على القضاء ولم يعرف ~~للاستسلام للحكم حقه وذلك وقوع في الرعونة في مذهب السائرين على درب الفناء ~~الناظرين إلى عين الجمع إذ الرعونة هي الوقوف مع حظ النفس والرجاء هو ~~الوقوف مع الحظ لأنه يتعلق بالحظوظ # وأصحاب هذه الطريقة أول طريقهم : الخروج عن نفوسهم فضلا عن حظوظها لأنهم ~~عاملون على أن يكونوا بالله لا بنفوسهم فغاية المحب : أن يرضى بأحكام ~~محبوبه عليه ساءته أم سرته حتى يبلغ بأحدهم هذا الحال إلى أن ينشد : # أحبك لا أحبك للثواب % ولكني أحبك للعقاب # وكل مآربي قد نلت منها % سوى ملذوذ وجدي بالعذاب # ولو كان نفس تلذذه بالعذاب مقصوده من العذاب : لكان أيضا واقفا مع حظه ~~ولكن أراد أن رضاه بمراد محبوبه منه ولو كان عذابه لم يدع فيه للرجاء موضعا ~~ولا للخوف بل يقول : أنا أحب ما تريده بي لو أنه عذابي وقد كشف بعض ~~المغرورين عن هذا بقوله : PageV02P038 # وتعذيبي مع الهجران عندي % أحب إلي من طيب الوصال # لأني في الوصال عبيد حظي % وفي الهجران عبد للموالي # فأخبر أن التعذيب بالهجران أحب إليه من طيب الوصال لكون الوصال فيه ما ~~تشتهيه النفس وأما التعذيب : فليس للنفس فيه مقصود # ثم أخبر أنه لم يأت في القرآن والسنة إلا لفائدة واحدة وهي تبريده لحرارة ~~الخوف حتى لا يفضي بصاحبه إلى الإياس # وهذا وجه كلامه وحمله على أحسن المحامل فيقال : هذا ونحوه من الشطحات ~~التي ترجى مغفرتها بكثرة الحسنات ويستغرقها كمال الصدق وصحة المعاملة وقوة ~~الإخلاص وتجريد التوحيد ولم تضمن العصمة لبشر بعد رسول الله وهذه الشطحات ~~أوجبت فتنة على طائفتين من الناس إحداهما : حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ~~ولطف نفوسهم وصدق معاملتهم فأهدروها لأجل هذه الشطحات وأنكروها غاية ~~الإنكار وأساءوا الظن بهم مطلقا وهذا عدوان وإسراف فلو كان كل من أخطأ أو ~~غلط ترك جملة وأهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها ~~PageV02P039 والطائفة الثانية : حجبوا بما رأوه من محاسن القوم وصفاء ~~قلوبهم وصحة عزائمهم وحسن معاملاتهم عن رؤية عيوب ms0442 شطحاتهم ونقصانها فسحبوا ~~عليها ذيل المحاسن وأجروا عليها حكم القبول والانتصار لها واستظهروا بها في ~~سلوكهم # وهؤلاء أيضا معتدون مفرطون # والطائفة الثالثة وهم أهل العدل والإنصاف الذين أعطوا كل ذي حق حقه ~~وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول ولا ~~للمعلول السقيم بحكم الصحيح بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد # وهذه الشطحات ونحوها هي التي حذر منها سادات القوم وذموا عاقبتها وتبرؤا ~~منها حتى ذكر أبو القاسم القشيرى فى رسالته : أن أبا سليمان الداراني رؤى ~~بعد موته فقيل له : ما فعل الله بك فقال : غفر لي وما كان شيء أضر علي من ~~إشارات القوم # وقال أبو القاسم : سمعت أبا سعيد الشحام يقول : رأيت أبا سهل الصعلوكي في ~~المنام فقلت له : أيها الشيخ فقال : دع التشييخ فقلت : وتلك الأحوال فقال : ~~لم تغن عنا شيئا فقلت : ما فعل الله بك قال : غفر لي بمسائل كانت تسأل عنها ~~العجائز # وذكر عن الجريري : أنه رأى الجنيد في المنام بعد موته فقال : كيف حالك يا ~~أبا القاسم فقال : طاحت تلك الإشارات وفنيت تلك العبارات وما نفعنا إلا ~~تسبيحات كنا نقولها بالغدوات # وقال أبو سليمان الداراني : تعرض علي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا ~~بشاهدي عدل : الكتاب والسنة وقال الجنيد : مذهبنا مقيد بالكتاب والسنة فمن ~~لم يقرأ القرآن ويكتب PageV02P040 الحديث لا يقتدي به في طريقنا # هذا إلى غير ذلك من الأقوال التي وردت عنهم رضي الله عنهم # فأما قوله : الرجاء أضعف منازل المريدين فليس كذلك بل هو من أجل منازلهم ~~وأعلاها وأشرفها وعليه وعلى الحب والخوف مدار السير إلى الله وقد مدح الله ~~تعالى أهله وأثنى عليهم فقال : @QB@ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ~~لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا @QE@ [ الأحزاب : 21 ] # وفي الحديث الصحيح الإلهي عن النبي فيما يروي عن ربه عز وجل : يا ابن آدم ~~إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي وروى الأعمش عن ~~أبي صالح عن ms0443 أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال : يقول الله عز وجل : أنا ~~عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ~~ذكرته في ملأ خير منهم وإن اقترب إلي شبرا اقتربت إليه ذراعا وإن اقترب إلي ~~ذراعا اقتربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة رواه مسلم # وقد أخبر تعالى عن خواص عباده الذين كان المشركون يزعمون أنهم يتقربون ~~بهم إلى الله تعالى : أنهم كانوا راجين له خائفين منه فقال تعالى : @QB@ قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك ~~الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ~~إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ [ الإسراء : 5957 ] PageV02P041 # يقول تعالى : هؤلاء الذين تدعونهم من دوني : هم عبادي يتقربون إلي بطاعتي ~~ويرجون رحمتي ويخافون عذابي فلماذا تدعونهم من دوني فأثنى عليهم بأفضل ~~أحوالهم ومقاماتهم : من الحب والخوف والرجاء # قوله : لأنه معارضة من وجه واعتراض من وجه يقال : وهو عبودية وتعلق بالله ~~من حيث اسمه المحسن البر فذلك التعلق والتعبد بهذا الاسم والمعرفة بالله : ~~هو الذي أوجب للعبد الرجاء من حيث يدري ومن حيث لا يدري فقوة الرجاء على ~~حسب قوة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وغلبة رحمته غضبه ولولا روح الرجاء ~~لعطلت عبودية القلب والجوارح وهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم ~~الله كثيرا بل لولا روح الرجاء لما تحركت الجوارح بالطاعة ولولا ريحه ~~الطيبة لما جرت سفن الأعمال في بحر الإرادات ولى من أبيات : # لولا التعلق بالرجاء تقطعت % نفس المحب تحسرا وتمزقا # وكذاك لولا برده بحرارة ال % كباد ذابت بالحجاب تحرقا # أيكون قط حليف حب لا يرى % برجائه لحبيبه متعلقا # أم كلما قويت محبته له % قوي الرجاء فزاد فيه تشوقا # لولا الرجا يحدو المطي لما سرت % بحمولها لديارهم ترجو اللقا # وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء وكل محب راج خائف بالضرورة فهو أرجى ~~ما يكون لحبيبه أحب ما يكون إليه وكذلك خوفه فإنه يخاف سقوطه ms0444 من عينه وطرد ~~محبوبه له وإبعاده واحتجابه عنه فخوفه أشد خوف ورجاؤه ذاتي للمحبة فإنه ~~يرجوه قبل لقائه والوصول إليه فإذا لقيه ووصل إليه اشتد الرجاء له لما يحصل ~~له به من حياة روحه ونعيم قلبه من ألطاف محبوبه وبره وإقباله عليه ونظره ~~إليه بعين الرضى وتأهيله في محبته وغير ذلك مما PageV02P042 لا حياة للمحب ~~ولا نعيم ولا فوز إلا بوصوله إليه من محبوبه فرجاؤه أعظم رجاء وأجله وأتمه # فتأمل هذا الموضع حق التأمل يطلعك على أسرار عظيمة من أسرار العبودية ~~والمحبة فكل محبة فهي مصحوبة بالخوف والرجاء وعلى قدر تمكنها من قلب المحب ~~يشتد خوفه ورجاؤه لكن خوف المحب لا يصحبه وحشه بخلاف خوف المسىء ورجاء ~~المحب لا يصحبه علة بخلاف رجاء الأجير وأين رجاء المحب من رجاء الأجير ~~وبينهما كما بين حاليهما # وبالجملة : فالرجاء ضرورى للمريد السالك والعارف لو فارقه لحظة لتلف أو ~~كاد فإنه دائر بين ذنب يرجو غفرانه وعيب يرجو اصلاحه وعمل صالح يرجو قبوله ~~واستقامة يرجو حصولها ودوامها وقرب من الله ومنزلة عنده يرجو وصوله إليها ~~ولا ينفك أحد من السالكين عن هذه الأمور أو بعضها فكيف يكون الرجاء من أضعف ~~منازله وهذا حاله وأما حديث المعارضة والاعتراض فباطل فإن الراجي ليس ~~معارضا ولا معترضا بل راغبا راهبا مؤملا لفضل ربه محسن الظن به متعلق الأمل ~~ببره وجوده عابدا له بأسمائه المحسن البر المعطي الحليم الغفور الجواد ~~الوهاب الرزاق والله سبحانه وتعالى يحب من عبده أن يرجوه ولذلك كان عند ~~رجاء العبد له وظنه به و الرجاء من الأسباب التي ينال بها العبد ما يرجوه ~~من ربه بل هو من أقوى الأسباب ولو تضمن معارضة واعتراضا لكان ذلك في الدعاء ~~والمسألة أولى فكان دعاء العبد ربه وسؤاله أن يهديه ويوفقه ويسدده ويعينه ~~على طاعته ويجنبه معصيته ويغفر ذنوبه ويدخله الجنة وينجيه من النار معارضة ~~واعتراضا لأن الداعي راج وطالب ما يرجوه فهو أولى حينئذ بالمعارضة ~~والاعتراض PageV02P043 # والذي أوجب للشيخ هذا القدر : الاسترسال في القدر والفناء ms0445 في شهود ~~الحقيقة الكونية فإنه من الراسخين فيه الذين لا تأخذهم فيه لومة لائم وهو ~~شديد فى إنكار الأسباب وهذا موضع زلت فيه أقدام أئمة أعلام # ولولا أن حق الحق أوجب من حق الخلق لكان في الإمساك فسحة ومتسع وليس في ~~الرجاء ولا في الدعاء معارضة لتصرف المالك في ملكه فإنه إنما يرجو تصرفه في ~~ملكه أيضا بما هو أولى وأحب الأمرين إليه فإن الفضل أحب إليه من العدل ~~والعفو أحب إليه من الانتقام والمسامحة أحب إليه من الاستقصاء والترك أحب ~~إليه من الاستيفاء ورحمته غلبت غضبه # فالراجي علق رجاءه بتصرفه المحبوب له المرضي له فلم يوجب رجاؤه خروجه عن ~~تصرفه في ملكه بل اقتضى عبوديته وحصول أحب التصرفين إليه وهو سبحانه وتعالى ~~لا ينتفع باستيفاء حقه وعقوبة عبده حتى يكون رجاؤه مبطلا لذلك وإنما العبد ~~استدعى العقوبة وأخذ الحق منه لشركه بالله وكفره به واجتهاده في غضبه ~~ولغضبه موجبات وآثار ومقتضيات والعبد مؤثر لها ساع في تحصيلها عامل عليها ~~بإيثاره إياها وسعيه في أسبابها فهو المهلك لنفسه وربه يحذره ويبصره ~~ويناديه : هلم إلي أحمك وأصنك وأنجك مما تحذر وأؤمنك من كل ما تخاف وهو ~~يأبى إلا شرودا عليه ونفارا عنه ومصالحة لعدوه ومظاهرة له على ربه متطلب ~~لمرضاة خلقه بمساخطه رضى المخلوق آثر عنده من رضى خالقه وحقه آكد عنده من ~~حقه وخوفه ورجاؤه وحبه في قلبه أعظم من خوفه من الله ورجائه وحبه فلم يدع ~~لفضل ربه وكرامته وثوابه إليه طريقا بل سد دونه طرق مجاريها بجهده وأعطى ~~بيده لعدوه فصالحه وسمع له وأطاع وانقاد إلى مرضاته فجاء من الظلم بأقبحه ~~وأشده # فهو الذي عارض مراده به منه بمراده وهواه وشهوته واعترض لمحابه ومراضيه ~~بالدفع ولم يأذن لها في الدخول عليه فأضاع حظه وبخس حقه وظلم نفسه ~~PageV02P044 وعادى حبيبه ووالى عدوه وأسخط من حياته في رضاه وأرضى من حياته ~~في سخطه وجاد بنفسه لعدوه وبخل بها عن حبيبه ووليه # والرب تبارك وتعالى ليس له ثأر عند عبده فيدركه ms0446 بعقوبته ولا يتشفى بعقابه ~~ولا يزيد ذلك في ملكه مثقال ذرة ولا ينقص مغفرته ولو غفر لأهل الأرض كلهم ~~لما نقص مثقال ذرة من ملكه كيف والرحمة أوسع من العقوبة وأسبق من الغضب ~~وأغلب له وهو قد كتب على نفسه الرحمة فرجاء العبد له لا ينقص شيئا من حكمته ~~ولا ينقص ذرة من ملكه ولا يخرجه عن كمال تصرفه ولا يوجب خلاف كمال ولا ~~تعطيل أوصافه وأسمائه ولولا أن العبد هو الذي سد على نفسه طرق الخيرات ~~وأغلق دونها أبواب الرحمة بسوء اختياره لنفسه : لكان ربه له فوق رجائه وفوق ~~أمله # وأما استسلام العبد لربه واستسلامه بانطراحه بين يديه ورضاه بمواقع حكمه ~~فيه : فما ذاك إلا رجاء منه أن يرحمه ويقيله عثرته ويعفو عنه ويقبل حسناته ~~مع عيوب أعماله وآفاتها ويتجاوز عن سيئاته فقوة رجائه أوجبت له هذا ~~الاستسلام والانقياد والانطراح بالباب ولا يتصور هذا بدون الرجاء ألبتة ~~فالرجاء حياة الطلب والإرادة روحها # وأما رضاه بمراده منه وإن عذبه : فهذا هو الرعونة كل الرعونة فإن مراده ~~سبحانه نوعان : مراد يحبه ويرضاه ويمدح فاعله ويواليه فموافقته في هذا ~~المراد : هي عين محبته وإرادة خلافه رعونة ومعارضة واعتراض ومراد يبغضه ~~ويكرهه ويمقت فاعله ويعاديه فموافقته في هذا المراد : عين مشاقته ومعاداته ~~ومخالفته والتعرض لمقته وسخطه # فهذا الموضع موضع فرقان فالموافقة كل الموافقة معارضة هذا المراد ~~واعتراضه بالدفع والرد بالمراد الآخر # فالعبودية الحق : معارضة مراده بمراده ومزاحمة أحكامه بأحكامه ~~PageV02P045 فاستسلامه لهذا المراد المكروه المسخوط وما يوجبه ويقتضيه : ~~عين الرعونة والخروج عن العبودية وهو عين الدعوى الكاذبة إذ لو كان مصدر ~~ذلك الاستسلام والموافقة وترك الاعتراض والمعارضة لكان ذلك مخصوصا بمحابه ~~ومراضيه وأوامره التي الاستسلام لها والموافقة فيها وترك معارضتها ~~والاعتراض عليها هو عين المحبة والموالاة # وأما الفناء بمراد ربه : فقد تقدم أن المحمود من هو ذلك : الفناء بمراده ~~الديني الأمري لا الكوني القدري فإن الكون كله مراده القدري خيره وشره # وأما تعلق الرجاء بمراده دون مراد سيده : فهو إنما علقه بمراده المحبوب ~~له ms0447 هاربا من مراده المسخوط المكروه له وعلى تقدير أن يكون محبوبا له إذا ~~كان انتقاما فالعفو والفضل أحب إليه منه فهو إنما علق رجاءه بأحب المرادين ~~إليه # وأما كون الرجاء اعتراضا على ما سبق به الحكم : فليس كذلك بل تعلقا بما ~~سبق به الحكم فإنه إنما يرجو فضلا وإحسانا ورحمة سبق بها القضاء والقدر ~~وجعل الرجاء أحد أسباب حصولها فليس الرجاء اعتراضا على القدر ولا معارضة ~~للقدر بل طلبا لما سبق به القدر # وأما اعتراضه إذا لم يحصل له مرجوه : فهذا نقص في العبودية وجهل بحق ~~الربوبية فإن الراجي والداعي يرجو ويدعو فضلا لا يستحقه ولا يستوجبه ~~بمعاوضة فإن أعطيه فمحض المنة والصدقة عليه وإن منعه فلم يمنع حقا هو له ~~فاعتراضه رعونة وجهالة ولا يلزم من فوات المرجو أو عدم حصول المدعو به في ~~حق العبد الصادق : معارضة ولا اعتراض # وقد سأل رسول الله ربه تبارك وتعالى ثلاث خصال لأمته فأعطاه اثنتين ومنعه ~~واحدة فرضي بما أعطاه ولم يعترض فيما منعه بل رضي وسلم PageV02P046 # وأما كون الرجاء وقوفا مع الحظ وأصحاب هذه الطريقة قد خرجوا عن نفوسهم ~~فكيف حظوظهم # فيا لله العجب أي رعونة فيمن يجعل رجاء العبد ربه وطمعه في بره وإحسانه ~~وفضله وسؤاله ذلك بقلبه ولسانه فإن الرجاء هو استشراف القلب لنيل ما يرجوه ~~فإذا كان العبد دائما مستشرفا بقلبه سائلا بلسانه طالبا لفضل ربه فأي رعونة ~~ههنا وهل الرعونة كل الرعونة إلا خلاف ذلك # ومن العجب : دعواهم خروجهم عن نفوسهم وهم أعظم الناس عبادة لنفوسهم وليس ~~الخارج عن نفسه إلا من جعلها حبسا على مراد الله الديني الأمري النبوي ~~وبذلها لله في إقامة دينه وتنفيذه بين أهل العناد والمعارضة والبغي فانغمس ~~فيهم يمزقون أديمه ويرمونه بالعظائم ويخيفونه بأنواع المخاوف ويتطلبون دمه ~~بجهدهم لا تأخذه في جهادهم في الله لومة لائم يصدع بالحق عند من يخافه ~~ويرجوه قد زهد في مدحهم وثنائهم وتعظيمهم وتشييخهم له وتقبيل يده وقضاء ~~حوائجه يصيح فيهم بالنصائح جهارا ويعلن لهم بها ويسر ms0448 لهم إسرارا قد تجرد عن ~~الأوضاع والقيود والرسوم وتعلق بمراضي الحي القيوم مقامه ساعة في جهاد ~~أعداء الله ورباطه ليلة على ثغر الإيمان آثر عنده وأحب إليه من فناء ~~ومشاهدات وأحوال هي أعظم عيش النفس وأعلى قوتها وأوفر حظها ويزعم أنه قد ~~خرج عن نفسه فكيف حظها ولعله قد خرج عن مراد ربه من عبوديته إلى عين مراده ~~وهو حظه ولو فتش نفسه لرأى ذلك فيها عيانا # وهل الرعونة كل الرعونة إلا دعواه : أنه يحب ربه لعذابه لا لثوابه وأنه ~~إذا أحبه وأطاعه للثواب كان ذلك حظا وإيثارا لمراد النفس بخلاف ما إذا أحبه ~~وأطاعه ليعذبه فإنه لاحظ للنفس في ذلك PageV02P047 # فوالله ليس في أنواع الرعونة والحماقة أقبح من هذا ولا أسمج وماذا يلعب ~~الشيطان بالنفوس وإن نفسا وصل بها تلبيس الشيطان إلى هذه الحالة لمحتاجة ~~إلى سؤال المعافاة # فزن أحوال الأنبياء والرسل والصديقين وسؤالهم ربهم على أحوال هؤلاء ~~الغالطين الذين مرجت بهم نفوسهم ثم قايس بينهما وانظر التفاوت # فأين هذا من دعاء النبي : اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من ~~عقوبتك وبك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقوله لعمه ~~العباس رضي الله عنه : يا عباس يا عم رسول الله سل الله العافية وقوله ~~للصديق الأكبر رضي الله عنه وقد سأله أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته قل : ~~اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من ~~عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم وقوله لصديقة النساء وقد سألته دعاء ~~تدعو به إن وافقت ليلة القدر فقال : قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف ~~عني وقوله في دعائه الذي كان لا يدعه : وإن دعا بدعاء أردفه به : ربنا آتنا ~~في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار # وقد أثنى الله تعالى على خاصته وهم أولو الألباب بأنهم سألوه : أن يقيهم ~~عذاب النار فقالوا : @QB@ ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ~~@QE@ [ آل عمران : 191 ] وقال لأم ms0449 حبيبة لو سألت الله أن يجيرك من عذاب ~~النار لكان خيرا لك وكان يستعيذ كثيرامن عذاب النار ومن عذاب القبر وأمر ~~المسلمين : أن يستعيذوا في تشهدهم من عذاب القبر وعذاب النار وفتنة المحيا ~~والممات وفتنة المسيح الدجال حتى قيل : إن هذا الدعاء واجب في الصلاة لا ~~تصح إلا به وهذا أعظم من أن نستقصيه ودخل رسول الله على مريض يعوده فرآه ~~مثل الفرخ PageV02P048 فقال : ما كنت تدعو به فقال : كنت أقول : اللهم ما ~~كنت معاقبني به في الآخرة فعاقبني به في الدنيا فقال : سبحان الله إنك لا ~~تطيق ذلك ألا سألت الله العفو والعافية # وفي المسند عنه قال : ما سئل الله شيئا أحب إليه من سؤال العفو والعافية ~~وقال لبعض أصحابه : ما تقول إذا صليت فقال : أسأل الله الجنة وأعوذ به من ~~النار أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال رسول الله : إنا حولها ~~ندندن # فأين هذا من حال من قال : لا أحبك لثوابك لأنه عين حظي وإنما أحبك لعقابك ~~لأنه لاحظ لي فيه والرجاء عين الحظ ونحن قد خرجنا عن نفوسنا فما لنا ~~وللرجاء # فهذا وأمثاله أحسن ما يقال فيهم : إنه شطح قد يعذر فيه صاحبه إذا كان ~~مغلوبا على عقله كالسكران ونحوه ولا تهدر محاسنه ومعاملاته وأحواله وزهده # ولكن الذي ينكر كون هذا من الأحوال الصحيحة والمقامات العلية التي ~~يتعاطاها العبد ويشمر إليها فهذا الذي لا تلبس عليه الثياب ولا تصبر عليه ~~نفوس العلماء وحاشا سادات القوم وأئمتهم من هذه الرعونات بل هم أبعد الناس ~~منها نعم قد يعرض لأحدهم حال يحدث نفسه فيه بأنه لو عذبه لكان راضيا بعذابه ~~كرضى صاحب الثواب بثوابه ويعزم على ذلك بقلبه ولكن هذا عزم وأمنية وعند ~~الحقيقة لا يكون لذلك أثر ألبتة ولو امتحنه بأدنى محنة لصاح واستغاث وسأل ~~العافية كما جرى للقائل وهو سمنون PageV02P049 # وليس لي من هواك بد فكيفما شئت فامتحني فامتحنه بعسر البول فطاحت هذه ~~الدعوى عنه واضمحل حالها وجعل يطوف على صبيان المكاتب ويقول : ادعوا ms0450 لعمكم ~~الكذاب # فالعزم على الرضى لون وحقيقته لون آخر # وأما قوله : وإنما نطق به التنزيل لفائدة وهي كونه يبرد حرارة الخوف ~~فيقال : بل لفوائد كثيرة أخر مشاهدة # منها : إظهار العبودية والفاقة والحاجة إلى ما يرجوه من ربه ويستشرفه من ~~إحسانه وأنه لا يستغني عن فضله وإحسانه طرفة عين # ومنها : أنه سبحانه يحب من عباده أن يؤملوه ويرجوه ويسألوه من فضله لأنه ~~الملك الحق الجواد أجود من سئل وأوسع من أعطى وأحب ما إلى الجواد : أن يرجى ~~ويؤمل ويسأل وفي الحديث : من لم يسأل الله يغضب عليه والسائل راج وطالب فمن ~~لم يرج الله يغضب عليه # فهذه فائدة أخرى من فوائد الرجاء وهي التخلص به من غضب الله # ومنها : أن الرجاء حاد يحدو به في سيره إلى الله ويطيب له المسير ويحثه ~~عليه ويبعثه على ملازمته فلولا الرجاء لما سار أحد فإن الخوف وحده لا يحرك ~~العبد وإنما يحركه الحب ويزعجه الخوف ويحدوه الرجاء # ومنها : أن الرجاء يطرحه على عتبة المحبة ويلقيه في دهليزها فإنه كلما ~~اشتد رجاؤه وحصل له ما يرجوه ازداد حبا لله تعالى وشكرا له ورضى به وعنه # ومنها : أنه يبعثه على أعلى المقامات وهو مقام الشكر الذي هو خلاصة ~~العبودية فإنه إذا حصل له مرجوه كان أدعى لشكره # ومنها : أنه يوجب له المزيد من معرفة الله وأسمائه ومعانيها والتعلق بها ~~فإن الراجي متعلق بأسمائه الحسنى متعبدبها وداع بها قال الله تعالى : @QB@ ~~ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها @QE@ [ الأعراف : 180 ] فلا ينبغي أن يعطل ~~دعاؤه بأسمائه الحسنى التي PageV02P050 هي أعظم ما يدعو بها الداعي فالقدح ~~في مقام الرجاء تعطيل لعبودية هذه الأسماء وتعطيل للدعاء بها # ومنها : أن المحبة لا تنفك عن الرجاء كما تقدم فكل واحد منهما يمد الآخر ~~ويقويه # ومنها : أن الخوف مستلزم للرجاء والرجاء مستلزم للخوف فكل راج خائف وكل ~~خائف راج ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف قال الله ~~تعالى : مالكم لاترجون لله وقارا [ نوح : 13 ] قال كثير من المفسرين : ~~المعنى ms0451 مالكم لا تخافون لله عظمة قالوا : والرجاء بمعنى الخوف 2 # والتحقيق : أنه ملازم له فكل راج خائف من فوات مرجوه والخوف بلا رجاء يأس ~~وقنوط وقال تعالى : @QB@ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ~~@QE@ [ الجاثيه : 14 ] قالوا في تفسيرها : لا يخافون وقائع الله بهم ~~كوقائعه بمن قبلهم من الأمم # ومنها : أن العبد إذا تعلق قلبه برجاء ربه فأعطاه ما رجاه : كان ذلك ألطف ~~موقعا وأحلى عند العبد وأبلغ من حصول ما لم يرجه وهذا أحد الأسباب والحكم ~~في جعل المؤمنين بين الرجاء والخوف في هذه الدار فعلى قدر رجائهم وخوفهم ~~يكون فرحهم في القيامة بحصول مرجوهم واندفاع مخوفهم # ومنها : أن الله سبحانه وتعالى يريد من عبده تكميل مراتب عبوديته : من ~~الذل والانكسار والتوكل والاستعانة والخوف والرجاء والصبر والشكر والرضى ~~والإنابة وغيرها ولهذا قدر عليه الذنب وابتلاه به لتكمل مراتب عبوديته ~~بالتوبة التي هي من أحب عبوديات عبده إليه فكذلك تكميلها بالرجاء والخوف # ومنها : أن في الرجاء من الانتظار والترقب والتوقع لفضل الله ما يوجب ~~تعلق القلب بذكره ودوام الالتفات إليه بملاحظة أسمائه وصفاته وتنقل القلب ~~في رياضها الأنيقة وأخذه بنصيبه من كل اسم وصفة كما تقدم بيانه فإذا فني عن ~~PageV02P051 ذلك وعاب عنه فاته حظه ونصيبه من معاني هذه الأسماء والصفات # إلى فوائد أخرى كثيرة يطالعها من أحسن تأمله وتفكره في استخراجها وبالله ~~التوفيق # والله يشكر لشيخ الإسلام سعيه ويعلي درجته ويجزيه أفضل جزائه ويجمع بيننا ~~وبينه في محل كرامته فلو وجد مريده سعة وفسحة في ترك الاعتراض عليه واعتراض ~~كلامه لما فعل كيف وقد نفعه الله بكلامه وجلس بين يديه مجلس التلميذ من ~~أستاذه وهو أحد من كان على يديه فتحه يقظة ومناما # وهذا غاية جهد المقل في هذا الموضع فمن كان عنده فضل علم فليجد به أو ~~فليعذر ولا يبادر إلى الإنكار فكم بين الهدهد ونبي الله سليمان وهو يقول له ~~: @QB@ أحطت بما لم تحط به @QE@ [ النمل : 22 ] وليس شيخ الإسلام أعلم من ~~نبي الله ولا ms0452 المعترض # | فصل قال صاحب المنازل الرجاء على ثلاث درجات الدرجة الأولى : # رجاء يبعث العامل على الاجتهاد ويولد التلذذ بالخدمة ويوقظ الطباع ~~للسماحة بترك المناهي # أي ينشطه لبذل جهده لما يرجوه من ثواب ربه فإن من عرف قدر مطلوبه هان ~~عليه ما يبذل فيه # وأما توليده للتلذذ بالخدمة : فإنه كلما طالع قلبه ثمرتها وحسن عاقبتها ~~التذ بها وهذا كحال من يرجو الأرباح العظيمة في سفره ويقاسي مشاق السفر ~~لأجلها فكلما صورها لقلبه هانت عليه تلك المشاق والتذ بها وكذلك المحب ~~الصادق الساعي في مراضي محبوبه الشاقة عليه كلما تأمل ثمرة رضاه عنه وقبوله ~~سعيه وقربه منه : تلذذ بتلك المساعي وكلما قوى علم العبد بإفضاء ذلك السبب ~~إلى عليه بأجهل من هدهد وبالله المستعان وهو أعلم # | فصل قال صاحب المنازل قدس الله روحه : الرجاء على ثلاث درجات الدرجة # الأولى : رجاء يبعث العامل على الاجتهاد ويولد التلذذ بالخدمة ويوقظ ~~الطباع للسماحة بترك المناهي أي ينشطه لبذل جهده لما يرجوه من ثواب ربه فإن ~~من عرف قدر مطلوبه هان عليه ما يبذل فيه وأما توليده للتلذذ بالخدمة : فإنه ~~كلما طالع قلبه ثمرتها وحسن عاقبتها التذ بها وهذا كحال من يرجو الأرباح ~~العظيمة في سفره ويقاسي مشاق السفر لأجلها فكلما صورها لقلبه هانت عليه تلك ~~المشاق والتذ بها وكذلك المحب الصادق الساعي في مراضي محبوبه الشاقة عليه ~~كلما تأمل ثمرة رضاه عنه وقبوله سعيه وقربه منه : تلذذ بتلك المساعي وكلما ~~قوى علم العبد بإفضاء ذلك السبب إلى PageV02P052 المسبب المطلوب وقوي علمه ~~بقدر المسبب وقرب السبب منه : ازداد التذاذا بتعاطيه # وأما إيقاظ الطباع للسماحة بترك المناهي : فإن الطباع لها معلوم ورسوم ~~تتقاضاها من العبد ولا تسمح له بتركها إلا بعوض هو أحب إليها من معلومها ~~ورسومها وأجل عندها منه وأنفع لها فإذا قوي تعلق الرجاء بهذا العوض الأفضل ~~الأشرف : سمحت الطباع بترك تلك الرسوم وذلك المعلوم فإن النفس لا تترك ~~محبوبا إلا لمحبوب هو أحب إليها منه أو حذرا من مخوف هو أعظم مفسدة لها من ms0453 ~~حصول مصلحتها بذلك المحبوب وفي الحقيقة ففرارها من ذلك المخوف إيثار لضده ~~المحبوب لها فما تركت محبوبا إلا لما هو أحب إليها منه فإن من قدم إليه ~~طعام لذيذ يضره ويوجب له السقم فإنما يتركه محبة للعافية التي هي أحب إليه ~~من ذلك الطعام # قال : الدرجة الثانية : رجاء أرباب الرياضات : أن يبلغوا موقفا تصفو فيه ~~همهم برفض الملذوذات ولزوم شروط العلم واستقصاء حدود الحمية # أرباب الرياضات : هم المجاهدون لأنفسهم بترك مألوفاتها والاستبدال بها ~~مألوفات هي خير منها وأكمل فرجاؤهم أن يبلغوا مقصودهم بصفاء الوقت والهمة ~~من تعلقها بالملذوذات وتجريد الهم عن الالتفات إليها وبلزوم شروط العلم وهو ~~الوقوف عند حدود الأحكام الدينية فإن رجاءهم متعلق بحصول ذلك لهم واستقصاء ~~حدود الحمية # و الحمية العصمة والامتناع من تناول ما يخشى ضرره آجلا أو عاجلا وله حدود ~~متى خرج العبد عنها انتقض عليه مطلوبه والوقوف على حدودها بلزوم شروط العلم # والاستقصاء في تلك الحدود بأمرين : بذل الجهد في معرفتها علما وأخذ النفس ~~بالوقوف عندها طلبا وقصدا PageV02P053 # قال : الدرجة الثالثة : رجاء أرباب القلوب وهو رجاء لقاء الخالق الباعث ~~على الاشتياق المبغض المنغص للعيش المزهد في الخلق هذا الرجاء أفضل أنواع ~~الرجاء وأعلاها قال الله تعالى : @QB@ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا @QE@ [ الكهف : 110 ] وقال تعالى : من كان ~~يرجون لقاء الله فإن أجل الله لآت [ العنكبوت : ] # وهذا الرجاء هو محض الإيمان وزبدته وإليه شخصت أبصار المشتاقين ولذلك ~~سلاهم الله تعالى بإتيان أجل لقائه وضرب لهم أجلا يسكن نفوسهم ويطمئنها # و الاشتياق هو سفر القلب في طلب محبوبه واختلف المحبون : هل يبقى عند ~~لقاء المحبوب أم يزول على قولين # فقالت طائفة : يزول لأنه إنما يكون مع الغيبة وهو سفر القلب إلى المحبوب ~~فإذا انتهى السفر واجتمع بمحبوبه وضع عصا الاشتياق عن عاتقه وصار الاشتياق ~~أنسا به ولذة بقربه وقالت طائفة : بل يزيد ولا يزول باللقاء قالوا : لأن ~~الحب يقوى بمشاهدة جمال المحبوب أضعاف ما كان حال غيبته وإنما ms0454 يواري سلطانه ~~فناؤه ودهشته بمعاينة محبوبه حتى إذا توارى عنه ظهر سلطان شوقه إليه ولهذا ~~قيل : # وأعظم ما يكون الشوق يوما % إذا دنت الخيام من الخيام وقد ذكرنا هذه ~~المسألة مستقصاة وتوابعها في كتابنا الكبير في المحبة وفي كتاب سفر ~~الهجرتين وسنعود إليها إذا انتهينا إلى منزلتها إن شاء الله تعالى # وقوله : المنغص للعيش فلا ريب أن عيش المشتاق منغص حتى يلقى محبوبه فهناك ~~تقر عينه ويزول عن عيشه تنغيصه وكذلك يزهد في الخلق غاية التزهيد لأن صاحبه ~~طالب للأنس بالله والقرب منه فهو أزهد شيء في الخلق PageV02P054 إلا من ~~أعانه على هذا المطلوب منهم وأوصله إليه فهو أحب خلق الله إليه ولا يأنس من ~~الخلق بغيره ولا يسكن إلى سواه فعليك بطلب هذا الرفيق جهدك فإن لم تظفر به ~~فاتخذ الله صاحبا ودع الناس كلهم جانبا # مت بداء الهوى وإلا فخاطر % واطرق الحي والعيون نواظر # لا تخف وحشة الطريق إذا جئ % ت وكن في خفارة الحب سائر # واصبر النفس ساعة عن سواهم % فإذا لم تجب لصبر فصابر # وصم اليوم واجعل الفطر يوما % فيه تلقى الحبيب بالبشر شاكر # وافطم النفس عن سواه فكل ال % عيش بعد الفطام نحوك صائر # وتأمل سريرة القلب واستح % ي من الله يوم تبلى السرائر # واجعل الهم واحدا يكفك الل % ه هموما شتى فربك قادر # وانتظر يوم دعوة الخلق إلى الل % ه ربهم من بطون المقابر # واستمع ما الذي به أنت تدعي % به من صفات تلوح وسط المحاضر # وسمات تبدو على أوجه الخل % ق عيانا تجلى على كل ناظر # يا أخا اللب إنما السير عزم % ثم صبر مؤيد بالبصائر # يالها من ثلاثة من ينلها % يرق يوم المزيد فوق المنابر # فاجتهد في الذي يقال لك ال % بشرى بذا يوم ضرب البشائر # عمل خالص بميزان وحي % مع سر هناك في القلب حاضر # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرغبة قال الله عز # وجل : يدعوننا رغبا ورهبا [ الأنبياء : 90 ] والفرق بين الرغبة و الرجاء ~~أن الرجاء طمع ms0455 والرغبة طلب فهي ثمرة الرجاء فإنه إذا رجا الشيء طلبه ~~والرغبة من الرجاء كالهرب من الخوف فمن رجا شيئا طلبه ورغب فيه ومن خاف ~~شيئا هرب منه PageV02P055 # والمقصود : أن الراجي طالب والخائف هارب قال صاحب المنازل : الرغبة : هي ~~من الرجاء بالحقيقة لأن الرجاء طمع يحتاج إلى تحقيق والرغبة سلوك على ~~التحقيق أي الرغبة تتولد من الرجاء لكنه طمع وهي سلوك وطلب وقوله : الرجاء ~~طمع يحتاج إلى تحقيق أي طمع في مغيب عنه مشكوك في حصوله وإن كان متحققا في ~~نفسه كرجاء العبد دخول الجنة فإن الجنة متحققة لا شك فيها وإنما الشك في ~~دخوله إليها وهل يوافي ربه بعمل يمنعه منها أم لا بخلاف الرغبة فإنها لا ~~تكون إلا بعد تحقق ما يرغب فيه فالإيمان في الرغبة أقوى منه في الرجاء ~~فلذلك قال والرغبة سلوك على التحقيق هذا معنى كلامه وفيه نظر # فإن الرغبة أيضا طلب مغيب هو على شك من حصوله فإن المؤمن يرغب في الجنة ~~وليس بجازم بدخولها فالفرق الصحيح : أن الرجاء طمع و الرغبة طلب فإذا قوي ~~الطمع صار طلبا # قال : والرغبة على ثلاث درجات الدرجة الأولى : رغبة أهل الخبر تتولد من ~~العلم فتبعث على الاجتهاد المنوط بالشهود وتصون السالك عن وهن الفترة وتمنع ~~صاحبها من الرجوع إلى غثاثة الرخص # أراد بالخبر ههنا الإيمان الصادر عن الأخبار ولهذا جعل تولدها من العلم ~~ولكن هذا الإيمان متصل بمنزلة الإحسان منه يشرف عليه ويصل إليه ولهذا قال : ~~المنوط بالشهود أي المقترن بالشهود وذلك الشهود : هو مشهد مقام الإحسان وهو ~~أن تعبد الله كأنك تراه ولا مشهد للعبد في الدنيا أعلى من هذا وعند كثير من ~~الصوفية أن فوقه مشهدا أعلى منه وهو شهود الحق مع PageV02P056 غيبته عن كل ~~ما سواه وهو مقام الفناء وقد عرفت ما فيه # ولو كان فوق مقام الإحسان مقام آخر لذكره النبي لجبريل ولسأله جبريل عنه ~~فإنه جمع مقامات الدين كلها في الإسلام والإيمان والإحسان نعم الفناء ~~المحمود : هو تحقيق مقام الإحسان وهو أن يفنى ms0456 بحبه وخوفه ورجائه والتوكل ~~عليه وعبادته والتبتل إليه عن غيره وليس فوق ذلك مقام يطلب إلا ما هو من ~~عوارض الطريق # قوله : وتصون السالك عن وهن الفترة أي تحفظه عن وهن فتوره وكسله الذى ~~سببه عدم الرغبة أو قلتها وقوله : وتمنع صاحبها من الرجوع إلى غثاثه الرخص ~~أهل العزائم بناء أمرهم على الجد والصدق فالسكون منهم إلى الرخص رجوع ~~وبطالة # وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل ليس على إطلاقه فإن الله عز وجل يحب أن يؤخذ ~~برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه وفي المسند مرفوعا إلى النبي : إن الله يحب ~~أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته فجعل الأخذ بالرخص قبالة إتيان ~~المعاصي وجعل حظ هذا : المحبة وحظ هذا : الكراهية و ما عرض للنبي أمران إلا ~~اختار أيسرهما ما لم يكن إثما والرخصة أيسر من العزيمة وهكذا كان حاله في ~~فطره وسفره وجمعه بين الصلاتين والاقتصار من الرباعية على ركعتين وغير ذلك ~~فنقول : # الرخصة نوعان أحدهما : الرخصة المستقرة المعلومة من الشرع نصا كأكل ~~الميتة والدم ولحم الخنزير عند الضرورة وإن قيل لها : عزيمة باعتبار الأمر ~~والوجوب فهي رخصة باعتبار الإذن والتوسعة وكفطر المريض والمسافر وقصر ~~الصلاة في السفر وصلاة المريض إذا شق عليه القيام قاعدا وفطر الحامل ~~والمرضع خوفا على ولديهما ونكاح الأمة خوفا من العنت ونحو ذلك فليس في ~~PageV02P057 تعاطي هذه الرخص ما يوهن رغبته ولا يرد إلى غثاثة ولا ينقص ~~طلبه وإرادته ألبتة فإن منها ما هو واجب كأكل الميتة عند الضرورة ومنها ما ~~هو راجح المصلحة كفطر الصائم المريض وقصر المسافر وفطره ومنها ما مصلحته ~~للمترخص وغيره ففيه مصلحتان قاصرة ومتعدية كفطر الحامل والمرضع # ففعل هذه الرخص أرجح وأفضل من تركها النوع الثاني : رخص التأويلات ~~واختلاف المذاهب فهذه تتبعها حرام ينقص الرغبة ويوهن الطلب ويرجع بالمترخص ~~إلى غثاثة الرخص # فإن من ترخص بقول أهل مكة في الصرف وأهل العراق في الأشربة وأهل المدينة ~~في الأطعمة وأصحاب الحيل في المعاملات وقول ابن عباس في المتعة وإباحة لحوم ~~الحمر ms0457 الأهلية وقول من جوز نكاح البغايا المعروفات بالبغاء وجوز أن يكون ~~زوج قحبة وقول من أباح آلات اللهو والمعازف : من اليراع والطنبور والعود ~~والطبل والمزمار وقول من أباح الغناء وقول من جوز استعارة الجواري الحسان ~~للوطء وقول من جوز للصائم أكل البرد وقال : ليس بطعام ولا شراب وقول من جوز ~~الأكل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس للصائم وقول من صحح الصلاة بمدهامتان ~~بالفارسية وركع كلحظة الطرف ثم هوى من غير اعتدال وفصل بين السجدتين ~~بارتفاع كحد السيف ولم يصل على النبي وخرج من الصلاة بحبقة وقول من جوز وطء ~~النساء في أعجازهن ونكاح بنته المخلوقة من مائه الخارجة من صلبه حقيقة إذا ~~كان ذلك الحمل من زني وأمثال ذلك من رخص المذاهب وأقوال العلماء فهذا الذي ~~تنقص بترخصه رغبته ويوهن طلبه ويلقيه في غثاثة الرخص فهذا لون والأول لون # قال : الدرجة الثانية : رغبة أرباب الحال وهي رغبة لا تبقي من المجهود ~~مبذولا ولا تدع للهمة ذبولا ولا تترك غير القصد مأمولا # يعني أن الرغبة الحاصلة لأرباب الحال : فوق رغبة أصحاب الخبر لأن صاحب ~~PageV02P058 الحال كالمضطر إلى رغبته وإرادته فهو كالفراش الذي إذا رأى ~~النور ألقى نفسه فيه ولا يبالي ما أصابه فرغبته لا تدع من مجهوده مقدورا له ~~إلا بذله ولا تدع لهمته وعزيمته فترة ولا خمودا وعزيمته في مزيد بعدد ~~الأنفاس ولا تترك في قلبه نصيبا لغير مقصوده وذلك لغلبة سلطان الحال # وصاحب هذه الحال لا يقاومه إلا حال مثل حاله أو أقوى منه ومتى لم يصادفه ~~حال تعارضه فله من النفوذ والتأثير بحسب حاله # قال : الدرجة الثالثة : رغبة أهل الشهود وهي تشرف يصحبه تقية تحمله عليها ~~همة نقية لا تبقي معه من التفرق بقية # يشير الشيخ بذلك إلى حالة الفناء التي يحمله عليها همة نقية من أدناس ~~الالتفات إلى ما سوى الحق بحيث لا يبقى معه بقية من تفرقة بل قد اجتمع ~~شاهده كله وانحصر في مشهوده وأراد بالشهود ههنا شهود الحقيقة # وقوله : تشرف أي استشرف الغيبة ms0458 في الفناء # ويحتمل أن يريد به تشرفا عن التفاته إلى ما سوي مشهوده # و التقية التي تصحب هذا التشرف : يحتمل أن يريد بها التقية من إظهار ~~الناس على حاله وإطلاعهم عليها صيانة لها وغيرة عليها # ويحتمل أن يريد بها الحذر من التفاته في شهوده إلى ما سوى حضرة مشهوده ~~فهي تتقي ذلك الالتفات وتحذره كل الحذر # ثم ذكر الحامل له على هذه الرغبة وهي اللطيفة المدركة المريدة التي قد ~~تطهرت قبل وصولها إلى هذه الغاية وهي الهمة النقية ولو لم يحصل لها كمال ~~الطهارة لبقيت عليها بقية منها تمنعها من وصولها إلى هذه الدرجة والله ~~سبحانه وتعالى أعلم PageV02P059 # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرعاية وهي مراعاة # العلم وحفظه بالعمل ومراعاة العمل بالإحسان والإخلاص وحفظه من المفسدات ~~ومراعاة الحال بالموافقة وحفظه بقطع التفريق فالرعاية صيانة وحفظ ومراتب ~~العلم والعمل ثلاثة رواية وهي مجرد النقل وحمل المرويو دراية وهي فهمه ~~وتعقل معناه ورعاية وهي العمل بموجب ما عمله ومقتضاه # فالنقلة همتهم الرواية والعلماء همتهم الدراية والعارفون همتهم الرعاية ~~وقد ذم الله من لم يرع ما اختاره وابتدعه من الرهبانية حق رعايته فقال ~~تعالى وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتباها ~~عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها [ الحديد : # رهبانية منصوب بابتدعوها على الاشتغال إما بنفس الفعل المذكور على قول ~~الكوفيين وإما بمقدر محذوف مفسر بهذا المذكور على قول البصريين أي وابتدعوا ~~رهبانية وليس منصوبا بوقوع الجعل عليه فالوقف التام عند قوله : ورحمة ثم ~~يبتدىء ورهبانية ابتدعوها أي لم نشرعها لهم بل هم ابتدعوها من عند أنفسهم ~~ولم نكتبها عليهم # وفي نصب قوله : إلا ابتغاء رضوان الله ثلاثة أوجه # أحدها : أنه مفعول له أي لم نكتبها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله وهذا ~~فاسد فإنه لم يكتبها عليهم سبحانه كيف وقد أخبر : أنهم هم ابتدعوها فهي ~~مبتدعة غير مكتوبة وأيضا فإن المفعول لأجله يجب أن يكون علة لفعل الفاعل ~~المذكور معه فيتحد السبب والغاية نحو ms0459 : قمت إكراما فالقائم هو المكرم وفعل ~~الفاعل المعلل ههنا هو الكتابة و ابتغاء رضوان الله فعلهم لا فعل الله فلا ~~يصلح أن يكون علة لفعل الله لاختلاف الفاعل PageV02P060 # وقيل : بدل من مفعول كتبناها أي ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله # وهو فاسد أيضا إذ ليس ابتغاء رضوان الله عين الرهبانية فتكون بدل الشيء ~~من الشيء ولا بعضها فتكون بدل بعض من كل ولا أحدهما مشتمل على الآخر فتكون ~~بدل اشتمال وليس بدل غلط # فالصواب : أنه منصوب نصب الاستثناء المنقطع أي لم يفعلوها ولم يبتدعوها ~~إلا لطلب رضوان الله ودل على هذا قوله : ابتدعوها ثم ذكر الحامل لهم ~~والباعث على ابتداع هذه الرهبانية وأنه هو طلب رضوان الله ثم ذمهم بترك ~~رعايتها إذ من التزم لله شيئا لم يلزمه الله إياه من أنواع القرب لزمه ~~رعايته وإتمامه حتى ألزم كثير من الفقهاء من شرع في طاعة مستحبة بإتمامها ~~وجعلوا التزامها بالشروع كالتزامها بالنذر كما قال : أبو حنيفة ومالك وأحمد ~~في إحدى الروايتين عنه وهو إجماع أو كالإجماع في أحد النسكين # قالوا : والالتزام بالشروع أقوى من الالتزام بالقول فكما يجب عليه رعاية ~~ما التزمه بالنذر وفاء يجب عليه رعاية ما التزمه بالفعل إتماما وليس هذا ~~موضع استقصاء هذه المسألة # والقصد : أن الله سبحانه وتعالى ذم من لم يرع قربة ابتدعها لله تعالى حق ~~رعايتها فكيف بمن لم يرع قربة شرعها الله ورضيها لعباده وأذن بها وحث عليها ~~PageV02P061 # | فصل قال صاحب المنازل : الرعاية : صون بالعناية وهي على ثلاث درجات # الدرجة الأولى : رعاية الأعمال والثانية : رعاية الأحوال والثالثة : ~~رعاية الأوقات فأما رعاية الأعمال : فتوفيرها بتحقيرها والقيام بها من غير ~~نظر إليها وإجراؤها على مجرى العلم لا على التزين بها أما قوله صون ~~بالعناية أي حفظ بالاعتناء والقيام بحق الشيء الذي يرعاه ومنه راعي الغنم ~~وقوله أما رعاية الأعمال : فتوفيرها بتحقيرها فالتوفير : سلامة من طرفي ~~التفريط بالنقص والإفراط بالزيادة على الوجه المشروع في حدودها وصفاتها ~~وشروطها وأوقاتها وأما تحقيرها : فاستصغارها في عينه واستقلالها وأن ms0460 ما ~~يليق بعظمة الله وجلاله وحقوق عبوديته أمر آخر وأنه لم يوفه حقه وأنه لا ~~يرضى لربه بعمله ولا بشيء منه # وقد قيل : علامة رضي الله عنك : إعراضك عن نفسك وعلامة قبول عملك : ~~احتقاره واستقلاله وصغره في قلبك حتى إن العارف ليستغفر الله عقيب طاعته ~~وقد كان رسول الله إذا سلم من الصلاة استغفر الله ثلاثا وأمر الله عباده ~~بالاستغفار عقيب الحج ومدحهم على الاستغفار عقيب قيام الليل وشرع النبي ~~عقيب الطهور التوبة والاستغفار # فمن شهد واجب ربه ومقدار عمله وعيب نفسه : لم يجد بدا من استغفار ربه منه ~~واحتقاره إياه واستصغاره وأما القيام بها فهو توفيتها حقها وجعلها قائمة ~~كالشهادة القائمة والصلاة القائمة والشجرة القائمة على ساقها التي ليست ~~بساقطة PageV02P062 # وقوله : من غير نظر إليها أي من غير أن يلتفت إليها ويعددها ويذكرها ~~مخافة العجب والمنة بها فيسقط من عين الله ويحبط عمله # وقوله : وإجراؤها على مجرى العلم هو أن يكون العمل على مقتضى العلم ~~المأخوذ من مشكاة النبوة إخلاصا لله وإرادة لوجهه وطلبا لمرضاته لا على وجه ~~التزين بها عند الناس # قال : وأما رعاية الأحوال : فهو أن يعد الاجتهاد مراءاة واليقين تشبعا ~~والحال دعوى أي يتهم نفسه في اجتهاده : أنه راءى الناس فلا يطغى به ولا ~~يسكن إليه ولا يعتد به # وأما عده اليقين تشبعا فالتشبع : افتخار الإنسان بما لا يملكه ومنه قول ~~النبي : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور وعد اليقين تشبعا : يحتمل وجهين ~~أحدهما أن ما حصل له من اليقين لم يكن به ولا منه ولا استحقه بعوض وإنما هو ~~فضل الله وعطاؤه ووديعته عنده ومجرد منته عليه فهو خلعة خلعها سيده عليه ~~والعبد وخلعته ملكه وله فما للعبد في اليقين مدخل وإنما هو متشبع بما هو ~~ملك لله وفضله ومنته على عبده # والوجه الثاني : أن يتهم يقينه وأنه لم يحصل له اليقين على الوجه الذي ~~ينبغي بل ما حصل له منه هو كالعارية لا الملك المستقر فهو متشبع بزعم نفسه ~~بأن اليقين ملكه وله ms0461 وليس كذلك وهذا لا يختص باليقين بل بسائر الأحوال ~~فالصادق يعد صدقه تشبعا وكذا المخلص يعد إخلاصه وكذا العالم لاتهامه لصدقه ~~وإخلاصه وعلمه وأنه لم ترسخ قدمه في ذلك ولم يحصل له فيه ملكة فهو كالمتشبع ~~به ولما كان اليقين روح الأعمال وعمودها وذروة سنامها : خصه بالذكر تنبيها ~~على ما دونه PageV02P063 # والحاصل : أنه يتهم نفسه في حصول اليقين فإذا حصل فليس حصوله به ولا منه ~~ولا له فيه شيء فهو يذم نفسه في عدم حصوله ولا يحمدها عند حصوله وأما عد ~~الحال دعوى : أي دعوى كاذبة اتهاما لنفسه وتطهيرا لها من رعونة الدعوى ~~وتخليصا للقلب من نصيب الشيطان فإن الدعوى من نصيب الشيطان وكذلك القلب ~~الساكن إلى الدعوى مأوى الشيطان أعاذنا الله من الدعوى ومن الشيطان # | فصل قال : وأما رعاية الأوقات : فأن يقف مع كل خطوة ثم أن # يغيب عن حضوره بالصفاء من رسمه ثم أن يذهب عن شهود صفوه # أي يقف مع حركة ظاهره وباطنه بمقدار تصحيحها نية وقصدا وإخلاصا ومتابعة ~~فلا يخطو هجما وهمجا بل يقف قبل خطوة حتى يصحح الخطوة ثم ينقل قدم عزمه ~~فإذا صحت له ونقل قدمه انفصل عنها وقد صحت الغيبة عن شهودها ورؤيتها فيغيب ~~عن شهود تقدمه بنفسه فإن رسمه هو نفسه فإذا غاب عن شهود نفسه وتقدمه بها في ~~كل خطوة فذلك عين الصفاء من رسمه الذي هو نفسه فعند ذلك يشاهد فضل ربه # ولما كانت النفس محل الأكدار سمي انفصاله عنها : صفاء وهذه الأمور تستدعي ~~لطف إدراك واستعدادا من العبد وذلك عين المنة عليه وأما ذهابه عن شهود صفوه ~~: أي لا يستحضره في قلبه ويشهد ذلك الصفو المطلوب ويقف عنده فإن ذلك من ~~بقايا النفس وأحكامها وهو نوع كدر فإذا تخلص من الكدر لا ينبغي له الالتفات ~~والرجوع إليه فيصفو من الرسم ويغيب عن الصفو بمشاهدة المطلب الأعلى والمقصد ~~الأسنى PageV02P064 # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المراقبة # قال الله تعالى : @QB@ واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه @QE@ [ ~~البقره ms0462 : 235 ] وقال تعالى @QB@ وكان الله على كل شيء رقيبا @QE@ [ الأحزاب ~~: 52 ] وقال تعالى : وهو معكم أينما كنتم [ الحديد : 4 ] وقال تعالى : @QB@ ~~ألم يعلم بأن الله يرى @QE@ [ العلق : 14 ] وقال تعالى : @QB@ فإنك بأعيننا ~~@QE@ [ الطور : 48 ] وقال تعالى : @QB@ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ~~@QE@ [ غافر : 19 ] إلى غير ذلك من الآيات # وفي حديث جبريل عليه السلام : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الإحسان فقال له : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك # المراقبة دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره ~~وباطنه فاستدامته لهذا العلم واليقين : هي المراقبة وهي ثمرة علمه بأن الله ~~سبحانه رقيب عليه ناظر إليه سامع لقوله وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة ~~وكل نفس وكل طرفة عين والغافل عن هذا بمعزل عن حال أهل البدايات فكيف بحال ~~المريدين فكيف بحال العارفين # قال الجريري : من لم يحكم بينه وبين الله تعالى التقوى والمراقبة : لم ~~يصل إلى الكشف والمشاهدة وقيل : من راقب الله في خواطره عصمه في حركات ~~جوارحه # وقيل لبعضهم : متى يهش الراعي غنمه بعصاه عن مراتع الهلكة فقال : إذا علم ~~أن عليه رقيبا وقال الجنيد : من تحقق في المراقبة خاف على فوات لحظة من ربه ~~لا غير # وقال ذو النون : علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله وتعظيم ما عظم الله ~~وتصغير ما صغر الله PageV02P065 # وقيل : الرجاء يحرك إلى الطاعة والخوف يبعد عن المعاصي والمراقبة تؤديك ~~إلى طريق الحقائق # وقيل : المراقبة مراعاة القلب لملاحظة الحق مع كل خطرة وخطوة # وقال الجريري : أمرنا هذا مبني على فصلين : أن تلزم نفسك المراقبة لله ~~وأن يكون العلم على ظاهرك قائما # وقال إبراهيم الخواص : المراقبة خلوص السر والعلانية لله عز وجل وقيل : ~~أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطريق : المحاسبة والمراقبة وسياسة عمله ~~بالعلم # وقال أبو حفص لأبي عثمان النيسابوري : إذا جلست للناس فكن واعظا لقلبك ~~ولنفسك ولا يغرنك اجتماعهم عليك فإنهم يراقبون ظاهرك والله يراقب باطنك # وأرباب الطريق مجمعون على أن ms0463 مراقبة الله تعالى في الخواطر : سبب لحفظها ~~في حركات الظواهر فمن راقب الله في سره : حفظه الله في حركاته في سره ~~وعلانيته و المراقبة هي التعبد باسمه الرقيب الحفيظ العليم السميع البصير ~~فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها : حصلت له المراقبة والله أعلم # | فصل قال صاحب المنازل : المراقبة : دوام ملاحظة المقصود وهي على ثلاث # درجات الدرجة الأولى : مراقبة الحق تعالى في السير إليه على الدوام بين ~~تعظيم مذهل ومداناة حاملة وسرور باعث فقوله : دوام ملاحظة المقصود أي دوام ~~حضور القلب معه وقوله بين تعظيم مذهل فهو امتلاء القلب من عظمة الله عز وجل ~~PageV02P066 بحيث يذهله ذلك عن تعظيم غيره وعن الالتفات إليه فلا ينسى هذا ~~التعظيم عند حضور قلبه مع الله بل يستصحبه دائما فإن الحضور مع الله يوجب ~~أنسا ومحبة إن لم يقارنهما تعظيم أورثاه خروجا عن حدود العبودية ورعونة فكل ~~حب لا يقارنه تعظيم المحبوب : فهو سببا للبعد عنه والسقوط من عينه فقد تضمن ~~كلامه خمسة أمور : سير إلى الله واستدامة هذا السير وحضور القلب معه ~~وتعظيمه والذهول بعظمته عن غيره # وأما قوله : ومداناة حاملة يريد دنوا وقربا حاملا على هذه الأمور الخمسة ~~وهذا الدنو يحمله على التعظيم الذي يذهله عن نفسه وعن غيره فإنه كلما ازداد ~~قربا من الحق ازداد له تعظيما وذهولا عن سواه وبعدا عن الخلق # وأما السرور الباعث فهو الفرحة والتعظيم واللذة التي يجدها في تلك ~~المداناة فإن سرور القلب مع الله وفرحه به وقرة العين به لا يشبهه شيء من ~~نعيم الدنيا ألبتة وليس له نظير يقاس به وهو حال من أحوال أهل الجنة حتى ~~قال بعض العارفين : إنه لتمر بي أوقات أقول فيها : إن كان أهل الجنة في مثل ~~هذا إنهم لفي عيش طيب # ولا ريب أن هذا السرور يبعثه على دوام السير إلى الله عز وجل وبذل الجهد ~~في طلبه وابتغاء مرضاته ومن لم يجد هذا السرور ولا شيئا منه فليتهم إيمانه ~~وأعماله فإن للإيمان حلاوة من لم يذقها فليرجع وليقتبس ms0464 نورا يجد به حلاوة ~~الإيمان # وقد ذكر النبي ذوق طعم الإيمان ووجد حلاوته فذكر الذوق والوجد وعلقه ~~بالإيمان فقال : ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ~~رسولا وقال : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب ~~إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن يكره أن يعود في ~~الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار PageV02P067 # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : إذا لم تجد للعمل ~~حلاوة في قلبك وانشراحا فاتهمه فإن الرب تعالى شكور يعني أنه لابد أن يثيب ~~العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه وقوة انشراح وقرة عين ~~فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول والقصد : أن السرور بالله وقربه وقرة العين به ~~تبعث على الازدياد من طاعته وتحث على الجد في السير إليه # قال : الدرجة الثانية مراقبة نظر الحق إليك برفض المعارضة بالإعراض عن ~~الاعتراض ونقض رعونة التعرض # هذه مراقبة لمراقبة الله لك فهي مراقبة لصفة خاصة معينة وهي توجب صيانة ~~الباطن والظاهر فصيانة الظاهر : بحفظ الحركات الظاهرة وصيانة الباطن : بحفظ ~~الخواطر والإرادات والحركات الباطنة التي منها رفض معارضة أمره وخبره ~~فيتجرد الباطن من كل شهوة وإرادة تعارض أمره ومن كل إرادة تعارض إرادته ومن ~~كل شبهة تعارض خبره ومن كل محبة تزاحم محبته وهذه حقيقة القلب السليم الذي ~~لا ينجو إلا من أتى الله به وهذا هو حقيقة تجريد الأبرار المقربين العارفين ~~وكل تجريد سوى هذا فناقص وهذا تجريد أرباب العزائم PageV02P068 # ثم بين الشيخ سبب المعارضة وبماذا يرفضها العبد فقال بالإعراض عن ~~الاعتراض فإن المعارضة تتولد من الاعتراض و الاعتراض ثلاثة أنواع سارية في ~~الناس والمعصوم من عصمه الله منها # النوع الأول : الاعتراض على أسمائه وصفاته بالشبه الباطلة التي يسميها ~~أربابها قواطع عقلية وهي في الحقيقة خيالات جهلية ومحالات ذهنية اعتراضوا ~~بها على أسمائه وصفاته عز وجل وحكموا بها عليه ونفوا لأجلها ما أثبته لنفسه ms0465 ~~وأثبته له رسوله وأثبتوا ما نفاه ووالوا بها أعداءه ووعادوا بها أولياءه ~~وحرفوا بها الكلم عن مواضعه ونسوا بها نصيبا كثيرا مما ذكروا به وتقطعوا ~~لها أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون # والعاصم من هذا الاعتراض : التسليم المحض للوحي فإذا سلم القلب له : رأى ~~صحة ما جاء به وأنه الحق بصريح العقل والفطرة فاجتمع له السمع والعقل ~~والفطرة وهذا أكمل الإيمان ليس كمن الحرب قائم بين سمعه وعقله وفطرته # النوع الثاني : الاعتراض على شرعه وأمره وأهل هذا الاعتراض : ثلاثة أنواع ~~أحدها : المعترضون عليه بآرائهم وأقيستهم المتضمنة تحليل ما حرم الله ~~سبحانه وتعالى وتحريم ما أباحه وإسقاط ما أوجبه وإيجاب ما أسقطه وإبطال ما ~~صححه وتصحيح ما أبطله واعتبار ما ألغاه وإلغاء ما اعتبره وتقييد ما أطلقه ~~وإطلاق ما قيده # وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتفق السلف قاطبة على ذمها والتحذير منها ~~وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض وحذروا منهم ونفروا عنهم # النوع الثاني : الاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد ~~والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله ~~PageV02P069 وإبطال دينه الذي شرعه على لسان رسوله والتعوض عن حقائق ~~الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفوس الجاهلة # والعجب أن أربابها ينكرون على أهل الحظوظ وكل ما هم فيه فحظ ولكن حظهم حظ ~~متضمن مخالفة مراد الله والإعراض عن دينه واعتقاد أنه قربة إلى الله فأين ~~هذا من حظوظ أصحاب الشهوات المعترفين بذمها المستغفرين منها المقرين بنقصهم ~~وعيبهم وأنها منافية للدين # وهؤلاء في حظوظ اتخذوها دينا وقدموها على شرع الله ودينه واغتالوا بها ~~القلوب واقتطعوها عن طريق الله فتولد من معقول أولئك وآراء الآخرين ~~وأقيستهم الباطلة وأذواق هؤلاء خراب العالم وفساد الوجود وهدم قواعد الدين ~~وتفاقم الأمر وكاد لولا أن الله ضمن أنه لايزال يقوم به من يحفظه ويبين ~~معالمه ويحميه من كيد من يكد # النوع الثالث : الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة التي لأرباب الولايات ~~التي قدموها على حكم الله ورسوله وحكموا بها بين عباده وعطلوا لها وبها ~~شرعه ms0466 وعدله وحدوده # فقال الأولون : إذا تعارض العقل والنقل : قدمنا العقل # وقال الآخرون : إذا تعارض الأثر والقياس : قدمنا القياس وقال أصحاب الذوق ~~والكشف والوجد : إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع : قدمنا الذوق ~~والوجد والكشف # وقال أصحاب السياسة : إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة # فجعلت كل طائفة قبالة دين الله وشرعه طاغوتا يتحاكمون إليه # فهؤلاء يقولون : لكم النقل ولنا العقل والآخرون يقولون : أنتم أصحاب آثار ~~وأخبار ونحن أصحاب أقيسة وآراء وأفكار وأولئك يقولون : أنتم أرباب الظاهر ~~ونحن أهل الحقائق والآخرون يقولون : لكم الشرع ولنا السياسة PageV02P070 ~~فيا لها من بلية عمت فأعمت ورزية رمت فأصمت وفتنة دعت القلوب فأجابها كل ~~قلب مفتون وأهوية عصفت فصمت منها الآذان وعميت منها العيون عطلت لها والله ~~معالم الأحكام كما نفيت لها صفات ذي الجلال والإكرام واستند كل قوم إلى ظلم ~~وظلمات آرائهم وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم وصار ~~لأجلها الوحي عرضة لكل تحريف وتأويل والدين وقفا على كل إفساد وتبديل # النوع الرابع : الاعتراض على أفعاله وقضائه وقدره وهذا اعتراض الجهال # وهو ما بين جلي وخفي وهو أنواع لا تحصى # وهو سار في النفوس سريان الحمى في بدن المحموم ولو تأمل العبد كلامه ~~وأمنيته وإرادته وأحواله لرأى ذلك في قلبه عيانا فكل نفس معترضة على قدر ~~الله وقسمه وأفعاله إلا نفسا قد اطمأنت إليه وعرفته حق المعرفة التي يمكن ~~وصول البشر إليها فتلك حظها التسليم والانقياد والرضى كل الرضاء # وأما نقض رعونة التعرض فيشير به إلى معنى آخر لا تتم المراقبة عنده إلا ~~بنقضه وهو إحساس العبد بنفسه وخواطره وأفكاره حال المراقبة والحضور مع الله ~~فإن ذلك تعرض منه لحجاب الحق له عن كمال الشهود لأن بقاء العبد مع مداركه ~~وحواسه ومشاعره وأفكاره وخواطره عند الحضور والمشاهدة : هو تعرض للحجاب ~~فينبغي أن تتخلص مراقبة نظر الحق إليك من هذه الآفات وذلك يحصل بالاستغراق ~~في الذكر فتذهل به عن نفسك وعما منك لتكون بذلك متهيئا مستعدا للفناء عن ~~وجودك وعن وجود كل ما سوى ms0467 المذكور سبحانه # وهذا التهيؤ والاستعداد : لا يكون إلا بنقض تلك الرعونة والذكر يوجب ~~الغيبة عن الحس فمن كان ذاكرا لنظر الحق إليه من إقباله عليه ثم أحس بشىء ~~من حديث نفسه وخواطره وأفكاره : فقد تعرض واستدعى عوالم نفسه واحتجاب ~~المذكور عنه لأن حضرة الحق تعالى لا يكون فيها غيره PageV02P071 وهذه ~~الدرجة لا يقدر عليها العبد إلا بملكة قوية من الذكر وجمع القلب فيه بكليته ~~على الله عز وجل # | فصل قال : الدرجة الثالثة : مراقبة الأزل بمطالعة عين السبق # استقبالا لعلم التوحيد ومراقبة ظهور إشارات الأزل على أحايين الأبد ~~ومراقبة الإخلاص من ورطة المراقبة # قوله : مراقبة الأزل أي شهود معنى الأزل وهو القدم الذي لا أول له ~~بمطالعة عين السبق أي بشهود سبق الحق تعالى لكل ما سواه إذ هو الأول الذي ~~ليس قبله شيء فمتى طالع العبد عين هذا السبق شهد معنى الأزل وعرف حقيقته ~~فبدا له حينئذ علم التوحيد فاستقبله كما يستقبل أعلام البلد وأعلام الجيش ~~ورفع له فشمر إليه وهو شهود انفراد الحق بأزليته وحده وأنه كان ولم يكن شيء ~~غيره ألبتة وكل ما سواه فكائن بعد عدمه بتكوينه فإذا عدمت الكائنات من ~~شهوده كما كانت معدومة في الأزل فطالع عين السبق وفني بشهود من لم يزل عن ~~شهود من لم يكن فقد استقبل علم التوحيد # وأما مراقبة ظهور إشارات الأزل على أحايين الأبد فقد تقدم أن ما يظهر فى ~~الأبد : هو عين ما كان معلوما في الأزل وأنه إنما تجددت أحايينه وهي أوقات ~~ظهوره فقد ظهرت إشارات الأزل وهي ما يشير إليه العقل بالأزلية من المقدرات ~~العلمية على أحايين الأبد هذا معناه الصحيح عندي # والقوم يريدون به معنى آخر : وهو اتصال الأبد بالأزل في الشهود وذلك بأن ~~يطوى بساط الكائنات عن شهوده طيا كليا ويشهد استمرار وجود الحق سبحانه وحده ~~مجردا عن كل ما سواه فيصل بهذا الشهود الأزل بالأبد ويصيران شيئا واحدا وهو ~~دوام وجوده سبحانه بقطع النظر عن كل حادث PageV02P072 # والشهود الأول أكمل وأتم وهو متعلق ms0468 بأسمائه وصفاته وتقدم علمه بالأشياء ~~ووقوعها في الأبد مطابقة لعلمه الأزلي فهذا الشهود يعطي إيمانا ومعرفة ~~وإثباتا للعلم والقدرة والفعل والقضاء والقدر # وأما الشهود الثاني : فلا يعطي صاحبه معرفة ولا إيمانا ولا إثباتا لاسم ~~ولا صفة ولا عبودية نافعة وهو أمر مشترك يشهده كل من أقر بالصانع من مسلم ~~وكافر فإذا استغرق في شهود أزليته وتفرده بالقدم وغاب عن الكائنات : اتصل ~~في شهوده الأزل بالأبد فأي كبير أمر في هذا وأي إيمان ويقين يحصل به ونحن ~~لا ننكر ذوقه ولا نقدح في وجوده وإنما نقدح في مرتبته وتفضيله على ما قبله ~~من المراقبة بحيث يكون لخاصة الخاصة وما قبله لمن هم دونهم فهذا عين الوهم ~~والله الموفق # فإذا اتصل في شهود الشاهد : الأزل الذي لا بداية له بالأزمنة التي يعقل ~~لها بداية وهي أزمنة الحوادث ثم اتصل ذلك بما لا نهاية له بحيث صارت ~~الأزمنة الثلاثة واحدا لا ماضي فيه ولا حاضر ولا مستقبل وذلك لا يكون إلا ~~إذا شهد فناء الحوادث فناء مطلقا وعدمها عدما كليا وذلك تقدير وهمي مخالف ~~للواقع وهو تجريد خيالي يوقع صاحبه في بحر طامس لا ساحل له وليل دامس لا ~~فجر له # فأين هذا من مشهد تنوع الأسماء والصفات وتعلقها بأنواع الكائنات ~~وارتباطها بجميع الحادثات وإعطاء كل اسم منها وصفة حقها من الشهود ~~والعبودية والنظر إلى سريان آثارها في الخلق والأمر والعالم العلوي والسفلي ~~والظاهر والباطن ودار الدنيا ودار الآخرة وقيامه بالفرق والجمع في ذلك علما ~~ومعرفة وحالا والله المستعان # قوله : ومراقبة الإخلاص من ورطة المراقبة يشير إلى فناء شهود المراقب عن ~~نفسه وما منها وأنه يفني بمن يراقبه عن PageV02P073 نفسه وما منها فإذا كان ~~باقيا بشهود مراقبته : فهو في ورطتها لم يتخلص منها لأن شهود المراقبة لا ~~يكون إلا مع بقائه والمقصود : إنما هو الفناء والتخلص من نفسه ومن صفاتها ~~وما منها # وقد عرفت أن فوق هذا درجة أعلى منه وأرفع وأشرف وهي مراقبة مواقع رضى ~~الرب ومساخطه في كل حركة والفناء عما ms0469 يسخطه بما يحب والتفرق له وبه وفيه ~~ناظرا إلى عين جمع العبودية فانيا عن مراده من ربه مهما ولو علا بمراد ربه ~~منه والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة تعظيم حرمات الله عز وجل # قال الله عز وجل : @QB@ ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه @QE@ [ ~~الحج : 30 ] قال جماعة من المفسرين حرمات الله ههنا مغاضبه وما نهى عنه و ~~تعظيمها ترك ملابستها قال الليث : حرمات الله : ما لا يحل انتهاكها وقال ~~قوم : الحرمات : هي الأمر والنهي وقال الزجاج : الحرمة ما وجب القيام به ~~وحرم التفريط فيه وقال قوم : الحرمات ههنا المناسك ومشاعر الحج زمانا ~~ومكانا # والصواب : أن الحرمات تعم هذا كله وهي جمع حرمة وهي ما يجب احترامه وحفظه ~~: من الحقوق والأشخاص والأزمنة والأماكن فتعظيمها : توفيتها حقها وحفظها من ~~الإضاعة # | قال صاحب المنازل : # الحرمة : هي التحرج عن المخالفات والمجاسرات # التحرج الخروج من حرج المخالفة وبناء تفعل يكون للدخول في الشيء كتمنى ~~إذا دخل في الأمنية وتولج في الأمر : دخل فيه ونحوه وللخروج منه كتحرج ~~وتحوب وتأثم إذا أراد الخروج من الحرج والحوب : هو الإثم PageV02P074 # أراد أن الحرمة هي الخروج من حرج المخالفة وجسارة الإقدام عليها ولما كان ~~المخالف قسمين جاسرا وهائبا قال عن المخالفات والمجاسرات : # قال : هي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : تعظيم الأمر والنهي لا خوفا من ~~العقوبة فتكون خصومة للنفس ولا طلبا للمثوبة فيكون مستشرفا للأجرة ولا ~~مشاهدا لأحد فيكون متزينا بالمراءاة فإن هذه الأوصاف كلها من شعب عبادة ~~النفس هذا الموضع يكثر في كلام القوم والناس بين معظم له ولأصحابه معتقد أن ~~هذا أرفع درجات العبودية : أن لا يعبد الله ويقوم بأمره ونهيه خوفا من ~~عقابه ولا طمعا في ثوابه فإن هذا واقف مع غرضه وحظ نفسه وأن المحبة تأبى ~~ذلك فإن المحب لا حظ له مع محبوبه فوقوفه مع حظه علة في محبته وأن طمعه في ~~الثواب : تطلع إلى أنه يستحق بعمله على الله تعالى أجرة ففي هذا ms0470 آفتان : ~~تطلعه إلى الأجرة وإحسان ظنه بعمله إذ تطلعه إلى استحقاقه الأجر وخوفه من ~~العقاب : خصومة للنفس فإنه لا يزال يخاصمها إذا خالفت ويقول : أما تخافين ~~النار وعذابها وما أعد الله لأهلها فلا تزال الخصومة بذلك بينه وبين نفسه # ومن وجه آخر أيضا : وهو أنه كالمخاصم عن نفسه الدافع عنها خصمه الذي يريد ~~هلاكه وهو عين الاهتمام بالنفس والالتفات إلى حظوظها مخاصمة عنها واستدعاء ~~لما تلتذ به # ولا يخلصه من هذه المخاصمة وذلك الاستشراف : إلا تجريد القيام بالأمر ~~والنهي من كل علة بل يقوم به تعظيما للآمر الناهي وأنه أهل أن يعبد وتعظم ~~حرماته فهو يستحق العبادة والتعظيم والإجلال لذاته كما في الأثر الإسرائيلي ~~لو لم أخلق جنة ولا نارا أما كنت أهلا أن أعبد # ومنه قول القائل : PageV02P075 # هب البعث لم تأتنا رسله % وجاحمة النار لم تضرم # أليس من الواجب المستح % ق على ذي الورى الشكر للمنعم # فالنفوس العلية الزكية تعبده لأنه أهل أن يعبد ويجل ويحب ويعظم فهو لذاته ~~مستحق للعبادة قالوا : ولا يكون العبد كأجير السوء إن أعطى أجره عمل وإن لم ~~يعط لم يعمل فهذا عبد الأجرة لا عبد المحبة والإرادة # قالوا : والعمال شاخصون إلى منزلتين : منزلة الآخرة ومنزلة القرب من ~~المطاع قال تعالى في حق نبيه داود @QB@ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب @QE@ [ ~~ص : 25 ] فالزلفى منزلة القرب وحسن المآب : حسن الثواب والجزاء وقال تعالى ~~: @QB@ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة @QE@ [ يونس : 26 ] ف الحسنى الجزاء و ~~الزيادة منزلة القرب ولهذا فسرت بالنظر إلى وجه الله عز وجل وهذان هما ~~اللذان وعدهما فرعون للسحرة إن غلبوا موسى فقالوا له : إن لنا لأجرا إن كنا ~~نحن الغالبين قال : نعم وإنكم إذا لمن المقربين [ الأعراف : 11311 وقال ~~تعالى : @QB@ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر @QE@ [ التوبه : ~~72 ] # قالوا : والعارفون عملهم على المنزلة والدرجة والعمال عملهم على الثواب ~~والأجرة وشتان ما بينهما # | فصل وطائفة ثانية تجعل هذا الكلام ms0471 من شطحات القوم ورعوناتهم وتحتج # بأحوال الأنبياء والرسل والصديقين ودعائهم وسؤالهم والثناء عليهم بخوفهم ~~من النار ورجائهم للجنة كما قال تعالى في حق خواص عباده الذين عبدهم ~~المشركون : إنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه كما تقدم وقال عن أنبيائه ورسله ~~: @QB@ وزكريا إذ نادى ربه @QE@ إلى أن قال @QB@ إنهم كانوا يسارعون في ~~@QE@ PageV02P076 @QB@ الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين @QE@ ~~[ الأنبياء : 8990 أي رغبا فيما عندنا ورهبا من عذابنا والضمير في قوله : ~~إنهم عائد على الأنبياء المذكورين في هذه السورة عند عامة المفسرين # والرغب والرهب رجاء الرحمة والخوف من النار عندهم أجمعين # وذكر سبحانه عباده الذين هم خواص خلقه وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم وجعل ~~منها : استعاذتهم به من النار فقال تعالى : والذين يقولون ربنا اصرف عنا ~~عذاب جهنم إن عذابها كان غراما إنها ساءت مستقراومقاما [ الفرقان : 6566 ] ~~وأخبر عنهم : أنهم توسلوا إليه بإيمانهم أن ينجيهم من النار فقال تعالى : ~~@QB@ الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار @QE@ [ ~~آل عمران : 16 ] فجعلوا أعظم وسائلهم إليه : وسيلة الإيمان وأن ينجيهم من ~~النار # وأخبر تعالى عن سادات العارفين أولي الألباب أنهم كانوا يسألونه جنته ~~ويتعوذون به من ناره فقال تعالى : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب الآيات إلى آخرها ولا خلاف أن الموعود به على ~~ألسنة رسله : هي الجنة التى سألوها # وقال عن خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي ~~يوم الدين رب هب لي حكما وألحقني بالص الحينواجعلني من ورثة جنة النعيم ~~واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا ~~بنون إلا من أتى الله بقلب سليم [ الشعراء : 8289 ] فسأل الله الجنة ~~واستعاذ به من النار وهو الخزي يوم البعث # وأخبرنا سبحانه عن الجنة : أنها كانت وعدا عليه مسئولا أي يسأله إياها ~~عباده وأولياؤه PageV02P077 # وأمر النبي أمته : أن يسألوا له في وقت الإجابة عقيب الأذان أعلى منزلة ~~في الجنة وأخبر : أن من سألها له حلت ms0472 عليه شفاعته # وقال له سليم الأنصاري أما إني أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار لا ~~أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال : أنا ومعاذ حولها ندندن # وفي الصحيح في حديث الملائكة السيارة الفضل عن كتاب الناس إن الله تعالى ~~يسألهم عن عباده وهو أعلم تبارك وتعالى فيقولون : أتيناك من عند عباد لك ~~يهللونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك فيقول عز وجل : وهل رأوني فيقولون : لا ~~يا رب ما رأوك فيقول عز وجل : كيف لو رأوني فيقولون : لو رأوك لكانوا لك ~~أشد تمجيدا قالوا : : يارب ويسألونك جنتك فيقول : هل رأوها فيقولون : لا ~~وعزتك ما رأوها فيقول : فكيف لو رأوها فيقولون : لو رأوها لكانوا لها أشد ~~طلبا قالوا : ويستعيذون بك من النار فيقول عز وجل : وهل رأوها فيقولون : لا ~~وعزتك ما رأوها فيقول : فكيف لو رأوها فيقولون : لو رأوها لكانوا أشد منها ~~هربا فيقول : إني أشهدكم أني قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوا وأعذتهم مما ~~استعاذوا منه # والقرآن والسنة مملوءان من الثناء على عباده وأوليائه بسؤال الجنة ~~ورجائها والاستعاذة من النار والخوف منها # قالوا وقد قال النبي لأصحابه : استعيذوا بالله من النار وقال لمن سأله ~~مرافقته في الجنة : أعني على نفسك بكثرة السجود قالوا : والعمل على طلب ~~الجنة والنجاة من النار مقصود الشارع من أمته ليكونا دائما على ذكر منهم ~~فلا ينسونهما ولأن الإيمان بهما شرط في النجاة والعمل على حصول الجنة ~~والنجاة من النار : هو محض الإيمان # قالوا : وقد حض النبي عليها أصحابه وأمته فوصفها وجلاها لهم ليخطبوها ~~وقال : ألا مشمر للجنة فإنها ورب الكعبة نور PageV02P078 يتلألأ وريحانة ~~تهتز وزوجة حسناء وفاكهة نضيجة وقصر مشيد ونهر مطرد الحديث فقال الصحابة ~~رضي الله عنهم : يا رسول الله نحن المشمرون لها فقال : قولوا : إن شاء الله # ولو ذهبنا نذكر ما في السنة من قوله : من عمل كذا وكذا أدخله الله الجنة ~~تحريضا على عمله لها وأن تكون هي الباعثة على العمل : لطال ذلك جدا وذلك في ~~جميع الأعمال # قالوا : فكيف يكون العمل لأجل الثواب وخوف ms0473 العقاب معلولا ورسول الله يحرض ~~عليه ويقول : من فعل كذا فتحت له أبواب الجنة الثمانية و : من قال سبحان ~~الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة و : من كسا مسلما على عرى كساه الله من ~~حلل الجنة و : عائد المريض في خرفة الجنة والحديث مملوء من ذلك أفتراه يحرض ~~المؤمنين على مطلب معلول ناقص ويدع المطلب العالي البريء من شوائب العلل لا ~~يحرضهم عليه # قالوا : وأيضا فالله سبحانه يحب من عباده أن يسألوه جنته ويستعيذوا به من ~~ناره فإنه يحب أن يسأل ومن لم يسأله يغضب عليه وأعظم ما سئل الجنة وأعظم ما ~~استعيذ به من النار # فالعمل لطلب الجنة محبوب للرب مرضي له وطلبها عبودية للرب والقيام ~~بعبوديته كلها أولى من تعطيل بعضها # قالوا : وإذا خلا القلب من ملاحظة الجنة والنار ورجاء هذه والهرب من هذه ~~: فترت عزائمه وضعفت همته ووهى باعثه وكلما كان أشد طلبا للجنة وعملا لها : ~~كان الباعث له أقوى والهمة أشد والسعي أتم وهذا أمر معلوم بالذوق # قالوا : ولو لم يكن هذا مطلوبا للشارع لما وصف الجنة للعباد وزينها لهم ~~وعرضها عليهم وأخبرهم عن تفاصيل ما تصل إليه عقولهم منها وما عداه أخبرهم ~~به مجملا كل هذا تشويقا لهم إليها وحثا لهم على السعى لها سعيها ~~PageV02P079 # قالوا : وقد قال الله عز وجل : @QB@ والله يدعو إلى دار السلام @QE@ وهذا ~~حث على إجابة هذه الدعوة والمبادرة إليها والمسارعة في الإجابة # والتحقيق أن يقال : الجنة ليست اسما لمجرد الأشجار والفواكه والطعام ~~والشراب والحور العين والأنهار والقصور وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنة ~~فإن الجنة اسم لدار النعيم المطلق الكامل ومن أعظم نعيم الجنة : التمتع ~~بالنظر إلى وجه الله الكريم وسماع كلامه وقرة العين بالقرب منه وبرضوانه ~~فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة ~~أبدا فأيسر يسير من رضوانه : أكبر من الجنان وما فيها من ذلك كما قال تعالى ~~: @QB@ ورضوان من الله أكبر @QE@ [ التوبه : 72 ] وأتى به منكرا في سياق ~~الإثبات أي أي ms0474 شيء كان من رضاه عن عبده : فهو أكبر من الجنة # قليل منك يقنعني % ولكن قليلك لا يقال له قليل # وفي الحديث الصحيح حديث الرؤية : فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم ~~من النظر إلى وجهه وفي حديث آخر : أنه سبحانه إذا تجلى لهم ورأوا وجهه ~~عيانا : نسوا ما هم فيه من النعيم وذهلوا عنه ولم يلتفوا إليه ولا ريب أن ~~الأمر هكذا وهو أجل مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال ولا سيما عند فوز ~~المحبين هناك بمعية المحبة فإن المرء مع من أحب ولا تخصيص في هذا الحكم بل ~~هو ثابت شاهدا وغائبا # فأي نعيم وأي لذة وأي قرة عين وأي فوز يداني نعيم تلك المعية ولذتها وقرة ~~العين بها # وهل فوق نعيم قرة العين بمعية المحبوب الذي لا شيء أجل منه ولا أكمل ولا ~~أجمل قرة عين ألبتة # وهذا والله هو العلم الذي شمر إليه المحبون واللواء الذي أمه العارفون ~~وهو روح مسمى الجنة وحياتها وبه طابت الجنة وعليه قامت PageV02P080 # فكيف يقال : لا يعبد الله طلبا لجنته ولا خوفا من ناره # وكذلك النار أعاذنا الله منها فإن لأربابها من عذاب الحجاب عن الله ~~وإهانته وغضبه وسخطه والبعد عنه : أعظم من التهاب النار في أجسامهم ~~وأرواحهم بل التهاب هذه النار في قلوبهم : هو الذي أوجب التهابها في ~~أبدانهم ومنها سرت إليها # فمطلوب الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين : هو الجنة ~~ومهربهم : من النار # والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل # ومقصد القوم : أن العبد يعبد ربه بحق العبودية والعبد إذا طلب من سيده ~~أجرة على خدمته له كان أحمق ساقطا من عين سيده إن لم يستوجب عقوبته إذ ~~عبوديته تقتضي خدمته له وإنما يخدم بالأجرة من لا عبودية للمخدوم عليه إما ~~أن يكون حرا في نفسه أو عبدا لغيره وأما من الخلق عبيده حقا وملكه على ~~الحقيقة ليس فيهم حر ولا عبد لغيره : فخدمتهم له بحق العبودية فاقتضاؤهم ~~للأجرة خروج عن محض العبودية ms0475 # وهذا لا ينكر على الإطلاق ولا يقبل على الإطلاق وهو موضع تفصيل وتمييز # وقد تقدم في أول الكتاب : ذكر طرق الخلق في هذا الموضع وبينا طريق أهل ~~الاستقامة فالناس في هذا المقام أربعة أقسام أحدهم : من لا يريد ربه ولا ~~يريد ثوابه فهؤلاء أعداؤه حقا وهم أهل العذاب الدائم وعدم إرادتهم لثوابه : ~~إما لعدم تصديقهم به وإما لإيثار العاجل عليه ولو كان فيه سخطه PageV02P081 # والقسم الثاني : من يريده ويريد ثوابه وهؤلاء خواص خلقه قال الله تعالى : ~~وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن ~~أجراعظيما [ الأحزاب : 29 ] فهذا خطابه لخير نساء العالمين أزواج نبيه وقال ~~الله تعالى : @QB@ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان ~~سعيهم مشكورا @QE@ [ الإسراء : 19 ] فأخبر أن السعي المشكور : سعي من أراد ~~الآخرة وأصرح منها : قوله لخواص أوليائه وهم أصحاب نبيه ورضى عنهم في يوم ~~أحد @QB@ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة @QE@ [ ] فقسمهم إلى ~~هذين القسمين اللذين لا ثالث لهما # وقد غلط من قال : فأين من يريد الله فإن إرادة الآخرة عبارة عن إرادة ~~الله تعالى وثوابه فإرادة الثواب لا تنافي إرادة الله # والقسم الثالث : من يريد من الله ولا يريد الله فهذا ناقص غاية النقص وهو ~~حال الجاهل بربه الذي سمع : أن ثم جنة ونارا فليس في قلبه غير إرادة نعيم ~~الجنة المخلوق لا يخطر بباله سواه ألبتة بل هذا حال أكثر المتكلمين ~~المنكرين رؤية الله تعالى والتلذذ بالنظر إلى وجهه في الآخرة وسماع كلامه ~~وحبه والمنكرين على من يزعم أنه يحب الله وهم عبيد الأجرة المحضة فهؤلاء لا ~~يريدون الله تعالى وتقدس # ومنهم من يصرح بأن إرادة الله محال # قالوا : لأن الإرادة إنما تتعلق بالحادث فالقديم لا يراد فهؤلاء منكرون ~~لإرادة الله غاية الإنكار وأعلى الإرادة عندهم : إرادة الأكل والشرب ~~والنكاح واللباس في الجنة وتوابع ذلك فهؤلاء في شق وأولئك الذين قالوا : لم ~~نعبده طلبا لجنته ولا هربا من ناره في شق وهما طرفا نقيض بينهما ms0476 أعظم من ~~بعد المشرقين وهؤلاء من أكثف الناس حجابا وأغلظهم طباعا وأقساهم قلوبا ~~وأبعدهم عن روح المحبة والتأله ونعيم الأرواح والقلوب وهم يكفرون أصحاب ~~PageV02P082 المحبة والشوق إلى الله والتلذذ بحبه والتصديق بلذة النظر إلى ~~وجهه وسماع كلامه منه بلا واسطة # وأولئك لا يعدونهم من البشر إلا بالصورة ومرتبتهم عندهم قريبة من مرتبة ~~الجماد والحيوان البهيم وهم عندهم في حجاب كثيف عن معرفة نفوسهم وكمالها ~~ومعرفة معبودهم وسر عبوديته # وحال الطائفتين عجب لمن اطلع عليه # والقسم الرابع وهو محال : أن يريد الله ولا يريد منه فهذا هو الذي يزعم ~~هؤلاء : أنه مطلوبهم وأن من لم يصل إليه ففي سيره علة وأن العارف ينتهي إلى ~~هذا المقام وهو أن يكون الله مراده ولا يريد منه شيئا كما يحكى عن أبي يزيد ~~أنه قال : قبل لي : ما تريد فقلت : أريد أن لا أريد # وهذا في التحقيق عين المحال الممتنع : عقلا وفطرة وحسا وشرعا فإن الإرادة ~~من لوازم الحي وإنما يعرض له التجرد عنها بالغيبة عن عقله وحسه كالسكر ~~والإغماء والنوم فنحن لا ننكر التجريد عن إرادة ما سواه من المخلوقات التي ~~تزاحم إرادتها إرادته أفليس صاحب هذا المقام مريدا لقربه ورضاه ودوام ~~مراقبته والحضور معه وأي إرادة فوق هذه # نعم قد زهد في مراد لمراد هو أجل منه وأعلا فلم يخرج عن الإرادة وإنما ~~انتقل من إرادة إلى إرادة ومن مراد إلى مراد وأما خلوه عن صفة الإرادة ~~بالكلية مع حضور عقله وحسه : فمحال # وإن حاكمنا في ذلك محاكم إلى ذوق مصطلم مأخوذ عن نفسه فإن عن PageV02P083 ~~عوالمها : لم ننكر ذلك لكن هذه حال عارضة غير دائمة ولا هي غاية مطلوبة ~~للسالكين ولا مقدورة للبشر ولا مأمور بها ولا هي أعلا المقامات فيؤمر ~~باكتساب أسبابها فهذا فصل الخطاب في هذا الموضع والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل قوله : ولا مشاهدا لأحد فيكون متزينا بالمراءاة هذا فيه # تفصيل أيضا وهو أن المشاهدة في العمل لغير الله نوعان # مشاهدة تبعث عليه أو تقوي باعثه فهذه مراءاة ms0477 خالصة أو مشوبة كما أن ~~المشاهدة القاطعة عنه أيضا من الآفات والحجب # ومشاهدة لا تبعث عليه ولا تعين الباعث بل لا فرق عنده بين وجودها وعدمها ~~فهذه لا تدخله في التزين بالمراءاة ولا سيما عند المصلحة الراجحة في هذه ~~المشاهدة : إما حفظا ورعاية كمشاهدة مريض أو مشرف على هلكة يخاف وقوعه فيها ~~أو مشاهدة عدو يخاف هجومه كصلاة الخوف عند المواجهة أو مشاهدة ناظر إليك ~~يريد أن يتعلم منك فتكون محسنا إليه بالتعليم وإلى نفسك بالإخلاص أو قصدا ~~منك للاقتداء وتعريف الجاهل فهذا رياء محمود والله عند نية القلب وقصده # فالرياء المذموم : أن يكون الباعث : قصد التعظيم والمدح والرغبة فيما عند ~~من ترائيه أو الرهبة منه وأما ما ذكرنا من قصد رعايته أو تعليمه أو إظهار ~~السنة وملاحظة هجوم العدو ونحو ذلك : فليس في هذه المشاهد رياء بل قد يتصدق ~~العبد رياء مثلا وتكون صدقته فوق صدقة صاحب السر # مثال ذلك : رجل مضرور سأل قوما ما هو محتاج إليه فعلم رجل منهم : أنه إن ~~أعطاه سرا حيث لا يراه أحد : لم يقتد به أحد ولم يحصل له سوى تلك العطية ~~وأنه إن أعطاه جهرا : اقتدي به واتبع وأنف الحاضرون من تفرده عنهم بالعطية ~~فجهر له بالعطاء وكان الباعث له على الجهر : إرادة سعة العطاء عليه ~~PageV02P084 من الحاضرين فهذه مراءاة محمودة حيث لم يكن الباعث عليها قصد ~~التعظيم والثناء وصاحبها جدير بأن يحصل له مثل أوجور أولئك المعطين # قوله : فإن هذه الأوصاف كلها من شعب عبادة النفس # يعني أن الخائف يشتغل بحفظ نفسه من العذاب ففيه عبادة لنفسه إذ هو متوجه ~~إليها وطالب المثوبة متوجه إلى طلب حظ نفسه وذلك شعبة من عبوديتها والمشاهد ~~للناس في عبادته : فيه شعبة من عبودية نفسه إذ هو طالب لتعظيمهم وثنائهم ~~ومدحهم فهذه شعب من شعب عبودية النفس والأصل الذي هذه الشعب فروعه : هي ~~النفس فإذا ماتت بالمجاهدة والإقبال على الله والاشتغال به ودوام المراقبة ~~له : ماتت هذه الشعب # فلا جرم أن بناء أمر هذه ms0478 الطائفة على ترك عبادة النفس وقد علمت أن الخوف ~~وطلب الثواب : ليس من عبادة النفس في شيء # نعم التزين بالمراءاة عين عبادة النفس والكلام في أمر أرفع من هذا فإن ~~حال المرائي أخس ونفسه أسقط وهمته أدنى من أن يدخل في شأن الصادقين ويذكر ~~مع الصالحين والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل قال صاحب المنازل : # الدرجة الثانية : إجراء الخبر على ظاهره وهو أن تبقى أعلام توحيد العامة ~~الخبرية على ظواهرها ولا يتحمل البحث عنها تعسفا ولا يتكلف لها تأويلا ولا ~~يتجاوز ظواهرها تمثيلا ولا يدعي عليها إدراكا أو توهما # يشير الشيخ رحمه الله وقدس روحه بذلك إلى أن حفظ حرمة نصوص الأسماء ~~والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أذهان ~~العامة ولا يعني بالعامة الجهال بل عامة الأمة كما قال مالك رحمه الله وقد ~~سئل عن قوله تعالى @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ [ طه : 5 ] كيف استوى ~~PageV02P085 فأطرق مالك حتى علاه الرحضاء ثم قال : الاستواء معلوم والكيف ~~غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة # ففرق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة وبين الكيف الذي لا يعقله البشر ~~وهذا الجواب من مالك رضي الله عنه شاف عام في جميع مسائل الصفات # فمن سأل عن قوله : @QB@ إنني معكما أسمع وأرى @QE@ [ طه : 46 ] كيف يسمع ~~ويرى أجيب بهذا الجواب بعينه فقيل له : السمع والبصر معلوم والكيف غير ~~معقول # وكذلك من سأل عن العلم والحياة والقدرة والإرادة والنزول والغضب والرضى ~~والرحمة والضحك وغير ذلك فمعانيها كلها مفهومة وأما كيفيتها : فغير معقولة ~~إذ تعقل الكيفية فرع العلم بكيفية الذات وكنهها فإذا كان ذلك غير معقول ~~للبشر فكيف يعقل لهم كيفية الصفات # والعصمة النافعة في هذا الباب : أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه ~~به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل بل تثبت له ~~الأسماء والصفات وتنفى عنه مشابهة المخلوقات فيكون إثباتك منزها عن التشبيه ~~ونفيك منزها عن التعطيل فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل ومن شبهه ms0479 باستواء ~~المخلوق على المخلوق فهو ممثل ومن قال : استواء ليس كمثله شيء فهو الموحد ~~المنزه # وهكذا الكلام في السمع والبصر والحياة والإرادة والقدرة واليد والوجه ~~والرضى والغضب والنزول والضحك وسائر ما وصف الله به نفسه # والمنحرفون في هذا الباب قد أشار الشيخ إليهم بقوله : لا يتحمل البحث ~~عنها تعسفا أي لا يتكلف التعسف عن البحث عن كيفياتها و التعسف سلوك غير ~~الطريق يقال : ركب فلان التعاسيف في سيره إذا كان يسير يمينا وشمالا جائرا ~~عن الطريق PageV02P086 # ولا يتكلف لها تأويلا أراد بالتأويل ههنا : التأويل الاصطلاحي وهو صرف ~~اللفظ عن ظاهره عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح # وقد حكى غير واحد من العلماء : إجماع السلف على تركه وممن حكاه البغوى ~~وأبو المعالي الجويني في رسالته النظامية بخلاف ما سلكه في شامله و إرشاده ~~وممن حكاه : سعد بن علي الزنجاني # وقبل هؤلاء خلائق من العلماء لا يحصيهم إلا الله # ولا يتجاوز ظاهرها تمثيلا أي لا يمثلها بصفات المخلوقين وفي قوله : لا ~~يتجاوز ظاهرها إشارة لطيفة وهي أن ظواهرها لا تقتضي التمثيل كما تظنه ~~المعطلة النفاة وأن التمثيل تجاوز لظواهرها إلى ما لا تقتضيه كما أن ~~تأويلها تكلف وحمل لها على ما لا تقتضيه فهي لا تقتضي ظواهرها تمثيلا ولا ~~تحتمل تأويلا بل إجراء على ظواهرها بلا تأويل ولا تمثيل فهذه طريقة ~~السالكين بها سواء السبيل # وأما قوله : ولا يدعى عليها إدراكا أي لا يدعى عليها استدراكا ولا فهما ~~ولا معنى غير فهم العامة كما يدعيه أرباب الكلام الباطل المذموم بإجماع ~~السلف # وقوله : ولا توهما أي لا يعدل عن ظواهرها إلى التوهم # و التوهم نوعان : توهم كيفية لا تدل عليه ظواهرها أو توهم معنى غير ما ~~تقتضيه ظواهرها وكلاهما توهم باطل وهما توهم تشبيه وتمثيل أو تحريف وتعطيل # وهذا الكلام من شيخ الإسلام يبين مرتبته من السنة ومقداره في العلم وأنه ~~بريء مما رماه به أعداؤه الجهمية من التشبيه والتمثيل على عادتهم في رمي ~~أهل الحديث والسنة بذلك كرمي الرافضة لهم بأنهم نواصب ms0480 والمعتزلة بأنهم ~~نوابت حشوية وذلك ميراث من أعداء رسول الله في رميه ورمي أصحابه رضي الله ~~عنهم بأنهم صبأة قد ابتدعوا دينا محدثا وميراث لأهل PageV02P087 الحديث ~~والسنة من نبيهم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين بتلقيب أهل الباطل لهم ~~بالألقاب المذمومة وقدس الله روح الشافعي حيث يقول وقد نسب إلى الرفض : # إن كان رفضا حب آل محمد % فليشهد الثقلان : أني رافضي # ورضي الله عن شيخنا أبي العباس بن تيمية حيث يقول # إن كان نصباحب صحب محمد % فليشهد الثقلان : أني ناصبي # وعفا الله عن الثالث حيث يقول : # فإن كان تجسيما ثبوت صفاته % وتنزيهها عن كل تأويل مفترى # فإني بحمد الله ربي مجسم % هلموا شهودا واملأوا كل محضر # | فصل قال : الدرجة الثالثة : صيانة الانبساط : أن تشوبه جرأة وصيانة # السرور : أن يداخله أمن وصيانة الشهود : أن يعارضه سبب # لما كانت هذه الدرجة عنده مختصة بأهل المشاهدة والغالب عليهم الانبساط ~~والسرور فإن صاحبها متعلق باسمه الباسط حذره من شائبة الجرأة وهي ما يخرجه ~~عن أدب العبودية ويدخله في الشطح كشطح من قال سبحاني ونحو ذلك من الشطحات ~~المعروفة المخرجة عن أدب العبودية التي نهاية صاحبها : أن يعذر بزوال عقله ~~وغلبة سكر الحال عليه فلا بد من مقارنة التعظيم والإجلال لبسط المشاهدة ~~وإلا وقع في الجرأة ولا بد فالمراقبة تصونه عن ذلك # قوله : وصيانة السرور : أن يداخله أمن PageV02P088 # يعني أن صاحب الانبساط والمشاهدة يداخله سرور لا يشبهه سرور ألبتة فينبغي ~~له أن لا يأمن في هذا الحال المكر بل يصون سروره وفرحه عن خطفات المكر بخوف ~~العاقبة المطوي عنه علم غيبها ولا يغتر وأما صيانة الشهود : أن يعارضه سبب ~~فيريد أن صاحب الشهود : قد يكون ضعيفا في شهود حقيقة التوحيد فيتوهم أنه قد ~~حصل له ما حصل بسبب الاجتهاد التام والعبادة الخالصة فينسب حصول ما حصل له ~~من الشهود إلى سبب منه وذلك نقص في توحيده ومعرفته لأن الشهود لا يكون إلا ~~موهبة ليس هو كسبيا ولو كان كسبيا فشهود سببه نقص في التوحيد وغيبة عن ms0481 شهود ~~الحقيقة # ويحتمل أن يريد بالسبب المعارض للشهود : ورود خاطر على الشاهد يكدر عليه ~~صفو شهوده فيصونه عن ورود سبب يعارضه : إما معارض إرادة أو معارض شبهة وقد ~~يعم كلامه الأمرين والله سبحانه أعلم فصلومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين ~~منزلة الإخلاص # قال الله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [ البينة : ~~5 ] وقال : وقال إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ~~ألا لله الدين الخالص وقال : قل الله لنبيه أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما ~~شئتم من دونه [ الزمر : 23 ] وقال : له @QB@ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين @QE@ [ ~~الأنعام : 16216 وقال : @QB@ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا @QE@ [ عملا : الملك : 2 ] قال الفضيل بن عياض : هو أخلصه وأصوبه ~~قالوا : يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه فقال : إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن ~~صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا : لم يقبل حتى يكون خالصا ~~صوابا والخالص : أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة ثم قرأ قوله تعالى ~~: @QB@ فمن كان يرجو لقاء ربه @QE@ PageV02P089 @QB@ فليعمل عملا صالحا ولا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا @QE@ [ الكهف : 110 ] وقال تعالى : @QB@ ومن أحسن ~~دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن @QE@ [ النساء : 125 ] فإسلام الوجه إخلاص ~~القصد والعمل لله والإحسان فيه : متابعة رسوله وسنته وقال تعالى : وقدمنا ~~إلى ما عملوا من علم فجعلناه هباء منثورا [ الفرقان : 23 ] وهي الأعمال ~~التي كانت على غير السنة أو أريد بها غير وجه الله قال النبي لسعد بن أبي ~~وقاص رضي الله عنه إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله تعالى : إلا ~~ازددت به خيرا ودرجة ورفعة وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال : قال رسول الله ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ومناصحة ~~ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم أي لا يبقى فيه ~~غل ولا يحمل ms0482 الغل مع هذه الثلاثة بل تنفي عنه غله وتنقيه منه وتخرجه عنه ~~فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل وكذلك يغل على الغش وعلى خروجه عن جماعة ~~المسلمين بالبدعة والضلالة فهذه الثلاثة تملؤه غلا ودغلا ودواء هذا الغل ~~واستخراج أخلاطه : بتجريد الإخلاص والنصح ومتابعة السنة # و سئل رسول الله عن الرجل : يقاتل رياء ويقاتل شجاعة ويقاتل حمية : أي ~~ذلك في سبيل الله فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل ~~الله # وأخبر عن أول ثلاثة تسعر بهم النار : قارىء القرآن والمجاهد والمتصدق ~~بماله الذين فعلوا ذلك ليقال : فلان قارىء فلان شجاع فلان متصدق ولم تكن ~~أعمالهم خالصة لله # وفي الحديث الصحيح الإلهى يقول الله تعالى : أنا أغني الشركاء عن الشرك ~~من عمل عملا أشرك فيه غيري فهو للذي أشرك به وأنا منه بريء PageV02P090 # وفي أثر آخر : يقول له يوم القيامة : اذهب فخذ أجرك ممن عملت له لا أجر ~~لك عندنا # وفي الصحيح عنه إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى ~~قلوبكم وقال تعالى : @QB@ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم @QE@ [ الحج : 37 ] # وفي أثر مروري إلهي : الإخلاص : سر من سري استودعته قلب من أحببته من ~~عبادي # وقد تنوعت عبارتهم في الإخلاص و الصدق والقصد واحد فقيل : هو إفراد الحق ~~سبحانه بالقصد في الطاعة وقيل : تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين وقيل : ~~التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك و الصدق التنقي من مطالعة النفس ~~فالمخلص لا رياء له والصادق لا إعجاب له ولا يتم الإخلاص إلا بالصدق ولا ~~الصدق إلا بالإخلاص ولا يتمان إلا بالصبر # وقيل : من شهد في إخلاصه الإخلاص احتاج إخلاصه إلى إخلاص فنقصان كل مخلص ~~في إخلاصه : بقدر رؤية إخلاصه فإذا سقط عن نفسه رؤية الإخلاص صار مخلصا ~~مخلصا وقيل : الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن والرياء : أن ~~يكون ظاهره خيرا من باطنه والصدق في الإخلاص : أن يكون باطنه أعمر من ظاهره ~~وقيل : الإخلاص نسيان رؤية ms0483 الخلق بدوام النظر إلى الخالق ومن تزين للناس ~~بما ليس فيه سقط من عين الله # ومن كلام الفضيل ترك العمل من أجل الناس : رياء والعمل من أجل الناس : ~~شرك والإخلاص : أن يعافيك الله منهما PageV02P091 # قال الجنيد : الإخلاص سر بين الله وبين العبد لا يعلمه ملك فيكتبه ولا ~~شيطان فيفسده ولا هوى فيميله وقيل لسهل : أي شيء أشد على النفس فقال : ~~الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب # وقال بعضهم : الإخلاص أن لا تطلب على عملك شاهدا غير الله ولا مجازيا ~~سواه وقال مكحول : ما أخلص عبد قط أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من ~~قلبه على لسانه وقال يوسف بن الحسين : أعز شيء في الدنيا : الإخلاص وكم ~~أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت على لون آخر # وقال أبو سليمان الداراني : إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس ~~والرياء # | فصل قال صاحب المنازل الإخلاص : تصفية العمل من كل شوب # أي لا يمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس : إما طلب التزين في ~~قلوب الخلق وإما طلب مدحهم والهرب من ذمهم أو طلب تعظيمهم أو طلب أموالهم ~~أو خدمتهم ومحبتهم وقضائهم حوائجه أو طلب محبتهم له أو غير ذلك من العلل ~~والشوائب التي عقد متفرقاتها : هو إرادة ما سوى الله بعمله كائنا ما كان ~~قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : إخراج رؤية العمل عن العمل ~~والخلاص من طلب العوض على العمل والنزول عن الرضى بالعمل يعرض للعامل في ~~عمله ثلاث آفات : رؤيته وملاحظته وطلب العوض عليه ورضاه به وسكونه إليه # ففي هذه الدرجة يتخلص من هذه البلية فالذي يخلصه من رؤية عمله : مشاهدته ~~لمنة الله عليه وفضله وتوفيقه له وأنه بالله لا بنفسه وأنه إنما أوجب ~~PageV02P092 عمله مشيئة الله لا مشيئته هو كما قال تعالى : وما تشاءون إلا ~~أن يشاء الله رب العالمين [ التكوير : 29 ] # فهننا ينفعه شهود الجبر وأنه آلة محضة وأن فعله كحركات الأشجار وهبوب ~~الرياح وأن المحرك له غيره والفاعل فيه سواه وأنه ميت والميت لا ms0484 يفعل شيئا ~~وأنه لو خلي ونفسه لم يكن من فعله الصالح شيء ألبتة فإن النفس جاهلة ظالمة ~~طبعها الكسل وإيثار الشهوات والبطالة وهي منبع كل شر ومأوى كل سوء وما كان ~~هكذا لم يصدر منه خير ولا هو من شأنه # فالخير الذي صدر منها : إنما هو من الله وبه لا من العبد ولا به كما قال ~~تعالى : @QB@ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن ~~الله يزكي من يشاء @QE@ [ النور : 21 ] وقال أهل الجنة @QB@ الحمد لله الذي ~~هدانا لهذا @QE@ [ الأعراف : 43 ] وقال تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم @QB@ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا @QE@ [ الإسراء : ~~74 ] وقال تعالى : @QB@ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم @QE@ ~~الآية # فكل خير في العبد فهو مجرد فضل الله ومنته وإحسانه ونعمته وهو المحمود ~~عليه فرؤية العبد لأعماله في الحقيقة كرؤيته لصفاته الخلقية : من سمعه ~~وبصره وإدراكه وقوته بل من صحته وسلامة أعضائه ونحو ذلك فالكل مجرد عطاء ~~الله ونعمته وفضله # فالذي يخلص العبد من هذه الآفة : معرفة ربه ومعرفة نفسه والذي يخلصه من ~~طلب العوض على العمل : علمه بأنه عبد محض والعبد لا يستحق على خدمته لسيده ~~عوضا ولا أجرة إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته فما يناله من سيده من الأجر ~~والثواب تفضل منه وإحسان إليه وإنعام عليه لا معاوضة إذ الأجرة إنما ~~يستحقها الحر أو عبد الغير فأما عبد نفسه فلا # والذي يخلصه من رضاه بعمله وسكونه إليه : أمران : PageV02P093 # أحدهما : مطالعة عيوبه وآفاته وتقصيره فيه وما فيه من حظ النفس ونصيب ~~الشيطان فقل عمل من الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب وإن قل وللنفس فيه حظ ~~سئل النبي عن التفات الرجل في صلاته فقال : هو اختلاس يختلسه الشيطان من ~~صلاة العبد # فإذا كان هذا التفات طرفه أو لحظه فكيف التفات قلبه إلى ما سوى الله هذا ~~أعظم نصيب الشيطان من العبودية # وقال ابن مسعود لا يجعل أحدكم للشيطان حظا من صلاته يرى أن حقا عليه ms0485 : أن ~~لا ينصرف إلا عن يمينه فجعل هذا القدر اليسير النزر حظا ونصيبا للشيطان من ~~صلاة العبد فما الظن بما فوقه وأما حظ النفس من العمل : فلا يعرفه إلا أهل ~~البصائر الصادقون # الثاني : علمه بما يستحقه الرب جل جلاله : من حقوق العبودية وآدابها ~~الظاهرة والباطنة وشروطها وأن العبد أضعف وأعجز وأقل من أن يوفيها حقا وأن ~~يرضى بها لربه فالعارف لا يرضى بشيء من عمله لربه ولا يرضى نفسه لله طرفة ~~عين ويستحيي من مقابلة الله بعمله # فسوء ظنه بنفسه وعمله وبغضه لها وكراهته لأنفاسه وصعودها إلى الله : يحول ~~بينه وبين الرضى بعمله والرضى عن نفسه # وكان بعض السلف يصلي في اليوم والليلة أربعمائة ركعة ثم يقبض على لحيته ~~ويهزها ويقول لنفسه : يا مأوى كل سوء وهل رضيتك لله طرفة عين # وقال بعضهم : آفة العبد رضاه عن نفسه ومن نظر إلى نفسه باستحسان ~~PageV02P094 شيء منها فقد أهلكها ومن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات فهو ~~مغرور # | فصل قال صاحب المنازل : الدرجة الثانية : الخجل من العمل مع # بذل المجهود وتوفير الجهد بالاحتماء من الشهود ورؤية العمل في نور ~~التوفيق من عين الجود # هذه ثلاثة أمور خجلة من عمله وهو شدة حيائه من الله إذ لم ير ذلك العمل ~~صالحا له مع بذل مجهوده فيه قال تعالى : والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ~~: أنهم إلى ربهم راجعون [ المؤمنون : 60 ] قال النبي : هو الرجل يصوم ويصلي ~~ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه # وقال بعضهم : إني لأصلي ركعتين فأقوم عنهما بمنزلة السارق أو الزاني الذي ~~يراه الناس حياء من الله عز وجل # فالمؤمن : جمع إحسانا في مخافة وسوء ظن بنفسه والمغرور : حسن الظن بنفسه ~~مع إساءته الثاني : توفير الجهد باحتمائه من الشهود أي يأتي بجهد الطاقة في ~~تصحيح العمل محتميا عن شهوده منك وبك الثالث : أن تحتمي بنور التوفيق الذي ~~ينور الله به بصيرة العبد فترى في ضوء ذلك النور : أن عملك من عين جوده لا ~~بك ولا منك فقد اشتملت هذه الدرجة على ms0486 خمسة أشياء : عمل واجتهاد فيه وخجل ~~وحياء من الله عز وجلوصيانة عن شهوده منك ورؤيته من عين جود الله سبحانه ~~ومنه # قال : الدرجة الثالثة : إخلاص العمل بالخلاص من العمل تدعه يسير سير ~~العلم وتسير أنت مشاهدا للحكم حرا من رق الرسم PageV02P095 # قد فسر الشيخ مراده بإخلاص العمل من العمل بقوله : تدعه يسير سير العلم ~~وتسير أنت مشاهدا للحكم # ومعنى كلامه : أنك تجعل عملك تابعا للعلم موافقا له مؤتما به تسير بسيره ~~وتقف بوقوفه وتتحرك بحركته نازلا منازله مرتويا من موارده ناظرا إلى الحكم ~~الديني الأمري متقيدا به فعلا وتركا وطلبا وهربا ناظرا إلى ترتب الثواب ~~الثواب والعقاب عليه سببا وكسبا ومع ذلك فتسير أنت بقلبك مشاهدا للحكم ~~الكوني القضائي الذي تنطوي فيه الأسباب والمسببات والحركات والسكنات ولا ~~يبقى هناك غير محض المشيئة وتفرد الرب وحده بالأفعال ومصدرها عن إرادته ~~ومشيئته فيكون قائما بالأمر والنهي : فعلا وتركا سائرا بسيره وبالقضاء ~~والقدر : إيمانا وشهودا وحقيقة فهو ناظر إلى الحقيقة قائم بالشريعة # وهذان الأمران هما عبودية هاتين الآيتين @QB@ لمن شاء منكم أن يستقيم وما ~~تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين @QE@ [ التكوير : 2829 ] وقال تعالى : ~~إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن ~~الله كان عليماحكيما [ الإنسان : 2930 ] # فترك العمل يسير سير العلم : مشهد لمن شاء منكم أن يستقيم وسير صاحبه ~~مشاهدا للحكم : مشهد وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين # وأما قوله : حرا من رق الرسم فالحرية التي يشيرون إليها : هي عدم الدخول ~~تحت عبودية الخلق والنفس والدخول تحت رق عبودية الحق وحده ومرادهم بالرسم : ~~ما سوى الله فكله رسوم فإن الرسوم هي الآثار ورسوم المنازل والديار : هي ~~الآثار التي تبقى بعد سكانها والمخلوقات بأسرها في منزل الحقيقة ورسوم ~~وآثار للقدرة أي فتخلص نفسك من عبودية كل ما سوى الله وتكون بقلبك مع ~~القادر الحق وحده لا مع آثار قدرته التي هي رسوم فلا تشتغل بغيره لتشغلها ~~بعبوديته ولا تطلب بعبوديتك له حالا ms0487 ولا مقاما ولا مكاشفة ولا شيئا سواه ~~PageV02P096 # فهذه أربعة أمور : بذل الجهد وتحكيم العلم والنظر إلى الحقيقة والتخلص من ~~الالتفات إلى غيره والله الموفق والمعين # | فصل الإخلاص عدم انقسام المطلوب و الصدق عدم انقسام الطلب فحقيقة # الإخلاص : توحيد المطلوب وحقيقة الصدق : توحيد الطلب والإرادة ولا يثمران ~~إلا بالاستسلام المحض للمتابعة # فهذه الأركان الثلاثة : هي أركان السير وأصول الطريق التي من لم يبن ~~عليها سلوكه وسيره فهو مقطوع وإن ظن أنه سائر فسيره إما إلى عكس جهة مقصوده ~~وإما سير المقعد والمقيد وإما سير صاحب الدابة الجموح كلما مشت خطوة إلى ~~قدام رجعت عشرة إلى خلف # فإن عدم الإخلاص والمتابعة : انعكس سيره إلى خلف وإن لم يبذل جهده ويوحد ~~طلبه : سار سير المقيد وإن اجتمعت له الثلاثة : فذلك الذي لا يجاري في ~~مضمار سيره وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فصل 2 ومن ~~منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التهذيب والتصفية # وهو سبك العبودية في كير الامتحان طلبا لإخراج ما فيها من الخبث والغش ~~قال صاحب المنازل : التهذيب : محنة أرباب البدايات وهو شريعة من شرائع ~~الرياضة # يريد : أنه صعب على المبتدي فهو له كالمحنة وطريقة للمرتاض الذي قد مرن ~~نفسه حتى اعتادت قبوله وانقادت إليه PageV02P097 # قال : وهو على ثلاث درجات الأولى : تهذيب الخدمة أن لا يخالجها جهالة ولا ~~يشوبها عادة ولا يقف عندها همة # أي : تخليص العبودية وتصفيتها من هذه الأنواع الثلاثة وهي : مخالجة ~~الجهالة وشوب العادة ووقوف همة الطالب عندها # النوع الأول : مخالطة الجهال فإن الجهالة متى خالطت العبودية أوردها ~~العبد غير موردها ووضعها في غير موضعها وفعلها في غير مستحقها وفعل أفعالا ~~يعتقد أنها صلاح وهي إفساد لخدمته وعبوديته بأن يتحرك في موضع السكون أو ~~يسكن فى موضع التحرك أو يفرق في موضع جمع أو يجمع في موضع فرق أو يطير في ~~موضع سفوف أو يسف في موضع طيران أو يقدم في موضع إحجام أو يحجم في موضع ~~إقدام أو يتقدم في موضع وقوف أو ms0488 يقف في موضع تقدم ونحو ذلك من الحركات التي ~~هي في حق الخدمة : كحركات الثقيل البغيض في حقوق الناس # فالخدمة ما لم يصحبها علم ثان بآدابها وحقوقها غير العلم بها نفسها كانت ~~في مظنة أن تبعد صاحبها وإن كان مراده بها التقرب ولا يلزم حبوط ثوابها ~~وأجرها فهي إن لم تبعده عن الأجر والثواب أبعدته عن المنزلة والقربة ولا ~~تنفصل مسائل هذه الجملة إلا بمعرفة خاصة بالله وأمره ومحبة تامة له ومعرفة ~~بالنفس وما منها # النوع الثاني : شوب العادة وهو أن يمازج العبودية حكم من أحكام عوائد ~~النفس تكون منفذة لها معينة عليها وصاحبها يعتقدها قربة وطاعة كمن اعتاد ~~الصوم مثلا وتمرن عليه فألفته النفس وصار لها عادة تتقاضاها أشد اقتضاء ~~فيظن أن هذا التقاضي محض العبودية وإنما هو تقاضي العادة PageV02P098 # وعلامة هذا : أنه إذا عرض عليها طاعة دون ذلك وأيسر منه وأتم مصلحة : لم ~~تؤثرها إيثارها لما اعتادته وألفته كما حكى عن بعض الصالحين من الصوفية قال ~~: حججت كذا وكذا حجة على التجريد فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبا بحظي وذلك ~~: أن والدتي سألتني أن أستقي لها جرعة ماء فثقل ذلك على نفسي فعلمت أن ~~مطاوعة نفسي في الحجات كان بحظ نفسي وإرادتها إذ لو كانت نفسي فانية لم ~~يصعب عليها ما هو حق في الشرع # النوع الثالث : وقوف همته عند الخدمة وذلك علامة ضعفها وقصورها فإن العبد ~~المحض لا تقف همته عند خدمة بل همته أعلى من ذلك إذ هي طالبة لرضى مخدومه ~~فهو دائما مستصغر خدمته له ليس واقفا عندها والقناعة تحمد من صاحبها إلا في ~~هذا الموضع فإنها عين الحرمان فالمحب لا يقنع بشيء دون محبوبه فوقوف همة ~~العبد مع خدمته وأجرتها : سقوط فيها وحرمان # قال : الدرجة الثانية : تهذيب الحال وهو أن لا يجنح الحال إلى علم ولا ~~يخضع لرسم ولا يلتفت إلى حظ أما جنوح الحال إلى العلم فهو نوعان : ممدوح ~~ومذموم # فالممدوح : التفاته إليه وإصغاؤه إلى ما يأمر به وتحكيمه عليه فمتى لم ms0489 ~~يجنح إليه هذا الجنوح كان حالا مذموما ناقصا مبعدا عن الله فإن كل حال لا ~~يصحبه علم : يخاف عليه أن يكون من خدع الشيطان وهذا القدر هو الذي أفسد على ~~أرباب الأحوال أحوالهم وعلى أهل الثغور ثغورهم وشردهم عن الله كل مشرد ~~وطردهم عنه كل مطرد حيث لم يحكموا عليه العلم وأعرضوا عنه صفحا حتى قادهم ~~إلى الانسلاخ من حقائق الإيمان وشرائع الإسلام # وهم الذين قال فيهم سيد الطائفة الجنيد بن محمد لما قيل له : أهل المعرفة ~~يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله فقال الجنيد : إن هذا ~~PageV02P099 كلام قوم تكلموا بإسقاط الأعمال عن الجوارح وهو عندي عظيمة ~~الذي يزني ويسرق أحسن حالا من الذي يقول هذا فإن العارفين بالله أخذوا ~~الأعمال عن الله وإليه رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ~~ذرة إلا أن يحال بي دونها # وقال : الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول # وقال : من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث : لا يقتدي به في طريقنا هذا لأن ~~طريقنا وعلمنا مقيد بالكتاب والسنة وقال : علمنا هذا مشيد بحديث رسول الله ~~والبلية التي عرضت لهؤلاء : أن أحكام العلم تتعلق بالعلم وتدعو إليه وأحكام ~~الحال تتعلق بالكشف وصاحب الحال ترد عليه أمور ليست في طور العلم فإن أقام ~~عليها ميزان العلم ومعياره تعارض عنده العلم والحال فلم يجد بدا من الحكم ~~على أحدهما بالإبطال فمن حصلت له أحوال الكشف ثم جنح إلى أحكام العلم فقد ~~رجع القهقرى وتأخر في سيره إلى وراء # فتأمل هذا الوارد وهذه الشبهة التي هي سم ناقع : تخرج صاحبها من المعرفة ~~والدين كإخراج الشعرة من العجين # واعلم أن المعرفة الصحيحة : هي روح العلم والحال الصحيح : هو روح العمل ~~المستقيم فكل حال لا يكون نتيجة العمل المستقيم مطابقا للعلم : فهو بمنزلة ~~الروح الخبيثة الفاجرة ولا ينكر أن يكون لهذه الروح أحوال لكن الشأن في ~~مرتبة تلك الأحوال ومنازلها فمتى عارض الحال حكم من أحكام العلم فذلك ms0490 الحال ~~إما فاسد وإما ناقص ولا يكون مستقيما أبدا # فالعلم الصحيح والعمل المستقيم : هما ميزان المعرفة الصحيحة والحال ~~الصحيح وهما كالبدنين لروحيهما PageV02P100 # فأحسن ما يحمل عليه قوله : أن لا يجنح الحال إلى العلم أن العلم يدعو إلى ~~التفرقة دائما والحال يدعو إلى الجمعية والقلب بين هذين الداعيين فهو يجيب ~~هذا مرة وهذا مرة فتهذيب الحال وتصفيته : أن يجيب داعي الحال لا داعي العلم ~~ولا يلزم من هذا إعراضه عن العلم وعدم تحكيمه والتسليم له بل هو متعبد ~~بالعلم محكم له مستسلم له غير مجيب لداعيه من التفرقة بل هو مجيب لداعي ~~الحال والجمعية آخذ من العلم ما يصحح له حاله وجمعيته غير مستغرق فيه ~~استغراق من هو مطرح همته وغاية مقصده لا مطلوب له سواه ولا مراد له إلا ~~إياه فالعلم عنده آلة ووسيلة وطريق توصله إلى مقصده ومطلوبه فهو كالدليل ~~بين يديه يدعوه إلى الطريق ويدله عليها فهو يجيب داعيه للدلالة ومعرفة ~~الطريق وما في قلبه من ملاحظة مقصده ومطلبه من سيره وسفره وباعث همته على ~~الخروج من أوطانه ومرباه ومن بين أصحابه وخلطائه الحامل له على الاغتراب ~~والتفرد في طريق الطلب : هو المسير له والمحرك والباعث فلا يجنح عن داعيه ~~إلى اشتغاله بجزئيات أحوال الدليل وما هو خارج عن دلالته على طريقه # فهذا مقصد شيخ الإسلام إن شاء الله تعالى لا الوجه الأول والله سبحانه ~~وتعالى أعلم # | فصل وأما قوله : ولا يخضع لرسم أي لا يستولي على قلبه شيء # من الكائنات بحيث يخضع له قلبه فإن صاحب الحال : إنما يطلب الحي القيوم ~~فلا ينبغي له أن يقف عند المعاهد والرسوم وأما قوله : ولا يلتفت إلى حظ أي ~~إذا حصل له الحال التام : لم يشتغل بفرحه به وحظه منه واستلذاذه فإن ذلك حظ ~~من حظوظ النفس وبقية من بقاياها PageV02P101 # | فصل قال صاحب المنازل : # الدرجة الثالثة : تهذيب القصد وهو تصفيته من ذل الإكراه وتحفظه من مرض ~~الفتور ونصرته على منازعات العلم # هذه أيضا ثلاثة أشياء تهذب قصده تصفيه # أحدها : تصفيته ms0491 من ذل الإكراه أي لا يسوق نفسه إلى الله كرها كالأجير ~~المسخر المكلف بل تكون دواعي قلبه وجواذبه منساقة إلى الله طوعا ومحبة ~~وإيثارا كجريان الماء في منحدره وهذه حال المحبين الصادقين فإن عبادتهم ~~طوعا ومحبة ورضى ففيها قرة عيونهم وسرور قلوبهم ولذة أرواحهم كما قال النبي ~~: وجعلت قرة عيني في الصلاة وكان يقول : يا بلال أرحنا بالصلاة # فقرة عين المحب ولذته ونعيم روحه : في طاعة محبوبه بخلاف المطيع كرها ~~المتحمل للخدمة ثقلا # وفي قوله : ذل الإكراه لطيفة وهي أن المطيع كرها يرى أنه لولا ذل قهره ~~وعقوبة سيده له لما أطاعه فهو يتحمل طاعته كالمكره الذي قد أذله مكرهه ~~وقاهره بخلاف المحب الذي يعد طاعة محبوبه قوتا ونعيما ولذة وسرورا فهذا ليس ~~الحامل له ذل الإكراه # والثاني : تحفظه من مرض الفتور أي توقيه من مرض فتور قصده وخمود نار طلبه ~~فإن العزم هو روح القصد ونشاطه كالصحة له وفتوره مرض من أمراضه فتهذيب قصده ~~وتصفيته بحميته من أسباب هذا المرض الذي هو فتوره وإنما يتحفظ منه بالحمية ~~من أسبابه وهو أن يلهو عن الفضول من كل شيء ويحرص على ترك ما لا يعنيه ولا ~~يتكلم إلا فيما يرجو فيه زيادة إيمانه وحاله مع الله PageV02P102 ولا يصحب ~~إلا من يعينه على ذلك فإن بلي بمن لا يعينه فليدرأه عنه ما استطاع ويدفعه ~~دفع الصائل # الثالث : نصرة قصده على منازعات العلم ومعنى ذلك : نصرة خاطر العبودية ~~المحضة والجمعية فيها والإقبال على الله فيها بكلية القلب على جواذب العلم ~~والفكرة في دقائقه وتفاريع مسائله وفضلاته أو أن العلم يطلب من العبد العمل ~~للرغبة والرهبة والثواب وخوف العقاب # فتهذيب القصد : تصفيته من ملاحظة ذلك وتجريده : أن يكون قصده وعبوديته ~~محبة لله بلا علة وأن لا يحب الله لما يعطيه ويحميه منه فتكون محبته لله ~~محبة الوسائل ومحبته بالقصد الأول : لما يناله من الثواب المخلوق فهو ~~المحبوب له بالذات بحيث إذا حصل له محبوبه تسلى به عن محبة من أعطاه إياه ~~فإن من أحبك ms0492 لأمر والاك عند حصوله وملك عند انقضائه والمحب الصادق يخاف أن ~~تكون محبته لغرض من الأغراض فتنقضي محبته عند انقضاء ذلك الغرض وإنما مراده ~~: أن محبته تدوم لا تنقضي أبدا وأن لا يجعل محبوبه وسيلة له إلى غيره بل ~~يجعل ما سواه وسيلة له إلى محبوبه # وهذا القدر هو الذي حام عليه القوم وداروا حوله وتكلموا فيه وشمروا إليه ~~فمنهم من أحسن التعبير عنه ومنهم من أساء العبارة وقصده وصدقه يصلح فساد ~~عبارته ومن الناس : من لم يفهم هذا كما ينبغي فلم يجد له ملجأ غير الإنكار ~~والله يغفر لكل من قصده الحق واتباع مرضاته فإنه واسع المغفرة فصلومن منازل ~~إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الاستقامة # قال الله تعالى : إن الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم ~~الملائكة : أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون [ ~~فصعلت : 30 ] وقال : إن الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ~~PageV02P103 @QB@ ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما ~~كانوا يعملون @QE@ [ الأحقاف : 1314 ] وقال لرسوله : @QB@ فاستقم كما أمرت ~~ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير @QE@ [ هود : 112 ] # فبين أن الاستقامة ضد الطغيان وهو مجاوزة الحدود فى كل شىء # وقال تعالى : قل : إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ~~فاستقيموا إليه واستغفروه [ فصعلت : 6 ] وقال تعالى : @QB@ وأن لو استقاموا ~~على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه @QE@ [ الجن : 16 ] # سئل صديق الأمة وأعظمها استقامة أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن ~~الاستقامة فقال : أن لا تشرك بالله شيئا يريد الاستقامة على محض التوحيد # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الاستقامة : أن تستقيم على الأمر ~~والنهي ولا تروغ روغان الثعالب # وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه : استقاموا : أخلصوا العمل لله # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنهما : استقاموا ~~أدوا الفرائض وقال الحسن : استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا ~~معصيته # وقال مجاهد : استقاموا على شهادة أن لا ms0493 إله إلا الله حتى لحقوا بالله # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : استقاموا على محبته ~~وعبوديته فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبدالله ~~رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه ~~أحدا غيرك قال : قل آمنت بالله ثم استقم PageV02P104 # وفيه عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي قال : استقيموا ولن تحصوا واعلموا ~~أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن # والمطلوب من العبد الاستقامة وهي السداد فإن لم يقدر عليها فالمقاربة فإن ~~نزل عنها : فالتفريط والإضاعة كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله ~~عنه عن النبي قال : سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله ~~قالوا : ولا أنت يا رسول الله قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه ~~وفضل # فجمع في هذا الحديث مقامات الدين كلها فأمر بالاستقامة وهي السداد ~~والإصابة في النيات والأقوال والأعمال # وأخبر في حديث ثوبان : أنهم لا يطيقونها فنقلهم إلى المقاربة وهي أن ~~يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم كالذي يرمي إلى الغرض فإن لم يصبه يقاربه ~~ومع هذا فأخبرهم : أن الاستقامة والمقاربة لا تنجي يوم القيامة فلا يركن ~~أحد إلى عمله ولا يعجب به ولا يرى أن نجاته به بل إنما نجاته برحمة الله ~~وعفوه وفضله # فالاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين وهي القيام بين يدي الله على ~~حقيقة الصدق والوفاء بالعهد والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال ~~والنيات فالاستقامة فيها : وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله قال بعض ~~العارفين : كن صاحب الاستقامة لا طالب الكرامة فإن نفسك متحركة في طلب ~~الكرامة وربك يطالبك بالاستقامة # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله تعالى روحه يقول : أعظم الكرامة ~~لزوم الاستقامة PageV02P105 $ فصل قال صاحب المنازل قدس الله روحه في قوله ~~: @QB@ فاستقيموا إليه واستغفروه @QE@ [ فصعلت : 6 ] إنه إشارة إلى عين ~~التفريد # يريد : أنه أرشدهم إلى شهود تفريده وهو أن لا يروا غير فردانيته # وتفريده نوعان ms0494 : تفريد في العلم والمعرفة والشهود وتفريد في الطلب ~~والإرادة وهما نوعا التوحيد # وفي قوله : عين التفريد إشارة إلى حال الجمع وأحديته التي هي عنده فوق ~~علمه ومعرفته لأن التفرقة قد تجامع علم الجمع وأما حاله : فلا تجامعه ~~التفرقة والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل قال : الاستقامة : روح تحيا به الأحوال كما تربو للعامة عليها # الأعمال وهي برزخ بين وهاد التفرق وروابي الجمع # شبه الاستقامة للحال بمنزلة الروح للبدن فكما أن البدن إذا خلا عن الروح ~~فهو ميت فكذلك الحال إذا خلا عن الاستقامة فهو فاسد وكما أن حياة الأحوال ~~بها فزيادة أعمال الزاهدين أيضا وربوها وزكاؤها بها فلا زكاء للعمل ولا صحة ~~للحال بدونها # وأما كونها برزخا بين وهاد التفرق وروابي الجمع ف البرزخ هو الحاجز بين ~~شيئين متغايرين و الوهاد الأمكنة المنخفضة من الأرض واستعارها للتفرق لأنها ~~تحجب من يكون فيها عن مطالعة ما يراه من هو على الروابى كما أن صاحب التفرق ~~محجوب عن مطالعة ما يراه صاحب الجمع ويشاهده # وأيضا فإن حاله أنزل من حاله فهو كصاحب الوهاد وحال صاحب الجمع أعلى فهو ~~كصاحب الروابي وشبه حال صاحب الجمع بحال من على الروابي PageV02P106 لعلوه ~~ولأن الروابي تكشف لمن عليها القريب والبعيد وصاحب الجمع تكشف له الحقائق ~~المحجوبة عن صاحب التفرقة # إذا عرف هذا فمعنى كونها برزخا أن السالك يكون في أول سلوكه في أودية ~~التفرقة سائرا إلى روابي الجمع فيستقيم في طريق سيره غاية الاستقامة ليصل ~~باستقامته إلى روابي الجمع فاستقامته برزخ بين تلك التفرقة التي كان فيها ~~وبين الجمع الذي يؤمه ويقصده وهذا بمنزلة تفرقة المقيم في البلد في أنواع ~~التصرفات فإذا عزم على السفر وخرج وفارق البلد واستمر على السير : كان طريق ~~سفره برزخا بين البلد الذي كان فيه والبلد الذي يقصده ويؤمه # | فصل قال : وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الاستقامة على # الاجتهاد في الاقتصاد لا عاديا رسم العلم ولا متجاوزا حد الإخلاص ولا ~~مخالفا نهج السنة هذه درجة تتضمن ستة أمور : عملا واجتهادا فيه ms0495 وهو بذل ~~المجهود واقتصادا وهو السلوك بين طرفي الإفراط وهو الجور على النفوس ~~والتفريط بالإضاعة ووقوفا مع ما يرسمه العلم لا وقوفا مع داعي الحال وإفراد ~~المعبود بالإرادة وهو الإخلاص ووقوع الأعمال على الأمر وهو متابعة السنة # فبهذه الأمور الستة تتم لأهل هذه الدرجة استقامتهم وبالخروج عن واحد منها ~~يخرجون عن الاستقامة : إما خروجا كليا وإما خروجا جزئيا # والسلف يذكرون هذين الأصلين كثيرا وهما الاقتصاد في الأعمال والاعتصام ~~بالسنة فإن الشيطان يشم قلب العبد ويختبره فإن رأى فيه داعية للبدعة ~~وإعراضا عن كمال الانقياد للسنة : أخرجه عن الاعتصام بها وإن رأى فيه حرصا ~~على السنة وشدة طلب لها : لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها فأمره بالاجتهاد ~~والجور على النفس ومجاوزة حد الاقتصاد فيها قائلا له : إن هذا PageV02P107 ~~خير وطاعة والزيادة والاجتهاد فيها أكمل فلا تفتر مع أهل الفتور ولا تنم مع ~~أهل النوم فلا يزال يحثه ويحرضه حتى يخرجه عن الاقتصاد فيها فيخرج عن حدها ~~كما أن الأول خارج عن هذا الحد فكذا هذا الآخر خارج عن الحد الآخر # وهذا حال الخوارج الذين يحقر أهل الاستقامة صلاتهم مع صلاتهم وصيامهم مع ~~صيامهم وقراءتهم مع قراءتهم وكلا الأمرين خروج عن السنة إلى البدعة لكن هذا ~~إلى بدعة التفريط والإضاعة والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف # وقال بعض السلف : ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان إما إلى ~~تفريط وإما إلى مجاوزة وهي الإفراط ولا يبالي بأيهما ظفر : زيادة أو نقصان # وقال النبي لعبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : يا عبد الله بن ~~عمرو إن لكل عامل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنة أفلح ومن كانت ~~فترته إلى بدعة خاب وخسر قال له ذلك حين أمره بالاقتصاد في العمل # فكل الخير في اجتهاد باقتصاد وإخلاص مقرون بالاتباع كما قال بعض الصحابة ~~: اقتصاد في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة فاحرصوا أن تكون ~~أعمالكم على منهاج الأنبياء عليهم السلام وسنتهم # وكذلك الرياء في الأعمال ms0496 يخرجه عن الاستقامة والفتور والتواني يخرجه عنها ~~أيضا # | فصل قال : الدرجة الثانية : استقامة الأحوال وهي شهود الحقيقة لا # كسبا ورفض الدعوى لا علما والبقاء مع نور اليقظة لا تحفظا PageV02P108 # يعني أن استقامة الحال بهذه الثلاثة # أما شهود الحقيقة فالحقيقة حقيقتان : حقيقة كونية وحقيقة دينية يجمعهما ~~حقيقة ثالثة وهي مصدرهما ومنشؤهما وغايتهما وأكثر أرباب السلوك من ~~المتأخرين : إنما يريدون بالحقيقة الحقيقة الكونية وشهودها هو شهود تفرد ~~الرب بالفعل وأن ما سواه محل جريان أحكامه وأفعاله فهو كالحفير الذي هو محل ~~لجريان الماء حسب # وعندهم أن شهود هذه الحقيقة والفناء : فيها غاية السالكين # ومنهم : من يشهد حقيقة الأزلية والدوام وفناء الحادثات وطيها في ضمن بساط ~~الأزلية والأبدية وتلاشيها في ذلك فيشهدها معدومة ويشهد تفرد موجدها ~~بالوجود الحق بالحق وأن وجود ما سواه رسوم وظلال # فالأول : شهد تفرده بالأفعال وهذا شهد تفرده بالوجود # وصاحب الحقيقة الدينية في طور آخر فإنه في مشهد الأمر والنهي والثواب ~~والعقاب والموالاة والمعاداة والفرق بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يبغضه ~~ويسخطه فهو في مقام الفرق الثاني الذي لا يحصل للعبد درجة الإسلام فضلا عن ~~مقام الإحسان إلا به # فالمعرض عنه صفحا لا نصيب له في الإسلام ألبتة وهو كالذي كان الجنيد يوصى ~~به أصحابه فيقول : عليكم بالفرق الثاني وإنما سمى ثانيا لأن الفرق الأول : ~~فرق بالطبع والنفس وهذا فرق بالأمر # والجمع أيضا جمعان : جمع في فرق وهو جمع أهل الاستقامة والتوحيد وجمع بلا ~~فرق وهو جمع أهل الزندقة والإلحاد # فالناس ثلاثة : صاحب فرق بلا جمع فهو مذموم ناقص مخذول وصاحب جمع بلا فرق ~~وهو جمع أهل الزندقة والإلحاد فصاحبه ملحد زنديق PageV02P109 # وصاحب فرق وجمع يشهد الفرق في الجمع والكثرة في الوحدة فهو المستقيم ~~الموحد الفارق وهذا صاحب الحقيقة الثالثة الجامعة للحقيقتين الدينية ~~والكونية فشهود هذه الحقيقة الجامعة : هو عين الاستقامة # وأما شهود الحقيقة الكونية أو الأزلية والفناء فيها : فأمر مشترك بين ~~المؤمنين والكفار فإن الكافر مقر بقدر الله وقضائه وأزليته وأبديته فإذا ~~استغرق في هذا الشهود ms0497 وفني به عن سواه : فقد شهد الحقيقة وأما قوله لا كسبا ~~أي يتحقق عند مشاهدة الحقيقة : أن شهودها لم يكن بالكسب لأن الكسب من أعمال ~~النفس فالحقيقة لا تبدو مع بقاء النفس إذ الحقيقة فردانية أحدية نورانية ~~فلابد من زوال ظلمة النفس ورؤية كسبها وإلا لم يشهد الحقيقة # وأما رفض الدعوى لا علما ف الدعوى نسبة الحال وغيره إلى نفسك وإنيتك ~~فالاستقامة لا تصح إلا بتركها سواء كانت حقا أو باطلا فإن الدعوى الصادقة ~~تطفىء نور المعرفة فكيف بالكاذبة # وأما قوله : لا علما أي لا يكون الحامل له على ترك الدعوى مجرد علمه ~~بفساد الدعوى ومنافاتها للاستقامة فإذا تركها يكون تركها لكون العلم قد نهى ~~عنها فيكون تاركا لها ظاهرا لا حقيقة أو تاركا لها لفظا قائما بها حالا ~~لأنه يرى أنه قد قام بحق العلم في تركها فيتركها تواضعا بل يتركها حالا ~~وحقيقة كما يترك من أحب شيئا تضره محبته حبه حالا وحقيقة وإذا تحقق أنه ليس ~~له من الأمر شيء كما قال الله عز وجل لخير خلقه على الاطلاق : @QB@ ليس لك ~~من الأمر شيء @QE@ [ آل عمران : 128 ] ترك الدعوى شهودا وحقيقة وحالا # وأما البقاء مع نور اليقظة فهو الدوام في اليقظة وأن لا يطفىء نورها ~~بظلمة الغفلة بل يستديم يقظته ويرى أنه في ذلك كالمجذوب المأخوذ عن نفسه ~~حفظا من الله له لا أن ذلك حصل بتحفظه واحترازه PageV02P110 # فهذه ثلاثة أمور : يقظة واستدامة لها وشهود أن ذلك بالحق سبحانه لا بك ~~فليس سبب بقائه في نور اليقظة بحفظه بل بحفظ الله له وكأن الشيخ يشير إلى ~~أن الاستقامة في هذه الدرجة لا تحصل بكسب وإنما هو مجرد موهبة من الله فإنه ~~قال في الأولى : الاستقامة على الاجتهاد وفي الثانية استقامة الأحوال لا ~~كسبا ولا تحفظا # ومنازعته في ذلك متوجهة وأن ذلك مما يمكن تحصيله كسبا بتعاطي الأسباب ~~التي تهجم بصاحبها على هذا المقام # نعم الذي ينفي في هذا المقام : شهود الكسب وأن هذا حصل له بكسبه فنفي ~~الكسب ms0498 شيءونفي شهوده شيء آخر # ولعل أن نشبع الكلام في هذا فيما يأتي إن شاء الله تعالى # | فصل قال : الدرجة الثالثة : استقامة بترك رؤية الاستقامة وبالغيبة عن # تطلب الاستقامة بشهود إقامة وتقويمه الحق هذه الاستقامة معناها : الذهول ~~بمشهوده عن شهوده فيغيب بالمشهود المقصود سبحانه عن رؤية استقامته في طلبه ~~فإن رؤية الاستقامة تحجبه عن حقيقة الشهود # وأما الغيبة عن تطلب الاستقامة فهو غيبته عن طلبها بشهود إقامة الحق ~~للعبد وتقويمه إياه فإنه إذا شهد أن الله هو المقيم له والمقوم وأن ~~استقامته وقيامه بالله لا بنفسه ولا بطلبه : غاب بهذا الشهود عن استشعار ~~طلبه لها # وهذا القدر من موجبات شهود معنى اسمه القيوم وهو الذي قام بنفسه فلم يحتج ~~إلى أحد وقام كل شيء به فكل ما سواه محتاج إليه بالذات وليست حاجته إليه ~~معللة بحدوث كما يقول المتكلمون ولا بإمكان كما يقول الفلاسفة المشاءون بل ~~حاجته إليه ذاتية وما بالذات لا يعلل PageV02P111 # نعم الحدوث والإمكان دليلان على الحاجة فالتعليل بهما من باب التعريف لا ~~من باب العلل المؤثرة والله أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التوكل # قال الله تعالى : @QB@ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين @QE@ [ المائده ~~: 23 ] وقال : @QB@ وعلى الله فليتوكل المؤمنون @QE@ [ إبراهيم : 11 ] وقال ~~: @QB@ ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ [ الطلاق : 3 ] وقال عن أوليائه : ~~@QB@ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير @QE@ [ الممتحنة : 4 ] ~~وقال لرسوله : @QB@ قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا @QE@ [ الملك : 29 ] ~~وقال لرسوله : @QB@ فتوكل على الله إنك على الحق المبين @QE@ [ النمل : 79 ~~] وقال له : @QB@ وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا @QE@ [ النساء : 81 ] ~~وقال له : @QB@ وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده @QE@ [ الفرقان : ~~58 ] وقال له : @QB@ فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين @QE@ ~~[ آل عمران : 159 ] وقال عن أنبيائه ورسله : @QB@ وما لنا ألا نتوكل على ~~الله وقد هدانا سبلنا @QE@ [ إبراهيم : 12 ] وقال عن أصحاب نبيه الذين قال ~~لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا : حسبنا ~~الله ms0499 ونعم الوكيل [ آل عمران : 173 ] وقال : @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم ~~يتوكلون @QE@ [ الأنفال : 2 ] # والقرآن مملوء من ذلك # وفي الصحيحين في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب هم ~~الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون # وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : حسبنا الله ونعم ~~الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد حين قالوا له : إن ~~الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ~~[ آل عمران : 173 ] PageV02P112 # وفي الصحيحين : أن رسول الله كان يقول : اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك ~~توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت : أن ~~تضلني أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون # وفي الترمذي عن عمر رضي الله عنه مرفوعا : لو أنكم تتوكلون على الله حق ~~توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا # وفي السنن عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله : من قال يعني إذا ~~خرج من بيته بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله يقال له : ~~هديت ووقيت وكفيت فيقول الشيطان لشيطان آخر : كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي # التوكل نصف الدين والنصف الثاني الإنابة فإن الدين استعانة وعبادة ~~فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة ومنزلته : أوسع المنازل وأجمعها ~~ولا تزال معمورة بالنازلين لسعة متعلق التوكل وكثرة حوائج العالمين وعموم ~~التوكل ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار والطير والوحش ~~والبهائم فأهل السموات والأرض المكلفون وغيرهم في مقام التوكل وإن تباين ~~متعلق توكلهم فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في حصول ما عليه في الإيمان ~~ونصرة دينه وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه وفي محابه وتنفيذ أوامره # ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه وحفظ حاله مع الله فارغا ~~عن الناس # ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه من رزق أو عافية أو نصر ms0500 على ~~عدو أو زوجة أو ولد ونحو ذلك # ودون هؤلاء من يتوكل عليه في حصول الإثم والفواحش فإن أصحاب PageV02P113 ~~هذه المطالب لا ينالونها غالبا إلا باستعانتهم بالله وتوكلهم عليه بل قد ~~يكون توكلهم أقوى من توكل كثير من أصحاب الطاعات ولهذا يلقون أنفسهم في ~~المتالف والمهالك معتمدين على الله أن يسلمهم ويظفرهم بمطالبهم # فأفضل التوكل : التوكل في الواجب أعني واجب الحق وواجب الخلق وواجب النفس ~~وأوسعه وأنفعه : التوكل في التأثير في الخارج فى مصلحة دينية أو في دفع ~~مفسدة دينية وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله ودفع فساد المفسدين في ~~الأرض وهذا توكل ورثتهم ثم الناس بعد في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم فمن ~~متوكل على الله في حصول الملك ومن متوكل في حصول رغيف # ومن صدق توكله على الله في حصول شيء ناله فإن كان محبوبا له مرضيا كانت ~~له فيه العاقبة المحمودة وإن كان مسخوطا مبغوضا كان ما حصل له بتوكله مضرة ~~عليه وإن كان مباحا حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكل فيه إن لم ~~يستعن به على طاعاته والله أعلم # | فصل فلنذكر معنى التوكل ودرجاته وما قيل فيه قال الإمام أحمد : # التوكل عمل القلب ومعنى ذلك : أنه عمل قلبي ليس بقول اللسان ولا عمل ~~الجوارح ولا هو من باب العلوم والإدراكات # ومن الناس : من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول : هو علم القلب ~~بكفاية الرب للعبد # ومنهم : من يفسره بالسكون وخمود حركة القلب فيقول : التوكل هو انطراح ~~القلب بين يدي الرب كانطراح الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء وهو ترك ~~الاختيار والاسترسال مع مجاري الأقدار # قال سهل : التوكل الاسترسال مع الله مع ما يريد PageV02P114 ومنهم : من ~~يفسره بالرضى فيقول : هو الرضى بالمقدور قال بشر الحافي : يقول أحدهم : ~~توكلت على الله يكذب على الله لو توكل على الله رضي بما يفعل الله # وسئل يحيى بن معاذ : متى يكون الرجل متوكلا فقال : إذا رضي بالله وكيلا ~~ومنهم : من يفسره بالثقة بالله والطمأنينة إليه والسكون إليه ms0501 # قال ابن عطاء : التوكل أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب مع شدة فاقتك ~~إليها ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها # قال ذو النون : هو ترك تدبير النفس والانخلاع من الحول والقوة وإنما يقوي ~~العبدعلى التوكل إذا علم أن الحق سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه # وقال بعضهم : التوكل التعلق بالله في كل حال وقيل : التوكل أن ترد عليك ~~موارد الفاقات فلا تسمو إلا إلى من إليه الكفايات # وقيل : نفي الشكوك والتفويض إلى مالك الملوك وقال ذو النون : خلع الأرباب ~~وقطع الأسباب يريد قطعها من تعلق القلب بها لا من ملابسة الجوارح لها ومنهم ~~: من جعله مركبا من أمرين أو أمور فقال أبو سعيد الخراز : التوكل اضطراب ~~بلا سكون وسكون بلا اضطراب يريد : حركة ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن ~~وسكون إلى المسبب وركون إليه ولا يضطرب قلبه معه ولا تسكن حركته عن الأسباب ~~الموصلة إلى رضاه # وقال أبو تراب النخشبي : هو طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية ~~والطمأنينة إلى الكفاية فإن أعطى شكر وإن منع صبر فجعله مركبا من خمسة أمور ~~: القيام بحركات العبودية وتعلق القلب بتدبير PageV02P115 الرب وسكونه إلى ~~قضائه وقدره وطمأنينته وكفايته له وشكره إذا أعطى وصبره إذا منع # قال أبو يعقوب النهرجوري : التوكل على الله بكمال الحقيقة كما وقع ~~لإبراهيم الخليل عليه السلام في الوقت الذي قال لجبريل عليه السلام : أما ~~إليك فلا لأنه غائب عن نفسه بالله فلم ير مع الله غير الله # وأجمع القوم على أن التوكل لا ينافي القيام بالأسباب فلا يصح التوكل إلا ~~مع القيام بها وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد # قال سهل بن عبدالله : من طعن في الحركة فقد طعن في السنة ومن طعن في ~~التوكل فقد طعن في الإيمان # فالتوكل حال النبي والكسب سنته فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته وهذا ~~معنى قول أبي سعيد : هو اضطراب بلا سكون وسكون بلا اضطراب وقول سهل أبين ~~وأرفع # وقيل : التوكل قطع علائق القلب بغير الله وسئل سهل ms0502 عن التوكل فقال : قلب ~~عاش مع الله بلا علاقة # وقيل : التوكل هجرالعلائق ومواصلة الحقائق وقيل : التوكل أن يستوي عندك ~~الإكثار والإقلال # وهذا من موجباته وآثاره لأنه حقيقته # وقيل : هو ترك كل سبب يوصلك إلى مسبب حتى يكون الحق هو المتولي لذلك # وهذا صحيح من وجه باطل من وجه فترك الأسباب المأمور بها : قادح في التوكل ~~وقد تولى الحق إيصال العبد بها وأما ترك الأسباب المباحة : فإن تركها لما ~~هو أرجح منها مصلحة فممدوح وإلا فهو مذموم # وقيل : هو إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية PageV02P116 ~~يريد : استرسالها مع الأمر وبراءتها من حولها وقوتها وشهود ذلك بها بل ~~بالرب وحده # ومنهم : من قال : التوكل هو التسليم لأمر الرب وقضائه ومنهم من قال : هو ~~التفويض إليه في كل حال ومنهم : من جعل التوكل بداية والتسليم واسطة ~~والتفويض نهاية # قال أبو علي الدقاق : التوكل ثلاث درجات : التوكل ثم التسليم ثم التفويض ~~فالمتوكل يسكن إلى وعده وصاحب التسليم يكتفي بعلمه وصاحب التفويض يرضى ~~بحكمه فالتوكل بداية والتسليم واسطة والتفويض نهاية فالتوكل صفة المؤمنين ~~والتسليم صفة الأولياء والتفويض صفة الموحدين # التوكل صفة العوام والتسليم صفة الخواص والتفويض صفة خاصة الخاصة التوكل ~~صفة الأنبياء والتسليم صفة إبراهيم الخليل والتفويض صفة نبينا محمد وعليهم ~~أجمعين هذا كله كلام الدقاق ومعنى هذا التوكل : اعتماد على الوكيل وقد ~~يعتمد الرجل على وكيله مع نوع اقتراح عليه وإرادة وشائبة منازعة فإذا سلم ~~إليه زال عنه ذلك ورضي بما يفعله وكيله وحال المفوض فوق هذا فإنه طالب مريد ~~ممن فوض إليه ملتمس منه أن يتولى أموره فهو رضى واختيار وتسليم واعتماد ~~فالتوكل يندرج في التسليم وهو والتسليم يندرجان في التفويض والله سبحانه ~~وتعالى أعلم # | فصل وحقيقة الأمر : أن التوكل حال مركبة من مجموع أمور لا تتم حقيقة # التوكل إلا بها وكل أشار إلى واحد من هذه الأمور أو اثنين أو أكثر # فأول ذلك : معرفة بالرب وصفاته : من قدرته وكفايته وقيوميته وانتهاء ~~PageV02P117 الأمور إلى علمه وصدورها عن مشيئته وقدرته وهذه المعرفة أول ms0503 ~~درجة يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل # قال شيخنا رضي الله عنه : ولذلك لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف ولا ~~من القدرية النفاة القائلين : بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء ولا يستقيم ~~أيضا من الجهمية النفاة لصفات الرب جل جلاله ولا يستقيم التوكل إلا من أهل ~~الإثبات # فأي توكل لمن يعتقد أن الله لا يعلم جزئيات العالم سفليه وعلويه ولا هو ~~فاعل باختياره ولا له إرادة ومشيئة ولا يقوم به صفة فكل من كان بالله ~~وصفاته أعلم وأعرف : كان توكله أصح وأقوى والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل الدرجة الثانية : إثبات في الأسباب والمسببات فإن من نفاها # فتوكله مدخول وهذا عكس ما يظهر في بدوات الرأي : أن إثبات الأسباب يقدح ~~في التوكل وأن نفيها تمام التوكل # فاعلم أن نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكل ألبتة لأن التوكل من أقوى ~~الأسباب في حصول المتوكل فيه فهو كالدعاء الذي جعله الله سببا في حصول ~~المدعو به فإذا اعتقد العبد أن توكله لم ينصبه الله سببا ولا جعل دعاءه ~~سببا لنيل شيء فإن المتوكل فيه المدعو بحصوله : إن كان قد قدر حصل توكل أو ~~لم يتوكل دعا أو لم يدع وإن لم يقدر لم يحصل توكل أيضا أو ترك التوكل # وصرح هؤلاء : أن التوكل والدعاء عبودية محضة لا فائدة لهما إلا ذلك ولو ~~ترك العبد التوكل والدعاء ما فاته شيء مما قدر له ومن غلاتهم من يجعل ~~الدعاء بعدم المؤاخذة على الخطإ والنسيان عديم الفائدة إذ هو مضمون الحصول # ورأيت بعض متعمقي هؤلاء في كتاب له لا يجوز الدعاء بهذا وإنما يجوزه ~~تلاوة لا دعاء قال لأن الدعاء به يتضمن الشك في وقوعه لأن الداعي بين الخوف ~~والرجاء والشك في وقوع ذلك شك في خبر الله فانظر إلى ما قاد إنكار ~~PageV02P118 الأسباب من العظائم وتحريم الدعاء بما أثنى الله على عباده ~~وأوليائه بالدعاء به وبطلبه ولم يزل المسلمون من عهد نبيهم وإلى الآن يدعون ~~به في مقامات الدعاء وهو من أفضل ms0504 الدعوات # وجواب هذا الوهم الباطل أن يقال : بقي قسم ثالث غير ما ذكرتم من القسمين ~~لم تذكروه وهو الواقع وهو أن يكون قضى بحصول الشيء عند حصول سببه من التوكل ~~والدعاء فنصب الدعاء والتوكل سببين لحصول المطلوب وقضى بحصوله إذا فعل ~~العبد سببه فإذا لم يأت بالسبب امتنع المسبب وهذا كما قضى بحصول الولد إذا ~~جامع الرجل من يحبلها فإذا لم يجامع لم يخلق الولد # وقضى بحصول الشبع إذا أكل والري إذا شرب فإذا لم يفعل لم يشبع ولم يرو ~~وقضى بحصول الحج والوصول إلى مكة إذا سافر وركب الطريق فإذا جلس في بيته لم ~~يصل إلى مكة وقضى بدخول الجنة إذا أسلم وأتى بالأعمال الصالحة فإذا ترك ~~الإسلام ولم يعمل الصالحات : لم يدخلها أبدا وقضى بإنضاج الطعام بإيقاد ~~النار تحته # وقضى بطلوع الحبوب التي تزرع بشق الأرض وإلقاء البذر فيها فما لم يأت ~~بذلك لم يحصل إلا الخيبة فوزان ما قاله منكرو الأسباب : أن يترك كل من ~~هؤلاء السبب الموصل ويقول : إن كان قضى لى وسبق في الأزل حصول الولد والشبع ~~والري والحج ونحوها فلا بد أن يصل إلي تحركت أو سكنت وتزوجت أو تركت سافرت ~~أو قعدت وإن لم يكن قد قضى لي لم يحصل لي أيضا فعلت أو تركت # فهل يعد أحد هذا من جملة العقلاء وهل البهائم إلا أفقه منه فإن البهيمة ~~تسعى في السبب بالهداية العامة PageV02P119 # فالتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب ويندفع بها المكروه فمن ~~أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل ولكن من تمام التوكل : عدم الركون إلى ~~الأسباب وقطع علاقة القلب بها فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها وحال بدنه ~~قيامه بها # فالأسباب محل حكمة الله وأمره ودينه والتوكل متعلق بربوبيته وقضائه وقدره ~~فلا تقوم عبودية الأسباب إلا على ساق التوكل ولا يقوم ساق التوكل إلا على ~~قدم العبودية والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل الدرجة الثالثة : رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل فإنه لا # يستقيم توكل العبد حتى يصح له ms0505 توحيده بل حقيقة التوكل : توحيد القلب فما ~~دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول وعلى قدر تجريد التوحيد : تكون ~~صحة التوكل فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شعبة من شعب ~~قلبه فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشعبة ومن ههنا ظن من ظن أن ~~التوكل لا يصح إلا برفض الأسباب وهذا حق لكن رفضها عن القلب لا عن الجوارح ~~فالتوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب وتعلق الجوارح بها فيكون منقطعا ~~منها متصلا بها والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل الدرجة الرابعة : اعتماد القلب على الله واستناده إليه وسكونه # إليه بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب ولا سكون إليها بل يخلع ~~السكون إليها من قلبه ويلبسه السكون إلى مسببها وعلامة هذا : أنه لا يبالي ~~بإقبالها وإدبارها ولا يضطرب قلبه ويخفق PageV02P120 عند إدبار ما يحب منها ~~وإقبال ما يكره لأن اعتماده على الله وسكونه إليه واستناده إليه قد حصنه من ~~خوفها ورجائها فحاله حال من خرج عليه عدو عظيم لا طاقة له به فرأى حصنا ~~مفتوحا فأدخله ربه إليه وأغلق عليه باب الحصن فهو يشاهد عدوه خارج الحصن ~~فاضطراب قلبه وخوفه من عدوه في هذه الحال لا معنى له # وكذلك من أعطاه ملك درهما فسرق منه فقال له الملك : عندي أضعافه فلا تهتم ~~متى جئت إلي أعطيتك من خزائني أضعافه فإذا علم صحة قول الملك ووثق به ~~واطمأن إليه وعلم أن خزائنه مليئة بذلك لم يحزنه فوته # وقد مثل ذلك بحال الطفل الرضيع في اعتماده وسكونه وطمأنينته بثدي أمه لا ~~يعرف غيره وليس في قلبه التفات إلى غيره كما قال بعض العارفين : المتوكل ~~كالطفل لا يعرف شيئا يأوي إليه إلا ثدي أمه كذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ~~ربه سبحانه # | فصل الدرجة الخامسة : حسن الظن بالله عز وجل فعلى قدر حسن ظنك # بربك ورجائك له يكون توكلك عليه ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن بالله # والتحقيق : أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل ms0506 عليه إذ لا يتصور التوكل على ~~من ساء ظنك به ولا التوكل على من لا ترجوه والله أعلم # | فصل الدرجة السادسة : استسلام القلب له وانجذاب دواعيه كلها إليه # وقطع منازعاته وبهذا فسره من قال : أن يكون العبد بين يدي الله كالميت ~~بين يدي الغاسل يقلبه كيف أراد لا يكون له حركة ولا تدبير PageV02P121 # وهذا معنى قول بعضهم : التوكل إسقاط التدبير يعني الاستسلام لتدبير الرب ~~لك وهذا في غير باب الأمر والنهي بل فيما يفعله بك لا فيما أمرك بفعله # فالاستسلام كتسليم العبد الذليل نفسه لسيده وانقياده له وترك منازعات ~~نفسه وإرادتها مع سيده والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل الدرجة السابعة : التفويض وهو روح التوكل ولبه وحقيقته وهو إلقاء # أموره كلها إلى الله وإنزالها به طلبا واختيارا لا كرها واضطرارا بل ~~كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره : كل أموره إلى أبيه العالم ~~بشفقته عليه ورحمته وتمام كفايته وحسن ولايته له وتدبيره له فهو يرى أن ~~تدبير أبيه له خير من تدبيره لنفسه وقيامه بمصالحه وتوليه لها خير من قيامه ~~هو بمصالح نفسه وتوليه لها فلا يجد له أصلح ولا أرفق من تفويضه أموره كلها ~~إلى أبيه وراحته من حمل كلفها وثقل حملها مع عجزه عنها وجهله بوجوه المصالح ~~فيها وعلمه بكمال علم من فوض إليه وقدرته وشفقته # | فصل فإذا وضع قدمه في هذه الدرجة انتقل منها إلى درجة الرضى وهي # ثمرة التوكل ومن فسر التوكل : بها فإنما فسره بأجلع ثمراته وأعظم فوائده ~~فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله # وكان شيخنا رضي الله عنه يقول : المقدور يكتنفه أمران : التوكل قبله ~~والرضى بعده فمن توكل على الله قبل الفعل ورضي بالمقضي له بعد الفعل فقد ~~قام بالعبودية أو معنى هذا # قلت : وهذا معنى قول النبي فى دعاء الاستخارة : اللهم إني أستخيرك بعلمك ~~وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فهذا PageV02P122 توكل وتفويض ثم ~~قال : فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب فهذا تبرؤ إلى ~~الله من العلم ms0507 والحول والقوة وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل ~~إليه بها المتوسلون ثم سأل ربه أن يقضي له ذلك الأمر إن كان فيه مصلحته ~~عاجلا أو آجلا وأن يصرفه عنه إن كان فيه مضرته عاجلا أو آجلا فهذا هو حاجته ~~التي سألها فلم يبق عليه إلا الرضى بما يقضيه له فقال : واقدر لي الخير حيث ~~كان ثم رضني به # فقد اشتمل هذا الدعاء على هذه المعارف الإلهية والحقائق الإيمانية التي ~~من جملتها : التوكل والتفويض قبل وقوع المقدور والرضى بعده وهو ثمرة التوكل ~~والتفويض علامة صحته فإن لم يرض بما قضى له فتفويضه معلول فاسد # فباستكمال هذه الدرجات الثمان يستكمل العبد مقام التوكل وتثبت قدمه فيه ~~وهذا معنى قول بشر الحافي : يقول أحدهم : توكلت على الله يكذب على الله لو ~~توكل على الله لرضي بما يفعله الله به # وقول يحيى بن معاذ وقد سئل : متى يكون الرجل متوكلا فقال : إذا رضي بالله ~~وكيلا # | فصل وكثيرا ما يشتبه في هذا الباب المحمود الكامل بالمذموم الناقص # فيشتبه التفويض بالإضاعة فيضيع العبد حظه ظنا منه أن ذلك تفويض وتوكل ~~وإنما هو تضييع لا تفويض فالتضييع في حق الله والتفويض في حقك # ومنه : اشتباه التوكل بالراحة وإلقاء حمل الكل فيظن صاحبه أنه متوكل ~~وإنما هو عامل على عدم الراحة # وعلامة ذلك : أن المتوكل مجتهد في الأسباب المأمور بها غاية الاجتهاد ~~مستريح من غيرها لتعبه بها والعامل على الراحة آخذ من الأمر مقدار ما تندفع ~~به الضرورة وتسقط به عنه مطالبة الشرع فهذا لون وهذا لون PageV02P123 # ومنه : اشتباه خلع الأسباب بتعطيلها فخلعها توحيد وتعطيلها إلحاد وزندقة ~~فخلعها عدم اعتماد القلب عليها ووثوقه وركونه إليها مع قيامه بها وتعطيلها ~~إلغاؤها عن الجوارح # ومنه : اشتباه الثقة بالله بالغرور والعجز والفرق بينهما : أن الواثق ~~بالله قد فعل ما أمره الله به ووثق بالله في طلوع ثمرته وتنميتها وتزكيتها ~~كغارس الشجرة وباذر الأرض والمغتر العاجز : قد فرط فيما أمر به وزعم أنه ~~واثق بالله والثقة إنما تصح بعد ms0508 بذل المجهود # ومنه : اشتباه الطمأنينة إلى الله والسكون إليه بالطمأنينة إلى المعلوم ~~وسكون القلب إليه ولا يميز بينهما إلا صاحب البصيرة كما يذكر عن أبي سليمان ~~الداراني : أنه رأى رجلا بمكة لا يتناول شيئاإلا شربة من ماء زمزم فمضى ~~عليه أيام فقال له أبو سليمان يوما : أرأيت لو غارت زمزم أي شيء كنت تشرب ~~فقام وقبل رأسه وقال : جزاك الله خيرا حيث أرشدتني فإني كنت أعبد زمزم منذ ~~أيام ثم تركه ومضى # وأكثر المتوكلين سكونهم وطمأنينتهم إلى المعلوم وهم يظنون أنه إلى الله ~~وعلامة ذلك : أنه متى انقطع معلوم أحدهم حضره همه وبثه وخوفه فعلم أن ~~طمأنينته وسكونه لم يكن إلى الله # ومنه : اشتباه الرضى عن الله بكل ما يفعل بعبده مما يحبه ويكرهه بالعزم ~~على ذلك وحديث النفس به وذلك شيء والحقيقة شيء آخر كما يحكى عن أبي سليمان ~~أنه قال : أرجو أن أكون أعطيت طرفا من الرضى لو أدخلني النار لكنت بذلك ~~راضيا # فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول : هذا عزم منه على الرضى وحديث نفس به ~~ولو أدخله النار لم يكن من ذلك شيء وفرق بين العزم على الشىء وبين حقيقته ~~PageV02P124 # ومنه : اشتباه علم التوكل بحال المتوكل فكثير من الناس يعرف التوكل ~~وحقيقته وتفاصيله فيظن أنه متوكل وليس من أهل التوكل فحال التوكل : أمر آخر ~~من وراء العلم به وهذا كمعرفة المحبة والعلم بها وأسبابها ودواعيها وحال ~~المحب العاشق وراء ذلك وكمعرفة علم الخوف وحال الخائف وراء ذلك وهو شبيه ~~بمعرفة المريض ماهية الصحة وحقيقتها وحاله بخلافها # فهذا الباب يكثر اشتباه الدعاوى فيه بالحقائق والعوارض بالمطالب والآفات ~~القاطعة بالأسباب الموصلة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم # | فصل التوكل من أعم المقامات تعلقا بالأسماء الحسنى فإن له تعلقا # خاصا بعامة أسماء الأفعال وأسماء الصفات فله تعلق باسم الغفار والتواب ~~والعفو والرؤوف والرحيم وتعلق باسم الفتاح والوهاب والرزاق والمعطي والمحسن ~~وتعلق باسم المعز المذل الحافظ الرافع المانع من جهة توكله عليه في إذلال ~~أعداء دينه وخفضهم ومنعهم أسباب ms0509 النصر وتعلق بأسماء القدرة والإرادة وله ~~تعلق عام بجميع الأسماء الحسنى ولهذا فسره من فسره من الأئمة بأنه المعرفة ~~بالله وإنما أراد أنه بحسب معرفة العبد يصح له مقام التوكل وكلما كان بالله ~~أعرف كان توكله عليه أقوى # | فصل وكثير من المتوكلين يكون مغبونا في توكله وقد توكل حقيقة # التوكل وهو مغبون كمن صرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله ~~ويمكنه نيلها بأيسر شيء وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة ~~الدين والتأثير في العالم خبرا فهذا توكل العاجز القاصر الهمة كما يصرف ~~بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء أو جوع يمكن ~~زواله بنصف PageV02P125 رغيف أو نصف درهم ويدع صرفه إلى نصرة الدين وقمع ~~المبتدعين وزيادة الإيمان ومصالح المسلمين والله أعلم # | فصل قال صاحب المنازل : التوكل : كلة الأمر إلى مالكه والتعويل # على وكالته وهو من أصعب منازل العامة عليهم وأوهى السبل عند الخاصة لأن ~~الحق تعالى قد وكل الأمور كلها إلى نفسه وأيأس العالم من ملك شيء منها # قوله : كلة الأمر إلى مالكه أي تسليمه إلى من هو بيده والتعويل على ~~وكالته أي الاعتماد على قيامه بالأمر والاستغناء بفعله عن فعلك وبإرادته عن ~~إرادتك # و الوكالة يراد بها أمران أحدهما : التوكيل وهو الاستنابة والتفويض ~~والثاني : التوكل وهو التعرف بطريق النيابة عن الموكل وهذا من الجانبين فإن ~~الله تبارك وتعالى يوكل العبد ويقيمه في حفظ ما وكله فيه والعبد يوكل الرب ~~ويعتمد عليه # فأما وكالة الرب عبده ففي قوله : تعالى @QB@ فإن يكفر بها هؤلاء فقد ~~وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين @QE@ [ الأنعام : ] قال قتادة : وكلنا ~~بها الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرناهم يعني قبل هذه الآية وقال أبو رجاء ~~العطاردي : معناه إن يكفر بها أهل الأرض فقد وكلنا بها أهل السماء وهم ~~الملائكة وقال ابن عباس ومجاهد : هم الأنصار أهل المدينة # والصواب : أن المراد من قام بها إيمانا ودعوة وجهادا ونصرة فهولاء هم ~~الذين وكلهم الله بها # فإن قلت : فهل يصح أن يقال : إن أحدا ms0510 وكيل الله # قلت : لا فإن الوكيل من يتصرف عن موكله بطريق النيابة والله عز وجل ~~PageV02P126 لا نائب له ولا يخلفه أحد بل هو الذي يخلف عبده كما قال النبي ~~: اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل على أنه لا يمتنع أن يطلق ~~ذلك باعتبار أنه مأمور بحفظ ما وكله فيه ورعايته والقيام به # وأما توكيل العبد ربه : فهو تفويضه إليه وعزل نفسه عن التصرف وإثباته ~~لأهله ووليه ولهذا قيل في التوكل : إنه عزل النفس عن الربوبية وقيامها ~~بالعبودية وهذا معنى كون الرب وكيل عبده أي كافيه والقائم بأموره ومصالحه ~~لأنه نائبه في التصرف فوكالة الرب عبده أمر وتعبد وإحسان له وخلعة منه عليه ~~لا عن حاجة منه وافتقار إليه كموالاته وأما توكيل العبد ربه : فتسليم ~~لربوبيته وقيام بعبوديته # وقوله وهو : من أصعب منازل العامة عليهم لأن العامة لم يخرجوا عن نفوسهم ~~ومألوفاتهم ولم يشاهدوا الحقيقة التي شهدها الخاصة وهي التي تشهد التوكيل ~~فهم في رق الأسباب فيصعب عليهم الخروج عنها وخلو القلب منها والاشتغال ~~بملاحظة المسبب وحده # وأما كونه أو هي السبل عند الخاصة فليس على إطلاقه بل هو من أجل السبل ~~عندهم وأفضلها وأعظمها قدرا وقد تقدم في صدر الباب : أمر الله رسوله بذلك ~~وحضه عليه هو والمؤمنين ومن أسمائه المتوكل وتوكله أعظم توكل وقد قال الله ~~له : @QB@ فتوكل على الله إنك على الحق المبين @QE@ [ النمل : 79 ] وفي ذكر ~~أمره بالتوكل مع إخباره بأنه على الحق : دلالة على أن الدين بمجموعه في ~~هذين الأمرين : أن يكون العبد على الحق في قوله وعمله واعتقاده ونيته وأن ~~يكون متوكلا على الله واثقا به فالدين كله في هذين المقامين وقال رسل الله ~~وأنبياؤه وما لنا أن لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا [ إبراهيم : 12 ] ~~فالعبد آفته : إما من عدم الهداية وإما من عدم التوكل فإذا جمع التوكل إلى ~~الهداية فقد جمع الإيمان كله PageV02P127 # نعم التوكل على الله في معلوم الرزق المضمون والاشتغال به عن التوكل في ~~نصرة الحق والدين : من ms0511 أوهى منازل الخاصة أما التوكل عليه في حصول ما يحبه ~~ويرضاه فيه وفي الخلق فهذا توكل الرسل والأنبياء عليهم السلام فكيف يكون من ~~أوهى منازل الخاصة # قوله : لأن الحق قد وكل الأمور إلى نفسه وأيأس العالم من ملك شيء منها # جوابه : أن الذي تولى ذلك أسند إلى عباده كسبا وفعلا وإقدارا واختيارا ~~وأمرا ونهيا استعبدهم به وامتحن به من يطيعه ممن يعصيه ومن يؤثره ممن يؤثر ~~عليه وأمر بتوكلهم عليه فيما أسنده إليهم وأمرهم به وتعبدهم به وأخبر : أنه ~~يحب المتوكلين عليه كما يحب الشاكرين وكما يحب المحسنين وكما يحب الصابرين ~~وكما يحب التوابين # وأخبر : أن كفايته لهم مقرونة بتوكلهم عليه وأنه كاف من توكل عليه وحسبه ~~وجعل لكل عمل من أعمال البر ومقام من مقاماته جزاء معلوما # وجعل نفسه جزاء المتوكل عليه وكفايته فقال @QB@ ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا @QE@ @QB@ ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته @QE@ @QB@ ومن يتق الله يجعل ~~له من أمره يسرا @QE@ [ الطلاق : 4 ] @QB@ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين @QE@ الآية [ النساء : 69 ] ثم قال في ~~التوكل : @QB@ ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ [ الطلاق : 3 ] # فانظر إلى هذا الجزاء الذي حصل للمتوكل ولم يجعله لغيره وهذا يدل على أن ~~التوكل أقوى السبل عنده وأحبها إليه وليس كونه وكل الأمور إلى نفسه بمناف ~~لتوكل العبد عليه بل هذا تحقيق كون الأمور كلها موكولة إلى نفسه لأن العبد ~~إذا علم ذلك وتحققه معرفة : صارت حاله التوكل قطعا على من هذا شأنه لعلمه ~~بأن الأمور كلها موكولة إليه وأن العبد لا يملك شيئا منها فهو لا يجد بدا ~~PageV02P128 من اعتماده عليه وتفويضه إليه وثقته به من الوجهين : من جهة ~~فقره وعدم ملكه شيئا ألبتة ومن جهة كون الأمر كله بيده وإليه والتوكل ينشأ ~~من هذين العلمين # فإن قيل : فإذا كان الأمر كله لله وليس للعبد من الأمر شيء فكيف يوكل ~~المالك على ملكه وكيف يستنيبه فيما هو ملك له دون هذا الموكل فالخاصة لما ms0512 ~~تحققوا هذا نزلوا عن مقام التوكل وسلموه إلى العامة وبقي الخطاب بالتوكل ~~لهم دون الخاصة # قيل : لما كان الأمر كله لله عز وجل وليس للعبد فيه شيء ألبتة كان توكله ~~على الله تسليم الأمر إلى من هو له وعزل نفسه عن منازعات مالكه واعتماده ~~عليه فيه وخروجه عن تصرفه بنفسه وحوله وقوته وكونه به إلى تصرفه بربه وكونه ~~به سبحانه دون نفسه وهذا مقصود التوكل # وأما عزل العبد نفسه عن مقام التوكل : فهو عزل لها عن حقيقة العبودية # وأما توجه الخطاب به إلى العامة : فسبحان الله هل خاطب الله بالتوكل في ~~كتابه إلا خواص خلقه وأقربهم إليه وأكرمهم عليه وشرط في إيمانهم أن يكونوا ~~متوكلين والمعلق على الشرط يعدم عند عدمه # وهذا يدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل فمن لا توكل له : لا ~~إيمان له قال الله تعالى : @QB@ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين @QE@ [ ~~المائده : 23 ] وقال تعالى : @QB@ وعلى الله فليتوكل المؤمنون @QE@ وقال ~~تعالى : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيماناوعلى ربهم يتوكلون [ الأنفال : 2 ] وهذا يدل على انحصار ~~المؤمنين فيمن كان بهذه الصفة # وأخبر تعالى عن رسله بأن التوكل ملجأهم ومعاذهم وأمر به رسوله في أربع ~~مواضع من كتابه وقال : وقال موسى : يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا إن كنتم مؤمنين فقالوا على الله توكلنا [ يونس : 8485 ] فكيف يكون ~~من أو هي السبل وهذا شأنه والله سبحانه وتعالى أعلم PageV02P129 # | فصل قال : وهو على ثلاث درجات كلها تسير مسير العامة الدرجة الأولى # : التوكل مع الطلب ومعاطاة السبب على نية شغل النفس بالسبب مخافة ونفع ~~الخلق وترك الدعوى # يقول : إن صاحب هذه الدرجة يتوكل على الله ولا يترك الأسباب بل يتعطاها ~~على نية شغل النفس بالسبب مخافة أن تفرغ فتشتغل بالهوى والحظوظ فإن لم يشغل ~~نفسه بما ينفعها شغلته بما يضره لا سيما إذا كان الفراغ مع حدة الشباب وملك ~~الجدة وميل النفس إلى الهوى وتوالي الغفلات كما قيل : # إن الشباب ms0513 والفراغ والجدة % مفسدة للمرء أي مفسدة # ويكون أيضا قيامه بالسبب على نية نفع النفس ونفع الناس بذلك فيحصل له نفع ~~نفسه ونفع غيره # وأما تضمن ذلك لترك الدعوى : فإنه إذا اشتغل بالسبب تخلص من إشارة الخلق ~~إليه الموجبة لحسن ظنه بنفسه الموجب لدعواه فالسبب ستر لحاله ومقامه وحجاب ~~مسبل عليه # ومن وجه آخر وهو أن يشهد به فقره وذله وامتهانه امتهان العبيد والفعلة ~~فيتخلص من رعونة دعوى النفس فإنه إذا امتهن نفسه بمعاطاة الأسباب : سلم من ~~هذه الأمراض فيقال : إذا كانت الأسباب مأمورا بها ففيها فائدة أجل من هذه ~~الثلاث وهي المقصودة بالقصد الأول وهذه مقصودة قصد الوسائل وهي القيام ~~بالعبودية والأمر الذي خلق له العبد وأرسلت به الرسل وأنزلت لأجله الكتب ~~وبه قامت السموات والأرض وله وجدت الجنة والنار # فالقيام بالأسباب المأمور بها : محض العبودية وحق الله على عبده الذي ~~توجهت به نحوه المطالب وترتب عليه الثواب والعقاب والله سبحانه أعلم ~~PageV02P130 # | فصل قال : الدرجة الثانية : التوكل مع إسقاط الطلب وغض العين عن # السبب اجتهادا لتصحيح التوكل وقمعا لشرف النفس وتفرغا إلى حفظ الواجبات ~~قوله : مع إسقاط الطلب أي من الخلق لا من الحق فلا يطلب من أحد شيئا وهذا ~~من أحسن الكلام وأنفعه للمريد فإن الطلب من الخلق فى الأصل محظور وغايته : ~~أن يباح للضرورة كإباحة الميتة للمضطر ونص أحمد على أنه لا يجب وكذلك كان ~~شيخنا يشير إلى أنه لا يجب الطلب والسؤال # وسمعته يقول في السؤال : هو ظلم في حق الربوبية وظلم في حق الخلق وظلم في ~~حق النفس أما في حق الربوبية : فلما فيه من الذل لغير الله وإراقة ماء ~~الوجه لغير خالقه والتعوض عن سؤاله بسؤال المخلوقين والتعرض لمقته إذا سأل ~~وعنده ما يكفيه يومه # وأما في حق الناس : فبمنازعتهم ما في أيديهم بالسؤال واستخراجه منهم ~~وأبغض ما إليهم : من يسألهم ما في أيديهم وأحب ما إليهم : من لا يسألهم فإن ~~أموالهم محبوباتهم ومن سألك محبوبك فقد تعرض لمقتك وبغضك # وأما ظلم السائل نفسه : فحيث ms0514 امتهنها وأقامها في مقام ذل السؤال ورضي لها ~~بذل الطلب ممن هو مثله أو لعل السائل خير منه وأعلى قدرا وترك سؤال من ليس ~~كمثله شىء وهو السميع البصير فقد أقام السائل نفسه مقام الذل وأهانها بذلك ~~ورضي أن يكون شحاذا من شحاذ مثله فإن من تشحذه فهو أيضا شحاذ مثلك والله ~~وحده هو الغني الحميد # فسؤال المخلوق للمخلوق سؤال الفقير للفقير والرب تعالى كلما سألته كرمت ~~عليه ورضي عنك وأحبك والمخلوق كلما سألته هنت عليه وأبغضك ومقتك وقلاك كما ~~قيل : # الله يغضب إن تركت سؤاله % وبني آدم حين يسأل يغضب PageV02P131 # وقبيح بالعبد المريد : أن يتعرض لسؤال العبيد وهو يجد عند مولاه كل ما ~~يريد وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال : كنا عند ~~رسول الله تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال : ألا تبايعون رسول الله وكنا حديثي ~~عهد ببيعة فقلنا قد بايعناك يا رسول الله ثم قال ألا تبايعون رسول الله ~~فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك فقال أن تعبدوا ~~الله ولا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس وأسر كلمة خفية ولا تسألوا الناس ~~شيئا قال : ولقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا أن ~~يناوله إياه # وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي قال : لا تزال المسألة ~~بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم # وفيهما أيضا عنه أن رسول الله قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن ~~المسألة : واليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا : هي المنفقة ~~والسفلى : هي السائلة # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي قال : من سأل الناس ~~تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر # وفي الترمذي عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال : قال رسول الله : إن ~~المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في الأمر الذي ~~لا بد منه قال الترمذي : حديث صحيح # وفيه عن ms0515 ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا : من أصابته فاقة فأنزلها بالناس ~~لم تسد فاقته ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل # وفي السنن و المسند عن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله : من تكفل ~~لي أن لا يسأل الناس شيئا أتكفل له بالجنة فقلت : أنا فكان لا يسأل أحدا ~~شيئا PageV02P132 # وفي صحيح مسلم عن قبيصة رضي الله عنه عن النبي : إن المسألة لا تحل إلا ~~لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل ~~أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال : ~~سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه : لقد ~~أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من ~~عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكلها صاحبها سحتا # فالتوكل مع إسقاط هذا الطلب والسؤال هو محض العبودية # قوله : وغض العين عن التسبب اجتهادا في تصحيح التوكل معناه : أنه يعرض عن ~~الاشتغال بالسبب لتصحيح التوكل بامتحان النفس لأن المتعاطي للسبب قد يظن ~~أنه حصل التوكل ولم يحصله لثقته بمعلومه فإذا أعرض عن السبب صح له التوكل # وهذا الذي أشار إليه : مذهب قوم من العباد والسالكين وكثير منهم كان يدخل ~~البادية بلا زاد ويرى حمل الزاد قدحا في التوكل ولهم في ذلك حكايات مشهورة ~~وهؤلاء في خفارة صدقهم وإلا فدرجتهم ناقصة عن العارفين ومع هذا فلا يمكن ~~بشرا ألبتة ترك الأسباب جملة # فهذا إبراهيم الخواص كان مجردا في التوكل يدقق فيه ويدخل البادية بغير ~~زاد وكان لا تفارقه الإبرة والخيط والركوة والمقراض فقيل له : لم تحمل هذا ~~وأنت تمنع من كل شيء فقال : مثل هذا لا ينقص من التوكل لأن لله علينا فرائض ~~والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد فربما تخرق ثوبه فإذا لم يكن ~~PageV02P133 معه إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلاته وإذا لم يكن معه ~~ركوة فسدت عليه طهارته ms0516 وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه ~~في صلاته # أفلا تراه لم يستقم له دينه إلا بالأسباب أو ليست حركة أقدامه ونقلها في ~~الطريق والاستدلال على أعلامها إذا خفيت عليه من الأسباب # فالتجرد من الأسباب جملة ممتنع عقلا وشرعا وحسا # نعم قد تعرض للصادق أحيانا قوة ثقة بالله وحال مع الله تحمله على ترك كل ~~سبب مفروض عليه كما تحمله على إلقاء نفسه في مواضع الهلكة ويكون ذلك الوقت ~~بالله لا به فيأتيه مدد من الله على مقتضى حاله ولكن لا تدوم له هذه الحال ~~وليست في مقتضى الطبيعة فإنها كانت هجمة هجمت عليه بلا استدعاء فحمل عليها ~~فإذا استدعى مثلها وتكلفها لم يجب إلى ذلك وفي تلك الحال : إذا ترك السبب ~~يكون معذورا لقوة الوارد وعجزه عن الاشتغال بالسبب فيكون في وارده عون له ~~ويكون حاملا له فإذا أراد تعاطي تلك الحال بدون ذلك الوارد وقع في المحال # وكل تلك الحكايات الصحيحة التي تحكي عن القوم فهي جزئية حصلت لهم أحيانا ~~ليست طريقا مأمورا بسلوكها ولا مقدورة وصارت فتنة لطائفتين # وطائفة ظنتها طريقا ومقاما فعملوا عليها فمنهم من انقطع ومنهم من رجع ولم ~~يمكنه الاستمرار عليها بل انقلب على عقبيه وطائفة قدحوا في أربابها وجعلوهم ~~مخالفين للشرع والعقل مدعين لأنفسهم حالا أكمل من حال رسول الله وأصحابه إذ ~~لم يكن فيهم أحد قط يفعل ذلك ولا أخل بشيء من الأسباب وقد ظاهر بين درعين ~~يوم أحد ولم يحضر الصف قط عريانا كما يفعله من لا علم PageV02P134 عنده ولا ~~معرفة واستأجر دليلا مشركا على دين قومه يدله على طريق الهجرة وقد هدى الله ~~به العالمين وعصمه من الناس أجمعين وكان يدخر لأهله قوت سنة وهو سيد ~~المتوكلين وكان إذا سافر في جهاد أو حج أو عمرة حمل الزاد والمزاد وجميع ~~أصحابه وهم أولوالتوكل حقا وأكمل المتوكلين بعدهم : هو من اشتم رائحة ~~توكلهم من مسيرة بعيدة أو لحق أثرا من غبارهم فحال النبي وحال أصحابه محك ~~الأحوال وميزانها ms0517 بها يعلم صحيحها من سقيمها فإن هممهم كانت في التوكل أعلى ~~من همم من بعدهم فإن توكلهم كان في فتح بصائر القلوب وأن يعبد الله في جميع ~~البلاد وأن يوحده جميع العباد وأن تشرق شموس الدين الحق على قلوب العباد ~~فملؤا بذلك التوكل القلوب هدى وإيمانا وفتحوا بلاد الكفر وجعلوها دار إيمان ~~وهبت رياح روح نسمات التوكل على قلوب أتباعهم فملأتها يقينا وإيمانا فكانت ~~همم الصحابة رضى الله عنهم أعلى وأجل من أن يصرف أحدهم قوة توكله واعتماده ~~على الله في شيء يحصل بأدنى حيلة وسعى فيجعله نصب عينيه ويحمل عليه قوى ~~توكله # قوله : وقمعا لشرف النفس يريد : أن المتسبب قد يكون متسببا بالولايات ~~الشريفة في العبادة أو التجارات الرفيعة والأسباب التي له بها جاه وشرف في ~~الناس فإذا تركها يكون تركها قمعا لشرف نفسه وإيثارا للتواضع # وقوله : وتفرغا لحفظ الواجبات أي يتفرغ بتركها لحفظ واجباتها التي ~~تزاحمها تلك الأسباب والله أعلم # | فصل قال : الدرجة الثالثة : التوكل مع معرفة التوكل النازعة إلى # الخلاص من علة التوكل وهي أن يعلم أن ملكة الحق تعالى للأشياء هي ملكة ~~عزة PageV02P135 لا يشاركه فيها مشارك فيكل شركته إليه فإن من ضرورة ~~العبودية : أن يعلم العبد : أن الحق سبحانه هو مالك الأشياء وحده # يريد أن صاحب هذه الدرجة متى قطع الأسباب والطلب وتعدى تينك الدرجتين ~~فتوكله فوق توكل من قبله وهو إنما يكون بعد معرفته بحقيقة التوكل وأنه دون ~~مقامه فتكون معرفته به وبحقيقته نازعة أي باعثة وداعية إلى تخلصه من علة ~~التوكل أي لا يعرف علة التوكل حتى يعرف حقيقته فحينئذ يعرف التوكل المعرفة ~~التي تدعوه إلى التخلص من علته # ثم بين المعرفة التي يعلم بها علة التوكل فقال : أن يعلم أن ملكة الحق ~~للأشياء ملكة عزة أي ملكة امتناع وقوة وقهر تمنع أن يشاركه في ملكه لشيء من ~~الأشياء مشارك فهو العزيز في ملكه الذي لا يشاركه غيره في ذرة منه كما هو ~~المنفرد بعزته التي لا يشاركه فيها مشارك # فالمتوكل يرى أن ms0518 له شيئا قد وكل الحق فيه وأنه سبحانه صار وكيله عليه ~~وهذا مخالف لحقيقة الأمر إذ ليس لأحد من الأمر مع الله شيء فلهذا قال : لا ~~يشاركه فيه مشارك فيكل شركته إليه فلسان الحال يقول لمن جعل الرب تعالى ~~وكيله : فيماذا وكلت ربك أفيما هو له وحده أو لك وحدك أو بينكما فالثاني ~~والثالث ممتنع بتفرده بالملك وحده والتوكيل في الأول ممتنع فكيف توكله فيما ~~ليس لك منه شيء ألبتة # فيقال ههنا أمران : توكل وتوكيل فالتوكل : محض الاعتماد والثقة والسكون ~~إلى من له الأمر كله وعلم العبد بتفرد الحق تعالى وحده بملك الأشياء كلها ~~وأنه ليس له مشارك في ذرة من ذرات الكون : من أقوى أسباب توكله وأعظم ~~دواعيه # فإذا تحقق ذلك علما ومعرفة وباشر قلبه حالا : لم يجد بدا من اعتماد قلبه ~~على الحق وحده وثقته به وسكونه إليه وحده وطمأنينته به وحده لعلمه أن ~~PageV02P136 حاجاته وفاقاته وضروراته وجميع مصالحه كلها بيده وحده لا بيد ~~غيره فأين يجد قلبه مناصامن التوكل بعد هذا # فعلة التوكل حينئذ : التفات قلبه إلى من ليس له شركة في ملك الحق ولا ~~يملك مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض هذه علة توكله فهو يعمل على تخليص ~~توكله من هذه العلة # نعم ومن علة أخرى وهي رؤية توكله فإنه التفات إلى عوالم نفسه # وعلة ثالثة : وهي صرفه قوة توكله إلى شيء غيره أحب إلى الله منه # فهذه العلل الثلاث : هي علل التوكيل # وأما التوكل : فليس المراد منه إلا مجرد التفويض وهو من أخص مقامات ~~العارفين كمان كان النبي يقول : اللهم إني أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك ~~وقال تعالى عن مؤمن آل فرعون : @QB@ وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير ~~بالعباد @QE@ [ غافر : 4445 ] فكان جزاء هذا التفويض قوله : @QB@ فوقاه ~~الله سيئات ما مكروا @QE@ فإن كان التوكل معلولا بما ذكره فالتفويض أيضا ~~كذلك وليس فليس # ولولا أن الحق لله ورسوله وأن كل ما عدا الله ورسوله فمأخوذ من قوله ~~ومتروك وهو عرضة الوهم والخطأ : لما ms0519 اعترضنا على من لا نلحق غبارهم ولا ~~نجري معهم في مضمارهم ونراهم فوقنا في مقامات الإيمان ومنازل السائرين ~~كالنجوم الدراري ومن كان عنده علم فليرشدنا إليه ومن رأى في كلامنا زيغا أو ~~نقصا وخطأ فليهد إلينا الصواب نشكر له سعيه ونقابله بالقبول والإذعان ~~والانقياد والتسليم والله أعلم وهو الموفق # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التفويض # قال صاحب المنازل : وهو ألطف إشارة وأوسع معنى من التوكل فإن التوكل بعد ~~وقوع PageV02P137 السبب والتفويض قبل وقوعه وبعده وهو عين الاستسلام ~~والتوكل شعبة منه # يعني أن المفوض يتبرأ من الحول والقوة ويفوض الأمر إلى صاحبه من غير أن ~~يقيمه مقام نفسه في مصالحه بخلاف التوكل فإن الوكالة تقتضي أن يقوم الوكيل ~~مقام الموكل # فالتفويض : براءة وخروج من الحول والقوة وتسليم الأمر كله إلى مالكه # فيقال : وكذلك التوكل أيضا وما قدحتم به فى التوكل يرد عليكم نظيره في ~~التفويض سواء فإنك كيف تفوض شيئا لا تملكه ألبتة إلى مالكه وهل يصح أن يفوض ~~واحد من آحاد الرعية الملك إلى ملك زمانه # فالعلة إذن في التفويض أعظم منها في التوكل بل لو قال قائل : التوكل فوق ~~التفويض وأجل منه وأرفع لكان مصيبا ولهذا كان القرآن مملوءا به أمرا ~~وإخبارا عن خاصة الله وأوليائه وصفوة المؤمنين بأن حالهم التوكل وأمر الله ~~به رسوله في أربعة مواضع من كتابه وسماه المتوكل كما في صحيح البخارى عن ~~عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : قرأت في التوراة صفة النبي : محمد ~~رسول الله سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق # وأخبر عن رسله بأن حالهم كان التوكل وبه انتصروا على قومهم وأخبر ~~PageV02P138 النبي عن السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب : أنهم ~~أهل مقام التوكل # ولم يجيء التفويض في القرآن إلا فيما حكاه عن مؤمن آل فرعون من قوله : ~~@QB@ وأفوض أمري إلى الله @QE@ [ غافر : 44 ] وقد أمر الله رسوله بأن يتخذه ~~وكيلا فقال : رب المشرق والمغرب لا إلكه إله هو فاتخذه وكيلا [ المزمل : 9 ~~] # وهذا ms0520 يبطل قول من قال من جهلة القوم : إن توكيل الرب فيه جسارة على ~~البارى لأن التوكل يقتضي إقامة الوكيل مقام الموكل وذلك عين الجسارة # قال : ولولا أن الله أباح ذلك وندب إليه : لما جاز للعبد تعاطيه # وهذا من أعظم الجهل فإن اتخاذه وكيلا هو محض العبودية وخالص التوحيد إذا ~~قام به صاحبه حقيقة # ولله در سيد القوم وشيخ الطائفة سهل بن عبدالله التستري إذ يقول : العلم ~~كله باب من التعبد والتعبد كله باب من الورع والورع كله باب من الزهد ~~والزهد كله باب من التوكل # فالذي نذهب إليه : أن التوكل أوسع من التفويض وأعلى وأرفع # قوله : فإن التوكل بعد وقوع السبب والتفويض قبل وقوعه وبعده يعني بالسبب ~~: الاكتساب فالمفوض قد فوض أمره إلى الله قبل اكتسابه وبعده والمتوكل قد ~~قام بالسبب وتوكل فيه على الله فصار التفويض أوسع # فيقال : والتوكل قد يكون قبل السبب ومعه وبعده فيتوكل على الله أن يقيمه ~~في سبب يوصله إلى مطلوبه فإذا قام به توكل على الله حال مباشرته فإذا أتمه ~~توكل على الله في حصول ثمراته فيتوكل على الله قبله ومعه وبعده فعلى هذا : ~~هو أوسع من التفويض على ما ذكر قوله : وهو عين الاستسلام أي التفويض عين ~~الانقياد بالكلية إلى PageV02P139 الحق سبحانه ولا يبالي أكان ما يقضى له ~~الخير أم خلافه والمتوكل يتوكل على الله في مصالحه # وهذا القدر هو الذي لحظه القوم في هضم مقام التوكل ورفع مقام التفويض ~~عليه وجوابه من وجهين # أحدهما : أن المفوض لا يفوض أمره إلى الله إلا لإرادته أن يقضي له ما هو ~~خير له في معاشه ومعاده وإن كان المقضي له خلاف ما يظنه خيرا فهو راض به ~~لأنه يعلم أنه خير له وإن خفيت عليه جهة المصلحة فيه وهكذا حال المتوكل ~~سواء بل هو أرفع من المفوض لأن معه من عمل القلب ما ليس مع المفوض فإن ~~المتوكل مفوض وزيادة فلا يستقيم مقام التوكل إلا بالتفويض فإنه إذا فوض ~~أمره إليه اعتمد بقلبه كله عليه ms0521 بعد تفويضه # ونظير هذا : أن من فوض أمره إلى رجل وجعله إليه فإنه يجد من نفسه بعد ~~تفويضه اعتمادا خاصا وسكونا وطمأنينة إلى المفوض إليه أكثر مما كان قبل ~~التفويض وهذا هو حقيقة التوكل # الوجه الثاني : أن أهم مصالح المتوكل : حصول مراضي محبوبه ومحابه فهو ~~يتوكل عليه في تحصيلها له فأي مصلحة أعظم من هذه # وأما التفويض : فهو تفويض حاجات العبد المعيشية وأسبابها إلى الله فإنه ~~لا يفوض إليه محابه والمتوكل يتوكل في محابه # والوهم إنما دخل من حيث يظن الظان : أن التوكل مقصور على معلوم الرزق ~~وقوة البدن وصحة الجسم ولا ريب أن هذا التوكل ناقص بالنسبة إلى التوكل في ~~إقامة الدين والدعوة إلى الله PageV02P140 # قال : وهو على ثلاث درجات الأول أن يعلم أن العبد لا يملك قبل عمله ~~استطاعة فلا يأمن من مكر ولا ييأس من معونة ولا يعول على نية # أي يتحقق أن استطاعته بيد الله لا بيده فهو مالكها دونه فإنه إن لم يعطه ~~الاستطاعة فهو عاجز فهو لا يتحرك إلا بالله لا بنفسه فكيف يأمن المكر وهو ~~محرك لا محرك يحركه من حركته بيده فإن شاء ثبطه وأقعده مع القاعدين كما قال ~~فيمن منعه هذا التوفيق : @QB@ ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا ~~مع القاعدين @QE@ [ التوبة : 46 ] # فهذا مكر الله بالعبد : أن يقطع عنه مواد توفيقه ويخلي بينه وبين نفسه ~~ولا يبعث دواعيه ولا يحركه إلى مراضيه ومحابه وليس هذا حقا على الله فيكون ~~ظالما بمنعه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا بل هو مجرد فضله الذي يحمده على ~~بذله لمن بذله وعلى منعه لمن منعه إياه فله الحمد على هذا وهذا # ومن فهم هذا فهم بابا عظيما من سر القدر وانجلت له إشكالات كثيرة فهو ~~سبحانه لا يريد من نفسه فعلا يفعله بعبده يقع منه ما يحبه ويرضاه فيمنعه ~~فعل نفسه به وهو توفيقه لأنه يكرهه ويقهره على فعل مساخطه بل يكله إلى نفسه ~~وحوله وقوته ويتخلى عنه فهذا هو المكر # قوله : ولا ييأس ms0522 من معونة يعني إذا كان المحرك له هو الرب جل جلاله وهو ~~أقدر القادرين وهو الذي تفرد بخلقه ورزقه وهو أرحم الراحمين فكيف ييأس من ~~معونته له # قوله : ولا يعول على نية أي لا يعتمد على نيته وعزمه ويثق بها فإن نيته ~~وعزمه بيد الله تعالى لا بيده وهي إلى الله لا إليه فلتكن ثقته بمن هي في ~~يده حقا لا بمن هي جارية عليه حكما PageV02P141 # | فصل قال : الدرجة الثانية : معاينة الاضطرار فلا يرى عملا منجيا # ولا ذنبا مهلكا ولا سببا حاملا # أي يعاين فقره وفاقته وضرورته التامة إلى الله بحيث إنه يرى في كل ذرة من ~~ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة وفاقة تامة إلى الله فنجاته إنما هي بالله لا ~~بعمله # وأما قوله : ولا ذنبا مهلكا فإن أراد به : أن هلاكه بالله لا بسبب ذنوبه ~~: فباطل معاذ الله من ذلك وإن أراد به : أن فضل الله وسعته ومغفرته ورحمته ~~ومشاهدة شدة ضرورته وفاقته إليه : يوجب له أن لا يرى ذنبا مهلكا فإن ~~افتقاره وفاقته وضرورته تمنعه من الهلاك بذنوبه بل تمنعه من اقتحام الذنوب ~~المهلكة إذ صاحب هذا المقام لا يصر على ذنوب تهلكه وهذا حاله فهذا حق وهو ~~من مشاهد أهل المعرفة # وقوله : ولا سببا حاملا أي يشهد : أن الحامل له هو الحق تعالى لا الأسباب ~~التي يقوم بها فإنه وإياها محمولان بالله وحده # | فصل قال : الدرجة الثالثة : شهود انفراد الحق بملك الحركة والسكون # والقبض والبسط ومعرفته بتصريف التفرقة والجمع # هذه الدرجة تتعلق بشهود وصف الله تبارك وتعالى وشأنه والتي قبلها تتعلق ~~بشهود حال العبد ووصفه أي يشهد حركات العالم وسكونه صادرة عن الحق تعالى في ~~كل متحرك وساكن فيشهد تعلق الحركة باسمه الباسط وتعلق السكون باسمه القابض ~~فيشهد تفرده سبحانه بالبسط والقبض # وأما معرفته بتصريف التفرقة والجمع فأن يكون المشاهد عارفا بمواضع ~~التفرقة والجمع والمراد بالتفرقة : نظر الاعتبار ونسبة الأفعال إلى الخلق ~~PageV02P142 # والمراد بالجمع : شهود الأفعال منسوبة إلى موجدها الحق تعالى وقد يريدون ~~بالتفرقة والجمع : معنى وراء هذا ms0523 الشهود وهو حال التفرقة والجمع فحال ~~التفرقة : تفرق القلب في أودية الإرادات وشعابها وحال الجمع : جمعيته على ~~مراد الحق وحده فالأول : علم التفرقة والجمع والثاني : حالهما والله أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الثقة بالله تعالى # قال صاحب المنازل : الثقة : سواد عين التوكل ونقطة دائرة التفويض وسويداء ~~قلب التسليم وصدر الباب بقوله تعالى لأم موسى : @QB@ فإذا خفت عليه فألقيه ~~في اليم ولا تخافي ولا تحزني @QE@ [ القصص : 7 ] فإن فعلها هذا هو عين ~~ثقتها بالله تعالى إذ لولا كمال ثقتها بربها لما ألقت بولدها وفلذة كبدها ~~في تيار الماء تتلاعب به أمواجه وجرياته إلى حيث ينتهى أو يقف ومراده : أن ~~الثقة خلاصة التوكل ولبه كما أن سواد العين : أشرف ما في العين وأشار بأنه ~~نقطة دائرة التفويض إلى أن مدار التوكل عليه وهو في وسطه كحال النقطة من ~~الدائرة فإن النقطة هي المركز الذي عليه استدارة المحيط ونسبة جهات المحيط ~~إليها نسبة واحدة وكل جزء من أجزاء المحيط مقابل لها كذلك الثقة هي النقطة ~~التي يدور عليها التفويض # وكذلك قوله : سويداء قلب التسليم فإن القلب أشرف ما فيه سويداؤه وهي ~~المهجة التي تكون بها الحياة وهي في وسطه فلو كان التفويض قلبا لكانت الثقة ~~سويداءه ولو كان عينا لكانت سوادها ولو كان دائرة لكانت نقطتها PageV02P143 # وقد تقدم أن كثيرا من الناس يفسر التوكل بالثقة ويجعله حقيقتها ومنهم من ~~يفسره بالتفويض ومنهم من يفسره بالتسليم فعلمت : أن مقام التوكل يجمع ذلك ~~كله # فكأن الثقة عند الشيخ هي روح و التوكل كالبدن الحامل لها ونسبتها إلى ~~التوكل كنسبة الإحسان إلى الإيمان والله أعلم # | فصل قال : وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : درجة الإياس وهو # إياس البعد عن مقاومات الأحكام ليقعد عن منازعة الأقسام ليتخلص من قحة ~~الإقدام # يعني أن الواثق بالله لاعتقاده : أن الله تعالى إذا حكم بحكم وقضى أمرا ~~فلا مرد لقضائه ولا معقب لحكمه فمن حكم الله له بحكم وقسم له بنصيب من ~~الرزق أو الطاعة أو الحال ms0524 أو العلم أو غيره : فلا بد من حصوله له ومن لم ~~يقسم له ذلك : فلا سبيل له إليه ألبتة كما لا سبيل له إلى الطيران إلى ~~السماء وحمل الجبال فبهذا القدر يقعد عن منازعة الأقسام فما كان له منها ~~فسوف يأتيه على ضعفه وما لم يكن له منها فلن يناله بقوته # والفرق بين قوله : مقاومة الأحكام و : منازعة الأقسام أن مقاومة الأحكام ~~: أن تتعلق إرادته بعين ما في حكم الله وقضائه فإذا تعلقت إرادته بذلك جاذب ~~الخلق الأقسام ونازعهم فيها # وقوله : يتخلص من قحة الإقدام أي يتخلص بالثقة بالله من هذه القحة ~~والجرأة على إقدامه على ما لم يحكم له به ولا قسم له والله سبحانه أعلم # | فصل قال : الدرجة الثانية : درجة الأمن وهو أمن العبد من فوت # المقدور وانتقاض المسطور فيظفر بروح الرضى وإلا فبعين اليقين وإلا فبلطف ~~الصبر PageV02P144 # يقول : من حصل له الإياس المذكور حصل له الأمن وذلك أن من تحقق بمعرفة ~~الله وأن ما قضاه الله فلا مرد له ألبتة : أمن من فوت نصيبه الذي قسمه الله ~~له وأمن أيضا من نقصان ما كتبه الله له وسطره في الكتاب المسطور فيظفر بروح ~~الرضى أي براحته ولذته ونعيمه لأن صاحب الرضى في راحة ولذة وسرور كما في ~~حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي قال : إن الله بعدله وقسطه ~~جعل الروح والفرح في اليقين والرضى وجعل الهم والحزن في الشك والسخط # فإن لم يقدر العبد على روح الرضى ظفر بعين اليقين وهو قوة الإيمان ~~ومباشرته للقلب بحيث لا يبقى بينه وبين العيان إلا كشف الحجاب المانع من ~~مكافحة البصر # فإن لم يحصل له هذا المقام حصل على لطف الصبر وما فيه من حسن العاقبة كما ~~في الأثر المعروف : إن استطعت أن تعمل لله بالرضى مع اليقين فافعل فإن لم ~~تستطع فإن في الصبر ما تكره النفس خيرا كثيرا # | فصل قال : الدرجة الثالثة : معاينة أزلية الحق ليتخلص من محن # القصود وتكاليف الحمايات والتعريج على مدارج الوسائل # قوله ms0525 : معاينة أزلية الحق أي متى شهد قلبه تفرد الرب سبحانه وتعالى ~~بالأزلية غاب بها عن الطلب لتيقنه فراغ الرب تعالى من المقادير وسبق الأزل ~~بها وثبوت حكمها هناك فيتخلص من المحن التي تعرض له دون القصود ويتخلص أيضا ~~من تعريجه والتفاته وحبس مطيته على طرق الأسباب التي يتوسل بها إلى المطالب # وهذا ليس على إطلاقه فإن مدارج الوسائل قسمان : وسائل موصلة إلى عين ~~الرضى فالتعريج على مدارجها معرفة وعملا وحالا وإيثارا هو محض PageV02P145 ~~العبودية ولكن لا يجعل تعريجه كله على مدارجها بحيث ينسى بها الغاية التي ~~هي وسائل إليها # وأما تخلصه من تكاليف الحمايات فهو تخلصه من طلب ما حماه الله تعالى عنه ~~قدرا فلا يتكلف طلبه وقد حمي عنه ووجه آخر : وهو أن يتخلص بمشاهدة سبق ~~الأزلية من تكاليف احترازاته وشدة احتمائه من المكاره لعلمه بسبق الأزل بما ~~كتب له منها فلا فائدة في تكلف الاحتماء نعم يحتمي مما نهى عنه وما لا ~~ينفعه في طريقه ولا يعينه على الوصول # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التسليم # وهي نوعان : تسليم لحكمه الديني الأمري وتسليم لحكمه الكوني القدري # فأما الأول : فهو تسليم المؤمنين العارفين قال تعالى : @QB@ فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما @QE@ [ النساء : 65 ] فهذه ثلاث مراتب : التحكيم وسعة الصدر ~~بانتفاء الحرج والتسليم # وأما التسليم للحكم الكونى : فمزلة أقدام ومضلة أفهام حير الأنام وأوقع ~~الخصام وهي مسألة الرضى بالقضاء وقد تقدم الكلام عليها بما فيه كفاية وبينا ~~أن التسليم للقضاء يحمد إذا لم يؤمر العبد بمنازعته ودفعه ولم يقدر على ذلك ~~كالمصائب التي لا قدرة له على دفعها # وأما الأحكام التي أمر بدفعها : فلا يجوز له التسليم إليها بل العبودية : ~~مدافعتها بأحكام أخر أحب إلى الله منها PageV02P146 # | فصل قال صاحب المنازل : # وفي التسليم والثقة والتفويض : ما في التوكل من العلل وهو من أعلى درجات ~~سبل العامة يعني أن العلل التي في التوكل من معاني الدعوى ms0526 ونسبته الشيء إلى ~~نفسه أولا حيث زعم أنه وكل ربه فيه وتوكل عليه فيه وجعله وكيله القائم عنه ~~بمصالحه التي كان يحصلها لنفسه بالأسباب والتصرفات وغير ذلك من العلل ~~المتقدمة وقد عرفت ما في ذلك # وليس في التسليم إلا علة واحدة : وهي أن لا يكون تسليمه صادرا عن محض ~~الرضى والاختيار بل يشوبه كره وانقباض فيسلم على نوع إغماض فهذه علة ~~التسليم المؤثرة فاجتهد في الخلاص منها # وإنما كان للعامة عنده لأن الخاصة في شغل عنه باستغراقهم بالفناء في عين ~~الجمع وجعل الفناء غاية الاستغراق في عين الجمع : هو الذى أوجب ما أوجب ~~والله المستعان # قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : تسليم ما يزاحم العقول مما سبق ~~على الأوهام من الغيب والإذعان لما يغالب القياس من سير الدول والقسم ~~والإجابة لما يفزع المريد من ركوب الأحوال اعلم أن التسليم هو الخلاص من ~~شبهة تعارض الخبر أو شهوة تعارض الأمر أو إرادة تعارض الإخلاص أو اعتراض ~~يعارض القدر والشرع وصاحب هذا التخلص : هو صاحب القلب السليم الذي لا ينجو ~~يوم القيامة إلا من أتى الله به فإن التسليم ضد المنازعة # والمنازعة : إما بشبهة فاسدة تعارض الإيمان بالخبر عما وصف الله به نفسه ~~من PageV02P147 صفاته وأفعاله وما أخبر به عن اليوم الآخر وغير ذلك ~~فالتسليم له : ترك منازعته بشبهات المتكلمين الباطلة # وإما بشهوة تعارض أمر الله عز وجل فالتسليم للأمر : بالتخلص منها أو ~~إرادة تعارض مراد الله من عبده فتعارضه إرادة تتعلق بمراد العبد من الرب ~~فالتسليم : بالتخلص منها أو اعتراض يعارض حكمته في خلقه وأمره بأن يظن أن ~~مقتضى الحكمة خلاف ما شرع وخلاف ما قضى وقدر فالتسليم : التخلص من هذه ~~المنازعات كلها # وبهذا يتبين أنه من أجل مقامات الإيمان وأعلى طرق الخاصة وأن التسليم هو ~~محض الصديقية التي هي بعد درجة النبوة وأن أكمل الناس تسليما أكملهم صديقية ~~فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ فأما قوله : تسليم ما يزاحم العقول مما سبق على ~~الأوهام # فيعني : أن التسليم يقتضي ما ينهى ms0527 عنه العقل ويزاحمه فإنه يقتضي التجريد ~~عن الأسباب والعقل يأمر بها فصاحب التسليم يسلم إلى الله عز وجل ما هو غيب ~~عن العبد فإن فعله سبحانه وتعالى لا يتوقف على هذه الأسباب التي ينهى العقل ~~عن التجرد عنها فإذا سلم لله لم يلتفت إلى السبب في كل ما غاب عنه # فالأوهام يسبق عليها أن ما غاب عنها من الحكم لا يحصل إلا بالأسباب ~~والتسليميقتضي التجرد عنها والعقل ينهى عن ذلك والوهم قد سبق عليه أن الغيب ~~موقوف عليها فههنا أمور ستة : عقل ومزاحم له ووهم وسائق إليه وغيب وتسليم ~~لهذا المزاحم فالعقل هو الباعث له على الأسباب الداعي له إليها التي إذا ~~خرج الرجل عنها عد خروجه قدحا في عقله PageV02P148 # والمزاحم له : التجرد عنها بكمال التسليم إلى من بيده أزمة الأمور : ~~مواردها ومصادرها والوهم : اعتقاده توقف حصول السعادة والنجاة وحصول ~~المقدور كائنا ما كان عليها وأنه لولاها لما حصل المقدور وهذا هو السائق ~~إلى الوهم والغيب : هو الحكم الذي غاب عنه وهو فعل الله # والتسليم : تسليم هذا المزاحم إلى نفس الحكم مع أن في تنزيل عبارته على ~~هذا المعنى وإفراغ هذا المعنى في قوالب ألفاظه نظرا وفيه وجه آخر : وهو أن ~~يكون المراد : التسليم لما يبدو للعبد من معاني الغيب مما يزاحم معقوله في ~~بادي الرأي لما يسبق إلى وهمه : أن الأمر بخلافه فيسبق على الأوهام من ~~الغيب الذي أخبرت به شيء يزاحم معقولها فتقع المنازعة بين حكم العقل وحكم ~~الوهم فإن كثيرا من الغيب قد يزاحم العقل بعض المزاحمة ويسبق إلى الوهم ~~خلافه فالتسليم : تسليم هذا المزاحم إلى وليه ومن هو أخبر به والتجرد عما ~~يسبق إلى الوهم مما يخالفه # وهذا أولى المعنيين بكلامه إن شاء الله # فالأول : تسليم منازعات الأسباب لتجريد التوحيد العملي القصدي الإرادي ~~وهذا تجريد منازعات الأوهام المخالفة للخبر لتجريد التوحيد العلمي الخبري ~~الاعتقادي وهذا حقيقة التسليم قوله : والإذعان لما يغالب القياس من سير ~~الدول والقسم # أي الانقياد لما يقاوي عقله وقياسه مما جرى به حكم ms0528 الله في الدول قديما ~~وحديثا : من طي دولة ونشر دولة وإعزاز هذه وإذلال هذه والقسم التي قسمها ~~على خلقه مع شدة تفاوتها وتباين مقاديرها وكيفياتها وأجناسها فيذعن ~~PageV02P149 لحكمة الله في كل ذلك ولا يعترض على ما وقع منها بشبهة وقياس # ويحتمل أن يكون مراده ب الدول و القسم الأحوال التي تتداول على السالك ~~ويختلف سيرها و القسم التي نالته من الله : ما كان قياس سعيه واجتهاده أن ~~يحصل له أكثر منها فيذعن لما غالب قياسه منها ويسلم للقاسم المعطي بحكمته ~~وعدله فإن من عباده من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغناه لأفسده ذلك ومنهم من ~~لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقره لأفسده ذلك ومنهم من لايصلحه إلا المرض ولو ~~أصحه لأفسده ذلك ومنهم من لا يصلحه إلا الصحة ولو أمرضه لأفسده ذلك # وقوله : والإجابة لما يفزع المريد من ركوب الأحوال # يقول : إن صاحب هذه الدرجة من قوة التسليم يهجم على الأمور المفزعة ولا ~~يلتفت إليها ولا يخاف معها من ركوب الأحوال واقتحام الأهوال لأن قوة تسليمه ~~تحميه من خطرها فلا ينبغي له أن يخاف فإنه في حصن التسليم ومنعته وحمايته ~~والله سبحانه وتعالى الموفق بحوله وقوته # | فصل قال : الدرجة الثانية : تسليم العلم إلى الحال والقصد إلى # الكشف والرسم إلى الحقيقة # أما تسليم العلم إلى الحال فليس المراد منه : تحكيم الحال على العلم حاشا ~~الشيخ من ذلك وإنما أراد : الانتقال من الوقوف عند صور العلم الظاهرة إلى ~~معانيها وحقائقها الباطنة وثمراتها المقصودة منها مثل الانتقال من محض ~~التقليد والخبر إلى العيان واليقين حتى كأنه يرى ويشاهد ما أخبر به الرسول ~~PageV02P150 كما قال تعالى : @QB@ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك ~~من ربك هو الحق @QE@ [ سبأ : 6 ] وقال تعالى : أفمن يعلم أن ما أنزل إليك ~~من ربك الحق كمن هو أعمى [ الرعد : 19 ] وينتقل من الحجاب إلى الكشف فينتقل ~~من العلم إلى اليقين ومن اليقين إلى عين اليقين ومن علم الإيمان إلى ذوق ~~طعم الإيمان ووجدان حلاوته فإن هذا قدر زائد على ms0529 مجرد علمه ومن علم التوكل ~~إلى حاله وأشباه ذلك # فيسلم العلم الصحيح إلى الحال الصحيح فإن سلطان الحال أقوى من سلطان ~~العلم فإذا كان الحال مخالفا للعلم فهو ملك ظالم فليخرج عليه بسيف العلم ~~وليحكمه فيه # وأما تسليم القصد إلى الكشف فليس معناه : أن يترك القصد عن معاينة الكشف ~~فإنه متى ترك القصد خلع ربقة العبودية من عنقه ولكن يجعل قصده سائرا طالبا ~~لكشفه يؤمه فإذا وصل إليه سلمه إليه وصار الحكم للكشف إذ القصد آلة ووسيلة ~~إليه فإن كان كشفا صحيحا مطابقا للحق في نفسه : كشف له عن آفات القصد ~~ومفسداته ومصححاته وعيوبه فأقبل على تصحيحه بنور الكشف لا أن صاحب القصد ~~ترك القصد لأجل الكشف فهذا سير أهل الإلحاد الناكبين عن سبيل الحق والرشاد # وأما ترك الرسم إلى الحقيقة فإنه يشير به إلى الفناء فإن من جملة تسليم ~~صاحب الفناء : تسليم ذاته ليفنى في شهود الحقيقة فإن ذات العبد هى رسم ~~والرسم تفنيه الحقيقة كما يفني النور الظلمة لأن عند أصحاب الفناء : أن ~~الحق سبحانه لا يراه سواه ولا يشاهده غيره لا بمعنى الاتحاد ولكن بمعنى : ~~أنه لا يشاهده العبد حتى يفنى عن إنيته ورسمه وجميع عوالمه فيفنى من لم يكن ~~ويبقى من لم يزل هذا كإجماع من الطائفة بل هو إجماع منهم PageV02P151 # قال : الدرجة الثالثة : تسليم ما دون الحق إلى الحق مع السلامة من رؤية ~~التسليم بمعاينة تسليم الحق إياك إليه # هذه الدرجة تكملة الدرجة التي قبلها فإن التسليم في التي قبلها بداية لها ~~وهي واسطة بين الدرجة الأولى والثالثة فالأولى : بداية والثانية : وسط ~~والثالثة : نهاية # قوله : تسليم ما دون الحق إلى الحق يريد به : اضمحلال رسوم الخلق في شهود ~~الحقيقة وكل ما دون الحق رسوم فإذا سلم رسمه الخاص إلى ربه : حصل له حقيقة ~~الفناء وهذا التسليم نوعان # أحدهما : تسليم رسمه الخاص به # والثاني : تسليم رسوم الكائنات ورؤية تلاشيها واضمحلالها في عين الحقيقة ~~وهذا علم ومعرفة والأول حال قوله : والسلامة من رؤية التسليم أي ينسلب أيضا ms0530 ~~من رسم رؤية التسليم فإن الرؤية أيضا رسم من جملة الرسوم فما دام مستصحبا ~~لها : لم يسلم التسليم التام وقد بقيت عليه بقية من منازعات رسمه # ثم عرف كيفية هذا التسليم فقال : بمعاينة تسليم الحق إياك إليه أي ينكشف ~~لك حين تسلم ما دون الحق إلى الحق أن الحق تعالى هو الذي سلم إلى نفسه ما ~~دونه فالحق تعالى هو الذى سلمك إليه فهو المسلم وهو المسلم إليه وأنت آلة ~~التسليم فمن شهد هذا المشهد : وجد ذاته مسلمة إلى الحق وما سلمها إلى الحق ~~غير الحق فقد سلم العبد من دعوى التسليم والله أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الصبر # قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعا وهو ~~واجب بإجماع الأمة وهو نصف الإيمان فإن الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر ~~PageV02P152 وهو مذكور في القرآن على ستة عشر نوعا # الأول : الأمر به نحو قوله تعالى : @QB@ يا أيها الذين آمنوا استعينوا ~~بالصبر والصلاة @QE@ [ البقره : 153 ] وقوله : @QB@ واستعينوا بالصبر ~~والصلاة @QE@ [ البقره : 45 ] وقوله : @QB@ اصبروا وصابروا @QE@ [ آل عمران ~~: 20 ] وقوله : @QB@ واصبر وما صبرك إلا بالله @QE@ [ النحل : 127 ] # الثاني : النهي عن ضده كقوله : @QB@ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ~~ولا تستعجل لهم @QE@ [ الأحقاف : 35 ] وقوله : ولا تولوهم الأدبار [ ~~الأنفال : 15 ] فإن تولية الأدبار : ترك للصبر والمصابرة وقوله : @QB@ ولا ~~تبطلوا أعمالكم @QE@ 0 [ محمد : 33 ] فإن إبطالها ترك الصبر على إتمامها ~~وقوله : فلا تهنوا ولا تحزنوا [ آل عمران : 139 ] فإن الوهن من عدم الصبر # الثالث : الثناء على أهله كقوله تعالى : @QB@ الصابرين والصادقين @QE@ ~~الآية [ آل عمران : 17 ] وقوله : @QB@ والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون @QE@ [ البقره : 177 ] وهو كثير ~~في القرآن # الرابع : إيجابه سبحانه محبته لهم كقوله : @QB@ والله يحب الصابرين @QE@ ~~[ آل عمران : 146 ] الخامس : إيجاب معيته لهم وهي معية خاصة تتضمن حفظهم ~~ونصرهم وتأييدهم ليست معية عامة وهي معية العلم والإحاطة كقوله : @QB@ ~~واصبروا إن الله مع الصابرين @QE@ [ الأنفال : 46 ] وقوله : @QB@ والله مع ms0531 ~~الصابرين @QE@ [ البقره : 249 الأنفال : 69 ] # السادس : إخباره بأن الصبر خير لأصحابه كقوله : @QB@ ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين @QE@ [ النحل : 126 ] وقوله : @QB@ وأن تصبروا خير لكم @QE@ [ ~~النساء : 25 ] # السابع : إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم كقوله تعالى : @QB@ ولنجزين ~~الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون @QE@ [ النحل : 96 ] # الثامن : إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب كقوله تعالى : @QB@ إنما ~~يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب @QE@ [ الزمر : 10 ] التاسع : إطلاق البشرى ~~لأهل الصبر كقوله تعالى : @QB@ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين @QE@ [ البقره : 155 ] PageV02P153 # العاشر : ضمان النصر والمدد لهم كقوله تعالى : @QB@ بلى إن تصبروا وتتقوا ~~ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين @QE@ [ آل ~~عمران : 125 ] ومنه قول النبي : واعلم أن النصر مع الصبر # الحادى عشر : الإخبار منه تعالى بأن أهل الصبر هم أهل العزائم كقوله ~~تعالى : @QB@ ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور @QE@ [ الشورى : 43 ] # الثاني عشر : الإخبار أنه ما يلقى الأعمال الصالحة وجزاءها والحظوظ ~~العظيمة إلا أهل الصبر كقوله تعالى : @QB@ ويلكم ثواب الله خير لمن آمن ~~وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون @QE@ [ القصص : 80 ] وقوله : @QB@ وما ~~يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم @QE@ [ فصلت : 35 ] ~~الثالث عشر : الإخبار أنه إنما ينتفع بالآيات والعبر أهل الصبر كقوله تعالى ~~لموسى : @QB@ أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ~~ذلك لآيات لكل صبار شكور @QE@ [ إبراهيم : 5 ] وقوله في أهل سبأ : @QB@ ~~فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور @QE@ [ ~~سبأ : 19 ] وقوله في سورة الشورى : @QB@ ومن آياته الجوار في البحر ~~كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور @QE@ [ الشورى : 3233 ] # الرابع عشر : الإخبار بأن الفوز المطلوب المحبوب والنجاة من المكروه ~~المرهوب ودخول الجنة إنما نالوه بالصبر كقوله تعالى : @QB@ والملائكة ~~يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار @QE@ [ الرعد ~~: 2324 ] # الخامس عشر : أنه يورث صاحبه درجة الإمامة سمعت ms0532 شيخ الإسلام ابن تيمية ~~قدس الله روحه يقول : بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ثم تلا قوله ~~تعالى : وجعلناهمأئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانو بآياتنا يوقنون [ ~~السجده : 24 ] # السادس عشر : اقترانه بمقامات الإسلام والإيمان كما قرنه الله سبحانه ~~PageV02P154 باليقين وبالإيمان وبالتقوى والتوكل وبالشكر والعمل الصالح ~~والرحمة ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن ~~لا صبر له كما أنه لا جسد لمن لا رأس له وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ~~خير عيش أدركناه بالصبر وأخبر النبي في الحديث الصحيح : أنه ضياء وقال : من ~~يتصبر يصبره الله # وفي الحديث الصحيح : عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد ~~إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا ~~له # وقال للمرأة السوداء التي كانت تصرع فسألته : أن يدعو لها : إن شئت صبرت ~~ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك فقالت : إني أتكشف فادع الله : أن ~~لا أتكشف فدعا لها # وأمر الأنصار رضي الله تعالى عنهم بأن يصبروا على الأثرة التي يلقونها ~~بعده حتى يلقوه على الحوض # وأمر عند ملاقاة العدو بالصبر وأمر بالصبر عند المصيبة وأخبر : أنه إنما ~~يكون عند الصدمة الأولى # وأمر المصاب بأنفع الأمور له وهو الصبر والاحتساب فإن ذلك يخفف مصيبته ~~ويوفر أجره والجزع والتسخط والتشكى يزيد في المصيبة ويذهب الأجر # وأخبر أن الصبر خير كله فقال : ما أعطي أحد عطاء خيرا له وأوسع : من ~~الصبر # | فصل و الصبر في اللغة : الحبس والكف ومنه : قتل فلان صبرا # إذا أمسك وحبس ومنه قوله تعالى : @QB@ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه @QE@ [ الكهف : 28 ] أي احبس نفسك معهم ~~PageV02P155 # فالصبر : حبس النفس عن الجزع والتسخط وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح ~~عن التشويش # وهو ثلاثة أنواع : صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله وصبر على امتحان ~~الله # فالأولان : صبر على ما يتعلق بالكسب والثالث : صبر على ما لا كسب للعبد ~~فيه # وسمعت ms0533 شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : كان صبر يوسف عن ~~مطاوعة امرأة العزيز على شأنها : أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب ~~وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره لا كسب ~~له فيها ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر وأما صبره عن المعصية : فصبر اختيار ~~ورضى ومحاربة للنفس ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة ~~فإنه كان شابا وداعية الشباب إليها قوية وعزبا ليس له ما يعوضه ويرد شهوته ~~وغريبا والغريب لا يستحي في بلد غربته مما يستحي منه من بين أصحابه ومعارفه ~~وأهله ومملوكا والمملوك أيضا ليس وازعه كوازع الحر والمرأة جميلة وذات منصب ~~وهي سيدته وقد غاب الرقيب وهي الداعية له إلى نفسها والحريصة على ذلك أشد ~~الحرص ومع ذلك توعدته إن لم يفعل : بالسجن والصغار ومع هذه الدواعي كلها : ~~صبر اختيارا وإيثارا لما عند الله وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من ~~كسبه PageV02P156 # وكان يقول : الصبر على أداء الطاعات : أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات ~~وأفضل فإن مصلحة فعل الطاعة : أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية ومفسدة ~~عدم الطاعة : أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية # وله رحمه الله فى ذلك مصنف قرره فيه بنحو من عشرين وجهاليس هذا موضع ~~ذكرها # والمقصود : الكلام على الصبر وحقيقته ودرجاته ومرتبته والله الموفق # | فصل وهو على ثلاثة أنواع : صبر بالله وصبر لله وصبر مع الله # فالأول : أول الاستعانة به ورؤيته أنه هو المصبر وأن صبر العبد بربه لا ~~بنفسه كما قال تعالى : @QB@ واصبر وما صبرك إلا بالله @QE@ [ النحل : 127 ] ~~يعني إن لم يصبرك هو لم تصبر # والثاني : الصبر لله وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله وإرادة ~~وجهه والتقرب إليه لا لإظهار قوة النفس والاستحماد إلى الخلق وغير ذلك من ~~الأعراض # والثالث : الصبر مع الله وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه ومع ~~أحكامه الدينية صابرا نفسه معها سائرا بسيرها مقيما بإقامتها ms0534 يتوجه معها ~~أين توجهت ركائبها وينزل معها أين استقلت مضاربها # فهذا معنى كونه صابرا مع الله أي قد جعل نفسه وقفا على أوامره ومحابه وهو ~~أشد أنواع الصبر وأصعبها وهو صبر الصديقين # قال الجنيد : المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن وهجران ~~الخلق في جنب الله شديد والمسير من النفس إلى الله صعب شديد والصبر مع الله ~~أشد # وسئل عن الصبر فقال : تجرع المرارة من غير تعبس PageV02P157 # قال ذو النون المصري الصبر التباعد من المخالفات والسكون عند تجرع غصص ~~البلية وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة # وقيل : الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب وقيل : هو الفناء في البلوى ~~بلا ظهور ولا شكوى وقيل : تعويد النفس الهجوم على المكاره وقيل : المقام مع ~~البلاء بحسن الصحبة كالمقام مع العافية وقال عمرو بن عثمان : هو الثبات مع ~~الله وتلقي بلائه بالرحب والدعة وقال الخواص : هو الثبات على أحكام الكتاب ~~والسنة # وقال يحيى بن معاذ : صبر المحبين أشد من صبر الزاهدين واعجبا كيف يصبرون ~~وأنشد : # الصبر يجمل في المواطن كلها % إلا عليك فإنه لا يجمل # وقيل : الصبر هو الاستعانة بالله وقيل : هو ترك الشكوى وقيل : # الصبر مثل اسمه مر مذاقته % لكن عواقبه أحلى من العسل # وقيل : الصبر أن ترضى بتلف نفسك في رضى من تحبه كما قيل : # سأصبر كي ترضى وأتلف حسرة % وحسبي أن ترضي ويتلفني صبري وقيل : مراتب ~~الصابرين خمسة : صابر ومصطبر ومتصبر وصبور وصبار فالصابر : أعمها والمصطبر ~~: المكتسب الصبر المليء به والمتصبر : المتكلف حامل نفسه عليه والصبور : ~~العظيم الصبر الذي صبره أشد من صبر غيره والصبار : الكثير الصبر فهذا فى ~~القدر والكم والذي قبله في الوصف والكيف وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~: الصبر مطية لا تكبو PageV02P158 # وقف رجل على الشبلي فقال : أي صبر أشد على الصابرين فقال : الصبر في الله ~~قال السائل : لا فقال : الصبر لله فقال : لا فقال : الصبر مع الله فقال : ~~لا قال الشبلي : فإيش هو قال : الصبر عن الله فصرخ الشبلي صرخة كادت ms0535 روحه ~~تتلف # وقال الجريري : الصبر أن لا يفرق بين حال النعمة وحال المحبة مع سكون ~~الخاطر فيهما والتصبر : هو السكون مع البلاء مع وجدان أثقال أثقال المحنة # قال أبو علي الدقاق : فاز الصابرون بعز الدارين لأنهم نالوا من الله ~~معيته فإن الله مع الصابرين # وقيل في قوله تعالى : اصبروا وصابروا ورابطوا [ آل عمران : 200 ] إنه ~~انتقال من الأدنى إلى الأعلى ف الصبر دون المصابرة و المصابرة دون المرابطة ~~و المرابطة مفاعلة من الربط وهو الشد وسمى المرابط مرابطا : لأن المرابطين ~~يربطون خيولهم ينتظرون الفزع ثم قيل لكل منتظر قد ربط نفسه لطاعة ينتظرها : ~~مرابط ومنه قول النبي : ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به ~~الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة ~~بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط وقال رباط يوم فى سبيل الله : خير من ~~الدنيا وما فيها # وقيل : اصبروا بنفوسكم على طاعة الله وصابروا بقلوبكم على البلوي في الله ~~ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى الله # وقيل : اصبروا في الله وصابروا بالله ورابطوا مع الله # وقيل : اصبروا على النعماء وصابروا على البأساء والضراء ورابطوا في دار ~~الأعداء واتقوا إله الأرض والسماء لعلكم تفلحون في دار البقاء # فالصبر مع نفسك و المصابرة بينك وبين عدوك و المرابطة الثبات وإعداد ~~العدة وكما أن الرباط لزوم الثغر لئلا يهجم منه العدو فكذلك PageV02P159 ~~الرباط أيضا لزوم ثغر القلب لئلا يهجم عليه الشيطان فيملكه أو يخربه أو ~~يشعثه # وقيل : تجرع الصبر فإن قتلك قتلك شهيدا وإن أحياك أحياك عزيزا وقيل : ~~الصبر لله غناء وبالله تعالى بقاء وفي الله بلاء ومع الله وفاء وعن الله ~~جفاء والصبر على الطلب عنوان الظفر وفي المحن عنوان الفرج # وقيل : حال العبد مع الله رباطه وما دون الله أعداؤه وفي كتاب الأدب ~~للبخارى سئل رسول الله عن الإيمان فقال : الصبر والسماحة ذكره عن موسى بن ~~اسماعيل قال : حدثنا سويد قال : حدثنا عبدالله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن ~~جده فذكره # وهذا من أجمع ms0536 الكلام وأعظمه برهانا وأوعبه لمقامات الإيمان من أولها إلى ~~آخرها فإن النفس يراد منها شيئان : بذل ما أمرت به وإعطاؤه فالحامل عليه : ~~السماحة وترك ما نهيت عنه والبعد منه فالحامل عليه : الصبر # وقد أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه بالصبر الجميل والصفح الجميل والهجر ~~الجميل فسمعت شيخ الاسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول الصبر الجميل هو ~~الذي لا شكوى فيه ولا معه و الصفح الجميل هو الذى لا عتاب معه و الهجر ~~الجميل هو الذي لا أذى معه وفي أثر اسرائيلي أوحى الله إلى نبي من أنبيائه ~~: أنزلت بعبدى بلائي فدعاني فما طلته بالإجابة فشكاني فقلت : عبدي كيف ~~أرحمك من شيء به أرحمك # وقال ابن عيينة في قوله تعالى : وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا [ ~~السجدة : 24 ] قال : أخذوا برأس الأمر فجعلهم رؤساء # وقيل : صبر العابدين أحسنه : أن يكون محفوظا وصبر المحبين أحسنه : أن ~~يكون مرفوضا كما قيل : PageV02P160 # تبين يوم البين أن اعتزامه % على الصبر : من إحدى الظنون الكواذب # والشكوى إلى الله عز وجل لا تنافي الصبر فإن يعقوب عليه السلام وعد ~~بالصبر الجميل والنبي إذا وعد لا يخلف ثم قال : إنما أشكو بثي وحزني إلى ~~الله [ يوسف : 86 ] وكذلك أيوب أخبر الله عنه : أنه وجده صابرا مع قوله : ~~مسني الضر وأنت أرحم الراحمين [ الأنبياء : 83 ] # وإنما ينافي الصبر شكوى الله لا الشكوى إلى الله كما رأى بعضهم رجلا يشكو ~~إلى آخر فاقة وضرورة فقال : يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك ثم أنشد ~~: # وإذا عرتك بلية فاصبر لها % صبر الكريم فإنه بك أعلم # وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما % تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم # | فصل قال صاحب المنازل : الصبر : حبس النفس على المكروه وعقل اللسان # عن الشكوى وهو من أصعب المنازل على العامة وأوحشها في طريق المحبة ~~وأنكرها في طريق التوحيد # وإنما كان صعبا على العامة : لأن العامي مبتدىء في الطريق وما له دربة في ~~السلوك ولا تهذيب المرتاض بقطع المنازل فإذا أصابته المحن أدركه ms0537 الجزع وصعب ~~عليه احتمال البلاء وعز عليه وجدان الصبر لأنه ليس من أهل الرياضة فيكون ~~مستوطنا للصبر ولا من أهل المحبة فيلتذ بالبلاء في رضى محبوبه # وأما كونه وحشة في طريق المحبة : فلأنها تقتضي التذاذ المحب بامتحان ~~محبوبه له والصبر يقتضي كراهيته لذلك وحبس نفسه عليه كرها فهو وحشة في طريق ~~المحبة # وفي الوحشة نكتة لطيفة لأن الالتذاذ بالمحنة في المحبة هو من موجبات ~~PageV02P161 أنس القلب بالمحبوب فإذا أحس بالألم بحيث يحتاج إلى الصبر ~~انتقل من الأنس إلى الوحشية ولولا الوحشة لما أحس بالألم المستدعي للصبر # وإنما كان أنكرها في طريق التوحيد : لأن فيه قوة الدعوى لأن الصابر يدعي ~~بحاله قوة الثبات وذلك ادعاء منه لنفسه قوة عظيمة وهذا مصادمة لتجريد ~~التوحيد إذ ليس لأحد قوة ألبتة بل لله القوة جميعا ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم # فهذا سبب كون الصبر منكرا في طريق التوحيد بل من أنكر المنكر كما قال لأن ~~التوحيد يرد الأشياء إلى الله والصبر يرد الأشياء إلى النفس وإثبات النفس ~~في التوحيد منكر # هذا حاصل كلامه محررا مقررا وهو من منكر كلامه بل الصبر من آكد المنازل ~~في طريق المحبة وألزمها للمحبين وهم أحوج إلى منزلته من كل منزلة وهو من ~~أعرف المنازل في طريق التوحيد وأبينها وحاجة المحب إليه ضرورية # فإن قيل : كيف تكون حاجة المحب إليه ضرورية مع منافاته لكمال المحبة فإنه ~~لا يكون إلا مع منازعات النفس لمراد المحبوب # قيل : هذه هي النكتة التي لأجلها كان من آكد المنازل في طريق المحبة ~~وأعلقها بها وبه يعلم صحيح المحبة من معلولها وصادقها من كاذبها فإن بقوة ~~الصبر على المكاره في مراد المحبوب يعلم صحة محبته # ومن ههنا كانت محبة أكثر الناس كاذبة لأنهم كلهم ادعوا محبة الله تعالى ~~فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن حقيقة المحبة ولم يثبت معه إلا الصابرون ~~فلولا تحمل المشاق وتجشم المكاره بالصبر : لما ثبتت صحة محبتهم وقد تبين ~~بذلك أن أعظمهم محبة أشدهم صبرا # ولهذا وصف الله تعالى ms0538 بالصبر خاصة أوليائه وأحبابه فقال عن حبيبه أيوب : ~~PageV02P162 إنا وجدناه صابرا [ ص : 44 ] ثم أثنى عليه فقال : نعم العبد ~~إنه أواب [ ص : 44 ] # وأمر أحب الخلق إليه بالصبر لحكمه وأخبر أن صبره به وأثنى على الصابرين ~~أحسن الثناء وضمن لهم أعظم الجزاء وجعل أجر غيرهم محسوبا وأجرهم بغير حساب ~~وقرن الصبر بمقامات الإسلام والإيمان والإحسان كما تقدم فجعله قرين اليقين ~~والتوكل والإيمان والأعمال والتقوى وأخبر أن آياته إنما ينتفع بها أولو ~~الصبر وأخبر أن الصبر خير لأهله وأن الملائكة تسلم عليهم في الجنة بصبرهم ~~كما تقدم ذلك # وليس في استكراه النفوس لألم ما تصبر عليه وإحساسها به ما يقدح في محبتها ~~ولا توحيدها فإن إحساسها بالألم ونفرتها منه أمر طبعي لها كاقتضائها للغذاء ~~من الطعام والشراب وتألمها بفقده فلوازم النفس لا سبيل إلى إعدامها أو ~~تعطيلها بالكلية وإلا لم تكن نفسا إنسانية ولارتفعت المحنة وكانت عالما آخر # و الصبر و المحبة لا يتناقضان بل يتواخيان ويتصاحبان والمحب صبور بل علة ~~الصبر فى الحقيقة : المناقضة للمحبة المزاحمة للتوحيد أن يكون الباعث عليه ~~غير إرادة رضى المحبوب بل إرادة غيره أو مزاحمته بإرادة غيره أو المراد منه ~~لا مراده هذه هي وحشة الصبر ونكارته # وأما من رأى صبره بالله وصبره لله وصبر مع الله مشاهدا أن صبره به تعالى ~~لا بنفسه فهذا لا تلحق محبته وحشة ولا توحيده نكارة # ثم لو استقام له هذا لكان في نوع واحد من أنواع الصبر وهو الصبر على ~~المكاره فأما الصبر على الطاعات وهو حبس النفس عليها وعن المخالفات وهو منع ~~النفس منها طوعا واختيارا والتذاذا فأي وحشة في هذا وأي نكارة فيه # فإن قيل : إذا كان يفعل ذلك طوعا ومحبة ورضى وإيثارا : لم يكن الحامل ~~PageV02P163 له على ذلك الصبر فيكون صبره في هذا الحال ملزوم الوحشة ~~والنكارة لمنافاتها لحال المحب # قيل : لا منافاة في ذلك بوجه فإن صبره حينئذ قد اندرج في رضاه وانطوى فيه ~~وصار الحكم للرضى لا أن الصبر عدم بل لقوة وارد ms0539 الرضى والحب وإيثار مراد ~~المحبوب صار المشهد والمنزل للرضى بحكم الحال والصبر جزء منه ومنطو فيه ~~ونحن لا ننكر هذا القدر فإن كان هو المراد فحبذا الوفاق وليس المقصود القيل ~~والقال ومنازعات الجدال وإن كان غيره : فقد عرف ما فيه والله سبحانه وتعالى ~~أعلم # | فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الصبر عن المعصية # بمطالعة الوعيد : إبقاء على الإيمان وحذرا من الحرام وأحسن منها : الصبر ~~عن المعصية حياء # ذكر للصبر عن المعصية سببين وفائدتين # أما السببان : فالخوف من لحوق الوعيد المترتب عليها والثاني : الحياء من ~~الرب تبارك وتعالى أن يستعان على معاصيه بنعمه وأن يبارز بالعظائم وأما ~~الفائدتان : فالابقاء على الإيمان والحذر من الحرام فأما مطالعة الوعيد ~~والخوف منه : فيبعث عليه قوة الإيمان بالخبر والتصديق بمضمونه وأما الحياء ~~: فيبعث عليه قوة المعرفة ومشاهدة معاني الأسماء والصفات وأحسن من ذلك : أن ~~يكون الباعث عليه وازع الحب فيترك معصيته محبة له كحال الصهيبيين وأما ~~الفائدتان : فالإبقاء على الإيمان : يبعث على ترك المعصية لأنها لا بد أن ~~PageV02P164 تنقصه أو تذهب به أو تذهب رونقه وبهجته أو تطفىء نوره أو تضعف ~~قوته أو تنقص ثمرته هذا أمر ضروري بين المعصية وبين الإيمان يعلم بالوجود ~~والخبر والعقل كما صح عنه : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب ~~الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات ~~شرف يرفع إليه الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن فإياكم إياكم ~~والتوبة معروضة بعد وأما الحذر عن الحرام : فهو الصبر عن كثير من المباح ~~حذرا من أن يسوقه إلى الحرام ولما كان الحياء من شيم الأشراف وأهل الكرم ~~والنفوس الزكية : كان صاحبه أحسن حالا من أهل الخوف ولأن في الحياء من الله ~~ما يدل على مراقبته وحضور القلب معه ولأن فيه من تعظيمه وإجلاله ما ليس في ~~وازع الخوف # فمن وازعه الخوف : قلبه حاضر مع العقوبة ومن وازعه الحياء : قلبه حاضر مع ~~الله والخائف مراع جانب نفسه وحمايتها والمستحي ms0540 مراع جانب ربه وملاحظ عظمته ~~وكلا المقامين من مقامات أهل الإيمان غير أن الحياء أقرب إلى مقام الإحسان ~~وألصق به إذ أنزل نفسه منزلة من كأنه يرى الله فنبعت ينابيع الحياء من عين ~~قلبه وتفجرت عيونها # قال : الدرجة الثانية : الصبر على الطاعة بالمحافظة عليها دواما ~~وبرعايتها إخلاصا وبتحسينها علما هذا يدل على أن عنده : أن فعل الطاعة آكد ~~من ترك المعصية فيكون الصبر عليها فوق الصبر عن ترك المعصية في الدرجة وهذا ~~هو الصواب كما تقدم فإن ترك المعصية إنما كان لتكميل الطاعة PageV02P165 ~~والنهي مقصود للأمر فالمنهي عنه لما كان يضعف المأموز به وينقصه : نهي عنه ~~حماية وصيانة لجانب الأمر فجانب الأمر أقوى وآكد وهو بمنزلة الصحة والحياة ~~والنهي بمنزلة الحمية التي تراد لحفظ الصحة وأسباب الحياة # وذكر الشيخ : أن الصبر في هذه الدرجة بثلاثة أشياء : دوام الطاعة ~~والإخلاص فيها ووقوعها في مقتضى العلم وهو تحسينها علما فإن الطاعة تتخلف ~~من فوات واحد من هذه الثلاثة فإن العبد إن لم يحافظ عليها دواما عطلها وإن ~~حافظ عليها دواما عرض لها آفتان : # إحداهما : ترك الإخلاص فيها بأن يكون الباعث عليها غير وجه الله وإرادته ~~والتقرب إليه فحفظها من هذه الآفة : برعاية الإخلاص الثانية : ألا تكون ~~مطابقة للعلم بحيث لا تكون على اتباع السنة فحفظها من هذه الآفة : بتجريد ~~المتابعة كما أن حفظها من تلك الآفة بتجريد القصد والإرادة فلذلك قال : ~~بالمحافظة عليها دواما ورعايتها إخلاصا وتحسينها علما # | فصل قال : الدرجة الثالثة : الصبر في البلاء بملاحظة حسن الجزاء # وانتظار روح الفرج وتهوين البلية بعد أيادي المنن وبذكر سوالف النعم # هذه ثلاثة أشياء تبعث المتلبس بها على الصبر في البلاء # إحداها : ملاحظة حسن الجزاء وعلى حسب ملاحظته والوثوق به ومطالعته يخف ~~حمل البلاء لشهود العوض وهذا كما يخف على كل متحمل مشقة عظيمة حملها لما ~~يلاحظه من لذة عاقبتها وظفره بها ولولا ذلك لتعطلت مصالح الدنيا والآخرة ~~وما أقدم أحد على تحمل مشقة عاجلة إلا لثمرة مؤجلة فالنفس موكلة بحب العاجل ~~وإنما خاصة ms0541 العقل : تلمح العواقب ومطالعة الغايات # وأجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم وأن من رافق الراحة ~~PageV02P166 فارق الراحة وحصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة فإن قدر ~~التعب تكون الراحة # على قدر أهل العزم تأتي العزائم % وتأتي على قدر الكريم الكرائم # ويكبر في عين الصغير صغيرها % وتصغر في عين العظيم العظائم # والقصد : أن ملاحظة حسن العاقبة تعين على الصبر فيما تتحمله باختيارك ~~وغير اختيارك والثاني : انتظار روح الفرج يعني راحته ونسيمه ولذته فإن ~~انتظاره ومطالعته وترقبه يخفف حمل المشقة ولا سيما عند قوة الرجاء أو القطع ~~بالفرج فإنه يجد في حشو البلاء من روح الفرج ونسيمه وراحته : ما هو من خفي ~~الألطاف وما هو فرج معجل وبه وبغيره يفهم معنى اسمه اللطيف # والثالث : تهوين البلية بأمرين أحدهما : أن يعد نعم الله عليه وأياديه ~~عنده فإذا عجز عن عدها وأيس من حصرها هان عليه ما هو فيه من البلاء ورآه ~~بالنسبة إلى أيادي الله ونعمه كقطرة من بحر # الثاني : تذكر سوالف النعم التي أنعم الله بها عليه فهذا يتعلق بالماضي ~~وتعداد أيادي المنن : يتعلق بالحال وملاحظة حسن الجزاء وانتظار روح الفرج : ~~يتعلق بالمستقبل وأحدهما في الدنيا والثاني يوم الجزاء # ويحكى عن امرأة من العابدات أنها عثرت فانقطعت إصبعها فضحكت فقال لها بعض ~~من معها : أتضحكين وقد انقطعت إصبعك فقالت : أخاطبك على قدر عقلك حلاوة ~~أجرها أنستني مرارة ذكرها إشارة إلى أن عقله لا يحتمل ما فوق هذا المقام من ~~ملاحظة المبتلي ومشاهدة حسن اختياره لها في ذلك البلاء PageV02P167 وتلذذها ~~بالشكر له والرضى عنه ومقابلة ما جاء من قبله بالحمد والشكر كما قيل : # لئن ساءني أن نلتني بمساءة % فقد سرني أني خطرت ببالكا # | فصل قال : وأضعف الصبر : الصبر لله وهو صبر العامة وفوقه : # الصبر بالله وهو صبر المريدين وفوقه : الصبر على الله وهو صبر السالكين # معنى كلامه : أن صبر العامة لله أي رجاء ثوابه وخوف عقابه وصبر المريدين ~~: بالله أي بقوة الله ومعونته فهم لا يرون لأنفسهم صبرا ms0542 ولا قوة لهم عليه ~~بل حالهم التحقق ب لا حول ولا قوة إلا بالله علما ومعرفة وحالا # وفوقهما : الصبر على الله أي على أحكامه إذ صاحبه يشهد المتصرف فيه فهو ~~يصبر على أحكامه الجارية عليه جالبة عليه ما جلبت من محبوب ومكروه فهذه ~~درجة صبر السالكين وهؤلاء الثلاثة عنده من العوام إذ هو في مقام الصبر وقد ~~ذكر : أنه للعامة وأنه من أضعف منازلهم # هذا تقرير كلامه # والصواب : أن الصبر لله فوق الصبر بالله وأعلى درجة منه وأجل فإن الصبر ~~لله متعلق بإلهيته والصبر به : متعلق بربوبيته وما تعلق بإلهيته أكمل وأعلى ~~مما تعلق بربوبيته # ولأن الصبر له : عبادة والصبر به استعانة والعبادة غاية والاستعانة وسيلة ~~والغاية مرادة لنفسها والوسيلة مرادة لغيرها ولأن الصبر به مشترك بين ~~المؤمن والكافر والبر والفاجر فكل من شهد الحقيقة الكونية صبر به وأما ~~الصبر له : فمنزلة الرسل والأنبياء والصديقين وأصحاب مشهد إياك نعبد وإياك ~~نستعين PageV02P168 # ولأن الصبر له : صبر فيما هو حق له محبوب له مرضى له والصبر به : قد يكون ~~في ذلك وقد يكون فيما هو مسخوط له وقد يكون في مكروه أو مباح فأين هذا من ~~هذا # وأما تسمية الصبر على أحكامه صبرا عليه فلا مشاحة في العبارة بعد معرفة ~~المعنى فهذا هو الصبر على أقداره وقد جعله الشيخ في الدرجة الثالثة وقد ~~عرفت بما تقدم : أن الصبر على طاعته والصبر عن معصيته : أكمل من الصبر على ~~أقداره كما ذكرنا في صبر يوسف عليه السلام فإن الصبر فيها صبر اختيار ~~وإيثار ومحبة والصبر على أحكامه الكونية : صبر ضرورة وبينهما من البون ما ~~قد عرفت # وكذلك كان صبر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام على ما ~~نالهم في الله باختيارهم وفعلهم ومقاومتهم قومهم : أكمل من صبر أيوب على ما ~~ناله في الله من ابتلائه وامتحانه بما ليس مسببا عن فعله وكذلك كان صبر ~~إسماعيل الذبيح وصبر أبيه إبراهيم عليهما السلام على تنفيذ أمر الله أكمل ~~من صبر يعقوب على فقد يوسف # فعلمت ms0543 بهذا أن الصبر لله أكمل من الصبر بالله والصبر على طاعته والصبر عن ~~معصيته أكمل من الصبر على قضائه وقدره والله المستعان وعليه التكلان ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله فإن قلت : الصبر بالله أقوى من الصبر لله فإن ما كان ~~بالله كان بحوله وقوته وما كان به لم يقاومه شيء ولم يقم له شيء وهو صبر ~~أرباب الأحوال والتأثير والصبر لله صبر أهل العبادة والزهد ولهذا هم مع ~~إخلاصهم وزهدهم وصبرهم لله أضعف من الصابرين به فلهذا قال : وأضعف الصبر : ~~الصبر لله # قيل : المراتب أربعة إحداها : مرتبة الكمال وهي مرتبة أولي العزائم وهي ~~الصبر لله وبالله PageV02P169 فيكون في صبره مبتغيا وجه الله صابرا به ~~متبرئا من حوله وقوته فهذا أقوى المراتب وأرفعها وأفضلها # الثانية : أن لا يكون فيه لا هذا ولا هذا فهو أخس المراتب وأردأ الخلق ~~وهو جدير بكل خذلان وبكل حرمان # الثالثة : مرتبة من فيه صبر بالله وهو مستعين متوكل على حوله وقوته ~~متبرىء من حوله هو وقوته ولكن صبره ليس لله إذ ليس صبره فيما هو مراد الله ~~الديني منه فهذا ينال مطلوبه ويظفر به ولكن لا عاقبة له وربما كانت عاقبته ~~شر العواقب # وفي هذا المقام خفراء الكفار وأرباب الأحوال الشيطانية فإن صبرهم بالله ~~لا لله ولا في الله ولهم من الكشف والتأثير بحسب قوة أحوالهم وهم من جنس ~~الملوك الظلمة فإن الحال كالملك يعطاه البر والفاجر والمؤمن والكافر # الرابع : من فيه صبر لله لكنه ضعيف النصيب من الصبر به والتوكل عليه ~~والثقة به والاعتماد عليه فهذا له عاقبة حميدة ولكنه ضعيف عاجز مخذول في ~~كثير من مطالبه لضعف نصيبه من إياك نعبد وإياك نستعين فنصيبه من الله : ~~أقوى من نصيبه بالله فهذا حال المؤمن الضعيف # وصابر بالله لا لله : حال الفاجر القوي وصابر لله وبالله : حال المؤمن ~~القوي والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف # فصابر لله وبالله عزيز حميد ومن ليس لله ولا بالله مذموم مخذول ومن هو ~~بالله لا لله ms0544 قادر مذموم ومن هو لله لا بالله عاجز محمود # فبهذا التفصيل يزول الاشتباه في هذا الباب ويتبين فيه الخطأ من الصواب ~~والله سبحانه وتعالى أعلم PageV02P170 # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرضى # وقد أجمع العلماء على أنه مستحب مؤكد استحبابه واختلفوا في وجوبه على ~~قولين # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يحكيهما على قولين لأصحاب ~~أحمد وكان يذهب إلى القول باستحبابه قال : ولم يجىء الأمر به كما جاء الأمر ~~بالصبر وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم # قال : وأما ما يروي من الأثر : من لم يصير على بلائي ولم يرض بقضائي ~~فليتخذ ربا سوائي فهذا أثر إسرائيلي ليس يصح عن النبي # قلت : ولا سيما عند من يرى أنه من جملة الأحوال التي ليست بمكتسبة بل هو ~~موهبة محضة فكيف يؤمر به وليس مقدورا عليه # وهذه مسألة اختلف فيها أرباب السلوك على ثلاث طرق فالخراسانيون قالوا : ~~الرضى من جملة المقامات وهو نهاية التوكل فعلى هذا : يمكن أن يتوصل إليه ~~العبد باكتسابه والعراقيون قالوا : هو من جملة الأحوال وليس كسبيا للعبد بل ~~هو نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال والفرق بين المقامات والأحوال : أن ~~المقامات عندهم من المكاسب والأحوال مجرد المواهب # وحكمت فرقة ثالثة بين الطائفتين منهم القشيري صاحب الرسالة وغيره فقالوا ~~: يمكن الجمع بينهما بأن يقال : بداية الرضى مكتسبة للعبد وهي من جملة ~~المقامات ونهايته من جملة الأحوال وليست مكتسبة فأوله مقام ونهايته حال ~~PageV02P171 # واحتج من جعله من جملة المقامات : بأن الله مدح أهله وأثنى عليهم وندبهم ~~إليه فدل ذلك على أنه مقدور لهم وقال النبي : ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ~~ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا # وقال : من قال حين يسمع النداء : رضيت بالله ربا وبالإسلام ديناوبمحمد ~~رسولا غفرت له ذنوبه وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين وإليهما ~~ينتهي وقد تضمنا الرضى بربوبيته سبحانه وألوهيته والرضى برسوله والانقياد ~~له والرضى بدينه والتسليم له ومن اجتمعت له هذه الأربعة : فهو الصديق حقا ~~وهي سهلة بالدعوى واللسان وهي من أصعب ms0545 الأمور عند الحقيقة والامتحان ولا ~~سيما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها من ذلك : تبين أن الرضى كان لسانه ~~به ناطقا فهو على لسانه لا على حاله # فالرضى بإلهيته يتضمن الرضى بمحبته وحده وخوفه ورجائه والإنابة إليه ~~والتبتل إليه وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه فعل الراضي بمحبوبه كل ~~الرضى وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له والرضى بربوبيته : يتضمن الرضى ~~بتدبيره لعبده ويتضمن إفراده بالتوكل عليه والاستعانة به والثقة به ~~والاعتماد عليه وأن يكون راضيا بكل ما يفعل به # فالأول : يتضمن رضاه بما يؤمر به والثاني : يتضمن رضاه بما يقدر عليه ~~وأما الرضى بنبيه رسولا : فيتضمن كمال الانقياد له والتسليم المطلق إليه ~~بحيث يكون أولى به من نفسه فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته ولا يحاكم ~~إلا إليه ولا يحكم عليه غيره ولا يرضى بحكم غيره ألبتة لا فى شىء من أسماء ~~الرب وصفاته وأفعاله ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته ولا في ~~PageV02P172 شيء من أحكام ظاهره وباطنه لا يرضى في ذلك بحكم غيره ولا يرضى ~~إلا بحكمه فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما ~~يقيته إلا من الميتة والدم وأحسن أحواله : أن يكون من باب التراب الذي إنما ~~يتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور # وأما الرضى بدينه : فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى : رضي كل الرضى ولم ~~يبق في قلبه حرج من حكمه وسلم له تسليما ولو كان مخالفا لمراد نفسه أو ~~هواها أو قول مقلده وشيخه وطائفته # وههنا يوحشك الناس كلهم إلا الغرباء في العالم فإياك أن تستوحش من ~~الاغتراب والتفرد فإنه والله عين العزة والصحبة مع الله ورسوله وروح الأنس ~~به والرضى به ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا # بل الصادق كلما وجد مس الاغتراب وذاق حلاوته وتنسم روحه قال : اللهم زدني ~~اغترابا ووحشة من العالم وأنسا بك وكلما ذاق حلاوة هذا الاغتراب وهذا ~~التفرد : رأى الوحشة عين الأنس بالناس والذل عين العز بهم ms0546 والجهل عين ~~الوقوف مع آرائهم وزبالة أذهانهم والانقطاع عين التقيد برسومهم وأوضاعهم ~~فلم يؤثر بنصيبه من الله أحدا من الخلق ولم يبع حظه من الله بموافقتهم فيما ~~لا يجدي عليه إلا الحرمان وغايته : مودة بينهم في الحياة الدنيا فإذا ~~انقطعت الأسباب وحقت الحقائق وبعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور وبليت ~~السرائر ولم يجد من دون مولاه الحق من قوة ولا ناصر : تبين له حينئذ مواقع ~~الربح والخسران وما الذي يخف أو يرجح به الميزان والله المستعان وعليه ~~التكلان # والتحقيق في المسألة : أن الرضى كسبي باعتبار سببه موهبي باعتبار حقيقته ~~فيمكن أن يقال بالكسب لأسبابه فإذا تمكن في أسبابه وغرس شجرته : اجتنى منها ~~ثمرة الرضى فإن الرضى آخر التوكل فمن رسخ قدمه في التوكل PageV02P173 ~~والتسليم والتفويض : حصل له الرضى ولا بد ولكن لعزته وعدم إجابة أكثر ~~النفوس له وصعوبته عليها لم يوجبه الله على خلقه رحمة بهم وتخفيفا عنهم لكن ~~ندبهم إليه وأثنى على أهله وأخبر أن ثوابه رضاه عنهم الذي هو أعظم وأكبر ~~وأجل من الجنان وما فيها فمن رضي عن ربه رضي الله عنه بل رضي العبد عن الله ~~من نتائج رضى الله عنه فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده : رضي قبله أوجب ~~له أن يرضى عنه ورضى بعده هو ثمرة رضاه عنه ولذلك كان الرضى باب الله ~~الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العارفين وحياة المحبين ونعيم العابدين وقرة ~~عيون المشتاقين # ومن أعظم أسباب حصول الرضى : أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه فإنه يوصله ~~إلى مقام الرضى ولابد قيل ليحيى بن معاذ : متى يبلغ العبد إلى مقام الرضى ~~فقال إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه فيقول : إن أعطيتني ~~قبلت وإن منعتني رضيت وإن تركتني عبدت وإن دعوتني أجبت وقال الجنيد : الرضى ~~هو صحة العلم الواصل إلى القلب فإذا باشر القلب حقيقة العلم أداه إلى الرضى # وليس الرضى والمحبة كالرجاء والخوف فإن الرضى والمحبة حالان من أحوال أهل ~~الجنة لا يفارقان المتلبس بهما ms0547 في الدنيا ولا في البرزخ ولا في الآخرة ~~بخلاف الخوف والرجاء فإنهما يفارقان أهل الجنة بحصول ما كانوا يرجونه ~~وأمنهم مما كانوا يخافونه وإن كان رجاؤهم لما ينالون من كرامته دائما ~~PageV02P174 لكنه ليس رجاء مشوبا بشك بل هو رجاء واثق بوعد صادق من حبيب ~~قادر فهذا لون ورجاؤهم في الدنيا لون # وقال ابن عطاء : الرضى سكون القلب إلى قديم اختيار الله للعبد أنه اختار ~~له الأفضل فيرضى به قلت : وهذا رضى بما منه وأما الرضى به : فأعلى من هذا ~~وأفضل ففرق بين من هو راض بمحبوبه وبين من هو راض بما يناله من محبوبه من ~~حظوظ نفسه والله أعلم # | فصل وليس من شرط الرضى ألا يحس بالألم والمكاره بل ألا يعترض على # الحكم ولا يتسخطه ولهذا أشكل على بعض الناس الرضى بالمكروه وطعنوا فيه ~~وقالوا : هذا ممتنع على الطبيعة وإنما هو الصبر وإلا فكيف يجتمع الرضى ~~والكراهية وهما ضدان # والصواب : أنه لا تناقض بينهما وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي ~~الرضى كرضى المريض بشرب الدواء الكريه ورضى الصائم في اليوم الشديد الحر ~~بما يناله من ألم الجوع والظمإ ورضى المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ~~ألم الجراح وغيرها # وطريق الرضى طريق مختصرة قريبة جدا موصلة إلى أجل غاية ولكن فيها مشقة ~~ومع هذا فليست مشقتها بأصعب من مشقة طريق المجاهدة ولا فيها من العقبات ~~والمفاوز ما فيها وإنما عقبتها همة عالية ونفس زكية وتوطين النفس على كل ما ~~يرد عليها من الله # ويسهل ذلك على العبد : علمه بضعفه وعجزه ورحمته به وشفقته عليه وبره به ~~فإذا شهد هذا وهذا ولم يطرح نفسه بين يديه ويرضى به وعنه وتنجذب دواعي حبه ~~ورضاه كلها إليه : فنفسه نفس مطرودة عن الله بعيدة عنه ليست PageV02P175 ~~مؤهلة لقربه وموالاته أو نفس ممتحنة مبتلاة بأصناف البلايا والمحن # فطريق الرضى والمحبة : تسير العبد وهو مستلق على فراشه فيصبح أمام الركب ~~بمراحل وثمرة الرضى : الفرح والسرور بالرب تبارك وتعالى # ورأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ms0548 قدس الله روحه فى المنام وكأني ذكرت له ~~شيئامن أعمال القلب وأخذت في تعظيمه ومنفعته لا أذكره الآن فقال : أما أنا ~~فطريقتي الفرح بالله والسرور به أو نحو هذا من العبارة # وهكذا كانت حاله في الحياة يبدو ذلك على ظاهره وينادي به عليه حاله لكن ~~قد قال الواسطي : استعمل الرضى جهدك ولا تدع الرضى يستعملك فتكون محجوبا ~~بلذته ورؤيته عن حقيقة ما تطالع # وهذا الذي أشار إليه الواسطى هو عقبة عظيمة عند القوم ومقطع لهم فإن ~~مساكنة الأحوال والسكون إليها والوقوف عندها : استلذاذا ومحبة : حجاب بينهم ~~وبين ربهم بحظوظهم عن مطالعة حقوق محبوبهم ومعبودهم وهي عقبة لا يجوزها إلا ~~أولو العزائم وكان الواسطي كثير التحذير من هذه العقبة شديد التنبيه عليها ~~ومن كلامه : إياكم واستحلاء الطاعات فإنها سموم قاتلة # فهذا معنى قوله : استعمل الرضى جهدك ولا تدع الرضى يستعملك أي لا يكون ~~عملك لأجل حصول حلاوة الرضى بحيث تكون هي الباعثة لك عليه بل اجعله آلة لك ~~وسببا موصلا إلى قصدك ومطلوبك فتكون مستعملا له لا أنه مستعمل لك # وهذا لا يختص بالرضى بل هو عام في جميع الأحوال والمقامات القلبية التي ~~يسكن إليها القلب حتى إنه أيضا لا يكون عاملا على المحبة لأجل المحبة ~~PageV02P176 وما فيها من اللذة والسرور والنعيم به بل يستعمل المحبة في ~~مرضاة المحبوب لا يقف عندها فهذا من علل المحبة # وقال ذو النون : ثلاثة من أعلام الرضى : ترك الاختيار قبل القضاء وفقدان ~~المرارة بعد القضاء وهيجان الحب في حشو البلاء وقيل للحسين بن علي رضي الله ~~عنهما : إن أبا ذر رضي الله عنه يقول : الفقر أحب إلي من الغنى والسقم أحب ~~إلي من الصحة فقال : رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول : من اتكل على حسن ~~اختيار الله له لم يتمن غير ما اختار الله له # وقال الفضيل بن عياض لبشر الحافي : الرضى أفضل من الزهد في الدنيا لأن ~~الراضي لا يتمنى فوق منزلته # وسئل أبو عثمان عن قول النبي : أسألك الرضى بعد القضاء فقال ms0549 : لأن الرضى ~~قبل القضا عزم على الرضى والرضى بعد القضا هو الرضى وقيل : الرضى ارتفاع ~~الجزع في أي حكم كان وقيل : رفع الاختيار وقيل : استقبال الأحكام بالفرح # وقيل سكون القلب تحت مجاري الأحكام وقيل : نظر القلب إلى قديم اختيار ~~الله للعبد وهو ترك السخط وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى رضي الله عنهما ~~: أما بعد فإن الخير كله في الرضى فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر وقال أبو ~~علي الدقاق : الإنسان خزف وليس للخزف من الخطر ما يعارض فيه حكم الحق تعالى # وقال أبو عثمان الحيري : منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته ~~وما نقلني إلى غيره فسخطته والرضى ثلاثة أقسام : رضى العوام بما قسمه الله ~~وأعطاه ورضى الخواص بما قدره وقضاه ورضى خواص الخواص به بدلا من كل ما سواه ~~PageV02P177 # | فصل قال صاحب المنازل : # قال الله تعالى : @QB@ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي @QE@ [ الفجر : 2730 ] لم يدع في هذه ~~الآية للمتسخط إليه سبيلا وشرط القاصد الدخول في الرضى و الرضى اسم للوقوف ~~الصادق حيثما وقف العبد لا يلتمس متقدما ولا متأخرا ولا يستزيد مزيدا ولا ~~يستبدل حالا وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص وأشقها على العامة # أما قوله : لم يدع في هذه الآية للمتسخط إليه سبيلا فلأنه قيد رجوعها ~~إليه سبحانه بحال وهو وصف الرضى فلا سبيل إلى الرجوع إليه مع سلب ذلك الوصف ~~عنها وهذا نظير قوله تعالى : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون : سلام ~~عليكم ادخلو الجنة بما كنتم تعملون [ النحل : 32 ] فإنما أوجب لهم هذا ~~السلام من الملائكة والبشارة بقيد وهو وفاتهم طيبين فلم تبق الآية لغير ~~الطيب سبيلا إلى هذه البشارة # والحاصل : أن الدخول في الرضى شرط في رجوع النفس إلى ربها فلا ترجع إليه ~~إلا إذا كانت راضية قلت : هذا تعلق بإشارة الآية لا بالمراد منها فإن ~~المراد منها : رضاها بما حصل لها من كرامته وبما نالته عند الرجوع إليه ~~فحصل لها رضاها والرضى ms0550 عنها وهذا يقال لها عند خروجها من دار الدنيا ~~وقدومها على الله # قال عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما : إذا توفى العبد المؤمن أرسل الله ~~إليه ملكين وأرسل إليه بتحفة من الجنة فيقال : اخرجي أيتها النفس المطمئنة ~~اخرجي إلى روح وريحان ورب عنك راض وفي وقت هذه المقالة ثلاثة أقوال للسلف ~~PageV02P178 # أحدها : أنه عند الموت وهو الأشهر قال الحسن : إذا أراد قبضها اطمأنت إلى ~~ربها ورضيت عن الله فيرضى الله عنها # وقال آخرون : إنما يقال لها ذلك عند البعث هذا قول عكرمة وعطاء والضحاك ~~وجماعة وقال آخرون : الكلمة الأولى وهي ارجعي إلى ربك راضية مرضية تقال لها ~~عند الموت والكلمة الثانية وهي فادخلي في عبادي وادخلي جنتي تقال لها يوم ~~القيامة قال أبو صالح ارجعي إلى ربك راضية مرضية هذا عند خروجها من الدنيا ~~فإذا كان يوم القيامة قيل لها فادخلي في عبادي وادخلي جنتي # والصواب : أن هذا القول يقال لها عند الخروج من الدنيا ويوم القيامة فإن ~~أول بعثها عند مفارقتها الدنيا وحينئذ فهي في الرفيق الأعلى إن كانت مطمئنة ~~إلى الله وفي جنته كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة فإذا كان يوم القيامة قيل ~~لها ذلك وحينئذ فيكون تمام الرجوع إلى الله ودخول الجنة # فأول ذلك عند الموت وتمامه ونهايته : يوم القيامة فلا اختلاف في الحقيقة ~~ولكن الشيخ أخذ من إشارة الآية : أن رجوعها إلى الله من الخلق في هذا ~~العالم إنما يحصل برضاها ولكن لو استدل بالآية في مقام الطمأنينة لكان أولى ~~فإن هذا الرجوع الذي حصل لها فيه رضاها والرضى عنها : إنما نالته ~~بالطمأنينة وهو حظ الكسب من هذه الآية وموضع التنبيه على موقع الطمأنينة ~~وما يحصل لصاحبها فلنرجع إلى شرح كلامه # قوله : الرضى هو الوقوف الصادق يريد به الوقوف مع مراد الرب تبارك وتعالى ~~الديني حقيقة من غير تردد في ذلك ولا معارضة وهذا مطلوب القوم السابقين وهو ~~الوقوف الصادق مع محاب الرب تعالى من غير أن يشوب ذلك تردد ولا يزاحمه مراد ~~PageV02P179 # قوله : حيثما وقف ms0551 العبد يصح أن يكون العبد فاعلا أي حيث ما وقف بإذن ربه ~~لا يلتمس تقدما ولا تأخرا ويصح أن يكون مفعولا وهو أظهر أي حيثما وقف الله ~~العبد فإن وقف يستعمل لازما ومتعديا أي حيثما وقفه ربه لا يطلب تقدما ولا ~~تأخرا وهذا إنما يكون فيما يقفه فيه من مراده الكوني الذي لا يتعلق بالأمر ~~والنهي وأما إذا وقفه في مراد ديني فكماله بطلب التقدم فيه دائما فإنه إن ~~لم تكن همته التقدم إلى الله في كل لحظة : رجع من حيث لا يدري فلا وقوف في ~~الطريق ألبتة ولكن إذا وقف في مقام من الغنى والفقر والراحة والتعب ~~والعافية والسقم والاستيطان ومفارقة الأوطان يقف حيث وقفه لا يطلب غير تلك ~~الحالة التي أقامه الله فيها وهذا لتصحيح رضاه باختيار الله له والفناء به ~~عن اختياره لنفسه # وكذلك قوله : لا يستزيد مزيدا ولا يستبدل حالا وهذا المعنى الذي ذكره ~~الشيخ فرد من أفراد الرضى وهو الرضى بالأقسام والأحكام الكونية التي لم ~~يؤمر بمدافعتها # وقوله : وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص يعني أن سلوك أهل الخصوص : هو ~~بالخروج عن النفس والخروج عن الإرادة : هو مبدأ الخروج عن النفس فإذا الرضى ~~بهذا الاعتبار من أوائل مسالك الخاصة وهذا على أصله في كون الفناء غاية ~~مطلوبة فوق الرضى والصواب : أن الرضى أجل منه وأعلى وهو غاية لا بداية نعم ~~فوقه مقام الشكر فهو منزلة بينه وبين منزلة الصبر وقوله : وأشقها على ~~العامة وذلك لمشقة الخروج عن الحظوظ على العامة و الرضى أول ما فيه : ~~الخروج عن الحظوظ والله سبحانه وتعالى أعلم PageV02P180 # | فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : رضى العامة وهو # الرضى بالله ربا وتسخط عبادة ما دونه وهذا قطب رحى الإسلام وهو يطهر من ~~الشرك الأكبر # الرضى بالله ربا : أن لا يتخذ ربا غير الله تعالى يسكن إلى تدبيره وينزل ~~به حوائجه قال الله تعالى : @QB@ قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء @QE@ ~~[ الأنعام : 164 ] قال ابن عباس رضى الله عنهما ms0552 : سيدا وإلها يعني فكيف ~~أطلب ربا غيره وهو رب كل شيء وقال في أول السورة : قل أغير الله أتخذ وليا ~~فاطر السموات والأرض [ الأنعام : 14 ] يعني معبودا وناصرا ومعينا وملجأ وهو ~~من الموالاة التي تتضمن الحب والطاعة وقال في وسطها : @QB@ أفغير الله ~~أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا @QE@ [ الأنعام : 114 ] أي ~~أفغير الله أبتغي من يحكم بيني وبينكم فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه وهذا ~~كتابه سيد الحكام فكيف نتحاكم إلى غير كتابه وقد أنزله مفصلا مبينا كافيا ~~شافيا # وأنت إذا تأملت هذه الآيات الثلاث حق التأمل رأيتها هي نفس الرضى بالله ~~ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا ورأيت الحديث يترجم عنها ومشتق منها فكثير ~~من الناس يرضى بالله ربا ولا يبغي ربا سواه لكنه لا يرضى به وحده وليا ~~وناصرا بل يوالي من دونه أولياء ظنا منه أنهم يقربونه إلى الله وأن ~~موالاتهم كموالاة خواص الملك وهذا عين الشرك بل التوحيد : أن لا يتخذ من ~~دونه أولياء والقرآن مملوء من وصف المشركين بأنهم اتخذوا من دونه أولياء # وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين فيه فإن هذا من تمام ~~الإيمان ومن تمام موالاته فموالاة أوليائه لون واتخاذ الولي من دونه لون ~~ومن PageV02P181 لم يفهم الفرقان بينهما فليطلب التوحيد من أساسه فإن هذه ~~المسألة أصل التوحيد وأساسه # وكثير من الناس يبتغي غيره حكما يتحاكم إليه ويخاصم إليه ويرضى بحكمه ~~وهذه المقامات الثلاث هي أركان التوحيد : أن لا يتخذ سواه ربا ولا إلها ولا ~~غيره حكما # وتفسير الرضى بالله ربا : أن يسخط عبادة ما دونه هذا هو الرضى بالله إلها ~~وهو من تمام الرضى بالله ربا فمن أعطى الرضى به ربا حقه سخط عبادة ما دونه ~~قطعا لأن الرضى بتجريد ربوبيته يستلزم تجريد عبادته كما أن العلم بتوحيد ~~الربوبية يستلزم العلم بتوحيد الإلهية # وقوله : وهو قطب رحى الإسلام يعنى أن مدار رحى الإسلام على أن يرضى العبد ~~بعبادة ربه وحده وأن يسخط عبادة غيره وقد تقدم أن العبادة هي الحب مع ms0553 الذل ~~فكل من ذللت له وأطعته وأحببته دون الله فأنت عابد له # وقوله : وهو يطهر من الشرك الأكبر يعني أن الشرك نوعان : أكبر وأصغر فهذا ~~الرضى يطهر صاحبه من الأكبر وأما الأصغر : فيطهر منه نزوله منزلة إياك نعبد ~~وإياك نستعين # | فصل قال : وهو يصح بثلاثة شروط : أن يكون الله عز وجل أحب # الأشياء إلى العبد وأولى الأشياء بالتعظيم وأحق الأشياء بالطاعة # يعني أن هذا النوع من الرضى إنما يصح بثلاثة أشياء أيضا أحدها : أن يكون ~~الله عز وجل أحب شيء إلى العبد وهذه تعرف بثلاثة أشياء أيضا أحدها : أن ~~تسبق محبته إلى القلب كل محبة فتتقدم محبته المحاب كلها الثاني : أن تقهر ~~محبته كل محبة فتكون محبته إلى القلب سابقة قاهرة PageV02P182 ومحبة غيره ~~متخلفة مقهورة مغلوبة منطوية في محبته الثالث : أن تكون محبة غيره تابعة ~~لمحبته فيكون هو المحبوب بالذات والقصد الأول وغيره محبوبا تبعا لحبه كما ~~يطاع تبعا لطاعته فهو في الحقيقة المطاع المحبوب # وهذه الثلاثة في كونه أولى الأشياء بالتعظيم والطاعة أيضا # فالحاصل : أن يكون الله وحده المحبوب المعظم المطاع فمن لم يحبه ولم يطعه ~~ولم يعظمه : فهو متكبر عليه ومتى أحب معه سواه وعظم معه سواه وأطاع معه ~~سواه : فهو مشرك ومتى أفرده وحده بالحب والتعظيم والطاعة فهو عبد موحد ~~والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل قال : الدرجة الثانية : الرضى عن الله وبهذا نطقت آيات # التنزيل وهو الرضى عنه في كل ما قضى وقدر وهذا من أوائل مسالك أهل الخصوص ~~الشيخ جعل هذه الدرجة أعلى من الدرجة التي قبلها ووجه قوله : أنه لا يدخل ~~في الإسلام إلا بالدرجة الأولى فإذا استقر قدمه عليها دخل في مقام الإسلام # وأما هذه الدرجة : فمن معاملات القلوب وهي لأهل الخصوص وهي الرضى عنه في ~~أحكامه وأقضيته وإنما كان من أول مسالك أهل الخصوص لأنه مقدمة للخروج عن ~~النفس والذي هو طريق أهل الخصوص فمقدمته بداية سلوكهم لأنه يتضمن خروج ~~العبد عن حظوظه ووقوفه مع مراد الله عز وجل لا مع مراد نفسه ms0554 # هذا تقرير كلامه وفي جعله هذه الدرجة أعلى من التي قبلها نظر لا يخفى وهو ~~نظير جعله الصبر بالله أعلى من الصبر لله والذى ينبغي : أن تكون الدرجة ~~الأولى أعلى شأنا وأرفع قدرا فإنها مختصة PageV02P183 وهذه الدرجة مشتركة ~~فإن الرضى بالقضاء يصح من المؤمن والكافر وغايته التسليم لقضاء الله وقدره ~~فأين هذا من الرضى به ربا وإلها ومعبودا # وأيضا فالرضى به ربا فرض بل هو من آكد الفروض باتفاق الأمة فمن لم يرض به ~~ربا لم يصح له إسلام ولا عمل ولا حال وأما الرضى بقضائه : فأكثر الناس على ~~أنه مستحب وليس بواجب وقيل : بل هو واجب وهما قولان في مذهب أحمد # فالفرق بين الدرجتين فرق ما بين الفرض والندب وفي الحديث الإلهي الصحيح : ~~يقول الله عز وجل : ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه فدل على أن ~~التقرب إليه سبحانه بأداء فرائضه أفضل وأعلى من التقرب إليه بالنوافل وأيضا ~~: فإن الرضى به ربا يتضمن الرضى عنه ويستلزمه فإن الرضى بربوبيته : هو رضى ~~العبد بما يأمره به وينهاه عنه ويقسمه له ويقدره عليه ويعطيه إياه ويمنعه ~~منه فمتى لم يرض بذلك كله لم يكن قد رضي به ربا من جميع الوجوه وإن كان ~~راضيا به ربا من بعضها فالرضى به ربا من كل وجه : يستلزم الرضى عنه ويتضمنه ~~بلا ريب # وأيضا : فالرضى به ربا متعلق بذاته وصفاته وأسمائه وربوبيته العامة ~~والخاصة فهو الرضى به خالقا ومدبرا وآمرا وناهيا وملكا ومعطيا ومانعا وحكما ~~ووكيلا ووليا وناصرا ومعينا وكافيا وحسيبا ورقيبا ومبتليا ومعافيا وقابضا ~~وباسطا إلى غير ذلك من صفات ربوبيته # وأما الرضى عنه : فهو رضى العبد بما يفعله به ويعطيه إياه ولهذا إنما ~~يجىء إلا في الثواب والجزاء كقوله تعالى @QB@ يا أيتها النفس المطمئنة ~~ارجعي إلى ربك راضية مرضية @QE@ [ الفجر : 2728 ] فهذا برضاها عنه لما حصل ~~لها من كرامته كقوله تعالى : @QB@ خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا ~~عنه ذلك لمن خشي ربه @QE@ [ البينة : 8 ] PageV02P184 # والرضى به : أصل الرضى ms0555 عنه والرضى عنه : ثمرة الرضى به وسر المسألة : أن ~~الرضى به متعلق بأسمائه وصفاته والرضى عنه : متعلق بثوابه وجزائه # وأيضا : فإن النبي علق ذوق طعم الإيمان بمن رضي بالله ربا ولم يعلقه بمن ~~رضي عنه كما قال : ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ~~رسولا فجعل الرضى به قرين الرضى بدينه ونبيه وهذه الثلاثة هي أصول الإسلام ~~التي لا يقوم إلا بها وعليها # وأيضا : فالرضى به ربا يتضمن توحيده وعبادته والإنابة إليه والتوكل عليه ~~وخوفه ورجاءه ومحبته والصبر له وبه والشكر على نعمه يتضمن رؤية كل ما منه ~~نعمة وإحسانا وإن ساء عبده فالرضا به يتضمن شهادة أن لا إله إلا الله ~~والرضى بمحمد رسولا يتضمن شهادة أن محمدا رسول الله والرضى بالإسلام دينا : ~~يتضمن التزام عبوديته وطاعته وطاعة رسوله فجمعت هذه الثلاثة الدين كله # وأيضا : فالرضى به ربا يتضمن اتخاذه معبودا دون ما سواه واتخاذه وليا ~~ومعبودا وإبطال عبادة كل ما سواه وقد قال تعالى لرسوله : @QB@ أفغير الله ~~أبتغي حكما @QE@ [ الأنعام : 114 ] وقال : @QB@ أغير الله أتخذ وليا @QE@ [ ~~الأنعام : 14 ] وقال : @QB@ قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء @QE@ [ ~~الأنعام : 164 ] فهذا هو عين الرضى به ربا # وأيضا : فإنه جعل حقيقة الرضى به ربا : أن يسخط عبادة ما دونه فمتى سخط ~~العبد عبادة ما سوى الله من الآلهة الباطلة حبا وخوفا ورجاء وتعظيما ~~وإجلالا فقد تحقق بالرضى به ربا الذي هو قطب رحى الإسلام # وإنما كان قطب رحى الدين : لأن جميع العقائد والأعمال والأحوال : إنما ~~تنبني على توحيد الله عز وجل في العبادة وسخط عبادة ما سواه فمن لم يكن ~~PageV02P185 له هذا القطب لم يكن له رحى تدور عليه ومن حصل له هذا القطب ~~ثبتت له الرحى ودارت على ذلك القطب فيخرج حينئذ من دائرة الشرك إلى دائرة ~~الإسلام فتدور رحى إسلامه وإيمانه على قطبها الثابت اللازم # وأيضا : فإنه جعل حصول هذه الدرجة من الرضى موقوفا على كون المرضى به ربا ~~سبحانه أحب إلى العبد من ms0556 كل شيء وأولى الأشياء بالتعظيم وأحق الأشياء ~~بالطاعة ومعلوم أن هذا يجمع قواعد العبودية وينتظم فروعها وشعبها # ولما كانت المحبة التامة ميل القلب بكليته إلى المحبوب : كان ذلك الميل ~~حاملا على طاعته وتعظيمه وكلما كان الميل أقوى : كانت الطاعة أتم والتعظيم ~~أوفر وهذا الميل يلازم الإيمان بل هو روح الإيمان ولبه فأي شيء يكون أعلى ~~من أمر يتضمن أن يكون الله سبحانه أحب الأشياء إلى العبد وأولى الأشياء ~~بالتعظيم وأحق الأشياء بالطاعة # وبهذا يجد العبد حلاوة الإيمان كما في الصحيح عنه أنه قال : ثلاث من كن ~~فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كمان ~~يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه ~~الله منه كما يكره أن يلقي في النار # فعلق ذوق الإيمان بالرضى بالله ربا وعلق وجود حلاوته بما هو موقوف عليه ~~ولا يتم إلا به وهو كونه سبحانه أحب الأشياء إلى العبد هو ورسوله # ولما كان هذا الحب التام والإخلاص الذي هو ثمرته أعلى من مجرد الرضى ~~بربوبيته سبحانه : كانت ثمرته أعلى وهي وجد حلاوة الإيمان وثمرة الرضى : ~~ذوق طعم الإيمان فهذا وجد حلاوة وذلك ذوق طعم والله المستعان # وإنما ترتب هذا وهذا على الرضى به وحده ربا والبراءة من عبودية ما سواه ~~وميل القلب بكليته إليه وانجذاب قوى المحب كلها إليه ورضاه عن ربه تابع ~~PageV02P186 لهذا الرضى به فمن رضي بالله ربا رضيه الله له عبدا ومن رضي ~~عنه في عطائه ومنعه وبلائه وعافيته : لم ينل بذلك درجة رضى الرب عنه إن لم ~~يرض به ربا وبنبيه رسولا وبالإسلام دينا فإن العبد قد يرضى عن الله ربه ~~فيما أعطاه وفيما منعه ولكن لا يرضى به وحده معبودا وإلها ولهذا إنما ضمن ~~رضي العبد يوم القيامة لمن رضى به ربا كما قال النبي : من قال كل يوم : ~~رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا إلا كان حقا على الله أن يرضيه ~~يوم القيامة # | فصل ms0557 إذا عرف هذا فلنرجع إلى شرح كلامه قال : وبهذا الرضى نطق النزيل # يشير إلى قوله عز وجل : قال الله : هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدارضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز ~~العظيم [ المائدة : 119 ] وقال تعالى فى آخر سورة المجادلة @QB@ ويدخلهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب ~~الله ألا إن حزب الله هم المفلحون @QE@ وقال في آخر سورة لم يكن @QB@ ~~خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه @QE@ # فتضمنت هذه الآيات : جزاءهم على صدقهم وإيمانهم وأعمالهم الصالحة ومجاهدة ~~أعدائه وعدم ولا يتهم بأن رضي الله عنهم فأرضاهم فرضوا عنه وإنما حصل لهم ~~هذا بعد الرضى به ربا وبمحمد نبيا وبالإسلام دينا قوله : وهو الرضى عنه في ~~كل ما قضى ههنا ثلاثة أمور : الرضاء بالله والرضا عن الله والرضا بقضاء ~~الله # فالرضى به فرض والرضى عنه وإن كان من أجل الأمور وأشرف أنواع العبودية ~~فلم يطالب به العموم لعجزهم عنه ومشتقه عليهم وأوجبته طائفة كما أوجبوا ~~الرضى به واحتجوا بحجج PageV02P187 # منها : أنه إذا لم يكن راضيا عن ربه فهو ساخط عليه إذ لا واسطة بين الرضى ~~والسخط وسخط العبد على ربه مناف لرضاه به ربا قالوا : وأيضا فعدم رضاه عنه ~~يستلزم سوء ظنه به ومنازعته له في اختياره لعبده وأن الرب تبارك وتعالى ~~يختار شيئا ويرضاه فلا يختاره العبد ولا يرضاه وهذا مناف للعبودية # قالوا : وفي بعض الآثار الإلهية من لم يرض بقضائى ولم يصبر على بلائي ~~فليتخذ ربا سواي ولا حجة في شيء من ذلك # أما قوله : إنه لا يتخلص من السخط على ربه إلا بالرضى عنه إذ لا واسطة ~~بين الرضا والسخط فكلام مدخول لأن السخط بالمقضي لا يستلزم السخط على من ~~قضاه كما أن كراهة المقضي وبغضه والنفرة عنه لا تستلزم تعلق ذلك بالذي قضاه ~~وقدره فالمقضي قد يسخطه العبد وهو راض عمن قضاه وقدره بل قد يجتمع ms0558 تسخطه ~~والرضى بنفس القضاء كما سيأتي إن شاء الله وأما قولكم : إنه يستلزم سوء ظن ~~العبد بربه ومنازعته له في اختياره فليس كذلك بل هو حسن الظن بربه في ~~الحالتين فإنه إنما يسخط المقدور وينازعه بمقدور آخر كما ينازع القدر الذي ~~يكرهه ربه بالقدر الذي يحبه ويرضاه فينازع قدر الله بقدر الله بالله لله ~~كما يستعيذ برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته ويستعيذ به منه # فأما كونه يختار لنفسه خلاف ما يختاره الرب فهذا موضع تفصيل لا يسحب عليه ~~ذيل النفي والإثبات فاختيار الرب تعالى لعبده نوعان : أحدهما : اختيار ديني ~~شرعي فالواجب على العبد أن لا يختار في هذا النوع غير ما اختاره له سيده ~~قال تعالى : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا : أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم [ الأحزاب : 36 ] فاختيار العبد خلاف ذلك مناف لإيمانه ~~وتسليمه ورضاه بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا PageV02P188 النوع ~~الثاني : اختيار كوني قدري لا يسخطه الرب كالمصائب التي يبتلى الله بها ~~عبده فهذا لا يضره فراره منها إلى القدر الذي يرفعها عنه ويدفعها ويكشفها ~~وليس في ذلك منازعة للربوبية وإن كان فيه منازعة للقدر بالقدر # فهذا يكون تارة واجبا وتارة يكون مستحبا وتارة يكون مباحا مستوى الطرفين ~~وتارة يكون مكروها وتارة يكون حراما وأما القدر الذي لا يحبه ولا يرضاه مثل ~~قدر المعائب والذنوب فالعبد مأمور بسخطها ومنهي عن الرضى بها # وهذا هو التفصيل الواجب في الرضى بالقضاء وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابا ~~عظيما ونجا منه أصحاب الفرق والتفصيل فإن لفظ الرضى بالقضاء لفظ محمود ~~مأمور به وهو من مقامات الصديقين فصارت له حرمة أوجبت لطائفة قبوله من غير ~~تفصيل وظنوا أن كل ما كان مخلوقا للرب تعالى فهو مقضى مرضي مخلوقا له ينبغي ~~له الرضى به ثم انقسموا على فرقتين فقالت فرقة : إذا كان القضاء والرضى ~~متلازمين فمعلوم أنا مأمورون ببغض المعاصي والكفر والظلم فلا تكون مقضية ~~مقدرة وفرقة قالت : قد دل العقل والشرع على أنها واقعة ms0559 بقضاء الله وقدره ~~فنحن نرضى بها # والطائفتان منحرفتان جائرتان عن قصد السبيل فأولئك أخرجوها عن قضاء الرب ~~وقدره وهؤلاء رضوا بها ولم يسخطوها هؤلاء خالفوا الرب تعالى في رضاه وسخطه ~~وخرجوا عن شرعه ودينه وأولئك أنكروا تعلق قضائه وقدره بها # واختلفت طرق أهل الإثبات للقدر والشرع في جواب الطائفتين فقالت طائفة : ~~لم يقم دليل من الكتاب ولا السنة ولا الإجماع على جواز PageV02P189 الرضى ~~بكل قضاء فضلا عن وجوبه واستحبابه فأين أمر الله عباده أو رسوله : أن يرضوا ~~بكل ما قضاه الله وقدره # وهذه طريقة كثير من أصحابنا وغيرهم وبه أجاب القاضي أبو يعلى وابن ~~الباقلاني قال : فإن قيل : أفترضون بقضاء الله وقدره قيل له : نرضى بقضاء ~~الله الذي هو خلقه الذي أمرنا أن نرضى به ولا نرضى من ذلك ما نهانا عنه أن ~~نرضى به ولا نتقدم بين يدي الله تعالى ولا نعترض على حكمه وقالت طائفة أخرى ~~: يطلق الرضى بالقضاء في الجملة دون تفاصيل المقضي المقدر فنقول : نرضى ~~بقضاء الله جملة ولا نسخطه ولا نطلق الرضى على كل واحد من تفاصيل المقضي ~~كما يقول المسلمون : كل شيء يبيد ويهلك ولا يقولون : حجج الله تبيد وتهلك ~~ويقولون : الله رب كل شيء ولا يضيفون ربوبيته إلى الأعيان المستخبثة ~~المستقذرة بخصوصها وقالت طائفة أخرى : نرضى بها من جهة إضافتها إلى الرب ~~خلقا ومشيئة ونسخطها من جهة إضافتها إلى العبد كسبا له وقياما به # وقالت طائفة أخرى : بل نرضى بالقضاء ونسخط المقضي فالرضى والسخط لم ~~يتعلقا بشيء واحد # وهذه الأجوبة لا يتمشى شيء منها على أصول من يجعل محبة الرب تعالى ورضاه ~~ومشيئته واحدة كما هو أحد قول الأشعري وأكثر أتباعه # فإن هؤلاء يقولون : إن كل ما شاءه وقضاه فقد أحبه ورضيه وإذا كان الكون ~~محبوبا له مرضيا فنحن نحب ما أحبه ونرضى ما رضيه وقولكم : إن الرضى بالقضاء ~~يطلق جملة ولا يطلق تفصيلا فذلك لا يمنع دخوله في جملة المرضي به فيعود ~~الإشكال PageV02P190 # وقولكم : نرضى بها من جهة كونها خلقا لله ونسخطها ms0560 من جهة كونها كسبا ~~للعبد : فك 2 سب العبد إن كان أمرا وجوديا فهو خلق لله فنرضى به وإن كان ~~أمرا عدميا فلا حقيقة له ترضى ولا تسخط وأما قولكم : نرضى بالقضاء دون ~~المقضي : فهذا إنما يصح على قول من يجعل القضاء غير المقضي والفعل غير ~~المفعول وأما من لم يفرق بينهما : فكيف يصح هذا على أصله وقد أورد القاضي ~~أبو بكر الباقلانى على نفسه هذا السؤال فقال : فإن قيل : القضاء عندكم هو ~~المقضي أو غيره # قيل : هو على ضربين فالقضاء بمعنى الخلق هو المقضي لأن الخلق هو المخلوق ~~والقضاء الذي هو الإلزام والإعلام والكتابة : غير المقضى لأن الأمر غير ~~المأمور والخبر غير المخبر عنه # وهذا الجواب لا يخلصه أيضا لأن الكلام ليس في الإلزام والإعلام والكتابة ~~وإنما الكلام في نفس الفعل المقدور المعلم به المكتوب : هل مقدره وكاتبه ~~سبحانه راض به أم لا وهل العبد مأمور بالرضى به نفسه أم لا هذا هو حرف ~~المسألة # وقد أنكر الله سبحانه وتعالى على من جعل مشيئته وقضاءه مستلزمان لمحبته ~~ورضاه فكيف بمن جعل ذلك شيئا واحدا قال الله تعالى : سيقول الذين أشركوا : ~~لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من ~~قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا ~~الظن وإن أنتم إلا تخرصون [ الأنعام : 148 ] وقال تعالى : وقال الذين ~~أشركوا : لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم [ النحل : 35 ] وقال تعالى : وقالوا : ~~لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم [ الزخرف : 20 ] فهم استدلوا ~~على محبته لشركهم ورضاه عنه PageV02P191 بمشيئته لذلك وعارضوا بهذا الدليل ~~أمره ونهيه وفيه أبين الرد لقول من جعل مشيئته غير محبته ورضاه فالإشكال ~~إنما نشأ من جعلهم المشيئة نفس المحبة ثم زادوه بجعلهم الفعل نفس المفعول ~~والقضاء عين المقضي فنشأ من ذلك إلزامهم بكونه تعالى راضيا ms0561 محبا لذلك ~~والتزام رضاهم به # والذي يكشف هذه الغمة ويبصر من هذه العماية وينجي من هذه الورطة إنما هو ~~التفريق بين ما فرق الله بينه وهو المشيئة والمحبة فإنهما ليسا واحدا ولا ~~هما متلازمين بل قد يشاء ما لا يحبه ويحب ما لا يشاء كونه # فالأول : كمشيئته لوجود إبليس وجنوده ومشيئته العامة لجميع ما في الكون ~~مع بغضه لبعضه والثاني : كمحبته إيمان الكفار وطاعات الفجار وعدل الظالمين ~~وتوبة الفاسقين ولو شاء ذلك لوجد كله وكان جميعه فإنه ما شاء الله كان وما ~~لم يشأ لم يكن # فإذا تقرر هذا الأصل وأن الفعل غير المفعول والقضاء غير المقضي وأن الله ~~سبحانه لم يأمر عباده بالرضى بكل ما خلقه وشاءه : زالت الشبهات وانحلت ~~الإشكالات ولله الحمد ولم يبق بين شرع الرب وقدره تناقض بحيث يظن إبطال ~~أحدهما للآخر بل القدر ينصر الشرع والشرع يصدق القدر وكل منهما يحقق الآخر # إذا عرف هذا فالرضى بالقضاء الديني الشرعي واجب وهو أساس الإسلام وقاعدة ~~الإيمان فيجب على العبد أن يكون راضيا به بلا حرج ولا منازعة ولا معارضة ~~ولا اعتراض قال الله تعالى : @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ [ النساء : ~~65 ] فأقسم : أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم ~~من حكمه وحتى يسلموا لحكمه تسليما وهذا حقيقة الرضى بحكمه فالتحكيم : في ~~مقام الإسلام وانتفاء الحرج : في مقام الإيمان والتسليم : في مقام الإحسان ~~PageV02P192 # ومتى خالط القلب بشاشة الإيمان واكتحلت بصيرته بحقيقة اليقين وحيى بروح ~~الوحي وتمهدت طبيعته وانقلبت النفس الأمارة مطمئنة راضية وادعة وتلقى أحكام ~~الرب تعالى بصدر واسع منشرح مسلم : فقد رضي كل الرضى بهذا القضاء الديني ~~المحبوب لله ولرسوله # والرضى بالقضاء الكوني القدري الموافق لمحبة العبد وإرادته ورضاه من ~~الصحة والغنى والعافية واللذة أمر لازم بمقتضى الطبيعة لأنه ملائم للعبد ~~محبوب له فليس في الرضى به عبودية بل العبودية في مقابلته بالشكر والاعتراف ~~بالمنة ووضع النعمة مواضعها ms0562 التى يحب الله أن توضع فيها وأن لا يعصى المنعم ~~بها وأن يرى التقصير في جميع ذلك والرضى بالقضاء الكوني القدري الجاري على ~~خلاف مراد العبد ومحبته مما لا يلائمه ولا يدخل تحت اختياره مستحب وهو من ~~مقامات أهل الإيمان وفي وجوبه قولان وهذا كالمرض والفقر وأذى الخلق له ~~والحر والبرد والآلام ونحو ذلك والرضى بالقدر الجاري عليه باختياره مما ~~يكرهه الله ويسخطه وينهى عنه كأنواع الظلم والفسوق والعصيان : حرام يعاقب ~~عليه وهو مخالفة لربه تعالى فإن الله لا يرضى بذلك ولا يحبه فكيف تتفق ~~المحبة ورضى ما يسخطه الحبيب ويبغضه فعليك بهذا التفصيل في مسألة الرضى ~~بالقضاء # فإن قلت : كيف يريد الله سبحانه أمرا لا يرضاه ولا يحبه وكيف يشاؤه ~~ويكونه وكيف تجتمع إرادة الله له وبغضه وكراهيته قيل : هذا السؤال هو الذي ~~افترق الناس لأجله فرقا وتباينت عنده طرقهم وأقوالهم فاعلم أن المراد نوعان ~~: مراد لنفسه ومراد لغيره : PageV02P193 فالمراد لنفسه : مطلوب محبوب لذاته ~~ولما فيه من الخير فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد والمراد لغيره : قد لا ~~يكون في نفسه مقصودا للمريد ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته وإن كان ~~وسيلة إلى مقصوده ومراده فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته مراد له من حيث ~~إفضاؤه وإيصاله إلى مراده فيجتمع فيه الأمران : بغضه وإرادته ولا يتنافيان ~~لاختلاف متعلقهما وهذا كالدواء المتناهي في الكراهة إذا علم متناوله أن فيه ~~شفاءه وكقطع العضو المتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده وكقطع المسافة ~~الشاقة جدا إذا علم أنها توصله إلى مراده ومحبوبه بل العاقل يكتفي في إيثار ~~هذا المكروه وإرادته بالظن الغالب وإن خفيت عنه عاقبته وطويت عنه مغبته ~~فكيف بمن لا تخفى عليه العواقب فهو سبحانه وتعالى يكره الشيء ويبغضه في ~~ذاته ولاينافي ذلك إرادته لغيره وكونه سببا إلى ما هو أحب إليه من فوته # مثال أنه سبحانه خلق إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان والأعمال ~~والاعتقادات والإرادات وهو سبب شقاوة العبيد وعملهم بما يغضب الرب تبارك ~~وتعالى وهو ms0563 الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه بكل طريق وكل حيلة فهو ~~مبغوض للرب سبحانه وتعالى مسخوط له لعنه الله ومقته وغضب عليه ومع هذا فهو ~~وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه وجودها أحب إليه من عدمها ~~: # منها : أن تظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات المتقابلات ~~فخلق هذه الذات التي هي أخبث الذوات وشرها وهي سبب كل شر في مقابلة ذات ~~جبريل التي هي أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها وهي مادة كل خير فتبارك الله ~~خالق هذا وهذا كما ظهرت لهم قدرته التامة في خلق الليل والنهار والضياء ~~والظلام والداء والدواء والحياة والموت والحر والبرد PageV02P194 والحسن ~~والقبيح والأرض والسماء والذكر والأنثى والماء والنار والخير والشر # وذلك من أدل الدلائل على كمال قدرته وعزته وسلطانه وملكه فإنه خلق هذه ~~المتضادات وقابل بعضها ببعض وسلط بعضها على بعض وجعلها محال تصرفه وتدبيره ~~وحكمته فخلو الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير ~~مملكته # ومنها : ظهور آثار أسمائه القهرية مثل القهار والمنتقم والعدل والضار ~~وشديد العقاب وسريع الحساب وذي البطش الشديد والخافض والمذل فإن هذه ~~الأسماء والأفعال كمال فلا بد من وجود متعلقها ولو كان الخلق كلهم على ~~طبيعة الملك : لم يظهر أثر هذه الأسماء والأفعال ومنها : ظهور آثار أسمائه ~~المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده ~~فلولا خلق ما يكره من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت ~~هذه الحكم والفوائد وقد أشار النبي إلى هذا بقوله : لو لم تذنبوا لذهب الله ~~بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم # ومنها : ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة فإنه سبحانه الحكيم الخبير الذي ~~يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها اللائقة بها فلا يضع الشيء في غير ~~موضعه ولا ينزله غير منزلته التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته فلا يضع ~~الحرمان والمنع موضع العطاء والفضل ولا الفضل والعطاء موضع الحرمان والمنع ~~ولا الثواب موضع العقاب ولا العقاب موضع الثواب ولا الخفض موضع الرفع ms0564 ولا ~~الرفع موضع الخفض ولا العز مكان الذل ولا الذل مكان العز ولا يأمر بما ~~ينبغي النهي عنه ولا ينهى عما ينبغي الأمر به # فهو أعلم حيث يجعل رسالته وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على انتهائها ~~PageV02P195 إليه ووصولها وأعلم بمن لا يصلح لذلك ولا يستأهله وأحكم من أن ~~يمنعها أهلها وأن يضعها عند غير أهلها # فلو قدر عدم الأسباب المكروهة البغيضة له لتعطلت هذه الآثار ولم تظهر ~~لخلقه ولفاتت الحكم والمصالح المترتبة عليها وفواتها شر من حصول تلك ~~الأسباب فلو عطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر لتعطل الخير الذي هو أعظم ~~من الشر الذي في تلك الأسباب وهذا كالشمس والمطر والرياح التي فيها من ~~المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر والضرر فلو قدر تعطيلها ~~لئلا يحصل منها ذلك الشر الجزئي لتعطل من الخير ما هو أعظم من ذلك الشر بما ~~لا نسبة بينه وبينه # | فصل ومنها : حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت # ولكان الحاصل بعضها لا كلها # فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه ولو كان الناس كلهم ~~مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها : من الموالاة فيه سبحانه والمعاداة ~~فيه والحب فيه والبغض فيه وبذل النفس له في محاربة عدوه وعبودية الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وعبودية الصبر ومخالفة الهوى وإيثار محاب الرب ~~على محاب النفس # ومنها : عبودية التوبة والرجوع إليه واستغفاره فإنه سبحانه يحب التوابين ~~ويحب توبتهم فلو عطلت الأسباب التي يتاب منها لتعطلت عبودية التوبة ~~والاستغفار منها ومنها : عبودية مخالفة عدوه ومراغمته في الله وإغاظته فيه ~~وهي من أحب PageV02P196 أنواع العبودية إليه فإنه سبحانه يحب من وليه أن ~~يغيظ عدوه ويراغمه ويسوءه وهذه عبودية لا يتفطن لها إلا الأكياس ومنها : أن ~~يتعبد له بالاستعاذة من عدوه وسؤاله أن يجيره منه ويعصمه من كيده وأذاه ~~ومنها : أن عبيده يشتد خوفهم وحذرهم إذا رأوا ما حل بعدوه بمخالفته وسقوطه ~~من المرتبة الملكية إلى المرتبة الشيطانية فلا يخلدون إلى غرور الأمل بعد ms0565 ~~ذلك # ومنها : أنهم ينالون ثواب مخالفته ومعاداته الذي حصوله مشروط بالمعاداة ~~والمخالفة فأكثر عبادات القلوب والجوارح مرتبة على مخالفته # ومنها : أن نفس اتخاذه عدوا من أكبر أنواع العبودية وأجلها قال الله ~~تعالى : @QB@ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا @QE@ [ فاطر : 6 ] فاتخاذه ~~عدوا أنفع شىء للعبد وهو محبوب للرب # ومنها : أن الطبيعة البشرية مشتملة على الخير والشر والطيب والخبيث وذلك ~~كامن فيها كمون النار في الزناد فخلق الشيطان مستخرجا لما في طبائع أهل ~~الشر من القوة إلى الفعل وأرسلت الرسل تستخرج ما في طبيعة أهل الخير من ~~القوة إلى الفعل فاستخرج أحكم الحاكمين ما في قوى هؤلاء من الخير الكامن ~~فيها ليترتب عليه آثاره وما في قوى أولئك من الشر ليترتب عليه آثاره وتظهر ~~حكمته في الفريقين وينفذ حكمه فيهما ويظهر ما كان معلوما له مطابقا لعلمه ~~السابق # وهذا هو السؤال الذي سألته ملائكته حين قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال : إني أعلم ما لا تعلمون [ ~~البقرة : 30 ] فظنت الملائكة أن وجود من يسبح بحمده ويطيعه ويعبده أولى من ~~PageV02P197 وجود من يعصيه ويخالفه فأجابهم سبحانه بأنه يعلم من الحكم ~~والمصالح والغايات المحمودة في خلق هذا النوع ما لا تعلمه الملائكة # ومنها : أن ظهور كثير من آياته وعجائب صنعه : حصل بسبب وقوع الكفر والشر ~~من النفوس الكافرة الظالمة كآية الطوفان وآية الريح وآية إهلاك ثمود وقوم ~~لوط وآية انقلاب النار على إبراهيم بردا وسلاما والآيات التي أجراها الله ~~تعالى على يد موسى وغير ذلك من آياته التي يقول سبحانه عقيب ذكر كل آية ~~منها في سورة الشعراء : @QB@ إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم @QE@ [ الشعراء : 89 ] فلولا كفر الكافرين وعناد ~~الجاحدين لما ظهرت هذه الآيات الباهرة التي يتحدث بها الناس جيلا بعد جيل ~~إلى الأبد ومنها : أن خلق الأسباب المتقابلة التي يقهر بعضها بعضا ويكسر ~~بعضها بعضا : هو من شأن كمال الربوبية والقدرة النافذة والحكمة التامة ~~والملك الكامل ms0566 وإن كان شأن الربوبية كاملا في نفسه ولو لم تخلق هذه الأسباب ~~لكن خلقها من لوازم كماله وملكه وقدرته وحكمته فظهور تأثيرها وأحكامها في ~~عالم الشهادة : تحقيق لذلك الكمال وموجب من موجباته فتعمير مراتب الغيب ~~والشهادة بأحكام الصفات من آثار الكمال الإلهي المطلق بجميع وجوهه وأقسامه ~~وغاياته # وبالجملة : فالعبودية والآيات والعجائب التي ترتبت على خلق ما لا يحبه ~~ولا يرضاه وتقديره ومشيئته : أحب إليه سبحانه وتعالى من فواتها وتعطيلها ~~بتعطيل أسبابها فإن قلت : فهل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب ~~قلت : هذا سؤال باطل إذ هو فرض وجود الملزوم بدون لازمه كفرض وجود الابن ~~بدون الأب والحركة بدون المتحرك والتوبة بدون التائب فإن قلت : فإذا كانت ~~هذه الأسباب مرادة لما تفضي إليه من الحكم فهل تكون مرضية محبوبة من هذا ~~الوجه أم هي مسخوطة من جميع الوجوه PageV02P198 # قلت : هذا السؤال يورد على وجهين أحدهما : من جهة الرب سبحانه وتعالى وهل ~~يكون محبا لها من جهة إفضائها إلى محبوبه وإن كان يبغضها لذاتها والثاني : ~~من جهة العبد وهو أنه هل يسوغ له الرضى بها من تلك الجهة أيضا فهذا سؤال له ~~شأن # فاعلم أن الشر كله يرجع إلى العدم أعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه ~~وهو من هذه الجهة شر وأما من جهة وجوده المحض : فلا شر فيه مثاله : أن ~~النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة وإنما حصل لها الشر بقطع مادة ~~الخير عنها فإنها خلقت في الأصل متحركة لا تسكن فإن أعينت بالعلم وإلهام ~~الخير تحركت وإن تركت تحركت بطبعها إلى خلافه وحركتها من حيث هي حركة خير ~~وإنما تكون شرا بالإضافة لا من حيث هي حركة والشر كله ظلم وهو وضع الشىء في ~~غير موضعه فلو وضع في موضعه لم يكن شرا # فعلم أن جهة الشر فيه : نسبة إضافية ولهذا كانت العقوبات الموضوعات في ~~محالها خيرا في نفسها وإن كانت شرا بالنسبة إلى المحل الذى حلت به لما ~~أحدثت فيه من الألم الذي كانت الطبيعة ms0567 قابلة لضده من اللذة مستعدة له فصار ~~ذلك الألم شرا بالنسبة إليها وهو خير بالنسبة إلى الفاعل حيث وضعه موضعه ~~فإنه سبحانه لا يخلق شرا محضا من جميع الوجوه والاعتبارات فإن حكمته تأبى ~~ذلك بل قد يكون ذلك المخلوق شرا ومفسدة ببعض الاعتبارات وفي خلقه مصالح ~~وحكم باعتبارات أخر أرجح من اعتبارات مفاسده بل الواقع منحصر في ذلك فلا ~~يمكن في جناب الحق جل جلاله أن يريد شيئا يكون فسادا من كل وجه بكل اعتبار ~~لا مصلحة في خلقه بوجه ما هذا من أبين المحال فإنه سبحانه بيده الخير والشر ~~ليس إليه بل كل ما إليه فخير والشر PageV02P199 إنما حصل لعدم هذه الإضافة ~~والنسبة إليه فلو كان إليه لم يكن شرا فتأمله فانقطاع نسبته إليه هو الذي ~~صيره شرا # فإن قلت : لم تنقطع نسبته إليه خلقا ومشيئة قلت : هو من هذه الجهة ليس ~~بشر فإن وجوده هو المنسوب إليه وهو من هذه الجهة ليس بشر والشر الذي فيه : ~~من عدم إمداده بالخير وأسبابه والعدم ليس بشيء حتى ينسب إلى من بيده الخير ~~فإن أردت مزيد إيضاح لذلك فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة : الإيجاد والإعداد ~~والإمداد فهذه هي الخيرات وأسبابها فإيجاد السبب خير وهو إلى الله وإعداده ~~خير وهو إليه أيضا وإمداده خير وهو إليه أيضا فإذا لم يحدث فيه إعداد ولا ~~إمداد حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إلى الفاعل وإنما إليه ضده فإن ~~قلت : فهلا أمده إذ أوجده # قلت : ما اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده فإنه سبحانه يوجد ويمده وما اقتضت ~~الحكمة إيجاده وترك إمداده : أوجده بحكمته ولم يمده بحكمته فإيجاده خير ~~والشر وقع من عدم إمداده فإن قلت : فهلا أمد الموجودات كلها قلت : فهذا ~~سؤال فاسد يظن مورده أن التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة وهذا عين ~~الجهل بل الحكمة كل الحكمة : في هذا التفاوت العظيم الواقع بينها وليس في ~~خلق كل نوع منها تفاوت فكل نوع منها ليس في خلقه من تفاوت والتفاوت إنما ~~وقع بأمور ms0568 عدمية لم يتعلق بها الخلق وإلا فليس في الخلق من تفاوت # فإن اعتاص ذلك عليك ولم تفهمه حق الفهم فراجع قول القائل : # إذا لم تستطع شيئا فدعه % وجاوزه إلى ما تستطيع PageV02P200 # كما ذكر : أن الأصمعي اجتمع بالخليل بن أحمد وحرص على فهم العروض منه : ~~فأعياه ذلك فقال له الخليل يوما : قطع لي هذا البيت وأنشده : إذا لم تستطع ~~شيئا البيت ففهم ما أراد فأمسك عنه ولم يشتغل به # وسر المسألة : أن الرضى بالله يستلزم الرضى بصفاته وأفعاله وأسمائه ~~وأحكامه ولا يستلزم الرضى بمفعولاته كلها بل حقيقة العبودية : أن يوافقه ~~عبده في رضاه وسخطه فيرضى منها بما يرضى به ويسخط منها ما سخطه فإن قيل : ~~فهو سبحانه يرضى عقوبة من يستحق العقوبة فكيف يمكن العبد أن يرضى بعقوبته ~~له # قيل : لو وافقه في رضاه بعقوبته لانقلبت لذة وسرورا ولكن لا يقع منه ذلك ~~فإنه لم يوافقه في محبته وطاعته التي هي سرور النفس وقرة العين وحياة القلب ~~فكيف يوافقه في محبته للعقوبة التي هى أكره شيء إليه وأشق شيء عليه بل كان ~~كارها لما يحبه من طاعته وتوحيده فلا يكون راضيا بما يختاره من عقوبته ولو ~~قبل ذلك لارتفعت عنه العقوبة فإن قلت : فكيف يجتمع الرضى بالقضاء الذي ~~يكرهه العبد من المرض والفقر والألم مع كراهته # قلت : لا تنافي في ذلك فإنه يرضى به من جهة إفضائه إلى ما يحب ويكرهه من ~~جهة تألمه به كالدواء الكريه الذي يعلم أن فيه شفاءه فإنه يجتمع فيه رضاه ~~به وكراهته له فإن قلت : كيف يرضى لعبده شيئا ولا يعينه عليه قلت : لأن ~~إعانته عليه قد تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التى رضيها ~~له وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هى أكره إليه سبحانه من محبته ~~لتلك الطاعة بحيث يكون وقوعها منه مستلزما لمفسدة راجحة ومفوتا لمصلحة ~~راجحة وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله : PageV02P201 ولو أرادوا الخروج ~~لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل : اقعدوا ms0569 مع القاعدين لو ~~خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم ~~سماعون لهم والله عليم بالظالمين [ التوبة : 4647 ] فأخبر سبحانه : أنه كره ~~انبعاثهم مع رسوله للغزو وهو طاعة وقربة وقد أمرهم به فلما كرهه منهم ثبطهم ~~عنه ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي كانت ستترتب على خروجهم لو خرجوا مع ~~رسول الله فقال لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا أي فسادا وشرا ولأوضعوا ~~خلالكم أي سعوا فيما بينكم بالفساد والشر يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم ~~أي قابلون منهم مستجيبون لهم فيتولد من بين سعي هؤلاء بالفساد وقبول أولئك ~~منهم من الشر ما هو أعظم من مصلحة خروجهم فاقتضت الحكمة والرحمة : أن منعهم ~~من الخروج وأقعدهم عنه فاجعل هذا المثال أصلا لهذا الباب وقس عليه # فإن قلت : قد يتصور لي هذا في رضى الرب تعالى لبعض ما يخلقه من وجه ~~وكراهته من وجه آخر فكيف لي بأن يجتمع الأمران في حقي بالنسبة إلى المعاصي ~~والفسوق قلت : وهو متصور ممكن بل واقع فإن العبد يسخط ذلك ويبغضه ويكرهه من ~~حيث هو فعل له بسببه وواقع بكسبه وإرادته واختياره ويرضى بعلم الله وكتابته ~~ومشيئته وإذنه الكوني فيه فيرضى بما من الله ويسخط ما هو منه فهذا مسلك ~~طائفة من أهل العرفان وطائفة أخرى رأوا كراهة ذلك مطلقا وعدم الرضى به من ~~كل وجه # وهؤلاء في الحقيقة لا يخالفون أولئك فإن العبد إذا كرهها مطلقا فإن ~~الكراهة إنما تقع على الاعتبار المكروه منها وهؤلاء لم يكرهوا علم الرب ~~وكتابته PageV02P202 ومشيئته وإلزامه حكمه الكوني وأولئك لم يرضوا بها من ~~الوجه الذي سخطها الرب وأبغضها لأجله # وسر المسألة : أن الذي إلى الرب منها غير مكروه والذي إلى العبد منها هو ~~المكروه والمسخوط فإن قلت : ليس إلى العبد شيء منها قلت : هذا هو الجبر ~~الباطل الذي لا يمكن صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق والقدري أقرب إلى ~~التخلص منه من الجبري وأهل السنة المتوسطون بين القدرية والجبرية : هم أسعد ~~بالتخلص منه من الفريقين ms0570 فإن قلت : كيف يتأتى الندم والتوبة مع شهود الحكمة ~~في التقدير ومع شهود القيومية والمشيئة النافذة # قلت : هذا الذي أوقع من عميت بصيرته في شهود الأمر على خلاف ما هو عليه ~~فرأى تلك الأفعال طاعات لموافقته فيها المشيئة والقدر وقال : إن عصيت أمره ~~فقد أطعت إرادته في ذلك وقيل : # أصبحت منفعلا لما تختاره % مني ففعلي كله طاعات وهؤلاء أعمى الخلق بصائر ~~وأجهلهم بالله وأحكامه الدينية والكونية فإن الطاعة هي موافقة الأمر لا ~~موافقة القدر والمشيئة ولو كانت موافقة القدر طاعة لله لكان إبليس من أعظم ~~المطيعين لله وكان قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون كلهم مطيعين له ~~فيكون قد عذبهم أشد العذاب على طاعته وانتقم منهم لأجلها وهذا غاية الجهل ~~بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله فإن قلت : ومع ذلك فاجمع لي بين الندم ~~والتوبة وبين مشهد القيومية والحكمة قلت : العبد إذا شهد عجز نفسه ونفوذ ~~الأقدار فيه وكمال فقره إلى ربه وعدم استغنائه عن عصمته وحفظه طرفة عين كان ~~بالله في هذه الحال لا بنفسه PageV02P203 فوقوع الذنب منه لا يتأتى في هذه ~~الحال ألبتة فإن عليه حصنا حصينا من : فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ~~فلا يتصور منه الذنب في هذه الحال فإذا حجب عن هذا المشهد وسقط إلى وجوده ~~الطبيعي وبقي بنفسه : استولى عليه حكم النفس والطبع والهوى وهذا الوجود ~~الطبيعي قد نصبت فيه الشباك والأشراك وأرسلت عليه الصيادون فلابد أن يقع في ~~شبكة من تلك الشباك وشرك من تلك الأشراك وهذا الوجود هو حجاب بينه وبين ربه ~~فعند ذلك يقع الحجاب ويقوى المقتضى ويضعف المانع وتشتد الظلمة وتضعف القوى ~~فأنى له بالخلاص من تلك الأشراك والشباك فإذا انقشع ضباب ذلك الوجود ~~الطبيعي وانجاب ظلامه وزال قتامه وصرت بربك ذاهبا عن نفسك وطبعك # بدا لك سر طال عنك اكتتامه % ولاح صباح كنت أنت ظلامه # فإن غبت عنه حل فيه وطنبت % على منكب الكشف المصون خيامه # فأنت حجاب القلب عن سر غيبه % ولولاك لم يطبع عليه ختامه ms0571 # وجاء حديث لا يمل سماعه % شهي إلينا نثره ونظامه # إذا ذكرته النفس زال عناؤها % وزال عن القلب المعنى قتامه # فهنالك يحضره الندم والتوبة والإنابة فإنه كان في المعصية بنفسه محجوبا ~~فيها عن ربه وعن طاعته فلما فارق ذلك الوجود وصار في وجود آخر : بقي بربه ~~لا بنفسه # وإذا عرف هذا فالتوبة والندم يكونان في هذا الوجود الذي هو فيه بربه وذلك ~~لا ينافي مشهد الحكمة والقيومية بل يجامعه ويستمد منه وبالله التوفيق # قوله : ويصح بثلاثة شرائط باستواء الحالات عند العبد وسقوط الخصومة مع ~~الخلق والخلاص من المسألة والإلحاح PageV02P204 # يعني : أن الرضى عن الله إنما يتحقق بهذه الأمور الثلاثة فإن الراضي ~~الموافق تستوي عنده الحالات من النعمة والبلية في رضاه بحسن اختيار الله له ~~وليس المراد استواؤها عنده في ملاءمته ومنافرته فإن هذا خلاف الطبع البشري ~~بل خلاف الطبع الحيواني # وليس المراد أيضا استواء الحالات عنده في الطاعة والمعصية فإن هذا مناف ~~للعبودية من كل وجه وإنما تستوى النعمة والبلية عنده في الرضى بهما لوجوه ~~أحدها : أنه مفوض والمفوض راض بكل ما اختاره له من فوض إليه ولا سيما إذا ~~علم كمال حكمته ورحمته ولطفه وحسن اختياره له الثاني : أنه جازم بأنه لا ~~تبديل لكلمات الله ولا راد لحكمه وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ~~فهو يعلم أن كلا من البلية والنعمة بقضاء سابق وقدر حتم الثالث : أنه عبد ~~محض والعبد المحض لا يسخط جريان أحكام سيده المشفق البار الناصح المحسن بل ~~يتلقاها كلها بالرضى به وعنه الرابع : أنه محب والمحب الصادق : من رضي بما ~~يعامله به حبيبه الخامس : أنه جاهل بعواقب الأمور وسيده أعلم بمصلحته وبما ~~ينفعه السادس : أنه لا يريد مصلحة نفسه من كل وجه ولو عرف أسبابها فهو جاهل ~~ظالم وربه تعالى يريد مصلحته ويسوق إليه أسبابها ومن أعظم أسبابها : ما ~~يكرهه العبد فإن مصلحته فيما يكره أضعاف أضعاف مصلحته فيما يحب قال الله ~~تعالى : @QB@ كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا ms0572 شيئا وهو خير ~~لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون @QE@ [ ~~البقرة : 216 ] وقال تعالى وإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله ~~فيه خيراكثيرا [ النساء : 19 ] PageV02P205 السابع : أنه مسلم والمسلم من ~~قد سلم نفسه لله ولم يعترض عليه في جريان أحكامه عليه ولم يسخط ذلك الثامن ~~: أنه عارف بربه حسن الظن به لا يتهمه فيما يجريه عليه من أقضيته وأقداره # فحسن ظنه به يوجب له استواء الحالات عنده ورضاه بما يختاره له سيده ~~سبحانه التاسع : أنه يعلم أن حظه من المقدور ما يتلقاه به من رضى وسخط فلا ~~بد له منه فإن رضي فله الرضى وإن سخط فله السخط العاشر : علمه بأنه إذا رضي ~~انقلب في حقه نعمة ومنحة وخف عليه حمله وأعين عليه وإذا سخطه تضاعف عليه ~~ثقله وكله ولم يزدد إلا شدة فلو أن السخط يجدي عليه شيئا لكان له فيه راحة ~~أنفع له من الرضى به # ونكتة المسألة : إيمانه بأن قضاء الرب تعالى خير له كما قال النبي والذي ~~نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر ~~فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن الحادي ~~عشر : أن يعلم أن تمام عبوديته في جريان ما يكرهه من الأحكام عليه ولو لم ~~يجر عليه منها إلا ما يحب لكان أبعد شيء عن عبودية ربه فلا تتم له عبوديته ~~من الصبر والتوكل والرضى والتضرع والافتقار والذل والخضوع وغيرها إلا ~~بجريان القدر له بما يكرهه وليس الشأن في الرضى بالقضاء الملائم للطبيعة ~~إنما الشأن في القضاء المؤلم المنافر للطبع الثاني عشر : أن يعلم أن رضاه ~~عن ربه سبحانه وتعالى في جميع الحالات يثمر رضى ربه عنه فإذا رضي عنه ~~بالقليل من الرزق : رضي ربه عنه بالقليل من العمل وإذا رضي عنه في جميع ~~الحالات واستوت عنده وجده أسرع شيء إلى رضاه إذا ترضاه وتملقه PageV02P206 ~~الثالث عشر : أن يعلم أن أعظم راحته ms0573 وسروره ونعيمه : فى الرضى عن ربه تعالى ~~وتقدس في جميع الحالات فإن الرضى باب الله الأعظم ومستراح العارفين وجنة ~~الدنيا فجدير بمن نصح نفسه أن تشتد رغبته فيه وأن لا يستبدل بغيره منه ~~الرابع عشر : أن السخط باب الهم والغم والحزن وشتات القلب وكسف البال وسوء ~~الحال والظن بالله خلاف ما هو أهله والرضى يخلصه من ذلك كله ويفتح له باب ~~جنة الدنيا قبل جنة الآخرة الخامس عشر : أن الرضى يوجب له الطمأنينة وبرد ~~القلب وسكونه وقراره والسخط يوجب اضطراب قلبه وريبته وانزعاجه وعدم قراره ~~السادس عشر : أن الرضى ينزل عليه السكينة التي لا أنفع له منها ومتى نزلت ~~عليه السكينة : استقام وصلحت أحواله وصلح باله والسخط يبعده منها بحسب قلته ~~وكثرته وإذا ترحلت عنه السكينة ترحل عنه السرور والأمن والدعة والراحة وطيب ~~العيش فمن أعظم نعم الله على عبده : تنزل السكينة عليه ومن أعظم أسبابها : ~~الرضى عنه في جميع الحالات السابع عشر : أن الرضى يفتح له باب السلامة ~~فيجعل قلبه سليما نقيا من الغش والدغل والغل ولا ينجو من عذاب الله إلا من ~~أتى الله بقلب سليم كذلك وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضى وكلما ~~كان العبد أشد رضى كان قلبه أسلم فالخبث والدغل والغش : قرين السخط وسلامة ~~القلب وبره ونصحه : قرين الرضى وكذلك الحسد : هو من ثمرات السخط وسلامة ~~القلب منه من ثمرات الرضى الثامن عشر : أن السخط يوجب تلون العبد وعدم ~~ثباته مع الله فإنه لا يرضى إلا بما يلائم طبعه ونفسه والمقادير تجري دائما ~~بما يلائمه وبما لا يلائمه وكلما جرى عليه منها ما لا يلائمه أسخطه فلا ~~تثبت له قدم على العبودية فإذا PageV02P207 رضي عن ربه في جميع الحالات ~~استقرت قدمه في مقام العبودية فلا يزيل التلون عن العبد شيء مثل الرضى ~~التاسع عشر : أن السخط يفتح عليه باب الشك في الله وقضائه وقدره وحكمته ~~وعلمه فقل أن يسلم الساخط من شك يداخل قلبه ويتغلغل فيه وإن كان لا يشعر به ~~فلو فتش نفسه ms0574 غاية التفتيش لوجد يقينه معلولا مدخولا فإن الرضى واليقين ~~أخوان مصطحبان والشك والسخط قرينان وهذا معنى الحديث الذي في الترمذى أو ~~غيره : إن استطعت أن تعمل بالرضى مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في ~~الصبر على ما تكره النفس خيرا كثيرا العشرون : أن الرضى بالمقدور من سعادة ~~ابن آدم وسخطه من شقاوته كما في المسند و الترمذى من حديث سعد بن أبى وقاص ~~رضي الله عنه قال : قال رسول الله : من سعادة ابن آدم : استخارة الله عز ~~وجل ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله ومن شقوة ابن آدم : سخطه بما قضى ~~الله ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارة الله فالرضا بالقضاء من أسباب السعادة ~~والتسخط على القضاء من أسباب الشقاوة الحادي والعشرون : أن الرضى يوجب له ~~أن لا يأسى على ما فاته ولا يفرح بما آتاه وذلك من أفضل الإيمان أما عدم ~~أساه على الفائت : فظاهر وأما عدم فرحه بما آتاه : فلأنه يعلم أن المصيبة ~~فيه مكتوبة من قبل حصوله فكيف يفرح بشيء يعلم أن له فيه مصيبة منتظرة ولا ~~بد الثاني والعشرون : أن من ملأ قلبه من الرضى بالقدر : ملأ الله صدره غنى ~~وأمنا وقناعة وفرغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه ومن فاته حظه من ~~الرضى : امتلأ قلبه بضد ذلك واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه فالرضى يفرغ ~~القلب لله والسخط يفرغ القلب من الله PageV02P208 الثالث والعشرون : أن ~~الرضى يثمر الشكر الذى هو من أعلى مقامات الإيمان بل هو حقيقة الإيمان ~~والسخط يثمر ضده وهو كفر النعم وربما أثمر له كفر المنعم فإذا رضي العبد عن ~~ربه في جميع الحالات : أوجب له ذلك شكره فيكون من الراضين الشاكرين وإذا ~~فاته الرضى : كان من الساخطين وسلك سبيل الكافرين الرابع والعشرون : أن ~~الرضى ينفي عنه آفات الحرص والكلب على الدنيا وذلك رأس كل خطيئة وأصل كل ~~بلية وأساس كل رزية فرضاه عن ربه في جميع الحالات : ينفي عنه مادة هذه ~~الآفات الخامس والعشرون : أن الشيطان إنما يظفر بالإنسان ms0575 غالبا عند السخط ~~والشهوة فهناك يصطاده ولا سيما إذا استحكم سخطه فإنه يقول مالا يرضى الرب ~~ويفعل مالا يرضيه وينوي مالا يرضيه ولهذا قال النبي عند موت ابنه إبراهيم : ~~يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول إلا ما يرضي الرب فإن موت البنين من ~~العوارض التي توجب للعبد السخط على القدر فأخبر النبي : أنه لا يقول في مثل ~~هذا المقام الذي يسخطه أكثر الناس فيتكلمون بما لا يرضي الله ويفعلون مالا ~~يرضيه إلا ما يرضي ربه تبارك وتعالى ولهذا لما مات ابن الفضيل بن عياض رؤي ~~في الجنازة ضاحكا فقيل له : أتضحك وقد مات ابنك فقال : إن الله قضى بقضاء ~~فأحببت أن أرضى بقضائه فأنكرت طائفة هذه المقالة على الفضيل وقالوا : رسول ~~الله بكى يوم مات ابنه وأخبر أن : القلب يحزن والعين تدمع وهو في أعلى ~~مقامات الرضى فكيف يعد هذا من مناقب الفضيل # والتحقيق : أن قلب رسول الله اتسع لتكميل جميع المراتب من الرضى عن الله ~~والبكاء رحمة للصبي فكان له مقام الرضى ومقام الرحمة PageV02P209 ورقة ~~القلب والفضيل لم يتسع قلبه لمقام الرضى ومقام الرحمة فلم يجتمع له الأمران ~~والناس في ذلك على أربع مراتب أحدها : من اجتمع له الرضى بالقضاء ورحمة ~~الطفل فدمعت عيناه رحمة والقلب راض الثاني : من غيبه الرضى عن الرحمة فلم ~~يتسع للأمرين بل غيبه أحدهما عن الآخر الثالث : من غيبته الرحمة والرقة عن ~~الرضى فلم يشهده بل فني عن الرضى الرابع : من لا رضى عنده ولا رحمة وإنما ~~يكون حزنه لفوات حظه من الميت وهذا حال أكثر الخلق فلا إحسان ولا رضى عن ~~الرحمن والله المستعان فالأول في أعلى مراتب الرضى والثاني دونه والثالث ~~دون الثاني والرابع هو الساخط السادس والعشرون : أن الرضى هو اختيار ما ~~اختاره الله لعبده والسخط كراهة ما اختاره الله له وهذا نوع محادة فلا ~~يتخلص منه إلا بالرضى عن الله فى جميع الحالات السابع والعشرون : أن الرضى ~~يخرج الهوى من القلب فالراضي هواه تبع لمراد ربه منه أعني المراد الذي ms0576 يحبه ~~ربه ويرضاه فلا يجتمع الرضى واتباع الهوى في القلب أبدا وإن كان معه شعبة ~~من هذا وشعبة من هذا فهو للغالب عليه منهما الثامن والعشرون : أن الرضى عن ~~الله في جميع الحالات يثمر للعبد رضى الله عنه كما تقدم بيانه في الرضى به ~~فإن الجزاء من جنس العمل وفي أثر إسرائيلي PageV02P210 أن موسى سأل ربه عز ~~وجل : ما يدنى من رضاه فقال : إن رضاي في رضاك بقضائي التاسع والعشرون : أن ~~الرضى بالقضاء أشق شيء على النفس بل هو ذبحها في الحقيقة فإنه مخالفة هواها ~~وطبعها وإرادتها ولا تصير مطمئنة قط حتى ترضى بالقضاء فحينئذ تستحق أن يقال ~~لها : @QB@ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في ~~عبادي وادخلي جنتي @QE@ [ الفجر : 2730 ] الثلاثون : أن الراضي متلق أوامر ~~ربه الدينية والقدرية بالانشراح والتسليم وطيب النفس والاستسلام والساخط ~~يتلقاها بضد ذلك إلا ما وافق طبعه وإرادته منها وقد بينا أن الرضى بذلك لا ~~ينفعه ولا يثاب عليه فإنه لم يرض به لكون الله قدره وقضاه وأمر به وإنما ~~رضي به لموافقته هواه وطبعه فهو إنما رضي لنفسه وعن نفسه لا بربه عن ربه ~~الحادي والثلاثون : أن المخالفات كلها أصلها من عدم الرضى والطاعات كلها ~~أصلها من الرضى وهذا إنما يعرفه حق المعرفة من عرف صفات نفسه وما يتولد ~~عنها من الطاعات والمعاصي الثاني والثلاثون : أن عدم الرضى يفتح باب البدعة ~~والرضى يغلق عنه ذلك الباب ولو تأملت بدع الروافض والنواصب والخوارج ~~لرأيتها ناشئة من عدم الرضى بالحكم الكوني أو الديني أو كليهما الثالث ~~والثلاثون : أن الرضى معقد نظام الدين ظاهره وباطنه فإن القضايا لا تخلو من ~~خمسة أنواع : فتنقسم قسمين : دينية وكونية وهي مأمورات ومنهيات ومباحات ~~ونعم ملذة وبلايا مؤلمة PageV02P211 # فإذا استعمل العبد الرضى في ذلك كله فقد أخذ بالحظ الوافر من الإسلام ~~وفاز بالقدح المعلى الرابع والثلاثون : أن الرضى يخلص العبد من مخاصمة الرب ~~تعالى في أحكامه وأقضيته فإن السخط عليه مخاصمة له فيما لم يرض به العبد ms0577 ~~وأصل مخاصمة إبليس لربه : من عدم رضاه بأقضيته وأحكامه الدينية والكونية ~~فلو رضي لم يمسخ من الحقيقة الملكية إلى الحقيقة الشيطانية الإبليسية ~~الخامس والثلاثون : أن جميع ما في الكون أوجبته مشيئة الله وحكمته وملكه ~~فهو موجب أسمائه وصفاته فمن لم يرض بما رضى به ربه لم يرض بأسمائه وصفاته ~~فلم يرض به ربا السادس والثلاثون : أن كل قدر يكرهه العبد ولا يلائمه لا ~~يخلو : إما أن يكون عقوبة على الذنب فهو دواء لمرض لولا تدارك الحكيم إياه ~~بالدواء لترامي به المرض إلى الهلاك أو يكون سببا لنعمة لا تنال إلا بذلك ~~المكروه فالمكروه ينقطع ويتلاشى وما يترتب عليه من النعمة دائم لا ينقطع ~~فإذا شهد العبد هذين الأمرين انفتح له باب الرضى عن ربه في كل ما يقضيه له ~~ويقدره السابع والثلاثون : أن حكم الرب تعالى ماض في عبده وقضاؤه عدل فيه ~~كما في الحديث : ماض في حكمك عدل في قضاؤك ومن لم يرض بالعدل فهو من أهل ~~الظلم والجور # وقوله : عدل في قضاؤك يعم قضاء الذنب وقضاء أثره وعقوبته فإن الأمرين من ~~قضائه عز وجل وهو أعدل العادلين في قضائه بالذنب وفي قضائه بعقوبته # أما عدله في العقوبة : فظاهر وأما عدله في قضائه بالذنب : فلأن الذنب ~~PageV02P212 عقوبة على غفلته عن ربه وإعراض قلبه عنه فإنه إذا غفل قلبه عن ~~ربه ووليه ونقص إخلاصه : استحق أن يضرب بهذه العقوبة لأن قلوب الغافلين ~~معدن الذنوب والعقوبات واردة عليها من كل جهة وإلا فمع كمال الإخلاص والذكر ~~والإقبال على الله سبحانه وتعالى وذكره يستحيل صدور الذنب كما قال تعالى ~~@QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين @QE@ [ يوسف : ~~24 ] # فإن قلت : قضاؤه على عبده بإعراضه عنه ونسيانه إياه وعدم إخلاصه : عقوبة ~~على ماذا # قلت : هذا طبع النفس وشأنها فهو سبحانه إذا لم يرد الخير بعبده خلي بينه ~~وبين نفسه وطبعه وهواه وذلك يقتضي أثرها من الغفلة والنسيان وعدم الإخلاص ~~واتباع الهوى وهذه الأسباب تقتضي آثارها من الآلام وفوات الخيرات واللذات ~~كاقتضاء ms0578 سائر الأسباب لمسبباتها وآثارها PageV02P213 فإن قلت : فهلا خلقه ~~على غير تلك الصفة قلت : هذا سؤال فاسد ومضمونه : هلا خلقه ملكا لا إنسانا ~~فإن قلت : فهلا أعطاه التوفيق الذي يتخلص به من شر نفسه وظلمة طبعه قلت : ~~مضمون هذا السؤال : هلا سوى بين جميع خلقه ولم خلق المتضادات والمختلفات ~~وهذا من أفسد الأسئلة وقد تقدم بيان اقتضاء حكمته وربوبيته وملكه لخلق ذلك ~~الثامن والثلاثون : أن عدم الرضى إما أن يكون لفوات ما أخطأه مما يحبه ~~ويريده وإما لإصابة ما يكرهه ويسخطه فإذا تيقن أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ~~وما أصابه لم يكن ليخطئه : فلا فائدة في سخطه بعد ذلك إلا فوات ما ينفعه ~~وحصول ما يضره التاسع والثلاثون : أن الرضى من أعمال القلوب نظير الجهاد من ~~أعمال الجوارح : فإن كل واحد منهما ذروة سنام الإيمان قال أبو الدرداء : ~~ذروة سنام الإيمان : الصبر للحكم والرضى بالقدر الأربعون : أن أول معصية ~~عصي الله بها في هذا العالم : إنما نشأت من عدم الرضى فإبليس لم يرض بحكم ~~الله الذي حكم به كونا من تفضيل آدم وتكريمه ولا بحكمه الديني من أمره ~~بالسجود لآدم وآدم لم يرض بما أبيح له من الجنة حتى ضم إليه الأكل من شجرة ~~الحمى ثم ترتبت معاصي الذرية على عدم الصبر وعدم الرضى PageV02P214 الحادي ~~والأربعون : أن الراضي واقف مع اختيار الله له معرض عن اختياره لنفسه وهذا ~~من قوة معرفته بربه تعالى ومعرفته بنفسه # وقد اجتمع وهيب بن الورد وسفيان الثوري ويوسف بن أسباط فقال الثوري : قد ~~كنت أكره موت الفجاءة قبل اليوم وأما اليوم : فوددت أني ميت # فقال له يوسف بن أسباط : ولم فقال : لما أتخوف من الفتنة فقال يوسف : ~~لكني لا أكره طول البقاء فقال الثوري : ولم تكره الموت قال : لعلي أصادف ~~يوما أتوب فيه وأعمل صالحا فقيل لوهيب : أي شيء تقول أنت فقال : أنا لا ~~أختار شيئا أحب ذلك إلي أحبه إلى الله فقبل الثوري بين عينيه وقال : ~~روحانية ورب الكعبة # فهذا حال عبد قد استوت ms0579 عنده حالة الحياة والموت وقف مع اختيار الله له ~~منهما وقد كان وهيب رحمه الله له المقام العالى من الرضى وغيره الثاني ~~والأربعون : أن يعلم أن منع الله سبحانه وتعالى لعبده المؤمن المحب عطاء ~~وابتلاءه إياه عافية قال سفيان الثورى : منعه عطاء وذلك : أنه لم يمنع عن ~~بخل ولا عدم وإنما نظر فى خير عبده المؤمن فمنعه اختيارا وحسن نظر # وهذا كما قال فإنه سبحانه لا يقضي لعبده المؤمن قضاء إلا كان خيرا له ~~ساءه ذلك القضاء أو سره فقضاؤه لعبده المؤمن المنع عطاء وإن كان في صورة ~~المنع ونعمة وإن كانت في صورة محنة وبلاؤه وعافية وإن كان في صورة بلية ~~ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذ به في ~~العاجل وكان ملائما لطبعه ولو رزق من المعرفة حظا وافرا لعد المنع نعمة ~~والبلاء رحمة وتلذذ بالبلاء أكثر من لذته بالعافية وتلذذ بالفقر أكثر من ~~لذته PageV02P215 بالغنى وكان في حال القلة أعظم شكرا من حال الكثرة وهذه ~~كانت حال السلف فالعاقل الراضي : من يعد البلاء عافية والمنع نعمة والفقر ~~غنى # وأوحى الله إلى بعض أنبيائه : إذا رأيت الفقر مقبلا فقل : مرحبا بشعار ~~الصالحين وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل : ذنب عجلت عقوبته فالراضي : هو الذي ~~يعد نعم الله عليه فيما يكرهه أكثر وأعظم من نعمه عليه فيما يحبه كما قال ~~بعض العارفين : يا ابن آدم نعمة الله عليك فيما تكره أعظم من نعمته عليك ~~فيما تحب وقد قال تعالى : وعسى أن تكرهوا شيئاوهو خير لكم [ البقرة : 216 ] ~~وقد قال بعض العارفين : ارض عن الله في جميع ما يفعله بك فإنه ما منعك إلا ~~ليعطيك ولا ابتلاك إلا ليعافيك ولا أمرضك إلا نيشفيك ولا أماتك إلا ليحييك ~~فإياك أن تفارق الرضى عنه طرفة عين فتسقط من عينه الثالث والأربعون : أن ~~يعلم أنه سبحانه هو الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء والمظهر لكل شيء ~~والمالك لكل شيء وهو الذي يخلق ما يشاء ويختار وليس للعبد ms0580 أن يختار عليه ~~وليس لأحد معه اختيار ولا يشرك في حكمه أحدا والعبد لم يكن شيئا مذكورا فهو ~~سبحانه الذي اختار وجوده واختار أن يكون كما قدره له وقضاه : من عافية ~~وبلاء وغنى وفقر وعز وذل ونباهة وخمول فكما تفرد سبحانه بالخلق تفرد ~~بالاختيار والتدبير وليس للعبد شيء من ذلك فإن الأمر كله لله وقد قال تعالى ~~لنبيه : PageV02P216 @QB@ ليس لك من الأمر شيء @QE@ فإذا تيقن العبد أن ~~الأمر كله لله وليس له من الأمر قليل ولا كثير لم يكن له معول بعد ذلك غير ~~الرضى بمواقع الأقدار وما يجري به من ربه الاختيار الرابع والأربعون : أن ~~رضى الله عن العبد أكبر من الجنة وما فيها لأن الرضى صفة الله والجنة خلقه ~~قال الله تعالى : @QB@ ورضوان من الله أكبر @QE@ [ التوبة : 72 ] بعد قوله ~~: @QB@ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ~~@QE@ [ التوبة : 72 ] وهذا الرضى جزاء على رضاهم عنه في الدنيا ولما كان ~~هذا الجزاء أفضل الجزاء كان سببه أفضل الأعمال الخامس والأربعون : أن العبد ~~إذا رضي به وعنه في جميع الحالات : لم يتخير عليه المسائل وأغناه رضاه بما ~~يقسمه له ويقدره ويفعله به عن ذلك وجعل ذكره في محل سؤاله بل يكون من سؤاله ~~له الإعانة على ذكره وبلوغ رضاه فهذا يعطي أفضل ما يعطاه سائل كما جاء في ~~الحديث من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين فإن السائلين ~~سألوه فأعطاهم الفضل الذي سألوه والراضون رضوا عنه فأعطاهم رضاه عنهم ولا ~~يمنع الرضى سؤاله أسباب الرضى بل أصحابه ملحون في سؤاله ذلك السادس ~~والأربعون : أن النبي كان يندب إلى أعلى المقامات فإن عجز العبد عنه : حطه ~~إلى المقام الوسط كما قال : اعبد الله كأنك تراه فهذا مقام المراقبة الجامع ~~لمقامات الإسلام والإيمان والإحسان ثم قال فإن لم تكن تراه فإنه يراك فحطه ~~عند العجز عن المقام عن المقام الأول إلى المقام ms0581 الثاني وهوالعلم باطلاع ~~الله عليه ورؤيته له ومشاهدته لعبده في الملأوالخلاء وكذا الحديث الآخر : ~~إن استطعت أن تعمل لله بالرضى مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر ~~على ما تكره خيرا كثيرا فرفعه إلى أعلى المقامات ثم PageV02P217 رده إلى ~~أوسطها إن لم يستطع الأعلى فالأول : مقام الإحسان والذي حطه إليه : مقام ~~الإيمان وليس دون ذلك إلا مقام الخسران السابع والأربعون : أنه أثنى على ~~الراضين بمر القضاء بالحكم والعلم والفقه والقرب من درجة النبوة كما في ~~حديث الوفد الذين قدموا على رسول الله فقال : ما أنتم فقالوا : مؤمنون فقال ~~: ما علامة إيمانكم فقالوا : الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضى ~~بمر القضاء والصدق في مواطن اللقاء وترك الشماتة بالأعداء فقال : حكماء ~~علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء الثامن والأربعون : أن الرضى آخذ ~~بزمام مقامات الدين كلها وهو روحها وحياتها فإنه روح التوكل وحقيقته وروح ~~اليقين وروح المحبة وصحة المحب ودليل صدق المحبة وروح الشكر ودليله قال ~~الربيع بن أنس : علامة حب الله : كثرة ذكره فإنك لا تحب شيئا إلا أكثرت من ~~ذكره وعلامة الدين : الإخلاص لله في السر والعلانية وعلامة الشكر الرضى ~~بقدر الله والتسليم لقضائه وقال أحمد بن أبي الحواري : ذاكرت أبا سليمان في ~~الخبر المروي أول من يدعى إلى الجنة الحمادون فقال : ويحك ليس هو أن تحمده ~~على المصيبة وقلبك يتعصى عليك إذا كنت كذلك فارجع إلى الصابرين إنما الحمد ~~: أن تحمده وقلبك مسلم راض # فصار الرضى كالروح لهذه المقامات والأساس الذي تنبني عليه ولا يصح شيء ~~منها بدونه ألبتة والله أعلم التاسع والأربعون : أن الرضى يقوم مقام كثير ~~من التعبدات التي تشق على البدن فيكون رضاه أسهل عليه وألذ له وأرفع في ~~درجته وقد ذكر في أثر إسرائيلي : إن عابدا عبد الله دهرا طويلا فأري في ~~المنام : أن فلانة الراعية PageV02P218 رفيقتك في الجنة فسأل عنها إلى أن ~~وجدها فاستضافها ثلاثا لينظر إلى عملها فكان يبيت قائما وتبيت نائمة ويظل ~~صائما وتظل مفطرة فقال لها : أما ms0582 لك عمل غير ما رأيت قالت : ما هو والله ~~غير ما رأيت أو قالت : إلا ما رأيت لا أعرف غيره فلم يزل يقول لها : تذكري ~~حتى قالت : خصيلة واحدة هي في وذلك : أني إن كنت في شدة لم أتمن أني في ~~رخاء وإن كنت في مرض لم أتمن أنى في صحة وإن كنت في الشمس لم أتمن أنى فى ~~الظل قال : فوضع العابد يده على رأسه وقال : أهذه خصيلة هذه والله خصلة ~~عظيمة يعجز عنها العباد # وقد روى ابن مسعود رضي الله عنه : من رضي بما أنزل من السماء إلى الأرض ~~غفر له وفي أثر مرفوع : من خير ما أعطي العبد : الرضى بما قسم الله له وفي ~~أثر آخر : إذا أحب الله عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن رضي اصطفاه وفي أثر ~~: إن بني إسرائيل : سألوا موسى أن يسأل ربه أمرا إذا هم فعلوه رضي عنهم ~~فقال موسى : رب إنك تسمع ما يقولون فقال : قل لهم يرضون عني حتى أرضى عنهم # وفي أثر آخر عن النبي أحب أن يعلم ماله عند الله فلينظر مالله عنده فإن ~~الله ينزل العبد منه حيث ينزله العبد من نفسه # وفي أثر آخر : من رضي من الله بالقليل من الرزق رضي الله منه بالقليل من ~~العمل وقال بعض العارفين : أعرف في الموتى عالما ينظرون إلى منازلهم في ~~الجنان في قبورهم يغدي عليهم ويراح برزقهم من الجنة بكرة وعشيا وهم في غموم ~~وكروب في البرزخ لو قسمت على أهل بلد لماتوا أجمعين PageV02P219 # قيل : وما كانت أعمالهم قال : كانوا مسلمين مؤمنين إلا أنهم لم يكن لهم ~~من التوكل ولا من الرضى نصيب وفي وصية لقمان لابنه : أوصيك بخصال تقربك من ~~الله وتباعدك من سخطه : أن تعبد الله لا تشرك به شيئا وأن ترضى بقدر الله ~~فيما أحببت وكرهت وقال بعض العارفين : من يتوكل على الله ويرض بقدر الله ~~فقد أقام الإيمان وفرغ يديه ورجليه لكسب الخير وأقام الأخلاق الصالحة التي ~~تصلح للعبد أمره الخمسون : أن الرضى يفتح ms0583 باب حسن الخلق مع الله تعالى ومع ~~الناس فإن حسن الخلق من الرضى وسوء الخلق من السخط وحسن الخلق يبلغ بصاحبه ~~درجة الصائم القائم وسوء الخلق يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب الحادي ~~والخمسون : أن الرضى يثمر سرور القلب بالمقدور في جميع الأمور وطيب النفس ~~وسكونها في كل حال وطمأنينة القلب عند كل مفزع مهلع من أمور الدنيا وبرد ~~القناعة واغتباط العبد بقسمه من ربه وفرحه بقيام مولاه عليه واستسلامه ~~لمولاه في كل شيء ورضاه منه بما يجريه عليه وتسليمه له الأحكام والقضايا ~~واعتقاد حسن تدبيره وكمال حكمته ويذهب عنه شكوى ربه إلى غيره وتبرمه ~~بأقضيته ولهذا سمى بعض العارفين الرضى : حسن الخلق مع الله فإنه يوجب ترك ~~الاعتراض عليه في ملكه وحذف فضول الكلام التي تقدح في حسن خلقه فلا يقول : ~~ما أحوج الناس إلى مطر ولا يقول : هذا يوم شديد الحر أو شديد البرد ولا ~~يقول : الفقر بلاء والعيال هم وغم ولا يسمى شيئا قضاه الله وقدره باسم ~~مذموم إذا لم يذمه الله سبحانه وتعالى فإن هذا كله ينافى رضاه وقال عمر بن ~~عبدالعزيز رحمه الله : أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع القدر وقال ابن مسعود ~~رضي الله عنه : الفقر والغنى مطيتان ما أبالي أيهما ركبت إن كان الفقر فإن ~~فيه الصبر وإن كان الغنى فإن فيه البذل PageV02P220 وقال ابن أبي الحواري ~~أو قيل له إن فلانا قال : وددت أن الليل أطول مما هو فقال : قد أحسن وقد ~~أساء أحسن حيث تمنى طوله للعبادة والمناجاة وأساء حيث تمنى ما لم يرده الله ~~أحب ما لم يحبه الله # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما أبالي على أي حال أصبحت وأمسيت : ~~من شدة أو رخاء # وقال يوما لامرأته عاتكة أخت سعيد بن زيد وقد غضب عليها : والله لأسوأنك ~~فقالت : أتستطيع أن تصرفني عن الإسلام بعد إذ هداني الله له قال : لا فقالت ~~: فأي شيء تسوءني به إذا # تريد أنها راضية بمواقع القدر لا يسوءها منه شيء إلا صرفها ms0584 عن الإسلام ~~ولا سبيل له إليه وقال الثوري يوما عند رابعة : اللهم ارض عنا فقالت : أما ~~تستحي أن تسأله الرضى عنك وأنت غير راض عنه فقال : أستغفر الله ثم قال لها ~~جعفر بن سليمان : متى يكون العبد راضيا عن الله فقالت : إذا كان سروره ~~بالمصيبة مثل سروره بالنعمة # وفي أثر إلهي : ما لأوليائي والهم بالدنيا إن الهم بالدنيا يذهب حلاوة ~~مناجاتي من قلوبهم # وقيل : أكثر الناس هما بالدنيا أكثرهم هما في الآخرة وأقلهم هما بالدنيا ~~أقلهم هما في الآخرة فالإيمان بالقدر والرضى به : يذهب عن العبد الهم والغم ~~والحزن وذكر عند رابعة ولي لله قوته من المزابل فقال رجل عندها : ما ضر هذا ~~أن يسأل الله أن يجعل رزقه في غير هذا فقالت : اسكت يا بطال أما علمت أن ~~أولياء الله هم أرضى عنه من أن يسألوه أن ينقلهم إلى معيشة حتى يكون هو ~~PageV02P221 الذي يختار لهم # وفي أثر إسرائيلي : أن موسى : سأل ربه عما فيه رضاه فأوحى الله إليه : إن ~~رضاه في كرهك وأنت لا تصبر على ما تكره فقال : يا رب دلنى عليه فقال : إن ~~رضاه في رضاك بقضائي # وفي أثر آخر : أن موسى عليه السلام قال : يا رب أي خلقك أحب إليك فقال : ~~من إذا أخذت منه محبوبه سالمني قال : فأي خلقك أنت عليه ساخط قال : من ~~استخارني في أمر فإذا قضيته له سخط قضائي # وفي أثر آخر : أنا الله لا إله إلا أنا قدرت التقادير ودبرت التدابير ~~وأحكمت الصنع فمن رضي فله الرضى مني حتى يلقانى ومن سخط فله السخط حتى ~~يلقاني الثاني والخمسون : أن أفضل الأحوال : الرغبة في الله ولوازمها وذلك ~~لا يتم إلا باليقين والرضى عن الله ولهذا قال سهل : حظ الخلق من اليقين على ~~قدر حظهم من الرضى وحظهم من الرضى على قدر رغبتهم فى الله الثالث والخمسون ~~: أن الرضى يخلصه من عيب ما لم يعبه الله ومن ذم ما لم يذمه الله فإن العبد ~~إذا لم يرض بالشيء عابه بأنواع المعايب وذمه ms0585 بأنواع المذام وذلك منه قلة ~~حياء من الله وذم لما ليس له ذنب وعيب لخلقه وذلك يسقط العبد من عين ربه ~~ولو أن رجلا صنع لك طعاما وقدمه إليك فعبته وذممته PageV02P222 لكنت متعرضا ~~لمقته وإهانته ومستدعيا منه : أن يقطع ذلك عنك وقد قال بعض العارفين : إن ~~ذم المصنوع وعيبه إذا لم يذمه صانعه غيبة له وقدح فيه الرابع والخمسون : أن ~~النبي سأل الله الرضى بالقضاء كما في المسند والسنن : اللهم بعلمك الغيب ~~وقدرتك على الخلق أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة ~~خيرا لي وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى ~~وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا ~~تنقطع وأسألك الرضى بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة ~~النظر إلى وجهك الكريم وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة ~~مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين # فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : سأله الرضى بعد القضاء ~~لأنه حينئذ تبين حقيقة الرضى وأما الرضى قبله : فإنما هو عزم على أنه يرضى ~~إذا أصابه وإنما يتحقق الرضى بعده قال البيهقي وروينا في دعاء النبي : ~~اللهم إني أسألك الصحة والعفة والأمانة وحسن الخلق والرضى بالقدر الخامس ~~والخمسون : أن الرضى بالقدر يخلص العبد من أن يرضي الناس بسخط الله وأن ~~يذمهم على ما لم يؤته الله وأن يحمدهم على ما هو عين فضل الله فيكون ظالما ~~لهم في الأول وهو رضاهم وذمهم مشركا بهم فى الثانى وهو حمدهم فإذا رضي ~~بالقضاء تخلص من ذمهم وحمدهم فخلصه الرضى من ذلك كله # وقد روى عمرو بن قيس الملائي عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من ضعف اليقين : أن ترضي ~~الناس بسخط الله وأن تحمدهم رزقالله وأن تذمهم على ما لم PageV02P223 يؤتك ~~الله إن رزق الله لا يجره حرص حريص ولا يرده ms0586 كره كاره وإن الله بحكمته جعل ~~الروح والفرح في الرضى واليقين وجعل الهم والحزن في الشك والسخط وقد رواه ~~الثوري عن منصور عن خيثمة عن ابن مسعود عن النبي السادس والخمسون : أن ~~الرضى يفرغ قلب العبد ويقلل همه وغمه فيتفرغ لعبادة ربه بقلب خفيف من أثقال ~~الدنيا وهمومها وغمومها كما ذكر ابن أبي الدنيا عن بشر بن بشار المجاشعي ~~وكان من العلماء قال : قلت لعابد : أوصنى قال : ألق نفسك مع القدر حيث ~~ألقاك فهو أحرى أن يفرغ قلبك ويقلل همك وإياك أن تسخط ذلك فيحل بك السخط ~~وأنت عنه في غفلة لا تشعر به فيلقيك مع الذين سخط الله عليهم # وقال بعض السلف : ذروا التدبير والاختيار تكونوا في طيب من العيش فإن ~~التدبير والاختيار يكدر على الناس عيشهم وقال أبو العباس بن عطاء : الفرح ~~في تدبير الله لنا والشقاء كله في تدبيرنا وقال سفيان بن عيينة : من لم ~~يصلح على تقدير الله لم يصلح على تقديره نفسه وقال أبو العباس الطوسي : من ~~ترك التدبير عاش في راحة وقال بعضهم : لا تجد السلامة حتى تكون في التدبير ~~كأهل القبور وقال : الرضاء ترك الخلاف على الرب فيما يجريه على العبد ~~PageV02P224 وقال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله لقد تركتني هؤلاء الدعوات وما ~~لي في شيء من الأمور كلها أرب إلا في مواقع قدر الله وكان كثيرا ما يدعو : ~~اللهم رضني بقضائك وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته ولا تأخير ~~شيء عجلته وقال : ما أصبح لي هوى في شيء سوى ما قضى الله عز وجل وقال شعبة ~~: قال يونس بن عبيد : ما تمنيت شيئا قط وقال الفضيل بن عياض : الراضي لا ~~يتمنى فوق منزلته وقال ذو النون : ثلاثة من أعلام التسليم : مقابلة القضاء ~~بالرضى والصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء وثلاثة من أعلام التفويض : ~~تعطيل إرادتك لمراده والنظر إلى ما يقع من تدبيره لك وترك الاعتراض على ~~الحكم وثلاثة من أعلام التوحيد : رؤية كل شيء من الله وقبول كل شيء ms0587 عنه ~~وإضافة كل شيء إليه وقال بعض العارفين : أصل العبادة ثلاثة : لا ترد من ~~أحكامه شيئا ولا تسأل غيره حاجة ولا تدخر عنه شيئا # وسئل ابن شمعون عن الرضى فقال : أن ترضى به مدبرا ومختارا وترضى عنه ~~قاسما ومعطيا ومانعا وترضاه إلها ومعبودا وربا وقال بعض العارفين : الرضى ~~ترك الاختيار وسرور القلب بمر القضاء وإسقاط التدبير من النفس حتى يحكم ~~الله لها أو عليها # وقيل : الراضي من لم يندم على فائت من الدنيا ولم يتأسف عليها ولله در ~~القائل : # العبد ذو ضجر والرب ذو قدر % والدهر ذو دول والرزق مقسوم PageV02P225 # والخير أجمع فيما اختار خالقنا % وفي اختيار سواه اللوم والشوم السابع ~~والخمسون : أنه إذا لم يرض بالقدر وقع في لوم المقادير إما بقالبه وإما ~~بقلبه وحاله ولوم المقادير لوم لمقدرها وكذلك يقع في لوم الخلق والله ~~والناس يلومونه فلا يزال لائما ملوما وهذا مناف للعبودية # قال أنس رضي الله عنه : خدمت رسول الله عشر سنين فما قال لي لشيء فعلته : ~~لم فعلته ولا لشيء لم أفعله : ألا فعلته ولا قال لي لشيء كان : ليته لم يكن ~~ولا لشيء لم يكن : ليته كان وكان بعض أهله إذا لامني يقول : دعوه فلو قضي ~~شيء لكان وقوله : لو قضى شيء لكان يتناول أمرين أحدهما : مالم يوجد من مراد ~~العبد والثاني : ما وجد مما يكرهه وهو يتناول فوات المحبوب وحصول المكروه ~~فلو قضي الأول لكان ولو قضي خلاف الآخر لكان فإذا استوت الحالتان بالنسبة ~~إلى القضاء فعبودية العبد : أن يستوي عنده الحالتان بالنسبة إلى رضاه وهذا ~~موجب العبودية ومقتضاها يوضحه : الثامن والخمسون : أنه إذا استوى الأمران ~~بالنسبة إلى رضى الرب تعالى فهذا رضيه لعبده فقدره وهذا لم يرضه له فلم ~~يقدره فكمال الموافقة : أن يستويا بالنسبة إلى العبد فيرضى ما رضيه له ربه ~~في الحالين التاسع والخمسون : أن الله تعالى نهى عن التقدم بين يديه ويدى ~~رسوله في حكمه الديني الشرعي وذلك عبودية هذا الأمر فعبودية أمره الكوني ~~القدري : أن لا يتقدم بين يديه ms0588 إلا حيث كانت المصلحة الراجحة في ذلك فيكون ~~التقدم أيضا بأمره الكوني والديني فإذا كان فرضه الصبر أو ندبه أو فرضه ~~الرضى حتى ترك ذلك : فقد تقدم بين يدي شرعه وقدره الستون : أن المحبة ~~والإخلاص والإنابة : لا تقوم إلا على ساق الرضى PageV02P226 فالمحب راض عن ~~حبيبه في كل حالة وقد كان عمران بن حصين رضى الله عنه استسقى بطنه فبقي ~~ملقى على ظهره مدة طويلة لا يقوم ولا يقعد وقد نقب له في سريره موضع لحاجته ~~فدخل عليه مطرف بن عبدالله الشخير فجعل يبكي لما رأى من حاله فقال له عمران ~~: لم تبكي فقال : لأني أراك على هذه الحال الفظيعة فقال : لاتبك فإن أحبه ~~إلي أحبه إليه وقال : أخبرك بشيء لعل الله أن ينفعك به واكتم علي حتى أموت ~~إن الملائكة تزورني فآنس بها وتسلم علي فأسمع تسليمها # ولما قدم سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه إلى مكة وقد كف بصره جعل الناس ~~يهرعون إليه ليدعو لهم فجعل يدعو لهم قال عبدالله بن السائب : فأتيته وأنا ~~غلام فتعرفت إليه فعرفني فقلت : ياعم أنت تدعو للناس فيشفون فلو دعوت لنفسك ~~لرد الله عليك بصرك فتبسم ثم قال : يا بني قضاء الله أحب إلى من بصري # وقال بعض العارفين : ذنب أذنبته أنا أبكى عليه ثلاثين سنة قيل : وما هو ~~قال : قلت لشىء قضاه الله : ليته لم يقضه أو ليته لم يكن وقال بعض السلف : ~~لو قرض لحمى بالمقاريض كان أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله : ليته لم ~~يقضه وقيل لعبد الواحد بن زيد : ههنا رجل قد تعبد خمسين سنة فقصده فقال له ~~: حبيبي أخبرني عنك هل قنعت به قال : لا قال : فهل أنست به قال : لا قال : ~~فهل رضيت عنه قال : لا قال : فإنما مزيدك منه الصوم والصلاة قال : نعم قال ~~: لولا أني أستحي منك لأخبرتك : أن معاملتك خمسين سنة مدخولة # يعنى أنه لم يقربه فيجعله في مقام المقربين فيوجده مواجيد العارفين بحيث ~~يكون مزيده لديه : أعمال القلوب التي ms0589 يستعمل بها كل محبوب مطلوب ~~PageV02P227 لأن القناعة : حال الموفق والأنس به : مقام المحب والرضى : وصف ~~المتوكل يعني أنت عنده في طبقات أصحاب اليمين فمزيدك عنده مزيد العموم من ~~أعمال الجوارح وقوله : إن معاملته مدخولة يحتمل وجهين : أحدهما : أنها ~~ناقصة عن معاملة المقربين التى أوجبت لهم هذه الأحوال الثاني : أنها لو ~~كانت صحيحة سالمة لا علة فيها ولا غش : لأثمرت له الأنس والرضى والمحبة ~~والأحوال العلية فإن الرب تعالى شكور إذا وصل إليه عمل عبده جمل به ظاهره ~~وباطنه وأثابه عليه من حقائق المعرفة والإيمان بحسب عمله فحيث لم يجد له ~~أثرا في قلبه من الأنس والرضى والمحبة : استدل على أنه مدخول غير سالم من ~~الآفات الحادي والستون : أن أعمال الجوارح تضاعف إلى حد معلوم محسوب وأما ~~أعمال القلوب : فلا ينتهي تضعيفها وذلك لأن أعمال الجوارح : لها حد تنتهي ~~إليه وتقف عنده فيكون جزاؤها بحسب حدها وأما أعمال القلوب : فهي دائمة ~~متصلة وإن توارى شهود العبد لها # مثاله : أن المحبة والرضى حال المحب الراضي لا تفارقه أصلا وإن توارى ~~حكمها فصاحبها في مزيد متصل فمزيد المحب الراضي : متصل بدوام هذه الحال له ~~فهو في مزيد ولو فترت جوارحه بل قد يكون مزيده في حال سكونه وفتوره أكثر من ~~مزيد كثير من أهل النوافل بما لا نسبة بينهما ويبلغ ذلك بصاحبه إلى أن يكون ~~مزيده في حال نومه أكثر من مزيد كثير من أهل القيام وأكله أكثر من مزيد ~~كثير من أهل الصيام والجوع # فإن أنكرت هذا فتأمل مزيد نائم بالله وقيام غافل عن الله فالله سبحانه ~~إنما ينظر إلى القلوب والهمم والعزائم لا إلى صور الأعمال وقيمة العبد : ~~همته وإرادته فمن لا يرضيه غير الله ولو أعطي الدنيا بحذافيرها له شأن ومن ~~PageV02P228 يرضيه أدنى حظ من حظوظها له شأن وإن كانت أعمالهما في الصورة ~~واحدة وقد تكون أعمال الملتفت إلى الحظوظ أكثر وأشق وذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم وقد اختلف أرباب هذا الشأن في مسألة وهي ms0590 : هل ~~للرضى حد ينتهي إليه # فقال أبو سليمان الداراني : ثلاث مقامات لا حد لها : الزهد والورع والرضى ~~وخالفه سليمان ابنه وكان عارفاحتى إن من الناس من كان يقدمه على أبيه فقال ~~: بل من تورع في كل شيء : فقد بلغ حد الورع ومن زهد في غير الله : فقد بلغ ~~حد الزهد ومن رضي عن الله في كل شيء : فقد بلغ حد الرضى # وقد اختلفوا في مسألة تتعلق بذلك وهي : أهل مقامات ثلاثة أحدهم : يحب ~~الموت شوقا إلى الله ولقائه والثاني : يحب البقاء للخدمة والتقرب وقال ~~الثالث : لا أختار بل أرضى بما يختار لي مولاي إن شاء أحياني وإن شاء ~~أماتني فتحاكموا إلى بعض العارفين فقال : صاحب الرضى أفضلهم لأنه أقلهم ~~فضولا وأقربهم إلى السلامة ولا ريب أن مقام الرضى فوق مقام الشوق والزهد في ~~الدنيا بقي النظر في مقامي الآخرين : أيهما أعلى # فرجحت طائفة مقام من أحب الموت لأنه فى مقام الشوق إلى لقاء الله ومحبة ~~لقائه ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ورجحت طائفة مقام مريد البقاء ~~لتنفيذ أوامر الرب تعالى واحتجوا بأن الأول محب لحظه من الله وهذا محب ~~لمراد الله منه لم يشبع منه ولم يقض منه وطرا # قالوا : وهذا حال موسى صلوات الله وسلامه عليه حين لطم وجه ملك الموت ~~PageV02P229 ففقأ عينه لا محبة للدنيا ولكن لينفذ أوامر ربه ومراضيه في ~~الناس فكأنه قال : أنت عبده وأنا عبده وأنت في طاعته وأنا في طاعته وتنفيذ ~~أوامره # وحينئذ فنقول في الوجه الثاني والستين : إن حال الراضي المسلم ينتظم ~~حاليهما جميعا مع زيادة التسليم وترك الاختيار فإنه قد غاب بمراد ربه منه ~~من إحيائه وإماتته عن مراده هو من هذين الأمرين وكل محب فهو مشتاق إلى لقاء ~~حبيبه مؤثر لمراضيه فقد أخذ بزمام كل من المقامين واتصف بالحالين وقال : ~~أحب ذلك إلي أحبه إليه لا أتمنى غير رضاه ولا أتخير عليه إلا ما يحبه ~~ويرضاه وهذا القدر كاف في هذا الموضع وبالله التوفيق فلنرجع إلى شرح كلامه ~~قال ms0591 : الثاني : سقوط الخصومة عن الخلق يعني أن الرضى إنما يصح بسقوط ~~الخصومة مع الخلق فإن الخصومة تنافي حال الرضى وتنافي نسبة الأشياء كلها ~~إلى من بيده أزمة القضاء والقدر ففي الخصومة آفات أحدها : المنازعة التي ~~تضاد الرضى الثاني : نقص التوحيد بنسبة ما يخاصم فيه إلى عبد دون الخالق ~~لكل شيء الثالث : نسيان الموجب والسبب الذى جر إلى الخصومة فلو رجع العبد ~~إلى السبب والموجب لكان اشتغاله بدفعه أجدى عليه وأنفع له من خصومة من جرى ~~على يديه فإنه وإن كان ظالما فهو الذي سلطه على نفسه بظلمه قال الله تعالى ~~: أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم : أنى هذا قل : هو من عند ~~أنفسكم [ آل عمران : 165 ] فأخبر أن أذى عدوهم لهم وغلبتهم لهم : إنما هو ~~بسبب ظلمهم وقال الله تعالى @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفو عن كثير @QE@ [ الشورى : 30 ] PageV02P230 # فإذا اجتمعت بصيرة العبد على مشاهد القدر والتوحيد والحكمة والعدل : انسد ~~عنه باب خصومة الخلق إلا فيما كان حقا لله ورسوله فالراضي لا يخاصم ولا ~~يعاتب إلا فيما يتعلق بحق الله وهذه كانت حال رسول الله فإنه لم يكن يخاصم ~~أحدا ولا يعاتبه إلا فيما يتعلق بحق الله كما أنه كان لا يغضب لنفسه فإذا ~~انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله فالمخاصمة لحظ النفس ~~تطفىء نور الرضى وتذهب بهجته وتبدل بالمرارة حلاوته وتكدر صفوه قال : الشرط ~~الثالث : الخلاص من المسألة للخلق والإلحاح # وذلك : لأن المسألة : فيها ضرب من الخصومة والمنازعة والمحاربة والرجوع ~~عن مالك الضر والنفع إلى من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا بربه وفيها ~~الغيبة عن المعطي المانع # والإلحاح ينافي حال الرضى ووصفه وقد أثنى الله سبحانه على الذين لا ~~يسألون الناس إلحافا فقال تعالى @QB@ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ~~تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا @QE@ [ البقرة : 273 ] # فقالت طائفة : يسألون الناس ما تدعو حاجتهم إلى سؤاله ولكن لا يلحفون ~~فنفى الله عنهم سؤال الإلحاف لا مطلق السؤال # قال ms0592 ابن عباس : إذا كان عنده غداء لم يسأل عشاء وإذا كان عنده عشاء لم ~~يسأل غداء وقالت طائفة منهم الزجاج والفراء وغيرهما : بل الآية اقتضت ترك ~~السؤال مطلقا لأنهم وصفوا بالتعفف والمعرفة بسيماهم دون الإفصاح بالمسألة ~~لأنهم لو أفصحوا بالسؤال لم يحسبهم الجاهل أغنياء # ثم اختلفوا في وجه قوله تعالى : @QB@ لا يسألون الناس إلحافا @QE@ [ ~~البقرة : 273 ] PageV02P231 # فقال الزجاح : المعنى لا يكون منهم سؤال فيقع إلحاف كما قال تعالى : @QB@ ~~فما تنفعهم شفاعة الشافعين @QE@ أي لا تكون شفاعة فتنفع وكما فى قوله : لا ~~يقبل منها عدل [ البقرة : 123 ] أي لا يكون عدل فيقبل ونظائره قال امروء ~~القيس : # على لاحب لا يهتدى لمناره أي ليس له منار يهتدي به قال ابن الأنباري ~~وتأويل الآية : لا يسألون ألبتة فيخرجهم السؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف ~~فيجري هذا مجرى قولك : فلان لا يرجى خيره أي ليس له خير فيرجى # وقال أبو علي : لم يثبت في هذه الآية مسألة منهم لأن المعنى : ليس منهم ~~مسألة فيكون منهم إلحاف قال : ومثل ذلك قول الشاعر : # لا يفزع الأرنب أهوالها % ولا ترى الضب بها ينجحر أي ليس بها أرنب فتفزع ~~لهولها ولا ضب فينجحر وقال الفراء : نفى الإلحاف عنهم وهو يريد نفي جميع ~~السؤال # | فصل و المسألة في الأصل حرام وإنما أبيحت للحاجة والضرورة لأنها ظلم # في حق الربوبية وظلم في حق المسئول وظلم في حق السائل أما الأول : فلأنه ~~بذل سؤاله وفقره وذله واستعطاءه لغير الله وذلك نوع عبودية فوضع المسألة في ~~غير موضعها وأنزلها بغير أهلها وظلم توحيده وإخلاصه وفقره إلى الله وتوكله ~~عليه ورضاه بقسمه واستغنى بسؤال الناس عن مسألة رب الناس وذلك كله يهضم من ~~حق التوحيد ويطفىء نوره ويضعف قوته # وأما ظلمه للمسئول : فلأنه سأله ما ليس عنده فأوجب له بسؤاله عليه حقا ~~PageV02P232 لم يكن له عليه وعرضه لمشقة البذل أو لوم المنع فإن أعطاه ~~أعطاه على كراهة وإن منعه منعه على استحياء وإغماض هذا إذا سأله ما ليس ~~عليه وأما إذا سأله حقا ms0593 هو له عنده : فلم يدخل في ذلك ولم يظلمه بسؤاله # وأما ظلمه لنفسه : فإنه أراق ماء وجهه وذل لغير خالقه وأنزل نفسه أدنى ~~المنزلتين ورضي لها بأبخس الحالتين ورضي بإسقاط شرف نفسه وعزة تعففه وراحة ~~قناعته وباع صبره ورضاه وتوكله وقناعته بما قسم له واستغناءه عن الناس ~~بسؤالهم وهذا عين ظلمه لنفسه إذ وضعها في غير موضعها وأخمل شرفها ووضع ~~قدرها وأذهب عزها وصغرها وحقرها ورضي أن تكون نفسه تحت نفس المسئول ويده ~~تحت يده ولولا الضرورة لم يبح ذلك في الشرع # وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال ~~رسول الله : ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه ~~مزعة لحم # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله : من سأل ~~الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر # وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله قال : والذي نفسي ~~بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره فيتصدق به على الناس : خير له من ~~أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه وفي صحيح مسلم عنه أيضا قال : قال رسول ~~الله : لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به عن الناس : ~~خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه ذلك بأن اليد العليا خير من اليد ~~السفلى PageV02P233 وابدأ بمن تعول زاد الإمام أحمد : ولأن يأخذ ترابا ~~فيجعله في فيه : خير له من أن يجعل في فيه ما حرم الله عليه # وفي صحيح البخاري عن الزبير بن العوام رضي الله عنه عن النبي قال : لأن ~~يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه ~~: خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه # وفى الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه : أن ناسا من الأنصار ~~سألوا رسول الله فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما ~~عنده فقال لهم حين ms0594 أنفق كل شيء بيده : ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم ~~ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي ~~أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر # وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال وهو على المنبر وذكر ~~الصدقة والتعفف والمسألة : اليد العليا خير من اليد السفلى فاليد العليا : ~~هي المنفقة واليد السفلى : هي السائلة رواه البخارى ومسلم # وعن حكيم بن حزام رضى الله عنه قال : سألت رسول الله فأعطاني ثم سألته ~~فأعطاني ثم قال : يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك ~~له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع ~~واليد العليا خير من اليد السفلى قال حكيم : فقلت يا رسول الله والذي بعثك ~~بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا وكان أبو بكر رضي الله عنه ~~يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ~~ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا فقال عمر : إني أشهدكم يا معشر المسلمين على ~~حكيم : أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه فلم يرزأ حكيم رضي ~~الله عنه أحدا من الناس بعد رسول الله حتى توفي + متفق على صحته + ~~PageV02P234 # وروي عن الشعبى قال : حدثني كاتب المغيرة بن شعبة قال : كتب معاوية إلى ~~المغيرة بن شعبة : أن اكتب إلي شيئا سمعته من رسول الله فكتب إليه : سمعت ~~النبي يقول : إن الله كره لكم ثلاثا قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال ~~رواه البخاري ومسلم # وعن معاوية رضي الله عنه قال : قال رسول الله : لا تلحفوا فى المسألة ~~فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره ~~فيبارك له فيما أعطيته # وفي لفظ : إنما أنا خازن فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك له فيه ومن أعطيته ~~عن مسألة وشره كان كالذي يأكل ولا يشبع رواه مسلم # وعن أبي مسلم الخولاني ms0595 رضي الله عنه قال : حدثنى الحبيب الأمين أما هو : ~~فحبيب إلي وأما هو عندي : فأمين عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال : ~~كنا عند رسول الله تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال : ألا تبايعون رسول الله ~~وكنا حديثي عهد ببيعته فقلنا : قد بايعناك يا رسول الله ثم قال : ألا ~~تبايعون رسول الله فقلنا : قد بايعناك يا رسول الله ثم قال : ألا تبايعون ~~رسول الله قال : فبسطنا أيدينا وقلنا : قد بايعناك يا رسول الله فعلام ~~نبايعك قال : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس وتطيعوا ~~الله وأسر كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئا فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط ~~سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه رواه مسلم # وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال : قال رسول الله : إن المسئلة كد يكد ~~بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في أمر لا بد منه رواه الترمذى ~~وقال : + حديث حسن صحيح + # وفى مسند الإمام أحمد عن زيد بن عقبة الفزاري قال : دخلت على الحجاج ابن ~~يوسف الثقفي فقلت : أصلح الله الأمير ألا أحدثك حديثا سمعته من سمرة بن ~~PageV02P235 جندب عن رسول الله قال : بلى قال سمعته يقول : المسائل كد يكد ~~بها الرجل وجهه فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إلا أن يسأل رجل ذا ~~سلطان أو يسأل في أمر لابد منه # وعن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله : من يتقبل لى بواحدة وأتقبل ~~له بالجنة قال : قلت : أنا قال : لا تسأل الناس شيئا فكان ثوبان يقع سوطه ~~وهو راكب فلا يقول لأحد : ناولنيه حتى ينزل هو فيتناوله رواه الإمام أحمد و ~~أهل السنن # وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله : من أصابته فاقة ~~فأنزلها بالناس : لم تسد فاقته ومن أنزلها بالله : أوشك الله له بالغنى : ~~إما بموت عاجل أو غنى عاجل رواه أبو داود والترمذي وقال : + حديث حسن صحيح ~~+ # وعن سهل بن الحنظلية قال : قال : قدم على رسول ms0596 الله عيينة ابن حصن ~~والأقرع بن حابس فسألاه فأمر لهما بما سألاه وأمر معاوية فكتب لهما بما ~~سألا فأما الأقرع : فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق وأما عيينة : فأخذ ~~كتابه فأتى النبي بكتابه فقال : يا محمد أراني حاملا إلى قومي كتابا لا ~~أدري ما فيه كصحيفة المتلمس فأخبر معاوية بقوله رسول الله فقال رسول الله : ~~من سأل وعنده ما يغنيه : فإنما يستكثر من النار وفي لفظ : من جمر جهنم ~~قالوا : يا رسول الله وما يغنيه وفي لفظ : وما الغنى الذي لا تنبغي معه ~~المسألة قال : قدر ما يغديه وما يعشيه وفي لفظ : أن يكون له شبع يوم وليلة ~~رواه أبو داود والإمام أحمد # وعن ابن الفراسي أن الفراسي قال لرسول الله : أسأل يا رسول الله قال : لا ~~وإن كنت سائلا لا بد فسل الصالحين رواه النسائي PageV02P236 # وعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال : تحملت حمالة فأتيت النبي أسأله فقال : ~~أقم حتى تأتينا الصدقة فآمر لك بها ثم قال : يا قبيضة إن المسألة لا تحل ~~إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل ~~أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال : ~~سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد ~~أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال : سدادا من ~~عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا رواه مسلم # وعن عائذ بن عمرو رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي فسأله فأعطاه فلما وضع ~~رجله على أسكفة الباب قال رسول الله : لو يعلمون ما في المسألة ما مشى أحد ~~إلى أحد يسأله شيئا رواه النسائى # وعن مالك بن نضلة رضي الله عنه قال : قال رسول الله الأيدي ثلاثة فيد ~~الله : العليا ويد المعطي : التي تليها ويد السائل : السفلى فأعط الفضل ولا ~~تعجز عن نفسك رواه الإمام أحمد وأبو داود وعن ثوبان رضي الله عنه عن ms0597 رسول ~~الله قال : من سأل مسألة وهو عنها غني كانت شينا في وجهه يوم القيامة رواه ~~الإمام أحمد # وعن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله قال ثلاث والذي نفس محمد ~~بيده إن كنت لحالفا عليهن : لا ينقص مال من صدقة فتصدقوا ولا يعفو عبد عن ~~مظلمة يبتغي بها وجه الله إلا رفعه الله بها ولا يفتح عبد باب مسألة إلا ~~فتح الله عليه باب فقر رواه الإمام أحمد # وعن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال : سرحتني أمى إلى رسول الله أسأله ~~فأتيته فقعدت قال : فاستقبلني فقال : من استغنى أغناه الله ومن استعف أعفه ~~الله ومن استكفى كفاه الله ومن سأل وله قيمة PageV02P237 أوقية فقد ألحف ~~فقلت : ناقتي هي خير من أوقية ولم أسأله رواه الإمام أحمد وأبو داود # وعن خالد بن عدي الجهني رضي الله عنه عن رسول الله قال من جاءه من أخيه ~~معروف من غير إشراف ولا مسألة فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله ~~إليه رواه الإمام أحمد فهذا أحد المعنيين في قوله : إن من شرط الرضى : ترك ~~الإلحاح في المسألة وهو أليق المعنيين وأولاهما لأنه قرنه بترك الخصومة مع ~~الخلق فلا يخاصمهم في حقه ولا يطلب منهم حقوقه والمعنى الثاني أنه لا يلح ~~في الدعاء ولا يبالغ فيه فإن ذلك يقدح في رضاه وهذا يصح في وجه دون وجه ~~فيصح إذا كان الداعي يلح في الدعاء بأغراضه وحظوظه العاجلة وأما إذا ألح ~~على الله في سؤاله بما فيه رضاه والقرب منه : فإن ذلك لا يقدح في مقام ~~الرضى أصلا وفي الأثر : إن الله يحب الملحين فى الدعاء وقال أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه يوم بدر للنبي يا رسول الله قد ألححت على ربك كفاك بعض ~~مناشدتك لربك فهذا الإلحاح عين العبودية # وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال ~~رسول الله : من لم يسأل الله يغضب عليه # فإذا كان سؤاله يرضيه لم ms0598 يكن الإلحاح فيه منافيا لرضاه # وحقيقة الرضى : موافقته سبحانه فى رضاه بل الذي ينافي الرضى : أن يلح ~~عليه متحكما عليه متخيرا عليه ما لم يعلم : هل يرضيه أم لا كمن يلح على ربه ~~في ولاية شخص أو إغنائه أو قضاء حاجته فهذا ينافي الرضى لأنه ليس على يقين ~~أن مرضاة الرب في ذلك PageV02P238 # فإن قيل : فقد يكون للعبد حاجة يباح له سؤاله إياها فيلح على ربه في ~~طلبها حتى يفتح له من لذيذ مناجاته وسؤاله والذل بين يديه وتملقه والتوسل ~~إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده وتفريغ القلب له وعدم تعلقه في حاجته بغيره : ~~ما لم يحصل له بدون الإلحاح فهل يكره له هذا الإلحاح وإن كان المطلوب حظا ~~من حظوظه قيل : ها هنا ثلاثة أمور أحدها : أن يفنى بمطلوبه وحاجته عن مراده ~~ورضاه ويجعل الرب تعالى وسيلة إلى مطلوبه بحيث يكون أهم إليه منه فهذا ~~ينافي كمال الرضى به وعنه الثاني : أن يفتح على قلبه حال السؤال من معرفة ~~الله ومحبته والذل له والخضوع والتملق : ما ينسيه حاجته ويكون ما فتح له من ~~ذلك أحب إليه من حاجته بحيث يحب أن تدوم له تلك الحال وتكون آثر عنده من ~~حاجته وفرحه بها أعظم من فرحه بحاجته لو عجلت له وفاته ذلك فهذا لا ينافي ~~رضاه # وقال بعض العارفين : إنه لتكون لي حاجة إلى الله فأسأله إياها فيفتح علي ~~من مناجاته ومعرفته والتذلل له والتملق بين يديه : ما أحب معه أن يؤخر عني ~~قضاءها وتدوم لي تلك الحال # وفي أثر : إن العبد ليدعو ربه عز وجل فيقول الله عز وجل لملائكته : اقضوا ~~حاجة عبدي وأخروها فإني أحب أن أسمع دعاءه ويدعوه آخر فيقول الله لملائكته ~~اقضوا حاجته وعجلوها فإني أكره صوته وقد روى الترمذي وغيره عن عبدالله بن ~~مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله : إن الله يحب أن يسأل وأفضل ~~العبادة انتظار الفرج وروي أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال ~~رسول الله : من سره أن يستجيب ms0599 الله له عند الشدائد فليكثر من الدعاء في ~~الرخاء PageV02P239 # وروى أيضا من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله قال : ليسأل أحدكم ربه ~~حاجته حتى يسأله الملح وحتى يسأله شسع نعله إذا انقطع وفيه أيضا عن ابن عمر ~~رضي الله عنهما قال : قال رسول الله : ما سئل الله شيئا أحب إليه من أن ~~يسأل العافية وإن الدعاء لينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله ~~بالدعاء # وإذا كان هذا محبة الرب تعالى للدعاء فلا ينافي الإلحاح فيه الرضى الثالث ~~: أن ينقطع طمعه من الخلق ويتعلق بربه في طلب حاجته وقد أفرده بالطلب ولا ~~يلوي على ما وراء ذلك فهذا قد تنشأ له المصلحة من نفس الطلب وإفراد الرب ~~بالقصد والفرق بينه وبين الذي قبله : أن ذلك قد فتح عليه بما هو أحب إليه ~~من حاجته فهو لا يبالي بفواتها بعد ظفره بما فتح عليه وبالله التوفيق # | فصل قال : الدرجة الثالثة : الرضى برضى الله فلا يرى العبد لنفسه # سخطا ولا رضى فيبعثه على ترك التحكم وحسم الاختيار وإسقاط التمييز ولو ~~أدخل النار إنما كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها من الدرجات عنده : لأنها ~~درجة صاحب الجمع الفاني بربه عن نفسه وعما منها قد غيبه شاهد رضى الله ~~بالأشياء في وقوعها على مقتضى مشيئته عن شاهد رضاه هو فيشهد الرضى لله ومنه ~~حقيقة ويرى نفسه فانيا ذاهبا مفقودا فهو يستوحش من نفسه ومن صفاتها ومن ~~رضاها ومن سخطها فهو عامل على التغيب عن وجوده وعما منه مترام إلى العدم ~~المحض قد تلاشى وجوده ونفسه وصفاتها في وجود مولاه الملك الحق وصفاته ~~وأفعاله كما يتلاشى ضوء السراج الضعيف في جرم الشمس فغاب برضى PageV02P240 ~~ربه عن رضاه هو وعن ربه في أقضيته وأقداره وغاب بصفات ربه عن صفاته ~~وبأفعاله عن أفعاله فتلاشي وجوده وصفاته وأفعاله في جنب وجود ربه وصفاته ~~بحيث صار كالعدم المحض وفي هذا المقام لا يرى لنفسه رضى ولا سخطا فيوجب له ~~هذا الفناء : ترك التحكم على الله بأمر ms0600 من الأمور وترك التخير عليه فتذهب ~~مادة التحكم وتفنى وتنحسم مادة الاختيار وتتلاشى وعند ذلك يسقط تمييز العبد ~~ويتلاشى هذا تقدير كلامه وبعد فههنا أمران : أحدهما : أن هذا حال يعرض لا ~~مقام يطلب ويشمر إليه فإن هذه الحال متى عرضت له وارت عنه تمييزه ولا يمكن ~~أن يدوم له ذلك بل يقصر زمنه ويطول ثم يرجع إلى تمييزه وعقله وصاحب هذه ~~الحال مغلوب : إما سكران بحاله وإما فان عن وجوده والكمال وراء ذلك وهو أن ~~يكون فانيا عن إرادته بإرادة ربه منه فيكون باقيا بوجود آخر غير وجوده ~~الطبيعي وهو وجود مطهر كائن بالله ولله ومع الله وصاحب هذا في مقام : فبي ~~يسمع وبي يبصر وبي يبطش قد فني عن وجوده الطبيعي والنفسي وبقي بهذا الوجود ~~العلوي القدسي فيعود عليه تمييزه وفرقانه ورضاه عن ربه تعالى ومقامات ~~إيمانه وهذا أكمل وأعلى من فنائه عنها كالسكران فإن قلت : فهل يمكن وصوله ~~إلى هذا المقام من غير درب الفناء وعبوره إليه على غير جسره # قلت : اختلف في ذلك فطائفة ظنت أنه لا يصل إلى البقاء وإلى هذا الوجود ~~المطهر إلا بعد عبوره على جسر الفناء فعدوه لازما من لوازم السير إلى الله ~~وقالت طائفة : بل يمكن الوصول إلى البقاء على غير درب الفناء والفناء عندهم ~~عارض من عوارض الطريق لا لازم وسببه : قوة الوارد وضعف المحل واستجلابه ~~بتعاطي أسبابه PageV02P241 والتحقيق : أنه لا يصل إلى هذا المقام إلا بعد ~~عبوره على جسر الفناء عن مراده بمراد سيده فما دام لم يحصل له هذا الفناء ~~فلا سبيل له إلى ذلك البقاء وأما فناؤه عن وجوده : فليس شرطا لذلك البقاء ~~ولا هو من لوازمه وصاحب هذا المقام : هو في رضاه عن ربه بربه لا بنفسه كما ~~هو في توكله وتفويضه وتسليمه وإخلاصه ومحبته وغير ذلك من أحواله بربه لا ~~بنفسه فيرى ذلك كله من عين المنة والفضل مستعملا فيه قد أقيم فيه لا أنه قد ~~قام هو به فهو واقف بين مشهد @QB@ لمن شاء منكم ms0601 أن يستقيم @QE@ [ التكوير : ~~28 ] ومشهد وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين [ التكوير : 29 ] ~~والله المستعان # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الشكر # وهي من أعلى المنازل وهي فوق منزلة الرضى وزيادة فالرضى مندرج في الشكر ~~إذ يستحيل وجود الشكر بدونه # وهو نصف الإيمان كما تقدم والإيمان نصفان : نصف شكر ونصف صبر وقد أمر ~~الله به ونهى عن ضده وأثنى على أهله ووصف به خواص خلقه وجعله غاية خلقه ~~وأمره ووعد أهله بأحسن جزائه وجعله سببا للمزيد من فضله وحارسا وحافظا ~~لنعمته وأخبر أن أهله هم المنتفعون بآياته واشتق لهم اسما من أسمائه فإنه ~~سبحانه هو الشكور وهو يوصل الشاكر إلى مشكوره بل يعيد الشاكر مشكورا وهو ~~غاية الرب من عبده وأهله هم القليل من عباده قال الله تعالى : @QB@ واشكروا ~~نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون @QE@ [ البقرة : 172 ] وقال : @QB@ واشكروا ~~لي ولا تكفرون @QE@ [ البقرة : 152 ] وقال عن خليله إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم @QB@ إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا ~~لأنعمه @QE@ [ النحل : 120121 ] وقال عن نوح عليه السلام : إنه كان ~~عبداشكورا [ الإسراء : 3 ] وقال PageV02P242 تعالى @QB@ والله أخرجكم من ~~بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم ~~تشكرون @QE@ [ النحل : 78 ] وقال تعالى : @QB@ واعبدوه واشكروا له إليه ~~ترجعون @QE@ [ العنكبوت : 17 ] وقال تعالى : @QB@ وسيجزي الله الشاكرين ~~@QE@ [ آل عمران : 144 ] وقال تعالى : @QB@ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم ~~لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد @QE@ [ إبراهيم : وقال تعالى : @QB@ إن ~~في ذلك لآيات لكل صبار شكور @QE@ [ لقمان : 31 ] # وسمى نفسه شاكرا وشكورا وسمى الشاكرين بهذين الاسمين فأعطاهم من وصفه ~~وسماهم باسمه وحسبك بهذا محبة للشاكرين وفضلا # وإعادته للشاكر مشكورا كقوله : @QB@ إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم ~~مشكورا @QE@ [ الإنسان : 22 ] ورضى الرب عن عبده به كقوله : @QB@ وإن ~~تشكروا يرضه لكم @QE@ [ الزمر : 7 ] وقلة أهله في العالمين تدل على أنهم هم ~~خواصه كقوله : @QB@ وقليل من عبادي الشكور @QE@ [ سبأ : 13 ] وفي الصحيحين ~~عن النبي : أنه قام حتى تورمت ms0602 قدماه فقيل له : تفعل هذا وقد غفر الله لك ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر فقال : أفلا أكون عبدا شكورا # وقال لمعاذ : والله يا معاذ إني لأحبك فلا تنس أن تقول في دبر كل صلاة : ~~اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وفي المسند و الترمذي من حديث ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن رسول الله : كان يدعو بهؤلاء الكلمات : اللهم أعني ~~ولا تعن علي وانصرنى ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر بي واهدني ويسر الهدى ~~لي وانصرني على من بغى علي رب اجعلني لك شكارا لك ذكارا لكرهابا لك مطاوعا ~~لك مخبتا إليك أواها منيبا رب تقبل توبتي واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبت حجتي ~~واهد قلبي وسدد لساني واسلل سخيمة صدري PageV02P243 # | فصل وأصل الشكر في وضع اللسان : ظهور أثر الغذاء في أبدان الحيوان # ظهورا بينا يقال : شكرت الدابة تشكر شكرا على وزن سمنت تسمن سمنا : إذا ~~ظهر عليها أثر العلف ودابة شكور : إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تأكل ~~وتعطى من العلف # وفي صحيح مسلم : حتى إن الدواب لتشكر من لحومهم أي لتسمن من كثرة ما تأكل ~~منها وكذلك حقيقته في العبودية وهو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده : ~~ثناء واعترافا وعلى قلبه : شهودا ومحبة وعلى جوارحه : انقيادا وطاعة و ~~الشكر مبني على خمس قواعد : خضوع الشاكر للمشكور وحبه له واعترافه بنعمته ~~وثناؤه عليه بها وأن لا يستعملها فيما يكره فهذه الخمس : هي أساس الشكر ~~وبناؤه عليها فمتى عدم منها واحدة : اختل من قواعد الشكر قاعدة وكل من تكلم ~~في الشكر وحده فكلامه إليها يرجع وعليها يدور فقيل : حده الاعتراف بنعمة ~~المنعم على وجه الخضوع وقيل : الثناء على المحسن بذكر إحسانه وقيل : هو ~~عكوف القلب على محبة المنعم والجوارح على طاعته وجريان اللسان بذكره ~~والثناء عليه وقيل : هو مشاهدة المنة وحفظ الحرمة وما ألطف ما قال حمدون ~~القصار : شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليا وقال أبو عثمان : الشكر معرفة ~~العجز عن الشكر وقيل : الشكر إضافة ms0603 النعم إلى موليها بنعت الاستكانة له ~~وقال الجنيد : الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة PageV02P244 # هذا معنى قول حمدون : أن يرى نفسه فيها طفيليا وقال رويم : الشكر استفراغ ~~الطاقة وقال الشبلي : الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة قلت : يحتمل كلامه ~~أمرين أحدهما : أن يفنى برؤية المنعم لا رؤية نعمه والثاني : أن لا تحجبه ~~رؤية نعمه ومشاهدتها عن رؤية المنعم بها وهذا أكمل والأول أقوى عندهم # والكمال : أن تشهد النعمة والمنعم لأن شكره بحسب شهود النعمة فكلما كان ~~أتم كان الشكر أكمل والله يحب من عبده : أن يشهد نعمه ويعترف له بها ويثني ~~عليه بها ويحبه عليها لا أن يفنى عنها ويغيب عن شهودها وقيل : الشكر قيد ~~النعم الموجوده وصيد النعم المفقودة وشكر العامة : على المطعم والمشرب ~~والملبس وقوت الأبدان وشكر الخاصة : على التوحيد والإيمان وقوت القلوب وقال ~~داود عليه السلام : يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة على من عندك تستوجب بها ~~شكرا فقال : الآن شكرتني يا داود # وفي أثر آخر إسرائيلي : أن موسى قال : يارب خلقت آدم بيدك ونفخت فيه من ~~روحك وأسجدت له ملائكتك وعلمته أسماء كل شيء وفعلت وفعلت فكيف أطاق شكرك ~~قال الله عز وجل : علم أن ذلك مني فكانت معرفته بذلك شكرا لي وقيل : الشكر ~~التلذذ بثنائه على ما لم تستوجب من عطائه وقال الجنيد وقد سأله سري عن ~~الشكر وهو صبي الشكر : أن لا يستعان بشيء من نعم الله على معاصيه فقال : من ~~أين لك هذا قال : من مجالستك وقيل : من قصرت يداه عن المكافآت فليطل لسانه ~~بالشكر PageV02P245 والشكر معه المزيد أبدا لقوله تعالى : @QB@ لئن شكرتم ~~لأزيدنكم @QE@ [ إبراهيم : 7 ] فمتى لم تر حالك في مزيد فاستقبل الشكر # وفي أثر إلهي : يقول الله عز وجل : أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل ~~زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا ~~فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من ~~المعايب وقيل : من كتم النعمة فقد كفرها ومن أظهرها ms0604 ونشرها فقد شكرها وهذا ~~مأخوذ من قوله : إن الله إذا أنعم على عبد بنعمة أحب أن يرى أثر نعمته على ~~عبده وفي هذا قيل : # ومن الرزية : أن شكري صامت % عما فعلت وأن برك ناطق # وأرى الصنيعة منك ثم أسرها % إني إذا لندى الكريم لسارق # | فصل وتكلم الناس في الفرق بين الحمد و الشكر أيهما أعلى وأفضل وفي # الحديث : الحمد رأس الشكر فمن لم يحمد الله لم يشكره # والفرق بينهما : أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه وأخص من جهة ~~متعلقاته و الحمد أعم من جهة المتعلقات وأخص من جهة الأسباب # ومعنى هذا : أن الشكر يكون : بالقلب خضوعا واستكانة وباللسان ثناء ~~واعترافا وبالجوارح طاعة وانقيادا ومتعلقه : النعم دون الأوصاف الذاتية فلا ~~يقال : شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه وهو المحمود عليها كما هو ~~محمود على إحسانه وعدله والشكر يكون على الإحسان والنعم فكل ما يتعلق به ~~الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير ~~عكس فإن الشكر يقع بالجوارح والحمد يقع بالقلب واللسان PageV02P246 # | فصل قال صاحب المنازل : الشكر : اسم لمعرفة النعمة لأنها السبيل إلى # معرفة المنعم ولهذا سمى الله تعالى الإسلام والإيمان في القرآن : شكرا # فمعرفة النعمة : ركن من أركان الشكر لا أنها جملة الشكر كما تقدم : أنه ~~الاعتراف بها والثناء عليه بها والخضوع له ومحبته والعمل بما يرضيه فيها ~~لكن لما كان معرفتها ركن الشكر الأعظم الذي يستحيل وجود الشكر بدونه : جعل ~~أحدهما اسما للآخر قوله : لأنه السبيل إلى معرفة المنعم يعني أنه إذا عرف ~~النعمة توصل بمعرفتها إلى معرفة المنعم بها # وهذا من جهة معرفة كونها نعمة لا من أي جهة عرفها بها ومتى عرف المنعم ~~أحبه وجد في طلبه فإن من عرف الله أحبه لا محالة ومن عرف الدنيا أبغضها لا ~~محالة # وعلى هذا : يكون قوله : الشكر اسم لمعرفة النعمة مستلزما لمعرفة المنعم ~~ومعرفته تستلزم محبته ومحبته تستلزم شكره فيكون قد ذكر بعض أقسام الشكر ~~باللفظ ونبه على ms0605 سائرها باللزوم وهذا من أحسن اختصاره وكمال معرفته وتصوره ~~قدس الله روحه قال : ومعاني الشكر ثلاثة أشياء : معرفة النعمة ثم قبول ~~النعمة ثم الثناء بها وهو أيضا من سبل العامة أما معرفتها : فهو إحضارها في ~~الذهن ومشاهدتها وتمييزها فمعرفتها : تحصيلها ذهنا كما حصلت له خارجا إذ ~~كثير من الناس تحسن إليه وهو لا يدري فلا يصح من هذا الشكر قوله : ثم قبول ~~النعمة PageV02P247 # قبولها : هو تلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها وأن وصولها ~~إليه بغير استحقاق منه ولا بذل ثمن بل يرى نفسه فيها كالطفيلي فإن هذا شاهد ~~بقبولها حقيقة قوله : ثم الثناء بها الثناء على المنعم المتعلق بالنعمة ~~نوعان : عام وخاص فالعام : وصفه بالجود والكرم والبر والإحسان وسعة العطاء ~~ونحو ذلك والخاص : التحدث بنعمته والإخبار بوصولها إليه من جهته كما قال ~~تعالى : @QB@ وأما بنعمة ربك فحدث @QE@ [ الضحى : 11 ] وفي هذا التحديث ~~المأمور به قولان أحدهما : أنه ذكر النعمة والإخبار بها وقوله : أنعم الله ~~علي بكذا وكذا قال مقاتل : يعني اشكر ما ذكر من النعم عليك في هذه السورة : ~~من جبر اليتيموالهدى بعد الضلال والإغناء بعد العيلة والتحدث بنعمة الله ~~شكر كما في حديث جابر مرفوعا : من صنع إليه معروف فليجز به فإن لم يجد ما ~~يجزي به فليثن فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره وإن كتمه فقد كفره ومن تحلى بما ~~لم يعط كان كلابس ثوبي زور # فذكر أقسام الخلق الثلاثة : شاكر النعمة المثني بها والجاحد لها والكاتم ~~لها والمظهر أنه من أهلها وليس من أهلها فهو متحل بما لم يعطه وفي أثر آخر ~~مرفوع : من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله ~~والتحدث بنعمة الله شكر وتركه كفر والجماعة رحمة والفرقة عذاب والقول ~~الثاني : أن التحدث بالنعمة المأمور به في هذه الآية : هو الدعوة إلى الله ~~وتبليغ رسالته وتعليم الأمة قال مجاهد : هي النبوة قال الزجاج : أي بلغ ما ~~أرسلت به وحدث بالنبوة التي آتاك الله وقال الكلبي : هو القرآن أمره ms0606 أن ~~يقرأه PageV02P248 # والصواب : أنه يعم النوعين إذ كل منهما نعمة مأمور بشكرها والتحدث بها ~~وإظهارها من شكرها قوله : وهو أيضا من سبل العامة يا ليت الشيخ صان كتابه ~~عن هذا التعليل إذ جعل نصف الإسلام والإيمان من أضعف السبل # بل الشكر سبيل رسل الله وأنبيائه صلى الله عليهم وسلم أجمعين أخص خلقه ~~وأقربهم إليه ويا عجبا أي مقام أرفع من الشكر الذي يندرج فيه جميع مقامات ~~الإيمان حتى المحبة والرضى والتوكل وغيرها فإن الشكر لا يصح إلا بعد حصولها ~~وتالله ليس لخواص أولياء الله وأهل القرب منه سبيل أرفع من الشكر ولا أعلى ~~ولكن الشيخ وأصحاب الفناء كلهم يرون أن فوق هذا مقاما أجل منه وأعلى لأن ~~الشكر عندهم يتضمن نوع دعوى وأنه شكر الحق على إنعامه ففي الشاكر بقية من ~~بقايا رسمه لم يتخلص عنها ويفرغ منها فلو فني عنها بتحققه أن الحق سبحانه ~~هو الذي شكر نفسه بنفسه وأن من لم يكن كيف يشكر من لم يزل علم أن الشكر من ~~منازل العامة ولو أن السلطان كسا عبدا من عبيده ثوبا من ثيابه فأخذ يشكر ~~السلطان على ذلك : لعد مخطئا مسيئا للأدب فإنه مدع بذلك مكافأة السلطان ~~بشكره فإن الشكر مكافأة والعبد أصغر قدرا من المكافأة والشهود للحقيقة ~~يقتضي اتحاد نسبة الأخذ والعطاء ورجوعها إلى وصف المعطي وقوته فالخاصة يسقط ~~عندهم الشكر بالشهود وفي حقهم ما هو أعلى منه هذا غاية تقرير كلامهم وكسوته ~~أحسن عبارة لئلا يتعدى عليهم بسوء التعبير الموجب للتنفير ونحن معنا العصمة ~~النافعة : أن كل أحد غير المعصوم PageV02P249 فمأخوذ من قوله ومتروك وكل ~~سبيل لا يوافق سبيله فمهجور غير مسلوك # فأما تضمن الشكر لنوع دعوى فإن أريد بهذه الدعوى إضافة البعد الفعل إلى ~~نفسه وأنه كان به وغاب بذلك عن كونه بحول الله وقوته ومنته على عبده : ~~فلعمر الله هذه علة مؤثرة ودعوى باطلة كاذبة # وإن أريد : أن شهوده لشكره شهوده لنعمة الله عليه به وتوفيقه له فيه ~~وإذنه له به ومشيئته عليه ومنته ms0607 فشهد عبوديته وقيامه بها وكونها بالله فأي ~~دعوى في هذا وأي علة نعم غايته : أنه لا يجامع الفناء ولا يخوض تياره فكان ~~ماذا فأنتم جعلتم الفناء غاية فأوجب لكم ما أوجب وقدمتموه على ما قدمه الله ~~ورسوله فتضمن ذلك تقديم ما أخر وتأخير ما قدم وإلغاء ما اعتبر واعتبار ما ~~ألغى ولولا منة الله على الصادقين منكم بتحكيم الرسالة والتقيد بالشرع لكان ~~أمرا غير هذا كما جرى لغير واحد من السالكين على هذه الطريق الخطرة فلا إله ~~إلا الله كم فيها من قتيل وسليب وجريح وأسير وطريد # وأما قولكم : إن الشاكر فيه بقية من بقايا رسمه فيقال : إذا كانت هذه ~~البقية محض العبودية ومركبها والحاملة لها : فأي نقص في هذا فإن العبودية ~~لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بهذا الرسم فلا نقص في حمل العبودية عليه والسير ~~به إلى الله عز وجل نعم النقص كل النقص : في حمل النفس والشهوة والحظ ~~المخالف لمراد الرب تعالى الديني بني على هذا الرسم والسير به إلى النفس ~~ولعل العامل على الفناء PageV02P250 بهذه المثابة وهو ملبوس عليه فالعارف ~~يستقصى التفتيش عن كمائن النفس # وأما قولكم : من لم يكن كيف يشكر من لم يزل فهذا بالشطح أليق منه ~~بالمعرفة فإن من لم يزل إذا أمر من لم يكن بالشكر ورضيه منه وأحبه وأثنى ~~عليه به واستدعاه واقتضاه منه وأوجب له به المزيد وأضافه إليه واشتق منه له ~~الاسم وأوقع عليه به الحكم وأخبر أنه غاية رضاه منه وأمره مع ذلك أن يشهد ~~أن شكره به وبإذنه ومشيئته وتوفيقه : فهذا شكر من لم يكن لمن يزل وهو محض ~~العبودية وأما ضربكم مثل كسوة السلطان لعبده وأخذه في الشكر له مكافأة : ~~فهذا من أبطل الأمثلة عقلا ونقلا وفطرة وهو الحجاب الذي أوجب لمن قال : إن ~~شكر المنعم لا يجب عقلا ما قال ذلك حتى زعم أن شكره قبيح عقلا ولولا الشرع ~~لما حسن الإقدام عليه وضرب هذا المثل الذي ضربتموه بعينه وهذا من القياس ~~الفاسد المتضمن قياس الخالق ms0608 على المخلوق وبمثله عبدت الشمس والقمر والأوثان ~~إذ قال المشركون : جناب العظيم لا يهجم عليه بغير وسائل ووسائط وسرت هاتان ~~الرقيقتان فيمن فسد من أهل التعبد وأهل النظر والبحث والمعصوم من عصمه الله # فيقال : الفرق من وجوه كثيرة جدا تفوت الحصر # منها : أن الملك محتاج فقير إلى من أنعم عليه لا يقوم ملكه إلا به فهو ~~محتاج إلى معاوضة بتلك الكسوة مثلا خدمة له وحفظا له وذبا عنه وسعيا في ~~تحصيل مصالحه فكسوته له من باب المعاوضة والمعاونة فإذا أخذ في شكره فكأنه ~~جعل ذلك ثمنا لنعمته وليس بثمن لها وأما إنعام الرب تعالى على عبده : ~~فإحسان إليه وتفضل عليه ومجرد امتنان لا لحاجة منه إليه ولا لمعاوضة ولا ~~لاستعانة به ولا ليتكثر به من قلة ولا ليتعزر به من ذلة ولا ليقوى به من ~~ضعف سبحانه وبحمده PageV02P251 وأمره له بالشكر أيضا : إنعام آخر عليه ~~وإحسان منه إليه إذ منفعة الشكر ترجع إلى العبد دنيا وآخرة لا إلى الله ~~والعبد هو الذي ينتفع بشكره كما قال تعالى : @QB@ ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ~~@QE@ [ لقمان : 12 ] فشكر العبد إحسان منه إلى نفسه دنيا وأخرى فلا يذم ما ~~أتى به من ذلك وإن كان لا يحسن مقابلة المنعم به ولا يستطيع شكره فإنه إنما ~~هو محسن إلى نفسه بالشكر لا أنه مكافىء به لنعم الرب فالرب تعالى لا يستطيع ~~أحد أن يكافىء نعمه أبدا ولا أقلها ولا أدنى نعمة من نعمه فإنه تعالى هو ~~المنعم المتفضل الخالق للشكر والشاكر وما يشكر عليه فلا يستطيع أحد أن يحصى ~~ثناء عليه فإنه هو المحسن إلى عبده بنعمه وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها فشكره ~~نعمة من الله أنعم بها عليه تحتاج إلى شكر آخر وهلم جرا # ومن تمام نعمته سبحانه وعظيم بره وكرمه وجوده : محبته له على هذا الشكر ~~ورضاه منه به وثناؤه عليه به ومنفعته وفائدته مختصة بالعبد لا تعود منفعته ~~على اللهوهذا غاية الكرم الذى لا كرم فوقه ينعم عليك ثم يوزعك شكر النعمة ms0609 ~~ويرضى عنك بذلك ثم يعيد إليك منفعة شكرك ويجعله سببا لتوالي نعمه واتصالها ~~إليك والزيادة على ذلك منها # وهذا الوجه وحده يكفي اللبيب ليتنبه به على ما بعده # وأما كون الشهود يسقط الشكر : فلعمر الله إنه إسقاط لحق المشكور بحظ ~~الشاهد نعم بحظ عظيم متعلق بالحق عز وجل لا حظ سفلي متعلق بالكائنات ولكن ~~صاحبه قد سار من حرم إلى حرم PageV02P252 # وكان يقع لي هذا القدر منذ أزمان ولا أتجرأ على التصريح به لأن أصحابه ~~يرون من ذكرهم به بعين الفرق الأول فلا يصغون إليهم ألبتة لا سيما وقد ~~ذاقوا حلاوته ولذته ورأوا تخبيط أهل الفرق الأول وتلوثهم بنفوسهم وعوالمها ~~وانضاف إلى ذلك : أن جعلوه غاية فتركب من هذه الأمور ما تركب وإذا لاحت ~~الحقائق فليقل القائل ما شاء # | فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الشكر على المحاب # وهذا شكر تشاركت فيه المسلمون واليهود والنصارى والمجوس ومن سعة رحمة ~~الباري سبحانه : أن عده شكرا ووعد عليه الزيادة وأوجب فيه المثوبة إذا علمت ~~حقيقة الشكر وأن جزء حقيقته : الاستعانة بنعم المنعم على طاعته ومرضاته : ~~علمت اختصاص أهل الإسلام بهذه الدرجة وأن حقيقة الشكر على المحاب ليست ~~لغيرهم # نعم لغيرهم منها بعض أركانها وأجزائها كالاعتراف بالنعمة والثناء على ~~المنعم بها فإن جميع الخلق في نعم الله وكل من أقر بالله ربا وتفرده بالخلق ~~والإحسان فإنه يضيف نعمته إليه لكن الشأن في تمام حقيقة الشكر وهو ~~الاستعانة بها على مرضاته وقد كتبت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية رضي ~~الله عنه إن أقل ما يجب للمنعم على من أنعم عليه : أن لا يجعل ما أنعم عليه ~~سبيلا إلى معصيته # وقد عرف مراد الشيخ وهو أن هذا الشكر مشترك وهو الاعتراف بنعمه سبحانه ~~والثناء عليه بها والإحسان إلى خلقه منها وهذا بلا شك يوجب حفظها عليهم ~~والمزيد منها فهذا الجزء من الشكر مشترك وقد تكون ثمرته في الدنيا بعاجل ~~الثواب وفي الآخرة : بتخفيف العقاب فإن النار دركات في العقوبة مختلفة ~~PageV02P253 # | فصل قال ms0610 : الدرجة الثانية : الشكر في المكاره وهذا ممن تستوى عنده # الحالات : إظهارا للرضى وممن يميز بين الأحوال : لكظم الغيظ وستر الشكوى ~~ورعاية الأدب وسلوك مسلك العلم وهذا الشاكر أول من يدعى إلى الجنة # يعني أن الشكر على المكاره : أشد وأصعب من الشكر على المحاب ولهذا كان ~~فوقه في الدرجة ولا يكون إلا من أحد رجلين : إما رجل لا يميز بين الحالات ~~بل يستوي عنده المكروه والمحبوب فشكر هذا : إظهار منه للرضى بما نزل به ~~وهذا مقام الرضى # الرجل الثانى : من يميز بين الأحوال فهو لا يحب المكروه ولا يرضى بنزوله ~~به فإذا نزل به مكروه شكر الله تعالى عليه فكان شكره كظما للغيظ الذي أصابه ~~وسترا للشكوى ورعاية منه للأدب وسلوكا لمسلك العلم فإن العلم والأدب يأمران ~~بشكر الله على السراء والضراء فهو يسلك بهذا الشكر مسلك العلم لأنه شاكر ~~لله شكر من رضي بقضائه كحال الذي قبله فالذي قبله أرفع منه # وإنما كان هذا الشاكر أول من يدعى إلى الجنة : لأنه قابل المكاره التي ~~يقابلها أكثر الناس بالجزع والسخط وأوساطهم بالصبر وخاصتهم بالرضى فقابلها ~~هو بأعلى من ذلك كله وهو الشكر فكان أسبقهم دخولا إلى الجنة وأول من يدعى ~~منهم إليها # وقسم أهل هذه الدرجة إلى قسمين : سابقين ومقربين بحسب انقسامهم إلى من ~~يستوي عنده الحالات من المكروه والمحبوب فلا يؤثر أحدهما على الآخر بل قد ~~فني بإيثاره ما يرضى له به ربه عما يرضاه هو لنفسه وإلى من يؤثر المحبوب ~~ولكن إذا نزل به المكروه قابله بالشكر PageV02P254 # | فصل قال : الدرجة الثالثة : أن لا يشهد العبد إلا المنعم فإذا شهد # المنعم عبودية : استعظم منه النعمة وإذا شهده حبا : استحلى منه الشدة ~~وإذا شهده تفريدا : لم يشهد منه نعمة ولا شدة # هذه الدرجة يستغرق صاحبها بشهود المنعم عن النعمة فلا يتسع شهوده للمنعم ~~ولغيره وقسم أصحابها إلى ثلاثة أقسام : أصحاب شهود العبودية وأصحاب شهود ~~الحب وأصحاب شهود التفريد وجعل لكل منهم حكما هو أولى به فأما شهوده عبودية ~~: فهو مشاهدة العبد ms0611 للسيد بحقيقة العبودية والملك له فإن العبيد إذا حضروا ~~بين يدي سيدهم فإنهم ينسون ما هم فيه من الجاه والقرب الذي اختصوا به عن ~~غيرهم باستغراقهم في أدب العبودية وحقها وملاحظتهم لسيدهم خوفا أن يشير ~~إليهم بأمر فيجدهم غافلين عن ملاحظته وهذا أمر يعرفه من شاهد أحوال الملوك ~~وخواصهم # فهذا هو شهود العبد للمنعم بوصف عبوديته له واستغراقه عن الإحسان بما حصل ~~له منه من القرب الذي تميز به عن غيره # فصاحب هذا المشهد : إذا أنعم عليه سيده في هذه الحال مع قيامه فى مقام ~~العبودية يوجب عليه أن يستصغر نفسه في حضرة سيده غاية الاستصغار مع امتلاء ~~قلبه من محبته فأي إحسان ناله منه في هذه الحالة رآه عظيما والواقع شاهد ~~بهذا في حال المحب الكامل المحبة المستغرق في مشاهدة محبوبه إذا ناوله شيئا ~~يسيرا فإنه يراه في ذلك المقام عظيما جدا ولا يراه غيره كذلك القسم الثاني ~~: يشهد الحق شهود محبة غالبة قاهرة له مستغرق في شهوده كذلك فإنه يستحلي في ~~هذه الحال الشدة منه لأن المحب يستحلي فعل المحبوب به وأقل ما في هذا ~~المشهد : أن يخف عليه حمل الشدائد إن لم تسمح نفسه PageV02P255 باستحلائها ~~وفي هذا من الحكايات المعروفة عند الناس ما يغني عن ذكرها كحال الذي كان ~~يضرب بالسياط ولا يتحرك حتى ضرب آخر سوط فصاح صياحا شديدا فقيل له في ذلك ~~فقال : العين التي كانت تنظر إلي وقت الضرب كانت تمنعني من الإحساس بالألم ~~فلما فقدتها وجدت ألم الضرب وهذه الحال عارضة ليست بلازمة فإن الطبيعة تأبى ~~استحلاء المنافي كاستحلاء الموافق نعم قد يقوى سلطان المحبة حتى يستحلى ~~المحب ما يستمره غيره ويستخف ما يستثقله غيره ويأنس بما يستوحش منه الخلي ~~ويستوحش مما يأنس به ويستلين ما يستوعره وقوة هذا وضعفه بحسب قهر سلطان ~~المحبة وغلبته على قلب المحب القسم الثالث : أن يشهده تفريدا فإنه لا يشهد ~~معه نعمة ولا شدة يقول : إن شهود التفريد : يفني الرسم وهذه حال الفناء ~~المستغرق فيه الذي لا ms0612 يشهد نعمة ولا بلية فإنه يغيب بمشهوده عن شهوده له ~~ويفنى به عنه فكيف يشهد معه نعمة أو بلية كما قال بعضهم في هذا : من كانت ~~مواهبه لا تتعدى يديه فلا واهب ولا موهوب وذلك مقام الجمع عندهم وبعضهم ~~يحرم العبارة عنه # وحقيقته : اصطلام يرفع إحساس صاحبه برسمه فضلا عن رسم غيره لاستغراقه في ~~مشهوده وغيبته به عما سواه وهذا هو مطلوب القوم وقد عرفت أن فوقه مقاما ~~أعلى منه وأرفع وأجل وهو أن يصطلم بمراده عن غيره فيكون في حال مشاهدته ~~واستغراقه : منفذا لمراسيمه ومراده ملاحظا لما يلاحظ محبوبه من المرادات ~~والأوامر فتأمل الآن عبدين بين يدي ملك من ملوك الدنيا وهما على موقف واحد ~~بين يديه أحدهما مشغول بمشاهدته فإن استغراقه في ملاحظة الملك ليس فيه ~~PageV02P256 متسع إلى ملاحظة شيء من أمور الملك ألبتة وآخر مشغول بملاحظة ~~حركات الملك وكلماته وإيشأمره ولحظاته وخواطره ليرتب على كل من ذلك ما هو ~~مراد للملك # وتأمل قصة بعض الملوك : الذي كان له غلام يخصه بإقباله عليه وإكرامه ~~والحظوة عنده من بين سائر غلمانه ولم يكن الغلام أكثرهم قيمة ولا أحسنهم ~~صورة فقالوا له في ذلك فأراد السلطان أن يبين لهم فضل الغلام في الخدمة على ~~غيره فيوما من الأيام كان راكبا في بعض شئونه ومعه الحشم وبالبعد منه جبل ~~عليه ثلج فنظر السلطان إلى ذلك الثلج وأطرق فركض الغلام فرسه ولم يعلم ~~القوم لماذا ركض فلم يلبث أن جاء ومعه شيء من الثلج فقال السلطان : ما ~~أدراك أني أريد الثلج فقال الغلام : لأنك نظرت إليه ونظر الملوك إلى شيء لا ~~يكون عن غير قصد فقال السلطان : إنما أخصه بإكرامي وإقبالي لأن لكل واحد ~~منكم شغلا وشغله مراعاة لحظاتي ومراقبة أحوالي يعني في تحصيل مرادي # وسمعت بعض الشيوخ يقول : لو قال ملك لغلامين له بين يديه مستغرقين في ~~مشاهدته والإقبال عليه : اذهبا إلى بلاد عدوي فأوصلا إليهم هذه الكتب ~~وطالعاني بأحوالهم وافعلا كيت وكيت فأحدهما : مضى من ساعته لوجهه وبادر ما ~~أمره ms0613 به والآخر قال : أنا لا أدع مشاهدتك والاستغراق فيك ودوام النظر إليك ~~ولا أشتغل بغيرك : لكان هذا جديرا بمقت الملك له وبغضه إياه وسقوطه من عينه ~~إذ هو واقف مع مجرد حظه من الملك لا مع مراد الملك منه بخلاف صاحبه الأول ~~وسمعته أيضا يقول : لو أن شخصين ادعيا محبة محبوب فحضرا بين يديه فأقبل ~~أحدهما على مشاهدته والنظر إليه فقط وأقبل الآخر على استقراء مراداته ~~ومراضيه وأوامره ليمتثلها فقال لهما : ما تريدان فقال أحدهما : أريد دوام ~~PageV02P257 مشاهدتك والاستغراق في جمالك وقال الآخر : أريد تنفيذ أوامرك ~~وتحصيل مراضيك فمرادي منك ما تريده أنت مني لا ما أريده أنا منك والآخر قال ~~: مرادي منك تمتعي بمشاهدتك أكانا عنده سواء # فمن هو الآن صاحب المحبة المعلولة المدخولة الناقصة النفسانية وصاحب ~~المحبة الصحيحة الصادقة الكاملة أهذا أم هذا وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ~~قدس الله روحه يحكى عن بعض العارفين أنه قال : الناس يعبدون الله والصوفية ~~يعبدون أنفسهم # أراد هذا المعنى المتقدم وأنهم واقفون مع مرادهم من الله لا مع مراد الله ~~منهم وهذا عين عبادة النفس فليتأمل اللبيب هذا الموضع حق التأمل فإنه محك ~~وميزان والله المستعان # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الحياء # قال الله تعالى : @QB@ ألم يعلم بأن الله يرى @QE@ [ العلق : 14 ] وقال ~~تعالى : @QB@ إن الله كان عليكم رقيبا @QE@ [ النساء : 1 ] وقال تعالى : ~~@QB@ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور @QE@ [ غافر : 1 # وفي الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله : مر برجل وهو ~~يعظ أخاه في الحياء فقال : دعه فإن الحياء من الإيمان PageV02P258 # وفيهما عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : قال رسول اللهالحياء لا يأتي ~~إلا بخير وفيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال : الإيمان بضع ~~وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها : قول لا إله إلا الله وأدناها ~~إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان وفيهما عن أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه أنه قال : كان رسول ms0614 اللهأشد حياء من العذراء في خدرها فإذا ~~رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه وفى الصحيح عنه : إن مما أدرك الناس من كلام ~~النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت وفي هذا قولان أحدهما : أنه أمر ~~تهديد ومعناه الخبر أي من لم يستح صنع ما شاء والثاني : أنه أمر إباحة أي ~~انظر إلى الفعل الذي تريد أن تفعله فإن كان مما لا يستحيى منه فافعله ~~والأول أصح وهو قول الأكثرين وفي الترمذي مرفوعا : استحيوا من الله حق ~~الحياء قالوا : إنا نستحيي يا رسول الله قال : ليس ذلكم ولكن من استحيى من ~~الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت ~~والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق ~~الحياء # | فصل و الحياء من الحياة ومنه الحيا للمطر لكن هو مقصور وعلى حسب # حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء وقلة الحياء من موت القلب والروح ~~فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتم # قال الجنيد رحمه الله : الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير فيتولد بينهما ~~حالة تسمى الحياء وحقيقته خلق يبعث على ترك القبائح ويمنع من التفريط في حق ~~صاحب الحق PageV02P259 # ومن كلام بعض الحكماء : أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيي منه وعمارة القلب ~~: بالهيبة والحياء فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير وقال ذو النون : ~~الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربك والحب ينطق ~~والحياء يسكت والخوف يقلق وقال السري : إن الحياء والأنس يطرقان القلب فإن ~~وجدا فيه الزهد والورع وإلا رحلا وفي أثر إلهي يقول الله عز وجل : ابن آدم ~~إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك ومحوت من أم ~~الكتاب زلاتك وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة وفي أثر آخر : أوحى الله عز ~~وجل إلى عيسى عليه الصلاة والسلام : عظ نفسك فإن اتعظت وإلا فاستحي مني : ~~أن تعظ الناس وقال الفضيل بن عياض : خمس من علامات الشقوة : القسوة في ~~القلب ms0615 وجمود العين وقلة الحياء والرغبة في الدنيا وطول الأمل وفي أثر إلهي ~~ما أنصفني عبدي يدعوني فأستحيي أن أرده ويعصيني ولا يستحيي مني # وقال يحيى بن معاذ : من استحيى من الله مطيعا استحيى الله منه وهو مذنب # وهذا الكلام يحتاج إلى شرح ومعنا : أن من غلب عليه خلق الحياء من الله ~~حتى في حال طاعته فقلبه مطرق بين يديه إطراق مستح خجل : فإنه إذا واقع ذنبا ~~استحيى الله عز وجل من نظره إليه في تلك الحال لكرامته عليه فيستحيي أن يرى ~~من وليه ومن يكرم عليه : ما يشينه عنده وفي الشاهد شاهد بذلك فإن الرجل إذا ~~اطلع على أخص الناس به وأحبهم إليه وأقربهم منه من صاحب أو ولد أو من يحبه ~~وهو PageV02P260 يخونه فإنه يلحقه من ذلك الاطلاع عليه حياء عجيب حتى كأنه ~~هو الجاني وهذا غاية الكرم # وقد قيل : إن سبب هذا الحياء : إنه يمثل نفسه في حال طاعته كأنه يعصي ~~الله عز وجل فيستحيي منه في تلك الحال ولهذا شرع الاستغفار عقيب الأعمال ~~الصالحة والقرب التي يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل وقيل : إنه يمثل نفسه ~~خائنا فيلحقه الحياء كما إذا شاهد رجلا مضروبا وهو صديق له أو من أحصر على ~~المنبر عن الكلام فإنه يخجل أيضا تمثيلا لنفسه بتلك الحال # وهذا قد يقع ولكن حياء من اطلع على محبوبه وهو يخونه ليس من هذا فإنه لو ~~اطلع على غيره ممن هو فارغ البال منه لم يلحقه هذا الحياء ولا قريب منه ~~وإنما يلحقه مقته وسقوطه من عينه وإنما سببه والله أعلم شدة تعلق قلبه ~~ونفسه به فينزل الوهم فعله بمنزلة فعله هو ولا سيما إن قدر حصول المكاشفة ~~بينهما فإن عند حصولها يهيج خلق الحياء منه تكرما فعند تقديرها ينبعث ذلك ~~الحياء هذا في حق الشاهد وأما حياء الرب تعالى من عبده : فذاك نوع آخر لا ~~تدركه الأفهام ولا تكيفه العقول فإنه حياء كرم وبر وجود وجلال فإنه تبارك ~~وتعالى حيي كريم يستحيي من عبده ms0616 إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا ويستحيي ~~أن يعذب ذا شيبة شابت في الإسلام وكان يحيى بن معاد يقول : سبحان من يذنب ~~عبده ويستحيى هو وفي أثر : من استحيى من الله استحيى الله منه # وقد قسم الحياء على عشرة أوجه : حياء جناية وحياء تقصير وحياء إجلال ~~وحياء كرم وحياء حشمة وحياء استصغار للنفس واحتقار لها وحياء محبة وحياء ~~عبودية وحياء شرف وعزة وحياء المستحيي من نفسه PageV02P261 # فاما حياء الجناية : فمنه حياء آدم عليه السلام لما فر هاربا في الجنة ~~قال الله تعالى : أفرارا مني يا آدم قال : لا يا رب بل حياء منك وحياء ~~التقصير : كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون فإذا كان ~~يوم القيامة قالوا : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك وحياء الإجلال : هو حياء ~~المعرفة وعلى حسب معرفة العبد بربه يكون حياؤه منه وحياء الكرم : كحياء ~~النبيمن القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب وطولوا الجلوس عنده فقام واستحيى ~~أن يقول لهم : انصرفوا وحياء الحشمة : كحياء علي بن طالب رضى الله عنه أن ~~يسأل رسول اللهعن المذي لمكان ابنته منه وحياء الاستحقار واستصغار النفس : ~~كحياء العبد من ربه عز وجل حين يسأله حوائجه احتقار الشأن نفسه واستصغارا ~~لها وفي أثر إسرائيلي إن موسى عليه السلام قال : يارب إنه لتعرض لى الحاجة ~~من الدنيا فأستحيي أن أسألك هي يا رب فقال الله تعالى : سلنى حتى ملح ~~عجينتك وعلف شاتك وقد يكون لهذا النوع سببان أحدهما : استحقار السائل نفسه ~~واستعظام ذنوبه وخطاياه والثاني : استعظام مسؤله # وأما حياء المحبة : فهو حياء المحب من محبوبه حتى إنه إذا خطر على قلبه ~~في غيبته هاج الحياء من قلبه وأحس به في وجهه ولا يدرى ما سببه وكذلك يعرض ~~للمحب عند ملاقاته محبوبه ومناجاته له روعة شديدة ومنه قولهم : جمال رائع ~~وسبب هذا الحياء والروعة مما لا يعرفه أكثر الناس # ولا ريب أن للمحبة سلطانا قاهرا للقلب أعظم من سلطان من يقهر البدن فأين ~~من يقهر قلبك وروحك إلى من يقهر بدنك ولذلك ms0617 تعجبت الملوك والجبابرة من ~~قهرهم للخلق PageV02P262 # وقهر المحبوب لهم وذلهم له فإذا فاجأ المحبوب محبه ورآه بغتة : أحس القلب ~~بهجوم سلطانه عليه فاعتراه روعة وخوف # وسألنا يوما شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه عن هذه المسألة فذكرت ~~أنا هذا الجواب فتبسم ولم يقل شيئا وأما الحياء الذي يعتريه منه وإن كان ~~قادرا عليه كأمته وزوجته فسببه والله أعلم أن هذا السلطان لما زال خوفه عن ~~القلب بقيت هيبته واحتشامه فتولد منها الحياء وأما حصول ذلك له في غيبة ~~المحبوب : فظاهر لاستيلائه على قلبه فوهمه يغالطه عليه ويكابره حتى كأنه ~~معه # وأما حياء العبودية : فهو حياء ممتزج من محبة وخوف ومشاهدة عدم صلاح ~~عبوديته لمعبوده وأن قدره أعلى وأجل منها فعبوديته له توجب استحياءه منه لا ~~محالة وأما حياء الشرف والعزة فحياء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما ~~هو دون قدرها من بذل أو عطاء وإحسان فإنه يستحي مع بذله حياء شرف نفس وعزة ~~وهذا له سببان أحدهما : هذا والثاني : استحياؤه من الآخذ حتى كأنه هو الآخذ ~~السائل حتى إن بعض أهل الكرم لا تطاوعه نفسه بمواجهته لمن يعطيه حياء منه ~~وهذا يدخل في حياء التلوم لأنه يستحيي من خجلة الآخذ # وأما حياء المرء من نفسه : فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من ~~رضاها لنفسها بالنقص وقناعتها بالدون فيجد نفسه مستحيا من نفسه حتى كأن له ~~نفسين يستحيي بإحداهما من الأخرى وهذا أكمل ما يكون من الحياء فإن العبد ~~إذا استحيى من نفسه فهو بأن يستحيي من غيره PageV02P263 أجدر # | فصل قال صاحب المنازل : الحياء : من أول مدارج أهل الخصوص يتولد # من تعظيم منوط بود إنما جعل الحياء من أول مدارج أهل الخصوص : لما فيه من ~~ملاحظة حضور من يستحيي منه وأول سلوك أهل الخصوص : أن يروا الحق سبحانه ~~حاضرا معهم وعليه بناء سلوكهم وقوله : إنه يتولد من تعظيم منوط بود يعني : ~~أن الحياء حالة حاصلة من امتزاج التعظيم بالمودة فإذا اقترنا تولد بينهما ~~الحياء والجنيد يقول : إن تولده من ms0618 مشاهدة النعم ورؤية التقصير ومنهم من ~~يقول : تولده من شعور القلب بما يستحيي منه فيتولد من هذا الشعور والنفرة ~~حالة تسمى الحياء ولا تنافي بين هذه الأقوال فإن للحياء عدة أسباب قد تقدم ~~ذكرها فكل أشار إلى بعضها والله أعلم # | فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : حياء يتولد من علم # العبد بنظر الحق إليه فيجذبه إلى تحمل هذه المجاهدة ويحمله على استقباح ~~الجناية ويسكته عن الشكوى # يعني : أن العبد متى علم أن الرب تعالى ناظر إليه أورثه هذا العلم حياء ~~منه يجذبه إلى احتمال أعباء الطاعة مثل العبد إذا عمل الشغل بين يدي سيده ~~فإنه يكون نشيطا فيه محتملا لأعبائه ولا سيما مع الإحسان من سيده إليه ~~ومحبته لسيده بخلاف ما إذا كان غائبا عن سيده والرب تعالى لا يغيب نظره عن ~~عبده ولكن يغيب نظر القلب والتفاته إلى نظره سبحانه إلى العبيد فإن القلب ~~إذا PageV02P264 غاب نظره وقل التفاته إلى نظر الله تبارك وتعالى إليه : ~~تولد من ذلك قلة الحياء والقحة # وكذلك يحمله على استقباح جنايته وهذا الاستقباح الحاصل بالحياء قدر زائد ~~على استقباح ملاحظة الوعيد وهو فوقه # وأرفع منه درجة : الاستقباح الحاصل عن المحبة فاستقباح المحب أتم من ~~استقباح الخائف ولذلك فإن هذا الحياء يكف العبد أن يشتكي لغير الله فيكون ~~قد شكا الله إلى خلقه ولا يمنع الشكوى إليه سبحانه فإن الشكوى إليه سبحانه ~~فقر وذلة وفاقة وعبودية فالحياء منه فى مثل ذلك لا ينافيها # | فصل قال : الدرجة الثانية : حياء يتولد من النظر في علم القرب # فيدعوه إلى ركوب المحبة ويربطه بروح الأنس ويكره إليه ملابسة الخلق # النظر في علم القرب : تحقق القلب بالمعية الخاصة مع الله فإن المعية ~~نوعان : عامة وهى : معية العلم والإحاطة كقوله تعالى : وهو معكم أينما كنتم ~~[ الحديد : 4 ] وقوله : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا ~~هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا [ المجادلة : ~~7 ] # وخاصة : وهى معية القرب كقوله ms0619 تعالى : @QB@ إن الله مع الذين اتقوا ~~والذين هم محسنون @QE@ [ النحل : 128 ] وقوله : @QB@ إن الله مع الصابرين ~~@QE@ [ البقرة : 153 ] وقوله : @QB@ وإن الله لمع المحسنين @QE@ [ العنكبوت ~~: 69 ] فهذه معية قرب تتضمن الموالاة والنصر والحفظ وكلا المعنيين مصاحبة ~~منه للعبد لكن هذه مصاحبة اطلاع وإحاطة وهذه مصاحبة موالاة ونصر وإعانة ف ~~مع في لغة العرب تفيد الصحبة اللائقة لا تشعر بامتزاج ولا اختلاط ولا ~~مجاورة ولا مجانبة فمن ظن شيئا من هذا فمن سوء فهمه أتي PageV02P265 # وأما القرب : فلا يقع في القرآن إلا خاصا وهو نوعان : قربه من داعيه ~~بالإجابة وقربه من عابده بالإثابة فالأول : كقوله تعالى : وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان [ البقرة : 186 ] ولهذا نزلت ~~جوابا للصحابة رضي الله عنهم وقد سألوا رسول الله : ربنا قريب فنناجيه أم ~~بعيد فنناديه فأنزل الله تعالى هذه الآية والثاني : قوله : أقرب ما يكون ~~العبد من ربه : وهو ساجد وأقرب ما يكون الرب من عبده : في جوف الليل فهذا ~~قربه من أهل طاعته # وفى الصحيح : عن أبي موسى رضي الله عنه قال : كنا مع النبيفي سفر فارتفعت ~~أصواتنا بالتكبير فقال : يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون ~~أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته # فهذا قرب خاص بالداعي دعاء العبادة والثناء والحمد وهذا القرب لا ينافي ~~كمال مباينة الرب لخلقه واستواءه على عرشه بل يجامعه ويلازمه فإنه ليس كقرب ~~الأجسام بعضها من بعض تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ولكنه نوع آخر والعبد ~~في الشاهد يجد روحه قريبة جدا من محبوب بينه وبينه مفاوز تتقطع فيها أعناق ~~المطي ويجده أقرب إليه من جليسه كما قيل # ألا رب من يدنو ويزعم أنه % يحبك والنائي أحب وأقرب وأهل السنة أولياء ~~رسول اللهوورثته وأحباؤه الذين هو عندهم أولى بهم من أنفسهم وأحب إليهم ~~منها : يجدون نفوسهم أقرب إليه وهم في الأقطار النائية عنه من جيران حجرته ~~في المدينة والمحبون المشتاقون للكعبة والبيت الحرام يجدون ms0620 قلوبهم وأرواحهم ~~أقرب إليها من جيرانها ومن PageV02P266 حولها هذا مع عدم تأتي القرب منها ~~فكيف بمن يقرب من خلقه كيف يشاء وهو مستو على عرشه وأهل الذوق لا يلتفتون ~~فى : ذلك إلى شبهة معطل بعيد من الله خلى من محبته ومعرفته والقصد : أن هذا ~~القرب يدعو صاحبه إلى ركوب المحبة وكلما ازداد حبا ازداد قربا فالمحبة بين ~~قربين : قرب قبلها وقرب بعدها وبين معرفتين : معرفة قبلها حملت عليها ودعت ~~إليها ودلت عليها ومعرفة بعدها هي من نتائجها وآثارها # وأما ربطه بروح الأنس : فهو تعلق قلبه بروح الأنس بالله تعلقا لازما لا ~~يفارقه بل يجعل بين القلب والأنس رابطة لازمة ولا ريب أن هذا يكره إليه ~~ملابسة الخلق بل يجد الوحشة في ملابستهم بقدر أنسه بربه وقرة عينه بحبه ~~وقربه منه فإنه ليس مع الله غيره فإن لابسهم لابسهم برسمه دون سره وروحه ~~وقلبه فقلبه وروحه في ملأ وبدنه ورسمه في ملأ # | فصل قال : الدرجة الثالثة : حياء يتولد من شهود الحضرة وهي التي لا # تشوبها هيبة ولا تقارنها تفرقة ولا يوقف لها على غاية شهود الحضرة : ~~انجذاب الروح والقلب من الكائنات وعكوفه على رب البريات فهو في حضرة قربه ~~مشاهدا لها وإذا وصل القلب إليها غشيته الهيبة وزالت عنه التفرقة إذ ما مع ~~الله سواه فلا يخطر بباله في تلك الحال سوى الله وحده وهذا مقام الجمعية ~~وأما قوله : ولا يوقف لها على غاية فيعني أن كل من وصل إلى مطلوبه وظفر به ~~: وصل إلى الغاية إلا صاحب هذا المشهد فإنه لا يقف بحضرة الربوبية على غاية ~~فإن ذلك مستحيل بل إذا شهد تلك الروابى ووقف على تلك الربوع وعاين الحضرة ~~التى هي غاية PageV02P267 الغايات شارف أمرا لا غاية له ولا نهاية والغايات ~~والنهايات كلها إليه تنتهي @QB@ وأن إلى ربك المنتهى @QE@ [ النجم : 42 ] ~~فانتهت إليه الغايات والنهايات وليس له سبحانه غاية ولا نهاية : لا في ~~وجوده ولا في مزيد جوده إذ هو الأول الذي ليس قبله شيء و الآخر الذي ليس ms0621 ~~بعده شىء ولا نهاية وحمده وعطائهبل كلما ازداد له العبد شكرا زاده فضلا ~~وكلما ازداد له طاعة زاده لمجده مثوبة وكلما ازداد منه قربا لاح له من ~~جلاله وعظمته ما لم يشاهده قبل ذلك وهكذا أبدا لا يقف على غاية ولا نهاية ~~ولهذا جاء : إن أهل الجنة في مزيد دائم بلا انتهاء فإن نعيمهم متصل ممن لا ~~نهاية لفضله ولا لعطائه ولا لمزيده ولا لأوصافه فتبارك الله ذو الجلال ~~والإكرام إن هذا لرزقنا ماله من نفاد [ ص : 54 ] ياعبادي لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته : ~~ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الصدق # وهي منزلة القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين والطريق ~~الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين وبه تميز أهل النفاق ~~من أهل الإيمان وسكان الجنان من أهل النيران وهو سيف الله في أرضه الذي ما ~~وضع على شيء إلا قطعه ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرعه من صال به لم ترد ~~صولته ومن نطق به علت على الخصوم كلمته فهو روح الأعمال ومحك الأحوال ~~والحامل على اقتحام الأهوال والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي ~~الجلال وهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين ودرجته تالية لدرجة النبوة ~~التي هي أرفع درجات العالمين ومن مساكنهم PageV02P268 في الجنات : تجري ~~العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه ~~الدار مدد متصل ومعين # وقد أمر الله سبحانه أهل الإيمان : أن يكونوا مع الصادقين وخص المنعم ~~عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقال تعالى : @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين @QE@ [ التوبة : 119 ] وقال ~~تعالى : @QB@ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين @QE@ [ النساء : 69 ] فهم الرفيق ~~الأعلى وحسن أولئك رفيقا ولا يزال الله يمدهم بأنعمه وألطافه ومزيده إحسانا ~~منه وتوفيقا ms0622 ولهم مرتبة المعية مع الله فإن الله مع الصادقين ولهم منزلة ~~القرب منه إذ درجتهم منه ثاني درجة النبيين # وأخبر تعالى أن من صدقه فهو خير له فقال : فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله ~~لكان خيرالهم [ محمد : 21 ] وأخبر تعالى عن أهل البر وأثنى عليهم بأحسن ~~أعمالهم : من الإيمان والإسلام والصدقة والصبر بأنهم أهل الصدق فقال : @QB@ ~~ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى ~~المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي ~~الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في ~~البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون @QE@ [ ~~البقرة : 177 ] وهذا صريح في أن الصدق بالأعمال الظاهرة والباطنة وأن الصدق ~~هو مقام الإسلام والإيمان # وقسم الله سبحانه الناس إلى صادق ومنافق فقال : @QB@ ليجزي الله الصادقين ~~بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم @QE@ [ الأحزاب : 24 ] ~~والإيمان أساسه الصدق والنفاق أساسه الكذب فلا يجتمع كذب وإيمان إلا ~~وأحدهما محارب للآخر # وأخبر سبحانه أنه فى يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه ~~PageV02P269 قال تعالى : @QB@ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز ~~العظيم @QE@ [ المائدة وقال تعالى : @QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك ~~هم المتقون @QE@ [ الزمر : 34 ] فالذي جاء بالصدق : هو من شأنه الصدق فى ~~قوله وعمله وحاله فالصدق : فى هذه الثلاثة # فالصدق في الأقوال : استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ~~ساقها والصدق في الأعمال : استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء ~~الرأس على الجسد والصدق في الأحوال : استواء أعمال القلب والجوارح على ~~الإخلاص واستفراغ الوسع وبذل الطاقة فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا ~~بالصدق وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به : تكون صديقيته ولذلك كان ~~لأبي بكر الصديق رضى الله عنه وأرضاه : ذروة سنام الصديقية سمي الصديق على ~~الإطلاق و الصديق أبلغ من الصدوق والصدوق أبلغ من الصادق # فأعلى مراتب الصدق : مرتبة الصديقية وهي كمال ms0623 الانقياد للرسول مع كمال ~~الإخلاص للمرسل # وقد أمر الله تعالى رسوله : أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق ~~فقال : وقل : رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا ~~نصيرا [ الإسراء : 80 ] وأخبر عن خليله إبراهيم أنه سأله أنه يهب له لسان ~~صدق في الآخرين فقال : @QB@ واجعل لي لسان صدق في الآخرين @QE@ [ ] وبشر ~~عباده بأن لهم عنده قدم صدق ومقعد صدق فقال تعالى : @QB@ وبشر الذين آمنوا ~~أن لهم قدم صدق عند ربهم @QE@ [ يونس : 2 ] وقال : @QB@ إن المتقين في جنات ~~ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر @QE@ [ القمر : 5455 ] فهذه خمسة أشياء : ~~مدخل الصدق ومخرج الصدق ولسان الصدق وقدم الصدق ومقعد الصدق وحقيقة الصدق ~~في هذه الأشياء : هو الحق الثابت المتصل بالله الموصل PageV02P270 إلى الله ~~وهو ما كان به وله من الأقوال والأعمال وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة # فمدخل الصدق ومخرج الصدق : أن يكون دخوله وخروجه حقا ثابتا بالله وفي ~~مرضاته بالظفر بالبغية وحصول المطلوب ضد مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له ~~يوصل إليها ولا له ساق ثابتة يقوم عليها كمخرج أعدائه يوم بدر ومخرج الصدق ~~كمخرجههو وأصحابه في تلك الغزوة # وكذلك مدخلهالمدينة : كان مدخل صدق بالله ولله وابتغاء مرضاة الله فاتصل ~~به التأييد والظفر والنصر وإدراك ما طلبه في الدنيا والآخرة بخلاف مدخل ~~الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب فإنه لم يكن بالله ~~ولا لله بل كان محادة لله ورسوله فلم يتصل به إلا الخذلان والبوار وكذلك ~~مدخل من دخل من اليهود المحاربين لرسول اللهحصن بني قريظة فإنه لما كان ~~مدخل كذب : أصابه معهم ما أصابهم فكل مدخل معهم ومخرج كان بالله ولله ~~وصاحبه ضامن على الله فهو مدخل صدق ومخرج صدق وكان بعض السلف إذا خرج من ~~داره : رفع رأسه إلى السماء وقال : اللهم إني أعوذ بك أن أخرج مخرجا لا ~~أكون فيه ضامنا عليك # يريد : أن لا يكون المخرج مخرج صدق ولذلك فسر مدخل الصدق ومخرجه : ~~بخروجهمن مكة ودخوله ms0624 المدينة ولا ريب أن هذا على سبيل التمثيل فإن هذا ~~المدخل والمخرج من أجل مداخله ومخارجه وإلا فمداخله كلها مداخل صدق ومخارجه ~~مخارج صدق إذ هي لله وبالله وبأمره ولابتغاء مرضاته # وما خرج أحد من بيته ودخل سوقه أو مدخلا آخر إلا بصدق أو بكذب فمخرج كل ~~واحد ومدخله : لا يعدو الصدق والكذب والله PageV02P271 المستعان وأما لسان ~~الصدق : فهو الثناء الحسن عليهمن سائر الأمم بالصدق ليس ثناء بالكذب كما ~~قال عن إبراهيم وذريته من الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه : @QB@ ~~وجعلنا لهم لسان صدق عليا @QE@ [ مريم : 50 ] والمراد باللسان ههنا : ~~الثناء الحسن فلما كان الصدق باللسان وهو محله أطلق الله سبحانه ألسنة ~~العباد بالثناء على الصادق جزاء وفاقا وعبر به عنه # فإن اللسان يراد به ثلاثة معان : هذا واللغة كقوله تعالى : @QB@ وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم @QE@ [ إبراهيم : 4 ] وقوله : ~~@QB@ واختلاف ألسنتكم وألوانكم @QE@ [ الروم : 22 ] وقوله : @QB@ لسان الذي ~~يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين @QE@ [ النحل : 103 ] ويراد به ~~الجارحة نفسها كقوله تعالى : @QB@ لا تحرك به لسانك لتعجل به @QE@ [ ~~القيامة : 16 ] وأما قدم الصدق : ففسر بالجنة وفسر بمحمد وفسر بالأعمال ~~الصالحة # وحقيقة القدم ما قدموه وما يقدمون عليه يوم القيامة وهم قدموا الأعمال ~~والإيمان بمحمد ويقدمون على الجنة التي هي جزاء ذلك # فمن فسره بها أراد : ما يقدمون عليه ومن فسره بالأعمال وبالنبي : فلأنهم ~~قدموها وقدموا الإيمان به بين أيديهم فالثلاثة قدم صدق وأما مقعد الصدق : ~~فهو الجنة عند الرب تبارك وتعالى ووصف ذلك كله بالصدق مستلزم ثبوته ~~واستقراره وأنه حق ودوامه ونفعه وكمال عائدته فإنه متصل بالحق سبحانه كائن ~~به وله فهو صدق غير كذب وحق غير باطل ودائم غير زائل ونافع غير ضار وما ~~للباطل ومتعلقاته إليه سبيل ولا مدخل ومن علامات الصدق : طمأنينة القلب ~~إليه ومن علامات الكذب : حصول الريبة كما في الترمذي مرفوعا من حديث الحسن ~~بن علي رضي الله عنهما PageV02P272 عنهما عن النبيقال : الصدق طمأنينة ~~والكذب ريبة # وفي الصحيحين من حديث عبدالله ms0625 بن مسعود رضي الله عنه عن النبيقال : إن ~~الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب ~~عندالله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن ~~الرجل ليكذب حتى يكتب عندالله كذابا فجعل الصدق مفتاح الصديقية ومبدأها وهي ~~غايته فلا ينال درجتها كاذب ألبتة لا في قوله ولا في عمله ولا في حاله ولا ~~سيما كاذب على الله في أسمائه وصفاته ونفي ما أثبته أو إثبات ما نفاه عن ~~نفسه فليس في هؤلاء صديق أبدا وكذلك الكذب عليه في دينه وشرعه بتحليل ما ~~حرمه وتحريم ما لم يحرمه وإسقاط ما أوجبه وإيجاب ما لم يوجبه وكراهة ما ~~أحبه واستحباب ما لم يحبه كل ذلك مناف للصديقية # وكذلك الكذب معه في الأعمال : بالتحلي بحلية الصادقين المخلصين والزاهدين ~~المتوكلين وليس في الحقيقة منهم # فلذلك كانت الصديقية : كمال الإخلاص والانقياد والمتابعة للخبر والأمر ~~ظاهرا وباطنا حتى إن صدق المتبايعين يحل البركة في بيعهما وكذبهما يمحق ~~بركة بيعهما كما في الصحيحين عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : قال رسول ~~الله : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ~~وإن كذبا وكتما : محقت بركة بيعهما PageV02P273 # | فصل في كلمات في حقيقة الصدق قال عبدالواحد بن زيد : الصدق الوفاء # لله بالعمل وقيل : موافقة السر النطق وقيل : استواء السر والعلانية يعني ~~أن الكاذب علانيته خير من سريرته كالمنافق الذي ظاهره خير من باطنه # وقيل : الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة وقيل : كلمة الحق عند من تخافه ~~وترجوه وقال الجنيد : الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة والمرائي يثبت على ~~حالة واحدة أربعين سنة وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وقد يسبق إلى الذهن خلافه ~~وأن الكاذب متلون لأن الكذب ألوان فهو يتلون بتلونه والصادق مستمر على حالة ~~واحدة فإن الصدق واحد في نفسه وصاحبه لا يتلون ولا يتغير # لكن مراد الشيخ أبي القاسم صحيح غير هذا فإن المعارضات والواردات التي ~~ترد على الصادق لاترد على ms0626 الكاذب المرائي بل هو فارغ منها فإنه لا يرد عليه ~~من قبل الحق موارد الصادقين على الكاذبين المرائين ولا يعارضهم الشيطان كما ~~يعارض الصادقين فإنه لا أرب له في خربة لا شيء فيها وهذه الواردات توجب ~~تقلب الصادق بحسب اختلافها وتنوعها فلا تراه إلا هاربا من مكان إلى مكان ~~ومن عمل إلى عمل ومن حال إلى حال ومن سبب إلى سبب لأنه يخاف في كل حال ~~يطمئن إليها ومكان وسبب : أن يقطعه عن مطلوبه فهو لا يساكن حالة ولا شيئا ~~دون مطلوبه فهو كالجوال في الآفاق في طلب الغنى الذي يفوق به الأغنياء ~~والأحوال والأسباب تتقلب به وتقيمه وتقعده وتحركه وتسكنه حتى يجد فيها ما ~~يعينه على مطلوبه وهذا عزيز فيها فقلبه في تقلب وحركة PageV02P274 شديدة ~~بحسب سعة مطلوبه وعظمته وهمته أعلى من أن يقف دون مطلبه على رسم أو حال أو ~~يساكن شيئا غيره فهو كالمحب الصادق الذي همته التفتيش على محبوبه وكذا حال ~~الصادق في طلب العلم وحال الصادق في طلب الدنيا فكل صادق في طلب شيء لا ~~يستقر له قرار ولا يدوم على حالة واحدة # وأيضا : فإن الصادق مطلوبه رضى ربه وتنفيذ أوامره وتتبع محابه فهو متقلب ~~فيها يسير معها أين توجهت ركائبها ويستقل معها أين استقلت مضاربها فبينا هو ~~في صلاة إذ رأيته في ذكر ثم في غزو ثم في حج ثم في إحسان للخلق بالتعليم ~~وغيره من أنواع النفع ثم في أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو في قيام بسبب فيه ~~عمارة الدين والدنيا ثم في عيادة مريض أو تشييع جنازة أو نصر مظلوم إن أمكن ~~إلى غير ذلك من أنواع القرب والمنافع # فهو في تفرق دائم لله وجمعية على الله لا يملكه رسم ولا عادة ولا وضع ولا ~~يتقيد بقيد ولا إشارة ولا بمكان معين يصلى فيه لا يصلى في غيره وزي معين لا ~~يلبس سواه وعبادة معينة لا يلتفت إلى غيرها مع فضل غيرها عليها أو هي أعلى ~~من غيرها في الدرجة ms0627 وبعد ما بينهما كبعد ما بين السماء والأرض # فإن البلاء والآفات والرياء والتصنع وعبادة النفس وإيثار مرادها والاشارة ~~إليها : كلها في هذه الأوضاع والرسوم والقيود التي حبست أربابها عن السير ~~إلى قلوبهم فضلا عن السير من قلوبهم إلى الله تعالى فإذا خرج أحدهم عن ~~PageV02P275 رسمه ووضعه وزيه وقيده وإشارته ولو إلى أفضل منه استهجن ذلك ~~ورآه نقصا وسقوطا من أعين الناس وانحطاطا لرتبته عندهم وهو قد انحط وسقط من ~~عين الله # وقد يحس أحدهم ذلك من نفسه وحاله ولا تدعه رسومه وأوضاعه وزيه وقيوده : ~~أن يسعى في ترميم ذلك وإصلاحه وهذا شأن الكذاب المرائي الذي يبدي للناس ~~خلاف ما يعلمه الله من باطنه العامل على عمارة نفسه ومرتبته وهذا هو النفاق ~~بعينه ولو كان عاملا على مراد الله منه وعلى الصدق مع الله : لأثقلته تلك ~~القيود وحبسته تلك الرسوم ولرأى الوقوف عندها ومعها عين الانقطاع عن الله ~~لا إليه ولما بالى أي ثوب لبس ولا أي عمل عمل إذا كان على مراد الله من ~~العبد # فكلام أبي القاسم الجنيد حق كلام راسخ في الصدق عالم بتفاصيله وآفاته ~~ومواضع اشتباهه بالكذب # وأيضا فحمل الصدق كحمل الجبال الرواسي لا يطيقه إلا أصحاب العزائم فهم ~~يتقلبون تحته تقلب الحامل بحمله الثقيل والرياء والكذب خفيف كالريشة لا يجد ~~له صاحبه ثقلا ألبتة فهو حامل له في أي موضع اتفق بلا تعب ولا مشقة ولا ~~كلفة فهو لا يتقلب تحت حمله ولا يجد ثقله وقال بعضهم : لا يشم رائحة الصدق ~~عبد داهن نفسه أو غيره وقال بعضهم : الصادق الذي يتهيأ له أن يموت ولا ~~يستحيي من سره لو كشف قال الله تعالى : @QB@ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ~~@QE@ [ البقرة : 94 ] قلت : هذه الآية فيها للناس كلام معروف قالوا : إنها ~~معجزة للنبي أعجز بها اليهود ودعاهم إلى تمني الموت وأخبر : أنهم لا ~~يتمنونه أبدا وهذا علم من أعلام نبوته إذ لا يمكن الاطلاع على بواطنهم إلا ~~بأخبار الغيب ولم ينطق الله ألسنتهم بتمنيه أبدا PageV02P276 # وقالت طائفة : لما ms0628 ادعت اليهود : أن لهم الدار الآخرة عند الله خالصة من ~~دون الناس وأنهم أبناؤه وأحباؤه وأهل كرامته كذبهم الله في دعواهم وقال : ~~إن كنتم صادقين فتمنوا الموت لتصلوا إلى الجنة دار النعيم فإن الحبيب يتمنى ~~لقاء حبيبه ثم أخبر سبحانه : أنهم لا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم من ~~الأوزار والذنوب الحائلة بينهم وبين ما قالوه فقال : @QB@ ولن يتمنوه أبدا ~~بما قدمت أيديهم @QE@ [ البقرة : 95 ] وقالت طائفة منهم محمد بن إسحاق ~~وغيره هذه من جنس آية المباهلة وأنهم لما عاندوا ودفعوا الهدى عيانا وكتموا ~~الحق : دعاهم إلى أمر يحكم بينهم وبينه وهو أن يدعوا بالموت على الكاذب ~~المفتري و التمني سؤال ودعاء فتمنوا الموت وادعوا به على المبطل الكاذب ~~المفتري # وعلى هذا فليس المراد : تمنوه لأنفسكم خاصة كما قاله أصحاب القولين ~~الأولين بل معناه : ادعوا بالموت وتمنوه للمبطل وهذا أبلغ في إقامة الحجة ~~وبرهان الصدق وأسلم من أن يعارضوا رسول الله بقولهم : فتمنوه أنتم أيضا إن ~~كنتم محقين أنكم أهل الجنة لتقدموا على ثواب الله وكرامته كانوا أحرص شيء ~~على معارضته فلو فهموا منه ما ذكره أولئك لعارضوه بمثله # وأيضا فإنا نشاهد كثيرا منهم يتمنى الموت لضره وبلائه وشدة حاله ويدعو به ~~وهذا بخلاف تمنيه والدعاء به على الفرقة الكاذبة فإن هذا لا يكون أبدا ولا ~~وقع من أحد منهم في حياة النبي ألبتة وذلك لعلمهم بصحة نبوته وصدقه وكفرهم ~~به حسدا وبغيا فلا يتمنوه أبدا لعلمهم أنهم هم الكاذبون وهذا القول : هو ~~الذي نختاره والله أعلم بما أراد من كتابه وقال إبراهيم الخواص : الصادق لا ~~تراه إلا في فرض يؤديه أو فضل يعمل فيه وقال الجنيد : حقيقة الصدق : أن ~~تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب وقيل : ثلاث لا تخطىء الصادق : ~~الحلاوة والملاحة والهيبة PageV02P277 وفي أثر إلهي : من صدقني في سريرته ~~صدقته في علانيته عند خلقي وقال سهل بن عبدالله : أول خيانة الصديقين : ~~حديثهم مع أنفسهم وقال يوسف بن أسباط : لأن أبيت ليلة أعامل الله بالصدق ~~أحب إلي من ms0629 أضرب بسيفي في سبيل الله # وقال الحارث المحاسبي : الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في ~~قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن ~~عمله ولا يكره أن يطلع الناس على السيء من عمله فإن كراهته لذلك دليل على ~~أنه يحب الزيادة عندهم وليس هذا من علامات الصديقين # وفي هذا نظر لأن كراهته لاطلاع الناس على مساوىء عمله من جنس كراهته ~~للضرب والمرض وسائر الآلام وهذا أمر جبلي طبيعي ولا يخرج صاحبه عن الصدق لا ~~سيما إذا كان قدوة متبعا فإن كراهته لذلك من علامات صدقة لأن فيها مفسدتين ~~: مفسدة ترك الاقتداء به واتباعه على الخير وتنفيذه ومفسدة اقتداء الجهال ~~به فيها فكراهيته لاطلاعهم على مساوىء عمله : لا تنافي صدقه بل قد تكون من ~~علامات صدقه # نعم المنافي للصدق : أن لا يكون له مراد سوى عمارة حاله عندهم وسكناه في ~~قلوبهم تعظيما له فلو كان مراده تنفيذا لأمر الله ونشرا لدينه وأمرا ~~بالمعروف ونهيا عن المنكر ودعوة إلى الله : فهذا الصادق حقا والله يعلم ~~سرائر القلوب ومقاصدها # وأظن أن هذا هو مراد المحاسبي بقوله : ولا يكره اطلاع الناس على السيء من ~~عمله فإنهم يريدون ذلك فضولا ودخولا فيما لا يعني فرضي الله عن أبي بكر ~~الصديق حيث قال : لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عناقا ~~أو عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم عليه فهذا وأمثاله يعدونه ~~ويرونه من سيء الأعمال عند العوام والجهال PageV02P278 # وقال بعضهم : من لم يؤد الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض المؤقت قيل : وما ~~الفرض الدائم قال : الصدق وقيل : من طلب الله بالصدق أعطاه مرآة يبصر فيها ~~الحق والباطل وقيل : عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك ودع الكذب ~~حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك وقيل : ما أملق تاجر صدوق # | فصل قال صاحب المنازل : الصدق : اسم لحقيقة الشيء بعينه حصولا ووجودا # الصدق : هو حصول الشيء وتمامه وكمال قوته واجتماع أجزائه كما يقال ms0630 : ~~عزيمة صادقة إذا كانت قوية تامة وكذلك : محبة صادقة وإرادة صادقة وكذا ~~قولهم : حلاوة صادقة إذا كانت قوية تامة ثابتة الحقيقة لم ينقص منها شيء ~~ومن هذا أيضا : صدق الخبر لأنه وجود المخبر بتمام حقيقته في ذهن السامع ~~فالتمام والوجود نوعان : خارجي وذهني فإذا أخبرت المخاطب بخبر صادق حصلت له ~~حقيقة المخبر عنه بكماله وتمامه في ذهنه # ومن هذا : وصفهم الرمح بأنه صادق الكعوب إذا كانت كعوبه صلبة قوية ممتلئة ~~قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : صدق القصد وبه يصح الدخول في هذا ~~الشأن ويتلافى به كل تفريط ويتدارك به كل فائت ويعمر كل خراب وعلامة هذا ~~الصادق : أن لا يتحمل داعية تدعو إلى نقض عهد ولا يصبر على صحبة ضد ولا ~~يقعد عن الجد بحال # يعني بصدق القصد : كمال العزم وقوة الإرادة بأن يكون في القلب داعية ~~صادقة إلى السلوك وميل شديد يقهر السر على صحة التوجه فهو طلب لا يمازجه ~~رياء ولا فتور ولا يكون فيه قسمة بحال ولا يصح الدخول في شأن السفر إلى ~~الله والاستعداد للقائه إلا به PageV02P279 # ويتلافى به كل تفريط فإنه حامل على كل سبب ينال به الوصول وقطع كل سبب ~~يحول بينه وبينه فلا يترك فرصة تفوته وما فاته من الفرص السابقة تداركها ~~بحسب الإمكان فيصلح من قلبه ما مزقته يد الغفلة والشهوة ويعمر منه ما خربته ~~يد البطالة ويوقد فيه ما أطفأته أهوية النفس ويلم منه ما شعثته يد التفريط ~~والإضاعة ويسترد منه ما نهبته أكف اللصوص والسراق ويزرع منه ما وجده بورا ~~من أراضيه ويقلع ما وجده شوكا وشبرقا في نواحيه ويستفرغ منه ما ملأته مواد ~~الأخلاط الردئية الفاسدة المترامية به إلى الهلاك والعطب ويداوي منه ~~الجراحات التي أصابته من عبرات الرياءويغسل منه الأوساخ والحوبات التي ~~تراكمت عليه على تقادم الأوقات حتى لو اطلع عليه لأحزنه سواده ووسخه الذي ~~صار دباغا له فيطهره بالماء البارد من ينابيع الصدق الخالصة من جميع ~~الكدورات قبل أن يكون طهوره بالجحيم والحميم فإنه لا ms0631 يجاور الرحمن قلب دنس ~~بأوساخ الشهوات والرياء أبدا ولابد من طهور فاللبيب يؤثر أسهل الطهورين ~~وأنفعهما والله المستعان وقوله : وعلامة هذا الصادق : أن لا يتحمل داعية ~~تدعو إلى نقض عهد يعني أن الصادق حقيقة : هو الذي قد انجذبت قوى روحه كلها ~~إلى إرادة الله وطلبه والسير إليه والاستعداد للقائه ومن تكون هذه حاله : ~~لا يحتمل سببا يدعوه إلى نقض عهده مع الله بوجه وقوله : ولا يصبر على صحبة ~~ضده # الضد عند القوم : هم أهل الغفلة وقطاع طريق القلب إلى الله وأضر شيء على ~~الصادق : صحبتهم بل لا تصبر نفسه على ذلك أبدا إلا جمع ضرورة وتكون صحبتهم ~~له في تلك الحال بقالبه وشبحه دون قلبه وروحه فإن هذا لما استحكمت الغفلة ~~عليه كما استحكم الصدق في الصادق : أحست روحه بالأجنبية التي بينه وبينهم ~~بالمضادة فاشتدت النفرة وقوي الهرب وبحسب هذه الأجنبية PageV02P280 وإحساس ~~الصادق بها : تكون نفرته وهربه عن الأضداد فإن هذا الضد إن نطق أحس قلب ~~الصادق : أنه نطق بلسان الغفلة والرياء والكبر وطلب الجاهولو كان ذاكرا أو ~~قارئا أو مصليا أو حاجا أو غير ذلك فنفر قلبه منه وإن صمت أحس قلبه : أنه ~~صمت على غير حضور وجمعية على الله وإقبال بالقلب عليه وعكوف السر عليه ~~فينفر منه أيضا فإن قلب الصادق قوي الإحساس فيجد الغيرية والأجنبية من الضد ~~ويشم القلب القلب كما يشم الرائحة الخبيثة فيزوي وجهه لذلك ويعتريه عبوس ~~فلا يأنس به إلا تكلفا ولا يصاحبه إلا ضرورة فيأخذ من صحبته قدر الحاجة ~~كصحبة من يشتري منه أو يحتاج إليه في مصالحه كالزوجة والخادم ونحوه # قوله : ولا يقعد عن الجد بحال يعني أنه لما كان صادقا في طلبه مستجمع ~~القوة : لم يقعد به عزمه عن الجد في جميع أحواله فلا تراه إلا جادا وأمره ~~كله جد # | فصل قال : الدرجة الثانية : أن لا يتمنى الحياة إلا للحق ولا يشهد # من نفسه إلا أثر النقصان ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص أي لا يحب أن يعيش ~~إلا ليشبع من رضى ms0632 محبوبه ويقوم بعبوديته ويستكثر من الأسباب التي تقر به ~~إليه وتدنيه منه لا لعلة من علل الدنيا ولا لشهوة من شهواتها كما قال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه : لولا ثلاث لما أحببت البقاء : لولا أن أحمل على ~~جياد الخيل في سبيل الله ومكابدة الليل ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام ~~كما ينتقي أطايب التمر # يريد رضي الله عنه : الجهاد والصلاة والعلم النافع وهذه درجات الفضائل ~~وأهلها هم أهل الزلفى والدرجات العليا # وقال معاذ رضي الله عنه عند موته : اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء ~~PageV02P281 لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولا لنكح الأزواج ولكن لظمأ ~~الهواجر ومكابدة الليل ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر وقوله : ولا ~~يشهد من نفسه إلا أثر النقصان يعني لا يرى نفسه إلا مقصرا والموجب له لهذه ~~الرؤية : استعظام مطلوبه واستصغار نفسه ومعرفته بعيوبها وقلة زاده في عينه ~~فمن عرف الله وعرف نفسه : لم ير نفسه إلا بعين النقصان وأما قوله : ولا ~~يلتفت إلى ترفيه الرخص # فلأنه لكمال صدقه وقوة إرادته وطلبه للتقدم : يحمل نفسه على العزائم ولا ~~يلتفت إلى الرفاهية التي في الرخص وهذا لابد فيه من التفصيل فإن الصادق ~~يعمل على رضى الحق تعالى ومحابه فإذا كانت الرخص أحب إليه تعالى من العزائم ~~: كان التفاته إلى ترفيهها وهو عين صدقه فإذا أفطر في السفر وقصر وجمع بين ~~الصلاتين عند الحاجة إليه وخفف الصلاة عند الشغل ونحو ذلك من الرخص التي ~~يحب الله تعالى أن يؤخذ بها : فهذا الالتفات إلى ترفيهها لا ينافي الصدق # بل ههنا نكتة وهي أنه فرق بين أن يكون التفاته إليها ترفها وراحة وأن ~~يكون متابعة وموافقة ومع هذا فالالتفات إليها ترفها وراحة لا ينافي الصدق ~~فإن هذا هو المقصود منها وفيه شهود نعمة الله على العبد وتعبده باسمه البر ~~اللطيف المحسن الرفيق فإنه رفيق يحب الرفق وفي الصحيح : ما خير رسول الله ~~بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما لما فيه من روح التعبد باسم ~~الرفيق اللطيف ms0633 وإجمام القلب به لعبودية أخرى فإن القلب لا يزال يتنقل في ~~منازل العبودية فإذا أخذ بترفيه رخصة محبوبه : استعد بها لعبودية أخرى وقد ~~تقطعه عزيمتها عن عبودية هي أحب PageV02P282 إلى الله منها كالصائم في ~~السفر الذي ينقطع عن خدمة أصحابه والمفطر الذي يضرب الأخبية ويسقي الركاب ~~ويضم المتاع ولهذا قال فيهم النبي : ذهب المفطرون اليوم بالأجر أما الرخص ~~التأويلية المستندة إلى اختلاف المذاهب والآراء التي تصيب وتخطىء : فالأخذ ~~بها عندهم عين البطالة مناف للصدق # | فصل قال : الدرجة الثالثة : الصدق في معرفة الصدق فإن الصدق لا # يستقيم في علم أهل الخصوص إلا على حرف واحد وهو أن يتفق رضى الحق بعمل ~~العبد أو حاله أو وقته وإيقان العبد وقصده : بكون العبد راضيا مرضيا ~~فأعماله إذن مرضية وأحواله صادقة وقصوده مستقيمة وإن كان العبد كسى ثوبا ~~معارا فأحسن أعماله : ذنب وأصدق أحواله : زور وأصفى قصوده : قعود # يعني أن الصدق المتحقق إنما يحصل لمن صدق في معرفة الصدق فكأنه قال : لا ~~يحصل حال الصدق إلا بعد معرفة علم الصدق # ثم عرف حقيقة الصدق فقال : لا يستقيم الصدق في علم أهل الخصوص إلا على ~~حرف واحد وهو أن يتفق رضى الحق بعمل العبد أو حاله أو وقته وإيقانه وقصده ~~وهذا موجب الصدق وفائدته وثمرته # فالشيخ ذكر الغاية الدالة على الحقيقة التي يعرف انتفاء الحقيقة ~~بانتفائها وثبوتها بثبوتها فإن العبد إذا صدق الله : رضي الله بعمله وحاله ~~ويقينه وقصده لا أن رضى الله نفس الصدق وإنما يعلم الصدق بموافقة رضاه ~~سبحانه ولكن من أين يعلم العبد رضاه PageV02P283 # فمن ههنا كان الصادق مضطرا أشد ضرورة إلى متابعة الأمر والتسليم للرسول ~~في ظاهره وباطنه والاقتداء به والتعبد بطاعته في كل حركة وسكون مع إخلاص ~~القصد لله عز وجل فإن الله تعالى لا يرضيه من عبده إلا ذلك وما عدا هذا ~~فقوت النفس ومجرد حظها واتباع أهوائها وإن كان فيه من المجاهدات والرياضات ~~والخلوات ما كان فإن الله سبحانه وتعالى أبى أن يقبل من عبده عملا أو يرضى ms0634 ~~به حتى يكون على متابعة رسوله خالصا لوجهه سبحانه # ومن ههنا يفارق الصادق أكثر السالكين بل يستوحش في طريقه وذلك لقلة ~~سالكها فإن أكثرهم سائرون على طرق أذواقهم وتجريد أنفاسهم لنفوسهم ومتابعة ~~رسوم شيوخهم والصادق في واد وهؤلاء في واد وقوله : فيكون العبد راضيا مرضيا # لأنه قد رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا فرضي الله به عبدا ~~وأعماله إذا مرضية لله وأحواله صادقة مع الله وقصوده مستقيمة على متابعة ~~أوامر الله عز وجل وقوله وإن كان العبد كسي ثوبا معارا فأحسن أعماله : ذنب ~~وأصدق أحواله : زور وأصفى قصوده : قعود هذا يراد به أمران أحدهما : أن يكسى ~~حلية الصادقين ويلبس ثيابهم على غير قلوبهم وأرواحهم فثوب الصدق عارية له ~~لا ملك له فهو كالمتشبع بما لم يعط فإنه كلابس ثوبي زور فهذا أحسن أعماله : ~~ذنب يعاقب عليه كما يعاقب المقتول في الجهاد والقارىء القرآن المتنسك ~~والمتصدق ويكونون أول من تسعر بهم النار يوم القيامة لما لبسوا ثياب ~~الصادقين على قلوب المرائين هذا معنى صحيح ما أظن الشيخ قصده وإنما أظنه ~~قصد معنى آخر وهو أنه متى تيقن العبد : أن وجوده ثوب PageV02P284 معار ليس ~~منه ولا له وإنما إيجاده وصفاته وإرادته وقدرته وأعماله : عارية من الفعال ~~وحده والعبد ليس له من ذاته إلا العدم فوجوده وحياته : ثوب أعيره فمتى نظر ~~بعين الحقيقة إلى كسوته : رأى أحسن أعماله ذنويافي هذا المقام وأصدق أحواله ~~زورا وأصفى قصوده قعودا فلا يرى لنفسه منه عملا ولا حالا ولا قصدا فإنه ليس ~~له من نفسه إلا الجهل والظلم فكل ما من النفس : فهو ذنب وزور وقعود وما كان ~~مرضيا فهو بالله ومن الله ولله لا بالنفس ولا منها ولا لها فإن العبد إذا ~~رأى أنه قد فعل الطاعة : كانت رؤيته لذلك ذنبا فإنه قد نسب الفعل إليه ~~والله في الحقيقة هو المنفرد بالفعل فعلى هذا لا يتخلص العبد من الذنب قط ~~فإنه إذا خلص فعله من الرياء ومن كل شيء يفسده : اقترن به آخر لا يمكنه ms0635 ~~الخلاص منه وهو اعتقاده : أنه هو الفاعل # والصواب : أن هذا ليس بذنب ولا هو مقدور للعبد ولا مأمور به والكمال في ~~حقه : أن يشهد الأمر كما هو عليه وأنه فاعل حقيقة كما أضاف الله إليه الفعل ~~في كتابه كله والله هو الذي جعله فاعلا فإذا شهد نفسه فاعلا حقيقة وشهد ~~فاعليته بالله ومن الله لا من نفسه : فلا ذنب في هذا الشهود ولا زور بحمد ~~الله وهو نظر بمجموع عينيه إلى السبب والمسبب والشرع والقدر والخلق والأمر ~~وأنه متى شهد نفسه عاصيا مخالفا مذنبا : كان عاصيا بهذا الشهود لأن الفاعل ~~فيه غيره وهذا مناف للعبودية أشد منافاة وهو من سير القوم إلى شهود الحقيقة ~~الكونية واعتقادهم : أنه غاية السالكين # فإن قيل : الشيخ ههنا ما نطق بلسان الأبرار وإنما نطق بلسان المقربين ولا ~~ريب أن حسنات الأبرار سيئات المقربين ولسنا نريد أن شهود فعله ذنب ~~PageV02P285 في الشرع بل يكون حسنة كما ذكرتم لكن هو حسنة للبر ذنب للمقرب ~~فإن نصيب البر من السيئة : ما جاء به العلم ونصيب المقرب : ما جاءت به ~~المعرفة التي هي أخص من العلم قيل : هذا أيضا باطل قطعا فإن المعرفة ~~الصحيحة : مطابقة للحق في نفسه شرعا وقدرا ومخالف ذلك فمعرفة فاسدة والحق ~~في نفس الأمر : نسبة الأفعال إلى الفاعلين قياما ومباشرة وصدورا منهم وذلك ~~محل الأمر والنهي والثواب والعقاب والقدح في ذلك مستلزم لإبطال الشرع ~~والجزاء فإن الشرع إنما أمر بأفعالنا ونهى عنها والجزاء إنما ترتب عليها ~~فشهود أفعالنا كذلك من تمام الإيمان بالشرع والجزاء ونسبتها إلى الرب تعالى ~~قضاء وقدرا وخلقا للأسباب التي منها إرادتنا وقدرتنا فلم يجبرنا عليها ولم ~~يكرهنا بل خلقها بما أعطانا من القدرة والإرادة اللتين هما من أسباب الفعل # فهذا المشهد يحقق عبودية إياك نستعين والمشهد الأول : يحقق عبودية إياك ~~نعبد وهما يحققان مشهدي : فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاوما تشاءون إلا أن ~~يشاء الله [ الإنسان : 2930 ] وقوله : لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤن ~~إلا أن يشاء الله رب العالمين ms0636 [ التكوير : 2829 ] وما جاء به العلم لا ~~يناقض ما جاءت به المعرفة بل المعرفة روح العلم ولبه وكماله وحقيقتها : ~~العلم الذي أثمر لصاحبه مقصوده ولسان الأبرار لا يخالف لسان المقربين إنما ~~يخالف لسان الفجار نعم لسان المقربين أعلى منه وأرفع على مقتضى أعمالهم ~~وأحوالهم فنسبته إليه : كنسبة مقام التوكل إلى الرضى والرضى إلى الحمد ~~والشكر # فإن قيل : كلامكم هذا بلسان العلم ولو تكلمتم بلسان الحال لعلمتم صحة ما ~~ذكرناه فإن صاحب الحال صاحب شهود وصاحب العلم صاحب غيبة PageV02P286 ~~والشاهد يرى ما لا يرى الغائب ونحن نشير إليكم إشارة حالية علمية تنزلا من ~~الحال إلى العلم فنقول : الحال تأثر عن نور من أنوار الأحدية والفردانية ~~يستر العبد عن نفسه ويبدي ظهور مشهوده ولا ريب أن في هذا الحال قد يعتقد أن ~~الشاهد هو المشهود حتى قال أبو يزيد في مثل هذا الحال : سبحاني سبحاني وما ~~في الجبة إلا الله ولا شك أن هذا الإعتقاد زور وإن كان سببه نور من أنوار ~~الأحدية وصاحبه معذور ما دام مستورا عن نفسه بوارده فإذا رد إلى رسمه وعقله ~~وحسه : حال ذلك الحال وزال وعلم صاحبه أنه كان زورا حيث ظن أن الشاهد هو ~~المشهود فإن أنكرتم ذلك فلا كلام معكم وإن اعترفتم به حصل المقصود # فهذا معنى كون أصدق أحوال الصادق : زورا وإذا عرف هذا في الحال : عرف ~~مثله في كون أحسن أعماله : ذنبا فإنه لصدقه في الطلب وبذله الجهد في العمل ~~واستفراغه الوسع فيه يغيب بذلك عن شهود الحقيقة الكونية وأن المحرك له سواه ~~وأنه آلة ومجرى للمشيئة وأن نفسه أعجز وأضعف من أن يكون لها أو بها أو منها ~~: فعل أو إرادة أو حركة فإذا رجع إلى الحقيقة فشهد منة الله عليه وأنه هو ~~المحرك له وأن مشيئته هي التي أوجبت سعيه : رأى أحسن أعماله : ذنبا بهذا ~~الاعتبار # وأما رؤيته أصفى قصوده : قعودا فلأن القاصد إلى الحقيقة متى شهد مقصوده : ~~قعد عن قصده فإن المقصود المراد : أقرب إلى اللسان من نطقه وإلى ms0637 القلب من ~~قصده فالقصد إليه : هو عين القعود عن القصد لأن القصد إنما يكون لبعيد عن ~~القاصد أما من هو أقرب إلى القاصد من ذاته : فمتى شاهد القاصد الحقيقة : ~~علم أن قصده عين القعود عن قصده والعبارة تزيد هذا المعنى جفوة والحوالة ~~فيه على الحال والذوق PageV02P287 # فالجواب أن يقال : من أحالك على الحال فما أنصفك فإنه أحالك على أمر ~~مشترك بين الحق والباطل فإن كل من اعتقد شيئا وطلبه طلبا صادقا واستفرغ ~~وسعه في الوصول إليه : كان له لا محالة فيه حال ليست لغيره بحسب صدقه في ~~طلبه وجمع همته وقصده عليه وهذا يكون للأبرار والفجار بل لأولياء الله ~~وأعدائه فيكون الرجل له شهود بمشهوده وحال في طلبه لا يوجب كونه حقاولا ~~باطلا فإن كل من اعتقد عقيدة وارتاض وصقل قلبه بأنواع الرياضة وجزم بما ~~اعتقده : تجلت له صورة معتقده في عالم نفسه فيظن ذلك كشفا صحيحا وإن كان ~~صادقا في طلبه وحبه لما اعتقده : كان له فيه حال وتأثير بحسبه فالحوالة على ~~الحال حوالة مفلس من العلم على غير مليء به # ومن ههنا دخل الداخل على أكثر السالكين وانعكس سيرهم حيث أحالوا العلم ~~على الحال وحكموه عليه # وسير أولياء الله وعباده الأبرار والمقربين : بخلاف هذا وهو إحالة الحال ~~على العلم وتحكيمه عليه وتقديمه ووزنه به وقبول حكمه فإن وافقه العلم وإلا ~~كان حالا فاسدامنحرفاعن أحوال الصادقين بحسب بعده عن العلم فالعلم حاكم ~~والحال محكوم عليه والعلم راع والحال من رعيته فمن لم يكن هذا أصل بناء ~~سلوكه فسلوكه فاسد وغايته : الانسلاخ من العلم والدين كما جرى ذلك لمن جرى ~~له وبالله المستعان # ونحن لا ننكر ما ذكرتم من غيبة الشاهد بمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن ذكره ~~وبمعروفه عن معرفته وبمحبوبه عن حبه لكن ننكر كون هذا أكمل حالا من صاحب ~~البقاء والتمييز وشهود الحقائق على ما هي عليه فلا يحتاج أن يشهد حاله زورا ~~لأنه لم يحصل له ما حصل لصاحب السكر والاصطلام من الزور فهو أكمل منه حقيقة ms0638 ~~وشرعا PageV02P288 وأما الغائب عن الحقيقة الكونية بشهود فعله : فإنه متى ~~صحبه استصحاب عقد التوحيد وأن مصدر كل شيء مشيئة الله وحده وأنه ما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن وأنه لا يتحرك متحرك في ظاهره أو باطنه إلا به سبحانه : ~~فلا تضره الغيبة عن هذا المشهد باستغراقه في القصد والطلب والفعل إذ حكمه ~~جار عليه في هذه الحال وليس ضيق قلبه عن استحضار ذلك وقت استجماع إرادته ~~وفعله وطلبه : ذنبا لا للخاصة ولا للعامة ولا بالنسبة إلى مقامه أيضا فإن ~~الذنب تعمد مخالفة الأمر وهذا ليس كذلك ولا هو مطالب بالغيبة عن شهود ~~الحقيقة والفناء فيها عن شهود الفعل وقيامه به مع اعتقاد أنه بمشيئة الله ~~وحوله وقوته # وأما ما ذكرتم من أن مشاهدة القرب تجعل القصد قعودا : فكلام له خبىء وقد ~~أفصح عنه بعض المغرورين المخدوعين بقوله : # ما بال عينك لا يقر قرارها % وإلام ظلك لا ينى متنقلا فلسوف تعلم أن سيرك ~~لم يكن % إلا إليك إذا بلغت المنزلا # وكأن صاحبه يشير إلى أنه وجود قلبه ولسانه ووجوده أقرب إليه من إرادته ~~ولطفه هذا خبىء هذا الكلام وتعالى الله عن إلحاد هذا وأمثاله وإفكهم علوا ~~كبيرا بل هو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه # وأما ما ذكرتم من القرب : فإن أردتم عموم قربه إلى كل لسان من نطقه وإلى ~~كل قلب من قصده : فهذا لو صح لكان قرب قدرة وعلم وإحاطة لا قربا بالذات ~~والوجود فإنه سبحانه لا يمازج خلقه ولا يخالطهم ولا يتحد بهم مع أن هذا ~~المعنى لم يرد عن الله ورسوله ولا عن أحد من السلف الأخيار تسميته قربا ولم ~~يجىء القرب في القرآن والسنة قط إلا خاصا كما تقدم # وإن أردتم القرب الخاص إلى اللسان والقلب : فهذا قرب المحبة وقرب الرضى ~~والأنس كقرب العبد من ربه وهو ساجد وهو نوع آخر من القرب PageV02P289 لا ~~مثال له ولا نظير فإن الروح والقلب يقربان من الله وهو على عرشه والروح ~~والقلب في البدن وقد ms0639 تقدمت الإشارة إلى ذلك # وهذا القرب لا ينافي القصد والطلب بل هو مشروط بالقصد فيستحيل وجوده ~~بدونه وكلما كان الطلب والقصد أتم : كان هذا القرب أقوى # فإن قيل : فكيف تصنعون بقوله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس ~~به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ ق : 16 ] قيل : هذه الآية فيها ~~قولان للناس # أحدهما : أنه قربه بعلمه ولهذا قرنه بعلمه بوسوسة نفس الإنسان و حبل ~~الوريد حبل العنق وهو عرق بين الحلقوم والودجين الذي متى قطع مات صاحبه ~~وأجزاء القلب وهذا الحبل يحجب بعضها بعضا وعلم الله بأسرار العبد وما في ~~ضميره لا يحجبه شيء والقول الثاني : أنه قربه من العبد بملائكته الذين ~~يصلون إلى قلبه فيكون أقرب إليه من ذلك العرق اختاره شيخنا # وسمعته يقول : هذا مثل قوله : نحن نقص عليك أحسن القصص [ يوسف : 3 ] ~~وقوله : فإذا قرأناه فاتبع قرآنه [ القيامة : 18 ] فإن جبريل عليه السلام ~~هو الذي قصه عليه بأمر الله فنسب تعليمه إليه إذ هو بأمره وكذلك جبريل هو ~~الذي قرأه عليه كما في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير ~~هذه الآية : فإذا قرأه رسولنا فأنصت لقراءته حتى يقضيها # قلت : أول الآية يأبى ذلك فإنه قال : ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس ~~به نفسه [ ق : 16 ] قال : وكذلك خلقه للإنسان إنما هو بالأسباب وتخليق ~~الملائكة قلت : وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد رضي الله عنه في تخليق ~~النطفة : فيقول الملك الذي يخلقه : يارب ذكر أم أنثى أسوى أم غير سوى فيقضي ~~ربك ما شاء ويكتب الملك فهو سبحانه الخالق وحده ولا ينافي ذلك PageV02P290 ~~استعمال الملائكة بإذنه ومشيئته وقدرته في التخليق فإن أفعالهم وتخليقهم ~~خلق له سبحانه فما ثم خالق على الحقيقة غيره # والمقصود : أن هذا موضع ضلت فيه أفهام وزلت فيه أقدام واشتبهت فيه معية ~~العلم والقدرة والإحاطة بالقرب واشتبهت فيه آثار قرب المحبة والرضى ~~والموافقة وغلبة ذكره ومراقبته بقرب ذاته واشتبه فيه ما في الذهن بما في ~~الخارج واشتبه ms0640 اضمحلال شهود الرسم وانمحاؤه من القلب بعدمه وفنائه واشتبهت ~~فيه آثار الصفات بحقيقتها وأنوار المعرفة بأنوار الذات وأصحابه لتحكيمهم ~~الحال والذوق لا يلتفتون إلى لسان العلم ولا يصغون إليه وفي هذا كفاية ~~والله المستعان # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإيثار قال الله تعالى # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون [ الحشر : 9 ] فالإيثار ضد الشح فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو ~~محتاج إليه والشحيح : حريص على ما ليس بيده فإذا حصل بيده شيء شح عليه وبخل ~~بإخراجه فالبخل ثمرة الشح والشح يأمر بالبخل كما قال النبي : إياكم والشح ~~فإن الشح أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ~~فالبخيل : من أجاب داعي الشح والمؤثر : من أجاب داعي الجود كذلك السخاء عما ~~في أيدي الناس هو السخاء وهو أفضل من سخاء البذل قال عبدالله بن المبارك : ~~سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل PageV02P291 وهذا ~~المنزل : هو منزل الجود والسخاء والإحسان وسمي بمنزل الإيثار لأنه أعلى ~~مراتبه فإن المراتب ثلاثة إحداها : أن لا ينقصه البذل ولا يصعب عليه فهو ~~منزلة السخاء الثانية : أن يعطي الأكثر ويبقي له شيئا أو يبقى مثل ما أعطى ~~فهو الجود الثالثة : أن يؤثر غيره بالشئ مع حاجته إليه وهي مرتبة الإيثار ~~وعكسها الأثرة وهو استئثاره عن أخيه بما هو محتاج إليه وهي المرتبة التي ~~قال فيها رسول الله للأنصار رضي الله عنهم : إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا ~~حتى تلقوني على الحوض والأنصار : هم الذين وصفهم الله بالإيثار في قوله : ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [ الحشر : 9 ] فوصفهم بأعلى مراتب ~~السخاء وكان ذلك فيهم معروفا وكان قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما من ~~الأجواد المعروفين حتى إنه مرض مرة فاستبطأ إخوانه في العيادة فسأل عنهم ~~فقالوا : إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين فقال : أخزى الله مالا ~~يمنع الإخوان من الزيارة ثم أمر مناديا ينادي : من ms0641 كان لقيس عليه مال فهو ~~منه في حل فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه لكثرة من عاده # وقالوا له يوما : هل رأيت أسخى منك قال : نعم نزلنا بالبادية على امرأة ~~فحضر زوجها فقالت : إنه نزل بك ضيفان فجاء بناقة فنحرها وقال : شأنكم فلما ~~كان من الغد جاء بأخرى فنحرها فقلنا : ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا ~~اليسير فقال : إني لا أطعم ضيفاني البائت فبقينا عنده يومين أو ثلاثة ~~والسماء تمطر وهو يفعل ذلك فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته ~~وقلنا للمرأة : اعتذري لنا إليه ومضينا فلما طلع النهار إذا نحن برجل يصيح ~~خلفنا : قفوا أيها الركب اللئام أعطيتموني ثمن قراي ثم إنه لحقنا وقال : ~~لتأخذنه أو لأطاعننكم برمحي فأخذناه وانصرف PageV02P292 # فتأمل سر التقدير حيث قدر الحكيم الخبير سبحانه استئثار الناس على ~~الأنصار بالدنيا وهم أهل الإيثار ليجازيهم على إيثارهم إخوانهم في الدنيا ~~على نفوسهم بالمنازل العالية في جنات عدن على الناس فتظهر حينئذ فضيلة ~~إيثارهم ودرجته ويغبطهم من استأثر عليهم بالدنيا أعظم غبطة وذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم # فإذا رأيت الناس يستأثرون عليك مع كونك من أهل الإيثار فاعلم أنه لخير ~~يراد بك والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل و الجود عشر مراتب أحدها : الجود بالنفس وهو أعلى مراتبه كما قال # الشاعر : # يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها % والجود بالنفس أقصى غاية الجود الثانية : ~~الجود بالرياسة وهو ثاني مراتب الجود فيحمل الجواد جوده على امتهان رياسته ~~والجود بها والإيثار في قضاء حاجات الملتمس الثالثة : الجود براحته ~~ورفاهيته وإجمام نفسه فيجود بها تعباوكدا في مصلحة غيره ومن هذا جود ~~الإنسان بنومه ولذته لمسامره كما قيل : # متيم بالندى لو قال سائله % هب لي جميع كرى عينيك لم ينم الرابعة : الجود ~~بالعلم وبذله وهو من أعلى مراتب الجود والجود به أفضل من الجود بالمال لأن ~~العلم أشرف من المال # والناس في الجود به على مراتب متفاوتة وقد اقتضت حكمة الله وتقديره ~~النافذ : أن لاينفع به بخيلا ms0642 أبدا ومن الجود به : أن تبذله لمن يسألك عنه ~~بل تطرحه عليه طرحا ومن الجود بالعلم : أن السائل إذا سألك عن مسألة : ~~استقصيت له جوابها PageV02P293 جوابا شافيا لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع ~~به الضرورة كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا نعم أو لا مقتصرا عليها # ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في ذلك أمرا عجيبا : ~~كان إذا سئل عن مسألة حكمية ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قدر ~~ومأخذ الخلاف وترجيح القول الراجح وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون ~~أنفع للسائل من مسألته فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم : أعظم من فرحه ~~بمسألته وهذه فتاويه رحمه الله بين الناس فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك فمن ~~جود الإنسان بالعلم : أنه لا يقتصر على مسألة السائل بل يذكر له نظائرها ~~ومتعلقها ومأخذها بحيث يشفيه ويكفيه وقد سأل الصحابة رضي الله عنهم النبي ~~عن المتوضىء بماء البحر فقال : هو الطهور ماؤه الحل ميتته فأجابهم عن ~~سؤالهم وجاد عليهم بما لعلهم في بعض الأحيان إليه أحوج مما سألوه عنه # وكانوا إذا سألوه عن الحكم نبههم على علته وحكمته كما سألوه عن بيع الرطب ~~بالتمر فقال : أينقص الرطب إذا جف قالوا : نعم قال : فلا إذن ولم يكن يخفى ~~عليه نقصان الرطب بجفافه ولكن نبههم على علة الحكم وهذا كثير جدا في أجوبته ~~مثل قوله : إن بعت من أخيك ثمرة فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من مال ~~أخيك شيئا بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق وفي لفظ : أرأيت إن منع الله ~~الثمرة : بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق فصرح بالعلة التي يحرم لأجلها ~~إلزامه بالثمن وهي منع الله الثمرة التي ليس للمشتري فيها صنع # وكان خصومه يعني شيخ الإسلام ابن تيمية يعيبونه بذلك ويقولون : ~~PageV02P294 سأله السائل عن طريق مصر مثلا فيذكر له معها طريق مكة والمدينة ~~وخراسان والعراق والهند وأي حاجة بالسائل إلى ذلك # ولعمر الله ليس ذلك بعيب وإنما العيب : الجهل والكبر وهذا ms0643 موضع المثل ~~المشهور : # لقبوه بحامض وهو خل % مثل من لم يصل إلى العنقود الخامسة : الجود بالنفع ~~بالجاه كالشفاعة والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان ونحوه وذلك زكاة الجاه ~~المطالب بها العبد كما أن التعليم وبذل العلم زكاته السادسة : الجود بنفع ~~البدن على اختلاف أنواعه كما قال : يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة كل يوم ~~تطلع فيه الشمس يعدل بين اثنين : صدقة ويعين الرجل في دابته فيحمله عليها ~~أو يرفع له عليها متاعه : صدقة والكلمة الطيبة : صدقة وبكل خطوة يمشيها ~~الرجل إلى الصلاة : صدقة ويميط الأذى عن الطريق : صدقة + متفق عليه + ~~السابعة : الجود بالعرض كجود أبي ضمضم من الصحابة رضى الله عنهم كان إذا ~~أصبح قال : اللهم إنه لا مال لي أتصدق به على الناس وقد تصدقت عليهم بعرضي ~~فمن شتمني أو قذفني : فهو في حل فقال النبي : من يستطيع منكم أن يكون كأبي ~~ضمضم # وفي هذا الجود من سلامة الصدر وراحة القلب والتخلص من معاداة الخلق ما ~~فيه الثامنة : الجود بالصبر والاحتمال والإغضاء وهذه مرتبة شريفة من مراتبه ~~وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال وأعز له وأنصر وأملك لنفسه وأشرف لها ولا ~~يقدر عليها إلا النفوس الكبار فمن صعب عليه الجود بماله فعليه بهذا الجود ~~فإنه يجتني ثمرة عواقبه الحميدة في الدنيا قبل الآخرة وهذا جود الفتوة قال ~~تعالى : والجروح قصاص PageV02P295 فمن تصدق به فهو كفارة له [ المائدة : 45 ~~] وفي هذا الجود قال تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى وأصلح فأجره ~~على الله إنه لا يحب الظالمين [ الشورى : 40 ] فذكر المقامات الثلاثة في ~~هذه الآية : مقام العدل وأذن فيه ومقام الفضل وندب إليه ومقام الظلم وحرمه ~~التاسعة : الجود بالخلق والبشر والبسطة وهو فوق الجود بالصبر والاحتمال ~~والعفو وهو الذي بلغ بصاحبه درجة الصائم القائم وهو أثقل ما يوضع في ~~الميزان قال النبي : لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك ووجهك ~~منبسط إليه وفي هذا الجود من المنافع والمسار وأنواع المصالح ما فيه والعبد ~~لا يمكنه أن ms0644 يسع الناس بحاله ويمكنه أن يسعهم بخلقه واحتماله العاشرة : ~~الجود بتركه ما في أيدي الناس عليهم فلا يلتفت إليه ولا يستشرف له بقلبه ~~ولا يتعرض له بحاله ولا لسانه وهذا الذي قال عبدالله ابن المبارك : إنه ~~أفضل من سخاء النفس بالبذل # فلسان حال القدر يقول للفقير الجواد : وإن لم أعطك ما تجود به على الناس ~~فجد عليهم بزهدك في أموالهم وما في أيديهم تفضل عليهم وتزاحمهم في الجود ~~وتنفرد عنهم بالراحة # ولكل مرتبة من مراتب الجود مزيدوتأثير خاص في القلب والحال والله سبحانه ~~قد ضمن المزيد للجواد والإتلاف للممسك والله المستعان # | فصل قال صاحب المنازل رحمه الله : الإيثار : تخصيص واختيار والأثرة : # تحسن طوعا وتصح كرها فرق الشيخ بين الإيثار و الأثرة وجعل الإيثار ~~اختيارا و الأثرة منقسمة إلى اختيارية واضطرارية وبالفرق بينهما يعلم معنى ~~كلامه PageV02P296 فإن الإيثار هو البذل وتخصيصك لمن تؤثره على نفسك وهذا ~~لا يكون إلااختيارا # وأما الأثرة فهي استئثار صاحب الشيء به عليك وحوزه لنفسه دونك فهذه لا ~~يحمد عليها المستأثر عليه إلا إذا كانت طوعا مثل أن يقدر على منازعته ~~ومجاذبته فلا يفعل ويدعه وأثرته طوعا فهذا حسن وإن لم يقدر على ذلك كانت ~~أثرة كره # ويعني بالصحة : الوجود أي توجد كرها ولكن إنما تحسن إذا كانت طوعا من ~~المستأثر عليه فحقيقة الإيثار بذل صاحبه وإعطاؤه و الأثرة استبداله هو ~~بالمؤثر به فيتركه وما استبدل به : إما طوعا وإما كرها فكأنك آثرته ~~باستئثاره حيث خليت بينه وبينه ولم تنازعه # قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه : بايعنا رسول الله على السمع والطاعة ~~في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله ~~فالسمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره : لهم معه ومع الأئمة بعده ~~والأثرة : عدم منازعة الأمر مع الأئمة بعده خاصة فإنه لم يستأثر عليهم # | فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : أن تؤثر الخلق # على نفسك فيما لا يحرم عليك دينا ولا يقطع عليك طريقا ولا يفسد عليك وقتا # يعني : أن ms0645 تقدمهم على نفسك في مصالحهم مثل أن تطعمهم وتجوع وتكسوهم وتعرى ~~وتسقيهم وتظمأ بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدين ومثل أن ~~تؤثرهم بمالك وتقعد كلا مضطرا PageV02P297 مستشرفا للناس أو سائلا وكذلك ~~إيثارهم بكل ما يحرمه على المؤثر دينه فإنه سفه وعجز يذم المؤثر به عند ~~الله وعند الناس وأما قوله : ولا يقطع عليك طريقا أي لا يقطع عليك طريق ~~الطلب والمسير إلى الله تعالى مثل أن تؤثر جليسك على ذكرك وتوجهك وجمعيتك ~~على الله فتكون قد آثرته على الله وآثرت بنصيبك من الله ما لا يستحق ~~الإيثار فيكون مثلك كمثل مسافر سائر على الطريق لقيه رجل فاستوقفه وأخد ~~يحدثه ويلهيه حتى فاته الرفاق وهذا حال أكثر الخلق مع الصادق السائر إلى ~~الله تعالى فإيثارهم عليه عين الغبن وما أكثر المؤثرين على الله تعالى غيره ~~وما أقل المؤثرين الله على غيره # وكذلك الإيثار بما يفسد على المؤثر وقته قبيح أيضا مثل أن يؤثر بوقته ~~ويفرق قلبه في طلب خلفه أو يؤثر بأمر قد جمع قلبه وهمه على الله فيفرق قلبه ~~عليه بعد جمعيته ويشتت خاطره فهذا أيضا إيثار غير محمود # وكذلك الإيثار باشتغال القلب والفكر في مهماتهم ومصالحهم التي لا تتعين ~~عليك على الفكر النافع واشتغال القلب بالله ونظائر ذلك لا تخفى بل ذلك حال ~~الخلق والغالب عليهم وكل سبب يعود عليك بصلاح قلبك ووقتك وحالك مع الله : ~~فلا تؤثر به أحدا فإن آثرت به فإنما تؤثر الشيطان على الله وأنت لا تعلم ~~وتأمل أحوال أكثر الخلق في إيثارهم على الله من يضرهم إيثارهم له ولا ~~ينفعهم وأي جهالة وسفه فوق هذا # ومن هذا تكلم الفقهاء في الإيثار بالقرب وقالوا : إنه مكروه أو حرام كمن ~~يؤثر بالصف الأول غيره ويتأخر هو أو يؤثره بقربه من الإمام يوم الجمعة أو ~~يؤثر غيره بالأذان والإقامة أو يؤثره بعلم يحرمه نفسه ويرفعه عليه فيفوز به ~~دونه PageV02P298 # وتكلموا في إيثار عائشة رضي الله عنها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ms0646 بدفنه ~~عند رسول الله في حجرتها وأجابوا عنه بأن الميت ينقطع عمله بموته وبقربه ~~فلا يتصور في حقه الإيثار بالقرب بعد الموت إذ لا تقرب في حق الميت وإنما ~~هذا إيثار بمسكن شريف فاضل لمن هو أولى به منها فالإيثار به قربة إلى الله ~~عز وجل للمؤثر والله أعلم # | فصل قال : ولا يستطاع إلا بثلاثة أشياء : بتعظيم الحقوق ومقت الشح # والرغبة في مكارم الأخلاق ذكر ما يعين على الإيثار فيبعث عليه وهو ثلاثة ~~أشياء تعظيم الحقوق فإن من عظمت الحقوق عنده قام بواجبها ورعاها حق رعايتها ~~واستعظم إضاعتها وعلم أنه إن لم يبلغ درجة الإيثار لم يؤدها كما ينبغي ~~فيجعل إيثاره احتياطا لأدائها الثاني : مقت الشح فإنه إذا مقته وأبغضه ~~التزم الإيثار فإنه يرى أنه لا خلاص له من هذا المقت البغيض إلا بالإيثار ~~الثالث : الرغبة في مكارم الأخلاق وبحسب رغبته فيها : يكون إيثاره لأن ~~الإيثار أفضل درجات مكارم الأخلاق # | فصل قال : الدرجة الثانية : إيثار رضى الله على رضى غيره وإن عظمت # فيه المحن وثقلت فيه المؤن وضعف عنه الطول والبدن # إيثار رضى الله عز وجل على غيره : هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته ولو ~~أغضب الخلق وهي درجة الأنبياء وأعلاها للرسل عليهم صلوات الله وسلامه ~~وأعلاها لأولى العزم منهم وأعلاها لنبينا وعليهم PageV02P299 فإنه قاوم ~~العالم كله وتجرد للدعوة إلى الله واحتمل عداوة البعيد والقريب في الله ~~تعالى وآثر رضى الله على رضى الخلق من كل وجه ولم يأخذه في إيثار رضاه لومة ~~لائم بل كان همه وعزمه وسعيه كله مقصورا على إيثار مرضاة الله وتبليغ ~~رسالاته وإعلاء كلماته وجهاد أعدائه حتى ظهر دين الله على كل دين وقامت ~~حجته على العالمين وتمت نعمته على المؤمنين فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح ~~الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه فلم ينل ~~أحد من درجة هذا الإيثار ما نال صلوات الله وسلامه عليه وأما قوله : وإن ~~عظمت فيه المحن وثقلت فيه المؤن # فإن المحنة تعظم ms0647 فيه أولا ليتأخر من ليس من أهله فإذا احتملها وتقدم ~~انقلبت تلك المحن منحا وصارت تلك المؤن عونا وهذا معروف بالتجربة الخاصة ~~والعامة فإنه ما آثر عبد مرضاة الله عز وجل على مرضاة الخلق وتحمل ثقل ذلك ~~ومؤنته وصبر على محنته : إلا أنشأ الله من تلك المحنة والمؤنة نعمة ومسرة ~~ومعونة بقدر ما تحمل من مرضاته فانقلبت مخاوفه أمانا ومظان عطبه نجاة وتعبه ~~راحة ومؤنته معونة وبليته نعمة ومحنته منحة وسخطه رضى فيا خيبة المتخلفين ~~ويا ذلة المتهيبين # هذا وقد جرت سنة الله التي لا تبديل لها أن من آثر مرضاة الخلق على ~~مرضاته : أن يسخط عليه من آثر رضاه ويخذله من جهته ويجعل محنته على يديه ~~فيعود حامده ذاما ومن آثر مرضاته ساخطا فلا على مقصوده منهم حصل ولا إلى ~~ثواب مرضاة ربه وصل وهذا أعجز الخلق وأحمقهم # هذا مع أن رضى الخلق : لا مقدور ولا مأمور ولا مأثور فهو مستحيل بل لا بد ~~من سخطهم عليك فلأن يسخطوا عليك وتفوز برضى الله عنك أحب إليك وأنفع لك من ~~أن يسخوا عليك والله عنك غير راض فإذا كان سخطهم لابد منه على التقديرين ~~فآثر سخطهم الذي ينال به رضي الله فإن هم رضوا PageV02P300 عنك بعد هذا ~~وإلا فأهون شيء رضى من لا ينفعك رضاه ولا يضرك سخطه في دينك ولا في إيمانك ~~ولا في آخرتك فإن ضرك في أمر يسير في الدنيا فمضرة سخط الله أعظم وأعظم ~~وخاصة العقل : احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما وتفويت أدنى المصلحتين ~~لتحصيل أعلاهما فوازن بعقلك ثم انظر أي الأمرين وأيهما خير فآثره وأيهما شر ~~فابعد عنه فهذا برهان قطعي ضروري في إيثار رضي الله على رضى الخلق # هذا مع أنه إذا آثر رضى الله كفاه الله مؤنة غضب الخلق وإذا آثر رضاهم لم ~~يكفوه مؤنة غضب الله عليه # قال بعض السلف : لمصانعة وجه واحد أيسر عليك من مصانعة وجوه كثيرة إنك ~~إذا صانعت ذلك الوجه الواحد كفاك الوجوه كلها # وقال الشافعي رضي الله ms0648 عنه : رضى الناس غاية لا تدرك فعليك بما فيه صلاح ~~نفسك فالزمه # ومعلوم : أنه لا صلاح للنفس إلا بإيثار رضى ربها ومولاها على غيره ولقد ~~أحسن أبو فراس في هذا المعنى إلا أنه أساء كل الإساءة في قوله إذ يقوله ~~لمخلوق لا يملك له ولا لنفسه نفعا ولا ضرا : # فليتك تحلو والحياة مريرة % وليتك ترضى والأنام غضاب # وليت الذي بيني وبينك عامر % وبيني وبين العالمين خراب # إذا صح منك الود فالكل هين % وكل الذي فوق التراب تراب # ثم ذكر الشيخ رحمه الله ما يستطاع به هذا الإيثار العظيم الشأن فقال : ~~ويستطاع هذا بثلاثة أشياء : بطيب العود وحسن الإسلام وقوة الصبر من المعلوم ~~: أن المؤثر لرضى الله متصد لمعاداة الخلق وأذاهم وسعيهم في إتلافه ولابد ~~هذه سنة الله في خلقه وإلا فما ذنب الأنبياء والرسل والذين يأمرون بالقسط ~~من الناس والقائمين بدين الله الذابين عن كتابه وسنة رسوله عندهم ~~PageV02P301 # فمن آثر رضى الله فلابد أن يعاديه رذالة العالم وسقطهم وغرثاهم وجهالهم ~~وأهل البدع والفجور منهم وأهل الرياسات الباطلة وكل من يخالف هديه هديه فما ~~يقدم على معاداة هؤلاء إلا طالب الرجوع إلى الله عامل على سماع خطاب : يا ~~أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية [ الفجر : 2728 ] ومن ~~إسلامه صلب كامل لا تزعزعه الرجال ولا تقلقله الجبال ومن عقد عزيمة صبره ~~محكم لا تحله المحن والشدائد والمخاوف # قلت : وملاك ذلك أمران : الزهد في الحياة والثناء فما ضعف من ضعف وتأخر ~~من تأخر إلا بحبه للحياة والبقاء وثناء الناس عليه ونفرته من ذمهم له فإذا ~~زهد في هذين الشيئين تأخرت عنه العوارض كلها وانغمس حينئذ في العساكر وملاك ~~هذين الشيئين بشيئين : صحة اليقين وقوة المحبة وملاك هذين بشيئين أيضا : ~~بصدق اللجإ والطلب والتصدي للأسباب الموصلة إليهما فإلى ههنا تنتهي معرفة ~~الخلق وقدرتهم والتوفيق بعد بيد من أزمة الأمور كلها بيده وما تشاءون إلا ~~أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد ~~لهم عذابا أليما ms0649 [ الإنسان : 3031 ] # | فصل قال : الدرجة الثالثة : إيثار إيثار الله فإن الخوض في الإيثار # دعوى في الملك ثم ترك شهود رؤيتك إيثار الله ثم غيبتك عن الترك # يعني بإيثار إيثار الله : أن تنسب إيثارك إلى الله دون نفسك وأنه هو الذي ~~تفرد بالإيثار لا أنت فكأنك سلمت الإيثار إليه فإذا آثرت غيرك بشيء فإن ~~الذي آثره هو الحق لا أنت فهو المؤثر حقيقة إذ هو المعطي حقيقة PageV02P302 ~~ثم بين الشيخ السبب الذي يصح به نسبة الإيثار إلى الله وترك نسبته إلى نفسك ~~فقال : فإن الخوض في الإيثار : دعوى في الملك فإذا ادعى العبد : أنه مؤثر ~~فقد ادعى ملك ما آثر به غيره والملك في الحقيقة : إنما هو لله الذي له كل ~~شيء فإذا خرج العبد عن دعوى الملك فقد آثر إيثار الله وهو إعطاؤه على إيثار ~~نفسه وشهد أن الله وحده هو المؤثر بملكه وأما من لا ملك له : فأي إيثار له ~~وقوله : ثم ترك شهود رؤيتك إيثار الله # يعني أنك إذا آثرت إيثار الله بتسليمك معنى الإيثار إليه : بقيت عليك من ~~نفسك بقية أخرى لابد من الخروج عنها وهي أن تعرض عن شهودك رؤيتك أنك آثرت ~~الحق بإيثارك وأنك نسبت الإيثار إليه لا إليك فإن في شهودك ذلك ورؤيتك له : ~~دعوى أخرى هي أعظم من دعوى الملك وهي أنك ادعيت أن لك شيئا آثرت به الله ~~وقدمته على نفسك فيه بعد أن كان لك وهذه الدعوى أصعب من الأولى فإنها تتضمن ~~ما تضمنته الأولى من الملك وتزيد عليها برؤية الإيثار به فالأول : مدع ~~للملك مؤثر به وهذا مدع للملك ومدع للإيثار به فإذن يجب عليه ترك شهود ~~رؤيته لهذا الإيثار فلا يعتقد أنه آثر الله بهذا الإيثار بل الله هو الذي ~~استأثر به دونك فإن الأثرة واجبة له بإيجابه إياها بنفسه لا بإيجاب العبد ~~إياها له # قوله : ثم غيبتك عن الترك يريد : أنك إذا نزلت هذا الشهود وهذه الرؤية : ~~بقيت عليك بقية أخرى وهي رؤيتك لهذا الترك المتضمنة لدعوى ملكك ms0650 للترك وهي ~~دعوى كاذبة إذ ليس للعبد شيء من الأمر ولا بيده فعل ولا ترك وإنما الأمر ~~كله لله # وقد تبين في الكشف والشهود والعلم والمعرفة : أن العبد ليس له شيء أصلا ~~والعبد لا يملك حقيقة إنما المالك بالحقيقة سيده فالأثرة والإيثار ~~والاستئثار كلها PageV02P303 لله ومنه وإليه سواء اختار العبد ذلك وعلمه أو ~~جهله أم لم يختره فالأثرة واقعة كره العبد أم رضي فإنها استئثار المالك ~~الحق بملكه تعالى وقد فهمت من هذا قوله : فإن الأثرة تحسن طوعا وتصح كرها ~~والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الخلق # قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وإنك لعلى خلق عظيم [ القلم : 4 ~~] قال ابن عباس ومجاهد : لعلى دين عظيم لا دين أحب إلي ولا أرضى عندي منه ~~وهو دين الإسلام # وقال الحسن رضي الله عنه : هو آداب القرآن وقال قتادة : هو ما كان يأمر ~~به من أمر الله وينهى عنه من نهى الله والمعنى : إنك لعلى الخلق الذي آثرك ~~الله به في القرآن وفي الصحيحين : أن هشام بن حكيم : سأل عائشة رضي الله ~~عنها عن خلق رسول الله فقالت : كان خلقه القرآن فقال : لقد هممت أن أقوم ~~ولا أسأل شيئا وقد جمع الله له مكارم الأخلاق في قوله تعالى : خذ العفو ~~واءمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [ الأعراف : 199 ] قال جعفر بن محمد : أمر ~~الله نبيه بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه ~~الآية وقد ذكر : أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله لجبريل : ما هذا قال ~~: لا أدري حتى أسأل فسأل ثم رجع إليه فقال : إن الله يأمرك أن تصل من قطعك ~~وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك ولا ريب أن للمطاع مع الناس ثلاثة أحوال : ~~أحدها : أمرهم ونهيهم بما فيه مصلحتهم الثاني : أخذه منهم ما يبذلونه مما ~~عليهم من الطاعة PageV02P304 الثالث : أن الناس معه قسمان : موافق له موال ~~ومعاد له معارض وعليه في كل واحد من هذه واجب فواجبه ms0651 في أمرهم ونهيهم : أن ~~يأمر بالمعروف وهو المعروف الذي به صلاحهم وصلاح شأنهم وينهاهم عن ضده ~~وواجبه فيما يبذلونه له من الطاعة : أن يأخذ منهم ما سهل عليهم وطوعت له به ~~أنفسهم سماحة واختيارا ولا يحملهم على العنت والمشقة فيفسدهم وواجبه عند ~~جهل الجاهلين عليه : الإعراض عنهم وعدم مقابلتهم بالمثل والانتقام منهم ~~لنفسه فقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم خذ العفو وأمر بالعرف ~~وأعرض عن الجاهلين [ الأعراف : 199 ] قال عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما ~~: أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس وقال مجاهد : يعني خذ العفو ~~من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس مثل قبول الأعذار والعفو والمساهلة ~~وترك الاستقصاء في البحث والتفتيش عن حقاقق بواطنهم # وقال ابن عباس رضي الله عنهما : خذ ما عفا لك من أموالهم وهو الفاضل عن ~~العيال وذلك معنى قوله تعالى : ويسألونك ماذا ينفقون قل : العفو [ البقرة : ~~219 ] # ثم قال تعالى : وأمر بالعرف وهو كل معروف وأعرفه : التوحيد ثم حقوق ~~العبودية وحقوق العبيد ثم قال تعالى وأعرض عن الجاهلين يعني إذا سفه عليك ~~الجاهل فلا تقابله بالسفه كقوله تعالى : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ~~[ الفرقان : 63 ] وعلى هذا فليست بمنسوخة بل يعرض عنه مع إقامة حق الله ~~عليه ولا ينتقم لنفسه وهكذا كان خلقه قال أنس رضي الله عنه : كان رسول الله ~~أحسن الناس خلقا وقال : ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كف رسول الله ولا ~~شممت رائحة قط أطيب PageV02P305 من رائحة رسول الله ولقد خدمت رسول الله ~~عشر سنين فما قال لي قط : أف ولا قال لشيء فعلته : لم فعلته ولا لشيء لم ~~أفعله : ألا فعلت كذا + متفق عليهما + # وأخبر رسول الله : أن البر : هو حسن الخلق # وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال : سألت رسول الله عن ~~البر والإثم فقال : البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع ~~عليه الناس # فقابل البر بالإثم وأخبر : أن البر حسن الخلق والإثم ms0652 : حواز الصدور وهذا ~~يدل على أن حسن الخلق : هو الدين كله وهو حقائق الإيمان وشرائع الإسلام ~~ولهذا قابله بالإثم وفي حديث آخر : البر : ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما ~~حاك في الصدر وقد فسر حسن الخلق بأنه البر فدل على أن حسن الخلق : طمأنينة ~~النفس والقلب والإثم حواز الصدور وما حاك فيها واسترابت به وهذا غير حسن ~~الخلق وسوئه في عرف كثير من الناس كما سيأتي في الصحيحين عن رسول الله : ~~خياركم : أحاسنكم أخلاقا # وفي الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي : ما من شيء أثقل في ~~ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق وإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء ~~قال الترمذي : + حديث حسن صحيح + # وفيه أيضا وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله سئل عن أكثر ~~ما يدخل الناس الجنة فقال : تقوى الله وحسن الخلق وسئل عن أكثر ما يدخل ~~الناس النار فقال : الفم والفرج # وفيه أيضا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي وصححه إن من أكمل المؤمنين ~~إيمانا : أحسنهم خلقا وخياركم : خياركم لنسائهم PageV02P306 وفي الصحيح عن ~~عائشة عنه : إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم رواه أبو داود ~~وعن ابن عمر رضي الله عنهما عنه : أنا زعيم ببيت في ربض الجنة : لمن ترك ~~المراء وإن كان محقا وببيت في وسط الجنة : لمن ترك الكذب وإن كان مازحا ~~ويبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه رواه الطبراني + وإسناده صحيح + فجعل ~~البيت العلوي جزاء لأعلى المقامات الثلاثة وهي حسن الخلق والأوسط لأوسطها ~~وهو ترك الكذب والأدنى لأدناها وهو ترك المماراة وإن كان معه حق ولا ريب أن ~~حسن الخلق مشتمل على هذا كله # وفي الترمذي عن جابر رضي الله عنه عنه : إن من أحبكم إلي وأقربكم مني ~~مجلسا يوم القيامة : أحاسنكم أخلاقا وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم ~~القيامة : الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون قالوا : يا رسول الله قد علمنا ~~الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون قال : المتكبرون الثرثار : هو كثير ~~الكلام بغير فائده دينية والمتشدق ms0653 : المتكلم بملء فيه تفاصحا وتعاظما ~~وتطاولا وإظهارا لفضله على غيره وأصله : من الفهق وهو الامتلاء # | فصل الدين كله خلق فمن زاد عليك في الخلق : زاد عليك في الدين # وكذلك التصوف قال الكتاني : التصوف هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق : فقد ~~زاد عليك في التصوف وقد قيل : إن حسن الخلق بذل الندى وكف الأذى واحتمال ~~الأذى وقيل : حسن الخلق : بذل الجميل وكف القبيح وقيل : التخلي من الرذائل ~~والتحلي بالفضائل PageV02P307 وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور ~~قيام ساقه إلا عليها : الصبر والعفة والشجاعة والعدل فالصبر : يحمله على ~~الاحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى والحلم والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة ~~والعفة : تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل وتحمله على ~~الحياء وهو رأس كل خير وتمنعه من الفحشاء والبخل والكذب والغيبة والنميمة # والشجاعة : تحمله على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم وعلى البذل ~~والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته وتحمله على ~~كظم الغيظ والحلم فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنائها ويكبحها بلجامها عن ~~النزغ والبطش كما قال : ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد : الذي يملك نفسه ~~عند الغضب وهوحقيقة الشجاعة وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه # والعدل : يحمله على اعتدال أخلاقه وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط ~~فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الذل والقحة وعلى خلق ~~الشجاعة الذي هو توسط بين الجبن والتهور وعلى خلق الحلم الذي هو توسط بين ~~الغضب والمهانة وسقوط النفس ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة ~~ومنشأ جميع الأخلاق السافلة وبناؤها على أربعة أركان : الجهل والظلم ~~والشهوة والغضب فالجهل : يريه الحسن في صورة القبيح والقبيح في صورة الحسن ~~والكمال نقصا والنقص كمالا والظلم : يحمله على وضع الشيء في غير موضعه ~~فيغضب في موضع الرضى PageV02P308 ويرضى في موضع الغضب ويجهل في موضع الأناة ~~ويبخل في موضع البذل ويبذل في موضع البخل ويحجم في موضع الإقدام ويقدم في ~~موضع الإحجام ويلين في موضع الشدة ويشتد في موضع اللين ms0654 ويتواضع في موضع ~~العزة ويتكبر في موضع التواضع # والشهوة : تحمله على الحرص والشح والبخل وعدم العفة والنهمة والجشع والذل ~~والدناءات كلها والغضب : يحمله على الكبر والحقد والحسد والعدوان والسفه ~~ويتركب من بين كل خلقين من هذه الأخلاق : أخلاق مذمومة وملاك هذه الأربعة ~~أصلان : إفراط النفس في الضعف وإفراطها في القوة # فيتولد من إفراطها في الضعف : المهانة والبخل والخسة واللؤم والذل والحرص ~~والشح وسفساف الأمور والأخلاق ويتولد من إفراطها في القوة : الظلم والغضب ~~والحدة والفحش والطيش ويتولد من تزوج أحد الخلقين بالآخر : أولاد غية ~~كثيرون فإن النفس قد تجمع قوة وضعفا فيكون صاحبها أجبر الناس إذا قدر ~~وأذلهم إذا قهر ظالم عنوف جبار فإذا قهر صار أذل من امرأة : جبان عن القوي ~~جريء على الضعيف فالأخلاق الذميمة : يولد بعضها بعضا كما أن الأخلاق ~~الحميدة : يولد بعضها بعضا # وكل خلق محمود مكتنف بخلقين ذميمين وهو وسط بينهما وطرفاه خلقان ذميمان ~~كالجود : الذي يكتنفه خلقا البخل والتبذير والتواضع : الذي يكتنفه خلقا ~~الذل والمهانة والكبر والعلو # فإن النفس متى انحرفت عن التوسط انحرفت إلى أحد الخلقين الذميمين ولابد ~~فإذا انحرفت عن خلق التواضع انحرفت : إما إلى كبر وعلو وإما إلى ذل ومهانة ~~وحقارة وإذا انحرفت عن خلق الحياء انحرفت : إما إلى قحة PageV02P309 وجرأة ~~وإما إلى عجز وخور ومهانة بحيث يطمع في نفسه عدوه ويفوته كثير من مصالحه ~~ويزعم أن الحامل له على ذلك الحياء وإنما هو المهانة والعجز وموت النفس # وكذلك إذا انحرفت عن خلق الصبر المحمود انحرفت : إما إلى جزع وهلع وجشع ~~وتسخط وإما إلى غلظة كبد وقسوة قلب وتحجر طبع كما قال بعضهم : # تبكي علينا ولا نبكي على أحد % فنحن أغلظ أكبادا من الإبل # وإذا انحرفت عن خلق الحلم انحرفت : إما إلى الطيش والترف والحدة والخفة ~~وإما إلى الذل والمهانة والحقارة ففرق بين من حلمه حلم ذل ومهانة وحقارة ~~وعجز وبين من حلمه حلم اقتدار وعزة وشرف كما قيل : # كل حلم أتى بغير اقتدار % حجة لاجىء إليها اللئام وإذا انحرفت عن خلق ms0655 ~~الأناة والرفق انحرفت : إما إلى عجلة وطيش وعنف وإما إلى تفريط وإضاعة ~~والرفق والأناة بينهما وإذا انحرفت عن خلق العزة التي وهبها الله للمؤمنين ~~انحرفت : إما إلى كبر وإما إلى ذل والعزة المحمودة بينهما وإذا انحرفت عن ~~خلق الشجاعة انحرفت : إما إلى تهور وإقدام غير محمود وإما إلى جبن وتأخر ~~مذموم وإذا انحرفت عن خلق المنافسة في المراتب العالية والغبطة انحرفت : ~~إما إلى حسد وإما إلى مهانة وعجز وذل ورضى بالدون # وإذا انحرفت عن القناعة انحرفت : إما إلى حرص وكلب وإما إلى خسة ومهانة ~~وإضاعة وإذا انحرفت عن خلق الرحمة انحرفت : إما إلى قسوة وإما إلى ضعف قلب ~~وجبن نفس كمن لا يقدم على ذبح شاة ولا إقامة حد وتأديب ولد PageV02P310 ~~ويزعم أن الرحمة تحمله على ذلك وقد ذبح أرحم الخلق بيده في موضع واحد ثلاثا ~~وستين بدنة وقطع الأيدي من الرجال والنساء وضرب الأعناق وأقام الحدود ورجم ~~بالحجارة حتى مات المرجوم وكان أرحم خلق الله على الإطلاق وأرأفهم # وكذلك طلاقة الوجه والبشر المحمود فإنه وسط بين التعبيس والتقطيب وتصعير ~~الخد وطي البشر عن البشر وبين الاسترسال مع كل أحد بحيث يذهب الهيبة ويزيل ~~الوقار ويطمع في الجانب كما أن الانحراف الأول يوقع الوحشة والبغضة والنفرة ~~في قلوب الخلق # وصاحب الخلق الوسط : مهيب محبوب عزيز جانبه حبيب لقاؤه وفي صفة نبينا : ~~من رآه بديهة هابه ومن خالطه عشرة أحبه والله أعلم # | فصل نافع جدا عظيم النفع للسالك يوصله عن قريب ويسيره بأخلاقه التي # لا يمكنه إزالتها فإن أصعب ما على الطبيعة الإنسانية : تغيير الأخلاق ~~التي طبعت النفوس عليها وأصحاب الرياضات الصعبة والمجاهدات الشاقة إنما ~~عملوا عليها ولم يظفر أكثرهم بتبديلها لكن النفس اشتغلت بتلك الرياضات عن ~~ظهور سلطانها فإذا جاء سلطان تلك الأخلاق وبرز : كسر جيوش الرياضة وشتتها ~~واستولى على مملكة الطبع # وهذا فصل يصل به السالك مع تلك الأخلاق ولا يحتاج إلى علاجها وإزالتها ~~ويكون سيره أقوى وأجل وأسرع من سير العامل على إزالتها ونقدم قبل هذا مثلا ~~نضربه ms0656 مطابقا لما نريده وهو : نهر جار في صببه ومنحدره ومنته إلى تغريق أرض ~~وعمران ودور وأصحابها يعلمون أنه لا ينتهي حتى يخرب دورهم ويتلف أراضيهم ~~وأموالهم فانقسموا ثلاث فرق PageV02P311 فرقة صرفت قواها وقوى أعمالها إلى ~~سكره وحبسه وإيقافه فلا تصنع هذه الفرقة كبير أمر فإنه يوشك أن يجتمع ثم ~~يحمل على السكر فيكون إفساده وتخريبه أعظم # وفرقة رأت هذه الحالة وعلمت أنه لا يغنى عنها شيئا فقالت : لا خلاص من ~~محذوره إلا بقطعه من أصل الينبوع فرامت قطعه من أصله فتعذر عليها ذلك غاية ~~التعذر وأبت الطبيعة النهرية عليهم ذلك أشد الإباء فهم دائما في قطع ~~الينبوع وكلما سدوه من موضع نبع من موضع فاشتغل هؤلاء بشأن هذا النهر عن ~~الزراعات والعمارات وغرس الأشجار فجاءت فرقة ثالثة خالفت رأي الفرقتين ~~وعلموا أنهم قد ضاع عليهم كثير من مصالحهم فأخذوا في صرف ذلك النهر عن ~~مجراه المنتهي إلى العمران فصرفوه إلى موضع ينتفعون بوصوله إليه ولا ~~يتضررون به فصرفوه إلى أرض قابلة للنبات وسقوها به فأنبتت أنواع العشب ~~والكلإ والثمار المختلفة الأصناف فكانت هذه الفرقة هم أصوب الفرق في شأن ~~هذا النهر # فإذا تبين هذا المثل فالله سبحانه قد اقتضت حكمته : أن ركب الإنسان بل ~~وسائر الحيوان على طبيعة محمولة على قوتين : غضبية وشهوانية وهي الإرادية ~~وهاتان القوتان هما الحاملتان لأخلاق النفس وصفاتها وهما مركوزتان في جبلة ~~كل حيوان فبقوة الشهوة والإرادة : يجذب المنافع إلى نفسه وبقوة الغضب : ~~يدفع المضار عنها فإذا استعمل الشهوة في طلب ما يحتاج إليه : تولد منها ~~الحرص وإذا استعمل الغضب في دفع المضرة عن نفسه : تولد منه القوة والغيرة ~~فإذا عجز عن ذلك الضار : أورثه قوة الحقد وإن أعجزه وصول ما يحتاج إليه ~~ورأى غيره مستبدا به أورثه الحسد فإن ظفر به : أورثته شدة شهوته وإرادته : ~~خلق البخل والشح وإن اشتد حرصه وشهوته على الشيء ولم يمكنه تحصيله إلا ~~بالقوة الغضبية فاستعملها فيه : أورثه ذلك العدوان والبغي والظلم ومنه ~~يتولد : الكبر PageV02P312 والفخر والخيلاء فإنها أخلاق متولدة ms0657 من بين قوتي ~~الشهوة والغضب وتزوج أحدهما بصاحبه # فإذا تبين هذا : فالنهر مثال هاتين القوتين وهو منصب في جدول الطبيعة ~~ومجراها إلى دور القلب وعمرانه وحواصله يخربها ويتلفها ولابد فالنفوس ~~الجاهلة الظالمة تركته ومجراه فخرب ديار الإيمان وقلع آثاره وهدم عمرانه ~~وأنبت موضعها كل شجرة خبيثة من حنظل وضريع وشوك وزقوم وهو الذي يأكله أهل ~~النار يوم القيامة يوم المعاد وأما النفوس الزكية الفاضلة : فإنها رأت ما ~~يؤل إليه أمر هذا النهر فافترقوا ثلاث فرق فأصحاب الرياضات والمجاهدات ~~والخلوات والتمرينات : راموا قطعه من ينبوعه فأبت عليهم ذلك حكمة الله ~~تعالى وما طبع عليه الجبلة البشرية ولم تنقد له الطبيعة فاشتد القتال ودام ~~الحرب وحمى الوطيس وصارت الحرب دولا وسجالا وهؤلاء صرفوا قواهم إلى مجاهدة ~~النفس على إزالة تلك الصفات # وفرقة أعرضوا عنها وشغلوا نفوسهم بالأعمال ولم يجيبوا دواعي تلك الصفات ~~مع تخليتهم إياها على مجراها لكن لم يمكنوا نهرها من إفساد عمرانهم بل ~~اشتغلوا بتحصين العمران وإحكام بنائه وأساسه ورأوا أن ذلك النهر لابد أن ~~يصل إليه فإذا وصل وصل إلى بناء محكم فلم يهدمه بل أخذ عنه يمينا وشمالا ~~فهؤلاء صرفوا قوة عزيمتهم وإرادتهم في العمارة وإحكام البناء وأولئك صرفوها ~~في قطع المادة الفاسدة من أصلها خوفا من هدم البناء # وسألت يوما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذه المسألة وقطع الآفات ~~والاشتغال بتنقية الطريق وبتنظيفها فقال لي جملة كلامه : النفس مثل الباطوس ~~وهو جب القذر كلما نبشته ظهر وخرج ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه وتعبره ~~وتجوزه فافعل PageV02P313 ولا تشتغل بنبشه فإنك لن تصل إلى قراره وكلما ~~نبشت شيئا ظهر غيره فقلت سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ فقال لي : مثال ~~آفات النفس مثال الحيات والعقارب التي في طريق المسافر فإن أقبل على تفتيش ~~الطريق عنها والاشتغال بقتلها : انقطع ولم يمكنه السفر قط ولكن لتكن همتك ~~المسير والإعراض عنها وعدم الالتفات إليها فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن ~~المسير فاقتله ثم امض على سيرك # فاستحسن شيخ ms0658 الإسلام ذلك جدا وأثنى على قائله إذا تبين هذا فهذه الفرقة ~~الثالثة : رأت أن هذه الصفات ما خلقت سدى ولا عبثا وأنها بمنزلة ماء يسقى ~~به الورد والشوك والثمار والحطب وأنها صوان وأصداف لجواهر منطوية عليها وأن ~~ما خاف منه أولئك هو نفس سبب الفلاح والظفر فرأوا أن الكبر نهر يسقي به ~~العلو والفخر والبطر والظلم والعدوان ويسقي به علو الهمة والأنفة والحمية ~~والمراغمة لأعداء الله وقهرهم والعلو عليهم وهذه درة في صدفته فصرفوا مجراه ~~إلى هذا الغراس واستخرجوا هذه الدرة من صدفته وأبقوه على حاله في نفوسهم ~~لكن استعملوه حيث يكون استعماله أنفع وقد رأى النبي أبا دجانة يتبختر بين ~~الصفين فقال : إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموضع # فانظر كيف خلى مجرى هذه الصفة وهذا الخلق يجري في أحسن مواضعه وفي الحديث ~~الآخر وأظنه في المسند : إن من الخيلاء ما يحبها الله ومنها ما يبغضها الله ~~فالخيلاء التي يحبها الله : اختيال الرجل في الحرب وعند الصدقة فانظر كيف ~~صارت الصفة المذمومة عبودية وكيف استحال القاطع موصلا فصاحب الرياضات ~~والعامل بطريق الرياضات والمجاهدات والخلوات : هيهات هيهات إنما يوقعه ذلك ~~في الآفات والشبهات والضلالات فإن PageV02P314 تزكية النفوس مسلم إلى الرسل ~~وإنما بعثهم الله لهذه التزكية وولاهم إياها وجعلها على أيديهم دعوة ~~وتعليما وبيانا وإرشادا لا خلقا ولا إلهاما فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم ~~قال الله تعالى : هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [ الجمعة : ~~2 ] وقال تعالى : كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ~~ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم ~~واشكروا لي ولا تكفرون [ البقرة : 151 ] # وتزكية النفوس : أصعب من علاج الأبدان وأشد فمن زكى نفسه بالرياضة ~~والمجاهدة والخلوة التي لم يجىء بها الرسل فهو كالمريض الذي يعالج نفسه ~~برأيه وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب فالرسل أطباء القلوب فلا سبيل إلى ~~تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم وعلى ms0659 أيديهم وبمحض الانقياد والتسليم لهم ~~والله المستعان # فإن قلت : هل يمكن أن يقع الخلق كسبيا أو هو أمر خارج عن الكسب # قلت : يمكن أن يقع كسبيا بالتخلق والتكلف حتى يصير له سجية وملكة وقد قال ~~النبي لأشج عبد القيس رضي الله عنه : إن فيك لخلقين يحبهما الله : الحلم ~~والأناة فقال : أخلقين تخلقت بهما أم جبلني الله عليهما فقال : بل جبلك ~~الله عليهما فقال : الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله # فدل على أن من الخلق : ما هو طبيعة وجبلة وما هو مكتسب وكان النبي يقول ~~في دعاء الاستفتاح : اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ~~واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت فذكر الكسب والقدر والله أعلم ~~PageV02P315 # | فصل قال صاحب المنازل : الخلق : ما يرجع إليه المتكلف من نعمته أي # خلق كل متكلف : فهو ما اشتملت عليه نعوته فتكلفه يرده إلى خلقه كما قيل : # إن التخلق يأتي دونه الخلق % # وقال الآخر : # يراد من القلب نسيانكم % وتأبى الطباع على الناقل فمتكلف ما ليس من نعته ~~ولا شيمته : يرجع إلى شيمته ونعته وسجيته فذاك الذي يرجع إليه : هو الخلق ~~قال : واجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم : أن التصوف هو الخلق وجميع ~~الكلام فيه يدور على قطب واحد وهو بذل المعروف وكف الأذى قلت : من الناس من ~~يجعلها ثلاثة : كف الأذى واحتمال الأذى وإيجاد الراحة PageV02P316 # ومنهم : من يجعلها اثنين كما قال الشيخ بذل المعروف وكف الأذى ومنهم من ~~يردها إلى واحد وهو بذل المعروف والكل صحيح قال : وإنما يدرك إمكان ذلك في ~~ثلاثة أشياء في العلم والجود والصبر ف العلم يرشده إلى مواقع بذل المعروف ~~والفرق بينه وبين المنكر وترتيبه في وضعه مواضعه فلا يضع الغضب موضع الحلم ~~ولا بالعكس ولا الإمساك موضع البذل ولا بالعكس بل يعرف مواقع الخير والشر ~~ومراتبها وموضع كل خلق : أين يضعه وأين يحسن استعماله # و الجود يبعثه على المسامحة بحقوق نفسه والاستقصاء منها بحقوق غيره ~~فالجود هو قائد جيوش الخير # و الصبر ms0660 يحفظ عليه استدامة ذلك ويحمله على الاحتمال وكظلم الغيظ وكف ~~الأذى وعدم المقابلة وعلى كل خير كما تقدم وهو أكبر العون على نيل كل مطلوب ~~من خير الدنيا والآخرة قال الله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها ~~لكبيرة إلا على الخاشعين [ البقرة : 45 ] # فهذه الثلاثة أشياء : بها يدرك التصوف والتصوف : زاوية من زوايا السلوك ~~الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى ومعية ~~من تحبه فإن المرء مع من أحب كما قال سمنون : ذهب المحبون بشرف الدنيا ~~والآخرة فإن المرء مع من أحب والله أعلم # | فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : أن تعرف مقام الخلق # وأنهم بأقدارهم مربوطون وفي طاقتهم محبوسون وعلى الحكم موقوفون فتستفيد ~~بهذه المعرفة ثلاثة أشياء : أمن الخلق منك حتى الكلب ومحبة الخلق إياك ~~ونجاة الخلق بك فبهذه الدرجة : يكون تحسين الخلق مع الخلق في معاملتهم ~~وكيفية مصاحبتهم PageV02P317 وبالثانية : تحسين الخلق مع الله في معاملته ~~وبالثالثة : درجة الفناء على قاعدته وأصله # يقول : إذا عرفت مقام الخلق ومقاديرهم وجريان الأحكام القدرية عليهم ~~وأنهم مقيدون بالقدر لا خروج لهم عنه ألبتة ومحبوسون في قدرتهم وطاقتهم لا ~~يمكنهم تجاوزها إلى غيرها وأنهم موقوفون على الحكم الكوني القدري لايتعدونه ~~استفدت بهذه المعرفة ثلاثة أشياء : أمن الخلق منك وذلك : أنه إذا نظر إليهم ~~بعين الحقيقة : لم يطالبهم بما لا يقدرون عليه وامتثل فيهم أمر الله تعالى ~~لنبيه بأخذ العفو منهم فأمنوا من تكليفه إياهم وإلزامه لهم ما ليس في قواهم ~~وقدرهم وأيضا فإنهم يأمنون لائمته فإنه في هذه الحال عاذر لهم فيما يجري ~~عليهم من الأحكام فيما لم يأمر الشرع بإقامته فيهم لأنهم إذا كانوا محبوسين ~~في طاقتهم فينبغي مطالبتهم بما يطالب به المحبوس وعذرهم بما يعذر به ~~المحبوس وإذا بدا منهم في حقك تقصير أو إساءة أو تفريط فلا تقابلهم به ولا ~~تخاصمهم بل اغفر لهم ذلك واعذرهم نظرا إلى جريان الأحكام عليهم وأنهم آلة ~~وههنا ينفعك الفناء بشهود الحقيقة عن شهود جنايتهم عليك كما قال بعض ~~العارفين ms0661 لرجل تعدى عليه وظلمه : إن كنت ظالما فالذي سلطك علي ليس بظالم # وههنا للعبد أحد عشر مشهدا فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه أحدها ~~: المشهد الذي ذكره الشيخ رحمه الله وهو مشهد القدر وأن ما جرى عليه : ~~بمشيئة الله وقضائه وقدره فيراه كالتأذي بالحر والبرد والمرض والألم وهبوب ~~الرياح وانقطاع الأمطار فإن الكل أوجبته مشيئة الله فما شاء الله كان ووجب ~~وجوده وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده وإذا شهد هذا : استراح وعلم أنه كائن ~~لا محالة فما للجزع منه وجه وهو كالجزع من الحر والبرد والمرض والموت ~~PageV02P318 # | فصل المشهد الثاني : مشهد الصبر فيشهده ويشهد وجوبه وحسن عاقبته وجزاء # أهله وما يترتب عليه من الغبطة والسرور ويخلصه من ندامة المقابلة ~~والانتقام فما انتقم أحد لنفسه قط إلا أعقبه ذلك ندامة وعلم أنه إن لم يصبر ~~اختيارا على هذا وهو محمود صبر اضطرارا على أكبر منه وهو مذموم # | فصل المشهد الثالث : مشهد العفو والصفح والحلم فإنه متى شهد ذلك # وفضله وحلاوته وعزته : لم يعدل عنه إلا لعشي في بصيرته فإنه ما زاد الله ~~عبدا بعفو إلا عزا كما صح عن النبي وعلم بالتجربة والوجود وما انتقم أحد ~~لنفسه إلا ذل # هذا وفي الصفح والعفو والحلم : من الحلاوة والطمأنينة والسكينة وشرف ~~النفس وعزها ورفعتها عن تشفيها بالانتقام : ما ليس شيء منه في المقابلة ~~والانتقام # | فصل المشهد الرابع : مشهد الرضى وهو فوق مشهد العفو والصفح وهذا لا # يكون إلا للنفوس المطمئنة سيما إن كان ما أصيبت به سببه القيام لله فإذا ~~كان ما أصيب به في الله وفي مرضاته ومحبته : رضيت بما نالها في الله وهذا ~~شأن كل محب صادق يرضى بما يناله في رضى محبوبه من المكاره ومتى تسخط به ~~وتشكى منه كان ذلك دليلا على كذبه في محبته والواقع شاهد بذلك والمحب ~~الصادق كما قيل : # من أجلك جعلت خدي أرضا % للشامت والحسود حتى ترضى # ومن لم يرض بما يصيبه في سبيل محبوبه فلينزل عن درجة المحبة وليتأخر فليس ~~من ms0662 ذا الشأن PageV02P319 # | فصل المشهد الخامس : مشهد الإحسان وهو أرفع مما قبله وهو أن يقابل # إساءة المسيء إليه بالإحسان فيحسن إليه كلما أساء هو إليه ويهون هذا عليه ~~علمه بأنه قد ربح عليه وأنه قد أهدى إليه حسناته ومحاها من صحيفته وأثبتها ~~في صحيفة من أساء إليه فينبغي لك أن تشكره وتحسن إليه بما لا نسبة له إلى ~~ما أحسن به إليك # وههنا ينفع استحضار مسألة اقتضاء الهبة الثواب وهذا المسكين قد وهبك ~~حسناته فإن كنت من أهل الكرم فأثبه عليها لتثبت الهبة وتأمن رجوع الواهب ~~فيها وفي هذا حكايات معروفة عن أرباب المكارم وأهل العزائم # ويهونه عليك أيضا : علمك بأن الجزاء من جنس العمل فإن كان هذا عملك في ~~إساءة المخلوق إليك عفوت عنه وأحسنت إليه مع حاجتك وضعفك وفقرك وذلك فهكذا ~~يفعل المحسن القادر العزيز الغني بك في إساءتك يقابلها بما قابلت به إساءة ~~عبده إليك فهذا لابد منه وشاهده في السنة من وجوه كثيرة لمن تأملها # | فصل المشهد السادس : مشهد السلامة وبرد القلب وهذا مشهد شريف جدا لمن # عرفه وذاق حلاوته وهو أن لا يشتغل قلبه وسره بما ناله من الأذى وطلب ~~الوصول إلى درك ثأره وشفاء نفسه بل يفرغ قلبه من ذلك ويرى أن سلامته وبرده ~~وخلوه منه أنفع له وألذ وأطيب وأعون على مصالحه فإن القلب إذا اشتغل بشيء ~~فاته ما هو أهم عنده وخير له منه فيكون بذلك مغبونا والرشيد لا يرضى بذلك ~~ويرى أنه من تصرفات السفيه فأين سلامة القلب من امتلائه بالغل والوساوس ~~وإعمال الفكر في إدراك الانتقام PageV02P320 # | فصل المشهد السابع : مشهد الأمن فإنه إذا ترك المقابلة والانتقام : # أمن ما هو شر من ذلك وإذا انتقم : واقعه الخوف ولا بد فإن ذلك يزرع ~~العداوة والعاقل لا يأمن عدوه ولو كان حقيرا فكم من حقير أردى عدوه الكبير ~~فإذا غفر ولم ينتقم ولم يقابل : أمن من تولد العداوة أو زيادتها ولابد أن ~~عفوه وحلمه وصفحه يكسر عنه شوكة عدوه ويكف من جزعه بعكس الانتقام ms0663 والواقع ~~شاهد بذلك أيضا # | فصل المشهد الثامن : مشهد الجهاد وهو أن يشهد تولد أذى الناس له من # جهاده في سبيل الله وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإقامة دين الله ~~وإعلاء كلماته # وصاحب هذا المقام : قد اشترى الله منه نفسه وماله وعرضه بأعظم الثمن فإن ~~أراد أن يسلم إليه الثمن فليسلم هو السلعة ليستحق ثمنها فلا حق له على من ~~آذاه ولا شيء له قبله إن كان قد رضي بعقد هذا التبايع فإنه قد وجب أجره على ~~الله # وهذا ثابت بالنص وإجماع الصحابة رضي الله عنهم ولهذا منع النبي من سكنى ~~مكة أعزها الله ولم يرد على أحد منهم داره ولا ماله الذي أخذه الكفار ولم ~~يضمنهم دية من قتلوه في سبيل الله # ولما عزم الصديق رضي الله عنه على تضمين أهل الردة ما أتلفوه من نفوس ~~المسلمين وأموالهم قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمشهد من الصحابة رضي ~~الله عنهم : تلك دماء وأموال ذهبت في الله وأجورها على الله ولا دية لشهيد ~~فأصفق الصحابة على قول عمر ووافقه عليه الصديق # فمن قام لله حتى أوذي في الله : حرم الله عليه الانتقام كما قال لقمان ~~لابنه : وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم ~~الأمور [ لقمان : 17 ] PageV02P321 # | فصل المشهد التاسع : مشهد النعمة وذلك من وجوه أحدها : أن يشهد نعمة # الله عليه في أن جعله مظلوما يترقب النصر ولم يجعله ظالما يترقب المقت ~~والأخذ فلو خير العاقل بين الحالتين ولابد من إحداهما لاختار أن يكون ~~مظلوما # ومنها : أن يشهد نعمة الله في التكفير بذلك من خطاياه فإنه ما أصاب ~~المؤمن هم ولا غم ولا أذى إلا كفر الله به من خطاياه فذلك في الحقيقة دواء ~~يستخرج به منه داء الخطايا والذنوب ومن رضي أن يلقى الله بأدوائه كلها ~~وأسقامه ولم يداوه في الدنيا بدواء يوجب له الشفاء : فهو مغبون سفيه فأذى ~~الخلق لك كالدواء الكريه من الطبيب المشفق عليك فلا تنظر إلى مرارة الدواء ~~وكراهته ms0664 ومن كان على يديه وانظر إلى شفقة الطبيب الذي ركبه لك وبعثه إليك ~~على يدي من نفعك بمضرته # ومنها : أن يشهد كون تلك البلية أهون وأسهل من غيرها فإنه ما من محنة إلا ~~وفوقها ما هو أقوى منها وأمر فإن لم يكن فوقها محنة في البدن والمال فلينظر ~~إلى سلامة دينه وإسلامه وتوحيده وأن كل مصيبة دون مصيبة الدين فهينة وأنها ~~في الحقيقة نعمة والمصيبة الحقيقية مصيبة الدين ومنها : توفية أجرها ~~وثوابها يوم الفقر والفاقة وفي بعض الآثار : أنه يتمنى PageV02P322 أناس ~~يوم القيامة لو أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء # هذا وإن العبد ليشتد فرحه يوم القيامة بما له قبل الناس من الحقوق في ~~المال والنفس والعرض فالعاقل يعد هذا ذخرا ليوم الفقر والفاقة ولا يبطله ~~بالانتقام الذي لا يجدي عليه شيئا # | فصل المشهد العاشر : مشهد الأسوة وهو مشهد شريف لطيف جدا فإن العاقل # اللبيب يرضى أن يكون له أسوة برسل الله وأنبيائه وأوليائه وخاصته من خلقه ~~فإنهم أشد الخلق امتحانا بالناس وأذى الناس إليهم أسرع من السيل في الحدور ~~ويكفي تدبر قصص الأنبياء عليهم السلام مع أممهم وشأن نبينا وأذى أعدائه له ~~بما لم يؤذه من قبله وقد قال له ورقة بن نوفل : لتكذبن ولتخرجن ولتؤذين ~~وقال له : ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وهذا مستمر في ورثته كما كان ~~في مورثهم # أفلا يرضى العبد أن يكون له أسوة بخيار خلق الله وخواص عباده : الأمثل ~~فالأمثل ومن أحب معرفة ذلك فليقف على محن العلماء وأذى الجهال لهم وقد صنف ~~في ذلك ابن عبدالبر كتابا سماه محن العلماء # | فصل المشهد الحادي عشر : مشهد التوحيد وهو أجل المشاهد وأرفعها فإذا # امتلأ قلبه بمحبة الله والإخلاص له ومعاملته وإيثار مرضاته والتقرب إليه ~~وقرة العين به والإنس به واطمأن إليه وسكن إليه واشتاق إلى لقائه واتخذه ~~وليا دون من سواه بحيث فوض إليه أموره كلها ورضي به وبأقضيته وفنى بحبه ~~وخوفه ورجائه وذكره والتوكل عليه ms0665 عن كل ما سواه : فإنه لا يبقى PageV02P323 ~~في قلبه متسع لشهود أذى الناس له ألبتة فضلا عن أن يشتغل قلبه وفكره وسره ~~بتطلب الانتقام والمقابلة فهذا لا يكون إلا من قلب ليس فيه ما يغنيه عن ذلك ~~ويعوضه منه فهو قلب جائع غير شبعان فإذا رأى أي طعام رآه هفت إليه نوازعه ~~وانبعثت إليه دواعيه وأما من امتلأ قلبه بأعلى الأغذية وأشرفها : فإنه لا ~~يلتفت إلى ما دونها وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم # | فصل وأما قوله : أن يستفيد بمعرفة أقدار الناس وجريان الأحكام عليهم # : محبتهم له ونجاتهم به فلأنه إذا عاملهم بهذه المعاملة : من إقامة ~~أعذارهم والعفو عنهم وترك مقابلتهم : استوت كراهتهم ومحبتهم له وكان ذلك ~~سببا لنجاتهم الأخروية أيضا إذ يرشدهم ذلك إلى القبول منه وتلقي ما يأمرهم ~~به وينهاهم عنه أحسن التلقي هذه طباع الناس # | فصل قال : الدرجة الثانية : تحسين خلقك مع الحق وتحسينه منك : أن # تعلم أن كل ما يأتي منك يوجب عذرا وأن كل ما يأتي من الحق يوجب شكرا وأن ~~لا ترى له من الوفاء بدا هذه الدرجة مبنية على قاعدتين إحداهما : أن تعلم ~~أنك ناقص وكل ما يأتي من الناقص ناقص فهو يوجب اعتذاره منه لا محالة فعلى ~~العبد أن يعتذر إلى ربه من كل ما يأتي به من خير وشر أما الشر : فظاهر وأما ~~الخير : فيعتذر من نقصانه ولا يراه صالحا لربه فهو مع إحسانه معتذر في ~~إحسانه ولذلك مدح الله أولياءه بالوجل منه مع إحسانهم بقوله : والذين يؤتون ~~ما آتوا وقلوبهم وجلة [ المؤمنون : 60 ] وقال النبي PageV02P324 : هو الرجل ~~يصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه فإذا خاف فهو بالاعتذار أولى والحامل له ~~على هذا الاعتذار أمران أحدهما : شهود تقصيره ونقصانه والثاني : صدق محبته ~~فإن المحب الصادق يتقرب إلى محبوبه بغاية إمكانه وهو معتذر إليه مستحي منه ~~: أن يواجهه بما واجهه به وهو يرى أن قدره فوقه وأجل منه وهذا مشاهد في ~~محبة المخلوقين # القاعدة الثانية : استعظام كل ms0666 ما يصدر منه سبحانه إليك والاعتراف بأنه ~~يوجب الشكر عليك وأنك عاجزة عن شكره ولا يتبين هذا إلا في المحبة الصادقة ~~فإن المحب يستكثر من محبوبه كل ما يناله فإذا ذكره بشيء وأعطاه إياه : كان ~~سروره بذكره له وتأهيله لعطائه : أعظم عنده من سروره بذلك العطاء بل يغيب ~~بسروره بذكره له عن سروره بالعطية وإن كان المحب يسره ذكر محبوبه له وإن ~~ناله بمساءة كما قال القائل : # لئن ساءني أن نلتني بمساءة % لقد سرني أني خطرت ببالكا فكيف إذا ناله ~~محبوبه بمسرة وإن دقت فإنه لا يراها إلا جليلة خطيرة فكيف هذا مع الرب ~~تعالى الذي لا يأتي أبدا إلا بالخير ويستحيل خلاف ذلك في حقه كما يستحيل ~~عليه خلاف كماله وقد أفصح أعرف الخلق بربه عن هذا بقوله : والشر ليس إليك ~~أي لا يضاف إليك ولا ينسب إليك ولا يصدر منك فإن أسماءه كلها حسنى وصفاته ~~كلها كمال وأفعاله كلها فضل وعدل وحكمة ورحمة ومصلحة فبأي وجه ينسب الشر ~~إليه سبحانه وتعالى فكل ما يأتي منه فله عليه الحمد والشكر وله فيه النعمة ~~والفضل قوله : وأن لا يرى من الوفاء بدا يعني : أن معاملتك للحق سبحانه ~~بمقتضى الاعتذار من كل ما منك والشكر PageV02P325 على ما منه : عقد مع الله ~~تعالى لازم لك أبدا لا ترى من الوفاء به بدا فليس ذلك بأمر عارض وحال يحول ~~بل عقد لازم عليك الوفاء به إلى يوم القيامة # | فصل قال : الدرجة الثالثة : التخلق بتصفية الخلق ثم الصعود عن تفرقة # التخلق ثم ثم ثم التخلق بمجاوزة الأخلاق هذه الدرجة ثلاثة أشياء أحدها : ~~تصفية الخلق بتكميل ما ذكر في الدرجتين قبله فيصفيه من كل شائبة وقذى ومشوش ~~فإذا فعلت ذلك صعدت من تفرقته إلى جمعيتك على الله فإن التخلق والتصوف ~~تهذيب واستعداد للجمعية وإنما سماه تفرقة : لأنه اشتغال بالغير والسلوك ~~يقتضي الإقبال بالكلية والاشتغال بالرب وحده عما سواه # ثم يصعد إلى ما فوق ذلك وهو مجاوزة الأخلاق كلها بأن يغيب عن الخلق ~~والتخلق وهذه الغيبة ms0667 لها مرتبتان عندهم إحداهما : الاشتغال بالله عز وجل عن ~~كل ما سواه والثانية : الفناء في الفردانية التي يسمونها حضرة الجمع وهي ~~أعلى الغايات عندهم وهي موهبية لا كسبية لكن العبد إذا تعرض وصدق في الطلب ~~: رجى له الظفر بمطلوبه والله أعلم # | فصل ومدار حسن الخلق مع الحق ومع الخلق : على حرفين ذكرهما عبدالقادر # الكيلاني فقال : كن مع الحق بلا خلق ومع الخلق بلا نفس فتأمل ما أجل ~~هاتين الكلمتين مع اختصارهما وما أجمعهما لقواعد PageV02P326 السلوك ولكل ~~خلق جميل وفساد الخلق إنما ينشأ من توسط الخلق بينك وبين الله تعالى وتوسط ~~النفس بينك وبين خلقه فمتى عزلت الخلق حال كونك مع الله تعالى وعزلت النفس ~~حال كونك مع الخلق فقد فزت بكل ما أشار إليه القوم وشمروا إليه وحاموا حوله ~~والله المستعان # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التواضع # قال الله تعالى : وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا [ الفرقان : ~~63 ] أي سكينة ووقارا متواضعين غير أشرين ولا مرحين ولا متكبرين قال الحسن ~~: علماء حلماء وقال محمد بن الحنفية : أصحاب وقار وعفة لا يسفهون وإن سفه ~~عليهم حلموا والهون بالفتح في اللغة : الرفق واللين و الهون بالضم : الهوان ~~فالمفتوح منه : صفة أهل الإيمان والمضموم صفة أهل الكفران وجزاؤهم من الله ~~النيران # وقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين [ المائدة : 54 ] ~~لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة على تضمينا لمعاني ~~هذه الأفعال فإنه لم يرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل وإنما هو ذل اللين ~~والانقياد الذي صاحبه ذلول فالمؤمن ذلول كما في الحديث : المؤمن كالجمل ~~الذلول والمنافق والفاسق ذليل وأربعة يعشقهم الذل أشد العشق : الكذاب ~~والنمام والبخيل والجبار وقوله : أعزة على الكافرين هو من عزة القوة ~~والمنعة والغلبة قال عطاء رضي الله عنه : للمؤمنين كالوالد لولده وعلى ~~الكافرين كالسبع على فريسته PageV02P327 كما قال في الآية الأخرى : أشداء ~~على ms0668 الكفار رحماء بينهم [ الفتح : 29 ] وهذا عكس حال من قيل فيهم : # كبرعلينا وجبنا عن عدوكم % لبئست الخلتان : الكبر والجبن وفي صحيح مسلم ~~من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه قال : قال رسول الله : إن الله أوحى إلي ~~: أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد # وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله : لا يدخل ~~الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر وفي الصحيحين مرفوعا : ألا أخبركم ~~بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر # وفي حديث احتجاج الجنة والنار : أن النار قالت : مالي لا يدخلني إلا ~~الجبارون والمتكبرون وقالت الجنة : مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم ~~وهو في الصحيح وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما ~~قالا : قال رسول الله : يقول الله عز وجل : العزة إزاري والكبرياء ردائي ~~فمن نازعني عذبته # وفي جامع الترمذي مرفوعا عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه : لا يزال الرجل ~~يذهب بنفسه حتى يكتب في ديوان الجبارين فيصيبه ما أصابهم وكان النبي يمر ~~على الصبيان فيسلم عليهم وكانت الأمة تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت وكان ~~إذا أكل لعق أصابعه الثلاث وكان يكون في بيته في خدمة أهله ولم يكن ينتقم ~~لنفسه قط وكان يخصف نعله ويرقع ثوبه ويحلب الشاة لأهله ويعلف البعير ويأكل ~~مع الخادم ويجالس المساكين ويمشي مع الأرملة واليتيم PageV02P328 في ~~حاجتهما ويبدأ من لقيه بالسلام ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء # وكان هين المؤنة لين الخلق كريم الطبع جميل المعاشرة طلق الوجه بساما ~~متواضعا من غير ذلة جوادا من غير سرف رقيق القلب رحيما بكل مسلم خافض ~~الجناح للمؤمنين لين الجانب لهم وقال : ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو ~~تحرم عليه النار تحرم على كل قريب هين لين سهل رواه الترمذي وقال : حديث ~~حسن وقال : لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع أو كراع ~~لقبلت رواه البخاري ms0669 وكان يعوض المريض ويشهد الجنازة ويركب الحمار ويجيب ~~دعوة العبد وكان يوم قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف من ليف # | فصل سئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال : يخضع للحق وينقاد له # ويقبله ممن قاله وقيل : التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة فمن رأى لنفسه قيمة ~~فليس له في التواضع نصيب وهذا مذهب الفضيل وغيره وقال الجنيد بن محمد : هو ~~خفض الجناح ولين الجانب وقال أبو يزيد البسطامي : هو أن لا يرى لنفسه مقاما ~~ولا حالا ولا يرى في الخلق شرا منه # وقال ابن عطاء : هو قبول الحق ممن كان والعز في التواضع فمن طلبه في ~~الكبر فهو كتطلب الماء من النار PageV02P329 وقال إبراهيم بن شيبان : الشرف ~~في التواضع والعز في التقوي والحرية في القناعة # ويذكر عن سفيان الثوري رحمه الله أنه قال : أعز الخلق خمسة أنفس : عالم ~~زاهد وفقيه صوفي وغني متواضع وفقير شاكر وشريف سني وقال عروة بن الزبير رضي ~~الله عنهما : رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء فقلت : ~~يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا فقال : لما أتاني الوفود سامعين مطيعين ~~دخلت نفسي نخوة فأردت أن أكسرها # وولي أبو هريرة رضي الله عنه إمارة مرة فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره ~~يقولطرقوا للأمير # وركب زيد بن ثابت مرة فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه فقال : مه يا ابن عم ~~رسول الله فقال : هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا فقال : أرني يدك فأخرجها ~~إليه فقبلها فقال : هكذا أمرنا نفعل بأهل بيت رسول الله # وقسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بين الصحابة رضي الله عنهم حللا فبعث ~~إلى معاذ حلة مثمنة فباعها واشترى بثمنها ستة أعبد وأعتقهم فبلغ ذلك عمر ~~فبعث إليه بعد ذلك حلة دونها فعاتبه معاذ فقال عمر : لأنك بعت الأولى فقال ~~معاذوما عليك ادفع لي نصيبي وقد حلفت لأضربن بها رأسك فقال عمر رضي الله ~~عنه : رأسي بين يديك وقد يرفق الشاب بالشيخ # ومر الحسن بن علي صبيان معهم ms0670 كسر خبز فاستضافوه فنزل فأكل معهم ثم حملهم ~~إلى منزله فأطعمهم وكساهم وقال : اليد لهم لأنهم لا يجدون شيئا غير ما ~~أطعموني ونحن نجد أكثر منه # ويذكر أن أبا ذر رضي الله عنه عير بلالا رضي الله عنه بسواده ثم ندم ~~فألقى بنفسه فحلف : لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه فلم يرفع رأسه حتى ~~فعل بلال PageV02P330 وقال رجاء بن حيوة قومت ثياب عمر بن عبد العزيز رضي ~~الله عنه وهو يخطب باثني عشر درهما وكانت قباء وعمامة وقميصا وسراويل ورداء ~~وخفين وقلنسوة # ورأى محمد بن واسع ابنا له يمشي مشية منكرة فقال : تدري بكم شريت أمك ~~بثلاثمائة درهم وأبوك لا كثر الله في المسلمين مثله أنا وأنت تمشي هذه ~~المشية وقال حمدون القصار : التواضع أن لا ترى لأحد إلى نفسك حاجة لا في ~~الدين ولا في الدنيا # وقال إبراهيم بن أدهم : ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات : كنت في سفينة ~~وفيها رجل مضحاك كان يقول : كنا في بلاد الترك فأخذ العلج هكذا وكان يأخذ ~~بشعر رأسي ويهزني لأنه لم يكن فى تلك السفينة أحد أحقر مني والأخرى : كنت ~~عليلا في مسجد فدخل المؤذن وقال : اخرج فلم أطق فأخذ برجلي وجرني إلى خارج ~~والأخرى : كنت بالشام وعلي فرو فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين القمل ~~لكثرته فسرني ذلك وفي رواية : كنت يوما جالسا فجاء إنسان فبال علي # وقال بعضهم : رأيت في الطواف رجلا بين يديه شاكرية يمنعون الناس لأجله عن ~~الطواف ثم رأيته بعد ذلك بمدة على جسر بغداد يسأل شيئا فتعجبت منه فقال لي ~~: إني تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه فابتلاني الله بالذل في موضع يترفع ~~الناس فيه # وبلغ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : أن ابنا له اشترى خاتما بألف درهم ~~فكتب إليه عمر : بلغني أنك اشتريت فصا بألف درهم فإذا أتاك كتابي فبع ~~PageV02P331 0 الخاتم وأشبع به ألف بطن واتخذ خاتما بدرهمين واجعل فصه ~~حديدا صينيا واكتب عليه : رحم الله امرءا عرف ms0671 قدر نفسه والله اعلم # | فصل أول ذنب عصى الله به أبو الثقلين : الكبر والحرص فكان الكبر # ذنب إبليس اللعين فآل أمره إلى ما آل إليه وذنب آدم على نبينا وعليه ~~السلام : كان من الحرص والشهوة فكان عاقبته التوبة والهداية وذنب إبليس ~~حمله على الاحتجاج بالقدر والإصرار وذنب آدم أوجب له إضافته إلى نفسه ~~والاعتراف به والاستغفار # فأهل الكبر والإصرار والاحتجاج بالأقدار : مع شيخهم وقائدهم إلى النار ~~إبليس وأهل الشهوة : المستغفرون التائبون المعترفون بالذنوب الذين لا ~~يحتجون عليها بالقدر : مع أبيهم آدم في الجنة # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : التكبر شر من الشرك فإن ~~المتكبر يتكبر عن عبادة الله تعالى والمشرك يعبد الله وغيره # قلت : ولذلك جعل الله النار دار المتكبرين كما قال الله تعالى في سورة ~~الزمر وفي سورة غافر : فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ~~[ غافر : [ الزمر : 72 ] وفي سورة النحل : فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ~~فلبئس مثوي المتكبرين [ النحل : 29 ] وفي سورة تنزيل : أليس في جهنم مثوى ~~للمتكبرين [ الزمر : 60 ] # وأخبر أن أهل الكبر والتجبر هم الذين طبع الله على قلوبهم فقال تعالى ~~كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار [ غافر : 35 ] وقال : لا يدخل الجنة ~~من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر رواه مسلم PageV02P332 # وقال : الكبر بطر الحق وغمص الناس وقال تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به [ النساء : 8 ] تنبيها على أنه لا يغفر الكبر الذي هو أعظم من الشرك ~~وكما أن من تواضع لله رفعه فكذلك من تكبر عن الانقياد للحق أذله الله ووضعه ~~وصغره وحقره ومن تكبر عن الانقياد للحق ولو جاءه على يد صغير أو من يبغضه ~~أو يعاديه فإنما تكبره على الله فإن الله هو الحق وكلامه حق ودينه حق والحق ~~صفته ومنه وله فإذا رده العبد وتكبر عن قبوله : فإنما رد على الله وتكبر ~~عليه والله أعلم # | فصل قال صاحب المنازل : التواضع : أن يتواضع العبد لصولة الحق # يعني : أن يتلقى سلطان الحق بالخضوع ms0672 له والذل والانقياد والدخول تحت رقه ~~بحيث يكون الحق متصرفا فيه تصرف المالك في مملوكه فبهذا يحصل للعبد خلق ~~التواضع ولهذا فسر النبي الكبر بضده فقال : الكبر بطر الحق وغمص الناس فبطر ~~الحق : رده وجحده والدفع في صدره كدفع الصائل و غمص الناس احتقارهم ~~وازدراؤهم ومتى احتقرهم وازدراهم : دفع حقوقهم وجحدها واستهان بها ولما كان ~~لصاحب الحق مقال وصولة : كانت النفوس المتكبرة لا تقر له بالصولة على تلك ~~الصولة التي فيها ولا سيما النفوس المبطلة فتصول على صولة الحق بكبرها ~~وباطلها فكان حقيقة التواضع : خضوع العبد لصولة الحق وانقياده لها فلا ~~يقابلها بصولته عليها قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : التواضع ~~للدين وهو أن لا يعارض بمعقول منقولا ولا يتهم للدين دليلا ولا يرى إلى ~~الخلاف سبيلا PageV02P333 # التواضع للدين هو الانقياد لما جاء به الرسول والاستسلام له والإذعان ~~وذلك بثلاثة أشياء الأول : أن لا يعارض شيئا مما جاء به بشيء من المعارضات ~~الأربعة السارية في العالم المسماة : بالمعقول والقياس والذوق والسياسة # فالأولى : للمنحرفين أهل الكبر من المتكلمين الذين عارضوا نصوص الوحي ~~بمعقولاتهم الفاسدة وقالوا : إذا تعارض العقل والنقل : قدمنا العقل وعزلنا ~~النقل إما عزل تفويض وإما عزل تأويل والثاني : للمتكبرين من المنتسبين إلى ~~الفقه قالوا : إذا تعارض القياس والرأي والنصوص : قدمنا القياس على النص ~~ولم نلتفت إليه والثالث : للمتكبرين المنحرفين من المنتسبين إلى التصوف ~~والزهد فإذا تعارض عندهم الذوق والأمر قدموا الذوق والحال ولم يعبأوا ~~بالأمر والرابع : للمتكبرين المنحرفين من الولاة والأمراء الجائرين إذا ~~تعارضت عندهم الشريعة والسياسة قدموا السياسة ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة ~~فهؤلاء الأربعة : هم أهل الكبر والتواضع : التخلص من ذلك كله الثاني : أن ~~لا يتهم دليلا من أدلة الدين بحيث يظنه فاسد الدلالة أو ناقص الدلالة أو ~~قاصرها أو أن غيره كان أولى منه ومتى عرض له شيء من ذلك فليتهم فهمه وليعلم ~~أن الآفة منه والبلية فيه كما قيل : # وكم من عائب قولاصحيحا % وآفته من الفهم السقيم # ولكن تأخذ الأذهان منه % على قدر القرائح ms0673 والفهوم # وهكذا الواقع في الواقع حقيقة : أنه ما اتهم أحد دليلا للدين إلا وكان ~~المتهم هو الفاسد الذهن المأفون في عقله وذهنه فالآفة من الذهن العليل لا ~~في نفس الدليل وإذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك وينبو فهمك عنه فاعلم ~~أنه PageV02P334 لعظمته وشرفه استعصى عليك وأن تحته كنزا من كنوز العلم ولم ~~تؤت مفتاحه بعد هذا في حق نفسك # وأما بالنسبة إلى غيرك : فاتهم آراء الرجال على نصوص الوحي وليكن ردها ~~أيسر شيء عليك للنصوص فما لم تفعل ذلك فلست على شيء ولو ولو وهذا لا خلاف ~~فيه بين العلماء قال الشافعي قدس الله روحه : أجمع المسلمون على أن من ~~استبانت له سنة رسول الله : لم يحل له أن يدعها لقول أحد الثالث : أن لا ~~يجد إلى خلاف النص سبيلا ألبتة لا بباطنه ولا بلسانه ولا بفعله ولا بحاله ~~بل إذا أحس بشيء من الخلاف : فهو كخلاف المقدم على الزنا وشرب الخمر وقتل ~~النفس بل هذا الخلاف أعظم عند الله من ذلك وهو داع إلى النفاق وهو الذي ~~خافه الكبار والأئمة على نفوسهم # واعلم أن المخالف للنص لقول متبوعه وشيخه ومقلده أو لرأيه ومعقوله وذوقه ~~وسياسته إن كان عند الله معذورا ولا والله ما هو بمعذور فالمخالف لقوله ~~لنصوص الوحي أولى بالعذر عند الله ورسوله وملائكته والمؤمنين من عباده # فواعجبا إذا اتسع بطلان المخالفين للنصوص لعذر من خالفها تقليدا أو ~~تأويلا أو لغير ذلك فكيف ضاق عن عذر من خالف أقوالهم وأقوال شيوخهم لأجل ~~موافقة النصوص وكيف نصبوا له الحبائل وبغوه الغوائل ورموه بالعظائم وجعلوه ~~أسوأ حالا من أرباب الجرائم فرموه بدائهم وانسلوا منه لواذا وقذفوه بمصابهم ~~وجعلوا تعظيم المتبوعين ملاذا لهم ومعاذا والله أعلم PageV02P335 # | فصل قال : ولا يصح ذلك إلا بأن يعلم : أن النجاة في البصيرة # والاستقامة بعد الثقة وأن البينة وراء الحجة يقول : إن ما ذكرناه من ~~التواضع للدين بهذه الأمور الثلاثة : الأولى : علمه أن النجاة من الشقاء ~~والضلال : إنما هي في البصيرة فمن لا بصيرة ms0674 له : فهو من أهل الضلال في ~~الدنيا والشقاء في الآخرة والبصيرة نور يجعله الله في عين القلب يفرق به ~~العبد بين الحق والباطل ونسبته إلى القلب : كنسبة ضوء العين إلى العين وهذه ~~البصيرة وهبية وكسبية فمن أدار النظر في أعلام الحق وأدلته وتجرد لله من ~~هواه : استنارت بصيرته ورزق فرقانا يفرق به بين الحق والباطل الثاني : أن ~~يعلم أن الاستقامة إنما تكون بعد الثقة أي لا يتصور حصول الاستقامة في ~~القول والعمل والحال إلا بعد الثقة بصحة ما معه من العلم وأنه مقتبس من ~~مشكاة النبوة ومن لم يكن كذلك فلا ثقة له ولا استقامة الثالث : أن يعلم أن ~~البينة وراء الحجة و البينة مراده بها : استبانة الحق وظهوره وهذا إنما ~~يكون بعد الحجة إذا قامت استبان الحق وظهر واتضح وفيه معنى آخر وهو : أن ~~العبد إذا قبل حجة الله بمحض الإيمان والتسليم والانقياد : كان هذا القبول ~~هو سبب تبينها وظهورها وانكشافها لقلبه فلا يصبر على بينة ربه إلا بعد قبول ~~حجته # وفيه معنى آخر أيضا : أنه لا يتبين له عيب عمله من صحته إلا بعد العلم ~~الذي هو حجة الله على العبد فإدا عرف الحجة اتضح له بها ما كان مشكلا عليه ~~من علومه وما كان معيبا من أعماله وفيه معنى آخر أيضا : وهو أن يكون وراء ~~بمعنى أمام والمعنى : أن PageV02P336 الحجة إنما تحصل للعبد بعد تبينها ~~فإذا لم تتبين له لم تكن له حجة يعني فلا يقنع من الحجة بمجرد حصولها بلا ~~تبين فإن التبين أمام الحجة والله أعلم # | فصل قال : الدرجة الثانية : أن ترضى بما رضي الحق به لنفسه عبدا # من المسلمين أخا وأن لا ترد على عدوك حقا وأن تقبل من المعتذر معاذيره # يقول : إذا كان الله قد رضي أخاك المسلم لنفسه عبدا أفلا ترضى أنت به أخا ~~فعدم رضاك به أخا وقد رضيه سيدك الذي أنت عبده عبدا لنفسه عين الكبر وأي ~~قبيح أقبح من تكبر العبد على عبد مثله لا يرضى بأخوته وسيده راض ms0675 بعبوديته # فيجيء من هذا : أن المتكبر غير راض بعبودية سيده إذ عبوديته توجب رضاه ~~بأخوة عبده وهذا شأن عبيد الملوك فإنهم يرون بعضهم خشداشية بعض ومن ترفع ~~منهم عن ذلك : لم يكن من عبيد أستاذهم قوله : وأن لا ترد على عدوك حقا أي ~~لا تصح لك درجة التواضع حتى تقبل الحق ممن تحب وممن تبغض فتقبله من عدوك ~~كما تقبله من وليك وإذا لم ترد عليه حقه فكيف تمنعه حقا له قبلك بل حقيقة ~~التواضع أنه إذا جاءك قبلته منه وإذا كان له عليك حق أديته إليه فلا تمنعك ~~عداوته من قبول حقه ولا من إيتائه إياه وأما قبولك من المعتذر معاذيره ~~فمعناه : أن من أساء إليك ثم جاء يعتذر من إساءته فإن التواضع يوجب عليك ~~قبول معذرته حقا كانت أو باطلا وتكل سريرته إلى الله تعالى كما فعل رسول ~~الله في المنافقين الذين تخلفوا عنه في الغزو فلما قدم جاءوا يعتذرون إليه ~~فقبل أعذارهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى وعلامة الكرم والتواضع : أنك إذا ~~رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه PageV02P337 ولا تحاجه وقل يمكن أن يكون ~~الأمر كما تقول ولو قضى شيء لكان والمقدور لا مدفع له ونحو ذلك # | فصل قال : الدرجة الثالثة : أن تتضع للحق فتنزل عن رأيك وعوائدك # في الخدمة ورؤية حقك في الصحبة وعن رسمك في المشاهدة # بقول : التواضع بأن تخدم الحق سبحانه وتعبده بما أمرك به على مقتضى أمره ~~لا على ما تراه من رأيك ولا يكون الباعث لك داعي العادة كما هو باعث من لا ~~بصيرة له غير أنه اعتاد أمرا فجرى عليه ولو اعتاد ضده لكان كذلك وحاصله : ~~أنه لا يكون باعثه على العبودية مجرد رأي وموافقة هوى ومحبة ولاعادة بل ~~الباعث مجرد الأمر والرأي والمحبة والهوى والعوائد : منفذة تابعة لا أنها ~~مطاعة باعثة وهذه نكتة لا يتنبه لها إلا أهل البصائر وأما نزوله عن رؤية ~~حقه في الصحبة # فمعناه : أن لا يرى لنفسه حقا على الله لأجل عمله فإن صحبته مع ms0676 الله ~~بالعبودية والفقر المحض والذل والإنكسار فمتى رأى لنفسه عليه حقا فسدت ~~الصحبة وصارت معلولة وخيف منها المقت ولا ينافي هذا ما أحقه سبحانه على ~~نفسه من إثابة عابديه وإكرامهم فإن ذلك حق أحقه على نفسه بمحض كرمه وبره ~~وجوده وإحسانه لا باستحقاق العبيد وأنهم أوجبوه عليه بأعمالهم # فعليك بالفرقان في هذا الموضع الذي هو مفترق الطرق والناس فيه ثلاث فرق ~~فرقة رأت أن العبد أقل وأعجز من أن يوجب على ربه حقا فقالت : لا يجب على ~~الله شيء ألبتة وأنكرت وجوب ما أوجب على نفسه وفرقة رأت أنه سبحانه أوجب ~~على نفسه أمورا لعبده فظنت أن العبد PageV02P338 أوجبها عليه بأعماله وأن ~~أعماله كانت سببا لهذا الإيجاب والفرقتان غالطتان # والفرقة الثالثة : أهل الهدى والصواب قالت : لا يستوجب العبد على الله ~~بسعيه نجاة ولا فلاحا ولا يدخل أحدا عمله الجنة أبدا ولا ينجيه من النار ~~والله تعالى بفضله وكرمه ومحض جوده وإحسانه أكد إحسانه وجوده وبره بأن أوجب ~~لعبده عليه سبحانه حقا بمقتضى الوعد فإن وعد الكريم إيجاب ولو ب عسى ولعل # ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما : عسى : من الله واجب ووعد اللئيم خلف ~~ولو اقترن به العهد والحلف # والمقصود : أن عدم رؤية العبد لنفسه حقا على الله لا ينافي ما أوجبه الله ~~على نفسه وجعله حقا لعبده قال النبي لمعاذ بن جبل رضي الله عنه : يا معاذ ~~أتدري ما حق الله على العباد قال : الله ورسوله أعلم قال : حقه عليهم أن ~~يعبدوه لا يشركوا به شيئا يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ~~ذلك قلت : الله ورسوله أعلم قال : حقهم عليه : أن لا يعذبهم بالنار فالرب ~~سبحانه ما لأحد عليه حق ولا يضيع لديه سعي كما قيل : # ما للعباد عليه حق واجب % كلا ولا سعي لديه ضائع # إن عذبوا فبعد له أو نعموا % فبفضله وهو الكريم الواسع وأما قوله : وتنزل ~~عن رسمك في المشاهدة # أي من جملة التواضع للحق : فناؤك عن نفسك فإن رسمه هي ms0677 نفسه والنزول عنها ~~: فناؤه عنها حين شهوده الحضرة وهذا النزول يصح أن يقال كسبي باعتبار وإن ~~كان عند القوم غير كسبي لأنه يحصل عند التجلي والتجلي نور والنور يقهر ~~الظلمة ويبطلها والرسم عند القوم ظلمة فهي تنفر من النور بالذات فصار ~~النزول عن الرسم حين التجلي ذاتيا ووجه كونه كسبيا : أنه نتيجة المقامات ~~الكسبية ونتيجة الكسبي كسبي PageV02P339 وثمرته وإن حصلت ضرورة بالذات : لم ~~يمتنع أن يطلق عليها كونها كسبية باعتبار السبب والله أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الفتوة هذه المنزلة # حقيقتها هي منزلة الإحسان إلى الناس وكف الأذى عنهم واحتمال أذاهم فهي ~~استعمال حسن الخلق معهم فهي في الحقيقة نتيجة حسن الخلق واستعماله والفرق ~~بينها وبين المروءة : أن المروءة أعم منها فالفتوة نوع من أنواع المروءة ~~فإن المروءة استعمال ما يجمل ويزين مما هو مختص بالعبد أو متعد إلى غيره ~~وترك ما يدنس ويشين مما هو مختص أيضا به أو متعلق بغيره و الفتوة إنما هي ~~استعمال الأخلاق الكريمة مع الخلق # فهي ثلاثة منازل : منزلة التخلق وحسن الخلق ومنزلة الفتوة ومنزلة المروءة ~~وقد تقدمت منزلة الخلق وهذه منزلة شريفة لم تعبر عنها الشريعة باسم الفتوة ~~بل عبرت عنها باسم مكارم الأخلاق كما في حديث يوسف بن محمد بن المنكدر عن ~~أبيه عن جابر رضي الله عنه عن النبي : إن الله بعثني لأتمم مكارم الأخلاق ~~ومحاسن الأفعال وأصل الفتوة من الفتى وهو الشاب الحديث السن قال الله تعالى ~~عن أهل الكهف : إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى [ الكهف : 13 ] وقال عن ~~قوم إبراهيم : إنهم قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم [ الأنبياء : ~~60 ] وقال تعالى عن يوسف ودخل معه السجن فتيان [ يوسف : 36 ] وقال لفتيانه ~~: اجعلوا بضاعتهم في رحالهم [ يوسف : 62 ] PageV02P340 فاسم الفتى لا يشعر ~~بمدح ولا ذم كاسم الشاب والحدث ولذلك لم يجىء اسم الفتوة في القرآن ولا في ~~السنة ولا في لسان السلف وإنما استعمله من بعدهم في مكارم الأخلاق وأصلها ~~عندهم : أن يكون العبد ms0678 أبدا : في أمر غيره # وأقدم من علمته تكلم في الفتوة جعفر بن محمد ثم الفضيل بن عياض والإمام ~~أحمد وسهل بن عبدالله والجنيد ثم الطائفة فيذكر أن جعفر بن محمد سئل عن ~~الفتوة فقال للسائل : ما تقول أنت فقال : إن أعطيت شكرت وإن منعت صبرت فقال ~~: الكلاب عندنا # كذلك فقال السائل : يا ابن رسول الله فما الفتوة عندكم فقال : إن أعطينا ~~آثرنا وإن منعنا شكرنا وقال الفضيل بن عياض : الفتوة الصفح عن عثرات ~~الإخوان وقال الإمام أحمد رضي الله عنه في رواية ابنه عبدالله عنه وقد سئل ~~عن الفتوة فقال : ترك ما تهوى لما تخشى ولا أعلم لأحد من الأئمة الأربعة ~~فيها سواه PageV02P341 وسئل الجنيد عن الفتوة فقال : لا تنافر فقيرا ولا ~~تعارض غنيا وقال الحارث المحاسبي : الفتوة أن تنصف ولا تنتصف # وقال عمر بن عثمان المكي : الفتوة حسن الخلق وقال محمد بن علي الترمذي : ~~الفتوة أن تكون خصما لربك على نفسك وقيل : الفتوة أن لا ترى لنفسك فضلا على ~~غيرك وقال الدقاق : هذا الخلق لا يكون كماله إلا لرسول الله فإن كل أحد ~~يقول يوم القيامة : نفسي نفسي وهو يقول : أمتي أمتي # وقيل : الفتوة كسر الصنم الذي بينك وبين الله تعالى وهو نفسك فإن الله ~~حكى عن خليله إبراهيم عليه السلام : أنه جعل الأصنام جذاذا فكسر الأصنام له ~~فالفتى من كسر صنما واحدا في الله وقيل : الفتوة أن لا تكون خصما لأحد يعني ~~في حفظ نفسك وأما في حق الله فالفتوة : أن تكون خصما لكل أحد ولو كان ~~الحبيب المصافيا وقال الترمذي : الفتوة أن يستوي عندكم المقيم والطارىء ~~وقال بعضهم : الفتوة أن لا يميز بين أن يأكل عنده ولي أو كافر وقال الجنيد ~~أيضا : الفتوة كف الأذى وبذل الندى وقال سهل : هي اتباع السنة وقيل : هي ~~الوفاء والحفاظ وقيل : فضيلة تأتيها ولا ترى نفسك فيها وقيل : أن لا تحتجب ~~ممن قصدك وقيل : أن لا تهرب إذا أقبل العافي يعني طالب المعروف وقيل : ~~إظهار النعمة وإسرار المحنة وقيل : أن لا ms0679 تدخر ولا تعتذر # وقيل : تزوج رجل بامرأة فلما دخلت عليه رأى بها الجدري فقال : اشتكيت ~~عيني ثم قال : عميت فبعد عشرين سنة ماتت ولم تعلم أنه بصير فقيل له في ذلك ~~فقال : كرهت أن يحزنها رؤيتي لما بها فقيل له : سبقت الفتيان وقيل : ليس من ~~الفتوة أن تربح على صديقك PageV02P342 # واستضاف رجل جماعة من الفتيان فلما فرغوا من الطعام خرجت جارية تصب الماء ~~على أيديهم فانقبض واحد منهم وقال : ليس من الفتوة أن تصب النسوان الماء ~~على أيدي الرجال فقال آخر منهم : أنا منذ سنين أدخل إلى هذه الدار ولم أعلم ~~أن امرأة تصب الماء على أيدينا أو رجلا وقدم جماعة فتيان لزيارة فتى فقال ~~الرجل : يا غلام قدم السفرة فلم يقدم فقالها ثانياوثالثا فلم يقدم فنظر ~~بعضهم إلى بعض وقالوا : ليس من الفتوة أن يستخدم الرجل من يتعاصى عليه في ~~تقديم السفرة كل هذا فقال الرجل : لم أبطأت بالسفرة فقال الغلام : كان ~~عليها نمل فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل ولم يكن من ~~الفتوة إلقاء النمل وطردهم عن الزاد فلبثت حتى دب النمل فقالوا : يا غلام ~~مثلك يخدم الفتيان # ومن الفتوة التي لا تلحق : ما يذكر أن رجلا نام من الحاج في المدينة ففقد ~~هميانا فيه ألف دينار فقام فزعا فوجد جعفر بن محمد فعلق به وقال : أخذت ~~همياني فقال : أي شيء كان فيه قال : ألف دينار فأدخله داره ووزن له ألف ~~دينار ثم إن الرجل وجد هميانه فجاء إلى جعفر معتذرا بالمال فأبى أن يقبله ~~منه وقال : شيء أخرجته من يدي لا أسترده أبدا فقال الرجل للناس : من هذا ~~فقالوا : هذا جعفر بن محمد رضي الله عنه # | فصل قال صاحب المنازل نكتة الفتوة : أن لا تشهد لك فضلا ولا ترى # لك حقا يقول : قلب الفتوة وإنسان عينها : أن تفنى بشهادة نقصك وعيبك عن ~~فضلك وتغيب بشهادة حقوق الخلق عليك عن شهادة حقوقك عليهم والناس في هذا ~~مراتب فأشرفها : أهل هذه المرتبة وأخسها : عكسهم PageV02P343 وهم ms0680 أهل ~~الفناء في شهود فضائلهم عن عيوبهم وشهود حقوقهم على الناس عن شهود حقوق ~~الناس عليهم # وأوسطهم : من شهد هذا وهذا فيشهد ما في العيب والكمال ويشهد حقوق الناس ~~عليه وحقوقه عليهم قال : وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : ترك الخصومة ~~والتغافل عن الزلة ونسيان الأذية هذه الدرجة من باب الترك والتخلي وهي أن ~~لا يخاصم أحدا فلا ينصب نفسه خصما لأحد غيرها فهي خصمه # وهذه المنزلة أيضا ثلاث درجات لا يخاصم بلسانه ولا ينوي الخصومة بقلبه ~~ولا يخطرها على باله هذا في حق نفسه # وأما في حق ربه : فالفتوة أن يخاصم بالله وفي الله ويحاكم إلى الله كما ~~كان النبي يقول في دعاء الاستفتاح : وبك خاصمت وإليك حاكمت وهذه درجة فتوة ~~العلماء الدعاة إلى الله تعالى وأما التغافل عن الزلة فهو أنه إذا رأى من ~~أحد زلة يوجب عليه الشرع أخذه بها : أظهر أنه لم يرها لئلا يعرض صاحبها ~~للوحشة ويريحه من تحمل العذر وفتوة التغافل : أرفع من فتوة الكتمان مع ~~الرؤية # قال أبو علي الدقاق : جاءت امرأة فسألت حاتما عن مسألة فاتفق أنه خرج ~~منها صوت في تلك الحالة فخجلت فقال حاتم : ارفعي صوتك فأوهمها أنه أصم فسرت ~~المرأة بذلك وقالت : إنه لم يسمع الصوت فلقب بحاتم الأصم وهذا التغافل هو ~~نصف الفتوة # وأما نسيان الأذية فهو بأن تنسى أذية من نالك بأذى ليصفو قلبك له ولا ~~تستوحش منه قلت : وهنا نسيان اخر أيضا وهو من الفتوة وهو نسيان إحسانك إلى ~~PageV02P344 من أحسنت إليه حتى كأنه لم يصدر منك وهذا النسيان أكمل من ~~الأول وفيه قيل : # ينسى صنائعه والله يظهرها % إن الجميل إذا أخفيته ظهرا # | فصل قال : الدرجة الثانية : أن تقرب من يقصيك وتكرم من يؤذيك وتعتذر # إلى من يجني عليك سماحة لا كظما ومودة لا مصابرة هذه الدرجة أعلى مما ~~قبلها وأصعب فإن الأولى : تتضمن ترك المقابلة والتغافل وهذه تتضمن الإحسان ~~إلى من أساء إليك ومعاملته بضد ما عاملك به فيكون الإحسان والإساءة بينك ~~وبينه خطتين فخطتك ms0681 : الإحسان وخطته : الإساءة وفي مثلها قال القائل : # إذا مرضنا أتيناكم نعودكم % وتذنبون فنأتيكم ونعتذر ومن أراد فهم هذه ~~الدرجة كما ينبغي فلينظر إلى سيرة النبي مع الناس يجدها هذه بعينها ولم يكن ~~كمال هذه الدرجة لأحد سواه ثم للورثة منها بحسب سهامهم من التركة وما رأيت ~~أحدا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه وكان بعض ~~أصحابه الأكابر يقول : وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه # وما رأيته يدعو على أحد منهم قط وكان يدعو لهم وجئت يوما مبشرا له بموت ~~أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له فنهرني وتنكر لي واسترجع ثم قام من فوره ~~إلى بيت أهله فعزاهم وقال : إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه ~~إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه ونحو هذا من الكلام فسروا به ودعوا له وعظموا ~~هذه الحال منه فرحمه الله ورضى عنه وهذا مفهوم وأما الاعتذار إلى من يجني ~~عليك فإنه غير مفهوم في بادي الرأي إذ لم PageV02P345 يصدر منك جناية توجب ~~اعتذارا وغايتك : أنك لا تؤاخذه فهل تعتذر إليه من ترك المؤاخذة # ومعنى هذا : أنك تنزل نفسك منزلة الجاني لا المجني عليه والجاني خليق ~~بالعذر والذي يشهدك هذا المشهد : أنك تعلم أنه إنما سلط عليك بذنب كما قال ~~تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير [ الشورى : 30 ~~] فإذا علمت أنك بدأت بالجناية فانتقم الله منك على يده : كنت في الحقيقة ~~أولى بالاعتذار والذي يهون عليك هذا كله : مشاهدة تلك المشاهد العشرة ~~المتقدمة فعليك بها فإن فيها كنوز المعرفة والبر وقوله : سماحة لا كظما ~~ومودة لا مصابرة يعني : اجعل هذه المعاملة منك صادرة عن سماحة وطيبة نفس ~~وانشراح صدر لا عن كظم وضيق ومصابرة فإن ذلك دليل على أن هذا ليس في خلقك ~~وإنما هو تكلف يوشك أن يزول ويظهر حكم الخلق صريحا فتفتضح وليس المقصود إلا ~~إصلاح الباطن والسر والقلب # وهذا الذي قاله الشيخ لا يمكن إلا بعد العبور على جسر المصابرة والكظم ms0682 ~~فإذا تمكن منه أفضى به إلى هذه المنزلة بعون الله والله أعلم # | فصل قال : الدرجة الثالثة : أن لا تتعلق في السير بدليل ولا تشوب # إجابتك بعوض ولا تقف في شهودك على رسم هذه ثلاثة أمور اشتملت عليها هذه ~~الدرجة أما عدم تعلقه في السير بدليل : فقد بين مراده به في آخر الباب إذ ~~يقول : PageV02P346 وفي علم الخصوص : من طلب نور الحقيقة على قدم الاستدلال ~~لم يحل له دعوى الفتوة أبدا وهذا موضع عظيم يحتاج إلى تبيين وتقدير والمراد ~~: أن السائر إلى الله يسير على قدم اليقين وطريق البصيرة والمشاهدة فوقوفه ~~مع الدليل : دليل على أنه لم يشم رائحة اليقين والمراد بهذا : أن المعرفة ~~عندهم ضرورية لا استدلالية وهذا هو الصواب ولهذا لم تدع الرسل قط الأمم إلى ~~الإقرار بالصانع سبحانه وتعالى وإنما دعوهم إلى عبادته وتوحيده وخاطبوهم ~~خطاب من لا شبهة عنده قط في الإقرار بالله تعالى ولا هو محتاج إلى ~~الاستدلال عليه ولهذا : قالت لهم رسلهم : أفي الله شك فاطر السموات والأرض ~~[ إبراهيم : 10 ] وكيف يصح الاستدلال على مدلول هو أظهر من دليله حتى قال ~~بعضهم : كيف أطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء فتقيد السائر بالدليل ~~وتوقفه عليه دليل على عدم يقينه بل إنما يتقيد بالدليل الموصل له إلى ~~المطلوب بعد معرفته به فإنه يحتاج بعد معرفته إلى دليل يوصله إليه ويدله ~~على طريق الوصول إليه وهذا الدليل : هو الرسول فهو موقوف عليه يتقيد به لا ~~يخطو خطوة إلا وراءه # وأيضافالقوم يشيرون إلى الكشف ومشاهدة الحقيقة وهذا لا يمكن طلبه بالدليل ~~أصلا ولا يقال : ما الدليل على حصول هذا وإنما يحصل بالسلوك في منازل السير ~~وقطعها منزلة منزلة حتى يصل إلى المطلوب فوصوله إليه بالسير لا بالاستدلال ~~بخلاف وصول المستدل فإنه إنما يصل إلى العلم ومطلوب القوم وراءه والعلم ~~منزلة من منازلهم كما سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى ولهذا يسمون أصحاب ~~الاستدلال : أصحاب القال وأصحاب الكشف : أصحاب الحال والقوم عاملون على ~~الكشف الذي يحصل بنور ms0683 العيان لا على العلم الذي ينال بالاستدلال والبرهان ~~PageV02P347 وهذا موضع غلط واشتباه فإن الدليل في هذا المقام شرط وكذلك ~~العلم وهو باب لا بد من دخوله إلى المطلوب ولا يوصل إلى المطلوب إلا من ~~بابه كما قال تعالى : وائتوا البيوت من أبوابها [ البقرة : 189 ] ثم إنه ~~يخاف على من لا يقف مع الدليل ما هو أعظم الأمور وأشدها خطرا وهو الانقطاع ~~عن الطلب بالكلية والوصول إلى مجرد الخيال والمحال فمن خرج عن الدليل : ضل ~~سواء السبيل # فإن قيل : تعلقه في المسير بالدليل : يفرق عليه عزمه وقلبه فإن الدليل ~~يفرق والمدلول يجمع فالسالك يقصد الجمعية على المدلول فماله ولتفرقة الدليل ~~قيل : هذه هي البلية التي لأجلها أعرض من أعرض من السالكين عن العلم ونهى ~~عنه وجعلت علة في الطريق ووقع هذا في زمن الشيوخ القدماء العارفين فأنكروه ~~غاية الإنكار وتبرأوا منه ومن قائله وأوصوا بالعلم وأخبروا أن طريقهم مقيدة ~~بالعلم لا يفلح فيها من لم يتقيد بالعلم والجنيد كان من أشد الناس مبالغة ~~في الوصية بالعلم وحثا لأصحابه عليه والتفرق في الدليل خير من الجمعية على ~~الوهم والخيال فإنه لا يعرف كون الجمعية حقا إلا بالدليل والعلم فالدليل ~~والعلم ضروريان للصادق لا يستغنى عنهما نعم يقينه ونور بصيرته وكشفه : ~~يغنيه عن كثير من الأدلة التي يتكلفها المتكلفون وأرباب القال فإنه مشغول ~~عنها بما هو أهم منها وهو الغاية المطلوبة # مثاله : أن المتكلم يفني زمانه في تقرير حدوث العالم وإثبات وجود الصانع ~~وذلك أمر مفروغ منه عند السالك الصادق صاحب اليقين فالذي يطلبه هذا ~~الاستدلال الذي هو عرضة الشبه والأسئلة والإيرادات التي لا نهاية لها هو ~~كشف ويقين للسالك فتقيده في سلوكه بحال هذا المتكلم انقطاع وخروج عن الفتوة ~~وهذا حق لا ينازع فيه عارف فترى المتكلم يبحث في الزمان والمكان ~~PageV02P348 والجواهر والأعراض والأكوان وهمته مقصورة عليها لا يعدوها ليصل ~~منها إلى المكون وعبوديته والسالك قد جاوزها إلى جمع القلب على المكون ~~وعبوديته بمقتضى أسمائه وصفاته لا يلتفت إلى غيره ولا يشتغل ms0684 قلبه بسواه # فالمتكلم متفرق مشتغل في معرفة حقيقة الزمان والمكان والعارف قد شح ~~بالزمان أن يذهب ضائعا في غير السير إلى رب الزمان والمكان وبالجملة : ~~فصاحب هذه الدرجة لا يتعلق في سيره بدليل ولا يمكنه السير إلا خلف الدليل ~~وكلاهما يجتمع في حقه فهو لا يفتقر إلى دليل على وجود المطلوب ولا يستغني ~~طرفة عين عن دليل يوصله إلى المطلوب فسير الصادق على البصيرة واليقين ~~والكشف لا على النظر والاستدلال وأما قوله : ولا تشوب إجابتك بعوض أي تكون ~~إجابتك لداعي الحق خالصة إجابة محبة ورغبة وطلب للمحبوب ذاته غير مشوبة ~~بطلب غيره من الحظوظ والأعواض فإنه متى حصل لك حصل لك كل عوض وكل حظ به وكل ~~قسم كما في الأثر الإلهي : ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء ~~وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء فمن أعرض عن طلب ما سوى الله ~~ولم يشب طلبه له بعوض بل كان حبا له وإرادة خالصة لوجهه فهو في الحقيقة ~~الذي يفوز بالأعواض والأقسام والحظوظ كلها فإنه لما لم يجعلها غاية طلبه ~~توفرت عليه في حصولها وهو محمود مشكور مقرب ولو كانت هي مطلوبة لنقصت عليه ~~بحسب اشتغاله بطلبها وإرادتها عن طلب الرب تعالى لذاته وإرادته # فهذا قلبه ممتليء بها والحاصل له منها : نزر يسير والعارف ليس قلبه ~~متعلقا بها وقد حصلت له كلها فالزهد فيها لا يفيتكها بل هو عين حصولها ~~والزهد في الله هو الذي يفيتكه ويفيتك الحظوظ وإذا كان لك أربعة عبيد أحدهم ~~: PageV02P349 يريدك ولا يريد منك بل إرادته مقصورة عليك وعلى مرضاتك ~~والثاني : يريد منك ولا يريدك بل إرادته مقصورة على حظوظه منك والثالث : ~~يريدك ويريد منك والرابع : لا يريدك ولا يريد منك بل هو متعلق القلب ببعض ~~عبيدك فله يريد ومنه يريد فإن آثر العبيد عندك وأحبهم إليك وأقربهم منك ~~منزلة والمخصوص من إكرامك وعطائك بما لا يناله العبيد الثلاثة : هو الأول ~~هكذا نحن عندالله سواء وأما قوله : ولا تقف في ms0685 شهودك على رسم فيعني : أن لا ~~يكون منك نظر إلى السوي عند الشهود كما تقدم مرارا وهذا عند القوم غير ~~مكتسب فإن الشهود إذا صح محا الرسوم ضرورة في نظر الشاهد فلا حاجة إلى أن ~~يشرط عليه عدم الوقوف عليها والشهود الصحيح ماح لها بالذات لكن أوله قد لا ~~يستغني عن الكسب ونهايته لا تقف على كسب قال : واعلم أن من أحوج عدوه إلى ~~شفاعة ولم يخجل من المعذرة إليه : لم يشم رائحة الفتوة # يعني أن العدو متى علم أنك متألم من جهة ما نالك من الأذى منه احتاج إلى ~~أن يعتذر إليك ويشفع إليك شافعا يزيل ما في قلبك منه فالفتوة كل الفتوة : ~~أن لا تحوجه إلى الشفاعة بأن لا يظهر له منك عتب ولا تغير عما كان له منك ~~قبل معاداته ولا تطوي عنه بشرك ولا برك وإذا لم تخجل أنت من قيامه بين يديك ~~مقام المعتذر لم يكن لك في الفتوة نصيب # ولا تستعظم هذا الخلق فإن للفتيان ما هو أكبر منه ولا تستصعبه فإنه موجود ~~في كثير من الشطار والعشراء الذين ليس لهم في حال المعرفة ولا في لسانها ~~نصيب فأنت أيها العارف أولى به PageV02P350 قال : وفي علم الخصوص : من طلب ~~نور الحقيقة على قدم الاستدلال : لم يحل له دعوى الفتوة أبدا كأنه يقول : ~~إذا لم تحوج عدوك إلى العذر والشفاعة ولم تكلفه طلب الاستدلال على صحة عذره ~~فكيف تحوج وليك وحبيبك إلى أن يقيم لك الدليل على التوحيد والمعرفة ولا ~~تشير إليه حتى يقيم لك دليلا على وجوده ووحدانيته وقدرته ومشيئته فأين هذا ~~من درجة الفتوة # وهل هذا إلا خلاف الفتوة من كل وجه # ولو أن رجلا دعاك إلى داره فقلت للرسول : لا آتي معك حتى تقيم لي الدليل ~~على وجود من أرسلك وأنه مطاع وأنه أهل أن يغشى بابه لسكنت في دعوى الفتوة ~~زنيما فكيف بمن وجوده ووحدانيته وقدرته وربوبيته وإلهيته : أظهر من كل دليل ~~تطلبه فما من دليل يستدل به إلا ووحدانية الله ms0686 وكماله أظهر منه فإقرار ~~الفطر بالرب سبحانه خالق العالم : لم يوقفها عليه موقف ولم تحتج فيه إلى ~~نظر واستدلال : أفي الله شك فاطر السموات والأرض [ إبراهيم : 10 ] فأبعد ~~الناس من درجة الفتوة : طالب الدليل على ذلك # وليس يصح في الأذهان شيء % إذا احتاج النهار إلى دليل # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المروءة # المروءة فعولة من لفظ المرء كالفتوة من الفتى والإنسانية من الإنسان ~~ولهذا كان حقيقتها : اتصاف النفس بصفات الإنسان التي فارق بها الحيوان ~~البهيم والشيطان الرجيم فإن في النفس ثلاثه دواع متجاذبة : داع يدعوها إلى ~~الاتصاف بأخلاق الشيطان : من الكبر والحسد والعلو والبغي والشر والأذى ~~والفساد والغش وداع يدعوها إلى أخلاق الحيوان وهو داعي الشهوة PageV02P351 ~~وداع يدعوها إلى أخلاق الملك : من الإحسان والنصح والبر والعلم والطاعة ~~فحقيقة المروءة : بغض ذينك الداعيين وإجابة الداعي الثالث وقلة المروءة ~~وعدمها : هو الاسترسال مع ذينك الداعيين والتوجه لدعوتهما أين كانت ~~فالإنسانية والمروءة والفتوة : كلها في عصيان الداعيين وإجابة الداعي ~~الثالث # كما قال بعض السلف : خلق الله الملائكة عقولا بلا شهوة وخلق البهائم شهوة ~~بلا عقول وخلق ابن آدم وركب فيه العقل والشهوة فمن غلب عقله شهوته : التحق ~~بالملائكة ومن غلبت شهوته عقله : التحق بالبهائم ولهذا قيل في حد المروءة : ~~إنها غلبة العقل للشهوة وقال الفقهاء في حدها : هي استعمال ما يجمل العبد ~~ويزينه وترك ما يدنسه ويشينه وقيل : المروءة استعمال كل خلق حسن واجتناب كل ~~خلق قبيح وحقيقة المروءة تجنب للدنايا والرذائل من الأقوال والأخلاق ~~والأعمال فمروءة اللسان : حلاوته وطيبه ولينه واجتناء الثمار منه بسهولة ~~ويسر ومروءة الخلق : سعته وبسطه للحبيب والبغيض ومروءة المال : الإصابة ~~ببذله مواقعه المحمودة عقلا وعرفا وشرعا ومروءة الجاه : بذله للمحتاج إليه ~~ومروءة الإحسان : تعجيله وتيسيره وتوفيره وعدم رؤيته حال وقوعه ونسيانه بعد ~~وقوعه فهذه مروءة البذل # وأما مروءة الترك : فترك الخصام والمعاتبة والمطالبة والمماراة والإغضاء ~~عن عيب ما يأخذه من حقك وترك الاستقصاء في طلبه والتغافل عن عثرات ~~PageV02P352 الناس وإشعارهم أنك لا تعلم لأحد منهم ms0687 عثرة والتوقير للكبير ~~وحفظ حرمة النظير ورعاية أدب الصغير وهي على ثلاث درجات # الدرجة الأولى : مروءة المرء مع نفسه وهي أن يحملها قسراعلى ما يجمل ~~ويزين وترك ما يدنس ويشين ليصير لها ملكة في العلانية فمن أراد شيئا في سره ~~وخلوته : ملكه في جهره وعلانيته فلا يكشف عورته في الخلوة ولا يتجشأ بصوت ~~مزعج ما وجد إلى خلافه سبيلا ولا يخرج الريح بصوت وهو يقدر على خلافه ولا ~~يجشع وينهم عند أكله وحده # وبالجملة : فلا يفعل خاليا ما يستحي من فعله في الملإ إلا مالا يحظره ~~الشرع والعقل ولا يكون إلا في الخلوة كالجماع والتخلي ونحو ذلك الدرجة ~~الثانية : المروءة مع الخلق بأن يستعمل معهم شروط الأدب والحياء والخلق ~~الجميل ولا يظهر لهم ما يكرهه هو من غيره لنفسه وليتخذ الناس مرآة لنفسه ~~فكل ما كرهه ونفر عنه من قول أو فعل أو خلق فليجتنبه وما أحبه من ذلك ~~واستحسنه فليفعله # وصاحب هذه البصيرة ينتفع بكل من خالطه وصاحبه من كامل وناقص وسيء الخلق ~~وحسنه وعديم المروءة وغزيرها وكثير من الناس : يتعلم المروءة ومكارم ~~الأخلاق من الموصوفين بأضدادها كما روي عن بعض الأكابر : أنه كان له مملوك ~~سيء الخلق فظ غليظ لا يناسبه فسئل عن ذلك فقال : أدرس عليه مكارم الأخلاق ~~وهذا يكون بمعرفة مكارم الأخلاق في ضد أخلاقه ويكون بتمرين النفس على ~~مصاحبته ومعاشرته والصبر عليه الدرجة الثالثة : المروءة مع الحق سبحانه ~~بالاستحياء من نظره إليك وإطلاعه عليك في كل لحظة ونفس وإصلاح عيوب نفسك ~~جهد الإمكان فإنه قد اشتراها منك وأنت ساع في تسليم المبيع وتقاضي الثمن ~~وليس من PageV02P353 المروءة : تسليمه على ما فيه من العيوب وتقاضي الثمن ~~كاملاأو رؤية منته في هذا الإصلاح وأنه هو المتولي له لا أنت فيغنيك الحياء ~~منه عن رسوم الطبيعة والاشتغال بإصلاح عيوب نفسك عن التفاتك إلى عيب غيرك ~~وشهود الحقيقة عن رؤية فعلك وصلاحك # وكل ما تقدم في منزلة الخلق و الفتوة فإنه بعينه في هذه المسألة فلذلك ~~اقتصرنا منها على ms0688 هذا القدر وصاحب المنازل رحمه الله استغني بما ذكر في ~~الفتوة والله أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة البسط والتخلي عن القبض # وهي منزلة شريفة لطيفة وهي عنوان على الحال وداعية لمحبة الخلق # وقد غلط صاحب المنازل حيث صدرها بقوله تعالى حاكيا عن كليمه موسى عليه ~~الصلاة والسلام : إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء [ الأعراف ~~: 155 ] وكأنه فهم من هذا الخطاب : انبساطا بين موسى وبين الله تعالى حمله ~~على أن قال : إن هي إلا فتنتك وسمعت بعض الصوفية يقول لآخر وهما في الطواف ~~لما قال : إن هي إلا فتنتك تدارك هذا الانبساط بالتذلل بقوله : أنت ولينا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين [ الأعراف : 155 ] أو نحو من هذا ~~الكلام # وكل هذا وهم وفهم خلاف المقصود فالفتنة ههنا : هي الامتحان والاختبار ~~كقوله تعالى : وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا : أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا [ ] وقوله : وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتهم ~~فيه [ الجن : 1617 ] وقوله : ونبلوكم بالشر والخير فتنة [ الأنبياء : 35 ] ~~والمعنى : أن هذه الفتنة اختبار منك لعبدك وامتحان تضل بها من تشاء وتهدي ~~من تشاء فأى تعلق لهذا بالانبساط وهل هذا إلا توحيد وشهود PageV02P354 ~~للحكمة وسؤال للعصمة والمغفرة وليس للعارف في هذه المنزلة حظ مع الله وإنما ~~هي متعلقة بالخلق # وصاحب المنازل : جعلها ثلاث درجات الأولى : مع الناس والثانية والثالثة : ~~مع الله وسنبين ما في كلامه بحول الله وقوته وتوفيقه قال : الانبساط : ~~إرسال السجية والتحاشي من وحشة الحشمة السجية الطبع وجمعها سجايا يقال : ~~سجية وخليفة وطبيعة وغريزة و إرسالها تركها في مجراها # والتحاشي من وحشة الحشمة التحاشي : هو تجنب الوحشة الواقعة بينك وبين من ~~تحبه وتخدمه فإن مرتبته تقتضي احتشامه والحياء منه وإجلاله عن انبساطك إليه ~~وذلك نوع وحشة فالانبساط : إزالة تلك الوحشة لا تسقطك من عينه بل تزيدك حبا ~~إليه ولا سيما إذا وقع في موقعه قال : وهو السير مع الجبلة أي المشي مع ما ~~جبل الله عليه ms0689 العبد من الأخلاق من غير تكلف # قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الانبساط مع الخلق وهو أن لا ~~تعتزلهم ضنا على نفسك أو شحا على حظك وتسترسل له في فضلك وتسعهم بخلقك ~~وتدعهم يطؤونك والعلم قائم وشهود المعنى دائم يريد : لا تبخل عليهم بنفسك ~~فيحملك ذلك البخل على اعتزالهم وتشح بحظك في الخلوة وراحة العزلة : أن تذهب ~~بمخالطتهم بل تحملك السماحة والجود والبذل على أن تترك ذلك لراحة إخوانك بك ~~وانتفاعهم بمجالستك فتتكرم عليهم بحظك في عزلتك وخلوتك وتؤثرهم به على نفسك ~~وهذا من الفتوة والمروءة والتخلق ضد من أضدادها قوله : وتسترسل لهم في فضلك ~~PageV02P355 يعني : إذا استرسلت معهم ولم تجذب عنهم عنانك : نالوا من فضلك ~~فيكون استرسالك سببا لنيلهم لفضلك وقبض العنان سببا للحرمان وتسعهم بخلقك ~~باحتمال ما يبدو منهم من سوء العشرة فخذ منهم ما أمر الله نبيه أن يأخذه من ~~أخلاق الناس وهو العفو وتدعهم يطؤونك أي يدوسونك من لينك وتواضعك وخفض ~~جناحك بحيث لا تترك لنفسك بينهم رتبة تتقاضاهم أن يحترموك لأجلها هذا معنى ~~كلامه وقوله : والعلم قائم وشهود المعنى دائم أما قيام العلم : فهو أن يكون ~~هذا الاسترسال موافقا للشرع غير مخرج عن حدوده وآدابه بحيث لا تحملهم على ~~تعدي حدود الله وتضييع حقه وحقوق عباده # وأما دوام شهود المعنى فهو حفظ حالك وقلبك مع الله ودوام إقبالك عليه ~~بقلبك كله فأنت معهم مسترسل بشبحك ورسمك وصورتك فقط ومفارقهم بقلبك وسرك ~~مشاهدا للمعنى الذي به حياتك فإذا فارقته كنت كالحوت إذا فارق الماء فإن ~~هذا المعنى هو حياة القلب والروح فإذا فات العبد علته الكآبة وغمره الهم ~~والغم والأحزان وتلون في أفعاله وأقواله وتاه قلبه في الأودية والشعاب وفقد ~~نعيم الدنيا والآخرة وهذا هو الذي أشار إليه يحيى الصرصري في قوله : # إذا صار قلب العبد للسر معدنا % تلوح على أعطافه بهجة السنا # وإن فاته المعنى علته كآبة % فأصبح في أفعاله متلونا فمتى كان شهود هذا ~~المعنى قائما في قلبك : لا يضرك مخالطة من لا ms0690 تسلبك إياه مخالطته والانبساط ~~إليه PageV02P356 # | فصل قال : الدرجة الثانية : الانبساط مع الحق وهو أن لا يحبسك # خوف ولا يحجبك رجاء ولا يحول بينك وبينه آدم ولا حواء يريد : أن لا يمنعك ~~عن الانبساط إليه خوف فإن مقام الخوف لا يجامع مقام الانبساط والخوف من ~~أحكام اسم القابض والانبساط من أحكام اسم الباسط و البسط عندهم : من مشاهدة ~~أوصاف الجمال والإحسان والتودد والرحمة و القبض من مشاهدة أوصاف الجلال ~~والعظمة والكبرياء والعدل والانتقام وبعضهم يجعل الخوف من منازل العامة ~~والانبساط من منازل الخاصة إذ الانبساط لا يكون إلا للعارفين أرباب ~~التجليات وليس في حق هؤلاء خوف وأما قوله : ولا يحجبك رجاء فلأن الراجي ~~لطلبه حاجته تحتاج إلى التملق والتذلل فيحجبه رجاؤه وطمعه فيما يناله من ~~المعظم عن انبساطه كالسائل للغني فإن سؤاله وطمعه يمنعه من انبساطه إليه ~~فإذا غاب عن ذلك انبسط وقوله : ولا يحول بينك وبينه آدم ولا حواء استعارة # والمعنى : أنك تراه أقرب إليك من أبيك وأمك وأرحم بك منهما وأشفق عليك ~~فلا توسط بينك وبينه أبا خرجت من صلبه ولا أما ركضت في رحمها # وفيه معنى آخر وهو الإشارة إلى أنك تشاهد خلقه لك بلا واسطة كما خلق آدم ~~وحواء فتشاهد خلقه لك بيده ونفخه فيك من روحه وإسجاد ملائكته لك وإبعاد ~~إبليس حيث لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك آدم PageV02P357 وهذا يوجب لك شهود ~~الانطواء عن الانبساط وهو رحب الهمة لانطواء انبساط العبد في بسط الحق جل ~~جلاله # ومعنى هذا : أن لا يرى العبد لنفسه انبساطا ولا انقباضا بل ينطوي انبساطه ~~ويضمحل في صفة البسط التي للحق جل جلاله وهذا شهود معنى اسم الباسط عز وجل ~~فهذا تقدير كلامه على أن فيه مقبولا ومردودا ولا معنى لتعلق هذه الصفة ~~بالرب تعالى ألبتة وأما تعلقها بالخلق : فصحيح # نعم ههنا مقام اشتباه وفرق وهو أن المحب الصادق : لابد أن يقارنه أحيانا ~~فرح بمحبوبه ويشتد فرحه به ويرى مواقع لطفه به وبره به وإحسانه إليه وحسن ~~دفاعه عنه والتلطف ms0691 في إيصاله المنافع والمسار والمبار إليه بكل طريق ودفع ~~المضار والمكاره عنه بكل طريق وكلما فتش عن ذلك اطلع منه على أمور عجيبة لا ~~يقف وهمه ومقتبسه لها على غاية بل ما خفي عنه منها أعظم فيداخله من شهود ~~هذه الحالة نوع إدلال وانبساط وشهود نفسه في منزلة المراد المحبوب ولا يسلم ~~من آفات ذلك إلا خواص العارفين # وصاحب هذا المقام نهايته : أن يكون معذورا وما يبدو منه من أحكامه ~~بالشطحات أليق منه بأحكام العبودية # ولم يكن لأحد من البشر في منزلة القرب والكرامة والحظوة والجاه : ما ~~لرسول الله من ربه تبارك وتعالى فكان أشد الخلق لله PageV02P358 خشية ~~وتعظيما وإجلالا وحاله كلها مع الله تشهد بتكميل العبودية وأين درجة ~~الانبساط من المخلوق من التراب إلى الانبساط مع رب الأرباب # نعم لا ينكر فرح القلب بالرب تعالى وسروره به وابتهاجه وقرة عينه ونعيمه ~~بحبه والشوق إلى لقائه : إلا كثيف الحجاب حجري الطباع فلا بهذا الميعان ولا ~~بذاك الجمود والقسوة # وبهذا ومثله طرق المتأخرون من القوم السبيل إليهم وفتحوا للمقالة فيهم ~~بابا فالعبد الخائف الوجل المشفق الذليل بين يدي الله عز وجل المنكس الرأس ~~بين يديه الذي لا يرضى لربه شيئا من عمله : هو أحوج شيء إلى عفوه ورحمته ~~ولا يرى نفسه في نعمته إلا طفيليا ولا يرى نفسه محسنا قط وإن صدر منه إحسان ~~: علم أنه ليس من نفسه ولا بها ولا فيها وإنما هو محض منة الله عليه وصدقته ~~عليه فما لهذا والانبساط # نعم انبساطه انبساط فرح وسرور ورضى وابتهاج فإن كان المراد بالانبساط هذا ~~: فلا ننكره لكنه غير الاسترسال المذكور والاستشهاد عليه بالآية يبين مراده ~~والله أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة العزم # وقد ذكرنا في أول الكتاب أنه نوعان PageV02P359 أحدهما : عزم المريد على ~~الدخول في الطريق وهو بداية والثاني : عزم السالك وهو مقام ذكره صاحب ~~المنازل في وسط كتابه في قسم الأصول فقال : هو تحقيق القصد طوعا أو كرها ~~أما قوله : تحقيق القصد فهو أن ms0692 يكون قصده محققا لا يشوبه شيء من التردد # وأما تقسيمه هذا التحقيق إلى طوع وكره : فصحيح فإن المختار : تحقيق قصده ~~طوعا وأما المكره : فتحقيق قصده كرها فإنه إذا أكره على فعل وعزم عليه : ~~فقد حقق قصده كرها لا طوعا واختلف الفقهاء والأصوليون في المكره : هل يسمى ~~مختارا أم لا # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : والتحقيق أنه محمول على ~~الاختيار فله اختيار في الفعل وبه صح وقوعه فإنه لولا إرادته واختياره : ~~لما وقع الفعل ولكنه محمول على أن هذه الإرادة والاختيار ليست من قبله فهو ~~مختار باعتبار أن حقيقة الإرادة والاختيار منه وغير مختار باعتبار أن غيره ~~حمله على الاختيار ولم يكن مختارا من نفسه هذا معنى كلامه قال : وهو على ~~ثلاث درجات الدرجة الأولى : إباء الحال على العلم لشيم برق الكشف واستدامة ~~نور الأنس والإجابة لإماتة الهوى يريد ب إباء الحال على العلم استعصاؤه ~~عليه وأن صاحب الحال : تأبى عليه حاله أن ينزل منه إلى درجة العلم ويصعب ~~عليه ذلك كل الصعوبة وهو انحطاط في رتبته ولا يريد امتناع الحال عن طاعة ~~العلم وتحكيمه فإن هذا انحلال وانسلاخ PageV02P360 من الطريق بالكلية فكل ~~حال لا يطيع العلم ولا يحكمه فهو حال فاسد مبعد عن الله لكن من وصل إلى حال ~~العلم لم يحجبه حاله أن ينزل إلى درجة العلم وينحط إليها بلا حال فإن كان ~~مراده هذا المعني : فهو صحيح وإن كان مراده : امتناع الحال عن طاعة العلم ~~لأن العلم يدعو إلى أحكام الغيبة والحجاب والحال يدعو إلى أنس الكشف ~~والحضور فصاحب الحال لا يلتفت إلى العلم : فباطل فإن العلم شرط في الحال ~~تستحيل معرفة صحته بدونه # نعم لا ينكر حصوله بدون العلم لكن صاحبه على غير بصيرة ولا وثوق به وشيم ~~برق الكشف هو النظر إليه على بعد فإن صاحب الحال : عامل على شيم برق الكشف ~~لأن شيم برق الكشف : يوجب نورا يأنس به القلب فعزيمة صاحبه : على استدامته ~~وحفظه وأما الإجابة لإماته الهوى فهو أن السالك ms0693 إذا أشرف على الكشف : أحس ~~بحالة شبيهة بالموت حتى أن منهم من يسقط إلى الأرض ويظن ذلك موتا وهذه ~~الحال من مبادىء الفناء فتهوى نفسه العود إلى الحجاب خوفا من الانعدام لما ~~جبلت عليه النفس البشرية من كراهة الموت فإذا حصل العزم أميت هذا الهوى ولم ~~يلتفت إليه رغبة فيما يطلبه من الفناء في الفردانية فإن الحقيقة لا تبدأ ~~إلا بعد فناء البشرية # وهذا الذي قاله حق لا ينكره إلا من لم يذقه وإنما الكلام في مرتبته وأنه ~~غاية أو توسط أو لازم أو عارض فشيخنا رحمه الله كان يرى أنه عارض من عوارض ~~الطريق لا يعرض للكمل ومن السالكين من لم يعرض له ألبتة # ومن الناس من يراه لازما للطريق لابد منه # ومن الناس من يراه غاية لا شيء فوقه PageV02P361 # ومنهم من يراه توسطا وفوقه ما هو أجل منه وأرفع وهو حالة البقاء والله ~~أعلم # | فصل قال : الدرجة الثانية : الاستغراق في لوائح المشاهدة واستنارة # ضياء الطريق واستجماع قوى الاستقامة هذه ثلاثة أشياء أحدها : فقدان ~~الإحساس بغيره لاستغراقه في مشاهدته الثاني : استنارة ضياء الطريق # يعني ظهور الجادة له ووضوحها واتصالها بمطلوبه وهذا كمن هو سائر إلى ~~مدينة فإذا شارفها ورآها : رأى الطريق حينئذ واضحة إليها واستنار له ضياؤها ~~واتصالها بالمدينة وكان قبل مشاهدة المدينة على علم أو ظن يجوز معه أن يضيع ~~عن باب المدية وأما الآن : فقد أمن من أن يضيع عن الباب وكذلك هذا السالك : ~~قد انقطعت عنه الموانع واستبان له الطريق وأيقن بالوصول وصارت حاله حال ~~معاين باب المدينة من حين يقع بصره عليه وكحال معاين الشفق الأحمر قرب طلوع ~~الشمس حيث تيقن أن الشمس بعده قوله : واستجماع قوى الاستقامة يعني : تستجمع ~~له قوى الظاهر والباطن على قصد الوصول والعزم عليه لمشاهدته ما هو سائر ~~إليه وهكذا عادة المسافر : أنه إذا عاين القرية التي يريد دخولها أسرع ~~السير وبذل الجهد وكذلك المسابق إذا عاين الغاية : استفرغ قوى جريه وسوقه ~~وكذلك الصادق في آخر عمره : أقوى عزما وقصدا ms0694 من أوله لقرابه من الغاية التي ~~يجري إليها والله أعلم PageV02P362 # | فصل قال : الدرجة الثالثة : معرفة علة العزم على التخلص من العزم # ثم الخلاص من تكاليف ترك العزم فإن العزائم لم تورث أربابها ميراثا أكرم ~~من وقوفهم على علل العزائم معرفة علة العزم هي نسبته إلى نفسه فإذا عرف أن ~~العزم مجرد فضل الله وإيثاره وتوفيقه وأنه ليس من العبد : فنسبته إياه بعد ~~ذلك إلى نفسه علة قادحة فيه فإذا لاح له لائح الكشف وشهد توحيد الفضل علم ~~حينئذ علة عزمه وهو نسبته إياه إلى نفسه ورؤيته له فإذا عرف هذه العلة عزم ~~على التخلص منها بالعزم على التخلص من العزم وهذا قد يسبق منه إلى الذهن ~~تناقض وتدافع فكيف يتخلص من العزم بالعزم ومراده : أن يعزم على التخلص من ~~العزم المنسوب إليه بالعزم الذي هو مجرد فضل الله وموهبته ولا تناقض حينئذ ~~فيتخلص من العزم بالعزم كما ينازع القدر بالقدر وأما الخلاص من ترك تكاليف ~~العزم فهو أنه إذا تخلص من هذا العزم وتركه : بقيت عليه بقية وهي رؤيته أنه ~~قد ترك فعليه التخلص من رؤية هذا الترك فهو يطلب الآن الخلاص من رؤية ترك ~~العزم كما كان يطلب ترك العزم # قوله : فإن العزائم لم تورث أربابها ميراثا أكرم من وقوفهم على علل ~~العزائم مدار علل العزائم : على ثلاثة أشياء : أحدها : فتورها وضعفها ~~الثاني : عدم تجردها من الأغراض وشوائب الحظوظ الثالث : رؤية العزائم ~~وشهودها ونسبتها إلى أنفسهم PageV02P363 فإذا عرف هذه الثلاثة : عرف علل ~~العزائم والله المستعان وهو سبحانه وتعالى أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإرادة # قال الله تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه [ ~~الأنعام : 52 ] وقال تعالى : وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ~~ربه الأعلى ولسوف يرضى [ الليل : 1921 ] وقال تعالى : وإن كنتن تردن الله ~~ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراعظيما [ الأحزاب : 29 ~~] # وقد أشكل على المتكلمين تعلق الإرادة بالله وكون وجهه تعالى مرادا قالوا ~~: الإرادة ms0695 لا تتعلق إلا بالحادث وأما بالقديم : فلا لأن القديم لا يراد ~~وأولوا الإرادة المتعلقة به بإرادة التقرب إليه ثم إنه لا يتصور عندهم ~~التقرب إليه فأولوا ذلك بإرادة طاعته الموجبة لجزائه هذا حاصل ما عندهم ~~وحجابهم في هذا الباب : غليظ كثيف من أغلظ الحجب وأكثفها ولهذا تجدهم أهل ~~قسوة ولا تجد عليهم روح السلوك ولا بهجة المحبة والطلب والإرادة عند أرباب ~~السلوك : هي التجرد عن الإرادة فلا تصح عندهم الإرادة إلا لمن لا إرادة له ~~ولا تظن أن هذا تناقض بل هو محض الحق واتفاق كلمة القوم عليه # وقد تنوعت عبارات القوم عنها وغالبهم يخبر عنها بأنها ترك العادة ومعنى ~~هذا : أن عادة الناس غالبا التعريج على أوطان الغفلة وإجابة داعي الشهوة ~~والإخلاد إلى أرض الطبيعة والمريد منسلخ عن ذلك فصار خروجه عنه : أمارة ~~ودلالة على صحة الإرادة فسمي انسلاخه وتركه إرادة وقيل : نهوض القلب في طلب ~~الحق PageV02P364 ويقال : لوعة تهون كل روعة قال الدقاقي : الإرادة لوعة في ~~الفؤاد لذعة في القلب غرام في الضمير انزعاج في الباطن نيران تأجج في ~~القلوب # وقيل : من صفات المريد التحبب إلى الله بالنوافل والإخلاص في نصيحة الأمة ~~والأنس بالخلوة والصبر على مقاساة الأحكام والإيثار لأمره والحياء من نظره ~~وبذل المجهود في محبوبه والتعرض لكل سبب يوصل إليه والقناعة بالخمول وعدم ~~قرار القلب حتى يصل إلى وليه ومعبوده # وقال حاتم الأصم : إذا رأيت المريد يريد غير مراده فاعلم أنه أظهر نذالته ~~وقيل : من حكم المريد : أن يكون نومه غلبة وأكله فاقة وكلامه ضرورة وقال ~~بعضهم : نهاية الإرادة : أن تشير إلى الله فتجده مع الإشارة فقيل له : ~~وابنتستوعبه الإشارة فقال : أن تجد الله بلا إشارة وهذا كلام متينفإن ~~المراتب ثلاثة : أعلاها : أن يكون واجدا لله في كل وقت لا يتوقف وجوده له ~~على الإشارة منه ولا من غيره الثاني : أن يكون له ملكة وحال وإرادة تامة ~~بحيث إنه متى أشير له إلى الله وجده عند إشارة المشير الثالث : أن لا يكون ~~كذلك ويتكلف وجدانه عند ms0696 الإشارة إليه فالمرتبة الأولى : للمقربين السابقين ~~والوسطى : للأبرار المقتصدين والثالثة : للغافلين # وقال أبو عثمان الحيري : من لم تصح إرادته ابتداء فإنه لا يزيده مرور ~~الأيام عليه إلا إدبارا PageV02P365 # وقال : المريد إذا سمع شيئا من علوم القوم فعمل به : صار حكمة في قلبه ~~إلى آخر عمره ينتفع به وإذا تكلم انتفع به من سمعه ومن سمع شيئا من علومهم ~~ولم يعمل به كان حكاية يحفظها أياما ثم ينساها وقال الواسطي : أول مقام ~~المريد : إرادة الحق بإسقاط إرادته وقال يحيى بن معاذ : أشد شيء على المريد ~~: معاشرة الأضداد وسئل الجنيد : ما للمريد حظ في مجازات الحكايات فقال : ~~الحكايات جند من جند الله يثبت الله بها قلوب المريدين ثم قرأ قوله تعالى : ~~وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك [ هود : 120 ] # وقد ذكر عن الجنيد كلمتان في الإرادة مجملتان تحتاج كل منهما إلى تفسير ~~الكلمة الواحدة : قال أبو عبدالرحمن السلمي : سمعت محمد بن مخلد يقول : ~~سمعت جعفرا يقول : سمعت الجنيد يقول : المريد الصادق غني من العلماء # وقال أيضا : سمعت الجنيد يقول : إذا أراد الله بالمريد خيرا : أوقعه إلى ~~الصوفيه ومنعه صحبة القراء # قلت : إذا صدق المريد وصح عقد صدقه مع الله : فتح الله على قلبه ببركة ~~الصدق وحسن المعاملة مع الله : ما يغنيه عن العلوم التي هي نتائج أفكار ~~الناس وآرائهم وعن العلوم التي هي فضلة ليست من زاد القبر وعن كثير من ~~إشارات الصوفية وعلومهم التي أفنوا فيها أعمارهم : من معرفة النفس وآفاتها ~~وعيوبها ومعرفة مفسدات الأعمال وأحكام السلوك فإن حال صدقه وصحة طلبه : ~~يريه ذلك كله بالفعل # ومثال ذلك : رجل قاعد في البلد يدأب ليله ونهاره في علم منازل الطريق ~~وعقباتها وأوديتها ومواضع المتاهات فيها والموارد والمفاوز وآخر : حمله ~~الوجد وصدق الإرادة على أن ركب الطريق وسار فيها فصدقه يغنيه عن علم ذلك ~~القاعد ويريه إياها في سلوكه عيانا PageV02P366 # وأما أن يغنيه صدق إرادته عن علم الحلال والحرام وأحكام الأمر والنهي ~~ومعرفة العبادات وشروطها وواجباتها ومبطلاتها وعن علم ms0697 أحكام الله ورسوله ~~على ظاهره وباطنه : فقد أعاذ الله من هو دون الجنيد من ذلك فضلا عن سيد ~~الطائفة وإمامها وإنما يقول ذلك قطاع الطريق وزنادقة الصوفية وملاحدتهم ~~الذين لا يرون اتباع الرسول شرطا في الطريق وأيضا فإن المريد الصادق : يفتح ~~الله على قلبه وينوره بنور من عنده مضاف إلى ا معه من نور العلم يعرف به ~~كثيرا من أمر دينه فيستغني به عن كثير من علم الناس فإن العلم نور وقلب ~~الصادق ممتلىء بنور الصدق ومعه نور الإيمان والنور يهدي إلى النور والجنيد ~~أخبر بهذا عن حاله وهذا أمر جزئي ليس على عمومه بل صدقه يغنيه عن كثير من ~~العلم وأما عن جملة العلم : فكلام أبي القاسم الثابت عنه في ضرورة الصادق ~~إلى العلم وأنه لا يفلح من لم يكن له علم وأن طريق القوم مقيدة بالعلم وأنه ~~لا يحل لأحد أن يتكلم في الطريق إلا بالعلم فمشهور معروف قد ذكرنا فيما مضى ~~طرفا منه كقوله : من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر ~~لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة # وأيضا فإن علم العلماء الذين أشار إليهم : هو ما فهموه واستنبطوه من ~~القرآن والسنة PageV02P367 والمريد الصادق : هو الذي قرأ القرآن وحفظ السنة ~~والله يرزقه ببركة صدقه ونور قلبه فهما في كتابه وسنة رسوله يفنيه عن تقليد ~~فهم غيره # وأما قوله يعني الجنيد إذا أراد الله بالمريد خيرا : أوقعه على الصوفية ~~ومنعه صحبة القراء # فالقراء في لسانهم : هم أهل التنسك والتعبد سواء كانوا يقرءون القرآن أم ~~لا فالقارىء عندهم : هو الكثير التعبد والتنسك الذي قد قصر همته على ظاهر ~~العبادة دون أرواح المعارف ودون حقائق الإيمان وروح المحبة وأعمال القلوب ~~فهمتهم كلها إلى العبادة ولا خبر عندهم مما عند أهل التصوف وأرباب القلوب ~~وأهل المعارف ولهذا قال من قال : طريقنا تفت لا تقسر # فسير هؤلاء : بالقلوب والأرواح وسير أولئك : بمجرد القوالب والأشباح وبين ~~أرواح هؤلاء وقلوبهم وأرواح هؤلاء وقلوبهم : نوع تناكر وتنافر ولا يقدر ~~أحدهم على صحبة ms0698 النوع الآخر إلا على نوع إغضاء وتحميل للطبيعة ما تأباه وهو ~~من جنس ما بينهم وبين ظاهرية الفقهاء من التنافر ويسمونهم : أصحاب الرسوم ~~ويسمون أولئك : القراء والطائفتان عندهم : أهل ظواهر لا أرباب حقائق هؤلاء ~~مع رسوم العلم وهؤلاء مع رسوم العبادة ثم إنهم في أنفسهم فريقان : صوفية ~~وفقراء وهم متنازعون في ترجيح الصوفية على الفقراء أو بالعكس أو هما سواء ~~على ثلاثة أقوال فطائفة رجحت الصوفي منهم كثير من أهل العراق وعلى هذا صاحب ~~العوارف وجعلوا نهاية الفقير : بداية الصوفي # وطائفة رجحت الفقير وجعلوا الفقر لب التصوف وثمرته وهم كثير من أهل ~~خراسان PageV02P368 وطائفة ثالثة قالوا : الفقر والتصوف شيء واحد وهؤلاء هم ~~أهل الشام ولا يستقيم الحكم بين هؤلاء وهؤلاء حتى تتبين حقيقة الفقر ~~والتصوف وحينئذ يعلم : هل هما حقيقة واحدة أو حقيقتان ويعلم راجحهما من ~~مرجوحهما وسترى ذلك مبينا إن شاء الله في منزلتي الفقر والتصوف إذا انتهينا ~~إليهما إن ساعد الله ومن بفضله وتوفيقه فلا حول ولا قوة إلا بالله وبه ~~المستعان وعليه التكلان وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والمقصود : أن ~~المراتب عندهم ثلاثة : مرتبة التقوى وهي مرتبة التعبد والتنسك ومرتبة ~~التصوف وهي مرتبة التفتي بكل خلق حسن والخروج من كل خلق ذميم # ومرتبة الفقر وهي مرتبة التجرد وقطع كل علاقة تحول بين القلب وبين الله ~~تعالى # فهذه مراتب طلاب الآخرة ومن عداهم : فمع القاعدين المتخلفين فأشار أبو ~~القاسم الجنيد إلى أن المريد لله بصدق إذا أراد الله به خيرا : أوقعه على ~~طائفة الصوفية يهذبون أخلاقه ويدلونه على تزكية نفسه وإزالة أخلاقها ~~الذميمة والاستبدال بالأخلاق الحميدة ويعرفونه منازل الطريق ومفازاتها ~~وقواطعها وآفاتها # وأما القراء : فيدقونه بالعبادة من الصوم والصلاة دقا ولا يذيقونه شيئا ~~من حلاوة أعمال القلوب وتهذيب النفوس إذ ليس ذلك طريقهم ولهذا بينهم وبين ~~أرباب التصوف نوع تنافر كما تقدم PageV02P369 # والبصير الصادق : يضرب في كل غنيمة بسهم ويعاشر كل طائفة على أحسن ما ~~معها ولا يتحيز إلى طائفة وينأى عن الأخرى بالكلية : أن ms0699 لا يكون معها شيء ~~من الحق فهذه طريقة الصادقين ودعوى الجاهلية كامنة في النفوس ولا أعني بذلك ~~أصغريهم ولكني أريد به الدوينا سمع النبي في بعض غزواته قائلا يقول : يا ~~للمهاجرين وآخر يقول : يا للأنصار فقال : ما بال دعوى الجاهلية وأنا بين ~~أظهركم هذا وهما اسمان شريفان سماهم الله بهما في كتابه فنهاهم عن ذلك ~~وأرشدهم إلى أن يتداعوا ب المسلمين و المؤمنين و عباد الله وهي الدعوى ~~الجامعة بخلاف المفرقة ك الفلانية و الفلانية فالله المستعان # وقال لأبي ذر : إنك امروء فيك جاهلية فقال : على كبر السن مني يا رسول ~~الله قال : نعم فمن يأمن القراء بعدك يا شهر ولا يذوق العبد حلاوة الإيمان ~~وطعم الصدق واليقين حتى تخرج الجاهلية كلها من قلبه والله لو تحقق الناس في ~~هذا الزمان ذلك من قلب رجل لرموه عن قوس واحدة وقالوا : هذا مبتدع ومن دعاة ~~البدع فإلى الله المشتكى وهو المسئول الصبر والثبات فلابد من لقائه وقد خاب ~~من افترى [ طه : 61 ] وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [ الشعراء : 227 ~~] PageV02P370 # | فصل قال صاحب المنازل رحمه الله : باب الإرادة : قال الله تعالى قل # كل يعمل على شاكلته [ الإسراء : 84 ] # في تصديره الباب بهذه الآية دلالة على عظم قدره وجلالة محله من هذا العلم ~~فإن معنى الآية : كل يعمل على ما يشاكله ويناسبه ويليق به فالفاجر يعمل على ~~ما يليق به وكذلك الكافر والمنافق ومريد الدنيا وجيفتها : عامل على ما ~~يناسبه ولا يليق به سواه ومحب الصور : عامل على ما يناسبه ويليق به # فكل امرىء يهفو إلى ما يحبه وكل امرىء يصبو إلى ما يناسبه فالمريد الصادق ~~المحب لله : يعمل ما هو اللائق به والمناسب له فهو يعمل على شاكلة إرادته ~~وما هو الأليق به والأنسب لها قال : الإرادة : من قوانين هذا العلم وجوامع ~~أبنيته وهي الإجابة لدواعي الحقيقة طوعا أو كرها # يريد : أن هذا العلم مبني على الإرادة فهي أساسه ومجمع بنائه وهو مشتمل ~~على تفاصيل أحكام الإرادة وهي حركة القلب ولهذا ms0700 سمي علم الباطن كما أن علم ~~الفقه يشتمل على تفاصيل أحكام الجوارح ولهذا سموه علم الظاهر فهاتان حركتان ~~اختياريتان وللعبد حركة طبيعية اضطرارية فالعلم المشتمل على تفاصيلها ~~وأحكامها : هو علم الطب فهذه العلوم الثلاثة : هي الكفيلة بمعرفة حركات ~~النفس والقلب وحركات اللسان والجوارح وحركات الطبيعة # فالطبيب : ينظر في تلك الحركات من جهة تأثر البدن عنها صحة واعتلالا وفي ~~لوازم ذلك ومتعلقاته PageV02P371 # والفقيه : ينظر في تلك الحركات من جهة موافقتها لأمر الشرع ونهيه وإذنه ~~وكراهته ومتعلقات ذلك # والصوفي : ينظر في تلك الحركات من جهة كونها موصلة له إلى مراده أو قاطعة ~~عنه ومفسدة لقلبه أو مصححة له وأما قوله : وهي الإجابة لداعي الحقيقة ف ~~الإجابة هي الانقياد والإذعان و الحقيقة عندهم : مشاهدة الربوبية و الشريعة ~~التزام العبودية فالشريعة : أن تعبده والحقيقة : أن تشهده فالشريعة : قيامك ~~بأمره والحقيقة : شهودك لوصفه وداعي الحقيقة : هو صحة المعرفة فإن من عرف ~~الله أحبه ولا بد # ولابد في هذه الإجابة من ثلاثة أشياء : نفس مستعدة قابلة لا تعوز إلا ~~الداعي ودعوة مستمعة وتخلية الطريق من المانع فما انقطع من انقطع إلا من ~~جهة من هذه الجهات الثلاث # وقوله : طوعا أو كرها يشير إلى المجذوب المختطف من نفسه والسالك إرادة ~~واختيارا ومجاهدة قال : وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : ذهاب عن ~~العادات بصحة العلم والتعلق بأنفاس السالكين مع صدق القصد وخلع كل شاغل من ~~الإخوان ومشتت من الأوطان هذا يوافق من حد الإرادة بأنها : مخالفة العادة ~~وهي ترك عوائد النفس وشهواتها ورعوناتها وبطالاتها ولا يمكن ذلك إلا بهذه ~~الأشياء التي أشار إليها وهي : صحبة العلم ومعانقته فإنه النور الذي يعرف ~~العبد مواقع ما ينبغي إيثار طلبه وما ينبغي إيثار تركه فمن لم يصحبه العلم ~~: لم تصح له إرادة باتفاق كلمة الصادقين ولا عبرة بقطاع الطريق # وقال بعضهم : متى رأيت الصوفي والفقير يقدح في العلم فاتهمه على الإسلام ~~PageV02P372 ومنها : التعلق بأنفاس السالكين ولا ريب أن كل من تعلق بأنفاس ~~قوم انخرط في مسلكهم ودخل في جماعتهم وقال : أنفاس ms0701 السالكين ولم يقل : ~~أنفاس العابدين فإن العابدين من شأنهم القيام بالأعمال وشأن السالكين ~~مراعاة الأحوال وقوله : مع صدق القصد # يكون بأمرين أحدهما : توحيده والثاني : توحيد المقصود فلا يقع في قصدك ~~قسمة ولا في مقصودك وقوله : وخلع كل شاغل من الإخوان : ومشتت من الأوطان # يشير إلى ترك الموانع والقواطع العائقة عن السلوك : من صحبة الأغيار ~~والتعلق بالأوطان التي ألف فيها البطالة والنذالة فليس على المريد الصادق ~~أضر من عشرائه ووطنه القاطعين له عن سيره إلى الله تعالى فليغترب عنهم ~~بجهده والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل قال : الدرجة الثانية : تقطع بصحبة الحال وترويح الأنس والسير # بين القبض والبسط أي ينقطع إلى صحبة الحال وهو الوارد الذي يرد على القلب ~~من تأثيره بالمعاملة السالب لوصف الكسل والفتور الجالب له إلى مرافقة ~~الرفيق الأعلى الذين أنعم الله عليهم فينتقل من مقام العلم إلى مقام الكشف ~~ومن مقام رسوم الأعمال إلى مقام حقائقها وأذواقها ومواجيدها وأحوالها ~~فيترقى من الإسلام إلى الإيمان ومن الإيمان إلى الإحسان # وأما ترويح الأنس الذي أشار إليه : فإن السالك في أول الأمر يجد تعب ~~التكاليف ومشقة العمل لعدم أنس قلبه بمعبوده فإذا حصل للقلب روح الأنس زالت ~~عنه تلك التكاليف والمشاق فصارت قرة عين له وقوة ولذة PageV02P373 # فتصير الصلاة قرة عينه بعد أن كانت عملا عليه ويستريح بها بعد أن كان ~~يطلب الراحة منها فله ميراث من قوله أرحنا بالصلاة يا بلال وجعلت قرة عيني ~~في الصلاة بحسب إرادته ومحبته وأنسه بالله سبحانه وتعالى ووحشته مما سواه ~~وأما السير بين القبض والبسط ف القبض و البسط حالتان تعرضان لكل سالك ~~يتولدان من الخوف تارة والرجاء تارة فيقبضه الخوف ويبسطه الرجاء # ويتولدان من الوفاء تارة والجفاء تارة فوفاؤه : يورثه البسط ورجاؤه يورثه ~~القبض # ويتولدان من التفرقة تارة والجمعية تارة فتفرقته تورثه القبض وجمعيته ~~تورثه البسط ويتولدان من أحكام الوارد تارة فوارد يورث قبضا ووارد يورث ~~بسطا وقد يهجم على قلب السالك قبض لا يدري ما سببه وبسط لا يدري ما سببه ~~وحكم ms0702 صاحب هذا القبض : أمران الأول : التوبة والاستغفار لأن ذلك القبض ~~نتيجة جناية أو جفوة ولا يشعر بها والثاني : الاستسلام حتى يمضي عنه ذلك ~~الوقت ولا يتكلف دفعه ولا يستقبل وقته مغالبة وقهرا ولا يطلب طلوع الفجر في ~~وسط الليل وليرقد حتى يمضي عامة الليل ويحين طلوع الفجر وانقشاع ظلمة الليل ~~بل يصبر حتى يهجم عليه الملك فالله يقبض ويبسط وكذلك إذا هجم عليه وارد ~~البسط : فليحذر كل الحذر من الحركة والاهتزاز وليحرزه بالسكون والانكماش ~~فالعاقل يقف على البساط ويحذر من الانبساط وهذا شأن عقلاء أهل الدنيا ~~ورؤسائهم : إذا ما ورد عليهم ما يسرهم ويبسطهم PageV02P374 # ويهيج أفراحهم قابلوه بالسكون والثبات والاستقرار حتى كأنه لم يهجم عليهم ~~وقال كعب بن زهير في مدح المهاجرين : # ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم قوما % وليسوا مجازيعا إذا نيلوا قال : ~~الدرجة الثالثة : ذهول مع صحبة الاستقامة وملازمة الرعاية على تهذيب الأدب # الذهول ههنا : الغيبة في المشاهدة بالحال الغالب المذهل لصاحبه عن ~~التفاته إلى غيره وهذا إنما ينفع إذا كان مصحوبا بالإستقامة وهي حفظ حدود ~~العلم والوقوف معها وعدم إضاعتها وإلا فأحسن أحوال هذا الذاهل : أن يكون ~~كالمجنون الذي رفع عنه القلم فلا يقتدى به ولا يعاقب على تركه الاستقامة ~~وأما إن كان سبب الذهول المخرج عن الإستقامة باستدعائه وتكلفه وإرادته : ~~فهو عاص مفرط مضيع لأمر الله له حكم أمثاله من المفرطين وكان شيخ الإسلام ~~ابن تيمية قدس الله روحه يقول : متى كان السبب محظورا لم يكن السكران ~~معذورا وقوله : وملازمة الرعاية على تهذيب الأدب # يريد به : ملازمته رعاية حقوق الله مع التأدب بآدابه فلا يخرجه ذهول عن ~~استقامته ولا عن رعاية حقوق سيده ولا عن الوقوف بالأدب بين يديه والله ~~المستعان # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الأدب # قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها ~~الناس والحجارة [ التحريم : 6 ] قال ابن عباس وغيره : أدبوهم وعلموهم وهذه ~~اللفظة مؤذنة بالاجتماع فالأدب : اجتماع خصال الخير في العبد ومنه المأدبة ~~وهي الطعام الذي ms0703 يجتمع عليه الناس PageV02P375 # وعلم الأدب : هو علم إصلاح اللسان والخطاب وإصابة مواقعه وتحسين ألفاظه ~~وصيانته عن الخطاء والخلل وهو شعبة من الأدب العام والله أعلم # | فصل و الأدب ثلاثة أنواع : أدب مع الله سبحانه وأدب مع رسوله # وشرعه وأدب مع خلقه فالأدب مع الله ثلاثة أنواع أحدها : صيانة معاملته : ~~أن يشوبها بنقيصة الثاني : صيانة قلبه أن يلتفت إلى غيره الثالث : صيانة ~~إرادته أن تتعلق بما يمقتك عليه قال أبو علي الدقاق : العبد يصل بطاعة الله ~~إلى الجنة ويصل بأدبه في طاعته إلى الله وقال : رأيت من أراد أن يمد يده في ~~الصلاة إلى أنفه فقبض على يده وقال ابن عطاء : الأدب الوقوف مع المستحسنات ~~فقيل له : وما معناه فقال : أن تعامله سبحانه بالأدب سرا وعلنا ثم أنشد # إذا نطقت جاءت بكل ملاحة % وإن سكتت جاءت بكل مليح وقال أبو علي : من ~~صاحب الملوك بغير أدب أسلمه الجهل إلى القتل وقال يحيى بن معاذ : إذا ترك ~~العارف أدبه مع معروفه فقد هلك مع الهالكين وقال أبو علي : ترك الأدب يوجب ~~الطرد فمن أساء الأدب على البساط رد إلى الباب ومن أساء الأدب على الباب رد ~~إلى سياسة الدواب وقال يحيى بن معاذ : من تأدب بأدب الله صار من أهل محبة ~~الله وقال ابن المبارك : نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم # وسئل الحسن البصري رحمه الله عن أنفع الأدب فقال : التفقه في الدين ~~والزهد في الدنيا والمعرفة بما لله عليك PageV02P376 # وقال سهل : القوم استعانوا بالله على مراد الله وصبروا لله على آداب الله ~~وقال ابن المبارك : طلبنا الأدب حين فاتنا المؤدبون وقال : الأدب للعارف ~~كالتوبة للمستأنف وقال أبو حفص لما قال له الجنيد : لقد أدبت أصحابك أدب ~~السلاطين فقال : حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن فالأدب مع ~~الله حسن الصحبة معه بإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتضى التعظيم ~~والإجلال والحياء كحال مجالس الملوك ومصاحبهم # وقال أبو نصر السراج : الناس في الأدب على ثلاث طبقات ms0704 : # أما أهل الدنيا : فأكبر آدابهم : في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسمار ~~الملوك وأشعار العرب # وأما أهل الدين : فأكثر آدابهم : في رياضة النفوس وتأديب الجوارح وحفظ ~~الحدود وترك الشهوات # وأما أهل الخصوصية : فأكبر آدابهم : في طهارة القلوب ومراعاة الأسرار ~~والوفاء بالعهود وحفظ الوقت وقلة الالتفات إلى الخواطر وحسن الأدب في مواقف ~~الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب وقال سهل : من قهر نفسه بالأدب فهو يعبد ~~الله بالإخلاص وقال عبدالله بن المبارك : قد أكثر الناس القول في الأدب ~~ونحن نقول : إنه معرفة النفس ورعوناتها وتجنب تلك الرعونات وقال الشبلي : ~~الانبساط بالقول مع الحق ترك الأدب وقال بعضهم : الحق سبحانه يقول : من ~~ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي : ألزمته الأدب ومن كشفت له عن حقيقة ذاتي ~~: ألزمته العطب فاختر الأدب أو العطب PageV02P377 # ويشهد لهذا : أنه سبحانه لما كشف للجبل عن ذاته ساخ الجبل وتدكدك ولم ~~يثبت على عظمة الذات وقال أبو عثمان : إذا صحت المحبة تأكدت على المحب ~~ملازمة الأدب وقال النوري رحمه الله : من لم يتأدب للوقت فوقته مقت وقال ذو ~~النون : إذا خرج المريد عن استعمال الأدب : فإنه يرجع من حيث جاء وتأمل ~~أحوال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم مع الله وخطابهم وسؤالهم كيف تجدها ~~كلها مشحونة بالأدب قائمة به قال المسيح عليه السلام : إن كنت قلته فقد ~~علمته [ المائدة : 116 ] ولم يقل : لم أقله وفرق بين الجوابين في حقيقة ~~الأدب ثم أحال الأمر على علمه سبحانه بالحال وسره فقال : تعلم ما في نفسي ~~ثم برأ نفسه عن علمه بغيب ربه وما يختص به سبحانه فقال : ولا أعلم ما في ~~نفسك ثم أثنى على ربه ووصفه بتفرده بعلم الغيوب كلها فقال : إنك أنت علام ~~الغيوب ثم نفى أن يكون قال لهم غير ما أمره ربه به وهو محض التوحيد فقال : ~~ما قلت لهم إلا ما أمرتني به : أن اعبدوا الله ربي وربكم [ المائدة : 117 ] ~~ثم أخبر عن شهادته عليهم مدة مقامه فيهم وأنه بعد وفاته لا اطلاع له عليهم ~~وأن الله عز وجل ms0705 وحده هو المنفرد بعد الوفاة بالاطلاع عليهم فقال وكنت ~~عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيني كنت أنت الرقيب عليهم [ المائدة : 117 ~~] ثم وصفه بأن شهادته سبحانه فوق كل شهادة وأعم فقال : وأنت على كل شيء ~~شهيد ثم قال : إن تعذبهم فإنهم عبادك [ المائدة : 118 ] وهذا من أبلغ الأدب ~~مع الله في مثل هذا المقام أي شأن السيد رحمة عبيده والإحسان إليهم وهؤلاء ~~عبيدك ليسوا عبيدا لغيرك فإذا عذبتهم مع كونهم عبيدك فلولا أنهم عبيد سوء ~~من أبخس PageV02P378 العبيد وأعتاهم على سيدهم وأعصاهم له : لم تعذبهم لأن ~~قربة العبودية تستدعي إحسان السيد إلى عبده ورحمته فلماذا يعذب أرحم ~~الراحمين وأجود الأجودين وأعظم المحسنين إحسانا عبيده لولا فرط عتوهم ~~وإباؤهم عن طاعته وكمال استحقاقهم للعذاب # وقد تقدم قوله : إنك أنت علام الغيوب [ المائدة : 116 ] أي هم عبادك وأنت ~~أعلم بسرهم وعلانيتهم فإذا عذبتهم : عذبتهم على علم منك بما تعذبهم عليه ~~فهم عبادك وأنت أعلم بما جنوه واكتسبوه فليس في هذا استعطاف لهم كما يظنه ~~الجهال ولا تفويض إلى محض المشيئة والملك المجرد عن الحكمة كما تظنه ~~القدرية وإنما هو إقرار واعتراف وثناء عليه سبحانه بحكمته وعدله وكمال علمه ~~بحالهم واستحقاقهم للعذاب # ثم قال : وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [ المائدة : 118 ] ولم يقل ~~الغفور الرحيم وهذا من أبلغ الأدب مع الله تعالى فإنه قاله في وقت غضب الرب ~~عليهم والأمر بهم إلى النار فليس هو مقام استعطاف ولا شفاعة بل مقام براءة ~~منهم فلو قال : فإنك أنت الغفور الرحيم لأشعر باستعطافه ربه على أعدائه ~~الذين قد اشتد غضبه عليهم فالمقام مقام موافقة للرب في غضبه على من غضب ~~الرب عليهم فعدل عن ذكر الصفتين اللتين يسأل بهما عطفه ورحمته ومغفرته إلى ~~ذكر العزة والحكمة المتضمنتين لكمال القدرة وكمال العلم # والمعنى : إن غفرت لهم فمغفرتك تكون عن كمال القدرة والعلم ليست عن عجز ~~عن الانتقام منهم ولا عن خفاء عليك بمقدار جرائمهم وهذا لأن العبد قد يغفر ~~لغيره لعجزه عن الانتقام ms0706 منه ولجهله بمقدار إساءته إليه والكمال : هو مغفرة ~~القادر العالم وهو العزيز الحكيم وكان ذكر هاتين الصفتين في هذا المقام عين ~~الأدب في الخطاب وفي بعض الآثار : حملة العرش أربعة : اثنان يقولان : ~~سبحانك اللهم ربنا PageV02P379 وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك واثنان ~~يقولان : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ولهذا ~~يقترن كل من هاتين الصفتين بالأخرى كقوله : والله عليم حليم وقوله : وكان ~~الله عفوا قديرا # وكذلك قول إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم الذي خلقني فهو يهدين والذي ~~هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين [ الشعراء : 7880 ] ولم يقل وإذا ~~أمرضني حفظا للأدب مع الله # وكذلك قول الخضر عليه السلام في السفينة : فأردت أن أعيبها [ الكهف : 79 ~~] ولم يقل فأراد ربك أن أعيبها وقال في الغلامين : فأراد ربك أن يبلغا ~~أشدهما [ الكهف : 82 ] # وكذلك قول مؤمني الجن : وأنا لا ندري : أشر أريد بمن في الأرض [ الجن : ~~10 ] ولم يقولوا : أراده ربهم ثم قالوا : أم أراد بهم ربهم رشدا وألطف من ~~هذا قول موسى عليه السلام : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير [ القصص : 24 ~~] ولم يقل أطعمني وقول آدم عليه السلام : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر ~~لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [ الأعراف : 23 ] ولم يقل : رب قدرت علي ~~وقضيت علي وقول أيوب عليه السلام : مسني الضر وأنت أرحم الراحمين [ ~~الأنبياء : 83 ] ولم يقل فعافني واشفني # وقول يوسف لأبيه وإخوته : هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد ~~أحسن بي إذا أخرجني من السجن [ يوسف : 100 ] ولم يقل : أخرجني من الجب حفظا ~~للأدب مع إخوته وتفتيا عليهم : أن لا يخجلهم بما جرى في الجب وقال : وجاء ~~بكم من البدو ولم يقل : رفع عنكم جهد الجوع والحاجة أدبا معهم وأضاف ما جرى ~~إلى السبب ولم يضفه إلى المباشر الذي هو أقرب إليه منه فقال : من بعد أن ~~نزع الشيطان بيني وبين إخوتي فأعطى الفتوة PageV02P380 والكرم والأدب حقه ~~ولهذا لم يكن كمال هذا الخلق ms0707 إلا للرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم # ومن هذا أمر النبي الرجل : أن يستر عورته وإن كان خاليا لا يراه أحد أدبا ~~مع الله على حسب القرب منه وتعظيمه وإجلاله وشدة الحياء منه ومعرفة وقاره ~~وقال بعضهم : الزم الأدب ظاهرا وباطنا فما أساء أحد الأدب في الظاهر إلا ~~عوقب ظاهرا وما أساء أحد الأدب باطنا إلا عوقب باطنا وقال عبدالله بن ~~المبارك رحمه الله : من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن ومن تهاون بالسنن ~~عوقب بحرمان الفرائض ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة وقيل : الأدب ~~في العمل علامة قبول العمل # وحقيقة الأدب استعمال الخلق الجميل ولهذا كان الأدب : استخراج ما في ~~الطبيعة من الكمال من القوة إلى الفعل # فإن لله سبحانه هيأ الإنسان لقبول الكمال بما أعطاه من الأهلية ~~والاستعداد التي جعلها فيه كامنة كالنار في الزناد فألهمه ومكنه وعرفه ~~وأرشده وأرسل إليه رسله وأنزل إليه كتبه لاستخراج تلك القوة التي أهله بها ~~لكماله إلى الفعلقال الله تعالى : ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ~~قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها [ الشمس : 710 ] فعبر عن خلق النفس ~~بالتسوية والدالة على الاعتدال والتمام ثم أخبر عن قبولها للفجور والتقوى ~~وأن ذلك نالها منه امتحانا واختبارا ثم خص بالفلاح من زكاها فنماها وعلاها ~~ورفعها بآدابه التي أدب بها رسله وأنبياءه وأولياءه وهي التقوى ثم حكم ~~بالشقاء على من دساها فأخفاها وحقرها وصغرها وقمعها بالفجور والله سبحانه ~~وتعالى أعلم PageV02P381 # | فصل وجرت عادة القوم : أن يذكروا في هذا المقام قوله تعالى عن نبيه # حين أراه ما أراه : ما زاغ البصر وما طغى [ النجم : 17 ] وأبو القاسم ~~القشيري صدر باب الأدب بهذه الآية وكذلك غيره # وكأنهم نظروا إلى قول من قال من أهل التفسير : إن هذا وصف لأدبه في ذلك ~~المقام إذ لم يلتفت جانبا ولا تجاوز ما رآه وهذا كمال الأدب والإخلال به : ~~أن يلتفت الناظر عن يمينه وعن شماله أو يتطلع أمام المنظور فالالتفات زيغ ~~والتطلع إلى ما أمام المنظور : طغيان ومجاوزة فكمال ms0708 إقبال الناظر على ~~المنظور : أن لا يصرف بصره عنه يمنة ولا يسرة ولا يتجاوزه # هذا معنى ما حصلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه وفي هذه الآية ~~أسرار عجيبة وهي من غوامض الآداب اللائقة بأكمل البشر : تواطأ هناك بصره ~~وبصيرته وتوافقا وتصادقا فيما شاهده بصره فالبصيرة مواطئة له وما شاهدته ~~بصيرته فهو أيضا حق مشهود بالبصر فتواطأ في حقة مشهد البصر والبصيرة ولهذا ~~قال سبحانه وتعالى : ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى [ النجم : ~~1112 ] أي ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره # ولهذا قرأها أبو جعفر ما كذب الفؤاد ما رأى بتشديد الذال أي لم يكذب ~~الفؤاد البصر بل صدقه وواطأه لصحة الفؤاد والبصر أو استقامة البصيرة والبصر ~~وكون المرئي المشاهد بالبصر والبصيرة حقا وقرأ الجمهور ما كذب الفؤاد ~~بالتخفيف وهو متعد و ما رأى مفعوله : أي ما كذب قلبه ما رأته عيناه بل ~~واطأه ووافقه فلمواطأة قلبه لقالبه وظاهره لباطنه وبصره لبصيرته : لم يكذب ~~الفؤاد البصر ولم يتجاوز البصر حده فيطغى PageV02P382 ولم يمل عن المرئي ~~فيزيغ بل اعتدل البصر نحو المرئي ما جاوزه ولا مال عنه كما اعتدل القلب في ~~الإقبال على الله والإعراض عما سواه فإنه أقبل على الله بكليته وللقلب زيغ ~~وطغيان كما للبصر زيغ وطغيان وكلاهما منتف عن قلبه وبصره فلم يزغ قلبه ~~التفاتا عن الله إلى غيره ولم يطغ بمجاوزته مقامه الذي أقيم فيه # وهذا غاية الكمال والأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه فإن عادة النفوس ~~إذا أقيمت في مقام عال رفيع : أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه وفوقه ألا ترى ~~إلى موسى لما أقيم في مقام التكليم والمناجاة : طلبت نفسه الرؤية ونبينا ~~لما أقيم في ذلك المقام وفاه حقه : فلم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير ما ~~أقيم فيه ألبتة ولأجل هذا ما عاقه عائق ولا وقف به مراد حتى جاوز السموات ~~السبع حتى عاتب موسى ربه فيه وقال : يقول بنو إسرائيل : إني كريم الخلق على ~~الله ms0709 وهذا قد جاوزني وخلفني علوا فلو أنه وحده ولكن معه كل أمته وفي رواية ~~للبخاري : فلما جاوزته بكى قيل : ما يبكيك قال : أبكي أن غلاما بعث بعدي ~~يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي ثم جاوزه علوا فلم تعقه إرادة ~~ولم تقف به دون كمال العبودية همة ولهذا كان مركوبه في مسراه يسبق خطوه ~~الطرف فيضع قدمه عند منتهى طرفه مشاكلا لحال راكبه وبعد شأوه الذي سبق به ~~العالم أجمع في سيره فكان قدم البراق لا يختلف عن موضع نظره كما كان قدمه ~~لا يتأخر عن محل معرفته فلم يزل في خفارة كمال أدبه مع الله سبحانه وتكميل ~~مراتب عبوديته له حتى خرق حجب السموات وجاوز السبع الطباق وجاور سدرة ~~المنتهى ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين فانصبت PageV02P383 ~~إليه هناك أقسام القرب انصبابا وانقشعت عنه سحائب الحجب ظاهرا وباطنا حجابا ~~حجابا وأقيم مقاما غبطه به الأنبياء والمرسلون فإذا كان في المعاد أقيم ~~مقاما من القرب ثانيا يغبطه به الأولون والآخرون واستقام هناك على صراط ~~مستقيم من كمال أدبه مع الله ما زاغ البصر عنه وما طغى فأقامه في هذا ~~العالم على أقوم صراط من الحق والهدى وأقسم بكلامه على ذلك في الذكر الحكيم ~~فقال تعالى : يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم [ يس : ~~14 ] فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصراط يسأله السلامة لأتباعه وأهل ~~سنته حتى يجوزونه إلى جنات النعيم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم # | فصل و الأدب هو الدين كله فإن ستر العورة من الأدب والوضوء وغسل # الجنابة من الأدب والتطهر من الخبث من الأدب حتى يقف بين يدي الله طاهرا ~~ولهذا كانوا يستحبون أن يتجمل الرجل في صلاته للوقوف بين يدي ربه # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : أمر الله بقدر زائد على ~~ستر العورة في الصلاة وهو أخذ الزينة فقال تعالى : خذوا زينتكم عند كل مسجد ~~[ الأعراف : 31 ] فعلق الأمر بأخذ الزينة ms0710 لا بستر العورة إيذانا بأن العبد ~~ينبغي له : أن يلبس أزين ثيابه وأجملها في الصلاة PageV02P384 # وكان لبعض السلف حلة بمبلغ عظيم من المال وكان يلبسها وقت الصلاة ويقول : ~~ربي أحق من تجملت له في صلاتي ومعلوم : أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يرى ~~أثر نعمته على عبده لا سيما إذا وقف بين يديه فأحسن ما وقف بين يديه ~~بملابسه ونعمته التي ألبسه إياها ظاهرا وباطنا ومن الأدب : نهى النبي ~~المصلي : أن يرفع بصره إلى السماء فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله ~~روحه يقول : هذا من كمال أدب الصلاة : أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقا ~~خافضا طرفه إلى الأرض ولا يرفع بصره إلى فوق قال : والجهمية لما لم يفقهوا ~~هذا الأدب ولا عرفوه ظنوا أن هذا دليل أن الله ليس فوق سمواته على عرشه كما ~~أخبر به عن نفسه واتفقت عليه رسله وجميع أهل السنة # قال : وهذا من جهلهم بل هذا دليل لمن عقل عن الرسول على نقيض قولهم إذ من ~~الأدب مع الملوك : أن الواقف بين أيديهم يطرق إلى الأرض ولا يرفع بصره ~~إليهم فما الظن بملك الملوك سبحانه وسمعته يقول في نهيه عن قراءة القرآن في ~~الركوع والسجود : إن القرآن هو أشرف الكلام وهو كلام الله وحالتا الركوع ~~PageV02P385 والسجود حالتا ذل وانخفاض من العبد فمن الأدب مع كلام الله : ~~أن لا يقرأ في هاتين الحالتين ويكون حال القيام والانتصاب أولى به # ومن الأدب مع الله : أن لا يستقبل بيته ولا يستدبره عند قضاء الحاجة كما ~~ثبت عن النبي في حديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم رضي الله عنهم ~~والصحيح : أن هذا الأدب : يعم الفضاء والبنيان كما ذكرنا في غير هذا الموضع ~~ومن الأدب مع الله في الوقوف بين يديه في الصلاة : وضع اليمنى على اليسرى ~~حال قيام القراءة ففي الموطأ لمالك عن سهل بن سعد : أنه من السنة و : كان ~~الناس يؤمرون به ولا ريب أنه من أدب الوقوف بين يدي الملوك والعظماء فعظيم ~~العظماء أحق ms0711 به # ومنها : السكون في الصلاة وهو الدوام الذي قال الله تعالى فيه : الذين هم ~~على صلاتهم دائمون [ المعارج : 23 ] قال عبدالله بن المبارك عن ابن لهيعة : ~~حدثني يزيد بن أبي حبيب : أن أبا الخير أخبره قال : سألنا عقبة بن عامر عن ~~قوله تعالى : الذين هم على صلاتهم دائمون أهم الذين يصلون دائما قال : لا ~~ولكنه إذا صلى لم يلتفت عن يمينه ولا عن شماله ولا خلفه PageV02P386 # قلت : هما أمران الدوام عليها والمداومة عليها فهذا الدوام والمداومة في ~~قوله تعالى : والذين هم على صلاتهم يحافظون [ المعارج : 34 ] وفسر الدوام ~~بسكون الأطراف والطمأنينة وأدبه في استماع القراءة : أن يلقي السمع وهو ~~شهيد وأدبه في الركوع : أن يستوي ويعظم الله تعالى حتى لا يكون في قلبه شيء ~~أعظم منه ويتضاءل ويتصاغر في نفسه حتى يكون أقل من الهباء # والمقصود : أن الأدب مع الله تبارك وتعالى : هو القيام بدينه والتأدب ~~بآدابه ظاهرا وباطنا # ولا يستقيم لأحد قط الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء : معرفته بأسمائه ~~وصفاته ومعرفته بدينه وشرعه وما يحب وما يكره ونفس مستعدة قابلة لينة ~~متهيئة لقبول الحق علما وعملا وحالا والله المستعان # | فصل وأما الأدب مع الرسول : فالقرآن مملوء به # فرأس الأدب معه : كمال التسليم له والانقياد لأمره وتلقي خبره بالقبول ~~والتصديق دون أن يحمله معارضة خيال باطل يسميه معقولا أو يحمله شبهة أو شكا ~~أو يقدم عليه آراء الرجال وزبالات أذهانهم فيوحده بالتحكيم والتسليم ~~والانقياد والإذعان كما وحد المرسل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل ~~والإنابة والتوكل فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما : ~~توحيد المرسل وتوحيد متابعة الرسول فلا يحاكم إلى غيره ولا يرضى بحكم غيره ~~ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه ~~وطائفته ومن يعظمه فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره وإلا فإن طلب السلامة : ~~أعرض عن PageV02P387 أمره وخبره وفوضه إليهم وإلا حرفه عن مواضعه وسمى ~~تحريفه : تأويلا وحملا فقال : نؤوله ونحمله # فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب على ms0712 الإطلاق ما خلا الشرك بالله خير له من ~~أن يلقاه بهذه الحال ولقد خاطبت يوما بعض أكابر هؤلاء فقلت له : سألتك ~~بالله لو قدر أن الرسول حي بين أظهرنا وقد واجهنا بكلامه وبخطابه : أكان ~~فرضا علينا أن نتبعه من غير أن نعرضه على رأي غيره وكلامه ومذهبه أم لا ~~نتبعه حتى نعرض ما سمعناه منه على آراء الناس وعقولهم فقال : بل كان الفرض ~~المبادرة إلى الامتثال من غير التفات إلى سواه فقلت : فما الذي نسخ هذا ~~الفرض عنا وبأي شيء نسخ فوضع إصبعه على فيه وبقي باهتا متحيرا وما نطق ~~بكلمة # هذا أدب الخواص معه لا مخالفة أمره والشرك به ورفع الأصوات وإزعاج ~~الأعضاء بالصلاة عليه والتسليم وعزل كلامه عن اليقين وأن يستفاد منه معرفة ~~الله أو يتلقى منه أحكامه بل المعول في باب معرفة الله : على العقول ~~المنهوكة المتحيرة المتناقضة وفي الأحكام : على تقليد الرجال وآرائها ~~والقرآن والسنة إنما نقرؤهما تبركا لا أنا نتلقى منهما أصول الدين ولا ~~فروعه ومن طلب ذلك ورامه عاديناه وسعينا في قطع دابره واستئصال شأفته بل ~~قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا أخذنا ~~مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون قد كانت ~~آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون أفلم ~~يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولهم فهم ~~له منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ولو اتبع ~~الحق أهواءهم لفسدت السموات PageV02P388 والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم ~~فهم عن ذكرهم معرضون أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين وإنك ~~لتدعوهم إلى صراط مستقيم وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون [ ~~المؤمنون : 6374 # والناصح لنفسه العامل على نجاتها : يتدبر هذه الآيات حق تدبرها ويتأملها ~~حق تأملها وينزلها على الواقع : فيرى العجب ولا يظنها اختصت بقوم كانوا ~~فبانوا فالحديث لك واسمعي يا جارة والله ms0713 المستعان # ومن الأدب مع الرسول : أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي ولا إذن ولا ~~تصرف حتى يأمر هو وينهى ويأذن كما قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقدموا بين يدي الله ورسوله [ الحجرات : 1 ] وهذا باق إلى يوم القيامة ولم ~~ينسخ فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته ولا فرق ~~بينهما عند ذي عقل سليم # قال مجاهد رحمه الله : لا تفتاتوا على رسول الله وقال أبو عبيدة : تقول ~~العرب : لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب أي لا تعجلوا بالأمر والنهي ~~دونه # وقال غيره : لا تأمروا حتى يأمر ولا تنهوا حتى ينهى # ومن الأدب معه : أن لا ترفع الأصوات فوق صوته فإنه سبب لحبوط الأعمال فما ~~الظن برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به أترى ذلك موجبا لقبول ~~الأعمال ورفع الصوت فوق صوته موجبا لحبوطها ومن الأدب معه : أن لا يجعل ~~دعاءه كدعاء غيره قال تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم ~~بعضا [ النور : 63 ] وفيه قولان للمفسرين أحدهما : أنكم لا تدعونه باسمه ~~كما يدعو بعضكم بعضا بل قولوا : يا رسول الله يا نبي الله فعلى هذا : ~~المصدر مضاف إلى المفعول أي دعاءكم الرسول الثاني : أن المعنى لا تجعلوا ~~دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضا إن شاء PageV02P389 أجاب وإن شاء ترك بل ~~إذا دعاكم لم يكن لكم بد من أجابته ولم يسعكم التخلف عنها ألبتة فعلى هذا : ~~المصدر مضاف إلى الفاعل أي دعاؤه إياكم # ومن الأدب معه : أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد أو ~~رباط لم يذهب أحد منهم مذهبا في حاجته حتى يستأذنه كما قال تعالى : إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا ~~حتى يستأذنوه [ النور : 62 ] فإذا كان هذا مذهبا مقيدابحاجة عارضة لم يوسع ~~لهم فيه إلا بإذنه فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين : أصوله وفروعه دقيقه ~~وجلبله هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه فاسألوا ms0714 أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون [ النحل : 43 ] [ الأنبياء : 7 ] # ومن الأدب معه : أن لا يستشكل قوله بل تستشكل الآراء لقوله ولا يعارض نصه ~~بقياس بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه ~~أصحابه معقولا نعم هو مجهول وعن الصواب معزول ولا يوقف قبول ما جاء به على ~~موافقة أحد فكل هذا من قلة الأدب معه وهو عين الجرأة # | فصل وأما الأدب مع الخلق : فهو معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق # بهم فلكل مرتبة أدب والمراتب فيها أدب خاص فمع الوالدين : أدب خاص وللأب ~~منهما : أدب هو أخص به ومع العالم : أدب آخر ومع السلطان أدب يليق به وله ~~مع الأقران أدب يليق بهم ومع الأجانب أدب غير أدبه مع أصحابه وذوي أنسه ومع ~~الضيف أدب غير أدبه مع أهل بيته # ولكل حال أدب : فللأ كل آداب وللشرب آداب وللركوب والدخول والخروج والسفر ~~والإقامة والنوم آداب وللبول آداب وللكلام آداب وللسكوت والاستماع آداب ~~PageV02P390 وأدب المرء : عنوان سعادته وفلاحه وقلة أدبه : عنوان شقاوته ~~وبواره فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب ولا استجلب حرمانها بمثل ~~قلة الأدب # فانظر إلى الأدب مع الوالدين : كيف نجى صاحبه من حبس الغار حين أطبقت ~~عليهم الصخرة والإخلال به مع الأم تأويلا وإقبالا على الصلاة كيف امتحن ~~صاحبه بهدم صومعته وضرب الناس له ورميه بالفاحشة # وتأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر : كيف تجد قلة الأدب هي التي ساقته إلى ~~الحرمان وانظر قلة أدب عوف مع خالد : كيف حرمه السلب بعد أن برد بيديه ~~وانظر أدب الصديق رضي الله عنه مع النبي في الصلاة : أن يتقدم بين يديه ~~فقال : ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله كيف أورثه ~~مقامه والإمامة بالأمة بعده فكان ذلك PageV02P391 التأخر إلى خلفه وقد أومأ ~~إليه أن : اثبت مكانك جمزا وسعيا إلى قدام بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى ~~قدام تنقطع فيها أعناق المطي والله أعلم # | فصل قال صاحب المنازل الأدب : حفظ الحد بين ms0715 الغلو والجفاء بمعرفة ضرر # العدوان # هذا من أحسن الحدود فإن الانحراف إلى أحد طرفي الغلو والجفاء : هو قلة ~~الأدب والأدب : الوقوف في الوسط بين الطرفين فلا يقصر بحدود الشرع عن ~~تمامها ولا يتجاوز بها ما جعلت حدودا له فكلاهما عدوان والله لا يحب ~~المعتدين والعدوان : هو سوء الأدب # وقال بعض السلف : دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه فإضاعة الأدب ~~بالجفاء : كمن لم يكمل أعضاء الوضوء ولم يوف الصلاة آدابها التي سنها رسول ~~الله وفعلها وهي قريب من مائة أدب : ما بين واجب ومستحب # وإضاعته بالغلو : كالوسوسة في عقد النية ورفع الصوت بها والجهر بالأذكار ~~والدعوات التي شرعت سرا وتطويل ما السنة تخفيفه وحذفه كالتشهد الأول ~~والسلام الذي حذفه سنة وزيادة التطويل على ما فعله رسول الله لا على ما ~~يظنه سراق الصلاة والنقارون لها ويشتهونه فإن النبي لم يكن ليأمر بأمر ~~ويخالفه وقد صانه الله من ذلك وكان يأمرهم بالتخفيف ويؤمهم بالصافات ~~ويأمرهم بالتخفيف وتقام صلاة الظهر فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ~~ويأتي أهله ويتوضأ ويدرك رسول الله في الركعة الأولى فهذا هو التخفيف الذي ~~أمر به لا نقر الصلاة وسرقها فإن ذلك اختصار بل اقتصار على ما يقع عليه ~~الاسم ويسمى به مصليا وهو كأكل المضطر في المخمصة ما يسد به رمقه : فليته ~~شبع على القول الآخر وهو كجائع قدم PageV02P392 إليه طعام لذيذ جدا فأكل ~~منه لقمة أو لقمتين فماذا يغنيان عنه ولكن لو أحس بجوعه لما قام من الطعام ~~حتى يشبع منه وهو يقدر على ذلك لكن القلب شبعان من شيء آخر # ومثال هذا التوسط في حق الأنبياء عليهم السلام : أن لا يغلو فيهم كما غلت ~~النصارى في المسيح ولا يجفو عنهم كما جفت اليهود فالنصاري عبدوهم واليهود ~~قتلوهم وكذبوهم والأمة الوسط : آمنوا بهم وعزروهم ونصروهم واتبعوا ما جاءوا ~~به ومثال ذلك في حقوق الخلق : أن لا يفرط في القيام بحقوقهم ولا يستغرق ~~فيها بحيث يشتغل بها عن حقوق الله أو عن تكميلها أو عن مصلحة ms0716 دينه وقلبه ~~وأن لا يجفو عنها حتى يعطلها بالكلية فإن الطرفين من العدوان الضار وعلى ~~هذا الحد فحقيقة الأدب : هي العدل والله أعلم # | فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : منع الخوف : أن # لا يتعدى إلى اليأس وحبس الرجاء : أن يخرج إلى الأمن وضبط السرور : أن ~~يضاهىء الجرأة يريد : أنه لا يدع الخوف يفضي به إلى حد يوقعه في القنوط ~~واليأس من رحمة الله فإن هذا الخوف مذموم PageV02P393 وسمعت شيخ الإسلام ~~ابن تيمية رحمه الله يقول : حد الخوف ما حجزك عن معاصي الله فما زاد على ~~ذلك : فهو غير محتاج إليه # وهذا الخوف الموقع في الإياس : إساءة أدب على رحمة الله تعالى التي سبقت ~~غضبه وجهل بها وأما حبس الرجاء : أن يخرج إلى الأمن فهو أن لا يبلغ به ~~الرجاء إلى حد يأمن معه العقوبة فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ~~وهذا إغراق في الطرف الآخر بل حد الرجاء : ما طيب لك العبادة وحملك على ~~السير فهو بمنزلة الرياح التي تسير السفينة فإذا انقطعت وقفت السفينة وإذا ~~زادت ألقتها إلى المهالك وإذا كانت بقدر : أوصلتها إلى البغية # وأما ضبط السرور : أن يخرج إلى مشابهة الجرأة فلا يقدر عليه إلا الأقوياء ~~أرباب العزائم الذين لا تستفزهم السراء فتغلب شكرهم ولا تضعفهم الضراء ~~فتغلب صبرهم كما قيل : # لا تغلب السراء منهم شكرهم % كلا ولا الضراء صبر الصابر والنفس قرينة ~~الشيطان ومصاحبته وتشبهه في صفاته ومواهب الرب تبارك وتعالى تنزل على القلب ~~والروح فالنفس تسترق السمع فإذا نزلت على القلب تلك المواهب : وثبت لتأخذ ~~قسطها منها وتصيره من عدتها وحواصلها فالمسترسل معها الجاهل بها : يدعها ~~تستوفي ذلك فبينا هو في موهبة القلب والروح وعدة وقوة له إذ صار ذلك كله من ~~حاصل النفس وآلتها وعددها فصالت به وطغت لأنها رأت غناها به والإنسان يطغى ~~أن رآه استغنى بالمال فكيف بما هو أعظم خطرا وأجل قدرا من المال بما لا ~~نسبة بينهما : من علم أو حال أو معرفة أو كشف فإذا ms0717 صار ذلك من حاصلها : ~~انحرف العبد به ولابد إلى طرف مذموم من جرأة أو شطح أو إدلال ونحو ذلك ~~فوالله كم ههنا من قتيل وسليب وجريح يقول : من أين أتيت ومن أين ~~PageV02P394 دهيت ومن أين أصبت وأقل ما يعاقب به من الحرمان بذلك : أن يغلق ~~عنه باب المزيد ولهذا كان العارفون وأرباب البصائر : إذا نالوا شيئا من ذلك ~~انحرفوا إلى طرف الذل والانكسار ومطالعة عيوب النفس واستدعوا حارس الخوف ~~وحافظوا على الرباط بملازمة الثغر بين القلب وبين النفس ونظروا إلى أقرب ~~الخلق من الله وأكرمهم عليه وأدناهم منه وسيلة وأعظمهم عنده جاها وقد دخل ~~مكة يوم الفتح وذقنه تمس قربوس سرجه : انخفاضا وانكسارا وتواضعا لربه تعالى ~~في مثل تلك الحال التي عادة النفوس البشرية فيها : أن يملكها سرورها وفرحها ~~بالنصر والظفر والتأييد ويرفعها إلى عنان السماء # فالرجل : من صان فتحه ونصيبه من الله وواره عن استراق نفسه وبخل عليها به ~~والعاجز : من جاد لها به فيا له من جود ما أقبحه وسماحة ما أسفه صاحبها ~~والله المستعان # | فصل قال : الدرجة الثانية : الخروج عن الخوف إلى ميدان القبض والصعود # من الرجاء إلى ميدان البسط ثم الترقي من السرور إلى ميدان المشاهدة ذكر ~~في الدرجة الأولى : كيف يحفظ الحد بين المقامات حتى لا يتعدى إلى غلو أو ~~جفاء وذلك سوء أدب # فذكر مع الخوف : أن يخرجه إلى اليأس ومع الرجاء : أن يخرجه إلى الأمن ومع ~~السرور : أن يخرجه إلى الجرأة # ثم ذكر في هذه الدرجة : أدب الترقي من هذه الثلاثة إلى ما يحفظه عليها ~~ولا يضيعها بالكلية كما أن في الدرجة الأولى : لا يبالغ به بل يكون خروجه ~~من الخوف إلى القبض يعني لا يزايل الخوف بالكلية فإن قبضه لا يؤيسه ولا ~~يقنطه ولا يحمله على مخالفة ولا بطالة وكذلك رجاؤه لا يقعد به عن ميدان ~~PageV02P395 البسط بل يكون بين القبض والبسط وهذه حال الكمل وهي السير بين ~~القبض والبسط وسروره : لا يقعد به عن ترقيه إلى ميدان مشاهدته بل يرقى ~~بسروره ms0718 إلى المشاهدة ويرجع من رجائه إلى البسط ومن خوفه إلى القبض # ومقصوده : أن ينتقل من أشباح هذه الأحوال إلى أرواحها فإن الخوف شبح ~~والقبض روحه والرجاء شبح والبسط روحه والسرور شبح والمشاهدة روحه فيكون حظه ~~من هذه الثلاثة : أرواحها وحقائقها لا صورها ورسومها # | فصل قال : الدرجة الثالثة : معرفة الأدب ثم الفناء عن التأدب بتأديب # الحق ثم الخلاص من شهود أعباء الأدب قوله : معرفة الأدب يعني لابد من ~~الاطلاع على حقيقته في كل درجة وإنما يكون ذلك في الدرجة الثالثة فإنه يشرف ~~منها على الأدب في الدرجتين الأوليين فإذا عرفه وصار له حالا فإنه ينبغي له ~~أن يفنى عنه بأن يغلب عليه شهود من أقامه فيه فينسبه إليه تعالى دون نفسه ~~ويفنى عن رؤية نفسه وقيامها بالأدب بشهود الفضل لمن أقامها فيه ومنته فهذا ~~هو الفناء عن التأدب بتأديب الحق قوله : ثم الخلاص من شهود أعباء الأدب # يعني : أنه يفنى عن مشاهدة الأدب بالكلية لاستغراقه في شهود الحقيقة في ~~حضرة الجمع التي غيبته عن الأدب ففناؤه عن الأدب فيها : هو الأدب حقيقة ~~فيستريح حينئذ من كلفة حمل أعباء الأدب وأثقاله لأن استغراقه في شهود ~~الحقيقة لم يبق عليه شيئا من أعباء الأدب والله سبحانه وتعالى أعلم ~~PageV02P396 # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة اليقين # وهو من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد وبه تفاضل العارفون وفيه تنافس ~~المتنافسون وإليه شمر العاملون وعمل القوم إنما كان عليه وإشاراتهم كلها ~~إليه وإذا تزوج الصبر باليقين : ولد بينهما حصول الإمامة في الدين قال الله ~~تعالى وبقوله يهتدي المهتدون : وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون [ السجدة : 24 ] # وخص سبحانه أهل اليقين بالانتفاع بالآيات والبراهين فقال وهو أصدق ~~القائلين : وفي الأرض آيات للموقنين [ الذرايات : 20 ] وخص أهل اليقين ~~بالهدى والفلاح من بين العالمين فقال : والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ~~[ البقرة : 45 ] # وأخبر عن أهل النار : بأنهم لم ms0719 يكونوا من أهل اليقين فقال تعالى : وإذا ~~قيل : إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم : ما ندري ما الساعة إن نظن ~~إلا ظنا وما نحن بمستيقنين [ الجاثية : 32 ] # ف اليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال القلوب التي هي من أعمال ~~الجوارح وهو حقيقة الصديقية وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره # وروى خالد بن يزيد عن السفيانين عن التيمي عن خيثمة عن عبدالله بن مسعود ~~عن النبي قال : لا ترضين أحدا بسخط الله ولا تحمدن أحدا على فضل الله ولا ~~تذمن أحدا على ما لم يؤتك الله فإن ما رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص ولا ~~يرده عنك كراهية كاره وإن الله بعدله وقسطه جعل الروح والفرح في الرضى ~~واليقين وجعل الهم والحزن في الشك والسخط واليقين قرين التوكل ولهذا فسر ~~التوكل بقوة اليقين PageV02P397 # والصواب : أن التوكل ثمرته ونتيجته ولهذا حسن اقتران الهدى به قال الله ~~تعالى : فتوكل على الله إنك على الحق المبين [ النمل : 79 ] فالحق : هو ~~اليقين وقالت رسل الله : وما لنا أن لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا [ ~~إبراهيم : 12 ] ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا وانتفى عنه ~~كل ريب وشك وسخط وهم وغم فامتلأ محبة لله وخوفا منه ورضي به وشكراله ~~وتوكلاعليه وإنابة إليه فهو مادة جميع المقامات والحامل لها واختلف فيه : ~~هل هو كسبي أو موهبي فقيل : هو العلم المستودع في القلوب يشير إلى أنه غير ~~كسبي وقال سهل : اليقين من زيادة الإيمان ولا ريب أن الإيمان كسبي والتحقيق ~~: أنه كسبي باعتبار أسبابه موهبي باعتبار نفسه وذاته قال سهل : ابتداؤه ~~المكاشفة كما قال بعض السلف : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ثم المعاينة ~~والمشاهدة وقال ابن خفيف : هو تحقق الأسرار بأحكام المغيبات وقال أبو بكر ~~بن طاهر : العلم تعارضه الشكوك واليقين لا شك فيه وعند القوم : اليقين لا ~~يساكن قلبا فيه سكون إلى غير الله وقال ذو النون : اليقين يدعو إلى قصر ~~الأمل وقصر الأمل يدعو إلى ms0720 الزهد والزهد يورث الحكمة وهي تورث النظر في ~~العواقب قال : وثلاثة من أعلام اليقين : قلة مخالطة الناس في العشرة وترك ~~المدح لهم في العطية والتنزه عن ذمهم عند المنع وثلاثة من أعلامه أيضا : ~~النظر إلى الله في كل شيء والرجوع إليه في كل أمر والاستعانة به في كل حال # وقال الجنيد : اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغير ~~في القلب وقال ابن عطاء : على قدر قربهم من التقوى أدركوا من اليقين ~~PageV02P398 وأصل التقوى مباينة النهي وهو مباينة النفس فعلى قدر مفارقتهم ~~النفس : وصلوا إلى اليقين # وقيل : اليقين هو المكاشفة وهو على ثلاثة أوجه : مكاشفة في الأخبار ~~ومكاشفة بإظهار القدرة ومكاشفة القلوب بحقائق الإيمان ومراد القوم ~~بالمكاشفة : ظهور الشيء للقلب بحيث يصير نسبته إليه كنسبة المرئي إلى العين ~~فلا يبقى معه شك ولا ريب أصلا وهذا نهاية الإيمان وهو مقام الإحسان وقد ~~يريدون بها أمرا آخر وهو ما يراه أحدهم في برزخ بين النوم واليقظة عند ~~أوائل تجرد الروح عن البدن ومن أشار منهم إلى غير هذين : فقد غلط ولبس عليه # وقال السري : اليقين سكونك عند جولان الموارد في صدرك لتيقنك أن حركتك ~~فيها لا تنفعك ولا ترد عنك مقضيا وقال أبو بكر الوراق : اليقين ملاك القلب ~~وبه كمال الإيمان وباليقين عرف الله وبالعقل عقل عن الله وقال الجنيد : قد ~~مشى رجال باليقين على الماء ومات بالعطش من هو أفضل منهم يقينا # وقد اختلف في تفضيل اليقين على الحضور والحضور على اليقين فقيل : الحضور ~~أفضل لأنه وطنات واليقين خطرات وبعضهم رجح اليقين وقال : هو غاية الإيمان ~~والأول : رأى أن اليقين ابتداء الحضور فكأنه جعل اليقين ابتداء والحضور ~~دواما وهذا الخلاف لا يتبين فإن اليقين لا ينفك عن الحضور ولا الحضور عن ~~PageV02P399 اليقين بل في اليقين من زيادة الإيمان ومعرفة تفاصيله وشعبه ~~وتنزيلها منازلها : ما ليس في الحضور فهو أكمل منه من هذا الوجه وفي الحضور ~~من الجمعية وعدم التفرقة والدخول في الفناء : ما قد ينفك عنه اليقين ms0721 ~~فاليقين أخص بالمعرفة والحضور أخص بالإرادة والله أعلم # وقال النهرجوري : إذا استكمل العبد حقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة ~~والرخاء عنده مصيبة وقال أبو بكر الوراق : اليقين على ثلاثة أوجه : يقين ~~خبر ويقين دلالة ويقين مشاهدة يريد بيقين الخبر : سكون القلب إلى خبر ~~المخبر ووتوثقة به وبيقين الدلالة : ما هو فوقه : وهو أن يقيم له مع وثوقه ~~بصدقه الأدلة الدالة على ما أخبر به وهذا كعامة أخبار الإيمان والتوحيد ~~والقرآن فإنه سبحانه مع كونه أصدق الصادقين يقيم لعباده الأدلة والأمثال ~~والبراهين على صدق أخباره فيحصل لهم اليقين من الوجهين : من جهة الخبر ومن ~~جهة الدليل # فيرتفعون من ذلك إلى الدرجة الثالثة وهي يقين المكاشفة بحيث يصبر المخبر ~~به لقلوبهم كالمرئي لعيونهم فنسبة الإيمان بالغيب حينئذ إلى القلب : كنسبة ~~المرئي إلى العين وهذا أعلى أنواع المكاشفة وهي التي أشار إليها عامر بن ~~عبد قيس في قوله : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا وليس هذا من كلام رسول ~~الله ولا من قول علي كما يظنه من لا علم له بالمنقولات وقال بعضهم : رأيت ~~الجنة والنار حقيقة قيل له : وكيف قال : رأيتهما بعيني رسول الله ورؤيتي ~~لهما بعينيه : آثر عندي من رؤيتي لهما بعيني فإن بصري قد يطغى ويزيغ بخلاف ~~بصره و اليقين يحمله على الأهوال وركوب الأخطار وهو يأمر بالتقدم دائما فإن ~~لم يقارنه العلم : حمل على المعاطب PageV02P400 # و العلم يأمر بالتأخر والإحجام فإن لم يصحبه اليقين قعد بصاحبه عن ~~المكاسب والغنائم والله أعلم # | فصل قال صاحب المنازل رحمه الله اليقين : مركب الآخذ في هذا الطريق # وهو غاية درجات العامة وقيل : أول خطوة للخاصة لما كان اليقين هو الذي ~~يحمل السائر إلى الله كما قال أبو سعيد الخراز : العلم ما استعملك واليقين ~~ما حملك سماه مركبا يركبه السائر إلى الله فإنه لولا اليقين ما سار ركب إلى ~~الله ولا ثبت لأحد قدم في السلوك إلا به # وإنما جعله آخر درجات العامة : لأنهم إليه ينتهون ثم حكى قول من قال : ~~إنه أول خطوة ms0722 للخاصة # يعني : أنه ليس بمقام لهم وإنما هو مبدأ لسلوكهم فمنه يبتدئون سلوكهم ~~وسيرهم وهذا لأن الخاصة عنده سائرون إلى عين الجمع والفناء في شهود الحقيقة ~~لا تقف بهم دونها همة ولا يعرجون دونها على رسم فكل ما دونها فهو عندهم من ~~مشاهد العامة ومنازلهم ومقاماتهم حتى المحبة وحسبك بجعل اليقين نهاية ~~للعامة وبداية لهم قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : علم اليقين ~~وهو قبول ما ظهر من الحق وقبول ما غاب للحق والوقوف على ما قام بالحق ذكر ~~الشيخ رحمه الله في هذه الدرجة ثلاثة أشياء هي متعلق اليقين وأركانه الأولى ~~: قبول ما ظهر من الحق تعالى والذي ظهر منه سبحانه : أوامره ونواهيه وشرعه ~~ودينه الذي ظهر لنا منه على ألسنة رسله فنتلقاه بالقبول PageV02P401 ~~والانقياد والاذعان والتسليم للربوبية والدخول تحت رقع العبودية الثاني : ~~قبول ما غاب للحق وهو الإيمان بالغيب الذي أخبر به الحق سبحانه على لسان ~~رسله من أمور المعاد وتفصيله والجنة والنار وما قبل ذلك : من الصراط ~~والميزان والحساب وما قبل ذلك : من تشقق السماء وانفطارها وانتثار الكواكب ~~ونسف الجبال وطي العالم وما قبل ذلك : من أمور البرزخ ونعيمه وعذابه فقبول ~~هذا كله إيمانا وتصديقا وإيقانا هو اليقين بحيث لا يخالج القلب فيه شبهة ~~ولا شك ولا تناس ولا غفلة عنه فإنه إن لم يهلك يقينه أفسده وأضعفه الثالث : ~~الوقوف عل ما قام بالحق سبحانه من أسمائه وصفاته وأفعاله # وهو علم التوحيد الذي أساسه : إثبات الأسماء والصفات وضده : التعطيل ~~والنفي والتجهم فهذا التوحيد يقابله التعطيل # وأما التوحيد القصدي الإرادي الذي هو إخلاص العمل لله وعبادته وحده : ~~فيقابله الشرك والتعطيل شر من الشرك فإن المعطل جاحد للذات أو لكمالها وهو ~~جحد لحقيقة الإلهية فإن ذاتا لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم ولا ترضى ولا تغضب ~~ولا تفعل شيئا وليست داخل العالم ولا خارجه ولا متصلة بالعالم ولا منفصلة ~~ولا مجانية له ولا مباينة له ولا مجاورة ولا مجاوزة ولا فوق العرش ولا تحت ~~العرش ولا خلفه ولا ms0723 أمامه ولا عن يمينه ولا عن يساره : سواء هي والعدم # والمشرك مقر بالله وصفاته لكن عبد معه غيره فهو خير من المعطل للذات ~~والصفات PageV02P402 فاليقين هو الوقوف على ما قام بالحق من أسمائه وصفاته ~~ونعوت كماله وتوحيده وهذه الثلاثة أشرف علوم الخلائق : علم الأمر والنهي ~~وعلم الأسماء والصفات والتوحيد وعلم المعاد واليوم الآخر والله أعلم # | فصل قال : الدرجة الثانية : عين اليقين وهو المغني بالاستدلال عن # الاستدلال وعن الخبر بالعيان وخرق الشهود حجاب العلم الفرق بين علم ~~اليقين وعين اليقين : كالفرق بين الخبر الصادق والعيان وحق اليقين : فوق ~~هذا # وقد مثلت المراتب الثلاثة بمن أخبرك : أن عنده عسلا وأنت لا تشك في صدقه ~~ثم أراك إياه فازددت يقينا ثم ذقت منه فالأول : علم اليقين والثاني : عين ~~اليقين والثالث : حق اليقين # فعلمنا الآن بالجنة والنار : علم يقين فإذا أزلفت الجنة في الموقف ~~للمتقين وشاهدها الخلائق وبرزت الجحيم للغاوين وعاينها الخلائق فذلك : عين ~~اليقين فإذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار : فذلك حينئذ حق اليقين ~~قوله : هو المغني بالاستدلال عن الاستدلال PageV02P403 يريد بالاستدلال : ~~الإدراك والشهود يعني صاحبه قد استغنى به عن طلب الدليل فإنه # إنما يطلب الدليل ليحصل له العلم بالمدلول فإذا كان المدلول مشاهدا له ~~وقد أدركه بكشفه فأي حاجة به إلى الاستدلال وهذا معنى الاستغناء عن الخبر ~~بالعيان وأما قوله : وخرق الشهود حجاب العلم # فيريد به : أن المعارف التي تحصل لصاحب هذه الدرجة : هي من الشهود الخارق ~~لحجاب العلم فإن العلم حجاب عن الشهود ففي هذه الدرجة يرتفع الحجاب ويفضي ~~إلى المعلوم بحيث يكافح بصيرته وقلبه مكافحة # | فصل قال : الدرجة الثالثة : حق اليقين وهو إسفار صبح الكشف ثم الخلاص # من كلفة اليقين ثم الفناء في حق اليقين # اعلم أن هذه الدرجة لا تنال في هذا العالم إلا للرسل صلوات الله وسلامه ~~عليهم أجمعين فإن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى بعينه الجنة والنار وموسى ~~عليه السلام سمع كلام الله منه إليه بلا واسطة وكلمه تكليما وتجلى للجبل ~~وموسى ينظر فجعله ms0724 دكا هشيما # نعم يحصل لنا حق اليقين من مرتبة وهي ذوق ما أخبر به الرسول من حقائق ~~الإيمان المتعلقة بالقلوب وأعمالها فإن القلب إذا باشرها وذاقها صارت في ~~حقه حق يقين وأما في أمور الآخرة والمعاد ورؤية الله جهرة عيانا وسماع ~~كلامه حقيقة بلا واسطة فحظ المؤمن منه في هذه الدار : الإيمان وعلم اليقين ~~وحق اليقين : يتأخر إلى وقت اللقاء # ولكن لما كان السالك عنده ينتهي إلى الفناء ويتحقق شهود الحقيقة ويصل إلى ~~عين الجمع قال : حق اليقين : هو إسفار صبح الكشف PageV02P404 يعنى : تحققه ~~وثبوته وغلبة نوره على ظلمة ليل الحجاب فينتقل من طور العلم إلى الاستغراق ~~في الشهود بالفناء عن الرسم بالكلية وقوله : ثم الخلاص من كلفة اليقين # يعني : أن اليقين له حقوق يجب على صاحبه أن يؤديها ويقوم بها ويتحمل ~~كلفها ومشاقها فأذا فني في التوحيد حصل له أمور أخرى رفيعة عالية جدا يصير ~~فيها محمولا بعد أن كان حاملا وطائرا بعذ أن كان سائرا فتزول عنه كلفة حمل ~~تلك الحقوق بل يبقى له كالنفس وكالماء للسمك وهذا أمر التحكم فيه إلى الذوق ~~والإحساس فلا تسرع إلى إنكاره # وتأمل حال ذلك الصحابي الذي أخذ تمراته وقعد يأكلها على حاجة وجوع وفاقة ~~إليها فلما عاين سوق الشهادة قد قامت ألقى قوته من يده وقال : إنها لحياة ~~طويلة إن بقيت حتى آكل هذه التمرات وألقاها من يده وقاتل حتى قتل وكذلك ~~أحوال الصحابة رضي الله عنهم كانت مطابقة لما أشار إليه # ولكن بقيت نكتة عظيمة وهي موضع السجدة وهي أن فناءهم لم يكن في توحيد ~~الربوبية وشهود الحقيقة التي يشير إليها أرباب الفناء بل في توحيد الإلهية ~~ففنوا بحبه تعالى عن حب ما سواه وبمراده منهم عن مرادهم وحظوظهم فلم يكونوا ~~عاملين على فناء ولا إلا استغراق في الشهود بحيث يفنون به عن مراد محبوبهم ~~منهم بل قد فنوا بمراده عن مرادهم فهم أهل بقاء في فناء وفرق في جمع وكثرة ~~في وحدة وحقيقة كونية في حقيقة دينية # هم القوم ms0725 لا قوم إلا هم % ولولاهم ما اهتدينا السبيلا PageV02P405 # فنسبة أحوال من بعدهم الصحيحة الكاملة إلى أحوالهم : كنسبة ما يرشح من ~~الظرف والقربة إلى ما في داخلها وأما الطريق المنحرفة الفاسدة : فسبيل غير ~~سبيلهم والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الأنس بالله # قال صاحب المنارل رحمه الله : وهو روح القرب ولهذا صدر منزلته بقوله ~~تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان [ البقرة ~~: 186 # فاستحضار القلب هذا البر والإحسان واللطف : يوجب قربه من الرب سبحانه ~~وتعالى وقربه منه يوجب له الأنس و الأنس ثمرة الطاعة والمحبة فكل مطيع ~~مستأنس وكل عاص مستوحش كما قيل : # فإن كنت قد أوحشتك الذنوب % فدعها إذا شئت واستأنس والقرب يوجب الأنس ~~والهيبة والمحبة # قال صاحب المنازل رحمه الله وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الأنس ~~بالشواهد وهو استحلاء الذكر والتغذى بالسماع والوقوف على الإشارات هذه ~~اللفطه يجرونها في كلامهم أعني لفظة الشواهد ومرادهم بها : أمران أحدهما : ~~شواهد الحقيقة وهي ما يقوم بقلب العبد حتى كأنه يشاهده ويبصره لغلبته عليه ~~فكل ما يستولي على قلب صاحبه ذكره فإنه شاهده فمنهم من يكون شاهده العمل ~~ومنهم من يكون شاهده الذكر ومنهم من يكون شاهده المحبة ومنهم من يكون شاهده ~~الخوف PageV02P406 # فالمريد : يأنس بشاهده ويستوحش لفقده والثاني : شاهد الحال وهو الأثر ~~الذي يقوم به ويظهر عليه من عمله وسلوكه وحاله فإن شاهده لابد أن يظهر عليه # ومراد صاحب المنازل : الشاهد الأول الذي يأنس به المريد وهو الحامل له ~~على استحلاء الذكر طلبا لظفره بحصول المذكور فهو يستأنس بالذكر طلبا ~~لاستئناسه بالمذكور ويتغذى بالسماع كما يتغذى الجسم بالطعام والشراب فإن ~~كان محبا صادقا طالبا لله عاملا على مرضاته : كان غذاؤه بالسماع القرآني ~~الذي كان غذاء سادات العارفين من هذه الأمة وأبرها قلوبا وأصحها أحوالا وهم ~~الصحابة رضي الله عنهم # وإن كان منحرفا فاسد الحال ملبوسا عليه مغرورا مخدوعا : كان غذاؤه ~~بالسماع الشيطاني الذي هو ms0726 قرآن الشيطان المشتمل على محاب النفوس ولذاتها ~~وحظوظها وأصحابه : أبعد الخلق من الله وأغلظهم عنه حجابا وإن كثرت إشاراتهم ~~إليه # وهذا السماع القرآني سماع أهل المعرفة بالله والاستقامة على صراطه ~~المستقيم ويحصل للأذهان الصافية منه معان وإشارات ومعارف وعلوم تتغذى بها ~~القلوب المشرقة بنور الأنس فتجد بها ولها لذة روحانية يصل نعيمها إلى ~~القلوب ولأرواح وربما فاض حتى وصل إلى الأجسام فيجد من اللذة مالم يعهد ~~مثله من اللذات الحسية وللتغذي بالسماع سر لطيف نذكره للطف موضعه # وهو الذي أوقع كثيرا من السالكين في إيثار سماع الأبيات لما رأى فيه من ~~غذاء القلب وقوته نعيمه فلو جئته بألف آية وألف خبر لما أعطاك شطرا من ~~إصغائه وكان ذلك عنده أعظم من الظواهر التي يعارض بها الفلاسفة وأرباب ~~الكلام PageV02P407 # اعلم أن الله عز وجل جعل للقلوب نوعين من الغذاء : نوعا من الطعام ~~والشراب الحسي وللقلب منه خلاصته وصفوه ولكل عضو منه بحسب استعداده وقبوله ~~والثاني : غذاء روحاني معنوي خارج عن الطعام والشراب : من السرور والفرح ~~والابتهاج واللذة والعلوم والمعارف وبهذا الغذاء كان سماويا علويا وبالغذاء ~~المشترك كان أرضيا سفليا وقوامه بهذين الغذاءين وله ارتباط بكل واحدة من ~~الحواس الخمس وغذاء يصل إليه منها # فله ارتباط بحاسة اللمس ويصل إليه منها غذاء وكذلك حاسة الشم وكذلك حاسة ~~الذوق وكذلك ارتباط بحاستي السمع والبصر : أشد من ارتباطه PageV02P408 ~~بغيرهما ووصول الغذاء منهما إليه أكمل وأقوى من سائر الحواس وانفعاله عنهما ~~أشد من انفعاله عن غيرهما ولهذا تجد في القرآن اقترانه بهما أكثر من ~~اقترانه بغيرهما بل لا يكاد يقرن إلا بهما أو بأحدهما قال الله تعالى : ~~والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة لعلكم تشكرون [ النحل : 78 ] وقال تعالى : ولقد مكناهم فيما إن ~~مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا ~~أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزئون [ الأحقاف : 26 ] وقال تعالى : ولقد ذرأنا لجهنم ms0727 كثيرا من الجن ~~والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا ~~يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون [ الأعراف : 179 ] ~~وقال تعالى في صفة الكفار : صم بكم عمي فهم لا يعقلون [ البقرة : 171 ] ~~وقال تعالى : أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [ الحج ~~: 46 ] وهذا كثير جدا في القرآن # لأن تأثره بما يراه ويسمعه : أعظم من تأثره بما يلمسه ويذوقه ويشمه ولأن ~~هذه الثلاثة : هي طرق العلم وهي : السمع والبصر والعقل # وتعلق القلب بالسمع وارتباطه به : أشد من تعلقه بالبصر وارتباطه به ولهذا ~~يتأثر بما يسمعه من الملذوذات أعظم مما يتأثر بما يراه من المستحسنات وكذلك ~~في المكروهات سماعا ورؤية ولهذا كان الصحيح من القولين : أن حاسة السمع ~~أفضل من حاسة البصر لشدة تعلقها بالقلب وعظم حاجته إليها وتوقف كماله عليها ~~ووصول العلوم إليه بها وتوقف الهدى على سلامتها PageV02P409 ورجحت طائفة ~~حاسة البصر لكمال مدركها وامتناع الكذب فيه وزوال الريب والشك به ولأنه عين ~~اليقين وغاية مدرك حاسة السمع علم اليقين وعين اليقين أفضل وأكمل من علم ~~اليقين ولأن متعلقها رؤية وجه الرب عز وجل في دار النعيم ولا شيء أعلى وأجل ~~من هذا التعلق # وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين الطائفتين حكما حسنا فقال : ~~المدرك بحاسة السمع أعم وأشمل والمدرك بحاسة البصر : أتم وأكمل فللسمع ~~العموم والشمول والإحاطة بالموجود والمعدوم والحاضر والغائب والحسي ~~والمعنوي وللبصر : التمام والكمال # وإذا عرف هذا فهذه الحواس الخمس لها أشباح وأرواح وأرواحها حظ القلب ~~ونصيبه منها # فمن الناس : من ليس لقلبه منها نصيب إلا كنصيب الحيوانات البهيمية منها ~~فهو بمنزلتها وبينه وبينها أول درجة الإنسانية ولهذا شبه الله سبحانه أولئك ~~بالأنعام بل جعلهم أضل فقال تعالى : أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن ~~هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا [ الفرقان : 44 ] ولهذا نفى الله عن ms0728 ~~الكفار السمع والبصر والعقول إما لعدم انتفاعهم بها فنزلت منزلة المعدوم ~~وإما لأن النفي توجه إلى أسماع قلوبهم وأبصارها وإدراكها ولهذا يظهر لهم ~~ذلك عند انكشاف حقائق الأمور كقول أصحاب السعير : لو كنا نسمع أو نعقل ما ~~كنا في أصحاب السعير [ الملك : 10 ] ومنه في أحد التأويلين قوله تعالى ~~وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون [ الأعراف : 198 ] فإنهم كانوا ينظرون ~~إلى صورة النبي بالحواس الظاهرة ولا يبصرون صورة نبوته ومعناها بالحاسة ~~الباطنة التي هي بصر القلب والقول الثاني : أن الضمير عائد على الأصنام ثم ~~فيه قولان أحدهما : أنه على التشبيه أي كأنهم ينظرون إليك ولا أبصار لهم ~~يرونك بها PageV02P410 والثاني : المراد به المقابلة تقول العرب : داري ~~تنظر دارك أي تقابلها وكذلك السمع ثابت لهم وبه قامت الحجة عليهم ومنتف ~~عنهم وهو سمع القلب فإنهم كانوا يسمعون القرآن من حيث السمع الحسي المشترك ~~كالغنم التي لا تسمع إلا نعيق الراعي بها دعاء ونداء ولم يسمعوه بالروح ~~الحقيقي الذي هو روح حاسة السمع التي هي حظ القلب فلو سمعوه من هذه الجهة : ~~لحصلت لهم الحياة الطيبة التي منشؤها من السماع المتصل أثره بالقلب ولزال ~~عنهم الصمم والبكم ولأنقذوا نفوسهم من السعير بمفارقة من عدم السمع والعقل # فحصول السمع الحقيقي : مبدأ لظهور آثار الحياة الطيبة التي هي أكمل أنواع ~~الحياة في هذا العالم فإن بها يحصل غذاء القلب ويعتدل فتتم قوته وحياته ~~وسروره ونعيمه وبهجته وإذا فقد غذاءه الصالح : احتاج إلى أن يعتاض عنه ~~بغذاء قبيح خبيث وإذا فسد غذاؤه وخبث : ونقص من حياته وقوته وسروره ونعيمه ~~بحسب ما فسد من غذائه كالبدن إذا فسد غذاؤه نقص # فلما كان تعلق السمع الظاهر الحسي بالقلب أشد والمسافة بينهما أقرب من ~~المسافة بين البصر وبينه ولذلك يؤدي آثار ما يتعلق بالسمع الظاهر إلى القلب ~~أسرع مما يؤدي إليه آثار البصر الظاهر ولهذا ربما غشي على الإنسان إذا سمع ~~كلاما يسره أو يسؤه أو صوتا لذيذا طيبا مطربا مناسبا ولا يكاد يحصل له ذلك ~~من رؤية ms0729 الأشياء المستحسنة بالبصر الظاهر وقد يكون هذا المسموع شديد ~~التأثير في القلب ولا يشعر به صاحبه لاشتغاله بغيره ولمباينة ظاهره لباطنه ~~ذلك الوقت فإذا حصل له نوع تجرد ورياضة : ظهرت قوة ذلك التأثير والتأثر ~~فكلما تجردت الروح والقلب وانقطعتا عن علائق البدن كان حظهما من ذلك السماع ~~أوفى وتأثرهما به أقوى فإن كان المسموع معنى شريفا بصوت لذيذ : حصل للقلب ~~حظه ونصيبه من PageV02P411 إدراك المعنى وابتهج به أتم ابتهاج على حسب ~~إدراكه له وللروح حظها ونصيبها من لذة الصوت ونغمته وحسنه فابتهجت به ~~فتضاعف اللذة ويتم الابتهاج ويحصل الارتياح حتى ربما فاض على البدن ~~والجوارح وعلى الجليس # وهذا لا يحصل على الكمال في هذا العالم ولا يحصل إلا عند سماع كلام الله ~~فإذا تجردت الروح وكانت مستعدة وباشر القلب روح المعنى وأقبل بكليته على ~~المسموع فألقى السمع وهو شهيد وساعده طيب صوت القارىء : كاد القلب يفارق ~~هذا العالم ويلج عالما آخر ويجد له لذة وحالة لا يعهدها في شيء غيره ألبتة ~~وذلك رقيقة من حال أهل الجنة في الجنة # فيا له من غذاء ما أصلحه وما أنفعه وحرام على قلب قد ترب على غذاء السماع ~~الشيطاني : أن يجد شيئا من ذلك في سماع القرآن بل إن حصل له نوع لذة فهو من ~~قبل الصوت المشترك لا من قبل المعنى الخاص وليس في نعيم أهل الجنة أعلى من ~~رؤيتهم وجه الله محبوبهم سبحانه وتعالى عيانا وسماع كلامه منه # وذكر عبدالله بن الإمام أحمد في كتاب السنة أثرا لا يحضرني الآن : هل هو ~~موقوف أو مرفوع : إذا سمع الناس القرآن يوم القيامة من الرحمن عز وجل ~~فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك وإذا امتلأ القلب بشيء وارتفعت المباينة الشديدة ~~بين الظاهر والباطن : أدت الأذن إلى القلب من المسموع ما يناسبه وإن لم يدل ~~عليه ذلك المسموع ولا قصده المتكلم ولا يختص ذلك بالكلام الدال على معنى بل ~~قد يقع في الأصوات المجردة # قال القشيري : سمعت أبا عبدالله السلمي يقول : دخلت على أبي عثمان ms0730 ~~المغربي ورجل يستقي الماء من البئر على بكرة فقال : يا أبا عبدالرحمن أتدري ~~PageV02P412 إيش تقول هذه البكرة فقلت : لا فقال تقول : الله الله ومثل ذلك ~~كثير كما سمع أبو سليمان الدمشقي من المنادي : يا سعتر بري : اسع تر بري # وهذا السماع الروحاني تبع لحقيقة القلب ومادته منه فالاتحاد به يظن به ~~السامع : أنه أدرك ذلك المعنى لا محالة من الصوت الخارجي وسبب ذلك اتحاد ~~السمع بالقلب # وأكمل السماع : سماع من يسمع بالله ما هو مسموع من الله وهو كلامه وهو ~~سماع المحبين المحبوبين كما في الحديث الذي في صحيح البخاري عن رسول الله ~~فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال : ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما ~~افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت ~~سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي ~~بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي # والقلب يتأثر بالسماع بحسب ما فيه من المحبة فإذا امتلأ من محبة الله ~~وسمع كلام محبوبه أي بمصاحبته وحضوره في قلبه فله من سماعه هذا شأن ولغيره ~~شأن آخر والله أعلم # | فصل والثاني على ثلاثة أقسام : أحدها : من اتصف قلبه بصفات نفسه بحيث # صار قلبه نفسا محضة PageV02P413 فغلبت عليه آفات الشهوات ودعوات الهوى ~~فهذا حظه من السماع : كحظ البهائم لا يسمع إلا دعاء ونداء والفرق الذي ~~بينها وبينه : غير طائل القسم الثاني : من اتصفت نفسه بصفات قلبه فصارت ~~نفسه قلبا محضا فغلبت عليه المعرفة والمحبة والعقل واللب وعشق صفات الكمال ~~فاستنارت نفسه بنور القلب واطمأنت إلى ربها وقرت عينها بعبوديته وصار ~~نعيمها في حبه وقربه فهذا حظه من السماع مثل أو قريب من حظ الملائكة وسماعه ~~غذاء قلبه وروحه وقرة عينه ونعيمه من الدنيا ورياضه التي يسرح فيها وحياته ~~التي بها قوامه وإلى هذا المعنى قصد أرباب سماع القصائد والأبيات ولكن ~~أخطأوا الطريق وأخذوا عن الدرب شمالا ووراء القسم الثالث : من له منزلة بين ~~منزلتين ms0731 وقلبه باق على فطرته الأولى ولكن ما تصرف في نفسه تصرفا أحالها ~~إليه وأزال به رسومها وجلا عنه ظلمتها ولا قويت النفس على القلب بإحالته ~~إليها وتصرفت فيه تصرفا أزالت عنه نوره وصحته وفطرته # فبين القلب والنفس منازلات ووقائع والحرب بينهما دول وسجال تدال النفس ~~عليه تارة ويدال عليها تارة # فهذا حظه من السماع : حظ بين الحظين ونصيبه منه بين النصيبين فإن صادفه ~~وقت دولة القلب : كان حظه منه قويا وإن صادفه وقت دولة النفس : كان ضعيفا ~~PageV02P414 # ومن ههنا يقع التفاوت من الناس في الفقه عن الله والفهم عنه والابتهاج ~~والنعيم بسماع كلامه # وصاحب هذه الحال في حال سماعه يشتغل القلب بالحرب بينه وبين النفس فيفوته ~~من روح المسموع ونعيمه ولذته بحسب اشتغاله عنه بالمحاربة ولا سبيل له إلى ~~حصول ذلك بتمامه حتى تضع الحرب أوزارها وربما صادفه في حال السماع وارد حق ~~أو الظفر بمعنى بديع لا يقدر فكره على صيده كل وقت فيغيب به ويستغرق فيه ~~عما يأتي بعده فيعجز عن صيد تلك المعانيويدهشه ازدحامها فيبقى قلبه باهتا ~~كما يحكى أن بعض العرب : أرسل صائدا له على صيد فخرج الصيد عليه من أمامه ~~وخلفه وعن يمينه وعن شماله فوقف باهتا ينظر يمينا وشمالا ولم يصطد شيئا ~~فقال # تكاثرت الظباء على خراش % فما يدري خراش ما يصيد فوظيفته في مثل هدا ~~الحال : أن يفنى عن وارده ويعلق قلبه بالمتكلم وكأنه يسمع كلامه منه ويجعل ~~قلبه نهرا لجريان معاينة ويفرغه من سوى فهم المراد وينصب إليه انصبابا ~~يتلقى فيه معاينه كتلقى المحب للأحباب القادمين عليه لا يشغله حبيب منهم عن ~~حبيب بل يعطي كل قادم حقه وكتلقي الضيوف والزوار وهذا إنما يكون مع سعة ~~القلب وقوة الاستعداد وكمال الحضور # فإذا سمع خطاب الترغيب والتشويق واللطف والإحسان : لا يفنى به عما يجيء ~~بعده من خطاب التخويف والترهيب والعدل بل يسمع الخطاب الثاني مستصحبا لحكم ~~الخطاب الأول ويمزج هذا بهذا ويسير بهما ومعهما جميعا عاكفا بقلبه على ~~المتكلم وصفاته سبحانه # وهذا سير ms0732 في الله وهو نوع آخر أعلى وأرفع من مجرد المسير إليه ولا ينقطع ~~بذلك سيره إليه بل يدرج سيره فان سير القلب في معاني أسمائه وصفاته وتوحيده ~~ومعرفته PageV02P415 # ومتى بقيت للقلب في ذلك ملكة واشتد تعلقه به : لم تحجبه معانى المسموع ~~وصفات المتكلم بعضها عن بعض ولكن في الابتداء يعسر عليه ذلك وفي التوسط ~~يهون عليه ولا انتهاء ههنا ألبته والله المستعان فهذه كلمات تشير إلى معاني ~~سماع أهل المعرفة والإيمان والأحوال المستقيمة وأما السماع الشيطاني : ~~فبالضد من ذلك وهو مشتمل على أكثر من مائة مفسدة ولولا خوف الإطالة لسقناها ~~مفصلة # وسنفرد لها مصنفا مستقلا إن شاء الله # فهذا ما يتعلق بقوله : إن من الأنس بالشواهد : التغذي بالسماع وقوله : ~~والوقوف على الإشارات الإشارات هي المعاني التي تشير إلى الحقيقة من بعد ~~ومن وراء حجاب وهي تارة تكون من مسموع وتارة تكون من مرئي وتارة تكون من ~~معقول وقد تكون من الحواس كلها فالإشارات : من جنس الأدلة والأعلام وسببها ~~: صفاء يحصل بالجمعية فيلطف به الحس والذهن فيستيقظ لإدراك أمور لطيفة لا ~~يكشف حس غيره وفهمه عن إدراكها وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ~~يقول : الصحيح منها : ما يدل عليه اللفظ بإشارته من باب قياس الأولى قلت : ~~مثاله قوله تعالى : لا يمسه إلا المطهورن [ الواقعة : 79 ] قال : والصحيح ~~في الآية أن المراد به : الصحف التي بأيدي الملائكة لوجوه عديدة منها : أنه ~~وصفه بأنه مكنون و المكنون المستور عن العيون وهذا إنما هو في الصحف التي ~~بأيدي الملائكة PageV02P416 # ومنها : أنه قال : لا يمسه إلا المطهرون وهم الملائكة ولو أراد المتوضئين ~~لقال : لا يمسه إلا المتطهرون كما قال تعالى : إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين [ البقرة : 222 ] فالملائكة مطهرون والمؤمنون متطهرون ومنها : أن ~~هذا إخبار ولو كان نهيا لقال : لا يمسسه بالجزم والأصل في الخبر : أن يكون ~~خبرا صورة ومعنى # ومنها : أن هذا رد على من قال : إن الشيطان جاء بهذا القرآن فأخبر تعالى ~~: أنه في كتاب مكنون لا تناله الشياطين ولا ms0733 وصول لها إليه كما قال تعالى في ~~آية الشعراء : وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون [ الشعراء ~~: 21021 وإنما تناله الأرواح المطهرة وهم الملائكة # ومنها : أن هذا نظير الآية التي في سورة عبس : فمن شاء ذكره في صحف مكرمة ~~مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة [ عبس : 1216 ] # قال مالك في موطئه : أحسن ما سمعت في تفسير قوله : لا يمسه إلا المطهرون ~~أنها مثل هذه الآية التي في سورة عبس ومنها : أن الآية مكية من سورة مكية ~~تتضمن تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات الصانع والرد على الكفار وهذا ~~المعني أليق بالمقصود من فرع عملي وهو حكم مس المحدث المصحف ومنها : أنه لو ~~أريد به الكتاب الذي بأيدي الناس : لم يكن في الإقسام على ذلك بهذا القسم ~~العظيم كثير فائدة إذ من المعلوم : أن كل كلام فهو قابل لأن يكون في كتاب ~~حقا أو باطلا بخلاف ما إذا وقع القسم على أنه في كتاب مصون مستور عن العيون ~~عند الله لا يصل إليه شيطان ولا ينال منه ولا يمسه إلا الأرواح الطاهرة ~~الزكية فهذا المعنى أليق وأجل وأخلق بالآية وأولى بلا شك فسمعت شيخ الإسلام ~~ابن تيمية قدس الله روحه يقول : لكن تدل PageV02P417 الآية بإشارتها على ~~أنه لا يمس المصحف إلا طاهر لأنه إذا كانت تلك الصحف لا يمسها إلا المطهرون ~~لكرامتها على الله فهذه الصحف أولى أن لا يمسها إلا طاهر # وسمعته يقول في قول النبي : لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة إذا ~~كانت الملائكة المخلوقون يمنعها الكلب والصورة عن دخول البيت فكيف تلج ~~معرفة الله عز وجل ومحبته وحلاوة ذكره والأنس بقربه في قلب ممتلىء بكلاب ~~الشهوات وصورها فهذا من إشارة اللفظ الصحيحة # ومن هذا : أن طهارة الثوب الطاهر والبدن إذا كانت شرطا في صحة الصلاة ~~والاعتداد بها فإذا أخل بها كانت فاسدة فكيف إذا كان القلب نجسا ولم يطهره ~~صاحبه فكيف يعتد له بصلاته وإن أسقطت القضاء وهل طهارة الظاهر إلا تكميل ~~لطهارة الباطن ومن ms0734 هذا : أن استقبال القبلة في الصلاة شرط لصحتها وهي بيت ~~الرب فتوجه المصلي إليها ببدنه وقالبه شرط فكيف تصح صلاة من لم يتوجه بقلبه ~~إلى رب القبلة والبدن بل وجه بدنه إلى البيت ووجه قلبه إلى غير رب البيت ~~وأمثال ذلك من الإشارات الصحيحة التي لا تنال إلا بصفاء الباطن وصحة ~~البصيرة وحسن التأمل والله أعلم # | فصل قال : الدرجة الثانية : الأنس بنور الكشف وهو أنس شاخص عن الأنس # الأول تشوبه صولة الهيمان ويضربه موج الفناء وهو الذي غلب قوما على ~~عقولهم وسلب قوما طاقة الاصطبار وحل عنهم قيود العلم وفي هذا ورد الخبر ~~بهذا الدعاء : أسألك شوقا إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة ~~PageV02P418 يجوز أن تكون الباء في قوله : بنور الكشف باء السبية أو باء ~~الإلصاق # فإن كانت باء السببية : كان المعنى : الأنس الحاصل بسبب نور الكشف وإن ~~كانت باء الإلصاق كان المعنى : الأنس المتلبس بنور الكشف فإن قلت : ما ~~الفرق بين الأنس ونور الكشف حتى يكون أحدهما سببا للآخر أو متلبسا به قلت : ~~الفرق بينهما : أن نور الكشف من باب المعارف وانكشاف الحقيقة للقلب وأما ~~الأنس : فمن باب القرب والدنو والسكون إلى من يأنس به والطمأنينة إليه فضده ~~: الوحشة وضد نور الكشف : ظلمة الحجاب وقوله : شاخص عن الأنس الأول أي ~~مرتفع عنه وأعلى منه قوله : تشوبه صولة الهيمان # وذلك : لأن هذا الأنس المذكور يكون مبدؤه الكشف عن أسماء الصفات التي ~~يحصل عنها الأنس ويتعلق بها كاسم الجميل والبر واللطيف والودود والحليم ~~والرحيم ونحوها ثم يقوى التعلق بها إلى أن يستغرق العقل فيما زجه نوع من ~~الأسماء فيقهر العقل بصولته # و الهيمان هو الحركة إلى كل جهة بسبب الحيرة والدهشة وذلك إنما يكون مع ~~نوع عدم تمييز وقوة إرادة قاهرة لا يملك صاحبها ضبطها وقوله : ويضربه موج ~~الفناء # أي إن صاحب هذا الأنس : يطالع مبادىء الفناء محيطة به فهي تقلبه كما يقلب ~~الموج الغريق وهذا قبل استيلاء سلطان الفناء على وجوده وقوله : وهو الذي ~~غلب قوما على ms0735 عقولهم أي سلبهم إياها لأنهم شاهدوا شيئا فوق مدارك العقول ~~وفوق كل PageV02P419 مدرك بالحواس الظاهرة والباطنة ولا إلف لهم به فأوجبت ~~قوة المشاهدة والوارد وضعف المحل والحامل : غلبته على العقل والكامل من ~~القوم يثبت لذلك ولا يتحرك بل يبقى كأنه جبل وتلا الجنيد في مثل هذه الحال ~~وقد قيل له أما يغيرك ما تسمع فتلا وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب [ النمل : 88 ] وبعضهم تلا في مثل ذلك : وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ~~ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال [ الكهف : 18 ] # وقوم أقوى تمكينا من هؤلاء : لم يغلبهم على عقولهم بل سلبهم طاقة صبرهم ~~فبدا منهم ما ينافي الصبر وأما قوله : وحل عنهم قيود العلم فكلام لابد من ~~تأويله وتكلف وجه يصححه # وأحسن ما يحمل عليه : أن العلم يقيد صاحبه والمعرفة تطلقه وتوسع بطانه ~~وتريه حقائق الأشياء فتزول عنه التقيدات التي كانت حاصلة بسبب خفاء نور ~~المعرفة وكشفها عليه فإن العارف صاحب ضياء الكشف أوسع بطانا وقلبا وأعظم ~~إطلاقا بلا شك من صاحب العلم ونسبته إليه كنسبة صاحب العلم إلى الجاهل فكما ~~أن العالم أوسع بطانا من الجاهل وله إطلاق بحسب علمه فالعارف بما معه من ~~روح العلم وضياء الكشف ونوره هو أكثر إطلاقا وأوسع بطانا من صاحب العلم ~~فيتقيد العالم بظواهر العلم وأحكامه والعارف لا يراها قيودا # ومن ههنا تزندق من تزندق وظن أنه إذا لاحت له حقائقها وبواطنها : خلع ~~قيود ظواهرها ورسومها اشتغالا بالمقصود عن الوسيلة وبالحقيقة عن الرسم ~~فهؤلاء هم المقطوعون عن الله القطاع لطريق الله وهم معاطب الطريق وآفاتها ~~واتفق أن العارفين تكلموا في الحقائق وأمروا بالانتقال من الرسوم ~~PageV02P420 والظواهر إليها وأن لا يقف عندها فظن هؤلاء الزنادقة : أنهم ~~جوزوا خلعها والانحلال منها # ولا ريب أن من جوز ذلك : فهو مثل هؤلاء والله يركم الخبيث بعضه على بعض ~~فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون فصاحب المنازل : أشار إلى المعنى الحق ~~الصحيح كما أشار إليه شيوخ القوم # وأما استدلاله بقول النبي : أسألك الشوق إلى لقائك في غير ms0736 ضراء مضرة ولا ~~فتنة مضلة فليس مطابقا لما ذكره في هذه الدرجة فأين طلب الشوق إلى لقائه ~~الباعث على كمال الاستعداد وعلى خفة أعباء السير والمزيل لكل فتور والحامل ~~على كل صدق وإخلاص وإنابة وصحة معاملة إلى أمر مشوب بصولة الهيمان تضربه ~~أمواج الفناء بحيث غلب قوما على عقولهم وسلب قوما صبرهم بحيث صيرهم في عالم ~~الفناء ورسول الله : لم يكن ليسأل حالة الفناء قط وإنما سأل شوقا موجبا ~~للبقاء مصاحبا له طيب الحياة وقرة العين ولذة القلب وبهجة الروح # وصاحب المنازل كأنه فهم منه اشتياقه إلى المشاهدة من غير غلبة على عقل ~~ولا فقد لاصطبار ولهذا قال : من غير ضراء مضرة وهي الغلبة على العقل ولا ~~فتنة مضلة وهي مفارقة أحكام العلم PageV02P421 وهذا غايته : أن يؤخذ من ~~إشارة الحديث على عادة القوم وأما أن يكون هو نفس المراد : فلا # وإنما المسئول : أن يهب له شوقا إلى لقائه مصاحبا للعافية والهداية فلا ~~تصحبه فتنة ولا محنة وهذا من أجل العطايا والمواهب فإن كثيرا ممن يحصل له ~~هذا لا يناله إلا بعد امتحان واختبار : هل يصلح أم لا ومن لم يمتحن ولم ~~يختبر فأكثرهم لم يؤهل لهذا # فتضمن هذا الدعاء : حصول ذلك والتأهيل له مع كمال العافية بلا محنة ~~والهداية بلا فتنة وبالله التوفيق والله أعلم # | فصل قال : الدرجة الثالثة : أنس اضمحلال في شهود الحضرة لا يعبر عن # غيبه ولا يشار إلى حده ولا يوقف على كنهه الاضمحلال الانعدام و شهود ~~الحضرة هو مشاهدة الحقيقة والفناء في ذلك الشهود قوله : ولا يعبر عن غيبه ~~إلى آخره # حاصله : أن هذا أمر وراء العبارة لا تناله العبارة ولا يحاط به عينا ولا ~~حدا ولا كنها ولا حقيقة فإن حقيقته : تستغرق العبارة والإشارة والدلالة وفي ~~وصفه يقول قائلهم : # فألقوا حبال مراسيهم % فغطاهم البحر ثم انطبق وههنا إنما حوالة القوم على ~~الذوق وإشارتهم : إلى الفناء الذي يصطلم المشير وإشارته والمعبر وعبارته مع ~~ظهور سلطان الحقيقة التي هي فوق الإشارة والعبارة والدلالة والله سبحانه ~~وتعالى أعلم ms0737 PageV02P422 # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الذكر # وهي منزلة القوم الكبرى التي منها يتزودون وفيها يتجرون وإليها دائما ~~يترددون # و الذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل ومن منعه عزل وهو قوت قلوب ~~القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا وعمارة ديارهم التى إذا ~~تعطلت عنه صارت بورا وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق وماؤهم الذي ~~يطفئون به التهاب الطريق ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب ~~والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب # إذا مرضنا تداوينا بذكركم فنترك الذكر أحيانا فننتكس به يستدفعون الآفات ~~ويستكشفون الكربات وتهون عليهم به المصيبات إذا أظلمهم البلاء فإليه ملجؤهم ~~وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم فهو رياض جنتهم التي فيها يتقبلون ~~ورءوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون يدع القلب الحزين ضاحكا مسرورا ويوصل ~~الذاكر إلى المذكور بل يدع الذاكر مذكورا # وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة و الذكر عبودية القلب واللسان وهي ~~غير مؤقتة بل هم يأمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال : قياما وقعودا ~~وعلى جنوبهم فكما أن الجنة قيعان وهو غراسها فكذلك القلوب بور وخراب وهو ~~عمارتها وأساسها # وهو جلاء القلوب وصقالها ودواؤها إذا غشيها اعتلالها وكلما ازداد الذاكر ~~في ذكره استغراقا : ازداد المذكور محبة إلى لقائه واشتياقا وإذا واطأ في ~~ذكره PageV02P423 قلبه للسانه : نسي في جنب ذكره كل شيء وحفظ الله عليه كل ~~شيء وكان له عوضا من كل شيء # به يزول الوقر عن الأسماع والبكم عن الألسن وتنقشع الظلمة عن الأبصار زين ~~الله به ألسنة الذاكرين كما زين بالنور أبصار الناظرين فاللسان الغافل : ~~كالعين العمياء والأذن الصماء واليد الشلاء وهو باب الله الأعظم المفتوح ~~بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته قال الحسن البصري رحمه الله : ~~تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء : في الصلاة وفي الذكر وقراءة القرآن فإن ~~وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق وبالذكر : يصرع العبد الشيطان كما يصرع ~~الشيطان أهل الغفلة والنسيان قال بعض السلف : إذا تمكن الذكر ms0738 من القلب فإن ~~دنا منه الشيطان صرعه كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان فيجتمع عليه ~~الشياطين فيقولون : ما لهذا فيقال : قد مسه الإنسي # وهو روح الأعمال الصالحة فإذا خلا العمل عن الذكر كان كالجسد الذي لا روح ~~فيه والله أعلم # | فصل وهو في القرآن على عشرة أوجه الأول : الأمر به مطلقا ومقيدا # الثاني : النهي عن ضده من الغفلة والنسيان الثالث : تعليق الفلاح ~~باستدامته وكثرته الرابع : الثناء على أهله والإخبار بما أعد الله لهم من ~~الجنة والمغفرة الخامس : الإخبار عن خسران من لها عنه بغيره السادس : أنه ~~سبحانه جعل ذكره لهم جزاء لذكرهم له السابع : الإخبار أنه أكبر من كل شيء ~~PageV02P424 الثامن : أنه جعله خاتمة الأعمال الصالحة كما كان مفتاحها ~~التاسع : الإخبار عن أهله بأنهم هم أهل الانتفاع بآياته وأنهم أولو الألباب ~~دون غيرهم العاشر : أنه جعله قرين جميع الأعمال الصالحة وروحها فمتى عدمته ~~كانت كالجسد بلا روح # | فصل في تفصيل ذلك # أما الأول : فكقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ~~وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى ~~النور وكان بالمؤمنين رحيما [ الأحزاب : 4143 ] وقوله تعالى : واذكر ربك في ~~نفسك تضرعاوخيفة [ الأعراف : 205 ] وفيه قولان أحدهما : في سرك وقلبك ~~والثاني : بلسانك بحيث تسمع نفسك وأما النهي عن ضده : فكقوله : ولا تكن من ~~الغافلين [ الأعراف : 205 ] وقوله : ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم ~~أنفسهم [ الحشر : 19 ] # وأما تعليق الفلاح بالإكثار منه : فكقوله : واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون [ الأنفال : 45 الجمعه : 10 ] # وأما الثناء على أهله وحسن جزائهم : فكقوله : إن المسلمين والمسلمات إلى ~~قوله والذاكرين الله كثيرا والذاكرات : أعد الله لهم مغفرة وأجراعظيما [ ~~الأحزاب : 35 ] # وأما خسران من لها عنه فكقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم ~~أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون [ ~~المنافقون : 9 ] # وأما جعل ذكره لهم جزاء لذكرهم له فكقوله : فاذكروني أذكركم واشكروا لي ~~ولا تكفرون [ البقرة : 152 ] PageV02P425 # وأما الإخبار عنه بأنه أكبر من ms0739 كل شيء فكقوله تعالى : اتل ما أوحي إليك ~~من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ~~[ العنكبوت : 45 ] وفيها أربعة أقوال : أحدها : أن ذكر الله أكبر من كل شيء ~~فهو أفضل الطاعات لأن المقصود بالطاعات كلها : إقامة ذكره فهو سر الطاعات ~~وروحها الثاني : أن المعني : أنكم إذا ذكرتموه ذكركم فكان ذكره لكم أكبر من ~~ذكركم له فعلى هذا : المصدر مضاف إلى الفاعل وعلى الأول : مضاف إلى المذكور ~~الثالث : أن المعنى : ولذكر الله أكبر من أن يبقى معه فاحشة ومنكر بل إذا ~~تم الذكر : محق كل خطيئة ومعصية هذا ما ذكره المفسرون # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : معنى الآية : أن في الصلاة ~~فائدتين عظيمتين إحداهما : نهيها عن الفحشاء والمنكر والثانية : اشتمالها ~~على ذكر الله وتضمنها له ولما تضمنته من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء ~~والمنكر # وأما ختم الأعمال الصالحة به : فكما ختم به عمل الصيام بقوله : ولتكملوا ~~العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون [ البقرة : 185 ] وختم به ~~الحج في قوله فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا [ ~~البقرة : 200 ] # وختم به الصلاة كقوله : فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا ~~وعلى جنوبكم [ النساء : 103 ] PageV02P426 وختم به الجمعة كقوله : فإذا ~~قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون [ الجمعة : 10 ] ولهذا كان خاتمة الحياة الدنيا وإذا كان آخر ~~كلام العبد : أدخله الله الجنة # وأما اختصاص الذاكرين بالانتفاع بآياته وهم أولو الألباب والعقول فكقوله ~~تعالى : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى ~~الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعوداوعلى جنوبهم [ آل عمران : 190191 ] # وأما مصاحبته لجميع الأعمال واقترانه بها وأنه روحها : فإنه سبحانه قرنه ~~بالصلاة كقوله : وأقم الصلاة لذكرى [ طه : 14 ] وقرنه بالصيام وبالحج ~~ومناسكه بل هو روح الحج ولبه ومقصوده كما قال النبي : إنما جعل الطواف ~~بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار : لإقامة ذكر الله # وقرنه بالجهاد وأمر ms0740 بذكره عند ملاقاة الأقران ومكافحة الاعداء فقال تعالى ~~: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله لعلكم تفلحون [ ~~الأنفال : 45 وفي أثر إلهي يقول الله تعالى : إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني ~~وهو ملاق قرنه # سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يستشهد به وسمعته يقول : ~~المحبون يفتخرون بذكر من يحبونه في هذه الحال كما قال عنترة : # ولقد ذكرتك والرماح كأنها % أشطان بئر في لبان الأدهم وقال الآخر : # ذكرتك والخطي يخطر بيننا % وقد نهلت منا المثقفة السمر # قال آخر : # ولقد ذكرتك والرماح شواجر % بحوى وبيض الهند تقطر من دمي وهذا كثير في ~~أشعارهم وهو مما يدل على قوة المحبة فإن ذكر المحب محبوبه PageV02P427 في ~~تلك الحال التي لا يهم المرء فيها غير نفسه يدل على أنه عنده بمنزلة نفسه ~~أو أعز منها وهذا دليل على صدق المحبة والله أعلم # | فصل والذاكرون : هم أهل السبق كما روى مسلم في صحيحه من حديث العلاء # عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله يسير في طريق مكة ~~فمر على جبال يقال له جمدان فقال : سيروا هذا جمدان سبق المفردون قالوا : ~~وما المفردون يا رسول الله قال : الذاكرون الله كثيرا والذاكرات والمفردون ~~إما الموحدون وإما الآحاد الفرادي وفي المسند مرفوعا من حديث أبي الدرداء ~~رضي الله عنه : ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في ~~درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والفضة وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ~~ويضربوا أعناقكم قالوا : وما ذاك يا رسول الله قال : ذكر الله عز وجل # وروى شعبة عن أبي إسحاق قال : سمعت الأغر قال : أشهد على أبي هريرة وأبي ~~سعيد رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله قال : لا يقعد قوم يذكرون ~~الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله ~~فيمن عنده وهو في صحيح مسلم # ويكفي في شرف الذكر : أن الله يباهي ملائكته بأهله كما في صحيح مسلم عن ~~معاوية رضي الله عنه : أن رسول الله ms0741 : خرج على حلقة من أصحابه فقال : ما ~~أجلسكم قالوا : جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا ~~قال : آلله ما أجلسكم إلا ذلك قالوا : آلله ما أجلسنا إلا ذلك PageV02P428 ~~قال : أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكن أتاني جبريل فأخبرني : أن الله ~~يباهي بكم الملائكة وسأل أعرابي رسول الله : أي الأعمال أفضل فقال : أن ~~تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله وقال له رجل : إن شرائع الإسلام قد ~~كثرت علي فمرني بأمر أتشبث به فقال : لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله # وفي المسند وغيره من حديث جابر قال : خرج علينا رسول الله فقال : أيها ~~الناس ارتعوا في رياض الجنة قلنا : يا رسول الله وما رياض الجنة فقال : ~~مجالس الذكر وقال : اغدوا وروحوا واذكروا من كان يحب أن يعلم منزلته عند ~~الله : فلينظر كيف منزلة الله عنده فإن الله ينزل العبد منه حيث أنزله من ~~نفسه وروى النبي عن أبيه إبراهيم ليلة الإسراء أنه قال له : أقرىء أمتك مني ~~السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها : ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر رواه الترمذي وأحمد ~~وغيرهما # وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي : مثل الذي يذكر ~~ربه والذي لا يذكره : مثل الحي والميت ولفظ مسلم : مثل البيت الذي يذكر ~~الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه : مثل الحي والميت فجعل بيت الذاكر ~~بمنزلة بيت الحي وبيت الغافل بمنزلة بيت الميت وهو القبر # وفي اللفظ الأول : جعل الذاكر بمنزلة الحي والغافل بمنزلة الميت فتضمن ~~اللفظان : أن القلب الذاكر كالحي في بيوت الأحياء والغافل PageV02P429 ~~كالميت في بيوت الأموات ولا ريب أن أبدان الغافلين قبور لقلوبهم وقلوبهم ~~فيها كالأموات في القبور كما قيل : # فنسيان ذكر الله موت قلوبهم % وأجسامهم قبل القبور قبور # وأرواحهم في وحشة من جسومهم % وليس لهم حتى النشور نشور وكما قيل : # فنسيان ذكر الله موت قلوبهم % وأجسامهم فهي القبور الدوارس # وأرواحهم في وحشة ms0742 من حبيبهم % ولكنها عند الخبيث أوانس # وفي أثر إلهي : يقول الله تعالى : إذا كان الغالب على عبدي ذكري : أحبني ~~وأحببته وفي آخر : فبي فافرحوا وبذكري فتنعموا وفي آخر : ابن آدم ما ~~أنصفتني أذكرك وتنساني وأدعوك وتهرب إلى غيري وأذهب عنك البلايا وأنت معتكف ~~على الخطايا يا ابن آدم ما تقول غدا إذ جئتني وفي آخر : ابن آدم اذكرني حين ~~تغضب : أذكرك حين أغضب وارض بنصرتي لك فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك وفي ~~الصحيح : في الأثر الذي يرويه رسول الله عن ربه تبارك وتعالى : من ذكرني في ~~نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وقد ذكرنا في ~~الذكر نحو مائة فائدة في كتابنا الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب وذكرنا ~~هناك أسرار الذكر وعظم نفعه وطيب ثمرته وذكرنا فيه : أن الذكر ثلاثة أنواع ~~ذكر الأسماء والصفات ومعانيها والثناء على الله بها وتوحيد الله بها # وذكر الأمر والنهي والحلال والحرام وذكر الآلاء والنعماء والإحسان ~~PageV02P430 والأيادي وأنه ثلاثة أنواع أيضا : ذكر يتواطأ عليه القلب ~~واللسان وهو أعلاها وذكر بالقلب وحده وهو في الدرجة الثانية وذكر باللسان ~~المجرد وهو في الدرجة الثالثة # | فصل قال صاحب المنازل : قال الله تعالى : واذكر ربك إذا نسيت # الكهف : 24 ] يعني : إذا نسيت غيره ونسيت نفسك في ذكرك ثم نسيت ذكرك في ~~ذكره ثم نسيت في ذكر الحق إياك كل ذكر ليته قدس الله روحه لم يقل فلا والله ~~ما عنى الله هذا المعنى ولا هو مراد الآية ولا تفسيرها عند أحد من السلف ~~ولا من الخلف # وتفسير الآية عند جماعة المفسرين : أنك لا تقل لشيء أفعل كذا وكذا حتى ~~تقول : إن شاء الله فإذا نسيت أن تقولها فقلها متى ذكرتها وهذا هو ~~الاستثناء المتراخي الذي جوزه ابن عباس وتأول عليه الآية وهو الصواب # فغلط عليه من لم يفهم كلامه ونقل عنه أن الرجل إذا قال لامرأته : أنت ~~طالق ثلاثا أو قال : نسائي الأربع طوالق ثم بعد سنة يقول : إلا واحدة أو ms0743 ~~إلا زينب إن هذا الاستثناء ينفعه وقد صان الله عن هذا من هو دون غلمان ابن ~~عباس بكثير فضلا عن البحر حبر الأمة وعالمها الذي فقهه الله في الدين وعلمه ~~التأويل وما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالإفهام ~~القاصرة ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال جدا وإن ساعد الله أفردنا له كتابا والذي ~~أجمع عليه المفسرون : أن أهل مكة سألوا النبي عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ~~ذي القرنين فقال : أخبركم غدا ولم يقل : إن شاء الله فتلبث الوحي أياما ثم ~~نزلت هذه الآية قال ابن عباس PageV02P431 ومجاهد والحسن وغيرهم : معناه إذا ~~نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن قال ابن عباس رضي الله عنهما : ويجوز ~~الاستثناء إلى سنة وقال عكرمة رحمه الله : واذكر ربك إذا غضبت وقال الضحاك ~~والسدي : هذا في الصلاة أي إذا نسيت الصلاة فصلها متى ذكرتها وأما كلام ~~صاحب المنازل : فيحمل على الإشارة لا على التفسير فذكر أربع مراتب إحداها : ~~أن ينسى غير الله ولا ينسى نفسه لأنه ناس لغيره ولا يكون ناسيا إلا ونفسه ~~باقية يعلم أنه ناس بها لما سوى المذكور الثانية : نسيان نفسه في ذكره وهي ~~التي عبر عنها بقوله : ونسيت نفسك في ذكرك وفي هذه المرتبة : ذكره معه لم ~~ينسه فقال في المرتبة الثالثة : ثم نسيت ذكرك في ذكره وهي مرتبة الفناء ثم ~~قال في المرتبة الرابعة : ثم نسيت في ذكر الحق إياك كل ذكر وهذا الفناء ~~بذكر الحق عبده عن ذكر العبد ربه فأما المرتبة الأولى : فهي أول درجات ~~الذكر وهي أن تنسى غير المذكور ولا تنسى نفسك في الذكر وفي هذه المرتبة : ~~لم يذكره بتمام الذكر إذ لتمامه مرتبتان فوقه # إحداهما : نسيان نفسه وهي المرتبة الثانية فيغيب بذكره عن نفسه فيعدم ~~إدراكها بوجدان المذكور # الثانية : نسيان ذكره في ذكره كما سئل ذو النون عن الذكر فقال : غيبة ~~الذاكر عن الذكر ثم أنشد : # لا لأني أنساك أكثر ذكراك % ولكن بذاك يجري لساني وهذه هي المرتبة ~~الثالثة PageV02P432 ففي الأولى : فنى عما سوى ms0744 المذكور ولم يفن عن نفسه وفي ~~الثانية : فن عن نفسه دون ذكره وفي الثالثة : فنى عن نفسه وذكره # وبقي بعد هذا مرتبة رابعة وهي : أن يفني بذكر الحق سبحانه له عن كل ذكر ~~فإنه ما ذكر الله إلا بعد ذكر الله له فذكر الله للعبد سابق على ذكر العبد ~~للرب ففي هذه المرتبة الرابعة : يشهد صفات المذكور سبحانه وذكره لعبده ~~فيفنى بذلك عن شهود ما من العبد وهذا الذي يسمونه وجدان المذكور في الذكر ~~والذاكر فإن الذاكر و ذكره و المذكور ثلاثة أشياء فالذاكر وذكره قد اضمحلا ~~وفنيا ولم يبق غير المذكور وحده ولا شيء معه سواه فهو الذاكر لنفسه بنفسه ~~من غير حلول ولا اتحاد بل الذكر منه بدأ وإليه يعود # وذكر العبد لربه محفوف بذكرين من ربه له : ذكر قبله به صار العبد ذاكرا ~~له وذكر بعده به صار العبد مذكورا كما قال تعالى : فاذكروني أذكركم [ ~~البقرة : 152 ] وقال فيما يروي عنه نبيه : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ~~ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير مهم # والذكر الذي ذكره الله به بعد ذكره له : نوع غير الذكر الذي ذكره به قبل ~~ذكره له ومن كثف فهمه عن هذا فليجاوزه إلى غيره فقد قيل : إذا لم تستطع ~~شيئا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع وسألت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ~~يوما فقلت له : إذا كان الرب سبحانه يرضى بطاعة العبد ويفرح بتوبته ويغضب ~~من مخالفته فهل يجوز أن يؤثر المحدث في القديم حبا وبغضا وفرحا وغير ذلك ~~فقال لي : الرب سبحانه هو الذي خلق أسباب الرضى والغضب والفرح وإنما كانت ~~بمشيئته وخلقه فلم يكن ذلك التأثر من غيره بل من نفسه بنفسه والممتنع ~~PageV02P433 أن يؤثر غيره فيه فهذا محال وأما أن يخلق هو أسبابا ويشاءها ~~ويقدرها تقتضي رضاه ومحبته وفرحه وغضبه : فهذا ليس بمحال فإن ذلك منه بدأ ~~وإليه يعود والله سبحانه أعلم # | فصل قال : والذكر : هو التلخص من الغفلة والنسيان والفرق بين الغفلة # والنسيان : أن ms0745 الغفلة ترك باختيار الغافل و النسيان ترك بغير اختياره ~~ولهذا قال تعالى : ولا تكن من الغافلين [ الأعراف : 205 ] ولم يقل : ولا ~~تكن من الناسيين فإن النسيان لا يدخل تحت التكليف فلا ينهى عنه قال : وهو ~~على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الذكر الظاهر من : ثناء أو دعاء أو رعاية ~~يريد بالظاهر : الجاري على اللسان المطابق للقلب لا مجرد الذكر اللساني فإن ~~القوم لا يعتدون به فأما ذكر الثناء : فنحو : سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر # وأما ذكر الدعاء فنحو : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين [ الأعراف : 23 ] و : يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ونحو ~~ذلك # وأما ذكر الرعاية : فمثل قول الذاكر : الله معي والله ناظر إلي الله ~~شاهدي ونحو ذلك مما يستعمل لتقوية الحضور مع الله وفيه رعاية لمصلحة القلب ~~ولحفظ الأدب مع الله والتحرز من الغفلة والاعتصام من الشيطان والنفس # والأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة فإنها متضمنة للثناء على الله ~~والتعرض للدعاء والسؤال والتصريح به كما في الحديث : أفضل الدعاء الحمد لله ~~قيل لسفيان بن عيينة : كيف جعلها دعاء قال : أما سمعت قول أمية بن أبي ~~الصلت لعبد الله بن جدعان يرجو نائله : # أأذكر حاجتي أم قد كفاني % حباؤك إن شيمتك الحباء PageV02P434 # إذا أثنى عليك المرء يوما % كفاه من تعرضه الثناء فهذا مخلوق واكتفى من ~~مخلوق بالثناء عليه من سؤاله فكيف برب العالمين # والأذكار النبوية متضمنة أيضا لكمال الرعاية ومصلحة القلب والتحرز من ~~الغفلات والاعتصام من الوساوس والشيطان والله أعلم # | فصل قال : الدرجة الثانية : الذكر الخفي وهو الخلاص من القيود # والبقاء مع الشهود ولزوم المسامرة # يريد بالخفي ههنا : الذكر بمجرد القلب بما يعرض له من الواردات وهذا ثمرة ~~الذكر الأول ويريد بالخلاض من القيود : التخلص من الغفلة والنسيان والحجب ~~الحائلة بين القلب وبين الرب سبحانه والبقاء مع الشهود : ملازمة الحضور مع ~~المذكور ومشاهدة القلب له حتى كأنه يراه # ولزوم المسامرة : هي لزوم مناجاة القلب لربه : تملقا تارة وتضرعا تارة ~~وثناء ms0746 تارة واستعظاما تارة وغير ذلك من أنواع المناجاة بالسر والقلب وهذا ~~شأن كل محب وحبيبه كما قيل : # إذا ما خلونا والرقيب بمجلس % فنحن سكوت والهوى يتكلم # | فصل قال : الدرجة الثالثة : الذكر الحقيقي وهو شهود ذكر الحق إياك # والتخلص من شهود ذكرك ومعرفة افتراء الذاكر في بقائه مع الذكر # إنما سمي هذا الذكر في هذه الدرجة حقيقيا لأنه منسوب إلى الرب تعالى وأما ~~نسبة الذكر للعبد : فليست حقيقية فذكر الله لعبده هو الذكر الحقيقي وهو ~~شهود ذكر الحق عبده وأنه ذكره فيمن اختصه وأهله للقرب منه ولذكره ~~PageV02P435 فجعله ذاكرا له ففي الحقيقة : هو الذاكر لنفسه بأن جعل عبده ~~ذاكرا له وأهله لذكره وهذا المعني هو الذي أشار إليه في باب التوحيد بقوله ~~: توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لأحد # أي هو الذي وحد نفسه في الحقيقة فتوحيد العبد منسوب إليه حقيقة ونسبته ~~إلى العبد غير حقيقية إذ ذاك لم يكن به ولا منه وإنما هو مجعول فيه فإن سمي ~~موحدا ذاكرا فلكونه مجرى ومحلا لما أجرى فيه كما يسمى أبيض وأسود وطويلا ~~وقصيرا لكونه محلا لهذه الصفات لا صنع له فيها ولم توجبها مشيئته ولا حوله ~~ولا قوته هذا مع ما يتصل بذلك من استيلاء القرب والفناء عن الرسم والغيبة ~~بالمشهود عن الشهود وقوة الوارد فيتركب من ذلك ذوق خاص : أنه ما وحد الله ~~إلا الله وما ذكر الله إلا الله وما أحب الله إلا الله فهذا حقيقة ما عند ~~القوم فالعارفون منهم أرباب البصائر أعطوا مع ذلك العبودية حقها والعلم حقه ~~وعرفوا أن العبد عبد حقيقة من كل وجه والرب رب حقيقة من كل وجه وقاموا بحق ~~العبودية بالله لا بأنفسهم ولله لا لحظوظهم وفنوا بمشاهدة معاني أسمائه ~~وصفاته عما سواه وبما له محبة ورضى عما به كونا ومشيئة فإن الكون كله به ~~والذي له : هو محوبه ومرضيه فهو له وبه والمنحرفون فنوا بما به عما له ~~فوالوا أعداءه وعطلوا دينه وسووا بين محابه ومساخطه ومواقع رضاه وغضبه ~~والله المستعان ms0747 قوله : التخلص من شهود ذكرك # يعني بفناء شهود ذكره لك عن شهود ذكرك له وهذا الشهود يريح العبد من رؤية ~~النفس وملاحظة العمل ويميته ويحييه يميته عن نفسه ويحييه بربه ويفنيه ~~ويقتطعه من نفسه ويوصله بربه وهذا هو عين الظفر بالنفس قال بعض العارفين : ~~انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بنفوسهم قوله : ومعرفة افتراء الذاكر في ~~بقائه مع الذكر PageV02P436 يعني أن الباقي مع الذكر يشهد على نفسه أنه ~~ذاكر وذلك افتراء منه فإنه لا فعل له ولا يزول عنه هذا الافتراء إلا إذا ~~فني عن ذكره فإن شهود ذكره وبقاءه معه افتراء يتضمن نسبة الذكر إليه وهي في ~~الحقيقة ليست له فيقال : سبحان الله أي افتراء في هذا وهل هذا إلا شهود ~~الحقائق على ما هي عليه فإنه إذا شهد نفسه ذاكرا بجعل الله له ذاكرا ~~وتأهيله له وتقدم ذكره للعبد على ذكر العبد له فاجتمع في شهوده الأمران فأي ~~افتراء ههنا وهل هذا إلا عين الحق وشهود الحقائق على ما هي عليه نعم ~~الافتراء : أن يشهد ذلك به وبحوله وقوته لا بالله وحده # لكن الشيخ لا تأخذه في الفناء لومة لائم ولا يصغي فيه إلى عاذل والذي لا ~~ريب فيه : أن البقاء في الذكر أكمل من الفناء فيه والغيبة به لما في البقاء ~~من التفصيل والمعارف وشهود الحقائق على ما هي عليه والتمييز بين الرب ~~والعبد وما قام بالعبد وما قام بالرب تعالى وشهود العبودية والمعبود وليس ~~في الفناء شيء من ذلك والفناء كاسمه الفناء والبقاء بقاء كاسمه والفناء ~~مطلوب لغيره والبقاء مطلوب لنفسه والفناء وصف العبد والبقاء وصف الرب : ~~والفناء عدم والبقاء وجود والفناء نفي والبقاء إثبات والسلوك على درب ~~الفناء مخطر وكم به من مفازة ومهلكة والسلوك على درب البقاء آمن فإنه درب ~~عليه الأعلام والهداة والخفراء ولكن أصحاب الفناء يزعمون أنه طويل ولا ~~يشكون في سلامته وإيصاله إلى المطلوب ولكنهم يزعمون أن درب الفناء أقرب ~~وراكبه طائر وراكب درب البقاء سائر والكمل من السائرين يرون الفناء منزلة ms0748 ~~من منازل الطريق وليس نزولها عاما لكل سائر بل منهم من لا يراها ولا يمر ~~بها وإنما الدرب الأعظم والطريق الأقوم هو درب البقاء ويحتجون على صاحب ~~الفناء بالانتقال إليه من الفناء وإلا فهو عندهم على خطر والله المستعان ~~وهو سبحانه أعلم PageV02P437 # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الفقر # هذه المنزلة أشرف منازل الطريق عند القوم وأعلاها وأرفعها بل هي روح كل ~~منزلة وسرها ولبها وغايتها # وهذا إنما يعرف بمعرفة حقيقة الفقر والذي تريد به هذه الطائفة أخص من ~~معناه الأصلي فإن لفظ الفقر وقع في القرآن في ثلاثة مواضع أحدها : قوله ~~تعالى : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض ~~يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف الآية [ البقرة : 273 ] أي الصدقات لهؤلاء ~~كان فقراء المهاجرين نحو أربعمائة لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر ~~وكانوا قد حبسوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله فكانوا وقفا على كل سرية ~~يبعثها رسول الله وهم أهل الصفة هذا أحد الأقوال في إحصارهم في سبيل الله # وقيل : هو حبسهم أنفسهم في طاعة الله وقيل : حبسهم الفقر والعدم عن ~~الجهاد في سبيل الله وقيل : لما عادوا أعداء الله وجاهدوهم في الله تعالى : ~~أحصروا عن الضرب في الأرض لطلب المعاش فلا يستطيعون ضربا في الأرض # والصحيح : أنهم لفقرهم وعجزهم وضعفهم لا يستطيعون ضربا في الأرض ولكمال ~~عفتهم وصيانتهم يحسبهم من لم يعرف حالهم أغنياء # والموضع الثاني : قوله تعالى : إنما الصدقات للفقراء الآية [ التوبة : 60 ~~] # والموضع الثالث : قوله تعالى يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله [ فاطر ~~: 15 ] PageV02P438 # فالصنف الأول : خواص الفقراء والثاني : فقراء المسلمين خاصهم وعامهم ~~والثالث : الفقر العام لأهل الأرض كلهم : غنيهم وفقيرهم مؤمنهم وكافرهم ~~فالفقراء الموصوفون في الآية الأولى : يقابلهم أصحاب الجدة ومن ليس محصرا ~~في سبيل الله ومن لا يكتم فقره تعففا فمقابلهم أكثر من مقابل الصنف الثاني ~~والصنف الثاني : يقابلهم الأغنياء أهل الجدة ويدخل فيهم المتعفف وغيره ~~والمحصر في سبيل الله وغيره والصنف الثالث : لا مقابل ms0749 لهم بل الله وحده ~~الغني وكل ما سواه فقير إليه ومراد القوم بالفقر : شيء أخص من هذا كله وهو ~~تحقيق العبودية والافتقار إلى الله تعالى في كل حالة # وهذا المعنى أجل من أن يسمى فقرا بل هو حقيقة العبودية ولبها وعزل النفس ~~عن مزاحمة الربوبية وسئل عنه يحيى بن معاذ فقال : حقيقته أن لا يستغني إلا ~~بالله ورسمه : عدم الأسباب كلها # يقول : عدم الوثوق بها والوقوف معها وهو كما قال بعض المشايخ : شيء لا ~~يضعه الله إلا عند من يحبه ويسوقه إلى من يريده وسئل رويم عن الفقر فقال : ~~إرسال النفس في أحكام الله وهذا إنما يحمد في إرسالها في الأحكام الدينية ~~والقدرية التي لا يؤمر بمدافعتها والتحرز منها PageV02P439 وسئل أبو حفص : ~~بم يقدم الفقير على ربه فقال : ما للفقير شيء يقدم به على ربه سوى فقره # وحقيقة الفقر وكماله كما قال بعضهم وقد سئل : متى يستحق الفقير اسم الفقر ~~فقال : إذا لم يبق عليه بقية منه فقيل له : وكيف ذاك فقال : إذا كان له ~~فليس له وإذا لم يكن له فهو له # وهذه من أحسن العبارات عن معنى الفقر الذي يشير إليه القوم وهو أن يصير ~~كله لله عز وجل لا يبقى عليه بقية من نفسه وحظه وهواه فمتى بقي عليه شيء من ~~أحكام نفسه ففقره مدخول ثم فسر ذلك بقوله : إذا كان له فليس له أي إذا كان ~~لنفسه فليس لله وإذا لم يكن لنفسه فهو لله # فحقيقة الفقر أن لا تكون لنفسك ولا يكون لها منك شيء بحيث تكون كلك لله ~~وإذا كنت لنفسك فثم ملك واستغناء مناف للفقر # وهذا الفقر الذي يشيرون إليه : لا تنافيه الجدة ولا الأملاك فقد كان رسل ~~الله وأنبياؤه في ذروته مع جدتهم وملكهم كإبراهيم الخليل كان أبا الضيفان ~~وكانت له الأموال والمواشي وكذلك كان سليمان وداود عليهما السلام وكذلك كان ~~نبينا كان كما قال الله تعالى : ووجدك عائلا فأغنى [ الضحى : 8 ] فكانوا ~~أغنياء في فقرهم فقراء في غناهم # فالفقر الحقيقي : دوام ms0750 الافتقار إلى الله في كل حال وأن يشهد العبد في كل ~~ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة إلى الله تعالى من كل وجه # فالفقر ذاتي للعبد وإنما يتجدد له لشهوده ووجوده حالا وإلا فهو حقيقة كما ~~قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه : # والفقر لي وصف ذات لازم أبدا % كما الغنى أبدا وصف له ذاتي PageV02P440 # وله آثار وعلامات وموجبات وأسباب أكثر إشارات القوم إليها كقول بعضهم : ~~الفقير لا تسبق همته خطوته يريد : أنه ابن حاله ووقته فهمته مقصورة على ~~وقته لاتتعداه وقيل : أركان الفقر أربعة : علم يسوسه وورع يحجزه ويقين ~~يحمله وذكر يؤنسه وقال الشبلي : حقيقة الفقر أن لا يستغني بشيء دون الله ~~وسئل سهل بن عبدالله : متى يستريح الفقير فقال : إذا لم ير لنفسه غير الوقت ~~الذي هو فيه # وقال أبو حفص : أحسن ما يتوسل به العبد إلى الله : دوام الافتقار إليه ~~على جميع الأحوال وملازمة السنة في جميع الأفعال وطلب القوت من وجه حلال ~~وقيل : من حكم الفقر : أن لا تكون له رغبة فإذا كان ولابد فلا تجاوز رغبته ~~كفايته # وقيل : الفقير من لا يملك ولا يملك وأتم من هذا : من يملك ولا يملكه مالك # وقيل : من أراد الفقر لشرف الفقر مات فقيرا ومن أراده لئلا يشتغل عن الله ~~بشيء مات غنيا و الفقر له بداية ونهاية وظاهر وباطن فبدايته : الذل ونهايته ~~: العز وظاهره : العدم وباطنه : الغنى كما قال رجل لآخر : فقر وذل فقال : ~~لا بل فقر وعز قال : فقر وثراء قال : لا بل فقر وعرش وكلاهما مصيب واتفقت ~~كلمة القوم على أن دوام الافتقار إلى الله مع التخليط خير من دوام الصفاء ~~مع رؤية النفس والعجب مع أنه لا صفاء معهما وإذا عرفت معنى الفقر علمت أنه ~~عين الغنى بالله فلا معنى لسؤال من سأل : أي الحالين أكمل الافتقار إلى ~~الله أم الاستغناء به PageV02P441 فهذه مسألة غير صحيحة فإن الاستغناء به ~~هو عين الافتقار إليه # وسئل عن ذلك محمد بن عبدالله الفرغاني فقال : إذا صح ms0751 الافتقار إلى الله ~~تعالى فقد صح الاستغناء بالله وإذا صح الاستغناء بالله كمل الغنى به فلا ~~يقال أيهما أفضل : الافتقار أم الاستغناء لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلا ~~بالأخرى وإما كلامهم في مسألة الفقير الصابر والغني الشاكر وترجيح أحدهما ~~على صاحبه فعند أهل التحقيق والمعرفة : أن التفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر ~~والغنى وإنما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق فالمسألة أيضا فاسدة في ~~نفسها فإن التفضيل : عند الله تعالى بالتقوى وحقائق الإيمان لا بفقر ولا ~~غنى كما قال تعالى : إن أكرمكم عند الله أتقاكم [ الحجرات : 13 ] ولم يقل ~~أفقركم ولا أغناكم # قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه : والفقر والغنى ابتلاء من الله ~~لعبده كما قال تعالى : فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ~~: ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول : ربي أهانن كلا [ ~~الفحر : 1516 ] أي ليس كل من وسعت عليه وأعطيته : أكون قد أكرمته ولا كل من ~~ضيقت عليه وقترت : أكون قد أهنته فالإكرام : أن يكرم الله العبد بطاعته ~~والإيمان به ومحبته ومعرفته والإهانة : أن يسلبه ذلك قال يعني ابن تيمية ~~ولا يقع التفاضل بالغني والفقر بل بالتقوى فإن استويا في التقوى استويا في ~~الدرجة سمعته يقول ذلك وتذاكروا هذه المسألة عند يحيى بن معاذ فقال : لا ~~يوزن غدا الفقر ولا الغنى وإنما يوزن الصبر والشكر وقال غيره : هذه المسألة ~~محال من وجه آخر وهو أن كلا من الغني والفقير لابد له من صبر وشكر فإن ~~الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر بل قد يكون نصيب الغني وقسطه من الصبر ~~أوفر لأنه يصبر عن قدرة فصبره أتم PageV02P442 من صبر من يصبر عن عجز ويكون ~~شكر الفقير أتم لأن الشكر هو استفراغ الوسع في طاعة الله والفقير أعظم ~~فراغا للشكر من الغني فكلاهما لا تقوم قائمة إيمانه إلا على ساقي الصبر ~~والشكر # نعم الذي يحكي الناس من هذه المسألة : فرعا من الشكر وفرعا من الصبر ~~وأخذوا في الترجيح بينهما فجردوا غنيا منفقا متصدقا ms0752 باذلا ماله في وجوه ~~القرب شاكرا لله عليه وفقيرامتفرغا لطاعة الله ولأوراد العبادات من الطاعات ~~صابرا على فقره فهل هو أكمل من ذلك الغني أم الغني أكمل منه فالصواب في مثل ~~هذا : أن أكملهما أطوعهما فإن تساوت طاعتهما تساوت درجاتهما والله أعلم # | فصل قال صاحب المنازل رحمه الله : الفقر اسم للبراءة من الملكة # عدل الشيخ عن لفظ عدم الملكة إلى قوله : البراءة من الملكة لأن عدم ~~الملكة ثابت في نفس الأمر لكل أحد سوى الله تعالى فالله سبحانه هو المالك ~~حقيقة فعدم الملكة : أمر ثابت لكل ما سواه لذاته والكلام في الفقر الذي ~~يمدح به صاحبه : هو فقر الاختيار وهو أخص من مطلق الفقر وهو براءة العبد من ~~دعوى الملك بحيث لا ينازع مالكه الحق # ولما كانت نفس الإنسان ليست له وانما هي ملك لله فما لم يخرج عنها ~~ويسلمها لمالكها ومولاها الحق : لم يثبت له في الفقر قدم فلذلك كان أول قدم ~~الفقر : الخروج عن النفس وتسليمها لمالكها ومولاها فلا يخاصم لها ولا يتوكل ~~لها ولا يحاجج عنها ولا ينتصر لها بل يفوض ذلك لمالكها وسيدها # قال بندار بن الحسين : لا تخاصم لنفسك فإنها ليست لك دعها لمالكها يفعل ~~بها ما يريد PageV02P443 # وقد أجمعت هذه الطائفة على أنه لا وصول إلى الله إلا من طريق الفقر ولا ~~دخول عليه إلا من بابه والله اعلم # | فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الاولى : فقر الزهاد وهو # قبض اليد عن الدنيا ضبطا أو طلبا وإسكات اللسان عنها مدحا أو ذما ~~والسلامة منها طلبا أو تركا وهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه الدنيا عند ~~القوم : ماسوى الله تعالى من المال والجاه والصور والمراتب واختلف ~~المتكلمون فيها على قولين حكاهما أبو الحسن الأشعري في مقالاته احدهما : ~~أنها اسم لمدة بقاء هذا العالم والثاني : أنها اسم لما بين السماء والأرض ~~فما فوق السماء ليس من الدنيا وما تحت الأرض ليس منها # فعلى الاول : تكون الدنيا زمانا وعلى الثاني : تكون مكانا ولما كان لها ms0753 ~~تعلق بالجوارح والقلب واللسان كان حقيقة الفقر : تعطيل هذه الثلاثة عن ~~تعلقها بها وسلبها منها فلذلك قال : قبض اليد عن الدنيا ضبطا أو طلبا يعني ~~يقبض يده عن إمساكها إذا حصلت له فإذا قبض يده عن الامساك جاد بها وإن كانت ~~غير حاصلة له كف يده عن طلبها فلا يطلب معدومها ولا يبخل بموجودها واما ~~تعطيلها عن اللسان # فهو أن لا يمدحها ولا يذمها فإن اشتغاله بمدحها أو ذمها دليل على محبتها ~~ورغبته فيها فاإن من أحب شيئا أكثر من ذكره وإنما اشتغل بذمها حيث فاتته ~~كمن طلب العنقود فلم يصل إليه فقال : هو حامض ولا يتصدى لذم الدنيا إلا ~~راغب محب مفارق فالواصل مادح والمفارق ذام # وأما تعطيل القلب منها فالسلامة من آفات طلبها وتركها فإن لتركها ~~PageV02P444 آفات ولطلبها آفات والفقر سلامة القلب من آفات الطلب والترك ~~بحيث لا يحجبه عن ربه بوجه من الوجوه الظاهرة والباطنة لا في طلبها وأخذها ~~ولا في تركها والرغبة عنها فان قلت : عرفت الآفة في أخذها وطلبها فما وجه ~~الآفة في تركها والرغبة عنها قلت : من وجوه شتى أحدها : أنه إذا تركها وهو ~~بشر لا ملك تعلق قلبه بما يقيمه ويقيته ويعيشه وما هو محتاج اليه فيبقى في ~~مجاهدة شديدة مع نفسه لترك معلومها وحظها من الدنيا وهذه قلة فقه في الطريق ~~بل الفقيه العارف : يردها عنه بلقمة كما يرد الكلب إذا نبح عليه بكسرة ولا ~~يقطع زمانه بمجاهدته ومدافعته بل أعطاها حظها وطالبها بما عليها من الحق # هذه طريقة الرسل وهي طريقة العارفين من أرباب السلوك كما قال النبي : ~~إنلنفسك عليك حقا ولربك عليك حقا ولزوجك عليك حقا ولضيفك عليك حقا فأعط كلع ~~ذي حق حقه # والعارف البصير يجعل عوض مجاهدته لنفسه في ترك شهوة مباحة : مجاهدته ~~لأعداء الله من شياطين الإنس والجن وقطاع الطريق على القلوب كأهل البدع من ~~بني العلم وبني الإرادة ويستفرغ قواه في حربهم ومجاهدتهم ويتقوى على حربهم ~~بإعطاء النفس حقها من المباح ولا يشتغل بها # ومن آفات ms0754 الترك : تطلعه إلى ما في أيدي الناس إذا مسته الحاجة إلى ما ~~تركه فاستدامتها كان أنفع له من هذا الترك ومن افات تركها وعدم أخذها : ما ~~يداخله من الكبر والعجب والزهو وهذا يقابل الزهد فيها وتركها كما أن كسرة ~~الآخذ وذلته وتواضعه : يقابل الآخذ التارك ففي الأخذ آفات وفي الترك آفات ~~فالفقر الصحيح : السلامة من آفات الأخذ والترك وهذا لا يحصل الا بفقه في ~~الفقر PageV02P445 # قوله رحمه الله فهذا هو الفقر الذي تكلموا في شرفه يعني تكلم فيه أرباب ~~السلوك وفضلوه ومدحوه # | فصل قال : الدرجة الثانية : الرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل وهو يورث # الخلاص من رؤية الاعمال ويقطع شهود الاحوال ويمحص من أدناس مطالعة ~~المقامات # يريد بالرجوع إلى السبق : الالتفات إلى ما سبقت به السابقة من الله ~~بمطالعة فضله ومنته وجوده وأن العبد وكل ما فيه من خير فهو محض جود الله ~~وإحسانه وليس للعبد من ذاته سوى العدم وذاته وصفاته وإيمانه وأعماله كلها ~~من فضل الله عليه فإذا شهد هذا وأحضره قلبه وتحقق به : خلصه من رؤية أعماله ~~فإنه لا يراها إلا من الله وبالله وليست منه هو ولا به واتفقت كلمة الطائفة ~~على أن رؤية الأعمال حجاب بين العبد وبين الله ويخلصه منها : شهود السبق ~~ومطالعة الفضل وقوله : ويقطع شهود الأحوال لأنه إذا طالع سبق فضل الله : ~~علم أن كل ما حصل له من حال أو غيره فهو محض جوده فلا يشهد له حالا مع الله ~~ولا مقاما كما لم يشهد له عملا فقد جعل عدته للقاء ربه : فقره من أعماله ~~وأحواله فهو لا يقدم عليه إلا بالفقر المحض فالفقر خير العلاقة التي بينه ~~وبين ربه والنسبة التي ينتسب بها إليه والباب الذي يدخل منه عليه وكذلك ~~قوله : يمحص من أدناس مطالعة المقامات # هو من جنس التخلص من رؤية الأعمال والانقطاع عن رؤية شهود الأحوال ~~ومطالعة المقامات : دنس عند هذه الطائفة فمطالعة الفضل يمحص من هذا الدنس ~~PageV02P446 والفرق بين الحال والمقام : أن الحال معنى يرد على القلب من ms0755 ~~غير اجتلاب له ولا اكتساب ولا تعمد و المقام يتوصل إليه بنوع كسب وطلب # فالأحوال عندهم مواهب والمقامات مكاسب فالمقام يحصل ببذل المجهود وأما ~~الحال : فمن عين الجود # ولما دخل الواسطى نيسابور سأل أصحاب أبي عثمان : بماذا كان يأمركم شيخكم ~~فقالوا : كان يأمر بالتزام الطاعات ورؤية التقصير فيها فقال : أمركم ~~بالمجوسية المحضة هلا أمركم بالغيبة عنها برؤية منشئها ومجريها قلت : لم ~~يأمرهم أبو عثمان رحمه الله إلا بالحنيفية المحضة وهي القيام بالأمر ~~ومطالعة التقصير فيه وليس في هذا من رائحة المجوسية شيء فإنه إذا بذل ~~الطاعة لله وبالله صانه ذلك عن الاتحاد والشرك وإذا شهد تقصيره فيها صانه ~~عن الإعجاب فيكون قائما بإياك نعبد وإياك نستعين # وأما ما أشار إليه الواسطي : فمشهد الفناء ولا ريب أن مشهد البقاء أكمل ~~فإن من غاب عن طاعاته : لم يشهد تقصيره فيها ومن تمام العبودية : شهود ~~التقصير فمشهد أبي عثمان أتم من مشهد الواسطي # وأبو عثمان هذا : هو سعيد بن إسماعيل النيسابوري من جلة شيوخ القوم ~~وعارفيهم وكان يقال : في الدنيا ثلاثة لا رابع لهم : أبو عثمان النيسابوري ~~بنيسابور والجنيد ببغداد وأبو عبدالله بن الجلا بالشام وله كلام رفيع عال ~~في التصوف والمعرفة وكان شديد الوصية باتباع السنة وتحكيمها ولزومها ولما ~~حضرته الوفاة مزق ابنه قميصا على نفسه ففتح أبو عثمان عينيه وهو في السياق ~~فقال : يا بني خلاف السنة في الظاهر علامة رياء في الباطن # | فصل قال : الدرجة الثالثة : الاضطرار والوقوع في يد التقطع الوجداني # أو الاحتباس في بيداء قيد التجريد وهذا فقر الصوفية PageV02P447 الاضطرار ~~شهود كمال الضرورة والفاقة علما وحالا # ويريد بالوقوع في يد التقطع الوجداني : حضرة الجمع التي ليس عندها آغيار ~~فهي منقطعة عن الأغيار وحدانية في نفسها والوقوع في يدها : الاستسلام ~~والإذعان لها والدخول في رقها # وقد تقدم أن حضرة الجمع عندهم : هي شهود الحقيقة الكونية ورؤيتها بنور ~~الكشف حيث يشهدها منشأ جميع الكائنات والكائنات عدم بالنسبة إليها و أما ~~الاحتباس في بيداء قيد التجريد فهو تجريد الفردانية أن يشهد ms0756 معها غيرها وهو ~~الفناء عن شهود السوى وسمعى ذلك احتباسا لأنه منع نفسه عن شهود الأغيار ~~وجعل للتجريد قيدا وهو التقيد بشهود الحقيقة # وجعل القيد بيداء لوجهين أحدهما : أن الأغيار تبيد فيه وتنعدم ولا يكون ~~معه سواه والثاني : لسعته وفضائه فصاحب مشهده : في بيداء واسعة وإن احتبس ~~في قيد شهوده وقوله : وهذا فقر الصوفية قد يفهم منه : أن التصوف أعلى عنده ~~من الفقر فإن هذه الدرجة الثالثة التي هي أعلى درجات الفقر عنده هي من بعض ~~مقامات الصوفية وطائفة تنازعه في ذلك وتقول : التصوف دون هذا المقام بكثير ~~والتصوف وسيلة إلى هذا الفقر فإن التصوف خلق وهذا الفقر حقيقة وغاية لا ~~غاية وراءها PageV02P448 وقد تقدم ذكر الخلاف بين القوم في هذه المسألة ~~وحكينا فيها ثلاثة أقوال هدين والثالث : أنه لا يفضل أحدهما على الآخر فإن ~~كل واحد منهما لا تتم حقيقته إلا بالآخر وهذا قول الشاميين والله أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الغنى العالي # وهو نوعان : غنى بالله وغنى عن غير الله وهما حقيقة الفقر ولكن أرباب ~~الطريق أفردوا للغنى منزلة # قال صاحب المنازل رحمه الله باب الغني قال الله تعالى : ووجدك عائلا ~~فأغنى [ الضحى : 8 ] وفي الآية ثلاثة أقوال أحدها : أنه أغناه من المال بعد ~~فقره : وهذا قول أكثر المفسرين لأنه قابله بقوله عائلا والعائل : هو ~~المحتاج ليس ذا العيلة فأغناه من المال والثاني : أنه أرضاه بما أعطاه ~~وأغناه به عن سواه فهو غنى قلب ونفس لا غنى مال وهو حقيقة الغنى والثالث : ~~وهو الصحيح أنه يعم النوعين : نوعي الغنى فأغنى قلبه به وأغناه من المال ثم ~~قال : الغنى اسم للملك التام # يعني أن من كان مالكا من وجه دون وجه فليس بغني وعلى هذا : فلا يستحق اسم ~~الغنى بالحقيقة إلا الله وكل ما سواه فقير إليه بالذات قال : وهو على ثلاث ~~درجات الدرجة الأولى : غنى القلب وهو سلامته من السبب ومسالمته للحكم ~~وخلاصه من الخصومة PageV02P449 حقيقة غني القلب : تعلقه بالله وحده وحقيقة ~~فقره المذموم ms0757 : تعلقه بغيره فإذا تعلق بالله حصلت له هذه الثلاثة التي ~~ذكرها # سلامته من السبب أي من التعلق به لا من القيام به والغني عند أهل الغفلة ~~بالسبب ولذلك قلوبهم معلقة به وعند العارفين بالمسبب وكذلك الصناعة والقوة ~~فهذه الثلاثة : هي جهات الغنى عند الناس وهي التي أشار إليها النبي في قوله ~~: إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوى وفي رواية ولا لقوي مكتسب وهو غني ~~بالشيء فصاحبها غني بها إذا سكنت نفسه إليها وإن كان سكونه إلى ربه : فهو ~~غني به وكل ما سكنت النفس إليه فهي فقيرة إليه وأما مسالمة الحكم فعلى ~~نوعين أحدهما : مسالمة الحكم الديني الأمري وهي معانقته وموافقته ضد ~~محاربته والثاني : مسالمة الحكم الكوني القدري الذي يجري عليه بغير اختباره ~~ولا قدره له على دفعه وهو غير مأمور بدفعه وفي مسالمة الحكم نكتة لابد منها ~~وهي تجريد إضافته ونسبته إلى من صدر عنه بحيث لا ينسبه إلى غيره # وهذا يتضمن توحيد الربوبية في مسالمة الحكم الكوني وتوحيد الإلهية في ~~مسألمة الحكم الديني وهما حقيقة إياك نعبد وإياك نستعين وأما الخلاص من ~~الخصومة فإنما يحمد منه : الخلاص من الخصومة بنفسه لنفسه وأما إذا خاصم ~~بالله ولله : فهذا من كمال العبودية وكان النبي يقول في استفتاحه : اللهم ~~لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت ~~PageV02P450 # | فصل قال : الدرجة الثانية : غنى النفس وهو استقامتها على المرغوب # وسلامتها من الحظوظ وبراءتها من المراءاة جعل الشيخ : غنى النفس فوق غنى ~~القلب ومعلوم : أن أمور القلب أكمل وأقوى من أمور النفس لكن في هذا الترتيب ~~نكتة لطيفة وهي أن النفس من جند القلب ورعيته وهي من أشد جنده خلافا عليه ~~وشقاقا له ومن قبلها تتشوش عليه المملكة ويدخل عليه الداخل فإذا حصل له ~~كمال بالغنى : لم يتم له إلا بغناها أيضا فإنها متى كانت فقيرة عاد حكم ~~فقرها عليه وتشوش عليه غناه فكان غناها تماما لغناه وكمالا له وغناه أصلا ~~بغناها فمنه يصل الغنى إليها ومنها ms0758 يصل الفقر والضرر والعنت إليه إذا عرف ~~هذا فالشيخ جعل غناها بثلاثة أشياء : استقامتها على المرغوب وهو الحق تعالى ~~واستقامتها عليه : استدامة طلبه وقطع المنازل بالسير إليه الثاني : سلامتها ~~من الحظوظ وهي تعلقاتها الظاهرة والباطنة بما سوى الله الثالث : براءتها من ~~المراءاة وهي إرادة غير الله بشيء من أعمالها وأقوالها فمراءاتها دليل على ~~شدة فقرها وتعلقها بالحظوظ من فقرها أيضا وعدم استقامتها على مطلوبها الحق ~~أيضا : من فقرها وذلك يدل على أنها غير واجدة لله إذ لو وجدته لاستقامت على ~~السير إليه ولقطعت تعلقاتها وحظوظها من غيره ولما أرادت بعملها غيره فلا ~~تستقيم هذه الثلاثة إلا لمن قد ظفر بنفسه ووجد مطلوبه وما لم يجد ربه تعالى ~~فلا استقامة له ولا سلامة لها من الحظوظ ولا براءة لها من الرياء ~~PageV02P451 # | فصل قال : الدرجة الثالثة : الغنى بالحق وهو على ثلاث مراتب المرتبة # الأولى : شهود ذكره إياك والثانية : دوام مطالعة أوليته والثالثة : الفوز ~~بوجوده أما شهود ذكره إياك فقد تقدم قريبا # وأما مطالعة أوليته فهو سبقه للأشياء جميعا فهو الأول الذي ليس قبله شيء ~~قال بعضهم : ما رأيت شيئا إلا وقد رأيت الله قبله # فإن قلت : وأي غنى يحصل للقلب للقلب من مطالعة أولية الرب وسبقه لكل شيء ~~ومعلوم أن هذا حاصل لكل أحد من غني أو فقير فما وجه الغنى الحاصل به # قلت : إذا شهد القلب سبقه للأسباب وأنها كانت في حيز العدم وهو الذي ~~كساها حلة الوجود فهي معدومة بالذات فقيرة إليه بالذات وهو الموجود بذاته ~~والغني بذاته لا بغيره فليس الغنى في الحقيقة إلا به كما أنه ليس في ~~الحقيقة إلا له فالغنى بغيره : عين الفقر فإنه غني بمعدوم فقير وفقير كيف ~~يستغني بفقير مثله وأما الفوز بوجوده فإشارة القوم كلهم إلى هذا المعنى وهو ~~نهاية سفرهم وفي الأثر الإلهي : ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل ~~شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء # ومن لم يعلم معنى وجوده لله عز وجل والفوز ms0759 به : فليحث على رأسه الرماد ~~وليبك على نفسه والله أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المراد # أفردها القوم بالذكر وفي الحقيقة : فكل مريد مراد بل لم يصر PageV02P452 ~~مريدا إلا بعد أن كان مرادا لكن القوم خصوا المريد بالمبتدىء و المراد ~~بالمنتهي # قال أبو علي الدقاق : المريد متحمل والمراد محمول وقد كان موسى مريدا إذ ~~: قال : رب اشرح لي صدري [ طه : 25 ] ونبينا كان مرادا إذ قيل له : ألم ~~نشرح لك صدرك وسئل الجنيد عن المريد والمراد فقال : المريد يتولى سياسته ~~العلم والمراد : يتولى رعايته الحق لأن المريد يسير والمراد يطير فمتى يلحق ~~السائر الطائر # | فصل قال صاحب المنازل : # باب المراد قال الله تعالى : وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ~~من ربك [ القصص : 86 ] أكثر المتكلمين في هذا العلم جعلوا المريد والمراد ~~اثنين وجعلوا مقام المراد فوق مقام المريد وإنما أشاروا باسم المراد إلى ~~الضنائن الذين ورد فيهم الخبر # قلت : وجه استشهاده بالآية : أن الله سبحانه ألقى إلى رسوله كتابه وخصه ~~بكرامته وأهله لرسالته ونبوته من غير أن يكون ذلك منه على رجاء أو ناله ~~بكسب أو توسل إليه بعمل بل هو أمر أريد به فهو المراد حقيقة # وقوله : إن أكثرهم جعلوا المريد والمراد اثنين فهو تعرض إلى أن منهم من ~~اكتفى عن ذكر مقام المراد بمنزلة الإرادة لأن صاحبها مريد مرادوأما إشارتهم ~~إلى الضنائن فالمراد به : حديث يروى مرفوعا إلى النبي : إن لله ضنائن من ~~خلقه يحييهم في عافية ويميتهم في عافية و الضنائن الخصائص يقال : هو ضنتي ~~من بين الناس بكسر الضاد أي الذي أختص به وأضن بجودته أي أبخل بها أن ~~أضيعها PageV02P453 # وقد مثل للمريد والمراد بقوم بعث إليهم سلطانهم يستدعيهم إلى حضرته من ~~بلاد نائية وأرسل إليهم بالأدلة والأموال والمراكب وأنواع الزاد وأمرهم بأن ~~يتجشموا إليه قطع السبل والمفاوز وأن يجتهدوا في المسير حتى يلحقوا به وبعث ~~خيلا له ومماليك إلى طائفة منهم فقال : احملوهم على هذه الخيل التي تسبق ~~الركاب ms0760 واخدموهم في طريقهم ولا تدعوهم يعانون مؤنة الشد والربط بل إذا ~~نزلوا فأريحوهم ثم احملوهم حتى تقدموهم عليفلم يجد هؤلاء من مجاهدة السير ~~ومكابدته ووعثاء السفر ما وجده غيرهم # ومن الناس من يقول : المريد ينتقل من منزلة الإرادة إلى أن يصير مرادا ~~فكان محبا فصار محبوبا فكل مريد صادق نهاية أمره : أن يكون مرادا وأكثرهم ~~على هذا وصاحب المنازل كأن عنده المراد هو المجذوب و المريد هو السالك على ~~طريق الجادة # | فصل قال : وللمراد ثلاث درجات الأولى أن يعصم العبد وهو مستشرف # للجفاء اضطرارا بتنغيص الشهوات وتعويق الملاذ وسد مسالك المعاطب عليه ~~إكراها # يعني : أن العبد إذا استشرفت نفسه للجفاء بينه وبين سيده بموافقة شهواته ~~عصمه سيده اضطرارا بأن ينغص عليه الشهوات فلا تصفو له ألبتة بل لا ينال ما ~~ينال منها إلا مشوبا بأنواع التنغيص الذي ربما أربى على لذتها واستهلكها ~~بحيث تكون اللذة في جنب التنغيص كالخلسة والغفوة وكذلك يعوق الملاذ عليه ~~بأن يحول بينه وبينها حتى لا يركن إليها ولا يطمئن إليها ويساكنها فيحول ~~بينه وبين أسبابها فإن هيئت له قيض له مدافع يحول بينه وبين استيفائها ~~PageV02P454 # فيقول : من أين دهيت وإنما هي عين العناية والحمية والصيانة وكذلك يسد ~~عنه طرق المعاصي فإنها طرق المعاطب وإن كان كارها عناية به وصيانة له # | فصل قال : الدرجة الثانية : أن يضع عن العبد عوارض النقص ويعافيه # من سمة اللائمة ويملكه عواقب الهفوات كما فعل بسليمان عليه السلام حين ~~قتل الخيل فحمله على الريح الرخاء فأغناه عن الخيل وفعل بموسى عليه السلام ~~حين ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه ولم يعتب عليه كما عتب على آدم عليه ~~السلام ونوح ودواد ويونس عليهم السلام # والفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها : أن في التي قبلها منعا من مواقعة ~~أسباب الجفاء اضطرارا وفي هذه : إذا عرضت له أسباب النقيصة التي يستحق ~~عليها اللائمة لم يعتبه عليها ولم يلمه وهذا نوع من الدلال وصاحبه من ضنائن ~~الله وأحبابه فإن الحبيب يسامح بما لا يسامح به سواه ms0761 لأن المحبة أكبر ~~شفعائه وإذا هفا هفوة ملكه عاقبتها بأن جعلها سببا لرفعته وعلو درجته فيجعل ~~تلك الهفوة سببا لتوبة نصوح وذل خاص وانكسار بين يديه وأعمال صالحة تزيد في ~~قربه منه أضعاف ما كان عليه قبل الهفوة فتكون تلك الهفوة أنفع له من حسنات ~~كثيرة وهذا من علامات اعتناء الله بالعبد وكونه من أحبابه وحزبه وقد استشهد ~~الشيخ بقصة سليمان عليه السلام حين ألهته الخيل عن صلاة العصر فأخذته ~~الغضبة لله والحمية فحملته على أن مسح عراقيبها وأعناقها بالسيف ~~PageV02P455 وأتلف مالا شغله عن الله في الله فعوضه الله منه : أن حمله على ~~متن الريح فملكه الله تعالى عاقبة هذه الهفوة وجعلها سببا لنيل تلك المنزلة ~~الرفيعة # واستشهد بقصة موسى حين ألقى الألواح وفيها كلام الله عن رأسه وكسرها وجر ~~بلحية أخيه وهو نبي مثله ولم يعاتبه الله على ذلك كما عتب على آدم عليه ~~السلام في أكل لقمة من الشجرة وعلى نوح في ابنه حين سأل ربه أن ينجيه وعلى ~~داود في شأن امرأة أوريا وعلى يونس في شأن المغاضبة # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : وكذلك لطم موسى عين ملك ~~الموت ففقأها ولم يعتب عليه ربه وفي ليلة الإسراء عاتب ربه في النبي إذ ~~رفعه فوقه ورفع صوته بذلك ولم يعتبه الله على ذلك قال : لأن موسى عليه ~~السلام قام تلك المقامات العظيمة التي أوجبت له هذا الدلال فإنه قاوم فرعون ~~أكبر أعداء الله تعالى وتصدى له ولقومه وعالج بني إسرائيل أشد المعالجة ~~وجاهد في الله أعداء الله أشد الجهاد وكان شديد الغضب لربه فاحتمل له ما لم ~~يحتمله لغيره # وذو النون لما لم يكن في هذا المقام : سجنه في بطن الحوت من غضبة وقد جعل ~~الله لكل شيء قدرا PageV02P456 # | فصل قال : الدرجة الثالثة : اجتباء الحق عبده واستخلاصه إياه بخالصته # كما ابتدأ موسى وقد خرج يقتبس نارا فاصطنعه لنفسه وأبقى منه رسما معارا ~~قلت : الاجتباء الاصطفاء والإيثار والتخصيص وهو افتعال من جبيت الشيء : إذا ~~حزته وأحرزته ms0762 إليك كجباية المال وغيره و الاصطناع أيضا الاصطفاء والاختيار ~~يعني أنه اصطفى موسى واستخلصه لنفسه وجعله خالصا له من غير سبب كان من موسى ~~ولا وسيلة فإنه خرج ليقتبس النار فرجع وهو كليم الواحد القهار وأكرم الخلق ~~عليه ابتداء منه سبحانه من غير سابقة استحقاق ولا تقدم وسيلة وفي مثل هذا ~~قيل : # أيها العبد كن لما لست ترجو % من صلاح أرجى لما أنت راجي # إن موسى أتى ليقبس نارا % من ضياء رآه والليل داجي فانثنى راجعا وقد كلمه ~~الله وناجاه وهو خير مناجي وقوله : وأبقى منه رسما معارا # يحتمل أن يريد بالرسم : البقية التي تقدم بها عليه محمد ورفع فوقه بدرجات ~~لأجل بقائها منه # ويحتمل وهو الأظهر أنه أخذه من نفسه واصطنعه لنفسه واختاره من بين ~~العالمين وخصه بكلامه ولم يبق له من نفسه إلا رسما مجردا يصحب به الخلق ~~وتجري عليه فيه أحكام البشرية إتماما لحكمته وإظهارا لقدرته فهو عارية معه ~~فإذا قضى ما عليه : استرد منه ذلك الرسم وجعله من ماله فتكملت إذ ذاك مرتبة ~~الاجتباء ظاهرا وباطنا حقيقة ورسما ورجعت العارية إلى مالكها الحق الذي ~~يرجع إليه الأمر كله فكما ابتدأت منه عادت إليه # وموسى عليه السلام كان في مظهر الجلال ولهذا كانت شريعته شريعة جلال وقهر ~~أمروا بقتل نفوسهم وحرمت عليهم الشحوم وذوات الظفر PageV02P457 وغيرها من ~~الطيبات وحرمت عليهم الغنائم وعجل لهم من العقوبات ما عجل وحملوا من الآصار ~~والأغلال ما لم يحمله غيرهم # وكان موسى من أعظم خلق الله هيبة ووقارا وأشدهم بأسا وغضبا لله وبطشا ~~بأعداء الله وكان لا يستطاع النظر إليه # وعيسى : كان في مظهر الجمال وكانت شريعته شريعة فضل وإحسان وكان لا يقاتل ~~ولا يحارب وليس في شريعته قتال ألبتة والنصارى يحرم عليهم دينهم القتال وهم ~~به عصاة لشرعه فإن الإنجيل يأمرهم فيه : أن : من لطمك على خدك الأيمن فأدر ~~له خدك الأيسر ومن نازعك ثوبك فأعطه رداءك ومن سخرك ميلا فامش معه ميلين ~~ونحو هذا وليس في شريعتهم مشقة ولا آصار ms0763 ولا أغلال وإنما النصارى ابتدعوا ~~تلك الرهبانية من قبل أنفسهم ولم تكتب عليهم # وأما نبينا : فكان في مظهر الكمال الجامع لتلك القوة والعدل والشدة في ~~الله وهذا اللين والرأفة والرحمة وشريعته أكمل الشرائع فهو نبي الكمال ~~وشريعته شريعة الكمال وأمته أكمل الأمم وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال ~~والمقامات ولذلك تأتي شريعته بالعدل إيجابا له وفرضا وبالفضل ندبا إليه ~~واستحبابا وبالشدة في موضع الشدة وباللين في موضع اللين ووضع السيف موضعه ~~ووضع الندى موضعه فيذكر الظلم PageV02P458 ويحرمه والعدل ويوجبه والفضل ~~ويندب إليه في بعض آيات كقوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها [ الشورى : 40 ~~] فهذا عدل فمن عفى وأصلح فأجره على الله فهذا فضل إنه لا يحب الظالمين ~~فهذا تحريم للظلم وقوله : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به [ النحل : ~~126 ] فهذا إيجاب للعدل وتحريم للظلم ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ندب إلى ~~الفضل وقوله : فأن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون [ البقرة : ~~279280 تحريم للظلم وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة عدل وأن تصدقوا خير ~~لكم إن كنتم تعلمون فضل وكذلك تحريم ما حرم على أمته صيانة وحمية # حرم عليهم كل خبيث وضار وأباح لهم كل طيب ونافع فتحريمه عليهم رحمة وعلى ~~من قبلهم لم يخل من عقوبة وهداهم لما ضلت عنه الأمم قبلهم ووهب لهم من علمه ~~وحلمه وجعلهم خير أمة أخرجت للناس وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم ~~قبلهم كما كمل نبيهم من المحاسن بما فرقه في الأنبياء قبله وكمل في كتابه ~~من المحاسن بما فرقها في الكتب قبله وكذلك في شريعته # فهؤلاء الضنائن وهم المجتبون الأخيار كما قال تعالى لهم : هو اجتباكم وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج [ الحج : 78 ] وجعلهم شهداء على الناس فأقامهم ~~في ذلك مقام الأنبياء الشاهدين على أممهم # وتفصيل تفضيل هذه الأمة وخصائصها يستدعي سفرا بل أسفارا وذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإحسان # وهي لب الإيمان ms0764 وروحه وكماله وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل فجميعها ~~منطوية فيها وكل ما قيل من أول الكتاب إلى ههنا فهو من الإحسان PageV02P459 ~~قال صاحب المنازل رحمه الله وقد استشهد على هذه المنزلة بقوله تعالى : هل ~~جزاء الإحسان إلا الإحسان [ الرحمن : 60 ] : فالإحسان جامع لجميع أبواب ~~الحقائق وهو أن تعبد الله كأنك تراه أما الآية : فقال ابن عباس رضي الله ~~عنه والمفسرون : هل جزاء من قال : لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد ~~إلا الجنة # وقد روى عن النبي أنه قرأ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [ الرحمن : 60 ] ~~ثم قال : هل تدورن ماذا قال ربكم قالوا : الله ورسوله أعلم قال : يقول : هل ~~جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة # وأما الحديث : فإشارة إلى كمال الحضور مع الله عز وجل ومراقبته الجامعة ~~لخشيته ومحبته ومعرفته والإنابة إليه والإخلاص له ولجميع مقامات الإيمان ~~قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الإحسان في القصد بتهذيبه علما ~~وإبرامه عزما وتصفيته حالا يعني إحسان القصد يكون بثلاثة أشياء أحدها : ~~تهذيبه علما بأن يجعله تابعا للعلم على مقتضاه مهذبا به منقى من شوائب ~~الحظوظ فلا يقصد إلا ما يجوز في العلم و العلم هو اتباع الأمر والشرع ~~والثاني : إبرامه عزما و الإبرام الإحكام والقوة أي يقارنه عزم يمضيه ولا ~~يصحبه فتور وتوان يضعفه ويوهنه الثالث : تصفيته حالا # أي يكون حال صاحبه صافيا من الأكدار والشوائب التي تدل على كدر قصده فإن ~~الحال مظهر القصد وثمرته وهو أيضا مادته وباعثه فكل منهما ينفعل عن الآخر ~~فصفاؤه وتخليصه من تمام صفاء الآخر وتخليصه # | فصل قال : الدرجة الثانية : الإحسان في الأحوال وهو أن تراعيها غيرة # وتسترها تظرفا وتصححها تحقيقا PageV02P460 # يريد بمراعاتها : حفظها وصونها غيرة عليها أن تحول فإنها تمر مر السحاب ~~فإن لم يرع حقوقها حالت ومراعاتها : بدوام الوفاء وتجنب الجفاء ويراعيها ~~أيضا بإكرام نزلها فإنها ضيف والضيف إن لم تكرم نزله ارتحل # ويراعيها أيضا بضبطها ملكة وشد يده عليها وأن لا يسمح بها لقاطع طريق ولا ~~ناهب ويراعيها ms0765 أيضا : بالانقياد إلى حكمها والإذعان لسلطانها إذا وافق ~~الأمر ويراعيها أيضا : بسترها تظرفا وهو أن يسترها عن الناس ما أمكنه لئلا ~~يعلموا بها ولا يظهرها إلا لحجة أو حاجة أو مصلحة راجحة فإن في إظهارها ~~بدون ذلك آفات عديدة مع تعريضها للصوص والسراق والمغيرين # وإظهار الحال للناس عند الصادقين : حمق وعجز وهو من حظوظ النفس والشيطان ~~وأهل الصدق والعزم لها أستر وأكتم من أرباب الكنوز من الأموال لأموالهم حتى ~~إن منهم من يظهر أضدادها نفيا وجحدا وهم أصحاب الملامتيه ولهم طريقة معروفة ~~وكان شيخ هذه الطائفة عبدالله بن منازل # واتفقت الطائفة على أن من أطلع الناس على حاله مع الله : فقد دنس طريقته ~~إلا لحجة أو حاجة أو ضرورة وقوله : وتصحيحها تحقيقا # أي يجتهد في تحقيق أحواله وتصحيحها وتخليصها فإن الحال قد يمتزج بحق ~~وباطل ولا يميزه إلا أولو البصائر والعلم وأهل هذه الطريق يقولون : إن ~~الوارد الذي يبتدىء العبد من جانبه الأيمن والهواتف والخطاب : يكون في ~~الغالب حقا والذي يبتدىء من الجانب الأيسر : يكون في الغالب باطلا وكذبا ~~فإن أهل اليمين : هم أهل الحق وبأيمانهم يأخذون كتبهم ونورهم الظاهر على ~~الصراط يكون بأيمانهم وكان رسول الله PageV02P461 يعجبه التيمن في تنعله ~~وترجله وطهوره وشأنه كله والله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف وأخبر أن ~~الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله وحظه من ابن آدم جهة الشمال ولهذا تكون ~~اليد الشمال للاستجمار وإزالة النجاسة والأذى ويبدأ بالرجل الشمال عند دخول ~~الخلاء ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد يبقي الإنسان بعد انفصاله نشيطا ~~مسرورا نشوانا : فإنه وارد ملكي وكل وارد يبقي الإنسان بعد انفصالة خبيث ~~النفس كسلان ثقيل الأعضاء والروح يجنح إلى فتور : فهو وارد شيطاني # ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد أعقب في القلب : معرفة بالله ومحبة له ~~وأنسا به وطمأنينة بذكره وسكونا إليه : فهو ملكي إلهي وخلافه بخلافه # ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد أعقب صاحبه تقدما إلى الله تعالى والدار ~~الآخرة وحضورا فيها حتى كأنه يشاهد الجنة قد أزلفت والجحيم قد ms0766 سعرت : فهو ~~إلهي ملكي وخلافه شيطاني نفساني ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد كان سببه ~~النصيحة في امتثال الأمر والإخلاص والصدق فيه : فهو إلهي ملكي وإلا فهو ~~شيطاني ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد استنار به القلب وانشرح له الصدر ~~وقوي به القلب : إلهي ملكي وإلا فهو شيطاني ومن الفرقان أيضا : أن كل وارد ~~جمعك على الله فهو منه وكل وارد فرقك عنه وأخذك عنه : فمن الشيطان ومن ~~الفرقان أيضا : أن الوارد الإلهي لا يصرف إلا في قربة وطاعة ولا يكون سببه ~~إلا قربة وطاعة فمستخرجه الأمر ومصرفه الأمر والشيطاني بخلافه ومن الفرقان ~~أيضا : أن الوارد الرحماني لا يتناقض ولا يتفاوت ولا يختلف بل يصدق بعضه ~~بعضا والشيطاني بخلافه يكذب بعضه بعضا والله سبحانه أعلم PageV02P462 # | فصل قال : الدرجة الثالثة : الإحسان في الوقت وهو أن لا تزايل # المشاهدة أبدا ولا تخلط بهمتك أحدا وتجعل هجرتك إلى الحق سرمدا أي لا ~~تفارق حال الشهود وهذا إنما يقدر عليه أهل التمكن الذين ظفروا بنفوسهم ~~وقطعوا المسافات التي بين النفس وبين القلب والمسافات التي بين القلب وبين ~~الله بمجاهدة القطاع التي على تلك المسافات وقوله : ولا تخلط بهمتك أحدا # يعني : أن تعلق همتك بالحق وحده ولا تعلق همتك بأحد غيره فإن ذلك شرك في ~~طريق الصادقين قوله : وأن تجعل هجرتك إلى الحق سرمدا يعني : أن كل متوجه ~~إلى الله بالصدق والإخلاص فإنه من المهاجرين إليه فلا ينبغي أن يتخلف عن ~~هذه الهجرة بل ينبغي أن يصحبها سرمدا حتى يلحق بالله عز وجل # فما هي إلا ساعة ثم تنقضي % ويحمد غب السير من هو سائر ولله على كل قلب ~~هجرتان وهما فرض لازم له على الأنفاس : # هجرة إلى الله سبحانه بالتوحيد والإخلاص والإنابة والحب والخوف والرجاء ~~والعبودية وهجرة إلى رسوله : بالتحكيم له والتسليم والتفويض والانقياد ~~لحكمه وتلقي أحكام الظاهر والباطن من مشكاته فيكون تعبده به أعظم من تعبد ~~الركب بالدليل الماهر في ظلم الليل ومتاهات الطريق # فما لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان فليحث على رأسه ms0767 الرماد وليراجع الإيمان ~~من أصله فيرجع وراءه ليقتبس نورا قبل أن يحال بينه وبينه ويقال له ذلك على ~~الصراط من وراء السور والله المستعان PageV02P463 # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة العلم # وهذه المنزلة إن لم تصحب السالك من أول قدم يضعة في الطريق إلى آخر قدم ~~ينتهي إليه : فسلوكه على غير طريق وهو مقطوع عليه طريق الوصول مسدود عليه ~~سبل الهدى والفلاح مغلقة عنه أبوابها وهذا إجماع من الشيوخ العارفين ولم ~~ينه عن العلم إلا قطاع الطريق منهم ونواب إبليس وشرطه قال سيد الطائفة ~~وشيخهم الجنيد بن محمد رحمه الله : الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من ~~اقتفى آثار الرسول # وقال : من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر لأن ~~علمنا مقيد بالكتاب والسنة وقال : مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة ~~وقال أبو حفص رحمه الله : من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب ~~والسنة ولم يتهم خواطره فلا يعد في ديوان الرجال وقال أبو سليمان الداراني ~~رحمه الله : ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا ~~بشاهدين عدلين : الكتاب والسنة وقال سهل به عبدالله رحمه الله : كل فعل ~~يفعله العبد بغير اقتداء طاعة كان أو معصية فهو عيش النفس وكل فعل يفعله ~~العبد بالاقتداء : فهو عذاب على النفس وقال السري : التصوف اسم لثلاثة معان ~~: لا يطفىء نور معرفته نور ورعه ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر ~~الكتاب ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله # وقال أبو يزيد : عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئاأشد علي ~~PageV02P464 من العلم ومتابعته ولولا اختلاف العلماء لبقيت واختلاف العلماء ~~رحمة إلا في تجريد التوحيد # وقال مرة لخادمه : قم بنا إلى هذا الرجل الذي قد شهر نفسه بالصلاح لنزوره ~~فلما دخلا عليه المسجد تنخع ثم رمى بها نحو القبلة فرجع ولم يسلم عليه وقال ~~: هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول الله فكيف يكون مأمونا على ما ms0768 يدعيه ~~وقال : لقد هممت أن أسأل الله تعالى أن يكفيني مؤنة النساء ثم قلت : كيف ~~يجوز لي أن أسأل الله هذا ولم يسأله رسول الله ولم أسأله ثم إن الله كفاني ~~مؤنة النساء حتى لا أبالي استقبلتني امرأة أو حائط وقالوا : لو نظرتم إلى ~~رجل أعطى من الكرامات إلى أن يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف ~~تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة وقال أحمد بن أبي ~~الحواري رحمه الله : من عمل عملا بلا اتباع سنة فباطل عمله وقال أبو عثمان ~~النيسابوري رحمه الله : الصحبة مع الله : بحسن الأدب ودوام الهيبة ~~والمراقبة والصحبة مع الرسول : بإتباع سنته ولزوم ظاهر العلم ومع أولياء ~~الله : بالاحترام والخدمة ومع الأهل : بحسن PageV02P465 الخلق ومع الإخوان ~~: بدوام البشر ما لم يكن إثما ومع الجهال : بالدعاء لهم والرحمة # زاد غيره : ومع الحافظين : بإكرامهما واحترامهما وإملائهما ما يحمدانك ~~عليه ومع النفس : بالمخالفة ومع الشيطان : بالعداوة # وقال أبو عثمان أيضا : من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا : نطق بالحكمة ~~ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا : نطق بالبدعة قال الله تعالى : وإن ~~تطيعوه تهتدوا [ النور : 54 ] # وقال أبو الحسين : النووي من رأيتموه يدعي مع الله عز وجل حالة تخرجه عن ~~حد العلم الشرعي فلا تقربوا منه # وقال محمد بن الفضل البامجي من مشايخ القوم الكبار : ذهاب الإسلام من ~~أربعة : لا يعملون بما يعلمون ويعملون بما لا يعلمون ولا يتعلمون ما يعملون ~~ويمنعون الناس من التعلم والتعليم # وقال عمرو بن عثمان المكي : العلم قائد والخوف سائق والنفس حرون بين ذلك ~~جموح خداعة رواغة فاحذرها وراعها بسياسة العلم وسقها بتهديد الخوف يتم لك ~~ما تريد # وقال أبو سعيد الخراز كل باطن يخالفه الظاهر فهو باطل وقال ابن عطاء : من ~~ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة ولا مقام أشرف من مقام ~~متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه وقال : كل ما سألت عنه فاطلبه في ~~مفازة العلم فإن لم تجده ففي ميدان الحكمة فإن لم ms0769 تجده فزنه بالتوحيد فإن ~~لم تجده في هذه المواضع الثلاثة فاضرب به وجه الشيطان وألقى بنان الحمال ~~بين يدي السبع فجعل السبع يشمه ولا يضره فلما أخرج PageV02P466 قيل له : ما ~~الذي كان في قلبك حين شمك السبع قال : كنت أتفكر في اختلاف العلماء في سؤر ~~السباع # وقال أبو حمزة البغدادي من أكابر الشيوخ وكان أحمد بن حنبل يقول له في ~~المسائل : ما تقول يا صوفي من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه ولا دليل على ~~الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول في أحواله وأقواله وأفعاله ومر الشيخ ~~أبو بكر محمد بن موسى الواسطي يوم الجمعة إلى الجامع فانقطع شسع نعله ~~فأصلحه له رجل صيدلاني فقال : تدري لم انقطع شسع نعلي فقلت : لا فقال : ~~لأني ما اغتسلت للجمعة فقال : ههنا حمام تدخله فقال : نعم فدخل واغتسل وقال ~~أبو إسحاق الرقي من أقران الجنيد : علامة محبة الله : إيثار طاعته ومتابعة ~~رسوله وقال أبو يعقوب النهرجوري : أفضل الأحوال : ما قارن العلم # وقال أبو القاسم النصراباذي شيخ خراسان في وقته : أصل التصوف ملازمة ~~الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع وتعظيم كرامات المشايخ ورؤية أعذار ~~الخلق والمداومة على المداومة على الأوراد وترك ارتكاب الرخص والتأويلات ~~وقال أبو بكر الطمستاني من كبار شيوخ الطائفة : الطريق واضح والكتاب والسنة ~~قائم بين أظهرنا وفضل الصحابة معلوم لسبقهم إلى الهجرة ولصحبتهم فمن صحب ~~الكتاب والسنة وتغرب عن نفسه وعن الخلق وهاجر بقلبه إلى الله : فهو الصادق ~~المصيب PageV02P467 # وقال أبو عمرو بن نجيد : كل حال لا يكون عن نتيجة علم فإن ضرره على صاحبه ~~أكثر من نفعه # وقال : التصوف الصبر تحت الأوامر والنواهي وكان بعض أكابر الشيوخ ~~المتقدمين يقول : يا معشر الصوفية لا تفارقوا السواد في البياض تهلكوا # وأما الكلمات التي تروى عن بعضهم : من التزهيد في العلم والاستغناء عنه ~~كقول من قال : نحن نأخذ علمنا من الحي الذي لا يموت وأنتم تأخذونه من حي ~~يموت وقول الآخر وقد قيل له : ألا ترحل حتى تسمع من عبدالرزاق فقال : ما ~~يصنع بالسماع ms0770 من عبدالرزاق من يسمع من الخلاق وقول الآخر : العلم حجاب بين ~~القلب وبين الله عز وجل وقول الآخر : إذا رأيت الصوفي يشتغل بأخبرنا و ~~حدثنا فاغسل يدك منه وقول الآخر : لنا علم الحرف ولكم علم الورق ونحو هذا ~~من الكلمات التي أحسن أحوال قائلها : أن يكون جاهلا يعذر بجهله أو شاطحا ~~معترفا بشطحه وإلا فلولا عبدالرزاق وأمثاله ولولا أخبرنا و حدثنا لما وصل ~~إلى هذا وأمثاله شيء من الإسلام ومن أحالك على غير أخبرنا و حدثنا فقد ~~أحالك : إما على خيال صوفي أو قياس فلسفي أو رأي نفسي فليس بعد القرآن و ~~أخبرنا PageV02P468 و حدثنا إلا شبهات المتكلمين وآراء المنحرفين وخيالات ~~المتصوفين وقياس المتفلسفين ومن فارق الدليل ضل عن سواء السبيل ولا دليل ~~إلى الله والجنة سوى الكتاب والسنة وكل طريق لم يصحبها دليل القرآن والسنة ~~فهي من طرق الجحيم والشيطان الرجيم # و العلم ما قام عليه الدليل والنافع منه : ما جاء به الرسول و العلم خير ~~من الحال : العلم حاكم و الحال محكوم عليه و العلم هاد والحال تابع و العلم ~~آمر ناه و الحال منفذ قابل و الحال سيف إن لم يصحبه العلم فهو مخراق في يد ~~لاعب الحال مركب لا يجارى فإن لم يصحبه علم ألقى صاحبه في الممالك والمتالف ~~والحال كالمال يؤتاه البر والفاجر فإن لم يصحبه نور العلم كان وبالا على ~~صاحبه الحال بلا علم كالسلطان الذي لا يزعه عن سطوته وازع الحال بلا علم ~~كالنار التي لا سائس لها نفع الحال لا يتعدى صاحبه ونفع العلم كالغيث يقع ~~على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر دائرة العلم تسع الدنيا ~~والآخرة ودائرة الحال تضيق عن غير صاحبه وربما ضاقت عنه # العلم هاد والحال الصحيح مهتد به وهو تركة الأنبياء وتراثهم وأهله عصبتهم ~~ووراثهم وهو حياة القلوب ونور البصائر وشفاء الصدور ورياض العقول ولذة ~~الأرواح وأنس المستوحشين ودليل المتحيرين وهو الميزان الذي به توزن الأقوال ~~والأعمال والأحوال # وهو الحاكم المفرق بين الشك واليقين والغي والرشاد والهدى ms0771 والضلال به ~~يعرف الله ويعبد ويذكر ويوحد ويحمد ويمجد وبه اهتدى إليه السالكون ومن ~~طريقه وصل إليه الواصلون ومن بابه دخل عليه القاصدون PageV02P469 به تعرف ~~الشرائع والأحكام ويتميز الحلال من الحرام وبه توصل الأرحام وبه تعرف مراضي ~~الحبيب وبمعرفتها ومتابعتها يوصل إليه من قريب # وهو إمام والعمل مأموم وهو قائد والعمل تابع وهوالصاحب في الغربة والمحدث ~~في الخلوة والأنيس في الوحشة والكاشف عن الشبهة والغني الذي لا فقر على من ~~ظفر بكنزه والكنف الذي لا ضيعة على من آوى إلى حرزه مذاكرته تسبيح والبحث ~~عنه جهاد وطلبه قربة وبذله صدقة ومدارسته تعدل بالصيام والقيام والحاجة ~~إليه أعظم منها إلى الشراب والطعام قال الإمام أحمد رضي الله عنه : الناس ~~إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب لأن الرجل يحتاج إلى الطعام ~~والشراب في اليوم مرة أو مرتين وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه وروينا عن ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال : طلب العلم أفضل من صلاة النافلة # ونص على ذلك أبو حنيفة رضي الله عنهوقال ابن وهب : كنت بين يدي مالك رضي ~~الله عنه فوضعت ألواحي وقمت أصلي فقال : ما الذي قمت إليه بأفضل مما قمت ~~عنه ذكره ابن عبدالبر وغيره واستشهد الله عز وجل بأهل العلم على أجل مشهود ~~به وهو التوحيد وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته وفي ضمن ذلك تعديلهم ~~فإنه سبحانه وتعالى لا يستشهد بمجروح # ومن ههنا : والله أعلم يؤخذ الحديث المعروف : يحمل هذا العلم من كل خلف ~~عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل المبطلين وهو حجة الله في أرضه ونوره ~~بين عباده وقائدهم ودليلهم إلى جنته ومدنيهم من كرامته PageV02P470 # ويكفي في شرفه : أن فضل أهله على العباد كفضل القمر ليلة البدر على سائر ~~الكواكب وأن الملائكة لتضع لهم أجنحتها وتظلهم بها وأن العالم يستغفر له من ~~في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر وحتى النمل في جحرها وأن ~~الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير ولقد رحل كليم الرحمن موسى بن ~~عمران عليه الصلاة والسلام ms0772 في طلب العلم هو وفتاه حتى مسهما النصب في ~~سفرهما في طلب العلم حتى ظفر بثلاث مسائل وهو من أكرم الخلق على الله ~~وأعلمهم به # وأمر الله رسوله أن يسأله المزيد منه فقال : وقل رب زدني علما [ طه : 114 ~~] وحرم الله صيد الجوارح الجاهلة وإنما أباح للأمة صيد الجوارح العالمة ~~فهكذا جوارح الإنسان الجاهل لا يجدي عليه صيدها من الأعمال شيئا والله ~~سبحانه وتعالى أعلم # | فصل قال صاحب المنازل رحمه الله : العلم ما قام بدليل ورفع الجهل # يريد : أن للعلم علامة قبله وعلامة بعده فعلامته قبله : ما قام به الدليل ~~وعلامته بعده : رفع الجهل # قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : علم جلي به يقع العيان أو ~~واستفاضة صحيحة أو صحة تجربة قديمة يريد بالجلي : الظاهر الذي لا خفاء به ~~وجعله ثلاثة أنواع أحدها : ما وقع عن عيان وهو البصر والثاني : ما استند ~~إلى السمع وهو علم الاستفاضة والثالث : ما استند إلى العقل وهو علم التجربة ~~PageV02P471 # فهذه الطرق الثلاثة وهي السمع والبصر والعقل هي طرق العلم وأبوابه ولا ~~تنحصر طرق العلم فيما ذكره فإن سائر الحواس توجب العلم وكذا ما يدرك ~~بالباطن وهي الوجدانيات وكذا ما يدرك بخبر المخبر الصادق وإن كان واحدا ~~وكذا ما يحصل بالفكر والاستنباط وإن لم يكن عن تجربة فالعلم لا يتوقف على ~~هذه الثلاثة التي ذكرها فقط والفرق بينه وبين المعرفة من وجوه ثلاثة : ~~أحدها : أن المعرفة لب العلم ونسبة العلم إليها كنسبة الإيمان إلى الإحسان ~~وهي علم خاص متعلقها أخفى من متعلق العلم وأدق والثاني : أن المعرفة هي ~~العلم الذي يراعيه صاحبه بموجبه ومقتضاه فهي علم تتصل به الرعاية والثالث : ~~أن المعرفة شاهد لنفسها وهي بمنزلة الأمور الوجدانية التي لا يمكن صاحبها ~~أن يشك فيها ولا ينتقل عنها وكشف المعرفة أتم من كشف العلم والله سبحانه ~~وتعالى أعلم # | فصل قال : الدرجة الثانية : علم خفي ينبت في الأسرار الطاهرة من # الأبدان الزاكية بماء الرياضة الخالصة ويظهر في الأنفاس الصادقة لأهل ~~الهمة العالية في الأحايين الخالية ms0773 والأسماع الصاخبة وهو علم يظهر الغائب ~~ويغيب الشاهد ويشير إلى الجمع # يعني : أن هذا العلم خفي على أهل الدرجة الأولى وهو المسمى بالمعرفة عند ~~هذه الطائفة قوله : ينبت في الإسرار الطاهرة لفظ السر يطلق في لسانهم ويراد ~~به أمور PageV02P472 أحدها : اللطيفة المودعة في هذا القالب التي حصل بها ~~الإدراك والمحبة والإرادة والعلم وذلك هو الروح الثاني : معنى : قائم ~~بالروح نسبته إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن وغالب ما يريدون به : هذا ~~المعنى وعندهم : أن القلب أشرف ما في البدن والروح أشرف من القلب والسر ~~ألطف من الروح وعندهم : للسر سر آخر لا يطلع عليه غير الحق سبحانه وصاحبه ~~لا يطلع عليه وإن اطلع على سره فيقولون السر مالك عليه إشراف و سر السر ~~مالا اطلاع عليه لغير الحق سبحانه والمعنى الثالث : يراد به ما يكون مصونا ~~مكتوما بين العبد وبين ربه من الأحوال والمقامات كما قال بعضهم : أسرارنا ~~بكر لم يفتضها وهم واهم ويقول قائلهم : لو عرف زرى سري لطرحته والمقصود ~~قوله : ينبت في الأسرار الطاهرة # يعني : الطاهرة من كدر الدنيا والاشتغال بها وعلائقها التي تعوق الأرواح ~~عن ديار الأفراح فإن هذه أكدار وتنفسات في وجه مرآة القلب والروح فلا تنجلي ~~فيها صور الحقائق كما ينبغي والنفس تنفس فيها دائما بالرغبة في الدنيا ~~والرهبة من فوتها فإذا جليت المرآة بإذهاب هذه الأكدار صفت وظهرت فيها ~~الحقائق والمعارف وأما الأبدان الزكية فهي التي زكت بطاعة الله ونبتت على ~~أكل الحلال فمتى خلصت الأبدان من الحرام وأدناس البشرية التي ينهى عنها ~~العقل والدين والمروءة وطهرت الأنفس من علائق الدنيا : زكت أرض القلب فقبلت ~~بذر العلوم والمعارف فإن سقيت بعد ذلك بماء الرياضة الشرعية النبوية ~~المحمدية وهي التي PageV02P473 لا تخرج عن علم ولا تبعد عن واجب ولا تعطل ~~سنة أنبتت من كل زوج كريم من علم وحكمة وفائدة وتعرف فاجتنى منها صاحبها ~~ومن جالسه أنواع الطرف والفوائد والثمار المختلفة الألوان والأذواق كما قال ~~بعض السلف : إذا عقدت القلوب على ترك المعاصي : جالت في ms0774 الملكوت ثم رجعت ~~إلى أصحابها بأنواع التحف والفوائد قوله : وتظهر في الأنفاس الصادقة يريد ~~بالأنفاس أمرين : أحدهما : أنفاس الذكر والمعرفة والثاني : أنفاس المحبة ~~والإرادة وما يتعلق بالمعروف المذكور وبالمحبوب المراد من الذاكر والمحب و ~~صدقها خلوصها من شوائب الأغيار والحظوظ وقوله : لأهل الهمم العالية فهي ~~التي لا تقف دون الله عز وجل ولا تعرج في سفرها على شيء سواه وأعلى الهمم : ~~ما تعلق بالعلي الأعلى وأوسعها : ما تعلق بصلاح العباد وهي همم الرسل صلوات ~~الله وسلامه عليهم وورثتهم وقوله : في الأحايين الخالية # يريد بها : ساعات الصفاء مع الله تعالى وأوقات النفحات الإلهية التي من ~~تعرض لها يوشك أن لا يحرمها ومن أعرض عنها فهي عنه أشد إعراضا وقوله : في ~~الأسماع الصاخية فهي التي صحت من تعلقها بالباطل واللغو وأصاخت لدعوة الحق ~~ومنادي الإيمان فإن الباطل واللغو خمر الأسماع والعقول فصحوها بتجنبه ~~والإصفاء إلى دعوة الحق # قوله : وهو علم يظهر الغائب أي يكشف ما كان غائبا عن العارف قوله : ويغيب ~~الشاهد أي يغيبه عن شهود ما سوى مشهوده الحق ويشير إلى الجمع وهو مقام ~~الفردانية واضمحلال الرسوم حتى رسم الشاهد نفسه والله سبحانه أعلم ~~PageV02P474 # | فصل قال : الدرجة الثالثة : علم لدني إسناده وجوده وإدراكه عيانه # ونعته حكمه ليس بينه وبين الغيب حجاب # يشير القوم بالعلم اللدني إلى ما يحصل للعبد من غير واسطة بل بإلهام من ~~الله وتعريف منه لعبده كما حصل للخضر عليه السلام يغير واسطة موسى قال الله ~~تعالى : آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما [ الكهف : 65 ] # وفرق بين الرحمة والعلم وجعلهما من عنده و من لدنه إذ لم ينلهما على يد ~~بشر وكان من لدنه أخص وأقرب من عنده ولهذا قال تعالى : وقل رب أدخلني مدخل ~~صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانانصيرا [ الإسراء : 80 ] ف ~~السلطان النصير الذي من لدنه سبحانه : أخص وأقرب مما عنده ولهذا قال تعالى ~~واجعل لي من لدنك سلطانانصيراوهو الذي أيده به والذي من عنده : نصره ~~بالمؤمنين كما قال تعالى ms0775 هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين [ الأنفال : 62 ] # و العلم اللدني ثمرة العبودية والمتابعة والصدق مع الله والإخلاص له وبذل ~~الجهد في تلقي العلم من مشكاة رسوله وكمال الانقياد له فيفتح له من فهم ~~الكتاب والسنة بأمر يخصه به كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد سئل ~~: هل خصكم رسول الله بشيء دون الناس فقال : PageV02P475 لا والذي فلق الحبة ~~وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه فهذا هو العلم اللدني ~~الحقيقي # وأما علم من أعرض عن الكتاب والسنة ولم يتقيد بهما : فهو من لدن النفس ~~والهوى والشيطان فهو لدني لكن من لدن من وإنما يعرف كون العلم لدنيا ~~رحمانيا : بموافقته لما جاء به الرسول عن ربه عز وجل فالعلم اللدني نوعان : ~~لدني رحماني ولدني شيطاني بطناوي والمحك : هو الوحي ولا وحي بعد رسول الله # وأما قصة موسى مع الخضر عليهما السلام : فالتعلق بها في تجويز الاستغناء ~~عن الوحي بالعلم اللدني إلحاد وكفر مخرج عن الإسلام موجب لإراقة الدم ~~والفرق : أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولم يكن الخضر مأمورا بمتابعته ~~ولو كان مأمورا بها لوجب عليه أن يهاجر إلى موسى ويكون معه ولهذا قال له : ~~أنت موسى نبي بني إسرائل قال : نعم ومحمد مبعوث إلى جميع الثقلين فرسالته ~~عامة للجن والإنس في كل زمان ولو كان موسى وعيسى عليهما السلام حيين لكانا ~~من أتباعه وإذا نزل عيسى ابن مريم عليهما السلام فإنما يحكم بشريعة محمد # فمن ادعى أنه مع محمد كالخضر مع موسى أو جوز ذلك لأحد من الأمة : فليجدد ~~إسلامه وليتشهد شهادة الحق فإنه بذلك مفارق لدين الإسلام بالكلية فضلا عن ~~أن يكون من خاصة أولياء الله وإنما هو من أولياء الشيطان وخلفائه ونوابه ~~وهذا الموضع مقطع ومفرق بين زنادقة القوم وبين أهل الاستقامة منهم فحرك تره ~~PageV02P476 قوله : إسناده وجوده يعني : أن طريق هذا العلم : هو وجدانه كما ~~أن طريق غيره : هو الإسناد و إدراكه عيانه أي إن هذا العلم لا يؤخذ بالفكر ~~والاستنباط ms0776 وإنما يؤخذ عيانا وشهودا ونعته حكمه يعني : أن نعوته لا يوصل ~~إليها إلا به فهي قاصرة عنه يعني أن شاهده منه ودليله وجوده وإنيته لميته ~~فبرهان الإن فيه هو برهان اللم فهو الدليل وهو المدلول ولذلك لم يكن بينه ~~وبين الغيوب حجاب بخلاف ما دونه من العلوم فإن بينه وبين العلوم حجابا # والذي يشير إليه القوم : هو نور من جناب المشهود يمحو قوى الحواس ~~وأحكامها ويقوم لصاحبها مقامها فهو المشهود بنوره ويفني ما سواه بظهوره ~~وهذا عندهم معنى الأثر الإلهي : فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع له وبصره ~~الذي يبصر به فبي يسمع وبي يبصر # والعلم اللدني الرحماني : هو ثمرة هذه الموافقة والمحبة التي أوجبها ~~التقرب بالنوافل بعد الفرائض واللدني الشيطاني : ثمرة الإعراض عن الوحي ~~وتحكيم الهوى والشيطان والله المستعان PageV02P477 # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الحكمة # قال الله تعالى : يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا [ البقرة : 269 ] وقال تعالى : وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ~~ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما [ النساء : 113 ] وقال عن المسيح ~~عليه السلام : ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل [ آل عمران : 48 ] ~~الحكمة في كتاب الله نوعان : مفردة ومقترنة بالكتاب فالمفردة : فسرت ~~بالنبوة وفسرت بعلم القرآن قال ابن عباس رضي الله عنهما : هي علم القرآن : ~~ناسخة ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله # وقال الضحاك : هي القرآن والفهم فيه وقال مجاهد : هي القرآن والعلم ~~والفقه وفي رواية أخرى عنه : هي الإصابة في القول والفعل وقال النخعي : هي ~~معاني الأشياء وفهمها وقال الحسن : الورع في دين الله كأنه فسرها بثمرتها ~~ومقتضاها وأما الحكمة المقرونة بالكتاب : فهي السنة كذلك قال الشافعي وغيره ~~من الأئمة وقيل : هي القضاء بالوحي وتفسيرها بالسنة أعم وأشهر # وأحسن ما قيل في الحكمة : قول مجاهد ومالك : إنها معرفة الحق والعمل به ~~والإصابة في القول والعمل وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن والفقه في شرائع ~~الإسلام وحقائق الإيمان و الحكمة حكمتان : علمية وعملية ms0777 فالعلمية : الاطلاع ~~على بواطن الأشياء ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها خلقا وأمرا قدرا وشرعا ~~PageV02P478 # و العلمية كما قال صاحب المنازل : وهي وضع الشيء في موضعه قال : وهي على ~~ثلاث درجات الدرجة الأولى : أن تعطي كل شيء حقه ولا تعديه حده ولا تعجله عن ~~وقته ولا تؤخره عنه # لما كانت الأشياء لها مراتب وحقوق تقتضيها شرعا وقدرا ولها حدود ونهايات ~~تصل إليها ولا تتعداها ولها أوقات لا تتقدم عنها ولا تتأخر كانت الحكمة ~~مراعاة هذه الجهات الثلاثة بأن تعطي كل مرتبة حقها الذي أحقه الله لها ~~بشرعه وقدره ولا تتعدى بها حدها فتكون متعديا مخالفا للحكمة ولا تطلب ~~تعجيلها عن وقتها فتخالف الحكمة ولا تؤخرها عنه فتفوتها وهذا حكم عام لجميع ~~الأسباب مع مسبباتها شرعا وقدرا فإضاعتها تعطيل للحكمة بمنزلة إضاعة البذر ~~وسقي الأرض وتعدي الحق : كسقيها فوق حاجتها بحيث يغرق البذر والزرع ويفسد ~~وتعجيلها عن وقتها : كحصاده قبل إدراكه وكماله # وكذلك ترك الغذاء والشراب واللباس : إخلال بالحكمة وتعدي الحد المحتاج ~~إليه : خروج عنها أيضا وتعجيل ذلك قبل وقته : إخلال بها وتأخيره عن وقته : ~~إخلال بها فالحكمة إذا : فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ~~ينبغي والله تعالى أورث الحكمة آدم وبنيه فالرجل الكامل : من له إرث كامل ~~من أبيه ونصف الرجل كالمرأة له نصف ميراث والتفاوت في ذلك لا يحصيه إلا ~~الله تعالى وأكمل الخلق في هذا : الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وأكملهم ~~أولو العزم وأكملهم محمد ولهذا امتن الله سبحانه وتعالى عليه وعلى أمته بما ~~آتاهم من الحكمة كما قال تعالى : وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما ~~لم تكن تعلم [ النساء : 113 ] وقال تعالى : كما أرسلنا PageV02P479 فيكم ~~رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما ~~لم تكونوا تعلمون [ البقرة : 151 ] # فكل نظام الوجود مرتبط بهذه الصفة وكل خلل في الوجود وفي العبد فسببه : ~~الإخلال بها فأكمل الناس : أوفرهم منها نصيبا وأنقصهم وأبعدهم عن الكمال : ~~أقلهم منها ميراثا ولها ثلاثة أركان : العلم والحلم والأناة ms0778 وآفاتها ~~وأضدادها : الجهل والطيش والعجلة فلا حكمة لجاهل ولا طائش ولا عجول والله ~~أعلم # | فصل قال : الدرجة الثانية : أن تشهد نظر الله في وعده وتعرف عدله # في حكمه وتلحظ بره في منعه # أي تعرف الحكمة في الوعد والوعيد وتشهد حكمه في قوله : إن الله لا يظلم ~~مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراعظيما [ النساء : 40 ] ~~فتشهد عدله في وعيده وإحسانه في وعده وكل قائم بحكمته # وكذلك تعرف عدله في أحكامه الشرعية والكونية الجارية على الخلائق فإنه لا ~~ظلم فيها ولا حيف ولا جور وإن أجراها على أيدي الظلمة فهو أعدل العادلين ~~ومن جرت على يديه هو الظالم وكذلك تعرف بره في منعه # فإنه سبحانه هو الجواد الذي لا ينقص خزائنه الإنفاق ولا يغيض ما في يمينه ~~سعة عطائه فما منع من منعه فضله إلا لحكمة كاملة في ذلك فإنه الجواد الحكيم ~~وحكمته لا تناقض جوده فهو سبحانه لا يضع بره وفضله إلا في موضعه ووقته بقدر ~~ما تقتضيه حكمته ولو بسط الله الرزق لعباده لفسدوا وهلكوا ولو علم في ~~الكفار خيرا وقبولا لنعمة الإيمان وشكرا له عليها PageV02P480 ومحبة له ~~واعترافا بها لهداهم إلى الإيمان ولهذا لما قالوا للمؤمنين أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننا [ الأنعام : 53 ] أجابهم بقوله أليس الله بأعلم بالشاكرين # سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : هم الذين يعرفون قدر ~~نعمة الإيمان ويشكرون الله عليها فهو سبحانه ما أعطى إلا بحكمته ولا منع ~~إلا بحكمته ولا أضل إلا بحكمته وإذا تأمل البصير أحوال العالم وما فيه من ~~النقص : رآه عين الحكمة وما عمرت الدنيا والآخرة والجنة والنار إلا بحكمته ~~وفي الحكمة ثلاثة أقوال للناس أحدها : أنها مطابقة علمه لمعلومه وإرادته ~~ومشيئته لمراده هذا تفسير الجبرية وهو في الحقيقة نفي حكمته إذ مطابقة ~~المعلوم والمراد : أعم من أن يكون حكمة أو خلافها فإن السفيه من العباد : ~~يطابق علمه وإرادته لمعلومه ومراده مع كونه سفيها الثاني مذهب القدرية ~~النفاة : أنها مصالح العباد ومنافعهم العائدة ms0779 عليهم وهو إنكار لوصفه تعالى ~~بالحكمة وردوها إلى مخلوق من مخلوقاته الثالث قول أهل الإثبات والسنة : ~~أنها الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه بخلقه وأمره التي أمر لأجلها ~~وقدر وخلق لأجلها وهي صفته القائمة به كسائر صفاته : من سمعه وبصره وقدرته ~~وإرادته وعلمه وحياته وكلامه وللرد على طائفتي الجبرية والقدرية موضع غير ~~هذا والله أعلم # | فصل قال : الدرجة الثالثة : أن تبلغ في استدلالك البصيرة وفي إرشادك # الحقيقة وفي إشارتك الغاية # يريد أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم وهي البصيرة التي تكون نسبة ~~العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر وهذه هي الخصيصة التي ~~PageV02P481 اختص بها الصحابة عن سائر الأمة وهي أعلى درجات العلماء قال ~~تعالى : قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [ يوسف : 108 ~~] أي أنا وأتباعي على بصيرة وقيل : ومن اتبعني عطف على المرفوع بأدعو أي ~~أنا أدعو إلى الله على بصيرة ومن اتبعني كذلك يدعو إلى الله على بصيرة # وعلى القولين فالآية تدل أن أتباعه هم أهل البصائر الداعين إلى الله على ~~بصيرة فمن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة وإن كان من ~~أتباعه على الانتساب والدعوى وقوله : وفي إرشادك الحقيقة # إما أن يريد : أنك إذا أرشدت غيرك تبلغ في إرشاده إلى الحقيقة أو تبلغ في ~~إرشاد غيرك لك إلى الحقيقة ولا تقف دونها فعلى الأول : المصدر مضاف إلى ~~الفاعل وعلى الثاني : إلى المفعول والمعنى : أنك تكون من أهل الوجود الذين ~~إذا أشاروا لم يشيروا إلا إلى الغاية المطلوبة التي ليس وراءها مرمى # والقوم يسمون أخبارهم عن المعارف وعن المطلوب إشارات لأن المعروف أجل من ~~أن يفصح عنه بعبارة مطابقة وشأنه فوق ذلك فالكامل من إشارته إلى الغاية ولا ~~يكون ذلك إلا لمن فني عن رسمه وهواه وحظه وبقي بربه ومراده الديني الأمري ~~وكل أحد فاشارته بحسب معرفته وهمته ومعارف القوم وهممهم تؤخذ من إشاراتهم ~~والله المستعان # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الفراسة # قال الله تعالى : إن في ms0780 ذلك لآيات للمتوسمين [ الحجر : 75 ] قال مجاهد ~~رحمه الله : المتفرسين : وقال ابن عباس رضي الله عنهما : للناظرين وقال ~~قتادة : للمعتبرين وقال مقاتل : للمتفكرين PageV02P482 # ولا تنافي بين هذه الأقوال فإن الناظر متى نظر في آثار ديار المكذبين ~~ومنازلهم وما آل إليه أمرهم : أورثه فراسة وعبرة وفكرة وقال تعالى في حق ~~المنافقين : ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول [ ~~محمد : 30 ] فالأول : فراسة النظر والعين والثاني : فراسة الأذن والسمع # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول : علق معرفته إياهم بالنظر ~~على المشيئة ولم يعلق تعريفهم بلحن خطابهم على شرط بل أخبر به خبرا مؤكدا ~~بالقسم فقال : ولتعرفنهم في لحن القول وهو تعريض الخطاب وفحوى الكلام ~~ومغزاه و اللحن ضربان : صواب وخطأ فلحن الصواب نوعان أحدهما : الفطنة ومنه ~~الحديث : ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض والثاني : التعريض والإشارة ~~وهو قريب من الكناية ومنه قول الشاعر : # وحديث ألذه وهو مما % يشتهي السامعون يوزن وزنا # منطق صائب وتلحن أحيانا % وخير الحديث ما كان لحنا والثالث : فساد المنطق ~~في الإعراب وحقيقته : تغيير الكلام عن وجهه : إما إلى خطإوإما إلى معنى خفي ~~لم يوضع له اللفظ # والمقصود : أنه سبحانه أقسم على معرفتهم من لحن خطابهم فإن معرفة المتكلم ~~وما في ضميره من كلامه : أقرب من معرفته بسيماه وما في وجهه فإن دلالة ~~الكلام على قصد قائله وضميره أظهر من السيماء المرئية والفراسة تتعلق ~~بالنوعين بالنظر والسماع وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ~~عن عن النبي قال : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بور الله ثم تلا قوله ~~تعالى : إن في ذلك لآيات للمتوسمين [ الحجر : 75 ] # | فصل و الفراسة ثلاثة أنواع : إيمانية وهي المتكلم فيها في هذه # المنزلة PageV02P483 # وسببها : نور يقذفه الله في قلب عبده يفرق به بين الحق والباطل والحالي ~~والعاطل والصادق والكاذب # وحقيقتها : أنها خاطر يهجم على القلب ينفي ما يضاده يثب على القلب كوثوب ~~الأسد على الفريسة لكن الفريسة فعيلة بمعنى مفعولة وبناء الفراسة كبناء ~~الولاية والإمارة ms0781 والسياسة وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان فمن كان أقوى ~~إيمانا فهو أحد فراسة قال أبو سعيد الخراز : من نظر بنور الفراسة نظر بنور ~~الحق وتكون مواد علمه مع الحق بلا سهو ولا غفلة بل حكم حق جرى على لسان ~~عبده # وقال الواسطي : الفراسة شعاشع أنوار لمعت في القلوب وتمكن معرفة جملة ~~السرائر في الغيوب من غيب إلى غيب حتى يشهد الأشياء من حيث أشهده الحق ~~إياها فيتكلم عن ضمير الخلق وقال الدراني : الفراسة مكاشفة النفس ومعاينة ~~الغيب وهي من مقامات الإيمان وسئل بعضهم عن الفراسة فقال : أرواح تتقلب في ~~الملكوت فتشرف على معاني الغيوب فتنطق عن أسرار الخلق نطق مشاهدة لا نطق ظن ~~وحسبان # وقال عمرو بن نجيد : كان شاه الكرماني حاد الفراسة لا يخطىء ويقول : من ~~غض بصره عن المحارم وأمسك نفسه عن الشهوات وعمر باطنه بدوام بالمراقبه ~~وظاهره باتباع السنة وتعود أكل الحلال : لم تخطىء فراسته وقال أبو جعفر ~~الحداد : الفراسة أول خاطر بلا معارض فإن عارضه معارض آخر من جنسه فهو خاطر ~~وحديث نفس # وقال أبو حفص النيسابوري : ليس لأحد أن يدعي الفراسة ولكن يتقي ~~PageV02P484 الفراسة من الغير لأن النبي قال : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ~~ينظر بنور الله ولم يقل : تفرسوا وكيف يصح دعوى الفراسة لمن هو في محل ~~اتقاء الفراسة # وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي : إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق ~~فإنهم جواسيس القلوب يدخلون في قلوبكم ويخرجون من حيث لا تحتسبون وكان ~~الجنيد يوما يتكلم على الناس فوقف عليه شاب نصراني متنكرا فقال : أيها ~~الشيخ ما معنى قول النبي : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله فأطرق ~~الجنيد ثم رفع رأسه إليه وقال : أسلم فقد حان وقت إسلامك فأسلم الغلام ~~ويقال في بعض الكتب القديمة : إن الصديق لا تخطىء فراسته # وقال ابن مسعود رضي الله عنه : أفرس الناس ثلاثة : العزيز في يوسف حيث ~~قال لامرأته : أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وابنة شعيب حين ~~قالت لأبيها في موسى : استأجره [ القصص : 26 ] وأبو ms0782 بكر في عمر رضي الله ~~عنهما حيث استخلفه وفي رواية أخرى : وامرأة فرعون حين قالت : @QB@ قرة عين ~~لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا @QE@ [ القصص : 9 ] # وكان الصديق رضي الله عنه أعظم الأمة فراسة وبعده عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه ووقائع فراسته مشهورة فإنه ما قال لشيء : أظنه كذا إلا كان كما قال ~~ويكفي في فراسته : موافقته ربه في المواضع المعروفة # ومر به سواد بن قارب ولم يكن يعرفه فقال لقد أخطأ ظني أو أن هذا كاهن أو ~~كان يعرف الكهانة في الجاهلية فلما جلس بين يديه قال له ذلك عمر فقال : ~~سبحان الله يا أمير المؤمنين ما استقبلت أحدا من جلسائك PageV02P485 بمثل ~~ما استقبلتني به فقال له عمر رضي الله عنه : ما كنا عليه في الجاهلية أعظم ~~من ذلك ولكن أخبرني عما سألتك عنه فقال : صدقت يا أمير المؤمنين كنت كاهنا ~~في الجاهلية ثم ذكر القصة # وكذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه صادق الفراسة وقال أنس ابن مالك رضي ~~الله عنه : دخلت على عثمان بن عفان رضي الله عنه وكنت رأيت امرأة في الطريق ~~تأملت محاسنها فقال عثمان رضي الله عنه : يدخل علي أحدكم وأثر الزنا ظاهر ~~في عينيه فقلت : أوحي بعد رسول الله فقال : ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة ~~وفراسة الصحابة رضي الله عنهم أصدق الفراسة # وأصل هذا النوع من الفراسة : من الحياة والنور اللذين يهبهما الله تعالى ~~لمن يشاء من عباده فيحيا القلب بذلك ويستنير فلا تكاد فراسته تخطىء قال ~~الله : @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن ~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها @QE@ [ الأنعام : 122 ] كان ميتا بالكفر ~~والجهل فأحياه الله بالإيمان والعلم وجعل له بالقرآن والإيمان نورا يستضيء ~~به في الناس على قصد السبيل ويمشي به في الظلم والله أعلم # | فصل الفراسة الثانية : فراسة الرياضة والجوع والسهر والتخلي فإن # النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها وهذه ~~فراسة مشتركة ms0783 بين المؤمن والكافر ولا تدل على إيمان ولا على ولاية وكثير من ~~الجهال PageV02P486 يغتر بها وللرهبان فيها وقائع معلومة وهي فراسة لا تكشف ~~عن حق نافع ولا عن طريق مستقيم بل كشفها جزئي من جنس فراسة الولاة وأصحاب ~~عبارة الرؤيا والأطباء ونحوهم # وللأطباء فراسة معروفة من حذقهم في صناعتهم ومن أحب الوقوف عليها فليطالع ~~تاريخهم وأخبارهم وقريب من نصف الطب : فراسة صادقة يقترن بها تجربة والله ~~سبحانه أعلم # | فصل الفراسة الثالثة : الفراسة الخلقية وهي التي صنف فيها الأطباء # وغيرهم واستدلوا بالخلق على الخلق لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته ~~حكمة الله كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل وبكبره ~~وبسعة الصدر وبعد ما بين جانبيه : على سعة خلق صاحبه واحتماله وبسطته ~~وبضيقه على ضيقه وبخمود العين وكلال نظرها على بلادة صاحبها وضعف حرارة ~~قلبه وبشدة بياضها مع إشرابه بحمرة وهو الشكل على شجاعته وإقدامه وفطنته ~~وبتدويرها مع حمرتها وكثرة تقلبها على خيانته ومكره وخداعه # ومعظم تعلق الفراسة بالعين فإنها مرآة القلب وعنوان ما فيه ثم باللسان ~~فإنه رسوله وترجمانه وبالاستدلال بزرقتها مع شقرة صاحبها على رداءته ~~وبالوحشة التي ترى عليها على سوء داخله وفساد طويته # وكالاستدلال بإفراط الشعر في السبوطة على البلادة وبإفراطه في الجعودة ~~على الشر وباعتداله على اعتدال صاحبه # وأصل هذه الفراسة : أن اعتدال الخلقة والصورة : هو من اعتدال المزاج ~~PageV02P487 والروح وعن اعتدالها يكون اعتدال الأخلاق والأفعال وبحسب ~~انحراف الخلقة والصورة عن الاعتدال : يقع الانحراف في الأخلاق والأعمال هذا ~~إذا خليت النفس وطبيعتها # ولكن صاحب الصورة والخلقة المعتدلة يكتسب بالمقارنة والمعاشرة أخلاق من ~~يقارنه ويعاشره ولو أنه من الحيوان البهيم فيصير من أخبث الناس أخلاقا ~~وأفعالا وتعود له تلك طباعا ويتعذر أو يتعسر عليه الانتقال عنها # وكذلك صاحب الخلقة والصورة المنحرفة عن الاعتدال يكتسب بصحبة الكاملين ~~بخلطتهم أخلاقا وأفعالا شريفة تصير له كالطبيعة فإن العوائد والمزاولات ~~تعطي الملكات والأخلاق # فليتأمل هذا الموضع ولا يعجل بالقضاء بالفراسة دونه فإن القاضي حينئذ ~~يكون خطؤه كثيرا فإن هذه العلامات ms0784 أسباب لا موجبة وقد تتخلف عنها أحكامها ~~لفوات شرط أو لوجود مانع # وفراسة المتفرس تتعلق بثلاثة أشياء : بعينه وأذنه وقلبه فعينه للسيماء ~~والعلامات وأذنه : للكلام وتصريحه وتعريضه ومنطوقه ومفهومه وفحواه وإشاراته ~~ولحنه وإيمائه ونحو ذلك وقلبه للعبور : والاستدلال من المنظور والمسموع إلى ~~باطنه وخفيه فيعبر إلى ما وراء ظاهره كعبور النقاد من ظاهر النقش والسكة ~~إلى باطن النقد والاطلاع عليه : هل هو صحيح أو زغل وكذلك عبور المتفرس من ~~ظاهر الهيئة والدل إلى باطن الروح والقلب فنسبة نقده للأرواح من الأشباح ~~كنسبة نقد الصيرفي ينظر للجوهر من ظاهر السكة والنقد وكذلك نقد أهل الحديث ~~فإنه يمر إسناد ظاهر كالشمس على متن مكذوب فيخرجه ناقدهم كما يخرج الصيرفي ~~الزغل من تحت الظاهر من الفضة PageV02P488 # وكذلك فراسة التمييز بين الصادق والكاذب في أقواله وأفعاله وأحواله # وللفراسة سببان أحدهما : جودة ذهن المتفرس وحدة قلبه وحسن فطنته والثاني ~~: ظهور العلامات والأدلة على المتفرس فيه فإذا اجتمع السببان لم تكد تخطىء ~~للعبد فراسة وإذا انتفيا لم تكد تصح له فراسة وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر : ~~كانت فراسته بين بين # وكان إياس بن معاوية من أعظم الناس فراسة وله الوقائع المشهورة وكذلك ~~الشافعي رحمة الله وقيل : إن له فيها تآليف ولقد شاهدت من فراسة شيخ ~~الإسلام ابن تيمية رحمه الله أمورا عجيبة وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم ~~ووقائع فراسته تستدعي سفرا ضخما أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع ~~وتسعين وستمائة وأن جيوش المسلمين تكسر وأن دمشق لا يكون بها قتل عام ولا ~~سبي عام وأن كلب الجيش وحدته في الأموال : وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة # ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا ~~الشام : أن الدائرة والهزيمة عليهم وأن الظفر والنصر للمسلمين وأقسم على ~~ذلك أكثر من سبعين يمينا فيقال له : قل إن شاء الله فيقول : إن شاء الله ~~تحقيقا لا تعليقا # وسمعته يقول ذلك قال : فلما أكثروا علي قلت : لا تكثروا كتب الله تعالى ~~في اللوح المحفوظ : أنهم مهزومون ms0785 في هذه الكرة وأن النصر لجيوش الإسلام قال ~~: وأطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو وكانت ~~فراسته الجزئية في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر # ولما طلب إلى الديار المصرية وأريد قتله بعد ما أنضجت له القدور وقلبت له ~~الأمور : اجتمع أصحابه لوداعه وقالوا : قد تواترت الكتب بأن PageV02P489 ~~القوم عاملون على قتلك فقال : والله لا يصلون إلى ذلك أبدا قالوا : أفتحبس ~~قال : نعم ويطول حبسي ثم أخرج وأتكلم بالسنة على رؤوس الناس سمعته يقول ذلك # ولما تولى عدوه الملقب بالجاشنكير الملك أخبروه بذلك وقالوا : الآن بلغ ~~مراده منك فسجد لله شكرا وأطال فقيل له : ما سبب هذه السجدة فقال : هذا ~~بداية ذله ومفارقة عزه من الآن وقرب زوال أمره فقيل له : متى هذا فقال : لا ~~تربط خيول الجند على القرط حتى تغلب دولته فوقع الأمر مثل ما أخبر به سمعت ~~ذلك منه # وقال مرة : يدخل علي أصحابي وغيرهم فأرى في وجوههم وأعينهم أمورالا ~~أذكرها لهم فقلت له أو غيري لو أخبرتهم فقال : أتريدون أن أكون معرفا كمعرف ~~الولاة وقلت له يوما : لو عاملتنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح ~~فقال : لا تصبرون معي على ذلك جمعة أو قال : شهرا وأخبرني غير مرة بأمور ~~باطنة تختص بي مما عزمت عليه ولم ينطق به لساني وأخبرني ببعض حوادث كبار ~~تجري في المستقبل ولم يعين أوقاتها وقد رأيت بعضها وأنا أنتظر بقيتها وما ~~شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته والله أعلم # | فصل قال صاحب المنازل رحمه الله : الفراسة : استئناس حكم غيب # والاستئناس : استفعال من آنست كذا إذا رأيته فإن أدركت بهذا PageV02P490 ~~الاستئناس حكم غيب : كان فراسة وإن كان بالعين : كان رؤية وإن كان بغيرها ~~من المدارك : فبحسبها قوله : من غير استدلال بشاهده # هذا الاستدلال بالشاهد على الغائب : أمر مشترك بين البر والفاجر والمؤمن ~~والكافر كالاستدلال بالبروق والرعود على الأمطار وكاستدلال رؤساء البحر ~~بالكدر الذي يبدو لهم في جانب الأفق على ريح عاصف ونحو ذلك وكاستدلال ~~الطبيب بالسحنة ms0786 والتفسرة على حال المريض # ويدق ذلك حتى يبلغ إلى حد يعجز عنه أكثر الأذهان وكما يستدل بسيرة الرجل ~~وسيره على عاقبة أمره في الدنيا من خير أو شر فيطابق أو يكاد فهذا خارج عن ~~الفراسة التي تتكلم فيها هذه الطائفة وهو نوع فراسة لكنها غير فراستهم ~~وكذلك ما علم بالتجربة من مسائل الطب والصناعات والفلاحة وغيرها والله اعلم # | فصل قال : وهي على ثلاث درجات الأولى : فراسة طارئة نادرة تسقط على # لسان وحشي في العمر مرة لحاجة سمع مريد صادق اليها لا يتوقف على مخرجها ~~ولا يؤبه لصاحبها وهذا شىء لا يخلص من الكهانة وما ضاهاها لأنها لم تشر عن ~~عين ولم تصدر عن علم ولم تسبق بوجود # يريد بهذا النوع : فراسة تجري على ألسنة الغافلين الذين ليست لهم يقظة ~~أرباب القلوب فلذلك قال : طارئة نادرة تسقط على لسان وحشي الذي لم يأنس ~~بذكر الله ولا اطمأن اليه قلب صاحبه فيسقط على لسانه مكاشفة في العمر مرة ~~وذلك نادر ورمية من غير رام وقوله : لحاجة مريد صادق PageV02P491 # يشير إلى حكمة إجرائها على لسانه وهي حاجة المريد الصادق إليها فإذا ~~سمعها على لسان غيره كان أشد تنبها له وكانت عنده أعظم موقعا وقوله : لا ~~يوقف على مخرجها # يعني لا يعلم الشخص الذي وصلت إليه واتصلت به : ما سبب مخرج ذلك الكلام ~~وإنما سمعه مقتطعا مما قبله ومما هيجه ولا يؤبه لصاحبها لأنه ليس هناك # قلت : وهذا من جنس الفأل وكان رسول يحب الفأل ويعجبه والطيرة من هذا ولكن ~~المؤمن لا يتطير فإن التطير شرك ولا يصده ما سمع عن مقصده وحاجته بل يتوكل ~~على الله ويثق به ويدفع شر التطير عنه بالتوكل وفي الصحيحين عن ابن مسعود ~~رضي الله عنه عن النبي : انه قال : الطيرة شرك وما منا إلا ولكن الله يذهبه ~~بالتوكل # وهذه الزيادة وهي قوله : وما منا إلا يعني من يعتريه ولكن الله يذهبها ~~بالتوكل مدرجة في الحديث من قول ابن مسعود وجاء ذلك مبينا ومن له يقظة يرى ~~ويسمع ms0787 من ذلك عجائب وهي من إلقاء الملك تارة على لسان الناطق وتارة من ~~القاء الشيطان فالإلقاء الملكي : تبشير وتحذير وإنذار والإلقاء الشيطاني : ~~تحزين وتخويف وشرك وصد عن المطالب # وصاحب الهمة والعزيمة : لا يتقيد بذلك : ولا يصرف إليه همته وإذا سمع ما ~~يسره استبشر وقوي رجاؤه وحسن ظنه وحمد الله وسأله إتمامه واستعان به على ~~حصوله وإذا سمع ما يسوءه : استعاذ بالله ووثق به وتوكل عليه ولجأ إليه ~~والتجأ إلى التوحيد وقال اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ~~PageV02P492 ولا إله غيرك اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب ~~بالسيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك # ومن جعل هذا نصب قلبه وعلق به همته : كان ضرره به أكثر من نفعه قوله : ~~وهذا شيء لا يخلص من الكهانة # يعني : أنه من جنس الكهانة وأحوال الكهان معلومة قديما وحديثا في إخبارهم ~~عن نوع من المغيبات بواسطة إخوانهم من الشياطين الذين يلقون إليهم السمع ~~ولم يزل هؤلاء في الوجود ويكثرون في الأزمنة والأمكنة التي يخفى فيها نور ~~النبوة ولذلك كانوا أكثر ما كانوا في زمن الجاهلية وكل زمان جاهلية وبلد ~~جاهلية وطائفة جاهلية فلهم نصيب منها بحسب اقتران الشياطين بهم وطاعتهم لهم ~~وعبادتهم إياهم # وقوله : وما ضاهأها أي وما شابهها من جنس الخط بالرمل وضرب الحصا والودع ~~وزجر الطير الذي يسمونه السانح والبارح والقرعة الشركية لا الشرعية ~~والاستقسام بالأزلام وغير ذلك مما تتعلق به النفوس الجاهلية المشركة التي ~~عاقبة أمرها خسر وبوار وقوله : لأنها لم تشر عن عين أي عن عين الحقيقة التي ~~لا يصدر عنها إلا حق يعني غير متصلة بالله عز وجل وقوله : ولم تصدر عن علم ~~يعني أنها عن ظن وحسبان لا عن علم ويقين وصاحبها دائما في شك ليس على بصيرة ~~من أمره وقوله : ولم تسبق بوجود # أي لم يسقها وجود الحقيقة لصاحبها بل هو فارغ بل غير واجد بل فاقد من غير ~~أهل الوجود والله أعلم PageV02P493 # | فصل قال : الدرجة الثانية : فراسة تجنى من غرس ms0788 الإيمان وتطلع من صحة # الحال وتلمع من نور الكشف # هذا النوع من الفراسة : مختص بأهل الإيمان ولذلك قال : تجنى من غرس ~~الإيمان وشبه الإيمان بالغرس لأنه يزداد وينمو ويزكو على السقي ويؤتي أكله ~~كل حين بإذن ربه وأصله ثابت في الأرض وفروعه في السماء فمن غرس الإيمان في ~~أرض قلبه الطيبة الزاكية وسقى ذلك الغراس بماء الإخلاص والصدق والمتابعة : ~~كان من بعض ثمره هذه الفراسة قوله : وتطلع من صحة الحال # يعني : أن صدق الفراسة من صدق الحال فكلما كان الحال أصدق وأصح فالفراسة ~~كذلك قوله : وتلمع من نور الكشف يعني أن نور الكشف من جملة ما يولد الفراسة ~~بل أصلها نور الكشف وقوة الفراسة : بحسب قوة هذا النور وضعفه وقوته وضعفه ~~بحسب قوة مادته وضعفها والله أعلم # | فصل قال : الدرجة الثالثة : فراسة سرية لم تجتلبها روية على لسان # مصطنع تصريحا أو رمزا يحتمل لفظ السرية وجهين : # أحدهما : الشرف أي فراسة شريفة فإن الرجل السري هو الرجل الشريف وجمعه ~~سراة ومنه في أحد التأويلين قوله تعالى : @QB@ قد جعل ربك تحتك سريا @QE@ [ ~~مريم : 24 ] أي سيدا مطاعا وهو المسيح وعلى هذا يكون سرية بوزن شريفة ~~PageV02P494 والثاني : أن يكون من السر أي فراسة متعلقة بالأسرار لا ~~بالظواهر فتكون سرية بوزن شريبة ومكيثة قوله : لم تجتلبها روية أي لا تكون ~~عن فكرة بل تهجم على القلب هجوما لا يعرف سببه قوله : على لسان مصطنع أي ~~مختار مصطفى على غيره تصريحا أو رمزا # يعني أن هذا المختار المصطفى يخبر بهذه الفراسة العالية عن أمور مغيبة ~~تارة بالتصريح وتارة بالتلويح إما سترا لحاله وإما صيانة لما أخبر به عن ~~الابتذال ووصوله إلى غير أهله وإما لغير ذلك من الأسباب والله سبحانه ~~وتعالى أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التعظيم # وهذه المنزلة تابعة للمعرفة فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في ~~القلب وأعرف الناس به : أشدهم له تعظيما وإجلالا وقد ذم الله تعالى من لم ~~يعظمه حق عظمته ولا عرفه حق معرفته ولا ms0789 وصفه حق صفته وأقوالهم تدور على هذا ~~فقال تعالى : @QB@ ما لكم لا ترجون لله وقارا @QE@ [ نوح : 13 ] قال ابن ~~عباس ومجاهد : لا ترجون لله عظمة وقال سعيد بن جبير : ما لكم لا تعظمون ~~الله حق عظمته وقال الكلبي : لا تخافون لله عظمة # قال البغوي : و الرجاء بمعنى المخوف و الوقار العظمة اسم من التوقير وهو ~~التعظيم وقال الحسن : لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة وقال ابن كيسان ~~: لا ترجون في عبادة الله أن يثيبكم على توقيركم إياه خيرا وروح العبادة : ~~هو الإجلال والمحبة فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت فإذا اقترن بهذين ~~الثناء على المحبوب المعظم فذلك حقيقة الحمد والله سبحانه أعلم PageV02P495 # | فصل قال صاحب المنازل رحمه الله : التعظيم : معرفة العظمة مع التذلل # لها وهو على ثلاث درجات الأولى : تعظيم الأمر والنهي وهو أن لا يعارضا ~~بترخص جاف ولا يعرضا لتشدد غال ولا يحملا على علة توهن الانقياد ههنا ثلاثة ~~أشياء تنافي تعظيم الأمر والنهي أحدها : الترخص الذي يجفو بصاحبه عن كمال ~~الامتثال والثاني : الغلو الذي يتجاوز بصاحبه حدود الأمر والنهي فالأول : ~~تفريط والثاني إفراط # وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان : إما إلى تفريط وإضاعة وإما ~~إلى إفراط وغلو ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه كالوادي بين ~~جبلين والهدى بين ضلالتين والوسط بين طرفين ذميمين فكما أن الجافي عن الأمر ~~مضيع له فالغالي فيهمضيع له هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد وقد نهى ~~الله عن الغلو بقوله : @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق @QE@ ~~[ المائدة : 77 ] # و الغلو نوعان نوع يخرجه عن كونه مطيعا كمن زاد في الصلاة ركعة أو صام ~~الدهر مع أيام النهي أو رمي الجمرات بالصخرات الكبار التي يرمى بها في ~~المنجنيق أو سعى بين الصفا والمروة عشرا أو نحو ذلك عمدا وغلو يخاف منه ~~الانقطاع والاستحسار كقيام الليل كله وسرد الصيام الدهر أجمع بدون صوم أيام ~~النهي والجور على النفوس في العبادات والأوراد الذي قال فيه النبي ms0790 : إن هذا ~~الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا ويسروا واستعينوا ~~بالغدوة والروحة وشيء من PageV02P496 الدلجة يعني استعينوا على طاعة الله ~~بالأعمال في هذه الأوقات الثلاثة فإن المسافر يستعين على قطع مسافة السفر ~~بالسير فيها # وقال : ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد رواهما البخاري وفي صحيح مسلم ~~عنه أنه قال : هلك المتنطعون قالها ثلاثا وهم المتعمقون المتشددون # وفي صحيح البخاري عنه : عليكم من الأعمال ما تطيقون فوالله لا يمل الله ~~حتى تملوا وفي السنن عنه أنه قال : إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا ~~تبغضن إلى نفسك عبادة الله أو كما قال وقوله : ولا يحملا على علة توهن ~~الانقياد # يريد : أن لا يتأول في الأمر والنهي علة تعود عليهما بالإبطال كما تأول ~~بعضهم تحريم الخمر بأنه معلل بايقاع العداوة والبغضاء والتعرض للفساد فإذا ~~أمن من هذا المحذور منه جاز شربه كما قيل : # أدرها فما التحريم فيها لذاتها % ولكن لأسباب تضمنها السكر # إذا لم يكن سكر يضل عن الهدى % فسيان ماء في الزجاجة أو خمر # وقد بلغ هذا بأقوام إلى الانسلاخ من الدين جملة وقد حمل طائفة من العلماء ~~أن جعلوا تحريم ما عدا شراب خمر العنب معللا بالإسكار فله أن يشرب منه ما ~~شاء ما لم يسكر # ومن العلل التي توهن الانقياد : أن يعلل الحكم بعلة ضعيفة لم تكن هي ~~الباعثة عليه في نفس الأمر فيضعف انقياد العبد إذا قام عنده أن هذه هي علة ~~الحكم ولهذا كانت طريقة القوم عدم التعرض لعلل التكاليف خشية هذا المحذور ~~وفي بعض الآثار القديمة : يا بني إسرائيل لا تقولوا : لم أمر ربنا ولكن ~~قولوا : بم أمر ربنا PageV02P497 # وأيضا فإنه إذا لم يمتثل الأمر حتى تظهر له علته لم يكن منقادا للأمر ~~وأقل درجاته : أن يضعف انقياده له # وأيضا فإنه إذا نظر إلى حكم العبادات والتكاليف مثلا وجعل العلة فيها هي ~~جمعية القلب والإقبال به على الله فقال : أنا أشتغل بالمقصود عن الوسيلة ~~فاشتغل بجمعيته وخلوته عن أوراد العبادات فعطلها ms0791 وترك الانقياد بحمله الأمر ~~على العلة التي أذهبت انقياده # وكل هذا من ترك تعظم الأمر والنهي وقد دخل من هذا الفساد على كثير من ~~الطوائف ما لا يعلمه إلا الله فما يدري ما أوهنت العلل الفاسدة من الانقياد ~~إلا الله فكم عطلت لله من أمر وأباحت من نهى وحرمت من مباح وهي التي اتفقت ~~كلمة السلف على ذمها # | فصل قال : الدرجة الثانية : تعظيم الحكم : أن يبغي له عوج أو # يدافع بعلم أو يرضى بعوض # الدرجة الأولى : تتضمن تعظيم الحكم الديني الشرعي وهذه الدرجة تتضمن ~~تعظيم الحكم الكوني القدري وهو الذي يخصه المصنف باسم الحكم وكما يجب على ~~العبد أن يرعى حكم الله الديني بالتعظيم فكذلك يرعى حكمه الكوني به فذكر من ~~تعظيمه ثلاثة أشياء : أحدها : أن لا يبغي له عوج أي يطلب له عوج أو يرى فيه ~~عوج بل يراه كله مستقيما لأنه صادر عن عين الحكمة فلا عوج فيه وهذا موضع ~~أشكل على الناس جدا فقال نفاة القدر : ما في خلق الرحمن من تفاوت ولا عوج ~~والكفر والمعاصي مشتملة على أعظم التفاوت والعوج فليست بخلقه ولا مشيئته ~~ولا قدره PageV02P498 # وقالت : فرقة تقابلهم : بل هي من خلق الرحمن وقدره فلا عوج فيها وكل ما ~~في الوجود مستقيم والطائفتان ضالتان منحرفتان عن الهدى وهذه الثانية أشد ~~انحرافا لأنها جعلت الكفر والمعاصي طريقا مستقيما لا عوج فيه وعدم تفريق ~~الطائفتين بين القضاء والمقضي والحكم والمحكوم به : هو الذي أوقعهم فيما ~~أوقعهم فيه # وقول سلف الأمة وجمهورها : إن القضاء غير المقضي فالقضاء فعله ومشيئته ~~وما قام به والمقضي مفعوله المباين له المنفصل عنه وهو المشتمل على الخير ~~والشر والعوج والاستقامة فقضاؤه كله حق والمقضي : منه حق ومنه باطل وقضاؤه ~~كله عدل والمقضي : منه عدل ومنه جور وقضاؤه كله مرضي والمقضي : منه مرضي ~~ومنه مسخوط وقضاؤه كله مسالم والمقضي : منه ما يسالم ومنه ما يحارب وهذا ~~أصل عظيم تجب مراعاته وهو موضع مزلة أقدام كما رأيت والمنحرف عنه : إما ~~جاهل للحكمة أو القدرة أو ms0792 للأمر والشرع ولابد وعلى هذا يحمل كلام صاحب ~~المنازل رحمه الله : أن لا يبتغي للحكم عوج وأما قوله : أو يدفع بعلم # فأشكل من الأول فإن العلم مقدم على القدر وحاكم عليه ولا يجوز دفع العلم ~~بالحكم # فأحسن ما يحمل عليه كلامه أن يقال : قضاء الله وقدره وحكمه الكوني لا ~~يناقض دينه وشرعه وحكمه الديني بحيث تقع المدافعة بينهما لأن هذا مشيئته ~~الكونية وهذا إرادته الدينية وإن كان المرادان قد يتدافعان ويتعارضان لكن ~~من تعظيم كل منهما : أن لا يدافع بالآخر ولا يعارض فإنهما وصفان للرب تعالى ~~وأوصافه لا يدافع بعضها ببعض وإن استعيذ ببعضها من بعض فالكل منه سبحانه ~~وهو المعيذ من نفسه بنفسه كما قال أعلم الخلق به : أعوذ برضاك PageV02P499 ~~من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعود بك منك فرضاه وإن أعاذ من سخطه ~~فإنه لا يبطله ولا يدفعه وإنما يدفع تعلقه بالمستعيذ وتعلقه بأعدائه باق ~~غير زائل فهكذا أمره وقدره سواء فإن أمره لا يبطل قدره ولا قدره يبطل أمره ~~ولكن يدفع ما قضاه وقدره بما أمر به وأحبه وهو أيضا من قضائه فما دفع قضاؤه ~~إلا بقضائه وأمره فلم يدفع العلم الحكم بل المحكوم به والعلم والحكم دفعا ~~المحكوم به الذي قدر دفعه وأمر به # فتأمل هذا فإنه محض العبودية والمعرفة والإيمان بالقدر والاستسلام له ~~والقيام بالأمر والتنفيذ له بالقدر فما نفذ المطيع أمر الله إلا بقدر الله ~~ولا دفع مقدور الله بقدر الله وأمره وأما قوله : ولا يرضى بعوض # أي إن صاحب مشهد الحكم قد وصل إلى حد لا يطلب معه عوضا ولا يكون ممن يعبد ~~الله بالعوض فإنه يشاهد جريان حكم الله عليه وعدم تصرفه في نفسه وأن ~~المتصرف فيه حقا هو مالكه الحق فهو الذي يقيمه ويقعده ويقلبه ذات اليمين ~~وذات الشمال وإنما يطلب العوض من غاب عن الحكم وذهل عنه وذلك مناف لتعظيمه ~~فمن تعظيمه : أن لا يرضى العبد بعوض يطلبه بعمله لأن مشاهدة الحكم وتعظيمه ~~يمنعه أن يرى لنفسه ما يعاوض عليه ms0793 فهذا الذي يمكن حمل كلامه عليه من غير ~~خروج عن حقيقة الأمر والله سبحانه أعلم # | فصل قال : الدرجة الثالثة : تعظيم الحق سبحانه وهو أن لا يجعل دونه # سببا ولا يرى عليه حقا أو ينازع له اختيارا # هذه الدرجة تتضمن تعظيم الحاكم سبحانه صاحب الخلق والأمر والتي قبلها ~~تتضمن تعظيم قضائه لا مقضيه والأولى : تتضمن تعظيم أمره وذكر من تعظيمه ~~ثلاثة أشياء : PageV02P500 أحداها : أن لاتجعل دونه سببا # أي لاتجعل للوصلة إليه سببا غيره بل هو الذي يوصل عبده إليه فلا يوصل إلى ~~الله إلا الله ولا يقرب إليه سواه ولا يدنى إليه غيره ولا يتوصل إلى رضاه ~~إلا به فما دل على الله إلا الله ولا هدى إليه سواه ولا أدنى إليه غيره ~~فإنه سبحانه هو الذي جعل السبب سببا فالسبب وسببيته وإيصاله : كله خلقه ~~وفعله الثاني : أن لايرى عليه حقا أي لا ترى لأحد من الخلق لا لك ولا لغيرك ~~حقا على الله بل الحق لله على خلقه وفي أثر إسرائيلي : أن داود عليه السلام ~~قال : يا رب بحق آبائي عليك فأوحى الله إليه : يا داود أي حق لآبائك علي ~~ألست أنا الذي هديتهم ومننت عليهم واصطفيتهم ولي الحق عليهم # وأما حقوق العبيد على الله تعالى : من اثباته لمطيعهم وتوبته على تائبهم ~~وإجابته لسائلهم : فتلك حقوق أحقها الله سبحانه على نفسه بحكم وعده وإحسانه ~~لاأنها حقوق أحقوها هم عليه فالحق فى الحقيقة لله على عبده وحق العبد عليه ~~هو مااقتضاه جوده وبره وإحسانه إليه بمحض جوده وكرمه هذا قول أهل التوفيق ~~والبصائر وهو وسط بين قولين منحرفين قد تقدم ذكرهما مرارا والله سبحانه ~~أعلم وأما قوله : و لا ينازع له اختيارا أى إذا رأيت الله عز وجل قد اختار ~~لك أو لغيرك شيئا إما بأمره ودينه وإما بقضائه وقدره فلا تنازع اختياره بل ~~ارض باختيار ما اختاره لك فإن ذلك من تعظيمه سبحانه # ولا يرد عليه قدره عليه من المعاصي فإنه سبحانه وإن قدرها لكنه لم يخترها ~~له فمنازعتها غير ms0794 اختياره من عبده وذلك من تمام تعظيم العبد له سبحانه ~~والله أعلم PageV02P501 # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإلهام والإفهام والوحى # والتحديث والرؤيا الصادقة # وقد تقدمت في أول الكتاب عند الكلام على مراتب الهداية وذكرنا كلام صاحب ~~المنازل هناك # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة السكينة # هذه المنزلة من منازل المواهب لا من منازل المكاسب وقد ذكر الله سبحانه ~~السكينة في كتابه في ستة مواضع : الأولى : قوله تعالى : وقال لهم نبيهم : ~~إن آية ملكه : أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم [ البقرة : 248 ] ~~الثاني قوله تعالى @QB@ ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين @QE@ ~~[ التوبة : 26 ] الثالث : قوله تعالى إذ يقول لصاحبه : @QB@ لا تحزن إن ~~الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها @QE@ [ التوبة : 40 ~~] الرابع : قوله تعالى هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا ~~إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليما حكيما [ الفتح ~~: 4 ] الخامس : قوله تعالى : @QB@ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك ~~تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا @QE@ ~~[ الفتح : 18 ] السادس : قوله تعالى : @QB@ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم ~~الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين @QE@ [ ~~الفتح : الآية # وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا اشتدت عليه الأمور : قرأ آيات ~~السكينة PageV02P502 # وسمعته يقول في واقعة عظيمة جرت له فى مرضه تعجز العقول عن حملها من ~~محاربة أرواح شيطانية ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوة قال : فلما اشتد علي ~~الأمر قلت لأقاربي ومن حولي : اقرأوا آيات السكينة قال : ثم أقلع عني ذلك ~~الحال وجلست وما بي قلبة # وقد جربت أنا أيضا قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب مما يرد عليه فرأيت ~~لها تأثيراعظيمافي سكونه وطمأنينته # وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده ~~عند اضطرابه من شدة المخاوففلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه ويوجب له زيادة ~~الإيمان وقوة اليقين والثبات ولهذا ms0795 أخبر سبحانه عن إنزالها على رسوله وعلى ~~المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب كيوم الهجرة إذ هو وصاحبه في الغار ~~والعدو فوق رءوسهم لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما وكيوم حنين حين ~~ولوا مدبرين من شدة بأس الكفار لا يلوي أحد منهم على أحد وكيوم الحديبية ~~حين اضطربت قلوبهم من تحكم الكفار عليهم ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحملها ~~النفوس وحسبك بضعف عمر رضي الله عنه عن حملها وهو عمر حتى ثبته الله ~~بالصديق رضي الله عنه # قال ابن عباس رضي الله عنهما : كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة إلا التي ~~في سورة البقرة # وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال : رأيت النبي ~~PageV02P503 ينقل من تراب الخندق حتى وارى التراب جلدة بطنه وهو يرتجز ~~بكلمة عبدالله بن رواحة رضي الله عنه : # لاهم لولا أنت ما اهتدينا % ولا تصدقنا ولا صلينا # فأنزلن سكينة علينا % وثبت الأقدام إن لاقينا # إن الأولى قد بغوا علينا % وإن أرادوا فتنة أبينا # وفي صفة رسول الله في الكتب المتقدمة : إني باعث نبيا أميا ليس بفظ ولا ~~غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا متزين بالفحش ولا قوال للخنا أسدده لكل جميل ~~وأهب له كل خلق كريم ثم أجعل السكينة لباسه والبر شعاره والتقوى ضميره ~~والحكمة معقولة والصدق والوفاء طبيعته والعفو والمعروف خلقه والعدل سيرته ~~والحق شريعته والهدى إمامه والإسلام ملته وأحمد اسمه # | فصل قال صاحب المنازل : # السكينة : اسم لثلاثة أشياء أولها : سكينة بني إسرائيل التي أعطوها في ~~التابوت قال أهل التفسير : هي ريح هفافة وذكروا صفتها قلت : اختلفوا : هل ~~هي عين قائمة بنفسها أو معنى على قولين : أحدهما : أنها عين ثم اختلف أصحاب ~~هذا القول في صفتها فروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أنها ريح هفافة ~~لها رأسان ووجه كوجه الإنسان ويروى عن مجاهد : إنها صورة هرة لها جناحان ~~وعينان لهما شعاع وجناحان من زمرد وزبرجد فإذا سمعوا صوتها أيقنوا بالنصر # وعن ابن عباس : هي طست من ذهب من الجنة ms0796 كان يغسل فيه قلوب الأنبياء ~~PageV02P504 وعن وهب بن منبه : هي روح من روح الله تتكلم إذا اختلفوا في ~~شيء أخبرتهم ببيان ما يريدون والثانى : انها معنى ويكون معنى قوله : وسكينة ~~من ربكم أي ومجيئه إليكم : سكينة لكم وطمأنينة # وعلى الأول : يكون المعنى : إن السكينة في نفس التابوت ويؤيده عطف قوله : ~~وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون [ البقرة : 248 ] قال عطاء بن أبي رباح : ~~فيه سكينة هي ما تعرفون من الآيات فتسكنون إليها وقال قتادة والكلبي : هي ~~من السكون أي طمأنينة من ربكم ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا # | فصل قال : وفيها ثلاثة أشياء : للأنبياء معجزة ولملوكهم كرامة وهي # آية النصرة تخلع قلوب الأعداء بصوتها رعبا إذا التقى الصفان للقتال # وكرامات الأولياء : هي من معجزات الأنبياء لأنهم إنما نالوها على أيديهم ~~وبسبب أتباعهم فهي لهم كرامات وللأنبياء دلالات فكرامات الأولياء : لا ~~تعارض معجزات الأنبياء حتى يطلب الفرقان بينهما لأنها من أدلتهم وشواهد ~~صدقهم # نعم : الفرقان بين ما للأنبياء وما للأولياء من وجوه كثيرة جدا ليس هذا ~~موضع ذكرها وغير هذا الكتاب أليق بها # | فصل قال : السكينة الثانية : هي التي تنطق على لسان المحدثين ليست هي # شيئا يملك إنما هي شيء من لطائف صنع الحق تلقى علي لسان المحدث الحكمة ~~كما يلقي الملك الوحي على قلوب الأنبياء وتنطق بنكت الحقائق مع ترويح ~~الأسرار وكشف الشبه PageV02P505 السكينة إذا نزلت على القلب اطمأن بها ~~وسكنت إليها الجوارح وخشعت واكتسبت الوقار وأنطقت اللسان بالصواب والحكمة ~~وحالت بينه وبين قول الخنا والفحش واللغو والهجر وكل باطل قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر وقلبه # وكثيرا ما ينطق صاحب السكينة بكلام لم يكن عن فكرة منه ولا روية ولا هبة ~~ويستغربه هو من نفسه كما يستغرب السامع له وربما لا يعلم بعد انقضائه بما ~~صدر منه وأكثر ما يكون : هذا عند الحاجة وصدق الرغبة من السائل والمجالس ~~وصدق الرغبة منه : هو إلى الله والإسراع بقلبه إلى بين ms0797 يديه وحضرته مع ~~تجرده من الأهواء وتجريده النصيحة لله ولرسوله ولعباده المؤمنين وإزالة ~~نفسه من البين # ومن جرب هذا عرف قدر منفعته وعظمها وساء ظنه بما يحسن به الغافلون ظنونهم ~~من كثير من كلام الناس قوله : وليست شيئا يملك # يعني هي موهبة من الله تعالى ليست بسببية ولا كسبية وليست كالسكينة التي ~~كانت في التابوت تنقل معهم كيف شاءوا وقوله : تلقى على لسان المحدث الحكمة ~~أي تجرى الصواب على لسانه وقوله كما يلقي الملك الوحي على قلوب الأنبياء ~~عليهم السلام # يعني : أنها بواسطة الملائكة بحيث تلقي في قلوب أربابها الحكمة عنهم ~~والطمأنينة والصواب كما أن الأنبياء تتلقى الوحي عن الله بواسطة الملائكة ~~ولكن ما للأنبياء مختص بهم ولا يشاركهم فيه غيرهم وهو نوع آخر وقوله : تنطق ~~المحدثين بنكت الحقائق مع ترويح الأسرار وكشف الشبه قد تقدم في أول الكتاب ~~: ذكر مرتبة المحدث وأن هذا التحديث من PageV02P506 مراتب الهداية العشرة ~~وأن المحدث هو الذي يحدث في سره بالشيء فيكون كما يحدث به والحقائقهي حقائق ~~الإيمان والسلوك و نكتها عيونها ومواضع الإشارات منها ولا ريب أن تلك توجب ~~للأسرار روحا تحيا به وتنعم وتكشف عنها شبهات لا يكشفها المتكلمون ولا ~~الأصوليون فتسكن الأرواح والقلوب إليها ولهذا سميت سكينة ومن لم يفز من ~~الله بذلك لم تنكشف عنه شبهاته فإنها لا يكشفها إلا سكينة الإيمان واليقين # | فصل قال : السكينة الثالثة : هي التي نزلت على قلب النبي وقلوب # المؤمنين وهي شيء يجمع قوة وروحا يسكن إليه الخائف ويتسلى به الحزين ~~والضجر ويسكن إليه العصي والجرئ والأبي # هذا من عيون كلامه وغرره الذي تثني عليه الخناصر وتعقد عليه القلوب وتظفر ~~به عن ذوق تام لا عن مجرد فذكر : أن هذا الشيء الذي أنزله الله في قلب ~~رسوله وقلوب عباده المؤمنين يشتمل على ثلاثة معان : النور والقوة والروح ~~وذكر له ثلاث ثمرات : سكون الخائف إليه وتسلي الحزين والضجر به واستكانة ~~صاحب المعصية والجرأة على المخالفة والإباء إليه فبالروح الذي فيها : حياة ~~القلب وبالنور الذي فيها : استنارته ms0798 وضياؤه وإشراقه وبالقوة : ثباته وعزمه ~~ونشاطه # فالنور : يكشف له عن دلائل الإيمان وحقائق اليقين ويميز له بين الحق ~~والباطل والهدى والضلال والغي والرشد والشك واليقين والحياة : توجب كمال ~~يقظته وفطنته وحضوره وانتباهه من سنة الغفلة وتأهبه للقائه والقوة : توجب ~~له الصدق وصحة المعرفة وقهر داعي الغي والعنت PageV02P507 وضبط النفس عن ~~جزعها وهلعها واسترسالها في النقائص والعيوب ولذلك ازداد بالسكينة إيمانا ~~مع إيمانه والإيمان : يثمر له النور والحياة والقوة وهذه الثلاثة تثمره ~~أيضا وتوجب زيادته فهو محفوف بها قبلها وبعدها # فبالنور : يكشف دلائل الإيمان وبالحياة : ينتبه من سنة الغفلة ويصير ~~يقظانا وبالقوة : يقهر الهوى والنفس والشيطان كما قيل : # وتلك مواهب الرحمن ليست % تحصل باجتهاد أو بكسب # ولكن لا غني عن بذل جهد % بإخلاص وجد لا بلعب # وفضل الله مبذول ولكن % بحكمته وعن ذا النص ينبى # فما من حكمة الرحمن وضع ال % كواكب بين أحجار وترب # فشكرا للذي أعطاك منه % فلو قبل المحل لزاد ربي # | فصل فإذا حصلت هذه الثلاثة بالسكينة وهي النور والحياة والروح سكن # إليها العصي وهو الذي سكونه إلى المعصية والمخالفة لعدم سكينة الإيمان في ~~قلبه صار سكونه إليها عوض سكونه إلى الشهوات والمخالفات فإنه قد وجد فيها ~~مطلوبه وهو اللذة التي كان يطلبها من المعصية ولم يكن له ما يعيضه عنها ~~فإذا نزلت عليه السكينة اعتاض بذلتها وروحها ونعيمها عن لذة المعصية ~~فاستراحت بها نفسه وهاج إليها قلبه ووجد فيها من الروح والراحة واللذة ما ~~لا نسبة بينه وبين اللذة الجسمانية النفسانية فصارت لذته روحانية قلبية بعد ~~أن كانت جسمانية فانسلب منها وحبس عنها وخلصته فإذا تألقت بروقها قال : # تألق البرق نجديا فقلت له % يا أيها البرق إني عنك مشغول # وإذا طرقته طيوفها الخيالية في ظلام ليل الشهوات نادى لسان حاله وتمثل ~~بمثل قوله : PageV02P508 # طرقتك صائدة القلوب وليس ذا % وقت الزيارة فارجعي بسلام فإذا ودعته وعزمت ~~على الرحيل ووعدته بالموافاة بقول الآخر : # قالت وقد عزمت على ترحالها % ماذا تريد فقلت أن لا ترجعي # فإذا باشرت هذه السكينة قلبه ms0799 سكنت خوفه وهو قوله : يسكن إليها الخائف ~~وسلت حزنه فإنها لا حزن معها فهي سلوة المحزون ومذهبة الهموم والغموم وكذلك ~~تذهب عنه وخم ضجره وتبعت نشوة العزم # وحالت بينه وبين الجرأة على مخالفة الأمر وبين إباء النفس والانقياد إليه ~~والله أعلم # | فصل قال : وأما سكينة الوقار التي نزلها نعتا لأربابها : فإنها ضياء # تلك السكينة الثالثة التي ذكرناها وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : ~~سكينة الخشوع عند القيام للخدمة : رعاية وتعظيما وحضورا # سكينة الوقار هي نوع من السكينة ولكن لما كانت موجبة للوقار سماها الشيخ ~~رحمه الله سكينة الوقار وقوله : نزلها نعتا يعني نزلها الله تعالى في قلوب ~~أهلها ونعتهم بها وقوله : فإنها ضياء تلك السكينة الثالثة التي ذكرناها # أي نتيجتها وثمرتها وعنها نشأت كما أن الضياء عن الشمس حصل ولما كان ~~النور والحياة والقوة التي ذكرناها مما يثمر الوقار : جعل سكينة الوقار ~~كالضياء لتلك السكينة إذ هو علامة حصولها ودليل عليها كدلالة الضياء على ~~حامله قوله : الدرجة الأولى : سكينة الخشوع عند القيام للخدمة يريد به ~~الوقار والخشوع الذي يحصل لصاحب مقام الإحسان # ولما كان الإيمان موجبا للخشوع وداعيا إليه قال الله تعالى PageV02P509 ~~@QB@ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق @QE@ [ ~~الحديد : 16 ] دعاهم من مقام الإيمان إلى مقام الإحسان يعني : أما آن لهم ~~أن يصلوا إلى الإحسان بالإيمان وتحقيق ذلك بخشوعهم لذكره الذي أنزله إليهم ~~قوله : رعاية وتعظيما وحضورا هذه ثلاثة أمور تحقق الخشوع في الخدمة وهي ~~رعاية حقوقها الظاهرة والباطنة فليس يضيعها خشوع ولا وقار الثاني : تعظيم ~~الخدمة وإجلالها وذلك تبع لتعظيم المعبود وإجلاله ووقاره فعلى قدر تعظيمه ~~في قلب العبد وإجلاله ووقاره : يكون تعظيمه لخدمته وإجلاله لها ورعايته لها ~~والثالث : الحضور وهو إحضار القلب فيها مشاهدة المعبود كأنه يراه فهذه ~~الثلاثة تثمر له سكينة الوقار والله سبحانه أعلم # | فصل قال : الدرجة الثانية : السكينة عند المعاملة بمحاسبة النفوس # وملاطفة الخلق ومراقبة الحق # هذه الدرجة هي التي يحوم عليها أهل التصوف والعلم الذي يشمرون إليه ms0800 وهي ~~سكينة للمعاملة التي بينهم وبين الله وبينهم وبين خلقه وتحصل بثلاثة أشياء ~~أحدها : محاسبة النفس حتى تعرف ما لها وما عليها ولا يدعها تسترسل في ~~الحقوق استرسالا فيضيعها ويهملها وأيضا فإن زكاتها وطهارتها موقوف على ~~محاسبتها فلا تزكو ولا تطهر ولا تصلح ألبتة إلا بمحاسبتها # قال الحسن رضي الله عنه : إن المؤمن والله لا تراه إلا قائما على نفسه : ~~ما أردت بكلمة كذا ما أردت بأكلة ما أردت بمدخل كذا ومخرج كذا ما أردت بهذا ~~مالي ولهذا والله لا أعود إلى هذا ونحو هذا من الكلام PageV02P510 ~~فبمحاسبتها يطلع على عيوبها ونقائصها فيمكنه السعي في إصلاحها الثاني : ~~ملاطفة الخلق وهي معاملتهم بما يحب أن يعاملوه به من اللطف ولا يعاملهم ~~بالعنف والشدة والغلظة فإن ذلك ينفرهم عنه ويغريهم به ويفسد عليه قلبه ~~وحاله مع الله ووقته فليس للقلب أنفع من معاملة الناس باللطف فإن معاملة ~~الناس بذلك : إما أجنبي فتكسب مودته ومحبته وإما صاحب وحبيب فتستديم صحبته ~~ومودته وإما عدو ومبغض فتطفىء بلطفك جمرته وتستكفى شره ويكون احتمالك لمضض ~~لطفك به دون احتمالك لضرر ما ينالك من الغلظة عليه والعنف به الثالث : ~~مراقبة الحق سبحانه وهي الموجبة لكل صلاح وخير عاجل وآجل ولا تصح الدرجتان ~~الأولتان إلا بهذه وهي المقصود لذاته وما قبله وسيلة إليه وعون عليه ~~فمراقبة الحق سبحانه وتعالى : توجب إصلاح النفس واللطف بالخلق # | فصل قال : الدرجة الثالثة : السكينة التي تثبت الرضى بالقسم وتمنع من # الشطح الفاحش وتقف صاحبها على حد الرتبة والسكينة لا تنزل إلا في قلب نبي ~~أو ولي # هذه الدرجة الثالثة : كأنها عند الشيخ لأهل الصحو بعد السكر ولمن شام ~~بوارق الحقيقة فقوله : تثبت الرضى بالقسم أي توجب لصاحبها أن يرضى بالمقسوم ~~ولا تتطلع نفسه إلى غيره وتمنع من الشطح الفاحش # يعني مثل ما نقل عن أبي يزيد ونحوه بخلاف الجنيد وسهل وأمثالهما فإنهم ~~لما كانت لهم هذه السكينة لم تصدر منهم الشطحات ولا ريب أن الشطح سببه عدم ~~السكينة فإنها إذا استقرت في القلب ms0801 منعته من الشطح وأسبابه PageV02P511 ~~قوله : وتوقف صاحبها على حد الرتبة أي توجب لصاحبها الوقوف عند حده من رتبة ~~العبودية فلا يتعدى مرتبة العبودية وحدها قوله : والسكينة لا تنزل إلا على ~~قلب نبي أو ولي # وذلك لأنها من أعظم مواهب الحق سبحانه ومنحه ومن أجل عطاياه ولهذا لم ~~يجعلها في القرآن إلا لرسوله وللمؤمنين كما تقدم فمن أعطيها فقد خلعت عليه ~~خلع الولاية وأعطى منشورها # والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الطمأنينة # قال الله تعالى : @QB@ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر ~~الله تطمئن القلوب @QE@ [ الرعد : 28 ] وقال تعالى : 0 @QB@ يا أيتها النفس ~~المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي @QE@ [ ~~الفجر : 2730 ] الطمأنينة سكون القلب إلى الشيء وعدم اضطرابه وقلقه ومنه ~~الأثر المعروف : الصدق طمأنينة والكذب ريبة أي الصدق يطمئن إليه قلب السامع ~~ويجد عنده سكونا إليه والكذب يوجب له اضطرابا وارتيابا ومنه قوله : البر ما ~~اطمأن إليه القلب أي سكن إليه وزال عنه اضطرابه وقلقه وفي ذكر الله ها هنا ~~قولان : أحدهما : أنه ذكر العبد ربه فإنه يطمئن إليه قلبه ويسكن فإذا اضطرب ~~القلب وقلق فليس له ما يطمئن به سوى ذكر الله ثم اختلف أصحاب هذا القول فيه # فمنهم من قال : هذا في الحلف واليمين إذا حلف المؤمن على شيء سكنت قلوب ~~المؤمنين إليه واطمأنت ويروى هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما PageV02P512 # ومنهم من قال : بل هو ذكر العبد ربه بينه وبينه يسكن إليه قلبه ويطمئن ~~والقول الثاني : أن ذكر الله ههنا القرآن وهو ذكره الذي أنزله على رسوله به ~~طمأنينة قلوب المؤمنين فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين ولا سبيل ~~إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القرآن فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه ~~واضطرابه وقلقه من شكه والقرآن هو المحصل لليقين الدافع للشكوك والظنون ~~والأوهام فلا تطمئن قلوب المؤمنين إلا به وهذا القول هو المختار وكذلك ~~القولان أيضا في ms0802 قوله تعالى : @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين @QE@ [ الزخرف : 36 ] # والصحيح : أن ذكره الذي أنزله على رسوله وهو كتابه من أعرض عنه : قيض له ~~شيطانا يضله ويصده عن السبيل وهو يحسب أنه على هدى وكذلك القولان أيضا في ~~قوله تعالى : @QB@ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة ~~أعمى @QE@ [ طه : 124 ] # والصحيح : أنه ذكره الذي أنزله على رسوله وهو كتابه ولهذا يقول المعرض ~~عنه : رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال : @QB@ كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ [ طه : 125126 ] # وأما تأويل من تأوله على الحلف : ففي غاية البعد عن المقصود فإن ذكر الله ~~بالحلف يجري على لسان الصادق والكاذب والبر والفاجر والمؤمنون تطمئن قلوبهم ~~إلى الصادق ولو لم يحلف ولا تطمئن قلوبهم إلى من يرتابون فيه ولو حلف وجعل ~~الله سبحانه الطمأنينة في قلوب المؤمنين ونفوسهم وجعل الغبطة PageV02P513 ~~والمدحة والبشارة بدخول الجنة لأهل الطمأنينة فطوبى لهم وحسن مآب وفي قوله ~~تعالى : @QB@ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك @QE@ [ الفجر : 2728 ] ~~دليل على أنها لا ترجع إليه إلا إذا كانت مطمئنة فهناك ترجع إليه وتدخل في ~~عباده وتدخل جنته وكان من دعاء بعض السلف : اللهم هب لي نفسا مطمئنة إليك # | فصل قال صاحب المنازل : الطمأنينة : سكون يقويه أمن صحيح شبيه # بالعيان وبينها وبين السكينة فرقان : أحدهما : أن السكينة صوله تورث خمود ~~الهيبة أحيانا و الطمأنينة سكون أمن في استراحة أنس والثاني : أن السكينة ~~تكون نعتا وتكون حينا بعد حين و الطمأنينة لا تفارق صاحبها الطمأنينة موجب ~~السكينة وأثر من آثارها وكأنها نهاية السكينة # فقوله : سكون يقويه أمن أي سكون القلب مع قوة الأمن الصحيح الذي لا يكون ~~أمن غرور فإن القلب قد يسكن إلى أمن الغرور ولكن لا يطمئن به لمفارقة ذلك ~~السكون له و الطمأنينة لا تفارقه فإنها مأخوذة من الإقامة يقال : اطمأن ~~بالمكان والمنزل : إذا أقام به # وسبب صحة هذا الأمن المقوى للسكون : شبهه بالعيان بحيث لا يبقي معه ms0803 شيء ~~من مجوزات الظنون والأوهام بل كأن صاحبه يعاين ما يطمئن به فيأمن به اضطراب ~~قلبه وقلقه وارتيابه # وأما الفرقان اللذان ذكرهما بينها وبين السكينة فحاصل الفرق الأول : أن ~~السكينة تصول على الهيبة الحاصلة في القلب فتخمدها في بعض الأحيان فيسكن ~~القلب من انزعاج الهيبة بعض السكون وذلك في بعض الأوقات PageV02P514 فليس ~~حكما دائما مستمرا وهذا يكون لأهل الطمأنينة دائما ويصحبه الأمن والراحة ~~بوجود الأنس فإن الاستراحة في السكينة قد تكون من الخوف والهيبة فقط ~~والاستراحة في منزل الطمأنينة تكون مع زيادة أنس وذلك فوق محرد الأمن وقدر ~~زائد عليه # وحاصل الفرق الثاني : أن الطمأنينة ملكة ومقام لا يفارق و السكينة تنقسم ~~إلى سكينة هي مقام ونعت لا يزول وإلى سكينة تكون وقتا دون وقت هذا حاصل ~~كلامه والذي يظهر لي في الفرق بينهما أمران سوى ما ذكر : أحدهما : أن ظفره ~~وفوزه بمطلوبه الذي حصل له السكينة بمنزلة من واجهه عدو يريد هلاكه فهرب ~~منه عدوه فسكن روعه والطمأنينة بمنزلة حصن رآه مفتوحا فدخله وأمن فيه وتقوى ~~بصاحبه وعدته فللقلب ثلاثة أحوال أحدها : الخوف والاضطراب والقلق من الوارد ~~الذي يزعجه ويقلقه الثاني : زوال ذلك الوارد الذي يزعجه ويقلقه عنه وعدمه ~~الثالث : ظفره وفوزه بمطلوبه الذي كان ذلك الوارد حائلا بينه وبينه # وكل منهما يستلزم الآخر ويقارنه فالطمأنينة تستلزم السكينة ولا تفارقها ~~وكذلك بالعكس لكن استلزام الطمأنينة للسكينة أقوى من استلزام السكينة ~~للطمأنينة الثاني : أن الطمأنينة أعم فإنها تكون في العلم والخبر به ~~واليقين والظفر بالمعلوم ولهذا اطمأنت القلوب بالقرآن لما حصل لها الإيمان ~~به ومعرفته والهداية به في ظلم الآراء والمذاهب واكتفت به منها وحكمته ~~عليها وعزلتها وجعلت له الولاية بأسرها كما جعلها الله فبه خاصمت وإليه ~~حاكمت وبه صالت وبه دفعت الشبه # وأما السكينة : فإنها ثبات القلب عند هجوم المخاوف عليه وسكونه ~~PageV02P515 وزوال قلقه واضطرابه كما يحصل لحزب الله عند مقابلة العدو ~~وصولته والله سبحانه أعلم # | فصل قال : وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : طمأنينة القلب بذكر # الله وهي ms0804 طمأنينة الخائف إلى الرجاء والضجر إلى الحكم والمبتلى إلى ~~المثوبة # قد تقدم أن الطمأنينة بذكر الله بكلامه وكتابه ولا ريب أن الذي ذكره في ~~هذه الدرجة : هو من جملة الطمأنينة بذكره وهي أهم من ذلك فذكر طمأنينة ~~الخائف إلى الرجاء فإن الخائف إذا طال عليه الخوف واشتد به وأراد الله عز ~~وجل أن يريحه ويحمل عنه : أنزل عليه السكينة فاستراح قلبه إلى الرجاء ~~واطمأن به وسكن لهيب خوفه وأما طمأنينة الضجر إلى الحكم # فالمراد بها : أن من أدركه الضجر من قوة التكاليف وأعباء الأمر وأثقاله ~~ولا سيما من أقيم مقام التبليغ عن الله ومجاهدة أعداء الله وقطاع الطريق ~~إليه فإن ما يحمله ويتحمله فوق ما يحمله الناس ويتحملونه فلابد أن يدركه ~~الضجر ويضعف صبره فإذا أراد الله أن يريحه ويحمل عنه : أنزل عليه سكينته ~~فاطمأن إلى حكمه الديني وحكمه القدري ولا طمأنينة له بدون مشاهدة الحكمين ~~وبحسب مشاهدته لهما تكون طمأنينته فإنه إذا اطمأن إلى حكمه الديني علم أنه ~~دينه الحق وهو صراطه المستقيم وهو ناصره وناصر أهله وكافيهم ووليهم # وإذا اطمأن إلى حكمه الكوني : علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له وأنه ~~ما يشاء كان وما لم يشأ لم يكن فلا وجه للجزع والقلق إلا ضعف اليقين ~~والإيمان فإن المحذور والمخوف : إن لم يقدر فلا سبيل إلى وقوعه وإن قدر فلا ~~سبيل إلى صرفه بعد أن أبرم تقديره فلا جزع حينئذ لا مما قدر ولا مما لم ~~يقدر نعم إن كان له في هذه النازلة حيلة فلا ينبغي أن يضجر عنها وإن لم يكن ~~PageV02P516 فيها حيلة فلا ينبغي أن يضجر منها فهذه طمأنينة الضجر إلى ~~الحكم وفي مثل هذا قال القائل : # ما قد قضى يا نفس فاصطبري له % ولك الأمان من الذي لم يقدر # وتحققي أن المقدر كائن % يجري عليك حذرت أم لم تحذري وأما طمأنينة ~~المبتلى إلى المثوبة فلا ريب أن المبتلى إذا قويت مشاهدته للمثوبة سكن قلبه ~~واطمأن بمشاهدة العوض وإنما يشتد به البلاء إذا ms0805 غاب عنه ملاحظة الثواب وقد ~~تقوى ملاحظة العوض حتى يستلذ بالبلاء ويراه نعمة ولا تستبعد هذا فكثير من ~~العقلاء إذا تحقق نفع الدواء الكريه فإنه يكاد يلتذ به وملاحظته لنفعه ~~تغيبه عن تألمه بمذاقه أو تخففه عنه والعمل المعول عليه : إنما هو على ~~البصائر والله أعلم # | فصل قال : الدرجة الثانية : طمأنينة الروح في القصد إلى الكشف وفي # الشوق إلى العدة وفي التفرقة إلى الجمع # طمأنينة الروح أن تطمئن في حال قصدها ولا تلتفت إلى ما وراءها والمراد ~~بالكشف : كشف الحقيقة لا الكشف الجزئي السفلي وهو ثلاث درجات : كشف عن ~~الطريق الموصل إلى المطلوب وهو الكشف عن حقائق الإيمان وشرائع الإسلام وكشف ~~عن المطلوب المقصود بالسير : وهو معرفة الأسماء والصفات ونوعي التوحيد ~~وتفاصيله ومراعاة ذلك حق رعايته وليس وراء ذلك إلا الدعاوى والشطح والغرور ~~وقوله : وفي الشوق إلى العدة PageV02P517 # يعني أن الروح تظهر في اشتياقها إلى ما وعدت به وشوقت إليه فطمأنينتها ~~بتلك العدة : تسكن عنها لهيب اشتياقها وهذا شأن كل مشتاق إلى محبوب وعد ~~بحصوله إنما يحصل لروحه الطمأنينة بسكونها إلى وعد اللقاء وعلمها بحصول ~~الموعود به قوله وفي التفرقة إلى الجمع # أي وتطمئن الروح في حال تفرقتها إلى ما اعتادته من الجمع بأن توافيها ~~روحه فتسكن إليه وتطمئن به كما يطمئن الجائع الشديد الجوع إلى ما عنده من ~~الطعام ويسكن إليه قلبه وهذا إنما يكون لمن أشرف على الجمع من وراء حجاب ~~رقيق وشام برقه فاطمأن بحصوله وأما من بينه وبينه الحجب الكثيفة : فلا ~~يطمئن به # | فصل قال : الدرجة الثالثة : طمأنينة شهود الحضرة إلى اللطف وطمأنينة # الجمع إلى البقاء وطمأنينة المقام إلى نور الأزل # هذه الدرجة الثالثة تتعلق بالفناء والبقاء فالواصل إلى شهود الحضرة : ~~مطمئن إلى لطف الله و حضرة الجمع يريدون بها الشهود الذاتي فإن الشهود ~~عندهم مراتب بحسب تعلقه فشهود الأفعال : أول مراتب الشهود ثم فوقه : شهود ~~الأسماء والصفات ثم فوقه : شهود الذات الجامعة إلى الأفعال والأسماء ~~والصفات والتجلي عند القوم : بحسب هذه الشهود الثلاثة # فأصحاب تجلي ms0806 الأفعال : مشهدهم توحيد الربوبية وأصحاب تجلي الأسماء ~~والصفات : مشهدهم توحيد الإلهية : وأصحاب تجلي الذات : يغنيهم به عنهم وقد ~~يعرض لبعضهم بحسب قوة الوارد وضعف المحل عجز عن القيام والحركة فربما عطل ~~بعض الفروض وهذا له حكم أمثاله من أهل العجز والتفريط والكاملون منهم قد ~~يفترون في تلك الحال عن الأعمال الشاقة ويقتصرون على الفرائض وسننها ~~وحقوقها ولا يقعد بهم ذلك الشهود والتجلي عنها ولا يؤثرون PageV02P518 عليه ~~شيئا من النوافل والحركات التي لم تعرض عليهم ألبتة وذلك في طريقهم رجوع ~~وانقطاع وأكمل من هؤلاء : من يصحبه ذلك في حال حركاته ونوافله فلا يعطل ذرة ~~من أوراده والله سبحانه قد فاوت بين قوى القلوب أشد من تفاوت قوى الأبدان ~~وفي كل شيء له آية وصاحب هذا المقام آية من آيات الله لأولي الألباب ~~والبصائر # والمقصود : أنه لولا طمأنينته إلى لطف الله لمحقه شهود الحضرة وأفناه ~~جملة فقد خر موسى صعقا لما تجلى ربه للجبل وتدكدك الجبل وساخ في الأرض من ~~تجليه سبحانه هذا ولا يتوهم متوهم أن الحاصل في الدنيا للبشر كذلك ولا قريب ~~منه أبدا وإنما هي المعارف واستيلاء مقام الإحسان على القلب فقط # وإياك وترهات القوم وخيالاتهم ورعوناتهم وإن سموك محجوبا فقل : اللهم ~~زدني من هذا الحجاب الذي ما وراءه إلا الخيالات والترهات والشطحات فكليم ~~الرحمن وحده مع هذا لم تتجل الذات له وأراه ربه تعالى أنه لا يثبت لتجلي ~~ذاته لما أشهده من حال الجبل وخر الكليم صعقا مغشيا عليه لما رأى ما رأى من ~~حال الجبل عند تجلي ربه له ولم يكن تجليا مطلقا قال الضحاك : أظهر الله من ~~نور الحجب مثل منخر ثور وقال عبدالله بن سلام رضي الله عنه وكعب الأحبار : ~~ما تجلى من عظمة الله للجبل إلا مثل سمع الخياط حتى صار دكا وقال السدي : ~~ما تجلى إلا قدر الخنصر # و في مستدرك الحاكم من حديث ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه أن النبي ~~قرأ هذه الآية وقال : هكذا ووضع الإبهام على المفصل الأعلى ms0807 من الخنصر فساخ ~~الجبل وإسناده على شرط مسلم ولما حدث به حميد عن ثابت استعظمه بعض أصحابه ~~وقال : تحدث بهذا فضرب بيده في PageV02P519 صدره وقال : يحدث به ثابت عن ~~أنس عن رسول الله وتنكره أنت ولا أحدث به فإذا شهد لك المخدوعون بأنك محجوب ~~عن ترهاتهم وخيالاتهم فتلك الشهادة لك بالاستقامة فلا تستوحش منها وبالله ~~التوفيق وهو المستعان # | فصل وأما طمأنينة الجمع إلى البقاء فمشهد شريف فاضل وهو مشهد الكمل # فإن حضرة الجمع تعفي الآثار وتمحو الأغيار وتحول بين الشاهد وبين رؤية ~~القلب للخلق فيرى الحق سبحانه وحده قائما بذاته ويرى كل شيء قائم به متوحدا ~~في كثرة أسمائه وأفعاله وصفاته ولا يرى معه غيره ولا يشهده عكس حال من يشهد ~~غيره ولا يشهده وليس الشأن في هذا الشهود فإن صاحبه في مقام الفناء فإن لم ~~ينتقل منه إلى مقام البقاء وإلا انقطع انقطاعا كليا ففي هذا المقام : إن لم ~~يطمئن إلى حصول البقاء وإلا عطل الأمر وخلع ربقة العبودية من عنقه فإذا ~~اطمأن إلى البقاء طمأنينة من يعلم أنه لا بد له منه وإن لم يصحبه وإلا فسد ~~وهلك كان هذا من طمأنينة الجمع إلى البقاء والله أعلم # | فصل وأما طمأنينة المقام إلى نور الأزل فيريد به : طمأنينة مقامه إلى # السابقة التي سبق بها في الأزل فلا تتغير ولا تتبدل ولهذا قال : طمأنينة ~~المقام ولم يقل : طمأنينة الحال فإن الحال يزول ويحول ولو لم يحل لما سمى ~~حالا بخلاف المقام # فإذا اطمأن إلى السابقة والحسنى التي سبقت له من الله في الأزل كان هذا ~~طمأنينة المقام إلى الأزل وهذا هو شهود أهل البقاء بعد الفناء والله أعلم ~~PageV02P520 | 3 | بسم الله الرحمن الرحيم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الهمة وقد # صدرها صاحب المنازل بقوله تعالى @QB@ ما زاغ البصر وما طغى @QE@ # وقد تقدم أنه صدر بها باب الأدب وذكرنا وجهه # وأما وجه تصدير الهمة بها فهو الإشارة إلى أن همته ما تعلقت بسوى مشهوده ~~وما أقيم فيه ولو ms0808 تجاوزته همته لتبعها بصره # والهمة فعلة من الهم وهو مبدأ الإرادة ولكن خصوها بنهاية الإرادة فالهم ~~مبدأها والهمة نهايتها # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول في بعض الآثار الإلهية يقول ~~الله تعالى إني لا أنظر إلى كلام الحكيم وإنما أنظر إلى همته # قال والعامة تقول قيمة كل امرىء ما يحسن والخاصة تقول قيمة كل امرىء ما ~~يطلب يريد أن قيمة المرء همته ومطلبه # قال صاحب المنازل # الهمة ما يملك الانبعاث للمقصود صرفا لا يتمالك صاحبها ولا يلتفت عنها # قوله يملك الانبعاث للمقصود أي يستولي عليه كاستيلاء المالك على المملوك ~~وصرفا أي خالصا صرفا # والمراد أن همة العبد إذا تعلقت بالحق تعالى طلبا صادقا خالصا محضا فتلك ~~هي الهمة العالية التي لا يتمالك صاحبها أي لا يقدر على المهلة ولا يتمالك ~~صبره لغلبة سلطانه عليه وشدة إلزامها إياه بطلب المقصود ولا يلتفت عنها ~~PageV03P003 إلى ما سوى أحكامها وصاحب هذه الهمة سريع وصوله وظفره بمطلوبه ~~مالم تعقه العوائق وتقطعه العلائق والله أعلم # | فصل قال وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى همة تصون القلب عن وحشة # الرغبة في الفاني وتحمله على الرغبة في الباقي وتصفيه من كدر التواني # الفاني الدنيا وما عليها أي يزهد القلب فيها وفي أهلها وسمى الرغبة فيها ~~وحشة لأنها وأهلها توحش قلوب الراغبين فيها وقلوب الزاهدين فيها # أما الراغبون فيها فأرواحهم وقلوبهم في وحشة من اجسامهم إذ فاتها ما خلقت ~~له فهي في وحشة لفواته # وأما الزاهدون فيها فإنهم يرونها موحشة لهم لأنها تحول بينهم وبين ~~مطلوبهم ومحبوبهم ولا شيء أوحش عند القلب مما يحول بينه وبين مطلوبه ~~ومحبوبه ولذلك كان من نازع الناس أموالهم وطلبها منهم أوحش شيء إليهم ~~وأبغضه # وأيضا فالزاهدون فيها إنما ينظرون إليها بالبصائر والراغبون ينظرون إليها ~~بالأبصار فيستوحش الزاهد مما يأنس به الراغب كما قيل # وإذا أفاق القلب واندمل الهوى % رأت القلوب ولم تر الأبصار # وكذلك هذه الهمة تحمله على الرغبة في الباقي لذاته وهو الحق سبحانه ~~والباقي بإبقائه هو الدار الآخرة ms0809 # وتصفيه من كدر التواني أي تخلصه وتمحصه من أوساخ الفتور والتواني الذي هو ~~سبب الإضاعة والتفريط والله أعلم PageV03P004 # | فصل قال الدرجة الثانية همة تورث أنفة من المبالاة بالعلل والنزول # على العمل والثقة بالأمل # العلل ههنا هي علل الأعمال من رؤيتها أو رؤية ثمراتها وإرادتها ونحو ذلك ~~فإنها عندهم علل # فصاحب هذه الهمة يأنف على همته وقلبه من أن يبالي بالعلل فإن همته فوق ~~ذلك فمبالاته بها وفكرته فيها نزول من الهمة # وعدم هذه المبالاة إما لأن العلل لم تحصل له لأن علو همته حال بينه ~~وبينها فلا يبالي بما لم يحصل له وإما لأن همته وسعت مطلوبه وعلوه يأتي على ~~تلك العلل ويستأصلها فإنه إذا علق همته بما هو أعلى منها تضمنتها الهمة ~~العالية فاندرج حكمها في حكم الهمة العالية وهذا موضع غريب عزيز جدا وما ~~أدري قصده الشيخ أو لا # وأما أنفته من النزول على العمل فكلام يحتاج إلى تقييد وتبيين وهو أن ~~العالي الهمة مطلبه فوق مطلب العمال والعباد وأعلى منه فهو يأنف أن ينزل من ~~سماء مطلبه العالي إلى مجرد العمل والعبادة دون السفر بالقلب إلى الله ~~ليحصل له ويفوز به فإنه طالب لربه تعالى طلبا تاما بكل معنى واعتبار في ~~عمله وعبادته ومناجاته ونومه ويقظته وحركته وسكونه وعزلته وخلطته وسائر ~~أحواله فقد انصبغ قلبه بالتوجه إلى الله تعالى أيما صبغة # وهذاالأمر إنما يكون لأهل المحبة الصادقة فهم لا يقنعون بمجرد رسوم ~~الأعمال ولا بالاقتصار على الطلب حال العمل فقط PageV03P005 # وأما أنفته من الثقة بالأمل فإن الثقة توجب الفتور والتواني وصاحب هذه ~~الهمة ليس من أهل ذلك كيف وهو طائر لا سائر والله أعلم # | فصل قال الدرجة الثالثة همة تتصاعد عن الأحوال والمعاملات وتزرى # بالأعواض والدرجات وننحو عن النعوت نحو الذات # أي هذه الهمة أعلى من أن يتعلق صاحبها بالأحوال التي هي آثار الأعمال ~~والواردات أو يتعلق بالمعاملات وليس المراد تعطيلها بل القيام بها مع عدم ~~الالتفات إليها والتعلق بها # ووجه صعود هذه المهمة عن هذا ما ms0810 ذكره من قوله وتزري بالأعواض والدرجات ~~وتنحو عن النعوت نحو الذات أي صاحبها لا يقف عند عوض ولا درجة فإن ذلك نزول ~~من همته ومطلبه أعلى من ذلك فإن صاحب هذه الهمة قد قصر همته على المطلب ~~الأعلى الذي لا شيء أعلى منه والأعواض والدرجات دونه وهو يعلم أنه إذا حصل ~~له فهناك كل عوض ودرجة عالية # وأما نحوها نحو الذات فيريد به أن صاحبها لا يقتصر على شهود الأفعال ~~والأسماء والصفات بل الذات الجامعة لمتفرقات الأسماء والصفات والأفعال كما ~~تقدم والله أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المحبة وهي # المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون وإليها شخص العاملون وإلى علمها شمر ~~السابقون وعليها تفانى المحبون وبروح نسيمها تروح العابدون فهي قوت القلوب ~~وغذاء الأرواح وقرة العيون وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات ~~والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه ~~جميع الأسقام واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام PageV03P006 ~~وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد ~~الذي لا روح فيه تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس ~~بالغيها وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدا واصليها وتبوؤهم من مقاعد ~~الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها وهي مطايا القوم التي مسراهم على ~~ظهورها دائما إلى الحبيب وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من ~~قريب تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة إذ لهم من معية محبوبهم أوفر ~~نصيب وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة أن المرء ~~مع من أحب فيالها من نعمة على المحبين سابغة # تالله لقد سبق القوم السعاة وهم على ظهور الفرش نائمون وقد تقدموا الركب ~~بمراحل وهم في سيرهم واقفون # من لي بمثل سيرك المدلل % تمشي رويدا وتجي في الأول # أجابوا منادي الشوق إذ نادى بهم حي على الفلاح وبذلوا نفوسهم في طلب ~~الوصول إلى محبوبهم وكان بذلهم بالرضى والسماح ms0811 وواصلوا إليه المسير ~~بالإدلاج والغدو والرواح تالله لقد حمدوا عند الوصول سراهم وشكروا مولاهم ~~على ما أعطاهم وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح # فحيهلا إن كنت ذا همة فقد % حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا # وقل لمنادي حبهم ورضاهم % إذا ما دعا لبيك ألفا كواملا # ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن % نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا # ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد % ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا # وخذ منهم زادا اليهم وسر على % طريق الهدى والفقر تصبح واصلا # وأحي بذكراهم سراك إذا ونت % ركابك فالذكرى تعيدك عاملا # وإما تخافن الكلال فقل لها % أمامك ورد الوصل فابغ المناهلا # وخذ قبسا من نورهم ثم سر به % فنورهم يهديك ليس المشاعلا PageV03P007 # وحي على واد الأراك فقل به % عساك تراهم فيه إن كنت قائلا # وإلا ففي نعمان عند معرف ال % أحبة فاطلبهم إذا كنت سائلا # وإلا ففي جمع بليلته فإن % كفت فمتى يا ويح من كان غافلا # وحي على جنات عدن بقربهم % منازلك الأولى بها كنت نازلا # ولكن سباك الكاشحون لأجل ذا % وقفت على الأطلال تبكي المنازلا # فدعها رسوما دارسات فما بها % مقيل فجاوزها فليست منازلا # رسوم عفت يفنى بها الخلق كم بها % قتيل وكم فيها لذا الخلق قاتلا # وخذ يمنة عنها على المنهج الذي % عليه سرى وفد المحبة آهلا # وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة % فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا # فما هي إلا ساعة ثم تنقضي % ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا # أول نقدة من أثمان المحبة بذل الروح فما للمفلس الجبان البخيل وسومها # بدم المحب يباع وصلهم % فمن الذي يبتاع بالثمن # تالله ما هزلت فيستامها المفلسون ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون # لقد أقيمت للعرض في سوق من يزيد فلم يرض لها بثمن دون بذل النفوس # فتأخر البطالون وقام المحبون ينظرون أيهم يصلح أن يكون ثمنا فدارت السلعة ~~بينهم ووقعت في يد @QB@ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين @QE@ # لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى فلو يعطى ~~الناس بدعواهم لادعى الخلي ms0812 حرقة الشجي فتنوع المدعون في الشهود فقيل لا ~~تقبل هذه الدعوى إلا ببينة @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله @QE@ # فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه فطولبوا ~~بعدالة البينة بتزكية @QB@ يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم @QE@ # فتأخرا أكثر المحبين وقام المجاهدون فقيل لهم إن نفوس المحبين وأموالهم ~~PageV03P008 ليست لهم فهلموا إلى بيعة @QB@ إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة @QE@ # فلما عرفوا عظمة المشتري وفضل الثمن وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع ~~عرفوا قدر السلعة وأن لها شأنا فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن ~~بخس فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي من غير ثبوت خيار وقالوا والله لا ~~نقيلك ولا نستقيلك # فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل له مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها ~~عليكم أوفر ما كانت وأضعافها معا @QB@ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله @QE@ # إذا غرست شجرة المحبة في القلب وسقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب أثمرت ~~أنواع الثمار وآتت أكلها كل حين بإذن ربها أصلها ثابت في قرار القلب وفرعها ~~متصل بسدرة المنتهى # لا يزال سعي المحب صاعدا إلى حبيبه لا يحجبه دونه شيء @QB@ إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ # | فصل لا تحد المحبة بحد أوضح منها فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء # فحدها وجودها ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة # وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها ~~وأحكامها فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة وتنوعت بهم العبارات وكثرت ~~الإشارات بحسب إدراك الشخص ومقامه وحاله وملكه للعبارة # وهذه المادة تدور في اللغة على خمسة أشياء # أحدها الصفاء والبياض ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها حبب ~~الأسنان PageV03P009 # الثاني العلو والظهور ومنه حبب الماء وحبابه وهو ما يعلوه عند المطر ~~الشديد وحبب الكأس منه # الثالث اللزوم والثبات ومنه حب البعير وأحب إذا برك ولم يقم قال الشاعر # حلت عليه بالفلاة ضربا % ضرب ms0813 بعير السوء إذ أحبا # الرابع اللب ومنه حبة القلب للبه وداخله ومنه الحبة لواحدة الحبوب إذي ~~أصل الشيء ومادته وقوامه # الخامس الحفظ والإمساك ومنه حب الماء للوعاء الذي يحفظ فيه ويمسكه وفيه ~~معنى الثبوت أيضا # ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم المحبة فإنها صفاء المودة وهيجان إرادات ~~القلب للمحبوب وعلوها وظهورها منه لتعلقها بالمحبوب المراد وثبوت إرادة ~~القلب للمحبوب ولزومها لزوما لا تفارقه ولإعطاء المحب محبوبه لبه وأشرف ما ~~عنده وهو قلبه ولاجتماع عزماته وإرداته وهمومه على محبوبه # فاجتمعت فيها المعاني الخمسة ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية ~~المناسبة الحاء التي هي من أقصى الحلق والباء الشفوية التي هي نهايته ~~فللحاء الابتداء وللباء الانتهاء وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب فإن ~~ابتداءها منه وانتهاءها إليه وقالوا في فعلها حبه وأحبة قال الشاعر # أحب أبا ثروان من حب تمره % ولم تعلم أن الرفق بالجار أرفق # فوالله لولا تمره ما حببته % ولا كان أدنى من عبيد ومشرق # ثم اقتصروا على اسم الفاعل من أحب فقالوا محب ولم يقولوا حاب واقتصروا ~~على اسم المفعول من حب فقالوا محبوب ولم يقولوا محب إلا قليلا كما قال ~~الشاعر # ولقد نزلت فلا تظني غيره % مني بمنزلة المحب المكرم PageV03P010 # وأعطوا الحب حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها مطابقة لشدة حركة ~~مسماه وقوتها وأعطوا الحب وهو المحبوب حركة الكسر لخفتها عن الضمة وخفة ~~المحبوب وخفة ذكره على قلوبهم وألسنتهم من إعطائه حكم نظائره كنهب بمعنى ~~منهوب وذبح بمعنى مذبوح وحمل للمحمول بخلاف الحمل الذي هو مصدر لخفته ثم ~~ألحقوا به حملا لا يشق على حامله حمله كحمل الشجرة والولد # فتأمل هذا اللطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني تطلعك ~~على قدر هذه اللغة وأن لها شأنا ليس لسائر اللغات # | فصل في ذكر رسوم وحدود قيلت في المحبة بحسب آثارها وشواهدها # والكلام على ما يحتاج إليه منها الأول قيل المحبة الميل الدائم بالقلب ~~الهائم وهذا الحد لا تمييز فيه بين الحبة الخاصة والمشتركة والصحيحة ~~والمعلولة # الثاني إيثار المحبوب ms0814 على جميع المصحوب # وهذا حكم من أحكام المحبة وأثر من آثارها # الثالث موافقة الحبيب في المشهد والمغيب # وهذا أيضا موجبها ومقتضاها وهو أكمل من الحدين قبله فإنه يتناول المحبة ~~الصادقة الصحيحة خاصة بخلاف مجرد الميل والإيثار بالإرادة فإنه إن لم تصحبه ~~موافقة فمحبته معلولة # الرابع محو الحب لصفاته وإثبات المحبوب لذاته # وهذا أيضا من أحكام الفناء في المحبة أن تنمحي صفات المحب وتفنى في صفات ~~محبوبه وذاته وهذا يستدعي بيانا أتم من هذا لا يدركه إلا من أفناه وارد ~~المحبة عنه وأخذه منه PageV03P011 # الخامس مواطأة القلب لمرادات المحبوب # وهذا أيضا من موجباتها وأحكامها والموطأة الموافقة لمرادات المحبوب ~~وأوامره ومراضيه # السادس خوف ترك الحرمة مع إقامة الخدمة # وهذا أيضا من أعلامها وشواهدها وآثارها أن يقوم بالخدمة كما ينبغي مع ~~خوفه من ترك الحرمة والتعظيم # السابع استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك # وهذا قول أبي يزيد وهو أيضا من أحكامها وموجباتها وشواهدها والمحب الصادق ~~لو بذل لمحبوبه جميع ما يقدر عليه لاستقله واستحيى منه ولو ناله من محبوبه ~~أيسر شيء لاستكثره واستعظمه # الثامن استكثار القليل من جنايتك واستقلال الكثير من طاعتك وهو قريب من ~~الذي قبله لكنه مخصوص بما من المحب # التاسع معانقة الطاعة ومباينة المخالفة # وهو لسهل بن عبدالله وهو أيضا حكم المحبة وموجبها # العاشر دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب وهو للجنيد وفيه غموض ~~ومراده أن استيلاء ذكر المحبوب وصفاته وأسمائه على قلب المحب حتى لا يكون ~~الغالب عليه إلا ذلك ولا يكون شعوره وإحساسه في الغالب إلا بها فيصير شعوره ~~وإحساسه بدلا من شعوره وإحساسه بصفات نفسه وقد يحتمل معنى أشرف من هذا وهو ~~تبدل صفات المحب الذميمة التي لا توافق صفات المحبوب بالصفات الجميلة ~~المحبوبة التي توافق صفاته والله أعلم # الحادي عشر أن تهب كلك لمن أحببت فلا يبقى لك منك شيء # وهو لأبي عبدالله القرشي وهو أيضا من موجبات المحبة وأحكامها والمراد أن ~~تهب إرادتك وعزمك وأفعالك ونفسك ومالك ووقتك لمن تحبه PageV03P012 وتجعلها ms0815 ~~حبسا في مرضاته ومحابه فلا تأخذ لنفسك منها إلا ما أعطاك فتأخذه منه له # الثاني عشر أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب وهو للشبلي وكمال المحبة ~~يقتضي ذلك فإنه ما دامت في القلب بقية لغيره ومسكن لغيره فالمحبة مدخولة # الثالث عشر إقامة العتاب على الدوام وهو لابن عطاء وفيه غموض ومراده أن ~~لا تزال عاتبا على نفسك في مرضاة المحبوب وأن لا ترضى له فيها عملا ولا ~~حالا # الرابع عشر أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك وهو للشبلي أيضا # وفيه كلام سنذكره إن شاء الله في منزلة الغيرة ومراده احتقارك لنفسك ~~واستصغارها أن يكون مثلك من محبيه # الخامس عشر إرادة غرست أغصانها في القلب فأثمرت الموافقة والطاعة # السادس عشر أن ينسى المحب حظه في محبوبه وينسى حوائجه إليه وهو لأبي ~~يعقوب السوسي ومراده أن استيلاء سلطانها على قلبه غيبه عن حظوظه وعن حوائجه ~~واندرجت كلها في حكم المحبة # السابع عشر مجانبة السلو على كل حال وهو للنصراباذي وهو أيضا من لوازمها ~~وثمراتها كما قيل # مرت بأرجاء الخيال طيوفه % فبكت على رسم السلو الدارس # الثامن عشر توحيد المحبوب بخالص الإرادة وصدق الطلب # التاسع عشر سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب وهو لمحمد بن الفضل ~~ومراده توحيد المحبوب بالمحبة # العشرون غض طرف القلب عما سوى المحبوب غيرة وعن المحبوب هيبة وهذا يحتاج ~~إلى تبيين # أما الأول فظاهر وأما الثاني فإن غض طرف القلب عن المحبوب مع PageV03P013 ~~كمال محبته كالمستحيل ولكن عند استيلاء الهيبة يقع مثل هذا وذلك من علامات ~~المحبة المقارنة للهيبة والتعظيم وقد قيل إن هذا تفسير قول النبي حبك الشيء ~~يعمي ويصم أي يعمى عما سواه غيرة وعنه هيبة # وليس هذا مراد الحديث ولكن المراد به أن حبك للشيء يعمي ويصم عن تأمل ~~قبائحه ومساويه فلا تراها ولا تسمعها وإن كانت فيه وليس المراد به ذكر ~~المحبة المطلوبة المتعلقة بالرب ولا يقال في حب الرب تبارك وتعالى حبك ~~الشيء ولا يوصف صاحبها بالعمى والصم # ونحن لا ms0816 ننكر المرتبتين المذكورتين فإن المحب قد يعمى ويصم عنه بالهيبة ~~والإجلال ولكن لا توصف محبة العبد لربه تعالى بذلك وليس أهلها من أهل العمى ~~والصمم بل هم أهل الأسماع والأبصار على الحقيقة ومن سواهم هم البكم العمي ~~الصم الذين لا يعقلون # الحادي والعشرون ميلك للشيء بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك ثم ~~موافقتك له سرا وجهرا ثم علمك بتقصيرك في حبه # قال الجنيد سمعت الحارث المحاسبي يقول ذلك # الثاني والعشرون المحبة نار في القلب تحرق ما سوى مراد المحبوب # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول لمت بعض الإباحية فقال لي ~~ذلك ثم قال والكون كله مراده فأي شيء أبغض منه # قال الشيخ فقلت له إذا كان المحبوب قد أبغض أفعالا وأقوالا وأقواما ~~وعاداهم فطردهم ولعنهم فأحببتهم تكون مواليا للمحبوب أو معاديا له قال ~~فكأنما ألقم حجرا وافتضح بين أصحابه وكان مقدما فيهم مشارا إليه # وهذا الحد صحيح وقائله إنما أراد أنها تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب ~~الديني الأمري الذي يحبه ويرضاه لا المراد الذي قدره وقضاه لكن PageV03P014 ~~لقلة حظ المتأخرين منهم وغيرهم من العلم وقعوا فيما وقعوا فيه من الإباحة ~~والحلول والاتحاد والمعصوم من عصمه الله # الثالث والعشرون المحبة بذل المجهود وترك الاعتراض على المحبوب وهذا أيضا ~~من حقوقها وثمراتها وموجباتها # الرابع والعشرون سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه ثم السكر الذي ~~يحصل عند المشاهدة لا يوصف وأنشد # فأسكر القوم دور الكأس بينهم % لكن سكري نشا من رؤية الساقي # وينبغي صون المحبة والحبيب عن هذه الألفاظ التي غاية صاحبها أن يعذر ~~بصدقه وغلبة الوارد عليه وقهره له فمحبة الله أعلى وأجل من أن تضرب لها هذه ~~الأمثال وتجعل عرضة للأفواه المتلوثة والألفاظ المبتدعة ولكن الصادق في ~~خفارة صدقه # الخامس والعشرون أن لا يؤثر على المحبوب غيره وأن لا يتولى أمورك غيره # السادس والعشرون الدخول تحت رق المحبوب وعبوديته والحرية من استرقاق ما ~~سواه # السابع والعشرون المحبة سفر القلب في طلب المحبوب ولهج اللسان ms0817 بذكره على ~~الدوام # قلت أما سفر القلب في طلب المحبوب فهو الشوق إلى لقائه وأما لهج اللسان ~~بذكره فلا ريب أن من أحب شيئا أكثر من ذكره # الثامن والعشرون أن المحبة هي مالا ينقص بالجفاء ولا تزيد بالبر وهو ~~PageV03P015 ليحيى بن معاذ بل الإرادة والطلب والشوق إلى المحبوب لذاته فلا ~~ينقص ذلك جفاؤه ولا يزيده بره # وفي ذلك ما فيه فإن المحبة الذاتية تزيد بالبر ولا تنقصها زيادتها بالبر ~~وليس ذلك بعلة ولكن مراد يحيى أن القلب قد امتلأ بالمحبة الذاتية فإذا جاء ~~البر من محبوبه لم يجد في القلب مكانا خاليا من حبه يشغله محبة البر بل تلك ~~المحبة قد استحقت عليه بالذات بلا سبب ومع هذا فلا يزيل الوهم فإن المحبة ~~لا نهاية لها وكلما قويت المعرفة والبر قويت المحبة ولا نهاية لجمال ~~المحبوب ولا بره فلا نهاية لمحبته بل لو اجتمعت محبة الخلق كلهم وكانت على ~~قلب رجل واحد منهم كان ذلك دون ما يستحقه الرب جل جلاله ولهذا لا تسمى محبة ~~العبد لربه عشقا كما سيأتي لأنه إفراط المحبة والعبد لا يصل في محبة الله ~~إلى حد الإفراط البتة والله أعلم # التاسع والعشرون المحبة أن يكون كلك بالمحبوب مشغولا وذلك له مبذولا # الثلاثون وهو من أجمع ما قيل فيها قال أبو بكر الكتاني جرت مسألة في ~~المحبة بمكة أعزها الله تعالى أيام الموسم فتكلم الشيوخ فيها وكان الجنيد ~~أصغرهم سنا فقالوا هات ما عندك يا عراقي فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال عبد ~~ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه أحرقت قلبه ~~أنوار هيبته وصفا شربه من كأس وده وانكشف له الجبار من أستار غيبه فإن تكلم ~~فبالله وإن نطق فعن الله وإن تحرك فبأمر الله وإن سكن فمع الله فهو بالله ~~ولله ومع الله # فبكى الشيوخ وقالوا ما على هذا مزيد جزاك الله يا تاج العارفين ~~PageV03P016 # | فصل في الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها وهي عشرة # أحدها قراءة القرآن بالتدبر والتفهم ms0818 لمعانيه وما أريد به كتدبر الكتاب ~~الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه # الثاني التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض فإنها توصله إلى درجة ~~المحبوبية بعد المحبة # الثالث دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال فنصيبه من ~~المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر # الرابع إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى والتسنم إلى محابه وإن صعب ~~المرتقى # الخامس مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها وتقلبه في رياض ~~هذه المعرفة ومباديها فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة ~~ولهذا كانت المعطلة والفرعونية والجهمية قطاع الطريق على القلوب بينها وبين ~~الوصول إلى المحبوب # السادس مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة فإنها داعية ~~إلى محبته # السابع وهو من أعجبها انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى وليس في ~~التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات # الثامن الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف ~~بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة # التاسع مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى ~~أطايب الثمر ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وعلمت أن فيه مزيدا ~~لحالك ومنفعة لغيرك PageV03P017 # العاشر مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل # فمن هذه الأسباب العشرة وصل المحبون إلى منازل المحبة ودخلوا على الحبيب ~~وملاك ذلك كله أمران 1 استعداد الروح لهذا الشأن 2 وانفتاح عين البصيرة ~~وبالله التوفيق # | فصل والكلام في هذه المنزلة معلق بطرفين طرف محبة العبد لربه وطرف # محبة الرب لعبده والناس في إثبات ذلك ونفيه أربعة أقسام فأهل يحبهم ~~ويحبونه على إثبات الطرفين وأن محبة العبد لربه فوق كل محبة تقدر ولا نسبة ~~لسائر المحاب إليها وهي حقيقة لا إله إلا الله وكذلك عندهم محبة الرب ~~لأوليائه وأنبيائه ورسله صفة زائدة على رحمته وإحسانه وعطائه فإن ذلك أثر ~~المحبة وموجبها فإنه لما أحبهم كان نصيبهم من رحمته وإحسانه وبره أتم نصيب # والجهمية المعطلة عكس هؤلاء فإنه عندهم لا يحب ولا يحب ms0819 ولم يمكنهم تكذيب ~~النصوص فأولوا نصوص محبة العباد له على محبة طاعته وعبادته والازدياد من ~~الأعمال لينالوا بها الثواب وإن أطلقوا عليهم بها لفظ المحبة ينالون به من ~~الثواب والأجر والثواب المنفصل عندهم هو المحبوب لذاته والرب تعالى محبوب ~~لغيره حب الوسائل # وأولوا نصوص محبته لهم بإحسانه إليهم وإعطائهم الثواب وربما أولوها ~~بثنائه عليهم ومدحه لهم ونحو ذلك وربما أولوها بإراداته لذلك فتارة ~~يؤولونها بالمفعول المنفصل وتارة يؤولونها بنفس الإرادة # ويقولون الإرادة إن تعلقت بتخصيص العبد بالأحوال والمقامات العلية سميت ~~محبة وإن تعلقت بالعقوبة والانتقام سميت غضبا وإن تعلقت بعموم الإحسان ~~والإنعام الخاص سميت برا وإن تعلقت بإيصاله في خفاء PageV03P018 من حيث لا ~~يشعر ولا يحتسب سميت لطفا وهي واحدة ولها أسماء وأحكام باعتبار متعلقاتها # ومن جعل محبته للعبد ثناءه عليه ومدحه له ردها إلى صفة الكلام فهي عنده ~~من صفات الذات لا من صفات الأفعال والفعل عنده نفس المفعول فلم يقم بذات ~~الرب محبة لعبده ولا لأنبيائه ورسله البتة # ومن ردها إلى صفة الإرادة جعلها من صفات الذات باعتبار أصل الإرادة ومن ~~صفات الأفعال باعتبار تعلقها # ولما رأى هؤلاء أن المحبة إرادة وأن الإرادة لا تتعلق إلا بالمحدث ~~المقدور والقديم يستحيل أن يراد أنكروا محبة العباد والملائكة والأنبياء ~~والرسل له وقالوا لا معنى لها إلا إرادة التقرب إليه والتعظيم له وإرادة ~~عبادته فأنكروا خاصة الإلهية وخاصة العبودية واعتقدوا أن هذا من موجبات ~~التوحيد والتنزيه فعندهم لا يتم التوحيد والتنزيه إلا بجحد حقيقة الإلهية ~~وجحد حقيقة العبودية # وجميع طرق الأدلة عقلا ونقلا وفطرة وقياسا واعتبارا وذوقا ووجدا تدل على ~~إثبات محبة العبد لربه والرب لعبده # وقد ذكرنا لذلك قريبا من مائة طريق في كتابنا الكبير في المحبة وذكرنا ~~فيه فوائد المحبة وما تثمر لصاحبها من الكمالات وأسبابها وموجباتها والرد ~~على من أنكرها وبيان فساد قوله وأن المنكرين لذلك قد أنكروا خاصة الخلق ~~والأمر والغاية التي وجدوا لأجلها فإن الخلق والأمر والثواب والعقاب إنما ~~نشأ عن المحبة ولأجلها وهي الحق الذي ms0820 به خلقت السموات والأرض وهي الحق الذي ~~تضمنه الأمر والنهي وهي سر التأليه وتوحيدها هو شهادة أن لا إله إلا الله # وليس كما زعم المنكرون أن الإله هو الرب الخالق فإن المشركين PageV03P019 ~~كانوا مقرين بأنه لا رب إلا الله ولا خالق سواه وبأنه وحده المنفرد بالخلق ~~والربوبية ولم يكونوا مقرين بتوحيد الإلهية وهو المحبة والتعظيم بل كانوا ~~يؤلهون مع الله غيره وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله وصاحبه ممن اتخذ من ~~دون الله أندادا # قال الله تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله @QE@ فأخبر أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى فهو ممن ~~اتخذ من دون الله أندادا فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية فإن أحدا ~~من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية بخلاف ند المحبة فإن أكثر أهل ~~الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في الحب والتعظيم ثم قال @QB@ والذين ~~آمنوا أشد حبا لله @QE@ وفي تقدير الآية قولان # أحدهما @QB@ والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ من أصحاب الأنداد لأندادهم ~~وآلهتهم التي يحبونها ويعظمونها من دون الله # والثاني @QB@ والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ من محبة المشركين في الأنذار ~~فإن محبة المؤمنين خالصة ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها ~~والمحبة الخالصة أشد من المشتركة والقولان مرتبان على القولين في قوله ~~تعالى @QB@ يحبونهم كحب الله @QE@ فإن فيها قولان # أحدهما يحبونهم كما يحبون الله فيكون قد أثبت لهم محبة الله ولكنها محبة ~~يشركون فيها مع الله أندادا # والثاني أن المعنى يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون الله ثم بين أن محبة ~~المؤمنين لله أشد من محبة أصحاب الأنداد لأندادهم PageV03P020 # وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرجح القول الأول ويقول إنما ذموا ~~بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يخلصوها لله كمحبة ~~المؤمنين له # وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم وهم في النار يقولون ~~لآلهتهم وأندادهم وهي محضرة معهم في العذاب @QB@ تالله إن كنا ms0821 لفي ضلال ~~مبين إذ نسويكم برب العالمين @QE@ ومعلوم أنهم لم يسووهم برب العالمين في ~~الخلق والربوبية وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم وهذا أيضا هو العدل ~~المذكور في قوله تعالى @QB@ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون @QE@ أي يعدلون به ~~غيره في العبادة التي هي المحبة والتعظيم وهذا أصح القولين # وقيل الباء بمعنى عن والمعنى ثم الذين كفروا عن ربهم يعدلون عن عبادته ~~إلى عبادة غيره وهذا ليس بقوي إذ لا تقول العرب عدلت بكذا أي عدلت عنه ~~وإنما جاء هذا في فعل السؤال نحو سألت بكذا أي عنه كأنهم ضمنوه اعتنيت به ~~واهتممت ونحو ذلك # وقال تعالى @QB@ إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ وهي تسمى ~~آية المحبة قال أبو سليمان الداراني لما ادعت القلوب محبة الله أنزل الله ~~لها محنة @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ ~~PageV03P021 # قال بعض السلف ادعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحنة قل إن كنتم ~~تحبون الله فايتبعوني يحببكم الله # وقال يحبكم الله إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها فدليلها ~~وعلامتها اتباع الرسول وفائدتها وثمرتها محبة المرسل لكم فما لم تحصل ~~المتابعة فليست محبتكم له حاصلة ومحبته لكم منتفية # وقال تعالى يا أيا الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم فقد ذكر لهم أربع علامات # أحدها أنهم أذلة على المؤمنين قيل معناه أرقاء رحماء مشفقين عليهم عاطفين ~~عليهم فلما ضمن أذلة هذا المعنى عداه بأداة على قال عطاء للمؤمنين كالولد ~~لوالده والعبد لسيده وعلى الكافرين كالأسد على فريسته @QB@ أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم @QE@ # العلامة الثالثة الجهاد في سبيل الله بالنفس واليد واللسان والمال وذلك ~~تحقيق دعوى المحبة # العلامة الرابعة أنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم وهذا علامة صحة المحبة ~~فكل محب يأخذه اللوم عن محبوبه فليس بمحب على الحقيقة كما قيل # لا كان من لسواك فيه بقية % يجد السبيل بها إليه اللوم ms0822 وقال تعالى @QB@ ~~أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب @QE@ إلى قوله @QB@ ~~محذورا @QE@ فذكر المقامات الثلاث الحب وهو ابتغاء القرب إليه والتوسل إليه ~~بالأعمال الصالحة والرجاء والخوف يدل على أن ابتغاء الوسيلة أمر زائد على ~~رجاء الرحمة وخوف العذاب # ومن المعلوم قطعا أنك لا يتنافس إلا في قرب من تحب قربه وحب قربه ~~PageV03P022 تبع لمحبة ذاته بل محبة ذاته أوجبت محبة القرب منه وعند ~~الجهمية والمعطلة ما من ذلك كله شيء فإنه عندهم لا تقرب ذاته من شيء ولا ~~يقرب من ذاته شيء ولا يحب لذاته ولا يحب # فأنكروا حياة القلوب ونعيم الأرواح وبهجة النفوس وقرة العيون وأعلى نعيم ~~الدنيا والأخرة ولذلك ضربت قلوبهم بالقسوة وضربت دونهم ودون الله حجب على ~~معرفته ومحبته فلا يعرفونه ولا يحبونه ولا يذكرونه إلا عند تعطيل أسمائه ~~وصفاته فذكرهم أعظم آثامهم وأوزارهم بل يعاقبون من يذكره بأسمائه وصفاته ~~ونعوت جلاله ويرمونهم بالأدواء التي هم أحق بها وأهلها وحسب ذي البصيرة ~~وحياة القلب ما يرى على كلامهم من القسوة والمقت والتنفير عن محبة الله عز ~~وجل ومعرفته وتوحيده والله المستعان # وقال تعالى @QB@ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ~~@QE@ وقال أحبابه وأولياؤه @QB@ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ~~ولا شكورا @QE@ # وقال تعالى @QB@ وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ~~@QE@ فجعل غاية أعمال الأبرار والمقربين والمحبين إرادة وجهه # وقال تعالى @QB@ وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد ~~للمحسنات منكن أجرا عظيما @QE@ فجعل إرادته غير إرادة الآخرة وهذه الأرادة ~~لوجهه موجبة للذة النظر إليه في الآخرة كما في مستدرك الحاكم وصحيح ابن ~~حبان في الحديث المرفوع عن النبي أنه كان يدعو اللهم بعلمك الغيب وقدرتك ~~على الخلق أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ~~وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة PageV03P023 الحق في الغضب ~~والرضى وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين ~~لا تنقطع وأسألك ms0823 الرضى بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر ~~إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم ~~زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين # فقد اشتمل هذا الحديث الشريف على ثبوت لذة النظر إلى وجه الله وعلى ثبوت ~~الشوق إلى لقائه وعند الجهمية لا وجه له سبحانه ولا ينظر إليه فضلا أن يحصل ~~به لذة كما سمع بعضهم داعيا يدعو بهذا الدعاء فقال ويحك هب أن له وجها ~~أفتلتذ بالنظر إليه # وفي الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله ثلاث من كن ~~فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن ~~يحب المرء لا يحبه إلا الله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله ~~منه كما يكره أن يلقى في النار # وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله يقول الله ~~تعالى من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من ~~أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله ~~التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وفي الصحيحين عنه ~~أيضا عن النبي إذا أحب الله العبد دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه ~~فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل ~~السماء ثم يوضع له القبول في الأرض / ح / وذكر في البغض عكس ذلك # وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها في حديث أمير السرية الذي كان يقرأ ~~@QB@ قل هو الله أحد @QE@ لأصحابه في كل صلاة وقال لأنها صفة الرحمن فأنا ~~PageV03P024 أحب أن أقرأ بها فقال النبي أخبروه أن الله يحبه وفي جامع ~~الترمذي من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي ~~أنه قال كان من دعاء ms0824 داود اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي ~~يبلغني حبك اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد وفيه ~~أيضا من حديث عبدالله بن يزيد الخطمي أن النبي كان يقول في دعائه اللهم ~~ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي ~~فيما تحب وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا فيما تحب # والقرآن والسنة مملوآن بذكر من يحبه الله سبحانه من عباده المؤمنين وذكر ~~ما يحبه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم كقوله تعالى @QB@ والله يحب الصابرين ~~@QE@ @QB@ والله يحب المحسنين @QE@ @QB@ إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين @QE@ @QB@ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص @QE@ @QB@ فإن الله يحب المتقين @QE@ # وقوله في ضد ذلك @QB@ والله لا يحب الفساد @QE@ @QB@ والله لا يحب كل ~~مختال فخور @QE@ @QB@ والله لا يحب الظالمين @QE@ @QB@ إن الله لا يحب من ~~كان مختالا فخورا @QE@ # وكم في السنة أحب الأعمال إلى الله كذا وكذا وإن الله يحب كذا وكذا كقوله ~~أحب الأعمال إلى الله الصلاة على أول وقتها ثم بر الوالدين ثم الجهاد في ~~سبيل اللهوأحب الأعمال إلى الله الإيمان بالله ثم الجهاد في سبيل الله ثم ~~حج مبرور وأحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وقوله إن الله يحب أن ~~يؤخذ برخصه # وأضعاف أضعاف ذلك وفرحه العظيم بتوبة عبده الذي هو أشد فرح يعلمه العباد ~~وهو من محبته للتوبة وللتائب PageV03P025 # فلو بطلت مسألة المحبة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان ولتعطلت منازل ~~السير إلى الله فإنها روح كل مقام ومنزلة وعمل فإذا خلا منها فهو ميت لا ~~روح فيه ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها بل هي حقيقة الإخلاص بل ~~هي نفس الإسلام فإنه الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله فمن لا محبة له لا ~~إسلام له البتة بل هي حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله فإن الإله هو الذي ~~يأله العباد حبا وذلا وخوفا ورجاء وتعظيما وطاعة له بمعنى مألوه وهو الذي ~~تألهه القلوب أي تحبه ms0825 وتذل له # وأصل التأله التعبد والتعبد آخر مراتب الحب يقال عبده الحب وتيمه إذا ~~ملكه وذلله لمحبوبه # فالمحبة حقيقة العبودية وهل تمكن الإنابة بدون المحبة والرضى والحمد ~~والشكر والخوف والرجاء وهل الصبر في الحقيقة إلا صبر المحبين فإنه إنما ~~يتوكل على المحبوب في حصول محابه ومراضيه # وكذلك الزهد في الحقيقة هو زهد المحبين فإنهم يزهدون في محبة ما سوى ~~محبوبهم لمحبته # وكذلك الحياء في الحقيقة إنما هو حياء المحبين فإنه يتولد من بين الحب ~~والتعظيم وأما مالا يكون عن محبة فذلك خوف محض # وكذلك مقام الفقر فإنه في الحقيقة فقر الأرواح إلى محبوبها وهو أعلى ~~أنواع الفقر فإنه لا فقر أتم من فقر القلب إلى من يحبه ولا سيما إذا وحده ~~في الحب ولم يجد منه عوضا سواه هذا حقيقة الفقر عند العارفين # وكذلك الغنى هو غنى القلب بحصول محبوبه وكذلك الشوق إلى الله تعالى ~~ولقائه فإنه لب المحبة وسرها كما سيأتي # فمنكر هذه المسألة ومعطلها من القلوب معطل لذلك كله وحجابه أكثف الحجب ~~وقلبه أقسى القلوب وأبعدها عن الله وهو منكر لخلة PageV03P026 إبراهيم عليه ~~السلام فإن الخلة كمال المحبة وهو يتأول الخليل بالمحتاج فخليل الله عنده ~~هو المحتاج فكم على قوله لله من خليل من بر فاجر بل مؤمن وكافر إذ كثير من ~~الفجار والكفار من ينزل حوائجه كلها بالله صغيرها وكبيرها ويرى نفسه أحوج ~~شيء إلى ربه في كل حالة # فلا بالخلة أقر المنكرون ولا بالعبودية ولا بتوحيد الإلهية ولا بحقائق ~~الإسلام والإيمان والإحسان ولهذا ضحى خالد بن عبدالله القسرى بمقدم هؤلاء ~~وشيخهم جعد بن درهم وقال في يوم عيد الله الأكبر عقيب خطبته أيها الناس ~~ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ ~~إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ~~ثم نزل فذبحه فشكر المسلمون سعيه ورحمه الله وتقبل منه # | فصل في مراتب المحبة # أولها العلاقة وسميت علاقة لتعلق القلب بالمحبوب قال الشاعر # أعلاقة ms0826 أم الوليد بعيد ما % أفنان رأسك كالثغام المخلس # الثانية الإرادة وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له # الثالثة الصبابة وهي انصباب القلب إليه بحيث لا يملكه صاحبه كانصباب ~~الماء في الحدور فاسم الصفة منها صب والفعل صبا إليه يصبو صبا وصبابة ~~فعاقبوا بين المضاعف والمعتل وجعلوا الفعل من المعتل والصفة من المضاعف ~~ويقال صبا وصبوة وصبابة فالصبا أصل الميل والصبوة فوقه والصبابة الميل ~~اللازم وإنصباب القلب بكليته # الرابعة الغرام وهو الحب اللازم للقلب الذي لا يفارقه بل يلازمه ~~PageV03P027 كملازمة الغريم لغريمه ومنه سمي عذاب النار غراما للزومه لأهله ~~وعدم مفارقته لهم قال تعالى @QB@ إن عذابها كان غراما @QE@ # الخامسة الوداد وهو صفو المحبة وخالصها ولبها والودود من أسماء الرب ~~تعالى وفيه قولان # أحدهما أنه المودود قال البخاري رحمه الله في صحيحه الودود الحبيب # والثاني أنه الواد لعباده أي المحب لهم وقرنه باسمه الغفور إعلاما بأنه ~~يغفر الذنب ويحب التائب منه ويوده فحظ التائب نيل المغفرة منه # وعلى القول الأول الودود في معنى يكون سر الاقتران أي اقتران الودود ~~بالغفور استدعاء مودة العباد له ومحبتهم إياه باسم الغفور # السادسة الشغف يقال شغف بكذا فهو مشغوف به وقد شغفه المحبوب أي وصل حبه ~~إلى شغاف قلبه كما قال النسوة عن امرأة العزيز @QB@ قد شغفها حبا @QE@ وفيه ~~ثلاثة أقوال # أحدها أنه الحب المستولي على القلب بحيث يحجبه عن غيره قال الكلبي حجب ~~حبه قلبها حتى لا تعقل سواه # الثاني الحب الواصل إلى داخل القلب قال صاحب هذا القول المعنى أحبته حتى ~~دخل حبه شغاف قلبها أي داخله # الثالث أنه الحب الواصل إلى غشاء القلب والشغاف غشاء القلب إذا وصل الحب ~~إليه باشر القلب قال السدى الشغاف جلدة رقيقة على القلب يقول دخله الحب حتى ~~أصاب القلب # وقرأ بعض السلف شعفها بالعين المهملة ومعناه ذهب الحب بها كل مذهب وبلغ ~~بها أعلى مراتبه ومنه شعف الجبال لرؤوسها # السابعة العشق وهو الحب المفرط الذي يخاف على صاحبه منه وعليه ~~PageV03P028 عليه تأول إبراهيم ومحمد بن عبدالوهاب @QB@ ولا ms0827 تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به @QE@ قال محمد هو العشق # ورفع إلى ابن عباس شاب رضي الله عنهما وهو يعرفه قد صار كالخلال فقال ما ~~به قالوا العشق فجعل ابن عباس رضي الله عنهما عامة دعائه بعرفة الاستعاذة ~~من العشق # وفي اشتقاقه قولان أحدهما أنه من العشقة محركة وهي نبت أصفر يلتوي على ~~الشجر فشبه به العاشق # والثاني أنه من الإفراط وعلى القولين فلا يوصف به الرب تبارك وتعالى ولا ~~العبد في محبة ربه وإن أطلقه سكران من المحبة قد أفناه الحب عن تمييزه كان ~~في خفارة صدقه ومحبته # الثامنة التتيم وهو التعبد والتذلل يقال تيمه الحب أي ذلله وعبده وتيم ~~الله عبدالله وبينه وبين اليتم الذي هو الانفراد تلاق في الاشتقاق الأوسط ~~وتناسب في المعنى فإن المتيم المنفرد بحبه وشجوه كانفراد اليتيم بنفسه عن ~~أبيه وكل منهما مكسور ذليل هذا كسره يتم وهذا كسره تتيم # التاسعة التعبد وهو فوق التتيم فإن العبد هو الذي قد ملك المحبوب رقه فلم ~~يبق له شيء من نفسه البتة بل كله عبد لمحبوبه ظاهرا وباطنا وهذا هو حقيقة ~~العبودية ومن كمل ذلك فقد كمل مرتبتها # ولما كمل سيد ولد آدم هذه المرتبة وصفه الله بها في أشرف مقاماته مقام ~~الإسراء كقوله @QB@ سبحان الذي أسرى بعبده @QE@ ومقام الدعوة كقوله وأنه ~~لما قام عبدالله يدعوه ومقام التحدي كقوله @QB@ وإن كنتم في ريب مما نزلنا ~~على عبدنا @QE@ وبذلك استحق التقديم على الخلائق في الدنيا والآخرة # وكذلك يقول المسيح عليه الصلاة والسلام لهم إذا طلبوا منه الشفاعة بعد ~~PageV03P029 الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله ~~له ما تقدم من ذنبه وما تأخر # سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول فحصلت له تلك المرتبة ~~بتكميل عبوديته الله تعالى وكمال مغفرة الله له # وحقيقة العبودية الحب التام مع الذل التام والخضوع للمحبوب تقول العرب ~~طريق معبد أي قد ذللته الأقدام وسهلته # العاشرة مرتبة الخلة التي انفرد بها الخليلان إبراهيم ومحمد صلى الله ~~عليهما وسلم ms0828 كما صح عنه أنه قال إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم ~~خليلا وقال لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن ~~صاحبكم خليل الرحمن والحديثان في الصحيح وهما يبطلان قول من قال الخلة ~~لابراهيم والمحبة لمحمد فابراهيم خليله ومحمد حبيبه # والخلة هي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه حتى لم يبق فيه موضع لغير ~~المحبوب كما قيل # قد تخللت مسلك الروح مني % ولذا سمي الخليل خليلا # وهذا هو السر الذي لأجله والله أعلم أمر الخليل بذبح ولده وثمرة فؤاده ~~وفلذة كبده لأنه لما سأل الولد فأعطيه تعلقت به شعبة من قلبه والخلة منصب ~~لا يقبل الشركة والقسمة فغار الخليل على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره ~~فأمره بذبح الولد ليخرج المزاحم من قلبه فلما وطن نفسه على ذلك وعزم عليه ~~عزما جازما حصل مقصود الأمر فلم يبق في إزهاق نفس الولد مصلحة فحال بينه ~~وبينه وفداه بالذبح العظيم وقيل له @QB@ يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا @QE@ أي ~~عملت عمل المدق إنا كنا كذلك نجزي المحسنين نجزي من بادر إلى طاعتنا فنقر ~~عنه كما أقررنا عينك بامتثال أوامرنا وإبقاء الولد وسلامته @QB@ إن هذا لهو ~~البلاء المبين @QE@ وهو اختبار المحبوب لمحبه وامتحانه إياه PageV03P030 ~~ليؤثر مرضاته فيتم عليه نعمه فهو بلاء محنة ومنحة عليه معا # وهذه الدعوة إنما دعا إليها بها خواص خلقه وأهل الألباب والبصائر منهم ~~فما كل أحد يجيب داعيها ولا كل عين قريرة بها وأهلها هم الذين حصلوا في وسط ~~قبضة اليمين يوم القبضتين وسائر أهل اليمين في أطرافها # فما كل عين بالحبيب قريرة % ولا كل من نودي يجيب المناديا # ومن لا يجب داعي هداك فخله % يجب كل من أضحى إلى الغي داعيا # وقل للعيون الرمد إياك أن تري % سنا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا # وسامح نفوسا لم يهبها لحبهم % ودعها وما اختارت ولا تك جافيا # وقل للذي قد غاب يكفي عقوبة % مغيبك عن ذا الشأن لو كنت واعيا # ووالله لو أضحى نصيبك وافرا % رحمت عدوا ms0829 حاسدا لك قاليا # ألم تر آثار القطيعة قد بدت % على حاله فارحمه إن كنت راثيا # خفافيش أعشاها النهار بضوئه % ولاءمها قطع من الليل باديا # فجالت وصالت فيه حتى إذا النه % ار بدا استخفت وأعطت تواريا # فيا محنة الحسناء تهدى إلى امرىء % ضرير وعنين من الوجد خاليا # إذا ظلمة الليل انجلت بضيائها % يعود لعينيه ظلاما كما هيا # فضن بها إن كنت تعرف قدرها % إلى أن ترى كفؤا أتاك موافيا # فما مهرها شيء سوى الروح أيها ال % جبان تأخر لست كفؤا مساويا # فكن أبدا حيث استقلت ركائب ال % محبة في ظهر العزائم ساريا # وأدلج ولا تخش الظلام فإنه % سيكفيك وجه الحب في الليل هاديا # وسقها بذكراه مطاياك إنه % سيكفي المطايا طيب ذكراه حاديا # وعدها بروح الوصل تعطيك سيرها % فما شئت واستبق العظام البواليا # وأقدم فإما منية أو منية % تريحك من عيش به لست راضيا # فما ثم إلا الوصل أو كلف بهم % وحسبك فوزا ذاك إن كنت واعيا PageV03P031 # أما سئمت من عيشها نفس واله % تبيت بنار البعد تلقى المكاويا # أما موته فيهم حياة وذله % هو العز والتوفيق مازال غاليا # أما يستحي من يدعي الحب باخلا % بما لحبيب عنه يدعوه ذا ليا # أما تلك دعوى كاذب ليس حظه % من الحب إلا قوله والأمانيا # أما أنفس العشاق ملك لغيرهم % بإجماع أهل الحب ما زال فاشيا # أما سمع العشاق قول حبيبة % لصب بها وافي من الحب شاكيا # ولما شكوت الحب قالت كذبتني % فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا # فلا حب حتى يلصق القلب بالحشا % وتخرس حتى لا تجيب المناديا # وتنحل حتى لا يبقى لك الهوى % سوى مقلة تبكي بها وتناجيا # | فصل قال صاحب المنازل رحمه الله المحبة تعلق القلب بين الهمة # والأنس # يعني تعلق القلب بالمحبوب تعلقا مقترنا بهمة المحب وأنسه بالمحبوب في ~~حالتي بذله ومنعه وإفراده بذلك التعلق بحيث لا يكون لغيره فيه نصيب # وإنما أشار إلى أنها بين الهمة والأنس لأن المحبة لما كانت هي نهاية شدة ~~الطلب وكان المحب شديد الرغبة والطلب كانت الهمة ms0830 من مقومات حبه وجملة صفاته ~~ولما كان الطلب بالهمة قد يعرى عن الأنس وكان المحب لا يكون إلا مستأنسا ~~بجمال محبوبه وطمعه بالوصول إليه فمن هذين يتولد الأنس وجب أن يكون المحب ~~موصوفا بالأنس فصارت المحبة قائمه بين الهمة والأنس # ويريد بالبذل والمنع أحد أمرين إما بذل الروح والنفس لمحبوبه ومنعها عن ~~غيره فيكون البذل والمنع صفة المحب وإما بذل الحبيب ومنعه فتتعلق همة المحب ~~به في حالتي بذله ومنعه # ويريد بالإفراد معنيين إما إفراد المحبوب وتوحيده بذلك التعلق وإما ~~PageV03P032 فناؤه في محبته بحيث ينسى نفسه وصفاته في ذكر محاسن محبوبه حتى ~~لا يبقى إلا المحبوب وحده # والمقصود إفراد المحب المبوبه بالتوحيد والمحبة والله أعلم # | فصل قال والمحبة أول أودية الفناء والعقبة التي ينحدر منها على # منازل المحو وهي آخر منزل تلتقي فيه مقدمة العامة وساقة الخاصة # إنما كانت المحبة أول أودية الفناء لأنها تفنى خواطر المحب عن التعلق ~~بالغير وأول ما يفنى من المحب خواطره المتعلقة بما سوى محبوبه لأنه إذا ~~انجذب قلبه بكليته إلى محبوبه انجذبت خواطره تبعا # ويريد بمنازل المحو مقاماته # وأولها محو الأفعال في فعل الحق تعالى فلا يرى لنفسه ولا لغيره فعلا # والثاني محو الصفات التي في العبد فيراها عارية أعيرها وهبة وهبها ليستدل ~~بها على بارئه وفاطره وعلى وحدانيته وصفاته فيعلم بواسطة حياته معنى حياة ~~ربه وبواسطة علمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه وغضبه ورضاه معنى علم ~~ربه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه وغضبه ورضاه ولولا هذه الصفات فيه ~~لما عرفها من ربه # وهذا أحد التأويلات في الأثر الإسرائيلي اعرف نفسك تعرف ربك # وهذه الصفات في الحقيقة أثر الصفات الإلهية فيه فإنها أثر أفعال الحق ~~وأفعاله موجب صفاته وأسمائه فإذن عاد الأمر كله إلى افعاله وعادت أفعاله ~~إلى صفاته # ففي هذه المنزلة يمحو العبد شهود صفاته ووجودها الذي ليس بحقيقي ويثبت ~~شهود صفات المعبود ووجودها الحقيقي فالله سبحانه منح عبده هذه الصفات ~~ليعرفه بها ويستدل بها عليه فإن لم يفعلها عطل عليه طريق المعرفة ms0831 ~~والاستدلال بها PageV03P033 فصارت بمنزلة العدم ولهذا يوصف الغافل عن الله ~~بالصمم والبكم والعمى والموت وعدم العقل # الثالث محو الذات وهو شهود تفرد الحق تعالى بالوجود أزلا وأبدا وأنه ~~الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء ووجود كل ما سواه قائم ~~به وأثر صنعه فوجوه هو الوجود الواجب الحق الثابت لنفسه أزلا وأبدا وأنه ~~المتفرد بذلك # وهذا المحو يصح باعتبارين # أحدهما اعتبار الوجود الذاتي ولا ريب في إثبات محوه بهذا الاعتبار # إذ ليس مع الله موجود بذاته سواه وكل ما سواه فموجود بإيجاده سبحانه # الاعتبار الثاني المحو في المشهد فلا يشهد فاعلا غير الحق سبحانه ولا ~~سفات غير صفاته ولا موجودا سواه لغيبته بكمال شهوده عن شهود غيره # وأما محو ذلك من الوجود جملة فهو محو الزنادقة وطائفة الاتحادية وصاحب ~~المنازل وكل ولي لله بريء منهم حالا وعقيدة # والمقصود أن من عقبة المحبة ينحدر المحب على منازل المحو # ولما كانت منازل المحو والفناء غاية عند صاحب المنازل جعل المحبة عقبة ~~ينحدر منها إليها وأما جعل المحبة غاية فمنازل المحو عنده أودية يصعد منها ~~إلى روح المحبة وليس بعد المحبة الصحيحة إلا منازل البقاء أما الفناء ~~والمحو فعقبات وأودية في طريقها عند هؤلاء والله أعلم # قوله وهي آخر منزلة تلتقي فيها مقدمة العامة وساقة الخاصة # هذا بناء على الأصل الذي ذكره وهو أن المحبة ينحدر منها على أودية الفناء ~~فهي أول أودية الفناء فمقدمة العامة هم في آخر مقام المحبة وساقة ~~PageV03P034 الخاصة في أول منزل الفناء ومنزلة الفناء متصلة بآخر منزلة ~~المحبة فتلتقي حينئذ مقدمة العامة بساقه الخاصة هذا شرح كلامه # وعند الطائفة الأخرى الأمر بالعكس وهو أن مقدمة أرباب الفناء يلتقون ~~بساقة أو باب المحبة فإنهم أمامهم في السير وهم أمام الركب دائما وهذا بناء ~~على أن أهل البقاء في المحبة أعلى شأنا من أهل الفناء وهو الصواب والله ~~أعلم # | فصل قال وما دونها أغراض لأعواض يعني ما دون المحبة من المقامات # فهي أغراض من المخلوقين لأجل أعواض ms0832 ينالونها وأما المحبون فإنهم عبيد ~~والعبد ونفسه وعمله ومنافعه ملك لسيده فكيف يعاوضه على ملكه والأجير عن أخذ ~~الأجرة ينصرف والعبد في الباب لا ينصرف فلا عبودية إلا عبودية أهل المحبة ~~الخالصة أولئك هم الفائزون بشرف الدنيا والآخرة وأولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون # | فصل قال والمحبة هي سمة الطائفة وعنوان الطريقة ومعقد النسبة # يعني سمة هذه الطائفة المسافرين إلى ربهم الذين ركبوا جناح السفر إليه ثم ~~لم يفارقوه إلى حين اللقاء وهم الذين قعدوا على الحقائق وقعد من سواهم على ~~الرسوم # وعنوان طريقتهم أي دليلها فإن العنوان يدل على الكتاب والمحبة تدل على ~~صدق الطالب وأنه من أهل الطريق # ومعقد النسبة أي النسبة التي بين الرب وبين العبد فإنه لا نسبة بين الله ~~وبين العبد إلا محض العبودية من العبد والربوبية من الرب وليس في العبد شيء ~~من الربوبية ولا في الرب شيء من العبودية فالعبد عبد من كل وجه والرب ~~PageV03P035 تعالى هو الإله الحق من كل وجه ومعقد نسبة العبودية هو المحبة ~~فالعبودية معقودة بها بحيث متى انحلت المحبة انحلت العبودية والله أعلم # | فصل قال وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى محبة تقطع الوساوس وتلذ # الخدمة وتسلي عن المصائب # قوله تقطع الوساوس فإن الوساوس والمحبة متناقضان فإن المحبة توجب استيلاء ~~ذكر المحبوب على القلب والوساوس تقتضي غيبته عنه حتى توسوس له نفسه بغيره ~~فبين المحبة والوساوس تناقض شديد كما بين الذكر والغفلة فعزيمة المحبة تنفي ~~تردد القلب بين المحبوب وغيره وذلك سبب الوساوس وهيهات أن يجد المحب الصادق ~~فراغا لوسواس الغير لاستغراق قلبه في حضوره بين يدي محبوبه وهل الوسواس إلا ~~لأهل الغفلة والإعراض عن الله تعالى ومن أين يجتمع الحب والوسواس # لا كان من لسواك فيه بقية % فيها يقسم فكره ويوسوس # قوله وتلذ الخدمة أي المحب يلتذ بخدمة محبوبه فيرتفع عن رؤية التعب الذي ~~يراه الخلي في أثناءالخدمة وهذا معلوم بالمشاهدة # قوله وتسلى عن المصائب فإن المحب يجد في لذة المحبة ما ينسيه المصائب ولا ~~يجد من مسها ms0833 ما يجد غيره حتى كأنه قد اكتسى طبيعة ثانية ليست طبيعة الخلق ~~بل يقوى سلطان المحبة حتى يلتذ المحب بكثير من المصائب التي يصيبه بها ~~حبيبه أعظم من التذاذ الخلى بحظوظه وشهواته والذوق والوجود شاهد بذلك والله ~~أعلم # | فصل قال وهي محبة تنبت من مطالعة المنة وتثبت باتباع السنة وتنمو # على الإجابة بالفاقة PageV03P036 # قوله تنبت من مطالعة المنة أي تنشأ من مطالعة العبد منة الله عليه ونعمه ~~الباطنة والظاهرة فبقدر مطالعته ذلك تكون قوة المحبة فإن القلوب مجبولة على ~~حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها وليس للعبد قط إحسان إلا من الله ولا ~~إساءة إلا من الشيطان # ومن أعظم مطالعة منة الله على عبده تأهيله لمحبته ومعرفته وإرادة وجهه ~~ومتابعة حبيبه وأصل هذا نور يقذفه الله في قلب العبد فإذا دار ذلك النور في ~~قلب العبد وذاته أشرقت ذاته فرأى فيه نفسه وما أهلت له من الكمالات ~~والمحاسن فعلت به همته وقويت عزيمته وانقشعت عنه ظلمات نفسه وطبعه لأن ~~النور والظلمة لا يجتمعان إلا ويطرد أحدهما صاحبة فرقيت الروح حينئذ بين ~~الهيبة والأنس إلى الحبيب الأول # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى % ما الحب إلا للحبيب الأول # كم منزل في الأرض يألفه الفتى % وحنينه أبدا لأول منزل # وهذا النور كالشمس في قلوب المقربين السابقين وكالبدر في قلوب الأبرار ~~أصحاب اليمين وكالنجم في قلوب عامة المؤمنين وتفاوتهم فيه كتفاوت ما بين ~~الزهرة والسهى # قوله وتثبت باتباع السنة أي ثباتها إنما يكون بمتابعة الرسول في أعماله ~~وأقواله وأخلاقه فبحسب هذا الاتباع يكون منشأ هذه المحبة وثباتها وقوتها ~~وبحسب نقصانه يكون نقصانها كما تقدم أن هذا الاتباع يوجب المحبة والمحبوبية ~~معا ولا يتم الأمر إلا بهما فليس الشأن في أن تحب الله بل الشأن في أن يحبك ~~الله ولا يحبك الله إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهرا وباطنا وصدقته خبرا وأطعته ~~أمرا وأجبته دعوة وآثرته طوعا وفنيت عن حكم غيره بحكمه وعن محبته غيره من ~~الخلق بمحبته وعن طاعة غيره بطاعته وإن ms0834 لم يكن ذلك فلا تتعن وارجع من حيث ~~شئت فالتمس نورا فلست على شيء PageV03P037 # وتأمل قوله @QB@ فاتبعوني يحببكم الله @QE@ أي الشأن في أن الله يحبكم لا ~~في أنكم تحبونه وهذا لا تنالونه إلا باتباع الحبيب # قوله وتنمو على الإجابة بالفاقة الإجابة بالفاقة أن يجيب الداعي بموفور ~~الأعمال وهو خال منها كأنه لم يعملها بل يجيب دعوته بمجرد الإفلاس والفقر ~~التام فإن طريقة الفقر والفاقة تأبى أن يكون لصاحبها عمل أو حال أو مقام ~~وإنما يدخل على ربه بالإفلاس المحض والفاقة المجردة ولا ريب أن المحبة تنمو ~~على هذا المشهد وهذه الإجابة وما أعزه من مقام وأعلاه من مشهد وما أنفعه ~~للعبد وما أجلبه للمحبة والله المستعان # | فصل قال الدرجة الثانية محبة تبعث على إيثار الحق على غيره وتلهج # اللسان بذكره وتعلق القلب بشهوده وهي محبة تظهر من مطالعة الصفات والنظر ~~إلى الآيات والارتياض بالمقامات # هذه الدرجة أعلى مما قبلها باعتبار سببها وغايتها فإن سبب الأولى مطالعة ~~الإحسان والمنة وسبب هذه مطالعة الصفات وشهود معاني آياته المسموعة والنظر ~~إلى آياته المشهودة وحصول الملكة في مقامات السلوك وهو الارتياض بالمقامات ~~ولذلك كانت غايتها أعلى من غاية ما قبلها # فقوله تبعث على إيثار الحق على غيره أي لكمالها وقوتها فإنها تقتضي من ~~المحب أن يترك لأجل الحق ما سواه فيؤثره على غيره ولا يؤثر غيره عليه ويجعل ~~اللسان لهجا بذكره فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره # وتعلق القلب بشهوده لفرط استيلائه على القلب وتعلقه به حتى كأنه لا يشاهد ~~غيره # وقوله وهي محبة تظهر من مطالعة الصفات يعني إثباتها أولا ومعرفتها ثانيا ~~ونفي التحريف والتعطيل عن نصوصها ثالثا ونفي التمثيل والتكييف عن ~~PageV03P038 معانيها رابعا فلا يصح له مطالعة الصفات الباعثة على المحبة ~~الصحيحة إلا بهذه الأمور الأربعة وكلما أكثر قلبه من مطالعتها ومعرفة ~~معانيها ازدادت محبته للموصوف بها ولذلك كانت الجهمية قطاع طريق المحبة بين ~~المحبين وبينهم السيف الأحمر # وقوله والنظر إلى الآيات أي نظر الفكر والاعتبار إلى آياته المشهودة وفي ~~آياته ms0835 المسموعة وكل منهما داع قوي إلى محبته سبحانه لأنها أدلة على صفات ~~كماله ونعوت جلاله وتوحيد ربوبيته وإلهيته وعلى حكمته وبره وإحسانه ولطفه ~~وجوده وكرمه وسعة رحمته وسبوغ نعمته فإدامة النظر فيها داع لا محالة إلى ~~محبته وكذلك الارتياض بالمقامات فإن من كانت له رياضة وملكة في مقامات ~~الإسلام والإيمان والإحسان كانت محبته أقوى لأن محبة الله له أتم وإذا أحب ~~الله عبدا أنشأ في قلبه محبته # | فصل قال الدرجة الثالثة محبة خاطفة تقطع العبارة وتدفع الإشارة ولا # تنتهي بالنعوت # يعني أنها تخطف قلوب المحبين لما يبدو لهم من جمال محبوبهم ويشير الشيخ ~~بذلك إلى الفناء في المحبة والشهود وإن العبارة تنقطع دون حقيقة تلك المحبة ~~ولا تبلغها ولا تصل إليها الإشارة فإنها فوق العبارة والإشارة # وحقيقتها عندهم فناء الحدوث في القدم واضمحلال الرسوم في نور الحقيقة ~~التي تظهر لقلوب المحبين فتملك عليها العبارة والإشارة والصفة فلا يقدر ~~المحب أن يعبر عما يجده لأن واردها قد خطف فهمه والعبارة تابعة للفهم فلا ~~يقدر المحب أن يشير إليه إشارة تامة # والعبارة عندهم تحت الإشارة وأبعد منها ولذلك جعل حظها PageV03P039 القطع ~~وحظ الإشارة الدفع فإن مقام المحبة يقبل العبارة وهذه الدرجة الثالثة لا ~~تقبل إشارة ما ولا تقبل عبارة # وعندهم إنما تمتنع العبارة والإشارة في مقام التوحيد حيث لا يبقى للمحبة ~~رسم ولا اسم ولا إشارة وهو الغاية عندهم كما سيأتي # والصواب أن توحيد المحبة أكمل من هذا التوحيد الذي يشيرون إليه وأعلى ~~مقاما وأجل مشهدا وهو مقام الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وخواص ~~المقربين # وأما توحيد الفناء فدونه بكثير وليس ذلك من مقامات الرسل والأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام فإن توحيدهم توحيد بقاء ومحبة لا توحيد فناء وغيبة وسكر ~~واصطلام # ولما كان المحب عند أرباب الفناء لم يخلص إلى مقام توحيد الفناء بالكلية ~~بل رسوم المحبة معه بعد جعلوا المحبة هي العقبة التي ينحدر منها إلى أودية ~~الفناء كما تقدم # والصواب الذي لا ريب فيه عند أرباب التحقيق والبصائر أن لسان المحبة ms0836 أتم ~~ومقامها أكمل وحالها أشرف وصاحبها من أهل الصحو بعد السكر والتمكين بعد ~~التلوين والبقاء بعد الفناء ولسانه نائب عن كل لسان وبيانه واف بكل ذوق ~~ومقامه أعلى من كل مقام فهو أمين على كل من دونه من أرباب المقامات لأن ~~مقامه أمير على المقامات كلها # أمين أمين عليه الندى % جواد بخيل بأن لا يجودا # وأما كون نعوت المحبة لا تتناهى فلأن لها في كل مقام نسبة وتعلقا به وهي ~~روح كل مقام والحاملة له وأقدام السالكين إنما تتحرك بها فلها تعلق بكل قدم ~~وحال ومقام فلا تتناهى نعوتها البتة والله أعلم PageV03P040 # | فصل قوله وهذه المحبة هي قطب هذا الشأن وما دونها محاب نادت عليها # الألسن وادعتها الخليقة وأوجبتها العقول # يريد أن مدار شأن السالكين المسافرين إلى الله على هذه المحبة الثالثة ~~وإنما كان ذلك كذلك لخلوصها من الشوائب والعلل والأغراض وصاحبها مراد ~~ومجذوب ومطلوب وما دونها من المحاب فصاحبها باق مع إرادته من محبوبه أما ~~محبة الإحسان والأفعال فظاهر # وأما محبة الصفات فصاحبها مع لذة روحه ونعيم قلبه بمطالعة الصفات فإن لذة ~~الأرواح والعقول لا محالة في مطالعة صفات الكمال ونعوت الجمال # وصاحب هذه المحبة الثالثة قد ارتقى عن هاتين الدرجتين وأخذ منه وغيب عنه ~~وهذا مبنى على أصله في كون الفناء غاية وقد عرفته # وقوله ونادت عليها الألسن أي وصفتها الألسن فأكثرت صفاتها وتمكنت من ~~التعبير عنها # وادعتها الخليقة بخلاف الدرجة الثالثة فإنه لا وصول لأحد إليها إلا بالحق ~~تعالى فهي غير كسبية ولا تنال بسبب فلا يمكن فيها الدعوى فإن شأنها أجل من ~~ذلك # قوله وأوجبتها العقول يريد أن العقل يحكم بوجوبها وهو كما قال فإن العقول ~~تحكم بوجوب تقديم محبة الله على محبة النفس والأهل والمال والولد وكل ما ~~سواه وكل من لم يحكم عقله بهذا فلا تعبأ بعقله فإن العقل والفطرة والشرعة ~~والاعتبار والنظر تدعو كلها إلى محبته سبحانه بل إلى توحيده في المحبة ~~وإنما جاءت الرسل بتقرير ما في الفطر والعقول كما قيل # هب ms0837 الرسل لم تأت من عنده % ولا أخبرت عن جمال الحبيب # أليس من الواجب المست % حق محبته في اللقا والمغيب PageV03P041 # فمن لم يكن عقله آمرا % بذا ماله في الحجى من نصيب # وإن العقول لتدعو إلى % محبة فاطرها من قريب # أليست على ذاك مجبولة % ومفطورة لا بكسب غريب # أليس الجمال حبيب القلوب % لذات الجمال وذات القلوب # أليس جميلا يحب الجمال % تعالى إله الورى عن نسيب # أما بعد ذلك إحسانه % بداع إليه لقلب المنيب # أليس إذا كملا أوجبا % كمال المحبة للمستجيب # فمن ذا يشابه أوصافه % تعالى إله الورى عن ضريب # ومن ذا يكافىء إحسانه % فيألهه قلب عبد منيب # وهذا دليل على أنه % إلى كل ذي الخلق أولى حبيب # فيا منكرا ذاك والله أن % ت عين الطريد وعين الحريب # ويامن يحب سواه كمث % ل محبته أنت عبد الصليب # ويامن يوحد محبوبه % ويرضيه في مشهد أو مغيب # ولو سخط الخلق في وجهه % لقال هوانا ولو بالنسيب # حظيت وخابوا فلا تبتئس % بكيد العدو وهجر الرقيب # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الغيرة قال # الله تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن @QE@ # وفي الصحيح عن أبي الأحوص عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله ما أحد أغير من الله ومن غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن وما ~~أحد أحب إليه المدح من الله ومن أجل ذلك أثنى على نفسه وما أحد أحب إليه ~~العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين / ح / PageV03P042 # وفي الصحيح أيضا من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله قال إن الله يغار وإن المؤمن يغار وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم ~~عليه / ح / # وفي الصحيح أيضا أن النبي قال أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله ~~أغير مني / ح / # ومما يدخل في الغيرة قوله تعالى @QB@ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا @QE@ # قال السري لأصحابه أتدرون ms0838 ما هذا الحجاب حجاب الغيرة ولا أحد أغير من ~~الله إن الله تعالى لم يجعل الكفار أهلا لفهم كلامه ولا أهلا لمعرفته ~~وتوحيده ومحبته فجعل بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجابا مستورا عن ~~العيون غيرة عليه أن يناله من ليس أهلا له # والغيرة منزلة شريفة عظيمة جدا جليلة المقدار ولكن الصوفية المتأخرين ~~منهم من قلب موضوعها وذهب بها مذهبا آخر باطلا سماه غيرة فوضعها في غير ~~موضعها ولبس عليه أعظم تلبيس كما ستراه # والغيرة نوعان غيرة من الشيء وغيرة على الشيء # والغيرة من الشيء هي كراهة مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك # والغيرة على الشيءهي شدة حرصك على المحبوب أن يفوز به غيرك دونك أو ~~يشاركك في الفوز به # والغيرة أيضا نوعان غيرة العبد من نفسه على نفسه كغيرته من نفسه على قلبه ~~ومن تفرقته على جمعيته ومن إعراضه على إقباله ومن صفاته المذمومة على صفاته ~~الممدوحة وهذه الغيرة خاصية النفس الشريفة الزكية العلوية وما PageV03P043 ~~للنفس الدنية المهينة فيها نصيب وعلى قدر شرف النفس وعلو همتها تكون هذه ~~الغيرة # ثم الغيرة أيضا نوعان غيرة الحق تعالى على عبده وغيرة العبد لربه لا عليه ~~فأما غيرة الرب على عبده فهي أن لا يجعله للخلق عبدا بل يتخذه لنفسه عبدا ~~فلا يجعل له فيه شركاء متشاكسين بل يفرده لنفسه ويضن به على غيره وهذه أعلى ~~الغيرتين # وغيرة العبد لربه نوعان أيضا غيرة من نفسه وغيرة من غيره فالتي من نفسه ~~أن لا يجعل شيئا من أعماله وأقواله وأحواله وأوقاته وأنفاسه لغير ربه والتي ~~من غيره أن يغضب لمحارمه إذا انتهكها المنتهكون ولحقوقه إذا تهاون بها ~~المتهاونون # وأما الغيرة على الله فأعظم الجهل وأبطل الباطل وصاحبها من أعظم الناس ~~جهلا وربما أدت بصاحبها إلى معاداته وهو لا يشعر وإلى انسلاخه من أصل الدين ~~والإسلام وربما كان صاحبها شرا على السالكين إلى الله من قطاع الطريق بل هو ~~من قطاع طريق السالكين حقيقة وأخرج قطع الطريق في قالب الغيرة وأين هذا من ~~الغيرة لله التي ms0839 توجب تعظيم حقوقه وتصفية أعماله وأحواله لله فالعارف يغار ~~لله والجاهل يغار على الله فلا يقال أنا أغار على الله ولكن أنا أغار لله # وغيرة العبد من نفسه أهم من غيرته من غيره فإنك إذا غرت من نفسك صحت لك ~~غيرتك لله من غيرك وإذا غرت له من غيرك ولم تغر من نفسك فالغيرة مدخولة ~~معلولة ولا بد فتأملها وحقق النظر فيها # فليتأمل السالك اللبيب هذه الكلمات في هذا المقام الذي زلت فيه أقدام ~~كثير من السالكين والله الهادي والموفق المثبت PageV03P044 # كما حكى عن واحد من مشهوري الصوفية أنه قال لا أستريح حتى لا أرى من يذكر ~~الله يعني غيرة عليه من أهل الغفلة وذكرهم # والعجب أن هذا يعد من مناقبه ومحاسنه # وغاية هذا أن يعذر فيه لكونه مغلوبا على عقله وهو من أقبح الشطحات وذكر ~~الله على الغفلة وعلى كل حال خير من نسيانه بالكلية والألسن متى تركت ذكر ~~الله الذي هو محبوبها اشتغلت بذكر ما يبغضه ويمقت عليه فأي راحة للعارف في ~~هذا وهل هو إلا أشق عليه وأكره إليه # وقول آخر لا أحب أن أرى الله ولا أنظر إليه فقيل له كيف قال غيرة عليه من ~~نظر مثلي # فانظر إلى هذه الغيرة القبيحة الدالة على جهل صاحبها مع أنه في خفارة ذله ~~وتواضعه وانكساره واحتقاره لنفسه # ومن هذا ما يحكى عن الشبلي أنه لما مات ابنه دخل الحمام ونور لحيته حتى ~~أذهب شعرها كله فكل من أتاه معزيا قال إيش هذا يا أبا بكر قال وافقت أهلي ~~في قطع شعورهم فقال له بعض أصحابه أخبرني لم فعلت هذا فقال علمت أنهم ~~يعزونني على الغفلة ويقولون آجرك الله ففديت ذكرهم لله على الغفلة بلحيتي # فانظر إلى هذه الغيرة المحرمة القبيحة التي تضمنت أنواعا من المحرمات حلق ~~الشعر عند المصيبة وقد قال رسول الله ليس منا من PageV03P045 حلق وسلق وخرق ~~أي حلق شعره ورفع صوته بالندب والنياحة وخرق ثيابه ومنها حلق اللحية وقد ~~أمر رسول الله بإعفائها وتوفيرها ومنها ms0840 منع إخوانه من تعزيته ونيل ثوابها # ومنها كراهته لجريان ذكر الله على ألسنتهم بالغفلة وذلك خير بلا شك من ~~ترك ذكره # فغاية صاحب هذا أن تغفر له هذه الذنوب ويعفى عنه وأما أن يعد ذلك في ~~مناقبه وفي الغيرة المحمودة فسبحانك هذا بهتان عظيم # ومن هذا ما ذكر عن أبي الحسين النوري أنه سمع رجلا يؤذن فقال طعنه وسم ~~الموت # وسمع كلبا ينبح فقال لبيك وسعديك فقالوا له هذا ترك للدين # وصدقوا والله يقول للمؤذن في تشهده طعنه وسم الموت ويلبي نباح الكلب # فقال أما ذاك فكان يذكر الله عن رأس الغفلة وأما الكلب فقد قال تعالى ~~@QB@ وإن من شيء إلا يسبح بحمده @QE@ # فيالله ماذا ترى رسول الله يواجه هذا القائل لو رآه يقول ذلك أو عمر بن ~~الخطاب أو من عد ذلك في المناقب والمحاسن # وسمع الشبلي رجلا يقول جل الله فقال أحب أن تجله عن هذا PageV03P046 # وأذن مرة فلما بلغ الشهادتين قال لولا أنك أمرتني ما ذكرت معك غيرك وقال ~~بعض الجهال من القوم لا إله إلا الله من أصل القلب ومحمد رسول الله من ~~القرط # ونحن نقول محمد رسول الله من تمام قول لا إله إلا الله فالكلمتان يخرجان ~~من أصل القلب من مشكاة واحدة لا تتم إحداهما إلا بالأخرى # | فصل قال صاحب المنازل # باب الغيرة # قال الله تعالى حاكيا عن نبيه سليمان عليه السلام @QB@ ردوها علي فطفق ~~مسحا بالسوق والأعناق @QE@ # ووجه استشهاده بالآية أن سليمان عليه السلام كان يحب الخيل فشغله ~~استحسانها والنظر إليها لما عرضت عليه عن صلاة النهار حتى توارت الشمس ~~بالحجاب فلحقته الغيرة لله من الخيل إذ استغرقه استحسانها والنظر إليها عن ~~خدمة مولاه وحقه فقال ردوها علي فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف غيرة ~~لله # قال الغيرة سقوط الاحتمال ضنا والضيق عن الصبر نفاسة # أي عجز الغيور عن احتمال ما يشغله عن محبوبه ويحجبه عنه ضنا به أي بخلا ~~به أن يعتاض عنه بغيره وهذا البخل هو محض الكرم عند المحبين الصادقين # وأما ms0841 الضيق عن الصبر نفاسة فهو أن يضيق ذرعه بالصبر عن محبوبه وهذا هو ~~الصبر الذي لا يذم من أنواع الصبر سواه أو ما كان من وسيلته والحامل له على ~~هذا الضيق مغالاته بمحبوبه وهي النفاسة فإنه لمنافسته ورغبته لا يسامح نفسه ~~بالصبر عنه والمنافسة هي كمال الرغبة في الشيء PageV03P047 ومنع الغير منه ~~إن لم يمدح فيه المشاركة والمسابقة إليه إن محدت فيه المشاركة قال تعالى ~~@QB@ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون @QE@ وبين المنافسة والغبطة جمع وفرق ~~وبينهما وبين الحسد أيضا جمع وفرق # فالمنافسة تتضمن مسابقة واجتهادا وحرصا والحسد يدل على مهانة الحاسد ~~وعجزه وإلا فنافس من حسدته فذلك أنفع لك من حسده كما قيل # إذا أعجبتك خلال امرىء % فكنه يكن منك ما يعجبك # فليس على الجود والمكرما % ت إذا جئتها حاجب يحجبك # والغبطة تتضمن نوع تعجب وفرح للمغبوط واستحسان لحاله # | فصل قال وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى غيرة العابد على ضائع # يستر ضياعه ويستدرك فواته ويتدارك قواه # العابد هو العامل بمقتضى العلم النافع للعمل الصالح فغيرته على ما ضاع ~~عليه من عمل صالح فهو يسترد ضياعه بأمثاله ويجبر ما فاته من الأوراد ~~والنوافل وأنواع القرب بفعل أمثالها من جنسها وغير جنسها فيقضى ما ينفع فيه ~~القضاء ويعوض ما يقبل العوض ويجبر ما يمكن جبره # وقوله ويستدرك فواته الفرق بين استرداد ضائعه واستدراك فائته أن الأول ~~يمكن أن يسترد بعينه كما إذا فاته الحج في عام تمكن منه فأضاعه في ذلك ~~العام استدركه في العام المقبل وكذلك إذا أخر الزكاة عن وقت وجوبها ~~استدركها بعد تأخيرها ونحو ذلك # وأما الفائت فإنما يستدرك بنظيره كقضاء الواجب المؤقت إذا فات وقته أو ~~يكون مراده باسترداد الضائع واستدراك الفائت نوعي التفريط في الأمر والنهي ~~فيسترد ضائع هذا بقضائه وفعل أمثاله ويستدرك فائت هذا أي سالفه بالتوبة ~~والندم PageV03P048 # وأما تدارك قواه فهو أن يتدارك قوته ببذلها في الطاعة قبل أن تتبدل ~~بالضعف فهو يغار عليها أن تذهب في غير طاعة الله ويتدارك قوى العمل الذي ~~لحقه ms0842 الفتور عنه بأن يكسوه قوة ونشاطا غيرة له وعليه # فهذه غيرة العباد على الأعمال والله أعلم # | فصل قال الدرجة الثانية غيرة المريد وهي غيرة على وقت فات وهي غيرة # قاتلة فإن الوقت وحي التقضي أبي الجانب بطي الرجوع # والمريدون هم أرباب الأحوال والعباد أرباب الأوراد والعبادات وكل مريد ~~عابد وكل عابد مريد لكن القوم خصوا أهل المحبة وأذواق حقائق الإيمان باسم ~~المريد وخصوا أصحاب العمل المجرد باسم العابد وكل مريد لا يكون عابدا ~~فزنديق وكل عابد لا يكون مريدا فمراء # والوقت عند العابد هو وقت العبادة والأوراد وعند المريد هو وقت الإقبال ~~على الله والجمعية عليه والعكوف عليه بالقلب كله # والوقت أعز شيء عليه يغار عليه أن ينقضي بدون ذلك فإذا فاته الوقت لا ~~يمكنه استدراكه البتة لأن الوقت الثاني فقد استحق واجبه الخاص فإذا فاته ~~وقت فلا سبيل له إلى تداركه كما في المسند مرفوعا من أفطر يوما من رمضان ~~متعمدا من غير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر وإن صامه # وقوله وهي غيرة قاتلة يعني مضرة ضررا شديدا بينا يشبه القتل لأن حسرة ~~الفوت قاتلة ولا سيما إذا علم المتحسر أنه لا سبيل له إلى الاستدراك # وأيضا فالغيرة على التفويت تفويت آخر كما يقال الاشتغال بالندم على الوقت ~~الفائت تضييع للوقت الحاضر ولذلك يقال الوقت سيف إن لم تقطعه وإلا قطعك ~~PageV03P049 # ثم بين الشيخ السبب في كون هذه الغيرة قاتلة فقال # فإن الوقت وحي التقضي أي سريع الانقضاء كما تقول العرب الوحا الوحا العجل ~~العجل والوحي الإعلام في خفاء وسرعة ويقال جاء فلان وحيا أي مجيئا سريعا ~~فالوقت منقض بذاته منصرم بنفسه فمن غفل عن نفسه تصرمت أوقاته وعظم فواته ~~واشتدت حسراته فكيف حاله إذا علم عند تحقق الفوت مقدار ما أضاع وطلب الرجعى ~~فحيل بينه وبين الاسترجاع وطلب تناول الفائت وكيف يرد الأمس في اليوم ~~الجديد @QB@ وأنى لهم التناوش من مكان بعيد @QE@ ومنع مما يحبه ويرتضيه ~~وعلم أن ما اقتناه ليس مما ينبغي للعاقل أن يقتنيه وحيل ms0843 بينه وبين ما ~~يشتهيه # فيا حسرات ما إلى رد مثلها % سبيل ولو ردت لهان التحسر # هي الشهوات اللاء كانت تحولت % إلى حسرات حين عز التصبر # فلو انها ردت بصبر وقوة % تحولن لذات وذو اللب يبصر # ويقال إن أصعب الأحوال المنقطعة انقطاع الأنفاس فإن أربابها إذا صعد ~~النفس الواحد صعدوه إلى نحو محبوبهم صاعدا إليه متلبسا بمحبته والشوق إليه ~~فإذا أرادوا دفعه لم يدفعوه حتى يتبعوه نفسا آخر مثله فكل أنفاسهم بالله ~~وإلى الله متلبسة بمحبته والشوق إليه والأنس به فلا يفوتهم نفس من أنفاسهم ~~مع الله إلا إذا غلبهم النوم وكثير منهم يرى في نومه أنه كذلك لالتباس روحه ~~وقلبه فيحفظ عليه أوقات نومه ويقظته ولا تستنكر هذه الحال فإن المحبة إذا ~~غلبت على القلب وملكته أوجبت له ذلك لا محالة # والمقصود أن الواردات سريعة الزوال تمر أسرع من السحاب وينقضي الوقت بما ~~فيه فلا يعود عليك منه إلا أثره وحكمه فاختر لنفسك ما يعود عليك من وقتك ~~فإنه عائد عليك لا محالة لهذا يقال للسعداء @QB@ كلوا واشربوا هنيئا بما ~~أسلفتم في الأيام الخالية @QE@ ويقال للأشقياء ذلك بما كنتم تفرحون في ~~الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون PageV03P050 # | فصل قال الدرجة الثالثة غيرة العارف على عين غطاها غين وسر غشيه # رين ونفس علق برجاء أو التفت إلى عطاء # أي يغار على بصيرة غطاها ستر أو حجاب فإن الغين بمنزلة الغطاء والحجاب ~~وهو غطاء رقيق جدا وفوقه الغيم وهو لعموم المؤمنين وفوقه الرين والران وهو ~~للكفار # وقوله وسر غشيه رين أي حجاب أغلظ من الغيم الأول # والسر ههنا إما اللطفية المدركة من الروح وإما الحال التي بين العبد وبين ~~الله عز وجل فإذا غشيه رين النفس والطبيعة استغاث صاحبه كما يستغيث المعذب ~~في عذابه غيرة على سره من ذلك الرين # وقوله ونفس علق برجاء والتفت إلى عطاء # يعني أن صاحب النفس يغار على نفسه إذا تعلق برجاء من ثواب منفصل ولم ~~يتعلق بإرادة الله ومحبته فإن بين النفسين كما بين متعلقهما # وكذلك ms0844 قوله أو التفت إلى عطاء يعني أنه يلتفت إلى عطاء من دون الله فيرضى ~~به ولا ينبغي أن يتعلق إلا بالله ولا يلتفت إلا إلى المعطي الغني الحميد ~~وهو الله وحده والله أعلم # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الشوق قال # الله تعالى @QB@ من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت @QE@ # قيل هذا تعزية للمشتاقين وتسلية لهم أي انا أعلم أن من كان يرجو لقائي ~~فهو مشتاق إلي فقد أجلت له أجلا يكون عن قريب فإنه آت لا محالة وكل آت قريب ~~PageV03P051 وفيه لطيفة أخرى وهي تعليل المشتاقين برجاء اللقاء # لولا التعلل بالرجاء لقطعت % نفس المحب صبابة وتشوقا # ولقد يكاد يذوب منه قلبه % مما يقاسي حسرة وتحرقا # حتى إذا روح الرجاء أصابه % سكن الحريق إذا تعلل باللقا # وقد كان النبي يقول في دعائه أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك # قال بعضهم كان النبي دائم الشوق إلى لقاء الله لم يسكن شوقه إلى لقائه قط ~~ولكن الشوق مائة جزء تسعة وتسعون له وجزء مقسوم على الأمة فأراد أن يكون ~~ذلك الجزء مضافا إلى ماله من الشوق الذي يختص به والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل والشوق أثر من آثار المحبة وحكم من أحكامها فإنه سفر القلب إلى # المحبوب في كل حال # وقيل هو اهتياج القلوب إلى لقاء المحبوب # وقيل هو احتراق الأحشاء ومنها يتهيج ويتولد ويلهب القلوب ويقطع الأكباد # والمحبة أعلى منه لأن الشوق عنها يتولد وعلى قدرها يقوى ويضعف قال يحيى ~~بن معاذ علامة الشوق فطام الجوارح عن الشهوات # وقال أبو عثمان علامته حب الموت مع الراحة والعافية كحال يوسف لما ألقي ~~في الجب لم يقل توفني ولما أدخل السجن لم يقل توفني ولما تم له الأمر ~~والأمن والنعمة قال توفني مسلما # قال ابن خفيف الشوق ارتياح القلوب بالوجد ومحبة اللقاء بالقرب ~~PageV03P052 # وقيل هو لهب ينشأ بين أثناء الحشى يسنح عن الفرقة فإذا وقع اللقاء طفىء # قلت هذه مسألة نزاع بين المحبين وهي أن الشوق هل ms0845 يزول باللقاء أم لا ولا ~~يختلفون أن المحبة لا تزول باللقاء # فمنهم من قال يزول باللقاء لأن الشوق هو سفر القلب إلى محبوبه فإذا قدم ~~عليه ووصل إليه صار مكان الشوق قرة عينه به وهذه القرة تجامع المحبة ولا ~~تنافيها # قال هؤلاء وإذا كان الغالب على القلب مشاهدة المحبوب لم يطرقه الشوق وقيل ~~لبعضهم هل تشتاق إليه فقال لا إنما الشوق إلى غائب وهو حاضر # وقالت طائفة بل يزيد الشوق بالقرب والوصول ولا يزول لأنه كان قبل الوصول ~~على الخبر والعلم وبعده قد صار على العيان والشهود ولهذا قيل # وأبرح ما يكون الشوق يوما % إذا دنت الخيام من الخيام # قال الجنيد سمعت السري يقول الشوق أجل مقام للعارف إذا تحقق فيه وإذا ~~تحقق في الشوق لها عن كل شيء يشغله عمن يشتاق إليه وعلى هذا فأهل الجنة ~~دائما في شوق إلى الله مع قربهم منه ورؤيتهم له # قالوا ومن الدليل على أن الشوق يكون حال اللقاء أعظم أنا نرى المحب يبكي ~~عند لقاء محبوبه وذلك البكاء إنما هو من شدة شوقه إليه ووجده به ولذلك يجد ~~عند لقائه نوعا من الشوق لم يجده في حال غيبته عنه # | فصل النزاع في هذه المسألة أن الشوق يراد به حركة القلب واهتياجه # للقاء المحبوب فهذا يزول باللقاء ولكن يعقبه شوق آخر أعظم منه تثيره ~~حلاوة الوصل ومشاهدة جمال المحبوب فهذا يزيد باللقاء والقرب ولا يزول ~~والعبارة عن هذا وجوده والإشارة إليه حصوله PageV03P053 # وبعضهم سمى النوع الأول شوقا والثاني اشتياقا # قال القشيري سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يفرق بين الشوق والاشتياق ويقول ~~الشوق يسكن باللقاء والاشتياق لا يزول باللقاء قال وفي معناه أنشدوا # ما يرجع الطرف عنه عند رؤيته % حتى يعود إليه الطرف مشتاقا # وقال النصراباذي للخلق كلهم مقام الشوق وليس لهم مقام الاشتياق ومن دخل ~~في حال الاشتياق هام فيه حتى لا يرى له فيه أثر ولا قرار # قال الدقاق في قول موسى @QB@ وعجلت إليك رب لترضى @QE@ قال معناه شوقا ~~إليك فستره بلفظ ms0846 الرضى # وقيل إن أهل الشوق إلى لقاء الله يتحسون حلاوة القرب عند وروده لما قد ~~كشف لهم من روح الوصول أحلى من الشهد فهم في سكراته في أعظم لذة وحلاوة ~~وقيل من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كل شيء كما قال بعضهم أنا أدخل في الشوق ~~والأشياء تشتاق إلي وأتأخر عن جميعها وفي مثل هذا قيل # إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت % عن الماء فاشتاقت إليها المناهل # وكانت عجوز مغيبة فقدم غائبها من السفر ففرح به أهله وأقاربه وقعدت هي ~~تبكي فقيل لها ما يبكيك فقال ذكرني قدوم هذا الفتى يوم القدوم على الله عز ~~وجل # يامن شكا شوقه من طول فرقته % اصبر لعلك تلقى من تحب غدا # وقيل خرج داود عليه السلام يوما إلى الصحراء منفردا فأوحى الله تعالى ~~إليه مالي أراك منفردا فقال إلهي استأثر شوقي إلى لقائك على قلبي فحال بيني ~~وبين صحبة الخلق فقال ارجع إليهم فإنك إن أتيتني بعبد آبق أثبتك في اللوح ~~المحفوظ جهبذا PageV03P054 # | فصل قال صاحب المنازل رحمه الله الشوق هبوب القلب إلى غائب وفي # مذهب هذه الطائفة علة الشوق عظيمة فإن الشوق إنما يكون إلى الغائب ومذهب ~~هذه الطائفة إنما قام على المشاهدة ولهذه العلة لم ينطق القرآن باسمه # قلت هو صدر الباب بقوله تعالى @QB@ من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله ~~لآت @QE@ فكأنه جعل الرجاء شوقا بلسان الاعتبار لا بلسان التفسير أو أن ~~دلالة الرجاء على الشوق باللزوم لا بالتضمن ولا بالمطابقة # قوله هبوب القلب إلى غائب يعني سفره إليه وهويه إليه # وأما العلة التي ذكرها في الشوق فقد تقدم أن من الناس من جعل الشوق في ~~حال اللقاء أكمل منه في حال المغيب فعلى قول هؤلاء لا علة فيه # وأما من جعله سفر القلب إلى المحبوب في حال غيبته عنه فعلى قوله يجيء ~~كلام المصنف ووجهه مفهوم # وقوله فإن مذهب هذه الطائفة الذي هو الفناء يريد أن الفناء إنما قام على ~~المشاهدة فإن بدايته كما قرره هو المحبة التي في ms0847 نهاية مقامات المريدين ~~والفناء إنما يكون مع المشاهدة ومع المشاهدة لا عمل للشوق # فيقال هذا باطل من وجوه # أحدها أن المشاهدة لا تزيل الشوق بل تزيده كما تقدم # الثاني أنه لا مشاهدة أكمل من مشاهدة أهل الجنة وهم إلى يوم المزيد وهو ~~يوم الجمعة أشوق شيء كما في الحديث وكذلك هم أشوق شيء إلى رؤية ربهم وسماع ~~كلامه تعالى وهم في الجنة فإن هذا إنما يحصل لهم في حال دون حال كما في ~~حديث ابن عمر المسند وغيره إن أعلى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى وجه ربه كل ~~يوم مرتين PageV03P055 # ومعلوم قطعا أن شوق هذا إلى الرؤية قبل حصولها أعظم شوق يقدر وحصول ~~المشاهدة لأهل الجنة أتم منها لأهل الدنيا # الثالث أنه لا سبيل في الدنيا إلى مشاهدة تزيل الشوق البتة ومن ادعى هذا ~~فقد كذب وافترى فإنه لم يحصل هذا لموسى بن عمران كليم الرحمن عز وجل فضلا ~~عمن دونه فما هذه المشاهدة التي مبنى مذهب هذه الطائفة عليها بحيث لا يكون ~~معها شوق أهي كمال المشاهدة عيانا وجهرة سبحانك هذا بهتان عظيم # أم نوع من مشاهدة القلب لمعروفه مع اقترانها بالحجب الكثيرة التي لا ~~يحصيها إلا الله فهل تمنع هذه المشاهدة الشوق إلى كمالها وتمامها وهل الأمر ~~إلا بالعكس في العقل والفطرة والحقيقة لأن من شاهد محبوبه من بعض الوجوه ~~كان شوقه إلى كمال مشاهدته أشد وأعظم وتكون تلك المشاهدة الجزئية سببا ~~لاشتياقه إلى كمالها وتمامها فأين العلة في الشوق وأين المشاهدة المانعة من ~~الشوق # وهذا بحمد الله ظاهر ومن نازع فيه كان مكابرا والله أعلم # | فصل قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى شوق العابد إلى الجنة # ليأمن الخائف ويفرح الحزين ويظفر الآمل # يعني شوق العابد إلى الجنة فيه هذه الحكم الثلاث # أحدها حصول الأمن الباعث على الأمل فإن الخوف المجرد عن الأمن من كل وجه ~~لا ينبعث صاحبه لعمل البتة إن لم يقارنه أمل فإن تجرد عنه قطع وصار قنوطا # الثاني فرح الحزين فإن الحزن ms0848 المجرد أيضا إن لم يقترن به الفرح قتل ~~PageV03P056 صاحبه فلولا روح الفرح لتعطلت قوى الحزين وقعد حزنه به ولكن ~~إذا قعد به الحزن قام به روح الفرح # الثالث روح الظفر فإن الآمل إن لم يصحبه روح الظفر مات أمله والله أعلم # | فصل قال الدرجة الثانية شوق إلى الله عز وجل زرعه الحب الذي ينبت # على حافات المنن فعلق قلبه بصفاته المقدسة فاشتاق إلى معاينة لطائف كرمه ~~وآيات بره وأعلام فضله وهذا شوق تغشاه المبار وتخالجه المسار ويقاومه ~~الاصطبار # الشوق إلى الله لا ينافي الشوق إلى الجنة فإن أطيب ما في الجنة قربه ~~تعالى ورؤيته وسماع كلامه ورضاه نعم الشوق إلى مجرد الأكل والشرب والحور ~~العين في الجنة ناقص جدا بالنسبة إلى شوق المحبين إلى الله تعالى بل لا ~~نسبة له إليه البتة وهذا الشوق درجتان # إحداهما شوق زرعه الحب الذي سببه الإحسان والمنة وهو الذي قال فيه ينبت ~~على حافات المنن فسببه مطالعة منة الله وإحسانه ونعمه # وقد تقدم بيان ذلك في منزلة المحبة وتبين أن محبة الأسماء والصفات أكمل ~~وأقوى من محبة الإحسان والآلاء # وفي قوله تنبت على حافات المنن أي جوانبه إشارة إلى عدم تمكنها وقوتها ~~وأنها من نبات الحافات التي هي جوانب المنن لا من نبات الأسماء والصفات # وقوله فعلق قلبه بصفاته المقدسة يعني الصفات المختصة بالمنن والإحسان ~~كالبر والمنان والمحسن والجواد والمعطي والغفور ونحوها PageV03P057 # وقوله المقدسة يعني المطهرة المنزهة عن تأويل المحرفين وتشبيه الممثلين ~~وتعطل المعطلين وإنما قلنا إن مراده هذه الصفات الخاصة لوجهين # أحدهما أن تعلق القلب بالصفات العامة إنما يكون في الدرجة الثالثة # الثاني أنه جعل ثمرة هذا التعلق شوق العبد إلى معاينة لطائف كرم الرب ~~ومننه وإحسانه وآيات بره وهي علامات بره بالعبد وإحسانه إليه وكذلك أعلام ~~فضله وهو ما يفضل عليه به ويفضله به على غيره # قوله وهذا شوق تغشاه المبار يعني أنه شوق معلول ليس خالصا لذات المحبوب ~~بل لما ينال منه من المبار فقد غشيته أي أدركته المبار # قوله وتخالجه ms0849 المسار أي تجاذبه فإن المخالجة هي المجاذبة فإذا خالط هذا ~~الشوق الفرح كان ممزوجا بنوع من الحظ # وقوله ويقاومه الاصطبار أي أن صاحبه يقوى على الصبر فيقاوم صبره شوقه ولا ~~يغلبه بخلاف الشوق في الدرجة الثالثة # | فصل قال الدرجة الثالثة نار أضرمها صفو المحبة فنغصت العيش وسلبت # السلوة ولم ينهنهها معزى دون اللقاء # يريد أن الشوق في هذه المرتبة شبيه بالنار التي أضرمها صفو المحبة وهو ~~خالصها وشبهه بالنار لالتهابه في الأحشاء # وفي قوله صفو المحبة إشارة إلى أنها محبة لم تكن لأجل المنة والنعم ولكن ~~محبة متعلقة بالذات والصفات # قوله فنغصت العيش أي منعت صاحبها السكون إلى لذيذ العيش والتنغيص قريب من ~~التكدير # قوله وسلبت السلوة أي نهبت السلو وأخذته قهرا PageV03P058 # والسلوة هي الخلاص من كرب المحبة وإلقاء حملها عن الظهر والإعراض عن ~~المحبوب تناسيا # وقوله لم ينهنهها معزى دون اللقاء أي لم يكفها ويردها قرار دون لقاء ~~المحبوب وهذه لا يقاومها الاصطبار لأنه لا يكفها دون لقاء من يحب قرار # | فصل وقد يقوى هذا الشوق ويتجرد عن الصبر فيسمى قلقا وبذلك سماه # صاحب المنازل واستشهد عليه بقوله تعالى حاكيا عن كليمه موسى عليه السلام ~~وعجلت إليك ربي لترضى فكأنه فهم أن عجلته إنما حمله عليها القلق وهو تجريد ~~الشوق للقائه وميعاده # وظاهر الآية أن الحامل لموسى على العجلة هو طلب رضى ربه وأن رضاه في ~~المبادرة إلى أوامره والعجلة إليها ولهذا احتج السلف بهذه الآية على أن ~~الصلاة في أول الوقت أفضل سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك قال إن رضى ~~الرب في العجلة إلى أوامره # ثم حده صاحب المنازل بأنه تجريد الشوق بإسقاط الصبر أي تخلصه من كل شائبة ~~بحيث يسقط معه الصبر فإن قارنه اصطبار فهو شوق # ثم قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى قلق يضيق الخلق ويبغض الخلق ~~ويلذذ الموت # يعني يضيق خلق صاحبه عن احتمال الأغيار فلا يبقى فيه اتساع لحملهم فضلا ~~عن تقييدهم له وتعوقه بأنفاسهم # ويبغض الخلق يعني لا شيء ms0850 أبغض إلى صاحبه من اجتماعه بالخلق لما في ذلك من ~~التنافر بين حاله وبين خلطتهم # وحدثني بعض أقارب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال كان في بداية أمره ~~يخرج أحيانا إلى الصحراء يخلو عن الناس لقوة ما يرد عليه فتبعته يوما ~~PageV03P059 فلما أصحر تنفس الصعداء ثم جعل يتمثل بقول الشاعر وهو لمجنون ~~ليلى من قصيدته الطويلة # وأخرج من بين البيوت لعلني % أحدث عنك النفس بالسر خاليا # وصاحب هذه الحال إن لم يرده الله سبحانه إلى الخلق بتثبيت وقوة وإلا فإنه ~~لا صبر له على مخالطتهم # قوله ويلذذ الموت فإن صاحبه يرجو فيه لقاء محبوبه فإذا ذكر الموت التذ به ~~كما يلتذ المسافر بتذكر قدومه على أهله وأحبابه # | فصل قال الدرجة الثانية قلق يغالب العقل ويخلي السمع ويطاول الطاقة # أي يكاد يقهر العقل ويغلبه فهو والعقل تارة وتارة ولكن لما لم يصل إلى ~~درجة الشهود لم يصطلمه فإن العقل لا يصطلمه إلا الشهود ولذلك قال يغالب ولم ~~يقل يغلب # وأما إخلاؤه السمع فهو يتضمن إخاءه من شيء وإخلاءه لشيء فيخليه من ~~استماعه ذكر الغير ويخليه لاستماعه أوصاف المحبوب وذكره وحديثه وقد يقوى ~~إلى أن يبعد بين قلب صاحبه وبين إدراك الحواس لانقهار الحس لسلطان القلق # قوله ويطاول الطاقة يعني يصابرها ويقاومها فلا تقدر طاقة الاصطبار على ~~دفعه ورده والله أعلم # | فصل قال الدرجة الثالثة قلق لا يرحم أبدا ولا يقبل أمدا ولا يبقى # أحدا # يريد أن هذا القلق له القهر والغلبة لأنه ربما كان عن شهود فإذا علق ~~بالقلب لم يبق عليه حتى يلقيه في فناء الشهود PageV03P060 # ولا يقبل أمدا أي لا يقبل حدا ومقدارا يقف عنده وينقضي به كما ينقضي ذو ~~الأمد فإنه حاكم غير محكوم عليه مالك للقلب غير مملوك له # ولا يبقى أحدا أي يلقى صاحبه في الشهود الذي تفنى فيه الرسوم وتضمحل فلا ~~يبقى معه على أحد رسمه حتى يفنيه والله أعلم # | فصل ثم يقوى هذا القلق ويتزايد حتى يورث القلب حالة شبيهة بشدة ظمأ # الصادي ms0851 الحران إلى الماء وهذه الحالة هي التي يسميها صاحب المنازل العطش ~~واستشهد عليه بقوله تعالى عن الخليل @QB@ فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال ~~هذا ربي @QE@ كأنه أخذ من إشارة الآية أنه لشدة عطشه إلى لقاء محبوبه لما ~~رأى الكوكب قال هذا ربي فإن العطشان إذا رأى السراب ذكر به الماء فاشتد ~~عطشه إليه # وهذا ليس معنى الآية قطعا وإنما القوم مولعون بالإشارات وإلا فالآية قد ~~قيل إنها على تقدير الاستفهام أي أهذا ربي وليس بشيء # وقيل إنها على وجه إقامة الحجة على قومه فتصور بصورة الموافق ليكون أدعى ~~إلى القبول ثم توسل بصورة الموافقة إلى إعلامهم بأنه لا يجوز أن يكون ~~المعبود ناقصا آفلا فإن المعبود الحق لا يجوز أن يغيب عن عابديه وخلقه ~~ويأفل عنهم فإن ذلك مناف لربوبيته لهم أو أنه انتقل من مراتب الاستدلال على ~~المعبود حتى أوصله الدليل إلى الذي فطر السماوات والأرض فوجه إليه وجهه ~~حنيفا موحدا مقبلا عليه معرضا عما سواه والله سبحانه أعلم PageV03P061 # | فصل قال العطش كناية عن غلبة ولوع بمأمول الولوع بالشيء هو # التعلق به بصفة المحبة مع أمل الوصول إليه # وقيل في حد الولوع إنه كثرة ترداد القلب إلى الشيء المحبوب كما يقال فلان ~~مولع بكذا وقد أولع به # وقيل هو لزوم القلب للشيء فكأنه مثل أغرى به فهو مغرى # قال وهو على ثلاث درجات الأولى عطش المريد إلى شاهد يرويه أو إشارة تشفيه ~~أو عطفة تؤويه # ولما كان المريد من أهل طلب الشواهد على الاعتبار ومثير العزمات وتعلق ~~العباد بالأعمال # وقوله شاهد يرويه يحتمل أنه من الرواية أي يرويه عمن أقامه له فيكون ذلك ~~إشارة إلى شواهد العلم فهو شديد العطش إلى شواهد يرويها عن الصادقين من أهل ~~السلوك يزداد بها تثبيتا وقوة بصيرة فإن المريد إذا تجددت له حالة أو حصل ~~له وارد استوحش من تفرده بها فإذا قام عنده بمثلها شاهد حال لمريد آخر صادق ~~قد سبقه إليها استأنس بها أعظم استئناس واستدل بشاهد ذلك المريد على ms0852 صحة ~~شاهده فلذلك يشتد عطشه إلى شاهد يرويه عن الصادقين # ويحتمل أنه من الري فيكون مضموم الياء يعني إذا حصل له الري بذلك الشاهد ~~ونزل على قلبه منزلة الماء البارد من الظمآن فقرر عنده صحته وأنه شاهد حق # ويرجح هذا ذكر الري مع العطش ويرجح الأول ذكره لفظة الري في قوله أو عطفة ~~ترويه والأمر قريب PageV03P062 # قوله أو إشارة تشفيه أي تشفي قلبه من علة عارضة فإذا وردت عليه الإشارة ~~إما من صادق مثله أو من عالم أو من شيخ مسلك أو من آية فهمها أو عبرة ظفر ~~بها اشتفى بها قلبه وهذا معلوم عند من له ذوق # قوله أو إلى عطفة ترويه أي عطفة من جانب محبوبه عليه تروي لهيب عطشه ~~وتبرده ولا شيء أروى لقلب المحب من عطف محبوبه عليه ولا شيء أشد للهيبه ~~وحريقه من إعراض محبوبه عنه ولهذا كان عذاب أهل النار باحتجاب ربهم عنهم ~~أشد عليهم مما هم فيه من العذاب الجسماني كما أن نعيم أهل الجنة برؤيته ~~تعالى وسماع خطابه ورضاه وإقباله أعظم من نعيمهم الجسماني # | فصل قال الدرجة الثانية عطش السالك إلى أجل يطويه ويوم يريه ما # يغنيه ومنزل يستريح فيه # إما أن يريد بالأجل الذي يطويه انقضاء مدة سجن القلب والروح في البدن حتى ~~تصل إلى ربها وتلقاه وهذا هو الظاهر من كلامه # وأما أن يريد به عطشه إلى مقصود السلوك من وصوله إلى محبوبه وقرة عينه ~~وجمعيته عليه فهو يطوي مراحل سيره حثيثا ليصل إلى هذا المقصود وحينئذ يعود ~~إليه سير آخر وراء هذا السير مع عدم مفارقته له فإنه إنما وصل به إليه فلو ~~فارقه لانقطع انقطاعا كليا ولكن يبقى له سير وهو مستلق على ظهره يسبق به ~~السعاة # ويرجح هذا المعنى الثاني أن المريد الصادق لا يحب الخروج من الدنيا حتى ~~يقضى نحبه لعلمه أنه لا سبيل إلى انقضائه في غير هذه الدار فإذا علم أنه قد ~~PageV03P063 قضى نحبه أحب حينئذ الخروج منها ولكن لا يقضي نحبه حتى يوفى ms0853 ما ~~عليه # والناس ثلاثة موف قد قضى نحبه ومنتظر للوفاء ساع فيه حريص عليه ومفرط في ~~وفاء ما عليه من الحقوق والله المستعان # قوله ويوم يريه ما يغنيه أي يوم يرى فيه ما يغني قلبه ويسد فاقته من قرة ~~عينه بمطلوبه ومراده # قوله ومنزل يستريح فيه أي منزل من منازل السير ومقام من مقامات الصادقين ~~يستريح فيه قلبه ويسكن فيه ويخلص من تلون الأحوال عليه فإن المقامات منازل ~~والأحوال مراحل فصاحب الحال شديد العطش إلى مقام يستقر فيه وينزله # | فصل قال الدرجة الثالثة عطش المحب إلى جلوة ما دونها سحاب علة ولا # يغطيها حجاب تفرقة ولا يعرج دونها على انتظار # عطش المحب فوق عطش المريد والسالك وإن كان كل محب سالكا وكل مريد سالكا ~~وكل سالك ومريد محب لكن خص المحب بهذا الاسم لتمكنه من المحبة ورسوخ قلبه ~~فيها والمريد والسالك يشمران إلى علمه الذي رفع له ووصل إليه ولذلك جعل ~~الأولى لأهل البدايات والثانية للمتوسطين والثالثة لأهل النهايات # وقوله عطش المحب إلى جلوة ما دونها سحاب # يريد بالجلوة استجلاء القلب لصفات المحبوب ومحاسنه وانكشافها له ~~PageV03P064 # وقوله ما دونها سحاب أي لا يسترها شيء من سحب النفس وهي سحب العلل التي ~~هي بقايا في العبد تحول بينه وبين استجلائه صفات محبوبه وتعوقه عنه فمهما ~~بقي في العبد بقية من نفسه فهي سحاب وغيم ساتر على قدره فكثيف ورقيق وبين ~~بين # قوله ولا يغطيها حجاب الحجاب في لسان الطائفة النفس وصفاتها وأحكامها وهم ~~مجمعون على أن النفس من أعظم الحجب بل هي الحجاب الأكبر فإن حجاب الرب ~~سبحانه عن ذاته هو النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من ~~خلقه وحجابه من عبده هو نفسه وظلمته فلو كشف عنه هذا الحجاب لوصل إلى ربه ~~والوصول عند القوم عبارة عن ارتفاع هذا الحجاب وزواله فالحجاب الذي يشتد ~~على المحب ويشتد عطشه إلى زواله هو حجاب الظلمة والنفس وهو الحجاب الذي ~~بينه وبين الله # وأما الحجاب الذي بين الله وبين ms0854 خلقه وهو حجاب النور فلا سبيل إلى كشفه ~~في هذا العالم البتة ولا يطمع في ذلك بشر ولم يكلم الله بشرا إلا من وراء ~~حجاب وهذا الحجاب كاشف للعبد موصل له إلى مقام الإحسان الذي يعبر عنه القوم ~~بمقام المشاهدة والأول ساتر للعبد قاطع له حائل بينه وبين الإحسان وحقيقة ~~الإيمان # والتفرقة كلها عندهم حجب إلا تفرقة في الله وبالله ولله فإنها لا تحجب ~~العبد عنه بل توصله إليه فلذلك قال ولا يغطيها حجاب تفرقة فإن التفرقة إنما ~~تكون حجابا إذا كانت بالنفس ولها # قوله ولا يعرج دونها على انتظار يعني لا يعرج المشاهد لم يشاهده على ~~PageV03P065 انتظار أمر آخر وراءها كما يعرج المحب المحجوب على انتظار زوال ~~حجابه والمراد أنه حصل له مشهد تام لا يبقى له بعده ما ينتظره # وهذا عندي وهم بين فإنه لا غاية لجمال المحبوب وكمال صفاته بحيث يصل ~~المشاهد لها إلى حالة لا ينتظر معها شيئا آخر # هذا وسنبين إن شاء الله تعالى أنه لا يصح لأحد في الدنيا مقام المشاهدة ~~أبدا وأن هذا من أوهام القوم وترهاتهم وإنما غاية ما يصل إليه العبد ~~الشواهد ولا سبيل لأحد قط في الدنيا إلى مشاهدة الحق سبحانه وإنما وصوله ~~إلى شواهد الحق ومن زعم غير هذا فلغلبة الوهم عليه وحسن ظنه بترهات القوم ~~وخيالاتهم # ولله در الشبلي حيث سئل عن المشاهدة فقال من أين لنا مشاهدة الحق لنا ~~شاهد الحق هذا وهو صاحب الشطحات المعروفة وهذا من أحسن كلامه وأبينه 3 ~~وأراد بشاهد الحق ما يغلب على القلوب الصادقة العارفة الصافية من ذكره ~~ومحبته وإجلاله وتعظيمه وتوقيره بحيث يكون ذلك حاضرا فيها مشهودا لها غير ~~غائب عنها ومن أشار إلى غير ذلك فمغرور مخدوع وغايته أن يكون في خفارة صدقة ~~وضعف تمييزه وعلمه # ولا ريب أن القلوب تشاهد أنوارا بحسب استعدادها تقوى تارة وتضعف أخرى ~~ولكن تلك أنوار الأعمال وإلإيمان والمعارف وصفاء البواطن والأسرار لا أنها ~~أنوار الذات المقدسة فإن الجبل لم يثبت لليسير من ذلك ms0855 النور حتى تدكدك وخر ~~الكليم صعقا مع عدم تجليه له فما الظن بغيره # فإياك ثم إياك وترهات القوم وخيالاتهم وأوهامهم فإنها عند العارفين أعظم ~~من حجاب النفس وأحكامها فإن المحجوب بنفسه معترف بأنه في ذلك الحجاب ~~PageV03P066 وصاحب هذه الخيالات والأوهام يرى أن الحقيقة قد تجلت له ~~أنوارها ولم يحصل ذلك لموسى بن عمران كليم الرحمن فحجاب هؤلاء أغلظ بلا شك ~~من حجاب اولئك ولا يقر لنا بهذا إلا عارف قد أشرق في باطنه نور السنة ~~المحمدية فرأى ما الناس فيه وما أعز ذلك في الدنيا وما أغر به بين الخلق ~~وبالله المستعان # فالصادقون في أنوار معارفهم وعباداتهم وأحوالهم ليس إلا وأنوار ذات الرب ~~تبارك وتعالى وراء ذلك كله وهذا الموضع من مقاطع الطريق ولله كم زلت فيه ~~أقدام وضلت فيه أفهام وحارت فيه أوهام ونجا منه صادق البصيرة تام المعرفة ~~علمه متصل بمشكاة النبوة وبالله التوفيق # | فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الوجد ثبت # في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي أنه قال ثلاث من كن فيه ~~وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب ~~المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه ~~كما يكره أن يلقى في النار / ح / # وقد استشهد صاحب المنازل بقوله تعالى في أهل الكهف وربطنا على قلوبهم إذا ~~قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا ~~شططا وهذا من أحسن الاستدلال والاستشهاد فإن هؤلاء كانوا بين قومهم الكفار ~~في خدمة ملكهم الكافر فما هو إلا أن وجدوا حقيقة الإيمان والتوفيق وذاقوا ~~حلاوته وباشر قلوبهم فقاموا من بين قومهم وقالوا ربنا رب السموات والأرض ~~الآية # والربط على قلوبهم يتضمن الشد عليها بالصبر والتثبيت وتقويتها وتأييدها ~~بنور الإيمان حتى صبروا على هجران دار قومهم ومفارقة ما كانوا فيه من خفض ~~العيش وفروا بدينهم إلى الكهف PageV03P067 # والربط على القلب عكس الخذلان فالخذلان حله ms0856 من رباط التوفيق فيغفل عن ذكر ~~ربه ويتبع هواه ويصير أمره فرطا # والربط على القلب شده برباط التوفيق فيتصل بذكر ربه ويتبع مرضاته ويجتمع ~~عليه شمله فلهذا استشهد عليه بهذه الآية في مقام الوجد # والشيخ جعل مقام الوجد غير مقام الوجود كما سيأتي إن شاء الله تعالى فإن ~~الوجود عند القوم هو الظفر بحقيقة الشيء والوجد هو ما يصادف القلب ويرد ~~عليه من واردات المحبة والشوق والإجلال والتعظيم وتوابع ذلك والمواجيد ~~عندهم فوق الوجد فإن الوجد مصادفة والمواجيد ثمرات الأوراد وكلما كثرت ~~الأوراد قويت المواجيد # والوجود عندهم فوق ذلك وهو الظفر بحقيقة المطلوب ولا يكون إلا بعد خمود ~~البشرية وانسلاخ أحكام النفس انسلاخا كليا # قال الجنيد علم التوحيد مباين لوجوده ووجوده مباين لعلمه # ولا يريد بالمباينة المخالفة والمناقضة فإنه يطابقه مطابقة العلم للمعلوم ~~3 وإنما يريد بالمباينة أن حال الموحد وذوقه للتوحيد وانصباغ قلبه بحاله ~~أمر وراء علمه به ومعرفته به والمباينة بينهما كالمباينة بين علم الشوق ~~والتوكل والخوف ونحوها وبين حقائقها ومواجيدها # فالمراتب أربعة أضعفها التواجد وهو نوع تكلف وتعمل واستدعاء واختلفوا فيه ~~هل يسلم لصاحبه أم لا على قولين فطائفه قالت لا يسلم لصاحبه وينكر عليه لما ~~فيه من التكلف والتصنع المباين لطريق الصادقين وبناء هذا الأمر على الصدق ~~المحض PageV03P068 # وطائفة قالت يسلم لصاحبه إذا كان قصده استدعاء الحقيقة لا التشبه بأهلها ~~واحتجوا بقول عمر رضي الله عنه وقد رأى رسول الله وأبا بكر يبكيان في شأن ~~اسارى بدر وما قبلوا منهم من الفداء أخبراني ما يبكيكما فإن وجدت بكاء بكيت ~~وإلا تباكيت ورووا أثرا أبكوا فإن لم تبكوا فتباكوا # قالوا والتكلف والتعمل في أوائل السير والسلوك لا بد منه إذ لا يطالب ~~صاحبه بما يطالب به صاحب الحال ومن تأمله بنية حصول الحقيقة لمن رصد الوجد ~~لا يذم والتواجد يكون بما يتكلفه العبد من حركات ظاهرة والمواجيد لمن ~~يتأوله من أحكام باطنة # المرتبة الثانية المواجيد وهي نتائج الأوراد وثمراتها # المرتبة الثالثة الوجد وهو ثمرة أعمال القلوب من ms0857 الحب في الله والبغض فيه ~~كما جعله النبي ثمرة كون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما وثمرة الحب ~~فيه وكراهة عوده في الكفر كما يكره أن يقذف في النار فهذا الوجد ثمرة هذه ~~الأعمال القلبية التي هي الحب في الله والبغض في الله # المرتبة الرابعة الوجود وهي أعلى ذروة مقام الإحسان فمن مقام الإحسان ~~يرقى إليه فإنه إذا غلب على قلبه مشاهدة معبوده حتى كأنه يراه وتمكن في ذلك ~~صار له ملكة أخمدت أحكام نفسه وتبدل بها أحكاما أخر وطبيعة ثانية حتى كأنه ~~أنشىء نشأة أخرى غير نشأته الأولى وولد ولادا جديدا # ومما يذكر عن المسيح عليه السلام أنه قال يا بني إسرائيل لن تلجوا ملكوت ~~السماء حتى تولدوا مرتين # سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يذكر ذلك ويفسره بأن الولادة نوعان ~~أحدهما هذه المعروفة والثانية ولادة القلب والروح وخروجهما من مشيمة النفس ~~وظلمة الطبع PageV03P069 # قال وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمؤمنين وقد قرأ أبي ~~بن كعب رضي الله عنه @QB@ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم @QE@ وهو أب لهم # قال ومعنى هذه الآية والقراءة في قوله تعالى @QB@ وأزواجه أمهاتهم @QE@ ~~إذ ثبوت أمومة أزواجه لهم فرع عن ثبوت أبوته # قال فالشيخ والمعلم والمؤدب أب الروح والوالد أب الجسم # ويقال في الحب وجد في الغضب موجدة وفي الظفر وجدان ووجود # | فصل قال صاحب المنازل الوجد لهب يتأجج من شهود عارض القلق # لما كان الوجود أعلى من الوجد جعل سبب الوجد شهودا عارضا وجعل الوجود نفس ~~الظفر بالشيء كما سيأتي وإنما أوجب اللهب لأن صاحبه لما شهد محبوبه أورثه ~~ذلك لهيب القلب إليه ولما لم يظفر به أورثه القلق فلذلك جعله لهيبا مقلقا # قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى وجد عارض يستفيق له شاهد السمع أو ~~شاهد البصر أو شاهد الفكر أبقى على صاحبه أثرا أو لم يبق # قوله وجد عارض أي متجدد ليس بلازم يستفيق له شاهد السمع أي ينتبه السمع ~~من سنته لوروده عليه وهذا إذا ms0858 كان المنبه له خطابا من خارج أو من نفسه وأما ~~إفاقة شاهد البصر فلما يراه ويعاينه من آيات الله فينتقل منها إلى ما نصبت ~~آية له وعليه وأما إفاقة شاهد الفكر ففيما يفتح له من المعاني التي أوقعه ~~عليها فكره وتأمله # وهذه الشواهد الثلاثة التي دعا الله سبحانه عباده إلى تبينها والاستشهاد ~~بها وقبول الحق الذي تشهد به وترتيب حكم هذه الشهادة عليها من التوحيد ~~والإقرار PageV03P070 والإيمان قال الله تعالى @QB@ أفلم يسيروا في الأرض ~~فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور @QE@ وقال @QB@ أفلم يدبروا القول @QE@ وقال ~~أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أفقاطها وقال انظروا ماذا في خلق السماوات ~~والأرض وقال أفلم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق وأجل مسمى وقال @QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم ولعلهم يتفكرون @QE@ والقرآن مملوء من هذا # فإذا استفاق شاهد السمع والبصر والفكر ووجد القلب حلاوة المعروفة ~~والإيمان خرج من جملة النيام الغافلين # قوله أبقى على صاحبه أثرا أو لم يبق يعني أن ذلك الوجد العارض قد يبقى ~~على واجده أثرا من أحكامه بعد مفارقته وقد لا يبقي والظاهر أنه لا بد أن ~~يبقي أثرا لكن قد يخفى وينغمر بما يعقبه بعده ويخلفه من أضداده # | فصل قال الدرجة الثانية وجد تستفيق له الروح بلمع نور أزلي أو سماع # نداء أولى أو جذب حقيقي إن أبقى على صاحبه لباسه وإلا أبقى عليه نوره # إنما كان هذا الوجد أعلى من الوجد الأول لأن محل اليقظة فيه هو الروح ~~ومحلها في الأول السمع والبصر والفكر والروح هي الحاملة للسمع والبصر ~~والفكر وهذه الأوصاف من صفاتها # وأيضا فلعلو وجد الروح سبب آخر وهو علو متعلقه فإن متعلق وجد السمع ~~والبصير والفكر الآيات والبصائر ومتعلق وجد الروح تعلقها بالمحبوب لذاته ~~ولذلك جعل سببه لمع نور أزلي يعني شهودها لمع نور الحقيقة الأزلي وهذا ~~الشهود لا حظ فيه للسمع ولا ms0859 للبصر ولا للفكر بل تستنير به الأسماع والأبصار ~~لأن الروح لما استنارت بهذه اليقظة والإفاقة ثم استنارت بنورها الأسماع ~~PageV03P071 والأبصار لا سيما وصاحبها في هذه الحال إنما يسمع بالله ويبصر ~~به وإذا كان سمعه وبصره وبطشه بالله فما الظن بحركة روحه وقلبه وأحكامها # وقوله أو سماع نداء أولى إن أراد به تعرف الحق تعالى إلى عباده بواسطة ~~الخطاب على ألسنة رسله وهذا هو الخطاب الأزلي فصحيح وإن أراد به خطاب الملك ~~له فليس بخطاب أزلي وإن أراد ما سمعه في نفسه من الخطاب فهو خطاب وهمي وإن ~~ظنه أزليا فإياك والأوهام والغرور # ونحن لا ننكر الوجود ولا ندفع الشهود وإنما نتكلم مع القوم في رتبته ~~وإنشائه ومن أين بدأ وإلى أين يعود فلا ننكر واعظ الله في قلب عبده المؤمن ~~الذي يأمره وينهاه ولكن ذلك في قلب كل مؤمن جعله الله واعظا له يأمره ~~وينهاه ويناديه ويحذره ويبشره وينذره وهو الداعي الذي يدعو فوق الصراط ~~والداعي على رأس الصراط كتاب الله كما في المسند والترمذي من حديث النواس ~~بن سمعان رضي الله عنه عن النبي قال ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى ~~جنبتي الصراط سوران وفي السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وداع ~~يدعو على رأس الصراط وداع يدعو فوق الصراط فالصراط المستقيم الإسلام ~~والأبواب المفتحة محارم الله فلا يقع أحد في حد من حدود الله حتى يكشف ~~الستر والداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي فوق الصراط واعظ الله في ~~قلب كل مؤمن / ح / # فما ثم خطاب قط إلا من جهة من هاتين إما خطاب القرآن وإما خطاب هذا ~~الواعظ # ولكن لما كانت الروح قد تتجرد ويقوى تعلقها بالحق تعالى بل قد تتلاشى بما ~~سواه وقد يقترن بذلك نوع غيبة من حسه ويقوى داعي هذا الواعظ ويستولي على ~~قلبه وروحه بحيث يمتلىء به فتؤديه الروح إلى الأذن فيخرج عن الأذن إليها إذ ~~هي مبدؤه وإليها يعود فيظنه خطابا خارجا PageV03P072 وينضاف إلى ذلك نوع من ~~ضعف العلم ومعرفة المراتب ms0860 فينشأ الغلط والوهم # قوله أو جذب حقيقي يعني أن من أسباب هذا الوجد جذبة حقيقية من جذبات الرب ~~تعالى لعبده استفاقت لها روحه من منامها وحييت بها بعد مماتها واستنارت بها ~~بعد ظلماتها فالوجد خلعة هذه الجذبة # قوله إن أبقى على صاحبه لباسه وإلا أبقى عليه نوره # يريد بلباسه مقامه يعني إن أبقى عليه تحقق مقامه فيه وإلا أبقى عليه أثره ~~فمقامه يورثه عزا ومهابة وخلافة نبوة ومنشور صديقيه وأثره يورثه حلاوة ~~وسكينة وأنسا في نفسه وأنسا للقلوب به وهوى الأفئدة إليه # | فصل قال الدرجة الثالثة وجد يخطف العبد من يد الكونين ويمحص معناه # من درن الحظ ويسلبه من رق الماء والطين إن سلبه أنساه اسمه وإن لم يسلبه ~~أعاره رسمه # فقوله يخطف العبد من يد الكونين أي يغنيه عن شهود ما سوى الله من كوني ~~الدنيا والآخرة فيختطف القلب من شهود هذا وهذا بشهود المكون # قوله ويمحص معناه من درن الحظ أي يخلص عبوديته التي هي حقيقته وسره من ~~وسخ حظوظ نفسه وإراداتها المزاحمة لمراد ربه منه فإن تحقيق العبودية التي ~~هي معنى العبد لا يكون إلا بفقد النفس الحاملة للحظوظ فمتى فقدت حظوظها ~~تمحصت عبوديتها وكلما مات منها حظ حيي منها عبودية ومعنى وكلما حيى فيها حظ ~~ماتت عبودية حتى يعود الأمر على نفسين وروحين وقلبين قلب حي وروح حية بموت ~~نفسه وحظوظها وقلب ميت وروح PageV03P073 ميتة بحياة نفسه وحظوظه وبين ذلك ~~مراتب متفاوتة في الصحة والمرض وبين بين لا يحصيها إلا الله عز وجل # قوله ويسلبه من رق الماء والطين أي يعتقه ويحرره من رق الطبيعة والجسم ~~المركب من الماء والطين إلى رق رب العالمين فخادم الجسم الشقي بخدمته ~~عبدالماء والطين كما قيل # يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته % فأنت بالروح لا بالجسم إنسان # والناس في هذا المقام ثلاثة عبد محض وحر محض ومكاتب قد أدى بعض كتابته ~~وهو يسعى في بقية الأداء # فالعبد المحض عبد الماء والطين الذي قد استعبدته نفسه وشهوته وملكته ~~وقهرته فانقاد لها ms0861 انقياد العبد إلى سيده الحاكم عليه # والحر المحض هو الذي قهر شهوته ونفسه وملكها فانقادت معه وذلت له ودخلت ~~تحت رقه وحكمه # والمكاتب من قد عقد له سبب الحرية وهو يسعى في كمالها فهو عبد ومن وجه حر ~~من وجه وبالبقية التي بقيت عليه من الأداء يكون عبدا ما بقي عليه درهم فهو ~~عبد ما بقي عليه حظ من حظوظ نفسه # فالحر من تخلص من رق الماء والطين وفاز بعبودية رب العالمين فاجتمعت له ~~العبودية والحرية فعبوديته من كمال حريته وحريته من كمال عبوديته # قوله إن سلبه أنساه اسمه وإن لم يسلبه أعاره رسمه أي هذا الوجد إن سلب ~~صاحبه بالكلية فأفناه عنه وأخذه منه أنساه اسمه لأن الاسم تبع للحقيقة فإذا ~~سلب الحقيقة نسي اسمها وإن لم يسلبه بالكلية بل أبقى منه رسما فهو معار ~~عنده بصدد الاسترجاع فإن العواري يوشك أن تسترد ويشير بالأول إلى حالة ~~الفناء الكامل وبالثاني إلى حالة الغيبة التي يؤوب منها غائبها والله أعلم ~~PageV03P074 # | فصل وقد تعرض للسالك دهشة في حال سلوكه شبيهة بالبهتة التي تحصل # للعبد عند مفاجأة رؤية محبوبه وليست من منازل السلوك خلافا لأبي إسماعيل ~~الأنصاري حيث جعلها من المنازل بل من غارياتها فإن هذه الحالة ليست مذكورة ~~في القرآن ولا في السنة ولا في كلام السالكين ولا عدها أحد من المتقدمين من ~~المنازل والمقامات ولهذا لم يجد ما يستشهد به عليها سوى حال النسوة مع يوسف ~~عليه السلام لما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن # فصدر الباب بقوله تعالى @QB@ فلما رأينه أكبرنه @QE@ أي أعظمنه # فإن كان مقصوده ما حصل لهن من إعظامه وإجلاله فذلك منزلة التعظيم وإن كان ~~مراده ما ترتب على رؤيته لهن من غيبتهن عن أنفسهن وعن أيديهن وما فيها حتى ~~قطعنها فتلك منزلة الفناء # وإن كان مقصوده من الدهشة والبهتة التي حصلت لهن عند مفاجأته وهو الذي ~~قصده فذلك أمر عارض من عوارض الطريق عند مفاجأة ما يغلب على صبر الإنسان ~~وعقله ولا ريب أن ذلك عارض من عوارض ms0862 الطريق ليس بمقام للسالكين ولا منزل ~~مطلوب لهم فعوارض الطريق شيء ومنازلها ومقاماتها شيء # فلهذا قال في تعريفه الدهش بهتة تأخذ العبد عند مفاجأة ما يغلب على عقله ~~أو صبره أو علمه # يشير إلى الشهود الذي يغلب على عقله والحب الذي يغلب على صبره والحال ~~التي تغلب على علمه # قال وهو على ثلاث درجات الأولى دهشة المريد عند صولة الحال على علمه ~~والوجد على طاقته والكشف على همته # يعني أن علمه يقتضي شيئا وحاله يصول عليه بخلافه فهذا غايته أن يكون ~~معذورا إن لم يكن مفرطا فإن الحال لا يصول على العلم إلا وأحدهما فاسد ~~PageV03P075 إما الصائل أو المصول عليه فإذا اقتضى العلم سكونا فصال عليه ~~الحال بحركته فهي حركة فاسدة غاية صاحبها أن يكون معذورا لا مشكورا وإذا ~~اقتضى العلم حركة فصال الحال عليه بسكونه فهو سكون فاسد # مثال الأول اقتضاء العلم للسكون والخشوع عند وارد السماع القرآني وصولة ~~الحال عليه حتى يزعق ويشق ثيابه أو يلقي نفسه لورود ما يدهشه من معاني ~~المسموع على قلبه فيصول حاله على عمله حتى لو كان في صلاة فرض لأبطلها ~~وقطعها # ومثال الثاني اقضاء العلم حركة مفرقة في رضى المحبوب فيصول الحال عليها ~~بسكونه وجمعيته حتى يقهرها وهذه من مقاطع القوم وآفاتهم وما نجا منها إلا ~~أهل البصائر منهم العاملون على تجريد العبودية وكثرة صور هذا مغنية عن كثرة ~~الأمثلة فإن أكثرهم يقدم حال الجمعية على ملابسة الأغيار والأعداء في ~~الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويصول حال الجمعية عنده على ~~الحركة التي يأمر بها العلم كما صالت حركة الأول على السكون الذي يأمر به ~~العلم # قوله والوجد على الطاقة يعني أن وجد المحب ربما غلب صبره وصال على طاقته ~~فصرخ إلى محبوبه واستغاث به حتى يأتي النصر من عنده بل صراخه به واستغاثته ~~به عين نصره إياه حيث حفظ عليه وجده ولم يرده فيه إلى صبر يسلو به ويجفو ~~فيكون ذلك نوع طرد # قوله والكشف على همته يعني أن الهمة تستدعي ms0863 صدق الطلب ودوامه والكشف هو ~~الشهود وهو في مظنة فسخ الهمة وإبطال حكمها لأنها تقتضي الطلب وهو يقتضي ~~الفتور لأن الطلب للغائب عن المطلوب فهمته متعلقة بتحصيله وصاحب الكشف في ~~حضور مع مطلوبه فكشفه صائل على همته كما قال بعضهم إذا برقت بارقة من بوارق ~~الحقيقة لم يبق معها حال ولا همة 3 وهذا أيضا عارض مطلوب الزوال والبقاء ~~معه انقطاع كلي فإن السالك في همة ما دامت روحه في جسده فإذا فارقته الهمة ~~انقطع واستحسر PageV03P076 # | فصل قال في الدرجة الثانية دهشة السالك عند صولة الجمع على رسمه # والسبق على وقته والمشاهدة على روحه # الجمع عند القوم ما أسقط التفرقة وقطع الإشارة وباين الكائنات ورسم العبد ~~عندهم هو صورته الظاهرة والباطنة فشهود الجمع يقتضي أن يستولي على فناء تلك ~~الرسوم فيه فللجمع صولة على رسم السالك يغشاه عندهم بهتة هي الدهشة المشار ~~إليها # وأما صولة السبق على وقته فالسبق هو الأزل وهو سابق على وقت السالك وإنما ~~بالاتصال الأزل على وقته لأن وقته حادث فان فهو يرى فناءه في بقاء الأزل ~~وسبقه فيغلبه شهود السبق ويقهره على شهود وقته فلا يتسع له # وأما صولة المشاهدة على روحه فلما كانت المشاهدة تعلق إدراك الروح بشهود ~~الحق تعالى فهي شهود الحق بالحق كما قال تعالى في الحديث القدسي فبي يسمع ~~وبي يبصر اقتضى هذا الشهود صولة على الروح فحيث صار الحكم له دونها انطوى ~~حكم الشاهد في شهوده وقد عرفت ما في ذلك فيما تقدم # قال الدرجة الثالثة دهشة المحب عند صولة الاتصال على لطف العطية وصولة ~~نور القرب على نور العطف وصولة شوق العيان على شوق الخبر # الاتصال عنده على ثلاثة مراتب اتصال الاعتصام واتصال الشهود واتصال ~~الوجود كما سيأتي الكللام عليه إن شاء الله وبيان ما فيه من حق وباطل يجل ~~عنه جناب الحق تعالى # والعطية ههنا هي الواردات التي ترد في لطف وخفاء على قلب العبد من قبل ~~الحق تعالى وهي ألطاف يعامل المحبوب بها محبه توجب قربا خالصا ms0864 هو المسمى ~~بالاصال فيصول ذلك القرب على لطف العطية فيغيب العبد عنها PageV03P077 وعن ~~شهودها وينسيه إياها لما أوجبه له ذلك القرب من الدهش وقد يكون سبب ذلك ~~تواتر أنواع العطايا عليه حتى يدهشه كثرتها وتنوعها فتوجب له كثرتها دهشة ~~تمنعه من مطالعتها مع انضمام ذلك إلى صولة القرب وهي واردات وأنوار يتصل ~~بعضها ببعض تمحو ظلم نفسه ورسمه # وأما صولة نور القرب على نور العطف فهو قريب من هذا أو هو بعينه وإنما ~~كرر المعنى بلفظ آخر فإن لطف العطية كله نور عطف والاتصال هو القرب نفسه ~~تعالى الله عن غير ذلك من اتصال يتوهمه ملاحدة الطريق وزنادقتهم # وأما صولة شوق العيان على شوق الخبر # فمراده بها أن المريد في أول الأمر سالك على شوق الخبر في مقام الإيمان ~~فإذا ترقى عنه إلى مقام الإحسان وتمكن منه بقي شوقه بشوق العيان فصال هذا ~~الشوق على الشوق الأول فإن كان هذا مراده وإلا فالعيان في الدنيا لا سبيل ~~للبشر إليه البتة ومن زعم خلاف ذلك فأحسن أحواله أن يكون ملبوسا عليه وليس ~~فوق الإحسان للصديقين مرتبة إلا بقاؤهم فيه فإن سمى ذلك عيانا فالتسمية ~~الشرعية المخلصة التي لا لبس فيها أولى وأحرى # وأكثر آفات الناس من الألفاظ ولا سيما في هذه المواضع التي يعز فيها تصور ~~الحق على ما هو عليه والتعبير المطابق فيتولد من ضعف التصور وقصور التعبير ~~نوع تخبيط ويتزايد على ألسنة السامعين له وقلوبهم بحسب قصورهم وبعدهم من ~~العلم فتفاقم الخطب وعظم الأمر والتبس طريق أولياء الله الصادقين بطرائق ~~الزنادقة الملحدين وعز المفرق بينهما فدخل على الدين من الفساد من ذلك مالا ~~يعلمه إلا الله وأشير إلى أعظم الخلق كفرا بالله عز وجل وإلحادا في دينه ~~اله من شيوخ التحقيق والمعرفة والسلوك PageV03P078 # ولولا ضمان الله بحفظ دينه وتكفلة بأن يقيم له من يجدد أعلامه ويحيى منه ~~ما أماته المبطلون وينعش ما أخمله الجاهلون لهدمت أركانه وتداعى بنيانه ~~ولكن الله ذو فضل على العالمين # | فصل في منزلة الهيمان وقد ms0865 يعرض للسالك عند ورود بعض المعاني # والواردات العجيبة على قلبه فرط تعجب واستحسان واستلذاذ يزيل عنه تماسكه ~~فيورثه ذلك الهيمان # وليس ذلك من مقامات السير ولا منازل الطريق المقصودة بالنزول فيها ~~للمسافرين خلافا لصاحب المنازل حيث عد ذلك من أعلى المنازل وغاياتها وعبر ~~عنه بمنزلة الهيمان ولهذا ليس له ذكر في القرآن ولا في السنة ولا في لسان ~~سلف القوم # وقد تكلف له صاحب المنازل الاستشهاد بقوله تعالى @QB@ وخر موسى صعقا @QE@ ~~وما أبعد الآية من استشهاده وكأنه ظن أن موسى ذهب عن تماسكه لما ورد عليه ~~في حالة الخطاب والتكليم الإلهي فأورثه ذلك هيمانا صعق منه وليس كما ظنه ~~وإنما صعق موسى عند تجلي الرب تعالى للجبل واضمحلاله وتدكدكه من تجلي الرب ~~تعالى # فالاستشهاد بالآية في منزلة الفناء التي تضمحل فيها الرسوم أنسب وأظهر ~~لأن تدكدك الجبل هو اضمحلال رسمه عند ورود نور التجلي عليه والصعق فناء في ~~هذه الحال لهذا الوارد المفني لبشرية موسى عليه الصلاة والسلام # وقد حده بأنه الذهاب عن التماسك تعجبا أو حيرة # يعني أن الهائم لا يقدر على إمساك نفسه للوارد تعجبا منه وحيرة # قال وهو أثبت دواما وأملك للنعت من الدهش # يعني أن الهائم قد يستمر هيمانه مدة طويلة بخلاف المدهوش وصاحب ~~PageV03P079 الهيمان يملك عنان القول فيصرفه كيف يشاء ويتمكن من التعبير ~~عنه وأما الدهش فلضيق معناه وقصر زمانه لم يملك النعت فالهائم أملك بنعت ~~حاله ووارده من المدهوش # قال وهو على ثلاث درجات الأولى هيمان في شيم أوائل برق اللطف عند قصد ~~الطريق مع ملاحظة العبد خسة قدره وسفالة منزلته وتفاهة قيمته # يريد أن القاصد للسلوك إذا نظر إلى مواقع لطف ربه به حيث أهله لما لم ~~يؤهل له أهل البلاء وهم أهل الغفلة والإعراض عنه أورثه ذلك النظر تعجبا ~~يوقعه في نوع من الهيمان قال بعض العارفين في الأثر المروى إذا رأيتم أهل ~~البلاء فسلوا الله العافية تدرون من أهل البلاء هم أهل الغفلة عن الله # وتقوى هذه الحال إذا انضاف إليها ms0866 شهود العبد خسة قدر نفسه فاستصغرها أن ~~تكون أهلا لما أهلت له وكذلك شهود سفالة منزلته أي انحطاط رتبته وكذلك شهود ~~تفاهة قيمته أي خستها وقلتها وحاصل ذلك كله احتقاره لنفسه واستعظامه للطف ~~ربه به وتأهيله له فيتولد من بين هذين الهيمان المذكور ولا ريب أنه يتولد ~~من بين هذين الشهودين أمور أخرى أجل وأعظم وأشرف من الهيمان من محبة وحمد ~~وشكر وعزم وإخلاص ونصيحة في العبودية وسرور وفرح بربه وأنس به هي مطلوبة ~~لذاتها بخلاف عارض الهيمان فإنه لا يطلب لذاته وليس هو من منازل العبودية # | فصل قال الدرجة الثانية هيمان في تلاطم أمواج التحقيق عند ظهور # براهينه وتواصل عجائبه ولوامع انواره # يريد أن السالك والمريد إذا لاحت له أنوار تحقق العلم والمعرفة اهتدى بها ~~إلى القصد عن بصيرة مستجدة ويقظة مستعدة فاستنار بها قلبه وأشرق ~~PageV03P080 لها سره فتلاطمت عليه أمواج التحقيق عند ظهور البراهين فهام ~~قلبه فيها وهذا أمر يعرفه بالذوق كل طالب لأمر عظيم انفتحت له الطرق ~~والأبواب إلى تحصيله # ويريد بتواصل عجائبه تتابع عجائب التحقيق وأن بعضها لا يحجب عن بعض ولا ~~يقف في طريق بعض وكذلك لوامع أنواره وأعظم ما يجد هذا الواجد عند استغراقه ~~في تدبر القرآن ويحصل ذلك بحسب استعداده وأهليته للفهم ونسبة ما دون ذلك ~~إليه كتفلة في بحر # | فصل قال الدرجة الثالثة هيمان عند الوقوع في عين القدم ومعاينة # سلطان الأزل والغرق في بحر الكشف # يريد هيمان الفناء والوقوع في عين القدم إنما يكون باضمحلال الرسم وفنائه ~~في شهود القدم فإنه يفنى من لم يكن مشهودا ويبقى من لم يزل وكذلك معاينة ~~سلطان الأزل لا يبقى معها معاينة رسوم الكائنات وأطلال الحادثات وأما بحر ~~الكشف الذي أشار إليه فهو انكشاف الحقيقة لعين القلب ولاتعتقد ان للسالك ~~وراء مقام الإحسان شيئا أعلى منه بل إلإحسان مراتب وأما الكشف الحقيقي ~~للحقيقة فلا سبيل إليه في الدنيا البتة # والقوم يلوح لأحدهم أنوار هي ثمرات الإيمان ومعاملات القلوب وآثار ~~الأحوال الصادقة فيظنونها نور الحقيقة ولا ms0867 يأخذهم في ذلك لومة لائم وإنما ~~PageV03P081 هي أنوار في بواطنهم ليس إلا وباب العصمة عن غير الرسل مسدود ~~إلا عمن اتفقت عليه الأمة والله أعلم # | فصل في نور البرق # ومن أنوار @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ نور البرق الذي يبدو للعبد ~~عند دخوله في طريق الصادقين # وهو لامع يلمع لقلبه يشبه لامع البرق # قال صاحب المنازل البرق باكورة تلمع للعبد فتدعوه إلى الدخول في هذه ~~الطريق # واستشهد عليه بقوله تعالى @QB@ وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال ~~لأهله امكثوا إني آنست نارا @QE@ # ووجه الاستشهاد أن النار التي رآها موسى كانت مبدأ في طريق نبوته # والبرق مبدأ في طريق الولاية التي هي وراثة النبوة # وقوله باكورة الباكورة هي أول الشيء ومنه باكورة الثمار وهو لما سبق نوعه ~~في النضج # وقوله يلمع للعبد أي يبدو له ويظهر فتدعوه إلى الدخول في هذه الطريق ولم ~~يرد طريق أهل البدايات فإن تلك هي اليقظة التي ذكرها في أول كتابه وإنما ~~أراد طريق أرباب التوسط والنهايات # وعلى هذا فالبرق الذي أشار إليه هو برق الأحوال لا برق الأعمال أو برق لا ~~سبب له من السالك إنما هو مجرد موهبة # والدليل على أنه أراد ما يحصل لأرباب التوسط والنهايات أنه أخذ بعد ~~تعريفه يفرق بينه وبين الوجد # فقال والفرق بينه وبين الوجد أن الوجد يقع بعد الدخول فيه والبرق قبله ~~فالوجد زاد والبرق إذن PageV03P082 # يريد أن البرق نور يقذفه الله في قلب العبد ويبديه له فيدعوه به إلى ~~الدخول في الطريق والوجد هو شدة الطلب وقوته الموجبة لتأجيج اللهيب من ~~الشهود كما تقدم # والوجد زاد يعني أنه يصحب السالك كما يصحبه زاده بل هو من نفائس زاده ~~والبرق إذن يعني إذنا في السلوك والإذن إنما يفسح للسالك في المسير لا غير # قال وهو ثلاث درجات الأولى برق يلمع من جانب العدة في عين الرجاء فيستكثر ~~فيه العبد القليل من العطاء ويستقل فيه الكثير من الإعياء ويستحلي فيه ~~مرارة القضاء # يعني بالعدة ما وعد الله أولياءه من ms0868 أنواع الكرامة في هذه الدار وعند ~~اللقاء # وقوله يلمع في عين الرجاء أي يبدو في حقيقة الرجاء من أفقه وناحيته فيوجب ~~له ذلك استكثار القليل ولا قليل من الله من عطائه والحامل له على هذا ~~الاستكثار أربعة أمور # أحدها نظره إلى جلالة معطيه وعظمته # الثاني احتقاره لنفسه فإن ازدراءه لها يوجب استكثار ما يناله من سيده # الثالث محبته له فإن المحبة إذا تمكنت من العبد استكثر قليل ما يناله من ~~محبوبه # الرابع أن هذا قبل العطاء لم يكن له إلف به ولا اتصال بالعطية فلما ~~فاجأته استكثرها # وأما استقلاله الكثير من الإعياء وهو التعب والنصب فلأنه لما بدا له برق ~~الوعود من أفق الرجاء حمله ذلك على الجد والطلب وحمل عنه مشقة السير فلم ~~يجد من مس الإعياء والنصب ما يجده من لم يشم ذلك # وكذلك استحلاؤه في هذا البرق مرارة القضاء وهو البلاء الذي PageV03P083 ~~يختبر به الله عز وجل عباده ليبلوهم أيهم أصبر وأصدق وأعظم إيمانا ومحبة ~~وتوكلا وإنابة فإذا لاح للسالك هذا البرق استحلى فيه مرارة القضاء # | فصل قال الدرجة الثانية برق يلمع من جانب الوعيد في عين الحذر # فيستقصر فيه العبد الطويل من الأمل ويزهد في الخلق على القرب ويرغب في ~~تطهير السر # هذا البرق أفقه وعينه غير أفق البرق الأول فإن هذا يلمع من أفق الحذر ~~وذاك من أفق الرجاء فإذا شام هذا البرق استقصر فيه الطويل من الأمل وتخيل ~~في كل وقت أن المنية تعافصه وتفاجئه فاشتد حذره من هجومها مخافة أن تحل به ~~عقوبة الله ويحال بينه وبين الاستعتاب والتأهب للقاء فيلقى ربه قبل الطهر ~~التام فلا يؤذن له بالدخول عليه بغير طهارة كما أنه لم يؤذن له في دار ~~التكليف بالدخول عليه للصلاة بغير طهارة # وهذا يذكر العباد بالتطهر للموافاة والقدوم عليه والدخول وقت اللقاء لمن ~~عقل عن الله وفهم أسرار العبادات فإذا كان العبد لا يدخل عليه حتى يستقبل ~~بيته المحرم بوجهه ويستر عورته ويطهر بدنه وثيابه وموضع مقامه بين يديه ثم ms0869 ~~يخلص له النية فهكذا الدخول عليه وقت اللقاء لا يحصل إلا بأن يستقبل ربه ~~بقلبه كله ويستر عوراته الباطنة بلباس التقوى ويطهر قلبه وروحه وجوارحه من ~~أدناسها الظاهرة والباطنة ويتطهر لله طهرا كاملا ويتأهب للدخول أكمل تأهب ~~وأوقات الصلاة نظير وقت الموافاة # فإذا تأهب العبد قبل الوقت جاءه الوقت وهو متأهب فيدخل على الله وإذا فرط ~~في التأهب خيف عليه من خروج الوقت قبل التأهب إذ هجوم وقت الموافاة مضيق لا ~~يقبل التوسعة فلا يمكن العبد من التطهر والتأهب عند PageV03P084 هجوم الوقت ~~بل يقال له هيهات فات ما فات وقد بعدت بينك وبين التطهر المسافات فمن شام ~~برق الوعيد بقصر الأمل لم يزل على طهارة # وأما تزهيده في الخلق على القرب وإن كانوا أقاربه أو مناسبيه أو مجاوريه ~~وملاصقيه أو معاشريه ومخالطيه فلكمال حذره واستعداده واشتغاله بما أمامه ~~وملاحظة الوعيد من أفق ذلك البارق الذي ليس بخلب بل هو أصدق بارق # ويحتمل أن يريد بقوله عن قرب أي عن أقرب وقت فلا ينتظر بزهده فيهم أملا ~~يؤمله ولا وقتا يستقبله # قوله ويرغب في تطهير السر يعني تطهير سره عما سوى الله وقد تقدم بيانه # | فصل قال الدرجة الثالثة برق يلمع من جانب اللطف في عين الافتقار # فينشىء سحاب السرور ويمطر مطر الطرب ويجري من نهر الافتخار # هذا البرق يلمع من أفق ملاطفة الرب تعالى لعبده بأنواع الملاطفات ومطلع ~~هذا البرق في عين الافتخار الذي هو باب السلوك إلى الله تعالى والطريق ~~الأعظم الذي لا يدخل عليه إلا منه وكل طريق سواه فمسدود ومع هذا فلا يصل ~~العبد منه إلا بالمتابعة فلا طريق إلى الله البتة أبدا ولو تعنى المتعنون ~~وتمنى المتمنون إلا الافتقار ومتابعة الرسول فقط فلا يتعب السالك نفسه في ~~غير هذه الطريق فإنه على غير شيء وهو صيد الوحوش والسباع # قوله فينشىء سحاب السرور أي ينشىء للعبد سرورا خاصا وفرحا بربه لا عهد له ~~بمثله ولا نظير له في الدنيا ونفحة من نعيم الجنة ونسمة من ريح شمالهم ms0870 فإذا ~~نشأ له ذلك السحاب أمطر عليه صيب الطرب فطرب باطنه وسره PageV03P085 لما ~~ورد عليه من عند سيده ووليه وإذا اشتد ذلك الطرب جرى به نهر الافتخار يتميز ~~به عن أبناء جنسه بما خصه الله به وإما أن يريد به افتخاره على الشيطان ~~وهذه مخيلة محمودة طربا وافتخارا عليه فإن الله لا يكره ذلك ولهذا يحب ~~المختال بين الصفين عند الحرب لما في ذلك من مراغمة أعدائه ويحب الخيلاء ~~عند الصدقة كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث لسر عجيب يعرفه أولو الصدقات ~~والبذل من نفوسهم عند ارتياحهم للعطاء وابتهاجهم به واختيالهم على النفس ~~الشحيحة الأمارة بالبخل وعلى الشيطان المزين لها ذلك # وهم ينفدون المال في أول الغنى % ويستأنفون الصبر في آخر الصبر # مغاوير للعليا مغابير للحمى # مفاريج للغمى مداريك للوتر # وتأخذهم في ساعة الجود هزة % كما تأخذ المطراب عن نزوة الخمر # فهذا الافتخار من تمام العبودية # أو يريد به أنه حري بالافتخار بما تميز به ولم يفتخر به إبقاء على ~~عبوديته وافتقاره وكلا المعنيين صحيح والله أعلم # وسر ذلك أن العبد إذا لاحظ ما هو فيه من الالطاف وشهده من عين المنة ومحض ~~الجود شهد مع ذلك فقره إليه في كل لحظة وعدم استغنائه عنه طرفة عين فكان ~~ذلك من أعظم أبواب الشكر وأسباب المزيد وتوالي النعم عليه وكلما توالت عليه ~~النعم أنشأت في قلبه سحائب السرور وإذا انبسطت هذه السحائب في سماء قلبه ~~وامتلأ بها أفقه أمطرت عليه وابل الطرب بما هو فيه من لذيذ السرور فإن لم ~~يصبه وابل فطل وحينئذ يجري على لسانه وظاهره نهر الافتخار من غير عجب ولا ~~فخر بل فرحا بفضل الله ورحمته كما قال تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا فالافتخار على ظاهره والافتقار والانكسار في باطنه ولا ينافي ~~أحدهما الآخر PageV03P086 # وتأمل قول النبي أنا سيد ولد آدم ولا فخر / ح / فكيف أخبر بفضل الله ~~ومنته عليه وأخبر أن ذلك لم يصدر منه افتخارا به على من دونه ولكن إظهارا ~~لنعمة ms0871 الله عليه وإعلاما للأمة بقدر إمامهم ومتبوعهم عند الله وعلو منزلته ~~لديه لتعرف الامة نعمة الله عليه وعليهم # ويشبه هذا قول يوسف الصديق للعزيز اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ~~فإخباره عن نفسه بذلك لما كان متضمنا لمصلحة تعود على العزيز وعلى الأمة ~~وعلى نفسه كان حسنا إذ لم يقصد به الفخر عليهم فمصدر الكلمة والحامل عليها ~~يحسنها ويهجنها وصورته واحدة # | فصل في منزلة الذوق # ومنها منزلة الذوق والذوق مباشرة الحاسة الظاهرة والباطنة للملائم ~~والمنافر ولا يختص ذلك بحادسة الفم في لغة القرآن بل ولا في لغة العرب قال ~~الله تعالى وذوقوا عذاب الحريق @QB@ وقال @QE@ فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون وقال تعالى هذا فليذوقوه حميم وغساق @QB@ وقال @QE@ فأذاقها الله ~~لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون # فتأمل كيف جمع بين الذوق واللباس ليدل على مباشرة المذوق وإحاطته وشموله ~~فأفاد الإخبار عن إذاقته أنه واقع مباشر غير منتظر فإن الخوف قد يتوقع ولا ~~يباشر وأفاد الإخبار عن لباسه أنه محيط شامل كاللباس للبدن # وفي الصحيح عنه ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ~~رسولا فأخبر أن للإيمان طعما وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام ~~والشراب # وقد عبر النبي عن إدراك حقيقة الإيمان والإحسان وحصوله للقلب ومباشرته له ~~بالذوق تارة وبالطعام والشراب تارة وبوجود PageV03P087 الحلاوة تارة كما ~~قال ذاق طعم الإيمان وقال ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان ~~الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن ~~كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في ~~النار / ح / # ولما نهاهم عن الوصال قالوا إنك تواصل قال إني لست كهيئتكم إني أطعم ~~واسقى وفي لفظ إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني وفي لفظ إن لي مطعما يطعمني ~~وساقيا يسقيني # وقد غلظ حجاب من ظن أن هذا طعام وشراب حسي للفم ولو كان كما ظنه هذا ~~الظان لما كان صائما فضلا عن ms0872 أن يكون مواصلا ولما صح جوابه بقوله إني لست ~~كهيئتكم فأجاب بالفرق بينه وبينهم ولو كان يأكل ويشرب بفيه الكريم حسا لكان ~~الجواب أن يقول وأنا لست أواصل أيضا فلما أقرهم على قولهم إنك تواصل علم ~~أنه كان يمسك عن الطعام والشراب ويكتفي بذلك الطعام والشراب العالي ~~الروحاني الذي يغني عن الطعام والشراب المشترك الحسي # وهذا الذوق هو الذي استدل به هرقل على صحة النبوة حيث قال لأبي سفيان فهل ~~يرتد أحد منهم سخطة لدينه فقال لا قال وكذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته ~~بشاشة القلوب # فاستدل بما يحصل لأتباعه من ذوق الإيمان الذي خالطت بشاشته القلوب لم ~~يسخطه ذلك القلب أبدا على أنه دعوة نبوة ورسالة لا دعوى ملك ورياسة # والمقصود أن ذوق حلاوة الإيمان والإحسان أمر يجده القلب تكون نسبته إليه ~~كنسبة ذوق حلاوة الطعام إلى الفم وذوق حلاوة الجماع إلى إلفة النفس كما قال ~~النبي حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك فللإيمان طعم وحلاوة يتعلق بهما ذوق ~~ووجد ولا تزول الشبه والشكوك عن القلب PageV03P088 إلا إذا وصل العبد إلى ~~هذه الحال فباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشر فيذوق طعمه ويجد حلاوته والله ~~الموفق # | فصل قال صاحب المنازل باب الذوق قال الله تعالى هذا ذكر في # تنزيل هذه الآية على الذوق صعوبة والذي يظهر والله أعلم أن الشيخ أراد أن ~~الذوق مقدمة الشراب كما أن التذكر مقدمة المعرفة ومنه يدخل إلى مقام ~~الإيمان والإحسان فإنه إذا تذكر أبصر الحقيقة كما قال تعالى تذكروا فإذا هم ~~مبصرون أبصر الحقيقة كما قال تعالى 7 : 201 تذكروا فإذاهم مبصرون فالتذكر ~~بهذا الذكر الذي قصه الله تعالى يشهد صاحبه الإيمان بالمعاد وما أعد الله ~~لأوليائه عند لقائه فيصير إيمانهم بذلك ذوقا لا خبرا محضا لأنه نشأ عن ~~تذكرهم بذكره سبحانه وتأملهم حقائقه وأسراره وما فيه من الهدى والبيان ~~فالتذكر سبب الذوق والله سبحانه أعلم # | فصل قال والذوق أبقى من الوجد وأجلى من البرق يريد به أن # منزلة الذوق أثبت وأرسخ من منزلة الوجد وذلك لأن ms0873 أثر الذوق يبقى في القلب ~~ويطول بقاؤه كما يبقى أثر ذوق الطعام والشراب في القوة الذائقة ويبقى على ~~البدن والروح فإن الذوق مباشرة كما تقدم والوجد عند الشيخ لهيب يتأجج من ~~شهود عارض مقلق فهو عنده من العوارض كالهيمان والقلق فإنه ينشأ من مكاشفة ~~لا تدوم فلذلك جعله أبقى من الوجد # وأما قوله وأجلى من البرق فإن البرق أسرع انقضاء وكشفه دون كشف الذوق ~~وهذا صحيح PageV03P089 # ولكن جعله الذوق أبقى من الوجد وأعلى منه فيه نظر وقد يقال إن النبي جعل ~~الوجد فوق الذوق وأعلى منزلة منه فإنه قال ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة ~~الإيمان الحديث / ح / وقال في الذوق ذاق طعم الإيمان فوجد حلاوة الشيء ~~المذوق أخص من مجرد ذوقه ولما كانت الحلاوة أخص من الطعم قرن بها الوجد ~~الذي هو أخص من مجرد الذوق فقرن الأخص بالأخص والأعم بالأعم # وليس المراد بوجد حلاوة الإيمان الوجد الذي هو لهيب القلب فإن ذلك مصدر ~~وجد بالشيء وجدا وإنما هو من الوجود الذي هو الثبوت فمصدر هذا الفعل الوجود ~~والوجدان فوجد الشيء يجده وجدانا إذا حصل له وثبت كما يجد الفاقد الشيء ~~الذي بعد منه ومنه قوله تعالى ووجد الله عنده وقوله ثم يستغفر الله يجد ~~الله غفورا رحيما وقوله ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا ~~فأغنى وقوله إنا وجدناه صابرا فهذا كله من الوجود والثبوت وكذلك قوله وجد ~~بهن حلاوة الإيمان # فوجدان الشيء ثبوته واستقراه ولا ريب أن ذوق طعم الإيمان وجدان له إذ ~~يمتنع حصول هذا الذوق من غير وجدان ولكن اصطلاح كثير من القوم على أن ~~الذائق أخص من الواجد فكأنه شارك الواجد في الحصول وامتاز عنه بالذوق فإنه ~~قد يجد الشيء ولا يذوقه الذوق التام # وهذا ليس كما قالوه بل وجود هذه الحقائق للقلب ذوق لها وزيادة وثبوت ~~واستقرار والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى ذوق التصديق طعم العدة # فلا يعقله ظن ولا يقطعه أمل ولا ms0874 تعوقه أمنية PageV03P090 # يريد أن العبد المصدق إذا ذاق طعم الوعد من الله على إيمانه وتصديقه ~~وطاعته ثبت على حكم الوعد واستقام # فلم يعقله ظن أي لم يحبسه ظن تقول عقلت فلانا عن كذا أي منعته عنه وصددته ~~ومنه عقال البعير لأنه يحبسه عن الشرود ومنه العقل لأنه يحبس صاحبه عن فعل ~~مالا يحسن ولا يجمل ومنه عقلت الكلام وعقلت معناه إذا حبسته في صدرك وحصلته ~~في قلبك بعد أن لم يكن حاصلا عندك ومنه العقل للدية لأنها تمنع آخذها من ~~العدوان على الجاني وعصبته # والمقصود أن ذوق طعم الإيمان بوعد الله يمنع الذائق أن يحبسه ظن عن الجد ~~في الطلب والسير إلى ربه والظن هو الوقوف عن الجزم بصحة الوعد والوعيد بحيث ~~لا يترجح عنده جانب التصديق # وكأن الشيخ يقول الذائق بالتصديق طعم الوعد لا يعارضه ظن يعقله عن صدق ~~الطلب ويحبس عزيمته عن الجد فيه وفي حديث سيد الاستغفار قوله وأنا على عهدك ~~ووعدك ما استطعت أي مقيم على التصديق بوعدك وعلى القيام بعهدك وعلى القيام ~~بعهدك بحسب استطاعتي # والحامل على هذه الإقامة والثبات ذوق طعم الإيمان ومباشرته للقلب ولو كان ~~الإيمان مجازا لا حقيقة لم يثبت القلب على حكم الوعد والوفاء بالعهد ولا ~~يفيد في هذا المقام إلا ذوق طعم الإيمان وثوب العارية لا يجمل لابسه ولا ~~سيما إذا عرف الناس أنه ليس له وأنه عارية عليه كما قيل # ثوب الرياء يشف عما تحته % فإذا اشتملت به فإنك عاري # وكان بعض الصحابة يكثر التلبية في إحرامه ثم يقول لبيك لو كان رياء ~~لاضمحل وقد نفى الله تعالى اإلإيمان عمن ادعاه وليس له فيه ذوق فقال تعالى ~~قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم فهؤلاء مسلمون وليسوا بمؤمنين لأنهم ليسوا ممن PageV03P091 باشر ~~الإيمان قلبه فذاق حلاوته وطعمه وهذا حال أكثر المنتسبين إلى الإسلام وليس ~~هؤلاء كفارا فإنه سبحانه أثبت لهم الإسلام بقوله ولكن قولوا أسلمنا ولم يرد ~~قولوا بألسنتكم من غير مواطأة ms0875 القلب فإنه فرق بين قولهم آمنا وقولهم أسلمنا ~~ولكن لما لم يذوقوا طعم الإيمان قال لم تؤمنوا ووعدهم سبحانه وتعالى مع ذلك ~~على طاعتهم أن لا ينقصهم من أجور أعمالهم شيئا # ثم ذكر أهل الإيمان الذين ذاقوا طعمه وهم الذين آمنوا به وبرسوله ثم لم ~~يرتابوا في إيمانهم وإنما انتفى عنهم الريب لأن الإيمان قد باشر قلوبهم ~~وخالطتها بشاشته فلم يبق للريب فيه موضع وصدق ذلك الذوق بذلهم أحب شيء ~~إليهم في رضى ربهم تعالى وهو أموالهم وأنفسهم ومن الممتنع حصول هذا البذل ~~من غير ذوق طعم الإيمان ووجود حلاوته فإن ذلك إنما يحصل بصدق الذوق والوجد ~~كما قال الحسن ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه ~~العمل # فالذوق والوجد أمر باطن والعمل دليل عليه ومصدق له كما أن الريب والشك ~~والنفاق أمر باطن والعمل دليل عليه ومصدق له فالأعمال ثمرات العلوم ~~والعقائد فاليقين يثمر الجهاد ومقامات الإحسان فعلى حسب قوته تكون ثمرته ~~ونتيجته والريب والشك يثمر الأعمال المناسبة له وبالله التوفيق # قوله ولا يقطعه أمل أي من علامات الذوق أن لا يقطع صاحبه عن طلبه أمر ~~دنيا وطمع في غرض من أغراضها فإن الأمل والطمع يقطعان طريق القلب في سيره ~~إلى مطلوبه # ولم يقل الشيخ إنه لا يكون له أمل بل قال لا يقطعه أمل فإن الأمل إذا قام ~~به ولم يقطعه لم يضره وإن عوق سيره بعض التعويق وإنما البلاء في الأمل ~~القاطع للقلب عن سيره إلى الله PageV03P092 # وعند الطائفة أن كل ما سوى الله فإرادته أمل قاطع كائنا ما كان فمن كان ~~ذلك أمله ومنتهى طلبه فليس من أهل ذوق الإيمان فإنه من ذاق حلاوة معرفة ~~الله والقرب منه والأنس به لم يكن له أمل في غيره وإن تعلق أمله لسواه فهو ~~لإعانته على مرضاته ومحابه فهو يؤمله لأجله لا يؤمله معه # فإن قلت فما الذي يقطع به العبد هذا الأمل # قلت قوة رغبته في المطلب الأعلى الذي ليس شيء أعلى منه ومعرفته ms0876 بخسة ما ~~يؤمل دونه وسرعة ذهابه فيوشك انقطاعه وأنه في الحقيقة كخيال طيف أو سحابة ~~صيف فهو ظل زائل ونجم قد تدلى للغروب فهو عن قريب آفل قال النبي مالي ~~وللدنيا إنما أنا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها / ح / وقال ما الدنيا ~~في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم ترجع / ح / فشبه ~~الدنيا في جنب الآخرة بما يعلق على الإصبع من البلل حين تغمس في البحر # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو أن الدنيا من أولها إلى آخرها أوتيها ~~رجل ثم جاءه الموت لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسره ثم استيقظ فإذا ليس ~~في يده شيء # وقال مطرف بن عبدالله أو غيره نعيم الدنيا بحذافيره في جنب نعيم الآخرة ~~أقل من ذرة في جنب جبال الدنيا # ومن حدق عين بصيرته في الدنيا والآخرة علم أن الأمر كذلك # فكيف يليق بصحيح العقل والمعرفة أن يقطعه أمل من هذا الجزء الحقير عن ~~نعيم لا يزول ولا يضمحل فضلا عن أن يقطعه عن طلب من نسبة هذا النعيم الدائم ~~إلى نعيم معرفته ومحبته والأنس به والفرح بقربه كنسبة نعيم الدنيا إلى نعيم ~~الجنة قال الله تعالى وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله PageV03P093 ~~أكبر فيسير من رضوانه ولا يقال له يسير أكبر من الجنات وما فيها # وفي حديث الرؤية فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه ~~وفي حديث آخر إنهم إذا رأوه سبحانه لم يلتفتوا إلى شيء مما هم فيه من ~~النعيم حتى يتوارى عنهم # فمن قطعه عن هذا أمل فقد فاز بالحرمان ورضي لنفسه بغاية الخسران والله ~~المستعان وعليه التكلان وما شاء الله كان # قوله ولا تعوقه أمنية الأمنية هي ما يتمناه العبد من الحظوظ وجمعها أماني ~~والفرق بينها وبين الأمل أن الأمل يتعلق بما يرجى وجوده والأمنية قد تتعلق ~~بما لا يرجى حصوله كما ms0877 يتمنى العاجز المراتب العالية # والأماني الباطلة هي رؤوس أموال المفاليس بها يقطعون أوقاتهم ويلتذون بها ~~كالتذاذ من زال عقله بالمسكر أو بالخيالات الباطلة # وفي الحديث المرفوع الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من ~~اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني # ولا يرضى بالأماني عن الحقائق إلا ذوو النفوس الدنيئة الساقطة كما قيل # واترك منى النفس لا تحسبه يشبعها % إن المنى رأس أموال المفاليس # وأمنية الرجل تدل على علو همته وخستها وفي أثر إلهي إني لا أنظر إلى كلام ~~الحكيم وإنما أنظر إلى همته والعامة تقول قيمة كل امرىء ما يحسنه والعارفون ~~يقولون قيمه كل امرىء ما يطلب # | فصل قال الدرجة الثانية ذوق الإرادة طعم الأنس فلا يعلق به شاغل # ولا يفسده عارض ولا تكدره تفرقة # الإرادة وصف المريد والفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها أن الأولى وصف حال ~~العابد الذي ذاق بتصديقه طعم وعد الرب عز وجل فجد في العبادة PageV03P094 ~~وأعمال البر لثقته بالوعد عليها وصاحب هذه الدرجة ذاقت إرادته طعم الأنس ~~فهي حال المريد # ولهذا علق حال صاحب الدرجة الأولى بالوعد الجميل وعلق حال صاحب هذه ~~الدرجة بالأنس بالله والأنس به سبحانه أعلى من الأنس بما يرجوه العابد من ~~نعيم الجنة فإذا ذاق المريد طعم الأنس جد في إرادته واجتهد في حفظ أنسه ~~وتحصيل الأسباب المقوية له # فلا يعلق به شاغل أي لا يتعلق به شيء يشغله عن سلوكه وسيره إلى الله لشدة ~~طلبه الباعث عليه أنسه الذي قد ذاق طعمه وتلذذ بحلاوته # والأنس بالله حالة وجدانية وهي من مقامات الإحسان تقوى بثلاثة أشياء دوام ~~الذكر وصدق المحبة وإحسان العمل # وقوة الأنس وضعفه على حسب قوة القرب فكلما كان القلب من ربه أقرب كان ~~أنسه به أقوى وكلما كان منه أبعد كانت الوحشة بينه وبين ربه أشد # قوله ولا يفسده عارض العارض المفسد هو الذي يعذل المحب ويلومه على النشاط ~~في رضى محبوبه وطاعته ويدعوه إلى الالتفات إليه والوقوف معه دون مطلبه ~~العالي فهو كالذي يجيء ms0878 عرضا يمنع المار في طريقة عن المرور ويلفته عن جهة ~~مقصده إلى غيرها # وهذا العارض عند القوم هو إرادة السوى فإن كل ما سوى الله فهو عارض ~~وإرادة السوى توقف السالك وتنكس الطالب وتحجب الواصل فإياك وإرادة السوى ~~وإن علا فإنك تحجب عن الله بقدر إرادتك لغيره قال تعالى إخبارا عن عباده ~~المقربين إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا وقال تعالى ~~ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة PageV03P095 والعشي يريدون وجهه وقال ~~تعالى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى # قوله ولا تكدره تفرقة الكدر ضد الصفاء والتفرقة ضد الجمعية والجمعية هي ~~جمع القلب والهمة على الله بالحضور معه بحال الأنس خاليا من تفرقة الخواطر ~~والتفرقة من أعظم مكدرات القلب وهي تزيل الصفاء الذي أثمره له الإسلام ~~والأيمان والإحسان فإن القلب يصفو بذلك فتجيء التفرقة فتكدر عليه ذلك ~~الصفاء وتشعث القلب فيجد الصادق ألم ذلك الشعث وأذاه فيجتهد في لمه و لا ~~يلم شعث القلوب بشيء غير الإقبال على الله والإعراض عما سواه فهناك يلم ~~شعثه ويزول كدره ويصح سفره ويجد روح الحياة ويذوق طعم الحياة الملكية # | فصل قال الدرجة الثالثة ذوق الانقطاع طعم الاتصال وذوق الهمة طعم # الجمع وذوق المسامرة طعم العيان # الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها أن تلك بقاء مع الأحوال وهذه الدرجة ~~خروج وفناء عن الأحوال فإن المتمكن في حال فنائه عن الأسباب أعمالا كانت أو ~~أحوالا هو الذي يجد طعم الاتصال حقيقة فإنه على حسب تجرده عن الالتفات إلى ~~الأسباب يكون اتصاله وعلى حسب التفاته إليها يكون انقطاعه وكلما تمكن في ~~جمع همه على الحق سبحانه وجد لذة الجمع عليه وذاق طعم القرب منه والأنس به # فالانقطاع عند القوم هو أنس القلب بغيره تعالى والالتفات إلى ما سواه ~~والاتصال تجريد التعلق به وحده والانقطاع عما سواه بالكلية # إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير كلامه # فقوله ذوق الانقطاع طعم الاتصال استعارة وإلا فالذائق هو صاحب ~~PageV03P096 الانقطاع لا نفس الانقطاع ms0879 فإنه هو الذي ذاق الانقطاع والاتصال ~~وبالجملة فالمراد أن المنقطع هو المحجوب والمتصل هو المشاهد بقلبه المكاشف ~~بسره # وأحسن من التعبير بالاتصال التعبير بالقرب فإنها العبارة السديدة التي ~~ارتضاها الله ورسوله في هذا المقام # وأما التعبير بالوصل والاتصال فعبارة غير سديدة يتشبث بها الزنديق الملحد ~~والصديق الموحد فالموحد يريد بالاتصال القرب وبالانفصال والانقطاع البعد ~~والملحد يريد به الحلول تارة والاتحاد تارة # حتى قال بعض هؤلاء المنقطع ليس في الحقيقة منقطعا بل لم يزل متصلا لكنه ~~كان غائبا عن المشاهدة فلما شاهد وجد نفسه لم يكن منقطعا بل لم يزل متصلا # قال وليس قولنا لم يزل متصلا بسديد فإن الاتصال لا يصح إلا بين اثنين فلا ~~المحجوب منقطعا ولا المكاشف متصلا وإنما هي عبارات للتقريب والتفهيم وأنشد ~~في ذلك # ما بال عيسك لا يقر قرارها % وإلام ظلك لا يني متنقلا # فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن % إلا إليك إذا بلغت المنزلا # وبإزاء هؤلاء طائفة غلظ حجابهم وكثفت أرواحهم عن هذا الشأن فزعموا أن ~~القرب والبعد والأنس ليس له حقيقة تتعلق بالخالق سبحانه وإنما ذلك القرب من ~~داره وجنته بالطاعات وأنس القلب بما وعد عليها من الثواب والبعد ضد ذلك لأن ~~العبد لا يقرب من ربه ولا يبعد عنه ولا يأنس به PageV03P097 وصرحوا بأنه لا ~~يريده ولا يحبه فلا يصح تعلق الإرادة والمحبة به فسار هؤلاء مغربين وسار ~~أولئك مشرقين كما قيل # سارت مشرقة وسرت مغربا % شتان بين مشرق ومغرب # ومصباح الموحد السالك على درب الرسول وطريقه يتوقد من شجرة مباركة زيتونة ~~لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي ~~الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس # قوله وذوق الهمة طعم الجمع جعل الهمة ذائقة وإنما الذوق لصاحبها توسعا ~~والهمة قد عبر عنها الشيخ فيما تقدم بأنها ما يملك الانبعاث إلى المقصود ~~صرفا أي حالة وصفية لها سطوة وملكة تحمل صاحبها على المقصود وتبعثه عليه ~~بعثا لا يخالطه غيره # فالهمة عندهم طلب الحق من ms0880 غير التفات إلى غيره والجمع شهود الفردانية ~~التي تفنى فيها رسوم المشاهد وهذا جمع في الربوبية # وأعلى منه الجمع في الألوهية وهو جمع قلبه وهمه وسره على محبوبه ومراضيه ~~ومراده منه فهو عكوف القلب بكليته على الله عز وجل لا يلتفت عنه يمنة ولا ~~يسرة فإذا ذاقت الهمة طعم هذا الجمع اتصل اشتياق صاحبها وتأججت نيران ~~المحبة والطلب في قلبه ويجد صبره عن محبوبه من أعظم كبائره كما قيل # والصبر يحمد في المواطن كلها % إلا عليك فإنه لا يحمد # وقد تقدم ذكر الأثر الإلهي إني لا أنظر إلى كلام الحكيم وإنما أنطر إلى ~~همته # فلله همة نفس قطعت جميع الأكوان وسارت فما ألقت عصى السير إلا بين يدي ~~الرحمن تبارك وتعالى فسجدت بين يديه سجدة الشكر على الوصول PageV03P098 ~~إليه فلم تزل ساجدة حتى قيل لها يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي # فسبحان من فاوت بين الخلق في هممهم حتى ترى بين الهمتين أبعد مما بين ~~المشرقين والمغربين بل أبعد مما بين أسفل سافلين وأعلى عليين وتلك مواهب ~~العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم # قوله وذوق المسامرة طعم العيان مرادهم بالمسامرة مناجاة القلب ربه وإن ~~سكت اللسان فلذة استيلاء ذكره تعالى ومحبته على قلب العبد وحضوره بين يديه ~~وأنسه به وقربه منه حتى يصير كأنه يخاطبه ويسامره ويعتذر إليه تارة ويتملقه ~~تارة ويثني عليه تارة حتى يبقى القلب ناطقا بقوله أنت الله الذي لا إله إلا ~~أنت من غير تكلف له بذلك بل يبقى هذا حالا له ومقاما ولا ينكر وصول القوم ~~إلى هذا فقد قال النبي الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه / ح / فإذا بلغ في ~~مقام الإحسان بحيث يكون كأنه يرى الله سبحانه فهكذا مخاطبته ومناجاته له # لكن الأولى العدول عن لفظ المسامرة إلى المناجاة فإنه اللفظ الذي اختاره ~~رسول الله في هذا وعبر به عن حال العبد بقوله إذا قام أحدكم في الصلاة فإنه ms0881 ~~يناجي ربه / ح / وفي الحديث الآخر كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض / ~~ح / # فلا تعدل عن ألفاظه فأنها معصومة وصادرة عن معصوم والإجمال والإشكال في ~~اصطلاحات القوم وأوضاعهم وبالله التوفيق PageV03P099 # | فصل ومن ذلك منزلة اللخط قال شيخ الإسلام باب اللحظ قال الله # تعالى ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني # قلت يريد والله أعلم بالاستشهاد بالآية أن الله سبحانه أراد أن يري موسى ~~من كمال عظمته وجلاله ما يعلم به أن القوة البشرية في هذه الدار لا تثبت ~~لرؤيته ومشاهدته عيانا لصيرورة الجبل دكا عند تجلي ربه سبحانه أدنى تجل كما ~~رواه ابن جرير في تفسيره من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت عن أنس عن النبي ~~فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا / ح / قال حماد هكذا ووضع الإبهام على مفصل ~~الخنصر الأيمن فقال حميد لثابت أتحدث بمثلي هذا فضرب ثابت صدر حميد ضربة ~~بيده وقال رسول الله يحدث به وأنا لا أحدث به رواه الحاكم في صحيحه وقال هو ~~على شرط مسلم وهو كما قال # والمقصود أن الشيخ استشهد بهذه الآية في باب اللحظ لأن الله سبحانه أمر ~~موسى أن ينظر إلى الجبل حين تجلى له ربه فرأى أثر التجلي في الجبل دكا فخر ~~موسى صعقا # قال الشيخ اللحظ لمح مسترق الصواب قراءة هذه الكلمة على الصفة بالتخفيف ~~فوصف اللمح بأنه مسترق كما يقال سارقته النظر وهو لمح بخفية بحيث لا يشعر ~~به الملموح # ولهذا الاستراق أسباب منها تعظيم الملموح وإجلاله فالناظر يسارقه النظر ~~ولا يحد نظره إليه إجلالا له كما كان أصحاب النبي لا يحدون النظر إليه ~~إجلالا له وقال عمرو بن العاص لم أكن أملأ عيني منه PageV03P100 إجلالا له ~~ولو سئلت أن أصفه لكم لما قدرت لأني لم أكن أملأ عيني منه # ومنها خوف اللامح سطوته ومنها محبته ومنها الحياء منه ومنها ضعف القوة ~~الباصرة عن التحديق فيه وهذا السبب هو السبب الغالب في هذا الباب # ويجوز أن تقرأ بكسر الراء وتشديد القاف ms0882 أي نظرا يسترق صاحبه أي يأسر قلبه ~~ويجعله رقيقا أي عبدا مملوكا للمنظور إليه لما شاهد من جماله وكماله فاسترق ~~قلبه فلم يكن بينه وبين رقة له إلا مجرد وقوع لحظه عليه # فهكذا صاحب هذه الحال إذا لاحظ بقلبه جلال الربوبية وكمال الرب سبحانه ~~وكمال نعوته ومواقع لطفه وفضله وبره وإحسانه استرق قلبه له وصارت له عبودية ~~خاصة # قال وهو في هذا الباب على ثلاث درجات الدرجة الأولى ملاحظة الفضل سبقا ~~وهي تقطع طريق السؤال إلا ما استحقته الربوبية من إظهار التذلل لها وتنبت ~~السرور إلا ما يشوبه من حذر المكر وتبعث على الشكر إلا ما قام به الحق عز ~~وجل من حق الصفة # الشيخ عادته في كل باب أن يقول وهو على ثلاث درجات وقال ههنا وهو في هذا ~~الباب على ثلاث درجات فعين هذا الباب هنا دون غيره من الأبواب لأن اللحظ ~~مشترك بين لحظ البصر ولحظ البصيرة والشيخ إنما أراد ههنا هذا الثاني دون ~~الأول فإن كلامه فيه خاصة وهو لما صدر بالآية والأمر بالنظر فيها إنما توجه ~~إلى الأمر بنظر العين استدرك كلامه # وقال اللحظ الذي نشير إليه في هذا الباب ليس هو لحظ العين والله أعلم # قوله ملاحظة الفضل سبقا الفضل هو العطاء الإلهي والسبق هو ما سبق له ~~بالتقدير قبل خروجه إلى الدنيا كما قال تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون @QB@ وقال @QE@ ولقد سبقت PageV03P101 كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون وهذا الكلام يفسر على ~~معنيين # أحدهما أن العبد إذا رأى ما قدره الله له قد سبق به تقديره فهو واصل إليه ~~لا محالة ولا بد أن يناله سكن جأشه واطمأن قلبه ووطن نفسه وعلم أن ما أصابه ~~لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وأنه ما يفتح الله له وللناس من ~~رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده فإذا تيقن ذلك وذاق طعم ~~الإيمان به قطع ذلك عليه طريق الطلب من ms0883 ربه لأن ما سبق له به القدر كائن ~~واصل لا محالة # ثم استدرك الشيخ أن العبد لا بد له من سؤال ربه والطلب منه فقال # إلا ما استحقته الربوبية من إظهار التذلل لها أي لا يعتقد أن سؤاله وطلبه ~~يجلب له ما ينفعه ويدفع عنه ما يحذره فإن القدر السابق قد استقر بوصول ~~المقدور إليه سأله أو لم يسأله يسأله ولاكن يكون سؤاله على وجه التذلل ~~وإظهار فقر العبودية وذلها بين يدي عز الربوبية فإن الرب سبحانه يحب من ~~عبده أن يسأله ويرغب إليه لأن وصول بره وإحسانه إليه موقوف على سؤاله بل هو ~~المتفضل به ابتداء بلا سبب من العبد ولا توسط سؤاله وطلبه بل قدر له ذلك ~~الفضل بلا سبب من العبد ثم أمره بسؤاله والطلب منه إظهارا لمرتبة العبودية ~~والفقر والحاجة واعترافا بعز الربوبية وكمال غنى الرب وتفرده بالفضل ~~والإحسان وأن العبد لا غنى له عن فضله طرفة عين فيأتي بالطلب والسؤال إتيان ~~من يعلم أنه لا يستحق بطلبه وسؤاله شيئا ولكن ربه تعالى يحب أن يسأل ويرغب ~~إليه ويطلب منه كما قال تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم وقال تعالى وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا ~~بي لعلهم يرشدون @QB@ وقال @QE@ واسألوا الله من فضله @QB@ وقال @QE@ قل ما ~~يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم PageV03P102 @QB@ وقال @QE@ ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية @QB@ وقال @QE@ وادعوه خوفا وطمعا # وقال النبي ليسأل أحدكم ربه كل شيء حتى شسع نعله إذا انقطع فإنه إن لم ~~ييسره لم يتيسر وقال من لم يسأل الله يغضب عليه وروى الترمذي عن ابن مسعود ~~عن النبي قال سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل من فضله وما سئل الله ~~شيئا أحب إليه من العافية وقال إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا ~~لنفحاته واسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم وقال ما من داع يدعو ~~الله بدعوة إلا آتاه بها أحد ثلاث إما أن يعجل له حاجته وإما أن ms0884 يعطيه من ~~الخير مثلها وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها قالوا إذا نكثر يا رسول الله ~~قال فالله أكثر وقال ليس شيء أكرم على الله من الدعاء # وقال تعالى في الحديث القدسي فيما رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه عن ~~رسول الله يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي ~~كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ~~فاستهدوني أهدكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب ~~جميعا ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم وقال وأما السجود فاجتهدوا فيه في ~~الدعاء فقمن أن يستجاب لكم # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم ~~الدعاء فإذا ألهمت الدعاء علمت أن الإجابة معه # وفي هذا يقول القائل # لو لم ترد بذل ما أرجو وأطلبه % من جود كفك ما عودتني الطلبا # والله سبحانه وتعالى يحب تذلل عبيده بين يديه وسؤالهم إياه وطلبهم ~~حوائجهم منه وشكواهم إليه وعياذهم به منه وفرارهم منه إليه كما قيل ~~PageV03P103 # قالوا أتشكوا إليه % ما ليس يخفى عليه # فقلت ربي يرضى % ذل العبيد لديه # وقال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا عبد الوهاب عن إسحاق عن مطرف بن ~~عبدالله قال تذاكرت ما جماع الخير فإذا الخير كثير الصيام والصلاة وإذا هو ~~في يد الله تعالى وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إلا أن تسأله فيعطيك ~~فإذا جماع الخير الدعاء # وفي هذا المقام غلط طائفتان من الناس # طائفة ظنت أن القدر السابق يجعل الدعاء عديم الفائدة # قالوا فإن المطلوب إن كان قد قدر فلا بد من وصوله دعا العبد أو لم يدع ~~وإن لم يكن قد قدر فلا سبيل إلى حصوله دعا أو لم يدع # ولما رأوا الكتاب والسنة والآثار قد تظاهرت بالدعاء وفضله والحث عليه ~~وطلبه قالوا هو عبودية محضة لا تأثير له في المطلوب البتة وإنما تعبدنا به ~~الله وله أن يتعبد عباده بما شاء كيف شاء ms0885 # والطائفة الثانية ظنت أن بنفس الدعاء والطلب ينال المطلوب وأنه موجب ~~لحصوله حتى كأنه سبب مستقل وربما انضاف إلى ذلك شهودهم أن هذا السبب منهم ~~وبهم وأنهم هم الذين فعلوه وأن نفوسهم هي التي فعلته وأحدثته وإن علموا أن ~~الله خالق أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم وإراداتهم فربما غاب عنهم شهود ~~كون ذلك بالله ومن الله لا بهم ولا منهم وأنه هو الذي حركهم للدعاء وقذفه ~~في قلب العبد واجراه على لسانه # فهاتان الطائفتان غالطتان أقبح غلط وهما محجوبتان عن الله # فالأولى محجوبة عن رؤية حكمته في الأسباب ونصبها لإقامة العبودية وتعلق ~~الشرع والقدر بها فحجابها كثيف عن معرفة حكمة الله سبحانه وتعالى في شرعه ~~وأمره وقدره PageV03P104 # والثانية محجوبة عن رؤية مننه وفضله وتفرده بالربوبية والتدبير وأنه ما ~~شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا حول للعبد ولا قوة له بل ولا للعالم ~~أجمع إلا به سبحانه وأنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ومشيئته # وقول الطائفة الأولى إن المطلوب إن قدر لا بد من حصوله وإنه إن لم يقدر ~~فلا مطمع في حصوله # جوابه أن يقال بقي قسم ثالث لم تذكروه وهو انه قدر بسببه فإن وجد سببه ~~وجد ما رتب عليه وإن لم يوجد سببه لم يوجد ومن أسباب المطلوب الدعاء والطلب ~~اللذين إذا وجدا ما رتب عليهما كما أن أسباب الولد الجماع ومن أسباب الزرع ~~البذر ونحو ذلك وهذا القسم الثالث هو الحق # ويقال للطائفة الثانية لا موجب إلا مشيئة الله تعالى وليس ههنا سبب مستقل ~~غيرها فهو الذي جعل السبب سببا وهو الذي رتب على السبب حصول المسبب ولو شاء ~~لأوجده بغير ذلك السبب وإذا شاء منع سببية السبب وقطع عنه اقتضاء أثره وإذا ~~شاء أقام له مانعا يمنعه عن اقتضاء أثره مع بقاء قوته فيه وإذا شاء رتب ~~عليه ضد مقتضاه وموجبه # فالأسباب طوع مشيئته سبحانه وقدرته وتحت تصرفه وتدبيره يقلبها كيف شاء ~~فهذا أحدالمعنيين في كلامه # والمعنى الثاني أن من لاحظ بعين قلبه ما ms0886 سبق له من ربه من جزيل الفضل ~~والإحسان والبر من غير معاوضة ولا سبب من العبد أصلا فإنه سبقت له تلك ~~السابقة وهو في العدم لم يكن شيئا البتة شغلته تلك الملاحظة بطلب الله ~~ومحبته وإرادته عن الطلب منه وقطعت عليه طريق السؤال اشتغالا بذكره وشكره ~~ومطالعة منته عن مسألته لا لأن مسألته والطلب منه نقص بل لأنه في هذه الحال ~~لا يتسع للأمرين بل استغراقه في شهود المنة وسبق الفضل قطع عليه طريق الطلب ~~والسؤال وهذا لا يكون مقاما لازما له لا يفارقه بل هذا حكمه في هذه الحال ~~والله أعلم PageV03P105 # | فصل قوله وينبت السرور إلا ما يشوبه من حذر المكر يعني أن # هذا اللحظ من العبد ينبت له السرور إذا علم أن فضل ربه قد سبق له بذلك ~~قبل أن يخلقه مع علمه به وبأحواله وتقصيره على التفصيل ولم يمنعه علمه به ~~أن يقدر له ذلك الفضل والإحسان فهو أعلم به إذ أنشأه من الأرض وإذ هو جنين ~~في بطن أمه ومع ذلك فقدر له من الفضل والجود ما قدره بدون سبب منه بل مع ~~علمه بأنه يأتي من الأسباب ما يقتضي قطع ذلك ومنعه عنه # فإذا شاهد العبد ذلك اشتد سروره بربه وبمواقع فضله وإحسانه وهذا فرح ~~محمود غير مذموم قال الله تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون ففضله الإسلام والإيمان ورحمته العلم والقرآن وهو يحب من ~~عبده أن يفرح بذلك ويسر به بل يحب من عبده أن يفرح بالحسنة إذا عملها وأن ~~يسر بها وهو في الحقيقة فرح بفضل الله حيث وفقه الله لها وأعانه عليها ~~ويسرها له ففي الحقيقة إنما يفرح العبد بفضل الله وبرحمته # ومن أعظم مقامات الإيمان الفرح بالله والسرور به فيفرح به إذ هو عبده ~~ومحبه ويفرح به سبحانه ربا وإلها ومنعما ومربيا أشد من فرح العبد بسيده ~~المخلوق المشفق عليه القادر على مايريده العبد ويطلبه منه المتنوع في ~~الإحسان إليه والذب عنه # وسيأتي عن قريب إن ms0887 شاء الله تمام هذا المعنى في باب السرور # قوله إلا ما يشوبه من حذر المكر أي يمازجه فإن السرور والفرح يبسط النفس ~~وينسيها وينسبها عيوبها وآفاتها ونقائصها إذ لو شهدت ذلك وأبصرته لشغلها ~~ذلك عن الفرح PageV03P106 # وأيضا فإن الفرح بالنعمة قد ينسيه المنعم فيشتغل بالخلعة التي خلعها عليه ~~عنه فيطفح عليه السرور حتى يغيب بنعمته عنه وهنا يكون المكر إليه أقرب من ~~اليد للفم # ولله كم ها هنا من مسترد منه ما وهب له عزة وحكمة وربما كان ذلك رحمة به ~~إذ لو استمر على تلك الولاية لخيف عليه من الطغيان كما قال تعالى كلا إن ~~الإنسان ليطغى أن رآه استغنى فإذا كان هذا غنى بالحطام الفاني فكيف بالغنى ~~بما هو أعلى من ذلك وأكثر فصاحب هذا إن لم يصحبه حذر المكر خيف عليه أن ~~يسلبه وينحط عنه # والمكر الذي يخاف عليه منه أن يغيب الله سبحانه عنه شهود أوليته في ذلك ~~ومنته وفضله وأنه محض منته عليه وأنه به وحده ومنه وحده فيغيب عن شهود ~~حقيقة قوله تعالى وما بكم من نعمة فمن الله وقوله قل إن الأمر كله لله ~~وقوله وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ~~يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم وقوله وما كنت ترجو أن يلقى ~~إليك الكتاب إلا رحمة من ربك وقوله ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى ~~منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء وأمثال ذلك فيغيبه عن شهود ذلك ~~ويحيله على معرفته في كسبه وطلبه فيحيله على نفسه التي لها الفقر بالذات ~~ويحجبه عن الحوالة على المليء الوفي الذي له الغنى التام كله بالذات فهذا ~~من أعظم أسباب المكر والله المستعان # ولو بلغ العبد من الطاعة ما بلغ فلا ينبغي له أن يفارقه هذا الحذر وقد ~~خافه خيار خلقه وصفوته من عباده قال شعيب وقد قال له قومه لنخرجنك يا شعيب ~~والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن ms0888 في ملتنا قال أو لو كنا كارهين قد ~~افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم PageV03P107 بعد إذ نجانا الله ~~منها إلى قوله على الله توكلنا فرد الأمر إلى مشيئة الله تعالى وعلمه أدبا ~~مع الله ومعرفة بحق الربوبية ووقوفا مع حد العبودية وكذلك قال إبراهيم ~~لقومه وقد خوفوه بآلهتهم فقال ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا ~~وسع ربي كل شيء علما فرد الأمر إلى مشيئة الله وعلمه وقد قال تعالى أفأمنوا ~~مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون # وقد اختلف السلف هل يكره أن يقول العبد في دعائه اللهم لا تؤمني مكرك # فكان بعض السلف يدعو بذلك ومراده لا تخذلني حتى آمن مكرك ولا أخافه وكرهه ~~مطرف بن عبدالله بن الشخير # وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالوهاب عن إسحاق عن مطرف أنه كان يكره أن يقول ~~اللهم لا تنسني ذكرك ولا تؤمني مكرك ولكن أقول اللهم لا تنسني ذكرك وأعوذ ~~بك أن آمن مكرك حتى تكون أنت تؤمنني # وبالجملة فمن أحيل على نفسه فقد مكر به # قال الإمام أحمدحدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا الصلت بن طريف ~~المعولي حدثنا غيلان بن جرير عن مطرف قال وجدت هذا الإنسان ملقى بين الله ~~عز وجل وبين الشيطان فإن يعلم الله تعالى في قلبه خيرا جبذه إليه وإن لم ~~يعلم فيه خيرا وكله إلى نفسه ومن وكله إلى نفسه فقد هلك # وقال جعفر بن سليمان حدثنا ثابت عن مطرف قال لو أخرج قلبي فجعل في يدي ~~هذه في اليسار وجيء بالخير فجعل في هذه اليمنى ثم قربت من الأخرى ما استطعت ~~أن أولج في قلبي شيئا حتى يكون الله عز وجل يضعه # ومما يدل على أن الفرح من أسباب المكر مالم يقارنه خوف قوله تعالى فلما ~~نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا PageV03P108 بما ~~أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون وقال قوم قارون له لا تفرح إن الله لا ~~يحب الفرحين ms0889 فالفرح متى كان بالله وبما من الله به مقارنا للخوف والحذر لم ~~يضر صاحبه ومتى خلا عن ذلك ضره ولا بد # قوله ويبعث على الشكر إلا ما قام به الحق عز وجل من حق الصفة هذا الكلام ~~يحتمل معنيين # أحدهما أن يريد أن هذه الملاحظة تبعثه على الشكر لله في السراء والضراء ~~في كل حين إلا ما عجزت قدرته عن شكره فإن الحق سبحانه هو الذي يقوم به ~~لنفسه بحق كماله المقدس وكمال صفاته ونعوته فتلك الملاحظة تبسط للعبد الشكر ~~الذي يعجز عنه ولا يقدر أن يقوم به فإن شكر العبد لربه نعمة من الله أنعم ~~بها عليه فهي تستدعي شكرا آخر عليها وذلك الشكر نعمة أيضا فيستدعي شكرا ~~ثالثا وهلم جرا فلا سبل إلى القيام بشكر الرب على الحقيقة ولا يشكره على ~~الحقيقة سواه فإنه هو المنعم بالنعمة وبشكرها فهو الشكور لنفسه وإن سمى ~~عبده شكورا فمدحة الشكر في الحقيقة راجعة إليه وموقوفة عليه فهو الشاكر ~~لنفسه بما أنعم على عبده فما شكره في الحقيقة سواه مع كون العبد عبدا والرب ~~ربا فهذا أحد المعنيين في كلامه # المعنى الثاني أن هذا اللحظ يبسطه للشكر الذي هو وصفه وفعله لا الشكر ~~الذي هو صفة الرب جل جلاله وفعله فإنه سمى نفسه بالشكور كما قال تعالى وكان ~~الله شاكرا عليما وقال أهل الجنة إن ربنا لغفور شكور فهذاالشكر الذي هو ~~وصفه سبحانه لا يقوم إلا به ولا يبعث العبد على الملاحظة المذكورة إلا على ~~وجه واحد وهو أنه إذا لاحظ سبق الفضل منه سبحانه علم أنه فعل ذلك لمحبته ~~للشكر فإنه تعالى يحب أن يشكر كما قال موسى يا رب هلا ساويت بين عبادك فقال ~~إني أحب أن اشكر PageV03P109 كان يحب الشكر فهو أولى أن يتصف به كما أنه ~~سبحانه وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال محسن يحب المحسنين صبور يحب الصابرين ~~عفو يحب العفو قوى والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف فكذلك هو شكور ~~يحب الشاكرين فملاحظة العبد سبق ms0890 الفضل تشهده صفة الشكر وتبعثه على القيام ~~بفعل الشكر والله أعلم # | فصل قال الدرجة الثانية ملاحظة نور الكشف وهي تسبل لباس التولي # وتذيق طعم التجلي وتعصم من عوار التسلي # هذه الدرجة أتم مما قبلها فإن تلك الدرجة ملاحظة ما سبق بنور العلم وهذه ~~ملاحظة كشف بحال قد استولى على قلبه حتى شغله عن الخلق فأسبل عليه لباس ~~توليه الله وحده وتوليه عما سواه # ونور الكشف عندهم هو مبدأ الشهود وهو نور تجلى معاني الأسماء الحسنى على ~~القلب فتضيء به ظلمة القلب ويرتفع به حجاب الكشف # ولا تلتفت إلى غير هذا فتزل قدم بعد ثبوتها فإنك تجد في كلام بعضهم تجلي ~~الذات يقتضي كذا وكذا وتجلي الصفات يقتضي كذا وكذا وتجلي الأفعال يقتضي كذا ~~وكذا والقوم عنايتهم بالألفاظ فيتوهم المتوهم أنهم يريدون تجلي حقيقة الذات ~~والصفات والأفعال للعيان فيقع من يقع منهم في الشطحات والطامات والصادقون ~~العارفون برآء من ذلك PageV03P110 # وإنما يشيرون إلى كمال المعرفة وارتفاع حجب الغفلة والشك والإعراض ~~واستيلاءسلطان المعرفة على القلب بمحو شهود السوى بالكلية فلا يشهد القلب ~~سوى معروفه # وينظرون هذا بطلوع الشمس فإنها إذا طلعت انطمس نور الكواكب ولم تعدم ~~الكواكب وإنما غطى عليها نور الشمس فلم يظهر لها وجود وهي في الواقع موجودة ~~في أماكنها وهكذا نور المعرفة إذا استولى على القلب قوى سلطانها وزالت ~~الموانع والحجب عن القلب # ولا ينكر هذا إلا من ليس من أهله # ولا يعتقد أن الذات المقدسة والأوصاف برزت وتجلت للعبد كما تجلى سبحانه ~~سبحانه للطور وكما يتجلى يوم القيامة للناس إلا غالط فاقد للعلم وكثيرا ما ~~يقع الغلط من التجاوز من نور العبادات والرياضة والذكر إلى نور الذات ~~والصفات # فإن العبادة الصحيحة والرياضة الشرعية والذكر المتواطىء عليه القلب ~~واللسان يوجب نورا على قدر قوته وضعفه وربما قوى ذلك النور حتى يشاهد ~~بالعيان فيغلط فيه ضعيف العلم والتمييز بين خصائص الربوبية ومقتضيات ~~العبودية فيظنه نور الذات وهيهات ثم هيهات نور الذات لا يقوم له شيء ولو ~~كشف سبحانه وتعالى الحجاب ms0891 عنه لتدكدك العالم كله كما تدكدك الجبل وساخ لما ~~ظهر له القدر اليسير من التجلي # وفي الصحيح عنه إن الله سبحانه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ~~ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل PageV03P111 النهار قبل ~~عمل الليل حجابه النور لو كشفه أحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من ~~خلقه / ح / # فالإسلام له نور والإيمان له نور أقوى منه والإحسان له نور أقوى منهما ~~فإذا اجتمع الإسلام والإيمان والإحسان وزالت الحجب الشاغلة عن الله تعالى ~~امتلأ القلب والجوارح بذلك النور لا بالنور الذي هو صفة الرب تعالى فإن ~~صفاته لا تحل في شيء من مخلوقاته كما أن مخلوقاته لا تحل فيه فالخالق ~~سبحانه بائن عن المخلوق بذاته وصفاته فلا اتحاد ولا حلول ولا ممازجة تعالى ~~الله عن ذلك كله علوا كبيرا # قوله ويعصم من عوار التسلي العوار العيب والتسلي السلوة عن المحبوب الذي ~~لا حياة للقلب ولا نعيم إلا بحبه والقرب منه والأنس بذكره فإن سلو القلب ~~وغفلته عن ذكره هو من أعظم العيوب فهذه الملاحظة إذا صدقت عصمت صاحبها عن ~~عيب سلوته عن مطلوبه ومراده فإنه في هذه الدرجة مستغرق في شهود الأسماء ~~والصفات وقد استولى على قلبه نور الإيمان بها ومعرفتها ودوام ذكرها ومع هذا ~~فباب السلوة عليه مسدود وطريقها عليه مقطوع والمحب يمكنه التسلي قبل ان ~~يشاهد جمال محبوبه ويستغرق في شهود كماله ويغيب به عن غيره فإذا وصل إلى ~~هذه الحال كان كما قيل # مرت بأرجاء الخيال طيوفه % فبكب على رسم السلو الدارس # | فصل قال الدرجة الث الثة ملاحطة عين الجمع وهي توقظ لاستهانة المجاهد # ات والتخلص من رعونة المعارضات وتفيد مطالعة البدايات # هذه الدرجة عنده أرفع مما قبلها فإن ما قبلها مطالعة كشف الأنوار تشير ~~إلى نوع كسب واختيار وهذه مطالعة تجذب القلب من التفرق في أودية إلإرادات ~~وشعاب الأحوال والمقامات إلى ما استولى عليه من عين الجمع PageV03P112 ~~الناظر إلى الواحد الفرد الأول الذي ليس قبله شيء الآخر الذي ms0892 ليس بعده شيء ~~الظاهر الذي ليس فوقه شيء الباطن الذي ليس دونه شيء سبق كل شيء بأوليته ~~وبقي بعد كل شيء بآخريته وعلا فوق كل شيء بظهوره وأحاط بكل شيء ببطونه # فالنظر بهذه العين يوقظ قلبه لاستهانته بالمجاهدات # ومعنى ذلك أن السالك في مبدأ أمره له شرة وفي طلبه حدة تحمله على أنواع ~~المجاهدات وترميه عليها لشدة طلبه ففتوره نائم واجتهاده يقظان # فإذا وصل إلى هذه الدرجة استهان بالمجاهدات الشاقة في جنب ما حصل له من ~~مقام الجمع على الله واستراح من كدها فإن ساعة من ساعات الجمع على الله ~~أنفع وأجدى عليه من القيام بكثير من المجاهدات البدنية التي لم نيرضها الله ~~عليه فإذا جمع همه وقلبه كله على الله وزال كل مفرق ومشتت كانت هذه هي ~~ساعات عمره في الحقيقة فتعوض بها عما كان يقاسيه من كد المجاهدات وتعبها # وهذا موضع غلط فيه طائفتان من الناس # إحداهما غلت فيه حتى قدمته على الفرائض والسنن ورأت نزولها عنه إلى ~~القيام بالأوامر انحطاطا من الأعلى إلى الأدنى حتى قيل لبعض من زعم أنه ذاق ~~ذلك قم إلى الصلاة فقال # يطالب بالأوراد من كان غافلا % فكيف بقلب كل أوقاته ورد # وقال آخر لا تسيب واردك لو ردك # وهؤلاء بين كافر وناقص # فمن لم ير القيام بالفرائض إذا حصلت له الجمعية فهو كافر منسلخ من الدين ~~ومن عطل لها مصلحة راجحة كالسنن الرواتب والعلم النافع والجهاد والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والنفع العظيم المتعدي فهو ناقص PageV03P113 # والطائفة الثانية لا تعبأ بالجمعية ولا تعمل عليها ولعلها لا تدري ما ~~مسماها ولا حقيقتها # وطريقة الأقوياء أهل الاستقامة القيام بالجمعية بالجمعة في التفرقة ما ~~أمكن فيقوم أحدهم بالعبادات ونفع الخلق والإحسان إليهم مع جمعيته على الله ~~فإن ضعف عن اجتماع الأمرين وضاق عن ذلك قام بالفرائض ونزل عن الجمعية ولم ~~يلتفت إليها إداء كان لا يقدر على تحصيلها إلا بتعطيل الفرض فإن ربه سبحانه ~~يريد منه إداء فرائضه ونفسه تريد الجمعية لما فيها من الراحة ms0893 واللذة ~~والتخلص من ألم التفرقة وشعثها فالفرائض حق ربه والجمعية حظه هو ~~PageV03P114 # فالعبودية الصحيحة توجب عليه تقديم أحد الأمرين على الآخر فإذا جاء إلى ~~النوافل وتعارض عنده الأمران فمنهم من يرجح الجمعية # ومنهم من يرجح النوافل ومنهم من يؤثر هذا في وقت وهذا في وقت # والتحقيق إن شاء الله أن تلك النوافل إن كانت مصلحتها أرجح من الجمعية ~~ولا تعوضه الجمعية عنها اشتغل بها ولو فاتت الجمعية كالدعوة إلى الله ~~وتعليم العلم النافع وقيام وسط الليل والذكر أول الليل وآخره وقراءة القرآن ~~بالتدبر ونفل الجهاد والإحسان إلى المضطر وإغاثة الملهوف ونحو ذلك فهذا كله ~~مصلحته أرجح من مصلحة الجمعية # وإن كانت مصلحته دون الجمعية كصلاة الضحى وزيارة الإخوان والغسل لحضور ~~الجنائز وعيادة المرضى وإجابة الدعوات وزيارة القدس وضيافة الإخوان ونحو ~~ذلك فهذا فيه تفصيل # فإن قويت جمعيته فظهر تأثيرها فيه فهي أولى له وأنفع من ذلك وإن ضعفت ~~الجمعية وقوي أخلاصه في هذه الأعمال فهي أنفع له وأفضل من الجمعية والمعول ~~عليه في ذلك كله إيثار أحب الأمرين إلى الرب تعالى # وذلك يعرف بنفع العمل وثمرته من زيادة الإيمان به وترتب الغايات الحميدة ~~عليه وكثرة مواظبة الرسول وشدة اعتنائه به وكثرة الوصية به وإخباره أن الله ~~يحب فاعله ويباهي به الملائكة ونحو ذلك # ونكتة المسألة وحرفها أن الصادق في طلبه يؤثر مرضاة ربه على حظه فإن كان ~~رضى الله في القيام بذلك العمل وحظه في الجمعية خلى الجمعية تذهب وقام بما ~~فيه رضى الله ومتى علم الله من قلبه أن تردده وتوقفه ليعلم أي الأمرين أحب ~~إلى الله وأرضى له أنشأ له من ذلك التوقف والتردد حالة شريفة فاضلة حتى لو ~~قدم المفضول لظنه أنه الأحب إلى الله ردت تلك النية والإرادة عليه ما ذهب ~~عليه وفاته من زيادة العمل الآخر وبالله التوفيق PageV03P115 وفي كلامه ~~معنى آخر وهو أن صاحب المجاهدات مسافر بعزمه وهمته إلى الله فإذا لاحط عين ~~الجمع وهي الوحدانية التي شهود عينها هو انكشاف حقيقتها للقلب كان ms0894 بمنزلة ~~مسافر جاد في سيره وقد وصل إلى المنزل وقرت عينه بالوصول وسكنت نفسه كما ~~قيل # فألقت عصاها واستقر بها النوى % كما قر عينا بالإياب المسافر # ولكن هذا الموضع مورد الصديق الموحد والزنديق الملحد # فالزنديق يقول الاشتغال بالسير بعد الوصول عيب لا فائدة فيه والوصول عنده ~~هو ملاحظة عين الجمع فإذا استغرق في هذا الشهود وفنى به عن كل ما سواه ظن ~~أن ذلك هو الغاية المطلوبة بالأوراد والعبادات وقد حصلت له الغاية فرأى ~~قيامه بها أولى به وأنفع له من الاشتغال بالوسيلة فالعبادات البدنية عنده ~~وسيلة لغاية وقد حصلت فلا معنى للاشتغال بالوسيلة بعدها كما يقول كثير من ~~الناس إن العلم وسيلة إلى العمل فإذا اشتغلت بالغاية لم تحتج إلى الوسيلة # وقد اشتد نكير السلف من أهل الاستقامة من الشيوخ على هذه الفرقة وحذروا ~~منهم وجعلوا أهل الكبائر وأصحاب الشهوات خيرا منهم وأرجى عاقبة # وأما الصديق الموحد فإذا وصل إلى هناك صارت أعماله القلبية والروحية أعظم ~~من أعماله البدنية ولم يسقط من أعماله شيئا ولكنه استراح من كد المجاهدات ~~بملاحظة عين الجمع وصار بمنزلة مسافر طلب ملكا عظيما رحيما جوادا فجد في ~~السفر إليه خشية أن يقتطع دونه فلما وصل إليه ووقع بصره عليه بقي له سير ~~آخر في مرضاته ومحابه فالأول كان سيرا إليه وهذا سير في محابه ومراضيه فهذا ~~أقرب ما يقال في كلام الشيخ وأمثاله في ذلك PageV03P116 وبعد فالعبد وإن ~~لاحظ عين الجمع ولم يغب عنها فهو سائر إلى الله ولا ينقطع سيره إليه ما دام ~~في قيد الحياة ولا يصل العبد ما دام حيا إلى الله وصولا يستغنى به عن السير ~~إليه البتة وهذا عين المحال بل يشتد سيره إلى الله كلما زادت ملاحظته ~~لتوحيده وأسمائه وصفاته ولهذا كان رسول الله أعظم الخلق اجتهادا وقياما ~~بالأعمال ومحافظة عليها إلى أن توفاه الله وهو أعظم ما كان اجتهادا وقياما ~~بوظائف العبودية فلو اتى العبد بأعمال الثقلين جميعها لم تفارقه حقيقة ~~السير إلى الله وكان بعد في ms0895 طريق الطلب والإرادة # وتقسيم السائرين إلى الله إلى طالب وسائر وواصل أو إلى مريد ومراد تقسيم ~~فيه مساهلة لا تقسيم حقيقي فإن الطلب والسلوك والإرادة لو فارق العبد ~~لانقطع عن الله بالكلية # ولكن هذا التقسيم باعتبار تنقل العبد في أحوال سيره وإلا فإرادة العبد ~~المراد وطلبه وسيره أشد من إرادة غيره وطلبه وسيره # وأيضا فإنه مراد أولا حيث أقيم في مقام الطلب وجذب إلى السير فكل مريد ~~مراد وكل واصل وسالك وطالب لا يفارقه طلبه ولا سيره وإن تنوعت طرق السير ~~بحسب اختلاف حال العبد # فمن السالكين من يكون سيره ببدنه وجوارحه أغلب عليه من سيره بقلبه وروحه # ومنهم من سيره بقلبه أغلب عليه أعني قوة سيره وحدته # ومنهم وهم الكمل الأقوياء من يعطي كل مرتبة حقها فيسير إلى الله ببدنه ~~وجوارحه وقلبه وروحه # وقد أخبر الله سبحانه عن صفوة أوليائه بأنهم دائما في مقام الإرادة له ~~فقال PageV03P117 @QB@ تعالى @QE@ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه وقال تعالى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ~~ربه الأعلى ولسوف يرضى فالعبد أخص أوصافه وأعلى مقاماته أن يكون مريدا صادق ~~الإرادة عبدا في إرادته بحيث يكون مراده تبعا لمراد ربه الديني منه ليس له ~~إرادة في سواه # وقد يحمل كلام الشيخ على معنى آخر وهو أن يكون معنى قوله إن ملاحظة عين ~~الجمع توقظ الاستهانة بالمجاهدات أنه يوقظه من نوم الاستهانة بالمجاهدات ~~وتكون اللام للتعليل أي يوقظه من سنة التقصير لاستهانته بالمجاهدات وهذا ~~معنى صحيح في نفسه فإن العبد كلما كان إلى الله أقرب كان جهاده في الله ~~أعظم قال الله تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده # وتأمل أحوال رسول الله وأصحابه فإنهم كانوا كلما ترقوا من القرب في مقام ~~عظم جهادهم واجتهادهم لا كما ظنه بعض الملاحدة المنتسبين إلى الطريق حيث ~~قال القرب الحقيقي تنقل العبد من الأحوال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة ~~ويريح الجسد والجوارح من كد العمل # وهؤلاء أعظم كفرا وإلحادا حيث عطلوا العبودية وظنوا أنهم ms0896 استغنوا عنها ~~بما حصل لهم من الخيالات الباطلة التي هي من أماني النفس وخدع الشيطان وكأن ~~قائلهم إنما عنى نفسه وذوى مذهبه بقوله # رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم % وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا # فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم % وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا # وقد صرح أهل الاستقامة وأئمة الطريق بكفر هؤلاء فأخرجوهم من الإسلام ~~وقالوا لو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام يناله العبد لما سقط عنه من ~~التكليف مثقال ذرة أي ما دام قادرا عليه PageV03P118 # وهؤلاء يظنون أنهم يستغنون بهذه الحقيقة عن ظاهر الشريعة # وأجمعت هذه الطائفة على أن هذا كفر وإلحاد وصرحوا بأن كل حقيقة لا تتبعها ~~شريعة فهي كفر # قال سرى السقطي من ادعى باطن حقيقة ينقضها ظاهر حكم فهو غالط وقال سيد ~~الطائفة الجنيد بن محمد علمنا هذا مشتبه بحديث رسول الله وقال إبراهيم بن ~~محمد النصرابادي أصل هذا المذهب ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع ~~والتمسك بالأئمة والاقتداء بالسلف وترك ما أحدثه الآخرون والمقام على ما ~~سلك الأولون وسئل إسماعيل بن نجيد ما الذي لا بد للعبد منه فقال ملازمة ~~العبودية على السنة ودوام المراقبة وسئل ما التصوف فقال الصبر تحت الأمر ~~والنهي وقال أحمد بن أبي الحواري من عمل بلا اتباع سنة فباطل عمله وقال ~~الشبلي يوما ومد يده إلى ثوبه لولا أنه عارية لمزقته فقيل له رؤيتك في تلك ~~الغلبة ثيابك وأنها عارية فقال نعم أرباب الحقائق محفوظ عليهم في كل ~~الأوقات الشريعة وقال أبو يزيد البسطامي لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات ~~حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي ~~وحفظ الحدود والشريعة وقال عبدالله الخياط الناس قبل رسول الله كانوا مع ما ~~يقع في قلوبهم فجاء النبي فردهم من القلب إلى الدين والشريعة ولما حضرت أبا ~~عثمان الحيرى الوفاة مزق ابنه أبو بكر PageV03P119 قميصه ففتح أبو عثمان ~~عينيه وقال يا بني خلاف السنة في الظاهر من رياء باطن في ms0897 القلب ومن كلام ~~ابن عثمان هذا أسلم الطرق من الاغترار طريق السلف ولزوم الشريعة وقال ~~عبدالله بن مبارك لا يظهر على أحد شيء من نور الإيمان إلا باتباع السنة ~~ومجانبة البدعة وكل موضع ترى فيه اجتهادا ظاهرا بلا نور فاعلم أن ثم بدعة ~~خفية وقال سهل بن عبدالله الزم السواد على البياض حدثنا وأخبرنا إن أردت أن ~~تفلح # ولقد كان سادات الطائفة أشد ما كانوا اجتهادا في آخر أعمارهم # قال القشيري سمعت أبا علي الدقاق يقول رؤى في يد الجنيد سبحة فقيل له أنت ~~مع شرفك تأخذ بيدك سبحة فقال طريق وصلت به إلى ربي تبارك وتعالى لا أفارقه ~~أبدا وقال إسماعيل بن نجيد كان الجنيد يجيء كل يوم إلى السوق فيفتح باب ~~حانوته فيدخله ويسبل الستر ويصلي أربعمائة ركعة ثم يرجع إلى بيته ودخل عليه ~~ابن عطاء وهو في النزع فسلم عليه فلم يرد عليه ثم رد عليه بعد ساعة فقال ~~اعذرني فإني كنت في وردي ثم حول وجهه إلى القبلة وكبر ومات وقال أبو سعيد ~~بن الأعرابي سمعت أبا بكر العطار يقول حضرت أبا القاسم الجنيد أنا وجماعة ~~من أصحابنا فكان قاعدا يصلي ويثني رجله إذا أراد أن يسجد فلم يزل كذلك حتى ~~خرجت الروح من رجليه فثقلت عليه حركتها وكانتا قد تورمتا فقال له بعض ~~أصحابه ما هذا يا أبا القاسم فقال هذه نعم الله الله أكبر فلما فرغ من ~~صلاته قال له أبو محمد الجريري يا أبا القاسم لو اضطجعت فقال يا أبا محمد ~~هذا PageV03P120 وقت يؤخذ فيه الله أكبر فلم يزل ذلك حاله حتى مات ودخل ~~عليه شاب وهو في مرضه الذي مات فيه وقد تورم وجهه وبين يديه مخدة يصلي ~~إليها فقال وفي هذه الساعة لا تترك الصلاة فلما سلم دعاه وقال شيء وصلت به ~~إلى الله فلا أدعه ومات بعد ساعة رحمة الله عليه # وقال أبو محمد الجريري كنت واقفا على رأس الجنيد في وقت وفاته وكان يوم ~~جمعة ويوم نيروز وهو يقرأ ms0898 القرآن فقلت له يا أبا القاسم ارفق بنفسك فقال يا ~~أبا محمد أرأيت أحدا أحوج إليه مني في مثل هذا الوقت وهو ذا تطوى صحيفتي ~~وقال أبو بكر العطوي كنت عند الجنيد حين مات فختم القرآن ثم ابتدأ في ختمة ~~أخرى فقرأ من البقرة سبعين آية ثم مات # وقال محمد بن إبراهيم رأيت الجنيد في النوم فقلت ما فعل الله بك فقال ~~طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات وفنيت تلك العلوم ونفدت تلك الرسوم ~~وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها في الأسحار وتذاكروا بين يديه أهل المعرفة ~~وما استهانوا به من الأوراد والعبادات بعد ما وصلوا إليه فقال الجنيد ~~العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رؤوس الملوك وقال الطرق كلها ~~مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول واتبع سنته ولزم طريقته فإن طرق ~~الخيرات كلها مفتوحة عليه وقال من ظن أنه يصل ببذل المجهود فمتعن ومن ظن ~~أنه يصل بغير بذل المجهود فمتمن وقال أبو نعيم سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن ~~جعفر بن هانىء يقول سألت الجنيد ما علامة الإيمان فقال علامته طاعة من آمنت ~~به والعمل بما يحبه ويرضاه وترك التشاغل عنه بما ينقضي ويزول PageV03P121 ~~فرحمة الله على أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه ما أتبعه لسنة الرسول وما ~~وما أقفاه لطريقة أصحابه # وهذا باب يطول تتبعه جدا يدلك على أن أهل الاستقامة في نهاياتهم أشد ~~اجتهادا منهم في بداياتهم بل كان اجتهادهم في البداية في عمل مخصوص فصار ~~اجتهادهم في النهاية الطاعة المطلقة وصارت إرادتهم دائرة معها فتضعف ~~الاجتهاد في المعنى المعين لأنه كان مقسوما بينه وبين غيره # ولا تصغ إلى قول ملحد قاطع للطريق في قالب عارف يقول إن منزلة القرب تنقل ~~العبد من الأعمال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة وتحمل على الاستهانة ~~بالطاعات الظاهرة وتريحه من كد القيام بها # | فصل قوله وتخلص من رعونة المعارضات يريد أن هذه الملاحظة تخلص # العبد من رعونة معارضة حكم الله الديني والكوني الذي لم يأمر بمعارضته ~~فيستسلم للحكمين ms0899 فإن ملاحظة عين الجمع تشهده أن الحكمين صدرا عن عزيز حكيم ~~فلا يعارض حكمه برأي ولا عقل ولا ذوق ولا خاطر # وأيضا فتخلص قلبه من معارضات السوى للأمر فإن الأمر يعارض بالشهوة والخبر ~~يعارض بالشك والشبهة فملاحظة عين الجمع تخلص قلبه من هاتين المعارضتين وهذا ~~هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من لقي الله به هذا تفسير أهل الحق ~~والاستقامة # وأما أهل الإلحاد فقالوا المراد بالمعارضات ههنا الإنكار على الخلق فيما ~~يبدو منهم من أحكام البشرية لأن المشاهد لعين الجمع يعلم أن مراد الله من ~~الخلق ما هم عليه فإذا علم ذلك بحقيقة الشهود كانت المعارضات والإنكار ~~عليهم من رعونات الأنفس المحجوبة PageV03P122 # وقال قدوتهم في ذلك العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر ~~وهذا عين الاتحاد والإلحاد والانسلاخ من الدين بالكلية وقد أعاذ الله شيخ ~~الإسلام من ذلك وإذا كان الملحد يحمل كلام الله ورسوله ما لا يحتمله فما ~~الظن بكلام مخلوق مثله # فيقال إنما بعث الله رسله وأنزل كتبه بالإنكار على الخلق بما هم عليه من ~~أحكام البشرية وغيرها فبهذا أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وانقسمت الدار إلى ~~دار سعادة للمنكرين ودار شقاوة للمنكر عليهم فالطعن في ذلك طعن في الرسل ~~والكتب والتخلص من ذلك انحلال من ربقة الدين ومن تأمل أحوال الرسل مع أممهم ~~وجدهم كانوا قائمين بالإنكار عليهم أشد القيام حتى لقوا الله تعالى وأوصوا ~~من آمن بهم بالإنكار على من خالفهم وأخبر النبي أن المتخلص من مقامات ~~الإنكار الثلاثة ليس معه من الإيمان حبة خردل وبالغ في الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر أشد المبالغة حتى قال إن الناس إذا تركوه أوشك أن يعمهم ~~الله بعقاب من عنده # وأخبر أن تركه يمنع إجابة دعاء الأخيار ويوجب تسلط الأشرار # وأخبر أن تركه يوقع المخالفة بين القلوب والوجوه ويحل لعنه الله كما لعن ~~الله بني إسرائيل على تركه # فكيف يكون الإنكار من رعونات النفوس وهو مقصود الشريعة # وهل الجهاد إلا على أنواع الإنكار وهو جهاد باليد وجهاد ms0900 أهل العلم إنكار ~~باللسان # وأما قوله إن المشاهد أن مراد الله من الخلائق ما هم عليه # فيقال له الرب تعالى له مرادان كوني وديني فهب أن مراده الكوني منهم ما ~~هم عليه فمراده الديني الأمري الشرعي هو الإنكار على أصحاب المراد الكوني ~~فإذا عطلت مراده الديني لم تكن واقفا مع مراده الديني الذي يحبه ~~PageV03P123 ويرضاه ولا ينفعك وقوفك مع مراده الكوني الذي قدره وقضاه إذ لو ~~نفعك ذلك لم يكن للشرائع معنى البتة ولا للحدود والزواجر ولا للعقوبات ~~الدنيوية ولا للأخذ على أيدي الظلمة والفجار وكف عدوانهم وفجورهم فإن ~~العارف عندك يشهد أن مراد الله منهم هو ذلك وفي هذا فساد الدنيا قبل ~~الأديان # فهذا المذهب الخبيث لا يصلح عليه دنيا ولا دين ولكنه رعونة نفس قد أخلدت ~~إلى الإلحاد وكفرت بدين رب العباد واتخذت تعطيل الشرائع دينا ومقاما ووساوس ~~الشيطان مسامرة وإلهاما وجعلت أقدار الرب تعالى مبطلة لما بعث به رسله ~~ومعطلة لما أنزل به كتبه وجعلوا هذا الإلحاد غاية المعارف الألهية وأشرف ~~المقامات العلية ودعوا إلى ذلك النفوس المبطلة الجاهلة بالله ودينه فلبوا ~~دعوتهم مسرعين واستخف الداعي منهم قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين # وأما قوله إن الإنكار من معارضات النفوس المحجوبة # فلعمر الله إنهم لفي حجاب منيع من هذا الكفر والإلحاد ولكنهم يشرفون على ~~أهله وهم في ضلالتهم يعمهون وفي كفرهم يترددون ولأتباع الرسل يحاربون وإلى ~~خلاف طريقهم يدعون وبغير هداهم يهتدون وعن صراطهم المستقيم ناكبون ولما ~~جاءا به يعارضون يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ~~وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم ~~المفسدون ولكن لا يشعرون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما ~~آمن السفهاء إلا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا ~~قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا PageV03P124 إنا معكم إنما نحن ~~مستهزئون الله يستهزىء ms0901 بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون إولئك الذي اشتروا ~~الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين # | فصل قوله وتفيد مطالعة البدايات يحتمل كلامه أمرين أحدهما أن # ملاحظة عين الجمع تفيد صابحها مطالعة السوابق التي ابتدأه الله بها ~~فتفيده ملاحظة عين الجمع نظرة إلى أولية الرب تعالى في كل شيء # ويحتمل أن يريد بالبدايات بدايات سلوكه وحدة طلبه فإنه في حال سلوكه لا ~~يلتفت إلى ما وراءه لشدة شغله بما بين يديه وغلبة أحكام الهمة عليه فلا ~~يتفرغ لمطالعة بداياته فإذا لاحظ عين الجمع قطع السلوك الأول وبقى له سلوك ~~ثان فتفرغ حينئذ إلى مطالعة بداياته ووجد اشتياقا منه إليها كما قال الجنيد ~~واشوقاه إلى أوقات البداية # يعني لذة أوقات البداية وجمع الهمة على الطلب والسير إلى الله فإنه كان ~~مجموع الهمة على السير والطلب فلما لاحظ عين الجمع فنيت رسومه وهو لا يمكنه ~~الفناء عن بشريته وأحكام طبيعته فتقاصت طباعه ما فيها فلزمته الكلف فارتاح ~~إلى أوقات البدايات لما كان فيها من لذة الإعراض عن الخلق واجتماع الهمة # ومر أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه على رجل وهو يبكي من خشية الله ~~فقال هكذا كنا حتى قست قلوبنا # وقد أخبر النبي إن لكل عامل شرة ولك شرة فترة # فالطالب الجاد لا بدأن تعرض له فترة فيشتاق في تلك الفترة إلى حاله وقت ~~الطلب والاجتهاد # ولما فتر الوحي عن النبي كان يغدو إلى شواهق الجبال PageV03P125 ليلقى ~~نفسه فيبدو له جبريل عليه السلام فيقول له إنك رسول الله فيسكن لذلك جأشه ~~وتطمئن نفسه # فتخلل الفترات للسالكين أمر لازم لا بد منه فمن كانت فترته إلى مقاربة ~~وتسديد ولم تخرجه من فرض ولم تدخله في محرم رجى له أن يعود خيرا مما كان # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه إن لهذه القلوب إقبالا وإدبارا ~~فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل وإن أدبرت فألزموها الفرائض # وفي هذه الفترات والغيوم والحجب التي تعرض للسالكين من الحكم مالا يعلم ~~تفصيله إلا الله وبها يتبين الصادق ms0902 من الكاذب # فالكاذب ينقلب على عقبيه ويعود إلى رسوم طبيعته وهواه 3 والصادق ينتظر ~~الفرج ولا ييأس من روح الله ويلقى نفسه بالباب طريحا ذليلا مسكينا مستكينا ~~كالإناء الفارغ الذي لا شيء فيه البتة ينتظر أن يضع فيه مالك الإناء وصانعه ~~ما يصلح له لا بسبب من العبد وإن كان هذا الافتقار من أعظم الأسباب لكن ليس ~~هو منك بل هو الذي من عليك به وجردك منك وأخلاك عنك وهو الذي يحول بين ~~المرء وقلبه # فإذا رأيته قد أقامك في هذا المقام فاعلم أنه يريد أن يرحمك ويملأ إناءك ~~فإن وضعت القلب في غير هذا الموضع فاعلم أنه قلب مضيع فسل ربه ومن هو بين ~~أصابعه أن يرده عليك ويجمع شملك به ولقد أحسن القائل # إذا ما وضعت القلب في غير موضع % بغير إناء فهو قلب مضيع PageV03P126 # | فصل ومنها الوقت قال صاحب المنازل # باب الوقت # قال الله تعالى ثم جئت على قدر يا موسى الوقت اسم لظرف الكون وهو اسم في ~~هذا الباب لثلاثة معان على ثلاث درجات المعنى الأول حين وجد صادق لأنياس ~~ضياء فضل جذبه صفاء رجاء أو لعصمة جذبها صدق خوف أو لتلهب شوق جذبه اشتعال ~~محبة # وجه استشهاده بالآية أن الله سبحانه قدر مجيء موسى أحوج ما كان الوقت ~~إليه فإن العرب تقول جاء فلان على قدر إذا جاء وقت الحاجة إليه قال جرير # نال الخلافة إذ كانت على قدر % كما أتى ربه موسى على قدر # وقال مجاهد على موعد وهذا فيه نظر لأنه لم يسبق بين الله سبحانه وبين ~~موسى موعد للمجيءحتى يقال إنه أتى على ذلك الموعد # ولكن وجه هذا أن المعنى جئت على الموعد الذي وعدنا أن ننجزه والقدر الذي ~~قدرنا أن يكون في وقته وهذا كقوله تعالى إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا ~~يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ~~لأن الله سبحانه وتعالى وعد بإرسال نبي في آخر الزمان يملأ الأرض نورا وهدى ~~فلما ms0903 سمعوا القرآن علموا أن الله أنجز ذلك الوعد الذي وعد به # واستشهاده بهذه الآية يدل على محله من العلم لأن الشيء إذا وقع في وقته ~~الذي هو أليق الأوقات بوقوعه فيه كان أحسن وأنفع وأجدى كما إذا وقع الغيث ~~في أحوج الأوقات إليه وكما إذا وقع الفرج في وقته الذي يليق به PageV03P127 # ومن تأمل أقدار الرب تعالى وجريانها في الخلق علم أنها واقعة في أليق ~~الأوقات بها # فبعث الله سبحانه موسى أحوج ما كان الناس إلى بعثته وبعث عيسى كذلك وبعث ~~محمد وعليهم أجمعين أحوج ما كان أهل الأرض إلى إرساله فهكذا وقت العبد مع ~~الله يعمره بأنفع الأشياء له أحوج ما كان إلى عمارته # قوله الوقت ظرف الكون الوقت عبارة عن مقاربة حادث لحادث عند المتكلمين ~~فهو نسبة بين حادثين فقوله ظرف الكون أي وعاء التكوين فهو الوعاء الزماني ~~الذي يقع فيه التكوين كما أن ظرف المكان هو الوعاء المكاني الذي يحصل فيه ~~الجسم # ولكن الوقت في اصطلاح القوم أخص من ذلك # قال أبو على الدقاق الوقت ما أنت فيه فإن كنت في الدنيا فوقتك الدنيا وإن ~~كنت بالعقبى فوقتك العقبى وإن كنت بالسرور فوقتك السرور وإن كنت بالحزن ~~فوقتك الحزن # يريد أن الوقت ما كان الغالب على الإنسان من حاله # وقد يريد أن الوقت ما بين الزمانين الماضي والمستقبل وهو اصطلاح أكثر ~~الطائفة ولهذا يقولون الصوفي والفقير ابن وقته # يريدون أن همته لا تتعدى وظينة عمارته بما هو أولى الأشياء به وأنفعها له ~~فهو قائم بما هو مطالب به في الحين والساعة الراهنة فهو لا يهتم بماضي وقته ~~وآتيه بل يهتم بوقته الذي هو فيه فإن الاشتغال بالوقت الماضي والمستقبل ~~يضيع الوقت الحاضر وكلما حضر وقت اشتغل عنه بالطرفين فتصير أوقاته كلها ~~فوات PageV03P128 قال الشافع رضي الله عنه صحبت الصوفية فما انتفعت منهم ~~إلا بكلمتين سمعتهم يقولون الوقت سيف فإن قطعته وإلا قطعك ونفسك إن لم ~~تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل # قلت يا لهما من كلمتين ما أنفعهما ms0904 وأجمعهما وأدلهما على علو همة قائلهما ~~ويقظته ويكفي في هذا ثناء الشافعي على طائفة هذا قدر كلماتهم # وقد يريدون بالوقت ما هو أخص من هذا كله وهو ما يصادفهم في تصريف الحق ~~لهم دون ما يختارونه لأنفسهم ويقولون فلان بحكم الوقت أي مستسلم لما يأتي ~~من عند الله من غير اختيار # وهذا يحسن في حال ويحرم في حال وينقص صاحبه في حال فيحسن في كل موضع ليس ~~لله على العبد فيه أمر ولا نهي بل في موضع جريان الحكم الكوني الذي لا ~~يتعلق به أمر ولا نهي كالفقر والمرض والغربة والجوع والألم والحر والبرد ~~ونحو ذلك # ويحرم في الحال التي يجري عليه فيها الأمر والنهي والقيام بحقوق الشرع ~~فإن التضييع لذلك والاستسلام والاسترسال مع القدر انسلاخ من الدين بالكلية ~~وينقص صاحبه في حال تقتضي قياما بالنوافل وأنواع البر والطاعة # وإذا أراد الله بالعبد خيرا أعانه بالوقت وجعل وقته مساعدا له وإذا أراد ~~PageV03P129 به شرا جعل وقته عليه وناكده وقته فكلما أراد التأهب للمسير لم ~~يساعده الوقت والأول كلما همت نفسه بالقعود أقامه الوقت وساعده # وقد قسم بعضهم الصوفية أربعة أقسام أصحاب السوابق وأصحاب العواقب وأصحاب ~~الوقت وأصحاب الحق قال # فأما أصحاب السوابق فقلوبهم أبدا فيما سبق لهم من الله لعلمهم أن الحكم ~~الأزلي لا يتغير باكتساب العبد # ويقولون من أقصته السوابق لم تدنه الوسائل ففكرهم في هذا أبدا ومع ذلك ~~فهم يجدون في القيام بالأوامر واجتناب النواهي والتقرب إلى الله بأنواع ~~القرب غير واثقين بها ولا ملتفتين إليها ويقول قائلهم # من أين أرضيك إلا أن توفقني % هيهات هيهات ما التوفيق من قبلي # إن لم يكن لي في المقدور سابقة % فليس ينفع ما قدمت من عملي # وأما أصحاب العواقب فهم متفكرون فيما يختم به أمرهم فإن الأمور بأواخرها ~~والأعمال بخواتيمها والعاقبة مستورة كما قيل # لا يغرنك صفا الأوقات % فإن تحتها غوامض الآفات # فكم من ربيع نورت أشجاره وتفتحت أزهاره وزهت ثماره لم يلبث أن أصابته ~~جائحة سماوية فصار كما قال الله ms0905 عز وجل حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت ~~وظن أهلها أنهم قادرون عليها إلى قوله يتفكرون # فكم من مريد كبا به جواد عزمه % فخر صريعا لليدين وللفم # وقيل لبعضهم وقد شوهد منه خلاف ما كان يعهد عليه ما الذي أصابك فقال حجاب ~~وقع وأنشد # أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت % ولم تخف سوء ما يأتي به القدر # وسالمتك الليالي فاغتررت بها % وعند صفو الليالي يحدث الكدر # ليس العجب ممن هلك كيف هلك إنما العجب ممن نجا كيف نجا # تعجبين من سقمي % صحتي هي العجب PageV03P130 # الناكصون على أعقابهم أضعاف أضعاف من اقتحم العقبة # خذ من الألف واحدا % واطرح الكل من بعده # وأما أصحاب الوقت فلم يشتغلوا بالسواق ولا بالعواقب بل اشتغلوا بمراعاة ~~الوقت وما يلزمهم من أحكامه وقالوا العارف ابن وقته لا ماضي له ولا مستقبل # ورأى بعضهم الصديق رضي الله عنه في منامه فقال له أوصني فقال هل كن ابن ~~وقتك # وأما أصحاب الحق فهم مع صاحب الوقت والزمان ومالكهما ومدبرهما مأخوذون ~~بشهوده عن مشاهدة الأوقات لا يتفرغون لمراعاة وقت ولا زمان كما قيل # لست أدري أطال ليلي أم لا % كيف يدري بذاك من يتقلى # لو تفرغت لاستطالة ليلى % ولرعي النجوم كنت مخلى # إن للعاشقين عن قصر اللي % ل وعن طوله من العشق شغلا # قال الجنيد دخلت على السرى يوما فقلت له كيف أصبحت فأنشأ يقول # ما في النهار ولا في الليل لي فرج % فلا أبالي أطال الليل أم قصرا # ثم قال ليس عند ربكم ليل ولا نهار # يشير إلى أنه غير متطلع إلى الأوقات بل هو مع الذي يقدر الليل والنهار # | فصل قال صاحب المنازل الوقت اسم في هذا الباب لثلاث معان المعنى # الأول حين وجد صادق أي وقت وجد صادق أي زمن من وجد يقوم بقلبه وهو صادق ~~منه غير متكلف له ولا متعمل في تحصيله # يكون متعلقه إيناس ضياء فضل أي رؤية ذلك والإيناس الرؤية PageV03P131 قال ~~الله تعالى فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ms0906 نارا قال ~~لأهله امكثوا إني آنست نارا وليس هو مجرد الرؤية بل رؤية ما يأنس به القلب ~~ويسكن إليه ولا يقال لمن رأى عدوه أو مخوفا آنسه # ومقصوده أن هذا الوقت وقت وجد صاحبه صادق فيه لرؤيته ضياء فضل الله ومنته ~~عليه والفضل هو العطاء الذي لا يستحقه المعطى أو يعطى فوق استحقاقه فإذا ~~آنس هذا الفضل وطالعه بقلبه أثار ذلك فيه وجدا آخر باعثا على محبة صاحب ~~الفضل والشوق إلى لقائه فإن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها # ودخلت يوما على بعض أصحابنا وقد حصل له وجد أبكاه فسألته عنه فقال ذكرت ~~ما من الله به علي من السنة ومعرفتها والتخلص من شبه القوم وقواعدهم ~~الباطلة وموافقة العقل الصريح والفطرة السليمة لما جاء به الرسول فسرني ذلك ~~حتى أبكاني # فهذا الوجد أثاره إيناس فضل الله ومنته # قوله جذبه صفاء رجاء أي جذب ذلك الوجد أو الإيناس أو الفضل رجاء صاف غير ~~مكدر والرجاء الصافي هو الذي لا يشوبه كدر توهم معاوضة منك وأن عملك هو ~~الذي بعثك على الرجاء فصفاء الرجاء يخرجه عن ذلك بل يكون رجاء محضا لمن هو ~~مبتدئك بالنعم من غير استحقاقك والفضل كله له ومنه وفي يده أسبابه وغاياته ~~ووسائله وشروطه وصرف موانعه كلها بيد الله لا يستطيع العبد أن ينال منه ~~شيئا بدون توفيقه وإذنه ومشيئته # وملخص ذلك أن الوقت في هذه الدرجة الأولى عبارة عن وجد صادق سببه رؤية ~~فضل الله على عبده لأن رجاءه كان صافيا من الأكدار # قوله أو لعصمة جذبها صدق خوف اللام في قوله أو لعصمة PageV03P132 معطوف ~~على اللام في قوله أو لإيناس ضياء فضل أي وجد لعصمة جذبها صدق خوف فاللام ~~ليست للتعليل بل هي على حدها في قولك ذوق لكذا ورؤية لكذا فمتعلق الوجد ~~عصمة وهي منعة وحفظ ظاهر وباطن جذبها صدق خوف من الرب سبحانه # والفرق بين الوجد في هذ الدرجة والتي قبلها أن الوجد في الأولى جذبه صدق ~~الرجاء وفي الثانية جذبه صدق الخوف ms0907 وفي الثالثة التي ستذكر جذبه صدق الحب ~~فهو معنى قوله أو التلهب شوق جذبه اشتعال محبة # وخدمته التورية في اللهيب والأشتعال والمحبة متى قويت اشتعلت نارها في ~~القلب فحدث عنها لهيب الاشتياق إلى لقاء الحبيب وهذه الثلاثة التي تضمنتها ~~هذه الدرجة وهي الحب والخوف والرجاء هي التي تبعث على عمارة الوقت بما هو ~~الأولى لصاحبه والأنفع له وهي أساس السلوك والسير إلى الله وقد جمع الله ~~سبحانه الثلاثة في قوله أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم ~~أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا وهذه الثلاثة هي ~~قطب رحى العبودية وعليها دارت رحى الأعمال والله أعلم # | فصل قال والمعنى الثاني اسم لطريق سالك يسير بين تمكن وتلون ولكنه # إلى التمكن ما هو يسلك الحال ويلتفت إلى العلم فالعلم يشغله في حين ~~والحال يحمله في حين فبلاؤه بينهما يذيقه شهودا طورا ويكسوه عبدة طورا ~~ويريه غيرة تفرق طورا # هذا المعنى هو المعنى الثاني من المعاني الثلاثة من معاني الوقت عنده # قوله اسم لطريق سالك هو على الإضافة أي لطريق عبد سالك PageV03P133 # قوله يسير بين تمكن وتلون أي ذلك العبد يسير بين تمكن وتلون # والتمكن هو الانقياد إلى أحكام العبودية بالشهود والحال والتلون في هذا ~~الموضع خاصة هو الانقياد إلى أحكما العبودية بالعلم فالحال يجمعه بقوته ~~وسلطانه فيعطيه تمكينا والعلم بلونه بحسب متعلقاته وأحكامه # قوله لكنه إلى التمكن ما هو يسلك الحال ويلتفت إلى العلم # يعني أن هذا العبد هو سالك إلى التمكن ما دام يسلك الحال ويلتفت إلى ~~العلم فأما إن سلك العلم والتفت إلى الحال لم يكن سالكا إلى التمكن # فالسالكون ضربان سالكون على الحال ملتفتون إلى العلم وهم إلى التمكن أقرب ~~وسالكون على العلم ملتفتون إلى الحال وهم إلى التلون أقرب هذا حاصل كلامه # وهذه الثلاثة هي المفرقة بين أهل العلم وأهل الحال حتى كأنهما غيران ~~وحزبان وكل فرقة منهما لا تأنس بالأخرى ولا تعاشرها إلا على إغماض ونوع ~~استكراه # وهذا من تقصير الفريقين حيث ms0908 ضعف أحدهما عن السير في العلم وضعف الآخر عن ~~الحال في العلم فلم يتمكن كل منهما من الجمع بين الحال والعلم فأخذ هؤلاء ~~العلم وسعته ونوره ورجحوه وأخذ هؤلاء الحال وسلطانه وتمكينه ورجحوه وصار ~~الصادق الضعيف من الفريقين يسير بأحدهما ملتفتا إلى الآخر # فهذا مطيع للحال وهذا مطيع للعلم لكن المطيع للحال متى عصى به العلم كان ~~منقطعا محجوبا وإن كان له من الحال ما عساه أن يكون والمطيع للعلم متى أعرض ~~به عن الحال كان مضيعا منقوصا مشتغلا بالوسيلة عن الغاية # وصاحب التمكين يتصرف علمه في حاله ويحكم عليه فينقاد لحكمه ويتصرف حاله ~~في علمه فلا يدعه أن يقف معه بل يدعوه إلى غاية العلم فيجيبه PageV03P134 ~~ويلبي دعوته فهذه حال الكمل من هذه الأمة ومن استقرأ احوال الصحابة رضي ~~الله عنهم وجدها كذلك # فلما فرق المتأخرون بين الحال والعلم دخل عليهم النقص والخلل والله ~~المستعان يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ~~ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير فكذلك يهب لمن يشاء علما ولمن يشاء حالا ~~ويجمع بينهما لمن يشاء ويخلي منهما من يشاء # قوله فالعلم يشغله في حين أي يشغله عن السلوك إلى تمكن الحال لأن العلم ~~متنوع التعلقات فهو يفرق والحال يجمع لأنه يدعوه إلى الفناء وهناك سلطان ~~الحال # قوله والحال يحمله في حين أي يغلب عليه الحال تارة فيصير محمولا بقوة ~~الحال وسلطانه على السلوك فيشتد سيره بحكم الحال يعني وإذا غلبه العلم شغله ~~عن السلوك وهذا هو المعهود من طريقة المتأخرين أن العلم عندهم يشغل عن ~~السلوك ولهذا يعدون السالك من سلك على الحال ملتفتا عن العلم # وأما على ما قررناه من أن العلم يعين على السلوك ويحمل عليه ويكون صاحبه ~~سالكا به وفيه فلا يشغله العلم عن سلوكه وإن أضعف سيره على درب الفناء فلا ~~ريب أن العلم لا يجامع الفناء فالفناء ليس هو غاية السالكين إلى الله بل ~~ولا هو لازم من لوازم الطريق وإن كان عارضا ms0909 من عوارضها يعرض لغير الكمل كما ~~تقدم تقرير ذلك # فبينا أن الفناء الكامل الذي هو الغاية المطلوبة هو الفناء عن محبة ما ~~سوى الله وإرادته فيفنى بمحبة الله عن محبة ما سواه وبإرادته ورجائه والخوف ~~منه والتوكل عليه والإنابة إليه عن إرادة ما سواه وخوفه ورجائه والتوكل ~~عليه # وهذا الفناء لا ينافي العلم بحال ولا يحول بين العبد وبينه بل قد يكون في ~~PageV03P135 أغلب الأحوال من أعظم أعوانه وهذا أمر غفل عنه أكثر المتأخرين ~~بحيث لم يعرفوه ولم يسلكوه ولكن لم يخل الله الأرض من قائم به داع إليه # قوله فبلاؤه بينهما أي عذابه وألمه بين داعي الحال وداعي العلم فإيمانه ~~يحمله على إجابة داعي العلم ووارده يحمله على إجابة داعي الحال فيصير ~~كالغريم بين مطالبين كل منهما يطالبه بحقه وليس بيده إلا ما يقضي أحدهما # وقد عرفت أن هذا من الضيق وإلا فمع السعة يوفى كلا منهما حقه # قوله يذيقه شهودا طورا أي ذلك البلاء الحاصل بين الداعيين يذيقه شهودا ~~طورا وهو الطور الذي يكون الحاكم عليه فيه هو العلم # قوله ويكسوه عبرة طورا الظاهر أنه عبرة بالباء الموحدة والعين أي اعتبارا ~~بأفعاله واستدلالا عليه بها فإنه سبحانه دل على نفسه بأفعاله فالعلم يكسو ~~صاحبه اعتبارا واستدلالا على الرب بأفعاله # ويصح أن يكون غيرة بالغين المعجمة والياء المثناة من تحت ومعناه أن العلم ~~يكسوه غيرة من حجابة عن مقام صاحب الحال فيغار من احتجابه عن الحال بالعلم ~~وعن العيان بلاستدلالا وعن الشهود الذي هو مقام الإحسان بلايمان الذي هو ~~إيمان بالغيب قوله ويريه غيرة تفرق طورا هذا بالغين المعجمة ليس إلا أي ~~ويريه العلم غيرة تفرقه في أوديته فيفرق بين أحكام الحال وأحكام العلم وهو ~~حال صحو وتمييز # وكأن الشيخ يشير إلى أن صاحب هذا المقام تغار تفرقته من جمعيته على الله ~~فنفسه تفر من الجمعية على الله إلى تفرق العلم فإنه لا أشق على النفوس من ~~جمعيتها على الله فهي تهرب من الله إلى الحال تارة وإلى العمل ms0910 تارة وإلى ~~العلم تارة هذه نفوس السالكين الصادقين PageV03P136 # وأما من ليس من أهل هذا الشأن فنفوسهم تفر من الله إلى الشهوات والراحات ~~فأشق ما على النفوس جمعيتها على الله وهي تناشد صاحبها أن لا يوصلها إليه ~~وأن يشغلها بما دونه فإن حبس النفس على الله شديد وأشد منه حبسها على ~~أوامره وحبسها عن نواهيه فهي دائما ترضيك بالعلم عن العمل وبالعمل عن الحال ~~وبالحال عن الله سبحانه وتعالى وهذا أمر لا يعرفه إلا من شد مئزر سيره إلى ~~الله وعلم أن كل ما سواه فهو قاطع عنه # وقد تضمن كلامه في هذه الدرجة ثلاث درجات كما أشار إليه درجة الحال ودرجة ~~العلم ودرجة التفرقة بين الحال والعلم وهذه الثلاث الدرجات هي المختصة ~~بالمعنى الثاني من معاني الوقت والله أعلم # | فصل قال والمعنى الثالث قالوا الوقت الحق أرادوا به استغراق رسم # الوقت في وجود الحق وهذا المعنى يسبق على هذا الاسم عندي لكنه هو اسم في ~~هذا المعنى الثالث لحين تتلاشى فيه الرسوم كشفا لا وجودا محضا وهو فوق ~~البرق والوجد وهو يشارف مقام الجمع لو دام وبقي ولا يبلغ وادي الوجود لكنه ~~يكفي مؤنة المعاملة ويصفي عين المسامرة ويشم روائح الوجود # هذا المعنى الثالث من معاني الوقت أخص مما قبله وأصعب تصورا وحصولا فإن ~~الأول وقت سلوك يتلون وهذا وقت كشف يتمكن ولذلك أطلقوا عليه اسم الحق لغلبة ~~حكمه على قلب صاحبه فلا يحس برسم الوقت بل يتلاشى ذكر وقته من قلبه لما ~~قهره من نور الكشف # فقوله قالوا الوقت هو الحق # يعني أن بعضهم أطلق اسم الحق على الوقت ثم فسر مرادهم بذلك وأنهم عنوا به ~~استغراق رسم الوقت في وجود الحق ومعنى هذا أن السالك بهذا المعنى الثالث ~~للحق إذا اشتد استغراقته في وقته يتلاشى عنه وقته بالكلية PageV03P137 # وتقريب هذا إلى الفهم أنه إذا شهد استغراق وقته الحاضر في ماهية الزمان ~~فقد استغرق الزمان رسم الوقت إلى ما هو جزء يسير جدا من أجزائه وانغمر فيه ~~كما تنغمر ms0911 القطرة في البحر ثم إن الزمان المحدود الطرفين يستغرق رسمه في ~~وجود الدهر وهو ما بين الأزل والأبد ثم إن الدهر يستغرق رسمه في دوام الرب ~~جل جلاله وذلك الدوام هو صفة الرب فهناك يضمحل الدهر والزمان والوقت ولا ~~يبقى له نسبة إلى دوام الرب جل جلاله البتة فاضمحل الزمان والدهر والوقت في ~~الدوام الإلهي كما تضمحل الأنوار المخلوقة في نوره وكما يضمحل علم الخلق في ~~علمه وقدرهم في قدرته وجمالهم في جماله وكلامهم في كلامه بحيث لا يبقى ~~للمخلوق نسبة ما إلى صفات الرب جل جلاله # والقوم إذا أطلق أهل الاستقامة منهم ما في الوجود إلا الله أو ما ثم ~~موجود على الحقيقة إلا الله أو هناك يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل ونحو ~~ذلك من العبارات فهذا مرادهم لا سيما إذا حصل هذا الاستغراق في الشهود كما ~~هو في الوجود وغلب سلطانه على سلطان العلم وكان العلم مغمورا بوارده وفي ~~قوة التمييز ضعف وقد توارى العلم بالشهود وحكم الحال # فهناك يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت وتزل أقدام كثيرة إلى الحضيض ~~الأدنى ولا ريب أن وجود الحق سبحانه ودوامه يستغرق وجود كل ما سواه ووقته ~~وزمانه بحيث يصير كأنه لا وجود له # ومن هنا غلط القائلون بوحدة الوجود وظنوا أنه ليس لغيره وجود البتة وغرهم ~~كلمات مشتبهات جرت على ألسنة أهل الاستقامة من الطائفة فجعلوها عمدة لكفرهم ~~وضلالهم وظنوا أن السالكين سيرجعون إليهم وتصير طريقة الناس واحدة ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون PageV03P138 # قوله وهذا المعنى يسبق على هذا الاسم عندي # يريد أن الحق سابق على الاسم الذي هو الوقت أي منزه عن أن يسمى بالوقت ~~فلا ينبغي إطلاقه عليه لأن الأوقات حادثة # قوله لكنه اسم في هذا المعنى الثالث لحين تتلاشى فيه الرسوم كشفا لا ~~وجودا محضا # تلاشي الرسوم اضمحلالها وفناؤها والرسوم عندهم ما سوى الله وقد صرح الشيخ ~~أنها إنما تتلاشى في وجود العبد الكشفي بحيث لا يبقى فيه سعة للإحساس ms0912 بها ~~لما استغرقه من الكشف فهذه عقيدة أهل الاستقامة من القوم # وأما الملاحدة أهل وحدة الوجود فعندهم أنها لم تزل متلاشية في عين وجود ~~الحق بل وجودها هو نفس وجوده وإنما كان الحس يفرق بين الوجوديين فلما غاب ~~عن حسه بكشفه تبين أن وجودها هو عين وجود الحق # ولكن الشيخ كأنه عبر بالكشف والوجود عن المقامين اللذين ذكرهما في كتابه ~~والكشف هو دون الوجود عنده فإن الكشف يكون مع بقاء بعض رسوم صاحبه فليس معه ~~استغراق في الفناء والوجود لا يكون معه رسم باق ولذلك قال لا وجودا محضا ~~فإن الوجود المحض عنده يفني الرسوم وبكل حال فهو يفنيها من وجود الواجد لا ~~يفنيها في الخارج # وسر المسألة أن الواصل إلى هذا المقام يصير له وجود آخر غير وجوده ~~الطبيعي المشترك بين جميع الموجودات ويصير له نشأة أخرى لقلبه وروحه نسبة ~~النشأة الحيوانية إليها كنسبة النشأة في بطن الأم إلى هذه النشأة المشاهدة ~~في العالم وكنسبة هذه النشأة إلى النشأة الأخرى # فللعبد أربع نشآت نشأة في الرحم حيث لا بصر يدركه ولا يد تناله ونشأة في ~~الدنيا ونشأة في البرزخ ونشأة في المعاد الثاني وكل نشأة أعظم من التي ~~قبلها وهذه النشأة للروح والقلب أصلا وللبدن تبعا PageV03P139 # فللروح في هذا العالم نشأتان إحداهما النشأة الطبيعية المشتركة والثانية ~~نشأة قلبية روحانية يولد بها قلبه وينفصل عن مشيمة طبعه كما ولد بدنه ~~وانفصل عن مشيمة البطن # ومن لم يصدق بهذا فليضرب عن هذا صفحا وليشتغل بغيره # وفي كتاب الزهد للإمام أحمد أن المسيح عليه السلام قال للحواريين إنكم لن ~~تلجوا ملكوت السموات حتى تولدوا مرتين # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول هي ولادة الأرواح والقلوب من ~~الأبدان وخروجها من عالم الطبيعة كما ولدت الأبدان من البدن وخرجت منه ~~والولادة الأخرى هي الولادة المعروفة والله أعلم # قوله وهو فوق البرق والوجد # يعني أن هذا الكشف الذي تلاشت فيه الرسوم فوق منزلتي البرق والوجد فإنه ~~أثبت وأدوم والوجود فوقه لأنه يشعر بالدوام ms0913 # قوله وهو يشارف مقام الجمع لو دام # أي لو دام هذا الوقت لشارف مقام الجمع وهو ذهاب شعور القلب بغير الحق ~~سبحانه وتعالى شغلا به عن غيره فهو جمع في الشهود # وعند الملاحدة هو جمع في الوجود # ومقصوده أنه لو دام الوقت بهذا المعنى الثالث لشارف حضرة الجمع لكنه لا ~~يدوم # قوله ولا يبلغ وادي الوجود يعني أن الوقت المذكور لا يبلغ السالك فيه ~~وادي الوجود حتى يقطعه ووادي الوجود هو حضرة الجمع # قوله لكنه يلقى مؤنة المعاملة # يعني أن الوقت المذكور وهو الكشف المشارف لحضرة الجمع يخفف عن العامل ~~أثقال المعاملة مع قيامه بها أتم القيام بحيث تصير هي الحاملة له ~~PageV03P140 فإنه كان يعمل على الخبر فصار يعمل على العيان هذا مراد الشيخ # وعند الملحد أنه يفنى عن المعاملات الجسمانية ويرد صاحبه إلى المعاملات ~~القلبية وقد تقدم إشباع الكلام في هذا المعنى # قوله ويصفى عن المسامرة المسامرة عند القوم هي الخطاب القلبي الروحي بين ~~العبد وربه وقد تقدم أن تسميتها بالمناجاة أولى فهذا الكشف يخلص عن ~~المسامرة من ذكر غير الحق سبحانه ومناجاته # قوله ويشم روائح الوجود أي صاحب مقام هذا الوقت الخاص يشم روائح الوجود ~~وهو حضرة الجمع فإنهم يسمونها بالجمع والوجود ويعنون بذلك ظهور وجود الحق ~~سبحانه وفناء وجود ما سواه وقد عرفت أن فناء وجود ما سوله بأحد اعتبارين ~~إما سواه بأحد اعتبارين إما فناؤه من شهود العبد فلا يشهده وإما اضملاله ~~وتلاشيه بالنسبة إلى وجود الرب ولا تلتفت إلى غير هذين المعنيين فهو إلحاد ~~وكفر والله المستعان # | فصل منزلة الصفاء ومنها منزلة الصفاء قال صاحب المنازل # باب الصفاء # قال الله عز وجل وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار الصفا اسم للبراءة من ~~الكدر وهو في هذا الباب سقوط التلوين # أما الاستشهاد بالآية فوجهه أن المصطفى مفتعل من الصفوة وهي خلاصة الشيء ~~وتصفيته مما يشوبه ومنه اصطفى الشيء لنفسه أي خلصه من شوب شركة غيره له فيه ~~ومنه الصفي وهو السهم الذي كان يصطفيه PageV03P141 رسول الله لنفسه ms0914 من ~~الغنيمة ومنه الشيء الصافي وهو الخالص من كدر غيره # قوله الصفاء إسم للبراءة من الكدر # البراءة هي الخلاص والكدر امتزاج الطيب بالخبيث # قوله وهو في هذا الباب سقوط التلوين # التلوين هو التردد والتذبذب كما قيل # كل يوم تتلون % ترك هذا بك أجمل # قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى صفاء علم يهذب لسلوك الطريق ويبصر ~~غاية الجد ويصحح همة القاصد # ذكر الشيخ له في هذه الدرجة ثلاث فوائد # الفائدة الأولى علم يهذب لسلوك الطريق وهذا العلم الصافي الذي أشار إليه ~~هو العلم الذي جاء به رسول الله # وكان الجنيد يقول دائما علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يحفظ ~~القرآن ويكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به # وقال غيره من العارفين كل حقيقة لا تتبعها شريعة فهي كفر # وقال الجنيد علمنا هذا متشبك بحديث رسول الله # وقال أبو سليمان الداراني إنه لتمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها ~~إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة وقال النصرابادي أصل هذا المذهب ملازمة ~~الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع والاقتداء بالسلف وترك ما أحدثه الآخرون ~~والإقامة على ما سلكه الأولون PageV03P142 # وقد تقدم ذكر بعض ذلك # فهذا العلم الصافي المتلقى من مشكاة الوحي والنبوة يهذب صاحبه لسلوك طريق ~~العبودية وحقيقتها التأدب بآداب رسول الله باطنا وظاهرا وتحكيمه باطنا ~~وظاهرا والوقوف معه حيث وقف بك والمسير معه حيث سار بك بحيث تجعله بمنزلة ~~شيخك الذي قد ألقيت إليه أمرك كله سره وظاهره واقتديت به في جميع أحوالك ~~ووقفت مع ما يأمرك به فلا تخالفه البته فتجعل رسول الله لك شيخا وإماما ~~وقدوة وحاكما وتعلق قلبك بقلبه الكريم وروحانيتك بروحانيته كما يعلق المريد ~~روحانيته بروحانية شيخه فتجيبه إذا دعاك وتقف معه إذا استوقفك وتسير إذا ~~سار بك وتقيل إذا قال وتنزل إذا نزل وتغضب لغضبه وترضى لرضاه وإذا أخبرك عن ~~شيء أنزلته منزلة ما تراه بعينك وإذا أخبرك عن الله بخبر أنزلته منزله ما ~~تسمعه من الله بإذنك PageV03P143 # وبالجملة فتجعل الرسول شيخك وأستاذك ومعلمك ومربيك ms0915 ومؤدبك وتسقط الوسائط ~~بينك وبينه إلا في التبليغ كما تسقط الوسائل بينك وبين المرسل في العبودية ~~ولا تثبت وساطة إلا في وصول أمره ونهيه ورسالته إليك # وهذان التجريدان هما حقيقة شهادة أن لاإله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله والله وحده هو المعبود المألوه الذي لا يستحق العبادة سواه ورسوله ~~المطاع المتبع المهتدى به الذي لا يستحق الطاعة سواه ومن سواه فإنما يطاع ~~إذا أمر الرسول بطاعته فيطاع تبعا للأصل # وبالجملة فالطريق مسدودة إلا على من اقتفى آثار الرسول واقتدى به في ~~ظاهره وباطنه # فلا يتعنى السالك على غير هذا الطريق فليس حظه من سلوكه إلا التعب ~~وأعماله كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله ~~عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # ولا يتعنى السالك على هذا الطريق فإنه واصل ولو زحف زحفا فأتباع الرسول ~~إذا قعدت بهم أعمالهم قامت بهم عزائمهم وهمهم ومتابعتهم لنبيهم كما قيل # من لي بمثل سيرك المدلل % تمشي رويدا وتجي في الأول # والمنحرفون عن طريقه إذا قامت بهم أعمالهم واجتهاداتهم قعد بهم عدولهم عن ~~طريقه PageV03P144 # فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم % وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا # قوله ويبصر غاية الجد الجد الاجتهاد والتشمير والغاية النهاية # يريد أن صفاء العلم يهدي صاحبه إلى الغاية المقصودة بالاجتهاد والتشمير ~~فإن كثيرا من السالكين بل أكثرهم سالك بجده واجتهاده غير منتبه إلى المقصود # وأضرب لك في هذا مثلا حسنا جدا وهو أن قوما قدموا من بلاد بعيدة عليهم ~~أثر النعيم والبهجة والملابس السنية والهيئة العجيبة فعجب الناس لهم ~~فسألوهم عن حالهم فقالوا بلادنا من أحسن البلاد وأجمعها لسائر أنواع النعيم ~~وأرخاها وأكثرها مياها وأصحها هواء وأكثرها فاكهة وأعظمها اعتدالا وأهلها ~~كذلك احسن الناس صورا وأبشارا ومع هذا فملكها لا يناله الوصف جمالا وكمالا ~~وإحسانا وعلما وحلما وجودا ورحمة للرعية وقربا منهم وله الهيبة والسطوة على ~~سائر ملوك الأطراف فلا يطمع أحد منهم في مقاومته ومحاربته فأهل بلده في ~~أمان من عدوهم ms0916 لا يحل الخوف بساحتهم ومع هذا فله أوقات يبرز فيها لرعيته ~~ويسهل لهم الدخول عليه ويرفع الحجاب بينه وبينهم فإذا وقعت أبصارهم عليه ~~تلاشى عندهم كل ما هم فيه من النعيم واضمحل حتى لا يلتفتون إلى شيء منه ~~فإذا أقبل على واحد منهم أقبل عليه سائر أهل المملكة بالتعظيم والإجلال ~~ونحن رسله إلى أهل البلاد ندعوهم إلى حضرته وهذه كتبه إلى الناس ومعنا من ~~الشهود ما يزيل سوء الظن بنا ويدفع اتهامنا بالكذب عليه # فلما سمع الناس ذلك وشاهدوا أحوال الرسل انقسموا أقساما # فطائفة قالت لا نفارق أوطاننا ولا نخرج من ديارنا ولا نتجشم مشقة السفر ~~البعيد ونترك ما ألفناه من عيشنا ومنازلنا ومفارقة آبائنا وأبنائنا ~~PageV03P145 وإخواننا لأمر وعدنا به في غير هذه البلاد ونحن لا نقدر على ~~تحصيل ما نحن فيه إلا بعد الجهد والمشقة فكيف ننتقل عنه # ورأت هذه الفرقة مفارقتها لأوطانها وبلادها كمفارقة أنفسها لأبدانها فإن ~~النفس لشدة إلفها للبدن أكره ما إليها مفارقته ولو فارقته إلى النعيم ~~المقيم فهذه الطائفة غلب عليها داعي الحس والطبع على داعي العقل والرشد # والطائفة الثانية لما رأت حال الرسل وما هم فيه من البهجة وحسن الحال ~~وعلموا صدقهم تأهبوا للسير إلى بلاد الملك فأخذوا في المسير فعارضهم أهلوهم ~~وأصحابهم وعشائرهم من القاعدين وعارضهم إلفهم مساكنهم ودورهم وبساتينهم ~~فجعلوا يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى فإذا تذكروا طيب بلاد الملك وما فيها من ~~سلوه العيش تقدموا نحوها وإذا عارضهم ما ألفوه واعتادوه من ظلال بلادهم ~~وعيشها وصحبة أهلهم وأصحابهم تأخروا عن المسير والتفتوا إليهم فهم دائما ~~بين الداعيين والجاذبين إلى أن يغلب أحدهما ويقوى على الآخر فيصيرون إليه # والطائفة الثالثة ركبت ظهور عزائمها ورأت أن بلاد الملك أولى بهافوطنت ~~أنفسها على قصدها ولم يثنها لوم اللوام لكن في سيرها بطء بحسب ضعف ما كشف ~~لها من احوال تلك البلاد وحال الملك # والطائفة الرابعة جدت في السير وواصلته فسارت سيرا حثيثا فهم كما قيل # وركب سروا والليل مرخ سدوله % على كل مغبر المطالع قاتم ms0917 # حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها % فصار سراهم في ظهور العزائم # تريهم نجوم الليل ما يطلبونه % على عاتق الشعرى وهام النعائم # فهؤلاء هممهم مصروفة إلى السير وقواهم موقوفة عليه من غير تثنية منهم إلى ~~المقصود الأعظم والغاية العليا PageV03P146 # والطائفة الخامسة أخذوا في الجد في المسير وهمتهم متعلقة بالغاية فهم في ~~سيرهم ناظرون إلى المقصود بالمسير فكأنهم يشاهدونه من بعد وهو يدعوهم إلى ~~نفسه وإلى بلاده فهم عاملون على هذا الشاهد الذي قام بقلوبهم # وعمل كل أحد منهم على قدر شاهده فمن شاهد المقصود بالعمل في علمه كان ~~نصحه فيه وإخلاصه وتحسينه وبذل الجهد فيه أتم ممن لم يشاهده ولم يلاحظه ولم ~~يجد من مس التعب والنصب ما يجده الغائب والوجود شاهد بذلك فمن عمل عملا ~~لملك بحضرته وهو يشاهده ليس حاله كحال من عمل في غيبته وبعده عنه وهو غير ~~متيقن وصوله إليه # وقوله ويصحح همة القاصد أي ويصحح له صفاء هذا العلم همته ومتى صحت الهمة ~~علت وارتفعت فإن سقوطها ودناءتها من علتها وسقمها وإلا فهي كالنار تطلب ~~الصعود والاتفاع مالم تمنع # وأعلى الهمم همة اتصلت بالحق سبحانه طلبا وقصدا وأوصلت الخلق إليه دعوة ~~ونصحا وهذه همة الرسل وأتباعهم وصحتها بتمييزها من انقسام طلبها وانقسام ~~مطلوبها وانقسام طريقها بل توحد مطلوبها بالإخلاص وطلبها بالصدق وطريقها ~~بالسلوك خلف الدليل الذي نصبه الله دليلا لا من نصبه هو دليلا لنفسه # ولله الهمم ما أعجب شأنها وأشد تفاوتها فهمة متعلقة بمن فوق العرش وهمة ~~حائمة حول الأنتان والحش والعامة تقول قيمة كل امرىء ما يحسنه والخاصة تقول ~~قيمة المرء ما يطلبه وخاصة الخاصة تقول همة المرء إلى مطلوبه # وإذا أردت أن تعرف مراتب الهمم فانظر إلى همة ربيعة بن كعب الأسلمي رضي ~~الله عنه وقد قال له رسول الله سلني فقال أسألك مرافقتك في الجنة وكان غيره ~~يسأله ما يملأ بطنه أو يواري جلده # وانظر إلى همة رسول الله حين عرضت عليه مفاتيح PageV03P147 كنوز الأرض ~~فأباها ومعلوم أنه لو أخذها لأنفقها في طاعة ms0918 ربه تعالى فأبت له تلك الهمة ~~العالية أن يتعلق منها بشيء مما سوى الله ومحابه وعرض عليه أن يتصرف بالملك ~~فأباه واختار التصرف بلعبودية المحضة فلا إله إلا الله خالق هذه الهمة ~~وخالق نفس تحملها وخالق همم لا تعدو همم أخس الحيوانات # | فصل قال الدرجة الثانية صفاء حال يشاهد به شواهد التحقيق ويذاق به # حلاوة المناجاة وينسى به الكون # هذه الدرجة إنما كانت أعلى مما قبلها لأنها همة حال والحال ثمرة العلم ~~ولا يصفو حال إلا بصفاء العلم المثمر له وعلى حسب شوب العلم يكون شوب الحال ~~وإذا صفا الحال شاهد العبد بصفائه آثار الحقائق وهي الشواهد فيه وفي غيره ~~وعليه وعلى غيره ووجد حلاوة المناجاة وإذا تمكن في هذه الدرجة نسي الكون ~~وما فيه من المكونات # وهذه الدرجة تختص بصفاء الحال كما اختصت الأولى بصفاء العلم # والحال هو تكيف القلب وانصباغه بحكم الواردات على اختلافها والحال يدعو ~~صاحبه إلى المقام الذي جاء منه الوارد كما تدعوه رائحة البستان الطيبة إلى ~~دخوله والمقام فيه فإذا كان الوارد من حضرة صحيحة وهي حضرة الحقيقة الإلهية ~~لا الحقيقة الخيالية الذهنية شاهد السالك بصفائه شواهد التحقيق وهي علاماته ~~والتحقيق هو حكم الحقيقة وتأثر القلب والروح بها والحقيقة ما تعلق بالحق ~~المبين سبحانه فالله هو الحق والحقيقة ما نسب PageV03P148 إليه وتعلق به ~~والتحقيق تأثر القلب بآثار الحقيقة ولكل حق حقيقة ولك حقيقة تحقيق يقوم ~~بمشاهدة الحقيقة # قوله ويذاق به حلاوة المناجاة المناجاة مفاعلة من النجوى وهو الخطاب في ~~سر العبد وباطنه والشيخ ذكر في هذه الدرجة ثلاثة أمور # أحدها مشاهدة شواهد التحقيق الثاني ذوق حلاوة المناجاة فإنه متى صفا له ~~حاله من الشوائب خلصت له حلاوته من مرارة الأكدار فذاق تلك الحلاوة في حال ~~مناجاته فلو كان الحال مشوبا مكدرا لم يجد حلاوة المناجاة والحال المستندة ~~إلى وارد تذاق به حلاوة المناجاة هو من حضرة الأسماء والصفات بحسب ما يصادف ~~القلب من ظهورها وكشف معانيها # فمن ظهر له اسم الودود مثلا وكشف له عن ms0919 معاني هذا الاسم ولطفه وتعلقه ~~بظاهر العبد وباطنه كان الحال الحاصل له من حضرة هذا الاسم مناسبا له فكان ~~حال اشتغال حب وشوق ولذه مناجاة لا أحلى منها ولا أطيب بحسب استغراقه في ~~شهود معنى هذا الاسم وخطه من أثره # فإن الودود وإن كان بمعنى المودود كما قال البخاري في صحيحه الودود ~~الحبيب واستغرق العبد في مطالعة صفات الكمال التي تدعو العبد إلى حب ~~الموصوف بها أثمر له صفاء علمه بها وصفاء حاله في تعبده بمقتضاها ما ذكره ~~الشيخ من هذه الأمور الثلاثة وغيرها # وكذلك إن كان اسم فاعل بمعنى الواد وهو المحب أثمرت له مطالعة ذلك حالا ~~تناسبه # فإنه إذا شاهد بقلبه غنيا كريما جوادا عزيزا قادرا كل أحد محتاج إليه ~~بالذات وهو غني بالذات عن كل ما سواه وهو مع ذلك يود عباده ويحبهم ويتودد ~~إليهم بإحسانه إليهم وتفضله عليهم كان له من هذا الشهود حالة صافية خالصة ~~من الشوائب PageV03P149 # وكذلك سائر الأسماء والصفات فصفاء الحال بحسب صفاء المعرفة بها وخلوصها ~~من دم التعطيل وفرث التمثيل فتخرج المعرفة من بين ذلك فطرة خالصة سائغة ~~للعارفين كما يخرج اللبن من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين # والأمر الثالث قوله وينسى به الكون أي ينسى الكون بما يغلب على قلبه من ~~اشتغاله بهذه الحال المذكورة والمراد بالكون المخلوقات أي يشتغل بالحق عن ~~الخلق # | فصل قال الدرجة الثالثة صفاء اتصال يدرج حظ العبودية في حق # الربوبية ويغرق نهايات الخبر في بدايات العيان ويطوي خسة التكاليف في عين ~~الأزل # في هذا اللفظ قلق وسوء تعبير يجبره حسن حال صاحبه وصدقه وتعظيمه لله ~~ورسوله ولكن أبى الله أن يكون الكمال إلا له ولا ريب أن بين ارباب الأحوال ~~وبين أصحاب التمكن تفاوتا عظيما وانظر إلى غلبة الحال على الكليم عليه ~~السلام لما شاهد آثار التجلي الإلهي على الجبل كيف خر صعقا وصاحب التمكن ~~صلوات الله وسلامه عليه لما أسري به ورأى ما رأى لم يصعق ولم يخر بل ثبت ~~فؤاده وبصره # ومراد ms0920 القوم بالاتصال والوصول اتصال العبد بربه ووصوله إليه لا بمعنى ~~اتصال ذات العبد بذات الرب كما تتصل الذاتان إحداهما بالأخرى ولا بمعنى ~~انضمام إحدى الذاتين إلى الأخرى والتصاقها بها وإنما مرادهم بالاتصال ~~والوصول إزالة النفس والخلق من طريق السير إلى الله ولا تتوهم سوى ذلك فإنه ~~عين المحال PageV03P150 فإن السالك لا يزال سائرا إلى الله تعالى حتى يموت ~~فلا ينقطع سيره إلا بالموت فليس في هذه الحياة وصول يفرغ معه السير وينتهي ~~وليس ثم اتصال حسي بين ذات العبد وذات الرب فالأول تعطيل وإلحاد والثاني ~~حلول واتحاد وإنما حقيقة الأمر تنحية النفس والخلق عن الطريق فإن الوقوف ~~معهما هو الانقطاع وتنحيتهما هو الاتصال # وأما الملاحدة القائلون بوحدة الوجود فإنهم قالوا العبد من أفعال الله ~~وأفعاله من صفاته وصفاته من ذاته فأنتج لهم هذا التركيب أن العبد من ذات ~~الرب تعالى الله وتقدس عما يقولون علوا كبيرا # وموضع الغلط أن العبد من مفعولات الرب تعالى لا من أفعاله القائمة بذاته ~~ومفعولاته آثار أفعاله وأفعاله من صفاته القائمة بذاته فذاته سبحانه ~~مستلزمة لصفاته وأفعاله ومفعولاته منفصلة عنه تلك مخلوقة محدثة والرب تعالى ~~هو الخالق بذاته وصفاته وأفعاله # فإياك ثم إياك والألفاظ المجملة المشتبهة التي وقع اصطلاح القوم عليها ~~فإنها أصل البلاء وهي مورد الصديق والزنديق فإذا سمع الضعيف المعرفة والعلم ~~بالله تعالى لفظ اتصال وانفصال ومسامرة ومكالمة وأنه لا وجود في الحقيقة ~~PageV03P151 إلا وجود الله وأن وجود الكائنات خيال ووهم وهو بمنزلة وجود ~~الظل القائم بغعيره فاسمع منه ما يملأ الآذان من حلول واتحاد وشطحات # والعارفون من القوم أطلقوا هذه الألفاظ ونحوها وأرادوا بها معاني صحيحة ~~في أنفسها فغلط الغالطون في فهم ما أرادوه ونسبوهم إلى إلحادهم وكفرهم ~~واتخذوا كلماتهم المتشابهة ترسا له وجنة حتى قال قائلهم # ومنك بدا حب بعز تمازجا % بنا ووصالا كنت أنت وصلته # ظهرت لمن أبقيت بعد فنائه % وكان بلا كون لأنك كنته # فيسمع الغر التمازج والوصال فيظن أنه سبحانه نفس كون العبد فلا يشك أن ~~هذا هو ms0921 غاية التحقيق ونهاية الطريق ثم لنرجع إلى شرح كلامه # قوله يدرج حظ العبودية في حق الربوبية # المعنى الصحيح الذي يحمل عليه هذا الكلام أن من تمكن في قلبه شهود ~~الأسماء والصفات وصفا له علمه وحاله اندرج عمله جميعه وأضعافه وأضعاف ~~أضعافه في حق ربه تعالى ورآه في جنب حقه أقل من خردلة بالنسبة إلى جبال ~~الدنيا فسقط من قلبه اقتضاء حظه من المجازاة عليه لاحتقاره له وقلته عنده ~~وصغره في عينه # قال الإمام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا صالح عن أبي عمران الجوني عن ~~أبي الجلد أن الله تعالى أوحى إلى داود يا داود أنذر عبادي الصادقين فلا ~~يعجبن بأنفسهم ولا يتكلن على أعمالهم فإنه ليس أحد من عبادي أنصبه للحساب ~~وأقيم عليه عدلي إلا عذبته من غير أن أظلمه وبشر عبادي الخطائين أنه لا ~~يتعاظمني ذنب أن أغفره وأتجاوز عنه # وقال الإمام أحمد وحدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا ثابت البناني قال تعبد ~~رجل سبعين سنة وكان يقول في دعائه رب اجزني بعملي فمات فأدخل الجنة فكان ~~فيها سبعين عاما فلما فرغ وقته قيل له اخرج فقد استوفيت عملك فقلب أمره أي ~~شيء كان في الدنيا أوثق في نفسه فلم يجد شيئا أوثق PageV03P152 في نفسه من ~~دعاء الله والرغبة إليه فأقبل يقول في دعائه رب سمعتك وأنا في الدنيا وأنت ~~تقيل العثرات فأقل اليوم عثرتي فترك في الجنة # وقال أحمد بن حنبل حدثنا هاشم حدثنا صالح عن أبي عمران الجوني عن أبي ~~الجلد قال قال موسى إلهي كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمتك لا ~~يجازيها عملي كله فأوحى الله تعالى إليه يا موسى الآن شكرتني # فهذا المعنى الصحيح من اندراج حظ العبودية في حق الربوبية # وله محمل آخر صحيح أيضا وهو أن ذات العبد وصفاته وأفعاله وقواه وحركاته ~~كلها مفعولة للرب مملوكة له ليس يملك العبد منها شيئا بل هو محض ملك الله ~~فهو المالك لها المنعم على عبده بإعطائه إياها فالمال ماله والعبد عبده ~~والخدمة مستحقة ms0922 عليه بحق الربوبية وهي من فضل الله عليه فالفضل كله لله ومن ~~الله وبالله # قوله ويعرف نهايات الخبر في بدايات العيان الخبر متعلق الغيب والعيان ~~متعلق الشهادة وهو إدراك عين البصيرة لصحة الخبر وثبوت مخبره # ومراده ببدايات العيان أوائل الكشف الحقيقي الذي يدخل منه إلى مقام ~~الفناء ومقصوده أن يرى الشاهد ما أخبر به الصادق بقلبه عيانا قال الله ~~تعالى ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق وقال تعالى ~~أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى فقد قال أفمن رأى بعين ~~قلبه أن ما أنزل الله إلى رسوله هو الحق كمن هو أعمى لا يبصر ذلك وقال ~~النبي في مقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه / ح / ولا ريب أن تصديق ~~الخبر واليقين به يقوى القلب حتى يصير الغيب بمنزلة المشاهد بالعين فصاحب ~~هذا المقام كأنه يرى ربه سبحانه فوق سماواته على عرشه مطلعا على عباده ~~ناظرا إليهم يسمع كلامهم ويرى ظواهرهم وبواطنهم # وكأنه يسمعه وهو يتكلم بالوحي ويكلم به عبده جبريل ويأمره وينهاه بما ~~PageV03P153 يريد ويدبر أمر المملكة وأملاكه صاعدة إليه بالأمر نازلة من ~~عنده به # وكأنه يشاهده وهو يرضى ويغضب ويحب ويبغض ويعطي ويمنع ويضحك ويفرح ويثني ~~على أوليائه بين ملائكته ويذم أعداءه # وكأنه يشاهده ويشاهد يديه الكريمتين وقد قبضت إحداهما السموات السبع ~~والأخرى الأرضين السبع وقد طوى السموات السبع بيمينه كما يطوى السجل على ~~أسطر الكتاب # وكأنه يشاهده وقد جاء لفصل القضاء بين عباده فأشرقت الأرض بنوره ونادى ~~وهو مستو على عرشه بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب وعزتي وجلالي لا ~~يجاوزني اليوم ظلم ظالم # وكأنه يسمع ندائه لآدم يا آدم قم فابعث بعث النار بإذنه الآن وكذلك نداؤه ~~لأهل الموقف ماذا أجبتم المرسلين وماذا كنتم تعبدون # وبالجملة فيشاهد بقلبه ربا عرفت به الرسل كما عرفت به الكتب ودينا دعت ~~إليه الرسل وحقائق أخبرت بها الرسل فقام شاهد ذلك بقلبه كما قام شاهد ما ~~أخبر به أهل ms0923 التواتر وإن لم يره من البلاد والوقائع فهذا إيمانه يجري مجرى ~~العيان وإيمان غيره فمحض تقليد العميان # قوله ويطوى خسة التكاليف ليت الشيخ عبر عن هذه اللفظة بغيرها فوالله إنها ~~لأقبح من شوكة في العين وشجى في الحلق وحاشا التكاليف أن توصف بخسة أو ~~تلحقها خسة وإنما هي قرة عين وسرور قلب وحياة روح صدر التكليف بها عن حكيم ~~حميد فهي أشرف ما وصل إلى العبد من ربه وثوابه عليها أشرف ما أعطاه الله ~~للعبد # نعم لو قال يطوى ثقل التكاليف ويخفف أعباءها ونحو ذلك فلعله كان ~~PageV03P154 أولى ولولا مقامه في الإيمان والمعرفة والقيام بالأوامر لكنا ~~نسيء به الظن والذي يحتمل أن يصرف كلامه إليه وجهان # أحدهما أن الصفاء المذكور في هذه الدرجة لما انطوت في حكمه الوسائط ~~والأسباب واندرج فيه حظ العبودية في حق الربوبية انطوت فيه رؤية كون ~~العبادة تكليفا فإن رؤيتها تكليفا خسة من الرائي لأنه رآها بعين أنفته ~~وقيامه بها ولم يرها بعين الحقيقة فإنه لم يصل إلى مقام فبي يسمع وبي يبصر ~~وبي يبطش وبي يمشي ولو وصل إلى ذلك لرآها بعين الحقيقة ولا خسة فيها هناك ~~البتة فإن نظره قد تعدى من قيامه بها إلى قيامها بالقيوم الذي قام به كل ~~شيء فكان لها وجهان # أحدهما هي به خسيسة وهو وجه قيامها بالعبد وصدورها منه # والثاني هي به شريفة وهو وجه كونها بالرب تعالى وأوليته أمرا وتكوينا ~~وإعانة فالصفاء يطويها من ذلك الوجه خاصة # والمعنى الثاني الذي يحتمله كلامه أن يكون مراده أن الصفاء يشهده عين ~~الأزل وسبق الرب تعالى وأوليته لكل شيء فتنطوي في هذا المشهد أعماله التي ~~عملها ويراها خسيسة جدا بالنسبة إلى عين الأزل فكأنه قال تنطوي أعماله ~~وتصير بالنسبة إلى هذه العين خسيسة جدا لا تذكر بل تكون في عين الأزل هباء ~~منثورا لا حاصل لها # فإن الوقت الذي هو ظرف التكليف يتلاشى جدا بالنسبة إلى الأزل وهو وقت ~~خسيس حقير حتى كأنه لا حاصل له ولا نسبة له إلى ms0924 الأزل والأبد في مقدار ~~الأعمال الواقعة فيه وهي يسيرة بالنسبة إلى مجموع ذلك الوقت الذي هو ~~PageV03P155 يسير جدا بالنسبة إلى مجموع الزمان الذي هو يسير جدا بالنسبة ~~إلى عين الأزل # فهذا أقرب ما يحمل عليه كلامه مع قلقه وقد اعتراه فيه سوء تعبير وكأنه ~~أطلق عليها الخسة لقلتها وخفتها بالنسبة إلى عظمة المكلف بها سبحانه وما ~~يستحقه والله سبحانه أعلم # | فصل ومنها السرور قال صاحب المنازل # باب السرور # قال الله تعالى بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون # تصدير الباب بهذه الآية في غاية الحسن فإن الله تعالى أمر عباده بالفرح ~~بفضله ورحمته وذلك تبع للفرح والسرور بصاحب الفضل والرحمة فإن من فرح بما ~~يصل إليه من جواد كريم محسن بر يكون فرحه بمن أوصل ذلك إليه أولى وأحرى # ونذكر ما في هذه الآية من المعنى ثم نشرح كلام المصنف # قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن وغيرهم فضل الله الإسلام ورحمته ~~القرآن فجعلوا رحمته أخص من فضله فإن فضله الخاص عام على أهل الإسلام ~~ورحمته بتعليم كتابه لبعضهم دون بعض فجعلهم مسلمين بفضله وأنزل إليهم كتابه ~~برحمته قال تعالى وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك وقال ~~أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فضل الله القرآن ورحمته أن جعلنا من أهله # قلت يريد بذلك أن ههنا أمرين PageV03P156 أحدهما الفضل في نفسه والثاني ~~استعداد المحل لقبوله كالغيث يقع على الأرض القابلة للنبات فيتم المقصود ~~بالفضل وقبول المحل له والله أعلم # والفرح لذة تقع في القلب بإدراك المحبوب ونيل المشتهى فيتولد من إدراكه ~~حالة تسمى الفرح والسرور كما أن الحزن والغم من فقد المحبوب فإذا فقده تولد ~~من فقده حالة تسمى الحزن والغم وذكر سبحانه الأمر بالفرح بفضله وبرحمته ~~عقيب قوله يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ~~ورحمة للمؤمنين ولا شيء أحق أن يفرح العبد به من فضل الله ورحمته التي ~~تتضمن الموعظة وشفاء الصدور من أدوائها بالهدى والرحمة ms0925 فأخبر سبحانه أن ما ~~آتى عباده من الموعظة التي هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب ~~وشفاء الصدور المتضمن لعافيتها من داء الجهل والظلمة والغي والسفه وهو أشد ~~ألما لها من أدواء البدن ولكنها لما ألفت هذه الأدواء لم تحس بألمها وإنما ~~يقوى إحساسها بها عند المفارقة للدنيا فهناك يحضرها كل مؤلم محزن وما آتاها ~~من ربها الهدى الذي يتضمن ثلج الصدور باليقين وطمأنينة القلب به وسكون ~~النفس إليه وحياة الروح به والرحمة التي تجلب لها كل خير ولذة وتدفع عنها ~~كل شر ومؤلم # فذلك خير من كل ما يجمع الناس من أعراض الدنيا وزينتها أي هذا هو الذي ~~ينبغي أن يفرح به ومن فرح به فقد فرح بأجل مفروح به لا ما يجمع أهل الدنيا ~~منها فإنه ليس بموضع للفرح لأنه عرضة للآفات ووشيك الزوال ووخيم العاقبة ~~وهو طيف خيال زار الصب في المنام ثم انقضى المنام وولى الطيف وأعقب مزاره ~~الهجران # وقد جاء الفرح في القرآن على نوعين مطلق ومقيد PageV03P157 # فالمطلق جاء في الذم كقوله تعالى لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وقوله ~~إنه لفرح فخور # والمقيد نوعان أيضا مقيد بالدنيا ينسي صاحبه فضل الله ومنته فهو مذموم ~~كقوله حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون # والثاني مقيد بفضل الله وبرحمته وهو نوعان أيضا فضل ورحمة بالسبب وفضل ~~بالمسبب فالأول كقوله قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما ~~يجمعون والثاني كقوله فرحين بما آتاهم الله من فضله # فالفرح بالله وبرسوله وبالإيمان وبالسنة وبالعلم وبالقرآن من أعلى مقامات ~~العارفين قال الله تعالى وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون # وقال والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك # فالفرح بالعلم والإيمان والسنة دليل على تعظيمه عند صاحبه ومحبته له ~~وإيثاره له على غيره فإن فرح العبد بالشيء عند حصوله له على قدر محبته له ~~ورغبته فيه فمن ليس له رغبة في الشيء لا يفرحه ms0926 حصوله له ولا يحزنه فواته # فالفرح تابع للمحبة والرغبة # والفرق بينه وبين الاستبشار أن الفرح بالمحبوب بعد حصوله والاستبشار يكون ~~به قبل حصوله إذا كان على ثقة من حصوله ولهذا قال تعالى فرحين بما آتاهم ~~الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم # والفرح صفة كمال ولهذا يوصف الرب تعالى بأعلى أنواعه وأكملها كفرحه بتوبة ~~التائب أعظم من فرحة الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض ~~المهلكة بعد فقده لها واليأس من حصولها # والمقصود أن الفرح أعلى أنواع نعيم القلب ولذته وبهجته والفرح والسرور ~~نعيمه والهم والحزن عذابه والفرح بالشيء فوق الرضى به فإن الرضى ~~PageV03P158 طمأنينة وسكون وانشراح والفرح لذة وبهجة وسرور فكل فرح راض ~~وليس كل راض فرحا ولهذا كان الفرح ضد الحزن والرضى ضد السخط والحزن يؤلم ~~صاحبه والسخط لا يؤلمه إلا إن كان مع العجز عن الانتقام والله أعلم # | فصل قال صاحب المنازل السرور اسم لاستبشار جامع وهو أصفى من # الفرح لأن الأفراح ربما شانه الأحزان ولذلك نزل القرآن باسمه في أفراح ~~الدنيا في مواضع وورد السرور في موضعين من القرآن في حال الآخرة # السرور والمسرة مصدر سره سرورا ومسرة وكأن معنى سره أثر في أسارير وجهه ~~فإنه تبرق منه أسارير الوجه كما قال شاعر العرب # وإذا نظرت إلى أسرة وجهه % برقت كبرق العارض المتهلل # وهذا كما يقال رأسه إذا أصاب رأسه وبطنه وظهره إذا أصاب بطنه وظهره وأمه ~~إذا أصاب أم رأسه # وأما الاستبشار فهو استعفال من البشرى والبشارة هي أول خبر صادق سار # والبشرى يراد بها أمران أحدهما بشارة المخبر والثاني سرور المخبر قال ~~الله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة فسرت البشرى بهذا وهذا ~~ففي حديث عبادة بن الصامت وأبي الدرداء رضي الله عنهما عن النبي هي الرؤيا ~~الصالحة يراها المسلم أو ترى له / ح / # وقال ابن عباس بشرى الحياة الدنيا هي عند الموت تأتيهم ملائكة الرحمة ~~بالبشرى من الله وفي الآخرة عند خروج نفس المؤمن إذا خرجت يعرجون ms0927 بها إلى ~~الله تزف كما تزف العروس تبشر برضوان الله PageV03P159 # وقال الحسن هي الجنة واختاره الزجاج والفراء وفسرت بشرى الدنيا بالثناء ~~الحسن يجري له على ألسنة الناس وكل ذلك صحيح # فالثناء من البشرى والرؤيا الصالحة من البشرى وتبشير الملائكة له عند ~~الموت من البشرى والجنة من أعظم البشرى قال الله تعالى وبشر الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأزنهار وقال تعالى وأبشروا ~~بالجنة التي كنتم توعدون # قيل وسميت بذلك لأنها تؤثر في بشرة الوجه ولذلك كانت نوعين بشرى سارة ~~تؤثر فيه نضارة وبهجة وبشرى محزنة تؤثر فيه بسورا وعبوسا ولكن إذا أطلقت ~~كانت للسرور وإذا قيدت كانت بحسب ما تقيد به # قوله هو أصفى من الفرح واحتج على ذلك بأن الأفراح ربما شابها أحزان أي ~~ربما مازجها ضدها بخلاف السرور # فيقال والمسرات ربما شابها أنكاد وأحزان فلا فرق # قوله ولذلك نزل القرآن باسمه في أفراح الدنيا في مواضع # يريد أن الله تعالى نسب الفرح إلى أحوال الدنيا في قوله تعالى حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة وفي قوله تعالى لا تفرح إن الله لا يحب ~~الفرحين وقوله تعالى إنه لفرح فخور فإن الدنيا لا تتخلص أفراحها من أحزانها ~~وأتراحها البتة بل ما من فرحة إلا ومعها ترحة سابقة أو مقارنة أو لاحقة ولا ~~تتجرد الفرحة بل لا بد من ترحة تقارنها ولكن قد تقوى الفرحة على الحزن ~~فينغمر حكمه وألمه مع وجودها وبالعكس # فيقال ولقد نزل القرآن أيضا بالفرح في أمور الآخرة في مواضع كقوله تعالى ~~فرحين بما آتاهم الله من فضله وقوله تعالى فبذلك فليفرحوا فلا فرق بينهما ~~من هذا الوجه الذي ذكره # قوله وورد اسم السرور في القرآن في موضعين في حال الآخرة PageV03P160 # يريد بهما قوله تعالى فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ~~وينقلب إلى أهله مسرورا والموضع الثاني قوله ولقاهم نضرة وسرورا # فيقال وورد السرور في أحوال الدنيا في موضع على وجه الذم كقوله تعالى ~~وأما من أوتي كتابه ms0928 وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله ~~مسرورا # فقد رأيت ورود كل واحد من الفرح والسرور في القرآن بالنسبة إلى أحوال ~~الدنيا وأحوال الآخرة فلا يظهر ما ذكره من الترجيح # بل قد يقال الترجيح للفرح لأن الرب تبارك وتعالى يوصف به ويطلق عليه اسمه ~~دون السرور فدل على أن معناه أكمل من معنى السرور وأمر الله به في قوله ~~تعالى فبذلك فليفرحوا وأثنى على السعداء به في قوله فرحين بما آتاهم الله ~~من فضله # وأما قوله تعالى ولقاهم نضرة وسرورا وقوله وينقلب إلى أهله مسرورا فعدل ~~إلى لفظ السرور لاتفاق رؤوس الآي ولو أنه ترجم الباب بباب الفرح لكان أشد ~~مطابقة للآية التي استشهد بها والأمر في ذلك قريب فالمقصود أمر وراء ذلك # قال وهو في هذا الباب على ثلاث درجات الدرجة الأولى سرور ذوق ذهب بثلاثة ~~أحزان حزن أورثه خوف الانقطاع وحزن هاجته ظلمة الجهل وحزن بعثته وحشة ~~التفرق لما كان السرور ضد الحزن والحزن لا يجامعه كان مذهبا له ولما كان ~~سببه ذوق الشيء السار فإنه كلما مان الذوق أتم كان السرور به أكمل وهذا ~~السرور يذهب ثلاثة أحزان # الحزن الأول حزن أورثه خوف انقطاع وهذا حزن المتخلفين عن PageV03P161 ركب ~~المحبين ووفد المحبة فأهل الانقطاع هم المتخلفون عن صحبة هذا الركب وهذا ~~الوفد وهم الذين كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين فثبط ~~عزائمهم وهممهم أن تسير إليه وإلى جنته وأمر قلوبهم أمرا كونيا قدريا أن ~~تقعد مع القاعدين المتخلفين عن السعي إلى محغابه فلو عانيت قلوبهم حين أمرت ~~بالقعود عن مرافقة الوفد وقد غمرتها الهموم وعقدت عليها سحائب البلاء ~~فأحضرت كل حزن وغم وأمواج القلق والحسرات تتقاذف بها وقد غابت عنها المسرات ~~ونابت عنها الأحزان لعلمت أن الأبرار في هذه الدار في نعيم وأن المتخلفين ~~عن رفقتهم في جحيم # وهذا الحزن يذهب به ذوق طعم الإيمان فيذيق الصديق طعم الوعد الذي وعد به ~~على لسان الرسول فلا يعقله ظن ولا يقطعه أمل ms0929 ولا تعوقه أمنية كما تقدم ~~فيباشر قلبه حقيقة قوله تعالى أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه ~~متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة المحضرين إوقوله تعالى ياأيها الناس ~~وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور وقوله تعالى ~~وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين وأمثال هذه ~~الآيات # قوله وحزن هاجته ظلمة الجهل # وهذا الحزن الثاني الذي يذهب سرور الذوق هو حزن ظلمة الجهل # والجهل نوعان جهل علم ومعرفة وهو مراد الشيخ ههنا وجهل عمل وغي وكلاهما ~~له ظلمة ووحشة في القلب وكما أن العلم يوجب نورا وأنسا فضده يوجب ظلمة ~~ويوقع وحشة وقد سمى الله سبحانه وتعالى العلم الذي بعث به رسوله نورا وهدى ~~وحياة وسمى ضده ظلمة وموتا وضلالا قال الله تعالى الله ولي الذين آمنوا ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من ~~النور إلى الظلمات وقال تعالى PageV03P162 أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا ~~له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها وقال تعالى ~~قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ~~ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم وقال تعالى يا ~~أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا وقال تعالى ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون وقال تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا فجعله روحا ~~لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح ونورا لما يحصل به من الهدى والرشاد # ومثل هذا النور في قلب المؤمن كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء # ومثل حال من فقد ms0930 هذا النور بمن هو في ظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه ~~موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم ~~يجعل الله له نورا فماله من نور # الحزن الثالث حزن بعثته وحشة التفرق وهو تفرق الهم والقلب عن الله عز وجل ~~ولهذا التفرق حزن ممض على فوات جمعية القلب على الله ولذاتها ونعيمها فلو ~~فرضت لذات أهل الدنيا بأجمعها حاصلة لرجل لم يكن لها نسبة إلى لذة جمعية ~~قلبه على الله وفرحه به وأنسه بقربه وشوقه إلى لقائه وهذا أمر لا يصدق به ~~إلا من ذاقه فإنما يصدقك من أشرق فيه ما أشرق فيك ولله در القائل ~~PageV03P163 # أيا صاحبي أما ترى نارهم % فقال تريني مالا أرى # سقاك الغرام ولم يسقني % فأبصرت مالم أكن مبصرا # فلو لم يكن في التفرق المذكور إلا ألم الوحشة ونكد التشتت وغبار الشعث ~~لكفى به عقوبة فكيف وأقل عقوبته أن يبتلى بصحبة المنقطعين ومعاشرتهم ~~وخدمتهم فتصير أوقاته التي هي مادة حياته ولا قيمة لها مستغرفة في قضاء ~~حوائجهم ونيل أغراضهم وهذه عقوبة قلب ذاق حلاوة الإقبال على الله والجمعية ~~عليه والأنس به ثم آثر على ذلك سواه ورضي بطريقة بني جنسه وما هم عليه ومن ~~له أدنى حياة في قلبه ونور فإنه يستغيث قلبه من وحشة هذا التفرق كما تستغيث ~~الحامل عند ولادتها # ففي القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله وفيه وحشة لا يزيلها إلا ~~الأنس به في خلوته # وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته # وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه # وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر ~~على ذلك إلى وقت لقائه # وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه # وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له ~~ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدا # فالتفرق يوقع وحشة الحجاب وألمه ms0931 أشد من ألم العذاب قال الله تعالى كلا ~~إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم فاجتمع عليهم عذاب ~~الحجاب وعذاب الجحيم # والذوق الذي يذهب وحشة هذا التفرق هو الذوق الذي ذكره الشيخ PageV03P164 ~~في قوله ذوق الإرادة طعم الأنس فلا يعلق به شاغل ولا يفسده عارض ولا تكدره ~~تفرقة # | فصل قال الدرجة الثانية سرور شهود كشف حجاب العلم وفك رق التكليف # ونفي صغار الاختيار # يريد أن العلم حجاب على المعرفة فشهود كشف ذلك الحجاب حتى يفضي القلب إلى ~~المعرفة يوجب سرورا # والعلم عند هذه الطائفة استدلال والمعرفة ضرورية فالعلم له الخبر ~~والمعرفة لها العيان فالعلم عندهم حجاب على المعرفة وإن كان لا يوصل إليها ~~إلا بالعلم والعلم لها كالصوان لما تحته فهو حجاب عليه ولا يوصل إليه إلا ~~منه # ومثال هذا أنك إذا رأيت في حومة ثلج ثقبا خاليا استدللت به على أن تحته ~~حيوانا يتنفس فهذا علم فإذا حفرته وشاهدت الحيوان فهذه معرفة # قوله وفك رق التكليف عبارة قلقة غير سديدة ورق التكليف لا يفك إلى الممات ~~وكلما تقدم العبد منزلا شاهد من رق تكليفه مالم يكن شاهده من قبل فرق ~~التكليف أمر لازم للمكلف ما بقي في هذا العالم # والذي يتوجه عليه كلامه أن السرور بالذوق الذي أشار إليه يعتق العبد من ~~رق التكليف بحيث لا يعده تكليفا بل تبقى الطاعات غذاء لقلبه وسرورا له وقرة ~~عين في حقه ونعيما لروحه يتلذذ بها ويتنعم بملابستها أعظم مما يتنعم ~~بملابسة الطعام والشراب واللذات الجسمانية فإن اللذات الروحانية القلبية ~~أقوى وأتم من اللذات الجسمانية فلا يجد في أوراد العبادة كلفة ولا تصير ~~تكليفا في حقه فإن ما يفعله المحب الصادق ويأتي به في خدمة محبوبه هو أسر ~~شيء إليه وألذه عنده ولا يرى ذلك تكليفا لما في التكليف من إلزام المكلف ~~بما فيه كلفة ومشقة PageV03P165 عليه والله سبحانه إنما سمى أوامره ونواهيه ~~وصية وعهدا وموعظة ورحمة ولم يطلق عليها اسم التكليف إلا في جانب النفي ~~كقوله لا يكلف الله ms0932 نفسا إلا وسعها ووقوع الوسع بعد الاستثناء من التكليف ~~لا يوجب وقوع الاسم عليه مطلقا فهذا أقرب ما يؤول به كلامه # على أن للملحد ههنا مجالا وهو أن هذه الحال إنما هي لأقوام انتقلت ~~عباداتهم من ظواهرهم إلى بواطنهم فانتقل حكم أورادهم إلى وارداتهم فاستغنوا ~~بالواردات عن الأوراد وبالحقائق عن الرسوم وبالمعاني عن الصور فخلصوا من رق ~~التكليف المختص بالعلم وقاموا بالحقيقة التي يقتضيها الحكم وهكذا الألفاظ ~~المجملة عرضة للمحق والمبطل # قوله ونفى صغار الاختيار يريد به أن العبد متى كان مربوطا باختياراته ~~محبوسا في سجن إراداته فهو في ذل وصغار فإذا وصل إلى هذه الدرجة انتفى عنه ~~صغار الاختيار وبقي من جملة الأحرار # فيا لها من عبودية أوجبت حرية وحرية كملت عبودية # فيصير واقفا مع ما يختار الله له لا مع ما يختاره هو لنفسه بل يصير مع ~~الله بمنزلة من لا اختيار له البتة فمن كان محجوبا بالعلم عن المعرفة ~~نازعته اختياراته ونازعها فهو معها في ذل وصغار ومتى أفضى إلى المعرفة وكشف ~~له عن حجابها شاهد البلاء نعيما والمنع عطاء والذل عزا والفقر غنى فانقاد ~~باطنه لأحكام المعرفة وظاهره لأحكام العلم # على أن للملحد ههنا مجالا قد جال فيه هو وطائفته فقال هذا يوجب الانقياد ~~لأحكام المعرفة والتخلص والراحة من أحكام العلم وقد قيل إن العالم يسعطك ~~الخل والخردل والعارف ينشقك المسك والعنبر # قال ومعنى هذا أنك مع العالم في تعب ومع العارف في راحة لأن العارف يبسط ~~عذر العوالم والخلائق والعالم يلوم وقد قيل من نظر إلى الناس بعين العلم ~~مقتهم ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم PageV03P166 # فانظر ما تضمنه هذا الكلام الذي ملمسه ناعم وسمه زعاف قاتل من الانحلال ~~عن الدين ودعوى الراحة من حكم العبودية والتماس الأعذار لليهود والنصارى ~~وعباد الأوثان والظلمة والفجرة وأن أحكام الأمر والنهي الواردين على السن ~~الرسل للقلوب بمنزلة سعط الخل والخردل وأن شهود الحقيقة الكونية الشاملة ~~للخلائق والوقوف معها والانقياد لحكمها بمنزلة تنشيق المسك والعنبر # فليهن الكفار والفجار والفساق ms0933 انتشاق هذا المسك والعنبر إذا شهدوا هذه ~~الحقيقة وانقادوا لحكمها # ويا رحمة للأبرار المحكمين لما جاء به الرسول من كثرة سعوطهم بالخل ~~والخردل # فإن قوله هذا يجوز وهذا لايجوز وهذا حلال وهذا حرام وهذا يرضي الله وهذا ~~يسخطه خل وخردل عند هؤلاء الملاحدة وإلا فالحقيقة تشهدك الأمر بخلاف ذلك ~~ولذلك إذا نظرت عندهم إلى الخلق بعين الحقيقة عذرت الجميع فتعذر من توعده ~~الله ورسوله أعظم الوعيد وتهدده أعظم التهديد # ويا لله العجب إذا كانوا معذورين في الحقيقة فكيف يعذب الله سبحانه ~~المعذور ويذيقه أشد العذاب وهلا كان الغنى الرحيم أولى بعذره من هؤلاء # نعم العالم الناصح يلوم بأمر الله والعارف الصادق يرحم بقدر الله ولا ~~يتنافى عنده اللوم والرحمة ومن رحمته عقوبة من أمر الله بعقوبته فذلك رحمة ~~له وللأمة وترك عقوبته زيادة في أذاه وأذى غيره وأنت مع العالم في تعب يعقب ~~كل الراحة ومع عارف هؤلاء الملاحدة في راحة وهمية تعقب كل تعب وخيبة وألم ~~كما ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد أن المسيح عليه السلام كان يقول على قدر ~~ما تتعبون ههنا تستريحون هنالك وعلى قدر ما تستريحون ههنا تتبعون هنالك ~~PageV03P167 # فالعالم يحذرك ويمنعك الوقوف حتى تبلغ المأمن وعارف الملاحدة يوهمك ~~الراحة من كد المسير ومؤنة السفر حتى تؤخذ في الطريق # | فصل قال الدرجة الثالثة سرور سماع الإجابة وهو سرور يمحو آثار # الوحشة ويقرع باب المشاهدة ويضحك الروح # قيد الشيخ السماع بكونه سماع إجابة فإنه السماع المنتفع به لا مجرد سماع ~~الإدراك فإنه مشترك بين المجيب والمعرض وبه تقوم الحجة وينقطع العذر ولهذا ~~قال الله عن أصحابه سمعنا وعصينا وقال النبي لليهودي الذي سأله عن أمور من ~~الغيب ينفعك إن حدثتك قال أسمع بأذني # وأما سماع الإجابة ففي مثل قوله تعالى وفيكم سماعون لهم أي مستجيبون لهم ~~وفي قوله سماعون للكذب أي مستجيبون له وهو المراد وهذا المراد بقول المصلى ~~سمع الله لمن حمده أي أجاب الله حمد من حمده وهو السمع الذي نفاه الله عز ~~وجل ms0934 عمن لم يرد به خيرا في قوله ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم أي لجعلهم ~~يسمعون سمع إجابة وانقياد وقيل المعنى لأفهمهم وعلى هذا يكون المعنى لأسمع ~~قلوبهم فإن سماع القلب يتضمن الفهم # والتحقيق أن كلا الأمرين مراد فلو علم فيهم خيرا لأفهمهم ولجعلهم ~~يستجيبون لما سمعوه وفهموه # والمقصود أن سماع الإجابة هو سماع انقياد القلب والروح والجوارح لما ~~سمعته الأذنان # قوله ويمحو آثار الوحشة يعني يزيل بقايا الوحشة التي سببها ترك الانقياد ~~التام فإنه على قدر فقد ذلك تكون الوحشة وزوالها إنما يكون بالانقياد التام ~~وأيضا فإنه يبقى على أهل الدرجة الثانية آثار وهم أهل كشف حجاب PageV03P168 ~~العلم فإنهم إذا انكشف عنهم حجاب العلم وأفضوا إلى المعرفة بقيت عليهم ~~بقايا من آثار ذلك الحجاب فإذا حصلوا في هذه الدرجة زالت عنهم تلك البقايا # وقد يوجه كلامه على معنى آخر وهو أنه إذا دعا ربه سبحانه فسمع ربه دعاءه ~~سماع إجابة وأعطاه ما سأله على حسب مراده ومطلبه أو أعطاه خيرا منه حصل له ~~بذلك سرور يمحو من قلبه آثار ما كان يجده من وحشة البعد فإن للعطاء ~~والإجابة سرورا وأنسا وحلاوة وللمنع وحشة ومرارة فإذا تكرر منه الدعاء ~~وتكرر من ربه سماع وإجابة لدعائه محا عنه آثار الوحشة وأبدله بها أنسا ~~وحلاوة # قوله ويقرع باب المشاهدة # يريد والله أعلم مشاهدة حضرة الجمع التي يشمر إليها السالكون عنده وإلا ~~فمشاهدة الفضل والمنة قد سبقت في الدرجتين الأولتين وانتقل المشاهد لذلك ~~إلى ما هو أعلامنه وهو مشاهدة الحضرة المذكورة # قوله ويضحك الروح يعني أن سماع إلإجابة يضحك الروح لسرورها بما حصل لها ~~من ذلك السماع وإنما خص الروح بالضحك ليخرج به سرورا يضحك النفس والعقل ~~والقلب فإن ذلك يكون قبل رفع الحجاب الذي أشار إليه إذ محله النفس فإذا ~~ارتفع ومحا الشهود رسم النفس بالكلية كان الإدراك حينئذ بالروح فيضحكها ~~بالسرور # وهذا مبني على قواعد القوم في الفرق بين أحكام النفس والقلب والروح # والفتح عندهم نوعان فتح قلبي وفتح روحي فالفتح ms0935 القلبي يجمعه على الله ~~ويلم شعثه والفتح الروحي يغنيه عنه ويجرده منه وبالله التوفيق PageV03P169 # | فصل ومنها منزلة السر قال صاحب المنازل # باب السر # قال الله تعالى الله أعلم بما في أنفسهم أصحاب السر هم الأخفياء الذين ~~ورد فيهم الخبر # أما استشهاده بالآية فوجهه أن أتباع الرسل الذين صدقوهم وآثروا الله ~~والدار الآخرة على قومهم وأصحابهم قد أودع الله قلوبهم سرا من أسرار معرفته ~~ومحبته والإيمان به خفي على أعداء الرسل فنظروا إلى ظواهرهم وعموا عن ~~بواطنهم فازدروهم واحتقروهم وقالوا للرسل اطرد هؤلاء عنك حتى نأتيك ونسمع ~~منك وقالوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا فقال نوح عليه السلام لقومه ولا ~~أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين ~~تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن ~~الظالمين قال الزجاج المعنى إن كنتم تزعمون أنهم إنما اتبعوني في بادي ~~الرأي وظاهره فليس على أن أطلع على ما في أنفسهم فإذا رأيت من يوحد الله ~~عملت على ظاهره ورددت علم ما في نفوسهم إلى الله وهذا معنى حسن # والذي يظهر من الآية أن الله يعلم ما في أنفسهم إذ أهلهم لقبول دينه ~~وتوحيده وتصديق رسله والله سبحانه وتعالى عليم حكيم يضع العطاء في مواضعه ~~وتكون هذه الآية مثل قوله تعالى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين فإنهم أنكروا أن يكون الله ~~سبحانه أهلهم للهدى والحق وحرمه رؤساء الكفار وأهل العزة والثروة منهم ~~كأنهم استدلوا بعطاء الدنيا على عطاء الآخرة فأخبر الله سبحانه أنه أعلم ~~بمن يؤهله لذلك لسر عنده من معرفة قدر النعمة PageV03P170 ورؤيتها من مجرد ~~فضل المنعم ومحبته وشكره عليها وليس كل أحد عنده هذا السر فلا يؤهل كل أحد ~~لهذا العطاء # قوله أصحاب السر هم الأخفياء الذين ورد فيهم الخبر # قد يريد به حديث سعد بن أبي وقاص حيث قال له ابنه أنت ههنا والناس ~~يتنازعون في الإمارة ms0936 فقال إني سمعت رسول الله يقول إن الله يحب العبد التقي ~~الغني الخفي / ح / # وقد يريد به قوله رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على ~~الله لأبره / ح / وقوله في الحديث الآخر وقد مر به رجل فقال ما تقولون في ~~هذا فقالوا هذا حري إن شفع أن يشفع وإن خطب أن ينكح وإن قال أن يسمع لقوله ~~ثم مر به آخر فقال ما تقولون في هذا فقالوا هذا حري إن شفع أن لا يشفع وإن ~~خطب أن لا ينكح وإن قال أن لا يسمع لقوله فقال النبي هذا خير من ملء الأرض ~~من مثل هذا # | فصل قال وهم على ثلاث طبقات الطبقة الأولى طائفة علت هممهم وصفت # قصودهم وصح سلوكهم ولم يوقف لهم على رسم ولم ينسبوا إلى اسم ولم يشر ~~إليهم بالأصابع أولئك ذخائر الله حيث كانوا # ذكر لهم ثلاث صفات ثبوتية وثلاثا سلبية # الأولى علو هممهم وعلو الهمة أن لا تقف دون الله ولا تتعوض عنه بشيء سواه ~~ولا ترضى بغيره بدلا منه ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به والفرح ~~والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية فالهمة العالية على ~~الهمم كالطائر العالي على الطيور لا يرضى بمساقطهم ولا تصل إليه الآفات ~~التي تصل إليهم فإن الهمة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها PageV03P171 ~~وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان فإن الآفات قواطع وجواذب وهي لا تعلو ~~إلى المكان العالي فتجتذب منه وإنما تجتذب من المكان السافل فعلو همة المرء ~~عنوان فلاحه وسفول همته عنوان حرمانه # العلامة الثانية صفاء القصد وهو خلاصه من الشوائب التي تعوقه عن مقصوده ~~فصفاء القصد تجريده لطلب المقصود له لا لغيره فهاتان آفتان في القصد ~~إحداهما أن لا يتجرد لمطلوبه الثانية أن يطلبه لغيره لا لذاته # وصفاء القصد يراد به العزم الجازم على اقتحام بحر الفناء عند الشيخ ومن ~~وافقه على أن الفناء غاية # ويراد به خلوص القصد من كل إرادة تزاحم مراد الرب تعالى ms0937 بل يصير القصد ~~مجردا لمراده الديني الأمري وهذه طريقة من يجعل الغاية هي الفناء عن إرادة ~~السوى وعلامته اندراج حظ العبد في حق الرب تعالى بحيث يصير حظه هو نفس حق ~~ربه عليه ولا يخفى على البصير الصادق علو هذه المنزلة وفضلها على منزلة ~~الفناءوبالله التوفيق # العلامة الثالثة صحة السلوك وهو سلامته من الآفات والعوائق والقواط وهو ~~إنما يصح بثلاثة أشياء # أحدها أن يكون على الدرب الأعظم الدرب النبوي المحمدي لا على الجواد ~~الوضعية والرسوم الاصطلاحية وإن زخرفوا لها القول ودققوا لها الإشارة ~~وحسنوا لها العبارة فتلك من بقايا النفوس عليهم وهم لا يشعرون # الثاني أن لا يجيب على الطريق داعي البطالة والوقوف والدعة # الثالث أن يكون في سلوكه ناظرا إلى المقصود وقد تقدم بيان ذلك # فبهذه الثلاثة يصح السلوك والعبارة الجامعة لها أن يكون واحدا لواحد في ~~طريق واحد فلاا ينقسم طلبه ولا مطلوبه ولا يتلون مطلوبه # وأما الثلاثة السلبية التي ذكرها فأولها قوله ولم يوقف لهم على رسم ~~PageV03P172 # يريد أنهم قد انمحت رسومهم فلم يبق منها ما يقف عليه واقف # وهذا كلام يحتاج إلى شرح فإن الرسم الظاهر المعاين لا يمحي ما دام في هذا ~~العالم ولا يرون محو هذا الرسم وهم مختلفون فيما يعبر بالرسم عنه # فطائفة قالت الرسم ما سوى الحق سبحانه ومحوه هو ذهاب الوقوف معه والنظر ~~إليه والرضى به والتعلق به # ومنهم من يريد بالرسم الظواهر والعلامات # وهذا أقرب إلى وضع اللغة فإن رسم الدار هو الأثر الباقي منها الذي يدل ~~عليها ولهذا يسمون الفقهاءوأهل الأثر ونحوهم علماء الرسوم لأنهم عندهم لم ~~يصلوا إلى الحقائق بل اشتغلوا عن معرفتها بالظواهر والأدلة # فهذه الطائفة التي أشار إليها لا رسم لهم يقفون عنده بل قد اشتغلوا ~~بالحقائق والمعاني عن الرسوم والظواهر # وللملحد ههنا مجال إذ عنده أن العبادات والأوامر والأوراد كلها رسوم وأن ~~العباد وقفوا على الرسوم ووقفوا هم على الحقائق # ولعمر الله إنها لرسوم إلهية أتت على أيدي رسله ورسم لهم أن لا يتعدوها ~~ولا ms0938 يقصروا عنها فالرسل قعدوا على هذه الرسوم يدعون الخلق إليها ويمنعونهم ~~من تجاوزها ليصلوا إلى حقائقها ومقاصدها فعطلت الملاحدة تلك الرسوم وقالوا ~~إنما المراد الحقائق ففاتتهم الرسوم والحقائق معا ووصلوا ولكن إلى الحقائق ~~الإلحادية الكفرية وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون وزين لهم الشيطان ما ~~كانوا يعملون # فأحسن ما حمل عليه قول الشيخ ولم يقفوا مع رسم أنهم لم ينقطعوا بشيء سوى ~~الله عنه فكل ما قطع عن الله لم يقفوا معه وما أوصلهم إلى الله لم يفارقوه ~~وكان وقوفهم معه # وقد يريد بقوله لم يوقف لهم على رسم أنهم لعلو هممهم سبقوا الناس ~~PageV03P173 في السير فلم يقفوا معهم فهم المفردون السابقون فلسبقهم لم ~~يوقف لهم على أثر في الطريق ولم يعلم المتأخر عنهم أين سلكوا والشمس بعدهم ~~قد يرى آثار نيرانهم على بعد عظيم كما يرى الكوكب ويستخبر ممن رآهم أين ~~رآهم فحاله كما قيل # أسائل عنكم كل غاد ورائح % وأومي إلى أوطانكم وأسلم # العلامة الثانية قوله ولم ينسبوا إلى اسم أي لم يشتهروا باسم يعرفون به ~~عند الناس من الأسماء التي صارت أعلاما لأهل الطريق # وأيضا فإنهم لم يتقيدوا بعمل واحد يجري عليهم اسمه فيعرفون به دون غيره ~~من الأعمال فإن هذا آفة في العبودية وهي عبودية مقيدة وأما العبودية ~~المطلقة فلا يعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها فإنه مجيب لداعيها على ~~اختلاف أنواعها فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم فلا يتقيد برسم ~~ولا إشارة ولا اسم ولا بزي ولا طريق وضعي اصطلاحي بل إن سئل عن شيخه قال ~~الرسول وعن طريقه قال الاتباع وعن خرقته قال لباس التقوى وعن مذهبه قال ~~تحكيم السنة وعن مقصوده ومطلبه قال يريدون وجهه وعن رباطه وعن خانكاه قال ~~في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ~~رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وعن ~~نسبه قال أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس ms0939 أو تيم وعن مأكله ~~ومشربه قال ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وترعى الشجر حتى تلقى ~~ربها واحسرتاه تقضي العمر وانصرمت ساعاته بين ذل العجز والكسل # واحسرتاه تقضى العمر وانصرمت % ساعاته بين ذل العجز والكسل # والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد % ساروا إلى المطلب الأعلى على مهل ~~PageV03P174 # والعلامة الثالثة قوله ولم يشر إليهم بالأصابع يريد أنهم لخفائهم عن ~~الناس لم يعرفوا بينهم حتى يشيروا إليهم بالأصابع وفي الحديث المعروف عن ~~النبي لكل عامل شرة ولكل شرة فترة فإن صاحبها سدد وقارب فارجوا له وإن أشير ~~إليه بالأصابع فلا تعدوه شيئا فسئل راوي الحديث عن معنى أشير إليه بالأصابع ~~فقال هو المستبدع في دينه الفاجر في دنياه # وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل فإن الناس إنما يشيرون بالأصابع إلى من يأتيهم ~~بشيء فبعضهم يعرفه وبعضهم لا يعرفه فإذا مر أشار من يعرفه إلى من لا يعرفه ~~هذا فلان وهذا قد يكون ذما له وقد يكون مدحا فمن كان معروفا باجتهاد وعبادة ~~وزهد وانقطاع عن الخلق ثم انحط عن ذلك وعاد إلى حال أهل الدنيا والشهوات ~~فإذا مر بالناس أشاروا إليه وقالوا هذا كان على طريق كذا وكذا ثم فتن ~~وانقلب فهذا الذي قال في الحديث عنه فلا تعدوه شيئا لأنه انقلب على عقبيه ~~ورجع بعد الشرة إلى أسوأ فترة # وقد يكون الرجل منهمكا في الدنيا ولذاتها ثم يوقظه الله لآخرته فيترك ما ~~هو فيه ويقبل على شأنه فإذا مر أشار الناس إليه بالأصابع وقالوا هذا كان ~~مفتونا ثم تداركه الله فهذا كانت شرته في المعاصي ثم صارت في الطاعات ~~والأول كانت شرته في الطاعات ثم فترت وعادت إلى البدعة والفجور # وبالجملة فالإإشارة بالأصابع إلى الرجل علامة خير وشر ومورد هلاكه ونجاته ~~والله سبحانه الموفق # قوله أولئك ذخائر الله حيث كانوا ذخائر الملك ما يخبأ عنده ويذخره ~~لمهماته ولا يبذله لكل أحد وكذلك ذخيرة الرجل ما يذخره لحوائجه ومهماته ~~وهؤلاء لما كانوا مستورين عن الناس بأسبابهم غير مشار إليهم PageV03P175 ~~ولا متميزين ms0940 برسم دون الناس ولا منتسبين إلى اسم طريق أو مذهب أو شيخ أو زي ~~كانوا بمنزلة الذخائر المخبوءة وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات فإن الآفات ~~كلها تحت الرسوم والتقيد بها ولزوم الطرق الاصطلاحية والأوضاع المتداولة ~~الحادثة هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن الله وهم لا يشعرون والعجب أن ~~أهلها هم المعروفون بالطلب والإرادة والسير إلى الله وهم إلا الواحد بعد ~~الواحد المقطوعون عن الله بتلك الرسوم والقيود # وقد سئل بعض الأئمة عن السنة فقال مالا اسم له سوى السنة # يعني أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها # فمن الناس من يتقيد بلباس لا يلبس غيره أو بالجلوس في مكان لا يجلس في ~~غيره أو مشية لا يمشي غيرها أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما أو عبادة معينة لا ~~يتعبد بغيرها وإن كانت أعلى منها أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره وإن كان ~~أقرب إلى الله ورسوله منه فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الألى ~~مصدودون عنه قد قيدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد ~~المتابعة فأضحوا عنها بمعزل ومنزلتهم منها أبعد منزل فترى أحدهم يتعبد ~~بالرياضة والخلوة وتفريغ القلب ويعد العلم قاطعا له عن الطريق فإذا ذكر له ~~الموالاة في الله والعاداة فيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عد ذلك ~~فضولا وشرا وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم وعدوه غيرا عليهم ~~فهؤلاء أبعد الناس عن الله وإن كانوا أكثر إشارة والله أعلم # | فصل قال الطبقة الثانية طائفة أشاروا عن منزل وهم في غيره ووروا # بأمر وهم لغيره ونادوا على شأن وهم على غيره فهم بين غيرة عليهم تسترهم ~~وأدب فيهم يصونهم وظرف يهذبهم # أهل هذه الطبقة استسروا اختيارا وإرادة لذلك صيانة لأحوالهم وكمالا ~~PageV03P176 في تمكنهم فمقاماتهم عالية لا ترمقها العيون ولا تخالطها ~~الظنون يشيرون إلى ما يعرفه المخاطب من مقامات المريدين السالكين وبدايات ~~السلوك ويخفون ما مكنهم فيه الحق سبحانه وتعالى من أحوال المحبة ومواجيدها ~~وآثار المعرفة وتوحيدها فهذه هي التورية التي ذكرها ms0941 # فكأنهم يظهرون للمخاطب أنهم من أهل البدايات وهم في أعلى المقامات ~~يتكلمون معهم في البداية والإرادة والسلوك ومقامهم فوق ذلك وهم محقون في ~~الحالتين لكنهم يسترون أشرف أحوالهم ومقاماتهم عن الناس # وبالجملة فهم مع الناس بظواهرهم يخاطبونهم على قدر عقولهم ولا يخاطبونهم ~~بما لا تصل إليه عقولهم فينكرون عليهم فيحسبهم المخاطب مثلهم فالناس عندهم ~~وليسوا هم عند أحد # قوله أشاروا إلى منزل وهم في غيره يعني يشيرون إلى منزل التوبة والمحاسبة ~~وهم في منزل المحبة والوجد والذوق ونحوها # وقد يريد أنهم يشيرون إلى أنهم عامة وهم خاصة الخاصة وإلى أنهم جهال وهم ~~العارفون بالله وأنهم مسيئون وهم محسنون # وعلى هذا فيكونون من الطائفة الملامتيه الذين يظهرون مالا يمدحون عليه ~~ويسرون ما يحمدهم الله عليه عكس المرائين المنافقين وهؤلاء طائفة معروفة ~~لهم طريقة معروفة تسمى طريقة أهل الملامة وهم الطائفة الملامتية يزعمون ~~أنهم يحتملون ملام الناس لهم على ما يظهرونه من الأعمال ليخلص لهم ما ~~يبطنونه من الأحوال ويحتجون بقوله تعالى فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ~~لائم فهم عاملون على أسقاط جاههم ومنزلتهم في قلوب الناس لما رأوا المغترين ~~المغتر بهم من المنتسبين إلى السلوك يعملون على تزكية نفوسهم وتوفير جاههم ~~في قلوب الناس فعاكسهم هؤلاء وأظهروا بطالة PageV03P177 وأبطنوا ~~أعمالاوكتموا أحوالهم جهدهم وينشدون في هذه الحال # فليتك تحلو والحياة مريرة % وليتك ترضى والأنام غضاب # وليت الذي بيني وبينك عامر % وبيني وبين العالمين خراب # إذا صح منك الود يا غاية المنى % فكل الذي فوق التراب تراب # قال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا سفيان عن منصور عن هلال سياق ابن ~~يساف قال كان عيسى عليه السلام يقول إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته ~~ويمسح شفتيه حتى يخرج إلى الناس فيقولون ليس بصائم # ولهذا قال بعضهم التصوف ترك الدعاوي وكتمان المعاني وسئل الحارث ابن أسد ~~عن علامات الصادق فقال أن لا يبالي أن يخرج كل قدر له في قلوب ms0942 الخلق من أجل ~~صلاح قلبه ولا يحب اطلاع الناس على اليسير من عمله # وهذا يحمد في حال ويذم في حال ويحسن من رجل ويقبح من آخر فيحمد إذا أظهر ~~ما يجوز إظهاره ولا نقص عليه فيه ولا ذم من الله ورسوله ليكتم به حاله ~~وعمله كما إذا أظهر الغنى وكتم الفقر والفاقة وأظهر الصحة وكتم المرض وأظهر ~~النعمة وكتم البلية فهذا كله من كنوز الستر وله في القلب تأثير عجيب يعرفه ~~من ذاقه وشكى رجل إلى الأحنف بن قيس شكاة فقال يا بن أخي قد ذهب ضوء بصري ~~من عشرين سنة فما أخبرت به أحدا # وأما الحال التي يذم فيها فأن يظهر مالا يجوز إظهاره ليسيء به الناس الظن ~~فلا يعظموه كما يذكر عن بعضهم أنه دخل الحمام ثم خرج وسرق ثياب رجل ومشى ~~رويدا حتى أدركوه فأخذوها منه وسبوه فهذا حرام لا يحل تعاطيه ويقبح أيضا من ~~المتبوع المقتدى به ذلك بل وما هو دونه لأنه يغر الناس ويوقعهم في التأسي ~~بما يظهره من سوء # فالملامتية نوعان ممدوحون أبرار ومذمومون جهال وإن كانوا في خفارة صدقهم ~~PageV03P178 # فالأولون الذين لا يبالون بلوم اللوم في ذات الله والقيام بأمره والدعوة ~~إليه وهم الذين قال الله فيهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ~~فأحب الناس إلى الله من لا تأخذه في الله لومة لائم وكان عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه لا تأخذه في الله لومة لائم # والنوع الثاني المذموم هو الذي يظهر ما يلام عليه شرعا من محرم أو مكروه ~~ليكتم بذلك حاله وقد قال النبي لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه / ح / # فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ # قوله أشاروا إلى منزل وهم في غيره مثاله أنهم يتكلمون في التوبة ~~والمحاسبة وهم في منزل المحبة والفناء # قوله ووروا بأمر وهم لغيره التورية أن يذكر لفظا يفهم به المخاطب معنى ~~وهو يريد غيره مثاله أن يقول أحدهم أنا غني فيوهم المخاطب له أنه غني ~~بالشيء ومراده غني بالله عنه كما ms0943 قيل # غنيت بلا مال عن الناس كلهم % وإن الغنى العالي عن الشيء لا به # وأن يقول ما صح لي مقام التوبة بعد ويريد ما صحت لي التوبة عن رؤية ~~التوبة ونحو ذلك # قوله ونادوا على شأن وهم على غيره أي عظموا شأنا من شئون القوم ودعوا ~~الناس إليه وهم في أعلى منه وهذا قريب مما قبله # قوله فهم بين غيرة عليهم تسترهم أي يغار الحق سبحانه عليهم فيسترهم عن ~~الخلق ويغارون على أحوالهم ومقاماتهم فيسترون أحوالهم عن رؤية الخلق لها ~~كما قيل # ألف الخمول صيانة وتسترا % فكأنما تعريفه أن ينكرا # وكأنه كلف الفؤاد بنفسه % فحمته غيرته عليها أن ترى PageV03P179 # قوله وأدب فيهم يصونهم بهذا يتم أمرهم # وهو أن يقوم بهم أدب يصونهم عن ظن السوء بهم ويصونهم عن دناءة الأخلاق ~~والأعمالب فأدبهم صوان على أحوالهم فهمته العلية ترتفع به وأدبه يرسو به ~~إلى التراب كما قيل # أبلج سهل الأخلاق ممتنع % يبرزه الدهر وهو يحتجب # إذا ترقت به عزائمه % إلى الثريا رسا به الأدب # فأدب المريد والسالك صوان له وتاج على رأسه # قوله وظرف يهذبهم التهذيب هو التأديب والتصفية والظرف في هذه الطائفة ~~أحلى من كل حلو وأزين من كل زين فما قرن شيء إلى شيء أحسن من ظرف إلى صدق ~~وإخلاص وسر مع الله وجمعية عليه فإن أكثر من عني بهذا الشأن تضيق نفسه ~~وأخلاقه عن سوى ما هو بصدده فتثقل وطأته على أهله وجليسه ويضن عليه ببشره ~~والتبسط إليه ولين الجانب له ولعمر الله إنه لمعذور وإن لم يكن في ذلك ~~بمشكور فإن الخلق كلهم أغيار إلا من أعانك على شأنك وساعدك على مطلوبك # فإذا تمكن العبد في حاله وصار له إقبال على الله وجمعية عليه ملكة ومقاما ~~راسخا أنس بالخلق وأنسوا به وانبسط إليهم وحملهم على ضلعهم وبطء سيرهم ~~فعكفت القلوب على محبته للطفه وظرفه فإن الناس ينفرون من الكثيف ولو بلغ في ~~الدين ما بلغ ولله ما يجلب اللطف والظرف من القلوب ويدفع عن صاحبه من الشر ms0944 ~~ويسهل له ما توعر على غيره فليس الثقلاء بخواص الأولياء وما ثقل أحد على ~~قلوب الصادقين المخلصين إلا من آفة هناك وإلا فهذه الطريق تكسو العبد حلاوة ~~ولطافة وظرفا فترى الصادق فيها من أحلى الناس وألطفهم وأظرفهم قد زالت عنه ~~ثقالة النفس وكدورة الطبع وصار روحانيا سمائيا بعد أن كان حيوانيا أرضيا ~~فتراه أكرم الناس عشرة PageV03P180 وألينهم عريكة وألطفهم قلبا وروحا وهذه ~~خاصة المحبة فإنها تلطف وتظرف وتنظف # ومن ظرف أهل هذه الطبقة أن لا يظهر أحدهم على جليسه بحال ولا مقام ولا ~~يواجهه إذا لقيه بالحال بل بلين الجانب وخفض الجناح وطلاقة الوجه فيفرش له ~~بساط الأنس ويجلسه عليه فهو أحب إليه من الفرش الوثيرة وسئل محمد بن علي ~~القصاب أستاذ الجنيد عن التصوف فقال أخلاق كريمة ظهرت في زمان كريم مع قوم ~~كرام # وبالجملة فهذه الطريق لا تنافي اللطف والظرف والصلف بل هي أصلف شيء لكن ~~ههنا دقيقة قاطعة وهي الاسترسال مع هذه الأمور فإنها أقطع شيء للمريد ~~والسالك فمن استرسل معها قطعته ومن عاداها بالكلية وعرت عليه طريق سلوكه ~~ومن استعان بها أراحته في طريقه أو أراحت غيره به وبالله التوفيق # | فصل وأهل هذه الطبقة أثقل شيء عليهم البحث عما جريات الناس وطلب # تعرف أحوالهم وأثقل ما على قلوبهم سماعها فهم مشغولون عنها بشأنهم فإذا ~~اشتغلوا بمالا يعنيهم منها فاتهم ما هو أعظم عناية لهم وإذا عد غيرهم ~~الاشتغال بذلك وسماعه من باب الظرف والأدب وستر الأحوال كان هذامن خدع ~~النفوس وتلبيسها فإنه يحط الهمم العالية من أوجها إلى حضيضها وربما يعز ~~عليه أن يحصل همة أخرى يسعد بها إلى موضعه الذي كان فيه فأهل الهمم والفطن ~~الثاقبة لا يفتحون من آذانهم وقلوبهم طريقا إلى ذلك إلا ما تقاضاه الأمر ~~وكانت مصلحته أرجح وما عداه فبطالة وحط مرتبة PageV03P181 # | فصل قال الطبقة الثالثة طائفة أسرهم الحق عنهم فألاح لهم لائحا # أذهلهم عن إدراك ما هم فيه وهيمهم عن شهود ما هم له وضن بحالهم عن علمهم ~~ما هم ms0945 به فاستسروا عنهم مع شواهد تشهد لهم بصحة مقامهم عن قصد صادق يهيجه ~~غيب وحب صادق يخفى عليه علمه ووجد غريب لا ينكشف له موقده وهذا من أدق ~~مقامات أهل الولاية # أهل هذه الطبقة أحق باسم السر من الذين قبلهم فإنه إذا كانت أحوال القلب ~~ومواهب الرب التي وضعها فيه سرا عن صاحبه بحيث لا يشعر هو بها شغلا عنها ~~بالعزيز الوهاب سبحانه فلا يتسع قلبه لاشتغاله به وبغيره بل يشتغل بمجريها ~~ومنشئها وواهبها عنها فهذا أقوى وجوه السر بل ذلك أخفى من السر ومن أعظم ~~الستر والإخفاء أن يستر الله سبحانه وتعالى حال عبده ويخفيه عنه رحمة به ~~ولطفا لئلا يساكنه وينقطع به عن ربه فإن ذلك خلعة من خلع الحق تعالى فإذا ~~سترها صاحبها وملبسها عن عبده فقد أراد به أن لا يقف مع شيء دونه وقد يكون ~~ذلك الستر مما يشتغل به العبد عن مشاهدة جلال الرب تعالى وكماله وجماله ~~أعني مشاهدة القلب لمعاني تلك الصفات واستغراقه فيها وعلامة هذا الشهود ~~الصحيح أن يكون باطنه معمورا بالإحسان وظاهره مغمورا بالإسلام فيكون ظاهره ~~عنوانا لباطنه مصدقا لما اتصف به وباطنه مصححا لظاهره هذا هو الأكمل عند ~~أصحاب الفناء # وأكمل منه أن يشهد ما وهبه الله له ويلاحظه ويراه من محض المنة وعين ~~الجود فلا يفنى بالمعطى عن رؤية عطيته ولا يشتغل بالعطية عن معطيها وقد أمر ~~الله سبحانه بالفرح بفضله ورحمته وذلك لا يكون إلا برؤية الفضل والرحمة ~~وملاحظتهما وأمر بذكر نعمه وآلائه فقال تعالى يا أيها الناس PageV03P182 ~~اذكروا نعمة الله عليكم وقال تعالى فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون وقال ~~تعالى واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به # فلم يأمر الله سبحانه بالفناء عن شهود نعمته فضلا عن أن يكون مقام الفناء ~~أرفع من مقام شهودها من فضله ومنته # وقد أشبعنا القول في هذا فيما تقدم ولا تأخذنا فيه لومة لائم ولا تأخذ ~~أرباب الفناء في ترجيح الفناء عليه لومة لائم # فقوله أسرهم ms0946 الحق عنهم أي شغلهم به عن ذكر أنفسهم فأنساهم بذكره ذكر ~~نفوسهم وهذا ضد حال الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم فإن أولئك لما نسوه ~~أنساهم مصالح أنفسهم التي لا صلاح لهم إلا بها فلا يطلبونها وأنساهم عيوبهم ~~فلا يصلحونها وهؤلاء أنساهم حظوظهم بحقوقه وذكر ما سواه بذكره والمقصود أنه ~~سبحانه أخذهم إليه وشغلهم به عنهم # قوله وألاح لهم لائحا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه # ألاح أي أظهر والمعنى أظهر لهم من معرفة جماله وجلاله لائحا ما لم تتسع ~~قلوبهم بعده لإدراك شيء من أحوالهم ومقاماتهم وهذا رقيقة من حال أهل الجنة ~~إذا تجلى لهم سبحانه وأراهم نفسه فإنهم لا يشعرون في تلك الحال بشيء من ~~النعيم ولا يلتفتون إلى سواه البتة كما صرح به في الحديث الصحيح في قوله ~~فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه # والمعنى أن هذا اللائح الذي ألاحه سبحانه لهم أذهلهم عن الشعور بغيره # قوله هيمهم عن شهود ماهم له يحتمل أن يكون مراده أن هذا اللائح هيمهم عن ~~شهود ما خلقوا له فلم يبق فيهم اتساع للجمع بين الأمرين وهذا وإن كان لقوة ~~الوارد فهو دليل على ضعف المحل حيث لم يتسع القلب معه لذكر ما خلق له ~~والكمال أن يجتمع له الأمران PageV03P183 # ويحتمل أن يريد به أن هذا اللائح غيبهم عن شهود أحوالهم التي هم لها في ~~تلك الحال فغابوا بمشهودهم عن شهودهم وبمعروفهم عن معرفتهم وبمعبودهم عن ~~عبادتهم فإن الهائم لا يشعر بما هو فيه ولا بحال نفسه وفي الصحاح الهيام ~~كالجنون من العشق # قوله وضن بحالهم عن علمهم أي بخل به والمعنى لم يمكن علمهم أن يدرك حالهم ~~وما هم عليه # قوله فاستسروا عنهم أي اختفوا حتى عن أنفسهم فلم تعلم نفوسهم كيف هم ولا ~~تبادر بإنكار هذا تكن ممن لا يصل إلى العنقود فيقول هو حامض # قوله مع شواهد تشهد لهم بصحة مقامهم # يريد أنهم لم يعطلوا أحكام العبودية في هذه الحال فيكون ذلك شاهدا عليهم ~~بفساد ms0947 أحوالهم بل لهم مع ذلك شواهد صحيحة تشهد لهم بصحة مقاماتهم وتلك ~~الشواهد هي القيام بالأمر وآداب الشريعة ظاهرا وباطنا # قوله عن قصد سابق يهيجه غيب # يجوز أن يتعلق هذا الحرف وما بعده بمحذوف دل عليه الكلام أي حصل لهم ذلك ~~عن قصد صادق أي لازم ثابت لا يلحقه تلون يهيجه غيب أي أمر غائب عن إدراكهم ~~هيج لهم ذلك القصد الصادق # قوله وحب صادق يخفى عليه مبدأ علمه أي هم لا يعرفون مبدأ ما بهم ولا يصل ~~علمهم إليه لأنهم لما لاح لهم ذلك اللائح استغرق قلوبهم وشغل عقولهم عن ~~غيره فهم مأخوذون عن أنفسهم مقهورون بواردهم PageV03P184 # قوله ووجد غريب لا ينكشف لصاحبه موقده # أي لا ينكشف لصاحب هذا الوجد السبب الذي أهاجه له وأوقده في قلبه فهو لا ~~يعرف السبب الذي أوجد نار وجده # قوله وهذا من أدق مقامات أهل الولاية جعله دقيقا لكون الحس مقهورا مغلوبا ~~عند صاحبه والعلم والمعرفة لا يحكمان عليه فضلا عن الحس والعادة # وحاصل هذا المقام الاستغراق في الفناء وهو الغاية عند الشيخ # والصحيح أن أهل الطبقة الثانية أعلى من هؤلاء وأرفع مقاما وهم الكمل وهم ~~أقوى منهم كما كان مقام رسول الله ليلة الإسراء أرفع من مقام موسى عليه ~~السلام يوم التجلي ولم يحصل لرسول الله من الفناء ما حصل لموسى وكان حب ~~امرأة العزيز ليوسف عليه السلام أعظم من حب النسوة ولم يحصل لها من تقطيع ~~الأيدي ونحوه ما حصل لهن وكان حب أبي بكر رضي الله عنه لرسول الله أعظم من ~~حب عمر رضي الله عنه وغيره ولم يحصل له عند موته من الاضطراب والغشى ~~والإقعاد ما حصل لغيره # فأهل البقاء والتمكن أقوى حالا وأرفع مقاما من أهل الفناء وبالله التوفيق # | فصل ومنها النفس قال صاحب المنازل # باب النفس # قال الله تعالى فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك # وجه إشارته بالآية أن النفس يكون بعد مفارقة الحال وانفصاله عن ~~PageV03P185 صاحبه فشبه الحال بالشيء الذي يأخذ صاحبه فيغته ويغطه حتى إذا ms0948 ~~أقلع عنه تنفس نفسا يستريح به ويستروح # قال ويسمى النفس نفسا لتروح المتنفس به # التنفيس هو الترويح يقال نفس الله عنك الكرب أي اراحك منه وفي الحديث ~~الصحيح من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم ~~القيامة # وهذه الأحرف الثلاثة وهي النون والفاء وما يثلثهما تدل حيث وجدت على ~~الخروج والانفصال فمنه النفل لأنه زائد على الأصل خارج عنه ومنه النفر ~~والنفي والنفس ونفقت الدابة ونفست المرأة ونفست إذا حاضت أو ولدت فالنفس ~~خروج وانفصال يستريح به المتنفس # قال وهو على ثلاث درجات وهي تشابه درجات الوقت # وجه الشبه بينهما أن الأوقات تعد بالأنفاس كدرجاتها # وأيضا فالوقت كما قال هو حين وجد صادق فقيد الحين بالوجد والوجد بالصدق ~~وقال في هذا الباب هو نفس في حين استتار فقيد النفس بالحين وبالوجد وقيد به ~~الوقت فهو معتبر بهما # وأيضا فالوقت والنفس لهما أسباب تعرض للقلب بسبب حجبه عن مطلوبه أو ~~مفارقة حال كان فيها فاستترت عنه فبينهما تشابه من هذه الوجوه وغيرها # قال والأنفاس ثلاثة نفس في حين استتار مملوء من الكظم متعلق بالعمل إن ~~تنفس تنفس بالأسف وإن نطق نطق بالحزن وعندي هو متولد من وحشة الاستتار وهي ~~الظلمة التي قالوا إنها مقام # فقوله نفس في حين استتار أي يكون له حال صادق وكشف صحيح فيستتر عنه بحكم ~~الطبيعة والبشرية ولا بد فيضيق بذلك صدره ويمتلىء كظما PageV03P186 بحجب ما ~~كان فيه واستتاره لأسباب فاعلية وغائية سترد عليك إن شاء الله فإذا تنفس في ~~هذه الحال فتنفسه تنفس الحزين المكروب # قوله مملوء من الكظم الكظم هو الإمساك ومنه كظم غيظه إذا تجرعه وحبسه ولم ~~يخرجه # قوله متعلق بالعمل يريد أن ذلك النفس متعلق بأحكام الظاهر لا بأحكام ~~الحال وذلك هو البلاء الذي تقدم ذكر الشيخ له وهو بلاء العبد بين الاستجابة ~~لداعي العلم وداعي الحال # وإنما كان ذلك نفس مكظوم لخلوه في هذه الحال من أحكام المحبة التي تهون ~~الشدائد وتسهل الصعب وتحمل الكل ms0949 وتعين على نوائب الحق وتعلقه بالعلم الذي ~~هو داعي التفرق فإن كرب المحبة ممزوج بالحلاوة فإذا خلا من أحكامها إلى ~~أحكام العلم فقد تلك الحلاوة واشتاق إلى ذلك الكرب كما قيل # ويشكو المحبون الصبابة ليتني % تحملت ما يلقون من بينهم وحدي # فكان لقلبي لذة الحب كلها % فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي # قوله إن تنفس تنفس بالأسف # الأسف الحزن كقوله تعالى عن يعقوب يا أسفى على يوسف والأسف الغضب كقوله ~~تعالى فلما آسفونا انتقمنا منهم وهو في هذا الموضع الحزن على ما توارى عنه ~~من مطلوبه أو من صدق حاله # قوله وإن نطق نطق بالحزن يعني أن هذا المتنفس إن نطق بما يدل على الحزن ~~على ما توارى عنه فمصدر تنفسه ونطقه حزنه على ما حجب عنه # قوله وعندي أنه يتولد من وحشة الاستتار والحجب # وكأن الاستتار بسبب السبب فيتولد السبب # يريد أن هذا الأسف وإن أضيف إلى الاستتار والحجاب فتولده PageV03P187 ~~إنما هو من الوحشة التي سببها الاستتار من تلك الوحشة المتولدة من الاستتار ~~وهذا صحيح فإنه لما كان مطلوبه مشاهدا له وحال محبته وأحكامها قائما به كان ~~نصيبه من الأنس على قدر ذلك فإنه لما توارى عنه مطلوبه وأحكام محبته استوحش ~~لذلك فتولد الحزن من تلك الوحشة # وبعد فالحزن يتولد من مفارقة المحبوب ليس له سبب سواه وإن تولد من حصول ~~مكروه فذلك المكروه إنما كان كذلك لما فات به من المحبوب وفلا كان حزن إذا ~~ولا هم ولا غم ولا أذى ولا كرب إلا في مفارقة المحبوب ولهذا كان حزن الفقر ~~والمرض والألم والجهل والخمول والضيق وسوء الحال ونحو ذلك على فراق المحبوب ~~من المال والوجد والعافية والعلم والسعة وحسن الحال ولهذا جعل الله سبحانه ~~وتعالى مفارقة المشتهيات من أعظم العقوبات فقال تعالى وحيل بينهم وبين ما ~~يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب فالفرح والسرور ~~بالظفر بالمحبوب والهم والغم والحزن والأسف بفوات المحبوب فأطيب العيش عيش ~~المحب الواصل إلى محبوبه وأمر العيش عيش ms0950 من حيل بينه وبين محبوبه # والاستتار المذكور لا يكون إلا بعد كشف وعيان والرب تعالى يستر عنهم ما ~~يستره رحمة بهم ولطفا بضعيفهم إذ لو دام له حال الكشف لمحقه بل رحمة ربه من ~~به أن رده إلى أحكام البشرية ومقتضى الطبيعة # وأيضا ليتزايد طلبه ويقوى شوقه فإنه لو دامت له تلك الحال لألفها ~~واعتادها ولم يقع منه موقع الماء من ذي الغلة الصادي ولا موقع الأمن من ~~الخائف ولا موقع الوصال من المهجور فالرب سبحانه واراها عنه ليكمل فرحه ~~ولذته وسروره بها # وأيضا فليعرفه سبحانه قدر نعمته بما أعطاه وخلع عليه فإنه لما ذاق قرارة ~~الفقد عرف حلاوة الوجود فإن الأشياء تتبين بأضدادها PageV03P188 # وأيضا فليعرفه فقره وحاجته وضرورته إلى ربه وأنه غير مستغن عن فضله وبره ~~طرفة عين وأنه إن انقطع عنه إمداده فسد بالكلية # وأيضا فليعرفه أن ذلك الفضل والعطاء ليس لسبب من العبد وأنه عاجز عن ~~تحصيلها بكسب واختيار وأنها مجرد موهبة وصدقة تصدق الله بها عليه لا يبلغها ~~عمله ولا ينالها سعيه # وأيضا فليعرفه عزه في منعه وبره في عطائه وكرمه وجوده في عوده عليه بما ~~حجب عنه فينفتح على قلبه من معرفة الأسماء والصفات بسبب هذا الاستتار ~~والكشف بعده أمور غريبة عجيبة يعرفها الذائق لها وينكرها من ليس من أهلها # وأيضا فإن الطبيعة والنفس لم يموتا ولم يعدما بالكلية ولولا ذلك لما قام ~~سوق الامتحان والتكليف في هذا العالم بل قهرا بسلطان العلم والمعرفة ~~والإيمان والمحبة والمقهور المغلوب لا بد أن يتحرك أحيانا وإن قلت ولكن ~~حركة أسير مقهور بعد أن كانت حركته حركة أمير مسلط # فمن تمام إحسان الرب إلى عبده وتعريفه قدر نعمته أن أراه في الأعيان ما ~~كان حاكما عليه قاهرا له وقد تقاضى ما كان يتقاضاه منه أولا فحينئذ يستغيث ~~العبد بربه ووليه ومالك أمره كله يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف ~~القلوب صرف قلبي على طاعتك # وأيضا فإنه يزيل من قلبه آفة الركون إلى نفسه أو عمله ms0951 أو حاله كما قيل إن ~~ركنت إلى العلم أنسيناكه وإن ركنت إلى الحال سلبناك إياه وإن ركنت إلى ~~المعرفة حجبناها عنك وإن ركنت إلى قلبك أفسدناه عليك فلا يركن العبد إلى ~~شيء سوى الله البتة ومتى وجد من قلبه ركونا إلى غيره فليعلم أنه قد أحيل ~~على مفلس بل معدم وأنه قد فتح له الباب مكرا فليحذر ولوجه والله المستعان ~~PageV03P189 # قوله وهي الظلمة التي قالوا إنها مقام # يعني أن وحشة الاستتار ظلمة وقد قال قوم إنها مقام # ووجهه أن الرب سبحانه يقيم عبده بحكمته فيها لما ذكرناه من الحكم ~~والفوائد وغيرها مما لم نذكره # فبهذا الاعتبار تكون مقاما ولكن صاحب هذا المقام أنفاسه أنفاس حزن وأسف ~~وهلاك وتلف لما حجب عنه من المقام الذي كان فيه # والشيخ كأنه لا يرى ذلك مقاما فإن المقامات هي منازل في طريق المطلوب فكل ~~أمر أقيم فيه السالك من حاله الذي يقدمه إلى مطلوبه فهو مقام وأما وحشة ~~الاستتار فهي تأخر في الحقيقة لا تقدم فكيف تسمى مقاما بل هي ضد المقام # ومما يدل على أن وحشة الاستتار ليست مقاما أن كل مقام فهو تعلق بالحق ~~سبحانه على وجه الثبوت وحقيقته بأن يكون العبد بالمقيم لا بالمقام # وأما حال الاستتار فهو حال انقطاع عن ذلك التعلق المذكور # والتحقيق في ذلك أن له وجهين هو من أحدهما ظلمة ووحشة ومن الثاني مقام ~~فهو باعتبار الحال وباعتبار نفسه ليس مقاما وباعتبار المآل وما يترتب عليه ~~وما فيه من تلك الحكم والفوائد المذكورة فهو مقام وبالله التوفيق # | فصل قال والنفس الثاني نفس في حين التجلي وهو نفس شاخص عن مقام # السرور إلى روح المعاينة مملوء من نور الوجود شاخص إلى منقطع الإشارة # هذا النفس أعلى من الأول فإن الأول في حين استتار وظلمة وهذا نفس في حال ~~تجل ونوره وحين التجلي هو زمان حصول الكشف والتجلي مشتق من الجلوة قيل ~~وحقيقته إشراق نور الحق على قلوب المريدين PageV03P190 # فإن أرادوا إشراق نور الذات فغلط شنيع منهم ولهذا قال ms0952 من احترز منهم عن ~~لك إشراق نور الصفات # فإن أرادواأيضا إشراق نفس الصفة فغلط كذلك فإن التجلي الذاتي والصفاتي لا ~~يقع في هذا العالم ولا تثبت له القوى البشرية # والحق أنه إشراق نور المعرفة والإيمان واستغراق القلب في شهود الذات ~~المقدسة وصفاتها استغراقا علميا نعم هو أرفع من العلم المجرد لأسباب # منها قوته فإن المعارف والعلوم تتفاوت # ومنها صفاء المحل ونقاؤه من الكدر المانع من ظهور العلم والمعرفة فيه # ومنها التجرد عن الموانع والشواغل # ومنها كمال الالتفات والتحديق نحو المعروف المشهود # ومنها كمال الأنس به والقرب منه إلى غير ذلك من الأسباب التي توجب للقلب ~~شهودا وكشفا وراء مجرد العلم # قوله وهو نفس شاخص عن مقام السرور أي صادر عن مقام السرور والشخوص الخروج ~~يقال شخص فلان إلى بلد كذا إذا خرج إليه # والمقصود أن هذا النفس صدرعن سرور وفرح بخلاف الأول فإنه صدر عن ظلمة ~~ووحشة أثارت حزنا فهذا النفس صدر عن سماع الإجابة الذي يمحو آثار الوحشة # قوله إلى روح المعاينة هو بفتح الراء وهو النعيم والراحة التي تحصل ~~بالمعاينة ضد الألم والوحشة الحاصلين في حين الاستتار فهذا النفس مصدره ~~السرور ونهايته روح المعاينة صادرا عن مسرة طالبا المعاينة # وأصح ما يحمل عليه كلام الشيخ وأمثاله من أهل الاستقامة في المعانية أنها ~~تزايد العلم حتى يصير يقينا ولا يصل أحد إلى عين اليقين في هذه الدار ~~PageV03P191 وإن خالف في ذلك من خالف فالغلط من لوازم الطبيعة والعلم يميز ~~بين الغلط والصواب # وقد أشعر كلام الشيخ ههنا بأن التجلي دون المعاينة فإن التجلي قد يكون من ~~وراء ستر رقيق وحاجز لطيف والكشف والعيان هو الظهور من غير ستر فإذا كان ~~مسرورا بحال التجلي كانت أنفاسه متعلقة بمقام المعاينة الذي هو فوق مقام ~~التجلي ولهذا جعله شاخصا إليها # قوله مملوء من نور الوجود يريد أن هذا النفس مملوء من نور الوجود والوجود ~~عنده هو حضرة الجمع فكأنه يقول هذا النفس منصبغ مكتس بنور الوجود فإن صاحبه ~~لما تنفس به كان ms0953 في مقام الجمع والوجود # قوله شاخص إلى منقطع الإشارة لما كان قلبه مملوءا من نور الوجود وكان ~~شاخصا إلى المعاينة مستفرغا بكليته في طلبها كان شاخصا إلى حضرة الجمع التي ~~هي منقطع الإشارة عندهم فضلا عن العبارة فلا إشارة هناك ولا عبارة ولا رسم ~~بل تفنى الإشارات وتعجز العبارات وتضمحل الرسوم # | فصل قوله والنفس الثالث نفس مطهر بماءالقدس قائم بإشارات الأزل وهو # النفس الذي يسمى بصدق النور # القدس الطهارة والتقديس التطهير والتنزيه ومراده بالقدس ههنا الشهود الذي ~~يفنى الحادث الذي لم يكن ويبقى القديم الذي لم يزل فكأن صفات الحدوث عندهم ~~مما يتطهر منها بالتجلي المذكور فالتجلي يطهر PageV03P192 العبد منها فإنه ~~ما دام في الحجاب فهو باق مع إنيته وصفاته فإذا أشرق عليه نور التجلي طهره ~~من صفاته وشهودها وتوسيطها بينه وبين مشهوده الحق # وحاصل كلامه أن هذا النفس صادر عن مشاهدة الأزل الماحي للحوادث المفنى ~~لها فهذا النفس مطهر بالطهر المقدس عن كل غين وعن ملاحظة كل مقام بل هو ~~مستغرق بنور الحق وآثار الحق تنطق عليه كما قال النبي إن الله جعل الحق على ~~لسان عمر وقلبه / ح / وقال ابن مسعود ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان ~~عمر وهذا نطق غير النطق النفساني الطبيعي ولهذا سمى هذا النفس بصدق النور ~~لصدق شدة تعلقه بالنور وملازمته له # قوله قائم بإشارات الأزل أي هذا النفس منزه مطهر عن إشارات الحدوث فقد ~~ترحل عنها وفارقها إلى إشارات الأزل ويعني بإشارات الأزل أنه قد فنى في ~~عيانه الذي شخص إليه من لم يكن وبقي من لم يزل فصارت أنفاسه من جملة إشارات ~~الأزل # ولم يرد الشيخ أن أنفاسه تنقلب أزلية فمن هو دون الشيخ لا يتوهم هذا بل ~~أنفاس الخلق متعلقة بمن لم يكن وهذا نفسه متعلق بمن لم يزل # وبعد فللملحد ههنا مجال لكنه في الحقيقة وهم باطل وخيال # وفي قوله يسمى بصدق النور لطيفة وهي أن السالك يلوح له في سلوكه النور ~~مرارا ثم يختف عنه كالبرق يلمع ms0954 ثم يختفي فإذا قوي ذلك النور ودام ظهوره صار ~~نورا صادقا # قوله فالنفس الأول للعيون سراج والثاني للقاصد معراج والثالث للمحقق تاج ~~PageV03P193 # أي النفس الأول سراج في ظلمة السلوك لتعلقه بالعلم كما تقدم والعلم سراج ~~يهتدى به في طرقات القصد ويوضح مسالكها ويبين مراتبها فهو سراج للعيون # والنفس الثاني للقاصد معراج فإنه أعلى من الأول لأنه من نور المعرفة ~~الرافعة للحجاب # والنفس الثالث للمحقق تاج لأنه نفس مطهر من أدناس الأكوان ومتصل بالكائن ~~قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن بعد كل شيء فهذا تاج لقلبه بمنزلة ~~التاج على رأس الملك # والنفس الأول يؤمن السالك من عثرته والثاني يوصله إلى طلبته والثالث يدله ~~على علو مرتبته والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل قال شيخ الإسلام # باب الغربة # قال الله تعالى فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد ~~في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم # استشهاده بهذه الآية في هذا الباب يدل على رسوخه في العلم والمعرفة وفهم ~~القرآن فإن الغرباء في العالم هم أهل هذه الصفة المذكورة في الآية وهم ~~الذين أشار إليهم النبي في قوله بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ~~فطوبى للغرباء قيل ومن الغرباء يا رسول الله قال الذي يصلحون إذا فسد الناس ~~/ ح / وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن زهير عن عمرو بن أبي ~~عمرو مولى المطلب بن حنطب عن المطلب بن حنطب عن النبي قال طوبى للغرباء ~~قالوا يا رسول الله ومن الغرباء قال الذين يزيدون إذا نقص الناس # فإن كان هذا الحديث بهذا اللفظ محفوظا لم ينقلب على الراوي لفظه وهو ~~PageV03P194 الذين ينقصون إذا زاد الناس فمعناه الذين يزيدون خيرا وإيمانا ~~وتقى إذا نقص الناس من ذلك والله اعلم # وفي حديث الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبدالله بن مسعود قال قال ~~رسول الله إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل ~~ومن الغرباء يا رسول الله قال النزاع من القبائل / ح / وفي ms0955 حديث عبدالله بن ~~عمرو قال قال النبي ذات يوم ونحن عنده طوبى للغرباء قيل ومن الغرباء يا ~~رسول الله قال ناس صالحون قليل في ناس كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم / ح ~~/ # وقال أحمد حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا محمد بن مسلم حدثنا عثمان بن ~~عبدالله عن سليمان بن هرمز عن عبدالله بن عمرو عن النبي قال إن أحب شيء إلى ~~الله الغرباء قيل ومن الغرباء قال الفرارون بدينهم يجتمعون إلى عيسى ابن ~~مريم عليه السلام يوم القيامة / ح / # وفي حديث آخر بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى لغرباء قيل ~~ومن الغرباء يا رسول الله قال الذي يحيون سنتي ويعلمونها الناس / ح / # وقال نافع عن مالك دخل عمر بن الخطاب المسجد فوجد معاذ بن جبل جالسا إلى ~~بيت النبي وهو يبكي فقال له عمر ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن هلك أخوك قال ~~لا ولكن حديثا حدثنيه حبيبي وأنا في هذا المسجد فقال ما هو قال إن الله يحب ~~الأخفياء الأحفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا ~~حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل فتنة عمياء مظلمة / ح / # فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون ولقلتهم في الناس جدا سموا غرباء ~~فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات فأهل الإسلام في الناس PageV03P195 ~~غرباء والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء وأهل العلم في المؤمنين غرباء وأهل ~~السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فهم غرباء والداعون إليها الصابرون ~~على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة ولكن هؤلاء هم أهل الله حقا فلا غربة ~~عليهم وإنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله عز وجل فيهم وإن تطع أكثر ~~من في الأرض يضلوك عن سبيل الله فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه ~~وغربتهم هي الغربة الموحشة وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم كما قيل # فليس غريبا من تناءت دياره % ولكن من تنأين عنه غريب # ولما خرج موسى عليه السلام هاربا من قوم فرعون انتهى إلى مدين على الحال ~~التي ذكر ms0956 الله وهو وحيد غريب خائف جائع فقال يا رب وحيد مريض غريب فقيل له ~~يا موسى الوحيد من ليس له مثلي أنيس والمريض من ليس له مثلي طبيب والغريب ~~من ليس بيني وبينه معاملة # فالغربة ثلاثة أنواع غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق وهي ~~الغربة التي مدح رسول الله أهلها وأخبر عن الدين الذي جاء به أنه بدأ غريبا ~~وأنه سيعود غريبا كما بدأ وأن أهله يصيرون غرباء # وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان ووقت دون وقت وبين قوم دون قوم ~~ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقا فإنهم لم يأووا إلى غير الله ولم ~~ينتسبوا إلى غير رسوله ولم يدعوا إلى غير ما جاء به وهم الذين فارقوا الناس ~~أحوج ما كانوا إليهم فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في ~~مكانهم فيقال لهم ألا تنطلقون حيث انطلق الناس PageV03P196 فيقولون فارقنا ~~الناس ونحن أحوج إليهم منا اليوم وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده # فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها بل هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس وأشد ~~ما تكون وحشته إذا استأنسوا فوليه الله ورسوله والذين آمنوا وإن عاداه أكثر ~~الناس وجفوه # وفي حديث القاسم عن أبي أمامة عن النبي قال عن الله تعالى إن أغبط ~~أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من صلاته أحسن عبادة ربه وكان رزقه ~~كفافا وكان مع ذلك غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع وصبر على ذلك حتى ~~لقي الله ثم حلت منيته وقل تراثه وقلت بواكيه / ح / # ومن هؤلاء الغرباء من ذكرهم أنس في حديثه عن النبي رب أشعث أغبر ذي طمرين ~~لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره / ح / # وفي حديث أبي إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل عن النبي قال ألا أخبركم عن ~~ملوك أهل الجنة قالوا بلى يا رسول الله قال كل ضعيف أغبر ذي طمرين لا يؤبه ~~له لو أقسم على الله لأبره / ح / وقال الحسن المؤمن في ms0957 الدنيا كالغريب لا ~~يجزع من ذلها ولا ينافس في عزها للناس حال وله حال الناس منه في راحة وهو ~~من نفسه في تعب # ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي التمسك بالسنة إذا رغب عنها ~~الناس وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم وتجريد التوحيد وإن أنكر ~~ذلك أكثر الناس وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله لا شيخ ولا طريقة ~~ولا مذهب ولا طائفة بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده ~~وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقا ~~وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم PageV03P197 فلغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم ~~أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم # ومعنى قول النبي هم النزاع من القبائل أن الله سبحانه بعث رسوله وأهل ~~الأرض على أديان مختلفة فهم بين عباد أوثان ونيران وعباد صور وصلبان ويهود ~~وصابئة وفلاسفة وكان الإسلام في أول ظهوره غريبا وكان من أسلم منهم واستجاب ~~لله ولرسوله غريبا في حيه وقبيلته وأهله وعشيرته # فكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزاعا من القبائل بل آحادا منهم تغربوا عن ~~قبائلهم وعشائرهم ودخلوا في الإسلام فكانوا هم الغرباء حقا حتى ظهر الإسلام ~~وانتشرت دعوته ودخل الناس فيه أفواجا فزالت تلك الغربة عنهم ثم أخذ في ~~الاغتراب والترحل حتى عاد غريبا كما بدأ بل الإسلام الحق الذي كان عليه ~~رسول الله وأصحابه هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره وإن كانت أعلامه ~~ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة فالإسلام الحقيقي غريب جدا وأهله غرباء أشد ~~الغربة بين الناس # وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدا غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة ذات ~~أتباع ورئاسات ومناصب وولايات ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به ~~الرسول فإن نفس ما جاء به يضاد أهواءهم ولذاتهم وما هم عليه من الشبهات ~~والبدع التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم والشهوات التي هي غايات مقاصدهم ~~وإراداتهم # فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله على طريق المتابعة غريبا بين هؤلاء ~~الذين قد اتبعوا أهواءهم وأطاعوا ms0958 شحهم وأعجب كل منهم برأيه كما قال النبي ~~مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيتم شحا PageV03P198 مطاعا وهوى ~~متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمرا لا يد لك به فعليك ~~بخاصة نفسك وإياك وعوامهم فإن وراءكم أياما صبر الصابر فيهن كالقابض على ~~الجمر / ح / ولهذا جعل للمسلم الصادق في هذا الوقت إذا تمسك بدينه أجر ~~خمسين من الصحابة ففي سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة الخشني قال ~~سألت رسول الله عن هذه الآية يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ~~ضل إذا اهتديتم فقال بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت ~~شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ~~ودع عنك العوام فإن من وراءكم أيام الصبر الصبر فيهن مثل قبض على الجمر ~~للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله قلت يا رسول الله أجر خمسين ~~منهم قال أجر خمسين منكم / ح / وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين الناس ~~والتمسك بالسنة بين ظلمات أهوائهم وآرائهم # فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرة في دينه وفقها في سنة رسوله ~~وفهما في كتابه وأراه ما الناس فيه من الأهواء والبدع والضلالات وتنكبهم عن ~~الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله وأصحابه فإذا أراد أن يسلك هذا ~~الصراط فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه وطعنهم عليه وإزرائهم به ~~وتنفير الناس عنه وتحذيرهم منه كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه ~~وإمامه فأما إن دعاهم إلى ذلك وقدح فيما هم عليه فهنالك تقوم قيامتهم ~~ويبغون له الغوائل وينصبون له الحبائل ويجلبون عليه بخيل كبيرهم ورجله # فهو غريب في دينه لفساد أديانهم غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدع ~~غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم غريب في صلاته لسوء صلاتهم PageV03P199 غريب ~~في طريقه لضلال وفساد طرقهم غريب في نسبته لمخالفة نسبهم غريب في معاشرته ~~لهم لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم # وبالجملة فهو غريب ms0959 في أمور دنياه وآخرته لا يجد من العامة مساعدا ولا ~~معينا فهو عالم بين جهال صاحب سنة بين أهل بدع داع إلى الله ورسوله بين ~~دعاة إلى الأهواء والبدع آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم ~~منكر والمنكر معروف # | فصل النوع الثاني من الغربة غربة مذمومة وهي غربة أهل الباطل # وأهل الفجور بين أهل الحق فهي غربة بين حزب الله المفلحين وإن كثر أهلها ~~فهم غرباء على كثرة أصحابهم وأشياعهم أهل وحشة على كثرة مؤنسهم يعرفون في ~~أهل الأرض ويخفون على أهل السماء # | فصل النوع الثالث غربة مشتركة لا تحمد ولا تذم وهي الغربة عن # الوطن فإن الناس كلهم في هذه الدار غرباء فإنها ليست لهم بدار مقام ولا ~~هي الدار التي خلقوا لها وقد قال النبي لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما كن ~~في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل / ح / وهكذا هو نفس الأمر لأنه أمر أن ~~يطالع ذلك بقلبه ويعرفه حق المعرفة ولي من أبيات في هذا المعنى # وحي على جنات عدن فإنها % منازلك الأولى وفيها المخيم # ولكننا سبي العدو فهل ترى % نعود إلى أوطاننا ونسلم PageV03P200 # وأي اغتراب فوق غربتنا التي % لها أضحت الأعداء فينا تحكم # وقد زعموا أن الغريب إذا نأى % وشطت به أوطانه ليس ينعم # فمن أجل ذا لا ينعم العبد ساعة % من العمر إلا بعد ما يتألم # وكيف لا يكون العبد في هذه الدار غريبا وهو على جناح سفر لا يحل عن ~~راحلته إلا بين أهل القبور فهو مسافر في صورة قاعد وقد قيل # وما هذه الأيام إلا مراحل % يحث بها داع إلى الموت قاصد # وأعجب شيء لو تأملت أنها % منازل تطوى والمسافر قاعد # | فصل قال صاحب المنازل الاغتراب أمر يشار به إلى الانفراد عن # الأكفاء # يريد أن كل من انفرد بوصف شريف دون أبناء جنسه فإنه غريب بينهم لعدم ~~مشاركه أو لقلته # قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى الغربة عن الأوطان وهذا الغريب ~~موته شهادة ويقاس له في قبره ms0960 من مدفنه إلى وطنه ويجمع يوم القيامة إلى عيسى ~~بن مريم عليه السلام # لما كانت الغربة هي انفراد والانفراد إما بالجسم وإما بالقصد والحال وإما ~~بهما كان الغريب غريب جسم أو غريب قلب وإرادة وحال أو غريبا بالاعتبارين # قوله وهذا الغريب موته شهادة يشير به إلى الحديث الذي يروى عن هشام بن ~~حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال موت الغريب ~~شهادة ولكن هذا الحديث لا يثبت وقد روى من طرق لا يصح منها شيء قال الإمام ~~أحمد هذا حديث منكر # وأما قوله ويقاس له في قبره من مدفنه إلى وطنه فيشير به إلى ما رواه ~~PageV03P201 عبدالله بن وهب حدثني حيي بن عبدالله عن أبي عبدالرحمن البجلي ~~عن عبدالله بن عمرو قال توفي رجل بالمدينة ممن ولد بالمدينة فصلى عليه رسول ~~الله وقال ليته مات في غير مولده فقال رجل ولم يا رسول الله فقال إن الرجل ~~إذا مات قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة / ح / رواه ابن لهيعة عن ~~حيى بهذا الإسناد وقال وقف رسولالله صلى الله عليه وسلم على قبر رجل ~~بالمدينة فقال ياله لو مات غريبا فقيل وما للغريب يموت بغير أرضه فقال ما ~~من غريب يموت بغير أرضه إلا قيس له من تربته إلى مولده في الجنة # قوله ويجمع يوم القيامة إلى عيسى بن مريم يشير إلى الحديث الذي رواه ~~الإمام أحمد حدثنا القاسم بن جميل حدثنا محمد بن مسلم حدثنا عثمان بن ~~عبدالله بن إدريس عن سليمان بن هرمز عن عبدالله بن عمرو قال قال رسول الله ~~أحب شيء إلى الله الغرباء قيل وما الغرباء يا رسول الله قال الفرارون ~~بدينهم يجتمعون إلى عيسى بن مريم يوم القيامة / ح / # | فصل قال الدرجة الثانية غربة الحال وهذا من الغرباء الذين طوبى لهم # وهو رجل صالح في زمان فاسد وبين قوم فاسدين أو عالم بين قوم جاهلين أو ~~صديق بين قوم منافقين # يريد بالحال ههنا الوصف الذي قام ms0961 به من الدين والتمسك بالسنة ولا يريد به ~~الحال الاصطلاحي عند القوم والمراد به العالم بالحق العامل به الداعي إليه # وجعل الشيخ الغرباء في هذه الدرجة ثلاثة أنواع صاحب صلاح ودين بين قوم ~~فاسدين وصاحب علم ومعرفة بين قوم جهال وصاحب صدق وإخلاص بين أهل كذب ونفاق ~~فإن صفات هؤلاء وأحوالهم تنافي صفات من هم بين PageV03P202 أظهرهم فمثل ~~هؤلاء بين أولئك كمثل الطير الغريب بين الطيور والكلب الغريب بين الكلاب # والصديق هو الذي صدق في قوله وفعله وصدق الحق بقوله وعمله فقد انجذبت ~~قواه كلها للانقياد لله ولرسوله عكس المنافق الذي ظاهره خلاف باطنه وقوله ~~خلاف عمله # | فصل قال الدرجة الثالثة غربة الهمة وهي غربة طلب الحق وهي غربة # العارف لأن العارف في شاهده غريب ومصحوبه في شاهده غريب وموجوده لا يحمله ~~علم أو يظهره وجد أو يقوم به رسم أو تطيقه إشارة أو يشمله اسم غريب فغربة ~~العارف غربة الغربة لأنه غريب الدنيا والآخرة # إنما كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها لأن الغربة الأولى غربة بالأبدان ~~والثانية غربة بالأفعال والأحوال وهذه الثالثة غربة بالهمم فإن همة العارف ~~حائمة حول معروفه فهو غريب في أبناء الآخرة فضلا عن أبناء الدنيا كما أن ~~طالب الآخرة غريب في أبناء الدنيا # قوله لأن العارف في شاهده غريب شاهد العارف هو الذي يشهد عنده وله بصحة ~~ما وجد وأنه كما وجد وبثبوت ما عرف وأنه كما عرف # وهذا الشاهد أمر يجده من قلبه وهو قربه من الله وأنسه به وشدة شوقه إلى ~~لقائه وفرحه به فهذا شاهده في سره وقلبه # وله شاهد في حاله وعمله يصدق هذا الشاهد الذي في قلبه # وله شاهد في قلوب الصادقين يصدق هذين الشاهدين فإن قلوب الصادقين لا تشهد ~~بالزور البتة فإذا خفي عليك شأنك وحالك فاسأل عنك قلوب الصادقين فإنها ~~تخبره عن حالك # قوله ومصحوبه في شاهده غريب مصحوبه في شاهده هو الذي PageV03P203 يصحبه ~~فيه من العلم والعمل والحال وهو غريب بالنسبة إلى غيره ممن لم يذق طعم ms0962 هذا ~~الشأن بل هو في واد وأهله في واد # وقوله وموجوده لا يحمله علم إلى آخره # يريد بموجوده ما يجده في شهوده وجدانا ذاتيا حقيقيا في هذه المراتب ~~المذكورة لأن الشهود يشملها كلها حالة المشاهدة # فأما ما يحمله العلم فهو أحكام العلم التي متى انسلخ منها انسلخ من ~~الإيمان # وموجوده في هذه المشاهدة في هذا الحال هو إصابته وجه الصواب الذي أراده ~~الله ورسوله بشرعه وأمره وهذه الإصابة غريبة جدا عند أهل العلم بل هي ~~متروكة عند كثير منهم فليس الحلال إلا ما أحله من قلدوه والحرام ما حرمه ~~والدين ما أفتي به يقدم على النصوص وتترك له أقوال الرسول والصحابة وسائر ~~أهل العلم # قوله أو يظهره وجد الوجد يظهر أمورا ينكرها من لم يكن له ذلك الوجد ~~ويعرفها من كان له وهذا الوجد إن شهد له العلم بالقبول وزكاه فهو وجد صحيح ~~وإلا فهو وجد فاسد وفيه انحراف # والمقصود أن ما يظهره وجد هذا العارف بالله وأسمائه وصفاته وأحكامه غريب ~~على غيره بحسب همته ومعرفته وطلبه # قوله أو يقوم به رسم الرسم هو الصورة الخلقية وصفاتها وأفعالها عندهم ~~والذي يقوم به هذا الرسم هو الذي يقيمه من تعلق اسم القيوم به فإن القيوم ~~هو القائم بنفسه الذي قيام كل شيء به أي هو المقيم لغيره فلا قيام لغيره ~~بدون إقامته له وقيامه هو بنفسه لا بغيره # ويحتمل أن يريد به معنى آخر وهو ما يقوى رسمه على القيام به فإن وراء ذلك ~~مالا يقوى رسم العبد على إظهاره ولا القيام به وهذا أظهر المعنيين ~~PageV03P204 من كلامه وسياقه إنما يدل عليه ولهذا قال بعد ذلك أو تطيقه ~~إشارة أي لا تقدر على إفهامه وإظهاره إشارة فتنهض الإشارة بكشفه # ثم قال أو يشمله رسم يعني أو تناله عبارة # فذكر الشيخ خمس مراتب الأولى مرتبة حمل العلم له الثانية مرتبة إظهار ~~الوجد له الثالثة مرتبة قيام الرسم به الرابعة مرتبة إطاقة الإشارة له ~~الخامسة مرتبة شمول العبارة له # ومقصوده أن موجود العارف ms0963 أخفى وأدق من موجود غيره فهو غريب بالنسبة إلى ~~موجود سواه وأخبر أن موجوده في هذه المراتب غريب فكيف بموجوده الذي لا ~~يحمله علم ولا يظهره وجد ولا يقوم به رسم ولا تطيقه إشارة ولا تشمله عبارة ~~فهذا أشد غربة # قوله فغربة العارف غربة الغربة والغربة أن يكون الإنسان بين أبناء جنسه ~~غريبا مع أن له نسبا فيهم # وأما غربة المعرفة فلا يبقى معها نسبة بينه وبين أبناء جنسه إلا بوجه ~~بعيد لأنه في شأن والناس في شأن آخر فغربته غربة الغربة # وأيضا فالصالحون غرباء في الناس والزاهدون غرباء في الصالحين والعارفون ~~غرباء في الزاهدين # قوله لأنه غريب الدنيا وغريب الآخرة # يعني أن أبناء الدنيا لا يعرفونه لأنه ليس منهم وأهل الآخرة العباد ~~الزهاد لا يعرفونه لأن شأنه وراء شأنهم همتهم متعلقة بالعبادة وهمته متعلقة ~~بالمعبود مع قيامه بالعبادة فهو يرى الناس والناس لا يرونه كما قيل # تسترت من دهري بظل جناحه % فعيني ترى دهري وليس يراني # فلو تسأل الأيام ما اسمي لما درت % وأين مكاني ما عرفن مكاني PageV03P205 # | فصل قال شيخ الإسلام # باب الغرق # قال الله تعالى فلما أسلما وتله للجبين هذا اسم يشار به في هذا الباب إلى ~~من توسط المقام وجاوز حد التفرق # وجه استددلاله بإشارة الآية أن إبراهيم لما بلغ ما بلغ هو وولده في ~~المبادرة إلى الامتثال والعزم عل إيقاع الذبح المأمور به ألقاه الوالد على ~~جبينه في الحال وأخذ الشفرة وأهوى إلى حلقه أعرض في تلك الحال عن نفسه ~~وولده وفنى بأمر الله عنهما فتوسط بحر جمع السر والقلب والهم على الله ~~وجاوز حد التفرقة المانعة من امتثال هذا الأمر # قوله فلما أسلما أي استسلما وانقادا لأمر الله فلم يبق هناك منازعة لا من ~~الوالد ولا من الولد بل استسلام صرف وتسليم محض # قوله وتله للجبين أي صرعه على جبينه وهو جانب الجبهة الذي يلي الأرض عند ~~النوم وتلك هي هيئة ما يراد ذبحه # قوله توسط المقام لا يريد به مقاما معينا ولذلك أبهمه ms0964 ولم يقيده والمقام ~~عندهم منزل من منازل السالكين وهو يختلف باختلاف مراتبه وله بداية وتوسط ~~ونهاية فالغرق المشار إليه أن يصير في وسط المقام # فإن قيل الغرق أخص بنهاية المقام من توسطه لأنه استغراق فيه بحيث يستغرق ~~قلبه وهمه فكيف جعله الشيخ توسطا فيه # قلت لما كانت همة الطالب في هذه الحال مجموعة على المقصود وهو معرض عما ~~سواه قد فارق مقام التفرقة وجاوز حدها إلى مقام الجمع فابتدأ في المقام ~~وأول كل مقام يشبه آخر الذي قبله فلما توسط فيه استغرق قلبه وهمه وإرادته ~~كما يغرق من توسط اللجة فيها قبل وصوله إلى آخرها # قوله وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى استغراق العلم في عين الحال ~~PageV03P206 وهذا رجل قد ظفر بالاستقامة وتحقق في الإشارة فاستحق صحة ~~النسبة # هذه الدرجة التي بدأ بها هي أول درجاته لأن الرجل قد يكون عالما بالشيء ~~ولا يكون متصفا بالتخلق به واستعماله فالعلم شيء والحال شيء آخر فعلم العشق ~~والصحة والشكر والعافية غير حصولها والاتصاف بها فإذا غلب عليه حال تلك ~~المعلومات صار علمه بها كالمغفول عنه وليس بمغفول عنه بل صار الحكم للحال # فإن العبد يعرف الخوف من حيث العلم ولكن إذا اتصف بالخوف وباشر الخوف ~~قلبه غلب عليه حال الخوف والانزعاج واستغرق علمه في حاله فلم يذكر علمه ~~لغلبة حاله عليه # ومن هذه حاله فقد ظفر بالاستقامة لأن العلوم إذا أثمرت الأحوال كانت عنها ~~الاستقامة في الأعمال ووقوعها على وجه الصواب وتحقق صاحبها في الإشارة إلى ~~ما وجده من الأحوال ولم تكن إشارته عن تخمين وظن وحسبان واستحق اسم النسبة ~~في صحة العبودية إلى الرحمن عز وجل لقوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~وقوله وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا الآيات وقوله عينا يشرب بها ~~عباد الله وقوله يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون # والمقصود أن هذا قد انتقل من أحكام العمل وحده إلى أحكام العمل بالحال ~~المصاحب للعلم فهو عامل بالمواجيد الحالية المصحوبة بالعلوم النبوية فإن ms0965 ~~انفراد العلم عن الحال تعطيل وبطالة وانفراد الحال عن العلم كفر وإلحاد ~~والأكمل أن لا يغيب عن شهود العلم بالحال وإن استغرقه الحال عن شهود العلم ~~مع قيامه بأحكامه لم يضره # قوله وهذا رجل قد ظفر بالاستقامة أي هو على محجة الطريق القاصد إلى الله ~~الموصل إليه والظفر هو حصول الإنسان على مطلوبه PageV03P207 # قوله وتحقق في الإشارة أي إشارته إشارة تحقيق ليست كإشارة صاحب البرق ~~الذي يلوح ثم يذهب # قوله فاستحق صحة النسبة لأنه لما استقام وصح حاله بعمله وأثمر علمه حاله ~~صحت نسبة العبودية له فإنه لا نسبة بين العبد ولرب إلا نسبة العبودية # | فصل قال الدرجة الثانية استغراق الإشارة في الكشف وهذا رجل ينطق عن # موجوده ويسير مع مشهوده ولا يحس برعونة رسمه # إنما كانت هذه الدرجة أرفع مما قبلها لأن صاحب الدرجة الأولى غايته أن ~~يشير إلى ما تحققه وإن فارقه وصاحب هذه الدرجة قد فنى عن الإشارة لغلبة ~~توالي نور الكشف عليه فاستغراق الإشارة في الكشف هو ارتفاع حكمها فيه فإن ~~الإشارة عندهم نداء على رأس العبد وبوح بمعنى العلة وقد ارتفعت العلل عن ~~صاحب هذه الدرجة فاستغرقت إشارته في كشفه فلم يبق له إشارة في الكشف وإنما ~~ترتفع اإلإشارة لاستغراق الكشف لها إلا أن صاحب هذه الدرجة فيه بقية من ~~رعونة رسمه فلذلك قال ولا يحس برعونة رسمه ورعونة الرسم هي التفاته إلى ~~إنيته # وقوله وهذا رجل ينطق عن موجوده # أي لا يستعير ما يذكره من الذوق والوجد من غيره ويكون لسانه ناطقا به على ~~حال غيره وموجوده فهو ينطق عن أمر هو متصف به لا وصاف له # قوله ويسير مع مشهوده هو بالسين المهملة أي يسير إلى الله عز وجل عن شهود ~~وكشف لا مع حجاب وغفلة فهو سائر إلى الله بالله مع الله # قوله ولا يحس برعونة رسمه الرسم عندهم هو ذات العبد التي تفنى عند الشهود ~~وليس المراد بفنائها عدمها من الوجود العيني بل عدمها من الوجود الذهني ~~العلمي هذا مرادهم بقولهم ms0966 فنى من لم يكن وبقي من لم يزل PageV03P208 # وقد يريدون به معنى آخر وهو اضمحلال الوجود المحدث الحاصل بين عدمين ~~وتلاشيه في الوجود الذي لم يزل ولا يزال # وللملحد ههنا مجال يجول فيه ويقول إن الوجود المحدث لم تكن له حقيقة وإن ~~الوجود القديم الدائم وحده هو الثابت لا وجود لغيره لا في ذهن ولا في خارج ~~وإنما هو وجود فائض على الدوام على ماهيات معدومة فتكتسى بعين وجوده بحسب ~~استعداداتها والمقصود شرح كلام الشيخ # والمراد برعونة الرسم ههنا بقية تبقى من صاحب الشهود لا يدركها لضعفها ~~وقلتها واشتغاله بنور الكشف عن ظلمتها فهو لا يحس بها # | فصل قال الدرجة الثالثة استغراق الشواهد في الجمع وهذا رجل شملته # أنوار الأولية ففتح عينه في مطالعة الأزلية فتخلص من الهمم الدنية # إنما كان هذا الاستغراق عنده أكمل مما قبله لأن الأول استغراق كاشف في ~~كشف وهو متضمن لتفرقة وهذا استغراق عن شهود كشفه في الجمع فتمكن هذا في حال ~~جمع همته مع الحق حتى غاب عن إدراك شهوده وذكر رسومه لما توالى عليه من ~~الأنوار التي خصه الحق بها في الأزل وهي أنوار كشف اسمه الأول ففتح عين ~~بصيرته في مطالعة الاختصاصات الأزلية فتخلص بذلك من الهمم الدنية المنقسمة ~~بين تغيير مقسوم أو تفويت مضمون أو تعجيل مؤخر أو تأخير سابق ونحو ذلك # وقد يراد بالهمم الدنية تعلتها بما سوى الحق سبحانه وما كان له وعلى هذا ~~فاستغراق شواهده في جمع الحكم وشموله # وقد يراد به معنى آخر وهو استغراق شواهد الأسماء والصفات في الذات ~~الجامعة لها فإن الذات جامعة لأسمائها وصفاتها فإذا استغرق العبد في حضرة ~~الجمع غابت الشواهد في تلك الحضرة PageV03P209 # وأكمل من ذلك أن يشهد كثرة في وحدة ووحدة في كثرة بمعنى أن يشهد كثرة ~~الأسماء والصفات في الذات الواحدة ووحدة الذات مع كثرة أسمائها وصفاتها # وقوله ففتح عينه في مطالعة الأزلية نظر بالله لا بنفسه واستمد من فضله ~~وتوفيقه لا من معرفته وتحقيقه فشاهد سبق الله سبحانه وتعالى ms0967 لكل شيء ~~وأوليته قبل كل شيء فتخلص من همم المخلوقين المتعلقة بالأدنى وصارت له همة ~~عالية متعلقة بربه الأعلى تسرح ي رياض الأنس به ومعرفته ثم تأوي إلى ~~مقاماتها تحت عرشه ساجدة له خاضعة لعظمته متذللة لعزته لا تبغي عنه حولا ~~ولا تروم به بدلا # | فصل قال صاحب المنازل # باب الغيبة # قال الله تعالى فتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف # وجه الاستدلا له بإشارة الآية أن يعقوب لما امتلأ قلبه بحب يوسف عليه ~~الصلاة والسلام وذكره أعرض عن ذكر أخيه مع قرب عهده بمصيبة فراقه فلم يذكره ~~مع ذلك ولم يتأسف عليه غيبة عنه بمحبة يوسف واستيلائه على قلبه ولو استدل ~~بقوله تعالى فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن لكان دليلا أيضا فإن مشاهدته ~~في تلك الحال غيب عن النسوة السكاكين وما يقطعن بهن حتى قطعن أيديهن ولا ~~يشعرن وذلك من قوة الغيبة # قال الشيخ الغيبة التي يشار إليها في هذا الباب على ثلاث درجات الأولى ~~غيبة المريد في تخلص القصد عن أيدي العلائق ودرك العوائق لالتماس الحقائق ~~PageV03P210 # يريد غيبة المريد عن بلده ووطنه وعاداته في محل تخليص القصد وتصحيحه ~~ليقطع بذلك العلائق وهي ما يتعلق بقلبه وقالبه وحسه من المألوفات ويسبق ~~العوائق حتى لا تلحقه ولا تدركه # قوله لالتماس الحقائق متعلق بقوله غيبة المريد أي هذه الغيبة لالتماس ~~الحقائق فإن العوائق والعلائق تحول بينه وبين طلبها وحصولها لمضادتها لها # والحقائق جمع حقيقة ويراد بها الحق تعالى وما نسب إليه فهو الحق وقوله ~~الحق ووعده الحق ولقاؤه حق ورسوله حق وعبوديته وحده حق وعبودية ما سواه ~~الباطل فكل شيء ما خلا الله باطل # والمقصود أن المريد إن لم يتخلص قصده في مطلوبه عما يعوقه من الشواغل أو ~~ما يدركه من المعوقات لم يبلغ مقصوده ولم يصل إليه وإن وصل إليه فبعد جهد ~~شديد ومشقة بسبب تلك الشواغل ولم يصل القوم إلى مطلبهم إلا بقطع العلائق ~~ورفض الشواغل # | فصل قال الدرجة الثانية غيبة السالك عن رسوم العلم وعلل السعي ورخص # الفتور ms0968 # يريد أنه ينتقل عن أحكام العلم إلى الحال وهذا كلام فيه إجمال فالملحد ~~يفهم منه أنه يفارق أحكام العلم ويقف مع أحكام الحال وهذا زندقة وإلحاد # والموحد يفهم منه أنه ينتقل من أحكام العلم وحده إلى أحكام الحال المصاحب ~~للعلم فإن العلم الخالي عن الحال ضعف في الطريق والحال المجرد عن العلم ~~ضلال عن الطريق ومن عبدالله بحال مجرد عن علم لم يزدد من الله إلا بعدا # قوله وعلل السعي يعني أن السالك يغيب عن علل سعيه وعمله PageV03P211 وهذه ~~العلل عندهم هي اعتقاده أنه يصل بها إلى الله وسكونه إليها وفرحه بها ~~ورؤيتها فيغيب عن هذه العلل # ومراده بغيبته عنها إعدامها حتى لا تحضره لا أنه يغيب عنها وهي موجودة ~~قائمة نعم إذا اعتقد أن الله يوصله إليه بها ويفرح بها من جهة الفضل والمنة ~~وسبق الأولية لا من جهة الاكتساب والفعل لم يضره ذلك بل هذا أكمل وهو في ~~الحقيقة سكون إلى الله تعالى وفرح به واعتقاد أنه هو الموصل لعبد هإيهبما ~~منه وحده لا بحول العبد وقوته فهذا لون وهذا لون # والحاصل أنه إذا انتقل عن أحكام العلم المجرد إلى أحكام الحال المصاحب ~~للعلم غابت عنه علل السعي # وكذلك تغيب عنه رخص الفتور فلا ينظر إلى عزيمة السعي ولا يقف مع رخص ~~الفتور فهما آفتان للسالك فإنه إما أن يجرد عزمه وهمته فينظر إلى ما منه ~~وأن همته وعزيمته تحمله وتقوم به وإما أن يترخص برخص تفتر عزمه وهمته فكمال ~~جده وصدقه وصحة طلبه يخلصه من رخص الفتور وكمال توحيده ومعرفته بربه ونفسه ~~يخلصه من علل السعي # | فصل قال الدرجة الثالثة غيبة العارف عن عيون الأحوال والشواهد # والدرجات في عين الجمع # إنما كانت هذه الدرجة عنده أعلى على طريقته في كون الفناء غاية الطالب # وهذه الدرجة هي غيبته عن خيرات ومقامات بما هو أكمل منها وأشرف عنده وهو ~~حضرة الجمع # ومعنى غيبته عن عيون الأحوال هو أن لا يرى الأحوال ولا تراه فلذلك استعار ~~لها عيونا لأن الأحوال ms0969 تقتضي وجدا وموجودا ووجدانا وهذا PageV03P212 ينافي ~~الفناء في حضرة الجمع فإن الجمع يمحو أثر الرسوم وقد عرفت مرارا أن هذا ليس ~~بكمال ولا هو مطلوب لنفسه وغيره أكمل منه # وأما غيبته عن الشواهد فقد يريد بها شواهد المعرفة وأدلتها فيغيب بمعروفه ~~عن الشواهد الدالة عليه في الخارج وفي نفسه # وقد يريد بالشواهد الأسماء والصفات والغيبة عنها بشهود الذات ولكن هذا ~~ليس بكمال ولا هو أعلى من شهود الأسماء والصفات بل هذا الشهود هو شهود ~~المعطلة المنكرين لحقائق الأسماء والصفات فإنهم ينتهون في فنائهم إلى شهود ~~ذات مجردة # ومن ههنا دخل الملاحدة القائلون بوحدة الوجود وجعلوا شهود نفس الوجود ~~المجرد عن التقييدات وعن سائر الأسماء والصفات هو شهود الحقيقة تعالى الله ~~عن كفرهم وإلحادهم علوا كبيرا وشيخ الإسلام براء من هؤلاء ومن شهودهم # ومراد اهل الاستقامة بذلك أن يشهد الذات الجامعة لجميع معاني الأسماء ~~الحسنى والصفات العلى فيغيبه شهوده لهذه الذات المقدسة عن شهود صفة واسم # فالشواهد هي الأفعال الدالة على الصفات المستلزمة للذات وشواهد المعرفة ~~هي الأدلة التي حصلت عنها المعرفة فإذا طواها الشاهد من وجوده وشهد أنه ما ~~عرف الله إلا به ولا دل عليه إلا هو غابت عنه شواهده في مشهوده كما تغيب ~~معارفه في معروفه # وبكل حال فما عرف الله إلا بالله ولا دل على الله إلا الله ولا أوصل إلى ~~الله إلا الله فهو الدال على نفسه بما نصبه من الأدلة وهو الذاكر لنفسه على ~~لسان PageV03P213 عبده كما قال النبي إن الله قال على لسان نبيه سمع الله ~~لمن حمده وهو المحب لنفسه بنفسه وبما خلق من عبيده الذين يحبونه والشاكر ~~لنفسه بنفسه وبما أجراه على ألسنة عبيده وقلوبهم وجوارحهم من ذكره وشكره ~~فمنه السبب وهو والغاية هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم # وللملحد ههنا مجال حيث يظن أن الذاكر والمذكور والذكر والعارف والمعروف ~~والمعرفة والمحب والمحبوب والمحبة من عين واحدة لا بل ذلك هو العين الواحدة ~~وأن الذي عرف الله وأحبه هو ms0970 الله نفسه وإن تعددت مظاهره فالظاهر فيها واحد ~~ظهر بوجوده العيني فيها فوجودها عين وجوده ووجوده فاض عليها وهذا أكفر من ~~كل كفر وأعظم من كل إلحاد # والموحدون يقولون إنما فاض عليها إيجاده لا وجوده فظهر فيها فعله بل أثر ~~فعله لا ذاته ولا صفاته فقامت به فقرا إليه واحتياجا لا وجودا وذاتا ~~وأقامها بمشيئته وربوبيته لا بظهوره فيها # ولقد لحظ ملاحدة الاتحادية أمرا اشتبه عليهم في وحدة الموجد بوحدة الوجود ~~وتوحيد الذات والصفات والأفعال بتوحيد الوجود وفيضان جوده بفيضان وجوده ~~فوحدوا الوجود وزعموا أنه هو المعبود فصاروا عبيد الوجود المطلق الذي لا ~~وجود له في غير الأذهان وعبيد الموجودات الخارجة في الأعيان فإن وجودها ~~عندهم هو المسمى بالله تعالى الله عن هذا الإلحاد الذي تكاد السموات يتفطرن ~~منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا وسبحان من هو فوق سماواته على عرشه بائن ~~من خلقه بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله # أين حقيقة المخلوق من الماء المهين من ذات رب العالمين أين المكون من ~~تراب من رب الأرباب أين الفقير بالذات إلى الغني بالذات أين وجود من ~~PageV03P214 يضمحل وجوده ويفوت إلى حقيقة وجود الحي الذي لا يموت هو الله ~~الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا ~~إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ~~سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارىء المصور له الأسماء الحسني ~~يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم # | فصل قال صاحب المنازل # باب التمكن # قال الله تعالى ولا يستخفنك الذين لا يوقنون # وجه استدلاله بالآية في غاية الظهور وهو أن المتمكن لا يبالي بكثرة ~~الشواغل ولا بمخالطة أصحاب الغفلات ولا بمعاشرة أهل البطالات بل قد تمكن ~~بصبره ويقينه عن استفزازهم إياه واستخفافهم له ولهذا قال تعالى فاصبر إن ~~وعد الله حق فمن وفى الصبر حقه وتيقن أن وعد الله حق لم يستفزه المبطلون ~~ولم يستخفه الذين لا يوقنون ومتى ضعف صبره ويقينه أو كلاهما استفزه ms0971 هؤلاء ~~واستخفه هؤلاء فجذبوه إليهم بحسب ضعف قوة صبره ويقينه فكلما ضعف ذلك منه ~~قوي جذبهم له وكلما قوي صبره ويقينه قوي انجذابه منهم وجذبه لهم # | فصل قال الشيخ التمكن فوق الطمأنينة وهو الإشارة إلى غاية الاستقرار # التمكن هو القدرة على التصرف في الفعل والترك ويسمى مكانة أيضا قال الله ~~تعالى قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل الآية # وأكثر ما يطلق في اصطلاح القوم على من انتقل إلى مقام البقاء PageV03P215 ~~بعد الفناء وهو الوصول عندهم وحقيقته ظفر العبد بنفسه وهو أن تتوارى عنه ~~أحكام البشرية بطلوع شمس الحقيقة واستيلاء سلطانها فإذا دامت له هذه الحال ~~أو غلبت عليه فهو صاحب تمكين # قال صاحب المنازل التمكن فوق الطمأنينة وهو الإشارة إلى غاية الاستقرار ~~إنما كان فوق الطمأنينة لأنها تكون مع نوع من المنازعة فيطمئن القلب إلى ما ~~يسكنه وقد يتمكن فيه وقد لا يتمكن ولذلك كان التمكن هو غاية الاستقرار وهو ~~تفعل من المكان فكأنه قد صار مقامه مكانا لقلبه قد تبوأه منزلا ومستقرا # قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى تمكن المريد وهو أن يجتمع له صحة ~~قصد يسيره ولمع شهود يحمله وسعة طريق تروحه # المريد في اصطلاحهم هو الذي قد شرع في السير إلى الله وهو فوق العابد ~~ودون الواصل وهذا اصطلاح بحسب حال السالكين وإلا فالعابد مريد والسالك مريد ~~والواصل مريد فالإرادة لا تفارق العبد ما دام تحت حكم العبودية # وقد ذكر الشيخ للتمكن في هذه الدرجة ثلاثة أمور صحة قصد وصحة علم وسعة ~~طريق فبصحة القصد يصح سيره وبصحة العلم تنكشف له الطريق وبسعة الطريق يهون ~~عليه السير وكل طالب أمر من الأمور فلا بد له من تعين مطلوبه وهو المقصود ~~ومعرفة الطريق الموصل إليه والأخذ في السلوك فمتى فاته واحد من هذه الثلاث ~~لم يصح طلبه ولا سيره فالأمر دائر بين مطلوب يتعين إيثاره على غيره وطلب ~~يقوم بقصد من يقصده وطريق توصل إليه # فإذا تحقق العبد بطلب ربه وحده تعين مطلوبه فإذا بذل ms0972 جهده في طلبه صح له ~~طلبه فإذا تحقق باتباع أوامره واجتناب نواهيه صح له طريقه وصحة القصد ~~والطريق موقوفة على صحة المطلوب وتعينه PageV03P216 # فحكم القصد يتلقى من حكم المقصود فمتى كان المقصود أهلا للإيثار كان ~~القصد المتعلق به كذلك فالقصد والطريق تابعان للمقصود # وتمام العبودية أن يوافق الرسول في مقصوده وقصده وطريقه فمقصوده الله ~~وحده وقصده تنفيذ أوامره في نفسه وفي خلقه وطريقه اتباع ما أوحي إليه فصحبه ~~الصحابة رضي الله عنهم على ذلك حتى لحقوا به ثم جاء التابعون لهم بإحسان ~~فمضوا على آثارهم # ثم تفرقت الطرق بالناس فخيار الناس من وافقه في المقصود والطريق وأبعدهم ~~عن الله ورسوله من خالفه في المقصود والطريق وهم أهل الشرك بالمعبود ~~والبدعة في العبادة ومنهم من وافقه في المقصود وخالفه في الطريق ومنهم من ~~وافقه في الطريق وخالفه في المقصود # فمن كان مراده الله والدار الآخرة فقد وافقه في المقصود فإن عبدالله بما ~~به أمر على لسان رسوله فقد وافقه في الطريق وإن عبده بغير ذلك فقد خالفه في ~~الطريق # ومن كان مقصوده من أهل العلم والعبادة والزهد في الدنيا الرياسة فقد ~~خالفه في المقصود وإن تقيد بالأمر # فإن لم يتقيد به فقد خالفه في المقصود والطريق # فإذا عرف هذا فقول الشيخ تمكن المريد أن يجتمع له صحة قصد يسيره إشارة ~~إلى صحة القصد # وقوله ولمع شهود يحمله إشارة إلى معرفة المقصود وقوة اليقين فيحصل لقلبه ~~كشف يحمله على سلوكه فإن السالك إذا كشف له عن مقصوده حتى كأنه يعاينه جد ~~في طلبه وذهبت عنه رخص الفتور # وقوله وسعة طريق تروحه إشارة إلى صحة طريقه وذلك بأمرين بسعتها حتى لا ~~تضيق عليه فيعجز عن سلوكها وباستقامتها حتى لا يزيغ عنها PageV03P217 إلى ~~غيرها فإن طريق الحق واسعة مستقيمة وطرق الباطل ضيقة معوجة وهذا يدل على ~~رسوخ الشيخ في العلم ووقوفه مع السنة وفقهه في هذا الشأن # | فصل قال الدرجة الثانية تمكن السالك وهو أن يجتمع له صحة انقطاع # وبرق كشف وضياء حال # هذه ms0973 الدرجة أتم مما قبلها فإن تلك تمكن في تصحيح قصد الأعمال وهذه تمكن ~~في حال التمكن والتمكن في الحال أبلغ من التمكن في القصد # ويريد بصحة الانقطاع انقطاع قلبه عن الأغيار وتعلقه بالشواغل الموجبة ~~للأكدار ومع ذلك فقد حصل لقلبه برق كشف يجعل الإيمان له كالعيان ومع ذلك ~~فحاله مع الله صاف من معارضات السوى فلا يعارض كشفه شبهة ولا همته إرادة بل ~~هو متمكن في انقطاعه وشهوده وحاله # | فصل قال الدرجة الثالثة تمكن العارف وهو أن يحصل في الحضرة فوق حجب # الطلب لابسا نور الوجود # العارف فوق السالك ولا يفارقه السلوك لكنه مع السلوك قد ظفر بالمعرفة ~~فأخذ منها اسما أخص من اسم السالك وهكذا الشأن في سائر المقامات والأحوال ~~فإنها لا تفارق من ترقى فيها ولكن إذا ترقى في مقام أخذ اسمه وكان أحق به ~~مع ثبوت الأول له # والحضرة يراد بها حضرة الجمع وعندي أنها حضرة دوام المراقبة والتمكن من ~~مقام الإحسان هذه حضرة الأنبياء والعارفين PageV03P218 # وأما حضرة الجمع التي يشيرون إليها فكل فرقة تشير إلى شيء فأهل الفناء ~~يريدون حضرة جمع الفناء في توحيد الربوبية وأهل الإلحاد يريدون حضرة جمع ~~الوجود في وجود واحد وطائفة من السالكين يريدون حضرة جمع الأسماء والصفات ~~في ذات واحدة # وإذا فسرت بحضرة دوام المراقبة والتمكن في فقام الإحسان كان ذلك أحسن ~~وأصح وصاحب هذه الحضرة لدوام مراقبته قد انقشعت عنه سحب الغفلات ولم تشغله ~~عن تلك الحضرة الشواغل الملهيات # قوله فوق حجب الطلب يعني أن العارف قد ارتفع عن مقام الطلب للمعرفة إلى ~~مقام حصولها والطالب للأمر دون الواصل إليه فالطالب بعد في حجاب طلبه ~~والعارف قد ارتفع فوق حجاب الطلب بما شاهده من الحقيقة فالطالب شيء والواجد ~~شيء # وهذا كلام يحتاج إلى شرح وبيان فإن الطلب لا يفارق العبد ما دامت أحكام ~~العبودية تجري عليه ولكنه متنقل في منازل الطلب ينتقل من عبودية إلى عبودية ~~والمعبود واحد جل وعلا لا ينتقل عنه فكيف يمكن تجرد المعرفة عن الطلب # هذا ms0974 موضع زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام وظن المخدوعون المغرورون أنهم قد ~~استغنوا بالمعرفة عن الطلب وأن الطلب وسيلة والمعرفة غاية ولا معنى ~~للاشتغال بالوسيلة بعد الوصول إلى الغاية # فهؤلاء خرجوا عن الدين بالكلية بعد أن شمروا في السير فيها فردوا ~~PageV03P219 على أدبارهم ونكصوا على أعقابهم ولم يفهموا مراد أهل الاستقامة ~~بذكر حجب الطلب # واعلم أن كل ما منك حجاب على مطلوبك فإن وقفت معه فأنت دون الحجاب وإن ~~قطعته إلى تجريد المطلوب صرت فوق الحجاب فطلبك وإرادتك وتوكلك وحالك وعملك ~~كله حجاب إن وقفت معه أو ركنت إليه وإن جاوزته إلى الذي أنت به وله وفي ~~يديه وتحت تصرفه ومشيئته وليس لك ذرة واحدة إلا به ومنه ولم تقف مع طلبك في ~~إرادتك فقد صرت فوق حجاب الطلب # ففي الحقيقة أنت حجاب قلبك عن ربك فإذا كشفت الحجاب عن القلب أفضى إلى ~~الرب ووصل إلى الحضرة المقدسة # وقولنا إذا كشفت الحجاب إخبار عن محل العبودية وإلا فكشفه ليس بيدك ولا ~~أنت الكاشف له فإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو # ومن أعظم الضر حجاب القلب عن الرب وهو أعظم عذابا من الجحيم قال تعالى ~~كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم # قوله لابسا نور الوجود المعنى الصحيح من هذه اللفظة أن نور الوجود نور ~~ظفره بإقبال قلبه على الله عز وجل وجمع همه عليه وفنائه بمراده عن مراد ~~نفسه فصار واحدا واحدا لما أكثر الخلق فاقد له قد لبس قلبه نور ذلك الوجود ~~حتى فاض على لسانه وجوارحه وحركاته وسكناته فإن نطق علاه النور وإن سكت ~~علاه النور PageV03P220 # وأخص من هذا أنه قد فاض على قلبه نور اليقين بالأسماء والصفات فصار لقلبه ~~من معرفتها والإيمان بها وذوق حلاوة ذلك نور خاص غير مجرد نور العبادة ~~والإرادة والسلوك وإياك أن تلتفت إلى غير هذا فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا ~~السوء بما صددتم عن سبيل الله # وليس مراد الشيخ بالوجود ما يريده المتكلمون والفلاسفة ولا ما ms0975 يريده ~~الاتحادية الملاحدة وإنما مراده به الوجدان بعد الفقد كما يقال فلان واجد ~~وفلان فاقد والله أعلم # | فصل قال صاحب المنازل # باب المكاشفة # قال الله تعالى فأوحى إلى عبده ما أوحى # وجه احتجاجه بإشارة الآية أن الله سبحانه كشف لعبده ما لم يكشفه لغيره ~~وأطلعه على مالم يطلع عليه غيره فحصل لقلبه الكريم من انكشاف الحقائق التي ~~لا تخطر ببال غيره ما خصه الله به والإيحاء هو الإعلام السريع الخفي ومنه ~~الوحا الوحا أي الإسراع الإسراع # قوله ما أوحي أبهمه لعظمه فإن الإبهام قد يقع للتعظيم ونظيره قوله تعالى ~~فغشيهم من اليم ما غشيهم أي أمر عظيم فوق الصفة # قال الشيخ المكاشفة مهاداة السر بين متباطنين يريد أن المكاشفة إطلاع أحد ~~المتحابين المتصافيين صاحبه على باطن أمره وسره # قوله مهاداة السر أي تردد السر على وجه الألطاف والمودة # قوله بين متباطنين يعني بالمتباطنين باطن المكاشف والمكاشف فيحمل سر كل ~~منهما إلى الآخر كما يحمل إليه هديته فيسري سر كل واحد منها إلى الآخر وإذا ~~بلغ العبد في مقام المعرفة إلى حد كأنه يطالع ما اتصف به الرب سبحانه من ~~صفات الكمال ونعوت الجلال وأحست روحه بالقرب PageV03P221 الخاص الذي ليس هو ~~كقرب من المحسوس حتى يشاهد رفع الحجاب بين روحه وقلبه وبين ربه فإن حجابه ~~هو نفسه وقد رفع الله سبحانه عنه ذلك الحجاب بحوله وقوته أفضى القلب والروح ~~حينئذ إلى الرب فصار يعبده كأنه يراه فإذا تحقق بذلك وارتفع عنه حجاب النفس ~~وانقشع عنه ضبابها ودخانها وكشطت عنه سحبها وغيومها فهناك يقال له # بدلك سر طال عنك اكتتامه % ولاح صباح كنت أنت ظلامه # فأنت حجاب القلب عن سر غيبه % ولولاك لم يطبع عليه ختامه # فان غبت عنه حل فيه وطنبت % على منكب الكشف المصون خيامه # وجاء حديث لا يمل سماعه % شهي إلينا نثره ونظامه # إذا ذكرته النفس زال عناؤها % وزال عن القلب الكئيب قتامه # فلذلك قال الشيخ وهي في هذا الباب بلوغ ما وراء الحجاب وجودا # قوله وجودا احتراز من ms0976 بلوغه سماعا وعلما وكثيرا ما يلتبس على العبد ~~أحدهما بالآخر فأين وجود الحقيقة من العلم بها ومعرفتها كما تقدم ذلك مرارا ~~فتعلق العلم بالقلب شيء واتصافه بالمعلوم شيء آخر # فمن الناس من يتعلق به سماع ذلك دون فهمه ومنهم من يتعلق به فهمه دون ~~حقيقته والتعلق الكامل أن يتعلق به وجوده فلذلك قال بلوغ ما وراء الحجاب ~~وجودا # قال الشيخ وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى مكاشفة تدل على التحقيق ~~الصحيح وهي لا تكون مستدامة فإذا كانت حينا دون حين ولم يعارضها تفرق غير ~~أن الغين ربما شاب مقامه على أنه قد بلغ مبلغا لا يلفته قاطع ولا يلويه سبب ~~ولا يقتطعه حظ وهي درجة القاصد فإذا استدامت فهي الدرجة الثانية # المكاشفة الصحيحة علوم يحدثها الرب سبحانه وتعالى في قلب العبد ~~PageV03P222 ويطلعه بها على أمور تخفى على غيره وقد يواليها وقد يمسكها عنه ~~بالغفلة عنها ويواريها عنه بالغين الذي يغشى قلبه وهو أرق الحجب أو بالغيم ~~وهو أغلظ منه أو بالران وهو أشدها # فالأول يقع للأنبياء عليهم السلام كما قال النبي إنه ليغان على قلبي وإني ~~لأستغفر الله أكثر من سبعين مرة # والثاني يكون للمؤمنين والثالث لمن غلبت عليه الشقوة قال الله تعالى كلا ~~بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون قال ابن عباس وغيره هو الذنب بعد الذنب ~~يغطي القلب حتى يصير كالران عليه # والحجب عشرة حجاب التعطيل ونفي حقائق الأسماء والصفات وهو أغلظها فلا ~~يتهيأ لصاحب هذا الحجاب أن يعرف الله ولا يصل إليه البتة إلا كما يتهيأ ~~للحجر أن يصعد إلى فوق # الثاني حجاب الشرك وهو أن يتعبد قلبه لغير الله # الثالث حجاب البدعة القولية كحجاب أهل الأهواء والمقالات الفاسدة على ~~اختلافها # الرابع حجاب البدعة العملية كحجاب أهل السلوك المبتدعين في طريقهم ~~وسلوكهم # الخامس حجاب أهل الكبائر الباطنة كحجاب أهل الكبر والعجب والرياء والحسد ~~والفخر والخيلاء ونحوها # السادس حجاب أهل الكبائر الظاهرة وحجابهم أرق من حجاب إخوانهم من أهل ~~الكبائر الباطنة مع كثرة عباداتهم وزهاداتهم واجتهاداتهم فكبائر ms0977 هؤلاء أقرب ~~إلى التوبة من كبائر أولئك فإنها قد صارت مقامات لهم لا يتحاشون من إظهارها ~~وإخراجها في قوالب عبادة ومعرفة فأهل الكبائر الظاهرة أدنى إلى السلامة ~~منهم وقلوبهم خير من قلوبهم PageV03P223 # السابع حجاب أهل الصغائر # الثامن حجاب أهل الفضلات والتوسع في المباحات # التاسع حجاب أهل الغفلة عن استحضار ما خلقوا له وأريد منهم وما لله عليهم ~~من دوام ذكره وشكره وعبوديته # العاشر حجاب المجتهدين السالكين المشمرين في السير عن المقصود # فهذه عشر حجب بين القلب وبين الله سبحانه وتعالى تحول بينه وبين هذا ~~الشأن وهذه الحجب تنشأ من أربعة عناصر عنصر النفس وعنصر الشيطان وعنصر ~~الدنيا وعنصر الهوى فلا يمكن كشف هذه الحجب مع بقاء أصولها وعناصرها في ~~القلب البتة # وهذه الأربعة العناصر تفسد القول والعمل والقصد والطريق بحسب غلبتها ~~وقلتها فتقطع طريق القول والعمل والقصد أن يصل إلى القلب وما وصل منه إلى ~~القلب قطعت عليه الطريق أن يصل إلى الرب فبين القول والعمل وبين القلب ~~مسافة يسافر فيها العبد إلى قلبه ليرى عجائب ما هنالك وفي هذه المسافة قطاع ~~الطريق المذكورون فإن حاربهم وخلص العمل إلى قلبه دار فيه وطلب النفوذ من ~~هناك إلى الله فإنه لا يستقر دون الوصول إليه وأن إلى ربك المنتهى فإذا وصل ~~إلى الله سبحانه أثابه عليه مزيدا في إيمانه ويقينه ومعرفته وعقله وجمل به ~~ظاهره وباطنه فهداه به لأحسن الأخلاق والأعمال وصرف عنه به سيء الأخلاق ~~والأعمال وأقام الله سبحانه من ذلك العمل للقلب جندا يحارب به قطاع الطريق ~~للوصول إليه فيحارب الدنيا بالزهد فيها وإخراجها من قلبه ولا يضره أن تكون ~~في يده وبيته ولا يمنع ذلك من قوة يقينه بالآخرة يحارب الشيطان بترك ~~الإستجابة لداعي الهوى فإن الشيطان مع الهوى لا يفارقه ويحارب الهوى بتحكيم ~~الأمر المطلق والوقوف معه بحيث لا يبقى له هوى فيما يفعله ويتركه ويحارب ~~النفس بقوة الإخلاص PageV03P224 # هذا كله إذا وجد العمل منفذا من القلب إلى الرب سبحانه وتعالى وإن دار ~~فيه ولم يجد منفذا ms0978 وثبت عليه النفس فأخذته وصيرته جندا لها فصالت به وعلت ~~وطغت فتراه أزهد ما يكون وأعبد ما يكون وأشده اجتهادا وهو أبعد ما يكون عن ~~الله وأصحاب الكبائر أقرب قلوبا إلى الله منه وأدنى منه إلى الإخلاص ~~والخلاص # فانظر إلى السجاد العباد الزاهد الذي بين عينيه أثر السجود كيف أورثه ~~طغيان عمله أن أنكر على النبي وأورث أصحابه احتقار المسلمين حتى سلوا عليهم ~~سيوفهم واستباحوا دماءهم # وانظر إلى الشريب السكير الذي كان كثيرا ما يؤتى به إلى النبي فيحده على ~~الشراب كيف قامت به قوة إيمانه ويقينه ومحبته لله ورسوله وتواضعه وانكساره ~~لله حتى نهى رسول الله عن لعنته # فظهر بهذا أن طغيان المعاصي أسلم عاقبة من طغيان الطاعات # وقد روى الإمام أحمد في كتاب الزهد أن الله سبحانه أوحى إلى موسى يا موسى ~~أنذر الصديقين فإني لا أضع عدلي على أحد إلا عذبته من غير أن أظلمه وبشر ~~الخطائين فإنه لا يتعاظمني ذنب أن أغفره فلنرجع إلى شرح كلامه # قوله مكاشفة تدل على التحقيق الصحيح كل يدعي أن التحقيق الصحيح معه # وكل يدعون وصال ليلى % وليلى لا تقر لهم بذاك PageV03P225 # إذا اشتبكت دموع في خدود % تبين من بكى ممن تباكى # فليس التحقيق الصحيح إلا المطابق لما عليه الأمر في نفسه وهو في العلم ~~الكشف المطابق لما أخبر به الرسل وفي الإرادة الكشف المطابق لمراد الرب ~~الديني من عبده وقولنا الديني احتراز من مراده الكوني فإن كل ما في الكون ~~موجب هذه الإرادة # فالكشف الصحيح أن يعرف الحق الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه معاينة ~~لقلبه ويجرد إرادة القلب له فيدور معه وجودا وعدما هذا هو التحقيق الصحيح ~~وما خالفه فغرور قبيح # قوله وهي لا تكون مستدامة هكذا رأيته في نسخ وفي أخرى وهي أن تكون ~~مستديمة وكأن هذا الثاني أصح لأن سياق الكلام يدل على ذلك وأنها غير ~~مستدامة في الدرجة الأولى فإذا استدامت صارت في الدرجة الثانية وبذلك يحصل ~~الإختلاف بين الدرجتين وإلا فلو كانت مستدامة ms0979 فيهما لكانت الدرجتان واحدة # قوله فإذا كانت حينا دون حين ولم يعارضها تفرق # يعني فهي الدرجة الأولى بشرط أن لا يقطع حكمها تفرق ولهذا قال لم يعارضها ~~ولم يقل لم يعرض لها فإن التفرق لا بد أن يعرض لكن لا يعارضها ويقاومها ~~بحيث يزيلها فإن العارض إذا عرض للقلب كرهه ومحاه وأزاله بسرعة # وأما المعارض فإنه يزيل الحاصل ويخلفه فيصير الحكم له فلذلك قال غير أن ~~الغين ربما شاب مقامه على أنه قد بلغ مبلغا إلى آخره # يعني أن لوازم البشرية لا بد له منها ولو لم يكن إلا أخفها وهو الحجاب ~~الرقيق الذي يعرض لقلبه وهو الغين لكنه لا يضره لأنه قد بلغ مبلغا لا يلفته ~~قاطع أي لا توجب له القواطع التفات قلبه عن مقامه إليها بل إذا PageV03P226 ~~لحظها بقلبه فر منها كما يفر الظبي من الكلب الصائد إذا أحس به ولا يلويه ~~سبب أي لا يعوج قصده للحق سبب من الأسباب ولا يرده عنه # قوله ولا يقطعه حظ أي لا يقطعه عن بلوغ مقصوده حظ من الحظوظ النفسية ~~والقاصد في هذه الدرجة هو الذي قد ظفر بالقصد الذي لا يلقى سببا إلا قطعه ~~ولا حائلا إلا منعه ولا تحاملا إلا سهله فهذه درجة القاصد فإذا استدامت ~~وتمكن فيها السالك فهي الدرجة الثانية # قال الشيخ وأما الدرجة الثالثة فمكاشفة عين لا مكاشفة علم وهي مكاشفة لا ~~تذر سمة تشير إلى التذاذ أو تلجىء إلى توقف أو تنزل إلى رسم وغاية هذه ~~المكاشفة المشاهدة # إنما كانت هذه الدرجة مكاشفة عين لغلبة نور الكشف على القلب فتنزلت هذه ~~المكاشفة من القلب وحلت منه محل العلم الضروري الذي لا يمكن جحده ولا ~~تكذيبه بل صارت للقلب بمنزلة المرئي للبصر والمسموع للأذن والوجدانيات ~~للنفس وكما أن المشاهدة بالبصر لا تصح إلا مع صحة القوة المدركة وعدم ~~الحائل من جسم أو ظلمة وانتفاء البعد المفرط فكذلك المكاشفة بالبصيرة ~~تستلزم صحة القلب وعدم الحائل والشاغل وقرب القلب ممن يكاشفه بأسراره # وليس مراد الشيخ في ms0980 هذا الباب الكشف الجزئي المشترك بين المؤمنين والكفار ~~والأبرار والفجار كالكشف عما في دار إنسان أو عما في يده أو تحت ثيابه أو ~~ما حملت به امرأته بعد انعقاده ذكرا أو أنثى وما غاب عن العيان من أحوال ~~البعد الشاسع ونحو ذلك فإن ذلك يكون من الشيطان تارة ومن النفس تارة ولذلك ~~يقع من الكفار كالنصارى وعابدي النيران والصلبان فقد كاشف ابن صياد النبي ~~بما أضمره له وخبأه فقال له رسول الله إنما أنت من إخوان الكهان فأخبر أن ~~ذلك PageV03P227 الكشف من جنس كشف الكهان وأن ذلك قدره وكذلك مسيلمة الكذاب ~~مع فرط كفره كان يكاشف أصحابه بما فعله أحدهم في بيته وما قاله لأهله يخبره ~~به شيطانه ليغوي الناس وكذلك الأسود العنسي والحارث المتنبي الدمشقي الذي ~~خرج في دولة عبدالملك بن مروان وأمثال هؤلاء ممن لا يحصيهم إلا الله وقد ~~رأينا نحن وغيرنا منهم جماعة وشاهد الناس من كشف الرهبان عباد الصليب ما هو ~~معروف # والكشف الرحماني من هذا النوع هو مثل كشف أبي بكر لما قال لعائشة رضي ~~الله عنهماإن امرأته حامل بأنثى وكشف عمر رضي الله عنه لما قال يا سارية ~~الجبل وأضعاف هذا من كشف أولياء الرحمن # والمقصود أن مراد القوم بالكشف في هذا الباب أمر وراء ذلك وأفضله وأجله ~~أن يكشف للسالك عن طريق سلوكه ليستقيم عليها وعن عيوب نفسه ليصلحها وعن ~~ذنوبه ليتوب منها # فما أكرم الله الصادقين بكرامة أعظم من هذا الكشف وجعلهم منقادين له ~~عاملين بمقتضاه فإذا انضم هذا الكشف إلى كشف تلك الحجب المتقدمة عن قلوبهم ~~سارت القلوب إلى ربها سير الغيث إذا استدبرته الريح # فلنرجع إلى شرح كلامه # فقوله الدرجة الثالثة مكاشفة عين لا مكاشفة علم أي متعلق هذه المكاشفة ~~عين الحقيقة بخلاف مكاشفة العلم فإن متعلقها الصورة الذهنية المطابقة ~~للحقيقة الخارجية فكشف العلم أن يكون مطابقا لعلومه وكشف العيان أن ~~يصيرالمعلوم مشاهدا للقلب كما تشاهد العين المرئي PageV03P228 # ومن ظن من القوم أن كشف العين ظهور الذات المقدسة لعيانه حقيقة ms0981 فقد غلط ~~أقبح الغلط وأحسن أحواله أن يكون صادقا ملبوسا عليه فإن هذا لم يقع في ~~الدنيا لبشر قط وقد منع منه كليم الرحمن # وقد اختلف السلف والخلف هل حصل هذا لسيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه ~~فالأكثرون على أنه لم ير الله سبحانه وحكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعا ~~من الصحابة فمن ادعى كشف العيان البصري عن الحقيقة الإلهية فقد وهم وأخطأ ~~وإن قال إنما هو كشف العيان القلبي بحيث يصير الرب سبحانه كأنه مرئي للعبد ~~كما قال النبي اعبد الله كأنك تراه فهذا حق وهو قوة يقين ومزيد علم فقط # نعم قد يظهر له نور عظيم فيتوهم أن ذلك نور الحقيقة الإلهية وأنها قد ~~تجلت له وذلك غلط أيضا فإن نور الرب تعالى لا يقوم له شيء ولما ظهر للجبل ~~منه أدنى شيء ساخ الجبل وتدكدك وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى ~~لا تدركه الأبصار قال ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى به لم يقم له شيء # وهذا النور الذي يظهر للصادق هو نور الإيمان الذي أخبر الله عنه في قوله ~~مثل نوره كمشكاة فيها مصباح قال أبي بن كعب مثل نوره في قلب المؤمن فهذا ~~نور يضاف إلى الرب ويقال هو نور الله كما أضافه الله سبحانه إلى نفسه ~~والمراد نور الإيمان الذي جعله الله له خلقا وتكوينا كما قال تعالى ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور فهذا النور إذا تمكن من القلب وأشرق فيه ~~فاض على الجوارح فيرى أثره في الوجه والعين ويظهر في القول والعمل وقد يقوى ~~حتى يشاهده صاحبه عيانا وذلك لاستيلاء أحكام القلب عليه وغيبة أحكام النفس # والعين شديدة الارتباط بالقلب تظهر ما فيه فتقوى مادة النور في القلب ~~PageV03P229 ويغيب صاحبه بما في قلبه عن أحكام حسه بل وعن أحكام العلم ~~فينتقل من أحكام العلم إلى أحكام العيان # وسر المسألة أن أحكام الطبيعة والنفس شيء وأحكام القلب شيء وأحكام الروح ~~شيء وأنوار العبادات شيء ms0982 وأنوار استيلاء معاني الصفات والأسماء على القلب ~~شيء وأنوار الذات المقدسة شيء وراء ذلك كله # فهذا الباب يغلط فيه رجلان أحدهما غليظ الحجاب كثيف الطبع والآخر قليل ~~العلم يلتبس عليه ما في الذهن بما في الخارج ونور المعاملات بنور رب الأرض ~~والسموات ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # قوله ولا مكاشفة الحال مكاشفة الحال هي المواجيد التي يجدها السالك ~~بوارداته حتى يبقى الحكم لقلبه وحاله # قوله وهي مكاشفة لا تذر سمة تشير إلى الالتذاذ يريد أن هذه المكاشفة تمحو ~~رسوم المكاشف فلا يبقى منه ما يحس بلذة فإن الأحوال والمواجيد لها لذه ~~عظيمة أضعاف اللذة الحسية فإن لذتها روحانية قلبية والمكاشفة العينية تغيب ~~المكاشف عن إدراك تلك اللذة والسمة هي العلامة فالمعنى أن هذه المكاشفة لا ~~تذر له علامة تدل على لذة # قوله أو تلجىء إلى توقف يعني لا تذر له بقية تلجئه إلى وقفة فإن البقية ~~التي تبقى على السالك من نفسه هي التي تلجئه إلى التوقف في سيره # قوله ولا تنزل على رسم أي لا تنزل هذه المكاشفة على من بقي فيه رسم حجاب ~~بينه وبين هذه المكاشفة فإنها بمنزلة نور الشمس فلا تنزل في بيت عليه سقف ~~حائل فإن الرسم عند القوم هو الحجاب بينهم وبين مطلوبهم والرسم هو النفس ~~وأحكامها وصفاتها وهذه المكاشفة إذا قويت واستحكمت صارت مشاهدة ولذلك قال ~~وغاية هذه المكاشفة هو مقام المشاهدة PageV03P230 # | فصل قال صاحب المنازل # باب المشاهدة # قال الله تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد # قلت جعل الله سبحانه كلامه ذكرى لا ينتفع بها إلا من جمع هذه الأمور ~~الثلاثة # أحدها أن يكون له قلب حي واع فإذا فقد هذا القلب لم ينتفع بالذكرى # الثاني أن يصغي بسمعه فيميله كله نحو المخاطب فإن لم يفعل لم ينتفع ~~بكلامه # الثالث أن يحضر قلبه وذهنه عند المكلم له وهو الشهيد أي الحاضر غيرالغائب ~~فإن غاب قلبه وسافر في موضع آخر لم ms0983 ينتفع بالخطاب # وهذا كما أن المبصر لا يدرك حقيقة المرئي إلا إذا كانت له قوة مبصرة وحدق ~~بها نحو المرئي ولم يكن قلبه مشغولا بغير ذلك فإن فقد القوة المبصرة أو لم ~~يحدق نحو المرئي أو حدق نحوه ولكن قلبه كله في موضع آخر لم يدركه فكثيرا ما ~~يمر بك إنسان أو غيره وقلبك مشغول بغيره فلا تشعر بمروره فهذا الشأن يستدعي ~~صحة القلب وحضوره وكمال الإصغاء # | فصل قال الشيخ المشاهدة سقوط الحجاب بتا أي قطعا بحيث لا يبقى منه # شيء والمشاهدة هي المسقطة للحجاب وهي التي تكون عند سقوط الحجاب وليست هي ~~نفس سقوط الحجاب لكن عبر عن الشيء بلازمه فإن سقوط الحجاب يلازم حصول ~~المشاهدة # قوله وهي فوق المكاشفة هذا يدلك على أن مراد الشيخ ومن وافقه من اهل ~~الاستقامة بالمكاشفة والمشاهدة قوة اليقين ومزيد العلم وارتفاع PageV03P231 ~~الحجب المانعة من ذلك لا نفس معاينة الحقيقة فإن المكاشفة لو كانت هي ~~معاينة الحقيقة لما كان فوقها مرتبة أخرى وإنما كانت المشاهدة عنده فوق ~~المكاشفة لما ذكره من قوله لأن المكاشفة ولاية النعت وفيه شيء من بقايا ~~الرسم والمشاهدة ولاية العين والذات # يريد أن المكاشفة تتعلق بالصفات الإلهية فولايتها ولاية النعوت والأوصاف ~~أي سلطانها وما يتعلق به هو النعوت والصفات وسلطان المشاهدة وما يتعلق به ~~هو نفس الذات الجامعة للنعوت والصفات فلذلك كانت فوقها وأكمل منها # والفرق بين ولاية النعت وولاية العين والذات أن النعت صفة ومن شاهد الصفة ~~فلا بد أن يشاهد متعلقاتها فإن النظر في متعلقاتها يكسبه التعظيم للمتصف ~~بها فإن من شاهد العلم القديم الأزلي متعلقا بسائر المعلومات التي لا ~~تتناهى من واجب وممكن ومستحيل ومن شاهد الإرادة الموجبة لسائر الإرادات على ~~تنوعها من الأفعال والأعيان والحركات والأوصاف التي لا تتناهى وشاهد القدرة ~~التي هي كذلك وشاهد صفة الكلام الذي لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر ~~وأشجار العالم كلها أقلام يكتب بها كلام الرب جل جلاله لفنيت البحار ونفدت ~~الأقلام وكلام الله عز وجل لا ms0984 ينفد ولا يفنى # فمن شاهد الصفات كذلك وجال قلبه في عظمتها فهو مشغول بالصفات ومتفرق قلبه ~~في متعلقاتها وتنوعها في أنفسها بخلاف من قصر نظره على نفس الذات وشاهد ~~قدمها وبقاءها واستغرق قلبه في عظمة تلك الذات بقطع النظر عن صفاتها فهو ~~مشاهد للعين والأول مشاهد للصفات فالأول في فرق PageV03P232 وهذا في جمع ~~فمن استغرق قلبه في هذا المشهد استحق اسم المشاهد ووصف المشاهدة عند القوم ~~إذا غاب عن إدراك رسمه وكل ما فيه من علم أو عمل أو حال هذا تقرير كلامه # وبعد فإن ولاية النعوت والصفات التي جعلها دون ولاية العين والذات ليس ~~الأمر فيها كما زعم بل لا نسبة بينهما البتة فإن الله سبحانه وتعالى دعا ~~عباده في كتبه الإلهية إلى الأول دون الثاني وبذلك نطقت كتبه ورسله فهذا ~~القرآن من أوله إلى آخره إنما يدعو الناس إلى النظر في صفات الله وأفعاله ~~وأسمائه دون الذات المجردة فإن الذات المجردة لا يلحظ معها وصف ولا يشهد ~~فيها نعت ولا تدل على كمال ولا جلال ولا يحصل من شهودها إيمان فضلا عن أن ~~يكون من أعلى مقامات العارفين # ويا سبحان الله أين يقع شهود صفات الكمال وتنوعها وكثرتها وما تدل عليه ~~من عظمة الموصوف بها وجلاله وكماله وأنه ليس كمثله شيء في كماله لكثرة ~~أوصافه ونعوته وأسمائه وامتناع أضدادها عليه وثبوتها له على أكمل الوجوه ~~الذي لا نقص فيه بوجه ما من شهود ذات قد غاب مشاهدها عن كل صفة ونعت واسم # فبين هذين المشهدين من التفاوت مالا يحصيه إلا الله وهذا هو مشهد من تأله ~~وفني من الجهمية والمعطلة صرحوا بذلك وقالوا إن كمال هذا المشهد هو قصر ~~النظر القلبي على عين الذات وتنزيهها عن الأعراض والأبعاض والأغراض والحدود ~~والجهات # ومرادهم بالأعراض الصفات التي تقوم بالحي كالسمع والبصر والقدرة والإرادة ~~والكلام فلا سمع له ولا بصر ولا إرادة ولا حياة ولا علم ولا قدرة # ومرادهم بالأبعاض أنه لا وجه له ولا يدان ولم يخلق آدم بيده ولا ms0985 يطوي ~~سماواته بيده ولا يقبض الأرض باليد الأخرى ولا يمسك السموات على إصبع ~~PageV03P233 ولا الأرضين على إصبع ولا الشجر على إصبع ونحو ذلك مما أخبر به ~~عن نفسه وأخبر به عنه رسوله الصادق # ومرادهم بالأغراض أنه لا يفعل لحكمة ولا لعلة غائية ولا سبب لفعله ولا ~~غاية مقصودة # ومرادهم بالحدود والجهات مسألة المباينة والعلو وأنه غير بائن عن خلقه ~~ولا مستو على عرشه ولا ترفع إليه الأيدي ولا تصعد إليه الأعمال ولا ينزل من ~~عنده شيء ولا يصعد إليه شيء وليس فوق العرش إله يعبد ولا رب يصلى له ويسجد ~~بل ليس هناك إلا العدم المحض الذي هو لا شيء # فكمال الشهود عندهم أن يشهد العبد ذاتا مجردة عن كل اسم ووصف ونعت # وشيخ الإسلام عدو هذه الطائفة وهو بريء منهم براءة الرسل منهم ولكن بقيت ~~عليه مثل هذه البقية وهي جعل مشهد العين والذات فوق مشهد الصفات على أنه لا ~~سبيل للقوى البشرية إلى شهود الذات الإلهية البتة ولا يقع الشهود على تلك ~~الحقيقة ولا جعل ذلك إليها وإنما إليها شهود الصفات والأفعال وأما حقيقة ~~الذات والعين فغير معلومة للبشرية ولما سأل المشركون رسول الله عن حقيقة ~~ربه سبحانه من أي شيء هو أنزل الله عز وجل قل هو الله أحد الله الصمد لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ولذلك لما سأل فرعون موسى عن حقيقة ربه ~~بقوله وما رب العالمين أجابه موسى بقوله رب السموات والأرض وما بينهما إذ ~~لا وصول للبشر إلى حقيقة ذاته فدلهم على نفسه بصفاته الثبوتية من كونه صمدا ~~وصفاته السلبية المتضمنة للثبوت من كونه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا ~~أحد لم يجعل لهم سبيلا إلى معرفة الذات والكنه # فما هذا الشهود العين الذاتي الذي جعلتموه للمشاهد وجعلتموه فوق ~~PageV03P234 المكاشفة وجعلتم ولاية المكاشفة النعت وولاية المشاهدة العين # فاعلم أن مراد الشيخ وأمثاله من العارفين أهل الاستقامة أن لا يقصر نظر ~~القلب على صفة من الصفات بحيث يستغرق فيها ms0986 وحدها بل يكون التفاته وشهوده ~~واقعا على الذات الموصوفة بصفات الكمال المنعوتة بنعوت الجلال فحينئذ يكون ~~شهوده واقعا على الذات والصفات جميعا # ولا ريب أن هذا فوق مشهد الصفة الواحدة أو الصفات # ولكن يقال الشهود لا يقع على الصفة المجردة ولا يصح تجردها في الخارج ولا ~~في الذهن بل متى شهد الصفة شهد قيامها بالموصوف ولا بد فما هذا الشهود ~~الذاتي الذي هو فوق الشهود الوصفي # والأمر يرجع إلى شيء واحد وهو أن من كان بصفات الله أعرف ولها أثبت ~~ومعارض الإثبات منتف عنده كان أكمل شهودا ولهذا كان أكمل الخلق شهودا من ~~قال لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ولكمال معرفته بالأسماء ~~والصفات استدل بما عرفه منها على أن الأمر فوق ما أحصاه وعلمه # فمشهد الصفات مشهد الرسل والأنبياء وورثتهم وكل من كان بها أعرف كان ~~بالله أعلم وكان مشهده بحسب ما عرف منها وليس للعبد في الحقيقة مشاهدة ولا ~~مكاشفة لا للذات ولا للصفات أعني مشاهدة عيان وكشف عيان وإنما هو مزيد ~~إيمان وإيقان # ويجب التنبه والتنبيه ههنا على أمر وهو أن المشاهدة نتائح العقائد فمن ~~كان معتقده ثابتا في أمر من الأمور فإنه إذا صفت نفسه وارتاضت وفارقت ~~الشهوات والرذائل وصارت روحانية تجلت لها صورة معتقدها كما اعتقدته وربما ~~قوى ذلك التجلي حتى يصير كالعيان وليس به فيقع الغلط من وجهين # أحدهما ظن أن ذلك ثابت في الخارج وإنما هو في الذهن ولكن لما PageV03P235 ~~صفا الارتياض وانجلت عنه ظلمات الطبع وغاب بمشهوده عن شهوده واستولت عليه ~~أحكام القلب بل أحكام الروح ظن أنه الذي ظهر له في الخارج ولا تأخذه في ذلك ~~لومة لائم ولو جاءته كل آية في السموات والأرض وذلك عنده بمنزلة من عاين ~~الهلال ببصره جهرة فلو قال له أهل السموات والأرض لم تره لم يلتفت إليهم # ولعمر الله إنا لا نكذبه فيما أخبر به عن رؤيته ولكن إنما نوقن أنه إنما ~~رأى صورة معتقده في ذاته ونفسه لا الحقيقة في ms0987 الخارج فهذا أحد الغلطين # وسببه قوة ارتباط حاسة البصر بالقلب فالعين مرآة القلب شديدة الاتصال به ~~وتنضم إلى ذلك قوة الإعتقاد وضعف التمييز وغلبة حكم الهوى والحال على العلم ~~وسماعه من القوم أن العلم حجاب # والغلط الثاني ظن أن الأمر كما اعتقده وأن ما في الخارج مطابق لاعتقاده ~~فيتولد من هذين الغلطين مثل هذا الكشف والشهود # ولقد أخبر صادق الملاحدة القائلين بوحدة الوجود أنهم كشف لهم أن الأمر ~~كما قالوه وشهدوه في الخارج كذلك عيانا وهذا الكشف والشهود ثمرة اعتقادهم ~~ونتيجته فهذه إشارة ما إلى الفرقان في هذا الموضع والله أعلم # | فصل قال وهي على ثلاث درجات الدرجة الأول مشاهدة معرفة تجري فوق # حدود العلم في لوائح نور الوجود منيخة بفناء الجمع PageV03P236 # هذا بناء على أصول القوم وأن المعرفة فوق العلم فإن العلم عندهم هو إدراك ~~المعلوم ولو ببعض صفاته ولوازمه والمعرفة عندهم إحاطة بعين الشيء على ما هو ~~به كما حدها الشيخ ولا ريب أنها بهذا الاعتبار فوق العلم لكن على هذا الحد ~~لا يتصور أن يعرف الله أحد من خلقه البتة وسيأتي الكلام على هذا الحد في ~~موضعه إن شاء الله تعالى وليست المعرفة عند القوم مشروطة بما ذكروا وسنذكر ~~كلامهم إن شاء الله # وقد ذكر بعضهم أن أعمال الأبرار بالعلم وأعمال المقربين بالمعرفة # وهذا كلام يصح من وجه ويبطل من وجه فالأبرار والمقربون عاملون بالعلم ~~واقفون مع أحكامه وإن كانت معرفة المقربين أكمل من معرفة الأبرار فكلاهما ~~أهل علم ومعرفة فلا يسلب الأبرار المعرفة ولا يستغني المقربون عن العلم وقد ~~قال النبي لمعاذ بن جبل إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه ~~شهادة أن لا إله إلا الله فإذا هم عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم ~~خمس صلوات في اليوم والليلة فجعلهم عارفين بالله قبل إتيانهم بفرض الصلاة ~~والزكاة بل جعلهم في أول أوقات دخولهم في الإسلام عارفين بالله ولا ريب أن ~~هذه المعرفة ليست كمعرفة المهاجرين والأنصار فالناس متفاوتون في درجات ms0988 ~~المعرفة تفاوتا بعيدا # قوله في لوائح نور الوجود يعني أن شواهد المعرفة بوارق تلوح من نور ~~الوجود والوجود عند الشيخ ثلاث مراتب وجود علم ووجود عين ووجود مقام كما ~~سيأتي شرحه في موضعه إن شاء الله تعالى # وهذه اللوائح التي أشار إليها تلوح في المراتب الثلاثة وقد ذكروا عن ~~الجنيد أنه قال علم التوحيد مباين لوجوده ووجوده مباين لعلمه # ومعنى ذلك أن العبد قد يصح له العلم بانفراد الحق في ذاته وصفاته وأفعاله ~~علما جازما لا يشك ولا يرتاب فيه ولكن إذا اختلفت عليه الأسباب PageV03P237 ~~وتقاذفت به أمواجها لم يثبت قلبه في أوائل الصدمات ولم يبادر إذ ذاك إلى ~~رؤية الأسباب كلها من الأول الذي دلت على وحدانيته وأوليته البراهين ~~القطعية والمشاهدة الإيمانية فهذا عالم بالتوحيد غير واجد لمقامه ولا متصف ~~بحال أكسبه إياها التوحيد فإذا وجد قلبه وقت اختلاف الأحوال وتباين الأسباب ~~واثقا بربه مقبلا عليه مستغرقا في شهود وحدانيته في ربوبيته وإلهيته فإنه ~~وحده هو المنفرد بتدبير عباده فقد وجد مقام التوحيد وحاله # وأهل هذا المقام متفاوتون في شهوده تفاوتا عظيما من مدرك لما هو فيه ~~متنعم متلذذ في وقت دون وقت ومن غالب عليه هذه الحال ومن مستغرق غائب عن ~~حظه ولذته بما هو فيه من وجوده فنور الوجود قد غشي مشاهدته لحاله ولم يصل ~~إلى مقام الجمع بل قد أناخ بفنائه والوجود عنده هو حضرة الجمع ويسمى حضرة ~~الوجود # قوله منيخة بفناء الجمع يعني قد شارفت مشاهدته لحاله منزل الجمع وأناخت ~~به وتهيأ لدخوله وهذه استعارة فكأنه مثل المشاهد بالمسافر ومثل مشاهدته ~~بناقته التي يسافر عليها فإنها الحاملة له وشبه حضرة الجمع بالمنزل والدار ~~وقد أناخ المسافر بفنائها وهذا إشارة منه إلى إشرافه عليها وأن نور الوجود ~~لا يلوح إلا منها # | فصل قال الدرجة الثانية مشاهدة معاينة تقطع حبال الشواهد وتلبس # نعوت القدس وتخرس ألسنة الإشارات # إنما كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها لأن تلك الدرجة مشاهدة برق عن العلم ~~النظري بالتوحيد وتمكنت في وجود التوحيد ms0989 حتى صار صاحبها يرى الأسباب كلها ~~عن واحد متقدم عليها لا أول لوجوده حالا وذوقا وأناخ بفناء الجمع ليتبوأه ~~منزلا لتوحيده ولكنه بعد لم يكمل استغراقه عن شهود رسمها PageV03P238 ~~بالكلية فشواهد الرسوم بعد معه وصاحب هذه الدرجة قد انقطعت عنه حبال ~~الشواهد وتمكن في مقام المشاهدة وتطهر من نعوت النفس ولبس نعوت القدس فتطهر ~~من الالتفات إلى غير مشهوده فخرس لذلك لسانه عن الإشارة إلى ما هو فيه فهذه ~~المشاهدة عنده فوق مشاهدة المعرفة لأن تلك من لوائح نور الوجود وهذه مشاهدة ~~الوجود نفسه لا بوارق نوره فهي أعلى لأنها مشاهدة عيان والعيان والمعاينة ~~أن تقع العين في العين # وقد عرفت أن هذا مستحيل في الدنيا ومن جوزه فقد أخطأ أقبح الخطأ وتعدى ~~مقام الرسل وإنما غاية ما يصل إليه العارف مزيد إيمان ويقين بحيث يعبد الله ~~كأنه يراه لقوة يقينه وإيمانه بوجوده وأسمائه وصفاته وأن الأنوار واللوامع ~~والبوارق إنما هي أنوار الإيمان والطاعات من الذكر وقراءة القرآن ونحوها ~~أوهي أنوار استغراقه في مطالعة الأسماء والصفات وإثباتها والإيمان بها بحيث ~~يبقى كالمعاين لها فيشرق على قلبه نور المعرفة فيظنه نور الذات والصفات # وتقدم بيان السبب الموقع لهم في ذلك وأنهم لا يمكن رجوعهم في ذلك إلى ~~المحجوبين الذين غلظ في هذا الباب حجابهم وكثفت عن إدراكه أرواحهم وقصرت ~~عنه علومهم ومعارفهم ولم يكادوا يظفرون بذائق صحيح الذوق يفصل لهم أحكام ~~أذواقهم ومشاهدتهم وينزلها منازلها ويبين أسبابها وعللها فوجود هذا أعز شيء ~~والقوم لهم طلب شديد وهمم عالية ومطلبهم وهممهم عندهم فوق مطالب الناس ~~وهممهم فتشهد أرواحهم مقامات المنكر عليهم وسفولها PageV03P239 واستغراقه ~~في حظوظه وأحكام نفسه وطبيعته فلا تسمح نفوسهم بقبول قوله والرجوع إليه فلو ~~وجدوا عارفا ذا قرآن وإيمان ينادي القرآن والإيمان على معرفته وتدل معرفته ~~على مقتضى الإيمان والقرآن محكما للوحي على الذوق مستخرجا أحكام الذوق من ~~الوحي ليس فظا ولا غليظا ولا مدعيا ولا محجوبا بالوسائل عن الغايات إشارته ~~دون مقامه ومقامه فوق إشارته إن أشارة أشار بالله ms0990 مستشهدا بشواهد الله وإن ~~سكت سكت بالله عاكفا بسره وقلبه على الله فلو وجدوا مثل هذا لكان الصادقون ~~أسرع إليه من النار في يابس الحطب والوقود والله المستعان # قوله وقطع حبال الشواهد شبه الشواهد بالحبال التي تجذب العبد إلى مطلوبه ~~وهذا إنما يكون مع الغيبة عنه فإذا صار الأمر إلى العيان انقطعت حينئذ حبال ~~الشواهد بحكم المعاينة # قوله وتلبس نعوت القدس القدس هو النزاهة والطهارة ونعوت القدس هي صفاته ~~فيلبسه الحق سبحانه من تلك النعوت ما يليق به واستعار لذلك لفظة اللبس فإن ~~تلك الصفات خلع وخلع الحق سبحانه وتعالى يلبسها من يشاء من عباده # وهذا موضع يتوارد عيه الموحدون والملحدون فالموحد يعتقد أن الذي ألبسه ~~الله إياه هو صفات جمل اليه بها ظاهره وباطنه وهي صفات مخلوقه ألبست عبدا ~~مخلوقا فكسى عبده حلة من حلل فضله وعطائه PageV03P240 # والملحد يقول كساه نفس صفاته وخلع عليه خلعة من صفات ذاته حتى صار شبيها ~~به بل هو هو ويقولون الوصول هو التشبه بالإله على قدر الطاقة وبعضهم يلطف ~~هذا المعنى ويقول بل يتخلق بأخلاق الرب ورووا في ذلك أثرا باطلا تخلقوا ~~بأخلاق الله # وليس ههنا غير التعبد بالصفات الجميلة والأخلاق الفاضلة التي يحبها الله ~~ويخلقها لمن يشاء من عباده فالعبد مخلوق وخلعته مخلوقة وصفاته مخلوقة والله ~~سبحانه وتعالى بائن بذاته وصفاته عن خلقه لا يمازجهم ولا يمازجونه ولا يحل ~~فيهم ولا يحلون فيه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا # | فصل قال الدرجة الثالثة مشاهدة جمع تجذب إلى عين الجمع مالكة لصحة # الورود راكبة بحر الوجود # صاحب هذه الدرجة أثبت عند الشيخ في مقام المشاهدة وأمكن في مقام الجمع ~~الذي هو حضرة الوجود وأملك لحمل ما يرد عليه في مقامه من أنواع الكشوفات ~~والمعارف ولذلك كانت مشاهدته مالكة لصحة الورود أي تشهد لنفسها بصحة ورودها ~~إلى حضرة الجمع وتشهد الأشياء كلها لها بالصدق ويشهد المشهود أيضا لها بذلك ~~فلا يبقى عندها احتمال شك ولا ريب # وهذا أيضا مورد للملحد والموحد # فالملحد يقول مشاهدة ms0991 الجمع هي مشاهدة الوجود الواحد الجامع لجميع المعاني ~~والصور والقوى والأفعال والأسماء وحضرة الجمع عنده هي حضرة هذا الوجود ~~ومشاهدة هذا الجمع تجذب إلى عينه # قال وصفة هذا الجذب أن يحل الحق تعالى عقد خليقته بيد حقيقته فيرجع النور ~~الفائض على صورة خليقته إلى أصله ويرجع العبد إلى عدميته فيبقى الوجود للحق ~~والفناء للخلق ويقيم الحق تعالى وصفا من أوصافه نائبا PageV03P241 عنه في ~~استجلاء ذاته فيكون الحق هو المشاهد ذاته بذاته في طور من أطوار ظهوره وهي ~~مرتبة عبده فإذا ثبت الحق تعالى عبده بعد نفيه ومحوه وأبقاه بعد فنائه فعاد ~~كما يعود السكران إلى صحوه وجد في ذاته أسرار ربه وطور صفاته وحقائق ذاته ~~ومعالم وجوده ومطارح أشعة نوره ووجد خليقته أسماء مسمى ذاته وعوده إليه ~~فيرى العبد ثبوت ذلك الاسم في حضرة سائر الأسماء المشيرة بدلالتها إلى ~~الوجود المنزه الأصل الموهم الفرع فيؤدي استصحاب النظر إلى أصله أن الفرع ~~لم يفارقه هو إلا بشكله والشكل على اختلاف ضروبه فمعنى عدمي لتعين إمكانه ~~في وجوبه # فانظر ما في هذا الكلام من الإلحاد والكفر الصراح وجعل عين المخلوق نفس ~~عين الخالق وأن الرب سبحانه أقام نفس أوصافه نائبة عنه في استجلاء ذاته ~~وأنه شاهد ذاته بذاته في مراتب الخلق وأن الإإنسان إذا صحا من سكره وجد في ~~ذاته حقائق ذات الرب ووجد خليقته أسماء مسمى ذاته فيرى ثبوت ذلك الاسم في ~~حضرة سائر الأسماء المشيرة بدلالتها إلى الوجود المنزه الأصل يعني عن ~~الانقسام والتكثر الموهم الفرع يعني الذي يوهم فروعه وتكثر مظاهره واختلاف ~~أشكاله أنه متعدد وإنما هو وجود واحد والأشكال على اختلاف ضروبها أمور ~~عدمية لأنها ممكنة وإمكانها يفنى في وجبها فلم يبق إلا وجوب واجب الوجود ~~وهو واحد وإن اختلفت الأشكال التي ظهر فيها والأسماء التي أشارت إليه # فالاتحادي يشاهد وجودا واحدا جامعا لجميع الصور والأنواع والأجناس فاض ~~عليها كلها فظهر فيها بحسب قوابلها واستعداداتها # وذلك الشهود يجذبه إلى انحلال عزمه عن التقيد بمعبود معين أو عبادة معينة ms0992 ~~بل يبقى معبوده الوجود المطلق الساري في الموجودات بأي معنى ظهر ~~PageV03P242 وفي أي ماهية تحقق فلا فرق عنده بين السجود للصنم والشمس ~~والقمر والنجوم وغيرها كما قال شاعر القوم # وإن خر للأحجار في البيد عاكف % فلا تعد بالإنكار بالعصبية # وإن عبد النار المجوس وما انطفت % كما جاء في الأخبار مذ ألف حجة # فما عبدوا غيري وما كان قصدهم % سواي وإن لم يظهروا عقد نية # وما عقد الزنار حكما سوى يدي % وإن حل بالإقرار لي فهي بيعتي # وكما قال عارفهم واعلم أن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من ~~جهله فالعارف يعرف من عبد وفي أي صورة ظهر قال الله وقضى ربك ألا تعبدوا ~~إلا إياه # قال وما قضى الله شيئا إلا وقع وما عبد غير لله في كل معبود فهذا مشهد ~~الملحد # والموحد يشاهد بإيمانه ويقينه ذاتا جامعة للأسماء الحسنى والصفات العلى ~~لها كل صفة كمال وكل اسم حسن وذلك يجذبه إلى نفس اجتماع همه على الله وعلى ~~القيام بفرائضه # والطريق بمجموعها لا تخرج عن هذين السببين وإن طولوا العبارات ودققوا ~~الإشارات فالأمر كله دائر على جمع الهمة على الله واستفراغ الوسع بغاية ~~النصيحة في التقرب إليه بالنوافل بعد تكميل الفرائض فلا تطول ولا يطول عليك # وشيخ الإسلام مراده بالجمع الجاذب إلى عين الجمع أمر آخر بين هذا وبين ~~جمع أهل الوحدة وعين جمعهم لا هو هذا ولا هو هذا فهو دائر على الفناء لا ~~تأخذه فيه لومة لائم وهو الجمع الذي يدندن حوله وعين الجمع عنده ~~PageV03P243 هو تفرد الرب سبحانه بالأزلية وبالدوام وبالخلق والفعل فكان ~~ولا شيء ويكون بعد كل شيء وهو المكون لكل شيء فلا وجود في الحقيقة لغيره ~~ولا فعل لغيره بل وجود غيره كالخيال والظلال وفعل غيره في الحقيقة كحركات ~~الأشجار والنبات وهذا تحقيق الفناء في شهود الربوبية والأزلية والأبدية وطي ~~بساط شهود الأكوان فإذا ظهر هذا الحكم انمحق وجود العبد في وجود الحق ~~وتدبيره في تدبير الحق فصار سبحانه هو المشهود بوجود ms0993 العبد متلاش مضمحل ~~كالخيال والظلال # ولا يستعد لهذا عندهم إلا من اجتمعت إرادته على المراد وحده حالا لا ~~تكلفا وطبعا لا تطبعا فقد تنبعث الهمة إلى أمر وتتعلق به وصاحبها معرض عن ~~غير مطلبه متحل به ولكن إرادة السوى كامنة فيه قد توارى حكمها واستتر ولما ~~يزل فإن القله إذا اشتغل بشيء اشتغالا تاما توارت عنه إرادته لغيره ~~والتفاته إلى ما سواه مع كونه كامنا في نفسه مادته حاضرة عنده فإذا وجد ~~فجوة وأدنى تخل من شاغله ظهر حكم تلك الإرادات التي كان سلطان شهوده يحول ~~بينه وبينها فإذا الجمع وعين الجمع ثلاث مراتب # أعلاها جمع لهم على الله إرادة ومحبة وإنابة وجمع القلب والروح والنفس ~~والجوارح على استفراغ الوسع في التقرب إليه بما يحبه ويرضاه دون رسوم الناس ~~وعوائدهم فهذا جمع خواص المقربين وساداتهم # والثاني الاستغراق في الفناء في شهود الربوبية وتفرد الرب سبحانه ~~بالأزلية والدوام وأن الوجود الحقيقي له وحده وهذا الجمع دون الجمع الأول ~~بمراتب كثيرة # والثالث جمع الملاحدة الاتحادية وعين جمعهم وهو جمع الشهود في وحدة ~~الوجود فعليك بتمييز المراتب لتسلم من المعاطب وسيأتي ذكر مراتب الجمع ~~PageV03P244 والتمييز بين صحيحها وفاسدها في آخر باب التوحيد من هذا الكتاب ~~إن شاء الله تعالى والله المستعان # قوله مالكة لصحة الورود أي ضامنة لصحة ورودها شاهدة بذلك مشهودا لها به ~~لأنها فوق مشاهدة المعرفة وفوق مشاهدة المعاينة # قوله راكبة بحر الوجود يعني تلك المشاهدة راكبة بحر الوجود فهي في لجة ~~بحره لا في أنواره ولا في بوارقه # وقد تقدم الكلام على مراده بالوجود وأنه وجود علم ووجود عين ووجود مقام ~~وسيأتي تمام الكلام عليه في بابه إن شاء الله تعالى # | فصل قال شيخ الإسلام # باب المعاينة # قال الله تعالى ألم تر إلى ربك كيف مد الظل # قلت المعاينة مفاعلة من العيان وأصلها من الرؤية بالعين يقال عاينه إذا ~~وقعت عينه عليه كما يقال شافهه إذا كلمه شفاها وواجهه إذا قابله بوجهه وهذا ~~مستحيل في هذه الدار أن يظفر به ms0994 بشر # وأما قوله ألم تر إلى ربك كيف مد الظل فالرؤية واقعة على نفس مد الظل لا ~~على الذي مده سبحانه كما قال تعالى ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا ~~وقوله تعالى ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل فههنا أوقع الرؤية على نفس ~~الفعل وفي قوله ألم تر إلى ربك كيف مد الظل أوقعها في اللفظ عليه سبحانه ~~والمراد فعله من مد الظل هذا كلام عربي بين معناه غير محتمل ولا مجمل كما ~~قيل في العزى # كفرانك اليوم لا سبحانك % إني رأيت الله قد أهانك # وهو كثير في كلامهم يقولون رأيت الله قد فعل كذا وكذا والمراد ~~PageV03P245 رأيت فعله فالعيان والرؤية واقع على المفعول لا على ذات الفاعل ~~وصفته ولا فعله القائم به # | فصل قال صاحب المنازل المعاينة ثلاث إحداها معاينة الأبصار الثانية # معاينة عين القلب وهي معرفة عين الشيء على نعته علما يقطع الريبة ولا ~~تشوبه حيرة الثالثة معاينة عين الروح وهي التي تعاين الحق عيانا محضأ ~~والأرواح إنما طهرت وأكرمت بالبقاء لتعاين سنا الحضرة وتشاهد بها العزة ~~وتجذب القلوب إلى فناء الحضرة # جعل الشيخ المعاينة للعين والقلب والروح وجعل لكل معاينة منها حكما ~~فمعاينة العين هي رؤية الشيء عيانا إما بانطباع صورة المرئي في القوة ~~الباصرة عند أصحاب الانطباع وإما باتصال الشعاع المنبسط من العين المتصل ~~بالمرئي عند أصحاب الشعاع وإما بالنسبة والإضافة الخاصة بين العين وبين ~~المرئي عند كثير من المتكلمين والأقوال الثلاثة لا تخلو عن خطأ وصواب والحق ~~شيء غيرها وأن الله سبحانه جعل في العين قوة باصرة كما جعل في الأذن قوة ~~سامعة وفي الأنف قوة شامة وفي اللسان قوة ناطقة وقوة ذائقة فهذه قوى أودعها ~~الله سبحانه في هذه الأعضاء وجعل بينها وبينها رابطة وجعل لها أسباب من ~~خارج وموانع تمنع حكمها وكل ما ذكروه من انطباع ومقابلة وشعاع ونسبة وإضافة ~~فهو سبب وشرط والمقتضى هو القوة القائمة بالمحل وليس الغرض ذكر هذه المسألة ~~فالمقصود أمر آخر # وأما معاينة القلب فهي ms0995 انكشاف صورة المعلوم له بحيث تكون نسبته إلى القلب ~~كنسبة المرئي إلى العين وقد جعل الله سبحانه القلب يبصر ويعمى كما تبصر ~~العين وكما تعمى قال تعالى فإنها لا تعمى الأبصار ولكن PageV03P246 تعمى ~~القلوب التي في الصدور فالقلب يرى ويسمع ويعمى ويصم وعماه وصممه أبلغ من ~~عمى البصر وصممه # وأما ما يثبته متأخرو القوم من هذا القسم الثالث وهو رؤية الروح وسمعها ~~وإرادتها وأحكامها التي هي أخص من أحكام القلب فهؤلاء اعتقادهم أن الروح ~~غير النفس والقلب # ولا ريب أن ههنا أمورا معلومة وهي البدن وروحه القائم به والقلب المشاهد ~~فيه وفي سائر الحيوان والغريزة وهي القوة العاقلة التي محلها القلب ونسبتها ~~إلى القلب كنسبة القوة الباصرة إلى العين والقوة السامعة إلى الأذن ولهذا ~~تسمى تلك القوة قلبا كما تسمى القوة الباصرة بصرا قال تعالى إن في ذلك ~~لذكرى لمن كان له قلب ولم يرد شكل القلب فإنه لكل أحد وإنما أراد القوة ~~والغريزة المودعة فيه # والروح هي الحاملة للبدن ولهذه القوى كلها فلا قوام للبدن ولا لقواه إلا ~~بها ولها باعتبار إضافتها إلى كل محل حكم واسم يخصها هناك فإذا أضيفت إلى ~~محل البصر سميت بصرا وكان لها حكم يخصها هناك وإذا أضيفت إلى محل السمع ~~سميت سمعا وكان لها حكم يخصها هناك وإذا أضيفت إلى محل العقل وهو القلب ~~سميت قلبا ولها حكم يخصها هناك هي في ذلك كله روح # فالقوة الباصرة والعاقلة والسامعة والناطقة روح باصرة وسامعة وعاقلة ~~وناطقة فهي في الحقيقة هذا العاقل الفاهم المدرك المحب العارف المحرك للبدن ~~الذي هو محل الخطاب والأمر والنهي هو شيء واحد له صفات متعددة بحسب ~~متعلقاته فإنه يسمى نفسا مطمئنة ونفسا لوامة ونفسا أمارة وليس هو ثلاثة ~~أنفس بالذات والحقيقة ولكن هو نفس واحدة لها صفات متعددة # وهم يشيرون بالنفس إلى الأخلاق والصفات المذمومة فيقولون فلان له نفس ~~وفلان ليس له نفس ومعلوم أنه لو فارقته نفسه لمات ولكن يريدون تجرده عن ~~صفات النفس المذمومة PageV03P247 # والمحققون منهم يقولون إن ms0996 النفس إذا تلطفت وفارقت الرذائل صارت روحا ~~ومعلوم أنها لم تعدم ويخلق لها مكانها روح لم تكن ولكن عدمت منها الصفات ~~المذمومة وصارت مكانها الصفات المحمودة فسميت روحا # وهذا اصطلاح مجرد وإلا فالله سبحانه وتعالى سماها نفسا في القرآن في جميع ~~أحوالها أمارة ولوامة ومطمئنة قال تعالى الله يتوفى الأنفس حين موتها ويدخل ~~في هذا جميع أنفس العباد حتى الأنبياء وسماها رسول الله روحا على الإطلاق ~~مؤمنة كانت أو كافرة برة أو فاجرة كقوله إن الروح إذا قبض تبعه البصر وقوله ~~إن الله قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاء وقوله في حديث قبض الروح وصفته ~~إن كان مؤمنا كان كذا وكذا وإن كان كافرا كان كذا وكذا فسمى المقبوض روحا ~~كما سماه الله في كتابه نفسا وهذا المقبوض والمتوفى شيء واحد لا ثلاثة ولا ~~اثنان وأذا قبض تبعته القوى كلها العقل وما دونه لأنه كان حامل الجميع ~~ومركبه # إذا عرفت هذا فالمعاينة نوعان معاينة بصر ومعاينة بصيرة فمعاينة البصر ~~وقوعه على نفس المرئي أبو ومثاله الخارجي كرؤية مثال الصورة في المرآة ~~والماء ومعاينة البصيرة وقوع القوة العاقلة على المثال العلمي المطابق ~~للخارج فيكون إدراكه له بمنزلة إدراك العين للصورة الخارجية وقد يقوى سلطان ~~هذا الإدراك الباطن بحيث يصير الحكم له ويقوى استحضار القوة العاقلة ~~لمدركها بحيث يستغرق فيه فيغلب حكم القلب على حكم الحس والمشاهدة فيستولي ~~على السمع والبصر بحيث يراه ويسمع خطابه في الخارج وهو في النفس والذهن لكن ~~لغلبة الشهود وقوة الإستحضار وتمكن حكم القلب واستيلائه على القوى صار كأنه ~~مرئي بالعين مسموع بالأذن بحيث لا يشك المدرك ولا يرتاب في ذلك البتة ولا ~~يقبل عذلا PageV03P248 # وحقيقة الأمر أن ذلك كله شواهد وأمثلة علمية تابعة للمعتقد فذلك الذي ~~أدرك بعين القلب والروح إنما هو شاهد دال على الحقيقة وليس هو نفس الحقيقة ~~فإن شاهد نور جلال الذات في قلب العبد ليس هو نفس نور الذات الذي لا تقوم ~~له السموات والأرض فإنه لو ظهر لها لتدكدكت ولأصابها ms0997 ما أصاب الجبل وكذلك ~~شاهد نور العظمة في القلب إنما هو نور التعظيم والإجلال لا نور نفس المعظم ~~ذي الجلال والإكرام # وليس مع القوم إلا الشواهد والأمثلة العلمية والرقائق التي هي ثمرة قرب ~~القلب من الرب وأنسه به واستغراقه في محبته وذكره واستيلاء سلطان معرفته ~~عليه والرب تبارك وتعالى وراء ذلك كله منزه مقدس عن اطلاع البشر على ذاته ~~أو أنوار ذاته أو صفاته أو أنوار صفاته وإنما هي الشواهد التي تقوم بقلب ~~العبد كما يقوم بقلبه شاهد من الآخرة والجنة والنار وما أعد الله لأهلهما # وهذا هو الذي وجده عبدالله بن حرام الأنصاري يوم أحد لما قال واها لريح ~~الجنة إني أجد والله ريحها دون أحد ومن هذا قوله إذا مررتم برياض الجنة ~~فارتعوا قالوا وما رياض الجنة قال حلق الذكر ومنه قوله ما بين بيتي ومنبري ~~روضة من رياض الجنة فهو روضة لأهل العلم والإيمان لما يقوم بقلوبهم من ~~شواهد الجنة حتى كأنها لهم رأي عين وإذا قعد المنافق هناك لم يكن ذلك ~~المكان في حقه روضة من رياض الجنة ومن هذا قوله الجنة تحت ظلال السيوف / ح ~~/ PageV03P249 # فالعمل إنما هو على الشواهد وعلى حسب شاهد العبد يكون عمله ونحن نشير ~~بعون الله وتوفيقه إلى الشواهد إشارة يعلم بها حقيقة الأمر # فأول شواهد السائر إلى الله والدار الآخرة أن يقوم به شاهد من الدنيا ~~وحقارتها وقلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها وسرعة انقضائها ويرى أهلها ~~وعشاقها صرعى حولها قد بدعت بهم وعذبتهم بأنواع العذاب وأذاقتهم أمر الشراب ~~أضحكتهم قليلا وأبكتهم طويلا سقتهم كؤوس سمها بعد كؤوس خمرها فسكروا بحبها ~~وماتوا بهجرها # فإذا قام بالعبد هذا الشاهد منها ترحل قلبه عنها وسافر في طلب الدار ~~الآخرة وحينئذ يقوم بقلبه شاهد من الآخرة ودوامها وأنها هي الحيوان حقا ~~فأهلها لا يرتحلون منها ولا يظعنون عنها بل هي دار القرار ومحط الرحال ~~ومنتهى السير وأن الدنيا بالنسبة إليها كما قال النبي ما الدنيا في الآخرة ~~إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في ms0998 اليم فلينظر بم ترجع وقال بعض التابعين ما ~~الدنيا في الآخرة إلا أقل من ذرة واحدة في جبال الدنيا # ثم يقوم بقلبه شاهد من النار وتوقدها واضطرامها وبعد قعرها وشدة حرها ~~وعظيم عذاب أهلها فيشاهدهم وقد سيقوا إليها سود الوجوه زرق العيون والسلاسل ~~والأغلال في أعناقهم فلما انتهوا إليها فتحت في وجوههم أبوابها فشاهدوا ذلك ~~المنظر الفظيع وقد تقطعت قلوبهم حسرة وأسفا ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم ~~مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا فأراهم شاهد الإيمان وهم إليها يدفعون وأتى ~~النداء من قبل رب العالمين وقفوهم PageV03P250 إنهم مسئولون @QB@ ثم قيل ~~لهم @QE@ هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ~~اصلوها فاصبروا أولا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون فيراهم ~~شاهد الإيمان وهم في الحميم على وجوههم يسحبون وفي النار كالحطب يسجرون لهم ~~من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش فبئس اللحاف وبئس الفراش وإن استغاثوا من شدة ~~العطش @QB@ يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه @QE@ فإذا شربوه قطع أمعاءهم في ~~أجوافهم وصهر ما في بطونهم شرابهم الحميم وطعامهم الزقوم لا يقضى عليهم ~~فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها ربنا ~~أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير # فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد انخلع من الذنوب والمعاصي واتباع الشهوات ~~ولبس ثياب الخوف والحذر وأخصب قلبه من مطر أجفانه وهان عليه كل مصيبة تصيبه ~~في غير دينه وقلبه # وعلى حسب قوة هذا الشاهد يكون بعده من المعاصي والمخالفات فيذيب هذا ~~الشاهد من قلبه الفضلات والمواد المهلكة وينضجها ثم يخرجها فيجد القلب لذة ~~العافية وسرورها # فيقوم به بعد ذلك شاهد من الجنة وما أعد الله لأهلها فيها مما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فضلا عما وصفه الله لعباده على لسان ~~رسوله من النعيم المفصل الكفيل بأعلى أنواع اللذة من المطاعم والمشارب ~~والملابس والصور ms0999 والبهجة والسرور فيقوم بقلبه شاهد دار قد جعل الله النعيم ~~المقيم الدائم بحذافيره فيها تربتها المسك وحصباؤها الدر وبناؤها لبن الذهب ~~والفضة وقصب اللؤلؤ وشرابها أحلى من العسل وأطيب رائحة من المسك وأبرد من ~~الكافور وألذ من الزنجبيل ونساؤها لو برز وجه إحداهن في هذه PageV03P251 ~~الدنيا لغلب على ضوء الشمس ولباسهم الحرير من السندس والإستبرق وخدمهم ~~ولدان كاللؤلؤ المنثور وفاكهتهم دائمة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة ~~وغذاؤهم لحم طير مما يشتهون وشرابهم عليه خمرة لا فيها غول ولا هم عنها ~~ينزفون وخضرتهم فاكهة مما يتخيرون وشاهدهم حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ~~فهم على الأرائك فتكئون وفي تلك الرياض يحبرون وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ ~~الأعين وهم فيها خالدون # فإذا انضم إلى هذا الشاهد شاهد يوم المزيد والنظر إلى وجه الرب جل جلاله ~~وسماع كلامه منه بلا واسطة كما قال النبي بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع ~~لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم وقال يا أهل ~~الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله تعالى @QB@ سلام قولا من رب رحيم @QE@ ثم ~~يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم # فإذا انضم هذا الشاهد إلى الشواهد التي قبله فهناك يسير القلب إلى ربه ~~أسرع من سير الرياح في مهابها فلا يلتفت في طريقه يمينا ولا شمالا # هذا وفوق ذلك شاهد آخر تضمحل فيه هذه الشواهد ويغيب به العبد عنها كلها ~~وهو شاهد جلال الرب تعالى وجماله وكماله وعزه وسلطانه وقيوميته وعلوه فوق ~~عرشه وتكلمه بكتبه وكلمات تكوينه وخطابه لملائكته وأنبيائه # فإذا شاهده شاهد بقلبه قيوما قاهرا فوق عباده مستويا على عرشه منفردا ~~بتدبير مملكته آمرا ناهيا مرسلا رسله ومنزلا كتبه يرضى ويغضب ويثيب ويعاقب ~~ويعطي ويمنع ويعز ويذل ويحب ويغضب ويرحم إذا استرحم ويغفر إذا استغفر ويعطي ~~إذا سئل ويجيب إذا دعي ويقيل إذا استقيل أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء ~~وأعز من كل شيء وأقدر من كل شيء وأعلم من كل شيء وأحكم ms1000 من كل شيء فلو كانت ~~قوى الخلائق كلهم على PageV03P252 واحد منهم ثم كانوا كلهم على تلك القوة ~~ثم نسبت تلك القوى إلى قوة البعوضة بالنسبة إلى قوة الأسد ولو قدر جمال ~~الخلق كلهم على واحد منهم ثم كانوا كلهم بذلك الجمال ثم نسب إلى جمال الرب ~~تعالى لكان دون سراج ضعيف بالنسبة إلى عين الشمس ولو كان علم الأولين ~~والآخرين على رجل منهم ثم كان كل الخلق على تلك الصفة ثم نسب إلى علم الرب ~~تعالى لكان ذلك بالنسبة إلى علم الرب كنقرة عصفور في بحر وهكذا سائر صفاته ~~كسمعه وبصره وسائر نعوت كماله فإنه يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على ~~تفنن الحاجات فلا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح ~~الملحين سواء عنده من أسر القول ومن جهر به فالسر عنده علانية والغيب عنده ~~شهادة يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويرى ~~نياط عروقها ومجاري القوت في أعضائها يضع السماوات على إصبع من أصابع يده ~~والأرض على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع والماء على إصبع ويقبض ~~سماواته بإحدى يديه والأرضين باليد الأخرى فالسماوات السبع في كفه كخردلة ~~في كف العبد ولو أن الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم قاموا صفا واحدا ما ~~أحاطوا بالله عز وجل لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه ~~بصره من خلقه # فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد اضمحلت فيه الشواهد المتقدمة من غير أن ~~تعدم بل تصير الغلبة والقهر لهذا الشاهد وتندرج فيه الشواهد كلها ومن هذا ~~شاهده فله سلوك وسير خاص ليس لغيره ممن هو عن هذا في غفلة أو معرفة مجملة # فصاحب هذا الشاهد سائر إلى الله في يقظته ومنامه وحركته وسكونه وفطره ~~وصيامه له شأن وللناس شأن هو في واد والناس في واد PageV03P253 # خليلى لا والله ما أنا منكما % إذا علم من آل ليلى بدا ليا # والمقصود أن العيان والكشف والمشاهدة في هذه الدار إنما تقع عليى الشواهد ~~والأمثلة ms1001 العلمية وهو المثل الأعلى الذي ذكره سبحانه في ثلاثة مواضع من ~~كتابه في سورة النحل وسورة الروم وسورة الشورى وهو ما يقوم بقلوب عابديه ~~ومحبيه والمنيبين إليه من هذا الشاهد وهو الباعث لهم على العبادة والمحبة ~~والخشية والإنابة وتفاوتهم فيه لا ينحصر طرفاه فكل منهم له مقام معلوم لا ~~يتعداه وأعظم الناس حظا في ذلك معترف بأنه لا يحصى ثناء عليه سبحانه وأنه ~~فوق ما يثنى عليه المثنون وفوق ما يحمده الحامدون كما قيل # وما بلغ المهدن نحوك مدحة % وإن أطنبوا أن الذي فيك أعظم # لك الحمد كل الحمد لا مبدان له و % ولا منتهى والله بالحمد أعلم # وطهارة القلب ونزاهته من الأوصاف المذمومة والإرادات السفلية وخلوه ~~وتفريغه من التعلق بغير الله سبحانه هو كرسى هذا الشاهد الذي يجلس عليه ~~ومقعده الذي يتمكن فيه فحرام على قلب متلوث بالخبائث والأخلاق الرديئة ~~والصفات الذميمة متعلق بالمرادات السافلة أن يقوم به هذا الشاهد وأن يكون ~~من أهله # نزه فؤادك عن سوانا وائتنا % فجنابنا حل لكل منزه # والصبر طلسم لكنز لقاءنا % من حل ذا الطلسم فاز بكنزه # إذا طلعت شمس التوحيد وباشرت جوانبها الأرواح ونورها البصائر تجلت بها ~~ظلمات النفس والطبع وتحركت بها الأرواح في طلب من ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير فسافر القلب في بيداء الأمر ونزل منازل العبودية منزلا منزلا فهو ~~ينتقل من عبادة إلى عبادة مقيم على معبود واحد فلا تزال شواهد الصفات قائمة ~~بقلبه توقظه إذا رقد وتذكره إذا غفل إذا غفل وتحدو به إذا سار وتقيمه إذا ~~قعد إن قام بقلبه شاهد من الربوبية والقيومية رأى أن الأمر كله لله ~~PageV03P254 # ليس لأحد معه من الأمر شيء @QB@ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم يا أيها الناس اذكروا نعمة ~~الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو ~~فأنى تؤفكون @QE@ @QB@ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ms1002 يردك ~~بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم @QE@ ولئن ~~سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله ~~إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ~~قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ~~سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم ~~سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ~~إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون # وإن قام بقلبه شاهد من الإلهية رأى في ذلك الشاهد الامر والنهي والنبوات ~~والكتب والشرائع والمحبة والرضى والكراهة والبغض والثواب والعقاب وشاهد ~~الأمر نازلا ممن هو مستو على عرشه وأعمال العباد صاعدة إليه ومعروضة عليه ~~يجزي بالإحسان منها في هذه الدار وفي العقبى نضرة وسرورا ويقدم إلى ما لم ~~يكن عن أمره وشرعه منها فيجعله هباء منثورا # وإن قام بقلبه شاهد من الرحمة رأى الوجود كله قائما بهذه الصفة قد وسع من ~~هي صفته كل شيء رحمة وعلما وانتهت رحمته إلى حيث انتهى علمه فاستوى على ~~عرشه برحمته لتسع كل شيء كما وسع عرشه كل شيء # وإن قام بقلبه شاهد العزة والكبرياء والعظمة والجبروت فله شأن آخر ~~PageV03P255 # وهكذا جميع شواهد الصفات فما ذكرناه إنما هو أدنى تنبيه عليها فالكشف ~~والعيان والمشاهدة لا تتجاوز الشواهد البتة فلنرجع إلى شرح كلامه # فقوله في الدرجة الثانية إنها معاينة عين القلب وهي معرفة الشيء على نعته ~~لا يريد به معرفته على نعته الذي هو عليه في الخارج من كل وجه فان هذا ~~ممتنع على معرفه ما في الآخرة من المخلوقات كما قال ابن عباس ليس في الدنيا ~~مما في الآخرة إلا الأسماء فكيف بمعرفة رب الأرض والسماء وإن غاية المعرفة ~~أن تتعلق به على نعته على وجه مجمل أو مفصل تفصيلا من بعض الوجوه # قوله علما يقطع الريبة ولا ms1003 يشوبه حيرة هذا حق فان المعرفة متى شابها ريبة ~~أو حيرة لم تكن معرفة صحيحة كما أن رؤية العين لو شابها ذلك لم تكن رؤية ~~تامة فالمعرفة ما قطع الشك والريبة والوسواس # قوله والمعاينة الثالثة عين الروح وهي التي تعاين الحق عيانا محضا # إن أراد بالحق ضد الباطل أي تعاين ما هو حق بحيث ينكشف لها كما ينكشف ~~المرئي للبصر فصحيح وإن أراد بالحق الرب تبارك وتعالى فإن لم يحمل كلامه ~~على قوة اليقين ومزيد الإيمان ونزول الروح في مقام الإحسان وإلا فهو باطل ~~فإن الرب تبارك وتعالى لا يعاينه في هذه الدار بصر ولا روح بل المثال ~~العلمي حظ الروح والقلب كما تقدم # قوله والأرواح إنما طهرت وأكرمت بالبقاء لتعاين سنا الحضرة وتشاهد بهاء ~~العزة وتجذب القلوب إلى فناء الحضرة # يعني أن الأرواح خلقت للبقاء لا للفناء هذا هو الحق وما خالف فيه إلا ~~شرذمة من الناس من أهل الإلحاد القائلين إن الأرواح تفنى بفناء الأبدان ~~لكونها قوة من قواها وعرضا من أعراضها # وهؤلاء قسمان أحدهما منكر لمعاد الأبدان والثاني من يقر بمعاد الأبدان ~~ويقول إن الله عز وجل يعيد قوى البدن وأعراضه ومنها الروح PageV03P256 ~~فتفنى بفناء البدن فليس عند الطائفتين روح قائمة بنفسها تساكن البدن ~~وتفارقه وتتصل به وتنفصل عنه # وأما الحق الذي اتفقت عليه الرسل وأتباعهم فهو أن هذه الأرواح باقية بعد ~~مفارقة أبدانها لا تفنى ولا تعدم وأنها منعمة أو معذبة في البرزخ فإذا كان ~~يوم المعاد ردت إلى أبدانها فتنعم معها أو تعذب ولا تعدم ولا تفنى # فقوله والأرواح إنما طهرت وأكرمت بالبقاء لتعاين سنا الحضرة يريد الأرواح ~~الطاهرة الزكية وفي نسخة لتناغي سنا الحضرة والأول أظهر وألصق بالباب الذي ~~ترجمه بباب المعاينة والمراد بالحضرة الحضرة الإلهية وبالسنا النور الذي ~~يلمع قال الله تعالى @QB@ يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار @QE@ ومعاينة ذلك ~~إنما هو في الدار الآخرة والمعاين ههنا هو نور المعرفة والمثال العلمي # قوله ويشاهد بهاء العزة البهاء في اللغة الحسن قاله الجوهري يقال منه ms1004 بهى ~~الرجل بالكسر وبهو أيضا فهو بهي # والعزة يراد بها ثلاث معان عزة القوة وعزة الامتناع وعزة القهر والرب ~~تبارك وتعالى له العزة التامة بالاعتبارات الثلاث ويقال من الأول عز يعز ~~بفتح العين في المستقبل ومن الثاني عز يعز بكسرها ومن الثالث عز يعز بضمها ~~أعطو أقوى الحركات لأقوى المعاني وأخفها لأخفها وأوسطها لأوسطها وهذه العزة ~~مستلزمة للوحدانية إذ الشركة تنقص العزة ومستلزمة لصفات الكمال لأن الشركة ~~تنافي كمال العزة ومستلزمة لنفي أضدادها ومستلزمة لنفي مماثلة غيره له في ~~شيء منها # فالروح تعاين بقوة معرفتها وإيمانها بهاء العزة وجلالها وعظمتها وهذه ~~المعاينة هي نتيجة العقيدة الصحيحة المطابقة للحق في نفس الأمر المتلقاة من ~~مشكاة الوحي فلا يطمع فيها واقف مع أقيسة المتفلسفين وجدل المتكلمين ~~وخيالات المتصوفين PageV03P257 # قوله وتجذب القلوب إلى فناء الحضرة هو بكسر الفاء أي جانب الحضرة يعني أن ~~الأرواح لقوة طلبها وشدة شوقها تسوق القلوب وتجذبها إلى هناك فإن طلب الروح ~~وسيرها أقوى من طلب القلب وسيره كما كانت معاينتها أتم من معاينته # وبالجملة فأحكام الروح عندهم فوق أحكام القلب وأخص منها # والمقصود أن الروح متى عاينت الحق جذبت القوى كلها والقلب إلى حضرته ~~فينقاد معها انقيادا بلا استعصاء بخلاف جذب القلب فإن الجوارح قد تستعصي ~~عليه بعض الاستعصاء وتأبى شيئا من الإباء وأما جذب الروح فلا استعصاء معه ~~ولا إباء وبالله التوفيق $ فصل قال صاحب المنازل باب الحياة قال الله تعالى ~~@QB@ أو من كان ميتا فأحييناه @QE@ # استشهاده بهذه الآية في هذا الباب ظاهر جدا فإن المراد بها من كان ميت ~~القلب بعدم روح العلم والهدى والإيمان فأحياه الرب تعالى بروح أخرى غير ~~الروح التي أحيا بها بدنه وهي روح معرفته وتوحيده ومحبته وعبادته وحده لا ~~شريك له إذ لا حياة للروح إلا بذلك وإلا فهي في جملة الأموات ولهذا وصف ~~الله تعالى من عدم ذلك بالموت فقال @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء @QE@ وسمى وحيه روحا ~~لما يحصل ms1005 به من حياة القلوب والأرواح فقال تعالى @QB@ وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به ~~من نشاء من عبادنا @QE@ فأخبر أنه روح تحصل به الحياة وأنه نور تحصل به ~~الإضاءة وقال تعالى @QB@ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من ~~عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون @QE@ وقال تعالى @QB@ رفيع ~~الدرجات @QE@ PageV03P258 @QB@ ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من ~~عباده لينذر يوم التلاق @QE@ فالوحي حياة الروح كما أن الروح حياة البدن ~~ولهذا من فقد هذه الروح فقد فقد الحياة النافعة في الدنيا والآخرة أما في ~~الدنيا فحياته حياة البهائم وله المعيشة الضنك وأما في الآخرة فله جهنم لا ~~يموت فيها ولا يحيا # وقد جعل الله الحياة الطيبة لأهل معرفته ومحبته وعبادته فقال تعالى @QB@ ~~من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون @QE@ وقد فسرت الحياة الطيبة بالقناعة والرضى والرزق ~~الحسن وغير ذلك والصواب أنها حياة القلب ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان ~~ومعرفة الله ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه فإنه لا حياة أطيب من حياة ~~صاحبها ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة كما كان بعض العارفين يقول إنه ~~لتمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب ~~وقال غيره إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربا # وإذا كانت حياة القلب حياة طيبة تبعته حياة الجوارح فإنه ملكها ولهذا جعل ~~الله المعيشة الضنك لمن أعرض عن ذكره وهي عكس الحياة الطيبة # وهذه الحياة الطيبة تكون في الدور الثلاث أعني دار الدنيا ودار البرزخ ~~ودار القرار والمعيشة الضنك أيضا تكون في الدور الثلاث فالأبرار في النعيم ~~هنا وهنالك والفجار في الجحيم هنا وهنالك قال الله تعالى @QB@ للذين أحسنوا ~~في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير @QE@ وقال تعالى @QB@ وأن استغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي ms1006 فضل فضله ~~@QE@ فذكر الله سبحانه وتعالى ومحبته وطاعته والإقبال عليه ضامن لأطيب ~~الحياة في الدنيا والآخرة والإعراض عنه والغفلة ومعصيته كفيل بالحياة ~~المنغصة والمعيشة الضنك في الدنيا والآخرة PageV03P259 # | فصل قال صاحب المنازل الحياة في هذا الباب يشار بها إلى ثلاثة # اشياء الحياة الأولى حياة العلم من موت الجهل ولها ثلاثة أنفاس نفس الخوف ~~ونفس الرجاء ونفس المحبة # قوله الحياة في هذا الباب يريد الحياة الخاصة التي يتكلم عليها القوم دون ~~الحياة العامة المشتركة بين الحيوان كله بل بين الحيوان والنبات وللحياة ~~مراتب ونحن نشير إليها # المرتبة الأولى حياة الأرض بالنبات قال تعالى ولله أنزل من السماء ماء ~~فأحيى به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون وقال في الماء @QB@ ~~وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج @QE@ وقال @QB@ وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا لنحيي به بلدة ميتا @QE@ وجعل هذه الحياة دليلا على الحياة يوم ~~المعاد وهذه حياة حقيقة في هذه المرتبة مستعملة في في كل لغة جارية على ~~ألسن الخاصة والعامة قال الشاعر يمدح عبد المطلب # بشيبة الحمد أحيا الله بلدتنا % لما فقدنا الحيا وأجلوز المطر # وهذا أكثر من أن نذكر شواهده # المرتبة الثانية حياة النمو والاغتذاء وهذه الحياة مشتركة بين النبات ~~والحيوان الذي يعيش بالغذاء قال الله تعالى @QB@ وجعلنا من الماء كل شيء حي ~~@QE@ # وقد اختلف الفقهاء في الشعور هل تحلها الحياة على قولين والصواب أنها ~~تحلها حياة النمو والغذاء دون الحسن والحركة ولهذا لا تنجس بالموت إذ لو ~~أوجب لها فراق النمو والاغتذاء النجاسة لنجس الزرع والشجر لمفارقته هذه ~~الحياة له ولهذا كان الجمهور على أن الشعور لا تنجس بالموت PageV03P260 # المرتبة الثالثة حياة الحيوان المغتذي بقدر زائد على نموه واغتذائه وهي ~~إحساسه وحركته ولهذا يألم بورود الكيفيات المؤلمة عليه وبتفرق الاتصال ونحو ~~ذلك وهذه الحياة فوق حياة النبات وهذه الحياة تقوى وتضعف في الحيوان الواحد ~~بحسب أحواله فحياته بعد الولادة أكمل منها وهو جنين في بطن أمه وحياته وهو ~~صحيح معافى أكمل منها وهو سقيم عليل # فنفس هذه ms1007 الحياة تتفاوت تفاوتا عظيما في محالها فحياة الحية أكمل من حياة ~~البعوضة ومن قال غير هذا فقد كابر الحس والعقل # المرتبة الرابعة حياة الحيوان الذي لا يغتذي بالطعام والشراب كحياة ~~الملائكة وحياة الأرواح بعد مفارقتها لأبدانها فإن حياتها أكمل من حياة ~~الحيوان المغتذي ولهذا لا يلحقها كلال ولا فتور ولا نوم ولا إعياء قال ~~تعالى @QB@ يسبحون الليل والنهار لا يفترون @QE@ وكذلك الأرواح إذا تخلصت ~~من هذه الأبدان وتجردت صار لها حياة أخرى أكمل من هذه إن كانت سعيدة وإن ~~كانت شقية كانت عمله ناصبة في العذاب # المرتبة الخامسة الحياة التي أشار إليها المصنف وهي حياة العلم من موت ~~الجهل فإن الجهل موت لأصحابه كما قيل # وفي الجهل قبل الموت موت لأهله % وأجسامهم قبل القبور قبور # وأرواحهم في وحشة من جسومهم % فليس لهم حتى النشور نشور PageV03P261 # فإن الجاهل ميت القلب والروح وإن كان حي البدن فجسده قبر يمشي به على وجه ~~الأرض قال الله تعالى @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به ~~في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها @QE@ وقال تعالى @QB@ إن هو ~~إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور @QE@ وشبههم في موت ~~قلوبهم بأهل القبور فإنهم قد ماتت أرواحهم وصارت أجسامهم قبورا لها فكما ~~أنه لا يسمع أصحاب القبور كذلك لا يسمع هؤلاء وإذا كانت الحياة هي الحس ~~والحركة وملزومهما فهذه القلوب لما لم تحس بالعلم والإيمان ولم تتحرك له ~~كانت ميتة حقيقة وليس هذا تشبيها لموتها بموت البدن بل ذلك موت القلب ~~والروح # وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد من كلام لقمان أنه قال لابنه يا بني ~~جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي ~~الأرض بوابل القطر وقال معاذ بن جبل تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية وطلبه ~~عبادة ومذاكرته ms1008 تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وبذله ~~لأهله قربة لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبل أهل الجنة وهو الأنيس في ~~الوحشة والصاحب في الغربة والمحدث في الخلوة والدليل على السراء والضراء ~~والسلاح على الأعداء والزين عند الأخلاء يرفع الله به أقواما فيجعلهم في ~~الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم ويقتدي بأفعالهم وينتهى إلى رأيهم ترغب ~~الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم يستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر ~~وهوامه وسباع البر وأنعامه لأن العلم حياة القلوب من الجهل ومصابيح الأبصار ~~من الظلم يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا ~~والآخرة التفكر فيه يعدل الصيام PageV03P262 ومدارسته تعدل القيام به توصل ~~الأرحام وبه يعرف الحلال من الحرام وهو إمام العمل والعمل تابع له يلهمه ~~السعداء ويحرمه الأشقياء رواه الطبراني وابن عبد البر وغيرهما وقد روي ~~مرفوعا إلى النبي والوقف أصح # والمقصود قوله لأن العلم حياة القلوب من الجهل فالقلب ميت وحياته بالعلم ~~والإيمان # | فصل المرتبة السادسة حياة الإرادة والهمة وضعف الإرادة والطلب من # ضعف حياة القلب وكلما كان القلب أتم حياة كانت همته أعلى وإرادته ومحبته ~~أقوى فإن الإرادة والمحبة تتبع الشعور بالمراد المحبوب وسلامة القلب من ~~الآفة التي تحول بينه وبين طلبه وإرادته فضعف الطلب وفتور الهمة إما من ~~نقصان الشعور والإحساس وإما من وجود الآفة المضعفة للحياة فقوة الشعور وقوة ~~الإرادة دليل على قوة الحياة وضعفهما دليل على ضعفها وكما أن علو الهمة ~~وصدق الإرادة والطلب من كمال الحياة فهو سبب إلى حصول أكمل الحياة وأطيبها ~~فإن الحياة الطيبة إنما تنال بالهمة العالية والمحبة الصادقة والإرادة ~~الخالصة فعلى قدر ذلك تكون الحياة الطيبة وأخس الناس حياة أخسهم همة ~~وأضعفهم محبة وطلبا وحياة البهائم خير من حياته كما قيل # نهارك يا مغرور سهو وغفلة % وليلك نوم والردى لك لازم # وتكدح فيما سوف تنكر غبه % كذلك في الدنيا تعيش البهائم # تسر بما يفنى وتفرح بالمنى % كما غر باللذات في النوم حالم # والمقصود أن حياة القلب بالعلم والإرادة والهمة والناس ms1009 إذا شاهدوا ذلك من ~~الرجل قالوا هو حي القلب وحياة القلب بدوام الذكر وترك الذنوب كما قال عبد ~~الله بن المبارك رحمه الله PageV03P263 # رأيت الذنوب تميت القلوب % وقد يورث الذل إدمانها # وترك الذنوب حياة القلوب % وخير لنفسك عصيانها # وهل أفسد الدين إلا الملو % ك وأحبار سوء ورهبانها # وباعوا النفوس ولم يربحوا % ولم يغل في البيع أثمانها # فقد رتع القوم في جيفة % يبين لذي اللب خسرانها # وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول من واظب على يا حي يا قيوم ~~لا إله إلا أنت كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر أربعين مرة أحيى الله بها ~~قلبه # وكما أن الله سبحانه جعل حياة البدن بالطعام والشراب فحياة القلب بدوام ~~الذكر والإنابة إلى الله وترك الذنوب والغفلة الجاثمة على القلب والتعلق ~~بالرذائل والشهوات المنقطعة عن قريب يضعف هذه الحياة ولا يزال الضعف يتوالى ~~عليه حتى يموت وعلامة موته أنه لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا كما قال عبد ~~الله بن مسعود أتدرون من ميت القلب الذي قيل فيه # ليس من مات فاستراح بميت % إنما الميت ميت الأحياء # قالوا ومن هو قال الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا # والرجل هو الذي يخاف موت قلبه لا موت بدنه إذ أكثر هؤلاء الخلق يخافون ~~موت أبدانهم ولا يبالون بموت قلوبهم ولا يعرفون من الحياة إلا الحياة ~~الطبيعية وذلك من موت القلب والروح فإن هذه الحياة الطبيعية شبيهة بالظل ~~الزائل والنبات السريع الجفاف والمنام الذي يخيل كأنه حقيقة فإذا استيقظ ~~عرف أنه كان خيالا كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو أن الحياة الدنيا ~~من أولها إلى آخرها أوتيها رجل واحد ثم جاءه الموت لكان بمنزلة من رأى في ~~منامه ما يسره ثم استيقظ فإذا ليس في يده شيء وقد قيل إن الموت موتان موت ~~إرادي وموت طبيعي فمن أمات نفسه موتا إراديا PageV03P264 كان موته الطبيعي ~~حياة له ومعنى هذا أن الموت الإرادي هو قمع الشهوات المردية وإخماد نيرانها ~~المحرقة وتسكين هوائجها ms1010 المتلفة فحينئذ يتفرغ القلب والروح للتفكر فيما فيه ~~كمال العبد ومعرفته والاشتغال به ويرى حينئذ أن إيثار الظل الزائل عن قريب ~~على العيش اللذيذ الدائم أخسر الخسران فأما إذا كانت الشهوات وافدة واللذات ~~مؤثرة والعوائد غالبة والطبيعة حاكمة فالقلب حينئذ إما أن يكون أسيرا ذليلا ~~أو مهزوما مخرجا عن وطنه ومستقره الذي لا قرار له إلا فيه أو قتيلا ميتا ~~وما لجرح به إيلام وأحسن أحواله أن يكون في حرب يدال له فيها مرة ويدال ~~عليه مرة فإذا مات العبد موته الطبيعي كانت بعده حياة روحه بتلك العلوم ~~النافعة والأعمال الصالحة والأحوال الفاضلة التي حصلت له بإماتة نفسه فتكون ~~حياته ههنا على حسب موته الإرادي في هذه الدار # وهذا موضع لا يفهمه إلا ألباء الناس وعقلاؤهم ولا يعمل بمقتضاه إلا أهل ~~الهمم العلية والنفوس الزكية الأبية # | فصل المرتبة السابعة من مراتب الحياة حياة الأخلاق والصفات # المحمودة التي هي حياة راسخة للموصوف بها فهو لا يتكلف الترقي في درجات ~~الكمال ولا يشق عليه لاقتضاء أخلاقه وصفاته لذلك بحيث لو فارقه ذلك لفارق ~~ما هو من طبيعته وسجيته فحياة من قد طبع على الحياء والعفة والجود والسخاء ~~والمروءة والصدق والوفاء ونحوها أتم من حياة من يقهر نفسه ويغالب طبعه حتى ~~يكون كذلك فإن هذا بمنزلة من تعارضه أسباب الداء وهو يعالجها ويقهرها ~~بأضدادها وذلك بمنزلة من قد عوفي من ذلك PageV03P265 # وكلما كانت هذه الأخلاق في صاحبها أكمل كانت حياته أقوى وأتم ولهذا كان ~~خلق الحياء مشتقا من الحياة اسما وحقيقة فأكمل الناس حياة أكملهم حياء ~~ونقصان حياء المرء من نقصان حياته فإن الروح إذا ماتت لم تحس بما يؤلمها من ~~القبائح فلا تستحي منها فإذا كانت صحيحة الحياة أحست بذلك فاستحيت منه ~~وكذلك سائر الأخلاق الفاضلة والصفات الممدوحة تابعة لقوة الحياة وضدها من ~~نقصان الحياة ولهذا كانت حياة الشجاع أكمل من حياة الجبان وحياة السخي أكمل ~~من حياة البخيل وحياة الفطن الذكي أكمل من حياة الفدم البليد ولهذا لما كان ~~الأنبياء صلوات ms1011 الله وسلامه عليهم أكمل الناس حياة حتى إن قوة حياتهم تمنع ~~الأرض أن تبلى أجسامهم كانوا أكمل الناس في هذه الأخلاق ثم الأمثل فالأمثل ~~من أتباعهم # فانظر الآن إلى حياة حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل ~~بعد ذلك زنيم وحياة جواد شجاع بر عادل عفيف محسن تجد الأول ميتا بالنسبة ~~إلى الثاني ولله در القائل # وما للمرء خير في حياة % إذ ما عد من سقط المتاع # | فصل المرتبة الثامنة من مراتب الحياة حياة الفرح والسرور وقرة # العين بالله وهذه الحياة إنما تكون بعد الظفر بالمطلوب الذي تقر به عين ~~طالبه فلا حياة نافعة له بدونه وحول هذه الحياة يدندن الناس كلهم وكلهم قد ~~أخطأ طريقها وسلك طرقا لا تفضي إليها بل تقطعه عنها إلا أقل القليل # فدار طلب الكل حول هذه الحياة وحرمها أكثرهم # وسبب حرمانهم إياها ضعف العقل والتمييز والبصيرة وضعف الهمة والإرادة فإن ~~مادتها بصيرة وقادة وهمة نقادة والبصيرة كالبصر تكون عمى وعورا وعمشا ~~PageV03P266 ورمدا وتامة النور والضياء وهذه الآفات قد تكون لها بالخلقة في ~~الأصل وقد تحدث فيها بالعوارض الكسبية # والمقصود أن هذه المرتبة من مراتب الحياة هي أعلى مراتبها ولكن كيف يصل ~~إليها من عقله مسبي في بلاد الشهوات وأمله موقوف على اجتناء اللذات وسيرته ~~جارية على أسوأ العادات ودينه مستهلك بالمعاصي والمخالفات وهمته واقفة مع ~~السفليات وعقيدته غير متلقاة من مشكاة النبوات # فهو في الشهوات منغمس وفي الشبهات منتكس وعن الناصح معرض وعلى المرشد ~~معترض وعن السراء نائم وقلبه في كل واد هائم فلو أنه تجرد من نفسه ورغب عن ~~مشاركة أبناء جنسه وخرج من ضيق الجهل إلى فضاء العلم ومن سجن الهوى إلى ~~ساحة الهدى ومن نجاسة النفس إلى طهارة القدس لرأى الإلف الذي نشأ بنشأته ~~وزاد بزيادته وقوى بقوته وشرف عند نفسه وأبناء جنسه بحصوله وسد قذى في عين ~~بصيرته وشجا في حلق إيمانه ومرضا متراميا إلى هلاكه # فإن قلت قد أشرت إلى حياة غير معهودة بين أموات الأحياء ms1012 فهل يمكنك وصف ~~طريقها لأصل إلى شيء من أذواقها فقد بان لي أن ما نحن فيه من الحياة حياة ~~بهيمية ربما زادت علينا فيها البهائم بخلوها عن المنكرات والمنغصات وسلامة ~~العاقبة # قلت لعمر الله إن اشتياقك إلى هذه الحياة وطلب علمها ومعرفتها لدليل على ~~حياتك وأنك لست من جملة الأموات # فأول طريقها أن تعرف الله وتهتدي إليه طريقا يوصلك إليه ويحرق ظلمات ~~الطبع بأشعة البصيرة فيقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة فينجذب PageV03P267 ~~إليها بكليته ويزهد في التعلقات الفانية ويدأب في تصحيح التوبة والقيام ~~بالمأمورات الظاهرة والباطنة وترك المنهيات الظاهرة والباطنة ثم يقوم حارسا ~~على قلبه فلا يسامحه بخطرة يكرهها الله ولا بخطرة فضول لا تنفعه فيصفو بذلك ~~قلبه عن حديث النفس ووسواسها فيفدى من أسرها ويصير طليقا فحينئذ يخلو قلبه ~~بذكر ربه ومحبته والإنابة إليه ويخرج من بين بيوت طبعه ونفسه إلى فضاء ~~الخلوة بربه وذكره كما قيل # وأخرج من بين البيوت لعلني % أحدث عنك النفس في السر خاليا # فحينئذ يجتمع قلبه وخواطره وحديث نفسه على إرادة ربه وطلبه والشوق إليه # فإذا صدق في ذلك رزق محبة الرسول واستولت روحانيته على قلبه فجعله إمامه ~~ومعلمه وأستاذه وشيخه وقدوته كما جعله الله نبيه ورسوله وهاديا إليه فيطالع ~~سيرته ومبادئ أمره وكيفية نزول الوحي عليه ويعرف صفاته وأخلاقه وآدابه في ~~حركاته وسكونه ويقظته ومنامه وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه حتى يصير كأنه ~~معه من بعض أصحابه # فإذا رسخ قلبه في ذلك فتح عليه بفهم الوحي المنزل عليه من ربه بحيث لو ~~قرأ السورة شاهد قلبه ما أنزلت فيه وما أريد بها وحظه المختص به منها من ~~الصفات والأخلاق والأفعال المذمومة فيجتهد في التخلص منها كما يجتهد في ~~الشفاء من المرض المخوف وشاهد حظه من الصفات والأفعال الممدوحة فيجتهد في ~~تكميلها وإتمامها # فإذا تمكن من ذلك انفتح في قلبه عين أخرى يشاهد بها صفات الرب جل جلاله ~~حتى تصير لقلبه بمنزلة المرئي لعينه فيشهد علو الرب سبحانه فوق خلقه ~~واستواءه على عرشه ونزول الأمر ms1013 من عنده بتدبير مملكته وتكليمه PageV03P268 ~~بالوحي وتكليمه لعبده جبريل به وإرساله إلى من يشاء بما يشاء وصعود الأمور ~~إليه وعرضها عليه # فيشاهد قلبه ربا قاهرا فوق عباده آمرا ناهيا باعثا لرسله منزلا لكتبه ~~معبودا مطاعا لا شريك له ولا مثيل ولا عدل له ليس لأحد معه من الأمر شيء بل ~~الأمر كله له فيشهد ربه سبحانه قائما بالملك والتدبير فلا حركة ولا سكون ~~ولا نفع ولا ضر ولا عطاء ولا منع ولا قبض ولا بسط إلا بقدرته وتدبيره فيشهد ~~قيام الكون كله به وقيامه سبحانه بنفسه فهو القائم بنفسه المقيم لكل ما ~~سواه # فإذا رسخ قلبه في ذلك شهد الصفة المصححة لجميع صفات الكمال وهي الحياة ~~التي كمالها يستلزم كمال السمع والبصر والقدرة والإرادة والكلام وسائر صفات ~~الكمال وصفة القيومية الصحيحة المصححة لجميع الأفعال فالحي القيوم من له كل ~~صفة كمال وهو الفعال لما يريد # فإذا رسخ قلبه في ذلك فتح له مشهد القرب والمعية فيشهده سبحانه معه غير ~~غائب عنه قريبا غير بعيد مع كونه فوق سماواته على عرشه بائنا من خلقه قائما ~~بالصنع والتدبير والخلق والأمر فيحصل له مع التعظيم والإجلال الأنس بهذه ~~الصفة فيأنس به بعد أن كان مستوحشا ويقوى به بعد أن كان ضعيفا ويفرح به بعد ~~أن كان حزينا ويجد بعد أن كان فاقدا فحينئذ يجد طعم قوله ولا يزال عبدي ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ~~يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن ~~استعاذني لأعيذنه # فأطيب الحياة على الإطلاق حياة هذا العبد فإنه محب محبوب متقرب إلى ربه ~~وربه قريب منه قد صار له حبيبه لفرط استيلائه على قلبه ولهجه بذكره وعكوف ~~همته على مرضاته بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله وهذه PageV03P269 آلات ~~إدراكه وعمله وسعيه فإن سمع سمع بحبيبه وإن أبصر أبصر به وإن بطش بطش به ~~وإن مشى مشى به # فإن صعب عليك فهم هذا المعنى وكون المحب ms1014 الكامل المحبة يسمع ويبصر ويبطش ~~ويمشي بمحبوبه وذاته غائبة عنه فأضرب عنه صفحا وخل هذا الشأن لأهله # خل الهوى لأناس يعرفون به % قد كابدوا الحب حتى لان أصبعه # فإن السالك إلى ربه لا تزال همته عاكفة على أمرين استفراغ القلب في صدق ~~الحب وبذل الجهد في امتثال الأمر فلا يزال كذلك حتى يبدو على سره شواهد ~~معرفته وآثار صفاته وأسمائه ولكن يتوارى عنه ذلك أحيانا ويبدو أحيانا يبدو ~~من عين الجود ويتوارى بحكم الفترة والفترات أمر لازم للعبد فكل عامل له شرة ~~ولكل شرة فترة فأعلاها فترة الوحي وهي للأنبياء وفترة الحال الخاص للعارفين ~~وفترة الهمة للمريدين وفترة العمل للعابدين وفي هذه الفترات أنواع من ~~الحكمة والرحمة والتعرفات الإلهية وتعريف قدر النعمة وتجديد الشوق إليها ~~ومحض التواجد إليها وغير ذلك # ولا تزال تلك الشواهد تتكرر وتتزايد حتى تستقر وينصبغ بها قلبه وتصير ~~الفترة غير قاطعة له بل تكون نعمة عليه وراحة له وترويحا وتنفيسا عنه # فهمة المحب إذا تعلقت روحه بحبيبه عاكفا على مزيد محبته وأسباب قوتها فهو ~~يعمل على هذا ثم يترقى منه إلى طلب محبة حبيبه له فيعمل على حصول ذلك ولا ~~يعدم الطلب الأول ولا يفارقه ألبتة بل يندرج في هذا الطلب الثاني فتتعلق ~~همته بالأمرين جميعا فإنه إنما يحصل له منزلة كنت سمعه الذي يسمع به وبصره ~~الذي يبصر به بهذا الأمر الثاني وهو كونه محبوبا لحبيبه كما قال في الحديث ~~فإذا أحببته كنت سمعه وبصره الخ فهو يتقرب إلى ربه حفظا لمحبته له واستدعاء ~~لمحبة ربه له PageV03P270 # فحينئذ يشد مئزر الجد في طلب محبة حبيبه له بأنواع التقرب إليه فقلبه ~~للمحبة والانابة والتوكل والخوف والرجاء ولسانه للذكر وتلاوة كلام حبيبه ~~وجوارحه للطاعات فهو لا يفتر عن التقرب من حبيبه # وهذا هو السير المفضي إلى هذه الغاية التي لا تنال إلا به ولا يتوصل ~~إليها إلا من هذا الباب وهذه الطريق وحينئذ تجمع له في سيره جميع متفرقات ~~السلوك من الحضور والهيبة والمراقبة ونفي الخواطر وتخلية ms1015 الباطن # فإن المحب يشرع أولا في التقربات بالأعمال الظاهرة وهي ظاهر التقرب ثم ~~يترقى من ذلك إلى حال التقرب وهو الانجذاب إلى حبيبه بكليته بروحه وقلبه ~~وعقله وبدنه ثم يترقى من ذلك إلى حال الإحسان فيعبد الله كأنه يراه فيتقرب ~~إليه حينئذ من باطنه بأعمال القلوب من المحبة والإنابة والتعظيم والإجلال ~~والخشية فينبعث حينئذ من باطنه الجود ببذل الروح والجود في محبة حبيبه بلا ~~تكلف فيجود بروحه ونفسه وأنفاسه وإرادته وأعماله لحبيبه حالا لا تكلفا فإذا ~~وجد المحب ذلك فقد ظفر بحال التقرب وسره وباطنه وإن لم يجده فهو يتقرب ~~بلسانه وبدنه وظاهره فقط فليدم على ذلك وليتكلف التقرب بالإذكار والأعمال ~~على الدوام فعساه أن يحظى بحال القرب # ووراء هذا القرب الباطن أمر آخر أيضا وهو شيء لا يعبر عنه بأحسن من عبارة ~~أقرب الخلق إلى الله عن هذا المعنى حيث يقول حاكيا عن ربه تبارك وتعالى من ~~تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن ~~أتاني يمشي أتيته هرولة فيجد هذا المحب في باطنه ذوق معنى هذا الحديث ذوقا ~~حقيقيا # فذكر من مراتب القرب ثلاثة ونبه بها على ما دونها وما فوقها فذكر تقرب ~~العبد إليه بالبر وتقربه سبحانه إلى العبد ذراعا فإذا ذاق العبد حقيقة هذا ~~التقرب انتقل منه إلى تقرب الذراع فيجد ذوق تقرب الرب إليه باعا فإذا ~~PageV03P271 ذاق حلاوة هذا القرب الثاني أسرع المشي حينئذ إلى ربه فيذوق ~~حلاوة إتيانه إليه هرولة وههنا منتهى الحديث منبها على أنه إذا هرول عبده ~~إليه كان قرب حبيبه منه فوق هرولة العبد إليه فإما أن يكون قد أمسك عن ذلك ~~لعظيم شاهد الجزاء أو لأنه يدخل في الجزاء الذي لم تسمع به أذن ولم يخطر ~~على قلب بشر أو إحالة له على المراتب المتقدمة فكأنه قيل له وقس على هذا ~~فعلى قدر ما تبذل منك متقربا إلى ربك يتقرب إليك بأكثر منه وعلى هذا فلازم ~~هذا التقرب المذكور في مراتبه أي من تقرب ms1016 إلى حبيبه بروحه وجميع قواه ~~وإرادته وأقواله وأعماله تقرب الرب منه سبحانه بنفسه في مقابلة تقرب عبده ~~إليه # وليس القرب في هذه المراتب كلها قرب مسافة حسية ولا مماسة بل هو قرب ~~حقيقي والرب تعالى فوق سماواته على عرشه والعبد في الأرض # وهذا الموضع هو سر السلوك وحقيقة العبودية وهو معنى الوصول الذي يدندن ~~حوله القوم # وملاك هذا الأمر هو قصد التقرب أولا ثم التقرب ثانيا ثم حال القرب ثالثا ~~وهو الانبعاث بالكلية إلى الحبيب # وحقيقة هذا الانبعاث أن تفنى بمراده عن هواك وبما منه عن حظك بل يصير ذلك ~~هو مجموع حظك ومرادك وقد عرفت أن من تقرب إلى حبيبه بشيء من الأشياء جوزي ~~على ذلك بقرب هو أضعافه وعرفت أن أعلى أنواع التقرب تقرب العبد بجملته ~~بظاهره وباطنه وبوجوده إلى حبيبه فمن فعل ذلك فقد تقرب بكله ولم تبق منه ~~بقية لغير حبيبه كما قيل # لا كان من لسواك فيه بقية % يجد السبيل بها إليه العذل # وإذا كان المتقرب إليه بالأعمال يعطي أضعاف أضعاف ما تقرب به فما ~~PageV03P272 الظن بمن أعطي حال التقرب وذوقه ووجده فما الظن بمن تقرب إليه ~~بروحه وجميع إرادته وهمته وأقواله وأعماله # وعلى هذا فكما جاد لحبيبه بنفسه فإنه أهل أن يجاد عليه بأن يكون ربه ~~سبحانه هو حظه ونصيبه عوضا عن كل شيء جزاءا وفاقا فإن الجزاء من جنس العمل ~~وشواهد هذا كثيرة # منها قوله تعالى @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ ففرق بين الجزائين كما ترى وجعل جزاء ~~المتوكل عليه كونه سبحانه حسبه وكافيه # ومنها أن الشهيد لما بذل حياته لله أعاضه الله سبحانه حياة أكمل منها ~~عنده في محل قربه وكرامته # ومنها أن من بذل لله شيئا أعاضه الله خيرا منه # ومنها قوله تعالى @QB@ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون @QE@ # ومنها قوله في الحديث القدسي من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني ~~في ملأ ذكرته في ملإ خير ms1017 منه # ومنها قوله من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا الحديث # فالعبد لا يزال رابحا على ربه أفضل مما قدم له وهذا المتقرب بقلبه وروحه ~~وعمله يفتح عليه ربه بحياة لا تشبه ما الناس فيه من أنواع الحياة بل حياة ~~من ليس كذلك بالنسبة إلى حياته كحياة الجنين في بطن أمه بالنسبة إلى حياة ~~أهل الدنيا ولذتهم فيها بل أعظم من ذلك # فهذا نموذج من بيان شرف هذه الحياة وفضلها وإن كان علم هذا يوجب لصاحبه ~~حياة طيبة فكيف إن انصبغ القلب به وصار حالا ملازما لذاته فالله المستعان ~~PageV03P273 # فهذه الحياة هي حياة الدنيا ونعيمها في الحقيقة فمن فقدها فقده لحياته ~~الطبيعية أولى به # هذي حياة الفتى فإن فقدت % ففقده للحياة أليق به # فلا عيش إلا عيش المحبين الذين قرت أعينهم بحبيبهم وسكنت نفوسهم إليه ~~واطمأنت قلوبهم به واستأنسوا بقربه وتنعموا بحبه ففي القلب فاقة لا يسدها ~~إلا محبة الله والإقبال عليه والإنابة إليه ولا يلم شعثه بغير ذلك ألبتة ~~ومن لم يظفر بذلك فحياته كلها هموم وغموم وآلام وحسرات فإنه إن كان ذا همة ~~عالية تقطعت نفسه على الدنيا حسرات فإن همته لا ترضى فيها بالدون وإن كان ~~مهينا خسيسا فعيشه كعيش أخس الحيوانات فلا تقر العيون إلا بمحبة الحبيب ~~الأول # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى % ما الحب إلا للحبيب الأول # كم منزل في الأرض يألفه الفتى % وحنينه أبدا لأول منزل # | فصل المرتبة التاسعة من مراتب الحياة حياة الأرواح بعد مفارقتها # الأبدان وخلاصها من هذا السجن وضيقه فإن من روائه فضاء وروحا وريحانا ~~وراحة نسبة هذه الدار إليه كنسبة بطن الأم إلى هذه الدار أو أدنى من ذلك ~~قال بعض العارفين لتكن مبادرتك إلى الخروج من الدنيا كمبادرتك إلى الخروج ~~من السجن الضيق إلى أحبتك والاجتماع بهم في البساتين المونقة قال الله ~~تعالى في هذه الحياة @QB@ فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم ~~@QE@ # ويكفي في طيب هذه الحياة مرافقة الرفيق الأعلى ومفارقة الرفيق المؤذي ~~المنكد الذي ms1018 تنغص رؤيته ومشاهدته الحياة فضلا عن مخالطته وعشرته إلى الرفيق ~~الأعلى الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~وحسن أولئك رفيقا في جوار الرب الرحمن الرحيم PageV03P274 # قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا % في الموت ألف فضيلة لا تعرف # منها أمان لقائه بلقائه % وفراق كل معاشر لا ينصف # ولو لم يكن في الموت من الخير إلا أنه باب الدخول إلى هذه الحياة وجسر ~~يعبر منه إليها لكفي به تحفة المؤمن # جزى الله عنا الموت خيرا فإنه % أبر بنا من كل بر وألطف # يعجل تخليص النفوس من الأذى % ويدني إلى الدار التي هي أشرف # فالاجتهاد في هذا العمر القصير والمدة القليلة والسعي والكدح وتحمل ~~الأثقال والتعب والمشقة إنما هو لهذه الحياة والعلوم والأعمال وسيلة إليها ~~وهي يقضه وما قبلها من الحياة نوم وهي عين وما قبلها أثر وهي حياة جامعة ~~بين فقد المكروه وحصول المحبوب في مقام الأنس وحضرة القدس حيث لا يتعذر ~~مطلوب ولا يفقد محبوب حيث الطمأنينة والراحة والبهجة والسرور حيث لا عبارة ~~للعبد عن حقيقة كنهها لأنها في بلد لا عهد لنا به ولا إلف بيننا وبين ساكنه ~~فالنفس لإلفها لهذا السجن الضيق النكد زمانا طويلا تكره الانتقال منه إلى ~~ذلك البلد وتستوحش إذا استشعرت مفارقته # وحصول العلم بهذه الحياة إنما وصل إلينا بخبر إلهي على يد أكمل الخلق ~~وأعلمهم وأنصحهم فقامت شواهدها في قلوب أهل الإيمان حتى صارت لهم بمنزلة ~~العيان ففرت نفوسهم من هذا الظل الزائل والخيال المضمحل والعيش الفاني ~~المشوب بالتنغيص وأنواع الغصص رغبة في هذه الحياة وشوقا إلى ذلك الملكوت ~~ووجدا بهذا السرور وطربا على هذا الحد واشتياقا لهذا النسيم الوارد من محل ~~النعيم المقيم # ولعمر الله إن من سافر إلى بلد العدل والخصب والأمن والسرور صبر في طريقه ~~على كل مشقة وإعواز وجدب وفارق المتخلفين أحوج ما كان إليهم وأجاب المنادي ~~إذا نادى به حي على الفلاح وبذل نفس في الوصول بذل PageV03P275 المحب ~~بالرضى والسماح وواصل السير بالغدو والرواح فحمد عند الوصول ms1019 مسراه وإنما ~~يحمد المسافر السري عند الصباح # عند الصباح يحمد القوم السري % وفي الممات يحمد القوم اللقا # وما هذا والله بالصعب ولا بالشديد مع هذا العمر القصير الذي هو بالنسبة ~~إلى تلك الدار كساعة من نهار @QB@ كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ~~ساعة من نهار @QE@ @QB@ ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار ~~يتعارفون بينهم @QE@ @QB@ كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ~~@QE@ @QB@ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة @QE@ @QB@ قال ~~كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال ~~إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون @QE@ فلو أن أحدنا يجر على وجهه ~~يتقي به الشوك والحجارة إلى هذه الحياة لم يكن ذلك كثيرا ولا غبنا في جنب ~~ما يوقاه # فواحسرتاه على بصيرة شاهدت هاتين الحياتين على ما هما عليه وعلى همة تؤثر ~~الأدنى على الأعلى وما ذاك إلا بتوفيق من أزمة الأمور بيديه ومنه ابتداء كل ~~شيء وانتهاؤه إليه أقعد نفوس من غلبت عليهم الشقاوة عن السفر إلى هذه الدار ~~وجذب قلوب من سبقت لهم منه الحسنى وأقامهم في الطريق وسهل عليهم ركوب ~~الأخطار فأضاع أولئك مراحل أعمارهم مع المتخلفين وقطع هؤلاء مراحل أعمارهم ~~مع السائرين وعقدت الغبرة وثار العجاج فتوارى عنه السائرون والمتخلفون ~~وسينجلي عن قريب فيفوز العاملون ويخسر المبطلون # ومن طيب هذه الحياة ولذتها قال النبي ما من نفس تموت لها عند الله خير ~~يسرها أن ترجع إلى الدنيا وأن لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد فإنه يتمنى ~~الرجوع إلى الدنيا لما يرى من كرامة الله له يعني ليقتل فيه مرة أخرى وسمع ~~بعض العارفين منشدا ينشد PageV03P276 # إنما العيش في بهيمية الل % ذة لا ما يقوله الفلسفي # حكم كأس المنون أن يتساوى % في حساها البليد والألمعي # ويصير الغبي تحت ثرى الأر % ض كما صار تحتها اللوذعي # فسل الأرض عنهما إن أزال الش % ك والشبهة السؤال الجلي # فقال قاتله الله ما أشد معاندته للدين والعقل ms1020 هذا نفس عدو الفطرة ~~والشريعة والعقل والإيمان والحكمة يا مسكين أمن أجل أن الموت تساوى فيه ~~الصالح والطالح والعالم والجاهل وصاروا جميعا تحت أطباق الثرى أيجب أن ~~يتساووا في العاقبة أما تساوى قوم سافروا من بلد إلى بلد في الطريق فلما ~~بلغوا القصد نزل كل واحد في مكان كان معد له وتلقى بغير ما تلقى به رفيقه ~~في الطريق أما لكل قوم دار فأجلس كل واحد منهم حيث يليق به وقوبل هذا بشيء ~~وهذا بضده أما قدم على الملك من جاءه بما يحبه فأكرمه عليه ومن جاءه بما ~~يسخطه فعاقبه عليه أما قدم ركب المدينة فنزل بعضهم في قصورها وبساتينها ~~وأماكنها الفاضلة ونزل قوم على قوارع الطريق بين الكلاب أما قدم اثنان من ~~بطن الأم الواحدة فصار هذا إلى الملك وهذا إلى الأسر والعناء # وقولك سل الأرض عنهما أما إنا قد سألناها فأخبرتنا أنها قد ضمت أجسادهم ~~وجثثهم وأوصالهم لا كفرهم وإيمانهم ولا أنسابهم وأحسابهم ولا حلمهم وسفههم ~~ولا طاعتهم وجثثهم ومعصيتهم ولا يقينهم وشكهم ولا توحيدهم PageV03P277 ~~وشركهم ولا جورهم وعدلهم ولا علمهم وجهلهم فأخبرتنا عن هذه الجثث البالية ~~والأبدان المتلاشية والأوصال المتمزقة وقالت هذا خبر ما عندي # وأما خبر تلك الأرواح وما صارت إليه فسلوا عنها كتب رب العالمين ورسله ~~الصادقين وخلفاءهم الوارثين سلوا القرآن فعنده الخبر اليقين وسلوا من جاء ~~به فهو بذلك أعرف العارفين وسلوا العلم والإيمان فهما الشاهدان المقبولان ~~وسلوا العقول والفطر فعندها حقيقة الخبر @QB@ أم حسب الذين اجترحوا السيئات ~~أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ~~@QE@ تعالى الله أحكم الحاكمين عن هذا الظن والحسبان الذي لا يليق إلا ~~بأجهل الجاهلين # ثم قال الناظر في هذا الباب رجلان رجل ينظر إلى الأشياء ورجل ينظر في ~~الأشياء فالأول يحار فيها فإن صورها وأشكالها وتخاطيطها تستفرغ ذهنه وحسه ~~وتبدد فكره وقلبه فنظره إليها بعين حسه لا يفيده منها ثمرة الاعتبار ولا ~~زبدة الاختبار لأنه لما فقد الاعتبار أولا فإنه فقد الاختيار ثانيا # وأما ms1021 الناظر في الأشياء فإن نظره يبعثه على العبور من صورها إلى حقائقها ~~والمراد بها وما اقتضى وجودها من الحكمة البالغة والعلم التام فيفيده هذا ~~النظر تمييز مراتبها ومعرفة نافعها من ضارها وصحيحها من سقيمها وباقيها من ~~فانيها وقشرها من لبها ويميز بين الوسيلة والغاية وبين وسيلة الشيء ووسيلة ~~ضده فيعرف حينئذ أن الدينا قشر والآخرة لبه وأن الدنيا محل الزرع والآخرة ~~وقت الحصاد وأن الدنيا معبر وممر والآخرة دار مستقر # وإذا عرف أن الدنيا طريق وممر كان حريا بتهيئه الزاد لقراره ويعلم ~~PageV03P278 حينئذ أنه لم ينشأ في هذه الدار للاستيطان والخلود ولكن للجواز ~~إلى مكان آخر هو المنزل والمتبوأ وأن الإنسان دعي إلى ذلك بكل شريعة وعلى ~~لسان كل نبي وبكل إشارة ودليل ونصب له على ذلك علم وضرب لأجله كل مثل ونبه ~~عليه بنشأته الأولى ومبادئه وسائر أحواله وأحوال طعامه وشرابه وأرضه وسمائه ~~بحيث أزيلت عنه الشبهة وأوضحت له المحجة وأقيمت عليه الحجة وأعذر إليه غاية ~~الإعذار وأمهل أتم الإمهال فاستبان لذي العقل الصحيح والفطرة السليمة أن ~~الظعن عن هذا المكان ضروري والانتقال عنه حق لا مرية فيه وأن له محلا آخر ~~له قد أنشئ ولأجله قد خلق وله هيئ فمصيره إليه وقدومه بلا ريب عليه وأن ~~داره هذه منزل عبور لا منزل قرار # وبالجملة من نظر في الموجودات ولم يقنع بمجرد النظر إليها وحدها وجدها ~~دالة على أن وراء هذه الحياة حياة أخرى أكمل منها وأن هذه الحياة بالنسبة ~~إليها كالمنام بالنسبة إلى اليقظة وكالظل بالنسبة إلى الشخص وسمعها كلها ~~تنادي بما نادى به ربها وخالقها وفاطرها @QB@ يا أيها الناس إن وعد الله حق ~~فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور @QE@ وتنادى بلسان الحال ~~بما نادى به ربها بصريح المقال @QB@ واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان ~~الله على كل شيء مقتدرا @QE@ وقال تعالى @QB@ إنما مثل الحياة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ms1022 مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا ~~أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو ~~نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر ~~بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج ~~فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان ~~@QE@ PageV03P279 @QB@ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور @QE@ ثم ندبهم ~~إلى المسابقة إلى الدار الآخرة الباقية التي لا زوال لها فقال @QB@ سابقوا ~~إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ~~ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم @QE@ # وسمع بعض العارفين منشدا ينشد عن بعض الزنادقة عند موته وهو محمد ابن ~~زكريا الرازي المتطبب # لعمري ما أدري وقد اذن البلى % بعاجل ترحالي إلى أين ترحالي # وأين محل الروح بعد خروجه % عن الهيكل المنحل والجسد البالي # فقال وما علينا من جهله إذا لم يدر أين ترحاله ولكننا ندري إلى أين ~~ترحالنا وترحاله أما ترحاله فإلى دار الأشقياء ومحل المنكرين لقدرة الله ~~وحكمته والمكذبين بما اتفقت عليه كلمة المرسلين عن ربهم @QB@ أولئك الذين ~~كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~@QE@ @QB@ وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم ~~كافرون قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ولو ترى إذ ~~المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا ~~موقنون @QE@ # وأما ترحالنا أيها المسلمون المصدقون بلقاء ربهم وكتبه ورسله فإلى نعيم ~~دائم وخلود متصل ومقام كريم وجنة عرضها السموات والأرض في جوار رب العالمين ~~وأرحم الراحمين وأقدر القادرين وأحكم الحاكمين الذي له الخلق والأمر وبيده ~~النفع والضر الأول بالحق الموجود بالضرورة المعروف بالفطرة الذي أقرت به ~~العقول ودلت عليه كل الموجودات وشهدت بوحدانيته وربوبيته جميع المخلوقات ~~وأقرت بها الفطر المشهود وجوده وقيوميته بكل حركة ms1023 وسكون بكل ما كان وما هو ~~كائن وما سيكون الذي خلق السماوات والأرض PageV03P280 وأنزل من السماء ماء ~~فأنبتنا به حدائق ذات بهجة من أنواع النباتات وبث به في الأرض جميع ~~الحيوانات @QB@ أم من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي ~~وجعل بين البحرين حاجزا @QE@ الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويغيث الملهوف إذا ~~ناداه ويكشف السوء ويفرج الكربات ويقيل العثرات الذي يهدي خلقه في ظلمات ~~البر والبحر ويرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته فيحبي الأرض بوابل القطر الذي ~~يبدأ الخلق ثم يعيده ويرزق من في السماوات والأرض من خلقه وعبيده الذي يملك ~~السمع والأبصار والأفئدة ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويدبر ~~الأمر الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه الذي له ملك السموات ~~والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا ~~المستعان به على كل نائبة وفادحة والمعهود منه كل بر وكرامة الذي عنت له ~~الوجوه وخشعت له الأصوات وسبحت بحمده الأرض والسموات وجميع الموجودات الذي ~~لا تسكن الأرواح إلا بحبه ولا تطمئن القلوب إلا بذكره ولا تزكو العقول إلا ~~بمعرفته ولا يدرك النجاح إلا بتوفيقه ولا تحيا القلوب إلا بنسيم لطفه وقربه ~~ولا يقع أمر إلا بإذنه ولا يهتدي ضال إلا بهدايته ولا يستقيم ذو أود إلا ~~بتقويمه ولا يفهم أحد إلا بتفهيمه ولا يتخلص من مكروه إلا برحمته ولا يحفظ ~~شيء إلا بكلاءته ولا يفتتح أمر إلا باسمه ولا يتم إلا بحمده ولا يدرك مأمول ~~إلا بتيسيره ولا تنال سعادة إلا بطاعته ولا حياة إلا بذكره ومحبته ومعرفته ~~ولا طابت الجنة إلا بسماع خطابه ورؤيته الذي وسع كل شيء رحمة وعلما وأوسع ~~كل مخلوق فضلا وبرا # فهو الإله الحق والرب الحق والملك الحق والمنفرد بالكمال المطلق من كل ~~الوجوه المبرأ عن النقائص والعيوب من كل الوجوه لا يبلغ المثنون وإن ~~PageV03P281 استوعبوا جميع الأوقات بكل أنواع الثناء ثناء عليه بل ثناؤه ~~أعظم من ذلك فهو ms1024 كما أثنى على نفسه هذا الجار # وأما الدار فلا تعلم نفس حسنها وبهاءها وسعتها ونعيمها وبهجتها وروحها ~~وراحتها فيها مالا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيها ما تشتهي ~~الأنفس وتلذ الأعين فهي الجامعة لجميع أنواع الأفراح والمسرات الخالية من ~~جميع المنكدات والمنغصات ريحانة تهتز وقصر مشيد وزوجة حسناء وفاكهة نضيجة # فتر حالنا أيها الصادقون المصدقون إلى هذه الدار بإذن ربنا وتوفيقه ~~وإحسانه # وترحال الكاذبين المكذبين إلى الدار التي أعدت لمن كفر بالله ولقائه ~~وكتبه ورسله # ولن يجمع الله بين الموحدين له الطالبين لمرضاته الساعين في طاعته ~~الدائبين في خدمته المجاهدين في سبيله وبين الملحدين الساعين في مساخطه ~~الدائبين في معصيته المستفرغين جهدهم في أهوائهم وشهواتهم في دار واحدة إلا ~~على سبيل الجواز والعبور كما جمع بينهما في هذه الدنيا ويجمع بينهم في موقف ~~القيامة فحاشاه من هذا الظن السيء الذي لا يليق بكماله وحكمته # | فصل وفي هذه المرتبة تعلم حياة الشهداء وأنهم عند ربهم يرزقون # وأنها أكمل من حياتهم في هذه الدنيا وأتم وأطيب وإن كانت أجسادهم متلاشية ~~ولحومهم متمزقة وأوصالهم متفرقة وعظامهم نخرة فليس العمل على الطلل وإنما ~~الشأن في الساكن قال الله تعالى @QB@ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تقولوا لمن يقتل ~~في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون @QE@ وإذا كان الشهداء إنما ~~نالوا هذه PageV03P282 الحياة بمتابعة الرسل وعلى أيديهم فما الظن بحياة ~~الرسل في البرزخ ولقد أحسن القائل ما شاء # فالعيش نوم والمنية يقظة % والمرء بينهما خيال ساري # فللرسل والشهداء والصديقين من هذه الحياة التي هي يقظة من نوم الدنيا ~~أكملها وأتمها وعلى قدر حياة العبد في هذا العالم يكون شوقه إلى هذه الحياة ~~وسعيه وحرصه على الظفر بها والله المستعان # | فصل المرتبة العاشرة من مراتب الحياة الحياة الدائمة الباقية بعد # طي هذا العالم وذهاب الدنيا وأهلها في دار الحيوان وهي الحياة التي شمر ~~اليها المشمرون وسابق إليها المتسابقون ونافس ms1025 فيها المتنافسون وهي التي ~~أجرينا الكلام إليها ونادت الكتب السماوية ورسل الله جميعهم عليها وهي التي ~~يقول من فاته الاستعداد لها @QB@ إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك ~~صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يقول يا ~~ليتني قدمت لحياتي فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد @QE@ وهي ~~التي قال الله عز وجل فيها @QB@ وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن ~~الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون @QE@ # والحياة المتقدمة كالنوم بالنسبة إليها وكل ما تقدم من وصف السير ومنازله ~~وأحوال السائرين وعبوديتهم الظاهرة والباطنة فوسيلة إلى هذه الحياة إنما ~~الحياة الدنيا بالنسبة إليها كما قال النبي ما الدنيا في الآخرة إلا كما ~~يدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم ترجع # وكما قيل تنفست الآخرة فكانت الدنيا نفسا من أنفاسها فأصاب أهل ~~PageV03P283 السعادة نفس نعيمها فهم على هذا النفس يعملون وأصاب أهل ~~الشقاوة نفس عذابها فهم على ذلك النفس يعملون # وإذا كانت حياة أهل الإيمان والعمل الصالح في هذه الدار حياة طيبة فما ~~الظن بحياتهم في البرزخ وقد تخلصوا من سجن الدنيا وضيقها فما الظن بحياتهم ~~في دار النعيم المقيم الذي لا يزول وهم يرون وجه ربهم تبارك وتعالى بكرة ~~وعشيا ويسمعون خطابه # فإن قلت ما سبب تخلف النفس عن طلب هذه الحياة التي لا خطر لها وما الذي ~~زهدها فيها وما سبب رغبتها في الحياة الفانية المضمحلة التي هي كالخيال ~~والمنام أفساد في تصورها وشعورها أم تكذيب بتلك الحياة أم لآفة في العقل ~~وعمي هناك أم إيثار للحاضر المشهود بالعيان على الغائب المعلوم بالإيمان # قيل بل ذلك لمجموع أمور مركبة من ذلك كله # وأقوى الأسباب في ذلك ضعف الإيمان فإن الإيمان هو روح الأعمال وهو الباعث ~~عليها والآمر بأحسنها والناهي عن أقبحها وعلى قدر قوة الإيمان يكون أمره ~~ونهيه لصاحبه وائتمار صاحبه وانتهاؤه قال الله تعالى @QB@ قل بئسما يأمركم ~~به إيمانكم إن كنتم مؤمنين @QE@ # وبالجملة فإذا قوي الإيمان قوي الشوق إلى ms1026 هذه الحياة واشتد طلب صاحبه لها # السبب الثاني جثوم الغفلة على القلب فإن الغفلة نوم القلب ولهذا تجد ~~كثيرا من الإيقاظ في الحس نياما في الواقع فتحسبهم أيقاظا وهو رقود ضد حال ~~من يكون يقظان القلب وهو نائم فإن القلب إذا قويت فيه الحياة لا ينام إذا ~~نام البدن وكمال هذه الحياة كان لنبينا ولمن أحيا الله قلبه بمحبته واتباع ~~رسالته على بصيرة من ذلك بحسب نصيبه منهما # فالغفلة واليقظة يكونان في الحس والعقل والقلب فمستيقظ القلب وغافله ~~PageV03P284 كسمتيقظ البدن ونائمه وكما أن يقظة الحس على نوعين فكذلك يقظة ~~القلب على نوعين # فالنوع الأول من يقظة الحس أن صاحبها ينفذ في الأمور الحسية ويتوغل فيها ~~بكسبه وفطانته واحتياله وحسن تأتيه # والنوع الثاني أن يقبل على نفسه وقلبه وذاته فيعتنى بتحصيل كماله فيلحظ ~~عوالي الأمور وسفاسفها فيؤثر الأعلى على الأدنى ويقدم خير الخيرين بتفويت ~~أدناهما ويرتكب أخف الشرين خشية حصول أقواهما ويتحلى بمكارم الأخلاق ومعالي ~~الشيم فيكون ظاهره جميلا وباطنه أجمل من ظاهره وسريرته خيرا من علانيته ~~فيزاحم أصحاب المعالي عليها كما يتزاحم أهل الدينار والدرهم عليهما فبهذه ~~اليقظة يستعد للنوعين الآخرين منهما # أحدهما يقظه تبعثه على اقتباس الحياة الدائمة الباقية التي لا خطر لها من ~~هذه الحياة الزائلة الفانية التي لا قيمة لها # فإن قلت مثل لي كيف تقتبس الحياة الدائمة من الحياة الفانية وكيف يكون ~~هذا فإني لا أفهمه # قلت وهذا أيضا من نوم القلب بل من موته وهل تقتبس الحياة الدائمة إلا من ~~هذه الحياة الزائلة وأنت قد تشعل سراجك من سراج آخر قد أشفى على الانطفاء ~~فيتقد الثاني ويضيء غاية الإضاءة ويتصل ضوءه وينطفئ الأول والمقتبس لحياته ~~الدائمة من حياته المنقطعة إنما ينتقل من دار منقطعة إلى دار باقية وقد ~~توسط الموت بين الدارين فهو قنطرة لا يعبر إلى تلك الدار إلا عليها وباب لا ~~يدخل إليها إلا منه فهما حياتان في دارين بينهما موت وكما أن نور تلك الدار ~~مقتبس من نور هذه الدار فحياتها كذلك ms1027 مقتبسة من حياتها فعلى قدر نور ~~الإيمان في هذه الدار يكون نور العبد في تلك الدار وعلى قدر حياته في هذه ~~الدار تكون حياته هناك PageV03P285 # نعم هذا النور والحياة الذي يقتبس منه ذلك النور والحياة لا ينقطع بل ~~يضيء للعبد في البرزخ وفي موقف القيامة وعلى الصراط فلا يفارقه إلى دار ~~الحيوان يطفأ نور الشمس وهذا النور لا يطفأ وتبطل الحياة المحسوسة وهذه ~~الحياة لا تبطل هذا أحد نوعي يقظة القلب # النوع الثاني يقظة تبعث على حياة لا تدركها العبارة ولا ينالها التوهم ~~ولا يطابق فيها اللفظ لمعناه ألبتة والذي يشار به إليها حياة المحب مع ~~حبيبه الذي لا قوام لقلبه وروحه وحياته إلا به ولا غنى له عنه طرفة عين ولا ~~قرة لعينه ولا طمأنينة لقلبه ولا سكون لروحه إلا به فهو أحوج إليه من سمعه ~~وبصره وقوته بل ومن حياته فإن حياته بدونه عذاب وآلام وهموم وأحزان فحياته ~~موقوفة على قربه وحبه ومصاحبته وعذاب حجابه عنه أعظم من العذاب الآخر كما ~~أن نعيم القلب والروح بإزالة ذلك الحجاب أعظم من النعيم بالأكل والشرب ~~والتمتع بالحور العين فهكذا عذاب الحجاب أعظم من عذاب الجحيم ولهذا جمع ~~الله سبحانه لأوليائه بين النعيمين في قوله @QB@ للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة @QE@ فالحسنى الجنة والزيادة رؤية وجهه الكريم في جنات عدن وجمع ~~لأعدائه بين العذابين في قوله @QB@ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم ~~إنهم لصالوا الجحيم @QE@ # والمقصود أن الغفلة هي نوم القلب عن طلب هذه الحياة وهي حجاب عليه فإن ~~كشف هذا الحجاب بالذكر وإلا تكاثف حتى يصير حجاب بطالة ولعب واشتغال بما لا ~~يفيد فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى يصير حجاب معاص وذنوب صغار تبعده عن ~~الله فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى يصير حجاب كبائر توجب مقت الرب ~~تعالى له وغضبه ولعنته فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاف حتى صار حجاب بدع عملية ~~يعذب العامل فيها نفسه ولا تجدي عليه شيئا فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف ~~حتى ms1028 صار حجاب بدع PageV03P286 قولية اعتقادية تتضمن الكذب على الله ورسوله ~~والتكذيب بالحق الذي جاء به الرسول فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار ~~حجاب شك وتكذيب يقدح في اصول الإيمان الخمسة وهي الإيمان بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله ولقائه فلغلظ حجابه وكثافته وظلمته وسواده لا يرى حقائق ~~الإيمان ويتمكن منه الشيطان يعده ويمنيه والنفس الأمارة بالسوء تهوى وتشتهي ~~وسلطان الطبع قد ظفر بسلطان الإيمان فأسره وسجنه إن لم يهلكه وتولى تدبير ~~المملكة واستخدام جنود الشهوات وأقطعها العوائد التي جرى عليها العمل وأغلق ~~باب اليقظة وأقام عليه بواب الغفلة وقال إياك أن تؤتى من قبلك واتخذ حجابا ~~من الهوى وقال إياك أن تمكن أحدا يدخل علي إلا معك فأمر هذه المملكة قد صار ~~إليك وإلى البواب فيا بواب الغفلة ويا حاجب الهوى ليلزم كل منكما ثغره فإن ~~أخليتما فسد أمر مملكتنا وعادت الدولة لغيرنا وسامنا سلطان الإيمان شر ~~الخزي والهوان ولا نفرح بهذه المدينة أبدا # فلا إله إلا الله إذا اجتمعت على القلب هذه العساكر مع رقة الإيمان وقلة ~~الأعوان والإعراض عن ذكر الرحمن والانخراط في سلك أبناء الزمان وطول الأمل ~~المفسد للإنسان أن أكثر العاجل الحاضر على الغائب الموعود به بعد طي هذه ~~الأكوان فالله المستعان وعليه التكلان # فهذا فصل مختصر نافع في ذكر الحياة وأنواعها والتشويق في أشرفها وأطيبها ~~فمن صادف من قلبه حياة انتفع به وإلا فخود تزف إلى ضرير مقعد # فلنرجع إلى شرح كلام صاحب المنازل # قال ولها ثلاثة أنفاس نفس الخوف ونفس الرجاء ونفس المحبة # لما كان كل حيوان متنفسا فإن النفس موجب الحياة وعلامتها كانت أنفاس ~~الحياة المشار إليها ثلاثة أنفاس نفس الخوف ومصدره مطالعة الوعيد ~~PageV03P287 وما أعد الله لمن آثر الدنيا على الآخرة والمخلوق على الخالق ~~والهوى على الهدى والغي على الرشاد # ونفس الرجاء ومصدره مطالعة الوعد وحسن الظن بالرب تعالى وما الله أعد لمن ~~آثر الله ورسوله والدار الآخرة وحكم الهدى على الهوى والوحي على الآراء ~~والسنة على البدعة وما كان عليه رسول ms1029 الله وأصحابه على عوائد الخلق # ونفس بالمحبة مصدره مطالعة الأسماء والصفات ومشاهدة النعماء والآلاء # فإذا ذكر ذنوبه تنفس بالخوف وإذا ذكر رحمة ربه وسعة مغفرته وعفوه تنفس ~~بالرجاء وإذا ذكر جماله وجلاله وكماله وإحسانه وإنعامه تنفس بالحب # فليزن العبد إيمانه بهذه الأنفاس الثلاثة ليعلم ما معه من الإيمان فإن ~~القلوب مفطورة على حب الجمال والاجمال والله سبحانه جميل بل له الجمال ~~التام الكامل من جميع الوجوه جمال الذات وجمال الصفات وجمال الأفعال وجمال ~~الأسماء وإذا جمع جمال المخلوقات كله على شخص واحد ثم كانت جميعها على جمال ~~ذلك الشخص ثم نسب هذا الجمال إلى جمال الرب تبارك وتعالى كان أقل من نسبة ~~سراج ضعيف إلى عين الشمس # فالنفس الصادر عن هذه الملاحظة والمطالعة اشرف أنفاس العبد على الاطلاق ~~فأين نفس المشتاق المحب الصادق إلى نفس الخائف الراجي ولكن لا يحصل له هذا ~~النفس إلا بتحصيل ذينك النفسين فإن أحدهما ثمرة تركه للمخالفات والثاني ~~ثمرة فعله للطاعات فمن هذين النفسين يصل إلى النفس الثالث # | فصل قال الحياة الثانية حياة الجمع من موت التفرقة ولها ثلاثة # أنفاس نفس الاضطرار ونفس الافتقار ونفس الافتخار PageV03P288 # ومراده إن شاء الله بالجمع في هذه الدرجة جمع القلب على الله وجمع ~~الخواطر والعزوم في التوجه إليه سبحانه لا الجمع الذي هو حضرة الوجود لأنه ~~قد ذكر حياة هذا الجمع في الدرجة الثالثة وسماها حياة الوجود # وإنما كان جمع القلب على الله والخواطر على السير إليه حياة حقيقية لأن ~~القلب لا سعادة له ولا فلاح ولا نعيم ولا فوز ولا لذة ولا قرة عين إلا بأن ~~يكون الله وحده هو غاية طلبه ونهاية قصده ووجهه الأعلى هو كل بغيته ~~فالتفرقة المتضمنة للإعراض عن التوجه إليه واجتماع القلب عليه هي مرضه إن ~~لم يمت منها # قال ولهذه الحياة ثلاثة أنفاس نفس الاضطرار وذلك لانقطاع أمله مما سوى ~~الله فيضطر حينئذ بقلبه وروحه ونفسه وبدنه إلى ربه ضرورة تامة بحيث يجد في ~~كل منبت شعرة منه فاقة تامة إلى ربه ms1030 ومعبوده فهذا النفس نفس مضطر إلى مالا ~~غنى له عنه طرفة عين وضرورته إليه من جهة كونه ربه وخالقه وفاطره وناصره ~~وحافظه ومعينه ورازقه وهاديه ومعافيه والقائم بجميع مصالحه ومن جهة كونه ~~معبوده وإلهه وحبيبه الذي لا تكمل حياته ولا تنفع إلا بأن يكون هو وحده أحب ~~شيء إليه واشوق شيء إليه وهذا الاضطرار هو اضطرار @QB@ إياك نعبد @QE@ ~~والاضطرار الأول اضطرار إياك نستعين # ولعمر الله إن نفس الافتقار هو هذا النفس أو من نوعه ولكن الشيخ جعلهما ~~نفسين فجعل نفس الاضطرار بداية ونفس الافتقار توسط ونفس الافتخار نهاية ~~وكأن نفس الاضطرار يقطع الخلق من قلبه ونفس الافتقار يعلق قلبه بربه # والتحقيق أنه نفس واحد ممتد أوله انقطاع وآخره اتصال # وأما نفس الافتخار فهو نتيجة هذين النفسين لأنهما إذا صحا للعبد حصل له ~~القرب من ربه والأنس به والفرج به وبالخلع التي خلعها ربه على قلبه ~~PageV03P289 وروحه مما لا يقوم لبعضه ممالك الدنيا بحذافيرها فحينئذ يتنفس ~~نفسا آخر يجد به من التفريج والترويح والراحة والانشراح ما يشبه من بعض ~~الوجوه بنفس من جعل في عنقه حبل ليخنق به حتى يموت ثم كشف عنه وقد حبس نفسه ~~فتنفس نفس من أعيدت عليه حياته وتخلص من أسباب الموت # فإن قلت ما للعبد والافتخار وأين العبودية من نفس الافتخار # قلت لا يريد بذلك أن العبد يفتخر بذلك ويختال على بني جنسه بل هو فرح ~~وسرور لا يمكن دفعه عن نفسه بما فتح عليه ربه ومنحه إياه وخصه به وأولى ما ~~فرح به العبد فضل ربه عليه فإنه تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويحب ~~الفرح بذلك لأنه من الشكر ومن لا يفرح بنعمة المنعم لا يعد شكورا فهو ~~افتخار بما هو محض منة الله ونعمته على عبده لا افتخار بما من العبد فهذا ~~هو الذي ينافي العبودية لا ذاك # وهنا سر لطيف وهو أن هذا النفس يفخر على أنفاسه التي ليست كذلك كما تفخر ~~الحياة على الموت والعلم على الجهل والسمع على ms1031 الصمم والبصر على العمى ~~فيكون الافتخار للنفس على النفس لا للمتنفس على الناس والله أعلم # | فصل قال الحياة الثالثة حياة الوجود وهي حياة بالحق ولها ثلاثة # أنفاس نفس الهيبة وهو يميت الاعتدال ونفس الوجود وهو يمنع الانفصال ونفس ~~الانفراد وهو يورث الاتصال وليس وراء ذلك ملحظ للنظارة ولا طاقة للاشارة # هذه المرتبة من الحياة هي حياة الواجد وهي أكمل من النوعين اللذين قبلها ~~ووجود العبد لربه هو الذي أشار إليه في الحديث الإلهي بقوله فإذا أحببته ~~كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي ~~يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي PageV03P290 والمشار إليه في ~~قوله ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء # وسيأتي في باب الوجود من مزيدا لهذا إن شاء الله تعالى # وإنما كانت حياة الوجود أكمل الحياة لشرفها وكمالها بموجدها وهو الحق ~~سبحانه وتعالى فمن حبي بوجوده فقد فاز بأعلى أنواع الحياة # فان قلت يصعب علي فهم معنى الحياة بوجوده # قلت لأجل الحجاب الذي ضرب بينك وبين هذه الحياة فافهم الحياة بوجود ~~الفناء وبوجود المالك القادر إذا كان معك وناصرك دون مجرد وجوده ولا معرفة ~~بينك وبينه ألبتة فحقيقة الحياة هي الحياة بالرب تعالى لا الحياة بالنفس ~~والفناء وأسباب العيش # وقد تفسر حياة الوجود بشهود القيومية حيث لا يرى شيئا من الأشياء إلا وهو ~~بالله وهو الذي أقامه وبحال هذا الشهود وهو أن لا يلتفت بقلبه إلى شيء سوى ~~الله ولا يخافه ولا يرجوه بل قد قصر خوفه ورجاءه وتوكله وإنابته على الحي ~~القيوم قيوم الوجود وقيمه وقيامه ومقيمه وحده فمتى حصل له هذا الشهود وهذا ~~الحال فقد حصلت له حياة الوجود # فتارة يتنفس بالهيبة وهي سطوة نور الصفات وذلك عند أول ما يسطع نور ~~الوجود فيقع القلب في هيبة تستغرق حسه عن الالتفات إلى شيء من عوالم النفس ~~وذلك هو الاعتلال الذي يميته النفس الثاني وهو قوله ونفس يميت الاعتلال ms1032 ~~فتموت منه علل أعماله وآثار حظوظه وشهود إنيته # قوله ونفس الوجود يريد به وجود العبد بربه فيتنفس بهذا الوجود كما يسمع ~~به ويبصر به ويبطش به ويمشي به # ولا تصغ إلى غير هذا فتزل قدم بعد ثبوتها # قوله وهو يمنع الانفصال الانفصال عند القوم انقطاع القلب عن الرب ~~PageV03P291 وبقاؤه بنفسه وطبيعته والاتصال هو بقاؤه بربه وفناؤه عن أحكام ~~نفسه وطبعه وهواه وقد يراد بالاتصال الفناء في شهود القيومية وبالانفصال ~~الغيبة عن هذا الشهود # وأما الملحد فيفسر الاتصال والانفصال بالاتصال الذاتي والانفصال الذاتي ~~وهذا محال أيضا فإنه لم يزل متصلا به بل لم يزل إياه عنده فالأول يتعلق ~~بالإرادة والهمة وهو أعلى الأنواع والثاني يتعلق بالشهود والشعور وهو دونه ~~وهو عند الشيخ أعلى لأنه إنما يكون في وادي الفناء # والثالث للملاحدة القائلين بوحدة الوجود # قوله ونفس الانفراد وهو يورث الاتصال # نفس الانفراد هو المصحوب بشهود الفردانية وهي تفرد الرب سبحانه بالربوبية ~~والإلهية والتدبير والقيومية فلا يثبت لسواه قسطا في الربوبية ولا يجعل ~~لسواه حظا في الإلهية ولا في القيومية بل يفرده بذلك في شهوده كما أفرده به ~~في علمه ثم يفرده به في الحال التي أوجبها له الشهود فيكون الله سبحانه ~~فردا في علم العبد ومعرفته فردا في شهوده فردا في حاله في شهوده # وهذاالنفس يورثه الاتصال بربه بحيث لا يبقى له مراد غيره ولا إرادة غير ~~مراده الديني الذي يحبه ويرضاه فيستفرغ حبه قلبه وتستفرغ مرضاته سعيه وليس ~~وراء ذلك مقام يلحظه النظارة لا بالقلب ولا بالروح # فإن كمال هذا الاتصال والشغل بالحق سبحانه قد استفرغ المقامات واستوعب ~~الإشارات والله المستعان $ فصل قال صاحب المنازل باب القبض قال الله تعالى ~~@QB@ ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا @QE@ # قلت قد أبعد في تعلقه بإشارة لآية إلى القبض الذي يريده ولا تدل عليه ~~PageV03P292 الآية بوجه ما وإنما يشارك القبض المترجم عليه في اللفظ فقط ~~فإن القبض في الآية هو قبض الظل وهو تقلصه بعد امتداده قال الله تعالى @QB@ ~~ألم تر إلى ربك كيف مد ms1033 الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ~~ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا @QE@ فأخبر تعالى أنه بسط الظل ومده وأنه جعله ~~متحركا تبعا لحركة الشمس ولو شاء لجعله ساكنا لا يتحرك إما بسكون المظهر له ~~والدليل عليه وإما بسبب آخر ثم أخبر أنه قبضه بعد بسطه قبضا يسيرا وهو شيء ~~بعد شيء لم يقبضه جملة فهذا من أعظم آياته الدالة على عظيم قدرته وكمال ~~حكمته فندب الرب سبحانه عباده إلى رؤية صنعته وقدرته وحكمته في هذا الفرد ~~من مخلوقاته ولو شاء لجعله لاصقا بأصل ما هو ظل له من جبل وبناء وشجر وغيره ~~فلم ينتفع به أحد # فإن كان الانتفاع به تابعا لمده وبسطه وتحوله من مكان إلى مكان ففي مده ~~وبسطه ثم قبضه شيئا فشيئا من المصالح والمنافع مالا يخفى ولا يحصى فلو كان ~~ساكنا دائما أو قبض دفعة واحدة لتعطلت مرافق العالم ومصالحه به وبالشمس فمد ~~الظل وقبضه شيئا فشيئا لازم لحركة الشمس على ما قدرت عليه من مصالح العالم ~~وفي دلالة الشمس على الظلال ما تعرف به أوقات الصلوات وما مضى من اليوم وما ~~بقي منه وفي تحركه وانتقاله ما يبرد به ما أصابه من حر الشمس وينفع ~~الحيوانات والشجر والنبات فهو من آيات الله الدالة عليه # وفي الآية وجه آخر وهو أنه سبحانه مد الظل حين بنى السماء كالقبة ~~المضروبة ودحى الأرض تحتها فألقت القبة ظلها عليها فلو شاء سبحانه لجعله ~~ساكنا مستقرا في تلك الحال ثم خلق الشمس ونصبها دليلا على ذلك الظل فهو ~~يتبعها في حركتها يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص فهو تابع لها تبعية المدلول ~~لدليله # وفيها وجه آخر وهو أن يكون المراد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه ~~PageV03P293 وهي الأجرام التي تلقي الظلال فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام ~~أسبابه كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه # وقوله تعالى @QB@ قبضناه إلينا @QE@ كأنه يشعر بذلك وقوله @QB@ قبضا ~~يسيرا @QE@ يشبه قوله @QB@ ذلك حشر علينا يسير @QE@ وقوله @QB@ قبضناه @QE@ ~~بصيغة الماضي لا ينافي ذلك كقوله @QB@ أتى أمر ms1034 الله @QE@ والوجه في الآية ~~هو الأول # وهذان الوجهان إن أراد من ذكرهما دلالة الآية عليهما إشارة وإيماء فقريب ~~وإن أراد أن ذلك هو المراد من لفظها فبعيد لأنه سبحانه جعل ذلك آية ودلالة ~~عليه للناظر فيه كما في سائر آياته التي يدعو عباده إلى النظر فيها فلا بد ~~أن يكون ذلك أمرا مشهودا تقوم به الدلالة وتحصل به التبصرة # وأبعد من هذا ما تعلق به صاحب المنازل في باب القبض بقبض الظل كما أشار ~~إليه في خطبة كتابه حيث يقول الذي مد ظل التكوين على الخليقة مدا طويلا ثم ~~جعل شمس التمكين لصفوته عليه دليلا ثم قبض ظل التفرقة عنهم إليه قبضا يسيرا ~~فاستعار للتكوين لفظ الظل إعلاما بأن المكونات بمنزلة الظلال في عدم ~~استقلالها بأنفسها إذ لا يتحرك الظل إلا بحركة صاحبه وقوله مدا طويلا إشارة ~~إلى أنه سبحانه لا يزال يخلق شيئا بعد شيء خلقا لا يتناهى لسعة قدرته ووجوب ~~أبديته # ثم إن حقيقة الظل هي عدم الشمس في بقعة ماء لسائر سترها فإنما تتعين تلك ~~الحقيقة بالشمس فكذلك المكون إنما تتعين حقيقته بالمكون له سبحانه وتعالى ~~وشمس التمكين هي التوحيد الجامع لقلوب صفوته عن التفرق في شعاب ظل التكوين ~~ثم قبض ظل التفرقة عنهم إليه قبضا يسيرا أي أخذ ظل التفرقة عنهم أخذا سهلا # فالشيخ أحال باستشهاده بالآية في الباب المذكور على ما تقدم له في الخطبة ~~PageV03P294 ووجه الإشارة بالآية يعلم من قوله @QB@ ثم قبضناه إلينا @QE@ ~~والقبض في هذا الباب لم يرد به قبض الإضافة ولهذا قال الشيخ # القبض في هذا الباب أسم يشار به إلى مقام الضنائن الذين ادخرهم الحق ~~اصطناعا لنفسه # فالقبض نوعان قبض في الأحوال وقبض في الحقائق فالقبض في الأحوال أمر يطرق ~~القلب يمنعه عن الانبساط والفرح وهو نوعان أيضا # أحدهما ما يعرف سببه مثل تذكر ذنب أو تفريط أو بعد أو جفوة أو حدوث ما هو ~~نحو ذلك # والثاني مالا يعرف سببه بل يهجم على القلب هجوما لا يقدر على التخلص منه ms1035 ~~وهذا هو القبض المشار إليه على ألسنة القوم وضده البسط فالقبض والبسط عندهم ~~حالتان للقلب لا يكاد ينفك عنهما # وقال أبو القاسم الجنيد في معنى القبض والبسط معنى الخوف والرجاء فالرجاء ~~يبسط إلى الطاعة والخوف يقبض عن المعصية # فكلهم تكلم في القبض والبسط على هذا المنهج حتى جعلوه أقساما قبض تأديب ~~وقبض تهذيب وقبض جمع وقبض تفريق ولهذا يمتنع صاحبه إذا تمكن منه من الأكل ~~والشرب والكلام وفعل الأوراد والانبساط إلى الأهل وغيرهم # فقبض التأديب يكون عقوبة على غفلة أو خاطر سوء أو فكرة رديئة # وقبض التهذيب يكون إعدادا لبسط عظيم شأنه يأتي بعده فيكون القبض قبله ~~كالتنبيه عليه والمقدمة له كما كان الغت والغط مقدمة بين يدي الوحي وإعدادا ~~لوروده وهكذا الشدة مقدمة بين يدي الفرج والبلاء مقدمة بين يدي العافية ~~والخوف الشديد مقدمة بين يدي الأمن وقد جرت سنة الله سبحانه أن هذه الأمور ~~النافعة المحبوبة إنما يدخل إليها من أبواب أضدادها PageV03P295 # وأما قبض الجمع فهو ما يحصل للقلب حال جمعيته على الله من انقباضه عن ~~العلم وما فيه فلا يبقى فيه فضل ولا سعة لغير من اجتمع قلبه عليه وفي هذه ~~الحال من أراد من صاحبه ما يعهده منه من المؤانسة والمذاكرة فقد ظلمه # وأما قبض التفرقة فهو القبض الذي يحصل من تفرق قلبه عن الله وتشتته عنه ~~في الشعاب والأودية فأقل عقوبته ما يجده من القبض الذي يتمنى معه الموت # وأما القبض الذي أشار إليه صاحب المنازل فهو شيء وراء هذا كله فإنه جعله ~~من قسم الحقائق وذلك القبض الذي تقدم ذكره من قسم البدايات ولهذا قال القبض ~~في هذا الباب اسم يشار به إلى مقام الضنائن ومن هنا حسن استشهاده بإشارة ~~الآية لأنه تعالى أخبر عن قبض الظل إليه والقبض في هذا الباب يتضمن قبض ~~القلب عن غيره إليه وجمعيته بعد التفرقة عليه والضنائن جمع ضنينة وهي ~~الخاصة يضن بها صاحبها أي يبخل ببذلها ويصطفيها لنفسه ولهذا قال الذين ~~ادخرهم الحق اصطناعا لنفسه # والادخار افتعال ms1036 من الذخر وهو ما يعده المرء لحوائجه ومصالحه والاصطناع ~~بمعنى الاصطفاء قال تعالى لموسى @QB@ واصطنعتك لنفسي @QE@ والاصطناع في ~~الأصل اتخاذ الصنيعة وهي الخير تسديه إلى غيرك قال الشاعر # وإذا اصطنعت صنيعة فاقصد بها % وجه الذي يولي الصنائع أودع # قال ابن عباس اصطنعتك لوحيي ورسالتي وقال الكلبي اخترتك بالرسالة لنفسي ~~لكي تحبني وتقوم بأمري # وقيل اخترتك بالإحسان إليك لإقامة حجتي فتكلم عبادي عني # قال أبو إسحاق اخترتك بالإحسان إليك لإقامة حجتي وجعلتك بيني وبين خلقي ~~حتى صرت في الخطاب والتبليغ عني بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم ~~PageV03P296 # وقيل مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصال فيه وخصائص أهلا ~~لكرامته وتقريبه فلا يكون أحد أقرب منه منزلة إليه ولا ألطف محلا فيصطنعه ~~بالكرامة والأثرة ويستخلصه لنفسه بحيث يسمع به ويبصر به ويطلع على سره # والمقصود أن الرب سبحانه حال بين هؤلاء الضنائن وبين التعلق بالخلق وصرف ~~قلوبهم وهممهم وعزائمهم إليه # قال وهم على ثلاث فرق فرقة قبضهم إليه قبض التوقي فضن بهم عن أعين ~~العالمين # هذا الحرف في التوقي بالقاف من الوقاية وليس من الوفاة أي سترهم عن أعين ~~الناس وقاية لهم وصيانة عن ملابستهم فغيبهم عن أعين الناس فلم يطلعهم عليهم ~~وهؤلاء هم أهل الانقطاع والعزلة عن الناس وقت فساد الزمان ولعلهم الذين قال ~~فيهم النبي يوشك أن يكون خير مال المرء غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع ~~القطر وقوله ورجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره وهذه ~~الحال تحمد في بعض الأماكن والأوقات دون بعضها وإلا فالمؤمن الذي يخالط ~~الناس ويصبر على أذاهم أفضل من هؤلاء فالعزلة في وقت تجب فيه ووقت تستحب ~~فيه ووقت تباح فيه ووقت تكره فيه وقت تحرم فيه # ويجوز أن يكون قبض التوفي بالفاء أجسادهم وقلوبهم من بين العالمين وهم في ~~الدنيا لكن لما لم يخالطوا الناس كانوا بمنزلة من قد توفي وفارق الدنيا # قال وفرقة قبضهم بسترهم في لباس التلبيس وأسبل عليهم أكلة الرسوم فأخفاهم ~~عن ms1037 عيون العالم PageV03P297 # هذه الفرقة هم مع الناس مخالطون والناس يرون ظواهرهم وقد ستر الله ~~حقائقهم وأحوالهم عن رؤية الخلق لها فحالهم ملتبس على الناس لا يعرفونه ~~فإذا رأوا منهم ما يرون من أبناء الدنيا من الأكل والشرب واللباس والنكاح ~~وطلاقة الوجه وحسن العشرة قالوا هؤلاء من أبناء الدنيا وإذا رأوا ذلك الجد ~~والهمم والصبر والصدق وحلاوة المعرفة والإيمان والذكر وشاهدوا منهم أمورا ~~ليست من أمور أبناء الدنيا قالوا هؤلاء من أبناء الآخرة فالتبس حالهم عليهم ~~وهم مستورون عن الناس بأسبابهم وصنائعهم ولباسهم لم يجعلوا لطلبهم وإرادتهم ~~إشارة تشير إليهم اعرفوني فهؤلاء يكونون مع الناس والمحجوبون لا يعرفونهم ~~ولا يرفعون بهم رءوسا وهم من سادات أولياء الله صانهم الله عن معرفة الناس ~~كرامة لهم لئلا يفتتنوا بهم وإهانة للجهال بهم فلا ينتفعون بهم # وهذه الفرقة بينها وبين الأولى من الفضل مالا يعلمه إلا الله فهم بين ~~الناس بأبدانهم وبين الرفيق الأعلى بقلوبهم فإذا فارقوا هذا العالم انتقلت ~~أرواحهم إلى تلك الحضرة فإن روح كل عبد تنتقل بعد مفارقة البدن إلى حضرة من ~~كان يألفهم ويحبهم فإن المرء مع من أحبه # قوله وأسبل عليهم أكلة الرسوم أي أجرى عليهم أحكام الخلق يأكلون كما ~~يأكلون ويشربون كما يشربون ويسكنون حيث يسكنون ويمشون معهم في الأسواق ~~ويعانون معهم الأسباب وهم في واد والناس في واد فمشاركتهم إياهم في ذلك هي ~~التي سترتهم عن معرفتهم وعن إدراك حقائقهم فهم تحت ستور المشاركة # ووراء هاتيك الستور محجب % بالحسن كل العز تحت لوائه PageV03P298 # لو أبصرت عيناك بعض جماله % لبذلت منك الروح في إرضائه # ما طابت الدنيا بغير حديثه % كلا ولا الأخرى بدون لقائه # يا خاسرا هانت عليه نفسه % إذ باعها بالغبن من أعدائه # لو كنت تعلم قدر ما قد بعته % لفسخت ذاك البيع قبل وفائه # أو كنت كفوا للرشاد وللهدى % أبصرت لكن لست من أكفائه # قوله وفرقة قبضهم منهم إليه فصافاهم مصافاة سر فضن بهم عليهم هذه الفرقة ~~إنما كانت أعلى من الفرقتين المتقدمتين لأن الحق سبحانه ms1038 قد سترهم عن نفوسهم ~~لكمال ما أطلعهم عليه وشغلهم به عنهم فهم في أعلى الأحوال والمقامات ولا ~~التفات لهم إليها فهؤلاء قلوبهم معه سبحانه لا مع سواه فلم يكونوا من السوى ~~ولا السوى منهم بل هم مع السوى بالمجاورة والامتحان لا بالمساكنة والألفة ~~قلوبهم عامرة بالأسرار وأرواحهم تحن إليه حنين الطيور إلى الأوكار قد سترهم ~~وليهم وحبيبهم عنهم وأخذهم إليه منهم # قوله فصافاهم مصافاة سر أي جعل مواجيدهم في أسرارهم وقلوبهم للطف إدراكهم ~~فلم تظهر عليهم في ظواهرهم لقوة الاستعداد # قوله فضن بهم عليهم أي أخذهم عن رسومهم فأفناهم عنهم وأبقاهم به # وقد علمت من هذا أن القبض المشار إليه في هذا الباب ليس هو القبض الذي ~~يشير إليه القوم في البدايات والسلوك والله أعلم $ فصل قال صاحب المنازل ~~باب البسط قال الله تعالى @QB@ يذرؤكم فيه @QE@ # قلت وجه تعلقه بإشارة الآية هو أن الله سبحانه يعيشكم فيما خلق لكم من ~~الأنعام المذكورة قال الكلبي يكثركم في هذا التزيج ولولا هذا التزويج ~~PageV03P299 لك لم يكثر النسل والمعنى يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكر من ~~جعله لكم أزواجا فإن سبب خلقنا وخلق الحيوان بالأزواج والضمير في قوله فيه ~~يرجع إلى الجعل ومعنى الذرء الخلق وهو هنا الخلق الكثير فهو خلق وتكثير ~~فقيل في بمعنى الباء أي يكثركم بذلك وهذا قول الكوفيين والصحيح أنها على ~~بابها والفعل تضمن معنى ينشئكم وهو يتعدى بفي كما قال تعالى وننشئكم فيما ~~لا تعلمون فهذا تفسير الآية # ولما كانت الحياة حياتين حياة الأبدان وحياة الأرواح وهو سبحانه الذي ~~يحيي قلوب أوليائه وأرواحهم بإكرامه ولطفه وبسطه كان ذلك تنمية لها وتكثيرا ~~وذرءا والله أعلم # قال صاحب المنازل البسط أن يرسل شواهد العبد في مدارج العلم ويسبل على ~~باطنه رداء الاختصاص وهم أهل التلبيس وإنما بسطوا في ميدان البسط بعد ثلاث ~~معان لكل معنى طائفة # يريد أن البسط إرسال ظواهر العبد وأعماله على مقتضى العلم ويكون باطنه ~~مغمورا بالمراقبة والمحبة والأنس بالله فيكون جماله في ظاهره وباطنه فظاهره ~~قد ms1039 اكتسى الجمال بموجب العلم وباطنه قد اكتسى الجمال بالمحبة والرجاء ~~والخوف والمراقبة والأنس فالاعمال الظاهرة له دثار والاحوال الباطنة له ~~شعار فلا حاله ينقص عليه ظاهر حكمه ولا علمه يقطع وارد حاله وقد جمع سبحانه ~~بين الجمالين أعني جمال الظاهر وجمال الباطن في غير موضع من كتابه # منها قوله تعالى @QB@ يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ~~وريشا ولباس التقوى ذلك خير @QE@ # ومنها قوله تعالى في نساء الجنة @QB@ فيهن خيرات حسان @QE@ فهن حسان ~~الوجوه خيرات الأخلاق PageV03P300 # ومنها قوله تعالى @QB@ ولقاهم نضرة وسرورا @QE@ فالنضرة جمال الوجوه ~~والسرور وجمال القلوب # ومنها قوله تعالى @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ فالنضرة ~~تزين ظواهرهم والنظر يجمل بواطنهم # ومنها قوله تعالى @QB@ وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا @QE@ ~~فالأساور جملت ظواهرهم والشراب الطهور طهر بواطنهم # ومنها قوله تعالى @QB@ إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل ~~شيطان مارد @QE@ فجمل ظاهرها بالكواكب وباطنها بالحراسة من الشياطين رجعنا ~~إلى شرح كلامه # قوله وهم أهل التلبيس يعني أنهم المذكورون في باب القبض وهم الفرقة ~~الثانية الذين ستروا بلباس التلبيس عن أعين الناس فلا ترى حقائقهم # قوله وإنما بسطوا في ميدان البسط أي بسطهم الحق سبحانه على لسان رسوله لا ~~ما يظنه الملحد أنه السماع الشهي وملاحظة المنظر البهي ورؤية الصور ~~المستحسنات وسماع الآلات المطربات # نعم هذا ميدان بسطه الشيطان يقتطع به النفوس عن الميدان الذي نصبه الرحمن ~~فميدان الرحمن الذي بسطه هو الذي نصبه لأنبيائه وأوليائه وهو ما كان عليه ~~رسول الله مع أصحابه وأهله ومع الغريب والقريب وهي سعة الصدر ودوام البشر ~~وحسن الخلق والسلام على من لقيه والوقوف مع من استوقفه والمزاح بالحق مع ~~الصغير والكبير أحيانا وإجابة الدعوة ولين الجانب حتى يظن كل واحد من ~~أصحابه أنه أحبهم إليه وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبا أو مستحبا أو ~~مباحا يعين عليهما # قوله فطائفة بسطت رحمة للخلق يباسطونهم ويلابسونهم فيستضيئون بنورهم ~~والحقائق مجموعة والسرائر مصونة PageV03P301 # جعل الله انبساطهم مع الخلق رحمة ms1040 لهم كما قال تعالى @QB@ فبما رحمة من ~~الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك @QE@ فالرب سبحانه ~~بسط هؤلاء مع خلقه ليقتدى بهم السالك ويهتدي بهم الحيران ويشفى بهم العليل ~~ويستضاء بنور هدايتهم ونصحهم ومعرفتهم في ظلمات دياجي الطبع والهوى ~~فالسالكون يقتدون بهم إذا سكتوا وينتفعون بكلماتهم إذا نطقوا فإن حركاتهم ~~وسكونهم لما كانت بالله ولله وعلى أمر الله جذبت قلوب الصادقين إليهم وهذا ~~النور الذي أضاء على الناس منهم هو نور العلم والمعرفة # والعلماء ثلاثة عالم استنار بنوره واستنار به الناس فهذا من خلفاء الرسل ~~وورثة الأنبياء وعالم استنار بنوره ولم يستنر به غيره فهذا إن لم يفرط كان ~~نفعه قاصرا على نفسه فبينه وبين الأول ما بينهما وعالم لم يستنر بنوره ولا ~~استنار به غيره فهذا علمه وبال عليه وبسطته للناس فتنة لهم وبسطة الأول ~~رحمة لهم # قوله وتصميم والحقائق مجموعة والسرائر مصونة أي انبسطوا والحقائق التي في ~~سرائرهم مجموعة في بواطنهم فالانبساط لم يشتت قلوبهم ولم يفرق هممهم ولم ~~يحل عقد عزائمهم # قوله وسرائرهم مصونة مستورة لم يكشفوها لمن انبسطوا إليه وإن كان البسط ~~يقتضي الإلف وإطلاع كل من المتباسطين على سر صاحبه فإياك ثم إياك أن تطلع ~~من باسطته على سرك مع الله ولكن اجذبه وشوقه واحفظ وديعة الله عندك لا ~~تعرضها للاسترجاع # قال وطائفة بسطت لقوة معاينتهم وتصميم مناظرهم لأنهم طائفة لا تخالج ~~الشواهد مشهودهم ولا تضرب رياح الرسوم موجودهم فهم مبسوطون في قبضة القبض # إنما كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها لأن ما قبلها لأرباب الأعمال وهذه ~~PageV03P302 لأرباب الأحوال بسطت الأولى رحمة للخلق وبسطت هذه اختصاصا ~~بالحق # وقوله لقوة معاينتهم إما أن يكون المعنى لقوة إدراك معاينتهم أو لقوة ~~ظهور معاينتهم لبواطنهم أو لقوتها وبيانها في نفسها # والمعنى أنه لا يطمع البسط أن يحجبهم عن معاينة مطلوبهم لأن قوة المعاينة ~~منعت وصول البسط إلى إزالتها وإضعافها # قوله وتصميم مناظرهم يعني ثبات مناظر قلوبهم وصحتها فليسوا ممن يحول بين ~~نظر قلوبهم وبين ms1041 ما تراه قتر من شك ولا غيم من ريب فاللطيفة الانسانية ~~المدركة لحقيقة ما أخبروا به من الغيب صحيحة وهي شديدة التوجه إلى مشهودها ~~فلم يقدر البسط على حجبها عن مشهودها # قوله لأنهم طائفة لا تخالج الشواهد مشهودهم أي لا تمازج الشواهد مشهودهم ~~فيكون إدراكهم بالاستدلال بل مشهودهم حاضر لهم لم يدركوه بغيره فلا تخالط ~~مشاهدتهم له شواهد من غيره والشواهد مثل الأمارات والعلامات # وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وبيان وتفصيل # فإن الله سبحانه أقام الشواهد عليه وملأ بها كتابه وهدى عباده إلى النظر ~~فيها والاستدلال بها ولكن العارف إذا حصل له منها الدلالة ووصل منها إلى ~~اليقين انطوى حكمها عن شهوده وسافر قلبه منها إلى المطلوب المدلول عليه بها ~~ورآها كلها أثرا من آثار أسمائه وصفاته وأفعاله المشهود المدلول عليه بها ~~معاينة للقلب والبصيرة للصانع إذا عاين صنعته فكأنه يرى الباني وهو يبني ما ~~شاهده من البناء المحكم المتقن لأن الشواهد والأدلة تبطل ويبطل حكمها # فتأمل هذا الموضع فإنه قد غلط فيه فريقان فريق أساءوا الظن بمن طوى حكم ~~الشواهد والأدلة ونسبوهم إلى ما نسبوهم إليه وفريق رأوا أن الشواهد نفس ~~المشهود والدليل عين المدلول عليه ولكن كان في الابتداء شاهدا ودليلا وفي ~~الانتهاء مشهودا ومدلولا PageV03P303 # قوله ولا تضرب رياح الرسوم موجودهم شبه الرسوم بالرياح لأن معاني الصور ~~الخلقية تمر على أهل الشهود الضعيف فتحرك بواطنهم بنوع من الشك والريب ~~فهؤلاء الذين بسطهم الحق تعالى سالمون من ذلك # قوله فهم منبسطون في قبضة القبض أي هم في حال انبساطهم غير محجوبين عن ~~معاني القبض بل هم مبسوطون بقبضه إياهم عن غيره فلا يتنافى في حقهم البسط ~~والقبض بل قبضهم إليه في بسطهم وبسطهم به في قبضهم وجعل للقبض قبضة ترشيحا ~~للاستعارة # قال وطائفة بسطت أعلاما على الطريق وأئمة للهدى ومصابيح للسالكين # إنما كانت هذه الفرقة أعلى من الفرقتين لأنها شاركتهما في درجتيهما ~~واختصت عنهما بهذه الدرجة فاتصفت بما اتصفت به الأولى من الأعمال واتصفت ~~بما اتصفت به الثانية من ms1042 الأحوال وزادت عليهما بالنفع للسالكين والهداية ~~للحائرين والإرشاد للطالبين فاهتدى بهم الحائر وسار بهم الواقف واستقام بهم ~~الحاند وأقبل بهم المعرض وكمل بهم الناقص ورجع بهم الناكص وتقوى بهم الضعيف ~~وتنبه على المقصود من هو في الطريق وهؤلاء هم خلفاء الرسل حقا وهم أولوا ~~البصر واليقين فجمعوا بين البصيرة والبصر قال الله تعالى وجعلناهم أئمة ~~يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون فنالوا إمامة الدين بالصبر ~~واليقين # | فصل قال صاحب المنازل باب السكر قال الله تعالى حاكيا عن موسى # كليمه @QB@ رب أرني أنظر إليك @QE@ # وجه استدلاله باشارة الآتية أن موسى لما استقر في قلبه وروحه وسمعه وبصره ~~الاستلذاذ بكلام ربه له فحصل له من سماع ذلك الكلام وطيب PageV03P304 ذلك ~~الخطاب ولذة ذلك التكليم ما يجل ويعظم ويكبر أن يسمى سكرا أو يشبه بالسكر ~~جرى على لسانه أن طلب الرؤية له سبحانه في تلك الحال # قال السكر في هذا الباب اسم يشار به إلى سقوط التمالك في الطرب وهذا من ~~مقامات المحبين خاصة فإن عيون الفناء لا تقبله ومنازل العلم لا تبلغه # قوله يشار به إلى سقوط التمالك يعني عدم الصبر تقول ما تمالكت أن أفعل ~~كذا أي ما قدرت أن أصبر عنه فكأنه قال هو اسم لقوة الطرب الذي لا يدفعه ~~الصبر # وهذا المعنى لم يعبر عنه في القرآن ولا في السنة ولا العارفون من السلف ~~بالسكر أصلا وإنما ذلك من اصطلاح المتأخرين وهو بئس الاصطلاح فإن لفظ السكر ~~والمسكر من الألفاظ المذمومة شرعا وعقلا وعامة ما يستعمل في السكر المذموم ~~الذي يمقته الله ورسوله قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى @QE@ وعبر به سبحانه عن الهول الشديد الذي يحصل للناس ~~عند قيام الساعة فقال تعالى @QB@ وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب ~~الله شديد @QE@ ويقال فلان أسكره حب الدنيا وكذلك يستعمل في سكر الهوى ~~المذموم فأين أطلق الله سبحانه أو رسوله أو الصحابة أو أئمة الطريق ~~المتقدمون على هذا المعنى الشريف الذي هو ms1043 من أشرف أحوال محبيه وعابديه اسم ~~السكر المستعمل في سكر الخمر وسكر الفواحش كما قال عن قوم لوط @QB@ لعمرك ~~إنهم لفي سكرتهم يعمهون @QE@ فوصف بالسكر أرباب الفواحش وأرباب الشراب ~~المسكر فلا يليق استعماله في أشرف الأحوال والمقامات ولا سيما في قسم ~~الحقائق ولا يطلق على كليم الرحمن اسم PageV03P305 السكر في تلك الحال ~~والاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة # وأيضا فمن المعلوم أن هذا الحال يحصل في الجنة عند رؤية الرب تعالى وسماع ~~كلامه على أتم الوجوه ولا يسمى سكرا ونحن لا ننكر المعنى المشار إليه بهذا ~~الاسم وإنما المنكر تسميته بهذا الاسم ولا سيما إذا انضاف إلى ذلك اسم ~~الشراب أو تسمية المعارف بالخمر والواردات بالكؤوس والله جل جلاله بالساقي ~~فهذه الاستعارات والتسمية هي التي فتحت هذا الباب # وأما قوله وهو من مقامات المحبين خاصة فلا بد من بيان حقيقة السكر وسببه ~~وتولده وهل هو مقدور أو غير مقدور وبيان انقسامه باعتبار ذاته وأسبابه ~~ومحله لتكون الفائدة بذلك أتم # فنقول وبالله التوفيق السكر لذة ونشوة يغيب معها العقل الذي يحصل به ~~التمييز فلا يعلم صاحبه ما يقول قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون @QE@ فجعل الغاية التي ~~يزول بها حكم السكر أن يعلم ما يقول فإذا علم ما يقول خرج عن حد السمر قال ~~الإمام أحمد السكران من لم يعرف ثوبه من ثوب غيره ونعله من نعل غيره ويذكر ~~عن الشافعي أنه قال إذا اختلط كلامه المنظوم وأفشى سره المكتوم # فالسكر يجمع معنيين وجود لذة وعدم تمييز وقاصد السكر قد يقصدهما جميعا ~~وقد يقصد أحدهما فإن النفس لها هوى وشهوات تلتذ بإدراكها والعلم بما في تلك ~~اللذات من المفاسد العاجلة والآجلة يمنعها من تناولها والعقل يأمرها بأن لا ~~تفعل فإذا زال العلم الكاشف المميز والعقل الآمر الناهي انبسطت النفس في ~~هواها وصادفت مجالا واسعا # وحرم الله سبحانه السكر لشيئين ذكرهما في كتابه وهما إيقاع العداوة ~~والبغضاء بين المسلمين والصد ms1044 عن ذكر الله وعن الصلاة وذلك يتضمن حصول ~~المفسدة الناشئة من النفوس بواسطة زوال العقل وانتفاء المصلحة التي لا تتم ~~PageV03P306 إلا بالعقل وإيقاع العداوة من الأول والصد عن ذكر الله من ~~الثاني # وقد يكون سبب السكر غير تناول المسكر إما ألم شديد يغيب به العقل حتى ~~يكون كالسكران وقد يكون سببه مخوف عظيم هجم عليه وهلة واحدة حتى يغيب عقل ~~من هجم عليه ومن هذا قوله تعالى @QB@ وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن ~~عذاب الله شديد @QE@ فهم سكارى من الدهش والخوف وليسوا بسكارى من الشراب ~~فسكرهم سكر خوف ودهش لا سكر لذة وطرب # وقد يكون سببه قوة الفرح بإدراك المحبوب بحيث يختلط كلامه وتتغير أفعاله ~~بحيث يزول عقله ويعربد أعظم من عربدة شارب الخمر وربما قتله سكر هذا الفرح ~~لسبب طبيعي وهو انبساط دم القلب وهلة واحدة انبساطا غير معتاد والدم حامل ~~الحار الغريزي فيبرد القلب بسبب انبساط الدم عنه فيحدث الموت ومن هذا قول ~~سكران الفرح بوجد راحلته في المفازة بعد أن استشعر الموت اللهم أنت عبدي ~~وأنا ربك أخطأ من شدة فرحه وسكرة الفرح فوق سكرة الشراب فصور في نفسك حال ~~فقير معدم عاشق للدنيا أشد العشق ظفر بكنز عظيم فاستولى عليه آمنا مطمئنا ~~كيف تكون سكرته أو من غاب عنه غلامه بمال له عظيم مدة سنين حتى أضر به ~~العدم فقدم عليه من غير انتظار له بماله كله وقد كسب أضعافه # وقد يوجبه غضب شديد يحول بين الغضبان وبين تمييزه بل قد يكون سكر الغضب ~~أقوى من سكر الطرب ولهذا قال النبي لا يقض القاضي بين اثنين وهو غضبان ولا ~~يستريب من شم رائحة الفقه أن الغضب إذا وصل بصاحبه إلى هذه الحال فطلق لم ~~يقع طلاقه وقد نص الإمام أحمد على أن الإغلاق الذي قال فيه النبي لا طلاق ~~ولا عتاق في إغلاق أنه الغضب وقال أبو داود أظنه الغضب والشافعي سمى نذر ~~اللجاج والغضب نذر الغلق وذلك لأن الغضبان قد انغلق عليه باب PageV03P307 ~~القصد ms1045 والتمييز بشدة غضبه وإذا كان الإكراه غلقا فالغضب الشديد أولى أن ~~يكون غلقا وكذلك السكر غلق والجنون غلق فالغلق والإغلاق أيضا كلمة جامعة ~~لمن انغلق عليه باب القصد والتمييز بسبب من الأسباب وقد أشبعنا الكلام في ~~هذا في كتابنا المسمى إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان # | فصل ومن أسباب السكر حب الصور وغيرها سواء كانت مباحة أو محرمة فإن # الحب إذا استحكم وقوي أسكر صاحبه وهذا مشهور في أشعارهم وكلامهم كما قال ~~الشاعر # سكران سكر هوى وسكر مدامة % ومتى إفاقة من به سكران # وقال آخر من أبيات # تسقيك من عينها خمرا ومن يدها % خمرا فما لك من سكرين من بد # لي سكرتان وللندمان واحدة % شيء خصصت به من بينهم وحدي # وفي المسند عن النبي حبك الشيء يعمي ويصم أي يعمي عن رؤية مساوئ المحبوب ~~ويصم عن سماع العذل واللوم فيه وإذا تمكن واستمكن أعمي قلبه وأصمه بالكلية ~~وهذا أبلغ من السكر فإذا انضم إلى سكر المحبة فرحة الوصال قوي السكر وتضاعف ~~فيخرج صاحبه عن حكم العقل وهو لا يشعر وأكثر ما ترى من عربدة العاشق ~~وتخليطه هو من هذا السكر ولكن لما ألف الناس ذلك واشتركوا فيه لم ينكروه ~~وإنما ينكره من كان خارجا عنه فإذا أفاقوا بين الأموات علموا أنهم حينئذ ~~كانوا في سكرتهم يعمهون # | فصل ومن أقوى أسباب السكر الموجبة له سماع الأصوات المطربة لا سيما # إن كانت من صورة مستحسنة وصادفت محلا قابلا فلا تسأل عن سكر السامع # وهذا السكر يحدث عندها من جهتين PageV03P308 # إحداهما أنها في نفسها توجب لذة قوية ينغمر معها العقل # الثانية أنها تحرك النفس إلى نحو محبوبها وجهته كائنا ما كان فيحصل بتلك ~~الحركة والشوق والطلب مع التخيل للمحبوب وإحضاره في النفس وإدناء صورته إلى ~~القلب واستيلائها على الفكر لذة عظيمة تقهر العقل فتجتمع لذة الألحان ولذة ~~الأشجان فتسكر الروح سكرا عجيبا أقوى وألذ من سكر الشراب وتحصل به نشوة ألذ ~~من نشوة الشراب # ومن ههنا استشهد الشيخ على السكر بقول موسى عليه السلام ms1046 لما سمع كلام ~~الرب جل جلاله @QB@ رب أرني أنظر إليك @QE@ وقد ذكر الإمام أحمد وغيره أن ~~الله سبحانه وتعالى يقول يوم القيامة لداود مجدني بذلك الصوت الذي كنت ~~تمجدني به في الدنيا فيقول يا رب كيف وقد أذهبته المعصية فيقول الله تعالى ~~أنا أرده عليك فيقوم عند ساق العرش فيمجده فإذا سمع أهل الجنة صوته استفرغ ~~نعيم أهل الجنة وأعظم من ذلك إذا سمعوا كلام الرب جل جلاله وخطابه لهم منه ~~إليهم بلا واسطة وقد ذكر عبد الله بن أحمد في كتاب السنة أثرا في ذلك كأن ~~الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن إذا سمعوه من الرحمن جل جلاله # فإذا انضاف إلى ذلك رؤيتهم وجهه الكريم الذي تغنيهم لذة رؤيته عن الجنة ~~ونعيمها فأمر لا تدركه العبارة ولا قليلا من كثير فهذا صوت لا يلج كل أذن ~~وصيب لا تحيا به كل أرض وعين لا يشرب منها كل وارد وسماع لا يطرب عليه كل ~~سامع ومائدة لا يجلس عليها طفيلي # فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول # السكر سببه اللذة القاهرة للعقل وسبب اللذة إدراك المحبوب فإذا كانت ~~المحبة قوية وإدراك المحبوب قويا كانت اللذة بإدراكه تابعة لقوة هذين ~~الأمرين فإذا كان العقل قويا مستحكما لم يتغير لذلك وإن كان ضعيفا ~~PageV03P309 حدث السكر المخرج له عن حكمه فقد يضاف إلى قوة الوارد وقد يضاف ~~إلى ضعف المحل وقد يجتمع الأمران # قال صاحب المنازل وعيون الفناء لا تقبله ومنازل العلم لا تبلغه # لما كان الفناء يفنى من العبد كل ما سوى مشهوده ويفني معاني كل شيء وكان ~~السكر كما حده بأنه سقوط التمالك في الطرب كان في السكران بقية طرب بها ~~وأحس بها بطربه بحيث لم يتمالك في الطرب والفناء يأبى ذلك فحقائقه لا تقبل ~~السكر # والحاصل أن الفناء استغراق محض والسكر معه لذة وطرب لا يتمالك صاحبها ولا ~~يقدر أن يفنى عنها # والمقصود أن السكر ليس من أعلى مقامات العارفين الواصلين لأن أعلى ~~مقاماتهم هو الفناء عنده فمقامهم لا يقبل السكر ms1047 # قوله ومنازل العلم لا تبلغه صحيح فإن علم المحبة والشوق والعشق شيء وحال ~~المحبة شيء آخر والسكر لا ينشأ عن علم المحبة وإنما ينشأ عن حالها فكأنه ~~يقول السكر صفة وحالة نقص لمن مقامه فوق مقام العلم ودون مقام الشهود ~~والفناء وهو مختص بالمحبة لأن المحبة هي آخر منزلة يلتقي فيها مقدمة العامة ~~وهم أهل طور العلم وساقة الخاصة وهم أهل طور الشهود والفناء فالبرزخ الحاصل ~~بين المقامين هو مقام المحبة فاختص به السكر # | فصل قال وللسكر ثلاث علامات الضيق عن الاشتغال بالخبر والتعظيم # قائم واقتحام لجة الشوق والتمكن دائم والغرق في بحر السرور والصبر هائم # يريد أن المحب تشغله شدة وجده بالمحبوب وحضور قلبه معه وذوبان جوارحه من ~~شدة الحب عن سماع الخبر عنه وهذا الكلام ليس على إطلاقه فإن المحب الصادق ~~أحب شيء إليه الخبر عن محبوبه وذكره كما قال عثمان PageV03P310 ابن عفان ~~رضي الله عنه لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله وقال بعض العارفين كيف ~~يشبعون من كلام محبوبهم وهو غاية مطلوبهم # والذي يريده الشيخ وأمثاله بهذا أن المحب الصادق يمتلئ قلبه بالمحبة ~~فتكون هي الغالبة عليه فتحمله غلبتها وتمكنها على أن لا يغفل عن محبوبه ولا ~~يشتغل قلبه بغيره ألبتة فيسمع من الفارغين ما ورد في حق المحبين ويسمع منهم ~~أوصاف حبيبه والخبر عنه فلا يكاد يصبر على أن يسمع ذلك أبدا لضيق قلبه عن ~~سماعه من قلب غافل وإلا فلو سمع هذا الخبر ممن هو شريكه في شجوه وأنيسه في ~~طريقه وصاحبه في سفره لما ضاق عنه بل لاتسع له غاية الاتساع فهذا وجه # ووجه ثان وهو أن السكران بالمحبة قد امتلأ قلبه بمشاهدة المحبوب فاجتمعت ~~قوى قلبه وهمه وإرادته عليه ومعاني الخبر فيها كثرة وانتقال من معنى إلى ~~معنى فقلبه يضيق في هذه الحال عنها حتى إذا صحا اتسع قلبه لها # قوله والتعظيم قائم أي ضيق قلبه عن اشتغاله بالخبر ليس اطراحا له ورغبة ~~عنه وكيف وهو خبر عن محبوبه واردا منه ms1048 بل لضيقه في تلك الحال عن الاشتغال ~~به وتعظيمه قائم في قلبه فهو مشغول بوجده وحاله عما يفرقه عنه وهذا يحسن ~~إذا كان المشتغل به أحب إلى حبيبه من المشتغل عنه فأما إذا كان ما أعرض عنه ~~أحب إلى الحبيب مما اشتغل به فشرع المحبة يوجب عليه إيثار أعظم المحبوبين ~~إلى حبيبه وإلا كان مع نفسه ووجده ولذته # قوله واقتحام لجة الشوق والتمكن دائم اقتحام لجة الشوق وهو ركوب بحره ~~وتوسطه لا الدخول في حاشيته وطرفه والتمكن المشار إليه هو لزوم أحكام العلم ~~من العمل به ولزوم أحكام الورع والقيام بالأوراد الشرعية فلزوم ذلك دوامه ~~علامة صحة الشوق # قوله والغرق في بحر السرور والصبر هائم أي يكون المحب غريقا في بحر ~~PageV03P311 السرور ولا يفارقه السرور حتى كأنه بحر قد غرق فيه فكما أن ~~الغريق لا يفارقه الماء كذلك المحب لا يفارقه السرور ومن ذاق مقام المحبة ~~عرف صحة ما يقوله الشيخ فإن نعيم المحبة في الدنيا رقيقة ولطيفة من نعيم ~~الجنة في الآخرة بل هو جنة الدنيا فما طابت الدنيا إلا بمعرفة الله ومحبته ~~ولا الجنة إلا برؤيته ومشاهدته فنعيم المحب دائم وإن مزج بالآلام أحيانا ~~فلو عرف المشغولون بغير الحق سبحانه ما فيه أهل محبته وذكره ومعرفته من ~~النعيم لتقطعت قلوبهم حسرات ولعلموا أن الذي حصلوه لا نسبة له إلى ما ضيعوه ~~وحرموه كما قيل # ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها % وأنت وحيد مفرد غير عاشق # وقال الآخر # وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى % ولا خير فيمن لا يحب ويعشق # وقال الآخر # هل العيش إلا أن تروح وتغتدي % وأنت بكأس العشق في الناس نشوان # وقال الآخر # وما تلفت إلا من العشق مهجتي % وهل طاب عيش لامرئ غير عاشق # وقال الآخر # وما سرني أني خلي من الهوى % ولو أن لي ما بين شرق ومغرب # وقال الآخر # ولا خير في الدنيا بغير صبابة % ولا في نعيم ليس فيه حبيب # وقال الآخر # وما طابت الدنيا بغير محبة % وأي نعيم لامرئ غير ms1049 عاشق # وقال الآخر # أسكن إلى سكن تلذ بحبه % ذهب الزمان وأنت منفرد به PageV03P312 # وقال الآخر # إذا لم تذق في هذه الدار صبوة % فموتك فيها والحياة سواء # وقال الآخر # وما ذاق طعم العيش من لم يكن له % حبيب إليك يطمئن ويسكن # وقال الآخر # ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر % حبيبا ولا وافى إليه حبيب # قال الآخر # يزور فتنجلي عني هموم % لأن جلاء حزني في يديه # ويمضي بالمسرة حين يمضي % لأن حوالتي فيها عليه # قال أبو المنجاب رأيت في الطواف فتى نحيف الجسم بين الضعف يلوذ ويتعوذ ~~وينشد # وودت بأن الحب يجمع كله % فيقذف في قلبي وينغلق الصدر # ولا ينقضي ما في فؤادي من الهوى % ومن فرحي بالحب أو ينقضي العمر # والأخبار في المحبين وأشعارهم في ذلك أكثر من أن تحصى هذا وكل منهم معذب ~~بمحبوبه سوى الحق سبحانه ولو ظفر بوصاله فما الظن بمن قصر حبه على الحبيب ~~الأول وكلما دعته نفسه إلى محبة غيره تمثل بقول القائل # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى % ما الحب إلا للحبيب الأول # قوله والصبر هائم أن يكون غريقا في سروره بالمحبة وصبره مفقود والهيمان ~~هو التشتت والحيرة # قوله وما سوى هذا فحيرة تنحل اسم السكر جهلا أو هيمانا يسمى باسمه جورا ~~يقول وما سوى ما ذكرناه من العلامات الثلاث وإن كان من المحبة إلا أنه لا ~~ينبغي أن يسمى سكرا مثل الحياة فإنها تعطي اسم السكر عند الجهال ومثل ~~الهيمان فإنه يسميه من لا يعرف السكر سكرا وذلك جور وخروج عن التحقيق وعدول ~~عن الصواب PageV03P313 # قوله وما سوى ذلك فكله يناقض البصائر كسكر الحرص وسكر الجهل وسكر الشهوة ~~أي هذه الأنواع من السكر أنواع مذمومة تناقض البصائر فسكر الحرص ينشأ من ~~شدة الرغبة في الدنيا وعدم الزهد فيها والحريص عليها سكران في صورة صاح ~~وكذلك سكر الجهل فإن الجهل جهلان جهل العلم وجهل العمل فإذا تحكم الجهلان ~~فلا تسأل عن سكر صاحبهما وكذلك سكر الشهوة فإن لها سكرا أشد من سكر الخمر ms1050 ~~وكذلك سكر الغضب وسكر الفرح وكذلك سكر السلطان والرئاسة فإن للرئاسة سكرا ~~وعربدة لا تخفى وكذلك الشباب له سكرة قوية وهي شبعه من الجنون وكذلك الخوف ~~له سكرة تحول بين الخائف وبين حكم العقل # سكرات خمس إذا مني المر % ء بها صار ضحكة للزمان # سكرة الحرص والحداثة والعش % ق وسكر الشراب والسلطان # وآخر ذلك سكرة الموت التي تأتي بالحق هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا ~~إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون $ فصل قال صاحب المنازل باب ~~الصحو قال الله تعالى @QB@ حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ~~قالوا الحق وهو العلي الكبير @QE@ # وجه استدلاله بإشارة الآية أن الله سبحانه إذا تكلم بالوحي صعقت الملائكة ~~وأخذهم شبه الغشي من تكلم الرب جل جلاله فإذا كشف الفزع عن قلوبهم وخلي ~~عنها وأفاقوا من ذلك الغشي قال بعضهم لبعض ماذا قال ربكم فيستخبر كل أهل ~~سماء من يليهم حتى ينتهي الأمر إلى أهل السماء السابعة فيسألون جبريل يا ~~جبريل ماذا قال ربنا فيقول قال الحق وهو العلي الكبير # قال الصحو فوق السكر وهو يناسب مقام البسط والصحو مقام PageV03P314 صاعد ~~عن الانتظار مغن عن الطلب طاهر من الحرج فإن السكر إنما هو في الحق والصحو ~~إنما هو بالحق كل ما كان في عين الحق لم يخل من حيرة لا حيرة الشبهة بل ~~حيرة مشاهدة نور العزة وما كان بالحق لم يخل من صحة ولم تحف عليه نقيصة ولم ~~تتعاوره علة # والصحو من منازل الحياة وأودية الجمع ولوائح الوجود # قوله الصحو فوق السكر يعني أن السكر يكون في الانفصال والصحو في الاتصال ~~وأيضا فالسكر فناء والصحو بقاء # وأيضا فالسكر غيبة والصحو حضور وأيضا فالسكر غلبة والصحو تمكن وأيضا ~~فالسكر كالنوم والصحو كاليقظة # وبعضهم يفضل مقام السكر على مقام الصحو ويقول لولا البقية التي بقيت فيه ~~لما صحا وينشد متمثلا # ومهما بقي للصحو فيك بقية % يجد نحوك اللاحي سبيلا إلى العذل # وهذا غلط محض لما ذكرنا نعم السكر فوق الصحو ms1051 الفارغ والسكران بالمحبة خير ~~من الصاحي منها والصاحي بها خير من السكران فيها # قوله وهو يناسب مقام البسط وجه المناسبة بينهما أن الانبساط لا يكون إلا ~~مع الصحو وإلا فالسكر لا يحتمل الانبساط # قوله والصحو مقام صاعد عن الانتظار يعني انتظار الحضور فإن الصاحي متمكن ~~في الحضور ولذلك أشبه مقامه مقام البسط فالصحو أعلى من أن يصحبه الانتظار ~~لأن صاحبه قد اتصل فهو لا ينتظر الاتصال ولذلك قال مغن عن الطلب فإن الطالب ~~إنما يطلب الوصول إلى مطلوبه وهذا قد اتصل فصحوه مغن له عن طلبه # وهذا الكلام ليس على إطلاقه فإن الطلب لا يفارق العبد ما دامت الحياة ~~PageV03P315 تصحبه نعم صحوه مغن عن طلب حظ من حظوظه وأما طلب محاب محبوبه ~~ومراضيه فهو أكمل ما يكون لها طلبا # فإن قيل إن مراد الشيخ أنه مغن عن التوجه والسلوك فإنه واصل والسالك لا ~~يزال في الطريق # قلت العبد لا يزال في الطريق حتى يلحق الله تعالى قال الله تعالى @QB@ ~~واعبد ربك حتى يأتيك اليقين @QE@ وهو الموت بإجماع أهل العلم كلهم قال ~~الحسن لم يجعل الله لعباده المؤمنين أجلا دون الموت # وتقسيم أبناء الآخرة إلى طالب وسالك وواصل صحيح باعتبار فاسد باعتبار ~~فكأنهم جعلوا السير إلى الله تعالى بمنزلة السير إلى بيته فالناس ثلاثة ~~طالب للسفر ومسافر في الطريق وواصل إلى البيت # وهذا موضع زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام ولا بد من تحقيقه # فنقول وبالله التوفيق ومنه الاستمداد وهو المستعان # هذا المثال غير مطابق فإن الوصول إلى البيت هو غاية الطريق فإذا وصل فقد ~~انقطعت طريقه وانتهى سفره وليس كذلك الوصول إلى الله فإن العبد إذا صل إلى ~~الله جذبه سيره وقوى سفره فعلامة الوصول إلى الله الجد في السير والاجتهاد ~~في السفر وهذا الموضع هو مفرق الطريقين بين الموحدين والملحدين فالملحد ~~يقول السفر وسيئته والاشتغال بالوسيلة بعد الوصول إلى الغاية بطالة ومتى ~~وصل العبد سقطت عنه أحكام السفر وصار كما قيل # فألقت عصاها واستقر بها النوى % كما قر عينا ms1052 بالإياب المسافر # ودعي بعض هؤلاء إلى الصلاة وقد أقيمت فقال # يطالب بالأولاد من كان غافلا % فكيف بقلب كل أوقاته ورد # وقيل لملحد آخر منهم ألا تصلي فقال أنتم مع أورادكم ونحن مع وارداتنا ~~وهؤلاء هم الذين صاح بهم أئمة الطريق وأخرجوهم من دائرة PageV03P316 ~~الإسلام وقال بعضهم نعم وصلوا ولكن إلى الشيطان لا إلى الرحمن وقال آخر ~~وصلوا ولكن إلى سقر # فكل واصل إلى الله فهو طالب له وسالك في طريق مرضاته # نعم بداية الأمر الطلب وتوسطه السلوك ونهايته الوصول وسيأتي بيان حقيقة ~~الوصول الذي يشير إليه القوم في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله تعالى # والمقصود أن قوله مغن عن الطلب كلام يحتاج إلى تأويل وحمل على معنى يصح ~~فإما أن يحمل على أنه مغن عن تكلف الطلب فلا يريد هذا على هذا المعنى # وإما أن يحمل على أنه مغن عن رؤيته وهذا أقرب ولكن لا يريده # وإما أن يحمل على أنه قد وصل إلى مشاهدة الأولية حيث تنطوي الأكوان ~~والأسباب ولا يبقى للطلب تأثير ألبتة فإنه من عين الجود وحصول المطلوب لم ~~يكن موقوفا عليه ولا به وإنما هو ممن وجود كل شيء به وحده فهو الموجد ~~والمعد والممد وبيده الأسباب وسببيتها وقواها وموانعها ومعارضها فالأمر كله ~~له وبه ومصيره إليه فهذا معنى صحيح في نفسه ولكن صاحب هذا المقام لا يستغنى ~~عن الطلب # قوله طاهر من الحرج أي خال منه لا حرج عليه لأنه قائم بوظائف العبودية في ~~سكره وصحوه # قوله فإن السكر إنما هو في الحق والصحو إنما هو بالحق # يريد أن السكر إنما هو في محبته والشوق إليه فقلبه مستغرق في الحب والصحو ~~إنما هو بالحق أي بوجوده وهذا كلام يحتاج إلى شرح وبيان وعبارة وافية فنقول ~~والله المستعان # المحب له حالتان حالة استغراق في محبة محبوبه كاستغراق صاحب السكر في ~~سكره وذلك عند استغراقه في شهود جماله وكماله فلا يبقى فيه متسع لسواه ~~PageV03P317 ولا فضل لغيره فإذا رآه من لم يعرف حاله ظنه سكرا ms1053 فهذا استغراق ~~في محبوبه وصفاته ونعوته # الحالة الثانية حالة صحو يفيق فيها على عبوديته والقيام بمرضاته ~~كالمسارعة إلى محابه فهو في هذا الحال به أي متصرف في أوامره ومحابه به ليس ~~غائبا عنه بأوامره ولا غائبا به عن أوامره فلا يشغله واجب أوامر وحقوقه عن ~~واجب محبته والإنابة إليه والرضى به ولا يشغله واجب حبه عن أوامره بل هو ~~مقتد بإمام الحنفاء إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه فإنه كان في ~~أعلى مقامات المحبة وهي الخلة ولم يشغله ذلك عن القيام بخصال الفطرة من ~~الختان وقص الشارب وتقليم الأظافر فضلا عما هو فوق ذلك فوفى المقامين حقهما ~~ولهذا أثنى الله عليه بذلك فقال @QB@ وإبراهيم الذي وفى @QE@ # قوله وكلما كان في عين الحق لم يخل من حيرة # يريد بذلك تفضيل مقام الصحو على مقام السكر ورفعه عليه وأن السكر لما كان ~~في عين الحق كان مستلزما لنوع من الحيرة ثم استدرك فقال لا حيرة الشبهة ~~فإنها تنافي أصل عقد الإيمان ولكن حيرة المشاهدة أنوار العزة وهي دهشة ~~تعتري الشاهد لأمر عظيم جدا لا عهد له بمثله بخلاف مقام الصحو فإنه لقوته ~~وثباته وتمكنه لا يعرض له ذلك # وحاصل كلامه أن من كان ناظرا في عين الحقيقة لزمته الحيرة وهي حيرة ~~مشاهدة أنوار العزة لا حيرة من ضل عن طريق مقصوده فإن الشبهة هي اشتباه ~~الطريق على السالك بحيث لا يدري أعلى حق هو أم على باطل وقد تقدم بيان أن ~~مشاهدة نور الذات المقدسة في هذه الدار محال فلا نعيده # قوله وما كان بالحق لم يخل من صحة ولم تحف عليه نقيصة ولم تتعاوره علة ~~هذا تقرير منه لرفع مقام الصحو على مقام السكر فإنه لما كان بالله كان ~~محفوظا محروسا من النفس والشيطان اللذين هما مصدر كل باطل وهذا PageV03P318 ~~الحفظ هو معنى قوله فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ~~ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فأين الباطل ههنا ثم قال فبي يسمع ~~وبي ms1054 يبصر وبي يبطش وبي يمشي \ ح \ تحقيقا لحفظ سمعه وبصره وبطشه ومشيه # قوله ولم تتعاوره علة التعاور الاختلاف أي لم تتخالف عليه العلل والعلل ~~ملاحظة الأغيار وطاعة القلب للسوى وإجابته لداعيه # قوله والصحو من منازل الحياة وأودية الجمع ولوائح الوجود هذا تقرير أيضا ~~لرفع مقامه على مقام السكر وقد تقدم ذكر الحياة ومراتبها وأقسامها # والمناسبة بين الصحو والحياة أن الحياة هي المصححة لجميع المقامات ~~والأحوال فهي التي ترمي على جميعها كما ترمي الأودية أمواهها على البحار # قوله وأودية الجمع الجمع يراد به جمع الوجود وجمع الشهود وجمع الارادة ~~فالأول جمع أهل الالحاد الاتحادية والثاني جمع أهل الفناء والثالث جمع ~~الرسل وورثتهم كما سيأتي تفصيل ذلك في باب الجمع إن شاء الله تعالى فالصحو ~~من أودية الجمع العالي لا النازل ولا المتوسط # قوله ولوائح الوجود اللوائح جمع لائحة وهي ما يلوح لك كالبرق وغيره ~~وسيأتي الكلام على الوجود الذي الصحو من لوائحه في بابه إن شاء الله تعالى # | فصل قال صاحب المنازل باب الاتصال قال الله تعالى ثم دنى فتدلى # فكان قاب قوسين أو أدني آيس العقول فقطع البحث بقوله أو أدنى # كأن الشيخ فهم من الآية أن الذي دنى فتدلى فكان من محمد قاب قوسين أو ~~أدنى هو الله عز وجل وهذا وإن قاله جماعة من المفسرين فالصحيح أن ذلك هو ~~جبريل عليه الصلاة والسلام فهو الموصوف PageV03P319 بما ذكر من أول السورة ~~إلى قوله @QB@ ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى @QE@ هكذا فسره النبي ~~في الحديث الصحيح قالت عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله عن هذه الآية ~~فقال جبريل لم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين ولفظ القرآن لا يدل ~~على ذاك غير ذلك من وجوه # أحدها أنه قال @QB@ علمه شديد القوى @QE@ وهذا جبريل الذي وصفه الله ~~بالقوة في سورة التكوير فقال @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين @QE@ # الثاني أنه قال ذو مرة أي حسن الخلق وهو الكريم المذكور في التكوير # الثالث أنه ms1055 قال @QB@ فاستوى وهو بالأفق الأعلى @QE@ وهو ناحية السماء ~~العليا وهذا استواء جبريل بالأفق الأعلى وأما استواء الرب جل جلاله فعلى ~~عرشه # الرابع أنه قال ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فهذا دنو جبريل ~~وتدليه إلى الأرض حيث كان رسول الله وأما الدنو والتدلي في حديث المعراج ~~فرسول الله كان فوق السموات فهناك دنى الجبار جل جلاله منه وتدلى فالدنو ~~والتدلي في الحديث غير الدنو والتدلي في الآية وإن اتفقا في اللفظ # الخامس أنه قال @QB@ ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة @QE@ PageV03P320 @QB@ ~~المنتهى @QE@ والمرئي عند السدرة هو جبريل قطعا وبهذا فسره النبي فقال ~~لعائشة ذاك جبريل # السادس أن مفسر الضمير في قوله @QB@ ولقد رآه @QE@ وفي قوله ثم دنى فتدلى ~~وفي قوله @QB@ فاستوى @QE@ وفي قوله @QB@ وهو بالأفق الأعلى @QE@ واحد فلا ~~يجوز أن يخالف بين المفسر والمفسر من غير دليل # السابع أنه سبحانه ذكر في هذه السورة الرسولين الكريمين الملكي والبشري ~~ونزه البشرى عن الضلال والغواية ونزه الملكي عن أن يكون شيطانا قبيحا ضعيفا ~~بل هو قوي كريم حسن الخلق وهذا نظير الوصف المذكور في سورة التكوير سواء # الثامن أنه أخبر هناك أنه رآه بالأفق المبين وههنا أخبر أنه رآه بالأفق ~~الأعلى وهو واحد وصف بصفتين فهو مبين وهو أعلى فإن الشيء كلما علا بان ظهر # التاسع أنه قال @QB@ ذو مرة @QE@ والمرة الخلق الحسن المحكم فأخبر عن حسن ~~خلق الذي علم النبي ثم ساق الخبر كله عنه نسقا واحدا # العاشر أنه لو كان خبرا عن الرب تعالى لكان القرآن قد دل على أن رسول ~~الله رأى ربه سبحانه مرتين مرة بالأفق ومرة عند السدرة ومعلوم أن الأمر لو ~~كان كذلك لم يقل النبي لأبي ذر وقد سأله هل رأيت ربك فقال نور أنى أراه ~~فكيف يخبر القرآن أنه رآه مرتين ثم يقول رسول الله أنى أراه وهذا أبلغ من ~~قوله لم أره لأنه مع النفي يقتضي الإخبار عن عدم الرؤية فقط وهذا يتضمن ~~النفي وطرفا من الإنكار على السائل كما إذا قال ms1056 لرجل هل كان كيت وكيت فيقول ~~كيف يكون ذلك # الحادي عشر أنه لم يتقدم للرب جل جلاله ذكر يعود الضمير عليه في ~~PageV03P321 قوله ثم دنى فتدلى والذي يعود الضمير عليه لا يصلح له وإنما هو ~~لعبده # الثاني عشر أنه كيف يعود الضمير إلى ما لم يذكر ويترك عوده إلى المذكور ~~مع كونه أولى به # الثالث عشر أنه قد تقدم ذكر صاحبكم وأعاد عليه الضمائر التي تليق به ثم ~~ذكر بعده شديد القوى ذا المرة وأعاد عليه الضمائر التي تليق به والخبر كله ~~عن هذين المفسرين وهما الرسول الملكي والرسول البشري # الرابع عشر أنه سبحانه أخبر أن هذا الذي دنى فتدلى كان بالأفق الأعلى وهو ~~أفق السماء بل هو تحتها قد دنى من رسول رب العالمين ودنو الرب تعالى وتدليه ~~على ما في حديث شريك كان من فوق العرش لا إلى الأرض # الخامس عشر أنهم لم يماروه صلوات الله وسلامه عليه على رؤية ربه ولا ~~أخبرهم بها لتقع مماراتهم له عليها وإنما ماروه على رؤية ما أخبرهم من ~~الآيات التي أراه الله إياها ولو أخبرهم الرب تعالى لكانت مماراتهم له ~~عليها أعظم من مماراتهم على رؤية المخلوقات # السادس عشر أنه سبحانه قرر صحة ما رآه الرسول وأن مماراتهم له على ذلك ~~باطلة بقوله @QB@ لقد رأى من آيات ربه الكبرى @QE@ فلو كان المرئي هو الرب ~~سبحانه وتعالى والمماراة على ذلك منهم لكان تقرير تلك الرؤية أولى والمقام ~~إليها أحوج والله أعلم # قوله آيس العقول بقوله أو أدنى يعني أن العقول لا تقدر أن تثبت على معرفة ~~اتصال هو أدنى من قاب قوسين وهذا بناء على ما فهمه من الآية وإلا فالعقول ~~غير آيسة من دنو رسوله الملكي من رسوله البشري حتى صار في القرب منه قاب ~~قوسين أو أدنى من قوسين فإنه دنو عبد من عبد ومخلوق من مخلوق # يبقى أن يقال فما فائدة ذكر أو فيقال هي لتقرير المذكور قبلها ~~PageV03P322 وأن القرب إن لم ينقص عن قدر قوسين لم يزد عليهما ms1057 وهذا كقوله ~~@QB@ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون @QE@ والمعنى أنهم إن لم يزيدوا على ~~المائة الألف لم ينقصوا عنها فهو تقرير لنصية عدد المائة الألف فتأمله # قال والاتصال ثلاث درجات الدرجة الأولى اتصال الاعتصام ثم اتصال الشهود ~~ثم اتصال الوجود واتصال الاعتصام تصحيح القصد ثم تصفية الإرادة ثم الحال # أما القسمان الأولان وهما اتصال الاعتصام واتصال الشهود فلا إشكال فيهما ~~فإنهما مقاما الإيمان والإحسان فاتصال الاعتصام مقام الإيمان واتصال الشهود ~~مقام الإحسان # وعندي أنه ليس وراء ذلك مرمى وكل ما يذكر بعد ذلك من اتصال صحيح فهو من ~~مقام الإحسان فاتصال الوجود لا حقيقة له ولكن لا بد من ذكر مراد الشيخ وأهل ~~الاستقامة بهذا الاتصال ومراد أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود منه إذا ~~انتهينا إلى ذكره إن شاء الله # فأما اتصال الاعتصام فقد قال الله تعالى @QB@ واعتصموا بالله هو مولاكم ~~فنعم المولى ونعم النصير @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى ~~صراط مستقيم @QE@ وقال تعالى @QB@ إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله ~~وأخلصوا دينهم لله @QE@ وقال @QB@ واعتصموا بحبل الله جميعا @QE@ فالاعتصام ~~به نوعان اعتصام توكل واستعانة وتفويض ولجإ وعياذ وإسلام النفس إليه ~~والاستسلام له سبحانه # والثاني اعتصام بوحيه وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم ومعقولاتهم ~~وأذواقهم وكشوفاتهم ومواجيدهم فمن لم يكن كذلك فهو منسل من هذا الاعتصام ~~فالدين كله في الاعتصام به وبحبله علما وعملا وإخلاصا واستعانة ومتابعة ~~واستمرارا على ذلك إلى يوم القيامة PageV03P323 # قوله ثم اتصال الشهود وتقدم ذكر المشاهدة قريبا وبينا أن المشاهدة هي ~~تحقق مقام الإحسان فالاتصال الأول اتصال العلم والعمل والثاني اتصال الحال ~~والمعرفة # قوله ثم اتصال الوجود الوجود الظفر بحقيقة الشيء ومعاذ الله أن يريد ~~الشيخ أن وجود العبد يتصل بوجود الرب فيصير الكل وجودا واحدا كما يظنه ~~الملحد فإن كفر النصارى جزء يسير من هذا الكفر وهو أيضا كلام لا معنى له ~~فإن العبد بل لا عبد في الحقيقة عندهم لم يزل كذلك ولو كان أفسق الخلق ~~وأفجرهم فنفس وجوده متصل بوجود ربه ms1058 بل هو عين وجوده بل لا رب عندهم ولا عبد # وإنما يريد الشيخ باتصال الوجود أن العبد يجد ربه بعد أن كان فاقدا له ~~فهو بمنزلة من كان يطلب كنزا ولا وصول له إليه فظفر به بعد ذلك ووجده ~~واستغنى به غاية الغنى فهذا اتصال الوجود كما في الأثر اطلبني تجدني فإن ~~وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء # وهذا الوجود من العبد لربه يتنوع بحسب أحوال العبد ومقامه فإن التائب ~~الصادق في توبته إذا تاب إليه وجده غفورا رحيما والمتوكل إذا صدق في التوكل ~~عليه وجده حسيبا كافيا والداعي إذا صدق في الرغبة إليه وجده قريبا مجيبا ~~والمحب إذا صدق في محبته وجده ودودا حبيبا والملهوف إذا صدق في الاستغاثة ~~به وجده كاشفا للكرب مخلصا منه والمضطر إذا صدق في الاضطرار إليه وجده ~~رحيما مغيثا والخائف إذا صدق في اللجإ إليه وجده مؤمنا من الخوف والراجي ~~إذا صدق في الرجاء وجده عند ظنه به PageV03P324 # فمحبه وطالبه ومريده الذي لا يبغي به بدلا ولا يرضى بسواه عوضا إذا صدق ~~في محبته وإرادته وجده أيضا وجودا أخص من تلك الموجودات فإنه إذا كان ~~المريد منه يجده فكيف بمريده ومحبه فيظفر هذا الواجد بنفسه وبربه # أما ظفره بنفسه فتصير منقادة له مطيعة له تابعة لمرضاته غير آبية ولا ~~أمارة بل تصير خادمة له مملوكة بعد أن كانت مخدومة مالكة # وأما ظفره بربه فقربه منه وأنسه به وعمارة سره به وفرحه وسروره به أعظم ~~فرح وسرور فهذا حقيقة اتصال الوجود والله المستعان # قوله فاتصال الاعتصام تصحيح القصد ثم تصفية الإرادة ثم تحقيق الحال # قلت تصحيح القصد يكون بشيئين إفراد المقصود وجمع الهم عليه وحقيقته توحيد ~~القصد والمقصود فمتى انقسم قصده أو مقصوده لم يكن صحيحا وقد عبر عنه الشيخ ~~فيما تقدم بأنه قصد يبعث على الارتياض ويخلص من التردد ويدعو إلى مجانبة ~~الأعواض فالاتصال في هذه الدرجة بهذا القصد # وقوله ثم تصفية الإرادة هو تخليصها من الشوائب وتعيلقها بالسوى أو ~~بالأعواض ms1059 بل تكون إرادة صافية من ذلك كله بحيث تكون متعلقة بالله وبمراده ~~الديني الشرعي كما تقدم بيانه # وقوله ثم تحقيق الحال أي يكون له حال محقق ثابت لا يكتفي بمجرد العلم حتى ~~يصحبه العمل ولا بمجرد العمل حتى يصحبه الحال فتصير الإرادة والمحبة ~~والإنابة والتوكل وحقائق الإيمان حالا لقلبه قد انصبغ قلبه بها بحيث لو ~~تعطلت جوارحه كان قلبه في العمل والسير إلى الله وربما يكون عمل قلبه أقوى ~~من عمل جوارحه # قوله الدرجة الثانية اتصال الشهود وهو الخلاص من الاعتلال والغنى عن ~~الاستدلال وسقوط شتات الأسرار PageV03P325 # الاعتلال هو العوائق والعلل والخلاص منها هو الصحة ولهذا كانت هذه الدرجة ~~أعلى مما قبلها فإن الأولى اتصال بصحة القصود والأعمال وهذه اتصال برؤية من ~~العمل له على تحقيق مشاهدته بالبصيرة فيتخلص العبد بذلك من علل الأعمال ~~واستكثارها واستحسانها والسكون إليها # قوله والغنى عن الاستدلال أي هو مستغن بمشاهدة المدلول عليه عن طلب ~~الدليل فإن طالب الدليل إنما يطلبه ليصل به إلى معرفة المدلول فإذا كان ~~مشاهدا للمدلول فماله ولطلب الدليل # وليس يصح في الأذهان شيء % إذا احتاج النهار إلى دليل # فكيف يحتاج إلى إقامة الدليل عليه من النهار بعض آياته الدالة عليه @QB@ ~~ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر @QE@ ولهذا خاطب الرسل قومهم خطاب ~~من لا يشك في ربه ولا يرتاب في وجوده قالت لهم رسلهم أفي الله شك فاطر ~~السموات والأرض # قوله وسقوط شتات الأسرار يعني أن الخلاص من الاعتلال والفناء باتصال ~~الشهود عن الاستلال يسقطان عنه شتات الأسرار وهو تفرق باله وتشتت قلبه في ~~الأكوان فإن اتصال شهوده يجمعه على المشهود كما أن دوام الذكر الذي تواطأ ~~عليه القلب واللسان وشهود المذكور يجمعه عليه ويسقط شتاته فالشتات مصحوب ~~الغيبة وسقوطه مصحوب الحضور والله المستعان # قوله الدرجة الثالثة اتصال الوجود وهذا الاتصال لا يدرك منه نعت ولا ~~مقدار إلا اسم معار ولمح إليه مشار يقول لما يعهد في هذا النوع من الاتصال ~~وكان أعز شيء وأغربه عن النفوس علما وحالا لم تف ms1060 العبارة بكشفه فإن اللفظ ~~لملوم والعبارة فتانة إما أن تزيغ إلى زيادة مفسدة أو نقص PageV03P326 مخل ~~أو تعدل بالمعنى إلى غيره فيظن أنه هو الذي تمكن العبارة عنه من ذلك أنه ~~غلبه نور القرب وتمكن المحبة وقوة الأنس وكمال المراقبة واستيلاء الذكر ~~القلبي فيذهب العبد عن إدراكه بحاله لما قهره من هذه الأمور فيبقى بوجود ~~آخر غير وجوده الطبيعي # وما أظنك تصدق بهذا وأنه يصير له وجود آخر وتقول هذا خيال ووهم فلا تعجل ~~بانكار مالم تحط بعلمه فضلا عن ذوق حاله وأعط القوس باريها وخل المطايا ~~وحاديها فلو أنصفت لعرفت أن الوجود الحاصل لمعذب مضيق عليه في أسوأ حال ~~وأضيق سجن وأنكد عيش إذا فارق هذه الحال وصار إلى ملك هني واسع نافذة فيه ~~كلمته مطاع أمره قد انقادت له الجيوش واجتمعت عليه الأمة فإن وجوده حينئذ ~~غير الوجود الذي كان فيه وهذا تشبيه على التقريب وإلا فالأمر أعظم من ذلك ~~وأعظم فلهذا قال لا يدرك منه نعت يطابقه ويحيط به فإن الأمور العظيمة جدا ~~نعتها لا يكشف حقيقتها على ما هي عليه وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا ~~الأسماء وإنما نذكر بعض لوازمها ومتعلقاتها فيدل بالمذكور على غيره # قوله ولا مقدار يريد مقدار الشرف والمنزلة كما تقول فلان كبير المقدار # قوله إلا اسم معار ولمح إليه يشار لما كان الاسم لا يبلغ الحقيقة ولا ~~يطابقها فكأنه لغيرها وأعير إطلاقه عليها عارية وكذلك اللمح المشار هو الذي ~~يشار به إشارة إلى الحقيقة # وبعد فالشيخ يدندن حول بحر الفناء وكأنه يقول صاحب هذا الاتصال قد فنى في ~~الوجود بحيث صار نقطة انحل تعينها واضمحل تكونها ورجع عودها على بدئها ففني ~~من لم يكن وبقي من لم يزل فهنالك طاحت الإشارات وذهبت العبارات وفنيت ~~الرسوم @QB@ وعنت الوجوه للحي القيوم @QE@ PageV03P327 $ فصل قال صاحب ~~المنازل باب الانفصال قال الله تعالى @QB@ ويحذركم الله نفسه @QE@ ليس في ~~المقامات شيء فيه من التفاوت ما في الانفصال # وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه المقرب المبعد فليحذر القريب ms1061 من الإبعاد ~~والمتصل من الانفصال فإن الحق جل جلاله غيور لا يرضى ممن عرفه ووجد حلاوة ~~معرفته واتصل قلبه بمحبته والأنس به وتعلقت روحه بإرادة وجهه الأعلى أن ~~يكون له التفات إلى غيره ألبتة # ومن غيرته سبحانه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والله سبحانه يغار أشد ~~الغيرة على عبده أن يلتفت إلى سواه فإذا أذاقه حلاوة محبته ولذة الشوق إليه ~~وأنس معرفته ثم ساكن غيره باعده من قربه وقطعه من وصله وأوحش سره وشتت قلبه ~~ونغص عيشه وألبسه رداء الذل والصغار والهوان فنادى عليه حاله إن لم يصرح به ~~قاله هذا جزاء من تعوض عن وليه وإلهه وفاطره ومن لا حياة له إلا به بغيره ~~وآثر غيره عليه فاتخذ سواه له حبيبا ورضي بغيره أنيسا واتخذ سواه وليا قال ~~الله تعالى @QB@ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من ~~الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس ~~للظالمين بدلا @QE@ # فإذا ضرب هذا القلب بسوط البعد والحجاب وسلط عليه من يسومه سوء العذاب ~~وملئ من الهموم والغموم والأحزان وصار محلا للجيف والأقذار والأنتان وبدل ~~بالأنس وحشة وبالعز ذلا وبالقناعة حرصا وبالقرب بعدا وطردا وبالجمع شتاتا ~~وتفرقة كان هذا بعض جزائه فحينئذ تطرقه الطوارق والمؤلمات وتعتريه وفود ~~الأحزان والهموم بعد وفود المسرات # قرأ قارئ بين يدي السرى @QB@ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا @QE@ فقال السري تدرون ما هذا PageV03P328 ~~الحجاب هو حجاب الغيرة ولا أحد أغير من الله فمن عرفه وذاق حلاوة قربه ~~ومحبته ثم رجع عنه إلى مساكنة غيره ثبط جوارحه عن طاعته وعقل قلبه عن ~~إرادته ومحبته وأخره عن محل قربه وولاه ما اختاره لنفسه # وقال بعضهم احذره فإنه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبده سواه # ومن غيرته أن صفيه آدم لما ساكن بقلبه الجنة وحرص على الخلود فيها أخرجه ~~منها ومن غيرته سبحانه أن إبراهيم خليله لما أخذ اسماعيل شعبة من قلبه ms1062 أمره ~~بذبحه حتى يخرج من قلبه ذلك المزاحم # إنما كان الشرك عنده ذنبا لا يغفر لتعلق قلب المشرك به وبغيره فكيف بمن ~~تعلق قلبه كله بغيره وأعرض عنه بكليته # إذا أردت أن تعرف ما حل بك من بلاء الانفصال وذل الحجاب فانظر لمن استعبد ~~قلبك واستخدم جوارحك وبمن شغل سرك وأين يبيت قلبك إذا أخذت مضجعك وإلى أين ~~يطير إذا استيقظت من منامك فذلك هو معبودك وإلهك فإذا سمعت النداء يوم ~~القيامة لينطلق كل واحد مع من كان يعبده انطلقت معه كائنا من كان # لا إله إلا الله ما أشد غبن من باع أطيب الحياة في هذه الدار المتصلة ~~بالحياة الطيبة هناك والنعيم المقيم بالحياة المنغصة المنكدة المتصلة ~~بالعذاب الأليم والمدة ساعة من نهار أو عشية أو ضحاها أو يوم أو بعض يوم ~~فيه ربح الأبد أو خسارة الأبد # فما هي إلا ساعة ثم تنقضي % ويذهب هذا كله ويزول # | فصل قال الشيخ ليس في المقامات شيء فيه من التفاوت ما في الانفصال # يعني أن بين درجات المقامات تناسب واختلاف يسير ومقام الانفصال قليل ~~التناسب في درجاته كثير التفاوت كما سنذكره PageV03P329 # قال ووجوهه ثلاثة أحدها انفصال هو شرط الاتصال وهو الانفصال عن الكونين ~~بانفصال نظرك إليهما وانفصال توقفك عليهما وانفصال مبالاتك بهما # يعني أن انفصال العبد عن رسومه بالفناء هو شرط اتصال وجوده بالبقاء فلا ~~ولاء لله ورسوله إلا بالبراء مما يضاد ذلك ويخالفه وقد قال إمام الحنفاء ~~لقومه @QB@ إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني @QE@ وقال الفتية @QB@ وإذ ~~اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله @QE@ فلم تعتزلوه # وهذه العبارة التي ذكرها الشيخ في بادي الرأي لا تخلو عن إنكار حتى يبين ~~معناها والمراد بها فإن الكونين عبارة عن جميع ما خلقه الله في الدنيا ~~والآخرة ويعبر عنهما بعالم الغيب وعالم الشهادة وفيهما الرسل والأنبياء ~~والملائكة والأولياء فكيف ينفصل عنهم ولا ينظر إليهم ولا يقف بقلبه عليهم ~~ولا يبالي بهم # فاعلم أن في لسان القوم من الاستعارات وإطلاق العام وإرادة الخاص وإطلاق ~~اللفظ ms1063 وإرادة إشارته دون حقيقة معناه ما ليس في لسان أحد من الطوائف غيرهم ~~ولهذا يقولون نحن أصحاب إشارة لا أصحاب عبارة والإشارة لنا والعبارة لغيرنا ~~وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد ويريدون بها معنى لا فساد فيه وصار ~~هذا سببا لفتنة طائفتين طائفة تعلقوا عليهم بظاهر عباراتهم فبدعوهم وضللوهم ~~وطائفة نظروا إلى مقاصدهم ومغزاهم فصوبوا تلك PageV03P330 العبارات وصححوا ~~تلك الإشارات فطالب الحق يقبله ممن كان ويرد ما خالفه على من كان # ومراد الشيخ وأهل الاستقامة أن النفس لما كانت مائلة إلى الملذوذات ~~المحسوسة والمعنوية المشاهدة المعاينة كان النظر إليها والوقوف معها علة في ~~الطريق والقصد جميعا وكان شاغلا لها عن النظر إلى المقصود وحده والوقوف معه ~~دون غيره والالتفات إليه دون ما سواه فمتى قوي تعلق القلب بالمقصود الأعلى ~~بحيث يشغله ذكره عن ذكر غيره وحبه عن حب غيره وخوفه عن خوف غيره ورجاؤه عن ~~رجاء غيره وكان أنسه به خاصة انفصل عن ذكر غيره في حال شغله به سبحانه إذ ~~ليس فيه اتساع لغيره فانفصل في هذه الحال نظره إلى الكونين وانفصل توقفه ~~عليهما وانفصلت مبالاته بهما ضرا أو نفعا أو عطاء أو منعا وهذه الحال لا ~~تدوم فإذا رجع إلى الكون بحكم طبيعته وأنه جزء من الكون ذكر الرسل ~~والأنبياء والملائكة والأولياء بالتعظيم والاحترام وأحسن الذكر وذكر ~~أعداءهم باللعن وأقبح الذكر فهذه وظيفته في هذه الحال وتلك وظيفته في ذلك ~~المقام # والمقصود أنه انفصال شهود في الأحوال لا انفصال وجود ولا انفصال شهود ~~دائما أبدا ولا تلتفت إلى غير هذا فإنه خيال وخبال ووهم لا نطيل الكتاب ~~بذكره # قال الثاني انفصال عن رؤية الانفصال الذي ذكرناه وهو ان لا يتراءى عندك ~~في شهود التحقيق شيء يوصل بالانفصال منهما إلى شيء # إنما كانت هذه الدرجة أعلى عنده مما قبلها من حيث كانت الأولى وسيلة ~~إليها وكانت هذه غاية لها ومرتبة عليها فإن المنفصل من الكونين شغلا بالله ~~عز وجل قد تسكن نفسه إلى مقامه من الأنفصال ويساكنه بسره وقلبه ms1064 PageV03P331 ~~ويغيب عنه أنه محض منة الله ومجرد عطائه فيحتاج إلى أن ينفصل عن رؤية ~~انفصاله ويضيف ذلك إلى أهله ووليه المان به # وهذا التفصيل يتضمن التفاوت الذي أشار إليه الشيخ في أول الباب فإنه ذكر ~~في الدرجة الأولى أن الانفصال شرط في الاتصال وقال ههنا لا يتراءى عندك في ~~شهود التحقيق سبب يوصل بالانفصال منهما إلى شيء وهذا يناقض ما ذكره ولا ~~يجتمع معنى كلاميه بل بينهما تفاوت التناقض فأين شرط حصول الشيء من شهود ~~عدم كونه سببا وشرطا # والجواب عن هذا أن كون الشيء شرطا وسببا لحصول شيء لا يناقض أن يكون عدم ~~رؤيته شرطا لحصول ذلك الشيء فيكون حصوله مشروطا بوجود ذلك الشيء في نفس ~~الأمر وبعدم رؤية العبد له فتكون الرؤية مانعة وإيضاح ذلك ببيان كلامه # فقوله انفصال عن رؤية الانفصال يعني أن العبد يرى حالة الشهود أنه انفصل ~~عن الكونين ثم اتصل بجناب العزة فيشهد اتصالا بعد انفصال وهذه الرؤية في ~~التحقيق ليست صحيحة لأنه لم ينفصل عن الكونين أصلا لكنه توهم ذلك فإذا تبين ~~أنه لم ينفصل عن الكونين فقد انفصل عن الانفصال المذكور لتحققه أنه لم يكن ~~صحيحا # ثم بين كيف يصح له انفصاله عن انفصاله بقوله أن لا يتراءى أي أي لا يظهر ~~لك شيء في شهود التحقيق يكون هو السبب الموجب للاتصال فكأنه قال أن تشهد ~~التحقيق فيريك شهوده أنك ما انفصلت بنفسك عن شيء ولا اتصلت بنفسك بشيء بل ~~الأمر كله بيد غيرك فهو الذي فصلك وهو الذي وصلك # وأما الملحد فيفسر كلامه بغير هذا ويقول إذا شهدت الحقيقة أرتك أنك ما ~~انفصلت من شيء ولا اتصلت بشيء فإن تلك اثنينية تنافي الوحدة المطلقة ~~PageV03P332 # فانظر ما في الألفاظ المجملة الاصطلاحية من الاحتمال وكيف يجرها كل أحد ~~إلى نحلته ومذهبه ولهذا يقول الملحد إنه ليس هناك اتصال ولا انفصال إنما هو ~~في نظر العبد ووهمه فقط فإذا صار من أهل التحقيق علم بعد ذلك أنه لا انفصال ~~ولا اتصال وينشد في هذا ms1065 المعنى بيتا مشهورا لطائفة الاتحادية # فما فيك لي شيء لشيء موافق % ولا منك لي شيء لشيء مخالف # قال الثالث انفصال عن الاتصال وهو انفصال عن شهود مزاحمة الاتصال عين ~~السبق فإن الانفصال والاتصال على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم في العلة ~~سيان # الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها أن ما قبلها انفصال عن سكونه إلى ~~انفصاله ورؤيته له وهو في هذه الدرجة انفصال عن رؤية اتصاله فيتجرد عن رؤية ~~كونه متصلا فإن هذه الرؤية علة في الاتصال بل كمال الاتصال غيبته عن رؤية ~~كونه متصلا لكمال استغراقه بما هو فيه من حقيقة الاتصال فيحصل من الدرجتين ~~انفصاله عن الانفصال والاتصال معا # فههنا جال الملحد وصال وفتح فاه ناطقا بالإلحاد وقال هذا يدل على أن ~~الانفصال والاتصال لا حقيقة لهما في نفس الأمر بل في نظر الناظر فلا حقيقة ~~لهما في نفس الأمر لكن في وهم المكاشف فأين الاتصال والانفصال في العين ~~الواحدة وإنما الوهم والخيال قد حكما على أكثر الخلق # وقد أعاذ الله الشيخ من أن يظن به هذا الإلحاد وإنما مراده ما ذكرناه # وقد كشف عن مراده بقوله وهو انفصال عن شهود مزاحمة الاتصال عين السبق أي ~~ينفصل عن شهود مزاحمته لاتصاله عما سبق في الأزل من الأول الآخر سبحانه ~~فإنه إذا لاحظ السبق وما تقرر فيه حيث لم يكن هو ولا شيء PageV03P333 من ~~الأشياء لم يزاحم شهود اتصاله لشهود ما سبق له به الأزل بل اضمحل فعله ~~وشهوده ووجوده إلى ذلك الوجود الأزلي بحيث كأنه لم يكن فإذا نسب فعله ~~وصفاته ووجوده إلى ذلك الوجود اضمحل وتلاشى وصار كالظل والخيال للشخص # قوله فإن الاتصال والانفصال على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم في العلة ~~سيان # معناه أن معنى اسم الاتصال يضاد اسم الانفصال كما يضاد اسمه اسمه وهما ~~متساويان في العلة أي رؤية الاتصال علة ورؤية الانفصال علة فتساويا من هذا ~~الوجه وإن تضادا لفظا ومعنى والله سبحانه وتعالى أعلم $ فصل قال صاحب ~~المنازل باب المعرفة قال الله تعالى ms1066 @QB@ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ~~ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق @QE@ المعرفة إحاطة بعين الشيء ~~كما هو # قلت وقع في القرآن لفظ المعرفة ولفظ العلم فلفظ المعرفة كقوله @QB@ مما ~~عرفوا من الحق @QE@ وقوله @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم @QE@ # وأما لفظ العلم فهو أوسع إطلاقا كقوله @QB@ فاعلم أنه لا إله إلا الله ~~@QE@ وقوله @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو @QE@ الآية وقوله الذين ~~آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق وقوله @QB@ وقل رب زدني علما ~~@QE@ وقوله @QB@ أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى @QE@ ~~وقوله @QB@ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون @QE@ وقوله وقال ~~الذين أتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث وقوله ~~@QB@ وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا @QE@ ~~وقوله @QB@ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها @QE@ PageV03P334 @QB@ ~~إلا العالمون @QE@ وقوله @QB@ قال الذي عنده علم من الكتاب @QE@ وقوله @QB@ ~~اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها @QE@ وقوله اعلموا أنما الحياة الدنيا ~~لعب ولوى وقوله @QB@ واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه @QE@ وقوله @QB@ ~~فاعلموا أنما أنزل بعلم الله @QE@ وهذا كثير # واختار سبحانه لنفسه اسم العلم وما تصرف منه فوصف نفسه بأنه عالم وعليم ~~وعلام وعلم ويعلم وأخبر أن له علما دون لفظ المعرفة في القرآن ومعلوم أن ~~الاسم الذي اختاره الله لنفسه أكمل نوعه المشارك له في معناه # وإنما جاء لفظ المعرفة في القرآن في مؤمني أهل الكتاب خاصة كقوله @QB@ ~~ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون @QE@ إلى قوله @QB@ مما ~~عرفوا من الحق @QE@ وقوله @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم @QE@ # وهذه الطائفة ترجح المعرفة على العلم جدا وكثير منهم لا يرفع بالعلم رأسا ~~ويعده قاطعا وحجابا دون المعرفة وأهل الاستقامة منهم أشد الناس وصية ~~للمريدين بالعلم وعندهم أنه لا يكون ولي لله كامل الولاية من غير أولي ~~العلم أبدا فما اتخذ الله ولا يتخذ وليا جاهلا والجهل رأس كل بدعة وضلالة ~~ونقص والعلم أصل ms1067 كل خير وهدى وكمال # | فصل والفرق بين العلم والمعرفة لفظا ومعنى أما اللفظ ففعل المعرفة # PageV03P335 يقع على مفعول واحد تقول عرفت الدار وعرفت زيدا قال تعالى ~~@QB@ فعرفهم وهم له منكرون @QE@ وقال @QB@ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم @QE@ # وفعل العلم يقتضي مفعولين كقوله تعالى @QB@ فإن علمتموهن مؤمنات @QE@ وإن ~~وقع على مفعول واحد كان بمعنى المعرفة كقوله @QB@ وآخرين من دونهم لا ~~تعلمونهم الله يعلمهم @QE@ وأما الفرق المعنوي فمن وجوه # أحدها أن المعرفة تتعلق بذات الشيء والعلم يتعلق بأحواله فنقول عرفت أباك ~~وعلمته صالحا عالما ولذلك جاء الأمر في القرآن بالعلم دون المعرفة كقوله ~~تعالى @QB@ فاعلم أنه لا إله إلا الله @QE@ وقوله @QB@ اعلموا أن الله شديد ~~العقاب @QE@ وقوله @QB@ فاعلموا أنما أنزل بعلم الله @QE@ # فالمعرفة حضور صورة الشيء ومثاله العلمي في النفس والعلم حضور أحواله ~~وصفاته ونسبتها إليه فالمعرفة تشبه التصور والعلم يشبه التصديق # الثاني أن المعرفة في الغالب تكون لما غاب عن القلب بعد إدراكه فإذا ~~أدركه قيل عرفه أو تكون لما وصف له بصفات قامت في نفسه فإذا رآه وعلم أنه ~~الموصوف بها قيل عرفه قال الله تعالى ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة ~~من النهار يتعارفون بينهم وقال تعالى @QB@ وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه ~~فعرفهم وهم له منكرون @QE@ وقال @QB@ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما ~~يعرفون أبناءهم @QE@ لما كانت صفاته معلومة عندهم فرأوه عرفوه بتلك الصفات ~~وفي الحديث الصحيح إن الله تعالى يقول لآخر أهل الجنة دخولا أتعرف الزمان ~~الذي كنت فيه فيقول نعم فيقول تمن فيتمنى على ربه وقال تعالى @QB@ وكانوا ~~من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به @QE@ ~~فالمعرفة تشبه الذكر للشيء وهو حضور ما كان غائبا عن الذكر ولهذا كان ضد ~~المعرفة الإنكار وضد العلم الجهل قال تعالى @QB@ يعرفون نعمة الله ثم ~~ينكرونها @QE@ ويقال عرف الحق فأقر به وعرفه فأنكره PageV03P336 # الوجه الثالث من الفرق أن المعرفة تفيد تمييز المعروف عن غيره والعلم ~~يفيد تمييز ما يوصف به عن غيره وهذا الفرق غير الأول فإن ذاك يرجع ms1068 إلى ~~إدراك الذات وإدراك صفاتها وهذا يرجع إلى تخليص الذات من غيرها وتخليص ~~صفاتها من صفات غيرها # الفرق الرابع أنك إذا قلت علمت زيدا لم يفد المخاطب شيئا لأنه ينتظر بعد ~~أن تخبره على أي حال علمته فإذا قلت كريما أو شجاعا حصلت له الفائدة وإذا ~~قلت عرفت زيدا استفاد المخاطب أنك أثبته وميزته عن غيره ولم يبق منتظرا ~~لشيء آخر وهذا الفرق في التحقيق إيضاح للفرق الذي قبله # الفرق الخامس وهو فرق العسكري في فروقه وفروق غيره أن المعرفة علم بعين ~~الشيء مفصلا عما سواه بخلاف العلم فإنه قد يتعلق بالشيء مجملا وهذا يشبه ~~فرق صاحب المنازل فإنه قال المعرفة إحاطة بعين الشيء كما هو وعلى هذا الحد ~~فلا يتصور أن يعرف الله ألبتة ويستحيل عليه هذا الباب بالكلية فإن الله ~~سبحانه لا يحاط به علما ولا معرفة ولا رؤية فهو أكبر من ذلك وأجل وأعظم قال ~~تعالى @QB@ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما @QE@ بل حقيقة ~~هذا الحد انتفاء تعلق المعرفة بأكبر المخلوقات حتى بأظهرها وهو الشمس ~~والقمر بل لا يصح أن يعرف أحد نفسه وذاته ألبتة # والفرق بين العلم والمعرفة عند أهل هذا الشأن أن المعرفة عندهم هي العلم ~~الذي يقوم العالم بموجبه ومقتضاه فلا يطلقون المعرفة على مدلول العلم وحده ~~بل لا يصفون بالمعرفة إلا من كان عالما بالله وبالطريق الموصل إلى الله ~~وبآفاتها وقواطعها وله حال مع الله تشهد له بالمعرفة فالعارف عندهم من عرف ~~الله سبحانه بأسمائه وصفاته وافعاله ثم صدق الله في معاملته ثم أخلص له في ~~قصوده ونياته ثم انسلخ من أخلاقه الرديئة وآفاته ثم تطهر من أوساخه وأدرانه ~~ومخالفاته ثم صبر على أحكام الله في نعمه وبلياته ثم دعا إليه على بصيرة ~~PageV03P337 بدينه وآياته ثم جرد الدعوة إليه وحده بما جاء به رسوله ولم ~~يشبها بآراء الرجال وأذواقهم ومواجيدهم ومقاييسهم ومعقولاتهم ولم يزن بها ~~ما جاء به الرسول عليه من الله أفضل صلواته فهذا الذي يستحق اسم العارف ms1069 على ~~الحقيقة إذا سمى به غيره على الدعوى والاستعارة # وقد تكلموا على المعرفة بآثارها وشواهدها فقال بعضهم من إمارات المعرفة ~~بالله حصول الهيبة منه فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته # وقال ايضا المعرفة توجب السكون فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته # وقال لي بعض أصحابنا ما علامة المعرفة التي يشيرون إليها فقلت له أنس ~~القلب بالله قال لي علامتها أن يحس بقرب قلبه من الله فيجده قريبا منه # وقال الشبلي ليس لعارف علاقة ولا لمحب شكوى ولا لعبد دعوى ولا لخائف قرار ~~ولا لأحد من الله فرار # وهذا كلام جيد فإن المعرفة الصحيحة تقطع من القلب العلائق كلها وتعلقه ~~بمعروفه فلا يبقى فيه علاقة بغيره ولا تمر به العلائق إلا وهي مجتازة لا ~~تمر مرور استيطان # وقال أحمد بن عاصم من كان بالله أعرف كان له أخوف ويدل على هذا قوله ~~تعالى @QB@ إنما يخشى الله من عباده العلماء @QE@ وقول النبي أنا أعرفكم ~~بالله وأشدكم له خشية \ ح \ # وقال آخر من عرف الله تعالى ضاقت عليه الدنيا بسعتها PageV03P338 # وقال غيره من عرف الله تعالى اتسع عليه كل ضيق # ولا تنافي بين هذين الأمرين فإنه يضيق عليه كل مكان لا يساعد فيه على ~~شأنه ومطلوبه ويتسع عليه ما ضاق على غيره لأنه ليس فيه ولا هو مساكن له ~~بقلبه فقلبه غير محبوس فيه # والأول في بداية المعرفة والثاني في نهايتها التي يصل إليها العبد # وقال آخر من عرف الله تعالى صفا له العيش فطابت له الحياة وهابه كل شيء ~~وذهب عنه خوف المخلوقين وأنس بالله # وقال غيره من عرف الله قرت عينه بالله وقرت عينه بالموت وقرت به كل عين ~~ومن لم يعرف الله تقطع قلبه على الدنيا حسرات ومن عرف الله لم يبق له رغبة ~~فيما سواه ومن ادعى معرفة الله وهو راغب في غيره كذبت رغبته معرفته ومن عرف ~~الله أحبه على قدر معرفته به وخافه ورجاه وتوكل عليه وأناب إليه ولهج بذكره ~~واشتاق إلى لقائه واستحيا منه وأجله وعظمه على قدر ms1070 معرفته به وعلامة العارف ~~أن يكون قلبه مرآة إذا نظر فيها الغيب الذي دعي إلى الإيمان به فعلى قدر ~~جلاء تلك المرآة يتراءى له فيها الله سبحانه والدار الآخرة والجنة والنار ~~والملائكة والرسل صلوات الله وسلامه عليهم كما قيل # إذا سكن الغدير على صفاء % وجنب أن يحركه النسيم # بدت فيه السماء بلا امتراء % كذاك الشمس تبدو والنجوم # كذاك قلوب أرباب التجلي % يرى في صفوها الله العظيم # وهذه رؤية المثل الأعلى كما تقدم # ومن علامات المعرفة أن يبدو لك الشاهد وتفنى الشواهد وتنحل العلائق ~~وتنقطع العوائق وتجلس بين يدي الرب تعالى وتقوم وتضطجع على التأهب للقائه ~~كما يجلس الذي شد أحماله وأزمع السفر على التأهب له ويقوم على PageV03P339 ~~ذلك ويضطجع عليه كما ينزل المسافر في المنزل فهو قائم وجالس ومضطجع على ~~التأهب # وقيل للجنيد إن أقواما يدعون المعرفة يقولون إنهم يصلون بترك الحركات من ~~باب البر والتقوى فقال الجنيد هذا قول أقوام تكلموا بإسقاط الأعمال وهو ~~عندي عظيم والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا إن العارفين بالله ~~أخذوا الأعمال عن الله وإلى الله رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من ~~أعمال البر ذرة إلا أن يحال بيني وبينها # ومن علامات العارف أنه لا يطالب ولا يخاصم ولا يعاتب ولا يرى له على أحد ~~فضلا ولا يرى له على أحد حقا # ومن علاماته أنه لا يأسف على فائت ولا يفرح بآت لأنه ينظر إلى الأشياء ~~بعين الفناء والزوال لأنها في الحقيقة كالظلال والخيال وقال الجنيد لا يكون ~~العارف عارفا حتى يكون كالأرض يطؤها البر والفاجر وكالسحاب يظل كل شيء ~~وكالمطر يسقي ما يحب وما لا يحب وقال يحيى بن معاذ يخرج العارف من الدنيا ~~ولم يقض وطره من شيئين بكاء على نفسه وثناء على ربه وهذا من أحسن الكلام ~~فإنه يدل على معرفته بنفسه وعيوبه وآفاته وعلى معرفته بربه وكماله وجلاله ~~فهو شديد الازراء على نفسه لهج بالثناء على ربه # وقال أبو يزيد إنما نالوا المعرفة بتضييع ms1071 ما لهم والوقوف مع ماله # يريد تضييع حظوظهم والوقوف مع حقوق الله سبحانه وتعالى فتغنيهم حقوقه عن ~~حظوظهم # وقال آخر لا يكون العارف عارفا حتى لو أعطى ملك سليمان لم يشغله عن الله ~~طرفة عين وهذا يحتاج إلى شرح فإن ما هو دون ذلك يشغل القلب لكن يكون ~~اشتغاله بغير الله فذلك اشتغال به سبحانه لأنه إذا اشتغل بغيره لأجله لم ~~يشتغل عنه PageV03P340 # قال ابن عطاء المعرفة على ثلاثة أركان الهيبة والحياء والأنس وقيل لذي ~~النون بم عرفت الله ربك قال عرفت ربي بربي ولولا ربي لما عرفت ربي وقيل ~~لعبد الله بن المبارك بماذا نعرف ربنا قال بأنه فوق سمواته على عرشه بائن ~~من خلقه فأنى عبد الله بأصل المعرفة التي لا يصح لأحد معرفة ولا إقرار ~~بالله سبحانه إلا به وهو المباينة والعلو على العرش # ومن علامات العارف أن يعتزل الخلق بينه وبين الله حتى كأنهم أموات لا ~~يملكون له ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياتا ولا نشورا ويعتزل نفسه بينه ~~وبين الخلق حتى يكون بينهم بلا نفس وهذا معنى قول من قال العارف يقطع ~~الطريق بخطوتين خطوة عن نفسه وخطوة عن الخلق # وقيل العارف ابن وقته وهذا من أحسن الكلام وأخصره فهو مشغول بوظيفة وقته ~~عما مضى وصار في العدم وعما لم يدخل بعد في الوجود فهمه عمارة وقته الذي هو ~~مادة حياته الباقية # ومن علاماته أنه مستأنس بربه مستوحش ممن يقطعه عنه ولهذا قيل العارف من ~~أنس بالله فأوحشه من الخلق وافتقر إلى الله فأغناه عنهم وذل لله فأعزه فيهم ~~وتواضع لله فرفعه بينهم واستغنى بالله فأحوجهم إليه # وقيل العارف فوق ما يقول والعالم دون ما يقول يعني أن العالم علمه أوسع ~~من حاله وصفته والعارف حاله وصفته فوق كلامه وخبره # وقال أبو سليمان الداراني إن الله تعالى يفتح للعارف على فراشه مالم يفتح ~~له وهو قائم يصلي وقال غيره العارف تنطق المعرفة على قلبه وحاله وهو ساكت # وقال ذو النون لكل شيء عقوبة وعقوبة ms1072 العارف انقطاعه عن ذكر الله # وقال بعضهم رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين وهذا كلام ظاهره منكر ~~جدا يحتاج إلى شرح فالعارف لا يرائي المخلوق طلبا للمنزلة في قلبه وإنما ~~يكون رؤياه نصيحة وإرشادا وتعليما ليقتدى به فهو يدعو إلى الله بعمله ~~PageV03P341 كما يدعو إليه بقوله فهو ينتفع بعلمه وينفع به غيره وإخلاص ~~المريد مقصور على نفسه فالعارف جمع بين الإخلاص والدعوة إلى الله فإخلاصه ~~في قلبه وهو يظهر عمله وحاله ليقتدى به والعارف ينفع بسكوته والعالم إنما ~~ينفع بكلامه ولو سكتوا أثنت عليك الحقائق # وقال ذو النون الزهاد ملوك الآخرة وهم فقراء العارفين وسئل الجنيد عن ~~العارف فقال لون الماء لون إنائه وهذه كلمة رمز بها إلى حقيقة العبودية وهو ~~أن يتلون بتلون أقسام العبودية فبينا تراه مصليا إذ رأيته ذاكرا أو قارئا ~~أو معلما أو متعلما أو مجاهدا أو حاجا أو مساعدا للضيف أو مغيثا للملهوف ~~فيضرب في كل غنيمة من الغنائم بسهم فهو مع المتسببين متسبب ومع المتعلمين ~~متعلم ومع الغزاة غاز ومع المصلين مصل ومع المتصدقين متصدق فهو يتنقل في ~~منازل العبودية من عبودية إلى عبودية وهو مقيم على معبود واحد لا ينتقل إلى ~~غيره # وقال يحيى بن معاذ العارف كائن بائن وهذا يفسر على وجوه # منها أنه كائن مع الخلق بظاهره بائن عنهم بسره وقلبه # ومنها أنه كائن بربه بائن عن نفسه # ومنها أنه كائن مع أبناء الآخرة بائن عن أبناء الدنيا # ومنها أنه كائن مع الله بموافقته بائن عن الناس في مخالفته # ومنها أنه داخل في الأشياء خارج منها فإن من الناس من هو داخل فيها لا ~~يقدر على الخروج منها ومنهم من هو خارج عنها لا يقدر على الدخول فيها ~~والعارف داخل فيها خارج منها ولعل هذا أحسن الوجوه # وقال ذو النون علامة العارف ثلاثة لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ولا ~~PageV03P342 يعتقد باطنا من العلم ينقضه عليه ظاهر من الحكم ولا تحمله كثرة ~~نعم الله على هتك أستار محارم الله # وهذا من ms1073 أحسن الكلام الذي قيل في المعرفة وهو محتاج إلى شرح فإن كثيرا من ~~الناس يرى أن التورع عن الأشياء من قلة المعرفة فإن المعرفة متسعة الأكناف ~~واسعة الأرجاء فالعارف واسع موسع والسعة تطفئ نور الورع فالعارف لا تنقص ~~معرفته ورعه ولا يخالف ورعه معرفته كما قال بعضهم العارف لا ينكر منكرا ~~لاستبصاره بسر الله في القدر فعنده أن مشاهدة القدر والحقيقة الكونية هو ~~غاية المعرفة وإذا شاهد الحقيقة عذر الخليقة لأنهم مأسورون في قبضة القدر ~~فمن يعذر أصحاب الكبائر والجرائم بل أرباب الكفر فهو أبعد خلق الله عن ~~الورع بل ظلام معرفته قد أطفأ نور إيمانه # قوله باطن العلم الذي ينقضه ظاهر الحكم فإنه يشير به إلى ما عليه ~~المنحرفون ممن ينسب إلى السلوك فإنهم يقع لهم أذواق ومواجيد وواردت تخالف ~~الحكم الشرعي وتكون تلك معلومه لهم لا يمكنهم جحدها فيعتقدونها ويتركون بها ~~ظاهر الحكم وهذا كثير جدا وهو الذي انتقد أئمة الطريق على هؤلاء وصاحوا بهم ~~من كل ناحية وبدعوهم وضللوهم به # قوله ولا تحمله كثرة نعم الله على هتك أستار محارم الله كثرة النعم تطغي ~~العبد وتجمله على أن يصرفها في وجوهها وغير وجوهها وهي تدعو إلى أن يتناول ~~العبد وتحمله بها ما حل وما لا يحل وأكثر المنعم عليهم لا يقتصرون في صرف ~~النعمة على القدر الحلال بل يتعداه إلى غيره وتسول له نفسه أن معرفته بالله ~~ترد عليه ما انتهبته منهم أيدي الشهوات والمخالفات ويقول العارف لا تضره ~~الذنوب PageV03P343 كما تضر الجاهل وربما يسول له أن ذنوبه خير من طاعات ~~الجهال وهذا من أعظم المكر والأمر بضد ذلك فيحتمل من الجاهل مالا يحتمل من ~~العارف وإذا عوقب الجاهل ضعفا عوقب العارف ضعفين وقد دل على هذا شرع الله ~~وقدره ولهذا كانت عقوبة الحر في الحدود مثلي عقوبة العبد وقال تعالى في ~~نساء النبي @QB@ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ~~ضعفين @QE@ فإذا أكملت النعمة على العبد فقابلها بالإساءة والعصيان كانت ~~عقوبته أعظم ms1074 فدرجته أعلى وعقوبته أشد # وقال أيضا ليس بعارف من وصف المعرفة عند أبناء الآخرة فكيف عند أبناء ~~الدنيا يريد أنه ليس من المعرفة وصف المعرفة لغير أهلها سواء كانوا عبادا ~~أو من أبناء الدنيا # وقال أبو سعيد المعرفة تأتي من عين الوجود وبذل المجهود وهذا كلام حسن ~~يشير إلى أن المعرفة ثمرة بذل المجهود في الأعمال وتحقق الوجد في الأحوال ~~فهي ثمرة عمل الجوارح وحال القلب لا ينال بمجرد العلم والبحث فمن ليس له ~~عمل ولا حال فلا معرفة له # وسئل ذو النون عن العارف فقال كان ههنا فذهب # فسئل الجنيد عما أراد بكلامه هذا فقال لا يحصره حال عن حال ولا يحجبه ~~منزل عن التنقل في المنازل فهو مع كل أهل منزل بمثل الذي هم فيه يجد مثل ~~الذي يجدون وينطق بمعالمها لينتفعوا # وقال محمد بن الفضل المعرفة حياة القلب مع الله # وسئل أبو سعيد هل يصل العارف إلى حال يجفو عليه البكاء فقال نعم إنما ~~البكاء في أوقات سيرهم إلى الله فإذا نزلوا بحقائق القرب وذاقوا طعم الوصول ~~من بره زال عنهم ذلك PageV03P344 # وقال بعض السلف نوم العارف يقظة وأنفاسه تسبيح ونوم العارف أفضل من صلاة ~~الغافل # وإنما كان نوم العارف يقظة لأن قلبه حي فعيناه تنامان وروحه ساجدة تحت ~~العرش بين يدي ربها وفاطرها جسده في الفرش وقلبه حول العرش وإنما كان نومه ~~أفضل من صلاة الغافل لأن بدن الغافل واقف في الصلاة وقلبه يسبح في حشوش ~~الدنيا والأماني ولذلك كانت يقظته نوم لأن قلبه موات # وقيل مجالسة العارف تدعوك من ست إلى ست من الشك إلى اليقين ومن الرياء ~~إلى الإخلاص ومن الغفلة إلى الذكر ومن الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في ~~الآخرة ومن الكبر إلى التواضع ومن سوء الطوية إلى النصيحة # | فصل قال صاحب المنازل المعرفة على ثلاث درجات والخلق فيها على ثلاث # فرق الدرجة الأولى معرفة الصفات والنعوت وقد وردت أساميها بالرسالة وظهرت ~~شواهدها في الصنعة بتبصر النور القائم في السر وطيب حياة العقل ms1075 لزرع الفكر ~~وحياة القلب بحسن النظر بين التعظيم وحسن الاعتبار وهي معرفة العامة التي ~~لا تنعقد شرائط اليقين إلا بها وهي على ثلاثة أركان إثبات الصفات باسمها من ~~غير تشبيه ونفي التشبيه عنها من غير تعطيل والإياس من إدراك كنهها وابتغاء ~~تأويلها # قلت الفرق بين الصفة والنعت من وجوه ثلاثة PageV03P345 # أحدها أن النعت يكون بالأفعال التي تتجدد كقوله تعالى إن ربكم الله الذي ~~خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار ~~الآية وقوله @QB@ الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون ~~والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون والذي خلق ~~الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون @QE@ ونظائر ذلك # والصفة هي الأمور الثابتة اللازمة للذات كقوله تعالى @QB@ هو الله الذي ~~لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله ~~إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر @QE@ إلى ~~قوله @QB@ العزيز الحكيم @QE@ ونظائر ذلك # الفرق الثاني أن الصفات الذاتية لا يطلق عليها اسم النعوت كالوجه واليدين ~~والقدم والأصابع وتسمى صفات وقد أطلق عليها السلف هذا الاسم وكذلك متكلموا ~~أهل الإثبات سموها صفات وأنكر بعضهم هذه التسمية كأبي الوفاء بن عقيل وغيره ~~وقال لا ينبغي أن يقال نصوص الصفات بل آيات الإضافات لأن الحي لا يوصف بيده ~~ولا وجهه فإن ذلك هو الموصوف فكيف تسمى صفة # وأيضا فالصفة معنى يعم الموصوف فلا يكون الوجه واليد صفة # والتحقيق أن هذا نزاع لفظي في التسمية فالمقصود إطلاق هذه الإضافات عليه ~~سبحانه ونسبتها إليه والإخبار عنه بها منزهة عن التمثيل والتعطيل سواء سميت ~~صفات أو لم تسم # الفرق الثالث أن النعوت ما يظهر من الصفات ويشتهر ويعرفه الخاص والعام ~~والصفات أعم فالفرق بين النعت والصفة فرق ما بين الخاص والعام ومنه قولهم ~~في تحلية الشيء نعته كذا وكذا لما يظهر من صفاته PageV03P346 # وقيل هما لغتان لا فرق بينهما ولهذا يقول نجاة البصرة ms1076 باب الصفة ويقول ~~نحاة الكوفة باب النعت والمراد واحد والأمر قريب ونحن في غير هذا فلنرجع ~~إلى المقصود # وهو أنه لا يستقر للعبد قدم في المعرفة بل ولا في الإيمان حتى يؤمن بصفات ~~الرب جل جلاله ويعرفها معرفة تخرجه عن حد الجهل بربه فالإيمان بالصفات ~~وتعرفها هو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان وثمرة شجرة الإحسان فمن جحد الصفات ~~فقد هدم أساس الإسلام والإيمان وثمرة شجرة الإحسان فضلا عن أن يكون من أهل ~~العرفان وقد جعل الله سبحانه منكر صفاته مسيء الظن به وتوعده بما لم يتوعد ~~به غيره من أهل الشرك والكفر والكبائر فقال تعالى @QB@ وما كنتم تستترون أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا ~~مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين @QE@ ~~فأخبر سبحانه أن إنكارهم هذه الصفة من صفاته من سوء ظنهم به وأنه هو الذي ~~أهلكهم وقد قال في الظانين به ظن السوء @QB@ عليهم دائرة السوء وغضب الله ~~عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا @QE@ ولم يجيء مثل هذا الوعيد في ~~غير من ظن السوء به سبحانه وجحد صفاته وإنكار حقائق أسمائه من أعظم ظن ~~السوء به # ولما كان أحب الأشياء إليه حمده ومدحه والثناء عليه بأسمائه وصفاته ~~وأفعاله كان إنكارها وجحدها أعظم الإلحاد والكفر به وهو شر من الشرك ~~فالمعطل شر من المشرك فإنه لا يستوي جحد صفات الملك وحقيقة ملكه والطعن في ~~أوصافه هو والتشريك بينه وبين غيره في الملك فالمعطلون أعداء الرسل بالذات ~~بل كل شرك في العالم فأصله التعطيل فإنه لولا تعطيل كماله أو بعضه ~~PageV03P347 وظن السوء به لما أشرك به كما قال إمام الحنفاء وأهل التوحيد ~~لقومه أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين أي فما ظنكم به أن ~~يجازيكم وقد عبدتم معه غيره وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء أظننتم ~~أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان أم ظننتم أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده ~~حتى يحتاج إلى ms1077 شركاء تعرفه بها كالملوك أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على ~~استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم أم هو قاس فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على ~~عباده أم ذليل فيحتاج إلى ولي يتكثر به من القلة ويتعزز به من الذلة أم ~~يحتاج إلى الولد فيتخذ صاحبة يكون الولد منها ومنه تعالى الله عن ذلك كله ~~علوا كبيرا # والمقصود أن التعطيل مبدأ الشرك وأساسه فلا تجد معطلا إلا وشركه على حسب ~~تعطيله فمستقل ومستكثر # | فصل والرسل من أولهم إلى خاتمهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين # أرسلوا بالدعوة إلى الله وبيان الطريق الموصل إليه وبيان حال المدعوين ~~بعد وصولهم إليه فهذه القواعد الثلاث ضرورية في كل ملة على لسان كل رسول ~~فعرفوا الرب المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله تعريفا مفصلا حتى كأن ~~العباد يشاهدونه سبحانه وينظرون إليه فوق سماواته على عرشه يكلم ملائكته ~~ويدبر أمر مملكته ويسمع أصوات خلقه ويرى أفعالهم وحركاتهم ويشاهد بواطنهم ~~كما يشاهد ظواهرهم يأمر وينهى ويرضى ويغضب ويحب ويسخط ويضحك من قنوطهم وقرب ~~غيره ويجيب دعوة مضطرهم ويغيث ملهوفهم ويعين محتاجهم ويجبر كسيرهم ويغني ~~فقيرهم ويميت ويحيي ويمنع ويعطي يؤتى الحكمة من يشاء مالك الملك يؤتي الملك ~~من يشاء وينزع الملك ممن PageV03P348 يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده ~~الخير وهو على كل شيء قدير كل يوم هو في شأن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويفك ~~عانيا وينصر مظلوما ويقصم ظالما ويرحم مسكينا ويغيث ملهوفا ويسوق الأقدار ~~إلى مواقيتها ويجريها على نظامها ويقدم ما يشاء تقديمه ويؤخر ما يشاء ~~تأخيره فأزمة الأمور كلها بيده ومدار تدبير الممالك كلها عليه وهذا مقصود ~~الدعوة وزبدة الرسالة # القاعدة الثانية تعريفهم بالطريق الموصل إليه وهو صراطه المستقيم الذي ~~نصبه لرسله وأتباعهم وهو امتثال أمره واجتناب نهيه والإيمان بوعده ووعيده # القاعدة الثالثة تعريف الحال بعد الوصول وهو ما تضمنه اليوم الآخر من ~~الجنة والنار وما قبل ذلك من الحساب والحوض والميزان والصراط # فقعدت المعطلة والجهمية على رأس القاعدة الأولى فحالوا بين القلوب وبين ~~معرفة ربها وسموا ms1078 إثبات صفاته وعلوه فوق خلقه واستواءه على عرشه تشبيها ~~وتجسيما وحشوا فنفروا عنه صبيان العقول وسموا نزوله إلى سماء الدنيا وتكلمه ~~بمشيئته ورضاه بعد غضبه وغضبه بعد رضاه وسمعه الحاضر لأصوات العباد ورؤيته ~~المقارنة لأفعالهم ونحو ذلك حوادث وسموا وجهه الأعلى ويديه المبسوطتين ~~وأصابعه التي يضع عليها الخلائق يوم القيامة جوارح وأعضاء مكرا منهم كبارا ~~بالناس كمن يريد التنفير عن العسل فيمكر في العبارة ويقول مائع أصفر يشبه ~~العذرة المائعة أو ينفر عن شيء مستحسن فيسميه بأقبح الأسماء فعل الماكر ~~المخادع فليس مع مخالف الرسل سوى المكر في القول والعمل # فلما تم للمعطلة مكرهم وسلك في القلوب المظلمة الجاهلة بحقائق الإيمان ~~وما جاء به الرسول ترتب عليه الإعراض عن الله وعن ذكره ومحبته والثناء ~~PageV03P349 عليه بأوصاف كماله ونعوت جلاله فانصرفت قوى حبها وشوقها وأنسها ~~إلى سواه # وجاء أهل الآراء الفاسدة والسياسات الباطلة والأذواق المنحرفة والعوائد ~~المستمرة فقعدوا على رأس هذا الصراط وحالوا بين القلوب وبين الوصول إلى ~~نبيها وما كان عليه هو وأصحابه وعابوا من خالفهم في قعودهم عن ذلك ورغب عما ~~اختاروه لأنفسهم ورموه بما هم أولى به منه كما قيل رمتني بدائها وانسلت # وجاء أصحاب الشهوات المفتونون بها الذين يعدون حصولها كيف كان هو الظفر ~~في هذه الحياة والبغية فقعدوا على رأس طريق المعاد والاستعداد للجنة ولقاء ~~الله وقالوا اليوم خمر وغدا أمر اليوم لك ولا تدري غدا لك أو عليك وقالوا ~~لا نبيع ذرة منقودة بدرة موعودة # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به % في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل # وقالوا للناس خلوا لنا الدنيا ونحن قد خلينا لكم الآخرة فإن طلبتم منا ما ~~بأيدينا أحلناكم على الآخرة # أناس ينقدون عيش النعيم % ونحن نحال على الآخرة # فإن لم تكن مثلما يزعمو % ن فتلك إذا كرة خاسرة # فالإيمان بالصفات ومعرفتها وإثبات حقائقها وتعلق القلب بها وشهوده لها هو ~~مبدأ الطريق ووسطه وغايته وهو روح السالكين وحاديهم إلى الوصول ومحرك ~~عزماتهم إذا فتروا ومثير هممهم إذا قصروا فإن ms1079 سيرهم إنما هو على الشواهد ~~فمن كان لا شاهد له فلا سير له ولا طلب ولا سلوك له وأعظم الشواهد صفات ~~محبوبهم ونهاية مطلوبهم وذلك هو العلم الذي رفع لهم في السير فشمروا إليه ~~كما قالت عائشة رضي الله عنها من رأى رسول الله فقد رآه غاديا رائحا لم يضع ~~لبنة على لبنة ولكن رفع له علم فشمر إليه ولا يزال العبد في التواني ~~والفتور والكسل حتى يرفع الله عز وجل له بفضله ومنه علما يشاهده بقلبه ~~فيشمر إليه ويعمل عليه PageV03P350 # فإن عطلت شواهد الصفات ووضعت أعلامها عن القلوب وطمست آثارها وضربت بسياط ~~البعد وأسبل دونها حجاب الطرد وتخلفت مع المتخلفين وأوحى إليها القدر أن ~~اقعدي مع القاعدين فإن أوصاف المدعو إليه ونعوت كماله وحقائق أسمائه هي ~~الجاذبة للقلوب إلى محبته وطلب الوصول إليه لأن القلوب إنما تحب من تعرفه ~~وتخافه وترجوه وتشتاق إليه وتلتذ بقربه وتطمئن إلى ذكره بحسب معرفتها ~~بصفاته فإذا ضرب دونها حجاب معرفة الصفات والإقرار بها امتنع منها بعد ذلك ~~ما هو مشروط بالمعرفة وملزوم لها إذ وجود الملزوم بدون لازمه والمشروط بدون ~~شرطه ممتنع # فحقيقة المحبة والإنابة والتوكل ومقام الإحسان ممتنع على المعطل امتناع ~~حصول المغل من معطل البذر بل أعظم امتناعا # كيف تصمد القلوب إلى من ليس داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا ~~منفصلا عنه ولا مباينا له ولا محايثا بل حظ العرش منه كحظ الآبار والوهاد ~~والأماكن التي يرغب عن ذكرها وكيف تأله القلوب من لا يسمع كلامها ولا يرى ~~مكانها ولا يحب ولا يحب ولا يقوم به فعل ألبتة ولا يتكلم ولا يكلم ولا يقرب ~~من شيء ولا يقرب منه شيء ولا يقوم به رأفة ولا رحمة ولا حنان ولا له حكمة ~~ولا غاية يفعل ويأمر لأجلها # فكيف يتصور على ذلك ومحبته والإنابة إليه والشوق إلى لقائه ورؤية وجهه ~~الكريم في جنات النعيم وهو مستو على عرشه فوق جميع خلقه أم كيف تأله القلوب ~~من لا يحب ولا يحب ولا ms1080 يرضى ولا يغضب ولا يفرح ولا يضحك # فسبحان من حال بين المعطلة وبين محبته ومعرفته والسرور والفرح به والشوق ~~إلى لقائه وانتظار لذة النظر إلي وجهه الكريم والتمتع بخطابه في محل كرامته ~~ودار ثوابه فلو رآها أهلا لذلك لمن عليها به وأكرمها به إذ ذاك أعظم كرامة ~~يكرم بها عبده والله أعلم حيث يجعل كرامته ويضع نعمته PageV03P351 @QB@ ~~وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين @QE@ @QB@ وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما ~~أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته @QE@ @QB@ أهم يقسمون رحمة ربك ~~نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ~~ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون @QE@ وليس جحودهم صفاته ~~سبحانه وحقائق أسمائه في الحقيقة تنزيها وإنما هو حجاب ضرب عليهم فظنوه ~~تنزيها كما ضرب حجاب الشرك والبدع المضلة والشهوات المردية على قلوب ~~أصحابها وزين لهم سوء أعمالهم فرأوها حسنة # عدنا إلى شرح كلامه # قوله وقد وردت أساميها بالرسالة إلى آخره # ذكر أن إثبات الصفات دل عليها الوحي الذي جاء من عند الله على لسان رسوله ~~والحس الذي شاهد به البصير آثار الصنعة فاستدل بها على صفات صانعها والعقل ~~الذي طابت حياته بزرع الفكر والقلب الذي حيي بحسن النظر بين التعظيم ~~والاعتبار # فأما الرسالة فإنها جاءت بإثبات الصفات إثباتا مفصلا على وجه أزال الشبهة ~~وكشف الغطاء وحصل العلم اليقيني ورفع الشك والريب فثلجت له الصدور واطمأنت ~~به القلوب واستقر به الإيمان في نصابه ففصلت الرسالة الصفات والنعوت ~~والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ ~~وأبعده من الإجمال والاحتمال وأمنعه من قبول التأويل وكذلك كان تأويل آيات ~~الصفات وأحاديثها بما يخرجها عن حقائقها من جنس تأويل آيات المعاد وأخباره ~~بل أبعد منه لوجوه كثيرة ذكرتها في كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية ~~والمعطلة بل تأويل آيات الصفات بما يخرجها عن حقائقها PageV03P352 كتأويل ~~آيات الأمر والنهي سواء فالباب كله ms1081 باب واحد ومصدره واحد ومقصوده واحد وهو ~~إثبات حقائقه والإيمان بها # وكذلك سطا على تأويل آيات المعاد قوم وقالوا فعلنا فيها كفعل المتكلمين ~~في آيات الصفات بل نحن أعذر فإن اشتمال الكتب الإلهية على الصفات والعلو ~~وقيام الأفعال أعظم من نصوص المعاد للأبدان بكثير فإذا ساغ لكم تأويلها ~~فكيف يحرم علينا نحن تأويل آيات المعاد # وكذلك سطا قوم آخرون على تأويل آيات الأمر والنهي وقالوا فعلنا فيها كفعل ~~أولئك في آيات الصفات مع كثرتها وتنوعها وآيات الأحكام لا تبلغ زيادة على ~~خمسمائة آية # قالوا وما يظن أنه معارض من العقليات لنصوص الصفات فعندنا معارض عقلي ~~لنصوص المعاد من جنسه أو أقوى منه # وقال متأولو آيات الأحكام على خلاف حقائقها وظواهرها الذي سوغ لنا هذا ~~التأويل القواعد التي اصطلحتموها لنا وجعلتموها أصلا نرجع إليه فلما ~~طردناها كان طردها أن الله ما تكلم بشيء قط ولا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ~~ولا له صفة تقوم به ولا يفعل شيئا وطرد هذا الأصل لزوم تأويل آيات الأمر ~~والنهي والوعد والوعيد والثواب والعقاب # وقد ذكرنا في كتاب الصواعق أن تأويل آيات الصفات وأخبارها بما يخرجها عن ~~حقائقها هو أصل فساد الدنيا والدين وزوال الممالك وتسليط أعداء الإسلام ~~عليه إنما كان بسب التأويل ويعرف هذا من له اطلاع وخبرة بما جرى في العالم ~~ولهذا يحرم عقلاء الفلاسفة التأويل مع اعتقادهم لصحته لأنه سبب لفساد ~~العالم وتعطيل الشرائع # ومن تأمل كيفية ورود آيات الصفات في القرآن والسنة علم قطعا بطلان ~~تأويلها بما يخرجها عن حقائقها فإنها وردت على وجه لا يحتمل معه التأويل ~~بوجه PageV03P353 # فانظر إلى قوله تعالى @QB@ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك ~~أو يأتي بعض آيات ربك @QE@ هل يحتمل هذا التقسيم والتنويع تأويل إتيان الرب ~~جل جلاله بإتيان ملائكته أو آياته وهل يبقى مع هذا السياق شبهة أصلا أنه ~~إتيانه بنفسه وكذلك قوله @QB@ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين ~~من بعده @QE@ إلى أن قال @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ ففرق ms1082 بين الإيحاء ~~العام والتكليم الخاص وجعلهما نوعين ثم أكد فعل التكليم بالمصدر الرافع ~~لتوهم ما يقوله المحرفون وكذلك قوله @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا @QE@ فنوع تكليمه إلى تكليم بواسطة ~~وتكليم بغير واسطة وكذلك قوله لموسى عليه السلام @QB@ إني اصطفيتك على ~~الناس برسالاتي وبكلامي @QE@ ففرق بين الرسالة والكلام والرسالة إنما هي ~~بكلامه وكذلك قول النبي إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر في ~~الصحو ليس دونه سحاب وكما ترون الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب \ ح \ ~~ومعلوم أن هذا البيان والكشف والاحتراز ينافي إرادة التأويل قطعا ولا يرتاب ~~في هذا من له عقل ودين # قوله وظهرت شواهدها في الصنعة # هذا هو الطريق الثاني من طرق إثبات الصفات وهو دلالة الصنعة عليها فإن ~~المخلوق يدل على وجود خالقه على حياته وعلى قدرته وعلى علمه ومشيئته فإن ~~الفعل الاختياري يستلزم ذلك استلزاما ضروريا وما فيه من الإتقان والإحكام ~~ووقوعه على أكمل الوجوه يدل على حكمة فاعله وعنايته وما فيه من الإحسان ~~والنفع ووصول المنافع العظيمة إلى المخلوق يدل على رحمة خالقه وإحسانه ~~وجوده وما فيه من آثار الكمال يدل على أن خالقه أكمل منه فمعطي الكمال أحق ~~بالكمال وخالق الأسماع والأبصار والنطق أحق بأن يكون سميعا بصيرا متكلما ~~وخالق الحياة والعلوم والقدر والإرادات أحق بأن يكون هو كذلك PageV03P354 ~~في نفسه فما في المخلوقات من أنوع التخصيصات هو من أدل شيء على إرادة الرب ~~سبحانه ومشيئته وحكمته التي اقتضت التخصيص # وحصول الإجابة عقيب سؤال الطالب على الوجه المطلوب دليل على علم الرب ~~تعالى بالجزئيات وعلى سمعه لسؤال عبيده وعلى قدرته على قضاء حوائجهم وعلى ~~رأفته ورحمته بهم # والإحسان إلى المطيعين والتقرب إليهم والإكرام وإعلاء درجاتهم يدل على ~~محبته ورضاه وعقوبته للعصاة والظلمة وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهودة ~~تدل على صفة الغضب والسخط والإبعاد والطرد والإقصاء يدل على المقت والبغض # فهذه الدلالات من جنس واحد عند التأمل ولهذا دعا سبحانه في كتابه ms1083 عباده ~~إلى الاستدلال بذلك على صفاته فهو يثبت العلم بربوبيته ووحدانيته وصفات ~~كماله بآثار صفته المشهودة والقرآن مملوء بذلك # فيظهر شاهد اسم الخالق من نفس المخلوق وشاهد اسم الرازق من وجود الرزق ~~والمرزوق وشاهد اسم الرحيم من شهود الرحمة المبثوثة في العالم واسم المعطي ~~من وجود العطاء الذي هو مدرار لا ينقطع لحظة واحدة واسم الحليم من حلمه عن ~~الجناة والعصاة وعدم معاجلتهم واسم الغفور والتواب من مغفرة الذنوب وقبول ~~التوبة ويظهر شاهد اسمه الحكيم من العلم بما في خلقه وأمره من الحكم ~~والمصالح ووجوه المنافع وهكذا كل اسم من أسمائه الحسنى له شاهد في خلقه ~~وأمره يعرفه من عرفه ويجهله من جهله فالخلق والأمر من أعظم شواهد أسمائه ~~وصفاته # وكل سليم العقل والفطرة يعرف قدر الصانع وحذقه وتبريزه على غيره وتفرده ~~بكمال لم يشاركه فيه غيره من مشاهدة صنعته فكيف لا تعرف صفات من هذا العالم ~~العلوي والسفلي وهذه المخلوقات من بعض صنعه PageV03P355 # وإذا اعتبرت المخلوقات والمأمورات وجدتها بأسرها كلها دالة على النعوت ~~والصفات وحقائق الأسماء الحسنى وعلمت أن المعطلة من أعظم الناس عمى بمكابرة ~~ويكفي ظهور شاهد الصنع فيك خاصة كما قال تعالى @QB@ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ~~@QE@ فالموجودات بأسرها شواهد صفات الرب جل جلاله ونعوته وأسمائه فهي كلها ~~تشير إلى الأسماء الحسنى وحقائقها وتنادي عليها وتدل عليها وتخبر بها بلسان ~~النطق والحال كما قيل # تأمل سطور الكائنات فإنها % من الملك الأعلى إليك رسائل # وقد خط فيها لو تأملت خطها % ألا كل شيء ما خلا الله باطل # تشير بإثبات الصفات لربها % فصامتها يهدي ومن هو قائل # فلست ترى شيئا أدل على شيء من دلالة المخلوقات على صفات خالقها ونعوت ~~كماله وحقائق أسمائه وقد تنوعت أدلتها بحسب تنوعها فهي تدل عقلا وحسا وفطرة ~~ونظرا واعتبارا # قوله بتبصير النور القائم في السر يعني أن النور الإلهي الذي جعله الله ~~لعبده ويلقيه إليه ويودعه في سره هو الذي يبصره بشواهد صفاته فكلما قوي هذا ~~النور في قلب العبد كان بصره بالصفات أتم ms1084 وأكمل وكلما قل نصيبه من هذا ~~النور وطفئ مصباحه في قلبه طفئ نور التصديق بالصفات وإثباتها في قلبه فإنه ~~إنما يشاهدها بذلك النور فإذا فقده لم يشاهدها وجاءت الشبه الباطلة مع تلك ~~الظلمة فلم يكن له نصيب منها سوى الإنكار # قوله وطيب حياة العقل لزرع الفكر أي يدرك الصفات بذلك النور القائم في ~~سره وطيب حياة عقله التي طيبها زرع الفكر الصحيح المتعلق بما دعا الله ~~سبحانه عباده إلى الفكر فيه بقوله ويتفكرون في خلق السموات والأرض وقوله ~~أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~وقوله @QB@ كذلك يبين الله لكم @QE@ PageV03P356 @QB@ الآيات لعلكم تتفكرون ~~في الدنيا والآخرة @QE@ فيتفكرون في الآيات التي بينها لهم فيستدلون بها ~~على توحيده وصفات كماله وصدق رسله والعلم بلقائه ويتفكرون في الدنيا ~~وانقضائها واضمحلالها وآفاتها والآخرة ودوامها وبقائها وشرفها وقوله @QB@ ~~ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ~~ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون @QE@ فالفكر الصحيح المؤيد بحياة القلب ~~ونور البصيرة يدل على إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال وأما فكر مصحوب بموت ~~القلب وعمي البصيرة فإنما يعطي صاحبه نفيها وتعطيلها # قوله وحياة القلب بحسن النظر بين التعظيم وحسن الاعتبار يعني أنه ينضاف ~~إلى نور البصيرة وطيب حياة العقل حياة القلب بحسن النظر الدائر بين تعظيم ~~الخالق جل جلاله وحسن الاعتبار بمصنوعاته الدالة عليه فلا بد من الأمرين ~~فإنه إن غفل بالتعظيم عن حسن الاعتبار لم يحصل له الاستدلال على الصفات وإن ~~حصل له الاعتبار من غير تعظيم الخالق سبحانه لم يستفد به إثبات الصفات فإذا ~~اجتمع له تعظيم الخالق وحسن النظر في صنعه أثمرا له إثبات صفات كماله ولا ~~بد # والاعتبار هو أن يعبر نظره من الأثر إلى المؤثر ومن الصنعة إلى الصانع ~~ومن الدليل إلى المدلول فينتقل إليه بسرعة لطف إدراك فينتقل ذهنه من ~~الملزوم إلى لازمه قال الله تعالى @QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ ~~والاعتبار افتعال من العبور وهو عبور القلب من الملزوم إلى ms1085 لازمه ومن ~~النظير إلى نظيره # وهذا الاعتبار يضعف ويقوى حتى يستدل صاحبه بصفات الله تعالى وكماله على ~~ما يفعله لحسن اعتباره وصحة نظره وهو اعتبار الخواص واستدلالهم PageV03P357 ~~فإنهم يستدلون بأسماء الله وصفاته وأفعاله وأنه يفعل كذا ولا يفعل كذا ~~فيفعل ما هو موجب حكمته وعلمه وغناه وحمده ولا يفعل ما يناقض ذلك وقد ذكر ~~سبحانه هذين الطريقين في كتابه فقال تعالى في الطريق الأولى @QB@ سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ ثم قال في الطريق ~~الثانية أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد فمخلوقاته دالة على ذاته ~~وأسمائه وصفاته وأسماؤه وصفاته دالة على ما يفعله ويأمر به وما لا يفعله ~~ولا يأمر به # مثال ذلك أن اسمه الحميد سبحانه يدل على أنه لا يأمر بالفحشاء والمنكر ~~واسمه الحكيم يدل على أنه لا يخلق شيئا عبثا واسمه الغني يدل على أنه لم ~~يتخذ صاحبة ولا ولدا واسمه الملك يدل على ما يستلزم حقيقة ملكه من قدرته ~~وتدبيره وعطائه ومنعه وثوابه وعقابه وبث رسله في أقطار مملكته وإعلام عبيده ~~بمراسيمه وعهوده إليهم واستوائه على سرير مملكته الذي هو عرشه المجيد فمتى ~~قام بالعبد تعظيم الحق جل وحسن النظر في الشواهد والتبصر والاعتبار بها ~~صارت الصفات والنعوت مشهودة لقلبه قبلة له # قوله وهي معرفة العامة التي لا تنعقد شرائط اليقين إلا بها # لا يريد بالعامة الجهال الذين هم عوام الناس وإنما يريد أن هذه هي ~~المعرفة التي وقف عندها العموم ولم يتعدوها وأما معرفة أهل الذوق والمحبة ~~الخاصة فأخص من هذا كما سيأتي # قوله وهي على ثلاثة أركان إثبات الصفة من غير تشبيه إلى آخرها هذه ثلاثة ~~أشياء # أحدها إثبات تلك الصفة فلا يعاملها بالنفي والإنكار # الثاني أنه لا يتعدى بها اسمها الخاص الذي سماها الله به بل يحترم الاسم ~~كما يحترم الصفة فلا يعطل الصفة ولا يغير اسمها ويعيرها اسما آخر كما تسمي ~~PageV03P358 الجهمية والمعطلة سمعه وبصره وقدرته وحياته وكلامه أعراضا ~~ويسمون وجهه ويديه وقدمه سبحانه ms1086 جوارح وأبعاضا ويسمون حكمته وغاية فعله ~~المطلوبة عللا وأغراضا ويسمون أفعاله القائمة به حوادث ويسمون علوه على ~~خلقه واستواءه على عرشه تحيرا ويتواصون بهذا المكر الكبار إلى نفي ما دل ~~عليه الوحي والعقل والفطرة وآثار الصنعة من صفاته فيسطون بهذه الأسماء التي ~~سموها هم وآباؤهم على نفي صفاته وحقائق أسمائه # الثالث عدم تشبيهها بما للمخلوق فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ~~ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فالعارفون به المصدقون لرسله المقرون ~~بكماله يثبتون له الأسماء والصفات وينفون عنه مشابهة المخلوقات فيجمعون بين ~~الإثبات ونفي التشبيه وبين التنزيه وعدم التعطيل فمذهبهم حسنة بين سيئتين ~~وهدى بين ضلالتين فصراطهم صراط المنعم عليهم وصراط غيرهم صراط المغضوب ~~عليهم والضالين قال الإمام أحمد رحمه الله لا نزيل عن الله صفة من صفاته ~~لأجل شناعة المشنعين وقال التشبيه أن تقول يد كيدي تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا # قوله والإياس من إدراك كنهها وابتغاء تأويلها # يعني أن العقل قد يئس من تعرف كنه الصفة وكيفيتها فإنه لا يعلم كيف الله ~~إلا الله وهذا معنى قول السلف بلا كيف أي بلا كيف يعقله البشر فإن من لا ~~تعلم حقيقة ذاته وماهيته كيفية تعرف نعوته وصفاته ولا يقدح ذلك في الإيمان ~~بها ومعرفة معانيها فالكيفية وراء ذلك كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به ~~من حقائق ما في اليوم الآخر ولا نعرف حقيقة كيفيته مع قرب ما بين المخلوق ~~والمخلوق فعجزنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم # فكيف يطمع العقل المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفية من له الكمال ~~كله والجمال كله والعلم كله والقدرة كلها والعظمة كلها والكبرياء كلها ~~PageV03P359 من لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاته السموات والأرض وما ~~فيهما وما بينهما وما وراء ذلك الذي يقبض سمواته بيده فتغيب كما تغيب ~~الخردلة في كف أحدنا الذي نسبة علوم الخلائق كلها إلى علمه أقل من نسبة ~~نقرة عصفور من بحار العلم الذي لو أن البحر يمده من بعده سبعة ms1087 أبحر مداد ~~وأشجار الأرض من حين خلقت إلى قيام الساعة أقلام لفني المداد وفنيت الأقلام ~~ولم تنفد كلماته الذي لو أن الخلق من أول الدنيا إلى آخرها إنسهم وجنهم ~~وناطقهم وأعجمهم جعلوا صفا واحدا ما أحاطوا به سبحانه الذي يضع السموات على ~~إصبع من أصابعه والأرض على أصبع والجبال على إصبع والاشجار على إصبع ثم ~~يهزهن ثم يقول أنا الملك # فقاتل الله الجهمية والمعطلة أين التشبيه ههنا وأين التمثيل لقد اضمحل ~~ههنا كل موجود سواه فضلا عن أن يكون له ما يماثله في ذلك الكمال ويشابهه ~~فيه فسبحان من حجب عقول هؤلاء عن معرفته وولاها ما تولت من وقوفها مع ~~الألفاظ التي لا حرمة لها والمعاني التي لا حقائق لها # ولما فهمت هذه الطائفة من الصفات الإلهية ما تفهمه من صفات المخلوقين فرت ~~إلى إنكار حقائقها وابتغاء تحريفها وسمته تأويلا فشبهت أولا وعطلت ثانيا ~~وأساءت الظن بربها وبكتابه وبنبيه وبأتباعه # أما إساءة الظن بالرب فإنها عطلت صفات كماله ونسبته إلى أنه أنزل كتابا ~~مشتملا على ما ظاهره كفر وباطل وأن ظاهره وحقائقه غير مرادة # وأما إساءة ظنها بالرسول فلأنه تكلم بذلك وقرره وأكده ولم يبين للأمة أن ~~الحق في خلافه وتأويله # وأما إساءة ظنها بأتباعه فبنسبتهم لهم إلى التشبيه والتمثيل والجهل ~~والحشو وهم عند أتباعه أجهل من أن يكفروهم إلا من عاند الرسول وقصد نفي ما ~~جاء PageV03P360 به والقوم عندهم في خفارة جهلهم قد حجبت قلوبهم عن معرفة ~~الله وإثبات حقائق أسمائه وأوصاف كماله # | فصل قال الدرجة الثانية معرفة الذات مع إسقاط التفريق بين الصفات # والذات وهي تثبت بعلم الجمع وتصفو في ميدان الفناء وتستكمل بعلم البقاء ~~وتشارف عين الجمع # نشرح كلامه ومراده أولا ثم نبين ماله وعليه فيه # فكانت هذه الدرجة عنده أرفع مما قبلها لأن التي قبلها نظر في الصفات وهذه ~~متعلقة بالذات الجامعة للصفات وإن كانت الذات لا تخلو عن الصفات فهي قائمة ~~بها ولا تقول نقول إن صفاتها عينها ولا غيرها لما في لفظ الغير من ms1088 الإجمال ~~والاشتباه فإن الغيرين قد يراد بهما ما جاء افتراقهما ذاتا أو زمانا أو ~~مكانا وعلى هذا فليست الصفات مغايرة للذات وقد يراد بالغيرين ما جاز العلم ~~بأحدهما دون الآخر فيفترقان في الوجود الذهني لا في الوجود الخارجي فالصفات ~~غير الذات بهذا الاعتبار لأنه قد يقع الشعور بالذات حال ما يغفل عن صفاتها ~~فتتجرد عن صفاتها في شعور العبد لا في نفس الأمر # وقوله مع إسقاط التفريق بين الصفات والذات التفريق بين الصفات والذات في ~~الوجود مستحيل وهو ممكن في الشهود بأن يشهد الصفة ويذهل عن شهود الموصوف أو ~~يشهد الموصوف ويذهل عن شهود الصفة فتجريد الذات أو الصفات إنما يمكن في ~~الذهن فالمعرفة في هذه الدرجة تعلقت بالذات والصفات جميعا فلم يفرق العلم ~~والشهود بينهما ولا ريب أن ذلك أكمل من شهود مجرد الصفة أو مجرد الذات # ولا يريد الشيخ أنك تسقط التفريق بين الذات والصفات في الخارج والعلم ~~PageV03P361 بحيث تكون الصفات هي نفس الذات فهذا لا يقوله الشيخ وإن كان ~~كثير من أرباب الكلام يقولون إن الصفات هي الذات فليس مرادهم أن الذات ~~نفسها صفة فهذا لا يقوله عاقل وإنما مرادهم أن صفاتها ليست شيئا غيرها فإن ~~أراد هؤلاء أن مفهوم الصفة هو مفهوم الذات فهذا مكابرة وإن أرادوا أنه ليس ~~ههنا أشياء غير الذات انضمت إليها وقامت بها فهذا حق # والتحقيق أن صفات الرب جل جلاله داخلة في مسمى اسمه فليس اسمه الله والرب ~~والإله أسماء لذات مجردة لا صفة لها ألبتة فإن هذه الذات المجردة وجودها ~~مستحيل وإنما يفرضها الذهن فرض الممتنعات ثم يحكم عليها واسم الله سبحانه ~~والرب والإله اسم لذات لها جميع صفات الكمال ونعوت الجلال كالعلم والقدرة ~~والحياة والإرادة والكلام والسمع والبصر والبقاء والقدم وسائر الكمال الذي ~~يستحقه الله لذاته فصفاته داخلة في مسمى اسمه فتجريد الصفات عن الذات ~~والذات عن الصفات فرض وخيال ذهني لا حقيقة له وهو أمر اعتباري لا فائدة فيه ~~ولا يترتب عليه معرفة ولا إيمان ولا هو علم ms1089 في نفسه وبهذا أجاب السلف ~~الجهمية لما استدلوا على خلق القرآن بقوله تعالى @QB@ الله خالق كل شيء ~~@QE@ قالوا والقرآن شيء # فأجابهم السلف بأن القرآن كلامه وكلامه من صفاته وصفاته داخلة في مسمى ~~اسمه كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ووجهه ويديه فليس الله اسما لذات لا ~~نعت لها ولا صفة ولا فعل ولا وجه ولا يدين ذلك إله معدوم مفروض في الأذهان ~~لا وجود له في الأعيان كإله الجهمية الذي فرضوه غير خارج عن العالم ولا ~~داخل فيه ولا متصل به ولا منفصل عنه ولا محايث له ولا مباين وكإله الفلاسفة ~~الذي فرضوه وجودا مطلقا لا يتخصص بصفة ولا نعت ولا له مشيئة ولا قدرة ولا ~~إرادة ولا كلام وكإله الاتحادية الذي فرضوه وجودا ساريا في الموجودات ظاهرا ~~فيها هو عين وجودها وكإله النصارى الذي فرضوه PageV03P362 قد اتخذ صاحبة ~~وولدا وتدرع بناسوت ولده واتخذ منه حجابا فكل هذه الآلهة مما عملته أيدي ~~أفكارها وإله العالمين الحق هو الذي دعت إليه الرسل وعرفوه بأسمائه وصفاته ~~وأفعاله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه موصوف بكل كمال منزه عن كل نقص ~~لا مثال له ولا شريك ولا ظهير ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه @QB@ هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم @QE@ غني بذاته على عن كل ما سواه ~~وكل ما سواه فقير إليه بذاته # قوله وهي تثبت بعلم الجمع وتصفو في ميدان الفناء يعني أن هذه المعرفة ~~الخاصة تثبت بعلم الجمع ولم يقل بحال الجمع ولا بعينه ولا مقامه فإن علمه ~~أولا هو سبب ثبوتها فإن هذه المعرفة لا تنال إلا بالعلم فهو شرط فيها ~~وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في الجمع عن قريب # فإذا علم العبد انفراد الرب سبحانه بالأزل والبقاء والفعل وعجز من سواه ~~عن القدرة على إيجاد ذرة أو جزء من ذرة وأنه لا وجود له من نفسه فوجوده ليس ~~له ولا به ولا منه وتوالى هذا العلم عن القلب يسقط ذكر غيره سبحانه عن ~~البال والذكر ms1090 كما سقط غناه وربوبيته وملكه وقدرته فصار الرب سبحانه وحده هو ~~المعبود والمشهود والمذكور كما كان وحده هو الخالق المالك الغني الموجود ~~بنفسه أزلا وأبدا وأما ما سواه فوجوده وتوابع وجوده عارية ليست له وكلما ~~فني العبد عن ذكر غيره وشهوده صفت هذه المعرفة في قلبه فلهذا قال وتصفو في ~~ميدان الفناء استعار الشيخ للفناء ميدانا وأضافه إليه لاتساع مجاله لأن ~~صاحبه قد انقطع التفاته إلى ضيق الأغيار وانجذبت روحه وقلبه إلى الواحد ~~القهاوألبس فهي تجول في ميدان أوسع من السموات والأرض بعد أن كانت مسجونة ~~في سجون المخلوقات فإذا استمر له عكوف قلبه على الحق سبحانه ونظر قلبه إليه ~~كأنه يراه ورؤية تفرده بالخلق والأمر والنفع والضر PageV03P363 والعطاء ~~والمنع كملت وتمت في هذه الدرجة معرفته واستكملت بهذا البقاء الذي أوصله ~~إليه الفناء وشارفت عين الجمع بعد علمه فغاب العارف عن معرفته بمعروفه وعن ~~ذكره بمذكوره وعن محبته وإرادته بمراده ومحبوبه فلذلك قال ويستكمل بعلم ~~البقاء ويشارف عين الجمع # ولهذه المعرفة ثلاثة أركان أشار إليها الشيخ بقوله إرسال الصفات على ~~الشواهد وإرسال الوسائط على المدارج وإرسال العبارات على المعالم شواهد ~~الصفات هي التي تشهد بها وتدل عليها من الكتاب والسنة # شاهده العقل والفطرة وآثار الصنعة فإذا تمكن العبد في التوحيد علم أن ~~الحق سبحانه هو الذي علمه صفات نفسه بنفسه لم يعرفها العبد من ذاته ولا ~~بغير تعريف الحق له بما أجراه له سبحانه على قلبه من معرفة تلك الشواهد ~~والانتقال منها إلى المشهود المدلول عليه فهو سبحانه الذي شهد لنفسه في ~~الحقيقة إذ تلك الشواهد مصدرها منه فشهد لنفسه بنفسه بما قاله وفعله وجعله ~~شاهدا لمعرفته فهو الأول والآخر والعبد آلة محضة ومنفعل ومحل لجريان ~~الشواهد وآثارها وأحكامها عليه ليس له من الأمر شيء فهذا معنى إرسال الصفات ~~على الشواهد فإذا أرسلها عليها تبين له أن الحكم للصفات دون الشواهد بل ~~الشواهد هي آثار الصفات فهذا وجه # ووجه ثان أيضا وهو أن الشواهد بوارق وتجليات تبدو للشاهد فإذا أرسل ms1091 ~~الصفات على تلك الشواهد تواري حكم تلك البوارق والتجليات في الصفات وكان ~~الحكم للصفات فحينئذ يترقى العبد إلى شهود الذات شهودا علميا عرفانيا كما ~~تقدم # قوله وإرسال الوسائط على المدارج الوسائط هي الأسباب المتوسطة بين الرب ~~والعبد التي بها تظهر المعرفة وتوابعها والمدارج هي المنازل والمقامات التي ~~يترقى العبد فيها إلى المقصود وقد تكون المدارج الطرق التي يسلكها ~~PageV03P364 إليه ويدرج فيها فإرسال الوسائط التي من الرب على المدارج التي ~~هي منازل السير وطرقه توجب كون الحكم لها دون المدارج فيغيب عن شهود ~~المدارج بالوسائط وقد غاب عن شهود الوسائط بالصفات فيترقى حينئذ إلى شهود ~~الذات # وحقيقة الأمر أن يعلم أن الرب سبحانه ما أطلعه على معرفته إلا بشواهد منه ~~سبحانه وبوسائط ليست من العبد فهو قادر على قبض تلك الشواهد والوسائط وعلى ~~إجرائها على غيره فإن الأمر كله له وتلك الوسائط لا توجب بنفسها شيئا قال ~~الله تعالى لرسوله @QB@ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك ~~به علينا وكيلا إلا رحمة من ربك @QE@ وقال للأمة على لسانه @QB@ قل أرأيتم ~~إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به @QE@ ~~ويعلم العبد أن ما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله من شواهد معرفته ~~والإيمان به هي معالم يهتدي بها عباده إليه ويعرفون بها كماله وجلاله ~~وعظمته فإذا تيقنوا صدقه ولم يشكوا فيه وتفطنوا لآثار أسمائه وصفاته في ~~أنفسهم وفي سواهم انضم شاهد العقل والفطرة إلى شاهد الوحي والشرع فانتقلوا ~~حينئذ من الخبر إلى العيان فالعبارات معالم على الحقائق المطلوبة والمعالم ~~هي الإمارات التي يعلم بها المطلوب فإذا أوصل العارف كل معنى مما تقدم ذكره ~~على مقصوده وصرف همته إلى مجريه وناصبه ومصدره اجتمع همه عليه وتمكن في ~~معرفة الذات التي لها صفات الكمال ونعوت الجلال # ومقصوده أن يبين في هذه الأركان الثلاثة حال صاحب معرفة الذات وكيف تترتب ~~الأشياء في نظره ms1092 ويترقى فيها إلى المقصود # مثال ذلك أن الشواهد أرسلته إلى الصفات بإرسالها عليها فانتقل من ~~مشاهدتها إلى مشاهدة الصفات والوسائط التي كان يراها آية على المدارج انتقل ~~فانتقل منها إلى المدارج ولم يلقها وإنما تعلق بما هي آية له والعبارات ~~التي كانت PageV03P365 عنده ألفاظا خارجة عن المعبر عنه صارت أمارات توصله ~~إلى الحقيقة المعبر عنها فبهذه الأركان الثلاثة يصير بها من أهل معرفة ~~الذات عنده # قوله وهذه معرفة الخاصة التي تؤنس من أفق الحقيقة أي تدرك وتحس من ناحية ~~الحقيقة والإيناس والإدراك والإحساس قال الله تعالى @QB@ فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم @QE@ وقال موسى @QB@ إني آنست نارا @QE@ ~~والمقصود أن العارف إذا علق همه بأفق الحقيقة وأعرض عن المسباب الوسائط لا ~~إعراض جحود وإنكار بل إعراض اشتغال ونظر إلى عين المقصود أوصله ذلك إلى ~~معرفة الذات الجامعة لصفات الكمال والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل قال الدرجة الثالثة معرفة مستغرقة في محض التعريف لا يوصل # إليها الاستدلال ولا يدل عليها شاهد ولا تستحقها وسيلة وهي على ثلاثة ~~أركان مشاهدة القرب والصعود عن العلم ومطالعة الجمع وهي معرفة خاصة الخاصة # إنما كانت هذه المعرفة عنده أرفع مما قبلها لأن ما قبلها متعلقة بالوسائط ~~والشواهد متصلة إلى المطلوب وهذه متعلقة بعين المقصود فقط طاوية للوسائط ~~والشواهد فالوسائط صاعدة عنها إليه وهي غالبة على حال العارف وشهوده وقد ~~استغرقت إدراكه لما هو فيه بحيث غاب عن معرفته بمعروفه وعن ذكره بمذكوره ~~وعن وجوده بموجوده # فقوله مستغرقة في محض التعريف # المعرفة صفة العبد وفعله والتعريف فعل الرب وتوفيقه فاستغرقت صفة العبد ~~في فعل الرب وتعريفه نفسه لعبده # وقوله لا يوصل إليها بالاستدلال يريد أن هذه المعرفة في الدرجة الثالثة ~~لا يوصل إليها بسبب فإن الأسباب قد انطوت والوسائل قد انقطعت PageV03P366 ~~دونها فلا يدل عليها شاهد غيرها بل هي شاهد نفسها فشاهدها وجودها ودليلها ~~نفسها ولا تعجل بإنكار هذا فالأمور الوجدانية كذلك ودليلها نفسها وشاهدها ~~حقيقتها فتصير هذه المعرفة للعارف كالأمور الوجدانية كاللذة والفرح والحب ~~والخوف ms1093 وغيرها من الأمور التي لا يطلب من قامت به شاهدا عليها من سوى ~~أنفسها # ولعمر الله أن هذه درجة من المعرفة منيفة ورتبة شريفة تنقطع دونها أعناق ~~مطايا السائرين فلذلك لا يوصل إليها بالاستدلال ولا يدل عليها شاهد ولا ~~تستحقها وسيلة والأعمال والأحوال والمقامات كلها وسائل وهي لا تستحق هذه ~~الدرجة من المعرفة وإنما هي فضل من الفضل كله بيده وهو ذو الفضل العظيم ~~وكون الوسائل المذكورة لا تستحقها لا تمنع من القيام بها على أتم الوجوه ~~وبذل الجهد فيها ومع ذلك فلا تستحقها الوسائل # قوله وهي على ثلاثة أركان مشاهدة القرب والصعود عن العلم ومطالعة الجمع ~~إنما كانت هذه الثلاثة أركانا لها لأن صاحب هذه المعرفة قد وصل من القرب ~~إلى مقام يليق به بحسب معرفته فكلما كانت معرفته أتم كان قربه أتم فإن شهود ~~الوسائط والوسائل حجاب عن عين القرب وإلغاؤها وجحودها حجاب عن أصل الإيمان # وأما صعوده عن العلم فليس المراد به صعوده عن أحكامه فإن ذلك سقوط ونزول ~~إلى الحضيض الأدنى لا صعود إلى المطلب الأعلى وإنما المراد أنه يصعد بأحكام ~~العلم عن الوقوف معه وتوسيطه بينه وبين المطلوب فإن الوسائط قد طوي بساطها ~~في هذا الشهود والعرفان أعني بساط الوقوف معها والنظر إليها فيدرك مشهوده ~~ومعروفه به سبحانه لا بالعلم والخبر بل بالمشاهدة والعيان وإن كان لم يصل ~~إلى ذلك إلا بالعلم والخبر لكنه قد صعد من العلم والخبر إلى المعلوم المخبر ~~عنه PageV03P367 # وأما مطالعة الجمع فهي الغاية عند هذه الطائفة ونحن لا ننكر ذلك لكن أي ~~جمع هو هل هو جمع الوجود كما يقوله الاتحادي أم جمع الشهود كما يقوله صاحب ~~الفناء في توحيد الربوبية أم هو جمع الإرادة كلها في مراد الرب تعالى ~~الديني الأمري فالشأن في هذا الجمع الذي مطالعته من أعلى أنواع المعرفة # نعم ههنا جمع آخر مطالعته هي كل المعرفة وهو جمع الأفعال في الصفات وجمع ~~الصفات في الذات وجمع الأسماء في الذات والصفات والأفعال فمطالعة هذا الجمع ~~هي غاية ms1094 المعرفة وأعلى أنواعها وهي لعمر الله معرفة خاصة الخاصة والله ~~المستعان وبه التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله $ فصل قال صاحب المنازل ~~باب الفناء قال الله تعالى @QB@ كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام @QE@ # الفناء المذكور في الآية ليس هو الفناء الذي تشير إليه الطائفة فإن ~~الفناء في الآية الهلاك والعدم أخبر سبحانه أن كل من على الأرض يعدم ويموت ~~ويبقى وجهه سبحانه وهذا مثل قوله @QB@ إنك ميت وإنهم ميتون @QE@ ومثل قوله ~~@QB@ كل نفس ذائقة الموت @QE@ قال الكلبي ومقاتل لما نزلت هذه الآية قالت ~~الملائكة هلك أهل الأرض فلما قال تعالى @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ ~~أيقنت الملائكة بالهلاك قال الشعبي إذا قرأت @QB@ كل من عليها فان @QE@ فلا ~~تسكت حتى تقرأ @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال @QE@ وهذا من فقهه في القرآن ~~وكمال علمه إذ المقصود الإخبار بفناء من عليها مع بقاء وجهه سبحانه فإن ~~الآية سيقت لتمدحه بالبقاء وحده ومجرد فناء الخليقة ليس فيه مدحه إنما ~~المدح في بقائه بعد فناء خلقه فهي نظير قوله @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه ~~@QE@ # وأما الفناء الذي تترجم عنه الطائفة فأمر غير هذا ولكن وجد PageV03P368 ~~الإشارة بالآية أن الفناء المشار إليه هو ذهاب القلب وخروجه من هذا العالم ~~وتعلقه بالعلي الكبير الذي له البقاء فلا يدركه الفناء ومن فني في محبته ~~وطاعته وإرادة وجهه أوصله هذا الفناء إلى منزل البقاء فالآية تشير إلى أن ~~العبد حقيق أن لا يتعلق بمن هو فان ويذر من له البقاء وهو ذو الجلال ~~والإكرام فكأنها تقول إذا تعلقت بمن هو فان انقطع ذلك التعلق عند فنائه ~~أحوج ما تكون إليه وإذا تعلقت بمن هو باق لا يفنى لم ينقطع تعلقك ودام ~~بدوامه # والفناء الذي يترجم عليه هو غاية التعلق ونهايته فإنه انقطاع عما سوى ~~الرب تعالى من كل وجه ولذلك قال # الفناء في هذا الباب اضمحلال ما دون الحق علما ثم جحدا ثم حقا # قلت الفناء ضد البقاء والباقي إما باق بنفسه من غير ms1095 حاجة إلى من يبقيه بل ~~بقاؤه من لوازم نفسه وهو الله تعالى وحده وما سواه فبقاؤه ببقاء الرب وليس ~~له من نفسه بقاء كما أنه ليس له من نفسه وجود فإيجاده وإبقاؤه من ربه ~~وخالقه وإلا فهو ليس له من نفسه إلا العدم قبل إيجاده والفناء بعد إيجاده # وليس المعنى أن نفسه وذاته اقتضت عدمه وفناءه وإنما الفناء أنك إذا نظرت ~~إلى ذاته بقطع النظر عن إيجاد موجده له كان معدوما وإذا نظرت إليه بعد ~~وجوده مع قطع النظر عن إبقاء موجده له استحال بقاؤه فإنه إنما يبقى بابقائه ~~كما أنه إنما يوجد بإيجاده فهذا معنى قولنا إنه بنفسه معدوم وفان فافهمه # وقد اختلف الناس هل إفناء الموجود وإعدامه بخلق عرض فيه يسمى PageV03P369 ~~الفناء والإعدام أم بإمساك خلق البقاء له إذ هو في كل وقت محتاج إلى أن ~~يخلق له بقاء يبقيه وهي مسألة الإعدام المشهورة # والتحقيق فيها أن ذاته لا تقتضي الوجود وهو معدوم بنفسه فإذا قدر الرب ~~تعالى لوجوده أجلا ووقتا انتهى وجوده عند حضور أجله فرجع إلى أصله وهو ~~العدم نعم قد يقدر له وقتا ثم يمحو سبحانه ذلك الوقت ويريد إعدامه قبل وقته ~~كما أنه سبحانه يمحو ما يشاء ويريد استمرار وجوده بعد الوقت المقدر إلى أمد ~~آخر فإنه يمحو ما يشاء ويثبت قال الله تعالى حاكيا عن نبيه نوح عليه السلام ~~قال يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ~~ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى فإذا أراد الله سبحانه إبقاء الشيء أبقاه إلى ~~حين يشاء وإذا أراد إفناءه أعدمه بمشيئته كما يوجده بمشيئته # فإن قيل متعلق المشيئة لا بد أن يكون أمرا وجوديا فكيف يكون العدم متعلق ~~المشيئة # قيل متعلق المشيئة أمران إيجاد وإعدام وكلاهما ممكن فقول القائل لا بد أن ~~يكون متعلق المشيئة أمرا وجوديا دعوى باطلة نعم العدم المحض لا تتعلق به ~~المشيئة وأما الإعدام فهو أخص من العدم # ولولا أنا في أمر أخص من هذا لبسطنا ms1096 الكلام في هذه المسألة وذكرنا أوهام ~~الناس وأغلاطهم فيها # وقوله الفناء اسم لاضمحلال ما دون الحق علما يعني يضمحل عن القلب والشهود ~~علما وإن لم تكن ذاته فانية في الحال مضمحلة فتغيب صور الموجودات في شهود ~~العبد بحيث تكون كأنها دخلت في العدم كما كانت قبل أن توجد ويبقى الحق ~~تعالى ذو الجلال والإكرام وحده في قلب الشاهد كما كان وحده قبل إيجاد ~~العوالم PageV03P370 # قوله علما ثم جحدا ثم حقا هذه الثلاثة هي مراتب الاضمحلال إذا ورد على ~~العبد على الترتيب فإذا جاء وهلة واحدة لم يشهد شيئا من ذلك وإن كان قد ~~يعرف ذلك إذا عاد إلى علمه وشهوده فإن الرب سبحانه إذا رقى عبده بالتدريج ~~نور باطنه وعقله بالعلم فرأى أنه لا خالق سواه ولا رب غيره ولا يملك الضر ~~والنفع والعطاء والمنع غيره وأنه لا يستحق أن يعبد بنهاية الخضوع والحب ~~سواه وكل معبود سوى وجهه الكريم فباطل فهذا توحيد العلم # ثم إذا رقاه الحق سبحانه درجة أخرى فوق هذه أشهد عود المفعولات إلى ~~أفعاله سبحانه وعود أفعاله إلى أسمائه وصفاته وقيام صفاته بذاته فيضمحل ~~شهود غيره من قلبه وجحد أن يكون لسواه من نفسه شيء ألبتة ولم يجحد السوي ~~كما يجحده الملاحدة فإن هذا الجحود عين الإلحاد # ثم إذا رقاه درجة أخرى أشهده قيام العوالم كلها جواهرها وأعراضها ذواتها ~~وصفاتها به وحده أي بإقامته لها وإمساكه لها فإنه سبحانه يمسك السماوات ~~والأرض أن تزولا ويمسك البحار أن تغيض أو تفيض على العالم ويمسك السماء أن ~~تقع على الأرض ويمسك الطير في الهواء صافات ويقبضن ويمسك القلوب الموقنة أن ~~تزيغ عن الإيمان ويمسك حياة الحيوان أن تفارقه إلى الأجل المحدود ويمسك على ~~الموجودات وجودها ولولا ذلك لاضمحلت وتلاشت والكل قائم بأفعاله وصفاته التي ~~هي من لوازم ذاته فليس الوجود الحقيقي إلا له أعني الوجود الذي هو مستغن ~~فيه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بالذات لا قيام له بنفسه طرفة عين # ولما كان للفناء ms1097 مبدأ وتوسط وغاية أشار إلى مراتبه الثلاثة فالمرتبة ~~الأولى فناء أهل العلم المتحققين به والثانية فناء أهل السلوك والإرادة ~~والثالثة فناء أهل المعرفة المستغرقين في شهود الحق سبحانه # فأول الأمر أن تفنى قوة علمه وشعوره بالمخلوقين في جنب علمه ومعرفته ~~بالله PageV03P371 وحقوقه ثم يقوي ذلك حتى يعدهم كالأموات وكالعدم ثم يقوي ~~ذلك حتى يغيب عنهم بحيث يكلم ولا يسمع ويمر به ولا يرى وذلك أبلع من حال ~~السكر ولكن لا تدوم له هذه الحال ولا يمكن أن يعيش عليها # | فصل قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى فناء المعرفة في المعروف # وهو الفناء علما وفناء العيان في المعاين وهو الفناء جحدا وفناء الطلب في ~~الوجود وهو الفناء حقا # هذا تفصيل ما أجمله أولا ونبين ما أرادوا بالعلم والجحد والحق # ففناء المعرفة في المعروف هو غيبة العارف بمعروفه عن شعوره بمعرفته ~~ومعانيها فيفنى به سبحانه عن وصفه هنا وما قام به فإن المعرفة فعله ووصفه ~~فإذا استغرق في شهود المعروف فني عن صفة نفسه وفعلها ولما كانت المعرفة فوق ~~العلم وأخص منه كان فناء المعرفة في المعروف مستلزما لفناء العلم في ~~المعرفة فيفنى أولا في المعرفة ثم تفنى المعرفة في المعروف # وأما فناء العيان في المعاين فالعيان فوق المعرفة فإن المعرفة مرتبة فوق ~~العلم ودون العيان فإذا انتقل من المعرفة إلى العيان فني عيانه في معاينه ~~كما فنيت معرفته في معروفه # وأما فناء الطلب في الوجود فهو أن لا يبقى لصاحب هذا الفناء طلب لأنه ظفر ~~بالمطلوب المشاهد وصار واجدا بعد أن كان طالبا فكان إدراكه أولا علما ثم ~~قوي فصار معرفة ثم قوي فصار عيانا ثم تمكن فصار معرفة ثم تمكن فصار وجودا # ولعلك أن تستنكر أو تستبعد هذه الألفاظ ومعانيها فاسمع ضرب مثل يهون عليك ~~ذلك ويقربه منك مثل ملك عظيم السلطان شديد السطوة تام الهيبة قوي البأس ~~استدعى رجلا من رعيته قد اشتد جرمه وعصيانه له PageV03P372 فحضر بين يديه ~~وغلب على ظنه إتلافه فأحواله في حال حضوره مختلفة ms1098 بالنسبة إلى ما يشاهده ~~فتارة يتذكر جرمه وسطوة السلطان وقدرته عليه فيفكر فيما سيلقاه وتارة تقهره ~~الحال التي هو فيها فلا يذكر ما كان منه ولا ما أحضر من أجله لغلبة الخوف ~~على قلبه ويأسه من الخلاص ولكن عقله وذهنه معه وتارة يغيب قلبه وذهنه ~~بالكلية فلا يشعر أين هو ولا من إلى جانبه ولا بما يراد به وربما جرى على ~~لسانه في هذه الحال مالا يريده فهذا فناء الخوف # ومثال ثان في فناء الحب محب استغرقت محبته شخصا في غاية الجمال والبهاء ~~وأكبر أمنيته الوصول إليه ومحادثته ورؤيته فبينا هو على حاله قد ملأ الحب ~~قلبه وقد استغرق فكره في محبوبه وإذا به قد دخل عليه محبوبه بغتة على أحسن ~~هيئة فقابله قريبا منه وليس دونه سواه أفليس هذا حقيقا أن يفنى عن رؤية ~~غيره بمشاهدته وأن يفنى عن شهوده بمشهوده بل وعن حبه بمحبوبه فيملك عليه ~~المحبوب سمعه وبصره وإرادته وإحساسه ويغيب به عن ذاته وصفاته وانظر إلى ~~النسوة كيف قطعن أيديهن لما طلع عليهن يوسف وشاهدن ذلك الجمال ولم يتقدم ~~لهن من عشقه ومحبته ما تقدم لامرأة العزيز فأفناهن شهود جماله عن حالهن حتى ~~قطعن أيديهن # وأما امرأة العزيز فإنها وإن كانت صاحبة المحبة فإنها كانت قد ألفت رؤيته ~~ومشاهدته فلما خرج لم يتغير عليها حالها كما تغير على العواذل فكان مقامها ~~البقاء ومقامهن الفناء وحصل لهن الفناء من وجهين PageV03P373 # أحدهما ذهولهن عن الشعور بقطع ما في أيديهن حتى تخطاه القطع إلى الأيدي # الثاني فناؤهن عن الإحساس بألم القطع وهكذا الفناء بالمخوف والفرح ~~بالمحبوب يفنى صاحبه عن شعوره وعن إحساسه بالكيفيات النفسانية # هذا في مشاهدة مخلوق محدث له أشباه أمثال وله من يقاربه ويدانيه في ~~الجمال وإنما فاق بني جنسه في الحسن والجمال ببعض الصفات وامتاز ببعض ~~المعاني المخلوقة المصنوعة فما الظن بمن له الجمال كله والكمال كله ~~والإحسان والإجمال ونسبة كل جمال في الوجود إلى جماله وجلاله أقل من نسبة ~~سراج ضعيف إلى عين الشمس ولما ms1099 علم سبحانه أن قوى البشر لا تحتمل في هذه ~~الدار رؤيته احتجب عن عباده إلى يوم القيامة فينشئهم نشأة يتمكنون بها من ~~مشاهدة جمال ورؤية وجهه وأنت ترى بعض آياته ومخلوقاته ومبدعاته كيف يفنى ~~فيها مشاهدها عن غيرها ولكن هذا كله في المشاهدات العيانية والواردات ~~الوجدانية # وأما المعارف الإلهية فإن حالة البقاء فيها أكمل من حالة الفناء وهي حالة ~~نبينا صلوات الله وسلامه عليه وحال الكمل من أتباعه ولهذا رأى ما رأى ليلة ~~الإسراء وهو ثابت القلب رابط الجأش حاضر الإدراك تام التمييز ولو رأى غيره ~~بعض ذلك لما تمالك # فإن قلت ربما أفهم معنى فناء المعرفة في المعروف وفناء العيان في المعاين ~~فما معنى فناء الطلب في الوجود حتى يكون هو الفناء حقا # قلت متى فهمت الأمرين اللذين قبله فهمت معناه فإن الواجد لما ظفر بموجوده ~~فني طلبه له واضمحل وهذا مشهود في الشاهد فإنك ترى طالب أمر مهم فإذا ظفرت ~~يداه به وأدركه كيف يبرد طلبه ويفنى في وجوده لكن هذا محال في حق العارف ~~فإن طلبه لا يفارقه بل إذا وجد اشتد طلبه فلا PageV03P374 يزال طالبا فكلما ~~كان أوجد كان أطلب نعم الذي يفنى طلب حظه في طلب محبوبه وطلب مراضيه وليس ~~بعد هذا غاية ولكن الذي يشير إليه القوم أن العبد يصل في منزلة المحبة ~~والمعرفة والاستغراق في المشاهدة إلى حالة تستولي فيها عليه أنواع القرب ~~وآثار الصفات بحيث يذهل لبه عن شعوره بطلبه وإرادته ومحبته # وأيضاح ذلك أن العبد إذا أقبل على ربه وتفقد أحواله وتمكن من شهود قيام ~~ربه عليه فإنه يكون في أول أمره مكابدا وصابرا ومرابطا فإذا صبر وصابر ~~ورابط صبر في نفسه وصابر عدوه ورابط على ثغر قلبه أن يدخل فيه خاطر لا يحبه ~~وليه الحق ظهر حينئذ في قلبه نور من إقباله على ربه فإذا قوي ذلك النور ~~غيبه عن وجوده الذهني وسري به في مطاوي الغيب فحينئذ يصفو له إقباله على ~~ربه فإذا صفا له ذلك غاب عن وجوده ms1100 العيني والذهني فغاب بنور إقباله على ربه ~~بوصول خالص الذكر وصافيه إلى قلبه حيث خلا من كل شاغل من الوجود العيني ~~والذهني وصار واحدا لواحد فيستولي نور المراقبة على أجزاء باطنه فيمتلئ ~~قلبه من نور التوجه بحيث يغمر قلبه ويستره عما سواه ثم يسري ذلك النور من ~~باطنه فيعم أجزاء ظاهره فيتشابه الظاهر والباطن فيه وحينئذ يفنى العبد عما ~~سواه ويبقى بالمشهد الروحي الذاتي الموجب للمحبة الخاصة الملهبة للروح # فمنهم من يضعف لقلة الوارد فلا يمكنه أن يتسع لغير ما باشر سره وقلبه من ~~آثار الحب الخاص ومنهم من يقوى ويتسع نظره فيجد آثار الجلال والجمال المقدس ~~في قلبه وروحه ويجد العبودية والمحبة والدعاء والافتقار والتوكل والخوف ~~والرجاء وسائر الأعمال القلبية قائمة بقلبه لا تشغله عن مشهد الروح ولا ~~تستغرق مشهد الروح عنه ويجد ملاحظته للأوامر والنواهي حاضرا في جذر قلبه ~~حيث نزلت الأمانة فلا يشغله مشهد الروح المستغرق ولا مشهد القلب عن ملاحظة ~~مراضي الرب تعالى ومحابه وحقه على عبده ويجد ترك التدبير والاختيار ~~PageV03P375 وصحة التفويض موجودا في محل نفسه فيعامل الله سبحانه بذلك بحيث ~~لا تشغله مشاهدة الأولى عنه ويقوم بملاحظة عقله لأسرار حكمة الله في خلقه ~~وأمره ولا يحجبه ذلك كله عن ملاحظة عبوديته فيبقى مغمور الروح بملاحظة ~~الفردانية وجلالها وكمالها وجمالها قد استغرقته محبته والشوق إليه معمور ~~القلب بعبادات القلوب معمور القلب بملاحظة الحكمة ومعاني الخطاب طاهر القلب ~~عن سفساف الأخلاق مع الله تعالى ومع الخلق قد صار عبدا محضا لربه بروحه ~~وقلبه وعقله ونفسه وبدنه وجوارحه قد قام كل بما عليه من العبودية بحيث لا ~~تحجبه عبودية بعضه عن عبودية البعض الآخر قد فنى عن نفسه وبقي بريه كما قال ~~أبو بكر الكتاني جرت مسألة بمكة أيام الموسم في المحبة فتكلم الشيوخ فيها ~~وكان الجنيد أصغرهم سنا فقالوا له هات ما عندك يا عراقي فأطرق ساعة ودمعت ~~عيناه ثم قال عبد ذاهب عن نفسه ومتصل بذكر ربه قائم بأداء حقوقه ناظر إليه ~~بقلبه أحرق قلبه ms1101 أنوار هيبته وصفا شربه من كأس وده وانكشف له الجبار من ~~أستار غيبه فإن تكلم فبالله وإن نطق فعن الله وإن عمل فبأمر الله وإن سكن ~~فمع الله فهو لله وبالله ومع الله # فبكى الشيوخ وقالوا ما على هذا مزيد جبرك الله يا تاج العارفين # | فصل قال الشيخ الدرجة الثانية فناء شهود الطلب لإسقاطه وفناء شهود # العلم لإسقاطه وفناء شهود العيان لإسقاطه # إنما كانت هذه الدرجة من الفناء أعلى عنده مما قبلها لأنها أبلغ في ~~الفناء من جهة فناء أربابها عن فنائهم فقد سقط عن قلوبهم ذكر أحوالهم ~~ومقاماتهم لما هم فيه من الشغل بربهم # وقوله لإسقاطه أي لإسقاط الشهود لا إسقاط المشهود فالطلب والعلم والعيان ~~قائم وقد سقط الشهود لاستغراق صاحبه في المطلوب المعاين PageV03P376 # | فصل قال الدرجة الثالثة الفناء عن شهود الفناء وهو الفناء حقا # شائما برق العين راكبا بحر الجمع سالكا سبيل البقاء # الفرق بين الفناء في هذه الدرجة والتي قبلها أنه في التي قبلها قد فني عن ~~شهود طلبه وعلمه وعيانه مع شعوره بفنائه عن ذلك وفي هذه الدرجة قد فني عن ~~ذلك كله وفني عن شهود فنائه كما يقال آخر من يموت ملك الموت # وإنما كان هذا الفناء عنده هو الفناء حقا لأنه قد فني فيه كل ما سوى الحق ~~سبحانه لأن صاحبه يشهد الفناء قد فني فلم يبق سوى الواحد القهار # وقوله شائما برق العين الشائم الناظر من بعد وبرق العين نور الحقيقة وقد ~~تقدم التنبيه على استحالة تعلق هذا بالنور الخارجي وإنما هو أنوار القرب ~~والمراقبة والحضور مع الله # وقوله راكبا بحر الجمع الجمع الذي يشيرون إليه عبارة عن شخوص البصيرة إلى ~~مجرد مصدر المتفرقات كلها كما سيأتي بيانه في بابه إن شاء الله تعالى وركوب ~~لجة هذا الجمع هو فناؤه فيه # قوله سالكا سبيل البقاء يعني أن من فنى فقد تأهل للبقاء بالحق وهذا ~~البقاء هو بعد الفناء فإنه إذا تحقق بالفناء رفع له علم الحقيقة فشمر إليه ~~سالكا في طريق البقاء وهي ms1102 القيام بالأوراد وحفظ الواردات فحينئذ يرجى له ~~الوصول # | فصل لم يرد في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام الصحابة والتابعين # مدح لفظ الفناء ولا ذمه ولا استعملوا لفظه في هذا المعنى المشار إليه ~~البتة ولا ذكره PageV03P377 مشايخ الطريق المتقدمون ولا جعلوه غاية ولا ~~مقاما وقد كان القوم أحق بكل كمال وأسبق إلى كل غاية محمودة ونحن لا ننكر ~~هذا اللفظ مطلقا ولا نقبله مطلقا # ولا بد فيه من التفصيل وبيان صحيحه من معلوله ووسيلته من غايته فنقول ~~وبالله التوفيق وهو الفتاح العليم # حقيقة الفناء المشار إليه هو استهلاك الشيء في الوجود العلمي الذهني ~~وههنا تقسمه أهل الاستقامة وأهل الزيغ والإلحاد فزعم أهل الاتحاد القائلون ~~بوحدة الوجود أن الفناء هو غاية الفناء عن وجود السوى فلا يثبت للسوى وجود ~~ألبتة لا في الشهود ولا في العيان بل يتحقق بشهود وحدة الوجود فيعلم حينئذ ~~أن وجود جميع الموجودات هو عين وجود الحق فما ثم وجودان بل الموجود واحد ~~وحقيقة الفناء عندهم أن يفنى عما لا حقيقة له بل هو وهم وخيال فيفنى عما هو ~~فان في نفسه لا وجود له فيشهد فناء وجود كل ما سواه في وجوده وهذا تعبير ~~محض وإلا ففي الحقيقة ليس عند القوم سوى ولا غير وإنما السوي والغير في ~~الوهم والخيال فحول هذا الفناء يدندنون وعليه يحومون # وأما أهل التوحيد والاستقامة فيشيرون بالفناء إلى أمرين أحدهما أرفع من ~~الآخر # الأمر الأول الفناء في شهود الربوبية والقيومية فيشهد تفرد الرب تعالى ~~بالقيومية والتدبير والخلق والرزق والعطاء والمنع والضر والنفع وأن جميع ~~الموجودات منفعلة لا فاعلة وماله منها فعل فهو منفعل في فعله محل محض ~~PageV03P378 لجريان أحكام الربوبية عليه لا يملك شيئا منها لنفسه ولا لغيره ~~فلا يملك ضرا ولا نفعا فإذا تحقق العبد بهذا المشهد خمدت منه الخواطر ~~والإرادات نظرا إلى القيوم الذي بيده تدبير الأمور وشخوصا منه إلى مشيئته ~~وحكمته فهو ناظر منه به إليه فإن بشهوده عن شهود ما سواه ومع هذا فهو ساع ~~في ms1103 طلب الوصول إليه قائما بالواجبات والنوافل # الأمر الثاني الفناء في مشهد الإلهية وحقيقته الفناء عن إرادة ما سوى ~~الله ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه وخوفه ورجائه فيفنى بحبه عن حب ما ~~سواه وبخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه وحقيقة هذا الفناء إفراد الرب ~~سبحانه بالمحبة والخوف والرجاء والتعظيم والإجلال ونحن نشير إلى مبادئ ذلك ~~توسطه وغايته فنقول # اعلم أن القلب إذا خلى من الاهتمام بالدنيا والتعلق بما فيها من مال أو ~~رياسة أو صورة وتعلق بالآخرة والاهتمام بها من تحصيل العدة والتأهب للقدوم ~~على الله عز وجل فذلك أول فتوحه وتباشير فجره فعند ذلك يتحرك قلبه لمعرفة ~~ما يرضى به ربه منه فيفعله ويتقرب به إليه وما يسخطه منه فيجتنبه وهذا ~~عنوان صدق إرادته فإن كل من أيقن بلقاء الله وأنه سائله عن كلمتين يسأل ~~عنهما الأولون والآخرون ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين لا بد أن ~~يتنبه لطلب معرفة معبوده والطريق الموصلة إليه فإذا تمكن في ذلك فتح له باب ~~الأنس بالخلوة والوحدة والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات والحركات ~~فلا شيء أشوق إليه من ذلك فإنها تجمع عليه قوى قلبه وإرادته وتسد عليه ~~الأبواب التي تفرق همه وتشت قلبه فيأنس بها ويستوحش من الخلق # ثم يفتح له باب حلاوة العبادة بحيث لا يكاد يشبع منها ويجد فيها من اللذة ~~والراحة أضعاف ما كان يجده في لذة اللهو واللعب ونيل الشهوات بحيث إنه إذا ~~دخل في الصلاة ود أن لا يخرج منها ثم يفتح له باب حلاوة استماع كلام الله ~~PageV03P379 فلا يشبع منه وإذا سمعه هدأ قلبه به كما يهدأ الصبي إذا أعطي ~~ما هو شديد المحبة له ثم يفتح له باب شهود عظمة الله المتكلم به وجلاله ~~وكمال نعوته وصفاته وحكمته ومعاني خطابه بحيث يستغرق قلبه في ذلك حتى يغيب ~~فيه ويحس بقلبه وقد دخل في عالم آخر غير ما الناس فيه # ثم يفتح له باب الحياء من الله وهو أول شواهد المعرفة وهو نور يقع في ms1104 ~~القلب يريه ذلك النور أنه واقف بين يدي ربه عز وجل فيستحي منه في خلواته ~~وجلواته ويرزق عند ذلك دوام المراقة للرقيب ودوام التطلع إلى حضرة العلي ~~الأعلى حتى كأنه يراه ويشاهده فوق سمواته مستويا على عرشه ناظرا إلى خلقه ~~سامعا لأصواتهم مشاهدا لبواطنهم فإذا استولى عليه هذا الشاهد غطى عليه ~~كثيرا من الهموم بالدنيا وما فيها فهو في وجود والناس في وجود آخر هو في ~~وجود بين يدي ربه ووليه ناظرا إليه بقلبه والناس في حجاب عالم الشهادة في ~~الدنيا فهو يراهم وهم لا يرونه ولا يرون منه إلا ما يناسب عالمهم ووجودهم # ثم يفتح له باب الشعور بمشهد القيومية فيرى سائر التقلبات الكونية ~~وتصاريف الوجود بيده سبحانه وحده فيشهده مالك الضر والنفع والخلق والرزق ~~والإحياء والإماتة فيتخذه وحده وكيلا ويرضى به ربا ومدبرا وكافيا وعند ذلك ~~إذا وقع نظره على شيء من المخلوقات دله على خالقه وبارئه وصفات كماله ونعوت ~~جلاله فلا يحجبه خلقه عنه سبحانه بل يناديه كل من المخلوقات بلسان حاله ~~اسمع شهادتي لمن أحسن كل شيء خلقه فأنا صنع الله الذي أتقن كل شيء # فإذا استمر له ذلك فتح عليه باب القبض والبسط فيقبض عليه حتى يجد ألم ~~القبض لقوة وارده ثم يقبض وعاءه بأنوار الوجود فيفنى عن وجوده وينمحي كما ~~يمحو نور الشمس نور الكواكب ويطوي الكون عن قلبه بحيث لا يبقى PageV03P380 ~~فيه إلا الله الواحد القهار وتفيض أنوار المعرفة والمعاملة والصدق والإخلاص ~~والمحبة من قلبه كما يفيض نور الشمس عن جرمها فيغرق حينئذ في الأنوار كما ~~يغرق راكب البحر في البحر وذلك إنما يكون في الرياضة والمجاهدة وزوال أحكام ~~الطبيعة وطول الوقوف في الباب # وهذا هو من علم اليقين لا من عين اليقين ولا من حق اليقين إذ لا سبيل ~~إليهما في الدار فإن عين اليقين مشاهدة وحق اليقين مباشرة نعم قد يكون حق ~~اليقين في هذه الدنيا بالنسبة إلى الوجود الذهني وما يقوم بالقلوب فقط ليس ~~إلا كما تقدم تقريره مرارا ونحن ms1105 لا تأخذنا في ذلك لومة لائم وهم لا تأخذهم ~~في كون ذلك في العيان لومة لائم وهم عندنا صادقون ملبوس عليهم ونحن عندهم ~~محجوبون عن ذلك غير واصلين إليه # فإن استمر على حاله واقفا بباب مولاه لا يلتفت عنه يمينا ولا شمالا ولا ~~يجيب غير من يدعوه إليه ويعلم أن الأمر وراء ذلك وأنه لم يصل بعد ومتى توهم ~~أنه قد وصل انقطع عنه المزيد رجى أن يفتح له فتح آخر هو فوق ما كان فيه ~~مستغرقا قلبه في أنوار مشاهدة الجلال بعد ظهور أنوار الوجود الحق ومحو ~~وجوده هو ولا يتوهم أن وجود صفاته وذاته تبطل بل الذي يبطل هو وجوده ~~النفساني الطبعي ويبقى له وجود قلبي روحاني ملكي فيبقى قلبه سابحا في بحر ~~من أنوار آثار الجلال فتنبع الأنوار من باطنه كما ينبع الماء من العين حتى ~~يجد الملكوت الأعلى كأنه في باطنه وقلبه ويجد قلبه عاليا على ذلك كله صاعدا ~~إلى من ليس فوقه شيء ثم يرقيه الله سبحانه فيشهده أنوار الإكرام بعد ما شهد ~~أنوار الجلال فيستغرق في نور من أنوار أشعة الجمال وفي هذا المشهد يذوق ~~المحبة الخاصة الملهبة للأرواح والقلوب فيبقى القلب مأسورا في يد حبيبه ~~ووليه ممتحنا بحبه وإن شئت أن تفهم ذلك تقريبا فانظر إليك وإلى غيرك وقد ~~امتحنت بصورة بديعة الجمال ظاهرا وباطنا فملكت عليك PageV03P381 قلبك وفكرك ~~وليلك ونهارك فيحصل لك نار من المحبة فتضرم في أحشائك يعز معها الاصطبار ~~وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء # فياله من قلب ممتحن مغمور مستغرق بما ظهر له من اشعة أنوار الجمال الأحدى ~~والناس مفتونون ممتحنون بما يفنى من المال والصور والرياسة معذبون بذلك قبل ~~حصوله وحال حصوله وبعد حصوله وأعلاهم مرتبة من يكون مفتونا بالحور العين أو ~~عاملا على تمتعه في الجنة بالأكل والشرب واللباس والنكاح وهذا المحب قد ~~ترقى في درجات المحبة على أهل المقامات ينظرون إليه في الجنة كما ينظرون ~~إلى الكوكب الدري الغابر في الأفق لعلو درجته وقرب منزلته من ms1106 حبيبه ومعيته ~~معه فإن المرء مع من أحب ولكل عمل جزاء وجزاء المحبة المحبة والوصول ~~والاصطناع والقرب فهذا هو الذي يصلح وكفى بذلك شرفا وفخرا في عاجل الدنيا ~~فما ظنك بمقاماتهم العالية عند مليك مقتدر فكيف إذا رأيتهم في موقف القيامة ~~وقد أسمعهم المنادي لينطلق كل قوم مع ما كانوا يعبدون فيبقون في مكانهم ~~ينتظرون معبودهم وحبيبهم الذي هو أحب شيء إليهم حتى يأتيهم فينظرون إليه ~~ويتجلى لهم ضاحكا # والمقصود أن هذا العبد لا يزال الله يرقيه طبقا بعد طبق ومنزلا بعد منزل ~~إلى أن يوصله إليه ويمكن له بين يديه أو يموت في الطريق فيقع أجره على الله ~~فالسعيد كل السعيد والموفق كل الموفق من لم يلتفت عن ربه تبارك وتعالى ~~يمينا ولا شمالا ولا اتخذ سواه ربا ولا وكيلا ولا حبيبا ولا مدبرا ولا حكما ~~ولا ناصرا ولا رازقا # وجميع ما تقدم من مراتب الوصول إنما هي شواهد وامثلة إذا تجلت له الحقائق ~~في الغيب بحسب استعداده ولطفه ورقته من حيث لا يراها ظهر من تجليها شاهد في ~~قلبه وذلك الشاهد دال عليها ليس هو عينها فإن نور الجلال في القلب ليس هو ~~نور ذي الجلال في الخارج فإن ذلك لا تقوم له السماوات PageV03P382 والأرض ~~ولو ظهر للوجود لتدكدك لكنه شاهد دال على ذلك كما أن المثل الأعلى شاهد دال ~~على الذات والحق وراء ذلك كله منزه عن حلول واتحاد وممازجة لخلقه وإنما تلك ~~رقائق وشواهد تقوم بقلب العارف تدل على قرب الالطاف منه في عالم الغيب حيث ~~يراها وإذا فني فانما يفنى بحال نفسه لا بالله ولا فيه وإذا بقي فإنما يبقى ~~بحاله هو ووصفه لا ببقاء ربه وصفاته ولا يبقى بالله إلا الله ومع ذلك ~~فالوصول حق يجد الواصل آثار تجلي الصفات في قلبه وآثار تجلي الحق في قلبه ~~ويوقف القلب فوق الأكوان كلها بين يدي الرب تعالى وهو على عرشه ومن هناك ~~يكاشف بآثار الجلال والإكرام فيجد العرش والكرسي تحت مشهد قلبه حكما وليس ~~الذي ms1107 يجده تحت قلبه حقيقة العرش والكرسي بل شاهد ومثال علمي يدل على قرب ~~قلبه من ربه وقرب ربه من قلبه وبين الذوقين تفاوت فإذا قرب الرب تعالى من ~~قلب عبده بقيت الأكوان كلها تحت مشهد قلبه وحينئذ يطلع في أفقه شمس التوحيد ~~فينقشع بها ضباب وجوده ويضمحل ويتلاشى وذاته وحقيقته موجودة بائنة عن ربه ~~وربه بائن عنه فحينئذ يغيب العبد عن نفسه ويفنى وفي الحقيقة هو باق غير فان ~~ولكنه ليس في سره غير الله قد فنى فيه عن كل ما سواه # نعم قد يتفق له في هذه الحالة أن لا يجد شيئا غير الله فذلك لاستغراق ~~قلبه في مشهوده وموجوده ولو كان ذلك في نفس الأمر لكان العبد في هذه الحال ~~خالقا بارئا مصورا أزليا أبديا # فعليك بهذا الفرقان واحذر فريقين هما أعدى عدو لهذا الشأن فريق الجهمية ~~المعطلة التي ليس عندها فوق العرش إلا العدم المحض فشم رائحة هذا المقام من ~~أبعد الأمكنة حرام عليها وفريق أهل الاتحاد القائلين بوحدة الوجود وأن ~~العبد ينتهي في هذا السفر إلى أن يشهد وجوده هو عين وجود الحق جل جلاله ~~وعيشك بجهلك خير من معرفة هاتين الطائفتين وانقطاعك مع الشهوات خيرك معهما ~~والله المستعان وعليه التكلان PageV03P383 $ فصل قال الشيخ باب البقاء قال ~~الله عز وجل @QB@ والله خير وأبقى @QE@ # البقاء الذي يشير إليه القوم هو صفة العبد ومقامه والبقاء في الآية هو ~~بقاء الرب ودوام وجوده وإنما ذكره مؤمنو السحرة في هذا المكان لأن عدو الله ~~فرعون توعدهم على الإيمان بإتلاف حياتهم وإفناء ذواتهم فقالوا له وإن فعلت ~~ذلك فالذي آمنا به وانتقلنا من عبوديتك إلى عبوديته ومن طلب رضاك والمنزلة ~~عندك إلى طلب رضاه والمنزلة عنده خير منك وأدوم وعذابك ونعيمك ينقطع ويفرغ ~~وعذابه هو ونعيمه وكرامته لا تنقطع ولا تبيد فكيف نؤثر المنقطع الفاني ~~الأدنى على الباقي المستمر الأعلى # ولكن وجه الإشارة بالآية أن الوسائل والتعلقات والمحبة والإرادة تابعة ~~لغاياتها ومحبوبها ومرادها فمن كانت غاية محبته وإرادته منقطعة انقطع تعلقه ms1108 ~~عند انقطاعها وذهب عمله وسعيه واضمحل ومن كان مطلوبه وغايته باقيا دائما لا ~~زوال له ولا فناء ولا يضمحل ولا يتلاشى دام تعلقه ونعيمه به بدوامه ~~فالوسائل تابعة للغايات والتعلقات تابعة لمتعلقاتها والمحبة تابعة للمحبوب ~~فليس المحبوب الذي يتلاشى ويضمحل ويفنى كالمحبوب الذي كل شيء هالك إلا وجهه ~~فالمحب باق ببقاء محبوبه يشرف بشرفه ويعظم خطره بحسب محبوبه ويستغنى بغناه ~~ويقوى بقوته ويعز بعزه ويعظم شأنه في النفوس بخدمته وإرادته ومحبته تالله ~~لولا حجاب الغفلة والعوائد والهوى والمخالفات لذاق القلب أعظم الألم بتعلقه ~~بغير الحبيب الأول ولذاق أعظم اللذة والسرور بتعلقه به فالله المستعان # | فصل قال الشيخ البقاء اسم لما بقي قائما بعد فناء الشواهد وسقوطها # له في هذه العبارة تسامح وأرباب هذا الشأن همهم المعاني فهم يسامحون في ~~العبارات مالا يسامح فيه غيرهم PageV03P384 # فالبقاء هو الدوام واستمرار الوجود وهو نوعان مقيد ومطلق فالمقيد البقاء ~~إلى مدة والمطلق الدائم المستمر لا إلى غاية # والبقاء أوضح من هذا الحد الذي ذكره ولكن لما كان مراده البقاء الذي هو ~~صفة العبد ومقامه قال هو اسم لما بقي بعد فناء الشواهد وهذا عام في سائر ~~أنواع ما بقي العبد متصفا به بعد فناء الأدلة والآثار التي دلت على الحقيقة # والشواهد عنده هي الرسوم كلها وربما يراد بها معالم الشهود وهو الذي عناه ~~فيما تقدم فإذا جعلت الشواهد ههنا معالم الشهود كان المعنى أن المعالم توصل ~~إلى الشهود ويبقى الشهود قائما بعد فناء معالمه # وحقيقة الأمر أن الحق سبحانه يفنيهم عما سواه ويبقيهم به وما سواه هو ~~المعالم والرسوم # قال وهو على ثلاث درجات بقاء المعلوم بعد سقوط العلم عينا لا علما وبقاء ~~المشهود بعد سقوط الشهود وجودا لا نعتا وبقاء مالم يزل حقا بإسقاط مالم يكن ~~محوا # قلت أما بقاء المعلوم بعد سقوط العلم فقد يظهر في بادي الأمر امتناعه إذ ~~كونه معلوما مع سقوط العلم به جمع بين النقيضين وكأنه معلوم غير معلوم فإن ~~المعلوم لا يكون معلوما إلا بالعلم فكيف يكون ms1109 معلوما مع سقوطه # وجواب هذا أن هنا أمرين # أحدهما وجود صورة المعلوم في قلب العالم وإدراكه لها وشعوره بها # والثاني علمه بعلمه وشعوره وهو أمر وراء حضور تلك الصورة وهذا في سائر ~~المدارك فقد يدى الرائي الشيء ويسمعه ويشمه ويغيب عن علمه وشعوره بصفة نفسه ~~التي هي إدراكه فيغيب بمدركه عن إدراكه وبمعلومه عن علمه وبمرئيه عن رؤيته ~~فإن قلت أوضح لي هذا لينجلي فهمه PageV03P385 # فاعلم أن ههنا قوة مدركة له إذا تعلقت به صار معلوما مدركا فتولد من بين ~~هذين الأمر حالة ثالثة تسمى الشعور والعلم والإدراك # مثال ذلك ما يدركه بحاسة الذوق والشم فإنه لا بد من وجود المدرك المذوق ~~المشموم ولا بد من قوة في الآلة والمحل المخصوص تقابل المدرك وتتعلق به ~~فيتولد من بين الأمرين كيفية الشم والذوق وكذلك في الملموس والمسموع ~~والمرئي فتمام الإدراك أن يحيط علما بهذه الأمور الثلاثة فيشعر بالمدرك ~~وبالقوة المدركة وبحالة الإدراك فإذا استغرق القلب في شهوده المعلوم غاب به ~~عن شهود القوة التي بها يعلم وعن حالة العلم ومثل هذا برجل أدرك بلمسه ما ~~التذ به أعظم لذة حصلت له فاستغرقته تلك اللذة عما سواها فأسقطت شعوره بها ~~دون وجودها ولهذا قال الشيخ بقاء المعلوم بعد سقوط العلم عيانا لا علما ~~فعيانا حال من البقاء لا من السقوط أي بقاؤه وجودا لا نعتا فإنه في مرتبة ~~العلم باق نعتا ووصفا وفي هذه المرتبة باق وجودا وعيانا لا علما مجردا # وهذا وجه ثان في كلامه أنه يبقى وجوده وعينه لا مجرد العلم به فالعلم به ~~لم يعدم ولكن انتقل العبد من وجود العلم إلى وجود المعلوم # وكذلك قوله في الدرجة الثانية وبقاء المشهود بعد سقوط الشهود وجودا لا ~~نعتا الشهود فوق العلم لأنه علم عيان فينتقل من مجرد الشهود إلى الوجود ~~فيبقى المشهود موجودا له بعد أن كان مشهودا ومرتبة الوجود فوق مرتبة الشهود ~~فإن الوجود حصول ذاتي والشهود حصول علمي وإن كان فوق العلم # قوله في الدرجة الثالثة وبقاء من ms1110 لم يزل حقا بإسقاط ما لم يكن محوا أي ~~يغلب على القلب سلطان الحقيقة ونور الجمع حتى ينطمس من قلبه أثر المخلوقات ~~PageV03P386 كما ينطمس نور الكواكب بطلوع الشمس ويبقى فيه تعظيم من لم يزل ~~وذكره وحبه والاشتغال به لا بغيره # فالدرجة الأولى بقاء في مرتبة العلم والثانية بقاء في مرتبة الشهود ~~والثالثة بقاء في مرتبة الوجود فهذا وجه # ويمكن شرح كلامه على وجه آخر وهو أن المعلوم يسقط شهود العلم فالعلم يسقط ~~والمعلوم يثبت فالعبد إذا بقي بعد الفناء سقط علمه في مشهد عيانه بحيث تبقى ~~مرتبة العلم عيانا فيسقط العلم بالعيان بحيث يصير عينا لا علما فإذا نظرت ~~إلى العلم باعتبار العين وهي حضرة الجمع سقط العلم فإذا نظرت إليه باعتبار ~~الفرق لم يسقط فسقوطه في حضرة الجمع وثبوته في مقام الفرق # قوله وبقاء المشهود بعد سقوط الشهود وجودا يعني بقاء الحق الذي هو ~~المشهود بعد سقوط الشهود الذي هو المخلوق كان المشهود صفة المشاهد والمشاهد ~~وصفاته مخلوق ومشهوده سبحانه غير مخلوق كما أن علمه وذكره ومعرفته مخلوقة ~~والمعلوم المذكور المعروف سبحانه غير مخلوق وإذا كان الموصوف قد فني وصفاته ~~تابعة له في الفناء فيفنى شهوده ويبقى مشهوده # قوله وجودا لا نعتا أي سقط وجود شهوده لا نعته والإخبار عنه # قوله وبقاء ما لم يزل حقا بإسقاط مالم يكن محوا يوضح المراد من الدرجتين ~~اللتين قبل ومعناه بقاء الحق وفناء المخلوق والحق سبحانه لم يزل باقيا فلم ~~يتجدد له البقاء والفناء المتعلق بالمخلوق فناؤهم في شهود المشاهد ومحو ~~رسومهم من قلبه بالكلية لا فناؤهم في الخارج # وحاصل ذلك أن يفنى من قلبك إرادة السوى وشهوده والالتفات إليه ويبقى فيه ~~إرادة الحق وحده وشهوده والالتفات بالكلية إليه والإقبال بجمعيتك عليه فحول ~~هذا يدندن العارفون وإليه يشمر السالكون وإن وسعوا له العبارات وصرفوا إليه ~~القول والله أعلم PageV03P387 $ فصل قال باب التحقيق قال الله تعالى @QB@ ~~أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي @QE@ التحقيق تلخيص مصحوبك من الحق ثم ~~بالحق ثم في ms1111 الحق وهذه أسماء درجاته الثلاث # وجه تعلقه بإشارة الآية إن إبراهيم طلب الانتقال من الإيمان بالعلم ~~بإحياء الله الموتى إلى رؤية تحقيقه عيانا فطلب بعد حصول العلم الذهني ~~تحقيق الوجود الخارجي فإن ذلك أبلغ في طمأنينة القلب ولما كان بين العلم ~~والعيان منزلة أخرى قال النبي نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال @QB@ رب ~~أرني كيف تحيي الموتى @QE@ وإبراهيم لم يشك ورسول الله لم يشك ولكن أوقع ~~اسم الشك على المرتبة العلمية باعتبار التفاوت الذي بينها وبين مرتبة ~~العيان في الخارج وباعتبار هذه المرتبة سمي العلم اليقيني قبل مشاهدة ~~معلومه ظنا قال تعالى الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون وقال ~~تعالى الذين يظنون أنهم ملاقو الله وهذا الظن علم جازم كما قال تعالى @QB@ ~~واعلموا أنكم ملاقوه @QE@ لكم بين الخبر والعيان فرق وفي المسند مرفوعا ليس ~~الخبر كالعيان ولهذا لما أخبر الله موسى أنه قد فتن قومه وأن السامري أضلهم ~~لم يحصل له من الغضب والكيفية وإلقاء الألواح ما حصل له عند مشاهدة ذلك # إذا عرف هذا فقوله التحقيق تلخيص مصحوبك من الحق ههنا أربعة ألفاظ ~~بتفسيرها يفهم مراده إن شاء الله # أحدها لفظ التحقيق وهو تفعيل من حقق الشيء تحقيقا فهو مصدر فعله حقق ~~الشيء أي أثبته وخلصه من غيره # الثانية لفظ التلخيص ومعناه تخليص الشيء من غيره فخلصه ولخصه PageV03P388 ~~يشتركان لفظا ومعنى وإن كان التلخيص أغلب على ما في الذهن والتخليص أغلب ~~على ما في الخارج فالتلخيص تلخيص الشيء في الذهن بحيث لا يدخل فيه غيره ~~والتخليص إفراده في الخارج عن غيره # الثالث المصحوب وهو ما يصحب الإنسان في قصده ومعرفته من معلوم ومراد # الرابع الحق وهو الله سبحانه وما كان موصلا إليه مدنيا للعبد من رضاه # إذا عرف هذا فمصحوب العبد من الحق هو معرفته ومحبته وإراده وجهه الكريم ~~وما يستعين به على الوصول إليه وما هو محتاج إليه في سلوكه فالتحقيق هو ~~تخليصه من المفسدات القاطعة عنه الحائلة بين القلب وبين الموصل إليه ~~وتحصينه من ms1112 المخالطات وتخليصه من المشوشات فإن تلك قواطع له عن مصحوبه الحق ~~وهي نوعان لا ثالث لهما عوارض محبوبة وعوارض مكروهة # فصاحب مقام التحقيق لا يقف مع العوارض المحبوبة فإنها تقطعه عن مصحوبه ~~ومحبوبه ولا مع العوارض المكروهة فإنها قواطع أيضا ويتغافل عنها ما أمكنه ~~فإنها تمر بالمكاثرة والتغافل مرا سريعا لا يوسع دوائرها فإنه كلما وسعها ~~اتسعت ووجدت مجالا فسيحا فصالت فيه وجالت ولو ضيقها بالإعراض عنها والتغافل ~~لاضمحلت وتلاشت فصاحب مقام التحقيق ينساها ويطمس آثارها ويعلم أنها جاءت ~~بحكم المقادير في دار المحن والآفات # قال لي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مرة العوارض والمحن هي كالحر ~~والبرد فإذا علم العبد أنه لا بد منهما لم يغضب لورودهما ولم يغتم لذلك ولم ~~يحزن # فإذا صبر العبد على هذه العوارض ولم ينقطع بها رجى له أن يصل إلى مقام ~~التحقيق فيبقى مع مصحوبه الحق وحده فتهذب نفسه وتطمئن مع الله وتنفطم عن ~~عوائد السوء حتى تغمر محبة الله قلبه وروحه وتعود جوارحه متابعة ~~PageV03P389 للأوامر فيحس قلبه حينئذ بأن معية الله معه وتوليه له فيبقى في ~~حركاته وسكناته بالله لا بنفسه وترد على قلبه التعريفات الإلهية وذلك إنما ~~يكون في منزل البقاء بعد الفناء والظفر بالمحبة الخاصة ويشهد الإلهية ~~والقيومية والفردانية فإن على هذه المشاهد الثلاثة مدار المعرفة والوصول # والمقصود أن صاحب مقام التحقيق يعرف الحق ويميز بينه وبين الباطل فيمسك ~~بالحق ويلغي الباطل فهذه مرتبة ثم يتبين له أن ذلك ليس به بل بالله وحده ~~فيبرأ حينئذ من حوله وقوته ويعلم أن ذلك بالحق ثم يتمكن في ذلك المقام ~~ويرسخ فيه قلبه فيصير تحقيقه بالله وفي الله # ففي الأول يخلص له مطلوبه من غيره ويتجرد له من سواه # وفي الثاني يخلص له إضافته إلى غيره وأن يكون سواه سبحانه # وفي الثالث تجرد له شهوده وقصوره بحيث صارت في مطلوبه # فالأول سفر إلى الله والثاني سفر بالله والثالث سفر في الله # وإن أشكل عليك معنى السفر فيه والفرق بينه وبين السفر ms1113 إليه ففرق بين حال ~~العابد الزاهد السائر إلى الله الذي لم يفتح له في الأسماء والصفات ~~والمعرفة الخاصة وبين حال العارف الذي قد كشف له في معرفة الاسماء والصفات ~~والصفات والفقه فيها ما حجب عن غيره # قوله أما الدرجة الأولى وهي تخليص مصحوبك من الحق فإن لا يخالج علمك علمه ~~يعني أنك كنت تنسب العلم إلى نفسك قبل وصولك إلى مقام التحقيق ففي حالة ~~التحقيق تعود نسبته إلى معلمه ومعطيه الحق ولعل هذا معنى قول الرسل صلوات ~~الله وسلامه عليهم أجمعين إذ جمعهم الرب تبارك وتعالى وقال @QB@ ماذا أجبتم ~~قالوا لا علم لنا @QE@ قيل قالوه تأدبا معه سبحانه إذ ردوا العلم إليه وقيل ~~معناه لا علم لنا بحقيقة الباطن وإنما أجابنا من أجابنا ظاهرا والباطن غيب ~~وأنت علام الغيوب PageV03P390 # والتحقيق إن شاء الله أن علومهم تلاشت في علمه سبحانه واضمحلت فصارت ~~بالنسبة إليه كلا علم فردوا العلم كله إلى وليه وأهله ومن هو أولى به ~~فعلومهم وعلوم الخلائق جميعهم في جنب علمه تعالى كنقرة عصفور في بحر من ~~بحار العالم والمخالجة المنازعة # قوله وأما الدرجة الثانية فأن لا ينازع شهودك شهوده هذا قريب من المعنى ~~الأول والمعنى أن الشهود الذي كنت تنسبه إلى نفسك قبل الفناء تصير بعد ~~تنسبه إليه سبحانه لا إليك # قوله الدرجة الثالثة أن لا يناسم رسمك سبقه الرسم عندهم هو الشخص وهو ~~محدث مخلوق والرب تعالى هو القديم الخالق فإذا تحقق العبد بالحقيقة شهد ~~الحق وحده منفردا عن خلقه فلم يناسم رسمه سبق الحق وأوليته والمناسمة ~~كالمشامة يقال ناسمه أي شامه فاستعار الشيخ اللفظة لأدنى المقاربة ~~والملابسة أي لا يداني رسمك سبقه ولو بأدنى مناسمة بل تشهد الحق وحده ~~منفردا عن كل ما سواه # وهم يشيرون بذلك إلى أمر وهو أن الله سبحانه كان ولا شيء معه وهو الآن ~~على ما عليه كان فأما اللفظ الأول وهو كان الله ولا شيء معه فهذا قد روي في ~~الصحيح في بعض ألفاظ حديث عمران بن حصين رضي الله ms1114 عنه وإن كان اللفظ الثابت ~~كان الله ولم يكن شيء قبله وهو المطابق لقوله في الحديث الآخر الصحيح أنت ~~الأول فليس قبلك شيء ولم يقل فليس معك شيء # وأما قوله وهو الآن على ما كان عليه فزيادة في الحديث ليست منه بل زادها ~~بعض المتحذلقين وهي باطلة قطعا فإن الله مع خلقه بالعلم والتدبير والقدرة ~~ومع أوليائه بالحفظ والكلاءة والنصرة وهم معه بالموافقة والمحبة وصارت هذه ~~اللفظة مجنا وترسا للملاحدة من الاتحادية فقالوا إنه لا وجود PageV03P391 ~~سوى وجوده أزلا وأبدا وحالا فليس في الوجود إلا الله وحده وكل ما تراه ~~وتلمسه وتذوقه وتشمه وتباشره فهو حقيقة الله تعالى الله عن إفكهم علوا ~~كبيرا # وأما أهل التوحيد فقد يطلقون هذه اللفظة ويريدون بها لفظا صحيحا وهو أن ~~الله سبحانه لم يزل منفردا بنفسه عن خلقه ليس مخالطا لهم ولا حالا فيهم ولا ~~ممازجا لهم بل هو بائن عنهم بذاته وصفاته # وأما الشيخ وأرباب الفناء فقد يعنون معنى آخر أخص من ذلك وهو المشار إليه ~~بقوله لا يناسم رسمك سبقه أي لا ترى أنك معه بل تراه وحده ولهذا قال فتسقط ~~الشهادات وتبطل العبارات وتفنى الإشارات يعني أنك إذا لم تشهد معه غيره ~~وأسقطت الغير من الشهود لا من الوجود بخلاف ما يقول الملحد الاتحادي إنك ~~تسقط الغير شهودا ووجودا سقطت الشهادات والعبارات والإشارات لإنها صفات ~~العبد المحدث المخلوق والفناء يوجب إسقاطها # والمعنى أن الواصل إلى هذا المقام لا يرى مع الحق سواه فيمحو السوى في ~~شهوده وعند الملحد يمحوه من الوجود والله أعلم وهو الموفق # | فصل قال باب التلبيس قال الله تعالى وللبسنا عليهم ما يلبسون # ليته لم يستشهد بهذه الآية في هذا الباب فإن الاستشهاد بها على مقصوده ~~أبعد شاهد عليه وأبطله شهاده وليته لم يسم هذا الباب بالتلبيس واختار له ~~اسما أحسن منه موقعا # فأما الآية فإن معناها غير ما عقد له الباب من كل وجه فإن المشركين قالوا ~~تعنتا في كفرهم @QB@ لولا أنزل عليه ملك @QE@ يعنون ملكا نشاهده ms1115 ونراه يشهد ~~له ويصدقه وإلا فالملك كان ينزل عليه بالوحي من الله فأجاب الله تعالى عن ~~هذا وبين الحكمة في عدم إنزال الملك على الوجه الذي اقترحوه بأنه لو أنزل ~~ملكا كما اقترحوا ولم يؤمنوا ويصدقوه لعوجلوا بالعذاب PageV03P392 كما جرت ~~واستمرت به سنته تعالى مع الكفار في آيات الاقتراح إذا جاءتهم ولم يؤمنوا ~~بها فقال @QB@ ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون @QE@ ثم بين سبحانه ~~أنه لو أنزل ملكا كما اقترحوا لما حصل به مقصودهم لأنه إن أنزله في صورته ~~لم يقدروا على التلقي عنه إذ البشر لا يقدرون على مخاطبة الملك ومباشرته ~~وقد كان النبي وهو أقوى الخلق إذا نزل عليه الملك كرب لذلك وأخذه البرحاء ~~وتحدر منه العرق في اليوم الشاتي وإن جعله في صورة رجل حصل لهم لبس هل هو ~~رجل أم ملك فقال تعالى @QB@ ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ~~@QE@ في هذه الحال ما يلبسون على أنفسهم حينئذ فإنهم يقولون إذا رأوا الملك ~~في صورة الإنسان هذا إنسان وليس بملك فهذا معنى الآية فأين تجده مما عقد له ~~الباب # | فصل قال التلبيس تورية بشاهد معار عن موجود قائم لما كانت التورية # إظهار خلاف المراد بأن يذكر شيئا يوهم أنه مراده وليس هو بمراده بل وري ~~بالمذكور عن المراد فسر التلبيس بها وفي الحديث كان رسول الله إذا أراد ~~غزوة وري بغيرها مثاله أن يريد غزو خيبر فيقول للناس كيف طريق نجد وما بها ~~من المياه ونحو ذلك # فههنا شيئآن أمر ستر الموري الملبس وأمر ستر ما وري عنه فاشار المصنف إلى ~~الأمرين بقوله تورية شاهد معار عن موجود قائم فأما التورية فقد عرفتها وأما ~~الشاهد فهو الذي تورى به عن مرادك وتستشهد به وأما المعار فهو الشاهد الذي ~~استعير لغيره ليشهد له فهو شاهد استعير لمشهود قائم فالتورية أن تذكر ما ~~يحتمل معنيين ومقصودك خلاف الذي يظهر منهما والتلبيس يشبه التعمية والتخليط ~~ومنه قوله @QB@ ولا تلبسوا الحق بالباطل @QE@ والله سبحانه وتعالى أعلم ~~PageV03P393 # | فصل قال ms1116 الشيخ وهو اسم لثلاثة معان أولها تلبيس الحق سبحانه بالكون # على أهل التفرقة وهو تعليقه الكوائن بالأسباب والأماكن والأحايين وتعليقه ~~المعارف بالوسائط والقضايا بالحجج والأحكام بالعلل والانتقام بالجنايات ~~والمثوبة بالطاعات وأخفى الرضى والسخط اللذين يوجبان الفصل والوصل ويظهران ~~الشقاوة والسعادة # شيخ الإسلام حبيبنا ولكن الحق أحب إلينا منه وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ~~رحمه الله يقول عمله خير من علمه وصدق رحمه الله فسيرته بالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وجهاد أهل البدع لا يشق له فيها غبار وله المقامات ~~المشهورة في نصرة الله ورسوله وأبى الله أن يكسو ثوب العصمة لغير الصادق ~~المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى وقد أخطأ في هذا الباب لفظا ومعنى # أما اللفظ فتسميته فعل الله الذي هو حق وصواب وحكمة ورحمة وحكمه الذي هو ~~عدل وإحسان وأمره الذي هو دينه وشرعه تلبيسا فمعاذ الله ثم معاذ الله من ~~هذه التسمية ومعاذ الله من الرضى بها والإقرار عليها والذب عنها والانتصار ~~لها ونحن نشهد بالله أن هذا تلبيس على شيخ الإسلام فالتلبيس وقع عليه ولا ~~نقول وقع منه ولكنه صادق لبس عليه ولعل متعصبا له يقول أنتم لا تفهمون ~~كلامه فنحن نبين مراده على وجهه إن شاء الله ثم نتبع ذلك بما له وعليه # فقوله أولها تلبيس الحق بالكون على أهل التفرقة والحق ههنا المراد به ~~الرب تعالى والكون اسم لكل ما سواه وأهل التفرقة ضد PageV03P394 أهل الجمع ~~وسيأتي معنى الجمع عنده بعد هذا إن شاء الله فأهل التفرقة الذين لم يصلوا ~~إلى مقام الجمع فأهل التفرقة عنده لبس عليهم الحق بالباطل فإنهم لبس عليهم ~~الحق بالكون وهو الباطل وكل شيء ما خلا الله باطل وأهل التفرقة عندهم الذين ~~غلب عليهم النظر إلى الأسباب حتى غفلوا عن المسبب ووقفوا معها دونه ~~والتلبيس فعل من أفعال الرب تعالى وهو سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء ~~ولذلك استدل على هذا المعنى بالآية وهي قوله تعالى @QB@ وللبسنا عليهم ما ~~يلبسون @QE@ ليعرفك أن هذا الفعل لا تمنع نسبته إلى ms1117 الله كما لا تمنع نسبة ~~الإضلال إليه # ووجه هذا التلبيس أنه سبحانه أضاف الأفعال الصادرة عن محض قدرته ومشيئته ~~إلى أسباب وأزمنة وأمكنة فلبس الحق سبحانه على أهل التفرقة حيث علق الكوائن ~~وهي الأفعال بالأسباب فنسبها أهل التفرقة إلى أسبابها وعموا عن رؤية الحق ~~سبحانه ففي الحقيقة لا فعل إلا لله وأهل التفرقة يجهلون ذلك ويقولون فعل ~~فلان وفعل الماء وفعل الهواء وفعلت النار وكذلك تعليقه سبحانه المعارف ~~بالوسائط وهي الأدلة السمعية والعقلية والفطرية وتعليقه المسموعات ~~والمبصرات والملموسات بآلاتها وحواسها من السمع والبصر والشم والذوق واللمس ~~وهو سبحانه الخالق لتلك الإدراكات مقارنة لهذه الحواس وعندها لا بها ولا ~~بقوى مودعة فيها وهو سبحانه قادر على خلق هذه المعارف بغير هذه الوسائط ~~فحجب أهل التفرقة فهذه الوسائط عن إله قادر سبحانه حقيقة الذي لا فعل في ~~الحقيقة إلا له فكأنه لبس على أهل التفرقة أي أضلهم بشهودهم الأسباب ~~وغيبتهم بها عنه # وكذلك القضايا وهي الوقائع بين العباد علقها بالحجج الموجبه لها فكل ~~PageV03P395 قضاء وحكم لها بد له من حجة يستند إليها فيحجب صاحب التفرقة ~~بتلك الحجة عن المصدر الأول الذي منه ابتداء كل شيء ويقف مع الحجة ولا ينظر ~~إلى من حكم بها وجعلها مظهرا لنفوذ حكمه وقضائه # وكذلك تعليقه الأحكام بالعلل وهي المعاني والمناسبات والحكم والمصالح ~~التي من أجلها ثبتت الأحكام وهو سبحانه واضع تلك المعاني ومضيف الأحكام ~~إليها وإنما هي في الحقيقة مضافة إليه سبحانه # وكذلك ترتيبه الانتقام على الجنايات وربطه الثواب بالطاعات كل ذلك مضاف ~~إليه سبحانه وحده لا إلى الجنايات ولا إلى الطاعات فإضافة ذلك إليها تلبيس ~~على أهل التفرقة وموضع التلبيس في ذلك كله أن أهل التفرقة يظنون أنه لولا ~~تلك الوسائط لما وجدت معرفة ولا وقعت قضية ولا كان حكم ولا ثواب ولا عقاب ~~ولا انتقام وهذا تلبيس عليهم فإن هذه الأمور إنما أوجبها محض مشيئة الله ~~الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فانطوى حكم تلك الوسائط والأسباب والعلل ~~في بساط المشيئة ms1118 الأزلية واضمحلت في عين الحكم الأزلي وصارت من جملة ~~الكائنات التي هي منفعلة لا فاعلة ومطيعة لا مطاعة ومأمورة لا آمرة وخلق من ~~خلقه لا واسطة بينه وبين خلقه فهي به لا بهم ولهذا عاذالعارفون به منه ~~وهربوا منه إليه والتجأوا منه إليه وفروا منه إليه وتوكلوا به عليه وخافوه ~~بما منه لا من غيره فشهدوا أوليته في كل شيء وتفرده في الصنع وأنه ما ثم ما ~~يوجب من الأشياء إلا مشيئته وحده فمشيئته هي السبب في الحقيقة وما يشاهد أو ~~يعلم من الأسباب فمحل ومجرى لنفوذ المشيئة لا أنه مؤثر وفاعل فالوسائط لا ~~بد أن تنتهي إلى أول لامتناع التسلسل ولهذا قال النبي فمن أعدى الأول والله ~~سبحانه قدر المقادير وكتب الآثار والأعمال والشقاء والسعادة والثواب ~~والعقاب حيث لا واسطة هناك ولا سبب PageV03P396 ولا علة فأهل التفرقة وقفوا ~~مع الوسائط وأهل الجمع نفذ بصرهم من الوسائط والأسباب إلى من أقامها وربط ~~بها أحكامها # قوله وأخفى الرضى والسخط الذين هما موضع الوصل والفصل يعني أنه سبحانه ~~أخفى عن عباده ما سبق لهم عنده من سخطه على من سخط عليه ورضاه عمن رضي عنه ~~الموجبين لوصل من وصله وقطع من قطعه # ومراده أن هذا مع السبب الصحيح في نفس الأمر وهو رضاه وسخطه وإنما لبس ~~سبحانه على أهل التفرقة الأمر بما ذكره من الجنايات والطاعات والعلل والحجج ~~ولا سبب في الحقيقة إلا رضاه وسخطه وذلك لا علة له فالرضى هو الذي أوجب ~~المثوبة لا الطاعة والسخط هو الذي أوجب العقوبة لا المعصية والمشيئة هي ~~التي أوجبت الحكم لا الوسائط فأخفى الرب سبحانه ذلك عن خلقه وأظهر لهم ~~أسبابا أخر علقوا بها الأحكام وذلك تلبيس من الحق عليهم فأهل التفرقة وقفوا ~~مع هذا التلبيس وأهل الجمع صعدوا عنه وجاوزوه إلى مصدر الأشياء كلها ~~وموجدها بمشيئته فقط # فبالغ الشيخ في ذلك حتى جعل الرضى والسخط يظهران السعادة والشقاوة ولم ~~يجعل الرضى والسخط مؤثرين فيهما وذلك لأن السعادة والشقاوة سبقت عنده سبقا ~~محضا مستندا ms1119 إلى محض المشيئة لا علة لهما والرضى والسخط أظهرا ما سبق به ~~التقدير من السعادة والشقاوة فهذا أحسن ما يقال في شرح كلامه وتقريره وحمله ~~على أحسن الوجوه وأجملها # وأما ما فيه من التوحيد وانتهاء الأمور إلى مشيئة الرب جل جلاله وأنه ما ~~شاء كان وما لم يشأ لم يكن فذلك عقد نظام الإيمان ومع ذلك فلا يكفي وحده إذ ~~غايته تحقيق توحيد الربوبية الذي لا ينكره عباد الأصنام وإنما الشأن في أمر ~~آخر وراء هذا هذا بابه والمدخل إليه والدليل عليه ومنه يوصل إليه وهو ~~التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب وعليه الثواب PageV03P397 ~~والعقاب والشرائع كلها تفاصيله وحقوقه وهو توحيد الإلهية والعبادة وهو الذي ~~لا سعادة للنفوس إلا بالقيام به علما وعملا وحالا وهو أن يكون الله وحده ~~أحب إلى العبد من كل ما سواه وأخوف عنده من كل ما سواه وأرجى له من كل ما ~~سواه فيعبده بمعاني الحب والخوف والرجاء بما يحبه هو ويرضاه وهو ما شرعه ~~على لسان رسوله لا بما يريده العبد ويهواه وتلخيص ذلك في كلمتين إياك أريد ~~بما تريد فالأولى توحيد وإخلاص والثانية اتباع للسنة وتحكيم للأمر # والمقصود أن ما أشار إليه في هذا الباب غايته تقرير توحيد الأفعال وهو ~~توحيد الربوبية # وأما جعله ما نصبه من الأسباب في خلقه وأمره وأحكامه وثوابه وعقابه ~~تلبيسا فتلبيس من النفس عليه وليس ذلك عند العارفين بالله ورسله وأسمائه ~~وصفاته من التلبيس في شيء وإنما ذلك مظهر أسمائه وصفاته وحكمته ونعمته ~~وقدرته وعزته إذ ظهور هذه الصفات والأسماء تستلزم محال وتعلقات تتعلق بها ~~ويظهر فيها آثارها وهذا أمر ضروري للصفات والأسماء إذ العلم لا بد له من ~~معلوم وصفة الخالقية والرازقية تستلزم وجود مخلوق ومرزوق وكذلك صفة الرحمة ~~والإحسان والحلم والعفو والمغفرة والتجاوز تستلزم فكيف يكون تعليق الأحكام ~~والثواب والعقاب بها تلبيسا وهل ذلك محال تتعلق بها ويظهر فيها آثارها ~~فالأسباب والوسائط مظهر الخلق والأمر إلا حكمة بالغة باهرة وآيات ظاهرة ~~وشواهد ناطقة بربوبية ms1120 منشئها وكماله وثبوت أسمائه وصفاته فإن الكون كما هو ~~محل الخلق والأمر ومظهر الأسماء PageV03P398 والصفات فهو بجميع ما فيه ~~شواهد وأدلة وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها والاستدلال بها ~~على وجود الخالق والاعتبار بما تضمنته من الحكم والمصالح والمنافع على علمه ~~وحكمته ورحمته وإحسانه وبما تضمنته من العقوبات على عدله وأنه يغضب ويسخط ~~ويكره ويمقت وبما تضمنته من المثوبات والإكرام على أنه يحب ويرضى ويفرح ~~فالكون بجملة ما فيه آيات وشواهد وأدلة لم يخلق الله فيهشيئا تلبيسا ولا ~~وسطه عبثا ولا خلقه سدى # فالأسباب والوسائط والعلل محل استذكار المتفكرين واعتبار الناظرين ومعارف ~~المستدلين @QB@ إن في ذلك لآيات للمتوسمين @QE@ وكم في القرآن من الحث على ~~النظر والاعتبار بها والتفكر فيها وذم من أعرض عنها والإخبار بأن النظر ~~فيها والاستدلال يوجب العلم والمعرفة بصدق رسله فهو آيات كونية مشاهدة تصدق ~~الآيات القرآنية # فما علق بها آثارها سدى ولا رتب عليها مقتضياتها وأحكامها باطلا ولا جعل ~~توسيطها تلبيسا ألبتة بل ذلك موجب كماله وكمال نعوته وصفاته وبها عرفت ~~ربوبيته وإلهيته وملكه وصفاته وأسماؤه # هذا ولم يخلقها سبحانه عن حاجة منه إليها ولا توقفا لكماله المقدس عليها ~~فلم يتكثر بها من قلة ولم يتعزز بها من ذلة بل اقتضى كماله أن يفعل ما يشاء ~~ويأمر ويتصرف ويدبر كما يشاء وأن يحمد ويعرف ويذكر ويعبد ويعرف الخلق صفات ~~كماله ونعوت جلاله ولذلك خلق خلقا يعصونه ويخالفون أمره لتعرف ملائكته ~~وأنبياؤه ورسله وأولياؤه كمال مغفرته وعفوه وحلمه وإمهاله ثم أقبل بقلوب من ~~شاء منهم إليه فظهر كرمه في قبول توبته وبره PageV03P399 ولطفه في العود ~~عليه بعد الإعراض عنه كما قال النبي لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم ~~يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم فلمن كانت تكون مغفرته لو لم يخلق الأسباب ~~التي يعفو عنها ويغفرها والعبد الذي له يغفر فخلق العبد المغفور له وتقدير ~~الذنب الذي يغفر والتوبة التي يغفر بها هو نفس مقتضى العزة والحكمة وموجب ~~الأسماء الحسنى والصفات العلا ليس من ms1121 التلبيس في شيء فتعليق الكوائن ~~بالأسباب كتعليق الثواب والعقاب بالأسباب ولهذا سوى صاحب المنازل بين ~~الأمرين وهو محض الحكمة وموجب الكمال الإلهي ومقتضى الحمد التام ومظهر صفة ~~العزة والقدرة والملك والشرائع كلها من أولها إلى آخرها مبنية على تعليق ~~الأحكام بالعلل والقضايا بالحجج والثواب بالطاعة والعقوبات بالجرائم فهل ~~يقال إن الشرائع كلها تلبيس بأي معنى فسر التلبيس # ولعمر الله لقد كان في غنية عن هذا الباب وعن هذه التسمية ولقد أفسد ~~الكتاب بذلك # هذا ولا يجهل محل الرجل من العلم والسنة وطريق السلوك وآفته وعلله ولكن ~~قصده تجريد توحيد الأفعال والربوبية قاده إلى ذلك وانضم إليه اعتقاده أن ~~الفناء في هذا التوحيد هو غاية السلوك ونهاية العارفين وساعده اعتقاد كثير ~~من المنتسبين إلى السنة الرادين على القدرية في الأسباب أنها لا تأثير لها ~~البتة ولا فيها قوى ولا يفعل الله شيئا بشيء ولا شيئا لشيء فينكرون أن يكون ~~في أفعاله باء سببية أو لام تعليل وما جاء من ذلك حملوا الباء فيه على باء ~~المصاحبة واللام فيه على لام العاقبة وقالوا يفعل الله الإحراق والإغراق ~~والإزهاق عند ملاقاة النار والماء والحديد لا بهما ولا بقوى فيهما ولا فرق ~~في نفس PageV03P400 الأمر بين النار وبين الهواء والتراب والخشب وانضم إلى ~~ذلك أن العبد ليس بفاعل أصلا وإنما هو منفعل محض ومحل جريان تصاريف الأحكام ~~عليه وأن الفاعل فيه سواه والمحرك له غيره وإذا قيل إنه فاعل أو متحرك فهو ~~تلبيس # فهذه الأصول أوجبت هذا التلبيس على نفاة الحكم والأسباب وقابلهم آخرون ~~فمزقوا لحومهم كل ممزق وفروا أديمهم وقالوا عطلتم الشرائع والثواب والعقاب ~~وأبطلتم حقيقة الأمر والنهي فإن مبنى ذلك على أن العباد فاعلون حقيقة وأن ~~أفعالهم منسوبة إليهم على الحقيقة وأن قدرهم وإرادتهم ودواعيهم مؤثرة في ~~أفعالهم وأفعالهم واقعة بحسب دواعيهم وإرادتهم على ذلك قامت الشرائع ~~والنبوات والثواب والعقاب والحدود والزواجر فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~والحيوان وسويتم بين ما فرق الله بينه فإن الله سبحانه ما سوى بين حركة ms1122 ~~المختار وحركة من تحرك قسرا بغير إرادة منه أبدا ولا سوى بين حركات الأشجار ~~وحركات بني آدم ولا جعل الله سبحانه أفعال عباده وطاعتهم ومعاصيهم أفعالا ~~له بل نسبها إليهم حقيقة وأخبر أنه هو الذي جعلهم فاعلين كما قال تعالى ~~وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون وقال وقال ~~@QB@ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار @QE@ وقال سادات العارفين به @QB@ ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك @QE@ وقال إبراهيم خليله @QB@ رب اجعلني مقيم الصلاة ~~@QE@ فهو الذي جعل العبد كذلك والعبد هو الذي صلى وصام وأسلم وهو الفاعل ~~حقيقة يجعل الله له فاعلا وهو السائر بتيسير الله له كما قال تعالى @QB@ هو ~~الذي يسيركم في البر والبحر @QE@ فهذا فعله والسير فعلهم والإقامة فعله ~~والقيام فعلهم والإنطاق فعله والنطق فعلهم فكيف تجعل نسبة الأفعال إلى ~~محالها القائمة بها وأسبابها المظهرة لها تلبيسا PageV03P401 # ومعلوم أن طي بساط الأسباب والعلل تعطيل للأمر والنهي والشرائع والحكم ~~وأما الوقوف مع الأسباب واعتقاد تأثيرها فلا نعلم من أتباع الرسل من قال ~~إنها مستقلة بأنفسها حتى يحتاج إلى نفي هذا المذهب وإنما قالت طائفة من ~~الناس وهم القدرية إن أفعال الحيوان خاصة غير مخلوقة لله ولا واقعة بمشيئة ~~وهؤلاء هم الذين أطبق الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على دمهم وتبديعهم ~~وتضليلهم وبين أئمة السنة أنهم أشباه المجوس وأنهم مخالفون العقول والفطر ~~ونصوص الوحي فالتلبيس في الحقيقة حصل لهؤلاء ولمنكري الأسباب في القوى ~~والطبائع والحكم ولبس على الفريقين الحق بالباطل # والحق الذي بعث به الله رسله وأنزل به كتبه وفطر عليه عباده وأودعه في ~~عقولهم بين مذهب هؤلاء وهؤلاء فالهدى بين الضلالتين والاستقامة بين ~~الانحرافين # والمقصود أن القرآن بل وسائر كتب الله تضمنت تعليق الكوائن بالأسباب ~~والأماكن والأحايين وتعليق المعارف بالوسائط والقضايا بالحجج والأحكام ~~بالعلل والانتقام بالجنايات والمثوبات بالطاعات فإن كان هذا تلبيسا عاد ~~الوحي والشرع والكتب الإلهية تلبيسا # نعم التلبيس على من ظن أن ذلك التعليق على وجه الاستقلال بقطع النظر عن ~~مسبب الأسباب وناصبه الحكم والعلل فإن كان مراده أنه لبس ms1123 الأمر على هؤلاء ~~فلم يهتدوا إلى الصواب فأبعد الله من ينتصر لهم ويذب عنهم فإنهم أضل من ~~الأنعام وإن كان المراد من أثبت الأسباب والحكم والعلل وعلق بها ما علقه ~~الله بها من الحكم والشرع وأنزلها بالمحل الذي أنزلها الله به ووضعها حيث ~~وضعها فقد لبس عليه فنحن ندين الله بذلك وإن سمي تلبيسا كما ندين بإثبات ~~القدر وإن سمي جبرا وندين بإثبات الصفات وحقائق الأسماء وإن سمي تجسيما ~~وندين بإثبات علو الله على عرشه فوق سماواته وإن سمي تحيزا PageV03P402 ~~أوجهه وندين بإثبات وجهه الأعلى ويديه المبسوطتين وإن سمي تركيبا وندين بحب ~~أصحاب رسول الله وإن سمي نصبا وندين بأنه مكلم متكلم حقيقة كلاما يسمعه من ~~خاطبه وأنه يرى بالابصار عيانا حقيقة يوم لقائه وإن سمي ذلك تشبيها # ويالله العجب أليست الكوائن كلها متعلقة بالأسباب أوليس الرب تعالى كل ~~وقت يسوق المقادير إلى المواقيت التي وقتها لها ويظهرها بأسبابها التي ~~سببها لها ويخصها بمحالها من الأعيان والأمكنة والأزمنة التي عينها لها ~~أوليس قد قدر الله المقادير وسبب الأسباب التي تظهر بها ووقت المواقيت التي ~~تنتهي إليها ونصب العلل التي توجد لأجلها وجعل للأسباب أسبابا أخر تعارضها ~~وتدافعها فهذه تقتضي آثارها وهذه تمنعها اقتضاءها وتطلب ضد ما تطلبه تلك # أوليس قد رتب الخلق والأمر على ذلك وجعله محل الامتحان والابتلاء ~~والعبودية أوليس عمارة الدارين أعني الجنة والنار بالأسباب والعلل والحكم ~~ولا حاجة بنا أن نقول وهو الذي خلق الأسباب ونصب العلل فإن ذكر هذا من باب ~~بيان الواضحات التي لا يجهلها إلا أجهل خلق الله تعالى وأقلهم نصيبا من ~~الإيمان والمعرفة # أوليس القرآن من أوله إلى آخره قد علقت أخباره وقصصه عن الأنبياء وأممهم ~~وأوامره ونواهيه وزواجره وثوابه وعقابه بالأسباب والحكم والعلل وعلقت فيه ~~المعارف بالوسائط والقضايا بالحجج والعقوبات والمثوبات بالجنايات والطاعات # أوليس ذلك مقتضى الرسالة وموجب الملك الحق والحكمة البالغة # نعم مرجع ذلك كله إلى المشيئة الإلهية المقرونة بالحكمة والرحمة والعدل ~~والمصلحة والإحسان ووضع الأشياء في مواضعها وتنزيلها في منازلها ms1124 وهو ~~PageV03P403 سبحانه الذي جعل لها تلك المواضع والمنازل والصفات والمقادير ~~فلا تلبيس هناك بوجه ما وإنما التلبيس في إخراج الأسباب عن مواضعها ~~وموضوعها وإلغائها أو في إنزالها غير منزلتها والغيبة بها عن مسببها ~~وواضعها وبالله التوفيق # | فصل قال والتلبيس الثاني تلبيس أهل الغيرة على الأوقات بإخفائها # وعلى الكرامات بكتمانها # إطلاق التلبيس على هذه الدرجة أولى من إطلاقه على الدرجة الأولى فإن ~~التلبيس في هذه الدرجة راجع إلى فعل العبد وفي الأولى إلى فعل الرب ولهذا ~~لما كان تسمية الدرجة الأولى تلبيسا شنيعا جدا وطأله بذكر قوله تعالى @QB@ ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون @QE@ أي لا ستوحش من إطلاق ذلك على الله فإنه قد ~~أطلقه على نفسه وقد عرفت ما فيه # والمقصود أن العبد يقوي إخلاصه لله وصدقه ومعاملته حتى لا يحب أن يطلع ~~أحد من الخلق على حاله مع الله ومقامه معه فهو يخفي أحواله غيرة عليها من ~~أن تشوبها شائبة الأغيار ويخفي أنفاسه خوفا عليها من المداخلة وكان بعضهم ~~إذا غلبه البكاء وعجز عن دفعه قال لا إله إلا الله ما أمر الزكام فالصادق ~~إذا غلب عليه الوجد والحال وهاج من قلبه لواعج الشوق أخلد إلى السكون ما ~~أمكنه فإن غلب أظهر ألما ووجعا يستر به حاله مع الله كما أظهر إبراهيم ~~الخليل لقومه أنه سقيم حين أراد أن يفارقهم ويرجع بذلك الوارد وتلك الحال ~~إلى الآلهة الباطلة فيجعلها جذاذا # فالصادقون يعلمون في كتمان المعاني واجتناب الدعاوي فظواهرهم ظواهر الناس ~~وقلوبهم مع الحق تعالى لا تلتفت عنه يمنة ولا يسرة فهم في واد والناس في ~~واد PageV03P404 # فقوله تلبيس أهل الغيرة على الأوقات بإخفائها يعني أنهم يغارون على ~~الأوقات التي عمرت لهم بالله وصفت لهم أن يظهروها للناس وإن اطلع غيرهم ~~عليها من غير قصدهم لكشفها وإظهارها لم يقدح ذلك في طريقهم فلا يفزعون إلى ~~الجحد والإنكار وشكاية الحال بل يسعهم الإمساك عن الإظهار والجحد # قوله وعلى الكرامات بكتمانها يعني أنهم يغارون على كراماتهم أن يعلم بها ~~الناس فهم يخفونها أبدا غيرة ms1125 عليها إلا إذا كان في إظهارها مصلحة راجحة من ~~حجة أو حاجة فلا يظهرونها إلا لحجة على مبطل أو حاجة تقتضي إظهارها # قوله والتلبيس بالمكاسب والأسباب وتعليق الظواهر بالشواهد والمكاسب تلبيس ~~على العيون الكليلة والعقول العليلة يعني أن التلبيس المذكور إنما يكون على ~~العيون الكليلة أي أهل الإحساس الضعيف والعقول العليلة هي المنحرفة التي لا ~~تدرك الحق لمرض بها # قوله مع تصحيح التحقيق عقدا وسلوكا ومعاينة يعني أن هذه الطائفة يلبسون ~~على أهل العيون الكليلة أحوالهم وكراماتهم بسترهم لها عنهم مع كونهم قائمين ~~بالتحقيق اعتقادا وسلوكا ومعاينة فهم معتقدون للحق سالكون الطريق الموصلة ~~إلى المقصود أهل مراقبة وشهود # قوله وهذه الطائفة رحمة من الله على أهل التفرقة والاسباب في ملابستهم # وإنما كانوا رحمة من الله عليهم من وجهين أحدهما أنهم ذاكرون الله بين ~~الغافلين وفي وسطهم يرحمهم الله بهم فإنهم القوم لا يشقى بهم جليسهم الثاني ~~أنهم لا يتركونهم في غفلاتهم بل يقومون فيهم بالنصيحة لهم والأمر لهم ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة لهم إلى الله فيرحمون بهم وينالون بهم ~~سعادة الدنيا والآخرة فهم يتصرفون مع الخلق بحكم العلم والشرع وأحوالهم ~~ومقاماتهم بينهم وبين الله خاصة PageV03P405 # قوله التلبيس الثالث تلبيس أهل التمكين على العالم ترحما عليهم بملابسة ~~الأسباب وتوسعا على العالم لا على أهل الإيمان وهذه درجة الأنبياء ثم هي ~~للأئمة الربانيين الصادرين عن وادي الجمع المشيرين عن عينه # هذا أيضا من النمط الأول مما ينكر لفظه وإطلاقه غاية الإنكار ويجب على ~~أهل الإيمان محو هذا اللفظ القبيح وإطلاقه في حق الأنبياء وكيف تتسع مسامع ~~المؤمن ليسمع أن الأنبياء لبسوا على الناس بأي اعتبار كان سبحانك هذا بهتان ~~عظيم بل الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كشفوا عن الناس التلبيس الذي لبسوه ~~على أنفسهم ولبسه عليهم طواغيتهم فجاءوا بالبيان والبرهان وشياطينهم # وكان الناس في لبس عظيم % فجاءوا بالبيان فأظهروه # وكان الناس في جهل عظيم % فجاءوا باليقين فأذهبوه # وكان الناس في كفر عظيم % فجاءوا بالرشاد فأبطلوه # والمصنف من أثبت الناس قدما في ms1126 مقام الإيمان بالرسل وتعظيمهم وتعظيم ما ~~جاءوا به ولكن لبس عليه في ذلك ما لبس على غيره والله يغفر لنا وله ويجمع ~~بيننا وبينه في دار كرامته وقد صرح بأن أهل التمكين هم الأنبياء والأئمة ~~بعدهم وجعل هذه الدرجة من التلبيس لهم ثم فسرها بأنها تلبيس ترحم وتوسيع ~~على العالم ومقصوده أنهم يأمرونهم بتعاطي الأسباب رحمة لهم وتوسيعا عليهم ~~مع علمهم بأنها لا أثر لها في خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضر ولا عطاء ولا منع ~~بل الله وحده هو الخالق الرازق الضار النافع المعطي المانع لكن لما علموا ~~عجز الناس عن إدراك ذلك والتحقق به لبسوا عليهم وستروهم بالأسباب رحمة بهم ~~وتوسيعا عليهم PageV03P406 # فهذه الدرجة تتضمن الرجوع إلى الأسباب رحمة وتوسيعا مع الانقطاع عن ~~الالتفات إليها والوقوف معها تجريدا وتوحيدا # قوله لا لأنفسهم يعني أنه أمرهم بالأسباب إحسانا إليهم وتوسيعا عليهم لا ~~لحظ الآمر وجر النفع إلى نفسه بل لقصد الإحسان إلى الخلق وحصول النفع لهم ~~وهذا قريب مع أن فيه ما فيه لمن تأمله فإن من أمر غيره بمصلحة وقصد نفعه ~~فبنفسه يبدأ ولها ينفع أولا ومصلحتها لا بد أن تكون قد حصلت قبل مصلحة ~~المأمور والإحسان إلى نفسه قصد بإحسانه إلى غيره فإنه عبد فقير محتاج والله ~~وحده هو الغني بذاته الذي يحسن إلى خلقه لا لأجل معاوضة منهم وأما المخلوق ~~فإنه يريد العوض لكن الأعواض تتفاوت ومن يطلب منه العوض يختلف # والمقصود أن قوله لا لأنفسهم ليس على إطلاقه وفي أثر إلهي ابن آدم كل ~~يريدك لنفسه وأنا أريدك لك # قوله ثم هي للأئمة الربانيين الصادرين عن وادي الجمع يعني الذي فنوا في ~~الجمع ثم حصلوا في البقاء بعد الفناء فذلك صدورهم عن وادي الجمع # قوله المشيرين عن عينه يعني الذين إذا أشاروا أشاروا عن عين لا عن علم ~~فإن الإشارة تختلف باختلاف مصدرها فإشارة عن علم وإشارة عن كشف وإشارة عن ~~شهود وإشارة عن عين # | فصل قد عرفت أن هذا الباب مبناه على محو ms1127 الأسباب وعدم الالتفات # إليها والوقوف معها ولهذا سمى المصنف نصبها تلبيسا # ونحن نقول إن الدين هو إثبات الأسباب والوقوف معها والنظر إليها ~~والالتفات إليها وإنه لا دين إلا بذلك كما لا حقيقة إلا به فالحقيقة ~~والشريعة PageV03P407 مبناهما على إثباتها لا على محوها ولا ننكر الوقوف ~~معها فإن الوقوف معها فرض على كل مسلم لا يتم إسلامه وإيمانه إلا بذلك ~~والله تعالى أمرنا بالوقوف معها بمعنى أنا نثبت الحكم إذا وجدت وننفيه إذا ~~عدمت ونستدل بها على حكمه الكوني فوقوفنا معها بهذا الاعتبار هو مقتضى ~~الحقيقة والشريعة وهل يمكن حيوانا أن يعيش في هذه الدنيا إلا بوقوفه مع ~~الأسباب فينتجع مساقط غيثها ومواقع قطرها ويرعى في خصبها دون جدبها ~~ويسالمها ولا يحار بها فكيف وتنفسه في الهواء بها وتحركه بها وسمعه وبصره ~~بها وغذاؤه بها ودواؤه بها وهداه بها وسعادته وفلاحه بها وضلاله وشقاؤه ~~بالاعراض عنها وإلغائها فأسعد الناس في الدارين أقومهم بالأسباب الموصلة ~~إلى مصالحهما وأشقاهم في الدارين أشدهم تعطيلا لأسبابهما فالأسباب محل ~~الأمر والنهي والثواب والعقاب والنجاح والخسران # وبالأسباب عرف الله وبها عبد الله وبها أطيع الله وبها تقرب إليه ~~المتقربون وبها نال أولياؤه رضاه وجواره في جنته وبها نصر حزبه ودينه ~~وأقاموا دعوته وبها أرسل رسله وشرع شرائعه وبها انقسم الناس إلى سعيد وشقي ~~ومهتد وغوي فالوقوف معها والالتفات إليها والنظر إليها هو الواجب شرعا كما ~~هو الواقع قدرا ولا تكن ممن غلظ حجابه وكثف طبعه فيقول لا نقف معها وقوف من ~~يعتقد أنها مستقلة بالإحداث والتأثير وأنها أرباب من دون الله فإن وجدت ~~أحدا يزعم ذلك ويظن أنها أرباب وآلهة مع الله مستقلة بالإيجاد أو إنها عون ~~لله يحتاج في فعله إليها أو إنها شركاء له فشأنك به فمزق أديمه وتقرب إلى ~~الله بعداوته ما استطعت وإلا فما هذا النفي لما أثبته الله والإلغاء لما ~~اعتبره والإهدار لما حققه والحط والوضع لما نصبه والمحو لما كتبه والعزل ~~لما ولاه فإن زعمت أنك تعزلها عن رتبة الإلهية فسبحان ms1128 الله من ولاها هذه ~~الرتبة حتى تجعل سعيك في عزلها عنها PageV03P408 # والله ما أجهل كثيرا من أهل الكلام والتصوف حيث لم يكن عندهم تحقيق ~~التوحيد إلا بإلغائها ومحوها وإهدارها بالكلية وأنه لم يجعل الله في ~~المخلوقات قوى ولا طبائع ولا غرائز لها تأثير موجبة ما ولا في النار حرارة ~~ولا إحراق ولا في الدواء قوة مذهبة للداء ولا في الخبز قوة مشبعة ولا في ~~الماء قوة مروية ولا في العين قوة باصرة ولا في الأنف قوة شامة ولا في السم ~~قوة قاتلة ولا في الحديد قوة قاطعة وإن الله لم يفعل شيئا بشيء ولا فعل ~~شيئا لأجل شيء # فهذا غاية توحيدهم الذي يحومون حوله ويبالغون في تقريره # فلعمر الله لقد أضحكوا عليهم العقلاء وأشمتوا بهم الأعداء ونهجوا لأعداء ~~الرسل طريق إساءة الظن بهم وجنوا على الإسلام والقرآن أعظم جناية وقالوا ~~نحن أنصار الله ورسوله الموكلون بكسر أعداء الإسلام وأعداء الرسل ولعمر ~~الله لقد كسروا الدين وسلطوا عليه المبطلين وقد قيل إياك ومصاحبة الجاهل ~~فإنه يريد أن ينفعك فيضرك # فقف مع الأسباب حيث أمرت بالوقوف معها وفارقها حيث أمرت بمفارقتها كما ~~فارقها الخليل وهو في تلك السفرة من المنجنيق حيث عرض له جبريل أقوى ~~الأسباب فقال ألك حاجة فقال أما إليك فلا # ودر معها حيث دارت ناظرا إلى من أزمتها بيديه والتفت إليها التفات العبد ~~المأمور إلى تنفيذ ما أمر به والتحديق نحوه وارعها حق رعايتها ولا تغب عنها ~~ولا تفن عنها بل انظر إليها وهي في رتبها التي أنزلها الله إياها واعلم أن ~~غيبتك بمسببها عنها نقص في عبوديتك بل الكمال أن تشهد المعبود وتشهد قيامك ~~بعبوديته وتشهد أن قيامك به لا بك ومنه لا منك وبحوله وقوته PageV03P409 لا ~~بحولك وقوتك ومتى خرجت عن ذلك وقعت في انحرافين لا بد لك من أحدهما إما أن ~~تغيب بها عن المقصود لذاته لضعف نظرك وغفلتك وقصور علمك ومعرفتك وإما أن ~~تغيب بالمقصود عنها بحيث لا تلتفت إليها # والكمال أن يسلمك الله من ms1129 الانحرافين فتبقى عبدا ملاحظا للعبودية ناظرا ~~إلى المعبود والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله # | فصل قال شيخ الإسلام باب الوجود أطلق الله سبحانه في القرآن اسم # الوجود على نفسه صريحا في مواضع فقال تعالى @QB@ يجد الله غفورا رحيما ~~@QE@ @QB@ لوجدوا الله توابا رحيما @QE@ @QB@ ووجد الله عنده @QE@ الوجود ~~الظفر بحقيقة الشيء وهو اسم لثلاثة معان أولها وجود علم لدني يقطع علوم ~~الشواهد في صحة مكاشفة الحق إياك والثاني وجود الحق وجود عين منقطعا عن ~~مساغ الإشارة والثالث وجود مقام اضمحلال رسم الوجود فيه بالاستغراق في ~~الأولية # هذا الباب هو العلم الذي شمر إليه القوم والغاية التي قصدوها ولا ريب ~~أنهم قصدوا معنى صحيحا وعبروا عنه بالوجود واستدلوا عليه بهذه الآيات ~~ونظيرها ولكن ليس مقصودهم ما تضمنه الوجدان في هذه الآيات فإنه وجدان ~~المطلوب تعلق باسم أو صفة قال الله تعالى @QB@ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ~~جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما @QE@ ~~فهذا وجود مقيد بظفرهم بمغفرة الله ورحمته لهم وكذلك قوله تعالى @QB@ ومن ~~يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما @QE@ ومعناه ~~أنه يجد ما ظنه من مغفرة الله له حاصلة وكذلك @QB@ ووجد الله عنده فوفاه ~~حسابه @QE@ فهذا وجدان PageV03P410 الكافر لربه عند حسابه له على أعماله ~~وليس هذا هو الوجود الذي يشير القوم إليه بل منه الأثر المعروف ابن آدم ~~اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من ~~كل شيء ومنه الحديث أنا عند ظن عبدي بي \ ح \ ومنه الأثر الإسرائيلي أن ~~موسى قال يا رب أين أجدك قال عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ومنه الحديث ~~الصحيح إن الله تعالى يقول يوم القيامة عبدي استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب ~~كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال استطعمك عبدي فلان فلم تطمعه أما لو أطقمته ~~لوجدت ذلك عندي عبدي استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب ~~العالمين قال استسقاك عبدي ms1130 فلان فلم تسقه أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي عبدي ~~مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال مرض عبدي فلان ~~فلم تعده أما لو عدته لوجدتني عنده # فتأمل قوله في الإطعام والإسقاء لوجدت ذلك عندي وقوله في العيادة لوجدتني ~~عنده ولم يقل لوجدت ذلك عندي إيذانا بقربه من المريض وأنه عنده لذله وخضوعه ~~وانكسار قلبه وافتقاره إلى ربه فأوجب ذلك وجود الله عنده هذا وهو فوق ~~سمواته مستو على عرشه بائن من خلقه وهو عند عبده فوجود العبد ربه ظفره ~~بالوصول إليه # والناس ثلاثة سالك وواصل وواجد # فإن قلت اضرب لي مثلا أفهم به معنى الوصول في هذا الباب والوجود # قلت إذا بلغك أن بمكان كذا وكذا كنزا عظيما من ظفر به أو بشيء منه استغنى ~~غنى الدهر وترحل عنه العدم والفقر فتحركت نفسه للسير إليه فأخذ في التأهب ~~للمسير فلما جد به السير انتهى إلى الكنز ووصل إليه ولكن PageV03P411 لم ~~يظفر بتحويله إلى داره وحصوله عنده بعد فهو واصل غير واجد والذي في الطريق ~~سالك والقاعد عن الطلب منقطع وآخذ الكنز بحيث حصل عنده وصار في داره واجد ~~فهذا المعنى حوله حام القوم وعليه دارت إشاراتهم فعندهم التواجد بداية ~~والواجد واسطة والوجود نهاية # ومعنى ذلك أنه في الابتداء يتكلف التواجد فيقوى عليه حتى يصير واجدا ثم ~~يستغرق في وجده حتى يصل إلى موجوده # ويستشكل قول أبي الحسن النوري أنا منذ عشرين سنة بين الوجد والفقد إذا ~~وجدت ربي فقدت قلبي وإذا وجدت قلبي فقدت ربي ومعنى هذا أن الوجود الصحيح ~~يغيب الواجد عنه ويجرده منه فيفنى بموجوده عن وجوده وبمشهوده عن شهوده فإذا ~~وجد الحقيقة غاب عن قلبه وعن صفاته وإذا غابت عنه الحقيقة بقي مع صفاته وفي ~~هذا المعنى قيل # وجودي أن أغيب عن الوجود % بما يبدو علي من الشهود # وما في الوجد موجود ولكن % فخرت بوجد موجود الوجود # وقد مثل التواجد والوجد والوجود بمشاهدة البحر وركوبه والغرق فيه فقيل ~~التواجد يوجب استيعاب ms1131 العبد والوجد يوجب استغراق العبد والوجود يوجب ~~استهلاك العبد وهذه عبارات واستعارات للمراتب الثلاثة وهي البداية والتوسط ~~والنهاية والسلوك والوصول عندهم قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود ~~فيقصد أولا ثم يرد ثم يشهد ثم يجد ثم تخمد نفسه وتذهب بالكلية # والوجد ما يرد على الناظر من الله تعالى يكسبه فرحا أو حزنا وهي فرحة ~~يجدها المغلوب عليه بصفات شريفة ينظر إلى الله منها والتواجد استجلاب الوجد ~~بالتذكر والتفكير لا تساع فرجة الوجد بالخروج إلى فضاء الوجدان فلا وجد ~~عندهم مع الوجدان كما لا خبر مع العيان والوجد عرضة للزوال والوجود ثابت ~~ثبوت الجبال وقد قيل PageV03P412 # قد كان يطربني وجدي فأقعدني % عن رؤية الوجد من بالوجد موجود # والوجد يطرب من في الوجد راحته % والوجد عند حضور الحق مقصود # فالتواجد استدعاء الوجد بنوع اختيار وتكلف وليس لصاحبه كمال الوجد إذ لو ~~كان له ذلك لكان وجدا وباب التفاعل ينبني على ذلك فإن مبناه على إظهار ~~الصفة وليست كذلك كما قال إذا تخازرت وما بي من خزر # وقد اختلف الناس في التواجد هل يسلم لصاحبه على قولين فقالت طائفة لا ~~يسلم لصاحبه لما فيه من التكلف وإظهار ما ليس عنده وقوم قالوا يسلم للصادق ~~الذي يرصد لوجدان المعاني الصحيحة كما قال النبي ابكوا فإن لم تبكوا ~~فتباكوا # والتحقيق أن صاحب التواجد إن تكلفه لحظ وشهوة ونفس لم يسلم له وإن تكلفه ~~لاستجلاب حال أو مقام مع الله سلم له وهذا يعرف من حال المتواجد وشواهد ~~صدقه وإخلاصه # | فصل وقد تكلم في الوجود الفلاسفة والمتكلمون والاتحادية بما هو # أبعد شيء عن الصواب هل وجود الشيء عين ماهيته أو غير ماهيته أو وجود ~~القديم نفس ماهيته أو وجود الحادث زائد على ماهيته # وكل هذه الأقوال خطأ وأصحابها كخابط عشواء # والتحقيق أن الوجود والماهية إن أخذا ذهنيين فالوجود الذهني عين الماهية ~~الذهنية وكذلك إن أخذا خارجيين اتحدا أيضا فليس في الخارج وجود زائد على ~~الماهية الخارجية بحيث يكون كالثوب المشتمل على البدن هذا ms1132 PageV03P413 خيال ~~محض وكذلك حصول الماهية في الذهن هو عين وجودها فليس في الذهن ماهية ووجود ~~متغايرين بل إن أخذ أحدهما ذهنيا والآخر خارجيا فأحدهما غير الآخر وليس ~~المقصود بحث هذه المسألة فإنها بعيدة عما نحن فيه وهي من وظائف أرباب الجدل ~~والكلام والفلسفة لا من وظائف أرباب القلوب والمعاملات فهؤلاء هممهم في أن ~~يجدوا مطلوبهم ويظفروا به وأولئك شاكون في وجوده هل هو عين ماهيته أو زائد ~~على ماهيته وهل هو وجود مجرد مطلق لا يضاف إليه وصف ولا اسم أم وجود خاص ~~تضاف إليه الصفات والأسماء فهؤلاء في واد وهؤلاء في واد # وأعظم الخلق كفرا وضلالا من زعم أن ربه نفس وجود هذه الموجودات وأن عين ~~وجوده فاض عليها فاكتست عين وجوده فاتخذ حجابا من أعيانها واكتست جلبابا من ~~وجوده ولبس عليهم ما لبسوه على ضعفاء العقول والبصائر من عدم التفريق بين ~~وجود الحق سبحانه وإيجاده وأن إيجاده هو الذي فاض عليها وهو الذي اكتسته ~~وأما وجوده فمختص به لا يشاركه فيه غيره كما هو مختص بماهيته وصفاته فهو ~~بائن عن خلقه والخلق بائنون عنه فوجود ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن ~~حاصل بايجاده له فهو الذي أعطى كل شيء خلقه ووجوده المختص به وبان بذاته ~~وصفاته ووجوده عن خلقه # | فصل قوله الوجود اسم للظفر بحقيقة الشيء هذا الوجود الذي هو مصدر # وجد الشيء يجده وجودا ووجد ضالته وجدانا وفي الصحاح أوجده الله مطلوبه أي ~~أظفره به وأوجده أي أغناه أي جعله ذا جدة قال الله تعالى @QB@ أسكنوهن من ~~حيث سكنتم من وجدكم @QE@ ويقال وجد فلان وجدا ووجدا بضم الواو وفتحها ~~وكسرها إذا صار ذا جدة وثروة ووجد الشيء فهو موجود وأوجده الله ويقال وجد ~~الله الشيء كذا وكذا على غير معنى PageV03P414 أوجده كما قال تعالى @QB@ ~~وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين @QE@ فالله سبحانه ~~أوجده على علمه بأن يكون على صفة ثم وجده بعد إيجاده على تلك الصفة التي ~~علم أن سيكون عليها # وأما ms1133 الواجد في أسمائه سبحانه فهو بمعنى ذو الوجد والغنى وهو ضد الفاقد ~~وهو كالموسع ذي السعة قال تعالى @QB@ والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ~~@QE@ أي ذوو سعة وقدرة وملك كما قال تعالى ومنعوهن على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره ودخل في أسمائه سبحانه الواجد دون الموجد فإن الموجد صفة فعل ~~وهو معطي الوجود كالمحيي معطي الحياة وهذا الفعل لم يجيء إطلاقه في أفعال ~~الله في الكتاب ولا في السنة فلا يعرف إطلاق أوجد الله كذا وكذا وإنما الذي ~~جاء خلقه وبرأه وصوره وأعطاه خلقه ونحو ذلك فلما لم يكن يستعمل فعله لم ~~يجيء اسم الفاعل منه في أسمائه الحسنى فإن الفعل أوسع من الاسم ولهذا أطلق ~~الله على نفسه أفعالا لم يتسم منها بأسماء الفاعل كأراد وشاء وأحدث ولم يسم ~~بالمريد والشائي والمحدث كما لم يسم نفسه بالصانع والفاعل والمتقن وغير ذلك ~~من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء # وقد أخطأ أقبح خطأ من اشتق له من كل فعل اسما وبلغ باسمائه زيادة على ~~الألف فسماه الماكر والمخادع والفاتن والكائد ونحو ذلك وكذلك باب الإخبار ~~عنه بالاسم أوسع من تسميته به فإنه يخبر عنه بأنه شيء وموجود ومذكور ومعلوم ~~ومراد ولا يسمى بذلك # فأما الواجد فلم تجيء تسميته به إلا في حديث تعداد الاسماء الحسنى ~~والصحيح أنه ليس من كلام النبي ومعناه صحيح فإنه ذو الوجد والغنى فهو أولى ~~بأن يسمى به من الموجود ومن الموجد أما الموجود فإنه منقسم إلى كامل وناقص ~~وخير وشر وما كان مسماه PageV03P415 منقسما لم يدخل اسمه في الأسماء الحسنى ~~كالشيء والمعلوم ولذلك لم يسم بالمريد ولا بالمتكلم وإن كان له الإرادة ~~والكلام لانقسام مسمى المريد والمتكلم وأما الموجد فقد سمى نفسه بأكمل ~~أنواعه وهو الخالق البارئ المصور فالموجد كالمحدث والفاعل والصانع # وهذا من دقيق فقه الأسماء الحسنى فتأمله وبالله التوفيق # | فصل الظفر بحقيقة الشيء إن كان في باب العلم والمعرفة فهو معرفة # تجري فوق حدود العلم وإن كان للمعاين ms1134 كان معاينة وهي فوق المعرفة وإن كان ~~للطالب فهو جمعيه له بكله على مطلوبه وإن كان لصاحب الجمع كان جمعية وجودية ~~تغنيه عما سوى الله تعالى # قوله هو اسم لثلاث معان أولها وجود علم لدني يقطع علوم الشواهد العلم ~~اللدني عندهم هو المعرفة وسمي لدنيا لأنه تعريف من تعريفات الحق وارد على ~~قلب العبد يقطع الوساوس ويزيل الشكوك ويحل محل العيان فيصير لصاحبه ~~كالوجدانيات التي لا يمكن دفعها عن النفس ولذلك قال يقطع علوم الشواهد ~~فعلوم الشواهد عنده هي علوم الاستدلال وهي تنقطع بوجدان هذا العلم أي يرتقي ~~صاحبه عنها إلى ما هو أكمل منها لا أنها يبطل حكمها ويزول رسمها ولكن صاحب ~~الوجود قد ارتقى عن العلم الحاصل بالشواهد إلى العلم المدرك بالذوق والحس ~~الباطن PageV03P416 # قوله في صحة مكاشفة الحق إياك متعلق بقوله بقطع علوم الشواهد أي يقطعها ~~في كون الحق كشف لك كشفا صحيحا قطع عنك الحاجة إلى الشواهد والأدلة # قوله والثاني وجود الحق وجود عين أي وجود معانية لا وجود خبر ومراده ~~معاينة القلب له بحقيقة اليقين # قوله منقطعا عن مساغ الإشارة لما كانت الدرجة الأولى وجود علم وهذه وجود ~~عيان قام العيان فيها مقام الإشارة فأغنى عنها فإن العلم قد يكون ضروريا ~~وقد يكون نظريا والضروري أبعد عن الالتفات وعن تطرق الآفات وعدم الغفلات ~~فصاحبه يشاهد معلومه بنور البصيرة كما يشاهد المبصرات بنور البصر ولما كانت ~~مرتبة المعرفة فوق مرتبة العلم عندهم ومرتبة الشهود فوق مرتبة المعرفة ~~ومرتبة الوجود فوق مرتبة الشهود كانت العبارة في مرتبة العلم والمعرفة ~~والإشارة في مرتبة الشهود فإذا وصل إلى مرتبة الوجود انقطعت الإشارات ~~واضمحلت العبارات فإن صاحب الوجود في حضرة الوجود فماله وما للإشارة إذ ~~الإشارة في هذا الباب إنما تكون إلى غائب بوجه ما # قوله والثالث وجود مقام اضمحلال رسم الوجود فيه بالاستغراق في الأولية # هذا كلام فيه قلق وتعقيد وهو باللغز أشبه منه بالبيان # وحقيقة هذه الدرجة أنها تشغل صاحبها بموجوده عن إدراك كونه واجدا فلم تبق ~~فيه ms1135 بقية يتفطن بها لكونه مدركا لموجوده لاستيلائه على قلبه فقد قهره ومحقه ~~عن شعوره بكونه واجدا لموجوده فهو حاضر مع الحق غائب عن كل ما سواه ~~PageV03P417 # فالدرجة الأولى وجود علم والثانية وجود عيان والثالثة وجود مقام اضمحل ~~فيه ما سوى الموجود وهذا معنى اضمحلال رسم الوجود فيه ولهذا قال بالاستغراق ~~في الأولية فإنه إذا استغرق في شهود الأولية اضمحل في هذا الشهود كل حادث ~~والله أعلم # | فصل قال باب التجريد قال الله تعالى فاخلع نعليك التجريد # انخلاع عن شهود الشواهد وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى تجريد عين ~~الكشف عن كسب اليقين والدرجة الثانية تجريد عين الجمع عن درك العلم والدرجة ~~الثالثة تجريد الخلاص من شهود التجريد # وجه الإشارة بالآية وليس هو تفسيرها ولا المراد بها أن الله سبحانه أمر ~~موسى أن يخلع نعليه عند دخوله ذلك الوادي المقدس إما لتنال إخمص قدميه بركة ~~الوادي وإما لأنهما كانتا مما لا يصلح أن يباشر ذلك المكان بهما قيل إنهما ~~كانتا من جلد حمار غير مذكى وعلى كل حال فهو أمر بالتجرد من النعلين في ذلك ~~المكان وتلك الحال # وموضع الإشارة أنه أمر موسى بالتجرد من نعليه عند دخول الوادي فعلم أن ~~التجرد شرط في الدخول فيما لا يصلح الدخول فيه إلا بالتجرد # وعلى هذا فيقال لمن أراد الوصول إلى الله سبحانه وتعالى والدخول عليه ~~اخلع من قلبك ما سواه وادخل عليه وأول قدم يدخل بها في الإسلام أن يخلع ~~الأنداد والأوثان التي تعبد من دون الله ويتجرد منها فكأنه قيل له اطرح عنك ~~ما لا يكون صالحا للوطء به على هذا البساط أو لأن ذلك الوادي لما ~~PageV03P418 كان من أشرف الأودية وأطهرها ولذلك اختاره الله سبحانه على ~~غيره من الأودية لتكليم نبيه وكليمه فأمره سبحانه أن يعظم ذلك الوادي ~~بالوطء فيه حافيا كما يوطأ بساط الملك وصار ذلك سنة في بني إسرائيل في ~~مواضع صلواتهم وكنائسهم وشريعتنا جاءت بخلاف ذلك فصلى النبي في النعلين ~~وأمر أصحابه أن يصلوا في نعالهم وقال ms1136 إن اليهود والنصارى لا يصلون في ~~نعالهم فخالفوهم \ ح \ PageV03P419 # فالسنة في ديننا الصلاة في النعال نص عليه الإمام أحمد وقيل له أيصلي ~~الرجل في نعليه فقال أي والله # | فصل قوله التجريد الانخلاع عن شهود الشواهد والشواهد عنده هي ما # سوى الحق سبحانه والانخلاع عن الشهود هو غيبة الشاهد بمشهوده عن شهوده ~~وذلك يكون في مقام المعاينة فإنه لا ينخلع عن شهود الشواهد إلا إذا كان ~~معاينا للمشهود # قوله الدرجة الأولى تجريد عين الكشف عن كسب اليقين أي تجريد حقيقة الكشف ~~عن كسب اليقين أي يعزل ما اكتسبه من اليقين العلمي بالكشف الحقيقي فتجرد ~~الكشف أي يخلصه ويعريه عن الالتفات إلى اليقين فيعزل ما اكتسبه من اليقين ~~العلمي بالكشف الحقيقي # | فصل قال الدرجة الثانية تجريد عين الجمع عن درك العلم عين الجمع # هي حقيقة الجمع وتجريده هو أن لا يشهد للعلم فيها آثارا فإن العلم من ~~آثار الرسوم وحقيقة الجمع تمحو الرسوم فصاحب هذه الدرجة أبدا في تجرد ~~وتجريد والدرك هو الإدراك في هذا الموضع ويحتمل أن يراد به أن درجة العلم ~~أسفل من درجة عين الجمع فيجرد الجمع عن الدرجة التي هي أسفل منه وقد ~~اعترفوا بأن هذا حال المولهين في الاستغراق في الجمع # ولعمر الله إن ذلك ليس بكمال وهو أصل من أصول الانحلال فإنه إذا تجرد من ~~العلم وما يوجبه فقد خرج من النور الذي يكشف له الحقائق ويميز له بين الحق ~~والباطل والصحيح والفاسد فالكشف وشهود الحقيقة إذا تجرد عن العلم فقد ينسلخ ~~صاحبه عن أصل الإيمان وهو لا يشعر PageV03P420 # وأحسن من هذا أن يقال هو تجريد الجمع عن الوقوف مع مجرد العلم فلا يرضى ~~بالعلم عن مقام جمعية حاله وقلبه وهمه على الله بل يرتقي من درجة العلم إلى ~~درجة الجمع مصاحبا للعلم غير مفارق لأحكامه ولا جاعل له غاية يقف عندها # قوله الدرجة الثالثة تجريد الخلاص من شهود التجريد # يعني أن لا يشهد تجريده لمن يجرده من صفاته وأفعاله وصاحب هذه الدرجة ~~دائما قد فنى ms1137 عما سوى الحق تعالى فكيف يتسع مع ذلك لشهود وصفه وفعله بل ~~أفناه تجريده عن شهود تجريده $ فصل قال صاحب المنازل باب التفريد قال الله ~~تعالى @QB@ أن الله هو الحق المبين @QE@ التفريد اسم لتخليص الإشارة إلى ~~الحق ثم بالحق ثم عن الحق # الشيخ جعل التفريد عين التجريد وجعله بعده والفرق بينهما أن التجريد ~~انقطاع عن الأغيار والتفريد إفراد الحق بالإيثار فالتفريد متعلق بالمعبود ~~والتجريد متعلق بالعبودية وجعله ثلاث درجات تخليص الإشارة إلى الحق ثم به ~~ثم عنه فههنا أمران أحدهما تخليص الإشارة والثاني متعلق الإشارة # فأما تخليصها فهو تجريدها مما يمازجها ويخالطها وأما متعلقها فثلاثة أمور ~~الإشارة إلى الحق وبه وعنه فالإشارة إليه غاية والإشارة به وجود والإشارة ~~عنه إخبار وتبليغ فمن خلصت إشارته إلى الحق كان من المخلصين ومن كانت ~~إشارته به فهو من الصادقين ومن كانت إشارته عنه فهو من المبلغين ومن اجتمعت ~~له الثلاثة فهو من الأئمة العارفين فالكمال أن تشير إليه به عنه فتخليص ~~الإشارة إليه هو حقيقة الإخلاص وتخليص الإشارة به هو حقيقة الصدق وتخليص ~~الإشارة عنه هو حقيقة المتابعة وذلك هو محض الصديقية فمتى اجتمعت هذه ~~الثلاثة في العبد فقد خلعت عليه خلعة الصديقية فما كل من PageV03P421 أشار ~~إلى الله أشار به ولا كل من أشار به أشار عنه والرسل صلوات الله وسلامه ~~عليهم أجمعين هم الذين كملوا المراتب الثلاثة فخلصت إشاراتهم إلى الله وبه ~~وعنه من كل شائبة ثم الأمثل فالأمثل على مناجهم وما أكثر ما تشبه الإشارة ~~إلى الله وبه بالإشارة إلى النفس والإشارة بها فيشير إلى نفسه بنفسه ظانا ~~أن إشارته بالله وإلى الله ولا يميز بين هذا وهذا إلا خواص العارفين ~~الفقهاء في معرفة الطريق والمقصود وههنا انقطع من انقطع واتصل من اتصل ولا ~~إله إلا الله كم من تنوع في الإشارة وبالغ ودقق وحقق ولم تعد إشارته نفسه ~~وهو لا يعلم أشار بنفسه وهو يظن أنه أشار بربه وإن فلتات لسانه ورائحة ~~كلامه لتنادي عليه أنا وبي وعني # فإذا ms1138 خلصت الإشارة بالله وعن الله من جميع الشوائب كانت متصلة بالله ~~خالصة له مقبولة لديه راضيا بها وعلى هذا كان حرص السابقين الأولين لا على ~~كثرة العمل ولا على تدقيق الإشارة كما قال بعض الصحابة لو أعلم أن الله قبل ~~مني عملا واحدا لم يكن غائب أحب إلى من الموت وليس هذا على معنى أن أعماله ~~كانت لغير الله أو على غير سنة رسوله فشأن القوم كان أجل من ذلك ولكن على ~~تخليص الأعمال من شوائب النفوس ومشاركات الحظوظ فكانوا يخافون لكمال علمهم ~~بالله وحقوقه عليهم أن أعمالهم لم تخلص من شوائب حظوظهم ومشاركات أنفسهم ~~بحيث تكون متمحصة لله وبالله ومأخوذة عن الله فمن وصل له عمل واحد على هذا ~~الوجه وصل إلى الله والله تعالى شكور إذا رضي من العبد عملا من أعماله نجاه ~~وأسعده به وثمره له وبارك له فيه وأوصله به إليه وأدخله به عليه ولم يقطعه ~~به عنه فما أكثر المنقطعين بالإشارة عن المشار إليه وبالعبادة عن المعبود ~~وبالمعرفة عن المعروف فتكون الإشارات والمعارف قبلة قلبه وغاية قصده فيتغذى ~~بها ويجد من الأنس بها والذوق والوجد ما يسكن قلبه إليه ويطمئن PageV03P422 ~~به ويظن أنه الغاية المطلوبة فيصبر قلبه محبوسا عن ربه وهو لا يشعر وتصير ~~نفسه راتعة في رياض العلوم والمعارف واجدة لها وهو يظن أنه قد وصل واتصل ~~وعلى منزل الوجود حصل فهو دقيق الإشارة لطيف العبارة فقيه في مسائل السلوك ~~وبينه وبين الله حجاب لم ينكشف عنه وإنما يرتفع هذا الحجاب بحال التجريد ~~والتفريد لا بمجرد علم ذلك فبتفريد المعبود المطلوب المقصود عن غيره ~~وبتجريد القصد والطلب والإرادة والمحبة والخوف والرجاء والانابة والتوكل ~~عليه واللجإ إليه عن الحظوظ وإرادات النفس فينكشف عن القلب حجابه ويزول عنه ~~ظلامه ويطلع فيه فجر التوحيد وتبزغ فيه شمس اليقين وتستنير له الطريق ~~الغراء والمحجة البيضاء التي ليلها كنهارها # | فصل قال فأما تفريد الإشارة إلى الحق فعلى ثلاث درجات تفريد القصد # عطشا ثم تفريد المحبة تلفا ثم تفريد الشهود ms1139 اتصالا # ذكر في هذه الدرجة ثلاثة أمور تفريد القصد والمحبة والشهود فالقصد بداية ~~والشهود نهاية والمحبة واسطة فيفرد قصده وحبه وشهوده وذلك يتضمن إفراد ~~مطلوبه ومحبوبه ومشهوده فيكون فردا لفرد فلا ينقسم طلبه ولا حبه ولا شهوده ~~ولا ينقسم مطلوبه ومحبوبه ومشهوده فتفريد الطلب والمحبة والشهود صدق وتفريد ~~المطلوب والمحبوب والمشهود إخلاص # فالصدق والاخلاص هو أن تبذل كلك لمحبوبك وحده ثم تحتقر ما بذلت في جنب ما ~~يستحقه ثم لا تنظر إلى بذلك # وقيد تفريد القصد بالعطش وتفريد المحبة بالتلف وتفريد الشهود بالاتصال ~~والعطش كما قال هو غلبة ولوع بمأمول والتلف هو المحبة المهلكة والاتصال ~~سقوط الاغيار عن درجة الاعتبار فهذا حكم التفريد في الدرجة الأولى ~~PageV03P423 # قال وأما تفريد الإشارة بالحق فعلى ثلاث درجات تفريد الإشارة بالافتخار ~~بوحا وتفريد الإشارة بالسلوك مطالعة وتفريد الإشارة بالقبض غيرة # ذكر أيضا في هذه الدرجة ثلاثة أمور الافتخار والسلوك والقبض فالافتخار ~~نوعان مذموم ومحمود فالمذموم إظهار مرتبته على أبناء جنسه ترفعا عليهم وهذا ~~غير مراد والمحمود إظهار الأحوال السنية والمقامات الشريفة بوحا بها أي ~~تصريحا وإعلانا لا على وجه الفخر بل على وجه تعظيم النعمة والفرح بها ~~وذكرها ونشرها والتحدث بها والترغيب فيها وغير ذلك من المقاصد في إظهارها ~~كما قال النبي أنا سيد ولد آدم ولا فخر وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم ~~القيامة ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر وقال سعد بن أبي وقاص رضي ~~الله عنه أنا أول من رمى بسهم في سبيل الله وقال أبو ذر رضي الله عنه لقد ~~أتي علي كذا وكذا وإني لثالث الإسلام وقال علي رضي الله عنه إنه لعهد النبي ~~الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق وقال عمر رضي الله ~~عنه وافقت ربي في ثلاث وقال علي رضي الله عنه وأشار إلى صدره إن ههنا علما ~~جما لو أصبت له حملة وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أخذت من في رسول ~~الله سبعين سورة ms1140 وإن زيدا ليلعب مع الغلمان وقال أيضا ما من كتاب الله آية ~~إلا وأنا أعلم أين نزلت وماذا أريد بها ولو أعلم أن أحدا أعلم بكتاب الله ~~مني تبلغه الإبل لرحلت إليه وقال بعض الصحابة لأن تختلف في الأسنة أحب إلي ~~من أن أحدث نفسي في الصلاة بغير ما أنا فيه وهذا أكثر من أن يذكر # والصادق تختلف عليه الأحوال فتارة يبوح بما أولاه ربه ومن به عليه لا ~~يطيق كتمان ذلك وتارة يخفيه ويكتمه لا يطيق إظهاره فتارة يقبض وتارة يبسط ~~وينشط وتارة يجد لسانا قائلا فلا يسكت وتارة لا يقدر أن ينطق PageV03P424 ~~بكلمة وتارة تجده ضاحكا مسرورا وتارة باكيا حزينا وتارة يجد جمعية لا سبيل ~~للتفرقة عليها وتارة تفرقة لا جمعية معها وتارة يقول واطرباه وأخرى يقول ~~واحرباه بخلاف من هو على لون واحد لا يوجد على غيره فهذا لون والصادق لون # قوله وتفريد الإشارة بالسلوك مطالعة أي تجريد الإشارة إلى المطلوب ~~بالسلوك اطلاعا على حقائقه قوله وتفريد الإشارة بالقبض غيرة أي تخليص ~~الإشارة إلى المطلوب بالقبض غيرة عليه # والمقصود أنه تارة يفرد إشارته بما أولاه الحق لا يكتمه ولا يخفيه وتارة ~~يفرد إشارته بحقائق السلوك اطلاعا عليها وإطلاعا لغيره وتارة يشير بالقبض ~~غيره وتسترا فيشير بالافتخار تارة وبالاطلاع تارة وبالقبض تارة # فافتخاره بالمنعم ونعمه لا بنفسه وصفته وإطلاعه لغيره تعليم وإرشاد ~~وتبصير وقبضه غيره وستر وحقيقة الأمر ما ذكرناه أن الصادق بحسب دواعي صدقه ~~وحاله مع الله وحكم وقته وما أقيم فيه # | فصل قوله وأما تفريد الإشارة عن الحق فانبساط ببسط ظاهر يتضمن قبضا # خالصا للهداية إلى الحق والدعوة إليه يريد أن صاحب هذه الإشارة منبسط ~~بسطا ظاهرا مع أن باطنه مجموع على الله وهو القبض الخالص الذي أشار إليه ~~فهو في باطنه مقبوض لما هو فيه من جمعيته على الله وفي ظاهره مبسوط مع ~~الخلق بسطا ظاهرا لقوته قصدا لهدايتهم إلى الحق سبحانه ودعواتهم إليه # وحاصل الأمر أنه مبسوط بظاهره لدعوة الخلق إلى الله ومقبوض بباطنه ms1141 عما ~~سوى الله فظاهره منبسط مع الخلق وباطنه منقبض عنهم لقوة تعلقه بالله ~~واشتغاله به عنهم فهو كائن بائن داخل خارج متصل منفصل قال الله تعالى @QB@ ~~وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين ولا تدع مع الله إلها @QE@ PageV03P425 ~~@QB@ آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ فأمره بتجريد الدعوة ~~إليه تجريد عبوديته وحده وهذان هما أصلا الدين وعليهما مداره وبالله ~~التوفيق $ فصل قال باب الجمع قال الله تعالى @QB@ وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى @QE@ # قلت اعتقد جماعة أن المراد بالآية سلب فعل الرسول عنه وإضافته إلى الرب ~~تعالى وجعلوا ذلك أصلا في الجبر وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد وتحقيق ~~نسبتها إلى الرب وحده وهذا غلط منهم في فهم القرآن فلو صح ذلك لوجب طرده في ~~جميع الأعمال فيقال ما صليت إذ صليت وما صمت إذ صمت وما ضحيت إذ ضحيت ولا ~~فعلت كل فعل إذ فعلته ولكن الله فعل ذلك فإن طردوا ذلك لزمهم في جميع أفعال ~~العباد طاعتهم ومعاصيهم إذ لا فرق فإن خصوه بالرسول وحده وأفعاله جميعها أو ~~رميه وحده تناقضوا فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية # وبعد فهذه الآية نزلت في شأن رميه المشركين يوم بدر بقبصة من الحصباء فلم ~~تدع وجه أحد منهم إلا أصابته ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا ~~المبلغ فكان منه مبدأ الرمي وهو الحذف ومن الله سبحانه وتعالى نهايته وهو ~~الإيصال فأضاف إليه رمى الحذف الذي هو مبدؤه ونفى عنه رمي الإيصال الذي هو ~~نهايته ونظير هذا قوله في الآية نفسها @QB@ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ~~@QE@ ثم قال @QB@ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى @QE@ فأخبره أنه هو وحده ~~هو الذي تفرد بقتلهم ولم يكن ذلك بكم أنتم كما تفرد بإيصال الحصى إلى ~~أعينهم ولم يكن ذلك من رسوله ولكن وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه أقام ~~أسبابا ظاهرة كدفع المشركين PageV03P426 وتولى دفعهم وإهلاكهم بأسباب باطنة ~~غير الأسباب التي تظهر للناس فكان ما حصل من الهزيمة ms1142 والقتل والنصرة مضافا ~~إليه به وهو خير الناصرين # قال الجمع ما أسقط التفرقة وقطع الإشارة وشخص عن الماء والطين بعد صحة ~~التمكين والبراءة من التلوين والخلاص من شهود الثتوية والتنافي من إحساس ~~الاعتلال والتنافي من شهود شهودها وهو على ثلاث درجات جمع علم ثم جمع وجود ~~ثم جمع عين # قوله الجمع ما أسقط التفرقة هذا حد غير محصل للفرق بين ما يحمد وما يذم ~~من الجمع والتفرقة فإن الجمع ينقسم إلى صحيح وباطل والتفرقة تنقسم إلى ~~محمود ومذموم وكل منهما لا يحمد مطلقا ولا يذم مطلقا فيراد بالجمع جمع ~~الوجود وهو جمع الملاحدة القائلين بوحدة الوجود ويريدون بالتفرقة الفرق بين ~~القديم والمحدث وبين الخالق والمخلوق وأصحابه يقولون الجمع ما أسقط هذه ~~التفرقة ويقولون عن أنفسهم إنهم أصحاب جمع الوجود ولهذا صرح بما ذكرنا ~~محققو الملاحدة فقالوا التفرقة اعتبار الفرق بين وجود ووجود فإذا زال الفرق ~~في نظر المحقق حصل له حقيقة الجمع # ويراد بالجمع الجمع بين الإرادة والطلب على المراد المطلوب وحده ~~وبالتفرقة تفرقة الهمة والإرادة وهذا هو الجمع الصحيح والتفرقة المذمومة ~~فحد الجمع الصحيح ما أزال هذه التفرقة وأما جمع يزيل التفرقة بين الرب ~~والعبد والخالق والمخلوق والقديم والمحدث فأبطل الباطل وتلك التفرقة هي ~~الحق وأهل هذه التفرقة هم أهل الإسلام والإيمان والإحسان كما أن أهل ذلك ~~الجمع هم أهل الإلحاد والكفر والوثنية # ويراد بالجمع جمع الشهود وبالتفرقة ما ينافي ذلك فإذا زال الفرق في نظر ~~المشاهد وهو مثبت للفرق كان ذلك جمعا في شهوده خاصة مع تحققه بالفرق # فإذا عرف هذا فالجمع الصحيح ما أسقط التفرقة الطبيعية النفسية وهي ~~PageV03P427 التفرقة المذمومة وأما التفرقة الأمرية الشرعية بين المأمور ~~والمحظور والمحبوب والمكروه فلا يحمد جمع أسقطها بل يذم كل الذم وبمثل هذه ~~المجملات دخل على أصحاب السلوك والإرادة ما دخل # قوله وقطع الإشارة هو من جنس قوله ما أسقط التفرقة قال أهل الإلحاد لما ~~كانت الإشارة نسبة بين شيئين مشير ومشار إليه كانت مستلزمة للثنوية فإذا ~~جاءت الوحده جمعية وذهبت ms1143 الثنوية انقطعت الإشارة # وقال أهل التوحيد إنما تنقطع الإشارة عند كمال الجمعية على الله فلا يبقى ~~في صاحب هذه الجمعية موضع للإشارة لأن جمعيته على المطلوب المراد غيبته عن ~~الإشارة إليه وأيضا فإن جمعيته أفنته عن نفسه وإشارته ففي مقام الفناء ~~تنقطع الإشارة لأنها من أحكام البشرية # قوله وشخص عن الماء والطين هذا يحتمل معنيين # أحدهما أن يريد بالماء والطين بني آدم ونفسه من جملتهم أي شخص عن النظر ~~إلى الناس والالتفات إليهم وتعلق القلب بهم بالكلية وخصهم بالذكر لأن أكثر ~~العلائق وأصعبها وأشدها قطعا لصاحبها هي علائقهم فإذا شخص قلبه عنهم ~~بالكلية فعن غيرهم ممن هو أبعد إليه منهم أولى وأحرى # وفي ذكر الماء والطين تقرير لهذا الشخوص عنهم وتنبيه على تعينه ووجوبه ~~فإن المخلوق من الماء والطين بشر ضعيف لا يملك لنفسه ولا لمن تعلق به جلب ~~منفعة ولا دفع مضرة فإن الماء والطين منفعل لا فاعل وعاجز مهين لا قوي متين ~~كما قال تعالى @QB@ فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين ~~لازب @QE@ وأخبر أنه خلقنا @QB@ من ماء مهين @QE@ فحقيق بابن الماء والطين ~~أن يشخص عنه القلب لا إليه وأن يعول على خالقه وحده لا عليه وأن يجعل رغبته ~~كلها فيه وفيما لديه # والمعنى الثاني الذي يحتمله كلامه أن يشخص عن أحكام الطبيعة PageV03P428 ~~السفلية الناشئة من الماء الطين وعن متعلقاتها إلى أحكام الأرواح العلوية ~~ولما كان الله سبحانه وتعالى بحكمته وعجيب صنعه قد جعل الإنسان مركبا من ~~جوهرين جوهر طبيعي كثيف وهو الجسم وجوهر روحاني لطيف وهو الروح ومن شأن كل ~~شكل أن يميل إلى شكله ومن طبع كل مثل أن ينجذب إلى مثله صار الإنسان ينجذب ~~إلى العالم الطبيعي بما فيه من الكثافة وإلى العالم الروحاني بما فيه من ~~اللطافة فصار في الإنسان قوتان متضادتان إحداهما تجذبه سفلا والثانية تجذبه ~~علوا فمن شخص عن طبيعة الماء والطين إلى محل الأرواح العلوية التي ليست من ~~هذا العالم السفلي كان من أهل هذا الجمع المحمود ms1144 الذي جمعه من متفرقات ~~النفس والطبع # قوله بعد صحة التمكين والبراءة من التلوية والخلاص من شهود الثنوية معناه ~~أن العبد لا يمكنه أن يشخص عن الماء والطين إلا بعد صحة تمكنه في المعرفة ~~وبراءته من التلوين فشرط الشيخ حصول التمكين له وانتفاء التلوين عنه وخلاصه ~~من شهود الثنوية # فالتلوين تلونه لإجابة دواعي الطبع والنفس وشهود الثنوية عبارة مجملة ~~محتملة وقد حملها الملحد على أن يشهد عبدا وربا وقديما وحديثا وخالقا ~~ومخلوقا والتوحيد المحض أن يتخلص من ذلك بشهوده وحدة الوجود ومتى شهد تعدد ~~الوجود كان ثنويا عند الملاحدة # وأما الموحدون فالثنوية التي يجب التخلص منها أن يتخذ إلهين اثنين فيشهد ~~مع الله إلها آخر وأما كونه يشهد مع الله موجودا غيره هو موجده وخالقه ~~وفاطره فليس بثنوية بل هو توحيد خالص ولا يتم له التوحيد إلا بهذا الشهود ~~PageV03P429 ليصح له نفي الإلهية عنه وإلا فكيف ينفي الآلهة عما لا يشهده ~~ويشهد نفيها عنه # والمقصود أن صاحب الجمع إذا شهد ربا وعبدا وخالقا ومخلوقات وآمرا وفاعلا ~~منفذا ومحركا ومتحركا ووليا وعدوا كان ذلك موجب عقد التوحيد # وصحة التمكين هي حفظ الأصل الذي هو بقاء شهود الرسوم في مرتبتها # وكأنه نبه بذلك على الاحتراز من القوم الذي تخطفهم لوائح شهود الجمع ~~وتمكنهم ضعيف فينكرون صور الخلق حتى يقول أحدهم أنا نور من نور ربي لما ~~يغلب على أحدهم من شهود الجمع وعدم تمكنه في البقاء وهذا قد يعرض للصادق ~~أحيانا فيعلم أنه غالط فيرجع إلى الأصل ويحكم العلم على الحال فإذا صحا علم ~~أنه غالط مخطئ وفي مثل هذا الحال قال أبو يزيد سبحاني وما في الجبة إلا ~~الله ونحو ذلك فأخذ قوم هذه الشحطات فجعلوها غاية يجرون إليها ويعملون ~~عليها فالشيخ شرط أنه لا يثبت شهود الجمع إلا لمن تمكن في شهود طور البقاء # قوله والتنافي من الإحساس بالاعتلال # الاعتلال عندهم هو التفرقة في الأسباب والوقوف مع الربط الواقع بين ~~المسببات وأسبابها وذلك عقد لا يحله إلا شهود الجمع ولا يخفى ms1145 ما في هذه ~~العبارة من العجم والتعقيد وكذلك قوله والتنافي من شهود شهودها ومراده أن ~~ينتفي عنه شهود هذه الأشياء التي ذكرها كلها وأن يفنى عن هذا الشهود فإنه ~~إن لم يفن عنها كلها وعن شهود فنائه وإلا فهو معها لأنه يحس بها ولا يقع ~~الإحساس إلا بما هو موجود عند صاحب الإحساس فإذا غاب عن شهودها ثم عن شهود ~~الشهود فقد استقر قدمه في حضرة الجمع # وقد تقدم غير مرة أن هذا ليس بكمال ولا مقصود في نفسه ولا يعطي كمالا ولا ~~فيه معرفة ولا عبودية ولا دعت إليه الرسل ألبتة ولا اشار إليه القرآن ولا ~~وصفه أهل الطريق المتقدمون وغايته أن يشبه صاحبه بالغائب عن PageV03P430 ~~عقله وحسه وإدراكه وغايته أن يكون عارضا من عوارض الطريق ليس بلازم فضلا عن ~~أن يكون غاية # ولما جعله من جعله غاية مطلوبة يشمر إليها السالكون دخل بسبب ذلك من ~~الفساد على من شمر إليه ما يعلمه الراسخون في العلم من أئمة هذا الشأن ~~والله المستعان والعبودية المطلوبة من العبد بمعزل عن ذلك وبالله التوفيق # قوله وهو على ثلاث درجات جمع علم ثم جمع وجود ثم جمع عين فأما جمع العلم ~~فهو تلاشي علوم الشواهد في العلم اللدني صرفا وأما جمع الوجود فهو تلاشي ~~نهاية الاتصال في عين الوجود محقا وأما جمع العين فهو تلاشي كل ما تقله ~~الإشارة في ذات الحق حقا # علوم الشواهد هي ما حصلت من الاستدلال بالأثر على المؤثر وبالمصنوع على ~~الصانع فالمصنوعات شواهد وأدلة وآثار وعلوم الشواهد هي المستندة إلى ~~الشواهد الحاصلة عنها والعلم اللدني هو العلم الذي يقذفه الله في القلب ~~إلهاما بلا سبب من العبد ولا استدلال ولهذا سمي لدنيا قال الله تعالى @QB@ ~~وعلمناه من لدنا علما @QE@ والله تعالى هو الذي علم العباد مالا يعلمون كما ~~قال تعالى علم الإنسان مالم يعلم ولكن هذا العلم أخص من غيره ولذلك أضافه ~~إليه سبحانه كبيته وناقته وبلده وعبده ونحو ذلك فتضمحل العلوم المستندة إلى ~~الأدلة والشواهد في العلم ms1146 اللدني الحاصل بلا سبب ولا استدلال هذا مضمون ~~كلامه # ونحن نقول إن العلم الحاصل بالشواهد والأدلة هو العلم الحقيقي وأما ما ~~يدعي حصوله بغير شاهد ولا دليل فلا وثوق به وليس بعلم نعم قد يقوى العلم ~~الحاصل بالشواهد ويتزايد بحيث يصير المعلوم كالمشهود والغائب كالمعاين وعلم ~~اليقين كعين اليقين فيكون الأمر شعورا أولا ثم تجويزا ثم ظنا ثم علما ثم ~~معرفة ثم علم يقين ثم حق يقين ثم عين يقين ثم تضمحل كل مرتبة في التي فوقها ~~بحيث يصير الحكم لها دونها فهذا حق PageV03P431 # وأما دعوى وقوع نوع من العلم بغير سبب من الاستدلال فليس بصحيح فإن الله ~~سبحانه ربط التعريفات بأسبابها كما ربط الكائنات بأسبابها ولا يحصل لبشر ~~علم إلا بدليل يدله عليه وقد أيد الله سبحانه رسله بأنواع الأدلة والبراهين ~~التي دلتهم على أن ما جاءهم هو من عند الله ودلت أممهم على ذلك وكان معهم ~~أعظم الأدلة والبراهين على ان ما جاءهم هو من عند الله وكانت براهينهم أدلة ~~وشواهد لهم وللأمم فالأدلة والشواهد التي كانت لهم ومعهم أعظم الشواهد ~~والأدلة والله تعالى شهد بتصديقهم بما أقام عليه من الشواهد فكل علم لا ~~يستند إلى دليل فدعوى لا دليل عليها وحكم لا برهان عند قائله وما كان كذلك ~~لم يكن علما فضلا عن أن يكون لدنيا # فالعلم اللدني ما قام الدليل الصحيح عليه أنه جاء من عند الله على لسان ~~رسله وما عداه فلدني من لدن نفس الإنسان منه بدأ وإليه يعود وقد انبثق سد ~~العلم اللدني ورخص سعره حتى ادعت كل طائفة أن علمهم لدني وصار من تكلم في ~~حقائق الإيمان والسلوك وباب الأسماء والصفات بما يسنح له ويلقيه شيطانه في ~~قلبه يزعم أن علمه لدني فملاحدة الاتحادية وزنادقة المنتسبين إلى السلوك ~~يقولون إن علمهم لدني وقد صنف في العلم اللدني متهوكو المتكلمين وزنادقة ~~المتصوفين وجهلة المتفلسفين وكل يزعم أن علمه لدني وصدقوا وكذبوا فإن ~~اللدني منسوب إلى لدن بمعنى عند فكأنهم قالوا العلم العندي ولكن ms1147 الشأن فيمن ~~هذا العلم من عنده ومن لدنه وقد ذم الله تعالى بأبلغ الذم من ينسب إليه ما ~~ليس من عنده كما قال تعالى @QB@ ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ~~ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ فويل للذين يكتبون ~~الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله @QE@ وقال تعالى ومن أظلم ممن ~~افترى على الله الكذب أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء فكل من قال هذا ~~العلم من عند الله وهو كاذب في هذه النسبة PageV03P432 فله نصيب وافر من ~~هذا الذم وهذا في القرآن كثير يذم الله سبحانه من أضاف إليه مالا علم له به ~~ومن قال عليه مالا يعلم ولهذا رتب سبحانه المحرمات أربع مراتب وجعل أشدها ~~القول عليه بلا علم فجعله آخر مراتب المحرمات التي لا تباح بحال بل هي ~~محرمة في كل ملة وعلى لسان كل رسول فالقائل إن هذا علم لدني لما لا يعلم ~~أنه من عند الله ولا قام عليه برهان من الله أنه من عنده كاذب مفتر على ~~الله وهو من أظلم الظالمين وأكذب الكاذبين # قوله وأما جمع الوجود فهو تلاشي نهاية الاتصال في عين الوجود محقا # تلاشي نهاية الاتصال هو فناء العبد في الشهود ونهاية الاتصال هو ما ذكره ~~في الدرجة الثالثة من باب الاتصال أنه لا يدرك منه نعت ولا مقدار إلا اسم ~~معار ولمح إليه مشار فحقيقة الجمع في هذه الدرجة تلاشى ذلك في عين الوجود ~~أي في حقيقته ويريد بالوجود ما أشار إليه في الدرجة الثانية من باب الوجود ~~وهو قوله وجود الحق وجود عين منقطعا عن مساغ الإشارة فتضمحل نهاية الاتصال ~~في هذا الوجود محقا أي ذوبانا وفناء # قوله وأما جمع العين فهو تلاشي كل ما تقله الإشارة في ذات الحق حقا # تقله الإشارة أي تحمله وتقوم به والإشارة تارة تكون باليد والرأس فتكون ~~إيماء وتارة تكون بالعين فتكون رمزا وتارة تكون باللفظ فيسمى تعريضا وتارة ~~تكون بالذهن والعقل فتضمحل كل ms1148 هذه الأنواع وتبطل عند شهود العين في حضرة ~~الجمع وظهور جلال الذات المقدسة والذات هي الحاملة للصفات والأفعال # فعرفت من هذا أنه في الدرجة الأولى يغيب عن جميع العلوم المتعلقة بالأدلة ~~والشواهد بالعلم اللدني وفي الدرجة الثانية يغيب عن اتصاله وشهود اتصاله ~~بالوجود فإن الوجود فوق الاتصال كما تقدم وهذا كما يغيب الواجد الذي قد ظفر ~~بموجوده عن شهود وصوله إليه واتصاله به فتفنيه عين وجوده عن شهود ~~PageV03P433 نفسه وصفاتها وفي الدرجة الثالثة يضمحل كل ما تحمله الإشارة ~~إلى ذات أو إلى صفة أو حال أو مقام في ذات الحق سبحانه فلا يبقى هناك ما ~~يشار إليه سواه # قوله والجمع غاية مقامات السالكين وهو طرف بحر التوحيد # وجه ذلك أن السالك ما دام في سلوكه فهو في تفرقة الاستدلال وطلب الشواهد ~~فإذا وصل إلى مقام المعرفة وصار همه هما واحدا لله وفي الله وبالله ينزل في ~~منزلة الجمع ويشمر لركوب بحر التوحيد الذي يتلاشى فيه كل ما سوى الواحد ~~القهار فالجمع عنده نهاية سفر السالكين إلى الله # وهذا موضع غير مسلم له على إطلاقه وإنما غاية مقام السالكين التوبة التي ~~هي بدايات منازلهم # ولعل سمعك ينفر من هذا غاية النفور وتقول هذا كلام من لم يعرف شيئا من ~~طريق القوم ولا نزل في منازل الطريق ولعمر الله أن كثيرا من الناس ليوافقك ~~على هذا ويقول أين كنا وأين صرنا نحن قد قطعنا منزلة التوبة وبيننا وبينها ~~مائة مقام فترجع من مائة مقام إليها ونجعلها غاية مقام السالكين # فاسمع الآن وعيه ولا تعجل بالإنكار ولا تبادر بالرد وافتح ذهنك لمعرفة ~~نفسك وحقوق ربك وما ينبغي له منك وماله من الحق عليك ثم أنسب أعمالك ~~وأحوالك وتلك المنازل التي نزلتها والمقامات التي قمت فيها لله وبالله إلى ~~عظيم جلاله وما يستحقه وما هو له أهل فإن رأيتها وافية بذلك مكافئة له فلا ~~حاجة حينئذ إلى التوبة والرجوع إليها رجوع عن المقامات العلية وانحطاط من ~~علو إلى سفل ورجوع من غاية إلى بداية ms1149 وما ذلك ببعيد من كثير من المنتسبين ~~إلى هذا الشأن المغرورين بأحوالهم ومعارفهم وإشاراتهم وإن رأيت أن أضعاف ~~أضعاف ما قمت به من صدق وإخلاص وإنابة وتوكل وزهد PageV03P434 # وعبادة لا يفي بأيسر حق له عليك ولا يكافئ نعمة من نعمه عندك وأن ما ~~يستحقه لجلاله وعظمته أعظم وأجل وأكبر ما يقوم به الخلق # فاعلم الآن أن التوبة نهاية كل عارف وغاية كل سالك وكما أنها بداية فهي ~~نهاية والحاجة إليها في النهاية أشد من الحاجة إليها في البداية بل هي في ~~النهاية في محل الضرورة # فاسمع الآن ما خاطب الله به رسوله في آخر الأمر عند النهاية وكيف كان ~~رسول الله في آخر حياته أشد ما كان استغفارا وأكثره قال الله تعالى لقد تاب ~~الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما ~~كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب الله عليهم إنه بهم رؤوف رحيم وهذا أنزله ~~الله سبحانه بعد غزوة تبوك وهي آخر الغزوات التي غزاها بنفسه فجعل الله ~~سبحانه التوبة عليهم شكرانا لما تقدم من تلك الأعمال وذلك الجهاد وقال ~~تعالى في آخر ما أنزل على رسوله @QB@ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا @QE@ وفي ~~الصحيح أنه ما صلى صلاة بعد ما نزلت عليه هذه السورة إلا قال فيها سبحانك ~~اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي وذلك في نهاية أمره صلوات الله وسلامه ~~عليه ولهذا فهم منها علماء الصحابة كعمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس رضي ~~الله عنهم أنه أجل رسول الله أعلمه الله إياه فأمره سبحانه بالاستغفار في ~~نهاية أحواله وآخر أمره على ما كان عليه مقاما وحالا وآخر ما سمع من كلامه ~~عند قدومه على ربه اللهم اغفر لي وألحقني بالرفيق الأعلى وكان يختم كل عمل ~~صالح بالاستغفار كالصوم والصلاة والحج والجهاد فإنه كان إذا فرغ منه وأشرف ~~على المدينة قال آيبون تائبون لربنا حامدون وشرع أن يختم ms1150 المجلس بالاستغفار ~~وإن PageV03P435 كان مجلس خير وطاعة وشرع أن يختم العبد عمل يومه ~~بالاستغفار فيقول عند النوم أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ~~وأتوب إليه وأن ينام على سيد الاستغفار # والعارف بالله وأسمائه وصفاته وحقوقه يعلم أن العبد أحوج ما يكون إلى ~~التوبة في نهايته وأنه أحوج إلى التوبة من الفناء والاتصال وجمع الشواهد ~~وجمع الوجود وجمع العين وكيف يكون ذلك أعلى مقامات السالكين وغاية مطلب ~~المقربين ولم يأت له ذكر في القرآن ولا في السنة ولا يعرفه إلا النادر من ~~الناس ولا يتصوره أكثرهم إلا بصعوبة ومشقة ولو سمعه أكثر الخلق لما فهموه ~~ولا عرفوا المراد منه إلا بترجمة فأين في كتاب الله أو سنة رسوله أو كلام ~~الصحابة الذين نسبة معارف من بعدهم إلى معارفهم كنسبة فضلهم ودينهم وجهادهم ~~إليهم ما يدل على ذلك أو يشير إليه فصار المتأخرون أرباب هذه الاصطلاحات ~~الحادثة بالألفاظ المجملة والمعاني المتشابهة أعرف بمقامات السالكين ومنازل ~~السائرين وغاياتها من أعلم الخلق بالله بعد رسله هذا من أعظم الباطل # وهؤلاء في باب الإرادة والطلب والسلوك نظير أرباب الكلام من المعتزلة ~~والجهمية ومن سلك سبيلهم في باب العلم والخبر عن الله وأسمائه وصفاته ~~فالطائفتان بل وكثير من المصنفين في الفقه من المتكلفين أشد التكلف وقد قال ~~الله تعالى لرسوله قل لا أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين وقال عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي ~~لا يؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما ~~وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم ~~فإنهم كانوا على الهدى المستقيم # فلا تجد هذا التكلف الشديد والتعقيد في الألفاظ والمعاني عند الصحابة ~~أصلا PageV03P436 وإنما يوجد عند من عدل عن طريقهم وإذا تأمله العارف وجده ~~كلحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقي ولا سمين فينتقل فيطول عليك ~~الطريق ويوسع لك العبارة ويأتي بكل لفظ ms1151 غريب ومعنى أغرب من اللفظ فإذا وصلت ~~لم تجد معك حاصلا طائلا ولكن تسمع جعجعة ولا ترى طحنا فالمتكلمون في جعاجع ~~الجواهر والأعراض والاكوان والألوان والجوهر الفرد والأحوال والحركة ~~والسكون والوجود والماهية والانحياز والجهات والنسب والإضافات والغيرين ~~والخلافين والضدين والنقيضين والتماثل والاختلاف والعرض هل يبقى زمانين وما ~~هو الزمان والمكان ويموت أحدهم ولم يعرف الزمان والمكان ويعترف بأنه لم ~~يعرف الوجود هل هو ماهية الشيء أو زائد عليها ويعترف أنه شاك في وجود الرب ~~هل هو وجود محض أو وجود مقارن للماهية ويقول الحق عندي الوقف في هذه ~~المسألة # ويقول أفضلهم عند نفسه عند الموت أخرج من الدنيا وما عرفت إلا مسألة ~~واحدة وهي أن الممكن يفتقر إلى واجب ثم قال الافتقار أمر عدمي فأموت ولم ~~أعرف شيئا وهذا أكثر من أن يذكر كما قال بعض السلف أكثر الناس شكا عند ~~الموت أرباب الكلام # وآخرون أعظم تكلفا من هؤلاء وأبعد شيء عن العلم النافع وهم أرباب الهيولي ~~والصورة والاصطقصات والأركان والعلل والأربعة والجواهر العقلية والمفارقات ~~والمجردات والمقولات العشر والكليات الخمس والمختلطات والموجهات والقضايا ~~المسوارات والقضايا المهملات فهو أعظم الطوائف تكلفا وأقلهم تحصيلا للعلم ~~النافع والعمل الصالح # وكذلك المتكلفون من أصحاب الإرادة والسلوك وأرباب الحال والمقام والوقت ~~والمكان والبادي والباذه والوارد والخاطر والواقع والقادح واللامع ~~PageV03P437 والغيبة والحضور والمحق والحق والسكر واللوائح والطوالع والعطش ~~والدهش والتلبيس والتمكين والتلوين والاسم والرسم والجمع وجمع الجمع وجمع ~~الشواهد وجمع الوجود والأثر والكون والبون والاتصال والانفصال والمسامرة ~~والمشاهدة والمعاينة والتجلي والتخلي وأنا بلا أنا وأنت بلا أنت ونحن بلا ~~نحن وهو بلا هو وكل ذلك أدنى إشارة إلى تكلف هؤلاء الطوائف وتنطعهم وكذلك ~~كثير من المنتسبين إلى الفقه لهم مثل هذا التكلف وأعظم منه # فكل هؤلاء محجوبون بما لديهم موقوفون على ما عندهم خاضوا بزعمهم بحار ~~العلم وما ابتلت أقدامهم وكدوا أفكارهم وأذهانهم وخواطرهم وما استنارت ~~بالعلم الموروث عن الرسل قلوبهم وأفهامهم فرحين بما عندهم من العلوم راضين ~~بما قيدوا به من الرسوم فهم في واد ms1152 ورسول الله وأصحابه رضي الله عنهم في ~~واد والله يعلم أنا لم نتجاوز فيهم القول بل قصرنا فيما ينبغي لنا أن نقوله ~~فذكرنا غضبا من فيض وقليلا من كثير # وهؤلاء كلهم داخلون تحت الرأي الذي اتفق السلف على ذمه وذم أهله # فهم أهل الرأي حقا الذين قال فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم إياكم ~~وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي ~~فضلوا وأضلوا وقال أيضا أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يعوها وتفلتت ~~عليهم أن يرووها فاشتغلوا عنها بالرأي وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه أي ~~أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم وقال ~~عمر رضي الله عنه يا أيها الناس إن الرأي كان من رسول الله مصيبا لأن الله ~~عز وجل كان يريه وإنما هو منا الظن والتكلف وقال ابن عباس رضي الله عنهما ~~من أحدث رأيا ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله لم يرد ما هو ~~على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل وقال عمر رضي الله عنه يا أيها الناس ~~اتهموا رأيكم PageV03P438 على الدين فقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول الله ~~برأيي أجتهد والله ما آلو ذلك يوم أبي جندل والكتاب يكتب فقالوا تكتب باسمك ~~اللهم فرضي رسول الله وأبيت فقال يا عمر تراني قد رضيت وتأبى وقال في ~~الحديث الذي رويناه من طريق مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج أخبرني ~~سليمان بن عتيق عن طلق بن حبيب عن الأحنف بن قيس عن عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه عن النبي قال ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون ألا هلك ~~المتنطعون فإن لم تكن هذه الألفاظ والمعاني التي نجدها في كثير من كلام ~~هؤلاء تنطعا فليس للتنطع حقيقة والله سبحانه وتعالى أعلم # | فصل فإن لم يسمح قلبك بكون التوبة غاية مقامات السالكين ولم تصغ # إلى شيء مما ذكرنا وأبيت إلا أن يكون تلاشي ms1153 نهاية الاتصال في عين الوجود ~~محقا وتلاشى علوم الشواهد في العلم اللدني صرفا وجمع الوجود وجمع العين هو ~~نهاية مقامات السالكين إلى الله بحيث يدخل في ذلك كل سالك فاعلم أن هذا ~~الجمع المذكور بمجرد لا يعطي عبودية ولا إيمانا فضلا عن أن يكون غاية كل ~~نبي وولي وعارف فإن هذا الجمع يحصل للصديق والزنديق وللملاحدة والإتحادية ~~منه حظ كبير وحوله يدندنون وهو عندهم نهاية التحقيق فأين تحقيق العبودية ~~والقيام بأعبائها واحتمال فرائضها وسننها وأدائها والجهاد لأعداء الله ~~والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحمل الأذى في الله في ~~هذا الجمع وأين معرفة الأسماء والصفات فيه مفصلا وأين معرفة ما يحبه الرب ~~تعالى ويكرهه فيه مفصلا وأين معرفة خير الخيرين وشر الشرين فيه وأين العلم ~~بمراتب العبودية ومنازلها فيه # فالحق أن نهاية السالكين تكميل مرتبة العبودية صرفا وهذا مما لا سبيل ~~PageV03P439 إليه لبني الطبيعة وإنما خص بذلك الخليلان عليهما الصلاة ~~والسلام من بين سائر الخلق أما إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه فإن ~~الله عز وجل شهد له بأنه وفي وأما سيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه فإنه ~~كمل مرتبة العبودية فاستحق التقديم على سائر الخلائق فكان صاحب الوسيلة ~~والشفاعة التي يتأخر عنها جميع الرسل ويقول هو أنا لها ولهذا ذكره الله ~~سبحانه وتعالى بالعبودية في أعلى مقاماته وأشرف أحواله كقوله تعالى @QB@ ~~سبحان الذي أسرى بعبده ليلا @QE@ وقوله @QB@ وأنه لما قام عبد الله يدعوه ~~@QE@ وقوله @QB@ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا @QE@ وقوله تبارك ~~الله الذي نزل الفرقان على عبده ولهذا يقول المسيح حين يرغب إليه في ~~الشفاعة اذهبوا إلى محمد عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فاستحق تلك ~~الرتبة العليا بتكميل عبوديته لله وبكمال مغفرة الله له # فرجع الأمر إلى أن غاية المقامات ونهايتها هو التوبة والعبودية المحضة لا ~~جمع العين ولا جمع الوجود ولا تلاشي الاتصال # فإن قلت فهذا الجمع إنما يحصل لمن قام بحقيقة التوبة والعبودية # قيل ليس كذلك بل ms1154 الجمع الذي يحصل لمن قام بذلك هو جمع الرسل وخلفائهم وهو ~~جمع الهمة على الله سبحانه محبة وإنابة وتوكلا وخوفا ورجاء ومراقبة وجمع ~~الهمة على تنفيذ أوامر الله في الخلق ودعوة وجهادا فهما جمعان جمع القلب ~~على المعبود وحده وجمع الهم له على محض عبوديته # فإن قلت فأين شاهد هذين الجمعين قلت في القرآن كله فخذه من فاتحة الكتاب ~~في قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ وتأمل ما في قوله إياك التخصيص ~~لذاته المقدسة بالعبادة والاستعانة وما في قوله نعبد الذي هو للحال ~~والاستقبال وللعبادة الظاهرة والباطنة من استيفاء أنواع العبادة حالا ~~واستقبالا قولا وعملا ظاهرا وباطنا والاستعانة على ذلك به لا بغيره ولهذا ~~PageV03P440 كانت الطريق كلها في هاتين الكلمتين وهي معنى قولهم الطريق في ~~إياك أريد بما تريد فجمع المراد في واحد والإرادة في مراده الذي يحبه ~~ويرضاه فالى هذا دعت الرسل من أولهم إلى آخرهم وإليه شخص العاملون وتوجه ~~المتوجهون وكل الأحوال والمقامات من أولها إلى آخرها مندرجة في ضمن ذلك ومن ~~ثمراته وموجباته # فالعبودية تجمع كمال الحب في كمال الذل وكمال الانقياد لمراضي المحبوب ~~وأوامره فهي الغاية التي ليس فوقها غاية وإذا لم يكن إلى القيام بحقيقتها ~~كما يجب سبيل فالتوبة هي المعول والآخية وقد عرفت بهذا وبغيره أن الحاجة ~~إليها في النهاية أشد من الحاجة إليها في البداية ولولا تنسم روحها لحال ~~اليأس بين ابن الماء والطين وبين الوصول إلى رب العالمين هذا لو قام بما ~~ينبغي عليه أن يقوم به لسيده من حقوقه فكيف والغفلة والتقصير والتفريط ~~والتهاون وإيثار حظوظه في كثير من الأوقات على حقوق ربه لا يكاد يتخلص منها ~~ولا سيما السالك على درب الفناء والجمع لأن ربه يطالبه بالعبودية ونفسه ~~تطالبه بالجمع والفناء ولو حقق النظر مع نفسه وحاسبها حسابا صحيحا لتبين له ~~أن حظه يريد ولذته يطلب نعم كل أحد يطلب ذلك لكن الشأن في الفرق بين من صار ~~حظه نفس مرضاة الله ومحابه أحبت ذلك نفسه أو كرهته وبين من حظه ms1155 ما يريد من ~~ربه فالأول حظه مراد ربه الديني الشرعي منه وهذا حظه مراده من ربه وبالله ~~التوفيق # فإن قيل هذا الباب مسلم لأهل الذوق وأنتم تتكلمون بلسان العلم لا بلسان ~~الذوق والذائق واجد والواجد لا يمكنه إنكار موجوده فلا يرجع إلى صاحب العلم ~~بل يدعوه إلى ذوق ما ذاقه ويقول # اقول للائم المهدي ملامته % ذق الهوى وإن اسطعت الملام لم PageV03P441 # قيل لم ينصف من أحال على الذوق فإنها حوالة على محكوم عليه لا على حاكم ~~وعلى مشهود له لا على شاهد وعلى موزون لا على ميزان # ويا سبحان الله هل يدل مجرد ذوق الشيء على حكمه وأنه حق أو باطل وهل جعل ~~الله ورسوله الأذواق والمواجيد حججا وأدلة يميز بها بين ما يحبه ويرضاه ~~وبين ما يكرهه ويسخطه ولو كان ذلك كذلك لاحتج كل مبطل على باطله بالذوق ~~والوجد كما تجده في كثير من أهل الباطل والإلحاد فهؤلاء الاتحادية وهم أكفر ~~الخلق يحتجون بالذوق والوجد على كفرهم وإلحادهم حتى ليقول قائلهم # يا صاحبي أنت تنهاني وتأمرني % والوجد أصدق نهاء وأمار # فإن أطعك وأعص الوجد رحت عم % عن اليقين إلى أوهام أخبار # وعين ما أنت تدعوني إليه إذا % حققته بدل المنهي يا جار # ويقول هذا القائل ثبت عندنا بالكشف والذوق ما يناقض صريح العقل وكل معتقد ~~لأمر جازم به مستحسن له يذوق طعمه فالملحد يذوق طعم الاتحاد والانحلال من ~~الدين والرافضي يذوق طعم الرفض ومعاداة خيار الخلق والقدري يذوق طعم إنكار ~~القدر ويعجب ممن يثبته والجبري عكسه والمشرك يذوق طعم الشرك حتى إنه ~~ليستبشر إذا ذكره إلهه ومعبوده من دون الله ويشمئز قلبه إذا ذكر الله وحده # وهذا الاحتجاج قد سلكه أرباب السماع المحدث الشيطاني الذي هو محض شهوة ~~النفس وهواها واحتجوا على إباحة هذا السماع بما فيه من الذوق والوجد واللذة ~~وأنت تجد النصراني له في تثليثه ذوق ووجد وحنين بحيث لو عرض عليه أشد ~~العذاب لاختاره دون أن يفارق تثليثه لما له فيه من الذوق # وحينئذ فيقال هب ms1156 أن الأمر كما تقول وأن المتكلم المنكر لم يتكلم بلسان ~~الذوق فهل يصح أن يكون ذوق الذائق لذلك حجة صحيحة نافعة له بينه ~~PageV03P442 وبين الله ولو فرضنا أن هذا المنكر قال نعم أنا محجوب عن ~~الوصول إلى ما أنكرته غير ذائق له وأنت ذائق واصل فما علامة ما ذقته ووصلت ~~إليه وما الدليل عليه وأنا لا أنكر ذوقك له ووجدك به ولكن الشأن في المذوق ~~لافي الذوق وإن ذاق المحب العاشق طعم محبته وعشقه لمحبوبه ما كان غاية ذلك ~~إلا أن يدل على وجود محبته وعشقه لا على كون ذلك نافعا له أو ضارا أو موخبا ~~لكماله أو نقصه وبالله التوفيق $ فصل قال صاحب المنازل باب التوحيد قال ~~الله تعالى @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم @QE@ ~~التوحيد تنزيه الله عز وجل عن الحدث وإنما نطق العلماء بما نطقوا به وأشار ~~المحققون بما أشاروا به في هذا الطريق لقصد تصحيح التوحيد وما سواه من حال ~~أو مقام فكله مصحوب بالعلل # قلت التوحيد أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق وأول مقام يقوم فيه السالك ~~إلى الله تعالى قال تعالى لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا ~~الله مالكم من إله غيره وقال هود لقومه اعبدوا الله مالكم من إله غيره وقال ~~صالح لقومه اعبدوا الله مالكم من إله غيره وقال شعيب لقومه اعبدوا الله ~~مالكم من إله غيره وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ # فالتوحيد مفتاح دعوة الرسل ولهذا قال النبي لرسوله معاذ ابن جبل رضي الله ~~عنه وقد بعثه إلى اليمن إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه ~~عبادة الله وحده فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة وذكر الحديث وقال ~~أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~ولهذا كان الصحيح أن ms1157 أول PageV03P443 واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله ~~إلا الله لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك كما هي أقوال لأرباب ~~الكلام المذموم # فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا كما قال ~~النبي من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة فهو أول واجب وآخر واجب ~~فالتوحيد أول الأمر وآخره # قوله التوحيد تنزيه الله عن الحدث هذا الحد لا يدل على التوحيد الذي بعث ~~الله به رسله وأنزل به كتبه وينجو به العبد من النار ويدخل به الجنة ويخرج ~~من الشرك فإنه مشترك بين جميع الفرق وكل من أقر بوجود الخالق سبحانه أقر به ~~فعباد الأصنام والمجوس والنصارى واليهود والمشركون على اختلاف نحلهم كلهم ~~ينزهون الله عن الحدث ويثبتون قدمه حتى أعظم الطوائف على الإطلاق شركا ~~وكفرا وإلحادا وهم طائفة الاتحادية فإنهم يقولون هو الوجود المطلق وهو قديم ~~لم يزل وهو منزه عن الحدث ولم تزل المحدثات تكتسي وجوده تلبسه وتخلعه # والفلاسفة الذين هم أبعد الخلق عن الشرائع وما جاءت به الأنبياء يثبتون ~~واجب الوجود قديما منزها عن الحدث # والمشركون عباد الأصنام الذين يعبدون معه آلهة أخرى يثبتون قديما منزها ~~عن الحدث # فالتنزيه عن الحدث حق لكن لا يعطي إسلاما ولا إيمانا ولا يدخل في شرائع ~~الأنبياء ولا يخرج من نحل أهل الكفر ومللهم ألبتة وهذا القدر لا يخفى على ~~شيخ الإسلام ومحله من العلم والمعرفة محله # ومع هذا فقد سئل سيد الطائفة الجنيد عن التوحيد فقال هو إفراد القديم عن ~~المحدث والجنيد أشار إلى أنه لا تصح دعوى التوحيد ولا مقامه ولا حاله ولا ~~يكون العبد موحدا إلا إذا أفرد القديم عن المحدث فإن كثيرا PageV03P444 ممن ~~ادعى التوحيد لم يفرده سبحانه من المحدثات فإن من نفى مباينته لخلقه فوق ~~سمواته على عرشه وجعله في كل مكان بذاته لم يفرده عن المحدث بل جعله حالا ~~في المحدثات مخالفا لها موجودا فيها بذاته وصوفية هؤلاء وعبادهم هم ~~الحلولية الذين يقولون إن ms1158 الله عز وجل يحل بذاته في المخلوقات وهم طائفتان ~~طائفة تعم الموجودات بحلوله فيها وطائفة تخص به بعضها دون بعض # قال الأشعري في كتاب المقالات هذه حكاية قول قوم من النساك وفي الأمة قوم ~~ينتحلون النسك يزعمون أنه جائز على الله تعالى الحلول في الأجسام وإذا رأوا ~~شيئا يستحسنونه قالوا لا ندري لعله ربنا # قلت وهذه الفرقة طائفتان إحداهما تزعم أنه سبحانه يحل في الصورة الجميلة ~~المستحسنة والثانية تزعم أنه سبحانه يحل في الكمل من الناس وهم الذين تجردت ~~نفوسهم عن الشهوات واتصفوا بالفضائل وتنزهوا عن الرذائل والنصارى تزعم أنه ~~حل في بدن المسيح وتدرع به والاتحادية تزعم أنه وجود مطلق أكتسته الماهيات ~~فهو عين وجودها # فكل هؤلاء لم يفردوا القديم عن المحدث # | فصل وهذا الإفراد الذي أشار إليه الجنيد نوعان أحدهما إفراد في # الإعتقاد والخبر وذلك نوعان أيضا أحدهما إثبات مباينة الرب تعالى ~~للمخلوقات وعلوه فوق عرشه من فوق سبع سموات كما نطقت به الكتب الإلهية من ~~أولها إلى آخرها وأخبرت به جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم والثاني إفراده ~~سبحانه بصفات كماله وإثباتها له على وجه التفصيل كما أثبتها لنفسه وأثبتها ~~له رسله منزهة عن التعطيل والتحريف والتمثيل والتكييف والتشبيه بل تثبت له ~~سبحانه PageV03P445 حقائق الأسماء والصفات وتنفي عنه فيها مماثلة المخلوقات ~~إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تحريف ولا تعطيل @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير @QE@ # وفي هذا النوع يكون إفراده سبحانه بعموم قضائه وقدره لجميع المخلوقات ~~أعيانها وصفاتها وأفعالها وأنها كلها واقعة بمشيئته وقدرته وعلمه وحكمته ~~فيباين صاحب هذا الإفراد سائر فرق أهل الباطل من الاتحادية والحلولية ~~والجهمية الفرعونية الذين يقولون ليس فوق السموات رب يعبد ولا على العرش ~~إله يصلى له ويسجد والقدرية الذين يقولون إن الله لا يقدر على أفعال العباد ~~من الملائكة والإنس والجن ولا على أفعال سائر الحيوانات بل يقع في ملكه ~~مالا يريد ويريد مالا يكون فيريد شيئا لا يكون ويكون شيء بغير إرادته ~~ومشيئته والله سبحانه أعلم # | فصل والنوع الثاني من ms1159 الإفراد إفراد القديم عن المحدث بالعبادة من # التأله والحب والخوف والرجاء والتعظيم والإنابة والتوكل والاستعانة ~~وابتغاء الوسيلة إليه فهذا الإفراد وذلك الإفراد بهما بعثت الرسل وأنزلت ~~الكتب وشرعت الشرائع ولأجل ذلك خلقت السموات والأرض والجنة والنار وقام سوق ~~الثواب والعقاب فتفريد القديم سبحانه عن المحدث في ذاته وصفاته وأفعاله وفي ~~إرادته وحده ومحبته وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة والحلف به والنذر ~~له والتوبة إليه والسجود له والتعظيم والإجلال وتوابع ذلك ولذلك كانت عبارة ~~الجنيد عن التوحيد عبارة سادة مسددة # فشيخ الإسلام إن أراد ما أراد أبو القاسم فلا إشكال وإن أراد أن ينزه ~~الله سبحانه عن قيام الأفعال الاختيارية به التي يسميها نفاة أفعاله حلول ~~الحوادث ويجعلون تنزيه الرب تعالى عنها من كمال التوحيد بل هو أصل التوحيد ~~عندهم فكأنه قال التوحيد تنزيه الرب تعالى عن حلول الحوادث PageV03P446 ~~وحقيقة ذلك أن التوحيد عندهم تعطيله عن أفعاله ونفيها بالكلية وأنه لا يفعل ~~شيئا ألبتة فإن إثبات فاعل من غير فعل يقوم به ألبتة محال في العقول والفطر ~~ولغات الأمم ولا يثبت كونه سبحانه ربا للعالم مع نفي ذلك أبدا فإن قيام ~~الأفعال به هو معنى الربوبية وحقيقتها ونافى هذه المسألة ناف لأصل الربوبية ~~جاحد لها رأسا # وإن أراد تنزيه الرب تعالى عن سمات المحدثين وخصائص المخلوقين فهو حق ~~ولكنه تقصير في التعبير عن التوحيد فإن إثبات صفات الكمال أصل التوحيد ومن ~~تمام هذا الإثبات تنزيهه سبحانه عن سمات المحدثين وخصائص المخلوقين وقد ~~استدرك عليه الاتحادي في هذا الحد فقال شهود التوحيد يرفع الحدوث أصلا ~~ورأسا فلا يكون هناك وجودان قديم ومحدث فالتوحيد هو أن لا يرى مع الوجود ~~المطلق سواه والله سبحانه أعلم # | فصل وقد تقسمت الطوائف التوحيد وسمى كل طائفة باطلهم توحيدا # فأتباع أرسطوا وابن سينا والنصير الطوسي عندهم التوحيد إثبات وجود مجرد ~~عن الماهية والصفة بل هو وجود مطلق لا يعرض لشيء من الماهيات ولا يقوم به ~~وصف ولا يتخصص بنعت بل صفاته كلها سلوب وإضافات فتوحيد هؤلاء هو ms1160 غاية ~~الإلحاد والجحد والكفر وفروع هذا التوحيد إنكار ذات الرب والقول بقدم ~~الأفلاك وأن الله لا يبعث من في القبور وأن النبوة مكتسبة وأنها حرفة من ~~الحرف كالولاية والسياسة وأن الله لا يعلم عدد الأفلاك ولا الكواكب ولا ~~يعلم شيئا من الموجودات المعينة ألبتة وأنه لا يقدر على قلب شيء من أعيان ~~العالم ولا شق الأفلاك ولا خرقها وأنه لا حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي ~~ولا جنة ولا نار فهذا توحيد هؤلاء # وأما الاتحاديه فالتوحيد عندهم أن الحق المنزه هو عين الخلق المشبه ~~PageV03P447 وأنه سبحانه هو عين وجود كل موجود وحقيقته وماهيته وأنه آية كل ~~شيء وله فيه آية تدل على أنه عينه وهذا عند محققيهم من خطإ التعبير بل هو ~~نفس الآية ونفس الدليل ونفس المستدل ونفس المستدل عليه فالتعدد بوجود ~~اعتبارات وهمية لا بالحقيقة والوجود فهو عندهم عين الناكح وعين المنكوح ~~وعين الذابح وعين المذبوح وعين الآكل وعين المأكول وهذا عندهم هو السر الذي ~~رمزت إليه هوامس الدهور الأولية ورامت إفادته الهداية النبوية كما قاله ~~محققهم وعارفهم ابن سبعين # ومن فروع هذا التوحيد أن فرعون وقومه مؤمنون كاملوا الإيمان عارفون بالله ~~على الحقيقة ومن فروعه أن عباد الأصنام على الحق والصواب وأنهم إنما عبدوا ~~عين الله سبحانه لا غيره ومن فروعه أن الحق أن لا فرق في التحريم والتحليل ~~بين الأم والأخت والأجنبية ولا فرق بين الماء والخمر والزنا والنكاح الكل ~~من عين واحدة بل هو العين الواحدة وإنما المحجوبون عن هذا السر قالوا هذا ~~حرام وهذا حلال نعم هو حرام عليكم لأنكم في حجاب عن حقيقة هذا التوحيد ومن ~~فروعه أن الأنبياء ضيقوا الطريق على الناس وبعدوا عليهم المقصود والأمر ~~وراء ما جاءوا به ودعوا إليه # وأما الجهمية فالتوحيد عندهم إنكار علو الله على خلقه بذاته واستوائه على ~~عرشه وإنكار سمعه وبصره وقوته وحياته وكلامه وصفاته وأفعاله ومحبته ومحبة ~~العباد له فالتوحيد عندهم هو المبالغة في إنكار التوحيد الذي بعث الله به ~~رسله وأنزل به ms1161 كتبه # وأما القدرية فالتوحيد عندهم هو إنكار قدر الله وعموم مشيئته للكائنات ~~وقدرته عليها ومتأخروهم ضموا إلى ذلك توحيد الجهمية فصار حقيقة التوحيد ~~عندهم إنكار القدر وإنكار حقائق الأسماء الحسنى والصفات العلى وربما سموا ~~إنكار القدر والكفر بقضاء الرب وقدره عدلا وقالوا نحن أهل العدل والتوحيد ~~PageV03P448 # وأما الجبرية فالتوحيد عندهم هو تفرد الرب تعالى بالخلق والفعل وأن ~~العباد غير فاعلين على الحقيقة ولا محدثين لأفعالهم ولا قادرين عليها وأن ~~الرب تعالى لم يفعل لحكمة ولا غاية تطلب بالفعل وليس في المخلوقات قوى ~~وطبائع وغرائز وأسباب بل ما ثم إلا مشيئة محضة ترجح مثلا على مثل بغير مرجح ~~ولا حكمة ولا سبب ألبتة # وأما صاحب المنازل ومن سلك سبيله فالتوحيد عندهم نوعان أحدهما غير موجود ~~ولا ممكن وهو توحيد العبد ربه فعندهم # ما وحد الواحد من واحد % إذ كل من وحده جاحد # والثاني توحيد صحيح وهو توحيد الرب لنفسه وكل من ينعته سواه فهو ملحد ~~فهذا توحيد الطوائف ومن الناس إلا أولئك والله سبحانه أعلم # | فصل وأما التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه فوراء ذلك # كله وهو نوعان توحيد في المعرفة والإثبات وتوحيد في المطلب والقصد # فالأول هو حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعلوه فوق سمواته ~~على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده وإثبات عموم قضائه وقدره ~~وحكمه وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جد الإفصاح كما في أول سورة الحديد ~~وسورة طه وآخر سورة الحشر وأول سورة تنزيل السجدة وأول سورة آل عمران وسوة ~~الإخلاص بكمالها وغير ذلك # النوع الثاني مثل ما تضمنته سورة @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ وقوله ~~@QB@ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم @QE@ الآية وأول ~~سورة تنزيل الكتاب وآخرها وأول سورة يونس ووسطها وآخرها وأول سورة الأعراف ~~وآخرها وجملة سورة الأنعام وغالب سور القرآن بل كل سورة في القرآن فهي ~~متضمنة لنوعي التوحيد PageV03P449 # بل نقول قولا كليا إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به ms1162 ~~داعية إليه فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد ~~العلمي الخبري وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من ~~دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه ~~وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده ~~وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده ~~وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في ~~العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد # فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم ف ~~@QB@ الحمد لله @QE@ توحيد @QB@ رب العالمين @QE@ توحيد @QB@ الرحمن الرحيم ~~@QE@ توحيد @QB@ مالك يوم الدين @QE@ توحيد @QB@ إياك نعبد @QE@ توحيد @QB@ ~~وإياك نستعين @QE@ توحيد @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ توحيد متضمن ~~لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد الذين أنعم الله عليهم @QB@ غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ الذين فارقوا التوحيد ولذلك شهد الله لنفسه ~~بهذا التوحيد وشهد له به ملائكته وأنبياؤه ورسله قال @QB@ شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم إن الدين عند الله الإسلام @QE@ # فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد والرد على جميع هذه ~~الطوائف والشهادة يبطلان أقوالهم ومذاهبهم وهذا إنما يتبين بعد فهم الآية ~~ببيان ما تضمنته من المعارف الإلهية والحقائق الإيمانية # فتضمنت هذه الآية أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل ~~مشهود به وعبارات السلف في شهد تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان ~~والإخبار قال مجاهد حكم وقضى وقال الزجاج بين وقالت طائفة أعلم وأخبر وهذه ~~الأقوال كلها حق لا تنافي بينها PageV03P450 فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد ~~وخبره وقوله وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه فلها أربع مراتب فأول مراتبها ~~علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته وثانيها تكلمه بذلك ونطقه به ~~وإن لم يعلم به غيره بل يتكلم به مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها ~~وثالثها أن ms1163 يعلم غيره بما شهد به ويخبره به ويبينه له ورابعها أن يلزمه ~~بمضمونها ويأمره به # فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب ~~الأربعة علم الله سبحانه بذلك وتكلمه به وإعلامه وإخباره لخلقه به وأمرهم ~~وإلزامهم به # أما مرتبة العلم فإن الشهادة بالحق تتضمنها ضرورة وإلا كان الشاهد شاهدا ~~بما لا علم له به قال الله تعالى @QB@ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ ~~وقال النبي على مثلها فاشهد وأشار إلى الشمس # وأما مرتبة التكلم والخبر فمن تكلم بشيء وأخبر به فقد شهد به وإن لم ~~يتلفظ بالشهادة قال تعالى @QB@ قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم ~~هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم @QE@ وقال تعالى وجعلوا الملائكة الذين هم ~~عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم سنكتب شهادتهم ويسألون فجعل ذلك منهم شهادة ~~وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم قال النبي عدلت شهادة ~~الزور الإشراك بالله وشهادة الزور هي قول الزور كما قال تعالى @QB@ ~~واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به @QE@ وعند نزول هذه الآية قال ~~رسول الله عدلت شهادة الزور الإشراك بالله \ ح \ فسمى قول الزور شهادة وسمى ~~الله تعالى إقرار العبد على نفسه شهادة قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم @QE@ فشهادة المرء على نفسه ~~هي إقراره على نفسه وفي الحديث الصحيح في قصة ماعز الأسلمي فلما شهد على ~~نفسه أربع مرات PageV03P451 رجمه رسول الله وقال تعالى @QB@ قالوا شهدنا ~~على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين @QE@ # وهذا وأضعافه يدل على أن الشاهد عند الحاكم وغيره لا يشترط في قبول ~~شهادته أن يتلفظ بلفظ الشهادة كما هو مذهب مالك وأهل المدينة وظاهر كلام ~~أحمد ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين اشتراط ذلك وقد قال ابن عباس ~~شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله نهى عن الصلاة بعد ~~الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس ومعلوم أنهم لم يتلفظوا ms1164 ~~بلفظ الشهادة والعشرة الذين شهد لهم رسول الله بالجنة لم يتلفظ في شهادته ~~لهم بلفظ الشهادة بل قال أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة ~~وعلي في الجنة الحديث # وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ~~فقد دخل في الإسلام وشهد شهادة الحق ولم يتوقف إسلامه على لفظ الشهادة وأنه ~~قد دخل في قوله حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وفي لفظ آخر حتى يقولوا لا ~~إله إلا الله فدل على أن مجرد قولهم لا إله إلا الله شهادة منهم وهذا أكثر ~~من أن تذكر شواهده من الكتاب والسنة فليس مع من اشترط لفظ الشهادة دليل ~~يعتمد عليه والله أعلم # | فصل وأما مرتبة الإعلام والإخبار فنوعان إعلام بالقول وإعلام # بالفعل وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر تارة يعلمه بقوله وتارة بفعله ولهذا ~~كان من جعل دارا مسجدا وفتح بابها لكل من دخل إليها وأذن بالصلاة فيها ~~معلما أنها وقف وأن لم يتلفظ به وكذلك من وجد متقربا إلى غيره بأنواع ~~المسار معلما له ولغيره أنه يحبه وإن لم يتلفظ بقوله وكذلك بالعكس وكذلك ~~شهادة الرب PageV03P452 جل جلاله وبيانه وإعلامه يكون بقوله تارة وبفعله ~~تارة أخرى فالقول هو ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه ومما قد علم بالاضطرار ~~أن جميع الرسل أخبروا عن الله أنه شهد لنفسه بأنه لا إله إلا هو وأخبر بذلك ~~وأمر عباده أن يشهدوا به وشهادته سبحانه أن لا إله إلا هو معلومة من جهة كل ~~من بلغ عنه كلامه # وأما بيانه وإعلامه بفعله فهو ما تضمنه خبره تعالى عن الأدلة الدالة على ~~وحدانيته التي تعلم دلالتها بالعقل والفطرة وهذا أيضا يستعمل فيه لفظ ~~الشهادة كما يستعمل فيه لفظ الدلالة والإرشاد والبيان فإن الدليل يبين ~~المدلول عليه ويظهره كما يبينه الشاهد والمخبر بل قد يكون البيان بالفعل ~~أظهر وأبلغ وقد يسمى شاهد الحال نطقا وقولا وكلاما لقيامه مقامه وأدائه ~~مؤداه كما قيل # وقالت له العينان ms1165 سمعا وطاعة % وحدرتا بالدر لما يثقب # وقال الآخر # شكا إلي جملي طول السرى % صبرا جميلي فكلانا مبتلى # وقال الآخر # امتلأ الحوض وقال قطني % مهلا رويدا قد ملأت بطني # ويسمى هذا شهادة أيضا كما في قوله تعالى @QB@ ما كان للمشركين أن يعمروا ~~مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر @QE@ فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما ~~يفعلون من أعمال الكفر وأقواله فهي شهادة بكفرهم وهم شاهدون على أنفسهم بما ~~شهدت به # والمقصود أن الله سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه فإن ~~دلالتها إنما هي بخلقه وجعله ويشهد بآياته القولية الكلامية المطابقة لما ~~شهدت به آياته الخلقية فتتطابق شهادة القول وشهادة الفعل كما قال تعالى ~~@QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ أي ~~أن القرآن حق فأخبر PageV03P453 أنه يدل بآياته الأفقية والنفسية على صدق ~~آياته القولية الكلامية وهذه الشهادة الفعلية قد ذكرها غير واحد من أئمة ~~العربية والتفسير قال ابن كيسان شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة ~~عند خلقه أنه لا إله إلا هو # | فصل وأما المرتبة الرابعة وهي الأمر بذلك والإلزام به وإن كان مجرد # الشهادة لا يستلزمه لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه فإنه ~~سبحانه شهد به شهادة من حكم به وقضى وأمر وألزم عباده به كما قال تعالى ~~وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وقال تعالى @QB@ وقال الله لا تتخذوا إلهين ~~اثنين إنما هو إله واحد @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين @QE@ وقال تعالى @QB@ لا تجعل مع الله إلها آخر @QE@ وقال ~~الله سبحانه وتعالى @QB@ ولا تدع مع الله إلها آخر @QE@ والقرآن كله شاهد ~~بذلك # ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو فقد أخبر ~~وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله وأن إلهية ما سواه أبطل الباطل ~~وإثباتها أظلم الظلم فلا يستحق العبادة سواه كما لا تصلح الإلهية لغيره ~~وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلها والنهي عن اتخاذ غيره معه إلها ms1166 وهذا ~~يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات كما إذا رأيت رجلا يستفتى أو يستشهد ~~أو يستطب من ليس أهلا لذلك ويدع من هو أهل له فتقول هذا ليس بمفت ولا شاهد ~~ولا طبيب المفتي فلان والشاهد فلان والطبيب فلان فإن هذا أمر منك ونهي # وأيضا فإن الأدلة قد دلت على أنه سبحانه وحده المستحق للعبادة فإذا أخبر ~~أنه هو وحده المستحق للعبادة تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ~~ما يستحقه الرب تعالى عليهم وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم فإذا شهد ~~سبحانه أنه لا إله إلا هو تضمنت شهادته الأمر والإلزام بتوحيده PageV03P454 # وأيضا فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجمل الخبرية فيقال للجملة الخبرية ~~قضية وحكم وقد حكم فيها بكيت وكيت قال تعالى ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد ~~الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين مالكم كيف تحكمون فجعل هذا ~~الإخبار المجرد منهم حكما وقال في موضع آخر أفنجعل المسلمين كالمجرمين ~~مالكم كيف تحكمون لكن هذا حكم لا الزام الإلزام معه والحكم والقضاء بأنه لا ~~إله إلا هو متضمن للإلزام والله سبحانه أعلم # | فصل وقوله تعالى قائما بالقسط القسط هو العدل فشهد الله سبحانه أنه # قائم بالعدل في توحيده وبالوحدانية في عدله والتوحيد والعدل هما جماع ~~صفات الكمال فإن التوحيد يتضمن تفرده سبحانه بالكمال والجلال والمجد ~~والتعظيم الذي لا ينبغي لأحد سواه والعدل يتضمن وقوع أفعاله كلها على ~~السداد والصواب وموافقة الحكمة # فهذا توحيد الرسل وعدلهم إثبات الصفات والأمر بعبادة الله وحده لا شريك ~~له وإثبات القدر والحكم والغايات المطلوبة المحمودة بفعله وأمره لا توحيد ~~الجهمية والمعتزلة والقدرية الذي هو إنكار الصفات وحقائق الأسماء الحسنى ~~وعدلهم الذي هو التكذيب بالقدر أو نفي الحكم والغايات والعواقب الحميدة ~~التي يفعل الله لأجلها ويأمر وقيامه سبحانه بالقسط في شهادته يتضمن أمورا # أحدها أنه قائم بالقسط في هذه الشهادة التي هي أعدل شهادة على الإطلاق ~~وإنكارها وجحودها أعظم الظلم على الإطلاق فلا أعدل من التوحيد ولا أظلم من ~~الشرك فهو سبحانه قائم ms1167 بالعدل في هذه الشهادة قولا وفعلا حيث شهد بها وأخبر ~~وأعلم عباده وبين لهم تحقيقها وصحتها وألزمهم بمقتضاها وحكم PageV03P455 به ~~وجعل الثواب والعقاب عليها وجعل الأمر والنهي من حقوقها وواجباتها فالدين ~~كله من حقوقها والثواب كله عليها والعقاب كله على تركها # وهذا هو العدل الذي قام به الرب تعالى في هذه الشهادة فأوامره كلها تكميل ~~لها وأمر بأداء حقوقها ونواهيه كلها صيانة لها عما يهضمها ويضادها وثوابه ~~كله عليها وعقابه كله على تركها وترك حقوقها وخلقه السموات والأرض وما ~~بينهما كان بها ولأجلها وهي الحق الذي خلقت به وضدها هو الباطل والعبث الذي ~~نزه نفسه عنه وأخبر أنه لم يخلق به السموات والأرض قال تعالى ردا على ~~المشركين المنكرين لهذه الشهادة @QB@ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما ~~باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار @QE@ وقال تعالى حم ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون وقال وهو الذي جعل ~~الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ~~الله ذلك إلا بالحق وقال أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم ~~لكافرون وقال وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ماخلقناهما إلا ~~بالحق وهذا كثير في القرآن والحق الذي خلقت به السموات والأرض ولأجله هو ~~التوحيد وحقوقه من الأمر والنهي والثواب والعقاب فالشرع والقدر والخلق ~~والأمر والثواب والعقاب قائم بالعدل والتوحيد صادر عنهما وهذا هو الصراط ~~المستقيم الذي عليه الرب سبحانه وتعالى قال تعالى حكاية عن نبيه هود @QB@ ~~إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على ~~صراط مستقيم @QE@ فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله فهو يقول الحق ~~ويفعل العدل @QB@ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل @QE@ PageV03P456 @QB@ ~~لكلماته وهو السميع العليم @QE@ @QB@ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل @QE@ # فالصراط ms1168 المستقيم الذي عليه ربنا تبارك وتعالى هو مقتضى التوحيد والعدل ~~قال تعالى @QB@ وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل ~~على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم @QE@ فهذا مثل ضربه الله لنفسه وللصنم فهو سبحانه الذي يأمر ~~بالعدل وهو على صراط مستقيم والصنم مثل العبد الذي هو كل على مولاه أينما ~~يوجهه لا يأت بخير # والمقصود أن قوله تعالى قائما بالقسط هو كقوله @QB@ إن ربي على صراط ~~مستقيم @QE@ وقوله قائما بالقسط نصب على الحال وفيه وجهان أحدهما أنه حال ~~من الفاعل في شهد الله والعامل فيها الفعل والمعنى على هذا شهد الله حال ~~قيامه بالقسط أنه لا إله إلا هو والثاني أنه حال من قوله هو والعامل فيها ~~معنى النفي أي لا إله إلا هو حال كونه قائمة بالقسط وبين التقديرين فرق ~~ظاهر فإن التقدير الأول يتضمن أن المعنى شهد الله متكلما بالعدل مخبرا به ~~آمرا به فاعلا له مجازيا به أنه لا إله إلا هو فإن العدل يكون في القول ~~والفعل والمقسط هو العادل في قوله وفعله فشهد الله قائما بالعدل قولا وفعلا ~~أنه لا إله إلا هو وفي ذلك تحقيق لكون هذه الشهادة شهادة عدل وقسط وهي أعدل ~~شهادة كما أن المشهود به أعدل شيء PageV03P457 وأصحه وأحقه وذكر ابن السائب ~~وغيره في سبب نزول الآية ما يشهد بذلك وهو أن حبرين من أحبار الشأم قدما ~~على النبي فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه ما أشبه هذه المدينة ~~بمدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان فلما دخلا على النبي قالا له أنت ~~محمد قال نعم وأحمد قال نعم قالا نسألك عن شهادة فإن أخبرتنا بها آمنا بك ~~قال سلاني قالا أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فنزلت @QB@ شهد الله أنه ~~لا إله إلا هو @QE@ الآية وإذا كان القيام بالقسط يكون في القول والفعل كان ~~المعنى أنه كان سبحانه يشهد وهو قائم بالعدل عالم به ms1169 لا بالظلم فإن هذه ~~الشهادة تضمنت قولا وعملا فإنها تضمنت أنه هو الذي يستحق العبادة وحده دون ~~غيره وأن الذين عبدوه وحده هم المفلحون السعداء وأن الذين أشركوا به غيره ~~هم الضالون الأشقياء فإذا شهد قائما بالعدل المتضمن جزاء المخلصين بالجنة ~~وجزاء المشركين بالنار كان هذا من تمام موجب الشهادة وتحقيقها وكان قوله ~~قائما بالقسط تنبيها على جزاء الشاهد بها والجاحد لها والله أعلم # | فصل وأما التقدير الثاني وهو أن يكون قوله قائما حالا مما بعد إلا # فالمعنى أنه لا إله إلا هو قائما بالعدل فهو وحده المستحق الإلهية مع ~~كونه قائما بالقسط قال شيخنا وهذا التقدير أرجح فإنه يتضمن أن الملائكة ~~وأولي العلم يشهدون له بأنه لا إله إلا هو وأنه قائم بالقسط # قلت مراده أنه إذا كان قوله قائما بالقسط حالا من المشهود به فهو كالصفة ~~له فإن الحال صفة في المعنى لصاحبها فإذا وقعت الشهادة على ذي الحال ~~وصاحبها كان كلاهما مشهودا به فيكون الملائكة وأولوا العلم قد شهدوا بأنه ~~قائم بالقسط كما شهدوا بأنه لا إله إلا هو والتقدير الأول لا يتضمن ذلك ~~فإنه إذا كان التقدير شهد الله قائما بالقسط أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~PageV03P458 وأولو العلم يشهدون أنه لا إله إلا هو كان القيام بالقسط حالا ~~من اسم الله وحده # وأيضا فكونه قائما بالقسط فيما شهد به أبلغ من كونه حالا من مجرد الشهادة # فإن قيل فإذا كان حالا من هو فهلا اقترن به ولم فصل بين صاحب الحال ~~وبينها بالمعطوف فجاء متوسطا بين صاحب الحال وبينها # قلت فائدته ظاهرة فإنه لو قال شهد الله أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط ~~والملائكة وأولو العلم لأوهم عطف الملائكة وأولي العلم على الضمير في قوله ~~قائما بالقسط ولا يحسن العطف لأجل الفصل وليس المعنى على ذلك قطعا وإنما ~~المعنى على خلافه وهو أن قيامه بالقسط مختص به كما أنه مختص بالإلهية فهو ~~وحده الإله المعبود المستحق العبادة وهو وحده المجازي المثيب المعاقب ~~بالعدل # قوله ms1170 لا إله إلا هو ذكر محمد بن جعفر أنه قال الأولى وصف وتوحيد والثانية ~~رسم وتعليم أي قولوا لا إله إلا هو ومعنى هذا أن الأولى تضمنت أن الله ~~سبحانه شهد بها وأخبر بها والتالي للقرآن إنما يخبر عن شهادته هو وليس في ~~ذلك شهادة من التالي نفسه فأعاد سبحانه ذكرها مجردة ليقولها التالي فيكون ~~شاهدا هو أيضا # وأيضا فالأولى خبر عن الشهادة بالتوحيد والثانية خبر عن نفس التوحيد وختم ~~بقوله العزيز الحكيم فتضمنت الآية توحيده وعدله وعزته وحكمته فالتوحيد ~~يتضمن ثبوت صفات كماله ونعوت جلاله وعدم المماثل له فيها وعبادته وحده لا ~~شريك له والعدل يتضمن وضعه الأشياء موضعها وتنزيلها منازلها وأنه لم يخص ~~شيئا منها إلا بمخصص اقتضى ذلك وأنه لا يعاقب من لا يستحق العقوبة ولا يمنع ~~من يستحق العطاء وإن كان هو الذي جعله مستحقا والعزة تتضمن كمال قدرته ~~وقوته وقهره والحكمة PageV03P459 تتضمن كمال علمه وخبرته وأنه أمر ونهى ~~وخلق وقدر لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة التي يستحق عليها كمال ~~الحمد # فاسمه العزيز يتضمن الملك واسمه الحكيم يتضمن الحمد وأول الآية يتضمن ~~التوحيد وذلك حقيقة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير وذلك أفضل ما قاله رسول الله والنبيون من قبله والحكيم ~~الذي إذا أمر بأمر كان حسنا في نفسه وإذا نهى عن شيء كان قبيحا في نفسه ~~وإذا أخبر بخبر كان صدقا وإذا فعل فعلا كان صوابا وإذا أراد شيئا كان أولى ~~بالإرادة من غيره وهذا الوصف على الكمال لا يكون إلا لله وحده # فتضمنت هذه الآية وهذه الشهادة الدلالة على وحدانيته المنافية للشرك ~~وعدله المنافي للظلم وعزته المنافية للعجز وحكمته المنافية للجهل والعيب ~~ففيها الشهادة له بالتوحيد والعدل والقدرة والعلم والحكمة ولهذا كانت أعظم ~~شهادة # ولا يقوم بهذه الشهادة على وجهها من جميع الطوائف إلا أهل السنة وسائر ~~طوائف أهل البدع لا يقومون بها فالفلاسفة أشد الناس إنكارا وجحودا لمضمونها ~~من ms1171 أولها إلى آخرها وطوائف الاتحادية هم أبعد خلق الله عنها من كل وجه ~~وطائفة الجهمية تنكر حقيقتها من وجوه # منها أن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة له واشتياقا إليه وإنابة وعندهم ~~أن الله لا يحب ولا يحب # ومنها أن الشهادة كلامه وخبره عما شهد به وهو عندهم لا يقول ولا يتكلم ~~ولا يشهد ولا يخبر # ومنها أنها تتضمن مباينته لخلقه بذاته وصفاته وعند فرعونيهم أنه لا يباين ~~الخلق ولا يحايثهم وليس فوق العرش إله يعبد ولا رب يصلى له ويسجد ~~PageV03P460 وعند حلوليتهم أنه حال في كل مكان بذاته حتى في الأمكنة التي ~~يستحي من ذكوها فهؤلاء مثبتة الجهمية وأولئك نفاتهم # ومنها أن قيامه بالقسط في أفعاله وأقواله وعندهم أنه لم يقم ولا يقوم به ~~فعل ولا قول ألبتة وأن قوله مخلوق من بعض المخلوقات وفعله هو المفعول ~~المنفصل وأما أن يكون له فعل يكون به فاعلا حقيقة فلا # ومنها أن القسط عندهم لا حقيقة له بل كل ممكن فهو قسط وليس في مقدوره ما ~~يكون ظلما وقسطا بل الظلم عندهم هو المحال الممتنع لذاته والقسط هو الممكن ~~فنزه الله سبحانه نفسه على قولهم عن المحال الممتنع لذاته الذي لا يدخل تحت ~~القدرة # ومنها أن العزة هي القوة والقدرة وعندهم لا يقوم به صفة ولا له صفة وقدرة ~~تسمى قدرة وقوة # ومنها أن الحكمة هي الغاية التي يفعل لأجلها وتكون هي المطلوبة بالفعل ~~ويكون وجودها أولى من عدمها وهذا عندهم ممتنع في حقه سبحانه فلا يفعل لحكمة ~~ولا غاية بل لا غاية لفعله ولا أمره وما ثم إلا محض المشيئة المجردة عن ~~الحكمة والتعليل # ومنها أن الإله هو الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى وهو الذي يفعل ~~بقدرته ومشيئته وحكمته وهو الموصوف بالصفات والأفعال المسمى بالأسماء التي ~~قامت بها حقائقها ومعانيها وهذا لا يثبته على الحقيقة إلا أتباع الرسل وهم ~~أهل العدل والتوحيد PageV03P461 # | فصل فالجهمية والمعتزلة تزعم أن ذاته لا تحب ووجهه لا يرى ولا يلتذ # بالنظر إليه ولا تشتاق ms1172 القلوب إليه فهم في الحقيقة منكرون الإلهية # والقدرية تنكر دخول أفعال الملائكة والجن والإنس وسائر الحيوان تحت قدرته ~~ومشيئته وخلقه فهم منكرون في الحقيقة لكمال عزته وملكه # والجبرية تنكر حكمته وأن يكون له في أفعاله وأوامره غاية يفعل ويأمر ~~لأجلها فهم منكرون في الحقيقة لحكمته وحمده # وأتباع ابن سينا والنصير الطوسي وفروخهما ينكرون أن يكون ماهية غير ~~الوجود المطلق وأن يكون له وصف ثبوتي زائد على ماهية الوجود فهم في الحقيقة ~~منكرون لذاته وصفاته وأفعاله لا يتحاشون من ذلك # والاتحادية أدهى وأمر فإنهم رفعوا القواعد من الأصل وقالوا ما ثم وجود ~~خالق ووجود مخلوق بل الخلق المشبه هو عين الحق المنزه كل ذلك من عين واحدة ~~بل هو العين الواحدة # فهذه الشهادة العظيمة كل هؤلاء هم بها غير قائمين وهي متضمنة لإبطال ما ~~هم عليه ورده كما تضمنت إبطال ما عليه المشركون ورده وهي مبطلة لقول طائفتي ~~الشرك والتعطيل ولا يقوم بهذه الشهادة إلا أهل الإثبات الذين يثبتون لله ما ~~أثبته لنفسه من الأسماء والصفات وينفون عنه مماثلة المخلوقات ويعبدونه وحده ~~لا يشركون به شيئا # | فصل وإذا كانت شهادته سبحانه تتضمن بيانه للعباد ودلالتهم وتعريفهم # بما شهد به وإلا فلو شهد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها لم ينتفعوا ولم ~~يقم عليهم بها الحجة كما أن الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة ولم ~~يبينها بل كتمها PageV03P462 لم ينتفع بها أحد ولم تقم بها حجة وإذا كان لا ~~ينتفع بها إلا ببيانها فهو سبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ثلاثة السمع ~~والبصر والعقل # أما السمع فبسمع آياته المتلوة القولية المتضمنة لإثبات صفات كماله ونعوت ~~جلاله وعلوه على عرشه فوق سبع سمواته وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من ~~عباده تكلما وتكليما حقيقة لا مجازا # وفي هذا إبطال لقول من قال إنه لم يرد من عباده ما دلت عليه آياته ~~السمعية من إثبات معانيها وحقائقها التي وضعت لها ألفاظها فإن هذا ضد ~~البيان والإعلام ويعود على مقصود الشهادة بالإبطال والكتمان وقد ذم ms1173 الله من ~~كتم شهادة عنده من الله وأخبر أنه من أظلم الظالمين فإذا كانت عند العبد ~~شهادة من الله تحقق ما جاء به رسوله من أعلام نبوته وتوحيد الرسل وأن ~~إبراهيم وأهل بيته كانوا على الإسلام كلهم وكتم هذه الشهادة كان من أظلم ~~الظالمين كما فعله أعداء رسول الله من اليهود الذين كانوا يعرفونه كما ~~يعرفون أبنائهم فكيف يظن بالله سبحانه أنه كتم شهادة الحق التي يشهد بها ~~الجهمية والمعتزلة والمعطلة ولا يشهد بها لنفسه ثم يشهد لنفسه بما يضادها ~~ويناقضها ولا يجامعها بوجه ما سبحانك هذا بهتان عظيم فإن الله سبحانه شهد ~~لنفسه بأنه استوى على العرش وبأنه القاهر فوق عباده وبأن ملائكته يخافونه ~~من فوقهم وأن الملائكة تعرج إليه بالأمر وتنزل من عنده به وأن العمل الصالح ~~يصعد إليه وأنه يأتي ويجيء ويتكلم ويرضى ويغضب ويحب ويكره ويتأذى ويفرح ~~ويضحك وأنه يسمع ويبصر وأنه يراه المؤمنون بأبصارهم يوم لقائه إلى غير ذلك ~~مما شهد به لنفسه وشهد له به رسله وشهدتوشهدت له الجهمية بضد ذلك وقالوا ~~شهادتنا أصح وأعدل من شهادة النصوص فإن النصوص تضمنت كتمان الحق وإظهار ~~خلافه # فشهادة الرب تعالى تكذب هؤلاء أشد التكذيب وتتضمن أن الذي PageV03P463 ~~شهد به قد بينه وأوضحه وأظهره حتى جعله في أعلى مراتب الظهور والبيان وأنه ~~لو كان الحق فيما يقوله المعطلة والجهمية لم يكن العباد قد انتفعوا بما شهد ~~به سبحانه فإن الحق في نفس الأمر عندهم لم يشهد به لنفسه والذي شهد به ~~لنفسه وأظهره وأوضحه فليس يجوز بحق ولا يجوز أن يستفاد منه الحق واليقين # وأما آياته العيانية الخلقية والنظر فيها والاستدلال بها فإنها تدل على ~~ما تدل عليه آياته القولية السمعية وآيات الرب هي دلائله وبراهينه التي بها ~~يعرفه العباد وبها يعرفون أسماءه وصفاته وتوحيده وأمره ونهيه فالرسل تخبر ~~عنه بكلامه الذي تكلم به وهو آياته القولية ويستدلون على ذلك بمفعولاته ~~التي تشهد على صحة ذلك وهي آياته العيانية والعقل يجمع بين هذه وهذه فيجزم ~~بصحة ما ms1174 جاءت به الرسل فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة وهو سبحانه ~~لكمال عدله ورحمته وإحسانه وحكمته ومحبته للعذر وإقامته للحجة لم يبعث نبيا ~~من الأنبياء إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به قال تعالى لقد أرسلنا ~~رسلنا بالبينات وأنزلا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وقال تعالى ~~@QB@ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم ~~لا تعلمون بالبينات والزبر @QE@ وقال تعالى @QB@ قد جاءكم رسل من قبلي ~~بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين فإن كذبوك فقد كذب رسل ~~من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن ~~يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن يكذبوك فقد كذب ~~الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير @QE@ # حتى إن من أخفى آيات الرسل آيات هود عليه السلام حتى قال له قومه @QB@ يا ~~هود ما جئتنا ببينة @QE@ ومع هذا فبينته من أظهر البينات وقد أشار إليها ~~بقوله @QB@ إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون @QE@ PageV03P464 من ~~دونه فيكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة ~~إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم فهذا من أعظم الآيات أن رجلا ~~واحدا يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب غير جزع ولا فزع ولا خوار بل واثق مما ~~قاله جازم به قد أشهد الله أولا على براءته من دينهم ومما هم عليه إشهاد ~~واثق به معتمد عليه معلم لقومه أنه وليه وناصره وأنه غير مسلطهم عليه # ثم أشهدهم إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه بريء من دينهم وآلهتهم التي ~~يوالون عليها ويعادون ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتها # ثم أكد عليهم ذلك بالاستهانة بهم واحتقارهم وازدرائهم وأنهم لو يجتمعون ~~كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه ثم يعاجلونه ولا يمهلونه وفي ضمن ذلك أنهم ~~أضعف وأعجز وأقل من ذلك وأنكم لو رمتموه لانقلبتم بغيظكم مكبوتين مخذولين # ثم قرر دعوته أحسن تقرير وبين أن ربه تعالى وربهم الذي نواصيهم بيده هو ~~وليه ms1175 ووكيله القائم بنصره وتأييده وأنه على صراط مستقيم فلا يخذل من توكل ~~عليه وآمن به ولا يشمت به أعدائه ولا يكون معهم عليه فإن صراطه المستقيم ~~الذي هو عليه في قوله وفعله يمنع ذلك ويأباه # وتحت هذا الخطاب أن من صراطه المستقيم أن ينتقم ممن خرج عنه وعمل بخلافه ~~وينزل به بأسه فإن الصراط المستقيم هو العدل الذي عليه الرب تعالى ومنه ~~انتقامه من أهل الشرك والإجرام ونصره أولياءه ورسله على أعدائهم وأنه يذهب ~~بهم ويستخلف قوما غيرهم ولا يضره ذلك شيئا وأنه القائم سبحانه على كل شيء ~~حفظا ورعاية وتدبيرا وإحصاء # فأي آية وبرهان دليل أحسن من آيات الأنبياء وبراهينهم وأدلتهم وهي شهادة ~~من الله سبحانه لهم بينها لعباده غاية البيان وأظهرها لهم غاية الإظهار ~~PageV03P465 بقوله وفعله وفي الصحيح عنه أنه قال ما من نبي من الأنبياء إلا ~~وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا ~~أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة # ومن أسمائه تعالى المؤمن وهو في أحد التفسيرين المصدق الذي يصدق الصادقين ~~بما يقيم لهم من شواهد صدقهم فهو الذي صدق رسله وأنبياءه فيما بلغوا عنه ~~وشهد لهم بأنهم صادقون بالدلائل التي دل بها على صدقهم قضاء وخلقا فإنه ~~سبحانه أخبر وخبره الصدق وقوله الحق أنه لا بد أن يرى العباد من الآيات ~~الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته رسله حق فقال تعالى ~~سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أي القرآن فإنه ~~هو المتقدم في قوله قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به @QB@ ثم قال ~~@QE@ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد فشهد سبحانه لرسوله بقوله أن ما ~~جاء به حق ووعده أن يرى العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضا ~~ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك وأجل وهو شهادته سبحانه على كل شيء فإن من أسمائه ~~الشهيد الذي لا يغيب عنه ms1176 شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في ~~السماء بل هو مطلع على كل شيء مشاهد له عليم بتفاصيله وهذا استدلال بأسمائه ~~وصفاته والأول استدلال بقوله وكلماته والاستدلال بالآيات الأفقية والنفسية ~~استدلال بأفعاله ومخلوقاته # فإن قلت قد فهمت الاستدلال بكلماته والاستدلال بمخلوقاته فبين لي كيفية ~~الاستدلال بأسمائه وصفاته فإن ذلك أمر لا عهد لنا به في تخاطبنا وكتبنا # قلت أجل هو لعمر الله كما ذكرت وشأنه أجل وأعلى فإن الرب تعالى هو ~~المدلول عليه وآياته هي الدليل والبرهان # فاعلم أن الله سبحانه في الحقيقة هو الدال على نفسه بآياته فهو الدليل ~~لعباده في الحقيقة بما نصبه لهم من الدلالات والآيات وقد أودع في الفطر ~~التي لم تتنجس PageV03P466 بالتعطيل والجحود أنه سبحانه الكامل في أسمائه ~~وصفاته وأنه الموصوف بكل كمال المنزه عن كل عيب ونقص فالكمال كله والجمال ~~والجلال والبهاء والعزة والعظمة والكبرياء كله من لوازم ذاته يستحيل أن ~~يكون على غير ذلك فالحياة كلها له والعلم كله له والقدرة كلها له والسمع ~~والبصر والإرادة والمشيئة والرحمة والغنى والجود والإحسان والبر كله خاص له ~~قائم به وما خفي على الخلق من كماله أعظم وأعظم مما عرفوه منه بل لا نسبة ~~لما عرفوه من ذلك إلى ما لم يعرفوه # ومن كماله المقدس اطلاعه على كل شيء وشهادته عليه بحيث لا يغيب عنه وجه ~~من وجوه تفاصيله ولا ذرة من ذراته باطنا وظاهرا ومن هذا شأنه كيف يليق ~~بالعباد أن يشركوا به وأن يعيدوا معه غيره وأن يجعلوا معه إلها آخر وكيف ~~يليق بكماله أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه ~~ثم ينصره على ذلك ويؤيده ويعلي كلمته ويرفع شأنه ويجيب دعوته ويهلك عدوه ~~ويظهر على يديه من الآيات والبراهين والأدلة ما تعجز عن مثله قوى البشر وهو ~~مع ذلك كاذب عليه مفتر ساع في الأرض بالفساد # ومعلوم أن شهادته سبحانه على كل شيء وقدرته على كل شيء وحكمته وعزته ~~وكماله المقدس يأبى ذلك كل ms1177 الإباء ومن ظن ذلك به وجوزه عليه فهو من أبعد ~~الخلق من معرفته وإن عرف منه بعض صفاته كصفة القدرة وصفة المشيئة # والقرآن مملوء من هذه الطريق وهي طريق الخاصة بل خاصة الخاصة هم الذين ~~يستدلون بالله على أفعاله وما يليق به أن يفعله وما لا يفعله # وإذا تدبرت القرآن رأيته ينادي على ذلك فيبديه ويعبده لمن له فهم وقلب ~~واع عن الله قال الله تعالى ولو تقول علينا بعض الأقاويل PageV03P467 ~~لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين أفلا ~~تراه كيف يخبر سبحانه أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقول عليه بعض ~~الأقاويل بل لا بد أن يجعله عبرة لعباده كما جرت بذلك سنته في المتقولين ~~عليه وقال تعالى أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ~~ههنا انتهى جواب الشرط ثم أخبر خبرا جازما غير متعلق أنه يمحو الله الباطل ~~ويحق الحق وقال تعالى وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على ~~بشر من شيء فأخبر أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره ولا عرفه ~~كما ينبغي ولا عظمه كما يستحق فكيف من ظن أنه ينصر الكاذب المفتري عليه ~~ويؤيده ويظهر على يديه الآيات والأدلة وهذا في القرآن كثير جدا يستدل ~~بكماله المقدس وأوصافه وجلاله على صدق رسله وعلى وعده ووعيده ويدعو عباده ~~إلى ذلك كما يستدل بأسمائه وصفاته على وحدانيته وعلى بطلان الشرك كما في ~~قوله هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو ~~الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر سبحان الله عما يشركون وأضعاف أضعاف ذلك في القرآن # ويستدل سبحانه بأسمائه وصفاته على بطلان ما نسب إليه من الأحكام والشرائع ~~الباطلة وأن كماله المقدس يمنع من شرعها كقوله وإذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون ms1178 ~~على الله مالا تعلمون وقوله عقيب ما نهى عنه وحرمه من الشرك والظلم ~~والفواحش والقول عليه بلا علم كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها فأعلمك أن ما ~~كان سيئة في نفسه فهو يكرهه وكماله يأبى أن يجعله شرعا له ودينا فهو سبحانه ~~يدل عباده بأسمائه وصفاته على ما يفعله ويأمر به وما يحبه ويبغضه ويثيب ~~عليه ويعاقب عليه ولكن هذه الطريق لا يصل إليها PageV03P468 إلا خاصة ~~الخاصة فلذلك كانت طريقة الجمهور الدلالات بالآيات المشاهدة فإنها أوسع ~~وأسهل تناولا والله سبحانه يفضل بعض خلقه على بعض ويرفع درجات من يشاء وهو ~~العليم الحكيم # فالقرآن العظيم قد اجتمع فيه مالم يجتمع في غيره فإنه هو الدعوة والحجة ~~وهو الدليل والمدلول عليه وهو الشاهد والمشهود له وهو الحكم والدليل وهو ~~الدعوة والبينة قال الله تعالى أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ~~أي من ربه وهو القرآن وقال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله أولم يكفهم ~~أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون قل ~~كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السموات والأرض والذين آمنوا ~~بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون فأخبر سبحانه أن الكتاب الذي أنزله ~~على رسوله يكفي عن كل آية ففيه الحجة والدلالة على أنه من الله وأن الله ~~سبحانه أرسل به رسوله وفيه بيان ما يوجب لمن اتبعه السعادة وينجبه من ~~العذاب ثم قال قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السموات والأرض ~~فإذا كان الله سبحانه عالما بجميع الأشياء كانت شهادته أصدق شهادة وأعدلها ~~فإنها شهادة بعلم تام محيط بالمشهود به فيكون الشاهد به أعدل الشهداء ~~وأصدقهم وهو سبحانه يذكر علمه عند شهادته وقدرته وملكه عند مجازاته وحكمته ~~عند خلقه وأمره ورحمته عند ذكر إرسال رسوله وحلمه عند ذكر ذنوب عباده ~~ومعاصيهم وسمعه عند ذكر دعائهم ومسألته وعزته وعلمه عند قضائه وقدره # فتأمل ورود أسمائه الحسنى في كتابه وارتباطها بالخلق والأمر والثواب ~~والعقاب # | فصل ms1179 ومن هذا قوله تعالى ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله # شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب فاستشهد على رسالته PageV03P469 ~~بشهادة الله له ولا بد أن تعلم هذه الشهادة وتقوم بها الحجة على المكذبين ~~له وكذلك قوله قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وكذلك قوله ~~لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله ~~شهيدا وكذلك قوله يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين وقوله تلك آيات الله ~~نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين وقوله والله يعلم أنك لرسوله وقوله ~~محمد رسول الله فهذا كله شهادة منه لرسوله قد أظهرها وبينها وبين صحتها ~~غاية البيان بحيث قطع العذر بينه وبين عباده وأقام الحجة عليهم فكونه ~~سبحانه شاهدا لرسوله معلوم بسائر أنواع الأدلة عقليها ونقليها وفطريها ~~وضروريها ونظريها # ومن نظر في ذلك وتأمله علم أن الله سبحانه شهد لرسوله أصدق الشهادة ~~وأعدلها وأظهرها وصدقه بسائر أنواع التصديق بقوله الذي أقام البراهين على ~~صدقه فيه وبفعله وإقراره وبما فطر عليه عباده من الإقرار بكماله وتنزيهه عن ~~القبائح وعما لا يليق به وفي كل وقت يحدث من الآيات الدالة على صدق رسوله ~~ما يقيم به الحجة ويزيل به العذر ويحكم له ولأتباعه بما وعدهم به من العز ~~والنجاة والظفر والتأييد ويحكم على أعدائه ومكذبيه بما توعدهم به من الخزي ~~والنكال والعقوبات المعجلة الدالة على تحقيق العقوبات المؤجلة هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا فيظهره ~~ظهورين ظهورا بالحجة والبيان والدلالة وظهورا بالنصر والظفر والغلبة ~~والتأييد حتى يظهره على مخالفيه ويكون منصورا # وقوله لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون فما فيه ~~من الخبر عن علم الله الذي لا يعلمه غيره من أعظم الشهادة بأنه هو الذي ~~أنزله كما قال في الآية الأخرى أم يقولون افتراه قل فاتوا PageV03P470 بعشر ~~سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم ~~يستجيبوا لكم فاعلموا ms1180 انما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم ~~مسلمون وليس المراد مجرد الإخبار بأنه أنزله وهو معلوم له كما يعلم سائر ~~الأشياء فإن كل شيء معلوم له من حق وباطل وإنما المعنى أنزله مشتملا على ~~علمه فنزوله مشتملا على علمه هو آية كونه من عنده وأنه حق وصدق ونظير هذا ~~قوله قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض ذكر ذلك سبحانه تكذيبا ~~وردا على من قال افتراه # | فصل ومن شهادته أيضا ما أودعه في قلوب عباده من التصديق الجازم # واليقين الثابت والطمأنينة بكلامه ووحيه فإن العادة تحيل حصول ذلك بما هو ~~من أعظم الكذب والافتراء على رب العالمين والإخبار عنه بخلاف ما هو عليه من ~~أسمائه وصفاته بل ذلك يوقع أعظم الريب والشك وتدفعه الفطر والعقول السليمة ~~كما تدفع الفطر التي فطر عليها الحيوان الأغذية الخبيثة الضارة التي لا ~~تغذى كالأبوال والأنتان فإن الله سبحانه فطر القلوب على قبول الحق ~~والانقياد له والطمأنينة به والسكون إليه ومحبته وفطرها على بغض الكذب ~~والباطل والنفور عنه والريبة به وعدم السكون إليه ولو بقيت الفطر على حالها ~~لما آثرت على الحق سواه ولما سكنت إلا إليه ولا اطمأنت إلا به ولا أحبت ~~غيره ولهذا ندب الله عز وجل عباده إلى تدبر القرآن فإن كل من تدبره أوجب له ~~تدبره علما ضروريا ويقينا جازما أنه حق وصدق بل أحق كل حق وأصدق كل صدق وأن ~~الذي جاء به أصدق خلق الله وأبرهم وأكملهم علما وعملا ومعرفة كما قال تعالى ~~أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~وقال تعالى أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها فلو رفعت الأقفال عن ~~القلوب PageV03P471 لباشرتها حقائق القرآن واستنارت فيها مصابيح الإيمان ~~وعلمت علما ضروريا يكون عندها كسائر الأمور الوجدانية من الفرح والألم ~~والحب والخوف أنه من عند الله تكلم به حقا وبلغه رسوله جبريل عنه إلى رسوله ~~محمد فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد وبه احتج هرقل ms1181 على أبي سفيان ~~حيث قال له فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فقال لا فقال له ~~وكذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد وقد أشار تعالى ~~إلى هذا المعنى في قوله بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وقوله ~~ويرى الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به وقوله ويرى الذين أوتوا ~~العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق وقوله أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ~~ربك الحق كمن هو أعمى وقوله ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ~~قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب يعني أن الآية التي يقترحونها ~~لا توجب هداية بل الله هو الذي يهدي ويضل ثم نبههم على أعظم آية وأجلها وهي ~~طمأنينة قلوب المؤمنين بذكره الذي أنزله فقال الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم ~~بذكر الله أي بكتابه وكلامه ألا بذكر الله تطمئن القلوب فطمأنينة القلوب ~~الصحيحة والفطر السليمة به وسكونها إليه من أعظم الآيات إذ يستحيل في ~~العادة أن تطمئن القلوب وتسكن إلى الكذب والافتراء والباطل فإن قيل فلم لم ~~يذكر الله سبحانه شهادة رسله مع الملائكة فيقول شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة والرسل وهم أعظم شهادة من أولي العلم # قيل في ذلك عدة فوائد # إحداها أن أولي العلم أعم من الرسل والأنبياء فيدخلون هم وأتباعهم # وثانيها أن في ذكر أولي العلم في هذه الشهادة وتعليقها بهم ما يدل على ~~أنها من موجبات العلم ومقتضايته وأن من كان من أولي العلم فإنه يشهد ~~PageV03P472 بهذه الشهادة كما يقال إذا طلع الهلال واتضح فإن كل من كان من ~~أهل النظر يراه وإذا فاحت رائحة ظاهرة فكل من كان من أهل الشم يشم هذه ~~الرائحة قال تعالى وبرزت الجحيم لمن يرى أي كل من له رؤية يراها حينئذ ~~عيانا ففي هذا بيان أن من لم يشهد له الله سبحانه بهذه الشهادة فهو من أعظم ~~الجهال وإن علم من أمور ms1182 الدنيا مالم يعلمه غيره فهو من أولي الجهل لا من ~~أولي العلم وقد بينا أنه لم يقم بهذه الشهادة ويؤديها على وجهها إلا أتباع ~~الرسل أهل الإثبات فهم أولو العلم وسائر من عداهم أولو الجهل وإن وسعوا ~~القول وأكثروا الجدال # ومنها الشهادة من الله سبحانه لأهل هذه الشهادة أنهم أولو العلم فشهادته ~~لهم أعدل وأصدق من شهادة الجهمية والمعطلة والفرعونية لهم بأنهم جهال وأنهم ~~حشوية وأنهم مشبهة وأنهم مجسمة ونوابت ونواصب فكفاهم أصدق الصادقين لهم ~~بأنهم من أولي العلم إذ شهدوا له بحقيقة ما شهد به لنفسه من غير تحريف ولا ~~تعطيل واثبتوا له حقيقة هذه الشهادة ومضمونها وخصومهم نفوا عنه حقائقها ~~وأثبتوا له ألفاظها ومجازاتها # | فصل وفي ضمن هذه الشهادة الإلهية الثناء على أهل العلم الشاهدين # بها وتعديلها فإنه سبحانه قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته واستشهد ~~بهم جل وعلا على أجل مشهود به وجعلهم حجة على من أنكر هذه الشهادة كما يحتج ~~بالبينة على من أنكر الحق فالحجة قامت بالرسل على الخلق وهؤلاء نواب الرسل ~~وخلفاؤهم في إقامة حجج الله على العباد # | فصل وقد فسرت شهادة أولي العلم بالإقرار وفسرت بالتبيين والإظهار # والصحيح أنها تتضمن الأمرين فشهادتهم إقرار وإظهار وإعلام وهم ~~PageV03P473 شهداء الله على الناس يوم القيامة قال الله تعالى وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وقال ~~تعالى هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا ~~شهداء على الناس فأخبر أنه جعلهم عدولا خيارا ونوه بذكرهم قبل أن يوجدهم ~~لما سبق في علمه من اتخاذه لهم شهداء يشهدون على الأمم يوم القيامة فمن لم ~~يقم بهذه الشهادة علما وعملا ومعرفة وإقرارا ودعوة وتعليما وإرشادا فليس من ~~شهداء الله والله المستعان # قوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام اختلف المفسرون هل هو كلام مستأنف ~~أو داخل في مضمون هذه الشهادة فهو بعض المشهود به # وهذا الاختلاف مبني على القراءتين في كسر إن فتحها فالأكثرون على كسرها ~~على الاستئناف وفتحها الكسائي ms1183 وحده والوجه هو الكسر لأن الكلام الذي قبله ~~قد تم فالجملة الثانية مقررة مؤكدة لمضمون ما قبلها وهذا أبلغ في التقرير ~~وأذهب في المدح والثناء ولهذا كان كسر إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر ~~الرحيم أحسن من الفتح وكان الكسر في قول الملبي لبيك إن الحمد والنعمة لك ~~أحسن من الفتح # وقد ذكر في توجيه قراءة الكسائي ثلاثة أوجه # أحدها أن تكون الشهادة واقعة على الجملتين فهي واقعة على أن الدين عند ~~الله الإسلام وهو المشهود به ويكون فتح أنه من قوله أنه لا إله إلا هو على ~~إسقاط حرف الجر أي بأنه لا إله إلا هو وهذا توجيه الفراء وهو ضعيف جدا فإن ~~المعنى على خلافه وأن المشهود به هو نفس قوله أنه لا إله إلا هو فالمشهود ~~به أن وما في حيزها والعناية إلى هذا صرفت وبه حصلت PageV03P474 ولكن لهذا ~~القول مع ضعفه وجه وهو أن يكون المعنى شهد الله بتوحيده أن الدين عند الله ~~الإسلام والإسلام هو توحيده سبحانه فتضمنت الشهادة توحيده وتحقيق دينه أنه ~~الإسلام لا غيره # الوجه الثاني أن تكون الشهادة واقعة على الجملتين معا كلاهما مشهود به ~~على تقدير حذف الواو وإرادتها والتقدير وأن الدين عنده الإسلام فتكون جملة ~~استغنى فيها عن حرف العطف بما تضمنت من ذكر المعطوف عليه كما وقع الاستغناء ~~عنها في قوله ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم فيحسن ذكر ~~الواو وحذفها كما حذفت هنا وذكرت في قوله ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم # الوجه الثالث وهو مذهب البصريين أن يجعل أن الثانية بدلا من الولى ~~والتقدير شهد الله أن الدين عند الله الإسلام وقوله أنه لا إله إلا هو ~~توطئة للثانية وتمهيد ويكون هذا من البدل الذي الثاني فيه نفس الأول فإن ~~الدين الذي هو نفس الإسلام عند الله هو شهادة أن لا إله إلا الله والقيام ~~بحقها ولك أن تجعله على هذا الوجه من باب بدل الاشتمال لأن الإسلام يشتمل ~~على التوحيد # فإن قيل فكان ينبغي على ms1184 هذه القراءة أن يقول إن الدين عند الله الإسلام ~~لأن المعنى شهد الله أن الدين عنده الإسلام فلم عدل إلى لفظ الظاهر # قيل هذا يرجح قراءة الجمهور وأنها أفصح وأحسن ولكن يجوز إقامة الظاهر ~~مقام المضمر وقد ورد في القرآن وكلام العرب كثيرا فإن الله تعالى قال ~~واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب @QB@ وقال @QE@ واتقوا الله إن ~~الله غفور رحيم وقال تعالى والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا ~~نضيع أجر المصلحين قال ابن عباس افتخر المشركون بآبائهم فقال كل فريق لا ~~دين إلا دين آبائنا وما كانوا عليه فأكذبهم الله تعالى PageV03P475 @QB@ ~~فقال @QE@ إن الدين عند الله الإسلام يعني الذي جاء به محمد وهو دين ~~الأنبياء من أولهم إلى آخرهم ليس لله دين سواه ومن يبتغ غير الإسلام دينا ~~فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين # وقد دل قوله إن الدين عند الله الإسلام على أنه دين جميع أنبيائه ورسله ~~وأتباعهم من أولهم إلى آخرهم وأنه لم يكن لله قط ولا يكون له دين سواه قال ~~أول الرسل نوح فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن ~~أكون من المسلمين وقال إبراهيم وإسماعيل ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا ~~أمة مسلمة لك ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين ~~فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون وقال يعقوب لبنيه عند الموت ما تعبدون من بعدي ~~قالوا نعبد إلهك إلى قوله ونحن له مسلمون وقال موسى لقومه إن كنتم آمنتم ~~بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين وقال تعالى فلما أحس عيسى منهم الكفر ~~قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد ~~بأنا مسلمون وقالت ملكة سبأ رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب ~~العالمين # فالإسلام دين أهل السموات ودين أهل التوحيد من أهل الأرض لا يقبل الله من ~~أحد دينا سواه فأديان أهل الأرض ستة واحد للرحمن وخمسة للشيطان فدين الرحمن ~~هو الإسلام والتي ms1185 للشيطان اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة ودين ~~المشركين # فهذا بعض ما تضمنته هذه الآية العظيمة من أسرار التوحيد والمعارف ولا ~~تستطل الكلام فيها فإنه أهم من الكلام على كلام صاحب المنازل فلنرجع إلى ~~شرح كلامه وبيان ما فيه # قال وإنما نطق العلماء بما نطقوا به وأشار المحققون إلى ما أشاروا إليه ~~PageV03P476 من هذا الطريق لقصد تصحيح التوحيد وما سواه من حال أو مقام ~~فكله مصحوب العلل # يريد أن التوحيد هو الغاية المطلوبة من جميع المقامات والأعمال والأحوال ~~فغايتها كلها التوحيد وإنما كلام العلماء والمحققين من أهل السلوك كله لقصد ~~تصحيحه وهذا بين من أول المقامات إلى آخرها فإنها تشير إلى تصحيحه وتجريده # وقوله وما سواه من حال أو مقام فكله مصحوب العلل يريد أن تجريد التوحيد ~~لا علة معه إذ لو كان معه علة تصحبه لم يجرد فتجرده ينفي عنه العلل بالكلية ~~بخلاف ما سواه من المقامات والأحوال فإن العلل تصحبها وعندهم أن علل ~~المقامات لا تزول بتجريد التوحيد مثاله أن علة مقام التوكل أن يشهد متوكلا ~~ومتوكلا عليه ومتوكلا فيه ويشهد نفس توكله وهذا كله علة في مقام التوكل ~~فإنه لا يصح له مقامه إلا بأن لا يشهد مع الوكيل الحق الذي يتوكل عليه غيره ~~ولا يرى توكله عليه سببا لحصول المطلوب ولا وسيلة إليه # وفيه علة أخرى أدق من هذه عند أرباب الفناء وهي أن المتوكل قد وكل أمره ~~إلى مولاه والتجأ إلى كفايته وتدبيره له والقيام بمصالحه قالوا وهذا في ~~طريق الخاصة عمي عن التوحيد ورجوع إلى الأسباب لأن الموحد قد رفض الأسباب ~~ووقف مع المسبب وحده والمتوكل وإن رفض الأسباب فإنه واقف مع توكله فصار ~~توكله بدلا من تلك الأسباب التي رفضها فهو متعلق بما رفضه # وتجريد التوكل عندهم وحقيقته هو تخليص القلب من علة التوكل وهو أن يعلم ~~أن الله سبحانه فرغ من الأسباب وقدرها وهو سبحانه يسوق المقادير إلى ~~المواقيت فالمتوكل حقيقة عندهم هو من أراح نفسه من كد النظر ومطالعة السبب ~~سكونا إلى ما ms1186 سبق له من القسم مع استواء الحالين عنده وهو أن يعلم ~~PageV03P477 أن الطلب لا ينفع والتوكل لا يجمع ومتى طالع بتوكله عرضا كان ~~توكله مدخولا وقصده معلولا فإذا خلص من رق هذه الأسباب ومطالعة العوارض ولم ~~يلاحظ في توكله سوى خالص حق الرب سبحانه كفاه تعالى كل مهم كما أوحى الله ~~تعالى إلى موسى كن لي كما أريد أكن لك كما تريد # وهذا الكلام وأمثاله بعضه صواب وبعضه خطأ وبعضه محتمل # فقوله إن التوكل في طريق الخاصة عمى عن التوحيد ورجوع إلى الأسباب خطأ ~~محض بل التوكل حقيقة التوحيد ولا يتم التوحيد إلا به وقد تقدم في باب ~~التوكل بيان ذلك وأنه من مقامات الرسل وهم خاصة الخاصة وإنما المتحذلقون ~~المتنطعون جعلوه من مقامات العامة ولا أخص ممن أرسل الله واصطفى ولا أعلى ~~من مقاماتهم # وقوله إنه رجوع إلى الأسباب يقال بل هو قيام بحق الأمر فإن الله سبحانه ~~اقتضت حكمته ربط المسببات بأسبابها وجعل التوكل والدعاء من أقرب الأسباب ~~التي تحصل المقصود فالتوكل امتثال لأمر الله وموافقة لحكمته وعبودية القلب ~~له فكيف يكون مصحوب العلل وكيف يكون من مقامات العامة # وقوله لأن الموحد قد رفض الأسباب كلها يقال له هذا الرفض لا يخرج عن ~~الكفر تارة والفسق تارة والتقصير تارة فإن الله أمر بالقيام بالأسباب فمن ~~رفض ما أمره الله أن يقوم به فقد ضاد الله في أمره وكيف يحل لمسلم أن يرفض ~~الأسباب كلها # فإن قلت ليس المراد رفض القيام بها وإنما المراد رفض الوقوف معها # قلت وهذا أيضا غير مستقيم فإن الوقوف مع الأسباب قسمان # وقوف مأمور به مطلوب وهو أن يقف معها حيث أوقفه الله ورسوله فلا يتعدى ~~حدودها ولا يقصر عنها فيقف معها مراعاة لحدودها وأوقاتها وشرائطها وهذا ~~الوقوف لا تتم العبودية إلا به PageV03P478 # ووقوف معها بحيث يعتقد أنها هي الفاعلة المؤثرة بنفسها وأنها تنفع وتضر ~~بذاتها فهذا لا يعتقده موحد ولا يحتاج أن يحترز منه من يتكلم في المعرفة ~~والسلوك نعم لا ينقطع بها ms1187 عن رؤية المسبب ويعتقدها هي الغاية المطلوبة منه ~~بل هي وسيلة توصل إلى الغاية ولا تصل إلى الغاية المطلوبة بدونها فهذا حق ~~لكن لا يجامع رفضها والاعراض عنها بل يقوم بها معتقدا أنها وسيلة موصلة إلى ~~الغاية فهي كالطريق الحسي الذي يقطعه المسافر إلى مقصده فإن قيل له ارفض ~~الطريق ولا تلتفت إليها انقطع عن المسير بالكلية وإن جعلها غايته ولم يقصد ~~بالسير فيها وصوله إلى مقصد معين كان معرضا عن الغاية مشتغلا بالطريق وإن ~~قيل له التفت إلى طريقك ومنازل سيرك وراعها وسر فيها ناظرا إلى المقصود ~~عاملا على الوصول إليه فهذا هو الحق # وقوله المتوكل وإن رفض الأسباب واقف مع توكله # فيقال إن وقف مع توكله امتثالا لأمر الله وأداء لحق عبوديته معتقدا أن ~~الله هو الذي من عليه بالتوكل وأقامه فيه وجعله سببا موصلا له إلى مطلوبه ~~فنعم الوقوف وقف وما أحسنه من وقوف وإن وقف معه اعتقادا أن بنفس توكله ~~وعمله يصل مع قطع النظر عن فضل ربه وإعانته ومنه عليه بالتوكل فهو وقوف ~~منقطع عن الله # وقوله إن التوكل بدل من الأسباب التي رفضها فالمتوكل متنقل من سبب إلى ~~سبب يقال له إن كانت الأسباب التي رفضها غير مأمور بها فالتوكل المجرد خير ~~منها وإن كانت مأمورا بها فرفضه لها إلى التوكل معصية وخروج عن الأمر # نعم للتوكل ثلاث علل إحداها أن يترك ما أمر به من الأسباب استغناء ~~بالتوكل عنها فهذا توكل عجز وتفريط وإضاعة لا توكل عبودية وتوحيد كمن يترك ~~الأعمال التي هي سبب النجاة ويتوكل في حصولها ويترك القيام بأسباب ~~PageV03P479 الرزق من العمل والحراثة والتجارة ونحوها ويتوكل في حصوله ~~ويترك طلب العلم ويتوكل في حصوله فهذا توكله عجز وتفريط كما قال بعض السلف ~~لا تكن ممن يجعل توكله عجزا وعجزه توكلا # العلة الثانية أن يتوكل في حظوظه وشهواته دون حقوق ربه كمن يتوكل في حصول ~~مال أو زوجة أو رياسة وأما التوكل في نصرة دين الله وإعلاء كلمته وإظهار ~~سنة رسوله وجهاد ms1188 أعدائه فليس فيه علة بل هو مزيل للعلل # العلة الثالثة أن يرى توكله منه ويغيب بذلك عن مطالعة المنة وشهود الفضل ~~وإقامة الله له في مقام التوكل وليس مجرد رؤية التوكل علة كما يظنه كثير من ~~الناس بل رؤية التوكل وأنه من عين الجود ومحض المنة ومجرد التوفيق عبودية ~~وهي أكمل من كونه يغيب عنه ولا يراه فالأكمل أن لا يغيب بفضل ربه عنه ولا ~~به عن شهود فضله كما تقدم بيانه # فهذه العلل الثلاث هي التي تعرض في مقام التوكل وغيره من المقامات وهي ~~التي يعمل العارفون بالله وأمره على قطعها وهكذا الكلام في سائر علل ~~المقامات وإنما ذكرنا هذا مثالا لما يذكر من عللها وقد أفرد لها صاحب ~~المنازل مصنفا لطيفا وجعل غالبها معلولا والصواب أن عللها هذه الثلاثة ~~المذكورة أن يترك بها ما هو أعلى منها وأن يعلقها بحظه والانقطاع بها عن ~~المقصود وأن لا يراها من عين المنة ومحض الجود وبالله التوفيق # قوله والتوحيد على ثلاثة أوجه الوجه الأول توحيد العامة الذي يصح ~~بالشواهد والوجه الثاني توحيد الخاصة وهو الذي يثبت بالحقائق والوجه الثالث ~~توحيد قائم بالقدم وهو توحيد خاصة الخاصة # فيقال لا ريب أن أهل التوحيد يتفاوتون في توحيدهم علما ومعرفة وحالا ~~تفاوتا لا يحصيه إلا الله فأكمل الناس توحيدا الأنبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم والمرسلون منهم أكمل في ذلك وأولو العزم من الرسل أكمل PageV03P480 ~~توحيدا وهم نوح وإبراهيم وموسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ~~وأكملهم توحيدا الخليلان محمد وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهما فإنهما ~~قاما من التوحيد بما لم يقم به غيرهما علما ومعرفة وحالا ودعوة للخلق ~~وجهادا فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل ودعوا إليه وجاهدوا الأمم ~~عليه ولهذا أمر الله سبحانه نبيه أن يقتدي بهم فيه كما قال سبحانه بعد ذكر ~~إبراهيم ومناظرته أباه وقومه في بطلان الشرك وصحة التوحيد وذكر الأنبياء من ~~ذريته ثم قال أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها ~~هؤلاء فقد وكلنا بها ms1189 قوما ليسوا بها كافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~أقتده فلا أكمل من توحيد من أمر رسول الله أن يقتدى بهم # ولما قاموا بحقيقته علما وعملا ودعوة وجهادا جعلهم الله أئمة للخلائق ~~يهدون بأمره ويدعون إليه وجعل الخلائق تبعا لهم يأتمون بأمرهم وينتهون إلى ~~ما وقفوا بهم عنده وخص بالسعادة والفلاح والهدى أتباعهم وبالشقاء والضلال ~~مخالفيهم وقال لإمامهم وشيخهم إبراهيم خليله إني جاعلك للناس إماما قال ومن ~~ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين أي لا ينال عهدي بالإمامة مشرك ولهذا أوصى ~~نبيه محمدا أن يتبع ملة إبراهيم وكان يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا ~~أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين فملة إبراهيم التوحيد ودين محمد ما جاء به ~~من عند الله قولا وعملا واعتقادا وكلمة الإخلاص هي شهادة أن لا إله إلا ~~الله وفطرة الإسلام هي ما فطر الله عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا ~~شريك له والاستسلام له عبودية وذلا وانقيادا وإنابة # فهذا هو توحيد خاصة الخاصة الذي من رغب عنه فهو من أسفه السفهاء ~~PageV03P481 # قال تعالى ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين # فقسم سبحانه الخلائق قسمين سفيها لا أسفه منه ورشيدا فالسفيه من رغب عن ~~ملته إلى الشرك والرشيد من تبرأ من الشرك قولا وعملا وحالا فكان قوله ~~توحيدا وعمله توحيدا وحاله توحيدا ودعوته إلى التوحيد وبهذا أمر الله ~~سبحانه جميع المرسلين من أولهم إلى آخرهم قال تعالى يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعلمون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ~~ربكم فاتقون وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا ~~إله إلا أنا فاعبدون وقال تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا ~~من دون الرحمن آلهة يعبدون وقال تعالى أم اتخذوا ms1190 آلهة من الأرض هم ينشرون ~~لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسأل ~~عما يفعل وهم يسئلون أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من ~~معي وذكر من قبلي أي هذا الكتاب الذي أنزل علي وهذه كتب الأنبياء كلهم هل ~~وجدتم في شيء منها اتخاذ آلهة مع الله أم كلها ناطقة بالتوحيد آمرة به وقال ~~تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~والطاغوت اسم لكل ما عبدوه من دون الله فكل مشرك إلهه طاغوته # وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية على ما ذكره صاحب المنازل في التوحيد ~~فقال بعد أن حكى كلامه إلى آخره أما التوحيد الأول الذي ذكره فهو التوحيد ~~الذي جاءت به الرسل من أولهم إلى آخرهم ونزلت به الكتب كلها وبه أمر الله ~~الأولين والآخرين وذكر الآيات الواردة بذلك PageV03P482 # ثم قال وقد أخبر الله عن كل رسول من الرسل انه قال لقومه اعبدوا الله ~~مالكم من إله غيره وهذه أول دعوة الرسل وآخرها قال النبي أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وقال من مات وهو يعلم ~~أن لا إله إلا الله دخل الجنة والقرآن مملوء من هذا التوحيد والدعوة إليه ~~وتعليق النجاة والسعادة في الآخرة به وحقيقته إخلاص الدين كله لله والفناء ~~في هذا التوحيد مقرون بالبقاء وهو أن تثبت إلهية الحق تعالى في قلبه وتنفي ~~إلهية ما سواه فتجمع بين النفي والإثبات فالنفي هو الفناء والإثبات هو ~~البقاء وحقيقته أن تفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبمحبته عن محبة ما ~~سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه وكذلك بموالاته ~~وسؤاله والاستغناء به والتوكل عليه ورجائه ودعائه والتفويض إليه والتحاكم ~~إليه واللجإ إليه والرغبة فيما عنده قال تعالى قل أغير الله أتخذ وليا فاطر ~~السموات والأرض وقال تعالى أفغير الله أبتغي حكما وقال تعالى قل أغير الله ~~أبغي ربا ms1191 وهو رب كل شيء وقال تعالى قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن ~~من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين وقال تعالى قل إنني هداني ربي ~~إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له الآية وقال تعالى ~~فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين وقال تعالى لا تجعل مع الله ~~إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا وقال تعالى ولا تدع مع الله إلها آخر ~~لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه وقال تعالى قل أرأيتم ما تدعون من دون ~~الله إن أرادني الله بضر هل كاشفات ضره أو أرادني PageV03P483 برحمة هل هن ~~ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون @QB@ وقال @QE@ وإن يمسسك ~~الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله وقال تعالى إنا ~~أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين الخالص وقال عن أصحاب ~~الكهف قالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا ~~شططا وقال عن صاحب يس ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه ~~آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون وقال تعالى أم ~~اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وقال تعالى أم اتخذوا من دون الله ~~شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ~~ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون وقال تعالى يا أيها الناس ضرب مثل ~~فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ~~وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله ~~حق قدره إن الله لقوي عزيز وقال تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا # وهذا في القرآن كثير بل هو أكثر من ms1192 أن يذكر وهو أول الدين وآخره وباطنه ~~وظاهره وذروة سنامه وقطب رحاه وأمرنا تعالى أن نتأسى بإمام هذا التوحيد في ~~نفيه وإثباته كما قال تعالى قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ~~إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا ~~بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده وقال تعالى وإذ ~~قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين ~~وقال تعالى واتل عليهم نبأ إبرهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد ~~أصناما فنظل لها عاكفين PageV03P484 قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم ~~أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون ~~أنتم وآباءكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين ~~والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي ~~أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين وإذا تدبرت القرآن من أوله إلى آخره ~~رأيته يدور على هذا التوحيد وتقريره وحقوقه # قال شيخنا والخليلان هم أكمل خاصة الخاصة توحيدا ولا يجوز أن يكون في ~~الأمة من هو أكمل توحيدا من نبي من الأنبياء فضلا عن الرسل فضلا عن أولي ~~العزم فضلا عن الخليلين وكمال هذا التوحيد أن لا يبقى في القلب شيء لغير ~~الله أصلا بل يبقى العبد مواليا لربه في كل شيء يحب من أحب وما أحب ويبغض ~~من أبغض وما أبغض ويوالي من يوالي ويعادي من يعادي ويأمر بما يأمر به وينهى ~~عما نهي عنه # | فصل قوله وهذا توحيد العامة الذي يصح بالشواهد قد تبين أن هذا # توحيد خاصة الخاصة الذي لا شيء فوقه ولا أخص منه وأن الخليلين أكمل الناس ~~فيه توحيدا فليهن العامة نصيبهم منه # قوله يصح بالشواهد أي بالأدلة والآيات والبراهين وهذا مما يدل على كماله ~~وشرفه أن قامت عليه الأدلة ونادت عليه الشواهد وأوضحته الآيات والبراهين ~~وما عداه فدعاوي مجردة لا يقوم عليها دليل ولا تصح بشاهد ms1193 فكل توحيد لا يصح ~~بشاهد فليس بتوحيد فلا يجوز أن يكون توحيدا أكمل من التوحيد الذي يصح ~~بالشواهد والآيات وتوحيد القرآن من أوله إلى آخره كذلك # قوله هذا هو التوحيد الظاهر الجلي الذي نفى الشرك الأعظم PageV03P485 # فنعم لعمر الله ولظهوره وجلائه أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه وأمر ~~الله به الأولين والآخرين من عباده وأما الرمز والإشارة والتعقيد الذي لا ~~يكاد أن يفهمه أحد من الناس إلا بجهد وكلفة فليس مما جاءت به الرسل ولا ~~دعوا إليه فظهور هذا التوحيد وانجلاؤه ووضوحه وشهادة الفطر والعقول به من ~~أعظم الأدلة أنه أعلى مراتب التوحيد وذروة سنامه ولذلك قوي على نفي الشرك ~~الأعظم فإن الشيء كلما عظم لا يدفعه إلا العظيم فلو كان شيء أعظم من هذا ~~التوحيد لدفع الله به الشرك الأعظم ولعظمته وشرفه نصبت عليه القبلة وأسست ~~عليه الملة ووجبت به الذمة وانفصلت به دار الكفر من دار الإسلام وانقسم به ~~الناس إلى سعيد وشقي ومهتد وغوي ونادت عليه الكتب والرسل # قوله وإن لم يقوموا بحسن الاستدلال يعني هو مستتر في قلوب أهله وإن كان ~~أكثرهم لا يحسن الاستدلال عليه تقريرا وإيضاحا وجوابا عن المعارض ودفعا ~~لشبه المعاند ولا ريب أن أكثر الناس لا يحسنون ذلك وهذا قدر زائد على وجود ~~التوحيد في قلوبهم فما كل من وجد شيئا وعلمه وتيقنه أحسن أن يستدل عليه ~~ويقرره ويدفع الشبه القادحة فيه فهذا لون ووجوده لون ولكن لا بد مع ذلك من ~~نوع استدلال قام عنده وإن لم يكن على شروط الأدلة التي ينظمها أهل الكلام ~~وغيرهم وترتيبها فهذه ليست شرطا في التوحيد لا في معرفته والعلم به ولا في ~~القيام به عملا وحالا فاستدلال كل أحد بحسبه ولا يحصى أنواع الاستدلال ~~ووجوهه ومراتبه إلا الله فلكل قوم هاد ولكل علم صحيح ويقين دليل يوجبه ~~وشاهد يصح به وقد لا يمكن صاحبه التعبير عنه عجزا وعيا وإن عبر عنه فقد لا ~~يمكنه التعبير عنه باصطلاح أهل العلم وألفاظهم وكثيرا ما يكون ms1194 الدليل الذي ~~عرف به الحق أصح من كثير من أدلة المتكلمين ومقدماتها وأبعد عن الشبه وأقرب ~~تحصيلا للمقصود وإيصالا إلى المدلول عليه # بل من استقرأ أحوال الناس رأى أن كثيرا من أهل الإسلام أو أكثرهم ~~PageV03P486 أعظم توحيدا وأكثر معرفة وأرسخ إيمانا من أكثر المتكلمين ~~وارباب النظر والجدال ويجد عندهم من أنواع الأدلة والآيات التي يصح بها ~~إيمانهم ما هو أظهر وأوضح وأصح مما عند المتكلمين وهذه الآيات التي ندب ~~الله عباده إلى النظر فيها والاستدلال بها على توحيده وثبوت صفاته وأفعاله ~~وصدق رسله هي آيات مشهودة بالحس معلومة بالعقل مستقرة في الفطر لا يحتاج ~~الناظر فيها إلى أوضاع أهل الكلام والجدل واصطلاحهم وطرقهم ألبتة وكل من له ~~حس سليم وعقل يميز به يعرفها ويقر بها وينتقل من العلم بها إلى العلم ~~بالمدلول وفي القرآن ما يزيد على عشرات ألوف من هذه الآيات البينات ومن لم ~~يحفظ القرآن فإنه إذا سمعها وفهمها وعقلها انتقل ذهنه منها إلى المدلول ~~أسرع انتقال وأقر به # وبالجملة فما كل من علم شيئا أمكنه أن يستدل عليه ولا كل من أمكنه ~~الاستدلال عليه يحسن ترتيب الدليل وتقريره والجواب عن المعارض والشواهد ~~التي ذكرها هي الأدلة كالاستدلال بالمصنوع على الصانع والمخلوق على الخالق ~~وهذه طريقة القرآن الذي لا توحيد أكمل من توحيده # قوله بعد أن يسلموا من الشبهة والحيرة والريبة الشبهة الشكوك التي توقع ~~في اشتباه الحق بالباطل فيتولد عنها الحيرة والريبة وهذا حق فإن هذا ~~التوحيد لا ينفع إن لم يسلم قلب صاحبه من ذلك وهذا هو القلب السليم الذي لا ~~يفلح إلا من أتى الله به فيسلم من الشبه المعارضة لخبره والإرادات المعارضة ~~لأمره بل ينقاد للخبر تصديقا واستيقانا وللطلب إذعانا وامتثالا # قوله بصدق شهادة صححها قبول القلب أي سلموا من الشبهة والحيرة والريبة ~~بصدق شهادة تواطأ عليها القلب واللسان فصحت شهادتهم بقبول قلوبهم لها ~~واعتقادهم صحتها والجزم بها بخلاف شهادة المنافق التي لم يقبلها قلبه ولم ~~يواطئ عليها لسانه PageV03P487 # قوله وهو توحيد العامة الذي ms1195 يصح بالشواهد قد عرفت أن هذا هو التوحيد الذي ~~دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب واتفقت عليه الشرائع ثم بين مراده بالشواهد ~~أنها الرسالة والصنائع فقال والشواهد الأدلة على التوحيد والرسالة أرشدت ~~إليها وعرفت بها ومقصوده أن الشواهد نوعان آيات متلوة وهي الرسالة وآيات ~~مرئية وهي الصنائع # قوله ويجب بالسمع ويوجد بتبصير الحق وينمو على مشاهد الشواهد # هذه ثلاث مسائل إحداها ما يجب به والثانية ما يوجد به والثالثة ما ينمو ~~به # فأما المسألة الأولى فاختلف فيها الناس فقالت طائفة يجب بالعقل ويعاقب ~~على تركه والسمع مقرر لما وجب بالعقل مؤكد له فجعلوا وجوبه والعقاب على ~~تركه ثابتين بالعقل والسمع مبين ومقرر للوجوب والعقاب وهذا قول المعتزلة ~~ومن وافقهم من أتباع الأئمة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين # وقالت طائفة لا يثبت بالعقل لا هذا ولا هذا بل لا يجب بالعقل فيها شيء ~~وإنما الوجوب بالشرع ولذلك لا يستحق العقاب على تركه وهذا قول الأشعرية ومن ~~وافقهم على نفي التحسين والتقبيح والقولان لأصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة # والحق أن وجوبه ثابت بالعقل والسمع والقرآن على هذا يدل فإنه يذكر الأدلة ~~والبراهين العقلية على التوحيد ويبين حسنه وقبح الشرك عقلا وفطرة ويأمر ~~بالتوحيد وينهى عن الشرك ولهذا ضرب الله سبحانه الأمثال وهي الأدلة العقلية ~~وخاطب العباد بذلك خطاب من استقر في عقولهم وفطرهم حسن التوحيد ووجوبه وقبح ~~الشرك وذمه والقرآن مملوء بالبراهين العقلية الدالة على ذلك كقوله ضرب الله ~~مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله ~~بل أكثرهم لا يعلمون وقوله PageV03P488 ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر ~~على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء ~~وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو ~~على صراط مستقيم وقوله يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعواله إن الذين ms1196 تدعون من ~~دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز ~~إلى أضعاف ذلك من براهين التوحيد العقلية التي أرشد إليها القرآن ونبه ~~عليها # ولكن ههنا أمر آخر وهو أن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر إلى حين ورود ~~الشرع كما دل عليه قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقوله كلما ~~ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا ~~وقوله وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا ~~وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون وقوله ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى ~~بظلم وأهلها غافلون فهذا يدل على أنهم ظالمون قبل إرسال الرسل وأنه لا ~~يهلكهم بهذا الظلم قبل إقامة الحجة عليهم فالآية رد على الطائفتين معا من ~~يقول إنه لا يثبت الظلم والقبح إلا بالسمع ومن يقول إنهم معذبون على ظلمهم ~~بدون السمع فالقرآن يبطل قول هؤلاء وقول هؤلاء كما قال تعالى ولولا أن ~~تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ~~آياتك ونكون من المؤمنين فأخبر أن ما قدمت أيديهم قبل إرسال الرسل سبب ~~لإصابتهم بالمصيبة ولكن لم يفعل سبحانه ذلك قبل إرسال الرسول الذي يقيم به ~~حجته عليهم كما قال تعالى رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس PageV03P489 ~~على الله حجة بعد الرسل وقال تعالى وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا ~~لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن ~~دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد ~~جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة وقوله أن تقول نفس يا حسري على ما فرطت في ~~جنب الله وإن كنت لمن الخاسرين إلى قوله بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها ~~واستكبرت وكنت من الكافرين وهذا في القرآن كثير يخبر أن الحجة إنما قامت ~~عليهم ms1197 بكتابه ورسوله كما نبههم بما في عقولهم وفطرهم من حسن التوحيد والشكر ~~وقبح الشرك والكفر # وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة في كتاب مفتاح دار السعادة وذكرنا هناك ~~نحوا من ستين وجها تبطل قول من نفى القبح العقلي وزعم أنه ليس في الأفعال ~~ما يقتضي حسنها ولا قبحها وأنه يجوز أن يأمر الله بعين ما نهى عنه وينهى عن ~~عين ما أمر به وأن ذلك جائز عليه وإنما الفرق بين المأمور والمنهي بمجرد ~~الأمر والنهي لا بحسن هذا وقبح هذا وأنه لو نهى عن التوحيد والإيمان والشكر ~~لكان قبيحا ولو أمر بالشرك والكفر والظلم والفواحش لكان حسنا وبينا أن هذا ~~القول مخالف للعقول والفطر والقرآن والسنة # والمقصود الكلام على قول الشيخ ويجب بالسمع وأن الصواب وجوبه بالسمع ~~والعقل وإن اختلفت جهة الإيجاب فالعقل يوجبه بمعنى اقتضائه لفعله وذمه على ~~تركه وتقبيحه لضده والسمع يوجبه بهذا المعنى ويزيد إثبات العقاب على تركه ~~والإخبار عن مقت الرب تعالى لتاركه وبغضه له وهذا قد يعلم بالعقل فإنه إذا ~~تقرر قبح الشيء وفحشه بالعقل وعلم ثبوت كمال الرب جل جلاله بالعقل أيضا ~~اقتضى ثبوت هذين الأمرين علم العقل بمقت الرب تعالى لمرتكبه وأما تفاصيل ~~العقاب وما يوجبه مقت الرب منه فإنما يعلم بالسمع PageV03P490 # واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد وقبح الشرك معلوما بالعقل مستقرا في ~~الفطر فلا وثوق بشيء من قضايا العقل فإن هذه القضية من أجل القضايا ~~البديهيات وأوضح ما ركب الله في العقول والفطر ولهذا يقول سبحانه عقيب ~~تقرير ذلك افلا تعقلون أفلا تذكرون وينفي العقل عن أهل الشرك ويخبر عنهم ~~بأنهم يعترفون في النار أنهم لم يكونوا يسمعون ولا يعقلون وأنهم خرجوا عن ~~موجب السمع والعقل وأخبر عنهم أنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون وأخبر عنهم إن ~~سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئا وهذا إنما يكون في حق من خرج عن ~~موجب العقل الصريح والفطرة الصحيحة ولو لم يكن في صريح العقل ما يدل على ~~ذلك لم يكن في ms1198 قوله تعالى انظروا واعتبروا وسيروا في الأرض فانظروا فائدة ~~فإنهم يقولون عقولنا لا تدل على ذلك وإنما هو مجرد إخبارك فما هذا النظر ~~والتفكر والاعتبار والسير في الأرض وما هذه الأمثال المضروبة والأقيسة ~~العقلية والشواهد العيانية أفليس في ذلك أظهر دليل على حسن التوحيد والشكر # وقبح الشرك والكفر مستقر في العقول والفطر معلوم لمن كان له قلب حي وعقل ~~سليم وفطرة صحيحة قال تعالى ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~لعلهم يتذكرون وقال تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون وقال تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو ~~شهيد وقال تعالى أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقال ~~تعالى كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون وقال تعالى قل انظروا ماذا ~~في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون وقال تعالى ~~ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون PageV03P491 # ومن بعض الأدلة العقلية ما أبقاه الله تعالى من آثار عقوبات أهل الشرك ~~وآثار ديارهم وما حل بهم وما أبقاه من نصر أهل التوحيد وإعزازهم وجعل ~~العاقبة لهم قال تعالى وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وقال في ثمود ~~فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون وقال في قوم لوط إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من ~~السماء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون وقال تعالى ~~إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم إن في ذلك لآية للمؤمنين وإن ~~كان أصحاب الأيلة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين وقال تعالى في ~~قوم لوط وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعلقون وهو سبحانه يذكر في ~~سورة الشعراء ما أوقع بالمشركين من أنواع العقوبات ويذكر إنجاءه لأهل ~~التوحيد ثم يقول إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ms1199 وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم فيذكر شرك هؤلاء الذين استحقوا به الهلاك وتوحيد هؤلاء الذين ~~استحقوا به النجاة ثم يخبر أن في ذلك آية وبرهانا للمؤمنين ثم يذكر مصدر ~~ذلك كله وأنه عن أسمائه وصفاته فصدور هذا الإهلاك عن عزته وذلك الإنجاء عن ~~رحمته ثم يقرر في آخر السورة نبوة رسوله بالأدلة العقلية أحسن تقرير ويجيب ~~عن شبه المكذبين له أحسن جواب وكذلك تقريره للمعاد الدله العقلية والحسية ~~فضرب الأمثال والأقيسة فدلالة القرآن سمعية عقلية # | فصل المسألة الثانية # قوله ويوجد بتبصير الحق وجوب الشيء شرعا لا يستلزم وجوده حسا فلذلك ذكر ~~ما يوجد به بعد ذكر ما يجب به وهو تبصير الحق تعالي ومراده التبصير التام ~~الذي لا تختلف عنه الهداية وإلا فقد يبصر العبد الحق ولا توجد منه ~~PageV03P492 الهداية كما قال تعالى وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى فهو سبحانه بصرهم فآثروا الضلال على الهدى وقال تعالى وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وقال تعالى وما كان الله ~~ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وقال تعالى عن قوم فرعون ~~وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فهذا التبصير لم يوجب وجود ~~الهداية لأنه سبحانه لم يرد وجودها وإنما أراد وجود مجرد البصيرة فما شاء ~~كان وما لم يشأ لم يكن # وأما التبصير التام فإنه يستلزم وجود الهداية وهو الذي أمرنا أن نسأله ~~إياه في كل صلاة وقال فيه أهل الجنة الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا ~~PageV03P493 لنهتدي لولا أن هدانا الله وقال تعالى والله يدعو إلى دار ~~السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فعم بدعوته البيان والدلالة وخص ~~بهدايته التوفيق والإلهام فلو قال الشيخ ويوجد بتوفيق الله بعد تبصيره لكان ~~أحسن ولعله هو مراده والله أعلم # | فصل المسألة الثالثة # قوله وينمو على مشاهدة الشواهد وهذا أيضا يحتاج إلى أمر آخر وهو الإجابة ~~لداعي الحق فلا يكفي مجرد مشاهدة الشواهد في نموه وكأين من آية في السموات ~~والأرض يمرون عليها وهم ms1200 عنها معرضون يمر عليها العبد ولا ينمو بها ولا يزيد ~~بل ينقص إيمانه وتوحيده فإذا أجاب الداعي وتبصر في الشواهد بما توحيده وقوى ~~إيمانه وقال تعالى والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم وقال تعالى ويزيد ~~الله الذين اهتدوا هدى وقال تعالى فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا # وقد تضمن كلام الشيخ ما دلت عليه النصوص واتفق عليه الصحابة والتابعون إن ~~الإيمان والتوحيد ينموان ويتزايدان وهذا من أعظم أصول أهل السنة الذي ~~فارقوا به الجهمية والمرجئة # | فصل قال وأما التوحيد الثاني الذي يثبت بالحقائق فهو توحيد الخاصة # وهو إسقاط الأسباب الظاهرة والصعود عن منازعات العقول وعن التعلق ~~بالشواهد وهو أن لا يشهد في التوحيد دليلا ولا في التوكل سببا ولا في ~~النجاة وسيلة فيكون مشاهدا سبق الحق بحكمه وعلمه ووضعه الأشياء مواضعها ~~وتعليقه إياها بأحايينها وإخفائه إياها في رسومها وتحقق معرفة العلل ويسلك ~~سبيل إسقاط الحدث هذا توحيد الخاصة الذي يصح بعلم الفناء ويصفو في علم ~~الجمع ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع PageV03P494 # قوله يثبت بالحقائق وقال في التوحيد الأول يصح بالشواهد فإن الثبوت أبلغ ~~من الصحة والحقائق أبلغ من الشواهد ويريد بالحقائق المكاشفة والمشاهدة ~~والمعاينة والاتصال والانفصال والحياة والقبض والبسط وما ذكره من قسم ~~الحقائق من كتابه # وبالأدلة والشواهد يصح التوحيد العام وبالحقائق يثبت التوحيد الخاص # قوله وهو إسقاط الأسباب الظاهرة يحتمل أن يريد بها الأسباب المشاهدة التي ~~تظهر لنا وإسقاطها هو أن لا يرى لها تأثيرا ألبتة ولا تغييرا وإن باشرها ~~بحكم الارتباط العادي فمباشرتها لا تنافي إسقاطها # ويحتمل أن يريد بالأسباب الظاهرة الحركات والأعمال وإسقاطها عزلها عن ~~اقتضائها السعادة والنجاة لا إهمالها وتعطيلها فإن ذلك كفر وانسلاخ من ~~الإسلام بالكلية ولكن يقوم بها وقد عزلها عن ولاية النجاح والنجاة كما قال ~~اعملوا واعلموا أن أحدا منكم لن ينجيه عمله # واحترز بالأسباب الظاهرة من الأسباب الباطنة كالإيمان والتصديق ومحبة ~~الله ورسوله فإن النجاة والسعادة معلقة بها بل التوحيد نفسه من الأسباب بل ~~هو أعظم الأسباب الباطنة فلا يجوز إسقاطه # وعلى التقديرين ms1201 فهو غير مخلص فإذا أريد بالإسقاط التعطيل والاهمال فمن ~~أبطل الباطل وإن أريد العزل عن ولاية الاقتضاء وإسناد الحكم إلى مشيئة الرب ~~وحده فلا فرق بين الأسباب الظاهرة والباطنة وإن أريد الأسباب التي لم يؤمر ~~بها العبد فليس إسقاطها من توحيد الله في شيء ولا القيام بها مبطلا له ولا ~~منقصا # وبالجملة فليس إسقاط الأسباب من التوحيد بل القيام بها واعتبارها ~~وإنزالها في منازلها التي أنزلها الله فيها هو محض التوحيد والعبودية ~~والقول بإسقاط الأسباب هو توحيد القدرية الجبرية أتباع جهم بن صفوان في ~~الجبر PageV03P495 فإنه كان غاليا فيه وعندهم أن الله لم يخلق شيئا بسبب ~~ولا جعل في الأسباب قوى وطبائع تؤثر فليس في النار قوة الإحراق ولا في السم ~~قوة الإهلاك ولا في الماء والخبز قوة الري والتغذي به ولا في العين قوة ~~الإبصار ولا في الأذن والأنف قوة السمع والشم بل الله سبحانه يحدث هذه ~~الآثار عند ملاقاة هذه الأجسام لا بها فليس الشبع بالأكل ولا الري بالشرب ~~ولا العلم بالاستدلال ولا الانكسار بالكسر ولا الإزهاق بالذبح ولا الطاعات ~~والتوحيد سببا لدخول الجنة والنجاة من النار ولا الشرك والكفر والمعاصي ~~سببا لدخول النار بل يدخل هؤلاء الجنة بمحض مشيئته من غير سبب ولا حكمة ~~أصلا ويدخل هؤلاء النار بمحض مشيئته من غير سبب ولا حكمة # ولهذا قال صاحب المنازل وهو أن لا يشهد في التوحيد دليلا ولا في التوكل ~~سببا ولا في النجاة وسيلة بل عندهم صدور الكائنات والأوامر والنواهي عن محض ~~المشيئة الواحدة التي رجحت مثلا على مثل بغير مرجح فعنها يصدر كل حادث ~~ويصدر مع الحادث حادث آخر مقترنا به اقترانا عاديا لا أن أحدهما سبب الآخر ~~ولا مرتبط به فأحدهما مجرد علامة وأمارة على وجود الآخر فإذا وجد أحد ~~المقترنين وجد الآخر معه بطريق الاقتران العادي فقط لا بطريق التسبب ~~والاقتضاء وهذا عندهم هو نهاية التوحيد وغاية المعرفة # وطرد هذا المذهب مفسد للدنيا والدين بل ولسائر أديان الرسل ولهذا لما ~~طرده قوم أسقطوا الأسباب ms1202 الدنيوية وعطلوها وجعلوا وجودها كعدمها ولم يمكنهم ~~ذلك فإنهم لا بد أن يأكلوا ويشربوا ويباشروا من الأسباب ما يدفع عنهم الحر ~~والبرد والألم # فإن قيل لهم هلا أسقطتم ذلك قالوا لأجل الاقتران العادي # فإن قيل لهم هلا قمتم بما أسقطتموه من الأسباب لأجل الاقتران العادي أيضا ~~فهذا المذهب قد فطر الله سبحانه الحيوان ناطقه وأعجمه على خلافه ~~PageV03P496 # وقوم طردوه فتركوا له الأسباب الأخروية وقالوا سبق العلم والحكم بالسعادة ~~والشقاوة لا يتغير البتة فسواء علينا الفعل والترك فإن سبق العلم والحكم ~~بالشقاوة فنحن أشقياء عملنا أو لم نعمل وإن سبق بالسعادة فنحن سعداء عملنا ~~أو لم نعمل # ومنهم من يترك الدعاء جملة بناء على هذا الأصل ويقول المدعو به إن سبق ~~العلم والحكم بحصوله حصل دعونا أولم ندع وإن سبق بعدم حصوله لم يحصل وإن ~~دعونا # قال شيخنا وهذا الأصل الفاسد مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف وأئمة ~~الدين بل ومخالف لصريح العقل والحس والمشاهدة وقد سئل النبي عن إسقاط ~~الأسباب نظرا إلى القدر فرد ذلك وألزم القيام بالأسباب كما في الصحيح عنه ~~أنه قال ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار قالوا ~~يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب فقال لا اعملوا فكل ميسر لما ~~خلق له وفي الصحيح عنه أيضا أنه قيل له يا رسول الله أرأيت ما يكدح الناس ~~فيه اليوم ويعملون أمر قضي عليهم ومضى أم فيما يستقبلون مما آتاهم فيه ~~الحجة فقال بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم قالوا يا رسول الله أفلا ندع العمل ~~ونتكل على كتابنا قال لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له وفي السنن عنه أنه قيل ~~له أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقاة نتقي بها هل ترد من قدر ~~الله شيئا فقال هي من قدر الله وكذلك قول عمر لأبي عبيدة رضي الله عنهما ~~وقد قال أبو عبيدة لعمر أتفر من قدر الله يعني من الطاعون قال أفر من قدر ~~الله إلى ms1203 قدر الله PageV03P497 # وقد قال الله تعالى في السحاب فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من الثمرات ~~وقال تعالى فأحيا به الأرض بعد موتها وقال تعالى يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام وقال تعالى بما كنتم تعملون وبما كنتم تكسبون ذلك بما ~~قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد والقرآن مملوء من ترتيب الأحكام ~~الكونية والشرعية والثواب والعقاب على الأسباب بطرق متنوعة فيأتي بباء ~~السببية تارة وباللام تارة وبأن تارة وبكي تارة ويذكر الوصف المقتضي تارة ~~ويذكر صريح التعليل تارة كقوله ذلك بأنهم فعلوا كذا وقالوا كذا ويذكر ~~الجزاء تارة كقوله وذلك جزاء الظالمين وقوله وذلك جزاء المحسنين وقوله وهل ~~نجازي إلا الكفور ويذكر المقتضى للحكم والمانع منه كقوله PageV03P498 وما ~~منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وعند منكري الأسباب والحكم ~~لم يمنعه إلا محض مشيئته ليس إلا وقال إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~يهديهم ربهم بإيمانهم @QB@ وقال @QE@ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور بإذن ربهم @QB@ وقال @QE@ كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم ~~في الأيام الخالية @QB@ وقال @QE@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب @QB@ وقال @QE@ ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ~~@QB@ وقال @QE@ إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا @QB@ وقال @QE@ وإن تصبروا ~~وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا وقال تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم ~~طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه ~~وأكلهم أموال الناس بالباطل وبالجملة فالقرآن من أوله إلى آخره يبطل هذا ~~المذهب ويرده كما تبطله العقول والفطر والحس # وقد قال بعض أهل العلم الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب ~~أن تكون أسبابا تغيير في وجه العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في ~~الشرع والتوكل معنى يلتئم من معنى التوحيد والعقل والشرع # وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وتقييد فالالتفات إلى الأسباب ضربان أحدهما ~~شرك والآخر عبودية وتوحيد فالشرك أن يعتمد عليها ويطمئن إليها ويعتقد أنها ~~بذاتها محصلة للمقصود فهو معرض ms1204 عن المسبب لها ويجعل نظره والتفاته مقصورا ~~عليها وأما إن التفت إليها التفات امتثال وقيام بها وأداء لحق العبودية ~~فيها وإنزالها منازلها فهذا الالتفات عبودية وتوحيد إذ لم يشغله عن ~~الالتفات إلى المسبب وأما محوها أن تكون أسبابا فقدح في العقل والحسن ~~والفطرة فإن أعرض عنها بالكلية كان ذلك قدحا في الشرع وإبطالا له وحقيقة ~~التوكل القيام بالأسباب والاعتماد بالقلب على المسبب واعتقاد أنها بيده فإن ~~شاء منعها اقتضاءها وإن شاء جعلها مقتضية لضد أحكامها وإن شاء أقام لها ~~موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه PageV03P499 # فالموحد المتوكل لا يلتفت إلى الأسباب بمعنى أنه لا يطمئن إليها ولا ~~يرجوها ولا يخافها فلا يركن إليها ولا يلتفت إليها بمعنى أنه لا يسقطها ولا ~~يهملها ويلغيها بل يكون قائما بها ملتفتا إليها ناظرا إلى مسببها سبحانه ~~ومجريها فلا يصح التوكل شرعا وعقلا إلا عليه سبحانه وحده فإنه ليس في ~~الوجود سبب تام موجب إلا مشيئته وحده فهو الذي سبب الأسباب وجعل فيها القوى ~~والاقتضاء لآثارها ولم يجعل منها سببا يقتضي وحده أثره بل لا بد معه من سبب ~~آخر يشاركه وجعل لها أسبابا تضادها وتمانعها بخلاف مشيئته سبحانه فإنها لا ~~تحتاج إلى أمر آخر ولا في الأسباب الحادثة ما يبطلها ويضادها وإن كان الله ~~سبحانه قد يبطل حكم مشيئته بمشيئته فيشاء الأمر ثم يشاء ما يضاده ويمنع ~~حصوله والجميع بمشيئته واختياره فلا يصح التوكل إلا عليه ولا الالتجاء إلا ~~إليه ولا الخوف إلا منه ولا الرجاء إلا له ولا الطمع إلا في رحمته كما قال ~~أعرف الخلق به أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك ~~وقال لا منجي ولا ملجأ منك إلا إليك # فإذا جمعت بين هذا التوحيد وبين إثبات الأسباب استقام قلبك على السير إلى ~~الله ووضح لك الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع رسل الله وأنبيائه وأتباعهم ~~وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم وبالله التوفيق # وما سبق به علم الله وحكمه حق وهو لا ينافي إثبات ms1205 الأسباب ولا يقتضي ~~إسقاطها فإنه سبحانه قد علم وحكم أن كذا وكذا يحدث بسبب كذا وكذا فسبق ~~العلم والحكم بحصوله عن سببه فإسقاط الأسباب خلاف موجب علمه وحكمه فمن نظر ~~إلى الحدوث بغير الأسباب لم يكن نظره وشهوده مطابقا للحق بل كان شهوده غيبة ~~ونظره عمى فإذا كان علم الله قد سبق بحدوث الأشياء بأسبابها فكيف يشهد ~~العبد الأمور بخلاف ما هي عليه في علمه وحكمه وخلقه وأمره # والعلل التي تتقى في الأسباب نوعان أحدهما الاعتماد عليها والتوكل ~~PageV03P500 عليها والثقة بها ورجاؤها وخوفها فهذا شرك يرق ويغلظ وبين ذلك # الثاني ترك ما أمر الله به من الأسباب وهذا أيضا قد يكون كفرا وظلما وبين ~~ذلك بل على العبد أن يفعل ما امره الله به من الأمر ويتوكل على الله توكل ~~من يعتقد أن الأمر كله بمشيئة الله سبق به علمه وحكمه وأن السبب لا يضر ولا ~~ينفع ولا يعطي ولا يمنع ولا يقضي ولا يحكم ولا يحصل للعبد مالم تسبق له به ~~المشيئة الإلهية ولا يصرف عنه ما سبق به الحكم والعلم فيأتي بالأسباب إتيان ~~من لا يرى النجاة والفلاح والوصول إلا بها ويتوكل على الله توكل من يرى ~~أنها لا تنجيه ولا تحصل له فلاحا ولا توصله إلى المقصود فيجرد عزمه للقيام ~~بها حرصا اجتهادا ويفرغ قلبه من الاعتماد عليها والركون إليها تجريدا ~~للتوكل واعتمادا على الله وحده وقد جمع النبي بين هذين الأصلين في الحديث ~~الصحيح حيث يقول احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز فأمره بالحرص على ~~الأسباب والاستعانة بالمسبب ونهاه عن العجز وهو نوعان تقصير في الأسباب ~~وعدم الحرص عليها وتقصير في الاستعانة بالله وترك تجريدها فالدين كله ظاهره ~~وباطنه شرائعه وحقائقه تحت هذه الكلمات النبوية والله أعلم # | فصل قوله والصعود عن منازعات العقول هذا حق ولا يتم التوحيد # والإيمان إلا به فما أفسد أديان الرسل إلا أرباب منازعات العقول الذين ~~ينازعون بمعقولهم في التصديق بما جاءت به وإثبات ما أثبتوه ونفي ما نفوه ~~فنازعت ms1206 عقولهم ذلك وتركوا لتلك المنازعات ما جاءت به الرسل ثم عارضوهم بتلك ~~المعقولات وقدموها على ما جاءوا به وقالوا إذا تعارضت عقولنا وما جاءت به ~~الرسل قدمنا ما حكمت به عقولنا على ما جاءوا به وقد هلك بهؤلاء طوائف لا ~~يحصيهم إلا الله وانحلوا بسببهم من أديان جميع الرسل PageV03P501 # قوله ومن التعلق بالشواهد كلام فيه إجمال فالشواهد هي الأدلة والآيات ~~فترك التعلق بها انسلاخ عن العلم والإيمان بالكلية والتعلق بها وحدها دون ~~من نصبها شواهد وأدلة انقطاع عن الله وشرك في التوحيد والتعلق بها استدلالا ~~ونظرا في آيات الرب ليصل بها إلى الله هو التوحيد والإيمان # وأحسن ما يحمل عليه كلامه أنه يصعد عن الوقوف معها فإنها وسائل إلى ~~المقصود فلا ينقطع بالوسيلة عن المقصود وهذا حق لكن قوله وهو أن لا يشهد في ~~التوحيد دليلا يكدر هذا المعنى ويشوشه وليس بصحيح بل الواجب أن يشهد الأمر ~~كما أشهده الله إياه فإن الله سبحانه نصب الأدلة على التوحيد وأقام ~~البراهين وأظهر الآيات وأمرنا أن نشهد الأدلة والآيات وننظر فيها ونستدل ~~بها ولا يجتمع هذا الإثبات وذلك النفي ألبتة والمخلوقات كلها آيات للتوحيد ~~وكذلك الآيات المتلوة أدلة على التوحيد فكيف لا يشهدها دليلا عليه هذا من ~~أبطل الباطل بل التوحيد كل التوحيد أن يشهد كل شيء دليلا عليه مرشدا إليه ~~ومعلوم أن الرسل أدلة للتوحيد فكيف لا يشهدهم كذلك وكيف يجتمع الإيمان بهم ~~وعدم شهودهم أدلة للتوحيد # فانظر ماذا أدى إليه إنكار الأسباب والسلوك على درب الفناء في توحيد ~~الأفعال فهذا هو مقتضاه وطرده وإلا تناقض أصحابه وقد قال الله تعالى لرسوله ~~وإنك لتهدي من تشاء إلى صراط مستقيم وقال تعالى ولكل قوم هاد والهادي هو ~~الدليل الذي يدل بهم في الطريق إلى الله والدار الآخرة ولا يناقض هذا قوله ~~إنك لا تهدي من أحببت وقوله فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فإن الله ~~سبحانه تكلم بهذا وهذا فرسله الهداة هداية الدلالة والبيان وهو الهادي ~~هداية التوفيق والإلهام فالرسل ms1207 هم الأدلة حقا والله سبحانه هو الموفق ~~الملهم الخالق للهدى في القلوب PageV03P502 # قوله ولا في التوكل سببا يريد أنك تجرد التوكل عن الأسباب فإن أراد ~~تجريده عن القيام بها فباطل كما تقدم وإن أراد تجريده عن الركون إليها ~~والوقوف معها والوثوق بها فهو حق وإن أراد تجريده عن شهودها فشهودها على ما ~~هي عليه أكمل ولا يقدح في التوحيد بوجه ما # وكذلك قوله ولا في النجاة وسيلة إنما يصح على وجه واحد وهو أن يشهد حصول ~~النجاة بمجرد الوسائل من الأعمال والأسباب وأما إلغاء كونها وسائل فباطل ~~يخالف الشرع والعقل وأما عدم شهودها وسائل مع اعتقاد كونها وسائل فليس ~~بكمال وشهودها وسائل كما جعلها الله سبحانه أكمل مشهدا وأصح طريقة وبالله ~~التوفيق # وقد بينا فيما تقدم أن الكمال أن تشهد العبودية وقيامك بها وتشهد أنها من ~~عين المنة والفضل وتشهد المعبود فلا تغيب بشهوده ولا تغيب بشهود أمره عن ~~شهوده ولا تغيب بشهوده وشهود أمره عن شهود فضله ومنته وتوفيقه وشهود فقرك ~~وفاقتك وأنك به لا بك وقد خرج النبي يوما على حلقة من أصحابه وهم يتذاكرون ~~فقال ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر ما من الله به علينا وهدانا بك إلى ~~الإسلام فقال آلله ما أجلسكم إلا ذلك قالوا آلله ما أجلسنا إلا ذلك فقال ~~أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكن الله يباهي بكم الملائكة \ ح \ ولم يقل ~~لهم لا تشهدوا في التوحيد دليلا ولا في النجاة وسيلة بل كان من أسباب ~~مباهاة الله بهم الملائكة شهودهم سبب التوحيد ووسيلة النجاة وأنها من من ~~الله عليهم كما قال تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم تيلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة فكيف يكون كمالهم ~~في أن لا يشهدوا الدليل الذي يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم ~~ويسقطونه من الشهود والسببية PageV03P503 # قوله فيكون شاهدا سبق الحق بعلمه وحكمه ووضعه الأشياء مواضعها وتعليقه ~~إياها بأحايينها وإخفائه إياها في رسومها # ليس الشهود ههنا متعلقا بمجرد أزلية الرب ms1208 تعالى وتقدمه على كل شيء فقط بل ~~متعلق بسبق العلم والتقدير فيرى الأشياء بعين سوابقها وقد تقررت هناك في ~~علم الرب وتقديره فينظر إليها هناك إذا نظر الناس إليها هنا فيتجاوز نظره ~~نظرهم فيغلب شهود السوابق على ملاحظة اللواحق فيشهد تفرد الرب وحده حيث لا ~~موجود سواه وقد علم الكائنات وقدر مقاديرها ووقت مواقيتها وقررها على مقتضى ~~علمه وحكمته وقد سبق العلم المعلوم والقدر المقدور والإرادة المراد فيرى ~~الأشياء كلها ثابتة في علم الله سبحانه وحكمته قبل وجود العوالم فأي وسيلة ~~يشهد هناك وأي سبب وأي دليل هذا الذي يدندنن الشيخ حوله وقد عرفت أن العلم ~~والحكم سبق بوجود المسببات عن أسبابها وارتباطها بوسائلها وأدلتها كما سبق ~~العلم والحكم بوجود الولد عن أبويه والمطر عن السحاب والنبات عن الماء ~~والإزهاق عن القتل وأسباب الموت فهذه هي المشاهدة الصحيحة لا إسقاط الأسباب ~~والوسائل والأدلة # قوله ووضع الأشياء مواضعها وتعليقها بأحايينها وإخفائها في رسومها هذه ~~ثلاثة أشياء المكان والزمان والمادة التي لا بد لكل مخلوق منها فإن المخلوق ~~لا بد له من زمان يوجد فيه ومكان يستقر فيه ومادة يوجد بها فاشار إلى ~~الثلاثة فالمواضع الأمكنة والأحايين الأزمنة والرسوم المواد الحاملة لها ~~والرسوم هي الصورة الخلقية # وكأن شيخ الإسلام أراد بها هنا الأسباب وأن الله سبحانه غطى حقائق ~~الأشياء عن أبصار الخلق بما يشاهدونه من تعلق المسببات بأسبابها فنسبوها ~~إليها فصاحب هذه الدرجة يشهد كيف أظهر الرب سبحانه الأشياء في موادها ~~وصورها PageV03P504 وأظهرها بأسبابها وأخفى علمه وحكمه فيما أظهره من ذلك ~~فالظهور للأسباب المشاهدة والحقيقة المخفية للعلم والحكم السابقين # قوله وتحقق معرفة العلل يريد أن هذا التوحيد يحقق لصاحبه معرفة علل ~~الأحوال والمقامات والأعمال وهي عبارة عن عوائق السالك من نظره إلى السوى ~~والتفاته إليه فهذه الدرجة من التوحيد عنده تحقق هذه العلل # ويحتمل أن يريد بالعلل الأسباب التي ربطت بها الأحكام فصاحب هذه الدرجة ~~يعرف حقيقتها ومرتبتها كما هي عليه لأنه قد صعد منها إلى مسببها وواضعها # قوله ويسلك سبيل إسقاط ms1209 الحدث # يريد أنه في هذا الشهود وهذه الملاحظة المذكورة سالك سبيل الذين شهدوا ~~عين الأزل فنفى عنهم شهود الحدث وذلك بالفناء في حضرة الجمع فإنها هي التي ~~يفنى فيها من لم يكن ويبقى فيها من لم يزل # فإن أراد بإسقاط الحدث أنه يعتقد نفي حدوث شيء فهذا مكابرة للحس والشهود ~~وإن أراد إسقاط الحدث من قلبه فلا يشهد حادثا ومحدثا وهذا مراده فهذا خلاف ~~ما أمر الله ورسوله به وخلاف الحق فإن العبد مأمور أن يشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله ويشهد أن الجنة حق والنار حق والساعة حق والنبيين ~~حق ويشهد حدوث المحدثات بإحداث الرب تعالى لها بمشيئته وقدرته وبما خلقه من ~~الأسباب ولما خلقه من الحكم ولم يأمر العبد بل لم يرد منه أن لا يشهد حادثا ~~ولا حدوث شيء وهذا لا كمال فيه ولا معرفة فضلا عن أن يكون غاية العارف وأن ~~يكون توحيد الخاصة والقرآن من أوله إلى آخره صريح في خلافه فإنه أمر بشهود ~~الحادثات والكائنات والنظر فيها والاعتبار بها والاستدلال بها على وحدانية ~~الله سبحانه وعلى أسمائه وصفاته فأعرف الناس به وبأسمائه وصفاته أعظمهم ~~شهودا لها ونظرا فيها PageV03P505 واعتبارا بها فكيف يكون لب التوحيد وقلبه ~~وسره إسقاطها من الشهود # فإن قلت إنما يريد إسقاطها من التفات القلب إليها والوقوف معها # قلت هذا قد تقدم في أول الدرجة في قوله وهو إسقاط الأسباب الظاهرة وقد ~~عرفت ما فيه # وبالجملة فالاسقاط إما لعين الوجود أو لعين الشهود أو لعين القصود فالأول ~~محال والثاني نقص والثالث حق لكنه ليس مراد الشيخ فتأمله # وقوله وفنى من لم يكن وبقي من لم يزل إن أراد به فناء الوجود الخارجي ~~فهذا مكابرة وإن أراد به أنه فنى من الشهود فهذا نقص في الإيمان والتوحيد ~~كما تقرر وإن أراد به أن يفنى في القصد والإرادة والمحبة فهذا هو الحق وهو ~~الفناء عن إرادة السوى وقصده ومحبته # قوله هذا توحيد الخاصة الذي يصح بعلم الفناء ويصفو في علم ms1210 الجمع ويجذب ~~إلى توحيد أرباب الجمع يعني توحيد المتوسطين الذين ارتفعوا عن العامة ولم ~~يصلوا إلى منزلة خاصة الخاصة # قوله يصح بعلم الفناء ولم يقل بحقيقة الفناء لأن درجة العلم في هذا ~~السلوك قبل درجة الحال والمعرفة وهذه درجة متوسط لم يبلغ الغاية وحال ~~الفناء لصاحب الدرجة الثالثة # وكذلك قوله ويصفو في علم الجمع فإن علم الجمع قبل حال الجمع كما تقدم في ~~بابه # قوله ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع يريد أن هذا المقام يجذب أهله إلى ~~توحيد الفريق الثاني الذين هم فوقهم وهم أصحاب الجمع وقد تقدم ذكر الجمع ~~ولم يحصل به الشفاء # ونحن الآن ذاكرون حقيقته وأقسامه والصحيح منه والمعلول والله المستعان ~~PageV03P506 # الجمع في اللغة الضم والاجتماع الانضمام والتفريق ضده وأما في اصطلاح ~~القوم فهو شخوص البصيرة إلى من صدرت عنه المتفرقات كلها وهو ثلاثة أنواع ~~جمع وجود وهو جمع الزنادقة من أهل الاتحاد وجمع شهود وجمع قصود فإذا تحررت ~~هذه الأقسام تحرر الجمع الصحيح من الفاسد # وكذلك ينقسم الفرق إلى صحيح وفاسد أعني إلى مطلوب في السلوك وقاطع عن ~~السلوك فالفرق ثلاثة أنواع فرق طبيعي حيواني وفرق إسلامي وفرق إيماني هذه ~~ستة أقسام للجمع وللفرق # فتذكر أنواع الفرق أولا إذ بها تعرف أنواع الجمع # فأما الفرق الطبيعي الحيواني فهو التفريق بمجرد الطبع والميل فيفرق بين ~~ما يفعله ومالا يفعله بطبعه وهواه وهذا فرق الحيوانات وأشباهها من بني آدم ~~فالمعيار ميل طبعه ونفرة طبعه والمشركون والكفار وأهل الظلم والعدوان ~~واقفون مع هذا الفرق # وأما الفرق الإسلامي فهو الفرق بين ما شرعه الله وأمر به وأحبه ورضيه ~~وبين ما نهى عنه وكرهه ومقت فاعله وهذا الفرق من لم يكن من أهله لم يشم ~~رائحة الإسلام البتة وقد حكى الله سبحانه عن أهل الفرق الطبيعي أنهم أنكروا ~~هذا الفرق فشهدوا الجمع بين المأمور والمحظور إذ قالوا إنما البيع مثل ~~الربا لا فرق بينهما وقالوا الميتة مثل المذكاة لا فرق بينهما وقالوا ~~الحلال والحرام شيء واحد فهذا جمعهم وذاك فرقهم فهذا ms1211 فرق يتعلق بالأعمال # | فصل وأما الفرق الإيماني الذي يتعلق بمسائل القضاء والقدر فهو # التمييز الإيماني بين فعل الحق سبحانه وأفعال العباد فيؤمن بأن الله وحده ~~خالق كل شيء وليس في الكون إلا ما هو واقع بمشيئته وقدرته وخلقه ومع ذلك ~~يؤمن بأن العبد فاعل لأفعاله حقيقة وهي صادرة عن قدرته ومشيئته قائمة به ~~وهو PageV03P507 فاعل لها على الحقيقة فيشهد تفرد الرب سبحانه بالخلق ~~والتقدير ووقوع أفعال العباد منهم بقدرتهم ومشيئتهم والله الخالق لذلك كله # وهنا انقسم أصحاب هذا الفرق ثلاثة أقسام قسم غابوا بأفعالهم وحركاتهم عن ~~فعل الرب تعالى وقضائه مع إيمانهم به وقسم غابوا بفعل الرب وتفرده بالحكم ~~والمشيئة عن أفعالهم وحركاتهم وقسم أعطوا المراتب حقها فآمنوا بفعل الرب ~~وقدرته ومشيئته وتفرده بالحكم والقضاء وشهدوا وقوع الأفعال من فاعليها ~~واستحقاقهم عليها المدح والذم والثواب والعقاب # فالفريق الأول يغلب عليهم الفرق الطبيعي ولم يصعدوا إلى مشاهدة الحكم # والفريق الثاني يغلب عليهم حال الجمع وهو شهود قدر الرب تعالى ومشيئته ~~وتدبيره لخلقه فتجتمع قلوبهم على شهود أفعاله بعد أن كانت متفرقة في رؤية ~~أفعال الخلق وتغيب بفعله عن أفعالهم وربما غلب عليها شهود ذلك حتى أسقطت ~~عنهم المدح والذم بالكلية فكلاهما منحرف في شهوده # والفريق الثالث يشهد الحكم والتدبير العام لكل موجود ويشهد أفعال العباد ~~ووقوعها بإرادتهم ودواعيهم فيكون صاحب جمع وفرق فيجمع الأشياء في الحكم ~~الكوني القدري ويفرق بينها بالحكم الكوني أيضا كما فرق الله بينها بالحكم ~~الديني الشرعي فإن الله سبحانه فرق بينها خلقا وأمرا وقدرا وشرعا وكونا ~~ودينا # فالشهود الصحيح المطابق أن يشهدها كذلك فيكون صاحب جمع في فرق وفرق في ~~جمع جمع بينها في الخلق والتكوين وشمول المشيئة لها وفرق بينها بالأمر ~~والنهي والحب والبغض فشهدها وهي منقسمة إلى مأمور ومحظور ومحبوب ومكروه كما ~~فرق خالقها بينها ويشهد الفرق بينها أيضا قدرا فإنه كما فرق بينها أمره فرق ~~بينها قدره فقدر المحبوب محبوبا والمسخوط مسخوطا والخير على ما هو عليه ~~والشر على ما هو عليه فافترقت في ms1212 قدره كما PageV03P508 افترقت في شرعه ~~فجمعتها مشيئته وقدره وفرقت بينها مشيئته وقدرة فشاء سبحانه كلا منها أن ~~يكون على ما هو عليه ذاتا وقدرا وصفة وأن يكون محبوبا أو مسخوطا وأشهدها ~~أهل البصائر من خلقه كما هي عليه # فهؤلاء أصح الناس شهودا بخلاف من شهد المخلوق قديما والوجود المخلوق هو ~~عين وجود الخالق والمأمور والمحظور سواء والمقدور كله محبوبا مرضيا له أو ~~أن بعض الحادثات خارج عن مشيئته وخلقه وتكوينه أو أن أفعال عباده خارجة عن ~~إرادتهم ومشيئتهم وقدرتهم وليسوا هم الفاعلين لها فإن هذا الشهود كله عمي ~~وأصحابه قد جمعوا بين ما فرق الله بينه وفرقوا بين ما جمع الله بينه ولم ~~يهتدوا إلى الشهود الصحيح الذي يميز به صاحبه بين وجود الخالق ووجود ~~المخلوق وبين المأمور والمحظور وبين فعل الرب وفعل العبد وبين ما يحبه ~~ويبغضه # وصاحب هذا الشهود لا يغيب بأفعال العباد عن فعل الرب وقضائه وقدره ولا ~~يغيب بقضائه وقدره عن أمره ونهيه ومحبته لبعضها وكراهته لبعضها ولا يغيب ~~بوجود الخالق عن وجود المخلوق ولا برؤية الخلق عن ملاحظة الخالق بل يضع ~~الأمور مواضعها فيشهد القدر العام السابق الذي لا خروج لمخلوق عنه كما لا ~~خروج له عن أن يكون مربوبا فقيرا بذاته ويذم العباد ويمدحهم بما حركهم به ~~القدر من المعاصي والطاعات بخلاف صاحب الجمع بلا فرق فإنه ربما عذر أصحاب ~~الشرك والمعاصي لاستيلاء شهود الجمع على قلبه ويقول العارف لا ينكر منكرا ~~لاستبصاره بسر الله في القدر فشهوده من الخلق موافقتهم لما شاء الله منهم # فالشاهد المبصر المتمكن يشهد القيومية والقدر السابق الشامل المحيط ويشهد ~~اكتساب العباد وما جرى به عليهم القدر من الطاعات والمعاصي ويشهد حكمة الرب ~~تعالى وأمره ونهيه وحبه وكراهيته PageV03P509 # | فصل إذا عرفت هذه المقدمات فالجمع الصحيح الذي عليه أهل الاستقامة # هو جمع توحيد الربوبية وجمع توحيد الإلهية فيشهد صاحبه قيومية الرب تعالى ~~فوق عرشه يدبر أمر عباده وحده فلا خالق ولا رازق ولا معطي ولا مانع ولا ~~مميت ولا محيي ms1213 ولا مدبر لأمر المملكة ظاهرا وباطنا غيره فما شاء كان ومالم ~~يشأ لم يكن لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ولا يجري حادث إلا بمشيئته ولا تسقط ~~ورقة إلا بعلمه ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر ~~من ذلك ولا أكبر إلا أحصاها علمه وأحاطت بها قدرته ونفذت بها مشيئته ~~واقتضتها حكمته فهذا جمع توحيد الربوبية # وأما جمع توحيد الإلهية فهو أن يجمع قلبه وهمه وعزمه على الله وإرادته ~~وحركاته على أداء حقه تعالى والقيام بعبوديته سبحانه فتجتمع شئون إرادته ~~على مراده الديني الشرعي # وهذان جمعان هما حقيقة إياك نعبد وإياك نستعين فإن العبد يشهد من قوله ~~إياك الذات الجامعة لجميع صفات الكمال التي لها كل الأسماء الحسنى ثم يشهد ~~من قوله نعبد جميع أنواع العبادة ظاهرا وباطنا قصدا وقولا وعملا وحالا ~~واستقبالا ثم يشهد من قوله وإياك نستعين جميع أنواع الاستعانة والتوكل ~~والتفويض فيشهد منه جمع الربوبية ويشهد من إياك نعبد جمع الإلهية ويشهد من ~~إياك الذات الجامعة لكل الأسماء الحسنى والصفات العلى # ثم يشهد من اهدنا عشر مراتب إذا اجتمعت حصلت له الهداية # المرتبة الأولى هداية العلم والبيان فيجعله عالما بالحق مدركا له # الثانية أن يقدره عليه وإلا فهو غير قادر بنفسه # الثالثة أن يجعله مريدا له # الرابعة أن يجعله فاعلا له PageV03P510 # الخامسة أن يثبته على ذلك ويستمر به عليه # السادسة أن يصرف عنه الموانع والعوارض المضادة له # السابعة أن يهديه في الطريق نفسها هداية خاصة أخص من الأولى فإن الأولى ~~هداية إلى الطريق إجمالا وهذه هداية فيها وفي منازلها تفصيلا # الثامنة أن يشهده المقصود في الطريق وينبهه عليه فيكون مطالعا له في سيره ~~ملتفتا إليه غير محتجب بالوسيلة عنه # التاسعة أن يشهده فقره وضرورته إلى هذه الهداية فوق كل ضرورة # العاشرة أن يشهده الطريقين المنحرفين عن طريقها وهما طريق أهل العضب ~~الذين عدلوا عن اتباع الحق قصدا وعنادا وطريق أهل الضلال الذين عدلوا عنها ~~جهلا وضلالا ثم يشهد جمع الصراط المستقيم في طريق ms1214 واحد عليه جميع أنبياء ~~الله ورسله وأتباعهم من الصديقين والشهداء والصالحين # فهذا هو الجمع الذي عليه رسل الله وأتباعهم فمن حصل له هذا الجمع فقد ~~الصراط المستقيم والله أعلم # | فصل قال الشيخ وأما التوحيد الثالث فهو توحيد اختصه الحق لنفسه # واستحقه لقدره وألاح منه لائحا إلى أسرار طائفة من أهل صفوته وأخرسهم هدى ~~إلى عن نعته وأعجزهم عن بثه # فيقال إما أن يريد بهذا التوحيد توحيد العبد لربه وهو ما قام بالعبد من ~~التوحيد لا يريد به توحيد الرب لنفسه وهو ما قام به من صفاته وكماله فإذا ~~أراد به توحيد الرب لنفسه بنفسه وهو علمه وكلامه وخبره الذي يخبر به عن ~~نفسه وصفاته كقوله شهد الله أنه لا إله إلا هو وقوله إنني أنا الله لا إله ~~إلا أنا فاعبدني وقوله هو الله الذي لا إله إلا هو ونحو ذلك فذلك هو صفة ~~الرب القائمة به كما يقوم به سائر صفاته من حياته PageV03P511 وعلمه وقدرته ~~وإرادته وسمعه وبصره وذلك لا يفارق ذات الرب ولا ينتقل إلى غيره بل صفات ~~المخلوق لا تفارقه ولا تنتقل إلى غيره فكيف صفات الخالق جل وعلا ولكنه ~~سبحانه وتعالى يدل على ذلك بآياته القولية والفعلية فيعلم عباده ما قام به ~~من التوحيد لنفسه بما دلهم عليه من قوله وفعله فإذا شهد عبده له بما شهد به ~~لنفسه قيل هذه الشهادة هي شهادة الرب بمعنى أنها مطابقة لها موافقة لها لا ~~بمعنى أنها عينها وأن الشهادتين واحدة بالعين فما قام بقلب العبد إلا صفته ~~وكلامه وخبره وإرادته وهو غير ما قام بذات الرب من صفته وكلامه وخبره وإن ~~طابقه ووافقه وعلى هذا فقوله اختصه الحق لنفسه أي لا يوحده به غيره واستحقه ~~لقدره أي استحقه بقدر كنهه الذي لا يبلغه غيره # قوله وألاح منه لائحا إلى أسرار طائفة من صفوته أي أظهر منه شيئا يسيرا ~~أسره إلى طائفة قليلة من الخلق وهم أهل صفوته # ووله أخرسهم عن نعته يحتمل أن يريد به أنه لا يقبل ms1215 نعت المخلوقين كما لا ~~يقبل لسان الأخرس الكلام وعلى هذا فيكون نعته غير ممكن ويحتمل أن يريد به ~~أنه حال بينهم وبين نعته لعجز السامع عن فهمه فيكون نعته ممكنا لكن الحق ~~أسكتهم عنه غيرة عليه وصيانة له # قوله وأعجزهم عن بثه أي لم يقدرهم على الإخبار عنه # فيقال أفضل صفوة الرب تعالى الأنبياء وأفضلهم الرسل وأفضلهم أولو العزم ~~وأفضلهم الخليلان عليهما الصلاة والسلام وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ~~والذي ألاحه الله إلى أسرارهم من ذلك هو أكمل توحيد عرفه العباد ولا أكمل ~~منه وليس وراءه إلا الشطح والدعاوي والوساوس وهم PageV03P512 صلوات الله ~~وسلامه عليهم قد تكلموا بالتوحيد ونعتوه وبينوه وأوضحوه وقرروه بحيث صار في ~~حيز التجلي والظهور والبيان فعلته القلوب وحصلته الأفئدة ونطقت به الألسنة ~~وأوضحته الشواهد وقامت عليه البراهين ونادت عليه الدلائل ولا يمكن أحدا أن ~~ينقل عن نبي من الأنبياء ولا وارث نبي داع إلى ما دعا إليه أنه يعلم توحيدا ~~لا يمكنه النطق به وأن الله سبحانه أخرسه عن نطقه وأعجزه عن بثه بل كل ما ~~علمه القلب أمكن اللسان التعبير عنه وإن اختلفت العبارة ظهورا وخفاءا وبين ~~ذلك وقد لا يفهمه إلا بعض الناس فالناس لم تتفق أفهامهم لما جاءت به الرسل # وكيف يقال إن أعرف الخلق وأفصحهم وأنصحهم عاجز أن يبين ما عرفه الله من ~~توحيده وأنه عاجز عن بثه فما هذا التوحيد الذي عجزت الأنبياء والرسل عن بثه ~~ومنعوا من النطق به وعرفه غيرهم هذا كله إن أريد به كلهم التوحيد القائم ~~بذات الحق تعالى لنفسه # فأما إن أريد به التوحيد الذي هو صفة العبد وفعله فلم يطابق قوله اختصه ~~الرب لنفسه واستحقه لقدره ولا يطابق القوافي الثلاثة التي أجاب بها الشيخ ~~عنه وأن توحيده نفسه هو التوحيد لا غيره # وأيضا فصفة العبد وفعله لا يعجز عن بثها ولا يخرس عن النطق بها وكل ما ~~قام بالعبد فإنه يمكنه التعبير عنه وكشفه وبيانه # فإن قيل المراد بذلك أن الرب تعالى هو الموحد لنفسه في ms1216 قلوب صفوته لا ~~أنهم هم الموحدون له ولهذا قال الشيخ والذي يشار إليه على ألسن المشيرين ~~أنه إسقاط الحدث وإثبات القدم وعليه أنشد هذه القوافي الثلاثة وهي # ما وحد الواحد من واحد % إذ كل من وحده جاحد PageV03P513 # توحيد من ينطق عن نعته % عارية أبطلها الواحد # توحيده إياه توحيده % ونعت من ينعته لأحد # قوله ما وحد الواحد من واحد يعني ما وحد الله عز وجل أحد سواه وكل من وحد ~~الله فهو جاحد لحقيقه توحيده فإن توحيده يتضمن شهود ذات الواحد وانفراده ~~وتلك إثنينية ظاهرة بخلاف توحيده لنفسه فإنه يكون هو الموحد والموحد ~~والتوحيد صفته وكلامه القائم به فما ثم غير فلا إثنينية ولا تعدد # وأيضا فمن وحده من الخلق فلا بد أن يصفه بصفة وذلك يتضمن جحد حقه الذي هو ~~عدم انحصاره تحت الأوصاف فمن وصفه فقد جحد إطلاقه عن قيود الصفات # وقوله توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد # يعني توحيد الناطقين عنه عارية أبطلها الواحد يعني عارية مردودة كما ~~تسترد العواري إشارة إلى أن توحيدهم عارية لا ملك لهم بل الحق أعارهم إياه ~~كما يعير المعير متاعه لغيره ينتفع به ويكون ملكا للمعير لا للمستعير # وقوله أبطلها الواحد أي الواحد المطلق من كل الوجوه وحدته تبطل هذه ~~العارة وتردها إلى مالكها الحق فإن الوحدة المطلقة من جميع الوجوه تنافي ~~ملك الغير لشيء من الأشياء بل المالك لتلك العارية هو الواحد فقط فلذلك ~~أبطلت الوحدة هذه العارية # وقوله توحيده إياه توحيده أي توحيده الحقيقي هو توحيده لنفسه بنفسه من ~~غير أثر للسوى بوجه بل لا سوى هناك # وقوله ونعت من ينعته لأحد أي نعت الناعت له إلحاد وهو عدول عما يستحقه من ~~كمال التوحيد فإنه أسند إلى نزاهة الحق مالا يليق به إسناده فإن عين ~~الأولية تأبى نطق الحدث ومحض التوحيد يأبى أن يكون للسوي أثر ألبتة ~~PageV03P514 # فيقال وبالله التوفيق في هذا الكلام من الإجمال والحق والإلحاد مالا يخفى # فأما قوله إن الرب تعالى هو الموحد لنفسه في ms1217 قلوب صفوته لا أنهم هم ~~الموحدون له إن أريد به ظاهره وأن الموحد لله هو الله لا غيره وأن الله ~~سبحانه حل في صفوته حتى وحد نفسه فيكون هو الموحد لنفسه في قلوب أوليائه ~~لاتحاده بهم وحلوله فيهم فهذا قول النصارى بعينه بل هو شر منه لأنهم خصوه ~~بالمسيح وهؤلاء عموا به كل موحد بل عند الإتحادية الموحد والموحد واحد وما ~~ثم تعدد في الحقيقة # وإن أريد به هو الذي وفقهم لتوحيده وألهمهم إياه وجعلهم يوحدونه فهو ~~الموحد لنفسه بما عرفهم به من توحيده وبما ألقاه في قلوبهم وأجراه على ~~ألسنتهم فهذا المعنى صحيهم ولكن لا يصح نفي أفعالهم عنهم فلا يقال إن الله ~~هو الموحد لنفسه لا أن عبده يوحده هذا باطل شرعا وعقلا وحسا بل الحق أن ~~الله سبحانه وحد نفسه بتوحيد قام به ووحده عبيده بتوحيد قام بهم بإذنه ~~ومشيئته وتوفيقه فهو الموحد لنفسه بنفسه وهم الموحدون له بتوفيقه ومعونته ~~وإذنه فالذي قام بهم ليس هو الذي قام بالرب تعالى ولا وصفه بل العلم به ~~ومحبته PageV03P515 وتوحيده ويسمى ذلك الشاهد والمثل الأعلى فهي الشواهد ~~والأمثلة العلية التي قال الله تعالى فيها وله المثل الأعلى في السموات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم وقال تعالى للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ~~ولله المثل الأعلى وكثيرا ما يقول الرجل لغيره أنت في قلبي وفي فؤادي ~~والمراد هذا لا ذاته ونفسه # وقوله والذي يشار إليه على ألسنة المشيرين أنه إسقاط الحدث وإثبات القدم ~~فإن أريد إسقاطه من الوجود فمكابرة للعيان وإن أريد إسقاطه من الشهود فليس ~~ذلك بمأمور به ولا هو كمال فضلا عن أن يكون هو توحيد خاصة الخاصة فما هذا ~~الإسقاط للحدث الذي هو نهاية التوحيد وأعلى مقاماته وهل الكمال إلا أن يشهد ~~الأشياء على ما هي عليه كما هي في شهادة الحق سبحانه # فإسقاط الحدث كلام لا حاصل له إذ لا كمال فيه بل إنما ينفع إسقاط الحدث ~~عند درجة القصد والتأله فإسقاط الحدث كما تقدم ثلاث مراتب إسقاطه ms1218 عن الوجود ~~وهو مكابرة وإسقاطه عن الشهود وهو نقص وإسقاطه عن القصود وهو كمال ولهذا ~~قال الملحد إسقاط الحدث وإثبات القدم الصحيح ونظر الوارد على هذه الحضرة ~~لضعفه فإذا تمكن عرف أن الحدث لم يزل ساقطا فلا معنى لقوله إسقاط الحدث ولا ~~معنى لقوله إثبات القدم فإن القديم لم يزل ثابتا فهذا الكلام لا يرضى به ~~الموحد ولا الملحد ولا أشار إليه القرآن الذي تضمن أعلى مراتب التوحيد بل ~~القرآن من أوله إلى آخره يدل على خلافه # قال الملحد وأيضا فالتوحيد يستغرق القول في الطمس فإن كان هناك نطق فليس ~~هناك شهود كما قال في المواقف أنا أقرب إلى اللسان من نطقه إذا نطق فمن ~~شهدني لم يذكر ومن ذكرني لم يشهد PageV03P516 # قال فقوله من ذكرني لم يشهد هو نفس قول صاحب المنازل على أن هذا الرمز في ~~ذلك التوحيد علة لا يصح ذلك التوحيد إلا بإسقاطها # وحقيقة ذلك أنه لا يصح التوحيد إلا بإسقاط التوحيد لأن ذلك الرمز ~~والإشارة والخبر هو عن نفس التوحيد فهو توحيد نطقي خبري مطابق للتوحيد ~~المعلوم المخبر عنه فإذا لم يصح التوحيد إلا بإسقاط ذلك كانت حقيقة الأمر ~~أنه لا يصح التوحيد إلا بإسقاط التوحيد # ثم قال هذا قطب الإشارة إليه على ألسن علماء هذا الطريق وإن زخرفوا له ~~نعوتا وفصلوه فصولا يعني أن قولهم التوحيد هو إسقاط الحدث وإثبات القدم هو ~~قطب مدارات الإشارات إلى التوحيد عند هذه الطائفة ومع هذا فلا يصح التوحيد ~~إلا بإسقاط ما قالوه ولذلك قال فإن ذلك التوحيد تزيده العبارة خفاء والصفة ~~نفورا والبسط صعوبة # فإنه إذا لم يصح إلا بإسقاط الإشارة والصفة والبسط كانت العبارة عنه لا ~~تزيده إلا خفاء ولا الصفة إلا نفارا أي هروبا وذهابا والبسط والإيضاح لا ~~يزيده إلا صعوبة لكثرة الإشارات والعبارات # قوله وإلى هذا التوحيد شخص أهل الرياضة وأرباب الأحوال أي تطلعت قلوبهم ~~وإليه قصد أهل التعظيم وإياه عنى المتكلمون في عين الجمع وعليه تصطلم ~~الإشارات ثم لم ينطق عنه لسان ولم ms1219 تشر إليه عبارة # فيقال يالله العجب ما هذا السر الذي ما تكلم الله به ولا اشار إليه رسوله ~~ولا نالته إشارة ولا قامت به عبارة ولا اشار إليه مكون ولا تعاطاه حين ولا ~~أقله سبب فهذه العقول حاضرة وهذه المعارف وهذا كلام الله ورسوله بل سائر ~~كتب الله وكلام السادات العارفين من الأمة فما هذا الحق المحال به وعلى من ~~وقعت هذه الحوالة فإنكم أحلتم بما لا ينطق عنه لسان ولم PageV03P517 تشر ~~إليه عبارة ولا تعاطاه حين ولا أقله سبب فعلى من أحلتم بهذا الحق المجهول ~~الذي لا سبيل إلى العلم به ولا التعبير عنه ولا الإشارة إليه وأين قوله ما ~~وحد الواحد من واحد من قوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولو العلم قائما بالقسط فأخبر سبحانه أن الملائكة كلهم يوحدونه وأن أولي ~~العلم يوحدونه وكذلك إخباره عن أنبيائه ورسله وأتباعهم أنهم وحدوه ولم ~~يشركوا به شيئا كما أخبر عن نوح ومن آمن معه وعن جميع الرسل ومن تبعهم بل ~~أخبر سبحانه عن السموات السبع والأرض وما فيهن أنها تسبح بحمده توحيدا ~~ومعرفة # فهل يصح أن يقال ما وحده أحد من الرسل والأنبياء والمؤمنين ولا سبح بحمده ~~سماء ولا أرض ولا شيء وأبطل الباطل أن يقال كل من وحد الله من الأولين ~~والآخرين جاحد له ولتوحيده لا موحد له على الحقيقة وأن نعت جميع الرسل ~~والأنبياء وأتباعهم له إلحاد وكل من نعته من الأولين والآخرين فهو لاحد فلا ~~معنى صحيح ولا لفظ مليح بل المعنى أبطل من اللفظ واللفظ أقبح من المعنى # ثم يقال فهذا الذي ذكرته في هذه الدرجة هل هو توحيد ووصف للتوحيد أم ليس ~~بتوحيد فإن لم يكن توحيدا فهو باطل وإن كان توحيدا فقد وحدت الواحد # وأيضا فإذا كان توحيده لنفسه هو التوحيد وما عداه فليس بتوحيد فمعلوم أن ~~توحيده لنفسه هو الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه وأخبر به عن نفسه في ~~القرآن من أوله إلى آخره وهذا عندك ms1220 هو توحيد العامة فأين هذا التوحيد الذي ~~وحد به نفسه ولم ينطق به لسان ولم تعبر عنه عبارة ولم يقله سبب # فإن قلت هو التوحيد القائم به فذلك هو وصفه وكلامه وعلمه بنفسه وليس ذلك ~~من فعل العبد ولا صفته حتى يكون هو الدرجة الثالثة من توحيد PageV03P518 ~~العبد لربه كما أن سائر صفاته لا تدخل في درجات السلوك فإن تلك الدرجات هي ~~منازل العبودية # وأيضا فإن هذا الكلام الذي اشتملت عليه هذه الأبيات لا يستقيم على مذهب ~~الملحدين ولا على مذهب الموحدين # أما الموحدون فهو يقولون إن الرسل والأنبياء والملائكة والمؤمنين يوحدون ~~الله حق توحيده الذي يقدرون عليه وأما الملحدون فيقولون ما ثم غير في ~~الحقيقة فالله عندهم هو الوجود المطلق الساري في الموجودات فهو الموحد ~~والموحد وكل ما يقال فيه فهو عندهم حق وتوحيد كما قال عارف القوم ابن عربي # سر حيث شئت فإن الله ثم وقل % ما شئت فيه فإن الواسع الله # وقال أيضا # عقد الخلائق في الإله عقائدا % وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه # ومذهب القوم أن عباد الأوثان وعباد الصلبان وعباد النيران وعباد الكواكب ~~كلهم موحدون فإنه ما عبد غير الله في كل معبود عندهم ومن خر للأحجار في ~~البيد ومن عبد النار والصليب فهو موحد عابد لله والشرك عندهم إثبات وجود ~~قديم وحادث وخالق ومخلوق ورب وعبد ولهذا قال بعض عارفيهم وقد قيل له القرآن ~~كله يبطل قولكم فقال القرآن كله شرك والتوحيد هو ما نقوله # وإن كانت هذه القوافي الثلاثة أولا مذهب هؤلاء ونحلتهم ولهذا تلقاها ~~بالقبول عارفوهم وبالغوا في استحسانها وقالوا هي ترجمة مذهب أهل التحقيق ~~وكل من وحد الله فهو جاحد لاطلاقه فإنه يصفه فيحصره تحت الأوصاف وحصره ~~تحتها جحد لإطلاقه عن قيود الصفات والنعوت ولهذا كان توحيد PageV03P519 ~~الواصف الناعت له عارية استعارها حتى قام لها من ذلك وصف وموصوف وموحد ~~وموحد والوحدة المطلقة تبطل هذه العارية وترد المستعار إلى الموجود المطلق ~~الذي لا يتقيد بوصف ولا يتخصص بنعت # ثم كشف الغطاء عن ms1221 ذلك فقال توحيده إياه توحيده أي هو الموحد لنفسه بنفسه ~~لا أن غيره يوحده إذ ليس ثم غير # وزاد إيضاح ذلك بقوله ونعت من ينعته لاحد والإلحاد هو الميل عن الصواب ~~والنعت تقييد وتخصيص لمن لا يتقيد ولا يتخصص فهو إلحاد # وأحسن ما يحمل عليه كلامه أن الفناء في شهود الأزلية والحكم يمحو شهود ~~العبد لنفسه وصفاته فضلا عن شهود غيره فلا يشهد موجدا فاعلا على الحقيقة ~~إلا الله وحده وفي هذا الشهود تفنى الرسوم كلها فلا يبقى هذا الشهود ~~والفناء رسما ألبتة فيمحو هذا الشهود من القلب كل ما سوى الحق لا أنه يمحقه ~~من الوجود وحينئذ فيشهد أن التوحيد الحقيقي غير المستعار هو توحيد الرب ~~تعالى لنفسه وتوحيد غيره له عارية محضة أعاره إياها مالك الأمر كله ~~والعواري مردودة إلى من ترد إليه الأمور كلها ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ~~وضل عنهم ما كانوا يفترون فالواحد القهار سبحانه أبطل تلك العارية أن تكون ~~ملكا للمعار كما يبين المعير للمستعير إذا استرد العين المعارة وقد ظن ~~المستعير أن المعار ملكه أن الأمر ليس كذلك وأنه عارية محضة في يده والمعير ~~وإن أبطل ظن المستعير من العارية لم يبطل أصل العارية ولهذا صرح بإثباتها ~~في أول البيت وإنما ضاق به الوزن عن تمام المعنى وإيضاحه وهذا المعنى حق ~~وهو أولى بهذا الإمام العظيم القدر مما يظنه به طائفة الاتحادية والحلولية ~~وإن كانت كلماته المجملة شبهة لهم فسنته المفصلة مبطلة لظنهم # ولكلامه محمل آخر أيضا وهو أنه ما وحد الله حق توحيد الذي ينبغي له ~~PageV03P520 ويستحقه لذاته سواه كما قال أعظم الناس توحيدا لا أحصي ثناء ~~عليك أنت كما أثنيت على نفسك وفي مثل هذا يصح النفي العام كما يقال ما عرف ~~الله إلا الله ولا أنثى عليه سواه والكلمة الواحدة يقولها اثنان يريد بها ~~أحدهما أعظم الباطل ويريد بها الآخر محض الحق والاعتبار بطريقة القائل ~~وسيرته ومذهبه وما يدعو إليه ويناظر عليه # وقد كان شيخ الإسلام قدس الله روحه ms1222 راسخا في إثبات الصفات ونفي والتعطيل ~~ومعاداة أهله وله في ذلك كتب مثل كتاب ذم الكلام وغير ذلك مما يخالف طريقة ~~المعطلة والحلولية والاتحادية ثم صرح بهذا المعنى الذي ذكرناه بقوله توحيده ~~إياه توحيده أي توحيده لنفسه هو التوحيد الكامل التام الذي لا سبيل للعبارة ~~والإشارة إليه وفوق ما تعرفه العقول وتصفه الألسن وهذا حق لكن جفت عبارته ~~بعد قوله ونعت من ينعته لاحد ومحملها كما عرفت أن نعت الخلق له دون ما هو ~~عليه سبحانه وما هو عليه من الأوصاف والنعوت أجل وأعظم من أن يحيط به العلم ~~المخلوق أو تنطق به الألسنة والإلحاد الميل وهو لم يرد أن نعت الناعتين له ~~إلحاد وكفر فإنه هو قد نعته في هذا الكتاب وفي كتبه ولم يكن ملحدا بذلك ~~فنعت المخلوق له مائل عن نعته لنفسه # على أنه لو أراد الإلحاد الذي هو باطل وضلال لكان له وجه صحيح وهو أن نعت ~~المخلوقين له من عند أنفسهم إلحاد والتوحيد الحق هو ما نعت الله به نفسه ~~على ألسنة رسله فهم لم ينعتوه من تلقاء أنفسهم وإنما نعتوه بما أذن لهم في ~~نعته به وقد صرح سبحانه بهذا المعنى في قوله @QB@ سبحان الله عما @QE@ ~~PageV03P521 @QB@ يصفون إلا عباد الله المخلصين @QE@ فنزه نفسه عما يصفه به ~~العباد إلا المرسلين فإنهم لم يصفوه من عند أنفسهم وكذلك قوله تعالى @QB@ ~~سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ~~@QE@ # فنختم الكتاب بهذه الآية حامدين لله مثنين عليه بما وبما أثنى به على ~~نفسه # والحمد لله رب العالمين حمدا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى وكما ~~ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله غير مكفي ولا مكفور ولا مودع ولا مستغني عنه ~~ربنا # ونسأله أن يوزعنا شكر نعمته وأن يوفقنا لأداء حقه وأن يعيننا على ذكره ~~وشكره وحسن عبادته وأن يجعل ما قصدنا له في هذا الكتاب وفي غيره خالصا ~~لوجهه الكريم ونصيحة لعباده # فيا أيها القارئ له لك غنمه وعلى مؤلفه غرمه لك ms1223 ثمرته وعليه تبعته فما ~~وجدت فيه من صواب وحق فاقبله ولا تلتفت إلى قائله بل انظر إلى ما قال لا ~~إلى من قال وقد ذم الله تعالى من يرد الحق إذا جاء به من يبغضه ويقبله إذا ~~قاله من يحبه فهذا خلق الأمة الغضبية قال بعض الصحابة اقبل الحق فمن قاله ~~وإن كان بغيضا ورد الباطل على من قاله وإن كان حبيبا وما وجدت فيه من خطأ ~~فإن قائله لم يأل جهد الإصابة ويأبى الله إلا أن يتفرد بالكمال كما قيل # والنقص في أصل الطبيعة كامن % فبنو الطبيعة نقصهم لا يجحد # وكيف يعصم من الخطأ من خلق ظلوما جهولا ولكن من عدت غلطاته أقرب إلى ~~الصواب ممن عدت إصاباته # وعلى المتكلم في هذا الباب وغيره أن يكون مصدر كلامه عن العلم بالحق ~~PageV03P522 وغايته النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولإخوانه المسلمين وإن جعل ~~الحق تبعا للهوى فسد القلب والعمل والحال والطريق قال الله تعالى ولو اتبع ~~الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن وقال النبي لا يؤمن أحدكم حتى ~~يكون هواه تبعا لما جئت به فالعلم والعدل أصل كل خير والظلم والجهل أصل كل ~~شر والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وأمره أن يعدل بين الطوائف ولا ~~يتبع هوى أحد منهم فقال تعالى فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم ~~وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت أن لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير # والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على خاتم المرسلين محمد ~~وعلى آله أجمعين PageV03P523 ms1224